{"ً":{"ٌ":38058,"ٍ":"الموسوعة العقدية","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: الموسوعة العقدية\nإعداد: مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف\nالناشر: موقع الدرر السنية على الإنترنت  dorar.net\nعدد الأجزاء: ١١\nتم تحميله في/ ربيع الأول ١٤٣٣ هـ\n[الكتاب مرقم آليا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":208,"ٕ":1,"ٖ":1770154353,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الكتاب الأول: مقدمات في علم العقيدة والتوحيد","level":1,"page":3},{"title":"الباب الأول: مبادئ ومصادر وخصائص علم العقيدة والتوحيد مع نبذة تاريخية","level":2,"page":3},{"title":"الفصل الأول: مبادئ علم العقيدة والتوحيد","level":3,"page":3},{"title":"المبحث الأول: تعريف العقيدة والتوحيد والعلاقة بينهما","level":4,"page":3},{"title":"المطلب الأول: تعريف العقيدة لغة","level":5,"page":3},{"title":"المطلب الثاني: تعريف العقيدة في الاصطلاح العام","level":5,"page":4},{"title":"المطلب الثالث: تعريف العقيدة الإسلامية","level":5,"page":5},{"title":"المطلب الرابع: تعريف التوحيد لغة واصطلاحا","level":5,"page":6},{"title":"المطلب الخامس: العلاقة بين التوحيد والعقيدة","level":5,"page":7},{"title":"المبحث الثاني: أسماء علم العقيدة والتوحيد","level":4,"page":8},{"title":"المطلب الأول: أسماء علم العقيدة والتوحيد عند أهل السنة والجماعة","level":5,"page":8},{"title":"الفرع الأول: العقيدة","level":6,"page":9},{"title":"الفرع الثاني: التوحيد","level":6,"page":10},{"title":"الفرع الثالث: السنة","level":6,"page":11},{"title":"الفرع الرابع: أصول الدين","level":6,"page":12},{"title":"الفرع الخامس: الفقه الأكبر","level":6,"page":13},{"title":"الفرع السادس: الشريعة","level":6,"page":14},{"title":"الفرع السابع: الإيمان","level":6,"page":15},{"title":"المطلب الثاني: أسماء علم العقيدة والتوحيد عند غير أهل السنة والجماعة","level":5,"page":16},{"title":"الفرع الأول: علم الكلام","level":6,"page":16},{"title":"الفرع الثاني: الفلسفة","level":6,"page":17},{"title":"الفرع الثالث: التصوف","level":6,"page":18},{"title":"الفرع الرابع: الإلهيات","level":6,"page":19},{"title":"الفرع الخامس: ما وراء الطبيعة","level":6,"page":20},{"title":"المبحث الثالث: موضوعات علم العقيدة","level":4,"page":21},{"title":"المبحث الرابع: حكم تعلم علم التوحيد","level":4,"page":22},{"title":"المبحث الخامس: فضل علم التوحيد","level":4,"page":23},{"title":"المبحث السادس: واضع علم التوحيد","level":4,"page":27},{"title":"المبحث السابع: فوائد التوحيد","level":4,"page":29},{"title":"المبحث الثامن: الغاية المطلوبة من دراسته","level":4,"page":31},{"title":"المبحث التاسع: مسائل علم التوحيد","level":4,"page":32},{"title":"المبحث العاشر: وجوب التزام العقيدة الصحيحة","level":4,"page":33},{"title":"الفصل الثاني: تاريخ عقيدة التوحيد","level":3,"page":35},{"title":"المبحث الأول: تاريخ عقيدة التوحيد ومتى طرأ الانحراف عنها!!","level":4,"page":35},{"title":"المبحث الثاني: عقيدة التوحيد في دعوة الرسل عامة","level":4,"page":36},{"title":"المبحث الثالث: عقيدة التوحيد في دعوة نبينا محمد ﷺ","level":4,"page":37},{"title":"الفصل الثالث: تقسيم مسائل الدين إلى أصول وفروع","level":3,"page":39},{"title":"المبحث الأول: ما يعتبر من الأصول في الاعتقاد","level":4,"page":39},{"title":"المبحث الثاني: ضوابط التمييز بين الأصول والفروع","level":4,"page":40},{"title":"الفصل الرابع: خصائص العقيدة عند أهل السنة والجماعة","level":3,"page":42},{"title":"تمهيد","level":4,"page":42},{"title":"المبحث الأول: سلامة المصدر","level":4,"page":43},{"title":"المبحث الثاني: قيامها على التسليم لله ولرسوله","level":4,"page":44},{"title":"المبحث الثالث: اتصال سندها بالرسول ﷺ والصحابة والتابعين وأئمة الهدى قولا وعملا وعلما واعتقادا","level":4,"page":45},{"title":"المبحث الرابع: الوضوح والبيان","level":4,"page":46},{"title":"المبحث الخامس: سلامتها من الاضطراب والتناقض واللبس","level":4,"page":47},{"title":"المبحث السادس: أنها سبب الظهور والنصر والفلاح في الدارين","level":4,"page":48},{"title":"المبحث السابع: هي عقيدة الجماعة والاجتماع","level":4,"page":49},{"title":"المبحث الثامن: البقاء والثبات والاستقرار","level":4,"page":50},{"title":"المبحث التاسع: التوقيفية (الربانية)","level":4,"page":51},{"title":"المبحث العاشر: الغيبية","level":4,"page":52},{"title":"المبحث الحادي عشر: العقلانية","level":4,"page":53},{"title":"المبحث الثاني عشر: الفطرية","level":4,"page":54},{"title":"المبحث الثالث عشر: الشمولية","level":4,"page":56},{"title":"المبحث الرابع عشر: الوسطية","level":4,"page":57},{"title":"الفصل الخامس: مصادر العقيدة عند أهل السنة والجماعة","level":3,"page":60},{"title":"تمهيد","level":4,"page":60},{"title":"المبحث الأول: النقل الصحيح","level":4,"page":61},{"title":"المبحث الثاني: الإجماع","level":4,"page":63},{"title":"المبحث الثالث: العقل الصريح","level":4,"page":64},{"title":"المبحث الرابع: الفطرة السوية","level":4,"page":66},{"title":"الباب الثاني: منهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد","level":2,"page":68},{"title":"الفصل الأول: الأصول المقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة","level":3,"page":68},{"title":"الفصل الثاني: قواعد الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة","level":3,"page":69},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":69},{"title":"المبحث الأول: انضباط مصادر أدلة الاعتقاد والاعتماد على ما صح منها","level":4,"page":70},{"title":"المبحث الثاني: حجية فهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسنة","level":4,"page":71},{"title":"المبحث الثالث: الإيمان والتسليم والتعظيم لنصوص الوحيين","level":4,"page":73},{"title":"المبحث الرابع: جمع النصوص في الباب الواحد، وإعمالها بعد تصحيحها","level":4,"page":74},{"title":"المبحث الخامس: اشتمال الوحي على مسائل التوحيد بأدلتها","level":4,"page":77},{"title":"المبحث السادس: الإيمان بالنصوص على ظاهرها ورد التأويل","level":4,"page":78},{"title":"المبحث السابع: درء التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل","level":4,"page":82},{"title":"المبحث الثامن: السكوت عما سكت عنه الله ورسوله وأمسك عنه السلف","level":4,"page":84},{"title":"المبحث التاسع: موافقة النصوص لفظا ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ","level":4,"page":86},{"title":"المبحث العاشر: الإيمان بجميع نصوص الكتاب والسنة","level":4,"page":87},{"title":"المبحث الحادي عشر: لا نسخ في الأخبار ولا في أصول الدين","level":4,"page":88},{"title":"المبحث الثاني عشر: رد التنازع إلى الكتاب والسنة","level":4,"page":89},{"title":"المبحث الثالث عشر: ظواهر النصوص مفهومة لدى المخاطبين","level":4,"page":91},{"title":"المبحث الرابع عشر: الإيمان بالمتشابه والعمل بالمحكم","level":4,"page":93},{"title":"الفصل الثالث: لوازم منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة","level":3,"page":95},{"title":"المبحث الأول: موقف أهل السنة والجماعة من التأويل","level":4,"page":95},{"title":"المطلب الأول: ذكر إجماع الصحابة، والتابعين، وأهل السنة، وأصحاب الحديث، والفقهاء على نبذ التأويل","level":5,"page":95},{"title":"المطلب الثاني: أقوال بعض العلماء في التأويل","level":5,"page":97},{"title":"المبحث الثاني: موقف أهل السنة والجماعة من التعطيل","level":4,"page":100},{"title":"المبحث الثالث: موقف أهل السنة والجماعة من التكييف","level":4,"page":101},{"title":"المبحث الرابع: موقف أهل السنة والجماعة من التمثيل","level":4,"page":103},{"title":"المبحث الخامس: موقف أهل السنة والجماعة من التفويض","level":4,"page":107},{"title":"المطلب الأول: حقيقة مذهب أصحاب التفويض","level":5,"page":107},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة على بطلان مذهب التفويض","level":5,"page":108},{"title":"المبحث السادس: موقف أهل السنة والجماعة من المنطق الأرسطي","level":4,"page":109},{"title":"المطلب الأول: التعريف بالمنطق الأرسطي","level":5,"page":109},{"title":"المطلب الثاني: أسباب رفض المسلمين المنطق الأرسطي","level":5,"page":110},{"title":"تمهيد:","level":6,"page":110},{"title":"المسألة الأولى: الأسباب الشرعية لرفض المنطق الأرسطي","level":6,"page":111},{"title":"المسألة الثانية: الأسباب العقلية لرفض المنطق الأرسطي","level":6,"page":113},{"title":"المطلب الثالث: حكم الاشتغال بالمنطق الأرسطي","level":5,"page":114},{"title":"المبحث السابع: موقف أهل السنة والجماعة من الكشف والرؤى الصوفي","level":4,"page":115},{"title":"المطلب الأول: التعريف بالكشف والرؤى","level":5,"page":115},{"title":"المطلب الثاني: موقف أهل السنة والجماعة من ذلك","level":5,"page":116},{"title":"الفصل الرابع: قواعد في الرد على المخالفين ودحض شبهاتهم","level":3,"page":120},{"title":"القاعدة الأولى: إن كنت ناقلا فالصحة، أو مدعيا فالدليل","level":4,"page":120},{"title":"القاعدة الثانية: موافقة النصوص لفظا ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ:","level":4,"page":121},{"title":"القاعدة الثالثة: لا ينبغي بتر الدليل، والاستدلال بجزئه","level":4,"page":122},{"title":"القاعدة الرابعة: الحق يقبل من أي جهة جاء","level":4,"page":123},{"title":"القاعدة الخامسة: الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف رجاله","level":4,"page":124},{"title":"القاعدة السادسة: حكم كلام غير الشارع","level":4,"page":125},{"title":"القاعدة السابعة: السكوت عما سكت الله عنه ورسوله","level":4,"page":126},{"title":"القاعدة الثامنة: الامتناع عن مناظرة أهل السفسطة","level":4,"page":127},{"title":"القاعدة التاسعة: الباطل لا يرد بالباطل، بل بالحق","level":4,"page":128},{"title":"القاعدة العاشرة: عدم العلم بالدليل ليس علما بالعدم","level":4,"page":129},{"title":"القاعدة الحادية عشرة: في لازم المذهب","level":4,"page":130},{"title":"القاعدة الثانية عشرة: الاستدلال بالدليل المتفق عليه على المسألة المتنازع فيها","level":4,"page":131},{"title":"القاعدة الثالثة عشرة: الجمع بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات","level":4,"page":132},{"title":"القاعدة الرابعة عشرة: المعارضة الصحيحة هي التي يمكن طردها","level":4,"page":133},{"title":"القاعدة الخامسة عشرة: في مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم الخاص","level":4,"page":134},{"title":"القاعدة السادسة عشرة: التوقف عند الإيهام، والاستفصال عند الإجمال","level":4,"page":135},{"title":"القاعدة السابعة عشرة: طالب الحق يستفيد من رد أهل البدع، بعضهم على بعض","level":4,"page":136},{"title":"القاعدة الثامنة عشرة: القطعية والظنية من الأمور النسبية الإضافية","level":4,"page":137},{"title":"القاعدة التاسعة عشرة: الاصطلاحات الحادثة لا تغير من الحقائق شيئا","level":4,"page":138},{"title":"القاعدة العشرون: الحيدة عن الجواب ضرب من الانقطاع","level":4,"page":139},{"title":"الباب الثالث: خصائص منهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد ونتائج الالتزام به","level":2,"page":140},{"title":"الفصل الأول: خصائص منهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد","level":3,"page":140},{"title":"الفصل الثاني: نتائج الالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد","level":3,"page":143},{"title":"الفصل الثالث: حكم من خالف منهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد","level":3,"page":152},{"title":"الكتاب الثاني: الإيمان بالله: (توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات – الشرك وأقسامه)","level":1,"page":154},{"title":"تمهيد في الإيمان وجود الله تعالى وأقسام التوحيد:","level":2,"page":154},{"title":"الفصل الأول: فطرية المعرفة بوجود الله","level":3,"page":154},{"title":"الفصل الثاني: وصف الله تعالى بالوجود","level":3,"page":156},{"title":"الفصل الثالث: معرفة الله","level":3,"page":157},{"title":"الفصل الرابع: أقسام التوحيد","level":3,"page":161},{"title":"تمهيد","level":4,"page":161},{"title":"المبحث الأول: توحيد الربوبية","level":4,"page":162},{"title":"المبحث الثاني: توحيد الألوهية","level":4,"page":163},{"title":"المبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":164},{"title":"المبحث الرابع: مشروعية هذا التقسيم","level":4,"page":165},{"title":"المبحث الخامس: العلاقة بين هذه الأقسام للتوحيد","level":4,"page":168},{"title":"الباب الأول: توحيد الربوبية","level":2,"page":169},{"title":"الفصل الأول: تعريف توحيد الربوبية ومنزلته.","level":3,"page":169},{"title":"المبحث الأول: مدلول كلمة الرب من حيث الاشتقاق اللغوي:","level":4,"page":169},{"title":"المبحث الثاني: معنى كلمة الرب من حيث هي اسم لله تعالى","level":4,"page":170},{"title":"المبحث الثالث: تعريف توحيد الربوبية اصطلاحا","level":4,"page":171},{"title":"المبحث الرابع: منزلة توحيد الربوبية","level":4,"page":172},{"title":"الفصل الثاني: الإقرار بالربوبية","level":3,"page":173},{"title":"المبحث الأول: فطرية الإقرار بالربوبية","level":4,"page":173},{"title":"المبحث الثاني: عدم كفاية الإقرار بالربوبية للبراءة من الشرك","level":4,"page":175},{"title":"المبحث الثالث: الفرق بين مجرد الإقرار بالربوبية وبين توحيد الربوبية","level":4,"page":177},{"title":"المبحث الرابع: مقتضيات الإقرار لله تعالى بالربوبية","level":4,"page":178},{"title":"الفصل الثالث: مسلك القرآن في إثبات الربوبية","level":3,"page":179},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":179},{"title":"المبحث الأول: مسلك الإلزام والرد على من انحرفت فطرهم","level":4,"page":180},{"title":"المبحث الثاني: مسلك ذكر الآيات الدالة على الربوبية","level":4,"page":181},{"title":"الفصل الرابع: أنواع الأدلة الدالة على إثبات الربوبية","level":3,"page":183},{"title":"تمهيد","level":4,"page":183},{"title":"المبحث الأول: دلالة الفطرة","level":4,"page":184},{"title":"المبحث الثاني: دلالة الحس","level":4,"page":190},{"title":"المبحث الثالث: دلالة الآيات الكونية","level":4,"page":191},{"title":"المبحث الرابع: دلالة الشرع","level":4,"page":192},{"title":"المبحث الخامس: دلالة العقل","level":4,"page":195},{"title":"الفصل الخامس: الضلال في توحيد الربوبية","level":3,"page":196},{"title":"المبحث الأول: مضادة توحيد الربوبية","level":4,"page":196},{"title":"المبحث الثاني: إنكار الربوبية","level":4,"page":197},{"title":"الفصل السادس: حدود العذر بالجهل بتوحيد الربوبية","level":3,"page":198},{"title":"الفصل السابع: نقد منهج المتكلمين في إثبات الربوبية","level":3,"page":201},{"title":"المبحث الأول: بدعية طريقة المتكلمين في الاستدلال على وجود الخالق ﷿ وذم العلماء لها","level":4,"page":201},{"title":"المبحث الثاني: خطأ المتكلمين في إيجابهم النظر على المكلف ودعواهم أن المعرفة موقوفة عليه","level":4,"page":207},{"title":"المبحث الثالث: المتكلمون يعتنون بتقرير الربوبية، ويسكتون عن الألوهية","level":4,"page":213},{"title":"الباب الثاني: توحيد الألوهية","level":2,"page":214},{"title":"الفصل الأول: تعريف الإله واشتقاق اسم الله والفرق بين الرب والإله","level":3,"page":214},{"title":"المبحث الأول: المعنى اللغوي لكلمة (الإله)","level":4,"page":214},{"title":"المبحث الثاني: اشتقاق لفظ الجلالة (الله)","level":4,"page":215},{"title":"المبحث الثالث: الفرق بين الرب والإله في المعنى","level":4,"page":216},{"title":"الفصل الثاني: تعريف توحيد الألوهية ومنزلته والأدلة عليه وأنواعها","level":3,"page":217},{"title":"المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية","level":4,"page":217},{"title":"المبحث الثاني: منزلة توحيد الألوهية","level":4,"page":219},{"title":"المبحث الثالث: أنواع الأدلة الدالة على توحيد الألوهية","level":4,"page":225},{"title":"تمهيد:","level":5,"page":225},{"title":"المطلب الأول: إلزام المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية الذي ينكرونه","level":5,"page":226},{"title":"المطلب الثاني: بيان حال الآلهة التي تعبد دون الله في الدنيا والآخرة بصفة تقرر عدم استحقاقها للعبادة","level":5,"page":229},{"title":"المطلب الثالث: تذكير المشركين بما يكمن في نفوسهم من التوحيد وأنه لا حجة ولا برهان لهم في شركهم","level":5,"page":233},{"title":"المطلب الرابع: بيان أن الحكم لله وحده شرعا وجزاء:","level":5,"page":236},{"title":"المطلب الخامس: إجماع الكتب السماوية على استحقاق الله للعبادة وحده:","level":5,"page":238},{"title":"المطلب السادس: دلالة العقل والنقل على توحيد الألوهية","level":5,"page":239},{"title":"المطلب السابع: دلالة توحيد الربوبية على توحيد الألوهية","level":5,"page":241},{"title":"المبحث الرابع: عقد الإسلام، وبم يثبت؟","level":4,"page":242},{"title":"المبحث الخامس: تأثير عارض الجهل على توحيد الألوهية","level":4,"page":244},{"title":"المبحث السادس: تحديد دائرة ما يعذر به في توحيد الألوهية وما لا يعذر به","level":4,"page":247},{"title":"الفصل الثالث: الشهادتان","level":3,"page":249},{"title":"المبحث الأول: شهادة (لا إله إلا الله)","level":4,"page":249},{"title":"المطلب الأول: معنى شهادة لا إله إلا الله","level":5,"page":249},{"title":"المطلب الثاني: فضل شهادة لا إله إلا الله","level":5,"page":251},{"title":"المطلب الثالث: أقوال العلماء في المراد من الأحاديث الواردة في فضل كلمة التوحيد","level":5,"page":255},{"title":"المطلب الرابع: مراتب شهادة لا إله إلا الله","level":5,"page":259},{"title":"تمهيد:","level":6,"page":259},{"title":"مرتبة العلم","level":6,"page":260},{"title":"مرتبة التكلم والخبر","level":6,"page":261},{"title":"مرتبة الإعلام والإخبار","level":6,"page":262},{"title":"مرتبة الأمر والإلزام","level":6,"page":263},{"title":"المطلب الخامس: شروط لا إله إلا الله","level":5,"page":264},{"title":"المطلب السادس: نواقض لا إله إلا الله","level":5,"page":270},{"title":"المبحث الثاني: شهادة أن محمدا رسول الله","level":4,"page":272},{"title":"المطلب الأول: معنى شهادة أن محمدا رسول الله","level":5,"page":272},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الإيمان بالنبي ﷺ","level":5,"page":273},{"title":"المطلب الثالث: وجوب الإيمان بنبوته ورسالته ﷺ","level":5,"page":274},{"title":"المطلب الرابع: وجوب محبته ﷺ","level":5,"page":276},{"title":"المسألة الأولى: المعنى الصحيح لمحبة النبي ﷺ وانقسام الناس فيها","level":6,"page":276},{"title":"المسالة الثانية: التحذير من المحبة البدعية","level":6,"page":281},{"title":"المطلب الخامس: وجوب تعزيره، وتوقيره، وتعظيمه ﷺ","level":5,"page":283},{"title":"المسألة الأولى: معنى التعزير، والتوقير، والتعظيم.","level":6,"page":283},{"title":"المسألة الثانية: وجوب توقيره وتعظيمه ﷺ والأدلة على ذلك","level":6,"page":284},{"title":"المطلب السادس: نواقض الإيمان بالنبي ﷺ","level":5,"page":295},{"title":"الفصل الرابع: تعريف العبادة وبيان إطلاقها وأركانها وشروطها","level":3,"page":299},{"title":"المبحث الأول: تعريف العبادة","level":4,"page":299},{"title":"المبحث الثاني: إطلاقات العبادة","level":4,"page":301},{"title":"المبحث الثالث: أركان العبادة","level":4,"page":304},{"title":"المطلب الأول: الركن الأول كمال الخضوع والذل","level":5,"page":304},{"title":"المطلب الثاني: الركن الثاني كمال المحبة","level":5,"page":305},{"title":"المبحث الرابع: بيان مستحقها","level":4,"page":307},{"title":"الفصل الخامس: الولاء والبراء","level":3,"page":309},{"title":"المبحث الأول: تعريف الولاء والبراء","level":4,"page":309},{"title":"المبحث الثاني: أهمية الولاء والبراء","level":4,"page":312},{"title":"المبحث الثالث: عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء","level":4,"page":318},{"title":"المبحث الرابع: التشبه بالكفار","level":4,"page":323},{"title":"المبحث الخامس: العلاقة بين التشبه والولاء","level":4,"page":340},{"title":"المبحث السادس: الفرق بين الموالاة وبين المعاملة بالحسنى","level":4,"page":348},{"title":"المبحث السابع: أمور نهى عنها الشارع مخالفة للكفار","level":4,"page":353},{"title":"المبحث الثامن: شبهات وجوابها حول التشبه","level":4,"page":368},{"title":"الباب الثالث: توحيد الأسماء والصفات","level":2,"page":372},{"title":"الفصل الأول: توحيد الأسماء والصفات (تعريفه وعقيدة أهل السنة فيه ومنزلته والقواعد التي تتعلق به)","level":3,"page":372},{"title":"المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات وشرح مفرداته","level":4,"page":372},{"title":"المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات","level":5,"page":372},{"title":"المطلب الثاني: شرح مفردات التعريف","level":5,"page":373},{"title":"المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته إجمالا","level":4,"page":376},{"title":"المبحث الثالث: منزلة العلم بأسماء الله وصفاته من الدين","level":4,"page":379},{"title":"المطلب الأول: العلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفة الله ﷾","level":5,"page":379},{"title":"المطلب الثاني: تزكية النفوس وإقامتها على منهج الله","level":5,"page":380},{"title":"المطلب الثالث: العلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم","level":5,"page":381},{"title":"المطلب الرابع: العلم بأسماء الله وصفاته أصل للعلم بكل ما سواه","level":5,"page":382},{"title":"المطلب الخامس: العلم بأسماء الله وصفاته من أسباب زيادة الإيمان","level":5,"page":383},{"title":"المطلب السادس: عظم ثواب من أحصى أسماء الله ﷾","level":5,"page":384},{"title":"تمهيد:","level":6,"page":384},{"title":"المسألة الأولى: هل المراد بالحديث حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد؟","level":6,"page":385},{"title":"المسألة الثانية: معنى إحصاء أسماء الله","level":6,"page":387},{"title":"المسألة الثالثة: ضعف الطرق التي فيها سرد الأسماء","level":6,"page":389},{"title":"المطلب السابع: تعظيم الله وتمجيده ودعاؤه بأسمائه وصفاته","level":5,"page":391},{"title":"المطلب الثامن: العلم بأسماء الله وصفاته دليل على كماله ﷾ في تشريعه للأحكام","level":5,"page":392},{"title":"المطلب التاسع: التعبد بمقتضى أسماء الله","level":5,"page":393},{"title":"المبحث الرابع: قواعد دلالات الأسماء والصفات ومعانيها","level":4,"page":394},{"title":"المطلب الأول: معنى الاسم والصفة والفرق بينهما","level":5,"page":394},{"title":"المطلب الثاني: اشتقاق أسماء الله وصفاته ودلالتها على الوصفية","level":5,"page":395},{"title":"المطلب الثالث: التفاضل بين الأسماء والصفات","level":5,"page":396},{"title":"المطلب الرابع: اقتضاء الصفات والأسماء لآثارهما","level":5,"page":397},{"title":"المطلب الخامس: اعتبارات إطلاق الأسماء","level":5,"page":398},{"title":"المبحث الخامس: أنواع المضاف إلى الله","level":4,"page":399},{"title":"المبحث السادس: اتصافه تعالى بالأفعال في الأزل","level":4,"page":400},{"title":"المبحث السابع: قواعد أحكام الأسماء والصفات","level":4,"page":401},{"title":"المطلب الأول: وجوب الإيمان والتسليم بما جاء في الكتاب والسنة في باب الأسماء والصفات","level":5,"page":401},{"title":"المطلب الثاني: حكم الوصف والتسمية والخبر","level":5,"page":402},{"title":"المسألة الأولى: حكم اشتقاق المصدر والفعل والإخبار بهما عن الله","level":6,"page":402},{"title":"المسألة الثانية: بيان عدم التلازم بين الإخبار بالفعل مقيدا والتسمية به","level":6,"page":403},{"title":"المسألة الثالثة: بيان ما يوصف به الله تعالى من فعل لا يشتق منه اسم","level":6,"page":404},{"title":"المطلب الثالث: حكم الألفاظ المجملة نفيا وإثباتا","level":5,"page":405},{"title":"المطلب الرابع: أحكام التسلسل نفيا وإثباتا","level":5,"page":406},{"title":"المبحث الثامن: قواعد في أدلة الأسماء والصفات","level":4,"page":407},{"title":"المطلب الأول: القاعدة الأولى الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته","level":5,"page":407},{"title":"المطلب الثاني: القاعدة الثانية إجراء نصوص القرآن والسنة على ظاهرها دون تحريف لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها.","level":5,"page":412},{"title":"المطلب الثالث: القاعدة الثالثة ظاهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر.","level":5,"page":415},{"title":"المطلب الرابع: القاعدة الرابعة ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام.","level":5,"page":416},{"title":"المطلب الخامس: عدم التفريق بين الأدلة الشرعية من حيث الأخذ بها انظر «الصفات الإلهية» للشيخ محمد أمان الجامي (ص: ٦٤).","level":5,"page":422},{"title":"المطلب السادس: الاستدلال بقياس الأولى دون غيره من أنواع القياس","level":5,"page":425},{"title":"المبحث التاسع: قواعد الاستدلال في باب الأسماء والصفات","level":4,"page":427},{"title":"المطلب الأول: حكم استعمال الأقيسة في حق الرب ﷾","level":5,"page":427},{"title":"المطلب الثاني: حكم تعميم دلالة النص على الاسم والصفة والذات","level":5,"page":429},{"title":"المطلب الثالث: حكم الاستدلال بالتشبيه نفيا وإثباتا","level":5,"page":430},{"title":"المطلب الرابع: حكم التجسيم نفيا وإثباتا","level":5,"page":434},{"title":"المبحث العاشر: تأثير عارض الجهل على توحيد الأسماء والصفات وحكم الجهل ببعضها","level":4,"page":435},{"title":"المطلب الأول: تأثير عارض الجهل على توحيد الأسماء والصفات","level":5,"page":435},{"title":"المطلب الثاني: حكم الجهل ببعض أسماء الله وصفاته وأدلته","level":5,"page":437},{"title":"الفصل الثاني: المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى","level":3,"page":440},{"title":"المبحث الأول: مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء الحسنى","level":4,"page":440},{"title":"المبحث الثاني: مسألة الاسم عين المسمى أو غيره","level":4,"page":442},{"title":"المبحث الثالث: قواعد في أسماء الله تعالى","level":4,"page":446},{"title":"القاعدة الأولى:","level":5,"page":446},{"title":"القاعدة الثانية:","level":5,"page":447},{"title":"القاعدة الثالثة:","level":5,"page":448},{"title":"القاعدة الرابعة:","level":5,"page":449},{"title":"القاعدة الخامسة:","level":5,"page":450},{"title":"القاعدة السادسة:","level":5,"page":451},{"title":"القاعدة السابعة:","level":5,"page":452},{"title":"المبحث الرابع: شرح أسماء الله الحسنى","level":4,"page":453},{"title":"- الله","level":5,"page":453},{"title":"- الإله","level":5,"page":454},{"title":"- الأكبر","level":5,"page":455},{"title":"- الأول، والآخر، والظاهر، والباطن","level":5,"page":456},{"title":"- البر، الوهاب","level":5,"page":457},{"title":"- البصير","level":5,"page":458},{"title":"- التواب","level":5,"page":459},{"title":"- الحسيب","level":5,"page":460},{"title":"- الحفيظ","level":5,"page":461},{"title":"- الحق","level":5,"page":462},{"title":"- الحكم","level":5,"page":463},{"title":"- الحليم","level":5,"page":464},{"title":"- الحميد","level":5,"page":465},{"title":"- الحي، القيوم","level":5,"page":466},{"title":"- الجبار","level":5,"page":467},{"title":"- الجميل","level":5,"page":468},{"title":"- الحيي، الستير","level":5,"page":469},{"title":"- الخالق، الخلاق، البارئ، المصور","level":5,"page":470},{"title":"- الرب","level":5,"page":471},{"title":"- الرحمن، الرحيم، الكريم، الأكرم","level":5,"page":472},{"title":"- الرؤوف","level":5,"page":473},{"title":"- الرزاق، الرازق","level":5,"page":474},{"title":"- الرفيق","level":5,"page":475},{"title":"- الرقيب","level":5,"page":476},{"title":"- السبوح","level":5,"page":477},{"title":"- السميع","level":5,"page":478},{"title":"- السيد، الصمد","level":5,"page":479},{"title":"- الشافي","level":5,"page":480},{"title":"- الشاكر، الشكور","level":5,"page":481},{"title":"- الشهيد","level":5,"page":482},{"title":"- الطيب","level":5,"page":483},{"title":"- العزيز","level":5,"page":484},{"title":"- القدير، القادر، المقتدر","level":5,"page":485},{"title":"- القوي","level":5,"page":486},{"title":"- المتين","level":5,"page":487},{"title":"- العظيم","level":5,"page":488},{"title":"- العفو، الغفور، الغفار","level":5,"page":489},{"title":"- العلي، الأعلى، المتعال","level":5,"page":490},{"title":"- العليم","level":5,"page":491},{"title":"- الخبير","level":5,"page":492},{"title":"- الغني","level":5,"page":493},{"title":"- الفتاح","level":5,"page":494},{"title":"- القابض، الباسط، المعطي","level":5,"page":495},{"title":"- القاهر، القهار","level":5,"page":496},{"title":"- القدوس، السلام","level":5,"page":497},{"title":"- القريب","level":5,"page":498},{"title":"- الكبير","level":5,"page":499},{"title":"- اللطيف","level":5,"page":500},{"title":"- المبين","level":5,"page":501},{"title":"- المتكبر","level":5,"page":502},{"title":"- المجيب","level":5,"page":503},{"title":"- المجيد","level":5,"page":504},{"title":"- المحسن","level":5,"page":505},{"title":"- المحيط","level":5,"page":506},{"title":"- المقدم، والمؤخر","level":5,"page":507},{"title":"- المقيت","level":5,"page":508},{"title":"- الملك، المليك، مالك الملك","level":5,"page":509},{"title":"- المنان","level":5,"page":510},{"title":"- المهيمن","level":5,"page":512},{"title":"- المؤمن","level":5,"page":513},{"title":"- النصير","level":5,"page":515},{"title":"- الهادي","level":5,"page":516},{"title":"- الواحد، الأحد","level":5,"page":517},{"title":"- الواسع","level":5,"page":518},{"title":"- الوتر","level":5,"page":519},{"title":"- الودود","level":5,"page":520},{"title":"- الوكيل، الكفيل","level":5,"page":521},{"title":"- الولي، المولى","level":5,"page":522},{"title":"المبحث الخامس: تفاضل أسماء الله ودلالة ذلك","level":4,"page":523},{"title":"المطلب الأول: أدلة تفاضل أسماء الله","level":5,"page":523},{"title":"المطلب الثاني: وجوه تفاضل أسماء الله","level":5,"page":524},{"title":"المطلب الثالث: دلالة تفاضل أسماء الله تعالى","level":5,"page":525},{"title":"الفصل الثالث: المسائل المتعلقة بالصفات","level":3,"page":526},{"title":"المبحث الأول: قواعد في صفات الله تعالى","level":4,"page":526},{"title":"القاعدة الأولى:","level":5,"page":526},{"title":"القاعدة الثانية:","level":5,"page":528},{"title":"القاعدة الثالثة:","level":5,"page":529},{"title":"القاعدة الرابعة:","level":5,"page":530},{"title":"القاعدة الخامسة:","level":5,"page":531},{"title":"القاعدة السادسة:","level":5,"page":532},{"title":"القاعدة السابعة:","level":5,"page":533},{"title":"القاعدة الثامنة","level":5,"page":534},{"title":"القاعدة التاسعة:","level":5,"page":535},{"title":"القاعدة العاشرة:","level":5,"page":536},{"title":"القاعدة الحادية عشرة:","level":5,"page":537},{"title":"القاعدة الثانية عشرة:","level":5,"page":538},{"title":"القاعدة الثالثة عشرة:","level":5,"page":539},{"title":"القاعدة الخامسة عشرة:","level":5,"page":540},{"title":"القاعدة السادسة عشرة:","level":5,"page":541},{"title":"القاعدة السابعة عشرة:","level":5,"page":542},{"title":"المبحث الثاني: أنواع الصفات","level":4,"page":543},{"title":"المطلب الأول: الصفات الثبوتية وضابطها","level":5,"page":544},{"title":"المطلب الثاني: الصفات المنفية وضابطها","level":5,"page":545},{"title":"المبحث الثالث: صفات الله الواردة في الكتاب والسنة","level":4,"page":546},{"title":"تمهيد","level":5,"page":546},{"title":"- الأولية","level":5,"page":547},{"title":"- الإتيان والمجيء","level":5,"page":548},{"title":"- الإجابة","level":5,"page":549},{"title":"- الأحد","level":5,"page":550},{"title":"- الإحسان","level":5,"page":551},{"title":"- الأخذ باليد","level":5,"page":552},{"title":"- الأذن (بمعنى الاستماع)","level":5,"page":553},{"title":"- الإرادة والمشيئة","level":5,"page":554},{"title":"- استطابة الروائح","level":5,"page":555},{"title":"- الاستهزاء بالكافرين","level":5,"page":556},{"title":"- الاستواء على العرش انظر: «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي (٣/ ٣٨٧)، و«رسالة في الاستواء والفوقية» لأبي محمد الجويني، و«دقائق التفسير» لابن تيمية (٥/ ٢٣٧ - ٢٤٤)، (٦/ ٤٣٦ - ٤٣٩).","level":5,"page":557},{"title":"- الأسف (بمعنى الغضب)","level":5,"page":558},{"title":"- الأصابع","level":5,"page":559},{"title":"- الإلهية والألوهية","level":5,"page":560},{"title":"- الأمر","level":5,"page":561},{"title":"- الإمساك","level":5,"page":562},{"title":"- الأنامل","level":5,"page":563},{"title":"- الأنتقام من المجرمين","level":5,"page":564},{"title":"- الإيجاب والتحليل والتحريم","level":5,"page":565},{"title":"- البارئ","level":5,"page":566},{"title":"- الباطن (الباطنية)","level":5,"page":567},{"title":"- بديع السموات والأرض","level":5,"page":568},{"title":"- البر","level":5,"page":569},{"title":"- البركة والتبارك","level":5,"page":570},{"title":"- البسط والقبض","level":5,"page":571},{"title":"- البشبشة أو البشاشة","level":5,"page":572},{"title":"- البصر","level":5,"page":573},{"title":"- البطش","level":5,"page":574},{"title":"- البغض","level":5,"page":575},{"title":"- البقاء","level":5,"page":576},{"title":"- التجلي","level":5,"page":577},{"title":"- التدلي (إلى السماء الدنيا)","level":5,"page":579},{"title":"- التردد في قبض نفس المؤمن","level":5,"page":580},{"title":"- الترك","level":5,"page":581},{"title":"- التشريع","level":5,"page":582},{"title":"- التعجب","level":5,"page":583},{"title":"- التقديم والتأخير","level":5,"page":584},{"title":"- التقرب والقرب والدنو","level":5,"page":585},{"title":"- التوب","level":5,"page":586},{"title":"- الجبروت","level":5,"page":587},{"title":"- الجلال","level":5,"page":588},{"title":"- الجمال","level":5,"page":589},{"title":"- الجنب","level":5,"page":590},{"title":"- الجهة","level":5,"page":591},{"title":"- الحاكم والحكم","level":5,"page":592},{"title":"- الحب والمحبة","level":5,"page":593},{"title":"- الحثو","level":5,"page":594},{"title":"- الحجزة والحقو","level":5,"page":595},{"title":"- الحركة","level":5,"page":596},{"title":"- الحسيب","level":5,"page":598},{"title":"- الحفظ","level":5,"page":599},{"title":"- الحفي","level":5,"page":600},{"title":"- الحق","level":5,"page":601},{"title":"- الحكمة","level":5,"page":602},{"title":"- الحلم","level":5,"page":603},{"title":"- الحميد","level":5,"page":604},{"title":"- الحنان (بمعنى الرحمة)","level":5,"page":605},{"title":"- الحياء والاستحياء","level":5,"page":608},{"title":"- الحياة","level":5,"page":609},{"title":"- الخبير","level":5,"page":610},{"title":"- الخداع لمن خادعه","level":5,"page":611},{"title":"- الخلق","level":5,"page":612},{"title":"- الخلة","level":5,"page":613},{"title":"- الدلالة أو الدليل","level":5,"page":614},{"title":"- الديان","level":5,"page":615},{"title":"- الذات","level":5,"page":616},{"title":"- الرأفة","level":5,"page":617},{"title":"- الرؤي","level":5,"page":618},{"title":"- رؤيته ﷾","level":5,"page":619},{"title":"- الربوبية","level":5,"page":620},{"title":"- الرجل والقدمان","level":5,"page":621},{"title":"- الرحمة","level":5,"page":622},{"title":"- الرزق","level":5,"page":623},{"title":"- الرشد","level":5,"page":624},{"title":"- الرضى","level":5,"page":625},{"title":"- الرفق","level":5,"page":626},{"title":"- الرقيب","level":5,"page":627},{"title":"- الروح","level":5,"page":628},{"title":"- الروح","level":5,"page":629},{"title":"- الزارع","level":5,"page":631},{"title":"- الساق","level":5,"page":632},{"title":"- السبوح","level":5,"page":633},{"title":"- الستر","level":5,"page":634},{"title":"- السخرية بالكافرين","level":5,"page":635},{"title":"- السخط أو السخط","level":5,"page":636},{"title":"- السرعة","level":5,"page":637},{"title":"- السكوت","level":5,"page":638},{"title":"- السلام","level":5,"page":639},{"title":"- السلطان","level":5,"page":640},{"title":"- السمع","level":5,"page":641},{"title":"- السيد","level":5,"page":642},{"title":"- الشافي","level":5,"page":643},{"title":"- الشخص","level":5,"page":644},{"title":"- الشدة (بمعنى القوة)","level":5,"page":645},{"title":"- الشكر","level":5,"page":646},{"title":"- الشهيد","level":5,"page":647},{"title":"- شيء","level":5,"page":648},{"title":"- الصبر","level":5,"page":649},{"title":"- الصدق","level":5,"page":650},{"title":"- الصفة","level":5,"page":651},{"title":"- الصمد","level":5,"page":652},{"title":"- الصنع","level":5,"page":653},{"title":"- الصورة","level":5,"page":654},{"title":"- الضحك","level":5,"page":655},{"title":"- الطبيب","level":5,"page":656},{"title":"- الطيب","level":5,"page":657},{"title":"- الظاهرية","level":5,"page":658},{"title":"- الظل","level":5,"page":659},{"title":"- العتاب أو العتب","level":5,"page":661},{"title":"- العجب","level":5,"page":662},{"title":"- العدل","level":5,"page":663},{"title":"- العز والعزة","level":5,"page":664},{"title":"- العزم","level":5,"page":665},{"title":"- العطاء والمنع","level":5,"page":666},{"title":"- العظمة","level":5,"page":667},{"title":"- العفو والمعافاة","level":5,"page":668},{"title":"- العلم","level":5,"page":669},{"title":"- العلو والفوقية","level":5,"page":670},{"title":"- العمل والفعل","level":5,"page":671},{"title":"- العين","level":5,"page":672},{"title":"- الغضب","level":5,"page":673},{"title":"- الغلبة","level":5,"page":674},{"title":"- الغنى","level":5,"page":675},{"title":"- الغيرة","level":5,"page":676},{"title":"- الفتح","level":5,"page":677},{"title":"- الفرح","level":5,"page":678},{"title":"- الفطر","level":5,"page":679},{"title":"- القبض والطي","level":5,"page":680},{"title":"- القدرة","level":5,"page":681},{"title":"- القدم","level":5,"page":682},{"title":"- االقدوس","level":5,"page":683},{"title":"- القرآن","level":5,"page":684},{"title":"- القهر","level":5,"page":685},{"title":"- القول","level":5,"page":686},{"title":"- القوة","level":5,"page":687},{"title":"- القيوم","level":5,"page":688},{"title":"- الكافي","level":5,"page":689},{"title":"- الكبر والكبرياء","level":5,"page":690},{"title":"- الكبير","level":5,"page":691},{"title":"- الكتابة والخط","level":5,"page":692},{"title":"- الكرم","level":5,"page":693},{"title":"- الكره","level":5,"page":694},{"title":"- الكف","level":5,"page":695},{"title":"- الكفيل","level":5,"page":696},{"title":"- الكلام والقول والحديث والنداء والصوت","level":5,"page":697},{"title":"- الكنف","level":5,"page":699},{"title":"- الكيد لأعدائه","level":5,"page":700},{"title":"- اللطف","level":5,"page":701},{"title":"- اللعن","level":5,"page":702},{"title":"- المؤمن","level":5,"page":703},{"title":"- المبين:","level":5,"page":704},{"title":"- المتانة","level":5,"page":705},{"title":"- المجد","level":5,"page":706},{"title":"- المحيط","level":5,"page":707},{"title":"- المحيي والمميت","level":5,"page":708},{"title":"- المستعان","level":5,"page":709},{"title":"- المسح","level":5,"page":710},{"title":"- المصور","level":5,"page":711},{"title":"- المعية","level":5,"page":712},{"title":"- المغفرة والغفران","level":5,"page":713},{"title":"- المقت","level":5,"page":714},{"title":"- المقيت","level":5,"page":715},{"title":"- المكر على من يمكر به","level":5,"page":716},{"title":"- الملك والملكوت","level":5,"page":717},{"title":"- الملل","level":5,"page":718},{"title":"- المماحلة والمحال","level":5,"page":719},{"title":"- المن والمنة","level":5,"page":720},{"title":"- الموجود","level":5,"page":721},{"title":"- الناصر والنصير","level":5,"page":722},{"title":"- النزول والهبوط والتدلي (إلى السماء الدنيا)","level":5,"page":723},{"title":"- النسيان (بمعنى الترك)","level":5,"page":725},{"title":"- النظر","level":5,"page":726},{"title":"- النعت","level":5,"page":727},{"title":"- النفس (بسكون الفاء)","level":5,"page":729},{"title":"- النفس (بالتحريك)","level":5,"page":730},{"title":"- النور، ونور السماوات والأرض","level":5,"page":731},{"title":"- الهادي","level":5,"page":732},{"title":"- الهبوط (إلى السماء الدنيا)","level":5,"page":733},{"title":"- الهرولة","level":5,"page":734},{"title":"- الهيمنة","level":5,"page":735},{"title":"- الواحد والوحدانية","level":5,"page":736},{"title":"- الوارث","level":5,"page":737},{"title":"- الواسع والموسع","level":5,"page":738},{"title":"- الوتر","level":5,"page":739},{"title":"- الوجه","level":5,"page":740},{"title":"- الودود","level":5,"page":741},{"title":"- الوصل والقطع","level":5,"page":742},{"title":"- الوكيل","level":5,"page":743},{"title":"- الولي والمولى (الولاية والموالاة)","level":5,"page":744},{"title":"- الوهاب","level":5,"page":745},{"title":"- اليدان","level":5,"page":746},{"title":"- اليمين والشمال واليسار","level":5,"page":747},{"title":"- الآخرية","level":5,"page":751},{"title":"المبحث الرابع: معاني التنزيه التي جاءت بها النصوص","level":4,"page":752},{"title":"تمهيد:","level":5,"page":752},{"title":"المطلب الأول: نفي النقائص عن الله ﷿","level":5,"page":753},{"title":"المطلب الثاني: إثبات أنه ليس كمثل الله ﷿ شيء في صفاته الثابتة له","level":5,"page":754},{"title":"المبحث الخامس: الكلمات المجملة، وطريقة أهل السنة والجماعة في التعامل معها","level":4,"page":755},{"title":"تمهيد:","level":5,"page":755},{"title":"المطلب الأول: كلمة (الجهة)","level":5,"page":756},{"title":"المطلب الثاني: كلمة (الحد)","level":5,"page":757},{"title":"المطلب الثالث: كلمة (الأعراض)","level":5,"page":758},{"title":"المطلب الرابع: كلمة (الأبعاض)","level":5,"page":759},{"title":"المطلب الخامس: كلمة (الأغراض)","level":5,"page":760},{"title":"المطلب السادس: حلول الحوادث بالله تعالى","level":5,"page":761},{"title":"المطلب السابع: كلمة (التسلسل)","level":5,"page":762},{"title":"المبحث السادس: خصائص إيمان الصحابة في الصفات الإلهية","level":4,"page":764},{"title":"المبحث السابع: الرد على الأفكار الخاطئة حول عقيدة الصحابة والتابعين في الصفات","level":4,"page":776},{"title":"تمهيد:","level":5,"page":776},{"title":"المطلب الأول: شبه القائلين بأن الصحابة والتابعين كانوا يؤولون الصفات والرد عليها","level":5,"page":777},{"title":"المطلب الثاني: شبهة القائلين بأن الصحابة والتابعين كانوا يفوضون معاني الصفات والرد عليها","level":5,"page":781},{"title":"المطلب الثالث: إبطال شبهة القائلين بأن الصحابة والتابعين قد شغلهم الجهاد عن فهم آيات الصفات ومسائل العقيدة","level":5,"page":784},{"title":"المطلب الرابع: إبطال التعليل الباطل لسكوت الصحابة، وعدم سؤالهم عن الصفات الإلهية","level":5,"page":785},{"title":"المطلب الخامس: إبطال الزعم أن الصحابة والتابعين أقاموا العقيدة على أسس غير دقيقة باعتمادهم على أخبار الآحاد","level":5,"page":786},{"title":"المبحث الثامن: وظيفة العقل في باب الصفات","level":4,"page":789},{"title":"تمهيد: العلاقة بين العقل والشرع","level":5,"page":789},{"title":"المطلب الأول: من وظائف العقل في باب الصفات فهم معانيها","level":5,"page":790},{"title":"المطلب الثاني: التفكر والتدبر لآثارها ومقتضياتها","level":5,"page":792},{"title":"المطلب الثالث: استعمال الأقيسة العقلية الصحيحة اللائقة بالله تعالى","level":5,"page":793},{"title":"المطلب الرابع: إبطال الأقيسة العقلية الخاطئة","level":5,"page":797},{"title":"المبحث التاسع: تفاضل صفات الله ودلالة ذلك","level":4,"page":801},{"title":"المطلب الأول: من أدلة تفاضل صفات الله","level":5,"page":801},{"title":"المطلب الثاني: تفاضل الصفة الواحدة","level":5,"page":802},{"title":"المطلب الثالث: دلالة تفاضل صفات الله","level":5,"page":804},{"title":"الفصل الرابع: آثار الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى","level":3,"page":805},{"title":"تمهيد","level":4,"page":805},{"title":"المبحث الأول: الآثار الإيمانية العامة للأسماء والصفات","level":4,"page":809},{"title":"المبحث الثاني: الآثار الإيمانية لبعض أسماء الله وما تضمنته من صفات","level":4,"page":816},{"title":"أولا: الآثار الإيمانية لاسم الله الرحمن","level":5,"page":816},{"title":"ثانيا: الآثار الإيمانية لاسم الله الجميل","level":5,"page":820},{"title":"ثالثا: الآثار الإيمانية لاسم الله الرقيب","level":5,"page":822},{"title":"رابعا: الآثار الإيمانية لاسم الله المحسن","level":5,"page":823},{"title":"خامسا: الآثار الإيمانية لاسم الله الفتاح","level":5,"page":825},{"title":"سادسا: الآثار الإيمانية لاسم الله الشاكر والشكور","level":5,"page":829},{"title":"سابعا: الآثار الإيمانية لاسم الله الحفيظ","level":5,"page":835},{"title":"ثامنا: الآثار الإيمانية لاسم الله الكافي","level":5,"page":836},{"title":"تاسعا: الآثار الإيمانية لاسم الله الحيي","level":5,"page":837},{"title":"عاشرا: الآثار الإيمانية لاسم الله الهادي","level":5,"page":838},{"title":"حادي عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله السلام","level":5,"page":840},{"title":"ثاني عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الشافي","level":5,"page":841},{"title":"ثالث عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الحميد","level":5,"page":842},{"title":"رابع عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله القوي","level":5,"page":846},{"title":"خامس عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الحي","level":5,"page":847},{"title":"سادس عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله القيوم","level":5,"page":848},{"title":"سابع عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الصمد","level":5,"page":849},{"title":"ثامن عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الظاهر والباطن","level":5,"page":850},{"title":"تاسع عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله المعطي والمانع","level":5,"page":851},{"title":"عشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله القابض والباسط","level":5,"page":852},{"title":"واحد وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الخافض الرافع","level":5,"page":853},{"title":"اثنان وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله المعز المذل","level":5,"page":854},{"title":"ثلاث وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله البر","level":5,"page":855},{"title":"أربع وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله المنان","level":5,"page":856},{"title":"خمس وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله المجيب","level":5,"page":857},{"title":"ست وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الستير","level":5,"page":858},{"title":"سبع وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الجواد","level":5,"page":859},{"title":"ثمان وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله القريب","level":5,"page":861},{"title":"تسع وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الرشيد","level":5,"page":862},{"title":"ثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله الصبور","level":5,"page":863},{"title":"واحد وثلاثون: الآثار الإيمانية لأسماء الله الملك – المالك - المليك","level":5,"page":864},{"title":"اثنان وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله القدوس","level":5,"page":867},{"title":"ثلاث وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله السلام","level":5,"page":868},{"title":"أربع وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله المؤمن","level":5,"page":870},{"title":"خمس وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله المهيمن","level":5,"page":871},{"title":"ست وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله الجبار","level":5,"page":872},{"title":"سبع وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله المتكبر والكبير","level":5,"page":874},{"title":"ثمان وثلاثون: الآثار الإيمانية لأسماء الخالق – الخلاق – البارئ – المصور","level":5,"page":876},{"title":"تسع وثلاثون: الآثار الإيمانية لأسماء الله الغافر – الغفور – الغفار","level":5,"page":879},{"title":"أربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله القاهر – القهار","level":5,"page":880},{"title":"واحد وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله الوهاب","level":5,"page":881},{"title":"اثنان وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله الرزاق","level":5,"page":883},{"title":"ثلاث وأربعون: الآثار الإيمانية لأسماء العليم – العالم – العلام","level":5,"page":887},{"title":"أربع وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله السميع","level":5,"page":891},{"title":"خمس وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله البصير","level":5,"page":893},{"title":"ست وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله الحكم –الحكيم","level":5,"page":894},{"title":"سبع وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله اللطيف","level":5,"page":900},{"title":"ثمان وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله الحليم","level":5,"page":903},{"title":"تسع وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله العظيم","level":5,"page":905},{"title":"خمسون: الآثار الإيمانية لأسماء الله العلي – الأعلى – المتعال","level":5,"page":907},{"title":"واحد وخمسون: الآثار الإيمانية لأسماء الله الحفيظ","level":5,"page":909},{"title":"اثنان وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله المقيت","level":5,"page":914},{"title":"ثلاث وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله الحسيب","level":5,"page":915},{"title":"أربع وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله الواسع","level":5,"page":918},{"title":"خمس وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله الرب","level":5,"page":920},{"title":"ست وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله الودود","level":5,"page":923},{"title":"سبع وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله المجيد","level":5,"page":926},{"title":"المبحث الثالث: الآثار الإيمانية لبعض صفات الله ﷿","level":4,"page":928},{"title":"تمهيد","level":5,"page":928},{"title":"أولا: الآثار الإيمانية لصفة الفرح","level":5,"page":931},{"title":"ثانيا: الآثار الإيمانية لصفة المعية","level":5,"page":932},{"title":"ثالثا: الآثار الإيمانية لصفة الضحك","level":5,"page":933},{"title":"رابعا: الآثار الإيمانية لصفة وجه الله تعالى","level":5,"page":934},{"title":"الفصل الخامس: مسالك المبتدعة في باب الأسماء والصفات والرد عليها","level":3,"page":937},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":937},{"title":"المبحث الأول: التمثيل","level":4,"page":939},{"title":"المطلب الأول: تعريف التمثيل","level":5,"page":939},{"title":"المطلب الثاني: عقيدة أهل السنة هي إثبات الصفات دون مماثلة","level":5,"page":940},{"title":"المطلب الثالث: الأدلة على انتفاء التمثيل في باب الصفات","level":5,"page":941},{"title":"١ -: الأدلة السمعية","level":6,"page":942},{"title":"٢ -: الأدلة العقلية","level":6,"page":943},{"title":"٣ - الأدلة الفطرية","level":6,"page":944},{"title":"المطلب الرابع: شبهات والرد عليها","level":5,"page":945},{"title":"المطلب الخامس: معنى قول أهل السنة: (من غير تكييف ولا تمثيل)","level":5,"page":948},{"title":"المطلب السادس: الفرق بين التمثيل والتكييف","level":5,"page":949},{"title":"المبحث الثاني: التعطيل","level":4,"page":950},{"title":"المطلب الأول: تعريف التعطيل","level":5,"page":950},{"title":"المسألة الأولى: تعريف التعطيل لغة","level":6,"page":950},{"title":"المسألة الثانية: تعريف التعطيل شرعا","level":6,"page":951},{"title":"المطلب الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة بريئة من التعطيل","level":5,"page":952},{"title":"المطلب الثالث: أنواع التعطيل في توحيد الله","level":5,"page":953},{"title":"المطلب الرابع: درجات التعطيل في أسماء الله وصفاته","level":5,"page":954},{"title":"المسألة الأولى: درجات التعطيل في باب الأسماء والصفات عموما","level":6,"page":954},{"title":"المسألة الثانية: درجات التعطيل في باب الأسماء الحسنى","level":6,"page":956},{"title":"المسألة الثالثة: درجات التعطيل في باب صفات الله تعالى","level":6,"page":959},{"title":"المطلب الخامس: جمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل","level":5,"page":961},{"title":"المطلب السادس: خطورة مقالة التعطيل","level":5,"page":962},{"title":"المبحث الثالث: التحريف","level":4,"page":963},{"title":"المطلب الأول: تعريف التحريف","level":5,"page":963},{"title":"المطلب الثاني: أنوع التحريف","level":5,"page":964},{"title":"المطلب الثالث: الفرق بين التحريف والتأويل","level":5,"page":965},{"title":"المطلب الرابع: أهل التحريف أصل شبهتهم والرد عليهم","level":5,"page":966},{"title":"المبحث الرابع: التفويض في نصوص الصفات","level":4,"page":969},{"title":"المطلب الأول: أركان التفويض","level":5,"page":970},{"title":"المطلب الثاني: أنواع التفويض","level":5,"page":971},{"title":"المطلب الثالث: دعوى أن التفويض هو الطريق الأسلم","level":5,"page":972},{"title":"المطلب الرابع: شبهات المفوضة","level":5,"page":974},{"title":"المسألة الأولى: المراد بالمحكم والمتشابه","level":6,"page":974},{"title":"المسألة الثانية: أقوال السلف في المحكم والمتشابه","level":6,"page":977},{"title":"المسألة الثالثة: التأويل والظاهر","level":6,"page":983},{"title":"أولا: معاني التأويل","level":7,"page":984},{"title":"ثانيا: بيان موضع الوقف في آية آل عمران","level":7,"page":986},{"title":"المبحث الخامس: التوقف","level":4,"page":990},{"title":"المطلب الأول: حقيقة التوقف","level":5,"page":990},{"title":"المطلب الثاني: أنواع التوقف","level":5,"page":991},{"title":"المطلب الثالث: أصل شبهتهم والرد عليها","level":5,"page":992},{"title":"الباب الرابع: الشرك - أقسامه ووسائله","level":2,"page":993},{"title":"الفصل الأول: تمهيد","level":3,"page":993},{"title":"المبحث الأول: تعريف الشرك","level":4,"page":993},{"title":"المطلب الأول: تعريف الشرك لغة","level":5,"page":993},{"title":"المطلب الثاني: معنى الشرك اصطلاحا","level":5,"page":995},{"title":"المبحث الثاني: هل الأصل في الإنسان التوحيد أم الشرك؟","level":4,"page":999},{"title":"المبحث الثالث: أصل الشرك وأسبابه","level":4,"page":1003},{"title":"المبحث الرابع: أول شرك وقع في بني آدم","level":4,"page":1005},{"title":"المبحث الخامس: وقوع بعض هذه الأمة في الشرك","level":4,"page":1013},{"title":"المبحث السادس: متى وكيف كانت بداية الشرك في هذه الأمة","level":4,"page":1015},{"title":"المبحث السابع: شبهة من قال بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة وردها","level":4,"page":1024},{"title":"المبحث الثامن: قبح الشرك وخطره","level":4,"page":1033},{"title":"الفصل الثاني: أقسام الشرك","level":3,"page":1034},{"title":"تمهيد","level":4,"page":1034},{"title":"المبحث الأول: الشرك الأكبر تعريفه وحكمه وأقسامه","level":4,"page":1036},{"title":"المطلب الأول: تعريفه","level":5,"page":1036},{"title":"المطلب الثاني: حكمه","level":5,"page":1037},{"title":"المطلب الثالث: أقسام الشرك الأكبر","level":5,"page":1040},{"title":"المسألة الأولى: الشرك في الربوبية","level":6,"page":1040},{"title":"أولا: تعريف الشرك في الربوبية","level":7,"page":1041},{"title":"ثانيا: أنواع الشرك في الربوبية والأسماء والصفات","level":7,"page":1042},{"title":"ثالثا: الفرق التي أشركت بالربوبية انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي، تحقيق الشيخ أحمد شاكر، (ص: ٢٤ - ٢٦).","level":7,"page":1044},{"title":"رابعا: مظاهر الشرك في الربوبية","level":7,"page":1046},{"title":"المسألة الثانية: الشرك في الألوهية","level":6,"page":1051},{"title":"أولا: تعريف الشرك في الألوهية","level":7,"page":1051},{"title":"ثانيا: أنواع الشرك في الألوهية","level":7,"page":1052},{"title":"المسألة الثالثة: الشرك في الأسماء والصفات","level":6,"page":1063},{"title":"أولا: تعريف الشرك في الأسماء والصفات","level":7,"page":1063},{"title":"ثانيا: من صور الشرك في الأسماء والصفات","level":7,"page":1064},{"title":"المبحث الثاني: الشرك الأصغر تعريفه وحكمه وأقسامه","level":4,"page":1066},{"title":"المطلب الأول: تعريف الشرك الأصغر","level":5,"page":1066},{"title":"المطلب الثاني: حكمه","level":5,"page":1067},{"title":"المطلب الثالث: الفروق بين نوعي الشرك الأكبر والأصغر","level":5,"page":1069},{"title":"المطلب الرابع: أقسام الشرك الأصغر","level":5,"page":1070},{"title":"تمهيد: في أقسام الشرك الأصغر إجمالا","level":6,"page":1070},{"title":"المسألة الأولى: ذكر أمثلة من الشرك الأصغر في العبادات القلبية","level":6,"page":1072},{"title":"المثال الأول: الرياء","level":7,"page":1072},{"title":"المثال الثاني: إرادة الإنسان بعبادته الدنيا","level":7,"page":1074},{"title":"المثال الثالث: الاعتماد على الأسباب","level":7,"page":1075},{"title":"المثال الرابع: التطير","level":7,"page":1076},{"title":"- المسألة الثانية: ذكر أمثلة من الشرك الأصغر في الأفعال","level":6,"page":1091},{"title":"المثال الأول: الرقى الشركية","level":7,"page":1091},{"title":"المثال الثاني: التمائم الشركية","level":7,"page":1095},{"title":"المسألة الثالثة: ذكر أمثلة من الشرك الأصغر في العبادات القولية","level":6,"page":1097},{"title":"المثال الأول: الحلف بغير الله","level":7,"page":1097},{"title":"المثال الثاني: التشريك بين الله تعالى وبين أحد من خلقه بـ (الواو)","level":7,"page":1099},{"title":"المثال الثالث: الاستسقاء بالأنواء","level":7,"page":1102},{"title":"المطلب الخامس: الكلام على بعض الأعمال الشركية غير ما ذكر","level":5,"page":1109},{"title":"تمهيد","level":6,"page":1109},{"title":"الفرع الأول: السحر والشعوذة","level":6,"page":1110},{"title":"الفرع الثاني: الكهانة","level":6,"page":1111},{"title":"الفرع الثالث: النشرة","level":6,"page":1112},{"title":"الفرع الرابع: التنجيم","level":6,"page":1113},{"title":"الفصل الثالث: وسائل الشرك","level":3,"page":1114},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":1114},{"title":"المبحث الأول: التوسل","level":4,"page":1115},{"title":"المطلب الأول: تعريف التوسل","level":5,"page":1115},{"title":"المطلب الثاني: أنواع التوسل","level":5,"page":1117},{"title":"الفرع الأول: التوسل المشروع","level":6,"page":1117},{"title":"الفرع الثاني: التوسل الممنوع","level":6,"page":1125},{"title":"أولا: أوجه التوسل الممنوع","level":7,"page":1125},{"title":"الوجه الأول: التوسل إليه تعالى بذات وشخص المتوسل به.","level":8,"page":1126},{"title":"الوجه الثاني: التوسل إلى الله تعالى بجاه فلان، أو حقه، أو حرمته وما أشبه","level":8,"page":1127},{"title":"الوجه الثالث: الإقسام على الله جل وعلا بالمتوسل به","level":8,"page":1128},{"title":"ثانيا: شبهات حول التوسل وردها","level":7,"page":1134},{"title":"ثالثا: أحاديث وآثار ضعيفة في التوسل","level":7,"page":1159},{"title":"المبحث الثاني: التبرك","level":4,"page":1173},{"title":"المطلب الأول: معنى التبرك","level":5,"page":1173},{"title":"المطلب الثاني: أنواع التبرك","level":5,"page":1174},{"title":"تمهيد","level":6,"page":1174},{"title":"الفرع الأول: التبرك المشروع","level":6,"page":1175},{"title":"١ - التبرك بذكر الله","level":7,"page":1175},{"title":"٢ - التبرك بتلاوة القرآن الكريم","level":7,"page":1177},{"title":"٣ - المشروع من التبرك بالنبي ﷺ","level":7,"page":1178},{"title":"تمهيد:","level":8,"page":1178},{"title":"نماذج من تبرك الصحابة بالرسول ﷺ في حياته:","level":8,"page":1179},{"title":"٤ - التبرك بآثاره ﷺ بعد وفاته:","level":7,"page":1182},{"title":"أ- نماذج من تبرك الصحابة بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته:","level":8,"page":1183},{"title":"ب- نماذج من تبرك التابعين بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته:","level":8,"page":1184},{"title":"ج- هل يوجد شيء من آثار الرسول ﷺ في العصر الحاضر؟","level":8,"page":1185},{"title":"الفرع الثاني: التبرك الممنوع وأنواعه وأسبابه وآثاره","level":6,"page":1187},{"title":"أولا: أنواع التبرك الممنوع","level":7,"page":1187},{"title":"١ - تبرك شركي:","level":8,"page":1187},{"title":"٢ - تبرك بدعي:","level":8,"page":1188},{"title":"ثانيا: أسباب التبرك الممنوع","level":7,"page":1203},{"title":"١ - الجهل بالدين","level":8,"page":1203},{"title":"٢ - التشبه بالكفار","level":8,"page":1204},{"title":"٣ - تعظيم الآثار","level":8,"page":1206},{"title":"ثالثا: آثار التبرك الممنوع","level":7,"page":1207},{"title":"المبحث الثالث: اتخاذ القبور مساجد","level":4,"page":1213},{"title":"أولا: معنى اتخاذ القبور مساجد","level":5,"page":1213},{"title":"ثانيا: أدلة تحريم هذا الاتخاذ وحكمه ومذاهب العلماء فيه","level":5,"page":1216},{"title":"ثالثا: شبهات حول اتخاذ القبور مساجد وحكم مسجد الرسول ﷺ","level":5,"page":1226},{"title":"رابعا: النهي عن اتخاذ قبر النبي ﷺ عيدا","level":5,"page":1240},{"title":"خامسا: زيارة القبور","level":5,"page":1243},{"title":"سادسا: حكم الدعاء عند القبور","level":5,"page":1246},{"title":"سابعا: الكلام على الزيارة الشركية","level":5,"page":1247},{"title":"المبحث الرابع: الغلو في الصالحين","level":4,"page":1250},{"title":"المبحث الخامس: تقديس الأشخاص والأشياء","level":4,"page":1252},{"title":"المبحث السادس: الأعياد والاحتفالات البدعية","level":4,"page":1254},{"title":"الفصل الرابع: حماية النبي ﷺ للتوحيد بتحريم وسائل الشرك وطرقه","level":3,"page":1257},{"title":"الكتاب الثالث: الإيمان بالملائكة","level":1,"page":1260},{"title":"الباب الأول: تعريف الملائكة ومعنى الإيمان بالملائكة وثمراته","level":2,"page":1260},{"title":"الفصل الأول: تعريف الملائكة","level":3,"page":1260},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":1260},{"title":"المبحث الأول: معنى الملائكة لغة","level":4,"page":1261},{"title":"المبحث الثاني: معنى الملائكة اصطلاحا","level":4,"page":1262},{"title":"الفصل الثاني: معنى الإيمان بالملائكة وثمرات الإيمان بهم","level":3,"page":1263},{"title":"المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة","level":4,"page":1263},{"title":"المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بالملائكة","level":4,"page":1265},{"title":"المبحث الثالث: الملائكة مخلوقات قائمة بنفسها حية ناطقة","level":4,"page":1266},{"title":"المبحث الرابع: سجود الملائكة لآدم ﵇","level":4,"page":1269},{"title":"المبحث الخامس: ثمرات الإيمان بالملائكة","level":4,"page":1272},{"title":"الباب الثاني: صفات الملائكة الخلقية والخلقية وأقسامهم","level":2,"page":1273},{"title":"الفصل الأول: الصفات الخلقية","level":3,"page":1273},{"title":"المبحث الأول: مادة خلقهم ووقته","level":4,"page":1273},{"title":"المبحث الثاني: أهم الصفات الخلقية","level":4,"page":1275},{"title":"المطلب الأول: أجنحة الملائكة","level":5,"page":1275},{"title":"المطلب الثاني: جمال الملائكة","level":5,"page":1276},{"title":"المطلب الثالث: تفاوتهم في الخلق والمقدار","level":5,"page":1277},{"title":"المطلب الرابع: لا يوصفون بالذكورة والأنوثة","level":5,"page":1278},{"title":"المطلب الخامس: لا يأكلون ولا يشربون","level":5,"page":1279},{"title":"المطلب السادس: لا يملون ولا يتعبون","level":5,"page":1280},{"title":"المطلب السابع: منازل الملائكة","level":5,"page":1281},{"title":"المطلب الثامن: أعداد الملائكة","level":5,"page":1282},{"title":"المطلب التاسع: موت الملائكة","level":5,"page":1283},{"title":"المبحث الثالث: هل الجن من الملائكة","level":4,"page":1286},{"title":"المبحث الرابع: هل إبليس من الملائكة","level":4,"page":1287},{"title":"الفصل الثاني: الصفات الخلقية","level":3,"page":1288},{"title":"المبحث الأول: الملائكة كرام بررة","level":4,"page":1288},{"title":"المبحث الثاني: قدراتهم","level":4,"page":1289},{"title":"المبحث الثالث: علمهم","level":4,"page":1290},{"title":"المبحث الرابع: اختصام الملأ الأعلى","level":4,"page":1291},{"title":"المبحث الخامس: عبادة الملائكة","level":4,"page":1292},{"title":"الفصل الثالث: أقسام الملائكة","level":3,"page":1294},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":1294},{"title":"المبحث الأول: الموكل بالوحي","level":4,"page":1295},{"title":"المبحث الثاني: الموكل بالصور","level":4,"page":1296},{"title":"المبحث الثالث: الموكل بقبض الأرواح","level":4,"page":1297},{"title":"المبحث الرابع: الموكل بحفظ العبد في حله وارتحاله","level":4,"page":1298},{"title":"المبحث الخامس: الموكل بحفظ عمل العبد من خير وشر","level":4,"page":1299},{"title":"المبحث السادس: الموكل بفتنة القبر","level":4,"page":1301},{"title":"المبحث السابع: خزنة الجنة","level":4,"page":1302},{"title":"المبحث الثامن: المبشرون للمؤمنين عند وفياتهم، وفي يوم القيامة","level":4,"page":1303},{"title":"المبحث التاسع: خزنة جهنم","level":4,"page":1304},{"title":"المبحث العاشر: الموكلون بالنطفة في الرحم","level":4,"page":1305},{"title":"المبحث الحاي عشر: حملة العرش","level":4,"page":1306},{"title":"المبحث الثاني عشر: ملائكة سياحون يتبعون مجالس الذكر","level":4,"page":1307},{"title":"المبحث الثالث عشر: الموكل بالجبال","level":4,"page":1308},{"title":"المبحث الرابع عشر: زوار البيت المعمور","level":4,"page":1309},{"title":"المبحث الخامس عشر: ملائكة صفوف لا يفترون، وقيام لا يركعون","level":4,"page":1310},{"title":"الفصل الرابع: التفاضل بين الملائكة، وبين الملائكة والبشر","level":3,"page":1312},{"title":"المبحث الأول: التفاضل بين الملائكة","level":4,"page":1313},{"title":"المبحث الثاني: التفاضل بين الملائكة والبشر","level":4,"page":1314},{"title":"الباب الثالث: دور الملائكة تجاه المؤمنين وواجب المؤمنين تجاه الملائكة","level":2,"page":1317},{"title":"الفصل الأول: دور الملائكة تجاه المؤمنين","level":3,"page":1317},{"title":"الفصل الثاني: واجب المؤمنين تجاه الملائكة","level":3,"page":1325},{"title":"الفصل الثالث: دور الملائكة تجاه الكفار والفساق","level":3,"page":1327},{"title":"الكتاب الرابع: الإيمان بالكتب المنزلة","level":1,"page":1329},{"title":"الباب الأول: الإيمان بالكتب تعريفه وأهميته وحكمه وحقيقته وثمرته","level":2,"page":1329},{"title":"الفصل الأول: تعريف الإيمان بالكتب","level":3,"page":1330},{"title":"الفصل الثاني: معنى الإيمان بالكتب","level":3,"page":1331},{"title":"الفصل الثالث: أهمية الإيمان بالكتب","level":3,"page":1334},{"title":"الفصل الرابع: حكم الإيمان بالكتب","level":3,"page":1335},{"title":"الفصل الخامس: حقيقة الإيمان بالكتب","level":3,"page":1337},{"title":"الفصل السادس: ثمرات الإيمان بالكتب","level":3,"page":1340},{"title":"الباب الثاني: الإيمان بالقرآن","level":2,"page":1341},{"title":"الفصل الأول: تعريف القرآن وفضله","level":3,"page":1342},{"title":"المبحث الأول: معنى القرآن في اللغة","level":4,"page":1343},{"title":"المبحث الثاني: معنى القرآن في الاصطلاح","level":4,"page":1344},{"title":"المبحث الثالث: فضل القرآن","level":4,"page":1345},{"title":"الفصل الثاني: حفظ القرآن الكريم وسلامته من التحريف","level":3,"page":1347},{"title":"المبحث الأول: حفظ القرآن في عهد النبوة","level":4,"page":1347},{"title":"المبحث الثاني: حفظ القرآن في عهد الصحابة رضوان الله عليهم","level":4,"page":1348},{"title":"المبحث الثالث: سلامة القرآن من التحريف","level":4,"page":1349},{"title":"الفصل الثالث: منزلة القرآن من الكتب المتقدمة","level":3,"page":1352},{"title":"الفصل الرابع: خصائص القرآن الكريم","level":3,"page":1355},{"title":"المبحث الأول: الأخبار الغيبية","level":4,"page":1356},{"title":"المبحث الثاني: إعجازه","level":4,"page":1358},{"title":"المبحث الثالث: تعدد أسمائه وصفاته","level":4,"page":1359},{"title":"المبحث الرابع: شفاعته لأهله","level":4,"page":1361},{"title":"المبحث الخامس: أنه لا ينسب إلا إلى الله تعالى","level":4,"page":1362},{"title":"المبحث السادس: التعبد بتلاوته","level":4,"page":1363},{"title":"المبحث السابع: الثواب لقارئه ولمستمعه","level":4,"page":1364},{"title":"المبحث الثامن: أن الله ﷾ تعهد بحفظه","level":4,"page":1365},{"title":"المبحث التاسع: أنه آخر الكتب المنزلة","level":4,"page":1367},{"title":"المبحث العاشر: هيمنته على الكتب السابقة","level":4,"page":1369},{"title":"الفصل الخامس: عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن","level":3,"page":1373},{"title":"المبحث الأول: القرآن الكريم كلام الله تعالى","level":4,"page":1373},{"title":"المبحث الثاني: كلام الله في كتابه هو الحروف والمعاني","level":4,"page":1377},{"title":"المبحث الثالث: القرآن ليس بمخلوق كما يقوله الزنادقة","level":4,"page":1378},{"title":"المبحث الرابع: أصل القول بخلق القرآن","level":4,"page":1379},{"title":"المبحث الخامس: ما قاله أئمة السنة في القرآن، وحكمهم على من قال بخلق القرآن","level":4,"page":1380},{"title":"الفصل السادس: المخالفون في القرآن","level":3,"page":1388},{"title":"تمهيد","level":4,"page":1388},{"title":"المبحث الأول: الاتحادية","level":4,"page":1389},{"title":"المبحث الثاني: مذهب الفلاسفة","level":4,"page":1390},{"title":"المبحث الثالث: مذهب الجهمية","level":4,"page":1391},{"title":"المبحث الرابع: مذهب الكلابية","level":4,"page":1392},{"title":"المبحث الخامس: مذهب الأشعري","level":4,"page":1393},{"title":"المبحث السادس: مذهب الكرامية","level":4,"page":1394},{"title":"المبحث السابع: مذهب السالمية","level":4,"page":1395},{"title":"الباب الثالث أهم الكتب المنزلة","level":2,"page":1396},{"title":"تمهيد في مواضع الاتفاق والاختلاف بين الكتب السماوية","level":3,"page":1396},{"title":"أولا: مواضع الاتفاق","level":4,"page":1397},{"title":"ثانيا: مواضع الاختلاف","level":4,"page":1399},{"title":"الفصل الأول: التوراة","level":3,"page":1400},{"title":"المبحث الأول تعريف التوراة","level":4,"page":1400},{"title":"المبحث الثاني: تاريخ التوراة","level":4,"page":1401},{"title":"المبحث الثالث: تحريف التوراة","level":4,"page":1407},{"title":"تمهيد: وقوع التحريف في الكتب المتقدمة على القرآن","level":5,"page":1407},{"title":"المطلب الأول: أدلة التحريف من القرآن الكريم والتوراة","level":5,"page":1411},{"title":"المطلب الثاني: نقد التوراة المحرفة وما يتبعها من الأسفار","level":5,"page":1412},{"title":"تمهيد:","level":6,"page":1412},{"title":"الفرع الأول: نقد السند","level":6,"page":1413},{"title":"الفرع الثاني: نقد المتن","level":6,"page":1416},{"title":"تمهيد","level":7,"page":1416},{"title":"أولا: الاختلاف في عدد الأسفار","level":7,"page":1417},{"title":"ثانيا: الاختلاف والتباين بين النسخ في المعلومات المدونة","level":7,"page":1418},{"title":"ثالثا: الاختلاف بالمقارنة مع ما ذكروه في مواضع أخرى من كتابهم","level":7,"page":1419},{"title":"رابعا: الزيادة والإضافات:","level":7,"page":1420},{"title":"خامسا: التنقص لله ﷿ وأنبيائه","level":7,"page":1421},{"title":"١ - صفات الله ﷿ في التوراة المحرفة","level":8,"page":1421},{"title":"٢ - وصف اليهود للأنبياء ﵈ في التوراة المحرفة","level":8,"page":1424},{"title":"الفصل الثاني: الإنجيل","level":3,"page":1428},{"title":"المبحث الأول: إسناد وتاريخ الأناجيل الأربعة","level":4,"page":1429},{"title":"تمهيد","level":5,"page":1430},{"title":"المطلب الأول: تاريخ الأناجيل الأربعة إجمالا","level":5,"page":1431},{"title":"المطلب الثاني: تاريخ الأناجيل الأربعة وإنجيل برنابا تفصيلا","level":5,"page":1436},{"title":"أولا: إنجيل متى","level":6,"page":1437},{"title":"ثانيا: إنجيل مرقص","level":6,"page":1438},{"title":"ثالثا: إنجيل لوقا","level":6,"page":1439},{"title":"رابعا: إنجيل يوحنا","level":6,"page":1440},{"title":"خامسا: إنجيل برنابا","level":6,"page":1441},{"title":"المبحث الثاني: تحريف الإنجيل","level":4,"page":1444},{"title":"تمهيد","level":5,"page":1444},{"title":"فرع: الأمثلة على وقوع التحريف","level":5,"page":1445},{"title":"أولا: الاختلافات","level":6,"page":1445},{"title":"ثانيا: الأغلاط في الأناجيل","level":6,"page":1448},{"title":"الكتاب الخامس: الإيمان بالرسل","level":1,"page":1450},{"title":"الباب الأول: التعريف بالنبي والرسول والإيمان بالرسل معناه وأهميته","level":2,"page":1450},{"title":"الفصل الأول: التعريف بالنبي والرسول والفرق بينهما","level":3,"page":1450},{"title":"المبحث الأول: تعريف النبي","level":4,"page":1450},{"title":"المبحث الثاني: تعريف الرسول","level":4,"page":1451},{"title":"المبحث الثالث: الفرق بين الرسول والنبي","level":4,"page":1452},{"title":"الفصل الثاني: الإيمان بالرسل معناه وأهميته والصلة بينه وبين الإيمان بالله","level":3,"page":1453},{"title":"المبحث الأول: معنى الإيمان بالرسل","level":4,"page":1453},{"title":"المبحث الثاني: أهمية الإيمان بالرسل","level":4,"page":1457},{"title":"المبحث الثالث: الصلة بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل","level":4,"page":1458},{"title":"المبحث الرابع: ما يجب علينا نحو الرسل","level":4,"page":1459},{"title":"المبحث الخامس: وجوب الإيمان بجميع الرسل","level":4,"page":1461},{"title":"المبحث السادس: ثمرات الإيمان بالرسل","level":4,"page":1462},{"title":"الباب الثاني: عدد الأنبياء وطرق معرفتهم","level":2,"page":1463},{"title":"الفصل الأول: الأنبياء والرسل جم غفير","level":3,"page":1463},{"title":"الفصل الثاني: الأنبياء والرسل المذكورون في القرآن","level":3,"page":1464},{"title":"الفصل الثالث: أنبياء مذكورون في السنة","level":3,"page":1465},{"title":"الفصل الرابع: صالحون مختلف في نبوتهم","level":3,"page":1466},{"title":"الفصل الخامس: لا تثبت النبوة إلا بالدليل","level":3,"page":1467},{"title":"الفصل السادس: تفاضل الأنبياء","level":3,"page":1468},{"title":"المبحث الأول: التفاضل بين الأنبياء والرسل","level":4,"page":1468},{"title":"المبحث الثاني: التفاضل بين الرسل","level":4,"page":1470},{"title":"المبحث الثالث: أولو العزم","level":4,"page":1471},{"title":"المطلب الأول: تعيين أولي العزم","level":5,"page":1471},{"title":"المطلب الثاني: تفاضل أولي العزم","level":5,"page":1473},{"title":"المطلب الثالث: بعض خصائص أولي العزم","level":5,"page":1475},{"title":"المبحث الرابع: تفضيل نبينا محمد ﷺ على جميع الخلائق","level":4,"page":1478},{"title":"المبحث الخامس: توجيه النهي الوارد في التفضيل بين الأنبياء","level":4,"page":1482},{"title":"المبحث السادس: الأنبياء أفضل البشر","level":4,"page":1486},{"title":"الباب الثالث: وظائف الرسل وحاجة البشرية إلى الرسل","level":2,"page":1490},{"title":"الفصل الأول: وظائف الرسل ومهماتهم","level":3,"page":1490},{"title":"المبحث الأول: البلاغ المبين","level":4,"page":1490},{"title":"المبحث الثاني: الدعوة إلى الله","level":4,"page":1493},{"title":"تمهيد","level":5,"page":1493},{"title":"المطلب الأول: دعوة الرسل","level":5,"page":1494},{"title":"المطلب الثاني: دعوة نبينا محمد ﷺ","level":5,"page":1495},{"title":"المطلب الثالث: مثال يوضح دور الرسل","level":5,"page":1496},{"title":"المبحث الثالث: التبشير والإنذار","level":4,"page":1497},{"title":"المبحث الرابع: إصلاح النفوس وتزكيتها","level":4,"page":1499},{"title":"المبحث الخامس: تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة","level":4,"page":1500},{"title":"المبحث السادس: إقامة الحجة","level":4,"page":1501},{"title":"المبحث السابع: سياسة الأمة","level":4,"page":1502},{"title":"الفصل الثاني: حاجة البشرية إلى الرسل والرسالات","level":3,"page":1503},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":1503},{"title":"المبحث الأول: كلام ابن القيم في حاجة البشرية إلى الرسل","level":4,"page":1504},{"title":"المبحث الثاني: كلام ابن تيمية في حاجة البشرية إلى الرسل","level":4,"page":1505},{"title":"الفصل الثالث: الوحي","level":3,"page":1507},{"title":"المبحث الأول: النبوة منحة إلهية","level":4,"page":1507},{"title":"المبحث الثاني: طريق إعلام الله أنبياءه ورسله","level":4,"page":1508},{"title":"المبحث الثالث: مقامات وحي الله إلى رسله","level":4,"page":1509},{"title":"المبحث الرابع: صفة مجيء الملك إلى الرسول","level":4,"page":1510},{"title":"المبحث الخامس: بشائر الوحي","level":4,"page":1511},{"title":"المبحث السادس: أثر الملك في الرسول","level":4,"page":1512},{"title":"المبحث السابع: هل يمكن أن يستغني العقل عن الوحي","level":4,"page":1513},{"title":"الباب الرابع: صفات الرسل وهل هم معصومون؟","level":2,"page":1515},{"title":"الفصل الأول: صفات الرسل","level":3,"page":1515},{"title":"المبحث الأول: البشرية:","level":4,"page":1515},{"title":"تمهيد","level":5,"page":1515},{"title":"المطلب الأول: أهلية البشر لتحمل الرسالة","level":5,"page":1516},{"title":"المطلب الثاني: لم لم يكن الرسل ملائكة؟","level":5,"page":1517},{"title":"المطلب الثالث: مقتضى بشرية الأنبياء والرسل","level":5,"page":1519},{"title":"المطلب الرابع: الكمال البشري","level":5,"page":1522},{"title":"المبحث الثاني: نبوة النساء","level":4,"page":1526},{"title":"المبحث الثالث: أمور تفرد بها الأنبياء","level":4,"page":1528},{"title":"المطلب الأول: الوحي","level":5,"page":1528},{"title":"المطلب الثاني: الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم","level":5,"page":1529},{"title":"المطلب الثالث: تخيير الأنبياء عند الموت","level":5,"page":1530},{"title":"المطلب الرابع: لا يقبر نبي إلا حيث يموت","level":5,"page":1531},{"title":"المطلب الخامس: لا تأكل الأرض أجسادهم","level":5,"page":1532},{"title":"المطلب السادس: أحياء في قبورهم","level":5,"page":1533},{"title":"الفصل الثاني: عصمة الرسل","level":3,"page":1534},{"title":"المبحث الأول: العصمة في التحمل وفي التبليغ","level":4,"page":1534},{"title":"المبحث الثاني: العصمة من الصغائر","level":4,"page":1537},{"title":"المبحث الثالث: تكريم الأنبياء وتوقيرهم","level":4,"page":1540},{"title":"المبحث الرابع: أمور لا تنافي العصمة","level":4,"page":1541},{"title":"الباب الخامس: دلائل النبوة","level":2,"page":1545},{"title":"تمهيد:","level":3,"page":1545},{"title":"الفصل الأول: الآيات والمعجزات","level":3,"page":1546},{"title":"المبحث الأول: تعريف الآية والمعجزة","level":4,"page":1546},{"title":"المبحث الثاني: أنواع الآيات","level":4,"page":1547},{"title":"المبحث الثالث: أمثلة من آيات الرسل","level":4,"page":1548},{"title":"المطلب الأول: آية نبي الله صالح","level":5,"page":1548},{"title":"المطلب الثاني: معجزة إبراهيم ﵇","level":5,"page":1549},{"title":"المطلب الثالث: آيات نبي الله موسى ﵇","level":5,"page":1550},{"title":"المطلب الرابع: معجزات نبي الله عيسى ﵇","level":5,"page":1551},{"title":"المبحث الرابع: معجزات خاتم الأنبياء والمرسلين","level":4,"page":1552},{"title":"المطلب الأول: القرآن","level":5,"page":1552},{"title":"المطلب الثاني: انشقاق القمر","level":5,"page":1553},{"title":"المطلب الثالث: حنين الجذع إليه ﷺ","level":5,"page":1554},{"title":"المطلب الرابع: تسبيح الطعام وتكثير القليل بإذن الله ﷿، ونبع الماء من أصابعه الشريفة ﷺ","level":5,"page":1555},{"title":"المطلب الخامس: الإسراء والمعراج","level":5,"page":1557},{"title":"المطلب السادس: كف الأعداء عنه","level":5,"page":1567},{"title":"المطلب السابع: إجابة دعوته","level":5,"page":1568},{"title":"المطلب الثامن: إبراء المرضى","level":5,"page":1569},{"title":"المطلب التاسع: إخباره بالأمور الغيبية","level":5,"page":1570},{"title":"المطلب العاشر: انقياد الشجر وتسليمه وكلامه","level":5,"page":1571},{"title":"المطلب الحادي عشر: تسليم الحجر","level":5,"page":1572},{"title":"المطلب الثاني عشر: شكوى البعير","level":5,"page":1573},{"title":"الفصل الثاني: بشارات الأمم السابقة","level":3,"page":1574},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":1574},{"title":"المبحث الأول: القرآن يتحدث عن بشارات الأنبياء السابقين بنبينا محمد ﷺ:","level":4,"page":1575},{"title":"تمهيد","level":5,"page":1575},{"title":"المطلب الأول: دعوة إبراهيم","level":5,"page":1581},{"title":"المطلب الثاني: بشارة موسى","level":5,"page":1582},{"title":"المطلب الثالث: بشارة عيسى","level":5,"page":1583},{"title":"المبحث الثاني: بشائر التوراة وأسفار الأنبياء","level":4,"page":1584},{"title":"المبحث الثالث: بشارات من الإنجيل","level":4,"page":1591},{"title":"المبحث الرابع: شيوع هذه البشارات قبل البعثة","level":4,"page":1596},{"title":"الكتاب السادس: الإيمان باليوم الآخر","level":1,"page":1600},{"title":"تمهيد:","level":2,"page":1600},{"title":"الباب الأول: القيامة الصغرى","level":2,"page":1602},{"title":"الفصل الأول: الاحتضار","level":3,"page":1602},{"title":"تمهيد","level":4,"page":1602},{"title":"المبحث الأول: تعريف الاحتضار","level":4,"page":1603},{"title":"المبحث الثاني: حضور ملائكة الموت","level":4,"page":1604},{"title":"المبحث الثالث: مع ملك الموت ملائكة يعاونونه في قبض الروح","level":4,"page":1606},{"title":"المبحث الرابع: حضور الشيطان عند الموت","level":4,"page":1607},{"title":"الفصل الثاني: الإيمان بالموت","level":3,"page":1610},{"title":"المبحث الأول: تحتم الموت على من كان في الدنيا من المخلوقات","level":4,"page":1610},{"title":"المبحث الثاني: الإيمان بأن الأجل محدود","level":4,"page":1611},{"title":"المبحث الثالث: الإيمان بأن الأجل لا يعلمه أحد إلا الله","level":4,"page":1613},{"title":"المبحث الرابع: الإكثار من ذكر الموت","level":4,"page":1614},{"title":"المبحث الخامس: التأهب للموت قبل نزوله","level":4,"page":1615},{"title":"الفصل الثالث: سكرات الموت","level":3,"page":1618},{"title":"المبحث الأول: تعريف السكرات والغمرات","level":4,"page":1618},{"title":"المطلب الأول: تعريف السكرات","level":5,"page":1618},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الغمرات","level":5,"page":1619},{"title":"المبحث الثاني: الأدلة من الكتاب والسنة على سكرات الموت","level":4,"page":1620},{"title":"المبحث الثالث: سكرات الموت تحصل لكل المخلوقات","level":4,"page":1624},{"title":"المبحث الرابع: من يخفف عنه سكرات الموت","level":4,"page":1626},{"title":"الفصل الرابع: حال الإنسان عند الاحتضار","level":3,"page":1627},{"title":"المبحث الأول: سؤال الرجعة إلى الدنيا عند الاحتضار","level":4,"page":1627},{"title":"المبحث الثاني: انقطاع التوبة بحضور الموت","level":4,"page":1629},{"title":"المبحث الثالث: فرح المؤمن بلقاء ربه","level":4,"page":1635},{"title":"المبحث الرابع: تخيير الأنبياء عند الموت","level":4,"page":1639},{"title":"المبحث الخامس: حال الكفار عند الموت","level":4,"page":1641},{"title":"المبحث السادس: حال الروح بعد فراق البدن","level":4,"page":1645},{"title":"الفصل الخامس: أهوال القبور","level":3,"page":1647},{"title":"المبحث الأول: هول القبر وفظاعته","level":4,"page":1647},{"title":"المبحث الثاني: ظلمة القبر","level":4,"page":1648},{"title":"المبحث الثالث: ضمة القبرة","level":4,"page":1649},{"title":"المبحث الرابع: فتنة القبر","level":4,"page":1650},{"title":"المطلب الأول: كيف تكون فتنة القبر؟","level":5,"page":1650},{"title":"المطلب الثاني: هل يفتن الكافر في قبره؟","level":5,"page":1651},{"title":"المطلب الثالث: هل يفتن غير المكلفين؟","level":5,"page":1652},{"title":"الفصل السادس: عذاب القبر ونعيمه","level":3,"page":1653},{"title":"المبحث الأول: أحاديث عذاب القبر ونعيمه متواترة","level":4,"page":1653},{"title":"المبحث الثاني: سماع الرسول ﷺ أصوات المعذبين","level":4,"page":1655},{"title":"المبحث الثالث: سماع غير الرسول ﷺ أصوات المعذبين","level":4,"page":1656},{"title":"المبحث الرابع: صفة نعيم القبر وعذابه","level":4,"page":1657},{"title":"المبحث الخامس: أسباب عذاب القبر","level":4,"page":1661},{"title":"تمهيد","level":5,"page":1661},{"title":"المطلب الأول: من أسباب عذاب القبر عدم الاستتار من البول، والنميمة","level":5,"page":1662},{"title":"المطلب الثاني: الغلول","level":5,"page":1663},{"title":"المطلب الثالث: الكذب، هجر القرآن، الزنا، الربا","level":5,"page":1664},{"title":"المطلب الرابع: حبس المدين في قبره بدينه","level":5,"page":1665},{"title":"المطلب الخامس: عذاب الميت ببكاء الحي","level":5,"page":1666},{"title":"المطلب السادس: عذاب الذي يأخذ القرآن ويرفضه، والنائم عن الصلاة المكتوبة","level":5,"page":1669},{"title":"المبحث السادس: الذين يعصمون من فتنة القبر وعذابه","level":4,"page":1670},{"title":"الفصل السابع: الروح والنفس","level":3,"page":1671},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":1671},{"title":"المبحث الأول: استقلال الروح عن البدن","level":4,"page":1672},{"title":"المبحث الثاني: مسكن الروح في الجسد","level":4,"page":1673},{"title":"المبحث الثالث: الروح مخلوقة","level":4,"page":1674},{"title":"المبحث الرابع: شبهات الذين زعموا أن الروح غير مخلوقة","level":4,"page":1676},{"title":"المبحث الخامس: هل تموت النفوس","level":4,"page":1677},{"title":"المبحث السادس: مستقر الأرواح في البرزخ، وهل العذاب على الروح أم على البدن؟","level":4,"page":1678},{"title":"المطلب الأول: مستقر الأرواح في البرزخ","level":5,"page":1678},{"title":"المطلب الثاني: هل العذاب في البرزخ على الروح أم على البدن أم على كليهما؟","level":5,"page":1682},{"title":"المبحث السابع: هل يعلم الإنسان شيئا عن أحوال الدنيا بعد موته","level":4,"page":1683},{"title":"المبحث الثامن: التفاضل في البرزخ","level":4,"page":1684},{"title":"الباب الثاني: أشراط الساعة","level":2,"page":1687},{"title":"الفصل الأول: معنى الأشراط والعلامات","level":3,"page":1687},{"title":"المبحث الأول: معنى الأشراط والعلامات لغة","level":4,"page":1687},{"title":"المبحث الثاني: معنى الأشراط والعلامات شرعا","level":4,"page":1688},{"title":"الفصل الثاني: علامات الساعة الصغرى","level":3,"page":1689},{"title":"المبحث الأول: علامات الساعة التي وقعت ولا تتكرر","level":4,"page":1689},{"title":"المطلب الأول: بعثة النبي ﷺ","level":5,"page":1689},{"title":"المطلب الثاني: موت النبي ﷺ","level":5,"page":1690},{"title":"المطلب الثالث: انشقاق القمر","level":5,"page":1691},{"title":"المطلب الرابع: نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى","level":5,"page":1692},{"title":"المطلب الخامس: فتح بيت المقدس","level":5,"page":1693},{"title":"المطلب السادس: طاعون عمواس","level":5,"page":1694},{"title":"المطلب السابع: توقف الجزية والخراج","level":5,"page":1695},{"title":"المبحث الثاني: العلامات التي وقعت وهي مستمرة أو وقعت مرة ويمكن أن تتكرر","level":4,"page":1696},{"title":"المطلب الأول: الفتوحات والحروب","level":5,"page":1696},{"title":"المطلب الثاني: خروج الدجالين أدعياء النبوة","level":5,"page":1697},{"title":"المطلب الثالث: ظهور الفتن","level":5,"page":1698},{"title":"المطلب الرابع: إسناد الأمر إلى غير أهله","level":5,"page":1700},{"title":"المطلب الخامس: اتباع سنن الأمم الماضية","level":5,"page":1701},{"title":"المطلب السادس: ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاة الشاة في البنيان","level":5,"page":1702},{"title":"المطلب السابع: استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة","level":5,"page":1703},{"title":"المطلب الثامن: تداعي الأمم على الأمة الإسلامية","level":5,"page":1704},{"title":"المطلب التاسع: ضياع الأمانة","level":5,"page":1705},{"title":"المطلب العاشر: قبض العلم وظهور الجهل","level":5,"page":1706},{"title":"المطلب الحادي عشر: الخسف والقذف والمسخ","level":5,"page":1708},{"title":"المطلب الثاني عشر: انتشار الزنا","level":5,"page":1710},{"title":"المطلب الثالث عشر: انتشار الربا","level":5,"page":1711},{"title":"المطلب الرابع عشر: ظهور المعازف واستحلالها","level":5,"page":1712},{"title":"المطلب الخامس عشر: كثرة شرب الخمر واستحلالها","level":5,"page":1713},{"title":"المطلب السادس عشر: زخرفة المساجد والتباهي بها","level":5,"page":1714},{"title":"المطلب السابع عشر: تقارب الزمن","level":5,"page":1715},{"title":"المطلب الثامن عشر: كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق","level":5,"page":1716},{"title":"المبحث الثالث: العلامات التي لم تقع بعد","level":4,"page":1717},{"title":"المطلب الأول: عودة جزيرة العرب جنات وأنهارا","level":5,"page":1717},{"title":"المطلب الثاني: انتفاخ الأهلة","level":5,"page":1718},{"title":"المطلب الثالث: تكليم السباع والجماد الإنس","level":5,"page":1719},{"title":"المطلب الرابع: انحسار الفرات عن جبل من ذهب","level":5,"page":1720},{"title":"المطلب الخامس: إخراج الأرض كنوزها المخبوءة","level":5,"page":1721},{"title":"المطلب السادس: محاصرة المسلمين إلى المدينة","level":5,"page":1722},{"title":"المطلب السابع: إحراز الجهجاه الملك","level":5,"page":1723},{"title":"المطلب الثامن: فتح القسطنطينية","level":5,"page":1724},{"title":"المطلب التاسع: فتنة الأحلاس وفتنة الدهيماء","level":5,"page":1726},{"title":"المطلب العاشر: خروج المهدي","level":5,"page":1727},{"title":"الفرع الأول: اسمه وصفته","level":6,"page":1728},{"title":"الفرع الثاني: مكان خروجه","level":6,"page":1729},{"title":"الفرع الثالث: الأدلة من السنة على ظهوره","level":6,"page":1730},{"title":"الفرع الرابع: العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي وصححوها","level":6,"page":1733},{"title":"الفرع الخامس: في نقل كلام أهل العلم في إثبات حقيقة المهدي","level":6,"page":1734},{"title":"الفرع السادس: عقائد الفرق الإسلامية في المهدي","level":6,"page":1736},{"title":"١ - عقيدة أهل السنة والجماعة","level":7,"page":1736},{"title":"٢– عقيدة الشيعة الإمامية","level":7,"page":1737},{"title":"٣ - المكذبون بوجود المهدي","level":7,"page":1738},{"title":"٤ - رجال من الحكام الماضين ادعوا المهدية أو ادعاها لهم أقوام","level":7,"page":1739},{"title":"الفصل الثالث: علامات الساعة الكبرى","level":3,"page":1742},{"title":"تمهيد","level":4,"page":1742},{"title":"المبحث الأول: الدخان","level":4,"page":1743},{"title":"المبحث الثاني: فتنة المسيح الدجال","level":4,"page":1745},{"title":"المطلب الأول: معنى المسيح","level":5,"page":1745},{"title":"المطلب الثاني: معنى الدجال","level":5,"page":1746},{"title":"المطلب الثالث: فتنة الدجال من أعظم الفتن","level":5,"page":1747},{"title":"المطلب الرابع: إمكانات الدجال التي تسبب الفتنة","level":5,"page":1748},{"title":"الفرع الأول: سرعة انتقاله في الأرض","level":6,"page":1748},{"title":"الفرع الثاني: جنته وناره","level":6,"page":1749},{"title":"الفرع الثالث: استجابة الجماد والحيوان لأمره","level":6,"page":1750},{"title":"الفرع الرابع: قتله ذلك الشاب ثم إحياؤه إياه","level":6,"page":1751},{"title":"الفرع الخامس: عقيدة أهل السنة والجماعة في المسيح الدجال","level":6,"page":1752},{"title":"المبحث الثالث: ابن صياد وهل هو الدجال الأكبر؟ وأقوال العلماء فيه","level":4,"page":1753},{"title":"المطلب الأول: هل ابن صياد هو الدجال الأكبر؟","level":5,"page":1753},{"title":"المطلب الثاني: أقوال العلماء في ابن صياد","level":5,"page":1758},{"title":"المبحث الرابع: نزول عيسى بن مريم ﵇","level":4,"page":1760},{"title":"المبحث الخامس: خروج يأجوج ومأجوج","level":4,"page":1762},{"title":"المطلب الأول: أصل تسميتهما ونسبهما","level":5,"page":1763},{"title":"المطلب الثاني: هلاك يأجوج ومأجوج وطيب العيش وبركته بعد موتهم","level":5,"page":1764},{"title":"المبحث السادس: دروس الإسلام ورفع القرآن وفناء الأخيار","level":4,"page":1765},{"title":"المبحث السابع: عودة البشرية إلى الجاهلية وعبادة الأوثان","level":4,"page":1766},{"title":"المبحث الثامن: هدم الكعبة على يد ذي السويقتين","level":4,"page":1767},{"title":"المبحث التاسع: الخسوفات الثلاثة","level":4,"page":1768},{"title":"المبحث العاشر: طلوع الشمس من مغربها وغلق باب التوبة","level":4,"page":1769},{"title":"المطلب الأول: طلوع الشمس من مغربها","level":5,"page":1769},{"title":"المطلب الثاني: غلق باب التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها","level":5,"page":1770},{"title":"المبحث الحادي عشر: خروج الدابة","level":4,"page":1772},{"title":"المبحث الثاني عشر: النار التي تحشر الناس","level":4,"page":1773},{"title":"المطلب الأول: كيفية حشرها للناس","level":5,"page":1774},{"title":"المطلب الثاني: أرض المحشر","level":5,"page":1775},{"title":"المطلب الثالث: هذا الحشر في الدنيا","level":5,"page":1776},{"title":"الفصل الرابع: ثمرات الإيمان بأشراط الساعة","level":3,"page":1778},{"title":"الباب الثالث: القيامة الكبرى","level":2,"page":1783},{"title":"الفصل الأول: من أسماء يوم القيامة، والسر في تعددها","level":3,"page":1783},{"title":"تمهيد في سر تعدد أسماء يوم القيامة:","level":4,"page":1783},{"title":"مطلب: أسماء يوم القيامة","level":4,"page":1784},{"title":"- يوم القيامة:","level":5,"page":1784},{"title":"- اليوم الآخر:","level":5,"page":1785},{"title":"- يوم الآزفة:","level":5,"page":1786},{"title":"- يوم البعث:","level":5,"page":1787},{"title":"- يوم التغابن:","level":5,"page":1788},{"title":"- يوم التلاق:","level":5,"page":1789},{"title":"- يوم التناد:","level":5,"page":1790},{"title":"– يوم الجمع:","level":5,"page":1791},{"title":"- يوم الحساب:","level":5,"page":1792},{"title":"– الحاقة:","level":5,"page":1793},{"title":"- يوم الحسرة:","level":5,"page":1794},{"title":"- يوم الخلود:","level":5,"page":1795},{"title":"- يوم الخروج:","level":5,"page":1796},{"title":"- يوم الدين:","level":5,"page":1797},{"title":"- الساعة:","level":5,"page":1798},{"title":"- الصاخة:","level":5,"page":1799},{"title":"– الطامة:","level":5,"page":1800},{"title":"– الغاشية:","level":5,"page":1801},{"title":"- يوم الفصل:","level":5,"page":1802},{"title":"- يوم الفتح:","level":5,"page":1803},{"title":"- القارعة:","level":5,"page":1804},{"title":"- الواقعة:","level":5,"page":1805},{"title":"- يوم الوعيد:","level":5,"page":1806},{"title":"الفصل الثاني: البعث والنشور","level":3,"page":1807},{"title":"المبحث الأول: تعريف البعث والنشور","level":4,"page":1808},{"title":"المطلب الأول: البعث في اللغة","level":5,"page":1809},{"title":"المطلب الثاني: البعث في الشرع","level":5,"page":1810},{"title":"المطلب الثالث: النشور في اللغة","level":5,"page":1811},{"title":"المطلب الرابع: النشور في الاصطلاح","level":5,"page":1812},{"title":"المطلب الخامس: المعاد في اللغة","level":5,"page":1813},{"title":"المطلب السادس: المعاد في الاصطلاح","level":5,"page":1814},{"title":"المبحث الثاني: حكم الإيمان بالبعث وأدلته","level":4,"page":1815},{"title":"المطلب الأول: أدلة البعث من القرآن الكريم","level":5,"page":1815},{"title":"- الإقسام على وقوع البعث:","level":6,"page":1816},{"title":"- التنبيه بالنشأة الأولى على النشأة الثانية:","level":6,"page":1817},{"title":"- التنبيه بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى:","level":6,"page":1818},{"title":"- التنبيه بخلق السموات والأرض على إحياء الموتى:","level":6,"page":1819},{"title":"- إخبار الله تعالى بما وقع من البعث الحسي المشاهد في الحياة الدنيا","level":6,"page":1820},{"title":"المطلب الثاني: أدلة البعث من السنة","level":5,"page":1821},{"title":"المبحث الثالث: أصناف منكري البعث","level":4,"page":1823},{"title":"المطلب الأول: الصنف الأول أنكروا المبدأ والمعاد","level":5,"page":1823},{"title":"المطلب الثاني: الصنف الثاني من الدهرية طائفة يقال لهم الدورية","level":5,"page":1824},{"title":"المطلب الثالث: الصنف الثالث الدهرية من مشركي العرب ومن وافقهم","level":5,"page":1825},{"title":"المطلب الرابع: الصنف الرابع ملاحدة الجهمية ومن وافقهم","level":5,"page":1826},{"title":"المطلب الخامس: الرد على منكري البعث","level":5,"page":1827},{"title":"الفصل الثالث: النفخ في الصور","level":3,"page":1832},{"title":"المبحث الأول: معنى النفخ والصور لغة واصطلاحا","level":4,"page":1832},{"title":"المطلب الأول: معنى النفخ في اللغة","level":5,"page":1832},{"title":"المطلب الثاني: معنى النفخ اصطلاحا","level":5,"page":1833},{"title":"المطلب الثالث: معنى الصور","level":5,"page":1834},{"title":"المبحث الثاني: صفة النفخ في الصور","level":4,"page":1835},{"title":"المبحث الثالث: أدلة إثبات النفخ في الصور","level":4,"page":1841},{"title":"المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم على إثبات النفخ في الصور","level":5,"page":1841},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة من السنة على إثبات النفخ في الصور","level":5,"page":1842},{"title":"المبحث الرابع: النفخات الثلاث الثابتة","level":4,"page":1843},{"title":"المبحث الخامس: النفخة الثانية نفخة الصعق","level":4,"page":1844},{"title":"المبحث السادس: النفخة الثالثة نفخة البعث والنشور","level":4,"page":1845},{"title":"الفصل الرابع: حشر الخلائق وصفته","level":3,"page":1846},{"title":"المبحث الأول: معنى الحشر في اللغة","level":4,"page":1847},{"title":"المبحث الثاني: معنى الحشر في الاصطلاح","level":4,"page":1848},{"title":"المبحث الثالث: صفة الحشر","level":4,"page":1849},{"title":"المبحث الرابع: صفة حشر الخلق وأنهم على صور شتى","level":4,"page":1859},{"title":"المبحث الخامس: أول من يحشر من الخلق","level":4,"page":1863},{"title":"المبحث السادس: التفاضل في المحشر","level":4,"page":1864},{"title":"الفصل الخامس: الموقف","level":3,"page":1866},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":1866},{"title":"المبحث الأول: تعريف الموقف لغة واصطلاحا","level":4,"page":1867},{"title":"المبحث الثاني: صفته في القرآن الكريم","level":4,"page":1868},{"title":"المبحث الثالث: صفته في السنة النبوية","level":4,"page":1870},{"title":"المبحث الرابع: صفة الأرض التي يقف الخلق عليها","level":4,"page":1871},{"title":"الفصل السادس: أهوال يوم القيامة","level":3,"page":1872},{"title":"المبحث الأول: أحوال الناس يوم القيامة","level":4,"page":1872},{"title":"المبحث الثاني: صفة أهوال يوم القيامة","level":4,"page":1881},{"title":"المطلب الأول: قبض الأرض وطي السماء","level":5,"page":1881},{"title":"المطلب الثاني: دك الأرض ونسف الجبال","level":5,"page":1882},{"title":"المطلب الثالث: تفجير البحار وتسجيرها","level":5,"page":1883},{"title":"المطلب الرابع: موران السماء وانفطارها","level":5,"page":1884},{"title":"المطلب الخامس: تكوير الشمس وخسوف القمر وتناثر النجوم","level":5,"page":1885},{"title":"الفصل السابع: الشفاعة","level":3,"page":1886},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":1886},{"title":"المبحث الأول: معنى الشفاعة في اللغة والشرع","level":4,"page":1889},{"title":"المطلب الأول: معنى الشفاعة في اللغة","level":5,"page":1889},{"title":"المطلب الثاني: معنى الشفاعة في الشرع","level":5,"page":1890},{"title":"المبحث الثاني: شروط الشفاعة","level":4,"page":1891},{"title":"المبحث الثالث: أنواع الشفاعة: (الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية)","level":4,"page":1896},{"title":"المبحث الرابع: الشفاعات التي لم يثبت بها نص صحيح","level":4,"page":1912},{"title":"المبحث الخامس: أقسام الشفعاء المقبولة شفاعتهم","level":4,"page":1920},{"title":"المطلب الأول: شفاعة نبينا محمد ﷺ","level":5,"page":1920},{"title":"المطلب الثاني: شفاعة الأنبياء الآخرين غير نبينا محمد ﷺ:","level":5,"page":1921},{"title":"المطلب الثالث: شفاعة الملائكة","level":5,"page":1922},{"title":"المطلب الرابع: شفاعة الشهداء","level":5,"page":1924},{"title":"المطلب الخامس: شفاعة الولدان","level":5,"page":1925},{"title":"المطلب السادس: شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض","level":5,"page":1927},{"title":"المطلب السابع: شفاعة القرآن الكريم","level":5,"page":1930},{"title":"الفصل الثامن: العرض على الله جل وعلا في موقف فصل القضاء","level":3,"page":1932},{"title":"المبحث الأول: معني العرض لغة واصطلاحا","level":4,"page":1932},{"title":"المطلب الأول: معنى العرض في اللغة","level":5,"page":1932},{"title":"المطلب الثاني: معنى العرض في الاصطلاح","level":5,"page":1933},{"title":"المبحث الثاني: الأدلة على حصول العرض على الله","level":4,"page":1934},{"title":"المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم","level":5,"page":1934},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة من السنة","level":5,"page":1935},{"title":"الفصل التاسع: الصحف","level":3,"page":1937},{"title":"المبحث الأول: الأدلة على كتابة الملائكة لكل ما يصدر عن العباد","level":4,"page":1938},{"title":"المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم","level":5,"page":1939},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة من السنة","level":5,"page":1940},{"title":"المبحث الثاني: إثبات أن كل إنسان يقرأ كتابه في يوم القيامة والأدلة على ذلك","level":4,"page":1942},{"title":"تمهيد","level":5,"page":1942},{"title":"المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم على ذلك","level":5,"page":1943},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة من السنة النبوية","level":5,"page":1945},{"title":"الفصل العاشر: الحساب والجزاء","level":3,"page":1948},{"title":"المبحث الأول: تعريف الحساب في اللغة والشرع","level":4,"page":1948},{"title":"المطلب الأول: تعريف الحساب في اللغة","level":5,"page":1948},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الحساب في الشرع","level":5,"page":1949},{"title":"المبحث الثاني: أدلة إثبات الحساب","level":4,"page":1950},{"title":"تمهيد","level":5,"page":1950},{"title":"المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم","level":5,"page":1951},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة من السنة النبوية","level":5,"page":1952},{"title":"المبحث الثالث: قواعد محاسبة العباد على أعمالهم","level":4,"page":1954},{"title":"المطلب الأول: العدل التام الخالي من الظلم","level":5,"page":1954},{"title":"المطلب الثاني: لا يؤخذ أحد بجريرة غيره","level":5,"page":1955},{"title":"المطلب الثالث: اطلاع العباد على سجلات أعمالهم","level":5,"page":1956},{"title":"المطلب الرابع: مضاعفة الحسنات دون السيئات","level":5,"page":1957},{"title":"المطلب الخامس: إقامة الشهود","level":5,"page":1958},{"title":"المبحث الرابع: متى يكون الحساب؟ وأين يكون المحاسبون؟","level":4,"page":1959},{"title":"المبحث الخامس: من يشملهم الحساب","level":4,"page":1961},{"title":"المبحث السادس: ما يسأل عنه العباد","level":4,"page":1963},{"title":"المطلب الأول: الكفر والشرك","level":5,"page":1963},{"title":"المطلب الثاني: ما عمله في دنياه","level":5,"page":1964},{"title":"المطلب الثالث: النعيم الذي يتمتع به","level":5,"page":1965},{"title":"المطلب الرابع: العهود والمواثيق","level":5,"page":1966},{"title":"المطلب الخامس: السمع والبصر والفؤاد","level":5,"page":1967},{"title":"المبحث السابع: أول من يحاسب من الناس","level":4,"page":1968},{"title":"المبحث الثامن: العباد وأنواع الحساب","level":4,"page":1970},{"title":"المطلب الأول: أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله","level":5,"page":1970},{"title":"المطلب الثاني: أنواع الحساب","level":5,"page":1971},{"title":"المطلب الثالث: أمثلة من السنة للمناقشة والعرض والمعاتبة","level":5,"page":1972},{"title":"المبحث التاسع: التفاضل في الحساب","level":4,"page":1974},{"title":"الفصل الحادي عشر: اقتصاص المظالم بين الخلق","level":3,"page":1976},{"title":"تمهيد","level":4,"page":1976},{"title":"المبحث الأول: كيف يكون الاقتصاص في يوم القيامة","level":4,"page":1977},{"title":"المبحث الثاني: عظم شأن الدماء","level":4,"page":1978},{"title":"المبحث الثالث: الاقتصاص للبهائم بعضها من بعض","level":4,"page":1979},{"title":"المبحث الرابع: متى يقتص للمؤمنين بعضهم من بعض","level":4,"page":1981},{"title":"الفصل الثاني عشر: الميزان","level":3,"page":1982},{"title":"المبحث الأول: تعريف الميزان لغة واصطلاحا","level":4,"page":1983},{"title":"المطلب الأول: تعريف الميزان في اللغة","level":5,"page":1984},{"title":"المطلب الثاني: الميزان في الاصطلاح","level":5,"page":1985},{"title":"المبحث الثاني: أدلة إثبات الميزان","level":4,"page":1986},{"title":"تمهيد","level":5,"page":1986},{"title":"المطلب الأول: أدلة إثبات الميزان من القرآن الكريم","level":5,"page":1987},{"title":"المطلب الثاني: أدلة إثبات الميزان من السنه النبوية","level":5,"page":1988},{"title":"المبحث الثالث: وجوب الإيمان بالميزان، وإجماع الأمة على ذلك","level":4,"page":1992},{"title":"المبحث الرابع: حقيقة الميزان عند أهل السنة","level":4,"page":1993},{"title":"المبحث الخامس: صفات الميزان","level":4,"page":1994},{"title":"المبحث السادس: الأقوال في الموزون","level":4,"page":1998},{"title":"المطلب الأول: ما الذي يوزن في الميزان","level":5,"page":1998},{"title":"المطلب الثاني: الأعمال التي تثقل في الميزان","level":5,"page":2000},{"title":"المبحث السابع: حكمة الله تعالى في وزن أعمال العباد والرد على من ينكره","level":4,"page":2001},{"title":"الفصل الثالث عشر: الحشر إلى دار القرار","level":3,"page":2003},{"title":"المبحث الأول: كل أمة تتبع الإله الذي كانت تعبده","level":4,"page":2003},{"title":"المبحث الثاني: حشر الكفار إلى النار","level":4,"page":2005},{"title":"الفصل الرابع عشر: الصراط","level":3,"page":2007},{"title":"المبحث الأول: تعريف الصراط","level":4,"page":2008},{"title":"المبحث الثاني: صفة الصراط","level":4,"page":2009},{"title":"المبحث الثالث: معتقد أهل السنة في الصراط","level":4,"page":2011},{"title":"المبحث الرابع: مرور المؤمنين على الصراط وخلاص المؤمنين من المنافقين","level":4,"page":2012},{"title":"المبحث الخامس: الذين يمرون على الصراط هم المؤمنون دون المشركين","level":4,"page":2016},{"title":"المبحث السادس: أول من يجيز الصراط","level":4,"page":2017},{"title":"المبحث السابع: الناجون والهالكون","level":4,"page":2018},{"title":"المبحث الثامن: التفاضل في المرور على الصراط","level":4,"page":2020},{"title":"المبحث التاسع: القنطرة","level":4,"page":2021},{"title":"تمهيد","level":5,"page":2021},{"title":"المطلب الأول: أدلة إثبات القنطرة","level":5,"page":2022},{"title":"المطلب الثاني: موضع تلك القنطرة","level":5,"page":2023},{"title":"الفصل الخامس عشر: الورود","level":3,"page":2024},{"title":"المبحث الأول: لفظة الورود في القرآن الكريم","level":4,"page":2024},{"title":"المبحث الثاني: أقوال العلماء في معني الورود","level":4,"page":2025},{"title":"الفصل السادس عشر: أصحاب الأعراف","level":3,"page":2029},{"title":"المبحث الأول: المراد بالأعراف لغة وشرعا","level":4,"page":2029},{"title":"المطلب الأول: معنى الأعراف لغة","level":5,"page":2029},{"title":"المطلب الثاني: معنى الأعراف شرعا","level":5,"page":2030},{"title":"المطلب الثالث: ما ورد في القرآن الكريم بشأن أصحاب الأعراف","level":5,"page":2031},{"title":"المبحث الثاني: الخلاف في تعيين أصحاب الأعراف","level":4,"page":2032},{"title":"المبحث الثالث: الراجح في أهل الأعراف","level":4,"page":2037},{"title":"الفصل السابع عشر: الحوض المورود","level":3,"page":2038},{"title":"تمهيد","level":4,"page":2038},{"title":"المبحث الأول: تعريف الحوض في اللغة والاصطلاح","level":4,"page":2039},{"title":"المطلب الأول: الحوض في اللغة","level":5,"page":2039},{"title":"المطلب الثاني: الحوض في الاصطلاح","level":5,"page":2040},{"title":"المطلب الثالث: الأحاديث الواردة في الحوض","level":5,"page":2041},{"title":"المبحث الثاني: الإيمان بالحوض","level":4,"page":2052},{"title":"المبحث الثالث: أقوال علماء الإسلام في إثبات الحوض","level":4,"page":2053},{"title":"المبحث الرابع: صفة الحوض","level":4,"page":2054},{"title":"المطلب الأول: سعة حوض النبي ﷺ","level":5,"page":2054},{"title":"المطلب الثاني: لون ماء الحوض وريحه","level":5,"page":2055},{"title":"المطلب الثالث: أباريق الحوض","level":5,"page":2056},{"title":"المبحث الخامس: التفاضل في ورود الحوض","level":4,"page":2057},{"title":"الفصل الثامن عشر: الكوثر","level":3,"page":2058},{"title":"المبحث الأول: تعريف الكوثر في اللغة والاصطلاح","level":4,"page":2058},{"title":"المطلب الأول: تعريف الكوثر لغة","level":5,"page":2058},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الكوثر اصطلاحا","level":5,"page":2059},{"title":"المبحث الثاني: الأدلة على إثبات الكوثر","level":4,"page":2061},{"title":"المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم:","level":5,"page":2061},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة من السنة:","level":5,"page":2062},{"title":"المبحث الثالث: تسمية الكوثر بالحوض والحوض بالكوثر وبيان وجه الاتصال بينهما","level":4,"page":2064},{"title":"الباب الرابع: الجنة والنار","level":2,"page":2065},{"title":"الفصل الأول: الجنة","level":3,"page":2065},{"title":"المبحث الأول: تعريف الجنة","level":4,"page":2065},{"title":"المبحث الثاني: دخول الجنة","level":4,"page":2066},{"title":"تمهيد:","level":5,"page":2066},{"title":"المطلب الأول: الشفاعة في دخول الجنة","level":5,"page":2067},{"title":"المطلب الثاني: تهذيب المؤمنين وتنقيتهم قبل الدخول","level":5,"page":2068},{"title":"المطلب الثالث: الأوائل في دخول الجنة","level":5,"page":2069},{"title":"المطلب الرابع: الذين يدخلون الجنة بغير حساب","level":5,"page":2071},{"title":"المطلب الخامس: الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة","level":5,"page":2072},{"title":"المطلب السادس: دخول عصاة المؤمنين الجنة","level":5,"page":2073},{"title":"المطلب السابع: آخر من يدخل الجنة","level":5,"page":2074},{"title":"المطلب الثامن: الذين دخلوا الجنة قبل يوم القيامة","level":5,"page":2075},{"title":"المبحث الثالث: أسماء الجنة","level":4,"page":2076},{"title":"المبحث الرابع: صفة الجنة","level":4,"page":2080},{"title":"المطلب الأول: نعيم الجنة","level":5,"page":2080},{"title":"المطلب الثاني: مفتاح الجنة","level":5,"page":2084},{"title":"المطلب الثالث: أبواب الجنة","level":5,"page":2085},{"title":"المطلب الرابع: درجات الجنة","level":5,"page":2088},{"title":"المطلب الخامس: تربة الجنة","level":5,"page":2093},{"title":"المطلب السادس: أنهار الجنة","level":5,"page":2095},{"title":"المطلب السابع: عيون الجنة","level":5,"page":2097},{"title":"المطلب الثامن: قصور الجنة وخيامها","level":5,"page":2098},{"title":"المطلب التاسع: الثامن: عيم الجنةنور الجنة","level":5,"page":2100},{"title":"المطلب العاشر: ريح الجنة","level":5,"page":2101},{"title":"المطلب الحادي عشر: أشجار الجنة وثمارها","level":5,"page":2103},{"title":"الفرع الأول: كثرة أشجار الجنة وثمارها","level":6,"page":2103},{"title":"الفرع الثاني: وصف بعض شجر الجنة","level":6,"page":2104},{"title":"المطلب الثاني عشر: دواب الجنة وطيورها","level":5,"page":2106},{"title":"المبحث الخامس: أصحاب الجنة","level":4,"page":2107},{"title":"المطلب الأول: بعض الأعمال التي استحقوا بها الجنة","level":5,"page":2107},{"title":"المطلب الثاني: طريق الجنة شاق","level":5,"page":2109},{"title":"المطلب الثالث: أهل الجنة يرثون نصيب أهل النار في الجنة","level":5,"page":2110},{"title":"المطلب الرابع: الضعفاء أكثر أهل الجنة","level":5,"page":2111},{"title":"المطلب الخامس: هل الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟","level":5,"page":2112},{"title":"المطلب السادس: مقدار ما يدخل الجنة من هذه الأمة","level":5,"page":2113},{"title":"المطلب السابع: أعلى أهل الجنة منزلة","level":5,"page":2115},{"title":"المبحث السادس: سادة أهل الجنة من هذه الأمة","level":4,"page":2116},{"title":"المطلب الأول: سيدا كهول أهل الجنة","level":5,"page":2116},{"title":"المطلب الثاني: سيدا شباب أهل الجنة","level":5,"page":2117},{"title":"المطلب الثالث: سيدات نساء أهل الجنة","level":5,"page":2118},{"title":"المطلب الرابع: العشرة المبشرون بالجنة","level":5,"page":2119},{"title":"المطلب الخامس: بعض من نص على أنهم في الجنة غير من ذكر","level":5,"page":2120},{"title":"المطلب السادس: الجنة ليست ثمنا للعمل","level":5,"page":2122},{"title":"المبحث السابع: صفة أهل الجنة ونعيمهم فيها","level":4,"page":2123},{"title":"المطلب الأول: نعيم أهل الجنة","level":5,"page":2124},{"title":"المطلب الثاني: طعام أهل الجنة وشرابهم","level":5,"page":2127},{"title":"المطلب الثالث: خمر أهل الجنة","level":5,"page":2129},{"title":"المطلب الرابع: أول طعام أهل الجنة","level":5,"page":2130},{"title":"المطلب الخامس: طعام أهل الجنة وشرابهم لا دنس معه","level":5,"page":2131},{"title":"المطلب السادس: لماذا يأكل أهل الجنة ويشربون ويمتشطون؟","level":5,"page":2132},{"title":"المطلب السابع: آنية طعام أهل الجنة وشرابهم","level":5,"page":2133},{"title":"المطلب الثامن: لباس أهل الجنة وحليهم ومباخرهم","level":5,"page":2134},{"title":"المطلب التاسع: فرش أهل الجنة","level":5,"page":2135},{"title":"المطلب العاشر: خدم أهل الجنة","level":5,"page":2136},{"title":"المطلب الحادي عشر: سوق أهل الجنة","level":5,"page":2137},{"title":"المطلب الثاني عشر: زيارة أهل الجنة ربهم","level":5,"page":2138},{"title":"المطلب الثالث عشر: اجتماع أهل الجنة وأحاديثهم","level":5,"page":2139},{"title":"المطلب الرابع عشر: أماني أهل الجنة","level":5,"page":2140},{"title":"المطلب الخامس عشر: نساء أهل الجنة","level":5,"page":2141},{"title":"المطلب السادس عشر: المرأة لآخر أزواجها","level":5,"page":2142},{"title":"المطلب السابع عشر: الحور العين","level":5,"page":2143},{"title":"المطلب الثامن عشر: غناء الحور العين","level":5,"page":2144},{"title":"المطلب التاسع عشر: غيرة الحور العين على أزواجهن في الدنيا","level":5,"page":2145},{"title":"المطلب العشرون: يعطى المؤمن في الجنة قوة مائة رجل","level":5,"page":2146},{"title":"المطلب الحادي والعشرون: ضحك أهل الجنة من أهل النار","level":5,"page":2147},{"title":"المطلب الثاني والعشرون: التسبيح والتكبير من نعيم أهل الجنة","level":5,"page":2148},{"title":"المطلب الثالث والعشرون: رؤية الله ورضاه أفضل ما يعطاه أهل الجنة","level":5,"page":2149},{"title":"المبحث الثامن: المحاجة بين الجنة والنار","level":4,"page":2150},{"title":"المبحث التاسع: الجنة خالدة وأهلها خالدون","level":4,"page":2151},{"title":"المطلب الأول: عدم فناء الجنة","level":5,"page":2152},{"title":"المطلب الثاني: النصوص الدالة على أن الجنة خالدة وأهلها خالدون","level":5,"page":2153},{"title":"المطلب الثالث: القائلون بفناء الجنة","level":5,"page":2154},{"title":"الفصل الثاني: النار","level":3,"page":2155},{"title":"المبحث الأول: تعريف النار","level":4,"page":2155},{"title":"المبحث الثاني: الجنة والنار مخلوقتان","level":4,"page":2156},{"title":"المبحث الثالث: في بيان وجود النار الآن","level":4,"page":2158},{"title":"المبحث الرابع: شبهة من قال النار لم تخلق بعد","level":4,"page":2160},{"title":"المبحث الخامس: خزنة النار","level":4,"page":2161},{"title":"المبحث السادس: صفة النار","level":4,"page":2162},{"title":"المطلب الأول: مكان النار","level":5,"page":2162},{"title":"المطلب الثاني: سعة النار وبعد قعرها","level":5,"page":2165},{"title":"المطلب الثالث: دركات النار","level":5,"page":2167},{"title":"المطلب الرابع: سجر جهنم وتسعرها","level":5,"page":2168},{"title":"المطلب الخامس: أبواب النار","level":5,"page":2169},{"title":"المطلب السادس: بعد أبواب جهنم بعضها من بعض وما أعد الله تعالى فيها من العذاب","level":5,"page":2170},{"title":"المطلب السابع: وقود النار","level":5,"page":2171},{"title":"المطلب الثامن: شدة حرها وعظم دخانها وشرارها، وزمهريرها","level":5,"page":2172},{"title":"المطلب التاسع: النار تتكلم وتبصر","level":5,"page":2175},{"title":"المطلب العاشر: رؤيا ابن عمر للنار","level":5,"page":2176},{"title":"المطلب الحادي عشر: هل يرى أحد النار قبل يوم القيامة عيانا؟","level":5,"page":2177},{"title":"المطلب الثاني عشر: تأثير النار على الدنيا وأهلها","level":5,"page":2178},{"title":"المبحث السابع: أهل النار","level":4,"page":2179},{"title":"المطلب الأول: أهل النار المخلدون فيها","level":5,"page":2179},{"title":"المطلب الثاني: النار مسكن الكفرة المشركين","level":5,"page":2180},{"title":"المطلب الثالث: الدعاة إلى النار","level":5,"page":2181},{"title":"المطلب الرابع: أعظم جرائم الخالدين في النار","level":5,"page":2182},{"title":"المطلب الخامس: جملة الجرائم التي تدخل النار","level":5,"page":2184},{"title":"المطلب السادس: أشخاص بأعيانهم في النار","level":5,"page":2185},{"title":"المطلب السابع: كفرة الجن في النار","level":5,"page":2186},{"title":"المطلب الثامن: الذين لا يخلدون في النار","level":5,"page":2187},{"title":"المطلب التاسع: صفات أهل النار","level":5,"page":2188},{"title":"المبحث الثامن: الذنوب المتوعد عليها بالنار","level":4,"page":2193},{"title":"المطلب الأول: الفرق المخالفة للسنة","level":5,"page":2194},{"title":"المطلب الثاني: الممتنعون من الهجرة","level":5,"page":2195},{"title":"المطلب الثالث: الجائرون في الحكم","level":5,"page":2196},{"title":"المطلب الرابع: الكذب على الرسول ﷺ","level":5,"page":2197},{"title":"المطلب الخامس: الكبر","level":5,"page":2198},{"title":"المطلب السادس: قاتل النفس بغير حق","level":5,"page":2199},{"title":"المطلب السابع: أكلة الربا","level":5,"page":2200},{"title":"المطلب الثامن: أكلة أموال الناس بالباطل","level":5,"page":2201},{"title":"المطلب التاسع: المصورون","level":5,"page":2202},{"title":"المطلب العاشر: الركون إلى الظالمين","level":5,"page":2203},{"title":"المطلب الحادي عشر: الكاسيات العاريات والذين يجلدون ظهور الناس","level":5,"page":2204},{"title":"المطلب الثاني عشر: الذين يعذبون الحيوان","level":5,"page":2205},{"title":"المطلب الثالث عشر: عدم الإخلاص في طلب العلم","level":5,"page":2206},{"title":"المطلب الرابع عشر: الذين يشربون في آنية الذهب والفضة","level":5,"page":2207},{"title":"المطلب الخامس عشر: الذي يقطع السدر الذي يظل الناس","level":5,"page":2208},{"title":"المطلب السادس عشر: جزاء الانتحار","level":5,"page":2209},{"title":"المبحث التاسع: كثرة أهل النار","level":4,"page":2210},{"title":"المطلب الأول: النصوص الدالة على كثرة أهل النار","level":5,"page":2210},{"title":"المطلب الثاني: السر في كثرة أهل النار","level":5,"page":2212},{"title":"المطلب الثالث: أكثر من يدخل النار النساء","level":5,"page":2213},{"title":"المبحث العاشر: عظم خلق أهل النار","level":4,"page":2214},{"title":"المبحث الحادي عشر: طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم","level":4,"page":2215},{"title":"المبحث الثاني عشر: عذاب أهل النار وصوره","level":4,"page":2217},{"title":"المطلب الأول: شدة ما يكابده أهل النار من عذاب","level":5,"page":2217},{"title":"المطلب الثاني: صور من عذابهم","level":5,"page":2218},{"title":"المطلب الثالث: إنضاج الجلود","level":5,"page":2219},{"title":"المطلب الرابع: الصهر","level":5,"page":2220},{"title":"المطلب الخامس: اللفح","level":5,"page":2221},{"title":"المطلب السادس: السحب","level":5,"page":2222},{"title":"المطلب السابع: تسويد الوجوه","level":5,"page":2223},{"title":"المطلب الثامن: إحاطة النار بالكفار","level":5,"page":2224},{"title":"المطلب التاسع: إطلاع النار على الأفئدة","level":5,"page":2225},{"title":"المطلب العاشر: اندلاق الأمعاء في النار","level":5,"page":2226},{"title":"المطلب الحادي عشر: قيود أهل النار وأغلالهم وسلاسلهم ومطارقهم","level":5,"page":2227},{"title":"المطلب الثاني عشر: قرن معبوداتهم وشياطينهم بهم في النار","level":5,"page":2228},{"title":"المطلب الثالث عشر: حسرتهم وندمهم ودعاؤهم","level":5,"page":2229},{"title":"المبحث الثالث عشر: كيف يتقي الإنسان نار الله؟","level":4,"page":2231},{"title":"المبحث الرابع عشر: بقاء النار وعدم فنائها","level":4,"page":2233},{"title":"المطلب الأول: النار خالدة لا تبيد","level":5,"page":2233},{"title":"المطلب الثاني: القائلون بفناء النار","level":5,"page":2237},{"title":"الكتاب السابع: الإيمان بالقضاء والقدر","level":1,"page":2240},{"title":"الباب الأول: تعريف القضاء والقدر وحكمه ومراتبه","level":2,"page":2240},{"title":"الفصل الأول: تعريف القضاء والقدر","level":3,"page":2240},{"title":"المبحث الأول: القضاء والقدر لغة","level":4,"page":2240},{"title":"المطلب الأول: القضاء لغة","level":5,"page":2240},{"title":"المطلب الثاني: القدر لغة","level":5,"page":2241},{"title":"المبحث الثاني: معنى القضاء والقدر شرعا، والفرق بينهما","level":4,"page":2242},{"title":"المطلب الأول: معنى القضاء والقدر شرعا","level":5,"page":2242},{"title":"المطلب الثاني: الفرق بين القضاء والقدر","level":5,"page":2243},{"title":"المبحث الثالث: نشأة القول بالقدر (القدرية الأولى)","level":4,"page":2244},{"title":"الفصل الثاني: حكم الإيمان بالقضاء والقدر، ومراتبه","level":3,"page":2248},{"title":"المبحث الأول: حكم الإيمان بالقضاء والقدر، وأدلته","level":4,"page":2248},{"title":"المطلب الأول: حكم الإيمان بالقضاء والقدر","level":5,"page":2248},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة على وجوب الإيمان بالقدر","level":5,"page":2250},{"title":"المبحث الثاني: مراتب الإيمان بالقدر","level":4,"page":2252},{"title":"تمهيد","level":5,"page":2252},{"title":"المطلب الأول: المرتبة الأولى، الإيمان بعلم الله الشامل","level":5,"page":2253},{"title":"المطلب الثاني: المرتبة الثانية، الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء","level":5,"page":2256},{"title":"الفرع الأول: مرتبة الكتابة","level":6,"page":2257},{"title":"الفرع الثاني: أدلة مرتبة الكتابة","level":6,"page":2258},{"title":"المطلب الثالث: المرتبة الثالثة، الإيمان بمشيئة الله الشاملة وقدرته النافذة","level":5,"page":2263},{"title":"الفرع الأول: مرتبة المشيئة","level":6,"page":2264},{"title":"الفرع الثاني: أدلة مرتبة المشيئة","level":6,"page":2265},{"title":"المطلب الرابع: المرتبة الرابعة، الإيمان بأن الله خالق كل شيء","level":5,"page":2268},{"title":"الفرع الأول: مرتبة الخلق","level":6,"page":2268},{"title":"الفرع الثاني: أدلة مرتبة الخلق","level":6,"page":2269},{"title":"الباب الثاني: قواعد في باب القضاء والقدر، وحدود نظر العقل في القدر","level":2,"page":2272},{"title":"الفصل الأول: قواعد في باب القضاء والقدر","level":3,"page":2272},{"title":"المبحث الأول: أفعال الله كلها عدل ورحمة وحكمة","level":4,"page":2272},{"title":"المبحث الثاني: تقسيم القدر إلى خير وشر وبيان عدم جواز نسبة الشر على الله","level":4,"page":2274},{"title":"المبحث الثالث: قدره سبحانه ليس فيه ظلم لأحد","level":4,"page":2277},{"title":"المبحث الرابع: مشيئة الله ﷿ نافذة","level":4,"page":2278},{"title":"المبحث الخامس: الفرق بين المشيئة والإرادة (الإرادة الكونية والإرادة الشرعية)","level":4,"page":2279},{"title":"الفصل الثاني: حدود نظر العقل في القدر","level":3,"page":2280},{"title":"المبحث الأول: الاعتماد في معرفة القدر وحدوده وأبعاده على الكتاب والسنة","level":4,"page":2280},{"title":"المبحث الثاني: مدى إدراك العقل للعلل والأوامر والأفعال وما فيها من حسن وقبح","level":4,"page":2282},{"title":"المبحث الثالث: الحكم الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع","level":4,"page":2283},{"title":"الباب الثالث: تقدير الله أفعال العباد، وثمار الإيمان بالقدر","level":2,"page":2284},{"title":"الفصل الأول: تقدير الله أفعال العباد","level":3,"page":2284},{"title":"تمهيد","level":4,"page":2284},{"title":"المبحث الأول: النصوص الدالة على تقدير الله أفعال العباد","level":4,"page":2285},{"title":"المبحث الثاني: علم الله بأهل الجنة وأهل النار","level":4,"page":2286},{"title":"المبحث الثالث: استخراج ذرية آدم من ظهره بعد خلقه وقسمهم إلى فريقين: أهل الجنة وأهل النار","level":4,"page":2287},{"title":"المبحث الرابع: كتابة الله لأهل الجنة وأهل النار","level":4,"page":2288},{"title":"المبحث الخامس: التقدير في ليلة القدر والتقدير اليومي","level":4,"page":2289},{"title":"المبحث السادس: كتابة ما قدر للإنسان وهو جنين في رحم أمه","level":4,"page":2290},{"title":"الفصل الثاني: ثمار الإيمان بالقدر","level":3,"page":2291},{"title":"تمهيد","level":4,"page":2291},{"title":"المبحث الأول: الإيمان بالقدر يدعو إلى العمل والنشاط والسعي بما يرضي الله","level":4,"page":2292},{"title":"المبحث الثاني: من آثار الإيمان بالقدر أن يعرف الإنسان قدر نفسه","level":4,"page":2294},{"title":"المبحث الثالث: الإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تعصف بالمجتمعات","level":4,"page":2295},{"title":"المبحث الرابع: الإيمان بالقدر من أكبر العوامل التي تكون سببا في استقامة المسلم","level":4,"page":2296},{"title":"المبحث الخامس: الإيمان بالقدر يغرس في نفس المؤمن حقائق الإيمان المتعددة","level":4,"page":2297},{"title":"المبحث السادس: من آثار الإيمان بالقدر أن الداعي إلى الله يصدع بدعوته","level":4,"page":2298},{"title":"المبحث السابع: الإيمان بالقدر طريق الخلاص من الشرك","level":4,"page":2299},{"title":"المبحث الثامن: الاستقامة على منهج سواء في السراء والضراء","level":4,"page":2300},{"title":"المبحث التاسع: المؤمن بالقدر دائما على حذر","level":4,"page":2301},{"title":"المبحث العاشر: مواجهة الصعاب والأخطار بقلب ثابت","level":4,"page":2302},{"title":"الباب الرابع: المذاهب في القدر، وأسباب الضلال فيه، وحكم الاحتجاج به","level":2,"page":2304},{"title":"الفصل الأول: المذاهب في القدر","level":3,"page":2304},{"title":"المبحث الأول: مذهب المكذبين بالقدر","level":4,"page":2304},{"title":"المبحث الثاني: محاورة أهل السنة للقدرية","level":4,"page":2308},{"title":"الفصل الثاني: شبهات وجوابها","level":3,"page":2311},{"title":"المبحث الأول: معنى المحو والإثبات في الصحف، وزيادة الأجل ونقصانه","level":4,"page":2311},{"title":"المبحث الثاني: التوفيق بين الأقدار وبين كل مولود يولد على الفطرة","level":4,"page":2312},{"title":"المبحث الثالث: معنى قوله: وما أصابك من سيئة فمن نفسك","level":4,"page":2313},{"title":"المبحث الرابع: كيف يخلق الله الشر ويقدره؟","level":4,"page":2314},{"title":"الفصل الثالث: التاركون للعمل اتكالا على القدر","level":3,"page":2315},{"title":"الفصل الرابع: الرد على القدرية الجبرية","level":3,"page":2318},{"title":"المبحث الأول: الوجه الأول خطؤهم في إطلاق اسم الجبر على ما يؤديه الإنسان من أفعال","level":4,"page":2319},{"title":"المبحث الثاني: الوجه الثاني إنكار الاختيار في أفعال العباد نقص في العقل","level":4,"page":2320},{"title":"المبحث الثالث: الوجه الثالث زعمهم أن كل شيء قدره الله وخلقه فقد رضيه وأحبه","level":4,"page":2321},{"title":"المبحث الرابع: الوجه الرابع زعمهم أن الإيمان بالقدر يقضي بترك الأعمال وإهمال الأسباب","level":4,"page":2322},{"title":"المبحث الخامس: الوجه الخامس احتجاجهم بالقدر","level":4,"page":2325},{"title":"المبحث السادس: هل الرضا بالمقدور واجب؟","level":4,"page":2328},{"title":"المبحث السابع: الوجه السادس الزعم بأن تكليف العباد غير ما فعلوا هو من باب التكليف بما لا يطاق","level":4,"page":2329},{"title":"المبحث الثامن: الوجه السابع يلزم من قوله التسوية بين المختلفين","level":4,"page":2330},{"title":"الفصل الخامس: مذهب أهل السنة والجماعة في القدر","level":3,"page":2331},{"title":"الفصل السادس: من أقوال السلف في القدر","level":3,"page":2332},{"title":"الفصل السابع: أسباب الضلال في القدر وحكم الاحتجاج به","level":3,"page":2337},{"title":"المبحث الأول: أسباب الضلال في القدر","level":4,"page":2337},{"title":"المبحث الثاني: حكم الاحتجاج بالقدر","level":4,"page":2338},{"title":"الكتاب الثامن: حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة","level":1,"page":2351},{"title":"الباب الأول: حقيقة الإيمان وبيان الخلاف في مسماه","level":2,"page":2351},{"title":"الفصل الأول: تعريف الإيمان لغة وشرعا والعلاقة بينهما","level":3,"page":2351},{"title":"المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة","level":4,"page":2351},{"title":"المبحث الثاني: تعريف الإيمان شرعا","level":4,"page":2354},{"title":"المبحث الثالث: العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي","level":4,"page":2355},{"title":"الفصل الثاني: حقيقة الإيمان الشرعية عند أهل السنة","level":3,"page":2363},{"title":"تمهيد: أهمية مسألة الإيمان","level":4,"page":2363},{"title":"المبحث الأول: الإيمان عند أهل السنة والجماعة","level":4,"page":2364},{"title":"المبحث الثاني: أصل النزاع في تعريف الإيمان","level":4,"page":2371},{"title":"تمهيد","level":5,"page":2371},{"title":"الأصل الأول","level":5,"page":2372},{"title":"الأصل الثاني","level":5,"page":2373},{"title":"الأصل الثالث","level":5,"page":2374},{"title":"الأصل الرابع","level":5,"page":2375},{"title":"المبحث الثالث: معنى الإقرار والتصديق في كلام السلف","level":4,"page":2376},{"title":"المبحث الرابع: معنى قول السلف الإيمان قول وعمل","level":4,"page":2380},{"title":"المبحث الخامس: أصول من كلام أئمة أهل السنة","level":4,"page":2396},{"title":"الأصل الأول: لا يكون إسلام إلا بإيمان، ولا يكون إيمان إلا بإسلام.","level":5,"page":2396},{"title":"الأصل الثاني: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بالإيمان","level":5,"page":2397},{"title":"الأصل الثالث: لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول","level":5,"page":2398},{"title":"الأصل الرابع: الإيمان قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر","level":5,"page":2399},{"title":"الأصل الخامس: أن ترك الفرائض ليس بمنزلة ركوب المحارم","level":5,"page":2400},{"title":"الأصل السادس: قول أهل السنة إنا لا نكفر بالذنب، إنما يراد به المعاصي لا المباني","level":5,"page":2401},{"title":"الأصل السابع: في بيان الفرق بين ترك الصلاة وترك العمل","level":5,"page":2402},{"title":"الأصل الثامن: الإيمان ثلاث درجات انظر: «حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة» محمد عبدالهادي المصري (ص: ٥٥)، و«نواقض الإيمان الاعتقادية» د. محمد بن عبدالله بن علي الوهيبي (١/ ٩٤). .","level":5,"page":2406},{"title":"الأصل التاسع: في بيان الأعمال الظاهرة الدالة على حقيقة إيمان القلب","level":5,"page":2407},{"title":"الأصل العاشر: أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب ولازمة لها","level":5,"page":2408},{"title":"الأصل الحادي عشر: جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب","level":5,"page":2411},{"title":"الأصل الثاني عشر: (الإرادة الجازمة للفعل مع القدرة التامة (توجب وقوع المقدور) أو (لا يتخلف عنها العمل) أو (توجب فعل المراد) «الجواب الصحيح» لابن تيمية (٦/ ٤٨٩). .","level":5,"page":2412},{"title":"الفصل الثالث: حقيقة الإيمان وارتباط العمل به","level":3,"page":2414},{"title":"المبحث الأول: الإيمان حقيقة مركبة","level":4,"page":2414},{"title":"المبحث الثاني: أدلة أهل السنة على إدخال الأعمال في مسمى الإيمان","level":4,"page":2416},{"title":"المبحث الثالث: عناصر الإيمان","level":4,"page":2418},{"title":"تمهيد:","level":5,"page":2418},{"title":"العنصر الأول الاعتقاد بالقلب","level":5,"page":2419},{"title":"المسألة الأولى: الاعتقاد بالقلب","level":6,"page":2419},{"title":"المسألة الثانية: أهمية عمل القلب","level":6,"page":2423},{"title":"المسألة الثالثة: إثبات عمل القلب","level":6,"page":2426},{"title":"العنصر الثاني الإقرار باللسان","level":5,"page":2428},{"title":"العنصر الثالث العمل بالجوارح","level":5,"page":2433},{"title":"المسألة الأولى: العلاقة بين إيمان القلب وعمل الجوارح","level":6,"page":2434},{"title":"المسألة الثانية: دقة عبارات السلف في تقرير التلازم بين الإيمان والعمل","level":6,"page":2438},{"title":"الفصل الرابع: مفهوم الإيمان والكفر عند الفرق","level":3,"page":2441},{"title":"المبحث الأول: تعريف الكفر","level":4,"page":2441},{"title":"المبحث الثاني: الخوارج والمعتزلة وقولهم في أصحاب الذنوب","level":4,"page":2443},{"title":"المبحث الثالث: مذهب الجهمية","level":4,"page":2445},{"title":"المطلب الأول: قولهم في الإيمان","level":5,"page":2445},{"title":"المطلب الثاني: مفهوم الكفر عند الجهمية","level":5,"page":2447},{"title":"المطلب الثالث: أغلاط جهم","level":5,"page":2451},{"title":"المبحث الرابع: مذهب الكرامية","level":4,"page":2452},{"title":"المبحث الخامس: مذهب الأشاعرة","level":4,"page":2454},{"title":"المطلب الأول: قولهم في الإيمان","level":5,"page":2454},{"title":"المطلب الثاني: أشاعرة وافقوا السلف","level":5,"page":2456},{"title":"المطلب الثالث: قولهم في الزيادة والنقصان","level":5,"page":2459},{"title":"المطلب الرابع: قولهم في الاستثناء في الإيمان","level":5,"page":2460},{"title":"المطلب الخامس: الفرق بين تصديق الأشاعرة ومعرفة جهم","level":5,"page":2464},{"title":"المطلب السادس: مفهوم الكفر عند الأشاعرة","level":5,"page":2467},{"title":"المبحث السادس: مذهب الماتريدية","level":4,"page":2470},{"title":"المطلب الأول: قولهم في الإيمان","level":5,"page":2470},{"title":"المطلب الثاني: مفهوم الكفر عند الماتريدية","level":5,"page":2472},{"title":"المبحث السابع: مذهب مرجئة الفقهاء","level":4,"page":2473},{"title":"المطلب الأول: قولهم في الإيمان","level":5,"page":2473},{"title":"المطلب الثاني: هل الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء حقيقي أم لفظي؟","level":5,"page":2476},{"title":"المبحث الثامن: سمات الإرجاء المعاصر","level":4,"page":2482},{"title":"المطلب الأول: حول ما ينسب إلى المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب","level":5,"page":2482},{"title":"المطلب الثاني: حول قول بعض السلف: من قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد برئ من الإرجاء","level":5,"page":2484},{"title":"المطلب الثالث: مقالات المرجئة المعاصرة","level":5,"page":2486},{"title":"المطلب الرابع: رد شبهات المرجئة قديما، ومن وقع في الإرجاء حديثا","level":5,"page":2488},{"title":"الباب الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه","level":2,"page":2515},{"title":"الفصل الأول: الأدلة على تفاصيل الإيمان زيادة ونقصانا","level":3,"page":2515},{"title":"المبحث الأول: الأدلة من القرآن الكريم","level":4,"page":2515},{"title":"المبحث الثاني: الأدلة من السنة المطهرة","level":4,"page":2517},{"title":"الفصل الثاني: أقوال أهل السنة في مسمى الإيمان، وما يدخل في مسمى الإيمان من الأوامر والنواهي","level":3,"page":2519},{"title":"المبحث الأول: أقوال أئمة أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان وزيادته ونقصانه","level":4,"page":2520},{"title":"تمهيد","level":5,"page":2521},{"title":"المطلب الأول: نقل الإجماع على أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص","level":5,"page":2522},{"title":"المطلب الثاني: أقوال السلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص","level":5,"page":2524},{"title":"المبحث الثاني: ما يدخل في مسمى الإيمان من الأوامر والنواهي","level":4,"page":2530},{"title":"المبحث الثالث: ما روي عن الإمام مالك في زيادة الإيمان ونقصانه","level":4,"page":2539},{"title":"الفصل الثالث: أوجه وأسباب زيادة الإيمان ونقصانه","level":3,"page":2544},{"title":"المبحث الأول: أوجه زيادة الإيمان ونقصانه","level":4,"page":2544},{"title":"المبحث الثاني: أسباب زيادة الإيمان","level":4,"page":2555},{"title":"تمهيد","level":5,"page":2555},{"title":"المطلب الأول: تعلم العلم النافع","level":5,"page":2556},{"title":"المطلب الثاني: التأمل في آيات الله الكونية","level":5,"page":2574},{"title":"المطلب الثالث: الاجتهاد في القيام بالأعمال الصالحة","level":5,"page":2577},{"title":"المبحث الثالث: أسباب نقصان الإيمان","level":4,"page":2578},{"title":"الفصل الرابع: خصال الإيمان وشعبه","level":3,"page":2583},{"title":"المبحث الأول: شعب الإيمان","level":4,"page":2583},{"title":"المبحث الثاني: الأدلة على أن الإيمان مركب من شعب","level":4,"page":2585},{"title":"الفصل الخامس: الاستثناء في الإيمان","level":3,"page":2587},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":2588},{"title":"المبحث الأول: بيان قول أهل السنة في الاستثناء ومأخذهم فيه وأدلتهم عليه","level":4,"page":2590},{"title":"المبحث الثاني: نقل أقوال السلف في الاستثناء مع التوفيق بينها","level":4,"page":2597},{"title":"المبحث الثالث: ما ورد عنهم من تبديع السؤال بـ (أمؤمن أنت)","level":4,"page":2601},{"title":"الباب الثالث: أركان الإسلام والعلاقة بين الإسلام الإيمان","level":2,"page":2602},{"title":"الفصل الأول: أركان الإسلام","level":3,"page":2602},{"title":"تمهيد","level":4,"page":2602},{"title":"المبحث الأول: الشهادتان","level":4,"page":2605},{"title":"المبحث الثاني: الصلاة","level":4,"page":2606},{"title":"المبحث الثالث: الزكاة","level":4,"page":2635},{"title":"المبحث الرابع: الصوم","level":4,"page":2640},{"title":"المبحث الخامس: الحج","level":4,"page":2641},{"title":"المبحث السادس: حكم تارك الأركان الأربعة","level":4,"page":2642},{"title":"الفصل الثاني: هل الإسلام يزيد وينقص؟","level":3,"page":2643},{"title":"الفصل الثالث: الاستثناء في الإسلام","level":3,"page":2644},{"title":"الفصل الرابع: العلاقة بين الإيمان والإسلام","level":3,"page":2646},{"title":"المبحث الأول: هل الإسلام هو الإيمان؟","level":4,"page":2646},{"title":"المبحث الثاني: حالات ورود لفظ الإيمان والإسلام في كلام الله ورسوله","level":4,"page":2653},{"title":"المبحث الثالث: التلازم بين الإيمان والإسلام","level":4,"page":2656},{"title":"المبحث الرابع: ثمرة التفريق بين الإسلام والإيمان","level":4,"page":2658},{"title":"الباب الرابع: درجات الإيمان ومراتبه","level":2,"page":2659},{"title":"الفصل الأول: درجات الإيمان","level":3,"page":2659},{"title":"تمهيد","level":4,"page":2659},{"title":"المبحث الأول: أصل الإيمان، أو الإيمان المجمل، أو مطلق الإيمان","level":4,"page":2660},{"title":"المبحث الثاني: الإيمان الواجب، أو الإيمان المفصل، أو الإيمان المطلق، أو حقيقة الإيمان","level":4,"page":2661},{"title":"المبحث الثالث: الإيمان المستحب، أو الإيمان الكامل بالمستحبات","level":4,"page":2663},{"title":"المبحث الرابع: الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان","level":4,"page":2664},{"title":"المبحث الخامس: دخول الأعمال في هذه المراتب الثلاثة","level":4,"page":2665},{"title":"المبحث السادس: حكم التقصير في كل مرتبة من المراتب الثلاث","level":4,"page":2666},{"title":"الفصل الثاني: التلازم بين الظاهر والباطن","level":3,"page":2668},{"title":"الفصل الثالث: مراتب الدين الثلاثة","level":3,"page":2679},{"title":"المبحث الأول: مرتبة الإسلام","level":4,"page":2679},{"title":"المبحث الثاني: مرتبة الإيمان","level":4,"page":2683},{"title":"المبحث الثالث: مرتبة الإحسان","level":4,"page":2688},{"title":"الباب الخامس: المعاصي وأثرها على الإيمان، وأسباب ترك الإيمان","level":2,"page":2692},{"title":"الفصل الأول: المعاصي وأثرها على الإيمان عند أهل السنة والجماعة","level":3,"page":2692},{"title":"المبحث الأول: انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر","level":4,"page":2692},{"title":"تمهيد","level":5,"page":2692},{"title":"المطلب الأول: الصغائر","level":5,"page":2696},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الصغائر","level":6,"page":2696},{"title":"المسألة الثانية: الإصرار على الصغائر","level":6,"page":2697},{"title":"المطلب الثاني: الكبائر","level":5,"page":2698},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الكبيرة والفرق بينها وبين الصغيرة","level":6,"page":2698},{"title":"المسألة الثانية: حكم الإصرار على المعصية","level":6,"page":2702},{"title":"المبحث الثاني: الفاسق الملي","level":4,"page":2706},{"title":"المطلب الأول: تعريف الفسق","level":5,"page":2707},{"title":"المطلب الثاني: المقصود بالفاسق الملي","level":5,"page":2708},{"title":"المبحث الثالث: حكم أهل الكبائر (الفاسق الملي) عند أهل السنة","level":4,"page":2713},{"title":"المبحث الرابع: هل عاصي أهل القبلة يوصف بالإيمان التام، وهل القول بعدم تكفير عصاة الموحدين على إطلاقه أم مقيد؟","level":4,"page":2717},{"title":"المطلب الأول: هل عاصي أهل القبلة يوصف بالإيمان التام؟","level":5,"page":2717},{"title":"المطلب الثاني: هل القول بعدم تكفير عصاة الموحدين على إطلاقه أم مقيد؟","level":5,"page":2718},{"title":"المطلب الثالث: ما ورد من الذنوب تسميته كفرا، أو فيه نفي الإيمان عن صاحبه أو البراءة منه","level":5,"page":2721},{"title":"المبحث الخامس: الفرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة","level":4,"page":2723},{"title":"المطلب الأول: أحكام الدنيا","level":5,"page":2723},{"title":"المطلب الثاني: أحكام الآخرة من ثواب وعقاب","level":5,"page":2724},{"title":"الفصل الثاني: اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد","level":3,"page":2729},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":2729},{"title":"المبحث الأول: أدلة أهل السنة على هذا الأصل","level":4,"page":2730},{"title":"المبحث الثاني: ضوابط أهل السنة في مسألة اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد","level":4,"page":2731},{"title":"المبحث الثالث: اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد وأثره في مسألة الولاء والبراء","level":4,"page":2733},{"title":"الفصل الثالث: أسباب ترك الإيمان والإعراض عنه","level":3,"page":2734},{"title":"الباب السادس: مسائل متفرقة","level":2,"page":2738},{"title":"الفصل الأول: هل الإيمان مخلوق","level":3,"page":2738},{"title":"الفصل الثاني: حكم إيمان المقلدين","level":3,"page":2739},{"title":"الفصل الثالث: حكم من مات من أطفال المسلمين","level":3,"page":2744},{"title":"الفصل الرابع: حكم من مات من أطفال المشركين","level":3,"page":2747},{"title":"الفصل الخامس: حكم أهل الفترة","level":3,"page":2750},{"title":"الكتاب التاسع: نواقض الإيمان","level":1,"page":2754},{"title":"تمهيد في تعريف الناقض","level":2,"page":2754},{"title":"الباب الأول: تعريف الكفر والردة، وضوابط إجراء الأحكام","level":2,"page":2755},{"title":"الفصل الأول: تعريف الكفر وأنواعه","level":3,"page":2755},{"title":"المبحث الأول: تعريف الكفر","level":4,"page":2756},{"title":"المبحث الثاني: أنواع الكفر","level":4,"page":2758},{"title":"المبحث الثالث: ضابط التفريق بين الكفر الأكبر والأصغر","level":4,"page":2760},{"title":"المبحث الرابع: قواعد في معرفة أنواع الكفر","level":4,"page":2765},{"title":"المبحث الخامس: الكفر يكون قولا باللسان، واعتقادا بالقلب، وعملا بالجوارح","level":4,"page":2766},{"title":"الفصل الثاني: تعريف الردة","level":3,"page":2772},{"title":"الفصل الثالث: ضوابط التكفير عند أهل السنة","level":3,"page":2773},{"title":"تمهيد","level":4,"page":2773},{"title":"المبحث الأول: الحكم بالظاهر وأدلته","level":4,"page":2774},{"title":"المبحث الثاني: تكفير المعين والفرق بينه وبين تكفير المطلق","level":4,"page":2778},{"title":"المبحث الثالث: قيام الحجة","level":4,"page":2797},{"title":"المطلب الأول: التكفير والتعذيب يكون بعد قيام الحجة","level":5,"page":2797},{"title":"المطلب الثاني: كيفية قيام الحجة على المعين","level":5,"page":2802},{"title":"المطلب الثالث: قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص","level":5,"page":2803},{"title":"المبحث الرابع: عدم التكفير بكل ذنب","level":4,"page":2805},{"title":"المبحث الخامس: اعتبار المقاصد","level":4,"page":2807},{"title":"الفصل الرابع: موانع التكفير","level":3,"page":2812},{"title":"تمهيد","level":4,"page":2812},{"title":"المبحث الأول: العذر بالجهل","level":4,"page":2813},{"title":"المبحث الثاني: الخطأ","level":4,"page":2820},{"title":"المطلب الأول: تعريف الخطأ لغة واصطلاحا","level":5,"page":2820},{"title":"المطلب الثاني: الفرق بين الخطأ وبين الجهل","level":5,"page":2821},{"title":"المطلب الثالث: أدلة العذر بالخطأ","level":5,"page":2822},{"title":"المبحث الثالث: التأويل","level":4,"page":2829},{"title":"المطلب الأول: تعريف التأويل لغة واصطلاحا","level":5,"page":2829},{"title":"المطلب الثاني: العذر بالتأويل","level":5,"page":2830},{"title":"المطلب الثالث: الموقف من أهل التأويل","level":5,"page":2838},{"title":"المطلب الرابع: التكفير بالمآل أو بلازم المذهب","level":5,"page":2842},{"title":"المبحث الرابع: الإكراه","level":4,"page":2845},{"title":"المطلب الأول: تعريف الإكراه لغة واصطلاحا","level":5,"page":2845},{"title":"المطلب الثاني: أنواع الإكراه","level":5,"page":2846},{"title":"المطلب الثالث: شروط الإكراه","level":5,"page":2848},{"title":"المطلب الرابع: الإكراه على الكفر","level":5,"page":2849},{"title":"المبحث الخامس: التقليد","level":4,"page":2853},{"title":"المطلب الأول: تعريف التقليد لغة واصطلاحا","level":5,"page":2853},{"title":"المطلب الثاني: أنواع التقليد","level":5,"page":2854},{"title":"المطلب الثالث: التقليد في العقيدة وهل يعتبر عذرا","level":5,"page":2856},{"title":"المبحث السادس: العجز","level":4,"page":2860},{"title":"المبحث السابع: التقية","level":4,"page":2861},{"title":"المطلب الأول: تعريف التقية","level":5,"page":2861},{"title":"المطلب الثاني: العذر بالتقية","level":5,"page":2862},{"title":"الباب الثاني: نواقض الإيمان في باب التوحيد","level":2,"page":2868},{"title":"الفصل الأول: النواقض الاعتقادية في باب التوحيد","level":3,"page":2868},{"title":"المبحث الأول: ما يناقض قول القلب","level":4,"page":2869},{"title":"المطلب الأول: الشرك في الربوبية","level":5,"page":2870},{"title":"المطلب الثاني: الشرك في الألوهية","level":5,"page":2879},{"title":"المطلب الثالث: إنكار اسم أو صفة لله تعالى","level":5,"page":2880},{"title":"المطلب الرابع: الإعراض عن دين الله","level":5,"page":2882},{"title":"المطلب الخامس: الشك في حكم من أحكام الله أو خبر من أخباره","level":5,"page":2887},{"title":"المبحث الثاني: ما يناقض عمل القلب","level":4,"page":2890},{"title":"المطلب الأول: كفر الإباء والاستكبار","level":5,"page":2890},{"title":"المطلب الثاني: الشرك الأكبر بعمل القلب","level":5,"page":2891},{"title":"المبحث الثالث: أمثلة أخرى لنواقض الإيمان بالاعتقاد","level":4,"page":2896},{"title":"الفصل الثاني: النواقض القولية في باب التوحيد","level":3,"page":2897},{"title":"المبحث الأول: سب الله تعالى والاستهزاء به","level":4,"page":2897},{"title":"المطلب الأول: حكم سب الله تعالى أو الاستهزاء به:","level":5,"page":2897},{"title":"المطلب الثاني: هل من سب الله تقبل توبته وهل يستتاب كالمرتد؟","level":5,"page":2898},{"title":"المبحث الثاني: أمثلة لنواقض الإيمان بالقول","level":4,"page":2904},{"title":"الفصل الثالث: النواقض العملية في باب التوحيد","level":3,"page":2905},{"title":"المبحث الأول: شرك العبادة","level":4,"page":2905},{"title":"المطلب الأول: الذبح والنذر الركوع والسجود والطواف","level":5,"page":2905},{"title":"المطلب الثاني: الاستغاثة بغير الله تعالى","level":5,"page":2922},{"title":"المطلب الثالث: دعاء الموتى","level":5,"page":2925},{"title":"المبحث الثاني: شرك التشريع والحكم بغير ما أنزل الله","level":4,"page":2934},{"title":"المبحث الثالث: أمثلة أخرى لنواقض الإيمان بالفعل","level":4,"page":2937},{"title":"الباب الثالث: نواقض الإيمان في باب النبوات","level":2,"page":2938},{"title":"الفصل الأول: النواقض الاعتقادية في باب النبوات","level":3,"page":2938},{"title":"المبحث الأول: اعتقاد أن بعض الناس لا يجب عليهم اتباع النبي ﷺ","level":4,"page":2938},{"title":"تمهيد","level":5,"page":2938},{"title":"المطلب الأول: رأي من يعتقد هذا الاعتقاد باختصار","level":5,"page":2939},{"title":"المطلب الثاني: الرد على هذا الادعاء","level":5,"page":2942},{"title":"المطلب الثالث: حكم من اعتقد هذا الاعتقاد","level":5,"page":2945},{"title":"المبحث الثاني: ادعاء النبوة","level":4,"page":2946},{"title":"المبحث الثالث: إنكار الكتب المنزلة أو شيء منها","level":4,"page":2954},{"title":"المبحث الرابع: بغض أو كراهية بعض ما جاء به الرسول ﷺ","level":4,"page":2960},{"title":"المبحث الخامس: اعتقاد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل وأفضل","level":4,"page":2962},{"title":"المبحث السادس: كفر من سوغ اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ","level":4,"page":2963},{"title":"المبحث السابع: من استهزأ بشيء جاء به النبي ﷺ","level":4,"page":2964},{"title":"المبحث الثامن: تكذيب النبي ﷺ أو الشك في رسالته","level":4,"page":2969},{"title":"المبحث التاسع: كفر من أقر بنبوة بعض الأنبياء دون بعض","level":4,"page":2970},{"title":"الفصل الثاني: النواقض القولية في باب النبوات","level":3,"page":2972},{"title":"المبحث الأول: أذية وسب الرسول ﷺ","level":4,"page":2972},{"title":"المطلب الأول: كفر وقتل من سب النبي ﷺ من المسلمين","level":5,"page":2972},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة على كفر ساب الرسول","level":5,"page":2976},{"title":"أولا: الأدلة من القرآن على كفر ساب الرسول","level":6,"page":2976},{"title":"ثانيا: الأدلة من السنة على قتل ساب الرسول ﷺ","level":6,"page":2982},{"title":"المبحث الثاني: من كذب على رسول الله","level":4,"page":2987},{"title":"المبحث الثالث: سب الأنبياء","level":4,"page":2990},{"title":"الفصل الثالث: النواقض العملية في باب النبوات (الاستهانة بالمصحف مثالا)","level":3,"page":2992},{"title":"الباب الرابع: نواقض الإيمان في سائر الغيبيات","level":2,"page":2999},{"title":"الفصل الأول: إنكار الملائكة والجن","level":3,"page":2999},{"title":"الفصل الثاني: نواقض متعلقة باليوم الآخر","level":3,"page":3004},{"title":"المبحث الأول: إنكار البعث","level":4,"page":3004},{"title":"المبحث الثاني: إنكار الوعد أو الوعيد أو الاستهزاء به","level":4,"page":3009},{"title":"الباب الخامس: نواقض الإيمان الأخرى","level":2,"page":3015},{"title":"الفصل الأول: النواقض المتفق عليها","level":3,"page":3015},{"title":"المبحث الأول: ما يناقض قول القلب: إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة","level":4,"page":3015},{"title":"تمهيد","level":5,"page":3015},{"title":"المطلب الأول: تنوع المعلوم من الدين بالضرورة","level":5,"page":3016},{"title":"المطلب الثاني: حكم الجهل بالمعلوم من الدين بالضرورة","level":5,"page":3018},{"title":"المطلب الثالث: إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة","level":5,"page":3020},{"title":"المبحث الثاني: ما يناقض عمل القلب","level":4,"page":3031},{"title":"المطلب الأول: النفاق","level":5,"page":3031},{"title":"أولا: تعريف النفاق","level":6,"page":3031},{"title":"ثانيا: أنواع النفاق","level":6,"page":3034},{"title":"المطلب الثاني: مظاهرة المشركين على المسلمين","level":5,"page":3040},{"title":"الفصل الثاني: النواقض المختلف عليها","level":3,"page":3048},{"title":"المبحث الأول: النواقض القولية","level":4,"page":3048},{"title":"المطلب الأول: سب الصحابة ﵃","level":5,"page":3048},{"title":"المطلب الثاني: الاستهزاء بالعلماء والصالحين","level":5,"page":3063},{"title":"المبحث الثاني: النواقض العملية","level":4,"page":3069},{"title":"المطلب الأول: ترك الصلاة تهاونا وكسلا","level":5,"page":3069},{"title":"المطلب الثاني: السحر","level":5,"page":3070},{"title":"تمهيد:","level":6,"page":3070},{"title":"أولا: تعريف السحر لغة وشرعا","level":6,"page":3071},{"title":"ثانيا: حكم السحر","level":6,"page":3072},{"title":"ثالثا: أسباب الخلاف في حكم السحر","level":6,"page":3094},{"title":"المطلب الثالث: ما يلحق بالسحر كالعيافة، والطرق، والطيرة","level":5,"page":3095},{"title":"المطلب الرابع: التنجيم وادعاء علم الغيب","level":5,"page":3101},{"title":"أولا: التنجيم","level":6,"page":3101},{"title":"ثانيا: ادعاء علم الغيب","level":6,"page":3109},{"title":"المطلب الخامس: الكهانة","level":5,"page":3110},{"title":"الباب السادس: ترك العمل بالكلية ناقض من نواقض الإيمان","level":2,"page":3124},{"title":"الفصل الأول: الأدلة على أن ترك العمل الظاهر بالكلية ناقض للإيمان","level":3,"page":3124},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":3124},{"title":"المبحث الأول: التلازم بين الظاهر والباطن","level":4,"page":3125},{"title":"المطلب الأول: مفهوم التلازم","level":5,"page":3125},{"title":"المطلب الثاني: أدلة التلازم بين الظاهر والباطن","level":5,"page":3126},{"title":"المطلب الثالث: المرجئة وإنكارهم للتلازم","level":5,"page":3132},{"title":"المبحث الثاني: إجماع أهل السنة على أن العمل جزء لا يصح الإيمان إلا به","level":4,"page":3133},{"title":"المبحث الثالث: إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة","level":4,"page":3140},{"title":"الفصل الثاني: نقول عن أهل العلم في بيان منزلة عمل الجوارح وحكم تاركه","level":3,"page":3149},{"title":"الكتاب العاشر: متفرقات في العقيدة","level":1,"page":3168},{"title":"الباب الأول: عقيدة أهل السنة في الصحابة، وآل البيت، وموقفهم من العلماء","level":2,"page":3168},{"title":"الفصل الأول: عقيدة أهل السنة في الصحابة","level":3,"page":3168},{"title":"المبحث الأول: تعريف الصحابي لغة واصطلاحا","level":4,"page":3168},{"title":"المطلب الأول: التعريف اللغوي","level":5,"page":3168},{"title":"المطلب الثاني: التعريف الاصطلاحي","level":5,"page":3169},{"title":"المبحث الثاني: طرق إثبات الصحبة","level":4,"page":3171},{"title":"المطلب الأول: إثبات الصحبة بالنص","level":5,"page":3171},{"title":"النوع الأول: القرآن الكريم","level":6,"page":3172},{"title":"النوع الثاني: الخبر المتواتر","level":6,"page":3173},{"title":"النوع الثالث: الخبر المشهور","level":6,"page":3174},{"title":"النوع الرابع: الخبر الآحاد: ويدخل تحته أربع طرق","level":6,"page":3175},{"title":"المطلب الثاني: إثبات الصحبة عن طريق أحد العلامات","level":5,"page":3180},{"title":"المبحث الثالث: فضل الصحابة وتفاوتهم في الفضل والمنزلة","level":4,"page":3181},{"title":"المطلب الأول: فضل الصحابة","level":5,"page":3181},{"title":"الفرع الأول: الأدلة على فضل الصحابة","level":6,"page":3181},{"title":"أولا: الأدلة على فضل الصحابة من القرآن","level":7,"page":3181},{"title":"ثانيا: الأدلة على فضل الصحابة من السنة","level":7,"page":3182},{"title":"ثالثا: أقوال العلماء في فضل الصحابة","level":7,"page":3184},{"title":"الفرع الثاني: تفضيل الصحابة على سائر الأمة","level":6,"page":3190},{"title":"الفرع الثالث: تفضيل الصحابة على سائر البشر بعد الأنبياء","level":6,"page":3191},{"title":"المطلب الثاني: تفاوت الصحابة في الفضل والمنزلة","level":5,"page":3192},{"title":"الفرع الأول: الأدلة على وقوع التفاضل بين الصحابة","level":6,"page":3192},{"title":"الفرع الثاني: أوجه التفاضل بين الصحابة","level":6,"page":3194},{"title":"الفرع الثالث: التفاضل بين أفراد الصحابة ﵃","level":6,"page":3195},{"title":"أولا: المفاضلة بين الخلفاء الراشدين","level":7,"page":3195},{"title":"ثانيا: المفاضلة بين عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما","level":7,"page":3198},{"title":"الفرع الرابع: المفاضلة بين جماعات الصحابة","level":6,"page":3202},{"title":"الفرع الخامس: المفاضلة بين الصحابيات","level":6,"page":3207},{"title":"المطلب الثالث: فضائل الخلفاء الأربعة","level":5,"page":3211},{"title":"الفرع الأول: فضل أبي بكر الصديق","level":6,"page":3211},{"title":"الفرع الثاني فضل: عمر بن الخطاب","level":6,"page":3219},{"title":"الفرع الثالث: فضل عثمان بن عفان","level":6,"page":3224},{"title":"الفرع الرابع: فضل علي بن أبي طالب","level":6,"page":3230},{"title":"الفرع الخامس: فضائل باقي العشرة المبشرين بالجنة","level":6,"page":3239},{"title":"أولا: فضل طلحة بن عبيد الله ﵁","level":7,"page":3240},{"title":"ثانيا: فضل الزبير بن العوام ﵁","level":7,"page":3243},{"title":"ثالثا: فضل عبد الرحمن بن عوف ﵁","level":7,"page":3246},{"title":"رابعا: فضل سعد بن أبي وقاص ﵁","level":7,"page":3248},{"title":"خامسا: فضل أبو عبيدة بن الجراح ﵁","level":7,"page":3252},{"title":"سادسا: فضل سعيد بن زيد ﵁","level":7,"page":3255},{"title":"المبحث الرابع: عقيدة أهل السنة في الصحابة","level":4,"page":3257},{"title":"المطلب الأول: وجوب محبتهم","level":5,"page":3257},{"title":"المطلب الثاني: إثبات عدالتهم","level":5,"page":3262},{"title":"الفرع الأول: معنى العدالة في اللغة والاصطلاح","level":6,"page":3262},{"title":"أولا: معنى العدالة في اللغة","level":7,"page":3262},{"title":"ثانيا: تعريف العدالة في الاصطلاح","level":7,"page":3263},{"title":"الفرع الثاني: مذهب أهل السنة في عدالة الصحابة","level":6,"page":3265},{"title":"تمهيد","level":7,"page":3265},{"title":"أولا: أدلة أهل السنة والجماعة على عدالة الصحابة من القرآن الكريم","level":7,"page":3267},{"title":"ثانيا: أدلة أهل السنة على عدالة الصحابة من السنة النبوية","level":7,"page":3279},{"title":"ثالثا: الأدلة العقلية على عدالة الصحابة","level":7,"page":3282},{"title":"المطلب الثالث: سلامة ألسنتهم وقلوبهم للصحابة","level":5,"page":3285},{"title":"تمهيد","level":6,"page":3285},{"title":"فرع: تحريم سب الصحابة","level":6,"page":3286},{"title":"أولا: الأدلة على تحريم سبهم من القرآن","level":7,"page":3286},{"title":"ثانيا: الأدلة من السنة على تحريم سب الصحابة","level":7,"page":3289},{"title":"ثالثا: الأدلة من كلام السلف على تحريم سب الصحابة","level":7,"page":3294},{"title":"رابعا: حكم سب الصحابة","level":7,"page":3299},{"title":"١ - من سب الصحابة بالكفر والردة أو الفسق جميعهم أو معظمهم","level":8,"page":3300},{"title":"٢ - من سب بعضهم سبا يطعن في دينهم","level":8,"page":3301},{"title":"٣ - من سب صحابيا لم يتواتر النقل بفضله سبا يطعن في الدين","level":8,"page":3303},{"title":"٤ - من سب بعضهم سبا لا يطعن في دينهم وعدالتهم","level":8,"page":3304},{"title":"خامسا: لوازم السب","level":7,"page":3305},{"title":"المطلب الرابع: أهل السنة يمسكون عما شجر بين الصحابة","level":5,"page":3307},{"title":"تمهيد","level":6,"page":3307},{"title":"الفرع الأول: متى بدأ التشاجر بين أصحاب رسول الله ﷺ","level":6,"page":3310},{"title":"الفرع الثاني دوافع التشاجر بين الصحابة","level":6,"page":3311},{"title":"المطلب الخامس: الدعاء والاستغفار لهم","level":5,"page":3337},{"title":"المطلب السادس: الشهادة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة منهم","level":5,"page":3342},{"title":"المطلب السابع: إثبات الخلافة للخلفاء الراشدين حسب ترتيبهم في الفضل","level":5,"page":3349},{"title":"تمهيد","level":6,"page":3349},{"title":"الفرع الأول: خلافة أبي بكر الصديق","level":6,"page":3353},{"title":"أولا: طريقة مبايعة أبي بكر","level":7,"page":3353},{"title":"ثانيا: النصوص المشيرة إلى خلافته","level":7,"page":3360},{"title":"ثالثا: هل خلافة أبي بكر ثبتت بالنص أم بالإشارة","level":7,"page":3369},{"title":"رابعا: انعقاد الإجماع على خلافته ﵁","level":7,"page":3373},{"title":"الفرع الثاني: خلافة عمر بن الخطاب","level":6,"page":3377},{"title":"أولا: طريقة تولي عمر الخلافة","level":7,"page":3377},{"title":"ثانيا أحقية عمر بالخلافه","level":7,"page":3379},{"title":"ثالثا: انعقاد الإجماع على خلافته ﵁","level":7,"page":3384},{"title":"الفرع الثالث: خلافة عثمان ﵁","level":6,"page":3386},{"title":"أولا: كيفية توليه الخلافة ﵁","level":7,"page":3386},{"title":"ثانيا: أحقية عثمان بالخلافه","level":7,"page":3389},{"title":"ثالثا: انعقاد الإجماع على خلافته ﵁","level":7,"page":3394},{"title":"الفرع الرابع: خلافة علي ﵁","level":6,"page":3399},{"title":"أولا: طريقة توليه الخلافة","level":7,"page":3399},{"title":"ثانيا: أحقية علي بالخلافه","level":7,"page":3401},{"title":"ثالثا: انعقاد الإجماع على خلافته ﵁","level":7,"page":3404},{"title":"الفرع الخامس: خلافة الحسن بن علي ﵁","level":6,"page":3410},{"title":"الفصل الثاني: عقيدة أهل السنة في آل البيت","level":3,"page":3413},{"title":"المبحث الأول: التعريف بآل البيت لغة وشرعا","level":4,"page":3413},{"title":"المطلب الأول: التعريف بآل البيت لغة:","level":5,"page":3413},{"title":"المطلب الثاني: تعريف آل البيت شرعا","level":5,"page":3415},{"title":"المطلب الثالث دخول أزواج النبي في آل البيت","level":5,"page":3421},{"title":"المبحث الثاني فضائل آل البيت","level":4,"page":3423},{"title":"المطلب الأول: فضائل أهل البيت في الكتاب","level":5,"page":3423},{"title":"المطلب الثاني فضائل أهل البيت في السنة","level":5,"page":3424},{"title":"المطلب الثالث: فضائل أزواج النبي ﷺ","level":5,"page":3426},{"title":"الفرع الأول: فضائل أزواج النبي إجمالا","level":6,"page":3426},{"title":"الفرع الثاني: فضائل بعض زوجات النبي ﷺ تفصيلا","level":6,"page":3433},{"title":"أولا: فضل خديجة ﵂","level":7,"page":3433},{"title":"ثانيا: فضل سودة ﵂","level":7,"page":3437},{"title":"ثالثا: فضل عائشة ﵂","level":7,"page":3438},{"title":"رابعا: فضل حفصة ﵂","level":7,"page":3449},{"title":"خامسا: فضل أم سلمة ﵂","level":7,"page":3450},{"title":"سادسا: فضل زينب بنت جحش ﵂","level":7,"page":3451},{"title":"سابعا: فضل جويرية بنت الحارث ﵂","level":7,"page":3454},{"title":"ثامنا: فضل أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂","level":7,"page":3455},{"title":"تاسعا: فضل صفية بنت حيي ﵂","level":7,"page":3457},{"title":"عاشرا: فضل ميمونة بنت الحارث ﵂","level":7,"page":3458},{"title":"حادي عشر: فضل زينب بنت خزيمة","level":7,"page":3459},{"title":"المطلب الرابع: فضائل بنات النبي ﷺ","level":5,"page":3460},{"title":"١ - فضل زينب ﵂","level":6,"page":3460},{"title":"٢ - فضل رقية ﵂","level":6,"page":3462},{"title":"٣ - فضل أم كلثوم ﵂","level":6,"page":3463},{"title":"٤ - فضل فاطمة ﵂","level":6,"page":3464},{"title":"المطلب الخامس فضائل بعض رجال آل البيت","level":5,"page":3465},{"title":"الفرع الأول: فضائل حمزة","level":6,"page":3465},{"title":"أولا: حمزة سيد الشهداء","level":7,"page":3465},{"title":"ثانيا: شهادة عبد الرحمن بن عوف – أحد العشرة – لحمزة بأنه خير منه","level":7,"page":3466},{"title":"ثالثا: حمزة أسد الله","level":7,"page":3467},{"title":"رابعا: حمزة المبارز يوم بدر","level":7,"page":3468},{"title":"خامسا: قصة قتل حمزة ووجد الرسول ﷺ","level":7,"page":3469},{"title":"سادسا: بعد حمزة من النار","level":7,"page":3470},{"title":"الفرع الثاني: فضل جعفر بن أبي طالب","level":6,"page":3471},{"title":"أولا: جعفر الطيار ذو الجناحين","level":7,"page":3471},{"title":"ثانيا: شهادة أبي هريرة لجعفر","level":7,"page":3472},{"title":"ثالثا: حزن الرسول ﷺ على جعفر وبشارته له","level":7,"page":3473},{"title":"رابعا: شجاعة جعفر ﵁","level":7,"page":3474},{"title":"خامسا: جعفر أبو المساكين","level":7,"page":3475},{"title":"سادسا: خلق جعفر وخلقه","level":7,"page":3476},{"title":"سابعا: هجرة جعفر للحبشة وموقفه القوي مع النجاشي وشجاعته في الحق ﵁","level":7,"page":3477},{"title":"الفرع الثالث: فضل إبراهيم ابن رسول الله ﷺ","level":6,"page":3480},{"title":"الفرع الرابع: فضل الحسن والحسين ﵄","level":6,"page":3481},{"title":"الفرع الخامس فضل عبد الله بن عباس","level":6,"page":3483},{"title":"أولا: دعاء النبي ﷺ لعبد الله بن عباس بالعلم والحكمة والفقه في الدين","level":7,"page":3483},{"title":"ثانيا: حرص ابن عباس على طلب العلم","level":7,"page":3484},{"title":"ثالثا: تقديم عمر لعبد الله بن عباس ﵃","level":7,"page":3485},{"title":"رابعا: ثناء ابن مسعود على ابن عباس ﵃","level":7,"page":3486},{"title":"خامسا: بعض من ثناء التابعين على ابن عباس ﵄","level":7,"page":3487},{"title":"الفرع السادس: فضل العباس بن عبد المطلب","level":6,"page":3488},{"title":"المطلب السادس: هل القول بتفضيل بني هاشم يعد تفضيلا مطلقا لهم على جميع الأشخاص وفي كل الأحوال؟","level":5,"page":3489},{"title":"المبحث الثالث: مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في آل البيت","level":4,"page":3491},{"title":"المبحث الرابع: حقوق أهل البيت","level":4,"page":3496},{"title":"المطلب الأول: الدفاع عنهم","level":5,"page":3496},{"title":"المطلب الثاني: الصلاة عليهم","level":5,"page":3497},{"title":"المطلب الثالث: حقهم في الخمس","level":5,"page":3498},{"title":"المطلب الرابع: تحريم الصدقة عليهم","level":5,"page":3499},{"title":"الفصل الثالث: موقف أهل السنة من العلماء","level":3,"page":3503},{"title":"المبحث الأول: فضل العلماء","level":4,"page":3503},{"title":"١ - أنه لصبرهم وتقواهم كانت لهم الإمامة في الدين:","level":5,"page":3504},{"title":"٢ - أن طاعتهم من طاعة الله ورسوله ﷺ:","level":5,"page":3505},{"title":"٣ - أن الرد إليهم عند نزول النوازل لما خصهم الله به من القدرة على الاستنباط","level":5,"page":3506},{"title":"٤ - ومن فضلهم: أنه قرنت شهادتهم بشهادة الله تعالى والملائكة","level":5,"page":3507},{"title":"٥ - ومن فضلهم: أن اتباعهم يهدي إلى الصراط السوي","level":5,"page":3508},{"title":"٦ - ومن فضلهم: أنهم ورثة الأنبياء","level":5,"page":3509},{"title":"٧ - أنهم ممن أراد الله ﷿ بهم الخير","level":5,"page":3510},{"title":"٨ - أن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين يصلون على معلم الناس الخير","level":5,"page":3511},{"title":"٩ - أن العالم لا ينقطع عمله ما بقي علمه ينتفع به الناس","level":5,"page":3512},{"title":"١٠ - العلماء هم الدعاة إلى الله ﷿","level":5,"page":3513},{"title":"المبحث الثاني: التحذير من زلات العلماء والموقف الصحيح منها","level":4,"page":3514},{"title":"تمهيد","level":5,"page":3514},{"title":"المطلب الأول: التحذير من زلة العالم","level":5,"page":3515},{"title":"المطلب الثاني: أصناف الناس تجاه زلة العالم","level":5,"page":3516},{"title":"المطلب الثالث: الموقف الصحيح من زلة العالم","level":5,"page":3518},{"title":"أولا: اعتقاد عدم عصمة العالم وأن الخطأ لا يستلزم الإثم","level":6,"page":3518},{"title":"ثانيا: أن نثبت له الأجر ولا نقلده على خطئه","level":6,"page":3520},{"title":"ثالثا: عدم الاعتماد عليها وترك العمل بها","level":6,"page":3522},{"title":"رابعا: أن يلتمس العذر للعالم، ويحسن الظن به، ويقيله عثرته","level":6,"page":3523},{"title":"خامسا: أن يحفظ للعالم قدره، ولا يجحد محاسنه","level":6,"page":3525},{"title":"سادسا: إسداء النصح له","level":6,"page":3526},{"title":"المبحث الثالث: خطر الطعن على العلماء، وشؤم الحط من أقدارهم","level":4,"page":3527},{"title":"الباب الثاني: الإمامة","level":2,"page":3532},{"title":"تمهيد","level":3,"page":3532},{"title":"الفصل الأول: تعريف الإمامة","level":3,"page":3533},{"title":"المبحث الأول: تعريف الإمامة لغة","level":4,"page":3533},{"title":"المبحث الثاني: تعريف الإمامة اصطلاحا","level":4,"page":3534},{"title":"المبحث الثالث: لفظ (الإمام) في الكتاب والسنة","level":4,"page":3535},{"title":"المبحث الرابع: الترادف بين ألفاظ: الإمام والخليفة وأمير المؤمنين","level":4,"page":3536},{"title":"المبحث الخامس: استعمالات لفظي الخلافة والإمامة","level":4,"page":3538},{"title":"الفصل الثاني: وجوب الإمامة","level":3,"page":3539},{"title":"تمهيد","level":4,"page":3539},{"title":"مبحث: الأدلة على وجوب الإمامة","level":4,"page":3540},{"title":"المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم","level":5,"page":3541},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة من السنة","level":5,"page":3542},{"title":"المطلب الثالث: الإجماع","level":5,"page":3544},{"title":"المطلب الرابع: القاعدة الشرعية (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)","level":5,"page":3545},{"title":"المطلب الخامس: دفع أضرار الفوضى","level":5,"page":3546},{"title":"المطلب السادس: الإمامة من الأمور التي تقتضيها الفطرة وعادات الناس","level":5,"page":3547},{"title":"الفصل الثالث: شروط الإمام","level":3,"page":3548},{"title":"المبحث الأول: الإسلام","level":4,"page":3548},{"title":"المبحث الثاني: البلوغ","level":4,"page":3550},{"title":"المبحث الثالث: الحرية","level":4,"page":3551},{"title":"المبحث الرابع: أن يكون ذكرا","level":4,"page":3553},{"title":"المبحث الخامس: العلم","level":4,"page":3554},{"title":"المبحث السادس: العدالة","level":4,"page":3555},{"title":"المبحث السابع: الكفاءة النفسية","level":4,"page":3558},{"title":"المبحث الثامن: الكفاءة الجسمية","level":4,"page":3559},{"title":"المبحث التاسع: عدم الحرص عليها","level":4,"page":3560},{"title":"المبحث العاشر: القرشية","level":4,"page":3561},{"title":"الفصل الرابع: واجبات الإمام","level":3,"page":3570},{"title":"تمهيد","level":4,"page":3570},{"title":"المبحث الأول: الواجبات الأساسية","level":4,"page":3571},{"title":"المقصد الأول: إقامة الدين","level":5,"page":3572},{"title":"المقصد الثاني: سياسة الدنيا بهذا الدين","level":5,"page":3573},{"title":"المبحث الثاني: واجبات فرعية","level":4,"page":3574},{"title":"الفصل الخامس: حقوق الإمام","level":3,"page":3587},{"title":"المبحث الأول: حق الطاعة","level":4,"page":3587},{"title":"المبحث الثاني: النصرة والتقدير","level":4,"page":3596},{"title":"المبحث الثالث: المناصحة","level":4,"page":3600},{"title":"المبحث الرابع: حق المال","level":4,"page":3604},{"title":"المبحث الخامس: مدة صلاحية الحاكم للإمامة","level":4,"page":3605},{"title":"المبحث السادس: أداء العبادات خلفه ومعه","level":4,"page":3606},{"title":"المطلب الأول: أداء الصلاة خلف كل بر وفاجر","level":5,"page":3606},{"title":"المطلب الثاني: الجهاد معه","level":5,"page":3613},{"title":"المطلب الثالث: الحج معه","level":5,"page":3614},{"title":"الفصل السادس: الخروج على الأئمة","level":3,"page":3615},{"title":"المبحث الأول: مسببات العزل","level":4,"page":3615},{"title":"المبحث الثاني: حكم الخروج على الأئمة","level":4,"page":3622},{"title":"الفصل السابع: موقف أهل السنة من تعدد الأئمة","level":3,"page":3631},{"title":"تمهيد","level":4,"page":3631},{"title":"مبحث: حكم تعدد الأئمة","level":4,"page":3632},{"title":"الباب الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":3635},{"title":"تمهيد في معنى المعروف والمنكر","level":3,"page":3635},{"title":"المبحث الأول: معنى المعروف والمنكر لغة","level":4,"page":3635},{"title":"المبحث الثاني: معنى المعروف والمنكر شرعا","level":4,"page":3636},{"title":"المبحث الثالث: المراد بالمعروف والمنكر عند اجتماعهما، وانفراد أحدهما","level":4,"page":3637},{"title":"الفصل الأول: فوائدالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفضله، وحكمه","level":3,"page":3638},{"title":"المبحث الأول: فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":4,"page":3638},{"title":"المبحث الثاني: فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":4,"page":3643},{"title":"المطلب الأول: الأدلة على فضله من القرآن الكريم","level":5,"page":3644},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة من السنة على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":5,"page":3653},{"title":"المبحث الثالث: الآثار المترتبة على تركه","level":4,"page":3656},{"title":"المبحث الرابع: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنظر إلى ذاته انظر: «المنهاج في شعب الإيمان» (٣/ ٢١٦)، «الجامع لشعب الإيمان» (٦/ ٩١)، «إحياء علوم الدين» (٢/ ٣٠٣ و«عارضة الأحوذي» (ص: ١٣١٩)، «تفسير ابن عطية» (٥/ ٢١٥)، «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٦٦ - ١٦٧)، «فتح الباري» (١٣/ ٥٣)، «فتح القدير» (١/ ٣٦٩)، «عون المعبود» (١١/ ٤٩٢)، «التشريع الجنائي» (١/ ٤٨٩، ٤٩٣ – ٤٩٥)، «صفوة الآثار» (٤/ ٢٧٥»، «دقائق التفسير» (٣/ ٢٨٩)، «الدرر السنية» (٧/ ٣٠ - ٣٤).","level":4,"page":3660},{"title":"المطلب الأول: الحكم العام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":5,"page":3660},{"title":"المطلب الثاني: اختلاف حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باختلاف المأمور به والأحوال والأوقات","level":5,"page":3662},{"title":"الفرع الأول: حالة كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا","level":6,"page":3662},{"title":"الفرع الثاني: حالة كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستحبا","level":6,"page":3670},{"title":"الفرع الثالث: حالة كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محرما","level":6,"page":3671},{"title":"المطلب الثالث: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنظر إلى المطالب به انظر: «تنبيه الغافلين» (ص: ١٥)، «العين والأثر» (ص: ٤٨)، «التشريع الجنائي» (١/ ٤٩٣ - ٤٩٥).","level":5,"page":3673},{"title":"الفصل الثاني: الشروط والآداب الواجب توافرها في المحتسب، وذكر شروط إنكار المنكر","level":3,"page":3677},{"title":"المبحث الأول: شروط المحتسب المعتبرة وغير المعتبرة","level":4,"page":3677},{"title":"المطلب الأول: الشروط المعتبرة التي لابد من توافرها انظر: «الإحياء» (ص: ٣٠٨) فما بعدها، «تنبيه الغافلين» لابن النحاس (ص: ١٨ - ١٩) «مفتاح السعادة» (٣/ ٣٠٦)، «التشريع الجنائي» (١/ ٤٩٦).","level":5,"page":3677},{"title":"المطلب الثاني: ذكر الشروط غير المعتبرة","level":5,"page":3682},{"title":"المبحث الثاني: الآداب الواجب توافرها في المحتسب انظر: الدرر السنية (٧/ ٤٠ - ٤١).","level":4,"page":3687},{"title":"المطلب الأول: الرفق انظر: «المنهاج للحليمي» (٢/ ٢١٨)، و«الحدائق» لابن الجوزي (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩). و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية (٢٩ - ٣١)، و«جامع العلوم والحكم» (ص: ٢٨٥) «معالم القربة» (ص: ١٤) «الدرر السنية» (٧/ ٢٥، ٣٢)، و«أضواء البيان» (١/ ١٧٤)، و«أصول الدعوة» (ص: ٤٦٥).","level":5,"page":3687},{"title":"المطلب الثاني: البدء بالنفس «الإحياء» (٢/ ٣٢٨)، «القرطبي» (١/ ٣٦٨)، «تنبيه الغافلين» (ص: ١١٠ - ١١٨)، «الفتح المبين» (ص: ٢٤٥)، وانظر «حاشية المدابغي» (ص: ٢٤٥)، وانظر «غذاء الألباب» (١/ ٢١٥ - ٢١٩)، «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٤٣٠ - ٤٣٣)، «أضواء البيان» (١/ ١٧٢).","level":5,"page":3689},{"title":"المطلب الثالث: المساواة بين القرابة وغيرهم انظر: «المنهاج» (٢/ ٢١٨).","level":5,"page":3691},{"title":"المطلب الرابع: البدء بالأهم وتقديمه على غيره انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٨ - ٦١).","level":5,"page":3692},{"title":"المطلب الخامس: الصبر واحتمال الأذى انظر: «أدب الدنيا والدين» (ص: ٢٤٨).","level":5,"page":3697},{"title":"المطلب السادس: الحلم انظر: «أدب الدنيا والدين» (ص: ٢١٥) وذكر له عشرة أسباب، وانظر: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية (ص: ٢٩ - ٣١)، «أصول الدعوة» (ص: ١٧٦).","level":5,"page":3699},{"title":"المطلب السابع: البدء بالأرفق «طبقات الحنابلة» (٢/ ٢٨٠)، «تفسير الرازي» (٨/ ١٦٨)، «معالم القربة» (ص: ٢٢)، «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٤٢٨)، «صفوة الآثار» (٤/ ٢٧٢)، «التشريع الجنائي» (١/ ٥٠٥).","level":5,"page":3700},{"title":"المطلب الثامن: مراعاة المصالح وتحقيقها ودرء المفاسد وتعطيلها انظر: «المستصفى» (١/ ٢٨٤) فما بعدها، «الفروق» للقرافي (٤/ ٢٥٥)، «قواعد الأحكام ومصالح الأنام» (١/ ٣) فما بعدها، «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٢ - ٣٢)، «الموافقات» (٢/ ٥) فما بعدها، «الاستصلاح» للزرقاء، «نظرية المصلحة في الفقه الإسلام» د/ حسين حامد حسان، «تعليل الأحكام» لمحمد مصطفى شلبي.","level":5,"page":3701},{"title":"تمهيد","level":6,"page":3701},{"title":"الفرع الأول: أقسام المصلحة من حيث اعتبار الشارع وعدمه انظر: «مذكرة أصول الفقه» (ص: ١٦٨ - ١٧٠).","level":6,"page":3702},{"title":"الفرع الثاني: ذكر ضوابط المصلحة الشرعية","level":6,"page":3703},{"title":"الفرع الثالث: بيان نظر الشارع للنتائج واعتباره لها «التشريع الجنائي» (١/ ٤٩٧ - ٤٩٨).","level":6,"page":3704},{"title":"الفرع الرابع: العمل عند تعارض المصالح والمفاسد انظر: «الإحياء» (٢/ ٣١٦)، «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٢)، «الموافقات» (٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣) «أصول الدعوة» (ص: ٤٦٢، ٤٦٣، ٤٦٥).","level":6,"page":3705},{"title":"الفرع الخامس: العمل عند تزاحم المصالح","level":6,"page":3706},{"title":"الفرع السادس: العمل عند تزاحم المفاسد","level":6,"page":3707},{"title":"الفرع السابع: العمل في حال اختلاط المعروف بالمنكر والمصلحة بالمفسدة انظر: «أصول الدعوة» (ص: ٤٦٣).","level":6,"page":3709},{"title":"المبحث الثالث: الآداب المستحب توافرها في المحتسب","level":4,"page":3712},{"title":"المطلب الأول: العمل على إيجاد البديل عن المنكر «إعلام الموقعين» (٢/ ١٤٦ - ١٤٨)، «إغاثة اللهفان» (٢/ ٦٩ - ٧١)، «زاد المعاد» (٤/ ١٣٤ - ١٣٥)، «أصول الدعوة» (ص: ٤٤٦).","level":5,"page":3712},{"title":"المطلب الثاني: تقليل العلائق مع الناس إن كانت المصلحة في ذلك","level":5,"page":3714},{"title":"المطلب الثالث: الإسرار بالنصح","level":5,"page":3715},{"title":"المطلب الرابع: قصد النصح لجميع الأمة","level":5,"page":3716},{"title":"المطلب الخامس: قصد رحمة الخلق والشفقة عليهم","level":5,"page":3717},{"title":"المطلب السادس: ستر العورات والعيوب","level":5,"page":3718},{"title":"المطلب السابع: الاغتمام بمعصية المسلم والتأسف لتعرضه لغضب الله","level":5,"page":3720},{"title":"المطلب الثامن: الغيرة على المسلمين","level":5,"page":3721},{"title":"المطلب التاسع: تواضع الآمر الناهي في أمره ونهيه","level":5,"page":3722},{"title":"المبحث الرابع: شروط إنكار المنكر","level":4,"page":3723},{"title":"المطلب الأول: كونه منكرا","level":5,"page":3723},{"title":"المطلب الثاني: أن يكون موجودا في الحال","level":5,"page":3724},{"title":"المطلب الثالث: أن يكون المنكر ظاهرا من غير تجسس","level":5,"page":3725},{"title":"المطلب الرابع: ألا يكون المنكر من المسائل المختلف فيها","level":5,"page":3729},{"title":"الفصل الثالث: درجات النهي عن المنكر","level":3,"page":3731},{"title":"المبحث الأول: القدرة والاستطاعة وضابطها","level":4,"page":3731},{"title":"المطلب الأول: القدرة والاستطاعة","level":5,"page":3731},{"title":"المطلب الثاني: ضابط الاستطاعة","level":5,"page":3733},{"title":"المبحث الثاني: التغيير باليد أدلته وشروطه","level":4,"page":3735},{"title":"المطلب الأول: تغيير المنكر باليد وأدلته","level":5,"page":3735},{"title":"المطلب الثاني: المنكرات التي يجوز إتلافها باليد وهل تضمن","level":5,"page":3736},{"title":"الفرع الأول: المنكرات التي يجوز إتلافها باليد","level":6,"page":3736},{"title":"الفرع الثاني: هل يضمن المنكر ما أتلفه؟","level":6,"page":3737},{"title":"المطلب الثالث: شروط تغيير المنكر باليد وضوابطه","level":5,"page":3738},{"title":"المبحث الثالث: التغيير باللسان ومراتبه","level":4,"page":3739},{"title":"تمهيد","level":5,"page":3739},{"title":"المطلب الأول: التعريف","level":5,"page":3740},{"title":"المطلب الثاني: النهي بالوعظ والنصح والتخويف من الله تعالى","level":5,"page":3741},{"title":"المطلب الثالث: الغلظة بالقول","level":5,"page":3742},{"title":"المطلب الرابع: التهديد والتخويف","level":5,"page":3743},{"title":"المبحث الرابع: التغيير بالقلب أهميته وحقيقته وفوائده","level":4,"page":3744},{"title":"المطلب الأول: أهمية التغيير بالقلب","level":5,"page":3744},{"title":"المطلب الثاني: حقيقة الإنكار بالقلب «الآداب الشرعية» (١/ ٣٠٨)، «تنبيه الغافلين» (ص: ١٠٦ - ١٠٩)، «التشريع الجنائي» (١/ ٤٩٧).","level":5,"page":3746},{"title":"المطلب الثالث: فوائد الإنكار بالقلب وثمراته","level":5,"page":3750},{"title":"المبحث الخامس: الإنكار بالهجر","level":4,"page":3751},{"title":"المطلب الأول: تعريف الهجر لغة وشرعا","level":5,"page":3751},{"title":"المطلب الثاني: أنواع الهجر","level":5,"page":3753},{"title":"المطلب الثالث: أقسام الناس بالنسبة للهجر","level":5,"page":3754},{"title":"المطلب الرابع: الهجر المحرم","level":5,"page":3756},{"title":"المبحث السادس: التغيير على الملوك والأمراء","level":4,"page":3757},{"title":"تمهيد","level":5,"page":3757},{"title":"المطلب الأول: أدلة الإنكار على السلطان","level":5,"page":3758},{"title":"المطلب الثاني: كيفية الإنكار على السلطان","level":5,"page":3759},{"title":"المبحث السابع: تغيير الابن على والده","level":4,"page":3761},{"title":"المبحث الثامن: إنكار الوالدين على الولد","level":4,"page":3762},{"title":"المطلب الأول: إنكار الوالد على أولاده","level":5,"page":3762},{"title":"المطلب الثاني: إنكار الأم على أولادها","level":5,"page":3763},{"title":"المبحث التاسع: تغيير الزوجة على زوجها","level":4,"page":3764},{"title":"المبحث العاشر: شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":4,"page":3765},{"title":"الشبهة الأولى: وجوب ترك الاحتساب بحجة تعارضه مع الحرية الشخصية","level":5,"page":3765},{"title":"الشبهة الثانية: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث لا يضرنا ضلال الضالين","level":5,"page":3769},{"title":"الشبهة الثالثة: (ترك الحسبة بسبب التقصير والنقص)","level":5,"page":3772},{"title":"الشبهة الرابعة: (ترك الاحتساب خشية الوقوع في الفتنة)","level":5,"page":3774},{"title":"الشبهة الخامسة: (ترك الاحتساب بسبب عدم استجابة الناس)","level":5,"page":3776},{"title":"الباب الرابع: الولاية وكرامات الأولياء","level":2,"page":3780},{"title":"الفصل الأول: الولاية","level":3,"page":3780},{"title":"المبحث الأول: تعريف الولاية والولي","level":4,"page":3780},{"title":"المطلب الأول: تعريف الولاية والولي لغة","level":5,"page":3780},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الولاية والولي اصطلاحا","level":5,"page":3781},{"title":"المطلب الثالث: اجتماع الولاية والعداوة","level":5,"page":3783},{"title":"المبحث الثاني: شروط الولي","level":4,"page":3784},{"title":"المبحث الثالث: أقسام الأولياء والتفاضل بينهم","level":4,"page":3790},{"title":"المطلب الأول: أقسام الأولياء","level":5,"page":3790},{"title":"المطلب الثاني: التفاضل في ولاية الله","level":5,"page":3792},{"title":"تمهيد","level":6,"page":3792},{"title":"مسألة: من أفضل الأولياء؟","level":6,"page":3793},{"title":"المبحث الرابع: الشهادة لمعين بالولاية","level":4,"page":3795},{"title":"الفصل الثاني: الكرامات","level":3,"page":3797},{"title":"المبحث الأول: تعريف الكرامة","level":4,"page":3797},{"title":"المطلب الأول: تعريف الكرامة لغة","level":5,"page":3797},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الكرامة اصطلاحا","level":5,"page":3798},{"title":"المبحث الثاني: الأدلة على وقوع الكرامات","level":4,"page":3799},{"title":"المطلب الأول: ما جاء في الكتاب والسنة","level":5,"page":3799},{"title":"المطلب الثاني: ما جاء في كرامات الصحابة والتابعين","level":5,"page":3802},{"title":"المبحث الثالث: أنواع الخوارق","level":4,"page":3805},{"title":"المطلب الأول: أنواع الخوارق من ناحية القدرة والتأثير","level":5,"page":3805},{"title":"المطلب الثاني: أنواع الخوارق من ناحية كونها نعمة أو نقمة","level":5,"page":3806},{"title":"المطلب الثالث: أنواع الخوارق من ناحية المدح أو الذم أو الإباحة","level":5,"page":3807},{"title":"المطلب الرابع: أنواع الخوارق من ناحية كونها كمالا أو نقصا","level":5,"page":3808},{"title":"المبحث الرابع: الفرق بين الكرامة والأحوال الشيطانية","level":4,"page":3811},{"title":"المبحث الخامس: الفرق بين المعجزة والكرامة","level":4,"page":3819},{"title":"الباب الخامس: المسائل الفقهية الواردة في كتب العقيدة","level":2,"page":3820},{"title":"الفصل الأول: المسح على الخفين","level":3,"page":3820},{"title":"الفصل الثاني: مسائل فقهية أخرى","level":3,"page":3824},{"title":"الباب السادس: الإيمان بالجن","level":2,"page":3837},{"title":"الفصل الأول التعريف بالجن","level":3,"page":3837},{"title":"المبحث الأول: تعريف الجن في اللغة","level":4,"page":3837},{"title":"المبحث الثاني: تعريف الجن اصطلاحا","level":4,"page":3838},{"title":"الفصل الثاني: الإيمان بوجود الجن","level":3,"page":3839},{"title":"المبحث الأول: الأدلة السمعية على وجود الجن","level":4,"page":3839},{"title":"المبحث الثاني: الأدلة العقلية","level":4,"page":3841},{"title":"المبحث الثالث: عقائد الناس في الجن","level":4,"page":3842},{"title":"الفصل الثالث: خلق الجن وصفاتهم وأصنافهم","level":3,"page":3846},{"title":"المبحث الأول: المادة التي خلق منها الجن","level":4,"page":3846},{"title":"المبحث الثاني: صفات الجن وما يعجزون عنه","level":4,"page":3847},{"title":"المطلب الأول: قدرتهم على التشكل ومدى إمكانية رؤيتهم","level":5,"page":3847},{"title":"أولا: قدرتهم على التشكل","level":6,"page":3847},{"title":"ثانيا: مدى إمكانية رؤيتهم","level":6,"page":3853},{"title":"المطلب الثاني: الجن يتناكحون ويتناسلون","level":5,"page":3859},{"title":"المطلب الثالث: الجن يأكلون ويشربون","level":5,"page":3860},{"title":"المطلب الرابع: يتميزون بسرعة الحركة والقدرة على الأعمال الشاقة","level":5,"page":3862},{"title":"المطلب الخامس: الجن يموتون ويبعثون بعد الموت","level":5,"page":3863},{"title":"المطلب السادس: ما تعجز عنه الجن","level":5,"page":3864},{"title":"المبحث الثالث: الأماكن التي يسكنها الجن","level":4,"page":3865},{"title":"المبحث الرابع: أصناف الجن","level":4,"page":3867},{"title":"تمهيد","level":5,"page":3867},{"title":"المطلب الأول: أصناف الجن من حيث أصل خلقتهم، وقوتهم","level":5,"page":3868},{"title":"المطلب الثاني: أصناف الجن من حيث إنتسابهم إلى قبائل وأماكن","level":5,"page":3871},{"title":"المطلب الثالث: أصناف الجن من حيث الإيمان والكفر، والصلاح والفساد","level":5,"page":3873},{"title":"المبحث الخامس: الشيطان إبليس صفاته وجنسه","level":4,"page":3875},{"title":"المطلب الأول: تعريف إبليس والشيطان لغة واصطلاحا","level":5,"page":3875},{"title":"المطلب الثاني: أوصاف إبليس","level":5,"page":3878},{"title":"١ - الرجيم:","level":6,"page":3879},{"title":"٢ - المارد:","level":6,"page":3880},{"title":"٣ - الوسواس الخناس:","level":6,"page":3881},{"title":"المطلب الثالث: الجنس الذي منه إبليس","level":5,"page":3882},{"title":"الفصل الرابع: تكليف الجن وجزاؤهم والرسل المرسلة إليهم","level":3,"page":3887},{"title":"المبحث الأول: تكليف الجن","level":4,"page":3887},{"title":"تمهيد","level":5,"page":3887},{"title":"المطلب الأول: الأدلة من القرآن على تكليف الجن","level":5,"page":3888},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة من السنة","level":5,"page":3895},{"title":"المبحث الثاني: جنس الرسل المبعوثة إلى الجن","level":4,"page":3897},{"title":"المبحث الثالث: جزاء الجن في الآخرة","level":4,"page":3903},{"title":"تمهيد","level":5,"page":3903},{"title":"المطلب الأول: جزاء كافرهم في الآخرة","level":5,"page":3904},{"title":"المطلب الثاني: جزاء مؤمنهم في الآخرة","level":5,"page":3905},{"title":"الفصل الخامس: أهداف الشيطان وأساليبه في إغواء الناس ومدى سلطانه عليهم","level":3,"page":3910},{"title":"المبحث الأول: أهداف الشيطان","level":4,"page":3910},{"title":"المبحث الثاني: أساليب الشياطين في إغواء الناس","level":4,"page":3915},{"title":"المبحث الثالث: مدى سلطان الشيطان على الإنسان","level":4,"page":3917},{"title":"الفصل السادس: الجن وعلم الغيب","level":3,"page":3925},{"title":"المبحث الأول: استراق الجن لأخبار السماء","level":4,"page":3925},{"title":"المبحث الثاني: ما تلقيه الجن إلى الإنس","level":4,"page":3929},{"title":"الفصل السابع: الجن ودعوى تحضير الأرواح","level":3,"page":3934},{"title":"تمهيد","level":4,"page":3934},{"title":"المبحث الأول: علاقة الجن بتحضير الأرواح","level":4,"page":3935},{"title":"المبحث الثاني: حكم ما يسمى بعلم تحضير الأرواح","level":4,"page":3936},{"title":"الفصل الثامن: دخول الجني في الإنسي","level":3,"page":3941},{"title":"الباب السابع: وجوب لزوم الجماعة والاعتصام بالكتاب والسنة وذم البدع","level":2,"page":3944},{"title":"الفصل الأول: الحث على الجماعة وذم التفرق","level":3,"page":3944},{"title":"المبحث الأول: الحث على الجماعة والأمر بلزومها","level":4,"page":3944},{"title":"المطلب الأول: الأدلة من الكتاب على لزوم الجماعة","level":5,"page":3944},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة من السنة في الحث على الجماعة والأمر بلزومها","level":5,"page":3951},{"title":"المبحث الثاني: ذم التفرق والاختلاف","level":4,"page":3956},{"title":"المطلب الأول: الأدلة على ذم التفرق","level":5,"page":3956},{"title":"الفرع الأول الأدلة من الكتاب على ذم التفرق والتحذير منه","level":6,"page":3956},{"title":"الفرع الثاني: الأدلة من السنة على ذم التفرق والتحذير منه","level":6,"page":3965},{"title":"الفصل الثاني: الاعتصام بالكتاب والسنة","level":3,"page":3970},{"title":"تمهيد:","level":4,"page":3970},{"title":"المبحث الأول: الأدلة من القرآن الكريم","level":4,"page":3971},{"title":"المبحث الثاني: الأدلة من السنة النبوية","level":4,"page":3973},{"title":"المبحث الثالث: الأدلة من أقوال السلف الصالح","level":4,"page":3976},{"title":"الفصل الثالث: ذم البدع","level":3,"page":3977},{"title":"المبحث الأول: تعريف البدع","level":4,"page":3977},{"title":"المطلب الأول: البدعة لغة","level":5,"page":3977},{"title":"المطلب الثاني: البدعة اصطلاحا","level":5,"page":3978},{"title":"المبحث الثاني: ذم البدع","level":4,"page":3979},{"title":"المطلب الأول: الأدلة من النظر على ذم البدع","level":5,"page":3979},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة من النقل على ذم البدع","level":5,"page":3981},{"title":"المبحث الثالث: خطورة البدعة وآثارها السيئة","level":4,"page":3984},{"title":"المبحث الرابع: أنواع البدع","level":4,"page":3989},{"title":"المطلب الأول: تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية","level":5,"page":3990},{"title":"المطلب الثاني: انقسام البدعة إلى فعلية وتركية","level":5,"page":3992},{"title":"المطلب الثالث: انقسام البدعة إلى اعتقادية وعملية","level":5,"page":3995},{"title":"المطلب الرابع: تقسيم البدعة إلى كلية وجزئية","level":5,"page":3996},{"title":"المطلب الخامس: تقسيم البدعة إلى بسيطة ومركبة","level":5,"page":3997},{"title":"المطلب السادس: تقسيم البدعة إلى صغيرة وكبيرة","level":5,"page":3998},{"title":"المطلب السابع: انقسام البدعة إلى عبادية وعادية","level":5,"page":4001},{"title":"المبحث الخامس: حكم البدعة","level":4,"page":4004}],"ٛ":{"1,1":2,"1,2":3,"1,3":4,"1,4":5,"1,5":6,"1,6":7,"1,7":8,"1,8":9,"1,9":10,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":28,"1,28":29,"1,29":30,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":33,"1,33":34,"1,34":35,"1,35":36,"1,36":37,"1,37":38,"1,38":39,"1,39":40,"1,40":41,"1,41":42,"1,42":43,"1,43":44,"1,44":45,"1,45":46,"1,46":47,"1,47":48,"1,48":49,"1,49":50,"1,50":51,"1,51":52,"1,52":53,"1,53":54,"1,54":55,"1,55":56,"1,56":57,"1,57":58,"1,58":59,"1,59":60,"1,60":61,"1,61":62,"1,62":63,"1,63":64,"1,64":65,"1,65":66,"1,66":67,"1,67":68,"1,68":69,"1,69":70,"1,70":71,"1,71":72,"1,72":73,"1,73":74,"1,74":75,"1,75":76,"1,76":77,"1,77":78,"1,78":79,"1,79":80,"1,80":81,"1,81":82,"1,82":83,"1,83":84,"1,84":85,"1,85":86,"1,86":87,"1,87":88,"1,88":89,"1,89":90,"1,90":91,"1,91":92,"1,92":93,"1,93":94,"1,94":95,"1,95":96,"1,96":97,"1,97":98,"1,98":99,"1,99":100,"1,100":101,"1,101":102,"1,102":103,"1,103":104,"1,104":105,"1,105":106,"1,106":107,"1,107":108,"1,108":109,"1,109":110,"1,110":111,"1,111":112,"1,112":113,"1,113":114,"1,114":115,"1,115":116,"1,116":117,"1,117":118,"1,118":119,"1,119":120,"1,120":121,"1,121":122,"1,122":123,"1,123":124,"1,124":125,"1,125":126,"1,126":127,"1,127":128,"1,128":129,"1,129":130,"1,130":131,"1,131":132,"1,132":133,"1,133":134,"1,134":135,"1,135":136,"1,136":137,"1,137":138,"1,138":139,"1,139":140,"1,140":141,"1,141":142,"1,142":143,"1,143":144,"1,144":145,"1,145":146,"1,146":147,"1,147":148,"1,148":149,"1,149":150,"1,150":151,"1,151":152,"1,152":153,"1,153":154,"1,154":155,"1,155":156,"1,156":157,"1,157":158,"1,158":159,"1,159":160,"1,160":161,"1,161":162,"1,162":163,"1,163":164,"1,164":165,"1,165":166,"1,166":167,"1,167":168,"1,168":169,"1,169":170,"1,170":171,"1,171":172,"1,172":173,"1,173":174,"1,174":175,"1,175":176,"1,176":177,"1,177":178,"1,178":179,"1,179":180,"1,180":181,"1,181":182,"1,182":183,"1,183":184,"1,184":185,"1,185":186,"1,186":187,"1,187":188,"1,188":189,"1,189":190,"1,190":191,"1,191":192,"1,192":193,"1,193":194,"1,194":195,"1,195":196,"1,196":197,"1,197":198,"1,198":199,"1,199":200,"1,200":201,"1,201":202,"1,202":203,"1,203":204,"1,204":205,"1,205":206,"1,206":207,"1,207":208,"1,208":209,"1,209":210,"1,210":211,"1,211":212,"1,212":213,"1,213":214,"1,214":215,"1,215":216,"1,216":217,"1,217":218,"1,218":219,"1,219":220,"1,220":221,"1,221":222,"1,222":223,"1,223":224,"1,224":225,"1,225":226,"1,226":227,"1,227":228,"1,228":229,"1,229":230,"1,230":231,"1,231":232,"1,232":233,"1,233":234,"1,234":235,"1,235":236,"1,236":237,"1,237":238,"1,238":239,"1,239":240,"1,240":241,"1,241":242,"1,242":243,"1,243":244,"1,244":245,"1,245":246,"1,246":247,"1,247":248,"1,248":249,"1,249":250,"1,250":251,"1,251":252,"1,252":253,"1,253":254,"1,254":255,"1,255":256,"1,256":257,"1,257":258,"1,258":259,"1,259":260,"1,260":261,"1,261":262,"1,262":263,"1,263":264,"1,264":265,"1,265":266,"1,266":267,"1,267":268,"1,268":269,"1,269":270,"1,270":271,"1,271":272,"1,272":273,"1,273":274,"1,274":275,"1,275":276,"1,276":277,"1,277":278,"1,278":279,"1,279":280,"1,280":281,"1,281":282,"1,282":283,"1,283":284,"1,284":285,"1,285":286,"1,286":287,"1,287":288,"1,288":289,"1,289":290,"1,290":291,"1,291":292,"1,292":293,"1,293":294,"1,294":295,"1,295":296,"1,296":297,"1,297":298,"1,298":299,"1,299":300,"1,300":301,"1,301":302,"1,302":303,"1,303":304,"1,304":305,"1,305":306,"1,306":307,"1,307":308,"1,308":309,"1,309":310,"1,310":311,"1,311":312,"1,312":313,"1,313":314,"1,314":315,"1,315":316,"1,316":317,"1,317":318,"1,318":319,"1,319":320,"1,320":321,"1,321":322,"1,322":323,"1,323":324,"1,324":325,"1,325":326,"1,326":327,"1,327":328,"1,328":329,"1,329":330,"1,330":331,"1,331":332,"1,332":333,"1,333":334,"1,334":335,"1,335":336,"1,336":337,"1,337":338,"1,338":339,"1,339":340,"1,340":341,"1,341":342,"1,342":343,"1,343":344,"1,344":345,"1,345":346,"1,346":347,"1,347":348,"1,348":349,"1,349":350,"1,350":351,"1,351":352,"1,352":353,"1,353":354,"1,354":355,"1,355":356,"1,356":357,"1,357":358,"1,358":359,"1,359":360,"1,360":361,"1,361":362,"1,362":363,"1,363":364,"1,364":365,"1,365":366,"1,366":367,"1,367":368,"1,368":369,"1,369":370,"1,370":371,"1,371":372,"1,372":373,"1,373":374,"1,374":375,"1,375":376,"1,376":377,"1,377":378,"1,378":379,"1,379":380,"1,380":381,"1,381":382,"1,382":383,"1,383":384,"1,384":385,"1,385":386,"1,386":387,"1,387":388,"1,388":389,"1,389":390,"1,390":391,"1,391":392,"1,392":393,"1,393":394,"1,394":395,"1,395":396,"1,396":397,"1,397":398,"1,398":399,"1,399":400,"1,400":401,"1,401":402,"1,402":403,"1,403":404,"1,404":405,"1,405":406,"1,406":407,"1,407":408,"1,408":409,"1,409":410,"1,410":411,"1,411":412,"1,412":413,"1,413":414,"1,414":415,"1,415":416,"1,416":417,"1,417":418,"1,418":419,"1,419":420,"1,420":421,"1,421":422,"1,422":423,"1,423":424,"1,424":425,"1,425":426,"1,426":427,"1,427":428,"1,428":429,"1,429":430,"1,430":431,"1,431":432,"1,432":433,"1,433":434,"1,434":435,"1,435":436,"1,436":437,"1,437":438,"1,438":439,"1,439":440,"1,440":441,"1,441":442,"1,442":443,"1,443":444,"1,444":445,"1,445":446,"1,446":447,"1,447":448,"1,448":449,"1,449":450,"1,450":451,"1,451":452,"1,452":453,"1,453":454,"1,454":455,"1,455":456,"1,456":457,"1,457":458,"1,458":459,"1,459":460,"1,460":461,"1,461":462,"1,462":463,"1,463":464,"1,464":465,"1,465":466,"1,466":467,"1,467":468,"1,468":469,"1,469":470,"1,470":471,"1,471":472,"1,472":473,"1,473":474,"1,474":475,"1,475":476,"1,476":477,"1,477":478,"1,478":479,"1,479":480,"1,480":481,"1,481":482,"1,482":483,"1,483":484,"1,484":485,"1,485":486,"1,486":487,"1,487":488,"1,488":489,"1,489":490,"1,490":491,"1,491":492,"1,492":493,"1,493":494,"1,494":495,"1,495":496,"1,496":497,"1,497":498,"1,498":499,"1,499":500,"1,500":501,"1,501":502,"2,1":503,"2,2":504,"2,3":505,"2,4":506,"2,5":507,"2,6":508,"2,7":509,"2,8":510,"2,9":511,"2,10":512,"2,11":513,"2,12":514,"2,13":515,"2,14":516,"2,15":517,"2,16":518,"2,17":519,"2,18":520,"2,19":521,"2,20":522,"2,21":523,"2,22":524,"2,23":525,"2,24":526,"2,25":527,"2,26":528,"2,27":529,"2,28":530,"2,29":531,"2,30":532,"2,31":533,"2,32":534,"2,33":535,"2,34":536,"2,35":537,"2,36":538,"2,37":539,"2,38":540,"2,39":541,"2,40":542,"2,41":543,"2,42":544,"2,43":545,"2,44":546,"2,45":547,"2,46":548,"2,47":549,"2,48":550,"2,49":551,"2,50":552,"2,51":553,"2,52":554,"2,53":555,"2,54":556,"2,55":557,"2,56":558,"2,57":559,"2,58":560,"2,59":561,"2,60":562,"2,61":563,"2,62":564,"2,63":565,"2,64":566,"2,65":567,"2,66":568,"2,67":569,"2,68":570,"2,69":571,"2,70":572,"2,71":573,"2,72":574,"2,73":575,"2,74":576,"2,75":577,"2,76":578,"2,77":579,"2,78":580,"2,79":581,"2,80":582,"2,81":583,"2,82":584,"2,83":585,"2,84":586,"2,85":587,"2,86":588,"2,87":589,"2,88":590,"2,89":591,"2,90":592,"2,91":593,"2,92":594,"2,93":595,"2,94":596,"2,95":597,"2,96":598,"2,97":599,"2,98":600,"2,99":601,"2,100":602,"2,101":603,"2,102":604,"2,103":605,"2,104":606,"2,105":607,"2,106":608,"2,107":609,"2,108":610,"2,109":611,"2,110":612,"2,111":613,"2,112":614,"2,113":615,"2,114":616,"2,115":617,"2,116":618,"2,117":619,"2,118":620,"2,119":621,"2,120":622,"2,121":623,"2,122":624,"2,123":625,"2,124":626,"2,125":627,"2,126":628,"2,127":629,"2,128":630,"2,129":631,"2,130":632,"2,131":633,"2,132":634,"2,133":635,"2,134":636,"2,135":637,"2,136":638,"2,137":639,"2,138":640,"2,139":641,"2,140":642,"2,141":643,"2,142":644,"2,143":645,"2,144":646,"2,145":647,"2,146":648,"2,147":649,"2,148":650,"2,149":651,"2,150":652,"2,151":653,"2,152":654,"2,153":655,"2,154":656,"2,155":657,"2,156":658,"2,157":659,"2,158":660,"2,159":661,"2,160":662,"2,161":663,"2,162":664,"2,163":665,"2,164":666,"2,165":667,"2,166":668,"2,167":669,"2,168":670,"2,169":671,"2,170":672,"2,171":673,"2,172":674,"2,173":675,"2,174":676,"2,175":677,"2,176":678,"2,177":679,"2,178":680,"2,179":681,"2,180":682,"2,181":683,"2,182":684,"2,183":685,"2,184":686,"2,185":687,"2,186":688,"2,187":689,"2,188":690,"2,189":691,"2,190":692,"2,191":693,"2,192":694,"2,193":695,"2,194":696,"2,195":697,"2,196":698,"2,197":699,"2,198":700,"2,199":701,"2,200":702,"2,201":703,"2,202":704,"2,203":705,"2,204":706,"2,205":707,"2,206":708,"2,207":709,"2,208":710,"2,209":711,"2,210":712,"2,211":713,"2,212":714,"2,213":715,"2,214":716,"2,215":717,"2,216":718,"2,217":719,"2,218":720,"2,219":721,"2,220":722,"2,221":723,"2,222":724,"2,223":725,"2,224":726,"2,225":727,"2,226":728,"2,227":729,"2,228":730,"2,229":731,"2,230":732,"2,231":733,"2,232":734,"2,233":735,"2,234":736,"2,235":737,"2,236":738,"2,237":739,"2,238":740,"2,239":741,"2,240":742,"2,241":743,"2,242":744,"2,243":745,"2,244":746,"2,245":747,"2,246":748,"2,247":749,"2,248":750,"2,249":751,"2,250":752,"2,251":753,"2,252":754,"2,253":755,"2,254":756,"2,255":757,"2,256":758,"2,257":759,"2,258":760,"2,259":761,"2,260":762,"2,261":763,"2,262":764,"2,263":765,"2,264":766,"2,265":767,"2,266":768,"2,267":769,"2,268":770,"2,269":771,"2,270":772,"2,271":773,"2,272":774,"2,273":775,"2,274":776,"2,275":777,"2,276":778,"2,277":779,"2,278":780,"2,279":781,"2,280":782,"2,281":783,"2,282":784,"2,283":785,"2,284":786,"2,285":787,"2,286":788,"2,287":789,"2,288":790,"2,289":791,"2,290":792,"2,291":793,"2,292":794,"2,293":795,"2,294":796,"2,295":797,"2,296":798,"2,297":799,"2,298":800,"2,299":801,"2,300":802,"2,301":803,"2,302":804,"2,303":805,"2,304":806,"2,305":807,"2,306":808,"2,307":809,"2,308":810,"2,309":811,"2,310":812,"2,311":813,"2,312":814,"2,313":815,"2,314":816,"2,315":817,"2,316":818,"2,317":819,"2,318":820,"2,319":821,"2,320":822,"2,321":823,"2,322":824,"2,323":825,"2,324":826,"2,325":827,"2,326":828,"2,327":829,"2,328":830,"2,329":831,"2,330":832,"2,331":833,"2,332":834,"2,333":835,"2,334":836,"2,335":837,"2,336":838,"2,337":839,"2,338":840,"2,339":841,"2,340":842,"2,341":843,"2,342":844,"2,343":845,"2,344":846,"2,345":847,"2,346":848,"2,347":849,"2,348":850,"2,349":851,"2,350":852,"2,351":853,"2,352":854,"2,353":855,"2,354":856,"2,355":857,"2,356":858,"2,357":859,"2,358":860,"2,359":861,"2,360":862,"2,361":863,"2,362":864,"2,363":865,"2,364":866,"2,365":867,"2,366":868,"2,367":869,"2,368":870,"2,369":871,"2,370":872,"2,371":873,"2,372":874,"2,373":875,"2,374":876,"2,375":877,"2,376":878,"2,377":879,"2,378":880,"2,379":881,"2,380":882,"2,381":883,"2,382":884,"2,383":885,"2,384":886,"2,385":887,"2,386":888,"2,387":889,"2,388":890,"2,389":891,"2,390":892,"2,391":893,"2,392":894,"2,393":895,"2,394":896,"2,395":897,"2,396":898,"2,397":899,"2,398":900,"2,399":901,"2,400":902,"2,401":903,"2,402":904,"2,403":905,"2,404":906,"2,405":907,"2,406":908,"2,407":909,"2,408":910,"2,409":911,"2,410":912,"2,411":913,"2,412":914,"2,413":915,"2,414":916,"2,415":917,"2,416":918,"2,417":919,"2,418":920,"2,419":921,"2,420":922,"2,421":923,"2,422":924,"2,423":925,"2,424":926,"2,425":927,"2,426":928,"2,427":929,"2,428":930,"2,429":931,"2,430":932,"2,431":933,"2,432":934,"2,433":935,"2,434":936,"2,435":937,"2,436":938,"2,437":939,"2,438":940,"2,439":941,"2,440":942,"2,441":943,"2,442":944,"2,443":945,"2,444":946,"2,445":947,"2,446":948,"2,447":949,"2,448":950,"2,449":951,"2,450":952,"2,451":953,"2,452":954,"2,453":955,"2,454":956,"2,455":957,"2,456":958,"2,457":959,"2,458":960,"2,459":961,"2,460":962,"2,461":963,"2,462":964,"2,463":965,"2,464":966,"2,465":967,"2,466":968,"2,467":969,"2,468":970,"2,469":971,"2,470":972,"2,471":973,"2,472":974,"2,473":975,"2,474":976,"2,475":977,"2,476":978,"2,477":979,"2,478":980,"2,479":981,"2,480":982,"2,481":983,"2,482":984,"2,483":985,"2,484":986,"2,485":987,"2,486":988,"2,487":989,"2,488":990,"2,489":991,"2,490":992,"2,491":993,"2,492":994,"2,493":995,"2,494":996,"2,495":997,"2,496":998,"2,497":999,"2,498":1000,"2,499":1001,"2,500":1002,"2,501":1003,"3,1":1004,"3,2":1005,"3,3":1006,"3,4":1007,"3,5":1008,"3,6":1009,"3,7":1010,"3,8":1011,"3,9":1012,"3,10":1013,"3,11":1014,"3,12":1015,"3,13":1016,"3,14":1017,"3,15":1018,"3,16":1019,"3,17":1020,"3,18":1021,"3,19":1022,"3,20":1023,"3,21":1024,"3,22":1025,"3,23":1026,"3,24":1027,"3,25":1028,"3,26":1029,"3,27":1030,"3,28":1031,"3,29":1032,"3,30":1033,"3,31":1034,"3,32":1035,"3,33":1036,"3,34":1037,"3,35":1038,"3,36":1039,"3,37":1040,"3,38":1041,"3,39":1042,"3,40":1043,"3,41":1044,"3,42":1045,"3,43":1046,"3,44":1047,"3,45":1048,"3,46":1049,"3,47":1050,"3,48":1051,"3,49":1052,"3,50":1053,"3,51":1054,"3,52":1055,"3,53":1056,"3,54":1057,"3,55":1058,"3,56":1059,"3,57":1060,"3,58":1061,"3,59":1062,"3,60":1063,"3,61":1064,"3,62":1065,"3,63":1066,"3,64":1067,"3,65":1068,"3,66":1069,"3,67":1070,"3,68":1071,"3,69":1072,"3,70":1073,"3,71":1074,"3,72":1075,"3,73":1076,"3,74":1077,"3,75":1078,"3,76":1079,"3,77":1080,"3,78":1081,"3,79":1082,"3,80":1083,"3,81":1084,"3,82":1085,"3,83":1086,"3,84":1087,"3,85":1088,"3,86":1089,"3,87":1090,"3,88":1091,"3,89":1092,"3,90":1093,"3,91":1094,"3,92":1095,"3,93":1096,"3,94":1097,"3,95":1098,"3,96":1099,"3,97":1100,"3,98":1101,"3,99":1102,"3,100":1103,"3,101":1104,"3,102":1105,"3,103":1106,"3,104":1107,"3,105":1108,"3,106":1109,"3,107":1110,"3,108":1111,"3,109":1112,"3,110":1113,"3,111":1114,"3,112":1115,"3,113":1116,"3,114":1117,"3,115":1118,"3,116":1119,"3,117":1120,"3,118":1121,"3,119":1122,"3,120":1123,"3,121":1124,"3,122":1125,"3,123":1126,"3,124":1127,"3,125":1128,"3,126":1129,"3,127":1130,"3,128":1131,"3,129":1132,"3,130":1133,"3,131":1134,"3,132":1135,"3,133":1136,"3,134":1137,"3,135":1138,"3,136":1139,"3,137":1140,"3,138":1141,"3,139":1142,"3,140":1143,"3,141":1144,"3,142":1145,"3,143":1146,"3,144":1147,"3,145":1148,"3,146":1149,"3,147":1150,"3,148":1151,"3,149":1152,"3,150":1153,"3,151":1154,"3,152":1155,"3,153":1156,"3,154":1157,"3,155":1158,"3,156":1159,"3,157":1160,"3,158":1161,"3,159":1162,"3,160":1163,"3,161":1164,"3,162":1165,"3,163":1166,"3,164":1167,"3,165":1168,"3,166":1169,"3,167":1170,"3,168":1171,"3,169":1172,"3,170":1173,"3,171":1174,"3,172":1175,"3,173":1176,"3,174":1177,"3,175":1178,"3,176":1179,"3,177":1180,"3,178":1181,"3,179":1182,"3,180":1183,"3,181":1184,"3,182":1185,"3,183":1186,"3,184":1187,"3,185":1188,"3,186":1189,"3,187":1190,"3,188":1191,"3,189":1192,"3,190":1193,"3,191":1194,"3,192":1195,"3,193":1196,"3,194":1197,"3,195":1198,"3,196":1199,"3,197":1200,"3,198":1201,"3,199":1202,"3,200":1203,"3,201":1204,"3,202":1205,"3,203":1206,"3,204":1207,"3,205":1208,"3,206":1209,"3,207":1210,"3,208":1211,"3,209":1212,"3,210":1213,"3,211":1214,"3,212":1215,"3,213":1216,"3,214":1217,"3,215":1218,"3,216":1219,"3,217":1220,"3,218":1221,"3,219":1222,"3,220":1223,"3,221":1224,"3,222":1225,"3,223":1226,"3,224":1227,"3,225":1228,"3,226":1229,"3,227":1230,"3,228":1231,"3,229":1232,"3,230":1233,"3,231":1234,"3,232":1235,"3,233":1236,"3,234":1237,"3,235":1238,"3,236":1239,"3,237":1240,"3,238":1241,"3,239":1242,"3,240":1243,"3,241":1244,"3,242":1245,"3,243":1246,"3,244":1247,"3,245":1248,"3,246":1249,"3,247":1250,"3,248":1251,"3,249":1252,"3,250":1253,"3,251":1254,"3,252":1255,"3,253":1256,"3,254":1257,"3,255":1258,"3,256":1259,"3,257":1260,"3,258":1261,"3,259":1262,"3,260":1263,"3,261":1264,"3,262":1265,"3,263":1266,"3,264":1267,"3,265":1268,"3,266":1269,"3,267":1270,"3,268":1271,"3,269":1272,"3,270":1273,"3,271":1274,"3,272":1275,"3,273":1276,"3,274":1277,"3,275":1278,"3,276":1279,"3,277":1280,"3,278":1281,"3,279":1282,"3,280":1283,"3,281":1284,"3,282":1285,"3,283":1286,"3,284":1287,"3,285":1288,"3,286":1289,"3,287":1290,"3,288":1291,"3,289":1292,"3,290":1293,"3,291":1294,"3,292":1295,"3,293":1296,"3,294":1297,"3,295":1298,"3,296":1299,"3,297":1300,"3,298":1301,"3,299":1302,"3,300":1303,"3,301":1304,"3,302":1305,"3,303":1306,"3,304":1307,"3,305":1308,"3,306":1309,"3,307":1310,"3,308":1311,"3,309":1312,"3,310":1313,"3,311":1314,"3,312":1315,"3,313":1316,"3,314":1317,"3,315":1318,"3,316":1319,"3,317":1320,"3,318":1321,"3,319":1322,"3,320":1323,"3,321":1324,"3,322":1325,"3,323":1326,"3,324":1327,"3,325":1328,"3,326":1329,"3,327":1330,"3,328":1331,"3,329":1332,"3,330":1333,"3,331":1334,"3,332":1335,"3,333":1336,"3,334":1337,"3,335":1338,"3,336":1339,"3,337":1340,"3,338":1341,"3,339":1342,"3,340":1343,"3,341":1344,"3,342":1345,"3,343":1346,"3,344":1347,"3,345":1348,"3,346":1349,"3,347":1350,"3,348":1351,"3,349":1352,"3,350":1353,"3,351":1354,"3,352":1355,"3,353":1356,"3,354":1357,"3,355":1358,"3,356":1359,"3,357":1360,"3,358":1361,"3,359":1362,"3,360":1363,"3,361":1364,"3,362":1365,"3,363":1366,"3,364":1367,"3,365":1368,"3,366":1369,"3,367":1370,"3,368":1371,"3,369":1372,"3,370":1373,"3,371":1374,"3,372":1375,"3,373":1376,"3,374":1377,"3,375":1378,"3,376":1379,"3,377":1380,"3,378":1381,"3,379":1382,"3,380":1383,"3,381":1384,"3,382":1385,"3,383":1386,"3,384":1387,"3,385":1388,"3,386":1389,"3,387":1390,"3,388":1391,"3,389":1392,"3,390":1393,"3,391":1394,"3,392":1395,"3,393":1396,"3,394":1397,"3,395":1398,"3,396":1399,"3,397":1400,"3,398":1401,"3,399":1402,"3,400":1403,"3,401":1404,"3,402":1405,"3,403":1406,"3,404":1407,"3,405":1408,"3,406":1409,"3,407":1410,"3,408":1411,"3,409":1412,"3,410":1413,"3,411":1414,"3,412":1415,"3,413":1416,"3,414":1417,"3,415":1418,"3,416":1419,"3,417":1420,"3,418":1421,"3,419":1422,"3,420":1423,"3,421":1424,"3,422":1425,"3,423":1426,"3,424":1427,"3,425":1428,"3,426":1429,"3,427":1430,"3,428":1431,"3,429":1432,"3,430":1433,"3,431":1434,"3,432":1435,"3,433":1436,"3,434":1437,"3,435":1438,"3,436":1439,"3,437":1440,"3,438":1441,"3,439":1442,"3,440":1443,"3,441":1444,"3,442":1445,"3,443":1446,"3,444":1447,"3,445":1448,"3,446":1449,"3,447":1450,"3,448":1451,"3,449":1452,"3,450":1453,"3,451":1454,"3,452":1455,"3,453":1456,"3,454":1457,"3,455":1458,"3,456":1459,"3,457":1460,"3,458":1461,"3,459":1462,"3,460":1463,"3,461":1464,"3,462":1465,"3,463":1466,"3,464":1467,"3,465":1468,"3,466":1469,"3,467":1470,"3,468":1471,"3,469":1472,"3,470":1473,"3,471":1474,"3,472":1475,"3,473":1476,"3,474":1477,"3,475":1478,"3,476":1479,"3,477":1480,"3,478":1481,"3,479":1482,"3,480":1483,"3,481":1484,"3,482":1485,"3,483":1486,"3,484":1487,"3,485":1488,"3,486":1489,"3,487":1490,"3,488":1491,"3,489":1492,"3,490":1493,"3,491":1494,"3,492":1495,"3,493":1496,"3,494":1497,"3,495":1498,"3,496":1499,"3,497":1500,"3,498":1501,"3,499":1502,"3,500":1503,"3,501":1504,"4,1":1505,"4,2":1506,"4,3":1507,"4,4":1508,"4,5":1509,"4,6":1510,"4,7":1511,"4,8":1512,"4,9":1513,"4,10":1514,"4,11":1515,"4,12":1516,"4,13":1517,"4,14":1518,"4,15":1519,"4,16":1520,"4,17":1521,"4,18":1522,"4,19":1523,"4,20":1524,"4,21":1525,"4,22":1526,"4,23":1527,"4,24":1528,"4,25":1529,"4,26":1530,"4,27":1531,"4,28":1532,"4,29":1533,"4,30":1534,"4,31":1535,"4,32":1536,"4,33":1537,"4,34":1538,"4,35":1539,"4,36":1540,"4,37":1541,"4,38":1542,"4,39":1543,"4,40":1544,"4,41":1545,"4,42":1546,"4,43":1547,"4,44":1548,"4,45":1549,"4,46":1550,"4,47":1551,"4,48":1552,"4,49":1553,"4,50":1554,"4,51":1555,"4,52":1556,"4,53":1557,"4,54":1558,"4,55":1559,"4,56":1560,"4,57":1561,"4,58":1562,"4,59":1563,"4,60":1564,"4,61":1565,"4,62":1566,"4,63":1567,"4,64":1568,"4,65":1569,"4,66":1570,"4,67":1571,"4,68":1572,"4,69":1573,"4,70":1574,"4,71":1575,"4,72":1576,"4,73":1577,"4,74":1578,"4,75":1579,"4,76":1580,"4,77":1581,"4,78":1582,"4,79":1583,"4,80":1584,"4,81":1585,"4,82":1586,"4,83":1587,"4,84":1588,"4,85":1589,"4,86":1590,"4,87":1591,"4,88":1592,"4,89":1593,"4,90":1594,"4,91":1595,"4,92":1596,"4,93":1597,"4,94":1598,"4,95":1599,"4,96":1600,"4,97":1601,"4,98":1602,"4,99":1603,"4,100":1604,"4,101":1605,"4,102":1606,"4,103":1607,"4,104":1608,"4,105":1609,"4,106":1610,"4,107":1611,"4,108":1612,"4,109":1613,"4,110":1614,"4,111":1615,"4,112":1616,"4,113":1617,"4,114":1618,"4,115":1619,"4,116":1620,"4,117":1621,"4,118":1622,"4,119":1623,"4,120":1624,"4,121":1625,"4,122":1626,"4,123":1627,"4,124":1628,"4,125":1629,"4,126":1630,"4,127":1631,"4,128":1632,"4,129":1633,"4,130":1634,"4,131":1635,"4,132":1636,"4,133":1637,"4,134":1638,"4,135":1639,"4,136":1640,"4,137":1641,"4,138":1642,"4,139":1643,"4,140":1644,"4,141":1645,"4,142":1646,"4,143":1647,"4,144":1648,"4,145":1649,"4,146":1650,"4,147":1651,"4,148":1652,"4,149":1653,"4,150":1654,"4,151":1655,"4,152":1656,"4,153":1657,"4,154":1658,"4,155":1659,"4,156":1660,"4,157":1661,"4,158":1662,"4,159":1663,"4,160":1664,"4,161":1665,"4,162":1666,"4,163":1667,"4,164":1668,"4,165":1669,"4,166":1670,"4,167":1671,"4,168":1672,"4,169":1673,"4,170":1674,"4,171":1675,"4,172":1676,"4,173":1677,"4,174":1678,"4,175":1679,"4,176":1680,"4,177":1681,"4,178":1682,"4,179":1683,"4,180":1684,"4,181":1685,"4,182":1686,"4,183":1687,"4,184":1688,"4,185":1689,"4,186":1690,"4,187":1691,"4,188":1692,"4,189":1693,"4,190":1694,"4,191":1695,"4,192":1696,"4,193":1697,"4,194":1698,"4,195":1699,"4,196":1700,"4,197":1701,"4,198":1702,"4,199":1703,"4,200":1704,"4,201":1705,"4,202":1706,"4,203":1707,"4,204":1708,"4,205":1709,"4,206":1710,"4,207":1711,"4,208":1712,"4,209":1713,"4,210":1714,"4,211":1715,"4,212":1716,"4,213":1717,"4,214":1718,"4,215":1719,"4,216":1720,"4,217":1721,"4,218":1722,"4,219":1723,"4,220":1724,"4,221":1725,"4,222":1726,"4,223":1727,"4,224":1728,"4,225":1729,"4,226":1730,"4,227":1731,"4,228":1732,"4,229":1733,"4,230":1734,"4,231":1735,"4,232":1736,"4,233":1737,"4,234":1738,"4,235":1739,"4,236":1740,"4,237":1741,"4,238":1742,"4,239":1743,"4,240":1744,"4,241":1745,"4,242":1746,"4,243":1747,"4,244":1748,"4,245":1749,"4,246":1750,"4,247":1751,"4,248":1752,"4,249":1753,"4,250":1754,"4,251":1755,"4,252":1756,"4,253":1757,"4,254":1758,"4,255":1759,"4,256":1760,"4,257":1761,"4,258":1762,"4,259":1763,"4,260":1764,"4,261":1765,"4,262":1766,"4,263":1767,"4,264":1768,"4,265":1769,"4,266":1770,"4,267":1771,"4,268":1772,"4,269":1773,"4,270":1774,"4,271":1775,"4,272":1776,"4,273":1777,"4,274":1778,"4,275":1779,"4,276":1780,"4,277":1781,"4,278":1782,"4,279":1783,"4,280":1784,"4,281":1785,"4,282":1786,"4,283":1787,"4,284":1788,"4,285":1789,"4,286":1790,"4,287":1791,"4,288":1792,"4,289":1793,"4,290":1794,"4,291":1795,"4,292":1796,"4,293":1797,"4,294":1798,"4,295":1799,"4,296":1800,"4,297":1801,"4,298":1802,"4,299":1803,"4,300":1804,"4,301":1805,"4,302":1806,"4,303":1807,"4,304":1808,"4,305":1809,"4,306":1810,"4,307":1811,"4,308":1812,"4,309":1813,"4,310":1814,"4,311":1815,"4,312":1816,"4,313":1817,"4,314":1818,"4,315":1819,"4,316":1820,"4,317":1821,"4,318":1822,"4,319":1823,"4,320":1824,"4,321":1825,"4,322":1826,"4,323":1827,"4,324":1828,"4,325":1829,"4,326":1830,"4,327":1831,"4,328":1832,"4,329":1833,"4,330":1834,"4,331":1835,"4,332":1836,"4,333":1837,"4,334":1838,"4,335":1839,"4,336":1840,"4,337":1841,"4,338":1842,"4,339":1843,"4,340":1844,"4,341":1845,"4,342":1846,"4,343":1847,"4,344":1848,"4,345":1849,"4,346":1850,"4,347":1851,"4,348":1852,"4,349":1853,"4,350":1854,"4,351":1855,"4,352":1856,"4,353":1857,"4,354":1858,"4,355":1859,"4,356":1860,"4,357":1861,"4,358":1862,"4,359":1863,"4,360":1864,"4,361":1865,"4,362":1866,"4,363":1867,"4,364":1868,"4,365":1869,"4,366":1870,"4,367":1871,"4,368":1872,"4,369":1873,"4,370":1874,"4,371":1875,"4,372":1876,"4,373":1877,"4,374":1878,"4,375":1879,"4,376":1880,"4,377":1881,"4,378":1882,"4,379":1883,"4,380":1884,"4,381":1885,"4,382":1886,"4,383":1887,"4,384":1888,"4,385":1889,"4,386":1890,"4,387":1891,"4,388":1892,"4,389":1893,"4,390":1894,"4,391":1895,"4,392":1896,"4,393":1897,"4,394":1898,"4,395":1899,"4,396":1900,"4,397":1901,"4,398":1902,"4,399":1903,"4,400":1904,"4,401":1905,"4,402":1906,"4,403":1907,"4,404":1908,"4,405":1909,"4,406":1910,"4,407":1911,"4,408":1912,"4,409":1913,"4,410":1914,"4,411":1915,"4,412":1916,"4,413":1917,"4,414":1918,"4,415":1919,"4,416":1920,"4,417":1921,"4,418":1922,"4,419":1923,"4,420":1924,"4,421":1925,"4,422":1926,"4,423":1927,"4,424":1928,"4,425":1929,"4,426":1930,"4,427":1931,"4,428":1932,"4,429":1933,"4,430":1934,"4,431":1935,"4,432":1936,"4,433":1937,"4,434":1938,"4,435":1939,"4,436":1940,"4,437":1941,"4,438":1942,"4,439":1943,"4,440":1944,"4,441":1945,"4,442":1946,"4,443":1947,"4,444":1948,"4,445":1949,"4,446":1950,"4,447":1951,"4,448":1952,"4,449":1953,"4,450":1954,"4,451":1955,"4,452":1956,"4,453":1957,"4,454":1958,"4,455":1959,"4,456":1960,"4,457":1961,"4,458":1962,"4,459":1963,"4,460":1964,"4,461":1965,"4,462":1966,"4,463":1967,"4,464":1968,"4,465":1969,"4,466":1970,"4,467":1971,"4,468":1972,"4,469":1973,"4,470":1974,"4,471":1975,"4,472":1976,"4,473":1977,"4,474":1978,"4,475":1979,"4,476":1980,"4,477":1981,"4,478":1982,"4,479":1983,"4,480":1984,"4,481":1985,"4,482":1986,"4,483":1987,"4,484":1988,"4,485":1989,"4,486":1990,"4,487":1991,"4,488":1992,"4,489":1993,"4,490":1994,"4,491":1995,"4,492":1996,"4,493":1997,"4,494":1998,"4,495":1999,"4,496":2000,"4,497":2001,"4,498":2002,"4,499":2003,"4,500":2004,"4,501":2005,"5,1":2006,"5,2":2007,"5,3":2008,"5,4":2009,"5,5":2010,"5,6":2011,"5,7":2012,"5,8":2013,"5,9":2014,"5,10":2015,"5,11":2016,"5,12":2017,"5,13":2018,"5,14":2019,"5,15":2020,"5,16":2021,"5,17":2022,"5,18":2023,"5,19":2024,"5,20":2025,"5,21":2026,"5,22":2027,"5,23":2028,"5,24":2029,"5,25":2030,"5,26":2031,"5,27":2032,"5,28":2033,"5,29":2034,"5,30":2035,"5,31":2036,"5,32":2037,"5,33":2038,"5,34":2039,"5,35":2040,"5,36":2041,"5,37":2042,"5,38":2043,"5,39":2044,"5,40":2045,"5,41":2046,"5,42":2047,"5,43":2048,"5,44":2049,"5,45":2050,"5,46":2051,"5,47":2052,"5,48":2053,"5,49":2054,"5,50":2055,"5,51":2056,"5,52":2057,"5,53":2058,"5,54":2059,"5,55":2060,"5,56":2061,"5,57":2062,"5,58":2063,"5,59":2064,"5,60":2065,"5,61":2066,"5,62":2067,"5,63":2068,"5,64":2069,"5,65":2070,"5,66":2071,"5,67":2072,"5,68":2073,"5,69":2074,"5,70":2075,"5,71":2076,"5,72":2077,"5,73":2078,"5,74":2079,"5,75":2080,"5,76":2081,"5,77":2082,"5,78":2083,"5,79":2084,"5,80":2085,"5,81":2086,"5,82":2087,"5,83":2088,"5,84":2089,"5,85":2090,"5,86":2091,"5,87":2092,"5,88":2093,"5,89":2094,"5,90":2095,"5,91":2096,"5,92":2097,"5,93":2098,"5,94":2099,"5,95":2100,"5,96":2101,"5,97":2102,"5,98":2103,"5,99":2104,"5,100":2105,"5,101":2106,"5,102":2107,"5,103":2108,"5,104":2109,"5,105":2110,"5,106":2111,"5,107":2112,"5,108":2113,"5,109":2114,"5,110":2115,"5,111":2116,"5,112":2117,"5,113":2118,"5,114":2119,"5,115":2120,"5,116":2121,"5,117":2122,"5,118":2123,"5,119":2124,"5,120":2125,"5,121":2126,"5,122":2127,"5,123":2128,"5,124":2129,"5,125":2130,"5,126":2131,"5,127":2132,"5,128":2133,"5,129":2134,"5,130":2135,"5,131":2136,"5,132":2137,"5,133":2138,"5,134":2139,"5,135":2140,"5,136":2141,"5,137":2142,"5,138":2143,"5,139":2144,"5,140":2145,"5,141":2146,"5,142":2147,"5,143":2148,"5,144":2149,"5,145":2150,"5,146":2151,"5,147":2152,"5,148":2153,"5,149":2154,"5,150":2155,"5,151":2156,"5,152":2157,"5,153":2158,"5,154":2159,"5,155":2160,"5,156":2161,"5,157":2162,"5,158":2163,"5,159":2164,"5,160":2165,"5,161":2166,"5,162":2167,"5,163":2168,"5,164":2169,"5,165":2170,"5,166":2171,"5,167":2172,"5,168":2173,"5,169":2174,"5,170":2175,"5,171":2176,"5,172":2177,"5,173":2178,"5,174":2179,"5,175":2180,"5,176":2181,"5,177":2182,"5,178":2183,"5,179":2184,"5,180":2185,"5,181":2186,"5,182":2187,"5,183":2188,"5,184":2189,"5,185":2190,"5,186":2191,"5,187":2192,"5,188":2193,"5,189":2194,"5,190":2195,"5,191":2196,"5,192":2197,"5,193":2198,"5,194":2199,"5,195":2200,"5,196":2201,"5,197":2202,"5,198":2203,"5,199":2204,"5,200":2205,"5,201":2206,"5,202":2207,"5,203":2208,"5,204":2209,"5,205":2210,"5,206":2211,"5,207":2212,"5,208":2213,"5,209":2214,"5,210":2215,"5,211":2216,"5,212":2217,"5,213":2218,"5,214":2219,"5,215":2220,"5,216":2221,"5,217":2222,"5,218":2223,"5,219":2224,"5,220":2225,"5,221":2226,"5,222":2227,"5,223":2228,"5,224":2229,"5,225":2230,"5,226":2231,"5,227":2232,"5,228":2233,"5,229":2234,"5,230":2235,"5,231":2236,"5,232":2237,"5,233":2238,"5,234":2239,"5,235":2240,"5,236":2241,"5,237":2242,"5,238":2243,"5,239":2244,"5,240":2245,"5,241":2246,"5,242":2247,"5,243":2248,"5,244":2249,"5,245":2250,"5,246":2251,"5,247":2252,"5,248":2253,"5,249":2254,"5,250":2255,"5,251":2256,"5,252":2257,"5,253":2258,"5,254":2259,"5,255":2260,"5,256":2261,"5,257":2262,"5,258":2263,"5,259":2264,"5,260":2265,"5,261":2266,"5,262":2267,"5,263":2268,"5,264":2269,"5,265":2270,"5,266":2271,"5,267":2272,"5,268":2273,"5,269":2274,"5,270":2275,"5,271":2276,"5,272":2277,"5,273":2278,"5,274":2279,"5,275":2280,"5,276":2281,"5,277":2282,"5,278":2283,"5,279":2284,"5,280":2285,"5,281":2286,"5,282":2287,"5,283":2288,"5,284":2289,"5,285":2290,"5,286":2291,"5,287":2292,"5,288":2293,"5,289":2294,"5,290":2295,"5,291":2296,"5,292":2297,"5,293":2298,"5,294":2299,"5,295":2300,"5,296":2301,"5,297":2302,"5,298":2303,"5,299":2304,"5,300":2305,"5,301":2306,"5,302":2307,"5,303":2308,"5,304":2309,"5,305":2310,"5,306":2311,"5,307":2312,"5,308":2313,"5,309":2314,"5,310":2315,"5,311":2316,"5,312":2317,"5,313":2318,"5,314":2319,"5,315":2320,"5,316":2321,"5,317":2322,"5,318":2323,"5,319":2324,"5,320":2325,"5,321":2326,"5,322":2327,"5,323":2328,"5,324":2329,"5,325":2330,"5,326":2331,"5,327":2332,"5,328":2333,"5,329":2334,"5,330":2335,"5,331":2336,"5,332":2337,"5,333":2338,"5,334":2339,"5,335":2340,"5,336":2341,"5,337":2342,"5,338":2343,"5,339":2344,"5,340":2345,"5,341":2346,"5,342":2347,"5,343":2348,"5,344":2349,"5,345":2350,"5,346":2351,"5,347":2352,"5,348":2353,"5,349":2354,"5,350":2355,"5,351":2356,"5,352":2357,"5,353":2358,"5,354":2359,"5,355":2360,"5,356":2361,"5,357":2362,"5,358":2363,"5,359":2364,"5,360":2365,"5,361":2366,"5,362":2367,"5,363":2368,"5,364":2369,"5,365":2370,"5,366":2371,"5,367":2372,"5,368":2373,"5,369":2374,"5,370":2375,"5,371":2376,"5,372":2377,"5,373":2378,"5,374":2379,"5,375":2380,"5,376":2381,"5,377":2382,"5,378":2383,"5,379":2384,"5,380":2385,"5,381":2386,"5,382":2387,"5,383":2388,"5,384":2389,"5,385":2390,"5,386":2391,"5,387":2392,"5,388":2393,"5,389":2394,"5,390":2395,"5,391":2396,"5,392":2397,"5,393":2398,"5,394":2399,"5,395":2400,"5,396":2401,"5,397":2402,"5,398":2403,"5,399":2404,"5,400":2405,"5,401":2406,"5,402":2407,"5,403":2408,"5,404":2409,"5,405":2410,"5,406":2411,"5,407":2412,"5,408":2413,"5,409":2414,"5,410":2415,"5,411":2416,"5,412":2417,"5,413":2418,"5,414":2419,"5,415":2420,"5,416":2421,"5,417":2422,"5,418":2423,"5,419":2424,"5,420":2425,"5,421":2426,"5,422":2427,"5,423":2428,"5,424":2429,"5,425":2430,"5,426":2431,"5,427":2432,"5,428":2433,"5,429":2434,"5,430":2435,"5,431":2436,"5,432":2437,"5,433":2438,"5,434":2439,"5,435":2440,"5,436":2441,"5,437":2442,"5,438":2443,"5,439":2444,"5,440":2445,"5,441":2446,"5,442":2447,"5,443":2448,"5,444":2449,"5,445":2450,"5,446":2451,"5,447":2452,"5,448":2453,"5,449":2454,"5,450":2455,"5,451":2456,"5,452":2457,"5,453":2458,"5,454":2459,"5,455":2460,"5,456":2461,"5,457":2462,"5,458":2463,"5,459":2464,"5,460":2465,"5,461":2466,"5,462":2467,"5,463":2468,"5,464":2469,"5,465":2470,"5,466":2471,"5,467":2472,"5,468":2473,"5,469":2474,"5,470":2475,"5,471":2476,"5,472":2477,"5,473":2478,"5,474":2479,"5,475":2480,"5,476":2481,"5,477":2482,"5,478":2483,"5,479":2484,"5,480":2485,"5,481":2486,"5,482":2487,"5,483":2488,"5,484":2489,"5,485":2490,"5,486":2491,"5,487":2492,"5,488":2493,"5,489":2494,"5,490":2495,"5,491":2496,"5,492":2497,"5,493":2498,"5,494":2499,"5,495":2500,"5,496":2501,"5,497":2502,"5,498":2503,"5,499":2504,"5,500":2505,"5,501":2506,"6,1":2507,"6,2":2508,"6,3":2509,"6,4":2510,"6,5":2511,"6,6":2512,"6,7":2513,"6,8":2514,"6,9":2515,"6,10":2516,"6,11":2517,"6,12":2518,"6,13":2519,"6,14":2520,"6,15":2521,"6,16":2522,"6,17":2523,"6,18":2524,"6,19":2525,"6,20":2526,"6,21":2527,"6,22":2528,"6,23":2529,"6,24":2530,"6,25":2531,"6,26":2532,"6,27":2533,"6,28":2534,"6,29":2535,"6,30":2536,"6,31":2537,"6,32":2538,"6,33":2539,"6,34":2540,"6,35":2541,"6,36":2542,"6,37":2543,"6,38":2544,"6,39":2545,"6,40":2546,"6,41":2547,"6,42":2548,"6,43":2549,"6,44":2550,"6,45":2551,"6,46":2552,"6,47":2553,"6,48":2554,"6,49":2555,"6,50":2556,"6,51":2557,"6,52":2558,"6,53":2559,"6,54":2560,"6,55":2561,"6,56":2562,"6,57":2563,"6,58":2564,"6,59":2565,"6,60":2566,"6,61":2567,"6,62":2568,"6,63":2569,"6,64":2570,"6,65":2571,"6,66":2572,"6,67":2573,"6,68":2574,"6,69":2575,"6,70":2576,"6,71":2577,"6,72":2578,"6,73":2579,"6,74":2580,"6,75":2581,"6,76":2582,"6,77":2583,"6,78":2584,"6,79":2585,"6,80":2586,"6,81":2587,"6,82":2588,"6,83":2589,"6,84":2590,"6,85":2591,"6,86":2592,"6,87":2593,"6,88":2594,"6,89":2595,"6,90":2596,"6,91":2597,"6,92":2598,"6,93":2599,"6,94":2600,"6,95":2601,"6,96":2602,"6,97":2603,"6,98":2604,"6,99":2605,"6,100":2606,"6,101":2607,"6,102":2608,"6,103":2609,"6,104":2610,"6,105":2611,"6,106":2612,"6,107":2613,"6,108":2614,"6,109":2615,"6,110":2616,"6,111":2617,"6,112":2618,"6,113":2619,"6,114":2620,"6,115":2621,"6,116":2622,"6,117":2623,"6,118":2624,"6,119":2625,"6,120":2626,"6,121":2627,"6,122":2628,"6,123":2629,"6,124":2630,"6,125":2631,"6,126":2632,"6,127":2633,"6,128":2634,"6,129":2635,"6,130":2636,"6,131":2637,"6,132":2638,"6,133":2639,"6,134":2640,"6,135":2641,"6,136":2642,"6,137":2643,"6,138":2644,"6,139":2645,"6,140":2646,"6,141":2647,"6,142":2648,"6,143":2649,"6,144":2650,"6,145":2651,"6,146":2652,"6,147":2653,"6,148":2654,"6,149":2655,"6,150":2656,"6,151":2657,"6,152":2658,"6,153":2659,"6,154":2660,"6,155":2661,"6,156":2662,"6,157":2663,"6,158":2664,"6,159":2665,"6,160":2666,"6,161":2667,"6,162":2668,"6,163":2669,"6,164":2670,"6,165":2671,"6,166":2672,"6,167":2673,"6,168":2674,"6,169":2675,"6,170":2676,"6,171":2677,"6,172":2678,"6,173":2679,"6,174":2680,"6,175":2681,"6,176":2682,"6,177":2683,"6,178":2684,"6,179":2685,"6,180":2686,"6,181":2687,"6,182":2688,"6,183":2689,"6,184":2690,"6,185":2691,"6,186":2692,"6,187":2693,"6,188":2694,"6,189":2695,"6,190":2696,"6,191":2697,"6,192":2698,"6,193":2699,"6,194":2700,"6,195":2701,"6,196":2702,"6,197":2703,"6,198":2704,"6,199":2705,"6,200":2706,"6,201":2707,"6,202":2708,"6,203":2709,"6,204":2710,"6,205":2711,"6,206":2712,"6,207":2713,"6,208":2714,"6,209":2715,"6,210":2716,"6,211":2717,"6,212":2718,"6,213":2719,"6,214":2720,"6,215":2721,"6,216":2722,"6,217":2723,"6,218":2724,"6,219":2725,"6,220":2726,"6,221":2727,"6,222":2728,"6,223":2729,"6,224":2730,"6,225":2731,"6,226":2732,"6,227":2733,"6,228":2734,"6,229":2735,"6,230":2736,"6,231":2737,"6,232":2738,"6,233":2739,"6,234":2740,"6,235":2741,"6,236":2742,"6,237":2743,"6,238":2744,"6,239":2745,"6,240":2746,"6,241":2747,"6,242":2748,"6,243":2749,"6,244":2750,"6,245":2751,"6,246":2752,"6,247":2753,"6,248":2754,"6,249":2755,"6,250":2756,"6,251":2757,"6,252":2758,"6,253":2759,"6,254":2760,"6,255":2761,"6,256":2762,"6,257":2763,"6,258":2764,"6,259":2765,"6,260":2766,"6,261":2767,"6,262":2768,"6,263":2769,"6,264":2770,"6,265":2771,"6,266":2772,"6,267":2773,"6,268":2774,"6,269":2775,"6,270":2776,"6,271":2777,"6,272":2778,"6,273":2779,"6,274":2780,"6,275":2781,"6,276":2782,"6,277":2783,"6,278":2784,"6,279":2785,"6,280":2786,"6,281":2787,"6,282":2788,"6,283":2789,"6,284":2790,"6,285":2791,"6,286":2792,"6,287":2793,"6,288":2794,"6,289":2795,"6,290":2796,"6,291":2797,"6,292":2798,"6,293":2799,"6,294":2800,"6,295":2801,"6,296":2802,"6,297":2803,"6,298":2804,"6,299":2805,"6,300":2806,"6,301":2807,"6,302":2808,"6,303":2809,"6,304":2810,"6,305":2811,"6,306":2812,"6,307":2813,"6,308":2814,"6,309":2815,"6,310":2816,"6,311":2817,"6,312":2818,"6,313":2819,"6,314":2820,"6,315":2821,"6,316":2822,"6,317":2823,"6,318":2824,"6,319":2825,"6,320":2826,"6,321":2827,"6,322":2828,"6,323":2829,"6,324":2830,"6,325":2831,"6,326":2832,"6,327":2833,"6,328":2834,"6,329":2835,"6,330":2836,"6,331":2837,"6,332":2838,"6,333":2839,"6,334":2840,"6,335":2841,"6,336":2842,"6,337":2843,"6,338":2844,"6,339":2845,"6,340":2846,"6,341":2847,"6,342":2848,"6,343":2849,"6,344":2850,"6,345":2851,"6,346":2852,"6,347":2853,"6,348":2854,"6,349":2855,"6,350":2856,"6,351":2857,"6,352":2858,"6,353":2859,"6,354":2860,"6,355":2861,"6,356":2862,"6,357":2863,"6,358":2864,"6,359":2865,"6,360":2866,"6,361":2867,"6,362":2868,"6,363":2869,"6,364":2870,"6,365":2871,"6,366":2872,"6,367":2873,"6,368":2874,"6,369":2875,"6,370":2876,"6,371":2877,"6,372":2878,"6,373":2879,"6,374":2880,"6,375":2881,"6,376":2882,"6,377":2883,"6,378":2884,"6,379":2885,"6,380":2886,"6,381":2887,"6,382":2888,"6,383":2889,"6,384":2890,"6,385":2891,"6,386":2892,"6,387":2893,"6,388":2894,"6,389":2895,"6,390":2896,"6,391":2897,"6,392":2898,"6,393":2899,"6,394":2900,"6,395":2901,"6,396":2902,"6,397":2903,"6,398":2904,"6,399":2905,"6,400":2906,"6,401":2907,"6,402":2908,"6,403":2909,"6,404":2910,"6,405":2911,"6,406":2912,"6,407":2913,"6,408":2914,"6,409":2915,"6,410":2916,"6,411":2917,"6,412":2918,"6,413":2919,"6,414":2920,"6,415":2921,"6,416":2922,"6,417":2923,"6,418":2924,"6,419":2925,"6,420":2926,"6,421":2927,"6,422":2928,"6,423":2929,"6,424":2930,"6,425":2931,"6,426":2932,"6,427":2933,"6,428":2934,"6,429":2935,"6,430":2936,"6,431":2937,"6,432":2938,"6,433":2939,"6,434":2940,"6,435":2941,"6,436":2942,"6,437":2943,"6,438":2944,"6,439":2945,"6,440":2946,"6,441":2947,"6,442":2948,"6,443":2949,"6,444":2950,"6,445":2951,"6,446":2952,"6,447":2953,"6,448":2954,"6,449":2955,"6,450":2956,"6,451":2957,"6,452":2958,"6,453":2959,"6,454":2960,"6,455":2961,"6,456":2962,"6,457":2963,"6,458":2964,"6,459":2965,"6,460":2966,"6,461":2967,"6,462":2968,"6,463":2969,"6,464":2970,"6,465":2971,"6,466":2972,"6,467":2973,"6,468":2974,"6,469":2975,"6,470":2976,"6,471":2977,"6,472":2978,"6,473":2979,"6,474":2980,"6,475":2981,"6,476":2982,"6,477":2983,"6,478":2984,"6,479":2985,"6,480":2986,"6,481":2987,"6,482":2988,"6,483":2989,"6,484":2990,"6,485":2991,"6,486":2992,"6,487":2993,"6,488":2994,"6,489":2995,"6,490":2996,"6,491":2997,"6,492":2998,"6,493":2999,"6,494":3000,"6,495":3001,"6,496":3002,"6,497":3003,"6,498":3004,"6,499":3005,"6,500":3006,"6,501":3007,"7,1":3008,"7,2":3009,"7,3":3010,"7,4":3011,"7,5":3012,"7,6":3013,"7,7":3014,"7,8":3015,"7,9":3016,"7,10":3017,"7,11":3018,"7,12":3019,"7,13":3020,"7,14":3021,"7,15":3022,"7,16":3023,"7,17":3024,"7,18":3025,"7,19":3026,"7,20":3027,"7,21":3028,"7,22":3029,"7,23":3030,"7,24":3031,"7,25":3032,"7,26":3033,"7,27":3034,"7,28":3035,"7,29":3036,"7,30":3037,"7,31":3038,"7,32":3039,"7,33":3040,"7,34":3041,"7,35":3042,"7,36":3043,"7,37":3044,"7,38":3045,"7,39":3046,"7,40":3047,"7,41":3048,"7,42":3049,"7,43":3050,"7,44":3051,"7,45":3052,"7,46":3053,"7,47":3054,"7,48":3055,"7,49":3056,"7,50":3057,"7,51":3058,"7,52":3059,"7,53":3060,"7,54":3061,"7,55":3062,"7,56":3063,"7,57":3064,"7,58":3065,"7,59":3066,"7,60":3067,"7,61":3068,"7,62":3069,"7,63":3070,"7,64":3071,"7,65":3072,"7,66":3073,"7,67":3074,"7,68":3075,"7,69":3076,"7,70":3077,"7,71":3078,"7,72":3079,"7,73":3080,"7,74":3081,"7,75":3082,"7,76":3083,"7,77":3084,"7,78":3085,"7,79":3086,"7,80":3087,"7,81":3088,"7,82":3089,"7,83":3090,"7,84":3091,"7,85":3092,"7,86":3093,"7,87":3094,"7,88":3095,"7,89":3096,"7,90":3097,"7,91":3098,"7,92":3099,"7,93":3100,"7,94":3101,"7,95":3102,"7,96":3103,"7,97":3104,"7,98":3105,"7,99":3106,"7,100":3107,"7,101":3108,"7,102":3109,"7,103":3110,"7,104":3111,"7,105":3112,"7,106":3113,"7,107":3114,"7,108":3115,"7,109":3116,"7,110":3117,"7,111":3118,"7,112":3119,"7,113":3120,"7,114":3121,"7,115":3122,"7,116":3123,"7,117":3124,"7,118":3125,"7,119":3126,"7,120":3127,"7,121":3128,"7,122":3129,"7,123":3130,"7,124":3131,"7,125":3132,"7,126":3133,"7,127":3134,"7,128":3135,"7,129":3136,"7,130":3137,"7,131":3138,"7,132":3139,"7,133":3140,"7,134":3141,"7,135":3142,"7,136":3143,"7,137":3144,"7,138":3145,"7,139":3146,"7,140":3147,"7,141":3148,"7,142":3149,"7,143":3150,"7,144":3151,"7,145":3152,"7,146":3153,"7,147":3154,"7,148":3155,"7,149":3156,"7,150":3157,"7,151":3158,"7,152":3159,"7,153":3160,"7,154":3161,"7,155":3162,"7,156":3163,"7,157":3164,"7,158":3165,"7,159":3166,"7,160":3167,"7,161":3168,"7,162":3169,"7,163":3170,"7,164":3171,"7,165":3172,"7,166":3173,"7,167":3174,"7,168":3175,"7,169":3176,"7,170":3177,"7,171":3178,"7,172":3179,"7,173":3180,"7,174":3181,"7,175":3182,"7,176":3183,"7,177":3184,"7,178":3185,"7,179":3186,"7,180":3187,"7,181":3188,"7,182":3189,"7,183":3190,"7,184":3191,"7,185":3192,"7,186":3193,"7,187":3194,"7,188":3195,"7,189":3196,"7,190":3197,"7,191":3198,"7,192":3199,"7,193":3200,"7,194":3201,"7,195":3202,"7,196":3203,"7,197":3204,"7,198":3205,"7,199":3206,"7,200":3207,"7,201":3208,"7,202":3209,"7,203":3210,"7,204":3211,"7,205":3212,"7,206":3213,"7,207":3214,"7,208":3215,"7,209":3216,"7,210":3217,"7,211":3218,"7,212":3219,"7,213":3220,"7,214":3221,"7,215":3222,"7,216":3223,"7,217":3224,"7,218":3225,"7,219":3226,"7,220":3227,"7,221":3228,"7,222":3229,"7,223":3230,"7,224":3231,"7,225":3232,"7,226":3233,"7,227":3234,"7,228":3235,"7,229":3236,"7,230":3237,"7,231":3238,"7,232":3239,"7,233":3240,"7,234":3241,"7,235":3242,"7,236":3243,"7,237":3244,"7,238":3245,"7,239":3246,"7,240":3247,"7,241":3248,"7,242":3249,"7,243":3250,"7,244":3251,"7,245":3252,"7,246":3253,"7,247":3254,"7,248":3255,"7,249":3256,"7,250":3257,"7,251":3258,"7,252":3259,"7,253":3260,"7,254":3261,"7,255":3262,"7,256":3263,"7,257":3264,"7,258":3265,"7,259":3266,"7,260":3267,"7,261":3268,"7,262":3269,"7,263":3270,"7,264":3271,"7,265":3272,"7,266":3273,"7,267":3274,"7,268":3275,"7,269":3276,"7,270":3277,"7,271":3278,"7,272":3279,"7,273":3280,"7,274":3281,"7,275":3282,"7,276":3283,"7,277":3284,"7,278":3285,"7,279":3286,"7,280":3287,"7,281":3288,"7,282":3289,"7,283":3290,"7,284":3291,"7,285":3292,"7,286":3293,"7,287":3294,"7,288":3295,"7,289":3296,"7,290":3297,"7,291":3298,"7,292":3299,"7,293":3300,"7,294":3301,"7,295":3302,"7,296":3303,"7,297":3304,"7,298":3305,"7,299":3306,"7,300":3307,"7,301":3308,"7,302":3309,"7,303":3310,"7,304":3311,"7,305":3312,"7,306":3313,"7,307":3314,"7,308":3315,"7,309":3316,"7,310":3317,"7,311":3318,"7,312":3319,"7,313":3320,"7,314":3321,"7,315":3322,"7,316":3323,"7,317":3324,"7,318":3325,"7,319":3326,"7,320":3327,"7,321":3328,"7,322":3329,"7,323":3330,"7,324":3331,"7,325":3332,"7,326":3333,"7,327":3334,"7,328":3335,"7,329":3336,"7,330":3337,"7,331":3338,"7,332":3339,"7,333":3340,"7,334":3341,"7,335":3342,"7,336":3343,"7,337":3344,"7,338":3345,"7,339":3346,"7,340":3347,"7,341":3348,"7,342":3349,"7,343":3350,"7,344":3351,"7,345":3352,"7,346":3353,"7,347":3354,"7,348":3355,"7,349":3356,"7,350":3357,"7,351":3358,"7,352":3359,"7,353":3360,"7,354":3361,"7,355":3362,"7,356":3363,"7,357":3364,"7,358":3365,"7,359":3366,"7,360":3367,"7,361":3368,"7,362":3369,"7,363":3370,"7,364":3371,"7,365":3372,"7,366":3373,"7,367":3374,"7,368":3375,"7,369":3376,"7,370":3377,"7,371":3378,"7,372":3379,"7,373":3380,"7,374":3381,"7,375":3382,"7,376":3383,"7,377":3384,"7,378":3385,"7,379":3386,"7,380":3387,"7,381":3388,"7,382":3389,"7,383":3390,"7,384":3391,"7,385":3392,"7,386":3393,"7,387":3394,"7,388":3395,"7,389":3396,"7,390":3397,"7,391":3398,"7,392":3399,"7,393":3400,"7,394":3401,"7,395":3402,"7,396":3403,"7,397":3404,"7,398":3405,"7,399":3406,"7,400":3407,"7,401":3408,"7,402":3409,"7,403":3410,"7,404":3411,"7,405":3412,"7,406":3413,"7,407":3414,"7,408":3415,"7,409":3416,"7,410":3417,"7,411":3418,"7,412":3419,"7,413":3420,"7,414":3421,"7,415":3422,"7,416":3423,"7,417":3424,"7,418":3425,"7,419":3426,"7,420":3427,"7,421":3428,"7,422":3429,"7,423":3430,"7,424":3431,"7,425":3432,"7,426":3433,"7,427":3434,"7,428":3435,"7,429":3436,"7,430":3437,"7,431":3438,"7,432":3439,"7,433":3440,"7,434":3441,"7,435":3442,"7,436":3443,"7,437":3444,"7,438":3445,"7,439":3446,"7,440":3447,"7,441":3448,"7,442":3449,"7,443":3450,"7,444":3451,"7,445":3452,"7,446":3453,"7,447":3454,"7,448":3455,"7,449":3456,"7,450":3457,"7,451":3458,"7,452":3459,"7,453":3460,"7,454":3461,"7,455":3462,"7,456":3463,"7,457":3464,"7,458":3465,"7,459":3466,"7,460":3467,"7,461":3468,"7,462":3469,"7,463":3470,"7,464":3471,"7,465":3472,"7,466":3473,"7,467":3474,"7,468":3475,"7,469":3476,"7,470":3477,"7,471":3478,"7,472":3479,"7,473":3480,"7,474":3481,"7,475":3482,"7,476":3483,"7,477":3484,"7,478":3485,"7,479":3486,"7,480":3487,"7,481":3488,"7,482":3489,"7,483":3490,"7,484":3491,"7,485":3492,"7,486":3493,"7,487":3494,"7,488":3495,"7,489":3496,"7,490":3497,"7,491":3498,"7,492":3499,"7,493":3500,"7,494":3501,"7,495":3502,"7,496":3503,"7,497":3504,"7,498":3505,"7,499":3506,"7,500":3507,"7,501":3508,"8,1":3509,"8,2":3510,"8,3":3511,"8,4":3512,"8,5":3513,"8,6":3514,"8,7":3515,"8,8":3516,"8,9":3517,"8,10":3518,"8,11":3519,"8,12":3520,"8,13":3521,"8,14":3522,"8,15":3523,"8,16":3524,"8,17":3525,"8,18":3526,"8,19":3527,"8,20":3528,"8,21":3529,"8,22":3530,"8,23":3531,"8,24":3532,"8,25":3533,"8,26":3534,"8,27":3535,"8,28":3536,"8,29":3537,"8,30":3538,"8,31":3539,"8,32":3540,"8,33":3541,"8,34":3542,"8,35":3543,"8,36":3544,"8,37":3545,"8,38":3546,"8,39":3547,"8,40":3548,"8,41":3549,"8,42":3550,"8,43":3551,"8,44":3552,"8,45":3553,"8,46":3554,"8,47":3555,"8,48":3556,"8,49":3557,"8,50":3558,"8,51":3559,"8,52":3560,"8,53":3561,"8,54":3562,"8,55":3563,"8,56":3564,"8,57":3565,"8,58":3566,"8,59":3567,"8,60":3568,"8,61":3569,"8,62":3570,"8,63":3571,"8,64":3572,"8,65":3573,"8,66":3574,"8,67":3575,"8,68":3576,"8,69":3577,"8,70":3578,"8,71":3579,"8,72":3580,"8,73":3581,"8,74":3582,"8,75":3583,"8,76":3584,"8,77":3585,"8,78":3586,"8,79":3587,"8,80":3588,"8,81":3589,"8,82":3590,"8,83":3591,"8,84":3592,"8,85":3593,"8,86":3594,"8,87":3595,"8,88":3596,"8,89":3597,"8,90":3598,"8,91":3599,"8,92":3600,"8,93":3601,"8,94":3602,"8,95":3603,"8,96":3604,"8,97":3605,"8,98":3606,"8,99":3607,"8,100":3608,"8,101":3609,"8,102":3610,"8,103":3611,"8,104":3612,"8,105":3613,"8,106":3614,"8,107":3615,"8,108":3616,"8,109":3617,"8,110":3618,"8,111":3619,"8,112":3620,"8,113":3621,"8,114":3622,"8,115":3623,"8,116":3624,"8,117":3625,"8,118":3626,"8,119":3627,"8,120":3628,"8,121":3629,"8,122":3630,"8,123":3631,"8,124":3632,"8,125":3633,"8,126":3634,"8,127":3635,"8,128":3636,"8,129":3637,"8,130":3638,"8,131":3639,"8,132":3640,"8,133":3641,"8,134":3642,"8,135":3643,"8,136":3644,"8,137":3645,"8,138":3646,"8,139":3647,"8,140":3648,"8,141":3649,"8,142":3650,"8,143":3651,"8,144":3652,"8,145":3653,"8,146":3654,"8,147":3655,"8,148":3656,"8,149":3657,"8,150":3658,"8,151":3659,"8,152":3660,"8,153":3661,"8,154":3662,"8,155":3663,"8,156":3664,"8,157":3665,"8,158":3666,"8,159":3667,"8,160":3668,"8,161":3669,"8,162":3670,"8,163":3671,"8,164":3672,"8,165":3673,"8,166":3674,"8,167":3675,"8,168":3676,"8,169":3677,"8,170":3678,"8,171":3679,"8,172":3680,"8,173":3681,"8,174":3682,"8,175":3683,"8,176":3684,"8,177":3685,"8,178":3686,"8,179":3687,"8,180":3688,"8,181":3689,"8,182":3690,"8,183":3691,"8,184":3692,"8,185":3693,"8,186":3694,"8,187":3695,"8,188":3696,"8,189":3697,"8,190":3698,"8,191":3699,"8,192":3700,"8,193":3701,"8,194":3702,"8,195":3703,"8,196":3704,"8,197":3705,"8,198":3706,"8,199":3707,"8,200":3708,"8,201":3709,"8,202":3710,"8,203":3711,"8,204":3712,"8,205":3713,"8,206":3714,"8,207":3715,"8,208":3716,"8,209":3717,"8,210":3718,"8,211":3719,"8,212":3720,"8,213":3721,"8,214":3722,"8,215":3723,"8,216":3724,"8,217":3725,"8,218":3726,"8,219":3727,"8,220":3728,"8,221":3729,"8,222":3730,"8,223":3731,"8,224":3732,"8,225":3733,"8,226":3734,"8,227":3735,"8,228":3736,"8,229":3737,"8,230":3738,"8,231":3739,"8,232":3740,"8,233":3741,"8,234":3742,"8,235":3743,"8,236":3744,"8,237":3745,"8,238":3746,"8,239":3747,"8,240":3748,"8,241":3749,"8,242":3750,"8,243":3751,"8,244":3752,"8,245":3753,"8,246":3754,"8,247":3755,"8,248":3756,"8,249":3757,"8,250":3758,"8,251":3759,"8,252":3760,"8,253":3761,"8,254":3762,"8,255":3763,"8,256":3764,"8,257":3765,"8,258":3766,"8,259":3767,"8,260":3768,"8,261":3769,"8,262":3770,"8,263":3771,"8,264":3772,"8,265":3773,"8,266":3774,"8,267":3775,"8,268":3776,"8,269":3777,"8,270":3778,"8,271":3779,"8,272":3780,"8,273":3781,"8,274":3782,"8,275":3783,"8,276":3784,"8,277":3785,"8,278":3786,"8,279":3787,"8,280":3788,"8,281":3789,"8,282":3790,"8,283":3791,"8,284":3792,"8,285":3793,"8,286":3794,"8,287":3795,"8,288":3796,"8,289":3797,"8,290":3798,"8,291":3799,"8,292":3800,"8,293":3801,"8,294":3802,"8,295":3803,"8,296":3804,"8,297":3805,"8,298":3806,"8,299":3807,"8,300":3808,"8,301":3809,"8,302":3810,"8,303":3811,"8,304":3812,"8,305":3813,"8,306":3814,"8,307":3815,"8,308":3816,"8,309":3817,"8,310":3818,"8,311":3819,"8,312":3820,"8,313":3821,"8,314":3822,"8,315":3823,"8,316":3824,"8,317":3825,"8,318":3826,"8,319":3827,"8,320":3828,"8,321":3829,"8,322":3830,"8,323":3831,"8,324":3832,"8,325":3833,"8,326":3834,"8,327":3835,"8,328":3836,"8,329":3837,"8,330":3838,"8,331":3839,"8,332":3840,"8,333":3841,"8,334":3842,"8,335":3843,"8,336":3844,"8,337":3845,"8,338":3846,"8,339":3847,"8,340":3848,"8,341":3849,"8,342":3850,"8,343":3851,"8,344":3852,"8,345":3853,"8,346":3854,"8,347":3855,"8,348":3856,"8,349":3857,"8,350":3858,"8,351":3859,"8,352":3860,"8,353":3861,"8,354":3862,"8,355":3863,"8,356":3864,"8,357":3865,"8,358":3866,"8,359":3867,"8,360":3868,"8,361":3869,"8,362":3870,"8,363":3871,"8,364":3872,"8,365":3873,"8,366":3874,"8,367":3875,"8,368":3876,"8,369":3877,"8,370":3878,"8,371":3879,"8,372":3880,"8,373":3881,"8,374":3882,"8,375":3883,"8,376":3884,"8,377":3885,"8,378":3886,"8,379":3887,"8,380":3888,"8,381":3889,"8,382":3890,"8,383":3891,"8,384":3892,"8,385":3893,"8,386":3894,"8,387":3895,"8,388":3896,"8,389":3897,"8,390":3898,"8,391":3899,"8,392":3900,"8,393":3901,"8,394":3902,"8,395":3903,"8,396":3904,"8,397":3905,"8,398":3906,"8,399":3907,"8,400":3908,"8,401":3909,"8,402":3910,"8,403":3911,"8,404":3912,"8,405":3913,"8,406":3914,"8,407":3915,"8,408":3916,"8,409":3917,"8,410":3918,"8,411":3919,"8,412":3920,"8,413":3921,"8,414":3922,"8,415":3923,"8,416":3924,"8,417":3925,"8,418":3926,"8,419":3927,"8,420":3928,"8,421":3929,"8,422":3930,"8,423":3931,"8,424":3932,"8,425":3933,"8,426":3934,"8,427":3935,"8,428":3936,"8,429":3937,"8,430":3938,"8,431":3939,"8,432":3940,"8,433":3941,"8,434":3942,"8,435":3943,"8,436":3944,"8,437":3945,"8,438":3946,"8,439":3947,"8,440":3948,"8,441":3949,"8,442":3950,"8,443":3951,"8,444":3952,"8,445":3953,"8,446":3954,"8,447":3955,"8,448":3956,"8,449":3957,"8,450":3958,"8,451":3959,"8,452":3960,"8,453":3961,"8,454":3962,"8,455":3963,"8,456":3964,"8,457":3965,"8,458":3966,"8,459":3967,"8,460":3968,"8,461":3969,"8,462":3970,"8,463":3971,"8,464":3972,"8,465":3973,"8,466":3974,"8,467":3975,"8,468":3976,"8,469":3977,"8,470":3978,"8,471":3979,"8,472":3980,"8,473":3981,"8,474":3982,"8,475":3983,"8,476":3984,"8,477":3985,"8,478":3986,"8,479":3987,"8,480":3988,"8,481":3989,"8,482":3990,"8,483":3991,"8,484":3992,"8,485":3993,"8,486":3994,"8,487":3995,"8,488":3996,"8,489":3997,"8,490":3998,"8,491":3999,"8,492":4000,"8,493":4001,"8,494":4002,"8,495":4003,"8,496":4004,"8,497":4005,"8,498":4006,"8,499":4007,"8,500":4008,"8,501":4009},"ٜ":{"1":[1,501],"2":[1,501],"3":[1,501],"4":[1,501],"5":[1,501],"6":[1,501],"7":[1,501],"8":[1,501]},"ٝ":[null,"1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2,3,4,5,6],"4":[7],"5":[8],"6":[9],"7":[10],"8":[11,12],"9":[13],"10":[14],"11":[15],"12":[16],"13":[17],"14":[18],"15":[19],"16":[20,21],"17":[22],"18":[23],"19":[24],"20":[25],"21":[26],"22":[27],"23":[28],"27":[29],"29":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"35":[34,35],"36":[36],"37":[37],"39":[38,39],"40":[40],"42":[41,42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"56":[55],"57":[56],"60":[57,58],"61":[59],"63":[60],"64":[61],"66":[62],"68":[63,64],"69":[65,66],"70":[67],"71":[68],"73":[69],"74":[70],"77":[71],"78":[72],"82":[73],"84":[74],"86":[75],"87":[76],"88":[77],"89":[78],"91":[79],"93":[80],"95":[81,82,83],"97":[84],"100":[85],"101":[86],"103":[87],"107":[88,89],"108":[90],"109":[91,92],"110":[93,94],"111":[95],"113":[96],"114":[97],"115":[98,99],"116":[100],"120":[101,102],"121":[103],"122":[104],"123":[105],"124":[106],"125":[107],"126":[108],"127":[109],"128":[110],"129":[111],"130":[112],"131":[113],"132":[114],"133":[115],"134":[116],"135":[117],"136":[118],"137":[119],"138":[120],"139":[121],"140":[122,123],"143":[124],"152":[125],"154":[126,127,128],"156":[129],"157":[130],"161":[131,132],"162":[133],"163":[134],"164":[135],"165":[136],"168":[137],"169":[138,139,140],"170":[141],"171":[142],"172":[143],"173":[144,145],"175":[146],"177":[147],"178":[148],"179":[149,150],"180":[151],"181":[152],"183":[153,154],"184":[155],"190":[156],"191":[157],"192":[158],"195":[159],"196":[160,161],"197":[162],"198":[163],"201":[164,165],"207":[166],"213":[167],"214":[168,169,170],"215":[171],"216":[172],"217":[173,174],"219":[175],"225":[176,177],"226":[178],"229":[179],"233":[180],"236":[181],"238":[182],"239":[183],"241":[184],"242":[185],"244":[186],"247":[187],"249":[188,189,190],"251":[191],"255":[192],"259":[193,194],"260":[195],"261":[196],"262":[197],"263":[198],"264":[199],"270":[200],"272":[201,202],"273":[203],"274":[204],"276":[205,206],"281":[207],"283":[208,209],"284":[210],"295":[211],"299":[212,213],"301":[214],"304":[215,216],"305":[217],"307":[218],"309":[219,220],"312":[221],"318":[222],"323":[223],"340":[224],"348":[225],"353":[226],"368":[227],"372":[228,229,230,231],"373":[232],"376":[233],"379":[234,235],"380":[236],"381":[237],"382":[238],"383":[239],"384":[240,241],"385":[242],"387":[243],"389":[244],"391":[245],"392":[246],"393":[247],"394":[248,249],"395":[250],"396":[251],"397":[252],"398":[253],"399":[254],"400":[255],"401":[256,257],"402":[258,259],"403":[260],"404":[261],"405":[262],"406":[263],"407":[264,265],"412":[266],"415":[267],"416":[268],"422":[269],"425":[270],"427":[271,272],"429":[273],"430":[274],"434":[275],"435":[276,277],"437":[278],"440":[279,280],"442":[281],"446":[282,283],"447":[284],"448":[285],"449":[286],"450":[287],"451":[288],"452":[289],"453":[290,291],"454":[292],"455":[293],"456":[294],"457":[295],"458":[296],"459":[297],"460":[298],"461":[299],"462":[300],"463":[301],"464":[302],"465":[303],"466":[304],"467":[305],"468":[306],"469":[307],"470":[308],"471":[309],"472":[310],"473":[311],"474":[312],"475":[313],"476":[314],"477":[315],"478":[316],"479":[317],"480":[318],"481":[319],"482":[320],"483":[321],"484":[322],"485":[323],"486":[324],"487":[325],"488":[326],"489":[327],"490":[328],"491":[329],"492":[330],"493":[331],"494":[332],"495":[333],"496":[334],"497":[335],"498":[336],"499":[337],"500":[338],"501":[339],"502":[340],"503":[341],"504":[342],"505":[343],"506":[344],"507":[345],"508":[346],"509":[347],"510":[348],"512":[349],"513":[350],"515":[351],"516":[352],"517":[353],"518":[354],"519":[355],"520":[356],"521":[357],"522":[358],"523":[359,360],"524":[361],"525":[362],"526":[363,364,365],"528":[366],"529":[367],"530":[368],"531":[369],"532":[370],"533":[371],"534":[372],"535":[373],"536":[374],"537":[375],"538":[376],"539":[377],"540":[378],"541":[379],"542":[380],"543":[381],"544":[382],"545":[383],"546":[384,385],"547":[386],"548":[387],"549":[388],"550":[389],"551":[390],"552":[391],"553":[392],"554":[393],"555":[394],"556":[395],"557":[396],"558":[397],"559":[398],"560":[399],"561":[400],"562":[401],"563":[402],"564":[403],"565":[404],"566":[405],"567":[406],"568":[407],"569":[408],"570":[409],"571":[410],"572":[411],"573":[412],"574":[413],"575":[414],"576":[415],"577":[416],"579":[417],"580":[418],"581":[419],"582":[420],"583":[421],"584":[422],"585":[423],"586":[424],"587":[425],"588":[426],"589":[427],"590":[428],"591":[429],"592":[430],"593":[431],"594":[432],"595":[433],"596":[434],"598":[435],"599":[436],"600":[437],"601":[438],"602":[439],"603":[440],"604":[441],"605":[442],"608":[443],"609":[444],"610":[445],"611":[446],"612":[447],"613":[448],"614":[449],"615":[450],"616":[451],"617":[452],"618":[453],"619":[454],"620":[455],"621":[456],"622":[457],"623":[458],"624":[459],"625":[460],"626":[461],"627":[462],"628":[463],"629":[464],"631":[465],"632":[466],"633":[467],"634":[468],"635":[469],"636":[470],"637":[471],"638":[472],"639":[473],"640":[474],"641":[475],"642":[476],"643":[477],"644":[478],"645":[479],"646":[480],"647":[481],"648":[482],"649":[483],"650":[484],"651":[485],"652":[486],"653":[487],"654":[488],"655":[489],"656":[490],"657":[491],"658":[492],"659":[493],"661":[494],"662":[495],"663":[496],"664":[497],"665":[498],"666":[499],"667":[500],"668":[501],"669":[502],"670":[503],"671":[504],"672":[505],"673":[506],"674":[507],"675":[508],"676":[509],"677":[510],"678":[511],"679":[512],"680":[513],"681":[514],"682":[515],"683":[516],"684":[517],"685":[518],"686":[519],"687":[520],"688":[521],"689":[522],"690":[523],"691":[524],"692":[525],"693":[526],"694":[527],"695":[528],"696":[529],"697":[530],"699":[531],"700":[532],"701":[533],"702":[534],"703":[535],"704":[536],"705":[537],"706":[538],"707":[539],"708":[540],"709":[541],"710":[542],"711":[543],"712":[544],"713":[545],"714":[546],"715":[547],"716":[548],"717":[549],"718":[550],"719":[551],"720":[552],"721":[553],"722":[554],"723":[555],"725":[556],"726":[557],"727":[558],"729":[559],"730":[560],"731":[561],"732":[562],"733":[563],"734":[564],"735":[565],"736":[566],"737":[567],"738":[568],"739":[569],"740":[570],"741":[571],"742":[572],"743":[573],"744":[574],"745":[575],"746":[576],"747":[577],"751":[578],"752":[579,580],"753":[581],"754":[582],"755":[583,584],"756":[585],"757":[586],"758":[587],"759":[588],"760":[589],"761":[590],"762":[591],"764":[592],"776":[593,594],"777":[595],"781":[596],"784":[597],"785":[598],"786":[599],"789":[600,601],"790":[602],"792":[603],"793":[604],"797":[605],"801":[606,607],"802":[608],"804":[609],"805":[610,611],"809":[612],"816":[613,614],"820":[615],"822":[616],"823":[617],"825":[618],"829":[619],"835":[620],"836":[621],"837":[622],"838":[623],"840":[624],"841":[625],"842":[626],"846":[627],"847":[628],"848":[629],"849":[630],"850":[631],"851":[632],"852":[633],"853":[634],"854":[635],"855":[636],"856":[637],"857":[638],"858":[639],"859":[640],"861":[641],"862":[642],"863":[643],"864":[644],"867":[645],"868":[646],"870":[647],"871":[648],"872":[649],"874":[650],"876":[651],"879":[652],"880":[653],"881":[654],"883":[655],"887":[656],"891":[657],"893":[658],"894":[659],"900":[660],"903":[661],"905":[662],"907":[663],"909":[664],"914":[665],"915":[666],"918":[667],"920":[668],"923":[669],"926":[670],"928":[671,672],"931":[673],"932":[674],"933":[675],"934":[676],"937":[677,678],"939":[679,680],"940":[681],"941":[682],"942":[683],"943":[684],"944":[685],"945":[686],"948":[687],"949":[688],"950":[689,690,691],"951":[692],"952":[693],"953":[694],"954":[695,696],"956":[697],"959":[698],"961":[699],"962":[700],"963":[701,702],"964":[703],"965":[704],"966":[705],"969":[706],"970":[707],"971":[708],"972":[709],"974":[710,711],"977":[712],"983":[713],"984":[714],"986":[715],"990":[716,717],"991":[718],"992":[719],"993":[720,721,722,723],"995":[724],"999":[725],"1003":[726],"1005":[727],"1013":[728],"1015":[729],"1024":[730],"1033":[731],"1034":[732,733],"1036":[734,735],"1037":[736],"1040":[737,738],"1041":[739],"1042":[740],"1044":[741],"1046":[742],"1051":[743,744],"1052":[745],"1063":[746,747],"1064":[748],"1066":[749,750],"1067":[751],"1069":[752],"1070":[753,754],"1072":[755,756],"1074":[757],"1075":[758],"1076":[759],"1091":[760,761],"1095":[762],"1097":[763,764],"1099":[765],"1102":[766],"1109":[767,768],"1110":[769],"1111":[770],"1112":[771],"1113":[772],"1114":[773,774],"1115":[775,776],"1117":[777,778],"1125":[779,780],"1126":[781],"1127":[782],"1128":[783],"1134":[784],"1159":[785],"1173":[786,787],"1174":[788,789],"1175":[790,791],"1177":[792],"1178":[793,794],"1179":[795],"1182":[796],"1183":[797],"1184":[798],"1185":[799],"1187":[800,801,802],"1188":[803],"1203":[804,805],"1204":[806],"1206":[807],"1207":[808],"1213":[809,810],"1216":[811],"1226":[812],"1240":[813],"1243":[814],"1246":[815],"1247":[816],"1250":[817],"1252":[818],"1254":[819],"1257":[820],"1260":[821,822,823,824],"1261":[825],"1262":[826],"1263":[827,828],"1265":[829],"1266":[830],"1269":[831],"1272":[832],"1273":[833,834,835],"1275":[836,837],"1276":[838],"1277":[839],"1278":[840],"1279":[841],"1280":[842],"1281":[843],"1282":[844],"1283":[845],"1286":[846],"1287":[847],"1288":[848,849],"1289":[850],"1290":[851],"1291":[852],"1292":[853],"1294":[854,855],"1295":[856],"1296":[857],"1297":[858],"1298":[859],"1299":[860],"1301":[861],"1302":[862],"1303":[863],"1304":[864],"1305":[865],"1306":[866],"1307":[867],"1308":[868],"1309":[869],"1310":[870],"1312":[871],"1313":[872],"1314":[873],"1317":[874,875],"1325":[876],"1327":[877],"1329":[878,879],"1330":[880],"1331":[881],"1334":[882],"1335":[883],"1337":[884],"1340":[885],"1341":[886],"1342":[887],"1343":[888],"1344":[889],"1345":[890],"1347":[891,892],"1348":[893],"1349":[894],"1352":[895],"1355":[896],"1356":[897],"1358":[898],"1359":[899],"1361":[900],"1362":[901],"1363":[902],"1364":[903],"1365":[904],"1367":[905],"1369":[906],"1373":[907,908],"1377":[909],"1378":[910],"1379":[911],"1380":[912],"1388":[913,914],"1389":[915],"1390":[916],"1391":[917],"1392":[918],"1393":[919],"1394":[920],"1395":[921],"1396":[922,923],"1397":[924],"1399":[925],"1400":[926,927],"1401":[928],"1407":[929,930],"1411":[931],"1412":[932,933],"1413":[934],"1416":[935,936],"1417":[937],"1418":[938],"1419":[939],"1420":[940],"1421":[941,942],"1424":[943],"1428":[944],"1429":[945],"1430":[946],"1431":[947],"1436":[948],"1437":[949],"1438":[950],"1439":[951],"1440":[952],"1441":[953],"1444":[954,955],"1445":[956,957],"1448":[958],"1450":[959,960,961,962],"1451":[963],"1452":[964],"1453":[965,966],"1457":[967],"1458":[968],"1459":[969],"1461":[970],"1462":[971],"1463":[972,973],"1464":[974],"1465":[975],"1466":[976],"1467":[977],"1468":[978,979],"1470":[980],"1471":[981,982],"1473":[983],"1475":[984],"1478":[985],"1482":[986],"1486":[987],"1490":[988,989,990],"1493":[991,992],"1494":[993],"1495":[994],"1496":[995],"1497":[996],"1499":[997],"1500":[998],"1501":[999],"1502":[1000],"1503":[1001,1002],"1504":[1003],"1505":[1004],"1507":[1005,1006],"1508":[1007],"1509":[1008],"1510":[1009],"1511":[1010],"1512":[1011],"1513":[1012],"1515":[1013,1014,1015,1016],"1516":[1017],"1517":[1018],"1519":[1019],"1522":[1020],"1526":[1021],"1528":[1022,1023],"1529":[1024],"1530":[1025],"1531":[1026],"1532":[1027],"1533":[1028],"1534":[1029,1030],"1537":[1031],"1540":[1032],"1541":[1033],"1545":[1034,1035],"1546":[1036,1037],"1547":[1038],"1548":[1039,1040],"1549":[1041],"1550":[1042],"1551":[1043],"1552":[1044,1045],"1553":[1046],"1554":[1047],"1555":[1048],"1557":[1049],"1567":[1050],"1568":[1051],"1569":[1052],"1570":[1053],"1571":[1054],"1572":[1055],"1573":[1056],"1574":[1057,1058],"1575":[1059,1060],"1581":[1061],"1582":[1062],"1583":[1063],"1584":[1064],"1591":[1065],"1596":[1066],"1600":[1067,1068],"1602":[1069,1070,1071],"1603":[1072],"1604":[1073],"1606":[1074],"1607":[1075],"1610":[1076,1077],"1611":[1078],"1613":[1079],"1614":[1080],"1615":[1081],"1618":[1082,1083,1084],"1619":[1085],"1620":[1086],"1624":[1087],"1626":[1088],"1627":[1089,1090],"1629":[1091],"1635":[1092],"1639":[1093],"1641":[1094],"1645":[1095],"1647":[1096,1097],"1648":[1098],"1649":[1099],"1650":[1100,1101],"1651":[1102],"1652":[1103],"1653":[1104,1105],"1655":[1106],"1656":[1107],"1657":[1108],"1661":[1109,1110],"1662":[1111],"1663":[1112],"1664":[1113],"1665":[1114],"1666":[1115],"1669":[1116],"1670":[1117],"1671":[1118,1119],"1672":[1120],"1673":[1121],"1674":[1122],"1676":[1123],"1677":[1124],"1678":[1125,1126],"1682":[1127],"1683":[1128],"1684":[1129],"1687":[1130,1131,1132],"1688":[1133],"1689":[1134,1135,1136],"1690":[1137],"1691":[1138],"1692":[1139],"1693":[1140],"1694":[1141],"1695":[1142],"1696":[1143,1144],"1697":[1145],"1698":[1146],"1700":[1147],"1701":[1148],"1702":[1149],"1703":[1150],"1704":[1151],"1705":[1152],"1706":[1153],"1708":[1154],"1710":[1155],"1711":[1156],"1712":[1157],"1713":[1158],"1714":[1159],"1715":[1160],"1716":[1161],"1717":[1162,1163],"1718":[1164],"1719":[1165],"1720":[1166],"1721":[1167],"1722":[1168],"1723":[1169],"1724":[1170],"1726":[1171],"1727":[1172],"1728":[1173],"1729":[1174],"1730":[1175],"1733":[1176],"1734":[1177],"1736":[1178,1179],"1737":[1180],"1738":[1181],"1739":[1182],"1742":[1183,1184],"1743":[1185],"1745":[1186,1187],"1746":[1188],"1747":[1189],"1748":[1190,1191],"1749":[1192],"1750":[1193],"1751":[1194],"1752":[1195],"1753":[1196,1197],"1758":[1198],"1760":[1199],"1762":[1200],"1763":[1201],"1764":[1202],"1765":[1203],"1766":[1204],"1767":[1205],"1768":[1206],"1769":[1207,1208],"1770":[1209],"1772":[1210],"1773":[1211],"1774":[1212],"1775":[1213],"1776":[1214],"1778":[1215],"1783":[1216,1217,1218],"1784":[1219,1220],"1785":[1221],"1786":[1222],"1787":[1223],"1788":[1224],"1789":[1225],"1790":[1226],"1791":[1227],"1792":[1228],"1793":[1229],"1794":[1230],"1795":[1231],"1796":[1232],"1797":[1233],"1798":[1234],"1799":[1235],"1800":[1236],"1801":[1237],"1802":[1238],"1803":[1239],"1804":[1240],"1805":[1241],"1806":[1242],"1807":[1243],"1808":[1244],"1809":[1245],"1810":[1246],"1811":[1247],"1812":[1248],"1813":[1249],"1814":[1250],"1815":[1251,1252],"1816":[1253],"1817":[1254],"1818":[1255],"1819":[1256],"1820":[1257],"1821":[1258],"1823":[1259,1260],"1824":[1261],"1825":[1262],"1826":[1263],"1827":[1264],"1832":[1265,1266,1267],"1833":[1268],"1834":[1269],"1835":[1270],"1841":[1271,1272],"1842":[1273],"1843":[1274],"1844":[1275],"1845":[1276],"1846":[1277],"1847":[1278],"1848":[1279],"1849":[1280],"1859":[1281],"1863":[1282],"1864":[1283],"1866":[1284,1285],"1867":[1286],"1868":[1287],"1870":[1288],"1871":[1289],"1872":[1290,1291],"1881":[1292,1293],"1882":[1294],"1883":[1295],"1884":[1296],"1885":[1297],"1886":[1298,1299],"1889":[1300,1301],"1890":[1302],"1891":[1303],"1896":[1304],"1912":[1305],"1920":[1306,1307],"1921":[1308],"1922":[1309],"1924":[1310],"1925":[1311],"1927":[1312],"1930":[1313],"1932":[1314,1315,1316],"1933":[1317],"1934":[1318,1319],"1935":[1320],"1937":[1321],"1938":[1322],"1939":[1323],"1940":[1324],"1942":[1325,1326],"1943":[1327],"1945":[1328],"1948":[1329,1330,1331],"1949":[1332],"1950":[1333,1334],"1951":[1335],"1952":[1336],"1954":[1337,1338],"1955":[1339],"1956":[1340],"1957":[1341],"1958":[1342],"1959":[1343],"1961":[1344],"1963":[1345,1346],"1964":[1347],"1965":[1348],"1966":[1349],"1967":[1350],"1968":[1351],"1970":[1352,1353],"1971":[1354],"1972":[1355],"1974":[1356],"1976":[1357,1358],"1977":[1359],"1978":[1360],"1979":[1361],"1981":[1362],"1982":[1363],"1983":[1364],"1984":[1365],"1985":[1366],"1986":[1367,1368],"1987":[1369],"1988":[1370],"1992":[1371],"1993":[1372],"1994":[1373],"1998":[1374,1375],"2000":[1376],"2001":[1377],"2003":[1378,1379],"2005":[1380],"2007":[1381],"2008":[1382],"2009":[1383],"2011":[1384],"2012":[1385],"2016":[1386],"2017":[1387],"2018":[1388],"2020":[1389],"2021":[1390,1391],"2022":[1392],"2023":[1393],"2024":[1394,1395],"2025":[1396],"2029":[1397,1398,1399],"2030":[1400],"2031":[1401],"2032":[1402],"2037":[1403],"2038":[1404,1405],"2039":[1406,1407],"2040":[1408],"2041":[1409],"2052":[1410],"2053":[1411],"2054":[1412,1413],"2055":[1414],"2056":[1415],"2057":[1416],"2058":[1417,1418,1419],"2059":[1420],"2061":[1421,1422],"2062":[1423],"2064":[1424],"2065":[1425,1426,1427],"2066":[1428,1429],"2067":[1430],"2068":[1431],"2069":[1432],"2071":[1433],"2072":[1434],"2073":[1435],"2074":[1436],"2075":[1437],"2076":[1438],"2080":[1439,1440],"2084":[1441],"2085":[1442],"2088":[1443],"2093":[1444],"2095":[1445],"2097":[1446],"2098":[1447],"2100":[1448],"2101":[1449],"2103":[1450,1451],"2104":[1452],"2106":[1453],"2107":[1454,1455],"2109":[1456],"2110":[1457],"2111":[1458],"2112":[1459],"2113":[1460],"2115":[1461],"2116":[1462,1463],"2117":[1464],"2118":[1465],"2119":[1466],"2120":[1467],"2122":[1468],"2123":[1469],"2124":[1470],"2127":[1471],"2129":[1472],"2130":[1473],"2131":[1474],"2132":[1475],"2133":[1476],"2134":[1477],"2135":[1478],"2136":[1479],"2137":[1480],"2138":[1481],"2139":[1482],"2140":[1483],"2141":[1484],"2142":[1485],"2143":[1486],"2144":[1487],"2145":[1488],"2146":[1489],"2147":[1490],"2148":[1491],"2149":[1492],"2150":[1493],"2151":[1494],"2152":[1495],"2153":[1496],"2154":[1497],"2155":[1498,1499],"2156":[1500],"2158":[1501],"2160":[1502],"2161":[1503],"2162":[1504,1505],"2165":[1506],"2167":[1507],"2168":[1508],"2169":[1509],"2170":[1510],"2171":[1511],"2172":[1512],"2175":[1513],"2176":[1514],"2177":[1515],"2178":[1516],"2179":[1517,1518],"2180":[1519],"2181":[1520],"2182":[1521],"2184":[1522],"2185":[1523],"2186":[1524],"2187":[1525],"2188":[1526],"2193":[1527],"2194":[1528],"2195":[1529],"2196":[1530],"2197":[1531],"2198":[1532],"2199":[1533],"2200":[1534],"2201":[1535],"2202":[1536],"2203":[1537],"2204":[1538],"2205":[1539],"2206":[1540],"2207":[1541],"2208":[1542],"2209":[1543],"2210":[1544,1545],"2212":[1546],"2213":[1547],"2214":[1548],"2215":[1549],"2217":[1550,1551],"2218":[1552],"2219":[1553],"2220":[1554],"2221":[1555],"2222":[1556],"2223":[1557],"2224":[1558],"2225":[1559],"2226":[1560],"2227":[1561],"2228":[1562],"2229":[1563],"2231":[1564],"2233":[1565,1566],"2237":[1567],"2240":[1568,1569,1570,1571,1572],"2241":[1573],"2242":[1574,1575],"2243":[1576],"2244":[1577],"2248":[1578,1579,1580],"2250":[1581],"2252":[1582,1583],"2253":[1584],"2256":[1585],"2257":[1586],"2258":[1587],"2263":[1588],"2264":[1589],"2265":[1590],"2268":[1591,1592],"2269":[1593],"2272":[1594,1595,1596],"2274":[1597],"2277":[1598],"2278":[1599],"2279":[1600],"2280":[1601,1602],"2282":[1603],"2283":[1604],"2284":[1605,1606,1607],"2285":[1608],"2286":[1609],"2287":[1610],"2288":[1611],"2289":[1612],"2290":[1613],"2291":[1614,1615],"2292":[1616],"2294":[1617],"2295":[1618],"2296":[1619],"2297":[1620],"2298":[1621],"2299":[1622],"2300":[1623],"2301":[1624],"2302":[1625],"2304":[1626,1627,1628],"2308":[1629],"2311":[1630,1631],"2312":[1632],"2313":[1633],"2314":[1634],"2315":[1635],"2318":[1636],"2319":[1637],"2320":[1638],"2321":[1639],"2322":[1640],"2325":[1641],"2328":[1642],"2329":[1643],"2330":[1644],"2331":[1645],"2332":[1646],"2337":[1647,1648],"2338":[1649],"2351":[1650,1651,1652,1653],"2354":[1654],"2355":[1655],"2363":[1656,1657],"2364":[1658],"2371":[1659,1660],"2372":[1661],"2373":[1662],"2374":[1663],"2375":[1664],"2376":[1665],"2380":[1666],"2396":[1667,1668],"2397":[1669],"2398":[1670],"2399":[1671],"2400":[1672],"2401":[1673],"2402":[1674],"2406":[1675],"2407":[1676],"2408":[1677],"2411":[1678],"2412":[1679],"2414":[1680,1681],"2416":[1682],"2418":[1683,1684],"2419":[1685,1686],"2423":[1687],"2426":[1688],"2428":[1689],"2433":[1690],"2434":[1691],"2438":[1692],"2441":[1693,1694],"2443":[1695],"2445":[1696,1697],"2447":[1698],"2451":[1699],"2452":[1700],"2454":[1701,1702],"2456":[1703],"2459":[1704],"2460":[1705],"2464":[1706],"2467":[1707],"2470":[1708,1709],"2472":[1710],"2473":[1711,1712],"2476":[1713],"2482":[1714,1715],"2484":[1716],"2486":[1717],"2488":[1718],"2515":[1719,1720,1721],"2517":[1722],"2519":[1723],"2520":[1724],"2521":[1725],"2522":[1726],"2524":[1727],"2530":[1728],"2539":[1729],"2544":[1730,1731],"2555":[1732,1733],"2556":[1734],"2574":[1735],"2577":[1736],"2578":[1737],"2583":[1738,1739],"2585":[1740],"2587":[1741],"2588":[1742],"2590":[1743],"2597":[1744],"2601":[1745],"2602":[1746,1747,1748],"2605":[1749],"2606":[1750],"2635":[1751],"2640":[1752],"2641":[1753],"2642":[1754],"2643":[1755],"2644":[1756],"2646":[1757,1758],"2653":[1759],"2656":[1760],"2658":[1761],"2659":[1762,1763,1764],"2660":[1765],"2661":[1766],"2663":[1767],"2664":[1768],"2665":[1769],"2666":[1770],"2668":[1771],"2679":[1772,1773],"2683":[1774],"2688":[1775],"2692":[1776,1777,1778,1779],"2696":[1780,1781],"2697":[1782],"2698":[1783,1784],"2702":[1785],"2706":[1786],"2707":[1787],"2708":[1788],"2713":[1789],"2717":[1790,1791],"2718":[1792],"2721":[1793],"2723":[1794,1795],"2724":[1796],"2729":[1797,1798],"2730":[1799],"2731":[1800],"2733":[1801],"2734":[1802],"2738":[1803,1804],"2739":[1805],"2744":[1806],"2747":[1807],"2750":[1808],"2754":[1809,1810],"2755":[1811,1812],"2756":[1813],"2758":[1814],"2760":[1815],"2765":[1816],"2766":[1817],"2772":[1818],"2773":[1819,1820],"2774":[1821],"2778":[1822],"2797":[1823,1824],"2802":[1825],"2803":[1826],"2805":[1827],"2807":[1828],"2812":[1829,1830],"2813":[1831],"2820":[1832,1833],"2821":[1834],"2822":[1835],"2829":[1836,1837],"2830":[1838],"2838":[1839],"2842":[1840],"2845":[1841,1842],"2846":[1843],"2848":[1844],"2849":[1845],"2853":[1846,1847],"2854":[1848],"2856":[1849],"2860":[1850],"2861":[1851,1852],"2862":[1853],"2868":[1854,1855],"2869":[1856],"2870":[1857],"2879":[1858],"2880":[1859],"2882":[1860],"2887":[1861],"2890":[1862,1863],"2891":[1864],"2896":[1865],"2897":[1866,1867,1868],"2898":[1869],"2904":[1870],"2905":[1871,1872,1873],"2922":[1874],"2925":[1875],"2934":[1876],"2937":[1877],"2938":[1878,1879,1880,1881],"2939":[1882],"2942":[1883],"2945":[1884],"2946":[1885],"2954":[1886],"2960":[1887],"2962":[1888],"2963":[1889],"2964":[1890],"2969":[1891],"2970":[1892],"2972":[1893,1894,1895],"2976":[1896,1897],"2982":[1898],"2987":[1899],"2990":[1900],"2992":[1901],"2999":[1902,1903],"3004":[1904,1905],"3009":[1906],"3015":[1907,1908,1909,1910],"3016":[1911],"3018":[1912],"3020":[1913],"3031":[1914,1915,1916],"3034":[1917],"3040":[1918],"3048":[1919,1920,1921],"3063":[1922],"3069":[1923,1924],"3070":[1925,1926],"3071":[1927],"3072":[1928],"3094":[1929],"3095":[1930],"3101":[1931,1932],"3109":[1933],"3110":[1934],"3124":[1935,1936,1937],"3125":[1938,1939],"3126":[1940],"3132":[1941],"3133":[1942],"3140":[1943],"3149":[1944],"3168":[1945,1946,1947,1948,1949],"3169":[1950],"3171":[1951,1952],"3172":[1953],"3173":[1954],"3174":[1955],"3175":[1956],"3180":[1957],"3181":[1958,1959,1960,1961],"3182":[1962],"3184":[1963],"3190":[1964],"3191":[1965],"3192":[1966,1967],"3194":[1968],"3195":[1969,1970],"3198":[1971],"3202":[1972],"3207":[1973],"3211":[1974,1975],"3219":[1976],"3224":[1977],"3230":[1978],"3239":[1979],"3240":[1980],"3243":[1981],"3246":[1982],"3248":[1983],"3252":[1984],"3255":[1985],"3257":[1986,1987],"3262":[1988,1989,1990],"3263":[1991],"3265":[1992,1993],"3267":[1994],"3279":[1995],"3282":[1996],"3285":[1997,1998],"3286":[1999,2000],"3289":[2001],"3294":[2002],"3299":[2003],"3300":[2004],"3301":[2005],"3303":[2006],"3304":[2007],"3305":[2008],"3307":[2009,2010],"3310":[2011],"3311":[2012],"3337":[2013],"3342":[2014],"3349":[2015,2016],"3353":[2017,2018],"3360":[2019],"3369":[2020],"3373":[2021],"3377":[2022,2023],"3379":[2024],"3384":[2025],"3386":[2026,2027],"3389":[2028],"3394":[2029],"3399":[2030,2031],"3401":[2032],"3404":[2033],"3410":[2034],"3413":[2035,2036,2037],"3415":[2038],"3421":[2039],"3423":[2040,2041],"3424":[2042],"3426":[2043,2044],"3433":[2045,2046],"3437":[2047],"3438":[2048],"3449":[2049],"3450":[2050],"3451":[2051],"3454":[2052],"3455":[2053],"3457":[2054],"3458":[2055],"3459":[2056],"3460":[2057,2058],"3462":[2059],"3463":[2060],"3464":[2061],"3465":[2062,2063,2064],"3466":[2065],"3467":[2066],"3468":[2067],"3469":[2068],"3470":[2069],"3471":[2070,2071],"3472":[2072],"3473":[2073],"3474":[2074],"3475":[2075],"3476":[2076],"3477":[2077],"3480":[2078],"3481":[2079],"3483":[2080,2081],"3484":[2082],"3485":[2083],"3486":[2084],"3487":[2085],"3488":[2086],"3489":[2087],"3491":[2088],"3496":[2089,2090],"3497":[2091],"3498":[2092],"3499":[2093],"3503":[2094,2095],"3504":[2096],"3505":[2097],"3506":[2098],"3507":[2099],"3508":[2100],"3509":[2101],"3510":[2102],"3511":[2103],"3512":[2104],"3513":[2105],"3514":[2106,2107],"3515":[2108],"3516":[2109],"3518":[2110,2111],"3520":[2112],"3522":[2113],"3523":[2114],"3525":[2115],"3526":[2116],"3527":[2117],"3532":[2118,2119],"3533":[2120,2121],"3534":[2122],"3535":[2123],"3536":[2124],"3538":[2125],"3539":[2126,2127],"3540":[2128],"3541":[2129],"3542":[2130],"3544":[2131],"3545":[2132],"3546":[2133],"3547":[2134],"3548":[2135,2136],"3550":[2137],"3551":[2138],"3553":[2139],"3554":[2140],"3555":[2141],"3558":[2142],"3559":[2143],"3560":[2144],"3561":[2145],"3570":[2146,2147],"3571":[2148],"3572":[2149],"3573":[2150],"3574":[2151],"3587":[2152,2153],"3596":[2154],"3600":[2155],"3604":[2156],"3605":[2157],"3606":[2158,2159],"3613":[2160],"3614":[2161],"3615":[2162,2163],"3622":[2164],"3631":[2165,2166],"3632":[2167],"3635":[2168,2169,2170],"3636":[2171],"3637":[2172],"3638":[2173,2174],"3643":[2175],"3644":[2176],"3653":[2177],"3656":[2178],"3660":[2179,2180],"3662":[2181,2182],"3670":[2183],"3671":[2184],"3673":[2185],"3677":[2186,2187,2188],"3682":[2189],"3687":[2190,2191],"3689":[2192],"3691":[2193],"3692":[2194],"3697":[2195],"3699":[2196],"3700":[2197],"3701":[2198,2199],"3702":[2200],"3703":[2201],"3704":[2202],"3705":[2203],"3706":[2204],"3707":[2205],"3709":[2206],"3712":[2207,2208],"3714":[2209],"3715":[2210],"3716":[2211],"3717":[2212],"3718":[2213],"3720":[2214],"3721":[2215],"3722":[2216],"3723":[2217,2218],"3724":[2219],"3725":[2220],"3729":[2221],"3731":[2222,2223,2224],"3733":[2225],"3735":[2226,2227],"3736":[2228,2229],"3737":[2230],"3738":[2231],"3739":[2232,2233],"3740":[2234],"3741":[2235],"3742":[2236],"3743":[2237],"3744":[2238,2239],"3746":[2240],"3750":[2241],"3751":[2242,2243],"3753":[2244],"3754":[2245],"3756":[2246],"3757":[2247,2248],"3758":[2249],"3759":[2250],"3761":[2251],"3762":[2252,2253],"3763":[2254],"3764":[2255],"3765":[2256,2257],"3769":[2258],"3772":[2259],"3774":[2260],"3776":[2261],"3780":[2262,2263,2264,2265],"3781":[2266],"3783":[2267],"3784":[2268],"3790":[2269,2270],"3792":[2271,2272],"3793":[2273],"3795":[2274],"3797":[2275,2276,2277],"3798":[2278],"3799":[2279,2280],"3802":[2281],"3805":[2282,2283],"3806":[2284],"3807":[2285],"3808":[2286],"3811":[2287],"3819":[2288],"3820":[2289,2290],"3824":[2291],"3837":[2292,2293,2294],"3838":[2295],"3839":[2296,2297],"3841":[2298],"3842":[2299],"3846":[2300,2301],"3847":[2302,2303,2304],"3853":[2305],"3859":[2306],"3860":[2307],"3862":[2308],"3863":[2309],"3864":[2310],"3865":[2311],"3867":[2312,2313],"3868":[2314],"3871":[2315],"3873":[2316],"3875":[2317,2318],"3878":[2319],"3879":[2320],"3880":[2321],"3881":[2322],"3882":[2323],"3887":[2324,2325,2326],"3888":[2327],"3895":[2328],"3897":[2329],"3903":[2330,2331],"3904":[2332],"3905":[2333],"3910":[2334,2335],"3915":[2336],"3917":[2337],"3925":[2338,2339],"3929":[2340],"3934":[2341,2342],"3935":[2343],"3936":[2344],"3941":[2345],"3944":[2346,2347,2348,2349],"3951":[2350],"3956":[2351,2352,2353],"3965":[2354],"3970":[2355,2356],"3971":[2357],"3973":[2358],"3976":[2359],"3977":[2360,2361,2362],"3978":[2363],"3979":[2364,2365],"3981":[2366],"3984":[2367],"3989":[2368],"3990":[2369],"3992":[2370],"3995":[2371],"3996":[2372],"3997":[2373],"3998":[2374],"4001":[2375],"4004":[2376]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[الموسوعة العقدية]ـ\nإعداد: مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف\nالناشر: موقع الدرر السنية على الإنترنت  dorar.net\nعدد الأجزاء: ١١\nتم تحميله في/ ربيع الأول ١٤٣٣ هـ\n[الكتاب مرقم آليا]","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله القائل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]\nوالقائل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كره المشركون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث إلى الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفإن توضيح العقيدة الإسلامية الصحيحة وبيانها والدعوة إليها من آكد الواجبات، لأنها هي الطريق لمعرفة الله، وأول واجب على العبد، ومن أجلها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وانقسم الناس بسببها إلى أشقياء وسعداء، وترتب على تحقيقها السعادة في الدنيا والآخرة، وخلقت من أجلها الجنة والنار.\nوالعقيدة الصحيحة من أولى ما ينبغي الاهتمام بها، لا سيما مع كثرة الضلال فيها، واشتباه الحق بالباطل على كثير من المسلمين.\nوقد اهتم أئمة السنة وعلماء هذه الأمة بشأن العقيدة اهتمامًا بالغًا فألَّفوا فيها كتبًا كثيرة، منها المطول ومنها المختصر، ومنها الجامع، ومنها المقتصر، ولما كان الوقوف على أكثر هذه الكتب عسيرًا، ولا يوجد برنامج أو موقع إلكتروني واحد يجمع كل ما يتعلق بعقيدة أهل السنة والجماعة، شرعنا بفضل الله وتوفيقه في مؤسسة الدرر السنية عبر موقعها الإلكتروني بجمع ما تفرق في كتب العقيدة والتوحيد، معتمدين في ذلك على أكثر من مائة وأربعين مرجعًا، على منهج أهل السنة والجماعة، القديم منها والمعاصر، وحرصنا أن تكون شاملة لجميع مسائل وموضوعات العقيدة، مع تحقيقها، وتنقيحها، والتأليف بينها، وتخريج أحاديثها، وتصنيفها تضنيفًا موضوعيًا شجريًّا، مع الحرص على ذكر الكلام المنقول كما هو مع ذكر المرجع، إلا أنه أحيانا يتم التصرف في بعض المواضع ويشار إلى ذلك، ونسأل الله أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، وينفع به المسلمين.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المطلب الأول: تعريف العقيدة لغةً</span>\nالعقيدة في اللغة: من العقد؛ وهو الربط، والإبرام، والإحكام، والتوثق، والشد بقوة، والتماسك، والمراصة، والإثبات؛ ومنه اليقين والجزم. والعقد نقيض الحل، ويقال: عقده يعقده عقدًا، ومنه عقدة اليمين والنكاح، قال الله ﵎: لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ [المائدة: ٨٩].\nوالعقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، والعقيدة في الدين ما يقصد به الاعتقاد دون العمل؛ كعقيدة وجود الله وبعث الرسل. والجمع: عقائد وخلاصة ما عقد الإنسان عليه قلبه جازمًا به؛ فهو عقيدة، سواء كان حقًا، أم باطلًا الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص٢٩","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الثاني: تعريف العقيدة في الاصطلاح العام</span>\nالعقيدة في الاصطلاح العام: هي الأمور التي يجب أن يصدق بها القلب، وتطمئن إليها النفس؛ حتى تكون يقينًا ثابتًا لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك. أي: الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتقده، ويجب أن يكون مطابقًا للواقع، لا يقبل شكًا ولا ظنا؛ فإن لم يصل العلم إلى درجة اليقين الجازم لا يسمى عقيدة. الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص٣٠","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المطلب الثالث: تعريف العقيدة الإسلامية</span>\nالعقيدة الإسلامية: هي الإيمان الجازم بربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وسائر ما ثبت من أمور الغيب، وأصول الدين، وما أجمع عليه السلف الصالح، والتسليم التام لله تعالى في الأمر، والحكم، والطاعة، والاتباع لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.\nوالعقيدة الإسلامية: إذا أطلقت فهي عقيدة أهل السنة والجماعة؛ لأنها هي الإسلام الذي ارتضاه الله دينًا لعباده، وهي عقيدة القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص٣٠","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المطلب الرابع: تعريف التوحيد لغة واصطلاحا</span>\nالتوحيد في اللغة: مشتق من وحد الشيء إذا جعله واحدًا، فهو مصدر وحد يوحد، أي: جعل الشيء واحدًا.\nوفي الشرع: إفراد الله - سبحانه - بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١١\nقال العلامة ابن القيم ﵀: ليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه: لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه، كما كان عباد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون، بل التوحيد يتضمن من محبة الله، والخضوع له، والذل له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحب والبغض، ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها، ومن عرف هذا عرف قول النبي ﷺ: «إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (١) ... وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث، التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة! وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم الدخول بالخلود وقال: المعنى لا يدخلها خالدًا، ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة. فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، لأن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار.\nبل لا بد من قول القلب، وقول اللسان.\nوقول القلب: يتضمن من معرفتها والتصديق بها، ومعرفة حقيقة ما تضمنته من النفي والإثبات، ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله، المختصة به، التي يستحيل ثبوتها لغيره، وقيام هذا المعنى بالقلب علمًا ومعرفة ويقينًا وحالًا: ما يوجب تحريم قائلها على النار.\nوتأمل حديث البطاقة (٢) التي توضع في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات، فلا يعذب صاحبها ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، ... ولكن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل هو أنه حصل له ما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات.\nوتأمل أيضًا ما قام بقلب قاتل المائة (٣) من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق – الموت - عن السير إلى القرية فجعل ينوء بصدره، ويعالج سكرات الموت، لأن ذلك كان أمرًا آخر، وإيمانًا آخر ولذلك ألحق بأهل القرية الصالحة. وقريب من هذا ما قام بقلب البغي (٤) التي رأت ذلك الكلب وقد اشتد به العطش، يأكل الثرى فقام بقلبها ذلك الوقت مع عدم الآلة، وعدم المعين، وعدم من ترائيه بعملها ما حملها على أن غررت بنفسها في نزول البئر وملء الماء في خفها، ولم تعبأ بتعرضها للتلف وحملها خفها بفيها وهو ملآن حتى أمكنها الرقي من البئر، ثم تواضعها لهذا المخلوق الذي جرت عادة الناس بضربه، فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكورًا. فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء فغفر لها (٥).\nوقد ورد في صحيح مسلم قوله ﷺ «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله» (٦) الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني - ص٤٦\n_________\n(١) [١] رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣). من حديث عتبان بن مالك ﵁.\n(٢) رواه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال حمزة الكناني في «مشيخة ابن الخطاب» (١/ ١٠٧): .. وهو من أحسن الحديث، وقال ابن الملقن في «التوضيح» (٣٣/ ٥٩٥): صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٣٥): صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٣٤٦٧)، ومسلم (٢٢٤٥)، واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) مدارج السالكين لابن قيم الجوزية (١/ ٣٣٠ – ٣٣٢) بتصرف بسيط.\n(٦) رواه مسلم (٢٣). من حديث طارق بن أشيم الأشجعي ﵁.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المطلب الخامس: العلاقة بين التوحيد والعقيدة</span>\nعلم العقيدة وعلم التوحيد مترادفان عند أهل السنة، وإنما سمي علم التوحيد بعلم العقيدة بناء على الثمرة المرجوة منه، وهي انعقاد القلب انعقادا جازما لا يقبل الانفكاك المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية على مذهب أهل السنة لإبراهيم بن محمد البريكان - ص١٠\nوقد يفرق بينهما اصطلاحا باعتبار أن علم التوحيد هو العلم الذي يقتدر به على إثبات العقائد الدينية بالأدلة المرضية، وأن علم العقيدة يزيد عليه برد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية، فيجتمعان في معرفة الحق بدليله، وتكون العقيدة أعم موضوعا من التوحيد لأنها تقرر الحق بدليله وترد الشبهات وقوادح الأدلة وتناقش الديانات والفرق، وقد جرى السلف على تسمية كتبهم في التوحيد والإيمان بكتب العقيدة، كما فعل أبو عثمان الصابوني ﵀ في كتابه (عقيدة السلف أصحاب الحديث) والإمام اللالكائي ﵀ في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص - ١٢٩","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الثاني: أسماء علم العقيدة والتوحيد</span>\n• الفرع الأول: العقيدة.\n• الفرع الثاني: التوحيد.\n• الفرع الثالث: السنة.\n• الفرع الرابع: أصول الدين.\n• الفرع الخامس: الفقه الأكبر.\n• الفرع السادس: الشريعة.\n• الفرع السابع: الإيمان.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الفرع الأول: العقيدة</span>\nمرت كلمة عقيدة بثلاث مراحل:\nالمرحلة الأولى: وهي دور الموسوعية في المعنى وعدم الاختصاص، وهو المعنى اللغوي، فهي في اللغة تطلق ويراد بها:\nالعزم المؤكد - الجمع - النية - التوثيق للعقود - ما يدين به الإنسان سواء كان حقا أو باطلا.\nالمرحلة الثانية: وهي دور الفعل القلبي، وفيه تبرز العقيدة كمعنى يقوم بقلب العبد، وهو أخص من المرحلة قبله، ويعبر عنه بالمعنى المصدري وهو بهذا الاعتبار: الإيمان الذي لا يحتمل النقيض ..........\nالمرحلة الثالثة: وهي الدور الذي نضجت فيه العقيدة، وأصبحت علما ولقبا على قضايا معينة، وهو دور الاستقرار وهو المعبر عنه: العلم بالأحكام الشرعية العقدية المكتسب من الأدلة اليقينية ورد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم البريكان - بتصرف - ص ٨\nومن المؤلفات التي حملت اسم العقيدة أو الاعتقاد ومن ذلك: كتاب (عقيدة السلف أصحاب الحديث) للصابوني (ت: ٤٤٩هـ). و(شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) للالكائي (ت: ٤١٨هـ). و(الاعتقاد) للبيهقي (ت: ٤٥٨هـ). مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص١٠","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفرع الثاني: التوحيد</span>\nوقد مرت كلمة توحيد بنفس الأدوار التي مرت بها كلمة عقيدة، فهي في الدور اللغوي مشتقة من وحد يوحد توحيدا فهي مصدر للفعل وحد بمعنى جعله واحدا ثم نقل عن هذا المعنى إلى معنى الفرد المتميز عن غيره، لأن كون الله واحدا ليس بجعل جاعل، وعلى هذا فالواحد هو المنفرد بخصائصه عما سواه. ومن هذا المعنى قولهم: واحد زمانه أي: فردا فيه إما علما أو عقلا وكرما ونحو ذلك.\nوفي الدور المصدري أو اعتباره فعلا من أفعال القلب: هو إفراد الله بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات والأفعال.\nوفي الدور الأخير وهو دور الاستقلال صارت فيه كلمة التوحيد تدل على العلم المسمى بها وهي بهذا الاعتبار: العلم الذي يقتدر به على إثبات العقائد الدينية بالأدلة اليقينية. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم البريكان – بتصرف – ص ١٠\nومن المؤلفات في العقيدة والتي حملت اسم التوحيد:\nومن ذلك: كتاب (التوحيد في الجامع الصحيح) للبخاري، (ت: ٢٥٦هـ) وكتاب (التوحيد وإثبات صفات الرب) لابن خزيمة (ت: ٣١١هـ). وكتاب (اعتقاد التوحيد) لأبي عبدالله محمد بن خفيف (ت: ٣٧١هـ). وكتاب (التوحيد) لابن منده (ت: ٣٥٩هـ). وكتاب (التوحيد) للإمام محمد بن عبدالوهاب (ت: ١١١٥هـ). مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص١٠","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الفرع الثالث: السنة</span>\nتعدد معناها بحسب الاصطلاحات، فكل أهل علم إسلامي اصطلحوا على دلالة متناسبة وطبيعة هذه العلوم.\nفعلماء الحديث السنة عندهم: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف.\nوعند علماء أصول الفقه: هي ما أمر به الشارع لا على سبيل الإلزام ........\nوعند علماء الفقه: هو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.\nوعند علماء العقيدة الصحيحة ملحوظة فيها أن السنة من مصادر التلقي للعقيدة الصحيحة وطريق من طرق إثباتها. ولذا جعل بعض السلف السنة هي الاتباع، وجعلها بعضهم الإسلام، والقولان غير متنافرين ولا متعارضين لأن الإسلام هو تعبير عن العقيدة الصحيحة، والاتباع يعبر عن طريق التلقي ومنهجه.\nفصار معنى السنة هو اتباع العقيدة الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة وممن استعمل هذا اللفظ في هذا المعنى الإمام أحمد بن حنبل في كتابه (السنة) فقد ضمنه العقيدة الصحيحة الثابتة بنقل العدول عن الرسول ﷺ وأصحابه، وكذا فعل عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه (السنة) ومنه أيضا كتاب (السنة) لابن أبي عاصم. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم البريكان – بتصرف – ص ١٢","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفرع الرابع: أصول الدين</span>\nوهو مركب من مضاف ومضاف إليه، فهو مركب إضافي، ولا يمكن منطقيا أن نتوصل إلى معنى المركب إلا عن طريق تحليل أجزائه المركب منها، وهي (أصول) و(دين).\nفأصول جمع أصل وهو لغة ما يبنى عليه غيره كأساس المنزل.\nواصطلاحا: ما له فرع. ....\nوالدين لغة: هو الذل والخضوع، وشرعا: هو امتثال المأمور واجتناب المحظور، أو طاعة الله ورسوله. فيكون المعنى المركب -أصول الدين - هو المبادئ العامة والقواعد الكلية الكبرى التي بها تتحقق طاعة الله ورسوله والاستسلام لأمره ونهيه.\nوهذا المعنى لا يراد به إلا علم العقيدة والتوحيد. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم البريكان – بتصرف – ص ١١\nوقد ألف بعض العلماء كتبًا في الاعتقاد تحمل اسم أصول الدين:\nومن ذلك: كتاب (أصول الدين) للبغدادي (ت: ٤٢٩هـ). و(الشرح والإبانة عن أصول الديانة) لابن بطة (ت: ٣٧٨هـ). و(الإبانة عن أصول الديانة) للأشعري (ت: ٣٢٤هـ). مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص١٠","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الفرع الخامس: الفقه الأكبر</span>\nالفقه في اللغة هو الفهم، وأضيف إلى الأكبر لإخراج الفقه وهو علم الحلال والحرام وعلم الفروع، وهو اصطلاح عرف في القرن الثاني الهجري حيث سمى الإمام أبو حنيفة النعمان بن زوطى كتابه الذي جمع فيه جملة اعتقادات السلف (الفقه الأكبر) إشارة إلى أنه أعظم ما في شريعة الإسلام ولا يتحقق هذا اللقب إلا على علم العقيدة. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم البريكان – ص ١٣","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الفرع السادس: الشريعة</span>\nأطلقت الشريعة وبإطلاق أخص كما قال ابن تيمية ﵀ على: (العقائد التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان، مثل اعتقادهم أن الإيمان قول وعمل، وأن الله موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق ..... إلخ) (١).\nوالشريعة هنا كالسنة، فقد يراد بها ما سنه الله وشرعه من العقائد، وقد يراد بها ما سنه وشرعه من العمل، وقد يراد بها كلاهما.\nوقد ألف بعض العلماء كتبًا في الاعتقاد تحمل اسم الشريعة، ومن أولها: (الشريعة) لأبي بكر الآجري ﵀. و(الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة) لابن بطة الحنبلي ﵀. علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص ١٣٦\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٣٠٦،٣٠٧).","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الفرع السابع: الإيمان</span>\nصنف السلف كتبا باسم الإيمان بحثت قضايا التوحيد ومسائل الاعتقاد جميعا ومن أولها:\n- (كتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكمال درجاته) للإمام أبي عبيد القاسم ابن سلام البغدادي ﵀.\n- (كتاب الإيمان) للحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شبة العبسي ﵀.\n- (كتاب الإيمان) للحافظ محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده ﵀. علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص ١٣٠","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الفرع الأول: علم الكلام</span>\nهو علم يقتدر به على المخاصمة في العقائد والمناظرة فيها بإيراد الحجج والشبه ودفع إيرادات الخصوم فهو باختصار علم الجدل العقدي المذموم شرعا فهو مراء متعلق بإظهار المذاهب والانتصار لها.\nالفرق بين علم التوحيد وعلم الكلام\nويتبين من الأمور التالية:\n- علم التوحيد يعتمد على الكتاب والسنة وإجماع السلف والمعقول الصحيح المستند إليها.\nأما علم الكلام فهو علم يعتمد على الألفاظ المنطقية والأقيسة الكلامية فهو متأثر بعوامل خارجية عن دلالة الكتاب والسنة.\n- علم التوحيد علم شرعي لا بدعة فيه وعلم الكلام علم مبتدع لم يعرفه الرسول ﷺ ولا الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.\n- علم التوحيد لا يشتمل على أي لفظ بدعي ولا مصطلح فلسفي أما علم الكلام فإنه يشتمل على كثير من الألفاظ البدعية والمصطلحات المنطقية والآراء الفلسفية.\n- أصل علم التوحيد موجود في العصور المفضلة القرون الثلاثة وأما علم الكلام فليس كذلك بل هو علم حادث نتيجة مؤثرات خارجية بسبب ترجمة كتب المنطق والفلسفة.\n- آثار علم التوحيد محمودة وأما آثار علم الكلام فهي مذمومة.\n- إن علم التوحيد أداة للمحق على المبطل وذلك بإظهاره لباطله وأما علم الكلام فهو أداة للمحق والمبطل وهو إلى المبطل أقرب. إتحاف المريد بمعرفة التوحيد لإبراهيم البريكان – ص ١٧\nوإطلاق علم الكلام يعرف عند سائر الفرق المتكلمة، كالمعتزلة والأشاعرة، ومن يسلك سبيلهم، وهو لا يجوز لأن علم الكلام حادث مبتدع، ويقوم على التقول على الله بغير علم، ويخالف منهج السلف في تقرير العقائد.\nمن ذلك: (شرح المقاصد في علم الكلام) للتفتازاني (ت:٧٩١هـ) مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص١٠","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الفرع الثاني: الفلسفة</span>\nيطلق علم الفلسفة على علم العقيدة عند الفلاسفة ومن سلك سبيلهم، وهو إطلاق لا يجوز في العقيدة لأن الفلسفة مبناها على الأوهام والعقليات الخيالية، والتصورات الخرافية عن أمور الغيب المحجوبة.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الفرع الثالث: التصوف</span>\nتطلق كلمة تصوف على العقيدة عند بعض المتصوفة والفلاسفة، والمستشرقين ومن نحا نحوهم، وهو إطلاق مبتدع لأنه ينبني على اعتبار شطحات المتصوفة ومزاعمهم وخرافاتهم في العقيدة.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الفرع الرابع: الإلهيات</span>\nوتطلق كلمة الإلهيات على العقيدة عند أهل الكلام والفلاسفة والمستشرقين وأتباعهم وغيرهم، وهو خطأ، لأن المقصود بها عندهم فلسفات الفلاسفة، وكلام المتكلمين والملاحدة فيما يتعلق بالله - تعالى -.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الفرع الخامس: ما وراء الطبيعة</span>\nأو (الميتافيزيقيا) كما يسميها الفلاسفة والكتاب الغربيون ومن نحا نحوهم، وهي قريبة من معنى الإلهيات. ويطلق الناس على ما يؤمنون به ويعتنقونه من مبادئ وأفكار (عقائد) وإن كانت باطلة أو لا تستند إلى دليل عقلي ولا نقلي، فإن للعقيدة مفهومًا صحيحًا هو الحق، وهو عقيدة أهل السنة والجماعة المستمدة من الكتاب والسنة الثابتة، وإجماع السلف الصالح مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - بتصرف - ص١١","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الثالث: موضوعات علم العقيدة</span>\nوموضوع علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة يدور على أمور منها: بيان حقيقة الإيمان بالله تعالى وتوحيده، وما يجب له تعالى من صفات الجلال والكمال، مع إفراده وحده بالعبادة دون شريك، والإيمان بالملائكة الأبرار والرسل الأطهار، وما يتعلق باليوم الآخر والقضاء والقدر، كما يدور على ضد التوحيد وهو الشرك وهو الكفر وبيان حقيقتهما وأنواعهما، وقد يقال إن موضوع علم التوحيد يدور على محاور ثلاثة، وذلك على النحو التالي:\n١ - ذات الله تعالى أو الإلهيات، والبحث في ذات الله تعالى من حيثيات ثلاث، ما يتصف به تعالى ... وما يتنزه عنه ... وحقه على عباده ....\n٢ - ذوات الرسل الكرام أو النبوات والبحث فيها من الحيثيات التالية: ما يلزم ويجب عليهم ... ما يجوز في حقهم ... ما يستحيل في حقهم ... ما يجب على أتباعهم.\n٣ - السمعيات أو الغيبيات: وهو ما يتوقف الإيمان به على مجرد ورود السمع أو الوحي به، وليس للعقل في إثباتها أو نفيها مدخل كأشراط الساعة وتفاصيل البعث ... والبحث في السمعيات أو مسائل الغيب يكون من حيث اعتقادها وهو يقوم على دعامتين: الإقرار بها مع التصديق ويقابله الجحود والإنكار لها، الإمرار لها مع إثبات معناها ويقابله الخوض في الكنه والحقيقة، ومحاولة التصور والتوهم بالعقل بعيدا عن النقل.\nوضابط السمعيات: أن العقل لا يمنعها ولا يحيلها، ولا يقدر على ذلك، ولا يقدر أن يوجبها ولا يحار في ذلك، فمتى ما صح النقل عن الله ﷿ ورسوله ﷺ فإن الواجب اعتقاد ذلك والإقرار به، ودفع كل تعارض موهوم بين شرع الله وهو الوحي وبين خلقه وهو العقل، ... والقاعدة الذهبية هو أنه لا يتعارض وحي صحيح مع عقل صريح عند التحقيق علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – بتصرف - ص١٥٥\nومن موضوعات علم العقيدة أيضًا:\nالقدر، والأخبار، وأصول الأحكام القطعية، وسائر أصول الدين والاعتقاد، ويتبعه الرد على أهل الأهواء والبدع وسائر الملل والنحل الضالة، والموقف منهم مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص١٠","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث الرابع: حكم تعلم علم التوحيد</span>\n(ينبغي أن يعلم أن حكم العلم كحكم معلومه، فإن كان المعلوم فرضًا أو سنة فعلمه كذلك، إذا توقف حصول المعلوم على تعلم ذلك العلم) (١).\nوفي الحق أن تعلم علم التوحيد منه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، وهذا شأن العلوم الشرعية عامة.\nقال ابن عبد البر ﵀: (أجمع العلماء أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصته بنفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية، إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع) (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان) (٣).\nوإن أعظم ما أمر الله به هو التوحيد، قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [محمد: ١٩] وقال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣]، وفي حديث معاذ ﵁ قال رسول الله ﷺ: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (٤) وفي حديث معاذ الآخر قال ﷺ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» (٥).\nقال الإمام ابن أبي العز ﵀: (اعلم أن التوحيد هو أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ﷿ ... ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر (٦)، ولا القصد إلى النظر (٧)، ولا الشك (٨)، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب) (٩).\nقال الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في شرح منظومته (١٠):\nأول واجب على العبيد ... معرفة الرحمن بالتوحيد\nإذ هو من كل الأوامر أعظم ... وهو نوعان أيا من يفهم\nومما يدل على أنه آخر واجب، حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (١١) وفي الصحيح من حديث عثمان ﵁: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة» (١٢).\nفتعلم فرض العين من علم التوحيد هو أول الواجبات وأولاها وأفرضها على المكلفين أجمعين.\nوفرض العين منه، هو: ما تصح به عقيدة المسلم في ربه، من حيث ما يجوز ويجب ويمتنع في حق الله تعالى، ذاتا وأسماء وأفعالًا وصفات، على وجه الإجمال، وهذا ما يسميه بعض العلماء بالإيمان المجمل أو الإجمالي.\nوهو ما يسأل عنه جميع الخلق؛ لما روي عن أنس بن مالك وابن عمر ومجاهد في قوله ﷿: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ [الحجر: ٩٢] قالوا: (عن لا إله إلا الله) (١٣).\nوأما فرض الكفاية من علم التوحيد، فما زاد على ذلك من التفصيل والتدليل والتعليل، وتحصيل القدرة على رد الشبهات وقوادح الأدلة، وإلزام المعاندين وإفحام المخالفين، وهذا ما يسمى بالإيمان التفصيلي، وهو المقدور على إثباته بالأدلة وحل ودفع الشبه الواردة عليه، وهو من أجل فروض الكفايات في علوم الإسلام؛ لأنه ينفي تأويل المبطلين وانتحال الغالين، فلا يجوز أن يخلو الزمان ممن يقوم بهذا الفرض الكفائي المهم، إذ لا شك أن حفظ عقائد الناس أكثر أهمية من حفظ أبدانهم وأموالهم وأعراضهم.\nواختصارًا فإن حكم الشارع في تعلم علم التوحيد أنه فرض عين على كل مكلف، من ذكر وأنثى وذلك بالأدلة الإجمالية وأما بالأدلة التفصيلية ففرض على الكفاية. ويشترط للتكليف بالتوحيد أربعة شروط، وهي: العقل، والبلوغ، وسلامة حاستي السمع أو البصر، وبلوغ الدعوة. علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص: ١٦٣\n_________\n(١) «ترتيب العلوم» للمرعشي (ص: ٩٠).\n(٢) «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (ص: ١٠).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٢٨، ٣٢٩)، (٢٨/ ٨٠).\n(٤) رواه البخاري (٧٣٧٣)، ومسلم (٣٠).\n(٥) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩) بلفظ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله». من حديث ابن عباس ﵄.\n(٦) انظر: «الإنصاف» للباقلاني (ص: ٢٢).\n(٧) انظر: «الإرشاد» للجويني (ص: ٣).\n(٨) انظر: «الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار.\n(٩) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (١/ ٢١ - ٢٣).\n(١٠) انظر: «معارج القبول» (١/ ٢٩).\n(١١) رواه مسلم (٩١٧).\n(١٢) رواه مسلم (٢٦).\n(١٣) رواه البخاري معلقًا قبل حديث (٢٦) قائلًا: وقال عدة من أهل العلم ...، قال ابن حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٢٨): قلت: روي ذلك عن أنس، ومجاهد، وابن عمر وغيرهم. وقال الدارقطني في «العلل» (١٢/ ٢٠): ورفعه غير صحيح، وانظر: «تفسير الطبري» (١٧/ ١٥٠)، «الدعاء» للطبراني (ص: ٤٣٨ - ٤٣٩).","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المبحث الخامس: فضل علم التوحيد</span>\nإذا كانت العلوم الشرعية كلها فاضلة لتعلقها بالوحي المطهر؛ فإن علم التوحيد في الذروة من هذا الفضل العميم، حيث حاز الشرف الكامل دون غيره من العلوم، وذلك يظهر بالنظر إلى جهات ثلاث: موضوعه، ومعلومه، والحاجة إليه.\nفضله من جهة موضوعه: من المتقرر أن المتعلق يشرف بشرف المتعلق، فالتوحيد يتعلق بأشرف ذات، وأكمل موصوف، بالله الحي القيوم، المتفرد بصفات الجلال والجمال والكمال، ونعوت الكبرياء والعزة؛ لذا كان علم التوحيد أشرف العلوم موضوعا ومعلوما، وكيف لا يكون كذلك وموضوعه رب العالمين، وصفوة خلق الله أجمعين، ومآل العباد إما إلى جحيم أو إلى نعيم، ولأجل هذا سماه بعض السلف الفقه الأكبر.\nوتحقيق التوحيد هو أشرف الأعمال مطلقًا ... وسئل النبي ﷺ: أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله» (١).\nوهو موضوع دعوة رسل الله أجمعين، قال الإمام ابن القيم ﵀: وجميع الرسل إنما دعوا إلى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]، فإنهم كلهم دعوا إلى توحيد الله وإخلاص عبادته من أولهم إلى آخرهم، فقال نوح لقومه: اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وإبراهيم، قال الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] (٢).\nوالله ﷾ إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجل إقامة التوحيد بين العبيد، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]، وله خلق الجن والإنس، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، أي: يوحدون ..، فأهم ما على العبد معرفته هو التوحيد، وذلك قبل معرفة العبادات كلها حتى الصلاة.\nفضله من جهة معلومه: إن معلوم علم التوحيد هو مراد الله الشرعي، الدال عليه وحيه وكلامه الجامع للعقائد الحقة، كالأحكام الاعتقادية المتعلقة بالإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والبعث بعد الموت.\nومراد الله تعالى يجمع أمورًا ثلاثة، وتترتب عليه أمور ثلاثة، فهو يجمع أن الله تعالى أراده وأحبه فأمر به، ويترتب على كونه أمر به أن يثيب فاعله، ويعاقب تاركه، وأن ينهي عن مخالفته، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فالأمر بالتوحيد نهي عن الشرك ولابد.\nقال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣]، قال عمر ﵁: «قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي، وهو قائم بعرفة يوم جمعة» (٣).\nفاجتمع لدى نزولها ثلاثة مناسبات لا تجتمع بعد ذلك أبدًا:\nعيد وعيد وعيد صرن مجتمعة\nوجه الحبيب ويوم العيد والجمعة\nفنزلت في عيد المسلمين الأسبوعي، وهو يوم الجمعة، الذي وافق عيد الحجاج، وهو يوم عرفة، وهو اليوم الذي حضره النبي ﷺ مع أمته حاجًا، واجتمع بهم اجتماعه الأكبر والأخير.\nومعلوم علم التوحيد هو الأحكام الاعتقادية المكتسبة من الأدلة المرضية، من كتاب ناطق وسنة ماضية.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٥١٩)، ومسلم (٨٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «التنبيهات السنية على شرح الواسطية» لعبد العزيز الرشيد (ص ٣٣).\n(٣) رواه البخاري (٤٥)، ومسلم (٣٠١٧). من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"1","page":22},{"text":"وقطب رحى القرآن العظيم من فاتحته إلى خاتمته في تقرير معلوم التوحيد. يقول الشيخ صديق حسن خان ﵀: اعلم أن فاتحة الكتاب العزيز التي يكررها كل مسلم في كل صلاة مرات، ويفتتح بها التالي لكتاب الله والمتعلم له، فيها الإرشاد إلى إخلاص التوحيد في ثلاثين موضعًا (١).\nوالتوحيد هو فاتحة القرآن العظيم وهو خاتمته، فهو فاتحة القرآن كما في أول سورة الفاتحة: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، وهو في خاتمة القرآن العظيم قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس: ١] (٢).\nفالقرآن من فاتحته إلى خاتمته في تقرير التوحيد بأنواعه، أو في بيان حقوق التوحيد ومقتضياته ومكملاته، أو في البشارة بعاقبة الموحدين في الدنيا والآخرة، أو في النذارة بعقوبة المشركين والمعاندين في الدارين، ثم إن حياة النبي ﷺ ودعوته في بيان القرآن بيانا عمليا تحققت فيها معاني التوحيد، وحسمت فيه مواد الشرك على الوجه الأتم الأكمل.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد كان النبي ﷺ يحقق هذا التوحيد لأمته ويحسم عنهم مواد الشرك، إذ هذا تحقيق قولنا: لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب لكمال المحبة والتعظيم، والإجلال والإكرام، والرجاء والخوف (٣).\nفضله من جهة الحاجة إليه:\nوأما فضل علم التوحيد باعتبار الحاجة إليه، فيظهر ذلك بالنظر إلى جملة أمور، منها:\nأن الله تعالى طلبه، وأمر به كل مكلف، وأثنى على أهله، ومدح من توسل به إليه، ووعدهم أجرًا عظيمًا.\nقال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [محمد: ١٩]، وقال عز من قائل: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء [البينة:٥].\nوقال ﷾: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة: ١٣٦].\nوقال سبحانه: أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد: ١٩].\nوقال ﷿: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١]، وقال تقدست أسماؤه: رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ إلى قوله: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [آل عمران: ١٩٣ – ١٩٥].\nوقال ﷿: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١٤٦].\nومنها أن عقيدة التوحيد هي الحق الذي أرسلت من أجله جميع الرسل.\nقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦].\nوقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥].\nوهي حق الله على عباده كما في حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» (٤).\nوهي ملة أبينا إبراهيم ﵇ التي أمرنا الله باتباعها، قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٣]، وهي أيضًا دعوته ﵇، قال تعالى على لسانه: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم: ٣٥].\n_________\n(١) «الدين الخالص» للشيخ صديق حسن خان (١/ ٩).\n(٢) «حكم الانتماء» للشيخ بكر أبو زيد (ص٥٨).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١/ ١٣٦).\n(٤) رواه البخاري (٦٢٦٧)، ومسلم (٣٠). من حديث معاذ بن جبل ﵁.","vol":"1","page":23},{"text":"ومنها أن الله تعالى جعل الإيمان شرطا لقبول العمل الصالح وانتفاع العبد به في الدنيا والآخرة. قال تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [الأنبياء: ٩٤]. وقال سبحانه: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا [الإسراء: ١٩].\nفإذا جاء العبد بغير الإيمان فقد خسر جميع عمله الصالح، قال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥].\nومنها أن سعادة البشرية في الدنيا متوقفة على علم التوحيد، فحاجة العبد إليه فوق كل حاجة، وضرورته إليه فوق كل ضرورة، فلا راحة ولا طمأنينة ولا سعادة إلا بأن يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة صحيحة، صادقة ناصحة، وهي جهة الوحي.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: حاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب، فإن آخر ما يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان، وأما إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها، مات قلبه موتا لا ترجى الحياة معه أبدا، أو شقي شقاوة لا سعادة معها أبدا (١).\nولهذا سمى الله تعالى غير الموحد ميتا حقيقة، قال تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُون [الروم: ٥٢ - ٥٣].\nفمقابلة الموتى بالسامعين تدل على أن الموتى هم المشركون والكافرون، وهذا تفسير جمهور السلف (٢).\nوقيل المراد بالموتى: موتى الأبدان، فنفي السماع يعني نفي الاهتداء، فكما قيل إن الميت يسمع ولا يمتثل، فهؤلاء الأحياء من الكفار حين يسمعون القرآن كالموتى حقيقة حين يسمعون فلا يمتثلون ولا ينتفعون.\nومما يشهد لهذين المعنيين أن الله تعالى سمى ما أنزله على رسوله ﷺ روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه، وسماه نورا لتوقف الهداية عليه، وسماه شفاء لأنه دواء للنفوس من عللها.\nقال شيخ الإسلام ﵀: والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور، والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، فكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها، فهو في ظلمة وهو من الأموات.\nقال تعالى: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا [الأنعام: ١٢٢]، فهذا وصف المؤمن كان ميتا في ظلمة الجهل، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نورا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات.\nوسمى الله تعالى الرسالة روحا، والروح إذا عدمت فقد فقدت الحياة، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا [سورة الشورى: ٥٢] (٣) علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري - ص١٧٩\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٩٦ - ٩٧).\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ١٢)، و«تفسير القرطبي» (١٣/ ٢٣٢).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٩٣ - ٩٤).","vol":"1","page":24},{"text":"ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها، وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت.\nومن فضائله: أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن المصيبات، فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي، لما يخشى من سخطه وعقابه.\nومنها: أن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين.\nومنها: أنه يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام.\nفبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان، يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة.\nومن أعظم فضائله: أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي.\nويكون مع ذلك متألها متعبدا لله، لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه، ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه.\nومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء: أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرا، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب، ورجحت كلمة الإخلاص في ميزان العبد بحيث لا تقابلها السماوات والأرض وعمارها من جميع خلق الله، كما في\nحديث أبي سعيد المذكور في الترجمة، وفي حديث البطاقة التي فيها لا إله إلا الله التي وزنت تسعة وتسعين سجلا من الذنوب، كل سجل يبلغ مد البصر، وذلك لكمال إخلاص قائلها، وكم ممن يقولها لا تبلغ هذا المبلغ؛ لأنه لم يكن في قلبه من التوحيد والإخلاص الكامل مثل ولا قريب مما قام بقلب هذا العبد.\nومن فضائل التوحيد: أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال.\nومنها: أن الله يدفع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة، ويمن عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره، وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة والله أعلم. القول السديد في مقاصد التوحيد لعبد الرحمن بن سعدي – ص٢٤","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث السادس: واضع علم التوحيد</span>\nلاشك أن التوحيد جاءت به الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وأما علم التوحيد فقد مر في وضعه وتدوينه بطورين:\nأولهما: طور الرواية (ما قبل التدوين)، والثاني: طور التدوين والاستقرار.\nوهذه لمحة عن كلتا المرحلتين:\nأولا: طور الرواية\nلم يكن الرعيل الأول من الصحابة ﵃ بحاجة إلى التدوين في العلوم الشرعية، فقد كانوا يتلقون عن رسول الله ﷺ الوحيين، \"ويوردون عليه ما يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم، وقد أورد عليه من الأسئلة أعداؤه وأصحابه، أعداؤه للتعنت والمغالبة، وأصحابه للفهم والبيان وزيادة الإيمان\" (١)، وكل ذلك رواه الصحابة عن النبي ﷺ لمن بعدهم، فكانت مسائل الاعتقاد محفوظة في أذهانهم، مستدلا عليها بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ، ولم يقع بينهم اختلاف في شأن العقيدة؛ بل اجتمعوا على عقيدة صحيحة، سالمة نقية خالية من كل شوب، فكانوا \"أقرب إلى أن يوفقوا إلى الصواب من غيرهم بما خصهم الله به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وتقوى الرب، فالعربية طريقتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم .. علموا التنزيل وأسبابه، والتأويل وآدابه، وعاينوا الأنوار القرآنية، والأشعة المصطفوية، فهم أسعد الأمة بإصابة الصواب، وأجدرها بعلم فقه السنة والكتاب\" (٢).\nلأجل هذا لم يكن الصحابة ﵃ بحاجة إلى تدوين علم التوحيد أو تصنيف كتب فيه.\nثانيا: طور التدوين\nوبدأ هذا في حياة التابعين، وإن وقعت في زمنه ﷺ صور من الكتابة والتدوين، حيث ابتدأ ذلك الإمام الزهري رحمه الله تعالى، ثم شاع ذلك في النصف الأول من القرن الثاني الهجري كما فعل الإمام مالك في الموطأ، حيث رتبت الأحاديث على أبواب تتعلق بالتوحيد مثل: باب الإيمان، وباب التوحيد، وباب العلم، الخ ..\nولعل هذا التبويب للأحاديث كان النواة الأولى في استقلال كل باب فيما بعد بالتصنيف والبحث.\nومما أوقد جذوة التدوين ما وقع في آخر زمن الصحابة من بدع واختلاف في العقيدة، كما في مسألة القدر، وكان أول من تكلم به معبد الجهني (ت: ٨٠هـ)، ومسألة التشيع والغلو في آل البيت، وفتنة عبد الله بن سبأ، كما وقعت من قبل بدعة الخوارج وصرحوا بالتكفير بالذنوب، وبعد ذلك نشأ مذهب المعتزلة على يد واصل بن عطاء (ت: ١٣١هـ)، وصنف في مسائل من العقيدة ما خالف به الصحابة والتابعين، وخرج على إجماع خير القرون في الاعتقاد، فتصدى له التابعون بالرد عليه والمناظرة في هذه المسائل، ثم بدأ التصنيف في عقيدة أهل السنة حين أصبح ضرورة لابد منها لنفي تأويل المبطلين، ورد انحراف الغالين، وكان أول مدون عرفناه في العقيدة - على هذا النحو – هو كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة ﵀ (ت: ١٥٠هـ)، رواه أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، كما رواه حماد بن أبي حنيفة – وإن قيل إنه من وضع أبي مطيع البلخي – حدد فيه أبو حنيفة عقائد أهل السنة تحديدا منهجيا ورد فيه على المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والشيعة، واشتمل على خمسة أبواب - في أتم رواياته -: الأول في القدر، والثاني والثالث في المشيئة، والرابع في الرد على من يكفر بالذنب، والخامس في الإيمان، وفيه حديث عن الأسماء والصفات، والفطرة، وعصمة الأنبياء، ومكانة الصحابة، وغير ذلك من مباحث العقيدة.\n_________\n(١) «زاد المعاد لابن القيم» (٣/ ١٢٥٠).\n(٢) «إعلام الموقعين لابن القيم» (٤/ ١٤٨ - ١٥٠) بتصرف.","vol":"1","page":26},{"text":"فلو قال قائل: إن واضع علم التوحيد – بمعنى أول من وضع مؤلفا خاصا في الفن من أهل السنة – هو الإمام أبو حنيفة؛ لكان صادقا ولم يبعد عن الصواب، \"وإن كان قد قيل: إن واضعه الإمام مالك بن أنس، وأنه ألف فيه رسالة، وقيل أيضا أنه لما كثرت الفتن أمر المنصور بوضع كتب لإزالتها والرد عليها\" (١).\nكما ثبت أن الإمام ابن وهب ﵀ (ت: ١٩٧هـ) وضع كتابا في القدر على طريقة المحدثين في جمع الأحاديث وإن كان دون تبويب.\nولقد نسب كتاب بنفس اسم الفقيه الأكبر للإمام الشافعي ﵀ (ت: ٢٠٤هـ)، تناول فيه مسائل الاعتقاد مسألة مسألة، ورد على الفرق المخالفة في ثنايا كلامه، إلا أن نسبة الكتاب إلى الإمام الشافعي غير موثقة، فقد قال حاجي خليفة في كشف الظنون: \" .. لكن في نسبته إلى الشافعي شك، والظن الغالب أنه من تأليف بعض أكابر العلماء\" (٢).\nثم تتابع التأليف بعد أبي حنيفة في علم التوحيد ولكن بأسماء مختلفة لهذا العلم. فمن أول ذلك كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤هـ)، وتبعه على هذا كثيرون إلى يوم الناس هذا، كما ظهر مصطلح السنة للدلالة على ما يسلم من الاعتقادات، واشتهر ذلك زمن الإمام أحمد ﵀، ومن الكتب المصنفة باسم السنة، كتاب السنة لابن أبي شيبة ﵀ (ت: ٢٣٥هـ) والسنة للإمام أحمد ﵀ (ت: ٢٤٠هـ) وغير ذلك، ثم ظهر مصطلح التوحيد في مثل كتاب التوحيد لابن سريج البغدادي ﵀ (ت: ٣٠٦هـ)، وكتاب التوحيد لابن خزيمة ﵀ (ت: ٣١١هـ)، وواكب ذلك ظهور مصطلح أصول الدين، ثم ظهر التأليف باسم العقيدة أوائل القرن الخامس الهجري، واستقرت حركة التصنيف ومنهج التأليف، واستقل علم التوحيد علما متميزا عن غيره بلقب ومنهج مخصوص.\nوأخيرا فإن فيما سبق بيانه رد على من زعم – من الأشاعرة والماتريدية – أن واضعي علم التوحيد هما: أبو الحسن الأشعري (ت: ٣٢٤هـ)، وأبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣هـ)، حيث سبقا بتآليف كثيرة كتبت على منهج أهل الحديث، أهل السنة والجماعة. علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري- ٢٠٧\n_________\n(١) «اللؤلؤ المنظوم في مبادئ العلوم لمحمد أبي عليان الشافعي» (٢٣٧).\n(٢) «كشف الظنون لحاجي خليفة» (٢/ ١٢٨٧).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث السابع: فوائد التوحيد</span>\nالتوحيد له فضائل عظيمة، وآثار حميدة، ونتائج جميلة، ومن ذلك ما يأتي:\n- خير الدنيا والآخرة من فضائل التوحيد وثمراته.\n- التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، يدفع الله به العقوبات في الدارين، ويبسط به النعم والخيرات.\n- التوحيد الخالص يثمر الأمن التام في الدنيا والآخرة، قال الله ﷿: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢].\n- يحصل لصاحبه الهدى الكامل، والتوفيق لكل أجر وغنيمة.\n- يغفر الله بالتوحيد الذنوب ويكفر به السيئات، ففي الحديث القدسي عن أنس ﵁ يرفعه: «يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة» (١)\n- يدخل الله به الجنة، فعن عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (٢)، وفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» (٣).\n- التوحيد يمنع دخول النار بالكلية إذا كمل في القلب، ففي حديث عتبان ﵁ عن النبي ﷺ: «... فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (٤).\n- يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى حبة من خردل من إيمان (٥).\n- التوحيد هو السبب الأعظم في نيل رضا الله وثوابه، وأسعد الناس بشفاعة محمد ﷺ: «من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه» (٦).\n- جميع الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها، وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت.\n- يُسَهِّل على العبد فعل الخيرات، وترك المنكرات، ويسلِّيه عن المصائب، فالموحد المخلص لله في توحيده تخف عليه الطاعات؛ لِمَا يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهوِّن عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي؛ لِمَا يخشى من سخط الله وعقابه.\n- التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين.\n- التوحيد يخفف عن العبد المكاره، ويهوِّن عليه الآلام، فبحسب كمال التوحيد في قلب العبد يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة، وتسليمٍ ورضًا بأقدار الله المؤلمة، وهو من أعظم أسباب انشراح الصدر.\n- يحرِّر العبد من رِقّ المخلوقين والتعلُّقِ بهم، وخوفهم ورجائهم، والعمل لأجلهم، وهذا هو العزُّ الحقيقي، والشرف العالي، ويكون مع ذلك متعبدًا لله لا يرجو سواه، ولا يخشى إلا إيَّاه، وبذلك يتمُّ فلاحه، ويتحقق نجاحه.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٤٥٠). وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وصححه ابن القيم في «إعلام الموقعين» (١/ ٢٠٤) وقال ابن رجب: إسناده لا بأس به، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).\n(٣) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).\n(٤) رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣).\n(٥) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «... أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ...» رواه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤).\n(٦) رواه البخاري (٩٩). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":28},{"text":"- التوحيد إذا كمل في القلب، وتحقَّق تحققًا كاملًا بالإخلاص التام فإنه يصير القليل من عمل العبد كثيرًا، وتضاعف أعماله وأقواله الطيبة بغير حصر، ولا حساب.\n- تكفَّل الله لأهل التوحيد بالفتح، والنصر في الدنيا، والعز والشرف، وحصول الهداية، والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال.\n- الله ﷿ يدافع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة، ويمنُّ عليهم بالحياة الطيبة، والطمأنينة إليه، والأُنس بذكره.\nقال العلامة السعدي ﵀: (وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة، والله أعلم) (١).\nوقال ابن تيمية ﵀: (وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله) (٢) نور التوحيد وظلمات الشرك لسعيد بن علي بن وهف القحطاني – ص: ١٤\n- أنه أكبر دعامة للرغبة في الطاعة؛ لأن الموحد يعمل لله ﷾؛ وعليه، فهو يعمل سرًا وعلانية، أما غير الموحد؛ كالمرائي مثلًا، فإنه يتصدق ويصلي، ويذكر الله إذا كان عنده من يراه فقط، ولهذا قال بعض السلف: إني لأود أن أتقرب إلى الله بطاعة لا يعلمها إلا هو.\n- أن الموحدين لهم الأمن وهم مهتدون؛ كما قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٧٥\nومن أجل فوائده – أي: التوحيد - أنه يمنع الخلود في النار.\nإذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل. وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية.\nومنها: أنه يحصل لصاحبه الهدى الكامل والأمن التام في الدنيا والآخرة\nومنها: أنه السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه، وأن أسعد الناس بشفاعة محمد ﷺ من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه. القول السديد في مقاصد التوحيد لعبد الرحمن بن سعدي – ص ٢٣\n_________\n(١) «القول السديد» (ص: ٢٦).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٢).","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الثامن: الغاية المطلوبة من دراسته</span>\n١ - الخروج من ربقة التقليد إلى الاستدلال فيكون المسلم من مسلمة الاختيار الذي اعتنق ما يعلمه ويدركه فآمن عن قناعة وتسليم.\n٢ - الدفاع عن الإسلام وعقيدته برد الشبهة وإثبات الحق.\n٣ - تصحيح التصورات الخاطئة حول الله والكون والحياة وعلاقة كل منهما بالآخر. إتحاف المريد بمعرفة علم التوحيد لإبراهيم البريكان – ص ١٢","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث التاسع: مسائل علم التوحيد</span>\nهي قضايا كلية تبحث فيه تكون مما يدخل في نطاق العقيدة فهو علم كلي ولذا يقال علم أصول الدين إتحاف المريد بمعرفة علم التوحيد لإبراهيم البريكان – ص ١٢\nوتتضمن معرفة الأحكام الشرعية العقدية كأحكام الألوهية، وعصمة الرسل، وقضايا اليوم الآخر ونحو ذلك، وقد عنيت كتب العقائد به أعظم عناية، وكتبت في تحريره وتقريبه – على منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة – مطولات ومختصرات، ومنظومات ومنثورات من زمن السلف وإلى يوم الناس هذا. علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص ٢٣٥","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث العاشر: وجوب التزام العقيدة الصحيحة</span>\nالعقيدة الصحيحة هي العقيدة المدلول عليها بألفاظ الكتاب والسنة ونحن ملزمون باتباع ألفاظها ومعانيها، وبناء على ذلك يجب التزام العقيدة الصحيحة – ولا يقال إن الكتاب والسنة قد يختلف في دلالتهما في العقائد وغيرها لأننا نقول إنه لابد من مدلول حق لهما، وهذا المدلول كان له جيل قد طبقه فهو منهج عملي ظهرت آثاره وبانت فوائده مما يدل على أنه ثابت في واقع الأمر وحقيقته، فيجب التماسه من خلال البيان النبوي لذلك، والبيان الأثري من الصحابة ﵃. وفرض دلالة مختلف فيها هو فرض حق لا يعرف، ومآل هذا الفرض إبطال دلالة النصوص، ومن ثم إبطال الشرع إذ مضمونه أن الحق الذي أنزل به القرآن الكريم وأرسل به الرسول ﷺ ليس بينا ولا واضحا، ولازم ذلك أن الرسول ﷺ ترك الناس على الضلالة ولم يبلغهم ما أنزل إليهم من ربهم، وأن أصحابه لم يكن لهم في واقع الأمر عقيدة، وكل هذه اللوازم باطلة إذ ما يلزم منه الباطل فهو باطل. فظهر بهذا أن هناك حقا في باب العقيدة يجب أن يلتزم وهناك دلالة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا محالة، وأن هذه العقيدة التي توصف بالصحة ووجوب الالتزام، هي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعوهم وتابع تابعيهم إلى يوم الدين، كما قال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠].\nويمكن بعد هذا حصر موجبات التزام العقيدة الصحيحة فيما يلي:\nأولًا: أنها مما أمر الله باتباعه كما قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥] وقال سبحانه: وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦].\nثانيًا: أنها مما جاء به الرسول ﷺ كما قال سبحانه:\nوَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: ٧].\nثالثًا: استحلال قتال من لم يقبلها كما قال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ...» (١) الحديث.\nرابعًا: لأنها الحق الذي أرسلت من أجلها الرسل، وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥].\nخامسًا: لأن الرسل جميعا أرسلوا بها، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦].\nسادسا: لأنها الغاية من خلق الجن والإنس، كما قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":32},{"text":"سابعا: لأنها متعلق سعادة الخلق في الدنيا والآخرة كما قال ﷺ: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من نفسه» (١) وقال ﷺ: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وأخرت دعوتي شفاعة لأمتي فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا» (٢).\nثامنا: لأنها دين الله الذي ارتضاه لعباده ... قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣].\nتاسعًا: أنها حق الله الذي أوجبه على عباده كما قال ﷺ: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» (٣).\nعاشرا: لأنها طريق النجاة من النار ... قال ﷺ: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (٤).\nالحادي عشر: لأنها أول ما يجب الدعوة إليه. كما قال ﷺ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» (٥) وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله» (٦).\nالثاني عشر: لأنها ملة إبراهيم التي أمرنا باتباعها، كما قال سبحانه: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٣] وقد فسر الله مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ بقوله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]، وقال ﷿: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٠].\nالثالث عشر: أن من التزمها حرم ماله ودمه، كما قال ﷺ: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿» (٧).\nالرابع عشر: لأنها مما حكم الله وقضى باتباعه، وما حكم به وقضاه فهو واجب الاتباع، كما قال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣].\nالخامس عشر: أن الله حرم مخالفتها، كما قال تعالى: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا [الأنعام: ١٥١] الآية.\nالسادس عشر: أن الرسول ﷺ أمر بالبراءة من ضدها، كما قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ [الكافرون: ١، ٢].\nالسابع عشر: امتداحه سبحانه للمؤمنين بالتزامها وترك ضدها، كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون: ٥٩].\nالثاني عشر: لأنها دعوة إبراهيم ﵇، كما قال تعالى عنه: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم: ٣٥]. المدخل لدراسة العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة لإبراهيم البريكان- ص٦٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٩٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه مسلم (١٩٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٦٢٦٧)، ومسلم (٣٠). من حديث معاذ ﵁.\n(٤) رواه البخاري (١١٨٦)، ومسلم (٣٣). من حديث عتبان بن مالك ﵁.\n(٥) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩). بلفظ: «عبادة الله» بدلًا من «شهادة أن لا إله إلا الله». من حديث ابن عباس ﵄.\n(٦) رواها البخاري (٧٣٧٢). من حديث ابن عباس ﵁.\n(٧) رواه مسلم (٢٣). من حديث طارق بن أشيم ﵁.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث الأول: تاريخ عقيدة التوحيد ومتى طرأ الانحراف عنها</span>!!\nعقيدة التوحيد هي الدين الحنيف، والدين القيم، دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فهي موجودة مع وجود هذا الإنسان كما ثبت بالدليل القطعي وهو القرآن الذي هو أوثق مصدر للتاريخ.\nقال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: ٣٠].\nفآدم، ﵇، قد فطره الله على العقيدة السليمة، وعلمه ما لم يعلم من أمور الدين، فكان موحدا لله –تعالى- التوحيد الخالص، معتقدًا لله ما يجب له –تعالى- من التعظيم والطاعة والرجاء والخشية، وقد اصطفاه الله من عباده المخلصين، قال الله – تعالى -: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٣٣].\nوقد شرفه الله –تعالى- بذلك، وأسجد له الملائكة، قال –تعالى-:\nوَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [البقرة: ٣٤].\nوقد أخذ الله –تعالى- على بني آدم العهد والميثاق أنه ربهم، وأشهدهم على أنفسهم في أصل خلقهم من أصلابهم، فقال –تعالى-: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣].\nوالناس كلهم يولدون على الفطرة وينشأون عليها، ما لم تصرفهم عنها صوارف الشر والضلال، من التربية على الكفر والضلال، ومن الأهواء ووساوس الشياطين، وشبهات المبطلين، وشهوات الدنيا، وقد جاء في الحديث القدسي قوله –تعالى-: «... وأني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا ..» (١). الحديث.\nوقد أخبر الرسول ﷺ عن ذلك بقوله: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (٢) .. الحديث فكما يتوجه هذا إلى كل إنسان مولود، يتوجه إلى أول إنسان وهو آدم، ﵇، من باب أولى، فعقيدة التوحيد والخير والصلاح هي الأصل الذي كان عليه آدم، ﵇، والأجيال الأولى من ذريته، فكانوا على التوحيد الخالص. أما الشرك والضلال فإنما هي أمور طارئة لم تحدث إلا بعد آدم، ﵇، بأزمان وأجيال، وعلى التدريج فقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) (٣).\nوإلى هذا تشير الآية في قوله –تعالى-: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة: ٢١٣].\nأي: كانوا على الحق والهدى أمة واحدة على دين واحد – أول الأمر – فاختلفوا فيما بعد. كذا فسرها كثير من السلف (٤).\nوفي عهد نوح، ﵇، كان الشرك سائدًا في قومه، فكانوا يعبدون الأصنام من دون الله، لذلك قال الله – تعالى – عن نوح: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ ... [هود: ٢٥ - ٢٦].\nوبهذا يتبين قطعًا أن العقيدة السليمة والتوحيد الخالص هما الأصل في تاريخ البشر، وأن الضلال والشرك والوثنية أمور طارئة بعد أحقاب من الزمان بعد آدم، ﵇ .. والله أعلم. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر العقل – ص: ١٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٦٥). من حديث عياض بن حمار ﵁.\n(٢) رواه البخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٧٥)، والحاكم (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (٣/ ٦٥): ثابت، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧/ ٨٥٤): صحيح.\n(٤) راجع تفسير الآية السابقة في: «تفسير الطبري» (٢/ ١٩٤ - ١٩٥). و«تفسير ابن كثير» (١/ ٢١٨). وانظر: «دعوة التوحيد» للدكتور محمد خليل هراس (ص: ١٠٦ - ١١٩).","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الثاني: عقيدة التوحيد في دعوة الرسل عامة</span>\nإذا تأملنا قصص المرسلين التي وردت في القرآن الكريم، وما حدث لهم مع أممهم، نجد أنهم اتفقوا جميعًا على دعوة واحدة، هي الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب الشرك، وإن اختلفت شرائعهم (١).\nبل إن مسألة الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك ووسائله هي القضية الأولى التي جاء ذكرها في القرآن الكريم بين الرسل وأممهم، قال الله –تعالى- مخبرًا عما أرسل به جميع الرسل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥].\nوقال –تعالى-: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦].\nوقال تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ [النحل: ٢].\nوإذن: فجميع الرسل كان أول وأهم ما دعوا إليه هو التوحيد، توحيد الله بالعبادة وتقواه وطاعته وطاعة رسله. وكما ذكر الله عنهم ذلك على سبيل التعميم، فقد ذكر ذلك عن بعضهم على التفصيل:\nفنوح، ﵇، قال لقومه:\nيَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩].\nوكذلك هود، ﵇، قال لقومه: يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٦٥].\nوصالح، ﵇، قال لقومه: يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٧٣].\nوإبراهيم، ﵇، قال لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ [العنكبوت: ١٦].\nفالدعوة إلى التوحيد، والتحذير من الشرك، وصحة العقيدة وسلامتها هما الأصل الأول في دعوة المرسلين، من لدن نوح إلى محمد، ﵈، وهذا هو الغاية الأولى التي بها تصلح كل شئون الدنيا والدين، فإذا صحت العقيدة أذعن الناس لله وحده وأطاعوا رسله واستقاموا على شرعه على هدى وبصيرة، ومن ثم يصلح كل شيء من أمورهم الدينية والدنيوية.\nوهذا لا يعني أن الرسل لم يهتموا بإصلاح المفاسد الأخرى، ولا أنهم لم يدعوا إلى الفضائل الأخرى، بل جاءوا بشرائع ومناهج تسير عليها الأمم وتصلح شئون حياتها الدنيا، وأمروا بالمعروف والإصلاح والعدل، ونهوا عن المنكر والفساد والظلم، وأمروا بكل خير وفضيلة، ونهوا عن كل شر ورذيلة تفصيلًا وإجمالًا.\nلكن أعظم الفضائل توحيد الله – تعالى – وتقواه، وأعظم المفاسد الشرك بالله، وهو الظلم العظيم. فكان ذلك أعظم أول ما أرسل الله به الرسل.\nوهكذا كل دعوة لا تقوم على هذا الأساس – في أي زمان وأي مكان – فإنها دعوة قاصرة وناقصة، ويخشى أن يكون نصيبها إما الفشل، وإما الانحراف عن الصراط المستقيم، أو هما معًا، لأن هذا أصل عظيم من أصول الدين متى غفلت عنه الأمم وقعت في كارثة الشرك والابتداع، نسأل الله السلامة والعافية من ذلك. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر العقل – ص: ٢٢\n_________\n(١) انظر: «تطهير الاعتقاد» للصنعاني (ص: ٥).","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث الثالث: عقيدة التوحيد في دعوة نبينا محمد ﷺ</span>\nإذ تأملنا القرآن الكريم، وسيرة الرسول، ﷺ، في الدعوة، نصل إلى حقيقة واضحة كل الوضوح. وهي:\nأن غالب آيات القرآن الكريم جاءت في تقرير عقيدة التوحيد، توحيد الإلوهية والربوبية والأسماء والصفات، والدعوة إلى إخلاص العبادة والدين لله وحده لا شريك له، وتثبيت أصول الاعتقاد (الإيمان والإسلام).\nأن رسول الله ﷺ، قضى غالب وقته – بعد النبوة – في تقرير الاعتقاد والدعوة إلى توحيد الله – تعالى – بالعبادة والطاعة، وهذا هو مقتضى (لا إله إلا الله محمد رسول الله).\nفالدعوة إلى العقيدة تأصيلًا وتصحيحًا شملت الجزء الأكبر من جهد الرسول، ﷺ، ووقته في عهد النبوة.\nوإليك بيان ذلك:\n١ - أن الرسول ﷺ قضى ثلاثا وعشرين سنة في الدعوة إلى الله.\nوهي عهد النبوة – منها ثلاث عشرة سنة في مكة، جلها كانت في الدعوة إلى تحقيق (لا إله إلا الله محمد رسول الله) أي الدعوة إلى توحيد الله –تعالى- بالعبادة والإلوهية وحده لا شريك له، ونبذ الشرك وعبادة الأوثان وسائر الوسطاء، ونبذ البدع والمعتقدات الفاسدة.\nومنها عشر سنين في المدينة، وكانت موزعة بين تشريع الأحكام، وتثبيت العقيدة، والحفاظ عليها، وحمايتها من الشبهات، والجهاد في سبيلها، أي أن أغلبها في تقرير عقيدة التوحيد وأصول الدين، ومن ذلك مجادلة أهل الكتاب، وبيان بطلان معتقداتهم المحرفة، والتصدي لشبهاتهم وشبهات المنافقين، وصد كيدهم للإسلام والمسلمين، وكل هذا في حماية العقيدة قبل كل شيء.\nفأي دعوة لا تولي أمر العقيدة من الاهتمام كما أولاها رسول الله، ﷺ – علمًا وعملًا – فهي ناقصة.\n٢ - أن الرسول ﷺ إنما قاتل الناس على العقيدة (عقيدة التوحيد) حتى يكون الدين لله وحده، تلك العقيدة المتمثلة في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، على الرغم أن سائر المفاسد والشرور كانت سائدة في ذلك الوقت، ومع ذلك فإن رسول الله، ﷺ، جعل الغاية من قتال الناس تحقيق التوحيد، وأركان الإسلام، فقد قال، ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (١).\nوهذا لا يعني أن رسول الله، ﷺ، لم يبال بالأمور الأخرى، من الدعوة إلى الفضائل والأخلاق الحميدة، من (البر والصلة والصدق والوفاء والأمانة). وترك ضدها – (من الآثام والكبائر كالربا والزنا والظلم وقطيعة الرحم). وحاشاه ذلك، لكنه جعلها في مرتبة بعد أصول الاعتقاد، لأنه يعلم وهو القدوة، ﷺ، أن الناس إذا استقاموا على دين الله وأخلصوا له الطاعة والعبادة حسنت نياتهم وأعمالهم، وفعلوا الخيرات واجتنبوا المنهيات في الجملة، وأمروا بالمعروف حتى يسود بينهم ويظهر، ونهوا عن المنكر حتى لا يظهر ولا يسود. إذن فمدار الخير على صلاح العقيدة، فإذا صلحت استقام الناس، على الحق والخير، وإذا فسدت فسدت أحوال الناس، واستحكمت فيهم الأهواء والآثام، وسهلت عليهم المنكرات، وإلى هذا يشير الحديث الصحيح عن النبي، ﷺ،: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٢) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩). من حديث النعمان بن بشير ﵁.","vol":"1","page":36},{"text":"فالرسول، ﷺ، بالإضافة إلى كونه دعا إلى إخلاص الدين لله، وقاتل الناس حتى يشهدوا بكلمة الإخلاص، فإنه، ﷺ، كان يدعو إلى جميع الأخلاق الفاضلة، جملة وتفصيلًا، وينهى عن ضدها، جملة وتفصيلًا.\nوكما اهتم، ﷺ، بإصلاح الدين، كان يعمل على إصلاح دنيا الناس، إنما كان ذلك كله في مرتبة دون الاهتمام بأمر التوحيد وإخلاص الدين لله وحده، وهذا ما يجهله أو يتجاهله المنازع في هذه المسألة.\n٣ - إذ تأملنا القرآن الكريم، المنزل على رسول الله، ﷺ، رحمة للعالمين ومنهاجًا للمسلمين إلى يوم الدين، وجدنا أن أغلبه في تقرير العقيدة وتقرير أصولها، وتحرير العبادة والطاعة لله وحده لا شريك له، واتباع رسوله، ﷺ.\nفإن أول شيء نزل به القرآن، وأمر الله رسوله، ﷺ، أن يفعله هو أن يكبر الله تعالى ويعظمه وحده، وأن ينذر الناس من الشرك، وأن يتطهر من الآثام والذنوب وغيرها، ويهجر ما هم عليه من عبادة الأصنام، ويصبر على ذلك كله، قال الله تعالى:\nيَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر: ١ - ٧].\nثم استمر القرآن الكريم، يتنزل على رسول الله ﷺ سائر العهد المكي، لتثبيت العقيدة وتقريرها، والدعوة إلى إخلاص العبادة والدين لله وحده، واتباع رسوله، ﷺ.\nلذلك نجد أن أغلب آيات القرآن الكريم في العقيدة: إما بصريح العبارة، وإما بالإشارة، حيث إن معظم القرآن جاء في تقرير توحيد الإلوهية وإخلاص العبادة لله وحده، وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات وأصول الإيمان والإسلام، وأمور الغيب والقدر خيره وشره، واليوم الآخر، والجنة وأهلها ونعيمها، والنار وأهلها وعذابها، (الوعد والوعيد)، وأصول العقيدة تدور على هذه الأمور.\nوقد ذكر العلماء أن القرآن: ثلث أحكام، وثلث أخبار، وثلث توحيد. وهذا ما فسروا به قول النبي، ﷺ: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» (١).\nفإن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] اشتملت على أعظم التوحيد والتنزيه لله تعالى.\nوآيات الأحكام لا تخلو من ذكر للعقيدة وأصول الدين، وذلك من خلال ذكر أسماء الله وصفاته، وطاعته وطاعة رسوله، ﷺ وذكر حكم التشريع ... ونحو ذلك.\nوكذلك آيات الأخبار والقصص أغلبها في الإيمان والاعتقاد، وذلك من خلال أخبار المغيبات والوعيد واليوم الآخر، ونحو ذلك.\nوبهذا يتحقق القول: بأن القرآن الكريم، هو الهادي إلى التي هي أقوم إلى يوم القيامة، وغالب آياته في تقرير العقيدة والدعوة إليها والدفاع عنها والجهاد في سبيلها. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر العقل – ص: ٢٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٨١٢). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث الأول: ما يعتبر من الأصول في الاعتقاد</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها، ويجب أن تذكر قولًا، أو تعمل عملًا، كمسائل التوحيد والصفات، والقدرة والنبوة والمعاد، أو دلائل هذه المسائل) (١). وقال أيضًا: (إن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، هو من أعظم أصول الإيمان وقواعد الدين) (٢).\nوبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – الأصول التي يجب على الإنسان معرفتها واعتقادها والإيمان بها والعمل بها، وجمعها في ثلاثة أصول هي: معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمد ﷺ (٣). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – بتصرف - ص: ٣٥٩\n_________\n(١) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٧).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٩٦).\n(٣) «الأصول الثلاثة \"ضمن مجموعة التوحيد\"» (ص: ٢٣٩).","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الثاني: ضوابط التمييز بين الأصول والفروع</span>\nجرت عادة كثير من العلماء في التفريق بين مسائل في الدين يعتبرونها أصولًا، وبين أخرى يعتبرونها فروعًا، وبنوا على ذلك العذر بالخطأ وغيره من العوارض في الفروع، وعدم العذر بها في الأصول.\nكما طبق هذا التقسيم على العلوم الشرعية، حيث جعلت مسائل علم العقيدة وعلم الأصول أصولًا، وجعلت مسائل علم الفقه فروعًا، مما حدا ببعض العلماء إلى إنكار تقسيم الشريعة إلى أصول وفروع.\nوالملاحظ على هذا التقسيم بين مسائل الدين أو بين علوم الشرعية، يلاحظ عليه عدم انضباطه متفق عليه بين من رأى هذا التقسيم، ولهذا رد بعض العلماء هذا التقسيم، وانتقدوا من قال به ردوا عليهم.\nومن أبرز العلماء الذين ردوا هذا التقسيم ورفضوه خاصة لما بني عليه من التطبيقات من حيث التكفير بالخطأ في الأصول، والعذر في الفروع، ومن حيث التهوين من شأن مسائل مهمات في الدين تعد من أركانه، إذ جعلت من فروع الدين؛ لأنها ليست من مسائل العقيدة – بزعمهم – كالصلاة والزكاة وما إليها من مسائل اختص بها علم الفقه في أغلب الأحيان. فكان من أبرز من رد هذا التقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتابعه على ذلك تلميذه الإمام ابن القيم ﵀.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول، وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق متناقض. فإنه يقال لمن فرق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ فيها؟، وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟. فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد، ومسائل الفروع هي مسائل العمل، قيل له: فتنازع الناس في محمد ﷺ هل رأى ربه أم لا؟، وفي أن عثمان أفضل من علي، أم علي أفضل؟، وفي كثير من معاني القرآن وتصحيح بعض الأحاديث، هي من المسائل الاعتقادية العلمية، ولا كفر فيها بالاتفاق. ووجوب الصلاة والزكاة والصيام وتحريم الفواحش والخمر هي مسائل عملية، والمنكر لها يكفر بالاتفاق.\nوإن قال: الأصول هي المسائل القطعية، قيل له: كثير من مسائل العمل قطعية، وكثير من مسائل العلم ليست قطعية. وكون المسائل قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية، وقد تكون المسألة عند رجل قطعية؛ لظهور الدليل القاطع له، كمن سمع النص من الرسول ﷺ وتيقن مراده منه. وعند رجل لا تكون ظنية، فضلًا عن أن تكون قطعية؛ لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته) (١).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: (إنهم قسموا الدين إلى مسائل علمية وعملية وسموها أصولا وفروعًا، وقالوا: الحق في مسائل الأصول واحد، ومن خالفه، فهو كافر أو فاسق. وأما مسائل الفروع، فليس لله تعالى فيها حكم معين ولا يتصور فيها الخطأ، وكل مجتهد مصيب لحكم الله تعالى الذي هو حكمه. وهذا التقسيم لو رجع إلى مجرد الاصطلاح لا يتميز به ما سموه أصولًا مما سموه فروعا، فكيف وقد وضعوا عليه أحكامًا وضعوها بعقولهم وآرائهم ... ومنها: إثبات الفروع بأخبار الآحاد دون الأصول، وغير ذلك. وكل تقسيم لا يشهد له الكتاب والسنة وأصول الشرع بالاعتبار، فهو تقسيم باطل يجب إلغاؤه) (٢).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧). وانظر: (١٣/ ١٢٦، ١٩/ ٢٠٧ - ٢١٢)، و«منهاج السنة» (٥/ ٤٨ - ٩٥).\n(٢) «مختصر الصواعق المرسلة» (ص: ٦١٣).","vol":"1","page":39},{"text":"غير أن النظر المدقق في هذه المسألة يجد أن التقسيم لا يرد جملة، بل يصح إذا تحقق فيه أمران:\nالأول: إعادة النظر في ضوابط التمييز بين الأصول والفروع، وذلك بوضع ضوابط صحيحة المعنى من الناحية الشرعية.\nالثاني: التحقيق العلمي للأحكام المتعلقة بكل من الأصول والفروع.\nومما يدل على أن هذا التقسيم قد يقبل إذا توفرت شروط معينة موقف شيخ الإسلام ذاته من هذه المسألة، حيث إنه – ﵀ – استعمل عبارة أصول الدين وفروعه، لكن لا على اصطلاح أهل الكلام، ومن ذلك – مثلا – قوله: (وإذا عرفت أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه إجمال وإبهام؛ لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات تبين أن الذي هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين، فهو موروث عن الرسول) (١). وقوله: (ما زال كثير من أئمة الطوائف الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وإن كانوا في فروع الشريعة متبعين بعض أئمة المسلمين – ﵃ أجمعين -، فإنهم يقولون: نحن في الأصول أو في السنة على مذهب أحمد بن حنبل) (٢). وقوله: (والغرض هنا أن طريقة القرآن جاءت في أصول الدين وفروعه في الدلائل والمسائل بأكمل المناهج) (٣).\nمما يدل على أن هذا التقسيم إذا كان منضبطًا بضوابط شرعية صحيحة، وبني عليه أحكام صحيحة كذلك، فإنه لا مانع منه، أو يكون بهذا الاعتبار مسألة اصطلاحية لا يترتب عليها أحكام شرعية، وعليه فلا ينسب هذا التقسيم إلى الشرع، بحيث تترتب عليه أحكام شرعية. وهذا الذي قد يحمل عليه موقف شيخ الإسلام من هذه المسألة، بحيث يحمل عدم ارتضائه لهذا التقسيم واستعماله للتعبير الدال عليه، يحمل ذلك على إنكاره ترتيب أحكام التكفير والتفسيق وغيرها على أساس ذلك التقسيم (٤).\nأما عن ضوابط التفريق بين الأصول والفروع، فللعلماء عدة طرق في التفريق بينها (٥)، ومنها:\n١ - أن ما كان عقليًا، فهو من الأصول، وما كان دليله نقليًان فهو من الفروع.\n٢ - أن ما كان دليله قطعيًا، فهو من الأصول، وما كان ظنيًا، فهو من الفروع.\n٣ - أن الأصول هي العلميات، والفروع هي العمليات.\n٤ - أن الأصول هي الطلبيات، والفروع هي الخبريات (٦).\nوما من قول من هذه الأقوال إلا ودار حوله نقاش، ووجد له ما يعارضه حتى لم يكاد يسلم منها قول، وإن كان في بعضها وجهة نظر قوية ومعتبرة. والذي يترجح عندي في ضابط التمييز بين الأصول والفروع، هو أن كل ما كان جليلًا من المسائل، فهو من الأصول. وما كان دقيقًا منها، فهو من الفروع علميا كان أو عمليا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين – العلمي والعملي – مسائل أصول، والدقيق مسائل فروع. فالعلم بالواجبات كمباني الإسلام الخمس، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة، ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر) (٧). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: ٣٥٩\n_________\n(١) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٤١).\n(٢) «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٩١).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٨).\n(٤) انظر: «معجم المناهي اللفظية» للشيخ د. بكر أبو زيد (ص: ٥٥ - ٥٦).\n(٥) انظر: «الأصول والفروع حقيقتهما والفرق بينهما، والأحكام المتعلقة بهما» لسعد الشتري (١/ ١٣٩ - ٢٣٥).\n(٦) انظر: «الأصول والفروع حقيقتهما والفرق بينهما، والأحكام المتعلقة بهما» لسعد الشثري (٢/ ٥٥٧).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٦ - ٥٧).","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>تمهيد</span>\nإن المتأمل المنصف، لو قارن بين المعتقدات السائدة بين الناس اليوم ; لوجد للعقيدة الإسلامية - المتمثلة في عقيدة أهل السنة والجماعة - خصائص وسمات تميزها وأهلها بوضوح عن المعتقدات الأخرى من ديانات أو فرق أو مذاهب أو غيرها. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص ٢٩","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث الأول: سلامة المصدر</span>\nوذلك باعتمادها على الكتاب والسنة وإجماع السلف، وأقوالهم فحسب.\nوهذه الخاصية لا توجد في مذاهب أهل الكلام والمبتدعة والصوفية، الذين يعتمدون على العقل والنظر، أو على الكشف والحدس والإلهام والوجد، وغير ذلك من المصادر البشرية الناقصة التي يُحكمونها أو يعتمدونها في أمور الغيب، (والعقيدة كلها غيب).\nأما أهل السنة فهم - بحمد الله - معتصمون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإجماع السلف الصالح وأقوالهم، وأي معتقد يستمد من غير هذه المصادر إنما هو ضلال وبدعة.\nفالذين يزعمون أنهم يستمدون شيئًا من الدين عن طريق العقل والنظر، أو علم الكلام والفلسفة، أو الإلهام والكشف والوجد، أو الرؤى والأحلام، أو عن طريق أشخاص يزعمون لهم العصمة (غير الأنبياء) أو الإحاطة بعلم الغيب (من أئمة أو رؤساء أو أولياء أو أقطاب أو أغواث أو نحوهم)، أو يزعمون أنه يسعهم العمل بأنظمة البشر وقوانينهم، من زعم ذلك فقد افترى على الله أعظم الفرية، ونقول لمن زعم ذلك كما قال الله تعالى لمن قال عليه بغير علم: قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: ١١١]. وأنى له أن يأتي إلا بشبه الشيطان.\nوهذه الميزة والخصيصة - أعني الاعتماد على الكتاب والسنة، ومنهج السلف الصالح - سمة من سمات أهل السنة، لا تكاد تتخلف في كل مكان وزمان والحمد لله. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص ٢٩","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الثاني: قيامها على التسليم لله ولرسوله</span>\nأنها تقوم على التسليم لله تعالى ولرسوله ﷺ لأنها غيب والغيب يقوم ويعتمد على التسليم والتصديق المطلق لله تعالى ولرسوله ﷺ فالتسليم بالغيب من صفات المؤمنين التي مدحهم الله بها، قال تعالى: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ١ - ٣]. والغيب لا ُتدركه العقول ولا تحيط به، ومن هنا، فأهل السنة يقفون في أمر العقيدة على ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ بخلاف أهل البدع والكلام، فهم يخوضون في ذلك رجمًا بالغيب، وأنى لهم أن يحيطوا بعلم الغيب، فلا هم أراحوا عقولهم بالتسليم، ولا عقائدهم وذممهم بالاتباع، ولا تركوا عامة أتباعهم على الفطرة التي فطرهم الله عليها. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص ٣٠","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثالث: اتصال سندها بالرسول ﷺ والصحابة والتابعين وأئمة الهدى قولًا وعملًا وعلمًا واعتقادًا</span>\nفلا يوجد - بحمد الله - أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة ليس له أصل وسند وقدوة من الصحابة والتابعين، وأئمة الدين إلى اليوم، بخلاف عقائد المبتدعة التي خالفوا فيها السلف، فهي محدثة، ولا سند لها من كتاب أو سنة، أو عن الصحابة والتابعين، وما لم يكن كذلك فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص ٣٠","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الرابع: الوضوح والبيان</span>\nتمتاز عقيدة أهل السنة والجماعة بالوضوح والبيان، وخلوها من التعارض والتناقض والغموض، والفلسفة والتعقيد في ألفاظها ومعانيها، لأنها مستمدة من كلام الله المبين\nالذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن كلام رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى. بينما المعتقدات الأخرى هي من تخليط البشر أو تأويلهم وتحريفهم، وشتان بين المشربين، لاسيما وأن العقيدة توقيفية غيبية لا مجال للاجتهاد فيها كما هو معلوم. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص ٣١","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الخامس: سلامتها من الاضطراب والتناقض واللبس</span>\nفإن العقيدة الإسلامية الصافية لا اضطراب فيها ولا التباس، وذلك لاعتمادها على الوحي، وقوة صلة أتباعها بالله، وتحقيق العبودية له وحده، والتوكل عليه وحده، وقوة يقينهم بما معهم من الحق، وسلامتهم من الحيرة في الدين، ومن القلق والشك والشبهات، بخلاف أهل البدع فلا تخلو أهدافهم من علة من هذه العلل.\nأصدق مثال على ذلك: ما حصل لكثير من أئمة علم الكلام والفلسفة والتصوف، من اضطراب وتقلب وندم، بسبب ما حصل بينهم من مجانبة عقيدة السلف، ورجوع كثير منهم إلى التسليم، وتقرير ما يعتقده السلف، خاصة عند التقدم في السن، أو عند الموت.\nكما حصل للإمام أبي الحسن الأشعري، حيث رجع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة في (الإبانة) بعد الاعتزال ثم التلفيق. والباقلاني (ت ٤٠٣هـ) في (التمهيد). ومثله أبو محمد الجويني (ت ٤٣٨هـ)، والد إمام الحرمين في (رسالة في إثبات الاستواء والفوقية). ومثله إمام الحرمين (ت ٤٧٨هـ) في (الرسالة النظامية). والشهرستاني، (ت ٥٤٨هـ) في (نهاية الإقدام). والرازي (فخر الدين) (ت ٦٠٦هـ) في (أقسام الملذات) وغيرهم كثيرون، ومن ذلك أيضًا سلامة أتباعها - في العموم - من التلبس بالبدع والشركيات والآثام والكبائر، فأهل السنة في عمومهم، هم أسلم الناس من الوقوع في البدع، ولا تكون فيهم الشركيات. أما الذنوب والمعاصي والكبائر فقد يقع فيها طوائف منهم لكنها فيهم أقل من غيرهم، وغيرهم لا يسلم من علة من هذه العلل البدعية والشركية، كما أن المعاصي والكبائر هي في أهل الافتراق أكثر من غيرهم في الجملة.\nفالمتكلمة من المعتزلة، وكثير من الأشاعرة ونحوهم قالوا في الله بغير علم، وخاضوا في الغيب بغير علم، والمتصوفة والمقابريون وسائر أهل البدع عبدوا الله بغير ما شرع، والرافضة، والباطنية ونحوهم كذبوا على الله تعالى وافتروا على رسوله ﷺ حتى صار الكذب دينًا لهم، والخوارج تشددوا في الدين فشدد الله عليهم. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص ٣٣","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المبحث السادس: أنها سبب الظهور والنصر والفلاح في الدارين</span>\nمن أبرز خصائص عقيدة أهل السنة: أنها من أسباب النجاح والنصر والتمكن لمن قام بها ودعا إليها بصدق وعزم وصبر.\nفالطائفة التي تتمسك بهذه العقيدة، عقيدة أهل السنة والجماعة، هي الطائفة الظاهرة والمنصورة التي لا يضرها من خذلها ولا من عاداها إلى يوم القيامة. كما أخبرنا بذلك الرسول ﷺ بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١) مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص ٣٢\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٢٠). من حديث ثوبان ﵁.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث السابع: هي عقيدة الجماعة والاجتماع</span>\nذلك أنها الطريقة المثلى لجمع شمل المسلمين ووحدة صفهم، وإصلاح ما فسد من شئون دينهم ودنياهم، لأنها تردهم إلى الكتاب والسنة وسبيل المؤمنين، وهذه الخاصية لا يمكن أن تتحقق على يد فرقة أو دعوة أو أنظمة لا تقوم على هذه العقيدة أبدًا، والتاريخ شاهد على ذلك، فالدول التي قامت على السنة هي التي جمعت شمل المسلمين وقام بها الجهاد والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعز بها الإسلام قديمًا وحديثًا، منذ عهد الخلفاء الراشدين، والدولة العباسية في أول عهدها، والدولة العثمانية في أول عهدها، وعهد صلاح الدين الأيوبي، والدولة الإسلامية في الأندلس، وعهد الدولة السعودية، حيث نصرت السنة، ودعت إلى التوحيد، وحاربت البدع والشركيات، وطهّرت البلاد المقدسة منها، ولا تزال كذلك - بحمد الله -، وينبغي أن تبقى كذلك على عهدها. وغالب هذه الدول حينما حدث فيها الافتراق وسادت فيها البدع فشلت وانهارت، والدول التي قامت على غير السنة، أشاعت الفوضى والفرقة والبدع والمحدثات، ومزقت الشمل، وعطلت الجهاد، وأشاعت المنكرات، وصارت على يدها الهزائم، وانتشر في عهدها الجهل بالدين، واندثرت السنة، مثل دول الرافضة والباطنية، والقرامطة، والصوفيّة، وكدولة بني بويه، والفاطميين (العبيديين)، التي مزقت المسلمين، وأشاعت بينهم البدع والشركيات. ولما صارت للمعتزلة وزارة ومراكز في عهد بعض الخلفاء العباسيين ظهرت البدع الكلامية، وحوصر أئمة أهل السنة، وافتتن الناس - بل العلماء - في دينهم. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص ٣٣","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الثامن: البقاء والثبات والاستقرار</span>\nمن أهم خصائص عقيدة أهل السنة: البقاء والثبات والاستقرار والاتفاق: فعقيدتهم في أصول الدين ثابتة طيلة هذه القرون، وإلى أن تقوم الساعة، بمعنى أنها متفقة ومستقرة ومحفوظة، رواية ودراية، في ألفاظها ومعانيها، تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل، لم يتطرق إليها التبديل ولا التحريف، ولا التلفيق ولا الالتباس، ولا الزيادة ولا النقص.\nومن أسباب ذلك: أنها مستمدة من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن سنة رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، وقد تلقاها الصحابة ثم التابعون، وتابعوهم، وأئمة الهدى المستمسكون بهديه ﷺ إلى اليوم، رواية ودراية، تلقينًا وكتابة.\nمن ذلك مثلًا قول أهل السنة في الصفات إجمالًا وتفصيلًا، فهو لا يزال واحدًا، وقولهم في كلام الله، والقرآن، والاستواء، والنزول والرؤية، وقولهم في القدر، والإيمان، والشفاعة، والتوسل، وغيرها كله لا يزال كما نقل عن السلف والقرون الفاضلة. وهذا مما تكفل به الله من حفظ دينه.\nبخلاف الفرق الأخرى، وأقربها إلى أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، ومع ذلك فهم مضطربون في كل ما خالفوا به السلف مما أولوه أو ابتدعوه، ويكثر في عقائدهم التلفيق والالتباس والاضطراب، والتوقف فيما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ، وابتداع الألفاظ والمعاني التي لم ترد عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص ٣٣","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث التاسع: التوقيفية (الربانية)</span>\nوتعني أن أهل السنة لا يقتبسون عقيدتهم إلا من مشكاة النبوة، قرآنا وسنة، لا عقل ولا ذوق ولا كشف، ولا يجعلون شيئا من ذلك معارضا للوحي؛ بل هذه إن صحت كانت معضدة لحجة السمع، فالوحي هو الأصل المعتمد في تقرير مسائل الاعتقاد.\nقال قوام السنة الأصبهاني: (وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبهم الدين من قبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة فإن وجدوه موافقا لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجدوه مخالفا لهما تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل، وهذا معنى قول أبي سليمان الدارني، وهو واحد زمانه في المعرفة: (ما حدثتني نفسي بشيء إلا طلبت منها شاهدين من الكتاب والسنة، فإن أتت بهما، وإلا رددته في نحرها. أو كلام هذا معناه) (١).\nوقال شيخ الإسلام: (ولا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به رسول الله ﷺ؛ بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه) (٢).\n(فالذين يزعمون أنهم يستمدون شيئا من الدين عن طريق العقل والنظر، أو علم الكلام والفلسفة، أو الإلهام والكشف والوجد، أو الرؤى والأحلام، أو عن طريق أشخاص يزعمون لهم العصمة غير الأنبياء، أو الإحاطة بعلم الغيب (من أئمة أو رؤساء أو أولياء أو أقطاب أو أغواث .. أو نحوهم)، أو يزعمون أنه يسعهم العمل بأنظمة البشر وقوانينهم؛ من زعم ذلك فقد افترى على الله أعظم الفرية) (٣). علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري- ٢٤١\n_________\n(١) «الحجة في بيان المحجة للأصبهاني» (٢/ ٢٢٦).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٤٧).\n(٣) «بحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر العقل» (٣٣).","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث العاشر: الغيبية</span>\nوالغيبية كأحد خصائص العقيدة الإسلامية تعني قيام العقيدة على التسليم بوجود الغيب، كما تعني وجوب الإيمان بكل ما ورد في النصوص الشرعية من أمور الغيب، وعدم رد شيء منها أو تأويلها.\nقال قتادة في قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣]:) آمنوا بالجنة والنار، والبعث بعد الموت، وبيوم القيامة، وكل هذا غيب (، وقال أنس ﵁:) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ: آمنوا بالله وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، وآمنوا بالحياة بعد الموت، فهذا كله غيب «١).\nوقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣]: (اختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية: الله سبحانه، وضعفه ابن العربي، وقال آخرون: القضاء والقدر، وقال آخرون: القرآن وما فيه من الغيوب، وقال آخرون: الغيب كل ما أخبر به الرسول ﷺ مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة، وعذاب القبر، والحشر، والنشر، والصراط، والميزان، والجنة، والنار، قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض؛ بل يقع الغيب على جميعها، قلت: وهذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل ﵇، حين قال للنبي ﷺ: فأخبرني عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)، قال: صدقت (٢) .. وذكر الحديث) (٣).\nمظاهر ودلائل الغيبية:\nوالغيبية واحدة من الركائز الكبرى والخصائص العظمى في العقيدة، حيث إن كثيرا من مسائل العقيدة وقضاياها يقع في نطاق الغيب، ولذلك شواهد كثيرة في الشرع، فمن ذلك:\n١ - أن الباري سبحانه ابتدأ كتابه العزيز بذكر هذه الركيزة كخاصية من خواص المؤمنين اللازمة، وصفة من صفاتهم البارزة.\nقال تعالى: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة: ١ - ٣].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:) ولما كانت سورة البقرة سنام القرآن ويقال إنها أول سورة نزلت بالمدينة، افتتحها الله بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين «٤).\n٢ - ما ورد في فضل المؤمنين بالغيب وعظم أجرهم، وبيان أن الإيمان بالغيب هو أفضل الإيمان وأعظم مقامات الدين.\nفعن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا، فذكرنا أصحاب النبي ﷺ وما سبقونا به، فقال عبد الله: (إن أمر محمدٍ ﷺ كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ: الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ١ - ٣] (٥).\nوقال ابن القيم ﵀ في تعليقه على قوله تعالى: مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٧٩] فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله، فإن آمنتم به وأيقنتم فلكم أعظم الأجر والكرامة) (٦).\nوقال ﵀: (الإيمان بالغيب أجل المقامات على الإطلاق) (٧).\nوكما أن الإيمان بالغيب يقوم على أساس متين من الشرع، فهو يقوم كذلك على أساس متين من الفطرة والعقل. علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري- ٢٥٥\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١/ ١٠١).\n(٢) «رواه مسلم من حديث عمر، وروى البخاري ومسلم نحوه من حديث أبي هريرة ﵁».\n(٣) «تفسير القرطبي» (١/ ١٦٣).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٠٠).\n(٥) رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٢/ ٥٤٤). والحاكم في «المستدرك» (٣٠٣٣)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (٣٩): إسناده صحيح.\n(٦) «زاد المعاد لابن القيم» (٣/ ٢٢٠).\n(٧) «طريق الهجرتين لابن القيم» (١/ ٤٣٧).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المبحث الحادي عشر: العقلانية</span>\nيقصد بالعقلانية موافقة عقيدة أهل السنة والجماعة للعقل الصريح، واهتمامها به، وإعلاء منزلته ومكانته، وتوفير طاقته وتصريفها فيما يفيد.\nقال شيخ الإسلام: (والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه معصومون لا يقولون على الله إلا الحق، ولا ينقلون عنه إلا الصدق، فمن ادعى في أخبارهم ما يناقض صريح المعقول كان كاذبا، بل لابد أن يكون ذلك المعقول ليس بصريح، أو ذلك المنقول ليس بصحيح، فما علم يقينا أنهم أخبروا به يمتنع أن يكون في العقل ما يناقضه، وما علم يقينا أن العقل حكم به يمتنع أن يكون في أخبارهم ما يناقضه، بل الأنبياء ﵈ قد يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته لا بما يعلم العقل بطلانه، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول) (١). علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري- ٢٧٧\n_________\n(١) «الجواب الصحيح لابن تيمية» (٣/ ١٣٦).","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبحث الثاني عشر: الفطرية</span>\nقال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم: ٣٠]\nقال ابن كثير ﵀: (فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره) (١).\n- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء) (٢).\n- وعن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا؛ كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت، لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (٣).\nقال النووي ﵀: (قوله تعالى: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم) أي: مسلمين، وقيل: طاهرين من المعاصي، وقيل: مستقيمين منيبين لقبول الهداية. وقيل: المراد حين أخذ عليهم العهد في الذر، وقال: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف: ١٧٢] (٤).\nوقال ابن القيم ﵀ في كلام له عن الفطرة: (بل الطفل يختار مص اللبن بنفسه، فإذا مكن من الثدي وجدت الرضاعة لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرضع؛ فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض ..) (٥).\nوبناء على ما تقدم فإن الإيمان فطري عند أهل السنة والجماعة خلافا لأهل الأهواء، فالمقلدون من العوام الذين ليس لهم أهلية النظر والاستدلال، مسلمون وإن عجزوا عن إقامة الأدلة وإيضاح البراهين.\nقال السفاريني في منظومته:\nفالجازمون من عوام البشر ... فمسلمون عند أهل الأثر\nقال ابن حامد: (لا يشترط أن يجزم عن دليل، يعني: بل يكفي الجزم ولو عن تقليد) (٦).\nوقال النووي ﵀ في شرحه لحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به ..» (٧): وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف، أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادا جازما لا تردد فيه كفاه ذلك، وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها، خلافا لمن أوجب ذلك وجعله شرطا في كونه من أهل القبلة، وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا المتكلمين، وهو خطأ ظاهر فإن المراد التصديق الجازم وقد حصل؛ ولأن النبي ﷺ اكتفى بالتصديق بما جاء به ﷺ ولم يشترط المعرفة بالدليل، فقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي) (٨).\n_________\n(١) «تفسير القرآن العظيم لابن كثير» (٣/ ٤٣٣).\n(٢) رواه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨).\n(٣) «رواه مسلم» (٢٨٦٥).\n(٤) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٧/ ١٩٧).\n(٥) «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم» (ص ٣٠٠ - ٣٠٢).\n(٦) «لوامع الأنوار للسفاريني» (١/ ٢٦٩).\n(٧) «رواه مسلم» (٢١) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٨) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٢١٠).","vol":"1","page":53},{"text":"وقال ابن حجر: (وفي كتب النبي ﷺ إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد، إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي الدال على أنه ﷺ لم يزد في دعائه المشركين على أن يؤمنوا بالله وحده ويصدقوه فيما جاء به عنه، فمن فعل ذلك قبل منه سواء كان إذعانه عن تقدم نظر أم لا، ومن توقف منهم نبهه حينئذ على النظر، أو أقام عليه الحجة إلى أن يذعن أو يستمر على عناده) (١).\nمظاهر الفطرية:\nومن مظاهر فطرية العقيدة عند أهل السنة خاصة أنها جاءت سهلة واضحة، لا عسر فيها ولا تعقيد، ووردت النصوص وأقوال السلف وأهل السنة بالنهي عن الغلو والتشدد في أمر الدين أصولا وفروعا، وعن التكلف في طلب علم ما حجب علمه.\nقال تعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]\nوقال سبحانه: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (٢).\nوترجم البخاري ﵀: (باب الدين يسر، وقول النبي ﷺ: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» (٣).\nقال ابن حجر ﵀: (قوله: باب الدين يسر، أي أن دين الإسلام ذو يسر، أو سمي الدين يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم. وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم. قوله: «أحب الدين» أي خصال الدين؛ لأن خصال الدين كلها محبوبة لكن ما كان منها سمحا أي سهلا فهو أحب إلى الله ... أو الدين جنس أي أحب الأديان إلى الله الحنيفية والمراد بالأديان الشرائع الماضية قبل أن تبدل وتنسخ، والحنيفية ملة إبراهيم .. والسمحة السهلة، أي أنها مبنية على السهولة) (٤). علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري- بتصرف- ٢٩٧\n_________\n(١) «فتح الباري لابن حجر» (١٣/ ٣٥٣).\n(٢) «رواه البخاري» (٣٩).\n(٣) «صحيح البخاري كتاب الإيمان» (١/ ٢٣).\n(٤) «فتح الباري لابن حجر» (١/ ٩٣).","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المبحث الثالث عشر: الشمولية</span>\nويتضح شمول العقيدة في الأمور الثلاثة الآتية:\nالأول: شمول العبادة، فالعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.\nفالعبادة تشمل العبادات القلبية، كالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، وتشمل العبادات القولية كالذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقراءة القرآن، وتشمل العبادات الفعلية كالصلاة والصوم، والحج، وتشمل العبادات المالية، كالزكاة، وصدقة التطوع.\nوتشمل كذلك الشريعة كلها، فإن العبد إذا اجتنب المحرمات، وفعل الواجبات والمندوبات والمباحات مبتغيا بذلك وجه الله تعالى كان فعله ذلك عبادة يثاب عليها، وسيأتي الكلام على هذه المسألة بشيء من التفصيل عند الكلام على توحيد الألوهية.\nالثاني: أنها تشمل علاقة العبد بربه، وعلاقة الإنسان بغيره من البشر، وذلك في مباحث التوحيد بأنواعه الثلاثة، وفي مبحث الولاء والبراء وغيرها.\nالثالث: أنها تشمل حال الإنسان في الحياة الدنيا، وفي الحياة البرزخية (القبر)، وفي الحياة الأخروية. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبدالله الجبرين- ص١٧","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الرابع عشر: الوسطية</span>\nعقيدة أهل السنة والجماعة – والتي هي عقيدة الإسلام الصحيحة – وسط بين عقائد فرق الضلال المنتسبة إلى دين الإسلام، فهي في كل باب من أبواب العقيدة وسط بين فريقين آراؤهما متضادة، أحدهما غلا في هذا الباب والآخر قصر فيه، أحدهما أفرط والثاني فرط، فهي حق بين باطلين: فأهل السنة وسط أي عدول خيار – بين طرفين منحرفين، في جميع أمورهم.\nوسأذكر خمسة أصول عقدية كان أهل السنة والجماعة وسطا فيها بين فرق الأمة:\nالأصل الأول: باب العبادات:\nتوسط أهل السنة في هذا الباب بين الرافضة والصوفية وبين الدروز والنصيريين.\nفالرافضة والصوفية يعبدون الله بما لم يشرعه من الأذكار والتوسلات، وإقامة الأعياد والاحتفالات البدعية، والبناء على القبور والصلاة عندها والطواف بها والذبح عندها، وكثير منهم يعبد أصحاب القبور بالذبح لهم أو دعائهم أن يشفعوا له عند الله أو يجلبوا له مرغوبا أو يدفعوا عنه مرهوبا.\nوالدروز والنصيريون – الذين يسمون العلويون – تركوا عبادة الله بالكلية فلا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يحجون .. الخ.\nأما أهل السنة والجماعة فيعبدون الله بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فلم يتركوا ما أوجب الله عليهم من العبادات، ولم يبتدعوا عبادات من تلقاء أنفسهم، عملا بقول النبي ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». متفق عليه (١).\nوفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢)، وقوله ﵊ في خطبته: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». رواه مسلم (٣).\nالأصل الثاني: باب أسماء الله وصفاته:\nتوسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين المعطلة، وبين الممثلة.\nفالمعطلة منهم من ينكر الأسماء والصفات، كالجهمية.\nومنهم من ينكر الصفات كالمعتزلة.\nومنهم من ينكر أكثر الصفات، ويؤولها كالأشاعرة، اعتمادا منهم على عقولهم القاصرة، وتقديما لها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فيعرضون النصوص الشرعية على عقولهم فما قبلته قبلوه، وما لم تقبله ردوه أو أولوه، واعتبروا ذلك تنزيها، فجعلوا النصوص محكوما عليها، لا حاكمة على غيرها، فيجعلون العقل وحده أصل علمهم، ويجعلون القرآن والسنة تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية، المستغنية بنفسها عن النصوص الشرعية.\nولذلك حكموا بوجوب أشياء، وامتناع أشياء أخرى في حق الله تعالى، لحجج عقلية بزعمهم، اعتقدوها حقا، وهي باطلة، وعارضوا بها نصوص القرآن وسنة المعصوم ﷺ، حتى قال قائلهم:\nوكل نص أوهم التشبيها (٤)\nأوله أو فوض ورم تنزيها (٥)\nوالممثلة يضربون لله الأمثال، ويدعون أن صفات الله تعالى تماثل صفات المخلوقين، كقول بعضهم: (يد الله كيدي) و(سمع الله كسمعي) تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦٩٥)، ومسلم (١٧١٨) (١٧). من حديث عائشة ﵂.\n(٢) رواه مسلم (١٧١٨). ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٧٣٥٠) كتاب: الاعتصام، باب: إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ. من حديث عائشة ﵂.\n(٣) رواه مسلم (٨٦٧) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.\n(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ٢٧).\n(٥) «جوهرة التوحيد لإبراهيم اللقاني الأشعري مع شرحها تحفة المريد للبيجوري» (٩١)","vol":"1","page":56},{"text":"فهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الوسط في هذا الباب، والذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فآمنوا بجميع أسماء الله وصفاته الثابتة في النصوص الشرعية، فيصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به أعرف الخلق به رسوله محمد بن عبد الله ﷺ من غير تعطيل ولا تأويل ومن غير تمثيل ولا تكييف، ويؤمنون بأنها صفات حقيقية، تليق بجلال الله تعالى، ولا تماثل صفات المخلوقين، عملا بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١].\nفأهل السنة يعتمدون على النصوص الشرعية، ويقدمونها على العقول البشرية، ويجعلون العقل البشري وسيلة لفهم النصوص الشرعية، وشرطا في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلا بذلك، فهم قد توسطوا في أمر العقل أيضا، فلم يقدموه على النصوص كما فعل أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، ولم يهملوه ويذموه كما يفعل كثير من المتصوفة، الذين يعيبون العقل، ويقرون من الأمور ما يكذب به صريح العقل، ويصدقون بأمور يعلم العقل الصريح بطلانها ممن لم يعلم صدقه (١).\nالأصل الثالث: باب القضاء والقدر:\nتوسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين القدرية والخبرية.\nفالقدرية نفوا القدر، فقالوا: إن أفعال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره، فالله تعالى على زعمهم لم يخلق أفعال العباد ولا شاءها منهم، بل العباد مستقلون بأفعالهم، فالعبد على زعمهم هو الخالق لفعله، وهو المريد له إرادة مستقلة، فأثبتوا خالقا مع الله سبحانه، وهذا إشراك في الربوبية، ففيهم شبه من المجوس الذين قالوا بأن للكون خالقين، فهم (مجوس هذه الأمة).\nوالجبرية غلوا في إثبات القدر، فقالوا: إن العبد مجبور على فعله، فهو كالريشة في الهواء لا فعل له ولا قدرة ولا مشيئة.\nفهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الحق والوسط في هذا الباب، فأثبتوا أن العباد فاعلون حقيقة، وأن أفعالهم تنسب إليهم على جهة الحقيقة، وأن فعل العبد واقع بتقدير الله ومشيئته وخلقه، فالله تعالى خالق العباد وخالق أفعالهم، كما قال سبحانه: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦]. كما أن للعباد مشيئة تحت مشيئة الله، كما قال تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٩].\nومع ذلك فقد أمر الله العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين، ولا يرضى عن الفاسقين، وقد أقام الله الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فمن أطاع عن بينة واختيار، لا يستحق العقاب وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦].\nفأهل السنة يؤمنون بمراتب القضاء والقدر الأربع الثابتة في الكتاب والسنة، وهي:\n١ - علم الله المحيط بكل شيء، وأنه تعالى عالم بما كان وما سيكون، وبما سيعمله الخلق قبل أن يخلقهم.\n٢ - كتابة الله تعالى لكل ما هو كائن في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.\n٣ - مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن كل ما يقع في هذا الوجود قد أراده الله قبل وقوعه.\n_________\n(١) «العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز الحنفي» (٧٨٦ - ٨٠٣)، «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ١٦٨، ٣٣٨، ٣٧٣ و٥/ ٥٠٤٥) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ١٢، ٢٠، ١٠٥، ١٣٣) و«منهاج السنة» (٢/ ١٠٣ - ٦٥٠) و«العقيدة الواسطية مع شرحها لابن عثيمين» (٢/ ٦٣) و«التنبيهات السنية» (١٩١ - ٢٠٦).","vol":"1","page":57},{"text":"٤ - أن الله خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه (١).\nوقد نظم بعضهم هذه المراتب بقوله:\nعلم كتابة مولانا مشيئته ... كذاك خلق وإيجاد وتكوين\nالأصل الرابع: باب الوعد والوعيد:\nتوسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الوعيدية وبين المرجئة.\nفالوعيدية يغلبون نصوص الوعيد على نصوص الوعد، ومنهم الخوارج الذين يرون أن فاعل الكبيرة من المسلمين كالزاني وشارب الخمر كافر مخلد في النار.\nوالمرجئة غلبوا نصوص الرجاء على نصوص الوعيد، فقالوا: إن الإيمان هو التصديق القلبي، وأن الأعمال ليست من الإيمان، فلا يضر مع الإيمان معصية، فالعاصي كالزاني وشارب الخمر لا يستحق دخول النار، وإيمانه كإيمان أبي بكر وعمر – ﵄ -.\nأما أهل السنة والجماعة فيرون أن المسلم إذا ارتكب معصية من الكبائر لا يخرج من الإسلام، بل هو مسلم ناقص الإيمان، ما دام لم يرتكب شيئا من المكفرات، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه حتى يطهره من ذنوبه ثم يدخله الجنة، ولا يخلد في النار إلا من كفر بالله تعالى أو أشرك به.\nفالإيمان عند أهل السنة: قول باللسان واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية (٢).\nالأصل الخامس: باب أصحاب النبي ﷺ:\nتوسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الشيعة وبين الخوارج.\nفالشيعة – ومنهم الرافضة – غلوا في حق آل البيت كعلي بن أبي طالب وأولاده – ﵃ – فادعوا أن عليا – ﵁ – معصوم، وأنه يعلم الغيب، وأنه أفضل من أبي بكر وعمر، ومن غلاتهم من يدعي إلوهيته.\nوالخوارج جفوا في حق علي ﵁ فكفروه، وكفروا معاوية بن أبي سفيان – ﵄ – وكفروا كل من لم يكن على طريقتهم.\nكما أن الروافض جفوا في حق أكثر الصحابة، فسبوهم، وقالوا: إنهم كفار، وأنهم ارتدوا بعد النبي ﷺ، حتى أبو بكر وعمر عند بعضهم كانا كافرين، ولا يستثنون من الصحابة إلا آل البيت ونفرا قليلا، قالوا: إنهم من أولياء آل البيت، كما أنهم يشتمون أمهات المؤمنين، وأفاضل الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر علانية، لكنهم قد يترضون عنهم ويظهرون موالاتهم لهم تقربا إلى أهل السنة ومخادعة لهم، لأن من عقائدهم عقيدة التقية، فيظهرون لأهل السنة خلاف ما يبطنون (٣).\nأما أهل السنة والجماعة فيحبون جميع أصحاب النبي ﷺ، ويترضون عنهم، ويرون أنهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ، وأن الله اختارهم لصحبة نبيه، ويمسكون عما حصل بينهم من التنازع، ويرون أنهم مجتهدون مأجورون، للمصيب منهم أجران، وللمخطئ أجر واحد على اجتهاده، ويرون أن أفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين-، ويحبون آل بيت النبي ﷺ، ويرون أن لهم حقين، حق الإسلام، وحق القرابة من رسول الله ﷺ، فيوالونهم، ويترضون عنهم (٤). تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله الجبرين- ص ٢٠\n_________\n(١) «ينظر منهاج السنة» (٣/ ٥ - ٢٧٦)، «شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل» (١/ ٩١ - ١٧٩)، «شرح الطحاوية» (٣١٧ - ٣٦٤)، «معارج القبول» (٣/ ٩١٧ - ٩٤٠).\n(٢) «الكواكب الدرية» (١٩٢ - ١٩٤).\n(٣) قاله ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٤٧٧ - ٤٧٩).\n(٤) «منهاج السنة» الأجزاء (٤ - ٨).","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>تمهيد</span>\nالعقيدة لها مصدران أساسيان، هما: كتاب الله تعالى (القرآن الكريم). وما صح من سنة رسول الله ﷺ. فالرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وإجماع السلف الصالح: مصدرٌ مبناه على الكتاب والسنة.\nأما الفطرة والعقل السليم فهما مؤيدان يوافقان الكتاب والسنة، ويدركان أصول الاعتقاد على الإجمال لا على التفصيل، فالعقل والفطرة يدركان وجود الله وعظمته، وضرورة طاعته وعبادته، واتصافه بصفات العظمة والجلال على وجه العموم. كما أن العقل والفطرة السليمين يدركان ضرورة النبوات وإرسال الرسل، وضرورة البعث والجزاء على الأعمال، كذلك، على الإجمال لا على التفصيل.\nأما هذه الأمور وسائر أمور الغيب، فلا سبيل إلى إدراك شيء منها على التفصيل إلا عن طريق الكتاب والسنة (الوحي)، وإلا لما كانت غيبًا وتعارض النص الصريح من الكتاب والسنة مع العقل الصحيح (السليم) غير متصور أصلًا، بل هو مستحيل، فإذا جاء ما يوهم ذلك فإن الوحي مقدم ومحكم. لأنه صادر عن المعصوم - ﷺ - والعقل لا عصمة له، بل هو نظر البشر الناقص. وهو معرض للوهم والخطأ والنسيان والهوى والجهل والعجز، فهو قطعًا ناقص مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر بن عبد الكريم العقل - ص٢٨","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المبحث الأول: النقل الصحيح</span>\nإن صحائح المنقول تشمل الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، قال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ [النحل:٨٩]، والعقيدة في الله تعالى من أهم ما بين الله في كتابه، قال سبحانه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩]، وأهم ذلك العقيدة في الله وفي أنبيائه ورسالاته والغيب وما يحويه.\nوعن السنة قال تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤]، وفي الحديث عنه ﷺ: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (١).\nوبيان مسائل الاعتقاد من أول وأولى ما علمه النبي ﷺ للأمة في نصوص السنة، وهو ﷺ أنصح الأمة وأفصحها، وأحرصها على أمانة البلاغ والرسالة، لهذا كانت نصوص السنة مع الكتاب هي معول السلف ومعتمدهم في الاستدلال على مسائل الاعتقاد.\nقال شيخ الإسلام عن أهل السنة: هم أهل الكتاب والسنة؛ لأنهم يؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد، ويتبعون آثاره ﷺ باطنًا وظاهرًا (٢).\nيقول الإمام البربهاري: واعلم أنه من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأوله من غير حجة من السنة والجماعة، فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين. والحق ما جاء من عند الله ﷿، والسنة ما سنه رسول الله ﷺ، والجماعة ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان. ومن اقتصر على سنة رسول الله ﷺ فلج على أهل البدعة كلهم، واستراح بدنه، وسلم له دينه إن شاء الله، لأن رسول الله ﷺ قال: «ستفترق أمتي»، وبيّن لنا رسول الله ﷺ الفرقة الناجية منها فقال: «ما أنا عليه وأصحابي» (٣)، فهذا هو الشفاء والبيان، والأمر الواضح، والمنار المستقيم (٤).\nوأهل السنة لا يستدلون بالقرآن دون السنة؛ بل بالسنة والقرآن، ولا يكمل دين العبد إلا بالإيمان بما فيهما؛ لأنهما مما أوتيه الرسول ﷺ، قال: ﷺ: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» (٥).\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤٣) واللفظ له، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٢) وأبو عوانة في (مسنده) (١/ ٣٦). من حديث العرباض بن سارية ﵁، قال أبو عوانة: وهذا حديث جيد من صحيح حديث الشاميين، وقال البزار كما في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٣٤٨): حديث ثابت صحيح، وقال ابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٣٤٨): حديث ثابت.\n(٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ١٥٧).\n(٣) رواه الترمذي (٢٦٤١) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وقال: هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه، وقال البغوي «شرح السنة» (١/ ٢١٣): ثابت، قال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٨٤): أسانيدها جياد. وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢٦٤١).\n(٤) «شرح السنة» للبربهاري (ص٤٥).\n(٥) رواه أبو داود (٤٦٠٤)، وأحمد (٤/ ١٣٠) (١٧٢١٣) واللفظ له، من حديث المقدام بن معديكرب ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود». وقال الوادعي في «صحيح دلائل النبوة» (٥٩١): حسن لغيره.","vol":"1","page":60},{"text":"فهما في الاحتجاج والاستدلال سواء، لا يعزل أحدهما من أجل التحاكم إلى الآخر، قال تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩] وقال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥].\nيقول البربهاري: وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن، فلا شك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم عنه ودعه (١).\nولا يعارض صحيح النقل - من أدلة علم العقيدة - بوهم الرأي وخطل القياس.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فكان من الأصول المتفق عليها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده .. فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدى به، ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط: قد تعارض في هذا العقل والنقل، فضلًا عن أن يقول: فيجب تقديم العقل، والنقل إما أن يفوض وإما أن يؤول! .. ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية تفسرها أو تنسخها، أو بسنة الرسول ﷺ تفسرها، فإن سنة رسول الله ﷺ تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه (٢).\nوسنة النبي ﷺ يحتج بها مطلقا - بشرط الصحة -، لا فرق في ذلك بين العقائد والأحكام من حيث حجيتها ومجالها، ولا بين المتواتر والآحاد من حيث ثبوتها وقبولها علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري - ص١٩٠\n_________\n(١) «شرح السنة» للبربهاري (ص٥٤).\n(٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ٢٧ - ٢٩).","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث الثاني: الإجماع</span>\nوالإجماع مصدر من مصادر الأدلة الاعتقادية؛ لأنه يستند في حقيقته إلى الوحي المعصوم من كتاب وسنة، وأكثر مسائل الاعتقاد محل إجماع بين الصحابة والسلف الصالح، ولا تجتمع الأمة في أمور العقيدة ولا غيرها على ضلالة وباطل. (فالإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمدون عليه في العلم والدين، والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الخلاف وانتشرت الأمة) (١). وعلى هذا فإجماع السلف الصالح في أمور الاعتقاد حجة شرعية ملزمة لمن جاء بعدهم، وهو إجماع معصوم، ولا تجوز مخالفته، (فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة نبيه وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة أصول معصومة) (٢) علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري - ص١٩٣\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ١٥٧).\n(٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ١٦٤).","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثالث: العقل الصريح</span>\nالعقل مصدر من مصادر المعرفة الدينية، إلا أنه ليس مصدرًا مستقلًا؛ بل يحتاج إلى تنبيه الشرع، وإرشاده إلى الأدلة؛ لأن الاعتماد على محض العقل، سبيل للتفرق والتنازع (١)، فالعقل لن يهتدي إلا بالوحي، والوحي لا يلغي العقل.\nوقد رفع الوحي من قيمة العقل وحث على التعقل، وأثنى على العقلاء، قال تعالى: فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الألْبَابِ [الزمر: ١٧ - ١٨].\nوالنصوص الشرعية قد جاءت متضمنة الأدلة العقلية صافية من كل كدر، فما على العقل إلا فهمها وإدراكها، فمن ذلك: قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء: ٢٢].\nوقال سبحانه: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:٣٥]. وقال جل وعلا: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [سورة النساء: ٨٢]. وخوض العقل في أمور الإلهيات باستقلال عن الوحي مظنة الهلاك وسبيل الضلال.\nيقول ابن رشد الفيلسوف -وهو ممن خاض بالعقل في مسائل الاعتقاد وطالت تجربته-: لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يعتد به، وليس يعصم أحد من الخطأ إلا من عصمه الله تعالى بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان، وهم الأنبياء (٢). والمقارنة بين طريقة الوحي وطرق الفلاسفة والمتكلمين في بحث أمور العقيدة هي مقارنة بين الصواب والخطأ، والصحيح والفاسد، والنافع والضار.\nيقول الرازي - بعد طول بحث -: ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن. وقال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن .. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي (٣).\nفميزان صحة المعقولات هي الموافقة للكتاب والسنة. قال في (الحجة): وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم عليه، وإن وجدوه مخالفًا لهم تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم (٤). والعقل قد يهتدي بنفسه إلى مسائل الاعتقاد الكبار على سبيل الإجمال، كإثبات وجود الله مع ثبوت ذلك في الفطرة أولًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: واعلم أن عامة مسائل أصول الدين الكبار مما يعلم بالعقل (٥). أما مسائل العقيدة التفصيلية مما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ورسوله وأنبيائه، وما يجب لهم وما يستحيل، فما كانت العقول لتدركها لولا مجيء الوحي.\nقال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني: ولأن العقل لا مجال له في إدراك الدين بكماله، وبالعلم يدرك بكماله (٦) ويقصد بالعلم الوحي.\nقال شيخ الإسلام ﵀: لا تحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر، عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجه اليقين (٧).\n_________\n(١) «إيثار الحق على الخلق» لابن الوزير (ص ١٣).\n(٢) «تهافت التهافت» لابن رشد (٢/ ٥٤٧).\n(٣) «شرح الطحاوية» لابن أبي العز (١/ ٢٤٤).\n(٤) «الحجة في بيان المحجة» لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني (٢/ ٢٢٤).\n(٥) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٩/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(٦) «الحجة في بيان المحجة» لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني (٢/ ٥٠٤).\n(٧) «الصارم المسلول» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٤٥٩).","vol":"1","page":63},{"text":"وقال اللالكائي ﵀: سياق ما يدل من كتاب الله ﷿، وما روي عن رسول الله ﷺ، على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل، قال الله تعالى يخاطب نبيه ﷺ بلفظ خاص والمراد به العام: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [محمد: ١٩]، وقال ﵎: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، فأخبر الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد ...\nوكذلك وجوب معرفة الرسل بالسمع، قال الله ﵎: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨] .. فدلّ على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله ﷿، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة (١).\nثم إن كثيرًا من مسائل الاعتقاد بعد معرفتها والعلم بها لا تدرك العقول حقيقتها وكيفيتها، وذلك كصفات الله تعالى وأفعاله، وحقائق ما ورد من أمور اليوم الآخر من الغيبيات التي لا يحيلها أو يردها العقل، ولا يوجبها أو يطلبها.\n(ولهذا ضرب الله تعالى الأمثال في القرآن الكريم لتقرير مسائل الغيب، تنبيهًا للعقول على إمكان وجودها، فاستدل على النشأة الآخرة بالنشأة الأولى، وعلى خلق الإنسان بخلق السماوات والأرض وهي أعظم وأبلغ في القدرة، وعلى البعث بعد الموت بإحياء الأرض الميتة بعد إنزال الماء عليها) (٢).\nقال السفاريني ﵀: لو كانت العقول مستقلة بمعرفة الحق وأحكامه، لكانت الحجة قائمة على الناس قبل بعث الرسل وإنزال الكتب، واللازم باطل بالنص: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، فكذا الملزوم (٣).\nوأخيرًا: فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح؛ فالأول خلق الله تعالى والثاني أمره، ولا يتخالفان؛ لأن مصدرهما واحد وهو الحق سبحانه: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وليس في الكتاب والسنة وإجماع الأمة شيء يخالف العقل الصريح؛ لأن ما خالف العقل الصريح باطل، وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل، ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس، أو يفهمون منها معنى باطلًا، فالآفة منهم لا من الكتاب والسنة) (٤).\nولذا قال الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀: (من الله ﷿ العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم) (٥)، (وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد؛ بل هو دون ذلك بكثير، فإن العامي يمكنه أن يصير عالمًا، ولا يمكن للعالم أن يصير نبيا رسولًا (٦). علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري - ص١٩٣\n_________\n(١) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي (٢/ ١٩٣– ١٩٦).\n(٢) «منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة» لعثمان حسن (١/ ١٧٨).\n(٣) «لوامع الأنوار» للسفاريني (١/ ١٠٥).\n(٤) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٤٩٠).\n(٥) «السنة» للخلال (٣/ ٥٧٩)، و«فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٥٠٤).\n(٦) «شرح الطحاوية» لابن أبي العز (١/ ٢٣١).","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث الرابع: الفطرة السوية</span>\nأما الفطرة فهي خلق الخليقة على قبول الإسلام والتهيؤ للتوحيد، أو هي الإسلام والدين القيم.\nقال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم: ٣٠].\nقال ابن كثير ﵀: فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره (١).\nقال شيخ الإسلام: فالحنفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها، والحب لله، والخضوع له، والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية (٢).\nوقوله تعالى: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ معناه: أن الله ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة.\nوفي الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء؟» (٣).\nفمعنى خلق المولود على الفطرة هو: أن الطفل خلق سليمًا من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه (٤)، والفطرة قبول الإسلام، فهي كالأرض الخصبة القابلة، والوحي كالغيث النازل من السماء، ما إن ينزل عليها حتى تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج.\nوالفطرة السوية تقبل الإسلام وتهتدي إلى وجود الخالق بما أودع الله الخلائق من قوانين كلية، تظهر آثارها في الطفل الناشئ الذي لم يتعلم أو يتكلم، فهو يدرك أن الحادث لابد له من محدث، وأن الجزء دون الكل، وأنه يستحيل الجمع بين المتناقضين، وهذا من أوائل العقل وبواكيره، وقلوب بني آدم مفطورة على قبول الإسلام وإدراك الحق، ولولا هذا الاستعداد ما أفاد النظر ولا البرهان، شأنها في ذلك شأن الأبدان، فطرها الله تعالى قابلة للانتفاع والاغتذاء بالطعام والشراب، ولولا هذا الاستعداد لما حصل انتفاع.\nوالفطرة السوية تهدي العبد إلى أصول التوحيد والإيمان، وجمهرة أهل العلم من أهل السنة وغيرهم على فطرية الإيمان، وليس يحتاج العبد لتحصيله من أصله إلى استدلال أو برهان، فضلًا عن أن يشك ويخرج من ثوب اليقين والإذعان، (والقلوب مفطورة على الإقرار به سبحانه أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل: أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم: ١٠] (٥).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة (٦).\nويقول: إن أصل العلم الإلهي فطري ضروري، وإنه أشد رسوخًا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي، كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين؛ لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة (٧).\nوالفطرة تدل على اتصاف الخالق بالصفات العلى والكمال المطلق، فهي تدرك أن من يخلق لا يكون كمن لا يخلق، قال تعالى: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل: ١٧].\n_________\n(١) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٣/ ٤٣٣).\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٤٥١).\n(٣) رواه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁. واللفظ للبخاري.\n(٤) «مجموعة الرسائل الكبرى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤).\n(٥) «درء تعارض العقل والنقل» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٣٨).\n(٦) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٦/ ٣٢٨).\n(٧) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ١٥ - ١٦).","vol":"1","page":65},{"text":"فالخالق لهذا الكون لا يستوي مع غيره، في صفاته وأفعاله وذاته، فهي تدرك علو الصفات، كما تدرك علو الذات، فإنه ما قال عارف مؤمن قط: يا الله، إلا وجد في نفسه ضرورة بطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، لا يجادل في ذلك مجادل.\nوالفطرة وإن غشيتها غاشية الإلحاد؛ تهتدي إلى تفرده تعالى بالألوهية يظهر ذلك في أوقات الشدة والمحنة، فإن القلب يفزع إلى خالقه، ويلجأ إلى بارئه عند حلول الحوادث العظام والخطوب الجسام، قال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٦٧].\n\"والإسلام بعقائده وأحكامه موافق للفطرة لا يعارضها؛ بل كلما كانت العقائد والأحكام بعيدة عن الإسلام، كانت معارضة للفطرة الصحيحة مضادة لها، ففي الفطرة محبة العدل وإيثاره، وبغض الظلم والنفار منه، واستقباح إرادة الشر لذاته، لكن تفاصيل ذلك إنما تعلم من جهة الرسل، فالطفل عند أول تميزه إذا ضرب من خلفه التفت لعلمه أن تلك الضربة لابد لها من ضارب، فإذا شعر به بكى، حتى يقتص له منه، فيسكن ويهدأ، فهذا إقرار في الفطرة بالخالق، وهو التوحيد، وبالعدل الذي هو شرعة الرب تعالى) (١).\nوالعقل والفطرة وإن كانا من دلائل التوحيد، إلا أنه لا تقوم الحجة على بني آدم إلا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقطع العذر، قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، فلا عذاب إلا بعد إرسال الرسل، وقطع العذر، وإقامة الحجة، وقالت المعتزلة في الآية: رَسُولًا أي: العقل، وهو تحريف للكلم عن مواضعه، بدلالة قول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ [الأنبياء: ٧].\nوهو سبحانه ما أهلك من قبلنا من الأمم إلا بعد إرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم، قال تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنذِرُونَ [الشعراء: ٢٠٨]، وقال سبحانه: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: ٥٩].\nفإن قيل: إذا كان وجود الله وتعظيمه مركوزا في الفطر، والعقول تستدل على ذلك، فعلام توقف التكليف على مجيء الرسول، وإنزال الكتاب؟\nفيقال: إن إثبات كون الفطرة هي الإسلام، لا يقتضي خلق علم ضروري في نفس الإنسان، يجعله عالما بالعقيدة وأصولها، ونواقضها، قال تعالى: وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: ٧٨]. كما أن الله تعالى تكرما منه لا يعاقب قبل بلوغ الحجة الرسالية ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: ١٣١]؛ بل تمتنع المؤاخذة حتى يبعث إليهم الرسول، ومن حكمة ذلك أن معرفة الله وإثبات وجوده المركوز في الفطر والعقول إجمالي لا تفصيلي، فالعقل لا يهتدي لكل كمالات الله تعالى، ولا يهتدي إلى كل ما يرضيه من الأقوال والأفعال، فلابد له من وحي يهديه ويرشده ويبين له معاقد الحل والحرمة في أفعال المكلفين، كما أن العقل والفطرة لا يدلان على عقوبة الآخرة لمن قصر في ذلك، فجاء الرسول ببيان ثواب التوحيد، وعقوبة الشرك في الدنيا والآخرة.\nقال ابن القيم ﵀:\nوكان الناس في لبس عظيم ... فجاءوا بالبيان فأظهروه\nوكان الناس في جهل عظيم ... فجاءوا باليقين فأذهبوه\nوكان الناس في كفر عظيم ... فجاءوا بالرشاد فأبطلوه\nوأخيرًا فإنه لا تعارض ولا تناقض - بحمد الله - بين فطر الخلائق على الإسلام وبين عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأن الله تعالى (وإن خلقه مولودًا سليمًا، فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره، وعلم ذلك) (٢). علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري - ص١٩٨\n_________\n(١) «إيثار الحق على الخلق» لابن الوزير (ص ٢٤٠).\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٣٦٢).","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الفصل الأول: الأصول المقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة</span>\n١ - مسائل التوحيد وتشمل التوحيد بأنواعه الثلاثة (توحيد الربوبية – توحيد الإلوهية – توحيد الأسماء والصفات).\n٢ - مسائل الإيمان ..\n٣ - مسائل الكفر والشرك والنفاق والردة ونواقض الإيمان.\n٤ - أركان الإسلام والإيمان والإحسان.\n٥ - وأحكام أهل الذمة وأحكام الديار وأهل الملل.\n٦ - المسائل المتعلقة بالجن والملائكة والغيبيات.\n٧ - الإيمان بالقرآن وأنه كلام الله غير مخلوق.\n٨ - مسائل النبوات والمعجزات وحقوق الأنبياء.\n٩ - مسائل الكرامات وخوارق العادات.\n١٠ - مسائل القضاء والقدر والإرادة والمشيئة الإلهية.\n١١ - مسائل الإيمان بالآخرة وما يتعلق به من فتنة القبر وعذابه وسؤال منكر ونكير والنفخ والبعث والحشر والحوض والميزان والحساب والصراط.\n١٢ - حكم أهل الكبائر وبيان أن أهل السنة لا يكفرون أحدًا بذنب ما لم يكن كفرًا.\n١٣ - مسائل الشفاعة.\n١٤ - أحكام التوسل والتبرك المشروع والممنوع وأحكام الرقية الشرعية.\n١٥ - الفتن والملاحم وأشراط الساعة وعلاماتها الكبرى والصغرى.\n١٦ - مسائل الحكم بما أنزل الله وأصول الحكم في الإسلام.\n١٧ - مسائل الإمامة والخلافة وكونها في قريش وبيان شروطها وأركانها والسمع والطاعة لولي أمر المسلمين وعدم الخروج عليه إلا إذا ظهر منه الكفر البواح.\n١٨ - الرد على أهل البدع والأهواء وسائر الملل والنحل الضالة وهجر المبتدع.\n١٩ - حقوق صحابة النبي ﷺ من الحب والولاء والدفاع عنهم واعتقاد أن أفضلهم بعد النبي ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضوان الله تعالى عليهم، ثم باقي العشرة المبشرة، ثم أصحاب بدر، ثم أصحاب أحد، ثم أصحاب بيعة الرضوان، ثم السابقون ممن أسلموا قبل الفتح، ثم مسلمة الفتح ومن بعدهم وأن جميعهم ماتوا على الإسلام وإن الله وعد الجميع الحسنى وزيادة، مع عدم الخوض فيما جرى بينهم كما قال القحطاني ﵀:\nدع ما جرى بين الصحابة في الوغى ... بسيوفهم يوم التقى الجمعان\nفقتيلهم منهم وقاتلهم لهم ... وكلاهما في الحشر مرحومان\nوالله يوم الحشر ينزع كل ما ... تحوي صدورهم من الأضغان (١)\n٢٠ - مسائل الولاء والبراء وحكم التشبه بالكفار.\n٢١ - حفظ النبي ﷺ في أزواجه وآل بيته وأن حبهم من الإيمان وبغضهم من الكفر والنفاق مع البراءة من غلو الرافضة وجفاء الناصبة.\n٢٢ - مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.\n٢٣ - قبول خبر الآحاد في الاعتقاد والعمل.\n٢٤ - بيان منهج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وتميزه عن مناهج أهل الزيغ والضلال.\n٢٥ - الاعتصام بالسنة واجتناب البدع والمحدثات. هذه أهم المسائل التي اشتملت عليها عقيدة أهل السنة والجماعة، إضافة إلى مواضيع كثيرة متفرعة عن هذه المسائل. قواعد في بيان حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة – عادل الشيخاني – ص: ٧٠\n_________\n(١) انظر: «نونية القحطاني» (ص٢٣).","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>تمهيد:</span>\nلم يفرد السلف الأوائل مؤلفات خاصة في قواعد الاستدلال على مسائل الاعتقاد، بل اكتفوا بما ورد في ثنايا كتب العقائد من تقعيدات وتأصيل، ومناظرات ورد للشبه والأباطيل، يظهر ذلك في كتب أهل السنة والجماعة المتقدمين عامة، ويظهر بوضوح في مثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، إلا أن الدراسات المعاصرة عنيت بتحرير تلك القواعد، وبيان الضوابط، والكشف عن مناهج السلف والأئمة في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، وفي الرد على أهل البدع والإلحاد.\nوفيما يلي تنبيه على أهم تلك القواعد والضوابط المنهجية في تقرير مسائل الاعتقاد كما أشارت إليها كتب المتقدمين، وجمعتها ورتبتها بعض كتب المتأخرين علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص ٣٢٩","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الأول: انضباط مصادر أدلة الاعتقاد والاعتماد على ما صح منها</span>\nالعقيدة توقيفية؛ فلا تثبت إلا بدليل من الشارع، ولا مسرح فيها للرأي والاجتهاد، ومن ثَمَّ فإن مصادرها مقصورة على ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأنه لا أحد أعلمُ بالله وما يجب له وما ينزه عنه من الله، ولا أحد بعد الله أعلمُ بالله من رسول الله ﷺ ولهذا كان منهج السلف الصالح ومن تبعهم في تلقِّي العقيدة مقصورًا على الكتاب والسنة. فما دلّ عليه الكتاب والسنة في حق الله تعالى آمنوا به، واعتقدوه وعملوا به. وما لم يدل عليه كتاب الله ولا سنة رسوله نفَوْهُ عن الله تعالى ورفضوه؛ ولهذا لم يحصل بينهم اختلاف في الاعتقاد، بل كانت عقيدتهم واحدة، وكانت جماعتهم واحدة؛ لأن الله تكفّل لمن تمسك بكتابه وسنة رسوله باجتماع الكلمة، والصواب في المعتقد واتحاد المنهج، قال تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران: ١٠٣]. وقال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه: ١٢٣]. ولذلك سُمُّوا بالفرقة الناجية؛ لأن النبي ﷺ شهد لهم بالنجاة حين أخبر بافتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، ولما سئل عن هذه الواحدة قال: «هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (١).\nوقد وقع مصداق ما أخبر به ﷺ فعندما بنى بعض الناس عقيدتهم على غير الكتاب والسنة، من علم الكلام، وقواعد المنطق الموروثَيْن عن فلاسفة اليونان؛ حصل الانحرافُ والتفرق في الاعتقاد مما نتج عنه اختلافُ الكلمة، وتفرُّقُ الجماعة، وتصدع بناء المجتمع الإسلامي عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها من الشرك الأكبر والأصغر والتعطيل والبدع وغير ذلك لصالح بن فوزان الفوزان\nهذا وإن من منة الله على أهل الإسلام، أن وحد لهم مصدرهم في التلقي، فلا تذبذب ولا اضطراب في تلقي التصورات والأفكار والعقائد من هنا وهناك بل مصدر تلقي العقائد كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وأن من تطلب الهداية بعيدا عن هذين الأصلين فهو الواقع في شَرَك الضلال والعياذ بالله، يقول ابن أبي العز: (فكل من طلب أن يحكم في شيءٍ من أمر الدين غير ما جاء به الرسول ﷺ، ويظن أن ذلك حسن، وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول ﷺ وبين ما يخالفه فله نصيب من ذلك، بل ما جاء به الرسول ﷺ كاف كامل، يدخل فيه كل حق، وإنما وقع التقصير من كثير من المنتسبين إليه) منارات وعلامات في تنزيل أحاديث الفتن على الوقائع والحوادث لعبد الله بن صالح العجيري- ص٣٣\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٦٤١). من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وقال: هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه. قال الحافظ العراقي في «المغني» (٣/ ٢٨٤): أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه ... ولأبي داود من حديث معاوية وابن ماجه من حديث أنس وعوف بن مالك وهي الجماعة وأسانيدها جياد. وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الثاني: حجية فهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسنة</span>\nإذا اختلف أهل القبلة وتنازعوا الحق والنجاة والفلاح في الدنيا والآخرة، فإن أجدر الفرق بالصواب وأولاها بالحق وأقربها إلى التوفيق من كان في جانب أصحاب محمد ﷺ، وإذا كان الكتاب الكريم حمال أوجه في الفهم مختلفة؛ فإن بيان أصحاب نبينا ﷺ له حجة وأمارة على الفهم الصحيح. أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفًا، وأصحها فطرة، وأحسنها سريرة، وأصرحها برهانًا، حضروا التنزيل وعلموا أسبابه، وفهموا مقاصد الرسول ﷺ وأدركوا مراده، اختارهم الله تعالى على علم على العالمين سوى الأنبياء والمرسلين، (وكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين، معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة ﵃) (١).\n(فمن أخبرنا الله ﷿ أنه علم ما في قلوبهم، فرضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم، أو الشك فيهم البتة) (٢).\nقال قتادة ﵀ في قوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سبأ: ٦] (أصحاب محمد ﷺ) (٣).\nوقال سفيان ﵀ في قوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [النحل:٥٩] (هم أصحاب محمد ﷺ) (٤).\nوفي منزلة علمهم واجتهادهم وفتاواهم قال الشافعي ﵀: ... فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عامًا وخاصًا، وعزما وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله ﷺ فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله (٥).\nوأفضل علم السلف ما كانوا مقتدين فيه بالصحابة.\nيقول ابن تيمية ﵀: ولا تجد إمامًا في العلم والدين، كمالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومثل: الفضيل وأبي سليمان، ومعروف الكرخي، وأمثالهم، إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب (٦).\nثم إن التابعين وتابعيهم قد حصل لهم من العلم بمراد الله ورسوله ما هو أقرب إلى منزلة الصحابة ممن هم دونهم؛ وذلك لملازمتهم لهم، واشتغالهم بالقرآن حفظا وتفسيرًا، وبالحديث رواية ودراية، ورحلاتهم في طلب الصحابة وطلب حديثهم وعلومهم مشهورة معروفة، (ومن المعلوم أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم، وهو بذلك أقوم كان أحق بالاختصاص به، ولا ريب أن أهل الحديث أعلم الأمة وأخصها بعلم الرسول ﷺ) (٧).\n_________\n(١) «شرح العقيدة الأصفهانية» لابن تيمية (ص ١٦٥).\n(٢) «الفصل في الملل والنحل» لابن حزم (٤/ ١١٦).\n(٣) «تفسير الطبري» (٢٢/ ٤٤).\n(٤) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٣/ ٣٧٠).\n(٥) «أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية (١/ ٨٠)، ونسبه إلى الإمام الشافعي في «الرسالة البغدادية القديمة».\n(٦) «شرح العقيدة الأصفهانية» لابن تيمية (ص١٦٥).\n(٧) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٩١).","vol":"1","page":70},{"text":"والمسلمون في شأن العقيدة يحتاجون إلى (معرفة ما أراد الله ورسوله ﷺ بألفاظ الكتاب والسنة، وأن يعرفوا لغة القرآن التي بها نزل، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين في معاني تلك الألفاظ، فإن الرسول لما خاطبهم بالكتاب والسنة، عرفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلغوا حروفه، فإن المعاني العامة التي يحتاج إليها عموم المسلمين، مثل معنى التوحيد، ومعنى الواحد والأحد والإيمان والإسلام، ونحو ذلك .. فلابد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك، فإن معرفته أصل الدين) (١).\nفمذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم، لا كما يدعيه المخالفون، باختلاف نحلهم ومذاهبهم، فتارة يقول أهل السياسة والملك: إنهم لم يمهدوا قواعد الحكم والسياسة والتدبير لانشغالهم بالعلم والعبادة، وتارة يدعي أهل التصوف أنهم ما حققوا المقامات والأحوال لانشغالهم بالجهاد والقتال وهكذا ...\nوالحق أن (كل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف، وعمق علومهم، وقلة تكلفهم، وكمال بصائرهم، وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها، وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء، فالمتأخرون في شأن، والقوم في شأن آخر، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا) (٢).\nوقال ابن رجب ﵀: فمن عرف قدر السلف، عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام، وكثرة الجدل والخصام، والزيادة في البيان على مقدار الحاجة؛ لم يكن عيا، ولا جهلا، ولا قصورا، وإنما كان ورعًا وخشية لله، واشتغالًا عما لا ينفع بما ينفع (٣).\nوفي تحديد مفهوم السلف، قال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠]، فالسلف اسم يجمع الصحابة فمن بعدهم ممن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وفي الصحيح: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ..» (٤).\nوهذه الخيرية خيرية علم وإيمان وعمل، ولقد حكى ابن تيمية ﵀ الإجماع على خيرية القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم .. وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة (٥).\nولقد اعتصم أهل السنة والجماعة بحجية فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين فعصمهم هذا من التفرق والضلال، فقالوا بما قال به السلف، وسكتوا عما سكتوا عنه، ووسعهم ما وسع السلف.\nأما أهل الضلال والابتداع، فمذهبهم الطعن في الصحابة وتنكب طريق السلف، قال الإمام أحمد ﵀: (إذا رأيت الرجل يذكر أحدًا من الصحابة بسوء، فاتهمه على الإسلام) (٦).\nفالصحابة يكفرهم الرافضة تارة، والخوارج أخرى، والمعتزلة يقول قائلهم وهو عمرو بن عبيد – عليه من الله ما يستحق -: لو شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان، على شراك نعل ما أجزت شهادتهم! (٧).\nوصدق أبو حاتم الرازي ﵀ حين قال: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر (٨).\nورضي الله عن أبي زرعة الرازي حيث قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة (٩) علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص٣٤٧\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٣٥٣).\n(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (١/ ١٩، ٢٠).\n(٣) «فضل علم السلف على علم الخلف» لابن رجب (ص ٥٨).\n(٤) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٥) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ١٥٧ - ١٥٨).\n(٦) «الصارم المسلول» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ١٠٥٨).\n(٧) «الاعتصام» للشاطبي (١/ ١١٩).\n(٨) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (١/ ١٧٩).\n(٩) «الكفاية» للخطيب البغدادي (ص٩٧).","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المبحث الثالث: الإيمان والتسليم والتعظيم لنصوص الوحيين</span>\nومن أصول عقيدة السلف الصالح؛ أهل السنة والجماعة في منهج التلقي والاستدلال اتباع ما جاء في كتاب الله ﷿ وما صح من سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ظاهرًا وباطنًا، والتسليم لها، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا [الأحزاب: ٣٦]\nوأهل السنة والجماعة: لا يقدمون على كلام الله، وكلام رسوله ﷺ كلام أحد من الناس، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: ١]. ويعلمون بأن التقدم بين يدي الله ورسوله من القول على الله بغير علم، وهو من تزيين الشيطان الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص١٥٧\nومما روي عن السلف في الإيمان والتسليم للنصوص:\n(قال رجل للزهري: يا أبا بكر حديث رسول الله ﷺ: «ليس منا من لطم الخدود» (١)، «وليس منا من لم يوقر كبيرنا» (٢) وما أشبه هذا الحديث؟ فأطرق الزهري ساعة، ثم رفع رأسه فقال: من الله ﷿ العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم). (٣)\nولما ذكر عبدالله بن المبارك ﵀ حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ...» (٤)، فقال فيه قائل: ما هذا! على معنى الإنكار، فغضب ابن المبارك وقال: يمنعنا هؤلاء الأنان (٥) أن نحدث بحديث رسول الله ﷺ، أكلما جهلنا معنى حديث تركناه! لا بل نرويه كما سمعنا، ونلزم الجهل أنفسنا. (٦) ومما يحسن إيراده في هذا الموضع ما قاله ابن تيمية: ينبغي للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله .. فجميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس، فإذا كان النص الذي وافقه يعتقد أنه اتبع فيه مراد الرسول، فكذلك النص الآخر الذي تأوله، فيكون أصل مقصوده معرفة ما أراده الرسول بكلامه. (٧) نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف - ص٤٩٣\nوقال محمد بن نصر المروزي في معنى الإيمان: الإيمان بالله: أن توحده، وتصدق به بالقلب واللسان، وتخضع له ولأمره، بإعطاء العزم للأداء لما أمره، مجانبًا للاستنكاف، والاستكبار، والمعاندة، فإذا فعلت ذلك لزمت محابه، واجتنبت مساخطه ... وإيمانك بمحمد ﷺ إقرارك به، وتصديقك إياه، واتباعك ما جاء به، فإذا اتبعت ما جاء به، أديت الفرائض، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ووقفت عند الشبهات، وسارعت في الخيرات تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي - ١/ ٣٩٢\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٩٧)، ومسلم (١٠٣). من حديث عبد الله بن مسعود.\n(٢) رواه الترمذي (١٩١٩). من حديث أنس بن مالك. وقال: هذا حديث غريب، ورواه أحمد (٢/ ٢٠٧) (٦٩٣٥). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند (١١/ ١٤٣): إسناده صحيح، والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢١٩٦).\n(٣) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٧٩)، وانظر: «تعظيم قدر الصلاة» لمحمد بن نصر المروزي (١/ ٤٨٧).\n(٤) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) أي: كثيرو الكلام والتشكي «لسان العرب» لابن منظور (١٣/ ٢٨).\n(٦) «تعظيم قدر الصلاة» لمحمد بن نصر المروزي (١/ ٥٠٤ - ٥٠٥).\n(٧) «مجموع الفتاوي» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٣٦ - ٣٧) بتصرف.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الرابع: جمع النصوص في الباب الواحد، وإعمالها بعد تصحيحها</span>\nإن معقد السلامة من الانحراف عند بيان قضية عقدية وتفصيل أحكامها هو جمع ما ورد بشأنها من نصوص الكتاب والسنة على درجة الاستقصاء، مع تحرير دلالات كلٍ، وتصحيح النقل عن النبي ﷺ، واعتماد فهم الصحابة والثقات من علماء السلف الصالح ﵃، فإن بدا ما ظاهره التعارض بين نصوص الوحيين عند المجتهد - لا في الواقع ونفس الأمر، فينبغي الجمع بين هذه الأدلة برد ما غمض منها واشتبه إلى ما ظهر منها واتضح، وتقييد مطلقها بمقيدها، وتخصيص عامها بخاصها، فإن كان التعارض في الواقع ونفس الأمر فبنسخ منسوخها بناسخها - وذلك في الأحكام دون الأخبار فلا يدخلها نسخ - وإن لم يكن إلى علم ذلك من سبيل، فيرده إلى عالمه ﵎.\nقال سبحانه: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران: ٧].\nوفي الحديث قوله ﵊: «نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زاجرا وآمرا، وحلالا وحراما، ومحكما ومتشابها، وأمثالا، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا» (١).\nقال ابن عباس ﵄: يؤمن بالمحكم ويدين به، ويؤمن بالمتشابه ولا يدين به، وهو من عند الله كله (٢).\nوقال الربيع بن خثيم ﵀: يا عبد الله، ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد الله، وما استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه، لا تتكلف فإن الله يقول لنبيه ﷺ: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦] (٣).\nوإذا اتضح هذا؛ فإنه لا يجوز أن يؤخذ نص وأن يطرح نظيره في نفس الباب، أو أن تعمل مجموعة من النصوص وتهمل الأخرى؛ لأن هذا مظنة الضلال في الفهم، والغلط في التأويل (٤)، قال الإمام أحمد ﵀: الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضا (٥).\nوقال الشاطبي ﵀: ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة، بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها .. (٦).\n_________\n(١) رواه ابن حبان (٣/ ٢٠) (٧٤٥)، والطبراني (٩/ ٢٦)، والحاكم (١/ ٧٣٩)، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣١٨): رواه الطبراني وفيه عمار بن مطر وهو ضعيف جدًا وقد وثّقه بعضهم. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٨٧): صحيح.\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ١٧٩).\n(٣) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٣٣٦).\n(٤) انظر: «مفاتيح للفقه في الدين» للشيخ مصطفى العدوي (ص١٠) فما بعدها.\n(٥) «الجامع لأخلاق الراوي» للخطيب البغدادي (٢/ ٢١٢).\n(٦) «الموافقات» للشاطبي (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦).","vol":"1","page":73},{"text":"ومما يلتحق بهذا المعنى جمع روايات الحديث الواحد والنظر في أسانيده وألفاظه معًا وقبول ما ثبت، وطرح ما لم يثبت، وكما قيل: والحديث إذا لم تجمع طرقه لم تتبين علله، ثم النظر في الحديث بطوله وفي الروايات مجتمعة.\nوقد كانت لأهل البدع مواقف خالفوا بها إجماع أهل السنة بسبب مخالفتهم لهذا الأصل العظيم، فكانوا يجترئون من النصوص بطرف، مع إغضاء الطرف عن بقية الأطراف، فصارت كل فرقةٍ منهم من الدين بطرف، وبقي أهل السنة في كل قضية عقدية وسطًا بين طرفين، فهم - مثلًا - وسط في باب الوعيد بين غلاة المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، وبين الوعيدية من الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد عصاة الموحدين في النار، كما أنهم وسط في باب أسماء الإيمان والدين بين المرجئة القائلين بأن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان، وبين الوعيدية القائلين بتكفيره - كما هو عند الخوارج - أو يجعله بمنزلة بين المنزلتين - كما هو عند المعتزلة -، وهم وسط في باب القدر بين القدرية النفاة لمشيئته تعالى وخلقه أفعال العباد، وبين الجبرية النفاة لقدرة العبد واختياره ومشيئته ونسبة فعله إليه حقيقة، والقاعدة الهادية عند اشتباه الأدلة: (أن من رد ما اشتبه إلى الواضح منها، وحكم محكمها على متشابهها عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس) (١).\nواتفق لأهل السنة والجماعة (موافقة طريقة السلف من الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث والفقه في الدين، كالإمام أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، وإسحاق، وغيرهم، وهي رد المتشابه إلى المحكم، وأنهم يأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره) (٢).\nقال تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١ - ٤٢].\nوقد حكى الباقلاني الإجماع على منع التعارض بين الأدلة الشرعية في نفس الأمر مطلقًا، كما روى الخطيب البغدادي عنه ذلك فقال: يقول الباقلاني: وكل خبرين علم أن النبي ﷺ تكلم بهما، فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين؛ لأن معنى التعارض بين الخبرين والقرآن من أمر ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب أحدهما منافيًا لموجب الآخر، وذلك يبطل التكليف إن كان أمرًا ونهيًا، وإباحة وحظرا، أو يوجب كون أحدهما صدقًا والآخر كذبًا إن كانا خبرين، والنبي ﷺ منزه عن ذلك أجمع، ومعصوم منه باتفاق الأمة، وكل مثبت للنبوة (٣).\n_________\n(١) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (١/ ٣٤٥) بتصرف يسير.\n(٢) «أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية (٢/ ٢٩٤).\n(٣) «الكفاية» للخطيب البغدادي (ص٤٣٣).","vol":"1","page":74},{"text":"ولما خالف أهل البدع هذه القاعدة كفر بعضهم بعضا، حيث آمن بعضهم بنصوص وكفروا بأخرى، فقد آمن - مثلًا- الوعيدية: من الخوارج والمعتزلة بنصوص الوعيد (١)، وكفروا بنصوص الوعد، وقابلهم المرجئة فآمنوا بنصوص الوعد (٢) وكفروا بنصوص الوعيد، وأهل السنة والجماعة آمنوا بكل وجمعوا بين النصوص، واعتمدوا على قول الله تعالى: عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٥٦].\nوقال تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨].\nوكذا الجبرية آمنوا بما كفر به القدرية، وكفروا بما آمن به القدرية، والحق الإيمان بجميع النصوص، واعتقاد نفي التعارض بينها، قال تعالى: لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، فأثبت مشيئة للإنسان مقيدة بمشيئة الرحمن.\nفالتفّت – بحمد الله – النصوص واجتمعت، وزالت الشبه وارتفعت الحجب وانقلعت.\n(وقد استعمل هذه القاعدة كثير من أئمة العلم والدين في كسر المبتدعة وتفنيد شبهاتهم، كصنيع الإمام الشافعي ﵀ في كتاب الرسالة، وفي كتاب مختلف الحديث، وكذلك الإمام أحمد ﵀ في الرد على الجهمية، والإمام ابن قتيبة ﵀ في كتاب مختلف الحديث، والطحاوي ﵀ في مشكل الآثار، وغير هؤلاء كثير من أئمة السنة) (٣). علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص٣٣٧\n_________\n(١) ومن ذلك قوله تعالى: بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٨١]. وقوله تعالى: وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ *النساء:١٤* وقوله ﷺ: «لا يدخل الجنة قتات» يعني نمام. رواه البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥). من حديث حذيفة بن اليمان ﵁. وقوله ﷺ: «لا يدخل الجنة قاطع» رواه البخاري (٥٩٨٤)، ومسلم (٢٥٥٦). من حديث جبير بن مطعم ﵁.\n(٢) ومن ذلك قوله ﷺ: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» رواه مسلم (٢٦). من حديث عثمان بن عفان ﵁. وقوله ﷺ: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار» رواه مسلم (٣٢). من حديث معاذ بن جبل ﵁.\n(٣) «منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد» لعثمان علي حسن (١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الخامس: اشتمال الوحي على مسائل التوحيد بأدلتها</span>\nإن المصدر الذي تؤخذ منه مسائل أصول الدين هو الوحي، فكل ما يلزم الناس اعتقاده أو العمل به، قد بينه الله تعالى بالوحي الصادق عن طريق كتابه العزيز، أو بالواسطة من كلام المصطفى ﷺ، أو ما يرجع إليهما من إجماع صحيح، أو عقل صريح دل عليه النقل وأرشد إليه.\nقال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩].\nوقال سبحانه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩].\nوفي الحديث قوله ﵊: «.. وأيم الله، لقد تركتكم على البيضاء، ليلها ونهارها سواء، قال أبو الدرداء: صدق رسول الله ﷺ، تركنا والله على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (١)، وفي رواية أخرى: «لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (٢).\nوفي صحيح مسلم لما قيل لسلمان الفارسي ﵁: «قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة! فقال: أجل ..» (٣).\nودخول مسائل التوحيد وقضاياه في هذا العموم من باب الأولى؛ بل (من المحال أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب) (٤).\nوالرسول ﷺ بين مسائل التوحيد تارة بأدلتها النقلية مباشرة كأحوال البرزخ، ومسائل الآخرة، وتارة يجمع إلى الأدلة النقلية الأدلة العقلية ويرشد إليها، فإما أن تكون أدلة مسائل علم التوحيد أدلة نقلية، أو أدلة نقلية عقلية.\nوبهذا الأصل المبارك اعتصم أهل السنة والجماعة، فصدروا عن الوحي في تعلم التوحيد في مسائله وأدلته، (ولم ينصبوا مقالة ويجعلوها من أصول دينهم وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسل؛ بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة، هو الأصل يعتقدونه ويعتمدونه) (٥).\nوردوا عند التنازع في مسألة ما إلى نصوص الوحي، امتثالًا لقوله تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:٥٩]، ومعنى الرد إلى الله سبحانه: الرد إلى كتابه، ومعنى الرد إلى رسوله ﷺ: الرد إلى سنته بعد وفاته، وهذا مما لا خلاف فيه بين جميع المسلمين\" (٦).\nوفي إعمال هذه القاعدة نظر إلى الوحي بعين الكمال، واستغناء به عن غيره، واعتماد عليه، وتجنب اللوازم الباطلة لمذهب من يعول على العقل أو الذوق دون الشرع، وتحقيق للإيمان بالله واتباع رسوله ﷺ، ونجاة من مسالك أهل الأهواء الذين يتقدمون بين يدي الله ورسوله بعلومهم وعقولهم وأذواقهم، وحسم لمادة التقليد الباطلة، مع تحقيق الاجتماع والألفة ونبذ الاختلاف والفرقة. علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص٣٤٣\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٥)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٩)، والبزار في «البحر الزخار» (١٠/ ٧٦). من حديث أبي الدرداء ﵁. قال البزار: إسناده حسن. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦٨٨): وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات.\n(٢) رواه ابن ماجه (٤٣) واللفظ له، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٢). من حديث العرباض بن سارية ﵁، والحديث حسنه المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٦٨). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٩٣٧): إسناده صحيح.\n(٣) رواه مسلم (٢٦٢). من حديث سلمان الفارسي ﵁.\n(٤) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥/ ٧ - ٨).\n(٥) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٣٤٧).\n(٦) «شرح الصدور بتحريم رفع القبور» للشوكاني (ص٥٩٣).","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث السادس: الإيمان بالنصوص على ظاهرها ورد التأويل</span>\nيقصد بظاهر النصوص مدلولها المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، لا ما يقابل النص عند متأخري الأصوليين، والظاهر عندهم ما احتمل معنى راجحًا وآخر مرجوحًا، والنص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، (فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين) (١)، فالواجب في نصوص الوحي إجراؤها على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم، واعتقاد أن هذا المعنى هو مراد المتكلم، ونفيه يكون تكذيبًا للمتكلم، أو اتهاما له بالعي وعدم القدرة على البيان عما في نفسه، أو اتهاما له بالغبن والتدليس وعدم النصح للمكلف، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله الأمين ﷺ.\nومراد المتكلم يعلم إما باستعماله اللفظ الذي يدل بوضعه على المعنى المراد مع تخلية السياق عن أية قرينة تصرفه عن دلالته الظاهرة، أو بأن يصرح بإرادة المعنى المطلوب بيانه، أو أن يحتف بكلامه من القرائن التي تدل على مراده، وعلى هذا فصرف الكلام عن ظاهره المتبادر - من غير دليل يوجبه أو يبين مراد المتكلم - تحكم غير مقبول سببه الجهل أو الهوى، وهذا وإن سماه المتأخرون تأويلًا إلا أنه أقرب إلى التحريف منه إلى التأويل (٢)، ولا يسلم لهذا المتأول تأويله حتى يجيب على أمور أربعة:\nأحدهما: أن يبين احتمال اللفظ لذلك المعنى الذي أورده من جهة اللغة.\nالثاني: أن يبين وجه تعيينه لهذا المعنى أنه المراد.\nالثالث: أن يقيم الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره؛ لأن الأصل عدمه، قال ابن الوزير ﵀: من النقص في الدين رد النصوص والظواهر، ورد حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل .. (٣).\nالرابع: أن يبين سلامة الدليل الصارف عن المعارض، إذ دليل إرادة الحقيقة والظاهر قائم، وهو إما قطعي، وإما ظاهر، فإن كان قطعيا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلابد من الترجيح (٤).\nومما يدل على إعمال الظواهر أنه لا يتم بلاغ ولا يكمل إنذار، ولا تقوم الحجة ولا تنقطع المعذرة بكلام لا تفيد ألفاظه اليقين، ولا تدل على مراد المتكلم بها؛ بل على خلاف ذلك، فينتفي عن القرآن – والعياذ بالله – معنى الهداية، وشفاء الصدور، والرحمة، التي وصف الله تعالى بها كتابه الكريم، ومعاني الرأفة والرحمة والحرص على رفع العنت والمشقة عن الأمة، التي وصف الله تعالى بها نبيه ﷺ في كتابه العزيز، وهو الذي ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلا التباس في أمره ونهيه، ولا إلغاز في إرشاده وخبره، باطنه وظاهره سواء، كيف لا، وهو القائل: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم ...» (٥).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ١٧٥).\n(٢) التأويل: هو نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج على دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. «لسان العرب» لابن منظور (١/ ٢٦٤).\n(٣) «إيثار الحق» لابن الوزير (ص١٢٩).\n(٤) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٣٦٠ - ٣٦٢)، و«الصواعق المرسلة» لابن قيم الجوزية (١/ ٢٨٨ - ٢٩٠)، و«بدائع الفوائد» لابن قيم الجوزية (٤/ ١٠٠٩).\n(٥) رواه مسلم (١٨٤٤). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.","vol":"1","page":77},{"text":"ودلالته ﷺ للأمة في شأن اعتقادها أهم أعماله، وأولاها بالإيضاح والإفهام بلسان عربي مبين، والجزم واقع بأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فهموها على وجهها الذي يفهمه العربي، بغير تكلف ولا تمحل في صرف ظواهرها، ومن كان باللسان العربي أعرف ففهمه لنصوص الوحي أرسخ، وقد قال عمر ﵁: (يا أيها الناس، عليكم بديوان شعركم في الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم) (١).\nوقال ابن تيمية ﵀: لم يكن في الصحابة من تأول شيئا من نصوصه – أي نصوص الوحي – على خلاف ما دل عليه، لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر به عما بعد الموت ... (٢).\nوفي إنكار التأويل الكلامي ومناهج الفلاسفة ومن تأثر بهم من المتكلمين، يقول الحافظ ابن حجر ﵀: وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل – ولو كان مستكرهًا – ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم، وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف (٣).\nويقول ابن تيمية ﵀ مبينًا خطورة التأويل: فأصل خراب الدين والدنيا، إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه، ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل، وليس هذا مختصًا بدين الإسلام فقط؛ بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد (٤).\nففي لزوم الإيمان بالنصوص على ظاهرها ودفع التأويل المتعسف بغير دليل موافقة لنصوص الكتاب والسنة لفظا ومعنى، مع بعد عن التكلف في الدين، والقول على الله بغير علم، والافتراء على رسوله الأمين، فضلًا عن ما في ذلك من مصلحة سد باب الخروج على العقيدة ببدعة محدثة، وسد باب الخروج على الشريعة، والاجتراء على الحرمات، والتهاون بالطاعات والوقوع في المنكرات، بصرف ألفاظ الوعد والوعيد عن حقيقتها وظاهرها، ودعوى أن كل ذلك غير مراد.\n(وهذه القاعدة تفيد بطلان مذهب المفوضة في الصفات، الذين يفوضون معاني النصوص إلى الله، مدعين أن هذا هو مذهب السلف، وقد علم براءة مذهب السلف من هذا المذهب بتواتر الأخبار عنهم بإثبات معاني هذه النصوص على الإجمال والتفصيل، وإنما فوضوا العلم بكيفيتها لا العلم بمعانيها) (٥).\nقال ابن تيمية ﵀: إن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها، ولا يفهمها رسول الله ﷺ، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه (٦).\nبل كان قول أهل العلم: من الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.\n_________\n(١) انظر «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١١) و«الموافقات» للشاطبي (٢/ ٨٨).\n(٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ٢٥٢).\n(٣) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٢٦٧).\n(٤) «أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية (٤/ ٢١٦).\n(٥) «القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص٣٥).\n(٦) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ٢٨٥).","vol":"1","page":78},{"text":"ومما يشهد للصحابة في فهمهم مراد الله ومراد نبيه ﷺ، والأخذ بظواهر النصوص، وتفسيرها مما يظهر منها: قول ابن مسعود ﵁: والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه (١).\nوقال مسروق ﵀: كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحثنا فيها ويفسرها عامة النهار (٢)، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: نعم ترجمان القرآن ابن عباس (٣).\nوقال مجاهد ﵀: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها (٤).\nفلم يتوقف الصحابة عن تفسير النصوص والأخذ بظواهرها؛ ويستثنى من ذلك النصوص الخاصة بصفات الله تعالى، فقد أخذوا بظواهرها فأثبتوها دون تفسير أو تكييف لمعناها.\nقال الذهبي: قال سفيان (٥) وغيره: قراءتها – أي آيات الصفات – تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضايق التأويل والتحريف (٦). علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص٣٥٣\nوالواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها.\nودليل ذلك: السمع، والعقل.\nأما السمع: فقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] وقوله: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢]. وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣]. وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي.\nوقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبين أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان. فقال: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ٧٥]. وقال تعالى: مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا الآية [النساء: ٤٦].\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٦٠).\n(٣) رواه أبو خيثمة في «العلم» (٤٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٦/ ٣٨٣، وأحمد في «فضائل الصحابة» (ص٨٤٧) (١٥٥٦)، والطبري في تفسيره (١/ ٦٥). والحاكم (٣/ ٦١٨) كلهم موقوفًا عن ابن مسعود ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ١٣): إسناده صحيح، وقال الألباني في كتاب «العلم» لأبي خيثمة: إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه الطبراني (١١/ ١٠٨)، والأصبهاني في «حلية الأولياء» (١/ ٣١٦) مرفوعا عن ابن عباس. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٤٤٩): رواه الطبراني وفيه عبد الله بن خراش وهو ضعيف.\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ١٥٤)، والدارمي (١/ ٢٧٣) (١١٢٠)، والطبري في تفسيره (١/ ٦٥)، والطبراني (١١/ ٧٧)، والحاكم (٢/ ٣٠٧).\n(٥) وهو الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى، روى ذلك عنه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٣١)، والدارقطني في «الصفات» (ص٤١، ٤٢) وانظر: «الاعتقاد» للبيهقي (ص ١١٨)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» لابن قيم الجوزية (١/ ١١٤، ١١٥).\n(٦) «العلو» للذهبي (٥٧٤).","vol":"1","page":79},{"text":"وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٤٢\nواعلم أن من قواعد أهل السنة المقررة أن الأصل أن يحمل النص على ظاهره، وأن الظاهر مراد، وأن الظاهر ما يتبادر إلى الذهن من المعاني، وأنه لا يخرج عن هذا الظاهر إلا بدليل، فإن عدم الدليل كان الحمل على الظاهر هو المتعين، والحمل على خلافه تحريف، فالنصوص الشرعية نصوص هداية ورحمة لا نصوص إضلال، فلو قدر أن المتكلم أراد من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته من غير قرينة ولا دليل ولا بيان لصادم هذا الفعل مقصود الإرشاد والهداية وأن ترك المخاطب والحالة هذه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى ... ومن أسباب إخراج النصوص عن ظواهرها عند البعض دعوى معارضتها للمعقول كالشأن في كثير من العقائد الإسلامية، إذ أن من طالع كتب المؤولة وجد عندهم توسعا عجيبا في هذا الباب، وكلما خاضوا بالتأويل في باب جرهم ذلك إلى استسهال التأويل في باب آخر وهكذا حتى آل الأمر بالباطنية مثلا إلى تأويل جملة الشريعة حتى ما يتعلق منها بالأحكام الشرعية كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وجعل ذلك كله من قبيل الباطن المخالف للظاهر، ... والذي يعنينا هنا أن نؤكد على أن هذه النصوص الشرعية يجب حملها على ظواهرها ولا يصح تأويلها لمجرد تنزيلها على واقع حالي أو لتوهم معارضتها للمعقول، وأن تأويلها والحالة هذه مخرج لها عن قصد الشارع وبالتالي فتنزيلها بعد التأويل تنزيل لها على واقع غير مراد ولا مقصود للشارع. منارات وعلامات في تنزيل أحاديث الفتن على الوقائع والحوادث لعبد الله بن صالح العجيري - ص٨٩","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المبحث السابع: درء التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل</span>\nمما ينبغي اعتقاده أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة في دلالتها، لا يعارضها شيء من المعقولات الصريحة، ذلك أن العقل شاهد بصحة الشريعة إجمالا وتفصيلا، فأما الإجمال، فمن جهة شهادة العقل بصحة النبوة وصدق الرسول ﷺ، فيلزم من ذلك تصديقه في كل ما يخبر به من الكتاب والحكمة.\nوأما التفصيل، فمسائل الشريعة ليس فيها ما يرده العقل؛ بل كل ما أدركه العقل من مسائلها فهو يشهد له بالصحة تصديقا وتعضيدا، وما قصر العقل عن إدراكه من مسائلها، فهذا لعظم الشريعة، وتفوقها، ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع تلك المسائل التي عجز العقل عن إدراكها، فالشريعة قد تأتي بما يحير العقول لا بما تحيله العقول.\nفإن وجد ما يوهم التعارض بين العقل والنقل، فإما أن يكون النقل غير صحيح أو يكون صحيحًا ليس فيه دلالة صحيحة على المدعى، وإما أن يكون العقل فاسدًا بفساد مقدماته.\nفمن احتج - مثلا- في إنكار الصفات الإلهية بأن لازم ذلك إثبات آلهة مع الله، فقد احتج بعقل غير صحيح؛ بل لا يجوز تسمية ذلك عقلًا أصلًا؛ إذ لا يجوز في العقل وجود موجود مجرد عن الصفات؛ بل هو من أعظم الممتنعات العقلية؛ لأنه يستلزم رفع النقيضين، حيث يقال: هو موجود ولا موجود، ولا يقال هذا في حق المخلوق، فلا يستلزم إثبات المخلوق متصفا بصفات السمع والبصر والكلام والحياة أن يتعدد المخلوق، بحيث تكون كل صفة منها إنسانا قائما بنفسه، وهذا معلوم البطلان في حق المخلوق، وبطلانه في حق الخالق أظهر وأولى فهذا عقل فاسد لا يقاوم النقل الصحيح الصريح من آيات الصفات وأحاديثها.\nوقد يكون النقل مكذوبا والعقل صحيحًا، كما في حديث يروى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قيل يا رسول الله: مم ربنا؟ قال: «من ماء مرور، لا من أرض، ولا من سماء، خلق خيلًا فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق ..» (١).\nففي هذا الكتاب وأمثاله لا يقال إنه يعارض دليل العقل، فلا يصلح أن يكون دليلا فضلا عن أن ينسب إلى الشرع ليعارض به العقل، علاوة على أن الأدلة الشرعية تنقضه وتبطله.\nوقد يكون النقل صحيحًا، إلا أنه لا يدل على المعنى المدعى، فيتوهم التعارض بين المنقول والمعقول، كما في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني .. الحديث» (٢).\nفمن فهم من الحديث أن الله تعالى يمرض أو يجوع ويعطش لم يفهم معنى الحديث لأن الحديث فسره المتكلم به، وبين المراد منه، وهو أن العبد هو الذي جاع وعطش ومرض، وأن الله تعالى منزه عن ذلك علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص٣٥٩\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١١/ ١٢٨)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ١٠٥)، والسيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ١١) كلاهما من طريق الحاكم. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يشك في وضعه، وما وضع مثل هذا مسلم، وإنه لمن أرك الموضوعات وأدبرها، إذ هو مستحيل لأن الخالق لا يخلق نفسه. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة والموضوعة» بعد حديث (٧٧٠): منكر.\n(٢) رواه مسلم (٢٥٦٩). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":81},{"text":"وقد أطال ابن تيمية ﵀ الكلام على التعارض المتوهم وذلك في كتابه البديع (درء تعارض العقل والنقل) ومما قاله في ذلك: ليس في المعقول الصريح ما يمكن أن يكون مقدما على ما جاءت به الرسل وذلك لأن الآيات والبراهين دالة على صدق الرسل وأنهم لا يقولون على الله إلا الحق وأنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الخبر والطلب لا يجوز أن يستقر في خبرهم عن الله شيء من الخطأ كما اتفق على ذلك جميع المقرين بالرسل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، فوجب أن جميع ما يخبر به الرسول عن الله صدق وحق لا يجوز أن يكون في ذلك شيء مناقض لدليل عقلي ولا سمعي فمتي علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم جزما قاطعا أنه حق وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر به وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي ولا عقلي ولا سمعي وأن كل ما ظن أنه عارضه من ذلك فإنما هو حجج داحضة وشبه من جنس شبه السوفسطائية، وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك وأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل صحيح كان هذا العقل شاهدا بأن كل ما خالف خبر الرسول فهو باطل فيكون هذا العقل والسمع جميعا شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ١١١\nوأن والعقل الصريح عندهم - أي: عند أهل السنة - يوافق النقل الصحيح، وعند الإشكال يقدمون النقل ولا إشكال؛ لأن النقل لا يأتي بما يستحيل على العقل أن يتقبله، وإنما يأتي بما تحار فيه العقول، والعقل يصدق النقل في كل ما أخبر به ولا العكس.\nولا يقللون من شأن العقل؛ فهو مناط التكليف عندهم، ولكن يقولون: إن العقل لا يتقدم على الشرع - وإلا لاستغنى الخلق عن الرسل - ولكن يعمل داخل دائرته، ولهذا سموا أهل السنة لاستمساكهم واتباعهم وتسليمهم المطلق لهدي النبي ﷺ. قال الله تعالى: فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠] الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص١٥٧\nوإذا ظهر تعارض بين الدليلين النقلي والعقلي، فلابد من أحد ثلاثة احتمالات:\nالأول: أن يكون أحد الدليلين قطعيًا والآخر ظنيًا، فيجب تقديم القطعي نقليًا كان أم عقليًا، وإن كان ظنيين فالواجب تقديم الراجح، عقليًا كان أم نقليًا.\nالثاني: أن يكون أحد الدليلين فاسدا، فالواجب تقديم الدليل الصحيح على الفاسد سواء أكان نقليًا أم عقليًا.\nالثالث: أن يكون أحد الدليلين صريحًا والآخر ليس بذاك، فهنا يجب تقديم الدلالة الصريحة على الدلالة الخفية، لكن قد يخفى من وجوه الدلالات عند بعض الناس ما قد يكون بينا وواضحًا عند البعض الآخر، فلا تعارض في نفس الأمر عندئذٍ.\nأما أن يكون الدليلان قطعيين - سندا ومتنا- ثم يتعارضان، فهذا لا يكون أبدًا، لا بين نقليين، ولا بين عقليين، ولا بين نقلي وعقلي) (١).\nوخلاصة اعتقاد أهل السنة في هذا الباب (أن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه) (٢).\nوقد أعمل الصحابة ﵃ هذا الأصل، وتلقاه عنهم التابعون، وتواترت عبارات أهل العلم بهذا المعنى.\nقال ابن تيمية ﵀: فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم (٣).\nوقال الإمام الشافعي ﵀: كل شيء خالف أمر رسول الله ﷺ سقط، ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله ﷺ، فليس لأحد معه أمر ولا نهي غير ما أمر هو به (٤).\nوقال الإمام مالك ﵀: أو كلما جاء رجل أجدل من الآخر، رد ما أنزل جبريل على محمد ﷺ (٥).\nومن ثمرات الالتزام بهذه القاعدة، إثبات عصمة الشرع الحكيم إذ ليس فيه ما يخالف العقل الصحيح، وسد باب التأويل والتفويض، واستقامة الحياة على الوجه الأتم الأكمل عند نفي التعارض بين وحي الله تعالى وخلقه، فتنعم البشرية بهدي الله وشرعه وتنتفع بما أنعم على خلقه. علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص٣٥٩\n_________\n(١) «منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد» لعثمان علي حسن (١/ ٣٦٦).\n(٢) «درء التعارض» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٢٣١، ٢٣٢).\n(٣) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ٢٨).\n(٤) «الأم» للإمام الشافعي (٢/ ١٩٣).\n(٥) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (١/ ١٤٤).","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المبحث الثامن: السكوت عما سكت عنه الله ورسوله وأمسك عنه السلف</span>\nكل مسألة من المسائل الشرعية - ولاسيما مسائل الاعتقاد- لا يحكم فيها، نفيًا أو إثباتًا إلا بدليل، فما ورد الدليل بإثباته أثبت، وما ورد بنفيه نفي، وما لم يرد بإثباته ولا بنفيه دليل توقفنا، ولم نحكم فيه بشيء؛ لا إثباتًا ولا نفيًا، ولا يعني هذا أن المسألة خلية عن الدليل، بل قد يكون عليها دليل، لكن لا نعلمه، فالواجب التوقف: إما مطلقا أو لحين وجدان الدليل.\nقال شيخ الإسلام ﵀: ما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه وإلا سكتنا عنه فلا نثبت إلا بعلم ولا ننفي إلا بعلم ... فالأقسام ثلاثة: ما علم ثبوته أثبت، وما علم انتفاؤه نفي، وما لم يعلم نفيه ولا إثباته سكت عنه، هذا هو الواجب، والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته (١).\nوقد وردت كثير من نصوص الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين وأئمة السلف وأهل السنة بالأمر بالكف عما لم يرد في الشرع، والسكوت عما سكت عنه الله ورسوله وأمسك عنه السلف، وترك الخوض فيما لا علم للإنسان به من دليل أو أثر.\nقال تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء: ٣٦] قال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله (٢).\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (٣).\nوقال ﷺ: «إن الله ﷿ فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها» (٤).\nوقال ابن مسعود ﵁: (من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه ﷺ: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦]) (٥).\nوترجم الإمام البخاري ﵀ في كتاب الاعتصام من (صحيحه): باب: ما يكره من كثرة السؤال، ومن تكلف ما لا يعنيه، وقوله تعالى: لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:١٠١]، وباب: ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس وَلاَ تَقْفُ لا تقل مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] (٦).\nوسأل رجل أبا حنيفة ﵀: ما تقول فيما أحدثه الناس في الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريق السلف، وإياك وكل محدثةٍ فإنها بدعة (٧).\n_________\n(١) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (١٦/ ٤٣١، ٤٣٢).\n(٢) رواه الطبري في تفسيره «جامع البيان» (١٤/ ٥٩٤).\n(٣) رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه الدارقطني (٤/ ١٨٣) (٤٢)، والطبراني (٢٢/ ٢٢١)، والحاكم (٤/ ١٢٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١٢). من حديث أبي ثعلبة الخشني. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٤١٧: رواه الطبراني في «الكبير» وهو هكذا في هذه الرواية وكأن بعض الرواة ظن أن هذا معنى وسكت فرواها كذلك والله أعلم، ورجاله رجال الصحيح. وحسنه النووي في «رياض الصالحين» (٥٨١). وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٢٨٠): له شاهد.\n(٥) رواه البخاري (٤٧٧٤)، ومسلم (٢٧٩٨). من حديث عبد الله بن مسعود.\n(٦) «صحيح البخاري» (٦/ ٢٦٥٨).\n(٧) «ذم الكلام» للهروي (١٣/ ٣٣٣).","vol":"1","page":83},{"text":"وروى اللالكائي بسنده عن أبي إسحاق قال: سألت الأوزاعي فقال: (اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم) (١).\nوقال إبراهيم النخعي: (بلغني عنهم – يعني الصحابة – أنهم لم يجاوزوا بالوضوء ظفرا ما جاوزته به، وكفى على قوم وزرا أن تخالف أعمالهم أعمال أصحاب نبيهم ﷺ) (٢).\nوقال الشعبي: (عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول). وقال أيضا: (ما حدثوك به عن أصحاب محمد ﷺ فخذه وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحش) (٣).\nوقال ابن عبد الهادي ﵀: (ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة، لم يكن على عهد السلف، ولا عرفوه ولا بينوه للأمة، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا، وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر) (٤).\nوقال ابن رجب ﵀: (فالعلم النافع من هذه العلوم كلها: ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقاق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل) (٥) علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص٣٧١\n_________\n(١) «ذم الكلام» للهروي (٣١٥).\n(٢) «أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية (٤/ ١٥١).\n(٣) «أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية (٤/ ١٥٢).\n(٤) «الصارم المنكي» لابن عبد الهادي (ص٤٢٧).\n(٥) «فضل علم السلف على الخلف» لابن رجب (ص١٥٠).","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المبحث التاسع: موافقة النصوص لفظا ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ</span>\nلا شك أن متابعة الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى أكمل وأتم من متابعتهما في المعنى دون اللفظ، ويكون ذلك باعتماد ألفاظ ومصطلحات الكتاب والسنة عند تقرير مسائل الاعتقاد وأصول الدين، والتعبير بها عن المعاني الشرعية، وفق لغة القرآن وبيان الرسول ﷺ.\nقال شيخ الإسلام ﵀: (الأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما أثبته الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه) (١).\nوقال ابن القيم ﵀: (إن النبي ﷺ كان يحافظ على ألفاظ القرآن تقديما وتأخيرا، وتعريفا وتنكيرا كما يحافظ على معانيه، ومنه قوله وقد بدأ بالصفا: «أبدأ بما بدأ الله به» (٢)، ومنه بداءته في الوضوء بالوجه ثم اليدين اتباعا للفظ القرآن (٣) ومنه قوله في حديث البراء بن عازب: «آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت» (٤) موافقة لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ [الأحزاب: ٤٥]) (٥)\nولهذا منع جمع من العلماء نقل حديث الرسول بالمعنى، ومن أجازه اشترط أن يكون الناقل عالما بما يحيل المعنى من اللفظ، مدركا لأساليب العرب حتى يستبين الفروق، وأما شأن العقيدة خاصة فهو أعظم وأخطر؛ لذا كان هدي أهل السنة والسلف مراعاة الألفاظ ومعانيها معا.\nقال شيخ الإسلام ﵀: (إن السلف كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه وينفونه في الله وصفاته وأفعاله، فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والإثبات؛ بل كل معنى صحيح فإنه داخل فيما أخبر به الرسول) (٦).\nوقال ﵀: (والتعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أولى من التعبير عنها بغيرها، فإن ألفاظ القرآن يجب الإيمان بها، وهي تنزيل من حكيم حميد، والأمة متفقة عليها، ويجب الإقرار بمضمونها قبل أن تفهم، وفيها من الحكم والمعاني ما لا تنقضي عجائبه.\nوالألفاظ المحدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع، ثم قد يجعل اللفظ حجة بمجرده وليس هو قول الرسول الصادق المصدوق وقد يضطرب في معناه، وهذا أمر يعرفه من جربه من كلام الناس، فالاعتصام بحبل الله يكون بالاعتصام بالقرآن والإسلام كما قال تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣]. ومتى ذكرت ألفاظ القرآن والحديث وبين معناه بيانا شافيا فإنها تنتظم جميع ما يقوله الناس من المعاني الصحيحة، وفيها زيادات عظيمة لا توجد في كلام الناس، وهي محفوظة مما دخل في كلام الناس من الباطل كما قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١ - ٤٢] وقال تعالى: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١] وقال: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، وفيه من دلائل الربوبية والنبوة والمعاد ما لا يوجد في كلام أحد من العباد ففيه أصول الدين المفيدة لليقين، وهي أصول دين الله ورسوله لا أصول دين محدث ورأي مبتدع) (٧).\nوالألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة إما أن تكون اصطلاحات متعينة للدلالة على الحق ولا تستعمل في غير هذا، فيلزم استعمالها فيما اصطلح عليه من المعاني الصحيحة، وهكذا الأمر فيما استعمله السلف الصالح من الألفاظ الشرعية.\nوإما ألا تتعين للدلالة على الحق، بل تكون مجملة تحتمل حقا وباطلا، فإذا عرف مراد صاحبها وكان موافقا للمعنى الصحيح، قبل منه المعنى، ومنع من التكلم باللفظ المجمل، وعلم الألفاظ الشرعية في ذلك. علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري- ٣٦٣\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٤٢٣).\n(٢) «رواه مسلم» (١٢١٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.\n(٣) قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ * المائدة: ٦*.\n(٤) «رواه البخاري» (٢٤٧، ٦٣١١) (ومسلم» (٢٧١٠).\n(٥) «بدائع الفوائد لابن القيم» (٤/ ٩١٢).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٣٢).\n(٧) «النبوات لابن تيمية» (٢٣٥).","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث العاشر: الإيمان بجميع نصوص الكتاب والسنة</span>\nإن ما أخبر به الرسول ﷺ عن ربه تعالى، فإنه يجب الإيمان به – سواء عرفنا معناه، أو لم نعرف – لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة، وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب (مسائل الاعتقاد) يوجد عامته منصوصا في الكتاب والسنة، متفقا عليه بين سلف الأمة (١).\nآمن أهل الإسلام بأن الله تعالى ربهم، ومليكهم، وأنه حكيم، عليم، قدير، رحمن، رحيم، أرسل الرسل لهدايتهم، وأنزل معهم الكتاب والميزان، فما أخبر به الرسول عن الله، فالله أخبر به، وهو سبحانه إنما يخبر بعلمه، ويمتنع أن يخبر بنقيض علمه، وما أمر به الرسول فهو من حكم الله، والله أمر به، وهو العليم الحكيم.\nقال تعالى: لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا [النساء: ١٦٦] (٢) وهذا يقتضي أن ما بلغه الرسول ﷺ حق من عند الله يوافق علم الله ومراده، فالواجب على كل أحد أن يقابل ما أمر به، أو نهى عنه بالطاعة والانقياد، فمن قبل عن الرسول ما أخبر به فعن الله قبل، ومن أطاع الرسول فيما أمر به فقد أطاع الله.\nالإيمان بالنصوص ضربان:\nوالإيمان بنصوص الكتاب والسنة على ضربين:\nأحدهما: إيمان مجمل وهذا من فروض الأعيان، فيجب على كل أحد – ممن أسلم وجهه لله تعالى، ورضي بالإسلام دينا، وبالرسول ﷺ نبيا ورسولا – الإيمان بنصوص الكتاب والسنة، سواء أظهرت له معانيها ووضحت مدلولاتها، أم لا، فهذا حظ العامة، ومن لا يفهم العربية ومن في معناهما ممن اشتبه عليه معنى آية أو حديث، فما زال كثير من الصحابة، ومن بعدهم، يمر بآية أو لفظ وهو لا يدرك معناه، إلا ويؤمن به، وبكل ما أمره إلى عالمه، ومثله وقع لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ (٣).\nوهذا لا يعني أن في النصوص ما لا يدرك معناه بحال، بل معاني النصوص مفهومة من لغة التخاطب، لكن قد يقوم بالشخص من عوامل القصور ما هو مدعاة إلى عدم الفهم، ووضوح الخطاب عنده.\nفالواجب على المسلم الإيمان بالنص – بعد معرفة صحة مخرجه – إيمانا عاما مجملا، من غير أن يشترط فهم معناه، أو إدراك حقيقته أو سلامته عن المعارض العقلي – كما يقوله أرباب الكلام – أو موافقته للذوق والكشف – كما يدعيه غلاة المتصوفة-.\nالثاني: إيمان مفصل، وهذا من الفروض الكفائية، هو خاص بكل من قام عنده الدليل، وبان له المدلول، وظهر معناه، فإذا حصل ذلك عنده، صار الإيمان في حقه فرضا متعينا، وإلا فالأصل فيه أنه كفائي، قال شارح الطحاوية: (ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية) لكن من قدر عليه وجب عليه تحصيله، طلبا لحماية الدين، وكفاية المسلمين بتعليمهم وتفهيمهم إياه، وهو بحر تتفاوت فيه همم الطالبين، وتتطاول عنده أعناق الراغبين، وبقدر المعرفة به، تكمل المعرفة بالله وبدينه: قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: ١١] منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن- ١/ ٢٢٣\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٤١) (بتصرف).\n(٢) «انظر: مجموعة تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية» (٣٨٠) وما بعدها مطبعة \"القرآن\" ١٣٧٣هـ - ١٩٥٤م – الهند (بدون رقم الطبعة).\n(٣) «انظر: مجموعة تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية» (٣٣٣) «الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ٢٢٣).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث الحادي عشر: لا نسخ في الأخبار ولا في أصول الدين</span>\nإن مسائل الاعتقاد – من الإيمان بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ورسالاته، واليوم الآخر ونحو ذلك من الأمور الثوابت، التي جاءت بها جميع رسل الله تعالى، من لدن آدم إلى محمد عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم لا يدخلها نسخ أو تعديل .......،\nوالشريعة نوعان: خبر وأمر، الخبر يدخل فيه الماضي والمستقبل والوعد والوعيد، ويشمل ما أخبر الله تعالى به عن ذاته، وصفاته، وأفعاله، وما أخبر أنه كان، أو سيكون من مفعولاته، وما قص علينا من أخبار الأمم الماضية، وأخبار الرسل ودعواتهم، وما فعل بأعدائهم، وما أعده لأوليائهم، ويدخل فيه – أيضا – ما ذكره الله من أخبار خلق السموات والأرض، وما فيها من الأحياء والأشياء، وما ذكره من أخبار الجنة والنار، والحساب والعقاب، والبعث والحشر والجزاء؛ كل هذا ونظيره يدخل في جملة الأخبار، والتي يجب على المسلم مقابلتها بالتصديق والتسليم، ويعلم أنها كلها حق، مطابقة للأمر في نفسه، لا يجوز أن تختلف أو تتعارض – وإن ظهر شيء من ذلك فإنما هو عارض يعرض على الأذهان يزول عند التحقيق، والنظر الدقيق – ومن ثم فلا يجوز أن يدخل أخبار الله تعالى النسخ أو التبديل، بل هي محكمة ثابتة؛ لأنه تعالى إذا أخبر عن شيء فإنما يخبر بعلمه، وعلمه أزلي لا أول له، وهو مطابق للأمر في نفسه، علم ما كان، وما يكون، وما سيكون، فلو أخبر عن شيء أنه كان أو سيكون، ثم أخبر بنقيض ذلك أو برفعه، لكان ذلك خلفا وكذبا، مستلزما سبق الجهل، وحدوث العلم وتجدده، وهذا مما يعلم ضرورة أن الله تعالى منزه عنه، بل هو من صفات المخلوقين المربوبين، لا من صفات الخالق سبحانه (١).\nفالخبر عن شيء أنه كان أو سيكون ثم أخبر بخلاف ذلك كان مكذبا لنفسه، وذلك غير جائز على الله تعالى، ولا على رسوله ﷺ من جهة كونه مبلغا عن الله تعالى، فمن قال: سمعت كذا ورأيت كذا، ثم قال بعد: لم يكن ما أخبرت أني سمعته ورأيته موافقا للصواب؛ فقد أكذب نفسه، أو دل على أنه أخبر بما لا علم له به، أو تعمد الكذب في ذلك، أو قال بالظن وكان جاهلا لحقيقة الأمر ثم رجع عن ظنه، وهذا كله لا يجوز وصف الخالق سبحانه به، بل لم يزل الله تعالى عالما بما يكون، وما سيكون، ومريدا له، لم يستحدث علما لم يكن، ولا إرادة لم تكن، فهو العالم بعواقب الأمور، الفعال لما يريد (٢).\nولهذا قال أبو جعفر النحاس ﵀ - في معرض الرد على من يجوز النسخ في الأخبار -: (وهذا القول عظيم جدا، يؤول إلى الكفر؛ لأن قائلا لو قال: قام فلان، ثم قال: لم يقم، ثم قال: نسخته لكان كاذبا) (٣).\nأما النوع الثاني – من نوعي الشريعة – فهو الأمر، والنهي منه؛ لأنه أمر بالترك. ويدخل في ذلك العبادات: أصولها وفروعها، وجميع المعاملات، وكذا فضائل الأخلاق.\nوالأمر وإن كان النسخ يدخله في الجملة، لكن تستثنى منه كليات الشريعة، من الضروريات والحاجيات والتحسينات، فالشريعة مبنية على حفظ هذه الكليات (٤)، فأصول العبادات: كالصلاة والصوم، والزكاة، والحج، وما يحفظ الضروريات الخمس، وما يحقق العدل والإحسان، وما يجلب الفضيلة، ويدفع الرذيلة، كل ذلك لا يقع فيه النسخ، وإنما يقع في تفاصيل هذه المسائل، وهو ما يتعلق بالهيئات، والكيفيات، والأمكنة، والأزمنة، والأعداد، وهو جزء يسير إذا ما قورن بكليات الشريعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كتاب الله نوعان: خبر وأمر، أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر، ويبين معناه، وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله إلا بما أنزله الله، فمن أراد أن ينسخ شرع الله الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحدا، وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدا) (٥). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن -١/ ٢٦٨\n_________\n(١) «انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه .. لأبي بكر بن أبي طالب القيسي» (٥٧).\n(٢) «انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم» (٢/ ٥٩٠).\n(٣) «الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لأبي جعفر محمد بن أحمد بن إسماعيل الصفار المشهور بأبي جعفر النحاس» (٣).\n(٤) «انظر: الموافقات للشاطبي» (٣/ ١٠٤، ١٠٥، ١١٧).\n(٥) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٢٠٨).","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الثاني عشر: رد التنازع إلى الكتاب والسنة</span>\nإن كل ما تنازعت واختلفت فيه الأمة من أصول الدين وفروعه، يجب رده إلى الكتاب والسنة؛ طلبا لرفع التنازع، ودفع الاختلاف ومعرفة الحق والصواب.\nلقد وقع الاختلاف والتنازع في الدين بين هذه الأمة، - أسوة بالأمم قبلها من اليهود والنصارى - في أصول الدين وفروعه، وذلك على ما أخبر به الوحي كما في قوله تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٨ - ١١٩] وقوله تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥] وقوله ﷺ: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (١)، وفي رواية: «كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي» (٢).\nوالاختلاف المذكور في القرآن الكريم قسمان: من جهة مدحه أو ذمه، ومن جهة ذاته (٣):\nأولا: من جهة مدحه أو ذمه، وهو نوعان:\nالأول: أنه تعالى يذم الطائفتين المختلفتين جميعا، كما في قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: ١٧٦] وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩] الثاني: اختلاف حمد الله تعالى فيه إحدى الطائفتين، وذم الأخرى كما في قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: ٢٥٣] فقوله: وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ حمد لإحدى الطائفتين، وهم المؤمنون، وذم للأخرى.\nوالاختلاف الذي تذم فيه جميع الطوائف المتنازعة، يكون سببه:\nتارة، فساد النية؛ بسبب البغي والحسد؛ وإرادة العلو في الأرض بالفساد، ونحوه، كما قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [البقرة: ٢١٣].\nوتارة يكون بسبب جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعون فيه أو الجهل بدليله، أو دلالته.\nثانيا: من جهة ذاته: وهو – أيضا – نوعان (٤):\nالأول: اختلاف تنوع: وهو على وجوه:\n_________\n(١) «تقدم تخريجه» (٣٦).\n(٢) «تقدم تخريجه» (٣٦).\n(٣) «انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية» (١/ ١٢٦) وما بعدها.\n(٤) «انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية» (١/ ١٢٨) وما بعدها «شرح الطحاوية» (٥١٦).","vol":"1","page":88},{"text":"أ- أن يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعا، كالاختلاف في القراءات التي اختلف فيها الصحابة، فزجرهم النبي ﷺ عن الاختلاف وقال: «كلاكما محسن» (١).\nومن ذلك – أيضا – الاختلاف في صفة الأذان والإقامة، والتشهدات وصلاة الخوف، إلى غير ذلك مما شرع جميعه، وقد يقال: إن بعض أنواعه أفضل من بعض.\nب – أن يتفق القولان في المعنى والحكم، ويختلفان في اللفظ والعبارة، كالاختلاف في الحدود (التعريفات)، والتعبير عن المسميات، وتقسيم الأحكام، وغير ذلك.\nج – أن يكون المعنيان مختلفين، لكنهما لا يتنافيان، فهذا قول صحيح وهذا قول صحيح، كاختلاف الصحابة في صلاة العصر أثناء سيرهم إلى بني قريظة (٢).\nد – ما يكون طريقتين مشروعتين، ورجل أو قوم قد سلكوا هذه الطريق، وآخرون قد سلكوا الأخرى، كلاهما محسن في الدين، ثم الجهل أو الظلم يحمل على ذم إحداهما، أو تفضيلها بلا قصد صالح، أو بلا نية، وبلا علم.\nوهذا النوع من أنواع الاختلاف، يكون فيه كل واحد من المختلفين مصيبا، لكن الذم إنما يقع على من بغى على صاحبه، وظلمه.\nالثاني: اختلاف تضاد:\nوهو القولان المتنافيان، فالخطب فيه أشد؛ لتنافي القولين، وقد يكون مع أحد المتنازعين بعض الحق، أو دليل يقتضي حقا، فرد ذلك من الباطل؛ كالاختلاف بين المشبهة والمعطلة في الصفات، فمع المشبهة بعض الحق وهو أصل الإثبات، ومع المعطلة بعض الحق وهو أصل التنزيه والصواب والنجاة في ضم الحقين، والجمع بينهما.\nوهذا النوعان (التنوع والتضاد) إنما يكون المخرج منهما بالرد إلى الله ورسوله، فيظهر ما خفي من الدليل أو الدلالة، فيرتفع التنازع، ويندفع البغي، ويتبين وجه الحق والصواب، ثم يطالب المبطل بالإذعان والانقياد.\nفإن الرجل إذا تكلم بكلام؛ إما أن يكون كلامه ظاهر الصواب، موافقا للأدلة؛ فيقبل كلامه، أو أن يكون ظاهر البطلان مخالفا للأدلة؛ فيرد كلامه، أو أن يكون في كلامه إجمال؛ فيطالب بالتفسير والبيان، فيقبل ما وافق الحق، ويرد ما سواه، وكل هذا يتبين بالرد إلى الله ورسوله. قال شارح الطحاوية: (والأمور التي تتنازع فيها الأمة في الأصول والفروع، إذا لم ترد إلى الله والرسول لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة من أمرهم ...). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن- ١/ ٢٨٧\n_________\n(١) «انظر: صحيح البخاري ٥/ ٧٠ \"فتح الباري\" كتاب الخصومات – باب ما يذكر في الأشخاص والخصومات بين المسلمين واليهود – حديث رقم: ٢٤١٠» «مسند الإمام أحمد» (١/ ٤١٢، ٤٥٦).\n(٢) «أنظر: صحيح البخاري ٢/ ٤٣٦ \"فتح الباري\" كتاب الخوف – باب صلاة الغائب والمطلوب – حديث رقم: ٩٤٦» «صحيح مسلم» (٣/ ١٣٩١) كتاب الجهاد والسير – باب المبادرة بالغزو – حديث رقم: ١٧٧٠.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المبحث الثالث عشر: ظواهر النصوص مفهومة لدى المخاطبين</span>\nكلام الله وكلام رسوله عربي مبين، وظاهره غاية في البيان، وهو مفهوم لدى المخاطبين من أهل اللسان العربي، ولاسيما ما يتعلق من ذلك بأصول الدين والإيمان، والتي كثر فيها خوض المتأخرين واختلافهم ....،\nومن المعلوم أن القرآن عربي، وأنزل على رسول عربي، وخوطبت به - أول الأمر- أمة عربية، وأن القرآن مقصود به الهداية والإرشاد، فلزم أن يكون بينا للأمة المخاطبة به، ولا يكون كذلك حتى تفهمه وتعقله، ولا يتم ذلك حتى يكون جاريا على معهودها في الخطاب، وعادتها في الكلام، وهكذا كان القرآن الكريم.\nوقد كانت سنة الله في خلقه أن يرسل كل رسول بلسان قومه حتى يحصل المقصود من الرسالة، فيكون الرسول مبينا في كلامه وبلاغه، ويكون المخاطب قادرا على الفهم، متمكنا من الإدراك، وبهذا تقوم الحجة وتنقطع المعذرة: بالبيان من الرسول والفهم من المرسل إليه، ولهذا قال موسى- في تعليل سؤاله الله أن يرسل معه أخاه هارون وزيرا -: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص: ٣٤]. فلو أن الله تعالى خاطب أمة بغير لسانها، لما فهمت خطابه لها، ومن ثم لم تقم الحجة عليها بذلك الخطاب، وقد قال تعالى: مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] قال أبو جعفر الطبري رحمه الله تعالى: (... كان معلوما أنه غير جائز أن يخاطب الله جل ذكره أحدا من خلقه إلا بما يفهمه المخاطب، ولا يرسل إلى أحد منهم رسولا برسالة إلا بلسان وبيان يفهمه المرسل إليه، لأن المخاطب المرسل إليه إن لم يفهم ما خوطب به وأنزل إليه، فحاله قبل الخطاب وقبل مجيء الرسالة وبعده سواء، إذا لم يفده الخطاب والرسالة شيئا كان به قبل ذلك جاهلا) (١).\nفمعاني كتاب الله تعالى موافقة لمعاني كلام العرب، كما أن ألفاظه موافقة لألفاظها، ولهذا كان لا يمكن لأحد أن يفهم كلام الله ورسوله إلا من هذه الجهة، جهة كونه عربيا: في ألفاظه وتراكيب تلك الألفاظ، عربيا في أساليبه ومعانيه، قال الشاطبي ﵀: (فعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها: أصولا وفروعا، أمران: أحدهما: أن لا يتكلم في شيء من ذلك حتى يكون عربيا، أو كالعربي في كونه عارفا بلسان العرب، بالغا فيه مبالغ العرب، أو مبالغ الأئمة المتقدمين كالخليل وسيبويه والكسائي والفراء ومن أشبههم وداناهم، وليس المراد أن يكون حافظا كحفظهم، وجامعا كجمعهم، وإنما المراد أن يصير فهمه عربيا في الجملة ...) (٢).\nفلابد في فهم معاني نصوص الكتاب والسنة من مراعاة معهود العرب في خطابها، فلا يصح العدول عن عرفها في كلامها، كما لا يصح أن يفهم كلام الله ورسوله على نحو لا تعرفه العرب من لغتها وأسلوبها (٣).\nوقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (٤) بعض معهود العرب في خطابها، وأنها تخاطب بالشيء منه عاما ظاهرا تريد به العام الظاهر، ومثاله من القرآن الكريم: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى [الحجرات: ١٣] فهذا يعم جميع الناس (٥).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١/ ٧) (المقدمة).\n(٢) «الاعتصام» (٢/ ٢٩٧).\n(٣) «الموافقات» (٢/ ٨٢).\n(٤) «الرسالة» (٥١) و«تفسير الطبري» (١/ ٧) (المقدمة).\n(٥) «الرسالة» (٥٦).","vol":"1","page":90},{"text":"وتخاطب بالشيء عاما ظاهرا تريد به العام ويدخله الخصوص، ومثاله من القرآن الكريم: قوله تعالى: وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا [النساء: ٧٥] فكل أهل القرية لم يكن ظالما، وإنما كان فيهم المسلم، لكنهم كانوا مغلوبين على أمرهم (١).\nوتخاطب بالشيء عاما ظاهرا تريد به الخاص، مثاله: قوله تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: ٦] ودل القرآن على أن وقودها إنما هو بعض الناس، لا كلهم، كما في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] (٢).\nوتخاطب بالشيء ظاهرا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، مثاله: قوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [يوسف: ٨٢] والمراد: أهل القرية، وأهل العير (٣).\nوكل هذا موجود العلم به في أول الكلام أو وسطه أو آخره، ثم قال الشافعي ﵀ – بعد أن ذكر بعض تصرفات العرب في لسانها وفطرته في الكلام والبيان – قال: (فمن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة، فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم تثبته معرفته: كانت موافقته للصواب – إن وافقه من حيث لا يعرفه – غير محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غير معذور) (٤) وذلك لأنه أتى البيت من غير بابه، ورام الوصول إلى الغاية من غير طريقها، ولهذا قال الحسن ﵀: (أهلكتهم العجمة؛ يتأولونه – أي القرآن - على غير تأويله) (٥).\n.... والمقصود هنا بيان أن نصوص القرآن والسنة عربية في ألفاظها وأساليبها، ولا يفهمها إلا من كان عربيا في لسانه وفهمه، وكلما كان علمه بلسان العرب وأساليبها في الكلام أعمق كان فهمه للكتاب والسنة أرسخ. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن- ٢/ ٤٣٧\n_________\n(١) «الرسالة» (٥٤).\n(٢) «الرسالة» (٦٢).\n(٣) «الرسالة» (٨٤).\n(٤) «الرسالة» (٥٣).\n(٥) رواه عنه البخاري في كتاب «التاريخ الكبير» (٥/ ٩٣) برقم: ٢٥٩ – دار الكتب العلمية – بيروت (بدون رقم الطبعة وتاريخها).","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>المبحث الرابع عشر: الإيمان بالمتشابه والعمل بالمحكم</span>\nوصف الله تعالى القرآن بأنه كله محكم، وأنه كله متشابه، وفي موضع ثالث جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه. وعلى هذا فينبغي أن يعرف الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه (١).\nأما الإحكام الذي يعمه فمذكور في مثل قوله تعالى: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ هود: ١\nقال قتادة ﵀: (أي جعلت محكمة كلها، لا خلل فيها ولا باطل) (٢) وقال في موضع آخر: (أحكمها الله من الباطل ثم فصلها بالحلال والحرام) (٣) وقال مجاهد ﵀: (أحكمت جملة ثم بينت آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدليل على التوحيد والنبوة والبعث وغيرها) (٤) وقال ابن كثير ﵀: (أي هي محكمة في لفظها مفصلة في معناها فهو كامل: صورة ومعنى) (٥).\nفالقرآن الكريم كله محكم بمعنى أنه متقن مصون من الباطل والفساد؛ صدق في أخباره، حق في أحكامه، عدل في وعده ووعيده، قال ابن تيمية ﵀: (فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره) (٦).\nوأما التشابه الذي يعم القرآن فمذكور في مثل قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ [الزمر: ٢٣] قال مجاهد ﵀: (يعني القرآن كله متشابه مثاني) (٧) وقال قتادة ﵀: (الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف) (٨) وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: (مثاني: قال: القرآن يشبه بعضه بعضا، ويرد بعضه على بعض) (٩) وقال سعيد بن جبير ﵀: (يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، ويدل بعضه على بعض) (١٠). ونحوه عن السدي (١١).\nفالتشابه الذي يعم القرآن هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضا، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن ملزوماته – إذا لم يكن هناك نسخ – ومثله يقال في الأخبار: فإذا أخبر عن شيء لم يخبر عن نقيضه أو بنفيه في موضع آخر، بل يخبر عنه بما يصدقه ويؤكده، أو يفصله ويبينه كما في القصص مثلا.\nفهذا التشابه الذي يعم القرآن هو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢] ولهذا كان القول المضاد للقرآن موصوفا بالاختلاف والاضطراب كما قال تعالى في وصف قول المشركين إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات: ٨ - ٩].\nوهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام بل هو مصدق له فالكلام المتقن يصدق بعضه بعضا، ويشبه بعضه بعضا في الحق والصدق والعدل (١٢).\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٥٩)، و«تفسير القرطبي» (٤/ ١٠)، و«تفسير البغوي» (١/ ٢٦٨).\n(٢) «تفسير القرطبي» (٩/ ٢).\n(٣) «تفسير القرطبي» (٩/ ٣).\n(٤) «تفسير القرطبي» (٩/ ٣).\n(٥) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٣٥) (طبعة دار إحياء الكتب العربية) وعزاه إلى مجاهد وقتادة.\n(٦) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٦٠).\n(٧) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٥٠) (طبعة دار إحياء الكتب العربية).\n(٨) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٥٠) (طبعة دار إحياء الكتب العربية).\n(٩) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٥٠) (طبعة دار إحياء الكتب العربية).\n(١٠) «تفسير الطبري» (٢٣/ ١٣٥) (طبعة دار المعرفة – الطبعة الثانية ١٣٩٢هـ - ١٩٧٢م – بيروت).\n(١١) «تفسير الطبري» (٢٣/ ١٣٤) (طبعة دار المعرفة).\n(١٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٦٠).","vol":"1","page":92},{"text":"أما الإحكام الخاص فإنه ضد التشابه الخاص، وهو المذكور في آية آل عمران (١). والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو، أو هو مثله وليس كذلك. والإحكام الخاص هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر، وهذا التشابه إنما يكون في القدر المشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما.\nثم من الناس من لا يهتدي إلى الفصل بينهما، فيكون مشتبها عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا يتميز قد يكون من الأمور النسبية الإضافية، بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض، ومثل هذا يعرف منه أهل العلم (الراسخون فيه) ما يزيل عنه هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشاهدونه في الدنيا فظن أنه مثله، فعلم العلماء أنه ليس مثله وإن كان مشابها له من بعض الوجوه (٢).\nوقد يكون المتشابه من الأمور التي لا يعلمها أحد من العباد، بل استأثر الله بعلمها، كما استأثر الله بالعلم بالقدر المميز بين حقائق الدنيا وحقائق الآخرة، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن- ٢/ ٤٧٧\n_________\n(١) وهي قوله تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ * آل عمران: ٧*.\n(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٦١).","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المطلب الأول: ذكر إجماع الصحابة، والتابعين، وأهل السنة، وأصحاب الحديث، والفقهاء على نبذ التأويل</span>\nأولا: إجماع الصحابة والتابعين:\n- ذكر ما قاله محمد بن إسحاق بن خزيمة ﵀:\nقال: (إن الأخبار في صفات الله موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها الخلف عن السلف: قرنًا بعد قرن، من لدن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا، على سبيل الصفات لله تعالى، والمعرفة والإيمان به، والتسليم لما أخبر الله تعالى في تنزيله، ونبيه الرسول ﷺ عن كتابه، مع اجتناب التأويل، والجحود، وترك التمثيل والتكييف) (١).\n- ذكر ما قاله القاضي أبو يعلى ﵀:\nقال: (ويدل على إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفوها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق، لما فيه من إزالة التشبيه، ودفع الشبهة، بل قد روي عنهم ما دل على إبطاله ...) ...\n- ذكر ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\nقال: (إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها؛ وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد -إلى ساعتي هذه- عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات، أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاه المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله ...) (٢).\n- ذكر ما قاله الأوزاعي إمام الشام ﵀:\nقال: (كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا) (٣).\nثانيا: إجماع أهل السنة وأصحاب الحديث:\n- ذكر ما قاله أبو عيسى الترمذي ﵀:\nوذلك عقب روايته لحديث في فضل الصدقة، فيه ذكر صفة اليمين للرحمن جل ذكره، قال أبو عيسى: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا. قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال كيف؟ هكذا روي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة ...) (٤).\n- ذكر ما قاله أبو عمر يوسف بن عبد البر ﵀:\nقال: (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة.\nوأما أهل البدع، والجهمية، والمعتزلة كلها، والخوارج: فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وهم أئمة الجماعة) (٥).\n- ذكر ما قاله أبو عثمان الصابوني ﵀:\n_________\n(١) ذكره عنه ابن قدامة في «ذم التأويل» (ص: ١٨) برقم: ٢٠.\n(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٦/ ٣٩٤).\n(٣) رواه البيهقي في «الأسماء والصفات» (ص: ٤٠٨)، وصححه ابن القيم في «اجتماع الجيوش» (ص: ٤٣)، وجود إسناده الحافظ في «فتح الباري» (١٣/ ٤٠٦).\n(٤) «سنن الترمذي» (٣/ ٢٤، ٢٥) عقب حديث رقم: (٦٦٢).\n(٥) «التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٤٥).","vol":"1","page":94},{"text":"قال: (إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة ... يعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت به الأخبار الصحاح، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له (ﷻ) منها ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ... ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ... تحريف المعتزلة والجهمية ... وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف، والتكييف، والتشبيه ...) (١).\n- ذكر ما قاله محيي السنة البغوي (﵀):\nوذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ [الأعراف: ٥٤] قال ﵀: (أولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، فأما أهل السنة يقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله ﷿) (٢).\nثالثا: إجماع الفقهاء وأئمة العلم:\n- ذكر ما قاله محمد بن الحسن – صاحب أبي حنيفة – رحمهما الله تعالى قال: (اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ﷿ من غير تفسير، ولا وصف، ولا تشبيه، فمن فسر شيئًا من ذلك خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة، لأنه وصفه بصفة لا شيء) (٣).\n- ذكر ما قاله محمد بن إسحاق بن خزيمة ﵀:\nقال: (فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز، وتهامة، واليمن، والعراق، والشام، ومصر مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه؛ نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، وعز ربنا عن أن نشبهه بالمخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين، وعز أن يكون عدمًا كما قاله المبطلون؛ لأنه ما لا صفة له، تعالى الله عما يقول الجهميون الذين ينكرون صفات خالقنا، الذي وصف الله بها نفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه محمد ﷺ) (٤) ....\n- ذكر ما قاله أبو عمر بن عبد البر ﵀:\nقال: (روينا عن مالك بن أنس، والأوزاعي، وسفيان بن سعيد، وسفيان ابن عيينة، ومعمر بن راشد، في الأحاديث في الصفات أنهم كلهم قال: أمروها كما جاءت) (٥).\n- ذكر ما قاله أبو عبد الله محمد بن الخضر الجد الأعلى لابن تيمية رحمهما الله:\nقال: (أما الإتيان المنسوب إلى الله فلا يختلف قول أئمة السلف: كمكحول، والزهري، والأوزاعي، وابن المبارك، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، وأتباعهم أنه يمر كما جاء، وكذلك ما شاكل ذلك مما جاء في القرآن، أو وردت به السنة؛ كأحاديث النزول ونحوها، وهي طريقة السلامة، ومنهج أهل السنة والجماعة، يؤمنون بظاهرها ويكلون علمها إلى الله تعالى، ويعتقدون أن الله منزه عن سمات الحدث، على ذلك مضت الأئمة خلفًا بعد سلف) (٦).\n- ذكر ما قاله ابن قدامة ﵀:\nقال: (ولا خلاف بين أهل النقل سنيهم وبدعيهم في أن مذهب السلف ﵃ في صفات الله ﷾ الإقرار بها، والإمرار لها، والتسليم لقائلها، وترك التعرض لتفسيرها، بذلك جاءت الأخبار عنهم مجملة ومفصلة) (٧) ثم ذكر طرفًا من ذلك.\nوقال في موضع آخر: (ومذهب السلف رحمة الله عليهم: الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها، ولا نقص منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها ...) (٨).\n- ذكر ما قاله ابن كثير ﵀:\nوذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ [الأعراف: ٥٤].\nقال ﵀: (فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل ...) (٩). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي بن حسن– ٢/ ٥٦٧\n_________\n(١) «عقيدة السلف وأصحاب الحديث» (ص: ٣، ٤) برقم: ٣.\n(٢) «تفسير البغوي» (٢/ ١٩٦).\n(٣) «العلو» الذهبي (ص: ٩٠)، و«ذم التأويل» (ص: ١٤) برقم: ١٣، و«شرح السنة» اللالكائي (٣/ ٤٣٢) برقم: ٧٤٠.\n(٤) «كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب» ﷿ لابن خزيمة (ص: ١٠، ١١)، راجعه: محمد خليل هراس – مكتبة الكليات الأزهرية – دار الشرق للطباعة ١٣٨٧هـ - ١٩٦٨م مصر (بدون رقم الطبعة).\n(٥) «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٨).\n(٦) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٦/ ٤٠٩).\n(٧) «تحريم النظر» (ص: ١٠، ١١).\n(٨) «ذم التأويل» (ص: ١١) برقم: ٦.\n(٩) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٢٢) (طبعة الشعب).","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المطلب الثاني: أقوال بعض العلماء في التأويل</span>\n- قال الأوزاعي ﵀: (كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا هذه الأحاديث كما جاءت) (١).\nوقراءتها: تفسيرها، كما قال سفيان بن عيينة: (كل ما وصف الله به نفسه في القرآن، فقراءته تفسيره، لا كيف، ولا مثل) (٢).\n- وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: (فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه، واليد، والنفس، فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفة بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته (تعالى) بلا كيف) (٣).\n- وقال محمد بن الحسن ﵀ في أحاديث الصفات كالنزول ونحوه: (إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها، ونؤمن بها، ولا نفسرها) (٤).\n- وقال الوليد بن مسلم: (سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث ابن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت) (٥).\n- وقال أبو محمد الجويني – والد إمام الحرمين رحمهما الله: (وأثبتنا علو ربنا سبحانه، وفوقيته، واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، والحق واضح في ذلك، والصدور تنشرح له، فإن التحريف تأباه العقول الصحيحة، مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره ...) (٦).\n- وقال القاضي أبو يعلى ﵀: (لا يجوز رد هذه الأخبار – على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة – ولا التشاغل بتأويلها – على ما ذهب إليه الأشعرية – والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله تعالى، لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، وغيره من أئمة أصحاب الحديث) (٧).\n_________\n(١) رواه ابن قدامة في «ذم التأويل» (ص: ١٨) برقم: ٢١، وقال محققه (البدر): (إسناده حسن) واللالكائي في «شرح أصول السنة» (٣/ ٤٣٠، ٤٣١) برقم: ٧٣٥ وذكر الترمذي نحوه عن مالك وابن عيينة وابن المبارك ﵏ «سنن الترمذي» (٣/ ٢٤) عقب الحديث رقم: (٦٦٢). وانظر: «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٨).\n(٢) رواه الدارقطني في كتاب «الصفات» (ص: ٤١) برقم: ٦١، وابن قدامة في «ذم التأويل» (ص: ١٩)، ونحوه عند البيهقي في «الأسماء والصفات» (ص: ٤٠٩) وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٤٠٧).\n(٣) كتاب «الفقه الأكبر» (ص: ١٨٥) – دار الكتب العربية الكبرى – مصر (بدون رقم الطبعة وتاريخها).\n(٤) «ذم التأويل» (ص: ١٤) وشرح أصول السنة – اللالكائي – (٣/ ٤٣٣) برقم: ٧٤١، و«العلو للذهبي» (ص: ٨٩، ٩٠).\n(٥) «الشريعة» للآجري (ص: ٣١٤) و«الأسماء والصفات» للبيهقي (ص: ٤٥٣)، و«الاعتقاد والهداية إلى سبل الرشاد» للبيهقي (ص: ١١٨) برقم: ٢٩٥ تقديم: أحمد عصام الكاتب – دار الآفاق الجديدة – الطبعة الأولى ١٤٠١هـ - ١٩٨١م – بيروت، و«الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء» .... لأبي عمر بن عبد البر (ص: ٣٦) مكتبة القدس – مطبعة المعاهد ١٣٥٠هـ مصر (بدون رقم الطبعة) و«ذم التأويل» (ص: ٢٠)، قال محققه (البدر): (إسناده حسن) هامش رقم: ٥٨.\n(٦) «رسالة في إثبات الاستواء والفوقية» ... لأبي محمد الجويني (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية) (١/ ١٨١).\n(٧) كتاب «إبطال التأويلات» (ص: ٤) (مخطوط).","vol":"1","page":96},{"text":"- وقال أبو بكر الخطيب البغدادي ﵀: (أما الكلام في الصفات، فإن ما روي عنها في السنن الصحاح، مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها ... ولا نقول: معنى اليد: القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا أن نقول إنها جوارح ... ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي بن حسن– ٢/ ٥٧٢\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرح الواسطية: وأهل السنة والجماعة إيمانهم بما وصف الله به نفسه خال من التحريف، يعني: تغيير اللفظ أو المعنى.\nوتغيير المعنى يسميه القائلون به تأويلًا، ويسمون أنفسهم بأهل التأويل، لأجل أن يصبغوا هذا الكلام صبغة القبول، لأن التأويل لا تنفر منه النفوس ولا تكرهه، لكن ما ذهبوا إليه في الحقيقة تحريف، لأنه ليس عليه دليل صحيح، إلا أنهم لا يستطيعون أن يقولوا: تحريفًا! ولو قالوا: هذا تحريف، لأعلنوا على أنفسهم برفض كلامهم.\nولهذا عبر المؤلف - يعني ابن تيمية - ﵀ بالتحريف دون التأويل مع أن كثيرًا ممن يتكلمون في هذا الباب يعبرون بنفي التأويل، يقولون: من غير تأويل، لكن ما عبر به المؤلف أولى لوجوه أربعة:\nالوجه الأول: أنه اللفظ الذي جاء به القرآن، فإن الله تعالى قال: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ [النساء: ٤٦]، والتعبير الذي عبر به القرآن أولى من غيره، لأنه أدل على المعنى.\nالوجه الثاني: أنه أدل على الحال، وأقرب إلى العدل، فالمؤول بغير دليل ليس من العدل أن تسميه مؤولًا، بل العدل أن نصفه بما يستحق وهو أن يكون محرفًا.\nالوجه الثالث: أن التأويل بغير دليل باطل، يجب البعد عنه والتنفير منه، واستعمال التحريف فيه أبلغ تنفيرًا من التأويل، لأن التحريف لا يقبله أحد، لكن التأويل لين، تقبله النفس، وتستفصل عن معناه، أما التحريف، بمجرد ما نقول: هذا تحريف. ينفر الإنسان منه، إذا كان كذلك، فإن استعمال التحريف فيمن خالفوا طريق السلف أليق من استعمال التأويل.\nالوجه الرابع: أن التأويل ليس مذمومًا كله، قال النبي ﵊: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» (١)، وقال الله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧]، فامتدحهم بأنهم يعلمون التأويل.\nوالتأويل ليس كله مذمومًا، لأن التأويل له معان متعددة، يكون بمعنى التفسير، ويكون بمعنى العاقبة والمآل، ويكون بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره.\n(أ) يكون بمعنى التفسير، كثير من المفسرين عندما يفسرون الآية، يقولون: تأويل قوله تعالى كذا وكذا. ثم يذكرون المعنى. وسمي التفسير تأويلًا، لأننا أوّلنا الكلام، أي: جعلناه يؤول إلى معناه المراد به.\n(ب) تأويل بمعنى: عاقبة الشيء، وهذا إن ورد في طلب، فتأويله فعله إن كان أمرًا وتركه إن كان نهيًا، وإن ورد في خبر، فتأويله وقوعه.\nمثاله في الخبر قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣]، فالمعنى: ما ينتظر هؤلاء إلا عاقبة ومآل ما أخبروا به، يوم يأتي ذلك المخبر به، يقول الذين نسوه من قبل: قد جاءت رسل ربنا بالحق.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٦٦) (٢٣٩٧)، والطبراني (١٠/ ٢٦٣)، والحاكم (٣/ ٦١٥). من حديث ابن عباس ﵁. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٥٨٩): صحيح.","vol":"1","page":97},{"text":"ومنه قول يوسف لما خرَّ له أبواه وإخوته سجدًا قال: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ [يوسف: ١٠٠]: هذا وقوع رؤياي، لأنه قال ذلك بعد أن سجدوا له.\nومثاله في الطلب قول عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده بعد أن أنزل عليه قوله تعالى: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١]، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن» (١). أي: يعمل به.\n(جـ) المعنى الثالث للتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره، وهذا النوع ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن دل عليه دليل، فهو محمود النوع ويكون من القسم الأول، وهو التفسير، وإن لم يدل عليه دليل، فهو مذموم، ويكون من باب التحريف، وليس من باب التأويل.\nوهذا الثاني هو الذي درج عليه أهل التحريف في صفات الله ﷿.\nمثاله قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]: ظاهر اللفظ أن الله تعالى استوى على العرش: استقر عليه، وعلا عليه، فإذا قال قائل: معنى (اسْتَوَى): استولى على العرش، فنقول: هذا تأويل عندك لأنك صرفت اللفظ عن ظاهره، لكن هذا تحريف في الحقيقة، لأنه ما دل عليه دليل، بل الدليل على خلافه، كما سيأتي إن شاء الله.\nفأما قوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١]، فمعنى: أَتَى أَمْرُ اللهِ، أي: سيأتي أمر الله، فهذا مخالف لظاهر اللفظ لكن عليه دليل وهو قوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوه.\nوكذلك قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨]، أي: إذا أردت أن تقرأ، وليس المعنى: إذا أكملت القراءة، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأننا علمنا من السنة أن النبي ﵊ إذا أرد أن يقرأ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، لا إذا أكمل القراءة، فالتأويل صحيح.\nوكذلك قول أنس بن مالك: «كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث» (٢)، فمعنى (إذا دخل): إذا أراد أن يدخل، لأن ذكر الله لا يليق داخل هذا المكان، فلهذا حملنا قوله: (إذا دخل) على إذا أراد أن يدخل: هذا التأويل الذي دل عليه صحيح، ولا يعدو أن يكون تفسيرًا.\nولذلك قلنا: إن التعبير بالتحريف عن التأويل الذي ليس عليه دليل صحيح أولى، لأنه الذي جاء به القرآن، ولأنه ألصق بطريق المحرف، ولأنه أشد تنفيرًا عن هذه الطريقة المخالفة لطريق السلف، ولأن التحريف كله مذموم، بخلاف التأويل، فإن منه ما يكون مذمومًا ومحمودًا، فيكون التعبير بالتحريف أولى من التعبير بالتأويل من أربعة أوجه. شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين – ١/ ٨٧\n(ينظر الفصل الخامس، من الباب الثالث، في الكتاب الثاني من الموسوعة)\n_________\n(١) رواه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤). من حديث عائشة ﵂.\n(٢) رواه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥). من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المبحث الثاني: موقف أهل السنة والجماعة من التعطيل</span>\nالتعطيل بمعنى التخلية والترك، كقوله تعالى: وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ [الحج: ٤٥]، أي: مخلاة متروكة.\nوالمراد بالتعطيل: إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات، سواء كان كليًا أو جزئيًا، وسواء كان ذلك بتحريف أو بجحود، هذا كله يسمى تعطيلًا.\nفأهل السنة والجماعة لا يعطلون أي اسم من أسماء الله، أو أي صفة من صفات الله، ولا يجحدونها، بل يقرون بها إقرارًا كاملًا.\nفإن قلت: ما الفرق بين التعطيل والتحريف؟\nقلنا: التحريف في الدليل، والتعطيل في المدلول، فمثلًا:\nإذا قال قائل: معنى قوله تعالى بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان [المائدة: ٦٤]، أي بل قوتاه هذا محرف للدليل، ومعطل للمراد الصحيح، لأن المراد اليد الحقيقية، فقد عطل المعنى المراد، وأثبت معنى غير المراد. وإذا قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان، لا أدري! أفوض الأمر إلى الله، لا أثبت اليد الحقيقية، ولا اليد المحرف إليها اللفظ. نقول: هذا معطل، وليس بمحرف، لأنه لم يغير معنى اللفظ، ولم يفسره بغير مراده، لكن عطل معناه الذي يراد به، وهو إثبات اليد لله ﷿.\nأهل السنة والجماعة يتبرءون من الطريقتين:\nالطريقة الأولى: التي هي تحريف اللفظ بتعطيل معناه الحقيقي المراد إلى معنى غير مراد.\nوالطريقة الثانية: وهي طريقة أهل التفويض، فهم لا يفوضون المعنى كما يقول المفوضة بل يقولون: نحن نقول: بَلْ يَدَاهُ، أي: يداه الحقيقيتان مَبْسُوطَتَان، وهما غير القوة والنعمة.\nفعقيدة أهل السنة والجماعة بريئة من التحريف ومن التعطيل. شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين – ١/ ٩١\n(ينظر الفصل الخامس، من الباب الثالث، في الكتاب الثاني من الموسوعة)","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الثالث: موقف أهل السنة والجماعة من التكييف</span>\nلفظة (تكييف): لم ترد في الكتاب والسنة، لكن ورد ما يدل على النهي عنها.\nالتكييف: هو أن تذكر كيفية الصفة، ولهذا تقول: كيَّف يكيِّف تكييفًا، أي ذكر كيفية الصفة.\nالتكييف يسأل عنه بـ (كيف)، فإذا قلت مثلًا: كيف جاء زيد؟ تقول: راكبًا. إذًا: كيف مجيئه. كيف لون السيارة؟ أبيض. فذكرت اللون.\nأهل السنة والجماعة لا يكيفون صفات الله، مستندين في ذلك إلى الدليل السمعي والدليل العقلي:\nأما الدليل السمعي، فمثل قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣]، والشاهد في قوله: وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.\nفإذا جاء رجل وقال: إن الله استوى على العرش، على هذه الكيفية ووصف كيفية معينة: نقول: هذا قد قال على الله مالا يعلم! هل أخبرك الله بأنه استوى على هذه الكيفية؟! لا، أخبرنا الله بأنه استوى ولم يخبرنا كيف استوى. فنقول: هذا تكييف وقول على الله بغير علم.\nولهذا قال بعض السلف إذا قال لك الجهمي: إن الله ينزل إلى السماء، فكيف ينزل؟ فقل: إن الله أخبرنا أنه ينزل، ولم يخبرنا كيف ينزل. وهذه قاعدة مفيدة.\nدليل آخر من السمع: قال تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء: ٣٦]، لا تتبع ما ليس لك به علم، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا.\nوأما الدليل العقلي، فكيفية الشيء لا تدرك إلا بواحد من أمور ثلاثة: مشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو خبر الصادق عنه أي: إما أن تكون شاهدته أنت وعرفت كيفيته. أو شاهدت نظيره، كما لو قال واحد: إن فلانًا اشترى سيارة داتسون موديل ثمان وثمانين رقم ألفين. فتعرف كيفيتها، لأن عندك مثلها أو خبر صادق عنه، أتاك رجل صادق وقال: إن سيارة فلان صفتها كذا وكذا ... ووصفها تمامًا، فتدرك الكيفية الآن.\nولهذا أيضًا قال بعض العلماء جوابًا لطيفًا: إن معنى قولنا: (بدون تكييف): ليس معناه ألا نعتقد لها كيفية، بل نعتقد لها كيفية لكن المنفي علمنا بالكيفية لأن استواء الله على العرش لا شك أن له كيفية، لكن لا تعلم، نزوله إلى السماء الدنيا له كيفية، لكن لا تعلم، لأن ما من موجود إلا وله كيفية، لكنها قد تكون معلومة، وقد تكون مجهولة.","vol":"1","page":100},{"text":"سئل الإمام مالك ﵀ عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]: كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه العرق، ثم رفع رأسه وقال: (الاستواء غير مجهول)، أي: من حيث المعنى معلوم، لأن اللغة العربية بين أيدينا، كل المواضع التي وردت فيها (اسْتَوَى) معداة بـ (على) معناها العلو فقال: (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول) لأن العقل لا يدرك الكيف، فإذا انتفى الدليل السمعي والعقلي عن الكيفية، وجب الكف عنها، (والإيمان به واجب)، لأن الله أخبر به عنه نفسه، فوجب تصديقه، (والسؤال عنه بدعة) (١): السؤال عن الكيفية بدعة، لأن من هم أحرص منا على العلم ما سألوا عنها وهم الصحابة لما قال الله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]، عرفوا عظمة الله ﷿، ومعنى الاستواء على العرش، وأنه لا يمكن أن تسأل: كيف استوى؟ لأنك لن تدرك ذلك، فنحن إذا سئلنا، فنقول: هذا السؤال بدعة.\nوكلام مالك ﵀ ميزان لجميع الصفات، فإن قيل لك مثلًا: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، كيف ينزل؟ فالنزول غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به، واجب والسؤال عنه بدعة والذين يسألون: كيف يمكن النزول وثلث الليل يتنقل؟! فنقول: السؤال هذا بدعة كيف تسأل عن شيء ما سأل عنه الصحابة وهم أحرص منك على الخير وعلى العلم بما يجب لله ﷿، ولسنا بأعلم من الرسول ﵊، فهو لم يعلمهم. فسؤالك هذا بدعة، ولولا أننا نحسن الظن بك، لقلنا ما يليق بك بأنك رجل مبتدع.\nوالإمام مالك ﵀ قال: (ما أراك إلا مبتدعًا) ثم أمر به فأخرج، لأن السلف يكرهون أهل البدع، وكلامهم، واعتراضاتهم، وتقديراتهم، ومجادلاتهم.\nفأنت يا أخي عليك في هذا الباب بالتسليم، فمن تمام الإسلام لله ﷿ ألا تبحث في هذه الأمور، ولهذا أحذركم دائمًا من البحث فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على سبيل التعنت والتنطع والشيء الذي ما سأل الصحابة عنه، لأننا إذا فتحنا على أنفسنا هذه الأبواب، انفتحت علينا الأبواب، وتهدمت الأسوار، وعجزنا عن ضبط أنفسنا، فلذلك قل: سمعنا، وأطعنا، وآمنا وصدقنا، آمنا وصدقنا بالخبر، وأطعنا الطلب، وسمعنا القول، حتى تسلم!\nوأي إنسان يسأل فيما يتعلق بصفات الله عن شيء ما سأل عنه الصحابة، فقل كما قال الإمام مالك، فإن لك سلفًا: السؤال عن هذا بدعة. وإذا قلت ذلك، لن يلح عليك، وإذا ألح، فقل: يا مبتدع! السؤال عنه بدعة، اسأل عن الأحكام التي أنت مكلف بها، أما أن تسأل عن شيء يتعلق بالرب ﷿، وبأسمائه وصفاته، ولم يسأل عنه الصحابة، فهذا لا نقبله منك أبدًا!\nوهناك كلام للسلف يدل على أنهم يفهمون معاني ما أنزل الله على رسوله من الصفات، كما نقل عن الأوزاعي وغيره، نقل عنهم أنهم قالوا في آيات الصفات وأحاديثها: أمروها كما جاءت بلا كيف. (٢) وهذا يدل على أنهم يثبتون لها معنى من وجهين:\nأولًا: أنهم قالوا: (أمروها كما جاءت) ومعلوم أنها ألفاظ جاءت لمعاني ولم تأت عبثًا، فإذا أمررناها كما جاءت، لزم من ذلك أن نثبت لها معنى.\nثانيًا: قوله: (بلا كيف) لأن نفي الكيفية يدل على وجود أصل المعنى، لأن نفي الكيفية عن شيء لا يوجد لغو وعبث.\nإذًا، فهذا الكلام المشهور عند السلف يدل على أنهم يثبتون لهذه النصوص معنى. شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين – ١/ ٩٧\n_________\n(١) رواه البيهقي في «الاعتقاد» (ص ١١٦)، والذهبي في «العلو» (٥٩٥). وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص٧٥): صحيح.\n(٢) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٣/ ٥٢٧) (٩٣٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٢). كلاهما عن الوليد بن مسلم.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث الرابع: موقف أهل السنة والجماعة من التمثيل</span>\nالتمثيل: ذكر مماثل للشيء، وبينه وبين التكييف عموم وخصوص مطلق، لأن كل ممثل مكيف، وليس كل مكيف ممثلًا، لأن التكييف ذكر كيفية غير مقرونة بمماثل، مثل أن تقول: لي قلم كيفيته كذا وكذا. فإن قرنت بمماثل، صار تمثيلًا، مثل أن أقول: هذا القلم مثل هذا القلم، لأني ذكرت شيئًا مماثلًا لشيء، وعرفت هذا القلم بذكر مماثلة.\nوأهل السنة والجماعة يثبتون لله ﷿ الصفات بدون مماثلة، يقولون: إن الله ﷿ له حياة وليست مثل حياتنا، له علم وليس مثل علمنا، له بصر، ليس مثل بصرنا، له وجه وليس مثل وجوهنا له يد وليست مثل أيدينا ... وهكذا جميع الصفات، يقولون: إن الله ﷿ لا يماثل خلقه فيما وصف به نفسه أبدًا، ولهم على ذلك أدلة سمعية وأدلة عقلية:\nأ- الأدلة السمعية: تنقسم إلى قسمين: خبر، وطلب.\n- فمن الخبر قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، فالآية فيها نفي صريح للتمثيل وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥]، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى الخبر، لأنه استفهام بمعنى النفي وقوله: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية.\n- وأما الطلب، فقال الله تعالى: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا [البقرة: ٢٢] أي: نظراء مماثلين. وقال: فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ [النحل: ٧٤].\nفمن مثَّل الله بخلقه، فقد كذب الخبر وعصى الأمر ولهذا أطلق بعض السلف القول بالتكفير لمن مثَّل الله بخلقه، فقال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري ﵀: من شبه الله بخلقه، فقد كفر (١)، لأنه جمع بين التكذيب بالخبر وعصيان الطلب.\nوأما الأدلة العقلية على انتفاء التماثل بين الخالق والمخلوق: فمن وجوه:\nأولًا: أن نقول لا يمكن التماثل بين الخالق والمخلوق بأي حال من الأحوال لو لم يكن بينهما من التباين إلا أصل الوجود، لكان كافيًا، وذلك أن وجود الخالق واجب، فهو أزلي أبدي، ووجود المخلوق ممكن مسبوق بعدم ويلحقه فناء، فما كانا كذلك لا يمكن أن يقال: إنهما متماثلان.\nثانيًا: أنا نجد التباين العظيم بين الخالق والمخلوق في صفاته وفي أفعاله، في صفاته يسمع ﷿ كل صوت مهما خفي ومهما بعد، لو كان في قعار البحار، لسمعه ﷿.\nوأنزل الله قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١]، تقول عائشة: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات (٢) ... والله تعالى سمعها من على عرشه وبينه وبينها ما لا يعلم مداه إلا الله ﷿، ولا يمكن أن يقول قائل: إن سمع الله مثل سمعنا.\nثالثًا: نقول: نحن نعلم أن الله تعالى مباين للخلق بذاته: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥]، وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ [الزمر: ٦٧]، ولا يمكن لأحد من الخلق أن يكون هكذا، فإذا كان مباينًا للخلق في ذاته، فالصفات تابعة للذات، فيكون أيضًا مباينًا للخلق في صفاته ﷿، ولا يمكن التماثل بين الخالق والمخلوق.\n_________\n(١) رواه الذهبي في «العلو» (٤٦٤)، وصححه الألباني في «مختصر العلو» (ص٧٥).\n(٢) رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم عن عائشة ﵂، بعد حديث (٧٣٨٥)، ورواه النسائي (٦/ ١٨٦) وابن ماجه (١٨٨) وأحمد (٦/ ٤٦) (٢٤٢١)، قال ابن عساكر في معجم الشيوخ (١/ ١٦٣) وابن حجر في التغليق (٥/ ٣٣٩) والألباني في صحيح ابن ماجه: صحيح.","vol":"1","page":102},{"text":"رابعًا: نقول: إننا نشاهد في المخلوقات أشياء تتفق في الأسماء وتختلف في المسميات، يختلف الناس في صفاتهم: هذا قوي البصر وهذا ضعيف، وهذا قوي السمع وهذا ضعيف، هذا قوي البدن وهذا ضعيف وهذا ذكر وهذا أنثى .... وهكذا التباين في المخلوقات التي من جنس واحد، فما بالك بالمخلوقات المختلفة الأجناس؟ فالتباين بينها أظهر ولهذا، لا يمكن لأحد أن يقول: إن لي يدًا كيد الجمل، أو لي يدًا كيد الذرة، أو لي يدًا كيد الهر، فعندنا الآن إنسان، وجمل، وذرة، وهر، كل واحد له يد مختلفة عن الثاني، مع أنها متفقة في الاسم فنقول: إذا جاز التفاوت بين المسميات في المخلوقات مع اتفاق الاسم فجوازه بين الخالق والمخلوق ليس جائزًا فقط بل هو واجب؛ فعندنا أربعة وجوه عقلية كلها تدل على أن الخالق لا يمكن أن يماثل المخلوق بأي حال من الأحوال.\nربما نقول أيضًا هناك دليل فطري، وذلك لأن الإنسان بفطرته بدون أن يلقن يعرف الفرق بين الخالق والمخلوق ولولا هذه الفطرة؛ ما ذهب يدعو الخالق.\nفتبين الآن أن التمثيل منتفٍ سمعًا، وعقلًا، وفطرة.\nفإن قال قائل: إن النبي ﷺ حدثنا بأحاديث تشتبه علينا؛ هل هي تمثيل أو غير تمثيل؟ ونحن نضعها بين أيديكم:\nقال النبي ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» (١)؛ فقال: (كما) والكاف للتشبيه، هذا رسول الله ﷺ، ونحن من قاعدتنا أن نؤمن بما قال الرسول كما نؤمن بما قال الله؛ فأجيبوا عن هذا الحديث؟\nنقول نجيب عن هذا الحديث وعن غيره بجوابين: الجواب الأول مجمل والثاني مفصل.\nفالأول المجمل: أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين كلام الله وكلام رسوله الذي صح عنه أبدًا؛ لأن الكل حق، والحق لا يتعارض، والكل من عند الله، وما عند الله تعالى لا يتناقض) وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]؛ فإن وقع ما يوهم التعارض في همك؛ فاعلم أن هذا ليس بحسب النص، ولكن باعتبار ما عندك؛ فأنت إذا وقع التعارض عندك في نصوص الكتاب والسنة؛ فإما لقلة العلم، وإما لقصور الفهم، وإما للتقصير في البحث والتدبر، ولو بحثت وتدبرت؛ لوجدت أن التعارض الذي توهمته لا أصل له، وإما لسوء القصد والنية؛ بحيث تستعرض ما ظاهره التعارض لطلب التعارض، فتحرم التوفيق؛ كأهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه.\nويتفرع على هذا الجواب المجمل أنه يجب عليك عند الاشتباه أن ترد المشتبه إلى المحكم؛ لأن هذه الطريق طريق الراسخين في العلم؛ قال الله تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران: ٧]، ويحملون المتشابه على المحكم حتى يبقى النص كله محكمًا.\nوأما الجواب المفصل؛ فإنا نجيب عن كل نص بعينه فنقول:\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣). من حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا عند النبى ﷺ فنظر إلى القمر ليلة - يعنى البدر- فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا». ثم قرأ: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب [ق: ٣٩].","vol":"1","page":103},{"text":"إن قول النبي ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته»؛ ليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي، ولكنه تشبيه للرؤية بالرؤية؛ «سترون .. كما ترون»؛ الكاف في: «كما ترون»: داخلة على مصدر مؤول؛ لأن (ما) مصدرية، وتقدير الكلام: كرؤيتكم القمر ليلة البدر وحينئذ يكون التشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي، والمراد أنكم ترونه رؤية واضحة كما ترون القمر ليلة البدر ولهذا أعقبه بقوله: «لا تضامون في رؤيته» أو: «لا تضارون في رؤيته» فزال الإشكال الآن.\nقال النبي ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته» (١) والصورة مماثلة للأخرى، ولا يعقل صورة إلا مماثلة للأخرى، ولهذا أكتب لك رسالة، ثم تدخلها الآلة الفوتوغرافية، وتخرج الرسالة، فيقال: هذه صورة هذه، ولا فرق بين الحروف والكلمات؛ فالصورة مطابقة للصورة، والقائل: «إن الله خلق آدم على صورته»: الرسول ﵊ أعلم وأصدق وأنصح وأفصح الخلق.\nوالجواب المجمل أن نقول: لا يمكن أن يناقض هذا الحديث قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، فإن يسر الله لك الجمع؛ فاجمع، وإن لم يتيسر؛ فقل: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]، وعقيدتنا أن الله لا مثيل له؛ بهذا تسلم أمام الله ﷿.\nهذا كلام الله، وهذا كلام رسوله، والكل حق، ولا يمكن أن يكذب بعضه بعضًا؛ لأنه كله خبر وليس حكمًا كي ينسخ؛ فأقول: هذا نفي للمماثلة، وهذا إثبات للصورة؛ فقل: إن الله ليس كمثله شيء، وإن الله خلق آدم على صورته؛ فهذا كلام الله، وهذا كلام رسوله، والكل حق نؤمن به، ونقول: كل من عند ربنا ونسكت وهذا هو غاية ما نستطيع.\nوأما الجواب المفصّل؛ فنقول: إن الذي قال: «إن الله خلق آدم على صورته» رسول الذي قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] والرسول لا يمكن أن ينطق بما يكذب المرسل والذي قال: «خلق آدم على صورته» هو الذي قال: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر» (٢) فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه، أو تعتقد أنهم على صورة البشر لكن في الوضاءة، والحسن، والجمال، واستدارة الوجه وما أشبه ذلك على صورة القمر، لا من كل وجه؟! فإن قلت بالأول؛ فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين، وليس لهم آناف، وليس لهم أفواه! وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار! وإن قلت بالثاني؛ زال الإشكال، وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له من كل وجه.\nفإن أبى فهمك، وتقاصر عن هذا وقال: أنا لا أفهم إلا أنه مماثل.\nقلنا: هناك جواب آخر، وهو أن الإضافة هنا من باب إضافة المخلوق إلى خالقه؛ فقوله: «على صورته»؛ مثل قوله ﷿ في آدم: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي [الحجر: ٢٩]، ولا يمكن أن الله ﷿ أعطى آدم جزءًا من روحه، بل المراد الروح التي خلقها الله ﷿، لكن إضافتها إلى الله بخصوصها من باب التشريف؛ كما نقول: عباد الله؛ يشمل الكافر، والمسلم، والمؤمن، والشهيد، والصديق، والنبي، لكننا لو قلنا: محمد عبد الله؛ هذه إضافة خاصة ليست كالعبودية السابقة.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٦١٢) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٣٣٢٧)، ومسلم (٢٨٣٤). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":104},{"text":"فقوله: «خلق آدم على صورته»؛ يعني: صورة من الصور التي خلقها الله وصورها؛ كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [الأعراف: ١١]، والمصور آدم إذًا؛ فآدم عل صورة الله؛ يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤]؛ فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف؛ كأنه ﷿ اعتنى بهذه الصورة ومن أجل ذلك؛ لا تضرب الوجه؛ فتعيبه حسًا، ولا تقبحه فتقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك؛ فتعيبه معنىً؛ فمن أجل أنه الصورة التي صورها الله وأضافها إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا؛ لا تقبحها بعيب حسي ولا بعيب معنوي.\nثم هل يعتبر هذا الجواب تحريفًا أم له نظير؟\nنقول: له نظير، كما في: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله؛ لأن هذه الصورة (أي: صورة آدم) منفصلة بائنة من الله، وكل شيء أضافه الله إلى نفسه وهو منفصل بائن عنه؛ فهو من المخلوقات؛ فحينئذ يزول الإشكال.\nولكن إذا قال قائل: أيما أسلم المعنى الأول أو الثاني؟ قلنا: المعنى الأول أسلم، ما دمنا نجد أن لظاهر اللفظ مساغًا في اللغة العربية، وإمكانًا في العقل؛ فالواجب حمل الكلام عليه، ونحن وجدنا أن الصورة لا يلزم منها مماثلة الصورة الأخرى، وحينئذ يكون الأسلم أن نحمله على ظاهره.\nفإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله ويكون آدم عليها؟\nقلنا: إن الله ﷿ له وجه، وله عين، وله يد، وله رجل ﷿، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان؛ فهناك شيء من الشبه لكنه ليس على سبيل المماثلة؛ كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة فيها شبه من القمر لكن بدون مماثلة، وبهذا يصدق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة؛ من أن جميع صفات الله ﷾ ليست مماثلة لصفات المخلوقين؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.\nنسمع كثيرًا من الكتب التي نقرأها يقولون: تشبيه؛ يعبرون بالتشبيه وهم يقصدون التمثيل؛ فأيما أولى: أنعبر بالتشبيه، أو نعبر بالتمثيل؟\nنقول بالتمثيل أولى.\nأولًا: لأن القرآن عبر به: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا [البقرة: ٢٢] ... وما أشبه ذلك، وكل ما عبر به القرآن؛ فهو أولى من غيره؛ لأننا لا نجد أفصح من القرآن، ولا أدل على المعنى المراد من القرآن، والله أعلم بما يريده من كلامه، فتكون موافقة القرآن هي الصواب، فنعبر بنفي التمثيل. وهكذا في كل مكان؛ فإن موافقة النص في اللفظ أولى من ذكر لفظ مرادف أو مقارب.\nثانيًا: أن التشبيه عند بعض الناس يعني إثبات الصفات ولهذا يسمون أهل السنة: مشبهة؛ فإذا قلنا: من غير تشبيه وهذا الرجل لا يفهم من التشبيه إلا إثبات الصفات؛ صار كأننا نقول له: من غير إثبات صفات! فصار معنى التشبيه يوهم معنى فاسدًا، فلهذا كان العدول عنه أولى.\nثالثًا: أن نفي التشبيه على الإطلاق غير صحيح؛ لأن ما من شيئين من الأعيان أو من الصفات إلا وبينهما اشتراك من بعض الوجوه، والاشتراك نوع تشابه، فلو نفيت التشبيه مطلقًا؛ لكنت نفيت كل ما يشترك فيه الخالق والمخلوق في شيء ما.\nمثلًا: الوجود؛ يشترك في أصله الخالق والمخلوق، هذا نوع اشتراك نوع تشابه، لكن فرق بين الوجودين؛ وجود الخالق واجب، ووجود المخلوق ممكن.\nوكذلك السمع؛ فيه اشتراك؛ الإنسان له سمع، والخالق له سمع، لكن بينهما فرق، لكن أصل وجود السمع مشترك.\nفإذا قلنا: من غير تشبيه ونفينا مطلق التشبيه؛ صار في هذا إشكال.\nوبهذا عرفنا أن التعبير بالتمثيل أولى من ثلاثة أوجه\nفإن قلت: ما الفرق بينهما من وجهين.\nالأول: أن التمثيل ذكر الصفة مقيدة بمماثل؛ فتقول يد فلان مثل يد فلان، والتكييف ذكر الصفة غير مقيدة بمماثل؛ مثل أن تقول: كيفية يد فلان كذا وكذا.\nوعلى هذا نقول: كل ممثل مكيف، ولا عكس.\nالثاني: أن الكيفية لا تكون إلا في الصفة والهيئة، والتمثيل يكون في ذلك كما في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]؛ أي: في العدد شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين – ١/ ١٠٢\n(ينظر الفصل الخامس، من الباب الثالث، في الكتاب الثاني من الموسوعة)","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>المطلب الأول: حقيقة مذهب أصحاب التفويض</span>\nهم طائفة من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف، تعارض عندهم المعقول والمنقول فأعرضوا عنهما جميعًا، بقلوبهم وعقولهم، بعد أن هالهم ما عليه أصحاب التأويل من تحريف للنصوص، وجناية على الدين، فقالوا في أسماء الله وصفاته، وما جاء في ذكر الجنة والنار، والوعد والوعيد، إنها نصوص متشابهة، لا يعلم معناها إلا الله تعالى وجعلوا الوقف في آية آل عمران عند لفظ الجلالة (١).\nوهم طائفتان من حيث إثبات ظواهر النصوص ونفيها (٢):\nالأولى: تقول: المراد بهذه النصوص خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعرف أحد من الأنبياء، ولا الملائكة، ولا الصحابة، ولا أحد من الأمة ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.\nالثانية: تقول: بل تجرى على ظاهرها، وتحمل عليه، ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله تعالى فتناقضوا: حيث أثبتوا لها تأويلًا يخالف ظاهرها، وقالوا -مع هذا-: إنها تحمل على ظاهرها.\nوهم –أيضًا- طائفتان من حيث علم الرسول ﷺ بمعاني النصوص وعدمه: (٣)\nالأولى: تقول: إن الرسول ﷺ كان يعلم معاني هذه النصوص المتشابهة، لكنه لم يبين للناس المراد منها، ولا أوضحه إيضاحًا يقطع النزاع، وهذا هو المشهور بينهم.\nالثانية: تقول: -وهم الأكابر منهم-: إن معاني هذه النصوص المتشابهة لا يعلمه إلا الله، لا الرسول، ولا جبريل، ولا أحد من الصحابة، والتابعين، وعلماء الأمة.\nوعند الطائفتين، أن هذه النصوص إنما أنزلت للابتلاء، والمقصود منها تحصيل الثواب بتلاوتها وقراءتها من غير فقه ولا فهم (٤).\nفأصحاب التفويض بنوا مذهبهم على أصلين:\nالأول: أن هذه النصوص – نصوص الصفات، والقدر، والوعد، والوعيد، والمعاد – من المتشابه، و... دحض هذه الدعوى، ... أنه لا يعلم أحد من السلف جعل شيئًا من هذه النصوص من المتشابه الذي لا يعلم معناه أحد من الناس.\nالثاني: أن المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، واستدلوا على ذلك بالوقف على لفظ الجلالة في آية آل عمران، والوقف صحيح، وهو قول جمهور العلماء، لكن لم يقل واحد منهم إن معاني هذه النصوص وغيرها لا يعلمه إلا الله: لا الرسول ﷺ، ولا أحد من الأمة. فهم لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره، والذي يعلمه الرسول والراسخون في العلم، وبين التأويل الذي اختص الله بعلمه، من العلم بوقت الساعة، وحقائق الأسماء والصفات، ومسائل اليوم الآخر ونحو ذلك، ومع ذلك فنحن نفهم ما خوطبنا به من هذه المسائل من جهة المعنى، وإن كنا نجهلها: كيفية وقدرًا ...\nالفرق بين التفويض والإثبات:\nتباين السلف وأصحاب التفويض في مسائل أهمها:\nالأولى: أن السلف أثبتوا اللفظ وما دل عليه من المعاني، مع فهمهم المعنى المراد من حيث الوضع اللغوي، ومن حيث معرفة مراد المتكلم، فيعلمون معنى السمع والبصر، والوجه واليدين، والصراط والميزان، ونحو ذلك.\nأما أصحاب التفويض فهم وإن كانوا قد أثبتوا اللفظ، وفهموه من حيث وضع اللغة؛ لكنهم توقفوا في تعيين المراد به في حق الله تعالى، بل يمنعون أن يكون ظاهره مرادًا.\nالثانية: السلف فوضوا العلم بالكيفية دون العلم بالمعنى؛ فيعلمون معنى السمع والبصر، والوجه، واليدين، ويعلمون معاني ما أخبر الله به من مسائل اليوم الآخر من أنواع النعيم، وصنوف العذاب، ولكنهم يجهلون كيفية ذلك وحقيقته التي هو عليها.\nأما أصحاب التفويض فقد فوضوا العلم بالكيفية والمعنى جميعًا، فلا يعلمون معاني نصوص الصفات، ولا معاني نصوص المعاد، بل يقولون: لا ندري ما أراد الله بها.\nالثالثة: أصحاب التفويض وافقوا السلف – أو كثيرًا منهم – في الوقف على لفظ الجلالة، لكنهم خالفوهم في جعلهم التأويل المنفي في الآية هو تفسير اللفظ ومعرفة معناه، أو هو التأويل بالاصطلاح الحادث عند المتأخرين (٥). والسلف يقولون: التأويل المنفي هو الحقيقة التي يؤول إليها الأمر، وهو غالب استعمال القرآن، كما مر. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي بن حسن– ٢/ ٥٨١\n_________\n(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ١٥)، و«مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٦٦، ٦٧، ٥/ ٣٤ - ٣٥، ٤/ ٦٧ - ٦٨)، و«شرح الطحاوية» (ص: ٥٣١)، وانظر: «أساس التقديس» للرازي (ص: ٢٢٢) وما بعدها.\n(٢) انظر: «درء تعارض العقل» (١/ ١٦)، و«شرح الطحاوية» (ص: ٥٣١).\n(٣) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٠٤).\n(٤) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٦/ ٤٤٢)، و«أساس التقديس» للرازي (ص: ٢١٦).\n(٥) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٧/ ٣٥).","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المطلب الثاني: الأدلة على بطلان مذهب التفويض</span>\n- تواتر الآيات والأحاديث على إثبات صفة معينة وذلك بأساليب متعددة، ودلالات متعاضدة، يؤكد أن هذا الظاهر هو المطلوب فهمه، فصرف العقول والقلوب عن إدراك هذا المعنى – والذي احتشدت النصوص لتأكيده – هو غاية في الاستبلاه.\n- لقد فسر أئمة السلف كثيرًا من آيات الصفات كقولهم في الاستواء إنه: العلو، والاستقرار، والارتفاع (١)، مما يدل على أنهم فهموا معناها.\n- قول عبد الله بن المبارك وقد سئل: كيف نعرف ربنا؟ فقال: (نعرف ربنا: فوق سبع سموات على العرش استوى، بائن من خلقه)، وفي رواية، قال: (على السماء السابعة على عرشه) (٢) وهذا الذي قاله هو مقتضى النصوص، وهو الذي فهمه منها.\n- تفريق السلف بين إدراك المعنى وإدراك الكيف: وقد تقدم كلام الإمام مالك ﵀ في ذلك، وقال الذهبي عقب كلام مالك ﵀: (وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به) (٣).\n- يلزم من مذهب التفويض لوازم باطلة، منها:\nأ- القدح في الرب جل وعلا، وفي القرآن الكريم، وفي الرسول ﷺ وذلك بأن يكون الله تعالى أنزل كلامًا لا يفهم، وأمر بتدبر ما لا يتدبر، وبعقل مالا يعقل، وأن يكون القرآن الذي هو النور المبين والذكر الكريم سببًا لأنواع الاختلافات والضلالات، بل يكون بينهم وكأنه بغير لغتهم، وأن يكون الرسول ﷺ لم يبلغ البلاغ المبين، ولا بين للناس ما نزل إليهم، وبهذا تكون قد فسدت الرسالة، وبطلت الحجة، وهو الذي لم يتجرأ عليه صناديد الكفر (٤).\nب- أن يتسلط المتأولة على المفوضة فينسبون هذه الطريقة إلى السلف، فيكون السلف من الصحابة وخيار التابعين بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، شغلهم الجهاد وفتح البلاد عن التدبر في كلام الله تعالى وعقله وفهمه، فقال المتأخرون قولتهم المشئومة: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، بل طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم، وما أمتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء فالمتأخرون في شأن، والقوم في شأن آخر، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا (٥).\nج- استطالة نفاة المعاد – وغيرهم من الملاحدة – على المفوضة فيقول الواحد منهم: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة ومتشابهة لا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم معناه لا يجوز الاستدلال به، فيبقى هذا المذهب (التفويض) سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم من أهل الضلالات من الفلاسفة، والملاحدة الباطنية، وأصحاب الأذواق والمواجيد والتأويلات الشنيعة (٦). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي بن حسن -بتصرف – ٢/ ٥٩٣\n(ينظر الفصل الخامس، من الباب الثالث، في الكتاب الثاني من الموسوعة)\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» (١/ ١٩١، ١٩٢)، و«تفسير البغوي» (٢/ ١٩٦).\n(٢) رواه البيهقي في «الأسماء والصفات» (ص: ٤٢٧)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (ص: ٧ - ٣٥ - ٧٢) والدارمي في «الرد على المريسي» (ص: ٢٤)، والذهبي في «العلو» وصححه. انظر: «مختصر العلو» (ص: ١٥١) برقم: ١٥٠ وابن القيم في «الجيوش الإسلامية» (ص: ٤٤) وصححه، وفي (ص: ٨٤) وقال: (وقد صح عنه صحة قريبة من التواتر ....) ثم ذكر الحديث. وصححه الألباني في «مختصر العلو» (ص: ١٥١).\n(٣) «العلو» للذهبي (ص: ٨٢).\n(٤) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٠٤).\n(٥) انظر: «شرح الطحاوية» (ص: ١٢).\n(٦) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٠٢، ٢٠٥).","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المطلب الأول: التعريف بالمنطق الأرسطي</span>\nيزعم أصحاب المنطق أن المنطق نوعان: ظاهر وباطن، والظاهر هو الألفاظ والكلام، وتقويمه إنما يكون بالنحو في النثر، وبالعروض في الشعر، وأما الباطن فهو عمل العقل، وفكره، وتقويمه إنما يكون بالمنطق الاصطلاحي (١):\nوالمشهور عندهم أنه: (آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، أو أن يزل في تفكيره) (٢) منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - ٢/ ٥٩٩\n_________\n(١) «حاشية الجرجاني على تحرير القواعد المنطقية لمحمود بن محمد الرازي» (١٨٠) و«المنطق المنظم في شرح الملوي على السلم لعبد المتعال الصعيدي» (١١) و«المنطق والفكر الإنساني لعبد السلام محمد عبده» (٥).\n(٢) «تحرير القواعد المنطقية لمحمود بن محمد الرازي على شرح الرسالة الشمسية لعمر بن علي القزويني – المعروف بالكاتبي» (١٦) و«التعريفات للجرجاني» (١٢١) و«الرد على المنطقيين» (٧).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>تمهيد:</span>\nقد يظن البعض أن المسلمين رفضوا المنطق الأرسطي لمجرد اشتغال الأمم الكافرة به، وهذا ظن خاطئ لأنه يستلزم أن يرفض المسلمون كل ما أتى من غيرهم من علوم صحيحة كالطب، والحساب، والهندسة ونحوها. وإنما رفض المسلمون المنطق الأرسطي لأسباب شرعية وعقلية منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - ٢/ ٦١١","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المسألة الأولى: الأسباب الشرعية لرفض المنطق الأرسطي</span>\n١ - أنه لم يؤثر عن الصدر الأول من الصحابة والتابعين التكلم بالمنطق؛ إما لكونه لم يكن موجودًا في زمانهم، أو كان موجودًا ثم أعرضوا عنه (١) وشريعة الإسلام ليست موقوفة على شيء يتعلم من غير المسلمين أصلًا (٢)، وإن كان طريقًا صحيحًا، فكيف إذا كان فاسدًا أو متضمنًا للفساد، بل الكفر والإلحاد.\n٢ - أن المنطق نشأ في بيئة فلسفية، كان أصحابها أهل شرك وإلحاد، بل ما عند مشركي العرب من الكفر والشرك خير مما عند الفلاسفة (٣). قال ابن تيمية في الفلاسفة: (وضلالهم في الإلهيات ظاهر لأكثر الناس؛ ولهذا كفرهم فيها نظار المسلمين قاطبة) (٤). ولهذا كان أبو القاسم السهلي وغيره يقول: (نعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي) (٥).\nفلم يأخذ المسلمون بالمنطق الأرسطي لملابسته العلوم الفلسفية المباينة للعقائد الصحيحة (٦).\n٣ - خشية اغترار بعض المسلمين بالمنطق لما يرى من صدق قضاياه، فيظن أنها كلها صادقة، وأن ما يتعلق منها بالعقائد مبرهن بمثل تلك البراهين، يقول الغزالي - في معرض نقده للمنطق في أواخر كتبه - (٧): (وربما ينظر في المنطق – أيضًا – من يستحسنه ويراه واضحًا فيظن أن ما ينقل عنهم من الكفريات مؤيدة بمثل تلك البراهين، فاستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية) ويشير ابن تيمية إلى هذا المعنى في أول كتابه: الرد على المنطقيين (٨)، فيقول: (كنت أحسب أن قضاياه – أي المنطق – صادقة لما رأيت من صدق كثير منها، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه ... وتبين لي أن كثيرًا مما ذكروه في أصولهم في الإلهيات وفي المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات).\n٤ - قصور البرهان الفلسفي عن الوصول بالإنسان إلى اليقين، وذلك عند تطبيقه في الإلهيات؛ يقول الغزالي: (لهم نوع من الظلم في هذا العلم، وهو أنهم يجمعون للبرهان شروطًا يعلم أنها تورث اليقين لا محالة، لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل) (٩).\n٥ - ما يسببه المنطق الأرسطي من التفرق والاختلاف والتنابذ، ومازال أهله والمشتغلون به على هذه الحال، بل لا تكاد تجد اثنين منهم يتفقان على مسألة، حتى التي يسمونها بديهيات أو يقينيات (١٠). وقد مر قول من قال: (فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها) (١١).\n٦ - ما يلزم منه من لوازم فاسدة، تناقض العلم والإيمان، وتفضي إلى أنواع من الجهل، والكفر، والضلال (١٢) ... ومن ذلك:\nأ- القول بقدم العالم، وذلك لأن الإله لا يسبق العالم في الوجود الزمني، وإن كان يسبقه في الوجود الفكري، مثلما تسبق المقدمة النتيجة في الوجود الفكري (١٣).\nوهذا مما أنكره الغزالي على الفلاسفة وكفرهم به في كتابه: (تهافت الفلاسفة) (١٤).\n_________\n(١) «صون المنطق» (١٤) و«فتاوى ابن الصلاح» (٣٥).\n(٢) «الرد على المنطقيين» (٢٥٨).\n(٣) «الرد على المنطقيين» (١٠١، ٥٣٥) وما بعدها.\n(٤) «الرد على المنطقيين» (٢٠٠).\n(٥) «الرد على المنطقيين» (٤٨٢).\n(٦) «مقدمة ابن خلدون» (٤٨٣) و«مناهج البحث للنشار» ص: ط (التصدير)، و(ص: ٨٧).\n(٧) «المنقذ من الضلال» (٩٤).\n(٨) «الرد على المنطقيين» (٣).\n(٩) «المنقذ من الضلال» (٩٣).\n(١٠) «الرد على المنطقيين» (٣٣٤) وما بعدها.\n(١١) «صون المنطق» (٩).\n(١٢) «الرد على المنطقيين» (١٩٨).\n(١٣) انظر: «الغزو الفكري في المناهج الدراسية» للأستاذ علي لبن (ص: ٣٢) – دار الوفاء الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ-١٩٨٧م – مصر.\n(١٤) انظر: (ص: ٨٨) وما بعدها تحقيق: د/ سلميان دنيا دار المعارف الطبعة الرابعة ١٣٨٥هـ-١٩٦٦م – مصر.","vol":"1","page":110},{"text":"ومن فساد هذا المذهب ما يلزمه من تضمن المخلوقات في الخالق منذ البداية، كتضمن النتيجة في المقدمة منذ البداية، فيكون الخالق مخلوقًا، والمخلوق خالقًا، والصانع مصنوعًا، والمصنوع صانعًا، والعلة معلولًا، والمعلول علة ... إلى غير ذلك من التناقضات (١).\nب- إنكار الصفات الثبوتية لله تعالى، بل يصفونه بالسلوب المحض، أو بما لا يتضمن إلا السلب، ولهذا قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ لأنه لو صدر عنه اثنان لكان ذلك مخالفًا للوحدة، وبهذا نفوا أن يكون الله فاعلًا مختارًا، فنفوا الصفات عن الله تعالى هروبًا من تشبيهه بالنفوس الفلكية أو الإنسانية، ثم شبهوه بالجمادات (٢).\nج- إنكار علم الله تعالى بالجزئيات، وهذا هو المشهور عنهم وهو مما أنكره الغزالي -أيضًا- في كتابه: (التهافت) وغيره (٣)، فالله تعالى عندهم يعلم الأمور الكلية دون أفرادها وجزئياتها، وذلك لأن هذه الجزئيات في تغير وتجدد، فلو تعلق علم الله تعالى بها للزمه التغير والتجدد بتغير المعلوم وتجدده، فيلزم من ذلك التغير في ذات الله تعالى، وهو الواحد الأحد (٤). وهذا تكذيب صريح للقرآن الكريم وصحيح العقل، وفيه فتح لباب الفساد في العالم، والخروج على الشريعة جملة وتفصيلًا، وأعظم منه إساءة الظن برب العالمين.\nد- إنكار النبوات: لما رأى الفلاسفة اشتراك النفوس في كثير من الأحوال عادة، جعلوا ذلك أمرًا عامًا وكليًا وملزمًا لكل النفوس، ورأوا لبعض النفوس قوة حدسية، وتأثيرا في بعض الأمور، وأمورا متخيلة، فلما بلغهم من أمر الأنبياء كالمعجزات، ونزول الوحي، ورؤية الملائكة وغير ذلك، جعلوا ما يحدث للأنبياء على نحو ما يكون لتلك النفوس، فليست النبوة – عندهم – هبة الله، ومنته على بعض عباده، بل هي أمر مكتسب تستعد له النفوس بأنواع الرياضات (٥).\nهـ- إنكار الأخبار المتواترة: وذلك أن الأمور المعلومة بالتواتر والتجربة والحدس -عند المناطقة- احتمالية الصدق، ويختص بها من علمها فلا تكون حجة على غيره، كما أن صدقها قاصر على الجزئية التي جربت، أو سمعت، أو شوهدت، فهي جزئية من جهة نفسها، ومن جهة العلم بها؛ وعليه، فما يتواتر عن الأنبياء من أمر المعجزات وغيرها من أحوالهم وشرائعهم لا تقوم به حجة، وهذا من أصول الإلحاد والزندقة، وبناء على هذا يقول من يقول من أهل الإلحاد: هذا لم يتواتر عندي فلا تقوم به الحجة علي. فيقال له: اسمع كما سمع غيرك، وحينئذ يحصل لك العلم. وإنما هذا كقول من يقول: رؤية الهلال أو غيره لا تحصل إلا بالحس، وأنا لم أره، فيقال له: انظر إليه كما نظر غيرك فستراه، إذا كنت لم تصدق المخبرين.\nثم إنه ليس من شرط قيام حجة الله تعالى علم المدعوين بها، ولهذا لم يكن إعراض الكفار عن استماع القرآن وتدبره مانعًا من قيام الحجة عليهم، وأيضًا، فإن عدم العلم ليس علمًا بالعدم، فهم إذا لم يعلموا ذلك لم يكن هذا علمًا منهم بعدم ذلك، ولا بعدم علم غيرهم به، بل هم كما قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ... [يونس: ٣٩] (٦). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - بتصرف- ٢/ ٦١١\n_________\n(١) انظر: «الغزو الفكري» لعلي لبن (ص: ٣٢).\n(٢) انظر: «الرد على المنطقيين» (ص: ٢١٤) وما بعدها.\n(٣) (ص: ٥٠٦)، وانظر: «فيصل التفرقة» للغزالي (ص: ١٩٢).\n(٤) انظر: «الغزو الفكري» لعلي لبن (ص: ٦٢).\n(٥) انظر: «الرد على المنطقيين» (ص: ٢٧٧ - ٣٠١ - ٣٠٢ - ٤٧٤ - ٤٧٥).\n(٦) انظر: «الرد على المنطقيين» (ص: ٩٢) وما بعدها، و«الغزو الفكري» (ص: ٩٩).","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المسألة الثانية: الأسباب العقلية لرفض المنطق الأرسطي</span>\n١ - المنطق الأرسطي تجريدي، لا صلة له بالواقع، فهو يبحث في عالم الكليات، وهذا العالم ليس له وجود في الخارج، بل وجوده في الذهن، فالمنطق يتجاهل البحث في الجزئيات والأعيان المشخصة (١).\n٢ - أننا نرى كثيرًا من العلوم – كالهندسة، والطب، والفلك – تتقدم تقدمًا كبيرًا دون أن يكون كبار الباحثين فيها ممن تخرجوا على منطق أرسطو (٢)؛ يقول ابن تيمية: (إننا لا نجد أحدًا من أهل الأرض حقق علمًا من العلوم وصار إماما فيه بفضل المنطق، لا من العلوم الدينية ولا غيرها، فالأطباء والمهندسون وغيرهم يحققون ما يحققون من علومهم بغير صناعة المنطق، وقد صنف في الإسلام علوم النحو، والعروض، والفقه وأصوله وغير ذلك، وليس في أئمة هذه الفنون من كان يلتفت إلى المنطق، بل عامتهم كانوا قبل أن يعرف المنطق اليوناني) (٣).\n٣ - أن محاولة فرض المنطق على كل العلوم – العقلية والتطبيقية، بل والشرعية – وجعله مقدمة لها، وشرطًا في تعلمها، ضرب من الخيال، بل المنطق نمط فكري انتهى عهده، وقد كان يناسب الفكر اليوناني في حقبة من التاريخ، حيث الفكرة المجردة، والجدل المثالي؛ يقول الدكتور عبد اللطيف محمد العبد: (ظن أنصار المنطق أنه العلم الذي لا علم قبله، ولا علم بعده، لأنه معيار الحقائق كلها، وميزان العلوم، ولم يكن هؤلاء يتخيلون مجرد تخيل أن هذا المنطق القياسي لن يكون علم العلوم، بل إنه سيصبح مرحلة تاريخية مضى أوانها) (٤).\n٤ - أن هذا المنطق كان له أكبر الأثر في تخلف اليونان عن ركب المدنية، حيث انزوى بالفكر والجهود العلمية نحو عالم الميتافيزيقا – عالم ما وراء الطبيعة – معرضًا عن الحياة المدنية، والعلوم التطبيقية الواقعية:\nيقول الأستاذ علي لبن: (يكاد يتفق مؤرخوا الفلسفة على أن العلم لم ينهض في مطلع العصر الأوربي الحديث إلا بعد الثورة المزدوجة على السلطة العلمية ممثلة في المنطق الأرسطي، والسلطة الدينية ممثلة في رجال الكنيسة» (٥).\nولهذا كان ظهور المنطق الحديث على يد فرانسيس بيكون وغيره والذي استفادوه من علماء الإسلام وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية، كان ظهوره ضربة قاضية للمنطق الأرسطي في أوربا، وعاملًا كبيرًا في التقدم العلمي والحضاري فيها (٦). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - ٢/ ٦١٥\n_________\n(١) انظر: «مقدمة ابن خلدون» (ص: ٤٨٣، ٤٨٤)، و«المنطق الحديث» لمحمود قاسم (ص: ٨).\n(٢) «المنطق الحديث» لمحمود قاسم (ص: ٥، ٦).\n(٣) «نقض المنطق» (ص: ١٦٨).\n(٤) «التفكير المنطقي» (ص: ٣) (بتصرف) انظر: «المنطق الحديث» لمحمود قاسم (ص: ١١).\n(٥) «الغزو الفكري» (ص: ٤٢)، وانظر: «منهج البحث» لعلي النشار (ص: ٩٠).\n(٦) انظر: «مناهج البحث» لعلي النشار (ص: ٢٣٦، ٢٣٧)، و«الإسلام والعلم التجريبي» للسويدي (ص: ٢١)، و«محاضرات في تاريخ العلوم» لفؤاد سزكين (المحاضرة الأولى) (ص: ١٩) وما بعدها.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المطلب الثالث: حكم الاشتغال بالمنطق الأرسطي</span>\nقال ابن تيمية: (ما زال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه، ويذمون أهله، وينهون عنه وعن أهله، حتى رأيت للمتأخرين فتيا فيها خطوط جماعة من أعيان زمانهم من أئمة الشافعية والحنفية وغيرهم فيها كلام عظيم في تحريمه، وعقوبة أهله) (١).\nوقال ابن الصلاح: (سمعت الشيخ العماد بن يونس يحكي عن يوسف الدمشقي مدرس النظامية ببغداد – وكان من النظار المعروفين -: أنه كان ينكر هذا الكلام (وجوب تعلم المنطق) ويقول: فأبو بكر وعمر وفلان وفلان، يعني أن أولئك السادة عظمت حظوظهم من الثلج واليقين، ولم يحيطوا بهذه المقدمة وأسبابها) (٢).\nوفتوى ابن الصلاح في تحريم المنطق مشهورة، وكان قد سئل عمن اشتغل بالمنطق والفلسفة تعلمًا وتعليمًا، وهل المنطق مما أباح الشارع تعلمه وتعليمه؟، وهل نقل عن الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين إباحته أو الاشتغال به؟ وهل يجوز أن يستعمل في إثبات الأحكام الشرعية الاصطلاحات المنطقية، أم لا؟. . إلى آخر الفتوى (٣): فأجاب رحمه الله تعالى بما ملخصه:\nالفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال. . ثم بالغ في ذم الفلسفة وازدرائها. . ثم قال: (وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، والسلف الصالحين، وسائر من يقتدى به من أعلام الأمة وسادتها) .. ثم ذكر أن استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية من الأمور المستحدثة والمنكرات المستبشعة، وليس بالأحكام الشرعية – والحمد لله – افتقار إلى المنطق أصلًا. . إلى آخر الجواب (٤).\nفهل يقال بعد ذلك إن الصحيح المشهور جوازه بشرط المكنة من العلوم الشرعية، فضلًا عن جوازه مطلقًا، فضلًا عن وجوبه على الأعيان أو الكفاية، سبحانك هذا بهتان عظيم!\nلكن قد يقال يجوز حكايته لبيان عوره، وإثبات فساده، وعديم فائدته، مثله في ذلك مثل الأحاديث الموضوعة، تحكى لبيان وضعها وفسادها. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - ٢/ ٦٣٢\n_________\n(١) «معيد النعم لعبد الوهاب السبكي» (٧٨).\n(٢) «نقض المنطق» (١٥٦).\n(٣) «فتاوى ابن الصلاح» (٣٤).\n(٤) «فتاوى ابن الصلاح» (٣٥).","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المطلب الأول: التعريف بالكشف والرؤى</span>\nأولًا: الكشف:\nوهو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الخفية وجودًا أو شهودا (١) ...\nوللمتصوفة بعض المصطلحات التي تحمل معنى الكشف، وقد يكون بينها وبينه عموم وخصوص، ... فمثلًا:\n١ - الخاطر عندهم: ما يرد على القلب والضمير من الخطاب، ربانيًا كان أو ملكيًا أو نفسيًا أو شيطانيًا، من غير إقامة، وقد يكون كل وارد لا تعمل لك فيه (٢).\n٢ - الوارد: وهو ما يرد على القلب من الخواطر المحمودة من غير تَعَمُّل (٣)، وقد قيل للخاطر الرباني: أول الخاطر، وهو لا يخطئ أبدًا، وقد يعرف بالقوة والتسلط وعدم الاندفاع، والخاطر الملكي يسمى إلهامًا، وهو إلقاء الشيء في الروح.\nوالخاطر النفساني يسمى هاجسًا، وهو ما فيه حظ النفس. أما الخاطر الشيطاني فهو ما يدعو إلى مخالفة الحق (٤).\n٣ - التجلي: وهو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب (٥).\n٤ - المحادثة: وهي خطاب الحق للعارفين من عالم الملك والشهادة كالنداء من الشجرة لموسى (﵇) (٦).\n٥ - المسامرة: وهي خطاب الحق للعارفين من عالم الأسرار والغيوب نزل به الروح الأمين على قلوبهم (٧).\n٦ - الذوق: نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه؛ يفرقون به بين الحق والباطل، من غير أن ينقلوا ذلك عن كتاب أو غيره (٨).\n٧ - البصيرة: ملكة ترى حقائق الأشياء وبواطنها، كما يرى البصير ظواهر الأشياء المادية (٩).\nوالكشف يقابله الإشراق عند السهرودي إمام الفلسفة الإشراقية، التي تقابل الفلسفة المشائية عند ابن سينا، فالأولى تقوم على الكشف والذوق، والثانية على الحجج المنطقية، والاستدلالات العقلية (١٠)، وقد تأثر السهروردي في ذلك بأفلاطون حتى قال: (إمام الحكمة ورئيسها أفلاطون) (١١).\nثانيا: الرؤى:\nوهي جمع رؤيا: وهي إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يد ملك أو شيطان، إما بأسمائها أي حقيقتها، وإما بكناها أي بعبارتها، وإما تخليط، ونظيرها في اليقظة الخواطر (١٢) .. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي بن حسن– ٢/ ٦٣٨\n_________\n(١) «التعريفات» للجرجاني (ص: ٩٧).\n(٢) «اصطلاحات الصوفية» لابن عربي (ص: ١٤٠) (وهو بذيل التعريفات للجرجاني).\n(٣) «اصطلاحات الصوفية» (ص: ١٤٠).\n(٤) انظر: «معجم مصطلحات الصوفية» لحفني (ص: ٨٧).\n(٥) «اصطلاحات الصوفية» لابن عربي (ص: ١٨٠).\n(٦) «اصطلاحات الصوفية» لابن عربي (ص: ١٤١).\n(٧) «اصطلاحات الصوفية» لابن عربي (ص: ١٤١).\n(٨) «معجم مصطلحات الصوفية» لحفني (ص: ١٠٤)، و«التعريفات» للجرجاني (ص: ٥٧).\n(٩) «التعريفات» للجرجاني (ص: ٢٦).\n(١٠) انظر: «أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب الدين السروردي» للدكتور: علي أبو ريان (ص: ٥٩، ٦٠) – مكتبة الأنجلو المصرية – مطبعة أحمد مخيمر الطبعة الأولى ١٩٥٩م- القاهرة.\n(١١) مقدمة كتاب: «حكمة الإشراق» للسهروردي (ص: ١٠) (وهو ضمن مجموعة دوم مصنفات) تصحيح هنري كربين ١٩٥٢م – ١٣٣١هـ - إيران (بدون اسم الطبعة ورقم الطبعة).\n(١٢) انظر: «فتح الباري» (١٢/ ٣٥٢).","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المطلب الثاني: موقف أهل السنة والجماعة من ذلك</span>\nإن علوم المتصوفة – كما يزعم أصحابها – تستفاد من غير طريق الشرع، ولا يجوز أن توزن به، كيف وقد أخذوها من الله تعالى إما كفاحًا، أو إلهامًا، أو من الرسول ﷺ بعد موته يقظة، فحالهم مع الشرع كحال الخضر مع موسى، هكذا يزعمون.\nوفي هذا المبحث ...... بيان موقف أهل السنة والجماعة من هذا المذهب الخطير، والذي حاول أعداء الإسلام أن يبطلوا به أحكام الشرع، ويدكوا حصونه، ..... وهذا الموقف في مقامات:\nالمقام الأول: الميزان الصحيح\nلا ريب عند المؤمنين أن الحق الذي لا يشوبه باطل: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وبإزاء ذلك الإلهامات، والمنامات، والإسرائيليات، والحكايات ونحو ذلك، ففيها الحق والباطل، ويعرف ذلك بعد عرضها على الوحي (الكتاب والسنة)، فما زكاه منها قبل، وإلا رد على صاحبه مهما كان القائل به. . (١).\nفالمؤمن هو الذي يستغني بالرسالة، ويكتفي بالنبي ﷺ فيتبعه اتباعًا عامًا مطلقًا غير مشروط، وأما غيره فيتبع بشرط موافقته للشرع؛ ولهذا وجب عند التنازع والاختلاف: الرد إلى الله ورسوله (الكتاب والسنة)، وكذلك يجب رد الأحوال، والأذواق، والمكاشفات ونحوها إلى الكتاب والسنة، ووزنها بميزان الشرع، فمن لمن يبن على هذا الأصل العظيم، عمله، وعلمه، وسلوكه، وجميع أمره، فليس من الدين في شيء (٢)، فالله تعالى يقول: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥] وقال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: ٣١] ويقول: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩].\nوقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ أن منشأ ضلال من ضل من المتصوفة جعلهم الذوق، والوجد، والحال، ونحو ذلك حاكمًا يتحاكمون إليه فيما يسوغ ويمتنع، وفيما هو صحيح وفاسد، فجعلوه محكًا للحق والباطل، حتى نبذوا لذلك موجب العلم والنصوص، فعظم وتفاقم الفساد والشر، وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم، وانعكس السير؛ فكان إلى الله، فصيروه إلى النفوس؛ فالمحجوبون عن أذواقهم ومواجيدهم يعبدون الله، وهؤلاء المدعون الكشف والذوق يعبدون أنفسهم ... (٣).\nفالشريعة حاكم، لا محكوم عليها، ولو كان ما يقع من الخوارق والمكاشفات والأحوال ونحوها حاكمًا عليها بتخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تأويل ظاهر، أو نحو ذلك، لكان غيرها حاكمًا عليها، وصارت هي محكومًا عليها بغيرها، وذلك باطل باتفاق (٤).\nبل اتفق أولياء الله تعالى على أن الرجل لو طار في الهواء، أو مشى على الماء لا نغتر به حتى ننظر متابعته لرسول الله ﷺ وموافقته لأمره ونهيه (٥).\nوقال أبو حفص الحداد: (من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره فلا تعدوه في ديوان الرجال) (٦).\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٩/ ٥).\n(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٩/ ٦٦) و«مدارج السالكين» (١/ ٤٩٦) و«قطر الولي على حديث الولي لمحمد علي الشوكاني» (٢٧٨).\n(٣) «مدارج السالكين» (١/ ٤٩٤).\n(٤) «مشتهى الخارف» (٨١).\n(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١١/ ٢١٤) و«مشتهى الخارف» (٨١).\n(٦) «شذرات الذهب» (٢/ ١٥٠) و«مشتهى الخارف» (٢٦٧).","vol":"1","page":115},{"text":"والمقصود هنا بيان أن الشرع هو الحاكم والميزان والمزكي، وأن كل الأقوال، والاعتقادات، والأحوال مردودة مرفوضة إلا ما قبله الشرع منها وزكاه، ومن عكس انعكس قلبه وانتكس إيمانه ...\nالمقام الثاني: المتابعة الصحيحة للشريعة تقتضي إلهامات وأحوالًا صادقة:\nإن المؤمن إذا صحت معرفته بالله، ورسوله، ودينه، وصدقت متابعته للشرع ظاهرًا وباطنًا، يفتح الله عليه بما لا يفتح على غيره، من إلهامات صحيحة، وفراسات صائبة، وأحوال صادقة:\nقال تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء: ٦٦] وقال تعالى: وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٢] (١).\nوجاء في صفة الدجال: (مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن؛ كاتب وغير كاتب) (٢) قال ابن تيمية ﵀: (فدل على أن المؤمن يتبين له ما لا يتبين لغيره، ولا سيما في الفتن، وينكشف له حال الكذاب الوضاع على الله ورسوله. . وكلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له، وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف ...) (٣).\nوكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون، فإنه تتجلى لهم أمور صادقة) (٤).\nوقال أبو عثمان النيسابوري: (من أمر السنة على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة؛ لأن الله تعالى يقول في كلامه القديم: وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور: ٥٤]) (٥).\nوقال شاه الكرماني: (من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشبهات، وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل الحلال لم تخطئ له فراسة) (٦).\nالمقام الثالث: خرق العادة لا يدل على الولاية\nقد يظهر شيء – مما يظن أنه كرامة – على يد أهل الرياضة، وترك الاستكثار من الطعام والشراب، والملازمين للسهر والخلوات، وذلك على ترتيب معلوم، وقانون معروف لديهم .. فيحصل للواحد منهم نوع صفاء من الكدورات البشرية، حتى يدرك ما لا يدركه غيره، فيخبر بموت فلان الغائب، أو بقدومه في وقت كذا، ونحو ذلك، وليس في هذا ما يدل على أنه كرامة، أو أنه ولي الله، بل يتفق ذلك لكثير من المرتاضين، من كفرة الهند وغيرهم (٧).\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٣/ ٤٥).\n(٢) «صحيح مسلم» (٤/ ٢٢٤٩) كتاب الفتن وأشراط الساعة – باب ذكر الدجال وصفته وما معه. الحديث يلي الرقم: ٢٩٣٤.\n(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٠/ ٤٥).\n(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٠/ ٤٧٣).\n(٥) «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ٨٠) باب أدب الطلب، وانظر «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١١/ ٢١٠) و«قطر الولي» (٢٥٢).\n(٦) «طبقات الأولياء» (٣٦١) و«مشتهى الخارف» (٢٦٨) و«قواعد التحديث للقاسمي» (١٤٩).\n(٧) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٤٧ - ٤٨)، و«قطر الولي» (ص: ٢٥٣)، و«التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» للشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩) بتحقيق: محمد ناصر الدين الألباني – طبعة الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م – الرياض.","vol":"1","page":116},{"text":"بل قد يحصل على لسان بعض المجانين شيء من ذلك، فيأتي في بعض الأحيان بمكاشفات صحيحة، وهو مع ذلك متلوث بالنجاسات، مخالط للقاذورات، فيغتر به من جهل حاله، فينسبه إلى أولياء الله المقربين، وهو في الحقيقة معذور قد رفع عنه قلم التكليف، فليس هو وليًا لله ولا عدوًا له (١).\nوقال ابن سينا: (إذا بلغك أن عارفًا أطاق بقوته فعلًا، أو تحريكًا، أو حركة تخرج عن وسع مثله؛ فلا تتلقه بكل ذلك الاستنكار، فلقد تجد إلى سببه سبيلًا في اعتبارك مذاهب الطبيعة) (٢).\nوقال – أيضًا – (إذا بلغك أن عارفًا حدث عن غيب فأصاب متقدمًا ببشرى أو نذير، فصدق، ولا يتعسرن عليك الإيمان به، فإن لذلك في مذاهب الطبيعة أسبابًا معلومة) (٣).\nفهذا مما يؤكد أن تلك الخوارق قد ينالها الكافر بأسباب طبيعية، لا تدل على ولاية ولا كرامة. وقد قسم أهل العلم الفراسة إلى ثلاثة أقسام (٤)، وذكروا منها الفراسة الرياضية، وأنها تحصل بالجوع، والسهر، والتخلي، وأنها مشتركة بين المؤمن والكافر، لا تدل على ولاية، ولا تكشف عن حق نافع، ولا عن طريق مستقيم.\nفإذا كانت هذه الخوارق تقع من المسلم ومن الكافر، وتتعدد أسبابها، وتختلف مصادرها: فقد تكون من الله، أو من نفس الإنسان، أو من الشيطان، لم يكن في وقوعها من شخص ما دليل على ولايته وصلاحه، كما أنه لا يضر المسلم عدمها، فمن لم تنكشف له شيء من المغيبات، أو لم تسخر له شيء من الكونيات لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دنياه وآخرته (٥).\nلكن الدين إذا صح علمًا وعملًا فإنه يوجب خرق العادة – كما مر – إذا احتاج إلى ذلك صاحبه، كما قال تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٢ - ٦٣] فلم يذكر لهم شيئًا أحسن من الوصف بالإيمان والتقوى.\nقال أبو علي الجوزجاني: (كن طالبًا للاستقامة لا طالبًا للكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة) (٦).\nوقال أبو العباس بن عطاء: (من ألزم نفسه آداب الله نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب -﵊- في أوامره، وأفعاله، وأخلاقه) (٧).\nويقول الشعراني: (أكمل الإلهام أن يلهم الرجل أتباع الشرع، والنظر في الكتب الإلهية، ويقف عند حدودها وأوامرها ...) (٨).\nثم إن الخارق – المكاشفة – قد يقع للمؤمن لنقصان درجته وضعف يقينه، أما من كوشف بصدق اليقين – يقين المعرفة الشرعية – ورفع عن قلبه حجاب الشبهة والشهوة، أغناه ذلك عن معاينة الخوارق، بل الحكمة لا تقتضي حصولها لمن هذا حاله، إنما تحصل للأول لحاجته إليها (٩).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة، ثم إذا وقع في طريقه شيء خارق كان كأن لم يقع، فما يبالي، ولا ينقص بذلك، وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة) (١٠).\n_________\n(١) انظر: «قطر الولي» (ص: ٢٥٤).\n(٢) «الإشارات والتنبيهات» (ص: ٢٠٨).\n(٣) «الإشارات والتنبيهات» (ص: ٢٠٩).\n(٤) انظر: «شرح الطحاوية» (ص: ٥٠٠).\n(٥) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١١/ ٣٢٣)، و«شرح الطحاوية» (ص: ٤٩٨).\n(٦) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١١/ ٣٢٠)، و«شرح الطحاوية» (ص: ٤٩٦).\n(٧) «طبقات الأولياء» لابن الملقن (ص: ٥٩، ٦٠)، و«مشتهى الخارف» (ص: ١٦٨).\n(٨) «مشتهى الخارف» (ص: ٢٧٠).\n(٩) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١١/ ٣٢١).\n(١٠) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١١/ ٣٢١).","vol":"1","page":117},{"text":"وقال تليمذه ابن القيم ﵀: (الكشف الصحيح أن يعرف الحق الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، معاينة لقلبه، ويجرد إرادة القلب له، فيدور معه وجودًا وعدمًا، هذا هو التحقيق الصحيح، وما خالفه فغرور قبيح) (١).\nالمقام الخامس: مرتبة الوحي أعظم وأشرف من مرتبة الكشف والإلهام ونحوهما:\nعدد ابن القيم ﵀ مراتب الهداية، وأوصلها إلى عشر مراتب، ذكر في مقدمتها: التكليم، والوحي، وإرسال الملك، وجعل هذه الثلاث خاصة بالأنبياء لا يشركهم فيها أحد من الأولياء. ثم ذكر في المرتبة الرابعة: مرتبة التحديث، وفي المرتبة التاسعة: الإلهام، والرؤية في المرتبة العاشرة ... (٢).\nفهذا يبين أن مرتبة الوحي وعلم الشريعة – التي مصدرها الوحي – أفضل وأشرف من مرتبة التحديث والإلهام وغيرها من مصادر العلم، ويتضح ذلك بوجوه (٣):\nالأول: أن علم الشريعة خبرًا وطلبًا لا ينال إلا من جهة الوحي الذي طريقه الرسول ﷺ، وأما العلم بالمكاشفات ونحوها فأسبابه كثيرة، ومعلوم أن ما اختص به الرسول وورثته أفضل مما يشركهم فيه بقية الناس.\nالثاني: أن الشريعة لا يعمل بها إلا المؤمنون الصالحون الذين هم أهل الجنة وأحباب الله وصفوته وأولياؤه، ولا يأمر بها إلا هم، وأما المكاشفات ونحوها فقد تقع من كافر، ومنافق، وفاجر، فما كان من العلم مختصًا بالصالحين فهو أفضل مما يشترك فيه المصلحون والمفسدون.\nالثالث: العلم بالشريعة والعمل به ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة، ويدفع عنه مضرة الدنيا والآخرة من غير حاجة معه إلى الكشف ونحوه، وأما العلم بالكشف وغيره إن لم يقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة؛ أما في الآخرة فلعدم الدين؛ وأما في الدنيا فلأن الإنسان يعرض نفسه، ودينه، وجسمه، وقلبه، وعقله، وأهله وماله لمخاطرات، لا يضمن حسن العاقبة معها، فكم منهم من ذهب عقله وماله، وأشقى نفسه من غير حصول مطلوبه.\nالرابع: إن الدين إذا صح علمًا وعملًا فلابد أن يوجب خرق العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه، كما قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطَّلاق:٢ - ٣] وليس العكس، أعني أن خرق العادة لا يدل على صحة الدين علمًا وعملًا.\nالخامس: أن المقصود من الوحي والشرع مراعاة حق العبودية وإقامتها، وقد أمر بذلك الشارع، ومقصود المتصوفة من الكشف ونحوه مشاهدة الربوبية، ولم يأمر بها الشارع، ومن المعلوم أن مراعاة ما أمر به الشارع أولى من مراعاة ما لم يأمر به. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان بن علي بن حسن- بتصرف – ٢/ ٦٥٥\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (٣/ ٢٢٦).\n(٢) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٣٧) وما بعدها.\n(٣) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١١/ ٣٢٧) وما بعدها.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>القاعدة الأولى: إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل</span>\nكل دعوى لابد من إقامة الدليل عليها، وإلا كانت مجرد دعوى خلية عن البرهان، والدليل إما أن يكون نقليًا أو عقليًا، والمطلوب في النقلي تحرير صحته، وفي العقلي إظهار صراحته وبيان حجته:\nقال تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: ١١١] فهذا عام في كل دعوى، لابد من تصديقها بالدليل.\nوقال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف: ٤] فطالبهم أولا بالطريق العقلي، وثانيا بالطريق السمعي (١). قال ابن تيمية: (فالكتاب هو الكتاب – أي جنس الكتب المنزلة من عند الله – والأثارة كما قال من قال من السلف: هي الرواية والإسناد. وقالوا: هي الخط أيضًا، إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط، وذلك لأن الأثارة من الأثر، فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد، ويقيد ذلك بالخط، فيكون ذلك كله من آثاره) (٢).\nومن هنا قال علماء أدب البحث والمناظرة:\n(إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل) (٣).\nولهذا تجد كثيرًا من أهل البدع يستدل على بدعته، بنقل ضعيف، أو موضوع، أو دلالة ضعيفة، أو بعقل فاسد.\nفالشيعة الرافضة يكثر عندهم الاستدلال بالنقول الموضوعة والضعيفة، وكذلك الدلالة الضعيفة، ويشاركهم في ذلك طوائف من المتصوفة.\nأما أهل الفلسفة والكلام فيكثر عندهم الاستدلال بالأقيسة العقلية الفاسدة، أو الاحتمالات والتجويزات (٤).\n_________\n(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٧/ ٣٩٥).\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٥٧، ٥٨)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (٧/ ٢٥٨، ٢٥٩) طبعة الشعب.\n(٣) انظر: «ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة» لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (ص: ٣٦٨، ٣٨١) دار القلم الطبعة الأولى ١٣٩٥هـ - ١٩٧٥م دمشق – بيروت.\n(٤) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ١٢، ٢٩)، و«تحريم النظر» لابن قدامة (ص: ٣٠، ٣١)، و«شرف أصحاب الحديث» للبغدادي (ص: ٥٥)، برقم: ١١٠، (ص: ٧٨) برقم: ١٦٧.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>القاعدة الثانية: موافقة النصوص لفظًا ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ:</span>\nوذلك أن متابعة الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى أكمل وأتم من متابعتها في المعنى دون اللفظ؛ فالرسول ﷺ علم البراء بن عازب كلمات يقولهن إذا أخذ مضجعه، وفيها «... آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت» قال البراء: «فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت. قال – أي النبي ﷺ – قل آمنت بنبيك الذي أرسلت» (١) تحقيقًا لكمال الموافقة، في اللفظ والمعنى.\nولهذا منع جمع من العلماء نقل حديث الرسول ﷺ بالمعنى، ومن أجازه اشترط أن يكون الناقل عاقلًا عالمًا بما يحيل المعنى من اللفظ، مدركًا لأساليب العرب حتى يستبين الفروق (٢).\nفالناس في موافقة الكتاب والسنة أقسام:\nالأول: من يوافقهما لفظًا ومعنى، وهذا أسعد الناس بالحق.\nالثاني: من يوافقهما في المعنى دون اللفظ، كمن يتكلم في المعاني الشرعية الصحيحة بألفاظ غير شرعية، وهذا كالألفاظ المجملة والتي تحتمل حقًا وباطلًا، كمن يتكلم في نفي الجهة عن الله تعالى قاصدًا نفي الجهة المخلوقة، أو ينفي الحيز والمكان المخلوقين وغير ذلك من الألفاظ التي لم ترد لا في الكتاب ولا في السنة، بل تحتمل معاني صحيحة وأخرى فاسدة، فإذا عرف مراد صاحبها وكان موافقًا للمعنى الصحيح، قبل مراده، ومنع من التكلم باللفظ المجمل، وعلم الألفاظ الشرعية في ذلك. وكذلك يدخل فيهم من نفى ظاهر نصوص الصفات قاصدًا نفي المعنى الظاهر المختص بالمخلوق، فنفيه صحيح، لكن ظاهر النصوص لم يدل على باطل، حتى يستوجب هذا النفي، وإنما نفى هذا ما توهمه أنه ظاهر النص، وإن لم يكن كذلك في نفس الأمر.\nالثالث: من يوافق الكتاب والسنة في اللفظ دون المعنى، وهؤلاء كطوائف الباطنية وغيرهم ممن يعبرون عن عقائدهم الفاسدة بألفاظ شرعية، فالصلاة عندهم كشف أسرارهم، والصيام كتمانها، والحج القصد إلى شيوخهم، ونحو ذلك (٣).\nالرابع: من يخالف الكتاب والسنة لفظًا ومعنى، وهؤلاء أشقى الطوائف، وهم من الكفرة والملاحدة ونحوهم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٧) ومسلم (٢٧١٠) واللفظ لمسلم.\n(٢) انظر: «الرسالة» للشافعي (ص: ٣٧٠، ٣٧١).\n(٣) انظر: «الإقحام لأفئدة الباطنية الطغام» للعلوي (ص: ٧١) وما بعدها.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>القاعدة الثالثة: لا ينبغي بتر الدليل، والاستدلال بجزئه</span>\nوهذا هو شأن أهل الابتداع حتى يجدوا من الكلمات الشرعية ما يسوغ لهم بدعتهم، ويجعلها تروج عند ضعفاء المسلمين:\nقال محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى في الرد على القدرية: (... وإنهم أتموا آية من كتاب الله ﷿ ولكنهم يأخذون بأولها ويتركون آخرها، والذي نفسي بيده لإبليس أعلم بالله ﷿، يعلم من أغواه، وهم يزعمون أنهم يغوون أنفسهم ويرشدونها) (١).\nولما احتج غيلان الدمشقي أمام عمر بن عبد العزيز على مقالته في القدر بقوله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: ٢ - ٣] قال له عمر: (أقرا آخر السورة: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان: ٣٠، ٣١] ثم قال عمر: وما تقول يا غيلان، قال: أقول: قد كنت أعمى فبصرتني، وأصم فأسمعتني، وضالًا فهديتني ...) فتاب، ثم رجع إلى مقالته في عهد هشام بن عبد الملك؛ فصلبه (٢).\n_________\n(١) «الشريعة» للآجري (ص: ٢٢٢).\n(٢) «الشريعة» للآجري (ص: ٢٢٨).","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>القاعدة الرابعة: الحق يقبل من أي جهة جاء</span>\nالحق يقبل لكونه موافقًا للدليل، فلا أثر للمتكلم به في قبوله أو رفضه، ولهذا كان أهل السنة يقبلون ما عند جميع الطوائف من الحق، ويردون ما عندها من الباطل، بغض النظر عن الموالي منها أو المعادي:\nقال تعالى: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: ٢١٣] وفي دعاء النبي ﷺ: «... اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١). قال ابن القيم ﵀: (فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه، فهو ممن هدى الله لما اختلف فيه من الحق) (٢).\nوقال تعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ... [المائدة: ٨] ومن العدل فيهم قبول ما عندهم من الحق.\nوهكذا أدبنا القرآن الكريم حين ساق كلام بلقيس – وقت كفرها- ثم وافقها عليه، قال تعالى – حكاية عنها -: (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤].\nولما دل الشيطان أبا هريرة ﵁ إلى آية الكرسي لتكون له حرزًا من الشيطان، وذلك مقابل فكه من الأسر، قال له النبي ﷺ: «صدقك وهو كذوب» (٣).\nوكان معاذ بن جبل ﵁ يقول: (اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافرًا –أو قال فاجرًا- واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نورًا) (٤).\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية – مبينًا منهجه في التعامل مع المخالفين له من أهل الكلام وغيرهم-: (وليس كل من ذكرنا شيئًا من قوله – من المتكلمين وغيرهم – يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره، ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به) (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٧٠). من حديث عائشة ﵂.\n(٢) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٥١٦).\n(٣) رواه البخاري (٢٣١١).\n(٤) رواه أبو داود (٤٦١١)، والحاكم (٤/ ٥٠٧). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح الإسناد موقوف. ولفظه: (... وأحذّركم زيغة الحكيم فإنّ الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق. قال قلت لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أنّ الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأنّ المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه ولا يثنيك ذلك عنه فإنّه لعله أن يراجع، وتلقّ الحقّ إذا سمعته فإنّ على الحق نورًا).\n(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ١٠١).","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>القاعدة الخامسة: الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف رجاله</span>\nالحق ما وافق الدليل من غير التفات إلى كثرة المقبلين، أو قلة المعرضين، فالحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق، ومجرد نفور النافرين، أو محبة الموافقين لا يدل على صحة قول أو فساده، بل كل قول يحتج له خلا قول النبي ﷺ فإنه يحتج به (١):\nومن المعلوم أنه لا يوجد أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًّا، يتعمد مخالفة النبي ﷺ في شيء من سنته، لا دقيق ولا جليل، بل هم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوب متابعته، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويرد، إلا الرسول ﷺ، وذلك لأجل ثبوت العصمة للشارع وحده، أما غيره فيعتريه من نقص العلم والفهم ما يستوجب عرض قوله على الشرع طلبًا للإجازة والتزكية.\n_________\n(١) انظر: «نقض المنطق» (ص: ١٥٤)، و«القواعد المثلى» للعثيمين (ص: ٨٦).","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>القاعدة السادسة: حكم كلام غير الشارع</span>\nما يقوله سائر الناس من الكلام في المطالب الشرعية لابد من عرضه على الكتاب والسنة، فإن وافق الكتاب والسنة فهو حق يقبل، وإن خالفهما فهو باطل يرد، وإن احتمل الجهتين:\nفإما أن يعرف مراد المتكلم فيحكم له أو عليه بحسب المراد، وإما أن لا يعرف مراده، فينظر في سيرته – سيرة المتكلم – فإن كانت حسنة حمل كلامه على الوجه الحسن؛ وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: ٥٨] وإن كانت سيرته سيئة حمل كلامه على الوجه السيء وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا [الأعراف: ٥٨].\nأما إذا عرف مراده لكن لم يعرف: هل جاء الشرع بتصديقه أو بتكذيبه؛ فإنه يمسك عنه ولا يتكلم إلا بعلم، والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول ﷺ (١).\nواعتصامًا بهذه القاعدة شرح ابن القيم ﵀ كتاب منازل السائرين للشيخ الهروي في كتابه القيم: (مدارج السالكين)، فقبل من كلام الشيخ ما أسنده الدليل، ورد منه ما خالفه الدليل، وحمل على أحسن المحامل ما احتمل وجوهًا، إحسانًا للظن بشيخ الإسلام الهروي (٢).\n_________\n(١) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٣/ ١٤٥، ١٤٦، ١٧/ ٣٥٥)، و«شرح الطحاوية» (ص: ١٦١).\n(٢) انظر: «مقدمة مدارج السالكين» لمحمد حامد الفقي (ص: ت – ث).","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>القاعدة السابعة: السكوت عما سكت الله عنه ورسوله</span>\nكل مسألة من مسائل الشريعة – ولاسيما مسائل الاعتقاد – لا يحكم فيها، نفيًا أو إثباتًا إلا بدليل، فما ورد الدليل بإثباته أثبتناه، وما ورد بنفيه نفيناه، وما لم يرد بإثباته ولا بنفيه دليل توقفنا، ولم نحكم فيه بشيء؛ لا إثباتًا ولا نفيًا، ولا يعني هذا أن المسألة خلية عن الدليل، بل قد يكون عليها دليل، لكن لا نعلمه، فالواجب علينا التوقف: إما مطلقًا أو لحين وجدان الدليل:\nقال تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء: ٣٦] قال قتادة: (لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله) (١).\nوقال ﷺ: «إن الله ﷿ فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها» (٢).\nقال ابن تيمية: (الأقسام ثلاثة: ما علم ثبوته أثبت، وما علم انتفاؤه نفي، وما لم يعلم نفيه ولا إثباته سكت عنه، هذا هو الواجب، والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته) (٣).\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (٥/ ٧٢) (طبعة الشعب).\n(٢) رواه الدارقطني (٤/ ١٨٣) (٤٢)، والطبراني (٢٢/ ٢٢١)، والحاكم (٤/ ١٢٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١٢). من حديث أبي ثعلبة الخشني. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٤١٧: رواه الطبراني في «الكبير» وهو هكذا في هذه الرواية وكأن بعض الرواة ظن أن هذا معنى وسكت فرواها كذلك والله أعلم، ورجاله رجال الصحيح. وذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٢٧٨) وصححه. وقال الألباني في «شرح العقيدة الطحاوية» (ص٣٣٨): حسن لغيره.\n(٣) «مجموعة تفسير ابن تيمية» (ص: ٣٥١، ٣٥٢).","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>القاعدة الثامنة: الامتناع عن مناظرة أهل السفسطة</span>\nإذا وضح الحق وبان لم يبق للمعارضة العلمية ولا العملية محل، فإن الأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة، بينة بنفسها، ضرورية، وجحدها الخصم كان سوفسطائيًا؛ فلا ينبغي مناظرته بعد ذلك، قال تعالى: وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩] وقال تعالى: يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ ... [الأنفال: ٦] فكل من جادل في الحق بعد وضوحه وبيانه فقد غالط شرعًا وعقلًا (١). قال المزني ﵀: (وحق المناظرة أن يراد بها الله ﷿، وأن يقبل منها ما يتبين) (٢).\nولهذا كان من الأسئلة ما ليس له جواب غير السكوت والانتهاء كما قال النبي ﷺ: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» (٣). فإن كل نظر لابد له من ضرورة يستند إليها، فإذا احتاجت الضرورة إلى استدلال ونظر، أدى ذلك إلى التسلسل وهو باطل.\n_________\n(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٧/ ١٧٤)، و«القواعد الحسان» للسعدي (ص: ١٥٨، ١٥٩).\n(٢) «جامع بيان العلم» (٢/ ١٣٢).\n(٣) رواه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>القاعدة التاسعة: الباطل لا يرد بالباطل، بل بالحق</span>\nالسلف والأئمة يذمون ما كان من الكلام والعقليات باطلًا، وإن قصد به نصر الكتاب والسنة، فيذمون من قابل بدعة ببدعة، وفاسدًا بفاسد (١). فالباطل يرد بالحق المحض، والبدعة ترد بالسنة الصحيحة:\nقال الخلال: (أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسين بن خلف البحتري العكبري، وقال: إنه قد تنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي، فرد عليه أحمد بن رجاء فقال: إن الله جبر العباد، أراد بذلك إثبات القدر. فوضع أحمد بن علي كتابًا يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله، فأخبرته بالقصة، فقال: ويضع كتابًا؟ وأنكر أبو عبد الله عليهما جميعًا: على ابن رجاء حين قال: جبر العباد، وعلى القدري الذي قال: لم يجبر العباد، وأنكر على أحمد بن علي وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه بوضعه الكتاب، وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال: جبر العباد، فقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة؟ قال: يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء [فاطر: ٨] (٢).\nوهذا الفخر الرازي يرد على النصارى قولهم في إلهة عيسى بأن الإله لا يكون جسمًا، ولا متحيزًا، ولا عرضًا (٣)، ومعلوم أن هذه الألفاظ لم ترد لا في الكتاب، ولا في السنة، ولا في كلام سلف الأمة وأئمتها، بل هي ألفاظ محدثة مبتدعة، فيكون قد رد باطلهم بنحوه.\nوفي باب الصفات رقى المعتزلة ونحوهم – للرد على الشبهة – سلم النفي والتعطيل، قال ابن قتيبة ﵀: (وتعمق آخرون في النظر وزعموا أنهم يريدون تصحيح التوحيد بنفي التشبيه عن الخالق، فأبطلوا الصفات، مثل: الحلم والقدرة والجلال والعفو وأشباه ذلك ...) (٤).\nوأراد بعض مثبتة القدر الرد على نفاته، فأنكروا فعل العبد واختياره. والشيعة أرادوا الإنكار على الخوارج الذين كفروا عليًا ﵁ فوقعوا في سائر الصحابة –عدا آل البيت- تكفيرًا وتفسيقًا، وقالوا: لا ولاء إلا ببراء.\nوهكذا، فمن لم يعتصم بالكتاب والسنة في مناظراته لم يسلم من مثل هذه البدع.\n_________\n(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٧/ ١٦٥).\n(٢) «السنة» للخلال (ص: ٥٥٢) برقم: ٩٥٢، والأعلام المذكورون في القصة – خلا عبد الوهاب – لم أجد من ترجم لهم.\n(٣) انظر: «مناظرة في الرد على النصارى» للرازي (ص: ٢٢).\n(٤) «اختلاف اللفظ» (ص: ٢٣).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>القاعدة العاشرة: عدم العلم بالدليل ليس علمًا بالعدم</span>\nكثير من المتناظرين قد يجعل عمدته في نفي وجود أمر ما، عدم علمه بالدليل على وجوده، والأصل أن عدم العلم بالدليل ليس علمًا بالعدم،، وعدم الوجدان ليس نفيًا للوجود، فكما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، فكذلك النفي يحتاج إلى دليل، وإلا فما لم يعلم وجوده بدليل معين، قد يكون معلومًا بأدلة أخرى، فمثلًا: عدم الدليل العقلي على وجود أمر ما، لا يعني عدم وجوده، لأنه قد يكون ثابتًا بالدليل السمعي، أو غيره.\nفالدليل يجب فيه الطرد لا العكس، بمعنى أنه يلزم من وجوده الوجود، ولا يلزم من عدمه العدم، أي عدم المدلول عليه، قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس: ٣٩] فهذا نعي على كل من كذب بما قصر عنه علمه.\nفمن نفى كثيرًا من الغيبيات كالصفات، والقدر، والملائكة، والجن، وأحوال البرزخ، والمعاد، لعدم قيام دليل الحس والمشاهدة، أو دليل العقل – كما يزعم – كان غالطًا، لأنه أخبر عن نفسه، ولا يمنع أن يكون غيره قد قام عنده دليل العقل، أو دليل السمع، أو دليل المشاهدة كما وقع ذلك للرسول ﷺ في مشاهدة الجن والملائكة وأحوال البرزخ والمعاد (١).\nوقد رد الفخر الرازي على النصارى دعواهم إلهية عيسى ﵇ لظهور الخوارق على يديه، بأن عدم ظهور هذه الخوارق في حق غيره لا يلزم منه عدم إلهية ذلك الغير، بل غاية ما هناك أنه لم يوجد هذا الدليل المعين، وعليه، فيجوز – كما هو لازم قولهم – حلول الله تعالى في كل مخلوق من مخلوقاته، إذ لا دليل على اختصاص عيسى ﵇ بذلك، لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول (٢).\nويستثنى من هذه القاعدة ما إذا كان وجود المدلول مستلزمًا لوجود الدليل، وقد علم عدم الدليل، فيقع العلم بعدم المدلول المستلزم لدليله، لأن عدم اللازم دليل على عدم الملزوم، مثاله:\nقد ثبت توافر الدواعي على نقل كتاب الله تعالى ودينه، فإنه لا يجوز على الأمة كتمان ما يحتاج الناس إلى نقله، فلما لم ينقل ما يحتاجون إليه في أمر دينهم نقلًا عامًا، علمنا يقينًا عدم ذلك، نحو سورة زائدة، أو صلاة سادسة ونحو ذلك (٣).\n_________\n(١) انظر: «مجموعة تفسير ابن تيمية» (ص: ٣٥٠ - ٣٥١)، و«الرد على المنطقيين» (ص: ١٠٠)، «ورفع الملام» (ص: ٧٣).\n(٢) انظر: «مناظرة في الرد على النصارى» (ص: ٢٦ - ٢٧).\n(٣) انظر: «رفع الملام» (ص: ٧٣، ٧٤).","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>القاعدة الحادية عشرة: في لازم المذهب</span>\nأولًا: ينبغي أن يعلم أن اللازم من قول الله تعالى، وقول رسوله ﷺ إذا صح أن يكون لازمًا فهو حق، يثبت ويحكم به؛ لأن كلام الله ورسوله حق، ولازم الحق حق؛ ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازمًا من كلامه وكلام رسوله، فيكون مرادًا (١).\nوكذلك قول الإنسان إما أن يكون موافقًا للكتاب والسنة فيكون حقًا، ولازمه حقًا، وإما أن يكون مخالفًا للكتاب والسنة فيكون باطلًا ولازمه باطلًا (٢).\nثانيًا: اللازم من قول العالم له ثلاث حالات (٣):\nالحالة الأولى: أن يذكر له لازم قوله فليتزمه، مثل أن يقول لمن يثبت وزن الأعمال في الآخرة: يلزمك القول بجواز وزن الأعراض. فيقول المثبت: نعم التزم به، لأن أحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا، والله تعالى على كل شيء قدير، ثم إنه قد وجد في زماننا هذا موازين للحرارة، والبرودة، والإضاءة، ونحو ذلك من الأعراض.\nوهذا اللازم يجوز إضافته إليه إذا علم منه أنه لا يمنعه.\nالحالة الثانية: أن يذكر له لازم قوله، فيمنع التلازم بينه وبين قوله، مثل أن يقول نافي الصفات لمن يثبتها، يلزمك أن يكون الله تعالى مشابهًا للخلق في صفاته، فيقول المثبت: لا يلزم ذلك؛ لأننا عندما أضفنا الصفات إلى الخالق سبحانه قطعنا توهم الاشتراك والمشابهة، كما أنك أيها النافي للصفات، تثبت ذاتًا لله تعالى وتمنع أن يكون الله مشابها للخلق في ذاته، فقل ذلك أيضًا في الصفات إذ لا فرق بينهما.\nوهذا اللازم لا يجوز إضافته إليه بعد أن بين هو وجه امتناع التلازم بين قوله وبين ما أضيف إليه.\nالحالة الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتًا عنه فلا يذكر بالتزام ولا منع، فهذا حكمه أن لا ينسب إليه، لأنه إذا ذكر له اللازم: فقد يلتزمه، وقد يمنع التلازم، وقد يتبين له وجه الحق فيرجع عن اللازم والملزوم جميعًا. ولأجل هذه الاحتمالات فلا ينبغي إضافة اللازم إليه ولا سيما أن الإنسان بشر وتعتريه حالات نفسية وخارجية توجب له الذهول عن اللازم؛ فقد يغفل، أو يسهو، أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تدبر في لوازمه، ونحو ذلك.\nقال ابن تيمية ﵀: (ولو كان لازم المذهب مذهبًا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات إنه مجاز ليس بحقيقة؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة) (٤).\nلكن قد تذكر اللوازم الباطلة – لاسيما عند المناظرة – لإظهار شناعة المذهب الباطل (الملزوم)، لأن العاقل إذا نبه إلى ما يلزم قوله من اللوازم الفاسدة، فقد ينتبه ويرجع عن قوله.\nوأهل البدع – لاضطرابهم وتناقضهم – قد يفر الواحد منهم من اللازم الحق ليقع في اللازم الباطل، وهو يظن في ذلك السلامة: كالقدري يفر من لازم كون الله يضل من يشاء، فيقع في لازم كونه يقع في ملكه ما لا يشاء، وكذلك منكر الصفات يفر من التشبيه – بزعمه – فيقع في التعطيل، والذي قد يقوده إلى التعطيل الكامل فلا يعرف إلها موجودًا معبودًا!\n_________\n(١) انظر: «القواعد المثلى» للعثيمين (ص: ١١، ١٢).\n(٢) انظر: «القواعد النورانية» لابن تيمية (ص: ١٢٨). تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية الطبعة الأولى ١٣٧٠هـ - ١٩٥١م القاهرة.\n(٣) انظر: «القواعد النورانية» (ص: ١٢٨، ١٢٩) و«مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٠/ ٢١٧، ٣٥/ ٢٨٨)، و«طريق الهجرتين» لابن القيم (ص: ٢٣٧، ٢٣٨)، و«القواعد المثلى» للعثيمين (ص: ١٢، ١٣).\n(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٠/ ٢١٧).","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>القاعدة الثانية عشرة: الاستدلال بالدليل المتفق عليه على المسألة المتنازع فيها</span>\nالخصمان إما أن يتفقا على أصل يرجعان إليه أم لا، فإن لم يتفقا على شيء، لم تقع بمناظرتهما فائدة، وإذا كانت الدعوى لابد لها من دليل، وكان الدليل عند الخصم متنازعًا فيه، ليس عنده بدليل، صار الإتيان به عبثًا، لا يفيد فائدة ولا يحصل مقصودًا، إذ مقصود المناظرة رد الخصم إلى الصواب بطريق يعرفه، فلابد من الرجوع إلى دليل يعرفه الخصم السائل، معرفة الخصم المستدل:\nولهذا كان الرجوع عند المسلمين إلى الكتاب والسنة، لاتفاقهم عليهما، وكان المرجوع إليه عند التنازع مع غير المسلمين ما يسلم به الكفار، كما قال تعالى: - في محاجة الكفار -: قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [المؤمنون: ٨٤ - ٩٠] (١).\n_________\n(١) انظر: «الموافقات» (٤/ ٣٣٥).","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>القاعدة الثالثة عشرة: الجمع بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات</span>\nوهي خاصة العقل الصحيح، وصفة الفطرة السليمة، وعليها قامت أحكام الشرع، فالشيء يعطى حكم نظيره، وينفى عنه حكم مخالفه، ولا يجوز العكس بحال: وهو أن يفرق بين متماثلين أو يجمع بين مختلفين:\nقال الله تعالى في ذم اليهود: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: ٨٥] وذلك أنهم أغفلوا حكم التوراة في سفك الدماء وإخراج أنفسهم من ديارهم، وأقاموه -أي حكم التوراة- في مفاداة الأسرى (١) وكان الواجب عليهم إقامته في شأنهم كله.\nوقال تعالى: في شأنهم –أيضًا-: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ [البقرة: ٩١] فكفروا برسالة محمد ﷺ مع ما فيها من التصديق لما معهم من التوراة والإنجيل، والجميع يخرج من مشكاة واحدة؛ فكان الكفر ببعض ذلك كفرًا بالجميع وجحدًا له (٢).\nهذا في جانب التفريق بين المتماثلات، أما في جانب الجمع بين المختلفات، فقد قاس اليهود الرب (ﷻ) على المخلوق الضعيف القاصر، فوصفوه (سبحانه) بصفات المخلوقين، فقالوا: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤] وقالوا: إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران: ١٨١] وقالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ [التوبة: ٣٠] وفيه إثبات الصاحبة والولد وهي من صفات المخلوقات، ويشركهم في ذلك النصارى القائلون: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ [التوبة: ٣٠].\nفكل من فرق بين متماثلين، أو جمع بين مختلفين من مبتدعة المسلمين يكون فيه شبه من اليهود والنصارى، وهم إمامه وسلفه في ذلك:\nفنفاة الصفات: بعضها أو جميعها، أو الصفات دون الأسماء، أو الصفات والأسماء جميعًا، فرقوا بين المتماثلات، إذ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر نفيًا وإثباتًا، وكذلك القول في الصفات كالقول في الأسماء، وكذلك القول في الصفات والأسماء فرع عن القول في الذات (٣).\nوهم –أيضًا- قد جمعوا بين المختلفات، لأنهم لم يعتقدوا التعطيل إلا بعد أن قامت عندهم شبهة التشبيه، ولهذا كان كل معطل مشبهًا.\nونفاة القدر فرقوا بين المتشابهات والمتماثلات من وجه؛ حيث اعتمدوا النصوص التي تثبت قدرة العبد ومشيئته، وأنكروا النصوص التي تثبت قدرة الخالق، ومشيئته، وخلقه، وسابق علمه، وجمعوا بين المختلفات من وجه؛ حيث قاسوا المخلوق بالخالق، وجعلوهما سواء فيما يجوز، ويجب، ويمتنع. قال ابن قتيبة ﵀: (ألا ترى أن أهل القدر حين نظروا في قدر الله الذي هو سره بآرائهم، وحملوه على مقاييسهم؛ أرتهم أنفسهم قياسًا على ما جعل في تركيب المخلوق من معرفة العدل من الخلق على الخلق، أن يجعلوا ذلك حكمًا بين الله وبين العبد، فقالوا بالتخلية والإهمال، وجعلوا العباد فاعلين لما لا يشاء، وقادرين على ما لا يريد، كأنهم لم يسمعوا بإجماع الناس على: ما يشاء الله كان وما لا يشاء لا يكون) (٤).\nوالوعيدية من الخوارج والمعتزلة فرقوا بين نصوص الوعيد فآمنوا بها، وبين نصوص الوعد فكفروا بها، والجميع يخرج من مشكاة واحدة، وفي المقابل المرجئة آمنوا بنصوص الوعد، وكفروا بنصوص الوعيد.\nوالشيعة فرقوا بين الصحابة رضوان الله عليهم، فتولوا آل البيت منهم وعادوا غيرهم، والواجب موالاتهم جميعًا. وجمعوا بين الرسول ﷺ وبين غيره في إثبات العصمة، حيث ساقوها في أئمتهم، والواجب التفريق في ذلك بين الرسل وغيرهم من الناس.\nوممن خالف هذه القاعدة – أيضًا – من فرق بين الكتاب والسنة فاعتمد الكتاب دون السنة، وكذلك من فرق بين نصوص الأحكام فاعتمدها، وبين نصوص العقائد فأعرض عنها بتأويل أو تفويض، أو تكذيب إن كانت أحاديث آحاد، وكذلك من فرق بين السنة والمتواترة وسنة الآحاد في باب العقائد أو الأحكام.\nفكل هؤلاء واقعون في التناقض والاضطراب، والواجب عليهم الجمع بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات حتى يسلموا مما هم فيه.\n_________\n(١) انظر: «بدائع الفوائد» لابن القيم (٤/ ١٤٣، ١٤٤) و«تفسير ابن كثير» (١/ ١٧٣، ١٧٤) (طبعة الشعب).\n(٢) وانظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ١٨٠) (طبعة الشعب).\n(٣) راجع في ذلك: «الرسالة التدمرية» (ص: ٢١) وما بعدها.\n(٤) «اختلاف اللفظ» (ص: ١٢، ١٣).","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>القاعدة الرابعة عشرة: المعارضة الصحيحة هي التي يمكن طردها</span>\nقال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللهُ المُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: ٢٥٨].\nفلما سوى الملحد نفسه بالله تعالى في ادعاء الإحياء والإماتة طالبه إبراهيم بطرد المساواة، وهي أن من حقوق الربوبية التصرف في الكون، وفي كواكبه وأجرامه، ومن ذلك أن الله تعالى يسير الشمس من المشرق على المغرب، فإن كنت صادقًا في ادعاء المساواة لله تعالى في الإحياء والإماتة، فأعكس حركة هذه الشمس، واجعلها تسير من المغرب إلى المشرق، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ (١).\nوكذلك يقال – مثلًا – لنفاة بعض الصفات بقصد التنزيه، اطردوا حجتكم وانفوا سائر الصفات، بل وسائر الأسماء، حتى صفة الوجود؛ لأن المخلوق يتصف بها، فمن طرد منهم لم يبق عنده إله يعبد، ولا رب يصلي له ويسجد، ومن فرق بقي في التناقض، والسعيد من أثبت الصفات جميعًا مع نفي التشبيه والمماثلة بين الخالق والمخلوق في شيء منها.\n_________\n(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ٤٦٣) (طبعة الشعب)، و«مختصر الصواعق» (١/ ١٠٩).","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>القاعدة الخامسة عشرة: في مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم الخاص</span>\nإذا تكلم المخالف باصطلاحه الخاص الذي اصطلحه مخالفًا به ما عليه الشرع من الألفاظ؛ فقد يعبر عن المعاني التي أثبتها الشرع بعبارات أخرى ليست فيه، أو أنها فيه لكن جاءت بمعان أخر، بل قد يكون معناها المعروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن منتفيًا باطلًا نفاه الشرع والعقل (١): كلفظ التوحيد عند الطوائف المنحرفة:\nفالتوحيد عند الفلاسفة يعنون به إثبات الوجود المطلق، مجردًا عن الماهية والصفة.\nوعند الاتحادية وأصحاب وحدة الوجود: أن الرب تعالى هو عين كل موجود.\nوعند الجهمية: التوحيد هو إنكار صفة العلو لله تعالى، والكلام، والسمع، والبصر، وغير ذلك من الصفات التي ثبتت بالسمع ودل عليها العقل.\nوعند القدرية: إنكار قدر الله وعموم مشيئته في الكائنات وقدرته عليها.\nويدخل في ذلك -أيضًا- نحو التكلم بالألفاظ المجملة كلفظ الجهة، والحيز والمكان، والجسم وغير ذلك.\nفيبقى المخاطب لهم والراد عليهم مترددًا بين أمور:\nالأول: أن يخاطبهم بغير اصطلاحهم، بل بالألفاظ والمعاني الشرعية، فحينئذ قد يقولون: إنا لا نفهم ما قيل لنا، أو أن المخاطب لنا والراد علينا لم يفهم قولنا ومرادنا، ويلبسون على الناس، بأن الذي عنيناه بكلامنا حق معلوم بالعقل أو بالذوق، وأنه موافق للشرع.\nالثاني: أن يخاطبهم بلغتهم واصطلاحهم – وقد يكون ذلك مخالفًا لألفاظ القرآن في الظاهر – فحينئذ قد ينسبون المخاطب لهم إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقًا وباطلًا، وأوهموا الجهال باصطلاحهم الخاص.\nالثالث: أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بها نفيًا وإثباتًا، بل يستفصل عن مرادهم: فإن أرادوا بهذه الألفاظ حقًا قبل، وإن أرادوا باطلًا رد، وهنا قد ينسبونه إلى العجز والانقطاع (٢):\nفحينئذ تختلف المصلحة؛ فيختار المخاطب لهم، الأسلوب الأمثل في مخاطبتهم والرد عليهم، وذلك بحسب ما يقتضيه المقام (٣):\nفإن كانوا في مقام دعوة الناس إلى قولهم وإلزامهم به أمكن أن يقال لهم: لا يجب على أحد أن يجيب داعيًا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك.\nومثل هذا فعله شيوخ السنة بين يدى ولاة الأمور في مناظراتهم لرؤوس المعتزلة والجهمية (٤).\nأما إن كان المخالف معارضًا للشرع بما يذكره، أو كان غير ملتزم بالشريعة: فهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها: إما بألفاظهم، وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم، وإن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسنًا، وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم، ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم، أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ:\nقال شيخ الإسلام ﵀: (وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة ...) (٥).\nفمخاطبة أهل الاصطلاح بلغتهم واصطلاحهم يفيد من وجوه:\nالأول: أنهم يفهمون الحجة.\nالثاني: أن ذلك أبلغ في الرد عليهم، وكسرهم.\nالثالث: بيان تمكن أهل الحق من معاني مسائلهم وعرضها بأي أسلوب يقتضيه الموقف.\nوقد استعمل شيخ الإسلام هذا الأسلوب في كثير من مصنفاته التي فيها الرد على أهل البدع والفلسفة، مثل كتاب درء التعارض، والرد على المنطقيين، وكذلك رأيت الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ يستخدم المنطق في الرد على من يؤمنون به، وذلك في تفسيره أضواء البيان (٦).\n_________\n(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٢٣).\n(٢) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٢٣، ٢٢٩).\n(٣) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٢٩) وما بعدها.\n(٤) انظر مثالا لذلك: «الاعتصام» (١/ ٢٤٣، ٢٤٤)، و«الشريعة» (ص: ٦٢ - ٦٤).\n(٥) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٤٣).\n(٦) انظر: مثلا – «أضواء البيان» (٤/ ١٤٨ - ١٥٠).","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>القاعدة السادسة عشرة: التوقف عند الإيهام، والاستفصال عند الإجمال</span>\nإذا أورد المنازع لفظًا مجملًا يحتمل حقًا وباطلًا، لم يكن لنا إثبات اللفظ أو نفيه، بل الواجب التوقف، وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا لقصور أو تقصير في بيان الحق، ولكن لأن اللفظ مجمل، والعبارة موهمة مشتملة على الحق والباطل، ففي إثباتها إثبات الحق والباطل، وفي نفيها نفي الحق والباطل، فالواجب الامتناع عن كلا الإطلاقين، ثم الاستفسار عن مراد صاحبها بها فإن أراد بها حقًا قبل، وإن أراد بها باطلًا رد (١).\nوبعد اختيار المعنى الصحيح المراد من العبارة الموهمة، يمنع من إطلاقها ويركب للمعنى لفظه الشرعي، حتى ينتفي عنه الإيهام والإجمال:\nمثال ذلك: لفظ الجهة لله تعالى (٢):\nفلو سأل سائل: هل تثبتون لله تعالى الجهة؟\nالجواب: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب ولا في السنة، لا إثباتًا ولا نفيًا وهو لفظ مجمل محتمل، ويغني عنه ما ثبت في الكتاب والسنة من أن الله تعالى في السماء.\nأما الجهة فقد يراد بها جهة سفل، أو جهة علو تحيط بالله تعالى، أو جهة علو لا تحيط به:\nأما المعنى الأول فباطل، لمنافاته العلو لله تعالى الثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.\nوالثاني باطل – أيضًا – لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته.\nوأما المعنى الثالث: فحق يجب إثباته وقبوله، لأن الله تعالى هو العلي الأعلى، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته.\nيقول طاش كبرى زاده في أصول المناظرة (٣):\nوليجتنب فيها عن الإطناب ... ثم عن الإيجاز والخطاب\nإلى رفيع القدر والمهابة ... وعن كلام شابه الغرابة\nومجمل من غير أن يفصلا ... كذا تعرض لما لا مدخلا\nولهذا يوجد كثيرا في كلام السلف النهي عن إطلاق النفي أو الإثبات في مثل هذه المواطن:\nقال الإمام أحمد ﵀: (إذا سأل الجهمي فقال: أخبرونا عن القرآن، هو الله أو غير الله؟ قيل له: وإن الله جل ثناؤه لم يقل في القرآن: إن القرآن أنا ولم يقل: غيري، وقال: هو كلامي، فسميناه باسم سماه الله به، فقلنا: كلام الله، فمن سمى القرآن باسم سماه الله به كان من المهتدين، ومن سماه باسم غيره كان من الضالين) (٤).\nوفي كتاب السنة للخلال (٥): سئل الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: (أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده على ما أحبه).\nوقال الأوزاعي: (ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء، والقدر، والخلق، والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله ﷺ).\nقال ابن تيمية: (فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من أحسن الأجوبة ... وجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي لأن الزبيدي نفى الجبر، والأوزاعي منع إطلاقه، إذ هذا اللفظ قد يحتمل معنى صحيحًا، فنفيه قد يقتضي نفي الحق والباطل) (٦) وكذلك إثباته قد يقتضي إثبات الحق والباطل، والصواب الإعراض عنه، أو التفصيل في الجواب.\nومثال آخر لمنهج السلف في هذه المسألة، ما أورده الإمام الذهبي في كتاب (العلو) (٧) من كلام أبي بكر محمد بن الحسن الحصري القيرواني الذي ساق أقوال جماعة من العلماء في مسألة الاستواء، ثم قال: (وهذا هو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد، ولا تمكن في مكان، ولا كون فيه ولا مماسة).\nقال الذهبي معلقًا على ذلك: (سلب هذه الأشياء وإثباتها مداره على النقل، فلو ورد شيء بذلك نطقنا به، وإلا فالسكوت والكف أشبه بشمائل السلف) (٨).\n_________\n(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٧٦)، و«مجموع تفسير ابن تيمية» (ص: ٣٥٢).\n(٢) انظر: «القواعد المثلى» للعثيمين (ص: ٣١).\n(٣) «علم البحث والمناظرة» رسالة للعلامة أبي الخير عصام الدين أحمد بن مصطفى المشهور بطاش كبرى زاده (ص: ٤٢) بتحقيق: أبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري – مطبعة الجبلاوي – الطبعة الثانية ١٣٩٧هـ، مصر.\n(٤) «الرد على الجهمية» للإمام أحمد (ص: ٧٣) (ضمن عقائد السلف للنشار).\n(٥) (ص: ٥٥٥) برقم: ٩٣٢، وقد نقل ابن تيمية هذا النص في «درء التعارض» (١/ ٦٦)، و«الفتاوى» (٥/ ٤٣٠، ٨/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(٦) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٦٧ - ٦٩).\n(٧) (ص: ١٥٨).\n(٨) (ص: ١٥٨).","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>القاعدة السابعة عشرة: طالب الحق يستفيد من رد أهل البدع، بعضهم على بعض</span>\nقال ابن القيم ﵀ (١): (من المعلوم أن كل مبطل أنكر على خصمه شيئًا من الباطل قد شاركه في بعضه أو في نظيره فإنه لا يتمكن من دحض حجته وكسر باطله؛ لأن خصمه تسلط عليه بمثل ما سلط هو به عليه، وهذا شأن أهل الأهواء مع بعضهم بعضًا، ولهذا كان عامة ما يأتون به أبدًا يناقض بعضهم بعضًا، ويكسر أقوال بعضهم بعض، وفي هذا منفعة جليلة لطالب الحق، فإنه يكتفي بإبطال كل فرقة لقول الفرقة الأخرى ..).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والمناظرة تارة تكون بين الحق والباطل، وتارة بين القولين الباطلين لتبيين بطلانهما، أو بطلان أحدهما، أو كون أحدهما أشد بطلانًا من الآخر، فإن هذا ينتفع به كثيرًا من أقوال أهل الكلام والفلسفة وأمثالهم، ممن يقول أحدهم القول الفاسد وينكر على منازعه ما هو أقرب منه إلى الصواب، فيبين أن قول منازعه أحق بالصحة إن كان قوله صحيحًا، وأن قوله أحق بالفساد إن كان قول منازعه فاسدًا، لتنقطع بذلك حجة الباطل، فإن هذا أمر مهم، إذ كان المبطلون يعارضون نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم، فإن بيان فسادها أحد ركني الحق وأحد المطلوبين، فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت، ولكن صالوا عليها صول المحاربين لله ولرسوله، فإذا دفع صيالهم وبين ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله) (٢).\nمثال ذلك (٣):\nإذا استدل متأول الصفات على منكر المعاد وحشر الأجساد بنصوص الوحي، أبدا لها منكر المعاد تأويلات تخالف ظاهرها، وقال للمستدل بها: تأولت أنا هذه النصوص (نصوص المعاد) كما تأولت أنت نصوص الصفات، ولاسيما أنها أكثر وأصرح، فإذا تطرق التأويل إليها، فهو إلى ما دونها أقرب تطرقًا. ولا نجاة من هذا التناقض إلا بالإيمان بجميع النصوص، وإجرائها على ظاهرها، ومنع التأويل.\n_________\n(١) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٥٢، ٤٥٢).\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٤/ ٢٠٦)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣١٤).\n(٣) انظر: «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٥٣، ٤٥٤).","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>القاعدة الثامنة عشرة: القطعية والظنية من الأمور النسبية الإضافية</span>\nكون العلم – أو الدليل – بديهيًا أو نظريًا، قطعيًا أو ظنيًا، هو من الأمور النسبية الإضافية التي تختلف باختلاف المدرك المستدل فقد يكون قطعيًا عند زيد، ما لا يعرفه غيره إلا بالنظر، ومن اعتقد أن القطع والظن صفة لازمة للدليل بحيث يشترك في ذلك جميع الناس فقد غلط وخالف الواقع والحس .. (١).\nوعليه، فمن أنكر بعض الأحاديث بحجة أنها ظنية، فهذا إخبار منه عن حاله، إذ لم يحصل له من الطرق ما يفيده العلم والقطع، ولا يلزم من ذلك النفي العام، حتى يكون غيره من أهل الحديث والسنة لم يحصل له العلم والقطع بمدلول تلك الأحاديث:\nفيقال للمنكر: اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول، واحرص عليه وتتبعه واجمعه، واعرف أحوال نقلته وسيرتهم، واجعل ذلك غاية طلبك ونهاية قصدك حتى يحصل لك من العلم اليقيني ما حصل لغيرك، أما مع إعراضك عنه وعن طلبه، فلو قلت: إنه لا يفيدك ظنًّا فضلًا عن اليقين، كنت صادقًا في الإخبار عن نفسك، وعن حظك ونصيبك منها (٢).\nوما يذكره كثير من أهل الكلام من وجوب القطع في المسائل الخبرية والتي قد يسمونها مسائل الأصول، وقد يوجبون القطع فيها على كل أحد، فهذا الإطلاق والتعميم ليس بصحيح، بل هو خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، بل ما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ذلك، كما في قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨]، وقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [محمد: ١٩] وأما ما تنازع فيه الناس من المسائل الدقيقة والتي قد تكون مشتبهة عند كثير منهم، لا يقدر الواحد منهم فيها على دليل يفيد اليقين، لا شرعي ولا غيره، لم يجب على مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه، وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قول غالب على ظنه، لعجزه عن تمام اليقين، بل ذلك هو الذي يقدر عليه، ولاسيما إذا كان موافقا للحق، فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه، ويسقط به الفرض، إذا لم يقدر على أكثر منه.\nثم إن هؤلاء المتكلمين من أبعد الناس عما أوجبوه، بل تجدهم يحتجون بما هو أقرب إلى الأغلوطات منه إلى الظنيات فضلًا عن القطعيات، بل تجد الواحد منهم كثيرًا ما يقطع بصحة حجة في موضع، ويقطع ببطلانها في موضع آخر، بل منهم من عامة كلامه كذلك (٣).\n_________\n(١) انظر: «الرد على المنطقيين» (ص: ١٣)، و«مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٣٢).\n(٢) انظر: «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣).\n(٣) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٥٢، ٥٣).","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>القاعدة التاسعة عشرة: الاصطلاحات الحادثة لا تغير من الحقائق شيئًا</span>\nقد يستخدم المبتدعة بعض الألفاظ الحسنة يصفون بها ما هم عليه من العقائد الفاسدة، رجاء قبولها عند ضعفاء الناس وشيوعها بينهم، ويستخدمون في حق منازعيهم من أهل السنة الألفاظ الذميمة والألقاب الشنيعة تنفيرًا منهم، وتحقيرًا لعلومهم (١):\nفأهل الكلام يسمون ما عندهم من الكلام عقليات، وقطعيات، ويقينيات، ويسمون ما عند غيرهم من العلوم: ظواهر وظنيات.\nومحرفو الكلم عن مواضعه يسمون تحريفهم تأويلًا ليروج ويقبل، وقد عرفنا أن التأويل في استعمال القرآن هو العاقبة التي يؤول إليها الأمر، وفي عرف السلف: تفسير كلام وشرح معناه.\nوالمعطلة للصفات، يسمون نفي الصفات تنزيهًا وتقديسًا وتوحيدًا ويسمون إثباتها: تجسيمًا وتشبيهًا وحشوًا، ويلقبون مثبتيها: بالمجسمة، والمشبهة، والحشوية.\nوالمتصوفة يسمون خيالاتهم الشيطانية: حقائق ومعارف يقينية، وقد يسمونها توحيدًا، ويسمون ما عند أهل السنة: ظواهر، ورسومًا، وعوائق، وحجبًا.\nوكل هذه الاصطلاحات لا ينبغي أن تغير من الحقائق شيئًا.\n_________\n(١) انظر: «مختصر الصواعق» (١/ ٨٧ - ٨٩)، و«الغنية» لعبد القادر الجيلاني (١/ ١٧).","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>القاعدة العشرون: الحيدة عن الجواب ضرب من الانقطاع</span>\nالحيدة: جواب السائل بغير ما سأل عنه، كأن يقول لك قائل: من أين جئت؟ فتقول له: حضرت الآن. فهذا ليس جوابه: ومثال الحيدة في كتاب الله تعالى في قصة إبراهيم ﵇ مع قومه: قال تعالى: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء: ٧٠ - ٧٣] فصاروا بين أمرين: أن يقولوا بالإيجاب، وليس لهم حجة على ذلك إلا مجرد الدعوى، أو يقولوا بالنفي فتظهر حجة إبراهيم عليهم، فلما أدركوا أن أيا من الأمرين لا يصلح جوابًا يخلصهم، حادوا عن الجواب فـ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء: ٧٤] وهذا ليس جواب إبراهيم ﵇، وإنما حيدة وانقطاع (١).\nومن أمثلة حيدة أهل البدع ما أجاب به بشر المريسي عبد العزيز المكي حين سأله: هل لله علم؟ فقال بشر: الله لا يجهل (٢)، لأنه أدرك إن هو أجاب بالإثبات فقد أبطل حجته في كون القرآن مخلوقًا، لأنه لا يستطيع أن يقول: علم الله مخلوق، والقرآن من علم الله.\nوإن أجاب بالنفي كان ذلك منه تكذيبًا صريحًا بنصوص التنزيل، فحاد عن الجواب لئلا يلزمه أحد الوجهين. فشهد المأمون عليه بالانقطاع. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي بن حسن– ٢/ ٦٨٩\n_________\n(١) انظر: «الحيدة» (ص: ٣٢ - ٣٣).\n(٢) انظر: «الحيدة» (ص: ٣١ - ٣٦).","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>الفصل الأول: خصائص منهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد</span>\nامتازت مناهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الدين أصوله وفروعه بخصائص جعلتها أكثر موافقة للحق وإصابة له، نذكر في هذا الموقع، طرفا منها:\nأولا: وحدة المصدر:\nوهو أن السلف لا يتلقون أمور دينهم إلا عن مشكاة النبوة، لا عقل ولا ذوق ولا كشف، بل هذه إن صحت كانت معضدة لحجة السمع (الكتاب والسنة) فكيف بمن عارض بها دلائل الكتاب والسنة، وأكثرها جهالات وخيالات فاسدة. وبهذا نفهم كيف أن الرسول ﷺ أنكر على عمر بن الخطاب ﵁ النظر في صحيفة من التوراة، وهو الكتاب المنزل من السماء، وإن شابه التحريف فهو أفضل من كثير من الأقيسة العقلية، والخيالات الصوفية (١):\nروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن ثابت أنه قال: «جاء عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ، قال عبد الله: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا، قال: فسري عن النبي ﷺ، ثم قال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين» (٢). وفي رواية «... أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية .. . والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» (٣) ...\nفهذا موسى ﵇ لو قدر وجوده بعد بعثة محمد ﷺ ما جاز لأحد متابعته وترك ما عليه النبي ﷺ، بل ما جاز له - أي موسى - ترك متابعة النبي ﷺ فكيف تتلقى أمور الديانة - أصولها وفروعها - عن عقل أو ذوق أو وجد أو نحو ذلك؟\nقال ابن عبد البر (﵀): (ليس في الاعتقاد كله، في صفات الله وأسمائه، إلا ما جاء منصوصا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله ﷺ، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه) (٤).\nثانيا: منهج توقيفي:\n_________\n(١) «اعتقادات المسلمين والمشركين للرازي» (٧٢) «التعرف لمذهب أهل التصوف لأبي محمد الكلاباذي» (٢١) بتحقيق د. عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، دار إحياء الكتب العربية (عيسى البابي الحلبي وشركاه) ١٣٨٠هـ - ١٩٦٠م القاهرة (بدون رقم الطبعة)، «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٠/ ١٨).\n(٢) رواه أحمد في «مسنده» (٣/ ٤٧٠) (١٥٩٠٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٧٩): رجاله رجال الصحيح إلا أن فيه جابر الجعفي وهو ضعيف.\n(٣) رواه أحمد في «مسنده» (٣/ ٣٨٧) (١٥١٩٥). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٢/ ١٢٢): إسناده على شرط مسلم. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١٣٦) - كما ذكر ذلك في المقدمة. وحسنه الألباني في «تخريج كتاب السنة» (٥٠).\n(٤) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٧).","vol":"1","page":139},{"text":"فهو منهج يقوم على التسليم المطلق لنصوص الكتاب والسنة، لا يردون منها شيئا، ولا يعارضونها بشيء، لا بعقل، ولا ذوق، ولا منام، ولا غير ذلك، بل يقفون حيث تقف بهم النصوص، ولا يتجاوزونها إلى إعمال رأي أو قياس أو ذوق .. ملتزمين قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: ١] وقال الربيع بن خثيم ﵀: \"يا عبد الله، ما علمك الله في كتابه من علم فأحمد الله، وما استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه، لا تتكلف، فإن الله يقول لنبيه: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦] (١) وقال الأوزاعي ﵀: (كان مكحول والزهري يقولان: أمروا هذه الأحاديث كما جاءت ولا تناظروا فيها) (٢) يعني أحاديث الصفات.\nأما غير أهل السنة فقد أصلوا لأنفسهم قواعد، حاكموا إليها النصوص، فما وافق منها تلك القواعد قالوا به معضدين لا محتجين، وما خالف ردوه: إما بتضعيف - إن كان حديثا - أو تأويل، وإن أحسنوا المعاملة فوضوا العلم به وعزلوه عن سلطان الحكم والاحتجاج، حتى أحدثوا في دين الله تعالى من المقالات الشنيعة ما ضاهوا، أو سبقوا به اليهود والنصارى وعباد الأصنام.\nقال يونس بن عبد الأعلى: (سمعت الشافعي، يوم ناظره حفص الفرد، قال لي: يا أبا موسى .. . لقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه) (٣) وقال ابن عيينة: (سمعت من جابر الجعفي كلاما خشيت أن يقع علي وعليه البيت) (٤).\nثالثا: تجنب الجدل والخصومات في الدين:\nوبناء على ما سبق كان للسلف موقف واضح وصريح من الجدل والخصومات في مسائل الاعتقاد، حتى عدوا الكلام والتمحل فيها من البدع، التي شددوا النكير على مقترفيها، وقصة عمر بن الخطاب ﵁ مع صبيغ بن عسل مشهورة معروفة:\nوهي (أن صبيغا قدم المدينة وكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر ﵁ فبعث إليه، وقد أعد له عراجين النخل، فلما دخل عليه جلس، فقال له عمر ﵁: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله صبيغ، فقال عمر ﵁: وأنا عبد الله عمر، ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجه، فجعل الدم يسيل على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي) (٥).\n_________\n(١) «الاعتصام للشاطبي» (٢/ ٣٣٦) وانظر «جامع بيان العلم لابن عبد البر» (٢/ ١١٨).\n(٢) «الاعتصام للشاطبي» (٢/ ٣٣٦) وانظر «جامع بيان العلم لابن عبد البر» (٢/ ١١٨).\n(٣) «جامع بيان العلم لابن عبد البر» (٢/ ١١٦).\n(٤) «جامع بيان العلم لابن عبد البر» (٢/ ١١٦).\n(٥) «الشريعة للآجري» (٧٣) «سنن الدارمي» (١/ ٥٥) «شرح أصول السنة- اللالكائي» (٤/ ٦٣٤) «عقيدة السلف وأصحاب الحديث للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني» (٥١) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٣٩٠) «الإصابة في تمييز الصحابة» (٣/ ٤٥٨)","vol":"1","page":140},{"text":"وقال مالك بن أنس ﵁: (الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه، وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر، وكل ما أشبه ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في دين الله، وفي الله ﷿، فالسكوت أحب إلي، لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في دين الله إلا فيما تحته عمل) (١) قال أبو عمر بن عبد البر (﵀): (والذي قاله مالك ﵀ عليه جماعة العلماء قديما وحديثا، من أهل الحديث، والفتوى، وإنما خالف ذلك أهل البدع: المعتزلة وسائر الفرق، وأما الجماعة فعلى ما قال مالك) (٢) وذلك فيما لم تكن هناك ضرورة، كرد باطل أو خوف من ضلالة أن تعم، فالواجب بيان الحق ودفع الباطل على ما أشار إليه ابن عبد البر ﵀ (٣).\nرابعا: اتفاق السلف في مسائل العقيدة:\nلقد كان من ثمرة صحة المنهج، وصدق قضاياه: أن يتفق أهل السنة على مسائل الاعتقاد مع اختلاف أعصارهم، وتباعد أمصارهم.\nيقول الإمام الأصبهاني ﵀: (ومما يدل على أن أهل الحديث هم أهل الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار؛ وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافا، ولا تفرقا في شئ ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء عن قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟) (٤). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن- بتصرف-١/ ٤٠\n_________\n(١) «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٦).\n(٢) «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٦).\n(٣) «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٦) وانظر: «الشريعة للآجري» (٦٢).\n(٤) «الحجة في بيان المحجة».","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>الفصل الثاني: نتائج الالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد</span>\nالنتيجة الأولى: تحقيق كمال الدين، وتمام النعمة، وقيام الحجة:\nالتزام هذا المنهج فيه اعتراف حقيقي بأن الله تعالى أكمل الدين، وأتم النعمة، وأن الرسول ﷺ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وكشف الغمة، وأقام الحجة، وأوضح المحجة، وأن الصحابة رضوان الله عليهم الذين هم حواريو الرسول ﷺ، وورثته في العلم والإيمان، وحفظة الله تعالى في عباده، أقاموا الدين علما وعملا، وبلغوه لفظا ومعنى. وهذا وإن كان واضحا في كل مسائل الديانة إلا أنه في مسائل الاعتقاد أشد وضوحا، وأعظم رسوخا، إذ (معرفة الاعتقاد أصل الدين، وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول، وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا وقولا؟!\nومن المحال – أيضا – أن يكون النبي ﷺ قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة، وقال: (تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (١) .. محال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين – وإن دقت – أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه في قلوبهم، في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته، غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام، ثم إذا كان قد وقع ذلك منه: فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب: زائدين فيه أو ناقصين عنه ...) (٢).\nالنتيجة الثانية: بيان ثبوت العصمة للشارع:\nالالتزام بهذا المنهج يفيد إثبات العصمة للشارع الحكيم، بحيث لا يجوز الاستدراك عليه، وذلك بعد أن تقرر بالأدلة والبراهين اليقينية أن ليس في الشرع ما يخالف مقتضيات العقول الصحيحة، كما أنه ليس في العقل الصحيح ما يخالف نصا صحيحا صريحا من نصوص الكتاب والسنة. بل كل ما يظن أنه يخالف الشرع من العقل فيمكن إثبات فساده بعقل صحيح صريح يبين أن تلك المخالفة مجرد ظن وتوهم.\nوعليه، فيجب النظر إلى الشريعة بعين الكمال لا بعين النقصان واعتبارها اعتبارا كليا في العقائد والعبادات والمعاملات، وعدم الخروج عنها البتة؛ لأن الخروج عنها تيه وضلال ورمي في عماية كيف وقد ثبت كمالها وتمامها فالزائد والمنقص في جهتها هو المبتدع بإطلاق، المنحرف عن جادة الصواب إلى بنيات الطرق، وهذا هو الذي أغفله المبتدعون فدخل عليهم بسببه الاستدراك على الشرع (٣).\nالنتيجة الثالثة: التصديق بجميع نصوص الكتاب والسنة:\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤٣)، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٢). من حديث العرباض بن سارية ﵁. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٦٨): إسناده حسن، وصححه الشوكاني في «إرشاد الفحول» (٢/ ١٣١)، والألباني في «صحيح ابن ماجه».\n(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ٦).\n(٣) «الاعتصام للشاطبي» (٢/ ٣١٠).","vol":"1","page":142},{"text":"الالتزام بهذا المنهج يفيد التصديق بجميع نصوص الكتاب والسنة، والاستدلال بها مجتمعة – ما لم يكن بين بعضها تناسخ – لأنها خرجت من مشكاة واحدة، وتكلم بها من وصف نفسه بكمال العلم وتمام الحكمة، ومن أصدق من الله قيلا، فلا يجوز ضرب بعضها ببعض؛ لأن ذلك يقتضي التكذيب ببعض الحق، إذ أنه من باب معارضة حق بحق، وهذا يقتضي التكذيب بأحدهما أو الاشتباه والحيرة، والواجب التصديق بهذا الحق وهو الحق؛ قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٢ - ٣٣] فذم سبحانه من كذب أو كذب بحق، ولم يمدح إلا من صدق وصدق بالحق، فلو صدق الإنسان فيما يقوله، ولم يصدق بالحق الذي يقوله غيره لم يكن ممدوحا، حتى يكون ممن يجيء بالصدق ويصدق به، فأؤلئك هم المتقون\" (١).\nالنتيجة الرابعة: تعظيم نصوص الكتاب والسنة:\nإن الالتزام بهذا المنهج يجعل المسلم في موقف المعظم لنصوص الكتاب والسنة؛ لأنه يعتقد أن كل ما تضمنته هو الحق والصواب، وفي خلافها الباطل والضلال.\nأما المخالفون فقد سقطت من نفوسهم هيبة النصوص حتى استحلوا حرماتها، وعاثوا فيها تكذيبا أو تحريفا، وإن أحسنوا المعاملة أعرضوا عنها بقلوبهم وعقولهم ولم يستدلوا بشيء منها، فهم: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ [البقرة: ٧٨].\nالنتيجة الخامسة: عصمة علوم أهل السنة:\nأهل السنة معصومون فيما يأخذونه عن إجماع الصحابة والتابعين، لأن إجماعهم حجة، ولا تجتمع هذه الأمة على ضلالة، فكيف إذا أجمع السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم على مسألة، فإن خلافهم فيها لا يجوز؛ لأنه خلاف الإجماع، وخلاف القرون المفضلة.\nأما أهل البدع والتفرق فلم يبالوا بهذا الأصل، حتى أعلنوا مخالفتهم لسلف الأمة وأئمتها، ونسبوهم إلى أعظم السفه والجهل.\nالنتيجة السادسة: السكوت عما سكت عنه السلف:\nكل مسألة سكت عنها الصحابة والسلف الصالح وتكلم فيها الخلف – ولا سيما فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد والإيمان – إلا كان السكوت عنها أولى وأليق، ولم يأت فيها الخلف إلا بباطل من القول وزورا. ولهذا قال عمر بن عبد العزيز ﵀ في وصيته إلى عدي بن أرطأة (.. فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما يرضى به القوم لأنفسهم؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوا، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى – وبفضل – لو كان فيه أجرى، فلئن قلتم: أمر حدث بعدهم، ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سنتهم، ورغب بنفسه عنهم، إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسر، لقد قصر عنهم آخرون فضلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم) (٢).\nالنتيجة السابعة: النجاة المحضة موقوفة على متابعة مذهب أهل السنة:\n_________\n(١) «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٠٤).\n(٢) «الشريعة للآجري» (٢٣٣).","vol":"1","page":143},{"text":"إن النجاة المحضة وقف على من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهذا إنما يعرف عن طريق السنن المروية، والآثار الصحابية. وأولى الناس بمعرفة ذلك هم أهل السنة والجماعة؛ وذلك لاشتغالهم وعنايتهم بها، وانتسابهم إليها، بعكس أهل البدع من المتكلمة والمتصوفة الذين هم من أبعد الناس عن معرفة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، مستغنين عن ذلك بالمحارات الفلسفية والخيالات الصوفية، ومنهم من يعترف بقلة بضاعته من الإرث النبوي، ومنهم من لو اطلعت على مصنفاته لا تكاد تقف على آية كريمة، أو حديث شريف، أو أثر عن صحابي شاهدين على أنفسهم بالجفاء.\nثم ها هي الفرق الكبار: المعتزلة والخوارج والشيعة كلهم يطعن في الصحابة رضوان الله عليهم طعنا صريحا (١):\nأما المعتزلة فقد طعن زعيمهم النظام في أكثر الصحابة وأسقط عدالة ابن مسعود، وطعن في فتاوى علي بن أبي طالب، وثلب عثمان بن عفان، وطعن في كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد، وقال: إن ذلك منهم إنما كان لأجل أمرين: إما لجهلهم بأن ذلك لا يحل لهم، وإما لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تنسب إليهم. فنسب خيار الصحابة إلى الجهل أو النفاق.\nثم إنه أبطل إجماع الصحابة ولم يره حجة، وأجاز أن تجتمع الأمة على الضلالة (٢).\nوأيضا – كان زعيمهم واصل بن عطاء الغزال يشكك في عدالة علي وابنيه، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين، فقال مقالته المشهورة: لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه. ووافقه على ذلك صاحبه عمرو بن عبيد وزاد عليه بأن قطع بفسق كل من الفريقين.\nوأما الخوارج فتكفيرهم لعلي وأكثر الصحابة ﵃ واستباحتهم لدمائهم وأموالهم مشهور معلوم، بل ساقوا الكفر إلى كل من أذنب من هذه الأمة.\nأما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة – عدا آل البيت – وغلاتهم من السبئية والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية.\nوالإمامية منهم ادعت ردة أكثر الصحابة بعد النبي ﷺ.\nوالأشاعرة ونحوهم من المتكلمين ممن يدعي في طريقة الخلف العلم والإحكام، وفي طريقة السلف السلامة دون العلم والإحكام، يلزمهم تجهيل السلف من الصحابة والتابعين وهو طعن فيهم من هذا الوجه. ولهذا قال ابن تيمية ﵀ – بعد أن حكى عنهم هذا الكلام -: (ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض) (٣).\nفكيف يقال في هؤلاء جميعا إنهم موافقون للصحابة في علومهم وأعمالهم؟!\nالنتيجة الثامنة: شرف الانتساب إلى السلف الصالح:\nإن السلفية تطلق ويراد بها أحد معنيين:\nأحدهما: الحقيقة التاريخية التي تختص بأهل القرون الثلاثة المفضلة؛ لحديث: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ..) (٤).\nالثاني: الطريقة التي كان عليها أهل تلك القرون الفاضلة من التمسك بالكتاب والسنة وتقديمهما على ما سواهما، والعمل بها على مقتضى فهم الصحابة والسلف.\nفالسلفية بالمعنى الثاني منهاج باق إلى يوم القيامة يصح الانتساب إليه متى التزمت شروطه وقواعده؛ لحديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) (٥).\n_________\n(١) «الفرق بين الفرق للبغدادي» (٣١٨ وما بعدها).\n(٢) «فضل الإجماع» (١٤٠ من هذا البحث).\n(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ١٥٧).\n(٤) «تقدم تخريجه» (٣٦).\n(٥) «تقدم تخريجه» (٣٦).","vol":"1","page":144},{"text":"وعليه، فكل أحد وإن تأخر زمانه عن عصر السلف، لكنه التزم منهاجهم في العلم والعمل فهو منهم، وسلفي معهم، فالمرء مع من أحب. قال أبو الوفاء ابن عقيل ﵀ لبعض أصحابه: (أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن مثلهم، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت) (١).\nالنتيجة التاسعة: عدم صحة الإيمان المشروط:\nالالتزام بهذا المنهج يقرر عدم صحة الإيمان كمن يقول: أنا لا أؤمن بخبر الرسول ﷺ حتى أعلم انتفاء المعارض العقلي، أو أنا لا أؤمن حتى تصدق خبره رؤيا منام، أو كشف، أو ذوق، أو حس (التجربة المعملية) أو نحو ذلك من الشرائط، فهذا إيمان لا يصح، وصاحبه فيه شبه من الذين: وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ [الأنعام: ١٢٤] والذين قالوا: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة: ٥٥].\nفالواجب على الإنسان – إذا تبين له صدق الرسول – أن يؤمن بالله ورسالاته إيمانا مطلقا غير مشروط، ولا متعلق بشيء من خارج. ولهذا كان شعار أهل الإيمان، سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة: ٢٨٥] وشعار أهل الكفر والطغيان: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [البقرة: ٩٣].\nالنتيجة العاشرة: تكثير الصواب وتقليل الخطأ:\nالاعتماد على الكتاب والسنة وإجماع الأمة في الاستدلال يقلل الخطأ ويكثر الصواب والتوفيق، وهذا الخطأ يكون بسبب نقص علم المستدل أو قصور فهمه، أو سوء قصده، وهذا قد يوجد في بعض أهل السنة (ففي بعضهم من التفريط في الحق، والتعدي على الخلق ما قد يكون بعضه خطأ مغفورا، وقد يكون منكرا من القول وزورا، وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات؛ فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ظالم ..) لكن – مع ذلك – هم بالنسبة إلى غيرهم - في ذلك – كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل، فكل شر يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر، وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم، وهكذا أهل الحديث والسنة بالنسبة إلى غيرهم من طوائف المسلمين (٢): يعرفون الحق ويرحمون الخلق، أما أهل البدع فيكذبون بالحق ويكفرون الخلق، فلا علم ولا رحمة .. (٣).\nالنتيجة الحادية عشرة: الاستغناء بالكتاب والسنة عما سواهما:\n_________\n(١) «تلبيس لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي» (٨٥).\n(٢) «نقض المنطق لابن تيمية» (٢٢).\n(٣) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٣١).","vol":"1","page":145},{"text":"الالتزام بهذا المنهج يفيد الاستغناء بالكتاب والسنة عن النظر في الكتب المتقدمة: كالتوارة والإنجيل والزبور، لما أصابها من التحريف والتبديل، والزيادة والنقصان، فالقرآن الكريم كتاب مستقل بنفسه، ناسخ لما قبله، لم يحوج الله تعالى أهله إلى كتاب آخر – كما هو حال أهل الزبور والإنجيل مع التوراة – والقرآن قد اشتمل على جميع ما في الكتب الأخرى من المحاسن، وعلى زيادات كثيرة لا توجد فيها، مع ضمان الحفظ ونزاهة النص عن التحريف، ولهذا كان مصدقا لما بين يديه من الكتاب، ومهيمنا عليه، يقرر ما فيه من الحق، ويبطل ما حرف منه وينسخ ما نسخه الله تعالى (١). ولهذا لما رأى النبي ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ ينظر في صحيفة من التوراة غضب وقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية .. والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» (٢).\nالنتيجة الثانية عشرة: طريقة السلف: أسلم وأعلم وأحكم:\nإن الذين يقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وهي التأويل الذي هو صرف النصوص إلى معنى قد تحتمله اللغة، لكن في غير هذا السياق المعين، والتأويل عندهم مظنون بالاتفاق (٣) فلا أحد منهم يقطع بالمعنى الذي صرفوا اللفظ إليه، لم يحصلوا شيئا، بل تركوا النصوص وفيها الحق واليقين، ولجأوا إلى احتمالات وتجويزات مزقتهم كل ممزق، مع حيرة وضياع:\nقال الشوكاني ﵀ (٤): (فهم – أي أهل الكلام – متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم، فكان غاية ما ظفروا به من هذه الأعلمية لطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز، وقالوا: هنيئا للعامة، فتدبر هذه الأعلمية التي حاصلها أن يهنئ من ظفر بها للجاهل الجهل البسيط، ويتمنى أنه في عدادهم، وممن يدين بدينهم، ويمشي على طريقهم، فإن هذا ينادي بأعلى صوت، ويدل بأوضح دلالة على أن هذه الأعلمية التي طلبوها: الجهل خير منها بكثير، فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه: أن الجهل خير منه، وينتهي عند البلوغ إلى غايته، والوصول إلى نهايته أن يكون جاهلا به، عاطلا عنه، ففي هذا عبرة للمعتدين وآية بينة للناظرين ..).\nالنتيجة الثالثة عشرة: اجتماع محاسن الفرق الأخرى لأهل السنة خالصة من كل كدر:\nالالتزام بهذا المنهج يجمع لأهل السنة ما عند الفرق الأخرى من الحق، مع نبذ أباطيلهم؛ لأن ما عند الفرق المخالفة للحق شبه، والشبهة ما أشبهت الحق من وجه، ولهذا تشتبه على الناس، فأهل السنة يأخذون بالوجه الحق، ويدعون الوجه الباطل، وسبب هذا التوفيق هو استدلالهم بجميع النصوص، من غير توهم تعارض بينها، أو بينها وبين العقل الصحيح الصريح، أما أهل الفرق الأخرى فقد ضربوا النصوص بعضها ببعض، أو عارضوها بآرائهم وأقيستهم الفاسدة، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، وأهل السنة آمنوا بالكتاب كله، وأقاموه علما وعملا.\nالنتيجة الرابعة عشرة: مخالفة مسالك الأمم الضالة:\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٩/ ١٨٤).\n(٢) «تقدم تخريجه» (٤٢).\n(٣) «الملل والنحل للشهرستاني» (١/ ١٠٤).\n(٤) «التحف في مذاهب السلف» (٣).","vol":"1","page":146},{"text":"الالتزام بهذا المنهج يفيد مجانبة مسالك الأمم الضالة من اليهود والنصارى وغيرهم، وقد أمرنا بمخالفة طرائقهم، وتجنب سننهم، ومنها أنهم ردوا على الرسل ما أخبروا به، واعترضوا عليهم بالاعتراضات الباطلة، كما قالت اليهود لموسى ﵇: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة: ٥٥]. وقال الذين كفروا:: وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ [الأنعام: ١٢٤].\nوكل من أوقف الإيمان بالنصوص على موافقة عقله أو قياسه أو ذوقه أو كشفه أو منامه أو حسه ففيه شبه من شبه اليهود والنصارى والذين كفروا، وقد أمرنا بمخالفتهم. ولهذا لا تكاد تجد شبهة أو مقالة منحرفة في الفرق المخالفة لأهل السنة، إلا وفي اليهود والنصارى نظيرها.\nالنتيجة الخامسة عشرة: ما تلزمه المخالفة من الكفر، وما يلتزمه المخالف من الدعوى إلى بدعته:\nمخالفة هذا المنهج تؤدي إلى كثير من الكفريات كنفي الصفات، والقول بخلق القرآن، والتكذيب بالقدر، ونفي حكمة الرب تعالى ومشيئته واختياره، والحلول والاتحاد، وتفضيل الأولياء على الأنبياء، والتكذيب بأخبار المعاد وحشر الأجساد، والطعن في الصحابة وحملة الدين، وغير ذلك من الأمور الكفرية، وقد كان لكل فرقة من الفرق المخالف لأهل السنة نصيب من هذه الأمور وغيرها.\nقال أبو الوفاء بن عقيل ﵀: (وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك، وكثير منهم إلى الإلحاد؛ تشم روائح الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين ...) (١).\nكما أنه يغلب على مخالف هذا المنهج أن يكون داعيا إلى بدعته؛ لأنه يتدين بذلك، أي يعتقده دينا وشرعة، وأن ما عليه غيره بدعة وضلالة، وعلى هذا يفهم قول من قال: المبتدع لا توبة له (٢)؛ لأنه يعتقد أن ما عليه هو الحق، وما دونه الباطل، بخلاف العاصي فإنه مقر بمخالفته ومعصيته، فهذا يرجى رجوعه وتوبته، بخلاف ذلك المبتدع.\nالنتيجة السادسة عشرة: اليقين والثبات لأهل السنة، وفي مقابله الاضطراب والتنقل لأهل البدع:\nالالتزام بهذا المنهج يفيد الرجل يقينا وثباتا، ومخالفته تفيده اضطرابا وتنقلا:\nقال ابن تيمية ﵀: (إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين، فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي ﷺ: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد. ولهذا قال بعض السلف – عمر بن عبد العزيز أو غيره -: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل (٣).\n_________\n(١) «تلبيس إبليس لابن الجوزي» (٨٥).\n(٢) «الاعتصام» (٢/ ٢٧٢).\n(٣) رواه عنه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١١٦).","vol":"1","page":147},{"text":"أما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة .. ومن صبر من أهل الأهواء على قوله، فذاك لما فيه من الحق، إذ لابد في كل بدعة – عليها طائفة كبيرة – من الحق الذي جاء به الرسول ﷺ ويوافق عليه أهل السنة والحديث: ما يوجب قبولها، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال.\nوبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة ..) (١).\nالنتيجة السابعة عشرة: الشك والحيرة والضياع مصير المخالف:\nمخالفة هذا المنهج أورثت المخالفين شكا وحيرة وضياعا:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الحونجي صاحب (كشف الأسرار في المنطق)، وهو عند كثير منهم غاية في هذا الفن. أنه قال عند الموت: أموت وما علمت شيئا إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب. ثم قال: الافتقار وصف عدمي. أموت وما علمت شيئا) (٢).\nوقال ﵀: (حدثني من قرأ على ابن واصل الحموي أنه قال: أبيت بالليل، وأستلقي على ظهري، وأضع الملحفة على وجهي وأبيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح وما ترجح عندي شيء) (٣).\nوقال آخر (بت البارحة أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته) (٤).\nوهذا الفخر الرازي يقول (٥):\n(نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال\nوأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال\nولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا)\nوهذا الشهرستاني يصف حال المتكلمين في قوله (٦):\n(لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم\nفلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم)\nوقال ابن أبي الحديد المعتزلي المتشيع يصف حاله وحال إخوانه من المتكلمين (٧):\n(فيك يا أغلوطة الفكر ... حار أمري وانقض عمرى\nسافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا أذى السفر\nفلحي الله الألى زعموا ... أنك المعروف بالنظر\nكذبوا إن الذي ذكروا ... خارج عن قوة البشر)\nقال ابن تيمية: (ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات: ٨ - ٩] يعلم الذكي منهم والعاقل: أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست ببينة، وإنما هي كما قيل فيها:\nحجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور\nويعلم العليم البصير أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ﵁ حيث قال: (حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على الكلام). (٨).\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٥٠).\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٢٦٢).\n(٣) «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٢٦٣).\n(٤) «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٢٦٣).\n(٥) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ١٦٠).\n(٦) «نهاية الإقدام» (٣).\n(٧) «شرح الطحاوية» (١٧١).\n(٨) رواه ابن عبد البر في: «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١٩٣).","vol":"1","page":148},{"text":"ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر – والحيرة مسئولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم – رحمتهم وترفقت بهم؛ أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما، وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون [الأحقاف: ٢٦]. ومن كان عليما بهذه الأمور: تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله إلا بعدا) (١).\nولهذا من أدركته رحمة الله تعالى منهم خرج عن ذلك ورجع إلى طريقة السلف وأوصى بذلك:\nروى الخطيب البغدادي بسنده إلى أحمد بن سنان أنه قال: (كان الوليد الكرابيسي خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا. قال: فتتهمونني؟ قالوا: لا. قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم) (٢) قال أبو بكر بن الأشعث: (كان أعرف الناس بالكلام بعد حفص الفرد الكرابيسي) (٣). وقد سئل الإمام أحمد عنه وما أظهر: فكلح وجهه ثم قال: (إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله ﷺ وأصحابه وأقبلوا على هذه الكتب) (٤).\nوقال أبو المعالي الجويني: (لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغصت في الذي نهوا عنه، كل ذلك في طلب الحق وهربا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، فالويل لابن الجويني) (٥) وكان يقول لأصحابه: (يا أصحابنا لا تنشغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ في ما بلغ ما تشاغلت به) (٦).\nالنتيجة الثامنة عشرة: أهل السنة أعمق علما وأسد عقلا:\nلما كان أهل السنة ملتزمين المنهج الصحيح كان كلامهم في مسائل الكون صحيحا متفقا، لا يتكلمون فيها إلا بعلم (عقلي أو سمعي)، وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه: قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) سورة محمد وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا [النساء: ٦٦ - ٦٨] (٧).\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ١١٩).\n(٢) «شرف أصحاب الحديث» (٥٥، ٥٦ برقم: ١١١)، وكذلك رواه ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص: ٨٤.\n(٣) «شرف أصحاب الحديث» (٥٦).\n(٤) «شرف أصحاب الحديث» (٦) برقم (٦).\n(٥) «تلبيس إبليس» (٨٤).\n(٦) «تلبيس إبليس» (٨٥).\n(٧) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ١٠).","vol":"1","page":149},{"text":"وقال ابن القيم ﵀ في شرح آية: يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور: ٣٥] قال ﵀: (النور على النور: نور الفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب؛ فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نورا على نور، ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة والوحي فيريه عقله وفطرته وذوقه الذي جاء به الرسول ﵌ هو الحق، لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة بل يتصادفان ويتوافقان) (١).\nأما غير أهل السنة من المتكلمين والمتصوفة وغيرهم فكلامهم في مسائل الكون خبط من غير علم:\nيقول عبد القادر البغدادي – وهو يذكر ما أجمع عليه أهل السنة وهم – عنده – الأشاعرة -: (وأجمعوا على وقوف الأرض وسكونها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها .. وأجمعوا على أن الأرض متناهية الأطراف من الجهات كلها، وكذلك السماء متناهية الأقطار من الجهات الست (٢» وزعم أنه يرد بذلك على الفلاسفة والدهرية.\nفهذا الذي قاله لا يدل عليه عقل ولا نقل فضلا عن الإجماع، بل هو - في زماننا هذا – أشبه بالأساطير. ولهذا قال ابن تيمية ﵀: (والخطأ فيما تقوله الفلاسفة في الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم من خطأ المتكلمين، وأما فيما يقولونه في العلوم الطبيعية فقد يكون صواب المتفلسفة أكثر من صواب من رد عليهم من أهل الكلام، فإن أكثر أهل الكلام في هذه الأمور بلا علم، ولا عقل، ولا شرع) (٣).\nالنتيجة التاسعة عشرة: اعتقاد منع التعارض بين النقل والعقل يفيد في عمران الحياة، وازدهار الحضارات؛ فتنعم البشرية بهدي الله وشرعه، ولأهل السنة اليد الطولى والقدح المعلى في تقدم المعارف العقلية، والعلوم التطبيقية، إذ ليس هناك ما يحجزهم دونها، كما حدث في الدولة المسيحية في عصور الظلام، حين انقدح عندهم التعارض بين نصوص الإنجيل ومعطيات العقل، حتى تعرض المشتغلون بالعلوم التطبيقية والمعارف العقلية إلى أشد أنواع التنكيل من قبل الكنيسة حتى كان الانعتاق من سلطانها، وبداية ظهور الاتجاه العلماني.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحد وأسد عقلا، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم (بذلك) (٤) متمتعين ..) (٥).\nالنتيجة العشرون: إن الالتزام بهذا المنهج يوحد بين صفوف المسلمين، ويجمع كلمتهم؛ على تنوع اهتماماتهم العلمية والعملية، وتفاضل مقاديرهم في العلم والإيمان، ولا يعني هذا الاتفاق في جميع تفاصيل المسائل ودقائقها، ولكن الاتفاق في الطريق والمنهج الموصل إلى الحق، فإن وجد اختلاف بعد ذلك لم يفسد للود قضية، بل يندفع بالتناصح والتشاور، وتذوب حدته في بحر الألفة والمودة:\nقال أبو القاسم الأصبهاني ﵀: (٦) (السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطرق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف، وأهل البدع أخذوا الدين من المعقولات والآراء فأورثهم الافتراق والاختلاف، فإن النقل والرواية من الثقات المتقنين قلما تختلف، وإن (اختلفت) (٧) في لفظ أو كلمة فذلك الاختلاف لا يضر الدين، ولا يقدح فيه، وأما ذكر دلائل العقل (٨) فقلما تتفق، بل عقل كل واحد يرى صاحبه غير ما يرى الآخر. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - ٢/ ٧٣٠\n_________\n(١) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٨).\n(٢) «الفرق بين الفرق» (٢٣٠)، «أصول الدين له» (١٢٤)، «المواقف للإبجي» (١٩٩، ٢١٧، ٢١٩).\n(٣) «الرد على المنطقيين» (٣١١).\n(٤) في الأصل (كذلك ولعل الصواب ما أثبته.\n(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ١٠).\n(٦) «الحجة في بيان المحجة ورقة» (١٦٥) وهذا النص نسبه ابن القيم في مختصر الصواعق ٢/ ٤٢٦ وما بعدها إلى أبي المظفر السمعاني.\n(٧) في الأصل (اختلف) ولعل الصواب ما أثبته، كما في مختصر الصواعق ٢/ ٤٢٦.\n(٨) هكذا في الأصل، وفي مختصر الصواعق: وأما المعقولات والخواطر والآراء فقلما تتفق. .. ٢/ ٤٢٦.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>الفصل الثالث: حكم من خالف منهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد</span>\nلقد بين النبي ﷺ أن هذه الأمة ستفترق – أسوة باليهود والنصارى – إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن جميعها في النار، خلا واحدة هي الناجية، وهي الجماعة، وهي الفرقة المنصورة (١)، وأن سبب نجاتها هو التزامها بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من أمور الديانة: علما وعملا.\nوقد أفتى أهل العلم بأن الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هم أصحاب الحديث، حتى قال الإمام أحمد ﵀: (إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم) (٢). وروي نحوه عن يزيد بن هارون، وأحمد بن سنان، وعلي بن المديني، والإمام البخاري ﵏) (٣).\nوأهل الحديث والسنة: هم الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ؛ فهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، وهم – أيضا – أعظم الناس اتباعا لها: تصديقا وعملا وحبا، وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها، الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة؛ فلا ينصبون مقالة – عن رأي أو ذوق – ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول ﷺ، بل يجعلون ما بعث به من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه.\nوما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأحكام، ومسائل المعاد وحشر الأجساد وغير ذلك، يردونه إلى الله ورسوله، فما كان من معانيها موافقا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان منها مخالفا للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس؛ فإن اتباع الظن جهل، واتباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم (٤).\nوعليه، فما عدا طائفة أهل الحديث هم أهل أهواء وبدع وتفرق، محكوم على جملتهم بمخالفة الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق:\nقال أبو عمر بن عبد البر ﵀: (أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام: أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع - في جميع الأمصار - في طبقات العلماء، وإنما العلماء: أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم) (٥).\nوقال هارون الرشيد ﵀: (طلبت أربعة فوجدتها في أربعة: طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته عند الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث) (٦).\nوقال رجل للحسن بن زياد اللؤلؤي في زفر بن هذيل: (أكان ينظر في الكلام؟ فقال: سبحان الله! ما أحمقك! ما أدركت مشيختنا: زفر، وأبا يوسف، وأبا حنيفة، ومن جالسنا وأخذنا عنهم يهمهم غير الفقه والاقتداء بمن تقدمهم) (٧).\nوقال الإمام مالك ﵀: (لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء والبدع والتنجيم، وذكر كتبا، ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك) (٨).\n_________\n(١) «أحاديث الافتراق والطائفة المنصورة» (٣٥) من هذا البحث.\n(٢) رواه عنه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (٢٥) برقم ٤٢، ص: ٢٧ برقم: ٤٨.\n(٣) شرف أصحاب الحديث (ص ٢٦) برقم: ٤٦، ٤٧، وص ٢٧ برقم: ٤٨، ٤٩، ٥٠، ٥١.\n(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٣٤٧).\n(٥) «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٧).\n(٦) شرف أصحاب الحديث (ص ٥٥) برقم: ١١٠.\n(٧) «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٧).\n(٨) «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٧).","vol":"1","page":151},{"text":"وقال ابن خويز منداد – من أئمة المالكية-: (أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع: أشعريا كان، أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدا، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليه استتيب منها) (١).\nوقال يونس بن عبد الأعلى: (سمعت الشافعي – يوم ناظره حفص الفرد – قال لي: يا أبا موسى لأن يلقى الله ﷿ العبد بكل ذنب ما خلا الشرك، خير من أن يلقاه بشيء من الكلام، لقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه) (٢).\nوأيضا – قال الشافعي ﵀: (حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل؛ فينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام) (٣).\nوقال الإمام أحمد ﵀: (إنه لا يفلح صاحب كلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل) (٤).\nوقال أبو محمد بن حزم ﵀: (.. فلم يسع مسلما يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ، ولا أن يأبى عما وجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما من فعله مستحلا للخروج عن أمرهما، وموجبا لطاعة أحد دونهما فهو كافر لا شك عندنا في ذلك) (٥).\nوقال ﵀ - في موضع آخر – عقب قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء: ٦١] قال: (فليتق الله – الذي إليه المعاد – امرؤ على نفسه، ولتوجل نفسه عند قراءة هذه الآية، وليشتد إشفاقه من أن يكون مختارا للدخول تحت هذه الصفة المذكورة المذمومة الموبقة الموجبة للنار، فإن من ناظر خصمه في مسألة من مسائل الديانة وأحكامها التي أمرنا بالتفقه فيها، فدعاه خصمه إلى ما أنزل الله تعالى وإلى كلام الرسول فصده عنهما، ودعاه إلى قياس، أو إلى قول فلان وفلان، فليعلم أن الله ﷿ قد سماه منافقا. نعوذ بالله من هذه المنزلة المهلكة) (٦). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - ٢/ ٧١٩\n_________\n(١) «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٧).\n(٢) «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٦).\n(٣) شرف أصحاب الحديث (ص ٧٨) برقم: ١٦٨ وتحريم النظر ص: ١٧.\n(٤) «جامع بيان العلم» (٢/ ١١٦) وتحريم النظر ص: ١٧.\n(٥) «الإحكام» (١/ ١١٠).\n(٦) «الإحكام» (١/ ١١٣).","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>الفصل الأول: فطرية المعرفة بوجود الله</span>\nوجود الله تعالى أمر فطري، مغروز في النفس البشرية؛ فعندما خلق الله تعالى آدم ﵇ أخذ منه، ومن ذريته، الشهادة على أنه ربهم ومعبودهم الحق فقال ﷾: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣].\nوقد كانت دعوة الأنبياء جميعًا تنبثق من هذا الأصل الفطري العظيم؛ وهو الإيمان بالله تعالى؛ والدعوة لتوحيده في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته، فما أثر عن أمة من الأمم إنكارها لوجود الله تعالى، إلا ما نسب إلى فرعون، والدهرية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨): (وأشهر من عرف تجاهله، وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا به في الباطن؛ كما قال له موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء: ١٠٢]، وقال تعالى عنه وعن قومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤]) (١).\nونص شيخ الإسلام في موضع آخر على أن فرعون كان معترفًا بالله في الباطن، فقال: (وفرعون لم يقل هذا لعدم معرفته في الباطن بالخالق، ولكن أظهر خلاف ما في نفسه؛ كما قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤].\nوأما الدهرية فهم لم ينكروا وجود الله تعالى؛ كما قال الشهرستاني (ت ٥٤٨): (أما تعطيل العالم عن الصانع العليم، القادر الحكيم، فلست أراها مقالة، ولا عرفت عليها صاحب مقالة، إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية أنهم قالوا: كان العالم في الأزل أجزاء مبثوثة، تتحرك على غير استقامة، فاصطكت اتفافًا؛ فحصل العالم بشكله الذي تراه عليه، ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر وجود الصانع؛ بل هو يعترف بالصانع، لكنه يحيل سبب وجود العالم على البحث والاتفاق؛ احترازًا عن التعليل) (٢).\nومما يجب العلم به أن هذا المصطلح – أي (وجود الله تعالى) أو (إثبات الصانع)، أو (إثبات واجب الوجود)، وغيرها – هي مصطلحات مبتدعة، برزت في الوسط الإسلامي، مع ظهور فرق الابتداع، واختلاط المسلمين بأهل الشك والريب، من أهل البلاد المفتوحة، فما كانت البيئة الإسلامية تعرف مثل هذه المصطلحات المحدثة.\nولعل مثل هذه المقالات روجها زنادقة البلاد المفتوحة؛ حقدًا وحسدًا على هذا الدين وأهله، عندما هالهم سرعة انتشاره وتقبله من أهل تلك البلاد، فعكف هؤلاء الزنادقة وغيرهم من القادة الدينيين على تأليف المقالات المنحرفة وزرع الشبه والريب بين المسلمين الجدد.\n_________\n(١) ابن تيمية «ردء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٣٨) ت د. محمد رشاد سالم – ط١ - ١٤٠١ - جامعة الإمام محمد بن سعود، وانظر .. أبي العز الحنفي، «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ١٧) ت الألباني ط الأزهر.\n(٢) الشهرستاني «نهاية الإقدام في علم الكلام» (ص: ١٢٣ - ١٢٤) ت- الفرد جيوم – لندن ١٩٣٤.","vol":"1","page":153},{"text":"ومما يوضح هذا التعليل أن بلاد فارس والعراق وغيرها قد تعرضت إلى هجمات فكرية عنيفة من الصابئة ودهاقنة الفرق يعاونهم اليهود والنصارى، والسمنية الهنود، الذين كانوا يطوفون في البلاد الإسلامية ويزرعون الشبه والشكوك، ولا شك أن هذه الجماعات قد نشأت ونظمت نفسها، وبدأت عملها في القرن الأول الهجري.\nومن أمثلة ذلك ما روي أن مجموعة من الملاحدة سألوا (١): (ما الدلالة على وجود الصانع، فقال لهم: دعوني فخاطري مشغول بأمر غريب، قالوا: ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلة سفينة عظيمة مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة؛ وهي ذاهبة وراجعة من غير أحد يحركها ولا يقوم عليها، فقالوا له: أمجنون أنت؟ قال وما ذاك؟ قالوا: أهذا يصدقه عاقل؟ فقال: فكيف صدقت عقولكم أن هذا العالم بما فيه من الأنواع والأصناف العجيبة وهذا الفلك الدوار السيار يجري وتحدث هذه الحوادث بغير محدث وتتحرك هذه المتحركات بغير محرم؟ فرجعوا على أنفسهم بالملام) (٢).\nومنها أيضًا أولئك السمنية الهنود الذين جادلوا الجهم بن صفوان (ت ١٢٨هـ) في الإله المعبود فتحير الجهم، ولم يدر ما يجيب وتوقف عن الصلاة أربعين يومًا حتى يتبين له ما يعبد بزعمه، ثم أحدثت هذه المجادلة الانحراف الكبير في عقلية الجهم؛ مما حدا به إلى نفي الصفات، وفتح بابًا كبيرًا من أبواب الشر في عقيدة الأمة (٣).\nفهذه الموجات الإلحادية التي غزت العالم الإسلامي في مراحل تكونه الأولى كانت من أهم الأسباب التي فتحت باب الجدل في وجود الله تعالى، وفي أسمائه وصفاته، على تلك الطريقة المبتدعة المذمومة، التي خالفت ما جاء به الكتاب والسنة من تقرير هذه المسائل بالطريقة السهلة الميسرة المقبولة.\nوقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية على أن أصول هذه المقالات المبتدعة هم الجهمية وغيرهم من فرق الابتداع، فقال: (إذا كانت معرفته والإقرار به ثابتًا في كل فطرة، فكيف ينكر ذلك كثير من النظار؛ نظار المسلمين وغيرهم، وهم يدعون أنهم يقيمون الأدلة العقلية على المطالب الإلهية، فيقال لهم ... أول من عرف في الإسلام بإنكار هذه المعرفة – هم أهل الكلام؛ الذين اتفق السلف على ذمهم، من الجهمية، والقدرية، وهم عند سلف الأمة من أضل الطوائف، وأجهلهم، ولكن انتشر كثير من أصولهم في المتأخرين؛ الذين يوافقون السلف على كثير مما خالفهم سلفهم الجهمية، فصار بعض الناس يظن أن هذا قول صدر في الأصل عن علماء مسلمين، وليس كذلك إنما صدر أولًا عمن ذمه أئمة الدين، وعلماء المسلمين) (٤).\nوتبعا لهذا الانحراف ... في تقرير وجود الله تعالى عند الجهمية، والمبتدعة اتسع انحراف المتكلمين من المعتزلة وغيرهم، فاشترطوا النظر والاستدلال، والشك لحصول العلم بالصانع بزعمهم، وقد فند شيخ الإسلام هذا الزعم الباطل، فقال: (ليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين، ولا هو قول المتكلمين، ولا غالبهم، بل هذا قول محدث في الإسلام، ابتدعه متكلمو المعتزلة، ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم، وقد نازعهم في ذلك طوائف من المتكلمين من المرجئة، والشيعة، وغيرهم، وقالوا: بل الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي، لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال ... بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله، والإقرار به لا يقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل النظر) (٥). العقيدة الإسلامية لعطا الله بخيت المعايطة – ص: ١٣\n_________\n(١) نسب شارح الطحاوية هذه الحادثة لأبي حنيفة ﵀ وأن الملاحدة سألوه هو (ص: ٢٣) في حين نسبها ابن تيمية إلى بعض أهل العلم. «درء تعارض» (٣/ ١٢٦).\n(٢) ابن تيمية «درء التعارض» (٣/ ١٢٧).\n(٣) «عقائد السلف» الإمام أحمد بن حنبل «الرد على الزنادقة» (ص: ٦٥) ت – النشار وطالبي ط منشأة المعارف الإسكندرية – ١٩٧١م.\n(٤) ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٤٣١) – جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصي النجدي – ﵀، وولده محمد.\n(٥) ابن تيمية «نقض تأسيس الجهمية» (٥/ ٤٧٣) – بتصرف – ت عبد الرحمن بن محمد العاصي وولده، وانظر «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٥٠) ونسبة هذه الطرق إلى المبتدعة والجهمية.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>الفصل الثاني: وصف الله تعالى بالوجود</span>\nوجود الله معلوم من الدين بالضرورة، وهو صفة لله بإجماع المسلمين، بل صفة لله عند جميع العقلاء، حتى المشركين، لا ينازع في ذلك إلا مُلْحِد دهري، ولا يلزم من إثبات الوجود صفة لله أن يكون له موجِد لأن الوجود نوعان:\nالأول: وجود ذاتي:\nوهو ما كان وجوده ثابتًا له في نفسه، لا مكسوبًا له من غيره، وهذا هو وجود الله سبحانه وصفاته؛ فإنَّ وجوده لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:٣]\nالثاني: وجود حادث:\nوهو ما كان حادثًا بعد عدم، فهذا الذي لابد له من موجد يوجده وخالق يحدثه، وهو الله سبحانه، قال تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الزمر:٦٢ - ٦٣]، وقال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ [الطور: ٣٥ - ٣٦] .... فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء – ٣/ ١٩٠","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>الفصل الثالث: معرفة الله</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:\nمعرفة الله قسمان:\n١ – معرفة وجود ومعاني، وهذا هو المطلوب منا.\n٢ – ومعرفة كنه وحقيقة، وهذا غير مطلوب منا لأنه مستحيل.\nيعني: لو قال قائل: تعرف الله مثلا: تعرف حقيقة ذاته وحقيقة صفاته؟ لكان الجواب: لا، لا نعلم ذلك وليس مطلوب منا والوصول إلى ذلك مستحيل، فالمطلوب إذن معرفة الذات بالوجود ومعرفة الصفات بالمعاني، أما معرفة الكنه والحقيقة فهذا مما لا يعلمه إلا الله ﷿، فصار قول المؤلف في معرفة الله لا بد فيه من هذا التسديد، قوله: (أول واجب على العبيد): أول واجب على الإنسان أن يعرف الله، وقالوا: المراد أول واجب لذاته، وأما أول واجب لغيره فهو النظر والتدبر الموصل إلى معرفة الله، فالعلماء قالوا: أول ما يجب على الإنسان أن ينظر فإذا نظر وصل إلى غاية وهي المعرفة فيكون النظر أول واجب لغيره، والمعرفة أول واجب لذاته، وقال بعض أهل العلم: إن النظر لا يجب لا لغيره ولا لذاته، لأن معرفة الله ﷿ معلومة بالفطرة، والإنسان مجبول عليها ولا يجهل الله ﷿ إلا من اجتالته الشياطين ولو رجع الإنسان إلى فطرته لعرف الله دون أن ينظر أو يفكر، قالوا: ودليل ذلك قوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة» (١) وقوله سبحانه في الحديث القدسي: «إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين» (٢) فصار الصارف عن مقتضى الفطرة حادث وارد على فطرة سليمة، فأول ما يولد الإنسان يولد على الفطرة ولو ترك ونفسه في أرض برية ما عبد غير الله، ولو عاش في بيئة مسلمة ما عبد غير الله، وحينئذ تكون عبادته لله، إذا عاش في بيئة مسلمة يكون المقوم لها شيئين: وهما الفطرة والبيئة، لكن إذا عاش في بيئة كافرة فإنه حينئذ يحدث عليه هذا المانع لفطرته من الاستقامة، لقوله ﷺ: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (٣)، إذن معرفة الله ﷿ لا تحتاج إلى نظر في الأصل، ولهذا عوام المسلمين الآن هل هم فكروا ونظروا في الآيات الكونية والآيات الشرعية حتى عرفوا الله أم عرفوه بمقتضى الفطرة؟ ولا شك أن للبيئة تأثيرًا، ما نظروا بل إن بعض الناس – والعياذ بالله – إذا نظر وأمعن ودقق وتعمق وتنطع ربما يهلك، كما قال ﷺ: «هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون» (٤)،\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٢٨٦٥). من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁.\n(٣) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) مسلم (٢٦٧٠). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ ..","vol":"1","page":156},{"text":"فالصحيح: إذن ما قاله المؤلف أن: أول واجب: معرفة الله، أما النظر: فلا نقول: إنه واجب، نعم لو فرض أن الإنسان احتاج إلى النظر فحينئذ يجب عليه النظر لو كان إيمانه فيه شيء من الضعف يحتاج إلى التقوية فحينئذ لا بد أن ينظر، ولهذا قال تعالى: أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:١٨٥] وقال: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون: ٦٨] وقال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩] فإذا وجد الإنسان في إيمانه ضعفًا حينئذٍ يجب أن ينظر، لكن لا ينظر هذا الناظر من زاوية الجدل والمعارضات والإيرادات، لأنه إن نظر من هذه الزاوية يكون مآله الضياع والهلاك يورد عليه الشيطان من الإيرادات ما يجعله يقف حيران، ولكن ينظر من زاوية الوصول إلى الحقيقة، فمثلًا: نظر إلى الشمس هذا المخلوق الكبير الوهاج لا يقول من الذي خلقه؟ خلقه الله ﷿، فيقول: من الذي خلق الله؟ لا، يقول خلقه الله ويسكت، لأن الرسول ﵊ أمرنا أن ننتهي إذا قال لنا الشيطان من خلق الله؟ لنقطع التسلسل، الحاصل: أن النظر لا يحتاج إليه الإنسان إلا للضرورة كالدواء لضعف الإيمان وإلا فمعرفة الله مركوزة بالفطر، وقول المؤلف: (معرفة الإله بالتسديد): أي بالصواب، لكن ما هو الطريق إلى معرفة الله ﷿؟ الطريق: قلنا بالفطرة قبل كل شيء، فالإنسان مفطور على معرفة ربه تعالى وأن له خالق، وإن كان لا يهتدي إلى معرفة صفات الخالق على التفصيل ولكن يعرف أن له خالقًا كامل من كل وجه، ومن الطرق التي توصل إلى معرفة الله: العقل، الأمور العقلية فإن العقل يهتدي إلى معرفة الله بالنظر إلى ذاته – هذا إذا كان القلب سليما ً من الشبهات – فينظر إلى ما بالناس من نعمة فيستدل به على وجود المنعم، لأنه لولا وجود المنعم ما وجدت النعم وعلى رحمته فلولاه ما وجدت ينظر إلى إمهال الله ﷿ للعاصين فيستدل به على حلم الله وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥] لأن أكثر الناس على الكفر، فلو أراد الله أن يؤاخذه – أن يؤاخذهم على أعمالهم – ما ترك على ظهرها من دابة، ننظر في السماوات والأرض فنستدل به على عظم الله فإن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق،، وهكذا، نعرف الله تعالى بإجابة الدعاء، فنعرف بهذا وجود الله وقدرته ورحمته وصدقه ﷿، ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] أخذ الله للكافرين بالنكبات والهزائم تدل على أن الله شديد العقاب، وأنه من المجرمين منتقم، ونصر الله لأوليائه تدل على أن الله ينصر من شاء شرح العقيدة السفارينية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص١٢٨\nكما أنه يجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن منافع جميع الموجودات، وأما دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود الحيوان ووجود النبات ووجود السموات، وهذه الطريقة تنبني على أصلين موجودين بالقوة في جميع فطر الناس:","vol":"1","page":157},{"text":"أحدهما: أن هذه الموجودات مخترعة، وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ الآية [الحج: ٧٣]؛ فإنا نرى أجسامًا جمادية ثم تحدث فيها الحياة، فنعلم قطعًا أن هاهنا موجدًا للحياة، ومنعمًا بها وهو الله ﵎، وأما السموات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر أنها مأمورة بالعناية بما هاهنا ومسخرة لنا، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة.\nوأما الأصل الثاني: فهو أن كل مخترع فله مخترع، فيتضح من هذين الأصلين أن للموجود فاعلًا مخترعًا له، وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات.\nوكذلك كان واجبًا على من أراد معرفة الله تعالى حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع، ولهذا أشار تعالى وتقدس بقوله: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ [الأعراف: ١٨٥] وكذلك أيضًا من تتبع معنى الحكمة في موجود أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق الغاية المقصودة به كان وقوفه على دليل العناية أتم. فهذان الدليلان هما دليل الشرع.\nوأما أن الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع سبحانه في الكتاب العزيز هي مختصرة في هذين الجنسين من الدلالة، فهذا بين لمن تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى، إذا تصفحت وجدت على ثلاث أنواع:\nإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية.\nوإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة الاختراع.\nوإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة جميعًا.\nفأما الآيات التي تتضمن دلالة العناية فمثل قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا – إلى قوله - وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا [النبأ: ١٦] ومثل قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا – إلى قوله - أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:٦١] ومثل قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [عبس:٢٤] ومثل هذا في القرآن كثير.\nوأما الآيات التي تضمنت دلالة الاختراع فقط فمثل قوله تعالى: فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ [الطارق:٦] ومثل قوله تعالى: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ الآية [الغاشية:١٧]، ومثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ الآية [الحج: ٧٣] ومن هذا قوله حكاية عن إبراهيم ﷺ: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٩] إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى.","vol":"1","page":158},{"text":"فأما الآيات التي تجمع الدلالتين فهي كثيرة أيضًا، بل هي الأكثر مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ – إلى قوله تعالى - فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١ - ٢٢] فإن قوله: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١] تنبيه على دلالة الاختراع، وقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء تنبيه على دلالة العناية، ومثل قوله تعالى: وَآَيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس: ٣٣] وقوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:١٩١]. وأكثر الآيات الواردة في هذا المعنى يوجد فيها النوعان من الدلالة.\nفهذه الدلالة هي الصراط المستقيم الذي دعا الله تعالى الناس منه إلى معرفة وجوده، ونبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى، وإلى هذه الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر الإشارة بقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ – إلى قوله تعالى - قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف: ١٧٢] ولهذا قد يجب على من كان وكده طاعة الله في الإيمان به، وامتثال ما جاء به رسله أن يسلك هذه الطريقة حتى يكون من العلماء الذين يشهدون لله بالربوبية، مع شهادته لنفسه، وشهادة ملائكته له، كما قال ﵎: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ودلالة الموجودات من هاتين الجهتين هو التسبيح المشار إليه بقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].\nفقد بان من هذا أن الأدلة على وجود الصانع تعالى منحصرة في هذين الجنسين: دلالة العناية، ودلالة الاختراع. وأن هاتين الطريقتين هما بأعيانهما طريقة الخواص، وأعني بالخواص العلماء، وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفصيل: أعني أن الجمهور يقتصرون في معرفة العناية والاختراع على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس، وأما العلماء فيزيدون إلى ما يذكرون من هذه الأشياء بالحس ما يدركون بالبرهان، أعني من العناية والاختراع، حتى لقد قال بعض العلماء: إن الذي أدرك العلماء من معرفة منافع أعضاء الإنسان والحيوان هو قريب ألف منفعة. وإذا كان هذا هكذا فهذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والطبيعية، وهي التي جاءت بها الرسل ونزلت بها الكتب. والعلماء ليسوا يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط؛ بل ومن قبل التعمق في معرفة الشيء الواحد نفسه؛ فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات مثالهم في النظر إلى المصنوعات التي ليس عندهم علم بصنعتها؛ فإنهم إنما يعرفون من أمرها أنها مصنوعات فقط، وأن لها صانعًا موجودًا، ومثال العلماء في ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التي عنده علم ببعض صنعتها وبوجه الحكمة فيها، ولاشك أن من حاله من العلماء بالمصنوعات هذه الحال فهو أعلم بالصانع من جهة ما هو صانع من الذي لا يعرف من تلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط. وأما مثال الدهرية في هذا الذين جحدوا الصانع ﷾ فمثال من أحس مصنوعات فلم يعترف أنها مصنوعات، بل نسب ما رأى فيها من الصنعة إلى الاتفاق والأمر الذي يحدث من ذاته. بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية – ١/ ١٧٢","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>تمهيد</span>\nتنوعت عبارات علماء أهل السنة في التعبير عن أنواع التوحيد، ولكنها مع ذلك التنوع متفقة في المضمون، ولعل السبب في ذلك هو أن تلك التقسيمات مأخوذ من استقراء النصوص، ولم ينص عليها باللفظ مباشرة، ولذلك فمن العلماء (١) من قسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، هي:\n١ - توحيد الربوبية ...\n٢ - توحيد الأسماء والصفات ...\n٣ - توحيد الألوهية ...\nومن المتأخرين من زاد قسمًا رابعًا على الأقسام الثلاثة السابقة وسماه:\n٤ - توحيد الأتباع أو توحيد الحاكمية (أي التحاكم إلى الكتاب والسنة)، ولكن يلاحظ على من ذكر هذا القسم أن هذا القسم في الحقيقة داخل ضمن توحيد الألوهية؛ لأن العبادة لا تقبل شرعًا إلا بشرطين هما:\n١ - الإخلاص.\n٢ - الإتباع.\nكما قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠].\nومن العلماء من قسم التوحيد إلى قسمين، وهذا هو الأغلب في كلام أهل العلم المتقدمين لأنهم يجمعون بين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وذلك بالنظر إلى أنهما يشكلان بمجموعهما جانب العلم بالله ومعرفته ﷿، فجمعوا بينهما لذلك، بينما توحيد الألوهية يشكل جانب العمل لله.\nوتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام راجع إلى اعتبار متعلق التوحيد، وتقسيمه إلى قسمين راجع إلى اعتبار ما يجب على الموحد.\nفمن العلماء من يقول: التوحيد قسمان (٢):\nالقسم الأول: توحيد المعرفة والإثبات:\nويريد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وسمي بتوحيد المعرفة؛ لأن معرفة الله ﷿ إنما تكون بمعرفة أسمائه، وصفاته، وأفعاله.\nوالإثبات: أي إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات والأفعال.\nالقسم الثاني: توحيد القصد والطلب:\nويراد به الألوهية، وسمي بتوحيد القصد والطلب، لأن العبد يتوجه بقلبه ولسانه وجوارحه بالعبادة لله وحده رغبة ورهبة، ويقصد بذلك وجه الله، وابتغاء مرضاته.\nومن العلماء من يقسم التوحيد إلى قسمين هما (٣):\nالقسم الأول: التوحيد العلمي الخبري:\nوالمقصود به توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.\nوسمي بالتوحيد العلمي: لأنه يعتني بجانب معرفة الله، فالعلمي أي (العلم بالله).\nوالخبري: لأنه يتوقف على الخبر أي: (الكتاب والسنة).\nالقسم الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي:\nوالمقصود به توحيد الألوهية، وسمي بالتوحيد الإرادي لأن العبد له في العبادات إرادة، فهو إما أن يقوم بتلك العبادة أو لا يقوم بها، وسمي بالطلبي؛ لأن العبد يطلب بتلك العبادات وجه الله ويقصده ﷿ بذلك.\nومن العلماء من يقسم التوحيد إلى قسمين فيقول (٤):\nالقسم الأول: التوحيد القولي:\nوالمراد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسمي بالقولي لأنه في مقابل توحيد الألوهية الذي يشكل الجانب العلمي من التوحيد، وأما هذا الجانب فهو مختص بالجانب القولي العلمي.\nالقسم الثاني: التوحيد العملي:\nوالمراد به توحيد الألوهية، وسمي بالعملي؛ لأنه يشمل كلًا من عمل القلب، وعمل اللسان، وعمل الجوارح التي تشكل بمجموعها جانب العمل من التوحيد، فالتوحيد له جانبان: جانب تصديقي علمي، وجانب انقيادي عملي.\nومن العلماء من يقسم التوحيد إلى قسمين فيقول:\nالقسم الأول: توحيد السيادة:\nويُعنَى بذلك توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وسمي بذلك لأن تفرد الله بأفعاله وأسمائه وصفاته يوجب له السيادة المطلقة، والتصرف التام في هذا الكون خلقًا، ورزقًا، وإحياء، وإماتة، وتصرفًا وتدبيرًا، ﷾. فمن واجب الموحد أن يفرد الله بذلك.\nوالقسم الثاني: توحيد العبادة:\nالمراد به توحيد الألوهية، وتسميته بذلك واضحة لا تحتاج إلى مزيد تفصيل. معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي –بتصرف- ص: ٣٧\n_________\n(١) انظر: «طريق الهجرتين» (ص:٣٠)، و«شرح الطحاوية» (ص:٧٦)، و«لوامع الأنوار» للسفاريني (١/ ١٢٨)، و«تيسير العزيز الحميد» (ص: ١٧ - ١٩).\n(٢) ممن ذكر ذلك ابن القيم في كتابه «مدارج السالكين» (٣/ ٤٤٩).\n(٣) ممن ذكر ذلك ابن القيم في كتابه «مدارج السالكين» (٣/ ٤٥٠)، وابن تيمية في «الصفدية» (٢/ ٢٢٨).\n(٤) ممن ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية: انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المبحث الأول: توحيد الربوبية</span>\nمعناه الاعتقاد الجازم بأن الله وحده رب كل شيء ومليكه، لا شريك له، وهو الخالق وحده وهو مدبر العالم والمتصرف فيه، وأنه خالق العباد ورازقهم ومحييهم ومميتهم، والإيمان بقضاء الله وقدره وبوحدانيته في ذاته، وخلاصته هو: توحيد الله تعالى بأفعاله.\nوقد قامت الأدلة الشرعية على وجوب الإيمان بربوبيته ﷾، كما في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ١].\nوقوله: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤].\nوقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩].\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨].\nوهذا النوع من التوحيد لم يخالف فيه كفار قريش، وأكثر أصحاب الملل والديانات؛ فكلهم يعتقدون أن خالق العالم هو الله وحده، قال الله ﵎ عنهم: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥].\nوقال: قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [المؤمنون: ٨٤ - ٩٠].\nوذلك لأن قلوب العباد مفطورة على الإقرار بربوبيته ﷾ ولذا فلا يصبح معتقده موحدًا؛ حتى يلتزم بالنوع الثاني من أنواع التوحيد، توحيد الألوهية الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص٥٥","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>المبحث الثاني: توحيد الألوهية</span>\nهو إفراد الله تعالى بأفعال العباد، ويسمى توحيد العبادة، ومعناه الاعتقاد الجازم بأن الله - ﷾ - هو: الإله الحق ولا إله غيره، وكل معبود سواه باطل، وإفراده تعالى بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة، وأن لا يشرك به أحد كائنًا من كان، ولا يصرف شيء من العبادة لغيره؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والدعاء، والاستعانة، والنذر، والذبح، والتوكل، والخوف والرجاء، والحب، وغيرها من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، وأن يعبد الله بالحب والخوف والرجاء جميعا، وعبادته ببعضها دون بعض ضلال.\nقال الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]\nوقال: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: ١١٧].\nوتوحيد الألوهية هو ما دعت إليه جميع الرسل، وإنكاره هو الذي أورد الأمم السابقة موارد الهلاك.\nوهو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها ولأجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وسلت سيوف الجهاد، وفرق بين المؤمنين والكافرين، وبين أهل الجنة وأهل النار.\nوهو معنى قوله تعالى: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ.\nقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص٥٦","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات</span>\nمعناه الاعتقاد الجازم بأن الله ﷿ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو متصف بجميع صفات الكمال، ومنزه عن جميع صفات النقص، متفرد بذلك عن جميع الكائنات.\nوأهل السنة والجماعة: يعرفون ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنة، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أثبته لنفسه من غير تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل، ولا تحريف، وقاعدتهم في كل ذلك قول الله ﵎: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١].\nوقوله: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠].\nوأهل السنة والجماعة: لا يحددون كيفية صفات الله جل وعلا لأنه ﵎ لم يخبر عن الكيفية، ولأنه لا أحد أعلم من الله سبحانه بنفسه، قال تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ [البقرة: ١٤٠]\nوقال تعالى: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٧٤]\nولا أحد أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي قال الله ﵎ في حقه: وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤] الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص٦٠\nوسيأتي الكلام عن كل قسم على حدة في موضعه من الموسوعة إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المبحث الرابع: مشروعية هذا التقسيم</span>\nقال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في (أضواء البيان) (١): (وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: توحيده في ربوبيته.\nالثاني: توحيده جل وعلا في عبوديته.\nالنوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته).\nوقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: (هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن منده وابن جرير الطبري وغيرهما وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس، وشيخنا الشنقيطي في (أضواء البيان) وآخرين رحم الله الجميع، وهو استقراء تام لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كل فن، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء (٢).\nوهذا التقسيم موجود مع بداية التصنيف والتدوين لمسائل العقيدة ومن الأدلة على ذلك بعض النصوص الواردة عن السلف في بيان ذلك:\nالنص الأول: للإمام أبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري حيث قال في كتابه (الإبانة) ما نصه: (... وذلك أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:\nأحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينا لمذاهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعا.\nوالثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.\nوالثالث: أن يعتقده موصوفا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه .. (٣» وكلامه هذا صريح في أن أصل الإيمان بالله وتوحيده مبني على هذه الأمور الثلاثة فسمى الأول اعتقاد الربانية والثاني اعتقاد الوحدانية والثالث اعتقاد اتصافه بالصفات العلى اللازمة لكمال الله ﷾.\nوالنص الثاني: للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده ﵀ حيث فصل وبوب في كتابه القيم: (كتاب التوحيد) في الأقسام الثلاثة للتوحيد فمن تبويباته:\n١ - ذكر ما وصف الله ﷿ به نفسه ودل على وحدانيته ﷿ وأنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.\n٢ - ذكر معرفة بدأ الخلق.\n٣ - ذكر معرفة أسماء الله ﷿ الحسنة التي تسمى بها وأظهرها لعباده للمعرفة والدعاء والذكر - وأبواب أخرى كثيرة فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى الكتاب المذكور.\nولذلك وصف الكتاب ومباحثه محققه الدكتور علي الفقيهي بقوله:\n(قسم المؤلف التوحيد إلى أربعة أقسام حيث جعل أسماء الله الحسنى قسما مستقلا ثم أتبعها بالصفات، وأقسام التوحيد الذي ذكرها هي:\nالوحدانية في الربوبية.\nتوحيد الألوهية وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.\nتوحيد أسماء الله الحسنى.\nالصفات) (٤) (٥).\nوقد سبق هذين الإمامين إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة ﵀ في تصنيف كتاب مستقل في توحيد المعرفة والإثبات وسماه كتاب (التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿).\n_________\n(١) «أضواء البيان» للعلامة محمد الأمين الشنقيطي (٣/ ٤١٠)\n(٢) «التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير» للعلامة بكر أبو زيد (١٣٣ حاشية رقم ٢ ضمن الردود ط ١/ ١٤١٤ دار العاصمة - الرياض).\n(٣) «الإبانة» (٢/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(٤) «التوحيد ابن مندة» (١/ ٣٣) تحقيق علي بن ناصر الفقيهي ط الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.\n(٥) انظر في ذلك: «القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد»، عبد الرزاق البدر، دار ابن عفان.","vol":"1","page":164},{"text":"وسبق الجميع الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ في تصنيف كتاب التوحيد في الرد على الجهمية ضمن كتابه الجامع الصحيح المعروف بصحيح الإمام البخاري.\nومما يدل على أن لفظ التوحيد واعتبار أقسامه أمر متعاهد عليه عند السلف قديما افتتاح الإمام الطحاوي عقيدته بقوله: نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له .. ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره .. ثم قال: (له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق) (١). قواعد في بيان حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لعادل الشيخاني-ص ٩٧\nوقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز عن هذا التقسيم ومشروعيته فأجاب بما يلي:\nالحمد لله، فهذا التقسيم مأخوذ من الاستقراء والتأمل لأن العلماء لما استقرؤوا ما جاءت به النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ظهر لهم هذا، وزاد بعضهم نوعا رابعا هو توحيد المتابعة، وهذا كله بالاستقراء\nفلا شك أن من تدبر القرآن الكريم وجد فيه آيات تأمر بإخلاص العبادة لله وحده، وهذا هو توحيد الألوهية، ووجد آيات تدل على أن الله هو الخلاق وأنه الرزاق وأنه مدبر الأمور، وهذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام، كما يجد آيات أخرى تدل على أن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه لا شبيه له ولا كفو له، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات الذي أنكره المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والمشبهة، ومن سلك سبيلهم.\nويجد آيات تدل على وجوب اتباع الرسول ﷺ ورفض ما خالف شرعه، وهذا هو توحيد المتابعة، فهذا التقسيم قد علم بالاستقراء وتتبع الآيات ودراسة السنة، ومن ذلك:\nقول الله سبحانه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٤]\nوقوله ﷿: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١]\nوقوله جل وتعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣]\nوقوله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]\nوقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:٥٤]\nوقال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]\nوقال ﷿: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ١ - ٤]\nوقال جل شأنه: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: ٣١].\nوقال سبحانه: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور: ٥٤] والآيات الدالة على ما ذكر من التقسيم كثيرة.\n_________\n(١) «العقيدة الطحاوية بشرح ابن أبي العز» (٩٢) تحقيق أحمد شاكر ط دون/١٤١٣هـ.","vol":"1","page":165},{"text":"ومن الأحاديث: قول النبي ﷺ في حديث معاذ ﵁ المتفق على صحته: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» (١)\nوقوله ﵊: «من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار» (٢).\nوقوله لجبريل ﵇ لما سأله عن الإسلام قال: «أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة ...» الحديث (٣).\nوقوله ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله» (٤).\nوقوله ﵊: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل يا رسول الله ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (٥) والأحاديث في هذا الباب كثيرة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الإله هو المعبود المطاع فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع.\nوقال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل له وتخافه وترجوه وتنيب إليه في شدائدها وتدعوه في مهماتها وتتوكل عليه في مصالحها وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله.\nنسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا من حكام ومحكومين للفقه في دينه والثبات عليه والنصح لله ولعباده، والحذر مما يخالف ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لعبد العزيز بن عبد الله بن باز - ٦/ ٢١٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠). من حديث معاذ بن جبل ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٤٤٩٧). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٣٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٧٢٨٠). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>المبحث الخامس: العلاقة بين هذه الأقسام للتوحيد</span>\nهذه الأقسام تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نسميه التوحيد، فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متكافلة متلازمة، يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله. (فمعرفة الله لا تكون بدون عبادته، والعبادة لا تكون بدون معرفة الله، فهما متلازمان) (١).\nوقد أوضح بعض أهل العلم هذه العلاقة بقوله: (هي علاقة تلازم وتضمن وشمول).\nفتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.\nوتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية.\nوتوحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا.\nبيان ذلك: أن من أقر بتوحيد الربوبية وعلم أن الله سبحانه هو الرب وحده لا شريك له في ربوبيته لزمه من ذلك الإقرار أن يفرد الله بالعبادة وحده ﷾؛ لأنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربًا خالقًا مالكًا مدبرًا، وما دام كله لله وحده وجب أن يكون هو المعبود وحده.\nولهذا جرت سنة القرآن الكريم على سوق آيات الربوبية مقرونة بآيات الدعوة إلى توحيد الألوهية، ومن أمثلة ذلك:\nقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١].\nوأما توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية؛ لأن من عبد الله ولم يشرك به شيئًا فهذا يدل ضمنًا على أنه قد اعتقد بأن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره.\nوهذا أمر يشاهده الموحد من نفسه، فكونه قد أفرد الله بالعبادة ولم يصرف شيئًا منها لغير الله، ما هو إلا لإقراره بتوحيد الربوبية، وأنه لا رب، ولا مالك، ولا متصرف إلا الله وحده.\nوأما توحيد الأسماء والصفات فهو شامل للنوعين معًا، وذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكل ما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى التي لا تنبغي إلا له ﷾، والتي من جملتها: الرب – الخالق – الرازق – الملك، وهذا هو توحيد الربوبية.\nومن جملتها: الله – الغفور – الرحيم – التواب، وهذا هو توحيد الألوهية (٢).\nفائدة: القرآن كله دعوة للتوحيد.\nقال ابن القيم ﵀: (كل سورة في القرآن هي متضمنة للتوحيد، بل نقول قولًا كليًا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه.\nفإن القرآن:\n١ - إما خبر عن الله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري.\n٢ - وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.\n٣ - وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته.\n٤ - وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده.\n٥ - وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم توحيده.\nفالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم) (٣). معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٤٠\n_________\n(١) «تحذير أهل الإيمان» (١/ ١٤٠) (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية).\n(٢) انظر: «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» للشيخ عبد العزيز السلمان (ص: ٤٢١ - ٤٢٢).\n(٣) «مدارج السالكين» (٣/ ٤٤٩ - ٤٥٠).","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المبحث الأول: مدلول كلمة الرب من حيث الاشتقاق اللغوي:</span>\nفالرب مصدر أريد به اسم الفاعل – أي أنه راب، قال الراغب الأصفهاني: (الرب مصدر مستعار للفاعل) (١).\nقال ابن الأنباري: (الرب: ينقسم إلى ثلاثة أقسام: يكون الرب: المالك، ويكون الرب: السيد المطاع ...، والرب: المصلح ..). فهذه ثلاثة أصول ترجع إليها معاني كلمة الرب.\nفالأصل الأول: بمعنى المالك والصاحب، ومن هذا المعنى قول الرسول ﷺ في ضالة الإبل «فذرها حتى يلقاها ربها» (٢).\nوالأصل الثاني: بمعنى السيد المطاع، قل الطبري: (وأما تأويل قوله: (رب) فإن الرب في كلام العرب متصرف على معان: فالسيد المطاع فيها يدعى ربًا، ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة العامر:\nوأهلكن يومًا رب كندة وابنه ... ورب معد بين خبت وعرعر\nيعني رب كندة: سيد كندة (٣).) اهـ.\nومن هذا المعنى قول الرسول ﷺ في حديث أشراط الساعة: (أن تلد الأمة ربها) أي سيدها – وهذا لفظ البخاري.\nوأما الأصل الثالث: فبمعنى المصلح للشيء المدبر له، ولذلك قال بعض أهل العلم باشتقاق كلمة الرب من التربية. قال الراغب: (الرب في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام) (٤).\nوقال الطبري بعد أن ذكر المعاني الثلاثة لكلمة (الرب) قال: (وقد يتصرف معنى الرب في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة) (٥). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٢١٥\n_________\n(١) «المفردات» للراغب (ص: ٣٣٦).\n(٢) رواه البخاري (٩١). من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁.\n(٣) «تفسير الطبري» (١/ ١٤١).\n(٤) «المفردات» (ص: ٣٣٦).\n(٥) «تفسير الطبري» (١/ ١٤٢).","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>المبحث الثاني: معنى كلمة الرب من حيث هي اسم لله تعالى</span>\nقال - ابن جرير - في معنى اسم (الرب) لله ﷾: (فربنا جل ثناؤه: السيد الذي لا شبه له، ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر) (١).\nولا تستعمل كلمة (الرب) في حق المخلوق إلا مضافة فيقال: رب الدار ورب المال.\nقال ابن قتيبة ﵀: (ولا يقال للمخلوق: هذا (الرب) معرفًا بالألف واللام كما يقال لله، إنما يقال رب كذا فيعرف بالإضافة لأن الله مالك كل شيء، فإذا قيل: (الرب) دلت الألف واللام على معنى العموم، وإذا قيل لمخلوق: رب كذا ورب كذا نسب إلى شيء خاص لأنه لا يملك شيئًا غيره) (٢).\nوعلى هذا إذا ذكر اسم الرب معرفًا فلا يطلق إلا على الله تعالى، وزاد الراغب أن كلمة (رب) غير مضافة ولا معرفة لا تطلق إلا على الله فقال (٣): (ولا يقال الرب مطلقًا إلا الله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله تعالى: لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ.) اهـ، وقال ابن الأثير أيضًا: (ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى) (٤).\nوأما كلمة (رب) بالإضافة فتقال لله ولغيره بحسب الإضافة فمن الأول قوله تعالى: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ومن الثاني اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ [يوسف: ٤٢] في قول يوسف ﵇ لأحد صاحبيه في السجن (٥).\nومصدر رب يرب الربوبية والرباية، إلا أن الرباية لا تقال في الله، وإنما في غيره، قال الراغب: (والربوبية مصدر يقال في الله ﷿، والرباية تقال في غيره). (٦) منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٢١٧\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١/ ١٤٢)، وانظر: «تفسير غريب القرآن» لابن قتيبة (ص: ٩).\n(٢) «تفسير غريب القرآن» (ص: ٩).\n(٣) «المفردات» (ص: ٣٣٦).\n(٤) «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ١٧٩).\n(٥) انظر: «المفردات» للراغب (ص: ٣٣٦) و«النهاية في غريب الحديث» (٢/ ١٧٩).\n(٦) «المفردات» للراغب (ص: ٣٣٦).","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المبحث الثالث: تعريف توحيد الربوبية اصطلاحًا</span>\nهو الإقرار الجازم بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه، وخالقه، ومدبره، والمتصرف فيه، لم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، ولا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، ولا مضاد له (ولا مماثل له)، (ولا سمي له)، ولا منازع في شيء من معاني ربوبيته ومقتضيات أسمائه وصفاته. أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة لحافظ بن أحمد الحكمي– ص: ٣٠\nومنهم من عرفه بأنه: الاعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لكل شيء وحده لا شريك له (١).\nوهو يشتمل على ما يلي:\n١ - الإيمان بوجود الله تعالى.\n٢ - الإقرار بأن الله تعالى خالق كل شيء، ومالكه، ورازقه، وأنه المحيي، المميت، النافع، الضار، المتفرد بإجابة الدعاء، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، المقدر لجميع الأمور، المتصرف فيها، المدبر لها، ليس له في ذلك كله شريك (٢).\nوقد تكاثرت الأدلة في القرآن والسنة في إثبات الربوبية لله تعالى، فكل نص ورد فيه اسم (الرب) أو ذكر فيه خصيصة من خصائص الربوبية، كالخلق، والرزق، والملك، والتقدير، والتدبير، وغيرها فهو من أدلة الربوبية، كقوله تعالى: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، وكقوله سبحانه: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، وكقوله جل وعلا: قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [المؤمنون: ٨٨] (٣)، والملكوت: الملك.\nوقد أمر الله العباد بالنظر والتفكر في آيات الله الظاهرة من المخلوقات العلوية والسفلية، ليستدلوا بها على ربوبيته ﷾. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٤١\nفالرب هو المالك كما قال تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ [الحشر: ٢٣] ويقول: وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [المائدة: ١٧]، وقال: فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس: ٨٣].\nوالرب هو الخالق البارئ المصور كما قال عن نفسه: هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر: ٢٤]، فلا خالق سواه، وهو الذي برأ الخلق فأوجدهم بقدرته المصور خلقه كيف شاء وكيف يشاء (٤).\nوالرب هو المبدئ والمعيد كما قال: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم: ٢٧]، فهو الذي ابتدأ الأشياء كلها فأوجدها، إذ هو الأول الذي ليس قبله شيء، ثم هو يعيدها سبحانه.\nوالرب هو المحيي والمميت، الذي أحيا بأن خلق فيهم الحياة، والذي خلق الموت كما خلق الحياة. كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: ٢] ويقول: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الدخان: ٨].\nوالرب هو النافع الضار، قال تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا [يونس: ٢١] وقال: قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا [الفتح: ١١].\nوالرب هو المعطي المانع كما قال تعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ [فاطر: ٢]، وقال الرسول ﷺ في دعائه بعد الفراغ من الصلاة: «اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت» (٥).\nوالرب هو المدبر لأمر هذا الكون كما قال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ [يونس: ٣٦]. وقال: وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ [يونس: ٣١]، وقال يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد: ٢].\nوالرب هو الخالق الرازق القوي القدير كما قال تعالى: قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: ١٦]، وقال هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ [فاطر: ٩] وقال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨]، وقال: إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٠]. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف – ١/ ٢٢٧\n_________\n(١) ينظر: «مجموعة التوحيد» (١/ ٥).\n(٢) «شرح الطحاوية» (ص:٢٥)، «مدارج السالكين» باب التوحيد (١/ ٣٣ - ٤٦، ٣/ ٤٦٨)، «تيسير العزيز الحميد» (ص:١٧)، «القول السديد» (ص:١٨)، «معارج القبول» (١/ ٩٩).\n(٣) «مدارج السالكين» (٣/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، «شرح الطحاوية» (ص: ٤٢ - ٤٣)، «المدخل لدراسة العقيدة» (ص: ١٠٢).\n(٤) انظر: «تفسير الطبري» (٢٣/ ٣٠٥).\n(٥) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المبحث الرابع: منزلة توحيد الربوبية</span>\nإذا أقر العبد بانفراد الرب ﵎ بالخالق والحكم، وشهد بذلك، فإن ذلك يقوده إلى تحقيق توحيد الإلهية، فإن الأمرين متلازمان، فمن أقر لله بالربوبية لزمه أن يقر له بالإلهية: (فإن أول ما يتعلق القلب يتعلق بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية، كما يدعو الله سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر، ويحتج عليهم به، ويقررهم به، ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية) (١).\nوبيان ذلك أن من أثبت لله خصائص الربوبية .... من الخلق، والإحياء، والإماتة، والنفع، والضر، والإسعاد، والإشقاء – استسلم لله تعالى في كل شيء، فيعلم أن ما أصابه فمن الله ولم يكن ليخطئه، وأنه إذا دخل الجنة فبتوفيق الله وفضله، وإذا دخل النار فبحكمته وعدله، وكل ذلك قدره الله تعالى، فإذا علم ذلك، لجأ إلى خالقه ليستعين به في جلب المنافع ودفع المضار، وليستهديه الصراط المستقيم، فيورث ذلك محبة عظيمة في قلب العبد لربه تعالى، فيقدم محاب ربه على كل شيء، ويورثه ذلك الخوف من الله وتعظيمه وتوقيره: (فهذه علامة توحيد الإلهية في هذا القلب، والباب الذي دخل إليه منه: توحيد الربوبية، أي: باب توحيد الإلهية: هو توحيد الربوبية) (٢).\nوبهذا التقديم تظهر أهمية الإقرار بالربوبية لله تعالى، وهذه المعرفة فطرية في قلوب بني آدم ..... إلا أن أكثر الناس الذين وقعوا في الشرك إنما وقعوا فيه لإتيانهم بما يناقض توحيد الإلهية، لذلك جاءتهم الرسل بالدعوة إلى هذا النوع من التوحيد – أعني توحيد الإلهية – وإذا أقر الإنسان لله بالربوبية ولم يوحده في عبوديته ما نفعه إقراره هذا – لذلك يقول الله جل وعلا: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦]، قال مجاهد ﵀ في تفسير هذه الآية: (إيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمان، مع شرك عبادتهم غيره). اهـ منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد بن عبد اللطيف -بتصرف – ١/ ٢٤٢\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ٤١٣).\n(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٤١٣).","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>المبحث الأول: فطرية الإقرار بالربوبية</span>\nلا شك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري والشرك حادث طارئ والأبناء تقلدوه عن الآباء فإذا احتجوا يوم القيامة بأن الآباء أشركوا ونحن جرينا على عادتهم كما يجري الناس على عادة آبائهم في المطاعم والملابس والمساكن يقال لهم: أنتم كنتم معترفين بالصانع مقرين بأن الله ربكم لا شريك له وقد شهدتم بذلك على أنفسكم فإن شهادة المرء على نفسه هي إقراره بالشيء ليس إلا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:١٣٥] وليس المراد أن يقول: أشهد على نفسي بكذا بل من أقر بشيء فقد شهد على نفسه به فلم عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به على أنفسكم إلى الشرك؟ بل عدلتم عن المعلوم المتيقن إلى ما لا يعلم له حقيقة تقليدا لمن لا حجة معه بخلاف اتباعهم في العادات الدنيوية فإن تلك لم يكن عندكم ما يعلم به فسادها وفيه مصلحة لكم بخلاف الشرك فإنه كان عندكم من المعرفة والشهادة على أنفسكم ما يبين فساده وعدولكم فيه عن الصواب فإن الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو: دين التربية والعادة وهو لأجل مصلحة الدنيا فإن الطفل لا بد له من كافل وأحق الناس به أبواه ولهذا جاءت الشريعة بأن الطفل مع أبويه على دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة وهذا الدين لا يعاقبه الله عليه - على الصحيح - حتى يبلغ ويعقل وتقوم عليه الحجة وحينئذ فعليه أن يتبع: دين العلم والعقل وهو الذي يعلم بعقله هو أنه دين صحيح فإن كان آباؤه مهتدين كيوسف الصديق مع آبائه قال: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ [يوسف:٣٨] وقال ليعقوب بنوه: نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ [البقرة:١٣٣] وإن كان الآباء مخالفين الرسل كان عليه أن يتبع الرسل كما قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [العنكبوت:٨] فمن اتبع دين آبائه بغير بصيرة وعلم بل يعدل عن الحق المعلوم إليه فهذا اتبع هواه كما قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة:١٧٠] وهذه حال كثير من الناس من الذين ولدوا على الإسلام يتبع أحدهم أباه فيما كان عليه من اعتقاد ومذهب شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ١/ ٣١٤\nوتعتبر معرفة الله تعالى والإقرار بوجوده من الأمور الضرورية الفطرية التي غرسها الله تعالى في فطر الناس، وشهدت بها عقولهم، بل فطر القلوب عليه أعظم من فطرتها على الإقرار بغيره من الموجودات ولذا فإن الإيمان بوجود الله تعالى، وتحقيق كمال وحدانيته أصل الدين وقوامه، ولبه وصميمه، وهو في الواقع أمر لا يحتاج إلى سرد الأدلة وحشد البراهين، ولهذا لم يكثر في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ﷺ الحديث عن إثبات وجود الله ﷿، لكن لما وجد شرذمة من الناس تنكر وجود الله مكابرة؛ كفرعون، أو لتغير الفطرة لسبب خارجي: فإن الله تعالى قد أقام من الدلائل الباهرة، والبراهين القاطعة ما يبهر العقول، ويقود القلوب إلى التسليم والانقياد.\nوهذه الأدلة إنما يصار إليها ليزداد المؤمن إيمانًا ويقينا، ومعرفة بالله وتعظيما له، وأما من فسدت فطرته، وتغيرت جبلته، فهذه الأدلة واعظة ومرشدة للعودة إلى الفطرة التي ند عنها، وتنكر لها.","vol":"1","page":172},{"text":"وجماع القول: أن الإقرار بوجود الله والاعتراف به مستقر في قلوب الخلق جميعا وأنه من لوازم خلقهم، ضروري فيهم، وإن قدر أنه حصل بسبب.\nولقد حكى أهل العلم إجماع الأمم، واتفاق الملل، وتوافق الفطر على هذا الأمر الضروري، ومن هؤلاء الأئمة الأعلام، والصفوة الكرام: شيخ الإسلام ابن تيمية، في غير ما موضع من كتبه ورسائله.\nنص ما حكاه شيخ الإسلام من الإجماع: قال: (أهل الفطر كلهم متفقون على الإقرار بالصانع) (١).\nوبين أن هذا الأمر قد اجتمع على الإقرار به جميع الثقلين – الإنس والجن – حيث قال: (والمقصود هنا أن من المعروف عند السلف والخلف أن جميع الجن والإنس معترفون بالخالق مقرون به، ... فعلم أن أصل الإقرار بالصانع والاعتراف به مستقر في قلوب جميع الإنس والجن وأنه من لوازم خلقه، ضروري فيهم، وإن قدر أنه حصل بسبب كما أن اغتذاءهم الطعام والشراب هو من لوازم خلقهم، وذلك ضروري فيهم) (٢).\nوأوضح أن الإقرار بوجود الله وربوبيته لم يكن ينازع فيه المشركون الذين دعتهم رسلهم إلى عبادة الله وحده، حيث قال: (وأما الرب فهو معروف بالفطرة: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠] فالمشركون من عباد الأصنام وغيرهم من أهل الكتاب معترفون بالله مقرون به أنه ربهم وخالقهم ورازقهم، وأنه رب السموات والأرض والشمس والقمر، وأنه المقصود الأعظم) (٣).\nوذكر أن الإقرار بالخالق وكماله أمر فطري ضروري مركوز في فطر البشر السليمة من الانحراف والتغير، إذ يقول: (إن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة، وأحوال تعرض لها) (٤).\nوعد الإقرار بالله مما اتفق عليه جميع المؤمنين، من الأولين والآخرين، بل وجميع الكتب الإلهية حيث يقول:. .. (ومنه ما هو متفق عليه بين جميع المؤمنين، من الأولين والآخرين، وجميع الكتب الإلهية: مثل الإقرار بالله) (٥) ......\nولم يكثر السلف – ﵏ – الخوض في إثبات وجود الله تعالى وحشد الأدلة لتقريره؛ لأنه من القضايا المسلمة المستقرة في الفطرة البشرية؛ ولذا لم ينقل عنهم من الأقوال في تقرير وجود الله ﷿ إلا شيئًا يسيرا ورد في شأن الفطرة وأخذ الميثاق والإشهاد على ذلك والآيات الكونية والنفسية.\nومن ذلك قول محمد بن كعب القرظي – في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف: ١٧٢]-: (أقرت الأرواح قبل أن تخلق أجاسدها) (٦).\nوقال مجاهد بن جبر – في قوله تعالى: صِبْغَةَ اللهِ [البقرة: ١٣٨]-: \"فطرة الله التي فطر الناس عليها\" (٧).\nوأما الكلبي والحسن فقد قالا – في قول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى [الأعراف: ١٧٢]-: (أخذ ميثاقهم أنه ربهم، فأعطوه ذلك، ولا تسأل أحدًا كافرًا ولا غيره: من ربك؟، إلا قال: الله) (٨).\nوقال السدي: (ليس في الأرض أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن ربه الله) (٩).\nوقال ابن جرير – في تفسير قول الله تعالى: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى [الأعراف: ١٧٢]-: (يقول تعالى ذكره؛ شهدنا عليكم أيها المقرون بأن الله ربكم) (١٠).\nوبين الراغب الأصفهاني أن معرفة الله ﷿ مركوزة النفوس، حيث قال: (معرفة الله تعالى العامية – أي الإجمالية – مركوزة في النفس، وهي معرفة كل أحد أنه مفعول، وأن له فاعلا فعله ونقله من الأحوال المختلفة) (١١). المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين - بتصرف – ص: ٢٣٧\n_________\n(١) «الفتاوى الكبرى» (٦/ ٣٦٨).\n(٢) «الدرء» (٨/ ٤٨٢).\n(٣) «رسالة في الكلام على الفطرة» لابن تيمية ضمن «مجموع الرسائل الكبرى» (٢/ ٣٣٧).\n(٤) «المجموع» (٦/ ٧٣).\n(٥) «المجموع» (١٢/ ٤٧٥).\n(٦) «تفسير ابن جرير» (٦/ ١١٦).\n(٧) «تفسير ابن جرير» (١/ ٦٢٣).\n(٨) «تفسير ابن جرير» (٦/ ١١٦).\n(٩) «تفسير ابن جرير» (٦/ ١١٦).\n(١٠) «تفسير ابن جرير» (٦/ ١١٧).\n(١١) «الذريعة إلى مكارم الشريعة» (ص: ١٩٩).","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>المبحث الثاني: عدم كفاية الإقرار بالربوبية للبراءة من الشرك</span>\nإن توحيد الربوبية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة؛ ولذا فإنه لا يصح إيمان أحد، ولا يتحقق توحيده إلا إذا وحد الله في ربوبيته، لكن هذا النوع من التوحيد ليس هو الغاية من بعثة الرسل ﵈، ولا ينجي وحده من عذاب الله ما لم يأت العبد بلازمه توحيد الألوهية.\nولذا يقول الله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦]، والمعنى أي: ما يقر أكثرهم بالله ربًا وخالقًا ورازقًا ومدبرًا- وكل ذلك من توحيد الربوبية - إلا وهم مشركون معه في عبادته غيره من الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع.\nوبهذا المعنى للآية قال المفسرون من الصحابة والتابعين.\nقال ابن عباس ﵄: (من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون).\nوقال عِكْرِمَة: (تسألهم من خلقهم، ومن خلق السماوات والأرض، فيقولون الله، فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره).\nوقال مجاهد: (إيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بن زيد: (ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله، ويعرف أن الله ربُّه، وأنَّ الله خالقُه ورازقُه، وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]) (١).\nوالنصوص عن السلف في هذا المعنى كثيرة، بل لقد كان المشركون زمن النبي ﷺ مقرين بالله ربًا خالقًا رازقًا مدبرًا، وكان شركهم به من جهة العبادة حيث اتخذوا الأنداد والشركاء، يدعونهم، ويستغيثون بهم، وينزلون بهم حاجاتهم وطلباتهم.\nوقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة منه على إقرار المشركين بربوبية الله مع إشراكهم به في العبادة، ومن ذلك قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت: ٦١]، وقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [العنكبوت: ٦٣]، وقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف: ٨٧]، وقوله تعالى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].\n_________\n(١) «تفسير ابن جرير» (١٦/ ٢٨٩).","vol":"1","page":174},{"text":"فلم يكن المشركون يعتقدون أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبر شؤونه، بل كانوا يعتقدون أن ذلك من خصائص الرب سبحانه، ويقرون أن أوثانهم التي يدعون من دون الله مخلوقة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرًا ولا نفعًا استقلالًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا، ولا تسمع، ولا تبصر، ويقرون أن الله هو المتفرد بذلك لا شريك له، ليس إليهم ولا إلى أوثانهم شيء من ذلك، وأنه سبحانه الخالق وما عداه مخلوق، والرب وما عداه مربوب، غير أنهم جعلوا له من خلقه شركاء ووسائط، يشفعون لهم بزعمهم عند الله، ويقربونهم إليه زلفى؛ ولذا قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]، أي ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا.\nومع هذا الإقرار العام من المشركين لله بالربوبية إلا أنه لم يدخلهم في الإسلام، بل حكم الله فيهم بأنهم مشركون كافرون، وتوعدهم بالنار والخلود فيها، واستباح رسوله ﷺ دماءهم وأموالهم لكونهم لم يحققوا لازم توحيد الربوبية وهو توحيد الله في العبادة.\nوبهذا يتبين أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده دون الإتيان بلازمه توحيد الألوهية لا يكفي ولا ينجي من عذاب الله، بل هو حجة بالغة على الإنسان تقتضي إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، وتستلزم إفراد الله وحده بالعبادة. فإذا لم يأت بذلك فهو كافر حلال الدم والمال. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء ص١٥\nوهذا التوحيد - أي توحيد الربوبية - لا يكفي العبد في حصول الإسلام بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الألوهية لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده قال تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس:٣١] وقال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:٨٧] وقال: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت:٦٣] وقال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ الآية [النمل:٦٢] فهم كانوا يعلمون أن جميع ذلك لله وحده ولم يكونوا بذلك مسلمين بل قال تعالى وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] قال مجاهد: في الآية: إيمانهم بالله قولهم: إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وعن ابن عباس وعطاء والضحاك نحو ذلك، فتبين أن الكفار يعرفون الله ويعرفون ربوبيته وملكه وقهره وكانوا مع ذلك يعبدونه ويخلصون له أنواعا من العبادات كالحج والصدقة والذبح والنذر والدعاء وقت الاضطرار ونحو ذلك ويدَّعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇ فأنزل الله تعالى مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:٦٧] وبعضهم يؤمن بالبعث والحساب وبعضهم يؤمن بالقدر\nكما قال زهير:\nيؤخر فيوضع في كتاب فيدخر\nليوم الحساب أو يعجل فينقم\nوقال عنترة:\nيا عبل أين من المنية مهرب\nإن كان ربي في السماء قضاها\nومثل هذا يوجد في أشعارهم فوجب على كل من عقل عن الله تعالى أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم وسبي نسائهم وإباحة أموالهم مع هذا الإقرار والمعرفة وما ذاك إلا لإشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلا الله تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبد الله آل الشيخ - ص١٧\nقال ابن القيم:\nفما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته وما كان به فهو متعلق بربوبيته وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته ولذلك كان توحيد الألوهية هو المنجي من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم توحيد ربوبيته عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية - ص٣٥","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المبحث الثالث: الفرق بين مجرد الإقرار بالربوبية وبين توحيد الربوبية</span>\nإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وكانوا مع هذا مشركين قال تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] قالت طائفة من السلف: تسألهم من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: الله وهم مع هذا يعبدون غيره قال تعالى: قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون:٨٤ – ٨٩] فليس كل من أقر بأن الله تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه داعيا له دون ما سواه راجيا له خائفا منه دون ما سواه يوالي فيه ويعادي فيه ويطيع رسله ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به وجعلوا له أندادا قال تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ [الزمر:٤٣ - ٤٤] وقال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:١٨] وقال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:٩٤] وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا [البقرة:١٦٥] ولهذا كان أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوها ويصوم وينسك لها ويتقرب إليها ثم يقول: إن هذا ليس بشرك إنما الشرك إذا اعتقدت أنها المدبرة لي فإذا جعلتها سببا وواسطة لم أكن مشركا ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - ص١١","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المبحث الرابع: مقتضيات الإقرار لله تعالى بالربوبية</span>\nإذا أقر العبد لله تعالى بالربوبية، فإن إقراره هذا يقتضي أمورًا لابد منها، فإن لم يلتزم هذه المقتضيات ما نفعه إقراره بالربوبية لله، فهذه المقتضيات هي:\nالأول منها: (ألا يعتقد العبد نفعًا ولا ضرًا ولا حركة ولا سكونًا ولا بسطًا ولا خفضًا ولا رفعًا ولا إعطاء ولا منعًا ولا إحياءً ولا إماتةً ولا تدبيرًا ولا تصريفًا إلا والله ﷾ هو فاعله وخالقه لا يشركه في ذلك ولا يملك واحد منه شيئًا) (١) وقد دخل في هذا: الإيمان بالقضاء والقدر ...\nالثاني: إثبات رب مباين للعالم، يقول ابن القيم ﵀: (إن الربوبية المحضه تقتضي مباينة الرب للعالم بالذات كما باينهم بالربوبية وبالصفات والأفعال، فمن لم يثبت ربًا مباينًا للعالم فما أثبت ربًا) (٢) وهذا قاله عند تفسير قول الله تعالى: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، والعالم هو كل ما سوى الله تعالى.\nالثالث: أن يتوصل العبد بالإقرار بالربوبية إلى الإقرار بالألوهية فيجردها لله تعالى فلا يصرف أي نوع من أنواع العبادات لغير الله ﵎. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٢٣٢\n_________\n(١) «مجلة الجامعة الإسلامية السنة – ١١ – العدد ٢ – مفهوم الربوبية» للشيخ سعد ندا (ص: ١٢٤).\n(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٨٤).","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>تمهيد:</span>\nلم تكن مسألة إثبات وجود الله تعالى هدفًا أساسيا من الأهداف، وذلك لأن الإقرار بوجود الله أمر فطري فطر الله عليه الخلق. والله سبحانه أبين وأظهر من أن يجهل فيطلب الدليل على وجوده.\nوقد وجد قليل من الناس سابقًا ممن ينكر وجود الله تعالى إما مكابرة وعنادًا كفرعون، أو لتغير الفطرة بسبب خارجي.\nواليوم وإن كان قد كثر القائلون بعدم وجود الخالق إلا أنهم قليل جدًا إلى جنب من يقر بوجوده، وهم مع ذلك يحيلون خلقهم إلى الطبيعة!.\nوللسبب المذكور سابقًا نجد أن الاستدلال على وجود الله تعالى في القرآن لم يكن مقصودًا أصالة، وإنما يمكن أن يستنتج ذلك استنتاجًا. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد بن عبد اللطيف – ١/ ٢٧٦\nومع ذلك ـلم يكتف القرآن الكريم باستثارة الفطرة المقرة بوجود الله تعالى، بل حفل بالأدلة العظيمة، والآيات الباهرة الدالة على وجوده، وعظمته ﷾، فكل ما في هذا الوجود من خلق وعناية بهذا الكون، وتسييره، على أكمل نظام، وحكمة هو دلالة صادقة على وجود الله تعالى المدبر لهذا الكون.\nوذلك لأن الأدلة على وجوده، وعظمته تعزز مكنون الفطرة، وتزيدها يقينًا واستقامة، والأدلة يحتاج إليها أيضًا من فسدت فطرته، حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الإقرار بالخالق وكماله، كما يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس، عند تغير الفطرة، وأحوال تعرض لها) (١).\nوعندما ظهرت الجهمية ومن تابعهم من فرق الابتداع، لم يأتوا بطرق مفيدة وصائبة في معرفة الخالق﷾ – بل عقدوا الطرق السهلة وأطالوها، وغاية ما عندهم من الطرق هو الاستدلال بحدوث الحوادث على محدث موجد لها، وقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه الطريقة جزء من الطريقة القرآنية فقال: (هذه الطريقة جزء من الطريقة المذكورة، وهي التي جاءت بها الرسل، وكان عليها سلف الأمة وأئمتها، وجماهير العقلاء من الأولين؛ فإن الله يذكر في آياته ما يحدثه في العالم من السحاب، والمطر، والنبات، والحيوان، وغير ذلك من الحوادث، ويذكر في آياته خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، ونحو ذلك) (٢).\nوقد أثبت الواقع الذي عاشه الصحابة - رضوان الله عليهم - أن الأدلة القرآنية يحتاج إليها من تعرضت فطرته لأحوال من الشرك والكفر، فتأتي هذه الأدلة لتنبيه الفطرة، وإيقاظها من انحرافاتها، فعن محمد- ت:٩٨هـ- ابن جبير - ت:٥٩هـ - ابن مطعم عن أبيه ﵁ قال: (قدمت على النبي ﷺ في فداء الأسرى، فاضطجعت في المسجد بعد العصر، وقد أصابني الكرى، فنمت، فأقيمت صلاة المغرب، فقمت فزعًا بقراءة النبي ﷺ في المغرب وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ [الطور:١ - ٢] فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد، فكان يومئذ أول ما دخل الإسلام قلبي) (٣).\nوفي البخاري قال جبير بن معطم ﵁: «سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور:٣٥ - ٣٧]، كاد قلبي أن يطير» (٤).\nقال الإمام الخطابي: (كأنه انزعج عند سماع هذه الآية لفهمه معناها، ومعرفته بما تضمنته ففهم الحجة، فاستدركها بلطيف طبعه) (٥).\nإن الأثر الذي أحدثته هذه الآيات القرآنية بقلب هذه الصحابي الجليل، وكانت سببًا من أسباب إسلامه وإيمانه، تبين لنا مدى أثر الأدلة القرآنية في إحياء الفطرة ومعالجتها من ظلمات الشرك، والكفر، ولقد سمع القرآن الكريم الجمهرة الكبيرة من العرب، وغيرهم منذ بدء الإسلام وإلى يومنا هذا وعجائبه لا تنقضي، وأدلته العظيمة ما زالت سببًا كبيرًا في دخول الناس أفواجًا في هذا الدين. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ٢٨ - ٣١\n_________\n(١) «مجموعة الفتاوى» (٦/ ٧٣)\n(٢) «درء تعارض العقل» (٣/ ٨٣)\n(٣) رواه ابن عساكر في «مختصر تاريخ دمشق» لابن منظور (ص: ٧٥٦). وانظر: «تاريخ دمشق» لابن عساكر (٥٠/ ٧). ورواه بنحوه البخاري (٤٨٥٤).\n(٤) رواه البخاري (٤٨٥٤).\n(٥) ابن حجر – «فتح الباري» (٨/ ٦٠٣)","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>المبحث الأول: مسلك الإلزام والرد على من انحرفت فطرهم</span>\nفمن الإلزام قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥].\nوالذين انحرفت فطرهم هم الذين أنكروا الخالق ﵎ فقال الله عنهم وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤] فأنكروا البعث وأنكروا أن يكون لهم رب يفنيهم، فرد الله عليهم بقوله: وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤] أي ليس لهم علم يقين يدل على صحة قولهم، سواء كان هذا العلم خبرًا، أو كان حجة وبرهانًا عقليًا، ثم بين الله أنهم في اعتقادهم الذي نطقوا به بألسنتهم شاكون ومرتابون، وهذا أمر واضح لاتباعهم الظن (١).\nومن أوجه الرد على من انحرفت فطرهم: ما جاء عن فرعون الذي كان يقول لقومه: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] فتابعه قومه على ذلك كما قال تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف: ٥٤] فسأل فرعون موسى فقال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٢٣] أي من هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ قال ابن كثير – ﵀ – (هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف) (٢).\nوذلك رد على من قال: إن فرعون سأل عن ماهية الرب، وهذا غلط لأنه كان منكرًا جاحدًا ولم يكن مقرًا حتى يسأل عن الماهية، ويبينه قوله تعالى: قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه: ٤٩] وهنا أجاب موسى ﵇ لما سأله عن رب العالمين: قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا أي خالق جميع ذلك ومالكه والمتصرف فيه وهو الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب، والعالم السفلي وما فيه من عجائب المخلوقات كالجبال والبحار والأشجار، وهذا الرد على فرعون واضح، لأنه لا يمكن أن يدعي ملكه لكل هذه الأشياء، وإنما كان له نوع ملك وهو محدود على مصر، فعندما سمع هذه الحجة التفت إلى من حوله من الملأ قائلًا أَلَا تَسْتَمِعُونَ على سبيل التهكم. ثم زاد موسى ﵇ الحجج فقال: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. أي خالقكم وخالق آبائكم الأولين الذين كانوا قبل فرعون وزمانه، فكيف تصح منه دعوى الربوبية إذا؟ فما كان من فرعون إلا أن وصف موسى بالجنون فقال: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ إمعانًا في تضليل قومه، فأجاب موسى بقوله: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ أي هو الذي جعل المشرق مشرقًا تطلع منه الشمس والكواكب، والمغرب تغرب فيه الشمس والكواكب بنظام دقيق لا يتغير على حسب تقديره، وتقرير الحجة: إن كان فرعون صادقًا في دعواه الربوبية فليعكس الأمر، فغلب وانقطع فعدل إلى استعمال قوته وسلطانه إلى آخر القصة. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد بن عبد اللطيف – ١/ ٢٧٦\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» (٢٢/ ٨٠).\n(٢) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٣/ ٣٣٢).","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>المبحث الثاني: مسلك ذكر الآيات الدالة على الربوبية</span>\nوهي العلامات المخلوقة المحكمة الإتقان:\nفدلالتها من جهة أنها مخلوقة محدثة، ومن جهة إحكامها وإتقانها، قال الله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]. فلينظر الإنسان إلى آثار قدرة الله فيه والتدبير منذ أن كان نطفة في رحم أمه، ثم تنقله من طور إلى آخر إلى خروجه إلى الدنيا وله من الأعضاء والحواس مما يظهر آثار الإحكام الإلهي.\nوهكذا إذا نظر الإنسان في أمر هذا العالم وما فيه من السير الدقيق المنظم البديع، فإنه يحصل له العلم بأن له خالقًا خلقه بعلم وحكمة.\nقوله تعالى: اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٣].\nقال الحافظ ابن رجب: (وأخبر ﷾ أنه إنما خلق السموات والأرض ونزل الأمر لنعلم بذلك قدرته وعلمه، فيكون دليلًا على معرفته ومعرفة صفاته، كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]) (١) اهـ. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد بن عبد اللطيف – ١/ ٢٧٨\nومن الأدلة الشرعية على توحيد الربوبية: ... قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١]\nقوله تعالى: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ١].\nقوله تعالى: قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: ١٦].\nوقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الروم: ٤٠].\nوقوله تعالى: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ [لقمان: ١١].\nوقوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ [الطور: ٣٥ - ٣٦].\nوقوله تعالى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥].\nطريقة القرآن في الاستدلال على توحيد الربوبية:\nسلك القرآن عددًا من الأساليب ... منها:\nأولًا: الاستدلال باستحالة صدور الوجود من عدم كما في قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ [الطور: ٣٥ - ٣٦].\nوصورة هذا الدليل في الآية:\n_________\n(١) «شرح حديث أبي الدرداء في طلب العلم» (ص: ٤٠).","vol":"1","page":180},{"text":"إما أن يكونوا خلقوا أنفسهم وهذا باطل لأنه يلزم منه الدور وهو باطل حيث يترتب كل من الفرضين على الآخر فكونهم خلقوا أنفسهم يستلزم وجودهم قبل الخلق إذ لا يصدر الوجود من العدم ضرورة، إذ لا معنى للعدم إلا عدم الوجود ولا معنى للوجود إلا كون الشيء ليس بمعدوم.\nوإما يكونوا لا خالق لهم أصلًا فيكون العدم هو الذي أوجدهم وهذا باطل إذ لا معنى للعدم إلا عدم الوجود فيلزم من قولهم بهذا الفرض الجمع بين النقيضين وهو كون الشيء موجودًا معدومًا والوجود والعدم نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ولا يمكن أن ينشأ واحد منهما من الآخر.\nوالفرض الثالث أن يكون لهم خالق هو الله ﷾.\nثانيًا: الاستدلال بما في العالم من التغير المانع من قدمه إذ التغير علامة الحدوث والخلق فلابد إذا له من خالق ويدل عليه قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر: ١١].\nوقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ [النور: ٤٣ - ٤٤].\nثالثًا: إن الكون ممكن الوجود وما كان كذلك فهو مخلوق لا يمكن أن يكون واجب الوجود لأن إمكان العدم عليه والوجود ينفي وجوبه. ويدل عليه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم: ١٩]\nرابعا: أن الكون وجد على سبيل الإتقان مما يمنع كونه وجد من غير موجد ويدل عليه قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك: ٣ - ٤].\nخامسا: إبطال الشرك في الربوبية كما في قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون: ١٩].\nوصورة الدليل في الآية هو: (إن الإله الحق لا بد أن يكون خالقًا فاعلًا يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله آخر يشركه في ملكه لكان له خلق وفعل وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة بل إن قدر على قهر ذلك الشريك والتفرد بالملك والألوهية دونه فعل وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب بذلك الخلق كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بملكه وإذا لم يقدر المنفرد منهم على قهر الآخر والعلو عليه فلابد من أحد ثلاثة أمور:\nإما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه.\nوإما أن يعلو بعضهم على بعض.\nوإما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء ولا يتصرفون فيه.\nفالفرض الأول غير ممكن إذ لابد أن تبين أثار فعله في الكون. والفرض الثاني ممتنع ضرورة اختلال الكون نتيجة العلو وتضارب الإرادات، والثالث هو الحق وهو كون الرب هو الإله الواحد) (١). إتحاف المريد بمعرفة التوحيد لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ٢٦\n_________\n(١) «شرح الطحاوية» (ص: ٢٦، ٢٧) «الأسئلة والأجوبة الأصولية» (ص: ٢٠٦، ٢٠٧).","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>تمهيد</span>\nالإيمان بالله تعالى يتضمن الإيمان بوحدانيته، واستحقاقه للعبادة؛ لأن وجوده – جل وعلا – لا شك فيه ولا ريب، وقد دل على وجوده ﷾: الفطرة، والعقل، والشرع، والحس الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة لعبدالله بن عبدالحميد الأثري - ص١١٤","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>المبحث الأول: دلالة الفطرة</span>\nالفطرة في اللغة: فعلها ثلاثي وهو فطر، والحالة منه: الفطرة كالجلسة، وهي بمعنى الخلقة.\nقال ابن فارس عن أصل هذه الكلمة (... أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، ومنه الفطرة: وهي الخلقة) (١) اهـ.\nوأتى بالفتح قبل الإبراز لأنه سبب من أسبابه.\nوفي اللسان: والفطرة تعني: الابتداء والاختراع (٢).\nوالأمر ظاهر في أنه لا خلاف بين هذه المعاني الثلاثة، الخلقة، والابتداء، والاختراع.\nوقال الشيخ السعدي ﵀ في تعريفها: (هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها وجعلهم مفطورين عليها وعلى محبة الخير وإيثاره وكراهية الشر ودفعه، وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الخير والإخلاص لله والتقرب إليه) (٣).\nودليل الفطرة راسخ في نفوس البشر إلا ما غير منها، والدليل إذا كان راسخًا في النفس يكونه قويًا لا يحتاج الشخص معه إلى استدلال، ولهذا فهو أصل لكل الأدلة الأخرى الدالة على الإقرار بوجود الرب سبحانه، فهي مؤيدة له ومثبتة للإقرار. ولتقرير أصل هذا الدليل إليك بعض الأدلة الدالة على ذلك:\n١) لجوء الإنسان وفزعه إلى خالقه سبحانه، سواء كان هذا الإنسان موحدًا أو مشركًا عند الشدة والحاجة.\nفإن بني آدم جميعًا يشعرون بحاجتهم وفقرهم، وهذا الشعور أمر ضروري فطري، إذ الفقر وصف ذاتي لهم، فإذا ألمت بالإنسان – حتى المشرك – مصيبة قد تؤدي به إلى الهلاك فزع إلى خالقه سبحانه والتجأ إليه وحده واستغنى به ولم يستغن عنه، وشعور هذا الإنسان بحاجته وفقره إلى ربه تابع لشعوره بوجوده وإقراره، فإنه لا يتصور أن يشعر الإنسان بحاجته وفقره إلى خالقه إلا إذا شعر بوجوده، وإذا كان شعوره بحاجته وفقره إلى ربه أمرًا ضروريًا لا يمكنه دفعه، فشعوره بالإقرار به أولى أن يكون ضروريًا (٤).\nقال الله تعالى: وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [يونس: ١٢].\nوقال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: ٦٧].\nوقال تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: ٨].\nفرجوع الإنسان وإنابته إلى ربه عند الشدائد دليل على أنه يقر بفطرته بخالقه وربه سبحانه، وهكذا كل إنسان إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الباري سبحانه في تكوينه في رحم أمه وحفظه له، وعرف كذلك افتقاره إليه في بقائه وتقلبه في أحواله كلها، وتبقى هذه المعرفة في نفسه قوية لأن الحاجة استلزمتها، فتكون أوضح من الأدلة الكلية مثل افتقار كل حادث إلى محدث (٥).\n٢) ورود التكليف بتوحيد العبادة أولًا:\n_________\n(١) «معجم مقاييس اللغة» (٤/ ٥١٠) – مادة (فطر).\n(٢) «لسان العرب» (٥/ ٥٨)، مادة (فطر)، والأصل أنه لابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث» (٣/ ٤٥٧).\n(٣) «بهجة قلوب الأبرار» (ص: ٦٤).\n(٤) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٥٣٢ - ٥٣٣).\n(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٤٨ - ٤٩). و«درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ١٢٦). و«دلائل التوحيد» للقاسمي (ص: ١٩١ - ١٩٢).","vol":"1","page":183},{"text":"لقد تقدم ذكر الأدلة الدالة على أن أول ما يكلف به المكلف: عبادة الله جل وعلا ومما يؤكد تلك الحقيقة هو أن الله تعالى نص على محل النزاع بين الرسل وأقوامهم بقوله: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء: ٤٦]. أي أنهم يولون مدبرين عند طلب عبادة الله وحده دون غيره، ويوضحه كذلك قوله: ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر: ١٢].\nولذلك بعث الله رسله بالتوحيد وترك الشرك فقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥].\nوعلى هذا يكون تقرير هذه الحجة بأمرين:\nالأول: لو لم يكن الإقرار بالله تعالى وبربوبيته فطريًا لدعاهم إليه أولًا – إذ الأمر بتوحيده في عبادته فرع الإقرار به وبربوبيته فيكون بعده (١).\nالثاني: لو لم يكن الإقرار بالله تعالى وبربوبيته فطريًا لساغ لمعارضي الرسل عند دعوتهم لهم بقول الله تعالى: فَاعْبُدُونِ أن يقولوا: نحن لم نعرفه أصلًا فكيف يأمرنا، فلما لم يحدث ذلك دل على أن المعرفة كانت مستقرة في فطرهم (٢).\nويؤيده الدليل الثالث الذي سيأتي ذكره إن شاء الله. ولم يعرف من ينكر وجوده من أقوام الرسل إلا ما كان من فرعون، ومع هذا فإنكاره كان تظاهرًا ولم يكن باطنًا كما قال تعالى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ [الإسراء: ١٠٢] وقال: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤].\n٣) إلزام المشركين بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية (٣):\n..... ووجه الدلالة: إن المشركين لو لم يكونوا مقرين بربوبية الله تعالى لما قررهم به، ولهذا كانت تقول الرسل لقومها: أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى [إبراهيم: ١٠].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فدل ذلك على أنه ليس في الله شك عند الخلق المخاطبين، وهذا يبين أنهم مفطورون على الإقرار) (٤) اهـ.\n٤) التصريح بأن الفطرة مقتضية للإقرار بالرب وتوحيده وحبه في الأدلة السمعية:\nقال رسول الله ﷺ «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» (٥) والصوب أن الفطرة هنا هي فطرة الإسلام، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة، وليس المراد أن الإنسان حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين موحدًا لله فإن الله تعالى يقول: وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: ٧٨] وإنما المراد أن فطرته مقتضية وموجبة لدين الإسلام ولمعرفة الخالق والإقرار به ومحبته. ومقتضيات هذه الفطرة وموجباتها تحصل شيئًا بعد شيء وذلك بحسب كمال الفطرة وسلامتها من الموانع (٦).\nوالأدلة القاضية بصحة هذا التفسير كثيرة منها:\nأولًا: ورود روايات لهذا الحديث تفسر الفطرة منها قوله ﷺ: «على هذه الملة» (٧).\n_________\n(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ١٣٠ - ٨/ ٤٩١).\n(٢) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٤٠).\n(٣) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٧٩).\n(٤) «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٤١).\n(٥) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٣٨٣).\n(٧) رواه مسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":184},{"text":"ثانيًا: إن الصحابة فهموا من الحديث أن المراد بالفطرة: الإسلام، ولذلك سألوا الرسول ﷺ عقب ذلك عن أطفال المشركين لوجود ما يغير تلك الفطرة السليمة وإلا لما سألوا عنهم وأيضًا فإن أبا هريرة – ﵁ – تلا قوله تعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: ٣٠] عقب هذا الحديث. مما يدل أنه فهم أن المراد من الفطرة: الإسلام.\nثالثًا: إن هذا الحديث يؤيده ظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: ٣٠] فقد عم الله كل الناس بهذه الفطرة في قوله النَّاسَ وأضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذم لأنها منصوبة على المصدرية التي دل عليها الفعل أَقِمْ فيكون المعنى: إن إقامة الوجه للدين حنيفًا هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها (١). وتفسير الآية بهذا المعنى منقول عن عامة السلف (٢).\nرابعا: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه «خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين ...» (٣) والحنيفية: الإسلام.\nخامسًا: لم يذكر النبي ﷺ لموجب الفطرة ومقتضاها شرطًا، بل ذكر ما يمنع موجبها حيث قال: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» (٤) ومع ذلك لم يذكر عند تغيرها بمؤثر خارجي: أو يسلمانه، مما يدل على أن المراد بالفطرة معرفة الله والإقرار به، بمعنى أن ذلك هو مقتضى فطرتهم، وأن حصولها لا يتوقف على وجود شرط وإنما على انتفاء الموانع (٥).\n٥) برهان عقلي:\nوهو أنه إذا فرض جدلًا أن معرفة الله تعالى نظرية وطلب إقامة الأدلة على الإقرار به وبربوبيته، فإنه لابد من وجود علوم ضرورية فطرية أولية تنتهي إليها العلوم النظرية، ولا يمكن إثباتها بعلوم نظرية كذلك لما يلزم من الدور القبلي والتسلسل في المؤثرات. وهذه العلوم الضرورية شرط وجودها صحة الفطرة وسلامتها، فبالفطرة السليمة مع حسن النظر يحصل المطلوب من العلم (٦).\nويوضح هذا أن الذي يستدل لإثبات الرب سبحانه لابد أن ينقدح في نفسه أن الدليل الذي يستدل به هو بعينه يؤدي إلى مطلوبه الذي شعر به أولًا، فهاهنا أمران: الشعور بمطلوبه، والدليل المؤدي إليه (٧)، وبهذا يتضح أنه لولا ما في القلوب من الاستعداد لمعرفة الحقائق لما قام نظر ولا استدلال (٨)، والحقيقة المطلوبة هنا: معرفة وجود الله. ويوضحه كذلك: أن مجرد التعليم والتحضيض لا يحصل به العلم والإرادة لولا وجود قوة في النفس قابلة لذلك التعليم وتلك الإرادة، فإن البهائم والجمادات لو علمت وحضضت بوسائل تعليمية كالتي لبني آدم لما حصل لها ما يحصل لبني آدم مع أن الوسائل متفقة، مما يدل على أن القوابل مختلفة، والقابل هو مقتضى الفطرة.\nاعتراضات على دليل الفطرة:\nالاعتراض الأول: لو كانت المعرفة فطرية فكيف أُثر عن بعض الخلق إنكار وجود الله تعالى؟\nوالجواب:\nأولًا: إن الإقرار بالخالق يكون فطريًا في حق من سلمت فطرته، كما هو نص الحديث السابق.\nثانيًا: إن من أثر عنه إنكار الخالق في البشر قليلون جدًا مقارنة مع من يثبت وجوده، وهم على قسمين:\n_________\n(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٣٧٢).\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» (٢٠/ ٩٧).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٦٥) بلفظ: «وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم». من حديث عياض بن حمار ﵁.\n(٤) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٥٤).\n(٦) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٣٠٩).\n(٧) انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٤٨).\n(٨) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٦٢).","vol":"1","page":185},{"text":"قسم ينكره ظاهرًا فقط كما تقدم في شأن فرعون.\nقسم آخر هو في الحقيقة معترف في قرارة نفسه بوجود مدبر وصانع، ويحيل ذلك إلى الطبيعة أو غيرها!. مما يدل على وجود علوم أولية فطرية، وإنما حصل ما حصل بسبب المؤثر الخارجي.\nالاعتراض الثاني (١):\nلو كانت معرفته فطرية ضرورية فكيف ينكر ذلك كثير من النظار ويدعون أنهم يقيمون الأدلة على وجوده؟\nوالجواب:\nأولًا: إن من أنكر هذه المعرفة الفطرية الضرورية هم أهل الكلام المذموم الذين ذمهم السلف، ولم يؤثر هذا الإنكار عن علماء المسلمين، بل إنهم نصوا على خلاف هذا كما صح عن الإمام الزهري (٢)، فهؤلاء المتكلمون تأثروا بمؤثر خارجي.\nثانيًا: إن الإنسان قد يقوم بنفسه من العلوم والإرادات وغيرها من الصفات ما لا يعلم أنه قائم بنفسه. فهاهنا أمور وهي: علم الإنسان بعلم ما، وعلمه بأنه يعلم هذا العلم، وطلبه الدليل على هذا العلم، وكل إنسان يشعر من نفسه الفرق بين هذه الأمور، فالعلم بشيء قد يكون قائمًا بإنسان وإن كان غائبًا عنه علمه بأنه يعلم ذلك الشيء، ولكن إذا ذكر له تذكر، وأحس من نفسه بالمعرفة. وقد تقدم أنه لولا وجود علوم ضرورية فطرية لما صح نظر ولا استدلال ولا تم وقام.\nالاعتراض الثالث (٣):\nقالوا: إن المعرفة لا تحصل مبتدأة في النفس، بل لابد لها من طريق.\nالجواب:\nأولًا: إن هذا من موارد النزاع وهو هل المعرفة نظرية أو فطرية، وعليه فلا يصلح إيرادها قضية مسلمًا بها، وقد دللنا سابقًا على صحة القول بأنها فطرية.\nثانيًا: أن يقابل هذا القول بالمعارضة فيقال: إنها قد تحصل في النفس مبتدأة ولا يمكنهم حينئذ أن يقيموا دليلًا على نفي ذلك، وإن أقاموه فباستقراء يكون إما فاسدًا وإما ناقصًا.\nثالثًا: إن أهل الكلام أثبتوا علومًا ضرورية، منها علم الإنسان بوجود نفسه، فإذا كان هذا ضروريًّا، فالعلم بربوبية الخالق أولى أن يكون ضروريًّا في حق من سلمت فطرته، وإن زعم المتكلم أن ذلك يحتاج إلى طريق. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٢٣٢\n_________\n(١) انظر: «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (١٦/ ٣٤٠).\n(٢) انظر: «فتح الباري» (٣/ ٢٤٨)، والحديث رواه البخاري (١٣٥٨) وقال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب قال ابن شهاب: (يصلى على كل مولود متوفى وإن كان لغيّة من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة وإن كانت أمه على غير الإسلام إذا استهل صارخًا يصلي عليه ولا يصلى على من لا يستهل من أجل أنه سقط ...).\n(٣) انظر: هذا الاعتراض والجواب عنه في «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٣٧).","vol":"1","page":186},{"text":"هذا وإن من فضل الله ورحمته أن فطر كل إنسان على توحيده وابتغاء وجهه بحيث يكون ذلك أصلًا يولد عليه كل مولود وهذا هو معنى حديث الفطرة وقول الرسول ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (١) فالفطرة هي الإسلام الذي أصله توحيد الله بالإرادة والمحبة، وأما الأديان المحرفة فهي مخالفة للفطرة، وانحراف عن الأصل الذي هو الإسلام ولهذا فإن القلب لا يمكن أن يطمئن ويستقر إلا إلى ما فطره الله عليه من إرادته ومحبته وحده وكل إرادة ومحبة لغير الله فهي عذاب وصرف للفطرة عن أصلها، مهما يكن المراد المحبوب وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش» (٢) مع أنه دعاء بالتعاسة والانتكاس لمن كان عبدًا للدينار فإنه أيضًا تقرير لواقع حاصل، وهو أن كل من كان معبوده المال فلابد أن يكون حاله من تعاسة إلى تعاسة، ومن انتكاس إلى انتكاس، لمخالفته لحقيقة فطرته بحب الله وإرادة وجهه وحده ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني - ص١٦٣\nقال ابن كثير رحمه الله تعالى، في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ الأعراف: ١٧٢\nوذهب طائفة من السلف والخلف أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية - على هذه الملة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» (٣) أخرجاه وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» (٤) وعن الأسود بن سريع من بني سعد قال «غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات قال فتناول القوم الذرية بعدما قتلوا المقاتلة فبلغ ذلك الرسول ﷺ فاشتد عليه ثم قال: ما بال قوم يتناولون الذرية فقال رجل يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين؟ فقال: إن خياركم أبناء المشركين ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها» (٥)\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٢٨٨٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (١٣٨٥)، ورواية «على هذه الملة» رواها مسلم (٢٦٥٨).\n(٤) رواه مسلم (٢٨٦٥).\n(٥) رواه أحمد (٤/ ٢٤) (١٦٣٤٦) واللفظ له، والدارمي (٢/ ٢٩٤)، والحاكم (٢/ ١٣٤). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٢٨٩): مشهور ثابت. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٣١٦): رواه أحمد بأسانيد والطبراني في الكبير والأوسط .. وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٠٢): وهو كما قالا - أي: الحاكم والذهبي -.","vol":"1","page":187},{"text":"قال الحسن: ولقد قال الله تعالى في كتابه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمْ [الأعراف:١٧٢] قالوا ولهذا قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ولم يقل من آدم مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهره ذُرِيَّتَهُمْ أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن كقوله تعالى: وَهُوَ الذِّي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فيِ الأَرْض [الأنعام:١٦٥] وقال: وَيَجْعَلَكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْض [النمل:٦٢] وقال تعالى: كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَةِ قَوْمٍ آخَرِين [الأنعام:١٣٣] ثم قال تعالى: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالا، قال الشهادة تكون بالقول كقوله تعالى: قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا [الأنعام:١٣٠] الآية وتارة تكون حالا كقوله تعالى: مَا كَانَ للمُشْرِكِينَ أَنْ يُعَمِّرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالكُفْر [التوبة: ١٧] أي حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيد [العاديات: ٧] كما أن السؤال تارة يكون بالمقال، وتارة يكون بالحال كقوله تعالى: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوه [إبراهيم: ٣٤] معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٩٣\nوقال ابن تيمية ﵀ في معرض كلامه على إقرار الناس بفطرهم على وجود الخالق ﷾: ولهذا كان أكثر الناس على أن الإقرار بالصانع ضروري فطري وذلك أن اضطرار النفوس إلى ذلك أعظم من اضطرارها إلى ما لا تتعلق به حاجتها ألا ترى أن الناس يعرفون من أحوال من تتعلق به منافعهم ومضارهم كولاة أمورهم ومماليكهم وأصدقائهم وأعدائهم مالا يعلمونه من أحوال من لا يرجونه ولا يخافونه ولا شيء أحوج إلى شيء من المخلوق إلى خالقه فهم يحتاجون إليه من جهة ربوبيته إذ كان هو الذي خلقهم وهو الذي يأتيهم بالمنافع ويدفع عنهم المضار: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل: ٥٣]\nوكل ما يحصل من أحد فإنما هو بخلقه وتقديره وتسبيبه وتيسيره وهذه الحاجة التي توجب رجوعهم إليه حال اضطرارهم كما يخاطبهم بذلك في كتابه وهم محتاجون إليه من جهة ألوهيته فإنه لا صلاح لهم إلا بأن يكون هو معبودهم الذي يحبونه ويعظمونه ولا يجعلون له أندادا يحبونهم كحب الله بل يكون ما يحبونه سواه كأنبيائه وصالحي عباده إنما يحبونهم لأجله كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» (١) ومعلوم أن السؤال والحب والذل والخوف والرجاء والتعظيم والاعتراف بالحاجة والافتقار ونحو ذلك مشروط بالشعور بالمسئول المحبوب المرجو المخوف المعبود المعظم الذي تعترف النفوس بالحاجة إليه والافتقار الذي تواضع كل شيء لعظمته واستسلم كل شيء لقدرته وذل كل شيء لعزته فإذا كانت هذه الأمور مما تحتاج النفوس إليها ولا بد لها منها بل هي ضرورية فيها كان شرطها ولازمها وهو الاعتراف بالصانع به أولى أن يكون في النفوس وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة» (٢) ويروي عن ربه: «خلقت عبادي حنفاء» (٣) ونحو ذلك لا يتضمن مجرد الإقرار بالصانع فقط بل إقرارا يتبعه عبودية لله بالحب والتعظيم وإخلاص الدين له وهذا هو الحنيفية وأصل الإيمان قول القلب وعمله أي علمه بالخالق وعبوديته للخالق والقلب مفطور على هذا وهذا وإذا كان بعض الناس قد خرج عن الفطرة بما عرض له من المرض إما بجهله وإما بظلمه فجحد بآيات الله واستيقنتها نفسه ظلما وعلوا لم يمتنع أن يكون الخلق ولدوا على الفطرة درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ٢٤\n_________\n(١) رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٢) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٢٨٦٥). من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>المبحث الثاني: دلالة الحس</span>\nوأما دلالة الحس على وجود الله، فإن الإنسان يدعو الله ﷿، يقول: يا رب! ويدعو بالشيء، ثم يستجاب له فيه، وهذه دلالة حسية، هو نفسه لم يدع إلا الله، واستجاب الله له، رأى ذلك رأي العين وكذلك نحن نسمع عمن سبق وعمن في عصرنا، أن الله استجاب لهم فالأعرابي الذي دخل والرسول ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة قال: هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا قال أنس: والله، ما في السماء من سحاب ولا قزعة (أي: قطعة سحاب) وما بيننا وبين سلع (جبل في المدينة تأتي من جهته السحب) من بيت ولا دار وبعد دعاء الرسول ﷺ فورًا خرجت سحابة مثل الترس، وارتفعت في السماء وانتشرت ورعدت، وبرقت، ونزل المطر، فما نزل الرسول ﷺ إلا والمطر يتحادر من لحيته ﵊ (١) وهذا أمر واقع يدل على وجود الخالق دلالة حسية وفي القرآن كثير من هذا، مثل: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَه [الأنبياء:٨٣ - ٨٤] وغير ذلك من الآيات شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٥٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧).","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>المبحث الثالث: دلالة الآيات الكونية</span>\n- دليل الخلق والحدوث\nكل حادث لا بد له من محدث ولا محدث للحوادث إلا الله ﷿، والحقيقة أن دلالة الحوادث على المحدث دلالة حسية عقلية:\nأما كونها حسية: فلأنها مشاهدة بالحس.\nوأما كونها عقلية: فلأن العقل يدل على أن كل حادثٍ لا بد له من محدث.\nولهذا سئل أعرابي: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبَعْرَة تدل على البعير، فسماء ذات أبراجٍ وأرض ٌ ذات فجاج وبحارٌ ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير؟ الجواب: بلى، هذا أعرابي استدل على أن هذه الحوادث العظيمة تدل على خالقٍ عظيم ﷿، هو السميع البصير، فالحوادث دليل على وجود المحدث، ثم كل حادثٍ منها يدل على صفةٍ مناسبةٍ غير الوجود، فنزول المطر يدل لا شك على وجود الخالق ويدل على رحمته وهذه دلالةٌ غير الدلالة على الوجود، وجود الجدب والخوف والحروب تدل على وجود الخالق وتدل على غضب الله ﷿ وانتقامه، فكل حادثٍ فله دلالتان:\nدلالةٌ كلية عامة: تشترك فيها جميع الحوادث وهي وجود الخالق وجود المحدث.\nودلالةٌ خاصة: في كل حادثٍ بما يختص به كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الغضب وهكذا.\nوهناك دلالة أخرى: النوازل التي تنزل لسبب دالة على وجود الخالق، مثل: دعاء الله ﷿ ثم استجابته للدعاء دليل على وجوده، وهذه وإن كانت من باب دلالة الحادث على المحدث لكنها أخص، لما دعا النبي ﷺ الله أن يغيث الخلق قال: «اللهم أغثنا اللهم أغثنا» ثم نشأ السحاب وأمطر قبل أن ينزل من المنبر، هذا حديث أنس (١) يدل على وجود الخالق وهذا أخص من دلالة العموم شرح العقيدة السفارينية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٤٥\nومن أمثلة الآيات القرآنية التي تتحدث عن الدلائل الكونية المتعلقة بالخلق والتكوين قوله –تعالى -: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧] وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم: ٢٠] وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ [الروم: ٢٢ - ٢٥]، فهذه الآيات كونية وإن شئت، فقل: كونية قدرية، وكانت آية لله، لأنه لا يستطيع الخلق أن يفعلوها، فمثلًا: لا يستطيع أحد أن يخلق مثل الشمس والقمر، ولا يستطيع أن يأتي بالليل إذا جاء النهار، ولا بالنهار إذا جاء الليل، فهذه الآيات كونية شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١٢٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧).","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>المبحث الرابع: دلالة الشرع</span>\nهذه الطريقة قد تبدو غريبة خاصة على علماء الكلام، ولكن سيتم بيان وجه دلالتها على وجود الله تعالى بما يزيل غرابتها إن شاء الله. وقد سلك بعض العلماء هذه الطريقة كالقاضي أبي يعلى في كتابه: (عيون المسائل) وأبي بكر البيهقي في كتابه (الاعتقاد) والخطابي في رسالة: (الغنية عن الكلام) وأشار شيخ الإسلام إلى صحتها وشرعيتها إذا حررت (١). وقال ابن القيم: (وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله. وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله آيات بينات) (٢).\nوبيان هذه الطريق من وجهين:\nالوجه الأول: الآيات والبراهين – وهي المعجزات.\nالوجه الثاني: العلوم والأحكام المتضمنة لمصالح الخلق التي جاءوا بها.\nالوجه الأول: الآيات والبراهين – وهي المعجزات:\nبين الله تعالى في كتابه العزيز أنه أرسل رسله بالوحي وأيدهم بالآيات تصديقًا لهم فقال: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ [الحديد: ٢٥] وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ [النحل: ٤٣ - ٤٤] وقال الرسول ﷺ «ما من الأنبياء من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (٣) وسماها الله تعالى برهانًا كذلك، فقال عن آيتي العصا واليد اللتين أرسل بهما موسى ﵇: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [القصص: ٣٢].\nفسماها الله تعالى آية وبرهانًا وبينة، وذلك لقوة دلالتها على المطلوب، وأنه بمجرد حدوثها يحصل العلم الضروري، فهي من جنس الآيات من دلالتها على المراد، بل هي أقوى لغرابتها وعظمتها.\nومن المعلوم أن الرسول إذا جاء قومه وادعى أنه رسول الله يوحى إليه بأنه لا إله إلا الله، أيده الله وصدقه بآية، فههنا أمور:\nالأول: دعواه أنه رسول.\nالثاني: أن الله هو الذي أرسله سواء كان المخاطب يقر بوجوده أو لا يقر.\nالثالث: أنه مرسل لدعوة الناس إلى إفراد الله بالألوهية.\nفإذا جاء الرسول بآية وهي العلامة التي تدل على صدقه ثبتت الرسالة وكذلك الربوبية ضمنًا، وذلك لأنها حدث من جنس لا يقدر على مثله البشر وحصلت عند دعوى الرسول الرسالة، كيف وإذا انضم إلى ذلك ما عرف من أحوال الأنبياء وصدقهم وما حصل لهم ولأتباعهم من التأييد والنصر، ولأعدائهم من الهلاك والخسران ... ولذلك فليس بلازم أن تتقدم معرفة العبد بوجود الله تعالى على حصول الآية والمعجزة ومن ثم تقرر النبوة، لأنها ... من جنس الآيات المخلوقة المحدثة التي لابد لها من محدث أحدثها (٤).\n_________\n(١) انظر: «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (١١/ ٣٧٩).\n(٢) «الصواعق المرسلة» لابن القيم (٣/ ١١٩٧).\n(٣) رواه البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٩/ ٤١).","vol":"1","page":191},{"text":"ويمكن الاستدلال لها بما حدث بين موسى ﵇ وفرعون، كما قص الله تعالى ذلك في القرآن فقال آمرًا موسى وهارون ﵉: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ [الشعراء: ١٦ - ٣٣].\nومعلوم أن فرعون قد ادعى أنه ربهم الأعلى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: ٢٤].\nفهو وإن كان يتظاهر بذلك إلا أنه في باطنه يقر بربوبية الله على خلقه. كما قال الله عنه ومن حوله من الملأ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤]. والآيات ساقها الله تعالى للرد عليه في هذه الدعوى التي تظاهر بها، ولذلك لما حاجه موسى ﵇ بالآيات الظاهرة قال له: قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩] فأصر على موقفه وعناده – فدعاه موسى ﵇ لبرهانين عظيمين وهما قلب العصا ثعبانًا وإخراج اليد بيضاء بعد ضمها فلو كان ذلك لا يدل على مطلوب موسى ﵇ وإبطال دعوى فرعون لما دعاه إليه موسى ﵇، بل إنه سماه مبينًا فقال: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ [الشعراء: ٣٠].\nفتقرر من هذا النص أنه يمكن إثبات ربوبية الله ووجوده بالآيات المعجزات وإن لم يكن المخاطب مقرًا بذلك ومن ثم يقوم لله بالعبادة.\nوأما إن كان المخاطب مقرًا بوجود الله بفطرته التي لم تتغير فإنه بالآية والمعجزة تتقرر عنده النبوة والوحدانية في الإلهية كما قال الله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [هود: ١٣ - ١٤]، فهذا نص واضح على أنه بالآية – وهي هنا معجزة القرآن – تثبت وتتقرر الرسالة والوحدانية ضرورة (١) ومعلوم أن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، فإذا ثبت الأول ثبت الثاني تضمنًا، ضرورة ثبوت المتضمن بثبوت المتضمن. فثبت أنه يمكن إثبات الربوبية بآيات الأنبياء.\nالوجه الثاني: العلوم والأحكام المتضمنة لمصالح الخلق التي جاءوا بها:\nأولًا: العلوم:\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٣٧٩).","vol":"1","page":192},{"text":"فالرسل جميعًا اتفقوا على الإخبار بأشياء معينة – يقطع المرء بأنهم لم يتواطؤا عليها ومن ذلك: دعوتهم جميعًا إلى عبادة إله واحد، وكذلك بشارة موسى وعيسى برسالة رسولنا محمد عليهم الصلاة والسلام من غير تواطؤ منهم على بعد في الأزمنة والأمكنة، فكان ذلك على الوجه الذي بشرا به.\nوالرسول ﷺ قد أخبر بأخبار الأمم الماضين مع القطع بأنه كان يعيش في أمة أمية، وكذلك قد أخبر بأمور تحصل في المستقبل، وقد حصلت، منها ما هو في القرآن، ومنها ما هو في السنة، فمما ورد في القرآن قوله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: ١ - ٤] فكان كما أخبر، ومما ورد في السنة: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده» (١) وقوله: «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء» (٢) وكانت خلافة أبي بكر ﵁ سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر ﵁: عشر سنين ونصفًا، وخلافة عثمان ﵁ اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي ﵁ أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ﵁ ستة أشهر، ثم نشأ الملك وكان معاوية ﵁ أول ملوك المسلمين وهو أفضلهم (٣)، فكان الأمر كما أخبر الرسول ﷺ.\nوالأخبار في هذا كثيرة جدًا يحصل بمجموعها القطع والعلم الضروري، فيدل ذلك على صدقه في الرسالة وعلى وجود الخالق سبحانه، لأنه هو الذي أطلعه على ذلك إذ أنه لا يعقل أبدًا أن يتحدث الإنسان ويخبر بأشياء ويصدق فيها دائمًا دون تردد، ودون أن يجرب عليه كذب، إلا إذا كان موحى إليه، وأن الذي أوحى إليه هو الذي بيده الأمور وتتطابق أخباره مع قدره، وهذا ظاهر.\nثانيًا: الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق:\nفقد تضمنت شريعة النبي ﷺ أمورًا عظيمة، يقطع الإنسان أنها لا يمكن أن تكون إلا من خالق عليم حكيم، فالشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وهذا واضح جدًا في الضروريات الخمس: الدين، والعقل والنفس، والمال، والعرض. ويراجع في هذا الكتب التي بُحث فيها عن حكمة التشريع ومقاصد الشريعة الإسلامية. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٢٩١\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦١٨)، ومسلم (٢٩١٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه أبو داود (٤٦٤٦)، والحاكم (٣/ ١٥٦)، والطبراني (٧/ ٨٤) (٦٤٥٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.\n(٣) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٥٤٥).","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المبحث الخامس: دلالة العقل</span>\nفأما دلالة العقل، فنقول: هل وجود هذه الكائنات بنفسها، أو وجدت هكذا صدفة؟ فإن قلت: وجدت بنفسها، فمستحيل عقلًا ما دامت هي معدومة؟ كيف تكون موجودة وهي معدومة؟! المعدوم ليس بشيء حتى يوجد، إذًا لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها وإن قلت: وجدت صدفة، فنقول: هذا يستحيل أيضًا، فأنت أيها الجاحد، هل ما أنتج من الطائرات والصواريخ والسيارات والآلات بأنواعها، هل وجد هذا صدفة؟! فيقول: لا يمكن أن يكون فكذلك هذه الأطيار والجبال والشمس والقمر والنجوم والشجر والجمر والرمال والبحار وغير ذلك لا يمكن أن توجد صدفة أبدًا ويقال: إن طائفة من السمنية جاءوا إلى أبي حنيفة ﵀، وهم من أهل الهند، فناظروه في إثبات الخالق ﷿، وكان أبو حنيفة من أذكى العلماء فوعدهم أن يأتوا بعد يوم أو يومين، فجاءوا، قالوا: ماذا قلت؟ قال أنا أفكر في سفينة مملوءة من البضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرست في الميناء ونزلت الحمولة وذهبت، وليس فيها قائد ولا حمالون قالوا: تفكر بهذا؟! قال: نعم قالوا: إذًا ليس لك عقل! هل يعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف؟! هذا ليس معقول! قال: كيف لا تعقلون هذا، وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع؟ فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهم، وعجزوا عن جوابه هذا أو معناه وقيل لأعرابي من البادية: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ ولهذا قال الله ﷿: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥] فحينئذ يكون العقل دالًا دلالة قطعية على وجود الله شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين ١/ ٥٦\nنعم إن العقل دال على وجود الله تعالى، وانفراده بالربوبية، وكمال قدرته على الخلق وسيطرته عليهم، وذلك عن طريق النظر والتفكر في آيات الله الدالة عليه. وللنظر في آيات الله والاستدلال بها على ربوبيته طرق كثيرة بحسب تنوع الآيات وأشهرها طريقان:\nالطريق الأول: النظر في آيات الله في خلق النفس البشرية وهو ما يعرف بـ (دلالة الأنفس)، فالنفس آية من آيات الله العظيمة الدالة على تفرد الله وحده بالربوبية لا شريك له، كما قال تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١]، وقال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧]، ولهذا لو أن الإنسان أمعن النظر في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله لأرشده ذلك إلى أن له ربًا خالقًا حكيمًا خبيرًا؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يخلق النطفة التي كان منها؟ أو أن يحولها إلى علقة، أو يحول العلقة إلى مضغة، أو يحول المضغة عظامًا، أو يكسو العظام لحمًا؟\nالطريق الثاني: النظر في آيات الله في خلق الكون وهو ما يعرف بـ (دلالة الآفاق)، وهذه كذلك آية من آيات الله العظيمة الدالة على ربوبيته، قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣].\nومن تأمل الآفاق وما في هذا الكون من سماء وأرض، وما اشتملت عليه السماء من نجوم، وكواكب، وشمس، وقمر، وما اشتملت عليه الأرض من جبال، وأشجار، وبحار، وأنهار، وما يكتنف ذلك من ليل ونهار وتسيير هذا الكون كله بهذا النظام الدقيق؛ دله ذلك على أن هناك خالقًا لهذا الكون، موجدًا له مدبِّرًا لشؤونه، وكلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع الكائنات علم أنها خُلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب براهين ودلالات على جميع ما أخبر به الله عن نفسه، وأدلة على وحدانيته. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء ص١٢","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المبحث الأول: مضادة توحيد الربوبية</span>\nيضاد توحيد الربوبية الإلحاد، وإنكار وجوب الرب ﷿.\nويضاده –أيضًا- اعتقاد متصرف مع الله ﷿ في أي شيء؛ من تدبير الكون، من إيجاد، أو إعدام، أو إحياء، أو إماتة، أو جلب خير، أو دفع شر، أو غير ذلك من معاني الربوبية، أو اعتقاد منازع له في شيء من مقتضيات أسمائه وصفاته، كعلم الغيب، أو كالعظمة، والكبرياء، ونحو ذلك (١).\nوكما يضاده –أيضًا- اعتقاد مشرع مع الله ﷿ لأنه هو الرب وحده، وربوبيته شاملة لأمره الكوني والشرعي. رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ١٢٧\n_________\n(١) انظر: «أعلام السنة المنشورة» (ص: ٥٦).","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>المبحث الثاني: إنكار الربوبية</span>\nلم ينكر توحيد الربوبية أحد من البشر إلا طائفة من الشذاذ، المكابرين، المعاندين، المنكرين لما هو متقرر في فطرهم؛ فإنكارهم إنما كان بألسنتهم مع اعترافهم بذلك في قرارة أنفسهم.\nومن أشهر من عرف بذلك فرعون؛ الذي قال لقومه –كما أخبر الله عنه-: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات: ٢٤] وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨].\nوكلامه هذا مجرد دعوى لم يقم عليها بينة، ولا دليل، بل كان هو نفسه غير مؤمن بما يقول.\nقال –تعالى- على لسان موسى ﵇: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء: ١٠٢].\nوأخبر –﷿- وهو العليم بذات الصدور – أن كلام فرعون ودعواه لم يكن عن عقيدة ويقين، وإنما هو مكابرة وعناد، قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤].\nوممن أنكر ذلك –أيضًا- الشيوعيون، فلقد أنكروا ربوبية الله، بل أنكروا وجوده –﷾- بناءًا على عقيدتهم الخبيثة الفاجرة التي تقوم على الكفر بالغيب، والإيمان بالمادة وحدها.\nوهم في الحقيقة لم يزيدوا على أن سموا الله بغير اسمه، بحيث ألهوا الطبيعة، ونعتوها بنعوت الكمال التي لا تليق بأحد إلا الله – ﷿ – فقالوا: الطبيعة حكيمة، الطبيعة تخلق، إلى غير ذلك.\nوكلامهم هذا باطل متهافت، بل إن أصحاب هذا المبدأ انشقوا على أنفسهم، ولعن بعضهم بعضًا، وكفر بعضهم ببعض (١). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ١٢٧\n_________\n(١) انظر: «الشيوعية» لمحمد بن إبراهيم الحمد.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>الفصل السادس: حدود العذر بالجهل بتوحيد الربوبية</span>\nهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل ﵈ فيما حكى الله عنهم: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم: ١٠] .... ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال: إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال، فإن الثنوية من المجوس والمانوية القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما متفقون على أن النور أفضل من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة: هل هي قديمة أو محدثة؟، فلم يثبتوا ربَّيْن متماثلين.\nوأما النصارى القائلون بالتثليث، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل هم متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد ...\nوالمشركون من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥]، وقوله قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥] (١).\nفلا شك أن الإيمان بالله وحده لا شريك له، وأنه وحده المستحق للربوبية أمر فطر عليه الناس وهم في عالم الذر، كما قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٤].\nقال الحافظ ابن كثير ﵀: (... دل على أن الفطرة التي فطروا عليها من التوحيد) (٢).\nومما يدل على هذا قوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (٣). قال ابن أبي العز – ﵀ -: (لا يقال: إن معناه يولد ساذجًا لا يعرف توحيدًا ولا شركًا، كما قال بعضهم) (٤).\nومنه قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: «خلقت عبادي حنفاء فاجتالهم الشياطين ...» (٥).\nوبناء على ما سبق من الأدلة الشرعية والأدلة الواقعية على أن الناس فطروا على توحيد الرب ﷿، أمكن القول أن الحجة على وحدانية الرب ﵎ وتفرده بالخلق قد قامت عليهم، وهي حجة مستقلة على من أنكر ربوبية الله تعالى أو أشرك معه فيها غيره معه أو دونه، أو ادعى الجهل بها.\n_________\n(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (١/ ٢٥ - ٢٩) بتصرف يسير.\n(٢) «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ٢٧٥).\n(٣) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) «شرح العقيدة الطحاوية» (١/ ٣٣).\n(٥) رواه مسلم (٢٨٦٥) بلفظ: «وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم». من حديث عياض بن حمار ﵁.","vol":"1","page":197},{"text":"ولكن من رحمة الله بخلقه لما وقع الناس في شيء من الشرك بالله في ربوبيته وغيروا فطرهم، أرسل لهم الرسل تذكرهم بما في فطرهم، وتأمرهم بما هو مقتضى هذه الفطرة. قال ابن أبي العز – ﵀ -: (فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجودًا في الناس، بين القرآن بطلانه، كما في قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١] (١).\nوفي هذا المعنى قوله تعالى: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل: ١٧]، وقوله تعالى: قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء: ٤٢].\nفقضية توحيد الربوبية التي جعل الله ﷿ الإقرار بها مركوزًا في الفطر، وبعد ما أرسلت الرسل بزيادة بيانها والدعوة إلى عبادة الله وحده التي هي مقتضى الإقرار بتوحيد الربوبية، فهذه القضية أصبحت من بديهيات العقائد المعلومة لجميع الناس، لا عذر لأحد في إنكارها بدعوى الجهل أو الشبهة أو غيرها من الدعاوى؛ لأن إنكار ذلك يناقض الفطرة التي فطر الله الناس عليها ونصب الأدلة الباهرة عليها.\nولهذا فإذا أردنا تحديد مناط قيام الحجة على الناس في قضية توحيد الربوبية، فإننا نأخذ بعين الاعتبار بديهية المسألة وأنها فطرية، ولذلك جاءت الأدلة الشرعية للتذكير بهذه العقيدة الفطرية، وكذلك أدلة الخلق المنصوبة الدالة على وحدانية الخالق المدبر ﷾.\nقال الحافظ ابن القيم ﵀ معلقا على آية الإشهاد في سورة الأعراف: (ولما كانت هذه آية الأعراف في سورة مكية، ذكر فيها الميثاق والإشهاد العام لجميع المكلفين ممن أقر بربوبيته ووحدانيته وبطلان الشرك. وهو ميثاق وإشهاد تقوم عليهم الحجة وينقطع به العذر، وتحل به العقوبة ويستحق بمخالفته الإهلاك، فلابد أن يكونوا ذاكرين له عارفين به، وذلك ما فطرهم عليه من الإقرار بربوبيته وأنه ربهم وفاطرهم، وأنهم مخلوقون مربوبون. ثم أرسل إليهم رسله يذكرونهم بما في فطرهم وعقولهم، ويعرفونهم حقه عليهم وأمره ونهيه ووعده ووعيده) (٢).\nوقال الشيخ الحكمي – ﵀ – مبينًا أنواع المواثيق التي أخذها الله ﷿ على بني آدم حتى يتحدد مناط قيام الحجة على الإنسان، قال: (... هذه المواثيق كلها ثابتة بالكتاب والسنة:\nالأول: الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم ﵇ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى الآيات ... وهو الذي قاله جمهور المفسرين ﵏ في هذه الآيات، وهو نص الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما.\nالميثاق الثاني: ميثاق الفطرة، وهو أنه ﵎ فطرهم شاهدين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول، كما قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠] ...\nالميثاق الثالث: هو ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب تجديدًا للميثاق الأول وتذكيرًا به رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٦٥].\n_________\n(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (١/ ٣٨ - ٣٩).\n(٢) «الروح» (٢/ ٥٥٥).","vol":"1","page":198},{"text":"فمن أدرك هذا الميثاق وهو باق على فطرته وهي شاهدة بما ثبت في الميثاق الأول، فإنه يقبل ذلك من أول مرة ولا يتوقف؛ لأنه جاء موافقًا لما في فطرته وما جبله الله عليه، فيزداد بذلك يقينه ويقوى إيمانه، فلا يتلعثم ولا يتردد. ومن أدركه وقد تغيرت فطرته عما جبله الله من الإقرار بما ثبت في الميثاق الأول بأن كان قد اجتالته الشياطين عن دينه وهوده أبواه أو نصراه أو مجساه، فهذا إن تداركه الله تعالى برحمته فرجع إلى فطرته وصدق بما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، نفعه الميثاق الأول والثاني. وإن كذب بهذا الميثاق، كان مكذبا بالأول، فلم ينفعه إقراره به يوم أخذه الله عليه، حيث قال (بلى) جوابا لقوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢]، وقامت عليه حجة الله وغلبت عليه الشقاوة وحق عليه العذاب. ومن يهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء.\nومن لم يدرك هذا الميثاق بأن مات صغيرًا قبل التكليف، مات على الميثاق الأول على الفطرة، فإن كان من أولاد المسلمين، فهم مع آبائهم. وإن كان من أولاد المشركين، فالله أعلم بما كان عاملا لو أدركه، كما في الصحيحين عن ابن عباس ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال ﷺ: «الله تعالى إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين» (١).\nفتوحيد الربوبية قامت به الحجة القاطعة للعذر، ولهذا كان زبدة الرسالة المحمدية هي الدعوة إلى لازم هذا التوحيد وهو توحيد الألوهية، وهو عبادة الله وحده دون شريك، إذ انحراف الناس غالبًا ما يكون في هذا النوع من التوحيد، ولهذا احتاجوا على مدى التاريخ البشري إلى الرسل التي تدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده دون شريك، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀: (وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف. ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد. فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء، لم يكن موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده. فيقر بأن الله وحده هو المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك) (٢).\nوالخلاصة أنه لما كان المشركون مقرين بتوحيد الربوبية بل وببعض تفاصيله، فالأولى والأحرى أن يكون المسلمون كذلك، فلا يتوقع إذن من مسلم أن يجهل هذا التوحيد أو تشتبه عليه بعض تفاصيله، فضلًا عن أن ينكر شيئًا من خصائص الرب ﷿ كالتفرد بالوحدانية والخلق والتدبير، أو ينسبه جل وعلا إلى نقص، كأن ينسب له الولد أو الصاحبة أو اللغوب أو غيرها من النقائص – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا -، أو أن يسب الله تعالى .. فهذا كله مما لا يتصور ورود الجهل فيه على أحد من المسلمين، لذلك إذا صدر من أحد شيء من هذه الكفريات، فإنه يكفر ولا يعذر بأي عذر كان جهل أو غيره. لكن أن يقع منهم الجهل بتوحيد الألوهية، فهذا وارد بل واقع، وهو أمر خطير جدا، لذلك يجب أن نرى حدود ما يعذر به المسلم إذا وقع فيما يخالف توحيد الألوهية. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: ١٢٦\n_________\n(١) «معارج القبول» (١/ ٤٠ - ٤٢).\n(٢) «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» (ص: ١٦).","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المبحث الأول: بدعية طريقة المتكلمين في الاستدلال على وجود الخالق ﷿ وذم العلماء لها</span>\nأن الإيمان به تعالى والإقرار بوجوده أمر فطرت عليه القلوب، أعظم من فطرتها على الإقرار بغيره من الموجودات، فهو سبحانه أبين وأظهر من أن يجهل، فيطلب الدليل على وجوده.\nيقول الحافظ العلامة ابن القيم: \"سمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية – قدس الله روحه – يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟ وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:\nوليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل\nومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من جود النهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما\" (١).\nلذلك لم يكن إثبات وجود الله ﵎ من حيث هو موجود من الأهداف القرآنية، ولم يكن ذلك هدفًا من أهداف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ، ولهذا قالت الرسل لأممهم: أَفِي اللهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠]. إلا أن القرآن الكريم لم يتجاهل هذه القضية بل نبه إليها، وأشار إلى دلائلها؛ إذ الفطر قد تتغير وتفسد، والإيمان واليقين قد يضعف، فأقام الله ﷿ من الدلائل الباهرة، والبراهين القاطعة ما يبهر العقول، ويقود القلوب إلى التسليم والانقياد، فكل شيء يدل على وجود الله تعالى؛ إذ ما من شيء إلا وهو أثر من آثار قدرته سبحانه، وما ثم إلا خالق ومخلوق، والمخلوق يدل على خالقه فطرة وبداهة، إذ ما من أثر إلا وله مؤثر، كما اشتهر في قول الأعرابي الذي سئل: كيف عرفت ربك؟ فقال – بفطرته السليمة – البعرة تدل على البعير؛ والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، أرض ذات فجاج، وجبال وبحار وأنهار، أفلا تدل على السميع البصير؟ (٢).\nفهذه المسألة – مع منتهى وضوحها وجلائها – تخبط الناس فيها خبط عشواء، وأكثروا فيها القيل والقال، واشتد بينهم النزاع، وطال الجدال.\nويعتبر المتكلمون أكثر من اشتغل بتقرير وجود الخالق ﷿ والاستدلال له، غير أنهم لم يسيروا في ذلك على منهج الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، وإنما أتوا بطريقة مخترعة مستمدة من الفلسفة والمنطق اليوناني، فترتب على ذلك مفاسد عديدة في أبواب الاعتقاد. سلك المتكلمون في الاستدلال على إثبات وجود الله تعالى، طريقة مبتدعة، مذمومة في الشرع، كما أنها مخطرة، مخوفة في العقل، ألا وهي ما يسمونه (دليل الأعراض وحدوث الأجسام).\nواعتمدوا فيما نهجوه على الجواهر والأعراض (٣) وما يتعلق بها من الإمكان أو الحدوث أو غير ذلك مما ذكروه، لكون العالم مؤلفًا من أجزاء حادثة، والمؤلف من أجزاء حادثة حادث، والحادث جائز الوجود؛ إذ يجوز تقديره عدمًا قبل الوجود، فلما اختص العالم بالوجود الممكن بدلًا عن العدم الجائز احتاج إلى موجد وافتقر إلى صانع وهو الله تعالى (٤).\nقال الإيجي: \"قد علمت أن العالم إما جوهر أو عرض، قد يستدل على إثبات الصانع بكل واحد منهما إما بإمكانه أو بحدوثه، بناء على أن علة الحاجة عندهم إما الحدوث وحده أو الإمكان مع الحدوث شرطًا أو شطرًا فهذه وجوه أربعة:\n_________\n(١) «مدارج السالكين» لابن القيم (١/ ٦٠).\n(٢) انظر: «ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان» لابن الوزير (ص: ٨٣).\n(٣) انظر: «الإرشاد» للجويني (ص: ٣٩)، و«التعريفات» للجرجاني (ص: ٧٩)، (ص: ١٤٩).\n(٤) انظر على سبيل المثال والمختصر في «أصول الدين» لعبد الجبار (ص: ١٧٢ - ١٧٣)، «التوحيد» للماتريدي (ص: ١٢٩، ٢٣١، ٢٣٣)، و«الإرشاد» للجويني (ص: ٣٩)، و«تهافت الفلاسفة» للغزالي (ص: ٣٩) و«نهاية الإقدام» للشهرستاني (ص: ٥ - ٦)، «المحصل» للرازي (ص: ١٤٧)، «التمهيد» للباقلاني (ص: ٣٧).","vol":"1","page":200},{"text":"الأول: الاستدلال بحدوث الجواهر، قيل: هذه طريقة الخليل صلوات الرحمن وسلامه عليه، حيث قال: قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦]، وهو أن العالم الجوهري أي المتحيز بالذات حادث كما مر، وكل حادث فله محدث كما تشهد بذلك بديهة العقل (١).\nوأما إدعاؤهم أن طريقتهم في الاستدلال على وجود الله تعالى بدليل الجواهر والأعراض الدال على حدوث العالم هي طريقة إبراهيم الخليل فيما حكى الله عنه في قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦] فادعاء باطل مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول وللغة العربية التي نزل بها القرآن واستدلال في غير محله، فإن أحدًا من سلف الأمة وأئمتها أهل العلم والإيمان لم يقل بذلك، كما ذكر الإمام الدارمي، وغيره من علماء أهل السنة؛ بل وبينوا أن هذا من التفاسير المبتدعة (٢).\nوقد فسر أئمة المفسرين: الأفول بـ (المغيب) (٣). وكذا فسره أهل اللغة وغريب القرآن بذلك (٤).\nثم إن إبراهيم ﵇ لم يكن يقصد الاستدلال بمجرد الحركة على نفي الربوبية، ولو كان يقصد ذلك لكفاه تحرك هذه الكواكب من مشرقها إلى مغربها دليلًا على ما أراد، وإنما استدل بأفولها ومغيبها عن عين عابديها على عدم استحقاقها للعبادة، لأن الذي يستحق العبادة لا ينبغي أن يغيب عن عين عابدة لحظة واحدة، وهذه الكواكب لا تملك لنفسها أن تمنعها من الإحتجاب والمغيب عن أعين عابديها فلا تصلح أن تكون آلهة تعبد من دون الله.\nفهذه طريقة إبراهيم ﵇ في نفي ألوهية الكواكب، وهذا هو مقصوده مما يناقض ما ذهب إليه المتكلمون في تأويلهم الأفول بالحركة والتغير واستدلالهم بذلك لتقرير منهجهم العقلي في إثبات وجود الله المبني على دليل الإمكان والوجوب أو الجواهر والأعراض (٥).\nوهكذا نجد المتكلمين يستدلون على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها إما الأكوان وإما غيرها، وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل من إثبات الأعراض التي هي الصفات أولًا، أو إثبات بعضها كالأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وإثبات حدوثها ثانيا، بإبطال ظهورها بعد الكون وإبطال انتقالها من محل إلى محل ثم إثبات امتناع خلو الجسم ثالثًا، إما عن كل جنس من أجناس الأعراض بإثبات أن الجسم قابل لها، وأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وإما عن الأكوان وإثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعًا، وهو مبني على مقدمتين:\nأحدهما: أن الجسم لا يخلو عن الأعراض التي هي الصفات.\n_________\n(١) «شرح المواقف»، ومعه «شرح الجرجاني» (٢/ ٢ - ٣) وما بعدها.\n(٢) انظر: «رد الإمام الدارمي على بشر المريسي» (ص: ٥٥)، و«درء التعارض» لابن تيمية (١/ ٣١٤).\n(٣) انظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٢٤٦)، و«تفسير البغوي» (٢/ ٩٠)، و«تفسير ابن كثير» (٢/ ١٥٦).\n(٤) انظر: «الصحاح» للجوهري (٤/ ٦٢٣)، و«معجم مقاييس اللغة العربية» لابن فارس (١/ ١١٩)، و«لسان العرب» لابن منظور (١١/ ١٨) (مادة: الأفل) و«المفردات في غريب القرآن» للراغب الأصفهاني (ص: ٢٣).\n(٥) انظر: «درء التعارض» (١/ ٣١٤ - ٣١٥)، (٨/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، (٩/ ٨٢ - ٨٤)، و«منهاج السنة» (١/ ٤٤ - ١٤٥)، (٢/ ١٤١ - ١٤٣)، و«الرد على المنطقيين» (ص: ٣٠٤ - ٣٠٥)، و«بغية المرتاد» (ص: ٣٦٠ - ٣٧٤).","vol":"1","page":201},{"text":"والثانية: أن ما لا يخلو عن الصفات التي هي الأعراض فهو محدث؛ لأن الصفات التي هي الأعراض لا تكون إلا محدثة، وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات التي هي الأعراض كالأكوان، وما لا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا تتناهى (١).\nومن خلال ما سبق عرضه لا يخالج أحدًا شك في صعوبة هذا الدليل، وشدة غموضه وتعقيده، واشتماله على مقدمات عسيرة عويصة، مما لا يؤمن معه على سالكه ومقتفيه التعثر وسوء المغبة وبعد التيه، فهي كما قيل: لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل.\nوليعلم أن الاستدلال بحدوث أشياء وتغيرها وتحولها من حال إلى حال في حد ذاته استدلال صحيح، نبه عليه القرآن الكريم وأشار إليه في أكثر من موضع، غير أن الأمر الذي هو محل النقد في هذا الدليل هو طريقتهم في إثبات حدوث العالم، ومن ثم زعمهم أن طريقتهم تلك هي طريقة إبراهيم الخليل ﵇.\nوعلى كل، فقد اشتد نكير أهل العلم من أهل السنة والجماعة، بل وحتى المحققين من المتكلمين على مسلك هذه الطريقة، وحصر الدليل على إثبات وجود الله تعالى فيها.\nنص ما حكاه شيخ الإسلام من الإجماع: ناقش شيخ الإسلام استدلال المتكلمين بهذا الدليل في كثير من رسائله ومؤلفاته، وأوضح بطلان هذا الدليل بالمنقول والمعقول، وكان من جملة ما استدل به على بطلانه، واحتج به اتفاق السلف - ﵏ -، وانعقاد إجماعهم على بدعية هذه الطريقة التي سلكها المتكلمون في إثبات الصانع، وذمهم لها، حيث قال: (المقصود هنا أن كثيرًا من أهل النظر صار ما يوجبونه من النظر والاستدلال ويجعلونه أصل الدين والإيمان هو هذه الطريقة المبتدعة في الشرع المخالفة للعقل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمها وذم أهلها) (٢).\nوقال أيضًا: (ولكن الاستدلال على ذلك بالطريقة الجهمية المعتزلة، طريقة الأعراض والحركة والسكون، التي مبناها على أن الأجسام محدثة لكونها لا تخلو عن الحوادث، وامتناع حوادث لا أول لها، طريقة مبتدعة في الشرع باتفاق أهل العلم بالسنة، وطريقة مخوفة في العقل، بل مذمومة عند طوائف كثيرة) (٣).\nوذكر (أن هذا الدليل لم يستدل به أحد من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين، فلو كانت معرفة الرب ﷿ والإيمان به موقوفة عليه للزم أنهم كانوا غير عارفين بالله ولا مؤمنين به، وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين؛ بل إن الأنبياء والمرسلين لم يأمروا واحدًا بسلوك هذا السبيل، فلو كانت المعرفة موقوفة عليه وهي واجبة لكان واجبًا، وإن كانت مستحبة كان مستحبًا، ولو كان واجبًا أو مستحبًا لشرعه رسول الله ﷺ، ولو كان مشروعًا لنقلته الصحابة) (٤).\nقال: (الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال؛ بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله والإقرار به لا يقف على هذه الطرق التي ذكرها أهل طريقة النظر) (٥).\nوقال أيضا: (أن أصل المعرفة والإقرار بالصانع لا يقف على النظر والاستدلال؛ بل يحصل بديهة وضرورة؛ ولهذا يقر بالصانع جميع الأمم مع عظيم شركهم وكفرهم وأنهم لا يسلكون من هذه الطرق المشهورة عند النظار مثل الاستدلال بالحدوث على المحدث، وبالإمكان على الواجب) (٦).\nونقل كلامًا لأبي الحسن الأشعري ضمنه اتفاق السلف على الاستغناء عن هذه الطريقة، وأقره على ذلك (٧).\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤).\n(٢) «النبوات» (ص: ٨٥).\n(٣) «منهاج السنة النبوية» (١/ ٣٠٣).\n(٤) انظر: «نقض التأسيس» (١/ ٦١٩).\n(٥) انظر: «نقض التأسيس» (٢/ ٤٧٣).\n(٦) انظر: «نقض التأسيس» (٢/ ٤٧٣).\n(٧) انظر: «درء التعارض» (٧/ ٢٢٤).","vol":"1","page":202},{"text":"وبين (أن طريقة الاستدلال بما يشاهد حدوثه قد جاء به القرآن، واتفق عليها السلف والأئمة، ولكن تمشيا مع الضرورة والحس، ولا يحتاج مع ذلك إلى إقامة دليل على حدوث ما يحدث من الأعيان، بل يستدل بذلك على وجود المحدث تعالى) (١).\nوفي ذلك يقول: (طريقة الاستدلال بما يشاهد حدوثه جاء بها القرآن، واتفق عليها السلف والأئمة) (٢).\nذكر من حكى الإجماع أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: (لقد أنكر أهل العلم – ﵏ – على المتكلمين سلوكهم هذه المسالك المعقدة، فوسموهم بالبدعة والضلالة، وبينوا فساد طريقتهم عقلًا، وتحريمها شرعًا، وأقوال أهل العلم – ﵏ – في بيان عظم خطر هذه الطريقة وصعوبتها كثيرة، ومن ذلك إجابة أبي حنيفة حينما سأله السائل عما أحدثه الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة؛ فإنها بدعة) (٣).\nوقد سئل القاضي ابن سريج عن التوحيد، فذكر توحيد المسلمين، وقال: (وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض، وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك) (٤).\nوعقب شيخ الإسلام على هذا القول بقوله: (ولم يرد بذلك أنه أنكر هذين اللفظين، فإنهما لم يكونا قد أحدثا في زمنه، وإنما أراد إنكار ما يعنى بها من المعاني الباطلة؛ فإنه أول من أحدثهما الجهمية والمعتزلة) (٥).\nويقول أبو الحسن الأشعري: (وإذا ثبت بالآيات صدقه ﷺ، فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي ﷺ عنه، وصارت أخباره ﵇ أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه من الأمور الغائبة عن حواسنا وصفات فعله، وصار خبره ﵇ عن ذلك سبيلًا إلى إدراكه، وطريقًا إلى العلم بحقيقته، وكان ما يستدل به من أخباره ﵇ على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة، ومن اتبعها من القدرية، وأهل البدع المنحرفين عن الرسل ﵈) (٦).\nوبين صعوبة هذا الدليل، وشدة خفائه، وكثرة مقدماته، وأشار إلى أن السلف الصالح ومن تبعهم من الخلف قد عدلوا عن هذه الطرق المعقدة الغامضة. وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة ومن اتبعهم من القدرية وغيرهم من أهل البدع من الاستدلال بذلك، لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه (٧).\nوممن قرر اتصاف هذه الطريقة بالاعوجاج والخطورة، ووجود الغنية فيما استدل به السلف – ﵏ -؛ لما فيه من الوضوح والسلامة أبو سليمان الخطابي حيث قال: (فإن قال هؤلاء القوم: فإنكم قد أنكرتم الكلام، ومنعتم استعمال أدلة العقول، فما الذي تعتمدون عليه في صحة أصول دينكم؟ ومن أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها؟ وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه، وأن الرسول لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقول، وأنتم قد نفيتموها؟!\n_________\n(١) انظر: «درء التعارض» (٧/ ٢٢٣).\n(٢) انظر: «درء التعارض» (٥/ ٢٩٤).\n(٣) ذكره ابن قدامة المقدسي في «ذم التأويل» (ص: ٣٢، ٣٣).\n(٤) نقله عنه شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٣٠٥).\n(٥) نقله عنه شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٣٠٥).\n(٦) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص: ١٨٤، ١٨٥).\n(٧) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص: ١٨٦ - ١٩١).","vol":"1","page":203},{"text":"قلنا: إننا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف، ولكننا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر، وانقلابها فيها على حدوث العالم وإثبات الصانع، ونرغب إلى ما هو أوضح بيانًا وافصح برهانًا ... – إلى أن قال – فأما مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك، وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها، والابتداع والانقطاع على سالكها) (١).\nوقال – بعد ما ذكر جملة من الأدلة على إثبات الصانع ﷿ ومال إلى الأدلة الشرعية منها -: (وقد أبى متكلموا زماننا هذا، إلا الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها، وزعموا أنه لا دلالة أقوى من ذلك ولا أصح منه. ونحن وإن كنا لا ننكر الاستدلال بهذا النوع من الدلالة، فإن الذي نختاره ونؤثره هو ما قدمنا ذكره؛ لأنه أدلة اعتبار وطريق السلف من علماء أمتنا، وإنما سلك المتكلمون في الاستدلال بالأعراض مذهب الفلاسفة وأخذوه عنهم) (٢).\nوقد تنبه أبو حامد الغزالي إلى بدعية هذا الدليل، وأنه ليس من طريقة الرسول ﷺ، ولا صحابته رضوان الله عليهم، فأعلن ذلك رغم سلوكه له حيث يقول: (فليت شعري متى نقل عن رسول الله ﷺ، أو عن الصحابة ﵃ إحضار أعرابي أسلم، وقوله له: الدليل على أن العالم حادث: أنه لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث) (٣).\nأما أبو الحسن الآمدي – فقد قلل من شأن هذا الدليل، فقال بعد أن نقله بطوله: (وهو عند التحقيق سراب غير حقيقة) (٤).\nوكذا يرى ابن رشد الحفيد عدم صحة هذا الدليل، أو جدواه، ويرى أن في غيره من الطرق الشرعية غنية عنه، ويظهر ذلك بوضوح من خلال نقده لطريقة الأشعرية في إثبات وجود الخالق بهذا الدليل حيث قال: (وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ، وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد: طريقة معتاضة، تذهب عن كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل، فضلا عن الجمهور، ومع ذلك فهي طريقة غير برهانية، ولا مفضية بيقين إلى وجود الباري) (٥).\nواستدل ابن عبد البر على فساد هذه الطريقة وبدعيتها، بعدم سلوك الصحابة لها، مع ما نطق به القرآن من تزكيتهم وتقديمهم، والإطناب في مدحهم وتعظيمهم، فلو كانت هذه الطريقة لديهم مشهورة، أو من أخلاقهم معروفة لاستفاض عنهم النقل، ولتواترت بها الرواية والخبر، وفي ذلك يقول: (ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه، والتشبيه ونفيه لازمًا، ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم. ولو كان ذلك من علمهم مشهورًا، أو من أخلاقهم معروفًا لاستفاض عنهم، ولشهروا به كما شهروا بالقرآن والروايات) (٦).\n_________\n(١) «الغنية عن الكلام وأهله» للخطابي نقلا عن «نقض التأسيس» (١/ ٢٥٤)، و«درء التعارض» (٧/ ٢٩٢ - ٢٩٤).\n(٢) كتاب «شعار الدين» للخطابي، نقلا عن «نقض التأسيس» (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، و«درء التعارض» (٧/ ٢٩٤).\n(٣) «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» للغزالي (ص: ١٢٧، ٢٠٢، ٢٠٣).\n(٤) «غاية المرام في علم الكلام» للآمدي (ص: ٢٦٠).\n(٥) «الكشف عن مناهج الأدلة» لابن رشد (ض: ٤٣).\n(٦) «التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٥٢).","vol":"1","page":204},{"text":"وبنحو ما استدل به ابن عبد البر استدل أبو المظفر السمعاني حيث يقول: (وقد علمنا أن النبي ﷺ لم يدعهم في هذه الأمور إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر وذكر ماهيتهما، ولا يمكن لأحد من الناس أن يروي في ذلك عنه ولا عن أحد من الصحابة ﵃ من هذا النمط حرفًا واحدًا فما فوقه، لا في طريق تواتر ولا آحاد، فعلمنا أنهم ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء وسلكوا غير طريقهم، وأن هذا طريق محدث مخترع لم يكن عليه رسول الله ﷺ، ولا أصحابه ﵃، وسلوكه يعود عليهم بالطعن والقدح ونسبتهم إلى الجهل وقلة العلم في الدين واشتباه الطريق عليهم) (١).\nوما أصدق عبارة ابن عقيل في هذه القضية: (أنا أقطع أن الصحابة ماتوا ولم يعرفوا لا الجوهر ولا العرض. فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن. وإن رأيت طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت) (٢).\nوأشار العمراني إلى تصريح العلماء بتحريم الكلام، وبدعية هذا الطريق بقوله: (قد صرح العلماء من أهل الحديث والفقهاء المشهورون بتحريم الكلام، وقالوا هو محدث وبدعة في الدين، وقالوا لو كان طريقًا صحيحًا لمعرفة الله سبحانه لنبه الله سبحانه في القرآن ولأمر النبي ﷺ به وتكلمت به الصحابة ﵃. وقد علم النبي ﷺ أصحابه الاستنجاء ودلهم على جميع الأحكام فلو كان الكلام من مهمات الدين لنبه النبي ﷺ عليه) (٣).\nمستند الإجماع: استند العلماء في إجماعهم في هذه المسألة على ما ورد من نصوص كثيرة في الكتاب والسنة من النهي عن الابتداع في الدين، ولا سيما في مسألة مهمة كهذه، تتعلق بعقيدة المسلم وأصل دينه.\nفقد تتبع أهل العلم آي الكتاب، وكلام رب الأرباب، وسنة رسول الله ﷺ ما تواتر منها وما كان من أحاديث الآحاد، وأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم من الأئمة المتبوعين، فلم يقفوا على حرف واحد يدل على تلك الطريقة المذمومة، فانعقد على الحكم ببدعيتها إجماعهم، واتفقت على ذم أهلها أقوالهم.\nوإنما جاء التنبيه على دلالة الخلق والإبداع في القرآن الكريم في عدة مواضع كقوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ [الطور: ٣٥ - ٣٦]، وقوله تعالى: أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [مريم: ٦٧]، وقوله تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم: ٩].\nوالمتأمل في كتاب الله يجده مملوءًا بالآيات التي تدعو الإنسان إلى النظر والتفكر تلك الدلائل القاطعة المبثوثة في الآفاق وفي الأنفس، لا النظر الذي سلكه المتكلمون في استدلالهم بدليل الأعراض وحدوث الأجسام.\nفالاستدلال بالآيات الكونية وما هو مشاهد ومحسوس وما تدل عليه الضرورة والفطر والحس منهج قويم من مناهج أهل السنة والجماعة، فقد عقد أهل العلم – رحمهم الله تعالى – فصولًا كثيرة في كتبهم ساقوا تحتها عددًا كبيرًا من الآيات والأحاديث وأقوال السلف للدلالة على وحدانية الله ﷿ بدليل خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والجبال والهواء والماء وخلق الإنسان وانتقاله من طور النطفة إلى العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم إنشائه خلقا آخر.\nولعل من أبلغ الأدلة الحاثة على الاستدلال بما هو مشاهد ومحسوس من الآيات الكونية المبثوثة في الآفاق وفي الأنفس قول الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣].\nوقوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢٠ - ٢١].\nوعلى كل؛ فلم يرد في كتاب الله ولا سنة رسول الله ولا أقوال السلف الصالح ما يشير إلى مسلك المتكلمين في هذه المسألة، بل جاء التحذير منه والحكم ببدعيته، واشتد نكير أهل العلم على من سكله وقرره. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٢٣٧\n_________\n(١) «الانتصار لأهل الحديث» للسمعاني (ص: ٦٩، ٧٠، ٧١).\n(٢) «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (ص: ٨٥).\n(٣) «الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار» للعمراني (١/ ١٢٩).","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>المبحث الثاني: خطأ المتكلمين في إيجابهم النظر على المكلف ودعواهم أن المعرفة موقوفة عليه</span>\nتقرر في المبحث السابق اتفاق العلماء على بدعية الطريقة التي سلكها المتكلمون في إثبات وجود الله تعالى، وأن هذه الطريقة فيها فساد كثير في وسائلها ومقاصدها، فأما وسائلها فمع صعوبتها ففيها خطورة ومزلات عظيمة، وأما مقاصدها فغايتها إثبات وجود الخالق جل وعلا وتدبيره لهذا الكون وهذا الأمر قد فطر الناس عليه، فوجود الخالق ﷿ أظهر من كل شيء على الإطلاق، فهو أظهر للبصائر من الشمس للأبصار، وأبين للعقول من كل ما تعقله وتقر بوجوده، فما ينكره إلا مكابر بلسانه، وأما قلبه وعقله وفطرته فكلها تكذبه (١).\nولم يقف الأمر عند هذا الحد، من جعل هذه الطريقة المعتاضة المبتدعة أحد الطرق الموصلة إلى معرفة الله ﷿، حتى زعم المتكلمون أن من لم يعرفها، ويستدل بها على وجود الله تعالى لا يقبل ولا يصح إيمانه.\nومن ثم أوجبوا على المكلف الاستدلال بها لمعرفة الخالق جل وعلا، إذ إن أول واجب على المكلف عندهم النظر، أو القصد إلى النظر المفضي – في نظرهم – إلى قيام الاستدلال وصحة البرهان.\nيقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: (إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى؛ لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكير والنظر) (٢).\nويقول عبد القاهر البغدادي: (الصحيح عندنا قول من يقول: إن أول الواجبات على المكلف النظر والاستدلال المؤديات إلى المعرفة بالله تعالى وبصفاته وتوحيده وعدله وحكمته، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى جواز إرسال الرسل منه، وجواز تكليف العباد ما شاء، ثم النظر المؤدي إلى وجوب الإرسال والتكليف منه، ثم النظر المؤدي إلى تفصيل أركان الشريعة، ثم العمل بما يلزمه منها على شروطه) (٣).\nويقول الجويني: (أول ما يجب على العاقل البالغ – باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعًا – القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم ..) (٤).\nبل وذكر حكم من مات قبل أن يكتسب معرفة الله تعالى عن النظر والاستدلال قائلا: (فمن اخترمته المنية قبل أن ينظر وله زمن يسع النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى ولم ينظر مع ارتفاع الموانع، ومات بعد زمان الإنكار فهو ملحق بالكفر، وأما لو أمضى من أول الحال قدرًا من الزمان يسع بعض النظر لكنه قصر في النظر ثم مات قبل مضي الزمان الذي يسع في مثله النظر الكامل فإن الأصح في ذلك، الحكم بكفره لموته غير عالم مع بدء التقصير منه فليلحق بالكفرة «٥).\nوقد اعتبر السنوسي النظر والاستدلال بالأقيسة المنطقية شرطًا للدخول في الإسلام، ومن عاند في أدائه وجب استخراجه منه بالسيف إلى أن يموت (٦).\nوهكذا أضاف المتكلمون إلى بدعتهم السابقة بدعة أخرى، رتبوا عليها أحكام شنيعة تقشعر منها الجلود، كتسميتهم من لم يتبع هذه الطريقة مقلدًا محكومًا عليه بالكفر والخسران أو الفسق، فيلزم من قولهم هذا أنهم هم المؤمنون الناجون فقط دون سواهم، ويكون العوام – وهم أكثر المسلمين – ليسوا بمؤمنين ولا ناجين من النار، بل حتى العلماء الذين لم يسلكوا مسالكهم ويتبعوا طريقتهم! وفي هذا تحجير لواسع، وتضييق لرحمة الله، وابتداع لقول لم يسبقوا إليه.\n_________\n(١) انظر: «مفتاح دار السعادة»، لابن القيم (١/ ٢١٢).\n(٢) «المحيط بالتكليف» للقاضي عبد الجبار (ص: ٢٦)، و«شرح الأصول الخمسة» له (ص: ٧٠، ٧٦).\n(٣) «أصول الدين» للبغدادي (ص: ٧٥).\n(٤) «الشامل» للجويني (ص: ٢٦).\n(٥) «الشامل» للجويني (ص: ٣٢، ٣٣).\n(٦) انظر: «شرح أم البراهين» للسنوسي (ص: ١٦، ١٧).","vol":"1","page":206},{"text":"وعلى كل حال؛ فإن القول الحق في هذه المسألة، والذي تشهد له النصوص، وعليه اتفاق السلف والأئمة – كما حكاه شيخ الإسلام عنهم في أكثر من موضع – هو أن أول واجب على المكلف الشهادتان.\nوقد حكى انعقاد الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم – رحمهم الله تعالى – وفي ذلك إبطال لما ذهب إليه المتكلمون في هذه المسألة، وأحد أوجه الرد عليهم وتزيف لقولهم، ودحض لشبهتهم، وتخطئة لمنهجهم وطريقتهم.\nنص ما حكاه شيخ الإسلام من الإجماع: بين ﵀ أن معرفة الله والإقرار به لا يقف على هذه الطرق المذمومة عند السلف، بل بعض هذه الطرق لا تفيد عندهم المعرفة فضلًا عن أن يكون الله لا يقر به مقر ولا يعرفه عارف إلا بهذه الطريقة المذمومة والتي أوجبها المتكلمون على المكلف للدخول في الإسلام حيث يقول: (بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله والإقرار به لا يقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل طريقة النظر؛ بل بعض هذه الطرق لا تفيد عندهم المعرفة فضلا عن أن يكون الله لا يقر به مقر ولا يعرفه عارف إلا بالطريقة المشهورة له من إثبات حدوث العالم بحدوث صفاته مع دعواهم أن الله لا يعرف إلا بهذه الطريقة) (١).\nوقال أيضا: (وليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين، ولا هو قول كل المتكلمين ولا غالبهم، بل هذا قول محدث في الإسلام ابتدعه متكلموا المعتزلة ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم) (٢).\nوحكى اتفاق السلف – رحمهم الله تعالى – على تخطئة المتكلمين في إيجابهم هذا النظر المعين على المكلف لتحصيل المعرفة، وإيقافهم المعرفة عليه بقوله: (والمقصود هنا أن هؤلاء الذين قالوا: معرفة الرب لا تحصل إلا بالنظر، ثم قالوا: لا تحصل إلا بهذا النظر، هم من أهل الكلام – الجهمية القدرية ومن تبعهم – وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور العلماء من المتكلمين وغيرهم، على خطأ هؤلاء في إيجابهم هذا النظر المعين، وفي دعواهم أن المعرفة موقوفة عليه. إذ قد علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه لم يوجب هذا على الأمة ولا أمرهم به، بل ولا سلكه هو ولا أحد من سلف الأمة في تحصيل هذه المعرفة) (٣).\nوقال بعد ذكره لأقوال المتكلمين ومن تبعهم في إيجاب هذا النظر: (كلها غلط مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، بل وباطلة في العقل أيضًا) (٤).\nوأوضح اللوازم الفاسدة من إيقاف المتكلمون معرفة الله تعالى وتحصيلها على هذا النظر المعين من الالتزام بالقول بعدم معرفة الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين بالله، والإيمان به، ولا شك أن هذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين، وفي ذلك يقول: (إن هذا الدليل لم يستدل به أحد من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين، فلو كانت معرفة الرب ﷿ والإيمان به موقوفة عليه للزم أنهم كانوا غير عارفين بالله ولا مؤمنين به، وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين) (٥).\nوإذا كان قول المتكلمين بأن أول واجب على المكلف النظر المعين – المستفاد من دليل الأعراض وحدوث الأجسام – فاسد مطرح مذموم عند السلف، فما هو القول الصحيح الذي اتفق عليه السلف والأئمة، وتؤيده النصوص والأدلة؟\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية مجيبا عن هذا السؤال: (والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ) (٦).\n_________\n(١) «النقض» (٢/ ٤٧٣).\n(٢) «النقض» (٢/ ٤٧٣).\n(٣) «المجموع» (١٦/ ٣٣٠).\n(٤) «المجموع» (١٦/ ٣٣٢).\n(٥) «النقض» (١/ ٦١٩).\n(٦) «الدرء» (٨/ ١١)، وانظر «النقض» (٨/ ٨).","vol":"1","page":207},{"text":"وبين أن (الشهادة تتضمن الإقرار بالصانع تعالى وبرسوله، وأما مجرد الإقرار بالصانع دون الإتيان بالشهادتين فهذا لا يصير به الرجل مؤمنًا، بل ولا يصير مؤمنا بأن يعلم أنه رب كل شيء حتى يشهد أن لا إله إلا الله، ولا يصير مؤمنًا بذلك حتى يشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ) (١).\nوقال – في معرض نقده لمن أوجب النظر على المكلف، وجعله أول الواجبات-: (والنبي ﷺ لم يدع أحدًا من الخلق إلى النظر ابتداء، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه) (٢).\nوقال أيضًا – بعد أن ساق جملة من الأحاديث الدالة على أن أول ما يدعى إليه الشهادتان وكذلك الأمر بقتال الناس حتى يأتوا بالشهادتين -: (وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول، أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين، سواء كان معطلا، أو مشركًا، أو كتابيًا، وبذلك يصير الكافر مسلمًا، ولا يصير مسلما بدون ذلك) (٣).\nوقال أيضا: (أجمع المسلمون على أن الكافر إذا أراد أن يسلم يكتفى منه بالإقرار بالشهادتين) (٤).\nوقال كذلك: (وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر) (٥).\nوقال في موضع آخر: (فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين) (٦).\nذكر من حكى الإجماع أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: جاءت هذه المسألة نتيجة للمسألة السابقة والتي أكثر أهل الكلام الاشتغال بها، فأحدثوا في دين الله ما لم يأذن به، ولم يرد عن رسول الله ﷺ ولم يكن عليه سلفنا الصالح.\nوقد اشتد نكير أهل العلم – رحمهم الله تعالى – على كلتا المسألتين، ووسموا أهلها بالابتداع والضلال، وبينوا فساد ما ذهبوا إليه، وحذروا من مغبة ما يؤول إليه. وقد استعرضنا جملة من أقوال أهل العلم – رحمهم الله تعالى – عند الحديث عن المسألة الأولى.\nاستدلالهم بدليل الأعراض وحدوث الأجسام، وها نحن نذكر جملة أخرى تنضاف إلى ما سبق لتكون موضحة لموقف أهل العلم – رحمهم الله تعالى – من المسألة الأصل وما نمى عنها.\nفقد حكى الإمام أبو بكر بن المنذر الإجماع على أن الكافر إذا أقر بالشهادتين وتبرأ من كل دين خالف دين الإسلام وهو بالغ صحيح يعقل أنه يصير بذلك مسلمًا حيث قال: (أجمع كل من أحفظ عنه على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن ما جاء به محمد ﷺ حق، وأبرأ من كل دين خالف الإسلام وهو بالغ صحيح يعقل، أنه مسلم) (٧).\nفانظر كيف تجرأ هؤلاء المتكلمون على خرق هذا الإجماع وإطراحه، ولا غرو في ذلك فإن هؤلاء ليس لهم خبرة بأقوال الصحابة والتابعين وأقوال أئمة المسلمين في مسائل أصول الدين، بل إنما يعرفون أقوال الجهمية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام المحدث وهؤلاء كلهم مبتدعه عند سلف الأمة وأئمتها (٨).\nولهذا تجد في كتب أهل الكلام ما يدل على غاية الجهل بما قاله الرسول والصحابة والتابعون وأئمة الإسلام مما يوجب أن يقال: كأن هؤلاء نشأوا في غير ديار الإسلام ولا ريب أنهم نشأوا بين من لم يعرف العلوم الإسلامية حتى صار المعروف عندهم منكرًا والمنكر معروفًا ولبسهم فتن ربي فيها الصغير وهرم فيها الكبير، وبدلت السنة بالبدعة والحق بالباطل (٩).\n_________\n(١) «النقض» (٨/ ١١، ١٢).\n(٢) «النقض» (٨/ ٦).\n(٣) «النقض» (٨/ ٧).\n(٤) «الدرء» (٧/ ٤٣٧).\n(٥) «المجموع» (٧/ ٣٠٢).\n(٦) «المجموع» (٧/ ٦٠٩).\n(٧) «الإجماع» لابن المنذر (ص: ١٥٤).\n(٨) انظر: «الصفدية» (٢/ ٢٦٨).\n(٩) انظر: «النقض» (٢/ ٤٨٢).","vol":"1","page":208},{"text":"فمع وضوح هذا الإجماع وصراحته، إلا أنا نجد الجويني والإيجي يدعيان الإجماع على أن أول واجب على المكلف النظر أو القصد إلى النظر المؤدي إلى معرفة الله!\nوبطلان هذا الإجماع المدعى ظاهر لكل من له من العلم أدنى نظر، إذ إن فيه مخالفة لصحيح المنقول ولإجماع من يعتد بإجماعه من أهل العلم، وحاشا أن تجتمع الأمة على أمر مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول فإن هذا ضلال، والأمة لا تجتمع على ضلال.\nثم إن بعض المتكلمين أيضًا قد خالفوا الجويني والإيجي في هذا الإجماع وقالوا بخلافه فكيف يدعيان الإجماع على ذلك إذن؟!\nواسمع إلى ما قاله أبو جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة عن هذه المسألة: (إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك) (١).\nوقد استنكر ابن حزم على من جعل النظر والاستدلال أول الواجبات، وسمى من خالف هذه الطريقة مقلدًا لا يقبل إيمانه بقوله: (... إن الرسول ﷺ منذ بعث لم يزل يدعو الناس الجم الغفير إلى الإيمان بالله تعالى وبما أتى به، ويقاتل من أهل الأرض من قاتله، ويستحل سفك دمائهم، وسبي نسائهم وأولادهم، وأخذ أموالهم متقربًا إلى الله تعالى بذلك، وأخذ الجزية وإصغاره.\nويقبل ممن آمن به ويحرم ماله ودمه وأهله وولده، ويحكم له بحكم الإسلام، وفيهم المرأة البدوية، والراعي، والراعية، والفلاح الصحراوي الوحشي، والزنجي المسبي، والزنجية المجلوبة، والرومية، والجاهل، والضعيف في فهمه فما منهم أحد ولا غيرهم قال له ﵇: إني لا أقبل إسلامك ولا يصح لك دين حتى تستدل على صحة ما أدعوك إليه ... ثم جرى على هذه الطريقة جميع الصحابة ﵃ أولهم عن آخرهم، ولا يختلف أحد في هذا الأمر.\nثم جميع أهل الأرض إلى يومنا هذا ومن المحال الممتنع عند أهل الإسلام أن يكون ﵇ يغفل أن يبين للناس ما لا يصلح لأحد الإسلام إلا به، ثم تتفق على إغفال ذلك أو تعمد عدم ذكره جميع أهل الإسلام وتنبه له هؤلاء الأشقياء!.\nومن ظن أنه وقع في الدين على ما لم يقع عليه رسول الله ﷺ فهو كافر بلا خلاف فصح أن هذه المقالة خرق للإجماع، وخلاف لله تعالى ولرسوله ﷺ، وجميع أهل الإسلام قاطبة) (٢).\nوقال ابن عبد البر: (إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وعبد الرحمن وسائر المهاجرين والأنصار وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجًا علم أن الله ﷿ لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة ودلائل الرسالة، لا من قبل حركة ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه والتشبيه ونفيه لازما ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من عملهم مشهورًا أو من أخلاقهم معروفًا لاستفاض عنهم ولشهروا به كما شهروا بالقرآن والروايات) (٣).\n_________\n(١) نقله عنه الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٣٦١)، ونقله أيضا شيخ الإسلام في «الدرء» (٧/ ٤٠٧) بتصرف.\n(٢) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» لابن حزم (٤/ ٧٥ - ٧٦).\n(٣) «التمهيد» (٧/ ١٥٢).","vol":"1","page":209},{"text":"وممن نص على مخالفة المتكلمين فيما أوجبوه على المكلف لإجماع المسلمين أبو المظفر السمعاني حيث يقول: (فإنهم – أي أهل الكلام – قالوا: أول ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري ﷿ وهذا قول مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين، ولو أنك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها منقولًا من النبي ﷺ ولا من أصحابه وكذلك من التابعين بعدهم.\nوكيف يجوز أن يخفى عليهم أول الفرائض وهم صدر هذه الأمة والسفراء بيننا وبين رسول الله؟!.\nهذا وقد تواترت الأخبار أن النبي ﷺ كان يدعو الكفار إلى الإسلام والشهادتين ... ولم يرو أنه دعاهم إلى النظر والاستدلال، وإنما يكون حكم الكافر في الشرع أن يدعى إلى الإسلام فإن أبى وسأل النظرة والإمهال أن لا يجاب إلى ذلك ...\nولا يجوز على طريقهم الإقدام على هذا الكافر بالقتل والسبي إلا بعد أن يذكر له هذا ويمهل لأن النظر والاستدلال لا يكون إلا بمهلة وخصوصًا إذا طلب الكافر ذلك، وربما لا يتفق النظر والاستدلال في مدة يسيرة فيحتاج إلى إمهال الكفار مدة طويلة تأتي على سنين، ليتمكنوا من النظر على التمام والكمال وهو خلاف إجماع المسلمين) (١).\nوممن عاب على المتكلمين إيجابهم النظر على المكلف أبو حامد الغزالي بقوله: (من أشد الناس غلوا وإسرافًا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لم يعرف الكلام معرفتنا ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتها التي حررناها كافر.\nفهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولًا، وجعلوا الجنة وقفًا على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جعلوا ما تواتر من السنة ثانيًا، إذ ظهر من عصر الرسول ﷺ وعصر الصحابة حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشتغلين بعبادة الوثن ولم يشتغلوا بتعليم الدليل، ولو اشتغلوا به لم يفهموه، ومن ظن أن مدرك الإيمان بالكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد ...\nوليت شعري متى نقل عن الرسول ﷺ وعن الصحابة إحضار أعرابي أسلم وقولهم له: الدليل على أن العالم حادث، أن لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ... وعد النبي ﷺ أن من تكلم بكلمة التوحيد أجرى عليه أحكام المسلمين، فثبت بهذا أن مأخذ التكفير من الشرع لا من العقل، إذ الحكم بإباحة الدم، والخلود في النار شرعي لا عقلي خلافًا لما ظنه بعض الناس) (٢).\nونص عبد القادر الجيلاني على أن أول ما يجب على من أراد الدخول في دين الإسلام التلفظ بالشهادتين، والبراءة من كل دين يخالفه حيث قال: (الذي يجب على من يريد الدخول في دين الإسلام أولا أن يتلفظ بالشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويتبرأ من كل دين غير دين الإسلام، ويعتقد بقلبه وحدانية الله تعالى) (٣).\nوقال ابن الصلاح – في معرض كلامه على حديث ضمام بن ثعلبة ﵁ وفيه قال ﵁: «يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق» ثم قال ﷺ في آخر الحديث: «لئن صدق ليدخلن الجنة». (٤).\nوفي الحديث دلالة على صحة ما ذهب إليه الأئمة العلماء في أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفي منهم بمجرد اعتقادهم الحق جزمًا من غير شك وتزلزل، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة.\n_________\n(١) «الانتصار لأصحاب الحديث» للسمعاني (ص: ٦١، ٦٢، ٦٣).\n(٢) «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» للغزالي (ص: ١٣٤ – ٢٠٢).\n(٣) «الغنية» الجيلاني (١/ ٢).\n(٤) رواه البخاري (١٢)، من حديث أنس ﵁.","vol":"1","page":210},{"text":"وبين وجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ قرر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه ﷺ من مناشدته ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك قائلا له: أن الواجب عليك أن تستدرك ذلك من النظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية التي تفيدك العلم (١).\nمستند الإجماع: من تأمل نصوص الكتاب والسنة وجدها حافلة بذكر الأمر الذي بعث الله ﷿ من أجله المرسلين، واجتمعت عليه كلمتهم أجمعين، فكان ذلك الأمر هو أوجب الواجبات، أول الفرائض والمطلوبات والذي شغل حيزاَ من حياتهم، بل كل حياتهم لتبليغه والدعوة إليه، فكان وظيفتهم والحكمة من بعثتهم، ألا وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، لا كما زعم المتكلمون أنه النظر المؤدي إلى معرفة الباري؛ فدونك الأدلة على ذلك، من الكتاب والسنة:\nفمن الكتاب: قول الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦].\nوقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. ونظائرهما كثير.\nووجه الدلالة من هاتين الآيتين ظاهر وصريح في أن الرسل إنما بعثوا لأمر الناس بعبادة الله ودعوتهم إلى ذلك، بل دلت الآية على حصر مهمتهم ووظيفتهم في ذلك، ولو كان النظر أوجب الواجبات وأولها، لنبه عليه الشارع الحكيم، ولكان على رأس الاهتمام من الأنبياء والمرسلين، ولما لم يكن كذلك تبين بطلان ما ذهب إليه المتكلمون، وفساد طريقتهم ومسلكهم.\nوأما السنة: فقد أخرج البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ «لما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن قال له إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى» (٢).\nوفي رواية: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (٣).\nوعن سهل بن سعد: «أن رسول الله ﷺ أعطى الراية عليا ﵁ يوم خيبر، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام ...» (٤).\nووجه الدلالة من الحديثين بينة؛ إذ لو كان النظر إلى معرفة الله تعالى واجبًا كما يدعي المتكلمون لأمر ﷺ بالدعوة إليه أولا، ولما قدم عليها غيره، ومن ثم تظهر مخالفة المتكلمين لما جاء به رسول الله ﷺ.\nومن الأدلة أيضا ما أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله». (٥)\nووجه الدلالة ظاهر بين؛ إذ إن الرسول ﷺ علق كفه عن قتال الناس على شرط به يعصم المرء دمه وماله، ألا وهو التلفظ بالشهادتين، بخلاف ما سلكه المتكلمون من الحكم بسفك دم من لم يعرف الله تعالى بالطرق والأقيسة العقلية التي ابتدعوها.\nفالرسول ﷺ دعا الناس إلى توحيد الله ﷿ وقبل إسلام من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهؤلاء المتكلمون يدعون الناس إلى الاستدلال والدخول في الإسلام بهذه الطريقة المبتدعة ويجعلونه أول واجب على المكلف ومن لم يعرف أو عاند في تركه حكم بكفره وسفك دمه، فتأمل ما بين المنهجين من البون الشاسع والفرق الكبير. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٢٦٠\n_________\n(١) «صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط» لابن الصلاح (ص: ١٤٢ - ١٤٤).\n(٢) رواه البخاري (٧٣٧٢).\n(٣) رواه البخاري (١٣٩٥).\n(٤) رواه البخاري (٤٢١٠)، ومسلم (٢٤٠٦).\n(٥) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المبحث الثالث: المتكلمون يعتنون بتقرير الربوبية، ويسكتون عن الألوهية</span>\nومن أهل الكلام: من أطال نظره في تقرير هذا التوحيد- توحيد الربوبية-: إما بدليل أن الاشتراك يوجب نقص القدرة وفوات الكمال، وبأن استقلال كل من الفاعلين بالمفعول محال، وإما بغير ذلك من الدلائل، ويظن أنه بذلك قرر الوحدانية وأثبت أنه لا إله إلا هو، وأن الإلهية هي: القدرة على الاختراع أو نحو ذلك، فإذا ثبت أنه لا يقدر على الاختراع إلا الله، وأنه لا شريك له في الخلق، كان هذا معنى قولنا: لا إله إلا الله، ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا التوحيد، كما قال تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [لقمان:٢٥] وقال تعالى قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ الآيات، وقال تعالى وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] قال ابن عباس وغيره: (تسألهم: من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم مع ذلك يعبدون غيره) وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب، لكن لا يحصل به الواجب، ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر، الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص لله الدين، فلا يعبد إلا إياه، فيكون دينه كله لله اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ٨٥٤","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>المبحث الأول: المعنى اللغوي لكلمة (الإِلَه)</span>\nالألوهية هي مصدر أله يأله، قال الجوهري: (أله – بالفتح – إلاهة، أي عبد عبادة، ومنه قرأ ابن عباس ﵄: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف: ١٢٧] بكسر الهمزة قال وعبادتك وكان يقول: إن فرعون كان يعبد في الأرض ومنه قولنا: (الله) وأصله: (إله) على فعال بمعنى مفعول أي معبود، كقولنا: إمام فعال: لأنه مفعول أي مؤتم به) اهـ (١).\nوعلى هذا فإن الألوهية صفة لله تعالى تعني استحقاقه جل وعلا للعبادة بما له من الأسماء والصفات والمحامد العظيمة (٢) ولذلك قال ابن عباس ﵄ (والله ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين) (٣) اهـ. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٥٤\nويقول ابن سيده: (والإلهة والألوهة والألوهية العبادة) وأما الألوهية التي جاءت هذه الكلمة لإثبات استحقاق الله وحده لها فهي من مجموع كلام أهل اللغة أيضًا فزع القلب إلى الله، وسكونه إليه، واتجاهه إليه لشدة محبته له، وافتقاره إليه ويجمعهما كون الله هو الغاية والمراد والمقصود مطلقًا.\nيقول ابن الأثير: أصله من أله يأله إذا تحير، يريد: إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف وهمه إليها أبغض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد.\nويقول أبو الهيثم: (الله: أصله إله ولا يكون إلها حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده خالقًا ورازقًا ومدبرًا وعليه مقتدرًا وأصل إله ولاه فقلبت الواو همزة ومعنى ولاه أن الخلق إليه يؤلهون في حوائجهم ويفزعون إليه فيما ينوبهم كما يوله طفل إلى أمه)، ويقول الإمام ابن القيم: اسم الله دال على كونه مألوهًا معبودًا تألهه الخلائق محبة وتعظيمًا وخضوعًا وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني - ص٣٧\n_________\n(١) «الصحاح» للجوهري (٦/ ٢٢٢٣) مادة (أله)، وانظر «تفسير أسماء الله الحسنى» للزجاج (ص: ٢٦).\n(٢) انظر: «شرح الواسطية» لابن عثيمين (ص: ١١).\n(٣) رواه الطبري (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>المبحث الثاني: اشتقاق لفظ الجلالة (الله)</span>\nواختلفوا في كونه مشتقا أو لا، ذهب الخليل وسيبويه وجماعة من أئمة اللغة والشافعي والخطابي وإمام الحرمين ومن وافقهم إلى عدم اشتقاقه لأن الألف واللام فيه لازمة فتقول يا الله ولا تقول يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام وقال آخرون إنه مشتق، واختلفوا في اشتقاقه إلى أقوال أقواها أنه مشتق من أله يأله إلهة، فأصل الاسم الإله فحذفت الهمزة وأدغمت اللام الأولى في الثانية وجوبا فقيل الله، ومن أقوى الأدلة عليه قوله تعالى: وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:٣] مع قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:٨٤] ومعناه ذو الألوهية التي لا تنبغي إلا له، ومعنى ألَه يألَهُ إلاهةً عبد يعبد عبادة فالله المألوه أي المعبود ولهذا الاسم خصائص لا يحصيها إلا الله ﷿، وقيل إنه هو الاسم الأعظم معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٧٦\nوقال الشيخ محمد خليل هراس في شرحه للعقيدة الواسطية: واسم الجلالة؛ قيل: إنه اسم جامدٌ غير مشتقٍّ؛ لأن الاشتقاق يستلزم مادة يُشْتَقُّ منها، واسمه تعالى قديم، والقديم لا مادَّة له، فهو كسائر الأعلام المَحْضَة، التي لا تتضمَّن صفاتٍ تقوم بمسمَّياتِها والصحيح أنه مشتقٌّ واختُلِفَ في مبدأ اشتقاقه، فقيل: من أَلَهَ يَأْلَهُ أُلوهَةً وإِلهَةً وأُلوهِيةً؛ بمعنى: عبدَ عِبَادةً\nوقيل: من أَلِهَ - بكسر اللام - يَأْلَهُ - بفتحها - أَلَهًا؛ إذا تحيَّر والصحيح الأوَّل، فهو إلهٌ؛ بمعنى مأْلوهٍ؛ أي: معبود وعلى القول بالاشتقاق يكون وصفًا في الأصل، ولكن غَلَبَتْ عليه العَلَمِيَّة، فتجري عليه بقية الأسماء أخبارًا وأوصافًا؛ يقال: الله رحمنٌ رحيمٌ سميعٌ عليمٌ؛ كما يقال: الله الرَّحمن الرَّحيم إلخ شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن خليل هراس - ص٤٥","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المبحث الثالث: الفرق بين الرب والإله في المعنى</span>\n- فالاسم الأول - الإله - يتضمن غاية العبد ومصيره ومنتهاه وما خلق له وما فيه صلاحه وكماله وهو عبادة الله والاسم الثاني – الرب - يتضمن خلق العبد ومبتداه وهو أنه يربه ويتولاه مع أن الثاني يدخل في الأول دخول الربوبية في الإلهية والربوبية تستلزم الألوهية أيضا والاسم الرحمن يتضمن كمال التعليقين وبوصف الحالين فيه تتم سعادته في دنياه وأخراه ولهذا قال تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:٣٠] فذكر هنا الأسماء الثلاثة وربي والإله وقال: عليه توكلت وإليه متاب كما ذكر الأسماء الثلاثة في أم القرآن لكن بدأ هناك باسم الله ولهذا بدأ في السورة بإياك نعبد فقدم الاسم وما يتعلق به من العبادة لأن (الرب) هو القادر، الخالق، البارئ، المصور، الحي، القيوم، العليم، السميع، البصير، المحسن، المنعم، الجواد، المعطي، المانع، الضار، النافع، المقدم، المؤخر، الذي يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١٤/ ١٢\n- اسم الله أدل على مقصود العبادة التي لها خلق الخلق\nففاتحة دعوة الرسل الأمر بالعبادة قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١] وقال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله» (١) وذلك يتضمن الإقرار به وعبادته وحده فإن الإله هو المعبود ولم يقل حتى يشهدوا أن لا رب إلا الله فإن اسم الله أدل على مقصود العبادة له التي لها خلق الخلق وبها أمروا مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ١٣\n- اسم الرب أحق بحال الاستعانة والمسألة\nوالرب هو المربي الخالق الرازق الناصر الهادي وهذا الاسم أحق باسم الاستعانة والمسألة ولهذا يقال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ [نوح:٢٨]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:٢٣]، رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:١٦]، ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا [آل عمران:١٤٧]، رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:٢٨٦] فعامة المسألة والاستعانة المشروعة باسم الرب مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١٤/ ١٣\n- إقرار الخلق بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم إلى الإله المعبود وقصدهم لدفع حاجاتهم العاجلة قبل الآجلة كان إقرارهم بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته وكان الدعاء له والاستعانة به والتوكل عليه فيهم أكثر من العبادة له والإنابة إليه ولهذا إنما بعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له الذي هو المقصود المستلزم للإقرار بالربوبية وقد أخبر عنهم أنهم لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله وأنهم إذا مسهم الضر ضل من يدعون إلا إياه وقال وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فأخبر أنهم مقرون بربوبيته وأنهم مخلصون له الدين إذا مسهم الضر في دعائهم واستعانتهم ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم وكثير من المتكلمين إنما يقررون الوحدانية من جهة الربوبية وأما الرسل فهم دعوا إليها من جهة الألوهية وكذلك كثير من المتصوفة المتعبدة وأرباب الأحوال إنما توجههم إلى الله من جهة ربوبيته لما يمدهم به في الباطن من الأحوال التي بها يتصرفون وهؤلاء من جنس الملوك وقد ذم الله ﷿ في القرآن هذا الصنف كثيرا فتدبر هذا فإنه تنكشف به أحوال قوم يتكلمون في الحقائق ويعملون عليها وهم لعمري في نوع من الحقائق الكونية القدرية الربوبية لا في الحقائق الدينية الشرعية الإلهية وقد تكلمت على هذا المعنى في مواضع متعددة وهو أصل عظيم يجب الاعتناء به والله سبحانه أعلم مجموع الفتاوى لأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية - ١٤/ ١٤\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه (٢٥) ومسلم في صحيحه (٢٢) من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية</span>\nالمراد بتوحيد الألوهية: إفراد الله جل وعلا بالتعبد في جميع أنواع العبادات (١). ويعبر بعض أهل العلم بالعبادة بدل التعبد، ولا فرق، إذ مراده بالعبادة معناها المصدري وهو التعبد. والتعبد له ركنان وشرطان لصحته، أما الركنان: فغاية الخضوع والتذلل لله، وكمال المحبة له. وأما الشرطان: فمعرفة المعبود – وهو الله ﷾ -، ومعرفة دينه الشرعي الجزائي، والمقصود بالعبادات: ما يتعبد به لله تعالى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ولها شرطان: المتابعة فيها – أي أن تكون وفق ما جاء به الرسول ﷺ، والصدق والإخلاص لله جل وعلا فيها.\nوهذا هو معنى شهادة ألا إله إلا الله – وتمام تحقيقها بشهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ.\nومما يوضح أن التعريف السابق هو تعريف لشهادة ألا إله إلا الله قول الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] قال ابن جرير: (وقوله: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ يقول تعالى ذكره: وجعل قوله إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ ِإلَّا الَّذِي فَطَرَنِي وهو قول لا إله إلا الله: كلمة باقية في عقبه، وهم ذريته، فلم يزل في ذريته من يقول ذلك من بعده.) (٢) اهـ.\nوكلمات السلف كلها تدور حول هذا المعنى فمنهم من فسر الكلمة بشهادة ألا إله إلا الله ومنهم من فسرها بالإسلام (٣).\nولا خلاف بين القولين، إذ الإسلام هو الاستسلام لله بالعبودية، وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد شيئًا سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله المتركبة من النفي والإثبات؛ نفي عبادة ما سوى الله، وإثبات العبادة لله وحده، وهذان هما النفي والإثبات نفسهما الواردان في الآية بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي.\nويؤكد صحة هذا التفسير أن إبراهيم ﵇ جعل الكلمة في بنيه بأمرين: الدعاء والوصية (٤) أما الدعاء – ففي قوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم: ٣٥] فهذا تبري من عبادة ما سوى الله تعالى، وهذا يستلزم إفراد الله جل وعلا وحده بالعبادة – ولذلك كان من دعائه: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ [البقرة: ١٢٨] وأما الوصية ففي قوله: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [البقرة: ١٣١ - ١٣٢] فبين الله تعالى أن إبراهيم ﵇ وصى بنيه بالإسلام، وكذلك يعقوب ﵇ وصى بها بنيه وعهدوا بها إلى أولادهم من بعدهم، ثم إن الله بين صيغة هذه الوصية بقوله: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٣].\n_________\n(١) انظر: «رسالة في معنى العبادة لأبي بطين ضمن مجموعة التوحيد» (١/ ١٧٠).\n(٢) «تفسير الطبري» (٢١/ ٥٨٩).\n(٣) انظر: «تفسير الطبري» (٢١/ ٥٨٩ - ٥٩٠).\n(٤) انظر: «أضواء البيان» (٧/ ٢٣١).","vol":"1","page":216},{"text":"فهذا نص في أن الوصية هي الإسلام وهي قولهم: نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وبه يظهر ظهورًا جليًا أن الكلمة هي الإسلام – أي الاستسلام لله بالعبودية – وقد لخص ذلك ابن جرير الطبري بقوله (وهي الإسلام الذي أمر به نبيه ﷺ وهو إخلاص العبادة والتوحيد لله وخضوع القلب والجوارح له) (١) اهـ. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٧٥\nوتوحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة (٢). ويسمى باعتبار إضافته إلى الله تعالى بـ (توحيد الألوهية)، ويسمى باعتبار إضافته إلى الخلق بـ (توحيد العبادة)، و(توحيد العبودية) و(توحيد الله بأفعال العباد)، و(توحيد العمل)، و(توحيد القصد)، و(توحيد الإرادة والطلب)، لأنه مبني على إخلاص القصد في جميع العبادات، بإرادة وجه الله تعالى (٣).\nوهذا التوحيد من أجله خلق الله الجن والإنس، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، ومن أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]، ومن أجله قامت الخصومة بين الأنبياء وأممهم، وبين أتباع الأنبياء من أهل التوحيد وبين أهل الشرك وأهل البدع والخرافات، ومن أجله جردت سيوف الجهاد في سبيل الله، وهو أول الدين وآخره، بل هو حقيقة دين الإسلام (٤)، وهو يتضمن أنواع التوحيد.\nفتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية ولتوحيد الأسماء والصفات (٥)، فإن من عبد الله تعالى وحده، وآمن بأنه المستحق وحده للعبادة، دل ذلك على أنه مؤمن بربوبيته وبأسمائه وصفاته، لأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعتقد بأن الله تعالى وحده هو المتفضل عليه وعلى جميع عباده بالخلق، والرزق، والتدبير، وغير ذلك من خصائص الربوبية، وأنه تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلا، التي تدل على أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له.\nومع أهمية هذا التوحيد فقد جحده أكثر الخلق، فأنكروا أن يكون الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وعبدوا غيره معه.\nقال العلامة المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني: (اعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرون بذلك، كما قررناه وكررناه، ولذا قالوا: أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ [الأعراف: ٧٠] أي لنفرده بالعبادة، ونخصه بها من دون آلهتنا؟ ... فعبدوا مع الله غيره، وأشركوا معه سواه، واتخذوا له أندادًا) (٦). تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٥٣\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٣/ ٩٣ - ٩٤).\n(٢) «تطهير الاعتقاد» للصنعاني: الأصل الثالث (ص: ١٣)، «الدرر السنية» (٢/ ٢٩١)، و«ينظر شرح الطحاوية» (ص: ٢٤).\n(٣) «شرح الطحاوية» (ص: ٢٤)، «مجموعة التوحيد» (١/ ٦)، «الدرر السنية» (٢/ ٢٥٠، ٣٠٤) «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٢)، «القول السديد» (ص: ١٩)، «القواعد الحسان» (ص: ١٩٢)، «الحق الواضح المبين» (ص: ٥٧)، «القول المفيد» (١/ ٩).\n(٤) «شرح الطحاوية» (ص: ٢١ - ٢٤ - ٢٩)، «تطهير الاعتقاد» للصنعاني (ص: ٢٠)، «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٠ - ٢١)، «الدر النضيد» للشوكاني (ص: ٦٥)، «قرة عيون الموحدين» لعبد الرحمن بن حسن (ص: ٤)، «معارج القبول» (٢/ ٤٠٢ - ٤١٠).\n(٥) «شرح الطحاوية» (ص: ٢٩ - ٣٢ - ٤١)، «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٣)، «قرة عيون الموحدين» (ص: ٥).\n(٦) «تطهير الاعتقاد» (ص: ١٢، ٢٠)، وينظر «قرة عيون الموحدين» (ص: ٤).","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>المبحث الثاني: منزلة توحيد الألوهية</span>\nإن التوحيد هو إفراد الله جل وعلا بالتعبد في جميع أنواع العبادات وهذا هو تحقيق كلمة لا إله إلا الله ولا تصح إلا بالمتابعة وهي شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ. والذي عليه أهل السنة والجماعة أن أول واجب هو الشهادتان، كما حكى عنهم ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (إن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ) (١) اهـ.\nوالأدلة على أن أول الواجبات هو عبادة الله بما شرع يمكن تلخيصها في أربعة أدلة عامة:\nالدليل الأول: هو أن جميع الرسل دعوا إلى توحيد الله جلا وعلا وإخلاص العبادة له كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. ولقد وردت آيات كثيرة تبين أن آحاد الرسل يأتون قومهم فيقولون لهم: اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ.\nويتضح هذا الدليل بالعلم بأمرين وهما:\nالأمر الأول: إن الأصل في بني آدم التوحيد وكان ذلك مدة عشرة قرون بين آدم ونوح ﵉، فقد كانوا على التوحيد ثم نشأ فيهم الشرك – ثم إن الأصل في بني آدم: الإقرار بالله.\nالأمر الثاني: معرفة الشرك الذي وقعوا فيه وهو الشرك في الألوهية.\nفإذا علم الأمران، وهما: أن الأصل في بني آدم توحيد الله بعبادته، وأن الشرك الذي وقعوا فيه هو الشرك في العبادة لا إنكار وجود الله وتفرده بالخلق والرزق، علم أن الرسل جاءوا بدعوة الناس إلى عبادة الله وحده وترك عبادة غيره، فيعلم من هذا أن أول واجب على المكلف هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له خاصة وأن الأدلة دالة على أن كل مولود يولد على الفطرة. فيبقى بعد ذلك أن من لم يقر بوجود الله عليه أن يقر أولًا ليتوصل بإقراره هذا إلى عبادة الله فيكون وجوب إقراره وسيلة لواجب مقصود وهو إفراد الله بالعبادة، إذ الإقرار وحده لا يكفي.\nالدليل الثاني: إن الغاية من خلق الإنسان هي العبادة. كما قال الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] فقد بين الله جل وعلا أنه خلق الناس لهذه الغاية وهي عبادته، وبين سبحانه أنه فطر الناس على الإقرار به ولذلك فإنه أول ما يأمرهم يأمرهم بعبادته كما قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١].\nالدليل الثالث: وهو كما قال أبو المظفر بن السمعاني: (تواترت الأخبار أن النبي ﷺ كان يدعو الكفار إلى الإسلام والشهادتين) (٢).\n_________\n(١) «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ١١). وانظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٧٥).\n(٢) «مختصر الانتصار لأهل الحديث - ضمن صون المنطق والكلام للسيوطي» (ص: ١٧٢).","vol":"1","page":218},{"text":"ومن ذلك قول الرسول ﷺ لمعاذ ﵁ لما بعثه إلى اليمن: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (١). وقوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (٢). وقد كان الرسول ﷺ عند بيعة الرجال والنساء أول ما يبدأ به في البيعة قوله: «بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا» (٣).\nالدليل الرابع:\nالإجماع: وهذا الإجماع حكاه ابن المنذر بقوله: (أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام، وهو بالغ صحيح يعقل: أنه مسلم) (٤) اهـ.\nوقد ذكر أبو المظفر بن السمعاني أن القول بأن أول الواجبات هو النظر قول مبتدع لم يكن معروفًا عند الصحابة ولا التابعين، إذ لو كان معروفًا لنقلوه لنا لشدة اهتمامهم بهذا الدين، كيف والمدعى أنه أول الواجبات! – وإنما المعروف أنهم كانوا يدعون إلى الإسلام، وهم الذين نقلوا طريقة الرسول ﷺ في دعوته، مما يدل على أن المستقر عندهم هو أن أول شيء يدعى إليه الكافر هو الشهادتان – وهما أول واجب (٥).\nوقد حكى هذا الاتفاق شيخ الإسلام ابن تيمية كما تقدم النقل عنه وحكاه كذلك تلميذه ابن القيم فقال: (وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام) (٦).\nوهذا يدل على أنه أول الواجبات، ولو أتى بغير الشهادتين ما اعتبر ذلك.\nومن المعلوم أن الشهادة تتضمن الإقرار بالله تعالى وبرسوله ﷺ، فكل من شهد لله تعالى بالألوهية فشهادته فرع إقراره بوجوده وربوبيته، ولكن إذا وجد من لم يقر بالله لتغير فطرته فهذا يجب عليه النظر أولًا، لأنه وسيلة لإقراره لله تعالى بالعبودية، فوجوب مثل هذه الحالة يعتبر من وجوب الوسائل التي تؤدي إلى الغاية (٧).\nفإن المعرفة بوجود الله جل وعلا لا تكفي العبد، بل ولا حتى إيمانه بأن الله هو الرب الخالق حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ (٨). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٨٦\nقال الشيخ حافظ الحكمي-رحمه الله تعالى- في شرح قوله في منظومة (سلم الوصول):\nوَهوَ الَّذي به الإله أرْسَلا ... رُسْلَهُ يَدْعُونَ إلَيْهِ أولا\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩). بلفظ: «عبادة الله» بدلًا من «شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله».\n(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩). من حديث عبادة بن الصامت ﵁.\n(٤) نقله عنه شيخ الإسلام في «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٧)\n(٥) انظر: «مختصر كتابه الانتصار لأهل الحديث ضمن صون المنطق والكلام» (ص: ١٧١ - ١٧٢).\n(٦) «مدارج السالكين» (٣/ ٤٢١).\n(٧) انظر هذا في «معرض الرد على الأشعرية في مسألة أول واجب على المكلف» (ص: ٣٢٣ - ٣٢٤).\n(٨) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ١١ - ١٢).","vol":"1","page":219},{"text":"يقول: (وهو) أي توحيد الإلهية (الذي به الإله) ﷿ (أرسل رسله) من أولهم إلى آخرهم (يدعون إليه أولا) قبل كل أمر يدعو إلى شيء قبله، فهم وإن اختلفت شرائعهم في تحديد بعض العبادات والحلال والحرام لم يختلفوا في الأصل الذي هو إفراد الله سبحانه بتلك العبادات افترقت أو اتفقت، لا يشرك معه فيها غيره. كما قال رسول الله ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد» (١) وقد أخبر الله ﷿ عن اتفاق دعوة رسله إجمالًا وتفصيلًا فقال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِّي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه [الشورى: ١٣] وهؤلاء هم أولو العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمد ﷺ وكذلك بقية الرسل، وقال تعالى: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يَعْبُدُون [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُون [الأنبياء: ٢٥] وقال الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أَمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت [النحل: ٣٦] وقال الله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٦ - ١٦٥] وفي الصحيح عن المغيرة ﵁ قال: «قال سعد بن عبادة ﵁: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: تعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين. ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة» (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤٤٢)، ومسلم (٢٣٦٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.","vol":"1","page":220},{"text":"وأما مقامات التفصيل فقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم [الأعراف: ٥٩] إلى آخر الآيات، وقال تعالى: وَإِلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُون [الأعراف: ٦٥] إلى آخر الآيات وقال تعالى: إِلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قُوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه [الأعراف: ٧٣] إلى آخر الآيات، وقال الله تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه [الأعراف: ٨٥] إلى آخر الآيات، وقال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٧٤ - ٧٨]. وهذا في مقام مناظرته ﵊ لعباد الكواكب على سبيل الاستدراج أو التوبيخ ليبين لهم سخافتهم وجهلهم وضعف عقولهم في عبادتهم هذه الكواكب المخلوقة لحكمة الله ﷿ المسخرة بقدرته وغفلتهم عن خالقها ومسخرها والمتصرف فيها وتركهم عبادته أو إشراكهم معه فيها غيره ﷿ فلما أقام عليهم الحجة: قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [الأنعام: ٧٨ - ٨٢] أي الَّذِينَ آمَنُواْ يعني صدقوا ووحدوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم أي شرك إذ هو الظلم الذي لا يغفره الله ﷿، وفي الصحيح: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لما نزلت الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ قال أصحاب النبي ﷺ: أينا لم يظلم نفسه؟ فأنزل الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم [لقمان: ١٣]» (١) فالذين آمنوا الإيمان التام الذي لم تشبه شوائب الشرك الأكبر المنافي لجميعه، ولا الشرك الأصغر المنافي لكماله، ولا معاصي الله المحبطة ثمراته من الطاعات، فأولئك لهم الأمن التام من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، والاهتداء التام في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٩٣٧). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"1","page":221},{"text":"وبحسب ما ينقص من الإيمان ينقص من الأمن والاهتداء، وباجتناب المعاصي يحصل تمامها. ثم قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ٨٣] وقال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ٥١ - ٦٧] إلى آخر الآيات، وقال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: ٦٩ - ٨٢] وقال تعالى: وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإٍبْرَاهِيمَ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات: ٨٣ - ٩٧] إلى آخر الآيات.","vol":"1","page":222},{"text":"وقال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم: ٤١ - ٤٥].\nفبين لأبيه أن آلهته لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ولا تقدر على جلب خير ولا دفع شر ولا تغني عنه شيئا. فتبين بذلك أن عبادة مثل هذا جهل وضلال. ثم بين له أن عنده دواء ذلك الداء، والهدى من ذلك الضلال فقال تعالى: إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيا وبين أن فعله ذلك عبادة للشيطان، موجب لعذاب الرحمن وولاية الشيطان، عياذا بالله من ذلك. وقال تعالى: وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت: ١٥ - ١٧] إلى آخر الآيات. وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] وقال تعالى عن يوسف ﵇: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [يوسف: ٣٧ - ٤٠] الآيات وغيرها. وكذلك قص الله تعالى علينا عن جميع الرسل من نوح إلى محمد ﷺ فقال تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ٩ - ١٢] الآيات. ولو ذهبنا نذكر قصص الرسل ومحاورتهم مع قومهم وعواقب ذلك لطال الفصل. وأما نبينا محمد ﷺ وسيرته في قومه وصبره على أذاهم وما جرى له معهم فأجلى من الشمس في نحر الظهيرة، والقرآن كله من فاتحته إلى خاتمته في شأن ذلك. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٥٠١","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>تمهيد:</span>\nقد وردت في القرآن أدلة تقرر توحيد الألوهية بأحسن تقرير وبأقوى حجة لا يمكن دفعها أبدًا ويمكن حصر هذه الأدلة في خمسة أنواع:\nالنوع الأول: إلزام المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية الذي ينكرونه\nالنوع الثاني: بيان حال الآلهة التي تعبد دون الله في الدنيا والآخرة بصفة تقرر عدم استحقاقها للعبادة\nالنوع الثالث: تذكير المشركين بما يكمن في نفوسهم من التوحيد وأنه لا برهان لهم ولا حجة في شركهم\nالنوع الرابع: بيان أن الحكم لله وحده شرعًا وجزاءً\nالنوع الخامس: إجماع الكتب السماوية على استحقاق الله للعبادة وحده. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف – ١/ ١٠٧","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>المطلب الأول: إلزام المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية الذي ينكرونه</span>\nفإنه قد تكرر في القرآن بيان أن الخالق هو الذي يستحق أن يعبد، وأن المتفرد بالنعم الظاهرة والباطنة هو الذي يستحق أن يعبد دون ما سواه. فظهر من هذا أن هذا النوع من الأدلة يكون في مسألتين:\nالمسألة الأولى: العلم بأن الله هو المنفرد بالخلق والتدبير (١).\nالمسألة الثانية: العلم بأنه المنفرد بهبة النعم الظاهرة والباطنة (٢):\nقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١ - ٢٢].\nقال عكرمة (نهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئًا وأن يعبدوا غيره أو يتخذوا له ندًا وعدلًا في الطاعة فقال: كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم وملكي إياكم ونعمتي التي أنعمتها عليكم فكذلك فأفردوا لي الطاعة وأخلصوا لي العبادة ولا تجعلوا لي شريكًا وندًا من خلقي فإنكم تعلمون أن كل نعمة عليكم مني) (٣). اهـ\nفقد بين الله تعالى استحقاقه للعبادة لأنه هو الخالق والرازق – وأمرهم أمر إيجاب بقوله: اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ. وقال الله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٤ - ١٨].\nففي هذه الآيات تقرير التوحيد لله تعالى؛ فالاستفهام في قوله تعالى أَغَيْرَ اللهِ إنكاري، أي كيف أتخذ وليًا غير الله فأطيعه وأعبده والله هو خالق السموات والأرض الذي يرزق الخلق ولا يحتاج إليهم فهو الغني عن كل ما سواه فلذلك أمره الله بعبادته وحده ونهاه عن الشرك. ثم بين الله تعالى أن الثواب والعقاب بيده، وبين تعالى أنه على كل شيء قدير ولا يعجزه شيء وهو المتصرف وحده فله القدرة الكاملة والعزة الظاهرة – فإذا كان ذلك كذلك كيف لا تُخلص له العبادة (٤)!\n_________\n(١) انظر: «القواعد الحسان لتفسير القرآن» للسعدي (ص: ١٩٣).\n(٢) انظر: «القواعد الحسان لتفسير القرآن» للسعدي (ص: ١٩٣ - ١٩٤)، و«تفسير السعدي» (١/ ٢٦).\n(٣) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠)\n(٤) انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، و«تفسير السعدي» (٢/ ١٧٧).","vol":"1","page":225},{"text":"وقال تعالى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الأنعام: ١٠١ - ١٠٢] وفيها أن الخالق والوكيل على كل شيء بحفظه ورزقه وتصريفه هو الذي يستحق أن يعبد – قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه لهم: أيها الجاهلون: إنه لا شيء له الألوهية والعبادة إلا الذي َخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادة جميع من في السموات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها. فإنه خالق كل شيء وبارئه وصانعه، وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة) (١).\nهذا وقد كان المشركون يقرون بتوحيد الربوبية – ولذلك قال الله جل وعلا عنهم وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦] قال عكرمة مولى ابن عباس في تفسير الآية السابقة: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولون الله فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره) (٢) اهـ.\nومثل هذا التفسير منقول عن ابن عباس ﵄ وغيره (٣).\nولذلك فإن الله قررهم بهذا النوع من التوحيد – أي إذا كنتم أيها المشركون تقرون لله بأنه خالق كل شيء ورازقه فعليكم أن تقروا كذلك لله تعالى بالألوهية وحده وتتقوه ولا تعبدوا غيره. قال الله تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس: ٣١ - ٣٢].\nقال ابن جرير عند قوله أَفَلاَ تَتَّقُونَ: (أفلا تخافون عقاب الله على شرككم وادعائكم ربًا غير من هذه الصفة صفته، وعبادتكم معه من لا يرزقكم شيئًا ولا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا؟) (٤).\nوقال تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٢/ ١٢ - ١٣).\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٢٨٦).\n(٣) انظر: «تفسير الطبري» (١٦/ ٢٨٨).\n(٤) «تفسير الطبري» (١٥/ ٨٤).","vol":"1","page":226},{"text":"فهذه الآيات جاءت بعد أن ذكر الله إهلاكه لفرعون وقومه وذهاب ملك سبأ وإهلاك ثمود قوم صالح ﵇ وإهلاك قوم لوط ﵇ ووجه المناسبة كما قال ابن جرير ﵀: (قل يا محمد لهؤلاء الذين زينا لهم أعمالهم من قومك فهم يعمهون: آلله الذي أنعم على أوليائه هذه النعم التي قصها عليكم في هذه السورة، وأهلك أعداءه بالذي أهلكهم به من صنوف العذاب التي ذكرها لكم فيها خير أما تشركون من أوثانكم التي لا تنفعكم ولا تضركم ولا تدفع عن أنفسها ولا عن أوليائها سوءًا ولا تجلب إليها ولا إليهم نفعًا؟ يقول: إن هذا الأمر لا يشكل على من له عقل، فكيف تستجيزون أن تشركوا عبادة من لا نفع عنده لكم ولا دفع ضر عنكم في عبادة من بيده النفع والضر وله كل شيء؟ ثم ابتدأ تعالى ذكره تعديد نعمه عليهم) (١). ثم ذكر الآيات وتفسيرها. وقد بين الله تعالى خصائص ربوبيته في هذه الآيات الدالة على أنه المعبود وحده – وأن ما سواه لا يستحق شيئًا من العبادة، فإنه كلما ذكر شيئًا من خصائصه قال: أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ أي يقدر على ذلك أو يفعله؟ والجواب: لا. وإذا كان كذلك كان هو المستحق لأن يعبد وحده، ولذلك نص الله على ذلك بقوله تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ بعد أن ابتدأ الآيات بقوله: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ثم بين تعالى عجز كل من يدعي شيئًا من خصائص ربوبيته لغيره تعالى فقال آمرًا نبيه ﷺ بأن يخاطبهم بصيغة التعجيز: قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.\nوبعد هذا التقرير يظهر جليًا أن التوكل والاستعانة ونحوها إنما تكون بالله رب الأرض والسموات الذي بيده الأمر كله – وهذا هو الذي تقتضيه الفطرة السليمة – فإن الذي خلق وقدر وهدى والذي بيده ملكوت كل شيء هو الذي يتوكل عليه ويستعان به وحده – وأن الذي أنعم على الحق بأنواع النعم التي لا تعد ولا تحصى كما قال الله تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [النحل: ١٨] هو الذي يشكر ويحب لما أنعم به وهو الذي يرجى ويرغب إليه وحده. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف – ١/ ١٠٧\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٩/ ٤٨٣).","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>المطلب الثاني: بيان حال الآلهة التي تعبد دون الله في الدنيا والآخرة بصفة تقرر عدم استحقاقها للعبادة</span>\nوهذا النوع من الأدلة يبين الله جل وعلا فيه أن ما دونه مخلوق مربوب له وأنهم لا يخلقون شيئًا ولا يملكون شيئًا، ومن كانت هذه صفته فإنه لا يستحق العبادة أبدًا، ويبين الله تعالى عدم نفع ما يعبد من دونه من المخلوقات في الدنيا ولا في الآخرة، ليؤكد أنها لا تستحق العبادة، ويمكن حصر هذا النوع من الأدلة في ثلاثة مسائل:\nالمسألة الأولى: معرفة ما يعبد من دون الله من المخلوقات وبيان نقصها من جميع الوجوه.\nالمسألة الثانية: تعجيز المسئولين من دون الله.\nالمسألة الثالثة: الإخبار عن التعادي الحاصل بعد البعث.\nالمسألة الأولى: معرفة ما يعبد من دون الله من المخلوقات وبيان نقصها من جميع الوجوه (١):\nقال الله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا [الفرقان: ٣].\nففي هذه الآية تقريع للمشركين بعبادتهم ما دون الله وتنبيه لهم على موضع خطأ فعلهم ببيان أن آلهتهم التي يعبدونها لا تخلق شيئًا بل هي مخلوقة ومع ذلك فهي لا تملك دفع ضر عن نفسها ولا جلب منفعة إليها ولا تملك إماتة ولا إحياء ولا بعثًا – فهذه هي صفتها فهي لا تستحق العبادة (٢).\nوقد ذكر الله تعالى هذه الآيات بعد قوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا الفرقان: ١ - ٢ [.]\nقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأفردوا أيها الناس لربكم الذي نزل الفرقان على عبده محمد نبيه ﷺ الألوهة وأخلصوا له العبادة دون كل ما تعبدون من دونه من الآلهة والأصنام والملائكة والجن والإنس، فإن كل ذلك خلقه وفي ملكه، فلا تصلح العبادة إلا لله الذي هو ملك جميع ذلك) (٣).\nوقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ عند قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ [الروم: ٤٠] قال: ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم غيره هو: لا، أي: ليس من شركائنا من يقدر على أن يفعل من ذلك المذكور من الخلق والرزق والإماتة والإحياء، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٤) اهـ.\nومن الآيات التي تبين ضعف ما يعبد من دون الله وأنه لا يخلق شيئًا فلا يستحق أن يعبد قوله تعالى: قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [يونس: ٣١].\nومنها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: ٧٣ - ٧٤].\n_________\n(١) انظر: «القواعد الحسان» (ص: ١٧، ١٩٤).\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» (١٩/ ٢٣٧).\n(٣) «تفسير الطبري» (١٩/ ٢٣٦).\n(٤) «أضواء البيان» (٣/ ٤١٣).","vol":"1","page":228},{"text":"واتضح من هذه الآية أن من يعبد شيئًا مع الله لا يكون قد قدر الله تعالى حق قدره. وفي هذا الدلالة الواضحة على أن الله تعالى ذكر من الحجج الدالة على توحيده وصرف العبادة إليه وحده لا شريك له: أن غيره لا يخلق شيئًا وأنه ضعيف مربوب لله فوجب ألا يصرف إليه شيء من العبادة.\nالمسألة الثانية: تعجيز المسئولين من دون الله (١):\nوهذه المسألة وإن كانت داخلة في عموم المسألة قبلها إلا أنه قد ورد إفرادها بالذكر في القرآن الكريم – وترد كذلك مرتبطة مع تلك المسألة.\nومن هذه الآيات قوله تعالى: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا [الإسراء: ٥٦] وفي هذه الآية تعجيز للمدعوين من دون الله سواء كانوا ملائكة أو جنًا أو إنسًا أو أصنامًا أو غير ذلك إذا أراد الله إنزال ضر أن يدفعوه أو يحولوه إلى نفع أو يحولوا الضر إلى آخرين ولا شك أن المدعوين من دون الله عاجزون عن ذلك إذ المقدر هو الله تعالى، فلا يقدر أحد أن يغير ما قدره الله. وبهذا يعلم أن أولئك لا يجوز صرف شيء من العبادة إليهم إذ المستحق لأن يعبد هو الذي لا يعجزه شيء وهو الله ﷾.\nومن ذلك أن الله تعالى قد ذكر عجائب قدرته في خلق الإنسان والبحار وما يستخرج منها وما يجري فيها من الفلك وخلقه الليل والنهار والشمس والقمر وجريان ذلك بنظام دقيق محكم – فبعد أن ذكر ذلك قال: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٣ - ١٤] ففي هذه الآية بيان لعجز من يدعى من دون الله إما لعدم سماعه أصلًا أو لعدم استجابته إن سمع الدعاء. وهذا يدل على عدم استحقاق غير الله للعبادة.\nوقد يذكر الله تعالى أن التعجيز يقع في الآخرة أيضا، فمن ذلك قول الله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا [الكهف: ٥٢]. وقوله تعالى: وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ [القصص: ٦٤].\n_________\n(١) انظر: «رسالة الشرك ومظاهره» (ص: ١٩٣).","vol":"1","page":229},{"text":"ومن الآيات الجامعة في هذا الباب قول الله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] ففي هذه الآية يأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقول للمشركين: ادعوا الذين زعمتموهم شركاء لله ليجلبوا لكم نفعًا أو يدفعوًا عنكم ضرًا فإنهم لا يستطيعون ذلك وهذا يفيد عدم استحقاقهم للعبادة (١) ثم بين الله تعالى عجز المدعوين من دونه بقوله: لَا يَمْلِكُونَ ... الآية – وفي هذا يقول ابن القيم: (فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم يتعلق قلبه به، وحينئذ فلابد أن يكون المعبود مالكًا للأسباب التي ينفع بها عباده، أو شريكًا لمالكها أو ظهيرًا أو وزيرًا ومعاونًا له أو وجيهًا ذا حرمة وقدر يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده، فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السموات والأرض، فقد يقول المشرك: هي شريكة لمالك الحق فنفى شركتها له، فيقول إلا الشفاعة، فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فهو الذي يأذن للشافع، فإن لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، كما يكون في حق المخلوقين، فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها، وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته وهو الغني بذاته عن كل ما سواه فكيف يشفع عنده أحد بدون إذنه!) (٢).\nومن الأحاديث في هذا الباب قول الرسول ﷺ لابن عباس ﵄ «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (٣).\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» (٢١/ ٢٩٩ - ٢٣٠).\n(٢) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢).\n(٣) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والحاكم (٣/ ٦٢٣). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا، وصححه عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٣/ ٣٣٣).","vol":"1","page":230},{"text":"ففي هذه الوصية الأمر بالاستعانة بالله وحده وسؤاله وحده، ثم ذكر أصلًا عظيمًا عليه مدار الوصية وهو تقدير الله ﷿ للأشياء كلها قال ابن رجب: (واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه ﷿ وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئًا، فمن علم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعًا، وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعًا، وإفراده بالاستعانة به والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد ونسيانه في الرخاء ودعاء من يرجون نفعه من دونه – قال الله ﷿: قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: ٣٨]) اهـ (١).\nالمسألة الثالثة: الإخبار عن التعادي الحاصل بعد البعث\nوهذا من تمام عدم نفع ما يعبد من دون الله، وفيه حسم لمادة الشرك بالله إذ أنه مع عدم نفعه يضر صاحبه في الآخرة، فإن من يعبد غير الله تعالى يتبرأ منه معبوده يوم القيامة وينقلب ضدًا له وتنقطع بينهما أسباب المودة مع استحكام العداوة ولعن بعضهم بعضًا، ومن الآيات في هذا الباب قول الله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ [القصص: ٦٢ - ٦٤].\nومنها قول الله تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٣ - ١٤].\nومنها قول الله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٥ - ٦] ومنها قول الله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم: ٨١ - ٨٢].\nومنها قول الله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: ٩٤].\nومن ذلك ما قاله الله تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ [العنكبوت: ٢٥].\nفالآيات السابقة أفادت عدم نفع ما يعبد من دون الله، بل أفادت وقوع العداوة والبغضاء مما يدل على بطلان عبادتها، وأن المستحق لأن يعبد هو الله وحده لا شريك له. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف – ١/ ١١٣\n_________\n(١) «جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي (١/ ٤٨٤ - ٤٨٥).","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>المطلب الثالث: تذكير المشركين بما يكمن في نفوسهم من التوحيد وأنه لا حجة ولا برهان لهم في شركهم</span>\nفهذا النوع فيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: تذكير المشركين بما يكمن في نفوسهم من التوحيد.\nالمسألة الثانية: بيان أنه لا حجة للمشركين ولا برهان لهم في شركهم.\nأما المسألة الأولى: وهي تذكير المشركين بما يكمن في نفوسهم من التوحيد (١):\nفهذا يحدث في أوقات الشدة، فإن المشركين كانوا إذا ركبوا في الفلك واشتدت الرياح هيجانًا وتلاطمت الأمواج وأوشكوا على الغرق أيقنوا أنه لا ينجيهم إلا الله، فعند ذلك يتركون أصنامهم ويلتجئون إلى الله وحده، فيحتج الله عليهم بأنه يجب أن يفردوه بالدعاء وحده في السراء والضراء. فمن الآيات في هذا الباب قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يونس: ٢٢ - ٢٣].\nومنها قوله تعالى: قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤] ومنها قوله تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: ٨].\nومنها قول الله تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: ٦٧].\nقال الشيخ محمد الأمين: (لا يخفى على الناظر في هذه الآية الكريمة أن الله ذم الكفار وعاتبهم بأنهم في وقت الشدائد والأهوال خاصة يخلصون العبادة له وحده ولا يصرفون شيئًا من حقه لمخلوق، وفي وقت الأمن والعافية يشركون به غيره في حقوقه الواجبة له وحده التي هي عبادته وحده في جميع أنواع العبادة ويعلم من ذلك أن بعض جهلة المتسمين بالإسلام أسوأ حالًا من عبدة الأوثان فإنهم إذا دهمتهم الشدائد وغشيتهم الأهوال والكروب التجأوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح، في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله، مع أن الله جل وعلا أوضح في غير موضع أن إجابة المضطر وإنجاءه من الكرب من حقوقه التي لا يشاركه فيها غيره ...) (٢).\n_________\n(١) انظر «رسالة الشرك ومظاهره» (ص: ١٩٤).\n(٢) «أضواء البيان» (٣/ ٦١٤ - ٦١٥).","vol":"1","page":232},{"text":"وقال الشوكاني في تفسير آية يونس المتقدمة: (وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد ... وبيان أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في هذه الحالة وما يشابهها، فيا عجبًا لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون في الأموات، فإذا عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات ولم يخلصوا لله كما فعله المشركون!) (١).\nفإذا صفا الفكر واستيقظت الفطرة أيقن الإنسان أنه لا يعبد إلا الله وحده في جميع أنواع العبادات، وبمثل هذا كان قد أسلم عكرمة بن أبي جهل فقد روى سعد بن أبي وقاص – ﵁ – ما حاصله: (أن النبي ﷺ لما أهدر يوم الفتح دم جماعة منهم عكرمة بن أبي جهل هرب من مكة وركب البحر، فأصابهم عاصف فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا – فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًا كريمًا فجاء فأسلم) (٢). اهـ\nوأما المسألة الثانية: وهي أنه لا حجة للمشركين ولا برهان لهم في الشرك (٣): فهذا نوع من الأدلة العامة التي تبطل على المشركين عبادتهم لغير الله وتلزمهم بإفراد العبادة لله جل وعلا. فإن المشركين قد طولبوا بإقامة الدليل والبرهان على شركهم فعجزوا عن ذلك. وأخبر الله أنهم إنما يستندون في ذلك على تقليد آبائهم الضالين ويتبعون الظن الذي لا يدل على الحق بأي حال. ثم إن الله تعالى يخاطب المشركين بأسلوب فيه ترهيب عسى أن يعودوا إلى صوابهم. فيخبرهم أنهم سيسألون الحجة والبرهان على شركهم يوم القيامة فيعجزون هناك، ويعلمون علم اليقين أنهم كانوا على باطل ويندمون على شركهم وتعنتهم ولات حين مندم.\nفمن الآيات الدالة على أنه لا حجة للمشركين في شركهم سوى الظن: قول الله تعالى: أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ [يونس: ٦٦] قال الحافظ ابن كثير: (ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وأن المشركين يعبدون الأصنام وهي لا تملك شيئًا ولا ضرًا ولا نفعًا ولا دليل لهم على عبادتهم بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم) (٤).\nومن هذه الآيات ما قصه الله عن أصحاب الكهف فقال: هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الكهف: ١٥] قال ابن جرير في قوله: لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ [الكهف: ١٥]: (هلا يأتون على عبادتهم إياها بحجة بينة) وقال الشيخ محمد الأمين: (لَّوْلَا في الآية الكريمة للتحضيض، وهو الطلب بحث وشدة، والمراد بهذا الطلب التعجيز لأنه من المعلوم أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسلطان بين على جواز عبادة غير الله تعالى، والمراد بالسلطان البين: الحجة الواضحة) (٥).\n_________\n(١) «فتح القدير» (٢/ ٤٣٥).\n(٢) رواه النسائي (٧/ ١٠٥). وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٥٤٩) كما أشار في المقدمة. وابن القيم في «زاد المعاد» (٣/ ١١٠). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ١٧١): رجاله ثقات. وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي» (٤٠٧٨).\n(٣) انظر: «أضواء البيان» (٤/ ٣٠ - ٣٢).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٢٤).\n(٥) «أضواء البيان» (٤/ ٣١).","vol":"1","page":233},{"text":"ومن الآيات كذلك قول الله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ [الحج: ٧١] ومن الآيات كذلك قول الله تعالى: وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٠ - ٢٣].\nفهذه الآيات فيها بيان أن المشركين احتجوا بباطل من القول على زعمهم صحة عبادتهم غير الله، واستندوا في ذلك إلى أمرين، الأول بمشيئة الرحمن فكان بقاؤهم على الشرك – على زعمهم – مما يرضاه الله، وظنوا أن عدم أخذهم بالعذاب دليل على رضى الله عليهم – والأمر الثاني هو استنادهم على تقليد آبائهم وكل ذلك من الخرص والظن، فدل ذلك على بطلان عبادتهم غير الله، فلزم من هذا إفراد الله جل وعلا بالعبادة وحده لا شريك له.\nومن الآيات كذلك قول الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف: ٤] فإن الله تعالى طالب المشركين في هذه الآية بالدليل السمعي والعقلي على صحة عبادتهم غير الله (١).\nوهما حجتان قاطعتان وبرهانان ساطعان إن وجدا، وإلا، فإن الدليل العقلي يدل على أن الذي خلق هو الذي يعبد لا المخلوق المربوب ولذلك قال: أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ثم طالبهم بالدليل السمعي النقلي: اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ وكل ذلك للتعجيز – ولا يستطيعون إثبات شيء من ذلك – فدل على بطلان عبادتهم غير الله، وأن الواجب هو إفراد الله جل وعلا بالعبادة (٢).\nثم إن الله تعالى بين أنه سيسأل المشركين حجتهم يوم القيامة، ولن يجدوهم في وقت هم أشد حاجة لعذر يعتذرون به، فقال الله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [القصص: ٧٤ - ٧٥].\nقال مجاهد في قوله: فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ قال: (حجتكم لما كنتم تعبدون وتقولون) (٣).\nفعلم مما تقدم أن من الأدلة الدالة على وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة والكفر بالطواغيت هو ما أقامه الله من الحجة على استحقاقه للعبادة، ثم بيانه فساد عمل المشركين باتباعهم للظن وعدم إقامتهم للحجة الساطعة على عبادة آلهتهم التي يعبدونها، وهذا النوع من الاستدلال هو من نوع الإبطال المستلزم لصحة نقيض ما أبطل، أي إذا بطلت عبادة غير الله بما تقدم من الأدلة الدالة على ضعف غير الله وعجزه، وبما ثبت من عدم نفع غيره، بل ثبت ضرره على عابده، كان نقيض هذا هو الحق، وهو ترك عبادة غير الله وإفراد الله وحده بالعبادة، إذ هو وحده المتصف بالصفات التي بها تستحق العبادة. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف – ١/ ١٢٢\n_________\n(١) انظر: «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٦٥).\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» (٢٢/ ٩٢).\n(٣) رواه عنه الطبري في تفسيره (١٩/ ٦١٤).","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>المطلب الرابع: بيان أن الحكم لله وحده شرعًا وجزاء:</span>\nمن أنواع الأدلة لتقرير توحيد الألوهية بيان أن الحكم لله تعالى دون سواه. وحكمه تعالى شامل للحكم الشرعي الأمري، والحكم الجزائي القضائي وهذا من ربوبية الله تعالى، فإنه جل وعلا قد حكم شرعًا فأمر أن تكون العبادة له وحده دون سواه، ونهى عن عبادة غيره، وبين بطلان عمل المشركين وصحة عمل الموحدين، وقد بين الله حكمه الجزائي القضائي من نصره لأوليائه الموحدين في الدنيا وإثابتهم في الآخرة، وعذابه الدنيوي والأخروي لأعدائه المشركين به، وكل ذلك للتنفير من عبادة غيره وإفراده وحده بالعبادة. فتبين من هذا العرض أن هذا النوع شامل لمسائل:\nالمسألة الأولى: (١) من حكم الله الشرعي: الأمر بعبادته وحده لا شريك له، وتوجيه المشركين إلى سؤاله وحده.\nالمسألة الثانية: (٢) ومن حكمه الشرعي: حكمه ببطلان عمل المشركين وصلاح عمل الموحدين.\nالمسألة الثالثة: ومن حكمه الجزائي: إثابته لأوليائه الموحدين ونصرهم في الدنيا والآخرة، وحكمه بنقيض ذلك على المشركين.\nأما المسألة الأولى: وهي الأمر بعبادة الله جل وعلا وتوجيه المشركين إلى سؤاله وحده، فإن الله تعالى قد قال: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: ٤٠].\nوقال الله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٦٨ - ٧٠].\nفبين الله تعالى أن له الخلق والاختيار، فهو يخلق ما يشاء، ويختار ما يشاء، ولا أحد يشاركه في ذلك، ولذلك نزه نفسه عن شرك المشركين (٣) ثم بين الله تعالى انفراده بالحكم، وهو شامل لكل قضاء يقضيه (فالحلال ما أحله تعالى والحرام ما حرمه والدين ما شرعه والقضاء ما قضاه) (٤).\nوإن مما قضاه الله تعالى وصية وأمرًا: عبادته وحده لا شريك له كما قال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣].\nوإن الله تعالى وجه المشركين إلى إخلاص الدعاء له وحده فقال تعالى: وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩].\nوقد بين لهم الله تعالى بطلان دعائهم غير الله بأوجه كثيرة كعجز من يدعونه وأنه مربوب مخلوق لا يملك شيئًا ... وإن الله تعالى أمر كل الناس بدعائه وحده لا شريك له وترك الإفساد في الأرض بالشرك وغيره فقال: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦].\nالمسألة الثانية: ومن حكمه الشرعي حكمه ببطلان عمل المشركين وصلاح عمل الموحدين:\n_________\n(١) انظر «القواعد الحسان» للسعدي (ص: ١٨) و«رسالة الشرك ومظاهره» (ص: ١٩٥).\n(٢) انظر: «القواعد الحسان» (ص: ١٧).\n(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٩٧).\n(٤) «أضواء البيان» (٤/ ٨٢).","vol":"1","page":235},{"text":"فمن حكم الله الشرعي حكمه بصلاح عمل الموحدين وحسنه وذلك يوجب تقديمه على كل عمل، فمن الآيات في هذا الباب قول الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥] قال ابن جرير: (وهذا قضاء من الله جل ثناؤه للإسلام وأهله بالفضل على سائر الملل غيره وأهلها) (١) اهـ.\nوقال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ... [فصلت: ٣٣ - ٣٤] أي أنه لا أحد أحسن قولًا ممن آمن بالله ودعا إلى الإيمان به واستسلم لشرع الله فقام بأمره واجتنب نهيه، ثم بين الله حكمه الشرعي بعدم تساوي الحسنة والسيئة. والأظهر في الكلمتين – أي الحسنة والسيئة – العموم كما قال ابن جرير: (ولا يستوي الإيمان بالله والعمل بطاعته والشرك به والعمل بمعصيته) (٢).\nوقد حكم الله بضلال المشركين وعملهم، فبين أنه لا أضل من المشركين ولا ضلال أبعد من ضلال عملهم، فهذا حكم شرعي يوجب ترك الشرك فقال: وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء: ١١٦].\nالمسألة الثالثة: ومن حكمه الجزائي: إثابته لأوليائه الموحدين ونصرهم في الدنيا والآخرة، وحكمه بنقيض ذلك على المشركين:\nفإن الله تعالى قد حكى عن إهلاكه للمشركين المكذبين للرسل وإنجائه لأوليائه الموحدين من الرسل وأتباعهم، وأبقى لنا وسائل لنتعرف على صدق ذلك بما نراه ونسمعه بطرق قطعية، ثم يذكر أن في ذلك آية، أي علامة على صحة استحقاقه للعبادة وأن عبادة غيره باطلة لا نفع فيها بل فيها ضرر.\nفمن ذلك قول الله تعالى: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ [العنكبوت: ٣٨] فقال تفصيلا عن ثمود: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل: ٤٥ - ٤٦] (إلى أن قال عنهم) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [النمل: ٥١ - ٥٣].\nوقد قص الله ﷿ في سورة الشعراء قصص الرسل مع أقوامهم، وأنهم جاءوهم بالتوحيد، فيقع التكذيب من أكثر الناس، فينزل الله عليهم عذابه بسبب ذلك ويذكر إنجاءه للموحدين ثم يقول: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: ٨ - ٩] والآية: العلامة، أي علامة على صحة استحقاقه العبادة وبطلان عبادة غيره.\nوهذا الذي ذكره الله من تعذيب المشركين به وإنجاء الموحدين كله في الدنيا.\nوأما في الآخرة فالنصوص كثيرة جدًا فمنها قول الله تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: ٧٢]. وقال تعالى: وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا [الإسراء: ٣٩] وفي الموحدين يقول رسول الله ﷺ «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة» (٣). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف – ١/ ١٢٨\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٩/ ٢٥٠).\n(٢) «تفسير الطبري» (٢١/ ٤٧١).\n(٣) رواه البخاري (١٢٩). من حديث أنس ﵁. ورواه مسلم (٩٣). من حديث جابر بن عبدالله ﵁.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>المطلب الخامس: إجماع الكتب السماوية على استحقاق الله للعبادة وحده:</span>\nفإن الرسل جميعهم قد جاءوا بإخلاص الدين كله لله واتفقوا على ذلك، وهذه حجة برهانية في أن الله هو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له وأنه لا منازع له في ذلك، ولذلك يطالب المشركين بأن يذكروا ما عندهم من براهين توجب العبادة لغير الله سواء كانت سمعية أو عقلية، فلم يستطيعوا إثبات ذلك ...\nأما الآيات في هذه المسألة فمنها قول الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] وقال: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢١ - ٢٥].\nوهذا يوضح بطلان ما عليه المشركون من الشرك بالله تعالى، فإنه لا مستند لهم في إشراكهم بالله غيره من دليل سمعي ولا عقلي، بل الأدلة كلها السمعية والعقلية على خلاف افترائهم وزعمهم، فالذي خلق هو الذي يعبد وهو الذي يشكر على ما أنعم، وهو الآمر الناهي فيلتزم أمره ونهيه – وذلك الذي اتفقت عليه الرسل، فالرسل كلهم على تباعدهم في الأزمنة والأمكنة مع كمال صدقهم وظهور الآيات والبراهين الدالة على صدقهم، اتفقوا على وجوب عبادة الله وحده وتحريم الشرك به، فآيات الرسل دالة على صحة دعواهم النبوة والرسالة وعلى وحدانية الله، قال الله تعالى مبينًا معجزة القرآن ودلالتها: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [هود: ١٣ - ١٤] فبين الله أنه بالمعجزة تثبت الرسالة والوحدانية. واتفاق الرسل على هذا المبدأ دليل آخر على وجوب عبادة الله وحده وترك عبادة غيره. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– بتصرف - ١/ ١٣٤","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>المطلب السادس: دلالة العقل والنقل على توحيد الألوهية</span>\nوجه دلالة العقل على ذلك هو العلم بحسن التوحيد وقبح الشرك، فالعقل يدرك حسن عبادة الله الذي خلق فأحسن خلقه مع اتصافه بصفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص، فهو المحسن إلى خلقه بأنواع النعم والمتفضل عليهم بأنواع الفضائل، فكل ذلك يدل على حسن عبادته رغبة فيما عنده من الخير، والعقل كذلك يدرك قبح عبادة غير الله، إذ كل من هو دون الله مخلوق مربوب فقير إلى ربه، لا يملك شيئًا، فكيف يُعطى شيئًا لا يستحقه ويُساوى بالخالق المنعم!، خاصة وأن النفوس مفطورة على الإقرار بالله والميل إلى ما ينفع ويرجى نفعه. وأما السمع فإنه دال على ... حسن التوحيد وقبح الشرك ويزيد على دلالة العقل: بإثبات العقاب على ترك التوحيد والثواب على تحقيقه. وأدلة القرآن دالة على أن العقل يعلم حسن التوحيد وقبح الشرك دون إثبات الجزاء، فمن ذلك:\nالأول: أنه قد ورد في القرآن ضرب الأمثلة على بطلان الشرك وهي مقاييس عقلية، فلو لم يكن العقل مدركًا لقبحه وحسن التوحيد لما ضرب الله هذه الأمثلة ولاكتفى بالأمر بتوحيده والنهي عن الشرك به.\nومن الآيات الواردة بضرب الأمثلة قول الله تعالى: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل: ٧٥ - ٧٦]، ففيها مثلان؛\nفالمثل الأول: مثل الكافر والمؤمن – والثاني: مثل ضربه الله ليبين عدم استحقاق غيره للعبادة بضعفه وعدم قدرته، وعدم فهمه وعقله. وأما الله سبحانه فهو الذي يأمر بالعدل وهو التوحيد (١).\nوقال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٢٩] وهذا مثل ضربه الله للمشرك الذي يعبد آلهة شتى، وللموحد الذي يعبد إلهًا واحدًا وهو الله لينبه على قبح الشرك وحسن التوحيد (٢).\nالثاني: ما أقامه الله من الأدلة العقلية لاستحقاقه للعبادة وحده لا شريك له كتفرده بالخلق والتدبير والرزق ... وعدم استحقاق غيره لذلك ...\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» (٨/ ١٤/١٥٠ - ١٥١) و«تفسير البغوي» (٥/ ٣٣).\n(٢) انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٤٥٣).","vol":"1","page":238},{"text":"فلو لم يكن فيما أقامه من أدلة عقلية فائدة لاكتفى بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك دون أن يلزمهم باعترافهم بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية. ... وما أبقاه الله من أدلة عقلية يراها ويسمعها الناس تدل على قبح الشرك من إهلاكه عادًا وثمود وإنجائه للموحدين: كما قال: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ [العنكبوت: ٣٨]. وما ذكره بعد إهلاكه للمشركين وإنجائه للموحدين بقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: ٨ - ٩] والآية هي العلامة الدالة على ما هي علامة له، فهذا الخبر متضمن لدليل عقلي وهو: لو كان ما عليه المشركون صحيحًا لما أهلكهم الله، ولو كانت عبادة الآلهة التي عبدت دون الله صحيحة لنفعت أصحابها بكف العذاب ودفعه. وقال الله تعالى عن إبراهيم ﵇: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ٨٧ - ٨٦] أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥ - ٩٦] فخطاب إبراهيم ﵇ لقومه خطاب عقلي وهو: ما ظنكم بربكم إذا لقيتموه يوم القيامة وقد عبدتم غيره أن يفعل بكم، وما ظنكم به من ظن السوء حتى عبدتم غيره! مع أن الأصنام التي عبدوها لم تدفع عن نفسها ضرًا إذ قام بتحطيمها، وهي كذلك مخلوقة مربوبة مثل من يعبدها بل أقل شأنًا! فكيف يستقيم عقل من يعبدها!.\nوقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي. فلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه) (١).\nويؤكد هذا ما جاء في استعمال القرآن بعد ضرب الأمثلة وإقامة الأدلة من مخاطبة العقول بقوله: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وهذه الآية جاءت بعد مثل ضربه الله ﷿ ليبين أنه أولى بالتنزيه عن الشركاء من الأسياد من البشر في عدم رضاهم بمشاركة مماليكهم لهم في حقهم فقال: ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم: ٢٨].\nالثالث: مطالبة الله المشركين بالدليل العقلي والسمعي على شركهم:\nوفي ذلك يقول الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف: ٤] قال ابن القيم: (فطالبهم بالدليل السمعي والعقلي) (٢).\nفمطالبته إياهم بالدليل العقلي وهو في قوله: أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ دليل على أن العقل يعلم بطلان صرف شيء من العبادة لغير الله، إذ العابد إنما يرجو ممن يعبده نفعًا أو دفع ضر عنه – والذي لا يخلق ولا يملك شيئًا لا استقلالًا ولا شركة ضعيف فقير عاجز لا يغني شيئًا فلم يستحق أن يعبد.\nوأما العقاب على ترك التوحيد فهذا لا يكون إلا بعد ورود الشرع – كما قال ابن القيم: (إن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع كما دل عليه قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] وقوله: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا .. [الملك: ٨ - ٩] وقوله: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: ٥٩] وقوله: ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: ١٣١] فهذا يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل وأنه لا يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم.) (٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فينبغي أن يعلم أن استحقاق العباد للعذاب بالشرك فما دونه مشروط ببلاغ الرسالة في أصل الدين وفروعه) (٤). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ١٣٦\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٦٨١ - ٦٨٢).\n(٢) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٦٥).\n(٣) «مدارج السالكين» (٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤).\n(٤) «قاعدة في المحبة» لشيخ الإسلام ضمن «جامع الرسائل» (٢/ ٢٩٣).","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>المطلب السابع: دلالة توحيد الربوبية على توحيد الألوهية</span>\nدلالة توحيد الربوبية على توحيد الألوهية فهي دلالة التزام؛ لأنه خارج عن معناه مثل دلالة التوبة على التائب فالتوبة غير التائب دلالة الوالد على الولد، فالولد غير الوالد شيء خارج عنه، فتوحيد الربوبية غير توحيد الألوهية.\nفدلالة توحيد الربوبية على دلالة توحيد الألوهية دلالة التزام هو شيء خارج عن معناه. أما دلالة الألوهية على الربوبية فهي دلالة تضمن لأنه في ظل الألوهية توحيد الربوبية، هذه الثلاث دلالات تسمى دلالة التضمن، ودلالة الالتزام، ودلالة المطابقة.\nفدلالة الالتزام دلالة الشيء على خارج معناه كدلالة توحيد الربوبية على توحيد الألوهية، ودلالة التضمن هي دلالة الشيء على جزء من معناه كدلالة توحيد الألوهية على توحيد الربوبية، ودلالة المطابقة: دلالة الشيء على جميع معناه كدلالة الألوهية على الربوبية والألوهية. شرح العقيدة الطحاوية لعبدالعزيز الراجحي – أشرطة مفرغة","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>المبحث الرابع: عقد الإسلام، وبم يثبت</span>؟\nالمقصود بعقد الإسلام هو أصل الدين، أي القدر الشرعي الذي متى ما التزمه المكلف نجا به من الكفر، وكذلك نجا به من الخلود في النار إذا مات على ذلك. فبه يصير الكافر مسلمًا، والعدو وليًا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال. كما يترتب على الإقرار بهذا الأصل الدخول في مسمى أهل القبلة، واستحقاق ما لهم من حقوق، ووجوب ما عليهم من واجبات.\nوفائدة هذا المبحث وثمرته هي: الوقوف على ما يتحقق به أصل الإسلام، ومن يحكم له به، وهل يعذر أحد بجهل بعض أركانه أو بعدم الالتزام بها؟ ومن ثمة يكون هذا m المبحث من الأصول اللازمة لدراسة حكم الجهل بمسائل الاعتقاد على التفصيل.\nويتحقق أصل الدين بالإقرار المجمل بكل ما صح به الخبر عن النبي ﷺ تصديقًا وانقيادًا. وهذا المعنى تعبر عنه الشهادتان؛ ولهذا جعلهما الله ﵎ باب الدخول إلى الإسلام، وجعل النطق بهما هو مناط عصمة الدماء والأموال والأعراض.\nففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله ﷿» (١). وفي رواية: «... حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به» (٢). وفي رواية له أيضا من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم الله دمه وماله، وحسابه على الله ﷿» (٣).\nقال الحافظ ابن رجب ﵀: (ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلما. فقد أنكر على أسامه بن زيد قتله لمن قال: لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره عليه. ولم يكن النبي ﷺ يشترط على من جاءه يريد الإسلام، أن يلتزم الصلاة والزكاة) (٤).\nفالشهادة لله بالوحدانية تعني الإقرار المجمل بالتوحيد، والبراءة المطلقة من الشرك، والشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة تعني الإقرار المجمل بكل ما جاء به ﷺ من عند الله تصديقا وانقيادا.\nوهذا كان منهج رسول الله ﷺ في قبول من كان يأتيه من الكفار يريد الإسلام، كما جاء في الأحاديث المتقدمة، وكما جاء في كلام الحافظ ابن رجب ﵀، وهكذا كان أمره لرسله إلى القبائل والملوك وأهل الكتاب، وكذلك إذا بعث السرايا أن يدعوا إلى توحيد الله ويقاتلوا عليه.\nعن أبي معبد مولى ابن عباس قال: سمعت ابن عباس يقول: «لما بعث النبي ﷺ معاذ إلى نحو أهل اليمن، قال له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى عبادة الله ...» (٥) الحديث؛ وفي رواية: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله» (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٩٤٦)، ورواه مسلم (٢١).\n(٢) رواه مسلم (٢١).\n(٣) رواه مسلم (٢٣).\n(٤) «جامع العلوم والحكم» (ص: ٨٣). ط١، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ١٤٠٨هـ.\n(٥) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩).\n(٦) رواه البخاري (١٣٩٥).","vol":"1","page":241},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ويفتح الله عليه ... فدعا عليا، فبعثه فقال: اذهب فقاتل، حتى يفتح الله عليك، ولا تلتفت. فمشى ساعة – أو قال: قليلا -، ثم وقف ولم يلتفت، فقال: يا رسول الله، علام أقاتل الناس؟، قال: قاتلوهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك، منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (١).\nوبناء على ما سبق، فإن وصف المسلم لا يثبت للمكلف على الحقيقة التي يصير بها مسلما عند الله إلا بأمرين:\nالأول: تحقق هذا الأصل في القلب.\nالثاني: النطق باللسان بالبراءة من الشرك والالتزام بالتوحيد، وهذا في حالة الخلو من الموانع والأعذار الشرعية المعتبرة كالبكم والإكراه.\nفهذا القدر – وهو أصل الدين – إذا ما تحقق ولم ينقض بقول أو عمل أو اعتقاد، فقد نجا صاحبه من الكفر، ومن الخلود في النار، وهذا ما أطلق عليه شيخ الإسلام ابن تيمية اسم (الإيمان المجمل)، حيث قال: (فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام، والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل. ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئًا فشيئًا إن أعطاهم الله ذلك) ا. هـ (٢).\nوعلى هذا، فإن نفي الإيمان المجمل معناه نفي مطلق الإيمان، وسقوط صاحبه في الكفر الأكبر الناقل عن الملة، ويتحقق هذا بانتفاء أو نقض أحد عناصره من التصديق أو الانقياد أو الإقرار.\nومن خلال ما سبق بيانه، يتبين لنا جليا أن أول واجب على المكلف هو: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لا كما يقول أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية أن أول ما يجب على العبد النظر في الأدلة العقلية على وجود الله تعالى، أو القصد إلى النظر أو غيره (٣).\nقال الحافظ ابن حجر: (قال القرطبي: لو لم يكن في (علم) الكلام إلا مسألتان، هما من مبادئه، لكان حقيقا بالذم.\nإحداهما: قول بعضهم: إن أول واجب الشك؛ إذ هو اللازم لوجوب النظر، أو القصد إلى النظر.\nوالثانية: قول جماعة منهم: من لم يعرف الله بالطرق التي رتبها أهل الكلام، لم يصح إيمانه.\nوالقائل بهاتين المسألتين كافر؛ لجعله الشك في الله تعالى واجبا، ومعظم المسلمين كفارًا، حتى يدخل في عموم كلامه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهذا معلوم الفساد من الدين بالضرورة) (٤).\nوالخلاصة: أن هذا الالتزام المجمل هو الذي يتوقف على تحقيقه ثبوت عقد الإسلام، فلا يكون المرء مسلما إلا باستيفائه. كما أنه شرط في صحة الأعمال وقبولها، فهو سابق على غيره من التكاليف.\nأما الالتزام بباقي الواجبات، فإنه يأتي بعد تحقيق هذا الأصل، فإن حصل التزام وعمل، استلزم ذلك بقاء وصف الإسلام واستمراره، وهذا مصداق أمر النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أن يدعو إلى الشهادتين، فمن أطاعه على ذلك، أعلمه بالصلاة ثم الزكاة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀-: (الكافر إذا أسلم وقلنا له: قد وجبت عليك الصلاة، فإنه يلتزمها وينويها؛ لاستشعاره لها جملة ولم يعلم صفتها، بل كل من آمن بالرسول ﷺ إيمانا راسخا، فإن إيمانه متضمن لتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وإن لم يعلم ولم يقصد أنواع الأخبار والأعمال. ثم عند العلم بالتفصيل، إما أن يصدق ويطيع، فيصير من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو يخالف ذلك، فيصير إما منافقا، وإما عاصيا فاسقا، أو غير ذلك (٥).\nوالثمرة النهائية التي نستخلصها من هذا المبحث هو: أنه لا عذر لأحد بالجهل في هذا الأصل، فمن لم يتحقق لديه، لم يكن مسلما، دون اعتبار لعلم أو لجهل. فإن هذا مما انعقد به الإجماع بقين المسلمين بكفر كل من لم يدن بدين الإسلام. فكل من لم يشهد لله بالوحدانية، ولمحمد ﷺ بالرسالة، فهو كافر بلا نزاع، سواء كان يهوديا أو نصرانيا أو وثنيا أو غيره.\nأما ما كان من نزاع في بعض هذه الطوائف ممن لم تبلغهم نذارة ولم يصلهم بلاغ، فهو فيما يتعلق بأحكام الآخرة، هل يخلدون في النار لكفرهم، أو يعفى عنهم؛ لعدم بلوغ الحجة إليهم، أم يمتحنون في عرصات يوم القيامة؟. أما في الدنيا فهم كفار بلا نزاع. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ٥٣\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٤٠٥).\n(٢) «الإيمان» (ص: ٢٥٧) –تحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني-.\n(٣) انظر: «إتحاف المريد بجوهرة التوحيد» لعبد السلام اللقاني (ص: ٤٢).\n(٤) «فتاح الباري» (١٣/ ٣٥٠).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٧ - ٢٨).","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المبحث الخامس: تأثير عارض الجهل على توحيد الألوهية</span>\nإن توحيد الربوبية الذي أقر به الخلق لا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم، فلا بد من الإقرار بتوحيد الألوهية الذي هو إفراد الله تعالى بالعبادة الخالصة. وهو معنى (لا إله إلا الله)، (إذ الإله: هو الذي يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالًا وإكرامًا ... ولهذا كانت \"لا إله الله أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول (لا إله إلا الله) رأس الأمر) (١). وهذا هو حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أتدري ما حق الله على عباده؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟، قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم أن لا يعذبهم» (٢).\nولهذا التوحيد لوازم ظاهرة وباطنة، وهي من أوامر الله تعالى للمؤمنين به الموحدين، وهي قبل ذلك من موجبات العبودية لله الواحد القهار الذي له صفات الكمال والجلال، كما قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء [آل عمران: ٢٦]، وقال تعالى: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل: ٥٣]، وقال تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ [الأنعام: ١٧]، وقال تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧]، وقال تعالى: قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ [الزمر: ٣٨]، وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨]، وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥].\n(ونظائر هذا في القرآن كثير، وكذلك في الأحاديث، وكذلك في إجماع الأمة، لا سيما أهل العلم والإيمان منهم، فإنه عندهم قطب رحى الدين، كما هو الواقع) (٣).\nلذلك وجب على الإنسان المؤمن الموحد من أعمال القلب ومن أعمال الجوارح ما يحقق به حقيقة التوحيد لله ﷿، وما يحقق به حقيقة العبودية في نفسه، فيحقق في نفسه تعظيم الرب جل وعلا ومحبته، ورجاءه والخوف منه، والرضا به والتسليم له، والطاعة له والانقياد عملًا بالقلب والجوارح معًا.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٢ - ٢٣).\n(٢) رواه البخاري (٥٩٦٧)، ومسلم (٣٠).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١/ ٢١).","vol":"1","page":243},{"text":"ومن أهم الأعمال القلبية التي يتحقق بها كمال التوحيد الرضا (وقد جاء هذا الرضا بأنواعه مبينا في سورة الأنعام التي هي سورة التوحيد العظمى، فقد اشتملت على ثلاثة أنواع من الرضا هي جماع التوحيد كله:\n١ - الرضا بالله ربا لا شريك له في التقرب والتأله والتعبد: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٦٤].\n٢ - الرضا بالله حكما لا شريك له في التشريع والطاعة: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا [الأنعام: ١١٤].\n٣ - الرضا بالله وليا لا شريك له في محبته وموالاته: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الأنعام: ١٤].\nولهذا قال النبي ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا» (١). وقال ﵊: «من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولًا، غفرت له ذنوبه» (٢).\nواللوازم الظاهرة التي يتحقق بها التوحيد تتلخص في أتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، وتحقيق ذلك بأتباع الرسول ﷺ والالتزام بالشريعة. وهذا هو مقتضى الشهادتين (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).\nومما يلي مقام الرضا من أعمال القلوب، مقام الصدق والإخلاص (وهذان عملان قلبيان من أعظم أعمال القلوب وأهم أصول الإيمان. فأما الصدق، فهو الفرقان بين الإيمان والنفاق، وأما الإخلاص، فهو الفرقان بين التوحيد والشرك – في قول القلب واعتقاده، أو في إرادته ونيته – والأعمال – التي رأسها وأعظمها شهادة أن (لا إله إلا الله) – لا تقبل إلا بتحقق الصدق والإخلاص ...\nوأكذب الله المنافقين في دعوى الإيمان وقول الشهادة؛ لانتفاء الصدق، فقال: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١] ...\nكما أبطل سبحانه زعم أهل الكتاب والمشركين أن دينهم هو الحق بانتفاء الإخلاص، فقال: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: ١] إلى أن يقول وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥]، وقال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١] ...\nفعلى محك الصدق والإخلاص بطلت أكثر دعاوي العابدين وهلك أكثر الثقلين، فالصدق يخرج كل من عبد مع الله غيره، أو أراد غيره معه في عمل من أعمال العبادة، كما في الحديث الصحيح: قال الله ﵎: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٣).) (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم (٣٤). من حديث العباس بن عبدالمطلب ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٣٨٦). من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٢٩٨٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) «ظاهرة الإرجاء» (ص: ٤٣٩).","vol":"1","page":244},{"text":"والمنافي لهذا التوحيد هو الشرك بالله تعالى، وهو صور كثيرة واقعة في حياة الناس اليوم لأسباب كثيرة، منها قلة الدعاة إلى توحيد الله تعالى بالعبادة والطاعة، ومنها إعراض الناس عن تعلم أحكام الدين اشتغالا منهم بالدنيا والشهوات، ومنها الجهل المتفشي في كثير من أقطار المسلمين وخاصة الجهل بالدين الصحيح، وإلا، فعلم الضلالة والبدع منتشر وله مؤسسات وهيئات تقوم عليه وترعاه وتنشره بين المسلمين.\nوالذي يهمنا من هذه الأسباب الجهل الذي أدى بالناس إلى التفريط في حق خالقهم عليهم، فوقعوا في المخالفات التي تنافي توحيد الألوهية بالكلية أو تنافي بعض تفاصيل هذا التوحيد. فما هي حدود العذر بالجهل فيما يتعلق بتوحيد الألوهية؟.\nالحكم في هذه المسألة ينبني على جملة من القواعد:\n١ - تحديد أبرز الصور التي تنافي توحيد الألوهية.\n٢ - إذا قلنا: إنه لا تكفير ولا عقاب إلا بعد قيام الحجة، فلابد من تحديد مناط قيام الحجة في هذه المسألة ونحن نحاول تطبيق هذه القاعدة على الواقع.\n٣ - تحديد دائرة ما يعذر به في هذه المسألة وما لا يعذر.\nتحديد أبرز الصور التي تنافي توحيد الألوهية:\n- عدم إفراد الله تعالى بالعبادة، كمن أظهر الإيمان نفاقًا أو صلى أو ذبح لغير الله أو دعا أو استغاث بغيره، أو أطاع مخلوقًا في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل، ومنهم أهل الكتاب والمشركون الذين اتخذوا من دون الله أولياء من الأنبياء أو غيرهم، وعبدوهم زاعمين أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ومن هؤلاء أيضا غلاة القبوريين المنتسبون للإسلام ممن يستغيثون بالأموات ويطلبون منهم قضاء الحاجات ويتقربون إليهم بالذبح، ثم يزعمون أنهم إنما يفعلون ذلك معهم ليقربوهم إلى الله زلفى.\n- الاعتراض والكراهية لما أنزل الله بعضه أو كله، وهذا مما وقعت فيه الأمة كليا أو جزئيا، فوقع فيها الاعتراض على توحيد المعرفة والإثبات، والاعتراض على الأمر الشرعي بالتحليل والتحريم، والاعتراض على أمره الكوني. فاعترض كثير منهم على صفاته وشريعته وقضائه وقدره (١). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ٣٧٨\n_________\n(١) انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٦٩ - ٧١).","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>المبحث السادس: تحديد دائرة ما يُعذر به في توحيد الألوهية وما لا يعذر به</span>\nإن إفراد الله ﷾ بالعبادة والطاعة ونبذ ما سواه من المعبودات الباطلة هو لب دين الإسلام، وهو المقصود من الشهادتين، فلابد لدخول الإسلام من الإقرار المجمل بالإسلام والبراءة المجملة من كل دين يخالفه اعتقادًا بالقلب وانقيادًا بالجوارح. وإذا لم يتحقق هذا بأن يعتقد صحة دين آخر مع الإسلام، أو أن يصرف شيئا من العبادة لغير الله معتقدًا استحقاق ذلك الغير لتلك العبادة، فمن كانت هذه حاله، فلا يسمى موحدًا، بل هو كافر كفرا أصليًا.\nقال الحافظ ابن القيم – ﵀ -: (الإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك، والإيمان بالله ورسوله وأتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا، فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا، فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله، إما عنادًا أو جهلًا وتقليدًا لأهل العناد) (١).\nيفهم مما سبق أنه لا عذر بالجهل في الإقرار المجمل بالإسلام والبراءة المجملة من كل دين يخالفه، فكل من لم يدن بدين الإسلام الذي لبه وزبدته إفراد الله ﵎ بالعبادة والطاعة، فهو كافر، سواءً كان ذلك عنادًا أم جهلًا.\nفعبادة غير الله معه أو من دونه مما ينافي أصل التوحيد، ولهذا كل ما كان من الاعتقادات أو الأعمال مما ينافي أصل التوحيد كالتوجه بأنواع العبادات كالصلاة والسجود لغير الله، اعتقادًا أن ذلك الغير يستحق العبادة مع الله أو من دونه، كل هذا مما ينافي مدلول الشهادتين، فكان لا عذر لأحد بجهل أو غيره إذا وقع فيه؛ لأن أمر التوحيد قد قامت عليه الحجة بصورة كثيرة، منها الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم الذي جاءت الرسل تذكر به وهي الصورة الثانية، ثم الإقرار بالشهادتين.\nفالجهل بهذا الأصل لا يعتبر عذرا للحكم بقيام الحجة فيه على كل معين أقر بالشهادتين، وإنما يعذر بالجهل في بعض تفاصيل هذا الأصل إذا لم تبلغ المكلف الحجة فيها، أو قامت في ذهن المكلف شبهات يعذر بها.\nومما يدخل في هذا المعنى كذلك أي مما ينافي أصل التوحيد مما هو واقع في الأمة – ولا حول ولا قوة إلا بالله – الإعراض والكراهية لما أنزل الله تعالى بعضه أو كله. وهذا مما يحتاج الكلام فيه إلى بسط وتفصيل.\nيقول الإمام ابن القيم – ﵀ – عند حديثه عن أنواع الاعتراض المنافي للرضا: (النوع الثاني: الاعتراض على شرعه وأمره. وأهل هذا الاعتراض ثلاثة أنواع:\nأحدها: الاعتراض عليه بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله ﷾، وتحريم ما أباحه، وإسقاط ما أوجبه، وإيجاب ما أسقطه، وإبطال ما صححه، وتصحيح ما أبطله، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وتقييد ما أطلقه، وإطلاق ما قيده.\nوهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبة على ذمها، وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض، وحذروا منهم، ونفروا عنهم.\nالثاني: الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشياطنية المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله ...\n_________\n(١) «طريق الهجرتين» (ص: ٤١١).","vol":"1","page":246},{"text":"الثالث: الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم الله ورسوله، وحكموا بها بين عباده، وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده. فقال الأولون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل. وقال الآخرون: إذا تعارض الأثر والقياس قدمنا القياس. وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد: إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والوجد والكشف. وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع، قدمنا السياسة. فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه) (١).\n(وأصل هذه الاعتراضات التلقي عن غير الله ورسوله، والاستمداد من غير الوحي وتحكيم غيره، فمنهم من حكم العقل بزعمه، فنقل فلسفات الوثنيين وحثالة فكر التائهين، وهؤلاء هم أصحاب الكلام (والفلسفة).\n- ومنهم من حكم الذوق والوجد والكشف وانتكس بالعقل المسلم إلى حضيض الخرافة والوهم، (وهؤلاء هم ضلال الصوفية وملاحدتهم).\n- ومنهم من حكم الأقيسة العقلية والأعراف السياسية بحجة تحقيق المصلحة ومراعاة الأصول الكلية – وهم فقهاء الرأي وعلماء السلاطين من جهة، وحكام عصور الانحراف من جهة أخرى -، فأحلوا من الدماء والأموال والفروج ما ورد النص الصريح بتحريمه، وكان ذلك مع وقوعه في دائرة الاجتهاد الخطأ أو التطبيق المتعسف ممهدًا لما وقعت فيه الأمة في العصر الحديث من الشرك الأكبر، والاعتراض الأطم بتحكيم القوانين الوضعية وإحلالها محل الشريعة، بل الكراهية الصريحة لكثير مما أنزل الله وبخاصة في الجهاد والحجاب والموالاة والسياسية) (٢). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ٣٨٥\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (٣/ ٦٩ - ٧١).\n(٢) «ظاهرة الإرجاء» للشيخ د. سفر الحوالي (ص: ٤١١) بتصرف يسير.","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>المطلب الأول: معنى شهادة لا إله إلا الله</span>\nومعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله وهو في غير موضع من القرآن، ويأتيك في قول البقاعي صريحا قوله (وحده) تأكيد للإثبات (لا شريك له) تأكيد للنفي قال الحافظ: كما قال تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:١٦٣] وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:٢٥] وقال: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٦٥] فأجابوه ردًا عليه بقولهم: أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [الأعراف:٧٠] وقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:٦٢] فتضمن ذلك نفي الإلهية عما سوى الله، وهي العبادة وإثباتها لله وحده لا شريك له، والقرآن من أوله إلى آخره يبين هذا ويقرره ويرشد إليه (ذكر كلام العلماء، في معنى لا إله إلا الله) قال الوزير أبو المظفر في الإفصاح: قوله: شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن يكون الشاهد عالمًا بأنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [محمد: ١٩] قال: واسم (الله) بعد (إلا) من حيث أنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه قال: وجملة الفائدة في ذلك: أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله وقال ابن القيم في البدائع ردًا لقول من قال: إن المستثنى مخرج من المستثنى منه قال ابن القيم: بل هو مخرج من المستثنى منه وحكمه، فلا يكون داخلًا في المستثنى، إذ لو كان كذلك لم يدخل الرجل في الإسلام بقوله: لا إله إلا الله لأنه لم يثبت الإلهية لله تعالى وهذه أعظم كلمة تضمنت بالوضع نفي الإلهية عما سوى الله وإثباتها له بوصف الاختصاص فدلالتها على إثبات إلهيته أعظم من دلالة قولنا: (الله إله) ولا يستريب أحد في هذا البتة انتهى بمعناه وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (لا إله إلا الله) أي لا معبود إلا هو وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس، يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق وقال شيخ الإسلام: الإله هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له وتذل له، وتخافه وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، ولهذا كانت (لا إله إلا الله) أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وقال ابن القيم: (الإله) هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالًا وإنابة، وإكرامًا وتعظيمًا وذلًا وخضوعًا وخوفًا ورجاء وتوكلًا وقال ابن رجب: (الإله) هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه ودعاء له، ولا يصلح هذا كله إلا الله ﷿، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك","vol":"1","page":248},{"text":"قدحًا في إخلاصه في قول (لا إله إلا الله) وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك وقال البقاعي: لا إله إلا الله، أي انتفاء عظيمًا أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علمًا إذا كان نافعًا، وإنما يكون نافعًا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف وقال الطيبي: (الإله) فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله إلهة أي عبد عبادة قال الشارح: وهذا كثير في كلام العلماء وإجماع منهم فدلت (لا إله إلا الله) على نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى كائنًا ما كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون كل ما سواه، وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره، كما قال تعالى عن الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:١ - ٢] فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد ذلك وقبله وعمل به وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل، فقد تقدم في كلام العلماء أن هذا جهل صرف، فهي حجة عليه بلا ريب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - ص٣٤","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>المطلب الثاني: فضل شهادة لا إله إلا الله</span>\nقال الشيخ حافظ الحكمي﵀- في شرح قوله في (سلم الوصول):\nوَقَدْ حَوَتْهُ لَفْظَةُ الشَّهَادَهْ ... فَهِيَ سَبِيلُ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَهْ\nمَن قَالَهَا مُعْتَقِدًا مَعْنَاها ... وَكَانَ عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا\nفي القَوْلِ والفِعْلِ ومَاتَ مُؤمِنا ... يُبْعَثُ يَوْمَ الْحَشرِ نَاجٍ آمِنَا","vol":"1","page":250},{"text":"يقول: (لفظة الشهادة) أي شهادة أن لا إله إلا الله (فهي) أي هذه الكلمة (سبيل الفوز) بدخول الجنة والنجاة من النار قال الله ﷿: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:١٨٥] (و) هي سبيل (السعادة) في الدارين أي طريقهما لا وصول إليهما إلا بهذه الكلمة، فهي الكلمة التي أرسل الله بها رسله وأنزل بها كتبه، ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار وفي شأنها تكون الشقاوة والسعادة، وبها تؤخذ الكتب باليمين أو الشمال، ويقل الميزان أو يخف، وبها النجاة من النار بعد الورود، وبعدم التزامها البقاء في النار، وبها أخذ الله الميثاق، وعليها الجزاء والمحاسبة، وعنها السؤال يوم التلاق إذ يقول تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:٩٢] وقال تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: ٦] فأما سؤاله تعالى الذين أرسل إليهم يوم القيامة فمنه قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:٦٥] والآيات قبلها وبعدها وغير ذلك وأما سؤاله المرسلين فمنه قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجَبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّك أَنْتَ عَلامُ الغُيُوب [المائدة: ١٠٩] وغير ذلك من الآيات، وهي أعظم نعمة أنعم الله ﷿ بها على عباده أن هداهم إليها، ولهذا ذكرها في سورة النحل التي هي سورة النعم، فقدمها أولا قبل كل نعمة فقال تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ [النحل: ٢] وهي كلمة الشهادة ومفتاح دار السعادة، وهي أصل الدين وأساسه ورأس أمره وساق شجرته وعمود فسطاطه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها، ومتشعبة منها مكملات لها مقيدة بالتزام معناها والعمل بمقتضاها، فهي العروة الوثقى التي قال الله ﷿: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا [البقرة:٢٥٦] قاله سعيد بن جبير والضحاك، وهي العهد الذي ذكر الله ﷿ إذ يقول: لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم:٨٧] قال ذلك عبد الله بن عباس ﵄ قال: (هو شهادة أن لا إله إلا الله، والبراءة من الحول والقوة إلا بالله، وأن لا يرجو إلا الله ﷿) (١) وهي الحسنى التي قال الله ﷿: فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: ٥ - ٧] الآيات، قاله أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك ورواه عطية عن ابن عباس (٢) وهي كلمة الحق التي ذكر الله ﷿ إذ يقول تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] قال ذلك البغوي وهي كلمة التقوى التي ذكر الله ﷿ إذ يقول: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:٢٦] وروى ذلك ابن جرير وعبد الله بن أحمد والترمذي بأسانيدهم إلى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ (٣)\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ٢٥٥) وهو من رواية علي بن أبي طلحة عنه وروايته عنه منقطعة.\n(٢) رواه البغوي (٨/ ٤٤٢). وعطية العوفي فيه مقال معروف. انظر: «الضعفاء والمتروكين» للنسائي (٤٨١)، و«الضعفاء» للعقيلي (١٣٩٢)، و«الكامل في الضعفاء» لابن عدي (١٥٣٠).\n(٣) رواه الترمذي (٣٢٦٥)، وأحمد (٥/ ١٣٨) (٢١٢٩١) .. قال أبو عيسى: غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"1","page":251},{"text":"وهي القول الثابت الذي ذكر الله ﷿ إذ يقول تعالى: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:٢٧] أخرجاه في الصحيحين عن البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﷺ (١) وهي الكلمة الطيبة المضروبة مثلا قبل ذلك إذ يقول تعالى: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء [إبراهيم:٢٤] قاله علي بن طلحة عن ابن عباس (٢)، أصلها ثابت في قلب المؤمن، وفرعها العمل الصالح في السماء صاعد إلى الله ﷿ وكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغير واحد وهي الحسنة التي ذكر الله ﷿ إذ يقول: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: ١٦٠] قال الله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُون [النمل:٨٩] قال ذلك زين العابدين إبراهيم النخعي، وعن أبي ذر مرفوعا «هي أحسن الحسنات» (٣) وهي تمحو الذنوب والخطايا وهي المثل الأعلى الذي ذكر الله ﷿ إذ يقول: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الروم:٢٧] قال ذلك قتادة ومحمد بن جرير، ورواه مالك عن محمد بن المنكدر وهي سبب النجاة كما في صحيح مسلم أن النبي ﷺ سمع مؤذنا يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله فقال ﷺ: خرجت من النار» (٤) وفيه عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله حرم الله عليه النار» (٥)، وفي حديث الشفاعة: «أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» (٦) وهي سبب دخول الجنة كما في الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية شاء» (٧)، وفي رواية: «أدخله الله الجنة على ما كان من عمل» (٨) وهي أفضل ما ذكر الله ﷿ به، وأثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة كما في المسند عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ: «إن نوحا ﵊ قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعن في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كل حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله» (٩)،\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١).\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٦٧). ورواية علي بن أبي طلحة عنه مرسلة.\n(٣) رواه الطبري (١٢/ ٢٧٩) وحسنه ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (ص١٢٩)، والألباني في «كلمة الإخلاص» لابن رجب (ص٥٥).\n(٤) رواه مسلم (٣٨٢).\n(٥) رواه مسلم (٢٩).\n(٦) رواه الحاكم (١/ ١٤١) وقال الذهبي صحيح الإسناد، وشطره الثاني في البخاري (٢٢).\n(٧) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).\n(٨) رواه البخاري (٣٤٣٥).\n(٩) رواه أحمد (٢/ ١٦٩) (٦٥٨٣). وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٣٤) ..","vol":"1","page":252},{"text":"وفي الترمذي والنسائي وفي المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب فيقول أفلك عذر؟ فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: فإنك لا تظلم، قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء» (١) وهي التي لا يحجبها شيء دون الله ﷿ وفيه أيضا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من عبد قال لا إله إلا الله مخلصا إلا فتحت لها أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش» (٢)، وهي الأمان من وحشة القبور وهول الحشر واعلم أن النصوص الواردة في فضل هذه الشهادة كثيرة لا يحاط بها، وفيما ذكرنا كفاية، ... ويكفيك في فضل لا إله إلا الله أخبار النبي ﷺ أنها أعلى جميع شعب الإيمان، كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون – أو بضع وستون- شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» وهذا لفظ مسلم (٣) (من قالها) أي قال هذه الكلمة حال كونه (معتقدا) أي عالما ومتيقنا (معناها) الذي دلت عليه نفيا وإثباتا (وكان) مع ذلك (عاملا بمقتضاها) على وفق ما علمه منها وتيقنه فإن ثمرة العلم به (في القول) أي قول القلب واللسان (والفعل) أي عمل القلب واللسان والجوارح قال الله ﷿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:٢ - ٣] (ومات مؤمنا) أي على ذلك، وهذا شرط لا بد منه فإنما الأعمال بالخواتيم قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» (٤) الحديث في الصحيحين عن أبي ذر بطوله (يبعث يوم الحشر) أي يوم الجمع (ناج) من النار (آمنا) من فزع يوم القيامة قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣] وقال الله تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النحل:٨٩] معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٥٠٩\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٨٥٠)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والحاكم (١/ ٤٦، ٥٢٩). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين وهو صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ١٧٣) - كما أشار إلى ذلك في مقدمته -. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١١/ ١٧٦): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) رواه الترمذي (٣٥٩٠) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥).\n(٤) رواه البخاري (٥٨٢٧)، ومسلم (٩٤). من حديث أبي ذر ﵁.","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>المطلب الثالث: أقوال العلماء في المراد من الأحاديث الواردة في فضل كلمة التوحيد</span>\nاعلم أن الأحاديث الدالة على أن الشهادتين سبب دخول الجنة والنجاة من النار لا تناقض بينها وبين أحاديث الوعيد التي فيها: من فعل ذنب كذا فالجنة عليه حرام، أو لا يدخل الجنة من فعل كذا، لإمكان الجمع بين النصوص بأنها جنان كثيرة كما أخبر النبي ﷺ وبأن أهل الجنة أيضا متفاوتون في دخول الجنة في السبق وارتفاع المنازل، فيكون فاعل الذنب لا يدخل الجنة التي أعدت لمن لم يرتكبه، أو لا يدخلها في الوقت الذي يدخل فيه من لم يرتكب ذلك الذنب، وهذا واضح مفهوم للعارف بلغة العرب وكذلك لا تناقض بين الأحاديث التي فيها تحريم أهل هاتين الشهادتين على النار وبين الأحاديث التي فيها إخراجهم منها بعد أن صاروا حمما لإمكان الجمع بأن تحريم من يدخلها بذنبه من أهل التوحيد بأن تحريمه عليها يكون بعد خروجه منها برحمة الله ثم بشفاعة الشافعين، ثم يغتسلون في نهر الحياة ويدخلون الجنة، فحينئذ قد حرموا عليها فلا تمسهم بعد ذلك أو يكون المراد أنهم يحرمون مطلقا على النار التي أعدت للكافرين التي لا يخرج منها من دخلها، وهي ما عدا الطبقة العليا من النار التي يدخلها بعض عصاة أهل التوحيد ممن شاء الله تعالى عقابه وتطهيره بها على قدر ذنبه، ثم يخرجون فلا يبقى فيها أحد وهذه إشارة كافية في هذا الموضع، ... وقد ذكر الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى في هذا الباب كلاما حسنا بعد سياقه حديث معاذ وحديث عتبان وحديث أبي ذر وحديث عبادة ... وأحاديث هذا الباب نوعان: أحدهما ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها، وهذا ظاهر، فإن النار لا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، بل يدخل الجنة ولا يحجب عنها إذا طهر من ذنوبه بالنار، وقد يعفو الله عنه فيدخله الجنة بلا عقاب قبل وحديث أبي ذر معناه أن الزنا والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مرية فيه، وليس فيه أن لا يعذب عليها مع التوحيد، وفي مسند البزار عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من الدهر يصيبه قبل ذلك ما أصابه» (١) الثاني فيه أنه يحرم على النار، وقد حمله بعضهم على الخلود فيها أو على ما يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى من النار، فإن الدرك الأعلى يدخله كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين وفي الصحيحين: «إن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله» (٢)\n_________\n(١) رواه الطبراني في «الأوسط» (٦/ ٢٧٤)، و«الصغير» (١/ ٢٤١). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٣٤١): رواته رواة الصحيح. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٢): رواه البزار والطبراني في «الأوسط» و«الصغير» ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب»: (صحيح).\n(٢) البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣). من حديث أنس ﵁ ..","vol":"1","page":254},{"text":"وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتض لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه وهو أظهر وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة قال الحسن: نعم العدة، لكن للا إله إلا الله شروطا، فإياك وقذف المحصنات وقيل للحسن: إن أناسا يقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك (١) وهذا الحديث: «إن مفتاح الجنة لا إله إلا الله» أخرجه الإمام أحمد بإسناد منقطع عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سألك أهل اليمن عن مفتاح الجنة فقل: لا إله إلا الله» ويدل على هذا كون النبي ﷺ رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص، وكما في الصحيحين عن أبي أيوب أن رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم» (٢) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ «أن رجلا قال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان فقال الرجل: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» (٣) وفي المسند عن بشير بن الخصاصية قال: «أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن أقيم الصلاة وأن أوتي الزكاة وأحج حجة الإسلام وأن أصوم رمضان وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، أما اثنتين فوالله ما أطيقها، الجهاد والصدقة، فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حركها وقال: فلا جهاد ولا صدقة! فبم تدخل الجنة إذا؟ قلت: أبايعك، فبايعته عليهن كلهن» (٤)\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا قبل حديث (١٢٣٧) كتاب: الجنائز، باب: في الجنائز، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله. ورواه موصولًا في «التاريخ الكبير» (٢٦١)، ورواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٦٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٢٧٤). قال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٨/ ٨٥): رواه إسحاق بن راهويه بإسناد حسن، وقد علقه البخاري لوهب. وله شاهد مرفوع من حديث معاذ بن جبل رواه أحمد بن حنبل، والبزار، والطبراني في كتاب «الدعاء» بسند ضعيف. وقال ابن حجر في «المطالب العالية» (٣/ ٢٥٤): إسناده حسن موقوف، قد علقه البخارى لوهب وانظر: «تغليق التعليق» (٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤).\n(٢) رواه البخاري (١٣٩٦)، ومسلم (١٣).\n(٣) رواه البخاري (١٣٩٧)، ومسلم (١٤).\n(٤) رواه أحمد (٥/ ٢٢٤) والحاكم (٢/ ٣٤٧). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٤٧): ورجال أحمد موثقون ..","vol":"1","page":255},{"text":"ففي الحديث أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة مع حصول التوحيد والصلاة والصيام والحج ونظير هذا أن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ» ففهم عمر وجماعة من الصحابة أن من أتى الشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك، فتوقفوا عن قتال مانعي الزكاة، وفهم الصديق ﵁ أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله ﷺ: «فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» وقال: الزكاة حق المال وهذا الذي فهمه الصديق ﵁ قد رواه عن النبي ﷺ صريحا غير واحد من الصحابة، منهم ابن عمر وأنس وغيرهما ﵃، وأنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» (١) ودل على ذلك قوله تعالى: فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ [التوبة: ٥] الآية ولا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد، ولما قرر أبو بكر ﵁ هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صوابا، فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقا، بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولا وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود، منهم الزهري والثوري وغيرهما، وهذا بعيد جدا، فإن كثيرا منها كانت بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك وهي في آخر حياة الرسول ﷺ، وهؤلاء منهم من يقول: هذه الأحاديث منسوخة، ومنهم من يقول هي محكمة ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذا إلى أن زيادة النص هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور، وقد صرح الثوري بأنها منسوخة، وأنه نسختها الفرائض والحدود وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح، فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل ذلك كثيرا ويكون مرادهم أن آيات الفرائض والحدود تبين توقف دخول أهل الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض واجتناب المحارم فصارت النصوص منسوخة أي مبينة مفسرة، ونصوص الحدود والفرائض ناسخة أي مفسرة لمعنى تلك النصوص موضحة لها وقالت طائفة تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخرى، ففي بعضها: «من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة» (٢) وفي بعضها «مستيقنا» (٣)، ... وفي بعضها: «يقولها من قلبه» (٤)، ...\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٢٣٦) (٢٢١١٣)، وابن حبان (١/ ٤٢٩) (٢٠٠). من حديث معاذ بن جبل ﵁. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٣٥٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين.\n(٣) رواه مسلم (٣١).\n(٤) رواه أحمد (١/ ٦٣) (٤٤٧). من حديث عثمان بن عفان ﵁. ورواه ابن حبان (١/ ٤٣٤)، والحاكم (١/ ١٤٣) من حديث عثمان بن عفان عن عمر ﵄. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٦/ ١٣٨): هذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٥): رجاله ثقات. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١/ ٢٢١): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٥٢٨): صحيح.","vol":"1","page":256},{"text":"وهذا كله إشارة إلى عمل القلب وتحققه بمعنى الشهادتين، فتحققه بمعنى شهادة أن لا إله إلا الله أن لا يأله قلبه غير الله حبا ورجاء وخوفا وطمعا وتوكلا واستعانة وخضوعا وإنابة وطلبا وتحققه بشهادة أن محمدا رسول الله ﷺ أن لا يعبد بغير ما شرعه على لسان نبيه – محمد - ﷺ ... وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد (لا إله إلا الله) يقتضي أن لا إله غير الله، والإله الذي يطاع ولا يعصى هيبة وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله لغير الله ﷿، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قوله لا إله إلا الله ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من المعاصي التي منشأها من طاعة غير الله ﷿ أو خوفه أو رجائه أو التوكل عليه أو العمل، كما ورد إطلاق الكفر والشرك على الربا وعلى الحلف بغير الله ﷿ وعلى التوكل على غير الله والاعتماد عليه وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة مثل أن يقول ما شاء الله وشاء فلان، وكذا قوله: مالي إلا الله وأنت، وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة والرقى المكروهة وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون وكذلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادح في تمام التوحيد وكماله، ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشأها من هوى النفس أنها كفر وشرك كقتال المسلم ومن أتى حائضا أو امرأة في دبرها ومن شرب الخمر في المرة الرابعة وإن كان ذلك لا يخرجه من الملة بالكلية، ولهذا قال السلف: كفر دون كفر، وشرك دون شرك، وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع قال تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان:٤٣] قال الحسن رحمه الله تعالى: هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه، وقال قتادة: هو الذي كلما هوى شيئا ركبه وكلما اشتهى شيئا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ... ويشهد لهذا الحديث الصحيح عن النبي ﷺ «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش» (١)، فدل هذا على أن من أحب شيئا وأطاعه وكان من غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه ويدل عليه أيضا أن الله تعالى سمى طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان كما قال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [يس:٦٠] وقال تعالى حاكيا عن خليله إبراهيم ﵊: يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا [مريم:٤٤] فمن لم يتحقق بعبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته، ولم يخلص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن وهم الذين قال فيهم: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:٤٢] فهم الذين حققوا قول لا إله إلا الله وأخلصوا في قولها وصدقوا قولهم بفعلهم فلم يلتفتوا إلى غير الله محبة ورجاء وخشية وطاعة وتوكلا، وهم الذين صدقوا في قول لا إله إلا الله، وهم عباد الله حقا فأما من قال لا إله إلا الله بلسانه ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب قوله فعله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ [القصص:٥٠] وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ [ص:٢٦] ثم قال رحمه الله تعالى: فيا هذا كن عبدا لله لا عبدا للهوى، فإن الهوى يهوي بصاحبه في النار أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:٣٩]، «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار» والله لا ينجو غدا من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده ولم يلتفت إلى شيء من الأغيار، من علم أن إلهه ومعبوده فرد فليفرده بالعبودية ولا يشرك بعبادة ربه أحدا انتهى كلامه رحمه الله تعالى معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص٥٢٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٨٨٧).","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>تمهيد:</span>\nإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه فلها أربع مراتب: فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته وثانيها: تكلمه بذلك ونطقه به وإن لم يعلم به غيره بل يتكلم به مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها وثالثها: أن يعلم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربعة علم الله سبحانه بذلك وتكلمه به وإعلامه وإخباره لخلقه به وأمرهم وإلزامهم به مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن عبدالله بن القيم - ٣/ ٤٥١","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>مرتبة العلم</span>\nأما مرتبة العلم فإن الشهادة بالحق تتضمنها ضرورة وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به قال الله تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] وقال النبي ﷺ «على مثلها فاشهد وأشار إلى الشمس» (١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن عبدالله بن القيم - ٣/ ٤٥١\n_________\n(١) رواه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ١١٠) وقال صحيح الإسناد، وقال الذهبي في التلخيص: بل واه، ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١٥٦) وقال: لم يرو من وجه يعتمد عليه، وقال الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ١٤٠٤): قلت: رواه كذلك ابن عدي في \" الكامل \" والعقيلي في \" كتابه \" وأعلاه بمحمد بن سليمان ابن مشمول وأسند ابن عدي تضعيفه عن النسائي ووافقه وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه إسنادا ولا متنا، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٦١٧): فيه نظر، وقال ابن حجر في «التلخيص» (٤/ ١٩٨): في إسناده محمد بن سليمان بن مسمول وهو ضعيف، وقال الألباني في تخريج الطحاوية (٩٠) ضعيف.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>مرتبة التكلم والخبر</span>\nوأما مرتبة التكلم والخبر فمن تكلم بشيء وأخبر به فقد شهد به وإن لم يتلفظ بالشهادة قال تعالى: قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم [الأنعام:١٥٠] وقال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف:١٩] فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم قال النبي ﷺ: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» (١). وشهادة الزور هي قول الزور كما قال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:٣٠] وسمى الله تعالى إقرار العبد على نفسه شهادة قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:١٣٥] فشهادة المرء على نفسه هي إقراره على نفسه وفي الحديث الصحيح في قصة ماعز الأسلمي: «فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه رسول الله» (٢) وقال تعالى: قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ [الأنعام:١٣٠] وهذا وأضعافه يدل على أن الشاهد عند الحاكم وغيره لا يشترط في قبول شهادته أن يتلفظ بلفظ الشهادة كما هو مذهب مالك وأهل المدينة وظاهر كلام أحمد ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط ذلك وقد قال ابن عباس: «شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب» (٣) ومعلوم أنهم لم يتلفظوا بلفظ الشهادة والعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة لم يتلفظ في شهادته لهم بلفظ الشهادة بل قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة» (٤) الحديث وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام وشهد شهادة الحق ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة وأنه قد دخل في قوله: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» (٥) وفي لفظ آخر «حتى يقولوا لا إله إلا الله» (٦) فدل على أن مجرد قولهم لا إله إلا الله شهادة منهم وهذا أكثر من أن تذكر شواهده من الكتاب والسنة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة دليل يعتمد عليه والله أعلم مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن عبدالله بن القيم - ٣/ ٤٥١\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٥٩٩)، والترمذي (٢٢٩٩)، وابن ماجه (٢٣٧٢). وقال الترمذي: غريب ولا نعرف لأيمن سماعا من النبي وقد اختلفوا في رواية الحديث عن سفيان بن زياد. وقال ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٤/ ٥٤٨): لايصح. وقال ابن الملقن في «خلاصة البدر المنير» (٢/ ٤٣١): إسناده ضعيف وله طريق آخر فيه مقال. وقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٢/ ٣٨٣): -فيه- زياد العصفري قال ابن القطان مجهول.\n(٢) رواه البخاري (٥٢٧١) ومسلم (١٦٩١).\n(٣) رواه البخاري (٥٨١).\n(٤) رواه أبو داود (٤٦٤٩)، والترمذي (٣٧٤٨)، وابن ماجه (١٣٣)، وأحمد (١/ ١٨٧) (١٦٢٩). من حديث سعيد بن زيد ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٤٣٦) - وذلك كما أشار في مقدمته -. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ١١٢): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٥) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث ابن عمر ﵁.\n(٦) رواه البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>مرتبة الإعلام والإخبار</span>\nفصل وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان: إعلام بالقول وإعلام بالفعل وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر تارة يعلمه بقوله وتارة بفعله ولهذا كان من جعل دارا مسجدا وفتح بابها لكل من دخل إليها وأذن بالصلاة فيها معلما أنها وقف إن لم يتلفظ به وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بأنواع المسار معلما له ولغيره أنه يحبه وإن لم يتلفظ بقوله وكذلك بالعكس وكذلك شهادة الرب ﷻ وبيانه وإعلامه يكون بقوله تارة وبفعله تارة أخرى فالقول هو ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه ومما قد علم بالاضطرار أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو وأخبر بذلك وأمر عباده أن يشهدوا به وشهادته سبحانه أن لا إله إلا هو معلومة من جهة كل من بلغ عنه كلامه وأما بيانه وإعلامه بفعله فهو ما تضمنه خبره تعالى عن الأدلة الدالة على وحدانيته التي تعلم دلالتها بالعقل والفطرة وهذا أيضا يستعمل فيه لفظ الشهادة كما يستعمل فيه لفظ الدلالة والإرشاد والبيان فإن الدليل يبين المدلول عليه ويظهره كما يبينه الشاهد والمخبر بل قد يكون البيان بالفعل أظهر وأبلغ وقد يسمى شاهد الحال نطقا وقولا وكلاما لقيامه مقامه وأدائه مؤداه كما قيل:\nوقالت له العينان سمعا وطاعة ... وحدرتا بالدر لما يثقب\nوقال الآخر:\nشكا إلي جملي طول السرى ... صبرا جميلي فكلانا مبتلى\nوقال الآخر:\nامتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني\nويسمى هذا شهادة أيضا كما في قوله تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله فهي شهادة بكفرهم وهم شاهدون على أنفسهم بما شهدت به والمقصود أن الله سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه فإن دلالتها إنما هي بخلقه وجعله ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما شهدت به آياته الخلقية فتتطابق شهادة القول وشهادة الفعل كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] أي أن القرآن حق فأخبر أنه يدل بآياته الأفقية والنفسية على صدق آياته القولية الكلامية وهذه الشهادة الفعلية قد ذكرها غير واحد من أئمة العربية والتفسير قال ابن كيسان شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه أنه لا إله إلا هو مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن عبدالله بن القيم - ٣/ ٤٥٢","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>مرتبة الأمر والإلزام</span>\nوأما المرتبة الرابعة وهي الأمر بذلك والإلزام به وإن كان مجرد الشهادة لا يستلزمه لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده به كما قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] وقال تعالى: وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ [النحل:٥١] وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: ٥] وقال تعالى: لاَّ تَجْعَل مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء: ٢٢] وقال الله ﷾: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص:٨٨] والقرآن كله شاهد بذلك ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل وإثباتها أظلم الظلم فلا يستحق العبادة سواه كما لا تصلح الإلهية لغيره وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات كما إذا رأيت رجلا يستفتي أو يستشهد أو يستطب من ليس أهلا لذلك ويدع من هو أهل له فتقول هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب المفتي فلان والشاهد فلان والطبيب فلان فإن هذا أمر منك ونهي وأيضا فإن الأدلة قد دلت على أنه سبحانه وحده المستحق للعبادة فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تعالى عليهم وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم فإذا شهد سبحانه أنه لا إله إلا هو تضمنت شهادته الأمر والإلزام بتوحيده وأيضا فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجمل الخبرية فيقال للجملة الخبرية قضية وحكم وقد حكم فيها بكيت وكيت قال تعالى: أَلا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات: ١٥١] فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكما وقال في موضع آخر: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. [القلم: ٣٥] لكن هذا حكم لا إلزام معه والحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو متضمن للإلزام والله سبحانه أعلم مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية - ٣/ ٤٥٤","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>المطلب الخامس: شروط لا إله إلا الله</span>\nالشرط الأول: العلم\nوالمراد به العلم بمعناها المراد منها نفيا وإثباتا المنافي للجهل بذلك، قال الله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله [محمد:١٩] وقال الله تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ [الزخرف:٨٦] أي بلا إله إلا الله وَهُمْ يَعْلَمُون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم قال الله تعالى: شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيم [آل عمران:١٨] وقال الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِّينَ يَعْلَمُونَ وَالذِّينَ لا يَعْلَمُون إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَاب [الزمر:٩] وقال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ [فاطر:٢٨] وقال الله تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا للنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا العَالِمُون [العنكبوت:٤٣] وفي الصحيح عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (١)\nالشرط الثاني: اليقين\nاليقين المنافي للشك بأن يكون قائلها مستيقنا بمدلول هذه الكلمة يقينا حازما، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، فكيف إذا دخله شك، قال الله تعالى: إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الذِّينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله – إلى قوله – أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون [الحجرات:٣] فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي لم يشكوا، فأما المرتاب فهو من المنافقين والعياذ بالله الذين قال الله تعالى فيهم: إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [التوبة:٤٥] وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ولا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة» (٢) وفي رواية: «لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة» (٣) وفيه عنه ﵁ من حديث طويل أن النبي ﷺ بعثه بنعليه فقال: «من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة» (٤) الحديث، فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنا بها قلبه غير شاك فيها، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط\nالشرط الثالث: القبول\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦).\n(٢) رواه مسلم (٢٧).\n(٣) رواه مسلم (٢٧). من حديث أبي هريرة أو أبي سعيد الخدري ﵄.\n(٤) رواه مسلم (٣١).","vol":"1","page":263},{"text":"القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وقد قص الله ﷿ علينا من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قبلها وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الزخرف:٢٣ - ٢٥] وقال الله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس:١٠٣] وقال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:٤٧] وكذلك أخبرنا بما وعد به القابلين لها من الثواب، وما أعده لمن ردها من العذاب، كما قال تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ إلى قوله: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ [الصافات:٢٢ - ٣٦] فجعل الله تعالى علة تعذيبهم وسببه هو استكبارهم عن قول لا إله إلا الله، وتكذيبهم من جاء بها، فلم ينفوا ما نفته ولم يثبتوا ما أثبتته، بل قالوا إنكارا واستكبارا أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ [ص:٥ - ٧] وقالوا ههنا: أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ فكذبهم الله ﷿ ورد ذلك عليهم عن رسوله ﷺ فقال: بَلْ جَاءَ بِالحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِين [الصافات:٣٧] إلى آخر الآيات، ثم قال في شأن من قبلها: إِلا عِبَادَ الله المُخْلَصِين أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُوم فَوَاكِهَ وَهُمْ مُكْرَمُون فِي جَنَّاتِ النَّعِيم [الصافات:٤١] إلى آخر الآيات، وقال الله تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النحل:٨٩] وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (١)\nالشرط الرابع: الانقياد\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢).","vol":"1","page":264},{"text":"الانقياد لما دلت عليه المنافي لترك ذلك قال تعالى: وَأَنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَه [الزمر:٥٤] وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:١٢٥] وقال تعالى: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى [لقمان:٢٢] أي بلا إله إلا الله وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان: ٢٢] ومعنى يسلم وجهه أي ينقاد، وهو محسن موحد ومن لم يسلم وجهه إلى الله ولم يك محسنا فإنه لم يستمسك بالعروة الوثقى وهو المعني بقوله تعالى: وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان:٢٣ - ٢٤] وهذا تمام الانقياد وغايته\nالشرط الخامس: الصدق\nالصدق فيها المنافي للكذب، وهو أن يقولها صدقا من قلبه يواطئ قلبه لسانه، قال الله تعالى: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:١ - ٣] إلى آخر الآيات وقال تعالى في شأن المنافقين الذين قالوها كذبا: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:٨ - ١١] وكم ذكر الله تعالى من شأنهم وأبدى وأعاد وكشف أستارهم وهتكها وأبدى فضائحهم في غير ما موضع من كتابه كالبقرة وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة وسورة كاملة في شأنهم وغير ذلك وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار» (١) فاشترط في إنجاء من قال هذه الكلمة من النار أن يقولها صدقا من قلبه، فلا ينفعه مجرد التلفظ بدون مواطأة القلب وفيهما أيضا من حديث أنس بن مالك وطلحة بن عبيد الله ﵄ من قصة الأعرابي وهو ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر لما سأل رسول الله ﷺ عن شرائع الإسلام فأخبره، «قال: هل علي غيرها؟ قال: \"لا، إلا أن تطوع\"، قال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال رسول الله ﷺ: \"أفلح إن صدق\"» (٢) وفي بعض الروايات «إن صدق ليدخلن الجنة» (٣) فاشترط في فلاحه ودخول الجنة أن يكون صادقا\nالشرط السادس: الإخلاص\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢).\n(٢) رواه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١).\n(٣) رواه مسلم (١٢).","vol":"1","page":265},{"text":"الإخلاص وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك، قال الله تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:٣] وقال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:٥] الآية وقال الله تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ [الزمر:٢] وقال الله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ [الزمر:١١]، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي [الزمر:١٤] وقال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:١٤٦] وغير ذلك من الآيات وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه» (١) وفي الصحيح عن عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ﷿» (٢) وفي جامع الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قال عبد قط لا إله إلا الله مخلصا إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر» (٣)\nالشرط السابع: المحبة\n_________\n(١) رواه البخاري (٩٩).\n(٢) رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣).\n(٣) رواه الترمذي (٣٥٩٠) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"1","page":266},{"text":"المحبة لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها وبغض ما ناقض ذلك قال الله ﷿: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة:١٦٥]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ [المائدة:٥٤] فأخبرنا الله ﷿ أن عباده المؤمنين أشد حبا له، وذلك لأنهم لم يشركوا معه في محبته أحدا كما فعل مدعو محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أندادا يحبونه كحبه، وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه، واتباع رسول الله ﷺ واقتفاء أثره وقبول هداه وكل هذه العلامات شروط في المحبة لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها قال الله ﵎: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا [الفرقان:٤٣] الآيات، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية:٢٣] فكل من عبد مع الله غيره فهو في الحقيقة عبد هواه، بل كل ما عصى الله به من الذنوب فسببه تقديم العبد هواه على أوامر الله ﷿ ونواهيه وقال تعالى في شأن الموالاة والمعاداة فيه: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:٤] الآيات وقال الله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ [المجادلة:٢٢] الآية، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:٥١] الآيات، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:٢٣ - ٢٤] الآيتين، وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء [الممتحنة:١] إلى آخر السورة وغير ذلك من الآيات وقال تعالى في اشتراط اتباع الرسول ﷺ: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:٣١] وقال رسول الله ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن","vol":"1","page":267},{"text":"يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» أخرجاه من حديث أنس ﵁ (١) وفيهما عنه وعن أبي هريرة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٢) ... وذلك الذي جاء به رسول الله ﷺ هو الخبر عن الله والأمر بما يحبه الله ويرضاه والنهي عما يكرهه ويأباه، فإذا امتثل العبد ما أمره الله به واجتنب ما نهاه عنه وإن كان مخالفا لهواه كان مؤمنا حقا، فكيف إذا كان لا يهوى سوى ذلك وفي الحديث: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه» (٣) وقال ابن عباس ﵄: (من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك وقد أصبح غالب مؤاخاة الناس اليوم على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا) (٤) وقال الحسن البصري وغيره من السلف: ادعى قوم محبة الله ﷿ فابتلاهم الله بهذه الآية: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:٣١] وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا فليح قال حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» (٥) قال حدثنا محمد بن عبادة أخبرنا يزيد حدثنا سليم – وأثنى عليه – حدثنا سعيد بن ميناء حدثنا – أو سمعت – جابر بن عبد الله ﵄ يقول: «جاءت ملائكة إلى النبي - ﷺ - وهو نائم فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا. فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا أولوها له يفقهها فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا فالدار الجنة، والداعي محمد - ﷺ - فمن أطاع محمدا - ﷺ - فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا - ﷺ - فقد عصى الله، ومحمد - ﷺ - فرق بين الناس» (٦) ومن هنا يعلم أنه لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمدا رسول الله ﷺ، فإذا علم أنه لا تتم محبة الله ﷿ إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه، فلا طريق إلى معرفة ما يحبه تعالى ويرضاه، وما يكرهه ويأباه إلا باتباع ما أمر به رسول الله ﷺ واجتناب ما نهى عنه، فصارت محبته مستلزمة لمحبة رسول الله ﷺ وتصديقه ومتابعته، ولهذا قرن محبته بمحبة رسول الله ﷺ في مواضع كثيرة من القرآن كقوله ﷿: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:٢٤] وغير ذلك من الآيات معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٥١٨ – ٥٢٤\n_________\n(١) رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).\n(٢) رواه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤).\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٢٨٦) (١٨٥٤٧) والطيالسي في «المسند» (١/ ١٠١) (٧٤٧)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٧/ ٨٠). من حديث البراء بن عازب ﵁. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٨٥): رواه أحمد والبيهقي كلاهما من رواية ليث بن أبي سليم. وقال العراقي في «المغني» (٢/ ١٢٤): رواه أحمد من حديث البراء بن عازب وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٩٤): رواه أحمد وفيه ليث بن أبي سليم وضعفه الأكثرون. قال الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب) (٣٠٣٠): حسن لغيره.\n(٤) رواه ابن أبي شيبة بنحوه (٧/ ١٣٤).\n(٥) رواه البخاري (٧٢٨٠).\n(٦) رواه البخاري (٧٢٨١).","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>المطلب السادس: نواقض لا إله إلا الله</span>\nالنواقض: جمع ناقض، وهو المفسد، فالنواقض هي المفسدات لمعنى الشهادة، بحيث لا تترتب على نطقها واعتقادها والعمل بمدلولها – آثارها وهي الدخول في الإسلام، والبراء من ضده، وعليه فإذا وجد في العبد ناقض من النواقض، فإنه لا يكون من المسلمين، ولا يكتسب أحكام المسلمين، بل يعطى أحكام أهل الشرك والكفر، إن كان الناقض وجد معه ابتداء، والردة إن وجد بعد أن دخل الإسلام، المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١١١\nونواقض (لا إله إلا الله) وتسمى (نواقض الإسلام) و(نواقض التوحيد) وهي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام، فهي كثيرة، وقد ذكر بعضهم أنها تصل إلى أربعمائة ناقض (١).\nوهذه النواقض تجتمع في ثلاثة نواقض رئيسية هي:\n١ - الشرك الأكبر: وهو أنواع كثيرة .... ٢ - الكفر الأكبر: وهو أنواع كثيرة ....\n٣ - النفاق الاعتقادي ..... تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين – بتصرف - ص٦٤\nوالأحكام المترتبة على وجود الناقض نوعان:\nالأول: عدم دخوله في الإسلام إن وجد الناقض معه ابتداء، على معنى أنه نطق بها، واعتقد مدلولها، وعمل بموجباتها مع وجود ما يناقضها فيه.\nالثاني: أن يرد عليه الناقض بعد دخوله في الإسلام، فيكون بوروده عليه مرتدًا، خارجًا عن دين الإسلام.\nوالنواقض هي:\nأولًا: الجهل بمعنى الشهادة: فإن قولها لا ينفع المتكلم بها بلا فهم ومعرفة.\nثانيًا: الشك والتردد في مدلولها، أو بعضه: لأنه بذلك يفرض جوازه وعدمه، حتى ولو رجح أحد الطرفين، فلابد من اليقين به.\nثالثًا: الشرك بالله: فإن البراء منه جزء معناها، لأن معناها يتضمن أمرين:\n١ - إثبات الألوهية، والعبادة، والطاعة له وحده.\n٢ - نفي استحقاق شيء من الألوهية، والعبادة، والطاعة لما سواه، وهذا القسم هو الشرك بالله. كما قال ﷾ عن إبراهيم ﵇: إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وهذا يستلزم العلم بالشرك وحدوده، حتى يمكن اجتنابه، والبراء منه ومن أهله، فإن عدم المعرفة به أوقع الكثير من الناس في شرك المشركين، ظنًا منه أنه من التوحيد المأمور به، أو في أقل الأحوال أنه جائز، لا محظور فيه.\nرابعًا: الكذب العقدي (النفاق): بأن يبدي الإيمان ويضمر الكفر، قال تعالى عن المنافقين: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فالمضاد هو من يعرف معنى هذه الكلمة، ويقبله ويعمل بما تقتضيه، وما يلزم قائلها من واجبات الدين، ويصدق قلبه لسانه.\nخامسًا: البغض لهذه الكلمة، وما تحمله من معنى، وعداء أهلها، ومقاومة دعاتها، ومحاولة صد الناس عنها، بالدعوة إلى ما يضادها، ونصرة أهله، ومحبتهم واتخاذهم أولياء من دون الله: قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ. وقال سبحانه: قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ.\n_________\n(١) الدرر السنية (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":269},{"text":"سادسًا: الترك لمعناها ولفظها والعمل بموجبها جملة وتفصيلًا: فلا يصلي، ولا يصوم، ولا يحج، ولا يزكي، ولا يعمل أي عمل من أعمال الإسلام، وإن ادعى فهمه للمعنى، وأنه معتقد له، أو محب لأهله، مبغض لضده، وأهل ذلك الضد، فإن ذلك لا يغني عنه من الله شيئًا، فلا يدخل في الإسلام وإن دخل فيه فهو مرتد عنه.\nسابعًا: الرد والإعراض عن معناها واعتقاده: فإن مشركي العرب كانوا يعلمون معناها، لكنهم رافضون له، غير راضين به، قال الله تعالى: إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ.\nوقد اتخذ بعض العلماء في بيان النواقض طريقة غير التي بنينا عليها بحثنا، فقسم النواقض إلى أربعة أنواع هي:\nالأول: الناقض القولي: كـ (سب) الله، وسب الرسول، والبراء من دين الإسلام، ودعوى أن النفع والضر بيد غير الله، ودعاء غير الله، والاستغاثة بغيره، والاستجارة بسواه ونحو ذلك.\nالثاني: الناقض الفعلي: كالسجود لغيره، والركوع لسواه، والصلاة لغيره، ونحو ذلك.\nالثالث: الناقض الاعتقادي: كاعتقاد تعدد الإله أو أن هناك من يجيب الدعاء، ويكشف الضر سواه، ونحو ذلك.\nالرابع: الشك في شيء من مدلولاتها: كالشك في كون الله إلهًا واحدًا أو أكثر وفي كون الكاشف للضر الله، أو غيره ونحو ذلك.\nومن العلماء من اختار تقسيمًا ثالثًا هو:\nأولًا: النواقض المتعلقة بالذات والإلهية: كالشرك، وإنكار الصفات، والأسماء وإنكار الربوبية، ونحو ذلك.\nثانيًا: النواقض المتعلقة بالنبي ﷺ: كإنكار الرسالة، أو ما جاء به الرسول، أو إنكار بعض ما جاء به، وجحده.\nثالثًا: النواقض المتعلقة بالشريعة: كتجويز التعبد بغيرها، أو الحكم بغير ما أنزل الله، أو إنكار ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، أو الاستهزاء بالدين وأهله، أو الإعراض عن دين الإسلام لا يتعلمه ولا يعمل به.\nرابعًا: النواقض المتعلقة بأعداء الله – أفعالهم – كموالاة المشركين، ومظاهرتهم، ومعاونتهم على المسلمين، والسحر، والكهانة، والعرافة، ونحوها.\nوهذه التقاسيم مهما اختلفت موارد التقسيم فيها، فإنها متفقة غير مختلفة، وإن لحظ كل واحد منهم موردًا خاصًا به يرجع إليه التقسيم، وهي في جملتها تقاسيم صحيحة المعنى والمبنى، فلا حرج في اعتبار أي واحد منها، لأن اختلافها اختلاف في الأسلوب، لا في أصل الفكرة ولا معناها. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١١١","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>المطلب الأول: معنى شهادة أن محمدًا رسول الله</span>\nوالشهادة بأن محمدًا رسول الله تتضمن تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر فما أثبته وجب إثباته وما نفاه وجب نفيه كما يجب على الخلق أن يثبتوا ما أثبته الرسول لربه من الأسماء والصفات وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات فيخلصون من التعطيل والتمثيل ويكونون على خير عقيدة في إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه ويحللوا ما أحله ويحرموا ما حرمه فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرموا ما لم يحرمه الله ولكونهم شرعوا دينا لم يأذن به الله كما في قوله تعالى: وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا [الأنعام: ١٣٦] إلى آخر السورة وما ذكر الله في صدر سورة الأعراف وكذلك قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] وقد قال تعالى لنبيه ﷺ: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا [الأحزاب:٤٥ - ٤٦] فأخبره أنه أرسله داعيا إليه بإذنه فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك ومن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع والشرك بدعة والمبتدع يؤول إلى الشرك ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة ٣١] وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم وقد قال تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله ولا يدينون دين الحق والمؤمنون صدقوا الرسول فيما أخبر به عن الله وعن اليوم الآخر فآمنوا بالله واليوم الآخر وأطاعوه فيما أمر ونهى وحلل وحرم فحرموا ما حرم الله ورسوله ودانوا دين الحق فإن الله بعث الرسول يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فأمرهم بكل معروف ونهاهم عن كل منكر وأحل لهم كل طيب وحرم عليهم كل خبيث اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ٨٤٢\nو(معنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع) (١).\nوهذه الشهادة هي الشطر الثاني من الركن الأول من أركان الإسلام الخمسة، كما أن الإيمان بالنبي ﷺ داخل في الركن الرابع من أركان الإيمان الستة، ويشهد لذلك حديث جبريل المشهور.\nويلاحظ أننا عرّفنا الشهادة والإيمان به بتعريف واحد، وهذا الأمر يصح في حالة الإفراد. .... أما في حالة الاقتران فالإيمان به يختص بتصديق القلب وإقراره، والشهادة يراد بها نطق اللسان واعترافه، ويجب تحقيق هذه الشهادة معرفة وإقرارًا، وانقيادًا وطاعة (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما الإيمان بالرسول فهو المهم، إذ لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه، إذ هو الطريق إلى الله سبحانه، ولهذا كان ركنا الإسلام: -أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله-) (٣). حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٣٧\n_________\n(١) الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٩) ضمن مجموعة الرسائل المفيدة.\n(٢) «زاد المعاد» (١/ ٣٤).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٦٣٨، ٦٣٩).","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>المطلب الثاني: تعريف الإيمان بالنبي ﷺ</span>\n(الإيمان بالرسول: هو تصديقه، وطاعته، واتباع شريعته) (١) وهذه الأمور هي الركائز التي يقوم عليها الإيمان بالنبي ﷺ، وعن بيان هذه الأمور المطلوبة عند الإيمان بالنبي ﷺ قال العلماء:\nأ- أما تصديقه ﷺ فيتعلق به أمران عظيمان:\nأحدهما: إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله، وهذا مختص به ﷺ (٢).\nويندرج تحت هذا الإثبات والتصديق عدة أمور منها:\n١ - الإيمان بعموم رسالته إلى كافة الثقلين إنسهم وجنهم.\n٢ - الإيمان بكونه خاتم النبين، ورسالته خاتمة الرسالات.\n٣ - الإيمان بكون رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع.\n٤ - الإيمان بأنه ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها، وأدى الأمانة، ونصح لأمته حتى تركهم على البيضاء ليلها كنهارها.\n٥ - الإيمان بعصمته ﷺ.\n٦ - الإيمان بماله من حقوق خلاف ما تقدم ذكره، كمحبته وتعظيمه ﷺ.\nالثاني: (تصديقه فيما جاء به، وأن ما جاء به من عند الله حق يجب اتباعه. وهذا يجب عليه ﷺ وعلى كل أحد) (٣).\nفيجب تصديق النبي ﷺ جميع ما أخبر به عن الله ﷿، من أنباء ما قد سبق، وأخبار ما سيأتي، وفيما أحل من حلال، وحرّم من حرام، والإيمان بأن ذلك كله من عند الله ﷿، قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤].\nقال شارح العقيدة الطحاوية: (يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملًا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ على التفصيل فرض على الكفاية) (٤).\nب- طاعته واتباع شريعته: إن الإيمان بالرسول ﷺ كما يتضمن تصديقه فيما جاء به فهو يتضمن كذلك العزم على العمل بما جاء به، وهذه هي الركيزة الثانية من ركائز الإيمان به ﷺ.\nوهي تعني: الانقياد له ﷺ وذلك بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وزجر امتثالًا لقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]. فيجب على الخلق اتباع شريعته، والالتزام بسنته، مع الرضا بما قضاه والتسليم له، والاعتقاد الجازم أن طاعته هي طاعة لله، وأن معصيته معصية لله، لأنه هو الواسطة يين الله وبين الثقلين في التبليغ ........\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يجب على الخلق الإقرار (٥) بما جاء به النبي ﷺ، فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على الخلق الإقرار به جملة وتفصيلًا عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يقر بما جاء به النبي ﷺ، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة) (٦). حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٣٤\n_________\n(١) كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» (ص: ٩٢).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٩١).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٩١).\n(٤) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٦٦).\n(٥) يقول ابن تيمية في بيان معنى الإقرار: (إن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد). «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٣٨، ٦٣٩).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٥٤).","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>المطلب الثالث: وجوب الإيمان بنبوته ورسالته ﷺ</span>\nالأدلة من القرآن والسنة على وجوب الإيمان به ﷺ.\nأ-الأدلة من القرآن:\nأوجب الله ﷾ على الثقلين – الإنس والجن – الذين أدركتهم رسالة النبي ﷺ أن يؤمنوا بالنبي ﷺ وبما جاء به كما شهدت بذلك نصوص الكتاب العزيز.\nكما أكد الله وجوب الإيمان بأن جعله مقترنًا بالإيمان به ﷾ في مواضع كثيرة من القرآن الكريم منها:\nقال تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ، وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد: ٧ - ٨]، وقال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [التغابن: ٨].\nوقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا [النساء: ١٣٦]، وقال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح: ٤]، وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥]. والإيمان به ﷺ واحد من ثلاثة حقوق اقترن بها حقه ﷺ مع حق الله تعالى في القرآن الكريم.\nأما الحق الثاني له: فهو طاعته قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران: ١٣٢]، ...\nوالحق الثالث هو: محبته قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: ٢٤]، ..... (كما أن الإيمان به واجب متعين لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه) (١).\nوقال تعالى في حق من لم يؤمن: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا [الفتح: ١٣].\nوبما تقدم من آيات يعلم وجوب الإيمان بالرسول ﷺ وأهميته وأنه لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، كما لا تحصل نجاة ولا سعادة بدون الإيمان به لأنه هو الطريق إلى الله ﷾، ولذلك كان أول أركان الإسلام (شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله).\n_________\n(١) «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ٥٣٨) بتصرف.","vol":"1","page":273},{"text":"ب- الأدلة من السنة على وجوب الإيمان به ﷺ:\nوردت في السنة أحاديث كثيرة جدًا تدل على وجوب الإيمان به ﷺ على الجن والإنس الذين أدركتهم رسالته، سواء كانوا أهل كتاب، أم ليسوا بأهل كتاب، ويستوي في ذلك عربهم وعجمهم، وذكرهم وأنثاهم، فلا يسع أحدًا من هؤلاء الخروج عن شريعته، أو التعبد لله بغير ما جاء به. لأن الله لا يقبل من أحد عملًا يخالف شرع نبيه محمد ﷺ.\nقال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥] ... ومن تلك الأحاديث الواردة في هذا الشأن:\nأ- عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (١).\n٢ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (٢).\n٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:\n«والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٣) ..\n٤ - وعن ابن عباس ﵄ في حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ قال لهم: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس ....» (٤) الحديث.\n٥ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: بعثني رسول الله فقال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.» (٥).\nوهذه الأحاديث وغيرها تؤكد وجوب الإيمان به ﷺ وبما جاء به، وكذلك طاعته، ويكون ذلك بأن يحل ما أحل الله ورسوله، ويحرم ما حرم الله ورسوله، ويوجب ما أوجبه الله ورسوله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويكره ما كرهه الله ورسوله.\nج- دليل الإجماع:\nأجمعت الأمة على وجوب الإيمان بالنبي ﷺ، كما أجمعت كذلك على أن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد ﷺ من الإنس والجن فلم يؤمن به استحق عقاب الله تعالى كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين بعث إليهم الرسول وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة وغيرهم (٦). لأن الرسول ﷺ هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه وبينه الرسول أيضا في الحكمة المنزلة عليه من غير الكتاب، فإن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة، ولم يبتدع المسلمون شيئا من ذلك من تلقاء أنفسهم (٧). حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٦٨\n_________\n(١) رواه مسلم (٢١).\n(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٣) رواه مسلم (١٥٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٥٣) وهذا لفظه، ومسلم (١٧). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٥) رواه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (٢٩) واللفظ لمسلم.\n(٦) «إيضاح الدلالة في عموم الرسالة» لشيخ الإسلام ابن تيمية مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (٢/ ٩٩).\n(٧) «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (١/ ١٢٦).","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>المسألة الأولى: المعنى الصحيح لمحبة النبي ﷺ وانقسام الناس فيها</span>\nاعلم أن الله ﷾ قد أوجب لنبينا ﷺ على القلب واللسان والجوارح حقوقًا زائدة على مجرد التصديق بنبوته، كما أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب، واللسان، والجوارح أمورًا زائدة على مجرد التصديق به سبحانه. وحرم سبحانه لحرمة رسوله - مما يباح أن يفعل مع غيره - أمورًا زائدة على مجرد التكذيب بنبوته.\nفمن تلك الحقوق حقه ﷺ بأن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق كما دلت على ذلك الأدلة من القرآن والسنة (١) والتي سيأتي ذكرها.\n(فحب النبي ﷺ من أعظم واجبات الدين) (٢).\nفهذه المحبة الواجبة له ﷺ هي من محبة الله، فهي حب لله وفي الله، ذلك لأن محبة الله توجب محبة ما يحبه الله، والله يحب نبيه وخليله ﷺ، فوجب بذلك محبته حقًا، فهي متفرعة عن محبة الله وتابعة لها، واقتران ذكرها مع محبة الله في القرآن والسنة إنما هو للتنبيه على أهميتها وعظم منزلتها.\nوبمقتضى هذه المحبة يجب موافقة الرسول ﷺ في حب ما يحبه، وكره ما يكرهه، أي بتحقيق المتابعة له فيحب بقلبه ما أحب الرسول، ويكره ما كرهه الرسول، ويرضى بما يرضى الرسول، ويسخط ما يسخط الرسول، ويعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض.\nوقد انقسم الناس في فهمهم لهذه المحبة إلى ثلاثة أقسام هي:\nالقسم الأول: أهل الإفراط.\nالقسم الثاني: أهل التفريط.\nالقسم الثالث: الذين توسطوا بين الإفراط والتفريط.\nأما أصحاب القسم الأول: فهم الذين بالغوا في محبته بابتداعهم أمورًا لم يشرعها الله ورسوله ﷺ، ظنًا منهم أن فعل هذه الأمور هو علامة المحبة وبرهانها.\nومن تلك الأمور احتفالهم بمولده، ومبالغتهم في مدحه، وإيصاله إلى أمور لا تنبغي إلا لله تعالى ومن ذلك قول قائلهم:\nيا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\nإن لم تكن في معادي آخذًا بيدي ... فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم (٣)\nوقوله:\nفإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم\nفإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﷺ، ومن بعض علومه علم اللوح والقلم لأن (من) للتبعيض، فماذا للخالق جل وعلا؟\nإضافة إلى صرف بعض أنواع العبادة له كالدعاء، والتوسل، والاستشفاع، والحلف به، والطواف، والتمسح بالحجرة التي فيها قبره ﷺ إلى غير ذلك من البدعيَّات والشركيَّات التي تفعل بدعوى المحبة للرسول ﷺ، وهي أمور لم يشرعها الله ورسوله ﷺ ولم يفعلها الصحابة رضوان الله عليهم الذين عرفوا بإجلالهم وتقديرهم ومحبتهم لرسول الله ﷺ، وإضافة إلى ذلك فإن ما يقوم به هؤلاء هي أمور مخالفة لما جاء به الشارع، بل هي أمور قد حذر الشارع من فعلها، ولقد صار حظ أكثر أصحاب هذا القسم منه ﷺ مدحه بالأشعار والقصائد المقترنة بالغلو والإطراء الزائد الذي حذر منه الشارع الكريم، مع عصيانهم له في كثير من أمره ونهيه، فتجد هذا النوع من أعصى الخلق له صلوات الله عليه وسلامه (٤).\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص ٤٢٠، ٤٢١) بتصرف يسير.\n(٢) «الرد على الأخنائي» (ص: ٢٣١).\n(٣) «ديوان البوصيري» (ص: ٢٣٨).\n(٤) «تيسير العزيز الحميد» (ص: ١٨٦).","vol":"1","page":275},{"text":"فيا ترى أي محبة هذه التي يخالف أصحابها شرع نبيهم، فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله، فكرهوا ما أحب الله ورسوله، وأحبوا ما كرهه الله ورسوله. فكيف تكون لهؤلاء محبة وهم قد ابتدعوا ما ابتدعوه من أمور لم تشرع في الدين، ونعلم أن رسول الله ﷺ قد تبرأ ممن ابتدع في هذا الدين فقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) ..\nوالذي يجب على أمثال هؤلاء أن يعلموا أن محبة الرسول وتعظيمه إنما تكون بتصديقه فيما أخبر به عن الله، وطاعته فيما أمر به، ومتابعته، ومحبته وموالاته، لا بالتكذيب بما أرسل به، والإشراك به والغلو فيه، فهذا لا يعدو كونه كفرًا به، وطعنًا فيما جاء به ومعاداة له (٢).\nكما يجب عليهم أن يفرقوا بين الحقوق التي يختص بها الله وحده، وبين الحقوق التي له ولرسله، والحقوق التي يختص بها الرسول، فقد ميز سبحانه بين ذلك في مثل قوله وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح: ٩]، فالتعزير والتوقير للرسول والتسبيح بكرة وأصيلًا لله، وكما قال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ، فالطاعة لله ولرسوله، والخشية والتقوى لله وحده وكما يقول المرسلون: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح: ٣].\nفعلى هؤلاء أن يعلموا أن محبة الرسول ﷺ لا تنال بدعائه والاستغاثة به، فتلك أمور صرفها لغير الله يعد شركًا مع الله، فالله وحده هو الذي يدعى، ويستغاث به، فهو رب العالمين، وخالق كل شيء، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهو القريب الذي يجيب الداع إذا دعاه، وهو سميع الدعاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ...\nأما أصحاب القسم الثاني: فهم أهل التفريط الذين قصروا في تحقيق هذا المقام فلم يراعوا حقه ﷺ في وجوب تقديم محبته على محبة النفس والأهل والمال. كما لم يراعوا ماله من حقوق أخرى كتعزيره، وتوقيره، وإجلاله، وطاعته، واتباع سنته، والصلاة والسلام عليه، إلى غير ذلك من الحقوق العظيمة الواجبة له. والسبب في ذلك يعود إلى إحدى الأمور التالية أو إليها جميعًا وهي:\nأولًا: إعراض هؤلاء عن سنة نبيهم ﷺ وعن اتباع شرعه بسبب ما هم عليه من المعاصي، وإسرافهم في تقديم شهوات أنفسهم وأهوائهم على ما جاء في الشرع من الأوامر والنواهي.\nثانيًا: اعتقاد الكثير أن مجرد التصديق يكفي في تحقيق الإيمان، وأن هذا هو القدر الواجب عليهم، ولذا تراهم يكتفون بالتصديق بنبوة محمد ﷺ، دون تحقيق المتابعة له، وهذا هو حال أهل الإرجاء الذين يؤخرون العمل عن مسمى الإيمان، ويقولون إن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، أو تصديق القلب وإقرار اللسان، وما أكثرهم في زماننا هذا.\nثالثًا: جهل الكثير منهم بأمور دينهم بما فيها الحقوق الواجبة له ﷺ، والتي من ضمنها محبته ﷺ، فكثير من الناس - ولا حول ولا قوة إلا بالله - ليس لهم من الإسلام إلا اسمه وليس لهم من الدين إلا رسمه.\nفالواجب على هؤلاء أن يعودوا إلى رشدهم، وأن يقلعوا عن غيهم، وما هم عليه من المعاصي والذنوب التي هي سبب نقصان إيمانهم، وضعف محبتهم، وبعدهم عما يقربهم إلى الله تعالى.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).\n(٢) «الرد على الأخنائي» (ص: ٢٤، ٢٥) بتصرف.","vol":"1","page":276},{"text":"كما يجب عليهم أن يعلموا أن مجرد التصديق لا يسمى إيمانًا بل الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان، فليس لأحد أن يخرج العمل عن مسمى الإيمان، فلذلك يجب على كل من يؤمن بالله ورسوله أن يطيع الله ورسوله، ويتبع ما أنزل الله من الشرع على رسوله ﷺ، فبذلك يحصل الإيمان، فإن الاتباع هو ميزان الإيمان، فبحسب اتباع المرء يكون إيمانه، فمتى ما قوي اتباعه قوي إيمانه والعكس بالعكس.\nكما يجب عليهم معرفة أمور دينهم وبخاصة الواجب منها، والتي من ضمنها معرفة ما للمصطفى ﷺ من الحقوق الواجبة، فلقد ذم الله ﵎ أولئك النفر الذين لم يعرفوا ما للنبي ﷺ من حق في عدم رفع الصوت عند مخاطبته أو مناداته، ووصفهم الله بأنهم لا يعقلون قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات: ٤]، وفي السورة نفسها أثنى على الذين عرفوا حق المصطفى ﷺ فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات: ٣]، والله ﷾ يقول في كتابه العزيز قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]. وليعلم هؤلاء أنه لا يتحقق لهم إيمان ولا محبة إلا باتباعهم للمصطفى ﷺ، واقتدائهم بسنته، والسير على نهجه وهداه.\nأما القسم الثالث: فهم الذين توسطوا بين الطرفين السابقين أهل الإفراط وأهل التفريط. فأصحاب هذا القسم هم السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم، الذين آمنوا بوجوب هذه المحبة حكمًا، وقاموا بمقتضاها اعتقادًا وقولًا وعملًا. فأحبوا النبي ﷺ فوق محبة النفس، والولد، والأهل، وجميع الخلق امتثالًا لأمر الله وأمر رسوله ﷺ، فجعلوه أولى بهم من أنفسهم تصديقًا لقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: ٦]، وأيقنوا بوجوب أن يوقى بالأنفس والأموال طاعة لقوله تعالى: مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [التوبة: ١٢٠]. وقاموا بمقتضى هذه المحبة اعتقادًا وقولًا وعملًا بحسب ما أو جب الله لنبيه ﷺ من حقوق على القلب واللسان والجوارح من غير إفراط ولا تفريط. فآمنوا وصدقوا بنبوته ورسالته وما جاء به من ربه ﷿. وقاموا- بحسب استطاعتهم- بما يلزم من طاعته، والانقياد لأمره، والتأسي بفعله، والاقتداء بسنته، إلى غير ذلك مما يعد من لوازم الإيمان برسالته.\nقال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] وامتثلوا لما أمر به ﷾ من حقوق زائدة على مجرد التصديق بنبوَّته وما يدخل في لوازم رسالته.\nفمن ذلك امتثالهم لأمره سبحانه بالصلاة عليه والتسليم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. وما أمر به سبحانه من تعزيره وتوقيره قال تعالى: وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ. فتعزيره يكون بنصره، وتأييده، ومنعه من كل ما يؤذيه ﷺ.","vol":"1","page":277},{"text":"وتوقيره: يكون بإجلاله وإكرامه، وأن يعامل بالتشريف، والتكريم، والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار (١).\nويدخل في ذلك مخاطبته بما يليق قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا.\nوحرمة التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، وحرمة رفع الصوت فوق صوته وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات: ١ - ٣].\nفقاموا بهذه الأمور امتثالًا وطاعة لأمر الله ﵎، وأدوا ما فرض عليهم من الحقوق الأخرى التي يطول ذكرها .... وهم مع قيامهم بهذه الأمور لم يتجاوزوا ما أمروا به، فلم يغالوا ولم يبالغوا كما فعل أهل الإفراط الذين وصفوا النبي ﷺ بأمور لا تنبغي لغير الله كعلم الغيب، وصرفوا له أمورًا لا يجوز صرفها لغير الله كدعائه، والسجود له، والاستغاثة به والطواف بقبره.\nبل هم مؤمنون بأن ما أكرم الله به نبيه ﷺ من النبوة، والرسالة، والرفعة، وعظم القدر، وشرف المنزلة، كل ذلك لا يوجب خروجه عن بشريته وعبوديته لله قال تعالى: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٣].\nواعتقدوا أنه ليس من المحبة في شيء الغلو في حقه وقدره ووصفه بأمور قد اختص الله بها وحده، بل علموا أن في هذا مخالفة ومضادة لتلك المحبة، ومناقضة لما أمر به ﷾ نبيه ﷺ أن يقوله لأمته: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النمل: ٦٥].\nوقال تعالى: قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٨٨].\nفكل غلو في حقه ﷺ ليس من محبته في شيء بل يعد مخالفة لما أمر به فيجب الابتعاد عن ذلك والحذر من عقوبته قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ كما يعد مشاقة للرسول ﷺ. قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥]، ولذا فإنه يجب الحذر من حال الغلاة الذين غلوا في حق النبي ﷺ بما ابتدعوه من الأمور التي لم يشرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله، بل حذر الله ورسوله منها.\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص: ٤٢٢).","vol":"1","page":278},{"text":"وقد يظن البعض بأن السير على منهج أهل التوسط فيه انتقاص من قدر النبي ﷺ وغمط لحقه، والأمر على عكس ما يظنون فالذي يعتقده السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين أن الحق الواجب أن يثنى على النبي ﷺ بما هو أهل له من الخصائص الثابتة له التي خصه الله بها، والفضائل العظيمة التي شرفه بها، والصفات الحقيقية والخلقية التي كان عليها، وذلك للتعرف وتعريف الناس بفضله ومكانته وعظيم قدره عند الله وعند خلقه حتى يتأسى ويقتدى به في أقواله وأفعاله، فهو الأسوة والقدوة عليه أفضل الصلاة والتسليم قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١].\nفمن صميم المحبة له ﷺ الاشتغال بمعرفة سيرته بقصد التأسي والاقتداء بما كان عليه من كريم الخصال، ومحاسن الأفعال والأقوال. وكذا معرفة شمائله، ودلائل نبوته التي تعمق إيمان المسلم بصدق نبوته، وتزيد في محبته وتعظيمه ﷺ. ولقد اهتم السلف بهذه الجوانب وأولوها رعايتهم واهتمامهم، فاعتنوا بتأليف المؤلفات التي أوضحت هذه الجوانب وأبرزتها، فقد ألفت لهذا الغرض كتب الشمائل التي اعتنت بذكر صفاته وأحواله في عباداته، وخلقه، وهديه، ومعاملاته (١)، كما ألفت كتب الدلائل التي اعتنت بدلائل وعلامات نبوته ﷺ (٢).\nهذا بالإضافة إلى ما كتب في الفضائل والخصائص التي كانت للنبي ﷺ. كما اعتنوا بأصل هذه الجوانب جميعها ألا وهو سيرته الشريفة ﷺ، فقد ألفت لهذا الغرض المؤلفات التي اعتنت بحياته منذ ولادته إلى وفاته، وضمت في جوانب ذلك الحديث عن نشأته، وبعثته، وما حدث له من الأمور قبل الهجرة وبعدها، وما كان من أمر دعوته، وغزواته، وسراياه، وما يتعلق بهذه الجوانب وغيرها مما هو داخل في سيرته (٣). فقد دونت هذه الجوانب جميعها وخدمت بقصد أن يتأسى الناس به ﷺ، وأن يتعرفوا على كمال ذاته ﷺ وما تميز به من صفات، وتفرد به من أخلاق، لتزيد تلك المعرفة من محبتهم له، وتنميتها في قلوبهم، ولتبعث في نفوسهم تعظيمه وإجلاله.\nوبهذا يعلم أن أهل التوسط لم ينتقصوا من قدره ﷺ، بل حفظوا وحافظوا على كل ما من شأنه أن يضمن استمرارية محبة الأمة وتعظيمها له.\nفهذه حال أهل التوسط وهذا هو منهجهم، فمن أراد أن يسير على النهج القويم، ويسلك الصراط المستقيم فعليه بسبيل أهل الإيمان وطريقهم، ألا وهو الكتاب والسنة، فذاك طريق الحق، والحق أحق أن يتبع.\nوهذا منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، فقد كانت محبتهم للنبي ﷺ تحكمها قواعد الكتاب والسنة، فما أمر به الشارع ائتمروا به، وما نهى عنه الشارع انتهوا عنه، ولم يحكموا في هذه المحبة عواطفهم وأهواءهم كما فعل أهل الإفراط الذين زلت بهم أقدامهم بسبب غلوهم في حقه، ذاك الغلو الذي دفعهم إليه تحكيم أهوائهم، وهو غلو ما أنزل الله به من سلطان، بل إن نصوص الشرع تنص على تحريمه، وإنه ليصدق وصف أهل الإفراط بقوله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠].\nفخلاصة القول في هذا الجانب أن المفهوم الصحيح لمحبته ﷺ يتمثل في ذلك المفهوم الذي كان عليه سلف الأمة وأئمتها من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، ومن سار على نهجهم وسلك سبيلهم. ذلك المفهوم المستمد من آيات القرآن ونصوص السنة والذي لم يخرج عنهما قيد أنملة. حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٢٨٩\n_________\n(١) من تلك الكتب: كتاب «الشمائل» للترمذي، وكتاب «الشمائل» لابن كثير.\n(٢) منها: كتاب «دلائل النبوة» لأبي نعيم الأصبهاني، وكتاب «دلائل النبوة» للبيهقي.\n(٣) ومن أشمل الكتب التي تحدثت عن سيرته ﷺ كتاب «السيرة لابن كثير».","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>المسالة الثانية: التحذير من المحبة البدعية</span>\nيظن البعض من الناس أن له الحق في التعبير عن محبته للنبي ﷺ بما يراه ويستحسنه من الأمور، من غير أن يراعي في ذلك قواعد الشرع وأصوله، وهذا الصنف من الناس تراه منساقًا مع عواطفه، جاعلًا لها حق التشريع في هذا الدين. فتراه يغلو في حق النبي ﷺ حتى كمل به إلى بعض مراتب الألوهية. وتراه يبتدع في دين الله أمورًا تصل إلى حد العظائم. وتراه يقدم على الشركيات والكفريات. وكل ذلك بدعوى محبة النبي ﷺ ولقد حكم الله ﷿ بالضلال على هذا الصنف فقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص: ٥٠].\nفالمتبعون لعواطفهم وأهوائهم المحكمون لها، لابد وأن يكونوا نابذين لهدي الله المتمثل في الكتاب والسنة، واللذين يشتملان على قواعد هذا الدين وأصوله والتي من ضمنها تحريم الابتداع في الدين والإحداث فيه، وتحريم الغلو بشتى مظاهره وأشكاله، وتحريم الشرك بمختلف صوره وألوانه.\nولذلك حكم الله بضلالهم وغوايتهم، وبعدهم عن الصراط المستقيم. فحري بأمثال هؤلاء أن يقلعوا عن غيهم، وأن يحكموا في عواطفهم كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ.\nفمحبة النبي ﷺ من الدين، وتحقيقها يكون عن طريق ما شرع في هذا الدين، لا عن طريق البدع وما تهواه النفوس، فالبدع قد حذرنا نبينا ﷺ منها بقوله: «إياكم ومحدثات الأمور» (١) وهذا الحديث يعني في هذا المقام أن ليس لأحد الحق في التعبير عن محبة النبي ﷺ إلا بما جاء به النبي ﷺ، فعلى المسلم أن يدرك هذا الأمر، وليحذر من سبل أهل الضلال والانحراف.\nقال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣].\nوإن الناظر في أحوال أولئك المفتونين بالبدع تحت دعوى محبة النبي ﷺ يجد أنهم قد رغبوا في تلك الأمور المبتدعة لأنها أمور لا مشقة فيها على النفس، فجعلوها بدلًا مما يجب عليهم من الأعمال والطاعات التي تشق على نفوسهم الضعيفة المريضة، فالمحبة عند هؤلاء تنحصر في مظاهر التعظيم اللساني المليء بالغلو والشرك، والمقترن بالاجتماع على موائد الطعام والذي لا يخلو في بعض الأحيان من المنكرات والمحرمات.\nويحق للمرء أن يتساءل: أي محبة هذه التي تجيز لهؤلاء أن يبتدعوا في دين الله بزيادة أو نقص، أو تغيير أو تبديل؟ لاشك أن فعل هذه الأمور يناقض المحبة ويضادها جملة وتفصيلًا، ولا عذر لفاعلها فيما أقدم عليه وإن كان فعل ذلك بحسن نية، فحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين، فلقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية، فمازالوا على حالهم تلك حتى صارت أديانهم على غير ما جاءت به رسلهم.\nومما يؤسف له أن كثيرًا من الناس يتمسك بتلك البدع تقليدًا لمشائخه أو عشيرته أو أهل بلده. إلى غير ذلك من العصبيات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي أعمت بصائر الكثير منهم وأضلتهم عن سبيل الله.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤)، والحاكم (١/ ١٧٦). من حديث العرباض بن سارية. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي. وقال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٤): ثابت صحيح، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"1","page":280},{"text":"ولقد كان من الحري بهؤلاء أن يقتدوا بصحابة رسول الله ﷺ، الذين كانوا أشد الأمة محبة للنبي ﷺ، وأشدهم تعظيما له، وكانوا أحرص الناس على الخير ممن جاء بعدهم، والذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في هذا السبيل. فلقد كان من سنن الصحابة رضوان الله عليهم حرصهم على اتباع النبي ﷺ لأنهم يؤمنون بأن منشأ محبته وثباتها وقوتها إنما يكون بمتابعته ﷺ في أقواله، وأفعاله، وسلوكه، وتصرفاته.\nكما أنهم يؤمنون بأن الابتداع في الدين يضاد تلك المحبة وينافيها ولذلك لم يعهد عنهم أنهم ابتدعوا أشياء من عند أنفسهم لإظهار محبتهم للنبي ﷺ كما ابتدع المتأخرون ما ابتدعوه من البدع تحت ستار المحبة والتعظيم له ﷺ. فإذا كان هذا هو شأن الصحابة فيما أثر عنهم من الآثار وهم المشهود لهم بأنهم أشد الأمة وأفضلها محبة وتعظيمًا للنبي ﷺ، أفلا يسع من جاء بعدهم ما وسعهم، فيتركوا تلك الأمور المبتدعة التي أحدثت من بعدهم، والتي لم يأذن بها الله ولم تكن من هدي رسول الله ﷺ، ولا من عمل أصحابه ﵃ وأرضاهم، ومن لم يتسع له ما اتسع للصحابة ﵃، فلا وسع الله عليه في الدنيا ولا في الآخرة.\nفعن قتادة قال: قال ابن مسعود ﵁: (من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) (١) حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٣٦٧\n_________\n(١) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٩).","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>المسألة الأولى: معنى التعزير، والتوقير، والتعظيم</span>.\nقال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩].\nوقال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧].\nأ- أما التعزير في اللغة:\nفيقول صاحب معجم مقاييس اللغة عن أصل هذه الكلمة: (عزر) العين والزاء. والراء: كلمتان:\nأحدهما: التعظيم والنصر. والكلمة الأخرى: جنس من الضرب. فالأولى: النصر والتوقير كقوله تعالى: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ والأصل الآخر: التعزير وهو الضرب دون الحد (١).\nوفي النهاية في غريب الحديث (أصل التعزير: المنع والرد. فكأن من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه. ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد تعزير، لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب، يقال عزرته، وعزرته. فهو من الأضداد) (٢).\nوجاء في تهذيب اللغة: (عزر) قال الله ﷿: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ\nجاء في التفسير في قوله تعالى وَتُعَزِّرُوهُ أي لتنصروه بالسيف وَعَزَّرْتُمُوهُمْ عظمتموهم. وقيل: نصرتموهم.\nواللفظة تستعمل لعدة معان هي:\n١ - التعزير: النصر باللسان والسيف.\n٢ - التعزير: التوقير.\n٣ - التعزير: التأديب دون الحد.\n٤ - التعزير: التوقيف على الفرائض والأحكام (٣).\nوأما عن المعنى الشرعي المراد هنا:\nفعن ابن عباس ﵄: وَعَزَّرُوهُ يقول: (حموه ووقروه) (٤).\nوعن مجاهد قال: (عزروه: سددوا أمره، وأعانوا رسوله ونصروه) (٥).\nوعن قتادة في قوله: وَتُعَزِّرُوهُ قال: (ينصروه) (٦).\nوقال ابن جرر الطبري: وَعَزَّرُوهُ (وقروه، وعظموه، وحموه، من الناس) (٧).\nوقال أيضًا بعد أن نقل قول ابن عباس ومجاهد وقتادة: (وهذه الأقوال متقاربات المعنى، وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها، ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنصر والمعونة، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال) (٨).\nوقال شيخ الإسلام: (التعزير: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه) (٩).\nب- وأما عن التوقير في اللغة:\nففي معجم مقاييس اللغة: (وقر) الواو. والقاف. والراء: أصل يدل على ثقل في الشيء ... ومنه الوقار: الحلم والرزانة (١٠).\nوجاء في تهذيب اللغة: (وقر الرجل من الوقار، يقر، فهو وقور. ووقرت الرجل: إذا عظمته، ومنه قوله ﷿: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ (١١».\nوفي لسان العرب: (وقر الرجل: بجله، والتوقير: التعظيم والترزين) (١٢).\nوأما المعنى الشرعي المراد هنا:\nفقال ابن عباس: (وَتُوَقِّرُوهُ يعني التعظيم) (١٣).\nوقال قتادة: (وَتُوَقِّرُوهُ أمر الله بتسويده وتفخيمه) (١٤).\nوقال أيضًا: (وَتُوَقِّرُوهُ أي ليعظموه) (١٥).\nوقال ابن جرير الطبري: (فأما التوقير فهو التعظيم والإجلال والتفخيم) (١٦).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (التوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار) (١٧).\nقال ابن كثير: (التوقير: هو الاحترام، والإجلال، والإعظام) (١٨).\nج- وأما التعظيم في اللغة:\nففي لسان العرب (التعظيم: التبجيل: يقال لفلان عظمة عند الناس: أي حرمة يعظم لها) (١٩).\nولفظ (التعظيم) لا يرد في خطاب الشارع كما ورد لفظ (التعزير) و(التوقير) لكن العلماء استعملوه في كلامهم عند هذه المسألة وذلك لقربه في المعنى إلى ذهن السامع، ولتأديته للمعنى المراد من لفظتي (التعزير) و(التوقير). حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -٢/ ٤١٩\n_________\n(١) «مقاييس اللغة» (٤/ ٣١١).\n(٢) «النهاية» (٣/ ٢٢٨).\n(٣) «تهذيب اللغة» (٢/ ١٢٩ - ١٣٠) بتصرف.\n(٤) «تفسبر الطبري» (٩/ ٨٥).\n(٥) «تفسير الطبري» (٩/ ٨٥).\n(٦) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٧٥).\n(٧) «تفسير الطبري» (٩/ ٨٥).\n(٨) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٧٥).\n(٩) «الصارم المسلول» (ص ٤٢٢).\n(١٠) «معجم مقاييس اللغة» (٦/ ١٣٢).\n(١١) «تهذيب اللغة» (٩/ ٢٨٠).\n(١٢) «لسان العرب» (٥/ ٢٩١).\n(١٣) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٧٤).\n(١٤) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٧٤).\n(١٥) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٧٥).\n(١٦) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٧٥).\n(١٧) «الصارم المسلول» (ص٤٢٢).\n(١٨) «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٨٥).\n(١٩) «لسان العرب» (١٢/ ٤١٠ - ٤١١).","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>المسألة الثانية: وجوب توقيره وتعظيمه ﷺ والأدلة على ذلك</span>\nإن تعظيم النبي ﷺ، وإجلاله، وتوقيره، شعبة عظيمة من شعب الإيمان، وهذه الشعبة غير شعبة المحبة (١) بل إن منزلتها ورتبتها فوق منزلة ورتبة المحبة. ذلك لأنه ليس كل محب معظمًا، ألا ترى أن الوالد يحب ولده ولكن حبه إياه يدعوه إلى تكريمه ولا يدعوه إلى تعظيمه.\nوالولد يحب والده فيجمع له بين التكريم والتعظيم. والسيد قد يحب مماليكه، ولكنه لا يعظمهم. والمماليك يحبون ساداتهم ويعظمونهم.\nفعلمنا بذلك أن التعظيم رتبته فوق رتبة المحبة (٢).\nفمن حق النبي ﷺ على أمته أن يهاب ويعظم ويوقر ويجل أكثر من كل ولد لوالده، ومن كل عبد لسيده، فهذا حق من حقوقه الواجبة له مما يزيد على لوازم الرسالة، وهو ما أمر الله به في كتابه العزيز قال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩].\nوقال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧].\nفأبان أن حق الرسول ﷺ في أمته أن يكون معزرًا موقرًا مهيبًا. وأخبر سبحانه أن الفلاح إنما يكون لمن جمع بين الإيمان به وتعزيره، ولا خلاف في أن التعزير هاهنا التعظيم (٣).\nوفي الجمع الحاصل في الآيتين بين الإيمان به وتعظيمه، تنبيه وإرشاد إلى أن القيام بحقوقه ﷺ يعد من الإيمان الواجب الذي لا يتم إيمان العبد إلا به. قال الحليمي: (فمعلوم أن حقوق رسول الله ﷺ أجل، وأعظم، وأكرم، وألزم لنا، وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم، والآباء على أولادهم، لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا، وأبداننا، وأعراضنا، وأموالنا، وأهلينا، وأولادنا في العاجلة، فهدانا به لما إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم. فأية نعمة توازي هذه النعم، وأية منة تداني هذه المنن. ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته، وتوعدنا على معصيته بالنار. ووعدنا باتباعه الجنة. فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة، وأي درجة تساوي في العلا هذه الدرجة. فحق علينا أن نحبه، ونجله، ونعظمه، ونهابه أكثر من إجلال كل عبد سيده، وكل ولد والده. وبمثل هذا نطق القرآن، ووردت أوامر الله جل ثناؤه) (٤).\nففي القرآن الكريم آيات كثيرة جاء فيها التأكيد على هذا الحق من حقوقه ﷺ وبخاصة في جوانب معينة من جوانب تعظيمه ومن تلك الآيات ما يلي:\n١ - قوله تعالى: لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣] (ففي هذه الآية نهي من الله أن يدعوا رسول الله ﷺ بغلظ وجفاء، وأمر لهم أن يدعوه بلين وتواضع) (٥).\nوروى الطبري بسنده عن مجاهد في تفسيرها فقال: (أمرهم أن يدعوه يا رسول الله في لين وتواضع، ولا يقولوا: يا محمد، في تجهم) (٦).\nوعن قتادة قال: (أمرهم أن يفخموه ويشرفوه) (٧).\n_________\n(١) انظر «المنهاج في شعب الإيمان» للحليمي (٢/ ١٢٤) الشعبة الخامسة عشرة. وكذلك «الجامع في شعب الإيمان» للبيهقي (١/ ٣٠٠) الشعبة الخامسة عشرة.\n(٢) «المنهاج في شعب الإيمان» للحليمي (٢/ ١٢٤).\n(٣) «المنهاج في شعب الإيمان» (٢/ ١٢٥) بتصرف.\n(٤) «المنهاج في شعب الإيمان» (١٢٤ - ١٢٥) و«الجامع لشعب الإيمان» (٣٠٢ - ٣٠٣).\n(٥) «تفسير الطبري» (١٨/ ١٧٧).\n(٦) «تفسير الطبري» (١٨/ ١٧٧).\n(٧) «تفسير الطبري» (١٨/ ١٧٧).","vol":"1","page":283},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تفسيرها: (خص الله نبيه في هذه الآية بالمخاطبة بما يليق به، فنهى أن يقولوا: يا محمد، أو يا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، وكيف لا يخاطبونه بذلك، والله سبحانه أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدًا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [الأحزاب: ٢٨] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ [الأحزاب: ٥٠] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب: ١] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ١] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ [المزمل: ١ - ٢] يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: ١ - ٢] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ [الأنفال: ٦٤].\nمع أنه سبحانه قال: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ [البقرة: ٣٥] قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة: ٣٣] يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: ٤٦] يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [هود: ٧٦] يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [الأعراف: ١٤٤] يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ [ص: ٢٦] يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ [المائدة: ١١٠]) (١).\nوقال ﵀: (وإذا كنا في باب العبارة عن النبي ﷺ علينا أن نفرق بين مخاطبته والإخبار عنه. فإذا خاطبناه كان علينا أن نتأدب بآداب الله تعالى حيث قال: لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣] فلا تقول يا محمد، يا أحمد، كما يدعو بعضنا بعضًا بل نقول: يا رسول الله، يا نبي الله. والله ﷾ خاطب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم فقال: يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة: ٣٥] يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [هود: ٤٨] يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه: ١١ - ١٢] يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: ٥٥].\nولما خاطبه ﷺ قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال: ٦٤] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة: ٤١] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل: ١] يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر: ١٠] فنحن أحق أن نتأدب في دعائه وخطابه.\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص ٤٢٢ - ٤٢٣).","vol":"1","page":284},{"text":"وأما إذا كنا في مقام الإخبار عنه قلنا: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله) وقلنا: محمد رسول الله وخاتم النبيين، فنخبر عنه باسمه كما أخبر الله سبحانه لما أخبر عنه ﷺ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠] وقال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا [الفتح:٢٩] وقال: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: ١٤٤] وقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ [محمد: ٢].\nفالفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل (١).\n٢ - وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحجرات: ١ - ٥] فهذه الآيات اشتملت على جملة من الآداب التي أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يجب أن يعاملوا به الرسول ﷺ من التوقير، والاحترام، والتبجيل، والإعظام وهذه الآداب هي:\nأولًا: أنه حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.\nقال ابن كثير في معناها: (أي لا تسارعوا في الأشياء بين يديه أي: قبله، بل كونوا تبعًا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ ﵁ حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال ﷺ: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ. قال ﷺ: فإن لم تجد؟ قال ﵁: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله ﷺ» (٢).\nفالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقدم بين يدي الله ورسوله) (٣).\n_________\n(١) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٩٧، ٢٩٨).\n(٢) رواه أبو داود (٣٥٩٢)، والترمذي (١٣٢٧)، وسكت عن أبي داود. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وصححه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٩/ ٢١٢). وقال الذهبي في «تلخيص العلل المتناهية» (٢٦٩): حسن الإسناد ومعناه صحيح. وقال ابن الملقن في «شرح البخاري» (٣٣/ ٦٩): إسناده جيد.\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٠٥).","vol":"1","page":285},{"text":"وقال الحليمي عند تعليقه على هذه الآية: (والمعنى لا تقدموا قولًا أو فعلًا بين يدي قول رسول الله ﷺ وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر دين أو دنيا، بل أخروا أقوالكم وأفعالكم إلى أن يأمر رسول الله ﷺ في ذلك بما يراه، فإنكم إذا قدمتم بين يديه كنتم مقدمين بين يدي الله ﷿، إذ كان رسوله لا يقضي إلا عنه، وَاتَّقُوا اللَّهَ أي احذروا عقابه بتقديمكم يين يدي رسول الله ومعاملته بما يوهم الاستخفاف به، ومخالفة شيء مما يأمركم به عن الله بوحي متلو أو بوحي غير متلو إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي سميع لما تقدمونه بين يدي رسوله ﷺ، أو تأتونه اقتداء به واتباعًا له، عليم بما يكون منكم من إجلاله أو خلاف ذلك، فهو يجزيكم بما سمعه ويعلمه منكم) (١).\nولقد تأدب الصحابة مع ربهم ومع رسولهم، فما عاد بعد نزول هذه الآية مقترح منهم يقترح على الله ورسوله، وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله ﷺ أن يدلي به، وما عاد أحد يقضي برأيه في أمر أو حكم إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول النبي ﷺ.\nحتى كان الرسول ﷺ يسألهم عن اليوم الذي هم فيه، والمكان الذي هم فيه، وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم: الله ورسوله أعلم. خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله. ومن ذلك ما جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ﵁ أن النبي ﷺ- سأل في حجة الوداع: «أي شهر هذا؟ .. قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أن سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى. قال: فأي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس البلدة؟ قلنا بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا بلى. ..» (٢) الحديث. فهذه صورة من الأدب، ومن التحرج، ومن التقوى التي انتهى إليها الصحابة بعد سماعهم ذلك النداء، وذلك التوجيه، وتلك الإشارة إلى التقوى، تقوى الله السميع العليم.\nثانيًا: أنه حرم رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل، وهذا من باب الأدب مع النبي ﷺ في الحديث والخطاب، ومن التوقير الذي يجب له، ذلك التوقير الذي ينعكس على نبرات أصوات الصحابة ليتميز بذلك شخص الرسول ﷺ بينهم ويميز مجلسه فيهم، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢].\n_________\n(١) «المنهاج في شعب الإيمان» (٢/ ١٢٧).\n(٢) رواه البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩).","vol":"1","page":286},{"text":"قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: (هذا أدب ثانٍ أدب الله تعالى به المؤمنين، أن لا يرفعوا أصواتهم يين يدي النبي ﷺ فوق صوته، وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، فعن ابن أبي مليكة قال: (كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر ﵄، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس ﵁ أخي بن مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع لا أحفظ اسمه فقال أبو بكر لعمر ﵄: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ الآية) قال ابن الزبير ﵁: فما كان عمر ﵁ يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر) (١).\nفقد نهى الله ﷿ عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله ﷺ، وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي ﷺ قد ارتفعت أصواتهما فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا) (٢).\nوقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره ﷺ كما كان يكره في حياته ﵊، لأنه محترم حيًّا وفي قبره ﷺ دائمًا.\nثم نهي عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبة من عداه، بل يخاطب بسكينة، ووقار، وتعظيم، ولهذا قال ﵎: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ كما قال: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا.\nوقوله ﷿: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالًا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض» (٣).\nثم ندب الله تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك، وأرشد إليه ورغب فيه فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى أي أخلصها لها، وجعلها أهلًا ومحلًا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٤).\nوجاء في الكشاف عند تفسير هذه الآيات قوله: (أعاد النداء عليهم- أي في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتطرية الإنصات لكل حكم نازل، وتحريك هممهم لئلا يفتروا ويغفلوا عن تأملهم، وما أخذوا به عند حضور مجلس رسول الله ﷺ من الأدب الذي المحافظة عليه تعود عليهم بعظيم الجدوى في دينهم.\nوذلك لأن في إعظام صاحب الشرع إعظام ما ورد به، ومستعظم الحق لا يدعه استعظامه أن يألو عملًا بما يحدوه عليه، وارتداعًا بما يصده عنه، وانتهاء إلى كل خير.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨٤٥).\n(٢) رواه البخاري (٤٧٠).\n(٣) رواه البخاري (٦٤٧٨).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦).","vol":"1","page":287},{"text":"والمراد بقوله: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ أنه إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون ميزته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق (١). غير خاف، لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبهروا منطقه بصخبكم.\nوبقوله وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ أنكم إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول البين المقرب من الهمس، الذي لا يضاهي الجهر، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم، عاملين بقوله عز شأنه: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وليس الغرض من رفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأن ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء، ويوقر الكبراء، فيتكلف الغض منه، ورده إلى حد يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير. ولم يتناول النهي أيضًا رفع الصوت الذي لا يتأذى به رسول الله ﷺ وهو ما كان منهم في حرب، أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدو أو ما أشبهه، فلم ينهوا عن الجهر مطلقًا حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مقيد بصفة أعلى، الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منه فيما بينهم، وهو الخلو عن مراعاة أبهة النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها) (٢).\n(ومن البداهة أن هذه الآيات وأمثالها في تأديب الأمة وتعليمها إنما جاءت بأسلوبها المعجز لتفخيم شأن النبي ﷺ وإظهار رفعة قدره المنيف، وسمو منزلته ﷺ فوق كل منزلة أحد من الخلق، وهي مسوقة في مواضعها من القرآن الكريم لتعليم الأمة أفرادًا وجماعات الأدب الأكمل مع النبي ﷺ في كل ما يتصل بمخاطبته والتحدث إليه، والإصغاء إلى حديثه، ومجالسته حتى يستشعر المؤمن بقلبه وروحه وكافة إحساساته ومشاعره ما أوجبه الله تعالى من توقيره ﷺ توقيرًا يجلي رفيع قدره، وعظيم مقامه، ويظهر تشريف الله تعالى له بما ميزه به على سائر الخلق، وقد اتفق أهل العلم من أئمة أعلام الأمة على أن حرمته ﷺ بعد وفاته كحرمته في حياته) (٣).\nثالثًا: أن الله ﵎ ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات وهي بيوت نسائه فقال: أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ، ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ أي: لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة (٤)، فكره إليهم النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بشخص النبي ﷺ، ولكن لهم ما يجب عليهم وهو الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم، وحبب إليهم التوبة والإنابة، ورغبهم في المغفرة والرحمة (٥).\n_________\n(١) معناها كما في «حاشية ابن المنير على الكشاف» (٤/ ٣٥١): قوله (كشية الأبلق) في الصحاح (الشية): لون يخالف معظم لون الفرس وغيره. وفيه أيضا: اللغط الصوت والجلبة. وفيه الصخب: الصياح والجلبة.\n(٢) «الكشاف» (٣/ ٥٥٤، ٥٥٥).\n(٣) كتاب «محمد رسول الله ﷺ منهج ورسالة» تأليف محمد الصادق إبراهيم عرجون (٤/ ٣٣٣).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٠٨).\n(٥) «في ظلال القرآن» لسيد قطب (٦/ ٣٣٤٠) بتصرف يسير.","vol":"1","page":288},{"text":"قال الحليمي: (في هذه الآية يسلي الله نبيه ﷺ بما أخبره من أن الذين يصيحون خارج منزله ولا يصبرون حتى يخرج إليهم إنما حملهم على ذاك جهلهم وقلة عقلهم وأكثرهم لا يهتدون إلى ما يلزمهم من تعظيمك في حال مخاطبتك) (١).\n٣ - وقال تعالى: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [التوبة: ١٢٠].\nقال الحليمي: (فأعلمهم أن نفس الرسول ﷺ أكرم، وأشرف، وأزكى، وأجمل من أنفسهم، فلا يسعهم من ذلك أن يصرفوا أنفسهم عما لا يصرف نفسه عنه، فيتخلفوا عنه إذا خرج لجهاد أعداء الله معتذرين من شدة حر، أو طول طريق، أو عوز ماء، أو قلة زاد، بل يلزمهم متابعته ومشايعته على أي حال رضيها لنفسه، وفي هذا أعظم البيان لمن عقل، وأبين الدلالة على وجوب تعظيمه وإجلاله وتوقيره) (٢).\n٤ - وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب: ٥٣].\nفنهاهم ﷾ عن أن يعاملوا رسول الله ﷺ بالتوسع في الانبساط والاسترسال كما يعامل من لا يهاب ولا يتقى، فيدخل بيته بغير إذنه إذا دعاهم إلى طعام لم ينضج، وأحاطوا به منتظرين إدراكه، وإذا حضر الطعام ودخلوا وطعموا لزموا مجالسهم مستأنسين بالمحادثة، وأخبرهم أن ذلك منهي عنه، إذ كان النبي ﷺ قد تأذى منه ويستحى أن يكلمهم، كما أدبهم فيما ينبغي عليهم تجاه معاملتهم مع أزواجه ﷺ، وهذا كله مما يدل على ماله ﷺ من التعظيم، والاحترام.\n٥ - وقد جاء بعد هذه الآيات الأمر بالصلاة والسلام عليه ﷺ حيث قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦].\nووجه إيصال هذه الآية بما قبلها هو أنه لما كان من الواجب على المكلفين تعظيم النبي ﷺ برفع الأذى عنه، وإظهار شرفه وكرامته، فذكر الله تعالى القسم الأول- أي رفع الأذى- في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٣] إلى آخرها وذكر القسم الثاني- أي إظهار شرفه وكرامته- في هذه الآية الثانية، وبدأ بالأول لأن دفع المفاسد أهم.\nوأيضًا لما أرشد الله تعالى المؤمنين إلى تعظيمه ﷺ بتعلم سلوك طريق الأدب معه في أشياء كثيرة تتعلق بحياته وموته إظهارًا لشرفه، وتعظيمًا له، عقبه بما يدل على أنه تعالى أيضًا معظم لشأنه أيضًا، وكذلك ملائكته المقربون حملة العرش وحفظته، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.\nوفيه بيان لمنقبة عظيمة له ﷺ، فإن الملك قد يأمر بإكرام شخص ولا يكون عنده بمكان، فأزيل هذا التوهم، وبين أنه أكرم الخلق على ربه تعالى ....\n_________\n(١) «المنهاج في شعب الإيمان» (٢/ ١٢٨).\n(٢) «المنهاج في شعب الإيمان» (٢/ ١٢٦).","vol":"1","page":289},{"text":"٦ - وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨]\nفالله تعالى من تعظيمه لنبيه ﷺ حفظ له كرامته، وصان له حقه، ففرق بين أذاه وأذى المؤمنين، فأوجب على من آذى النبي ﷺ اللعن والطرد من رحمته، وهذا حكم على من آذاه بالكفر، وفي الآخرة له العذاب المهين ومصيره إلى جهنم وبئس المصير. بينما حكم على من آذى المؤمنين بالبهتان والإثم، والفرق يين الحكمين ناتج عن الفرق بين حق النبي ﷺ وحق غيره.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في استدلاله بهذه الآية على وجوب قتل من آذى النبي ﷺ: (ودلالتها من وجوه:\nأحدها: أنه قرن أذاه بأذاه كما قرن طاعته بطاعته، فمن آذاه فقد آذى الله تعالى، وقد جاء ذلك منصوصًا عنه، ومن آذى الله فهو كافر حلال الدم. بين ذلك أن الله تعالى جعل محبة الله ورسوله، وإرضاء الله ورسوله، وطاعة الله ورسوله شيئًا واحدًا فقال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:٢٤] وقال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [آل عمران: ١٣٢] في مواضع متعددة، وقال تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] فوحد الضمير، وفي ذلك إشارة إلى أن إرضاء الله إرضاء للرسول، وإرضاء الرسول فيه إرضاء لله، وقال أيضًا: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠] وقال أيضًا: يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول الأنفال: ١ []\nوجعل شقاق الله ورسوله، ومحادة الله ورسوله، وأذى الله ورسوله، ومعصية الله ورسوله شيئًا واحدًا، فقال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال: ١٣] وقال: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٠] وقال تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة: ٦٣] وقال: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء: ١٤].\nوفي هذا وغيره بيان لتلازم الحقين، وأن جهة حرمة الله تعالى ورسوله جهة واحدة، فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم ويين ربهم إلا بواسطة الرسول، ليس لأحد منهم طريق غيره، ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه، وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن يفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور.\nوثانيها: أنه فرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجعل على هذا أنه قد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة وأعد له العذاب المهين، ومعلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر الإثم وفيه الجلد، وليس فوق ذلك إلا الكفر والقتل.\nالثالث: أنه ذكر أنه لعنهم في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا، واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافرًا، فإن المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات ولا يكون مباح الدم، لأن حقن الدم رحمة عظيمة من الله، فلا تثبت في حقه ...) (١).\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص ٤٠ - ٤١).","vol":"1","page":290},{"text":"ومما يوضح ذلك أن سب النبي ﷺ قد تعلق به عدة حقوق: أ- حق الله سبحانه من حيث كفر برسوله، وعادى أفضل أوليائه وبارزه بالمحاربة، ومن حيث طعن في كتابه ودينه، فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة، ومن حيث طعن في ألوهيته، فإن الطعن في الرسول طعن في المرسِل، وتكذيبه تكذيب لله ﵎ وإنكار لكلامه وأمره وخبره وكثير من صفاته.\nب- وتعلق به حق جميع المؤمنين من هذه الأمة ومن غيرها من الأمم، فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصًا أمته، فإن قيام أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم به، بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة بوساطته وسفارته، فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم، وسب جميعهم، كما أنه أحب إليهم من أنفسهم، وأولادهم، وآبائهم، والناس أجمعين.\nج- وتعلق به حق رسول الله كلها من حيث خصوص نفسه، فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله، وأكثر مما يؤذيه الضرب، بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه، خصوصًا من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه، وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة (١).\n٧ - وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٠٤].\nقال بعض المفسرين: هي لغة كانت في الأنصار، نهوا عن قولها تعظيمًا للنبي ﷺ وتبجيلًا له، لأن معناها ارعنا نرعك، فنهوا عن قولها، إذ مقتضاها كأنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم، بل حقه أن يرعى على كل حال.\nوقيل: كانت اليهود تعرض بها للنبي ﷺ بالرعونة، فنهي المسلمون عن قولها قطعًا للذريعة، ومنعًا للتشبه بهم في قولها لمشاركة اللفظة، وقيل غير هذا (٢).\n٨ - وقال تعالى: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب: ٥٣].\nففي هذه الآية حرم الله على الأمة أن تنكح أزواجه من بعده لأن ذلك يؤذيه، وجعله عظيمًا عند الله تعظيمًا لحرمته ﷺ، فحرم تعالى على الأمة ما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضًا، وذلك تمييزًا لنبيه ﷺ وتعظيمًا لشأنه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت لما قال بعض الناس: لو قد توفي رسول الله ﷺ تزوجت عائشة (٣).\nولو أن أحدًا أقدم على هذا الأمر فنكح أزواجه أو سراريه لكانت عقوبته في الشرع هي القتل جزاء له بما انتهك من حرمته، والدليل على ذلك ما رواه مسلم بسنده عن أنس بن مالك ﵁: «أن رجلًا كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لعلي اذهب فاضرب عنقه فأتاه علي فإذا هو في ركي يتبرد فيها، فقال له علي أخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي عنه، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر» (٤).\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص٣٩٣ - ٣٩٤).\n(٢) «الشفا» (٢/ ٥٩١).\n(٣) «الصارم المسلول» (ص ٥٩).\n(٤) رواه مسلم (٢٧٧١).","vol":"1","page":291},{"text":"قال ابن تيمية ﵀: (فهذا الرجل أمر النبي ﷺ بضرب عنقه لما قد استحل من حرمته، ولم يأمر بإقامة حد الزنا، لأن إقامة حد الزنا ليس هو ضرب الرقبة، بل إن كان محصنًا رجم، وان كان غير محصن جلد، ولا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء أو بالإقرار المعتبر، فلما أمر النبي ﷺ بضرب عنقه من غير تفصيل بين أن يكون محصنًا أو غير محصن علم أن قتله لما انتهكه من حرمته ... فلما تبين أنه كان مجبوبًا علم أن المفسدة مأمونة منه ...) (١).\nوبالإضافة إلى ما تقدم، فقد أوجب الله على الأمة احترام أزواج النبي ﷺ وجعلهن أمهات في التحريم والاحترام (٢).\nفقال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] ففي هذه الآية رفع الله مقام أزواج النبي ﷺ وبوأهن منزلة عالية، وهي منزلة الأمومة لجميع المؤمنين، وفي ذلك من الحرمة والاحترام، والتوقير، والإكرام، والإعظام ما يوجب على كل مسلم أن يحفظ لهن هذا الحق ويؤديه على الوجه المطلوب منه شرعًا.\nوهذه المنزلة لأمهات المؤمنين هي من التشريف والتعظيم الذي أعطاه الله للنبي ﷺ.\n٩ - وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٢ - ٦٣].\nففي هاتين الآيتين الكريمتين منهج تعظيم قدر النبي ﷺ، وبيان ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين في جميع أمورهم التي تربطهم به ﷺ نبيًا ورسولًا، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، وخلع عليه جلابيب حرصه عليهم، وعزة عنتهم عليه .... وجاء في (الكشاف) عند تفسير هذه الآيات: (أراد الله ﷿ أن يريهم عظيم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه، إذا كانوا معه على أمر جامع فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله مع تصدير الجملة بإنما وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبرًا عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم عقبه بما يزيده توكيدًا وتشديدًا حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النور: ٦٢] وضمنه شيئًا آخر، وهو أنه جعل الاستئذان كالمصدق بصحة الإيمان، وعرض بالمنافقين وتسللهم لواذًا) (٣).\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص: ٥٩ - ٦٠).\n(٢) «الصارم المسلول» (ص: ٤٣٣).\n(٣) «الكشاف» (٣/ ٧٨) بتصرف يسير.","vol":"1","page":292},{"text":"وبهذه النصوص يتبين للمسلم أن حقوق رسول الله ﷺ أجل، وأعظم، وأكرم، وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم، والآباء على أولادهم، لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا، وأبداننا، وأعراضنا، وأموالنا، وأهلينا، وأولادنا في العاجلة، فهدانا به لأمر إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم، فأية نعمة توازي هذه النعم، وأية منة تداني هذه المنن. ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته، وتوعدنا على معصيته بالنار، ووعدنا باتباعه الجنة، فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة، وأي درجة تساوي في العلا هذه الدرجة.\nفحق علينا إذًا أن نحبه، ونجله، ونعظمه، ونهابه، فبهذا نكون من المفلحين: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧] فالآية بينت أن الفلاح إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان به تعزيره، ولا خلاف أن التعزير هنا التعظيم (١)، فلقد سجل الله في هذه الآية الفلاح بأسلوب الحصر للذين تأدبوا بهذا الأدب القرآني الرفيع.\nوكما قال تعالى في الإنافة بمقامه الأشرف، وبيان حقه على كل مؤمن ومؤمنة: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٨ - ٩].\nوقد ذهب علماء السلف إلى أن الضمير في قوله جل شأنه: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ راجع إلى رسول الله ﷺ ومعناه: تعظموا رسول الله ﷺ وتفخموه في أدب المخاطبة والتحدث إليه ومجالسته. قال ابن تيمية: (فالتسبيح لله وحده، والتعزير والتوقير للرسول، والإيمان بالله ورسوله) (٢).\nفهذه الآيات وغيرها نزلت لتبين مقام شرف رسول الله ﷺ وعظيم منزلته عند ربه، مما يوجب على المؤمنين برسالته أن يكونوا في مخاطباتهم معه على سنن الإجلال والتعظيم. حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -٢/ ٤٢٣\n_________\n(١) «شعب الإيمان» للبيهقي، شعبة التعظيم (١/ ٣٠٢، ٣٠٣).\n(٢) «بغية المرتاد» (ص ٥٠٤).","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>المطلب السادس: نواقض الإيمان بالنبي ﷺ</span>\nإن مما ينبغي معرفته بعد توضيح معنى الإيمان بالنبي ﷺ، وتبيين شروط الشهادة ومراتبها، أن تعرف نواقض هذا الأمر ومبطلاته حتى يحترز المسلم من الوقوع فيها، فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ...» (١) الحديث.\nوعن عمر بن الخطاب ﵁: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) (٢).\nولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أعظم هذه الأمة إيمانًا لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير، وبغضهم للشر، لما علموه من حسن حال الإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي.\nولمعرفة نواقض الإيمان به ﷺ نقول:\nلما كان الإيمان به ﷺ يعني تصديقه وتصديق ما جاء به ﷺ، والانقياد له، فإن الطعن في أحد هذين الأمرين ينافي الإيمان ويناقضه. فالنواقض على هذا الاعتبار يمكن تقسيمها إلى قسمين:\nالقسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ.\nالقسم الثاني: الطعن فيما أخبر به الرسول ﷺ مما هو معلوم من الدين بالضرورة، إما بإنكاره أو بانتقاصه.\nالقسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ:\nومما يدخل تحت هذا القسم نسبة أي شيء للرسول ﵊ مما يتنافى مع اصطفاء الله له لتبليغ دينه إلى عباده، فيكفر كل من طعن في صدق الرسول ﷺ، أو أمانته، أو عفته، أو صلاح عقله ونحو ذلك.\nكما يكفر من سب الرسول ﷺ، أو عابه، أو ألحق به نقصًا في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه أو العيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يقتل كفرًا، وكذلك من لعنه، أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه مالا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام، وهُجر ومنكر من القول وزور، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو تنقصه ببعض العوارض البشرية الجائزة المعهودة لديه (٣).\nفالساب إن كان مسلمًا فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.\nوإن كان ذميًا فإنه يقتل أيضًا في مذهب مالك وأهل المدينة، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث، وهو المنصوص عن الشافعي نفسه كما حكاه غير واحد (٤).\nوهذا الحكم على الساب والمستهزئ، يستوي فيه الجاد والهازل بدليل قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].\nوهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، (فالسب المقصود بطريق الأولى)، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله ﷺ جادًا أو هازلًا فقد كفر.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧).\n(٢) «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٩٠).\n(٣) «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ٩٣٢) بتحقيق علي محمد البجاوي.\n(٤) «الصارم المسلول على شاتم الرسول» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: ٤، ٨) بتصرف.","vol":"1","page":294},{"text":"وقد رُوي عن رجال من أهل العلم منهم ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة- دخل حديث بعضهم في بعض- أنه قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك رجل منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نلعب ونتحدث حديث الركب، نقطع به عناء الطريق.\nقال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ، وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» ما يلتفت إليه، ولا يزيده عليه (١) (٢).\nفهؤلاء لما تنقصوا النبي ﷺ حيث عابوه والعلماء من أصحابه، واستهانوا بخبره أخبر الله أنهم كفروا بذلك وإن قالوه استهزاء فكيف بما هو أغلظ من ذلك؟ (٣).\nومن الأدلة على كفر الطاعن في شخص الرسول ﷺ قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب: ٥٧].\nواللعن: الإبعاد عن الرحمة، ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافرًا (٤).\nوفي هذه الآية قرن الله بين أذى النبي ﷺ وأذاه، كما قرن في آيات أخر بين طاعته وطاعة نبيه، وفى هذا وغيره بيان لتلازم الحقين، وأن جهة حرمة الله تعالى ورسوله جهة واحدة، فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم وبين ربهم إلا بواسطة النبي ﷺ، وليس لأحد منهم طريق غيره، ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه، وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن يفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور (٥).\nومن الأدلة الواردة في السنة حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله، فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟، قال: نعم ...» الحديث (٦). فعلم من هذا الحديث أن من آذى الله ورسوله كان حقه أن يقتل كما قتل كعب بن الأشرف، والأدلة من الكتاب والسنة على هذه المسألة كثيرة ولا مجال لاستيعابها هنا.\n- الإجماع: وقد أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه، وكذلك حكى غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره.\n_________\n(١) «تفسبر ابن كثير» (٢/ ٣٦٧).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٧/ ٣١٣) بلفظ مقارب. قال الوادعي في «الصحيح المسند من أسباب النزول» (١٢٢): رجاله رجال الصحيح إلا هشام بن سعد فلم يخرج له مسلم إلا في الشواهد وله شاهد بسند حسن.\n(٣) «الصارم المسلول» (ص: ٣١ - ٣٣).\n(٤) «الصارم المسلول» (ص: ٤١).\n(٥) «الصارم المسلول» (ص: ٤٠ - ٤١) بتصرف.\n(٦) رواه البخاري (٤٠٣٧).","vol":"1","page":295},{"text":"وقال الإمام إسحاق بن راهوية أحد الأئمة الأعلام: (أجمع المسلمون على أن من سب الله، أو سب رسوله ﷺ، أو دفع شيئًا مما أنزل الله ﷿، أو قتل نبيًا من أنبياء الله ﷿ أنه كافر بذلك وإن كان مقرًا بكل ما أنزل إليه). وقال الخطابي: (لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله). وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر (١).\nومن المعلوم أن سب النبي ﷺ تعلق به عدة حقوق:\n١ - حق الله سبحانه:\nمن حيث كفر برسوله، وعادى أفضل أوليائه، وبارزه بالمحاربة، ومن حيث طعن في كتابه ودينه، فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة، ومن حيث طعن في ألوهيته، فإن الطعن في الرسول طعن في المرسل، وتكذيبه تكذيب لله ﵎، وإنكار لكلامه، وأمره، وخبره، وكثير من صفاته.\n٢ - وتعلق حق جميع المؤمنين:\nمن هذه الأمة ومن غيرها من الأمم به، فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصًا أمته فإن قيام أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم به، بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة بواسطته وسفارته، فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم، وسب جميعهم، كما أنه أحب إليهم من أنفسهم، وأولادهم، وآبائهم، والناس أجمعين.\n٣ - وتعلق حق رسول الله ﷺ به:\nمن حيث خصوص نفسه، فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله، وأكثر مما يؤذيه الضرب، بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه، خصوصًا من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة، فإن هتك عرضه وعلو قدره قد يكون أعظم عنده من قتله، فإن قتله لا يقدح عند الناس في نبوته ورسالته وعلو قدره كما أن موته لا يقدح في ذلك، بخلاف الوقيعة في عرضه فإنها قد تؤثر في نفوس بعض الناس من النفرة عنه، وسوء الظن به ما يفسد عليهم إيمانهم، ويوجب لهم خسارة الدنيا والآخرة ... (٢).\nوبهذا يعلم أن السب فيه من الأذى لله ولرسوله ولعباده المؤمنين ما ليس في غيره من الأمور كالكفر والمحاربة.\nوبما تقدم ذكره من الأدلة يتضح انتقاض إيمان من طعن في شخص الرسول ﷺ بسب، أو استهزاء، أو انتقاص سواء كان في ذلك جادًا أو هازلًا.\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص: ٣ - ٤).\n(٢) «الصارم المسلول» (ص: ٢٩٣ - ٢٩٤).","vol":"1","page":296},{"text":"ويستثنى من ذلك المكره بدليل قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل: ١٠٦] فالآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ﷺ، فوافقهم على ذلك مكرهًا وجاء معتذرًا إلى النبي ﷺ فأنزل الله هذه الآية، وروى أن مما قاله أنه سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله ما تركت حتى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان، فقال: إن عادوا فعد» (١). وفي ذلك أنزل الله: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ، ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يأبى، كما كان بلال ﵁ يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل ... (٢).\nالقسم الثاني: من نواقض الإيمان بالنبي ﷺ:\nالطعن فيما أخبر به الرسول لا- مما هو معلوم من الدين بالضرورة- إما بإنكاره أو انتقاصه.\nفإذا اجتمعت الشروط التالية في المنكر وهي:\nأ- أن يكون ذلك الأمر المنغص من الأمور التي أجمعت عليها الأمة، وأن يكون من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة: أي أن يكون علمه منتشرًا كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، وعموم رسالته (٣).\nب- أن لا يكون المنكر حديث عهد بالإسلام لا يعرف حدوده، فهذا إذا أنكر شيئًا من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة جهلًا به فإنه لا يكفر (٤).\nج- أن لا يكون المُنكِر مكرهًا على ذلك، فإن المكره له حكم آخر كما قدمنا ذلك.\nوالمُنكِر في هذه الحالة يحكم بكفره وانتقاض إيمانه. والمنتقص لأمور الدين إذا كان غير مكره فإنه يكفر سواء كان جادًا في ذلك أم هازلًا.\nوالأمثلة على هذا القسم كثيرة جدًا نذكر منها على سبيل المثال ما يختص بجانب الإيمان برسالة النبي ﷺ.\nأولًا: أن يعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، وأن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون القانون الوضعي على حكم الشرع، ويصفون الشريعة الإسلامية بالقصور والرجعية وعدم مسايرة التطور، وهذا من أعظم المناقضة لشهادة أن محمدًا رسول الله.\nثانيًا: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به فهو كافر (٥).\nثالثًا: اعتقاد الإنسان أنه يسعه الخروج عن شريعة النبي ﷺ. ولهذا الأمر صورتان:\nالأولى: أن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول ﷺ عظيم القدر علمًا وعملًا، وأنه يجوز تصديقه وطاعته، ولكنه يقول إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدًا، ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته، وهذا هو قول الفلاسفة الصابئة، وهذا القول لا ريب في كفر صاحبه، فمن نواقض الإسلام أن يعتقد الإنسان عدم كفر المشركين، ويرى صحة مذهبهم، أو يشك في كفرهم.\nوهذا القول هو الذي ينادي به في وقتنا الحاضر من يدعون إلى وحدة الأديان، ويروج لهم في ذلك الماسونية اليهودية.\nالثانية: من يرى طلب العلم بالله من غير خبره، أو العمل لله من غير أمره، وهؤلاء وإن كانوا يعتقدون أنه يجب تصديق الرسول أو تجب طاعته، لكنهم في سلوكهم العلمي والعملي غير سالكين هذا المسلك، بل يسلكون مسلكًا آخر إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة الذوق والوجدان، وإما من جهة التقليد، وما جاء عن الرسول إما أن يعرضوا عنه وإما أن يردوه إلى ما سلكوه.\nوإضافة إلى هذه النواقض فإن الإيمان بالنبي ﷺ ينتقض أيضا بالنواقض العامة الأخرى للإسلام. حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٤٨\n_________\n(١) رواه الحاكم (٢/ ٣٥٧) والبيهقي (٨/ ٢٠٨، ٢٠٩). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٩٥): إسناده صحيح وزاد بعضهم وفي هذا أنزلت: من كفر بالله من بعد إيمانه .. الآية. وقال ابن حجر في «الدراية» (٢/ ١٩٧): إسناده صحيح إن كان محمد بن عمار سمعه من أبيه. وقال الألباني في «فقه السيرة» (١٠٣): في ثبوت هذا السياق نظر وعلته الإرسال.\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٨٧، ٥٨٨) بتصرف.\n(٣) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» (١/ ٢٠٥).\n(٤) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» (١/ ٢٠٥).\n(٥) «الجامع الفريد»: (رسالة نواقض الإسلام) للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص: ٢٨٢).","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>المبحث الأول: تعريف العبادة</span>\nفالعبادة: الطاعة مع الخضوع – قال الراغب: (العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل) (١).\nوقال الزجاج (ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع) (٢) وقال الجوهري (أصل العبودية: الخضوع والتذلل) (٣).\nومن التعريف اللغوي السابق يمكن أن يقال عن العبادة الشرعية إنها: الانقياد والخضوع لله تعالى على وجه التقرب إليه بما شرع مع المحبة. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٥٥\n_________\n(١) «مفردات ألفاظ القرآن» (ص: ٥٤٢).\n(٢) «لسان العرب» (٣/ ٢٧٣)، مادة: (عبد).\n(٣) «لسان العرب» (٣/ ٢٧١)، مادة: (عبد).","vol":"1","page":298},{"text":"أو كما عرفها ابن تيمية –رحمه الله تعالى-بقوله: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف لعذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦] وبها أرسل جميع الرسل كما قال نوح لقومه: اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٥٩] وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:٢٥] وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:٩٢] كما قال في الآية الأخرى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:٥١] وجعل ذلك لازما لرسوله إلى الموت قال: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:٩٩] وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى: وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:١٩] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف:٢٠٦] وذم المستكبرين عنها بقوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:٦٠] ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:٦] وقال: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:٦٣] الآيات ولما قال الشيطان: قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الأعراف:١٦] قال الله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:٤٢] وقال في وصف الملائكة بذلك: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء:٢٦] إلى قوله: وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:٢٨] وقال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:٨٨] وقال تعالى عن المسيح الذي ادعيت فيه الإلهية والنبوة: إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [الزخرف:٥٩] ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى» (١) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١٠/ ١٤٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤٤٥) بلفظ (ابن مريم). من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>المبحث الثاني: إطلاقات العبادة</span>\nللعبادة معان بحسب ما تتعلق به، وبحسب كونها مصدرًا أو اسمًا، وبحسب المتوجه بها إليه، وبحسب ما يلاحظ فيها من حق، فهذه أربعة إطلاقات:\nالإطلاق الأول: إطلاقات العبادة بحسب ما تتعلق به:\nفالعبادة من حيث تعلقها بعموم الخلق وخصوصهم تنقسم إلى عبادة عامة كونية وإلى خاصة شرعية (١).\nفالعبادة العامة: هي عبادة القهر والملك وهي تشمل أهل السموات والأرض كلهم مؤمنهم وكافرهم، فالجميع عبيد مربوبون لله قال الله تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٨٨ - ٩٣] وقد ذكر ابن القيم أن هذا النوع يأتي على خمسة أوجه وهي:\n١ - إما منكرًا كما في الآية المذكورة سابقًا.\n٢ - أو معرفًا باللام، كقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ [غافر: ٣١].\n٣ - أو مقيدًا بإشارة أو نحوها، كقوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ [الفرقان: ١٧].\n٤ - أو أن يذكروا في عموم عباده فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر، كقوله تعالى: أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الزمر: ٤٦].\n٥ - أن يذكروا موصوفين بفعلهم كقوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣].\nوهذا المثال المذكور في الوجه الخامس لا يسلم من اعتراض كما قال ابن القيم نفسه: (وقد قال: إنما سماهم عباده إذا لم يقنطوا من رحمته وأنابوا إليه واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة) (٢) اهـ.\nوأما العبادة الخاصة الشرعية، فهي عبادة الطاعة والخضوع والذل والمحبة الاختيارية، وهي خاصة لمن وفقه الله من المكلفين من الأنبياء والمرسلين وعامة المؤمنين بهم.\nومن الآيات الواردة فيها قول الله تعالى: يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف: ٦٨] وقوله: فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: ١٧ - ١٨] والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nالإطلاق الثاني: إطلاقات العبادة بحسب الاسمية والمصدرية:\nفالعبادة باعتبارها مصدرًا تعني التعبد، وهو فعل العابد وتعريفها: (التذلل لله محبة وتعظيمًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه) (٣) اهـ.\nوأما باعتبارها اسمًا، فهي تعني: المتعبد (٤) به وتعريفها: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) (٥).\nومن التعريف المذكور في معنى العبادة باعتبارها اسمًا يتضح أن للعبادة أربع مراتب وهي: قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، وهذا معنى قوله: (من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) وقد فصل ابن القيم هذه المراتب فقال:\n_________\n(١) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ١٢٥).\n(٢) «مدارج السالكين» (١/ ١٢٧).\n(٣) هذا التعريف لابن عثيمين في «المجموع الثمين» من فتاويه (٢/ ٢٥).\n(٤) انظر: «تقريب التدميرية» لابن عثيمين (ص: ١٢٩).\n(٥) هذا التعريف لشيخ الإسلام ابن تيمية في «رسالة العبودية ضمن مجموعة التوحيد» (٢/ ٤٥٤).","vol":"1","page":300},{"text":"(قول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله، وملائكته ولقائه على لسان رسله.\nوقول اللسان: الإخبار عنه بذلك والدعوة إليه والذب عنه وتبيين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره وتبليغ أوامره.\nوعمل القلب: كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والرضى به عنه، والموالاة فيه والمعاداة فيه، والذل له، والخضوع، والإخبات إليه والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب، التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح، ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة.\nوأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك.) (١) اهـ.\nفظهر من هذا أن جميع أمور الديانة من الاعتقادات والإرادات والأقوال والأعمال داخلة في مسمى العبادة.\nولما جهل كثير من المتأخرين حقيقة العبادة على الوجه المذكور أعلاه كان من الأفضل زيادة البيان لبعض أنواع العبادة بذكر أمثلة لها – خاصة المتنازع فيها – مع نقل أقوال الأئمة الأعلام وبيانهم أنها من العبادة وأن صرفها لغير الله لا يجوز.\nومن هذه الأمثلة: الاستعاذة والاستغاثة والحلف.\nفالاستعاذة: طلب العوذ – وهي الالتجاء إلى الله تعالى من الشر لإزالته أو دفعه (٢). والاستغاثة: طلب الغوث، وهي: إزالة الشدة، كالاستنصار وهو طلب النصر. ولا خلاف في أنه تجوز الاستغاثة بالمخلوق فيما كان قادرًا عليه من الأمور (٣) ومنه قول الله تعالى: وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ [الأنفال: ٧٢] وقوله: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص: ١٥]. وأما ما لا يقدر عليه إلا الله كغفران الذنوب وإنزال الرزق وكل ما هو من خصائص الربوبية فلا يستغاث فيه إلا بالله جل وعلا. قال الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [الأنفال: ٩]. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ [فاطر: ٣].\nوالاستعاذة والاستغاثة نوعان من أنواع الدعاء – والدعاء عبادة كما أخبر الرسول ﷺ بقوله: «الدعاء هو العبادة» (٤) ثم تلا قول الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، ومن أقوال أهل العلم في أن الدعاء عبادة: (قال نعيم بن حماد في كتابه (الرد على الجهمية): دلت هذه الأحاديث على أن القرآن غير مخلوق، إذ لو كان مخلوقًا لم يستعذ بها، إذ لا يستعاذ بمخلوق، قال الله تعالى: فَاسْتَعِذْ بِاللهِ [الأعراف: ٢٠٠] وقال النبي ﷺ: «وإذا استعذت فاستعذ بالله» (٥) اهـ.\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ١٢٠ - ١٢١). وانظر: «تطهير الاعتقاد» (ص: ١١).\n(٢) انظر: «فتج المجيد» (ص: ١٧٣).\n(٣) انظر: «فتح المجيد» (ص: ١٧٦)، و«الدر النضيد» للشوكاني (ص: ١٤٤).\n(٤) رواه أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩)، وابن ماجه (٣١٠١)، وأحمد (٤/ ٢٧١) (١٨٤١٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٥٠) (١١٤٦٤)، وابن حبان (٣/ ١٧٢) (٨٩٠)، والحاكم (١/ ٦٦٧). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال النووي في «الأذكار» (٤٧٨): إسناده صحيح.\n(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ.","vol":"1","page":301},{"text":"وهذا الكلام ساقه نعيم بن حماد ليدلل على أن القرآن غير مخلوق، وحجته في ذلك ما ورد في الاستعاذة بكلمات الله وأسمائه الحسنى، فلو كانت مخلوقة لم جازت الاستعاذة بها وهذا يؤكد أن هذه المسألة – وهي عدم جواز الاستعاذة بغير الله – كانت معلومة عند الموافق والمخالف، وإلا لما أوردها عليهم.\nونظير هذا الاستدلال وهذا القول: قول ابن خزيمة: فإنه قال: (أفليس العلم محيطًا يا ذوي الحجا أنه غير جائز أن يأمر النبي ﷺ بالتعوذ بخلق الله من شر خلقه؟ هل سمعتم عالمًا يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله؟ أو يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالصفا والمروة، أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق الله؟ هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه) (١) اهـ.\nوقد أورد الإمام البخاري في كتابه الصحيح باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها ضمن كتاب التوحيد، ثم ساق فيه تسعة أحاديث، ومقصوده بهذه الترجمة: إثبات أن أسماء الله تعالى غير مخلوقة، لأنه قد وردت الاستعاذة بها والسؤال بها، لأن المخلوق لا يستعاذ به ولا يسأل به.\nويؤكد صحة هذا المعنى الذي تدل عليه ترجمته هو أنه أورد في الباب تسعة أحاديث وتاسعها لفظه: «لا تحلفوا بآبائكم ومن كان حالفًا فليحلف بالله» (٢) وقد قال في كتابه خلق أفعال العباد: (٣) (وليس لأحد أن يحلف بالخواتيم والدراهم البيض وألواح الصبيان التي يكتبونها ثم يمحونها مرة بعد مرة، وإن حلف فلا يمين عليه لقول الله ﷿ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا [البقرة: ٢٢]).\nفهذا نص واضح من الإمام البخاري يفيد أن الحلف بغير الله يعتبر شركًا، وإيراده حديث الأمر بالحلف بالله وحده في باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها يدل على أنه يرى عدم جواز السؤال والاستعاذة بغير الله تعالى، وهذا واضح.\nوالإطلاق الثالث للعبادة:\nهو باعتبار المتوجه بها إليه: فمن توجه بعبادته لله تعالى كانت هذه العبادة توحيدًا، ومن توجه بها إلى غير الله كانت شركًا، فعن الثاني يقول الله جل وعلا فيمن دعا غيره: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: ١٣ - ١٤] فدعاؤهم لغير الله عبادة لهم، وسماها الله تعالى شركًا، وهكذا كل عبادة من صلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك إذا توجه بها صاحبها إلى الله تعالى كان ذلك توحيدًا، وإذا صرفها إلى غير الله تعالى كانت شركًا.\nالإطلاق الرابع للعبادة: باعتبار ما يُلاحظ فيها من حق: فإن العبادة قد تطلق على معنى أخص وهو ما يقابل المعاملات، ولذلك فإن الفقهاء في كتب الفقه يدرجون أبوابًا في قسم العبادات وهي: الصلاة والزكاة والصيام والحج، وما عداها في باب المعاملات وهذا لا يعني أن العبادات منحصرة في المذكورات فقط بل تشمل غيرها، بل إن المعاملات نفسها داخلة في مسمى العبادة العام وذلك من جهة التزامها وفق الشرع. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٥٦\n_________\n(١) «التوحيد» لابن خزيمة (١/ ٤٠١ - ٤٠٢).\n(٢) رواه البخاري (٧٤٠١). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) «خلق أفعال العباد» (ص: ١٥٩).","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المطلب الأول: الركن الأول كمال الخضوع والذل</span>\nوهو أن يستكين العبد لله تعالى ويخضع له ويذل. والذل له أربع مراتب كما ذكر ابن القيم:\n(المرتبة الأولى: مشتركة بين الخلق، وهي ذل الحاجة والفقر إلى الله، فأهل السموات والأرض جميعًا محتاجون إليه فقراء إليه، وهو وحده الغني عنهم، وكل أهل السموات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحدًا. المرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية، وهو ذل الاختيار وهذا خاص بأهل طاعته وهو سر العبودية. والمرتبة الثالثة: ذل المحبة، فإن المحب ذليل بالذات، وعلى قدر محبته له يكون ذله.\nوالمرتبة الرابعة: ذل المعصية والجناية، فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع: كان الذل لله والخضوع له أكمل وأتم، إذ يذل له خوفًا وخشية، ومحبة وإنابة، وطاعة وفقرًا وفاقة) (١) اهـ. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٦٥\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ٢٢٤).","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>المطلب الثاني: الركن الثاني كمال المحبة</span>\nفإن الذي يدل على اعتبار كمال الحب مع كمال الذل هو أن أصل التأله: التعبد وهو كما يقول ابن القيم: (التعبد آخر مراتب الحب، يقال: عبده الحب وتيمه إذا ملكه، وذلك لمحبوبه) (١) اهـ.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والعبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذل، فالعابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم، فإن كلا من هذين ليس عبادة محضة) (٢) اهـ.\nومما يدل على أن هذا الحب ركن لابد منه قول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة: ١٦٥].\nقال ابن القيم: (فأخبر أن من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدًا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية، بخلاف ند المحبة) (٣) اهـ. فإذا تبين هذا علم أن إفراد الله بالمحبة أصل العبادة، وهذا يستلزم أن يكون الحب كله لله ولأجله وفيه (٤).\nويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة حب الله وما يحب لله فيقول: (وكل ما أمر الله أن يحب ويعظم فإنما محبته وتعظيمه لله، فالله هو المحبوب المعظم في المحبة والتعظيم، والمقصود المستقر الذي إليه المنتهى، وأما ما سوى ذلك فيحب لأجل الله، أي لأجل محبة العبد لله يحب ما أحبه الله، فمن تمام محبة الشيء محبة محبوب المحبوب وبغض بغيضه، ويشهد لهذا الحديث: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» (٥).) (٦) اهـ.\nوشرط صحة المحبة: المتابعة التي لابد فيها من الصدق والإخلاص. ومما يدل على أن أتباع أمر المحبوب واجتناب نهيه لازم للمحبة قول الله تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ [آل عمران: ٣١] فجعل الله تعالى أتباعهم لرسوله ﷺ علامة على صدق محبتهم لله، وجعل حبه لهم مشروطًا بأتباعهم له، فعلم بهذا استحالة ثبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة للرسول ﷺ، وهذا يدل على أن المحبة مستلزمة للمتابعة (٧).\nفإن لم تتحقق المتابعة والطاعة يكون مدعي المحبة كاذبًا في دعواه محبة الله ويكون من الكافرين، وهذا المعنى هو ما قررته الآية التي تلي الآية التي تقدم ذكرها، وهي قول الله تعالى: قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ٣٢].\nومن العرض السابق يعلم أن للعبادة بمعنى التعبد شرطين هما: معرفة المعبود، ومعرفة دينه.\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (٣/ ٢٨).\n(٢) «قاعدة في المحبة ضمن جامع الرسائل» (٢/ ٢٨٤).\n(٣) «مدارج السالكين» (٣/ ٢١).\n(٤) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ١١٩).\n(٥) رواه الطبراني (١١/ ٢١٥) (١١٥٣٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٧٠) (٩٥١٣) بلفظ: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله». من حديث ابن عباس ﵄. وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٤٠) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٦) «قاعدة في المحبة ضمن جامع الرسائل» (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).\n(٧) انظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٣٢٢)، و«مدارج السالكين» (١/ ١١٩).","vol":"1","page":304},{"text":"فأما الشرط الأول وهو: معرفة المعبود ﷾ فهو واضح جدًا، فإنه حتى يتحقق الذل والخضوع للمعبود فإنه يشترط أن تتحقق معرفته، والسبيل إلى ذلك هو العلم بما للمعبود سبحانه من الأسماء والصفات ومعاني الربوبية فإنه (لا تكون العبادة إلا مع المعرفة للمعبود) (١).\nوأما الشرط الثاني: وهو معرفة دينه – فإنه واضح في البيان المتقدم في شرط المحبة – فإن شرطها هو متابعة أوامر المعبود واجتناب نواهيه، وأوامره ونواهيه هي دينه الذي أنزله، ولا يمكن أن تتحقق المتابعة لدينه إلا بعد معرفته، ولذلك كانت معرفة دين الله شرطًا في التعبد. وقد بين ابن القيم مراتب العلم بالله وبدينه بقوله: (فأما العلم به سبحانه فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتنزيهه عما لا يليق به. والعلم بدينه مرتبتان: إحداهما: دينه الأمري الشرعي وهو الصراط المستقيم الموصل إليه، والثانية: دينه الجزائي المتضمن ثوابه وعقابه، وقد دخل في هذا العلم: العلم بملائكته وكتبه ورسله) (٢) اهـ. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٦٥\nالعبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له فإن آخر مراتب الحب هو التتيم وأوله العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب ثم الصبابة لانصباب القلب إليه ثم الغرام وهو الحب اللازم للقلب ثم العشق وآخرها التتيم يقال تيم الله أي عبد الله فالمتيم المعبد لمحبوبه ومن خضع لإنسان مع بعضه له لا يكون عابدا له ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له كما قد يحب ولده وصديقه ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة وما عظم بغير أمر الله كان تعظيمه باطلا قال الله تعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره [التوبة:٢٤] فجنس المحبة تكون لله ورسوله كالطاعة فإن الطاعة لله ورسوله والإرضاء لله ورسوله والله ورسوله أحق أن يرضوه والإيتاء لله ورسوله وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٥٩] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١٠/ ١٥٣\nوالعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل وذل تام ومنشأ هذين الأصلين .... هما مشاهدة المنة التي تورث المحبة ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غرة وغيلة وما أسرع ما ينعشه الله ﷿ ويجبره ويتداركه برحمته الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب لمحمد بن أبي بكرابن قيم الجوزية - ص١١\nولابد في عبادته من أصلين أحدهما: إخلاص الدين له، والثاني: موافقة أمره الذي بعث به رسله ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا وقال الفضيل بن عياض: في قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا [هود:٧] قال: أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال: إذا كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ٣٣٣\nومن لا إخلاص له ولا متابعة فليس عمله موافقا للشرع: وليس هو خالصا للمعبود كأعمال المتزينين للناس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ورسوله وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله ﷿ ولهم أوفر نصيب من قوله: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ [آل عمران:١٨٨] يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة والشرك ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصراط المستقيم فإنهم يرتكبون البدع والضلالات والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الاتباع والإخلاص والعلم فهم أهل الغضب والضلال مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية - ١/ ٨٤\n_________\n(١) «الفروق في اللغة» لأبي هلال العسكري (ص: ٢١٥).\n(٢) «مدارج السالكين» (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>المبحث الرابع: بيان مُستَحِقِّها</span>\nالذي يستحق العبادة هو الله جل وعلا وحده دون غيره، فإن العبادة لا تكون إلا للخالق المنعم .... قال الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥] وهذا أسلوب يفيد الحصر والاختصاص (١)، ومعنى هذه الآية مركب من أمرين: نفي وإثبات، فالنفي: خلع جميع المعبودات بغير حق في جميع أنواع العبادات. والإثبات: إفراد الله تعالى وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع، فقوله: إِيَّاكَ يفيد الحصر: أي لا أحدًا سواك، وهذا هو النفي، أما الإثبات ففي قوله: نعبد أي وحدك، وهذا المعنى يستفاد من آيات كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة: ٢١] فهذا إثبات، ثم ذكر النفي في آخر الآية التالية: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢] ومنها قوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ [البقرة: ٢٥٦]. فالنفي في قوله: (فمن يكفر) والإثبات في قوله: (ويؤمن بالله) (٢).\nومن الآيات الدالة على استحقاق الله للعبادة وحده دون ما سواه قول الله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف: ٨٧] والمعنى كما قال ابن جرير: (فأي وجه يصرفون عن عبادة الذي خلقهم ويحرمون إصابة الحق في عبادته!) (٣).\nوبالجملة فإن العبادة: (لا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى) (٤) ....\nوأما سببها الذي تستحق به فهو الاتصاف بصفات الكمال والتنزه عن النقص فالله هو الخالق لجميع الخلق والمسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة، وكلهم مفتقرون إليه ويرغبون نعمته وفضله، فالحاجة والرغبة في نعمته وفضله يبعثان على الانقياد لله والخضوع له (٥) وبه يعلم أن العبادة: (لا تستحق إلا بغاية الإنعام) (٦) وقال ابن كثير (إنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره، ولهذا قال: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢].) (٧) اهـ.\nفلما كان هو المالك المتصرف في الأمور كيف شاء، كان له سبحانه أن يأمر بما يشاء وينهى، وإنه سبحانه قد أمر بعبادته وحده لا شريك له ونهى عن عبادة غيره.\nويدل على صحة ما ذكرته من السبب الذي تستحق به العبادة ما يذكره الله تعالى من أدلة دالة على استحقاقه وحده العبادة دون غيره، ومن ذلك: بيان أنه الخالق الرازق المنعم، وبيان أن غيره عاجز ضعيف لا يملك شيئًا، وبيان أن الأمر كله له شرعًا وجزاءً ... وبهذا يتضح سبب وقوع بعض الناس في الشرك بالله تعالى، وذلك لظنهم أن غير الله تعالى يكون منعمًا بشيء استقلالًا أو له تأثير في التصرف ونحو ذلك فيقع في تعظيمه والخوف منه ورهبته ورجائه، وتلك هي عبادته.\nوالأدلة الدالة على استحقاق الله تعالى العبادة والسبب الذي استحق به العبادة كثيرة، وسأكتفي بذكر دليلين فقط – الأول: في أفضل سورة في القرآن، والثاني: في أعظم آية في القرآن.\n_________\n(١) انظر: «شرح الكوكب المنير» (٣/ ٥٢١)، و«أضواء البيان» (١/ ٤١ - ٤٢).\n(٢) انظر: «أضواء البيان» (١/ ٤١ - ٤٢).\n(٣) «تفسير الطبري» (٢١/ ٦٥٥).\n(٤) «مفردات ألفاظ القرآن» للراغب (ص: ٥٤٢).\n(٥) انظر: «رسالة الشرك ومظاهره» (ص: ٨٨).\n(٦) «الفروق في اللغة» لأبي هلال العسكري (ص: ٢١٥).\n(٧) «تفسير ابن كثير» (١/ ٥٧).","vol":"1","page":306},{"text":"فالدليل الأول وهو سورة الفاتحة: فإن قول الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥] جاء بعد آيات تضمنت الحمد لله والثناء الحسن له، وأنه رب العالمين المنعم عليهم بأنواع النعم التي لا تحصى، وأنه الرحمن الرحيم بعباده، والمجازي لهم يوم الدين، فمجيء تلك الآية بعد هذه الآيات يدل على أن ما ذكر قبلها سبب في استحقاق الله جل وعلا للعبادة وحده دون سواه، فإنه قد حمد نفسه بما له من الصفات العظيمة، وبين أنه رب العالمين أي سيدهم وخالقهم ومربيهم ومدبر أمرهم، فله أن يأمرهم بما يشاء، وبين أنه الرحمن الرحيم، فهذان اسمان يبعثان على الرغبة فيما عند الله، ويدفعان توهم بعض المشركين من أنه لا يمكن التقرب إلى الله إلا بواسطة لكثرة الذنوب والمعاصي، ثم بين ملكه ليوم الدين فيبعث هذا على عبادة الله وحده لأنه هو المجازي وحده، وهو الذي يملك الشفاعة ولا يشفع عنده أحد إلا بعد إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له.\nوأما الدليل الثاني وهو: آية الكرسي التي هي أعظم آية في القرآن – فإن فيها بيان استحقاق الله تعالى وحده للعبادة والسبب الذي استحق به العبادة – وبيان ذلك: أن الله تعالى بدأها بأنه هو المستحق للعبادة فقال: اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ثم ذكر بعد ذلك من الصفات ما يدل على أنه بها قد استحق العبادة فقال: الْحَيُّ الْقَيُّومُ فالحي اسم دال على حياة الله الكاملة المقتضية كمال علمه وعزته وقدرته وغير ذلك من صفاته الذاتية، والْقَيُّومُ اسم دال على قيام الله بنفسه وقيامه بخلق الموجودات وإحكامها ورزقها وتدبيرها ثم قال: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ فنفى هذه النقائص ليؤكد كمال ما ذكره من اسميه الْحَيُّ الْقَيُّومُ هذا يقتضي الاعتماد على الله جل وعلا وحده كما قال: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وقال: أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ [الرعد: ٣٣] والمعنى كما قال ابن جرير: (أفالرب الذي هو دائم لا يبيد ولا يهلك قائم بحفظ أرزاق جميع الخلق، متضمن لها، عالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال، رقيب عليهم لا يعزب عنه شيء أينما كانوا كمن هو هالك بائد لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئًا ولا يدفع عن نفسه ولا عمن يعبده ضرا ولا يجلب إليهما نفعًا كلاهما سواء؟!) (١) اهـ والمقصود هنا ذم من أشرك بالله غيره وهو يعلم أن غيره لا يستحق العبادة، وقد بين الله أنه هو وحده المستحق للعبادة بما ذكره من صفاته سبحانه. ثم بين الله ملكه لكل شيء في آية الكرسي فقال: لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ قال ابن جرير: (وإنما يعني بذلك أنه لا تنبغي العبادة لشيء سواه، لأن المملوك إنما هو طوع يد مالكه وليس له خدمة غيره إلا بأمره) (٢) اهـ.\nثم قال الله تعالى بعدها مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ وفيه رد على زعم المشركين بعد إقرارهم ما تقدم في أول آية الكرسي من أن الله هو الخالق والمالك فزعموا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣] فبين الله تعالى أنه لا يشفع عنده أحد لأحد إلا بعد تخليته إياه من العذاب وإذنه بالشفاعة لمن يشفع له من رسله وأوليائه وأهل طاعته ثم قال تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ والمقصود بيان وجوب إخلاص الدين لله تعالى الذي هو محيط بكل شيء علمًا. ثم بين الله تعالى أن ما سواه لا يعلم شيئًا إلا إذا شاء تعليمه فقال: وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء والمقصود بيان أن العبادة لا تنبغي لمن كان جاهلًا (٣). وهكذا سياق الآية إلى آخرها ...\nوعليه فإنه يعلم مما تقدم أن لاستحقاق الله وحده العبادة دون سواه سببين:\nالأول: اتصاف الله جل وعلا بصفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص، ومن صفاته: إنعامه وإفضاله على خلقه الباعثان على الرغبة فيما عند الله والقيام بعبادته وشكره، والخوف منه.\nالثاني: أمره الشرعي، فالله جل وعلا له الملك وله الأمر فهو مالك لخلقه يتصرف فيهم بأمره، وقد أمرهم بعبادته وترك عبادة غيره. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف - بتصرف– ١/ ٦٩\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٦/ ٤٦٢).\n(٢) «تفسير الطبري» (٥/ ٣٩٥).\n(٣) «تفسير الطبري» (١٢/ ١٥).","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>المبحث الأول: تعريف الولاء والبراء</span>\nالولاء في اللغة: جاء في لسان العرب: الموالاة - كما قال ابن الأعرابي -: أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى فيواليه أو يحابيه. ووالى فلان فلانًا: إذا أحبه.\nوالمولى: اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو: الرب، والمالك، والسيد والمنعم، والمعتق، والناصر، والمحب، والتابع، والجار، وابن العم، والحليف، والعقيد، والصهر، والعبد، والمعتق، والمنعم عليه. ويلاحظ في هذه المعاني أنها تقوم على النصرة والمحبة (١)\nوالولاية – بالفتح - في النسب والنصرة والعتق.\nوالموالاة – بالضم - من والى القوم. قال الشافعي في قوله ﷺ: «من كنت مولاه فعلي مولاه» (٢) يعني بذلك ولاء الإسلام، كقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:١١].\nوالموالاة ضد المعاداة، والولي ضد العدو، قال تعالى: يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم:٤٥].\nقال ثعلب: كل من عبد شيئًا من دون الله فقد اتخذه وليًا. وقوله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ [البقرة:٢٥٧]. وليهم في نصرهم على عدوهم، وإظهار دينهم على دين مخالفيهم. وقيل: وليهم، أي: يتولى ثوابهم ومجازاتهم بحسن أعمالهم.\nوالولي: القرب والدنو (٣). والموالاة: المتابعة.\nوالتولي: يكون بمعنى الإعراض، ويكون بمعنى الاتباع. قال تعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ [محمد:٣٨]. أي: أن تعرضوا عن الإسلام.\nوقوله تعالى: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:٥١].\nمعناه: من يتبعهم وينصرهم (٤).\nوقال صاحب (المصباح المنير) الولي: فعيل بمعنى فاعل، من وليه إذا قام به، ومنه قوله تعالى: الله ولي الذين ءامنوا [البقرة:٢٥٧].\nويكون الولي: بمعنى مفعول، في حق المطيع، فيقال: المؤمن ولي الله. ووالاه موالاة وولاء: من باب (قاتل) أي تابعه (٥).\nتعريف البراء في اللغة: قال ابن الأعرابي: بَرِئ إذا تخلص، وبَرِئ، إذا تنزه وتباعد، وبَرِئ: إذا أعذر وأنذر، ومنه قوله تعالى: بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:١] أي: إعذار وإنذار.\nوفي حديث أبي هريرة ﵁ لما دعاه عمر إلى العمل فأبى قال عمر: (إن يوسف قد سأل العمل، فقال أبو هريرة: إن يوسف مني بريء وأنا منه براء) (٦). أي برئ عن مساواته في الحكم وأن أقاس به، ولم يرد براءة الولاية والمحبة لأنه مأمور بالإيمان به، انتهى من (النهاية).\nوالبراء والبريء سواء.\nوليلة البراء: ليلة يتبرأ القمر من الشمس، وهي أول ليلة من الشهر (٧).\n_________\n(١) «لسان العرب» لابن منظور (٣/ ٩٨٥ - ٩٨٦)، وانظر: «القاموس المحيط» (ص٢٩٤).\n(٢) رواه الترمذي (٣٧١٣)، وأحمد (١/ ١١٨) (٩٥٠)، والحاكم (٣/ ١١٨). من حديث زيد بن الأرقم ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٤٢٣) - كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) «لسان العرب» (٣/ ٩٨٦).\n(٤) «لسان العرب» (٣/ ٩٨٨).\n(٥) «المصباح المنير» للفيومي (٢/ ٨٤١).\n(٦) هذا الأثر ذكره ابن الأثير في كتابه «النهاية في غريب الأحاديث» (١/ ١١٢) تحقيق الزاوي والطناحي.\n(٧) «لسان العرب» (١/ ١٨٣)، و«القاموس المحيط» (١/ ٨).","vol":"1","page":308},{"text":"تعريف الولاء بالمعنى الاصطلاحي: الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهرًا. قال تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة:٢٥٧] (١).\nفموالاة الكفار تعني التقرب إليهم وإظهار الود لهم، بالأقوال والأفعال والنوايا (٢).\nتعريف البراء بالمعنى الاصطلاحي: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار.\nشرح تعريف الولاء والبراء: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الولاية: ضد العداوة: البغض والبعد ... والولي: القريب يقال: هذا يلي هذا: أي يقرب منه، ومنه قوله ﷺ: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» (٣) أي: لأقرب رجل إلى الميت.\nفإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معاديًا له. كما قال تعالى: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة:١]. فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه ولهذا جاء في الحديث: «ومن عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة» (٤) (٥).\nومسمى الموالاة (لأعداء الله): يقع على شعب متفاوتة منها ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات (٦). ولما عقد الله الأخوة والمحبة والموالاة والنصرة بين المؤمنين، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم من يهود ونصارى وملحدين ومشركين وغيرهم كان من الأصول المتفق عليها بين المسلمين: أنّ كل مؤمن موحّد تارك لجميع المكفرات الشرعية تجب محبته وموالاته ونصرته، وكل من كان بخلاف ذلك وجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة والإمكان.\nوحيث إن الولاء والبراء تابعان للحب والبغض، فإن أصل الإيمان أن تحب في الله أنبياءه وأتباعهم، وتبغض في الله أعداءه وأعداء رسله (٧).\n_________\n(١) «شرح الطحاوية» (ص٤٠٣)، و«تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد» (ص٤٢٢).\n(٢) كتاب «الإيمان» لنعيم ياسين (ص١٤٥).\n(٣) رواه البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥). من حديث ابن عباس ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٦٥٠٢) بلفظ: «إن الله قال: من عادى لى وليًا فقد آذنته بالحرب ..». من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه الطبراني في «الأوسط» (١/ ١٩٢) بلفظ: (من أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة). من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٧٠): رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه: عمر بن سعيد أبو حفص الدمشقي وهو ضعيف. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٧٧٥): ضعيف جدًا. وقال في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٣٨٤): إسناده ضعيف، مسلسل بالعلل.\n(٥) «الفرقان» لابن تيمية (ص٧).\n(٦) انظر: «الرسائل المفيدة» للشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ (ص٤٣).\n(٧) انظر: «الفتاوى السعدية» للشيخ عبدالرحمن بن سعدي (١/ ٩٨).","vol":"1","page":309},{"text":"وقد ورد عن ابن عباس ﵄ قوله: من أحب في الله، وأبغض في الله ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا (١).\nوإذا كان حبر هذه الأمة يذكر أن مؤاخاة الناس في زمانه قد أصبحت على أمر الدنيا وأن ذلك لا يجدي على أهله شيئًا، وهذا في القرن الذي هو خير القرون: فجدير بالمؤمن أن يعي ويعرف من يحب ومن يبغض، ومن يوالي ومن يعادي ثم يزن نفسه بميزان الكتاب والسنة ليرى أواقف هو في صفّ الشيطان وحزبه أم في صفّ عباد الرحمن وحزب الله الذين هم المفلحون، وما عداهم فأولئك هم الذين خسروا الدنيا والآخرة!\nوإذا أصبحت المؤاخاة والمحبة على أمر الدنيا - كما قال الصحابي الجليل عبدالله بن عباس - فإن تلك المحبة والمؤاخاة لا تلبث أن تزول بزوال العرض الزائل وحينئذ لا يكون للأمة شوكة ومنعة أمام أعدائها.\nوفي عصرنا الحاضر عصر المادة والدنيا قد أصبحت محبة الناس في الأغلب على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا. ولن تقوم للأمة الإسلامية قائمة إلا بالرجوع إلى الله والاجتماع على الحب فيه والبغض فيه والولاء له والبراء ممن أمرنا الله بالبراء منه، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني – ص٨٧\n_________\n(١) رواه محمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٤٠٦)، والعدني في «الإيمان» (٦٣)، وأورده السيوطي في «الدر المنثور» (٨/ ٨٧) وقال: وأخرج ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ثم ذكره بنحوه ... وفيه الليث بن أبي سليم قال عنه ابن حجر في «تقريب التهذيب» (٢/ ٤٨): صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه.","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>المبحث الثاني: أهمية الولاء والبراء</span>\nإن الولاء والبراء شرط في الإيمان، كما قال سبحانه: تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:٨٣ - ٨٤].\nيقول ابن تيمية عن هذه الآية: فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط، وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه ... (١).\nوالولاء والبراء أوثق عرى الإيمان، كما قال ﷺ: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» (٢).\nيقول الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب: فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في دين الله والبغض في الله، والمعاداة في الله والموالاة في الله، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرقانًا بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٣).\nويقول الشيخ حمد بن عتيق: فأما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أن الله ﷾ قد أوجب ذلك، وأكد إيجابه وحرّم موالاتهم وشدد فيها، حتى إنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد، وتحريم ضده (٤).\nوقد كان النبي ﷺ يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فعن جرير بن عبدالله البجلي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله أبسط يدك حتى أبايعك واشترط علي فأنت أعلم قال: «أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين» (٥).\nوجاء من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: \" قلت يا نبي الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن - لأصابع يديه - ألا آتيك، ولا آتي دينك، وإني كنت امرءًا لا أعقل شيئًا إلا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بوجه الله ﷿ بما بعثك ربك إلينا؟ قال: بالإسلام، قال: قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: أن تقول: أسلمت وجهي إلى الله ﷿ وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل الله ﷿ من مشرك بعدما أسلم عملًا أو يفارق المشركين إلى المسلمين (٦).\n_________\n(١) «الإيمان» (ص١٤).\n(٢) رواه الطبراني (١١/ ٢١٥). من حديث ابن عباس ﵄. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٥٣٩).\n(٣) رسالة «أوثق عرى الإيمان» (ص٣٨).\n(٤) «النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الاشراك» (ضمن مجموعة التوحيد) (ص٣٦٣).\n(٥) رواه النسائي (٧/ ١٤٨)، وأحمد (٤/ ٣٦٥) (١٨٢٥٨). وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.\n(٦) رواه النسائي (٥/ ٨٢)، وأحمد (٥/ ٤) (٢٠٠٥٥)، والحاكم (٤/ ٦٤٣). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: حسن.","vol":"1","page":311},{"text":"وما أجمل تلك العبارة التي سطرها أبو الوفاء بن عقيل قائلًا: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون كفرًا ... وعاشوا سنين، وعظمت قبورهم، واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب (١).\nوأما معنى الولاء فهو المحبة والمودة والقرب، والبراء هو البغض والعداوة والبعد، والولاء والبراء من أعمال القلوب، لكن تظهر مقتضياتهما على اللسان والجوارح.\nيقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ: وأصل الموالاة الحب، وأصل المعادة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة، ونحو ذلك من الأعمال (٢).\nوالولاء لا يكون إلا لله تعالى ولرسوله ﷺ، وللمؤمنين قال سبحانه: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:٥٥].\nفالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم، ونصرتهم، والنصح لهم، والدعاء لهم، والسلام عليهم، وزيارة مريضهم، وتشييع ميتهم، وإعانتهم، والرحمة بهم، وغير ذلك (٣).\nوالبراءة من الكفار تكون ببغضهم - دينًا - ومفارقتهم، وعدم الركون إليهم، أو الإعجاب بهم، والحذر من التشبه بهم، وتحقيق مخالفتهم شرعًا، وجهادهم بالمال واللسان والسنان، ونحو ذلك من مقتضيات العداوة في الله (٤).\n٢ - ولما كانت موالاة الكفار تقع على شعب متفاوتة، وصور مختلفة، لذا فإن الحكم فيها ليس حكمًا واحدًا، فإن من هذه الشعب والصور ما يوجب الردة، ونقض الإيمان بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من المعاصي (٥).\nيقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ: ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي، وتفسير السنة (٦).\nوهذه الموالاة التي تناقض الإيمان، قد تكون اعتقادًا فحسب، وقد تظهر في أقوال وأعمال. والذي يهمنا في هذا المبحث الموالاة العملية، حيث سنورد مسألة مظاهرة الكفار على المسلمين كمثال لتلك الموالاة، وقبل أن نفصل الحديث عن تلك المسألة، فإننا نوضح - باختصار - جملة من الأمثلة على تلك الموالاة العملية، نظرًا لعظم خطرها، وسعة انتشارها، وكثرة الوقوع فيها، فنذكر منها ما يلي:\n_________\n(١) «الآداب الشرعية» لابن مفلح (١/ ٢٦٨).\n(٢) «الدرر السنية» (٢/ ١٥٧).\n(٣) انظر: تفصيل ذلك في رسالة «أوثق عرى الإيمان» لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب (ص٤٩ - ٥١)، وكتاب «الولاء والبراء» لمحمد القحطاني، و«الموالاة والمعاداة» لمحماس الجلعود.\n(٤) انظر: تفصيل ذلك في رسالة «أوثق عرى الإيمان» لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب (ص٤٩ - ٥١)، وكتاب «الولاء والبراء» لمحمد القحطاني، و«الموالاة والمعادة» لمحماس الجلعود.\n(٥) انظر: «الدرر السنية» (٧/ ١٥٥، ١٥٩، ٢٢٠)، و«مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٣/ ١٠، ٣١، ٣٨، ٥٧).\n(٦) «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٣/ ٧).","vol":"1","page":312},{"text":"أ- من أقام ببلاد الكفر رغبةً واختيارًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين، أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، فهذا كافر عدو لله ورسوله، لقوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ [آل عمران:٢٨] (١).\nيقول ابن رشد: فإذا وجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على من أسلم ببلد الحرب أن يهاجر، ويلحق بدار المسلمين ولا يثوي بين المشركين، ويقيم بين أظهرهم لئلا تجري عليه أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم حيث تجري علينا أحكامهم في تجارة أو غيرها، وقد كره مالك رحمه الله تعالى أن يسكن أحد ببلد يسب فيه السلف فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن، وتعبد فيه من دونه الأوثان، ولا تستقر نفس أحد على هذا إلا وهو مسلم سوء، مريض الإيمان (٢).\nومما حرره ابن حزم في هذه المسألة قوله: قد علمنا أن من خرج عن دار الإسلام إلى دار الحرب فقد أَبِقَ عن الله تعالى، وعن إمام المسلمين وجماعتهم، ويبين هذا حديثه ﷺ أنه بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين (٣) وهو ﵇ لا يبرأ إلا من كافر، قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:٧١].\nقال أبو محمد: فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه وغير ذلك لأن رسول الله ﷺ لم يبرأ من مسلم. وأما من فرّ إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعانهم عليه، ولم يجد في المسلمين من يجيره فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره (٤).\nويقول في موضع آخر: من لحق بأرض الشرك بغير ضرورة فهو محارب، هذا أقل أحواله إن سلم من الردة بنفس فراقه جماعة الإسلام، وانحيازه إلى أرض الشرك (٥).\nويقول ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء:٩٧]: هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع (٦).\nولما سئل أحمد بن يحيى الونشريسي عن قوم من الأندلسيين هاجروا من بلادهم الأندلس - وقد كانت دار شرك - إلى دار الإسلام في بلاد المغرب ...\n_________\n(١) انظر: «الدفاع عن أهل السنة والاتباع» لحمد بن عتيق (ص١٢)، و«الدرر السنية» (٧/ ٢٠٢).\n(٢) «مقدمات ابن راشد» (٢/ ٦١٢، ٦١٣).\n(٣) الحديث: رواه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤). من حديث جرير بن عبد الله ﵁. قال البخاري في «البدر المنير» (٩/ ١٦٣): الصحيح أنه مرسل. وقال ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٣٦٩): صحيح. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٩٨): إسناده صحيح. وقال ابن دقيق العيد في «الإلمام» (٢/ ٤٥٤): صحيح على طريقة بعض أهل الحديث - كما اشترط على نفسه في المقدمة -. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٣/ ٤٠٨) –كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٤) «المحلى» (١٣/ ١٣٨، ١٣٩).\n(٥) «المحلى» (١٣/ ٣١).\n(٦) تفسير ابن كثير ١/ ٥١٤.","vol":"1","page":313},{"text":"ثم ندموا على تلك الهجرة، وسخطوا وصرحوا بذم دار الإسلام، ومدح دار الكفر وأهله ... فكتب ﵀ جوابًا مبسوطًا عن هذه النازلة، بعنوان: (أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر، وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر) (١) فأورد النصوص الشرعية في تحريم الموالاة الكفرية، ووجوب الهجرة إلى دار الإسلام ثم قال: وتكرار الآيات في هذا المعنى وجريها على نسق وتيرة واحدة مؤكد للتحريم، ورافع للاحتمال المتطرق إليه، فإن المعنى إذا نُصّ عليه وأُكّد بالتكرار فقد ارتفع الاحتمال لا شك، فتتعاضد هذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والاجتماعات القطعية على هذا النهي، فلا تجد في تحريم هذه الإقامة، وهذه الموالاة الكفرانية مخالفًا من أهل القبلة المتمسكين بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فهو تحريم مقطوع به من الدين ... ومن خالف الآن في ذلك أو رام الخلاف من المقيمين معهم والراكنين إليهم، فجوز هذه الإقامة واستخفّ أمرها واستسهل حكمها، فهو مارق من الدين، ومفارق لجماعة المسلمين، ومحجوج بما لا مدفع فيه لمسلم، ومسبوق بالإجماع الذي لا سبيل إلى مخالفته وخرق سبيله (٢).\nوجاء في آخر فتواه، قوله للسائل: وما ذكرت عن هؤلاء المهاجرين من قبيح الكلام وسبّ دار الإسلام، وتمني الرجوع إلى دار الشرك والأصنام، وغير ذلك من الفواحش المنكرة التي لا تصدر إلا من اللئام، يوجب لهم خزي الدنيا والآخرة وينزلهم أسوأ المنازل، والواجب على من مكنه الله في الأرض ويسره لليسرى أن يقبض على هؤلاء وأن يرهقهم العقوبة الشديدة، والتنكيل المبرح ضربًا وسجنًا حتى لا يتعدوا حدود الله؛ لأن فتنة هؤلاء أشد ضررًا من فتنة الجوع والخوف ونهب الأنفس والأموال، وذلك أن من هلك هنالك فإلى رحمة الله تعالى وكريم عفوه، ومن هلك دينه فإلى لعنة الله وعظيم سخطه، فإن محبة الموالاة الشركية، والمساكنة النصرانية والعزم على رفض الهجرة والركوب إلى الكفار، والرضى بدفع الجزية إليهم، ونبذ العزة الإسلامية، والطاعة الإمامية، والبيعة السلطانية، وظهور السلطان النصراني عليها وإذلاله إياها فواحش عظيمة مهلكة قاصمة للظهر يكاد أن تكون كفرًا والعياذ بالله (٣).\nويقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ: الإقامة ببلد يعلو فيها الشرك والكفر، ويظهر الرفض، ودين الإفرنج ونحوهم من المعطلة للربوبية والإلهية، وترفع فيها شعائرهم، ويهدم الإسلام والتوحيد، ويعطل التسبيح والتكبير والتحميد، وتقلع قواعد الملة والإيمان، ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان، ويشتم السابقون من أهل بدر وبيعة الرضوان، فالإقامة بين أظهرهم والحالة هذه لا تصدر عن قلب باشره حقيقة الإسلام والإيمان والدين ... بل لا يصدر عن قلبٍ رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا، فإن الرضى بهذه الأصول الثلاثة قطب الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وفي قصة إسلام جرير بن عبدالله أنه قال يا رسول الله بايعني واشترط، فقال الرسول ﷺ: «تعبدالله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وأن تفارق المشركين» أخرجه أبو عبدالرحمن النسائي (٤)، وفيه إلحاق مفارقة المشركين بأركان الإسلام ودعائمه العظام.\n_________\n(١) انظر المعيار المعرب ٢/ ١١٩ - ١٣٥\n(٢) «المعيار المعرب» ٢/ ١٢٣، ١٢٤ = باختصار.\n(٣) «المعيار المعرب» (٢/ ١٣٢)، وانظر ما كتبه الونشريسي من مفاسد الإقامة في ديار الكفر في كتابه «المعيار» (٢/ ١٣٧ - ١٤١).\n(٤) رواه النسائي (٧/ ١٤٨)، وأحمد (٤/ ٣٦٥) (١٨٢٥٨). وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.","vol":"1","page":314},{"text":"ب- من أطاع الكفار في التشريع والتحليل والتحريم، فأظهر الموافقة في ذلك، فهو كافر وخارج عن الملة، وسنورد بعض النصوص القرآنية في هذا الشأن:\nيقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:١٠٠].\nومما قاله أبو السعود في تفسير هذه الآية: وتعليق الرد بطاعة فريق منهم للمبالغة في التحذير عن طاعتهم وإيجاب الاجتناب عن مصاحبتهم بالكلية، فإنه في قوة أن يقال: لا تطيعوا فريقًا ... (١).\nوتأمل قوله تعالى: إِن تُطِيعُواْ .. (فإن هذا الفعل جاء مطلقًا، فحذف المتعلق المعمول فيه، ليفيد تعميم المعنى (٢)، فالآية الكريمة تحذر أيّما تحذير عن طاعة أهل الكتاب - فضلًا عن غيرهم من أصناف الكفار - في جميع الأحوال وسائر شؤون الحياة.\nويقول ﷿: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ [آل عمران:١٤٩].\nيقول الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب: عند هذه الآية: أخبر تعالى أن المؤمنين إن أطاعوا الكفار فلا بد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام، فإنهم لا يقنعون منهم بدون الكفر، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرة، ولم يرخص في مواقفهم وطاعتهم خوفًا منهم. وهذا هو الواقع فإنهم لا يقتنعون ممن وافقهم إلا بشهادة أنهم على حقٍّ وإظهار العداوة والبغضاء للمسلمين (٣).\nويقول ﷾: وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: ١٢١].\nفصرح تعالى بأنهم مشركون في طاعة أولئك الكفار، حينما وافقوهم في تحليل أو تحريم (٤).\nوقال ﵎: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [محمد:٢٥، ٢٦].\nفهذا النوع من الموالاة كان سببًا في ردة أولئك القوم (٥)، ولذا يقول ابن حزم: فجعلهم مرتدين كفارًا بعد علمهم الحق، وبعد أن تبيّن لهم الهدى بقولهم للكفار ما قالوا فقط، وأخبرنا تعالى أنه يعرف إسرارهم (٦).\nويقول القاسمي في (تفسيره): ذلك إشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم، بِأَنَّهُمْ أي: لسبب أنهم قَالُوا أي: المنافقون الذين كرهوا ما نزل الله أي: اليهود الكارهين لنزول القرآن على رسول الله ﷺ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ أي بعض أموركم، أو ما تأمرون به ... كما أوضح ذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ [الحشر:١١] (٧).\n_________\n(١) «تفسير أبي السعود» (١/ ٥٢٣).\n(٢) انظر توضيح هذه النكته في كتاب «القواعد الحسان لتفسير القرآن» لعبدالرحمن السعدي (ص٤٦ - ٥١).\n(٣) «الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك» (ص٣٣).\n(٤) انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٨٣).\n(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٨/ ١٩٣).\n(٦) «الفصل» (٣/ ٢٦٢).\n(٧) «تفسير القاسمي» (١٥/ ٥٦).","vol":"1","page":315},{"text":"فتلك الآيات الكريمات قد قررت أن بعضًا من الطاعة لأولئك الكفار هي ردة عن دين الإسلام، كموافقتهم في عداوة الرسول ﷺ، أو المظاهرة على محمد ﷺ كما جاء مفصلًا في كتب التفسير (١).\nولذا عاقبهم الله تعالى بحبوط الأعمال، كما جاء في الآيات التالية: فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٢٧، ٢٨]\nومما سطره يراع الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب - ﵏ - عند قوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا ... الآية: أخبر تعالى أن سبب ما جرى عليهم من الردة وتسويل الشيطان والإملاء لهم هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله، سنطيعكم في بعض الأمر فإذا كان من وَعَدَ المشركين الكارهين لما نزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافرًا، وإن لم يفعل ما وعدهم به، فكيف بمن وافق المشركين وأظهر أنهم على هدى (٢). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبداللطيف - ٣٥٨\n_________\n(١) انظر: «زاد المسير» لابن الجوزي (٧/ ٤٠٩)، و«فتح القدير» للشوكاني (٥/ ٣٩)، و«تفسير النسفي» (٥/ ٥١٢).\n(٢) «الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك» (٥٠، ٥١).","vol":"1","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>المبحث الثالث: عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\nعلى المؤمن أن يعادي في الله ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه – وإن ظلمه. فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية.\nقال تعالى:\nوَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:٩].\n(فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم، فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك. فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه والإهانة والعقاب لأعدائه.\n(وإذا اجتمع في الرجل الواحد: خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم) (١)\nولمّا كان الولاء والبراء مبنيين على قاعدة الحب والبغض ... فإن الناس في نظر أهل السنة والجماعة – بحسب الحب والبغض والولاء والبراء – ثلاثة أصناف:\nالأول: من يحب جملة. وهو من آمن بالله ورسوله، وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام علمًا وعملًا واعتقادًا. وأخلص أعماله وأفعاله وأقواله لله، وانقاد لأوامره وانتهى عما نهى الله عنه، وأحب في الله، ووالى في الله وأبغض في الله، وعادى في الله، وقدم قول رسول الله ﷺ على قول كل أحد كائنًا من كان (٢)\nالثاني: من يحب من وجه ويبغض من وجه، فهو المسلم الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فيحب ويوالى على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادى على قدر ما معه من الشر ومن لم يتسع قلبه لهذا كان ما يفسد أكثر مما يصلح .. وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا عبد الله بن حمار (٣) وهو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ - كان يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله ﷺ فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» (٤) مع أنه ﷺ لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه (٥).\n_________\n(١) انظر «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٠٨ – ٢٠٩)\n(٢) «إرشاد الطالب» لابن سحمان (ص١٣)\n(٣) عبد الله بن حمار هكذا أورده ابن سحمان والموجودة في (صحيح البخاري) (١٢/ ٧٥) أنه عبد الله، كان يلقب حمارًا. وقال ابن حجر: كان يهدي إلى النبي ﷺ ويضحكه في كلامه. انظر «الإصابة» (٤/ ٢٧٥).\n(٤) رواه البخاري (٦٧٨٠).\n(٥) رواه الترمذي (١٢٩٥)، وابن ماجه (٣٣٨١)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ٩٣)،من حديث أنس ﵁، قال الترمذي هذا حديث غريب من حديث أنس وقد روي نحو هذا عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٢٤٦): رواته ثقات، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٦٩٨): [فيه] شبيب بن بشر وثقه ابن معين فينبغي إذن تصحيحه، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"1","page":317},{"text":"الثالث: من يبغض جملة وهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه كله بقضاء الله وقدره وأنكر البعث بعد الموت، وترك أحد أركان الإسلام الخمسة، أو أشرك بالله في عبادته أحدًا من الأنبياء والأولياء والصالحين، وصرف لهم نوعًا من أنواع العبادة كالحب والدعاء، والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل، والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة، والذبح والنذر والإبانة والذل والخضوع والخشية والرغبة والرهبة والتعلق، أو ألحد في أسمائه وصفاته واتبع غير سبيل المؤمنين، وانتحل ما كان عليه أهل البدع والأهواء المضلة، وكذلك كل من قامت به نواقض الإسلام العشرة أو أحدها (١)\nفأهل السنة والجماعة – إذن – يوالون المؤمن المستقيم على دينه ولاء كاملًا ويحبونه وينصرونه نصرة كاملة، ويتبرؤون من الكفرة والملحدين والمشركين والمرتدين ويعادونهم عداوة وبغضًا كاملين. أما من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا فيوالونه بحسب ما عنده من الإيمان، ويعادونه بحسب ما هو عليه من الشر.\nوأهل السنة والجماعة يتبرؤون ممن حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، قال تعالى:\nلا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:٢٢].\nويمتثلون لنهيه تعالى في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:٢٣ - ٢٤].\nويلخص الإمام ابن تيمية مذهب أهل السنة والجماعة فيقول:\n(الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعادة إنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمنًا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافرًا وجبت معاداته من أي صنف كان.\nقال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة: ٥٥ - ٥٦].\nوقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١].\nوقال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:٧١].\nومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقول الخوارج والمعتزلة.\n_________\n(١) «إرشاد الطالب» (ص١٩).","vol":"1","page":318},{"text":"ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة\nقال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩ - ١٠].\nفجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي.\n(... ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضًا موالاة الدين لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم بشهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم من بعض، ويتوارثون ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك) (١)\nالولاء والبراء القلبي:\nومن عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع أن الولاء القلبي وكذلك العداوة يجب أن تكون كاملة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\n(فأما حب القلب وبغضه، وإرادته وكراهته، فينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا توجب نقص ذلك إلا بنقص الإيمان، وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل.\nذلك أن من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهته بحسب محبة نفسه وبغضها، لا بحسب محبة الله ورسوله، وبغض الله ورسوله وهذا نوع من الهوى، فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠]. (٢)\nموقف أهل السنة والجماعة من أصحاب البدع والأهواء:\nيدخل في معتقد أهل السنة والجماعة البراءة من أرباب البدع والأهواء.\nوالبدعة: مأخوذة من الابتداع وهو الاختراع، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق ولا مثال احتذي ولا ألف مثله ومنه قولهم: ابتدع الله الخلق أي خلقهم ابتداء ومنه قوله تعالى:\nبَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة: ١١٧].\nوقوله: قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٩].\nأي لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض.\nوهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة وفيما تفعله الجوارح (٣)\nقال ابن الجوزي:\n(البدعة عبارة عن فعل لم يكن فابتدع. والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان) (٤)\nولقائل أن يقول: ما شأننا الآن وأصحاب البدع لا سيما وأنت تتكلم عن ولاء الكفار والبراء منهم وموالاة المؤمنين ونصرتهم؟؟\nوالجواب على ذلك: أولًا: أن البدعة خطرها عظيم وكبير، والدليل على ذلك أنها تنقسم إلى رتب متفاوتة ما بين الكفر الصريح إلى الكبيرة والصغيرة، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي:\n(البدعة تنقسم إلى رتب متفاوتة منها ما هو كفر صراح، كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن بقوله:\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (ص ١٠٨ –٢٠١) الطبعة الأولى سنة ١٣٤٩ هـ مطبعة المنار بمصر\n(٢) «شذرات البلاتين» (١/ ٣٥٤) و«الأمر بالمعروف لابن تيمية».\n(٣) كتاب «الحوادث والبدع» للطرطوشي (٣٨ – ٣٩) تحقيق محمد الطالبي\n(٤) «تلبيس إبليس» (ص٢٦)","vol":"1","page":319},{"text":"وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الأنعام: ١٣٦].\nوقوله تعالى: وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٣٩].\nوقوله: مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [المائدة: ١٠٣].\nوكذلك بدعة المنافقين حين اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح) (١)\nوقضية التحليل والتحريم خصوصية لله ﷿، فمن ادعى التحليل والتحريم فقد شرع ومن شرع فقد أله نفسه. وكما أن الله ﷾ هو الخالق فهو أيضًا صاحب الأمر والسلطان، قال تعالى:\nأَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤].\nوقال سبحانه: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل:١١٦].\nفهذه البدعة الكفرية وأمثالها لأصحابها منا العداء والبغض والكره والجهاد بعد الإعذار والإنذار، والبراءة منهم لا تختلف عن البراءة من الكافر الأصلي. فقد قال ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢).\nقال البغوي:\n(وقد اتفق علماء السنة على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم) (٣)\nونعود لرتب البدع كما ذكرها الشاطبي فقال:\n(ومن البدع ما هو من المعاصي التي ليست بكفر أو يختلف فيها هل هي كفر أم لا؟ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة.\nومنها ما هو معصية ويتفق على أنها ليست بكفر، كبدعة التبتل (٤) والصيام قائمًا في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع.\nومنها: ما هو مكروه كالاجتماع للدعاء عشية عرفة، وذكر السلاطين في خطبة الجمعة على ما قاله ابن عبد السلام الشافعي (٥) وما أشبه ذلك) (٦)\nفأرباب هذه البدع يتبرأ منهم أهل السنة والجماعة.\nثانيًا: لخطورة البدع على الدين أورد هنا نماذج من أقوال سلف الأمة في التحذير من البدع وأصحابها. ومن ذلك ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ حيث يقول:\n_________\n(١) «الاعتصام» (٢/ ٣٧)\n(٢) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).\n(٣) «شرح السنة» (١/ ٢٢٧)\n(٤) التبتل: هو الانقطاع عن الدنيا إلى الله. انظر «مختار الصحاح» (ص ٥٣).\n(٥) هو سلطان العلماء عبد العزيز السلمي الدمشقي فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد ولد سنة ٥٧٧ هـ وتوفي سنة ٦٦٠ هـ من مؤلفاته «التفسير الكبير»، و«الإلمام في أدلة الأحكام»، و«قواعد الشريعة» و«قواعد الأحكام» و«الفتاوى». انظر «الأعلام» للزركلي (٤/ ٢١) الطبعة الرابعة وفية أن له ترجمة في فوات الوفيات (١/ ٢٨٧) و«طبقات السبكي» (٥/ ٨٠) و«النجوم الزاهرة» (٧/ ٢٠٨) و«ذيل الروضتين» (٢١٦) – و«مفتاح السعادة» (٢/ ٢١٢).\n(٦) «الاعتصام» (٢/ ٣٧)","vol":"1","page":320},{"text":"(من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم كانوا على الهدي المستقيم) (١). وقال سفيان الثوري ﵀: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. (٢)\nوقال الإمام مالك ﵀: من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين، لأن الله تعالى يقول:\nالْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣].\nفما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا (٣)\nوذكر الشاطبي ﵀ أن مفاسد البدع تنحصر في أمرين:\n(١) أنها مضادة للشارع، ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه منصب المستدرك على الشريعة لا منصب المكتفي بما حد له.\n(٢) أن كل بدعة – وإن قلت – تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقًا بما هو مشروع فيكون قادحًا في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدًا، لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير – قل أو كثر – كفر (٤).\nويعضد هذا النظر عموم الأدلة في ذم البدع ومنها: قوله ﷺ: «كل بدعة ضلالة» (٥) وقوله ﷺ: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (٦).\nوقال أحد علماء السلف:\n(لا تجالسوا أصحاب الأهواء، أو قال أصحاب الخصومات فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون) (٧). الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني – ص١٣٨\n_________\n(١) «شرح السنة» للبغوي (١/ ٢١٤).\n(٢) «شرح السنة» للبغوي (١/ ٢١٦).\n(٣) «الاعتصام» (٢/ ٥٣).\n(٤) «الاعتصام» (٢/ ٦١) بتصرف بسيط.\n(٥) رواه مسلم (٨٦٧).\n(٦) رواه مسلم (٢٦٧٤).\n(٧) «شرح السنة» للبغوي (١/ ٢٢٧).","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>المبحث الرابع: التشبه بالكفار</span>\nلا شك أن الدين الإسلامي ليس حريصاَ على تميز المسلمين في المضمون فحسب وإنما حتى في المظهر العام للمسلم في نفسه وللمجتمع الإسلامي في عمومه. ولذلك كان النهي عن التشبه بالكفار أحد التكاليف الربانية لهذه العقيدة. وقد حفل الكتاب والسنة بأدلة كثيرة حول هذه القضية. لأن التشبه بالكفار في الظاهر يورث التشبه بهم في العقيدة أو مودتهم، ومسايرتهم وموافقتهم على هواهم مما يحدث التميع في حياة المسلم ويجعله إمعة يتبع كل ناعق، والله يريد له العزة والكرامة. وإذا تمعنا في طريقة التربية القرآنية: وجدنا أن الإسلام ربى المسلمين على العقيدة الصحيحة فترة طويلة قبل نزول التكاليف، فلما رست جذور هذه الشجرة المباركة في النفوس جاءت التكاليف واحدًا إثر الآخر مما جعل المسلمين يترقون في هذا السلم التربوي الإيماني إلى الذروة.\nمن هنا جاء النهي عن التشبه بالكفار في العهد المدني. وذلك بعد الجهاد من أجل صيانة وحماية المجتمع الإسلامي من كل دخيل، وحرصًا على بناء الشخصية الإسلامية الفريدة. فكما أن هذه العقيدة فريدة في مضمونها وجوهرها فهي أيضًا فريدة في شكلها ومظهرها. لذا وجب على صاحبها أن يكون متميزًا بعد أن أخرجه الله من الظلمات إلى النور.\nوتجتاح العالم الإسلامي اليوم موجة من التبعية الجارفة في كل شيء، ومن ذلك التشبه بالغرب الكافر من قبل ضعاف الإيمان الذين يرون أن ذلك الفعل هو سبيل التقدم والرقي!\nوفي هذا يقول الأستاذ محمد أسد (وإن السطحيين من الناس فقط ليستطيعوا أن يعتقدوا أنه من الممكن تقليد مدنية ما في مظاهرها الخارجية من غير أن يتأثروا في الوقت نفسه بروحها.\n\"إن المدنية ليست شكلًا أجوف فقط، ولكنها نشاط حي. وفي اللحظة التي نبدأ فيها. بتقبل شكلها تأخذ مجاريها الأساسية ومؤثراتها الفعالة تعمل فينا، ثم تخلع على اتجاهنا العقلي كله شكلًا ولكن ببطء ومن غير أن نلحظ ذلك.\nولقد قدر الرسول ﷺ هذا الاختيار حق قدره حينما قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» (١). وهذا الحديث المشهور ليس إيماءة أدبية فحسب، بل تعبير إيجابي يدل على أن لا مفر من أن يصطبغ المسلمون بالمدنية التي يقلدونها؟\n\"ومن هذه الناحية قد يستحيل أن نرى الفرق الأساسي بين \"المهم\" وبين غير المهم في نواحي الحياة الاجتماعية وليس ثمة خطأ أكبر من أن نفترض أن اللباس – مثلًا – شيء خارجي بحت وأن لا خوف منه على \"حياة الإنسان\" العقلية والروحية. إنه على وجه العموم نتيجة تطور طويل الأمد لذوق شعب ما في ناحية معينة وزي هذا اللباس يتفق مع الإدراك البديعي لذلك الشعب ومع ميوله. لقد تشكل هذا الزي ثم ما فتئ يبدل أشكاله باستمرار حسب التبدل الذي طرأ على خصائص ذلك الشعب وميوله. وبلبس الثياب الأوربية يوافق المسلم من غير شعور ظاهر بين ذوقه والذوق الأوربي ثم يشوه \"حياته\" العقلية بشكل يتفق نهائيًا مع اللباس الجديد وبعمله هذا يكون (المسلم) قد تخلى عن الإمكانيات الثقافية لقومه، وتخلى عن ذوقهم التقليدي، وتقبل لباس العبودية العقلية الذي خلعته عليه المدنية الأجنبية.\n_________\n(١) [١٠٣٩]» رواه أبو داود (٤٠٣١)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ٤٧١)، من حديث عبد الله بن عمر، وروي من حديث حذيفة وأبي هريرة، وأنس ﵃، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٩): إسناده صحيح، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٨٢): ثابت [و] إسناده حسن، وقال الألباني في «صحيح أبي داود»: حسن صحيح.","vol":"1","page":322},{"text":"\" إذا حاكى المسلم أوروبة في لباسها، وعاداتها وأسلوب حياتها فإنه يتكشف عن أنه يؤثر المدنية الأوربية، مهما كانت دعواه التي يعلنها، وإنه لمن المستحيل عمليًا أن تقلد مدنية أجنبية في مقاصدها العقلية والبديعية من غير إعجاب بروحها، وإنه لمن المستحيل أن تعجب بروح مدنية مناهضة للتوجيه الديني، وتبقى مع ذلك مسلمًا صحيحًا.\n(إن الميل إلى تقليد التمدن الأجنبي نتيجة الشعور بالنقص هذا ولا شيء سواه، ما يصاب به المسلمون الذين يقلدون المدنية الغربية) (١)\nوأصل المشابهة: أن الله جبل بني آدم – بل سائر المخلوقات – على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر: كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم. والمشاركة بين بني الإنسان أشد تفاعلًا فلأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم فاكتسب بعضهم، أخلاق بعض بالمشاركة والمعاشرة.\nوالمشابهة في الأمور الظاهرة: توجب مشابهة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي، وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين أقل كفرًا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيمانًا من غيرهم ممن جرد الإسلام (٢)\nثم إن المشاركة في الهدي الظاهر: توجب مناسبة وائتلافًا وإن بعد المكان والزمان وهذا أمر محسوس، بل إنها تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر.\nوإذا كانت المشابهة في الأمور الدنيوية تورث المحبة والموالاة فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ نعم. إنها تقتضي إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد. والمحبة لهم تنافي الإيمان كما قال تعالى:\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١].\nوثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم (٣)\nوهنا لابد أن نورد بعض النصوص الكثيرة والمستفيضة من الكتاب والسنة التي نهت عن مشابهة الكفار واتباع أهوائهم.\nمنها قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية: ١٨ - ١٩]. الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني – ص ٢٧٣\nقال الله سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية: ١٦ - ١٩]\n_________\n(١) [١٠٤٠]» «الإسلام على مفترق الطرق». ترجمة د. عمر فروخ (ص ٨١ – ٨٣) الطبعة الثامنة سنة ١٩٧٤م دار العلم للملايين.\n(٢) [١٠٤١]» «اقتضاء الصراط المستقيم» بتصرف (٢٢)\n(٣) [١٠٤٢]» «اقتضاء الصراط المستقيم» بتصرف (ص ٢١٩ - ٢٢٢)","vol":"1","page":323},{"text":"أخبر سبحانه، أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيًا من بعضهم على بعض.\nثم جعل محمدًا ﷺ على شريعة شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.\nوأهواؤهم: هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه، اتباع لما يهوونه، ولهذا: يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويسرون به، ويودون أن لو بذلوا عظيمًا ليحصل ذلك، ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره، فإن \" من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه \" وأي الأمرين كان، حصل المقصود في الجملة، وإن كان الأول أظهر.\nوفي هذا الباب قوله سبحانه: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ [الرعد: ٣٦ - ٣٧]. فالضمير في أهوائهم، يعود - والله أعلم - إلى ما تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضه، فدخل في ذلك كل من أنكر شيئًا من القرآن: من يهودي، ونصراني، وغيرهما. وقد قال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠] ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم، إتباع لأهوائهم، بل يحصل إتباع أهوائهم بما هو دون ذلك.\nومن هذا - أيضًا - قوله تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠].\nفانظر كيف قال في الخبر: مِلَّتَهُمْ وقال في النهي: أَهْوَاءهُم، لأن القوم لا يرضون إلا بإتباع الملة مطلقًا، والزجر وقع عن إتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين، نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه، كما تقدم.","vol":"1","page":324},{"text":"ومن هذا الباب قوله سبحانه: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ [البقرة: ١٤٥ - ١٥٠].\nقال غير واحد من السلف: معناه، لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، إذ الحجة: اسم لكل ما يحتج به من حق وباطل إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وهم قريش، فإنهم يقولون: عادوا إلى قبلتنا، فيوشك أن يعودوا إلى ديننا.\nفبين سبحانه، أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها، مخالفة الناس الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذ اتبع في شيء من أمره، كان له في الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة.\nوقال سبحانه: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥] (وهم: اليهود والنصارى، الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، ولهذا نهى النبي ﷺ عن متابعتهم في نفس التفرق والاختلاف، مع أنه ﷺ قد أخبر أن أمته: ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، مع أن قوله: لا تكن مثل فلان، قد يعم مماثلته بطريق اللفظ أو المعنى، وإن لم يعم دل على أن جنس مخالفتهم، وترك مشابهتهم أمر مشروع: ودل على أنه - كلما بعد الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا - كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها، وهذه مصلحة جليلة.\nوقال سبحانه لموسى وهارون: قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [يونس: ٨٩] وقال سبحانه: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف: ١٤٢] وقال تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥] إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"1","page":325},{"text":"وما هم عليه من الهدي والعمل، هو من سبيل غير المؤمنين، بل ومن سبيل المفسدين، والذين لا يعلمون، وما يقدر عدم اندراجه في العموم، فالنهي ثابت عن جنسه، فيكون مفارقة الجنس بالكلية أقرب إلى ترك المنهي، ومقاربته مظنة وقوع المنهي عنه، قال سبحانه: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ إلى قوله: وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٨ - ٤٩] ومتابعتهم في هديهم، هي من اتباع ما يهوونه، أو مظنة لاتباع ما يهوونه وتركها معونة على ترك ذلك، وحسم لمادة متابعتهم فيما يهوونه.\nواعلم: أن في كتاب الله من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه - كثير. مثل قوله، لما ذكر ما فعله بأهل الكتاب من المثلات: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر: ٢] وقوله: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف: ١١١] وأمثال ذلك، ومنه ما يدل على مقصودنا، ومنه ما فيه إشارة وتتميم للمقصود.\nثم هذا الذي دل عليه الكتاب: من مشابهة بعض هذه الأمة للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين، وذم من يفعل ذلك، دلت عليه - أيضًا - سنة رسول الله ﷺ، وتأول الآية - على ذلك - أصحابه ﵃.\nفمما جاء في الاستمتاع: حديث لتأخذن كما أخذت الأمم قبلكم.\nفعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم: ذراعًا بذراع، وشبرًا بشبر، وباعًا بباع، حتى لو أن أحدًا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه - قال أبو هريرة: اقرؤا - إن شئتم - كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ قال: فهل الناس إلا هم؟» (١).\nوما أثر عن بعض الصحابة في ذلك.\nوعن ابن عباس ﵄، في هذه الآية، أنه قال: (ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم) (٢).\nوعن ابن مسعود ﵁، أنه قال: (أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتًا وهديًا، تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟) (٣).\n_________\n(١) رواه أبو يعلى في «المسند» (١١/ ١٨٢) وابن جرير في «التفسير» (١٤/ ٣٤١)، ورواه ابن ماجه (٣٩٩٤) بنحوه، قال العراقي في «الباعث على الخلاص» (١٥): إسناده حسن، قال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٧/ ٣٢١)، وابن جرير في «التفسير» (١٤/ ٣٤٢).\n(٣) رواه البغوي في «التفسير» (٤/ ٧٢) قال البزار في «البحر الزخار» (٥/ ٤١٦): [فيه] أبو قيس ليس بالقوي، وقد روى عنه غير واحد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٧٣): فيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٩١٤): [فيه] ليث بن أبي سليم صدوق ولكنه كان اختلط.","vol":"1","page":326},{"text":"وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (المنافقون الذين منكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ، قلنا: وكيف؟ قال: أولئك كانوا يخفون نفاقهم، وهؤلاء أعلنوه) (١).\nما أخذ به الرسول ﷺ في السنة من مشابهة أمته الماضين في الدنيا، وتحذيره من ذلك حديث أبي عبيدة، حين جاء بمال من البحرين\nوأما السنة: فجاءت بالإخبار بمشابهتهم في الدنيا، وذم ذلك، والنهي عن ذلك، وكذلك في الدين.\nفأما الأول: الذي هو الاستمتاع بالخلاق:\nففي (الصحيحين) - عن عمرو بن عوف: «أن رسول الله ﷺ، بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين، يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ، هو صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ، فلما صلى رسول الله ﷺ: انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل يا رسول الله، فقال: أبشروا، وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم» (٢).\nفقد أخبر ﷺ: أنه لا يخاف فتنة الفقر وإنما يخاف بسط الدنيا وتنافسها، وإهلاكها، وهذا هو الاستمتاع بالخلاق المذكور في الآية.\nخوف الرسول ﷺ على أمته من فتنة الدنيا:\nوفي (الصحيحين) - عن عقبة بن عامر: «أن النبي ﷺ، خرج يومًا، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض - أو مفاتيح الأرض - وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم: أن تتنافسوا فيها» (٣). وفي رواية: «ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتلوا، - فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم». قال عقبة: «فكان آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر» (٤).\nوفي (صحيح مسلم)، عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نكون كما أمرنا الله ﷿، فقال رسول الله ﷺ: تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، أو - تتباغضون، أو غير ذلك - ثم تنطلقون إلى مساكين المهاجرين، فتحملون بعضهم على رقاب بعض «(٥).\n_________\n(١) رواه الطبراني في «الأوسط» (٣/ ١٣٤).\n(٢) رواه البخاري (٤٠١٥) ومسلم (٢٩٦١).\n(٣) رواه البخاري (٤٠٤٢) ومسلم (٢٢٩٦) (٣٠) واللفظ لمسلم.\n(٤) رواه مسلم (٢٢٩٦) (٣١).\n(٥) رواه مسلم (٢٩٦٢).","vol":"1","page":327},{"text":"وفي (الصحيحين) - عن أبي سعيد ﵁ قال: «جلس رسول الله ﷺ على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم بعدي: ما يفتح من زهرة الدنيا، وزينتها، فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله! قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ، فقيل ما شأنك تكلم رسول الله ولا يكلمك؟ قال: ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عنه الرحضاء وقال: أين هذا السائل؟ - وكأنه حمده - فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر» - وفي رواية - فقال: «أين السائل آنفًا أو خير هو؟ - ثلاثًا - إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن مما ينبت الربيع كما يقتل حبطا، أو يلم، إلا آكلة الخضر، فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت، ثم رتعت - وإن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو، لمن أعطى منه المسكين واليتيم، وابن السبيل -أو كما قال رسول الله ﷺ - وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة «(١).\nخوف الرسول ﷺ على أمته من فتنة النساء وأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء\nوروى مسلم في (صحيحه) - عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله سبحانه، مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (٢).\nفحذر رسول الله ﷺ فتنة النساء، معللًا بأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.\nوهذا نظير ما سنذكره: من حديث معاوية، عنه ﷺ، أنه قال: «إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم» (٣) يعني وصل الشعر.\nوكثير من مشابهات أهل الكتاب في أعيادهم وغيرها، إنما يدعو إليها النساء.\nومما جاء في الخوض: حديث افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين ملة.\nوأما الخوض كالذي خاضوا: فروينا من حديث الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، حتى إذا كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٤) رواه أبو عيسى والترمذي، وقال: هذا حديث غريب مفسر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوهذا الافتراق مشهور عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة، وسعد ومعاوية، وعمرو بن عوف، وغيرهم، وإنما ذكرت حديث ابن عمرو لما فيه من ذكر المشابهة.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٦٥) ومسلم (١٠٥٢).\n(٢) رواه مسلم (٢٧٤٢).\n(٣) رواه البخاري (٥٩٣٢)، ومسلم (٢١٢٧).\n(٤) رواه الترمذي (٢٦٤١)، والحاكم (١/ ٢١٨)، قال الترمذي هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٣١٦): في طريقه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"1","page":328},{"text":"حديث ثان في افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة: فعن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تفترق اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (١) رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح\nحديث ثالث:\nوعن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة». وقال: «إنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله، والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به» (٢).\nهذا حديث محفوظ من حديث صفوان بن عمرو، عن الأزهر بن عبد الله الحرازي، عن أبي عامر - عبد الله بن لحي، عن معاوية، رواه عنه غير واحد، منهم أبو اليمان، وبقية وأبو المغيرة، رواه أحمد وأبو داود في «سننه».\nوقد روى ابن ماجه هذا المعنى من حديث صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد عن عوف بن مالك الأشجعي، ويروى من وجوه أخرى، فقد أخبر النبي ﷺ: بافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة، واثنتان وسبعون: لا ريب أنهم الذين خاضوا كخوض الذين من قبلهم.\nالاختلاف الذي أخبر به النبي ﷺ إما في الدين، أو في الدنيا، أو بهما معًا\nثم هذا الاختلاف الذي أخبر به النبي ﷺ: إما في الدين فقط، وإما في الدين والدنيا، ثم قد يؤول إلى الدماء، وقد يكون الاختلاف في الدنيا فقط.\nوهذا الاختلاف الذي دلت عليه هذه الأحاديث: هو مما نهى الله عنه في قوله سبحانه: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا [آل عمران: ١٠٥].\nوقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩] وقوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣].\nحديث: سألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين:\nوهو موافق لما رواه مسلم في (صحيحه)، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه: «أنه أقبل مع رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه، من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه ودعا ربه طويلًا، ثم انصرف إلينا فقال: سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة، فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» (٣).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٥٩٦) والترمذي (٢٦٤٠) وابن ماجه (٣٩٩١) بنحوه، قال الترمذي حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٢) رواه أبو داود (٤٥٩٧)، وأحمد (٤/ ١٠٢) (١٦٩٧٩)، والحاكم (١/ ٢١٨)، والطبراني «١٩/ ٣٧٦)، قال الحاكم: هذه أسانيد تقام به الحجة في تصحيح هذا الحديث، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٣٧): محفوظ من حديث صفوان بن عمرو، وقال الألباني في «كتاب السنة» (٢): صحيح لغيره.\n(٣) رواه مسلم (٢٨٩٠).","vol":"1","page":329},{"text":"حديث: إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وخوف الرسول ﷺ على أمته من الأئمة المضلين، وإخباره ﷺ إنه سيلحق حي من أمته بالمشركين، وتعبد فئام الأوثان، ويخرج فيهم ثلاثون كذابون يزعمون النبوة، وإنه لا تزال طائفة منهم على الحق منصورة.\nوروى - أيضًا - في (صحيحه) عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي: أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا» (١) ورواه البرقاني في (صحيحه) وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎» (٢).\nوهذا المعنى محفوظ عن النبي ﷺ من غير وجه، يشير إلى أن التفرقة، والاختلاف، لا بد من قوعهما في الأمة، وكان يحذر أمته، لينجو منه من شاء الله له السلامة، كما روى النزال بن سيرة، عن عبد الله بن مسعود قال: «سمعت رجلًا قرأ آية سمعت النبي ﷺ يقرأ خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: كلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» (٣) رواه مسلم.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٨٩).\n(٢) رواه أبو داود (٤٢٥٢)، وابن حبان (٧٢٣٨) والحاكم (٤/ ٤٩٦)، الحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة وإنما أخرج مسلم حديث معاذ بن هشام عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان مختصرا، ووافقه الذهبي، وقال أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ٣٢٨): ثابت من حديث أيوب عن أبي قلابة وفيه ألفاظ تفرد بها عن النبي ثوبان، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٤٢): محفوظ من غير وجه، وصححه السخاوي في «البلدانيات» (١٠٥)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».\n(٣) رواه البخاري (٢٤١٠)، ولم يروه مسلم كما ذكر المصنف ﵀.","vol":"1","page":330},{"text":"ومن ذلك: ما روى الزهري، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي عن أبي واقد الليثي أنه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط؟ فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر! إنها السنن، قلتم - والذين نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، لتركبن سنن من كان قبلكم» (١). رواه مالك والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح - ولفظه «لتركبن سنة من كان قبلكم».\nوقد قدمت ما خرجاه في (الصحيحين) - عن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟، قال: فمن» (٢).\nوما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لتأخذن أمتي مأخذ القرون قبلها: شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، قالوا: فارس والروم؟ قال: فمن الناس إلا أولئك» (٣).\nوهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك، والذم لمن يفعله، كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات.\nفعلم أن مشابهتها اليهود والنصارى، وفارس والروم - مما ذمه الله ورسوله، وهو المطلوب، ولا يقال: فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع ذلك فما فائدة النهي عنه؟ لأن الكتاب والسنة - أيضًا - قد دلا على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق الذي بعث به محمد ﷺ إلى قيام الساعة، وأنها لا تجتمع على ضلالة، ففي النهي عن ذلك تكثير هذه الطائفة المنصورة، وتثبيتها، وزيادة إيمانها، فنسأل الله المجيب: أن يجعلنا منها.\nوأيضًا: لو فرض أن الناس لا يترك أحد منهم هذه المشابهة المنكرة، لكان في العلم بها معرفة القبيح، والإيمان بذلك، فإن نفس العلم والإيمان بما كرهه الله خير، وإن لم يعمل به، بل فائدة العلم والإيمان أعظم من فائدة مجرد العمل الذي لم يقترن به علم، فإن الإنسان إذا عرف المعروف، وأنكر المنكر: كان خيرًا من أن يكون ميت القلب، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»؟ (٤) رواه مسلم.\nوفي لفظ: «ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». (٥).\nومما يدل من القرآن على النهي عن مشابهة الكفار: قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٠٤] قال قتادة وغيره: (كانت اليهود تقوله استهزاء فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم) وقال أيضًا: (كانت اليهود تقول للنبي ﷺ، راعنا سمعك يستهزؤن بذلك، وكانت في اليهود قبيحة).\n_________\n(١) [١٠٦١]» رواه الترمذي (٢١٨٠) وأحمد (٥/ ٢١٨) (٢١٩٥٠) وابن حبان (١٥/ ٩٤) والطبراني (٣/ ٢٤٤) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٤٦) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وأحمد شاكر في «عمدة التفسير» (٢/ ٥٤): [أشار في المقدمة إلى صحته]، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) [١٠٦٢]» رواه البخاري (٧٣٢٠).\n(٣) [١٠٦٣]» رواه البخاري (٧٣١٩).\n(٤) [١٠٦٤]» رواه مسلم (٤٩). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٥) [١٠٦٥]» رواه مسلم (٥٠). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"1","page":331},{"text":"وروى أحمد عن عطية قال: كان يأتي ناس من اليهود فيقولون: راعنا سمعك، حتى قالها ناس من المسلمين، فكره الله لهم ما قالت اليهود (١).\nوقال عطاء: (كانت لغة في الأنصار في الجاهلية).\nوقال أبو العالية: إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضًا يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك، فنهوا عن ذلك وكذلك قال الضحاك.\nفهذا كله يبين أن هذه الكلمة نهى المسلمون عن قولها، لأن اليهود كانوا يقولونها - وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة - لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار، وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم.\nوأما الإجماع فمن وجوه:-\n- من ذلك أن أمير المؤمنين، عمر في الصحابة ﵃، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء - جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء، من لباسهم: قلنسوة، أو عمامة أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنابير، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليبًا، ولا كتبًا، في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين. (٢) رواه حرب بإسناد جيد.\nوفي رواية أخرى رواها الخلال: وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربًا خفيًا، في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبًا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في كنائسنا، فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبًا، ولا كتابًا في سوق المسلمين، وأن لا نخرج باعوثًا - والباعوث: يخرجون يجتمعون كما يخرج يوم الأضحى والفطر - ولا شعانينا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور- إلى أن قال: وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين، في لبس قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا.\nوهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، كذلك الشروط التي شرطها عمر بن عبد العزيز تقتضي منعهم من التشبه بالمسلمين.\nوروى - أيضًا - أبو الشيخ بإسناده، عن محمد بن قيس، وسعد بن عبد الرحمن بن حبان قالا: دخل ناس من بني تغلب على عمر بن عبد العزيز عليهم العمائم كهيئة العرب، فقالوا يا أمير المؤمنين ألحقنا بالعرب قال: فمن أنتم؟ قالوا: نحن بنو تغلب، قال أولستم من أوسط العرب؟ قالوا نحن نصارى، قال علي بجلم (٣)، فأخذ من نواصيهم، وألقى العمائم وشق رداء كل واحد شبرًا يحتزم به، وقال: لا تركبوا السروج، واركبوا على الأكف، ودلوا رجليكم من شق واحد.\n_________\n(١) [١٠٦٦]» رواه ابن جرير في «التفسير» (٢/ ٤٦٠).\n(٢) [١٠٦٧]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٠٢).\n(٣) [١٠٦٨]» الجلم: هو ما يجز به الشعر ونحوه، وهو آلة كالمقص. انظر «مختار الصحاح»، مادة (ج ل م)، (ص ١٠٨).","vol":"1","page":332},{"text":"وعن مجاهد أبي الأسود قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أن لا يضرب الناقوس خارجًا من الكنيسة، وعن معمر: أن عمر بن عبد العزيز كتب: أن امنع من قبلك، فلا يلبس نصراني قباء، ولا ثوب خز، ولا عصب وتقدم في ذلك أشد التقدم، واكتب فيه حتى لا يخفى على أحد نهي عنه، وقد ذكر لي أن كثيرًا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم، وتركوا لبس المناطق على أوساطهم، واتخذوا الوفر والجمام وتركوا التقصيص، ولعمري إن كان يصنع ذلك فيما قبلك، إن ذلك بك ضعف وعجز، فانظر كل شيء كنت نهيت عنه، وتقدمت فيه، إلا تعاهدته وأحكمته ولا ترخص فيه، ولا تعْد عنه شيئًا.\nفاتفق عمر ﵁، والمسلمون معه، وسائر العلماء بعدهم ومن وفقه الله تعالى من ولاة الأمور - على منعهم من أن يظهروا في دار الإسلام شيئًا مما يختصون به، مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين، فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها؟.\nالوجه الثاني من دلائل الإجماع: أن هذه القاعدة قد أمر بها غير واحد من الصحابة والتابعين في أوقات وقضايا متعددة وانتشرت ولم ينكرها منكر من ذلك: نهى أبي بكر عن الصمت لغير سبب لأنه من فعل الجاهلية.\nفعن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁، على امرأة من أحمس، يقال لها زينب فرآها لا تتكلم، فقال ما لها لا تتكلم؟. قالوا: حجت مصمته، فقال لها تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا عمل الجاهلية، فتكلمت فقالت من أنت؟ قال امرؤ من المهاجرين قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش قالت: من أي قريش؟ قال: إنك لسؤول، وقال: أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت لكم أئمتكم قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف، يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى قال: فهم أولئك على الناس. (١) رواه البخاري في (صحيحه).\nفأخبر أبو بكر: أن الصمت المطلق لا يحل، وعقب ذلك بقوله: هذا من عمل الجاهلية، قاصدًا بذلك عيب هذا العمل، وذمه.\nالوجه الثالث - في تقرير الإجماع:\nما ذكره عامة علماء الإسلام من المتقدمين، والأئمة المتبوعين وأصحابهم في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار، أو مخالفة النصارى، أو مخالفة الأعاجم، وهو أكثر من أن يمكن استقصاؤه، وما من أحد له أدنى نظر في الفقه إلا وقد بلغه من ذلك طائفة، وهذا بعد التأمل والنظر، يورث علمًا ضروريًا، باتفاق الأئمة، من النهي عن موافقة الكفار والأعاجم، والأمر بمخالفتهم.\nفمن ذلك: أن الأصل المستقر عليه في مذهب أبي حنيفة: أن تأخير الصلاة أفضل من تعجيلها، إلا في مواضع يستثنونها، كاستثناء يوم الغيم، وكتعجيل الظهر في الشتاء - وإن كان غيرها من العلماء يقولون: الأصل أن التعجيل أفضل - فيستحبون تأخير الفجر والعصر، والعشاء والظهر إلا في الشتاء في غير الغيم. ثم قالوا: يستحب تعجيل المغرب، لأن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود، وهذا - أيضًا - قول سائر الأئمة، وهذه العلة منصوصة كما تقدم.\nوقالوا - أيضًا - يكره السجود في الطاق، لأنه يشبه صنيع أهل الكتاب، من حيث تخصيص الإمام بالمكان، بخلاف ما إذا كان سجوده في الطاق، وهذا - أيضًا - ظاهر مذهب أحمد وغيره، وفيه آثار صحيحة عن الصحابة - ابن مسعود، وغيره.\nوقالوا: لا بأس أن يصلي وبين يديه مصحف معلق، أو سيف معلق، لأنهما لا يعبدان، وباعتباره تثبت الكراهة ولا بأس أن يصلي على بساط فيه تصاوير لأن فيه استهانة بالصورة، ولا يسجد على التصاوير لأنه يشبه عبادة الصور، وأطلق الكراهة في الأصل لأن المصلي معظم.\n_________\n(١) [١٠٦٩]» رواه البخاري (٣٨٣٤).","vol":"1","page":333},{"text":"وقالوا: لو لبس ثوبًا فيه تصاوير كره، لأنه يشبه حامل الصنم، ولا يكره تماثيل غير ذوي الروح لأنه لا يعبد.\nوقالوا - أيضًا -: إن صام يوم الشك ينوي أنه من رمضان كره، لأنه تشبه بأهل الكتاب، لأنهم زادوا في مدة صومهم.\nوقالوا: فإذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه على هيئتهم حتى يأتوا مزدلفة، لأن فيه إظهار مخالفة المشركين.\nوقالوا - أيضًا -: لا يجوز الأكل والشرب والادهان والتطيب في آنية الذهب والفضة، للرجال، والنساء، للنصوص، ولأنه تشبه بزي المشركين، وتنعم بتنعم المترفين والمسرفين.\nوقالوا في تعليل المنع من لباس الحرير في حجة أبي يوسف ومحمد على أبي حنيفة، في المنع من افتراشه وتعليقه والستر به، لأنه من زي الأكاسرة، والجبابرة، والتشبه بهم حرام.\nقال عمر: إياكم وزي الأعاجم (١) وقال محمد في الجامع الصغير: ولا يتختم إلا بالفضة.\nقالوا: وهذا نص على أن التختم بالحجر والحديد والصفر، حرام، للحديث المأثور: «أن النبي ﷺ رأى على رجل خاتم صفر فقال: ما لي أجد منك ريح الأصنام؟، ورأى على آخر خاتم حديد فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟» (٢).\nومثل هذا كثير في مذهب أبي حنيفة وأصحابه.\nنماذج من أقوال المالكية:\nوأما مذهب مالك وأصحابه، ففيه ما هو أكثر من ذلك، حتى قال مالك فيما رواه ابن القاسم في المدونة: لا يحرم بالأعجمية ولا يدعو بها ولا يحلف.\nوقال: ونهى عمر ﵁ عن رطانة الأعاجم وقال: إنها خب (٣). قال: وأكره الصلاة إلى حجر منفرد في الطريق وأما أحجار كثيرة فجائز. قال: ويكره ترك العمل يوم الجمعة كفعل أهل الكتاب يوم السبت والأحد. قال: ويقال من تعظيم الله تعظيم ذي الشيبة المسلم، قيل: فالرجل يقوم للرجل له الفضل والفقه؟ قال: أكره ذلك ولا بأس بأن يوسع له في مجلسه، قال: وقيام المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طلع قاموا، فليس هذا من فعل الإسلام، وهو فيما ينهى عنه من التشبه بأهل الكتاب والأعاجم، وفيما ليس من عمل المسلمين، أشد من عمل الكوفيين وأبلغ، مع أن الكوفيين يبالغون في هذا الباب، حتى تكلم أصحاب أبي حنيفة في تكفير من تشبه بالكفار في لباسهم وأعيادهم.\n_________\n(١) [١٠٧٠]» رواه ابن حبان (١٢/ ٢٦٨) من حديث قتادة عن أبي عثمان بلفظ: «.... وإياكم والتنعم وزي العجم ....» قال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) [١٠٧١]» رواه أبو داود (٤٢٢٣)، والترمذي (١٧٨٥)، والنسائي (٨/ ١٧٢) (٥١٩٥) وابن حبان (١٢/ ٢٩٩)، من حديث بريدة بن الحصيب، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث غريب وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسلم، وقال النسائي في «السنن الكبرى» (٩٤٤٢): منكر، وقال البغوي في «شرح السنة» (٥/ ٩٢): إسناده غريب وحديث سهل أصح، وقال الشوكاني في «الفتح الرباني» (٨/ ٤٢٤٣): في إسناده عبد الله بن مسلم أبو طيبة السلمي المروزي قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي».\n(٣) [١٠٧٢]» روى البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٣٤) (١٨٦٤٠)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١/ ٤١١) عن عمر بن الخطاب قال: «لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم». قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٥١١)، وابن القيم في «أحكام أهل الذمة» (٣/ ١٢٤٧):إسناده صحيح، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٤١٧)، وابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٤٩٤): إسناده صحيح.","vol":"1","page":334},{"text":"وقال بعض أصحاب مالك: من ذبح بطيخة في أعيادهم، فكأنما ذبح خنزيرا، وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا هذا الأصل في غير موضع من مسائلهم، مما جاءت به الآثار، كما ذكر غيرهم من العلماء، مثل ما ذكروه في النهي عن الصلوات في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها - مثل طلوع الشمس وغروبها - ذكروا تعليل ذلك بأن المشركين يسجدون للشمس حينئذ، كما في الحديث: «إنها ساعة يسجد لها الكفار» (١).\nوذكروا في السحور وتأخيره: أن ذلك فرق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، وذكروا في اللباس النهي عما فيه تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال.\nوذكروا - أيضًا - ما جاء من أن المشركين كانوا يقفون بعرفات إلى اصفرار الشمس، ويفيضون من جمع بعد طلوع الشمس، وأن السنة جاءت بمخالفة المشركين في ذلك بالتعريف إلى الغروب، والوقوف بجمع إلى قبيل طلوع الشمس، كما جاء في الحديث: «خالفوا المشركين» (٢) و(خالف هدينا هدي المشركين). وذكروا - أيضًا - الشروط على أهل الذمة، منعهم عن التشبه بالمسلمين في لباسهم وغيره، مما يتضمن منع المسلمين أيضًا عن مشابهتهم في ذلك، تفريقًا بين علامة المسلمين وعلامة الكفار.\nنماذج من أقوال الشافعية:\nوبالغ طائفة منهم، فنهوا عن التشبه بأهل البدع، فيما كان شعارًا لهم، وإن كان مسنونًا، كما ذكره طائفة منهم في تسنيم القبور، فإن مذهب الشافعي: أن الأفضل تسطيحها.\nومذهب أحمد وأبي حنيفة: أن الأفضل تسنيمها.\nثم قال طائفة من أصحاب الشافعي، بل ينبغي تسنيمها في هذه الأوقات، لأن الرافضة تسطحها ففي تسطيحها تشبه بهم فيما هو شعار لهم.\nوقالت طائفة: بل نحن نسطحها، فإذا سطحناها لم يكن تسطيحها شعارًا لهم. فالتفت الطائفتان على النهي عن التشبه بأهل البدع فيما هو شعار لهم، وإنما تنازعوا في أن التسطيح هل يحصل به ذلك أم لا؟.\nفإن كان هذا في التشبه بأهل البدع، فكيف بالكفار؟.\nنماذج من أقوال الحنابلة:\nوأما كلام أحمد وأصحابه في ذلك فكثير جدًا، أكثر من أن يحصر، قد قدمنا منه طائفة من كلامه عند ذكر النصوص، عند قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٣)، وقوله: «أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى، لا تشبهوا بالمشركين» (٤). قوله: «إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (٥).\n_________\n(١) [١٠٧٣]» رواه مسلم (٨٣٢)، من حديث عمرو بن عبسة السلمي ﵁. ولفظه: (...... ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار .....).\n(٢) [١٠٧٤]» رواه البخاري (١٦٨٤) من حديث عمرو بن ميمون بلفظ: «شهدت عمر﵁ – صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير وأن النبي – ﷺ- خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس».\n(٣) [١٠٧٥]» رواه أبو داود (٤٠٣١)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ٤٧١)، من حديث عبد الله بن عمر، وروي من حديث حذيفة وأبي هريرة، وأنس ﵃، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٩): إسناده صحيح، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٨٢): ثابت [و] إسناده حسن، وقال الألباني في «صحيح أبي داود»: حسن صحيح.\n(٤) [١٠٧٦]» رواه البخاري (٥٨٩٢) ومسلم (٢٥٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ بلفظ: «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب».\n(٥) [١٠٧٧]» رواه البخاري (٥٦٣٣).","vol":"1","page":335},{"text":"ومثل قول أحمد: ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب ولا يتشبه بأهل الكتاب، وقال لبعض أصحابه: أحب لك أن تخضب ولا تشبه باليهود، وكره حلق القفا وقال: هو من فعل المجوس من تشبه بقوم فهو منهم وقال: أكره النعل الصرار، وهو من زي العجم.\nوكره تسمية الشهور بالعجمية، والأشخاص بالأسماء الفارسية مثل: آذرماه، وقال للذي دعاه: زي المجوس، زي المجوس؟ ونفض يده في وجهه وهذا كثير في نصوصه لا يحصر.\nوقال حرب الكرماني: قلت لـ أحمد: الرجل يشد وسطه بحبل ويصلي؟ قال: على القباء لا بأس به، وكرهه على القميص، وذهب إلى أنه من زي اليهود، فذكرت له السفر، وأنا نشد ذلك على أوساطنا، فرخص فيه قليلًا، وأما المنطقة والعمامة ونحو ذلك، فلم يكرهه إنما كره الخيط، وقال: هو أشنع.\nقلت: وكذلك كره أصحابه أن يشد وسطه على الوجه الذي يشبه فعل أهل الكتاب. فأما ما سوى ذلك: فإنه لا يكره في الصلاة على الصحيح المنصوص، بل يؤمر من صلى في قميص واسع الجيب أن يحتزم، كما جاء في الحديث، لئلا يرى عورة نفسه، وقال الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد وغيره، منهم: القاضي أبو يعلى وابن عقيل، والشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلي، وغيره، في أصناف اللباس وأقسامه:- ومن اللباس المكروه: ما خالف زي العرب، وأشبه زي الأعاجم وعادتهم، ولفظ عبد القادر: ويكره كل ما خالف زي العرب، وشابه زي الأعاجم.\nوقال أيضًا أصحاب أحمد وغيرهم، منهم أبو الحسن الآمدي المعروف بـ ابن البغدادي - وأظنه نقله أيضًا عن أبي عبد الله بن حامد -: ولا يكره غسل اليدين في الإناء الذي أكل فيه، لأن النبي ﷺ فعله، وقد نص أحمد على ذلك، وقال: لم يزل العلماء يفعلون ذلك ونحن نفعله وإنما تنكره العامة، وغسل اليدين بعد الطعام مسنون، رواية واحدة.\nوإذا قدم ما يغسل فيه اليد، فلا يرفع حتى يغسل الجماعة أيديها لأن الرفع من زي الأعاجم، وكذلك قال الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلي: ويستحب أن يجعل ماء اليد في طست واحد، لما روى في الخبر: «لا تبددوا يبدد الله شملكم».\nوروي «أنه ﷺ: نهى أن يرفع الطست حتى يطف» (١) يعني يمتلئ.\nوقالوا أيضًا - ومنهم أبو محمد عبد القادر - في تعليل كراهة حلق الرأس، على إحدى الروايتين، لأن في ذلك تشبهًا بالأعاجم، وقال ﷺ:» من تشبه بقوم فهو منهم) «٢).\nبل قد ذكر طوائف من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: كراهة أشياء لما فيها من التشبه بأهل البدع، مثل ما قال غير واحد من الطائفتين - ومنهم عبد القادر-: ويستحب أن يتختم في يساره للآثار، ولأن خلاف ذلك عادة وشعار للمبتدعة.\n_________\n(١) [١٠٧٨]» رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٢٠٢٠) والقضاعي في «المسند» (١/ ٤٠٨) من حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: «لا ترفعوا الطست حتى يطف اجمعوا وضوءكم جمع الله شملكم»، قال البيهقي في إسناده بعض من يجهل، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٥٥٣).\n(٢) [١٠٧٩]» رواه أبو داود (٤٠٣١)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ٤٧١)، من حديث عبد الله بن عمر، وروي من حديث حذيفة، وأبي هريرة، وأنس ﵃، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٩): إسناده صحيح، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٨٢): ثابت [و] إسناده حسن، وقال الألباني في «صحيح أبي داود»: حسن صحيح.","vol":"1","page":336},{"text":"وحتى إن طوائف من أصحاب الشافعي، استحبوا تسنيم القبور، وإن كانت السنة عندهم تسطيحها، قالوا: لأن ذلك صار شعارًا للمبتدعة، وليس الغرض هنا تقرير أعيان هذه المسائل، ولا الكلام على ما قيل فيها بنفي ولا إثبات، وإنما الغرض بيان ما اتفق عليه العلماء من كراهة التشبه بغير أهل الإسلام.\nوقد يتردد العلماء في بعض هذه القاعدة، لتعارض الأدلة فيها، أو لعدم اعتقاد بعضهم اندراجه في هذه القاعدة، مثل ما نقله الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن لبس الحرير في الحرب؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس.\nقال: وسمعت أبا عبد الله يسأل عن المنطقة والحلية فيها؟ فقال: أما المنطقة فقد كرهها قوم، يقولون: من زي العجم، وكانوا يحتجزون العمائم.\nوهذا إنما علق القول فيه، لأن في المنطقة منفعة عارضت ما فيها من التشبه، ونقل عن بعض السلف أنه كان يتمنطق، فلهذا حكى الكلام عن غيره وأمسك.\nومثل هذا هل يجعل قولًا له إذا سئل عن مسألة فحكى فيها جواب غيره ولم يردفه بموافقة ولا مخالفة؟ فيه لأصحابه وجهان:\nأحدهما: نعم، لأنه لولا موافقته له لما كان قد أجاب السائل، لأنه إنما سأله عن قوله، ولم يسأله أن يحكي له مذاهب الناس.\nوالثاني: لا يجعل بمجرد ذلك قولًا له، لأنه إنما حكاه فقط، ومجرد الحكاية لا يدل على الموافقة.\nوفي لبس المنطقة أثر، وكلام ليس هذا موضعه.\nولمثل هذا - تردد كلامه في القوس الفارسية، فقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن القوس الفارسية؟ فقال: إنما كانت قسي الناس العربية ثم قال: إن بعض الناس احتج بحديث عمر ﵁: «جعاب وأدم» (١)، قلت: حديث أبي عمرو بن حماس؟ قال: نعم، قال أبو عبد الله يقول: فلا تكون جعبة إلا للفارسية، والنبل فإنما هو قرن.\nقال الأثرم: قلت لـ أبي عبد الله: في تفسير مجاهد، قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت: ٥] قال: كالجعبة للنبل، قال: فإن كان يسمي جعبة للنبل، فليس ما احتج به الذي قال هذا بشيء، ثم قال: ينبغي أن يسأل عن هذا أهل العربية.\nقال أبو بكر: قيل لـ أبي عبد الله: الدراعة يكون لها فرج؟ فقال: كان لـ خالد بن معدان دراعة لها فرج من بين يديها قدر ذراع، قيل لـ أبي عبد الله: فيكون لها فرج من خلفها؟ قال: ما أدري، أما من بين يديها فقد سمعت، وأما من خلفها فلم أسمع، قال: إلا أن في ذلك سعة له عند الركوب ومنفعة. قال: وقد احتج بعض الناس في هذا بقوله تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] قال الأثرم: قلت لـ أبي عبد الله: واحتج بهذه الآية بعض الناس في القوس الفارسية، ثم قلت: إن أهل خراسان يزعمون أنه لا منفعة لهم في القوس العربية، وإنما النكاية عندهم للفارسية، قال: كيف!؟ وإنما افتتحت الدنيا بالعربية، قال الأثرم: قلت لـ أبي عبد الله ورأيتهم بالثغر لا يكادون يعدلون بالفارسية قال: إنما رأيت الرجل بالشام متنكبًا قوسًا عربية.\n_________\n(١) [١٠٨٠]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ١٤٧)، قال الألباني في «إرواء الغليل» (٣/ ٣١١): إسناده ضعيف.","vol":"1","page":337},{"text":"وروى الأثرم، عن حفص بن عمر، حدثنا رجاء بن مرجى، حدثني عبد الله بن بشر، عن أبي راشد الحبراني، وأبي الحجاج السكسكي، عن علي قال: «بينما رسول الله ﷺ يتوكأ على قوس له عربية، إذ رأى رجلًا معه قوس فارسية فقال: ألقها فإنها ملعونة، ولكن عليكم بالقسي العربية، وبرماح القنا، فبها يؤيد الله الدين، وبها يمكن لكم في الأرض» (١)، ولأصحابنا في القوس الفارسية ونحوها، كلام طويل، ليس هذا موضعه، وإنما نبهت بذلك على أن ما لم يكن من هدي المسلمين بل هو من هدي العجم أو نحوهم، وإن ظهرت فائدته، ووضحت منفعته، تراهم يترددون فيه، ويختلفون لتعارض الدليلين: دليل ملازمة الهدي الأول، ودليل استعمال هذا الذي فيه منفعة بلا مضرة، مع أنه ليس من العبادات، وتوابعها، وإنما هو من الأمور الدنيوية، وأنت ترى عامة كلام أحمد إنما يثبت الرخصة بالأثر عن عمر أو بفعل خالد بن معدان، ليثبت بذلك أن ذلك كان يفعل على عهد السلف، ويقرون عليه، فيكون من هدي المسلمين، لا من هدي الأعاجم وأهل الكتاب، فهذا هو وجيه الحجة، لا أن مجرد فعل خالد بن معدان حجة.\nوأما ما في هذا الباب عن سائر أئمة المسلمين، من الصحابة والتابعين وسائر الفقهاء، فأكثر من أن يمكن ذكر عشره، وقد قدمنا في أثناء الأحاديث كلام بعضهم الذي يدل على كلام الباقين، وبدون ما ذكرناه يعلم إجماع الأمة على كراهة التشبه بأهل الكتاب والأعاجم في الجملة، وإن كانوا قد يختلفون في بعض الفروع، إما لاعتقاد بعضهم أنه ليس من هدي الكفار، أو لاعتقاده أن فيه دليلًا راجحًا، أو لغير ذلك، كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة، وإن كان قد يخالف بعضهم شيئًا من ذلك لنوع تأويل، والله سبحانه أعلم. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ١/ ١٥٤\n_________\n(١) [١٠٨١]» رواه أبو داود في «المراسيل» (٣٩٦) وقال: قد أسند هذا الحديث وليس بصحيح، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٦٨) وقال: رواه الطبراني عن شيخه بكر بن سهل الدمياطي قال الذهبي وهو مقارب الحديث وقال النسائي ضعيف، وبقية رجاله رجال الصحيح إلا أنى لم أجد لأبي عبيدة عيسى بن سليم من عبد الله بن بشر سماعا.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>المبحث الخامس: العلاقة بين التشبه والولاء</span>\nمن نافلة القول: أن الشارع ما ترك خيرًا إلا دل الأمة عليه، وما ترك شرًا إلا حذر الأمة عنه. وحين أمر الشارع الحكيم بمخالفة الكفار – في الهدي الظاهر – فإن ذلك لحكم جليلة (١) منها:\n(١) إن المشاركة في الهدي الظاهر: تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال.\nوهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب الجند المقاتلة – مثلًا – في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه مقتضيًا لذلك، إلا أن يمنعه من ذلك مانع.\n(٢) إن المخالفة في الهدي الظاهر: توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال. والانعطاف إلى أهل الهدي والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.\nوكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام الذي هو الإسلام – لست أعني مجرد التوسم به ظاهرًا، أو باطنًا بمجرد الاعتقادات التقليدية من حيث الجملة – كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا أو ظاهرًا أتم. وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.\n(٣) إن مشاركتهم في الهدي الظاهر: توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التمييز ظاهرًا بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية.\nهذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحًا محضًا، لو تجرد عن مشابهتهم.\nفأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع ضلالتهم ومعاصيهم. وهذا أصل ينبغي أن يتفطن إليه (٢).\nمثال واحد من مشابهة اليهود والنصارى:\n(العيد):\nالعيد مظهر مميز للأمة، ومن هنا اخترته مثالًا واحدًا من أمثلة التشبه باليهود والنصارى، وقد وردت الأدلة الكثيرة المحرمة للتشبه بهم في هذا الشأن من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار (٣).\nأما الكتاب فقد قال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان: ٧٢].\nقال مجاهد في تفسيرها إنها أعياد المشركين وكذلك قال مثله الربيع بن أنس والقاضي أبو يعلى والضحاك (٤).\nوإذا كان الله قد مدح ترك شهودها الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك من العمل الذي هو عمل الزور لا مجرد شهوده؟\nومن السنة: عن أنس بن مالك ﵁ قال: «قدم رسول الله ﷺ ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر» (٥) رواه أبو داود وأحمد والنسائي على شرط مسلم.\n_________\n(١) [١٠٨٢]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (١١ - ١٢)\n(٢) [١٠٨٣]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص١٢).\n(٣) [١٠٨٤]» أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الموضوع بما يكفي ويشفي في كتابه القيم «اقتضاء الصراط المستقيم». ولذا فما أذكره هنا مقتبس من كلامه ﵀\n(٤) [١٠٨٥]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص١٨١).\n(٥) [١٠٨٦]» رواه أبو داود (١١٣٤)، وأحمد (٣/ ٢٥٠) (١٣٦٤٧)، والحاكم (١/ ٤٣٤)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال النووي في «الخلاصة» (٢/ ٨١٩): إسناده صحيح، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٤٨٥): إسناده على شرط مسلم، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».","vol":"1","page":339},{"text":"ووجه الدلالة: أن اليومين الجاهليين لم يقرهما رسول الله ﷺ ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة بل قال «إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما ...» والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه. وهذه العبارة لا تستعمل إلا فيها ترك اجتماعهما كقوله تعالى:\nوَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا [الكهف: ٥٠].\nوقوله ﷺ «خيرًا منهما» يقتضي الاعتياض بما شرع لنا عما كان في الجاهلية.\nوالمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإن الأمة قد حذروا مشابهة اليهود والنصارى وأخبروا إن سيفعل قوم منهم هذا المحذور، بخلاف دين الجاهلية فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر عند اخترام أنفس المؤمنين عمومًا، ولو لم يكن أشد منه فإنه مثله على ما لا يخفى، إذ الشر الذي له فاعل موجود يخاف على الناس منه أكثر من شر لا مقتضي له قوي (١)\nأما الإجماع: فما هو معلوم من السير أن اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية يفعلون أعيادهم التي لهم، ومع ذلك لم يكن على عهد السلف من المسلمين من يشركهم في شيء من ذلك.\nوكذلك ما فعله عمر بخصوص أهل الذمة وما اتفق عليه الصحابة والفقهاء أن أهل الذمة لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام، وإذا كان هذا اتفاقهم فكيف يسوغ للمسلمين فعلها؟ أو ليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر لها مظهرًا لها؟\nوقد قال عمر ﵁: (إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم فإن السخطة تتنزل عليهم) رواه أبو الشيخ الأصبهاني ورواه البيهقي بإسناد صحيح (٢).\nوأما الاعتبار: فالأعياد من جملة الشرع، والمناهج والمناسك التي قال الله فيها: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨].\nفلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد: موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه: موافقة في بعض شعب الكفر، بل إن الأعياد من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره.\nولا ريب: أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة (٣).\nثم إن عيدهم من الدين الملعون هو وأهله، فموافقتهم فيه موافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط الله وعقابه.\nومن أوجه الاعتبار أيضًا: (أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس بل عيدًا لهم، حتى يضاهى بعيد الله، بل قد يزيد عليه حتى يكاد أن يفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر) (٤).\n_________\n(١) [١٠٨٧]» انظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ١٨٤ – ١٨٦).\n(٢) [١٠٨٨]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٣٤) (١٨٦٤٠)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١/ ٤١١)، قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٥١١)، وابن القيم في «أحكام أهل الذمة» (٣/ ١٢٤٧): إسناده صحيح، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٤١٧)، وابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٤٩٤): إسناده صحيح.\n(٣) [١٠٨٩]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ٢٠٨)\n(٤) [١٠٩٠]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ٢٠٩).","vol":"1","page":340},{"text":"أما ما ينعكس على نفوسهم إذا تشبه بهم المسلمون في العيد خاصة فهو السرور والفرح لأن في ذلك رفعة لباطلهم وتنافيًا لمبدأ القهر والجزية والصغار الواقعين تحته.\nوخلاصة المشابهة: أنها تفضي إلى كفر أو معصية غالبًا، أو تفضي إليهما في الجملة وليس في هذا المفضي مصلحة، وما أفضى إلى ذلك كان محرمًا فالمشابهة محرمة، والمقدمة الثانية لا ريب فيها، لأن استقرار الشريعة يدل على أن ما أفضى إلى الكفر غالبًا وما أفضى إليه على وجه خفي حرام وما أفضى إليه في الجملة ولا حاجة تدعو إليه حرام (١).\nوبعد أن يتمعن المسلم كل هذه الأحكام بخصوص العيد عليه أن يقيس بمقياس الكتاب والسنة: الأعياد المحدثة اليوم ومن يحدثونها ومن يهنئون بها الكفرة والملاحدة. مثل عيد الثورة! وعيد الجلوس! وعيد الميلاد! وعيد الأم، وعيد تحكيم القانون ونبذ الشريعة وعيد الوطن وعيد الجلاء إلى أخر هذه المسميات والأسماء الجاهلية التي ما أنزل بها من سلطان، والتي هي مضاهاة ومنازعة لشريعة الله وحكمه.\nفواجب المسلم أن لا يقر بها ولا يهنئ أحدًا بها ويكتفي بالعيدين الإسلاميين الفطر والأضحى وفي الأيام الأخرى كالجمعة وغيرها ما يغنينا عن استيراد شعائر وشعارات الكفر وأربابه.\nصورة مشرقة من صور التميز في المجتمع الإسلامي الأول:\nكلما عاد الحديث إلى الرعيل الأول كان له حلاوة خاصة تبعث في النفس الأمل والرجاء بالاقتضاء بأولئك العظام، وتحفز الهمم لتشمر عن ساعد الجد فتلحق بركب قافلة الإيمان، ودعاة الهدى والخير.\nولقد كانت الشروط العمرية التي وضعها الفاروق ﵁ مثالًا رائعًا في تعامل المسلمين مع غيرهم وتميز أهل الذمة عن المسلمين مما يحفظ على المجتمع الإسلامي شخصيته المستقلة ويرعى لأولئك الذميين حقوقهم التي أمر بها هذا الدين الحنيف.\nإن الحرص العمري على تميز المسلمين عن غير المسلمين هو عمق هذه العقيدة في نفسه والقيام بمسؤوليته كراع للأمة يعلم أنه مسؤول عنها كما في الحديث الصحيح «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٢) متفق عليه.\nوالذي جعلني أختار موضوع أهل الذمة في هذه النقطة بالذات هو أن وضع الذميين في الدولة الإسلامية وضع خاص غير وضع الكفار الحربيين أو المهادنين.\nوحيث ينشأ ويعيش الذميون وسط المجتمع الإسلامي فإن هذا الشيء يجب أن يكون محاطًا بحصانة خاصة للمسلمين لئلا يؤدي احتكاكهم بالذميين إلى التشبه بهم وذوبان الشخصية الإسلامية التي أراد هذا الدين أن تكون فريدة متميزة في كل شيء.\nثم إن من صفات هذا الدين الحنيف العدل حتى مع الكفار، ولكن ما حدود هذا العدل وما سماته؟ خاصة وأنه قد أقر (الذميين) على العيش وسط المجتمع الإسلامي؟\n_________\n(١) [١٠٩١]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ٢١٦). .\n(٢) [١٠٩٢]» رواه البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩)، من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"1","page":341},{"text":"الجواب: هو ما ورد في (الشروط العمرية) التي نصت على حماية المسلمين وكفلت للذميين حقوقهم على أن يكونوا هم أيضًا متميزين بزيهم وديانتهم حتى لا يلتبس المسلم بالذمي: وينتج من ذلك خليط لا يعرف له اتجاه محدد وهوية خاصة. وهذه الشروط – كما يقول عنها شيخ الإسلام ابن تيمية – منها: ما مقصوده التمييز عن المسلمين في الشعور واللباس، والأسماء، والمراكب والكلام ونحوها ليتميز المسلم من الكافر ولا يشبه أحدهما الآخر في الظاهر. ولم يرض عمر ﵁ والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتمييز في عامة الهدي وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التميز عن الكفار ظاهرًا، وترك التشبه بهم، ولقد كان أمراء الهدى مثل العمرين وغيرهما يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود. ومنها: ما يعود بإخفاء منكرات دينهم وترك إظهارها، كمنعهم من إظهار الخمر، والناقوس والنيران في الأعياد. ومنها: ما يعود بإخفاء شعار دينهم كأصواتهم بكتابهم.\nومنها: ما يعود بترك إكرامهم وإلزامهم الصغار الذي شرعه الله (١). وإليك نص هذه الشروط:\nروى سفيان الثوري عن مسروق عن عبدالرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالح نصارى الشام، وشرط عليهم فيه (ألا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة، ولا قلاية (٢)، ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤوا جاسوسًا، ولا يكتموا غشًا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركًا، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجًا، ولا يتقلدوا سيفًا، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ولا يظهروا صليبًا ولا شيئًا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربًا خفيًا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من محضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين) (٣).\nفإن خالفوا شيئًا مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق (٤) انتهى.\nولهذه الشروط طرق أخرى في روايتها، ولكنها كلها تلتقي عند هذا المعنى، ولذلك عقب ابن القيم ﵀ على اختلاف تلك الروايات بقوله: وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها من بعده الخلفاء وعملوا بها (٥).\nسبحان الله!!!\n_________\n(١) [١٠٩٣]» انظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (١٢٢ – ١٢٤).\n(٢) [١٠٩٤]» القلاية: مبنى يبنيه النصارى كالمنارة ولا تكون إلا لواحد ينفرد فيها بنفسه ولا يكون لها باب، بل فيها طاقة يتناول منها طعامه وشرابه وما يحتاج إليه. انظر «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٦٦٨).\n(٣) [١٠٩٥]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٠٢)، قال الذهبي في «المهذب» (٧/ ٣٧٦٧): فيه يحيى بن عقبة قال أبو حاتم: يفتعل الحديث وقال النسائي وغيره: ليس بثقة، وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ١٠٣): إسناده ضعيف جدا.\n(٤) [١٠٩٦]» «أحكام أهل الذمة» لابن القيم (٢/ ٦٦١ – ٦٦٢)\n(٥) [١٠٩٧]» «أحكام أهل الذمة» لابن القيم (٢/ ٦٦٣) انظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص١٢).","vol":"1","page":342},{"text":"ما هذا البون الشاسع بين تلك القمة وبين هذا الغثاء الذي يعيش اليوم على الأرض متميعًا متسكعًا وراء الكفار والملاحدة. ويحسب نفسه مسلمًا؟\nأين تلك العزة والقوة والسلطان الرباني الذي أخذ به ذلك الجيل، وأين الضعف والاستخذاء والتبعية العمياء التي يعيشها (المسلمون) اليوم؟\nترى: هل المنتسبون اليوم للإسلام في درجة الذميين الذين طبقت عليهم هذه الشروط؟\nهل \"المسلمون\" اليوم ذميون للكفار؟\nإن الذي يظهر لي أنه حتى على هذا الافتراض الأخير فإن المسلمين اليوم أقل قدرًا من ذميي الأمس. ذميو الأمس: في صغار وفى ذلة وفي زي معين ومكان معين. نعم.\nأما مسلمو اليوم ففي صغار وذلة واستكانة عن إسلامهم وتبعية للشرق الملحد والغرب الكافر، وإعجاب وانبهار بما عليه أعداء الإسلام، وسخرية واستهزاء بما كان عليه سلف هذه الأمة!\nمن هنا فهم أحط قدرًا عند الله – ما داموا بهذه الصفات – وأحقر من أن يهابوا وأصغر من أن يسمع لهم كلمة في المجتمع الدولي المعاصر.\nفعلى المسلم الصادق. المسلم الواعي. المسلم المدرك لحقيقة إسلامه أن يعرف أين يضع قدمه ولمن يهب حبه وولاءه، وأن يعلم أن حب أعداء الله وموالاتهم والتشبه بهم لا تلتقي مع صدق إيمانه وإنما يفعل ذلك من يزعم الإسلام زعمًا وبئس ذلك الزعم الكاذب.\nوقد ذكر علماء الإسلام ما ينتقض به عهد الذمي حرصًا على حماية المسلمين من أي دخيل يستغل سماحة الإسلام فيغدر بالمسلمين. وهذه النواقض هي:-\n(١) الإعانة على قتال المسلمين، وقتل المسلم أو المسلمة.\n(٢) قطع الطريق عليهم.\n(٣) إيواء جواسيس المشركين أو التجسس للمشركين بأن يكتب لهم أسرار المسلمين.\n(٤) الزنا بالمسلمة أو إصابتها باسم النكاح.\n(٥) افتتان المسلم عن دينه.\n(٦) سب الله أو النبي ﷺ (١).\nوالأدلة على انتقاض عهد الذمي بسب الله أو كتابه أو دينه أو رسوله ووجوب قتله، وقتل المسلم إذا فعل ذلك كثيرة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والاعتبار (٢).\nأما الكتاب: فقوله تعالى: وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ [التوبة: ١٢].\nوقوله تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩].\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: ٥٧ – ٥٨].\n_________\n(١) [١٠٩٨]» انظر: «الصارم المسلول على شاتم الرسول» لابن تيمية (٥ - ٢٦).\n(٢) [١٠٩٩]» «الصارم المسلول على شاتم الرسول»: والمراد بالاعتبار: القياس.","vol":"1","page":343},{"text":"ومن السنة: ما رواه الشعبي عن علي ﵁ «أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله ﷺ دمها» (١) رواه أبو داود وابن بطة في (سننه)، والحديث متصل لأن الشعبي رأى عليًا وكان على عهد علي قد ناهز العشرين سنة. ثم إن كان فيه إرسال – لأن الشعبي يبعد سماعه من علي – فهو حجة وفاقًا، لأن الشعبي عندهم صحيح المراسيل لا يعرفون له مرسلًا إلا صحيحًا (٢).\nوأيضًا ما رواه عكرمة عن ابن عباس ﵄: «أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ فجمع الناس فقال: أنشد رجلًا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام \" قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلها. فقال النبي ﷺ اشهدوا أن دمها هدر» رواه أبو داود والنسائي (٣).\nومن السنة أيضًا: ما احتج به الشافعي على أن الذمي إذا سب قتل وبرئت منه الذمة وهو قصة كعب بن الأشرف اليهودي. والحديث متفق عليه (٤). وأما إجماع الصحابة: فقد نقل ذلك عنهم في قضايا متعددة مستفيضة ولم ينكرها أحد فصارت إجماعًا ومن ذلك: ما رفع إلى المهاجر بن أبي أمية، وكان أميرًا على اليمامة ونواحيها: أن امرأتين مغنيتين غنت أحدهما بشتم النبي ﷺ فقطع يدها ونزع ثنيتيها وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتيها، فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي غنت وزمزمت بشتم النبي ﷺ فلولا ما قد سبقتني لأمرتك بقتلها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر (٥).\n_________\n(١) [١١٠٠]» رواه أبو داود (٢/ ٥٣٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٠٠)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٧/ ٣٨٠): رجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ٩١): إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) [١١٠١]» «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (ص٦١).\n(٣) [١١٠٢]» رواه أبو داود (٤٣٦١)، والنسائي (٧/ ١٠٧) (٤٠٧٠)، والدارقطني (٣/ ١١٢)، والطبراني (١١/ ٣٥١)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٣٦٣): رواته ثقات، وقال الشوكاني في «الدراري المضية» (٤٠٦): رجال إسناده ثقات، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٤) [١١٠٣]» رواه البخاري (٤٠٣٧) ومسلم (١٨٠١).\n(٥) [١١٠٤]» انظر «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (ص ٢٠٠).","vol":"1","page":344},{"text":"وفي عهد عمر ﵁: جاءه رجل من أهل الكتاب – حين دخل الشام – وهو مشجوج مضروب فغضب لذلك عمر وأمر بإحضار عوف بن مالك الأشجعي لأنه هو الذي فعل ذلك بالذمي فلما سأله عمر عن فعله هذا قال: يا أمير المؤمنين رأيت هذا يسوق بامرأة مسلمة على حمار فنخس بها لتصرع، فلم تصرع، فدفعها فصرعت فغشيها، وأكب عليها، فقال عمر ائتني بالمرأة فلتصدق على ما قلت فأتاها عوف، فذهب معه أبوها وزوجها فأخبر عمر بمثل قول عوف، فأمر عمر باليهودي فصلب وقال: ما على هذا صالحناكم ثم قال: يا أيها الناس اتقوا الله في ذمة محمد ﷺ فمن فعل منهم مثل هذا فلا ذمة له (١).\nوأما الاعتبار: فمن وجوه: (٢)\nأحدها: أن عيب ديننا وشتم نبينا مجاهدة لنا ومحاربة، فكان نقضًا للعهد كالمجاهدة والمحاربة بطريق الأولى.\nالثاني: - إن مطلق العهد الذي بيننا وبينهم يقتضي أن يكفوا ويمسكوا عن إظهار الطعن في ديننا، وشتم رسولنا، كما يقتضي الإمساك عن دمائنا ومحاربتنا.\nالثالث: إن الله فرض علينا تعزيز رسوله وتوقيره، وتعزيزه: نصره ومنعه، وتوقيره: إجلاله وتعظيمه، وذلك يوجب صون عرضه بكل طريق. فلا يجوز أن نصالح أهل الذمة، وهم يسمعونا شتم نبينا وإظهار ذلك، لأنا إذا تركناهم على هذا تركنا الواجب علينا نحو رسول الله ﷺ. الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني – ٣٢٢\nقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومشاركتهم في الظاهر: إن لم تكن ذريعة أو سببًا قريبًا، أو بعيدًا إلى نوع ما من الموالاة والموادة، فليس فيها مصلحة المقاطعة المباينة، مع أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة - كما توجبه الطبيعة، وتدل عليه العادة - ولهذا كان السلف ﵃ يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات.\nفروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، (عن أبي موسى ﵁ قال: قلت لعمر ﵁: إن لي كاتبًا نصرانيًا قال مالك؟ قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١]. ألا اتخذت حنيفًا؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه. قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله) (٣).\nكما جاء القرآن بالنهي عن موالاة الكفار ومودتهم، وكذلك جاءت السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين، وأجمع الفقهاء عليها. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ١/ ١٦٤\n_________\n(١) [١١٠٥]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٠١) من حديث سويد بن غفلة، وقال: تابعه ابن أشوع عن الشعبى عن عوف بن مالك، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٢١٧): معروف، وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٣٤٤): إسناده صحيح، وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ١٢٠): فقد قال البيهقي عقبه: \" تابعه ابن أشوع عن الشعبي عن عوف بن مالك \". قلت: فهو بهذه المتابعة حسن إن شاء الله تعالى.\n(٢) [١١٠٦]» رواه البخاري (٥٦٣٣).\n(٣) [١١٠٧]» الحديث لم أجده في «المسند» ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١٢٧)،بلفظ آخر، قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٨٤): إسناده صحيح،","vol":"1","page":345},{"text":"وقال ﵀: أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة، وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى أن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعا في دار غربة، كان بينهما من المودة، والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين، وذاك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة، بل لو اجتمع رجلان في سفر، أو بلد غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب، أو الشعر، أو المركوب ونحو ذلك - لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضًا، ما لا يألفون غيرهم، حتى أن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة: إما على الملك، وإما على الدين، وتجد الملوك ونحوهم من الرؤساء، وإن تباعدت ديارهم وممالكهم بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض، وهذا كله موجب الطباع ومقتضاه، إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص.\nفإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والموالاة لهم، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ [المائدة: ١٥ - ٥٣].\nوقال تعالى فيما يذم بها أهل الكتاب: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة: ٧٨ - ٨١].\nفبين ﷾ أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم.\nوقال سبحانه: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢].\nفأخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرًا، فمن واد الكفار فليس بمؤمن، والمشابهة الظاهرة مظنة الموادة، فتكون محرمة، ...، وأعلم أن وجوه الفساد في مشابهتهم كثيرة، فلنقتصر على ما نبهنا عليه. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ١/ ٤٨٨","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>المبحث السادس: الفرق بين الموالاة وبين المعاملة بالحسنى</span>\nأن الولاء شيء والمعاملة بالحسنى شيء آخر والأصل في هذا قوله تعالى:\nلا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:٨].\nوقد اختلف أهل العلم في تفسيرها فقال بعضهم أن المعني بها: الذين كانوا آمنوا بمكة ولم يهاجروا فأذن الله للمؤمنين ببرهم والإحسان إليهم وإلى هذا ذهب مجاهد.\nوقال آخرون: عني بها من غير أهل مكة من لم يهاجر.\nوقال آخرون: بل عني بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجوهم من ديارهم ونسخ الله ذلك بعد بالأمر بقتالهم. ويروى هذا عن قتادة (١).\nورجح ابن جرير: أن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم. لأن الله ﷿ عم بقوله: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ. لأن بر المؤمن أحدًا من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينهما ولا نسب غير محرم، ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح.\nويبين ذلك الخبر المروي عن ابن الزبير في قصة أسماء مع أمها (٢). والإسلام بفعله هذا – حتى في حالة الخصومة – يستبقي أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك، وعدالة المعاملة انتظارًا لليوم الذي يقتنع فيه خصومه بأن الخير في أن ينضووا تحت لوائه الرفيع (٣).\n... إن الله أمر بصلة الأقارب الكفار والمشركين و... ذلك ليس موالاة لهم في شيء.\nونزيد هذا الأمر إيضاحًا بقصة أسماء بنت أبي بكر ﵂ مع أمها فقد روى البخاري ومسلم عن أسماء ﵂ قالت: «قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك» (٤).\nقال الخطابي: فيه – أي الحديث – أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة وإن كان الولد مسلمًا (٥).\nقال ابن حجر: البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه في قوله تعالى:\nلا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢].\nفإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل (٦).\n_________\n(١) [١١٠٨]» «تفسير الطبري» (٢٨/ ٦٦)\n(٢) [١١٠٩]» «تفسير الطبري» (٢٨/ ٦٦)\n(٣) [١١١٠]» انظر «الظلال» (٦/ ٣٥٤٤)\n(٤) [١١١١]» رواه البخاري (٢٦٢٠) ومسلم (١٠٠٣).\n(٥) [١١١٢]» «فتح الباري» (٥/ ٢٣٤)\n(٦) [١١١٣]» «فتح الباري» (٥/ ٢٣٣)","vol":"1","page":347},{"text":"وقال ابن القيم: الذي يقوم عليه الدليل وجوب الإنفاق، وإن اختلف الدينان لقوله تعالى:\nوَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان: ١٤ –١٥].\nوليس من الإحسان ولا من المعروف ترك أبيه وأمه في غاية الضرورة والفاقة وهو في غاية الغنى. وقد ذم الله قاطعي الرحم وعظم قطيعتها وأوجب حقها وإن كانت كافرة لقوله تعالى:\nوَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: ١].\nوفي الحديث «لا يدخل الجنة قاطع رحم» (١).\nوصلة الرحم واجبة، وإن كانت لكافر، فله دينه وللواصل دينه وقياس النفقة على الميراث قياس فاسد، فإن الميراث مبناه على النصرة والموالاة بخلاف النفقة فإنها صلة ومواساة من حقوق القرابة.\nوقد جعل الله للقرابة حقًا – وإن كانت كافرة – فالكفر لا يسقط حقوقها في الدنيا. قال تعالى:\nوَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٣٦].\nوكل من ذكر في هذه الآية فحقه واجب وإن كان كافرًا، فما بال ذي القربى وحده يخرج من جملة من وصى الله بالإحسان إليه (٢).\nمن هنا: يتضح لنا: أن الموالاة الممثلة في الحب والنصرة شيء. والنفقة والصلة والإحسان للأقارب الكفار شيء آخر. وسماحة الإسلام أيضًا تتضح في معاملة الأسرى والشيوخ والأطفال والنساء في الحرب. كما هو معلوم من صفحاته المشرقة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الأصل أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه، كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا مما دل الكتاب والسنة على شرعه. إذ الدين ما شرعه الله، والحرام ما حرمه الله، بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دون الله ما لم يحرمه الله وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله (٣).\nوانطلاقًا من هذه القاعدة وبناء على النصوص الشرعية وسيرة رسول الله ﷺ وأصحابه الراشدين وأئمة المسلمين نقول: إن التعامل مع الكفار في البيع والشراء والهدية وخلاف ذلك لا يدخل في مسمى الموالاة، بل يباح للمسلم البيع والشراء مع الكفار فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يسأل عن معاملة التتار فيقول:\n(يجوز فيها ما يجوز في معاملة أمثالهم، ويحرم فيها ما يحرم في معاملة أمثالهم، فيجوز أن يبتاع الرجل من مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك كما يبتاع من مواشي الأعراب والتركمان والأكراد ويجوز أن يبيعهم من الطعام والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم.\nفأما إن باعهم أو باع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات، كبيع الخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالًا محرمًا فهذا لا يجوز قال تعالى:\n_________\n(١) [١١١٤]» رواه البخاري (٥٩٨٤) ومسلم (٢٥٥٦) من حديث جبير بن مطعم ﵁.\n(٢) [١١١٥]» «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٤١٧ – ٤١٨).\n(٣) [١١١٦]» «السياسة الشرعية» (ص ١٥٥).","vol":"1","page":348},{"text":"وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: ٢].\nوإذا كان الذي معهم أو مع غيرهم، أموال يعرف أنهم غصبوها من معصوم فذلك لا يجوز اشتراؤها لمن يمتلكها لكن إذا اشتريت على طريق الاستنقاذ لتصرف في مصارفه الشرعية فتعاد إلى أصحابها – إن أمكن – وإلا صرفت في مصالح المسلمين: جاز هذا. وإذا علم أن في أموالهم شيئًا محرمًا لا تعرف عينه، فهذا لا تحرم معاملتهم فيه كما إذا علم أن في الأسواق ما هو مغصوب ومسروق ولم يعلم عينه) (١).\nوقد روى البخاري في كتاب البيوع باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب عن عبدالرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: «كنا مع النبي ﷺ ثم جاء رجل مشرك مشعان (٢) طويل بغنم يسوقها فقال النبي ﷺ: (بيعًا أم عطية) أو قال: أم هبة؟ فقال: لا. بيع فاشترى منه شاة» (٣).\nقال ابن بطال: معاملة الكفار جائزة إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين (٤)\nوثبت أيضًا عن النبي ﷺ «أنه أخذ من يهودي ثلاثين وسقًا من شعير ورهنه درعه» (٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: -\n(وإذا سافر الرجل إلى دار الحرب ليشتري منها جاز عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر ﵁ في حياة رسول الله ﷺ إلى أرض الشام وهي حينذاك دار حرب وغير ذلك من الأحاديث.\nفأما بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم: فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل وهو: أنه لا يجوز أن يبيع الكفار عنبًا أو عصيرًا يتخذونه خمرًا.\nوكذلك لا يجوز بيعهم سلاحًا يقاتلون به مسلمًا) (٦).\n(٢) الوقف عليهم أو وقفهم على المسلمين:\nقال ابن القيم: (أما ما وقفوه. فينظر فيه، فإن وقفوه على معين أو جهة يجوز للمسلم الوقف عليها كالصدقة على المساكين والفقراء وإصلاح الطرق والمصالح العامة، أو على أولادهم وأنسالهم وأعقابهم: فهذا الوقف صحيح. حكمه حكم وقف المسلمين على هذه الجهات لكن إذا شرط في استحقاق الأولاد والأقارب بقاءهم على الكفر- فإن أسلموا لم يستحقوا شيئًا- لم يصح هذا الشرط، ولم يجز للحاكم أن يحكم بموجبه باتفاق الأمة لأنه مناقض لدين الإسلام، مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ.\nأما وقف المسلم عليه: فإنه يصح منه ما وافق حكم الله ورسوله، فيجوز أن يقف على معين منهم، أو على أقاربه، وبني فلان ونحوه.\n_________\n(١) [١١١٧]» «المسائل الماردينية» (ص ١٣٢ – ١٣٣) تحقيق الشاويش الطبعة الثالثة سنة ١٣٩٩هـ\n(٢) [١١١٨]» أي طويل مشعث الشعر.\n(٣) [١١١٩]» رواه البخاري (٢٢١٦) ومسلم (٢٠٥٦).\n(٤) [١١٢٠]» «فتح الباري» (٤/ ٤١٠)\n(٥) [١١٢١]» رواه أحمد (٢٧٢٤)، والطبراني (١١/ ٢٦٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٤/ ٢٧٢) من حديث ابن عباس ﵄، قال ابن جرير في «مسند ابن عباس» (١/ ٢٣٩): اسناده صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٢٦): رجاله موثوقون، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٢٥٦): إسناده صحيح، وصححه مقبل الوادعي في «الصحيح المسند» (٦١٢). وروى البخاري (٢٥١٣) نحوه من حديث عائشة بلفظ: (اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعاما ورهنه درعه).\n(٦) [١١٢٢]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ٢٢٩).","vol":"1","page":349},{"text":"ولا يكون الكفر موجبًا ولا شرطًا في الاستحقاق ولا مانعًا منه – فلو وقف على ولده أو أبيه أو قرابته استحقوا ذلك وإن بقوا على كفرهم، فإن أسلموا فأولى بالاستحقاق.\nوأما الوقف على كنائسهم وبيعهم ومواضع كفرهم التي يقيمون فيها شعار الكفر: فلا يصح من كافر ولا مسلم. فإن في ذلك أعظم الإعانة له على الكفر والمساعدة والتقوية عليه، وذلك مناف لدين الله) (١).\n(٣) عيادتهم وتهنئتهم:\nروى البخاري في كتاب الجنائز عن أنس ﵁ قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» (٢).\nوروى أيضًا: قصة أبي طالب حين حضرته الوفاة فزاره النبي ﷺ وعرض عليه الإسلام (٣).\nقال ابن بطال: إنما تشرع عيادته إذا رجي أن يجيب إلى الدخول في الإسلام، فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا (٤)\nقال ابن حجر: والذي يظهر: أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى (٥).\n(أما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم فحرام بالاتفاق، وذلك مثل أن يهنأهم بأعيادهم فيقول: عيدك مبارك، أو تهنأ بهذا العيد، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله، وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه.\nوكثير مما لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل. فمن هنأ عبدًا بمعصية، أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والافتاء تجنبًا لمقت الله وسقوطهم من عينه \" وإن بلي الرجل فتعاطاه دفعًا لشر يتوقعه منهم فمشى إليهم ولم يقل إلا خيرًا ودعا لهم بالتوفيق والتسديد فلا بأس بذلك) (٦).\nويدخل في هذا أيضًا: تعظيمهم ومخاطبتهم بالسيد والمولى وذلك حرام قطعًا، ففي الحديث المرفوع «لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يك سيدًا فقد اسخطتم ربكم ﷿» (٧).\nولا يجوز أيضًا تلقيبهم – كما يقول ابن القيم – بمعز الدولة أو فلان السديد، أو الرشيد أو الصالح ونحو ذلك. ومن تسمى بشيء من هذه الأسماء لم يجز للمسلم أن يدعوه به، بل إن كان نصرانيًا قال: يا نصراني، يا صليبي، ويقال لليهودي، يا يهودي.\nثم قال ابن القيم بالنص (.. وأما اليوم فقد وقفنا إلى زمان يصدرون في المجالس، ويقام لهم وتقبل أيديهم ويتحكمون في أرزاق الجند، والأموال السلطانية، ويكنون بأبي العلاء وأبي الفضل، وأبي الطيب، ويسمون حسنًا وحسينًا وعثمان وعليًا! وقد كانت أسماؤهم من قبل: يوحنا ومتى وجرجس وبطرس وعزرًا وأشعيًا، وحزقيل وحيي، ولكل زمان دولة ورجال) (٨).\n_________\n(١) [١١٢٣]» «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٩٩ - ٣٠٢) وانظر «مجموعة الرسائل والمسائل» (١/ ٢٢٩)\n(٢) [١١٢٤]» رواه البخاري (١٣٥٦).\n(٣) [١١٢٥]» رواه البخاري (٣٨٨٤).\n(٤) [١١٢٦]» «فتح الباري» (١٠/ ١١٩).\n(٥) [١١٢٧]» «فتح الباري» (١٠/ ١١٩).\n(٦) [١١٢٨]» «أحكام أهل الذمة» لابن القيم (١/ ٢٠٥ – ٢٠٦).\n(٧) [١١٢٩]» رواه أبو داود (٤٩٧٧)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٤٤)، والنووي في «الأذكار» (٤٤٩)، والعجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٤٨٤): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».\n(٨) [١١٣٠]» «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٧٧١).","vol":"1","page":350},{"text":"وإذا كان هذا كلام العلامة ابن القيم وهو المتوفى سنة ٧٥١ هـ ﵀. فلينظر المسلم اليوم إلى هذا الغثاء الذي هو كغثاء السيل، ينتسبون للإسلام وهم يتبعون أعداء الله في كل صغيرة وكبيرة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه، وليست تبعية لهم فحسب بل إنها تبعية بإعجاب وانبهار! فما تمر بأعدائنا مناسبة إلا وتنهال التهاني عليهم من كل حدب وصوب بالتهنئة والتبريك ومعسول الأماني!!\n(٤) حكم السلام عليهم:\nاختلف العلماء في معني قوله تعالى عن إبراهيم ﵇ حين دعا أباه فأبى قال إبراهيم سَلامٌ عَلَيْكَ [مريم: ٤٧].\nفأما الجمهور فقالوا: المراد بسلامه المسالمة التي هي المشاركة لا التحية. وقال الطبري: معناه: أمنة مني لك. وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام (١). وقال بعضهم في معنى تسليمه: هو تحية مفارق. وجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها قيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال نعم: قال الله تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: ٨].\nوقال: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ [الممتحنة: ٤].\nوقال إبراهيم لأبيه سَلامٌ عَلَيْكَ [مريم: ٤٧].\nقال القرطبي: قلت: والأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة (٢).\nوفي الشأن حديثان: فقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدؤا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه» (٣).\nوفي (الصحيحين) عن أسامة بن زيد «أن النبي ﷺ ركب حمارًا عليه إكاف تحته قطيفة فدكية، وأردف وراءه أسامة بن زيد، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج وذلك قبل وقعة بدر، حتى مر في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، وفيهم عبدالله بن أبي بن سلول، وفي المجلس عبدالله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبدالله بن أبي أنفه برادئه ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي ﷺ» (٤) الحديث.\nقال القرطبي: (فالأول يفيد ترك السلام عليهم ابتداء، لأن ذلك إكرام والكافر ليس أهله والثاني: يجوز ذلك. قال الطبري: ولا يعارض ما رواه أسامة بحديث أبي هريرة، فإنه ليس أحدهما خلاف للآخر، وذلك أن حديث أبي هريرة مخرجه العموم، وخبر أسامة يبين أن معناه الخصوص: قال النخعي إذا كانت لك حاجة عند يهودي أو نصراني فابدأ بالسلام.\nفبان بهذا أن حديث أبي هريرة «لا تبدؤهم بالسلام» إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤهم بالسلام من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة أو جوار أو سفر.\nقال الطبري: قد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه قال له علقمة: يا أبا عبدالرحمن أليس يكره أنه يبدؤا بالسلام؟ قال: نعم. ولكن حق الصحبة.\nوقال الأوزاعي: إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك وروي عن الحسن البصري أنه قال إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم) (٥).\nقال ابن القيم: إن صاحب هذا الوجه – أي من أجاز ابتداءهم بالسلام – قال: يقال له – السلام عليك. فقط بدون ذكر الرحمة، وبلفظ الإفراد (٦).\n(أما رد السلام عليهم فاختلف في وجوبه: فالجمهور على وجوبه وهو الصواب. وقالت طائفة: لا يجب الرد عليهم كما لا يجب على أهل البدع وأولى والصواب الأول: والفرق: أنا مأمورون بهجر أهل البدع تعزيرًا لهم وتحذيرًا منهم بخلاف أهل الذمة) (٧).\nقلت: ومما يرجح رأي الجمهور في وجوب الرد على أهل الكتاب قوله ﷺ «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم. فقل وعليك» (٨). وقوله ﷺ «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (٩) الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني – ص٣٥٢\n_________\n(١) [١١٣١]» «تفسير القرطبي» (١١/ ١١١ - ١١٢).\n(٢) [١١٣٢]» «تفسير القرطبي» (١١/ ١١١ - ١١٢).\n(٣) [١١٣٣]» رواه مسلم (٢١٦٧).\n(٤) [١١٣٤]» رواه البخاري (٤٥٦٦)، ومسلم (١٧٩٨).\n(٥) [١١٣٥]» «تفسير القرطبي» (١١/ ١١٢)\n(٦) [١١٣٦]» زاد المعاد (٢/ ٤٢٥)\n(٧) [١١٣٧]» زاد المعاد (٢/ ٤٢٥)\n(٨) [١١٣٨]» رواه البخاري (٦٢٥٧)، ومسلم (٢١٦٤)، من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٩) [١١٣٩]» رواه البخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣)، من حديث أنس ﵁.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>المبحث السابع: أمور نهى عنها الشارع مخالفة للكفار</span>\nكان النبي ﵊ يكره مشابهة أهل الكتابين في ... الآصار والأغلال، وزجر أصحابه عن التبتل، وقال: «لا رهبانية في الإسلام» (١)، وأمر بالسحور (٢)، ونهى عن المواصلة (٣)، وقال فيما يعيب أهل الكتابين ويحذر موافقتهم: (فتلك بقاياهم في الصوامع) (٤) وهذا باب واسع جدًا. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٦٠\nومما جاء في مخالفتهم الأمر بصبغ الشيب لأن اليهود والنصارى لا يصبغون، والفعل المأمور به إذا عبر عنه بلفظ مشتق من معنى أعم فلابد أن يكون المشتق أمرًا مطلوبًا.\nولما دل عليه معنى الكتاب: جاءت سنة رسول الله ﷺ، وسنة خلفائه الراشدين، التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم.\nففي (الصحيحين) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (٥) أمر بمخالفتهم، وذلك يقتضي أن يكون جنس مخالفتهم أمرًا مقصودًا للشارع، لأنه: إن كان الأمر بجنس المخالفة حصل المقصود، وإن كان الأمر بالمخالفة في تغيير الشعر فقط - فهو لأجل ما فيه من المخالفة. فالمخالفة: إما علة مفردة، أو علة أخرى، أو بعض علة اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٦٥\n_________\n(١) [١١٤٠]» أورده ابن رجب في «فتح الباري» لابن رجب (١/ ١٠٢) عن طاوس مرسلا، وقال ابن حجر في «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ١٣): لم أره بهذا اللفظ، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٢٨١): عن طاووس مرفوعا بلفظ: «لا زمام ولا خزام ولا رهبانية ولا تبتل ولا سياحة في الإسلام» وهذا إسناد رجاله ثقات، وهو مرسل وقد عزاه في «الجامع الصغير» لعبد الرزاق عن طاووس مرسلا، وضعفه في «ضعيف الجامع» (٦٢٨٧).\n(٢) [١١٤١]» رواه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥)، من حديث أنس بن مالك ﵁ «تسحروا فإن في السحور بركة».\n(٣) [١١٤٢]» رواه البخاري (١٩٦٢)، ومسلم (١١٠٢)، من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٤) [١١٤٣]» رواه أبو داود (٤٩٠٤) وأبو يعلى (٦/ ٣٦٥) من حديث أنس بن مالك ﵁، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٩٦): له شواهد في الصحيح، وقال ابن القيم في «الصلاة وحكم تاركها» (١٢٢): تفرد به ابن أبي العمياء وهو شبه مجهول، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٢/ ٩٨): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٥٩): رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العميا وهو ثقة، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٢٣٢)، ثم تراجع وصححه، انظر «جلباب المرأة المسلمة» (٢٠).\n(٥) [١١٤٤]» رواه البخاري (٣٤٦٢) ومسلم (٢١٠٣).","vol":"1","page":352},{"text":"ومما جاء أيضًا كما في (الصحيحين) عن ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «خالفوا المشركين: أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى» (١) رواه البخاري ومسلم وهذا لفظه، فأمر بمخالفة المشركين مطلقًا، ثم قال: «أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى» وهذه الجملة الثانية بدل من الأولى، فإن الإبدال يقع في الجمل، كما يقع في المفردات، كقوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة:٤٩]. فهذا الذبح والاستحياء: هو سوء العذاب، كذلك هنا: هذا هو المخالفة للمشركين المأمور بها هنا، لكن الأمر بها أولًا بلفظ مخالفة المشركين دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع، وإن عينت هنا في هذا الفعل، فإن تقديم المخالفة علة تقديم العام على الخاص، كما يقال: أكرم ضيفك أطعمه وحادثه، فأمرك بالإكرام أولًا دليل على أن إكرام الضيف مقصود، ثم عينت الفعل الذي يكون إكرامًا في ذلك الوقت، والتقرير من هذا الحديث شبيه بالتقرير من قوله: «لا يصبغون فخالفوهم» وقد روى مسلم في (صحيحه) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس» (٢).\nمخالفة المجوس أمر مقصود للشارع:\nفعقب الأمر بالوصف المشتق المناسب، وذلك دليل على أن مخالفة المجوس أمر مقصود للشارع، وهو العلة في هذا الحكم، أو علة أخرى، أو بعض علة، وإن كان الأظهر عند الإطلاق: أنه عامة تامة، لهذا لما فهم السلف كراهة التشبه بالمجوس، في هذا وغيره - كرهوا أشياء غير منصوصة بعينها عن النبي ﷺ من هدي المجوس.\nالنهي عن حلق القفا مخالفة للمجوس:\nقال المروذي: سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن حلق القفا، فقال: هو من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم.\nوقال - أيضًا - قيل لـ أبي عبد الله: يكره للرجل أن يحلق قفاه أو وجهه؟ فقال: أما أنا فلا أحلق قفاي.\nوقد روي فيه حديث مرسل عن قتادة: كراهيته، وقال: إن حلق القفا من فعل المجوس.\nقال: وكان أبو عبد الله يحلق قفاه وقت الحجامة.\nوقال أحمد - أيضًا -: لا بأس أن يحلق قفاه وقت الحجامة.\nوقد روى عنه ابن منصور، قال: سألت أحمد عن حلق القفا، فقال: لا أعلم فيه حديثًا، إلا ما يروى عن إبراهيم أنه كره قردًا يرقوس ذكر الخلال هذا، وغيره.\nوذكر - أيضًا - بإسناده، عن الهيثم بن حميد، قال: حف القفا من شكل المجوس.\nوعن المعتمر بن سليمان التيمي قال: كان أبي إذا جز شعره لم يحلق قفاه، قيل له لم؟ قال: كان يكره أن يتشبه بالعجم.\nوالسلف تارة يعللون الكراهة بالتشبه بأهل الكتاب، وتارة بالتشبه بالأعاجم، وكلا العلتين منصوصة في السنة، مع أن الصادق - ﷺ، قد أخبر بوقوع المشابهة لهؤلاء وهؤلاء، ... اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٨١\nومن ذلك أيضًا الأمر بالسحور، مخالفة لأهل الكتاب:\nعن عمرو بن العاص ﵁: قال قال رسول الله ﷺ: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر» رواه مسلم في (صحيحه) (٣) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٨٦\n_________\n(١) [١١٤٥]» رواه البخاري (٥٨٩٢) ومسلم (٢٥٩).\n(٢) [١١٤٦]» رواه مسلم (٢٦٠).\n(٣) [١١٤٧]» رواه مسلم (١٠٩٦).","vol":"1","page":353},{"text":"وما رواه أبو داود من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال أمتي بخير - أو على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم» (١) ورواه ابن ماجه من حديث العباس، (٢) ورواه الإمام أحمد من حديث السائب بن يزيد.\nوقد جاء مفسرًا، تعليله: لا يزالون بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى طلوع النجم، مضاهاة لليهودية ويؤخروا الفجر إلى محاق النجوم: مضاهاة للنصرانية.\nقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الصلت بن بهرام، عن الحارث بن وهب، عن أبي عبد الرحمن الصنابحي، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال أمتي على مسكة ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم، مضاهاة لليهودية، ولم ينتظروا بالفجر محاق النجوم، مضاهاة للنصرانية، ولم يكلوا الجنائز إلى أهلها» (٣). اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٨٧\nومن مخالفة أهل الكتاب أيضًا الأمر بتعجيل الفطور ... وهذا يدل على أن الفصل بين العبادتين: أمر مقصود للشارع، وقد صرح بذلك - فيما رواه - أبو داود، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون» (٤)، وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى.\nوإذا كان مخالفتهم سببًا لظهور الدين، فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٨٧\n_________\n(١) [١١٤٨]» رواه أبو داود (٤١٨)، والطبراني (٤/ ١٨٣)، وأحمد (٤/ ١٤٧) (١٧٣٦٧)، والحاكم (١/ ٣٠٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٣٧٠)، من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وله شاهد صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال ابن عبد الهادي في «تنقيح تحقيق التعليق» (١/ ٢٥٤): [فيه] محمد بن إسحاق صدوق، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٤٠٣): في إسناده محمد بن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».\n(٢) [١١٤٩]» رواه ابن ماجه (٦٨٩)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ٢١٤) و«الصغير» (١/ ٥٦)، والحاكم (١/ ٣٠٤)، من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁، قال النووي في «المجموع شرح المهذب» (٣/ ٣٥): إسناده جيد، وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١١/ ١٤٢): [فيه] عمر وهو تالف، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) [١١٥٠]» رواه أحمد (٤/ ٣٤٩) (١٩٠٩٠)، والطبراني (٨/ ٨٠)، قال ابن رجب في «فتح الباري لابن رجب» (٣/ ٢٤٠): مرسل، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣١٦): رجاله ثقات.\n(٤) [١١٥١]» رواه أبو داود (١/ ٧١٨)، وأحمد (٢/ ٤٥٠) (٩٨٠٩)، والحاكم (١/ ٥٩٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٥٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٣٧)، وابن حبان (٨/ ٢٧٣)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٢٧٧)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأشار المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ١٥١): إلى أن [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما]، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٦٨٩).","vol":"1","page":354},{"text":"ومن ذلك ما جاء في النهي عن الوصال قال سعيد بن منصور: حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن أبيه عن ليلى - امرأة بشير بن الخصاصية - قالت: «أردت أن أصوم يومين مواصلة، فنهاني عنه بشير، وقال: إن رسول الله ﷺ نهاني عن ذلك، وقال: إنما يفعل ذلك النصارى، صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصوم كما أمركم الله، وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا» (١) وقد رواه أحمد في (المسند).\nفعلل النهي عن الوصال: بأنه صوم النصارى، وهو كما قال رسول الله ﷺ، ويشبه أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٨٩\nومن ذلك ما جاء من النهي عن مشابهة اليهود في ترك مؤاكلة المرأة حال حيضها\nعن أنس ﵁: «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ، النبي ﷺ، فأنزل الله ﷿: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢]، فقال رسول الله ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ، حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن، إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفنا أنه لم يجد عليهما». رواه مسلم (٢).\nفهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود، بل: على أنه خالفهم في عامة أمورهم، حتى قالوا: ما يريد أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه.\nثم أن المخالفة - كما سنبينه - تارة تكون في أصل الحكم، وتارة في وصفه، ومجانبة الحائض: لم يخالفوا في أصله، بل خولفوا في وصفه، حيث شرع الله مقاربة الحائض في غير محل الأذى، فلما أراد بعض الصحابة أن يعتدي في المخالفة إلى ترك ما شرعه الله: تغير وجه رسول الله ﷺ.\nوهذا الباب - باب الطهارة - كان على اليهود فيه أغلال عظيمة، فابتدع النصارى ترك ذلك كله، حتى أنهم لا ينجسون شيئًا! بلا شرع من الله. فهدى الله الأمة: الوسط بما شرعه لها إلى وسط من ذلك، وإن كان ما كان عليه اليهود كان أيضًا مشروعًا، فاجتناب ما لم يشرع الله اجتنابه: مقاربة لليهود، وملابسة ما شرع الله اجتنابه: مقاربة للنصارى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٩٠\n_________\n(١) [١١٥٢]» رواه أحمد (٥/ ٢٢٥) (٤٢٩)، وعبد بن حميد (١/ ١٥٩)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (١/ ٤٨٤)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٦١): فيه ليلى امرأة بشير لم أجد من خرجها وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال ابن حجر في «فتح الباري لابن حجر» (٤/ ٢٣٩): إسناده صحيح إلى ليلى، وقال الألباني في «جلباب المرأة المسلمة» (١٧٧): إسناده صحيح.\n(٢) [١١٥٣]» رواه مسلم (٣٠٢).","vol":"1","page":355},{"text":"ومما جاء أيضًا في النهي عن مشابهتهم ما رواه البخاري عن مسروق عن عائشة: أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله ورواه - أيضًا - من حديث أبي هريرة قال: «نهي عن الخصر في الصلاة» (١)، وفي لفظ: «نهي أن يصلي الرجل مختصرًا» (٢) قال: وقال هشام وأبو هلال، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: نهى النبي ﷺ. وهكذا رواه مسلم في (صحيحه): نهى رسول الله ﷺ.\nوعن زياد بن صبيح قال: «صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه» (٣). رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٩٧\nومما جاء في مخالفتهم كذلك ما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: «اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا فلما سلم قال: إن كدتم آنفًا تفعلون فعل فارس والروم: يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا» (٤) رواه مسلم، وأبو داود: من حديث الليث عن أبي الزبير، عن جابر.\nورواه أبو داود، وغيره، من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: «ركب رسول الله ﷺ فرسًا بالمدينة فصرعه على جذم نخلة، فانقطعت قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسًا، قال: فقمنا خلفه، فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده، فصلى المكتوبة جالسًا، فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا قال: فلما قضى الصلاة قال: إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها» (٥). وأظن في غير رواية أبي داود: «ولا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضًا»، ففي هذا الحديث: أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في قيامهم وهم قعود.\nومعلوم أن المأموم إنما نوى أن يقوم لله لا لإمامه وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد، ونهى - أيضًا - عما يشبه ذلك، وإن لم يقصد به ذلك، ولهذا نهى عن السجود لله بين يدي الرجل، وعن الصلاة إلى ما قد عبد من دون الله، كالنار ونحوها.\nوفي هذا الحديث - أيضًا - نهى عما يشبه فعل فارس والروم وإن كانت نيتنا غير نيتهم، لقوله: «فلا تفعلوا». فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية؟.\n_________\n(١) [١١٥٤]» رواه البخاري (١٢١٩).\n(٢) [١١٥٥]» رواه مسلم (٥٤٥).\n(٣) [١١٥٦]» رواه أبو داود (٩٠٣)، وأحمد (٢/ ١٠٦) (٥٨٣٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٨٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٣٩٩)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٨/ ١٢٦): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٤) [١١٥٧]» رواه مسلم (٤١٣).\n(٥) [١١٥٨]» رواه أبو داود (٦٠٢)، والطبراني في «الأوسط» (٤/ ٣٧٩)، وابن حبان (٥/ ٤٧٦)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٥٣)، وأبو يعلى (٣/ ٤١١)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٧/ ٢٨٦)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الهيثمي في «موارد الظمآن» (١/ ١٧٣)، هو في الصحيح باختصار، وقال الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٤/ ٣٠٨): جاء عن رسول الله ﷺ مجيئا متواترا من وجوه صحاح مقبولة، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».","vol":"1","page":356},{"text":"ثم هذا الحديث - سواء كان محكمًا في قعود الإمام، أو منسوخًا - فإن الحجة منه قائمة، لأن نسخ القعود لا يدل على فساد تلك العلة وإنما يقتضي أنه قد عارضها ما ترجح عليها، مثل كون القيام فرضًا في الصلاة، فلا يسقط الفرض بمجرد المشابهة الصورية، وهذا محل اجتهاد وأما المشابهة الصورية - إذا لم تسقط فرضًا - كانت تلك العلة التي علل بها رسول الله ﷺ سليمة عن معارض، أو نسخ، لأن القيام في الصلاة ليس بمشابهة في الحقيقة، فلا يكون محذورًا، فالحكم إذا علل بعلة، ثم نسخ مع بقاء العلة فلابد من أن يكون غيرها ترجح عليها وقت الناسخ أو ضعف تأثيرها، أما أن تكون في نفسها باطلة: فهذا محال، هذا كله لو كان الحكم هنا منسوخًا، فكيف والصحيح أن هذا الحديث محكم، قد عمل به غير واحد من الصحابة بعد وفاة رسول الله ﷺ، مع كونهم علموا صلاته في مرضه.\nوقد استفاض عنه ﷺ الأمر به استفاضة صحيحة صريحة يمتنع معها أن يكون حديث المرض ناسخًا له، على ما هو مقرر في غير هذا الموضع: إما بجواز الأمرين، إذ فعل القيام لا ينافي فعل القعود وإما بالفرق بين المبتدئ للصلاة قاعدًا، والصلاة التي ابتدأها الإمام قائمًا، لعدم دخول هذه الصلاة في قوله: «وإذا صلى قاعدًا» ولعدم المفسدة التي علل بها، ولأن بناء فعل آخر الصلاة على أولها من بنائها على صلاة الإمام، ونحو ذلك من الأمور المذكورة، في غير هذا الموضع. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٩٩\nوقد ذهب غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير المسلمين، قال محمد بن أبي حرب: سئل أحمد عن نعل سندي يخرج فيه؟ فكرهه للرجل والمرأة، وقال: إن كان للكنيف والوضوء وأكره الصرار، وقال: هو من زي العجم.\nوقد سئل سعيد بن عامر عنه فقال: سنة نبينا أحب إلينا من سنة باكهن.\nوقال في رواية المروذي، وقد سأله عن النعل السندي فقال: أما أنا فلا أستعملها، ولكن إن كان للطين، أو المخرج فأرجو، وأما من أراد الزينة فلا ورأى على باب المخرج نعلًا سنديًا فقال: يتشبه بأولاد الملوك!.\nوقال حرب الكرماني قلت لـ أحمد، فهذه النعال الغلاظ؟ قال: هذه السندية؟ قال إذا كان للوضوء، أو للكنيف، أو موضع ضرورة، فلا بأس، وكأنه كره أن يمشي فيها في الأزقة قيل: فالنعل من الخشب؟ قال: لا بأس بها أيضًا إذا كان موضع ضرورة.\nوقال حرب: حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا حبان بن موسى، قال سئل ابن المبارك عن هذه النعال الكرمانية، فلم تعجبه وقال أما في هذه غنية عن تلك؟.\nوروى الخلال: عن أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: سألت سعيد بن عامر، عن لباس النعال السبتية فقال: زي نبينا أحب إلينا من زي باكهن ملك الهند، ولو كان في مسجد المدينة لأخرجوه من المدينة.\nسعيد بن عامر الضبعي: إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، من شيوخ الإمام أحمد، قال يحيى بن سعيد القطان - وذكر عنده سعيد بن عامر فقال: هو شيخ المصر منذ أربعين سنة، وقال أبو مسعود بن الفرات: ما رأيت بالبصرة مثل سعيد بن عامر، وقال الميموني،: رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه، ويكره غير ذلك، وقال: العرب عمائمها تحت أذقانها.\nوقال أحمد - في رواية الحسن بن محمد -: يكره أن لا تكون - العمامة تحت الحنك كراهية شديدة وقال: إنما يتعمم بمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس.\nولهذا - أيضًا - كره أحمد: لباس أشياء، كانت شعار الظلمة في وقته: من السواد ونحوه، وكره هو وغيره: تغميض العين في الصلاة وقال: هو من فعل اليهود.","vol":"1","page":357},{"text":"وقد روى أبو حفص العكبري - بإسناده - عن بلال بن أبي حدرد، قال رسول الله ﷺ: «تمعددوا، واخشوشنوا وانتعلوا وامشوا حفاة» (١).\nوهذا مشهور محفوظ عن عمر بن الخطاب ﵁ اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٤٣\nوأيضًا - ما روى أبو داود، حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي، حدثنا محمد بن ربيعة، حدثنا أبو الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن ركانة، أو محمد بن علي بن ركانة، عن أبيه: أن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ، قال ركانة: وسمعت النبي ﷺ يقول: «فرق ما بيننا وبين المشركين: العمائم على القلانس» (٢).\nوهذا يقتضي أنه حسن عند أبي داود، ورواه الترمذي - أيضًا - عن قتيبة وقال: غريب، وليس إسناده بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن ولا ابن ركانة، وهذا القدر لا يمنع: أن يعتضد بهذا الحديث ويستشهد به، وهذا بين في أن مفارقة المسلم المشرك في اللباس أمر مطلوب للشارع، كقوله: «فرق ما بين الحلال والحرام: الدف والصوت» (٣)، فإن التفريق بينهما مطلوب في الظاهر، إذ الفرق بالاعتقاد والعمل بدون العمامة حاصل، فلولا أنه مطلوب بالظاهر - أيضًا - لم يكن فيه فائدة. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٥٠\nوأيضًا - عن أبي غطفان المري قال: سمعت عبد الله بن عباس ﵄ يقول: «حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، قال رسول الله ﷺ: إذا كان العام المقبل - إن شاء الله - صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ» (٤). رواه مسلم في (صحيحه).\n_________\n(١) [١١٥٩]» رواه الطبراني في «الكبير» (١٩/ ٤٠)، وفي «الأوسط» (٦/ ١٥٢) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٣٠٣)، قال ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٧/ ٣٣٣)، [فيه] عبد الله بن سعيد ضعيف بمرة، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٢): ضعيف، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٣٩): فيه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو ضعيف، وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٣٤١٧): ضعيف جدا.\n(٢) [١١٦٠]» رواه أبو داود (٤٠٧٨)، والترمذي (١٧٨٤)، والطبراني (٥/ ٧١)، وأبو يعلى في «المسند» (٣/ ٥)، والحاكم (٣/ ٥١١)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وإسناده ليس بالقائم ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني ولا ابن ركانة، وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٨٢): إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضه من بعض، وقال ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٣/ ٢٨٦): علة هذا الخبر أنه من رواية أبي الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه أن ركانة: فذكره وما من هؤلاء من تعرف له حال، وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٣/ ٥٤٦): لم يصح، وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٣٤٦): لا يثبت، وقال العجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٩٥): واه، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود».\n(٣) [١١٦١]» رواه الترمذي (١٠٨٨)، والنسائي (٣/ ٣٩٨) (٣٣٦٩)، وابن ماجه (١٨٩٦)، وأحمد (٣/ ٤١٨) (١٥٤٨٩)، قال الترمذي حديث محمد بن حاطب حديث حسن، وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (٢/ ١١٣٨): محفوظ من حديث هشيم عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم، وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه».\n(٤) [١١٦٢]» رواه مسلم (١١٣٤).","vol":"1","page":358},{"text":"وروى الإمام أحمد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «صوموا يوم عاشوراء، خالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا» (١) ورواه سعيد بهذا الإسناد، ولفظه: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، وصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده».\nوالحديث رواه ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده: ابن عباس.\nفتدبر: هذا يوم عاشوراء، يوم فاضل يكفر سنة ماضية صامه رسول الله ﷺ، وأمر بصيامه ورغب فيه، ثم لما قيل له قبيل وفاته: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك.\nولهذا: استحب العلماء - منهم الإمام أحمد - أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء، وذلك عللت الصحابة ﵃.\nقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، سمع عطاء سمع ابن عباس ﵄ يقول: «صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود» (٢). اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٥٥\nقد روي عن غير واحد من أهل العلم: أن أهل الكتابين قبلنا إنما أمروا بالرؤية - أيضا - في صومهم وعباداتهم، وتأولوا على ذلك قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ولكن أهل الكتابين بدّلوا.\nولهذا نهى النبي ﷺ، عن تقدم رمضان باليوم واليومين، وعلل الفقهاء ذلك: بما يخاف من أن يزاد في الصوم المفروض ما ليس منه، كما زاده أهل الكتاب، من النصارى، فإنهم زادوا في صومهم، وجعلوه فيما بين الشتاء والصيف، وجعلوا له طريقة من الحساب يتعرفونه بها.\nوقد يستدل بهذا الحديث، على خصوص النهي عن أعيادهم، فإن أعيادهم معلومة بالكتاب والحساب، والحديث فيه عموم.\nأو يقال: إذا نهينا عن ذلك في عيد الله ورسوله، ففي غيرها من الأعياد والمواسم أولى وأحرى، ولما في ذلك: من مضارعة الأمة الأمية، سائر الأمم.\nوبالجملة - فالحديث يقتضي: اختصاص هذه الأمة بالوصف الذي فارقت به غيرها، وذلك يقتضي أن ترك المشابهة للأمم أقرب إلى حصول الوفاء اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٥٥\nوأيضًا - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «إنا أمة أمية: لا نكتب ولا نحسب، الشهر: هكذا هكذا، يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين» (٣). رواه البخاري ومسلم.\n_________\n(١) [١١٦٣]» رواه أحمد (١/ ٢٤١) (٢١٥٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٨٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢٩٠)، قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٣/ ٥٥٤): [فيه] داود بن علي عندي أنه لا بأس برواياته، وقال ابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ» (٣/ ١٥٤٣): [فيه] داود بن علي سئل يحيى بن معين عنه فقال: أرجو أنه لا يكذب، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٢١):إسناده حسن، وقال الشيخ الألباني في «صحيح ابن خزيمة» (٢٠٩٥): إسناده ضعيف، وروي موقوفًا وسنده صحيح.\n(٢) [١١٦٤]» رواه الترمذي (٧٥٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٨٧).\n(٣) [١١٦٥]» رواه البخاري (١٩١٣) ومسلم (١٠٨٠).","vol":"1","page":359},{"text":"فوصف هذه الأمة، بترك الكتاب والحساب، الذي يفعله غيرها من الأمم في أوقات عباداتهم وأعيادهم، وأحالها على الرؤية، حيث قال - في غير حديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» (١)، وفي رواية: «صوموا من الوضح إلى الوضح» (٢)، أي من الهلال إلى الهلال.\nوهذا: دليل على ما أجمع عليه المسلمون - إلا من شذ من بعض المتأخرين المخالفين، المسبوقين بالإجماع - من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك: إنما تقام بالرؤية عند إمكانها، لا بالكتاب والحساب، الذي تسلكه الأعاجم: من الروم، والفرس، والقبط والهند، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى.\nوقد روي عن غير واحد من أهل العلم: أن أهل الكتابين قبلنا إنما أمروا بالرؤية - أيضًا - في صومهم وعباداتهم، وتأولوا على ذلك: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣]، ولكن أهل الكتابين بدلوا. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٥٤\nوأيضًا - ففي (الصحيحين): عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع معاوية، عام حج، على المنبر، وتناول قصة من شعر، كانت في يد حرسي، فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه ويقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم» (٣)، وفي رواية سعيد بن المسيب - في (الصحيح) -: «أن معاوية قال ذات يوم: إنكم أحدثتم زي سوء، وإن نبي الله ﷺ نهى عن الزور، قال: وجاء رجل بعصى على رأسها خرقة قال معاوية: ألا وهذا الزور» (٤).\nقال قتادة: يعني ما يكثر به النساء أشعارهن، من الخرق.\nوفي رواية عن ابن المسيب - في (الصحيح) - قال: «قدم معاوية المدينة فخطبنا، وأخرج كبة من شعر، فقال: ما كنت أرى أن أحدًا يفعله، إلا اليهود إن رسول الله ﷺ بلغه، فسماه الزور» (٥) فقد أخبر النبي ﷺ عن وصل الشعر: «أن بني إسرائيل هلكوا حين أحدثه نساؤهم»، يحذر أمته مثل ذلك، ولهذا: قال معاوية: ما كنت أرى أن أحدًا يفعله إلا اليهود.\nفما كان من زي اليهود، أي لم يكن عليه المسلمون: إما أن يكون مما يعذبون عليه، أو مظنة لذلك، أو يكون تركه حسمًا لمادة ما عذبوا عليه، لا سيما إذا لم يتميز ما هو الذي عذبوا عليه من غيره، فإنه يكون قد اشتبه المحظور بغيره، فيترك الجميع، كما أن ما يخبرونا به لما اشتبه صدقه بكذبه: ترك الجميع. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٥٦\n_________\n(١) [١١٦٦]» رواه البخاري (١٩٠٩) ومسلم (١٠٨١).\n(٢) [١١٦٧]» رواه الطبراني (١/ ٢١٢)، والبزار (٤/ ١١٦)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٦١): فيه سالم بن عبيد الله بن سالم ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله موثقون، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩١٨): حسن لغيره.\n(٣) [١١٦٨]» رواه البخاري (٣٤٦٨).\n(٤) [١١٦٩]» رواه مسلم (٢١٢٧).\n(٥) [١١٧٠]» رواه البخاري (٣٤٨٨)، ومسلم (٢١٢٧).","vol":"1","page":360},{"text":"ولما نهى الله عن التشبه بهؤلاء الذين قست قلوبهم، وذكر أيضًا في آخر السورة حال الذين ابتدعوا الرهبانية، فما رعوها حق رعايتها، فعقبها بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢٨ - ٢٩]- فإن الإيمان بالرسول: تصديقه وطاعته وإتباع شريعته، وفي ذلك مخالفة للرهبانية، لأنه لم يبعث بها، بل نهى عنها، وأخبر أن من اتبعه: كان له أجران، وبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة، من طريق ابن عمر وغيره، في مثلنا ومثل أهل الكتاب.\nوقد صرح ﷺ بذلك - فيما رواه أبو داود في (سننه)، من حديث ابن وهب، أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء: أن سهل بن أبي أمامة حدثه: أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، فقال: أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» (١).\nهذا الذي في رواية اللؤلؤي، عن أبي داود، وفي رواية ابن داسة عنه: أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك، بالمدينة، في زمان عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فإذا هو يصلي صلاة خفيفة، كأنها صلاة المسافر، أو قريبًا منها، فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته؟ قال: إنها للمكتوبة، وإنها لصلاة رسول الله ﷺ، كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع، رهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم» (٢).\n_________\n(١) [١١٧١]» رواه أبو داود (٤٩٠٤) وأبو يعلى (٦/ ٣٦٥) من حديث أنس بن مالك ﵁، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٩٦): له شواهد في الصحيح، وقال ابن القيم في «الصلاة وحكم تاركها» (١٢٢): تفرد به ابن أبي العمياء وهو شبه مجهول، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٢/ ٩٨): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٥٩): رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العميا وهو ثقة، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» و«ضعيف الجامع» (٦٢٣٢)، ثم تراجع وصححه، انظر «جلباب المرأة المسلمة» (٢٠).\n(٢) [١١٧٢]» رواه أبو داود (٤٩٠٤) وأبو يعلى (٦/ ٣٦٥) من حديث أنس بن مالك ﵁، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٩٦): له شواهد في الصحيح، وقال ابن القيم في «الصلاة وحكم تاركها» (١٢٢): تفرد به ابن أبي العمياء وهو شبه مجهول، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٢/ ٩٨): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٥٩): رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العميا وهو ثقة، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» و«ضعيف الجامع» (٦٢٣٢)، ثم تراجع وصححه، انظر «جلباب المرأة المسلمة» (٢٠).","vol":"1","page":361},{"text":"ثم غدا من الغد: فقال ألا تركب لتنظر ولتعتبر؟ قال: نعم، فركبوا جميعًا، فإذا بديار باد أهلها وانقضوا وفنوا، خاوية على عروشها قال: أتعرف هذه الديار؟ فقال: نعم، ما أعرفني بها وبأهلها، هؤلاء أهل ديار أهلكهم الله ببغيهم وحسدهم، إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني، والكف والقدم، والجسد واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.\nفأما سهل بن أبي أمامة، فقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وروى له مسلم وغيره، وأما ابن أبي العمياء، فمن أهل بيت المقدس ما أعرف حاله، لكن رواية أبي داود للحديث، وسكوته عنه: يقتضي أنه حسن عنده، وله شواهد في (الصحيح). اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٦٢\nومن ذلك: أنه ﷺ حذرنا من مشابهة من قبلنا، في أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوي بين الناس في ذلك، وإن كان كثير من ذوي الرأي والسياسة قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة.\nففي (الصحيحين) عن عائشة ﵂ - في شأن المخزومية التي سرقت، لما كلم أسامة فيها رسول الله ﷺ - قال: «يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟!. إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (١).\nوكان بنو مخزوم من أشرف بطون قريش، واشتد عليهم أن تقطع يد امرأة منهم، فبين ﷺ: أن هلاك بني إسرائيل، إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر: أن فاطمة ابنته - التي هي أشرف النساء - لو سرقت - وقد أعاذها الله من ذلك - لقطع يدها، ليبين: أن وجوب العدل والتعميم في الحدود، لا يستثنى منه بنت الرسول ﷺ، فضلًا عن بنت غيره.\nوهذا يوافق ما في (الصحيحين)، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب قال: «مر على النبي ﷺ بيهودي، محمم مجلود، فدعاهم، فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم قال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده: الرجم ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال ﷺ: اللهم إني أول من أحيا أمرك، إذ أماتوه، فأمر به فرجم، فأنزل الله ﷿: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إلى قوله: إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ [المائدة: ٤١] (٢).\nيقول: ائتوا محمدًا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤] وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥] وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٧] في الكفار كلها. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ٢٩٤\n_________\n(١) [١١٧٣]» رواه البخاري (٣٤٧٥) ومسلم (١٦٨٨).\n(٢) [١١٧٤]» رواه مسلم (١٧٠٠).","vol":"1","page":362},{"text":"وأيضا ما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عياش بن عباس، عن ابن الحصين - يعني الهيثم بن شفي - قال: خرجت أنا وصاحب لي يكنى أبا عامر - رجل من المعافر - لنصلي بإيلياء، وكان قاصهم - رجل من الأزد - يقال له: أبو ريحانة، من الصحابة، قال أبو الحصين: فسبقني صاحبي إلى المسجد، ثم ردفته فجلست إلى جنبه فسألني: هل أدركت قصص أبي ريحانة؟ قلت: لا قال: سمعته يقول «نهى رسول الله ﷺ عن عشر: عن الوشر، والوشم، والنتف، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل بأسفل ثيابه حريرًا، مثل الأعاجم، أو يجعل على منكبيه حريرًا، مثل الأعاجم، وعن النهبى، وركوب النمور، ولبوس الخاتم، إلا لذي سلطان» (١). وفي رواية عن أبي ريحانة قال: بلغني أن رسول الله ﷺ. .. هذا الحديث محفوظ من حديث عياش بن عباس، رواه عنه المفضل بن فضالة، وحيوة بن شريح المصري، ويحيى بن أيوب، وكل منهم ثقة، وعياش بن عباس روى له مسلم، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وأما أبو الحصين - الهيثم ين شفي - قال الدارقطني - شفي بفتح الشين وتخفيف الفاء وأكثر المحدثين يقولون: شفي هو غلط - وأبو عامر الحجري فشيخان، قد روى عن كل واحد منهما، أكثر من واحد، وهما من الشيوخ القدماء.\nوهذا الحديث: قد أشكل على أكثر الفقهاء، من جهة أن يسير الحرير قد دل على جوازه نصوص متعددة، ويتوجه تحريمه على هذا الأصل وهو: أن يكون صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما كره أن يجعل الرجل على أسفل ثيابه، أو على منكبيه حريرًا، مثل الأعاجم، فيكون المنهي عنه نوعًا كان شعارًا للأعاجم، فنهى عنه لذلك، لا لكونه حريرًا، فإنه لو كان النهي عنه لكونه حريرًا لعم الثوب كله، ولم يخص هذين الموضعين، ولهذا قال فيه: «مثل الأعاجم».\nوالأصل في الصفة: أن تكون لتقييد الموصوف، لا لتوضيحه، وعلى هذا: يمكن تخريج ما رواه أبو داود، بإسناده صحيح، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال: «لا أركب الأرجوان، ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير، قال: فأومأ الحسن إلى جيب قيمصه قال: وقال: ألا وطيب الرجال ريح لا لون له، ألا وطيب النساء لون لا ريح له» (٢) قال سعيد: أراه قال: إنما حملوا قوله في طيب النساء، على أنها إذا خرجت، فأما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت، أو يخرج هذا الحديث على الكراهة فقط. وكذلك: قد يقال في الحديث الأول، لكن في ذلك نظر اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٣٠٧\n_________\n(١) [١١٧٥]» رواه أبو داود (٢/ ٤٤٦)، والنسائي (٨/ ١٤٣) (٥٠٩١)، وأحمد (٤/ ١٣٤) (١٧٢٤٨)، والدارمي (٢/ ٣٦٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٢٧٧)، قال أبو داود الذي تفرد به من هذا الحديث خبر الخاتم، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٧/ ٤٠٠): مسند لا تجد بمثل إسناده حجة، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع».\n(٢) [١١٧٦]» رواه أبو داود (٤٠٤٨)، وأحمد (٤/ ٤٤٢) (١٩٩٨٩)، والحاكم (٤/ ٢١١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٢٧١)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١/ ٤٧٨): صحيح ثابت، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٣٤٦): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».","vol":"1","page":363},{"text":"وأيضًا - ففي (الصحيحين) عن رافع بن خديج قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدًا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن: فعظم، وأما الظفر: فمدى الحبشة» (١).\nنهى النبي ﷺ عن الذبح بالظفر، معللًا بأنها مدى الحبشة، كما علل السن: بأنه عظم، وقد اختلف الفقهاء في هذا، فذهب أهل الرأي: إلى أن علة النهي كون الذبح بالسن والظفر يشبه الخنق، أو هو مظنة الخنق، والمنخنقة محرمة، وسوغوا على هذا، الذبح بالسن والظفر المنزوعين، لأن التذكية بالآلات المنفصلة المحددة، لا خنق فيه، والجمهور منعوا من ذلك مطلقًا، لأن النبي ﷺ: استثنى السن والظفر مما أنهر الدم، فعلم أنه من المحدد الذي لا يجوز التذكية به، ولو كان لكونه خنقًا، لم يستثنه، والمظنة إنما تقام مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية أو غير منضبطة، فأما مع ظهورها وانضباطها فلا.\nوأيضًا - فإنه مخالف لتعليل رسول الله ﷺ المنصوص في الحديث، ثم اختلف هؤلاء، هل يمنع من التذكية بسائر العظام، عملًا بعموم العلة؟ على قولين، في مذهب أحمد وغيره.\nوعلى الأقوال الثلاثة: فقوله ﷺ: «وأما الظفر فمدى الحبشة»، بعد قوله: «وسأحدثكم عن ذلك»، يقتضي أن هذا الوصف - وهو كونه مدى الحبشة - له تأثير في المنع: إما أن يكون علة، أو دليلًا على العلة، أو وصفًا من أوصاف العلة، أو دليلها، والحبشة في أظفارهم طول، فيذكون بها دون سائر الأمم، فيجوز أن يكون نهى عن ذلك: لما فيه من مشابهتهم فيما يختصمون به.\nوأما العظم: فيجوز أن يكون نهيه عن التذكية به، كنهيه عن الاستنجاء به لما فيه من تنجيسه على الجن، إذ الدم نجس، وليس الغرض هنا ذكر مسألة الذكاة بخصوصها، فإن فيها كلامًا ليس هذا موضعه. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٣١٠\nوأيضًا - فقد روى أبو داود في (سننه)، وغيره من حديث هشيم: أخبرنا أبو بشر عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قال: «اهتم النبي ﷺ للصلاة، كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكروا له القنع، شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال: هو من أمر اليهود، قال: فذكروا له الناقوس، قال: هو من فعل النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو مهتم لهم النبي ﷺ، فأري الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله ﷺ، فأخبره، فقال: يا رسول الله: إني لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آت، فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يومًا، قال: ثم أخبر النبي ﷺ، فقال له: ما منعك أن تخبرنا؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد، فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله قال: فأذن بلال» (٢)، قال أبو بشر: فحدثني أبو عمير: أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد، لولا أنه كان يومئذ مريضًا، لجعله رسول الله ﷺ مؤذنًا.\n_________\n(١) [١١٧٧]» رواه مسلم (١٩٦٨).\n(٢) [١١٧٨]» رواه أبو داود (٤٩٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٣٩٠)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٤/ ٢١): حسن، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٢/ ٩٧): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «جلباب المرأة» (١٦٧).","vol":"1","page":364},{"text":"وروى سعيد بن منصور في (سننه): حدثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن عامر الشعبي: أن رسول الله ﷺ، اهتم بالصلاة اهتمامًا شديدًا، تبين ذلك فيه، وكان فيما أهتم به من أمر الصلاة: أن ذكر الناقوس، ثم قال: هو من أمر النصارى، ثم أراد أن يبعث رجالًا يؤذنون الناس بالصلاة، في الطرق، ثم قال: أكره أن أشغل رجالًا عن صلاتهم بأذان غيرهم، وذكر رؤيا عبد الله بن زيد.\nويشهد لهذا ما أخرجاه في (الصحيحين)، عن أبي قلابة، عن أنس قال: «لما كثر الناس، ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن ينوروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأمر بلال أن يشفع الأذان - ويوتر الإقامة». (١).\nوفي (الصحيحين)، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان المسلمون حين قدموا المدينة، يجتمعون، فيتحينون الصلاة، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أو لا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: يا بلال قم فناد بالصلاة» (٢). اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ص٣١٥\nوأن كراهية الرسول ﷺ بوق اليهود وناقوس النصارى لعلة المخالفة، وهذا يقتضي كراهة هذا النوع من الأصوات مطلقًا في غير الصلاة أيضًا، لأنه من أمر اليهود والنصارى، فإن النصارى يضربون بالنواقيس في أوقات متعددة، غير أوقات عباداتهم.\nوإنما شعار الدين الحنيف الأذان المتضمن للإعلان بذكر الله، الذي به تفتح أبواب السماء، فتهرب الشياطين، وتنزل الرحمة.\nوقد ابتلي كثير من هذه الأمة، من الملوك وغيرهم بهذا الشعار اليهودي والنصراني، حتى إنا رأيناهم، في هذا الخميس الحقير الصغير (٣)، يزفون البخور، ويضربون له بنواقيس صغار، حتى إن من الملوك من كان يضرب بالأبواق، والدبادب، في أوقات الصلوات الخمس، وهو نفس ما كرهه رسول الله ﷺ، ومنهم من كان يضرب بها طرفي النهار، تشبهًا منه - زعم - بذي القرنين، ووكل ما دون ذلك إلى ملوك الأطراف.\nوهذه المشابهة لليهود والنصارى، وللأعاجم: من الروم والفرس، لما غلبت على ملوك المشرق، هي وأمثالها، مما خالفوا به هدي المسلمين، ودخلوا فيما كرهه الله ورسوله - سلط عليهم، الترك الكافرون، الموعود بقتالهم حتى فعلوا في العباد والبلاد، ما لم يجر في دولة الإسلام مثله، وذلك تصديق قوله ﷺ: «لتركبن سنن من كان قبلكم» (٤). اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٣١٨\n_________\n(١) [١١٧٩]» رواه البخاري (٦٠٣)، ومسلم (٣٧٨).\n(٢) [١١٨٠]» رواه البخاري (٦٠٤)، ومسلم (٣٧٧).\n(٣) [١١٨١]» الخميس الصغير: يوم من أيام النصارى التي يحتفلون بها، وهو الواقع قبل آخر الخميس من أيام صومهم، ويحتفلون بهذا الخميس الصغير تقديمًا للاحتفال بيوم الخميس الكبير، وهو آخر صوم النصارى، وهو عيد المائدة. (من تعليق: د. ناصر بن عبد الكريم العقل).\n(٤) [١١٨٢]» رواه الترمذي (٢١٨٠) وأحمد (٥/ ٢١٨) (٢١٩٥٠) وابن حبان (١٥/ ٩٤) والطبراني (٣/ ٢٤٤) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٤٦) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وأحمد شاكر في «عمدة التفسير» (٢/ ٥٤): [أشار في المقدمة إلى صحته]، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"1","page":365},{"text":"وأيضًا - فعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (١) متفق عليه.\nوعن جبير بن نفير، عن عبد الله بن عمرو قال: «رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: إن هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها» (٢) رواه مسلم.\nعلل النهي عن لبسها بأنها: من ثياب الكفار، وسواء أراد أنها مما يستحله الكفار، بأنهم يستمتعون بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك.\nكما أنه في الحديث قال: يستمتعون بآنية الذهب والفضة في الدنيا، وهي للمؤمنين في الآخرة، ولهذا كان العلماء، يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة، تشبهًا بالكفار.\nففي (الصحيحين) عن أبي عثمان النهدي، قال: كتب إلينا عمر ﵁ ونحن بأذربيجان، مع عتبة بن فرقد، «يا عتبة إنه ليس من كد أبيك، ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم، مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله ﷺ: نهى عن لبس الحرير، قال: إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأصبعيه: الوسطى والسبابة وضمهما» (٣).\nوروى أبو بكر الخلال بإسناده عن محمد بن سيرين، أن حذيفة بن اليمان أتى بيتًا، فرأى فيه حارستان: فيه أباريق الصفر والرصاص، فلم يدخله، وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وفي لفظ آخر: «فرأى شيئًا من زي العجم فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم» (٤)، وقال علي بن أبي صالح السواق: كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل، فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج فلحقه صاحب الدار، فنفض يده في وجهه وقال: زي المجوس! زي المجوس!. وقال في رواية صالح: إذا كان في الدعوة مسكر، أو شيء من: آنية المجوس: الذهب والفضة، أو ستر الجدران بالثياب - خرج ولم يطعم.\nولو تتبعنا ما في هذا الباب، عن النبي ﷺ، مع ما دل عليه كتاب الله، لطال. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٣٢١\nوقد تقدم ما رواه البخاري في (صحيحه)، «عن عمر بن الخطاب: أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس: إياكم وزي أهل الشرك».\nوهذا نهي منه للمسلمين، عن كل ما كان من زي المشركين.\nوقال الإمام أحمد في (المسند): حدثنا يزيد، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر بن الخطاب أنه قال: «اتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، والبسوا الخفاف، والسراويلات، وألقوا الركب، وانزوا نزوا، وعليكم بالمعدية، وارموا الأغراض، وذروا التنعم وزي العجم، وإياكم والحرير، فإن رسول الله ﷺ قد نهى عنه، وقال: لا تلبسوا من الحرير، إلا ما كان هكذا، وأشار رسول الله ﷺ بأصبعيه» (٥).\nوقال أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان قال: جاءنا كتاب عمر ﵁، ونحن بأذربيجان: يا عتبة بن فرقد، إياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله ﷺ: نهانا عن لبوس الحرير وقال: إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله ﷺ، أصبعيه» (٦)، وهذا ثابت على شرط الصحيحين.\nوفيه: أن عمر ﵁ أمر بالمعدية، وهي زي بني معد بن عدنان، وهم العرب، فالمعدية نسبة إلى معد ونهى عن زي العجم وزي المشركين، وهذا عام كما لا يخفى اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٣٣٣\n_________\n(١) [١١٨٣]» رواه البخاري (٥٦٣٣)، ومسلم (٢٠٦٧)، واللفظ للبخاري.\n(٢) [١١٨٤]» رواه مسلم (٢٠٧٧).\n(٣) [١١٨٥]» رواه البخاري (٥٨٢٩)، ومسلم (٢٠٦٩)، واللفظ لمسلم.\n(٤) [١١٨٦]» رواه أحمد في «الورع» (١/ ١٧٨).\n(٥) [١١٨٧]» رواه أحمد (١/ ٤٣) (٣٠١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١٢٨)، وابن حبان (١٢/ ٢٦٨)، قال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١/ ١٥٣): إسناده صحيح. وقال أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ١٤٥): ثابت مشهور من حديث عاصم.\n(٦) [١١٨٨]» رواه أحمد (١/ ١٥) (٩٢)، قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٣٧٣): ثابت على شرط (الصحيحين)، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد) (١/ ٦٢): إسناده صحيح.","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>المبحث الثامن: شبهات وجوابها حول التشبه</span>\nفإن قيل ما ذكر ... من الأدلة معارض بما يدل على خلافه وذلك: أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه، وقوله تعالى: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ. وقوله: اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ. وقوله: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ [المائدة: ٤٤]. وغير ذلك من الدلائل المذكورة في غير هذا الموضع، مع أنكم مسلمون لهذه القاعدة، وهي قول عامة السلف وجمهور الفقهاء.\nومعارض بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فوجد اليهود صيامًا، يوم عاشوراء، فقال لهم ﷺ: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا لله، فنحن نصومه تعظيمًا له، فقال رسول الله ﷺ: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه». (١) متفق عليه.\nوعن أبي موسى ﵁ قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدًا، قال النبي ﷺ: «فصوموه أنتم». (٢) متفق عليه وهذا اللفظ للبخاري ولفظ مسلم: «تعظمه اليهود وتتخذه عيدًا» (٣)، وفي لفظ: «كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء ويتخذونه عيدًا، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشاراتهم» (٤).\nوعن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄، قال: «كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء فسدل رسول الله ﷺ، ناصيته، ثم فرق بعد» (٥). متفق عليه.\nبيان أن هذا الاعتراض مبني على مقدمتين كلتاهما منتفية\nقيل: أما المعارضة بكون شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه، فذاك مبني على مقدمتين، كلتاهما منتفية، في مسألة التشبه بهم.\n_________\n(١) [١١٨٩]» رواه البخاري (٣٣٩٧) ومسلم (١١٣٠).\n(٢) [١١٩٠]» رواه البخاري (٢٠٠٥).\n(٣) [١١٩١]» رواه مسلم (١١٣١).\n(٤) [١١٩٢]» رواه مسلم (١١٣١) (١٣٠).\n(٥) [١١٩٣]» رواه البخاري (٥٩١٧) ومسلم (٢٣٣٦).","vol":"1","page":367},{"text":"إحداهما: أن يثبت أن ذلك شرع لهم، بنقل موثوق به، مثل أن يخبرنا الله في كتابه، أو على لسان رسوله، أو ينقل بالتواتر، ونحو ذلك، فأما مجرد الرجوع إلى قولهم، أو إلى ما في كتبهم، فلا يجوز بالاتفاق، والنبي ﷺ وإن كان قد استخبرهم فأخبروه، ووقف على ما في التوراة، فإنما ذلك لأنه لا يروج عليه باطلهم، بل الله سبحانه يعرفه ما يكذبون مما يصدقون، كما قد أخبره بكذبهم غير مرة، وأما نحن فلا نأمن أن يحدثونا بالكذب، فيكون فاسق، بل كافر، قد جاءنا بنبأ فاتبعناه، وقد ثبت في (الصحيح) (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» (٢).\nالمقدمة الثانية: أن لا يكون في شرعنا بيان خاص لذلك، فأما إذا كان فيه بيان خاص: إما بالموافقة، أو بالمخالفة، استغني عن ذلك فيما ينهى عنه عن موافقته، ولم يثبت أنه شرع لمن كان قبلنا، وإن ثبت فقد كان هدي نبينا ﷺ وأصحابه بخلافه، وبهم أمرنا نحن أن نتبع ونقتدي، وقد أمرنا نبينا ﷺ: أن يكون هدينا مخالفًا لهدي اليهود والنصارى، وإنما تجيء الموافقة في بعض الأحكام العارضة، لا في الهدي الراتب، والشعار الدائم.\nثم ذلك بشرط: أن لا يكون قد جاء عن نبينا وأصحابه خلافه، أو ثبت أصل شرعه في ديننا، وقد ثبت عن نبي من الأنبياء أصله أو وصفه، مثل: فداء من نذر أن يذبح ولده بشاة، ومثل: الختان المأمور به في ملة إبراهيم ﵇، ونحو ذلك، وليس الكلام فيه .. .. كل ما جاء من تشبه النبي ﷺ بأهل الكتاب إنما كان في صدر الهجرة ثم نسخ فإذا كان أصل صومه لم يكن موافقة لأهل الكتاب، فيكون قوله: «فنحن أحق بموسى منكم». توكيدًا لصومه، وبيانًا لليهود: أن يفعلونه من موافقة موسى نحن أيضًا نفعله، فنكون أولى بموسى منكم.\nثم الجواب عن هذا، وعن قوله: كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء من وجوه:\nأحدها: أن هذا كان متقدمًا، ثم نسخ الله ذلك، وشرع له مخالفة أهل الكتاب، وأمره بذلك، وفي متن الحديث: أنه سدل شعره موافقة لهم، ثم فرق شعره بعد. ولهذا صار الفرق شعار المسلمين، وكان من الشروط على أهل الذمة أن لا يفرقوا شعورهم، وهذا كما أن الله تعالى شرع له في أول الأمر استقبال بيت المقدس موافقة لأهل الكتاب، ثم نسخ ذلك، وأمره باستقبال الكعبة، وأخبره عن اليهود وغيرهم من السفهاء، أنهم سيقولون: مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا [البقرة: ١٤٢].\nوأخبره أنهم لا يرضون عنه حتى يتبع قبلتهم، وأخبره أنه: إن اتبع أهواءهم من بعد ما جاءه من العلم ما له من الله من ولي ولا نصير، وأخبره أن: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة: ١٤٨] وكذلك أخبره في موضع آخر أنه: جعل لكلٍ شرعة ومنهاجًا، فالشعار من جملة الشرعة.\n_________\n(١) [١١٩٤]» الذي ثبت في الصحيح وهو ما رواه البخاري (٧٥٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا *البقرة: ١٣٦*».\n(٢) [١١٩٥]» رواه أبو داود (٣٦٤٤)، وأحمد (٤/ ١٣٦) (١٧٢٦٤)، والطبراني (٢٢/ ٣٤٩)، وابن حبان (١٤/ ١٥١)، والبيهقي في «السنن الكبرى»، من حديث أبي نملة الأنصاري، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٣/ ٤٧): [فيه] نملة بن أبي نملة قال ابن قطان مجهول الحال وله سند آخر، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٥٢): إسناده جيد، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦/ ٧١٢): إسناده ثقات رجال الشيخين غير ابن أبي نملة يقولون صدوق يحسنون أو يجودون حديثه.","vol":"1","page":368},{"text":"والذي يوضح ذلك: أن هذا اليوم يوم - عاشوراء - الذي صامه وقال: «نحن أحق بموسى منكم»، قد شرع - قبيل موته - مخالفة اليهود في صومه، وأمر ﷺ بذلك، ولهذا كان ابن عباس ﵄ وهو الذي يقول: وكان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، وهو الذي روى قوله: «نحن أحق بموسى منكم» - أشد الصحابة ﵃ أمرًا بمخالفة اليهود في صوم عاشوراء، وقد ذكرنا أنه هو الذي روى شرع المخالفة.\nوروى - أيضًا - مسلم في (صحيحه) عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس، وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: «إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائمًا، فقلت: هكذا كان محمد ﷺ يصومه؟ قال: نعم» (١).\nوروى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» (٢)، يعني يوم عاشوراء، ومعنى قول ابن عباس: صم التاسع يعني والعاشر، هكذا ثبت عنه، وعلله بمخالفة اليهود، قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان بن عمرو بن دينار، أنه سمع عطاء، سمع ابن عباس ﵄، يقول: صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود.\nوروينا في فوائد داود بن عمرو، عن إسماعيل بن علية قال: ذكروا عند ابن أبي نجيح، أن ابن عباس كان يقول: يوم عاشوراء يوم التاسع فقال ابن أبي نجيح: إنما قال ابن عباس: أكره أن أصوم يومًا فاردا، ولكن صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا.\nويحقق ذلك: ما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: «أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم» (٣)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوروى سعيد في (سننه) عن هشيم، عن ابن أبي ليلى عن داود بن علي، عن أبيه عن جده ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده» ورواه أحمد ولفظه: «صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا» (٤)، ولهذا ذهب أحمد على مثل ما رواه ابن عباس وأفتى به، فقال في رواية الأثرم: أنا أذهب في عاشوراء: أن يصام يوم التاسع والعاشر، لحديث ابن عباس: «صوموا التاسع والعاشر» (٥)، وقال حرب: سألت أحمد عن صوم يوم عاشوراء، فقال: يصوم التاسع والعاشر، وقال في رواية الميموني، وأبي الحارث: من أراد أن يصوم عاشوراء صام التاسع والعاشر إلا أن تشكل الشهور فيصوم ثلاثة أيام، ابن سيرين يقول ذلك.\nوقد قال بعض أصحابنا: إن الأفضل صوم التاسع والعاشر، وإن - اقتصر على العاشر لم يكره.\n_________\n(١) [١١٩٦]» رواه مسلم (١١٣٣) (١٣٢).\n(٢) [١١٩٧]» رواه مسلم (١١٣٣) (١٣٤).\n(٣) [١١٩٨]» رواه الترمذي (٧٥٥)، وقال حديث ابن عباس حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي»، وقال الوادعي في «أحاديث معلة» (٢٠٦): سنده رجال الصحيح ولكنه منقطع.\n(٤) [١١٩٩]» رواه أحمد (١/ ٢٤١) (٢١٥٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٨٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢٩٠)، قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٣/ ٥٥٤): [فيه] داود بن علي عندي أنه لا بأس برواياته، وقال ابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ» (٣/ ١٥٤٣): [فيه] داود بن علي سئل يحيى بن معين عنه فقال: أرجو أنه لا يكذب، وقال الشيخ الألباني في «صحيح ابن خزيمة» (٢٠٩٥): إسناده ضعيف، وروي موقوفًا وسنده صحيح.\n(٥) [١٢٠٠]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٨٧).","vol":"1","page":369},{"text":"ومقتضى كلام أحمد: أنه يكره الاقتصار على العاشر، لأنه سئل عنه فأفتى بصوم اليومين وأمر بذلك، وجعل هذا هو السنة لمن أراد صوم عاشوراء، واتبع في ذلك حديث ابن عباس، وابن عباس كان يكره إفراد العاشر على ما هو مشهور عنه.\nومما يوضح ذلك: أن كل ما جاء من التشبه بهم، إنما كان في صدر الهجرة، ثم نسخ، ذلك: أن اليهود إذ ذاك، كانوا لا يتميزون عن المسلمين لا في شعور ولا في لباس، ولا بعلامة ولا غيرها.\nثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع، الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدي.\nوسبب ذلك: أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد، وإلزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أولٍ ضعفاء لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا، شرع ذلك.\nومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمورهم، لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة.\nفأما في دار الإسلام والهجرة، التي أعز الله فيها دينه، وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية، ففيها شرعت المخالفة، وإذا ظهر أن الموافقة والمخالفة تختلف لهم باختلاف الزمان والمكان ظهرت حقيقة الأحاديث في هذا.\nالوجه الثاني: لو فرضنا أن ذلك لم ينسخ، فالنبي ﷺ هو الذي كان له أن يوافقهم لأنه يعلم حقهم من باطلهم، بما يعلمه الله إياه، ونحن نتبعه، فأما نحن فلا يجوز لنا أن نأخذ شيئًا من الدين عنهم: لا من أقوالهم، ولا من أفعالهم، بإجماع المسلمين المعلوم بالاضطرار، من دين الرسول ﷺ، ولو قال رجل: يستحب لنا موافقة أهل الكتاب، الموجودين في زماننا، لكان قد خرج عن دين الأمة.\nالثالث: أن نقول بموجبه: كان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم إنه أمر بمخالفتهم، وأمرنا نحن أن نتبع هديه وهدي أصحابه السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والكلام إنما هو في أنا منهيون عن التشبه بهم، فيما لم يكن سلف الأمة عليه، فأما ما كان سلف الأمة عليه: فلا ريب فيه، سواء فعلوه أو تركوه، فإنا لا نترك ما أمر الله به لأجل أن الكفار تفعله، مع أن الله لم يأمرنا بشيء يوافقونا عليه إلا ولا بد فيه من نوع مغايرة يتميز بها دين الله المحكم مما قد نسخ أو بدل اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية –ص ٤١٢","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات</span>\nتوحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في القرآن والسنة، والإيمان بمعانيها وأحكامها. معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٢٩","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>المطلب الثاني: شرح مفردات التعريف</span>\nأولًا: (إفراد الله):\nهذا معنى كلمة (التوحيد)، فأصل هذه الكلمة من (وحد) فيقال: وحد يوحد توحيدًا: أي جعله واحدًا.\nومادة (وحد) في اللغة مصدرها على انفراد الشيء.\nفإذا قلت: توحيد الله بأسمائه: فالمعنى إفراد الله بأسمائه.\nثانيا: (بأسمائه الحسنى):\n(بأسمائه): الاسم في اللغة: هو اللفظ الموضوع لمعنى تعيينًا أو تمييزًا. أو الاسم: ما دل على الذات وما قام بها من الصفات.\nومن أسماء الله تعالى: الله – الرحمن – الرحيم – الغفور – العزيز – القدير – السميع – البصير – البارئ ...\n(الحسنى): هذا وصف لأسماء الله، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم.\n١ - المواضع التي ورد فيها:\nورد هذا الوصف لأسماء الله ﷿ في أربعة مواضع من كتاب الله ﷿، وهذه المواضع هي:\nأ- قال تعالى: وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠].\nب- قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى [الإسراء: ١١٠]\nج- قال تعالى: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى [طه: ٨].\nد- قال تعالى: هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى [الحشر: ٢٤].\n٢ - تصريفها: حسنى على وزن (فعلى) تأنيث أفعل التفضيل، فحسنى تأنيث أحسن، ككبرى تأنيث أكبر، وصغرى تأنيث أصغر، ولذلك يخطئ من يقول إنها تأنيث حسن؛ لأن تأنيث (حسن) (حسنة)، ومن أجل ذلك لا يصح أن نقول: إن أسماء الله حسنة، والصواب هو أن نقول: إن أسماء الله حسنى ما وصفها الله بذلك.\n٣ - معناها: معنى حسنى: المفضلة على الحسنة، أي البالغة في الحسن غايته.\nالمعنى العام للآية: وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى: لله أحسن الأسماء وأجلها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها.\n٥ - الحكم المستفاد: يجب الإيمان بهذا الوصف الذي أخبر الله به عن أسمائه وذلك بالاعتقاد الجازم أن أسماء الله هي أحسن الأسماء، وأتمها، وأكملها معنى، وفي هذا الوصف أحكام أخرى مستفادة ...\nثالثًا: (وصفاته العلى):\n(وصفاته): الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية أو معنوية أو فعلية.\nومن صفات الله ﷿:\nالذاتية: اليدان – الوجه – العينان – الأصابع.\nالمعنوية: العلم – القدرة – الحياة - الإرادة.\nالفعلية: النزول – الاستواء – الخلق – الرزق.\n(العُلَى): قال تعالى: لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [النحل: ٦٠].\nوقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [الرُّوم: ٢٧] ........\n٢ - تصريفها: (الأعلى) صيغة أفعل التفضيل، أي أعلى من غيره (١).\n٣ - معنى الآية: قال القرطبي: وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى: أي الوصف الأعلى (٢).\nوقال ابن كثير: وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى وهو كل صفة كمال؛ وكل كمال في الوجود فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه (٣).\n_________\n(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٠).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١٩).\n(٣) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٤/ ١٠٤).","vol":"1","page":372},{"text":"٤ - الحكم المستفاد: يجب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه، وذلك بالاعتقاد الجازم بأن كل ما أخبر الله به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من الصفات هي صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهو سبحانه المستحق للكمال المُطلق من جميع الوجوه.\nقال الإمام ابن القيم: (المثل الأعلى يتضمن ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، ووجودها العلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بها ...) (١).\nرابعًا: الواردة في القرآن والسنة\nأي يجب الوقوف في أسماء الله وصفاته على ما جاءت به نصوص القرآن والسنة لا نزيد على ذلك ولا ننقص منه.\nفلا نسمي أو نصف الله بما لم يسم أو يصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.\nوذلك لأنه لا طريق إلى معرفة أسماء الله وصفاته إلا من طريق واحد هو طريق الخبر – أي الكتاب والسنة -.\nفلو قال شخص: لله سمع بلا أذنين.\nوقال آخر: لله سمع بأذنين.\nلحكمنا بخطأ الاثنين؛ لأنه لم يأت ذكر الأذنين في النصوص لا نفيًا ولا إثباتًا، والحق هو أن يقال: لله سمع يليق بجلاله كما جاءت بذلك النصوص، وقد نهانا الله أن نتكلم بغير علم، فقال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٦] وبالتالي لا يجوز الإثبات أو النفي إلا بالنص.\nقال الإمام أحمد (ت ٢٤١) ﵀: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو ووصفه به رسوله ﷺ، لا نتجاوز القرآن والسنة) (٢).\nوقال ابن عبد البر (ت ٤٦٣) ﵀: (ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله ﷺ، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه) (٣).\nخامسًا: والإيمان بمعانيها وأحكامها\nأي الإيمان بما تضمنته من المعاني، وبما ترتب عليها من مقتضيات وأحكام.\nوهذا ما جاء الأمر به والحث عليه في القرآن والسنة.\nفمن القرآن: قوله تعالى: وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]، والشاهد من الآية قوله: (فادعوه بها).\nووجه الاستشهاد: أن الله يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها، فالدعاء بها يتناول:\nدعاء المسألة: كقولك: ربي ارزقني.\nودعاء الثناء: كقولك: سبحان الله.\nودعاء التعبد: كالركوع والسجود (٤).\nومن السنة: قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة» متفق عليه.\nالشاهد من الحديث: قوله ﷺ: «من أحصاها».\nووجه الاستشهاد: أن معنى أحصاها: أي حفظها ألفاظًا، وفهم معانيها ومدلولاتها، وعمل بمقتضياتها وأحكامها.\nفالعلم بأسماء الله وصفاته، واعتقاد تسمي الله واتصافه بها هو من العبادة، وإدراك القلب لمعانيها، وما تضمنته من الأحكام والمقتضيات، واستشعاره وتجاوبه لذلك بالقدر الذي يؤدي إلى سلامة تفكيره واستقامة سلوكه، هو عبادة أيضًا.\nفأهل السنة يؤمنون بما دلت عليه أسماء الله وصفاته من المعاني، وبما يترتب عليها من مقتضيات وأحكام، بخلاف أهل الباطل الذين أنكروا ذلك وعطلوه.\nفأهل السنة يؤمنون بأن كل اسم من أسماء الله يدل على معنى الذي نسميه (الصفة)، فلذلك كان لزامًا على من يؤمن بأسماء الله تعالى أن يراعي الأمور التالية:\n_________\n(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٤) بتصرف.\n(٢) «الفتوى الحموية» (ص: ٦١)، دار فجر التراث.\n(٣) «جامع بيان العلم وفضله» (ص: ٩٦).\n(٤) «مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":373},{"text":"أولًا: الإيمان بثبوت ذلك الاسم لله ﷿.\nثانيًا: الإيمان بما دل عليه الاسم من المعنى أي (الصفة).\nثالثًا: الإيمان بما يتعلق به من الآثار والحكم والمقتضى.\nمثال ذلك: (السميع).\nاسم من أسماء الله الحسنى، فلابد من الإيمان به من:\n١ - إثبات اسم (السميع) باعتباره اسمًا من أسماء الله الحسنى.\n٢ - إثبات (السمع) صفة له.\n٣ - إثبات الحكم (أي الفعل) وهو أن الله يسمع السر والنجوى.\nوإثبات المقتضى والأثر: وهو وجوب خشية الله، ومراقبته، وخوفه، والحياء منه ﷿.\nقال ابن القيم ﵀: (كل اسم من أسمائه ﷿ له تعبد مختص به علمًا ومعرفة وحالًا:\nعلمًا ومعرفة: أي إن من علم أن الله مسمى بهذا الاسم وعرف ما يتضمنه من الصفة ثم اعتقد ذلك فهذه عبادة.\nوحالًا: أي إن لكل اسم من أسماء الله مدلولًا خاصًا وتأثيرًا معينًا في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه) (١).\nوكذلك الشأن في صفات الله ﷿، فلابد من الإيمان بمعانيها وأحكامها، فهذه عقيدة أهل السنة، بخلاف عقيدة المعطلة الذين نفوا ما دلت عليه تلك الصفات من المعاني، وتلاعبوا بتلك المعاني فحرفوها وبدلوها.\nفأهل السنة يرون أنه لزامًا على من أراد إثبات الصفات والإيمان بأنها صفات كمال تثبت لله حقيقة – أن يراعي الأمور التالية:\n١ - إثبات تلك الصفة فلا يعاملها بالنفي والإنكار.\n٢ - أن لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها الله به، بل يحترم الاسم كما يحترم الصفة، فلا يعطل الصفة ولا يغير اسمها ويعيرها اسمًا آخر، كما تسمي المعطلة سمعه وبصره وكلامه (أعراضًا).\nويسمون وجهه ويديه وقدمه (جوارح وأبعاضًا).\nويسمون علوه على خلقه واستواءه على عرشه (تحيزًا).\n٣ - عدم تشبيهها بما للمخلوق، فإن الله سبحانه (ليس كمثله شيء) لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.\n٤ - اليأس من إدراك كنهها وكيفياتها، فالعقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول أهل السنة: (بلا كيف): أي بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك (٢).\n٥ - تحقيق المقتضى والأثر لتلك الصفات، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها – أعني من موجبات العلم بها، والتحقق بمعرفتها – فعلم العبد بتفرد الرب بالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، يثمر له عبودية (التوكل).\nوعلم العبد بجلال الله وعظمته وعزه، يثمر له الخضوع، والاستكانة، والمحبة. معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي– بتصرف - ص: ٢٩\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).\n(٢) «مدارج السالكين» (٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩) بتصرف يسير.","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته إجمالا</span>\nوأهل السنة والجماعة: يعرفون ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنة، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أثبته لنفسه من غير تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل، ولا تحريف، وقاعدتهم في كل ذلك قول الله ﵎: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] وقوله: وَلِلَّهِ الأسماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:١٨٠] وأهل السنة والجماعة: لا يحددون كيفية صفات الله – جل وعلا – لأنه ﵎ لم يخبر عن الكيفية، ولأنه لا أحد أعلم من الله سبحانه بنفسه، قال تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ [البقرة:١٤٠] وقال تعالى: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:٧٤] ولا أحد أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي قال الله ﵎ في حقه: وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم:٤] وأهل السنة والجماعة: يؤمنون أن الله – ﷾ – هو الأول ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، كما قال سبحانه: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:٣] وكما أن ذاته - ﷾ - لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له ولا ند له، ولا يقاس بخلقه؛ فيثبتون لله ما أثبته لنفسه إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل؛ فحين يثبتون لله ما أثبته لنفسه لا يمثلون، وإذا نزهوه لا يعطلون الصفات التي وصف نفسه بها، وأنه تعالى محيط بكل شيء، وخالق كل شيء، ورازق كل حي، قال الله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤] وقال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:٥٨] ويؤمنون بأن الله تعالى استوى على العرش فوق سبع سموات بائن من خلقه، أحاط بكل شيء علمًا، كما أخبر عن نفسه في كتابه العزيز في سبع آيات كريمات بلا تكييف قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] وقال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:٥٤] وقال: أَأَمِنتُم مَّنْ فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:١٧] وقال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:١٠] وقال: يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ [النحل:٥٠] وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟» (١)\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤). من حديث أبو سعيد الخدري ﵁ ..","vol":"1","page":375},{"text":"وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن الكرسي والعرش حق قال تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:٢٥٥] والعرش لا يقدر قدره إلا الله، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في فلاة وسع السماوات والأرض، والله مستغن عن العرش والكرسي، ولم يستو على العرش لاحتياجه إليه؛ بل لحكمة يعلمها، وهو منزه عن أن يحتاج إلى العرش أو ما دونه، فشأن الله ﵎ أعظم من ذلك؛ بل العرش والكرسي محمولان بقدرته وسلطانه وأن الله تعالى خلق آدم – ﵇ – بيديه، وأن كلتا يديه يمين ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء كما وصف نفسه سبحانه فقال: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة:٦٤] وقال: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥] وأهل السنة والجماعة: يثبتون لله سمعًا، وبصرًا، وعلمًا، وقدرة، وقوة، وعزًا، وكلامًا وحياة، وقدمًا وساقًا، ويدًا، ومعية وغيرها من صفاته – ﷿ – التي وصف بها نفسه في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها؛ لأنه تعالى لم يخبرنا عن الكيفية، قال تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:٤٦] وقال: وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم:٢] وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:١٦٤] وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:٢٧] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [البينة:٨] يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤] فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:٥٥] يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:٤٢] اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:٢٥٥] غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المجادلة:١٤] وغيرها من آيات الصفات وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٣] وسوف يرونه كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» (١) وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل نزولًا حقيقيًا يليق بجلاله وعظمته قال النبي ﷺ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟» (٢)\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣). من حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا عند النبى ﷺ فنظر إلى القمر ليلة -يعنى البدر- فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته،. ..)\n(٢) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁ ..","vol":"1","page":376},{"text":"ويؤمنون بأنه تعالى يجيء يوم الميعاد للفصل بين العباد، مجيئًا حقيقيًا يليق بجلاله، قال ﷾: كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:٢١ - ٢٢] وقوله: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ [البقرة: ٢١٠] فمنهج أهل السنة والجماعة في كل ذلك الإيمان الكامل بما أخبر به الله تعالى، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتسليم به؛ كما قال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم وكما قال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: (كل ما وصف الله تعالى به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف، ولا مثل) وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله) وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية، فقالوا: (أمروها كما جاءت بلا كيف) وقال الإمام مالك بن أنس – إمام دار الهجرة – ﵀: إياكم والبدع قيل: وما البدع؟ قال: أهل البدع هم الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسأله رجل عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالًا، وأمر به أن يخرج من المجلس وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء؛ بل يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئًا؛ تبارك الله تعالى رب العالمين ولما سئل – ﵀ – عن صفة النزول، فقال: ينزل بلا كيف. وقال الحافظ الإمام نعيم بن حماد الخزاعي ﵀: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيها وقال بعض السلف: قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم لذا فإنه من سلك مسلك السلف في الحديث عن ذات الله تعالى وصفاته، يكون ملتزمًا بمنهج القرآن في أسماء الله وصفاته سواء كان السالك في عصر السلف، أو في العصور المتأخرة وكل من خالف السلف في منهجهم؛ فلا يكون ملتزمًا بمنهج القرآن، وإن كان موجودًا في عصر السلف، وبين أظهر الصحابة والتابعين الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص٥٥","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>المطلب الأول: العلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفة الله ﷾</span>\nوالإيمان بالأسماء والصفات يقوي اليقين بالله، وهو سبب لمعرفة الله، والعلم به، بل إن العلم بالله ومعرفة الله - جل وعلا - تكون بمعرفة أسمائه وصفاته، وبمعرفة آثار الأسماء والصفات في ملكوت الله جل وعلا التمهيد لشرح كتاب التوحيد لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ - ص ٤٣٧","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>المطلب الثاني: تزكية النفوس وإقامتها على منهج الله</span>\nأمَّا التزكية التي أثنى الله تعالى على أصحابها في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا [الشمس:٩] فالمراد بتزكية النفس هنا تطهيرُها بالأعمال الصالحة وترك الأعمال السيّئة، هذه تزكية النفس، شغلُها بالأعمال الصالحة وتجنيبُها للأعمال السيئة فهناك تزكيةٌ منهيٌّ عنها وهي: الإعجاب والمدح للنفس، وهناك تزكية مأمورٌ بها وهي الإصلاح والتوبة والعمل الصالح: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وتوعَّد الله الذين لا يزكون أنفسهم قال تعالى: وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت: ٦ - ٧] قال بعض المفسرين: المراد بالزّكاة هنا: تزكية النفس، لأن الآية مكية، والزكاة بالأموال لم تكن نزلت إلاّ في المدينة، وفي قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ [المؤمنون:٤] قالوا: والمراد بالزكاة هنا: زكاة النفس، لأنَّ الآية مكيّة- أيضًا-، فتزكية النفس بالأعمال الصالحة مطلوبة مأمور بها إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد لصالح بن فوزان الفوزان - ص٢٤٦","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>المطلب الثالث: العلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم</span>\nإن العلم بالله وأسمائه وصفاته أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم في هذا العلم هو الله ﷾ بأسمائه وصفاته وأفعاله، فالاشتغال بفهم هذا العلم، والبحث التام عنه، اشتغال بأعلى المطالب، وحصوله للعبد من أشرف المواهب، ولذلك بينه الرسول ﷺ غاية البيان، ولاهتمام الرسول ﷺ ببيانه لم يختلف فيه الصحابة رضي الله عليهم كما اختلفوا في الأحكام تفسير أسماء الله الحسنى لعبدالرحمن السعدي - ص٦ - ٨","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>المطلب الرابع: العلم بأسماء الله وصفاته أصل للعلم بكل ما سواه</span>\nإحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقا له تعالى أو أمرا إما علم بما كونه أو علم بما شرعه ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده فوجود من سواه تابع لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى ولهذا لا تجد فيها خللا ولا تفاوتا لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله إما أن يكون لجهله به أو لعدم حكمته وأما الرب تعالى فهو العليم الحكيم فلا يلحق فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض بدائع الفوائد لمحمد بن أبي بكرابن قيم الجوزية - ١/ ١٧٠","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>المطلب الخامس: العلم بأسماء الله وصفاته من أسباب زيادة الإيمان</span>\nإن الإيمان بأسماء الله الحسنى ومعرفتها يتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي روح الإيمان ورَوحه (الروح: هو الفرح، والاستراحة من غم القلب)، وأصله وغايته، فكلما زاد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه وقوي يقينه التوضيح والبيان لشجرة الإيمان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي - ص٤١","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>تمهيد:</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ: «لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحدة لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» (١).\nوفي رواية: «من أحصاها دخل الجنة» (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧).\n(٢) رواه البخاري (٧٣٩٢)، ومسلم (٢٦٣٦).","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>المسألة الأولى: هل المراد بالحديث حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد</span>؟\n«لله تسعة وتسعون اسمًا مائة إلا واحدة» هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد، أو أنها أكثر من ذلك، ولكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة؟\nفذهب جمهور العلماء إلى الثاني، ونقل النووي اتفاق العلماء عليه، وقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث: أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء.\nوقال أبو سليمان حمد الخطابي: إنما هو بمنزلة قولك إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وكقولك: إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أرصده عمرو من الثياب للخلع مائة، والذي يدل على صحة هذا التأويل حديث عبد الله بن مسعود وقد ذكره محمد بن إسحاق بن خزيمة في المأثور:\nأن النبي ﷺ كان يدعو: «اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك .. إلخ» (١). فهذا يدلك على أن لله أسماء لم ينزلها في كتابه، حجبها عن خلقه، ولم يظهرها لهم. اهـ (٢).\nوقال شيخ الإسلام كما في (مجموع الفتاوى) (٦/ ٣٨١) بعد نقله كلام الخطابي: وأيضًا فقوله: «إن لله تسعة وتسعون» تقيده بهذا العدد، بمنزلة قوله تعالى: تِسْعَةَ عَشَرَ فلما استقلوهم قال: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ [المدثر: ٣١]. فأن لا يعلم أسماءه إلا هو أولى اهـ.\nوقال في (درء تعارض العقل والنقل) (٣/ ٣٣٢) والصواب الذي عليه الجمهور أن قول النبي ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» (٣) معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا، ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود السابق (٤).\nوقال: وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخط، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٥).\nفأخبر أنه ﷺ لا يحصى ثناء عليه، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصى الثناء عليه لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٩١) (٣٧١٢) والطبراني (١٠/ ١٦٩) وابن حبان (٣/ ٢٥٣) والحاكم (١/ ٦٩٠). من حديث ابن مسعود ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٨٩): رجاله رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان، وصححه ابن القيم في «شفاء العليل» (٢/ ٧٤٩) وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢٦٧» إسناده صحيح، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٩).\n(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٢٤).\n(٣) رواه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧).\n(٤) الحديث رواه أحمد (١/ ٣٩١) (٣٧١٢) والطبراني (١٠/ ١٦٩) وابن حبان (٣/ ٢٥٣) والحاكم (١/ ٦٩٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٨٩): رجاله رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان، وصححه ابن القيم في «شفاء العليل» (٢/ ٧٤٩) وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢٦٧» إسناده صحيح، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٩).\n(٥) رواه مسلم (٤٨٦). من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":384},{"text":"وخالف ابن حزم ههنا، فذهب إلى الحصر في العدد المذكور، ورد عليه الحافظ ابن حجر في الفتح فقال: وابن حزم ممن ذهب إلى الحصر في العدد المذكور، وهو لا يقول بالمفهوم أصلًا، ولكنه احتج بالتأكيد في قوله ﷺ: «مائة إلا واحدًا» قال: لإنه لو جاز أن يكون له اسم زائد على العدد المذكور، لزم أن يكون له مائة، فيبطل قوله: «مائة إلا واحدًا».\nقال الحافظ: وهذا الذي قاله ليس بحجة على ما تقدم، لأن الحصر المذكور عندهم باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، فمن ادعى أن الوعد وقع لمن أحصى زائدًا على ذلك أخطأ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم زائد. اهـ (١).\nوقد تكلم العلماء – ومنهم الرازي في شرح الأسماء - عن سر هذا العدد المخصوص بكلام كثير (٢)، والذي نراه أن تفويض علمه لله أقرب إلى الصواب، لأن الله لم يطلعنا على حكمة ذلك، فهو كأعداد الصلوات، والله تعالى أعلم. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود- ص ٤٣\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: أسماء الله ليست محصورة بعدد معين، والدليل على ذلك قوله ﷺ في حديث ابن مسعود الحديث الصحيح المشهور: «اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك – إلى أن قال: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (٣)، وما أستأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أن يُعلَم به، وما ليس بمعلوم فليس بمحصور وأما قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» (٤)، فليس معناه أنه ليس له إلا هذه الأسماء، لكن معناه أن مَن أحصى من أسمائه هذه التسعة والتسعين فإنه يدخل الجنة، فقوله: «من أحصاها» تكميل للجملة الأولى، وليست استئنافية منفصلة، ونظير هذا قول القائل: عندي مئة فرس أعددتها للجهاد في سبيل الله، فليس معناه أنه ليس عنده إلا هذه المئة بل معناه أن هذه المئة مُعدَّة لهذا الشيء القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٢/ ٣٥٤\n_________\n(١) «فتح الباري» (١١/ ٢٢١).\n(٢) «تفسير الرازي» (ص: ٢٠٩٢).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٣٩١) (٣٧١٢)، وأبو يعلى في «المسند» (٩/ ١٩٨)، وابن حبان (٣/ ٢٥٣)، والطبراني (١٠/ ١٦٩) والحاكم (١/ ٦٩٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه فإنه مختلف في سماعه عن أبيه. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٣٦): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار إلا أنه قال: «وذهاب غمي» مكان «همي» والطبراني ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان. وقال ابن القيم في (شفاء العليل) (٢/ ٧٤٩): صحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢٦٧): إسناده صحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٩): صحيح.\n(٤) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>المسألة الثانية: معنى إحصاء أسماء الله</span>\nمعنى قوله «من أحصاها» وهو يحتمل وجوها:\n- أن يعدها حتى يستوفيها حفظًا، ويدعو ربه بها، ويثني عليه بجميعها، كقوله تعالى: لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: ٢٨]. واستدل له الخطابي بقوله ﷺ – كما في الرواية الأخرى – «من حفظها دخل الجنة» (١) (٢).\nوقال النووي: قال البخاري وغيره من المحققين: معناه حفظها، وهذا هو الأظهر لثبوته نصًا في الخبر.\nوقال في الأذكار: وهو قول الأكثرين (٣).\nوقال ابن الجوزي: لما ثبت في بعض طرق الحديث «من حفظها» بدل «من أحصاها»، اخترنا أن المراد (العد) أي: من عدها ليستوفيها حفظًا.\nورد هذا القول الحافظ فقال: وفيه نظر، لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ «حفظها» تعيين السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل الحفظ المعنوي.\nوقال الأصيلي: ليس المراد بالإحصاء عدها فقط، لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العلم بها.\nوكذا قال أبو نعيم الأصبهاني وابن عطية (٤).\n- أن يكون المراد بالإحصاء (الإطاقة)، كقوله تعالى: عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ [المزمل: ٢٠] أي لن تطيقوه، وكقول النبي ﷺ «استقيموا ولن تحصوا ..» (٥). أي: لن تبلغوا كل الاستقامة.\nفيكون المعنى: أن يطبق الأسماء الحسنى ويحسن المراعاة لها، وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بواجبها.\nفإذا قال: يا رحمن يا رحيم، تذكر صفة الرحمة، واعتقد أنها من صفات الله سبحانه، فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته.\nوإذا قال: (السميع البصير) علم أنه يراه ويسمعه، وأنه لا تخفى عليه خافية، فيخافه في سره، وعلنه، ويراقبه في كافة أحواله.\nوإذا قال: (الرزاق) اعتقد أنه المتكفل برزقه يسوقه إليه في وقته، فيثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له سواه .. إلخ (٦).\nوقال أبو عمر الطلمنكي: من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله ﷺ، المعرفة بالأسماء والصفات، وما تتضمن من الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالمًا لمعاني الأسماء، ولا مستفيدًا بذكرها ما تدل عليه من المعاني اهـ (٧).\n- أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة، فيكون معناه أن من عرفها، وعقل معانيها، وآمن بها دخل الجنة، وهو مأخوذ من الحصاة وهي العقل، والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي: ذو عقل، ومعرفة بالأمور (٨).\nقال القرطبي: المرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «شأن الدعاء» (٢٦).\n(٣) «الأذكار» (٦٤).\n(٤) «الفتح» (١١/ ٢٢٦).\n(٥) رواه ابن ماجه (٢٢٦)، وأحمد (٥/ ٢٧٦) (٢٢٤٣٢)، والدارمى (١/ ١٧٤) (٦٥٥)، وابن حبان (٣/ ٣١١) (١٠٣٧)، والطبراني (٢/ ١٠١) (١٤٤٤)، والحاكم (٤٤٧)، والبيهقي (١/ ٨٢) (٣٨٩). من حديث ثوبان ﵁. قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٤٧): هذا الحديث رجاله ثقات أثبات، إلا أنه منقطع بين سالم وثوبان، فإنه لم يسمع منه بلا خلاف، لكن له طرق أخرى متصلة، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ١٣٠): إسناده صحيح، وجوّد إسناده النووي في «المجموع» (٢/ ٤)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١٨١) كما قال في المقدمة.\n(٦) «شأن الدعاء» ص (٢٧ - ٢٨) «الفتح» (١١/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\n(٧) «الفتح» (١١/ ٢٢٦).\n(٨) «شأن الدعاء» ص (٢٨ - ٢٩) «الفتح» (١١/ ٢٢٥).","vol":"1","page":386},{"text":"وهذه المراتب الثلاثة للسابقين، والصديقين، وأصحاب اليمين اهـ (١).\nد – أن يكون معنى الحديث أن يقرأ القرآن حتى يختمه فيستوفي هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة، فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنة. (٢)\nقلت: لكن قد يفوته بعض الأسماء الواردة بالأحاديث النبوية الزائدة على القرآن.\n- طعن أبو زيد البلخي في صحة الخبر بأن دخول الجنة ثبت في القرآن مشروطًا ببذل النفس والمال، فكيف يحصل بمجرد حفظ ألفاظ تعد في أيسر مدة؟\nقال الحافظ:\nوتعقب بأن الشرط المذكور ليس مطردًا ولا حصر فيه، بل قد تحصل الجنة بغير ذلك، كما ورد في كثير من الأعمال غير الجهاد إن فاعله يدخل الجنة. وأما دعوى أن حفظها يحصل في أيسر مدة فإنما يرد على من حمل (الحفظ والإحصاء) على معنى أن يسردها عن ظهر قلب، فأما من أوله على بعض الوجوه المتقدمة فإنه يكون في غاية المشقة. ويمكن الجواب عن الأول بأن الفضل واسع اهـ. (٣).\nوقد ذكر الرازي أن من أخذ هذا الحديث دون الزيادة التي فيها تفصيل الأسماء كان المراد بقوله (من أحصاها) أي من طلبها في القرآن، وفي جملة الأحاديث الصحيحة حتى يلتقط منها تلك الأسماء التسعة والتسعين، ومعلوم أن ذلك مما لا يمكن تحصيله إلا بعد تحصيل علم الأصول والفروع حتى يقدر على التقاط هذه الأسماء من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ومعلوم أن من حصل هذه العلوم، واجتهد حتى بلغ درجة يمكنه معها التقاط هذه الأسماء من الكتاب والسنة فقد بلغ الغاية القصوى في العبودية (٤) اهـ باختصار.\n- قوله: (وهو وتر يحب الوتر).\nالوتر: هو الفرد، ومعناه في صفة الله جل وعلا الواحد الذي لا شريك له، ولا نظير له، المتفرد عن خلقه، البائن منهم بذاته وصفاته، فهو سبحانه وتر.\nوجميع خلقه شفع، خلقوا أزواجًا. قال سبحانه: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩].\nفالمراد أن الله يحب الوتر من كل شيء، وإن تعدد ما فيه الوتر، ولذلك أمر بالوتر في كثير من الأعمال والطاعات كما في الصلوات الخمس، ووتر الليل، وأعداد الطهارة، وتكفين الميت. وفي كثير من المخلوقات كالسموات والأرض (٥). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود- ص ٤٦\nوقال الشيخ ابن عثيمين – ﵀ – في معنى الإحصاء:\n١ - الإحاطة بها لفظًا ومعنى.\n٢ - دعاء الله بها، لقوله تعالى: فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠]، وذلك بأن تجعلها وسيلة لك عند الدعاء، فتقول: يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم! وما أشبه ذلك\n٣ - أن تتعبد لله بمقتضاها، فإذا علمت أنه رحيم تتعرض لرحمته، وإذا علمت أنه غفور تتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه سميع اتقيت القول الذي يغضبه، وإذا علمت أنه بصير اجتنبت الفعل الذي لا يرضاه القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٣/ ٩٠\nوقال أيضًا: أما قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» (٦)، فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: (إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة) أو نحو ذلك إذن فمعنى الحديث: أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا فيكون قوله: (من أحصاها دخل الجنة) جملة مكملة لما قبلها، وليست مستقلة، ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة ولم يصح عن النبي ﷺ تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف قال شيخ الإسلام ابن تيميه في (الفتاوى) ص ٣٨٣ جـ٦ من \"مجموع ابن قاسم\": تعيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتفاق أهل المعرفة بحديثه، وقال قبل ذلك ص ٣٧٩: إن الوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه اهـ وقال ابن حجر في (فتح الباري) ص٢١٥ جـ١١ ط السلفية: ليست العلة عند الشيخين (البخاري ومسلم)، تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب، وتدليسه واحتمال الإدراج اهـ ولما لم يصح تعيينها عن النبي ﷺ اختلف السلف فيه، وروي عنهم في ذلك أنواع القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص١٧\n_________\n(١) «الفتح» (١١/ ٢٢٥).\n(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٢٩) وانظر فيما سبق أيضًا «تفسير الأسماء» للزجاج ص (٢٢ - ٢٤) والرازي في «شرح الأسماء» (ص: ٨١ - ٨٢).\n(٣) «الفتح» (١١/ ٢٢٧).\n(٤) «شرح الأسماء للرازي» (٨٢).\n(٥) «الفتح» (١١/ ٢٢٧).\n(٦) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>المسألة الثالثة: ضعف الطرق التي فيها سرد الأسماء</span>\nالأولى: ما أخرجه الترمذي (٣٥٧٤)، وابن حبان (٢٣٨٤)، والحاكم (١/ ١٦)، والبيهقي في (السنن) (١٠/ ٢٧)، وفي (الأسماء والصفات) (ص١٥ – ١٦)، وفي (الاعتقاد) (ص٥٠)، والبغوي في (شرح السنة) (٥/ ٣٢)، كلهم من طريق الوليد بن مسلم أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعون اسمًا مائة غير واحدة من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس ..» (١). قال الترمذي عقب الحديث: (هذا حديث غريب، حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان ابن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، ولا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث، وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح) اهـ.\nولم ينفرد به صفوان بن صالح كما قال الترمذي، فقد أخرجه البيهقي في (الأسماء) (ص ١٥) من طريق موسى بن أيوب النصيبي، وهو ثقة عن الوليد بن مسلم.\nوهذه الطريق هي أحسن الطرق على ضعف فيها كما سيأتي بيانه.\nالثانية: ما أخرجه ابن ماجه (٣٨٦١) من طريق عبد الملك ابن محمد الصنعاني ثنا زهير بن محمد التميمي ثنا موسى بن عقبة حدثني عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة به مع اختلاف في سرد الأسماء ونقص وتقديم وتأخير.\nقال البوصيري في (الزوائد): لم يخرج أحد من الأئمة الستة عدد أسماء الله الحسنى من هذا الوجه ولا من غيره غير ابن ماجه، والترمذي، مع تقديم وتأخير، وطريق الترمذي أصح شيء في الباب.\nقال: وإسناد طريق بن ماجه ضعيف لضعف عبد الملك بن محمد. اهـ.\nقلت: عبد الملك بن محمد هو الحميري البرسمي قال فيه الحافظ: لين الحديث.\nالثالثة: أخرجها الحاكم (١/ ١٧) والبيهقي في (الأسماء) (ص: ١٨ - ١٩) وفي (الاعتقاد) (ص٥١) من طريق خالد بن مخلد القطواني ثنا عبد العزيز بن حصين بن الترجمان ثنا أيوب السختياني وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ به.\nقال الحاكم: (عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ثقة وإن لم يخرجاه).\nفتعقبه الذهبي بقوله: (بل ضعفوه).\nوقد ذكر من ضعفه في (الميزان) (٢/ ٦٢٧): (قال البخاري ليس بالقوي عندهم، وقال ابن معين ضعيف، وقال مسلم: ذاهب الحديث، وقال ابن عدي: الضعف على رواياته بين).\nوقال البيهقي في (الأسماء) (ص١٩): (ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة، وكذلك في حديث الوليد بن مسلم، ولهذا الاحتمال ترك البخاري ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح) اهـ.\nونقل الحافظ في (التلخيص) (٤/ ١٧٣) عن ابن العربي قوله: (لا نعلم هل تفسير هذا الأسامي في الحديث أو من قول الراوي).\n_________\n(١) قال الترمذي: غريب، وقال ابن حجر في «تخريج حديث الأسماء» (١/ ٤٥): [له متابعة].","vol":"1","page":388},{"text":"وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية – ﵀ – كما في (مجموع الفتاوى) (٦/ ٣٧٩): (فالحديث الذي فيه ذكر ذلك (أي الأسماء الحسنى) هو حديث الترمذي روى الأسماء الحسنى في (جامعه) من حديث الوليد بن مسلم عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ورواها ابن ماجه في سننه من طريق مخلد بن زياد القطواني عن هشام بن حسان بن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين ليستا من كلام النبي ﷺ، وإنما كل منهما من كلام بعض السلف، فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه). (وانظر مجموع الفتاوى ٨/ ٩٦ - ٩٧ و٢٢/ ٤٨٢).\nوقال ابن كثير في (التفسير) (٢/ ٢٦٩):) والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك.\nأي أنهم جمعوها من القرآن، كما روى عن جعفر بن محمد، وسفيان بن عيينة، وأبو زيد اللغوي والله أعلم) اهـ.\nوقال الحافظ في (الفتح) (١١/ ٢١٥): واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر عن بعض الرواة، فمشى كثير منهم على الأول، واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم، لأن كثيرًا من هذه الأسماء كذلك، وذهب آخرون إلى أن التعيين مدرج لخلو أكثر الروايات عنه، ونقله عبد العزيز النخشبي عن كثير من العلماء.\nثم نقل عن الحاكم قوله: (إن العلة فيه مجرد تفرد الوليد بن مسلم، وأنه أوثق ممن رواه بدون ذكر الأسماء).\nورد عليه الحافظ بقوله: (وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه، والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج) اهـ.\nوقد نقل الحافظ ما يدل على الإدراج، وهو ما أخرجه عثمان الدارمي في (النقض على المريسي) عن هشام بن عمار عن الوليد فقال عن خليد بن دعلج عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فذكره بدون التعيين، قال الوليد: وحدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك وقال: (كلها في القرآن (هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) وسرد الأسماء).\nوأخرجه أبو الشيخ بن حيان من رواية أبي عامر القرشي عن الوليد بن مسلم بسند آخر فقال: حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة، قال زهير: (فبلغنا أن غير واحد من أهل العلم قال أو أولها أن تفتتح بلا إله إلا الله وسرد الأسماء) اهـ.\nوهذه الرواية هي رواية ابن ماجه السابقة، ولكن وقع فيها سرد الأسماء أولًا ثم بعد أن انتهى سردها، قال زهير: (فبلغنا من غير واحد من أهل العلم، أن أولها يفتح بقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى).\nقال الحافظ: (والوليد بن مسلم أوثق من عبد الملك الصنعاني، ورواية الوليد تشعر بأن التعيين مدرج) اهـ.\nقلت: بل عبد الملك لين الحديث كما نقلنا آنفًا من قول الحافظ نفسه!\nوقال في (بلوغ المرام) (ص٢٥٤): (والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة) اهـ.\nوقال الصنعاني في (سبل السلام) (٤/ ١٠٨): (اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة) اهـ.\nخلاصة القول أن هذه الزيادة مدرجة في الحديث ولا يصح رفعها. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٥٠","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>المطلب السابع: تعظيم الله وتمجيده ودعاؤه بأسمائه وصفاته</span>\nقوله: فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠] الدعاء هو السؤال، والدعاء قد يكون بلسان المقال، مثل: اللهم اغفر لي يا غفور وهكذا، أو بلسان الحال وذلك بالتعبد له، ولهذا قال العلماء: إن الدعاء دعاء مسألة ودعاء عبادة، لأن حقيقة الأمر أن المتعبد يرجو بلسان حاله رحمة الله ويخاف عقابه والأمر بدعاء الله بها يتضمن الأمر بمعرفتها، لأن لا يمكن دعاء الله بها إلا بعد معرفتها وهذا خلافًا لما قاله بعض المداهنين في وقتنا الحاضر: إن البحث في الأسماء والصفات لا فائدة فيه ولا حاجة إليه أيريدون أن يعبدوا شيئًا لا أسماء له ولا صفات! أم يريدون أن يداهنوا هؤلاء المحرفين حتى لا يحصل جدل ولا مناظرة معهم، وهذا مبدأ خطير أن يقال للناس لا تبحثوا في الأسماء والصفات، مع أن الله أمرنا بدعائه بها، والأمر للوجوب، ويقتضي وجوب علمنا بأسماء الله، ومعلوم أيضًا أننا لا نعلمها أسماء مجردة عن المعاني، بل لابد أن لها معاني فلا بد أن نبحث فيها، لأن علمها ألفاظًا مجردة لا فائدة فيه، وإن قدر أن فيه فائدة بالتعبد باللفظ، فإنه لا يحصل به كمال الفائدة واعلم أن دعاء الله بأسمائه له معنيان: الأول: دعاء العبادة، وذلك بأن تتعبد لله بما تقتضيه تلك الأسماء، ويطلق على الدعاء عبادة، قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر:٦٠]، ولم يقل: عن دعائي، فدل على أن الدعاء عبادة فمثلًا الرحيم يدل على الرحمة، وحينئذ تتطلع إلى أسباب الرحمة وتفعلها والغفور يدل على المغفرة، وحينئذ تتعرض لمغفرة الله ﷿ بكثرة التوبة والاستغفار كذلك وما أشبه ذلك والقريب: يقتضي أن تتعرض إلى القرب منه بالصلاة وغيرها، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد والسميع: يقتضي أن تتعبد لله بمقتضي السمع، بحيث لا تسمع الله قولًا يغضبه ولا يرضاه منك والبصير: يقتضي أن تتعبد لله بمقتضي ذلك البصر بحيث لا يرى منك فعلًا يكرهه منك الثاني: دعاء المسألة، وهو أن تقدمها بين يدي سؤالك متوسلًا بها إلى الله تعالى مثلًا: يا حي، يا قيوم اغفر لي وارحمني، وقال ﷺ: «فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (١)، والإنسان إذا دعا وعلل، فقد أثنى على ربه بهذا الاسم طالبًا أن يكون سببًا للإجابة، والتوسل بصفة المدعو المحبوبة له سبب للإجابة، فالثناء على الله بأسمائه من أسباب الإجابة القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٣/ ٩٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥). من حديث أبي بكر الصديق ﵁.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>المطلب الثامن: العلم بأسماء الله وصفاته دليل على كماله ﷾ في تشريعه للأحكام</span>\nعن ابن عمر ﵄ مرفوعا «إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السماء بيمينه» (١) وأخرجه مسلم من حديث عبيد الله بن مقسم قلت: وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله وعظيم قدرته وعظم مخلوقاته وقد تعرف ﷾ إلى عباده بصفاته وعجائب مخلوقاته، وكلها تعرف وتدل على كماله، وأنه هو المعبود لا شريك له في ربوبيته وإلهيته وتدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم على الإسلام والإيمان وتأمل ما في هذه الأحاديث الصحيحة من تعظيم النبي ﷺ ربه بذكر صفات كماله على ما يليق بعظمته وجلاله وتصديقه اليهود فيما أخبروا به عن الله من الصفات التي تدل على عظمته فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - ص٥٠٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤١٢) بلفظ «الأرض»، ومسلم (٢٧٨٧) بلفظ «الأرض» وبلفظ «يطوي». وذكره ابن كثير بهذا اللفظ في «تفسير القرآن العظيم» (٥/ ٣٨٢) وقال: انفرد به من هذا الوجه البخاري.","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>المطلب التاسع: التعبد بمقتضى أسماء الله</span>\nالتعبد لله بمقتضاها، ولذلك وجهان: الوجه الأول: أن تدعو الله بها، لقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠] بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، فعند سؤال المغفرة تقول: يا غفور! وليس من المناسب أن تقول: يا شديد العقاب اغفر لي، بل هذا يشبه الاستهزاء، بل تقول: أجرني من عقابك\nالوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء، فمقتضى الرحيم الرحمة، فاعمل الصالح الذي يكون جالبًا لرحمة الله، ومقتضي الغفور المغفرة، إذًا افعل ما يكون سببًا في مغفرة ذنوبك، هذا هو معني إحصائها، فإذا كان كذلك، فهو جدير لأن يكون ثمنًا لدخول الجنة، وهذا الثمن ليس على وجه المقابلة، ولكن على وجه السبب، لأن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة وليست بدلًا، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قوله «لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة» (١) القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٣/ ١٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٦٧)، ومسلم (٢٨١٦). من حديث أبي هريرة ﵁. وروي من طرقٍ عن عائشة وعن أبي سعيد الخدري ﵄.","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>المطلب الأول: معنى الاسم والصفة والفرق بينهما</span>\nالاسم: (هو ما دل على معنى في نفسه) (١)، و(أسماء الأشياء هي الألفاظ الدالة عليها) (٢)، (وقيل: الاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل) (٣)\nالصفة: (هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يُعرف بها) (٤)، (وهي ما وقع الوصف مشتقًا منها، وهو دالٌ عليها، وذلك مثل العلم والقدرة ونحوه) (٥)\nوقال ابن فارس: (الصفة: الأمارة اللازمة للشيء) (٦)، وقال: (النعت: وصفك الشيء بما فيه من حسن) (٧)\nالفرق بين الاسم والصفة:\nسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية عن الفرق بين الاسم والصفة؟ فأجابت بما يلي:\n(أسماء الله كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به؛ مثل: القادر، العليم، الحكيم، السميع، البصير؛ فإن هذه الأسماء دلَّت على ذات الله، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر، أما الصفات؛ فهي نعوت الكمال القائمة بالذات؛ كالعلم والحكمة والسمع والبصر؛ فالاسم دل على أمرين، والصفة دلت على أمر واحد، ويقال: الاسم متضمن للصفة، والصفة مستلزمة للاسم) (٨)\nولمعرفة ما يُميِّز الاسم عن الصفة، والصفة عن الاسم أمور، منها:\nأولًا: (أن الأسماء يشتق منها صفات، أما الصفات؛ فلا يشتق منها أسماء، فنشتق من أسماء الله الرحيم والقادر والعظيم، صفات الرحمة والقدرة والعظمة، لكن لا نشتق من صفات الإرادة والمجيء والمكر اسم المريد والجائي والماكر)\nفأسماؤه ﷾ أوصاف؛ كما قال ابن القيم في (النونية):\nأسماؤُهُ أوْصافُ مَدْحٍ كُلُّها\nمُشْتَقَّةٌ قَدْ حُمِّلَتْ لِمَعان\nثانيًا: (أن الاسم لا يُشتق من أفعال الله؛ فلا نشتق من كونه يحب ويكره ويغضب اسم المحب والكاره والغاضب، أما صفاته؛ فتشتق من أفعاله فنثبت له صفة المحبة والكره والغضب ونحوها من تلك الأفعال، لذلك قيل: باب الصفات أوسع من باب الأسماء) (٩)\nثالثًا: أن أسماء الله ﷿ وصفاته تشترك في الاستعاذة بها والحلف بها، لكن تختلف في التعبد والدعاء، فيتعبد الله بأسمائه، فنقول: عبدالكريم، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، لكن لا يُتعبد بصفاته؛ فلا نقول: عبد الكرم، وعبد الرحمة، وعبد العزة؛ كما أنه يُدعى اللهُ بأسمائه، فنقول: يا رحيم! ارحمنا، ويا كريم! أكرمنا، ويا لطيف! ألطف بنا، لكن لا ندعو صفاته فنقول: يا رحمة الله! ارحمينا، أو: يا كرم الله! أو: يا لطف الله! ذلك أن الصفة ليست هي الموصوف؛ فالرحمة ليست هي الله، بل هي صفةٌ لله، وكذلك العزة، وغيرها؛ فهذه صفات لله، وليست هي الله، ولا يجوز التعبد إلا لله، ولا يجوز دعاء إلا الله؛ لقوله تعالى: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: ٥٥]، وقوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:٦٠] وغيرها من الآيات (١٠) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧\n_________\n(١) «التعريفات» للجرجاني (ص٢٤).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٩٥).\n(٣) «الكليات» لأبي البقاء الكفوي (ص ٨٣).\n(٤) «التعريفات» (ص ١٣٣).\n(٥) «الكليات» (ص٥٤٦) ويعني بالوصف هنا الاسم؛ فالعلم صفة، والعالم وصف دال عليها، والقدرة صفة، والقادر وصف دال عليها.\n(٦) «معجم مقاييس اللغة» (٥/ ٤٤٨).\n(٧) «معجم مقاييس اللغة» (٦/ ١١٥).\n(٨) «فتاوى اللجنة الدائمة» (٣/ ١١٦ - فتوى رقم ٨٩٤٢).\n(٩) انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٤١٥).\n(١٠) انظر: «فتاوى الشيخ ابن عثيمين» (١/ ٢٦ - ترتيب أشرف عبد المقصود)، وقد نسب هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية، لكن ينبغي هنا أن نفرق بين دعاء الصفة كما سبق وبين دعاء الله بصفة من صفاته؛ كأن تقول: اللهم ارحمنا برحمتك، فهذا لا بأس به. والله أعلم.","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>المطلب الثاني: اشتقاق أسماء الله وصفاته ودلالتها على الوصفية</span>\nوكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة وعلى الصفة التي تضمنها الاسم كالعليم يدل على الذات والعلم والقدير يدل على الذات والقدرة والرحيم يدل على الذات والرحمة ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون لا يقال هو حي ولا ليس بحي بل ينفون عنه النقيضين فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسما هو علم محض كالمضمرات وإنما ينكرون ما في أسمائه الحسنى من صفات الإثبات فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو في الظاهر موافقا لغلاة الباطنية في ذلك وليس هذا موضع بسط ذلك وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته وعلى ما في الاسم من صفاته ويدل أيضا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم وكذلك أسماء النبي مثل محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن والفرقان والهدى والشفاء والبيان والكتاب وأمثال ذلك مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١٣/ ٣٣٣\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل أسماء الله مشتقة أو جامدة -يعني: هل المراد بها الدلالة على الذات فقط، أو على الذات والصفة-؟\nالجواب: على الذات والصفة، أما أسماؤنا نحن، فيراد بها الدلالة على الذات فقط، فقد يسمى محمدًا وهو من أشد الناس ذمًا، وقد يسمى عبد الله وهو من أفجر عباد الله أما أسماء الله ﷿، وأسماء الرسول ﷺ، وأسماء القرآن، وأسماء اليوم الآخر، وما أشبه ذلك، فإنها أسماء متضمنة للأوصاف القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٣/ ١٥","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>المطلب الثالث: التفاضل بين الأسماء والصفات</span>\nوقول من قال صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك قول لا دليل عليه بل هو مورد النزاع ومن الذي جعل صفته التي هي الرحمة لا تفضل على صفته التي هي الغضب وقد ثبت عن النبي ﷺ إن الله كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبى وفي رواية تسبق غضبى وصفة الموصوف من العلم والإرادة والقدرة والكلام والرضا والغضب وغير ذلك من الصفات تتفاضل من وجهين:\nأحدهما: أن بعض الصفات أفضل من بعض وأدخل في كل الموصوف بها فإنا نعلم أن اتصاف العبد بالعلم والقدرة والرحمة أفضل من اتصافه بضد ذلك لكن الله تعالى لا يوصف بضد ذلك ولا يوصف إلا بصفات الكمال وله الأسماء الحسنى يدعى بها فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى وأسماؤه متضمنة لصفاته وبعض أسمائه أفضل من بعض وأدخل في كمال الموصوف بها ولهذا في الدعاء المأثور أسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر ولقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى وأمثال ذلك فتفاضل الأسماء والصفات من الأمور البينات والثاني: أن الصفة الواحدة قد تتفاضل فالأمر بمأمور يكون أكمل من الأمر بمأمور آخر والرضا عن النبيين أعظم من الرضا عمن دونهم والرحمة لهم أكمل من الرحمة لغيرهم وتكليم الله لبعض عباده أكمل من تكليمه لبعض وكذلك سائر هذا الباب وكما أن أسماءه وصفاته متنوعة فهي أيضا متفاضلة كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع مع العقل وإنما شبهة من منع تفاضلها من جنس شبهة من منع تعددها وذلك يرجع إلى نفي الصفات كما يقوله الجهمية لما ادعوه من التركيب. مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١٧/ ٢١١","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>المطلب الرابع: اقتضاء الصفات والأسماء لآثارهما</span>\nإن لكل صفة من الصفات العليا حكما ومقتضيات وأثرا هو مظهر كمالها وإن كانت كاملة في نفسها لكن ظهور آثارها وأحكامها من كمالها فلا يجوز تعطيله فإن صفة القادر تستدعي مقدورا وصفة الخالق تستدعي مخلوقا وصفة الوهاب الرازق المعطي المانع الضار النافع المقدم المؤخر المعز المذل العفو الرؤوف تستدعي آثارها وأحكامها فلو عطلت تلك الصفات عن المخلوق المرزوق المغفور له المرحوم المعفو عنه لم يظهر كمالها وكانت معطلة عن مقتضياتها وموجباتها فلو كان الخلق كلهم مطيعون عابدون حامدون لتعطل أثر كثير من الصفات العلى والأسماء الحسنى وكيف كان يظهر أثر صفة العفو والمغفرة والصفح والتجاوز والانتقام والعز والقهر والعدل والحكمة التي تنزل الأشياء منازلها وتضعها مواضعها فلو كان الخلق كلهم أمة واحدة لفاتت الحكم والآيات والعبر والغايات المحمودة في خلقهم على هذا الوجه وفات كمال الملك والتصرف فإن الملك إذا اقتصر تصرفه على مقدور واحد من مقدوراته فأما أن يكون عاجزا عن غيره فيتركه عجزا أو جاهلا بما في تصرفه في غيره من المصلحة فيتركه جهلا وأما أقدر القادرين وأعلم العالمين وأحكم الحاكمين فتصرفه في مملكته لا يقف على مقدور واحد لأن ذلك نقص في ملكه فالكمال كل الكمال في العطاء والمنع والخفض والرفع والثواب والعقاب والإكرام والإهانة والإعزاز والإذلال والتقديم والتأخير والضر والنفع وتخصيص هذا على هذا وإيثار هذا على هذا ولو فعل هذا كله بنوع واحد متماثل الأفراد لكان ذلك منافيا لحكمته وحكمته تأباه كل الآباء فإنه لا يفرق بين متماثلين ولا يسوي بين مختلفين وقد عاب على من يفعل ذلك وأنكر على من نسبه إليه والقرآن مملوء من عيبه على من يفعل ذلك فكيف يجعل له العبيد ما يكرهون ويضربون له مثل السوء وقد فطر الله عباده على إنكار ذلك من بعضهم على بعض وطعنهم على من يفعله وكيف يعيب الرب سبحانه من عباده شيئا ويتصف به وهو سبحانه إنما عابه لأنه نقص فهو أولى أن يتنزه عنه وإذا كان لا بد من ظهور آثار الأسماء والصفات ولا يمكن ظهور آثارها إلا في المتقابلات والمتضادات لم يكن في الحكمة بد من إيجادها إذ لو فقدت لتعطلت الأحكام بتلك الصفات وهو محال يوضحه شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لمحمد بن أبي بكرابن قيم الجوزية - ١/ ٢١٩","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>المطلب الخامس: اعتبارات إطلاق الأسماء</span>\n- امتناع إطلاق الأسماء على الله مع عدم ثبوت الصفة منها\nقال السفاريني –﵀- في شرحه لنطم الدرة المضيئة: (لكنها) أي الأسماء الحسنى (في) القول (الحق) المعتمد عند أهل الحق (توقيفية) بنص الشرع وورود السمع بها ومما يجب أن يعلم أن علماء السنة اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء الحسنى والصفات العلى على الباري - جل وعلا - إذا ورد بها الإذن من الشارع، وعلى امتناعه على ما ورد المنع عنه لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لمحمد بن أحمد السفاريني - ١/ ١٢٤\n- بيان أسمائه تعالى المضافة التي لا تطلق بغير إضافة\nمثل: أرحم الراحمين وخير الغافرين ورب العالمين ومالك يوم الدين وأحسن الخالقين وجامع الناس ليوم لا ريب فيه ومقلب القلوب وغير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة وثبت في الدعاء بها بإجماع المسلمين مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ٣٨٠","vol":"1","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>المبحث الخامس: أنواع المضاف إلى الله</span>\nالمضاف إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة سواء كانت إضافة اسم إلى اسم أو نسبة فعل إلى اسم أو خبر باسم عن اسم لا يخلو من ثلاثة أقسام:\nأحدها: إضافة الصفة إلى الموصوف: كقوله تعالى: وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ [البقرة:٢٥٥] وقوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:٥٨] وفى حديث الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك» (١) وفي الحديث الآخر: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق» (٢) فهذا في الإضافة الاسمية\nوأما بصيغة الفعل فكقوله: عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:١٨٧] وقوله: عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [المزمل:٢٠] وأما الخبر الذي هو جملة اسمية فمثل قوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:٢٨٢] وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:٢٨٤] وذلك لأن الكلام الذي توصف به الذوات إما جملة أو مفرد فالجملة: إما اسمية كقوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:٢٨٢] أو فعلية كقوله: عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ [المزمل:٢٠] أما المفرد فلابد فيه من إضافة الصفة لفظا أو معنى كقوله: بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ [البقرة:٢٥٥] وقوله: هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [القصص:٧٨] أو إضافة الموصوف كقوله: هُوَ الرَّزَّاقُ [الذاريات:٥٨]\nوالقسم الثاني: إضافة المخلوقات: كقوله نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس:١٣] وقوله وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج:٢٦] وقوله رَسُولَ اللَّهِ [النساء:١٥٧] وَعِبَادُ الرحمن [الفرقان:٦٣] وقوله ذو الْعَرْشِ [غافر:١٥] وقوله وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:٢٥٥] فهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق كما إن القسم الأول لم يختلف أهل السنة والجماعة في أنه قديم وغير مخلوق\nوقد خالفهم بعض أهل الكلام في ثبوت الصفات لا في أحكامها وخالفهم بعضهم في قدم العلم وأثبت بعضهم حدوثه وليس الغرض هنا تفصيل ذلك\nالثالث: وهو محل الكلام هنا ما فيه معنى الصفة والفعل: مثل قوله: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:١٦٤] وقوله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:٨٢] وقوله: قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي [الكهف:١٠٩] وقوله: يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح:١٥] وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ [البقرة:٧٥] وقوله: إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة:١] فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [هود:١٠٧] وقوله: فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ [البقرة:٩٠] وقوله: وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء:٩٣] وقوله: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:٥٥] وقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [محمد:٢٨] وقوله: رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [البينة:٨] وقوله: وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا [الأعراف:٢٣] وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ [المؤمنون:١١٨] وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ [البقرة:٢٨٦] وكذلك قوله: خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:١٦٤] لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥] وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:٥٤] وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:٢٢] هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ [البقرة:٢١٠] هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام:١٥٨] وفي الأحاديث شيء كثير كقوله في حديث الشفاعة: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» (٣) وقوله: «ضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة» (٤) وقوله: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» (٥) الحديث وأشباه هذا وهو باب واسع مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٦/ ١٤٤\n_________\n(١) رواه البخاري (١١٦٢). من حديث جابر بن عبد الله ﵁.\n(٢) رواه النسائي (٣/ ٥٤)، وأحمد (٤/ ٢٦٤) (١٨٣٥١)، وأبو يعلى (٣/ ١٩٥)، وابن حبان (٥/ ٣٠٤)، والحاكم (١/ ٧٠٥). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٧٧): رواه النسائي باختصار ...، رواه أبو يعلى ورجاله ثقات إلا أن عطاء بن السائب اختلط. وقال الألباني في «صحيح النسائي»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠) بلفظ «يضحك».\n(٥) رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>المبحث السادس: اتصافه تعالى بالأفعال في الأزل</span>\nفالصفات الذاتية هي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها وهي نوعان: معنوية وخبرية:\nفالمعنوية، مثل: الحياة، والعلم، القدرة، والحكمة وما أشبه ذلك، وهذا على سبيل التمثيل لا الحصر.\nوالخبرية، مثل: اليدين، والوجه، والعينين وما أشبه ذلك مما سماه، نظيره أبعاض وأجزاء لنا.\nفالله تعالى لم يزل له يدان ووجه وعينان لم يحدث له شيء من ذلك بعد أن لم يكن، ولن ينفك عن شيء منه، كما أن الله لم يزل حيًا ولا يزال حيًا، لم يزل عالمًا ولا يزال عالمًا، ولم يزل قادرًا ولا يزال قادرًا وهكذا، يعنى ليس حياته تتجدد، ولا قدرته تتجدد، ولا سمعه يتجدد بل هو موصوف بهذا أزلًا وأبدًا، وتجدد المسموع لا يستلزم تجدد السمع، فأنا مثلًا عندما أسمع الأذان الآن فهذا ليس معناه أنه حدث لي سمع جديد عند سماع الأذان بل هو منذ خلقه الله فيَّ لكن المسموع يتجدد وهذا لا أثر له في الصفة واصطلح العلماء ﵏ على أن يسموها الصفات الذاتية، قالوا: لأنها ملازمة للذات، لا تنفك عنها والصفات الفعلية هي الصفات المتعلقة بمشيئته، وهي نوعان: صفات لها سبب معلوم، مثل: الرضى، فالله ﷿ إذا وجد سبب الرضى، رضي، كما قال تعالى: إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:٧] وصفات ليس لها سبب معلوم، مثل: النزول إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ومن الصفات ما هو صفة ذاتية وفعلية باعتبارين، فالكلام صفة فعلية باعتبار آحاده لكن باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله لم يزل ولا يزال متكلمًا لكنه يتكلم بما شاء متى شاء اصطلح العلماء ﵏ أن يسموا هذه الصفات الصفات الفعلية، لأنها من فعله ﷾ ولها أدلة كثيرة من القرآن، مثل: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: من الآية١٥٨] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩]، وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُم [التوبة: ٤٦]، أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [المائدة: ٨٠] وليس في إثباتها لله تعالى نقص بوجه من الوجوه بل هذا من كماله أن يكون فاعلًا لما يريد وأولئك القوم المحرفون يقولون: إثباتها من النقص! ولهذا ينكرون جميع الصفات الفعلية، يقولون: لا يجيء ولا يرضى، ولا يسخط ولا يكره ولا يحب ينكرون كل هذه، بدعوى أن هذه حادثة والحادث لا يقوم إلا بحادث وهذا باطل، لأنه في مقابلة النص، وهو باطل بنفسه، فإنه لا يلزم من حدوث الفعل حدوث الفاعل شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٧٧","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>المطلب الأول: وجوب الإيمان والتسليم بما جاء في الكتاب والسنة في باب الأسماء والصفات</span>\nاتفق السلف على أنه يجب الإيمان بجميع الأسماء الحسنى، وما دلت عليه من الصفات، وما ينشأ عنها من الأفعال شرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل هراس – ص١٥٧\nاعلم يا أخي وفقنا الله وإياك أن الواجب على العبد ... الإيمان بالله وأسمائه وصفاته والتسليم لأقداره واليقين بعدله وحكمته والفرح بفضله ورحمته ونحن لا نعلم من حكمة الله وسائر أسمائه وصفاته إلا ما علمناه ولا يحيط بكنه شيء منها ونهايته إلا الذي اتصف بها وهو الله الذي لا إله إلا هو معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- ص٢٩٧","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>المسألة الأولى: حكم اشتقاق المصدر والفعل والإخبار بهما عن الله</span>\nإن الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل فيخبر به عنه فعلا ومصدرا ونحو السميع البصير القدير يطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو قَدْ سَمِعَ اللَّهُ [المجادلة:١] فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ [المرسلات:٢٣] هذا إن كان الفعل متعديا فإن كان لازما لم يخبر عنه به نحو الحي بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل فلا يقال حي بدائع الفوائد لمحمد بن أبي بكرابن قيم الجوزية - ١/ ١٧٠","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>المسألة الثانية: بيان عدم التلازم بين الإخبار بالفعل مقيدا والتسمية به</span>\nوأما صفة الكمال بقيد، فهذه لا يوصف الله بها على الإطلاق إلا مقيدًا، مثل: المكر، والخداع، والاستهزاء وما أشبه ذلك، فهذه الصفات كمال بقيد، إذا كانت في مقابلة من يفعلون ذلك، فهي كمال، وإن ذكرت مطلقة، فلا تصح بالنسبة لله ﷿، ولهذا لا يصح إطلاق وصفه بالماكر أو المستهزئ أو الخادع، بل تقيد فنقول: ماكر بالماكرين، مستهزئ بالمنافقين، خادع للمنافقين، كائد للكافرين، فتقيدها لأنها لم تأت إلا مقيدة شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١٤٢","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>المسألة الثالثة: بيان ما يوصف به الله تعالى من فعل لا يشتق منه اسم</span>\nأن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه بل يطلق عليه منها كمالها وهذا كالمريد والفاعل والصانع فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق بل هو الفعال لما يريد فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلا وخبرا ... أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى المضل الفاتن الماكر تعالى الله عن قوله فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمائها بدائع الفوائد لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية - ١/ ١٦٩","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>المطلب الثالث: حكم الألفاظ المجملة نفيا وإثباتا</span>\nوإذا كان المتكلم في مقام الإجابة لمن عارضه بالعقل وادعى أن العقل يعارض النصوص فإنه قد يحتاج إلى حل شبهته وبيان بطلانها فإذا أخذ النافي يذكر ألفاظا مجملة مثل أن يقول: لو كان فوق العرش لكان جسما أو لكان مركبا وهو منزه عن ذلك ولو كان له علم وقدرة لكان جسما وكان مركبا وهو منزه عن ذلك ولو خلق واستوى وأتى لكان تحله الحوادث وهو منزه عن ذلك ولو قامت به الصفات لحلته الأعراض وهو منزه عن ذلك فهنا يستفصل السائل ويقول له: ماذا تريد بهذه الألفاظ المجملة؟ فإن أراد بها حقا وباطلا قبل الحق ورد الباطل مثل أن يقول: أنا أريد بنفي الجسم نفي قيامه بنفسه وقيام الصفات به ونفي كونه مركبا فنقول: هو قائم بنفسه وله صفات قائمة به وأنت سميت هذا تجسيما لم يجز أن أدع الحق الذي دل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول لأجل تسميتك أنت له بهذا وأما قولك: ليس مركبا فإن أردت به أنه سبحانه ركبه مركب أو كان متفرقا فتركب وأنه يمكن تفرقه وانفصاله فالله تعالى منزه عن ذلك وإن أردت أنه موصوف بالصفات مباين للمخلوقات فهذا المعني حق ولا يجوز رده لأجل تسميتك له مركبا فهذا ونحوه مما يجاب به درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ١٣٣\nقال ابن أبي العز الحنفي –﵀-: وحول الحوادث بالرب تعالى، المنفي في علم الكلام المذموم، لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة، وفيه إجمال: فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة لشيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن - فهذا نفي صحيح وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية، من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته - فهذا نفي باطل وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث، فيسلم السني للمتكلم ذلك، على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل، وهو غير لازم له وإنما أتي السني من تسليم هذا النفي المجمل، وإلا فلو استفسر واستفصل لم ينقطع معه وكذلك مسألة الصفة: هل هي زائدة على الذات أم لا؟ لفظها مجمل، وكذلك لفظ الغير، فيه إجمال، فقد يراد به ما ليس هو إياه، وقد يراد به ما جاز مفارقته له ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره، ولا أنه ليس غيره لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو، إذا كان لفظ الغير فيه إجمال، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل: فإن أريد به أن هناك ذاتًا مجردة قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها - فهذا غير صحيح، وإن أريد به أن الصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة - فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها، وإنما يفرض الذهن ذاتًا وصفة، كلًا وحده، ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة، فإن هذا محال ولو لم يكن إلا صفة الوجود، فإنها لا تنفك عن الموجود، وإن كان الذهن يفرض ذاتًا ووجودًا، يتصور هذا وحده، وهذا وحده، لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج وقد يقول بعضهم: الصفة لا عين الموصوف ولا غيره هذا له معنى صحيح، وهو: أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها، وليست غير الموصوف، بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد فإذا قلت: أعوذ بالله فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه وإذا قلت: أعوذ بعزة الله، فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى، ولم أعذ بغير الله وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات، فإن ذات في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة، أي: ذات وجود، ذات قدرة، ذات عز، ذات علم، ذات كرم، إلى غير ذلك من الصفات فذات كذا بمعنى صاحبة كذا: تأنيث ذو هذا أصل معنى الكلمة، فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ١/ ٩٧","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>المطلب الرابع: أحكام التسلسل نفيًا وإثباتًا</span>\nوالتسلسل لفظ مجمل، لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ولا سنة، ليجب مراعاة لفظه، وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن: فالتسلسل في المؤثرين محال ممتنع لذاته، وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى غاية والتسلسل الواجب: ما دل عليه العقل والشرع، من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيمًا آخر لا نفاد له، وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر، فهذا واجب في كلامه، فإنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإن كل حي فعال، والفرق بين الحي والميت: الفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف: الحي الفعال، وقال عثمان بن سعيد: كل حي فعال، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلًا عن كماله، من الكلام والإرادة والفعل وأما التسلسل الممكن: فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما تتسلسل في طرف الأبد، فإنه إذا لم يزل حيًا قادرًا مريدًا متكلمًا، وذلك من لوازم ذاته - فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه، فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدمًا لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن قالوا: وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه، وكل من اعترف بأن الرب تعالى لم يزل قادرًا على الفعل لزمه أحد أمرين، لا بد له منهما: أما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنًا، وأما أن يقول لم يزل واقعًا، وإلا تناقض تناقضًا بينًا، حيث زعم أن الرب تعالى لم يزل قادرًا على الفعل، والفعل محال ممتنع لذاته، لو أراده لم يمكن وجوده، بل فرض إرادته عنده محال وهو مقدور له وهذا قول ينقض بعضه بعضًا والمقصود: أن الذي دل عليه الشرع والعقل، أن كل ما سوى الله تعالى محدث كائن بعد أن لم يكن أما كون الرب تعالى لم يزل معطلًا عن الفعل ثم فعل، فليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته، بل كلاهما يدل على نقيضه وقد أورد أبو المعالي في إرشاده وغيره من النظار على التسلسل في الماضي، فقالوا: إنك لو قلت: لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده درهمًا، كان هذا ممكنًا، ولو قلت: لا أعطيك درهمًا حتى أعطيك قبله درهمًا، كان هذا ممتنعًا وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة، بل الموازنة الصحيحة أن تقول: ما أعطيتك درهمًا إلا أعطيتك قبله درهمًا، فتجعل ماضيًا قبل ماض، كما جعلت هناك مستقبلًا بعد مستقبل وأما قول القائل: لا أعطيك حتى أعطيك قبله، فهو نفي للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله فقد نفى المستقبل حتى يوجد المستقبل، وهذا ممتنع أما نفي الماضي حتى يكون قبله ماض، فإن هذا ممكن والعطاء المستقبل ابتداؤه من المستقبل والمعطى الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله ما لا نهاية له، فإن ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ١/ ١٠٦","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>المطلب الأول: القاعدة الأولى الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته</span>\nوهي: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما وعلى هذا فما ورد إثباته لله تعالى من ذلك في الكتاب أو السنة وجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه، مع إثبات كمال ضده، وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه فلا يثبت ولا ينفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه وأما معناه فيفصل فيه، فإن أريد به حق يليق بالله تعالى فهو مقبول وإن أريد به معنى لا يليق بالله ﷿ وجب رده.\nفمما ورد إثباته لله تعالى: كل صفة دل عليها اسم من أسماء الله تعالى دلالة مطابقة، أو تضمن، أو التزام ومنه كل صفة دل عليها فعل من أفعاله كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم القيامة، ونحو ذلك من أفعاله التي لا تحصى أنواعها فضلًا عن أفرادها وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:٢٧] ومنه: الوجه، والعينان، واليدان ونحوها ومنه الكلام، والمشيئة، والإرادة بقسميها: الكوني، والشرعي فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة ومنه الرضا، والمحبة، والغضب، والكراهة ونحوها ومما ورد نفيه عن الله سبحانه لانتفائه وثبوت كمال ضده: الموت، والنوم، والسنة، والعجز، والإعياء، والظلم، والغفلة عن أعمال العباد، وأن يكون له مثيل أو كفؤ ونحو ذلك ومما لم يرد إثباته ولا نفيه لفظ (الجهة) فلو سأل سائل هل نثبت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتًا ولا نفيًا، ويغني عنه ما ثبت فيهما من أن الله تعالى في السماء وأما معناه فإما أن يراد به جهة سفل أو جهة علو تحيط بالله أو جهة علو لا تحيط به فالأول باطل لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة، والعقل والفطرة، والإجماع والثاني باطل أيضًا؛ لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته والثالث حق؛ لأن الله تعالى العلي فوق خلقه ولا يحيط به شيء من مخلوقاته ودليل هذه القاعدة السمع والعقل فأما السمع فمنه قوله تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:١٥٥] وقوله: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:١٥٨] وقوله: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:٧] وقوله: مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء:٨٠] وقوله: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:٥٩] وقوله: وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ [المائدة:٤٩].\nإلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة وكل نص يدل على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن فهو دال على وجوب الإيمان بما جاء في السنة؛ لأن مما جاء في القرآن الأمر باتباع النبي ﷺ والرد إليه عند التنازع والرد إليه يكون إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته فأين الإيمان بالقرآن لمن استكبر عن اتباع الرسول ﷺ المأمور به في القرآن؟ وأين الإيمان بالقرآن لمن لم يرد النزاع إلى النبي ﷺ وقد أمر الله به في القرآن؟ وأين الإيمان بالرسول الذي أمر به القرآن لمن لم يقبل ما جاء في سنته؟","vol":"1","page":406},{"text":"ولقد قال الله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:٨٩] ومن المعلوم أن كثيرًا من أمور الشريعة العلمية والعملية جاء بيانها بالسنة، فيكون بيانها بالسنة من تبيان القرآن وأما العقل فنقول: إن تفصيل القول فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله تعالى من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل، فوجب الرجوع فيه إلى ما جاء في الكتاب والسنة القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٣٩\nوإن الشرع قد دل الناس على الطرق العقلية بأيسر طريق وأحسنه، فأكثر الأدلة الشرعية فيها إرشاد للناس للطرق العقلية لتقرير الإلهيات والنبوات والبعث والمعاد (١).\nوما يتعلق بهذا الباب فإنه لابد من طلب الهدى فيه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لتعرف الطريقة الشرعية في الإثبات والتنزيه، إذ لا أحد أعلم بالله من الله ولا أحد أعلم به من خلقه من رسوله ﷺ.\nوالأسماء والصفات من أعظم المسائل التي يجب فيها الاتباع، وقد قال الله تعالى: اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء [الأعراف: ٣]، وأمر الله تعالى برد التنازع إلى كتابه وإلى رسوله فقال: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩]، وأقسم سبحانه على عدم إيمان من لم يحكم رسوله ﷺ ولم يذعن ويسلم له فقال: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥].\nففي هذه الأدلة الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله وأتباع ما أنزل وترك غيره ورد النزاع إلى كتابه وسنة رسوله ﷺ لا إلى غيرهما.\nوالذي يدعو إلى القول بالاكتفاء بالكتاب والسنة أمور منها:\nالأمر الأول: إن الكلام الشرعي لا يخشى فيه جهل ولا خطأ ولا تقصير في البيان ولا كذب، إذ هو كما قال الله تعالى عن كتابه: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢]، والجهل والخطأ والتقصير في البيان والكذب والتلبيس كل ذلك من الباطل، وقد نص الله على نفيه عن كتابه، وأثبت العصمة لرسوله ﷺ فقال: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤]، ولا شك أن كلام الله تعالى يجب أن يكون مقدمًا في هذا الباب إذ هو أعلم بنفسه فقال: أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ [البقرة: ١٤٠]، ونفى إحاطة الناس بالعلم به فقال: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، ووصف كلامه بأنه أحسن الحديث وأصدق الحديث فقال: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧]، وقال: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ [الزمر: ٢٣]. ووصفه بذلك يقتضي سلامته من الخطأ في الأخبار والأحكام ويقتضي كذلك أنه مشتمل على أحسن طريق لدلالة الناس وإرشادهم وهدايتهم.\n_________\n(١) انظر: «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٦٠ - ٤٩٩).","vol":"1","page":407},{"text":"ويزيد الأمر وضوحًا: أن الذي خلق هو الذي أنزل الشرع، فهو أعلم بما يناسبهم من السبل الموصلة إلى الحق، ذلك أن الله تعالى قد فطر الخلق على الإقرار به والميل إلى الحق وجعلهم مستعدين لقبوله – إلا إذا تغيرت الفطرة – فظهر من هذا أن الله الذي أنزل الكتاب هو الذي هيأ خلقه لمعرفة أصل الإيمان وفروعه بالشرع، قال الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الروم: ٣٠ - ٣١].\nفالله ﷿ أعد للناس ما يسددهم ويوصلهم إلى طريق الحق من الفطرة والآيات الظاهرة في الآفاق والأنفس فإذا انقاد الناس واستضاءوا بنور الشرع فإنهم يأمنون ما يخشى من قصور العقل المجرد وحده فيه (١) خاصة إذا علم أن النفوس متحركة بإراداتها وأنها قد تفسد وتتغير، فالضلال وعدم العلم إذا يرجع إلى أمرين (٢):\nالأول: ما يطرأ على الفطرة من التغيير وما يغشاها من الانحراف، فتنصرف بذلك عما هي معدة له من التوصل إلى الحق وقبوله، وفي هذا يقول الرسول ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم، فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠]» (٣) لذلك فإن من سلمت فطرته يكون مستعدًا لقبول الشرع، ولا يمكن أن يتبادر إلى ذهنه بحال أن ما ذكره الله تعالى من الصفات وذكره عنه رسوله ﷺ أن ظاهره يستلزم التشبيه والتمثيل، بل يعلم أن ذلك يثبت على غاية الكمال والتنزيه.\nالثاني: الإعراض عن الشرع المكمل للمعرفة الفطرية والمجلي لها عما يغشاها من الانحراف والتغيير، يقول الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].\nفإذا اجتمع الأمران – تغيير الفطرة والإعراض عن الشرع – في شخص كان في غاية الضلال والعياذ بالله.\n_________\n(١) انظر: «القائد إلى تصحيح العقائد» للمعلمي (ص: ٤٠ - ٤٣).\n(٢) انظر: «القائد إلى تصحيح العقائد» للمعلمي (ص: ٤٠).\n(٣) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨).","vol":"1","page":408},{"text":"فإذا علم أن الله قد فطر الناس على الحق وأنزل إليهم ما يناسبهم علم أن الناس في غنى عن الكلام الذي عند إطلاقه قد يتضمن باطلًا، مثل علم الكلام الذي يقوم على الأوهام والشكوك وإن سماها علماء الكلام بالقواطع العقلية والبراهين، فإن الصحابة ﵃ ماتوا ولم يعرفوا الكلام عن طريقة الجواهر والأعراض والمقاييس المنطقية والنظر العقلي المتعمق البعيد عن الفطرة. وفي هذا الصدد يقول أبو الوفاء بن عقيل لبعض أصحابه: (أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت، وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم روائح الإلحاد من فلتات المتكلمين، وأصل ذلك أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل إدراك ما عند الله من الحكمة التي انفرد بها، ولا أخرج الباري من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأمور) (١).\nولزيادة البيان فإنه يقال: إن الله قد أكمل دينه، وشهد على خيرية القرن الأول، ففي إكمال الدين والشهادة بأن الصحابة كانوا خير الناس الدليل الواضح والحجة القاطعة بأن جميع العقائد المطلوب معرفتها في الإسلام كانت مبينة وحاصلة لهم.\nأما إكمال الدين فإن الله تعالى قد قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣]، فوضح من هذا أن الناس لا يحتاجون إلى شيء في أمور دينهم إلى نقل سوى القرآن والسنة بله الفلسفات الإلهية اليونانية، وقد جاء أناس من المسلمين بكتب قد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي ﷺ: «كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم» (٢). فأنزل الله ﷿: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: ٥١]، وقيل إنها نزلت في المشركين حين طلبوا من النبي ﷺ آية تدل على صدقه، فبين الله تعالى أن في كتابه الكفاية. بل إن الله تعالى وصف كتابه بأنه برهان وشهد بذلك وكفى بالله شهيدًا فقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا [النساء: ١٧٤]، فالطريقة الاستدلالية البرهانية الصحيحة هي الطريقة الشرعية المبينة لمطالب الدين كلها والواعدة بكل خير والداعية إليه.\n_________\n(١) «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (ص: ٩٨) و«شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٢٨).\n(٢) رواه أبو داود في «المراسيل» (٤٨٧)، والطبري (٢٠/ ٥٣)، وابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٤٠ - ٤١). مرسلًا من حديث يحيى بن جعدة. قال ابن عبدالبر: ورواه الفريابي وابن وهب والحميدي وأبو الطاهر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن النبي ﷺ مثله سواء.","vol":"1","page":409},{"text":"وأما كمال إيمان الصحابة رضوان الله عليهم فقد قال تعالى عنهم: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٧٤] وقال: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: ١١٠] وقال الرسول ﷺ: «خير الناس قرني ...» (١)، وتمسكهم بالكتاب والسنة معلوم، وقد أخذوا من ذلك حظًا وافرًا فاستحقوا تلك الخيرية المنصوص عليها. ولم يؤثر عنهم الخوض فيما خاض فيه المتأخرون مع قدرتهم على البيان لفصاحتهم ورجحان عقولهم، ولم يكونوا يعدلون عن النصوص الشرعية مهما أثيرت الشبهات، فإن عبد الله بن عمر – ﵄ – لما ذكر له كلام بعض الناس وخوضهم في القدر تبرأ منهم واكتفى بذكر حديث جبريل ﵇ في الإسلام والإيمان والإحسان ... فهذا يدل على اعتصامهم بالشرع، وأن الشرع هو الحق وأنه قد جاء بإثبات الصفات لله على الوجه اللائق به.\nثم إن التابعين الذين أخذوا العلم عن الصحابة، وهم خير من جاء بعدهم لم يكونوا يعدلون عن الأدلة الشرعية ولم يقولوا فيها إنها ظنية، بل كلامهم في ذم الكلام وأهله وهجر المبتدعة مشهور. وهكذا من جاء بعدهم إلى زمان الأئمة الأربعة ومن تبعهم بإحسان يقولون بهذا الأصل العظيم.\nالأمر الثاني: مما يدعو إلى الاكتفاء بالشرع:\nهو أن مسائل الإيمان بالأسماء والصفات من المسائل الغيبية التي لا يمكن أن تعرف إلا بالخبر الصادق، والخبر الصادق يأتي ببيان الأسماء والصفات، ويأتي كذلك بطرق إثباتها من الطرق العقلية الواضحة – ويبين طريقة الإثبات والتنزيه فيها.\nأما ما عدا ذلك فعلوم مأخوذة من فلاسفة اليونان دخلت على المسلمين فأحدثت بينهم شرًا مستطيرًا، فنشأت الفرق، وكلها متناحرة مختلفة فيما بينها، مخالفة للكتاب والسنة، بل إن الفرقة الواحدة يؤثر عنها في المسألة الواحدة أكثر من قول، وهذا حال كل من ابتغى الهدى في غير كتاب الله وسنة الرسول ﷺ.\nفدخول هذه العلوم كان شرًا لا شك فيه، ومن شرها أنه قد تسلط بها بعض أعداء الإسلام في النيل منه، ذلك لأن بعض من أخذ هذه العلوم من المسلمين حاول تطبيق ما ورد في الشرع على تلك الأصول الفاسدة، فيؤول به الأمر إلى إنكار الصفات وغير ذلك، كما هو الشأن في إثبات وجود الله تعالى، إذ يقوم عندهم دليل إثباته على أصل فاسد وهو منع قيام الحوادث بذات الباري، ففرعوا على هذا: القول بنفي الصفات الاختيارية عنه ... فيكثر عندئذ التناقض، ويلتزمون شنائع يتسلط بها عليهم بعض أعداء الإسلام.\nولهذا الاضطراب الواقع والحيرة الشديدة تراجع بعض كبار علماء الكلام عما خاضوا فيه مسلمين للسلف طريقتهم ...\nفكيف بعد هذا يوثق بعلوم هؤلاء الفلاسفة، وقد اجتمعت الأمور الآتية:\n١ - النهي عن متابعة غير الكتاب والسنة.\n٢ - ونهي الأئمة عن علم الكلام لاشتماله على الباطل.\n٣ - وحيرة وتردد من خاض فيه من الكبار!. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف - بتصرف– ٢/ ٤٣٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣). من حديث ابن مسعود ﵁.","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>المطلب الثاني: القاعدة الثانية إجراء نصوص القرآن والسنة على ظاهرها دون تحريف لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها</span>.\nودليل ذلك: السمع، والعقل أما السمع: فقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:١٩٣] وقوله: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف:٢] وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:٣] وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي وقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبين أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان فقال: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:٧٥] وقال تعالى: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [النساء:٤٦] الآية وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٤٢\nوالمراد بالظاهر: الظاهر الشرعي، وذلك بإثبات الصفات الواردة في الكتاب والسنة على حقيقة الإثبات وتنزيه الخالق عن مشابهة الخلق له في تلك الصفات (١) مع قطع الطمع عن إدراك الكيفية – ... – وبهذا يعلم أن معاني نصوص الصفات مفهومة، وأن إدراك كيفية الصفات شيء ممتنع. فما يتبادر إلى الذهن من المعاني الشرعية هو المراد بالظاهر.\nوأما ترك التحريف، فالمراد به عدم التسلط على نصوص الصفات بصرف معانيها المتبادرة بأصل الوضع أو السياق إلى معاني أخرى غير متبادرة، وهذا الذي يسميه أهله تأويلًا،. ...\nالمسألة الأولى دواعي حمل النصوص على ظاهرها\nوهذه الدواعي هي أدلة كلية تبين أن حمل نصوص الصفات على ظاهرها متعين، وهو أمر لا خفاء فيه ولا غموض، ويمكن حصرها ... في أربعة أدلة:\nالدليل الأول: وصف القرآن بالبيان والهدى:\nإذا كان السامع متمكنًا من الفهم، وكان خطاب المتكلم بينًا واضحًا، فهم المخاطب مراد المتكلم بكلامه. وقد وصف الله تعالى كتابه بأنه تبيان لكل شيء فقال: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] وقال: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: ٦٤]، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]، وقال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤].\n_________\n(١) انظر: «الرسالة التدمرية» (ص: ٦٩) و«أضواء البيان» (٢/ ٣١٩ - ٣٢٠).","vol":"1","page":411},{"text":"فاتضح من هذه النصوص – وغيرها كثير – أن كتاب الله تعالى فيه بيان الحق للناس، وأنه قد أنزل بلسان عربي مبين، وأن الرسول ﷺ – مبين للناس هذا الكتاب بلسان قومه، فهذا يفيد أن نصوص الصفات مما بينه الله تعالى للناس، وهي كثيرة جدًا وتتناول كل الصفات مثل العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والحياة والإرادة والاستواء واليدين والوجه والغضب والرضا، ولا يوجد مع هذا دليل واحد يفيد أن هذه النصوص مراد بها خلاف ظاهرها. فإخلاء المتكلم كلامه من قرينة تفيد أن ظاهره غير مراد ينافي بيانه وإرشاده، مع ملاحظة الأمور الآتية:\nالأمر الأول: إن الله تعالى أعلم بما ينزل (١).\nالأمر الثاني: إنه لو كان الظاهر غير مراد لجاء البيان بذلك – إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، ووقت الحاجة هو وقت الخطاب، وعلى فرض جواز تأخره إلى ما بعد ذلك فلا يجوز تأخيره بعد موت النبي ﷺ، ومعلوم أنه على كثرة النصوص الواردة بذكر الصفات لم يأت نص واحد يصرفها عن ظاهرها. فعلم بهذه الأمور مجتمعة أن خطاب الشرع في صفات رب العالمين يجب حمله على ظاهره إذ المخاطب أعلم بما ينزل وكلامه هدى وبيان وقد أخلاه عما يصرفه عن ظاهره.\nالدليل الثاني: وهو أن الرسول ﷺ – المبين للكتاب – كما قال الله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] وهو الهادي إلى صراط مستقيم كما قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] قد اشتملت سنته على ذكر الصفات لله تعالى، إما تصريحًا بالقول وإما إقرارًا، وكل من القول والإقرار إما أن يكون قد ورد مثله في القرآن أو لم يرد، وكل من ذلك إما صفات فعلية أو ذاتية.\nفمثال قوله ﷺ في الصفات وهي مذكورة في القرآن: صفة اليدين، وصفة الاستواء، فالأولى صفة ذاتية، والثانية فعلية ...\nومثال قوله ﷺ في صفات لم يأت ذكرها في القرآن: الضحك والأصابع. ومثال إقراره ﷺ – لبعض الصفات، وهي مذكورة في القرآن: الاستواء، كما هو في حديث الجارية، لما سألها أين الله؟ قالت في السماء، فقال لسيدها «أعتقها فإنها مؤمنة» (٢) ومثال إقراره ﷺ لبعض الصفات، ولم يأت ذكرها في القرآن: الأصابع، كحديث الحبر اليهودي، ... وقد يفسر الرسول ﷺ – صفة قد لا يفهم من نص القرآن أنها صفة لله تعالى كصفة الساق.\nالدليل الثالث: فهم الصحابة لها أن ظاهرها مراد .....\nالدليل الرابع: إجماع الأئمة على أن ظاهرها مراد.\n_________\n(١) انظر: «الصواعق المرسلة» (١/ ٣١٠، ٣٢٠).\n(٢) رواه مسلم (٥٣٧). من حديث معاوية بن الحكم ﵁.","vol":"1","page":412},{"text":"قال الوليد بن مسلم: (سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك، فقالوا: أمضها بلا كيف) (١) وفي رواية أنه سألهم (... عن الأحاديث التي فيها الصفات فكلهم قال: أمروها كما جاءت بلا تفسير) (٢). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (هذه الأحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض وهي عندنا حق لا نشك فيه ...) وقال الإمام أحمد: (ولا تفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت ولا نردها ...) (٣) وقال الإمام أبو عمر بن عبد البر (ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى أتباع ما أنزل إلينا من ربنا تعالى إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله ﷿ إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على شيء .. إلخ) اهـ (٤).\nوأقوال الأئمة كثيرة في هذا الباب يصعب حصرها، وفيما ذكر الكفاية وبالله التوفيق.\nفهذا الذي تقدم يدل دلالة قاطعة على أن ما جاء في نصوص الصفات حق على ظاهره المراد شرعًا، فيجب إثباتها بلا تمثيل، وتنزيه الله عن مشابهة خلقه فيها بلا تعطيل، ذلك أن ذكرها في القرآن بلا قرينة تصرفها عن ظاهرها ثم تأكيد رسول الله ﷺ ذلك في سنته قولًا وإقرارًا بذكرها كما وردت في القرآن، بل يذكر صفات أخرى لم ترد فيه وهو الذي قال الله فيه: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤] يدل دلالة قاطعة أن نصوص الصفات يجب إجراؤها على ظاهرها، إذ المأمور ببيان الدين لم يصرف عن ظاهرها – وهذا أمر بين. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– بتصرف - ٢/ ٤٥٤\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في «الصفات» (ص: ٧٥) (رقم: ٦٧) وانظر «مختصر العلو» (ص: ١٤٣) (رقم: ١١٦).\n(٢) أخرجه الآجري في «الشريعة» (ص: ٣١٤) ورواها الخلال كما في «سير أعلام النبلاء» (٨/ ١٦٢).\n(٣) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ١٦٤).\n(٤) «التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٣١).","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>المطلب الثالث: القاعدة الثالثة ظاهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر</span>.\nفباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة وقد دل على ذلك: السمع والعقل أما السمع: فمنه قوله تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:٢٩] وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:٣] وقوله جل ذكره وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:٤٤] والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه، ليتذكر الإنسان بما فهمه منه وكون القرآن عربيًا ليعقله من يفهم العربية يدل على أن معناه معلوم وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها وبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه وأما العقل: فلأن من المحال أن ينزل الله تعالى كتابًا أو يتكلم رسوله ﷺ بكلام يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم منها شيء؛ لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى، وقد قال الله تعالى عن كتابه: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:١] هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات ... وبهذا علم بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويدَّعون أن هذا مذهب السلف والسلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالًا أحيانًا وتفصيلًا أحيانًا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله – ﷿.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه المعروف بـ (العقل والنقل ١/ ١١٦) المطبوع على هامش (منهاج السنة): وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله – إلى أن قال .... -: وحينئذٍ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه، قال: ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدىً وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته لا يعلم أحد معناه فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بيَّن للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به، فيبقى هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلًا عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد أهـ كلام الشيخ وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد، وما عليه مزيد – رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٤٣","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>المطلب الرابع: القاعدة الرابعة ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام</span>.\nفالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه ومعنى آخر على وجه فلفظ (القرية)، مثلًا يراد به القوم تارة، ومساكن القوم تارة أخرى فمن الأول قوله تعالى: وَإِن مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا [الإسراء:٥٨] ومن الثاني قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [العنكبوت:٣١] وتقول: صنعت هذا بيدي، فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [ص:٧٥] لأن اليد في المثال أضيفت إلى المخلوق فتكون مناسبة له، وفي الآية أضيفت إلى الخالق فتكون لائقة به، فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق أو بالعكس ونقول: ما عندك إلا زيد، وما زيد إلا عندك، فتفيد الجملة الثانية معنى غير ما تفيده الأولى مع اتحاد الكلمات، لكن اختلف التركيب فغير المعنى به إذا تقرر هذا فظاهر نصوص الصفات ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني وقد انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقًا يليق بالله – ﷿ – وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، والذين لا يصدق لقب أهل السنة والجماعة إلا عليهم وقد أجمعوا على ذلك كما نقله ابن عبد البر فقال: \"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن الكريم والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة\" أهـ وقال القاضي أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويل): (لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله، لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة) أهـ نقل ذلك عن ابن عبد البر والقاضي شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتوى الحموية ٨٧ - ٨٩ جـ٥ من مجموع الفتاوى لابن القاسم وهذا هو المذهب الصحيح، والطريق القويم الحكيم، وذلك لوجهين:\nالأول: أنه تطبيق تام لما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من أسماء الله وصفاته كما يعلم ذلك من تتبعه بعلم وإنصاف\nالثاني: أن يقال: إن الحق إما أن يكون فيما قاله السلف أو فيما قاله غيرهم، والثاني باطل لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان تكلموا بالباطل تصريحًا أو ظاهرًا، ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحًا ولا ظاهرًا بالحق الذي يجب اعتقاده وهذا يستلزم أن يكونوا إما جاهلين بالحق وإما عالمين به لكن كتموه، وكلاهما باطل، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فتعين أن يكون الحق فيما قاله السلف دون غيرهم.","vol":"1","page":415},{"text":"القسم الثاني: من جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا لا يليق بالله وهو: التشبيه، وأبقوا دلالتها على ذلك وهؤلاء هم المشبهة ومذهبهم باطل محرم من عدة أوجه: الأول: أنه جناية على النصوص وتعطيل لها عن المراد بها، فكيف يكون المراد بها التشبيه وقد قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] الثاني: أن العقل دل على مباينة الخالق للمخلوق في الذات والصفات، فكيف يحكم بدلالة النصوص على التشابه بينهما؟ الثالث: أن هذا المفهوم الذي فهمه المشبه من النصوص مخالف لما فهمه السلف منها فيكون باطلًا فإن قال المشبه: أنا لا أعقل من نزول الله ويده إلا مثل ما للمخلوق من ذلك، والله تعالى لم يخاطبنا إلا بما نعرفه ونعقله فجوابه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ونهى عباده أن يضربوا له الأمثال، أو يجعلوا له أندادًا فقال: فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل:٧٤] وقال: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:٢٢] وكلامه – تعالى – كله حق يصدق بعضه بعضًا، ولا يتناقض ثانيها: أن يقال له: ألست تعقل لله ذاتًا لا تشبه الذوات؟ فسيقول: بلى! فيقال له: فلتعقل له صفات لا تشبه الصفات، فإن القول في الصفات كالقول في الذات، ومن فرق بينهما فقد تناقض! ثالثها: أن يقال: ألست تشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؟ فسيقول: بلى! فيقال له: إذا عقلت التباين بين المخلوقات في هذا، فلماذا لا تعقله بين الخالق والمخلوق، مع أن التباين بين الخالق والمخلوق أظهر وأعظم، بل التماثل مستحيل بين الخالق والمخلوق كما سبق في القاعدة السادسة من قواعد الصفات القسم الثالث: من جعلوا المعنى المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا، لا يليق بالله وهو التشبيه، ثم إنهم من أجل ذلك أنكروا ما دلت عليه من المعنى اللائق بالله، وهم أهل التعطيل سواء كان تعطيلهم عامًا في الأسماء والصفات، أم خاصًا فيهما، أو في أحدهما، فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معاني عينوها بعقولهم، واضطربوا في تعيينها اضطرابًا كثيرًا، وسموا ذلك تأويلًا، وهو في الحقيقة تحريف ومذهبهم باطل من وجوه: أحدها: أنه جناية على النصوص حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له الثاني: أنه صرف لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ عن ظاهره، والله – تعالى – خاطب الناس بلسان عربي مبين، ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي، والنبي ﷺ خاطبهم بأفصح لسان البشر؛ فوجب حمل كلام الله ورسوله على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي؛ غير أنه يجب أن يصان عن التكييف والتمثيل في حق الله – ﷿.","vol":"1","page":416},{"text":"الثالث: أن صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه، قول على الله بلا علم وهو محرم؛ لقوله – تعالى -: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف:٣٣] ولقوله – سبحانه -: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء:٣٦] فالصارف لكلام الله – تعالى – ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قد قفا ما ليس له به علم وقال على الله ما لا يعلم من وجهين: الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله – تعالى – ورسوله كذا، مع أنه ظاهر الكلام الثاني: أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام وإذا كان من المعلوم أن تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قول بلا علم؛ فما ظنك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟! مثال ذلك: قوله – تعالى – لإبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥] فإذا صرف الكلام عن ظاهره، وقال: لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين وإنما أراد كذا وكذا قلنا له: ما دليلك على ما نفيت؟! وما دليلك على ما أثبت؟! فإن أتى بدليل – وأنى له ذلك – وإلا كان قائلًا على الله بلا علم في نفيه وإثباته الوجه الرابع: في إبطال مذهب أهل التعطيل: أن صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، فيكون باطلًا، لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وسلف الأمة وأئمتها الوجه الخامس: أن يقال للمعطل: هل أنت أعلم بالله من نفسه؟ فسيقول: لا ثم يقال له: هل ما أخبر الله به عن نفسه صدق وحق؟ فسيقول: نعم ثم يقال له: هل تعلم كلامًا أفصح وأبين من كلام الله – تعالى؟ فسيقول: لا ثم يقال له: هل تظن أن الله – ﷾ – أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص ليستخرجوه بعقولهم؟ فسيقول: لا هذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن أما باعتبار ما جاء في السنة فيقال له: هل أنت أعلم بالله من رسوله ﷺ؟ فسيقول: لا ثم يقال له: هل ما أخبر به رسول الله ﷺ عن الحق صدق وحق؟ فسيقول: نعم ثم يقال له: هل تعلم أن أحدًا من الناس أفصح كلامًا، وأبين من رسول الله ﷺ؟ فسيقول لا ثم يقال له هل تعلم أن أحدًا من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله؟ فسيقول: لا فيقال له: إذا كنت تقر بذلك فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله – تعالى – لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ على حقيقته وظاهره اللائق بالله؟ وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة في نفي حقيقته تلك، وصرفه إلى معنى يخالف ظاهره بغير علم؟ وماذا يضيرك إذا أثبت لله – تعالى – ما أثبته لنفسه في كتابه، أو سنة نبيه على الوجه اللائق به، فأخذت بما جاء في الكتاب والسنة إثباتًا ونفيًا؟ أليس هذا أسلم لك وأقوم لجوابك إذا سئلت يوم القيامة: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [قصص:٦٥] أوليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها، وتعيين معنى آخر مخاطرة منك؟! فلعل المراد يكون – على تقدير جواز صرفها – غير ما صرفتها إليه الوجه السادس في إبطال مذهب أهل التعطيل: أنه يلزم عليه لوازم باطلة؛ وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم فمن هذه اللوازم: أولًا: أن أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلا حيث اعتقدوا أنه مستلزم أو موهم لتشبيه الله","vol":"1","page":417},{"text":"– تعالى – بخلقه، وتشبيه الله – تعالى – بخلقه كفر؛ لأنه تكذيب لقوله – تعالى-: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] قال نعيم بن حماد الخزاعي أحد مشايخ البخاري – رحمهما الله -: من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا أهـ ومن المعلوم أن من أبطل الباطل أن يجعل ظاهر كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ تشبيهًا وكفرًا أو موهمًا لذلك ثانيًا: أن كتاب الله – تعالى – الذي أنزله تبيانًا لكل شيء، وهدى للناس، وشفاءً لما في الصدور، ونورًا مبينًا، وفرقانًا بين الحق والباطل لم يبين الله – تعالى – فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنما جعل ذلك موكلًا إلى عقولهم، يثبتون لله ما يشاءون، وينكرون ما لا يريدون وهذا ظاهر البطلان ثالثًا: أن النبي ﷺ وخلفاءه الراشدين وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، كانوا قاصرين أو مقصرين في معرفة وتبيين ما يجب لله تعالى من الصفات أو يمتنع عليه أو يجوز؛ إذ لم يرد عنهم حرف واحد فيما ذهب إليه أهل التعطيل في صفات الله – تعالى – وسموه تأويلًا.","vol":"1","page":418},{"text":"وحينئذ إما أن يكون النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة وأئمتها قاصرين لجهلهم بذلك وعجزهم عن معرفته، أو مقصرين لعدم بيانهم للأمة، وكلا الأمرين باطل!! رابعًا: أن كلام الله ورسوله ليس مرجعًا للناس فيما يعتقدونه في ربهم وإلههم الذي معرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع بل هو زبدة الرسالات، وإنما المرجع تلك العقول المضطربة المتناقضة وما خالفها، فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا، أو التحريف الذي يسمونه تأويلًا، إن لم يتمكنوا من تكذيبه خامسًا: أنه يلزم منه جواز نفي ما أثبته الله ورسوله، فيقال في قوله – تعالى -: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:٢٢] لا يجيء، وفي قوله ﷺ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» (١)\n_________\n(١) رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁ ..","vol":"1","page":419},{"text":"إنه لا ينزل لأن إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز عندهم، وأظهر علامات المجاز عند القائلين به صحة نفيه، ونفي ما أثبته الله ورسوله من أبطل الباطل، ولا يمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره؛ لأنه ليس في السياق ما يدل عليه ثم إن من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات، أو تعدى إلى الأسماء – أيضًا – ومنهم من تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض، كالأشعرية والماتريدية: أثبتوا ما أثبتوه بحجة أن العقل يدل عليه، ونفوا ما نفوه بحجة أن العقل ينفيه أو لا يدل عليه فنقول لهم: نفيكم لما نفيتموه بحجة أن العقل لا يدل عليه يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتم به ما أثبتموه كما هو ثابت بالدليل السمعي مثال ذلك: أنهم أثبتوا صفة الإرادة، ونفوا صفة الرحمة أثبتوا صفة الإرادة لدلالة السمع والعقل عليها أما السمع: فمنه قوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:٢٥٣] وأما العقل: فإن اختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف دليل على الإرادة ونفوا الرحمة؛ لأنها تستلزم لين الراحم ورقته للمرحوم، وهذا محال في حق الله تعالى وأولوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة إلى الفعل أو إرادة الفعل ففسروا الرحيم بالمنعم أو مريد الإنعام فنقول لهم: الرحمة ثابتة لله تعالى بالأدلة السمعية، وأدلة ثبوتها أكثر عددًا وتنوعًا من أدلة الإرادة فقد وردت بالاسم مثل: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ والصفة مثل: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:٥٨] والفعل مثل: وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ [العنكبوت:٢١] ويمكن إثباتها بالعقل فإن النعم التي تترى على العباد من كل وجه، والنقم التي تدفع عنهم في كل حين دالة على ثبوت الرحمة لله – ﷿ – ودلالتها على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة، لظهور ذلك للخاصة والعامة، بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة، فإنه لا يظهر إلا لأفراد من الناس وأما نفيها بحجة أنها تستلزم اللين والرقة؛ فجوابه: أن هذه الحجة لو كانت مستقيمة لأمكن نفي الإرادة بمثلها فيقال: الإرادة ميل المريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع مضرة، وهذا يستلزم الحاجة، والله تعالى منزه عن ذلك فإن أجيب: بأن هذه إرادة المخلوق أمكن الجواب بمثله في الرحمة بأن الرحمة المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق وبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل سواء كانت تعطيلًا عامًا أو خاصًا وبه علم أن طريق الأشاعرة والماتريدية في أسماء الله وصفاته وما احتجوا به لذلك لا تندفع به شبه المعتزلة والجهمية وذلك من وجهين: أحدهما: أنه طريق مبتدع لم يكن عليه النبي ﷺ ولا سلف الأمة وأئمتها، والبدعة لا تدفع بالبدعة وإنما تدفع بالسنة الثاني: أن المعتزلة والجهمية يمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة، فيقولون: لقد أبحتم لأنفسكم نفي ما نفيتم من الصفات بما زعمتموه دليلًا عقليًا وأولتم دليله السمعي، فلماذا تحرمون علينا نفي ما نفيناه بما نراه دليلًا عقليًا، ونؤول دليله السمعي، فلنا عقول كما أن لكم عقولًا، فإن كانت عقولنا خاطئة فكيف كانت عقولكم صائبة، وإن كانت عقولكم صائبة فكيف كانت عقولنا خاطئة، وليس لكم حجة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم واتباع الهوى وهذه حجة دامغة وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية، ولا مدفع لذلك ولا محيص عنه إلا بالرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب، ويثبتون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ إثباتًا لا تمثيل فيه ولا تكييف، وتنزيهًا لا تعطيل فيه ولا تحريف، وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:٤٠] (تنبيه) علم مما سبق أن كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل أما تعطيل المعطل فظاهر، وأما تمثيله فلأنه إنما عطل لاعتقاده أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه فمثل أولًا، وعطل ثانيًا، كما أنه بتعطيله مثله بالناقص وأما تمثيل الممثل فظاهر، وأما تعطيله فمن ثلاثة أوجه: الأول: أنه عطل نفس النص الذي أثبت به الصفة، حيث جعله دالًا على التمثيل مع أنه لا دلالة فيه عليه وإنما يدل على صفة تليق بالله ﷿ الثاني: أنه عطل كل نص يدل على نفي مماثلة الله لخلقه الثالث: أنه عطل الله تعالى عن كماله الواجب حيث مثله بالمخلوق الناقص القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٤٥","vol":"1","page":420},{"text":"المطلب الخامس: عدم التفريق بين الأدلة الشرعية من حيث الأخذ بها (١)\nوالمراد بهذه القاعدة أنه يستدل في الاعتقاد – ومنه مسائل الأسماء والصفات – بأدلة الشرع الأصيلة كلها، القرآن، والحديث بقسميه المتواتر والآحاد المتلقاة بالقبول. وعلى هذا كان الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان.\nوأكثر الكلام هنا سيكون عن الأحاديث إذ أكثر المتكلمون من القول بأن أحاديث الآحاد تفيد الظن فلا يؤخذ بها في المسائل العلمية الاعتقادية وهذا القول قالوه لعدم مقدرتهم على صرف ظاهرها بأنواع التحريفات التي سموها تأويلات، فأصلوا هذه القاعدة ليتوصلوا بها إلى جحد كثير من المسائل التي تخالف أصولهم.\nوهذه القاعدة – أي عدم التفريق بين الأدلة – تقوم على بيان ثلاثة أسس هي:\nالأول: الأدلة من الكتاب والسنة على حجية السمع مطلقًا.\nالثاني: بيان إفادة خبر الواحد المتلقى بالقبول العلم والعمل.\nالثالث: بيان عدم مخالفة الأحاديث للقرآن في باب الأسماء والصفات.\nأما الأساس الأول: الأدلة على حجية السمع بقسميه مطلقًا:\nفالأدلة في هذا كثيرة يكفي ذكر آيتين من كتاب الله، فالآيتان إحداهما توجب الأخذ بالقرآن والسنة، والثانية تبين حفظهما. أما الآية الأولى فقول الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: ٧]، وهذا النص شمل كل ما جاءنا به رسول الله ﷺ مما هو في القرآن وبينه في سنته، سواء كان ذلك في الاعتقادات أو غيرها.\nوأما الآية الثانية فقول الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] ومعلوم أن هذا يشمل القرآن والحديث، وحتى على القول بأن الذكر في الآية هو القرآن فإنه يقال: قد أنزل الله تعالى كتابه – وهو الذكر – ليبينه رسوله ﷺ فقال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]، وأنواع البيان كثيرة كبيان مجمل، أو تخصيص عام، وكل ذلك جاء به الرسول ﷺ لهذه الأمة أولها وآخرها كما قال الله تعالى: لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام: ١٩]، فصح بهذا أن السنة الصحيحة حجة مطلقًا في أي زمان.\nالأساس الثاني: خبر الواحد إذا احتفت به القرائن يفيد العلم:\nوأذكر هنا حديثين يفيدان قبوله، ثم أتبعه بأقوال أهل العلم خاصة في الصفات، أما الحديثان، فالأول: حديث بعث معاذ إلى اليمن – حيث قال الرسول ﷺ: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله» (٢).\nوالثاني: عن أنس: «أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلًا يعلمنا السنة والإسلام، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: هذا أمين هذه الأمة» (٣).\nواكتفيت بهذين الحديثين لأنهما يبينان السنة العملية، ولا يقال إن هذين من أحاديث الآحاد فيكف يجعلان حجة في قبول خبر الآحاد؟ والجواب من وجهين:\nالأول: إن مثل هذا يعد تواترًا معنويًا إذ بعث الرسول ﷺ – أفرادًا من أصحابه إلى عدة أماكن – كبعثه علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبا موسى، وأبا عبيدة وغيرهم – ﵃.\nالثاني: إن هذين الحديثين مخرجان في الصحيحين، وهما مما لم يتكلم فيه النقاد بالطعن، وما كان كذلك فقد اجتمعت الأمة على تلقيه بالقبول.\n_________\n(١) انظر «الصفات الإلهية» للشيخ محمد أمان الجامي (ص: ٦٤).\n(٢) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩). بلفظ: «عبادة الله» بدلًا من «شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله».\n(٣) رواه مسلم (٢٤١٩).","vol":"1","page":421},{"text":"ووجه الاستدلال بذلك كما قال الإمام الشافعي ﵀: (وهو - ﷺ- لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله ﷺ وقد كان قادرًا على أن يبعث إليهم فيشافههم، أو يبعث إليهم عددًا، فبعث واحدًا يعرفونه بالصدق) (١).\nفصح مما تقدم من الحديثين أن خبر الواحد الصحيح المفيد للعلم حجة في العقيدة وعلى هذا كان الأئمة – رحمهم الله تعالى - (٢). أما الذين قالوا بأنه لا يفيد العلم واخترعوا هذه المقالة إنما كان قصدهم رد الأخبار التي لا توافق بدعهم، وفي هذا الصدد يقول الإمام أبو المظفر السمعاني الشافعي: (إن الخبر إذا صح عن رسول الله ﷺ ورواه الثقات والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله ﷺ وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا عامة قول أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ولابد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار ...) (٣).\nوقال الإمام أبو عمر بن عبد البر المالكي: (وكلهم – (أي أهل الفقه والأثر) – يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات ويعادي ويوالي عليها ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده، على ذلك جماعة أهل السنة والجماعة) (٤).\nومن القرائن التي ذكرها أهل العلم إذا احتفت بخبر الواحد أفادت العلم (٥):\n١ - كون الحديث في الصحيحين أو في أحدهما مما اتفق على صحته.\n٢ - إذا كان الحديث مشهورًا له طرق متعددة سالمة من ضعف الرواة والعلل.\n٣ - كون الحديث مسلسلًا بالأئمة الحفاظ المتقنين.\n٤ - كونه متلقى بالقبول عند الأمة.\nوالأحاديث الواردة في الصفات هي كلها من هذا الباب وقد تلقاها الأئمة بالقبول، وقد تقدم نقل كلام ابن عبد البر في ذلك وحكاية ذلك عن أهل السنة قاطبة، ويضاف إلى ذلك أقوال كبار الأئمة قبله:\nفمن ذلك ما ذكره عباد بن العوام فقال: (قدم علينا شريك بن عبد الله منذ نحو خمسين سنة قال: فقلت له: يا أبا عبد الله إن عندنا قومًا من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث، قال: فحدثني بنحو من عشرة أحاديث في هذا وقال: أما نحن فقد أخذنا ديننا عن التابعين عن أصحاب رسول الله ﷺ فهم عمن أخذوا؟.) اهـ (٦).\nوقال الإمام أحمد لما سئل عن أحاديث الرؤية: (أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر، وكل ما روي عن النبي ﷺ بأسانيد جيدة نؤمن به ونقر) فلم يشترط إمام السنة التواتر في الخبر لقبوله وإنما اشترط الصحة فقط.\nوقال عباس الدوري: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام – وذكر الباب الذي يروى فيه حديث الرؤية والكرسي موضع القدمين وضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك ﷿ قدمه فيها فتقول قط، قط وأشباه هذه الأحاديث فقال: هذه أحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا شك فيها) اهـ (٧).\n_________\n(١) «الرسالة» للإمام الشافعي (ص: ٤١٢).\n(٢) وانظر: «الرد على من أنكر الحرف والصوت» لأبي نصر السجزي (ص: ١٨٥ - ١٩١).\n(٣) «رسالة الانتصار لأهل الحديث – مختصرها - للسمعاني ضمن صون المنطق للسيوطي» (ص: ١٦٠ - ١٦١).\n(٤) «التمهيد» لابن عبد البر (١/ ٨).\n(٥) انظر: «نزهة النظر» لابن حجر (ص: ٢٦ - ٢٧).\n(٦) «السنة» لعبد الله بن أحمد (١/ ٢٧٣) (رقم/ ٥٠٩).\n(٧) أخرجه الدارقطني في «الصفات» (ص: ٣٩ - ٤٠) (رقم/ ٥٧).","vol":"1","page":422},{"text":"ومثل هذا ما نقله أحمد بن نصر عن سفيان بن عيينة الإمام لما سأله فقال له: (كيف حديث عبيدة عن عبد الله عن النبي ﷺ: «إن الله ﷿ يحمل السموات على إصبع والأرضين على إصبع» (١) وحديث: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» (٢)، وحديث: «إن الله ﷿ يعجب ويضحك» (٣) ... فقال سفيان: هي كما جاءت، نقر بها، ونحدث بها بلا كيف) (٤) اهـ.\nفهذه أقوال الأئمة المشهود لهم بالإمامة في الديانة والعلم صرحوا بقبول هذه الأحاديث، وهم من أخبر الناس بحديث الرسول ﷺ، إذ أهل كل علم أخبر بعلمهم من غيرهم.\nالأساس الثالث: بيان عدم مخالفة الأحاديث للقرآن في باب الأسماء والصفات على وجه الخصوص:\nويمكن تقسيم الأحاديث إلى قسمين بحسب ما جاءت به من الصفات:\nقسم من الأحاديث ورد بصفات هي واردة في القرآن كذلك فهذه تكون مؤكدة. وقسم منها ورد بصفات هي من نوع الصفات الواردة في القرآن وإن لم يرد ذكرها في القرآن نصًا.\nأما القسم الأول: وهي الأحاديث الواردة بالصفات المذكورة في القرآن، فهي أكثر الأحاديث، ومن ذلك في الصفات الذاتية: صفة اليدين، فقد وردت في أحاديث كثيرة جدًا منها: «قال وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع» (٥)، ومصداق هذا في القرآن قوله الله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، وقول الله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥].\nومثال الصفات الفعلية في الأحاديث: «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي» (٦). ففي هذا الحديث التصريح بإثبات فوقية الرحمن على العرش، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤].\nومثل ما تقدم ما ورد في صفة السمع والبصر والوجه والكلام والرحمة والغضب والقدرة والإرادة والعلم والحياة والعلو الحب، وغير ذلك من الصفات الواردة في كتاب الله ثم وردت كذلك في السنة.\nأما القسم الثاني: وهي الأحاديث الواردة ببعض الصفات التي لم يأت ذكرها في القرآن نصًا، وهي مثل أحاديث الضحك والنزول من صفات الأفعال، وصفة الأصابع من صفات الذات، فمثل هذه يقال فيها:\nهذه الأحاديث إما متواترة كحديث النزول (٧)، فمثل هذه الأحاديث لا يمكن أن يقال فيها إنها ظنية الثبوت، ولكن المخالفون يلجأون إلى تأويلها ...\nوإما أن تكون هذه الأحاديث من الآحاد، فالكلام فيها من جهتين:\n١ - إن هذه الأحاديث قد تلقاها الأئمة بالقبول، وهذه قرينة موجبة للقول بإفادتها للعلم.\n٢ - والجهة الثانية: إن هذه الصفات الواردة في أحاديث الآحاد هي من نوع الصفات الواردة في القرآن، كالأصبع، فإن في السنة بيان أن الله يأخذ بها السموات والأرضين والشجر يوم القيامة، وفي القرآن بيان أن الله يطوي السموات بيمينه كمال قال الله: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] وكذلك جاء في السنة، وهكذا يقال في الضحك، فإن الغضب الوارد في القرآن – كقول الله تعالى: وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ [النساء: ٩٣]: صفة فعلية لله، يقال كذلك: إن الضحك صفة فعلية لله وردت بها السنة، فكلاهما: صفة فعل.\nوبهذا يعلم أنه ليس في السنة شيء يخالف القرآن، فوجب إثبات كل ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من صفات الله، لأن ما جاء به رسول الله ﷺ حق على حقيقته، ولا يجوز إنكارها كلها لأن القول في الصفات كالقول في الذات، كما لا يجوز إنكار بعضها لأن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ٢/ ٤٤٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤١٥)، ومسلم (٢٧٨٦). بلفظ: «يمسك السموات» بدلًا من «يحمل السموات».\n(٢) رواه مسلم (٢٦٥٤). من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(٣) الحديث رواه النسائي (٦/ ١٣٨) (٣١٦٥). ولفظه: «إن الله ﷿ يعجب من رجلين يقتل أحدهما صاحبه وقال مرة أخرى ليضحك من رجلين يقتل أحدهما صاحبه ثم يدخلان الجنة». من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث في الصحيحين رواه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠).\n(٤) أخرجه الدارقطني في «الصفات» (ص: ٤١ - ٤٢) (رقم/٦٣).\n(٥) رواه البخاري (٧٤١١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) رواه البخاري (٧٤٠٤)، ومسلم (٢٧٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) حديث النزول رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁. وقد روى حديث النزول أيضًا: أحمد ومالك وأبو عيسى الترمذي وأبو داود وابن خزيمة والدارقطني وأئمة المسلمين.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>المطلب السادس: الاستدلال بقياس الأولى دون غيره من أنواع القياس</span>\nإن الله تعالى لا مثيل له، بل له المثل الأعلى، ولذلك نهى أن يضرب له المثل فقال: فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٧٤]، فلا يجوز أن يمثل بغيره من الخلق، سواء كان ذلك بقياس تمثيل أو قياس شمول (١). وإنما يستعمل في حقه سبحانه، قياس الأولى الدال عليه قول الله تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل: ٦٠] أي الأكمل والأحسن والأطيب كما قال ابن جرير ﵀. فقياس الأولى راجع إلى الأمثال المضروبة في الكتاب والسنة.\nويستعمل قياس الأولى في الإثبات وفي التنزيه.\nأما في الإثبات: فإنه يكون في أمرين كليين (٢):\nالأول: إن الاتصاف بالصفات الوجودية في حق المخلوق أكمل فيه من اتصافه بالأمور العدمية، فالخالق أحق بالأمور الوجودية من كل مخلوق.\nالثاني: إن كل كمال ثبت فالخالق أولى به منه، ويشترط في هذا الكمال:\n١ - أن لا يكون فيه نقص بوجه من الوجوه، كالقدرة على إنجاب الولد، فهذا كمال في حق المخلوق، ولكن ليس كمالًا مطلقًا، إذ فيه نقص من وجوه وهو أن الوالد محتاج إلى ولده ولا يستغني عنه ولذلك قال الله تعالى: قَالُواْ اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ [يونس: ٦٨].\n٢ - أن لا يكون مستلزمًا للعدم، وهذا الشرط ذكر لأن بعض المخالفين يصفونه بصفات السلوب التي لا تتضمن أمرًا وجوديًا، ويزعمون أنها كمال في حق الخالق مع أنها مستلزمة للعدم. فيجب إذًا أن يوصف الله بصفات كاملة وجودية لا صفات مستلزمة للعدم (٣).\nويمكن الاستدلال لقاعدة استعمال قياس الأولى في الإثبات بذكر ثلاث صفات؛ الأولى: الرحمة، والثانية: القدرة، والثالثة: الفرح.\nأما الأولى فيدل لها قول الرسول ﷺ لأصحابه: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا لا والله، وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال رسول الله ﷺ: لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (٤) اهـ.\nوالثانية في قول الرسول ﷺ لأبي مسعود ﵁ لما ضرب مملوكه فقال له: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» (٥).\nوالثالثة: في قول الرسول ﷺ: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة» (٦).\nوالاستعمال الثاني لقياس الأولى يكون في التنزيه: وهو أن كل نقص وعيب في نفسه ينزه المخلوق عنه، فتنزيه الخالق عنه أولى. والمقصود بالعيب في نفسه ما تضمن سلب كمال ما أثبت (٧).\nومثال هذا القياس ما ذكره الله من مثل في شأن تنزهه عن أن يكون له شريك في صفة الإلهية، قال الله تعالى: ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم: ٢٨].\n_________\n(١) انظر: «الرسالة التدمرية» (٢/ ٣٣).\n(٢) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٩ - ٣٠).\n(٣) انظر: «نقض التأسيس» لابن تيمية (٢/ ٣٦٠ - ٣٦٢).\n(٤) رواه البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤). من حديث عمر ﵁.\n(٥) رواه مسلم (١٦٥٩). من حديث أبي مسعود ﵁.\n(٦) رواه مسلم (٢٦٧٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٩ - ٣٠).","vol":"1","page":424},{"text":"ومعنى المثل على سبيل الإجمال: أن الله ﷿ ذكره يوبخ المشركين على اتخاذهم شركاء مع الله فضرب لهم مثلًا من أنفسهم وهو أنكم إذا كنتم لا ترضون لأنفسكم أن يكون مماليككم شركاء في الذي رزقكم الله من أموال، بل تمتنعون أن يكونوا لكم نظراء فكيف ترضون أن تجعلوا مخلوقي ومملوكي الذين زعمتم أنهم شركاء يدعون ويعبدون كما أدعى وأعبد؟ فإذا كنتم تنزهون وتنفون ذلك عن أنفسكم فالخالق أولى بأن تنزهوه وتنفوا عنه الشريك في العبادة (١).\nوقد نسب شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الطريقة من الاستدلال إلى جمع من أهل العلم منهم الإمام أحمد ﵀ (٢).\nفمن ذلك: قال الإمام أحمد: (ووجدنا كل شيء أسفل منه مذمومًا، يقول الله جل ثناؤه: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٦] وقال: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٦]) اهـ (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على كلام الإمام أحمد: (وهذه الحجة من باب (قياس الأولى) وهو أن السفل مذموم في المخلوق حيث جعل الله أعداءه في أسفل سافلين، وذلك مستقر في فطر العباد، حتى إن أتباع المضلين طلبوا أن يجعلوهم تحت أقدامهم ليكونوا من الأسفلين، وإذا كان هذا مما ينزه ويقدس عنه المخلوق ويوصف به المذموم المعيب من المخلوق فالرب تعالى أحق أن ينزه ويقدس عن أن يكون في السفل أو يكون موصوفًا بالسفل هو أو شيء منه أو يدخل ذلك في صفاته بوجه من الوجوه، بل هو العلي الأعلى بكل وجه) اهـ (٤).\nوقال الإمام أحمد: (ومن الاعتبار في ذلك: لو أن رجلًا كان في يديه قدح من قوارير صاف وفيه شراب صاف، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح فالله: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الروم: ٢٧] قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه) (٥).\nقال شيخ الإسلام معلقًا على كلام الإمام: (ثم ذكر الإمام أحمد حجة اعتبارية عقلية قياسية لإمكان ذلك هي من باب الأولى ... فضرب أحمد ﵀ مثلًا وذكر قياسًا وهو أن العبد إذا أمكنه أن يحيط بصره بما في يده وقبضته من غير أن يكون داخلًا فيه ولا محايثًا له فالله سبحانه أولى باستحقاق ذلك واتصافه به وأحق بأن لا يكون ذلك ممتنعًا في حقه، وذكر أحمد في ضمن هذا القياس قول الله تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الروم: ٢٧] مطابق لما ذكرناه من أن الله له قياس الأولى والأحرى .. وأما المثل المساوي أو الناقص فليس لله بحال) (٦) اهـ.\nوقد حكى ابن هبيرة هذه الطريقة عن عامة أهل السنة والجماعة فقال في كتابه الإفصاح: (إن أهل السنة يحكون: أن النطق بإثبات الصفات وأحاديثها يشتمل على كلمات متداولات بين الخالق وخلقه، وتحرجوا من أن يقولوا مشتركة، لأن الله تعالى لا شريك له، بل لله المثل الأعلى، وذلك هو قياس الأولى والأحرى، فكل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ٢/ ٤٦٣\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٢١ - ٣٨) و«درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٣٧).\n(٢) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٣٠).\n(٣) «الرد على الزنادقة والجهمية» (ص: ٣٨ - ٣٩).\n(٤) «نقض التأسيس» (٢/ ٥٤٣).\n(٥) «الرد على الزنادقة والجهمية» للإمام أحمد (ص: ٣٩).\n(٦) «نقض التأسيس» (٢/ ٥٤٦).","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>المطلب الأول: حكم استعمال الأقيسة في حق الرب ﷾</span>\nوأما القسم الثاني - وهو دلائل هذه المسائل الأصولية - فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين المتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق فدلالته موقوفة علي العلم بصدق المخبر ويجعلون ما يبني عليه صدق المخبر معقولات محضة - فقد غلطوا في ذلك غلطا عظيما بل ضلوا ضلالا مبينا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد بل الأمر ما عليه سلف الأمة أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه وتعالي بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته علي أحسن وجه وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه التي قال فيها: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ [الزمر: ٢٧] فإن الأمثال المضروبة هي الأقيسة العقلية سواء كانت قياس شمول أو قياس تمثيل ويدخل في ذلك ما يسمونه براهين وهو القياس الشمولي المؤلف من المقدمات اليقينية وإن كان لفظ البرهان في اللغة أعم من ذلك كما سمي الله آيتي موسى برهانين: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ [القصص: ٣٢] ومما يوضح هذا أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع ولا بقياس شمولي تستوي فيه أفراده فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يجوز أن يدخل تحت قضية كلية تستوي أفرادها ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى اليقين بل تناقضت أدلتهم وغلب عليهم - بعد التناهي - الحيرة والاضطراب لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولي سواء كان تمثيلا أو شمولا كما قال تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل: ٦٠] مثل أن يعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو المحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه - وهو ما كان كمالا للموجود غير مستلزم للعدم - فالواجب القديم أولى به وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق المربوب المعلول المدبر فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره فهو أحق به منه وأن كل نقص وعيب في نفسه - وهو ما تضمن سلب هذا الكمال إذا وجب نفيه عن الرب ﵎ بطريق الأولى وأنه أحق بالأمور الوجودية من كل موجود وأما العدمية بالممكن المحدث بها أحق ونحو ذلك ومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب كما استعمل نحوها الإمام أحمد ومن قبله وبعده من أئمة أهل الإسلام وبمثل ذلك جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد ونحو ذلك ومثال ذلك أنه سبحانه لما أخبر بالمعاد - والعلم به تابع للعلم بإمكانه فإن الممتنع لا يجوز أن يكون - بين سبحانه إمكانه أتم بيان ولم يسلك في ذلك ما يسلكه طوائف من أهل الكلام حيث يثبتون الإمكان الخارجي بمجرد الإمكان الذهني فيقولون: هذا ممكن لأنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير وجوده محال فإن الشأن في هذه المقدمة فمن أين يعلم أنه لا يلزم من تقدير وجوده محال؟ فإن هذه قضية كلية سالبة فلا بد من العلم بعموم هذا النفي وما يحتج به بعضهم على أن هذا ممكن بأنا لا نعلم امتناعه كما نعلم امتناع الأمور الظاهر امتناعها مثل كون الجسم متحركا ساكنا فهذا كاحتجاج بعضهم علي أنها ليست بديهية بأن غيرها من البديهيات أجلى منها وهذه حجة ضعيفة لأن البديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به والمتصوران قد يكونان خفيين فالقضايا تتفاوت في الجلاء والخفاء لتفاوت تصورها كما تتفاوت لتفاوت الأذهان وذلك لا يقدح في كونها ضرورية ولا يوجب","vol":"1","page":426},{"text":"أن ما لم يظهر امتناعه يكون ممكنا بل قول هؤلاء أضعف لأن الشيء قد يكون ممتنعا لأمور خفية لازمة له فما لم يعلم انتفاء تلك اللوازم أو عدم لزومها لا يمكن الجزم بإمكانه والمحال هنا أعلم من المحال لذاته أو لغيره والإمكان الذهني حقيقته عدم العلم بالامتناع وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجي بل يبقى الشيء في الذهن غير معلوم الامتناع ولا معلوم الإمكان الخارجي وهذا هو الإمكان الذهني فإن الله ﷾ لم يكتف في بيان إمكان المعاد بهذا إذ يمكن أن يكون الشيء ممتنعا ولو لغيره وإن لم يعلم الذهن امتناعه بخلاف الإمكان الخارجي فإنه إذا علم بطل أن يكون ممتنعا والإنسان يعلم الإمكان الخارجي: تارة بعلمه بوجود الشيء وتارة بعلمه بوجود نظيره وتارة تعلمه بوجود ما الشيء أولى بالوجود منه فإن وجود الشيء دليل علي أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه ثم إنه إذا تبين كون الشيء ممكنا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه إن لم يعلم قدرة الرب على ذلك درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ١٩\nوأسماء الله توقيفية فلا يسمى سبحانه إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ ولا يجوز أن يسمى باسم عن طريق القياس أو الاشتقاق من فعل ونحوه خلافًا للمعتزلة والكرَّامية فلا يجوز تسميته بناءً ولا ماكرًا ولا مستهزئًا أخذًا من قوله تعالى: وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات:٤٧] وقوله: وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ [آل عمران:٥٤] وقوله: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:١٥] ولا يجوز تسميته زارعًا، ولا ماهدًا ولا فالقًا ولا منشئًا ولا قابلًا، ولا شديدًا، ونحو ذلك آخذًا من قوله تعالى: أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة:٦٤] وقوله فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ [الذاريات:٤٨] وقوله أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ [الواقعة:٧٢] وقوله تعالى فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى [الأنعام:٩٥] وقوله وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ [غافر:٣] لأنها لم تستعمل في هذه النصوص إلا مضافة وفي أخبار على غير طريق التسمي لا مطلقة فلا يجوز استعمالها إلا على الصفة التي وردت عليها في النصوص الشرعية فيجب ألا يعبَّد في التسمية إلا لاسم من الأسماء التي سمى بها نفسه صريحًا في القرآن أو سماه بها رسوله ﷺ فيما ثبت عنه من الأحاديث كأسمائه التي في آخر سورة الحشر، والمذكورة أول سورة الحديد، المنشورة في سور أخرى من القرآن وصلى الله عليه وسلم شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٢٥٩","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>المطلب الثاني: حكم تعميم دلالة النص على الاسم والصفة والذات</span>\nدلالة النصوص نوعان حقيقة وإضافية فالحقيقة تابعة لقصد المتكلم وإرادته وهذه الدلالة لا تختلف والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه وجودة فكره وقريحته وصفاء ذهنه ومعرفته بالألفاظ ومراتبها وهذه الدلالة تختلف اختلافا متباينا بحسب تباين السامعين في ذلك وقد كان أبو هريرة وعبد الله بن عمر أحفظ الصحابة للحديث وأكثرهم رواية له وكان الصديق وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أفقه منهما بل عبد الله بن عباس أيضا أفقه منهما ومن عبد الله بن عمر وقد أنكر النبي ﷺ - على عمر فهمه إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله إنك ستأتيه وتطوف به فإنه لا دلالة في هذا اللفظ في تعيين العام الذي يأتونه فيه وأنكر على عدي بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفس العقالين وأنكر على من فهم من قوله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردلة من كبر شمول لفظه لحسن الثوب وحسن النعل وأخبرهم أنه بطر الحق وغمط الناس وأنكر على من فهم من قوله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه أنه كراهة الموت وأخبرهم أن هذا للكافر إذا احتضر وبشر بالعذاب فإنه حينئذ يكره لقاء الله والله يكره لقاءه وأن المؤمن إذا احتضر وبشر بكرامة الله أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وأنكر على عائشة إذ فهمت من قوله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا معارضته لقوله ﷺ من نوقش الحساب عذب وبين لها أن الحساب اليسير هو العرض أي حساب العرض لا حساب المناقشة وأنكر على من فهم من قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة وأنه لا يسلم أحد من عمل السوء وبين أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهم والحزن والمرض والنصب وغير ذلك من مصائبها وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة وأنكر على من فهم من قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون أنه ظلم النفس بالمعاصي وبين أنه الشرك وذكر قول لقمان لابنه إن الشرك لظلم عظيم مع أن سياق اللفظ عند إعطائه حقه من التأمل يبين ذلك فإن الله سبحانه لم يقل ولم يظلموا أنفسهم، بل قال: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام:٨٢] إعلام الموقعين عن رب العالمين لمحمد بن أبي بكرابن قيم الجوزية - ١/ ٣٥٠","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>المطلب الثالث: حكم الاستدلال بالتشبيه نفيا وإثباتا</span>\nأن لفظ (التشبيه) و(التركيب) لفظ فيه إجمال وهؤلاء أنفسهم - هم وجماهير العقلاء - يعلمون أن ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك ونفي ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله ﷾ إذ هو سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولهذا اتفق جميع طوائف المسلمين وغيرهم على الرد على هؤلاء الملاحدة وبيان أنه ليس كل ما اتفق شيئان في شيء من الأشياء يجب أن يكون أحدهما مثلا للآخر ولا يجوز أن ينفي عن الخالق سبحانه كل ما يكون فيه موافقة لغيره في معنى ما فإنه يلزمه عدمه بالكلية كما فعله هؤلاء الملاحدة بل يلزم نفي وجوده ونفي عدمه وهو غاية التناقض والإلحاد والكفر والجهل درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٣/ ٦٧","vol":"1","page":429},{"text":"فيما يجوز وما لا يجوز على الله من النفي والإثبات أنه لقائل أن يقول: لا بد في هذا الباب من ضابط يعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد وذلك أنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له في الاسم لزمك هذا في سائر ما تثبته وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجب له ما يجب له ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه كما في الأسماء والصفات المتواطئة ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسرا بمعنى من المعاني ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا: إنه مشبه ومنازعوهم يقولون: ذلك المعنى ليس من التشبيه وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبه ممثل فمن قال إن لله علما قديما أو قدرة قديمة كان عندهم مشبها ممثلا لأن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف الإله فمن أثبت له صفة قديمة فقد أثبت لله مثلا قديما ويسمونه ممثلا بهذا الاعتبار ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا بل يقولون: أخص وصفه لا يتصف به غيره مثل كونه رب العالمين وأنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير وأنه إله واحد ونحو ذلك والصفة لا توصف شيء من ذلك ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات إنها قديمة بل يقول: الرب بصفاته قديم ومنهم من يقول: هو قديم وصفته قديمة ولا يقول: هو وصفاته قديمان ومنهم من يقول: هو وصفاته قديمان ولكن يقول: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه فإن القدم ليس من خصائص الذات المجردة بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم فضلا عن أن تختص بالقدم وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم والصفات متصفة بالقدم وليست الصفات إلها ولا ربا كما أن النبي محدث وصفاته محدثة وليست صفاته نبيا فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل: كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك ثم تقول لأولئك: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيها فهذا المعنى لم ينفعه عقل ولا سمع وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية والقرآن قد نفى مسمى المثل والكفء والند ونحو ذلك ولكن يقولون الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفؤه ولا نده فلا يدخل في النص وأما العقل: فلم ينف مسمى التشبيه في اصطلاح المعتزلة وكذلك أيضا يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز والأجسام متماثلة فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلا لسائر الأجسام وهذا هو التشبيه وكذلك يقول: هذا كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات وينفون علوه على العرش وقام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك ويقولون: الصفات قد تقوم بما ليس بجسم وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسما فلو أثبتنا علوه للزم أن يكون جسما وحينئذ فالأجسام متماثلة فيلزم التشبيه فلهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه مشبها ولا يسمون من أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبها كما يقول صاحب الإرشاد وأمثاله وكذلك يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله من مثبتة الصفات والعلو لكن هؤلاء يجعلون العلو صفة خبرية كما هو أول قولي","vol":"1","page":430},{"text":"القاضي أبي يعلى فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه وقد يقولون: إن ما يثبتونه لا ينافي الجسم كما يقولونه في سائر الصفات والعاقل إذ تأمل وجد الأمر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق وأصل كلا م هؤلاء كلهم على إثبات الصفات مستلزم للتجسيم والأجسام متماثلة والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى وتارة بمنع المقدمة الثانية وتارة بمنع كل من المقدمين وتارة بالاستفصال ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل سواء فسروا الجسم بما يشار إليه أو بالقائم بنفسه أو بالموجود أو بالمركب من الهيولي والصورة ونحو ذلك فإما يبنى على صحة ذلك وعلى إثبات الجوهر الفرد وعلى أنه متماثل وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك والمقصود: هنا أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيما بناء على تماثل الأجسام والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم كإطلاق الرافضة النصب على من تولى أبا بكر وعمر ﵄ بناء على أن من أحبهما فقد بغض عليا ﵁ ومن أبغضه فهو ناصبي وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى ولهذا يقول هؤلاء: إن الشيئين لا يشبهان من وجه ويختلفان من وجه وأكثر العقلاء على خلاف ذلك وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبينا فيه حجج من يقول بتماثل الأجسام وحجج من نفي ذلك وبينا فساد قول من يقول بتماثلها وأيضا فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتماد باطل وذلك أنه إذا أثبت تماثل الأجسام عما لا ينفون ذلك إلا بالحجة التي ينفون بها الجسم وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم وثبت امتناع الجسم: كان هذا وحده كافيا في نفي ذلك لا يحتاج نفي ذلك إلى نفي مسمى التشبيه لكن نفي التجسيم يكون مبنيا على نفي هذا التشبيه بأن يقال: لو ثبت له كذا وكذا لكان جسما ثم يقال: والأجسام متماثلة فيجب اشتراكها فيما يجب ويجوز ويمتنع وهذا ممتنع عليه لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمدا في نفي التشبيه على نفي التجسيم فيكون أصل نفيه نفي الجسم وهذا مسلك آخر سنتكلم عليه إن شاء الله وإنما المقصود هنا: أن مجرد الاعتماد في نفي ما ينفي على مجرد نفي التشبيه لا يفيد إذ ما من شيئين إلا يشتبهان من وجه بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب ونحو ذلك مما هو سبحانه مقدس عنه فإن هذه طريقة صحيحة وكذلك إذا أثبت له صفات الكمال ونفي مماثلة غيره له فيها فإن نفي المماثلة فيما هو مستحق له وهذا حقيقة التوحيد: وهو أن لا يشركه شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا يماثله فيه أحد ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف به نفسه من الصفات ونفي مماثلته بشيء من المخلوقات فإن قيل: هب الأمر كذلك ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب سبحانه ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعا كما إذا قيل: إنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض المخلوقات حيا سميعا عليما بصيرا فإذا قيل: يلزم أنه يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه موجودا حيا عليما سميعا بصيرا قيل: لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعا على الرب تعالى فإن ذلك لا يقتضي حدوثا ولا مكانا ولا نقصا ولا شيئا مما ينافي صفات الربوبية وذلك أن القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود أو الحياة أو الحي أو العلم أو العليم أو السمع أو البصر أو السميع أو البصير أو القدرة أو القدير والقدير المشترك مطلق كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث ولا فيما يخص بالواجب القديم فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال كالوجود والحياة والعلم والقدر ولم يكن في","vol":"1","page":431},{"text":"ذلك شيء مما يدل على خصائص المخلوقين كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق لم يكن في إثبات هذا محذور أصلا بل إثبات هذا من لوازم الوجود فكل موجودين لا بد بينهما من مثل هذا ومن نفي هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئا وربما قالت الجهمية هو شيء لا كالأشياء فإن نفي القدر المشترك مطلقا لزم التعطيل العام والمعاني التي يوقف بها الرب تعالى كالحياة والعلم والقدر بل الوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك: يجب لوازمها فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوقات من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك والله سبحانه منزه عن خصائص المخلوقين وملزومات خصائصهم وهذا الموضع من فهمه فهما جيدا وتدبره: زالت عنه عامة الشبهات وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام وقد بسط هذا في مواضع كثيرة وبين فيها أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينا مقيدا وإن معنى اشتراك الموجودات في أمر هو تشابهها من ذلك الوجه وإن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا لأن الموجودات في الخارج لا يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس متناقضا في هذا المقام فتارة يظن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات حذرا من ملزومات التشبيه وتارة يتفطن انه لا بد من إثبات هذا على تقدير فيجب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة ولكثرة الاشتباه في هذا المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي أو التواطؤ أو التشكيك؟ كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها وفي أن المعدوم هل هو شيء أو لا؟ وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟ وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها وتارة يبقى في الشك والتحير وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات وما وقع من اشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة مالا تتسع له هذه الجمل المختصرة وبينا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودين في الخارج بخلاف الماهية التي الذهن فإنهما مغيرة للموجود في الخارج وأن لفظ الذات والشيء والماهية والحقيقة ونحو ذلك فهذه الألفاظ كلها متواطئة فإذا قيل: إنها مشككة لتفاضل معانيها فالمشكك نوع من المتواطئ العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك سواء كان المعنى متفاضلا في موارده أو متماثلا وبينما أن المعدوم شيء أيضا في العلم والذهن لا في الخارج فلا فرق بين الثبوت والوجود لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف: لها وجود في الأذهان وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة بها المعينة فتتشابه بذلك وتختلف به وأما هذه الجملة المختصرة فإن المقصود بها التنبيه على جمل جامعة من فهمها علم قدر نفعها وانفتح له باب الهدى وإمكان إغلاق باب إضلال ثم بسطها وشرحها له مقام آخر إذ لكل مقام مقال والمقصود: هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفي عن الرب وينزه عنه - كما يفعله كثير من المصنفين - خطأ لمن تدبر ذلك وهذا من طرق النفي الباطلة الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ٧٣","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>المطلب الرابع: حكم التجسيم نفيا وإثباتا</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀: وأما لفظ الجسم والجوهر والمتحيز والمركب والمنقسم فلا يوجد له ذكر في كلام أحد من السلف كما لا يوجد له ذكر في الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات إلا بالإنكار على الخائضين في ذلك من النفاة الذين نفوا ما جاءت به النصوص والمشبهة الذين ردوا ما نفته النصوص كما ذكرنا أن أول من تكلم بالجسم نفيا وإثباتا هم طوائف من الشيعة والمعتزلة وهم من أهل الكلام الذين كان السلف يطعنون عليهم وهم في مثل هذا على المعتزلة أعظم إنكارا إذ المتشيعة لم يشتهر عن السلف الإنكار عليهم إلا فيما هو من توابع التشيع مثل مسائل الإمامة التي انفردوا بها عن الأمة وتوابعها بخلاف مسائل الصفات والقدر فإن طعنهم فيه على المعتزلة معروف مشهور ظاهر عند الخاص والعام مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ٥٤\nوقال ﵀: فإن أراد بقوله ليس بجسم هذا المعنى قيل له: هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول وأنت لم تقم دليلا على نفيه وأما اللفظ فبدعة نفيا وإثباتا فليس في الكتاب ولا السنة ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها إطلاق لفظ الجسم في صفات الله تعالى لا نفيا ولا إثباتا وكذلك لفظ الجوهر والمتحيز ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع أهل الكلام المحدث فيها نفيا وإثباتا وإن قال كل ما يشار إليه ويرى وترفع إليه الأيدي فإنه لا يكون إلا جسما مركبا من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة قيل له هذا محل نزاع فأكثر العقلاء ينفون ذلك وأنت لم تذكر على ذلك دليلا وهذا منتهى نظر النفاة فإن عامة ما عندهم أن ما تقوم به الصفات ويقوم به الكلام والإرادة والأفعال وما يمكن رؤيته بالأبصار لا يكون جسما مركبا من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة وما يذكرونه من العبارة فإلى هذا يعود وقد تنوعت طرق أهل الإثبات في الرد عليهم فمنهم من سلم لهم أنه يقوم به الأمور الاختيارية من الأفعال وغيرها ولا يكون إلا جسما ونازعهم فيما يقوم به من الصفات التي يتعلق منها شيء بالمشيئة والقدوة ومنهم من نازعهم في هذا وهذا وقال بل لا يكون هذا جسما ولا هذا جسما ومنهم من سلم لهم أنه جسم ونازعهم في كون القديم ليس بجسم مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ٥٥٠","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>المطلب الأول: تأثير عارض الجهل على توحيد الأسماء والصفات</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – في معرض حديثه عن توحيد الأسماء والصفات: (الأصل في هذا الباب أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه. وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه – مع ما أثبته من الصفات – من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠].\nفمن عدل بأسماء الله وصفاته عن حقائقها ومعانيها الصحيحة، فقد وقع في الإلحاد. والإلحاد في أسماء الله وصفاته أنواع:\n(النوع الأول: أن تسمى الأصنام بها، كتسمية اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان.\nالنوع الثاني: تسميتة ﷾ بما لا يليق به، كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا أو علة فاعلة.\nالنوع الثالث: وصفه ﷾ بما ينزه عنه من النقائص، كقول اليهود الذين قالوا: إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [آل عمران: ١٨١]، وقولهم يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤]، وأنه استراح يوم السبت، تعالى الله عما يقولون.\nالنوع الرابع: جحد معانيها وحقائقها، كقول الجهمية إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني، فالسميع لا يدل على سمع، والبصير لا يدل على بصر، والحي لا يدل على حياة، ونحو ذلك.\nالنوع الخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه، كقول المثل: يده كيدي إلى غير ذلك، تعالى الله.\nوقد توعد الله الملحدين في أسمائه وآياته بأشد الوعيد، فقال سبحانه في الآية (١٨٠) من سورة الأعراف: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ، وقال في الآية (٤٠) من سورة فصلت: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) (١).\nغير أن الإلحاد يختلف حكمه من شخص لآخر، فمن ألحد كفرا وعنادا، ليس كمن ألحد جهلًا وتأولًا وهو مؤمن ومن غير قصد للإلحاد. فهذا الإمام ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٧ - ٧٩]، يورد سبب نزولها وأنها في أبي بن خلف، فقال: (قال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة: جاء أبي بن خلف – لعنه الله – إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم، وهو يفته ويذروه في الهواء وهو يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟، قال ﷺ «نعم، يُميتك الله ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار» (٢).\n_________\n(١) «شرح العقيدة الواسطية» للفوزان (ص: ١٦).\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ٥٥٣ - ٥٥٤)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٥٨٨).","vol":"1","page":434},{"text":"ثم أورد بعد ذلك قصة الرجل المسرف على نفسه الذي دفعه عظم خوفه من الله إلى أن يوصي أهله بأن يحرقوه إذا مات ويذروا رماده في الهواء، ظنا منه أن الله لا يقدر على جمعه. وفي الحديث أنه غُفر له بخوفه من الله، ...... أورد هذا وذاك للتفريق بين المناطين، حيث إن في كل حالة من الحالتين إنكارًا لقدرة الله تعالى على جمع الرميم المتفرق، ولكن الأول كان كافرًا معاندًا، فكان من أهل النار، «نعم، يميتك الله ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار». والثاني كان مؤمنًا جاهلًا شديد الخوف من الله تعالى، فغفر له، والله أعلم. الشاهد من هذا أنه لابد من التفريق في مثل هذه المسائل بين جاهل أو متأول لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وبين جاحد معاند.\nوعلى هذا الأساس كانت معاملة أئمة أهل السنة مع الفرق التي ضلت في باب الأسماء والصفات؛ لأنها إنما ضلت بسبب الشبهات التي عرضت لها – بسبب بُعدها عن النقل الصحيح، وجريها خلف سراب المعقولات، وأهمها شبهة التشبيه أو التجسيم، مما دعاهم إلى المبالغة في تنزيه الله تعالى على غير منهج الكتاب والسنة.\nفالجهل في هذه المسألة عذر معتبر، وكذلك الشبهة والتأول. فلو لم تكن هذه الأحوال عذرا، للزم تكفير المتكلمين بتأويلهم لنصوص الصفات، وحملهم لها على المجاز، وأنها ليست ثابتة لله على الحقيقة؛ لظنهم أن ذلك يستلزم تشبيه الله بخلقه. فردهم لنصوص الصفات مبني على إرادة التنزيه لله عن مشابهة خلقه – حسب ظنهم -، وعلى هذا فهم لم يريدوا رد تلك النصوص تكذيبا بها (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: (فالإمام أحمد ﵁ ترحم عليهم (يعني: الجهمية) واستغفر لهم؛ لعلمه بأنه لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال ذلك لهم) (٢).\nوقال – ﵀ – عن نفسه: (كنت أقول للجهمية من الحلولية، والنفاة الذين نفوا أن لله فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم، كنت كافرا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال. وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم، وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له) (٣). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش– بتصرف - ص: ٣٩٥\n_________\n(١) انظر: «ضوابط التكفير عند أهل السنة» (ص: ٢٤٤).\n(٢) «المسائل الماردينية» (ص: ٦٩).\n(٣) «الرد على البكري» (ص: ٢٥٩).","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>المطلب الثاني: حكم الجهل ببعض أسماء الله وصفاته وأدلته</span>\nقضية الجهل ببعض أسماء الله وصفاته من القضايا التي يمثل بها أهل العلم على العذر بالجهل فيما يتعلق بقضايا التوحيد، وأن المخطئ فيها بجحد أو نكران لا يكفر، حتى تقام عليه الحجة التي يكفر تاركها؛ لأن الأسماء والصفات من المسائل العقدية التي لابد من ورود النص الشرعي بها، ولا تثبت بالعقل أو الرؤيا أو الذوق ونحو ذلك. صحيح أن العقل يدركها بالفطرة، ولكن العقل .... تابع للنقل الصحيح.\nقال الإمام الشافعي –﵀-: (لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه، فقط كفر. وأما قبل قيام الحجة، فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية ولا الفكر، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه، كما نفى عن نفسه فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]) (١).\nوقال الإمام النووي – ﵀ -: (قال القاضي: وممن كفره بذلك - أي بجهل الصفة - ابن جرير الطبري، وقاله أبو الحسن الأشعري أولًا. وقال الآخرون: لا يكفر بجهل الصفة، ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري، وعليه استقر قوله؛ لأنه لم يعتقد بذلك اعتقادًا يقطع بصوابه، ويراه دينًا وشرعًا، وإنما يكفر من يعتقد أن مقالته حق. قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات، لوجد العالم بها قليلًا) (٢).\nوقال ابن قتيبة – ﵀ -: (قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين، فلا يكفرون بذلك) (٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: (وقول طائفة من أهل الكلام: إن الصفات الثابتة بالعقل هي التي يجب الإقرار بها ويكفر تاركها، بخلاف ما ثبت بالسمع، فإنهم تارة ينفونه، وتارة يتأولونه أو يفوضون معناه وتارة يثبتونه، لكن يجعلون الإيمان والكفر متعلقا بالصفات العقلية. فهذا لا أصل له عن سلف الأمة وأئمتها؛ إذ الإيمان والكفر هما من الأحكام التي ثبتت بالرسالة، وبالأدلة الشرعية يميز بين المؤمن والكافر، لا بمجرد الدلالة العقلية) (٤).\nوقال الشيخ عبد الله البابطين: (من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها، كفر، وإن كان يجهلها، لم يكفر) (٥).\nوالقياس هنا يكون بالنظر إلى بيئة كل واحد منهما من حيث مظنة العلم أو عدمها، وبالنظر إلى قدرات كل واحد منهما الإدراكية والعلمية. قال شيخ الإسلام – ﵀ -: (ولهذا كان الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته، لا يكون صاحبه كافرًا إذا كان مقرا بما جاء به الرسول ﷺ، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يتقضي كفره إذا لم يعلمه) (٦).\nوالأدلة على عذر الجاهل ببعض الأسماء والصفات الإلهية، فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة الشرعية ثم يعاند. الأدلة على هذا كثيرة، نذكر منها ما يلي:\n- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كان رجل يُسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا. فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت، قال: يا رب خشيتك فغفر له» (٧).\n_________\n(١) «فتح الباري» (١٣/ ٤٠٧).\n(٢) «شرح مسلم» للنووي (٥/ ٥٩٨ - ٥٩٩).\n(٣) «فتح الباري» (٦/ ٥٢٣).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٢٨).\n(٥) «عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعين» (ص: ١٨).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٣٨).\n(٧) رواه البخاري (٣٤٨١).","vol":"1","page":436},{"text":"- قال الحافظ ابن عبد البر – ﵀ -: (اختلف العلماء في معناه، فقال منهم قائلون: هذا رجل جهل بعض صفات الله ﷿ وهي القدرة، فلم يعلم أن الله على ما يشاء قدير. قالوا: ومن جهل صفة من صفات الله ﷿ وآمن بسائر صفاته وعرفها، لم يكن بجهل بعض صفات الله كافرًا، قالوا: وإنما الكافر من عاند الحق لا من جهله. وهذا قول المتقدمين من العلماء ومن سلك سبيلهم من المتأخرين) (١). ثم قال: (وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدرته، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان) (٢)؛ ثم استدل على ما ذهب إليه بحال الصحابة – ﵃ -، حيث كانوا يسألون عن القدر، كقولهم: يا رسول الله، أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ (٣)، ثم قال: (ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، أو يكونوا في حين سؤالهم عنه غير مؤمنين ... ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه. ولو كان لا يسعهم جهله وقتا من الأوقات، لعلمهم ذلك مع الشهادتين بالإيمان، وأخذ ذلك عليهم في حين إسلامهم) (٤).\n- وقال الإمام الخطابي – ﵀ -: (وقد يستشكل هذا، فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟، والجواب أنه لم ينكر البعث، وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب ...) (٥).\n- وقال الإمام ابن حزم – ﵀ -: (فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله ﷿ يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله) (٦).\n- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀-: (فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت، كفر، لكن كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًا في هذا الظن مخطئا. فغفر الله له ذلك ... فغاية ما في الأمر أنه كان رجلًا لم يكن عالمًا بجميع ما يستحقه الله من الصفات، وبتفصيل أنه القادر. وكثير من المؤمنين قد يجهل ذلك، فلا يكون كافرًا) (٧).\n- واستشهد الحافظ ابن القيم – ﵀ بهذا الحديث عند حديثه عن كفر الجحود، فاستثنى منه من جحد صفة وصف الله بها نفسه جهلا، فقال: (كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح. ومع هذا فقد غفر الله له ورحمه لجهله؛ إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه، ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا أو تكذيبًا) (٨).\n- وقال الإمام ابن الوزير: (وأما جهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالًا، فلا يكون كفرا، إلا لو علم أن الأنبياء جاؤوا بذلك، وأنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحدًا منهم) (٩).\n- وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (فهذا الرجل اعتقد أنه إذا فعل بعد ذلك، لا يقدر الله على بعثه – جهلًا منه لا كفرًا ولا عنادًا -، فشك في قدرة الله على بعثه. ومع هذا غفر له ورحمه) (١٠).\n_________\n(١) «التمهيد» (١٨/ ٤٢).\n(٢) «التمهيد» (١٨/ ٤٦).\n(٣) أخرجه الإمام ابن عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ٤٧).\n(٤) «التمهيد» (١٨/ ٤٦ - ٤٧).\n(٥) «فتح الباري» (٦/ ٥٢٢).\n(٦) «الفصل» (٣/ ٢٩٦).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٩ - ٤١١). وانظر: (٣/ ٢٣١ و١٢/ ٤٩١)، و«الاستقامة» (١/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(٨) «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩).\n(٩) «إيثار الحق على الخلق» (ص: ٣٩٤).\n(١٠) «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":437},{"text":"ومن الأدلة على عذر من جهل بعض أسماء الله وصفاته كذلك ما روته أم المؤمنين عائشة – ﵂ – قالت: «ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ؟ قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي النبي فيها عندي، انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا وانتعل رويدًا، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويدًا. فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: ما لك يا عائش حشياء رائبة؟ قالت: قلت: لا شيء يا رسول الله، قال: لتخبرنني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم. فلهزني في ظهري لهزة فأوجعتني، وقال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله، قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟، قال: نعم ...» (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: (فهذه عائشة أم المؤمنين سألت النبي ﷺ: هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟، فقال لها النبي ﷺ: نعم. وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان. وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء، هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب، ولهذا لهزها النبي ﷺ، وقال: «أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟». وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع. فقد تبين أن هذا القول كفر، ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها) (٢). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: ٣٩٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٩٧٤).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤١٢ - ٤١٣).","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>المبحث الأول: مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء الحسنى</span>\nمذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء الحسنى هو مذهبهم في الصفات عمومًا. وذلك أن أسماء الله ﷾ دالة على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات. فهي أسماء وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى.\nوالذي درج عليه سلف الأمة ومن تابعهم بإحسان واتفقوا عليه هو: الإقرار والتصديق لآيات الأسماء الصفات وأحاديثها، وإمرارها كما جاءت وإثباتها، دون تشبيه، أو تعطيل، أو تحريف، أو تأويل.\nوإليك بعض النقول عنهم التي تثبت ذلك:\n١ - قال أحمد الدروقي: سمعت وكيعًا يقول: نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف كذا، ولا لم كذا، يعني مثل حديث: (يحمل السماوات على إصبع) (وقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن) (١).\n٢ - عن يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما يؤمن به فقال:\n(لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه أمته لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدول.\nفإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، أما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها.\nوتثبت هذه الصفات وينفى عنها التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]) (٢).\n٣ - وقال في الرسالة: ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه (٣).\n٤ - وعن محمد بن إسماعيل الترمذي: سمعت نعيم بن حماد يقول:\n(من شبه الله بخلقه فقد كفر. ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر. وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهًا) اهـ (٤).\nوقال الترمذي بعد روايته لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهرة ..» (٥) الحديث.\n(وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهم ولا يقال كيف.\nهكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذا الحديث: أمروها بلا (كيف)، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة) (٦).\nوأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه.\nوقد ذكر الله ﵎ في غير موضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات، وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده. وقالوا: إنما معنى اليد القوة.\nوقال إسحاق بن إبراهيم (هو ابن راهويه): إنما يكون التشبيه إذا قال:\n_________\n(١) رواه عبدالله بن أحمد في «السنة» (١/ ٢٦٧).\n(٢) رواه ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (ص: ١٢٤).\n(٣) «الرسالة» (ص: ٦).\n(٤) رواه الذهبي في «العلو» (ص: ٧٥)، وصححه الألباني في «مختصر العلو».\n(٥) رواه الترمذي (٦٦٢)، وأحمد (٢/ ٤٧١) (١٠٠٩٠)، والبخاري في «العلل الكبير» (١٠٧). وقال: [روي] عن عائشة وعن أبي هريرة أصح، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٢/ ١١٩). والحديث أصله في البخاري ومسلم.\n(٦) «سنن الترمذي» (٣/ ٥٠).","vol":"1","page":439},{"text":"يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع. فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله يد، وسمع، وبصر، ولا يقول: (كيف) ولا يقول: مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال الله تبارك في كتابه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] (١).\nوهذا ما ذهب إليه أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري الذي رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وترك ما كان عليه من علم الكلام المبتدع المخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ (٢).\nقال ﵀ في كتابه (اختلاف المصلين ومقالات المسلمين) بعد أن ذكر فرق الخوارج والروافض والجهمية وغيرهم:\n(ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث).\nجملة قولهم: الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه. ورسله، وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا يردون من ذلك شيئًا.\nوأن الله على عرشه كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وأن له يدين بلا (كيف) كما قال: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.\nوأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج.\nوأقروا أن لله علمًا كما قال: أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ.\nوأثبتوا السمع، والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة.\nإلى آخر كلامه في إثبات الصفات (٣).\nوهذه العقيدة هي التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين، وهي التي تلقاها التابعون منهم، وتواصوا بها جيلًا بعد جيل، محذرين بعضهم البعض من مخالفتها والشطط عنها.\nودان بهذه العقيدة أئمة السلف الماضين من المحدثين، والفقهاء، والمفسرين، واللغويين، والمصنفين.\nكيف لا، والله قد زكى اعتقاد نبيه ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين بقوله جل ثناؤه: فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ [البقرة: ١٣٧ - ١٣٨].\nفمذهب أهل الحق ... إثبات الأسماء الحسنى والواردة بالكتاب العزيز، وبالسنة المطهرة، والإيمان بها، وبما دلت عليه من المعاني، والإيمان بما تعلقت بها من الآثار.\nفمثلا نؤمن بأن الله سبحانه (رحيم) ومعناه: أنه ذو رحمة، ومن أثار هذا الاسم: أنه يرحم من يشاء.\nمثال ثان: نؤمن بأن الله (قدير) ومعناه: أنه ذو قدرة، ومن آثار هذا الاسم: أنه على كل شيء قدير، وهذا القول في جميع الأسماء. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود - ص ١٩\n_________\n(١) «سنن الترمذي» (٣/ ٥٠).\n(٢) انظر: «تبيين كذب المفتري» لابن عساكر (ص: ٣٨)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (٣/ ٢٨٥)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٢١٢)، «العلو للعلي الغفار» للذهبي (ص: ٢٢١)،\n(٣) «انظر مقالات الإسلاميين» من ص (٢٩٠).","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>المبحث الثاني: مسألة الاسم عين المسمى أو غيره</span>\nهذه المسألة من المسائل الحادثة التي لم يعرفها السلف الأوائل من الصحابة والتابعين، ولم ينقل عنهم أنهم خاضوا فيها، كما قال ابن جرير رحمه الله تعالى: ثم حدث في دهرنا هذا حماقات خاض فيها أهل الجهل والغباء، ونوكي الأمة، والرعاع، يتعب إحصاؤها ويمل تعدادها، فيها القول في اسم الشيء، أهو هو أم هو غيره.\nوقال: وأما القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى، فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيه شين والصمت عنه زين. اهـ (١).\nولكن لما كان الكلام في هذا الأمر مستمرًا من أهل البدع والضلالات، اضطر أهل السنة للرد على هؤلاء، وتفنيد أقوالهم الباطلة المخالفة لكتاب الله وسنة نبيه، وبيان الحق في هذه المسألة.\nوقبل أن ندخل في بيان هذه المسألة لنتعرف على المعنى اللغوي للفظة (اسم).\nقال الزجاج: معنى قولنا اسم هو مشتق من السمو وهو الرفعة، والأصل فيه: سمو مثل قنو وأقناء.\nوقال الجوهري مثله.\nقال ابن سيده: والاسم اللفظ الموضوع على الجوهر أو العرض لتفصل به بعضه من بعض كقولك مبتدئا: اِسم هذا كذا، وإن شئت قلت: اُسم هذا كذا.\nوقال أبو العباس: الاسم رسم وسمة توضع على الشيء تعرف به.\nقال الأزهري: ومن قال إن اسمًا مأخوذ من وسمت فهو غلط. لأنه لو كان اسم من سمته لكان تصغيره وسيمًا مثل تصغير عدةٍ وصلة وما أشبهها.\nقال ابن تيمية: وهو مشتق من (السمو) وهو العلو كما قال النحاة البصريون، وقال النحاة الكوفيون هو مشتق من (السمة) وهي العلامة، وهذا صحيح في (الاشتقاق الأوسط) وهو ما يتفق فيه حروف اللفظين دون ترتيبهما، فإنه في كليهما (السين والميم والواو) والمعنى صحيح، فإن السمة والسيما: العلامة، ومنه يقال: وسمته اسمه كقوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم: ١٦]. ومنه التوسم كقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر: ٧٥].\nلكن اشتقاقه من (السمو) هو الاشتقاق الخاص الذي يتفق فيه اللفظان في الحروف، وترتيبها، ومعناه أخص وأتم، فإنهم يقولون في تصريفه: سميت، ولا يقولون وسمت، وفي جمعه أسماء لا أوسام، وفي تصغيره سمي لا وسيم. ويقال لصاحبه مسمى لا يقال موسوم، وهذا المعنى أخص. فإن (العلو) مقارن (للظهور)، كلما كان الشيء أعلى كان أظهر.\nفالاسم يظهر به المسمى ويعلو، فيقال للمسمى: سمه أي أظهره، وأعله أي أعل ذكره بالاسم الذي يذكر به، لكن تارة بما يحمد به ويذكر تارة بما يذم به، كما قال تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [مريم: ٥٠]. وقال وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:٤] وقال وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ [الصافات٧٨:- ٧٩].\nوقال في النوع المذموم: وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص: ٤٢]. وقال تعالى: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [القصص: ٣]، فكلاهما ظهر ذكره، لكن هذا إمام في الخير، وهذا إمام في الشر.\nوما ليس له اسم، فإنه لا يذكر، ولا يظهر، ولا يعلو ذكره، بل هو كالشيء الخفي الذي لا يعرف، ولهذا يقال: الاسم دليل على المسمى، وعلم على المسمى ونحو ذلك.\nولهذا كان (أهل الإسلام والسنة) الذين يذكرون أسماء الله يعرفونه، ويعبدونه، ويحبونه، ويذكرونه، ويظهرون ذكره.\n_________\n(١) «صريح السنة» (١٧، ٢١).","vol":"1","page":441},{"text":"والملاحدة: الذين ينكرون أسماءه، وتعرض قلوبهم عن معرفته وعبادته، ومحبته وذكره، حتى ينسوا ذكره نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧]، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر: ١٩]. وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف: ٢٠٥].\nوالاسم يتناول اللفظ والمعنى المتصور في القلب، قد يراد به مجرد اللفظ، وقد يراد به مجرد المعنى فإنه من الكلام، والكلام اسم للفظ والمعنى، وقد يراد به أحدهما، ولهذا كان من ذكر الله بقلبه أو لسانه فقد ذكره، لكن ذكره بهما أتم.\nوالله تعالى قد أمر بتسبيح اسمه، وأمر بالتسبيح باسمه، كما أمر بدعائه بأسمائه الحسنى، فيدعى بأسمائه الحسنى، ويسبح اسمه، وتسبيح اسمه هو تسبيح له، إذ المقصود بالاسم المسمى، كما أن دعاء الاسم هو دعاء المسمى. قال تعالى: قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء: ١١٠] (١).\nبيان المسألة: قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله تعالى:\n(فصل في الاسم والمسمى، هل هو هو أو غيره؟ أولا يقال هو هو، ولا يقال هو غيره؟ أو هو له؟ أو يفصل في ذلك؟\nفإن الناس قد تنازعوا في ذلك، والنزاع اشتهر بعد الأئمة، بعد أحمد وغيره، والذي كان معروفًا عند (أئمة السنة) أحمد وغيره: الإنكار على الجهمية الذين يقولون أسماء الله مخلوقة، ويقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق.\nوهؤلاء هم الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول، لأن أسماء الله من كلامه، وكلام الله غير مخلوق، بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء.\nوالجهمية يقولون: كلامه مخلوق، وأسماؤه مخلوقة، وهو نفسه لم يتكلم بكلام يقوم بذاته، ولا سمى نفسه باسم هو المتكلم به، بل قد يقولون: إنه تكلم به وسمى نفسه بهذه الأسماء، بمعنى أنه خلقها في غيره، لا بمعنى أنه نفسه تكلم بها الكلام القائم به، فالقول في أسمائه هو نوع من القول في كلامه). اهـ (٢).\nويقول شارح العقيدة الطحاوية:\n(طالما غلط كثير من الناس في ذلك وجهلوا الصواب فيه. فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى.\nفإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك فهذا المراد به المسمى نفسه.\nوإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمَّى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال.\nفإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق. وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى) اهـ (٣).\nوزيادة في الإيضاح نقول إن الاسم يأتي في مواضع من الكلام ويراد به التسمية:\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٠٧) باختصار.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٥).\n(٣) «العقيدة الطحاوية» (١٣١).","vol":"1","page":442},{"text":"بوب لذلك البخاري في كتاب التوحيد: باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، وخرج بعدة أحاديث منها: الذكر الذي يقال عند النوم «باسمك ربي وضعت جنبي ..» (١)، وحديث أنس في التسمية عند الذبح (٢)، وحديث ابن عمر في النهي عن الحلف إلا بالله (٣).\nقال ابن بطال: (مقصوده بهذه الترجمة تصحيح القول بأن الاسم هو المسمى، فلذلك صحت الاستعاذة بالاسم كما صحت بالذات) اهـ (٤).\nوجاء في القرآن الكريم الأمر بتنزيه الاسم في قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وقوله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ، وقوله: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ فدل هذا على أنه أمر بتسبيح الله تعالى، ودل العقل على أن المسبح هو الله تعالى لا غيره. لأن تسبيح الاسم وذكره هو تسبيح المسمَّى وذكره.\nفإن المسبح والذاكر إنما يسبح اسمه ويذكر اسمه، فيقول: (سبحان ربي الأعلى) فهو نطق بلفظ ربي الأعلى، والمراد هو المسمى بهذا اللفظ، فتسبيح الاسم هو تسبيح المسمَّى.\nويأتي في موضع آخر ويراد به الاسم نفسه:\nكحديث أنس أن النبي ﷺ: «اتخذ خاتمًا من فضة ونقش فيه: محمد رسول الله» (٥)، فالمراد هنا نقش الاسم والتسمية.\nوقول النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» (٦)، فمعلوم أن المراد تحرك شفتاه بذكر اسم الله وهو القول ليس المراد أن الشفتين تتحرك بنفسه تعالى (٧).\nوكذا حديث «إن لله تسعة وتسعين اسما» (٨) المراد به التسمية.\nوأهل السنة والجماعة الذين قالوا بأن الاسم هو المسمى، لا ينازعون في أن الاسم غير المسمى من جهة أن الأسماء أقوال، وأنها ليست هي المسميات فهذا لا ينازع فيه أحد من العقلاء.\nلكنهم قالوا ذلك (أي أن الاسم هو المسمى) ردًا على الجهمية والمعتزلة الذين قالوا: إن الاسم غير المسمى، ويقصدون أن أسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق، وأن الله كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، وهذا كله من الباطل المعلوم شرعًا وعقلًا.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٣٢٠)، ومسلم (٢٧١٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) الحديث رواه البخاري (٥٥٦٥)، ومسلم (١٩٦٦).\n(٣) الحديث رواه أبو داود (٣٢٥١) والترمذي (١٥٣٥) وأحمد (٢/ ١٢٥) (٦٠٧٣) وابن حبان (١٠/ ١٩٩) والحاكم (٤/ ٣٣٠) من حديث عبد الله بن عمر، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث حسن، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٤٥٩) وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد»: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».\n(٤) «شرح صحيح البخاري» (١٠/ ٤٢٣).\n(٥) رواه البخاري (٥٨٧٧)، ومسلم (٢٠٩٢).\n(٦) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٧٥٢٤)، ورواه موصولًا ابن ماجه (٣٧٩٢)، وأحمد (٢/ ٥٤٠) (١٠٩٨٩)، وابن حبان (٣/ ٩٧) (٨١٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٩١) (٥٠٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٢/ ٧٠). من حديث أبي هريرة ﵁. قال ابن عساكر: [له متابعة]، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٢٤١): هذا إسناد حسن، وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٤٥٢): ذكره البخاري تعليقًا وصححه ابن حبان، وانظر: «تغليق التعليق» لابن حجر (٥/ ٣٦٢).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٩٨).\n(٨) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":443},{"text":"وهناك قول آخر في هذه المسألة ينقل عن أهل السنة وهو أن (الاسم للمسمى) ذكره ابن جرير حيث قال: (وحسب امرئ من العلم به، والقول فيه، أن ينتهي إلى قول الله ﷿ ثناؤه الصادق وهو قوله: قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء: ١١٠] (١). وقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]) اهـ (٢).\nشناعة قول الجهمية في هذه المسألة:\nقال ابن أبي حاتم في كتاب (الرد على الجهمية): ذكر نعيم بن حماد أن الجهمية قالوا: إن أسماء الله مخلوقة، لأن الاسم غير المسمى، وادعوا أن الله كان ولا وجود لهذه الأسماء ثم خلقها ثم تسمى بها.\nقال: قلنا لهم إن الله قال: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وقال: ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فأخبر أنه المعبود، ودل كلامه على اسمه بما دل به على نفسه، فمن زعم أن اسم الله مخلوق فقد زعم أن الله أمر نبيه أن يسبح مخلوقًا.\nونقل عن إسحاق بن راهويه عن الجهمية أن جهمًا قال: لو قلت إن لله تسعًا وتسعين اسمًا لعبدت تسعة وتسعين إلهًا. قال: فقلنا لهم عن الله أمر عباده أن يدعوه بأسمائه فقال وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا والأسماء جمع أقله ثلاثة، ولا فرق في الزيادة على الواحد بين الثلاثة وبين التسعة والتسعين (٣).\nوقالت الجهمية لمن قال: إن الله لم يزل بأسمائه وصفاته: قلتم بقول النصارى حيث جعلوا معه غيره.\nفأجابوا (أي أهل السنة): بأنا نقول إنه واحد بأسمائه وصفاته فلا نصف إلا واحدًا بصفاته كما قال تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وصفه بالوحدة مع أنه كان له لسان، وعينان، وأذنان، وسمع، وبصر، ولم يخرج بهذه الصفات عن كونه واحد، ولله المثل الأعلى (٤).\nوقال الشافعي: (من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة، لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة، لأنه مخلوق، وذاك غير مخلوق) (٥). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود -٢٣\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٠٧) باختصار.\n(٢) «صريح السنة» (٢٧).\n(٣) «الفتح» (١٣/ ٣٧٨).\n(٤) «الفتح» (١٣/ ٣٨١).\n(٥) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٢١١)، والذهبي في «العلو» (ص: ١٦٦).","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>القاعدة الأولى:</span>\nأسماء الله تعالى كلها حسنى\nأي بالغة في الحسن غايته، قال الله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الأعراف:١٨٠] وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا احتمالًا ولا تقديرًا مثال ذلك: \"الحي\" اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم، والقدرة، والسمع، والبصر وغيرها ومثال آخر: \"العليم\" اسم من أسماء الله متضمن للعلم الكامل، الذي لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، قال الله تعالى عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:٥٢] العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، سواء ما يتعلق بأفعاله، أو أفعال خلقه، قال الله تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [الأنعام:٥٩] وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [هود:٦] يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [التغابن:٤] ومثال ثالث: \"الرحمن\" اسم من أسماء الله تعالى متضمن للرحمة الكاملة، التي قال عنها رسول الله ﷺ «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (١) يعني أم صبي وجدته في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته، ومتضمن أيضًا للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:١٥٦] وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:٧] والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال مثال ذلك: \"العزيز الحكيم\" فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرًا فيكون كل منهما دالًا على الكمال الخاص الذي يقتضيه، وهو العزة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم، والجمع بينهما دال على كمال آخر وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلمًا وجورًا وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم، فيظلم ويجور ويسيء التصرف وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٩٩) ومسلم (٢٧٥٤). من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>القاعدة الثانية:</span>\nأسماء الله تعالى أعلام وأوصاف\nأعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله – ﷿ – وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص فـ \"الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم\" كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الله ﷾، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.\nوإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف، لدلالة القرآن عليه كما في قوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:١٠٧] وقوله: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:٥٨] فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، ولا بصير إلا لمن له بصر، وهذا أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل وبهذا علم ضلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل التعطيل وقالوا: إن الله تعالى سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة وهكذا وعللوا ذلك بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء وهذه العلة عليلة بل ميتة لدلالة السمع (١) والعقل على بطلانها أما السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة، مع أنه الواحد الأحد فقال تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [البروج:١٢ - ١٦] وقال تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى [الأعلى:١ - ٥] ففي هذه الآيات الكريمة أوصاف كثيرة لموصوف واحد، ولم يلزم من ثبوتها تعدد القدماء وأما العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف، حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي من صفات من اتصف بها، فهي قائمة به، وكل موجود فلابد له من تعدد صفاته، ففيه صفة الوجود، وكونه واجب الوجود، أو ممكن الوجود، وكونه عينًا قائمًا بنفسه أو وصفًا في غيره وبهذا أيضًا علم أن: \"الدهر\" ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى، ولأنه اسم للوقت والزمن، قال الله تعالى عن منكري البعث: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ [الجاثية:٢٤] يريدون مرور الليالي والأيام فأما قوله ﷺ: «قال الله – ﷿ -: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» (٢) فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى؛ وذلك أن الذين يسبون الدهر إنما يريدون الزمان الذي هو محل الحوادث، لا يريدون الله تعالى، فيكون معنى قوله: \"وأنا الدهر\" ما فسره بقوله: \"بيدي الأمر أقلب الليل والنهار\"، فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بين أنه يقلب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يمكن أن يكون المقلب (بكسر اللام) هو المقلب (بفتحها) وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص١١\n_________\n(١) السمع هو القرآن والسنة، وسيمر بك هذا التعبير كثيرًا فانتبه له.\n(٢) رواه البخاري (٤٨٢٦) ومسلم (٢٢٤٦). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>القاعدة الثالثة:</span>\nأسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعد، تضمنت ثلاثة أمور\nأحدها: ثبوت ذلك الاسم لله ﷿ الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿ الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها ولهذا استدل أهل العلم على سقوط الحد عن قطاع الطريق بالتوبة، استدلوا على ذلك بقوله تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة:٣٤] لأن مقتضى هذين الاسمين أن يكون الله تعالى قد غفر لهم ذنوبهم، ورحمهم بإسقاط الحد عنهم مثال ذلك: \"السميع\" يتضمن إثبات السميع اسمًا لله تعالى، وإثبات السمع صفة له وإثبات حكم ذلك ومقتضاه وهو أنه يسمع السر والنجوى كما قال تعالى: وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:١] دلت على وصف غير متعد تضمنت أمرين: أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله ﷿ الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿ مثال ذلك:\"الحي\" يتضمن إثبات الحي اسمًا لله – ﷿ – وإثبات الحياة صفة له القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص١٣","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>القاعدة الرابعة:</span>\nدلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن وبالالتزام\nمثال ذلك: (الخالق) يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام ولهذا لما ذكر الله خلق السموات والأرض قال: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:١٢] ودلالة الالتزام مفيدة جدًا لطالب العلم إذا تدبر المعنى ووفقه الله تعالى فهمًا للتلازم، فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة واعلم أن اللازم من قول الله تعالى، وقول رسول الله ﷺ، إذا صح أن يكون لازمًا فهو حق؛ وذلك لأن كلام الله ورسوله حق، ولازم الحق حق، ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازمًا من كلامه وكلام رسوله فيكون مرادًا وأما اللازم من قول أحدٍ سوى قول الله ورسوله، فله ثلاث حالات: الأولى: أن يذكر للقائل ويلتزم به، مثل أن يقول من ينفي الصفات الفعلية لمن يثبتها: يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله – ﷿ – أن يكون من أفعاله ما هو حادث فيقول المثبت: نعم، وأنا ألتزم بذلك فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالًا لما يريد ولا نفاد لأقواله وأفعاله كما قال تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف:١٠٩] وقال: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان:٢٧] وحدوث آحاد فعله تعالى لا يستلزم نقصًا في حقه الحال الثانية: أن يذكر له ويمنع اللازم بينه وبين قوله، مثل أن يقول النافي للصفات لمن يثبتها: يلزم من إثباتك أن يكون الله تعالى مشابهًا للخلق في صفاته فيقول المثبت: لا يلزم ذلك، لأن صفات الخالق مضافة إليه لم تذكر مطلقة حتى يمكن ما ألزمت به، وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به، كما أنك أيها النافي للصفات تثبت لله تعالى ذاتًا وتمنع أن يكون مشابهًا للخلق في ذاته، فأي فرق بين الذات والصفات؟! وحكم اللازم في هاتين الحالتين ظاهر الحال الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتًا عنه، فلا يذكر بالتزام ولا منع، فحكمه في هذه الحال ألا ينسب إلى القائل، لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر له فتبين له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله؛ لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم ولورود هذين الاحتمالين لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازمًا من قوله، لزم أن يكون قولًا له، لأن ذلك هو الأصل، لاسيما مع قرب التلازم قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر، وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم، فقد يغفل، أو يسهو، أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه، ونحو ذلك القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص١٤","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>القاعدة الخامسة:</span>\nأسماء الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها\nوعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص لقوله تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء:٣٦] وقوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف:٣٣] ولأن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه، جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص١٦","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>القاعدة السادسة:</span>\nأسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين\nلقوله ﷺ في الحديث المشهور: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (١) وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن لأحدٍ حصره، ولا الإحاطة به فأما قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» (٢) فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: \"إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة\" أو نحو ذلك إذن فمعنى الحديث: أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا فيكون قوله: (من أحصاها دخل الجنة) جملة مكملة لما قبلها، وليست مستقلة، ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة ولم يصح عن النبي ﷺ تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف قال شيخ الإسلام ابن تيميه في (الفتاوى) (ص ٣٨٣ جـ٦) من (مجموع ابن قاسم): تعيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتفاق أهل المعرفة بحديثه، وقال قبل ذلك ص ٣٧٩: إن الوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه اهـ\nوقال ابن حجر في (فتح الباري) (ص٢١٥ جـ١١) ط السلفية: ليست العلة عند الشيخين (البخاري ومسلم)، تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب، وتدليسه واحتمال الإدراج أهـ ولما لم يصح تعيينها عن النبي ﷺ اختلف السلف فيه، وروي عنهم في ذلك أنواع وقد جمعت تسعة وتسعين اسمًا مما ظهر لي من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص١٧\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٩١) (٣٧١٢)، وأبو يعلى في «المسند» (٩/ ١٩٨)، وابن حبان (٣/ ٢٥٣)، والطبراني (١٠/ ١٦٩) والحاكم (١/ ٦٩٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه فإنه مختلف في سماعه عن أبيه. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٣٦): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار إلا أنه قال: «وذهاب غمي» مكان «همي» والطبراني ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان. وقال ابن القيم في «شفاء العليل» (٢/ ٧٤٩): صحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢٦٧): إسناده صحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٩): صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>القاعدة السابعة:</span>\nالإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها، وهو أنواع: الأول: أن ينكر شيئًا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم وإنما كان ذلك إلحادًا لوجوب الإيمان بها وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها الثاني: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجعلها دالة عليه ميل بها عما يجب فيها الثالث: أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه، كتسمية النصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة)، وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية، فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها، كما أن هذه الأسماء التي سموه بها نفسها باطلة ينزه الله تعالى عنها الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله، على أحد القولين، فسموا بها أصنامهم؛ وذلك لأن أسماء الله تعالى مختصة به، لقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠] وقوله: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:٨] وقوله: لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الحشر:٢٤] فكما اختص بالعبادة وبالألوهية الحق، وبأنه يسبح له ما في السماوات والأرض فهو مختص بالأسماء الحسنى، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله – ﷿ – ميل بها عما يجب فيها والإلحاد بجميع أنواعه محرم؛ لأن الله تعالى هدد الملحدين بقوله: وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأعراف:١٨٠] ومنه ما يكون شركًا أو كفرًا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٢٦","vol":"1","page":451},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-291> الله</span>\nهو المألوه المعبود، ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، لما اتصف به من صفات الألوهية التي هي صفات الكمال شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٦٢\nوهو علم على ذاته ﵎ وكل الأسماء الحسنى تضاف إليه كما قال تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى [الأعراف:١٨٠] وقال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:٨] ألا ترى أنك تقول الرحمن من أسماء الله تعالى والرحيم من أسماء الله ونحو ذلك، ولا تقول الله من أسماء الرحمن، وقال النبي: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة» (١) واختلفوا في كونه مشتقا أو لا، ذهب الخليل وسيبويه وجماعة من أئمة اللغة والشافعي والخطابي وإمام الحرمين ومن وافقهم إلى عدم اشتقاقه لأن الألف واللام فيه لازمة فتقول يا الله ولا تقول يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام وقال آخرون إنه مشتق، واختلفوا في اشتقاقه إلى أقوال أقواها أنه مشتق من أله يأله إلهة، فأصل الاسم الإله فحذفت الهمزة وأدغمت اللام الأولى في الثانية وجوبا فقيل الله، ومن أقوى الأدلة عليه قوله تعالى: وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:٣] مع قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:٨٤] ومعناه ذو الألوهية التي لا تنبغي إلا له، ومعنى إله يأله إلهة عبد يعبد عبادة فالله المألوه أي المعبود ولهذا الاسم خصائص لا يحصيها إلا الله ﷿، وقيل إنه هو الاسم الأعظم معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٧٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":452},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-292> الإله</span>\nهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فقد دخل في هذا الاسم جميع الأسماء الحسنى، ولهذا كان القول الصحيح أن (الله) أصله (الإله) وأن اسم (الله) هو الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى والله أعلم قال الله تعالى: إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلًا [النساء:١٧١] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٨٨","vol":"1","page":453},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-293> الأكبر</span>\n(الأكبر) الذي السموات والأرض وما فيهن وما بينهما في كفه كخردلة في كف آحاد عباده له العظمة والكبرياء وهو أكبر كل شيء شهادة لا منازع له في عظمته وكبريائه ولا ينبغي العظمة والكبرياء إلا له ومن نازعه في صفة منهما أذاقه عذابه وأحل عليه غضبه ومن يحلل عليه غضبه فقد هوى معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- ص١٦٣","vol":"1","page":454},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-294> الأول، والآخر، والظاهر، والباطن</span>\nقال الله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:٣] هذه الأسماء الأربعة المباركة قد فسرها النبي ﷺ تفسيرًا جامعًا واضحًا فقال يخاطب ربه: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» (١) إلى آخر الحديث، ففسر كل اسم بمعناه العظيم، ونفى عنه ما يضاده وينافيه فتدبَّر هذه المعاني الجليلة الدالّة على تفرد الرب العظيم بالكمال المطلق والإحاطة المطلقة الزمانية في قوله (الأول والآخر) والمكانية في (الظاهر والباطن) فالأول يدل على أن كل ما سواه حادث كائن بعد أن لم يكن، ويوجب للعبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية، إذ السبب والمسبب منه تعالى والآخر يدل على أنه هو الغاية، والصمد الذي تصمد إليه المخلوقات بتألهها، ورغبتها، ورهبتها، وجميع مطالبها، (والظاهر) يدل على عظمة صفاته واضمحلال كل شيء عند عظمته من ذوات وصفات على علوه، (والباطن) يدل على إطلاعه على السرائر، والضمائر، والخبايا، والخفايا، ودقائق الأشياء، كما يدل على كمال قربه ودنوه ولا يتنافى الظاهر والباطن لأن الله ليس كمثله شيء في كل النعوت شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٧٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧١٣). من حديث سهيل بن سعد ﵁.","vol":"1","page":455},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-295> البر، الوهاب</span>\nقال الله تعالى: إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:٢٨] وقال سبحانه: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:٨] من أسمائه تعالى (البر الوهاب) الذي شمل الكائنات بأسرها ببره وهباته وكرمه، فهو مولى الجميل ودائم الإحسان وواسع المواهب شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٤٦","vol":"1","page":456},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-296> البصير</span>\nالذي أحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار الأرض والسماوات، حتى أخفى ما يكون فيها فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك فسبحان من تحيرت العقول في عظمته، وسعة متعلقات صفاته، وكمال عظمته، ولطفه، وخبرته بالغيب، والشهادة، والحاضر والغائب، ويرى خيانات الأعين وتقلبات الأجفان وحركات الجنان، قال تعالى: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:٢١٨ - ٢٢٠]، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:١٩]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [البروج:٩]، أي مطلع ومحيط علمه وبصره وسمعه بجميع الكائنات (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٨٦\n_________\n(١) «الحق الواضح المبين» (ص ٣٤ - ٣٦) و«شرح النونية» للهراس (٢/ ٧٢).","vol":"1","page":457},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-297> التواب</span>\nقال الله تعالى: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم [التوبة:١٠٤] (التواب) الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين فكل من تاب إلى الله توبة نصوحًا، تاب الله عليه فهو التائب على التائبين: أولا بتوفيقهم للتوبة والإقبال بقلوبهم إليه وهو التائب عليهم بعد توبتهم، قبولًا لها، وعفوًا عن خطاياهم (١) وعلى هذا تكون توبته على عبده نوعان: أحدهما: يوقع في قلب عبده التوبة إليه والإنابة إليه، فيقوم بالتوبة وشروطها من الإقلاع عن المعاصي، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها واستبدالها بعمل صالح والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها، فإن التوبة النصوح تجبُّ ما قبلها (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٠٩\n_________\n(١) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٣).\n(٢) «الحق الواضح المبين» (ص٧٤).","vol":"1","page":458},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-298> الحسيب</span>\nقال الله تعالى: وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا [النساء:٤] وقال سبحانه: أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:٦٢] والحسيب:\nهو الكافي للعباد جميع ما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم من حصول المنافع ودفع المضار\nوالحسيب بالمعنى الأخص هو الكافي لعبده المتقي المتوكل عليه كفاية خاصة يصلح بها دينه ودنياه\nوالحسيب أيضًا هو الذي يحفظ أعمال عباده من خير وشر ويحاسبهم، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:٦٤] أي كافيك وكافي أتباعك فكفاية الله لعبده بحسب ما قام به من متابعة الرسول ﷺ ظاهرًا وباطنًا وقيامه بعبودية الله تعالى (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٣١\n_________\n(١) «الحق الواضح المبين» (ص٧٨) و«شرح النونية» للهراس (٢/ ١٠٣).","vol":"1","page":459},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-299> الحفيظ</span>\nقال الله تعالى: إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [هود:٥٧] (للحفيظ) معنيان: أحدهما: أنه قد حفظ على عباده ما عملوه من خير وشر وطاعة ومعصية، فإن علمه محيط بجميع أعمالهم ظاهرها وباطنها، وقد كتب ذلك في اللوح المحفوظ، ووكل بالعباد ملائكة كرامًا كاتبين يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:١٢] فهذا المعنى من حفظه يقتضي إحاطة علم الله بأحوال العباد كلها ظاهرها وباطنها وكتابتها في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي في أيدي الملائكة، وعلمه بمقاديرها، وكمالها ونقصها، ومقادير جزائها في الثواب والعقاب ثم مجازاته عليها بفضله وعدله والمعنى الثاني: من معنيي (الحفيظ) أنه تعالى الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون، وحفظه لخلقه نوعان عام وخاص فالعام: حفظه لجميع المخلوقات بتيسيره لها ما يقيتها ويحفظ بنيتها وتمشي إلى هدايته وإلى مصالحها بإرشاده وهدايته العامة التي قال عنها: الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:٥٠] أي هدى كل مخلوق إلى ما قدر له وقضى له من ضروراته وحاجاته، كالهداية للمأكل والمشرب والمنكح، والسعي في أسباب ذلك، وكدفعه عنهم أصناف المكاره والمضار، وهذا يشترك فيه البر والفاجر بل الحيوانات وغيرها، فهو الذي يحفظ السماوات والأرض أن تزولا، ويحفظ الخلائق بنعمه، وقد وكَّل بالآدمي حفظةً من الملائكة الكرام يحفظونه من أمر الله، أي يدفعون عنه كل ما يضره مما هو بصدد أن يضره لولا حفظ الله والنوع الثاني: حفظه الخاص لأوليائه سوى ما تقدم، يحفظهم عما يضر إيمانهم أو يزلزل إيقانهم من الشبه والفتن والشهوات، فيعافيهم منها ويخرجهم منها بسلامة وحفظ وعافية، ويحفظهم من أعدائهم من الجن والإنس، فينصرهم عليهم ويدفع عنهم كيدهم، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:٣٨] وهذا عام في دفع جميع ما يضرهم في دينهم ودنياهم، فعلى حسب ما عند العبد من الإيمان تكون مدافعة الله عنه بلطفه، وفي الحديث: «احفظ الله يحفظك» (١) أي احفظ أوامره بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب، وحدوده بعدم تعدِّيها، يحفظك في نفسك، ودينك، ومالك، وولدك، وفي جميع ما آتاك الله من فضله (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٢\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والحاكم (٣/ ٦٢٣). من حديث ابن عباس ﵄. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا. وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٤٩٥): حسن جيد. وقال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٣٢٧): حسن. وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (١٨٨): حسن وله شاهد. وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٤/ ٢٦٧): إسناده حسن. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٢٣٣): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) «الحق الواضح المبين» (ص٦٠ - ٦١).","vol":"1","page":460},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-300> الحق</span>\nالله ﷿ هو الحق في ذاته وصفاته ... كامل الصفات والنعوت، وجوده من لوازم ذاته ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به فهو الذي لم يزل، ولا يزال، بالجلال، والجمال، والكمال موصوفًا ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفًا فقوله حق، وفعله حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، وكتبه حق، ودينه هو الحق، وعبادته وحده لا شريك له، هي الحق، وكل شيء ينسب إليه، فهو حق (١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:٦٢] وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ [الكهف:٢٩] فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ [يونس:٣٢] وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:٨١] وقال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور:٢٥] فأوصافه العظيمة حق، وأفعاله هي الحق، وعبادته هي الحق، ووعده حق، ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٧٦\n_________\n(١) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٣١ - ٦٣٢) بتصرف يسير.\n(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٤٠٥) و«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٣/ ٢٧٧).","vol":"1","page":461},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-301> الحكم</span>\nقال الله تعالى: فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [الأعراف:٨٧] وقال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ [الأنعام:١١٥] وقال تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل:٩٠] وقال ﷺ: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم» (١) وقال تعالى: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا الآية [الأنعام:١١٤] والله سبحانه هو الذي يحكم بين عباده في الدنيا والآخرة بعدله وقسطه فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يحمل أحدًا وزر أحد، ولا يجازي العبد بأكثر من ذنبه ويؤدي الحقوق إلى أهلها فلا يدع صاحب حق إلا وصل إليه حقه وهو العدل في تدبيره وتقديره (٢) وهو سبحانه موصوف بالعدل في فعله، وأفعاله كلها جارية على سنن العدل والاستقامة ليس فيها شائبة جور أصلًا، فهي كلها بين الفضل والرحمة، وبين العدل والحكمة ... وما ينزله سبحانه بالعصاة والمكذبين من أنواع الهلاك والخزي في الدنيا، وما أعده لهم من العذاب المهين في الآخرة فإنما فعل بهم ما يستحقونه فإنه لا يأخذ إلا بذنب، ولا يعذب إلا بعد إقامة الحجة، وأقواله كلها عدل، فهو لا يأمرهم إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة ولا ينهاهم إلا عما مضرته خالصة أو راجحة وكذلك حكمه بين عباده يوم فصل القضاء، ووزنه لأعمالهم عدل لا جور فيه كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:٤٧] وهو سبحانه (الحكم) بالعدل في وصفه وفي فعله وفي قوله وفي حكمه بالقسط وهذا معنى قوله: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [هود:٥٦] فإن أقواله صدق، وأفعاله دائرة بين العدل والفضل، فهي كلها أفعال رشيدة وحكمه بين عباده فيما اختلفوا فيه أحكام عادلة لا ظلم فيها بوجه من الوجوه، وكذلك أحكام الجزاء والثواب والعقاب شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٣٧\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٨/ ٢٢٦). من حديث هانئ بن يزيد ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٧).","vol":"1","page":462},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-302> الحليم</span>\nقال الله تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة:٢٣٥] الذي يَدِرُّ على خلقه النعم الظاهرة والباطنة، مع معاصيهم وكثرة زلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم ويستعتبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا (١) وهو الذي له الحلم الكامل الذي وسع أهل الكفر والفسوق والعصيان، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا ولو شاء لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم، فإنَّ الذنوب تقتضي ترتب آثارها عليها من العقوبات العاجلة المتنوعة ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم (٢) كما قال تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [فاطر:٤٥] وقال تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [النحل:٦١] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٠٥\n_________\n(١) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٣٠).\n(٢) «شرح النونية» للهراس (٢/ ٨٦).","vol":"1","page":463},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-303> الحميد</span>\nقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:١٥] ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن الله حميد من وجهين: أحدهما: أن جميع المخلوقات ناطقة بحمده، فكل حمد وقع من أهل السماوات والأرض الأولين منهم والآخرين، وكل حمد يقع منهم في الدنيا والآخرة، وكل حمد لم يقع منهم بل كان مفروضًا ومقدرًا حيثما تسلسلت الأزمان واتصلت الأوقات، حمدًا يملأ الوجود كله العالم العلوي والسفلي، ويملأ نظير الوجود من غير عدٍّ ولا إحصاء، فإن الله تعالى مستحقه من وجوه كثيرة: منها أن الله هو الذي خلقهم، ورزقهم، وأسدى عليهم النعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وصرف عنهم النقم والمكاره، فما بالعباد من نعمة فمن الله، ولا يدفع الشرور إلا هو، فيستحق منهم أن يحمدوه في جميع الأوقات، وأن يثنوا عليه ويشكروه بعدد اللحظات الوجه الثاني: أنه يحمد على ما له من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا والمدائح والمحامد والنعوت الجليلة الجميلة، فله كل صفة كمال وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فكل صفة من صفاته يستحق عليها أكمل الحمد والثناء، فكيف بجميع الأوصاف المقدسة، فله الحمد لذاته، وله الحمد لصفاته، وله الحمد لأفعاله، لأنها دائرة بين أفعال الفضل والإحسان، وبين أفعال العدل والحكمة التي يستحق عليها كمال الحمد، وله الحمد على خلقه، وعلى شرعه، وعلى أحكامه القدريَّة، وأحكامه الشرعيَّة، وأحكام الجزاء في الأولى والآخرة، وتفاصيل حمده وما يحمد عليه لا تحيط بها الأفكار، ولا تحصيها الأقلام (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٩١\n_________\n(١) «الحق الواضح المبين» (ص ٣٩ - ٤٠) و«شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٧٥) و«توضيح المقاصد وتصحيح القواعد» (٢/ ٢١٥).","vol":"1","page":464},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-304> الحي، القيوم</span>\nقال الله تعالى: اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:٢٥٥] وقال سبحانه: آلم اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:٢] وقال ﷿: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:١١١] وهما من أسماء الله الحسنى و(الحي القيوم) جمعها في غاية المناسبة كما جمعها الله في عدة مواضع في كتابه، وذلك أنهما محتويان على جميع صفات الكمال، فالحي هو كامل الحياة، وذلك يتضمن جميع الصفات الذاتية لله كالعلم، والعزة، والقدرة والإرادة، والعظمة، والكبرياء، وغيرها من صفات الذات المقدسة، والقيوم هو كامل القيومية وله معنيان:\nهو الذي قام بنفسه، وعظمت صفاته، واستغنى عن جميع مخلوقاته.\nوقامت به الأرض والسماوات وما فيهما من المخلوقات، فهو الذي أوجدها وأمدها وأعدها لكل ما فيه بقاؤها وصلاحها وقيامها، فهو الغني عنها من كل وجه وهي التي افتقرت إليه من كل وجه، فالحي والقيوم من له صفة كل كمال وهو الفعال لما يريد (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٥٦\n_________\n(١) «الحق الواضح المبين» (٨٧ - ٨٨) وانظر: «شرح النونية» للهراس (٢/ ١٠٩) و«توضيح المقاصد» (٢/ ٢٣٦).","vol":"1","page":465},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-305> الجبار</span>\nقال الله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ [الحشر:٢٣] للجبار ثلاثة معان كلها داخلة باسمه (الجبار):\nفهو الذي يجبر الضعيف وكل قلب منكسر لأجله، فيجبر الكسير، ويغني الفقير، وييسر على المعسر كل عسير، ويجبر المصاب بتوفيقه للثبات والصبر ويعوضه على مصابه أعظم الأجر إذا قام بواجبها، ويجبر جبرًا خاصًا قلوب الخاضعين لعظمته وجلاله، وقلوب المحبين بما يفيض عليها من أنواع كراماته وأصناف المعارف والأحوال الإيمانية، فقلوب المنكسرين لأجله جبرها دان قريب وإذا دعا الداعي، فقال: اللهم اجبرني، فإنه يريد هذا الجبر الذي حقيقته إصلاح العبد ودفع المكاره عنه.\nوالمعنى الثاني: أنه القهار لكل شيء، الذي دان له كل شيء، وخضع له كل شيء\nوالمعنى الثالث: أنه العلي على كل شيء فصار الجبار متضمنًا لمعنى الرءوف القهار العلي.\nوقد يراد به معنى رابع وهو المتكبر عن كل سوء ونقص، وعن مماثلة أحد، وعن أن يكون له كفؤ أو ضد أو سمي أو شريك في خصائصه وحقوقه (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٣٠\n_________\n(١) «الحق الواضح المبين» (ص٧٧). وانظر: «شرح النونية» للهراس (٢/ ١٠٢) وانظر: «توضيح المقاصد» (٢/ ٢٣٣).","vol":"1","page":466},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-306> الجميل</span>\nقال ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال» (١) فهو سبحانه جميل بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فلا يمكن مخلوقًا أن يعبر عن بعض جمال ذاته، حتى إن أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم واللذات والسرور والأفراح التي لا يقدر قدرها إذا رأوا ربهم وتمتعوا بجماله نسوا ما هم فيه من النعيم وتلاشى ما فيه من الأفراح، وودّوا أن لو تدوم هذه الحال، واكتسبوا من جماله ونوره جمالًا إلى جمالهم، وكانت قلوبهم في شوق دائم ونزوع إلى رؤية ربهم، ويفرحون بيوم المزيد فرحًا تكاد تطير له القلوب وكذلك هو الجميل في أسمائه، فإنها كلها حسنى بل أحسن الأسماء على الإطلاق وأجملها، قال تعالى: وَلِلَّهِ الأسماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ [الأعراف:١٨٠] وقال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:٦٥] فكلها دالة على غاية الحمد والمجد والكمال، لا يسمى باسم منقسم إلى كمال وغيره وكذلك هو الجميل في أوصافه، فإن أوصافه كلها أوصاف كمال ونعوت ثناء وحمد، فهي أوسع الصفات وأعمها وأكثرها تعلقًا، خصوصًا أوصاف الرحمة، والبر، والكرم، والجود، وكذلك أفعاله كلها جميلة، فإنها دائرة بين أفعال البر والإحسان التي يحمد عليها ويثنى عليه ويشكر، وبين أفعال العدل التي يحمد عليها لموافقتها للحكمة والحمد، فليس في أفعاله عبث، ولا سفه، ولا سدى، ولا ظلم، كلها خير، وهدى، ورحمة، ورشد، وعدل: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [هود:٥٦] فلكماله الذي لا يحصي أحد عليه به ثناء كملت أفعاله كلها فصارت أحكامه من أحسن الأحكام، وصنعه وخلقه أحسن خلق وصنع: أتقن ما صنعه: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل:٨٨] وأحسن خلقه الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة:٧] وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:٥٠] والأكوان محتوية على أصناف الجمال، وجمالها من الله تعالى فهو الذي كساها الجمال وأعطاها الحسن، فهو أولى منها لأن معطي الجمال أحق بالجمال، فكل جمال في الدنيا والآخرة باطني وظاهري، خصوصًا ما يعطيه المولى لأهل الجنة من الجمال المفرط في رجالهم ونسائهم، فلو بدا كفُّ واحدة من الحور العين إلى الدنيا، لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم، أليس الذي كساهم ذلك الجمال ومنَّ عليهم بذلك الحسن والكمال أحق منهم بالجمال الذي ليس كمثله شيء فهذا دليل عقلي واضح مسلَّم المقدمات على هذه المسألة العظيمة وعلى غيرها من صفاته، قال تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل:٦٠] فكل ما وجد في المخلوقات من كمال لا يستلزم نقصًا، فإن معطيه وهو الله أحق به من المعطى بما لا نسبة بينهم، كما لا نسبة لذواتهم إلى ذاته وصفاتهم إلى صفاته، فالذي أعطاهم السمع، والبصر، والحياة، والعلم، والقدرة، والجمال، أحق منهم بذلك، وكيف يعبِّر أحد عن جماله وقد قال أعلم الخلق به: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (٢) وقال ﷺ: «حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٣) فسبحان الله وتقدس عما يقوله الظالمون النافون لكماله علوًا كبيرًا، وحسبهم مقتًا وخسارًا أنهم حرموا من الوصول إلى معرفته والابتهاج بمحبته (٤) قال ﷺ في الحديث الصحيح: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يجعلون له الولد وهو يعافيهم ويرزقهم» (٥) وقال أيضًا في الصحيح: قال الله تعالى: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته وأما شتمه إياي فقوله إن لي ولدًا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد» (٦) فالله تعالى يدر على عباده الأرزاق المطيع منهم والعاصي، والعصاة لا يزالون في محاربته وتكذيبه وتكذيب رسله والسعي في إطفاء دينه، والله تعالى حليم على ما يقولون وما يفعلون، يتتابعون في الشرور وهو يتابع عليهم النعم، وصبره أكمل صبر لأنه عن كمال قدرة وكمال غنى عن الخلق وكمال رحمة وإحسان، فتبارك الرب الرحيم الذي ليس كمثله شيء الذي يحب الصابرين ويعينهم في كل أمرهم شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٧٨\n_________\n(١) رواه مسلم (٩١). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٤٨٦). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) رواه مسلم (١٧٩). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٤) توضيح الحق المبين (ص٢٩ - ٣٢) بتصرف يسير.\n(٥) رواه البخاري (٧٣٧٨) ومسلم (٢٨٠٤). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٦) رواه البخاري (٤٩٧٤). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":467},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-307> الحيي، الستير</span>\nهذا مأخوذ من قوله ﷺ: «إن الله حيي يستحي من عبده إذا مدَّ يديه إليه أن يردهما صفرًا» (١) وقال ﷺ: «إن الله ﷿ حليم، حيي ستير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» (٢) وهذا من رحمته، وكرمه، وكماله، وحلمه أن العبد يجاهره بالمعاصي مع فقره الشديد إليه، حتى أنه لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم ربه، والرب مع كمال غناه عن الخلق كلهم من كرمه يستحيي من هتكه وفضيحته وإحلال العقوبة به، فيستره بما يقيِّض له من أسباب الستر، ويعفو عنه ويغفر له، فهو يتحبب إلى عباده بالنعم وهم يتبغّضون إليه بالمعاصي، خيره إليهم بعدد اللحظات وشرهم إليه صاعد، ولا يزال الملك الكريم يصعد إليه منهم بالمعاصي وكل قبيح ويستحي تعالى ممن شاب في الإسلام أن يعذبه وممن يمد يديه إليه أن يردهما صفرًا، ويدعو عباده إلى دعائه ويعدهم بالإجابة وهو الحيي الستِّير يحب أهل الحياء والستر، ومن ستر مسلمًا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، ولهذا يكره من عبده إذا فعل معصية أن يذيعها، بل يتوب إليه فيما بينه وبينه ولا يظهرها للناس، وإن من أمقت الناس إليه من بات عاصيًا والله يستره، فيصبح يكشف ستر الله عليه، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:١٩] وهذا كله من معنى اسمه (الحليم) الذي وسع حلمه أهل الكفر والفسوق والعصيان، ومنع عقوبته أن تحل بأهل الظلم عاجلًا، فهو يمهلهم ليتوبوا، ولا يهملهم إذا أصروا واستمروا في طغيانهم ولم ينيبوا شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٨٦\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥) بلفظ «ربكم حيي كريم»، والحاكم (١/ ٧١٨). من حديث سلمان الفارسي ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ورواه بعضهم ولم يرفعه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه أبو داود (٤٠١٢) من غير لفظة «حليم»، والنسائي (١/ ٢٠٠)، وأحمد (٤/ ٢٢٤). من حديث يعلى بن أمية ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال النووي في «الخلاصة» (١/ ٢٠٤)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"1","page":468},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-308> الخالق، الخلاق، البارئ، المصوِّر</span>\nقال الخطابي: (-الخالق- هو المبدع للخلق المخترع له على غير مثال سابق، قال سبحانه: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: ٣]. فأما في نعوت الآدميين فمعنى الخلق: التقدير كقوله ﷿: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران: ٤٩] (١) اهـ.\nوالخلاق: من أفعال المبالغة من الخالق تدل على كثرة خلق الله تعالى وإيجاده، فكم يحصل في اللحظة الواحدة من بلايين المخلوقات التي هي أثر من آثار اسمه سبحانه الخلاق: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ [الحجر: ٨٦].\nواسمه سبحانه (الخالق والخلاق) مما أقرت به جميع الأمم مؤمنهم وكافرهم، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض رده على من قال: أن اسم (الخالق) يثبت له سبحانه مجازًا.\n(إنه ليس في المعلومات أظهر من كون الله: (خالقًا)، ولهذا أقرت به جميع الأمم – مؤمنهم وكافرهم – ولظهور ذلك؛ وكون العلم به بديهيًا فطريًا؛ احتج الله به على من أشرك به في عبادته فقال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر: ٣٨]، في غير موضع من كتابه.\nفعلم أن كونه سبحانه (خالقًا): من أظهر شيء عند العقول، فكيف يكون الخبر عنه بذلك مجازًا؛ وهو أصل كل حقيقة، فجميع الحقائق تنتهي إلى خلقه وإيجاده، فهو الذي خلق وهو الذي علم، كما قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ - ٥].\nفجميع الموجودات انتهت إلى خلقه وتعليمه، فكيف يكون كونه خالقًا عالمًا مجازًا؟ وإذا كان كونه خالقًا عالمًا مجازًا: لم يبق له فعل حقيقة ولا اسم حقيقة، فصارت أفعاله كلها مجازات، وأسماؤه الحسنى كلها مجازات ... إلى قوله: فإن جميع أهل الإسلام متفقون على أن الله خالق حقيقة لا مجازًا، بل وعباد الأصنام وجميع الملل) (٢).\nوقد ذكر رحمه الله تعالى اسمه سبحانه (الخلاق) في نونيته حيث قال:\n(وكذاك يشهد أنه سبحانه ... الخلاق باعث هذه الأبدان) (٣)\n@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٤٣٣\n(الباري) أي المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود والبرء هو الفري وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله ﷿ كما قيل: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري أي أنت تنفذ ما خلقت أي قدرت بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع كل ما يريد فالخلق التقدير، والفري التنفيذ.\n(المصور) الممثل للمخلوقات بالعلامات التي يتميز بعضها عن بعض، أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها، يقال هذه صورة الأمر أو مثاله فأولا يكون خلقا ثم برءا ثم تصويرا، وهذه الثلاثة الأسماء التي في سورة الحشر في خاتمتها هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الحشر:٢٤] قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون على الصفة التي يريد والصورة التي يختار كقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ [الانفطار:٨] معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- ص١٦٤\n_________\n(١) «شأن الدعاء» (ص: ٤٩).\n(٢) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٣٢٨).\n(٣) «النونية» البيت رقم (٣٠٨٥).","vol":"1","page":469},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-309> الرب</span>\nقال الله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:١٦٤] هو: المربي جميع عباده، بالتدبير، وأصناف النعم وأخص من هذا، تربيته لأصفيائه، بإصلاح قلوبهم، وأرواحهم وأخلاقهم ولهذا كثر دعاؤهم له بهذا الاسم الجليل، لأنهم يطلبون منه هذه التربية الخاصة شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٦١","vol":"1","page":470},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-310> الرحمن، الرحيم، الكريم، الأكرم</span>\nقال الله تعالى: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:٢ - ٣] الآيات، وقال تعالى: وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:٤٠]، وقال سبحانه: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ [آل عمران:٣٠] قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: الرحمن، الرحيم، والبر، الكريم، الجواد، الروءف، الوهاب – هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب، بالرحمة، والبر، والجود، والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه التي عمَّ بها جميع الوجود بحسب ما تقتضيه حكمته وخص المؤمنين منها، بالنصيب الأوفر، والحظ الأكمل، قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأعراف:١٥٦] الآية والنعم والإحسان، كله من آثار رحمته، وجوده، وكرمه وخيرات الدنيا والآخرة، كلها من آثار رحمته (١) وقال ابن تيمية ﵀ في تفسير قوله تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:١ - ٣] سمَّى ووصف نفسه بالكرم، وبأنه الأكرم بعد إخباره أنه خلق ليتبين أنه ينعم على المخلوقين ويوصلهم إلى الغايات المحمودة كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:٢ - ٣]، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:٥٠]، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:٧٨] فالخلق يتضمن الابتداء والكرم تضمن الانتهاء كما قال في سورة الفاتحة رَبِّ الْعَالَمِينَ ثم قال الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ولفظ الكرم جامع للمحاسن والمحامد لا يراد به مجرد الإعطاء بل الإعطاء من تمام معناه، فإن الإحسان إلى الغير تمام والمحاسن والكرم كثرة الخير ويُسْرَتِه والله سبحانه أخبر أنه الأكرم بصيغة التفضيل والتعريف لها فدل على أنه الأكرم وحده بخلاف لو قال (وربك أكرم) فإنه لا يدل على الحصر وقوله الأَكْرَمُ يدل على الحصر ولم يقل «الأكرم من كذا» بل أطلق الاسم، ليبين أنه الأكرم مطلقًا غير مقيد فدل على أنه متصف بغاية الكرم الذي لا شيء فوقه ولا نقص فيه (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٠\n(الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم فالرحمن يدل على الرحمة العامة كما قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] والرحيم يدل على الرحمة الخاصة بالمؤمنين كما قال تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:٤٧] ذكره ابن جرير بسنده عن العزرمي بمعناه وفي الدعاء المأثور «رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما» (٣)، والظاهر المفهوم من نصوص الكتاب والسنة أن اسمه الرحمن يدل على الصفة الذاتية من حيث اتصافه تعالى بالرحمة، واسمه الرحيم يدل على الصفة الفعلية من حيث إيصاله الرحمة إلى المرحوم، فلهذا قال تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:٤٣] إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة:١١٧] ولم يأت قط إنه بهم رحمن، ووصف نبيه محمدًا ﷺ بأنه رؤوف رحيم فقال تعالى: حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة:١٢٨] ولم يصف أحدا من خلقه أنه رحمن فتأمل ذلك، والله أعلم معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٧٨\n_________\n(١) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢١).\n(٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٦/ ٢٩٣ - ٢٩٦) بتصرف يسير.\n(٣) رواه الطبراني في «المعجم الصغير» بدون لفظة «ورحيمهما» (١/ ٣٣٦). وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٥٥) بلفظة «ورحيمهما». من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٨٦): رواه الطبراني في «الصغير» ورجاله ثقات وقال المنذري: رواه الطبراني في «الصغير» بإسنادٍ جيد، وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٨٢١). والحديث بلفظه قد رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٠/ ١٥٤). من حديث معاذ بن جبل ﵁. بسند فيه ضعف.","vol":"1","page":471},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-311> الرؤوف</span>\nقال ابن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ: (إن الله: بجميع عباده ذو رأفه، والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة) (١).\nوقال الخطابي: (-الرؤوف- هو الرحيم العاطف برأفته على عباده، وقال بعضهم: الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها، ويقال: إن الرأفة أخص والرحمة أعم، وقد تكون الرحمة في الكراهة للمصلحة، ولا تكاد الرأفة تكون في الكراهة فهذا موضع الفرق بينهما) (٢).\nويؤكد هذا الفرق القرطبي بقوله: (إن الرأفة نعمة ملذة من جميع الوجوه، والرحمة قد تكون مؤلمة في الحال ويكون عقباها لذة، ولذا قال سبحانه: وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: ٢]، ولم يقل: رحمة، فإن ضرب العصاة على عصيانهم رحمة لهم لا رأفة؛ فإن صفة الرأفة إذا انسدلت على مخلوق لم يلحقه مكروه.\nفلذلك تقول لمن أصابه بلاء في الدنيا، وفي ضمنه خير في الأخرى: إن الله قد رحمه بهذا البلاء، وتقول لمن أصابه عافية في الدنيا، في ضمنها خير في الأخرى واتصلت له العافية أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا: إن الله قد رأف به) (٣).\nقال الأقليشي: (فتأمل هذه التفرقة بين الرأفة والرحمة، ولذلك جاءا معا، فقال: إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وعلى هذا الرأفة أعم من الرحمة، فمتى أراد الله بعبد رحمة أنعم عليه بها، إلا أنها قد تكون عقيب بلاء، وقد لا تكون، والرأفة بخلاف ذلك) (٤). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٥٣٤\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢/ ١٢).\n(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٩١).\n(٣) نقلًا عن كتاب «النهج الأسمى في شرح أسمائه الحسنى» محمد حمود النجدي (٢/ ٢١٦).\n(٤) نقلًا عن كتاب «النهج الأسمى في شرح أسمائه الحسنى» محمد حمود النجدي (٢/ ٢١٦).","vol":"1","page":472},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-312> الرزاق، الرازق</span>\nوهو مبالغة من: رازق للدلالة على الكثرة والرازق من أسمائه سبحانه قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ [الذارايات:٥٨] وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا [هود:٦] وقال ﷺ: «إن الله هو المسعِّر القابض الباسط الرازق» (١) ورزقه لعباده نوعان: عام وخاص\nفالعام إيصاله لجميع الخليقة جميع ما تحتاجه في معاشها وقيامها، فسهل لها الأرزاق، ودبرها في أجسامها، وساق إلى كل عضو صغير وكبير ما يحتاجه من القوت، وهذا عام للبر والفاجر والمسلم والكافر، بل للآدميين والجن والملائكة والحيوانات كلها وعام أيضًا من وجه آخر في حق المكلفين، فإنه قد يكون من الحلال الذي لا تبعة على العبد فيه، وقد يكون من الحرام ويسمى رزقًا ونعمة بهذا الاعتبار، ويقال (رزقه الله) سواء ارتزق من حلال أو حرام وهو مطلق الرزق.\nوأما الرزق المطلق فهو النوع الثاني، وهو الرزق الخاص، وهو الرزق النافع المستمر نفعه في الدنيا والآخرة، وهو الذي على يد رسول الله وهو نوعان:\nأ - رزق القلوب بالعلم والإيمان وحقائق ذلك، فإن القلوب مفتقرة غاية الافتقار إلى أن تكون عالمة بالحق مريدة له متألهة لله متعبدة، وبذلك يحصل غناها ويزول فقرها.\nب - ورزق البدن بالرزق الحلال الذي لا تبعة فيه، فإن الرزق الذي خص به المؤمنين والذي يسألونه منه شامل للأمرين، فينبغي للعبد إذا دعا ربه في حصول الرزق أن يستحضر بقلبه هذين الأمرين، فمعنى (اللهم ارزقني) أي ما يصلح به قلبي من العلم والهدى والمعرفة ومن الإيمان الشامل لكل عمل صالح وخلق حسن، وما به يصلح بدني من الرزق الحلال الهني الذي لا صعوبة فيه ولا تبعة تعتريه (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٥٤\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وأحمد (٣/ ١٥٦) (١٢٦١٣). من حديث أنس بن مالك ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٥/ ٤٢٣): روي من وجوه صحيحة لا بأس بها. وقال ابن حجر في «تسديد القوس» (١/ ٩٣): أصله في مسلم. وقال ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (ص١١٣)، صحيح.\n(٢) «الحق الواضح المبين» (ص٨٥ - ٨٦) وانظر: «شرح النونية» للهراس (٢/ ١٠٨) و«توضيح المقاصد» (٢/ ٢٣٤).","vol":"1","page":473},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-313> الرفيق</span>\nمأخوذ من قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطى على ما سواه» (١) فالله تعالى رفيق في أفعاله، خلق المخلوقات كلها بالتدريج شيئًا فشيئًا بحسب حكمته ورفقه، مع أنه قادر على خلقها دفعة واحدة وفي لحظة واحدة ومن تدبر المخلوقات وتدبر الشرائع كيف يأتي بها شيئًا بعد شيء شاهد من ذلك العجب العجيب، فالمتأني الذي يأتي الأمور برفق وسكينة ووقار، اتباعًا لسنن الله في الكون واتباعًا لنبيه ﷺ فإن من هذا هديه وطريقه تتيسر له الأمور، وبالأخص الذي يحتاج إلى أمر الناس ونهيهم وإرشادهم، فإنه مضطر إلى الرفق واللين، وكذلك من آذاه الخلق بالأقوال البشعة وصان لسانه عن مشاتمتهم، ودافع عن نفسه برفق ولين، اندفع عنه من أذاهم ما لا يندفع بمقابلتهم بمثل مقالهم وفعالهم، ومع ذلك فقد كسب الراحة والطمأنينة والرزانة والحلم.\nوالله ﷿ يغيث عباده إذا استغاثوا به سبحانه فعن أنس بن مالك أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب ثم قال يا رسول الله: هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: «اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا» (٢) فالله ﷿ يغيث عباده في الشدائد والمشقات، فهو يغيث جميع المخلوقات عندما تتعسر أمورها وتقع في الشدائد والكربات: يطعم جائعهم ويكسو عاريهم، ويخلص مكروبهم، وينزل الغيث عليهم في وقت الضرورة والحاجة، وكذلك يجيب إغاثة اللهفان أي دعاء من دعاه في حالة اللهف والشدة والاضطرار، فمن استغاثه أغاثه وفي الكتاب والسنة من ذكر تفريجه للكربات، وإزالته الشدائد، وتيسيره للعسير شيء كثير جدًا معروف شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٨٣\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٩٣). من حديث عائشة ﵂.\n(٢) رواه البخاري (١٠١٤)، ومسلم (٨٩٧).","vol":"1","page":474},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-314> الرقيب</span>\nالمطلع على ما أكنته الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت قال الله تعالى: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:١] والرقيب هو سبحانه الذي حفظ المخلوقات وأجراها، على أحسن نظام وأكمل تدبير (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٨٧).","vol":"1","page":475},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-315> السبوح</span>\nقال في اللسان: (قال أبو إسحاق الزجاج: (السبوح): الذي ينزه عن كل سوء) (١) (وقال ابن فارس والزبيدي وغيرهما: (سبوح) هو الله - ﷿ – فالمراد بالسبوح القدوس: المسبح المقدس، فكأنه قال: مسبح مقدس رب الملائكة والروح، ومعنى سبوح: المبرأ من النقائص والشريك، وكل ما لا يليق بالإلهية) (٢).\nوالسبوح: هو الذي يسبحه، ويقدسه، وينزهه كل من في السماوات والأرض، كما قال ﵎: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الجمعة: ١]، ويقول سبحانه: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: ٤٤] (٣).\nقال في تهذيب اللغة: (-سبحان- في اللغة تنزيه الله ﷿ عن السوء.\nقلت: وهذا قول سيبويه فقال: سبحت الله تسبيحًا وسبحانًا بمعنى واحد فالمصدر تسبيح، والاسم سبحانه يقوم مقام المصدر. قال سيبويه: وقال أبو الخطاب الكبير: سبحان الله كقولك: براءة الله من السوء، كأنه قال: أبرئ الله من السوء، قلت: ومعنى تنزيه الله من السوء: تبعيده منه وكذلك تسبيحه: تبعيده من قولك: سبحت في الأرض. إذا أبعدت فيها ... وجماع معناه بعده – ﵎ – عن أن يكون له مثل أو شريك أو ضد أو ند) (٤). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها – عبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ١٩٩\n_________\n(١) «لسان العرب» (٣/ ١٩١٥).\n(٢) «مسلم شرح النووي» (٤/ ٢٠٤).\n(٣) «بدائع الفوائد» (٢/ ٣٦٦).\n(٤) «تهذيب اللغة» (٤/ ٣٣٨، ٣٣٩).","vol":"1","page":476},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-316> السميع</span>\nقال الله تعالى: وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:١٣٤] وكثيرًا ما يقرن الله بين صفة السمع والبصر فكل من السمع والبصر محيط بجميع متعلقاته الظاهرة، والباطنة فالسميع الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات، فكل ما في العالم العلوي والسفلي من الأصوات يسمعها سرَّها وعلنها وكأنها لديه صوت واحد، لا تختلط عليه الأصوات، ولا تخفى عليه جميع اللغات، والقريب منها والبعيد والسر والعلانية عنده سواء: سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:١٠] قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:١] قالت عائشة ﵂: (تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشتكي إلى رسول الله ﷺ وأنا في جانب الحجرة، وإنه ليخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا الآية) (١)، وسمعه تعالى نوعان: أحدهما: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة الخفية والجلية، وإحاطته التامة بها الثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين فيجيبهم ويثيبهم، ومنه قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء [إبراهيم:٣٩] وقول المصلي (سمع الله لمن حمده) أي استجاب شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٨٤\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم مختصرا (٧٣٨٥)، والنسائي (٦/ ١٦٨)، وابن ماجه (١٨٨)، وأحمد (٦/ ٤٦) (٢٤٢٤١) كلهم بلفظ «الحمد لله» بدلًا من «تبارك الله». وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١/ ١٦٣) والألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»: صحيح. وقال ابن تيمية في «تلبيس الجهمية» (١/ ٢٨٠): إسناده ثابت.","vol":"1","page":477},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-317> السيد، الصمد</span>\nقال الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:٢] وقال النبي صلى الله عليه سلم: «السيد الله ﵎» (١) و(السيد) يطلق على الرب، والمالك، والشريف، والفاضل، والكريم، والحليم، والرئيس، والزوج ومتحمل أذى قومه والله ﷿ هو السيد الذي يملك نواصي الخلق ويتولاهم فالسؤدد كله حقيقة لله والخلق كلهم عبيده وهذا لا ينافي السيادة الإضافية المخصوصة بالأفراد الإنسانية فسيادة الخالق ﵎ ليست كسيادة المخلوق الضعيف (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٢٦\n(الصمد) قال عكرمة عن ابن عباس: (يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم) (٣) وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (هو السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه والعليم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفؤ وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار) (٤) وعن أبي وائل: (الصمد) الذي قد انتهى سؤدده ورواه عن ابن مسعود ﵁ (٥) وعن زيد بن أسلم الصمد السيد وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه وقال الحسن أيضا: الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له، وقال عكرمة: الصمد الذي لم يخرج منه شيء ولم يطعم وقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعكرمة أيضا وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعطية العوفي والضحاك: الصمد الذي لا جوف له (٦) وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب وقال عبد الله بن بريدة أيضا: الصمد نور يتلألأ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: روى ذلك كله وحكاه ابن أبي حاتم والبيهقي والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده قال الطبراني في كتاب السنة له بعد إيراده كثيرا من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا ﷿، وهو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب وهو الباقي بعد خلقه وقال البيهقي نحو ذلك.\nوروى الترمذي رحمه الله تعالى عن أبي بن كعب «أن المشركين قالوا يا رسول الله ﷺ: انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ» (٧) والصمد الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وإن الله تعالى لا يموت ولا يورث وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ قال: لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء، قلت: وهذه السورة العظيمة التي قال فيها النبي ﷺ: «إنها تعدل ثلث القرآن» (٨) مشتملة على توحيد الإلهية والربوبية والأسماء والصفات، جامعة بين الإثبات لصفات الكمال وبين التنزيه له تعالى عن الأشباه والأمثال، متضمنة الرد على جميع طوائف الكفر والاتحاد ومن نسب له الصاحبة والولد وغيرهم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا والله أعلم معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص١٧٤\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٨٠٦)، وأحمد (٤/ ٢٤) (١٦٣٥٠). من حديث عبد الله بن الشخير ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الشوكاني في «إخلاص كلمة التوحيد» (ص٦٤): إسناده جيد. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (٢/ ٤١٨). وانظر: «عون المعبود شرح سنن أبي داود» (١٣/ ١٦١).\n(٣) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٨/ ٥٢٨).\n(٤) رواه الطبري (٢٤/ ٦٩٢) وابن أبي حاتم في تفسير سورة الإخلاص (١٠/ ٣٤٧٤)، وأبو الشيخ في «العظمة» (١/ ٣٨٣). قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٥٠): ثابت عن عبد الله بن أبي صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة الوالبي، لكن يقال: إنه لم يسمع التفسير من ابن عباس، ولكن مثل هذا الكلام ثابت عن السلف. وقال الألباني في «تصحيح العقائد» (١١٩) فيه ضعف وانقطاع.\n(٥) رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (٦٦٦). قال ابن تيمية في «تلبيس الجهمية» (١/ ٢٨٠): إسناده ثابت. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٦٦٦): إسناده حسن.\n(٦) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٦٩٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٦٦٥، ٦٧٣، ٦٧٤، ٦٨٥، ٦٨٦، ٦٨٩)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ١٥٧).وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٦٧٤) من طريق مجاهد: صحيح مقطوع.\n(٧) رواه الترمذي (٣٣٦٤)، والحاكم (٢/ ٥٨٩). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. قال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن دون قوله: «والصمد الذي. .. «\n(٨) رواه البخاري (٥٠١٣). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. ومسلم (٨١٢). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":478},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-318> الشافي</span>\nالشفاء في اللغة هو البرء من المرض يقال: شفاه الله يشفيه، واشتفى افتعل منه، فنقله من شفاء الأجسام إلى شفاء القلوب والنفوس (١) والله ﷾ هو الشافي فعن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان يعوِّذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس أذهب الباس اشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا» (٢) «وقال أنس ﵁ لثابت البناني حينما اشتكى إليه: ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله علية وسلم؟ قال: بلى قال: اللهم رب الناس مذهب الباس اشفي أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقمًا» (٣) فالله ﷿ هو الشافي من الأمراض والعلل والشكوك وشفاؤه شفاءان أو نوعان: النوع الأول: الشفاء المعنوي الروحي وهو الشفاء من علل القلوب\nالنوع الثاني: الشفاء المادي وهو الشفاء من علل الأبدان وقد ذكر ﷿ هذين النوعين في كتابه وبين ذلك رسول الله ﷺ في سنته شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٢٢٤\n_________\n(١) «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (٢/ ٤٨٨) وانظر: «مختار الصحاح» (ص١٤٤).\n(٢) البخاري (٥٧٤٣)، ومسلم (٢١٩١).\n(٣) رواه البخاري (٥٧٤٢).","vol":"1","page":479},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-319> الشاكر، الشكور</span>\nقال الله تعالى: وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:١٥٨] وقال تعالى: إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن:١٧] وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء:١٤٧] من أسمائه تعالى (الشاكر، الشكور) الذي لا يضيع سعي العاملين لوجهه بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة، فإنَّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وقد أخبر في كتابه وسنة نبيه بمضاعفة الحسنات الواحدة بعشر إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وذلك من شكره لعباده، فبعينه ما يتحمل المتحملون لأجله ومن فعل لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن ترك شيئًا لأجله عوضه خيرًا منه، وهو الذي وفق المؤمنين لمرضاته ثم شكرهم على ذلك وأعطاهم من كراماته، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكل هذا ليس حقًا واجبًا عليه، وإنما هو الذي أوجبه على نفسه جودًا منه وكرمًا وليس فوقه سبحانه من يوجب عليه شيئًا قال تعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] فلا يجب عليه سبحانه إثابة المطيع، ولا عقاب العاصي بل الثواب محض فضله وإحسانه، والعقاب محض عدله وحكمته؛ ولكنه سبحانه الذي أوجب على نفسه ما يشاء فيصير واجبًا عليه بمقتضى وعده الذي لا يخلف كما قال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام:٥٤] وكما قال سبحانه: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:٤٧] ومذهب أهل السنة أنه ليس للعباد حق واجب على الله وأنه مهما يكن من حق فهو الذي أحقه وأوجبه ولذلك لا يضيع عنده عمل قام على الإخلاص والمتابعة للنبي ﷺ فإنهما الشرطان الأساسيان لقبول الأعمال (١) فما أصاب العباد من النعم ودفع النقم، فإنه من الله تعالى فضلًا منه وكرمًا، وإن نعَّمهم فبفضله وإحسانه، وإن عذبهم فبعدله وحكمته، وهو المحمود على جميع ذلك شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٢٤\n_________\n(١) «شرح النونية» للهراس (٢/ ٩٨)، وانظر: «توضيح المقاصد وتصحيح القواعد» (٢/ ٢٣١).","vol":"1","page":480},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-320> الشهيد</span>\nأي المطلع على جميع الأشياء سمع جميع الأصوات، خفيها وجليَّها وأبصر جميع الموجودات، دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده، وعلى عباده، بما علموه، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: (الرقيب) و(الشهيد) مترادفان، وكلامها يدلُّ على إحاطة سمع الله بالمسموعات، وبصره بالمبصرات، وعلمه بجميع المعلومات الجلية والخفية، وهو الرقيب على ما دار في الخواطر، وما تحركت به اللواحظ، ومن باب أولى الأفعال الظاهرة بالأركان، قال تعالى: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:١] وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة:٦] ولهذا كانت المراقبة التي هي من أعلى أعمال القلوب هي التعبد لله باسمه الرقيب الشهيد، فمتى علم العبد أنَّ حركاته الظاهرة والباطنة قد أحاط الله بعلمها، واستحضر هذا العلم في كل أحواله، أوجب له ذلك حراسة باطنة عن كل فكر وهاجس يبغضه الله، وحفظ ظاهره عن كل قول أو فعل يسخط الله، وتعبَّد بمقام الإحسان فعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه، فإن الله يراه فإذا الله كان رقيبًا على دقائق الخفيات، مطلعًا على السرائر والنيات، كان من باب أولى شهيدًا على الظواهر والجليات، وهي الأفعال التي تفعل بالأركان أي الجوارح شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٠","vol":"1","page":481},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-321> الطيب</span>\nقال النووي رحمه الله تعالى في شرح الحديث: (قال القاضي عياض: الطيب في صفة الله تعالى بمعنى المنزه عن النقائص وهو بمعنى القدوس، وأصل الطيب: الزكاة والطهارة والسلامة من الخبث) (١).\nوقال ابن القيم رحمه الله تعالى في شرحه لقوله ﷺ: «والصلوات والطيبات» وذلك في دعاء التشهد: (وكذلك قوله: (والطيبات) هي صفة الموصوف المحذوف أي: الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء لله وحده، فهو طيب وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه (الطيب)، ولا يصدر عنه إلا طيب، ولا يصعد إليه إلا طيب، ولا يقرب منه إلا طيب، وإليه يصعد الكلم الطيب وفعله طيب، والعمل الطيب يعرج إليه، فالطيبات كلها له ومضافة إليه وصادرة عنه ومنتهية إليه ... فإذا كان هو سبحانه الطيب على الإطلاق فالكلمات الطيبات، والأفعال الطيبات، والصفات الطيبات، والأسماء الطيبات كلها له سبحانه لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سبحانه فطيب كل ما سواه من آثار طيبته، ولا تصلح هذه التحية الطيبة إلا له) (٢). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٧٦٣\n_________\n(١) «شرح مسلم للنووي» (٧/ ١٠٠).\n(٢) «الصلاة وحكم تاركها» (ص: ٢١٤، ٢١٥).","vol":"1","page":482},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-322> العزيز</span>\nقال تعالى: فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا [يونس:٦٥] وقال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [هود:٦٦] فمعاني العزة الثلاثة كلها كاملة لله العظيم.\nعزة القوة الدال عليها من أسمائه القوي المتين، وهي وصفه العظيم الذي لا تنسب إليه قوة المخلوقات وإن عظمت قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:٥٨] وقال: وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الممتحنة:٧]، وقال ﷿: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:٦٥]، وقال تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا [الكهف:٤٥]، وقال ﷿: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر:٥٥ - ٥٦].\nوعزة الامتناع فإنه هو الغني بذاته، فلا يحتاج إلى أحد ولا يبلغ العباد ضره فيضرونه، ولا نفعه فينفعونه، بل هو الضار النافع المعطي المانع.\nوعزة القهر والغلبة لكل الكائنات فهي كلها مقهورة لله خاضعة لعظمته منقادة لإرادته، فجميع نواصي المخلوقات بيده، لا يتحرك منها متحرك ولا يتصرف متصرف إلا بحوله وقوته وإذنه، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا به فمن قوته واقتداره أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وأنه خلق الخلق ثم يميتهم ثم يحييهم ثم إليه يرجعون: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان:٢٨]، وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم:٢٧] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٩٣","vol":"1","page":483},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-323> القدير، القادر، المقتدر</span>\nقال الخطابي رحمه الله تعالى: (-القادر-: هو من القدرة على الشيء، يقال: قدر يقدر قدرة فهو قادر وقدير، كقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الأحزاب: ٢٧]، ووصف الله سبحانه نفسه بأنه قادر على كل شيء أراده لا يعترضه عجز ولا فتور) (١).\nويقول ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته:\n(وهو القدير وليس يعجزه إذا ... مارام شيئًا قط ذو سلطان) (٢)\nوقال في موطن آخر من النونية:\n(وهو القدير فكل شيء فهو ... مقدور له طوعًا بلا عصيان) (٣)\nويقول في طريق الهجرتين: (-القدير- الذي لكمال قدرته: يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويجعل المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا؛ والبر برًا والفاجر فاجرًا، وهو الذي جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إليه ويهدون بأمره؛ وجعل فرعون وقومه أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص: ٤١]، ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء أن يعلمه إياه، ولكمال قدرته خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب، ولا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته؛ بل هو في قبضته أين كان، فإن فر منه فإنما يطوي المراحل في يديه، كما قيل:\nوكيف يفر المرء عنك بذنبه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا (٤)\nويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (-القدير-: كامل القدرة، بقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، وبقدرته يقلب القلوب ويصرفها على ما يشاء ويريد) (٥).\nويقول الراغب الأصفهاني: (القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فعل شيء ما، وإذا وصف بها الله تعالى فهي نفي العجز عنه، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة ... بل حقه أن يقال: قادر على كذا ... لأنه لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه إلا ويصح أن يوصف بالعجز من وجه، والله تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز من كل وجه.\nوالقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٦).\nوآثار قدرة الله ﷿ لا تعد ولا تحصى؛ فأينما وقع النظر على شيء من خلق الله ﷿ في الآفاق، وفي الأنفس وفي الخوارق والمعجزات رأى قدرة الله ﷿ الباهرة أمامه ومن ذا الذي يحصي ما خلقه الله تعالى. ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٤٢٠\n_________\n(١) «شأن الدعاء» (ص: ٨٦).\n(٢) «النونية» (٢/ ٢١٨).\n(٣) «النونية»: البيت رقم (٥٣٠).\n(٤) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٣٥).\n(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٤، ٦٢٥).\n(٦) «المفردات» للراغب (ص: ٣٩٤).","vol":"1","page":484},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-324> القوي</span>\nقال الطبري رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (القوي: الذي لا يغلبه غالب ولا يرد قضاءه راد ينفذ أمره، ويمضي قضاؤه في خلقه، شديد عقابه لمن كفر بآياته وجحد حججه) (١)، وقال ابن كثير – رحمه الله تعالى – عند هذه الآية: (أي: لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب) (٢).\nويقول ابن القيم – رحمه الله تعالى – في نونيته:\nوهو القوي له القوى جمعا تعالى ... رب ذي الأكوان والأزمان (٣)\nوقال رحمه الله تعالى: (قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨]. فعلم أن (القوي) من أسمائه ومعناه: الموصوف بالقوة) (٤).\nوقال الخطابي رحمه الله تعالى: (هو الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، والمخلوق وإن وصف بالقوة فإن قوته متناهية وعن بعض الأمور قاصرة) (٥).\nوذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى الفرق بين القدرة والقوة فقال: (القدرة يقابلها العجز، والقوة يقابلها الضعف، والفرق بينهما أن القدرة يوصف بها ذو الشعور، والقوة يوصف بها ذو الشعور وغيره.\nثانيًا: أن القوة أخص فكل قوي من ذي الشعور قادر وليس كل قادر قويًا) (٦). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٣٩٨\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٠/ ١٧ - ١٨).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٢٠).\n(٣) «النونية» (٢/ ٢١٨).\n(٤) «مدارج السالكين» (١/ ٢٨).\n(٥) «شأن الدعاء» (ص: ٧٧).\n(٦) «شرح العقيدة الواسطية» (ص: ١٦٧).","vol":"1","page":485},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-325> المتين</span>\nيفيد اسم (المتين) في حق الله تعالى: (المتناهي في القوة والقدرة) (١).\nوقال الخطابي: (-والمتين- الشديد القوي الذي لا تنقطع قوته ولا تلحقه في أفعاله مشقة، ولا يمسه لغوب) (٢).\n(والمتانة تدل على شدة القوة لله تعالى فمن حيث إنه بالغ القدرة: (القوي)، ومن حيث إنه شديد القوة: -متين-) (٣).\nوقال الطبري رحمه الله تعالى: (-ذي القوة المتين-: أي ذي القوة الشديد) (٤). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٤٠٢\n_________\n(١) «تفسير الأسماء» (ص: ٥٥).\n(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٧٧).\n(٣) «المقصد الأسني» (ص: ٨١).\n(٤) «تفسير الطبري» (٢٧/ ١٢).","vol":"1","page":486},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-326> العظيم</span>\nقال الله تعالى: وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:٢٥٥] الله تعالى عظيم له كل وصف ومعنى يوجب التعظيم، فلا يقدر مخلوق أن يثني عليه كما ينبغي له ولا يحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه عباده واعلم أن معاني التعظيم الثابتة لله وحده نوعان:\nأحدهما: أنه موصوف بكل صفة كمال، وله من ذلك الكمال أكمله، وأعظمه، وأوسعه، فله العلم المحيط، والقدرة النافذة، والكبرياء والعظمة، ومن عظمته أن السماوات والأرض في كفِّ الرحمن أصغر من الخردلة كما قال ذلك ابن عباس وغيره، وقال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:٦٧]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ [فاطر:٤١]، وقال تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٢٥]، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ [الشورى:٥] الآية وفي الصحيح عنه ﷺ: «إن الله يقول الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته» (١) فلله تعالى الكبرياء والعظمة، الوصفان اللذان لا يقدر قدرهما ولا يبلغ كنههما\nالنوع الثاني: من معاني عظمته تعالى أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يعظم كما يعظم الله فيستحق ﷻ من عباده أن يعظموه بقلوبهم، وألسنتهم، وجوارحهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته، ومحبته والذل له، والانكسار له، والخضوع لكبريائه، والخوف منه، وإعمال اللسان بالثناء عليه، وقيام الجوارح بشكره وعبوديته ومن تعظيمه أن يُتقى حق تقاته، فيطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر ومن تعظيمه تعظيم ما حرمه وشرعه من زمان ومكان وأعمال: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:٣٢] وقوله تعالى ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ [الحج:٣٠] ومن تعظيمه أن لا يعترض على شيء مما خلقه أو شرعه (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٨٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٢٠) بلفظ «العز إزاره»، ورواه أبو داود (٤٠٩٠)، وأحمد (٢/ ٤١٤) (٩٣٤٨) كلاهما بلفظ «قذفته»، وابن ماجه (٤١٧٥)، وابن حبان (١٢/ ٤٨٦) كلاهما بلفظ: «ألقيته». من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «الحق الواضح المبين» (ص٢٧ - ٢٨) و«شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٦٨) و«توضيح المقاصد وتصحيح القواعد» (٢/ ٢١٤).","vol":"1","page":487},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-327> العفو، الغفور، الغفار</span>\nقال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [الحج:٦٠] الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه وقد وعد بالمغفرة والعفو، لمن أتى بأسبابها، قال تعالى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [طه:٨٢] والعفوُّ هو الذي له العفو الشامل الذي وسع ما يصدر من عباده من الذنوب، ولاسيما إذا أتوا بما يسبب العفو عنهم من الاستغفار، والتوبة، والإيمان، والأعمال الصالحة فهو سبحانه يقبل التوبة، عن عباده ويعفو عن السيئات، وهو عفو يحب العفو ويحب من عباده أن يسعوا في تحصيل الأسباب التي ينالون بها عفوه: من السعي في مرضاته، والإحسان إلى خلقه ومن كمال عفوه أنه مهما أسرف العبد على نفسه ثم تاب إليه ورجع غفر له جميع جرمه صغيره وكبيره، وأنه جعل الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها (١) قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:٥٣] وفي الحديث: «إن الله يقول: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة» (٢) وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم:٣٢] وقد فتح الله ﷿ الأسباب لنيل مغفرته بالتوبة، والاستغفار، والإيمان، والعمل الصالح، والإحسان إلى عباد الله، والعفو عنهم، وقوة الطمع في فضل الله، وحسن الظن بالله وغير ذلك مما جعله الله مقربًا لمغفرته (٣) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٠٦\n_________\n(١) «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٨٦)، و«الحق الواضح المبين» (ص٥٦).\n(٢) رواه الترمذي (٣٥٤٠). من حديث أنس بن مالك ﵁. وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٤٠٠): إسناده لا بأس به. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٢٧): الحديث حسن كما قال الترمذي.\n(٣) «الحق الواضح المبين» (ص ٧٣ - ٧٤).","vol":"1","page":488},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-328> العلي، الأعلى، المتعال</span>\nيقول ابن جرير رحمه الله تعالى: (وأما تأويل قوله: (وهو العلي) فإنه يعني: والله العلي، والعلي الفعيل من قولك: علا يعلو علوًا إذا ارتفع فهو عال وعلي، والعلي: ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته) (١).\nوقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (العلي، الأعلى) هو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه: علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر.\nفهو الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وبجميع صفات العظمة والكبرياء والجلال والجمال وغاية الكمال اتصف، وإليه فيها المنتهى) (٢).\nوالله ﵎ له جميع أنواع العلو، ومن أنكر شيئًا منها، فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وقد جاءت النصوص بإثبات أنواع العلو لله، وهي:\n١ - علو الذات، فالله ﵎ مستو على عرشه، وعرشه فوق مخلوقاته، كما قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [يونس: ٣].\nوقال: اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه ٥].\nوالله مستو على عرشه فوق عباده، كما قال ﵎: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨].\nوقال: يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: ٥٠].\nوفي إثبات علو الذات الإلهية يقول ابن القيم في نونيته:\nفهو العلي بذاته سبحانه ...\nإذ يستحيل خلاف ذا ببيان\nوهو الذي حقا على العرش استوى ...\nقد قام بالتدبير للأكوان ... ... ٢ - علو القهر والغلب، كما قال تعالى: هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الزمر: ٤]. فلا ينازعه منازع، ولا يغلبه غالب، وكل مخلوقاته تحت قهره وسلطانه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وقد وصف الحق – ﵎ – نفسه بصفات كثيرة تدل على علو القهر والغلب كالعزيز، والقوي، والقدير، والقاهر والغالب ونحو ذلك. قال سبحانه: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨].\n٣ - علو المكانة والقدر، وهو الذي أطلق عليه القرآن: (المثل الأعلى) كما في قوله تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل: ٦٠]، وقوله: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم: ٢٧].\nفالمثل الأعلى: الصفات العليا التي لا يستحقها غيره، فالله هو الإله الواحد الأحد، وهو متعال عن الشريك والمثيل والند والنظير: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ١ - ٤].\nوفي إثبات كل أنواع العلو للعلي العظيم يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:\nوهو العلي فكل أنواع العلو ... له فثباته بلا نكران (٣)\nويقول أيضًا: في نونيته مبينًا اسمي الجلالة (الأعلى، والعلي) ودلالتهما على علو الله تعالى على خلقه:\nهذا وثانيها صريح علوه ... وله بحكم صريحه لفظان\nلفظ العلي ولفظة الأعلى معرفة ... أتتك هنا لقصد بيان\nإن العلو له بمطلقه على التعميم ... والإطلاق بالبرهان\nوله العلو من الوجوه جميعها ... ذاتًا وقهرًا من علو الشان (٤)\n@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٢٥٦\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٣/ ١٣).\n(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٤٨٧)، طبعة دار المدني.\n(٣) «نونية ابن القيم» (٢/ ٢١٤).\n(٤) «النونية رقم الأبيات» (ص: ١١٢٣ - ١١٢٦).","vol":"1","page":489},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-329> العليم</span>\nقال الله تعالى: ... إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:٧٥]، فهو العليم المحيط علمه بكل شيء: بالواجبات، والممتنعات، فيعلم تعالى نفسه الكريمة، ونعوته المقدسة، وأوصافه العظيمة، وهي الواجبات التي لا يمكن إلا وجودها، ويعلم الممتنعات حال امتناعها، ويعلم ما يترتب على وجودها لو وجدت كما قال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون:٩١] فهذا وشبهه من ذكر علمه بالممتنعات التي يعلمها وإخباره بما ينشأ عنها لوجدت على وجه الفرض والتقدير ويعلم تعالى الممكنات، وهي التي يجوز وجودها وعدمها ما وجد منها وما لم يوجد مما لم تقتض الحكمة إيجاده، فهو العليم الذي أحاط علمه بالعالم العلوي والسفلي لا يخلو عن علمه مكان ولا زمان ويعلم الغيب والشهادة، والظواهر والبواطن، والجلي والخفي، قال الله تعالى: إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:٧٥] والنصوص في ذكر إحاطة علم الله وتفصيل دقائق معلوماته كثيرة جدًا لا يمكن حصرها وإحصاؤها وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأن علوم الخلائق على سعتها وتنوعها إذا نسبت إلى علم الله اضمحلت وتلاشت، كما أن قدرتهم إذا نسبت إلى قدرة الله لم يكن لها نسبة إليها بوجه من الوجوه، فهو الذي علمهم ما لم يكونوا يعلمون، وأقدرهم على ما لم يكونوا عليه قادرين وكما أن علمه محيط بجميع العالم العلوي والسفلي، وما فيه من المخلوقات ذواتها، وأوصافها، وأفعالها، وجميع أمورها، فهو يعلم ما كان وما يكون في المستقبلات التي لا نهاية لها، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ويعلم أحوال المكلفين منذ أنشأهم وبعد ما يميتهم وبعد ما يحييهم، قد أحاط علمه بأعمالهم كلها خيرها وشرها وجزاء تلك الأعمال وتفاصيل ذلك في دار القرار (١) والخلاصة: أنَّ الله تعالى هو الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالواجبات، والمستحيلات، والممكنات، وبالعالم العلوي، والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٨٨\n_________\n(١) «الحق الواضح المبين» (ص ٣٧ - ٣٨) و«شرح النونية» للهراس (٢/ ٧٣) و«تفسير السعدي» (٥/ ٦٢١).\n(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢١).","vol":"1","page":490},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-330> الخبير</span>\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى: (الخبير): الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها (١).\nوقال الغزالي رحمه الله تعالى: (-الخبير- هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة ولا يجري في الملك والملكوت شيء ولا يتحرك ذرة ولا يسكن ولا يضطرب نفس ولا يطمئن إلا ويكون عنده خبره. وهو بمعنى العليم، لكن العليم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة وسمي صاحبها خبيرًا) (٢).\nوقال السعدي رحمه الله تعالى: (-العليم الخبير- وهو الذي أحاط علمِه بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات والممكنات وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء) (٣).\nويقول ابن عاشور رحمه الله تعالى: (-والخبير-: العالم بدقائق الأمور المعقولة والمحسوسة والظاهرة والخفية) (٤). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٣٩٢\n_________\n(١) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٩٢).\n(٢) «المقصد الأسنى» (ص: ٦٣).\n(٣) «تفسير السعدي» (٥/ ٢٩٩).\n(٤) «التحرير والتنوير» (١١/ ٣١٠).","vol":"1","page":491},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-331> الغني</span>\nقال الله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى [النجم:٤٨]، وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:١٥] فهو تعالى (الغني) الذي له الغنى التام المطلق من كل الوجوه لكماله وكمال صفاته التي لا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنيًا فإن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا محسنًا، جوادًا، برًا، رحيمًا كريمًا، والمخلوقات بأسرها لا تستغني عنه في حال من أحوالها، فهي مفتقرة إليه في إيجادها، وفي بقائها، وفي كل ما تحتاجه أو تضطر إليه، ومن سعة غناه أن خزائن السماوات والأرض والرحمة بيده، وأن جوده على خلقه متواصل في جميع اللحظات والأوقات، وأنَّ يده سحاء الليل والنهار، وخيره على الخلق مدرار ومن كمال غناه وكرمه أنه يأمر عباده بدعائه، ويعدهم بإجابة دعواتهم وإسعافهم بجميع مراداتهم، ويؤتيهم من فضله ما سألوه وما لم يسألوه، ومن كمال غناه أنه لو اجتمع أول الخلق وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلًا منهم ما سأله وما بلغت أمانيه ما نقص من ملكه مثقال ذرة ومن كمال غناه وسعة عطاياه ما يبسطه على أهل دار كرامته من النعيم واللذات المتتابعات، والخيرات المتواصلات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ومن كمال غناه أنه لم يتخذ صاحبة، ولا ولدًا، ولا شريكا في الملك، ولا وليًا من الذل فهو الغني الذي كمل بنعوته وأوصافه، المغني لجميع مخلوقاته (١) والخلاصة أن الله الغني الذي له الغنى التام المطلق من كل الوجوه وهو المغني جميع خلقه، غنىً عامًا، المغني لخواص خلقه، بما أفاض على قلوبهم، من المعارف الربانية، والحقائق الإيمانية (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٩٨\n_________\n(١) «الحق الواضح المبين» (ص ٤٧ - ٤٨) و«شرح النونية» للهراس (٢/ ٧٨).\n(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٩).","vol":"1","page":492},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-332> الفتاح</span>\nقال الله تعالى: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ:٢٦] الفاتح: الحاكم والفتاح من أبنية المبالغة فالفتاح هو الحكم المحسن الجواد، وفتحه تعالى قسمين:\nأحدهما: فتحه بحكمه الديني وحكمه الجزائي\nوالثاني: الفتاح بحكمه القدري\nففتحه بحكمه الديني هو شرعه على ألسنة رسله جميع ما يحتاجه المكلفون، ويستقيمون به على الصراط المستقيم وأما فتحه بجزائه فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم وبين أوليائه وأعدائهم بإكرام الأنبياء وأتباعهم ونجاتهم، وبإهانة أعدائهم وعقوباتهم وكذلك فتحه يوم القيامة وحكمه بين الخلائق حين يوفي كل عامل ما عمله وأما فتحه القدري فهو ما يقدِّره على عباده من خير وشر ونفع وضر وعطاء ومنع، قال تعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر:٢] فالرب تعالى هو الفتاح العليم الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله وعدله (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٥٢\n_________\n(١) «الحق الواضح المبين» (ص ٨٣) وانظر: «شرح النونية» للهراس (٢/ ١٠٧).","vol":"1","page":493},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-333> القابض، الباسط، المعطي</span>\nقال الله تعالى: وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:٢٤٥] وقال ﷺ: «إن الله هو المسعِّر، القابض، الباسط الرزاق» (١) وقال ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين والله المعطي وأنا القاسم» (٢) وقال ﷺ: «إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل» (٣) الحديث\nوقال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:٢٦] وقال ﷺ: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين» (٤) وقد كان ﷺ يقول بعد السلام من الصلاة حينما ينصرف إلى الناس: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (٥) هذه الصفات الكريمة من الأسماء المتقابلات التي لا ينبغي أن يثنى على الله بها إلا كل واحد منها مع الآخر، لأن الكمال المطلق من اجتماع الوصفين، فهو القابض للأرزاق والأرواح والنفوس، والباسط للأرزاق والرحمة والقلوب وهو الرافع لأقوام قائمين بالعلم والإيمان، الخافض لأعدائه وهو المعز لأهل طاعته، وهذا عز حقيقي، فإنَّ المطيع لله عزيز وإن كان فقيرًا ليس له أعوان، المذل لأهل معصيته وأعدائه ذلًا في الدنيا والآخرة فالعاصي وإن ظهر بمظاهر العز فقلبه حشوه الذل وإن لم يشعر به لانغماسه في الشهوات فإن العز كل العز بطاعة الله والذل بمعصيته ومن يهن الله فما له من مكرم [الحج:١٨] من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا [فاطر:١٠] وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ [المنافقون:٨] وهو تعالى المانع المعطي فلا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى وهذه الأمور كلها تبع لعدله وحكمته وحمده، فإن له الحكمة في خفض من يخفضه ويذله ويحرمه، ولا حجة لأحد على الله، كما له الفضل المحض على من رفعه وأعطاه وبسط له الخيرات، فعلى العبد أن يعترف بحكمة الله، كما عليه أن يعترف بفضله ويشكره بلسانه وجنانه وأركانه، وكما أنه هو المنفرد بهذه الأمور وكلها جارية تحت أقداره، فإن الله جعل لرفعه وعطائه وإكرامه أسبابًا، ولضد ذلك أسبابًا من قام بها ترتبت عليه مسبباتها، وكلٌ ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، وهذا يوجب للعبد القيام بتوحيد الله، والاعتماد على ربه في حصول ما يحب، ويجتهد في فعل الأسباب النافعة فإنها محل حكمة الله شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٨٨\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وأحمد (٣/ ١٥٦) (١٢٦١٣). من حديث أنس بن مالك ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٥/ ٤٢٣): روي من وجوه صحيحة لا بأس بها. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٣٣): إسناده على شرط مسلم. وقال ابن حجر في «تسديد القوس» (١/ ٩٣): أصله في مسلم. وقال ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (ص١١٣)، والألباني في «صحيح أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٣١١٦) واللفظ له، ومسلم (١٠٣٧). من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄.\n(٣) رواه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٨١٧) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.\n(٥) البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.","vol":"1","page":494},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-334> القاهر، القهار</span>\nقال ابن جرير رحمه الله تعالى: (القاهر) المذلل المستعبد خلقه العالي عليهم (١).\nوقال ابن كثير ﵀: (وهو القاهر فوق عباده) أي: هو الذي خضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق وتواضعت لعظمته وجلاله وكبريائه وعلوه وقدرته على الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه) (٢).\nويقول ابن القيم – رحمه الله تعالى – في نونيته:\nوكذلك القهار من أوصافه ... فالخلق مقهورون بالسلطان\nلو لم يكن حيًا عزيزًا قادرًا ... ما كان من قهر ولا سلطان (٣)\nويقول أيضًا: (لا يكون القهار إلا واحدًا، إذ لو كان معه كفؤ له فإن لم يقهره لم يكن قهارًا على الإطلاق، وإن قهره لم يكن كفؤًا، فكان القهار واحدًا) (٤).\nويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (القهار لجميع العالم العلوي والسفلي، القهار لكل شيء الذي خضعت له المخلوقات وذلك لعزته وقوته وكمال اقتداره) (٥).\nوقال الخطابي: (-القهار- هو الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة، وقهر الخلق كلهم بالموت) (٦). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٤١٤\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٧/ ١٠٣).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٢٦).\n(٣) «النونية» (٢/ ٢٣٢).\n(٤) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠١٨).\n(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٤ – ٦/ ٤٤٨).\n(٦) «شأن الدعاء» (ص: ٥٣).","vol":"1","page":495},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-335> القدوس، السلام</span>\nقال الله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ [الحشر:٢٣] (القدوس، السلام) معناهما متقاربان، فإنَّ القدوس مأخوذ من قدَّس بمعنى: نزَّهه وأبعده عن السوء مع الإجلال والتعظيم والسلام مأخوذ من السلامة فهو سبحانه السالم من مماثلة أحد من خلقه، ومن النقص، ومن كل ما ينافي كماله (١) فهو المقدَّس المعظَّم المنزه عن كل سوء، السالم من مماثلة أحد من خلقه ومن النقصان ومن كل ما ينافي كماله فهذا ضابط ما ينزه عنه: ينزه عن كل نقص بوجه من الوجوه، وينزه ويعظم أن يكون له مثيل، أو شبيه أو كفوء، أو سمي، أو ند، أو مضاد، وينزه عن نقص صفة من صفاته التي هي أكمل الصفات وأعظمها وأوسعها ومن تمام تنزيهه عن ذلك إثبات صفات الكبرياء والعظمة له، فإنَّ التنزيه مراد لغيره ومقصود به حفظ كماله عن الظنون السيئة كظن الجاهلية الذين يظنون به ظن السوء، ظن غير ما يليق بجلاله، وإذا قال العبد مثنيا على ربه: (سبحان الله) أو (تقدس الله) أو (تعالى الله) ونحوها كان مثنيًا عليه بالسلامة من كل نقص وإثبات كل كمال (٢)\nقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في اسم (السلام): الله أحق بهذا الاسم من كل مسمىً به، لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو السلام الحق بكل اعتبار، والمخلوق سلام بالإضافة، فهو سبحانه سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله وهم، وسلام في صفاته من كل عيب ونقص، وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة، بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار، فعلم أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه، وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه به نفسه، ونزهه به رسوله شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٤٠\n_________\n(١) «شرح النونية» للهراس (٢/ ١٠٥).\n(٢) «الحق الواضح المبين» (ص ٨١ - ٨٢).","vol":"1","page":496},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-336> القريب</span>\nقال الله تعالى: هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ [هود:٦١].\nمن أسمائه (القريب)، وقربه نوعان:\nقرب عام وهو إحاطة علمه بجميع الأشياء، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد وهو بمعنى المعية العامة\nوقرب خاص بالداعين والعابدين المحبين، وهو قرب يقتضي المحبة، والنصرة، والتأييد في الحركات والسكنات، والإجابة للداعين، والقبول والإثابة للعابدين (١) قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:١٨٦] وإذا فهم القرب بهذا المعنى في العموم والخصوص لم يكن هناك تعارض أصلًا بينه وبين ما هو معلوم من وجوده تعالى فوق عرشه فسبحان من هو عليٌّ في دنوه قريب في علوه (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٧\n_________\n(١) «الحق الواضح المبين» (ص٦٤)، و«شرح النونية» للهراس (٢/ ٩٢).\n(٢) «شرح النونية» للهراس (٢/ ٩٢) و«توضيح المقاصد» (٢/ ٢٢٩).","vol":"1","page":497},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-337> الكبير</span>\nوهو ﷾ الموصوف بصفات المجد، والكبرياء، والعظمة، والجلال، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجل وأعلى.\nوله التعظيم والإجلال، في قلوب أوليائه وأصفيائه قد مُلئت قلوبهم من تعظيمه، وإجلاله، والخضوع له، والتذلل لكبريائه (١) قال الله تعالى: ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير [غافر:١٢] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٨٤\n_________\n(١) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٢).","vol":"1","page":498},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-338> اللطيف</span>\nقال الله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ [الشورى:١٩] وقال تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:١١٣]\n(اللَّطِيفُ) من أسمائه الحسنى، وهو الذي يلطف بعبده في أموره الداخلية المتعلقة بنفسه، ويلطف بعبده في الأمور الخارجية عنه، فيسوقه ويسوق إليه ما به صلاحه من حيث لا يشعر وهذا من آثار علمه وكرمه ورحمته، فلهذا كان معنى اللطيف نوعين:\nأنه الخبير الذي أحاط علمه بالأسرار والبواطن والخبايا والخفايا ومكنونات الصدور ومغيبات الأمور، وما لطف ودقَّ من كل شيء.\nالنوع الثاني: لطفه بعبده ووليه الذي يريد أن يتمَّ عليه إحسانه، ويشمله بكرمه ويرقيه إلى المنازل العالية فييسره لليسرى ويجنبه العسرى، ويجري عليه من أصناف المحن التي يكرهها وتشق عليه، وهي عين صلاحه والطريق إلى سعادته، كما امتحن الأنبياء بأذى قومهم وبالجهاد في سبيله، وكما ذكر الله عن يوسف ﷺ وكيف ترقت به الأحوال ولطف الله به وله بما قدَّره عليه من تلك الأحوال التي حصل له في عاقبتها حسن العقبى في الدنيا والآخرة، وكما يمتحن أولياءه بما يكرهونه لينيلهم ما يحبون.\nفكم لله من لطف وكرم لا تدركه الأفهام، ولا تتصوره الأوهام، وكم استشرف العبد على مطلوب من مطالب الدنيا من ولاية، أو رياسة، أو سبب من الأسباب المحبوبة، فيصرفه الله عنها ويصرفها عنه رحمة به لئلا تضره في دينه، فيظل العبد حزينًا من جهله وعدم معرفته بربه، ولو علم ما ذخر له في الغيب وأريد إصلاحه فيه لحمد الله وشكره على ذلك، فإن الله بعباده رؤوف رحيم لطيف بأوليائه شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٥","vol":"1","page":499},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-339> المبين</span>\nالمبين: اسم الفاعل من أبان يبين فهو مبين إذا أظهر وبينَّ إما قولًا، وإما فعلًا والبينة هي الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة والبيان هو الكشف عن الشيء وسمي الكلام بيانًا لكشفه عن المقصود وإظهاره نحو هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ [آل عمران:١٣٨] فالله ﷿ هو المبين لعباده سبيل الرشاد والموضح لهم الأعمال التي يستحقون الثواب على فعلها والأعمال التي يستحقون العقاب عليها، وبين لهم ما يأتون، وما يذرون يقال: أبان الرجل في كلامه ومنطقه فهو مبين والبيان: الكلام ويقال: (بان الكلام وأبان بمعنىً واحد فهو: مُبِّينٌ ومُبينٌ (١) وقد سمى الله نفسه بالمبين يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور:٢٥] وهو سبحانه الذي بين لعباده طرق الهداية وحذرهم وبين لهم طرق الضلال وأرسل إليهم الرسل وأنزل الكتب ليبين لهم قال الله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ [البقرة:١٩٥] وهذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى في كتبه التي أنزلها على رسله عليهم الصلاة والسلام وقال ﷿: وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة:١١٨]، كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة:٢٦٦]، يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء:٢٦] وقال ﷿: يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [المائدة:١٥ - ١٦] ويقول ﷿: انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة:٧٥] وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:١٨] والله ﷿ يبين للناس الأحكام الشرعية ويوضحها ويبين الأحكام القدرية وهو عليم بما يصلح عباده حكيم في شرعه وقدره، (٢) فله الحكمة البالغة والحجة الدامغة وقال ﷿: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:١٠٣] وقال: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التوبة:١١٥] يخبر الله عن نفسه الكريمة وحكمه العادل أنه لا يضل قومًا إلا بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة (٣) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٩٧\n_________\n(١) انظر: «مفردات القرآن» للراغب الأصفهاني (ص٦٨ - ٦٩)، و«اشتقاق الأسماء» للزجاجي (ص١٨٠).\n(٢) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٣/ ٢٧٤).\n(٣) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٢/ ٣٩٦).","vol":"1","page":500},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-340> المتكبر</span>\n-المتكبر- العظيم ذو الكبرياء، المتعالي عن صفات خلقه، المتكبر على عتاتهم. والكبرياء: العظمة والملك. وقيل: هي عبارة عن كمال الذات، وكمال الوجود، ولا يوصف بها على وجه المدح إلا الله) (١).\nوقال الخطابي: (المتكبر: المتعالي عن صفات الخلق. ويقال: هو الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فيقصمهم. والتاء في المتكبر: تاء التفرد، والتخصص بالكبر، لا تاء التعاطي والتكلف) (٢).\nوقال قتادة: (المتكبر) أي: تكبر عن كل شر (٣).\nوقيل: (المتكبر) هو الذي تكبر عن ظلم عباده وهو يرجع إلى الأول (٤).\nمما سبق من النقولات يمكن فهم معنى اسمه سبحانه (المتكبر) في المعاني التالية:\n١ - المتكبر والمتنزه عن كل سوء وشر.\n٢ - المتكبر على عتاة خلقه وجبابرتهم إذا نازعوه العظمة فيقصمهم.\n٣ - المتكبر عن ظلم عباده فلا يظلم أحدًا.\n٤ - المتكبر والمتعالي عن صفات خلقه فلا شيء مثله.\n٥ - الذي كبر وعظم فكل شيء دون جلاله صغير وحقير.\nوثبت عنه ﷺ أنه قال: «يقول الله ﷿: العز إزاري، والكبرياء ردائي فمن نازعني عذبته».\nوقد كان النبي ﷺ يسبح ربه سبحانه ويثني عليه في ركوعه وسجوده بهذا الدعاء: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة». ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٢٢٧\n_________\n(١) «لسان العرب» (٣/ ٢١٠).\n(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٤٨).\n(٣) «تفسير الطبري» (٢٨/ ٣٧).\n(٤) «تفسير الطبري» (٢٨/ ٣٧).","vol":"1","page":501},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-341> المجيب</span>\nمن أسمائه تعالى (المجيب) لدعوة الداعين وسؤال السائلين وعباده المستجيبين، وإجابته نوعان:\nإجابة عامة لكل من دعاه دعاء عبادة أو دعاء مسألة، قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:٦٠] فدعاء المسألة أن يقول العبد اللهم أعطني كذا أو اللهم ادفع عني كذا، فهذا يقع من البر والفاجر، ويستجيب الله فيه لكل من دعاه بحسب الحال المقتضية وبحسب ما تقتضيه حكمته وهذا يُستدل به على كرم المولى وشمول إحسانه للبر والفاجر، ولا يدل بمجرده على حسن حال الداعي الذي أجيبت دعوته إن لم يقترن بذلك ما يدل عليه وعلى صدقه وتعيُّن الحق معه، كسؤال الأنبياء ودعائهم لقومهم وعلى قومهم فيجيبهم الله، فإنه يدل على صدقهم فيما أخبروا به وكرامتهم على ربهم، ولهذا كان النبي صلى الله عليه كثيرًا ما يدعو بدعاء يشاهد المسلمون وغيرهم إجابته، وذلك من دلائل نبوته وآيات صدقه، وكذلك ما يذكرونه عن كثير من أولياء الله من إجابة الدعوات، فإنه من أدلة كراماتهم على الله.\nوأما الإجابة الخاصة فلها أسباب عديدة، منها دعوة المضطر الذي وقع في شدة وكربة عظيمة، فإنَّ الله يجيب دعوته، قال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:٦٢] وسبب ذلك شدَّة الافتقار إلى الله وقوة الانكسار وانقطاع تعلقه بالمخلوقين، ولسعة رحمة الله التي يشمل بها الخلق بحسب حاجتهم إليها، فكيف بمن اضطر إليها، ومن أسباب الإجابة طول السفر والتوسل إلى الله بأحب الوسائل إليه من أسمائه وصفاته ونعمه، وكذلك دعوة المريض، والمظلوم، والصائم والوالد على ولده أو له، وفي الأوقات والأحوال الشريفة مثل أدبار الصلوات، وأوقات السحر، وبين الأذان والإقامة، وعند النداء، ونزول المطر واشتداد البأس، ونحو ذلك (١) إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ [هود:٦١] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٩\n_________\n(١) «شرح النونية» للهراس (٢/ ٩٣ - ٩٤) و«توضيح المقاصد وتصحيح القواعد» (٢/ ٢٢٩).","vol":"2","page":1},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-342> المجيد</span>\n(المجيد) الذي له المجد العظيم، والمجد هو عظمة الصفات وسعتها، فكل وصف من أوصافه عظيم شأنه: فهو العليم الكامل في علمه، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء، الحليم الكامل في حلمه، الحكيم الكامل في حكمته، إلى بقية أسمائه وصفاته (١) التي بلغت غاية المجد فليس في شيء منها قصور أو نقصان قال تعالى: قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ [هود:٧٣] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٨٣\n_________\n(١) «الحق الواضح المبين» (ص٣٣) و«شرح النونية» للهراس (٢/ ٧١).","vol":"2","page":2},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-343> المحسن</span>\nوالمحسن من أسماء الله تعالى، لحديث أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا حكمتم؛ فاعدلوا، وإذا قتلتم؛ فأحسنوا؛ فإن الله مُحْسِنٌ يحب الإحسان» (١) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥٠\n_________\n(١) رواه ابن أبي عاصم في «الدِّيَّات» (ص٩٤)، والطبراني في «الأوسط» (٥٧٣٥) واللفظ له، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٧/ ٣٠٦)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٢/ ١١٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٩٧):رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله ثقات. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٦٩): وهذا إسناد جيد رجاله ثقات. وقال في «إرواء الغليل» (٧/ ٢٩٣): سنده حسن.","vol":"2","page":3},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-344> المحيط</span>\nقال الله تعالى: وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا [النساء:١٢٦] وقال ﷿: إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:١٢٠] وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وقدرة، ورحمة، وقهرًا وقد أحاط علمه بجميع المعلومات، وبصره بجميع المبصرات، وسمعه بجميع المسموعات ونفذت مشيئته وقدرته بجميع الموجودات، ووسعت رحمته أهل الأرض والسماوات، وقهر بعزته كل مخلوق ودانت له جميع الأشياء (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٦٩\n_________\n(١) «تفسير السعدي» (٢/ ١٧٩).","vol":"2","page":4},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-345> المقدم، والمؤخر</span>\nكان من آخر ما يقول النبي ﷺ بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم، وأنت المؤخر لا إله إلا أنت» (١).\nالمقدم والمؤخر هما كما تقدم من الأسماء المزدوجة المتقابلة التي لا يطلق واحد بمفرده على الله إلا مقرونًا بالآخر، فإن الكمال من اجتماعهما، فهو تعالى المقدم لمن شاء والمؤخر لمن شاء بحكمته وهذا التقديم يكون كونيًا كتقديم بعض المخلوقات على بعض وتأخير بعضها على بعض، وكتقديم الأسباب على مسبباتها والشروط على مشروطاتها وأنواع التقديم والتأخير في الخلق والتقدير بحر لا ساحل له ويكون شرعيًا كما فضل الأنبياء على الخلق وفضل بعضهم على بعض، وفضل بعض عباده على بعض، وقدمهم في العلم، والإيمان، والعمل، والأخلاق، وسائر الأوصاف، وأخَّر من أخَّر منهم بشيء من ذلك وكل هذا تبع لحكمته وهذان الوصفان وما أشبههما من الصفات الذاتية لكونهما قائمين بالله والله متصف بهما، ومن صفات الأفعال لأن التقديم والتأخير متعلق بالمخلوقات ذواتها، وأفعالها، ومعانيها، وأوصافها، وهي ناشئة عن إرادة الله وقدرته.\nفهذا هو التقسيم الصحيح لصفات الباري، وإن صفات الذات متعلقة بالذات، وصفات أفعاله متصفة بها الذات ومتعلقة بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال (٢) قال الله ﷿: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير [الأنعام:١٧] وقال الله تعالى: قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [الفتح:١١] وصفة الضر والنفع هما كما تقدم من الأسماء المزدوجة المتقابلة فالله تعالى النافع لمن شاء من عباده بالمنافع الدينية والدنيوية، الضار لمن فعل الأسباب التي توجب ذلك، وكل هذا تبع لحكمته وسننه الكونية وللأسباب التي جعلها موصلة إلى مسبباتها، فإنَّ الله تعالى جعل مقاصد للخلق وأمورًا محبوبة في الدين والدنيا، وجعل لها أسبابًا وطرقًا، وأمر بسلوكها ويسَّرها لعباده غاية التيسير، فمن سلكها أوصلته إلى المقصود النافع، ومن تركها أو ترك بعضها أو فوت كمالها أو أتاها على وجه ناقص ففاته الكمال المطلوب فلا يلومنّ إلا نفسه، وليس له حجة على الله، فإن الله أعطاه السمع، والبصر، والفؤاد، والقوة’ والقدرة، وهداه النجدين، وبين له الأسباب، والمسببات، ولم يمنعه طريقًا يوصل إلى خير ديني ولا دنيوي، فتخلفه عن هذه الأمور يوجب أن يكون هو الملوم عليها المذموم على تركها واعلم أن صفات الأفعال كلها متعلقة وصادرة عن هذه الصفات الثلاث: القدرة الكاملة، والمشيئة النافذة، والحكمة الشاملة التامة وهي كلها قائمة بالله، والله متصف بها، وآثارها ومقتضياتها جميع ما يصدر عنها في الكون كله من التقديم والتأخير، والنفع والضر، والعطاء والحرمان، والخفض والرفع، لا فرق بين محسوسها ومعقولها، ولا بين دينيها ودنيويها فهذا معنى كونها أوصاف أفعال لا كما ظنه أهل الكلام الباطل (٣) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٩٢\n_________\n(١) رواه البخاري (١١٢٠) من حديث ابن عباس ﵄. ومسلم (٧٧١) وقيده بقوله بين التشهد والتسليم. من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٢) «الحق الواضح المبين» (ص١٠٠).\n(٣) «توضيح الكافية الشافية» للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص١٣١ - ١٣٢).","vol":"2","page":5},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-346> المقيت</span>\nقال ابن جرير رحمه الله تعالى: (اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى: وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا، فقال بعضهم في تأويله: وكان الله على كل شيء حفيظًا وشهيدًا.\nوقال آخرون معنى ذلك: القائم على كل شيء بالتدبير، وقال آخرون: هو القدير.\nثم قال: والصواب من هذه الأقوال: قول من قال: معنى المقيت: القدير وذلك أن ذلك فيما بلغه يذكر كذلك بلغة قريش، وينشد للزبير بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ:\nوذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتًا\nأي: قادرًا) (١).\nوقال الخطابي: (المقيت بمعنى القدير، والمقيت أيضًا: معطي القوت) (٢).\nوقال ابن العربي: (وعلى القول بأنه (القادر) يكون من صفات الذات، وإن قلنا إنه اسم للذي يعطي القوت فهو اسم للوهاب والرزاق ويكون من صفات الأفعال) (٣).\nوقال القرطبي –﵀- في التفسير: (وقال أبو عبيدة: المقيت الحافظ، وقال الكسائي: المقيت المقتدر.\nوقال النحاس: وقل أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت، والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان) (٤).\nوقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (المقيت الذي أوصل إلى كل موجود ما به يقتات، وأوصل إليها أرزاقها وصرفها كيف يشاء بحكمته وحمده) (٥).\nوقال الراغب: (وقاته يقيته قوتًا أطعمه قوته، وأقاته يقيته جعل له ما يقوته وفي الحديث الشريف «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت». وقيل: مقتدرًا، وقيل: حافظًا، وقيل: شاهدًا، وحقيقته قائمًا عليه يحفظه ويقيته) (٦)، وفي الحديث: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا».\nويبدو أن هناك فرقًا بين اسم المقيت واسم الرزاق، فالمقيت أخص من الرزاق؛ لأنه يختص بالقوت، أما الرزاق فيتناول القوت وغير القوت.\nفالمقيت سبحانه يقدر حاجة الخلائق بعلمه، ثم يسوقها إليهم بقدرته، ليقيتهم بها ويحفظهم. قال الله ﷿: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا [فصلت: ١٠].\nقال ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (وقدر فيها أقواتها وهو ما يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس) (٧). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٦٨٧\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٥/ ١١٨).\n(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٦٨).\n(٣) انظر: «النهج الأسمى» (١/ ٣٥٨)، محمد الحمود الجندي.\n(٤) «تفسير الطبري» (٥/ ٢٩٦).\n(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٥).\n(٦) «المفردات» للراغب (ص: ٤١٤).\n(٧) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٩٣).","vol":"2","page":6},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-347> الملِكُ، المليكُ، مالك الملك</span>\nالمعنى اللغوي (للملك): (الملك، والمللك، والمليك، والمالك: ذو الملك.\nقال ابن سيده: المَلْك، المُلك، المِلْك: احتواء الشيء والقدرة على الاستبدادية وتملكه: أي ملكه قهرًا، وأملكه الشيء وملكه إياه تمليكًا: جعله ملكا له. وأملكوه زوجوه، شبه الزوج بملك عليها في سياستها. والملكوت مختص بملك الله تعالى وهو مصدر ملك، أدخلت فيه التاء نحو: جبروت ورهبوت ورحموت. قال تعالى: أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الأعراف: ١٨٥]) (١).\nمعناه في حق الله تعالى:\nقال ابن جرير رحمه الله تعالى: (المَلِك: الذي لا ملك فوقه ولا شيء إلا دونه) (٢).\nوقال ابن كثير رحمه الله تعالى: (وهو الله الذي لا إله إلا هو الملك أي: المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا مبالغة ولا مدافعة) (٣).\nوقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (إن من أسمائه: (الملك)، ومعناه الملك الحقيقي ثابت له – سبحانه – بكل وجه، وهذه الصفات تستلزم سائر صفات الكمال. إذ من المحال ثبوت الملك الحقيقي التام لمن ليس له حياة ولا قدرة، ولا إرادة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا فعل اختياري يقوم به، وكيف يوصف بالملك من لا يأمر ولا ينهي؛ ولا يثيب ولا يعاقب؛ ولا يعطي ولا يمنع؛ ولا يعز ولا يذل؛ ولا يهين ولا يكرم؛ ولا ينعم ولا ينتقم؛ ولا يخفض ولا يرفع، ولا يرسل الرسل إلى أقطار مملكته، ولا يتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه؟ فأي ملك في الحقيقة لمن عدم ذلك؟\nوبهذا يتبين أن المعطلين لأسمائه وصفاته: جعلوا مماليكه أكمل منه، ويأنف أحدهم أن يقال في أمره وملكه ما يقوله هو في ربه.\nفصفة ملكه الحق مستلزمة لوجود ما لا يتم التصرف إلا به، والكل منه – سبحانه – فلم يتوقف كمال ملكه على غيره، فإن كل ما سواه مسند إليه؛ متوقف في وجوده على مشيئته وخلقه) (٤).\nوهذه المعاني التي تضمنها اسم الجلالة (الملك): هي ما يتم به حقيقة الملك، كما ذكر ذلك ابن القيم – رحمه الله تعالى – في موطن آخر حيث يقول: (إن حقيقة الملك: إنما تتم بالعطاء والمنع؛ والإكرام والإهانة؛ والإثابة والعقوبة؛ والغضب والرضا؛ والتولية والعزل؛ وإعزاز من يليق به العز، وإذلال من يليق به الذل. قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩].\nيغفر ذنبا؛ ويفرج كربا؛ ويكشف غما، وينصر مظلومًا؛ ويأخذ ظالمًا، ويفك عانيا؛ ويغني فقيرًا، ويجبر كسيرًا؛ ويشفي مريضًا، ويقيل عثرة؛ ويستر عورة، ويعز ذليلًا؛ ويذل عزيزًا؛ ويعطي سائلًا، ويذهب بدولة ويأتي بأخرى؛ ويداول الأيام بين الناس؛ ويرفع أقوامًا ويضع آخرين، ويسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها؛ فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه؛ وجرى به قلمه؛ ونفذ فيه حكمه؛ وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده؛ تصرف ملك قادر قاهر، عادل رحيم، تام الملك؛ لا ينازعه في ملكه منازع؛ ولا يعارضه فيه معارض، فتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان؛ والحكمة والمصلحة والرحمة؛ فلا يخرج تصرفه عن ذلك) (٥). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٣٥٨\n_________\n(١) أنظر «النهاية» (٤/ ٣٥٨)، و«اللسان» (٦/ ٤٢٦٦)، و«المفردات» للراغب (ص: ٤٧٢).\n(٢) «تفسير الطبري» (٢٨/ ٣٦).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٤٣).\n(٤) «شفاء العليل» (٢/ ٦٠٩ - ٦١٠).\n(٥) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٢٢٨، ٢٢٩).","vol":"2","page":7},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-348> المنان</span>\nالمنان من أسماء الله الحسنى التي سماه بها رسول الله ﷺ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك المنان يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار فقال النبي ﷺ: لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» (١) قال ابن الأثير (٢): (المنان) هو المنعم المعطي من المنِّ: العطاء، لا من المنة وكثيرًا ما يرد المن في كلامهم: بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه فالمنان من أبنية المبالغة كالوهاب ومنه الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: «إنه ليس من الناس أحد أمنّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن خلة الإسلام أفضل» (٣) ومعنى «إن من أمنِّ الناس» أكثرهم جودًا لنا بنفسه، وماله وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة والله ﷿ هو المنان: من المن العطاء، والمنان: هو عظيم المواهب، فإنه أعطى الحياة، والعقل، والنطق، وصور فأحسن وأنعم فأجزل، وأسنى النعم، وأكثر العطايا والمنح قال وقوله الحق: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:٣٤]\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والترمذي (٣٥٤٤)، والنسائي (٣/ ٥٢)، وابن ماجه (٣٨٥٨) واللفظ له، وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٦)، والحاكم (١/ ٦٨٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»: حسن صحيح.\n(٢) «النهاية في غريب الحديث» (٤/ ٣٦٥).\n(٣) رواه البخاري (٤٦٧) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.","vol":"2","page":8},{"text":"ومن أعظم النعم بل أصل النعم التي امتن الله بها على عباده الامتنان عليهم بهذا الرسول ﷺ الذي أنقذهم الله به من الضلال وعصمهم به من الهلاك (١) قال الله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [آل عمران:١٦٤] فالله ﷿ هو الذي منَّ على عباده: بالخلق، والرزق، والصحة في الأبدان، والأمن في الأوطان، أسبغ عليهم النعم الظاهرة والباطنة، ومن أعظم المنن وأكملها وأنفعها- بل أصل النعم – الهداية للإسلام ومنته بالإيمان وهذا أفضل من كل شيء ومعنى لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ أي تفضل على المؤمنين المصدقين والمنان المتفضل (٢)، والمنة: النعمة العظيمة قال الأصفهاني: المنة: النعمة الثقيلة وهي على نوعين: النوع الأول: أن تكون هذه المنة بالفعل فيقال: منَّ فلان على فلان إذا أثقله بالنعمة وعلى ذلك قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ وقوله تعالى: كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرًا [النساء:٩٤] وقال ﷿: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات:١١٤] وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى [طه:٣٧] وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:٥] فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:٢٧] وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم:١١] وهذا كله على الحقيقة لا يكون إلا من الله تعالى فهو الذي منَّ على عباده بهذه النعم العظيمة فله الحمد حتى يرضى وله الحمد بعد رضاه وله الحمد في الأولى والآخرة.\nالنوع الثاني: أن يكون المنُّ بالقول وذلك مستقبح فيما بين الناس ولقبح ذلك قيل المنة تهدم الصنيعة قال الله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:١٧] فالمنة من الله عليهم بالفعل وهو هدايتهم للإسلام، والمنة منهم بالقول المذموم وقد ذم الله في كتابه ونهى عن المنُّ المذموم: وهو المنة بالقول فقال: وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ [المدثر:٦] قال ابن كثير: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره وقيل غير ذلك وقال الله ﷿: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة:٢٦٢ - ٢٦٤] وقد ذم رسول الله ﷺ المنُّ بالعطية فقال ﵊: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» (٣) هذا هو المنُّ المذموم أما المن بمعنى العطاء والإحسان، والجود فهو المحمود والخلاصة: أنَّ الله ﵎ هو المنان الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهو عظيم المواهب، أعطى الحياة، والعقل، والنطق، وصور فأحسن، وأنعم فأجزل، وأكثر العطايا والمنح، وأنقذ عباده المؤمنين، ومنَّ عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بمنه وفضله ومنَّ على عباده أجمعين: بالخلق، والرزق، والصحة، والأمن لعباده المؤمنين وأسبغ على عباده النعم مع كثرة معاصيهم وذنوبهم شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٢٠٠\n_________\n(١) «تفسير السعدي» (١/ ٤٤٩).\n(٢) «الأسماء والصفات» للبيهقي (١/ ٢٠٩).\n(٣) رواه مسلم (١٠٦).","vol":"2","page":9},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-349> المهيمن</span>\nالمطَّلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيء علمًا (١) وقال البغوي (٤/ ٣٢٦): الشهيد على عباده بأعمالهم وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيبًا على الشيء شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٦٩\n_________\n(١) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٤).","vol":"2","page":10},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-350> المؤمن</span>\nالمعنى اللغوي (للمؤمن):\nله معنيان:\nالأول: المصدق. قال الزجاج: (أصل الإيمان: التصديق والثقة. وقال الله ﷿: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: ١٧]، أي: لفرط محبتك ليوسف لا تصدقنا) (١).\nالثاني: (من الأمان كما يقول: آمن فلان فلانا أي: أعطاه أمانا ليسكن إليه ويأمن، فكذلك أيضًا: (الله المؤمن) أي: يؤمن عباده المؤمنين فلا يأمن إلا من آمنه) (٢).\nمعنى هذا الاسم الكريم في حق الله تعالى:\nأولًا: تعلقه بالمعنى الأول (المصدق): ومن معانيه في حق الله – ﷿ – ما يلي:\n١ - أنه يصدق نفسه بتوحيده وصفاته، كما قال عز من قائل: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ [آل عمران: ١٨].\nفقد شهد سبحانه لنفسه بالوحدانية، وهذه الشهادة أعظم شهادة: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً [الأنعام: ١٩]، فليس فوق شهادة الله شهادة، فهي أعظم من شهادة ملائكته، ورسله، وأنبيائه، ومخلوقاته له بالشهادة.\n٢ - تصديق الله رسله وأنبياءه وأتباعهم، فمن ذلك ما أنزله الله من الآيات البينات التي دلت على صدقهم، ومن ذلك ما يظهره على أيدي المؤمنين، ومنها: ما يريه أعداءه من نصرة المؤمنين، فقد يرى الكفرة الملائكة تقاتل مع المؤمنين، ومنها: أن الكفرة قد يدعون الله أن ينصر المحق، فينصر الله المؤمنين، وغير ذلك مما يصدق به رسله وأتباعهم. ومن ذلك: إيقاع العذاب بالمجرمين والطغاة، أعداء الرسل فإن وقوع العذاب بهم تصديق من الله – ﷿ – لرسله.\n٣ - تصديق الله عباده المؤمنين في يوم الدين، فالله يسأل الناس في يوم القيامة، ويصدق المؤمنين بإيمانهم، ويكذب الكفرة والمجرمين، فيشهد عليهم أعضاءهم، فتشهد. ويصدق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب، ومصدق ما أوعدهم من العقاب (٣).\nيقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم له من شواهد صدقهم، فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه؛ وشهد لهم بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم – قضاء وخلقًا – فإنه سبحانه أخبر وخبره الصدق؛ وقوله الحق: أنه لابد أن يري العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله، فقال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣]، أي: القرآن، فإنه هو المتقدم في قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ [فصلت: ٥٢].\nثم قال: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣]، فشهد سبحانه لرسوله بقوله أن ما جاء به حق، ووعده أن يرى العباد من آياته الخلقية ما يشهد بذلك أيضًا، ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل؛ شهادته – سبحانه – على كل شيء) (٤).\nويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (المؤمن: الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال، وبكمال الجلال، والجمال الذي أرسل رسله وأنزل كتبه بالآيات والبراهين، وصدق رسله بكل آية وبرهان، ويدل على صدقهم وصحة ما جاءوا به) (٥).\nثانيًا: تعلقه بالمعنى الثاني المشتق من (الأمان): وفيه من المعاني ما يلي:\n١ - أنه الذي يؤمن خلقه من ظلمه وقد ذكر هذا المعنى ابن جرير في تفسيره وقال: (قال الضحاك عن ابن عباس ﵄ (المؤمن) أي: أمن خلقه من أن يظلمهم) (٦).\n_________\n(١) «تفسير الأسماء» (ص: ٣١).\n(٢) «اشتقاق أسماء الله تعالى» (ص: ٣٨٥).\n(٣) أنظر: «أسماء الله الحسنى» للأشقر (ص: ٦٤، ٦٥).\n(٤) «مدارج السالكين» (٣/ ٤٦٦).\n(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠١).\n(٦) «تفسير الطبري» (٢٨/ ٣٦).","vol":"2","page":11},{"text":"٢ - أنه الذي يهب عباده المؤمنين الأمن في الدنيا بالطمأنينة والأنس الذي يجدونه في قلوبهم بفعل الإيمان به سبحانه وتوحيده.\n٣ - أنه الذي يؤمن خوف عبده الذي لجأ إليه بصدق في كشف كربته وتأمين خوفه. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (والمضطر إذا صدق في الاضطرار إليه: وجده رحيمًا مغيثًا، والخائف إذا صدق في اللجوء إليه: وجده مؤمنًا من الخوف) (١).\n٤ - أنه الذي يؤمن عباده المنقادين لشرعه بما يشرع لهم من الأحكام والحدود التي يأمنون فيها على دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأعراضهم، وأموالهم سواء على مستوى الفرد، أو الأسرة، أو المجتمع بحيث يعيش الجميع في أمن وسلام في ظل أحكام الله – ﷿ – والتي هي أثر من آثار اسمه (السلام المؤمن).\n٥ - أنه الذي يؤمن عباده يوم الفزع الأكبر من مخاوف يوم القيامة ومن عذاب النار، قال الله تعالى عن عباده المؤمنين: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣]، وقال سبحانه عن أثر الإيمان في تحقيق الأمن في الدنيا والآخرة: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢] (٢).\n٦ - أنه الذي يؤمن عباده المؤمنين عند نزول الموت حال الاحتضار بأن يسمعوا تطمين ملائكة الرحمة لهم وتبشيرهم بالجنة، وتأمين خوفهم وحزنهم، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].\n٧ - أنه الذي يؤمن لجميع عباده، بل جميع خلقه، مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم، كل ما يأمن بقاء حياتهم إلى الأجل الذي أجل لهم بتوفير رزقهم ودفع الغوائم عنهم. ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٢٠٩\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (٣/ ٣٢٤).\n(٢) انظر في تفسير هذه الآية وأقسام الأمن وشموله رسالة «فأي الفريقين أحق بالأمن» للمؤلف.","vol":"2","page":12},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-351> النصير</span>\nالنصير: فعيل بمعنى فاعل أو مفعول لأنَّ كل واحد من المتناصرين ناصر ومنصور وقد نصره ينصره نصرًا إذا أعانه على عدوه وشدَّ منه (١) والنصير هو الموثوق منه بأن لا يسلم وليه ولا يخذله والله ﷿ النصير ونصره ليس كنصر المخلوق: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] وقد سمى نفسه ﵎ باسم النصير فقال: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان:٣١] وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا [النساء:٤٥]، وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج:٧٨] فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الأنفال:٤٠] والله ﷿ هو النصير الذي ينصر عباده المؤمنين ويعينهم كما قال ﷿: إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:١٦٠] وقال ﷿: إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:٧] إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:٥١] وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الروم:٥] وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:٤٠] وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:٤٧] مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [الحج:١٥] ونصرة الله للعبد ظاهرة من هذه الآيات وغيرها فهو ينصر من ينصره ويعينه ويسدده. شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٢١٨\n_________\n(١) «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (٥/ ٦٤).","vol":"2","page":13},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-352> الهادي</span>\nقال الله تعالى: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان:٣١] قال تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الحج:٥٤] (الهادي) أي: الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع، وإلى دفع المضار، ويعلمهم مالا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبهم منيبة إليه، منقادة لأمره والهداية: هي دلالة بلطف شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٣٢","vol":"2","page":14},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-353> الواحد، الأحد</span>\nقال الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:١]، وقال سبحانه: قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد:١٦] وهو الذي توحَّد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك ويجب على العبيد توحيده، عقدًا وقولًا وعملًا، بأن يعترفوا بكماله المطلق وتفرده بالوحدانية، ويفردوه بأنواع العبادة.\nوالأحد يعني: الذي تفرَّد بكل كمال، ومجد وجلال، وجمال وحمد، وحكمة، ورحمة، وغيرها من صفات الكمال فليس له مثيل ولا نظير، ولا مناسب بوجه من الوجوه فهو الأحد في حياته وقيوميته، وعلمه وقدرته، وعظمته وجلاله، وجماله وحمده، وحكمته ورحمته، وغيرها من صفاته، موصوف بغاية الكمال ونهايته، من كل صفة من هذه الصفات ومن تحقيق أحديته وتفرده بها أنه (الصمد) أي: الرب الكامل، والسيد العظيم، الذي لم يبق صفة كمال إلا اتصف بها ووصفه بغايتها وكمالها، بحيث لا تحيط الخلائق ببعض تلك الصفات بقلوبهم، ولا تعبر عنها ألسنتهم (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٦٦\n_________\n(١) «بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار» لعبد الرحمن السعدي (ص٢٩١).","vol":"2","page":15},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-354> الواسع</span>\nقال في اللسان: (الواسع هو الذي وسع رزقه جميع خلقه، ووسعت رحمته كل شيء، وغناه كل فقر) (١).\nويقول الخطابي ﵀: (الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه، والسعة في كلام العرب: الغنى. ويقال: الله يعطي عن سعة أي عن غنى) (٢).\nويقول الطبري – ﵀ – عند قوله تعالى: إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]: (يعني جل ثناؤه بقوله: واسع أي: يسع خلقه كلهم بالكفاية والاتصال والجود والتدبير) (٣).\nويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم) (٤).\nويلاحظ في هذا المعنى أن كل واحد منها أخذ ببعض معان ومقتضيات هذا الاسم الجليل، وإلا فاسم (الواسع) يشمل – كما قال الشيخ السعدي – جميع الصفات والنعوت، فهو الواسع في علمه، وهو الواسع في غناه، وهو الواسع في فضله وإنعامه وجوده، وهو الواسع في قوته وعظمته وجبروته، وهو الواسع في قدرته، الواسع في حكمته، وهو الواسع في مغفرته ورحمته. ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٣٢٢\n_________\n(١) انظر: «اللسان» (٦/ ٤٨٣٥).\n(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٧٢).\n(٣) «تفسير الطبري» (١/ ٤٠٣).\n(٤) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٣١).","vol":"2","page":16},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-355> الوتر</span>\nقال ابن قتيبة رحمه الله تعالى: (الله ﷿ وتر وهو واحد) (١).\nوقال الخطابي رحمه الله تعالى: (-الوتر- هو الفرد الذي لا شريك له ولا نظير) (٢).\nوقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (-الوتر- الفرد ومعناه في حق الله أنه الواحد الذي لا نظير له في ذاته ولا انقسام) (٣). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها – عبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٧٦٣\n_________\n(١) «غريب الحديث» (١/ ١٧٢).\n(٢) «شأن الدعاء» (ص: ١٠٤)، وانظر البيهقي في «الاعتقاد» (ص: ٦٨).\n(٣) «فتح الباري» (١١/ ٢٢٧).","vol":"2","page":17},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-356> الودود</span>\nقال تعالى: وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود:٩٠] وقال تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ [البروج:١٤] والود مأخوذ من الوُد بضم الواو بمعنى خالص المحبة فالودود هو المحب المحبوب بمعنى واد مودود، فهو الواد لأنبيائه، وملائكته، وعباده المؤمنين، وهو المحبوب لهم بل لا شيء أحبَّ إليهم منه، ولا تعادل محبة الله من أصفيائه محبة أخرى، لا في أصلها، ولا في كيفيتها، ولا في متعلقاتها، وهذا هو الفرض والواجب أن تكون محبة الله في قلب العبد سابقة لكل محبة، غالبة لكل محبة ويتعين أن تكون بقية المحاب تبعًا لها ومحبة الله هي روح الأعمال، وجميع العبودية الظاهرة والباطنة ناشئة عن محبة الله ومحبة العبد لربه فضل من الله وإحسان، ليست بحول العبد ولا قوته فهو تعالى الذي أحبَّ عبده فجعل المحبة في قلبه، ثم لما أحبه العبد بتوفيقه جازاه الله بحب آخر، فهذا هو الإحسان المحض على الحقيقة، إذ منه السبب ومنه المسبب، ليس المقصود منها المعاوضة، وإنما ذلك محبة منه تعالى للشاكرين من عباده ولشكرهم، فالمصلحة كلها عائدة إلى العبد، فتبارك الذي جعل وأودع المحبة في قلوب المؤمنين، ثم لم يزل ينميها ويقويها حتى وصلت في قلوب الأصفياء إلى حالة تتضاءل عندها جميع المحاب، وتسلِّيهم عن الأحباب، وتهون عليهم المصائب، وتلذذ لهم مشقة الطاعات، وتثمر لهم ما يشاءون من أصناف الكرامات التي أعلاها محبة الله والفوز برضاه والأنس بقربه فمحبة العبد لربه محفوفة بمحبتين من ربه: فمحبة قبلها صار بها محبًا لربه، ومحبة بعدها شكرًا من الله على محبة صار بها من أصفيائه المخلصين وأعظم سبب يكتسب به العبد محبة ربه التي هي أعظم المطالب، الإكثار من ذكره والثناء عليه، وكثرة الإنابة إليه، وقوة التوكل عليه، والتقرُّب إليه بالفرائض والنوافل، وتحقيق الإخلاص له في الأقوال والأفعال، ومتابعة النبي ﷺ ظاهرًا وباطنًا (١) كما قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [آل عمران:٣١] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٢١\n_________\n(١) «الحق الواضح المبين» (ص٦٩ - ٧٠)، و«شرح النونية» للهراس (٢/ ٩٦) و«توضيح المقاصد» (٢/ ٢٣٠).","vol":"2","page":18},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-357> الوكيل، الكفيل</span>\nاسمه سبحانه (الوكيل) يأتي بمعنى الوكيل العام على جميع خلقه، وذلك لأنه خالقهم ومدبر أمرهم والمتكفل بأرزاقهم وحاجاتهم ومحييهم ومميتهم، وذلك كما في قوله تعالى: ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الأنعام: ١٠٢].\nيقول الطبري رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته) (١).\nويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر: ٦٢].\n(فإخباره بأنه على كل شيء وكيل، يدل على إحاطة علمه بجميع الأشياء، وكمال قدرته على تدبيرها، وكمال تدبيره، وكمال حكمته التي يضع بها الأشياء مواضعها) (٢).\nويقول في موطن آخر: (-والوكيل- المتولي لتدبير خلقه بعلمه وكمال قدرته وشمول حكمته، الذي يتولى أولياءه فيسرهم لليسرى وجنبهم العسرى وكفاهم الأمور) (٣).\nأما المعنى الخاص (للوكيل) فهو ما ذكره الشيخ السعدي سابقًا بقوله: (الذي يتولى أولياءه فيسرهم لليسرى وجنبهم العسرى وكفاهم الأمور) (٤)، وهو المراد في قوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا [الأحزاب: ٣]، وقوله سبحانه: فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣].\nوهذه الوكالة خاصة بالمؤمنين حيث إن فيها معنى زائد على المعنى العام الذي سبق ذكره وهو معيته الخاصة بأوليائه وإعانته ونصرته لهم.\nفتلخص من (الوكيل) المعاني التالية:\n١ - الكفيل. ٢ - الكافي. ٣ - المدبر الحفيظ لخلقه القدر على ذلك.\nأما معنى (الكفيل): فيقول ابن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا أي: (وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيًا، يرعى الموفي منكم بعهد الله الذي عاهد على الوفاء به والناقض .. وساق بسنده إلى مجاهد في معنى (كفيلا) قال: وكيلًا) (٥).\nوقال القرطبي ﵀: (-كفيلًا- يعني: شهيدًا، ويقال: حافظًا، ويقال: ضامنًا) (٦). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها – عبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٤٧٥\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٧/ ٢٩٩).\n(٢) «تفسير السعدي» (٤/ ٣٣٥).\n(٣) «تفسير السعدي» (٥/ ٤٨٨).\n(٤) «تفسير السعدي» (٥/ ٤٨٨).\n(٥) «تفسير الطبري» (١٤/ ١١٠، ١١١).\n(٦) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١٧٠).","vol":"2","page":19},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-358> الولي، المولى</span>\nأولًا: (الولي): قال ابن جرير في قوله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ [البقرة: ٢٥٧] (نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه: يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: ٢٥٧]، يعني بذلك: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان) (١).\nوقال في قوله تعالى: وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا [النساء: ٤٥]، (وكفاكم وحسبكم بالله ربكم وليا يليكم ويلي أموركم بالحياطة لكم، والحراسة من أن يستفزكم أعداؤكم عن دينكم، أو يصدوكم عن اتباع نبيكم) (٢).\nوقال في قوله تعالى: إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف: ١٩٦]، (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ قل يا محمد للمشركين من عبدة الأوثان: إن وليي ونصيري ومعيني وظهيري عليكم الله الذي نزل الكتاب علي بالحق، وهو يتولى من صلح عمله بطاعته من خلقه) (٣).\nوقال الزجاج: (-الولي- هو فعيل، من الموالاة، والولي: الناصر وقال الله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: ٢٥٧]، وهو تعالى وليهم بأن يتولى نصرهم وإرشادهم، كما يتولى ذلك من الصبي وليه، وهو يتولى يوم الحساب ثوابهم وجزاءهم) (٤).\nوذكر الخطابي نحو كلام الزجاج، وزاد: (والولي أيضًا المتولي للأمر والقائم به، كولي اليتيم، وولي المرأة في عقد النكاح عليها، وأصله من الولي، وهو القرب) (٥).\nثانيًا: (المولى):\nيقول ابن جرير في قوله تعالى: (أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٨٦])، أنت ولينا بنصرك، دون من عاداك وكفر بك، لأنا مؤمنون بك ومطيعون فيما أمرتنا ونهيتنا، فأنت ولي من أطاعك وعدو من كفر بك فعصاك، فانصرنا لأنا حزبك، على القوم الكافرين الذين جحدوا وحدانيتك وعبدوا الآلهة والأنداد دونك، وأطاعوا في معصيتك الشيطان.\nوالمولى في هذا الموضع المفعل، من ولي فلان أمر فلان فهو يليه ولاية وهو ولية ومولاه) (٦).\nوالله جل شأنه مولى الخلق أجمعين بمعنى أنه سيدهم ومالكهم وخالقهم ومعبودهم الحق، كما في قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦٢]، وقوله تعالى: هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ [يونس: ٣٠]، ولا تتعارض هذه الآيات مع قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد: ١١]، ويجيب الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى عن هذا بقوله: (والجواب عن هذا: أن معنى كونه مولى الكافرين أنه مالكهم المتصرف فيهم بما شاء، ومعنى كونه مولى المؤمنين دون الكافرين، أي: ولاية المحبة والتوفيق والنصر، والعلم عند الله تعالى) (٧). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٤٦٠\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٣/ ١٥).\n(٢) «تفسير الطبري» (٥/ ٧٥).\n(٣) «تفسير الطبري» (٩/ ١٥٢).\n(٤) «تفسير الأسماء» (ص: ٥٥).\n(٥) «شأن الدعاء» (ص: ٧٨).\n(٦) «تفسير الطبري» (٣/ ١٠٦).\n(٧) «دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب» (ص: ١١٦).","vol":"2","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>المطلب الأول: أدلة تفاضل أسماء الله</span>\nوالحاصل أن أسماء الله كثيرة لا تحصر ولا تحد بعدد، وهي متفاضلة غير متساوية في الفضل بعضها أفضل من بعض، وإن كانت أسماء لمسمى واحد، والأدلة على تفاضل أسماء الله متعددة، فإن النصوص تدل على أن بعض أسمائه سبحانه أفضل من بعض، ففي الآثار ذكر اسمه الأعظم سبحانه وقد وردت روايات متعددة في ذكر الاسم الأعظم، ففي روايات يقول ﷺ: «لقد سأل الله باسمه الأعظم» (١). وفي أخرى: «دعا الله باسمه الأعظم» (٢)، «لقد دعا الله باسمه العظيم» (٣)، وفي أخرى: «اسم الله الأعظم في كذا» (٤)، وفي رواية: «باسمه الأعظم الأكبر» (٥)، وفي رواية: «أسألك باسمك الأعلى الأعز الأجل الأكرم» (٦)، على اختلاف في تعيين الاسم الأعظم ما هو؟ وهي مسألة للناس فيها خلاف معروف في كتب العلم (٧).\nففي هذه الروايات دلالة ظاهرة على تفاضل الأسماء الحسنى، لدلالتها على أن في الأسماء الحسنى اسم أعظم يفضلها فهو أعظمها.\nومن الأدلة على تفاضل أسمائه سبحانه قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة» (٨)\nفخص النبي ﷺ في هذا الحديث الأسماء التسعة والتسعين بهذه الفضيلة، وهي أن من أحصاها دخل الجنة، فاختصت بهذه الفضيلة.\nوأسماء الله غير محصورة في هذا العدد فله سبحانه أسماء غيرها، إذ هذه هي دلالة الحديث التي نقل النووي الاتفاق عليها في قوله: (واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها) (٩).\nوقد مثل العلماء لهذا بقول من يملك ألف مملوك: إن لي مائة مملوك أعددتهم للجهاد، فليس قوله هذا مانعًا من أن له غيرهم معدون لغير الجهاد، فلا دلالة في الحديث لمن احتج به على حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد وأنه ليس لله من الأسماء إلا هذا العدد فقط، كما فعله ابن حزم (١٠).\nومن الأدلة على تفاوت أسماء الله في الفضل: الحديث المتقدم الذي فيه أن أسماءه سبحانه أقسام منها ما استأثر الله بعلمه، ومنها ما أنزله في كتابه، ومنها ما علمه أحدًا من خلقه، ففي هذا دلالة على تفاوتها وعلى اختصاص كل منها بخصيصة.\nثم أن كل دليل منك كتاب وسنة دل على تفاضل صفات الله التي تدل عليها أسماؤه، هو دليل على تفاضل تلك الأسماء، لتفاضل دلالتها، لأن الاسم يراد لمعناه لا لحروفه. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفيي - ص ٦٨\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٤٧٥)، وابن ماجه (٣١٢٥)، والحاكم (١/ ٦٨٤). من حديث بريدة بن الحصيب ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه». ورواه ابن ماجه (٣٨٥٨). من حديث أنس ﵁. قال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٢) رواه الترمذي (٣٥٤٤)، وأحمد (٣/ ٢٤٥) (١٣٥٩٥). من حديث أنس ﵁. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٥٩): ورجال أحمد ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس وإن كان ثقة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٤٣٠) كما قال ذلك في المقدمة. ورواه الحاكم (١/ ٦٨٣). من حديث بريدة بن الحصيب ﵁. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وله شاهد على شرط مسلم.\n(٣) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والنسائي (٣/ ٥٢)، وأحمد (٣/ ١٥٨) (١٢٦٣٢). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داد».\n(٤) لم أقف على هذه الرواية.\n(٥) لم أقف على هذه الرواية.\n(٦) رواه الطبراني (١١/ ٣٦٠) (١٢٠٤٣). من حديث ابن عباس ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٥٩): رواه الطبراني في «الأوسط»، و«الكبير» وفيه من لم أعرفهم.\n(٧) «مشكل الآثار للطحاوي» (١/ ٦١) «فتح الباري» (١١/ ٢٢٤) فقد ذكر أربعة عشر قولًا في تعيين الاسم الأعظم.\n(٨) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٩) «شرح مسلم» (١٧/ ٥) و«المقصد الأسني» (١٣١) و«الفتاوى» (٦/ ٣٨١) و«بدائع الفوائد» (١/ ١٦٦).\n(١٠) «المحلى» (١/ ٣٠) و«الدرة» (٢٤٢).","vol":"2","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>المطلب الثاني: وجوه تفاضل أسماء الله</span>\nوالناظر في أسماء الله يجد أنها تتفاوت من وجوه عدة يظهر بها تفاضلها، فمن ذلك:\nأن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفردًا ومقترنًا بغيره، وهو غالب الأسماء، كالقدير، والسميع، والبصير، والعزيز، والحكيم، وهذا يسوغ أن يدعا به مفردًا ومقترنًا بغيره، فتقول: يا عزيز، يا حليم، يا غفور، يا رحمن، يا رحيم، وأن يفرد كل اسم، وكذلك في الثناء عليه الخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع، ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقرونًا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، الضار النافع، المنتقم العفو، المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله، لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاء ومنعًا ونفعًا وضرًا وعفوًا وانتقامًا، وأما أن يثني عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت، جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجيء مفردة، ولم تطلق عليه إلا مقترنة، فاعلمه، فلو قلت يا مذل، يا ضار، يا مانع، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيًا عليه، ولا حامدًا له حتى تذكر مقابلها (١) فهذا وجه من وجوه تفاوتها يظهر به تفاضلها، فليس الاسم الدال على الكمال بمفرده مساويًا للذي لا يدل على الكمال إلا باقترانه بمقابله.\nومن ذلك:\nأن من أسمائه سبحانه ما يدل على صفة واحدة كالسميع والبصير، ومنها ما يدل على صفات عديدة لا تختص بصفة معينة كالمجيد والعظيم، فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، وهو موضوع لبلوغ النهاية في كل محمود، ولنيل الشرف بكرم الفعال، وللكثرة، ولذا قالوا: استمجد المرخ والعفار أي استكثرا من النار حتى تناهيا في ذلك حتى إنه يقبس منهما. وكذا العظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال، وكذلك الصمد، قال ابن عباس ﵄: (الصمد، السيد الذي كمل في سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمه، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد) (٢).\nومن ذلك:\nأن من الأسماء ما يتضمن سلب صفة نقص عن الله، وهي الصفة المقابلة للصفة التي يثبتها الاسم، كالبصير مثلا فيها سلب صفة نقص عن الله وهي العمى ﷾ وتنزه وتقدس، ومنها ما يرجع إلى التنزيه المحض من كل نقص وعيب جملة وتفصيلًا فيكون متضمنًا للكمال المحض كالقدوس والسلام، وهو وجه قريب من سابقه.\nومن ذلك:\nأن من أسمائه سبحانه ما يدل على صفة بعينها، ومنها ما يدل على تلك الصفة وزيادة، كالعليم يدل على صفة العلم مطلقًا، والخبير يدل على علمه بالأمور الباطنة، وكذلك الغني هو الذي استغنى بنفسه عن كل شيء فلا يحتاج إلى شيء، والملك أيضًا لا يحتاج إلى شيء ولكنه يحتاج إليه كل شيء، فيكون الملك مفيدًا معنى الغني وزيادة (٣).\nويدل على تفاوت الأسماء الحسنى في الفضل، وجود أسماء منها دالة على صفة واحدة، واشتقاقها واحد، مع الاختلاف في مبانيها، مثل: القدير المقتدر القادر، والغفور الغفار الغافر، والرحمن الرحيم، ونحو ذلك فإن كلًا منها معدود اسمًا مستقلًا، وهي متغايرة متفاضلة، دل على تفاضلها صيغ مبانيها، فإن فعال وفعيل وفعلان صيغ مبالغة و(فعال) أبلغ من (فاعل)، ثم (فعلان) أبلغ من (فعيل)، ولذا ذكر ابن جرير أنه لا تمانع بين أهل العلم بلغات العرب أن الرحمن أبلغ من الرحيم (٤)، وهو مذهب أكثر العلماء (٥).\nقال الزمخشري: (في الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم، ولذلك قالوا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا، ويقولون: إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى).\nوقال الغزالي: (الغافر يدل على أصل المغفرة فقط، والغفور يدل كثرة المغفرة بالإضافة إلى كثرة الذنوب حتى أن من لا يغفر إلا نوعًا واحدًا من الذنوب فلا يقال له: الغفور، والغفار يشير إلى كثرة غفران الذنوب على سبيل التكرار، أي يغفر الذنوب مرة بعد أخرى، حتى إن من يغفر الذنوب جميعًا ولكن أول مرة ولا يغفر للعائد إلى الذنب مرة بعد أخرى لم يستحق اسم الغفار) (٦) .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص٧٢\n_________\n(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٧) «تفسير الرازي» (١٥/ ٦٧).\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٦٩٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ٣٤١٩).\n(٣) «المقصد الأسنى» (٢٢).\n(٤) «تفسير الطبري» (١/ ٤٢).\n(٥) «البرهان في علوم القرآن» (٢/ ٥٠٤) و«معترك الأقران» (١/ ٤١٢).\n(٦) «المقصد الأسنى» (٢٢).","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>المطلب الثالث: دلالة تفاضل أسماء الله تعالى</span>\nتفاضل أسماء الله تعالى يدل على أنها متباينة المعاني، وأن ترادفها إنما هو من جهة المسمى، أي من حيث كونها جميعًا أسماء لذات واحدة هو الله ﷿، أما من حيث معانيها فهي متباينة، ووجه دلالة تفاضلها على ذلك: أن التفاضل لا يكون إلا بين شيئين فصاعدًا، إذ الواحد من كل وجه المترادف من كل وجه لا يعقل فيه شيء أفضل من شيء والأسماء إذا كانت مترادفة المعاني لا يكون في واحد منها زيادة دلالة على الآخر، بل يقوم كل واحد منها مقام الآخر، ويدل على ما يدل عليه الآخر من معنى سواء بسواء، وليست أسماء الله كذلك، بل إن كل اسم منها يدل على معنى غير المعنى الذي يدل عليه غيره منها، ولذلك وقع التفاضل فيها ولا يقع التفاضل في الأسماء المترادفة، وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرًا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم (١).\nويدل تفاضل أسماء الله كذلك على أنها أسماء تدل على معان وصفات، وليست أعلامًا محضة لا مفهوم لها إلا مجرد الدلالة المحضة على مسماها، فإن الأعلام المحضة لا تدل على معان ولا يشتق منها أوصاف للمسمى، ولذلك لا يقع فيها التفاضل إذ لا وجه لتفاضلها، إذ لا يفهم منها جميعها إلا معنى واحد وهو الدلالة على المسمى لا غير.\nأما أسماء الله فهي معان وأوصاف، ولذلك تشتق منها الأوصاف لله، ولذلك وقع فيها التفاضل، ولا يقع التفاضل في الأعلام المحضة.\nففي ثبوت تفاضل أسماء الله نقض لما ضل به المعتزلة ومن لف لفهم من اعتقاد أن أسماء الله أعلام مترادفة .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ٧٦\n_________\n(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>القاعدة الأولى:</span>\nصفات الله تعالى كلها صفات كمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه.\nكالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والرحمة، والعزة، والحكمة، والعلو، والعظمة، وغير ذلك وقد دل على هذا السمع، والعقل، والفطرة.\nأما السمع: فمنه قوله تعالى: لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:٦٠] والمثل الأعلى هو الوصف الأعلى.\nوأما العقل: فوجهه أن كل موجود حقيقة، فلابد أن تكون له صفة إما صفة كمال، وإما صفة نقص والثاني باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحق للعبادة؛ ولهذا أظهر الله تعالى بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بالنقص والعجز فقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف:٥] وقال تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:٢٠ - ٢١] وقال عن إبراهيم وهو يحتج على أبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا [مريم:٤٢] وعلى قومه: أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء:٦٦ - ٦٧] ثم إنه قد ثبت بالحس والمشاهدة أن للمخلوق صفات كمال، وهي من الله تعالى، فمعطي الكمال أولى به وأما الفطرة: فلأن النفوس السليمة مجبولة مفطورة على محبة الله وتعظيمه وعبادته، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من علمت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته؟ وإذا كانت الصفة نقصًا لا كمال فيها فهي ممتنعة في حق الله تعالى كالموت والجهل، والنسيان، والعجز، والعمى، والصمم ونحوها؛ لقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:٥٨] وقوله عن موسى: فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:٥٢] وقوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [فاطر:٤٤] وقوله: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:٨٠] وقال النبي ﷺ في الدجال «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» (١) وقال: «أيها الناس، اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ، ولا غائبًا» (٢) وقد عاقب الله تعالى الواصفين له بالنقص، كما في قوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] وقوله: لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران:١٨١] ونزه نفسه عما يصفونه به من النقائص، فقال سبحانه: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢] وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون:٩١].\n_________\n(١) رواه البخاري (٧١٣١)، ومسلم (٢٩٣٣).\n(٢) رواه البخاري (٤٢٠٢)، ومسلم (٢٧٠٤).","vol":"2","page":24},{"text":"وإذا كانت الصفة كمالًا في حال، ونقصًا في حال، لم تكن جائزة في حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تثبت له إثباتًا مطلقًا، ولا تنفى عنه نفيًا مطلقًا بل لابد من التفصيل: فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا وذلك كالمكر، والكيد، والخداع، ونحوها فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها؛ لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد، وتكون نقصًا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:٣٠] وقوله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٥ - ١٦] وقوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:١٨٢ - ١٨٣] وقوله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:١٤٢] وقوله: قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ [البقرة:١٤ - ١٥]، ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه فقال تعالى: وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فقال: فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال:٧١]، ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهي صفة ذم مطلقًا وبذا عرف أن قول بعض العوام: (خان الله من يخون) منكر فاحش، يجب النهي عنه القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٢٧","vol":"2","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>القاعدة الثانية:</span>\nباب الصفات أوسع من باب الأسماء\nوذلك لأن كل اسم متضمن لصفة ... ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تعالى، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان:٢٧].\nومن أمثلة ذلك: أن من صفات الله تعالى المجيء، والإتيان، والأخذ والإمساك، والبطش، إلى غير ذلك من الصفات التي لا تحصى كما قال تعالى: وَجَاءَ رَبُّك [الفجر:٢٢] وقال: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ [البقرة:٢١٠] وقال: فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:١١] وقال: وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ [الحج:٦٥] وقال: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج:١٢] وقال: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:١٨٥] وقال النبي ﷺ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» (١).\nفنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا نسميه بها، فلا نقول إن من أسمائه الجائي، والآتي، والآخذ، والممسك، والباطش، والمريد، والنازل، ونحو ذلك، وإن كنا نخبر بذلك عنه ونصفه به القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٣٠\n_________\n(١) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>القاعدة الثالثة:</span>\nصفات الله تعالى على قسمين: ثبوتية، وسلبية\nفالثبوتية: ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك فيجب إثباتها لله تعالى حقيقة على الوجه اللائق به بدليل السمع والعقل أما السمع: فمنه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء:١٣٦] فالإيمان بالله يتضمن: الإيمان بصفاته والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله وكون محمد ﷺ رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما أخبر به عن مرسله، وهو الله – ﷿.\nوأما العقل: فلأن الله تعالى أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بها من غيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من غيره، فوجب إثباتها له كما أخبر بها من غير تردد، فإن التردد في الخبر إنما يتأتى حين يكون الخبر صادرًا ممن يجوز عليه الجهل، أو الكذب، أو العي بحيث لا يفصح بما يريد، وكل هذه العيوب الثلاثة ممتنعة في حق الله – ﷿ – فوجب قبول خبره على ما أخبر به وهكذا نقول فيما أخبر به النبي ﷺ عن الله تعالى، فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربه وأصدقهم خبرًا وأنصحهم إرادة، وأفصحهم بيانًا، فوجب قبول ما أخبر به على ما هو عليه والصفات السلبية: ما نفاها الله – سبحانه – عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، وكلها صفات نقص في حقه كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب فيجب نفيها عن الله تعالى – لما سبق – مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تعالى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده، لا لمجرد نفيه؛ لأن النفي ليس بكمال، إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون كمالًا، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له، فلا يكون كمالًا كما لو قلت: الجدار لا يظلم وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصًا، كما في قول الشاعر:\nقبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل\nوقول الآخر:\nلكن قومي وإن كانوا ذوي حسب ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا\nمثال ذلك: قوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:٥٨] فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته.\nمثال آخر: قوله تعالى: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:٤٩] ونفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.\nمثال ثالث: قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [فاطر:٤٤] فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته ولهذا قال بعده: إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر:٤٤] لأن العجز سببه إما الجهل بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السموات ولا في الأرض وبهذا المثال علمنا أن الصفة السلبية قد تتضمن أكثر من كمال القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٣١","vol":"2","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>القاعدة الرابعة:</span>\nالصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر.\nولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية، كما هو معلوم.\nأما الصفات السلبية فلم تذكر غالبًا إلا في الأحوال التالية:\nالأولى: بيان عموم كماله كما في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:٤].\nالثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون، كما في قوله: أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم:٩١ - ٩٢].\nالثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين، كما في قوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ [الأنبياء:١٦] وقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق:٣٨] القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٣٣","vol":"2","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>القاعدة الخامسة:</span>\nالصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية وفعلية\nفالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والعزة، والحكمة، والعلو، والعظمة، ومنها الصفات الخبرية، كالوجه، واليدين، والعينين والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا.\nوقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين، كالكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء كما في قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:٨٢] وكل صفة تعلقت بمشيئته تعالى فإنها تابعة لحكمته وقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نعجز عن إدراكها لكننا نعلم علم اليقين أنه – سبحانه – لا يشاء شيئًا إلا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:٣٠]. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٣٤","vol":"2","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>القاعدة السادسة:</span>\nيلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين\nأحدهما: التمثيل والثاني: التكييف فأما التمثيل: فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل أما السمع: فمنه قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وقوله: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:١٧] وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:٦٥] وقوله: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:٤] وأما العقل فمن وجوه: الأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تبيانًا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات؛ لأن صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلًا غير قوة الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى الثاني: أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق؟! فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية، فنشاهد أن للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل، مع الاتفاق في الاسم، فهذه يد وهذه يد، وهذه قوة وهذه قوة، وبينهما تباين في الكيفية والوصف، فعلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة والتشبيه كالتمثيل، وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وأما التكييف: فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل أما السمع: فمنه قوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:١١٠] وقوله: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء:٣٦] ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به وأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله – ﷿ – فوجب بطلان تكييفها وأيضًا فإننا نقول: أي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟ إن أي كيفية تقدرها في ذهنك، فالله أعظم وأجل من ذلك وأي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى فإنك ستكون كاذبًا فيها؛ لأنه لا علم لك بذلك وحينئذ يجب الكف عن التكييف تقديرًا بالجنان، أو تقديرًا باللسان، أو تحريرًا بالبنان ولهذا لما سئل مالك – رحمه الله تعالى – عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] كيف استوى؟ أطرق ﵀ برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق) ثم قال: \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\" وروى عن شيخه ربيعة أيضًا: \"الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول\" وقد مشى أهل العلم بعدهما على هذا الميزان وإذا كان الكيف غير معقول ولم يرد به الشرع فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي فوجب الكف عنه فالحذر الحذر من التكييف أو محاولته، فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك فاعلم أنه من نزغاته، فالجأ إلى ربك فإنه معاذك، وافعل ما أمرك به فإنه طبيبك، قال الله تعالى: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:٣٦]. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٣٥","vol":"2","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>القاعدة السابعة:</span>\nصفات الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها\nفلا نثبت لله تعالى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث\" ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:\nالأول: التصريح بالصفة كالعزة، والقوة، والرحمة، والبطش، والوجه، واليدين ونحوها الثاني: تضمن الاسم لها مثل: الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع، ونحو ذلك.\nالثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والانتقام من المجرمين، الدال عليها – على الترتيب – قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] وقول النبي ﷺ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» الحديث (١) وقول الله تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:٢٢] وقوله: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:٢٢]. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٣٨\n_________\n(١) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>القاعدة الثامنة</span>\n(التوقف في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها، أما معناها؛ فَيُسْتفصل عنه، فإن أريد به باطل يُنَزَّه الله عنه؛ رُدَّ، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله؛ قُبِلَ، مع بيان ما يدلُّ على المعنى الصواب من الألفاظ الشرعية، والدعوة إلى استعماله مكان هذا اللفظ المجمل الحادث) (١).\nمثاله: لفظة (الجهة): نتوقف في إثباتها ونفيها، ونسأل قائلها: ماذا تعني بالجهة؟ فإن قال: أعني أنه في مكان يحويه قلنا: هذا معنى باطل يُنَزَّه الله عنه، ورددناه وإن قال: أعني جهة العلو المطلق؛ قُلْنا: هذا حق لا يمتنع على الله وقبلنا منه المعنى، وقلنا له: لكن الأولى أن تقول: هو في السماء، أو في العلو؛ كما وردت به الأدلة الصحيحة، وأما لفظة (جهة)؛ فهي مجملة حادثة، الأولى تركها.\n_________\n(١) (التدمرية/ ٦٥)، (مجموع الفتاوى) (٥/ ٢٩٩ و٦/ ٣٦).","vol":"2","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>القاعدة التاسعة:</span>\n(كل صفة ثبتت بالنقل الصحيح؛ وافقت العقل الصريح، ولابد) (١)\n_________\n(١) (مختصر الصواعق المرسلة) (١/ ١٤١، ٢٥٣).","vol":"2","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>القاعدة العاشرة:</span>\n(صفات الله ﷿ يستعاذ بها ويُحلف بها) (١).\nومنها قوله ﷺ: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» رواه مسلم (٢)، ولذلك بوب البخاري في كتاب الأيمان والنذور: باب: الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٣، ٢٢٩) و(٣٥/ ٢٧٣)، وانظر: «شرح السنة» للبغوي (١/ ١٨٥ - ١٨٧)، وفَرَّق بعضهم بين الحلف بالصفة الفعليَّة والصفة الذاتِيَّة، وقالوا: لا يجوز الحلف بصفات الفعل.\n(٢) رواه مسلم (٤٨٦).","vol":"2","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>القاعدة الحادية عشرة:</span>\n(الكلام في الصفات كالكلام في الذات) (١).\nفكما أن ذاته حقيقية لا تشبه الذوات؛ فهي متصفة بصفات حقيقية لا تشبه الصفات، وكما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، كذلك إثبات الصفات.\n_________\n(١) «الكلام على الصفات» للخطيب البغدادي (ص٢٠)، «الحجة في بيان المحجة» لقوام السنة (١/ ١٧٤)، «التدمرية» (ص٤٣)، «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٣٠، ٦/ ٣٥٥).","vol":"2","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>القاعدة الثانية عشرة:</span>\n(القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر) (١).\nفمن أقر بصفات الله؛ كالسمع، والبصر، والإرادة، يلزمه أن يقر بمحبة الله، ورضاه، وغضبه، وكراهيته يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن فرق بين صفة وصفة، مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز؛ كان متناقضًا في قوله، متهافتًا في مذهبه، مشابهًا لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض.\n_________\n(١) «التدمرية» (ص٣١)، «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢١٢).","vol":"2","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>القاعدة الثالثة عشرة:</span>\n(ما أضيف إلى الله مما هو غير بائنٍ عنه؛ فهو صفة له غير مخلوقة، وكلُّ شيء أضيف إلى الله بائن عنه؛ فهو مخلوق؛ فليس كل ما أضيف إلى الله يستلزم أن يكون صفةً له) (١).\nمثال الأول: سمعُ الله، وبصرُ الله، ورضاه، وسخطُه ومثال الثاني: بيت الله، وناقة الله.\nالقاعدة الرابعة عشرة:\n(صفات الله ﷿ وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله ﷺ، وإن كان حديثًا واحدًا، وإن كان آحادًا) (٢).\n_________\n(١) «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (٣/ ١٤٥)، «مجموع الفتاوى» (٩/ ٢٩٠) له أيضًا، «مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين» (١/ ١٦٦).\n(٢) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٣٣٢، ٤١٢، ٤٣٣).","vol":"2","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>القاعدة الخامسة عشرة:</span>\n(ما جاء في الكتاب أو السنة، وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيمان به، وإن لم يفهم معناه) (١).\n_________\n(١) «التدمرية» (ص: ٦٥)، «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٩٨)، «دقائق التفسير» (٥/ ٢٤٥).","vol":"2","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>القاعدة السادسة عشرة:</span>\n(باب الأخبار أوسع من باب الصفات، وما يطلق عليه من الأخبار؛ لا يجب أن يكون توقيفيًا؛ كالقديم، والشيء، والموجود) (١).\n_________\n(١) «بدائع الفوائد» لابن القيم (١/ ١٦٢).","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>القاعدة السابعة عشرة:</span>\n(صفات الله ﷿ لا يقاس عليها) (١).\nفلا يقاس السخاءُ على الجود، ولا الجَلَدُ على القوة، ولا الاستطاعةُ على القدرة، ولا الرقة على الرحمة والرأفة، ولا المعرفة على العلم وهكذا؛ لأن صفات الله ﷿ لا يتجاوز فيها التوقيف.\nالقاعدة الثامنة عشرة:\n(صفات الله ﷿ لا حصر لها؛ لأن كل اسم يتضمن صفة، ... وأسماء الله لا حصر لها، فمنها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠\n_________\n(١) «شأن الدعاء» للخطابي (ص: ١١١).","vol":"2","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>المبحث الثاني: أنواع الصفات</span>\n• المطلب الأول: الصفات الثبوتية وضابطها.\n• المطلب الثاني: الصفات المنفية وضابطها.","vol":"2","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>المطلب الأول: الصفات الثبوتية وضابطها</span>\nالصفات الثبوتية (المثبتة) هي: (الصفات التي تدل على معنى ثبوتي ووجودي) (١).\nأو هي: ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، وكلها صفات كمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه (٢).\nوأمثلة هذه الصفات كثيرة عسير حصرها، فمن ذلك: العلم، والخلق، والحياة، والقدرة، والإرادة والسمع، والبصر، والكلام، والإحياء، والإماتة، والرضى، والغضب، والوجه، واليدين، والرجل، والعلو والاستواء، وغير ذلك.\nفضابط الثبوتي: كل صفة ورد إثباتها لله ﷿ في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ.\nوهذا النوع من الصفات الثبوتية ينقسم بدوره إلى أقسام متعددة بحسب الاعتبارات التي يرجع إليها كل تقسيم.\n- فتنقسم باعتبار تعلقها بذات الله ﷿ إلى:\n١ - صفات ذاتية، وهي: التي لا تنفك عن الذات.\nكالحياة، والعلم، والقدرة، والوجه، واليدين، ونحوها.\nصفات فعلية، وهي: التي تتعلق بمشيئة الله وقدرته.\nكالخلق، والرزق، والاستواء، والمجيء، ونحوها (٣).\n- وتنقسم باعتبار لزومها لذات الله ﷿ إلى:\n١ - صفات لازمة، وهي: اللازمة للموصوف لا تفارقه إلا بعدم ذاته، وهي:\n- إما ذاتية، وهي: ما لا يمكن تصور الذات مع تصور عدمها، كالوجه، واليدين، والقدم، والإصبع ونحوها.\n- وإما معنوية، وهي: ما يمكن تصور الذات مع تصور عدمها، كالحياة، والعلم، والقدرة، ونحوها.\n٢ - صفات عارضة (اختيارية)، وهي: التي يمكن مفارقتها للموصوف مع بقاء الذات وهي:\n- إما من باب الأفعال، كالاستواء، والمجيء، والنزول، ونحوها.\n- إما من باب الأقوال، كالتكليم، والمناداة، والمناجاة، ونحوها.\n- وإما من باب الأحوال، كالفرح، والضحك، والسخط، ونحوها (٤).\nوتنقسم باعتبار أدلة ثبوتها إلى:\n١ - الصفات الشرعية العقلية، وهي: التي يشترك في إثباتها الدليل الشرعي السمعي، والدليل العقلي، والفطرة السليمة، كالعلم والسمع، والبصر، والعلو، والقدرة، ونحوها.\n٢ - الصفات الخبرية السمعية، وهي: التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع، كالاستواء، واليد، والوجه، والإصبع، والنزول، ونحوها (٥). النفي في باب صفات الله ﷿ لأرزقي بن محمد سعيداني - ص ١٠١\n_________\n(١) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية» (ص: ٢٠٣).\n(٢) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية» (ص: ٢٠٣) «شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين» (١/ ١٤٢)، «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» (ص: ٢٨).\n(٣) «تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموع الفتاوى» (٦/ ٦٨) «الكواشف الجلية» (٤٢٩).\n(٤) «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٣٢١، ٤/ ٢٣) «الرد على المنطقيين» (ص: ٨٠) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٤٤).\n(٥) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية» (ص: ٢٠٧) «الصفات الإلهية، تعريفها وأقسامها» (٦٥ - ٧٢).","vol":"2","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>المطلب الثاني: الصفات المنفية وضابطها</span>\nالصفات المنفية (السلبية) هي: (ما نفاه الله ﷿ عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله الله ﷺ) (١).\nأو هي: (الصفات التي تقع في سياق النفي، أي: التي تدخل عليها أداة النفي، مثل: (ما) و(لا) و(ليس» (٢).\nوأمثلتها كثيرة، منها: الموت، والجهل، والعجز، والنوم، والظلم، واتخاذ الصاحبة، أو الولد، أو الشريك، ونحو ذلك.\nومنهم من ذكر تعريفًا آخر للصفات المنفية فقال: (المقصود بصفات السلوب هي: التي يكون السلب داخلًا في مفهومها، فمفهوم القدم عدم الأولية، ومفهوم الوحدة عدم الشركة ونحو ذلك) (٣).\nوهذا التعريف عليه بعض الاعتراضات، فهو وإن كان في أصله تعريفًا صحيحًا إلا أنه يؤاخذ عليه أمران، هما:\nالتعريف أولًا: غير جامع فيخرج منه الصفات التي سبقت بأدوات النفي، إذ المنفي فيها هي الصفة نفسها التي هي نقص أو عيب في حق الله ﷿، لا أن السلب داخل في مفهومها، وهذه الصفات هي الأكثر ورودًا في القرآن والسنة (٤).\nكما يؤاخذ عليه أيضًا: أنه أدخل في التمثيل بعض الصفات التي لم يرد ثبوتها في القرآن الكريم والسنة الصحيحة على أنها صفة، كالقدم، والقيام بالنفس، والمخالفة للحوادث مثلًا، فأهل السنة والجماعة لا يصفون الله ﷿ إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، فباب الصفات عندهم توقيفي، وإن كان يجوز عندهم إطلاق وصف القدم، والقيام، بالنفس على الله ﷿، وبأنه قديم وقائم بنفسه من باب الإخبار لا من باب الأسماء والصفات (٥).\nعلى أن بعض الصفات التي يذكر المتكلمون أنها صفات سلبية ورد إطلاقها في حق الله ﷿ أسماء: كالواحد، والباقي، والغني، لكن على سبيل الإثبات لا النفي، فإن الله ﷿ يسمى الواحد ويوصف بالوحدانية، ويسمى الباقي ويوصف بالبقاء، ويسمى الغني ويوصف بالغنى المطلق عن كل ما سواه. وإن كانت هذه الصفات تتضمن نفي أضدادها، من عدم الشريك وعدم الفناء وعدم الاحتياج إلى الغير، لكن هذا يقال في جميع الصفات المثبتة، أن إثباتها على الوجه الكامل يستلزم نفي ضدها من النقص، فلو جعل هذا ضابطًا في النفي، لم يبق عندنا إلا صفات منفية فقط.\nوالذي يجب أن يعلم أن ما من نفي ورد في القرآن والسنة – على قلته -، فإنه لم يرد إلا لإثبات كمال ضد الأمر المنفي؛ لأن النفي المحض ليس فيه مدح، ...\nوضابط النفي في صفات الله ﷿: (أن ينفى عن الله تعالى:\nأولًا: كل صفة عيب؛ كالعمى، والصم، والخرس، والنوم، والموت .. ونحو ذلك.\nثانيًا: كل نقص في كماله؛ كنقص حياته، أو علمه، أو قدرته، أو عزته، أو حكمته .. أو نحو ذلك.\nثالثا: مماثلة المخلوقين؛ كأن يجعل علمه كعلم المخلوق، أو وجهه كوجه المخلوق، أو استواؤه على عرشه كاستواء المخلوق .. ونحو ذلك.\nفمن أدلة انتفاء الأول عنه: قوله تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل: ٦٠]، فإن ثبوت المثل الأعلى له – وهو الوصف الأعلى – يستلزم انتفاء كل صفة عيب.\nومن أدلة انتفاء الثاني: قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق: ٣٨].\nومن أدلة انتفاء الثالث قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] (٦». النفي في باب صفات الله ﷿ لأرزقي بن محمد سعيداني – ص ١٠٣\n_________\n(١) «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» (ص: ٣٠). «الصفات الإلهية، تعريفها وأقسامها» (ص: ٥٨).\n(٢) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية» (ص: ٢٠١).\n(٣) «ابن تيمية السلفي لهراس» (ص: ٨٧).\n(٤) انظر: «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية» (ص: ٢٠٣).\n(٥) «العقائد السلفية بأدلتها النقلية والعقلية» (١/ ٨٥).\n(٦) «تقريب التدمرية» (ص: ٨٥).","vol":"2","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>تمهيد</span>\nأحصيت جميع الصفات الفعليَّة الخبرية؛ كالضحك، والبشبشة والغضب والحب والبغض والكيد والمكر وغيرها، وبعضًا من الصفات السمعية، أما بقية الصفات الفعليَّة – السمعية العقلية –؛ فهذه لا منتهى لها، وأنَّى لأحدٍ أن يحصيها، وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء [إبراهيم:٢٧] صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦","vol":"2","page":44},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-386> الأولية</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، وذلك من اسمه (الأَوَّلُ)، الثابت في الكتاب والسنة، ومعناه: الذي ليس قبله شيء.\nالدليل من الكتاب: قوله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:٣].\nالدليل من السنة: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «اللهم أنت الأوَّل؛ فليس قبلك شيء» (١).\nقال ابن القيم: فأوليَّةُ الله ﷿ سابقة على أوليَّةِ كل ما سواه، وآخريَّتُه ثابتةٌ بعد آخرِيَّةِ كل ما سواه، فأوليَّتُه سَبْقُه لكل شيء، وآخريَّتُه بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريَّتُه سبحانه فوقيَّتُه وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء، بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانيَّة، ومكانيَّة، فإحاطة أوليَّتِه وآخريَّتِه بالقَبْلِ والبَعْدِ، فكل سابق انتهى إلى أوليَّتِه، وكلُ آخرٍ انتهى إلى آخريَّتِه، فأحاطت أوليَّتُه وآخريَّتُه بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريَّتُه وباطنيَّتُه بكلِّ ظاهرٍ وباطن، فما من ظاهرٍ إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أولٍ إلا والله قبله، وما من آخرٍ إلا والله بعده، فالأوَّلُ قِدَمُه، والآخرُ دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه، فسبق كلَّ شيء بأوليَّته، وبقي بعد كلُّ شيء بآخريَّتِه، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهرٌ باطنًا، بل الباطنُ له ظاهر، والغيبُ عنده شهادة، والبعيدُ منه قريب، والسرُّ عنده علانية، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأوَّل في آخريَّتِه، والآخر في أوليَّتِه، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا (٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٨\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧١٣).\n(٢) «طريق الهجرتين» (ص٢٧).","vol":"2","page":45},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-387> الإتيان والمجيء</span>\nصفتان فعليتان خبريَّتان ثابتتان بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:\n١ - قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ [البقرة:٢١٠]\n٢ - وقوله: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام:١٥٨]\n٣ - وقوله: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:٢٢]\nالدليل من السنة:\n١ - حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «وإن تقرَّب إليَّ ذراعًا؛ تقرَّبت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي؛ أتيتُه هرولةً» (١)\n٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية: «قال: فيأتيهم الجبَّار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم» (٢)\nقال ابن جرير في تفسير الآية الأولى: اختُلِف في صفة إتيان الرب ﵎ الذي ذكره في قوله: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ [البقرة: ٢١٠] فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه ﷿ من المجيء والإتيان والنُّزُول، وغير جائز تكلف القول في ذلك لأحدٍ إلا بخبرٍ من الله ﷻ أو من رسولٍ مرسل، فأما القول في صفات الله وأسمائه؛ فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج؛ إلا بما ذكرنا وقال آخرون، ثم رجَّح القول الأوَّل\nوقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أنه ﷿ يجيء يوم القيامة والملك صفًا صفًا. اهـ (٣)\nوقال الشيخ محمد خليل الهرَّاس بعد أن ذكر شيخ الإسلام الآيات السابقة: في هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل، وهما صفتا الإتيان والمجيء، والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بذلك على حقيقته، والابتعاد عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل اهـ وانظر كلام البغوي في صفة (الأصابع) (٤).\nفائدة: لقد جاءت صفتا الإتيان والمجيء مقترنتين في حديثٍ واحدٍ، رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا تلقَّاني عبدي بشبرٍ؛ تلقَّيْته بذراع، وإذا تلقَّاني بذراع، تلقَّيْته بباع، وإذا تلقَّاني بباع، جئتُه أتيتُه بأسرع» (٥) قال النووي: (هكذا هو في أكثر النسخ: «جئتُه أتيتُه»، وفي بعضها «جئتُه بأسرع» فقط، وفي بعضها: «أتيتُه»، وهاتان ظاهرتان، والأوَّل صحيح أيضًا، والجمع بينهما للتوكيد، وهو حسن، لاسيما عند اختلاف اللفظ، والله أعلم) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).\n(٢) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).\n(٣) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص٢٢٧).\n(٤) «شرح العقيدة الواسطية» (ص١١٢).\n(٥) رواه مسلم (٢٦٧٥).","vol":"2","page":46},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-388> الإجابة</span>\nصفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، والمجيب اسمٌ من أسمائه تعالى\nالدليل من الكتاب:\n١ - قوله تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم [آل عمران: ١٩٥]\n٢ - وقوله: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ [هود: ٦١].\n٣ - وقوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦].\nالدليل من السنة:\n١ - حديث: «لا يزال يستجاب للعبد؛ ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم؛ ما لم يستعجل قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوتُ وقد دعوتُ فلم أر يستجيب لي، فيستحسِر عند ذلك، ويدع الدعاء» (١).\n٢ - حديث عبد الله بن عباس ﵄ مرفوعًا: «ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود فإذا ركعتم فعظموا ربكم وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء فإنه قَمِنٌ أن يستجاب لكم» (٢).\nقال الحافظ ابن القيم (٣):\nوَهُوَ المجُيبُ يَقُوُلُ من يَدْعُو أُجِبْـ ... ـهُ أنا المجُيبُ لِكُلِّ مَنْ نَادَانِي\nوَهُوَ المُجيبُ لِدَعْوَةِ المُضْطَّرِّ ... يَدْعُوهُ في سِرٍّ وفي إعْلانِ\nقال الشيخ الهرَّاس في شرح هذه الأبيات: (ومن أسمائه سبحانه (المجيب) وهو اسم فاعل من الإجابة، وإجابته تعالى نوعان: إجابة عامة لكل من دعاه دعاء عبادة أو دعاء مسألة).\nوقال الشيخ السعدي: ومن آثاره الإجابة للداعين والإنابة للعابدين؛ فهو المجيب إجابة عامة للداعين مهما كانوا، وعلى أي حال كانوا؛ كما وعدهم بهذا الوعد المطلق، وهو المجيب إجابة خاصة للمستجيبين له، المنقادين لشرعه، وهو المجيب أيضًا للمضطرين ومن انقطع رجاؤهم من المخلوقين وقويَ تعلقهم به طمعًا ورجاءً وخوفًا (٤) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٤١\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٣٥).\n(٢) رواه النسائي (٢/ ٢١٧). والحديث رواه بنحوه مسلم (٤٧٩).\n(٣) «النونية» (٢/ ٨٧).\n(٤) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠٤).","vol":"2","page":47},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-389> الأحد</span>\nيوصف الله جل وعلا بأنه الأحد، وهو اسمٌ له ﷾\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١].\nالدليل من السنة:\n١ - الحديث القدسي الذي يرويه أبو هريرة ﵁: «وأما شتمه إياي؛ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفأً أحد» (١).\n٢ - حديث بريدة ﵁؛ «أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد» (٢).\nمعناه:\n١ - الذي لا شبيه له ولا نظير قاله: البيهقي (٣).\n٢ - الأحد: الفرد قاله: ابن الأثير (٤).\n٣ - الذي لا نظير له ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحدٍ في الإثبات إلا على الله ﷿؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله قاله: ابن كثير في تفسير سورة الإخلاص. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٤٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٧٤).\n(٢) رواه أبو داود (١٤٩٣)، والترمذي (٣٤٧٥)، وابن ماجه (٣٨٥٧)، وأحمد (٥/ ٣٤٩) (٢٣٠٠٢)، والحاكم (١/ ٦٨٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»: صحيح.\n(٣) «الاعتقاد» (ص٦٧).\n(٤) «جامع الأصول» (٤/ ١٨٠).","vol":"2","page":48},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-390> الإحسان</span>\nصفةٌ من صفات الله ﷿ الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، والإحسان يأتي بمعنيين:\n١ - الإنعام على الغير، وهو زائد على العدل.\n٢ - الإتقان والإحكام.\nوالمحسن من أسماء الله تعالى\nالدليل من الكتاب:\n١ - قوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ [السجدة: ٧].\n٢ - وقوله: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [التغابن: ٣].\n٣ - وقوله: قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: ١١].\n٤ - وقوله: وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: ٧٧].\nالدليل من السنة:\n١ - حديث أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا حكمتم؛ فاعدلوا، وإذا قتلتم؛ فأحسنوا؛ فإن الله مُحْسِنٌ يحب الإحسان» (١).\n٢ - حديث شداد بن أوس ﵁؛ قال: حفظت من رسول الله ﷺ اثنتين؛ أنه قال: «إن الله ﷿ مُحْسِنٌ يحب الإحسان، فإذا قتلتم؛ فأحسنوا القتلة» (٢).\n٣ - حديث الحسن عن سمرة مرفوعًا: «إن الله ﷿ مُحْسِنٌ؛ فأحسنوا، فإذا قتل أحدكم فليكرم قاتله وإذا ذبح فليحد شفرته وليرح ذبيحته.» (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٤٣\n_________\n(١) رواه ابن أبي عاصم في «الدِّيَّات» (ص٩٤)، والطبراني في «الأوسط» (٥٧٣٥) واللفظ له، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٧/ ٣٠٦)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٢/ ١١٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٩٧):رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله ثقات. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٦٩): وهذا إسناد جيد رجاله ثقات. وقال في «إرواء الغليل» (٧/ ٢٩٣): سنده حسن.\n(٢) رواه عبدالرزاق (٤/ ٤٩٢)، ومن طريقه الطبراني (٦/ ٤٢٩)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٨٢٤). والحديث رواه مسلم (١٩٥٥) بدون لفظة: «محسن».\n(٣) رواه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٨/ ١٧٥). والحسن اختلف في سماعه من سمرة. انظر لذلك: «نصب الراية» (١/ ٩٢)، و«التلخيص الحبير» (٢/ ٦٧) (٦٥٥). والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٨٢٣).","vol":"2","page":49},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-391> الأخذ باليد</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب: قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ [الأعراف: ١٧٢].\nالدليل من السنة:\n١ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا: «يأخذ الله ﷿ سماواته وأراضيه بيديه، فيقول: أنا الله - ويقبض أصابعه ويبسطها - أنا الملك» (١).\n٢ - حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «وما تصدق أحد بصدقة من طيِّب، ولا يقبل الله إلا الطَّيِّب؛ إلا أخذها الرحمن بيمينه» (٢).\nقال ابن فارس: الهمزة والخاء والذال أصل واحد تتفرع منه فروع متقاربة في المعنى أما (أخْذ)؛ فالأصل حَوْزُ الشيء وجَبْيه وجَمْعه، تقول أخذت الشيء آخذه أخذًا قال الخليل: هو خلاف العطاء، وهو التناول اهـ (٣).\nفالأخذ إمَّا أن يكون خلاف العطاء، وهو ما كان باليد كالعطاء، وإما أخذ قهر؛ كقوله تعالى: فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى [النازعات:٢٥]، وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى [هود:١٠٢]، ومنه أخذ الأرواح، وأخذ العهود والمواثيق، وهذا المعنى ظاهر، والمعنيُّ هنا المعنى الأوَّل، وكلاهما صفة لله تعالى.\nقال ابن القيم: ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه، مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقية؛ من الإمساك، والطي، والقبض، والبسط وأخذ الصدقة بيمينه وأنه يطوي السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى اهـ (٤).\nوقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: من صفات الله تعالى المجيء والإتيان والأخذ والإمساك والبطش إلى غير ذلك من الصفات فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٤٥\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٨٨).\n(٢) رواه مسلم (١٠١٤).\n(٣) «معجم مقاييس اللغة» (١/ ٦٨).\n(٤) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ١٧١).\n(٥) «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» (٣٠).","vol":"2","page":50},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-392> الأذن (بمعنى الاستماع)</span>\nصفةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالحديث الصحيح الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنَّى بالقرآن يجهر به» (١).\nقال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن أورد حديث أبي هريرة ﵁ بإسناده: أما قوله «كأَذَنِه»؛ يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبيٍ يتغنى بالقرآن، حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:٢]؛ قال: سمِعَتْ أو قال: استمعت شكَّ أبو عبيد يُقال: أذنتُ للشيء آذَنُ له أذَنًا: إذا استمعتُه اهـ (٢) وقال البغوي: قوله: «ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه» يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه، والله لا يشغله سمع عن سمع، يقال: أذِنْتُ للشيء آذَنُ أذَنًا بفتح الذال: إذا سمعت له) (٣) وقال الخطابي في: قوله: «ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن» الألف والذال مفتوحتان، مصدر أذِنْتُ للشيء أذنًا: إذا استمعت له، ومن قال: (كإذنه) فقد وهم. اهـ (٤).\nوقال ابن كثير بعد أن أورد حديث: «لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن» قال: ومعناه أنَّ الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك، وهو ﷾ يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم، كما قالت عائشة ﵂: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات (٥)، ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم؛ كما قال تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس: ٦١] الآية، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ؛ كما دل عليه هذا الحديث العظيم، ومنهم من فسر الأذَن ها هنا بالأمر، والأوَّل أولى؛ لقوله: «ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن»؛ أي: يجهر به، والأذَن: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه ولهذا جاء في حديث رواه ابن ماجة بسند جيد عن فضالة بن عبيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لله أشد أذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنةِ إلى قينتِه» (٦) اهـ.\nقلت: حديث فضالة رُوي بإسنادين ضعيفين: الأوَّل: منقطع، من رواية إسماعيل بن عبيد الله عن فضالة بن عبيد، رواه أحمد في (المسند ٦/ ١٩)، والحاكم في (المستدرك ١/ ٥٧١)، وقال: على شرط البخاري، قال الذهبي: قلت: بل هو منقطع.\nوالإسناد الثاني: موصول، رواه ابن ماجة (١٣٤٠) من طريق إسماعيل بن عبيد الله عن ميسرة مولى فضالة عن فضالة به، وعلته ميسرة، قال عنه الذهبي في الميزان: ما حدَّث عنه سوى إسماعيل بن عبيد الله، وقال في (الكاشف): نكرة، وقال ابن حجر في (التقريب): مقبول.\nقال الأزهري: وفي الحديث: «ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن»، قال أبو عبيد: يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن يقال: أذِنْتُ للشيء آذنُ له: إذا استمعت له» (٧) وقال ابن منظور في (لسان العرب): قال ابن سيدة: وأذن إليه أذَنا ً: استمع، وفي الحديث: «ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن»، قال أبو عبيد ثم ذكر كلام أبي عبيدٍ السابق.\nوقال ابن فارس: ويقال للرجل السامع من كلِّ أحدٍ: أُذُن، قال الله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة: ٦١] والأذَن: الاستماع، وقيل: أذَنٌ؛ لأنه بالأذُن يكون اهـ (٨) قلت: هذا في حق المخلوقين، أما الخالق ﷾؛ فشأنه أعظم، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١]؛ فنحن نقول: إنَّ الله يأذن أذَنًا؛ أي: يستمع استماعًا بلا كيف. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٤٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠٢٤)، ومسلم (٧٩٣) واللفظ له.\n(٢) «غريب الحديث» (١/ ٢٨٢).\n(٣) «شرح السنة» (٤/ ٤٨٤).\n(٤) «غريب الحديث» (٣/ ٢٥٦).\n(٥) رواه البخاري (٧٣٨٥). عن عائشة ﵂.\n(٦) «فضائل القرآن» (ص١١٤ - ١١٦).\n(٧) «تهذيب اللغة» (١٥/ ١٦).\n(٨) «معجم مقاييس اللغة» (١/ ٧٦).","vol":"2","page":51},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-393> الإرادة والمشيئة</span>\nصفتان ثابتتان بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام: ١٢٥].\nوقوله: إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١].\nوقوله: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ [الإنسان: ٣٠].\nوقوله: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء [آل عمران: ٢٦].\nالدليل من السنة:\nحديث أنس بن مالك ﵁؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «وكَّل الله بالرحم ملكًا ... فإذا أراد الله أن يقضي خلقها؛ قال ...» (١).\nحديث عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابًا؛ أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعثوا على أعمالهم» (٢).\nحديث «إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء» (٣).\nحديث أبي هريرة ﵁: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» (٤).\nقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على إثبات حياة الله ﷿، لم يزل بها حيًا إلى أن قال: وإرادة لم يزل بها مريدًا اهـ (٥) وقال شيخ الإسلام - بعد أن سرد بعض الآيات السابقة وغيرها -: وكذلك وصف نفسه بالمشيئة، ووصف عبده بالمشيئة وكذلك وصف نفسه بالإرادة، ووصف عبده بالإرادة ومعلوم أنَّ مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته مثل إرادته٠٠ اهـ (٦) وله ﵀ كلام طويل حول هذه الصفة في (دقائق التفسير) (٧) وانظر كلام ابن كثير في صفة (السمع) ويجب إثبات صفة الإرادة بقسميها الكوني والشرعي؛ فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٤٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٩٥)، ومسلم (٢٦٤٦).\n(٢) رواه مسلم (٢٨٧٩).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٤٦).\n(٤) رواه مسلم (٥٩٥).\n(٥) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص٢١٤).\n(٦) «التدمرية» (٢٥).\n(٧) انظر: (٥/ ١٨٤ - ١٩٣).","vol":"2","page":52},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-394> استطابة الروائح</span>\nصفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسنَّةِ الصحيحة، الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (١) قال الحافظ ابن القيم: من المعلوم أنَّ أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك فمثَّل النبي ﷺ هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا وأعظم، ونسبة استطابة ذلك إليه ﷾ كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين كما أنَّ رضاه وغضبه وفرحه وكراهيته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك كما أنَّ ذاته ﷾ لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعالهم، وهو ﷾ يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه والعمل الصالح فيرفعه وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا، ثم إنَّ تأويله لا يرفع الإشكال إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله في الرضا فإن قال: رضا ليس كرضا المخلوقين فقولوا: استطابة ليست كاستطابة المخلوقين وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب أهـ (٢) وقال الشيخ علي الشبل: والذي قَرَّظه عددٌ من العلماء وفي مقدمتهم الإمام عبدالعزيز بن باز - ﵀ -: والاستطابة لرائحة خلوف فم الصائم من جنس الصفات العُلى، يجب الإيمان بها مع عدم مماثلة صفات المخلوقين (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥١\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٥٨٣)، ومسلم (١١٥١).\n(٢) «الوابل الصيب» (١/ ٥٢).\n(٣) «التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري» (ص٣٦).","vol":"2","page":53},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-395> الاستهزاء بالكافرين</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ في كتابه العزيز الدليل: قوله تعالى: وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: ١٤ - ١٥] قال ابن فارس: الهزء: السخرية، يُقال: هزيءَ به واستهزأ. أهـ وقال ابن جرير الطبري في تفسير الآية بعد أن ذكر الاختلاف في صفة الاستهزاء: والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أنَّ معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزِيء للمستَهْزَأ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهرًا، وهو بذلك من قِيِله وفعلِه به مورثه مساءة باطنًا، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر ثم قال: وأما الذين زعموا أنَّ قول الله تعالى ذكره اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة؛ فنافون عن الله ﷿ ما قد أثبته الله ﷿ لنفسه وأوجبه لها، وسواءٌ قال قائل: لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخرية بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به، أو قال: لم يخسف الله بمن أخبر أنه خسف به من الأمم ولم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم ويقال لقائل ذلك: إنَّ الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لم نرهم، وأخبرنا عن آخرين أنه خسف بهم، وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدقنا الله تعالى فيما ذكره فيما أخبرنا به من ذلك، ولم نفرق بين شيء منه؛ فما برهانك على تفريقك ما فرقت بينه بزعمك أنه قد أغرق وخسف بمن أخبر أنه أغرقه وخسف به، ولم يمكر بمن أخبر أنه قد مكر به؟! اهـ (١).\nوقال قوَّام السنة الأصبهاني: وتولى الذب عنهم (أي: عن المؤمنين) حين قالوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، فقال: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، وقال: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ [التوبة:٧٩]، وأجاب عنهم فقال: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء [البقرة:١٣]؛ فأجل أقدارهم أن يوصفوا بصفة عيب، وتولى المجازاة لهم، فقال اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٥] وقال سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ [التوبة ٧٩]؛ لأن هاتين الصفتين إذا كانتا من الله؛ لم تكن سفهًا؛ لأن الله حكيم، والحكيم لا يفعل السفه، بل ما يكون منه يكون صوابًا وحكمة اهـ (٢).\nوقال شيخ الإسلام ردًا على الذين يدَّعون أنَّ هناك مجازًا في القرآن: وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن كلفظ (المكر) و(الاستهزاء) و(السخرية) المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة؛ كانت ظلمًا له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله؛ كانت عدلًا؛ كما قال تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:٧٦] فكاد له كما كادت إخوته لما قال له أبوه لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا [يوسف:٥]، وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٥] وقال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ [النمل:٥٠] وقال تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ [التوبة:٧٩] ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلًا يستحق هذا الاسم؛ كما روى عن ابن عباس؛ أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار، فيسرعون إليه، فيغلق، ثم يفتح لهم باب آخر، فيسرعون إليه، فيغلق، فيضحك منهم المؤمنون قال تعالى فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:٣٦] وعن الحسن البصري: إذا كان يوم القيامة؛ خمدت النار لهم كما تخمد الإهالة من القدر، فيمشون، فيخسف بهم وعن مقاتل: إذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب؛ باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، فيبقون في الظلمة، فيقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا وقال بعضهم: استهزاؤه: استدراجه لهم وقيل: إيقاع استهزائهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم وقيل: إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة وقيل: هو تجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه وهذا كله حق، وهو استهزاء بهم حقيقة» اهـ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥٢\n_________\n(١) «مجمل اللغة» (٩٠٤).\n(٢) «الحجة في بيان المحجة» (١/ ١٦٨).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١١١). وانظر كلام ابن القيم في صفة (الخداع) في «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٣٤).","vol":"2","page":54},{"text":"- الاستواء على العرش (١)\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥].\nوقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤].\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁؛ أنَّ النبي ﷺ أخذ بيده، فقال: «يا أبا هريرة! إن الله خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش» (٢).\nحديث قتادة بن النعمان ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لما فرغ الله من خلقه؛ استوى على عرشه» (٣).\nومعنى الاستواء: العلو، والارتفاع، والاستقرار، والصعود؛ كما في نونية ابن القيم (٤) قال ﵀:\nفلهم عبارات عليها أربع قد ... حصلت للفارس الطعان\nوهي استقر وقد علا وكذلك أر ... تفع الذي ما فيه من نكران\nوكذاك قد صعد الذي هو أربع\nوانظر أيضًا: صفة (العلو)، وكلام البغوي في صفة (الأصابع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥٥\n_________\n(١) انظر: «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي (٣/ ٣٨٧)، و«رسالة في الاستواء والفوقية» لأبي محمد الجويني، و«دقائق التفسير» لابن تيمية (٥/ ٢٣٧ - ٢٤٤)، (٦/ ٤٣٦ - ٤٣٩).\n(٢) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٢٧). قال الذهبي في «العلو» (ص٩٤): غريب. وقال الألباني في «مختصر العلو» (٧١): جيد الإسناد.\n(٣) ذكره الذهبي في «العلو» (٦٣)، وفي «العرش» (٦٢)، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص٥١). قال الذهبي في «العلو»: رواته ثقات رواه أبو بكر الخلال في كتاب السنة له، وقال في «العرش»: إسناده صحيح على شرط الصحيحين. وقال ابن القيم - قبل أن يذكره -: روى الخلال في كتاب السنة بإسناد صحيح على شرط البخاري عن قتادة - ثم ذكره -.\n(٤) (١/ ٢١٥) تحقيق هرَّاس.","vol":"2","page":55},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-397> الأسف (بمعنى الغَضَب)</span>\nصفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب العزيز الدليل:\nقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] وقد استشهد بها شيخ الإسلام ابن تيمية في (العقيدة الواسطية)، وكل من شرحها بعد ذلك.\nقال ابن قتيبة: فَلَمَّا آسَفُونَا؛ أي: أغضبونا، والأسف: الغضب، يُقال: أسِفت آسَف أسفًا؛ أي: غضبت اهـ ونقل هذا المعنى ابن جرير في التفسير بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد (١) قال الهرَّاس: الأسف يُستعمل بمعنى شدة الحزن، وبمعنى شدة الغضب والسخط، وهو المراد في الآية اهـ (٢). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥٦\n_________\n(١) «تفسير غريب القرآن» (٣٩٩).\n(٢) «شرح العقيدة الواسطية» (ص١١١). وانظر أيضًا: (تهذيب اللغة ١٣/ ٩٦).","vol":"2","page":56},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-398> الأصابع</span>\nصفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسُّنَّة الصحيحة الدليل:\n١ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن» (١).\n٢ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم! إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع إلى أن قال: فرأيت النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قرأ وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ» (٢).\nقال إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة: (باب إثبات الأصابع لله ﷿)، وذكر بأسانيده ما يثبت ذلك (٣).\nوقال أبو بكر الآجري: (باب الإيمان بأن قلوب الخلائق بين إصبعين من أصابع الرب ﷿، بلا كيف) (٤) وقال البغوي بعد ذكر الحديث السابق: (والإصْبَع المذكورة في الحديث صفةٌ من صفات الله ﷿، وكذلك كلُّ ما جاء به الكتاب أو السنَّة من هذا القبيل من صفات الله تعالى؛ كالنَّفس، والوجه، والعين، واليد، والرِّجل، والإتيان، والمجيء، والنُّزُول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك، والفرح) اهـ (٥) وقال ابن قتيبة بعد أن ذكر حديث عبد الله بن عمرو السابق: ونحن نقول: إنَّ هذا الحديث صحيح، وإن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث؛ لأنه ﵇ قال في دعائه: «يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك فقالت له إحدى أزواجه: أوَ تخاف يا رسول الله على نفسك؟ فقال: إنَّ قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله ﷿» (٦)، فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى؛ فهو محفوظ بتينك النعمتين؛ فلأي شيء دعا بالتثبيت؟ ولِمَ احتج على المرأة التي قالت له: أتخاف على نفسك؟ بما يؤكد قولها؟ وكان ينبغي أن لا يخاف إذا كان القلب محروسًا بنعمتين فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ها هنا؟\nقلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر: «يحمل الأرض على إصبع»، وكذا على إصبعين، ولا يجوز أن تكون الإصبع ها هنا نعمة، وكقوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:٦٧]، ولم يجز ذلك ولا نقول: إصبعٌ كأصابعنا، ولا يدٌ كأيدينا، ولا قبضةٌ كقبضاتنا؛ لأن كل شيء منه ﷿ لا يشبه شيئًا منا» اهـ (٧) فأهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى أصابع تليق به لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١]. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٥٤).\n(٢) رواه البخاري (٧٤١٥) ومسلم (٢٧٨٦).\n(٣) «التوحيد» (١/ ١٨٧).\n(٤) «الشريعة» (ص٣١٦).\n(٥) «شرح السنة» (١/ ١٦٨).\n(٦) بنفس اللفظ الذي ذكره ابن قتيبة غير موجود، ولكن رواه الترمذي من حديث أم سلمة ﵂ وحسنه بلفظ مقارب في سننه (٣٥٢٢) وصححه الألباني، وأحمد من حديث عائشة ﵂ (٦/ ٩١) (٢٤٦٤٨) والطبراني في الأوسط (٢/ ١٤٧) وقال الهيثمي: فيه العلاء بن الفضل قال ابن عدى في بعض ما يروية نكرة، وبقية رجاله وثقوا وفيهم خلاف.\n(٧) «تأويل مختلف الحديث» (ص٢٤٥).","vol":"2","page":57},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-399> الإلهية والألوهية</span>\nصفةٌ ثابتةٌ لله ﷿ من اسمه (الله) واسمه (الإله)، وهما اسمان ثابتان في مواضع عديدة من كتاب الله ﷿ وأصل كلمة (الله) إله كما رجَّحَه ابن القيم في (بدائع الفوائد)، وإله بمعنى مألوه؛ أي: معبود؛ ككتاب بمعنى مكتوب والإلهية أو الألوهية صفة مأخوذة من هذين الاسمين.\nقال الحافظ ابن القيم عند الحديث عن أسماء الله تعالى (الله)، (الرب)، (الرحمن)؛ قال: فالدين والشرع والأمر والنهي مظهره وقيامه من صفة الإلهية، والخلق والإيجاد والتدبير والفعل من صفة الربوبية، والجزاء والثواب والعقاب والجنة والنار من صفة الملك (١).\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في: الله: هو المألوه المعبود ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين لما اتصف به من صفات الألوهية التي هي صفات الكمال (٢). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥٩\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤).\n(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٢٩٨).","vol":"2","page":58},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-400> الأمر</span>\nصفةٌ لله ﷿؛ كما قال في محكم تَنْزِيله أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]؛ إلا أنَّ هذا لا يعني أنه كلما ذكرت كلمة (الأمر) في الكتاب أو السنة مضافة إلى الله؛ مثل (أمر الله) أو (الأمر لله)؛ أنها صفة له لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية مثبتًا لهذه الصفة ومنبهًا لهذه القاعدة بقوله: لفظة (الأمر)؛ فإن الله تعالى لما أخبر بقوله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:٨٢]، وقال: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:٥٤]، واستدل طوائف من السلف على أنَّ الأمر غير مخلوق، بل هو كلامه، وصفة من صفاته بهذه الآية وغيرها؛ صار كثير من الناس يطرد ذلك في لفظ الأمر حيث ورد، فيجعله صفة، طردًا للدلالة، ويجعل دلالته على غير الصفة نقضًا لها، وليس الأمر كذلك؛ فبينت في بعض رسائلي أنَّ الأمر وغيره من الصفات يطلق على الصفة تارة وعلى متعلقها أخرى؛ فالرحمة صفة لله، ويسمى ما خلق رحمة، والقدرة من صفات الله تعالى، ويسمى المقدور قدرة، ويسمى تعلقها بالمقدور قدرة، والخلق من صفات الله تعالى، ويسمى (المخلوق) خلقًا، والعلم من صفات الله، ويسمى المعلوم أو المتعلِّق علمًا؛ فتارة يراد الصفة، وتارة يراد متعلقها، وتارة يراد نفس التعلُّق اهـ وقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أنَّ أمره ﷿ وقوله غير محدث ولا مخلوق، وقد دلَّ الله تعالى على صحة ذلك بقوله تعالى: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ اهـ (١). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٠\n_________\n(١) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص٢٢١).","vol":"2","page":59},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-401> الإمساك</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه يمسك السماواتِ والأرضَ وغيرهما إمساكًا يليق بجلاله وعظمته، وهي صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا [فاطر:٤١].\nالدليل من السنة: حديث عبد الله بن مسعود ﵁: «أنَّ يهوديًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمد! إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قرأ: وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:٩١] وفي رواية: فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا له» (١) قال ابن خزيمة: (باب ذكر إمساك الله -﵎ اسمه وجل ثناؤه- السماوات والأرض وما عليها على أصابعه) (٢).\nثم أورد حديث ابن مسعود ﵁ بإسناده من عدة طرق، ثم قال: أما خبر ابن مسعود؛ فمعناه: أنَّ الله جل وعلا يمسك ما ذكر في الخبر على أصابعه، على ما في الخبر سواء، قبل تبديل الله الأرض غير الأرض؛ لأن الإمساك على الأصابع غير القبض على الشيء، وهو مفهوم في اللغة التي خوطبنا بها اهـ (٣) وقال أبو بكر الآجري: (باب الإيمان بأن الله ﷿ يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع) وقال ابن القيم في (مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ١٧١): ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع، ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقة؛ من: الإمساك، والطي، والقبض، والبسط أهـ (٤) وانظر: صفة القبض والطي. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦١\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤١٤) واللفظ له، ومسلم (٢٧٨٦).\n(٢) «التوحيد» (١/ ١٧٨).\n(٣) «التوحيد» (ص ١٨٥).\n(٤) «الشريعة» (ص٣١٨).","vol":"2","page":60},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-402> الأنامل</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالحديث الصحيح الدليل: حديث معاذ بن جبل ﵁: «فإذا أنا بربي ﷿ - يعني: في المنام، ورؤى الأنبياء حقٌ - في أحسن صورة، فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب! قال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب! قال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب! فرأيته وضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله في صدري» (١) قال شيخ الإسلام: فقوله (أي: الرازي): وجدت برد أنامله؛ أي: معناه وجدت أثر تلك العناية يقال له: أثر تلك العناية كان حاصلًا على ظهره وفي فؤاده وصدره؛ فتخصيص أثر العناية لا يجوز؛ إذ عنده لم يوضع بين الكتفين شيء قط، وإنما المعنى أنه صرف الرب عنايته إليه، فكان يجب أن يبين أنَّ أثر تلك العناية متعلق بما يعم، أو بأشرف الأعضاء، وما بين الثديين كذلك؛ بخلاف ما إذا قرأ الحديث على وجهه؛ فإنه إذا وضعت الكف على ظهره؛ ثقل بردها إلى الناحية الأخرى، وهو الصدر، ومثل هذا يعلمه الناس بالإحساس وأيضًا فقول القائل: وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي نصٌ لا يحتمل التأويل والتعبير بمثل هذا اللفظ عن مجرد الاعتناء، وهذا أمر يعلم بطلانه بالضرورة من اللغة العربية، وهو من غث كلام القرامطة والسوفسطائية. . ثم قال: الوجه السادس: أنه ﷺ ذكر ثلاثة أشياء؛ حيث قال: «فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها - وفي رواية - برد أنامله على صدري، فعلمت ما بين المشرق والمغرب» (٢)، فذكر وضع يده بين كتفيه، وذكر غاية ذلك أنه وجد برد أنامله بين ثدييه، وهذا معنى ثان، وهو وجود هذا البرد عن شيء مخصوص في محل مخصوص، وعقب ذلك بقوله: الوضع الموجود (كذا)، وكل هذا يبين أنَّ أحد هذه المعاني ليس هو الآخر اهـ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٢\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٣) (٢٢١٦٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح؛ سألت محمد بن إسماعيل - البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» (٤/ ٧٣)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. والحديث روي عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن سمرة وثوبان ﵃ جميعًا.\n(٢) رواه الترمذي (٣٢٣٣، ٣٢٣٤)، وأحمد (١/ ٣٦٨) (٣٤٨٤)، وأبو يعلى (٤/ ٤٧٥)، وابن خزيمة في «التوحيد» (٢٩٣) بلفظ: «ثديي» بدلًا من «صدري». من حديث ابن عباس ﵄. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ١٦٢): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) «نقض أساس التقديس» (ق٥٢٤ - ٥٢٦).","vol":"2","page":61},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-403> الأنتقام من المجرمين</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه (ذو انتقام)، وأنه ينتقم من المجرمين؛ كما يليق به سبحانه، وهي صفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، وليس (المنتقم) من أسماء الله تعالى الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [المائدة: ٩٥]\nوقوله: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]\nالدليل من السنة:\nحديث عبد الله بن مسعود ﵁، وقوله عن قريش: (فكشف عنهم، فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر؛ فذلك قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ إلى قوله جل ذكره إِنَّا مُنتَقِمُونَ) (١)\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «فقال للنار: أنت عذابي، أنتقم بك ممَّن شئت، وقال للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من شئت» (٢) قال الأزهري في (تهذيب اللغة): قال أبو إسحاق: معنى (نقمت): بالغت في كراهة الشيء اهـ وقال الراغب في (المفردات): النقمة: العقوبة: قال الله تعالى: فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ [الأعراف:١٣٦]، فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [الروم:٤٧] وقال الخطابي: الانتقام: افتعال من نقم ينقم: إذا بلغت به الكراهة حد السخط (٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا في أسمائه الثابتة عن النبي ﷺ اسم المنتقم، وإنما جاء المنتقم في القرآن مقيدًا كقوله: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:٢٢] وجاء معناه مضافًا إلى الله في قوله: إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:٤٧] اهـ (٤) وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه: الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها؛ كالاستواء على العرش، والنُّزُول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والانتقام من المجرمين، ثم استدل للصفة الأخيرة بقوله تعالى: إِنَّا مِنْ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:٢٢] اهـ (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨٢٢).\n(٢) رواه الترمذي (٢٥٦١)، وأحمد (٢/ ٤٥٠) (٩٨١٥). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ووافقه الألباني في «صحيح سنن الترمذي». والحديث في الصحيحين حيث رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦) بلفظ «أعذب» بدلًا من «أنتقم».\n(٣) «شأن الدعاء» (ص٩٠).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٩٥).\n(٥) «القواعد المثلى» (ص٣٨).","vol":"2","page":62},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-404> الإيجاب والتحليل والتحريم</span>\nصفاتٌ فعليةٌ ثابتةٌ لله تعالى بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب: قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥]\nالدليل من السنة:\n١ - حديث أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ مرفوعًا: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنَّا في المسجد، فقال الناس حرمت حرمت فبلغ ذاك النبي ﷺ فقال: أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحلَّ الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها» (١).\n٢ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ لو قلت: نعم! لوجبت ولما استطعتم» (٢).\nوقوله لوجبت أي: لأوجبها الله ﷿ قال شيخ الإسلام: الحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلفٌ بصفاتِ الله، فإنَّه إذا قال: إن فعلتُ كذا فعلي الحج فقد حلف بإيجاب الحج عليه وإيجاب الحج عليه حكمٌ من أحكام الله تعالى وهو من صفاته، وكذلك لو قال: فعلي تحريرُ رقبة، وإذا قال: فامرأتي طالقٌ وعبدي حرٌ فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه والتحريم من صفات الله كما أنَّ الإيجاب من صفات الله اهـ (٣) وانظر صفة: (التشريع). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٥\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٦٥).\n(٢) رواه مسلم (١٣٣٧).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢٧٣).","vol":"2","page":63},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-405> البارئ</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه البارئ، وهو اسم له ﷾، وهذه الصفةُ ثابتةٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ [الحشر: ٢٤].\nوقوله: فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ [البقرة: ٥٤].\nالدليل من السنة: حديث أبي جحيفة؛ قال: سألت عليًا ﵁: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة؛ ما عندنا إلا ما في القرآن؛ إلا فهمًا (١).\nقال ابن قتيبة: ومن صفاته (البارئ)، ومعنى (البارئ): الخالق، يُقال: برأ الخلق يبرؤهم، والبريَّة: الخلق اهـ (٢) وقال الزجاج: البرء: خلق على صفة، فكل مبروء مخلوق، وليس كل مخلوق مبروء (٣) وقال ابن الأثير: البارئ: هو الذي خلق الخلق، لا عن مثال، إلا أنَّ لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السماوات والأرض (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٩٠٣).\n(٢) «تفسير غريب القرآن» (ص١٥).\n(٣) «تفسير الأسماء الحسنى» (ص٣٧).\n(٤) «جامع الأصول» (٤/ ١٧٧).","vol":"2","page":64},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-406> الباطن (الباطنية)</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الباطن، وهو اسم له ثابت بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ٣] الدليل من السنة: حديث أبي هريرة: «اللهم أنت الأوَّل؛ فليس قبلك شيء وأنت الباطن؛ فليس دونك شيء» (١) والمعنى كما قال ابن جرير: هو الباطن لجميع الأشياء؛ فلا شيء أقرب إلى شيء منه؛ كما قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:١٦] وقال ابن منده: الباطن: المحتجب عن ذوي الألباب كنه ذاته وكيفية صفاته ﷿ (٢) وقال البغوي في (التفسير): الباطن: العالم بكل شيء وانظر: كلام ابن القيم في صفة (الأوَّليَّة). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧١٣).\n(٢) «التوحيد» (٢/ ٨٢).","vol":"2","page":65},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-407> بديع السموات والأرض</span>\nيُوصف الله ﷿ بأنه بديع السماوات والأرض وما فيهن، وهي صفةٌ ثابتةٌ له بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:\n١ - قوله تعالى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [البقرة: ١١٧].\n٢ - وقوله: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٠١].\nالدليل من السنة: حديث أنس بن مالك ﵁؛ قال: «سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك، لا شريك لك، المنان، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام فقال: لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سُئِلَ به؛ أعطى، وإذا دُعِيَ به أجاب» (١).\nالمعنى: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: بديع السماوات والأرض؛ أي: خالقهما ومبدعهما في غاية ما يكون من الحسن والخلق البديع والنظام العجيب المحكم (٢) وقال ابن منظور في مادة (ب د ع): بديع السماوات والأرض، أي: خالقها ومبدعها؛ فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق.\nوعدَّ بعضُهم (البديع) من أسماء الله ﷿، وفي هذا نظر صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٨\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والترمذي (٣٥٤٤)، والنسائي (٣/ ٥٢)، وابن ماجه (٣٨٥٨) واللفظ له، وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٦)، والحاكم (١/ ٦٨٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٢) «التفسير» (٥/ ٣٠٣).","vol":"2","page":66},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-408> البر</span>\nصفةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(البَر) من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب: قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:٢٨].\nالدليل من السنة: حديث أنس بن مالك ﵁: «إن من عباد الله تعالى من لو أقسم على الله لأبَرَّه» (١).\nومعنى (البَر):\n١ - اللطيف بعباده قاله ابن جرير في تفسير الآية السابقة\n٢ - العطوف على عباده ببره ولطفه قاله ابن الأثير (٢)\n٣ - وقال ابن القيم (٣):\nوالبِرُّ في أوصَافِهِ سُبْحَانَهُ ... هُوَ كثْرةُ الخَيراتِ والإحْسَانِ\nوفي (لسان العرب): البَرُّ: الصادق، وفي التنزيل العزيز: إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور: ٢٨] والبَرُّ من صفات الله تعالى وتَقَدَّس: العطوفُ الرحيمُ اللطيفُ الكريمُ، قال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى البَرُّ دون البارُّ وهو العطوف على عباده ببرِّه ولُطْفِه. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم (١٦٧٥).\n(٢) «جامع الأصول» (٤/ ١٨٢).\n(٣) «القصيدة النونية» (٢/ ٩٩).","vol":"2","page":67},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-409> البركة والتبارك</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ وفعلية لله ﷿، ثابتةٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ [هود: ٧٣]\nوقوله: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: ١].\nووردت لفظة (تبارك) في مواضع أخرى من القرآن الكريم: [الزخرف: ٨٥]، [الرحمن: ٧٨]، وفي ثلاث مواضع من سورة الفرقان.\nالدليل من السنة: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «بينا أيوب ﵇ يغتسل عريانًا فناداه ربه ﷿: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك» (١).\nويكفي استدلالًا لذلك تحية الإسلام: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته).\nالمعنى: قال ابن القيم: وأما صفته تبارك؛ فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه (٢) وقال: فتبارُكُه سبحانه صفة ذات له وصفة فعل (٣) وقال السلمان: والنوع الثاني بركة: هي صفته تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره كذلك، ولا يصلح إلا له ﷿؛ فهو سبحانه المبارِك، وعبده ورسوله المبارَك؛ كما قال المسيح: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا [مريم:٣١]، فمن بارك الله فيه؛ فهو المبارك، وأما صفته؛ فمختصة به؛ كما أطلق على نفسه بقوله تعالى: تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ [الأعراف:٥٤] (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٩).\n(٢) «بدائع الفوائد» (٢/ ١٨٥).\n(٣) «جلاء الأفهام» (ص١٦٧).\n(٤) «الكواشف الجلية» (ص٢٨٣).","vol":"2","page":68},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-410> البسط والقبض</span>\nيوصف الله ﷿ بالبسط، وتوصف يده بالبسط، وهي صفةٌ فعلية خبريَّةٌ ٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(الباسط) اسم من أسمائه ﷾.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٤٥].\nوقوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ (٦٤) سورة المائدة [المائدة: ٦٤].\nوقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ [الإسراء: ٣٠].\nالدليل من السنة:\nحديث أنس ﵁: «إنَّ الله هو المُسَعِّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو الله أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال» حديث صحيح (١).\nحديث نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا عند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: «ثم يبسط يديه ﵎؛ يقول: من يقرض غير عَدُومٍ ولا ظَلُوم» (٢).\nحديث أبي موسى الأشعري ﵁: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» (٣).\nقال ابن منده: ومن أسماء الله ﷿: الباسط؛ صفة له اهـ (٤) قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى: يعني بقوله «يقبض»: يقتِّر بقبضه الرزق عمَّن يشاء من خلقه، ويعني بقوله «ويبسط»: يوسِّع ببسطه الرزق على من يشاء اهـ فالبسط: نقيض القبض، وبسط الشيء: نشره، ويد بسط؛ أي: مطلقة، والبسطة: الزيادة والسعة ومنه قوله تعالى: وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:٢٤٧]، والباسط: هو الذي يبسط الرزق لعباده، ويوسعه عليهم بجوده ورحمته، ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة انظر مادة (ب س ط) في (لسان العرب) قال شيخ الإسلام: ووصف نفسه (يعني: الله) ببسط اليدين، فقال بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤]، ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله تعالى: وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا [الإسراء:٢٩]، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط) (٥) وانظر صفة: (القبض). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧١\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وأحمد (٣/ ١٥٦) (١٢٦١٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٥/ ٤٢٣): روي من وجوه صحيحة لا بأس بها. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٣٣): إسناده على شرط مسلم. وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (١/ ٩٣): إسناده على شرط مسلم. وقال ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (ص١١٣)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»: صحيح.\n(٢) رواه مسلم (٧٥٨).\n(٣) رواه مسلم (٢٧٥٩).\n(٤) «التوحيد» (٢/ ٩٣).\n(٥) «التدمرية» (ص٢٩).","vol":"2","page":69},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-411> البشبشة أو البشاشة</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالحديث الصحيح الدليل: حديث أبي هريرة ﵁؛ أنَّ النبي ﷺ قال: «ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر؛ إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم» (١)\nقال ابن قتيبة: قوله: يتبشبش، هو من البشاشة، وهو (يتفعَّل) اهـ (٢) قال أبو يعلى الفراء تعقيبًا على كلام ابن قتيبة: فحمل الخبر على ظاهره، ولم يتأوله وقال قبل ذلك بعد أن تكلم عن إثبات صفة الفرح لله تعالى: وكذلك القول في البشبشة؛ لأن معناه يقارب معنى الفرح، والعرب تقول: رأيت لفلان بشاشة وهشاشة وفرحًا، ويقولون: فلان هش بش فرح، إذا كان منطلقًا، فيجوز إطلاق ذلك كما جاز إطلاق الفرح اهـ (٣) قال الإمام الدارمي: وبلغنا أنَّ بعض أصحاب المريسي قال له: كيف تصنع بهذه الأسانيد الجياد التي يحتجون بها علينا في رد مذاهبنا مما لا يمكن التكذيب بها؛ مثل: سفيان عن منصور عن الزهري، والزهري عن سالم، وأيوب بن عوف عن ابن سيرين، وعمرو بن دينار عن جابر عن النبي ﷺ وما أشبهها؟ قال: فقال المريسي: لا تردوه تفتضحوا، ولكن؛ غالطوهم بالتأويل؛ فتكونوا قد رددتموها بلطف؛ إذ لم يمكنكم ردها بعنف؛ كما فعل هذا المعارض سواء.\nوسننقل بعض ما روي في هذه الأبواب من الحب والبغض والسخط والكراهية وما أشبهه (ثم ذكر أحاديث في صفة الحب ثم البغض ثم السخط ثم الكره ثم العجب ثم الفرح، ثم حديث أبي هريرة السابق في البشاشة، ثم قال) وفي هذه الأبواب روايات كثيرة أكثر مما ذكر، لم نأت بها مخافة التطويل (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٣\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٨٠٠)، واللفظ له، وأحمد (٢/ ٣٢٨) (٨٣٣٢)، والطيالسي (٢٣٣٤)، والحاكم (١/ ٣٣٢). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٢/ ١٠٢): هذا إسناد صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»: صحيح.\n(٢) «غريب الحديث» (١/ ١٦٠).\n(٣) «إبطال التأويلات» (١/ ٢٤٣).\n(٤) «نقض الدارمي على المريسي» (ص٢٠٠).","vol":"2","page":70},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-412> البصر</span>\nالبصر صفةٌ من صفات الله ﷿ الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة و(البصير): اسم من أسمائه تعالى\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ٥٨]\nوقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]\nالدليل من السنة: حديث أبي موسى الأشعري ﵁: «يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا بَصيرًا، إنَّ الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (١) انظر صفة: (الرؤية) و(النظر) و(العين)؛ لله ﷾ صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٣٨٤).","vol":"2","page":71},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-413> البطش</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب العزيز، ومعناه: الانتقام والأخذ القوي الشديد قد ورد البطش مضافًا إلى الله تعالى في ثلاث مواضع من القرآن الكريم.\nقوله تعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ [الدخان:١٦].\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ [القمر: ٣٦].\nوقوله: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢].\nقال ابن القيم: قال تعالى في آلهة المشركين المعطلين أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ [الأعراف: ١٩٥]، فجعل سبحانه عدم البطش والمشي والسمع والبصر دليلا على عدم إلهية من عُدمت فيه هذه الصفات، فالبطش والمشي من أنواع الأفعال، والسمع والبصر من أنواع الصفات، وقد وصف نفسه سبحانه بضد صفة أربابهم وبضد ما وصفه به المعطلة والجهمية (١).\nوقال: ثم ذكر سبحانه جزاء أوليائه المؤمنين ثم ذكر شدة بطشه وأنه لا يعجزه شيء، فإنه هو المبدئ المعيد، ومن كان كذلك فلا أشد من بطشه، وهو مع ذلك الغفور الودود، يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه، فهو سبحانه الموصوف بشدة البطش ومع ذلك هو الغفور الودود المتودد إلى عباده بنعمه الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه (٢) قال الشيخ ابن عثيمين: من صفات الله تعالى المجيء والإتيان والأخذ والإمساك والبطش إلى غير ذلك من الصفات فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٥\n_________\n(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ٩١٥).\n(٢) «التبيان في أقسام القرآن» (ص٥٩).\n(٣) «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» (ص٣٠).","vol":"2","page":72},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-414> البغض</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالأحاديث الصحيحة الدليل:\nحديث أبي هريرة ﵁: «إن الله تعالى إذا أحب عبدًا وإذا أبغض عبدًا؛ دعا جبريل، فيقول إني أبغض فلانًا؛ فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إنَّ الله يبغض فلانًا؛ فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض» (١).\nحديث أبي هريرة ﵁: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (٢).\nيقول ابن القيم: إن ما وصف الله سبحانه به نفسه من المحبة والرضى والفرح والغضب والبغض والسخط من أعظم صفات الكمال اهـ (٣) وفي (تهذيب اللغة): وقال الليث: البغض: نقيض الحب (٤) وانظر كلام ابن أبي العز في صفة (الغضب) وابن كثير في صفة (السمع). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٣٧).\n(٢) رواه مسلم (٦٧١).\n(٣) في «الصواعق المرسلة» (٤/ ١٤٥١).\n(٤) «تهذيب اللغة» (٨/ ١٧).","vol":"2","page":73},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-415> البقاء</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ خاصةٌ بالله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب العزيز الدليل: قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧].\nوقد عَدَّ بعضهم (الباقي) من أسماء الله تعالى، ولا دليل معهم، منهم: ابن منده (١)، والزجاجي (٢)، وقوَّام السنة الأصبهاني (٣)، وغيرهم قال قَوَّامُ السُّنَّة: معنى الباقي: الدائم، الموصوف بالبقاء، الذي لا يستولي عليه الفناء، وليست صفة بقائه ودوامه كبقاء الجنة والنار ودوامهما، وذلك أنَّ بقاءه أبدي أزلي، وبقاء الجنة والنار أبدي غير أزلي، فالأزلي ما لم يزل، والأبدي ما لا يزال، والجنة والنار كائنتان بعد أن لم تكونا اهـ (٤) وقال أبو بكر الباقلاني فيما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية وأقره عليه: صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها هي: الحياة، والعلم والبقاء والوجه، والعينان (٥).\nوقال الحافظ ابن حجر: قوله (باب قول الرَّجُل لَعَمْرُ الله) أَيْ هَلْ يَكُون يَمِينًا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تفسير (لَعَمْر) (٦) وقال أَبُو القَاسِم الزَّجَّاج: العُمْر الحياة، فمن قال لَعَمْر الله كأنه حلف بِبَقَاءِ الله، واللام لِلتَّوْكِيدِ والخبر محذوف أَيْ مَا أُقسم به، ومِن ثَمَّ قَالَ المَالِكِيَّة وَالحَنَفِيَّة: تَنْعَقِد بِهَا اليَمِين; لأن بَقَاء الله مِنْ صِفَة ذَاته وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: البقاء من صفات الله، فإذا أسند إلى إنسان؛ فهو من الشرك اهـ (٧) وانظر صفة (الحياة). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٧\n_________\n(١) «التوحيد» (٢/ ٨٦).\n(٢) «اشتقاق أسماء الله» (ص٢٠٠).\n(٣) «الحجة» (١/ ١٢٧).\n(٤) «الحجة» (١/ ١٢٨).\n(٥) «الفتاوى» (٥/ ٩٩).\n(٦) «فتح الباري» (١١/ ٥٤٧).\n(٧) «الفتاوى والرسائل» (١/ ٢٠٧).","vol":"2","page":74},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-416> التجلي</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة ومعناه الظهور للعيان، لا كما تقول الصوفية: التَّجَلِّي: ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب.\nالدليل من الكتاب: قوله تعالى قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إلى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف: ١٤٣].\nالدليل من السنة:\nروى الإمام أحمد بإسناد صحيح: «حدثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري قال حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [الأعراف:١٤٣] قال: قال هكذا يعني أنه أخرج طرف الخنصر قال أحمد أرانا معاذ قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد قال فضرب صدره ضربة شديدة وقال من أنت يا حميد وما أنت يا حميد يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ فتقول أنت ما تريد إليه» (١).\nوعند الترمذي بإسناد صحيح أيضًا من حديث سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁: «أنَّ النبي ﷺ قرأ هذه الآية فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قال حماد هكذا وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى قال فساخ الجبل وخَرَّ موسى صعقًا» (٢).\nحديث تجلِّي الله ﷿ لعباده يوم القيامة المشهور رواه البخاري (٣) والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (٤)، وقد روي عن النبي ﷺ رواياتٌ كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية أنَّ الناس يرون ربهم وذِكر القدم وما أشبه هذه الأشياء، والمذهبُ في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تُروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تُروى هذه الأشياء كما جاءت ويُؤمَن بها ولا تُفَسَّر ولا تُتَوَهَّم ولا يقال كيف وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه ومعنى قوله في الحديث: «فَيُعَرّفَهم نفسه» يعني: يَتَجَلَّى لهم أهـ.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٢٥) (١٢٢٨٢)، والحاكم (٢/ ٣٥١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٤٨١): صحيح.\n(٢) رواه الترمذي (٣٠٧٤). وقال: حسن غريب صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) «صحيح البخاري» (٧٤٣٧).\n(٤) «سنن الترمذي» (٢٥٥٧).","vol":"2","page":75},{"text":"وقال الإمام أحمد كما في (مجموع الفتاوى) لشيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وهو الذي كَلَّم موسى تكليمًا، وتَجَلَّى للجبل فجعله دكًا، ولا يماثله شيءٌ من الأشياء في شيءٍ من صفاته، فليس كَعِلمه علمُ أحدٍ، ولا كقدرته قدرةُ أحدٍ، ولا كرحمته رحمةُ أحدٍ، ولا كاستوائه استواء أحدٍ، ولا كسمعه وبصره سمع أحدٍ ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحدٍ، ولا كَتَجَلِّيِهِ تَجَلِّي أحدٍ (١) قال ابن عبدالبر: وقول رسول الله ﷺ: «يَنْزِل ربُّنَا إلى السماء الدنيا» عندهم مثل قول الله ﷿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ومثل قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًَّا صَفًَّا [الفجر:٢٢] كلهم يقول يَنْزِل ويَتَجَلَّى ويجيء، بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء وكيف يَتَجَلَّى وكيف يَنْزِل، ولا من أين جاء ولا من أين تَجَلَّى ولا من أين يَنْزِل، لأنه ليس كشيءٍ من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له، وفي قول الله ﷿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ دلالةٌ واضحةٌ أنه لم يكن قبل ذلك متجلِّيًَا للجبل وفي ذلك ما يفسر معنى حديث التَنْزيل ومن أراد أن يقف على أقاويل العلماء في قوله ﷿: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فلينظر في تفسير بقيُّ بن مخلد ومحمد بن جرير وليقف على ما ذكرا من ذاك ففيما ذكرا منه كفاية وبالله العصمة والتوفيق (٢) وقال شيخ الإسلام: وطريقة الرسل هي ما جاء بها القرآن والله تعالى في القرآن يثبت الصفات على وجه التفصيل وينفي عنه - على طريق الإجمال - التشبيه والتمثيل فهو في القرآن يخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه عزيز حكيم غفور رحيم وأنه سميع بصير وأنه غفور ودود وأنه تعالى - على عظم ذاته - يحب المؤمنين ويرضى عنهم ويغضب على الكفار ويسخط عليهم وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كلم موسى تكليما وأنه تَجَلَّى للجبل فجعله دكًا ; وأمثال ذلك (٣) وقال في (مجموع الفتاوى): ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه إذا تَجَلَّى لهم يوم القيامة سجد له المؤمنون، ومن كان يسجد في الدنيا رياءً يصيُر ظهرُه مثل الطبق (٤) وقال الحكمي: وقوله فتنظرون إليه وينظر إليكم فيه إثبات صفة التَجَلِّي لله ﷿ وإثبات النظر له واثبات رؤيته في الآخرة ونظر المؤمنين إليه أهـ (٥) قال ابن منظور في (لسان العرب): قال الزجاج: تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي: ظهر وبان قال: وهذا قول أهل السنة والجماعة وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب (العين): قال الله ﷿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي ظهر وبان. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٨\n_________\n(١) (٥/ ٢٥٧).\n(٢) «التمهيد» (٧/ ١٥٣).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٧).\n(٤) (٢٣/ ٧٦).\n(٥) «معارج القبول» (٢/ ٧٧٢).","vol":"2","page":76},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-417> التدلي (إلى السماء الدنيا)</span>\nصفةٌ فِعْلِيَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسنة الصحيحة والتَّدَلِّي في اللغة: النُّزُولُ من عُلُوٍ انظر صفة: (النُّزُول). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٢","vol":"2","page":77},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-418> التردد في قبض نفس المؤمن</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله تعالى على ما يليق به؛ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إن الله قال: من عادى لي وليًّا؛ فقد آذنته بالحرب وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت، وأنا أكره مَسَاءَته» (١).\nسئل شيخ الإسلام ﵀ عن معنى تردد الله في هذا الحديث؟ فأجاب: هذا حديث شريف، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة، وقالوا: إنَّ الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إنَّ الله يعامل معاملة المتردد والتحقيق: أنَّ كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأمة منه، ولا أفصح ولا أحسن بيانًا منه، فإذا كان كذلك؛ كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس وأجهلهم وأسوئهم أدبًا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله ﷺ عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردد منا، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور؛ لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنْزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهل منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه؛ كما قيل:\nالشَّيْبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أَنْ أفَارِقَهُ ... فأعْجَبْ لِشَيْءٍ عَلى البغضاءِ محبوبُ\nوهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: «حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره» (٢)، وقال تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:٢١٦] الآية ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث؛ فإنه قال: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» (٣)؛ فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق محبًا له، يتقرب إليه أولًا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة؛ بحيث يحب ما يحبه، ويكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت؛ ليزداد من محاب محبوبه، والله ﷾ قد قضى بالموت، فكل ما قضى به؛ فهو يريده، ولا بد منه؛ فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كارهٌ لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادًا للحق من وجه، مكروهًا له من وجه، وهذا حقيقة التردد، وهو أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه مكروهًا من وجه، وإن كان لابد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس أرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته ثم قال: والمقصود هنا: التنبيه على أنَّ الشيء المعين يكون محبوبًا من وجه مكروهًا من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أنَّ هذا في الأفعال؛ فهو في الأشخاص، والله أعلم (٤) وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: إثبات التردد لله ﷿ على وجه الإطلاق لا يجوز، لأن الله تعالى ذكر التردد في هذه المسألة: ما ترددت عن شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن أهـ (٥) وليس هذا التردد من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل رحمة هذا العبد المؤمن، ولهذا قال في نفس الحديث: «يكره الموت، وأكره إساءته، ولابد له منه» (٦) وهذا لا يعني أنَّ الله ﷿ موصوف بالتردد في قدرته أو في علمه، بخلاف الآدمي فهو إذا أراد أن يفعل الشيء يتردد، إما لشكه في نتائجه ومصلحته، وإما لشكه في قدرته عليه: هل يقدر أو لا يقدر أما الرب ﷿ فلا. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٠٢).\n(٢) رواه البخاري (٦٤٨٧) بلفظ (حجبت)، ورواه مسلم (٢٨٢٢) واللفظ له. من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٦٥٠٢) بلفظ «ما يزال». من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١٨/ ١٢٩، ١٣٥).\n(٥) «لقاء الباب المفتوح» (سؤال ١٣٦٩).\n(٦) رواه البخاري (٦٥٠٢) دون «ولا بد ..». من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":78},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-419> الترك</span>\nصفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة: ١٧].\nقوله تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥].\nالدليل من السنة: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشِركه» (١).\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: وتركه سبحانه للشيء صفة من صفاته الفعلية الواقعة بمشيئته التابعة لحكمته: قال الله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة:١٧] وقال تعالى: وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف:٩٩] وقال: وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً [العنكبوت:٣٥] والنصوص في ثبوت الترك وغيره من أفعاله المتعلقة بمشيئته كثيرة معلومة، وهي دالة على كمال قدرته وسلطانه وقيام هذه الأفعال به سبحانه لا يماثل قيامها بالمخلوقين، وإن شاركوه في أصل المعنى، كما هو معلوم عند أهل السنة اهـ (٢) وانظر صفة: (النسيان). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٥\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٨٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «مجموع فتاوى ورسائل» (٢/ ٥٦) (٣٥٤).","vol":"2","page":79},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-420> التشريع</span>\nصفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، من خصائص ربوبِيَّتِه، من نازعه فيها فقد كفر، والله هو (الشارع) وهو (المُشَرِّع) وليسا هما من أسمائه سبحانه الدليل من الكتاب: قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى: ١٣] الآية.\nالدليل من السنة:\nحديث عَبْدِ اللهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى) (١).\nوقد كثر في أقوال العلماء إضافة التشريع لله ﷾ ومن ذلك:\n١ - قول العلامة محمد الأمين الشنقيطي: والعجب ممن يحكِّم غير تشريع الله ثم يدعي الإسلام (٢).\n٢ - وقوله: وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أنَّ الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم (٣).\n٣ - وقوله: ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية، كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعًا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرِّع ربًا، وأشركه مع الله (٤).\n٤ - وقوله: اعلموا أيها الإخوان: أنَّ الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة فالذي يتبع نظامًا غير نظام الله وتشريعًا غير تشريع الله - أو غير ما شرعه الله - وقانونًا مخالفًا لشرع الله من وضع البشر مُعْرِضًَا عن نور السماء الذي أنزله الله على لسان رسوله من كان يفعل هذا هو ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، كلاهما مشرك بالله، هذا أشرك به في عبادته، وهذا أشرك به في حكمه، كلهما سواء (٥).\n٥ - قول اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والدعوة والإرشاد: الشرك الأكبر أن يجعل الإنسان لله ندًا إما في أسمائه وصفاته، وإما أن يجعل له ندًا في العبادة وإما أن يجعل لله ندًا في التشريع بأن يتخذ مشرِّعًا له سوى الله أو شريكًا لله في التشريع يرتضي حكمه ويدين به في التحليل والتحريم عبادة وتقربًا وقضاءً وفصلًا في الخصومات أو يستحله وإن لم يُرِدْهُ دينًا كما كثر إطلاقهم لكلمة (الشارع) و(المُشَرِّع) على الله ﷿ من باب الصفة (٦) وانظر صفات: (الإيجاب والتحريم والتحليل). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٦٥٤).\n(٢) «أضواء البيان» (٣/ ٤٠٠).\n(٣) «أضواء البيان» (٤/ ٨٣).\n(٤) «أضواء البيان» (٧/ ١٦٩).\n(٥) من شريط مسجل نقلًا عن كتاب «الحاكمية في تفسير أضواء البيان» لعبد الرحمن السديس (ص٥٢).\n(٦) (١/ ٥١٦).","vol":"2","page":80},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-421> التعجب</span>\nصفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة انظر صفة: (العَجَب). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٨","vol":"2","page":81},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-422> التقديم والتأخير</span>\nصفتان من صفات الذات والأفعال لله ﷿ ثابتتان بالكتاب والسنة، والمقدِّم والمؤخِّر اسمان لله تعالى الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا [المنافقون:١١].\nوقوله: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم:٤١].\nالدليل من السنة:\nحديث: «أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت» (١).\nحديث: «أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلغه ستين سنة» (٢).\nحديث: «لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله» (٣).\nقال ابن القيم (٤):\nوهُوَ المُقَدِّمُ والمُؤخِّرُ ذَانِكَ الـ ... صِّفَتَانِ للأفْعَالِ تَابِعَتَانِ\nوهُمَا صِفَاتُ الذَّاتِ أيضًا إذْ هُمَا ... بالذَّاتِ لا بِالغَيْرِ قَائِمَتَانِ\nقال الشيخ محمد خليل الهرَّاس في شرحه للأبيات: والتقديم والتأخير صفتان من صفات الأفعال التابعة لمشيئته تعالى وحكمته، وهما أيضًا صفتان للذات؛ إذا قيامهما بالذات لا بغيرها، وهكذا كل صفات الأفعال هي من هذا الوجه صفات ذات، حيث إنَّ الذات متصفة بها، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمى صفات أفعال صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٨\n_________\n(١) رواه البخاري (١١٢٠)، من حديث ابن عباس ﵁. ومسلم (٧٧١). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٦٤١٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٤٣٨). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٤) «النونية» (٢/ ١٠٩)","vol":"2","page":82},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-423> التقرب والقرب والدنو</span>\nالتقرب أو القرب والدُّنو من صفات الله الفعلية الاختيارية، ثابتة له بالكتاب والسنة و(القريب) اسم من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦]\nوقوله تعالى: فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيب [هود: ٦١]\nالدليل من السنة:\nحديث: «من تقرَّب مني شبرًا؛ تقرَّبتُ منه ذراعًا، ومن تقرَّب مني ذراعًا؛ تقرَّبتُ منه باعًا» (١).\nحديث أبي موسى الأشعري ﵁: «أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا قريبًا، إنَّ الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (٢).\nحديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة» (٣).\nاعلم أنَّ أهل السنة والجماعة من السلف وأهل الحديث يعتقدون أنَّ الله ﷿ قريب من عباده حقيقة كما يليق بجلاله وعظمته، وهو مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، وأنه يتقرَّب إليهم حقيقة، ويدنو منهم حقيقة، ولكنهم لا يفسرون كلَّ قربٍ وَرَدَ لفظه في القرآن أو السنة بالقرب الحقيقي؛ فقد يكون القرب قرب الملائكة، وذلك حسب سياق اللفظ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما دنوه وتقربه من بعض عباده؛ فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر اهـ (٤) ويقول في موضعٍ آخر: ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دل على هذا؛ حُمل عليه، وإن دل على هذا؛ حُمل عليه، وهذا كما تقدم في لفظ الإتيان والمجيء اهـ (٥) وقد أطال الكلام ﵀ على هذه المسألة بما لا مزيد عليه (٦) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٨٧) من حديث أبي ذر ﵁. والحديث روي بلفظٍ متقاربٍ من حديث أبي هريرة ﵁؛ رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).\n(٢) رواه البخاري (٤٢٠٥)، ومسلم (٢٧٠٤). كلاهما بلفظ «وهو معكم» بدلًا من «إن الذي تدعون ...».\n(٣) رواه مسلم (١٣٤٨).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٦٦).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤).\n(٦) انظر إن شئت المواضع التالية: (٥/ ٢٣٢ - ٢٣٧، ٢٤٠ - ٢٤١، ٢٤٧ - ٢٤٨، ٤٥٩ - ٤٦٧، ٤٩٤ - ٥١٤)، (٦/ ٥، ٨، ١٢ - ١٤، ١٩ - ٢٥، ٣٠ - ٣٢، ٧٦)، وانظر: «القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (المثال الحادي عشر والثاني عشر).","vol":"2","page":83},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-424> التوب</span>\nصفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(التَّوَّاب) من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيمُ [البقرة: ٣٧].\nوقوله: وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٧]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها؛ تابَ الله عليه» (١).\nحديث أنس ﵁: «لو أنَّ لابن آدم واديًا من ذهب؛ أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوبُ الله على من تاب» (٢).\nيقول ابن القيم (٣):\nوَكَذَلِكَ التَّوَّاب مِنْ أوصَافِهِ ... والتَّوْبُ في أوصَافِهِ نَوْعَانِ\nإذْنٌ بِتَوْبَةِ عَبْدهِ وقَبُولُهَا ... بَعْدَ المَتَابِ بِمِنَّةِ المنَّانِ\nقال الشيخ الهرَّاس في شرح هذين البيتين: وأما التَّوَّاب؛ فهو الكثير التَّوْب؛ بمعنى: الرجوع على عبده بالمغفرة وقبول التوبة وتوبته سبحانه على عبده نوعان: أحدهما: أنه يلهم عبده التوبة إليه، ويوفقه لتحصيل شروطها من الندم والاستغفار والإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العود إليها واستبدالها بعمل الصالحات والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها؛ فإنَّ التوبة النصوح تجب ما قبلها صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٩١\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٠٣).\n(٢) رواه البخاري (٦٤٣٩)، ومسلم (١٠٤٨).\n(٣) «القصيدة النونية» (٢/ ٩٢).","vol":"2","page":84},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-425> الجبروت</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، من اسمه (الجَبَّار)، وهي ثابتةٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب: قوله تعالى: العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ [الحشر: ٢٣]\nالدليل من السنة:\nحديث عوف بن مالك ﵁؛ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فلما ركع؛ مكث قدر سورة البقرة يقول في ركوعه: «سبحانه ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» (١).\nحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية: «&amp;  hellip;  قال: فيأتيهم الجبَّارُ في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة &amp;  hellip;» (٢) .\nقال ابن قتيبة في: (جبروته): تجبُّره، أي: تعظمه اهـ (٣).\nوقال ابن القيم (٤):\nNormal\n٠\nfalse\nfalse\nfalse\nEN-US\nX-NONE\nAR-SA\nMicrosoftInternetExplorer٤\nوكَذلكَ الجَبَّارُ في أَوْصافِهِ\nوالجَبْرُ في أَوْصَافِه نَوْعَانِ\nجَبْرُ الضَّعِيفِ وكُلُّ قَلْبٍ قد غَدَاَ\nذَا كَسْرَةٍ فَالجَبْرُ مِنْهُ دَانِ\nوالثَّاني جَبْرُ القَهْرِ بِالعِزِّ الَّذي\nلا يَنْبَغِي لِسِوَاهُ مِنْ إِنْسَانِ\nولَهُ مُسَمَّىً ثَالِثٌ وَهُوَ العُلُـ\nـوَ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ إِنْسَانِ\nمِنْ قولهم جَبَّارةٌ للنَّخْلَةِ العُلْيَا\nالتي فاتَتْ لِكُلِّ بَنَانِ\nقال الهرَّاس في شرحه لهذه الأبيات: وقد ذكر المؤلف هنا لاسمه (الجبار) ثلاثة معان، كلها داخلة فيه، بحيث يصح إرادتها منه: أحدها: أنه الذي يجبر ضعف الضعفاء من عباده، ويجبر كسر القلوب المنكسرة من أجله، الخاضعة لعظمته وجلاله؛ فكم جبر سبحانه من كسير، وأغنى من فقير، وأعز من ذليل، وأزال من شدة، ويسر من عسير؟ وكم جبر من مصاب، فوفقه للثبات والصبر، وأعاضه من مصابه أعظم الأجر؟ فحقيقة هذا الجبر هو إصلاح حال العبد بتخليصه من شدته ودفع المكاره عنه المعنى الثاني: أنه القهار، دانَ كلُّ شيء لعظمته، وخضع كل مخلوق لجبروته وعزته؛ فهو يجبر عباده على ما أراد مما اقتضته حكمته ومشيئته؛ فلا يستطيعون الفكاك منه والثالث: أنه العلي بذاته فوق جميع خلقه؛ فلا يستطيع أحد منهم أنَّ يدنو منه اهـ وقد ذكر العلامة الشيخ السعدي -﵀- أنَّ له معنى رابعًا، وهو أنه المتكبر عن كل سوء ونقص، وعن مماثلة أحد، وعن أنَّ يكون له كفوٌ أو ضدٌ أو سميٌ أو شريكٌ في خصائصه وحقوقه اهـ صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٩٢\n_________\n(١) رواه أبو داود (٨٧٣) والنسائي (٢/ ١٩١)، وأحمد (٦/ ٢٤) (٢٤٠٢٦). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال النووي في «الأذكار» (٨١): صحيح. وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٧٤): حسن. وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ٣٧٥): رجال إسناده ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٧٤٣٩).\n(٣) «تفسير غريب القرآن» (ص١٩).\n(٤) «القصيدة النونية» (٢/ ٩٥).","vol":"2","page":85},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-426> الجلال</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(الجليل) ليس من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَام [الرحمن:٢٧].\nوقوله: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ [الرحمن: ٧٨].\nالدليل من السنة:\nحديث أنس بن مالك ﵁: «فيقول: وعزَّتي وجلالي وكبريائي وعظمتي؛ لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله» (١).\nحديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٢) والجلال بمعنى العظمة\nقال ابن القيم (٣):\nوَهُوَ الجَلِيلُ فَكُلُّ أوْصَافِ الجَلا ... لِ لهُ مُحَقَّقَةٌ بِلا بُطْلانِ\nقال الهرَّاس: (وأوصاف الجلال الثابتة له سبحانه؛ مثل العزة والقهر والكبرياء والعظمة والسعة والمجد؛ كلها ثابتةٌ له على التحقيق، لا يفوته منها شيء) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٩٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٥١٠) واللفظ له، ومسلم (١٩٣).\n(٢) رواه مسلم (٢٥٦٦).\n(٣) «القصيدة النونية» (٢/ ٦٤).","vol":"2","page":86},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-427> الجمال</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، من اسمه (الجميل)، الثابت في السنة الصحيحة الدليل: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعا: «إنَّ الله جميل يحب الجمال» (١).\nقال الحافظ قَوَّام السنة أبو القاسم الأصبهاني: قال بعض أهل النظر وقال: لا يجوز أنَّ يوصف الله بـ (الجميل) ولا وجهَ لإنكار هذا الاسم أيضًا؛ لأنه إذا صح عن النبي ﷺ؛ فلا معنى للمعارضة، وقد صح أنه قال ﷺ: «إنَّ الله جميل يحب الجمال» (٢)؛ فالوجه إنما هو التسليم والإيمان اهـ (٣)\nوقال ابن القيم (٤):\nوَهُوَ الجَمِيلُ عَلَى الحَقِيقَةِ كَيْفَ لا ... وجمَالُ سَائِرِ هذهِ الأكْوَانِ\nمِنْ بَعْض آثَارِ الجَمِيلِ فَرَبُّهَا ... أَوْلْى وَأجْدرُ عِنْدَ ذِي العِرْفَانِ\nفَجَمَالُهُ بِالذَّاتِ والأوصَافِ وَالـ ... ـأفعَالِ وَالأسماء بالبُرهَانِ\nلا شَيءَ يُشْبِهُ ذَاتَهُ وصِفَاتِهِ ... سُبْحَانَهُ عَنْ إفْكِ ذِي بُهْتَانِ\nوقال الهرَّاس في (الشرح): وأما الجميل؛ فهو اسم له سبحانه من الجمال، وهو الحسن الكثير، والثابت له سبحانه من هذا الوصف هو الجمال المطلق، الذي هو الجمال على الحقيقة؛ فإنَّ جمال هذه الموجودات على كثرة ألوانه وتعدد فنونه هو من بعض آثار جماله، فيكون هو سبحانه أولى بذلك الوصف من كل جميل؛ فإنَّ واهب الجمال للموجودات لابدَّ أنَّ يكون بالغًا من هذا الوصف أعلى الغايات، وهو سبحانه الجميل بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله أما جمال الذات؛ فهو ما لا يمكن لمخلوق أنَّ يعبر عن شيء منه أو يبلغ بعض كنهه، وحسبك أنَّ أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم وأفانين اللذات والسرور التي لا يقدر قدرها، إذا رأوا ربهم، وتمتعوا بجماله؛ نسوا كل ما هم فيه، واضمحل عندهم هذا النعيم، وودوا لو تدوم لهم هذه الحال، ولم يكن شيء أحب إليهم من الاستغراق في شهود هذا الجمال، واكتسبوا من جماله ونوره سبحانه جمالًا إلى جمالهم، وبقوا في شوق دائم إلى رؤيته، حتى إنهم يفرحون بيوم المزيد فرحًا تكاد تطير له القلوب وأما جمال الأسماء؛ فإنها كلها حسنى، بل هي أحسن الأسماء وأجملها على الإطلاق؛ فكلها دالة على كمال الحمد والمجد والجمال والجلال، ليس فيها أبدًا ما ليس بحسن ولا جميل وأما جمال الصفات؛ فإنَّ صفاته كلها صفات كمال ومجد، ونعوت ثناء وحمد، بل هي أوسع الصفات وأعمها، وأكملها آثارًا وتعلقات، لاسيما صفات الرحمة والبر والكرم والجود والإحسان والإنعام وأما جمال الأفعال؛ فإنها دائرة بين أفعال البر والإحسان التي يحمد عليها ويشكر، وبين أفعال العدل التي يحمد عليها لموافقتها للحكمة والحمد؛ فليس في أفعاله عبث ولا سفه ولا جور ولا ظلم، بل كلها خير ورحمة ورشد وهدى وعدل وحكمة، قال تعالى: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:٥٦]، ولأنَّ كمال الأفعال تابع لكمال الذات والصفات؛ فإنَّ الأفعال أثر الصفات، وصفاته كما قلنا أكمل الصفات؛ فلا غرو أنَّ تكون أفعاله أكمل الأفعال. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٩٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٩١).\n(٢) رواه مسلم (٩١).\n(٣) «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٤٥٦).\n(٤) «القصيدة النونية» (٢/ ٦٤).","vol":"2","page":87},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-428> الجنب</span>\nجعل بعضهم (الجنب) صفةً من صفات الله الذاتية، وهذا خطأ، والسلف على خلاف ذلك، ومن هؤلاء الذين أثبتوا هذه الصفة صديق حسن خان في كتابه (قطف الثمر) (١)، والذين أثبتوا هذه الصفة يستدلون بقوله تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ [الزمر: ٥٦] يقول ابن جرير عند تفسير هذه الآية: وقوله: عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه؛ يقول: على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به، وقصرت في الدنيا في طاعة الله أهـ وقال الدارمي: وادعى المعارض أيضًا زورًا على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ؛ قال: يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو، وليس على ما يتوهمونه فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك، وأخفه على لسانك، فإن كنت صادقًا في دعواك؛ فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلا؛ فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك، وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك؟! إنما تفسيرها عندهم: تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله تعالى، واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله، فسماهم الساخرين، فهذا تفسير (الجنب) عندهم، فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من الجنوب؟! فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين، فضلًا عن علمائهم أهـ (٢) ويقول شيخ الإسلام: لا يُعرف عالم مشهور عند المسلمين، ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين، أثبتوا لله جنبًا نظير جنب الإنسان، وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ [الزمر:٥٦] فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أنَّ يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق؛ كقوله تعالى: (بَيْت الله)، ناقَة الله [الأعراف:٧٣]، وعِبَاد الله [الصافات:٤٠]، بل وكذلك (رُوح الله) (٣) عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم، ولكن؛ إذا أضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره؛ مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله، ونحو ذلك؛ كان صفة له وفي القرآن ما يبين أنه ليس المراد بالجنب ما هو نظير جنب الإنسان؛ فإنه قال: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ، والتفريط ليس في شيء من صفات الله ﷿، والإنسان إذ قال: فلان قد فرط في جنب فلان أو جانبه؛ لا يريد به أنَّ التفريط وقع في شيء من نفس ذلك الشخص، بل يريد به أنه فرط في جهته وفي حقه فإذا كان هذا اللفظ إذا أضيف إلى المخلوق لا يكون ظاهره أنَّ التفريط في نفس جنب الإنسان المتصل بأضلاعه، بل ذلك التفريط لم يلاصقه؛ فكيف يظن أنَّ ظاهره في حق الله أنَّ التفريط كان في ذاته؟ اهـ (٤) ويقول ابن القيم: فهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الموصوفة بما وصفت به، وعامة هذه النفوس لا تعلم أنَّ لله جنبًا، ولا تقر بذلك؛ كما هو الموجود منها في الدنيا؛ فكيف يكون ظاهر القرآن أنَّ الله أخبر عنهم بذلك، وقد قال عنهم: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ [الزمر: ٥٦]، والتفريط فعل أو ترك فعل، وهذا لا يكون قائمًا بذات الله؛ لا في جنب ولا في غيره، بل يكون منفصلًا عن الله، وهذا معلوم بالحس والمشاهدة، وظاهر القرآن يدل على أنَّ قول القائل: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ؛ ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وأبعاضه اهـ (٥)\nقلت: لا يصح إضافة الأبعاض إلى الله تعالى وذكر ابن الجوزي في (زاد المسير) عند تفسير الآية السابقة خمسة أقوال لجنب الله: طاعة الله، وحق الله، وأمر الله، وذكر الله، وقرب الله. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٩٧\n_________\n(١) «قطف الثمر» (ص٦٧).\n(٢) «نقض الدارمي على المريسي» (ص١٨٤).\n(٣) ليس في القرآن بيت الله بل فيه بيتي [الحج:٢٦] وفيه روح الله [يوسف:٨٧] بفتح الراء لا بضمها وفيه روحي [الحجر:٢٩]\n(٤) «الجواب الصحيح» (٣/ ١٤٥، ١٤٦).\n(٥) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢٥٠).","vol":"2","page":88},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-429> الجهة</span>\nلم يرد لفظ (الجهة)؛ لا إثباتًا ولا نفيًا، لا في الكتاب ولا في السنة، ولذلك؛ فالحق فيها التفصيل، ويغني عنه العلو والفوقية، وأنه ﷾ في السماء يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (الرسالة التدمرية) (القاعدة الثانية): فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله؛ فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى؛ كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه؛ كما فيه إثبات العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه ونحو ذلك، وقد علم أنَّ ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق ﷾ مباين للمخلوق، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أنَّ الله فوق العالم مباين للمخلوقات وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة، أتريد بذلك أنَّ الله فوق العالم؟ أو تريد به أنَّ الله داخلٌ في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول؛ فهو حق، وإن أردت الثاني؛ فهو باطل اهـ ويقول في (مجموع الفتاوى): فإذا قال القائل: هو في جهة أو ليس في جهة؟ قيل له: الجهة أمر موجود أو معدوم، فإن كان أمرًا موجودًا، ولا موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق بائن عن المخلوق؛ لم يكن الرب في جهة موجودة مخلوقة، وإن كانت الجهة أمرًا معدومًا؛ بأنَّ يسمى ما وراء العالم جهة، فإذا كان الخالق مباينًا العالم، وكان ما وراء العالم جهة مسماة، وليس هو شيئًا موجودًا؛ كان الله في جهة معدومة بهذا الاعتبار لكن؛ لا فرق بين قول القائل: هو في معدوم، وقوله: ليس في شيء غيره؛ فإنَّ المعدوم ليس شيئًا باتفاق العقلاء.\nولا ريب أنَّ لفظ الجهة يريدون به تارة معنى موجودًا، وتارة معنى معدومًا، بل المتكلم الواحد يجمع في كلامه بين هذا وهذا، فإذا أزيل الاحتمال؛ ظهر حقيقة الأمر فإذا قال القائل: لو كان في جهة؛ لكانت قديمة معه قيل له: هذا إذا أريد بالجهة أمرٌ موجود سواه؛ فالله ليس في جهة بهذا الاعتبار.\nوإذا قال: لو رُئي؛ لكان في جهة، وذلك محال قيل له: إن أردت بذلك: لكان في جهة موجودة؛ فذلك محال؛ فإنَّ الموجود يمكن رؤيته، وإن لم يكن في موجود غيره؛ كالعالم، فإنه يمكن رؤية سطحه وليس هو في عالم آخر وإن قال: أردت أنه لابدَّ أنَّ يكون فيما يسمى جهة، ولو معدومًا؛ فإنه إذا كان مباينًا للعالم؛ سمي ما وراء العالم جهة قيل له: فلم قلت: إنه إذا كان في جهة بهذا الاعتبار كان ممتنعًا؟ فإذا قال: لأنَّ ما باين العالم ورُئي لا يكون إلا جسمًا أو متحيزًا؛ عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة فيقال له: المتحيز يراد به ما حازه غيره ويراد به ما بان عن غيره فكان متحيزًا عنه، فإن أردت بالمتحيز الأول؛ لم يكن سبحانه متحيزًا؛ لأنه بائن عن المخلوقات، لا يحوزه غيره، وإن أردت الثاني؛ فهو سبحانه بائن عن المخلوقات، منفصل عنها، ليس هو حالًا فيها، ولا متحدًا بها؛ فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل اهـ (١) وقال الشيخ العثيمين -﵀-: وممَّا لم يرد إثباته ولا نَفْيه لفظ (الجهة)، فلو سأل سائل: هل نُثْبِت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتًا ولا نفيًا، ويُغني عنه ما ثبت فيهما من أنَّ الله تعالى في السَّماء، وأما معناه؛ فإمَّا أنَّ يراد به: جهةُ سُفْلٍ أو جهةُ عُلُوٍ تحيط بالله أو جهةُ عُلُوٍ لا تحيط به فالأول باطل؛ لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع والثاني باطلٌ أيضًا، لأنَّ الله تعالى أعظم من أنَّ يحِيط به شيء من مخلوقاته والثالث حقٌّ؛ لأنَّ الله تعالى العليّ فوق خلْقه ولا يحيط به شيء من مخلوقاته اهـ (٢). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٩٩\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٩ - ٤٠).\n(٢) «القواعد المثلى» (ص٤٠).","vol":"2","page":89},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-430> الحاكم والحكم</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الحاكم والحكم، و(الحكم) اسم له ثابتٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًَا [الأنعام: ١١٤].\nقوله تعالى: فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [الأعراف: ٨٧].\nالدليل من السنة: حديث هانئ بن يزيد ﵁؛ أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه؛ سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: إنَّ الله هو الحَكَم، وإليه الحُكم، فلِمَ تكنى أبا الحكم؟ (١) والحَكَم والحاكم بمعنى واحد؛ إلا أنَّ الحَكَم أبلغ من الحاكم، وهو الذي إليه الحُكْم، وأصل الحُكم منع الفساد والظلم ونشر العدل والخير. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٠٣\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٨/ ٢٢٦)، والحاكم (١/ ٧٥). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"2","page":90},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-431> الحب والمحبة</span>\nصفاتٌ لله ﷿ فِعْلِيَّةٌ اختيارِيَّةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥].\nوقوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤].\nالدليل من السنة:\nحديث سهل بن سعد ﵁: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» (١).\nحديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «إنَّ الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي» (٢).\nفأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الحب والمحبة لله ﷿، ويقولون: هي صفة حقيقية لله ﷿، على ما يليق به، وليس هي إرادة الثواب؛ كما يقول المؤولة كما يثبت أهل السنة لازم المحبة وأثرها، وهو إرادة الثواب وإكرام من يحبه سبحانه قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى ٢/ ٣٥٤): إنَّ الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أثبتت محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له، كقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:١٦٥] وقوله: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤] وقوله: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللهِ وَرَسُولِه [التوبة:٢٤] وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇ اهـ صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٠٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦).\n(٢) رواه مسلم (٢٩٦٥).","vol":"2","page":91},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-432> الحثو</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسنة الصحيحة الدليل:\nحديث أبي أمامة الباهلي ﵁ مرفوعًا: «وعدني ربي أنَّ يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات ربي» (١).\nحديث عامر بن زيد البكالي عن عتبة بن عبدٍ السُّلَمي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ ربي وعدني أنَّ يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفًا بغير حساب، ثم يتبع كل ألف سبعين ألفًا، ثم يحثي بكفه ثلاث حثيات، فكبَّر عمر» (٢) الحديث.\n٣ - حديث أبي سعيد الأنماري الخير ﵁ مرفوعًا: «إنَّ ربي وعدني أنَّ يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب، ويشفع لكل ألف سبعين ألفًا، ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه» (٣).\nوقد أورد الدارمي في حديث عتبة وأبي سعيد في موطن (النقض على المريسي) في طعنه إثبات صفة اليد والكف لله ﷿.\nوقال المباركفوري عند شرحه لحديث أبي أمامة المتقدم: (ثلاث حثيات)؛ بفتح الحاء والمثلثة، جمع حثية، والحثية والحثوة يستعمل فيما يعطيه الإنسان بكفيه دفعة واحدة من غير وزن وتقدير. اهـ (٤) وقال ابن القيم: ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقة من الإمساك والطي والقبض والبسط والمصافحة والحثيات اهـ (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٠٤\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٤٣٧)، وابن ماجه (٤٢٨٦)، وأحمد (٥/ ٢٦٨) (٢٢٣٥٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٨/ ٩٣): رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه. وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٤٦٠): إسناده قوي. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) رواه ابن حبان (١٦/ ٢٣١)، والطبراني في «الكبير» (١٧/ ١٢٦)، وفي «الأوسط» (١/ ١٢٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤١٤): رواه الطبراني في «الأوسط» ... وفى «الكبير» وأحمد باختصار عنهما، وفيه عامر بن زيد البكالى وقد ذكره ابن أبى حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات. اهـ. والدارمي في «نقضه على المريسي» (١/ ٢٧٦)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٣٤١)، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٤١٨): سنده جيد ... وأخرجه الحافظ الضياء وقال: لا أعلم له علة. قلت: علته الاختلاف في سنده. اهـ .. وأبو عامر البكالي: ذكره أيضًا البخاري في «التاريخ الكبير» ولم يجرحه أو يوثقه، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/ ١٩١) وقال: يروي عن عتبة بن عبدٍ، روى عنه أبو سلام ويحيى بن أبي كثير، عداده في أهل الشام. اهـ. وأبو سلام قال عنه ابن حجر في «تقريب التهذيب» (٦٨٧٩): ممطور الأسود الحبشي أبو سلام ثقة يرسل. اهـ. ويحيى بن أبي كثير قال عنه ابن حجر في «تقريب التهذيب» (٧٦٣٢): يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل. اهـ. وبقية رجال الحديث ثقات، ويشهد له حديث أبي أمامة ﵁ السابق.\n(٣) رواه الطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٣٠٤)، و«الأوسط» (١/ ١٢٨). وقال: لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد الأنماري إلا بهذا الإسناد تفرد به معاوية بن سلام. ورواه الدارمي في «نقضه على المريسي» (١/ ٢٨٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨١٤)، قال البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (٨/ ٩٤): رواه الطبراني في «الأوسط»، وأبوأحمد الحاكم في «الكنى» وسياقه أتم. وقال ابن حجر في «الإصابة» (٧/ ١٧٧): سنده صحيح وكلهم من رجال الصحيح إلا قيس بن حجر وهو شامي ثقة ولكن أخرجه الحاكم أبو أحمد أيضا من طريق أبي توبة عن معاوية بن سلام فقال إن قيس بن حجر الكندي حدث الوليد بن عبد الملك أن أبا سعيد الخير حدثه وأخرجه الطبراني من طريق أبي توبة عن معاوية فقال إن أبا سعيد الأنماري وقيل قيس بن الحارث وأخرجه أيضا من وجه آخر عن الزبيدي عن عبد الله بن عامر فقال: عن قيس بن الحارث إن أبا سعيد الخير الأنصاري حدثه فذكر طرفا منه فمن هذا الاختلاف يتوقف في الجزم بصحة هذا السند. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤٠٩): رواه الطبراني في «الأوسط» و«الكبير» ... ورجاله ثقات. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٨١٤): ضعيف. والحديث يشهد له حديث أبي أمامة ﵁ السابق.\n(٤) «تحفة الأحوذي» (٧/ ١٢٩).\n(٥) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ١٧١).","vol":"2","page":92},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-433> الحجزة والحقو</span>\nصفتان ذاتيان خبريَّتان ثابتتان بالسنة الصحيحة الدليل:\nحديث ابن عباس ﵄: «إنَّ الرحم شَجْنَةٌ آخذةٌ بحُجزة الرحمن؛ يصل من وصلها، ويقطع من قطعها» (١).\nحديث أبي هريرة ﵁: «خلق الله الخلق، فلما فرغ منه؛ قامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه! قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة» (٢).\nوالحقو والحُجْزة: موضع عقد الإزار وشده قال الحافظ أبو موسى المديني: وفي الحديث: «إنَّ الرحم أخذت بحجزة الرحمن» - ثم ذكر تفسيرين للحديث- ثم قال: وإجراؤه على ظاهره أولى اهـ (٣).\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان في (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) ناقلًا من (نقض التأسيس) لشيخ الإسلام، ومن (إبطال التأويلات) لأبي يعلى الفراء، ومعلقًا: قال شيخ الإسلام ﵀ في رده على الرازي في زعمه أنَّ هذا الحديث: (يعني: حديث أبي هريرة المتقدم) يجب تأويله: قال: فيقال له: بل هذا من الأخبار التي يقرها من يقر نظيره، والنِّزاع فيه كالنِّزاع في نظيره؛ فدعواك أنه لا بدَّ فيه من التأويل بلا حجة تخصه؛ لا تصح وقال: وهذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات، التي نص الأئمة على أنه يمر كما جاء، وردوا على من نفى موجبه، وما ذكره الخطابي وغيره أنَّ هذا الحديث مما يتأول بالاتفاق؛ فهذا بحسب علمه، حيث لم يبلغه فيه عن أحد من العلماء أنه جعله من أحاديث الصفات التي تمر كما جاءت قال ابن حامد: ومما يجب التصديق به: أنَّ لله حَقْوًا قال المروزي: قرأت على أبي عبد الله كتابًا، فَمَرَّ فيه ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: «إنَّ الله خلق الرحم، حتى إذا فرغ منها؛ أخذت بحقو الرحمن» فرفع المحدث رأسه، وقال: أخاف أنَّ تكون كفرت قال أبو عبد الله: هذا جهمي وقال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث هشام بن عمار؛ أنه قريء عليه حديث الرحم: (تجيء يوم القيامة فتعلق بالرحمن تعالى)، فقال: أخاف أنَّ تكون قد كفرت فقال: هذا شامي؛ ما له ولهذا؟ قلت: فما تقول؟ قال: يمضي كل حديث على ما جاء.\nوقال القاضي أبو يعلى: اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأنَّ (الحقو) و(الحجزة) صفة ذات، لا على وجه الجارحة والبعض، وأنَّ الرحم آخذة بها، لا على وجه الاتصال والمماسة، بل نطلق ذلك تسمية كما أطلقها الشرع، وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله - ﵀ - هذا الحديث في كتابه، وأخذ بظاهره، وهو ظاهر كلام أحمد.\nقلت: قوله: (لا على وجه الجارحة والبعض)، وقوله: (لا على وجه الاتصال والمماسة)؛ قول غير سديد، وهو من أقوال أهل البدع التي أفسدت عقولَ كثير من الناس؛ فمثل هذا الكلام المجمل لا يجوز نفيه مطلقًا، ولا إثباته مطلقًا؛ لأنه يحتمل حقًا وباطلًا، فلا بدَّ من التفصيل في ذلك، والإعراض عنه أولى؛ لأنَّ كلام رسول الله ﷺ خال منه، وليس هو بحاجة إليه؛ فهو واضح، وليس ظاهر هذا الحديث أنَّ لله إزارًا ورداءً من جنس الأزر والأردية التي يلبسها الناس، مما يصنع من الجلود والكتان والقطن وغيره، بل هذا الحديث نص في نفي هذا المعنى الفاسد؛ فإنه لو قيل عن بعض العباد: إنَّ العظمة إزاره والكبرياء رداؤه؛ لكان إخباره بذلك عن العظمة والكبرياء اللذين ليسا من جنس ما يلبس من الثياب فإذا كان هذا المعنى الفاسد لا يظهر من وصف المخلوق؛ لأنَّ تركيب اللفظ يمنع ذلك، وبين المعنى المراد؛ فكيف يدّعى أنَّ هذا المعنى ظاهر اللفظ في حق الله تعالى، فإنَّ كل من يفهم الخطاب ويعرف اللغة؛ يعلم أنَّ الرسول ﷺ لم يخبر عن ربه بلبس الأكسية والثياب، ولا أحد ممن يفهم الخطاب يدعي في قوله ﷺ في خالد بن الوليد إنه سيف الله؛ أنَّ خالدًا حديد، ولا في قوله ﷺ في الفرس: «إنا وجدناه بحرًا» (٤)؛ أنَّ ظاهره أنَّ الفرس ماء كثير ونحو ذلك اهـ (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٠٦\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٢١) (٢٩٥٦)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٥٣٨)، والطبراني (١٠/ ٣٢٧)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٥٠): رواه أحمد والبزار والطبراني بنحوه وفيه صالح مولى التوأمة وقد اختلط وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٣٤٤): إسناده صحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٦٠٢): وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير صالح مولى التوأمة ففيه كلام.\n(٢) رواه البخاري (٤٨٣٠).\n(٣) «المجموع المغيث» (١/ ٤٠٥).\n(٤) رواه البخاري (٢٨٢٠)، ومسلم (٢٣٠٧) بدون (إنا) وفي لفظٍ لهما أيضًا: «إن وجدناه لبحرا».\n(٥) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (٢/ ٣٨٣).","vol":"2","page":93},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-434> الحركة</span>\nلم يرد هذا اللفظ في الكتاب والسنة، ويغني عنه إثبات النُّزول والإتيان والمجيء ونحو ذلك قال شيخ الإسلام في شرح حديث النُّزول: لفظ (الحركة)؛ هل يوصف الله بها أم يجب نفيه عنه؟ اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل وغير أهل الملل من أهل الحديث وأهل الكلام وأهل الفلسفة وغيرهم على ثلاثة أقوال، وهذه الثلاثة موجودة في أصحاب الأئمة الأربعة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم ثم شرع ﵀ في ذكر معنى الحركة عند المتكلمين والفلاسفة وأصحاب أرسطو وأنواع الحركة (١) إلى أنْ قال: والمقصود هنا أنَّ الناس متنازعون في جنس الحركة العامة التي تتناول ما يقوم بذات الموصوف من الأمور الاختيارية؛ كالغضب والرضى والفرح، وكالدنو والقرب والاستواء والنُّزول، بل والأفعال المتعدية كالخلق والإحسان وغير ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ينفي ذلك مطلقًا وبكل معنى وهذا أول من عرف به هم الجهمية والمعتزلة والقول الثاني: إثبات ذلك، وهو قول الهشامية والكرامية وغيرهم من طوائف أهل الكلام الذين صرحوا بلفظ الحركة.\nوذكر عثمان بن سعيد الدارمي إثبات لفظ الحركة في كتاب نقضه على بشر المريسي، ونصره على أنه قول أهل السنة والحديث، وذكره حرب بن إسماعيل الكرماني - لما ذكر مذهب أهل السنة والأثر - عن أهل السنة والحديث قاطبة، وذكر ممن لقي منهم على ذلك: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وهو قول أبي عبد الله بن حامد وغيره.\nوكثيرٌ من أهل الحديث والسنة يقول: المعنى صحيح، لكن؛ لا يطلق هذا اللفظ؛ لعدم مجيء الأثر به؛ كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر وغيره في كلامهم على حديث النُّزول والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو الإقرار بما ورد به الكتاب والسنة؛ من أنه يأتي وينْزل وغير ذلك من الأفعال اللازمة قال أبو عمرو الطَّلْمَنْكِيُّ: أجمعوا (يعني: أهل السنة والجماعة) على أنَّ الله يأتي يوم القيامة والملائكة صفًَّا صفًَّا لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء؛ قال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ [البقرة:٢١٠]، وقال تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًَّا صَفًَّا [الفجر:٢٢] قال: وأجمعوا على أنَّ الله يَنْزل كل ليلة إلى سماء الدنيا على ما أتت به الآثار كيف شاء، لا يحدون في ذلك شيئا ثم روى بإسناده عن محمد بن وضاح؛ قال: وسألت يحيى بن معين عن النُّزول؟ فقال: نعم؛ أقر به، ولا أحِدُّ فيه حَدًَّا (٢) والقول الثالث: الإمساك عن النفي والإثبات، وهو اختيار كثيرٌ من أهل الحديث والفقهاء والصوفية؛ كابن بطة وغيره، وهؤلاء فيهم من يعرض بقلبه عن تقدير أحد الأمرين، ومنهم من يميل بقلبه إلى أحدهما، ولكن؛ لا يتكلم لا بنفي ولا بإثبات والذي يجب القطع به أنَّ الله ليس كمثله شيء في جميع ما يصف به نفسه، فمن وصفه بمثل صفات المخلوقين في شيء من الأشياء؛ فهو مخطئ قطعًا؛ كمن قال: إنه ينْزل فيتحرك وينتقل كما يَنْزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار؛ كقول من يقول: إنه يخلو منه العرش! فيكون نزوله تفريغًا لمكان وشغلًا لآخر؛ فهذا باطل يجب تنْزِيه الرب عنه كما تقدم اهـ (٣).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٥٦٥).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٥٧٧).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٥٧٧) وانظر كلامه ﵀ في «الاستقامة» (١/ ٧٠ - ٧٨).","vol":"2","page":94},{"text":"وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: النصوص في إثبات الفعل والمجيء والاستواء والنُّزول إلى السماء الدنيا إن كانت تستلزم الحركة لله؛ فالحركة له حق ثابت بمقتضى هذه النصوص ولازمها، وإن كنا لا نعقل كيفية هذه الحركة وإن كانت هذه النصوص لا تستلزم الحركة لله تعالى؛ لم يكن لنا إثبات الحركة له بهذه النصوص، وليس لنا أيضًا أنَّ ننفيها عنه بمقتضى استبعاد عقولنا لها، أو توهمنا أنها تستلزم إثبات النقص، وذلك أنَّ صفات الله تعالى توقيفية، يتوقف إثباتها ونفيها على ما جاء به الكتاب والسنة؛ لامتناع القياس في حقه تعالى؛ فإنه لا مثل له ولا ند، وليس في الكتاب والسنَّة إثبات لفظ الحركة أو نفيه؛ فالقول بإثبات نفيه أو لفظه قول على الله بلا علم وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كثير من رسائله في الصفات على مسألة الحركة، وبيَّن أقوال الناس فيها، وما هو الحق من ذلك، وأنَّ من الناس من جزم بإثباتها، ومنهم من توقف، ومنهم من جزم بنفيها، والصواب في ذلك أنَّ ما دل عليه الكتاب والسنة من أفعال الله تعالى ولوازمها؛ فهو حق ثابت يجب الإيمان به، وليس فيه نقص ولا مشابهة للخلق؛ فعليك بهذا الأصل؛ فإنه يفيدك، وأعرض عما كان عليه أهل الكلام من الأقيسة الفاسدة التي يحاولون صرف نصوص الكتاب والسنة إليها؛ ليحرفوا بها الكلم عن مواضعه، سواء عن نية صالحة أو سيئة اهـ (١). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٠٩\n_________\n(١) «إزالة الستار عن الجواب المختار» (ص٣٢).","vol":"2","page":95},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-435> الحسيب</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الحسيب، وهو اسم له ثابتٌ بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا [النساء: ٨٦].\nوقوله: وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا [النساء: ٦ والأحزاب: ٣٩].\nالدليل من السنة:\nحديث أبي بكرة ﵁: «إن كان أحدكم مادحًا لا محالة؛ فليقل: أحسب كذا وكذا - إن كان يرى أنه كذلك -، وحسيبه الله، ولا يُزكَّى على الله أحد» (١).\nقول عمر بن الخطاب ﵁: (فمن أظهر لنا خيرًا؛ أمَّناه وقرَّبناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته) (٢).\nومعنى الحسيب؛ أي: الحفيظ، والكافي، والشهيد، والمحاسب انظر: تفسير الآية ٦و٨٦ من سورة النساء في (تفسير ابن جرير) وابن الجوزي في (زاد المسير). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٠٦١)، ومسلم (٣٠٠٠).\n(٢) رواه البخاري (٢٦٤١).","vol":"2","page":96},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-436> الحفظ</span>\nصفةٌ من صفاته تعالى الثابتة بالكتاب والسنة من اسميه (الحافظ) و(الحفيظ)\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [هود: ٥٧].\nوقوله: فَاللهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمينَ [يوسف: ٦٤].\nالدليل من السنة:\nحديث ابن عباس ﵄ المشهور: «احفظ الله يحفظك» (١).\nيقول ابن القيم (٢):\nوَهُوَ الحَفِيظُ عَلَيْهِمُ وَهُوَ الكَفِيـ ... لُ بِحِفْظِهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ عانِ\nيقول الهرَّاس في الشرح (باختصار): ومن أسمائه سبحانه: الحفيظ، وله معنيان: أحدهما: أنه يحفظ على العباد ما عملوه من خير وشر، وعرف ونكر، وطاعة ومعصية والمعنى الثاني من معنيي الحفيظ: أنه تعالى الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون وحفظه لخلقه نوعان: عام وخاص فالعام هو حفظه لجميع المخلوقات والنوع الثاني حفظه الخاص لأوليائه حفظًا زائدًا على ما تقدم؛ يحفظهم عما يضر إيمانهم ويزلزل يقينهم. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٣\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والحاكم (٣/ ٦٢٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا لشهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا. وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٤٩٥): حسن جيد. وقال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٣٢٧): حسن. وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (١٨٨): حسن وله شاهد. وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٤/ ٢٦٧): إسناده حسن. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٢٣٣): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) «القصيدة النونية» (٢/ ٨٣).","vol":"2","page":97},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-437> الحفي</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه حفيٌّ، وهذا ثابت بالكتاب العزيز.\nالدليل:\nقوله تعالى: قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًَّا [مريم: ٤٧]\nومعنى الحفيِّ؛ أي: البَر اللطيف قاله الراغب في (المفردات).\nوقال ابن قتيبة في (تفسير غريب القرآن): أي: بارًَّا عوَّدني منه الإجابة إذا دعوته. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٤","vol":"2","page":98},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-438> الحق</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الحق ﷾، وهو اسمٌ له ثابتٌ بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج: ٦].\nوقوله تعالى: فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦].\nالدليل من السنة:\nحديث ابن عباس ﵄: «أنت الحق وقولك الحق» (١).\nقال قَوَّام السنة: ومن أسمائه تعالى: الحق، وهو المتحقق كونه ووجوده، وكل شيء صح وجوده وكونه فهو حق اهـ (٢).\nوبنحوه قال ابن الأثير (٣)، وقال السعدي: الحق؛ في ذاته وصفاته؛ فهو واجب الوجود، كامل الصفات والنعوت، وجوده من لوازم ذاته، ولا وجود لشيء من الأشياء إلاَّ به، فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفًا، ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفًا، فقوله حق، وفعله حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، وكتبه حق، ودينه هو الحق، وعبادته وحده لا شريك له هي الحق، وكل شيء ينسب إليه فهو حق، ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:٦٢]، وَقُل الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:٢٩]، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ [يونس:٣٢] ٠٠ اهـ (٤).\nقلت: قوله: وكل شيء ينسب إليه فهو حق؛ أي: كل شيء ينسب إليه بحق، فهو حق صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣٨٥).\n(٢) «الحجة» (١/ ١٣٥).\n(٣) «جامع الأصول» (٤/ ١٧٩).\n(٤) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠٥).","vol":"2","page":99},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-439> الحكمة</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿، و(الحكيم) من أسمائه تعالى، وهو ثابتٌ بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٨].\nوقوله: وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٢٨].\nالدليل من السنة:\nحديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «وسبحان الله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم» (١).\nقال ابن القيم (٢):\nوهو الحكيمُ وذَاكَ من أوْصَافِه حُكْمٌ وإحْكَامٌ فَكُلٌّ مِنْهُمَا ... نَوْعَانِ أيْضاَ مَا هُمَا عَدَمَانِ نَوْعَانِ أيْضًا ثَابِتا البُرْهَانِ\nقال الهرَّاس: ومن أسمائه الحسنى سبحانه: (الحكيم)، وهو إما فعيل بمعنى فاعل؛ أي: ذو الحكم، وهو القضاء على الشيء بأنه كذا أو ليس كذا، أو فعيل بمعنى مفعل، وهو الذي يُحكِم الأشياء ويتقنها، وقيل: الحكيم ذو الحكمة، وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٩٦).\n(٢) «القصيدة النونية» (٢/ ٧٥).","vol":"2","page":100},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-440> الحلم</span>\nيوصف الله ﷿ بالحِلم، وهي صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ له بالكتاب والسنة، و(الحليم) اسم من أسمائه تعالى.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة: ٢٦٣].\nوقوله: إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر: ٤١].\nالدليل من السنة:\nحديث ابن عباس ﵄: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم» (١).\nقال ابن القيم (٢):\nوَهُوَ الحليمُ فَلاَ يُعاجِلُ عَبْدهُ وَهُوَ العَفُوُّ فَعَفْوُهُ وَسِعَ الوَرَى ... بعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ منْ عِصْيَانِ لَوْلاَهُ غَارَ الأرْضُ بِالسُّكَّانِ\nوقال الهرَّاس في (الشرح): ومن أسمائه سبحانه (الحليم) و(العفو)؛ فالحليم الذي له الحلم الكامل الذي وسع أهل الكفر والفسوق والعصيان، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة؛ رجاء أنَّ يتوبوا، ولو شاء؛ لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم؛ فإن الذنوب تقتضي ترتب آثارها عليها من العقوبات العاجلة المتنوعة، ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم؛ كما قال تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [فاطر:٤٥]. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٣٤٥)، ومسلم (٢٧٣٠).\n(٢) «القصيدة النونية» (٢/ ٨١).","vol":"2","page":101},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-441> الحميد</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الحميد، وهو صفةٌ ذاتيةٌ له، و(الحميد) اسم من أسمائه، ثابتٌ بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\n١ - قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة: ٢٦٧].\n٢ - وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُم الْفُقَرَاءُ إلى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥].\nالدليل من السنة:\nحديث كعبٍ بن عُجرة ﵁ في التشهد: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» (١).\nالمعنى:\nقال ابن منظور في (اللسان): الحميد من صفاته ﷾، بمعنى المحمود على كل حال، وهو فعيل بمعنى مفعول.\nوقال ابن الأثير: الحميد: المحمود، الذي استحق الحمد بفعله، وهو فعيل بمعنى مفعول (٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦).\n(٢) «جامع الأصول» (٤/ ١٨٠).","vol":"2","page":102},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-442> الحنان (بمعنى الرحمة)</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًَّا وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًَّا [مريم: ١٢ - ١٣]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: «يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أنَّ لا إله إلا الله مخلصًا، فيخرجونهم منها، قال: ثم يتحنَّن الله برحمته على مَن فيها، فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها» (١).\nقال ابن جرير: قوله: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا: يقول تعالى ذكره: ورحمة منا ومحبة له آتيناه الحكم صبيًّا، وقد اختلف أهل التأويل في معنى الحنان، فقال بعضهم: معناه: الرحمة اهـ، ثم نسب ذلك بإسناده إلى ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة، ثم قال: وقال آخرون: معنى ذلك: وتعطُّفًا من عندنا عليه فعلنا ذلك، ونسب ذلك بإسناده إلى مجاهد، ثم قال: وقال آخرون: بل معنى الحنان: المحبة، ووجهوا معنى الكلام إلى: ومحبة من عندنا فعلنا ذلك، ثم نسب ذلك بإسناده إلى عكرمة وابن زيد، ثم قال: وقال آخرون: معناه تعظيمًا منَّا له، ونسب ذلك بإسناده إلى عطاء بن أبي رباح ثم قال: وأصل ذلك - أعني: الحنان- من قول القائل: حنَّ فلان إلى كذا، وذلك إذا ارتاح إليه واشتاق، ثم يقال: تحنَّن فلان على فلان: إذا وصف بالتعطُّف عليه والرقة به والرحمة له؛ كما قال الشاعر:\nتَحَنَّنْ عليَّ هَداك المليكُ ... فإنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا\nبمعنى: تعطَّف عليَّ؛ فالحنان: مصدر من قول القائل: حنَّ فلانٌ على فلانٍ، يقال منه: حننتُ عليه؛ فأنا أحِنُّ عليه، وحنانًا اهـ (٢).\nوقال الفراء: وقوله: وَحَنَانًَا مِنْ لَدُنَّا الحنان: الرحمة، ونصب حنانًا؛ أي: وفعلنا ذلك رحمة لأبويه اهـ (٣).\nوبنحوه قال ابن قتيبة، ونسب البيت السابق للحطيئة يخاطب فيه عمر بن الخطاب ﵁ (٤).\nوروى أبو عبيد القاسم بن سلاَّم عن أبي معاوية (الضرير) عن هشام بن عروة عن أبيه؛ أنه كان يقول في تلبيته: لبيك ربنا وحنانيك (٥) وهذا إسناد صحيح، وعروة بن الزبير تابعي ثقة، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة قال أبو عبيد: قوله: حنانيك؛ يريد: رحمتك، والعرب تقول: حنانك يا رب، وحنانيك يا رب؛ بمعنى واحد اهـ (٦).\n_________\n(١) رواه ابن المبارك في «الزهد» (ص٤٤٨)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥٨)، وأحمد (٣/ ١١) (١١٠٩٦)، وابن ماجه - عن ابن أبي شيبة- مختصرًا (٤٢٨٠)، والطبري في تفسيره (١٨/ ٢٣٥)، والخلال - عن أحمد - في «السنة» (٥/ ٥١)، وابن خزيمة في «التوحيد» (٢/ ٧٦٦) بإثبات لفظة (يتجلى) في المطبوع بدلا من (يتحنن) التي في النسخة الألمانية، والحاكم (٤/ ٦٢٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي. وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٨/ ٦٢): رواه أحمد بن منيع، ورواته ثقات، وأبوبكر بن أبي شيبة مختصرًا وعنه ابن ماجه. وقال السفارييني في «لوائح الأنوار» (٢/ ٢٣٨): وأخرج الحاكم بسندٍ صحيح - ثم ذكر الحديث -. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح. وقال الوادعي في «الشفاعة» (ص١٥٩): والحديث بهذا السند - أي سند أحمد - حسن. والحديث أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄.\n(٢) «تفسير الطبري» (١٦/ ٥٥).\n(٣) «معاني القرآن» (٢/ ١٦٣).\n(٤) «تفسير غريب القرآن» (ص٢٧٣).\n(٥) «غريب الحديث» (٢/ ٤٠٥).\n(٦) «غريب الحديث» (٢/ ٤٠٥).","vol":"2","page":103},{"text":"وقال أبو موسى المديني: في حديث زيد بن عمرو: «حنانيك؛ أي: ارحمني رحمة بعد رحمة» اهـ (١).\nوقال الأزهري: روى أبو العباس عن ابن الأعرابي؛ أنه قال: الحنَّان: من أسماء الله؛ بتشديد النون؛ بمعنى: الرحيم قال: والحنَان؛ بالتخفيف: الرحمة قال: والحنان: الرزق، والحنان: البركة، والحنان: الهيبة، والحنان: الوقار ثم قال الأزهري: وقال الليث: الحنان: الرحمة، والفعل التحنُّن قال: والله الحنَّان المنَّان الرحيم بعباده، ومنه قوله تعالى: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا؛ أي: رحمة من لدنا قلت (أي: الأزهري): والحنَّان من أسماء الله تعالى، جاء على فعَّال بتشديد النون صحيح، وكان بعض مشايخنا أنكر التشديد فيه؛ لأنه ذهب به إلى الحنين، فاستوحش أنَّ يكون الحنين من صفات الله تعالى، وإنما معنى الحنَّان: الرحيم، من الحنان، وهو الرحمة ثم قال: قال أبو إسحاق: الحنَّان في صفة الله: ذو الرحمة والتعطف اهـ كلام الأزهري (٢)\nوقال أبو سليمان الخطابي: الحنَّان: ذو الرحمة والعطف، والحنان – مخفف - الرحمة (٣).\nوقال ابن تيمية: وقال (يعني: الجوهري): الحنين: الشوق، وتوقان النفس وقال: حنَّ إليه يحنُّ حنينًا فهو حانٌّ، والحنان: الرحمة، يقال: حنَّ عليه يحنُّ حنانًا، ومنه قوله تعالى: وَحَنَانًَا مِنْ لَدُنَّا وزكاةً، والحنَّان بالتشديد: ذو الرحمة، وتحننَّ عليه: ترحَّم، والعرب تقول: حنانيك يا رب! وحنانك! بمعنى واحد؛ أي: رحمتك وهذا كلام الجوهري، وفي الأثر في تفسير الحنَّان المنَّان: أنَّ الحنان هو الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنَّان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، وهذا باب واسع اهـ كلام ابن تيمية (٤).\nوقال ابن القيم (٥) رادًا على الجهمية نفاة الصفات:\nقالوا وليس لربِّنَا سَمْعٌ ولا بَصَرٌ ... ولا وَجْهٌ فكيفَ يَدَانِ\nوكذاك ليس لربِّنَا من قُدْ ... رَةٍ وإرادةٍ أو رحمةٍ وحَنَانِ\nكلا ولا وَصْفٌ يَقُومُ بِه ... سِوى ذاتٌ مجردةٌ بِغَيْرِ مَعَانِ\nتنبيهات:\nالأول: فَسَّرَ بعض المفسرين، ومنهم ابن كثير: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًَّا وَحَنَانًَا مِنْ لَدُنَّا؛ أي آتيناه الحكم وحنانًا وزكاةً؛ أي: جعلناه ذا حنان وزكاة، فيكون الحنان صفة ليحيى ﵊.\nالثاني: روى ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن ماجه؛ من طريق وكيع عن أبي خزيمة عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت، وحدك، لا شريك لك، المنان، بديع السماوات والأرض» (٦) وهذا إسناد صحيح.\nورواه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والطبراني، والبغوي، والحاكم؛ من طريق خلف بن خليفة عن حفص بن عمر أخي أنس بن مالك لأمه؛ بلفظ: «المنَّان» (٧).\nوأخرجه أحمد من طريق خلف بن خليفة به بلفظ: «الحنَّان» (٨).\n_________\n(١) «المجموع المغيث» (١/ ٥١٤).\n(٢) «تهذيب اللغة» (٣/ ٤٤٦).\n(٣) «شأنَّ الدعاء» (ص ١٠٥).\n(٤) «شرح حديث النُّزول» (١٨٤).\n(٥) «القصيدة النونية» (١/ ٥٠).\n(٦) رواه ابن أبي شيبة (٦/ ٤٧)، وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٦)، وابن ماجه (٣٨٥٨). قال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٧) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والنسائي (٣/ ٥٢)، أحمد (٣/ ٢٤٥) (١٣٥٩٥)، والطبراني في «الدعاء» (١١٦)، والبغوي في «شرح السنة» (١٢٥٨)، والحاكم (١/ ٦٨٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الشيخ الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٨) رواه أحمد (٣/ ١٥٨) (١٢٦٣٢). وقال شعيب الأرناؤوط في «مسند أحمد»: حديث صحيح، وهذا إسناد قوي.","vol":"2","page":104},{"text":"وأخرجه ابن حبان من طريق خلف بن خليفة به بلفظ: «الحنَّان المنَّان» (١).\nوخلف بن خليفة: قال عنه الحافظ في (التقريب): صدوق، اختلط في الآخر، وادَّعى أنه رأى عمرو بن حريث الصحابي، فأنكر عليه ذلك ابن عيينة وأحمد اهـ (٢).\nالثالث: روى الإمام أحمد وغيره حديث: «أنَّ عبدًا في جهنم لينادي ألف سنة يا حنَّان يا منَّان» (٣) وإسناده ضعيف\nالرابع: روى الحاكم من طريق عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان حديث: «إنَّ لله تعالى تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» فذكرها وعدَّ منها: «الحنَّان» (٤)، وعبد العزيز هذا ضعيف، قال عنه الحافظ: متفق على ضعفه، وهَّاه البخاري ومسلم وابن معين، وقال البيهقي: ضعيف عند أهل النقل اهـ (٥).\nقال الخطابي: ومما يدعو به الناس خاصُّهم وعامُّهم، وإن لم تثبت به الرواية عن رسول الله ﷺ: الحنَّان اهـ (٦)\nهذا حسب النسخة المغربية كما أفاده الأستاذ أحمد يوسف الدقاق محقق الكتاب، وفي النسخة التيمورية زيادة: «المنَّان»، وأظنها خطأ من الناسخ، وعلى أية حال فقد تقدم إثبات أنَّ «المنَّان» من أسماء الله ﷿\nوالخلاصة: أنَّ عدَّ بعضهم (الحنَّان) من أسماء الله تعالى فيه نظر؛ لعدم ثبوته والله أعلم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٩\n_________\n(١) رواه ابن حبان (٣/ ١٧٥). وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٤٣٠) - كما أشار في مقدمته -، وقال الألباني في «مشكاة المصابيح» (٢٢٣٠): إسناده صحيح.\n(٢) «تقريب التهذيب» (١٧٣١).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٢٣٠) (١٣٤٣٥)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨٧): رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح غير أبي ظلال وضعفه الجمهور ووثقه ابن حبان. وقال العراقي في «المغني» (٤/ ٩): أخرجه أحمد وأبو يعلى من رواية أبي ظلال القسملي عن أنس وأبو ظلال ضعيف واسمه هلال بن ميمون. وقال ابن حجر في «القول المسدد» (ص٣٤ - ٣٥):أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» من طريق «المسند» أيضًا وقال: هذا حديث ليس بصحيح. قال ابن معين: أبو ظلال ليس بشيء. وقال ابن حبان: كان مغفلا يروي عن أنس ما ليس من حديثه لا يجوز الاحتجاج به بحال. قلت: قد أخرج له الترمذي وحسّن له بعض حديثه، وعلق له البخاري حديثًا، وأخرج هذا الحديث ابن خزيمة في كتاب «التوحيد» من صحيحه إلا أنه ساقه بطريقة له تدل على أنه ليس على شرطه في الصحة، وفي الجملة ليس هو موضوعًا وأخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» له من وجه آخر عن سلام بن مسكين. وأبو ظلال قد قال فيه البخاري: إنه مقارب. وقال أبو بكر الآجري: في أواخر طريق حديث الإفك له: حدثنا عبد الله بن عبد الحميد ثنا زياد بن أيوب ثنا مروان بن معاوية ثنا مالك بن أبي الحسن عن الحسن قال: يخرج رجل من النار بعد ألف عام فقال الحسن: ليتني كنت ذلك الرجل انتهى. فهذا شاهد لبعض حديث أنس. اهـ. قال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٢٤٩): ضعيف جدًا.\n(٤) رواه الحاكم (١/ ٦٣).\n(٥) «تلخيص الحبير» (٤/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(٦) «شأنَّ الدعاء» (ص١٠٥).","vol":"2","page":105},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-443> الحياء والاستحياء</span>\nصفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، و(الحيي) من أسمائه تعالى\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة: ٢٦]\nقوله تعالى: وَاللهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ [الأحزاب: ٥٣]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي واقد الليثي ﵁ مرفوعًا: «وأما الآخر؛ فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر؛ فأعرض، فأعرض الله عنه» (١).\nحديث سلمان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أنَّ يردهما صفرًا خائبتين» (٢) رواه الترمذي واللفظ له، وأبو داود، وأحمد، والحاكم انظر: (جامع الأصول ٢١١٨)، و(صحيح الجامع ١٧٥٧\nومِمَّن أثبت صفة الاستحياء من السلف الإمام أبو الحسن محمد بن عبدالملك الكرجي، فيما نقله عنه شيخ الإسلام في (مجموع الفتاوى ٤/ ١٨١)؛ موافقًا له\nوقال ابن القيم (٣):\nوهو الحييُّ فليسَ يفضحُ عبده ... عندَ التجاهُرِ منهُ بالعصيانِ\nلكنَّهُ يُلقِي عليه سِترهُ ... فَهُو السِّتِّيرُ وصاحب الغفرانِ\nقال الهرَّاس: وحياؤه تعالى وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين، الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته وكمال جوده وكرمه وعظيم عفوه وحلمه؛ فالعبد يجاهره بالمعصية مع أنه أفقر شيء إليه وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الرب سبحانه مع كمال غناه وتمام قدرته عليه يستحي من هتك ستره وفضيحته، فيستره بما يهيؤه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو عنه ويغفر اهـ.\nقال الأزهري: وقال الليث: الحياء من الاستحياء؛ ممدود قلت: وللعرب في هذا الحرف لغتان: يُقال: استحى فلان يستحي؛ بياء واحدة، واستحيا فلان يستحْيِي؛ بياءين، والقرآن نزل باللغة التامَّة؛ (يعني الثانية) اهـ (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٢٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٦)، ومسلم (٢١٧٦).\n(٢) رواه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، وأحمد (٥/ ٤٣٨) (٢٣٧٦٥)، والحاكم (١/ ٧١٨). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال البغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٥٩): هذا حديث حسن غريب. وقال الذهبي في «العلو» (٦٣): مشهور. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٤١٣) - كما أشار في مقدمته -.وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) «النونية» (٢/ ٨٠).\n(٤) «تهذيب اللغة» (٥/ ٢٨٨).","vol":"2","page":106},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-444> الحياة</span>\nصفة من صفات الله ﷿ الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، و(الحي) اسم من أسمائه تعالى.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢].\nوقوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت [الفرقان: ٥٨].\nالدليل من السنة:\nحديث ابن عباس ﵄: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» (١).\nقال شيخ الإسلام: كلامه وحياته من صفات الله كعلمه وقدرته.\nوقال: لم يعبر أحد من الأنبياء عن حياة الله بأنها روح الله فمن حمل كلامَ أحدٍ من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب (٢).\nوقال الهرَّاس في (شرحه للنونية) (٣): ومعنى الحي: الموصوف بالحياة الكاملة الأبدية، التي لا يلحقها موت ولا فناء، لأنها ذاتية له سبحانه، وكما أنَّ قيوميته مستلزمة لسائر صفات الكمال الفعلية؛ فكذلك حياته مستلزمة لسائر صفات الكمال الذاتية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعزة والكبرياء والعظمة ونحوها اهـ.\nفائدة:\nفي حديث الإفك عند البخاري ومسلم: «قال سعد بن معاذ ﵁: يا رسول الله! أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس؛ ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج؛ أمرتنا، ففعلنا فيه أمرك فقال سعد بن عبادة ﵁: كذبت لعمر الله؛ لا تقتله، ولا تقدر على ذلك فقام أسيد بن الحضير ﵁، فقال: كذبت لعمر الله؛ لنقتلنَّه» (٤).\nقال الحافظ: العَمْر؛ بفتح العين المهملة: هو البقاء، وهو العُمُر بضمها، لكن لا يستعمل في القسم إلا بالفتح (٥).\nوقال القاضي عياض: وقوله: «لعمر الله»؛ أي: بقاء الله (٦).\nوقال البيهقي: فحلف كلُّ واحد منهما بحياة الله وببقائه والنبي ﷺ يسمع (٧). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٢٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧١٧).\n(٢) «دقائق التفسير» (٢/ ١٠٢)، «الجواب الصحيح» (٤/ ٥٠).\n(٣) «شرح القصيدة النونية» (٢/ ١٠٣)\n(٤) رواه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠). من حديث عائشة ﵂.\n(٥) «الفتح» (٨/ ٤٧٢).\n(٦) «مشارق الأنوار» (٢/ ٨٧).\n(٧) «الاعتقاد» (٨٣). وانظر: «الأسماء والصفات» (١/ ٢٩٢).","vol":"2","page":107},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-445> الخبير</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، وذلك من اسمه (الخبير)\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [التحريم: ٣]\nوقوله: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ٧٣]\nالدليل من السنة:\nحديث عائشة ﵂؛ أنَّ النبي ﷺ قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: «ما لك يا عائش حشيًا رابية؟» قالت: قلت: لا شيء قال: «لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير» (١).\nمعنى (الخبير):\n١ - العالم بما كان وما يكون: قاله ابن منظور في «اللسان».\n٢ - وقال الخطابي: هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته (٢).\n٣ - وقال أبو هلال العسكري: الفرق بين العلم والخَبْر: أنَّ الخَبْر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٢٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٩٧٤).\n(٢) «شأنَّ الدعاء» (ص٦٣).\n(٣) «الفروق» (ص٧٤)","vol":"2","page":108},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-446> الخداع لمن خادعه</span>\nالخداعُ صفةٌ من صفات الله ﷿ الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالكتاب والسنة، ولكنه لا يوصف بها على سبيل الإطلاق، إنما يوصف بها حين تكون مَدْحًا.\nالدليل من الكتاب:\nقول الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢].\nالدليل من السنة:\nحديث الزبير بن العوام ﵁، «أنَّ أم كلثوم بنت عقبة كانت عنده، فقالت له وهي حامل: طيِّب نفسي بتطليقة فطلقها تطليقة، ثم خرج إلى الصلاة، فرجع وقد وضعت، فقال: ما لها خدعتني خدعها الله؟! ثم أتى النبي ﷺ، فقال: سبق الكتاب أجله، اخطبها إلى نفسها» (١).\nقال ابن القيم في (إعلام الموقعين) بعد أنَّ ذكر آيات في صفة (الكيد) و(المكر): قيل: إنَّ تسمية ذلك مكرًا وكيدًا واستهزاءً وخداعًا من باب الاستعارة ومجاز المقابلة؛ نحو: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:٤٠]، ونحو قوله: فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:١٩٤]، وقيل -وهو أصوب-: بل تسميته بذلك حقيقة على بابه؛ فإنَّ المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة اهـ (٢).\nقلت: قوله عن القول الثاني: وهو أصوب: قد يوهم أنَّ الأول صواب، والحق أنَّ القول الأول باطل مخالف لطريقة السلف في الصفات، وانظر كلامه ﵀ في (مختصر الصواعق المرسلة) (٣).\nوقال الشيخ عبد العزيز بن بار معقبًا على الحافظ ابن حجر لَمَّا تأوَّل صفةً من صفات الله: هذا خطأ لا يليق من الشارح، والصواب إثبات وصف الله بذلك حقيقة على الوجه اللائق به سبحانه كسائر الصفات، وهو سبحانه يجازي العامل بمثل عمله، فمن مكر؛ مكر الله به، ومن خادع؛ خادعه، وهكذا من أوعى؛ أوعى الله عليه، وهذا قول أهل السنة والجماعة؛ فالزمه؛ تفز بالنجاة والسلامة، والله الموفق اهـ (٤).\nوسئل الشيخ العثيمين -﵀- في (المجموع الثمين): هل يوصف الله بالخيانة والخداع كما قال الله تعالى: يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ فأجاب بقوله: أما الخيانة؛ فلا يوصف الله بها أبدًا؛ لأنها ذم بكل حال؛ إذ إنها مكر في موضع الائتمان، وهو مذموم؛ قال الله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانهم وأما الخداع؛ فهو كالمكر، يوصف الله تعالى به حين يكون مدحًا، ولا يوصف به على سبيل الإطلاق؛ قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢] اهـ (٥)\nوانظر كلام ابن جرير الطبري في صفة (الاستهزاء)؛ فإنه مهم، وكلام الشيخ محمد بن إبراهيم في صفة (الملل). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٢٩\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٢٠٢٦)، والبيهقي (٧/ ٤٢١). قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٢/ ١٢٤): هذا إسنادٌ رجاله ثقات إلا أنه منقطع، ميمون بن مهران أبو أيوب روايته عن الزبير مرسلة قاله المزي في «التهذيب». قال الشوكاني في «الدراري المضية» (٢٣٥): رجال إسناده رجال الصحيح إلا محمد بن عمر بن هياج وهو صدوق لا بأس به. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) «إعلام الموقعين» (٣/ ٢٢٩)\n(٣) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٣٣ - ٣٤).\n(٤) «فتح الباري» (٣/ ٣٠٠).\n(٥) «المجموع الثمين» (٢/ ٦٦).","vol":"2","page":109},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-447> الخلق</span>\nصفةٌ من صفات الله الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، وهي مأخوذة أيضًا من اسميه (الخالق) و(الخلاَّق)، وهي من صفات الذات وصفات الفعل معًا.\nالدليل من الكتاب:\nوردت هذه الصفة في القرآن مرات عديدة، تارة بالفعل (خَلَقَ)، أو بمصدره، وتارة باسمه (الخالق) أو (الخلاَّق)، ومن ذلك:\nقوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ واَلأمْرُ [الأعراف: ٥٤].\nوقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ [الحجر: ٨٦].\nوقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦].\nوقوله: هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِيءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى [الحشر: ٢٤].\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كَخَلْقي؛ فليخلقوا ذرَّة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» (١).\nحديث عائشة ﵂ في التصاوير: «أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» (٢).\nقال الأزهري: ومن صفات الله: الخالق والخلاق، ولا تجوز هذه الصفة بالألف واللام لغير الله جل وعز.\nوالخلق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه.\nوقال أبو بكر بن الأنباري: الخلق في كلام العرب على ضربين: أحدهما:\nالإنشاء على مثال أبدعه والآخر: التقدير.\nوقال في قول الله جَلَّ وعَزَّ: فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:١٤]: معناه: أحسن المقدرين اهـ (٣).\nوقال ابن تيمية: وأما قولنا: هو موصوف في الأزل بالصفات الفعلية من الخلق والكرم والمغفرة؛ فهذا إخبار عن أنَّ وصفه بذلك متقدم؛ لأن الوصف هو الكلام الذي يخبر به عنه، وهذا مما تدخله الحقيقة والمجاز، وهو حقيقة عند أصحابنا، وأما اتصافه بذلك؛ فسواء كان صفةً ثبوتِيَّةً وراء القدرة أو إضافية؛ فيه من الكلام ما تقدم (٤).\nوقال في موضع آخر: والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقاته، بل صفاته قائمة بذاته، وهذا مطرد على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم، ويقولون: إنَّ خلق الله للسماوات والأرض ليس هو نفس السماوات والأرض، بل الخلق غير المخلوق، لاسيما مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوهم على إثبات صفات الله وأفعاله (٥).\nوقال في موضع ثالث: ولهذا كان مذهب جماهير أهل السنة والمعرفة - وهو المشهور عند أصحاب الإمام أحمد وأبي حنيفة وغيرهم من المالكية والشافعية والصوفية وأهل الحديث وطوائف من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم - أنَّ كون الله ﷾ خالقًا ورازقًا ومحييًا ومميتًا وباعثًا ووارثًا وغير ذلك من صفات فعله، وهو من صفات ذاته؛ ليس من يخلق كمن لا يخلق ومذهب الجمهور أنَّ الخلق غير المخلوق؛ فالخلق فعل الله القائم به، والمخلوق هو المخلوقات المنفصلة عنه (٦).\nوقد نقل ﵀ في (مجموع الفتاوى) قول أبي يعلى الصغير الحنبلي: فالخلق صفة قائمة بذاته، والمخلوق الموجود المخترَع، وهذا بناء على أصلنا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة قال: وهذا هو الصحيح (٧). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٣١\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١).\n(٢) رواه البخاري (٥٩٥٤)، ومسلم (٢١٠٧).\n(٣) «تهذيب اللغة» (٧/ ٢٦).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٧٢).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٢٦).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٩).","vol":"2","page":110},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-448> الخلة</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، فالله ﷿ يحبُ ويخالِلُ من يشاء ويكرهُ ويبغضُ من يشاء.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥].\nالدليل من السنة:\nحديث: «ولقد اتخذ الله صاحبكم خَلِيلًا»؛ يعني نفسه ﷺ (١).\nحديث أبي هريرة ﵁: «قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله؛» (٢).\nقال البغوي في تفسير آية النساء: وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا؛ صفيًَّا، والخُلَّةُ: صفاء المودة، ثم قال: قال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل، والخُلَّة: الصداقة، فسمي خليلًا لأن الله أحبه واصطفاه.\nوقال ابن كثير في تفسير الآية نفسها: وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه ﷿ له؛ لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها.\nونقل ابن تيمية من كلام أبي عبد الله محمد بن خفيف من كتابه (اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات) قوله: والخُلَّة والمحبة صفتان لله، هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخُلَّة جائز عليها الكيف (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٣٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٣٨٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٣٣٥٣)، ومسلم (٢٣٧٨).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٨٠). وانظر أيضًا: (٥/ ٧١).","vol":"2","page":111},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-449> الدلالة أو الدليل</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الدليل يدُلُّ عباده ويهديهم طريق الرشاد وليس الدليل من أسمائه والدليل: الهادي، والدِّلالة (بفتح الدال وكسرها): الهداية.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف: ١٠].\nالدليل من السنة:\nحديث أبيِّ بن كعب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه بينما موسى ﵇ في قومه يذكرهم بأيام الله - وأيام الله: نعماؤه وبلاؤه - إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلًا خيرًا وأعلم مني، قال: فأوحى الله إليه إني أعلم بالخير منه، أو عند من هو، إنَّ في الأرض رجلًا هو أعلم منك قال: يا رب فَدُلَّنِي عليه» (١).\nقال شيخ الإسلام: وهدايتُه ودلالتُه من مقتضى اسمه الهادي وفي الأثر المنقول عن أحمد بن حنبل أنه أمر رجلا أنْ يقول يا دليل الحيارى دُلَّنِي على طريق الصادقين واجعلني من عبادك الصالحين (٢).\nوقال: وفي الدعاء الذي علَّمه الإمام أحمد لبعض أصحابه: (يا دليل الحيارى دُلَّنِي على طريق الصادقين واجعلني من عبادك الصالحين) ولهذا كان عامة أهل السنة من أصحابنا وغيرهم على أنَّ الله يسمى دليلًا، ومنع ابن عقيل وكثيرٌ من أصحاب الأشعري أن يسمى دليلًا لاعتقادهم أنَّ الدليل هو ما يستدل به وأن الله هو الدالُّ، وهذا الذي قالوه بحسب ما غلب في عرف استعمالهم من الفرق بين الدال والدليل، وجوابه من وجهين؛ أحدهما: أنَّ الدليل معدول عن الدال وهو ما يؤكد فيه صفة الدلالة فكلُّ دليلٍ دالٌ وليس كلُّ دالٍ دليلًا، وليس هو من أسماء الآلات التي يفعل بها فإن فَعِيل ليس من أبنية الآلات كمِفْعَل ومِفْعَال، وإنما سُمِّي ما يستدل به من الأقوال والأفعال والأجسام أدلة باعتبار أنها تدل من يستدل بها، كما يخبر عنها بأنها تَهْدِي وَتُرْشِدُ وَتَعْرِفُ وَتَعْلَمُ وَتَقُولُ وَتُجِيبُ وَتَحْكُمُ وَتُفْتِي وَتَقُصُّ وَتَشْهَدُ وإن لم يكن لها في ذلك قصد وإرادة ولا حس وإدراك كما هو مشهورٌ في الكلام العربي وغيره، فما ذكروه من الفرق والتخصيص لا أصل له في كلام العرب، الثاني: أنه لو كان الدليل من أسماء الآلات التي يفعل بها فقد قال الله تعالى فيما روى عنه نبيه في عبده المحبوب: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يعقل، وبي ينطق، وبي يبطش، وبي يسعى، والمسلم يقول: استعنت بالله، واعتصمت به، وإذا كان ما سوى الله من الموجودات الأعيان والصفات يستدل بها سواء كانت حية أو لم تكن بل ويستدل بالمعدوم، فلأن يستدل بالحي القيوم أولى وأحرى، على أنَّ الذي في الدعاء المأثور: (يا دليل الحيارى دُلَّنِي على طريق الصادقين واجعلني من عبادك الصالحين) يقتضي أنَّ تسميته دليلًا باعتبار أنه دالٌ لعباده لا بمجرد أنه يستدل به كما قد يستدل بما لا يقصد الدلالة والهداية من الأعيان والأقوال والأفعال اهـ (٣).\nقلت: أسماء الله توقيفية وليس منها (الدليل) وتوجيه كلام شيخ الإسلام في ردِّه على ابن عقيل وكثيرٍ من الأشاعرة أنهم لا يُوصِفُون الله بالدليل ويقولون هو دالٌ وليس دليلًا، فردَّ عليهم مُثبتًا صفةَ الدَّلالة لله ﷿ بما سبق نقله ومنه قوله: (الدليل معدولٌ عن الدالِّ وهو ما يؤكد فيه صفةَ الدِّلالة فكلُّ دليلٍ دالٌ وليس كلُّ دالٍ دليلًا)؛ أما دعاء الإمام أحمد –إن صحَّ عنه- فليس فيه تسمية الله بـ (الدليل) إنما فيه مناداة الله ﷿ بصفة من صفاته وهذا جائز كقولك: يا فارج الهم ويا كاشف الغم، ويا دليل الحيارى ونحو ذلك، وليس الفارج والكاشف من أسمائه تعالى، والله أعلم. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٣٥\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٣٨٠).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٠٧).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢/ ١٧).","vol":"2","page":112},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-450> الديان</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الدَيَّان الذي يجازي عباده بعملهم، وهو اسم له ثابتٌ بالسنة.\nالدليل:\nحديث عبد الله بن أنيس ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الناس يوم القيامة أو قال العباد عراة غرلًا بُهْمًَا قال قلنا وما بهما قال ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب أنا الملك أنا الدَيَّان ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه» (١).\nوممن أثبت هذا الاسم لله ﷿ الإمام ابن القيم في قصيدته النونية المشهورة المسماة (الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية) (٢) في أكثر من موضع من ذلك قوله:\nجَهْمُ بنُ صَفْوَانٍ وشِيِعَتِهِ الأُلَى ... جَحَدُوا صِفَاِت الخَاِلقِ الدَيَّان\nوفي (مختار الصحاح): وقوله تعالى أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:٥٣] أي: لمجزيون محاسبون ومنه الدَيَّان في صفة الله تعالى.\nوفي (لسان العرب): الدَيَّان من أسماء الله ﷿ معناه: الحكم القاضي وسئل بعض السلف عن علي بن أبي طالب ﵇ فقال: كان ديان هذه الأمة بعد نبيها أي قاضيها وحاكمها، والدَيَّان: القهار وهو فعال من دان الناس أي قهرهم على الطاعة يقال دنتهم فدانوا أي قهرتهم فأطاعوا. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٣٨\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة التمريض بعد حديث (٧٤٨٠) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ولا تنفع الشفاعة ...، ورواه موصولًا أحمد (٣/ ٤٩٥) (١٦٠٨٥)، وابن أبي عاصم (٥١٤)، والطبراني في «الأوسط» (٨/ ٢٦٥)، والحاكم (٢/ ٤٧٥). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في «التلخيص»: صحيح. وقال ابن القيم في «الصواعق المرسلة» (ص٤٨٩): هذا حديث حسن جليل. وقال الهيتمي المكي في «الزواجر» (٢/ ٢٤٣): إسناده صحيح. وقال العراقي في «المغني» (٤/ ٢٣٣): رواه أحمد بإسناد حسن. وقال ابن ناصر الدمشقي في «حديث جابر» (٣٤): حسن. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٣٣): رواه أحمد والطبراني في «الكبير» وعبد الله بن محمد: ضعيف. وقال في (١٠/ ٣٤٥ - ٣٤٦): رواه أحمد ورجاله وثقوا ورواه الطبراني في «الأوسط» بنحوه إلا أنه قال بمصر. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٥١٤): صحيح. وانظر كلام ابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ٣٥٥) ففيه حظ.\n(٢) «القصيدة النونية» (١/ ٤٤).","vol":"2","page":113},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-451> الذات</span>\nيصح إضافة لفظة (الذات) إلى الله ﷿؛ كقولنا: ذات الله، أو: الذات الإلهية، لكن لا على أنَّ (ذات) صفة له، بل ذات الشيء بمعنى نفسه أو حقيقته.\nوقد وردت كلمة (ذات) في السنة أكثر من مرة، ومن ذلك:\nما رواه البخاري، ومسلم؛ من حديث أبي هريرة ﵁: «إنَّ إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات، اثنتين في ذات الله» (١).\nوما رواه البخاري (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة مقتل خبيب الأنصاري ﵁، وقوله:\nولَسْتُ أبالي حَيْنَ أُقْتَلُ مسلمًا ... على أي شِقٍّ كان لله مصْرعِي\nوذلكَ في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشأْ ... يُبَارِكْ على أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ\nوقد أفرد قَوَّام السُّنَّة في (الحجة في بيان المحجة) فصلًا في الذات، فقال: فصل في بيان ذكر الذات، ثم قال: قال قوم من أهل العلم: ذات الله حقيقته وقال بعضهم: انقطع العلم دونها وقيل: استغرقت العقول والأوهام في معرفة ذاته وقيل: ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهو موجود بحقائق الإيمان على الإيقان بلا إحاطة إدراك، بل هو أعلم بذاته، وهو موصوف غير مجهول، وموجود غير مدرك، ومرئي غير محاط به؛ لقربه، كأنك تراه، يسمع ويرى، وهو العلي الأعلى، وعلى العرش استوى ﵎، ظاهرٌ في ملكه وقدرته، قد حجب عن الخلق كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته؛ فالقلوب تعرفه، والعقول لا تكيفه، وهو بكل شيء محيط، وعلى كل شيء قدير اهـ (٣) وقال شيخ الإسلام: اسم (الله) إذا قيل: الحمد لله، أو قيل: بسم الله؛ يتناول ذاته وصفاته، لا يتناول ذاتًا مجردة عن الصفات، ولا صفات مجردة عن الذات، وقد نص أئمة السنة كأحمد وغيره على أنَّ صفاته داخلة في مسمى أسمائه، فلا يقال: إنَّ علم الله وقدرته زائدة عليه، لكن من أهل الإثبات من قال: إنها زائدة على الذات وهذا إذا أريد به أنها زائدة على ما أثبته أهل النفي من الذات المجردة؛ فهو صحيح؛ فإن أولئك قصروا في الإثبات، فزاد هذا عليهم، وقال: الرب له صفات زائدة على ما علمتموه وإن أراد أنها زائدة على الذات الموجودة في نفس الأمر؛ فهو كلام متناقض؛ لأنه ليس في نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال: إنَّ الصفات زائدة عليها، بل لا يمكن وجود الذات إلا بما به تصير ذاتًا من الصفات، ولا يمكن وجود الصفات إلا بما به تصير صفات من الذات، فتخيل وجود أحدهما دون الآخر، ثم زيادة الآخر عليه تخيل باطل اهـ (٤).\nوقال في أيضًا: ويفرق بين دعائه والإخبار عنه؛ فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه؛ فلا يكون باسم سيء، لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه؛ مثل اسم: شيء، وذات، وموجود اهـ (٥).\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان: وبعض الناس يظن أنَّ إطلاق الذات على الله تعالى كإطلاق الصفات؛ أي أنه وصف له، فينكر ذلك بناء على هذا الظن، ويقول: هذا ما ورد، وليس الأمر كذلك، وإنما المراد التفرقة بين الصفة والموصوف، وقد تبين مراد الذين يطلقون هذا اللفظ؛ أنهم يريدون نفس الموصوف وحقيقته فلا إنكار عليهم في ذلك؛ كما وضحه كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم (٦). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٣٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٧١).\n(٢) رواه البخاري (٣٠٤٥).\n(٣) «الحجة» (١/ ١٧١).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٠٦).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٢). وانظر كلامه ﵀ عن (الذات) في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٣٠، ٣٣٨).\n(٦) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٢٤٥).","vol":"2","page":114},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-452> الرأفة</span>\nصفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿، وذلك من اسمه (الرؤوف)، وهو ثابت بالكتاب العزيز.\nالدليل:\nقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [النور: ٢٠].\nقوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ١٠].\nوالرأفة أشد وأبلغ من الرحمة.\nقال ابن جرير في تفسير الآية ٦٥ من سورة الحج إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ: إنَّ الله بجميع عباده ذو رأفة، والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة.\nوقال الخطابي: الرَّؤوف: هو الرحيم العاطف برأفته على عباده، وقال بعضهم: الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها، ويقال: إنَّ الرأفة أخص والرحمة أعم، وقد تكون الرحمة في الكراهة للمصلحة، ولا تكاد الرأفة تكون في الكراهة؛ فهذا موضع الفرق بينهما (١).\nوقال الأزهري: ومن صفات الله ﷿: الرؤوف، وهو الرحيم، والرأفة أخص من الرحمة وأرقّ (٢). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٤١\n_________\n(١) «شأن الدعاء» (ص٩١). وانظر: «جامع الأصول» (٤/ ١٨٢).\n(٢) «تهذيب اللغة» (١٥/ ٢٣٨).","vol":"2","page":115},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-453> الرؤي</span>\nالرؤية - كالبصر والنظر- صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]\nوقوله: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى [العلق: ١٤]\nالدليل من السنة:\nحديث جبريل المشهور وفيه: «قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك» رواه البخاري، ومسلم؛ من حديث أبي هريرة ﵁ (١) ورواه مسلم أيضًا من حديث عمر بن الخطاب ﵁ (٢).\nقول أنس بن النضر ﵁ في غزوة أحد: «لئن الله أشهدني قتال المشركين؛ لَيرَيَنَّ الله ما أصنع» (٣).\nقال قَوَّامُ السُّنَّة الأصبهاني: قال الله تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود:٣٧]، وقال: تَجْري بِأَعْيُنِنَا [القمر:١٤]، وقال: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:٣٩]، وقال: وَاصْبِرْ لِحُكمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:٤٨]؛ فواجب على كل مؤمن أن يثبت من صفات الله ﷿ ما أثبته الله لنفسه، وليس بمؤمن من ينفي عن الله ما أثبته الله لنفسه في كتابه؛ فرؤية الخالق لا تكون كرؤية المخلوق، وسمع الخالق لا يكون كسمع المخلوق، قال الله تعالى: فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:١٠٥]، وليس رؤية الله تعالى أعمال بني آدم كرؤية رسول الله ﷺ والمؤمنين، وإن كان اسم الرؤية يقع على الجميع، وقال تعالى: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [مريم:٤٢]، جل وتعالى عن أن يشبه صفة شيء من خلقه صفته، أو فعل أحد من خلقه فعله؛ فالله تعالى يرى ما تحت الثرى، وما تحت الأرض السابعة السفلى، وما في السماوات العلى، لا يغيب عن بصره شيء من ذلك ولا يخفي؛ يرى ما في جوف البحار ولججها كما يرى ما في السموات، وبنو آدم يرون ما قرب من أبصارهم، ولا تدرك أبصارهم ما يبعد منهم، لا يدرك بصر أحد من الآدميين ما يكون بينه وبينه حجاب، وقد تتفق الأسامي وتختلف المعاني اهـ (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٤٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).\n(٢) رواه مسلم (٨).\n(٣) رواه البخاري (٢٨٠٥)، ورواه مسلم (١٩٠٣) بلفظ: «ليراني الله».\n(٤) «الحجة» (١/ ١٨١).","vol":"2","page":116},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-454> رؤيته ﷾</span>\nأهل السنة والجماعة يؤمنون أنَّ المؤمنين يرون ربهم عيانًا يوم القيامة، وهذا ثابت بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]\nالدليل من السنة:\nقوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» (١).\nحديث صهيب ﵁ مرفوعًا: «إذا دخل أهل الجنة الجنة؛ يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم ﷿، ثم تلا هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحسنَى وَزِيَادَةٌ» (٢).\nقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أنَّ المؤمنين يرون الله ﷿ يوم القيامة بأعين وجوههم، على ما أخبر به تعالى، في قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، وقد بيَّن معنى ذلك النبي ﷺ، ودفع إشكاله فيه؛ بقوله للمؤمنين: «ترون ربكم عيانًا»، وقوله: «ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر؛ لا تُضامون في رؤيته»، فبيَّن أنَّ رؤيته تعالى بأعين الوجوه اهـ (٣).\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان: والأحاديث في رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة كثيرة جدًّا، وقد تواترت عن رسول الله ﷺ، وتلقاها أتباعه بكل قبول وارتياح وانشراح لها، وكلهم يرجو ربه ويسأله أن يكون ممن يراه في جنات عدن يوم يلقاه (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٤٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣). من حديث جرير بن عبد الله ﵁.\n(٢) رواه مسلم (١٨١).\n(٣) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص٢٣٧).\n(٤) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (٢/ ٨). وانظر الكلام عن (صفة الرؤية) في: كتاب (الرؤية) للدارقطني، و(الرد على الجهمية ٨٧) و(الشريعة /٢٥١) للآجري، و(التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة) له أيضًا، وكتاب (رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها) للدكتور أحمد بن ناصر آل حمد، وكتاب (دلالة القرآن والأثر على رؤية الله تعالى بالبصر) للأستاذ عبد العزيز الرومي.","vol":"2","page":117},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-455> الربوبية</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿، وذلك من اسمه (الرب) الثابت بالكتاب والسنة في مواضع عديدة؛ تارة وحده (الرب)، وتارة مضافًا؛ مثل: (رب العالمين)، و(رب المشرقين).\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢].\nوقوله: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧].\nالدليل من السنة:\nحديث ابن عباس ﵁ مرفوعًا: «ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا وساجدًا، فأما الركوع؛ فعظموا فيه الرب ﷿» (١).\nحديث عمرو بن عبسة مرفوعًا: «أقرب ما يكون الرَّبُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة؛ فكن» (٢).\nومعنى الرَّب: المالك والمتصرف والمدبر والسيد والمربي\nقال ابن قتيبة: ومن صفاته (الرب)، والرب المالك، يُقال: هذا رب الدار ورب الضيعة ورب الغلام؛ أي: مالكه، قال الله سبحانه: ارْجعْ إلى رَبِّك؛ أي: إلى سيدك ولا يُقال لمخلوق: هذا الرَّبُّ؛ معرفًا بالألف واللام؛ كما يُقال لله، إنما يُقال: هذا رب كذا، فيُعرَّف بالإضافة؛ لأن الله مالك كل شيء فإذا قيل: الرَّبُّ؛ دلَّت الألف واللام على معنى العموم، وإذا قيل لمخلوق: ربُّ كذا وربُّ كذا؛ نُسب إلى شيء خاص؛ لأنه لا يملك شيئًا غيره اهـ (٣).\nوقال ابن القيم: وتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة، وهي (الله)، و(الرب)، و(الرحمن)؛ كيف نشأ عنها الخلق والأمر والثواب والعقاب، وكيف جمعت الخلق وفرقتهم؛ فلها الجمع، ولها الفرق.\nفاسم (الرب) له الجمع الجامع لجميع المخلوقات؛ فهو رب كل شيء وخالقه والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره، فاجتمعوا بصفة الربوبية، وافترقوا بصفة الإلهية، فألَّهه وحده السعداء، وأقروا له طوعًا بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا تنبغي العبادة والتوكل والرجاء والخوف والحب والإنابة والإخبات والخشية والتذلل والخضوع إلاَّ له، وهنا افترق الناس، وصاروا فريقين: فريقًا مشركين في السعير، وفريقًا موحدين في الجنة؛ فالإلهية هي التي فرقتهم كما أنَّ الربوبية هي التي جمعتهم؛ فالدين والشرع، والأمر والنهي –مظهره وقيامه- من صفة الإلهية، والخلق والإيجاد والتدبير والفعل من صفة الربوبية، والجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار من صفة الملك، وهو ملك يوم الدين، فأمرهم بإلهيته، وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته، وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله، وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى إلخ (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٤٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٧٩).\n(٢) رواه أبو داود (١٢٧٧)، والترمذي (٣٥٧٩)، والنسائي (١/ ٢٧٩)، وابن ماجه (١٣٦٤)، وأحمد (٤/ ١١٣) (١٧٠٦٧)، والحاكم (١/ ٤٥٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال البيهقي في «السنن الصغير» (١/ ٣٢٦): صحيح. وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٤/ ١٥، ٢٣): صحيح. وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٢٤٨): صحيح. وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٣/ ٦٩): رجال إسناده رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح.\n(٣) «غريب القرآن» (ص٩).\n(٤) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤).","vol":"2","page":118},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-456> الرجل والقدمان</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بصحيح السنة\nالدليل:\nحديث أبي هريرة ﵁ في تحاجج الجنة والنار، وفيه: «فأما النار؛ فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله، فتقول: قط قط» (١).\nورواه البخاري من حديث أنس ﵁ بنحوه (٢).\nأثر ابن عباس ﵁؛ قال: (الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره) (٣).\nأثر أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: (الكرسي موضع القدمين، وله أطيطٌ كأطيطِ الرَّحْل) (٤).\nوبهذه الأحاديث والآثار الصحيحة نثبت لله ﷿ صفة القَدَم والرِّجل، وأن لله ﷿ قدمين – كما في أثر ابن عباس وأبي موسى ﵄ – تليقان به وبعظمته، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١].\nقال الشيخ عبد الله الغنيمان في (شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري) بعد ذكر روايات صفة القدم والرجل: (ففي مجموع هذه الروايات البيان الواضح بأن القدم والرجل – وكلاهما عبارة عن شيء واحد – صفة لله تعالى حقيقة على ما يليق بعظمته) اهـ (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٤٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦) (٣٦). وثبت عندهما أيضًا بلفظ «قدمه» من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك ﵄.\n(٢) «صحيح البخاري» رقم (٤٨٤٨).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في (العرش) (ص٧٩)، والدارمي في «نقضه على المريسي» (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٠١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٩١)، والطبراني (١٢/ ٣٩)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٢/ ٥٨٢)، وابن بطة في «الإبانة» (٣/ ٣٣٩)، وابن منده في «الرد على الجهمية» (ص٢١)، والحاكم (٢/ ٣١٠)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٩٦) (٧٥٨). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الذهبي في «العلو» (٧٦): رواته ثقات. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١/ ١١): محفوظ والصواب موقوف. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٣٢٣): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «مختصر العلو» (٧٥): صحيح موقوف.\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في (العرش) (ص٦٧)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٠٢)، والطبري في تفسيره (٥/ ٣٩٨)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٢/ ٦٢٧)، وابن منده في «الرد على الجهمية» (ص٢١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٢٩٦) (٨٥٩)، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ٤٧): إسناده صحيح، وقال الألباني في «مختصر العلو» (٧٥): صحيح.\n(٥) «شرح كتاب التوحيد» (١/ ١٥٦). وانظر عن صفة (الرجل والقدمين): كتاب «التوحيد» (١/ ٢٠٢) لابن خزيمة، «نقض الدارمي على المريسي» (٦٧ - ٧٠)، «إبطال التأويلات» للفراء (ص١٩٢)، و«الجواب الصحيح» لابن تيمية (٣/ ١٥١). وانظر كلام ابن كثير في صفة (الأصابع).","vol":"2","page":119},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-457> الرحمة</span>\nصفةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(الرحمن) و(الرحيم) من أسمائه تعالى تكررا في الكتاب والسنة مراتٍ عديدة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١ - ٢].\nقوله تعالى: أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ [البقرة: ٢١٨].\nالدليل من السنة:\nتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقد وردت في أحاديث صحيحة كثيرة (١).\nحديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي تغلب غضبي» (٢). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٤٩\n_________\n(١) منها ما رواه البخاري (١٨٢٢)، ومسلم (١١٩٦). من حديث أبي قتادة ﵁ قال: «... يا رسول الله إن أصحابك أرسلوا يقرءون عليك السلام ورحمة الله وبركاته ...».\n(٢) رواه البخاري (٧٤٠٤)، ومسلم (٢٧٥١).","vol":"2","page":120},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-458> الرزق</span>\nصفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، و(الرزَّاق) و(الرَّازق) من أسمائه تعالى.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًَا [النحل: ١١٤].\nوقوله تعالى: لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًَا حَسَنًَا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج: ٥٨].\nوقوله تعالى: إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨].\nالدليل من السنة:\nحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «لو أنَّ أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رَزَقْتَنَا» (١).\nحديث أنس ﵁ مرفوعًا: «إن الله هو المسعِّر القابض الباسط الرَّازق» (٢).\nقال ابن القيم في (النونية شرح الهرَّاس):\nوكذلك الرزَّاقُ من أسمائه ... والرَّزْقُ من أفعالهِ نوعانِ\nقال الهرَّاس: ومن أسمائه سبحانه (الرزَّاقُ)، وهو مبالغة من (رازق)؛ للدلالة على الكثرة، مأخوذ من الرَّزْق – بفتح الراء – الذي هو المصدر، وأما الرِّزق – بكسرها –؛ فهو لعباده الذين لا تنقطع عنهم أمداده وفواضله طرفة عين، والرزق كالخلق، اسم لنفس الشيء الذي يرزق الله به العبد؛ فمعنى الرزَّاق: الكثير الرزق، صفةٌ من صفات الفعل، وهو شأن من شؤون ربوبيته ﷿، لا يصح أن ينسب إلى غيره، فلا يسمى غيره رازقًا كما لا يسمى خالقًا، قال تعالى: اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الروم:٤٠]؛ فالأرْزاق كلها بيد الله وحده، فهو خالق الأرزاق والمرتزقة، وموصلها إليهم، وخالق أسباب التمتع بها؛ فالواجب نسبتها إليه وحده وشكره عليها فهو مولاها وواهبها اهـ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٠\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤١)، ومسلم (١٤٣٤).\n(٢) رواه أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤) بلفظ: (الرزاق) بدلا من (الرازق)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وأحمد (٣/ ١٥٦) (١٢٦١٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٥/ ٤٢٣): روي من وجوه صحيحة لا بأس بها. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٣٣): إسناده على شرط مسلم. وقال ابن حجر في «تسديد القوس» (١/ ٩٣): أصله في مسلم. وقال ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (ص١١٣)، والألباني في «صحيح أبي داود»: صحيح.\n(٣) «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ١٠١).","vol":"2","page":121},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-459> الرشد</span>\nصفةٌ لله ﷿، وقد ثبت أنَّ النبي ﷺ قال: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين» (١).\nقال الخطابي: الرشيد: هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، فعيل بمعنى مُفْعِل، ويكون بمعنى الحكيم ذي الرُّشد؛ لاستقامة تدبيره، وإصابته في أفعاله (٢)\nقال ابن القيم (٣):\nوَهُوَ الرَّشيدُ فقوله وفِعَالُهُ ... رُشْدٌ ورَبُّكَ مُرْشِدُ الحَيْرَانِ\nوكِلاهُما حقٌ فهذا وصْفهُ ... والفعلُ للإرشادِ ذاك الثَّاني\nوقال الهرَّاس: قال العلامة السعدي ﵀ في شرحه لهذا الاسم الكريم: يعني أنَّ (الرشيد) هو الذي قوله رُشد وفعله كله رُشد، وهو مُرشد الحيران الضال، فيهديه إلى الصراط المستقيم بيانًا وتعليمًا وتوفيقًا فالرُّشد الدال عليه اسمه (الرشيد) وصفه تعالى، والإرشاد لعباده فعله اهـ.\nقلت: وتسمية الله بـ (الرشيد) يفتقر إلى دليل. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٢\n_________\n(١) رواه أبو داود (٥١٧)، والترمذي (٢٠٧)، وأحمد (٢/ ٢٣٢) (٧١٦٩). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٩٢): صحيح متفق عليه. وقال الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٠٤): محفوظ. وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥٠): حسن. وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (٢/ ٦٥٣): حسن صحيح من حديث أبي صالح. وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٣٣٨): حسن. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٢/ ١٥٥): إسناده صحيح. قال الألباني في «صحيح أبي داود»: صحيح. والحديث روي عن عائشة، وابن عمر، وأبي أمامة، ووائلة، وأبي محذورة ﵃ أجمعين بألفاظ متقاربة.\n(٢) «شأن الدعاء» (ص٩٧).\n(٣) «النونية» (٢/ ٩٧).","vol":"2","page":122},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-460> الرضى</span>\nصفةٌ من صفات الله ﷿ الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: رَضيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩].\nوقوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: ١٨].\nالدليل من السنة:\nحديث عائشة ﵂: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» (١).\nحديث: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا» (٢).\nقال أبو إسماعيل الصابوني: وكذلك يقولون (أي: الإثبات) في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح؛ من: السمع، والبصر، والعين والرضى، والسخط، والحياة اهـ (٣).\nوقد استشهد شيخ الإسلام ابن تيمية في (الواسطية) (٤)، و(التدمرية) (٥) ببعض ما مضى على إثبات صفة الرضى لله تعالى على ما يليق به.\nوانظر: صفة (الغضب) وكلام ابن كثير في صفة (السمع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٢\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٨٦).\n(٢) رواه مسلم (١٧١٥).\n(٣) «عقيدة السلف أصحاب الحديث» (ص٥).\n(٤) (ص١٠٨).\n(٥) (ص٢٦).","vol":"2","page":123},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-461> الرفق</span>\nمن الصفات الفعلية الخبريَّة الثابتة لله ﷿، و(الرفيق) اسم من أسمائه تعالى\nالدليل:\nحديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «يا عائشة! إنَّ الله رفيق، يحب الرفق في الأمر كله» (١).\nحديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا، فَشَقَّ عليهم، فاشقُقْ عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا، فرفق بهم، فارفق به» (٢).\nقال أبو يعلى الفراء اعلم أنه غير ممتنع وصفه بالرفق لأنه ليس في ذلك ما يحيل على صفاته، وذلك أنَّ الرفق هو الإحسان والإنعام وهو موصوف بذلك لما فيها من المدح، ولأن ذلك إجماع الأمة اهـ (٣).\nوقال ابن القيم (٤):\nوهُوَ الرَّفِيقُ يُحبُّ أهل الرِّفْقِ بَلْ ... يُعطيهمُ بالرِّفقِ فَوْق أمَانِي\nقال الهرَّاس: ومن أسمائه (الرفيق)، وهو مأخوذ من الرفق الذي هو التأني في الأمور والتدرج فيها، وضده العنف الذي هو الأخذ فيها بشدة واستعجال اهـ.\nوفي (تهذيب اللغة): قال الليث: الرفق: لين الجانب، ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٩٢٧)، ومسلم (٢١٦٥).\n(٢) رواه مسلم (١٨٢٨).\n(٣) «إبطال التأويلات» (ص٤٦٧).\n(٤) «القصيدة النونية» (٢/ ٨٦).\n(٥) (٩/ ١٠٩).","vol":"2","page":124},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-462> الرقيب</span>\nيُوصف الله ﷿ بأنه الرقيب، وهو من صفات الذات، و(الرقيب) اسمٌ من أسماء الله الثابتة بالكتاب.\nالدليل:\nقوله تعالى: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:١].\nوقوله تعالى: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة: ١١٧].\nقال ابن منظور في (اللسان): الرقيب: فعيل بمعنى فاعل، وهو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.\nوقال ابن الأثير: الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء (١).\nوقال السعدي: الرقيب: المطلع على ما أكنَّته الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت، الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام وأكمل تدبير (٢).\nقال القرطبي: رقيب؛ بمعنى: رَاقِب، فهو من صفات ذاته، راجعة إلى العلم والسمع والبصر؛ فإن الله تعالى رقيب على الأشياء بعلمه المقدس عن مباشرة النسيان، ورقيب للمبصَرات ببصره الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ورقيب للمسموعات بسمعه المُدرِكِ لكل حركة وكلام؛ فهو سبحانه رقيب عليها بهذه الصفات، تحت رِقبته الكليات والجزئيات وجميع الخفيات في الأرضين والسماوات، ولا خفي عنده، بل جميع الموجودات كلها على نمطٍ واحدٍ، في أنها تحت رِقبته التي هي من صفته اهـ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٤\n_________\n(١) «جامع الأصول» (٤/ ١٧٩).\n(٢) «التفسير» (٥/ ٣٠١).\n(٣) «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» (١/ ٤٠١).","vol":"2","page":125},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-463> الرَّوْحُ</span>\nالرَّوح؛ بفتح الراء وسكون الواو؛ بمعنى: الرحمة، ونسيم الريح، والراحة (انظر: (لسان العرب)، وعلى المعنى الأول تكون صفة لله ﷿.\nورود (رَوْح) بمعنى (رحمة) في القرآن الكريم: في قوله تعالى: وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧].\nقال ابن جرير: إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ؛ يقول: لا يقنط من فرجه ورحمته ويقطع رجاءه منه، ثم نقل بسنده عن قتادة قوله: وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ؛ أي: من رحمته اهـ (١).\nوقال البغوي: مِنْ رَوْحِ اللهِ؛ أي: من رحمة الله، وقيل: من فَرَجِه.\nوقال السعدي في تفسير الآية أيضًا: وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ؛ فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد فضل الله وإحسانه ورحمته وروْحه إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ، فإنهم لكفرهم يستَبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبَّهوا بالكافرين، ودلَّ هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه (٢).\nورود لفظة (رَوْح) في السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا «الريح من رَوْح اللهِ» (٣).\nو(رَوْح) هنا إما بمعنى رحمة أو هي نسيم الريح، وعلى الأول تكون صفة، وعلى الثاني تكون من إضافة المخلوق لله ﷿.\nقال ابن الأثير: وفيه: (الريح من روح الله)؛ أي: من رحمته بعباده (٤).\nوقال النووي: (من روح الله)؛ هو بفتح الراء، قال العلماء: أي: من رحمة الله بعباده (٥).\nوقال شمس الحق العظيم آبادي: (الريح من روح الله)؛ بفتح الراء؛ بمعنى الرحمة؛ كما في قوله تعالى: وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٦).\nوقال أحمد شاكر: وقوله: (من روح الله)؛ بفتح الراء وسكون الواو؛ أي: من رحمته بعباده اهـ (٧).\nوبنحوه قال الألباني - ﵀ - في (الكلم الطيب) (٨).\nولشيخ الإسلام تفسير آخر للحديث، سيأتي ذكره قريبًا في لفظة (رُوح)؛ بالضم، وكأنه جعل لفظ الحديث: «الريح من رُوحِ الله». صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٦\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٦/ ٢٣٢ – شاكر).\n(٢) «تفسير السعدي» (٤/ ٢٧).\n(٣) رواه أبو داود (٥٠٩٧)، وابن ماجه (٣٧٢٧)، وأحمد (٢/ ٢٦٧) (٧٦١٩). والحديث سكت عنه أبو داود. قال النووي في «الأذكار» (٢٣٢): إسناده حسن. قال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ٢٧٢):حسن صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا ثابت بن قيس. وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٤) النهاية (٢/ ٢٧٢)\n(٥) في (الأذكار/ ٢٣٢)\n(٦) «عون المعبود» (١٤/ ٣).\n(٧) «شرح المسند» (١٣/ ١٤٤).\n(٨) (١٥٣)","vol":"2","page":126},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-464> الرُّوُحُ</span>\nالرُّوح؛ بالضم: خلقٌ من مخلوقات الله ﷿، أضيفت إلى الله إضافة ملكٍ وتشريفٍ لا إضافة وصف؛ فهو خالقها ومالكها، يقبضها متى شاء ويرسلها متى شاء سبحانه، وقد وردت في الكتاب والسنة مضافة إلى الله ﷿ في عدة مواضع.\nذكرها في الكتاب:\nقوله تعالى: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء: ١٧١].\nوقوله: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩،ص: ٧٢].\nوقوله: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًَّا [مريم: ١٧].\nوقوله: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [السجدة: ٩].\nذكرها في السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ في استفتاح الجنة، وفيه: «فيأتون آدم ثم موسى ﵉، فيقول: اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه» (١).\nحديث أبي هريرة ﵁ في الشفاعة، وفيه: «يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» (٢).\nأقوال العلماء في (الرُّوح) المضافة إلى الله تعالى:\n١ - قال ابن تيمية: فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق؛ كقوله تعالى: (بيت الله)، وناقة الله، وعباد الله، بل وكذلك (روح الله) (٣) عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم، ولكن؛ إذا أضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره؛ مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله ونحو ذلك؛ كان صفة له (٤).\nوقال في (مجموع الفتاوى): وقال النبي ﷺ: «الريح من روح الله» (٥)؛ أي: من الروح التي خلقها الله، فإضافة الروح إلى الله إضافة ملك، لا إضافة وصف؛ إذ كل ما يضاف إلى الله إن كان عينًا قائمة بنفسها فهو ملك له، وإن كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به؛ فهو صفة لله؛ فالأول كقوله نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس:١٣]، وقوله: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا [مريم:١٧]، وهو جبريل، فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا [مريم:١٧ - ١٩]، وقال: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا [التحريم:١٢]، وقال عن آدم: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر:٢٩] (٦).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٥). والحديث رواه البخاري (٤٤٧٦) عن أنس ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤).\n(٣) ليس في القرآن بيت الله بل فيه بيتي [الحج:٢٦] وفيه روح الله [يوسف:٨٧] بفتح الراء لا بضمها وفيه روحي [الحجر:٢٩].\n(٤) «الجواب الصحيح» (٣/ ١٤٥).\n(٥) رواه أبو داود (٥٠٩٧)، وابن ماجه (٣٧٢٧)، وأحمد (٢/ ٢٦٧) (٧٦١٩). والحديث سكت عنه أبو داود. قال النووي في «الأذكار» (٢٣٢): إسناده حسن. وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ٢٧٢): حسن صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا ثابت بن قيس. وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٩/ ٢٩٠)","vol":"2","page":127},{"text":"٢ - وقال ابن القيم: فصل: وأما المسألة السابعة عشرة، وهي: هل الروح قديمة أم محدثة مخلوقة؟ وإذا كانت محدثة مخلوقة، وهي من أمر الله؛ فكيف يكون أمر الله محدثًا مخلوقًا؟ وقد أخبر سبحانه أنه نفخ في آدم من روحه؛ فهذه الإضافة إليه هل تدل على أنها قديمة أم لا؟ وما حقيقة هذه الإضافة؛ فقد أخبر عن آدم أنه خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، فأضاف اليد والروح إليه إضافة واحدة؟.\nفهذه مسألة زلَّ فيها عالم، وضل فيها طوائف من بني آدم، وهدى الله أتباع رسوله فيها للحق المبين والصواب المستبين، فأجمعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة، هذا معلوم بالاضطرار من دين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم؛ كما يُعلم بالاضطرار من دينهم أنَّ العالم حادث، وأن معاد الأبدان واقع، وأن الله وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق له، وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم - وهم القرون المفضلة - على ذلك من غير اختلاف بينهم في حدوثها وأنها مخلوقة، حتى نبغت نابغة ممَّن قصر فهمه في الكتاب والسنة، فزعم أنها قديمة غير مخلوقة، واحتج بأنها من أمر الله، وأمره غير مخلوق، وبأن الله تعالى أضافها إليه كما أضاف إليه علمه وكتابه وقدرته وسمعه وبصره ويده، وتوقف آخرون فقالوا: لا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة.\nثم نقل كلام الحافظ أبي عبد الله بن منده والحافظ محمد بن نصر المروزي، وهما ممن يقولان بأنها مخلوقة، ثم قال: ولا خلاف بين المسلمين أنَّ الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومَن سواه من بني آدم كلها مخلوقة لله، خلقها وأنشأها وكوَّنها واخترعها، ثم أضافها إلى نفسه كما أضاف إليه سائر خلقه، قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣] اهـ (١).\n٣ - وقال ابن كثير في (التفسير): فقوله في الآية والحديث: وَرُوحٌ مِنْهُ؛ كقوله: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:١٣]؛ أي: من خلقه ومن عنده، وليست (من) للتبعيض؛ كما تقول النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة، بل هي لابتداء الغاية، وقد قال مجاهد في قوله:: وَرُوحٌ مِنْهُ، أي ورسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول؛ أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف؛ كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله اهـ.\nلكن روى الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «حتى لا يبقى في الأرضين إلا شرار أهلها، وتلفظهم أرضوهم، وتقذرهم رُوح الرحمن ﷿» (٢) قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده ضعيف، ولكن الغريب أنه علق على الحديث بقوله: روح الرحمن من الصفات التي يجب الإيمان بها دون تأويل أو إنكار، من غير تشبيه ولا تمثيل، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، ﷾!\nقلت: هذا مردود بما سبق، والحديث ضعيف.\nنقل أبو موسى المديني في (المجموع المغيث) كلامًا نافعًا جدًا لأبي إسحاق إبراهيم الحربي عن الاختلاف في قراءة وتفسير (الرَّوْح)؛ فراجعه إن شئت (٣).\nفائدة:\nقال شيخ الإسلام: لم يعبر أحدٌ من الأنبياء عن حياة الله بأنها رُوُحُ الله فمن حمل كلام أحدٍ من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب اهـ (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٨\n_________\n(١) «الروح» (ص٥٠١).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٨٤) (٥٥٦٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٥٤): رواه أحمد في حديث طويل في قتال أهل البغي وفيه أبو جناب الكلبي وهو ضعيف. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٧/ ٢٦٨): ضعيف.\n(٣) «المجموع المغيث» (١/ ٨١٢ - ٨١٤).\n(٤) «الجواب الصحيح» (٤/ ٥٠).","vol":"2","page":128},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-465> الزارع</span>\nيُوصف الله ﷿ بأنه الزَّارِع، ولكنه ليس اسمًا من أسمائه.\nوقد وردت هذه الصفة في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٤].\nقال القرطبي في تفسير هذه الآية: أضاف الحرث إليهم والزَّرعَ إليه تعالى؛ لأن الحرث فعلهم، ويجري على اختيارهم، والزرع من فعل الله تعالى، وينبت على اختياره، لا على اختيارهم اهـ.\nوقال الشيخ محمد العثيمين - ﵀ - في جواب له عن سؤال: لماذا كان التسمي بعبد الحارث من الشرك مع أنَّ الله هو الحارث؟\nقال: أما قول السائل في سؤاله (مع أنَّ الله هو الحارث)؛ فلا أعلم اسمًا لله تعالى بهذا اللفظ، وإنما يوصف ﷿ بأنه الزَّارِع، ولا يسمى به؛ كما في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة:٦٤] اهـ (١). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦٢\n_________\n(١) «فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين» (١/ ٢٥).","vol":"2","page":129},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-466> الساق</span>\nصفةٌ من صفات الذات الخبريَّة، ثابتةٌ لله تعالى بالكتاب وصريحِ السنة الصحيحة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢].\nالدليل من السنة:\nحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن» (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الوجه السادس: أنه من أين في ظاهر القرآن أنَّ لله ساقًا وليس معه إلا قوله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، والصحابة قد تنازعوا في تفسير الآية؛ هل المراد به الكشف عن الشِّدَّة، أو المراد به أنه يكشف الرب عن ساقه؟ ولم تتنازع الصحابة والتابعون فيما يذكر من آياتِ الصفات إلا في هذه الآية؛ بخلاف قوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥]، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:٢٧] ونحو ذلك؛ فإنه لم يتنازع فيها الصحابة والتابعون، وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أنَّ ذلك صفة لله تعالى؛ لأنه قال: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، ولم يقل: عن ساق الله، ولا قال: يكشف الرب عن ساقه، وإنما ذكر ساقًا نكرة غير معرفة ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله، والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن، وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في (الصحيحين)، الذي قال فيه «فيكشف الرب عن ساقه»، وقد يقال: إنَّ ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود، والسجود لا يصلح إلا لله، فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه وأيضًا فحمل ذلك على الشِّدَّة لا يصح، لأن المستعمل في الشِّدَّة أن يقال: كشف الله الشِّدَّة، أي: أزالها، كما قال: فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ [الزخرف:٥٠]، وقال: فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ [الأعراف:١٣٥]، وقال: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [المؤمنون:٧٥]، وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أن يقال: كشف الشِّدَّة؛ أي: أزالها؛ فلفظ الآية: يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، وهذا يراد به الإظهار والإبانة؛ كما قال: كَشَفْنَا عَنْهُمُ وأيضًا فهناك تحدث الشِّدَّة لا يزيلها، فلا يكشف الشِّدَّة يوم القيامة، لكن هذا الظاهر ليس ظاهرًا من مجرد لفظة سَاقٍ، بل بالتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود اهـ (٢).\nولتلميذه ابن القيم في (الصواعق المرسلة) كلام شبيه بهذا، قال ﵀: الثامن: أن نقول من أين في ظاهر القرآن أنَّ لله ساقًا؟ وليس معك إلا قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم: ٤٢]، والصحابة متنازعون في تفسير الآية؛ هل المراد الكشف عن الشِّدَّة، أو المراد بها أنَّ الرب تعالى يكشف عن ساقه؟ ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع، وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أنَّ ذلك صفة الله؛ لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه، وإنما ذكره مجردًا عن الإضافة منكرًا، والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل، وفيه: «فيكشف الرب عن ساقه، فيخرون له سُجَّدًا»، ومن حمل الآية على ذلك؛ قال: قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ [القلم: ٤٢]: مطابق لقوله ﷺ: «فيكشف عن ساقه، فيخرون له سجدًا» وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة؛ جلت عظمتها، وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه قالوا: وحمل الآية على الشِّدَّة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال: كُشِفَتِ الشِّدَّة عن القوم، لا كُشِف عنها، كما قال الله تعالى: فَلَمَّا كشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ [الزخرف: ٥٠]، وقال: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ [المؤمنون: ٧٥]؛ فالعذاب والشِّدَّة هو المكشوف لا المكشوف عنه، وأيضًا فهناك تحدث الشِّدَّة وتشتد ولا تزال إلا بدخول الجنة، وهناك لا يدعون إلى السجود، وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشِّدَّة اهـ (٣)\nقلتُ: ليس مقصود الإمامين الجليلين أنَّ الصحابة اختلفوا في إثبات صفة السَّاق لله ﷿ مع ورودها صراحةً في حديث أبي سعيد المتقدم، بل مقصودهما أنهم اختلفوا في تفسير الآية؛ هل المراد بها الكشف عن الشِّدَّة، أو المراد الكشف عن ساق الله؟ والله أعلم. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٣٩) واللفظ له، ومسلم (١٨٣).\n(٢) «نقض أساس التقديس» (ق/٢٦١).\n(٣) (١/ ٢٥٢).","vol":"2","page":130},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-467> السبوح</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه السُبُّوح، وهذا ثابت بالسنة الصحيحة، والسُبُّوح من أسماء الله تعالى، أثبته ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (١)، والشيخ العثيمين -﵀- في (القواعد المثلى).\nالدليل:\nحديث عائشة ﵂؛ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوح قُدُّوس رب الملائكة والروح» (٢).\nالمعنى:\nقال الفيروزأبادي في (القاموس المحيط): سُبُّوح قُدُّوس-ويفتحان- من صفاته تعالى؛ لأنه يُسَبَّحُ ويُقَدَّس.\nوقال ابن قتيبة: ومن صفاته: (سُبُّوح)، وهو حرف مبني على (فُعُّول)، من (سبَّح الله): إذا نَزَّهه وبرَّأه من كل عيب، ومنه قيل: سبحان الله؛ أي: تَنْزيهًا لله، وتبرئة له من ذلك اهـ (٣).\n(قال أبو إسحاق الزجاج: السبوح: الذي ينزه عن كل سوء، وقال الحليمي: السبوح معناه: المنزه عن المعائب، والصفات التي تعتري المحدثين من ناحية الحدث، والتسبيح: التنزيه) وقال النووي في شرحه لـ (صحيح مسلم) في الحديث المتقدم: قوله: «سُبُّوح قُدُّوس»: هما بضم السين والقاف وبفتحهما، والضم أفصح وأكثر قال الجوهري في (فصل: ذرح): كان سيبويه يقولهما بالفتح وقال الجوهري في (فصل: سبح): سُبُّوح من صفات الله تعالى قال ثعلب: كل اسم على فعول؛ فهو مفتوح الأول؛ إلا السُبُّوح والقُدُّوس؛ فإن الضم فيهما أكثر، وكذلك الذروح، وهي دويبة حمراء منقطة بسواد تطير، وهي من ذوات السموم وقال ابن فارس والزبيدي وغيرهما: سُبُّوح هو الله ﷿؛ فالمراد بالسُبُّوح القُدُّوس المسَبَّح المقدَّس؛ فكأنه قال: مُسَبَّحٌ مُقَدَّسٌ رب الملائكة والروح، ومعنى سُبُّوح: المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية، وقُدُّوس: المطهر من كل ما لا يليق بالخالق، وقال الهروي: قيل: القُدُّوس المبارك قال القاضي عياض: وقيل فيه: سُبُّوحًا قُدُّوسًا على تقدير: أسبح سُبُّوحًا أو أذكر أو أعظم أو أعبد.\nوقوله: «رب الملائكة والرُّوح»؛ قيل: الرُّوح ملك عظيم وقيل: يحتمل أن يكون جبريل ﵇ وقيل: خلق لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة، والله ﷾ أعلم. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦٦\n_________\n(١) (٢٢/ ٤٨٥).\n(٢) رواه مسلم (٤٨٧).\n(٣) «تفسير غريب القرآن» (ص٨).","vol":"2","page":131},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-468> الستر</span>\nصفةٌ فعليةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالسنة الصحيحة، و(السِّتِّير) من أسمائه تعالى\nالدليل:\nحديث يعلى بن أمية ﵁ مرفوعًا: «إن الله ﷿ حليم، حيي، سِتِّير، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم؛ ليستتر» (١).\nحديث أبي هريرة ﵁: «لا يستر الله على عبد في الدنيا، إلا ستره الله يوم القيامة» (٢).\nقال ابن القيم (٣):\nوهو الحَيِيُّ فليسَ يفضحُ عبدَه ... عند التَّجاهُرِ منهُ بالعصيانِ\nلكنَّه يُلْقِي عليه سِتْرَهُ ... فَهُوَ السِّتِّير وصاحِبُ الغُفرَانِ\nوستِّير؛ أي: يحب الستر لعباده المؤمنين؛ ستر عوراتهم، وستر ذنوبهم، فيأمرهم أن يستروا عوراتهم، وأن لا يجاهروا بمعاصيهم في الدنيا، وهو يسترها عليهم في الآخرة.\nفائدة: اعلم أنَّ (السَّتَّار) ليس من أسمائه تعالى، ولم يرد ما يدل على ذلك؛ خلاف ما هو شائع عند عوام الناس. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦٧\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٠١٢) من غير لفظة «حليم»، والنسائي (١/ ٢٠٠)، وأحمد (٤/ ٢٢٤). من حديث يعلى بن أمية ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال النووي في «الخلاصة» (١/ ٢٠٤)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه مسلم (٢٥٩٠).\n(٣) «القصيدة النونية» (٢/ ٨٠).","vol":"2","page":132},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-469> السخرية بالكافرين</span>\nمن الصفات الفعليَّة الخبريَّة الثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: ٧٩]\nالدليل من السنة:\nحديث عبد الله بن مسعود ﵁ في آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولًا فيها، وفيه أنه قال يخاطب الله ﷿: «أتسخر بي؟ أو تضحك بي وأنت الملك» (١).\nقال الأزهري: يُقال: سَخِرَ منه وبه: إذا تَهَزَّأ به (٢).\nقال قَوَّام السنة: وتولى الذب عنهم (يعني: المؤمنين) حين قالوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، فقال: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:١٤ - ١٥]، وقال: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ، وأجاب عنهم، فقال: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ [البقرة:١٣]، فأجل أقدارهم أن يوصفوا بصفة عيب، وتولى المجازاة لهم، فقال: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، وقال: سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ؛ لأن هاتين الصفتين إذا كانت من الله؛ لم تكن سفهًا، لأن الله حكيم، والحكيم لا يفعل السفه، بل ما يكون منه يكون صوابًا وحكمة (٣).\nوقال شيخ الإسلام في (مجموع الفتاوى) عند الرد على من زعم أنَّ هناك مجازًا في القرآن: وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن؛ كلفظ (المكر) و(الاستهزاء) و(السخرية) المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة؛ كانت ظلمًا له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله؛ كانت عدلًا؛ كما قال تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:٧٦]، فكاد له كما كادت إخوته لما قاله له أبوه: لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:٥]، وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٥]، وقال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ [النمل:٥١]، وقال تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ [التوبة:٧٩] اهـ (٤).\nفأهل السنة والجماعة يثبتون صفة السخرية لله ﷿ كما أثبتها لنفسه، كما يثبتون صفة الكيد والمكر، ولا يخوضون في كيفيتها، ولا يشبهونها بسخرية المخلوق؛ فالله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١].\nوانظر كلام ابن جرير الطبري في صفة (الاستهزاء)، فإنه مهم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٧١)، ومسلم (١٨٦).\n(٢) «تهذيب اللغة» (٧/ ١٦٧).\n(٣) «الحجة» (١/ ١٦٨).\n(٤) (٧/ ١١١).","vol":"2","page":133},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-470> السَّخَطُ أو السُّخْطُ</span>\nصفةٌ من صفات الله الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ [المائدة: ٨٠].\nقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [محمد: ٢٨].\nالدليل من السنة:\nحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «إن الله ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك (إلى أن قال فيه:) فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني؛ فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» (١).\nحديث بريدة ﵁: «لا تقولوا للمنافق سيد، فإن يك سيدًا؛ فقد أسخطتم ربكم ﷿» (٢).\nقال أبو إسماعيل الصابوني: وكذلك يقولون في جميع الصفات (يعني: الإثبات) التي نزل بها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والرضى والسخط اهـ (٣).\nوقال الشيخ محمد خليل الهرَّاس في (شرحه للواسطية) تعليقًا على بعض الآيات التي أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية فيها بعض صفات الله ﷿ الفعلية: تضمنت هذه الآيات إثبات بعض صفات الفعل؛ من الرضى لله، والغضب، واللعن، والكره، والسخط، والمقت، والأسف، وهي عند أهل الحق صفات حقيقية لله ﷿، على ما يليق به، ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم في المخلوق (٤).\nوانظر كلام ابن كثير في: صفة (السمع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).\n(٢) رواه أبو داود (٤٩٧٧)، وأحمد (٥/ ٣٤٦) (٢٢٩٨٩). وسكت عنه أبو داود، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٤٤): إسناده صحيح. وقال النووي في «الأذكار» (ص٤٤٩): إسناده صحيح. وقال الألباني في «سنن أبي داود»: صحيح.\n(٣) «عقيدة السلف أصحاب الحديث» (ص٥)\n(٤) «شرح العقيدة الواسطية» (ص١٠٨).","vol":"2","page":134},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-471> السرعة</span>\nصفةٌ فعليَّةٌ اختياريةٌ ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة الصحيحة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة: ٢٠٢، النور: ٣٩].\nوقوله: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ [الأنعام: ١٦٥].\nالدليل من السنة:\nحديث عائشة ﵂، قالت: «كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟! فلما أنزل الله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ؛ قلت: ما أرى ربَّك إلا يسارع في هواك» (١).\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إن الله قال: إذا تلقَّاني عبدي بشبر؛ تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع؛ تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع؛ جئته أتيته بأسرع» (٢).\nقال ابن جرير في تفسير الآية ٢٠٢ من سورة البقرة: وإنما وصف جَلَّ ثناؤه نفسه بسرعة الحساب لأنه جَلَّ ذكره يحصي ما يحصي من أعمال عباده بغير عقد أصابع، ولا فكرٍ، ولا روية، فِعْلَ العجزةِ الضَّعَفة من الخلق، ولكنه لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزُب عنه مثقالُ ذرة فيهما، ثم هو مجازٍ عباده على كلِّ ذلك، فلذلك جَلَّ ذكره أُمْتُدِحَ بسرعة الحساب.\nوقال أيضًا: القولُ في تأويل قوله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر: ١٧] إن الله ذو سرعة في محاسبة عباده يومئذٍ على أعمالهم التي عملوها في الدنيا.\nوقال الشوكاني في (فتح القدير) في تفسير آية البقرة السابقة: والمعنى أن حسابه لعباده في يوم القيامة سريعٌ مجيئه فبادروا ذلك بأعمال الخير، أو أنه وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم، وأنه لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ فيحاسبهم في حالة واحدة.\nوقال أيضًا في تفسير قوله تعالى وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد: ٤١]: وهو سريع الحساب فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته على السرعة.\nوقد عدَّ الحافظ أبو عبد الله بن منده ﵀ (السريع) من أسماء الله في كتابه، مستشهدًا بحديث أبي هريرة السابق، ووافقه عليه محقق الكتاب (٣)، وفي ذلك نظرٌ كبيرٌ، ولكن عدُّهما له اسمًا يتضمن أنه صفة عندهما.\nفالله ﷿ سريعٌ في حسابه، سريعٌ عقابه، سريعٌ في إتيانه ومجيئه، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ سبحانه. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧١\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٧٨٨)، ومسلم (١٤٦٤).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٧٥) (٣).\n(٣) «التوحيد» (٢/ ١٣٧).","vol":"2","page":135},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-472> السكوت</span>\nيُوصف ربنا ﷿ بالسُّكوت كما يليق به سبحانه، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ وهذا ثابتٌ بالسنة الصحيحة، وهي صفةٌ فعليَّةٌ اختيارية متعلقة بمشيئته ﷾.\nالدليل:\nحديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا: «ما أحلَّ الله في كتابه فهو الحلال، وما حَرَّم فهو الحرام، وما سكت عنه فهو عَفْوٌ، فاقبلوا من الله عافيته» الحديث (١).\nحديث سلمان الفارسي ﵁: الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه؛ فهو مما عفا لكم (٢).\nقال شيخ الإسلام: قال شيخ الإسلام (يعني: أبا إسماعيل الأنصاري): فطار لتلك الفتنة (يعني: التي وقعت بين الإمام أبي بكر بن خزيمة وأصحابه) ذاك الإمام أبو بكر، فلم يزل يصيح بتشويهها، ويصنف في ردها، كأنه منذر جيش، حتى دون في الدفاتر، وتمكن في السرائر، ولقن في الكتاتيب، ونقش في المحاريب: إنَّ الله متكلم، إن شاء تكلم، وإن شاء سكت؛ فجزى الله ذاك الإمام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه، وتوقير نبيه خيرًا، قلت: في حديث سلمان عن النبي ﷺ: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» (٣) رواه أبو داود ويقول الفقهاء في دلالة المنطوق والمسكوت، وهو ما نطق به الشارع - وهو الله ورسوله - وما سكت عنه: تارة تكون دلالة السكوت أولى بالحكم من المنطوق، وهو مفهوم الموافقة، وتارة تخالفه، وهو مفهوم المخالفة، وتارة تشبهه، وهو القياس المحض فثبت بالسنة والإجماع أنَّ الله يوصف بالسكوت، لكن السكوت يكون تارة عن التكلم وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه اهـ (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧٣\n_________\n(١) رواه الطبراني في «مسند الشاميين» (٦/ ٢٤٩)، والحاكم (٢/ ٤٠٦). قال البزار في «البحر الزخار» (١٠/ ٢٧): إسناده صالح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في «التلخيص»: صحيح. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٧١): رواه البزار والطبراني في «الكبير» وإسناده حسن ورجاله موثقون. وقال الألباني في «التعليقات الرضية» (٣/ ٢٤): صحيح.\n(٢) رواه الترمذي (١٧٢٦)، وابن ماجه (٣٣٦٧)، والحاكم (٤/ ١٢٩). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح مفسر في الباب وسيف بن هارون لم يخرجا له. ووافقه الذهبي. وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١٨٥): معنى هذا الحديث ثابت في الصحيح. وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢١٦): محفوظ عن سلمان الفارسي موقوفًا عليه أو مرفوعًا إلى النبي ﷺ. وقال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (١/ ٢٢٢): إسناده جيد مرفوع. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن.\n(٣) رواه الترمذي (١٧٢٦)، وابن ماجه (٣٣٦٧)، والحاكم (٤/ ١٢٩). من حديث سلمان ﵁. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح مفسر في الباب وسيف بن هارون لم يخرجا له. ووافقه الذهبي. وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١٨٥): معنى هذا الحديث ثابت في الصحيح. وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢١٦): محفوظ عن سلمان الفارسي موقوفًا عليه أو مرفوعًا إلى النبي ﷺ. وقال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (١/ ٢٢٢): إسناده جيد مرفوع. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن. ورواه بنحوه أبو داود (٣٨٠٠) موقوفًا على ابن عباس ﵄ وسكت عنه وقال النووي في «المجموع شرح المهذب» (٩/ ٢٥): إسناده حسن. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (١/ ٣٦٧): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «غاية المرام» (ص٣٤).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٧٨).","vol":"2","page":136},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-473> السلام</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه السلام، وهو اسم له ثابت بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ [الحشر: ٢٣].\nالدليل من السنة:\nحديث ثوبان ﵁: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (١).\nقال ابن قتيبة: ومن صفاته (السلام)؛ قال: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِن، ومنه سمي الرجل: عبد السلام؛ كما يُقال: عبد الله، ويرى أهل النظر من أصحاب اللغة أنَّ السلام بمعنى السلامة؛ كما يُقال: الرَّضاع والرَّضاعة، واللَّذاذ واللَّذاذة؛ قال الشاعر:\nتُحَيِّي بالسلامةِ أُمَّ بَكْرٍ ... فَهَلْ لَكَ بَعْدَ قَوْمِكَ مِنْ سَلامِ\nفسمى نفسه جلَّ ثناؤه سلامًا لسلامته مما يلحق الخلق من العيب والنقص والفناء والموت اهـ (٢).\nوقال الخطابي: السلام في صفة الله سبحانه هو الذي سلم من كل عيب، وبريء من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين؛ وقيل: الذي سلم الخلق من ظلمه (٣).\nوقال ابن كثير في تفسير الآية السابقة: السلام؛ أي: من جميع العيوب والنقائص؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.\nوقال ابن الأثير: السلام: ذو السلام؛ أي: الذي سلم من كل عيب وبريء من كل آفة (٤).\nوقال السعدي: القُدُّوس السَّلام؛ أي: المعظم المنَزَّه عن صفات النقص كلها، وأن يماثله أحد من الخلق؛ فهو المتنَزِّه عن جميع العيوب، والمتنَزِّه عن أن يقاربه أو يماثله أحدٌ في شيء من الكمال (٥).\nوقال البيهقي: السلام: هو الذي سلم من كل عيب، وبريء من كلِّ آفة، وهذه صفة يستحقها بذاته (٦). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧٥\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٩١).\n(٢) «تفسير غريب القرآن» (ص: ٦).\n(٣) «شأن الدعاء» (ص: ٤١).\n(٤) «جامع الأصول» (٤/ ١٧٦).\n(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠٠).\n(٦) «الاعتقاد» (ص: ٥٥).","vol":"2","page":137},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-474> السلطان</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه (ذو سلطان)، والسُّلطان صفةٌ من صفاته يستعيذ الإنسان بها كما يستعيذ بالله وبسائر صفاته، وهذا ثابتٌ في الحديث الصحيح.\nالدليل:\nحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، «عن النبي ﷺ؛ أنه كان إذا دخل المسجد يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» (١).\nقال الأزهري: وقال الليث: السُّلطان: قدرة الملك وقدرة من جعل ذلك له، وإن لم يكن ملكًا (٢).\nقال أبو محمد الجويني: نصفه بما وصف به نفسه من الصفات التي توجب عظمته وقدسه ذو الوجه الكريم، والسمع السميع، والبصر البصير والقدرة والسُّلطان والعظمة (٣).\nقال الحافظ ابن القيم (٤):\nوالرُّوُحُ والأمْلاكُ تَصْعَدُ في مَعَا رِجِهِ إليْهِ جَلَّ ذُو السُّلْطَانِ صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧٦\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٦). وسكت عنه. وقال النووي في «الأذكار» (ص٤٦): حديث حسن رواه أبو داود بإسناد جيد. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) «تهذيب اللغة» (١٢/ ٣٣٦).\n(٣) «رسالة إثبات الاستواء والفوقية» (ص١٧٥).\n(٤) «القصيدة النونية» (١/ ٤١٥).","vol":"2","page":138},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-475> السمع</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، و(السميع) من أسمائه تعالى\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]\nوقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]\nوقوله: قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١]\nالدليل من السنة:\nحديث عائشة ﵂ في قصة المجادلة وقولها: «الحمد لله الذي وسع سمعُه الأصوات» (١).\nحديث عائشة ﵂؛ أنها قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة (وفي الحديث:) فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال» (٢).\nفأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله سميع بسمع يليق بجلاله وعظمته، كما أنه بصير ببصر، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.\nقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أنه ﷿ يسمع ويرى (٣).\nقال الحافظ ابن القيم: وهو سميعٌ بصيرٌ له السَّمْعُ والبصر، يسمع ويبصر وليس كمثله شيءٌ في سمعه وبصره (٤).\nوقال الحافظ ابن كثير في رسالته (العقائد): فإذا نطق الكتاب العزيز، ووردت الأخبار الصحيحة، بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضى والسخط والحب والبغض والفرح والضحك؛ وجب اعتقاد حقيقته؛ من غير تشبيهٍ بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله ﷾ ورسوله ﷺ؛ ولا زيادة عليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، وإزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك\nانظر: (علاقة الإثبات والتفويض) لرضا نعسان معطي (٥).\nوقال الهرَّاس: أمَّا السَّمْعُ فقد عبَّرت عنه الآيات بكل صيغ الاشتقاق، وهي: سَمِعَ، ويَسْمَعُ، وسَمِيعٌ، وأسْمَعُ، فهو صفة حقيقية لله، يدرك بها الأصوات (٦). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧٧\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم بعد حديث (٧٣٨٥)، ورواه موصولًا النسائي (٦/ ١٦٨)، وابن ماجه (١٨٨)، وأحمد (٦/ ٤٦) (٢٤٢٤١). قال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١/ ١٦٣)، وابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ٣٣٩)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥).\n(٣) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص٢٢٥).\n(٤) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٢٠).\n(٥) (ص٥١).\n(٦) «شرحه للواسطية» (١٢٠).","vol":"2","page":139},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-476> السيد</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه السَّيِّدُ، وهو اسمٌ ثابتٌ له بالسنة الصحيحة.\nالدليل:\nحديث عبد الله بن الشخير ﵁؛ قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ، فقلنا: أنت سيدنا فقال: «السَّيِّد الله ﵎» (١).\nقال ابن القيم (٢):\nوهوَ الإلهُ السَّيِّدُ الصَّمدُ الذي ... صَمَدَتْ إليهِ الخلقُ بالإذْعَانِ\nالكَامِلُ الأوْصَافِ منْ كُلِّ الوجُوه ... كَمالُهُ ما فيهِ مِنْ نُقْصَانِ\nومن معاني الصمد - كما سيأتي في بابه -: السَّيِّد الذي كَمُل في سؤدَدِه.\nوقال في (تحفة المودود): وأمَّا وصفُ الربِّ تعالى بأنه السَّيِّد فذلك وصفٌ لربه على الإطلاق، فإن سَيَّد الخلق هو مالك أمرهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن قوله يصدرون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقًا له ﷾ وملكًا له ليس لهم غنى عنه طرفة عين، وكل رغباتهم إليه، وكل حوائجهم إليه، كان هو ﷾ السَّيِّد على الحقيقة (٣).\nوقال في (بدائع الفوائد): السَّيِّد إذا أطلق عليه تعالى فهو بمعنى: المالك، والمولى، والرب، لا بالمعنى الذي يُطلق على المخلوق والله ﷾ أعلم اهـ (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧٩\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٨٠٦)، وأحمد (٤/ ٢٤) () وسكت عنه. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٤/ ٤٠٣):- كما أشار لذلك في المقدمة-. وقال الشوكاني في «الفتح الرباني» (٥٦٤٦): إسناده جيد. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) «القصيدة النونية» (٢/ ٩٤).\n(٣) (ص٨٠).\n(٤) (٣/ ٧٣٠).","vol":"2","page":140},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-477> الشافي</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الشَّافي، الذي يشفي عباده من الأسقام، و(الشَّافي) اسم من أسمائه تعالى الثابتة بالسنة الصحيحة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» [الشعراء: ٨٠].\nالدليل من السنة:\nحديث عائشة ﵄ مرفوعًا: «اللهم رب الناس! أذهب البأس، واشف أنت الشَّافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» (١).\nحديث عائشة ﵂ – في سِحْرِ النبي ﷺمرفوعًا: «أمَّا أنا فقد شفاني الله وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرًا» (٢). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨٠\n_________\n(١) البخاري (٥٧٤٣)، ومسلم (٢١٩١).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٦٨).","vol":"2","page":141},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-478> الشخص</span>\nيجوز إطلاق لفظة (شخص) على الله ﷿، وقد وردت هذه اللفظة في صحيح السنة.\nمن ذلك ما رواه مسلم من حديث سعد بن عبادة ﵁؛ قال: لو رأيت رجلًا مع امرأتي؛ لضربته بالسيف غير مصفح عنه فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حَرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك؛ بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك؛ وعد الله الجنة» (١) ورواه البخاري (٧٤١٦) بلفظ: «لا أحد»، لكنه قال: (وقال عبيد الله بن عمرو بن عبد الملك (أحد رواة الحديث): «لا شخص أغير من الله» (٢).\nوقال البخاري: باب: قول النبي ﷺ: «لا شخص أغير من الله» (٣).\nوقال ابن أبي عاصم في (السنة): باب: ذكر الكلام والصوت والشخص وغير ذلك (٤).\nوقال أبو يعلى الفراء في فصل عنونه المحقق بقوله: (إثبات صفة الشخص والغيرة لربنا جل شأنه)؛ قال بعد ذكر حديث مسلم السابق: اعلم أنَّ الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما: إطلاق صفة الغيرة عليه والثاني: في إطلاق الشخص أما الغيرة وأما لفظ الشخص فرأيت بعض أصحاب الحديث يذهب إلى جواز إطلاقه، ووجهه أنَّ قوله: «لا شخص» نفي من إثبات، وذلك يقتضي الجنس؛ كقولك: لا رجل أكرم من زيد؛ يقتضي أنَّ زيدًا يقع عليه اسم رجل، كذلك قوله: «لا شخص أغير من الله»؛ يقتضي أنه سبحانه يقع عليه هذا الاسم اهـ (٥)\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله في (شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري): قال (أي: البخاري): باب: قول النبي ﷺ: «لا شخص أغير من الله» الغيرة بفتح الغين والشخص: هو ما شخص وبان عن غيره، ومقصد البخاري أنَّ هذين الاسمين يطلقان على الله تعالى وصفًا له؛ لأن الرسول ﷺ أثبتهما لله، وهو أعلم الخلق بالله تعالى اهـ (٦).\nوتعقيبًا على قول عبيد الله القواريري: ليس حديثٌ أشدَّ على الجهمية من هذا الحديث (يعني: حديث مسلم)؛ قال حفظه الله (٧): وبهذا يتبين خطأ ابن بطال في قوله: أجمعت الأمة على أنَّ الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شخص؛ لأن التوقيف لم يرد به اهـ ذكره الحافظ وهذه مجازفة، ودعوى عارية من الدليل؛ فأين هذا الإجماع المزعوم؟! ومن قاله سوى المتأثرين ببدع أهل الكلام؛ كالخطاب، وابن فورك، وابن بطال؛ عفا الله عنا وعنهم؟!\nوقوله: لأن التوقيف لم يرد به: يبطله ما تقدم من ذكر ثبوت هذا اللفظ عن رسول الله ﷺ بطرق صحيحة لا مطعن فيها، وإذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ؛ وجب العمل به والقول بموجبه، سواء كان في مسائل الاعتقاد أو في العمليات، وقد صح عنه ﷺ إطلاق هذا الاسم - أعني: الشخص - على الله تعالى، فيجب اتباعه في ذلك على من يؤمن بأنه رسول الله، وهو ﷺ أعلم بربه وبما يجب له وما يمتنع عليه تعالى من غيره من سائر البشر.\nوتقدم أنَّ الشخص في اللغة: ما شخص وارتفع وظهر؛ قال في (اللسان): الشخص كل جسم له ارتفاع وظهور، والله تعالى أظهر من كل شيء وأعظم وأكبر، وليس في إطلاق الشخص عليه محذورٌ على أصل أهل السنة الذين يتقيدون بما قاله الله ورسوله اهـ. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨١\n_________\n(١) رواه مسلم (١٤٩٩).\n(٢) رواه البخاري (٧٤١٦).\n(٣) قبل حديث (٧٤١٦).\n(٤) (١/ ٢٢٥).\n(٥) (١/ ٢٢٥).\n(٦) (١/ ٣٣٥).\n(٧) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٣٣٨).","vol":"2","page":142},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-479> الشدة (بمعنى القوَّة)</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد: ١٣].\nوقوله تعالى: قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا [القصص: ٣٥].\nوقوله تعالى: نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ [الإنسان: ٢٨].\nالدليل من السنة:\nحديث: «اللهم اشْدُدْ وطأتك على مضر» (١).\nقال الزجاجي: (الشديد في صفات الله ﷿ على ضربين:\nأحدهما: أنْ يُرَادَ بالشديد: القويُّ؛ لأنه قد يقال للقوي من الآدميين: شديدٌ، وكأنه في صفات الآدميين، يذهب به إلى معنى شدة البدن وصلابته وجلده، وذلك في صفات الله ﷿ غير سائغ، بل يكون الشديد في صفاته بمعنى القوي حسب، والشديد: خلاف الضعيف.\nوالآخَرُ: أنْ يُراد بالشديدِ في صفاته ﷿: أنه شديد العقاب، فيرجع المعنى في ذلك في الحقيقة إلى أنَّ عذابَهُ شديدٌ؛ كما قال: إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:٧]، ألا ترى أنا إذا قُلنا: زيدٌ كثيرٌ العيال؛ أنَّ المعنى إنما هو وصف عيالهِ بالكثرة، وكذلك إذا قلنا: زيدٌ كثيرٌ المالِ؛ فإنَّما وصفنا مالهُ بالكَثْرةِ، وإنْ كان الخبر قد جَرى عليه لفظًا، وكذلك إذا قلنا: زيدٌ شديد العقاب؛ فإنما وَصَفنا عقابه بالشدَّة، فكذلك مجراه في قولنا: اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:١٩٦]: شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة:١٦٥] اهـ (٢).\nوقد عدَّ الزجاجي وابن منده في (كتاب التوحيد) ووافقه محققه (الشَّدِيدَ) من أسماء الله تعالى، ولا يُوافَقُونَ على ذلك. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٩٣٢) ومسلم (٦٧٥).\n(٢) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٩٢).","vol":"2","page":143},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-480> الشكر</span>\nصفةٌ فعليةٌ لله ﷿، و(الشاكر) و(الشكور) من أسمائه تعالى، وكل ذلك ثابت بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١٥٨].\nوقوله: وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن: ١٧].\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ في قصة ساقي الكلب ماءً، وفيه: «فنَزل البئر، فملأ خفه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له» (١).\nقال ابن منظور في (لسان العرب): والشكور: من صفات الله جل اسمه، معناه: أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد، فيضاعف لهم الجزاء، وشكره لعباده: مغفرة لهم.\nوقال أبو القاسم الزجاجي (٢): وقد تأتي الصِّفة بالفعل لله ﷿ ولعبده، فيقال: (العبد شكور لله)؛ أي: يشكر نعمته، والله ﷿ شكورٌ للعبد؛ أي: يشكر له عمله؛ أي: يجازيه على عمله، والعبد توابٌ إلى الله من ذنبه، والله توابٌ عليه؛ أي: يقبل توبته ويعفو عنه.\nقلت: تفسير شكر الله لعباده بالمغفرة والمجازاة قد يُفهم منه صرفه عن الحقيقة وهذا غير صحيح.\nقال ابن القيم (٣): وأما شكر الرب تعالى؛ فله شأن آخر؛ كشأن صبره، فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو الشكور على الحقيقة؛ فإنه يعطي العبد، ويوفقه لما يشكره عليه إلى آخر كلامه ﵀، وهو نفيس جدًا. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٣٦٣)، ومسلم (٢٢٤٤).\n(٢) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٥٢).\n(٣) «عدة الصابرين» (٤١٤).","vol":"2","page":144},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-481> الشهيد</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه (شهيد)، والشهيد اسم من أسمائه تعالى، وهذه الصفة ثابتة بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ [آل عمران: ١٨].\nقوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام: ١٩].\nالدليل من السنة:\nحديث حجة الوداع، وفيه: «اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب» (١).\nالمعنى:\nقال ابن الأثير: الشهيد: هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهد وشهيد؛ كعالم وعليم؛ أي أنه حاضر يشاهد الأشياء ويراها (٢).\nوقال الشيخ السعدي: الشهيد؛ أي: المطلع على جميع الأشياء، سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه اهـ (٣).\nو(شهد الله)؛ بمعنى: علم، وكتب، وقضى، وأظهر، وبيَّن انظر: (تهذيب اللغة). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨٧\n_________\n(١) رواه البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩) (٣١).\n(٢) «جامع الأصول» (٤/ ١٧٩).\n(٣) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠٣).","vol":"2","page":145},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-482> شيء</span>\nيصح إطلاق لفظة (شيء) على الله ﷿ أو على صفة من صفاته، لكن لا يقال: (الشيء) اسم من أسمائه تعالى.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام: ١٩]\nوقوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] والوجه صفةٌ ذاتيةٌ لله تعالى\nوقوله: أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الأنعام: ٩٣]، والقرآن كلام الله، وهو صفةٌ من صفاته، والقول في الصفة كالقول في الذات.\nالدليل من السنة:\nحديث سهل بن سعد ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ لرجل: «أمعك من القرآن شيْءٌ؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا؛ لسُوَرٍ سمَّاها» (١).\nقال البخاري في كتاب التوحيد من (صحيحه): باب: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللهُ، فسمى الله تعالى نفسه شيئًا، وسمى النبي ﷺ القرآن شيئًا، وهو صفةٌ من صفات الله، وقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ (ثم أورد حديثَ سهلٍ السابق).\nقال الشيخ عبد الله الغنيمان: يريد بهذا أنه يطلق على الله تعالى أنه شيء، وكذلك صفاته، وليس معنى ذلك أن الشيء من أسماء الله الحسنى، ولكن يخبر عنه تعالى بأنه شيء، وكذا يخبر عن صفاته بأنها شيء؛ لأن كل موجود يصح أن يقال: إنه شيء اهـ (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويفرق بين دعائه والإخبار عنه؛ فلا يدعى إلاَّ بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه؛ فلا يكون باسم سيء، لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه؛ مثل اسم شيء، وذات، وموجود (٣).\nوقال ابن القيم: ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيًَّا؛ كالقديم، والشيء، والموجود (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤١٧).\n(٢) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٣٤٣).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٢). وانظر أيضًا: (٩/ ٣٠٠ - ٣٠١).\n(٤) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٢).","vol":"2","page":146},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-483> الصبرُ</span>\nيوصف الله ﷿ بصفة الصبر؛ كما هو ثابت في السنة الصحيحة، أما (الصبور)؛ ففي إثبات أنه اسم لله تعالى نظر؛ لعدم ثبوته.\nالدليل:\nحديث أبي موسى ﵁: «ما أحدٌ أصبر على أذى سمعه من الله؛ يدَّعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم» (١).\nقال الخطابي: معنى الصبور في صفة الله سبحانه قريب من معنى الحليم؛ إلا أن الفرق بين الأمرين أنهم لا يأمنون العقوبة في صفة الصبور كما يسلمون منها في صفة الحليم، والله أعلم بالصواب (٢).\nقال قَوَّام السنة الأصبهاني: قال بعض أهل النظر: لا يوصف الله بالصبر، ولا يقال: صبور، وقال: الصبر تحمل الشيء، ولا وجه لإنكار هذا الاسم؛ لأن الحديث قد ورد به؛ ولولا التوقيف؛ لم نقله اهـ (٣).\nقلت: وصف الله ﷿ بالصبر ثابت؛ كما مرَّ في حديث أبي موسى ﵁، أما اسم الصبور؛ فلعله يعني بالحديث حديث سرد الأسماء عند الترمذي، وهو ضعيف، ولا أعرفُ آيةً أو حديثًا صحيحًا يثبت هذا الاسم له ﷾\nوقال الحافظ ابن القيم: وصبره تعالى يفارق صبر المخلوق ولا يماثله من وجوه متعددة، والفرق بين الصبرِ والحلمِ: أنَّ الصبر ثمرة الحلم وموجبه، فعلى قدر حلم العبد يكون صبره، فالحلم في صفات الرب تعالى أوسع من الصبر وكونه حليمًا من لوازم ذاته سبحانه، وأمَّا صبرُه سبحانه فمتعلقٌ بكفرِ العباد وشركهم ومسبتهم له سبحانه وأنواع معاصيهم وفجورهم اهـ (٤).\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان في (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) تعليقًا على كلام المازري الذي نقله النووي في شرح حديث أبي موسى ﵁؛ حيث قال المازري: حقيقة الصبر: منع النفس من الانتقام أو غيره؛ فالصبر نتيجة الامتناع، فأطلق اسم الصبر على الامتناع في حق الله تعالى؛ قال الغنيمان: قلت: قوله: فأطلق اسم الصبر على الامتناع في حق الله تعالى؛ فيه نظر، وذلك أن رسول الله ﷺ أطلق على ربه الصبر، وأنه ما أحد أصبر منه، وهو ﷺ أعلم الخلق بالله تعالى، وأخشاهم له، وأقدرهم على البيان عن الحق، وأنصحهم للخلق؛ فلا استدراك عليه، فيجب أن يبقى ما أطلقه ﷺ على الله تعالى بدون تأويل؛ إلا إذا كان يريد بذلك تفسير معنى الصبر، ولكن الأولى أن يبقى كما قال؛ لأنه واضح، ليس بحاجة إلى تفسير (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣٧٨)، ومسلم (٢٨٠٤).\n(٢) «شأن الدعاء» (٩٨).\n(٣) «الحجة» (٢/ ٤٥٦).\n(٤) «عدة الصابرين» (٤٠٨).\n(٥) (١/ ٩٣).","vol":"2","page":147},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-484> الصدق</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [آل عمران:٩٥].\nقوله تعالى: قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب: ٢٢].\nالدليل من السنة:\nحديث: «صَدَقَ الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (١).\nحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «صَدَقَ الله وكذب بطن أخيك» (٢).\nقال أبو القاسم الزجاجي: الصادق في خبره: الذي لا تكذيب له؛ فالله ﷿ الصادق في جميع ما أخبر به عباده قال الفراء: الصدق: قوة الخبر، والكذب: ضعف الخبر (ثم قال أبو القاسم:) والصادق أيضًا: الصادق في وعده، الوافي به، يقال: وفي بعهده ووعده وأوفي به فالله ﷿ الصادق في جميع ما وعد به عباده، وهذه الصفة من صفاته مستنبطة من سورة مريم، من قوله: إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًَّا؛ أي: آتيًا، مفعول بمعنى فاعل، وإذا كان وعده آتيًا؛ فهو الصادق فيه، وكل شيء وعد الله ﷿ عباده به؛ فهو كائن كما وعد به ﷿ لا محالة اهـ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٩١\n_________\n(١) رواه البخاري (١٧٩٧)، ومسلم (١٣٤٤). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٢) رواه البخاري (٥٦٨٤)، ومسلم (٢٢١٧).\n(٣) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٦٨).","vol":"2","page":148},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-485> الصفة</span>\nيجوز إطلاق هذه اللفظة وإضافتها إلى الله تعالى، فتقول: صفة الله، وصفة الرحمن، ومن صفاته وأوصافه كذا ونحو ذلك، وهذا ثابت بمفهوم القرآن ومنطوق السنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون [الصافات:١٨٠].\nوسيأتي توجيه ابن حجر للآية.\nالدليل من السنة:\nحديث عائشة ﵂؛ «أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته، فيختم بـ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، فلما رجعوا؛ ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي ﷺ: أخبروه أن الله يحبه» (١).\nوقد بوَّب البخاري ﵀ في كتاب التوحيد من (صحيحه): باب: قول الله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، ومن حلف بعزة الله وصفاته.\nوقال: باب: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ؛ فسمى الله تعالى نفسه شيئًا، وسمى النبيُّ ﷺ القرآن شيئًا، وهو صفةٌ من صفاته اهـ.\nومن طالع كتب السلف ﵏؛ كـ (كتاب التوحيد) لابن خزيمة، و(كتاب التوحيد) لابن منده، و(رد الدارمي على المريسي)، وغيرهم؛ وجد أنهم يستخدمون ذلك كثيرًا.\nوأنكر ابن حزم إطلاق الصفة، ورد عليه الحافظ فقال: وفي حديث الباب حجة لمن أثبت أن لله صفةً، وهو قول الجمهور، وشذَّ ابن حزم، فقال: هذه لفظة اصطلح عليها أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم، ولم تثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه، فإن اعترضوا بحديث الباب؛ فهو من أفراد سعيد بن أبي هلال، وفيه ضعف قال: وعلى تقدير صحته؛ فـ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ صفة الرحمن كما جاء في هذا الحديث، ولا يزاد عليه؛ بخلاف الصفة التي يطلقونها؛ فإنها في لغة العرب لا تطلق إلا على جوهرٍ أو عَرَضٍ كذا قال! وسعيد متفق على الاحتجاج به؛ فلا يلتفت إليه في تضعيفه، وكلامه الأخير مردود باتفاق الجميع على إثبات الأسماء الحسنى، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الأسماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠] وقال بعد أن ذكر منها عدة أسماء في آخر سورة الحشر: لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الحشر:٢٤]، والأسماء المذكورة فيها بلغة العرب صفات، ففي إثبات أسمائه إثبات صفاته؛ لأنه إذا ثبت أنه حي مثلًا؛ فقد وُصف بصفة زائدة على الذات، وهي صفة الحياة، ولولا ذلك؛ لوجب الاقتصار على ما ينبئ عن وجود الذات فقط، وقد قال ﷾: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون، فنَزَّه نفسه عما يصفونه به من صفة النقص، ومفهومه أن وصفه بصفة الكمال مشروع اهـ (٢).\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان في (شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري) (٣) بعد إيراده جملة من آيات وأحاديث الصفات، منها حديث عائشة؛ قال: وقال الله تعالى: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون [الصافات:١٨٠]، وهذا من إضافة الموصوف إلى صفته، فثبت بهذه النصوص وغيرها كثير أن لله صفات، وأن كل اسم تسمى الله به يدل على الصفة؛ لأن الأسماء مشتقة من الصفات وانظر: (النعت). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٩٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣).\n(٢) «فتح الباري» (١٣/ ٣٥٦).\n(٣) (١/ ٦٣).","vol":"2","page":149},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-486> الصمد</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، وهو اسمٌ له ثابتٌ بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى في سورة الإخلاص: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ، ولم يَرِد هذا الاسم إلا في هذه السورة.\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ القدسي: «كذبني ابن آدم وأما شتمه إياي؛ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد» (١).\nمعنى الصمد:\nاختلفوا في معنى الصمد على أقوال كثيرة؛ منها - كما في (تفسير ابن جرير) -:\n١ - المصمت الذي لا جوف له.\n٢ - الذي لا يأكل ولا يشرب.\n٣ - الذي لا يخرج منه شيء، لم يلد ولم يولد.\n٤ - السيِّد الذي انتهى سؤدده.\n٥ - الباقي الذي لا يفنى. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٩٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٧٤).","vol":"2","page":150},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-487> الصنع</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه صانعُ كلِّ شيء، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، وليس (الصانع) من أسمائه تعالى.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨].\nالدليل من السنة:\nحديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: «إن الله يصنع صنع كل صانع وصنعته» (١).\nقال قَوَّام السنة الأصبهاني: ومن أسماء الله تعالى: الصانع، قال الله ﷿: صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، وروي عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ صنع كل صانع وصنعته»؛ قيل: الصنع: الاختراع والتركيب اهـ (٢).\nوقال البيهقي في (الأسماء والصفات): ومنها (أي: أسماء الله ﷿): الصانع، ومعناه: المركب والمهيئ قال الله ﷿: صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، وقد يكون الصانع الفاعل، فيدخل فيه الاختراع والتركيب معًا اهـ.\nوممَّن عدَّ (الصانع) من أسماء الله تعالى أيضًا ابن منده في (التوحيد) (٣)، وفي هذا نظرٌ كبير.\nقال أبو موسى المديني: قوله: صُنْعَ اللهِ أي: قوله وفعله والصُّنْع والصَّنع والصَّنْعَةُ واحد (٤).\nوقال ابن الجوزي في (زاد المسير) في تفسير آية النمل: قوله تعالى: صُنْعَ اللهِ: قال الزجاج: هو منصوب على المصدر؛ لأن قوله: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً [النمل:٨٨]؛ دليل على الصنعة، فكأنه قال: صنع الله ذلك صنعًا، ويجوز الرفع على معنى: ذلك صنعُ الله اهـ.\nقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١].\n(وقال آخرون: من تأمل هذه السموات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأراييج والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء؛ استدل على وجود الصانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم لا إله غيره ولا رب سواه عليه توكلت وإليه أنيب؛ والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًا).\nوسئل الشيخ عبد الله بن جبرين كما في (الكنز الثمين) (٥) عن جواز إطلاق كلمة الصانع على الله ﷿ فقال: هذه تجوز على وجه الصفة، فنعتقد أن الله الصانع، بمعنى أنه المبدع للكون، وهو الذي صنع الكون بذاته وأبدعه، فلذلك يُكْثَرُ من إطلاقها في الكتب؛ كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسير الآية الكريمة: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١] وأطلق ذلك شيخ الإسلام في عدة مواضع في الجزء الثاني من مجموع الفتاوى، ونحو ذلك فإطلاق الصانع معناه: بأنه وصفٌ لله أنه مبدع للكون. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٩٦\n_________\n(١) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (١١٧)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٣٥٧و٣٥٨)، وابن منده في «التوحيد» (١١٥)، والحاكم في (المستدرك)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٧٥).وعند بعضهم بلفظ (خلق)؛ بدل (صنع). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي، وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١/ ١١٤)، وابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٤٩٨) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٦٣٧): صحيح.\n(٢) «الحجة» (١/ ١٥٩).\n(٣) (١/ ١٤٣).\n(٤) «المجموع المغيث» (٢/ ٢٩٥).\n(٥) (١٧٣).","vol":"2","page":151},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-488> الصورة</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالأحاديث الصحيحة.\nالدليل:\nحديث أبي سعيد الخدري ﵁ الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: «فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أوَّلَ مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا» (١).\nحديث: «رأيت ربي في أحسن صورة» (٢).\nقال أبو محمد ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث/ ٢٦١): والذي عندي – والله تعالى أعلم – أن الصُّورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حدٍّ (٣).\nوقال أبو يعلى الفراء في (إبطال التأويلات) في التعليق على حديث: «رأيت ربي في أحسن صورة»؛ قال: اعلم أن الكلام في هذا الخبر يتعلق به فصول: أحدها جواز إطلاق الصُّورة عليه (٤).\nوقال شيخ الإسلام في (نقض تأسيس الرازي): والوجه الخامس: أن الأحاديث مع آيات القرآن أخبرت بأنه يأتي عباده يوم القيامة على الوجه الذي وصف، وعند هؤلاء هو كل آتٍ، وما في الدنيا والآخرة، وأما أهل الإلحاد والحلول الخاص، كالذين يقولون بالاتحاد أو الحلول في المسيح أو علي أو بعض المشايخ أو بعض الملوك أو غير ذلك مما قد بسطنا القول عليهم في غير هذا الموضع؛ فقد يتأولون أيضًا هذا الحديث كما تأوله أهل الاتحاد والحلول المطلق؛ لكونه قال: فيأتيهم الله في صورة، لكن يقال لهم: لفظ (الصُّورة) في الحديث (يعني ﵀: حديث أبي سعيد) كسائر ما ورد من الأسماء والصفات التي قد يسمى المخلوق بها على وجه التقييد، وإذا أطلقت على الله مختصة به؛ مثل العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير، ومثل خلقه بيديه واستوائه على العرش ونحو ذلك اهـ (٥)\nوبهذا يتضح أن الصُّورةَ صفةٌ من صفات الله ﷿ الذاتية كسائر الصفات الثابتة بالأحاديث الصحيحة.\nأما حديث: «خلق الله آدم على صورته»؛ فلم أورده في الأدلة؛ للاختلاف القائم بين أهل العلم: هل الضمير في (صورته) عائد على آدم أم على الله، وإن كان كثيرٌ من السلف ومن تبعهم من الخلف يجعلونه عائدًا على الله ﷿.\nراجع لذلك: كتاب (نقض أساس التقديس) لابن تيمية، وكتاب الشيخ حمود التويجري ﵀ (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن)، وكتاب (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) للشيخ عبد الله الغنيمان (٦). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٩٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).\n(٢) رواه الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٣) (٢٢١٦٢). من حديث معاذ بن جبل ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح؛ سألت محمد بن إسماعيل - البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» (٤/ ٧٣)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. والحديث روي عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن سمرة وثوبان ﵃ جميعًا.\n(٣) «تأويل مختلف الحديث» (٢٦١).\n(٤) (١/ ١٢٦).\n(٥) (ورقة ٤٥٥).\n(٦) (٢/ ٣٢ - ٦٨).","vol":"2","page":152},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-489> الضحك</span>\nصفةٌ من صفات الله ﷿ الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالأحاديث الصحيحة.\nالدليل:\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة» (١).\nحديث عبد الله بن مسعود ﵁ عند البخاري ومسلم، وقد تقدم في صفة السخرية (٢).\nاعلم أنَّ أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة وغيرها من صفات الله ﷿ الثابتة له بالكتاب أو السنة الصحيحة؛ من غير تمثيل ولا تكييف، ويسلمون بذلك، ويقولون: كلٌ من عند ربنا.\nقال الإمام ابن خزيمة في كتاب (التوحيد) (٣): باب: ذكر إثبات ضحك ربنا ﷿: بلا صفةٍ تصفُ ضحكه جلَّ ثناؤه، لا ولا يشبَّه ضَحِكُه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك؛ كما أعلم النبي ﷺ، ونسكت عن صفة ضحكه جلَّ وعلا، إذ الله ﷿ استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك؛ فنحن قائلون بما قال النبي ﷺ، مصَدِّقون بذلك، بقلوبنا منصتون عمَّا لم يبين لنا مما استأثر الله بعلمه.\nومعنى قوله: بلا صفةٍ تصفُ ضحكه، أي بلا تكييف لضحكه.\nوقال أبو بكر الآجري في (الشريعة): باب الإيمان بأن الله ﷿ يضحك: اعلموا - وفقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل - أنَّ أهل الحق يصفون الله ﷿ بما وصف به نفسه ﷿، وبما وصفه به رسوله ﷺ، وبما وصفه به الصحابة ﵃ وهذا مذهب العلماء مِمَّن اتّبع ولم يبتدع، ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له، والإيمان به؛ أنَّ الله ﷿ يضحك، كذا روي عن النبي ﷺ وعن صحابته ﵃؛ فلا ينكر هذا إلا من لا يحمد حاله عند أهل الحق اهـ (٤).\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام لما قيل له: هذه الأحاديث التي تروى؛ في: الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وإن جهنم لتمتلئ وأشباه هذه الأحاديث؟ قال ﵀: هذه الأحاديث حقٌ لا شك فيها رواها الثقات بعضهم عن بعض (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٧١)، ومسلم (١٨٦). وفيه أنه قال يخاطب الله ﷿: «أتسخر بي؟ أو تضحك بي وأنت الملك٠٠٠».\n(٣) (٢/ ٥٦٣).\n(٤) «الشريعة» (ص٢٧٧).\n(٥) انظر: «التمهيد» (٧/ ١٤٩ - ١٥٠). راجع عن صفة الضحك: كتاب «الحجة في بيان المحجة» لقوَّام السُّنَّة الأصبهاني (١/ ٤٢٩، ٢/ ٤٥٦)، «المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة» (١/ ٣١٥)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٦/ ١٢١)، «شرح الغنيمان لكتاب التوحيد من صحيح البخاري» (٢/ ١٠٤). وانظر: كلام البغوي في صفة (الأصابع)، وكلام ابن كثير في صفة (السمع).","vol":"2","page":153},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-490> الطبيب</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه (الطَّبيب)، وهذا ثابت بالحديث الصحيح.\nالدليل:\nحديث أبي رمثة ﵁؛ أنه قال للنبي ﷺ: أرني هذا الذي بظهرك؛ فإني رجل طبيب قال: «الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها» (١).\nحديث عائشة ﵂: قالت: «ثم مرض رسول الله ﷺ فوضعت يدي على صدره فقلت: أذهب البأس، رب الناس، أنت الطبيب، وأنت الشافي، وكان رسول الله ﷺ يقول: ألحقني بالرفيق الأعلى وألحقني بالرفيق الأعلى» (٢).\nقال ابن فارس: الطِّبُّ: هو العلم بالشيء، يقال: رجل طَب وطبيبٌ؛ أي: عالمٌ حاذق (٣).\nوقال الأزهري في (تهذيب اللغة) (٤) بعد أن أورد حديث أبي رمثة ﵁: «طبيبها الذي خلقها»: معناه: العالم بها خالقها الذي خلقها لا أنت.\nوقال شمس الدين الحق أبادي: الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق؛ أي: أنت ترفق بالمريض، وتتلطفه، والله هو يبرئه ويعافيه اهـ (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠٢\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٢٠٧)، وأحمد (٤/ ١٦٣) (١٧٥٢٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال ابن العربي في «القبس شرح الموطأ» (٣/ ١١٢٧): صحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٢/ ٦٧): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه أحمد (٦/ ١٠٨) (٢٤٨١٨)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٦٤)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٢١٧). قال شعيب الأرناؤوط في «مسند أحمد»: إسناده صحيح على شرط البخاري.\n(٣) «معجم مقاييس اللغة» (٣/ ٤٠٧).\n(٤) (١٣/ ٣٠٤).\n(٥) «عون المعبود» (١١/ ٢٦٢).","vol":"2","page":154},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-491> الطيب</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه طَّيِّب، وهو اسم له، ثابت بالسنة الصحيحة.\nالدليل:\nحديث أبي هريرة ﵁: «أيها الناس! إنَّ الله طَيَّبٌ لا يقبل إلا طَيَّبًا» (١).\nقال النووي في (شرح صحيح مسلم): قال القاضي: الطيب في صفة الله تعالى بمعنى المنَزَّه عن النقائص، وهو بمعنى القدوس، وأصل الطيب الزكاة والطهارة والسلامة من الخبث.\nوقال ابن القيم في (الصواعق المرسلة) (٢): إنه سبحانه يحب صفاته؛ كما قال النبي ﷺ: «اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفو» (٣)، وقال: «إن الله جميل يحب الجمال» (٤)، و«إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (٥).\nوقال المباركفوري: قال القاضي ﵀: الطيب ضد الخبيث، فإذا وصفه به تعالى أُريد به أنه مُنَزَّهٌ عن النقائص، مُقَدَّسٌ عن الآفات، وإذا وصف به العبد مطلقًا أُريد به أنه المتعري عن رذائل الأخلاق وقبائح الأعمال والمتحلي بأضداد ذلك، وإذا وصف به الأموال أُريد به كونه حلالا من خيار الأموال (٦). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠٤\n_________\n(١) «صحيح مسلم» (١٠١٥).\n(٢) (٤/ ١٤٥٨).\n(٣) رواه الترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٨٥٠)، وأحمد (٦/ ١٧١) (٢٥٤٢٣)، والحاكم (١/ ٧١٢). من حديث عائشة ﵂. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٤) رواه مسلم (٩١). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٥) «صحيح مسلم» (١٠١٥).\n(٦) «تحفة الأحوذي» (٨/ ٣٣٤).","vol":"2","page":155},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-492> الظاهرية</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، من اسمه (الظاهر) الثابت بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ٣].\nالدليل من السنة:\nما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» (١).\nالمعنى:\nفسر النبي ﷺ الظاهر بقوله: «ليس فوقك شيء»، وليس بعد تفسيره تفسير، وقد نظرت في أغلب من فسَّرها فوجدتُهم كلَّهم يرجعون إلى تفسير النبي ﷺ؛ فيا سبحان من أعطاه جوامع الكلم!\nقال البيهقي في (الاعتقاد) بعد تفسير الظاهر والباطن: هما من صفات الذات (٢) وانظر كلام ابن القيم في صفة (الأوليَّة) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠٤\n_________\n(١) «صحيح مسلم» (٢٧١٣).\n(٢) «الاعتقاد» (٦٤).","vol":"2","page":156},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-493> الظل</span>\nاعلم رحمني الله وإياك أنَّ الظل جاء تارة مضافًا إلى الله تعالى، وتارة مضافًا إلى العرش.\nفقد روى: البخاري، ومسلم؛ من حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» (١) وروى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: «أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٢).\nوروى مسلم أيضًا من حديث أبي اليسر ﵁ مرفوعًا: «من أنظر معسرًا أو وضع عنه؛ أظله الله في ظله» (٣) وستأتي الإضافة مفسرة بـ (ظل العرش) في حديث أبي هريرة ﵁ عند الإمام أحمد والترمذي.\nوروى الإمام أحمد، والحاكم، والطبراني، وابن حبان من حديث معاذ بن جبل ﵁: «المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله» (٤) وروى الإمام أحمد، وابن أبي الدنيا؛ من حديث عبادة بن الصامت: «حقت محبتي للمتحابين فيَّ والمتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله» (٥) وقال الألباني في (صحيح الجامع): (صحيح) (٦) وروى الإمام أحمد، والدارمي، والبغوي؛ من حديث أبي قتادة ﵁: «من نَفَّسَ عن غريمه أو محا عنه؛ كان في ظل العرش يوم القيامة» (٧) وصححه الألباني في (صحيح الجامع) (٨) وروى الإمام أحمد في (المسند ٨٦٩٦ - شاكر)، والترمذي (صحيح سنن الترمذي ١٠٥٢) واللفظ له؛ من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «من أنظر معسرًا، أو وضع له؛ أظلَّه الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، يوم لا ظلَّ إلا ظِلُّه» (٩) وأورده الشيخ مقبل الوادعي في (الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين) (١٠).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١).\n(٢) صحيح مسلم (٢٥٦٦).\n(٣) صحيح مسلم (٣٠٠٦).\n(٤) رواه أحمد في (٥/ ٣٢٨) (٢٢٨٣٤)، وابن حبان في (٢/ ٣٣٨)، والطبراني (٢٠/ ٧٩)، والحاكم في (٤/ ١٨٧). وقال: هذا إسناد صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح الجامع»: صحيح.\n(٥) رواه أحمد في (٥/ ٢٣٦) (٢٢١١٧)، وابن أبي الدنيا في «الأخوان» (ص٩).\n(٦) «صحيح الجامع» (٤٣٢٠).\n(٧) رواه أحمد (٥/ ٣٠٠) (٢٢٦١٢)، والدارمي (٢/ ٣٤٠)، والبغوي في «شرح السنة» (٤/ ٣٤٩) وقال: هذا حديث حسن. وصححه الألباني كما سيأتي.\n(٨) «صحيح الجامع» (٦٥٧٦).\n(٩) رواه الترمذي (١٣٠٦)، وأحمد (٢/ ٣٥٩). وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(١٠) «الصحيح المسند» (١٣٠٧) قال الوادعي بعد أن أورد حديث أحمد: هذا حديث صحيح رجاله رجال الصحيح. و(١٤٦١) قال الوادعي بعد أن أورد حديث الترمذي: هو صحيح على شرط مسلم.","vol":"2","page":157},{"text":"معنى (الظل) الوارد في الأحاديث: قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: بيان آخر يدل على أن العرش ظل يستظل فيه من يشاء الله من عباده، ثم ذكر بسنده إلى أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي» (١)، ثم أورد حديث: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» (٢)، وكأنه ﵀ يشير إلى أنَّ الظل في حديث السبعة هو ظل العرش الوارد في حديث المتحابين في الله وقال ابن عبد البر في (التمهيد) بعد أو أورد حديث «سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله»: والظل في هذا الحديث يراد به الرحمة، والله أعلم، ومن رحمة الله الجنة، قال الله ﷿: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا [الرعد:٣٥]، وقال: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة:٣٠]، وقال: فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [المرسلات:٤١] اهـ وقال البغوي في (شرح السنة ٢/ ٣٥٥) في شرح حديث السبعة: قيل: في قوله: «يظلهم الله في ظله»؛ معناه: إدخاله إياهم في رحمته ورعايته، وقيل: المراد منه ظل العرش اهـ (٣).\nوقال الشيخ حافظ الحكمي في (معارج القبول) عند كلامه على عُلُو الله فوق عرشه ووصف العرش؛ قال: ومن ذلك النصوص الواردة في ذكر العرش وصفته، وإضافته غالبًا إلى خالقه ﵎ فوقه، ثم ذكر بعض الآيات والأحاديث، إلى أن قال: وفيه عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله» اهـ (٤) فأنت ترى أنَّ سياق الكلام يدل على أنَّ الظل عنده من صفات العرش وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) عند شرح حديث السبعة: قوله: «في ظله»؛ قال عياض: إضافة الظل إلى الله إضافة ملك، وكل ظل؛ فهو ملكه كذا قال، وكان حقه أن يقول: إضافة تشريف؛ ليحصل امتياز هذا على غيره؛ كما قيل للكعبة: بيت الله، مع أنَّ المساجد كلها ملكه وقيل: المراد بظله: كرامته وحمايته؛ كما يقال: فلان في ظل الملك وهو قول عيسى بن دينار، وقوَّاه عياض وقيل: المراد ظل عرشه ويدل عليه حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن: سبعة يظلهم الله في ظل عرشه (فذكر الحديث)، وإذا كان المراد ظل العرش؛ استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس؛ فهو أرجح، وبه جزم القرطبي، ويؤيده أيضًا تقييد ذلك بيوم القيامة؛ كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر، وهو عند المصنف في كتاب الحدود، وبهذا يندفع قول من قال: المراد ظل طوبى أو ظل الجنة؛ لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة، ثم إنَّ ذلك مشترك لجميع من يدخلها، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة، فيرجح أنَّ المراد ظل العرش اهـ (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠٥\n_________\n(١) «التوحيد» (٣/ ١٩٠).\n(٢) رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١).\n(٣) «التمهيد» (٢/ ٢٨٢).\n(٤) «معارج القبول» (١/ ١٧٠).\n(٥) «فتح الباري» (٢/ ١٤٤).","vol":"2","page":158},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-494> العتاب أو العتب</span>\nصفةٌ فعليَّةٌ اختياريَّةٌ ثابتةٌ بالسنة الصحيحة كما يليق بربنا جلَّ وعلا.\nالدليل:\nحديث أبي بن كعب ﵁: «قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فَسُئِل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم فَعَتَبَ الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه» (١).\nقول عمر بن الخطاب ﵁ وهو يقص ما جرى بين النبي ﷺ وزوجاته: «فاعتزل النبي ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهن شهرًا؛ من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله» (٢).\nوفي (القاموس): يطلق العتاب على الموجِدَة والسخط والغضب واللوم.\nقال أبو موسى المديني: وفي حديث أبيٍّ في ذكر موسى حين سئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا (فعتب الله عليه) العتبُ: أدنى الغضب اهـ (٣) وهذا منه ﵀ إثباتٌ لهذه الصفة بمعناها، وهو أدنى الغضب. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠٩\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠).\n(٢) رواه البخاري (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩).\n(٣) «المجموع المغيث» (٢/ ٤٠٠).","vol":"2","page":159},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-495> العجب</span>\nصفةٌ من صفاتِ الله ﷿ الفعليَّة الخبريَّة الثابتة له بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات: ١٢].\nقال ابن جرير في (التفسير): قوله: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ؛ اختلفت القرَّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرَّاء الكوفة: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ؛ بضم التاء من عَجِبْتَ؛ بمعنى: بل عظم عندي وكبر اتخاذهم لي شريكًا وتكذيبهم تَنْزيلي وهم يسخرون، وقرأ ذلك عامة قرَّاء المدينة والبصرة وبعض قرَّاء الكوفة عَجِبْتَ؛ بفتح التاء؛ بمعنى: بل عجبت أنت يا محمد ويسخرون من هذا القرآن.\nوالصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قرَّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ؛ فمصيب.\nفإن قال قائل: وكيف يكون مصيبًا القارئ بهما مع اختلاف معنييهما؟! قيل: إنهما وإن اختلف معنياهما؛ فكل واحد من معنييه صحيح، قد عجب محمد مما أعطاه الله من الفضل، وسخر منه أهل الشرك بالله، وقد عجِب ربنا من عظيم ما قاله المشركون في الله، وسَخِر المشركونَ مما قالوه اهـ.\nوقال أبو زرعة عبدالرحمن بن زنجلة في كتابه (حجة القراءات): قرأ حمزة والكسائي: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ؛ بضم التاء، وقرأ الباقون بفتح التاء، ثم قال: قال أبو عبيد: قوله: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ؛ بالنصب: بل عجِبت يا محمد من جهلهم وتكذيبهم وهم يسخرون منك، ومن قرأ: عَجِبْتُ؛ فهو إخبار عن الله ﷿ اهـ (١).\nوقد صحت القراءة بالضم عن ابن مسعود ﵁ كما سيأتي.\nوقوله تعالى: وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الرعد: ٥].\nنقل ابن جرير في (تفسير) هذه الآية بإسناده إلى قتادة قوله: قوله: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ: إن عجِبت يا محمد؛ فعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ: عجِب الرحمن ﵎ من تكذيبهم بالبعث بعد الموت.\nقال ابن زنجلة في (حجة القراءات) بعد ذكر قراءة بَلْ عَجِبْتُ بالضم: قال أبو عبيد: والشاهد لها مع هذه الأخبار قوله تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ، فأخبر ﷻ أنه عجيب (٢).\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁: «لقد عَجِبَ الله ﷿ (أو: ضحك) من فلان وفلانة» (٣).\nحديث أبي هريرة ﵁: «عَجِبَ الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» (٤).\nروى الحاكم في (المستدرك)، ومن طريقه البيهقي في (الأسماء والصفات)؛ بسند صحيح عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة؛ قال: قرأ عبد الله (يعني: ابن مسعود) ﵁: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ؛ قال شريح: إنَّ الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم قال الأعمش: فذكرت لإبراهيم، فقال: إنَّ شريحًا كان يعجبه رأيه، إنَّ عبدالله كان أعلم من شريح، وكان عبد الله يقرأها: بَلْ عَجِبْتُ (٥) قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nقال أبو يعلى الفراء في (إبطال التأويلات) بعد أن ذكر ثلاثة أحاديث في إثبات صفة العَجَب: اعلم أنَّ الكلام في هذا الحديث (يعني: الثالث) كالكلام في الذي قبله، وأنه لا يمتنع إطلاق ذلك عليه وحمله على ظاهره؛ إذ ليس في ذلك ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه؛ لأنا لا نثبت عَجَبًَا هو تعظيم لأمر دَهَمَه استعظمه لم يكن عالمًا به؛ لأنه مما لا يليق بصفاته، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا غيرها من صفاته (٦).\nوقال قوَّام السُّنَّة الأصبهاني: وقال قوم: لا يوصف الله بأنه يَعْجَبُ؛ لأن العَجَب ممَّن يعلم ما لم يكن يعلم، واحتج مثبت هذه الصفة بالحديث، وبقراءة أهل الكوفة: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ؛ على أنه إخبار من الله ﷿ عن نفسه (٧).\nوقال ابن أبي عاصم في (السنة): باب: في تَعَجُّبِ ربنا من بعض ما يصنع عباده مما يتقرب به إليه، ثم سرد جملة من الأحاديث التي تثبت هذه الصفة لله ﷿ (٨).\nوانظر إن شئت: (مجموع الفتاوى) لشيخ الإسلام ابن تيمية (٩). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢١٠\n_________\n(١) «حجة القراءات» (ص: ٦٠٦).\n(٢) «حجة القراءت» (ص: ٦٠٧).\n(٣) رواه البخاري (٤٨٨٩)، ومسلم (٢٠٥٤) بلفظ: «قد عَجِب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة».\n(٤) رواه البخاري (٣٠١٠).\n(٥) رواه الحاكم (٢/ ٤٦٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٤١٥).\n(٦) «إبطال التأويلات» (ص٢٤٥).\n(٧) «الحجة» (٢/ ٤٥٧).\n(٨) «السنة» (١/ ٢٤٩).\n(٩) «مجموع الفتاوى» (٤/ ١٨١، ٦/ ١٢٣و١٢٤).","vol":"2","page":160},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-496> العدل</span>\nصفةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالأحاديث الصحيحة.\nالدليل:\nما رواه البخاري، ومسلم؛ من حديث ابن مسعود ﵁، وقوله ﷺ للذي قال: والله؛ إنَّ هذه قسمة ما عدل فيها قال النبي ﷺ: «فمَن يعدل إذا لم يَعْدِل الله ورسوله» (١).\nقال ابن القيم (٢):\nوالعَدْلُ مِنْ أوْصَافِهِ فِي فِعْلِهِ ... وَمَقَالِهِ وَالحُكْمِ فِي المِيزانِ\nقال الهرَّاس: وهو سبحانه موصوف بالعدل في فعله، فأفعاله كلها جارية على سنن العدل والاستقامة، ليس فيها شائبة جور أصلًا؛ فهي دائرة كلها بين الفضل والرحمة، وبين العدل والحكمة اهـ.\nوقد عدَّ بعضهم (العدل) من أسماء الله تعالى، وليس معهم في ذلك دليل، والصواب أنه ليس اسمًا له، بل هو صفة. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢١٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢).\n(٢) «القصيدة النونية» (٢/ ٩٨).","vol":"2","page":161},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-497> العز والعزة</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله تعالى بالكتاب والسنة، و(العزيز) و(الأعز) من أسماء الله ﷿\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩].\nوقوله: وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦].\nوقوله: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء: ١٣٩]، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [يونس: ٦٥]، فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر: ١٠]، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ: «العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته» (١).\nحديث ابن عباس ﵁: «اللهم أعوذ بعِزَّتك» (٢).\nحديث أنس ﵁: «لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العِزَّة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعِزَّتك، ويزوي بعضها إلى بعض» (٣).\nأثر عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ﵄؛ أنهما كانا يقولان في السعي بين الصفا والمروة: (رب اغفر وارحم، وتجاوز عمَّا تعلم؛ إنك أنت الأعزُّ الأكرم) (٤).\nقلت: فثبت بذلك أنَّ (الأعز) من أسماء الله الثابتة بالسنة؛ فهذا مما لا يقال بالرأي، و(الأكرم) ثابت بالكتاب والسنة انظر صفة (الكرم).\nالمعنى:\nبوب البخاري الباب الثاني عشر من كتاب الأيمان والنذور بقوله: باب الحلف بعِزَّة الله وصفاته وكلماته، وفي كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، ومن حلف بعِزَّة الله وصفاته.\nفأنت ترى أنه يثبت صفة العِزَّة لله ﷿، ولذلك قال الحافظ: والذي يظهر أنَّ مراد البخاري بالترجمة إثبات العِزَّة لله، رادًّا على من قال: إنه عزيز بلا عِزَّة؛ كما قالوا: العليم بلا علم (٥).\nقال الشيخ الغنيمان حفظه الله تعقيبًا: قلت: لا يقصد إثبات العِزَّة بخصوصها، بل مع سائر الصفات؛ كما هو ظاهر (٦).\nوقال الغنيمان أيضًا: والعِزَّة من صفات ذاته تعالى التي لا تنفك عنه، فغلب بعِزَّته، وقهر بها كل شيء، وكل عِزَّة حصلت لخلقه؛ فهي منه اهـ (٧).\nومعنى (العِزَّة)؛ أي: المنعة والغلبة، ومنه قوله تعالى: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ؛ أي: غَلَبني وقهرني، ومن أمثال العرب: (من عزَّ بزَّ)؛ أي: من غلب استلب (٨). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢١٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٢٠).\n(٢) رواه البخاري (٧٣٨٣)، ومسلم (٢٧١٧).\n(٣) رواه البخاري (٦٦٦١)، ومسلم (٢٨٤٨).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٢٠)، والطبراني في «الدعاء» (٨٧٠)، والبيهقي (٥/ ٩٥). موقوفًا على ابن مسعود ﵁. وقال العراقي في «المغني» (١/ ٤٢٤): إسناده صحيح. وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ٤٠١ - ٤٠٢): موقوف صحيح الإسناد. ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٢٠) موقوفًا على ابن عمر ﵄. وقال الألباني - ﵀ - في «مناسك الحج والعمرة» (ص٢٨): رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وابن عمر ﵄ بإسنادين صحيحين. والحديث رواه الطبراني في «الأوسط» (٣/ ١٤٧) مرفوعًا بسند ضعيف من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. انظر: «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٤٨)، و«تلخيص الحبير» (٢/ ٢٥١).\n(٥) «فتح الباري» (١٣/ ٣٧٠).\n(٦) «شرح كتاب التوحيد» (١/ ١٥٠).\n(٧) «شرح كتاب التوحيد» (١/ ١٤٩).\n(٨) انظر: «معاني القرآن الكريم» للنحاس (٢/ ٢١٩).","vol":"2","page":162},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-498> العزم</span>\nصفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسنة الصحيحة\nالدليل:\nحديث أم سلمة ﵁ في (صحيح مسلم)؛ قالت: «فلما توفي أبو سلمة؛ قلت: من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله ﷺ؟! ثم عَزَمَ الله لي، فقلتها قالت: فتزوجت رسول الله ﷺ» (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهل يجوز وصفه بالعَزْم؟ فيه قولان: أحدهما: المنع؛ كقول القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى، والثاني: الجواز، وهو أصح؛ فقد قرأ جماعة من السلف: فَإِذَا عَزَمْتُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:١٥٩]؛ بالضم، وفي الحديث الصحيح من حديث أم سلمة: (ثم عَزَمَ الله لي)، وكذلك في خطبة مسلم: (فعَزَمَ لي) اهـ (٢).\nيعني ابن تيمية بخطبة الإمام مسلم قوله في المقدمة: وللذي سألتَ أكرمك الله حين رجعتُ إلى تدبره وما تؤول به الحال إن شاء الله عاقبةٌ محمودةٌ، ومنفعةٌ موجودةٌ، وظننتُ حين سألتني تجشُّم ذلك أن لو عُزِم لي، عليه وقُضِي لي تمامُه، كان أوَّلُ من يصيبه نفعُ ذلك إياي خاصةً قبل غيري من الناس لأسباب كثيرة يطول بذكرها الوصف اهـ فقوله: (لو عُزِم لي) أي لو عَزَمَ الله لي.\nقلت: والعَزْمُ في حق المخلوقين عقد القلب على إمضاء الأمر، ولا نقول في حق الله: كيف؟ بل نثبته على وجه يليق بجلاله وعظمته، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ومعناه في اللغة: الجد وإرادة الفعل. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢١٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٩١٨) (٥).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٣٠٣).","vol":"2","page":163},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-499> العطاء والمنع</span>\nصفتان فعليتان لله ﷿ ثابتتان بالكتاب والسنة، و(المعطي) من أسماء الله ﷿.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١].\nوقوله: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: ٥٠].\nالدليل من السنة:\nحديث معاوية بن أبي سفيان ﵄: «من يرد الله به خيرًا؛ يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، ويعطي الله» (١).\nوفي رواية عند البخاري: «والله المعطي وأنا القاسم» (٢).\nالحديث المشهور: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت» (٣).\nقال ابن منظور في (لسان العرب): المانع: من صفات الله تعالى له معنيان:\nأحدهما: ما روي عن النبي ﷺ؛ أنه قال: «اللهم لا مانع لما أعطيت ولا مُعْطي لما منعت» (٤)، فكان ﷿ يُعطي من استحق العطاء، ويمنع من لم يستحق إلا المنع، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، وهو العادل في جميع ذلك.\nوالمعنى الثاني: أنه ﵎ يمنع أهل دينه؛ أي: يَحُوطُهم وينصرهم وقيل: يمنع من يريد من خلقه ما يريد، ويعطيه ما يريد ومن هذا يقال: فلان في مَنَعَةٍ؛ أي: في قوم يمنعونه ويحمونه، وهذا المعنى في صفة الله ﷻ بالغ؛ إذ لا منعة لمن لم يمنعه الله، ولا يمتنع من لم يكن الله له مانعًا. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢١٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣١٢)، ومسلم (١٠٣٧) (١٠٠).\n(٢) رواه البخاري (٣١١٦).\n(٣) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.","vol":"2","page":164},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-500> العظمة</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، والعظيم اسم من أسمائه.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥].\nوقوله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة: ٩٦، الحاقة: ٥٢].\nوقوله: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة: ٣٣].\nالدليل من السنة:\nحديث أنس ﵁ في الشفاعة، وفيه: «فيقال لي: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع فأقول: يا رب! فيمن قال: لا إله إلا الله والله أكبر فيقول: وعزتي وجلالي وعظمتي؛ لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله» (١).\nحديث ابن عباس ﵁ في دعاء الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم» (٢).\nقال قوَّام السُّنَّة الأصبهاني: ومن أسمائه تعالى العظيم: العَظَمَة صفة من صفات الله، لا يقوم لها خلق، والله تعالى خلق بين الخلق عظمة يعظم بها بعضهم بعضًا، فمن الناس من يعظم لمال، ومنهم من يعظم لفضل، ومنهم من يعظم لعلم، ومنهم من يعظم لسلطان، ومنهم من يعظم لجاه، وكل واحد من الخلق إنما يعظم لمعنى دون معنى، والله ﷿ يعظم في الأحوال كلها (٣).\nوقال الأزهري: ومن صفات الله ﷿: العلي العظيم وعظمة الله لا تُكيَّف ولا تُحدُّ ولا تُمثَّل بشيء، ويجب على العباد أن يعلموا أنه عظيم كما وصف نفسه، وفوق ذلك؛ بلا كيفية ولا تحديد اهـ (٤).\nوانظر كلام ابن كثير في صفة (السمع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢١٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣).\n(٢) رواه البخاري (٧٤٣١)، ومسلم (٢٧٣٠).\n(٣) «الحجة في بيان المحجة» (١/ ١٣٠).\n(٤) «تهذيب اللغة» (٢/ ٣٠٣).","vol":"2","page":165},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-501> العفو والمعافاة</span>\nصفةٌ فعليَّةٌ لله ﷿ ثابتةٌ له بالكتاب والسنة، ومعناها الصفح عن الذنوب، و(العَفُوُّ) اسم لله تعالى.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّ الله كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: ٤٣].\nوقوله: عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهمْ [التوبة: ٤٣].\nالدليل من السنة:\nحديث الدعاء على الجنازة: «اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه» (١).\nحديث عائشة ﵂: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» (٢) ولا يستعاذ إلا بالله أو بصفة من صفاته.\nقال الأزهري: قال أبو بكر بن الأنباري: الأصل في قوله جلَّ وعزَّ: عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهمْ: محا الله عنك؛ مأخوذ من قولهم: عفت الرياح الآثار: إذا درستها ومحتها (٣).\nوقال ابن القيم (٤):\nوَهُوَ العَفُوُّ فَعَفْوُهُ وَسِعَ الوَرَى ... لَوْلاَهُ غَارَ الأرْضُ بِالسُّكَّانِ\nوقال السعدي: العفو، الغفور، الغفار: الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٩٦٣). من حديث عوف بن مالك ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٤٨٦).\n(٣) «تهذيب اللغة» (٣/ ٢٢٢).\n(٤) «القصيدة النونية» (٢/ ٨١).\n(٥) «التفسير» (٥/ ٣٠٠).","vol":"2","page":166},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-502> العلم</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، ومن أسمائه (العليم).\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الأنعام: ٧٣، الرعد: ٩، التغابن: ١٨].\nوقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ [البقرة: ٢٥٥].\nوقوله: وَأَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَليمٌ [المائدة: ٩٧].\nوقوله: إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ [المائدة: ١١٦].\nالدليل من السنة:\nحديث الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك» (١).\nحديث أبي بن كعب ﵁ وقول الخضِر لموسى ﵉: «إنك على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه» (٢).\nوالأدلة لإثبات هذه الصفة كثيرة جدًا.\nقال البخاري في (صحيحه) كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، وإِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وأَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ، إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ.\nقال الشيخ الغنيمان: أراد البخاري ﵀ بيان ثبوت علم الله تعالى، وعلمه تعالى من لوازم نفسه المقدسة، وبراهين علمه تعالى ظاهرة مشاهدة في خلقه وشرعه، ومعلوم عند كل عاقل أنَّ الخلق يستلزم الإرادة، ولا بدَّ للإرادة من علم بالمراد؛ كما قال تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، ثم قال: والأدلة على وصف الله بالعلم كثيرة، ولا ينكرها إلا ضال أو معاند مكابر اهـ (٣).\nقال الإمام أحمد: إذا قال الرجل: العلم مخلوق؛ فهو كافر، لأنه يزعم أنَّ الله لم يكن له علم حتى خلقه.\nوقال: وهو يعلم ما في السماوات السبع، والأرضين السبع، وما بينهما، وما تحت الثرى، وما في قعر البحار، ومنبت كل شعرة وكل شجرة وكل زرع وكل نبات، ومسقط كل ورقة، وعدد ذلك، وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد وآثارهم، وكلامهم، وأنفاسهم، ويعلم كل شيء، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢١\n_________\n(١) رواه البخاري (١١٦٢).\n(٢) رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠).\n(٣) «شرح كتاب التوحيد» (١/ ١٠٣).\n(٤) انظر: «المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة» (١/ ٢٨٣، ٢٨٤).","vol":"2","page":167},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-503> العلو والفوقية</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، ومن أسمائه (العلي) و(الأعلى) و(المتعال).\nوالعُلُوُ ثلاثة أقسام:\n١ - عُلُوُ شأن انظر صفة: (العَظَمَة) و(الجلال).\n٢ - عُلُوُ قهر انظر صفة (القهر).\n٣ - عُلُوُ فَوْقِيَّة (عُلُوُ ذات).\nوأهل السنة والجماعة يعتقدون أنَّ الله فوق جميع مخلوقاته، مستوٍ على عرشه، في سمائه، عاليًا على خلقه، بائنًا منهم، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم وسكناتهم لا تخفى عليه خافية.\nالدليل من الكتاب:\nالأدلة من الكتاب كثيرة جدًا ومن ذلك:\nقوله تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥].\nوقوله: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١].\nوقوله: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد: ٩].\nوقوله: وَهوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨].\nوقوله: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: ٥٠]\nوقوله: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ [الملك:١٦].\nالدليل من السنة:\nوالأدلة من السنة أيضًا كثيرة جدًا منها:\nحديث: «ألا تأمنوني وأنا أمين مَن في السماء؟!» (١).\nحديث النزول إلى السماء الدنيا كل ليلة (٢).\nحديث: «أين الله» قالت: في السماء قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله ﷺ قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢٣\nالدليل من أقوال الصحابة والتابعين والعلماء:\nعن مجاهد قال: (قيل لابن عباس إن ناسا يقولون في القدر قال: يكذبون بالكتاب لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه) (٤).\nعن ابن عباس قال: (الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر أحد قدره).\nعن قيس قال: (لما قدم عمر ﵁ الشام استقبله الناس وهو على بعيره فقالوا: يا أمير المؤمنين لو ركبت برذونا يلقاك عظماء الناس ووجوههم؟ فقال عمر ﵁: ألا أريكم ههنا إنما الأمر من ههنا فأشار بيده إلى السماء) (٥).\nعائشة ﵂ قالت: (وايم الله إني لأخشى لو كنت أحب قتله لقتلت - يعني عثمان ﵁ - ولكن علم الله فوق عرشه أني لم أحب قتله) (٦). مختصر العلو لمحمد بن ناصر الدين الألباني- ص٩٥ فما بعدها\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤). من حديث أبو سعيد الخدري ﵁.\n(٢) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٥٣٧).\n(٤) رواه ابن بطة في «الإبانة» (كتاب القدر) (١/ ٣٣٨)، والذهبي في «العلو» (٥٧)، وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص٢٩): صحيح.\n(٥) رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٩)، والخلال في «السنة» (٢/ ٣١٧)، والذهبي في «العلو» (ص٧٧) وقال: إسناده كالشمس. وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص٤٦): إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٦) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/ ٤٤٧)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (١٤٨)، والدارمي في «الرد على الجهمية» (٨٣). قال الألباني في «مختصر العلو» (ص٥٢): صحيح.","vol":"2","page":168},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-504> العمل والفعل</span>\nوهما صفتان ثابتتان لله ﷿ بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧].\nوقوله تعالى: إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [الحج: ١٤].\nوقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس: ١٧].\nالدليل من السنة:\nحديث أم رومان وهي أم عائشة ﵄ قالت: «بينا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار فقالت فَعَلَ الله بفلان وفعل» (١).\nقال ابن منظور في لسان العرب: الفعل كنايةٌ عن كل عَمَلٍ مُتَعَدٍ أو غير مُتَعَدٍ.\nقال البخاري في (خلق أفعال العباد): واختلف الناس في الفاعل والمفعول والفعل فقالت القدرية الأفاعيل كلها من البشر ليست من الله، وقالت الجبرية الأفاعيل كلها من الله، وقالت الجهمية الفعل والمفعول واحد لذلك قالوا لكن مخلوق، وقال أهل العلم التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة لقوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق يعني السِّرَّ والجهرَ من القول ففعل الله صفة الله والمفعول غيره (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ووصف نفسه بالعمل فقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس:٧١] ووصف عبده بالعمل فقال جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:١٧] وليس العمل كالعمل اهـ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٤١٤٣).\n(٢) «خلق أفعال العباد» (١/ ١١٤).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٤).","vol":"2","page":169},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-505> العين</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، وأهل السنة والجماعة يعتقدون أنَّ الله يبصر بعين، كما يعتقدون أن، الله ﷿ له عينان تليقان به؛ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١].\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود: ٣٧].\nوقوله: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩].\nوقوله: وَاصْبِرْ لِحُكمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور: ٤٨].\nالدليل من السنة:\nروى أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية إِنَّ الله كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، فَوَضَعَ إبْهَامَهُ عَلَى أذنه، والتي تليها على عينيه» (١).\nحديث عبد الله بن عمر ﵄: «إنَّ الله لا يخفى عليكم إنَّ الله ليس بأعور (وأشار إلى عينيه)، وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية» (٢).\nقال ابن خزيمة في (كتاب التوحيد) بعد أن ذكر جملة من الآيات تثبت صفة العين: فواجب على كل مؤمن أن يثبت لخالقه وبارئه ما ثبَّت الخالق البارئ لنفسه من العين، وغير مؤمن من ينفي عن الله ﵎ ما قد ثبَّته الله في محكم تَنْزيله ببيان النبي صلى الله عليه الذي جعله الله مبيِّنًا عنه ﷿ في قوله: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، فبين النبي ﷺ أن لله عينين فكان بيانه موافقًا لبيان محكم التَنْزيل، الذي هو مسطور بين الدفتين، مقروء في المحاريب والكتاتيب (٣).\nوقال: نحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى وتحت الأرض السابعة السفلى، وما في السماوات العلى اهـ (٤).\nوبوَّب الَّلالَكَائي في (أصول الاعتقاد) بقوله: سياق ما دل من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ على أن صفات الله ﷿ الوجه والعينين واليدين اهـ (٥).\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان: قوله: «إن الله ليس بأعور»: هذه الجملة هي المقصودة من الحديث في هذا الباب؛ فهذا يدل على أن لله عينين حقيقة؛ لأن العور فقدُ أحد العينين أو ذهاب نورها اهـ (٦).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: وأجمع أهل السنة على أن العينين اثنتان، ويؤيده قول النبي ﷺ في الدجَّال: «إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور» اهـ (٧).\nوله - ﵀ - إجابة مطولة حول هذه الصفة، وإثبات أن لله عينين في (مجموع الفتاوى) (٨)؛ فلتراجع.\nوانظر كلام البغوي في صفة (الأصابع)، وكلام ابن كثير في صفة (السمع). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢٦\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٢٨). وسكت عنه، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٣٨٥): إسناده قوي على شرط مسلم. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: إسناده صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٧٤٠٧).\n(٣) «التوحيد» (١/ ٩٧).\n(٤) «التوحيد» (١/ ١١٤).\n(٥) «أصول الاعتقاد» (٣/ ٤١٢).\n(٦) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٢٨٥).\n(٧) «عقيدة أهل السنة والجماعة» (ص١٢).\n(٨) (٣/ ٤١ - ٥٠) الطبعة الأولى.","vol":"2","page":170},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-506> الغضب</span>\nصفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ [النور: ٩].\nوقوله: كلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى [طه: ٨١].\nوقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ [الممتحنة: ١٣].\nالدليل من السنة:\nحديث: «إنَّ رحمتي غلبت غضبي» (١).\nحديث الشفاعة الطويل، وفيه: «إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله» (٢).\nوأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الغضب لله ﷿ بوجه يليق بجلاله وعظمته، لا يكيفون ولا يشبهون ولا يؤولون؛ كمن يقول: الغضب إرادة العقاب، ولا يعطلون، بل يقولون: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.\nقال الطحاوي في (عقيدته) المشهورة: والله يغضب ويرضى لا كأحدٍ من الورى.\nقال الشارح ابن أبي العز الحنفي: ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضى والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة اهـ.\nوقال قوَّام السُّنَّة الأصبهاني: قال علماؤنا: يوصف الله بالغضب، ولا يوصف بالغيظ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٩٤) واللفظ له، ومسلم (٢٧٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٤٥٧).","vol":"2","page":171},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-507> الغلبة</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة؛ فالله غالب على أمره، ولا غالب له\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: ٢١].\nوقوله: وَالله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١].\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا إله إلا الله وحده، أعَزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده؛ فلا شيء بعده» (١).\nوالغلبة بمعنى القهر؛ كما في (القاموس)، والله ﷾ يتصف بالقهر، ومن أسمائه (القاهر) و(القهار)؛ كما سيأتي.\nومعنى: لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي؛ أي: لأنتصرن أنا ورسلي.\nوَالله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ؛ قال السعدي: أي: أمره تعالى نافذ؛ لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب اهـ.\n(غلب الأحزاب وحده)؛ أي: قهرهم وهزمهم وحده.\nوقد عدَّ بعضُ العلماء (الغالب) من أسماء الله تعالى، وفيه نظر. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٤١١٤)، ومسلم (٢٧٢٤).","vol":"2","page":172},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-508> الغنى</span>\nصفةٌ ذاتيَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، و(الغني) من أسماء الله تعالى.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَالله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥].\nوقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ [التوبة: ٢٨].\nوقوله: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى: ٨].\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «بينا أيوب ﵇ يغتسل عريانًا فناداه ربه ﷿: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعِزَّتِكَ» (١).\nحديث: «ومن يستعفف؛ يعفه الله، ومن يستغن؛ يغنه الله» (٢).\nحديث أبي هريرة ﵁: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك» (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - كما في طريق الهجرتين لابن القيم (٤) -:\nوالفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتٍ لاَزِمٌ أبَدًا ... كَمَا أَنَّ الغِنى أَبدًا وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي\nوقال ابن القيم في (النونية) (٥):\nوَهُوَ الغَنِيُّ بِذَاتِهِ فَغِنَاهُ ذَا ... تِيٌّ لَهُ كَالجُود وَالإحْسَانِ\nقال الشيخ الهرَّاس في (الشرح): ومن أسمائه الحسنى (الغني)؛ فله سبحانه الغنى التام المطلق من كل وجه؛ بحيث لا تشوبه شائبة فقر وحاجة أصلًا، وذلك لأن غناه وصف لازم له، لا ينفك عنه؛ لأنه مقتضى ذاته، وما بالذات لا يمكن أن يزول؛ فيمتنع أن يكون إلا غنيًَّا كما يمتنع أن يكون إلا جوادًا محسنًا برًَّا رحيمًا كريمًا اهـ وانظر كلام الزجاجي في: صفة (الواسع). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٣٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٩).\n(٢) رواه البخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣).\n(٣) رواه مسلم (٢٩٨٥).\n(٤) «طرق الهجرتين» (٦).\n(٥) «القصيدة النونية» (٢/ ٧٤).","vol":"2","page":173},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-509> الغيرة</span>\nيوصف الله ﷿ بالغَيْرة، وهي صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ تليق بجلاله وعظمته، لا تشبه غَيْرَةَ المخلوق، ولا ندري كيف: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١].\nالدليل:\nحديث أبي هريرة ﵁: «إن الله تعالى يغار، وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرَّم الله عليه» (١).\nحديث سعد بن عبادة ﵁: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير، واللهُ أغير مني، من أجل غيرة الله حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخصٌ أغير من الله» (٢) رواه البخاري ومسلم.\nقال البخاري في (صحيحه) كتاب التوحيد، باب ٢٠: باب قول النبي ﷺ: «لا شخص أغير من الله».\nقال الشيخ الغنيمان في (الشرح): وغيرة الله تعالى من جنس صفاته التي يختص بها؛ فهي ليست مماثلة لغيرة المخلوق، بل هي صفة تليق بعظمته؛ مثل الغضب والرضى ونحو ذلك من خصائصه التي لا يشاركه الخلق فيها.\nوقال أبو يعلى الفراء في (إبطال التأويلات) بعد ذكر الحديثين السابقين: اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين:\nأحدهما: إطلاق صفة الغَيْرة عليه.\nوالثاني: في إطلاق الشخص.\nأما الغيرة؛ فغير ممتنع إطلاقها عليه سبحانه؛ لأنه ليس في ذلك ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه؛ لأن الغيرة هي الكراهية للشيء، وذلك جائز في صفاته قال تعالى: وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ [التوبة: ٤٦] اهـ (٣).\nوقال الحافظ ابن القيم: إنَّ الغيرة تتضمن البغض والكراهة، فأخبر أنَّه لا أحد أغير منه، وأنَّ من غَيْرته حرَّم الفواحش، ولا أحد أحب إليه المدحة منه، والغيرةُ عند المعطلة النفاة من الكيفيات النفسية، كالحياء والفرح والغضب والسخط والمقت والكراهية، فيستحيل وصفه عندهم بذلك، ومعلومٌ أنَّ هذه الصفات من صفات الكمال المحمودة عقلًا وشرعًا وعرفًا وفطرةً، وأضدادها مذمومة عقلًا وشرعًا وعرفًا وفطرةً، فإنَّ الذي لا يغار بل تستوي عنده الفاحشةُ وتركها؛ مذمومٌ غايةَ الذمِّ مستحقٌ للذمِّ القبيح اهـ (٤).\nوانظر: (مجموع الفتاوى) لابن تيمية (٥) حيث نقل كلام شيخ الحرمين الكرجي في إثبات جملة من صفات الله ﷿، منها صفة (الغَيْرة). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٣٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢٢٣)، ومسلم (٢٧٦١).\n(٢) رواه البخاري (٧٤١٦)، ومسلم واللفظ له (١٤٩٩).\n(٣) «إبطال التأويلات» (١/ ١٦٥).\n(٤) «الصواعق المرسلة» (٤/ ١٤٩٧).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٤/ ١٨١)، (٦/ ١١٩ - ١٢٠).","vol":"2","page":174},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-510> الفتح</span>\nصفةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(الفتاح) اسم من أسمائه تعالى.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ: ٢٦]\nوقوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [الأعراف: ٨٩]\nقوله: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا [فاطر:٢]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁: «اللهم احبسها علينا (يعني: الشمس)، فحبست حتى فتح الله عليه» (١)\nحديث سهل بن سعد - ﵁ - سمع النبي - ﷺ - يقول يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه» (٢)\nقال ابن القيم (٣):\nوكذلك الفتَّاح مِنْ أسْمَائِهِ ... والفَتْحُ فِي أوْصَافِهِ أمْرَانِ\nفتحٌ بحُكْمٍ وهو شرعُ إلهِنَا ... والفتحُ بالأقْدارِ فَتْحٌ ثانِ\nوالرَّبُ فَتَّاحٌ بِذين كليْهِمَا ... عدْلًا وإحْسَانًا مِنَ الرَّحْمنِ\nوالفتح بمعنى الحكم والقضاء كما في الآية الثانية، والفتح ضد الغلق كما في الآية الثالثة، والفتح بمعنى النصر كما في الحديثين السابقين صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٣٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٢٤)، ومسلم (١٧٤٧).\n(٢) رواه البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦).\n(٣) «القصيدة النونية» (٢/ ١٠٠).","vol":"2","page":175},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-511> الفرح</span>\nصفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالأحاديث الصحيحة\nالدليل:\nحديث: «لله أفرح بتوبة عبده - وفي لفظٍ - أشد فرحًا» (١)\nقال أبو إسماعيل الصابوني: وكذلك يقولون في جميع الصفات (أي: الإثبات) التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والفرح والضحك وغيرها اهـ (٢)\nوقال الشيخ محمد خليل الهرَّاس في شرحه للعقيدة الواسطية عند شرحه لهذا الحديث: وفي هذا الحديث إثبات صفة الفرح لله ﷿، والكلام فيه كالكلام في غيره من الصفات؛ أنه صفة حقيقية لله ﷿، على ما يليق به، وهو من صفات الفعل التابعة لمشيئته تعالى وقدرته، فيحْدُث له هذا المعنى المعبَّر عنه بالفرح عندما يُحدِثُ عبدُهُ التوبةَ والإنابَةَ إليه، وهو مستلزمٌ لرضاه عن عبده التائب، وقبوله توبته وإذا كان الفرح في المخلوق على أنواع؛ فقد يكون فرح خفة وسرور وطرب وقد يكون فرح أشر وبطرٍ؛ فالله ﷿ مُنَزَّه عن ذلك كله، ففرحهُ لا يشبه فرح أحد من خلقه؛ لا في ذاته، ولا في أسبابه، ولا في غاياته؛ فسببه كمال رحمته وإحسانه التي يحب من عباده أن يتعرَّضوا لها، وغايته إتمام نعمته على التائبين المنيبين وأما تفسير الفرح بلازمه، وهو الرضى، وتفسير الرضى بإرادة الثواب؛ فكل ذلك نفيُ وتعطيلٌ لفرحه ورضاه سبحانه، أوجبه سوءُ ظنِّ هؤلاء المعطِّلة بربهم، حيث توهَّموا أن هذه المعاني تكون فيه كما هي في المخلوق، تعالى الله عن تشبيههم وتعطيلهم اهـ (٣)\nوممَّن أثبت صفة (الفرح) من السلف: الدارمي، وابن قتيبة، وأبو يعلى الفراء انظر: صفة (البشبشة)\nوانظر كلام البغوي في صفة (الأصابع) وكلام ابن كثير في صفة (السمع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٣٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤) بلفظ: «لله أشد فرحا». من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. والحديث روي بألفاظ متقاربة عن أبي هريرة، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، والنعمان بن بشير ﵃ أجمعين.\n(٢) «عقيدة السلف أصحاب الحديث» (ص٥).\n(٣) «شرح العقيدة الواسطية» (١٦٦).","vol":"2","page":176},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-512> الفطر</span>\nمن صفات أفعاله تعالى أنه فَطَرَ الخلق، وهو فاطر السماوات والأرض، وهذا ثابت بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَولَ مَرَّةٍ [الإسراء: ٥١]\nوقوله: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠]\nوقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [فاطر: ١]\nوقوله: إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف: ٢٧]\nالدليل من السنة:\nحديث: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض» (١)\nحديث علي بن أبي طالب ﵁: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا» (٢)\nالمعنى:\nفَطَرَ؛ أي: شَقَّ، والفَطْر: الابتداء والاختراع، فطركم أول مرة؛ أي: ابتدأ خلقكم، فطر السماوات والأرض؛ أي: شقهما وفتقهما بعد أن كانتا رتقًا، وهو مبدعها ومبتدئها وخالقها انظر كتب التفسير، و(النهاية) لابن الأثير صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٣٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٧٠).\n(٢) رواه مسلم (٧٧١).","vol":"2","page":177},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-513> القبض والطي</span>\nصفتان فعليتان خبريَّتان لله ﷿، ثابتتان بالكتاب والسنة، و(القابض) من أسماء الله تعالى\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَالله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٤٥]\nقوله تعالى: وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁: «يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه» (١)\nقال أبو يعلى الفراء في (إبطال التأويلات) بعد ذكر حديث: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها»: اعلم أنه غير ممتنع إطلاق القبض عليه سبحانه، وإضافتها إلى الصفة التي هي اليد التي خلق بها آدم؛ لأنه مخلوق باليد من هذه القبضة، فدلَّ على أنها قبضةٌ باليد، وفي جواز إطلاق ذلك أنه ليس في ذلك ما يُحيل صفاته ولا يُخرجها عما تستحقه اهـ (٢)\nوقال ابن القيم: ورد لفظ (اليد) في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقة من الإمساك والطي والقبض والبسط (٣)\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان: قوله: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه»: القبض: هو أخذ الشيء باليد وجمعه، والطي: هو ملاقاة الشيء بعضه على بعض وجمعه، وهو قريب من القبض وهذا من صفات الله تعالى الاختيارية، التي تتعلق بمشيئته وإرادته، وهي ثابتةٌ بآيات كثيرة وأحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ، وهي مما يجب الإيمان به؛ لأن ذلك داخل في الإيمان بالله تعالى، ويحرم تأويلها المخرج لمعانيها عن ظاهرها، وقد دلَّ على ثبوتها لله تعالى العقل أيضًا؛ فإنه لا يمكن لمن نفاها إثبات أن الله هو الخالق لهذا الكون المشاهد؛ لأن الفعل لابد له من فاعل، والفاعل لابدَّ له من فعل، وليس هناك فعل معقول إلا ما قام بالفاعل، سواءً كان لازمًا كالنُّزُول والمجيء، أو متعديًَّا كالقبض والطي؛ فحدوث ما يحدثه تعالى من المخلوقات تابع لما يفعله من أفعاله الاختيارية القائمة به تعالى؛ وهو تعالى حيٌ قيُّوم، فعَّال لما يريد، فمن أنكر قيام الأفعال الاختيارية به تعالى فإن معنى ذلك أنه ينكر خلقه لهذا العالم المشاهد وغير المشاهد، وينكر قوله: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فالعقل دل على ما جاء به الشرع وما صرح به في هذا الحديث من القبض والطي، قد جاء صريحًا أيضًا في كتاب الله تعالى؛ كما قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:٦٧]، والأحاديث والآثار عن السلف في صريح الآية والحديث المذكور في الباب كثيرة وظاهرة جلية لا تحتمل تأويلًا ولا تحتاج إلى تفسير، ولهذا صار تأويلها تحريفًا وإلحادًا فيها اهـ (٤) وانظر: صفة (البسط) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٣٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧) واللفظ له.\n(٢) «إبطال التأويلات» (ص١٦٨).\n(٣) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ١٧١).\n(٤) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ١٤٠).","vol":"2","page":178},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-514> القدرة</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، ومن أسمائه تعالى: (القادر) و(القدير) و(المقتدر)\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٠] وغيرها\nوقوله: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عذَابًا [الأنعام: ٦٥]\nوقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٤ - ٥٥]\nالدليل من السنة:\nحديث عثمان بن أبي العاص ﵁ مرفوعًا: «أعوذ بعِزَّة الله وقدرته من شر ما أجدُ وأحاذِرُ» (١)\nحديث أبي مسعود البدري ﵁، لما ضرب غلامه؛ قال له النبي ﷺ: «اعلم أبا مسعود! أن الله أقدرُ عليك منك على هذا الغلام» (٢)\nقال الخطابي: ووصف الله نفسه بأنه قادرٌ على كلِّ شيء أراده، لا يعترضه عجز ولا فتور، وقد يكون القادر بمعنى المقدِّر للشيء، يقال: قَدَّرت الشيءَ وقدَرْتُه؛ بمعنى واحد (٣) وانظر كلام ابن كثير في صفة (السمع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٢٠٢).\n(٢) رواه مسلم (١٦٥٩).\n(٣) «شأن الدعاء» (ص٨٥).","vol":"2","page":179},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-515> الْقِدَمُ</span>\nيُخْبَرُ عن الله ﷿ بأنه قديم، لا صفةً له، والقديم ليس اسمًا له\nقال الحافظ ابن القيم: «ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيَّاَ؛ كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه» اهـ (١)\nقال قوَّام السُّنَّة: فبيَّن (أي: النبي ﷺ) مراد الله تعالى فيما أخبر عن نفسه، وبيَّن أن نفسه قديم غير فانٍ، وأن ذاته لا يوصف إلا بما وصف، ووصفه النبي ﷺ اهـ (٢)\nوفي الحديث الصحيح: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم؛ من الشيطان الرجيم» (٣)\nوفيه وصف سلطان الله ﷿ بالقِدَم\nوقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية عِلْمَ الله بالقِدَم في (الواسطية)، فقال: والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين، فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله عليمٌ بالخلق وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوفٌ به أزلًا وأبدًا (٤)\nوقال في (مجموع الفتاوى): والناس متنازعون؛ هل يسمى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع، وإن لم يرد بإطلاقه نصٌ ولا إجماعٌ، أم لا يطلق إلا ما أطلق نص أو إجماع؟ على قولين مشهورين، وعامة النظار يطلقون ما لا نص في إطلاقه ولا إجماع؛ كلفظ (القديم) و(الذات) ونحو ذلك، ومن الناس من يفصل بين الأسماء التي يدعى بها، وبين ما يخبر به عند الحاجة؛ فهو سبحانه إنما يدعى بالأسماء الحسنى؛ كما قال: وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى، وأما إذا احتيج إلى الإخبار عنه؛ مثل أن يُقال: ليس هو بقديم، ولا موجود، ولا ذات قائمة بنفسها ونحو ذلك؛ فقيل في تحقيق الإثبات: بل هو سبحانه قديم، موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وقيل: ليس بشيء، فقيل: بل هو شيء؛ فهذا سائغ اهـ (٥)\nوقال البيهقي: القديم هو الموجود لم يزل، وهذه صفة يستحقها بذاته (٦)\nوقد عَدَّه السفاريني في (لوامع الأنوار) صفة لله تعالى، بل اسمًا له، وعلق عليه الشيخ عبد الله بابطين بقوله: قوله: إن القديم اسم من أسمائه تعالى: فيه نظر من وجهين، إلى أن قال: وبذلك لا يصح إطلاق القديم على الله باعتبار أنه من أسمائه، وإن كان يصح الإخبار به عنه؛ كما قلنا: إنَّ باب الإخبار أوسع من باب الإنشاء، والله أعلم (٧) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤١\n_________\n(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٢).\n(٢) «الحجة» (١/ ٩٣).\n(٣) رواه أبو داود (٤٦٦). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. قال النووي في «الأذكار» (ص٨٦): حديث حسن رواه أبو داود بإسنادٍ جيد. وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٢٧٧): هذا حديث حسن غريب، ورجاله موثقون، وهم من رجال الصحيح إلا إسماعيل وعقبة. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٤) «العقيدة الواسطية» (ص٢٠).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٩/ ٣٠٠و٣٠١).\n(٦) «الاعتقاد» (ص٦٨).\n(٧) «لوامع الأنوار» (١/ ٣٨).","vol":"2","page":180},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-516> االقدوس</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه سبحانه القُدُّوس، وهي صفةٌ ذاتيةٌ، والقُدُّوس اسم له، ثابت بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [الحشر: ٢٣]\nالدليل من السنة:\nحديث عائشة ﵂- وقد تقدم -: «سُبُّوح قُدُّوس رب الملائكة والروح» (١)\nقال ابن قتيبة: ومن صفاته (قُدُّوس)، وهو حرفٌ مبنيٌّ على (فُعُّول)، من (القدس)، وهو الطهارة (٢)\nوانظر: صفة (السُّبُّوح) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٣\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٨٧).\n(٢) «تفسير غريب القرآن» (ص٨).","vol":"2","page":181},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-517> القرآن</span>\nصفةٌ من صفات الله ﷿ وهو كلام الله\nبَوَّبَ البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه: باب قل أيُّ شيء أكبر شهادة قل الله فسمى نفسه شيئًا وسمى النبيُّ القرآنَ شيئًا وهو صفة من صفات الله\nوقال اللالكائي: سياق ما روي عن النبي ﷺ مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة ثم ساق حديث محاجَّة آدم لعيسى – ﵉المشهور (١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: القرآنُ صفةٌ من صفات الله وصف بها نفسه (٢)\nوقال في مجموع الفتاوى: أهل السنة متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن كلامه من صفاته القائمة بنفسه ليس من مخلوقاته (٣)\nتنبيه: القرآن كلام الله وهو صفة من صفاته، أمَّا ما في المصحف من ورقٍ ومِداد فهو مخلوق وانظر: صفة (الكلام) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٣\n_________\n(١) «شرح اعتقاد أهل السنة» (٢/ ٢٢٤).\n(٢) «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ١٦٥).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٧٧).","vol":"2","page":182},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-518> القهر</span>\nصفةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب، ويوصف الله بأنه القاهر، والقَهَّار، وهما اسمان لله تعالى\nالدليل:\nقوله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨، ٦١]\nقوله تعالى: وَهُوَ الْوَاحدُ الْقَهَّارُ [الرعد: ١٦]\nولم يرد في القرآن (القَهَّار) إلا مسبوقًا بـ (الواحد) وذلك في ستة مواضع\nقال ابن القيم (١):\nوَكذلِكَ القّهَّار مِنْ أوْصَافِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا عَزِيزًا قَادِرًا ... فَالخَلْقُ مَقْهُورُونَ بِالسُّلْطَانِ مَا كَانَ مِنْ قَهْرٍ وَمِنْ سُلْطانِ\nوالقهر بمعنى الغلبة والأخذ من فوق\nقال ابن جرير عند تفسير قوله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ: وإنما قال: فَوْقَ عِبَادِهِ؛ لأنه وصف نفسه تعالى بقهره إياهم، ومن صفةِ كلِّ قاهرٍ شيئًا أن يكون مستعليًا عليه، فمعنى الكلام إذًا: والله الغالب عباده المذلل لهم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٤\n_________\n(١) «القصيدة النونية» (٢/ ٩٤).","vol":"2","page":183},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-519> القول</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ فعليَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، وهو والكلام شيء واحد\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة: ٣٨]\nوقوله: وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب: ٤]\nوقوله: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠]\nالدليل من السنة:\nأما السنة، فإن أغلب الأحاديث القدسية مبدوءة بـ (قال الله)، أو (يقول الله) وانظر: صفة (الكلام) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٥","vol":"2","page":184},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-520> القوة</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب العزيز و(القوي) من أسماء الله تعالى\nالدليل:\nقوله تعالى: وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ [الشورى: ١٩]\nقوله تعالى: إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨]\nقال البخاري في (صحيحه) في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ\nقال الشيخ الغنيمان: وهذه الآية ونظائرها تدل بوضوح على أن الله تعالى موصوف بالصفات العليا، كما أنه مسمى بالأسماء الحسنى؛ فالقوة صفته، والرزاق اسمه، وتقدم أن كل اسم لابدَّ أن يتضمن الصفة، وبذلك وغيره يرد على المنكرين للصفات، كما سبقت الإشارة إليه، والله أعلم (١) وانظر كلام ابن كثير في صفة (السمع)\nصفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٦\n_________\n(١) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٩٣).","vol":"2","page":185},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-521> القيوم</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه القَيُّوم والقَيِّم والقَيَّام، وهو وصفٌ ذاتيٌ ثابت لله بالكتاب والسنة، و(القَيُّوم) اسم من أسمائه ﵎\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم [البقرة: ٢٥٥، آل عمران: ٢]\nوقوله: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّوم [طه: ١١١]\nالدليل من السنة:\nحديث ابن عباس ﵄ في دعاء النبي ﷺ في تهجده: «لك الحمد؛ أنت قَيِّم السماوات والأرض ومن فيهن» (١)\nقال العلماء: من صفاته القيَّام والقيِّم، والقَيُّوم بنص القرآن وقائم، ومنه قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ؛ قال الهروي: ويقال: قَوَّام قال ابن عباس: القَيُّوم الذي لا يزول وقال غيره: هو القائم على كل شيء ومعناه مدبر أمر خلقه، وهما سائغان في تفسير الآية والحديث اهـ\nقال ابن جرير في تفسير الآية الأولى من سورة آل عمران: «القَيُّوم»: القَيِّم بحفظ كل شيء ورزقه وتدبيره وتصريفه فيما شاء وأحب من تغيير وتبديل وزيادة ونقص، ثم ذكر قولين في معنى القَيُّوم، ثم قال: وأولى التأويلين بالصواب ما قال مجاهد والربيع، وأن ذلك وصفٌ من الله - تعالى ذكره- نفسه بأنه القائم بأمر كل شيء؛ في رزقه، والدفع عنه، وكلاءته، وتدبيره، وصرفه في قدرته\nوقال ابن قتيبة: ومن صفاته: (القَيُّوم) و(القيَّام)، وقرئ بهما جميعًا، وهما (فيعول) و(فيعال)، من قمت بالشيء: إذا وليته، كأنه القيِّم بكل شيء، ومثله في التقدير: دَيُّور وديَّار اهـ (٢)\nوقال الزجاجي: القَيُّوم: فيعول من قام يقوم، وهو من أوصاف المبالغة في الفعل اهـ (٣)\nوقال ابن القيم (٤):\nهذا وَمِنْ أوصافِهِ القَيُّوم ... وَالقَيُّوم في أوصافه أمْرَانِ\nإِحْدَاهُما القَيُّوم قَامَ بِنَفْسِهِ ... والكَوْنُ قَامَ بهِ هُمَا الأمرَانِ\nفالأوَّلُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ غَيْرهِ ... والفَقْرُ مِنْ كُلٍّ إليهِ الثَّانِيِ\nوالوَصْفُ بِالقَيُّوم ذُو شَأْنٍ كذا ... مَوْصُوفُهُ أيْضًا عَظيمُ الشَّانِ\nصفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٧\n_________\n(١) رواه البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩) ورواه أيضًا بلفظ: «قيّام».\n(٢) «تفسير غريب القرآن» (ص٧).\n(٣) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٠٥).\n(٤) «القصيدة النونية» (٢/ ١٠٢).","vol":"2","page":186},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-522> الكافي</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه كافٍ عباده ما يحتاجون إليه، وهي صفةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمْ الله وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٣٧]\nوقوله: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥]\nوقوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦]\nالدليل من السنة:\nحديث أنس ﵁؛ «أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه؛ قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا؛ فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي» (١)\nقصة الغلام مع الساحر والراهب في (صحيح مسلم) من حديث أنس ﵁، وفيه أنه كلما ذهبوا به إلى مكان لقتله؛ قال: «اللهم اكفنيهم بما شئت» (٢)\nالمعنى: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الكافي عباده جميع ما يحتاجون ويضطرون إليه، الكافي كفاية خاصة من آمن به وتوكل عليه واستمد منه حوائج دينه ودنياه (٣) قال الراغب الأصفهاني في (المفردات): الكفاية ما فيه سد الخلة وبلوغ المراد في الأمر وقد عدَّ بعض العلماء (الكافي) من أسماء الله تعالى وفي هذا نظر صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٨\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧١٥).\n(٢) رواه مسلم (٣٠٠٥).\n(٣) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠٤).","vol":"2","page":187},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-523> الكبر والكبرياء</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، و(المُتَكَبِّر) من أسماء الله تعالى\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر: ٢٣]\nوقوله: وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية: ٣٧]\nالدليل من السنة:\nحديث عبد الله بن قيس ﵁ مرفوعًا: «جنتان من فضَّة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» (١)\nحديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄: «العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني؛ عذبته» (٢) وأبو داود بلفظ: «الكبرياء ردائي، والعَظَمَة إزاري» (٣)\nقال ابن قتيبة: وكبرياء الله: شرفه، وهو من (تكبَّر): إذا أعلى نفسه اهـ (٤)\nوقال قوَّام السُّنَّة: أثبت الله العِزَّة والعَظَمَة والقدرة والكِبر والقوة لنفسه في كتابه (٥) وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: «وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن»: ومن المعلوم أن الكبرياء من صفات الله تعالى، ولا يجوز للعباد أن يتصفوا بها؛ فقد توعد الله المتكبر بجهنم؛ كما قال تعالى: قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:٧٢] ثم قال: ووصف الله تعالى بأن العَظَمَة إزاره والكبرياء رداؤه؛ كسائر صفاته؛ تثبت على ما يليق به، ويجب أن يؤمن بها على ما أفاده النص؛ دون تحريف ولا تعطيل (٦)\nصفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٢٠).\n(٣) رواه أبو داود (٤٠٩٠). من حديث أبي هريرة ﵁. وسكت عنه. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٤) «تفسير غريب القرآن» (ص١٨).\n(٥) «الحجة» (٢/ ١٨٦).\n(٦) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (٢/ ١٦١).","vol":"2","page":188},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-524> الكبير</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الكبير، وهو أكبر من كل شيء، وهي صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(الكبير) من أسمائه تعالى\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد: ٩]\nوقوله تعالى: وَأَنَّ الله هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [لقمان: ٣٠]\nالدليل من السنة: إن الأحاديث الصحيحة والأذكار الثابتة عن النبي ﷺ، والتي فيها وصف الله ﷿ بالكِبَر، وأنه أكبر من كل شيء كثيرة جدًَّا، منها تكبيرات الأذان والصلاة «الله أكبر» (١)، ومنها: «الله أكبر كبيرًا» (٢)، ومنها: «فمن كبر الله وحمد الله» (٣)، ومنها: «يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك» (٤) وغيرها كثير ومعنى الكبير؛ أي: العظيم الذي كل شيء دونه، وهو أعظم من كل شيء قال ابن منظور في (لسان العرب): والكبير في صفة الله تعالى: العظيم الجليل صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥١\n_________\n(١) منها في الأذان: ما رواه البخاري (٩١٤) من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄. ومسلم (٣٧٩) من حديث أبي محذورة ﵁. ومنها في الصلاة: ما رواه البخاري (٧٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٦٠١). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) رواه مسلم (١٠٠٧). من حديث عائشة ﵂.\n(٤) رواه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":189},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-525> الكتابة والخط</span>\nصفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، فهو سبحانه يكتب ما شاء متى شاء، كما يليق بعظيم شأنه، لا ككتابة المخلوقين، والتي تليق بصغر شأنهم الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: ١٨١]\nوقوله تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً [الأعراف: ١٤٥]\nوقوله: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء: ١٠٥]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لما قضى الله الخلق؛ كتب في كتابه؛ فهو عنده فوق عرشه: إنَّ رحمتي تغلب غضبي» (١)، ورواه الترمذي، وابن ماجه؛ بلفظ: «.. لما خلق الخلق؛ كتب بيده على نفسه ...» (٢)\nحديث احتجاج موسى وآدم ﵉، وفيه قول آدم لموسى: «أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيًّا؛ فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟» (٣) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢) وفي رواية: «وخط لك التوراة بيده» (٤)\nقال أبو بكر الآجري في (الشريعة): باب الإيمان بأن الله ﷿ خلق آدم ﵇ بيده، وخَطَّ التوراة لموسى ﵇ بيده (٥)\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان: قوله: «كتب في كتابه»: يجوز أن يكون المعنى: أمر القلم أن يكتب؛ كما قال الحافظ، ويجوز أن يكون على ظاهره؛ بأن كتب تعالى بدون واسطة، ويجوز أن يكون قال: كن؛ فكانت الكتابة، ولا محذور في ذلك كله، وقد ثبت في (سنن الترمذي) و(ابن ماجه) في هذا الحديث: «أن الله ﷿ لما خلق الخلق؛ كتب بيده على نفسه: إنَّ رحمتي سبقت غضبي» (٦)\nقلت: أما حديث الترمذي وابن ماجه؛ فلا يصح إلا على أن الكتابة كانت بدون واسطة، وأنها كانت بيده ﷾ صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٩٤)، ومسلم (٢٧٥١).\n(٢) رواه الترمذي (٣٥٤٣)، وابن ماجه (٤٢٩٥). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. والحديث صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح عند ابن خزيمة - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٤٧٣٨)، ومسلم (٢٦٥٢) (١٥) واللفظ له.\n(٤) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢) (١٣).\n(٥) «الشريعة» (ص٣٢٣).\n(٦) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٢٦٠).","vol":"2","page":190},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-526> الكرم</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، ومن أسمائه: (الكريم) و(الأكرم)\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦]\nوقوله: فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر: ١٥]\nوقوله: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ [العلق: ٣]\nالدليل من السنة:\nحديث عوف بن مالك ﵁ في الدعاء على الجنازة: «اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نُزُلَه، ووسع مدخله» (١)\nحديث طلحة بن عبيد الله ﵁، وقول الأعرابي للنبي ﷺ «والذي أكرمك؛ لا أتطوع شيئًا» (٢)\nحديث غيرة سعد بن عبادة ﵁، وقوله للنبي ﷺ: «بلى؛ والذي أكرمك بالحق» (٣)\nأثر عبد الله بن مسعود وابن عمر ﵄: (رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم) (٤)\nقال ابن منظور في (لسان العرب): الكريم من صفات الله وأسمائه، وهو الكثير الخير، الجواد المعطي، الذي لا ينفد عطاؤه، وهو الكريم المطلق\nقال الشيخ السعدي: الرحمن الرحيم والبر الكريم الجواد الرؤوف الوهاب؛ هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب بالرحمة والبر والجود والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه التي عم بها جميع الوجود بحسب ما تقتضيه حكمته، وخص المؤمنين منها بالنصيب الأغر والحظ الأكمل اهـ (٥)\nوقال أبو هلال العسكري: الفرق بين الكرم والجود أن الجود هو الذي ذكرناه (يعني: كثرة العطاء من غير سؤال)، والكرم يتصرف على وجوه، فيقال لله تعالى: كريم، ومعناه أنه عزيز، وهو من صفات ذاته، ومنه قوله تعالى: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:٦]؛ أي: العزيز الذي لا يغلب، ويكون بمعنى الجواد المفضال، فيكون من صفات فعله (٦) وذكر معانيَ وأقوالًا أخرى\nوقال الزجاجي: الكريم: الجواد، والكريم: العزيز، والكريم: الصَّفوح هذه ثلاثة أوجه للكريم في كلام العرب، كلها جائز وصف الله ﷿ بها، فإذا أريد بالكريم الجواد أو الصفوح؛ تعلق بالمفعول به؛ لأنه لا بدَّ من مُتكرم عليه ومصفوح عنه موجود، وإذا أريد به العزيز؛ كان غير مقتض مفعولًا اهـ (٧) يعني ﵀: إذا أريد به الجواد والصفوح؛ فهي صفةُ فعلٍ، وإذا أريد به العزيز؛ فهي صفةُ ذاتٍ والله أعلم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٩٦٣).\n(٢) رواه البخاري (١٨٩١).\n(٣) رواه مسلم (١٤٩٨).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٢٠)، والطبراني في «الدعاء» (٨٧٠)، والبيهقي (٥/ ٩٥). موقوفًا على ابن مسعود ﵁. وقال العراقي في «المغني» (١/ ٤٢٤): إسناده صحيح. وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ٤٠١ - ٤٠٢): موقوف صحيح الإسناد. ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٢٠) موقوفًا على ابن عمر ﵄. وقال الألباني - ﵀ - في «مناسك الحج والعمرة» (ص٢٨): رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وابن عمر ﵄ بإسنادين صحيحين. والحديث رواه الطبراني في «الأوسط» (٣/ ١٤٧) مرفوعًا بسند ضعيف من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. انظر: «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٤٨)، و«تلخيص الحبير» (٢/ ٢٥١).\n(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٢٩٩).\n(٦) «الفروق» (ص١٤٣).\n(٧) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٧٦).","vol":"2","page":191},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-527> الكره</span>\nصفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب: قوله تعالى: وَلَكِنْ كَرِهَ الله انْبِعَاثَهُمْ [التوبة: ٤٦]\nالدليل من السنة:\nحديث المغيرة بن شعبة ﵁ مرفوعًا: «إن الله حَرَّم عليكم: عقوق الأمهات، ومنعًا وهات، ووأد البنات، وكَرِهَ لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (١)\nحديث عائشة ﵂: «وإن الكافر إذا بُشِّر بعذاب الله وسَخَطِه؛ كَرِهَ لقاء الله وكَرِهَ الله لقاءه» (٢)\nوانظر: صفة (السَّخْط) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩٣).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٨٤). والحديث رواه البخاري معلقًا بعد حديث (٦٥٠٧).","vol":"2","page":192},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-528> الكف</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ الدليل:\nحديث أبي هريرة ﵁: «ما تصدق أحد بصدقة من طيِّب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كفِّ الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربيِّ أحدكم فَلُوَّه أو فصيله» (١)\nحديث: «رأيت ربي في أحسن صورة - وفيه - فرأيته وضع كَفَّه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله في صدري» (٢)\nقال أبو يعلى الفراء في (إبطال التأويلات) مثبتًا الكف ورادًّا على من أول الصورة والكف في حديث الصورة بقوله: الثالث: أنه وصفه بالصورة، ووضع الكف بين كتفيه، وهذه الصفة لا تتصف بها الأفعال والمَلَك (٣) وقال قَوَّام السُّنَّة الأصبهاني في (الحجة) بعد سرده لجملة من أحاديث الصفات: وقوله: «إنَّ أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن» (٤)، وقوله: «يضع السماوات على إصبع والأرضين على إصبع» (٥) وأمثال هذه الأحاديث، فإذا تدبَّره متدبر، ولم يتعصب؛ بان له صحة ذلك، وأنَّ الإيمان به واجب، وأنَّ البحث عن كيفية ذلك باطل اهـ ثم قال: وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئًا من ذلك؛ إلا ما هو معروف في كلام العرب؛ فهو معلوم بالحديث، مجهول الكيفية وقال صديق حسن خان في (قطف الثمر/ ٦٦): ومن صفاته سبحانه: اليد، واليمين، والكف، والإصبع (٦) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٦\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤١٠)، ومسلم (١٠١٤).\n(٢) رواه الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٣) (٢٢١٦٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح؛ سألت محمد بن إسماعيل - البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» (٤/ ٧٣)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. والحديث روي عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن سمرة وثوبان ﵃ جميعًا.\n(٣) «إبطال التأويلات» (١/ ١٣١).\n(٤) رواه أحمد (٢/ ٤١٨) (٩٤١٣) بلفظ مقارب. من حديث أبي هريرة ﵁. قال شعيب الأرناؤوط: صحيح.\n(٥) رواه البخاري (٧٤٥١) عن عبد الله بن مسعود بلفظ: جاء حبر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إن الله يضع السماء على إصبع، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر والأنهار على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يقول بيده: أنا الملك فضحك رسول الله ﷺ وقال: «وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ».\n(٦) «الحجة» (٢/ ٢٥٩، ٢٦٢).","vol":"2","page":193},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-529> الكفيل</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الكفيل، الذي يكفل ويحفظ عباده، وهي صفةٌ ثابتةٌ له بالكتاب والسُّنَّة الدليل من الكتاب: قوله تعالى: وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النحل: ٩١] الدليل من السُّنَّة: قصة الرجل من بني إسرائيل، الذي أسلفَ آخَرَ ألفَ دينار، وفيه أنه قال: «اللهم إنك تعلم أني كنت تبلغت فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا، فرضي بك» (١)\nوالكفيل بمعنى الوكيل والحفيظ والشهيد والعائل والضامن قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا: وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيًا، يرعى الموفي منكم بعهد الله الذي عاهد على الوفاء به والناقض قال الراغب الأصفهاني في (المفردات): كفل: الكفالة الضمان والكفيل الحظ الذي فيه الكفاية، كأنه تكفل بأمره وقد عدَّ بعضهم الكفيل من أسماء الله تعالى صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٢٩١).","vol":"2","page":194},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-530> الكلام والقول والحديث والنداء والصوت</span>\nيعتقد أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الله ﷿ يتكلم ويقول ويتحدث وينادي، وأنَّ كلامه بصوت وحرف، وأنَّ القرآن كلامه، مُنَزَّلٌ غير مخلوق، وكلام الله صفةٌ ذاتيةٌ فعليةٌ (ذاتيةٌ باعتبار أصله وفعليةٌ باعتبار آحاده)\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤]\nوقوله: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] (نداء بصوت مسموع)\nوقوله: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: ١٠٩] (كلام مكتوب)\nوقوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة: ٦] (كلام يُسمع)\nوقوله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧]\nالدليل من السُّنَّة:\nحديث احتجاج آدم وموسى وفيه: «قال له آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه» (١)\nحديث قصة الإفك وقول عائشة ﵂: «ولَشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمرٍ يتلى» (٢)\nحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «إنَّ الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك فيقول: هل رضيتم؟» (٣)\nحديث ابن عباس ﵁: «بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ وقال: أبشر بنورين أوتيتهنَّ لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما؛ إلا أعطيته» (٤)\nحديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: «يقول الله: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فينادى بصوت: إنَّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار» (٥)\nومن أقوال العلماء في ذلك:\n١ - قال الإمام البخاري: وإنَّ الله ﷿ ينادي بصوتٍ يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب، فليس هذا لغير الله جل ذكره، وفي هذا (يعني: حديث عبد الله بن أنيس ذكره بعد كلامه هذا) دليل أنَّ صوت الله لا يشبه أصوات الخلق؛ لأنَّ صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأنَّ الملائكة يصعقون من صوته؛ فإذا تنادى الملائكة؛ لم يصعقوا (٦)\n٢ - وقال أبو بكر الخلال: أخبرني علي بن عيسى أنَّ حنبلًا حدثهم؛ قال: قلت لأبي عبد الله: الله يكلم عبده يوم القيامة؟ قال: نعم؛ فمن يقضي بين الخلائق إلا الله ﷿؟! يكلم عبده ويسأله، الله متكلم، لم يزل الله متكلمًا؛ يأمر بما يشاء، ويحكم بما يشاء، وليس له عدل ولا مثل، كيف شاء وأين شاء (٧)\n٣ - وقال عبد الله ابن الإمام أحمد رحمهما الله: سألت أبي ﵀ عن قوم يقولون: لما كلم الله ﷿ موسى؛ لم يتكلم بصوت، فقال أبي: بلى؛ إن ربك ﷿ تكلم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت (٨).\n٤ - وقال ابن أبي عاصم في (السُّنَّة): باب: ذكر الكلام والصوت والشخص وغير ذلك (٩)\n٥ - وقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على إثبات حياة الله ﷿، لم يزل بها حيًّا وكلامًا لم يزل به متكلمًا اهـ (١٠)\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢).\n(٢) رواه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(٣) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).\n(٤) رواه مسلم (٨٠٦).\n(٥) رواه البخاري (٧٤٨٣).\n(٦) «خلق أفعال العباد» (ص١٤٩).\n(٧) انظر: «المسائل والرسالة المروية عن الإمام أحمد» (١/ ٢٨٨).\n(٨) «المسائل والرسالة المروية عن الإمام أحمد» (١/ ٣٠٢).\n(٩) «السنة» (١/ ٢٢٥).\n(١٠) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص٢١٤).","vol":"2","page":195},{"text":"٦ - وقال قَوَّام السُّنَّة الأصبهاني: وخاطر أبو بكر ﵁ (أي: راهن قومًا من أهل مكة)، فقرأ عليهم القرآن، فقالوا: هذا من كلام صاحبك فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله تعالى، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة\nوقال عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر: (إنَّ هذا القرآن كلام الله)\nفهو إجماع الصحابة وإجماع التابعين بعدهم، مثل: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، والشعبي، وغيرهم ممَّن يطول ذكرهم، أشاروا إلى أنَّ كلام الله هو المتلو في المحاريب والمصاحف\nوذكر: صالح بن أحمد بن حنبل، وحنبل؛ أنَّ أحمد ﵀؛ قال: جبريل سمعه من الله تعالى، والنبي ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعته من النبي ﷺ وفي قول أبي بكر ﵁: (ليس بكلامي، ولا كلام صاحبي، إنما هو كلام الله تعالى): إثبات الحرف والصوت؛ لأنه إنما تلا عليهم القرآن بالحرف والصوت اهـ (١)\n٧ - وبوب ﵀ في (الحجة) (فصل في إثبات النداء صفة لله ﷿) ثم سرد جملة من الآيات والأحاديث (٢)\n٨ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: واستفاضت الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السُّنَّة؛ أنه سبحانه ينادي بصوت؛ نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال: إنَّ الله يتكلم بلا صوت أو بلا حرف، ولا أنَه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف (٣)\n٩ - وقال ابن القيم (٤) على لسان مُعَطِّلٍ يعترض على ما يثبته سني:\nوزَعَمْتَ أنَّ الله كَلَّمَ عَبْدَهُ أَفَتَسْمَعُ الآذَانُ غَيرَ الحَرْفِ وَالصَّـ وَكَذا النِّداءُ فَإنَّهُ صَوْتٌ بِإجْمـ لَكنَّهُ صَوْتٌ رَفِيعٌ وَهُوَ ضِـ ... مُوسَى فَأسْمَعَهُ نِدَا الرَّحْمنِ ـوْتِ الَّذي خُصَّتْ بِهِ الأذُنانِ ـمَاعِ النُّحَاةِ وأهْلِ كُلِّ لِسَانِ ـدٌّ للنِّجَاءِ كِلاهُمَا صَوْتَانِ\nولمزيد شرح فيما يتعلق بصفة الكلام انظر: (شرح الشيخ عبد الله الغنيمان لكتاب التوحيد من صحيح البخاري) (٢/ ٣٠٧ - ٣١٦)، وكتاب (العقيدة السلفية في كلام رب البرية) للأخ عبد الله بن يوسف الجديع، وهي نافعة جدًَّا صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٩\n_________\n(١) «الحجة» (١/ ٣٣١و٣٣٢).\n(٢) «الحجة» (١/ ٢٦٩).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣٠٤). وانظر أيضًا: (٦/ ٥١٣ - ٥٤٥).\n(٤) «القصيدة النونية» (١/ ٨٠).","vol":"2","page":196},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-531> الكنف</span>\nصفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالحديث الصحيح، والكَنَف في اللغة: السِّتر والحِرز والجانب والنَّاحية\nالدليل: ما رواه البخاري ومسلم؛ من حديث ابن عمر ﵄: «يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كَنَفَه عليه فيقول» (١) قال البخاري: قال عبد الله بن المبارك: كَنَفَه؛ يعني: ستره (٢)\nوقال الأزهري في (تهذيب اللغة) بعد أن نقل كلام ابن المبارك هذا: وقال ابن شميل: يضع الله عليه كَنَفَه؛ أي: رحمته وبرَّه (٣) وقال شيخ الإسلام في (نقض التأسيس)؛ كما ذكر الغنيمان في (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري): قال الخلال في (كتاب السُّنَّة) باب: يضع كَنَفَه على عبده، ﵎: أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر؛ أنَّ أبا الحارث حدثهم؛ قال: قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله: (إنَّ الله يدني العبد يوم القيامة؛ فيضع عليه كَنَفَه؟) قال: هكذا نقول: يدنيه ويضع كَنَفَه عليه؛ كما قال؛ يقول له: أتعرف ذنب كذا قال الخلال: أنبأنا إبراهيم الحربي؛ قال: قوله: «فيضع عليه كَنَفَه»؛ يقول: ناحيته قال إبراهيم: أخبرني أبو نصر عن الأصمعي؛ يقال: نزل في كَنَفِ بني فلان؛ أي: في ناحيتهم. اهـ (٤)\nقال الحافظ أبو موسى المديني في (المجموع المغيث): في الحديث: «يُدني المؤمن من ربه ﷿ حتى يضع عليه كَنَفَه» (٥)؛ أي: يستره، وقيل: يرحمه، وقال الإمام إسماعيل: لم أر أحدًا فسَّرَه؛ إلا إن كان معناه: يستره من الخلق، وقيل في رواية: يستره بيده وكنفا الإنسان: ناحيتاه، ومن الطائر: جناحاه (٦)\nوقال الشيخ الغنيمان في المصدر السابق: قوله: «حتى يضع كَنَفَه عليه»: جاء الكَنَفُ مفسرًا في الحديث بأنه السِّتر، والمعنى: أنه تعالى يستر عبده عن رؤية الخلق له؛ لئلا يفتضح أمامهم فيخزى؛ لأنه حين السؤال والتقرير بذنوبه تتغير حاله، ويظهر على وجهه الخوف الشديد، ويتبين فيه الكرب والشدة (٧) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٦٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٠٧٠)، ومسلم (٢٧٦٨).\n(٢) انظر: «خلق أفعال العباد» (ص١٠٣).\n(٣) «تهذيب اللغة» (١٠/ ٢٧٤).\n(٤) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (٢/ ٤٢٣)\n(٥) رواه البخاري (٤٦٨٥). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٦) «المجموع المغيث» (٣/ ٧٨).\n(٧) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (٢/ ٤٢٣).","vol":"2","page":197},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-532> الكيد لأعدائه</span>\nصفةٌ فعلِيَّةٌ خبريَّةٌ ثابتة لله ﷿ بالكتاب، ولا يوصف به إلا مقيدًا في مقابلة كَيْدِ المخلوق الدليل:\nقوله تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف: ٧٦]\nوقوله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٦]\nوقوله: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: ١٨٣، القلم: ٤٥]\nقال أبو إسحاق الحربي: (الكيد من الله خلافه من الناس، كما أنَّ المَكْر منه خلافه من الناس) اهـ (١) وهذا إثباتٌ منه لصفة الكيد والمَكْر على حقيقتهما وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) رادًَّا على من زعم أنَّ في القرآن مجازًا: وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن؛ كلفظ: (المَكْر) و(الاستهزاء)، و(السخرية)؛ المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة؛ كانت ظلمًا له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله؛ كانت عدلًا؛ كما قال تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:٧٦]، فكاد له كما كادت إخوته لما قال له أبوه: لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:٥]، وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٥] اهـ (٢) وقال في (التدمرية): وهكذا وصف نفسه بالمَكْر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ [الأنفال:٣٠]، وقال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٦]، وليس المَكْر كالمَكْر ولا الكيد كالكيد (٣) وانظر كلام ابن القيم في (مدارج السالكين) (٤)، و(مختصر الصواعق المرسلة) (٥) وقال الشيخ محمد خليل هرَّاس في (شرح العقيدة الواسطية) عند قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ، وقوله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا، قال ﵀: تضمنت هذه الآيات إثبات صفتي المَكْر والكيد، وهما من صفات الفعل الاختيارية، ولكن لا ينبغي أن يشتق له من هاتين الصفتين اسم، فيقال: ماكر، وكائد، بل يوقف عند ما ورد به النص من أنه خير الماكرين، وأنه يكيد لأعدائه الكافرين اهـ (٦) وانظر: صفة (الخِدَاع) و(المَكْر) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٦٥\n_________\n(١) «غريب الحديث» (١/ ٩٤).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١١١).\n(٣) «التدمرية» (ص٢٦).\n(٤) (٣/ ٤١٥).\n(٥) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٣٢ - ٣٤).).\n(٦) «شرح العقيدة الواسطية» (ص١٢٣).","vol":"2","page":198},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-533> اللطف</span>\nصفةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسُّنَّة، و(اللطيف) من أسمائه سبحانه\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣]\nوقوله: اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ [الشورى: ١٩]\nالدليل من السُّنَّة: حديث عائشة ﵂ في تتبعها للنبي ﷺ لما خرج من عندها خفية لزيارة البقيع، وفيه قال ﷺ: «ما لك يا عائش حشيًا رابية؟ قالت: قلت: لا شيء قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير» (١)\nقال ابن القيم في (النونية ٢/ ٨٥):\nوَهُوَ اللَّطيفُ بِعَبْدهِ وَلِعَبْدِهِ ... واللُّطفُ في أوصَافِهِ نِوْعَانِ\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: اللطيف: الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك الخبايا والبواطن والأمور الدقيقة، اللطيف بعباده المؤمنين، الموصل إليهم مصالحهم بلطفه وإحسانه من طرق لا يشعرون بها، فهو بمعنى الخبير وبمعنى الرؤوف (٢)\nوقال ابن منظور في (لسان العرب): اللُّطف واللَّطف: البر والتكرمة والتَّحفِّي اللطيف: صفة من صفات الله، واسم من أسمائه، ومعناه والله أعلم: الرفيق بعباده صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٦٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٩٧٤).\n(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠١).","vol":"2","page":199},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-534> اللعن</span>\nصفةٌ فعلِيَّةٌ اختياريةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسُّنَّة الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء: ٩٣]\nوقوله: إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [الأحزاب: ٦٤]\nوقوله: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤٤]، [هود:١٨]\nالدليل من السُّنَّة:\nحديث: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» (١)\nحديث: «لعن الله السارق يَسْرِقُ البيضة» (٢)\nحديث: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا، أو أوى محدثًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٣)\nوقد استشهد شيخ الإسلام ابن تيمية في (الواسطية) بقوله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء:٩٣]؛ بإثبات صفة الغضب واللعن (٤) وقال الشيخ خليل الهرَّاس عن هذه الآية وآيات معها: تضمنت هذه الآيات إثبات بعض صفات الفعل؛ من الرضى لله، والغضب، واللعن، والكره، ثم قال: واللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، واللعين والملعون: من حقت عليه اللعنة، أو دعي عليه بها صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٦٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٣٤) ومسلم (٢١٢٣). من حديث عائشة ﵂.\n(٢) رواه البخاري (٦٧٨٣) ومسلم (١٦٨٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٦٧٥٥)، ومسلم (١٣٧٠). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٤) «العقيدة الواسطية» (١٠٨).","vol":"2","page":200},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-535> المؤمن</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه المؤمن، وهو اسم له ثابتٌ بالكتاب\nالدليل من الكتاب: قوله تعالى: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ [الحشر: ٢٣]\nقال ابن قتيبة: ومن صفاته (المؤمن)، وأصل الإيمان: التصديق فالعبد مؤمن؛ أي: مصدِّق محقِّق، والله مؤمن؛ أي: مصدِّق ما وعده ومحقِّقه، أو قابل إيمانه وقد يكون (المؤمن) من الأمان؛ أي: لا يأمن إلا من أمَّنَه الله وهذه الصفة من صفات الله جَلَّ وعَزَّ لا تتصرَّف تصرُّف غيرها، لا يقال: أمن الله؛ كما يقال: تقدَّس الله، ولا يقال: يؤمن الله؛ كما يقال: يتقدَّس الله وإنما ننتهي في صفاته إلى حيث انتهى، فإن كان قد جاء من هذا شيء عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله أو عن الأئمة؛ جاز أن يطلق كما أطلق غيره اهـ (١) وقال ابن منظور في (لسان العرب): المؤمن من أسماء الله تعالى الذي وحَّد نفسه؛ بقوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:١٦٣]، وبقوله: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ [آل عمران:١٨]، وقيل: المؤمن الذي آمن أولياءَه عذابه، وقيل: المؤمن في صفة الله الذي أمِن الخلق من ظلمه، وقيل: المؤمن الذي يصدُق عبادَه ما وعدهم، وكل هذه الصفات لله ﷿؛ لأنه صدق بقوله ما دعا إليه عباده من توحيد، وكأنه أمن الخلق من ظلمه، وما وعدنا من البعث والجنة لمن آمن به والنار لمن كفر به، فإنه مصدِّق وعده، لا شريك له وقال الزجاجي: المؤمن في صفات الله ﷿ على وجهين: أحدهما: أن يكون من الأمان؛ أي: يؤمن عبادَه المؤمنين من بأسهِ وعذابهِ، فيأمنونَ ذلك؛ كما تقول: (آمَنَ فلانٌ فلانًا)؛ أي: أعطاهُ أمانًا ليسكنَ إليه ويأمنَ، فكذلك أيضًا يقال: اللهُ المؤمنُ؛ أي: يُؤْمِن عبادَه المؤمنين، فلا يأمن إلا منْ آمنه والوجه الآخر: أن يكون المؤمن من الإيمان، وهو التصديق، فيكون ذلك على ضربين: أحدهما: أن يقال: الله المؤمنُ؛ أي: مُصَدِّق عباده المؤمنين؛ أي: يصدِّقُهم على إيمانِهم، فيكون تصديقه إياهم قبول صدقِهِم وإيمانهم وإثابتهم عليه والآخر: أن يكون الله المؤمنُ؛ أي: مُصدقٌ ما وَعَدَهُ عباده؛ كما يقال: صَدَقَ فُلانٌ في قوله وصَدَّقَ؛ إذا كَررَ وبالغَ، يكون بمنْزلةِ ضَرَبَ وضَرَّبَ؛ فالله ﷿ مُصدقٌ ما وعد به عبادُهُ ومحققه فهذه ثلاثة أوجهٍ في المؤمن، سائغٌ إضافتها إلى الله ولا يصرفُ فعلُ هذه الصفة من صفاته ﷿، فلا يقال: آمن الله؛ كما يقال: تقدسَ اللهُ، وتباركَ اللهُ، ولا يقال: اللهُ يؤمنُ؛ كما يقال: الله يحلم ويغفر، ولم يُستعمل ذلك؛ كما قيل: تباركَ الله، ولم يقل: هو متباركٌ، وإنما تستعمل صفاتهُ على ما استعملتها الأمة وأطلقتها (٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٦٨\n_________\n(١) «تفسير غريب القرآن» (ص٩).\n(٢) «اشتقاق أسماء الله» (ص٢٢١).","vol":"2","page":201},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-536> المبين:</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه المبين، وهو اسم له ثابتٌ بالكتاب العزيز الدليل من الكتاب: قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور: ٢٥] قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: يقول: ويعلمون يومئذ أنَّ الله هو الحق الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذ الشك فيه عن أهل النفاق الذين كانوا فيما كان يعدهم في الدنيا يمترون وقال قَوَّام السُّنَّة الأصبهاني: المبين: ومعناه البيِّن أمره، وقيل: البيِّن الربوبية والملكوت، يقال: أبان الشيء بمعنى تبين، وقيل معناه: أبان للخلق ما احتاجوا إليه (١) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٠\n_________\n(١) «الحجة» (١/ ١٤٣).","vol":"2","page":202},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-537> المتانة</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب، و(المتين) من أسماء الله تعالى الدليل: قوله تعالى: إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨]\nقال أبو زكريا الفراء: وقرأ الناس الْمَتِينُ، رفعٌ من صفة الله ﵎ اهـ (١) وبه قال الزجَّاج (٢)، والأزهري (٣)، وقال: ومعنى ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ: ذو الاقتدار الشديد، والمتين في صفة الله القوي وقال ابن منظور في (لسان العرب): والمتين في صفة الله القوي والمتانة: الشدة والقوة؛ فهو من حيث إنه بالغُ القدرة تامُّها قويٌ، ومن حيث إنه شديدُ القوة متينٌ وقال الشيخ عبد العزيز السلمان: وما يؤخذ من الآية إثبات المتانة وهي من الصفات الذاتية (٤) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧١\n_________\n(١) «معاني القرآن» (٣/ ٩٠).\n(٢) «معاني القرآن» (٥/ ٥٩).\n(٣) «تهذيب اللغة» (١٤/ ٣٠٦).\n(٤) «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» (ص١٤٤).","vol":"2","page":203},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-538> المجد</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، من اسمه (المجيد) الثابت بالكتاب والسُّنَّة وليس (الماجد) من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُوُدُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥]\nوقوله: رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ [هود: ٧٣]\nالدليل من السُّنَّة: حديث: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» (١)\nقال ابن قتيبة: (مجد الله): شرفه، وكرمه اهـ (٢)\nوقال ابن القيم (٣):\nوَهُوَ المَجِيدُ صِفَاتُهُ أَوْصَافُ تَعْـ ... ـظِيمٍ فَشَأْنٌ الوَصْفِ أعْظَمُ شَانِ\nوقال أيضًا: وأما المجد؛ فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال؛ كما يدل على موضوعه في اللغة؛ فهو دالٌّ على صفات العظمة والجلال، والحمد يدل على صفات الإكرام، والله سبحانه ذو الجلال والإكرام، وهذا معنى قول العبد: لا إله إلا الله والله أكبر؛ فلا إله إلا الله دال على ألوهيته وتفرده فيها، فألوهيته تستلزم محبته التامة، والله أكبر دال على مجده وعظمته اهـ (٤) قال ابن منظور في (لسان العرب): المجد: المروءة والسخاء، والمجد: الكرم والشرف، والمجيد: من صفات الله ﷿، وفعيل أبلغ من فاعل، فكأنه يجمع معنى الجليل والوهَّاب والكريم وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: المجيد الكبير العظيم الجليل: وهو الموصوف بصفات المجد والكبرياء والعظمة والجلال (٥) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٧٩٧)، ومسلم (٤٠٦). من حديث كعب بن عجرة ﵁.\n(٢) «تفسير غريب القرآن» (ص١٩).\n(٣) «القصيدة النونية» (٢/ ٦٦).\n(٤) «جلاء الأفهام» (ص١٧٤).\n(٥) «التفسير» (٥/ ٣٠٠).","vol":"2","page":204},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-539> المحيط</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه محيط، قد أحاط بكل شيء، وهي صفةٌ ذاتيةٌ، و(المحيط) اسم من أسمائه تعالى ثابت بالكتاب الدليل:\nقوله تعالى: وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ [البقرة: ١٩]\nوقوله: وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]\nوغيرها من الآيات قال قَوَّام السُّنَّة الأصبهاني: المحيط: هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا (١) وقال البيهقي: المحيط: هو الذي أحاطت قدرته بجميع المقدورات، وأحاط علمه بجميع المعلومات، والقدرة له صفة قائمة بذاته، والعلم له صفة قائمة بذاته (٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٣\n_________\n(١) «الحجة» (١/ ١٦٣ - ١٦٤).\n(٢) «الاعتقاد» (ص٦٨)","vol":"2","page":205},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-540> المحيي والمميت</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه المحيي والمميت، وهذا ثابت بالكتاب والسُّنَّة، وهما صفتان فعليتان خاصتان بالله ﷿، وليسا هما من أسمائه\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:٢٨]\nوقوله: وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ [الحج: ٦٦]\nوقوله: إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩]\nالدليل من السُّنَّة:\nحديث حذيفة ﵁ في دعاء الاستيقاظ من النوم: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور» (١)\nحديث أنس ﵁: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» (٢)\nقال البيهقي: المحيي: هو الذي يحيي النطفة الميتة، فيخرج منها النسمة الحية، ويحيي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها عند البعث، ويحيي القلوب بنور المعرفة، ويحيي الأرض بعد موتها؛ بإنزال الغيث، وإنبات الرزق المميت: هو الذي يميت الأحياء، ويوهي بالموت قوة الأقوياء (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٣١٢). والحديث رواه مسلم (٢٧١١). من حديث البراء بن عازب ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠).\n(٣) «الاعتقاد» (ص٦٢).","vol":"2","page":206},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-541> المستعان</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه المستعان، الذي يستعين به عباده فيعينهم، وهذا ثابت بالكتاب والسُّنَّة الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]\nوقوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف: ١٨]\nالدليل من السُّنَّة:\nحديث معاذ بن جبل ﵁: «اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (١)\nحديث ابن عباس ﵄: «إذا سألت؛ فاسأل الله، وإذا استعنت؛ فاستعن بالله» (٢)\nوقد عدَّ بعضهم (المستعان) من أسماء الله، وفي هذا نظر أما (المعين)؛ فهو ليس من أسماء الله، خلاف ما هو منتشر عند العامة، فتراهم يتعبَّدون الله به بتسمية عبد المعين صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٥\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٥٢٢)، والنسائي (٣/ ٥٣) بلفظة: «رب» بدلًا من «اللهم»، وأحمد (٥/ ٢٤٤) (٢٢١٧٢). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال النووي في «المجموع» (٣/ ٤٨٦)، وابن الملقن في «الإعلام» (٤/ ١٤): إسناده صحيح. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٩٧)، وابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٢٩٧)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والحاكم (٣/ ٦٢٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا لشهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا. وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٤٩٥): حسن جيد. وقال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٣٢٧): حسن. وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (١٨٨): حسن وله شاهد. وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٤/ ٢٦٧): إسناده حسن. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٢٣٣): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"2","page":207},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-542> المسح</span>\nثبت في الحديث الصحيح أنَّ الله ﷿ مسح على ظهر آدم، وهو مسحٌ على حقيقته، يليق بجلال الله وعظمته الدليل:\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لمَّا خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة٠٠» (١)\nحديث ابن عباس ﵁؛ قال: لما نزلت آية الدَّيْن؛ قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أول من جحد آدم، إنَّ الله تعالى لما خلقه؛ مسح ظهره، فأخرج منه ما هو من ذراري إلى يوم القيامة، فعرضهم عليه» (٢)\nقال ابن القيم: وورد لفظ اليد في القرآن والسُّنَّة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقية من الإمساك والطي والقبض والبسط وأنه مسح ظهر آدم بيده اهـ (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٦\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٠٧٦)، والحاكم (٢/ ٣٥٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. وقال ابن منده في «الرد على الجهمية» (٥٠): صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» (٢/ ٣٣٣)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. والحديث روي عن عمر ﵁.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢٥١) (٢٢٧٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٢٠٤)، والطبراني (١٢/ ٢١٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٠٦): رواه أحمد والطبراني وقال في أوله لما نزلت آية الدين وقال كم عمره قال ستون سنة، والباقي بمعناه وفيه علي بن زيد وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٧١): إسناده صحيح. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٢٠٤): صحيح.\n(٣) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ١٧١).","vol":"2","page":208},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-543> المصور</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه المُصَوِّر، وهذا ثابت بالكتاب والسُّنَّة، و(المُصَوِّر) من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ المُصَوِّر [الحشر: ٢٤]\nوقوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحامِ كَيْفَ يَشَاء [آل عمران:٦]\nالدليل من السُّنَّة:\nحديث أنس ﵁: «لمَّا صوَّر الله آدم في الجنة؛ تركه ما شاء الله أن يتركه» (١)\nحديث علي بن أبي طالب ﵁: «سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره وشق سمعه وبصره» (٢)\nقال ابن منظور في (لسان العرب): ومن أسماء الله المُصَوِّر، وهو الذي صوَّر جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورة خاصة وهيئة مفردة يتميز بها على اختلافها وكثرتها\nقال الشيخ ابن سعدي: الخالق البارئ المُصَوِّر: الذي خلق جميع الموجودات وبرأها وسواها بحكمته، وصورها بحمده وحكمته، وهو لم يزل ولا يزال على هذا الوصف العظيم (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦١١).\n(٢) رواه مسلم (٧٧١).\n(٣) «التفسير» (٥/ ٣٠١).","vol":"2","page":209},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-544> المعية</span>\nيعتقد أهل الحقِّ، أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الله معنا على الحقيقة، وأنه فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، وهذه المَعِيَّةُ ثابتةٌ بالكتاب والسُّنَّة الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤]\nوقوله: وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة: ٧]\nالدليل من السُّنَّة:\nحديث ابن عمر ﵄: «إذا كان أحدكم في الصلاة؛ فلا يبصق قِبَل وجهه؛ فإنَّ الله قِبَل وجهه» (١)\nالحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني ...» (٢)\nوانظر: صفة (القُرْب)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الواسطية): فصل: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله، وأجمع عليه سلف الأمة؛ من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليُّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، ثم بعد أن أورد بعض الآيات؛ قال: وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حقٌ على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة (٣)\nقال الشيخ العثيمين -﵀- في (تعقيب مَعِيَّة الله على خلقه) في بيان سبب كتابه هذا التعقيب: جـ - ولبيان معنى هذه الصفة العظيمة التي وصف الله بها نفسه في عدة آيات من القرآن، ووصفه بها نبيه محمد ﷺ اهـ\nوهذه الرسالة من أفضل ما قرأت في توضيح معنى المَعِيَّة؛ فلتراجع، وقد طبعها الشيخ ﵀ في آخر كتابه القيم: (القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٠٦)، ومسلم (٥٤٧).\n(٢) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «العقيدة الواسطية» (ص١٩٣).","vol":"2","page":210},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-545> المغفرة والغفران</span>\nصفةٌ فعلِيَّةٌ ثابتة لله ﷿ بالكتاب والسُّنَّة، ومن أسمائه (الغفار) و(الغفور) الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥]\nوقوله: إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٨]\nوقوله: أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ [الزمر: ٥]\nوقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [فصلت: ٤٣]\nالدليل من السُّنَّة:\nحديث أبي هريرة ﵁: «بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» (١)\nحديث عائشة ﵂: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله؛ كره الله لقاءه فقيل: يا رسول الله! كراهية لقاء الله كراهية الموت، كلنا نكره الموت؟ قال: ذاك عند موته، إذا بشر برحمة الله ومغفرته؛ أحب لقاء الله» (٢)\nقال ابن قتيبة: ومن صفاته (الغفور)، وهو من قولك: غفرت الشيء: إذا غطيته؛ كما يُقال: كَفَرْتُه: إذا غطيته ويقال: كذا أغفر من كذا؛ أي: أستر (٣) وقال الزجاجي: غفور – كما ذكرت لك – من أبنية المبالغة؛ فالله ﷿ غفور؛ لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول؛ لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يُستر ويُغطى، وليست من أوصاف المبالغة في الذات، إنما هي من أوصاف المبالغة في الفعل (٤) وقال الشيخ ابن سعدي: العفُو الغفور الغفار: الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا، كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه (٥) وقال الشيخ عبد العزيز السلمان: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ؛ في هذه الآيات إثبات وصف الله بالعفو والمغفرة اهـ (٦) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٩\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢٥).\n(٢) رواه النسائي (٤/ ١٠)، وابن ماجه (٤٢٦٤). وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) «تفسير غريب القرآن» (ص١٤).\n(٤) «اشتقاق أسماء الله» (ص٩٣).\n(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠٠).\n(٦) «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» (ص٢٧٠).","vol":"2","page":211},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-546> المقت</span>\nصفةٌ فعلِيَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسُّنَّة الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [غافر: ١٠]\nالدليل من السُّنَّة:\nحديث عياض بن حمار ﵁: «وإنَّ الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم؛ عربهم وعجمهم؛ إلا بقايا من أهل الكتاب» (١)\nوفي (معاني القرآن وإعرابه) في معنى قوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٢]؛ قال الزجاج: المَقْت: أشد البغض اهـ (٢) وقد استشهد شيخ الإسلام في (الواسطية) لإثبات صف (المَقْت) بقوله تعالى: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:٣] وقال الشيخ محمد خليل الهرَّاس شارحًا هذه الآيات: تضمنت هذه الآيات بعض صفات الفعل؛ من الرضى لله والغضب والمَقْت والأَسَف، وهي عند أهل الحق صفات حقيقية لله ﷿، على ما يليق به، ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم في المخلوق اهـ وقال شيخ الإسلام أيضًا في (التدمرية): وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمَقْت، فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ، وليس المَقْت مثل المَقْت (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨١\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٦٥).\n(٢) «معاني القرآن وإعرابه» (٢/ ٣٢).\n(٣) «العقيدة التدمرية» (٢٦).","vol":"2","page":212},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-547> المقيت</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه مُقِيت، يقدر لعباده القوت، ويحفظ عليهم رزقهم، وهذا ثابت بالكتاب العزيز والمقيت من أسمائه تعالى الدليل: قوله تعالى: وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا [النساء: ٨٥] قال ابن جرير في تفسير الآية: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا، قال بعضهم: تأويله: وكان الله على كل شيء حفيظًا وشهيدًا - ونقل بإسناده هذا القول عن ابن عباس ومجاهد – وقال آخرون: معنى ذلك: القائم على كل شيءٍ بالتدبير وقال آخرون: هو القدير - ونقل ذلك بإسناده عن السدي وابن زيد - والصواب من هذه الأقوال قول من قال: معنى (المُقِيت): القدير اهـ (١) وممَّن قال من أهل اللغة: المُقِيت بمعنى القدير: أبو إسحاق الزَّجَّاج في (تفسير أسماء الله الحسنى) (٢) – وله قولٌ آخر سيأتي -، وتلميذه أبو القاسم الزَّجَّاجِي – نسبةً إلى شيخه الزَّجَّاج – في (اشتقاق أسماء الله) (٣)، والفراء في (معاني القرآن) (٤) ومِمَّن قال: المُقِيت بمعنى الحفيظ: الزجاج في (معاني القرآن وإعرابه) (٥)، وهذا قولٌ آخرٌ له، ووافقه أبو جعفر النحاس في (معاني القرآن الكريم) (٦) قال القرطبي في (الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) (٧): وعلى القول بأنه القادر يكون من صفات الذات، وإن قلنا إنه اسم الذي يعطي القوت؛ فهو اسم للوهَّاب والرزاق، ويكون من صفات الأفعال وقد عدَّ الشيخ العثيمين -﵀- (المُقِيت) من أسماء الله تعالى، انظر: (القواعد المثلى)، وانظر أيضًا: (النهج الأسمى) (٨) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨٢\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٨/ ٥٨٣ - شاكر).\n(٢) «تفسير أسماء الله الحسنى» (ص ٤٨)\n(٣) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٣٦).\n(٤) «معاني القرآن» (١/ ٢٨٠).\n(٥) «معاني القرآن وإعرابه» (٢/ ٨٥).\n(٦) «معاني القرآن الكريم» (٢/ ١٤٧).\n(٧) «الأسنى» (١/ ٢٧٥).\n(٨) «النهج الأسمى» (١/ ٣٣٧).","vol":"2","page":213},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-548> المكر على من يمكر به</span>\nمن صفات الله الفعليَّة الخبريَّة التي لا يوصف بها وصفًا مطلقًا، وهي ثابتة بالكتاب والسُّنَّة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران٥٤]\nوقوله: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل٥٠]\nالدليل من السُّنَّة:\nحديث ابن عباس ﵄: «رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي» (١) رواه أبو داود (صحيح سنن أبي داود/١٣٣٧)، والترمذي (٢٨١٦)، وابن ماجه\nقال أبو إسحاق الحربي: والكيد من الله خلافه من الناس، كما المَكْر منه خلافه من الناس (٢)\nوهذا إثبات منه لصفتي الكَيْد والمَكْر على الحقيقة قال شيخ الإسلام: وهكذا وصف نفسه بالمَكْر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ [الأنفال:٣٠]، وقال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٥]، وليس المَكْر كالمَكْر، ولا الكيد كالكيد (٣)\nوانظر كلام تلميذه ابن القيم في (مختصر الصواعق المرسلة) (٤)\nوفي (المجموع الثمين) سئل الشيخ العثيمين -﵀- هل يوصف الله بالمَكْر؟ وهل يسمى به؟ فأجاب: لا يوصف الله تعالى بالمَكْر إلا مقيدًا، فلا يوصف الله تعالى به وصفًا مطلقًا؛ قال الله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:٩٩]، ففي هذه الآية دليل على أنَّ لله مكرًا، والمَكْر هو التوصل إلى إيقاع الخصم من حيث لا يشعر، ومنه جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري «الحرب خدعة» (٥) فإن قيل: كيف يوصف الله بالمَكْر مع أنَّ ظاهره أنه مذموم؟ قيل: إن المَكْر في محله محمود، يدل على قوة الماكر، وأنه غالب على خصمه، ولذلك لا يوصف الله به على الإطلاق، فلا يجوز أن تقول: إنَّ الله ماكر! وإنما تذكر هذه الصفة في مقام يكون مدحًا؛ مثل قوله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ، وقوله وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:٥٠]، ومثل قوله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، ولا تنفى عنه هذه الصفة على سبيل الإطلاق، بل إنها في المقام التي تكون مدحًا؛ يوصف بها، وفي المقام التي لا تكون مدحًا؛ لا يوصف بها، وكذلك لا يسمى الله به؛ فلا يقال: إنَّ من أسماء الله الماكر والمَكْر من الصفات الفعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئة الله سبحانه اهـ (٦) وانظر كلام الإمام ابن جرير الطبري في صفة (الاسْتِهْزَاء)، وكلام ابن القيم في صفة (الخِدَاع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨٣\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٥١٠)، والترمذي (٣٥٥١)، وابن ماجه (٣٨٣٠)، وأحمد (١/ ٢٢٧) (١٩٩٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال البغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٥٣): حسن صحيح. وقال ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (ص٢٠٦): حسن. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٣١٠): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) «غريب الحديث» (١/ ٩٤).\n(٣) «العقيدة التدمرية» (ص٢٦).\n(٤) (٢/ ٣٢ - ٣٤).\n(٥) رواه البخاري (٣٠٢٩)، ورواه مسلم (١٧٤٠). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث روي في الصحيحين أيضًا عن علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله ﵄.\n(٦) «المجموع الثمين» (٢/ ٦٥).","vol":"2","page":214},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-549> الملك والملكوت</span>\nمن صفات الله الذاتية الثابتة بالكتاب والسُّنَّة، و(المَلِك) و(المَليك) من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: قُلْ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٢٦]\nقوله تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٥]\nقوله تعالى: هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ [الحشر: ٢٣]\nالدليل من السُّنَّة:\nحديث أبي هريرة ﵁: «يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» (١)\nحديث عوف بن مالك ﵁: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» (٢) قال في (اللسان) مُلك الله وملكوته: سلطانه وعظمته\nوقال في (القاموس المحيط): الملكوت: العز والسلطان وقال الزَّجَّاجي: فأما الملك؛ فتأويله: ذو الملك يوم الدين، ويوم الدين هو يوم الجزاء والحساب، فوصف الله نفسه جَلَّ وعَزَّ بأنه الملك يوم لا ملك سواه (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧).\n(٢) رواه أبو داود (٨٧٣) والنسائي (٢/ ١٩١)، وأحمد (٦/ ٢٤) (٢٤٠٢٦). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال النووي في «الأذكار» (٨١): صحيح. وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٧٤): حسن. وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ٣٧٥): رجال إسناده ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٣) «اشتقاق أسماء الله» (ص٤٣)","vol":"2","page":215},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-550> الملل</span>\nورد في الحديث الصحيح قوله ﷺ: «عليكم بما تطيقون، فوالله؛ لا يمل الله حتى تملوا» (١)\nوفي رواية لمسلم: «فوالله؛ لا يسأم الله حتى تسأموا» (٢)\nقال أبو إسحاق الحربي في (غريب الحديث): قوله: «لا يَمَلُّ الله حتى تملوا»: أخبرنا سلمة عن الفراء؛ يقال: مللت أمَلُّ: ضجرت، وقال أبو زيد: ملَّ يَمَلُّ ملالة، وأمللته إملالًا، فكأنَّ المعنى لا يملُّ من ثواب أعمالكم حتى تملُّوا من العمل» اهـ (٣)\nقلت: وهذا ليس تأويلًا، بل تفسير الحديث على ظاهره؛ لأنَّ الذين أوَّلُوه كالنووي في (رياض الصالحين) باب الاقتصاد في العبادة، والبيهقي في (الأسماء والصفات) فصل: ما جاء في المِلال؛ قالوا: معنى لا يَمَلُّ الله؛ أي: لا يقطع ثوابه، أو أنه كناية عن تناهي حق الله عليكم في الطاعة وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: «فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملُّوا»: من نصوص الصفات، وهذا على وجه يليق بالباري، لا نقص فيه؛ كنصوص الاستهزاء والخداع فيما يتبادر (٤) وقد سئل الشيخ ابن عثيمين -﵀-: هل نستطيع أن نثبت صفة الملل والهرولة لله تعالى؟ فأجاب: جاء في الحديث عن النبي ﷺ قوله: «فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملوا» فمن العلماء من قال: إنَّ هذا دليل على إثبات الملل لله، لكن؛ ملل الله ليس كملل المخلوق؛ إذ إنَّ ملل المخلوق نقص؛ لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء، أما ملل الله؛ فهو كمال وليس فيه نقص، ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا ومن العلماء من يقول: إنَّ قوله: «لا يَمَلُّ حتى تملوا»؛ يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل؛ فإنَّ الله يجازيك عليه؛ فاعمل ما بدا لك؛ فإنَّ الله لا يمل من ثوابك حتى تمل من العمل، وعلى هذا، فيكون المراد بالملل لازم الملل ومنهم من قال: إنَّ هذا الحديث لا يدل على صفة الملل لله إطلاقًا؛ لأنَّ قول القائل: لا أقوم حتى تقوم؛ لا يستلزم قيام الثاني، وهذا أيضًا: «لا يمل حتى تملوا»؛ لا يستلزم ثبوت الملل لله ﷿\nوعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أنَّ الله تعالى مُنَزَّه عن كل صفة نقص من الملل وغيره، وإذا ثبت أنَّ هذا الحديث دليل على الملل؛ فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق اهـ (٥) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣)، ومسلم (٧٨٥). من حديث عائشة ﵂.\n(٢) رواه مسلم (٧٨٥) (٢٢٠).\n(٣) «غريب الحديث» (١/ ٣٣٨).\n(٤) «الفتاوى والرسائل» (١/ ٢٠٩).\n(٥) «مجموعة دروس وفتاوى الحرم» (١/ ١٥٢).","vol":"2","page":216},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-551> المماحلة والمحال</span>\nمن صفات الله الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالكتاب العزيز الدليل:\nقوله تعالى: وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد:١٣] نقل الأزهري في (تهذيب اللغة) قول القتيبي في قول الله جَلَّ وعَزَّ: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ؛ أي: شديد الكيد والمَكْر، وقول سفيان الثوري: شَدِيدُ الْمِحَالِ؛ قال: شديد الانتقام وقول أبي عبيد: الْمِحَالِ: الكيد والمَكْر وقول الفراء: الْمِحَالِ: المُمَاحلة وغيرها من الأقوال (١) وفي (الصحاح): (المُمَاحلة): المماكرة والمكايدة اهـ وقال الخطابي في (غريب الحديث): الْمِحَالِ: الكيد، ومنه قول الله تعالى: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ اهـ (٢) وقد استشهد شيخ الإسلام بهذه الآية في (الواسطية) لإثبات هذه الصفة مع الآيات التي فيها صفة المَكْر والكيد (٣) وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ\nوقال الشيخ زيد بن فياض: وفي هذه الآيات إثبات وصف الله بالمَكْر والكيد والمُمَاحلة، وهذه صفات فعلية تثبت لله كما يليق بجلاله وعظمته، قوله: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ؛ أي: الأخذ بشدة وقوة، والمِحَال والمُمَاحلة المماكرة والمغالبة اهـ (٤)\nوبنحوه قال الشيخ عبد العزيز السلمان في (الكواشف الجلية) (٥) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨٨\n_________\n(١) «تهذيب اللغة» (٥/ ٩٥).\n(٢) «غريب الحديث» (٣/ ١٥٢).\n(٣) «العقيدة الواسطية» (ص١٢٢).\n(٤) «الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية» (ص١١٤)\n(٥) «الكواشف الجلية» (ص٢٦٦).","vol":"2","page":217},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-552> المن والمنة</span>\nصفةٌ فعلِيَّةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسُّنَّة، و(المَنَّان) من أسماء الله الثابتة بالحديث الصحيح\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران: ١٦٤]\nوقوله: وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١]\nالدليل من السُّنَّة:\nحديث أنس ﵁: «اللهم أسألك بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنَّان، بديع السماوات والأرض» (١)\nحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «إنَّ رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا» (٢)\nقال الراغب الأصفهاني في (المفردات): المِنَّة: النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: منَّ فلان على فلان: إذا أثقله بالنعمة، وعلى ذلك قوله: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:١٦٤]، كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ [النساء:٩٤] وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات: ١١٤]، يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: ١١]، وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا (٥) سورة القصص [القصص: ٥] وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى والثاني: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبح فيما بين الناس؛ إلا عند كفران النعمة اهـ\nوقال في (القاموس المحيط): منَّ عليه منًَّا: أنعم واصطنع عنده صنيعة ومِنَّة والمنَّان من أسماء الله تعالى؛ أي: المعطي ابتداءً صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨٩\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والترمذي (٣٥٤٤)، والنسائي (٣/ ٥٢)، وابن ماجه (٣٨٥٨)، وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٦). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٢) رواه مسلم (٢٧٠١).","vol":"2","page":218},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-553> الموجود</span>\nيُخْبَر عن الله ﷿ بأنه موجود، وليس الموجود من أسمائه تعالى\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويفرق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه؛ فلا يكون باسم سيئ، لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه؛ مثل: شيء وذات وموجود (١)\nوانظر كلامه في (القِدَم) كما في (مجموع الفتاوى) (٢)\nوقال في (دقائق التفسير) في معرض رده على المتكلمين: فصار أهل السُّنَّة يصفونه بالوجود وكمال الوجود، وأولئك يصفونه بعدم كمال الوجود، أو بعدم الوجود بالكلية؛ فهم ممثلة معطلة؛ ممثلة في العقل والشرع، معطلة في العقل والشرع اهـ (٣)\nوقال ابن القيم: ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيًّا؛ كالقديم، والشيء، والموجود (٤)\nوفي (فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء) سئلت اللجنة السؤال التالي:\nس: لم أجد في أسماء الله وصفاته اسم الموجود، وإنما وجدت اسم الواجد، وعلمت في اللغة أنَّ الموجود على وزن مفعول، ولابد أن يكون لكل موجود موجِد كما أنَّ لكل مفعول فاعل، ومحال أن يوجد لله موجِد ورأيت أنَّ الواجِد يشبه اسم الخالِق، والموجود يشبه اسم المخلوق، وكما أنَّ لكل موجود موجِد؛ فلكل مخلوق خالق؛ فهل لي بعد ذلك أن أصف الله بأنه موجود؟\nوقد أجابت اللجنة بتوقيع كل من الشيخ: عبد العزيز بن باز، عبدالرزاق عفيفي، عبدالله بن غديان، عبدالله بن قعود\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله، وصحبه وبعد:\nج: وجود الله معلوم من الدين بالضرورة، وهو صفة لله بإجماع المسلمين، بل صفة لله عند جميع العقلاء، حتى المشركين، لا ينازع في ذلك إلا مُلْحِد دهري، ولا يلزم من إثبات الوجود صفة لله أن يكون له موجِد؛ لأنَّ الوجود نوعان:\nالأول: وجود ذاتي، وهو ما كان وجوده ثابتًا له في نفسه، لا مكسوبًا له من غيره، وهذا هو وجود الله سبحانه وصفاته؛ فإنَّ وجوده لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:٣]\nالثاني: وجود حادث، وهو ما كان حادثًا بعد عدم، فهذا الذي لابد له من موجد يوجده وخالق يحدثه، وهو الله سبحانه، قال تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الزمر:٦٢ - ٦٣]، وقال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ [الطور:٣٥ - ٣٦] وعلى هذا يوصف الله تعالى بأنه موجود، ويخبر عنه بذلك في الكلام، فيقال: الله موجود، وليس الوجود اسمًا، بل صفة وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم اهـ (٥)\nقلت: الأولى أن يُقال: حي؛ بدل: موجود أما قول السائل: إنه وجد الواجِد من أسماء الله تعالى؛ فهذا غير صحيح، ولم يثبت في كتاب ولا سنة والله أعلم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٩٠\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٢).\n(٢) (٩/ ٣٠٠).\n(٣) «دقائق التفسير» (٥/ ١١٠).\n(٤) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٢).\n(٥) «فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء» (٣/ ١٣٨/فتوى رقم ٦٢٤٥).","vol":"2","page":219},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-554> الناصر والنصير</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الناصر والنصير، وأنَّ النصر بيده، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، و(النصير) من أسمائه تعالى\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [آل عمران: ١٥٠]\nوقوله: وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الأنفال: ٤٠]\nوقوله: إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ [محمد: ٧]\nوقوله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١]\nالدليل من السنة:\nحديث أنس ﵁: «اللهم أنت عضدي، وأنت نَصِيري، بك أحول وبك أصول وبك أقاتل» (١) حديث صحيح رواه أبو داود (٢٦٣٢)، والترمذي (صحيح سنن الترمذي/٢٨٣٦)، وغيرهما وصححه الألباني في (الكلم الطيب/١٢٦\nحديث: «صدق وعده، ونَصَرَ عبده، وهزم الأحزاب وحده» (٢)\nفائدة: (الناصر): ليس من أسماء الله تعالى، وعليه؛ فلا يصح التعبد به؛ مثل: عبدالناصر صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٩٣\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٦٣٢)، والترمذي (٣٥٨٤)، وأحمد (٣/ ١٨٤) (١٢٩٣٢). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٥/ ٩٠)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (١٧٩٧)، ومسلم (١٣٤٤). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"2","page":220},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-555> النزول والهبوط والتدلي (إلى السماء الدنيا)</span>\nصفاتٌ فِعْلِيَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسنة الصحيحة\nالدليل:\nحديث النُّزول المشهور: «يَنْزِلُ ربُّنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر» (١)\nحديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵄ مرفوعًا: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل الأول فإنه إذا مضى ثلث الليل الأول هبط الله تعالى إلى السماء الدنيا فلم يزل هناك حتى يطلع الفجر» (٢) وبنحوه عن ابن مسعود ﵁ (٣)\nحديث: «إنَّ الله تعالى ليُمْهِل في شهر رمضان كُلَّ ليلة حتى اذا ذهب الليل الأول هبط إلى السماء ثم قال: هل من سائلٍ يعطى، هل من مستغفر يغفر له، هل من تائبٍ يتاب عليه» (٤)\nحديث الإسراء عن أنس ﵁ قال: «حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجَبَّار ربُّ العِزَّةِ فَتَدَلَّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى» (٥)\nقال أبو سعيد الدارمي في (الرد على الجهمية) بعد أن ذكر ما يثبت النُّزول من أحاديث رسول الله ﷺ: فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد، ولا يمتنع من روايتها اهـ (٦)\nوقال إمام الأئمة محمد بن خزيمة في (كتاب التوحيد): باب: ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام، رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي ﷺ في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة: نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نُزول الرب، من غير أن نصف الكيفية؛ لأنَّ نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه يَنْزل، والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه ﵇ بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم؛ فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النُّزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية؛ إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النُّزول\nوفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أنَّ الله جل وعلا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه يَنْزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أنَّ النُّزول من أعلى إلى أسفل اهـ (٧)\nوقال أبو القاسم اللالكائي: سياق ما روي عن النبي ﷺ في نزول الرب ﵎، رواه عن النبي ﷺ عشرون نفسًا اهـ (٨)\n_________\n(١) رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه أحمد (١/ ١٢٠) (٩٦٧) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. ورواه (٢/ ٥٠٩) (١٠٦٢٦) من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه أيضًا عن أبي هريرة ﵁ (٢/ ٤٣٣) (٩٥٨٩) بلفظ: «نزل» بدلًا من «هبط». قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٥٤): رواه أحمد وأبو يعلى ... ورجالهما ثقات. قال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٢/ ٢٠٣): إسناده صحيح. والحديث أصله في الصحيحين مختصرًا.\n(٣) رواه أحمد (١/ ٣٨٨) (٣٦٧٣). قال الألباني في «إرواء الغليل» (٢/ ١٩٩): إسناده صحيح.\n(٤) رواه ابن أبي عاصم (٥١٣). وقال الألباني في «ظلال الجنة»: صحيح.\n(٥) رواه البخاري (٧٥١٧).\n(٦) «الرد على الجهمية» (ص٧٩).\n(٧) كتاب «التوحيد» (١/ ٢٨٩).\n(٨) «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٣/ ٤٣٤).","vol":"2","page":221},{"text":"وقال شيخ الإسلام ﵀ في تفسير سورة الإخلاص: فالرب سبحانه إذا وصفه رسوله بأنه يَنْزِل إلى سماء الدنيا كل ليلة، وأنه يدنو عشية عرفة إلى الحجاج، وأنه كلَّم موسى بالوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وأنه استوى إلى السماء وهي دخانٌ، فقال لها وللأرض: ائتيا طَوْعًا أو كَرْهًا؛ لم يلزم من ذلك أن تكون هذه الأفعال من جنس ما نشاهده من نزول هذه الأعيان المشهودة، حتى يُقال: ذلك يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر (١)\nوقال الإمام ابن جرير الطبري في (التبصير في معالم الدين) في فصل: القول فيما أُدرك علمه من صفات الصانع خبرًا لا استدلالًا: وذلك نحو إخبار الله تعالى ذكره إيانا أنه سميعٌ بصيرٌ، وأنَّ له يدين بقوله بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ وأنه يَهْبِطُ إلى السماء الدنيا لخبر رسول الله ﷺ (٢)\nوقال شيخ الإسلام نقلًا عن الكرجي مؤيدًا له: رُوي عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال في الأحاديث التي جاءت إنَّ الله يهبط إلى السماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إنَّ هذه الأحاديث قد رواها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها (٣) وكذا ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية) نقلًا عن أبي القاسم اللالكائي (٤)\nوقال أيضًا: وقد تأوَّل قومٌ من المنتسبين إلى السنة والحديث حديث النُّزُول وما كان نحوه من النصوص التي فيها فعل الرب اللازم كالإتيان والمجيء والهبوط ونحو ذلك وردَّ على ذلك مثبتًا هذه الصفات (٥)\nوقال بعد أن ذكر روايات ابن منده لحديث النُّزُول: فهذا تلخيصُ ما ذكره عبدالرحمن بن منده مع أنه استوعب طرق هذا الحديث وذكر ألفاظه مثل قوله: «يَنْزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا إذا مضى ثلث الليل الأوَّل فيقول: أنا الملك من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك إلى الفجر» (٦) وفى لفظ: «إذا بقي من الليل ثلثاه يَهْبِطُ الرب إلى السماء الدنيا» (٧) وفى لفظ: «حتى ينشق الفجر ثم يرتفع» (٨) وفي رواية: «يقول لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يسألني فأعطيه» (٩) وفي رواية عمرو بن عبسة: «أنَّ الرب يَتَدَّلى في جوف الليل إلى السماء الدنيا» (١٠) (١١) قلت: فحديث النُّزُول إذًا صح بثلاثة ألفاظ: النُّزُول والْهُبُوط والتًّدَلِّي\nوانظر: (رسالة شرح حديث النُّزول) لشيخ الإسلام ﵀ صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٩٤\n_________\n(١) «دقائق التفسير» (٦/ ٤٢٤).\n(٢) «التبصير في معالم التنزيل» (ص١٣٢).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٤/ ١٨٦).\n(٤) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (١/ ١٣٩).\n(٥) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٥/ ٣٩٧).\n(٦) رواه أحمد (٢/ ٢٨٢) (٧٧٧٩) وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٧) رواه أحمد (١/ ٣٨٨، ٤٠٣)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ١٣٧) بلفظ (ثلث الليل الباقي).\n(٨) ابن أبي عاصم في «السنة» (٥٠٠، ٥٠١) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ١٢٤، ١٢٥). من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄. وقال الألباني في «ظلال الجنة»: إسناده جيد.\n(٩) رواه ابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٣١٣)، وابن حبان (١/ ٤٤٤)، والطبراني (٥/ ٥٠). من حديث رفاعة بن عرابة الجهني ﵁. وأشار الألباني إلى صحة هذه الرواية في «السلسلة الضعيفة» تحت الحديث رقم (٣٨٩٧).\n(١٠) رواه أحمد (٤/ ٣٨٥) (١٩٤٥٢) دون آخره (إلى السماء الدنيا) وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف لانقطاعه بين سليم بن عامر وعمرو بن عبسة على خطأ في متنه واختلف فيه على يزيد بن هارون.\n(١١) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٥/ ٣٩٤).","vol":"2","page":222},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-556> النسيان (بمعنى الترك)</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧]\nوقوله: فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [الأعراف:٥١]\nوقوله: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ [السجدة: ١٤]\nوقوله: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الجاثية: ٣٤]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ في رؤية الله يوم القيامة، وفيه: أنَّ الله يلقى العبد، فيقول: أفظننت أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا فيقول – أي: الله ﷿ – فإني أنساك كما نسيتني» (١)\nقال الإمام أحمد: أما قوله: الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا؛ يقول: نترككم في النار؛ كما نَسيتُمْ؛ كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا اهـ (٢)\nوقال ابن فارس: النِّسْيان: الترك، قال الله جَلَّ وعَزَّ: نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ اهـ (٣)\nوقال الطبري في تفسير قوله تعالى نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ: معناه: تركوا الله أن يطيعوه ويتبعوا أمره، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته، وقد دللنا فيما مضى على أنَّ معنى النسيان: الترك، بشواهده فأغنى ذلك عن إعادته ههنا أهـ\nوسُئِل الشيخ ابن عثيمين -﵀- في (مجموع فتاوى ورسائل) (٤) السؤال التالي: هل يوصف الله تعالى بالنِّسْيَان؟\nفأجاب حفظه الله تعالى بقوله: (للنِّسْيَان معنيان:\nأحدهما: الذهول عن شيء معلوم؛ مثل قوله تعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:٢٨٦]-وضرب مجموعة من الأمثلة لذلك- ثم قال: وعلى هذا؛ فلا يجوز وصف الله بالنِّسْيَان بهذا المعنى على كل حال\nوالمعنى الثاني للنِّسْيَان: الترك عن علم وعمد؛ مثل قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:٤٤] الآية، ومثل قوله تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه:١١٥]؛ على أحد القولين، ومثل قوله ﷺ في أقسام أهل الخيل: «ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا، ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها؛ فهي له كذلك ستر» (٥) وهذا المعنى من النِّسْيَان ثابت لله تعالى ﷿؛ قال الله تعالى: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ [السجدة: ١٤]، وقال تعالى في المنافقين: نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة:٦٧] وفي (صحيح مسلم) في (كتاب الزهد والرقائق) عن أبي هريرة ﵁؛ قال: «قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكر الحديث، وفيه: أنَّ الله تعالى يلقى العبد، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا فيقول: فإني أنساك كما نسيتني» (٦)\nوتركُه سبحانه للشيء صفةً من صفاته الفعلية الواقعة بمشيئته التابعة لحكمته؛ قال الله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة:١٧]، وقال تعالى: وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف:٩٩]، وقال: وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً [العنكبوت:٣٥] والنصوص في ثبوت الترك وغيره من أفعاله المتعلقة بمشيئته كثيرة معلومة وهي دالة على كمال قدرته وسلطانه\nوقيام هذه الأفعال به سبحانه لا يماثل قيامها بالمخلوقين، وإن شاركه في أصل المعنى؛ كما هو معلوم عند أهل السنة) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٩٨\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٦٨).\n(٢) «الرد على الزنادقة والجهمية» (ص٢١)\n(٣) «مجمل اللغة» (ص٨٦٦)\n(٤) (٣/ ٥٤ - ٥٦) (٣٥٤).\n(٥) رواه البخاري (٢٣٧١)، ومسلم (٩٨٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) رواه مسلم (٢٩٦٨).","vol":"2","page":223},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-557> النظر</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ٧٧]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁: «إنَّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (١)\nحديث أبي هريرة ﵁: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بطرًا» (٢)\nحديث أبي هريرة ﵁ أيضًا: «ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم» (٣)\nقال ابن أبي العز الحنفي: النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه: فإن عدي بنفسه؛ فمعناه: التوقف والانتظار: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] وإن عدي بـ (في)؛ فمعناه: التفكر والاعتبار؛ كقوله: أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الأعراف: ١٨٥] وإنْ عُدي بـ (إلى)؛ فمعناه: المعاينة بالأبصار؛ كقوله تعالى: انظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ [الأنعام: ٩٩] اهـ (٤)\nوأنت ترى أنَّ النظر فيما سبق من أدلة متعدٍّ بـ (إلى)؛ فأهل السنة والجماعة يقولون: إنَّ الله ﷿ يرى ويبصر وينظر إلى ما يشاء بعينه ﷾؛ كما يليق بشأنه العظيم لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١]\nوانظر صفة: (البصر) و(الرؤية) و(العين) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٠٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٦٤).\n(٢) رواه البخاري (٥٧٨٨)، ومسلم (٢٠٨٧).\n(٣) رواه البخاري (٢٣٥٨)، ومسلم (١٠٨).\n(٤) «شرح العقيدة الطحاوية» (١/ ١٩٠).","vol":"2","page":224},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-558> النعت</span>\nيصح إطلاق هذه اللفظة وإضافتها إلى الله تعالى، فتقول: نعت الله أو نعوت الله، ونحو ذلك، لأنَّ النعت في اللغة بمعنى الصفة – على الراجح -\nقال ابنُ فارس في (معجم مقاييس اللغة): النعتُ: وصفك الشيء بما فيه من حسن؛ كذا قاله الخليل\nوقال ابن منظور في (لسان العرب): النعتُ: وصفك الشيء، تنعته بما فيه وتبالغ في وصفه\nوفي (مختار الصحاح): الصفة عندهم – يعني النحويين- هي النعت\nقال المناوي في (التوقيف على مهمات التعاريف): الصفة لغة: النعت\nوقال أبو هلال العسكري في كتاب (الفروق): الفرق بين (الصفة) و(النعت): النعت هو ما يظهر من الصفات ويشتهر، لأنَّ (النعت) يفيد من المعاني التي ذكرناها ما لا تفيده (الصفة)، ثم قد تتداخل (الصفة) و(النعت) فيقع كلُّ واحدٍ منهما موضع الآخر، لتقارب معنييهما، ويجوز أن يقال: (الصفة) لغة و(النعت) لغة أخرى، ولا فرق بينهما\nوقد كَثُر في أقوال العلماء إضافة النعت إلى الله ﷿ ومن ذلك:\nقول ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الأنعام: ١٤]: يقول الله: فاطرِ السموات والأرض أتخذُ وليًا؟ ففاطرِ السموات من نعتِ الله وصفتِه ولذلك خُفِض، وقوله في تفسير قوله تعالى: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، واختلفت القراء أيضًا في قراءة قوله: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فقرأ ذلك عامةُ قرَّاء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين والله ربِّنا خفضًا على أنَّ الرب: نعتٌ لله\nقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه من الصفات الفعلية (١)\nوقوله: إذا قيل: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، فهي كُلُّها أسماء لمسمى واحدٍ ﷾ وإن كان كُلُّ اسمٍ يدل على نعتٍ لله تعالى لا يدل عليه الاسم الآخر (٢) وقوله واصفًا أهل الإيمان: وتضمن إيمانهم بالله إيمانهم بربوبيته وصفاتِ كمالِه ونعوتِ جلاله وأسمائه الحسنى، وعموم قدرته ومشيئته وكمال علمه وحكمته؛ فباينوا بذلك جميعَ طوائف أهل البدع والمنكرين لذلك أو لشيء منه (٣)\nقول الحافظ ابن القيم: أسماؤه كلُّها أسماء مدحٍ وحمدٍ وثناءٍ وتمجيدٍ، ولذلك كانت حسنى، وصفاتُه كلُّها صفات كمالٍ، ونعوتُه كلُّها نعوتُ جلالٍ، وأفعالُه كلُّها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل (٤)\nوقوله: التوحيدُ الحقُ هو ما نعت الله به نفسه على ألسنة رسله فهم لم ينعتوه من تلقاء أنفسهم وإنما نعتوه بما أذن لهم في نعته به (٥) وقوله: والتحقيق: أنَّ صفاتِ الرب ﷻ داخلةٌ في مسمى اسمه، فليس اسمه: الله، والرب، والإله، أسماء لذاتٍ مجردة لا صفة لها البتة، فإنَّ هذه الذات المجردة وجودها مستحيل، وإنما يفرضها الذهن فرض الممتنعات ثم يحكم عليها واسم الله سبحانه والرب والإله اسم لذات لها جميع صفات الكمال ونعوت الجلال كالعلم والقدرة والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصر والبقاء والقدم وسائر الكمال الذي يستحقه الله لذاته، فصفاته داخلة في مسمى اسمه، فتجريد الصفات عن الذات والذات عن الصفات فرضٌ وخيالٌ ذهني لا حقيقة له وهو أمر اعتباري لا فائدة فيه ولا يترتب عليه معرفة ولا إيمان ولا هو علم في نفسه فليس الله اسمًا لذاتٍ لا نعتَ لها، ولا صفة ولا فعل ولا وجه ولا يدين، ذلك إلهٌ معدومٌ مفروضٌ في الأذهان، لا وجود له في الأعيان (٦)\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٣٧٢).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٦٠).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٣٥).\n(٤) «مدارج السالكين» (١/ ١٢٥).\n(٥) «مدارج السالكين» (٣/ ٥٢١).\n(٦) «مدارج السالكين» (٣/ ٣٦٢).","vol":"2","page":225},{"text":"وقوله: فهذا الموصوف بهذه الصفات والنعوت والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزة والحكمة والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والولاية وإحياء الموتى والقدرة التامة الشاملة والحكم بين عباده وكونه فاطر السموات والأرض وهو السميع البصير؛ فهذا هو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها له على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيء (١)\nقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف: ٤٤]: منهم من رفع (الحق) على أنه نعتٌ للولاية كقوله تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان:٢٦] ومنهم من خفض القاف على أنه نعتٌ لله ﷿ كقوله: ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ [الأنعام:٦٢]\nقول الحافظ الذهبي (٢): فإننا على أصلٍ صحيح، وعِقْدٍ متين، من أنَّ الله تقدس اسمه لا مثل له، وأنَّ إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة، إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقلُ وجود الباري ونُمَيِّز ذاته المقدسة عن الأشباه من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته نؤمن بها ونعقل وجودها ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقَّلها أو نُشبهها أو نُكيفها أو نمثلها بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا وغيرُهم وغيرُهم كثيرٌ، لكن الأولى أن نقول (صفة الله) أو (صفات الله) بدل (نعت الله) أو (نعوت الله) لورود الحديث الصحيح بذلك انظر: (الصفة) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٠١\n_________\n(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٢٩).\n(٢) «العلو للعلي الغفار» (ص١٣).","vol":"2","page":226},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-559> النَّفْسُ (بسكون الفاء)</span>\nأهل السنة والجماعة يثبتون النَّفْس لله تعالى، ونَفْسُه هي ذاته ﷿، وهي ثابتة بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨، ٣٠]\nوقوله: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة: ١١٦]\nوقوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤]\nالدليل من السنة:\nالحديث المشهور: «يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي» (١)\nحديث عائشة ﵂: «وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (٢)\nحديث أبي هريرة ﵁: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي» (٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن نَفْس الله: ونفسه هي ذاته المقدسة (٤)\nوقال أيضًا: ويراد بنَفْس الشيء ذاته وعينه؛ كما يقال: رأيت زيدًا نفسه وعينه، وقد قال تعالى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:١١٦]، وقال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:١٢]، وقال تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ [آل عمران:٢٨]، وفي الحديث الصحيح؛ أنه قال لأم المؤمنين: «لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزن بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله مداد كلماته» (٥)، وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ؛ ذكرته في ملأ خير منهم» (٦)؛ فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النَفْس عند جمهور العلماء: الله نفسه، التي هي ذاته، المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ اهـ (٧).\nوفي (كتاب التوحيد) من (صحيح البخاري): باب: قول الله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمْ اللهُ نَفْسَهُ، وقوله جل ذكره: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ وقال القاسمي في (التفسير): وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ أي: ذاته المقدسة.\nقال الشيخ عبد الله الغنيمان: المراد بالنَّفْسِ في هذا: اللهَ تعالى، المتصف بصفاته، ولا يقصد بذلك ذاتًا منفكة عن الصفات، كما لا يراد به صفة الذات كما قاله بعض الناس اهـ (٨) لكن من السلف من يعدُّ (النَّفْس) صفةً لله ﷿، منهم الإمام ابن خزيمة في كتاب (التوحيد)؛ حيث قال في أوله: فأول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه، جل ربنا عن أن تكون نَفْسُه كنَفْسِ خلقه، وعزَّ أن يكون عَدَمًا لا نَفْس له اهـ (٩) ومنهم عبد الغني المقدسي؛ قال: ومما نطق به القرآن وصحَّ به النقل من الصفات (النَّفْس)، ثم سرد بعض الآيات والأحاديث لإثبات ذلك (١٠) ومنهم البغوي انظر: صفة (الأصابع) ومن المتأخرين صديق حسن خان في (قطف الثمر) (١١)؛ قال: ومما نطق بها القرآن وصحَّ بها النقل من الصفات: (النَّفْس) لكنه في تفسير قوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمْ اللهُ نَفْسَهُ، قال: أي: ذاته المقدسة والله أعلم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٠٥\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٧٧). من حديث أبي ذر ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٤٨٦).\n(٣) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٩٦).\n(٥) رواه مسلم (٢٧٢٦). من حديث جويرية بنت الحارث ﵂.\n(٦) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٩/ ٢٩٢ - ٢٩٣).\n(٨) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٢٤٩).\n(٩) «التوحيد» (١/ ١١).\n(١٠) «عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي» (ص٤٠).\n(١١) «قطف الثمر» (ص٦٥).","vol":"2","page":227},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-560> النَّفَسُ (بالتحريك)</span>\nصفةٌ فعليةٌ لله ﷿؛ من التنفيس؛ كالفَرَج والتفريج، ثابتةٌ بالسنة الصحيحة\nالدليل:\nحديث سلمة بن نفيل السكوني ﵁؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال وهو مُوَلٍّ ظهره إلى اليمن: «إني أجدُ نَفَسَ الرحمن من هنا» (١)\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ألا إنَّ الإيمان يمان والحكمة يمانية، وأجد نَفَسَ ربكم من قبل اليمن» (٢)\nحديث أبي بن كعب ﵁ موقوفًا عليه: «لا تسبوا الريح؛ فإنها من نَفَسِ الرحمن ﵎» (٣)\nحديث أبي هريرة ﵁: «من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (٤)\nقال الأزهري بعد أن ذكر حديث: «أجد نَفَسَ ربكم من قبل اليمن»؛ قال: «أجد تنفيس ربكم عنكم من جهة اليمن؛ لأنَّ الله جَلَّ وعَزَّ نصرهم بهم، وأيدهم برجالهم، وكذلك قوله: «الريح من نَفَس الرحمن»؛ أي: من تنفيس الله بها عن المكروبين، وتفريجه عن الملهوفين» اهـ (٥)\nوقال في (القاموس المحيط): وفي قوله: «ولا تسبوا الريح؛ فإنها من نَفَسِ الرحمن»، و«أجد نَفَس ربكم من قبل اليمن»؛ اسم وضِع موضع المصدر الحقيقي، من نَفَّسَ تنفيسًا ونَفَساَ؛ أي: فَرَّجَ تفريجًا»\nقال أبو يعلى الفراء بعد ذكره حديث: «الريح من نَفَس الرحمن»: اعلم أنَّ شيخنا أبا عبد الله ذكر هذا الحديث في كتابه، وامتنع أن يكون على ظاهره، في أنَّ الريح صفةٌ ترجع إلى الذات، والأمر على ما قاله، ويكون معناه أنَّ الريح مما يُفَرِّج الله ﷿ بها عن المكروب والمغموم؛ فيكون معنى النَّفَس معنى التنفيس، وذلك معروف في قولهم: نَفَّسْتُ عن فلان؛ أي: فَرَّجْتُ عنه، وكلمت زيدًا في التَّنفيس عن غريمه، ويقال: نفَّس الله عن فلان كربة؛ أي: فرَّج عنه، وروي في الخبر: «من نفَّس عن مكروب كُربة؛ نَفَّس الله عنه كربة يوم القيامة»، وروي في الخبر أنَّ اللهَ فَرَّجَ عن نبيِّه بالريح يوم الأحزاب، فقال سبحانه: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب: ٩]\nوإنما وجب حمل هذا الخبر على هذا، ولم يجب تأويل غيره من الأخبار؛ لأنه قد روي في الخبر ما يدل على ذلك، وذلك أنَّه قال: «فإذا رأيتموها؛ فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرَّها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أرسلت به»، وهذا يقتضي أنَّ فيها شرًّا وأنها مرسلة، وهذه صفات المحدثات اهـ (٦)\nوبنحو هذا الكلام قال ابن قتيبة (٧)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية شارحًا لحديث: «إني لأجد نَفَسَ الرحمن من قبل اليمن»: فقوله: «من اليَمَن»؛ يبين مقصود الحديث؛ فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك، ولكن منها جاء الذين يحبهم ويحبونه، الذين قال فيهم: مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤]، وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية؛ سئل عن هؤلاء؟ فذكر أنهم قوم أبي موسى الأشعري، وجاءت الأحاديث الصحيحة مثل قوله: «أتاكم أهل اليمن؛ أرق قلوبًا، وألين أفئدة؛ الإيمان يمان، والحكمة يمانية» (٨)، وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار؛ فبهم نفّس الرحمن عن المؤمنين الكربات» (٩) وبنحوه قال الشيخ العثيمين -﵀- في (القواعد المثلى) (١٠) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٠٧\n_________\n(١) رواه الطبراني (٧/ ٥٢)، والبزار في «البحر الزخار» (٩/ ١٥٠)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٩١). وأشار عبد الحق الإشبيلي إلى تصحيحه في مقدمة كتابه «الأحكام الصغرى» (٥٠٢)، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٣٦٧): إسناده صحيح.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٥٤١) (١٠٩٩١)، والطبراني في «مسند الشاميين» (٢/ ١٤٩). قال العراقي في «المغني» (١/ ١٤٣): رجاله ثقات. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٥٦): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة. وأشار الألباني إلى تصحيحه في «السلسلة الصحيحة» بعد حديث رقم (٣٣٦٧) وقال: فهذا شاهد قوي له من حديث سلمة بن نفيل أوجب عليَّ تخريجه هنا والتنبيه على أن الحديث صار به صحيحًا. والحديث أصله في الصحيحين مختصرا.\n(٣) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٣٢)، والحاكم (٢/ ٢٩٨)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٩٣). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد أسند من حديث حبيب بن أبي ثابت من غير هذه الرواية. وقال الذهبي في «التلخيص»: على شرط البخاري.\n(٤) رواه مسلم (٢٦٩٩).\n(٥) «تهذيب اللغة» (١٣/ ٩).\n(٦) «إبطال التأويلات» (ص٢٥٠).\n(٧) «تأويل مختلف الحديث» (٢٤٩).\n(٨) رواه البخاري (٤٣٨٨)، ومسلم (٥٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٩) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٩٨).\n(١٠) «القواعد المثلى» (ص٥٧).","vol":"2","page":228},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-561> النور، ونور السماوات والأرض</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، وقد عدَّ بعضهم (النُّور) من أسماء الله تعالى؛ كما سيأتي\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور: ٣٥]\nوقوله: وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر: ٦٩]\nالدليل من السنة:\nحديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «إنَّ الله ﵎ خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور؛ اهتدى، ومن أخطأه؛ ضلَّ» (١)\nحديث: «اللهم لك الحمد؛ أنت نور السَّماوات والأرض، ولك الحمد» (٢)\nقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه: اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات – كما في (مجموع الفتاوى) موافقًا له -: فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه ﵇، بنقل العدل عن العدل، حتى يتصل به ﷺ، وإنَّ مما قضى الله علينا في كتابه، ووصف به نفسه، ووردت السنة بصحة ذلك؛ أن قال: اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ [النور:٣٥]، ثم قال عقيب ذلك: نُورٌ عَلَى نُورٍ [النور:٣٥]، وبذلك دعاه ﷺ: «أنت نور السماوات والأرض» (٣)\nوقال شيخ الإسلام: النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور السماوات والأرض، وقد أخبر النص أنَّ الله نور، وأخبر أيضًا أنه يحتجب بالنور؛ فهذه ثلاثة أنوار في النص، وقد تقدم ذكر الأول، وأمَّا الثاني؛ فهو في قوله: وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر:٦٩] وفي قوله: مَثَلُ نُورِهِ، وفيما رواه مسلم في (صحيحه) عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور؛ اهتدى، ومن أخطأه؛ ضلَّ» (٤) (٥)\nوقال في موضع آخر: وقد أخبر الله في كتابه أنَّ الأرض تشرق بنور ربها، فإذا كانت تشرق من نوره؛ كيف لا يكون هو نورًا؟ ! ولا يجوز أن يكون هذا النور المضاف إليه إضافة خلق وملك واصطفاء؛ كقوله: ناقة الله ونحو ذلك؛ لوجوه (وذكرها) اهـ (٦)\nتنبيه:\nحديث عبد الله بن عمرو لم يروه مسلم في (صحيحه)\nوقال ابن القيم: والنور يضاف إليه سبحانه على أحد الوجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله؛ فالأول كقوله تعالى: وَأَشْرَقَتْ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا الآية؛ فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء (٧)\nوقال ﵀ في (النونية) (٨):\nوَالنُّورُ مِنْ أسْمائِهِ أيْضًا وَمِنْ ... أَوْصَافِهِ سُبْحَانَ ذِي البُرْهَانِ\nقال الهرَّاس في (الشرح): ومن أسمائه سبحانه النور، وهو أيضًا صفة من صفاته، فيقال: الله نور، فيكون اسمًا مخبرًا به على تأويله بالمشتق، ويقال: ذو نور، فيكون صفة؛ قال تعالى: اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وقال: وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا\nوفي الصحيح عن ابن عباس ﵄؛ أنه ﷺ كان حين يستيقظ من الليل؛ يقول: «اللهم لك الحمد؛ أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن» (٩) اهـ\nوانظر: (مجموع الفتاوى (٦/ ٣٧٤ - ٣٩٦»، و(مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٩٢ - ٢٠٦»، و(شرح الشيخ عبد الله الغنيمان لكتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ١٧٠ - ١٧٧» صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١١\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٦٤٢)، وأحمد (٢/ ١٧٦) (٦٦٤٤). والحاكم (١/ ٨٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن. ووافقه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٣١٦). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح قد تداوله الأئمة وقد احتجا بجميع رواته ثم لم يخرجاه ولا أعلم له علة. ووافقه الذهبي. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٠/ ١٢٨): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٦٣١٧)، ومسلم (٧٦٩) واللفظ له. من حديث ابن عباس ﵄.\n(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٧٣).\n(٤) رواه الترمذي (٢٦٤٢)، وأحمد (٢/ ١٧٦) (٦٦٤٤). والحاكم (١/ ٨٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن. ووافقه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٣١٦). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح قد تداوله الأئمة وقد احتجا بجميع رواته ثم لم يخرجاه ولا أعلم له علة. ووافقه الذهبي. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٠/ ١٢٨): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. والحديث لم يروه مسلم.\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٨٦).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٩٢).\n(٧) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص٤٥).\n(٨) «القصيدة النونية» (٢/ ١٠٥).\n(٩) رواه البخاري (٦٣١٧)، ومسلم (٧٦٩).","vol":"2","page":229},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-562> الهادي</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه (الهادي)، وهذا ثابتٌ بالكتاب والسنة، وهو اسم له ﷾\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف: ٤٣]\nوقوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦]\nوقوله: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان: ٣١]\nالدليل من السنة:\nالحديث القدسي المشهور، حديث أبي ذر ﵁: «يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم» (١)\nحديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني» (٢)\nقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: الهادي: أي الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع وإلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبهم منيبة إليه منقادة لأمره (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٣\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٧٧).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٩٦).\n(٣) (تفسير السعدي) (٥/ ٣٠٥).","vol":"2","page":230},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-563> الهبوط (إلى السماء الدنيا)</span>\nصفةٌ فِعْلِيَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسنة الصحيحة\nوفي اللسان: الهبوط نقيض الصعود (أي: نزولٌ من علوٍ) انظر صفة: (النُّزُول) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٤","vol":"2","page":231},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-564> الهرولة</span>\nصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالحديث الصحيح\nالدليل:\nحديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري ومسلم: «وإن أتاني يمشي؛ أتيته هَرْوَلَةً» (١)\nقال أبو إسماعيل الهروي في (الأربعون في دلائل التوحيد): باب الهَرْوَلَةِ لله ﷿، ثم أورد الحديث (٢)\nوقال أبو إسحاق الحربي في (غريب الحديث) بعد أن أورد حديث أبي هريرة: قوله: «هَرْوَلَة»: مشيٌ سريع اهـ (٣)\nوقال أبو موسى المديني في (المجموع المغيث) في الحديث عن الله ﵎: من أتاني يمشي؛ أتيته هَرْوَلَة»، وهي مشي سريع، بين المشي والعدو اهـ (٤)\nوهذا إثبات منهما رحمهما الله للصِّفة على حقيقتها\nوقد ورد في الفتوى (رقم ٦٩٣٢) من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٣/ ١٤٢) ما يلي: س: هل لله صفة الهَرْوَلَة؟\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:\nج: نعم؛ صفة الهَرْوَلَة على نحو ما جاء في الحديث القدسي الشريف على ما يليق به، قال تعالى: «إذا تقرب إليَّ العبد شبرًا؛ تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إليَّ ذراعًا؛ تقربت منه باعًا، وإذا أتاني ماشيًا؛ أتيته هَرْوَلَة» رواه البخاري، ومسلم\nوبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم\nوقد وقع على هذه الفتوى كلٌ من المشايخ: عبد العزيز بن باز، عبدالرزاق عفيفي، عبد الله بن غديان، عبد الله بن قعود\nوفي (الجواب المختار لهداية المحتار- ص٢٤) للشيخ محمد العثيمين قوله: صفة الهَرْوَلَة ثابتة لله تعالى؛ كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ؛ قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي به (فذكر الحديث، وفيه:) وإن أتاني يمشي؛ أتيته هَرْوَلَة»، وهذه الهَرْوَلَةُ صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل؛ لأنه أخبر بها عن نفسه، فوجب علينا قبولها بدون تكييف، لأنَّ التكييف قول على الله بغير علم، وهو حرام، وبدون تمثيل؛ لأنَّ الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).\n(٢) «الأربعون في دلائل التوحيد» (ص: ٧٩).\n(٣) «غريب الحديث» (٢/ ٦٨٤).\n(٤) «المجموع المغيث» (٣/ ٩٦).","vol":"2","page":232},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-565> الهيمنة</span>\nصفةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب العزيز، من اسمه (المهيمن)\nالدليل:\nقوله تعالى: الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ [الحشر: ٢٣]\nقال ابن جرير في تفسير الآية ٤٨ من سورة المائدة مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ الآية: وأصل الهَيْمَنَة: الحفظ والارتقاب، يقال: إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده؛ قد هيمن فلان عليه؛ فهو يهيمن هَيْمَنَة، وهو عليه مهيمن اهـ\nوقال ابن منظور في (اللسان): المهيمن: اسم من أسماء الله تعالى في الكتب القديمة، والمهيمن: الشاهد، وهو من أمن غيره من الخوف وقال الكسائي: المهيمن الشهيد وقال غيره: الرقيب يقال: هيمن يهيمن هَيْمَنَة إذا كان رقيبًا على الشيء وقيل: مهيمن في الأصل مؤيمن، وهو مفيعل من الأمانة\nوقال البيهقي: المهيمن: هو الشهيد على خلقه بما يكون منهم من قول أو عمل، وهو من صفات ذاته، وقيل: هو الأمين، وقيل: هو الرقيب على الشيء والحافظ له (١) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٦\n_________\n(١) «الاعتقاد» (ص٥٥).","vol":"2","page":233},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-566> الواحد والوحدانية</span>\nيوصف الله ﷿ بالوَحْدَانِيَّة بدلالة الكتاب والسنة، و(الواحد) من أسمائه تعالى\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النساء: ١٧١]\nوقوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦]\nالدليل من السنة:\nقوله ﷺ: «لا إله إلا الله وحده لا شريك» وقد تكرر في كثير من الأحاديث الصحيحة (١)\nقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ لما بعثه إلى اليمن: «فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى» (٢)\nقال البيهقي: الواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده بلا شريك، وقيل؛ هو الذي لا قسيم لذاته ولا شبيه له ولا شريك، وهذه صفة يستحقها بذاته (٣)\nوقال الشيخ عبد العزيز السلمان: مثال صفات الذات: النفس، العلم، الحياة الوَحْدَانِيَّة، الجلال، وهي التي لا تنفك عن الله (٤) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٧\n_________\n(١) منها ما رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٧٣٧٢)، ورواه مسلم (١٩) بلفظ: «عبادة الله» بدلًا من «أن يوحدوا الله». من حديث ابن عباس ﵄.\n(٣) «الاعتقاد» (ص٦٣).\n(٤) «الكواشف الجلية» (ص٤٢٩).","vol":"2","page":234},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-567> الوارث</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الوارِث، وهذا ثابت بالكتاب العزيز، وقد عدَّه كثيرون من أسماء الله تعالى\nالدليل:\nقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم: ٤٠]\nوقوله: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ [الحجر: ٢٣]\nقال الأزهري: الوارِث: صفة من صفات الله ﷿، وهو الباقي الدائم (١)\nوقال البيهقي: الباقي: هو الذي دام وجوده، والبقاء له صفة قائمة بذاته، وفي معناه الوارِث (٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٨\n_________\n(١) «تهذيب اللغة» (١٥/ ١١٧).\n(٢) «الاعتقاد» (ص٦٦).","vol":"2","page":235},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-568> الواسع والموسع</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الواسِع والمُوسِع، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، و(الواسِع) من أسمائه تعالى\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]\nوقوله: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [الأنعام: ٨٠]\nوقوله: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: ٤٧]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁: «إنَّ أول الناس يقضى يوم القيامة ورجل وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال» (١)\nحديث الدعاء في صلاة الجنازة، وفيه: «وأكرم نُزُلَه، ووسِّع مدخله» (٢)\nقال ابن قتيبة: ومن صفاته (الواسِع)، وهو الغني، والسعة: الغنى (٣)\nوقال قَوَّام السُّنَّة الأصبهاني: الواسِع: وسعت رحمته الخلق أجمعين، وقيل: وسع رزقه الخلق أجمعين، لا تجد أحدًا إلا وهو يأكل رزقه، ولا يقدر أن يأكل غير ما رزق (٤)\nوقال البيهقي: الواسِع: هو العالم، فيرجع معناه إلى صفة العلم، وقيل: الغني الذي وسع غناه مفاقر الخلق (٥)\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الواسِع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحدٌ ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم (٦)\nوقال الراغب الأصفهاني في (المفردات): وقوله: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [الأنعام:٨٠]: وصفٌ له؛ نحو: أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:١٢]، وقوله: وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:٢٤٧]، وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء:١٣٠]، فعبارة عن سعة قدرته وعلمه ورحمته وأفضاله\nوقال الزجاجي: الواسِع: الغني، يقال: فلان يعطي من سعة؛ أي: من غنى وجدة (٧) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٨\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٠٥).\n(٢) رواه مسلم (٩٦٣) من حديث عوف بن مالك ﵁.\n(٣) «تفسير غريب القرآن» (ص١٥).\n(٤) «الحجة» (١/ ١٥٠).\n(٥) «الاعتقاد» (ص٦٠).\n(٦) «التفسير» (٥/ ٣٠٥).\n(٧) «اشتقاق أسماء الله» (ص٧٢).","vol":"2","page":236},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-569> الوتر</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه وِتْر، وهذا ثابت بالأحاديث الصحيحة، و(الوِتْر) من أسمائه تعالى\nالدليل:\nحديث أبي هريرة ﵁: «لله تسعة وتسعون اسمًا من حفظها دخل الجنة، وإنَّ الله وِتْر يحب الوِتْر» (١)\nحديث علي ﵁: «إنَّ الله وِتْر يحب الوتر؛ فأوتروا يا أهل القرآن» (٢)\nقال الخطابي: الوتر: الفرد ومعنى الوتر في صفة الله جل وعلا: الواحد الذي لا شريك له، ولا نظير له، المتفرد عن خلقه، البائن منهم بصفاته، فهو سبحانه وِتْر، وجميع خلقه شفع، خُلقوا أزواجًا (٣)\nقال البيهقي: الوِتْر: هو الفرد الذي لا شريك له ولا نظير، وهذه صفة يستحقها بذاته (٤) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧).\n(٢) رواه أبو داود (١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣) واللفظ له، وابن ماجه (١١٦٩)، وأحمد (١/ ١٤٤) (١٢٢٤)، والحاكم (١/ ٤٤١). والحديث سكت عنه أبو داود. قال الترمذي: حديث علي حديث حسن. ووافقه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٥٧) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٢/ ٢٩٠): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) «شأن الدعاء» (ص٢٩ - ٣٠).\n(٤) «الاعتقاد» (ص٦٨).","vol":"2","page":237},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-570> الوجه</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ خبرِيَّة لله ﷿ ثابتة بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ [البقرة: ٢٧٢]\nوقوله: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: ٢٢]\nالدليل من السنة:\nحديث ابن مسعود ﵁: «لما قسَّم النبي ﷺ الغنائم يوم حنين، وقال رجل: والله إنَّ هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وَجْه الله» (١)\nحديث ابن عمر ﵄ في الثلاثة الذين حُبِسُوا في الغار، فقال كل واحد منهم: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ ففرج عنا ما نحن فيه» (٢)\nحديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك لن تخلَّف فتعمل عملًا تبتغي به وَجْه الله؛ إلا ازددت به درجة ورفعة» (٣)\nقال إمام الأئمة ابن خزيمة في (كتاب التوحيد) بعد أن أورد جملة من الآيات تثبت صفة الوَجْه لله تعالى: (فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر؛ مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا؛ من غير أن نشبه وَجْه خالقنا بوَجْه أحد من المخلوقين، عز ربنا أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين) (٤).\nوقال الحافظ ابن منده: (ومن صفات الله ﷿ التي وصف بها نفسه قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص:٨٨]، وقال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلاَلِ وَالإِكْرَام [الرحمن:٢٧]، وكان النبي ﷺ يستعيذ بوَجْه الله من النار والفتن كلها، ويسأل به)، ثم سرد أحاديث بسنده، ثم قال: (بيان آخر يدل على أنَّ العباد ينظرون إلى وَجْه ربهم ﷿، وسرد بسنده ما يدل على ذلك) (٥)\nوقال قَوَّام السُّنَّة الأصفهاني: ذكر إثبات وَجْه الله ﷿ الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء في قوله ﷿: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلاَلِ وَالإِكْرَام اهـ (٦) وانظر: (أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) للالكائي (٧)، و(تفسير ابن جرير) لقوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ، وتفسير الآية نفسها من (أضواء البيان)، وانظر كلام البغوي في صفة (الأصابع)، وكلام ابن كثير في صفة (السمع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢١\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢).\n(٢) رواه البخاري (٢٢١٥)، ومسلم (٢٧٤٣).\n(٣) رواه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨).\n(٤) «التوحيد» (١/ ٢٥).\n(٥) «التوحيد» (٣/ ٣٦).\n(٦) «الحجة» (١/ ١٩٩).\n(٧) (٣/ ٤١٢).","vol":"2","page":238},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-571> الودود</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الوَدُوُد، الذي يَوَد ويحب عباده الصالحين ويودونه، وهذا ثابت بالكتاب العزيز، و(الوَدُوُد) من أسمائه تعالى\nالدليل:\nقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود: ٩٠]\nوقوله: وَهُوَ الْغَفُورُ الوَدُوُد [البروج: ١٤]\nالوِدُ والمَوَدَّة: الحب والمحبة، والوَدُوُد: المُحِب انظر: (اللسان)\nقال أبو القاسم الزجاجي: الوَدُوُد: فيه قولان:\nأحدهما: أنه فعولٌ بمعنى فاعلٍ؛ كقولك: غفورٌ بمعنى غافر، وكما قالوا: رجلٌ صَبورٌ بمعنى صابر، وشَكورٌ بمعنى شاكر، فيكون الوَدُوُد في صفات الله تعالى ﷿ على هذا المذهب أنه يودُّ عبادهُ الصالحينَ ويُحبهم، والودُّ والمودةُ والمحبة في المعنى سواءٌ؛ فالله ﷿ ودودٌ لأوليائه والصالحين من عباده، وهو مُحِبٌ لهم\nوالقول الآخر: أنه فعولٌ بمعنى مفعولٍ؛ كما يقال: رجل هيوبٌ؛ أي: مهيبٌ، فتقديره: أنه ﷿ مودودٌ؛ أي: يوده عباده ويحبونه وهما وجهان جيدان\nوقد تأتي الصِّفة بالفعل لله ﷿ ولعبده، فيقال: العبد شكور لله؛ أي: يشكر نعمته، والله ﷿ شكورٌ للعبد؛ أي: يشكر له عمله؛ أي: يجازيه على عمله، والعبد توابٌ إلى الله من ذنبه، والله تَّوابٌ عليه؛ أي: يقبل توبته ويعفو عنه اهـ (١)\nوقال ابن القيم: الوَدُوُد المُتَوَدِّد إلى عباده بنعمه الذي يَوَدُّ من تاب إليه وأقبل عليه وهو الوَدُوُد أيضًا أي المحبوب قال البخاري في (صحيحه) الوَدُوُد: الحبيب والتحقيق أنَّ اللفظ يدل على الأمرين على كونه وادًَّا لأوليائه ومَوْدُوُدًَا لهم فأحدهما بالوضع والآخر باللزوم فهو الحبيب المحب لأوليائه يحبهم ويحبونه (٢)\nوانظر: (تفسير غريب القرآن) لابن قتيبة (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٣\n_________\n(١) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٥٢).\n(٢) «التبيان في أقسام القرآن» (ص٥٩).\n(٣) (ص١٨).","vol":"2","page":239},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-572> الوصل والقطع</span>\nصفتان فعليتان ثابتتان بالسنة الصحيحة، تليقان بالله ﷿ والوَصْلُ: ضد الهجران والقطع\nالدليل:\nحديث عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: «الرَّحِمُ معلقة بالعرش تقول مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّه» (١)\nحديث عبد الله بن عمر ﵄ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ وَصَلَ صفًا وَصَلَهُ اللهُ وَمَنْ قَطَعَ صفًا قَطَعَهُ اللهُ» (٢) رواه أبو داود (٥٧٠) والنسائي (٨١٠) انظر: صحيح سنن النسائي (١/ ١٧٧\nقال الشيخ علي الشبل في كتاب (التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري) وقد قَرَّظَه عددٌ من العلماء في مقدمتهم الشيخ عبدالعزيز بن باز – ﵀ -: الوصل والقطع فعلان ثابتان لله سبحانه لائقان به من باب المجازاة والمقابلة لمن يستحقهما، وهما من الصفات الواجب إثباتهما له سبحانه كسائر الصفات، وليستا بمستحيلتين على الله في حقيقتيهما (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٨٩) ومسلم (٢٥٥٥) واللفظ له.\n(٢) رواه أبو داود (٦٦٦)، والنسائي (٢/ ٩٣)، وأحمد (٢/ ٩٧) (٥٧٢٤)، والحاكم (١/ ٣٣٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٣) «التنبيه على المخالفات العقدية في كتاب فتح الباري» (ص٧٢).","vol":"2","page":240},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-573> الوكيل</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الوَكِيل، وهذا ثابتٌ بالكتاب والسنة، وهو اسم من أسمائه\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل [آل عمران: ١٧٣]\nوقوله: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الأنعام: ١٠٢]\nالدليل من السنة:\nحديث ابن عباس ﵄؛ قال: «حسبنا الله ونعم الوَكِيل قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ» (١)\nقال ابن منظور في (اللسان): وفي أسماء الله تعالى الوَكِيل: هو المقيم الكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته أنه يستقلُّ بأمر التوكل الموكَل إليه، وفي التَنْزيل العزيز: أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا [الإسراء:٢] وقال أبو إسحاق: الوَكِيل في صفة الله تعالى الذي توكَّل بالقيام بجميع ما خلق اهـ\nوقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل [آل عمران:١٧٣]: كفانا الله؛ يعني: يكفينا الله وَنِعْمَ الوَكِيل، يقول: ونعم المولى لمن وليه وكفله، وإنما وصف الله تعالى نفسه بذلك؛ لأنَّ الوَكِيل في كلام العرب هو: المُسْنَدُ إليه القيام بأمر من أسند إليه القيام بأمره، فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيات قد كانوا فَوَّضُوا أمرهم إلى الله، ووثقوا به، وأسندوا ذلك إليه؛ وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة، فقال: ونعم الوَكِيل الله تعالى لهم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٥٦٣).","vol":"2","page":241},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-574> الولي والمولى (الولاية والموالاة)</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه وَلِيُّ الذين آمنوا ومولاهم، و(الوَلِيُّ) و(المَوْلَى): اسمان لله تعالى ثابتان بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: ٢٥٧]\nوقوله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد: ١١]\nوالآيات في ذلك كثيرة جدًا\nالدليل من السنة:\nقول الزبير لابنه عبد الله يوم الجمل: (يا بني! إن عجزت عن شيء منه (يعني: دَيْنَه)؛ فاستعن عليه بمولاي قال: فوالله؛ ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت! من مولاك؟ قال: الله قال: فوالله؛ ما وقعت في كربة من دينه إلاَّ قلت: يا مولى الزبير! اقض عنه دينه فيقضيه) (١)\nحديث زيد بن أرقم ﵁: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكَّاها، أنت وليها ومولاها» (٢)\nقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢٥٧]: نصيرهم وظهيرهم؛ يتولاهم بعونه وتوفيقه\nوانظر كلام ابن أبي العز الحنفي في صفة (الغَضَب) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٢٩).\n(٢) رواه مسلم (٢٧٢٢).","vol":"2","page":242},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-575> الوهاب</span>\nيوصف الله ﷿ بأنه الوَهَّاب، يهب ما يشاء لمن يشاء كيف شاء، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، وهي صفةٌ فعليةٌ، و(الوَهَّاب) من أسمائه تعالى\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨]\nوقوله: يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ [الشورى: ٤٩]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁: «ثم ذكرت قول أخي سليمان: رب اغفر لي وَهَبْ لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي» (١)\nقال أبو القاسم الزجاجي: الوَهَّاب: الكثير الهبة والعطية، وفعَّال في كلام العرب للمبالغة؛ فالله ﷿ وهَّاب، يهب لعباده واحدًا بعد واحد ويعطيهم، فجاءت الصفة على فعَّال لكثرة ذلك وتردده، والهبة: الإعطاء تفضلًا وابتداءً من غير استحقاق ولا مكافأة اهـ (٢)\nوقال ابن منظور في (لسان العرب): الهبة: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإذا كثرت؛ سمِّي صاحبها وهَّابًا، وهو من أبنية المبالغة، ثم قال: واسم الله ﷿ الوهاب؛ فهو من صفات الله تعالى المنعم على العباد، والله تعالى الوَهَّاب الوَاهِب صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٦١)، ومسلم (٥٤١) واللفظ له.\n(٢) «اشتقاق أسماء الله» (١٢٦).","vol":"2","page":243},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-576> اليدان</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ خبرِيَّةٌ لله ﷿، نثبتها كما نثبت باقي صفاته تعالى؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ، وهي ثابتةٌ بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة: ٦٤]\nوقوله: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي موسى الأشعري ﵁: «إنَّ الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» (١)\nحديث الشفاعة، وفيه: «فيأتونه فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر؛ خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه» (٢)\nحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «إنَّ الله ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك» (٣)\nحديث: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع» (٤)\nقال إمام الأئمة ابن خزيمة في (كتاب التوحيد): باب: ذكر إثبات اليد للخالق البارئ جلَّ وعلا، والبيان أنَّ الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تَنْزيله، وسرد جملة من الآيات تدل على ذلك، ثم قال: باب ذكر البيان من سنة النبي ﷺ على إثبات يد الله جل وعلا موافقًا لما تلونا من تَنْزيل ربنا لا مخالفًا، قد نَزَّه الله نبيه وأعلى درجته ورفع قدره عن أن يقول إلا ما هو موافق لما أنزل الله عليه من وحيه اهـ (٥)\nوقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أنه ﷿ يسمع ويرى، وأنَّ له تعالى يدين مبسوطتين اهـ (٦)\nوقال أبو بكر الإسماعيلي: وخلق آدم ﵇ بيده، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، بلا اعتقاد كيف يداه، إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف اهـ (٧)\nوقال قَوَّام السُّنَّة الأصبهاني في (الحجة): فصل: في إثبات اليد لله تعالى صفة له، ثم أورد بعض الآيات التي تدل على ذلك، ثم قال: ذكر البيان من سنة النبي ﷺ على إثبات اليد موافقًا للتَنْزيل، ثم أورد أحاديث بسنده تدل على ذلك اهـ (٨)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنَّ لله تعالى يدين مختصتان به ذاتيتان له كما يليق بجلاله (٩)\nوانظر: (أصول الاعتقاد) للالكائي (١٠) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٨\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٥٩).\n(٢) رواه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).\n(٤) رواه البخاري (٧٤١١)، ورواه مسلم (٩٩٣) بلفظ: «يمين» بدلًا (يد).\n(٥) «التوحيد» (١/ ١١٨).\n(٦) «رسالة إلى أهل الثغر/ ٢٢٥).\n(٧) «اعتقاد أئمة الحديث» (ص٥١).\n(٨) «الحجة» (١/ ١٨٥).\n(٩) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٦٣).\n(١٠) (٣/ ٤١٢).","vol":"2","page":244},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-577> اليمين والشمال واليسار</span>\nتوصف يَدُ الله ﷿ بأنها يَمِين، وهذا ثابتٌ بالكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧]\nالدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «يَمِينُ الله ملأى لا يغيضها نفقة» (١)\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ويطوي السماء بيَمِينه» (٢)\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب؛ فإنَّ الله يتقبلها بيَمِينه» (٣)\nيؤمن أهل السنة والجماعة أنَّ لله ﷿ يدين، وأنَّ إحدى يديه يَمِين؛ فهل الأخرى توصف بالشِّمال؟ أم أنَّ كلتا يديه يَمِين؟\nتحقيق القول في صفة الشِّمال:\nأولًا: القائلون بإثبات صفة الشِّمال أو اليسار\nومنهم: الإمام عثمان بن سعيد الدارمي، وأبو يعلى الفراء، ومحمد بن عبد الوهاب، وصديق حسن خان، ومحمد خليل الهرَّاس، وعبدالله الغنيمان، وإليك أدلتهم وأقوالهم:\nأدلتهم:\nما رواه مسلم في (صحيحه) من حديث عبد الله بن عمر ﵁ مرفوعًا: «يطوي الله ﷿ السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول» (٤) الخ الحديث\nحديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا: «خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليَمِين فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحُمم، فقال للتي في يَمِينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للتي في يساره: إلى النار ولا أبالي» (٥)\nومن أدلتهم وصف إحدى اليدين باليَمِين؛ كما في الأحاديث السابقة، وأنَّ هذا يقتضي أنَّ الأخرى ليست يَمِينًا، فتكون شمالًا، وفي بعض الأحاديث تذكر اليَمِين، ويذكر مقابلها: «بيده الأخرى»، وهذا يعني أنَّ الأخرى ليست اليَمِين، فتكون الشِّمال\nأقوالهم:\nقال الإمام أبو سعيد الدارمي (٦): وأعجب من هذا قول الثلجي الجاهل فيما ادعى تأويل حديث رسول الله ﷺ: «المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يَمِين الرحمن وكلتا يديه يَمِين» (٧)، فادعى الثلجي أنَّ النبي ﷺ تأول كلتا يديه يَمِين؛ أنه خرج من تأويل الغلوليين أنها يَمِين الأيدي، وخرج من معنى اليدين إلى النعم؛ يعني بالغلوليين: أهل السنة؛ يعني أنه لا يكون لأحد يَمِينان، فلا يوصف أحد بيَمِينين، ولكن يَمِين وشمال بزعمه\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤١٩)، ومسلم (٩٩٣).\n(٢) رواه البخاري (٦٥١٩)، ومسلم (٢٧٨٧).\n(٣) رواه البخاري (٧٤٣٠) واللفظ له، ومسلم (١٠١٤).\n(٤) رواه مسلم (٢٧٨٨).\n(٥) رواه أحمد (٦/ ٤٤١) (٢٧٥٢٨)، والبزار في «البحر الزخار» (١٠/ ٧٨)، والطبراني في «مسند الشاميين» (٣/ ٢٦١). قال البزار: إسناده حسن. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٨٨): رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٩): إسناده صحيح.\n(٦) «نقض الدارمي على المريسي» (ص١٥٥).\n(٧) رواه مسلم (١٨٢٧) بلفظ: «إن المقسطين عند الله ...». من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.","vol":"2","page":245},{"text":"قال أبو سعيد: ويلك أيها المعارض! إنما عنى رسول الله ﷺ ما قد أطلق على التي في مقابلة اليَمِين الشِّمال، ولكن تأويله: «وكلتا يديه يَمِين»؛ أي: مُنَزَّه على النقص والضعف؛ كما في أيدينا الشِّمال من النقص وعدم البطش، فقال: «كِلتا يدي الرحمن يَمِين»؛ إجلالًا لله، وتعظيمًا أن يوصف بالشِّمال، وقد وصفت يداه بالشِّمال واليسار، وكذلك لو لم يجز إطلاق الشِّمال واليسار؛ لما أطلق رسول الله ﷺ، ولو لم يجز أن يُقال: كلتا يدي الرحمن يَمِين؛ لم يقله رسول الله ﷺ، وهذا قد جوزه الناس في الخلق؛ فكيف لا يجوز ابن الثلجي في يدي الله أنهما جميعًا يَمِينان، وقد سُمِّي من الناس ذا الشِّمالين، فجاز نفي دعوى ابن الثلجي أيضًا، ويخرج ذو الشِّمالين من معنى أصحاب الأيدي\nوقال أبو يعلى الفراء في (إبطال التأويلات) (١) بعد أن ذكر حديث أبي الدرداء ﵁: واعلم أنَّ هذا الخبر يفيد جواز إطلاق القبضة عليه، واليَمِين واليسار والمسح، وذلك غير ممتنع؛ لما بيَّنا فيما قبل من أنَّهُ لا يحيل صفاته؛ فهو بمثابة اليدين والوَجْه وغيرهما\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في آخر باب من (كتاب التوحيد) في المسألة السادسة: (التصريح بتسميتها الشِّمال)؛ يعني: حديث ابن عمر ﵁ عند مسلم\nوقال العلامة صديق حسن خان في كتابه (قطف الثمار) (٢): ومن صفاته سبحانه: اليد، واليَمِين، والكف، والإصبع، والشِّمال\nوقال الشيخ محمد خليل هرَّاس في تعليقه على (كتاب التوحيد) لابن خزيمة (٣): يظهر أنَّ المنع من إطلاق اليسار على الله ﷿ إنما هو على جهة التأدب فقط؛ فإنَّ إثبات اليَمِين وإسناد بعض الشؤون إليها كما في قوله تعالى: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، وكما في قوله ﵇: «إنَّ يَمِين الله ملأى سحاء الليل والنهار؛ يدل على أنَّ اليد الأخرى المقابلة لها ليست يَمِينًا».\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان في شرحه (لكتاب التوحيد من صحيح البخاري): (هذا؛ وقد تنوعت النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ على إثبات اليدين لله تعالى وإثبات الأصابع لهما، وإثبات القبض وتثنيتهما، وأنَّ إحداهما يَمِين كما مر، وفي نصوص كثيرة، والأخرى شمال؛ كما في (صحيح مسلم)، وأنه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وبالنهار ليتوب مسيء الليل، وأنه تعالى يتقبل الصدقة من الكسب الطيب بيَمِينه، فيربيها لصاحبها، وأنَّ المقسطين على منابر من نور عن يَمِين الرحمن، وكلتا يديه يَمِين، وغير ذلك مما هو ثابت عن الله ورسوله وقال: وقد أتانا ﷺ بذكر الأصابع، وبذكر الكف، وذكر اليَمِين، والشِّمال، واليدين مرة مثناة، ومرة منصوص على واحدة أنه يفعل بها كذا وكذا، وأنَّ الأخرى فيها كذا؛ كما تقدمت النصوص بذلك) (٤)\nثانيًا: القائلون بأنَّ كلتا يدي الله يَمِين لا شمال ولا يسار فيهما\nمنهم: الإمام ابن خزيمة في (كتاب التوحيد)، والإمام أحمد، والبيهقي، والألباني، وإليك أدلتهم وأقوالهم:\nأدلتهم:\nما رواه مسلم في (صحيحه) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعًا: «إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يَمِين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يَمِين» (٥)\n_________\n(١) (ص١٧٦).\n(٢) (ص٦٦).\n(٣) (ص٦٦).\n(٤) (١/ ٣١١، ٣١٨، ٣١٩).\n(٥) رواه مسلم (١٨٢٧).","vol":"2","page":246},{"text":"حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ مرفوعًا: «أول ما خلق الله تعالى القلم، فأخذه بيَمِينه، وكلتا يديه يَمِين» (١) رواه ابن أبي عاصم في (السنة ١٠٦)، والآجري في (الشريعة) وصحَّحَه الألباني\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لما خلق الله آدم، ونفخ فيه من روحه؛ قال بيده وهما مقبوضتان: خذ أيها شئت يا آدم، فقال: اخترت يَمِين ربي، وكلتا يداه يَمِين مباركة، ثم بسطها» (٢) رواه ابن أبي عاصم في السنة (٢٠٦)، وابن حبان (٦١٦٧)، والحاكم (١/ ٦٤) وصحَّحَه، وعنه البيهقي في (الأسماء والصفات ٢/ ٥٦) والحديث حسَّنه الألباني في تخريجه لـ (السنة\nحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «يَمِين الله ملأى لا يغيضها نفقة وبيده الأخرى القبض؛ يرفع ويخفض» رواه البخاري، ومسلم (٣) ورواه ابن خزيمة في (كتاب التوحيد)، وسنده صحيح؛ بلفظ: «وبيَمِينه الأخرى القبض» (٤)\nأقوالهم:\nقال ابن خزيمة في (كتاب التوحيد): باب: ذكر سنة ثامنة تبين وتوضح أنَّ لخالقنا جلَّ وعلا يدين، كلتاهما يَمِينان، لا يسار لخالقنا ﷿؛ إذ اليسار من صفة المخلوقين، فَجَلَّ ربنا عن أن يكون له يسار\nوقال أيضًا: بل الأرض جميعًا قبضةُ ربنا جَلَّ وعلا، بإحدى يديه يوم القيامة، والسماوات مطويات بيَمِينه، وهي اليد الأخرى، وكلتا يدي ربنا يَمِين، لا شمال فيهما، جل ربنا وعز عن أن يكون له يسار؛ إذ كون إحدى اليدين يسارًا إنما يكون من علامات المخلوقين، جل ربنا وعز عن شبه خلقه اهـ (٥)\nوقال الإمام أحمد بن حنبل – كما في (طبقات الحنابلة) لأبي يعلى -: وكما صح الخبر عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال: «وكلتا يديه يَمِين»، الإيمان بذلك، فمن لم يؤمن بذلك، ويعلم أنَّ ذلك حق كما قال رسول الله ﷺ؛ فهو مُكَذِّبٌ برسول الله ﷺ (٦)\nوسئل الشيخ الألباني﵀- في مجلة الأصالة (٧): كيف نوفِّق بين رواية: «بشماله» الواردة في حديث ابن عمر ﵄ في (صحيح مسلم) وقوله ﷺ: «وكلتا يديه يَمِين»؟\nجواب: لا تعارض بين الحديثين بادئ بدء؛ فقوله ﷺ: «وكلتا يديه يَمِين»: تأكيد لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ؛ فهذا الوصف الذي أخبر به رسول الله ﷺ تأكيدٌ للتنْزيه، فيدُ الله ليست كيدِ البشر: شمال ويَمِين، ولكن كلتا يديه سبحانه يَمِين\nوأمر آخر؛ أنَّ رواية: «بشماله»: شاذة؛ كما بيَّنتها في (تخريج المصطلحات الأربعة الواردة في القرآن رقم ١) للمودودي\nويؤكد هذا أنَّ أبا داود رواه وقال: «بيده الأخرى»، بدل: «بشماله»، وهو الموافق لقوله ﷺ: «وكلتا يديه يَمِين»، والله أعلم\nمناقشة الأدلة التي تثبت صفة (الشِّمال) و(اليَسَار):\n_________\n(١) رواه ابن أبي عاصم في السنة (١٠٦)، وابن بطة في «الإبانة» (كتاب القدر) (١/ ٣٣٥)، والآجري في «الشريعة» (ص١٦٦). وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣١٣٦).\n(٢) رواه الترمذي (٣٣٦٨)، وابن حبان (١٤/ ٤٠)، والحاكم (١/ ١٣٢)، والبيهقي (١٠/ ١٤٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. والحديث صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح عند ابن خزيمة – كما أشار لذلك في مقدمة كتاب «التوحيد» (١/ ١٦٠). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٧٤١٩)، ومسلم (٩٩٣).\n(٤) رواه ابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(٥) «التوحيد» (١٥٩، ١٩٧).\n(٦) «طبقات الحنابلة» (١/ ٣١٣).\n(٧) العدد الرابع - (ص٢٦٨)","vol":"2","page":247},{"text":"حديث عبدالله بن عمر عند مسلم (٢٧٨٨ - ٢٤)، وفيه لفظة (الشِّمال)، تفرد بها عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن سالم عن ابن عمر، وعمر بن حمزة ضعيف، والحديث عند البخاري (٧٤١٢) من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وعند مسلم (٢٧٨٨ - ٢٥و٢٦) من طريق عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، وليس عندهما لفظة (الشِّمال).\nقال الحافظ البيهقي: ذكر (الشِّمال) فيه، تفرد به عمر بن حمزة عن سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر؛ لم يذكرا فيه الشِّمال وروى ذكر الشِّمال في حديث آخر في غير هذه القصة؛ إلا أنه ضعيف بمرة، تفرد بأحدهما: جعفر بن الزبير، وبالآخر: يزيد الرقاشي وهما متروكان، وكيف ذلك؟! وصحيح عن النبي ﷺ أنه سمَّى كلتي يديه يَمِينًا اهـ (١)\nحديث أبي الدرداء ﵁ المتقدم، وفيه: «وقال للتي في يساره: إلى النار ولا أبالي» (٢).\nقولهم: «إنَّ ذكر اليَمِين يدل على أنَّ الأخرى شمال»: قول صحيح لو لم يرد ما يدل على أنَّ كلتا يدي الله يَمِين.\nمناقشة الأدلة التي تثبت أنَّ يدي الله كلتاهما يَمِين:\nوصفُ اليدين بأنَّ كلتيهما يَمِين لا يعني عند العرب أنَّ الأخرى ليست يَسَارًا، بل قد يوصف الإنسان بأنَّ يديه كلتاهما يَمِين كما قال المرَّار:\nوإِنَّ عَلَى الأمانَةِ مِنْ عَقِيلٍ ... فَتىً كِلْتَا اليدَيْنِ لَهُ يَمِينَ\nولا يعني أن لا شمال له، بل هو من كرمه وعطائه شماله كيَمِينه\nانظر البيت في: (مختلف تأويل الحديث) لابن قتيبة (٣)\nولُقِّب أبو الطيب طاهر بن الحسين بن مصعب بذي اليَمِينين، كتب له أحد أصحابه:\nللأمِيرِ المُهَذَّبِ ... المُكَنَّى بِطَيِّبِ\nذِي اليَمِينينِ طَاهِرِ بـ ... ـنِ الحُسَيْنِ بنِ مُصْعَبِ\nانظر: (ثمار القلوب) (٤)\nكما أنَّ العرب تسمى الرجل ذا الشِّمالَين، وقد سمي عمير بن عبد عمرو بن نضلة ﵁ بذلك، وقيل: بل هو ذو اليدين راجع: (الإصابة)\nولا يعنون بذي الشِّمالَين؛ أي: لا يَمِين له\nالترجيح:\nإنَّ تعليل القائلين بأنَّ إحدى يدي الله ﷿ يَمِين والأخرى شمال - وأننا إنما نقول: كلتاهما يَمِين؛ تأدبًا وتعظيمًا؛ إذ الشِّمال من صفات النقص والضعف - قول قوي، وله حظٌ من النظر؛ إلا أننا نقول: إنَّ صفات الله توقيفية، وما لم يأتِ دليلٌ صحيحٌ صريحٌ في وصف إحدى يدي الله ﷿ بالشِّمال أو اليَسَار؛ فإننا لا نتعدى قول النبي ﷺ: «كلتاهما يَمِين» والله أعلم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٣٠\n_________\n(١) «الأسماء والصفات» (٢/ ١٤٣).\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٤٤١) (٢٧٥٢٨)، والبزار في «البحر الزخار» (١٠/ ٧٨)، والطبراني في «مسند الشاميين» (٣/ ٢٦١). قال البزار: إسناده حسن. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٨٨): رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٩): إسناده صحيح.\n(٣) (٢٤٧).\n(٤) (ص٢٩١)","vol":"2","page":248},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-578> الآخرية</span>\nصفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، وذلك من اسمه الآخِر، والذي ورد في الكتاب والسنة\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ٣]\nالدليل من السنة:\nما رواه مسلم في (صحيحه) عن سهيل؛ قال: كان أبو صالح يأمرنا؛ إذا أراد أحدنا أن ينام: أن يضطجع على شقِّه الأيمن، ثم يقول: «اللهم رب السماوات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنَّوى، ومُنْزِل التَّوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذٌ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء؛ اقضِ عنا الدَّيْنَ، واغننا من الفقر» وكان يروى ذلك عن أبي هُريرة عن النبي ﷺ (١)\nالمعنى:\n١ - أي: الذي ليس بعده شيء كما في الحديث\n٢ - الباقي بعد الأشياء كلها قاله ابن الأثير في (جامع الأصول) (٢)، وبنحوه قال الزجاج في (تفسير أسماء الله الحسنى)، وابن منظور في (اللسان) وانظر كلام ابن القيم في صفة (الأَوَّلِيَّةِ) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٣٨\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠٣٥).\n(٢) (٤/ ١٨١).","vol":"2","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>تمهيد:</span>\nالصفات المنفية التي ذكرت في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة ترد لمعان عديدة يمكن حصرها في نوعين من التنزيه:\nالنوع الأول: نفي النقائص والعيوب عن الله ﷿، المنافية لصفات كماله.\nالنوع الثاني: تنزيه أوصاف الكمال الثابتة له ﷿ عن مماثلة شيء من صفات المخلوقين، أو هو: إثبات أنه ليس كمثل الله شيء في صفات كماله الثابتة له.\nقال شيخ الإسلام ﵀: (والتنزيه الذي يستحقه الرب يجمعه نوعان:\n- أحدهما: نفي النقص عنه.\n- والثاني: نفي مماثلة شيء من الأشياء فيما يستحقه من صفات الكمال (١». النفي في باب صفات الله ﷿ لأرزقي بن محمد سعيداني – ص ١٠٧\n_________\n(١) «منهاج السنة النبوية» (٢/ ١٨٦) و(١/ ١٥٧، ٥/ ١٦٩) و«مجموع الفتاوى» (١٦/ ٩٨، ٣٦)، «درء تعارض العقل والنقل» (١٠/ ٢٤٥) «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٣٧٨)، «الصفدية» (٢/ ٢٢٨)، «التسعينية» (١/ ١٨٨)، «الجواب الصحيح» (٢/ ٢٦١)، «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (٢٤٨)، «شرح حديث النزول» (٧٨)، «شرح القصيدة النونية» (٢/ ٥٥ - ٦٠).","vol":"2","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>المطلب الأول: نفي النقائص عن الله ﷿</span>\nتوحيد الله ﷿ الذي دلت عليه النصوص ينقسم إلى توحيد قولي، وتوحيد عملي، فالتوحيد القولي هو ما كان خبرا عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا الخبر إما أن يكون بنفي أو إثبات (١).\nفالنفي هو تنزيه الله ﷿ عن كل نقص أو عيب من كل وجه، وهو ما دلت عليه نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو ما فطر الله عليه جميع الخلق من إثبات كمال الله ﷿ نفي النفص عنه، وهو مما يعلم بالعقل أيضًا (٢).\nوقد ضرب الله ﷿ الأمثال وأقام الحجج والبراهين على المشركين بإظهار بطلان ألوهية الأصنام التي يعبدونها لما تتصف به من النقائص والعيوب التي يجب أن يتنزه عنها الرب المعبود (٣)، فقال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [النحل: ٧٥]، فبين أن كونه مملوكًا عاجزًا صفة نقص وهذا مثل للآلهة التي تعبد من دون الله، وإن القدرة والملك والإحسان صفة كمال، وهذا مثل لله ﷿، فهذا ليس مثل هذا.\nوقال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل: ٧٦]، فالأول مثل العاجز عن الكلام والفعل الذي لا يقدر على شيء، كآلهتهم التي يعبدون، والآخر مثل المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم، فلا يستوي هذا والعاجز عن الكلام والفعل (٤).\nوقال تعالى: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢]، أي: (لم تعبد أصنامًا ناقصة في ذاتها وفي أفعالها، فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تملك لعبادها نفعًا ولا ضرًا، بل لا تملك لأنفسها شيئًا من النفع، ولا تقدر على شيء من الدفع، فهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلًا وشرعًا، ودل تنبيهه وإشارته، أن الذي يجب ويحسن عبادة من له الكمال الذي لا ينال العباد نعمة إلا منه، ولا يدفع عنهم نقمة إلا هو، وهو الله تعالى) (٥).\nوقال تعالى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ [الأعراف: ١٤٨]، (فدل ذلك على أن عدم التكلم والهداية نقص، وإن الذي يتكلم ويهدي أكمل ممن لا يتكلم ولا يهدي) (٦)، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، إلى أمثال ذلك من الآيات.\n(ومثل هذا في القرآن متعدد من وصف الأصنام بسلب صفات الكمال، كعدم التكلم، والفعل، وعدم الحياة ونحو ذلك، مما يبين أن المتصف بذلك منتقص معيب كسائر الجمادات، وأن هذه الصفات لا تسلب إلا عن ناقص معيب.\nوأما رب الخلق الذي هو أكمل من كل موجود، فهو أحق الموجودات بصفات الكمال، وأنه لا يستوي المتصف بصفات الكمال والذي لا يتصف بها، وهو يذكر أن الجمادات في العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات) (٧).\nوهذا ما دلت عليه النصوص الصريحة، والعقول الصحيحة، وما استقر في الفطر من أن الرب الخالق المستحق للعبادة وحده، يجب أن يتصف بكل كمال على أتم وجوهه، وأن يتنزه عن كل نقص وعيب يمكن أن يتصوره العقل (٨). النفي في باب صفات الله ﷿ لأرزقي بن محمد سعيداني – ص ١٠٨\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٣) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٠٢)، «شرح القصيدة النونية» (٢/ ٥٦ - ٦٠).\n(٢) «تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل» (٥/ ١٩٥) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢٩٣، ٣/ ٩١٤، ١٠١٠، ١٠١٨).\n(٣) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤).\n(٤) «تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل» (٥/ ٢٠٢) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢٩٣، ٣/ ٩١٤، ١٠١٠، ١٠١٨)، «النبوات» (٢/ ٨٩٠)، «القواعد المثلى» (ص: ٢٣).\n(٥) «تيسير الكريم الرحمن» (٤٤٣).\n(٦) «تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل» (٥/ ٢٠٣).\n(٧) «تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل» (٥/ ٢٠٣) و«مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٢٣) و«منهاج السنة النبوية» (٢/ ١٦٠).\n(٨) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٦٣)، «الصفدية» (٢/ ٢٧)، «منهاج السنة النبوية» (٣/ ٩٧)، «شرح العقيدة الأصفهانية» (١١٩) و«شفاء العليل» (٢/ ٣٣٣، ٣٤٣).","vol":"2","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>المطلب الثاني: إثبات أنه ليس كمثل الله ﷿ شيء في صفاته الثابتة له</span>\nوهذا هو النوع الثاني من المعاني الجامعة للصفات المنفية التي جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو يقوم على تنزيه أوصاف الكمال الثابتة له سبحانه عن مماثلة أوصاف المخلوقين.\nفجميع ما اتصف الله ﷿ به من الصفات لا يماثله فيها أحد من خلقه، والنص إذا ورد بإثبات صفة من الصفات وجب الإيمان به والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين (١)، وهذا الذي أخبرنا به ﷾ في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] ونحوها، أي: أن الله ﷿ منزه عن أن يكون له مثل في شيء مما يوصف به من صفات كماله؛ لأن مماثلة المخلوق من أعظم النقص الذي يجب أن ينزه الله عنه (٢).\n(وكذلك ما كان مختصًا بالمخلوق فإنه يمتنع اتصاف الرب به، فلا يوصف الرب بشيء من النقائص، ولا بشيء من خصائص المخلوق، وكل ما كان من خصائص المخلوق فلا بد فيه من نقص) (٣).\nفمن شبه صفات الله ﷿ بصفات خلقه لم يكن عابدًا لله في الحقيقة، وإنما يعبد وثنًا.\nوكذلك من نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ، فإنه في حقيقة أمره لا يعبد شيئًا موجودًا، وإنما يعبد عدمًا مفقودًا (٤).\nكما قيل: (الممثل يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا) (٥)، والسبيل الذي عليه أهل السنة والجماعة، هو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، مع تنزيهه ﷿ أن يشبه شيء من صفاته شيئًا من صفات خلقه.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله ﷿ بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.\nيثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، فقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ رد على أهل التمثيل، وقوله: السَّمِيعُ البَصِيرُ رد على أهل التعطيل) (٦).\nوقال ﵀: (فالرسل وصفوا الله بصفات الكمال، ونزهوه عن النقائص المناقضة للكمال، ونزهوه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال، وأثبتوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه التمثيل) (٧).\nوالأدلة السمعية التي وردت في نفي المماثلة تنقسم إلى قسمين:\n١ - خبر.\n٢ - وطلب.\nقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: (الأدلة السمعية (٨) تنقسم إلى قسمين: خبر، وطلب.\n- فمن الخبر قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]، فالآية فيها نفي صريح للتمثيل. وقوله: تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥]، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى الخبر؛ لأنه استفهام بمعنى النفي. وقوله: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية.\n- وأما الطلب؛ فقال تعالى: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢]، أي: نظراء مماثلين. وقال: فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٧٤]). (٩). النفي في باب صفات الله ﷿ لأرزقي بن محمد سعيداني – ص ١١٠\n_________\n(١) «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص: ٢٠).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٤٤٩، ٦/ ٥١٦).\n(٣) «الصفدية» (١/ ١٠٢)، «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٧٠).\n(٤) «شرح القصيدة النونية» (٢/ ٦٣).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٦١)، «درء تعارض العقل والنقل» (١٠/ ٣٠٦).\n(٦) «الصفدية» (١/ ١٠٣)، «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٣٤٩، ٧/ ١١١)، «منهاج السنة النبوية» (٢/ ٥٢٣).\n(٧) «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (٤/ ٤٠٦)، «جلاء الأفهام» (٩٣).\n(٨) على نفي المماثلة.\n(٩) «شرح العقيدة الواسطية» (١/ ١٠٣).","vol":"2","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>تمهيد:</span>\nأ- المقصود بالكلمات المجملة: أنها ألفاظ يطلقها أهل التعطيل:\nأو: هي مصطلحات أحدثها أهل الكلام.\nب- ومعنى كونها مجملة: أنها تحتمل حقًا وباطلًا.\nأو يقال: لأنها ألفاظ مشتركة بين معان صحيحة، ومعان باطلة. أو يقال لخفاء المراد منها؛ بحيث لا يدرك معنى اللفظ إلا بعد الاستفصال والاستفسار.\nج- ومراد أهل التعطيل من إطلاقها: التوصل إلى نفي الصفات عن الله تعالى بحجة تنزيهه عن النقائص.\nد- والذي دعاهم إلا ذلك: عجزهم عن مقارعة أهل السنة بالحجة؛ فلجؤوا إلى هذه الطريقة؛ ليخفوا عوارهم، وزيفهم.\nهـ- وهذه الألفاظ لم ترد لا في الكتاب، ولا في السنة؛ بل هي من إطلاقات أهل الكلام.\nووطريقة أهل السنة في التعامل مع هذه الكلمات: أنهم يتوقفون في هذه الألفاظ؛ لأنه لم يرد نفيها ولا إثباتها في الكتاب والسنة؛ فلا يثبتونها، ولا ينفونها.\nأما المعنى الذي تحت هذه الألفاظ فإنهم يستفصلون عنه، فإن كان معنى باطلًا ينزه الله عنه ردوه، وإن كان معنى حقًا لا يمتنع على الله قبلوه، واستعملوا اللفظ الشرعي المناسب للمقام.\nوأشهر الألفاظ المجملة ورودًا في كتب العقائد ما يلي:\n١ - الجهة.\n٢ - الحد.\n٣ - الأعراض.\n٤ - الأبعاض أو الأعضاء والأركان والجوارح.\n٥ - حلول الحوادث بالله تعالى.\n٦ - التسلسل. رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢١٩","vol":"2","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-585>المطلب الأول: كلمة (الجهة)</span>\nهذه اللفظة من الكلمات المجملة التي يطلقها أهل التعطيل، فما معناها في اللغة؟ وما مرادهم من إطلاقها؟ وما التحقيق في تلك اللفظة؟ وهي هي ثابتة لله، أو منفية عنه؟\nأ- معنى الجهة في اللغة: تطلق الجهة على الوضع الذي تتوجه إليه، وتقصده، وتطلق على الطريق، وعلى كل شيء استقبلته، وأخذت فيه (١).\nب- ومراد أهل التعطيل من إطلاق لفظ الجهة: نفي صفة العلو عن الله ﷿.\nج- والتحقيق في هذه اللفظة: أن يقال: إن إطلاق لفظ الجهة في حق الله ﷾ أمر مبتدع لم يرد في الكتاب ولا السنة، ولا عن أحد من سلف هذه الأمة.\nوبناء على هذا لا يصح إطلاق الجهة على الله ﷿ لا نفيًا ولا إثباتًا، بل لابد من التفصيل؛ لأن هذا المعنى يحتمل حقًا ويحتمل باطلًا.\nفإن أريد بها جهة سفل فإنها منتفية عن الله، وممتنعة عليه أيضًا؛ فإن الله أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، كيف وقد وسع كرسيه السموات والأرض؟\nوإن أريد بالجهة أنه في جميع الجهات، وأنه حال في خلقه، وأنه بذاته في كل مكان فإن ذلك ممتنع على الله، منتف في حقه.\nوإن أريد نفي الجهة عن الله كما يقول أهل التعطيل؛ حيث يقولون: إن الله ليس في جهة، أي ليس في مكان، فهو لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل، ولا منفصل، ولا فوق، ولا تحت فإن ذلك أيضًا ممتنع على الله منتف في حقه؛ إذ إن ذلك وصف له بالعدم المحض.\nوإن أريد بالجهة أنه في جهة علو تليق بجلاله، وعظمته من غير إحاطة به، ومن غير أن يكون محتاجًا لأحد من خلقه فإن ذلك حق ثابت له، ومعنى صحيح دلت عليه النصوص، والعقول، والفطر السليمة.\nومعنى كونه في السماء، أي في جهة العلو، أو أن (في) بمعنى على، أي على السماء، كما قال تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١] أي على جذوع النخل.\nوبهذا التفصيل يتبين الحق من الباطل في هذا الإطلاق.\nأما بالنسبة للفظ فكما سبق لا يثبت ولا ينفي، بل يجب أن يستعمل بدلًا عنه اللفظ الشرعي، وهو العلو، والفوقية (٢). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٢١\n_________\n(١) انظر: «لسان العرب» (١٣/ ٥٥٥ - ٥٦٠).\n(٢) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص:٢٢١)، و«التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية» (ص: ١٦٦ - ١٧١). و«فتح رب البرية» (ص: ٣٣ - ٣٥).","vol":"2","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-586>المطلب الثاني: كلمة (الحد)</span>\nوهذا أيضًا من الألفاظ المجملة التي يطلقها أهل التعطيل.\nفما معنى الحد في اللغة؟ وماذا يريد أهل التعطيل من إطلاقه؟ وما شبهتهم في ذلك؟ وما جواب أهل السنة؟\nأ- معنى الحد في اللغة: يطلق على الفصل، والمنع، والحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر.\nيقال: حددت كذا، جعلت له حدًا يميزه.\nوحد الدار ما تتميز به عن غيرها، وحد الشيء: الوصف المحيط بمعناه، المميز له عن غيره (١).\nب- وأهل التعطيل يريدون من إطلاق لفظ (الحد) نفي استواء الله على عرشه.\nج- وشبهتهم في ذلك: أنهم يقولون: لو أثبتنا استواء الله على عرشه للزم أن يكون محدودًا؛ لأن المستوى على الشيء يكون محدودًا؛ فالإنسان مثلًا إذا استوى على البعير صار محدودًا بمنطقة معينة، محصورًا بها، وعلى محدود - أيضًا -.\nوبناء على ذلك فهم ينفون استواء الله على عرشه، ويرون أنهم ينزهون الله ﷿ عن الحد أو الحدود.\nد- جواب أهل السنة: أهل السنة يقولون: إن لفظ (الحد) لم يرد في الكتاب، ولا في السنة.\nوليس لنا أن نصف الله بما لم يصف به نفسه، ولا وصفه به رسوله ﷺ لا نفيًا، ولا إثباتًا، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون.\nهذا بالنسبة للفظ.\nأما بالنسبة للمعنى فإننا نستفصل –كعادتنا- ونقول: ماذا تريدون بالحد؟\nإن أردتم بالحد أن الله –﷿- محدود، أي متميز عن خلقه، منفصل عنهم، مباين لهم فهذا حق ليس فيه شيء من النقص، وهو ثابت لله بهذا المعنى.\nوإن أردتم بكونه محدودًا أن العرش محيط به، وأنتم تريدون نفي ذلك عنه بنفي استوائه عليه – فهذا باطل وليس بلازم صحيح؛ فإن الله –تعالى- مستو على عرشه، وإن كان –﷿- أكبر من العرش ومن غير العرش.\nولا يلزم من كونه مستويًا على العرش أن يكون العرش محيطًا به؛ لأن الله -﷿- أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه (٢). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٢١\n_________\n(١) انظر: «معجم مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الأصفهاني (ص: ١٠٨)، و«المصباح المنير» للفيومي (ص: ٦٨).\n(٢) انظر «شرح عقيدة الطحاوية» (ص: ٢١٩)، و«شرح العقيدة الواسطية» للشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (١/ ٣٧٦ و٣٧٩ - ٣٨٠).","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-587>المطلب الثالث: كلمة (الأعراض)</span>\nهذا اللفظ من الألفاظ المجملة التي يطلقها أهل الكلام ومن أقوالهم في ذلك: (نحن ننزه الله تعالى من الأعراض والأغراض، والأبعاض، والحدود، والجهات).\nويقولون: (سبحان من تنزه عن الأعراض، والأغراض، والأبعاض).\nأ- تعريف الأعراض في اللغة: الأعراض جمع عرض، والعرض هو ما لا ثبات له.\nأو هو: ما ليس بلازم للشيء.\nأو هو: ما لا يمتنع انفكاكه عن الشيء (١).\nومن الأمثلة على ذلك: الفرح بالنسبة للإنسان فهو عرض؛ لأنه لا ثبات له، بل هو عارض يعرض ويزول.\nوكذلك الغضب، والرضا.\nب- العرض في اصطلاح المتكلمين: قال الفيومي: (العرض عند المتكلمين ما لا يقوم بنفسه، ولا يوجد إلا في محل يقوم به) (٢).\nوقال الراغب الأصفهاني: (والعرض ما لا يكون له ثبات، ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون والطعم) (٣).\nج- مراد المتكلمين من قولهم: (إن الله منزه عن الأعراض): مرادهم من ذلك نفي الصفات عن الله تعالى، لأن الأعراض عندهم هي الصفات.\nد- شبهتهم في ذلك: يقولون: لأن الأعراض لا تقوم إلا بالأجسام، والأجسام متماثلة؛ فإثبات الصفات يعني أن الله جسم، والله منزه عن ذلك.\nوبناء عليه نقول بنفي الصفات؛ لأنه يترتب على إثباتها التجسيم، وهو وصف الله بأنه جسم، والتجسيم تمثيل، وهذا كفر وضلال، فهذه هي شبهة المتكلمين.\nهـ- الرد على أهل الكلام في هذه المسألة: الرد عليهم من وجوه:\n١ - أن لفظ (الأعراض) لم ترد في الكتاب، ولا في السنة، لا نفيًا ولا إثباتًا، ولم ترد كذلك عن سلف الأمة.\nوطريقة أهل السنة المعهودة في مثل هذه الألفاظ التوقف في اللفظ، فلا نثبت الأعراض، ولا ننفيها.\nأما معناها فيستفصل عن مرادهم في ذلك ويقال لهم: إن أردتم بالأعراض ما يقتضي نقصًا في حق الله تعالى كالحزن، والندم، والمرض، والخوف، فإن المعنى صحيح، والله منزه عن ذلك؛ لأنه نقص، لا لأنها أعراض.\nوإن أردتم نفي ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من الصفات كالغضب، والفرح، والرضا، ونحوها بحجة أنها أعراض – فإن ذلك باطل مردود، ولا يلزم من إثباتها أي لازم.\n٢ - أن الصفات الربانية ليست كلها أعراض، بل إن بعضها أعراض كالفرح، والغضب، وبعضها ليست أعراضًا، كبعض الصفات الذاتية كاليد، والوجه، والقدم، والساق؛ فهذه ليست أعراضًا، بل لازمة للذات لا تنفك عنها.\n٣ - أن قولكم: (إن الأعراض لا تقوم إلا بجسم) قول باطل؛ فالأعراض قد تقوم بغير الجسم كما يقال: ليل طويل، فقولنا: طويل، وصف لـ: ليل، والليل ليس بجسم، ومثل ذلك: حر شديد، ومرض مؤلم، وبرد قارس.\n٤ - أن القول بتماثل الأجسام قول باطل؛ فالأجسام غير متماثلة لا بالذوات ولا بالصفات، ولا بالحدوث؛ ففي الحجم تختلف الذرة عن الجمل، وفي الوزن يختلف جسم القيراط عن جسم القنطار، وفي الملمس يختلف الخشن عن الناعم، واللين عن القاسي، وهكذا.\n٥ - أن لفظ الجسم من إحداث المتكلمين، وهذا اللفظ كقاعدة الألفاظ المجملة؛ فإن كان إثبات الصفات يلزم منه أن يكون جسمًا في مفهومك فليس ذلك يضيرنا.\nلكن إن أردت بالجسم الشيء القائم بنفسه المتصف بما يليق به فهذا حق لأننا نؤمن بأن لله ذاتًا موصوفة بالصفات اللائقة بها.\nفإن أردت بالجسم هذا المعنى فيصح.\nوإن أردت بالجسم الشيء المكون من أعضاء، ولحم ودم، المفتقر بعضه إلى بعض وما أشبه ذلك فباطل غير صحيح؛ لأنه يلزم أن يكون الله حادثًا أو محدثًا. وهذا أمر مستحيل، على أننا لا نوافق على إثبات الجسم، ولا نفيه؛ لأنه يحتمل حقًا وباطلًا. رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٢٥\n_________\n(١) انظر «التعريفات» للجرجاني (ص: ١٥٣ - ١٥٤).\n(٢) «المصباح المنير» للفيومي (ص: ٢٠٩).\n(٣) «معجم مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الأصفهاني (ص: ٣٤٢).","vol":"2","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>المطلب الرابع: كلمة (الأبعاض)</span>\nالأبعاض، ويقال: الأعضاء، أو الأركان، أو الجوارح: وهذه أيضًا من الكلمات المجملة التي تطلق وتحتمل حقًا وباطلًا؛ فإليك نبذة في معانيها، ومقصود أهل التعطيل من إطلاقها وجواب أهل السنة على تلك الدعوى.\nأ- معاني هذه الكلمات: معاني هذه الكلمات متقاربة من بعض.\n- فالأبعاض: جمع لكلمة بعض، يقال: بعض الشيء أي جزؤه، وبعضت كذا أي جعلته أبعاضًا (١).\n- والأركان: جمع ركن، وركن الشيء قوامه، وجانبه القوي الذي يتم به، ويسكن إليه.\n- والأجزاء: جمع جزء، والجزء ما يتركب الشيء عنه وعن غيره.\nوجزء الشيء ما يتقوم به جملته كأجزاء السفينة، وأجزاء البيت.\n- والجوارح: مفردها الجارحة، وتسمى الصائدة من الكلاب، والفهود، والطيور جارحة؛ إما لأنها تجرح، وإما لأنها تكسب.\nوسميت الأعضاء الكاسبة جوارح تشبيهًا بها لأحد هذين (٢).\n- ويشبه هذه الألفاظ لفظ: الأعضاء، والأدوات، ونحوها.\nب- مقصود أهل التعطيل من إطلاقها: مقصودهم نفي بعض الصفات الذاتية الثابتة بالأدلة القطعية، كاليد، والوجه، والساق، والقدم والعين (٣).\nج- ما الذي دعاهم إلى نفيها؟ الذي دعاهم إلى نفي تلك الصفات هو اعتقادهم أنها بالنسبة للمخلوق أبعاض، وأعضاء، وأركان، وأجزاء، وجوارح وأدوات ونحو ذلك؛ فيرون –بزعمهم- أن إثبات تلك الصفات لله يقتضي التمثيل، والتجسيم؛ فوجب عندهم نفيها قرارًا من ذلك.\nوقد لجؤوا إلى تلك الألفاظ المجملة؛ لأجل أن يروج كلامهم، ويلقى القبول.\nد- جواب أهل السنة: أهل السنة يقولون: إن هذه الصفات وإن كانت تعد في حق المخلوق أبعاضًا، أو أعضاء، وجوارح ونحو ذلك لكنها تعد في حق الله صفات أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسول الله ﷺ، فلا نخوض فيها بآرائنا وأهوائنا، بل نؤمن بها ونمرها كما جاءت ونفوض كنهها وحقيقتها إلى الله ﷿ لعدم معرفتنا لحقيقة الذات؛ لأن حقيقة معرفة الصفة متوقفة على معرفة حقيقة الذات كما لا يخفى، وهذه الصفات – أعني اليد، والساق ونحوها وكثير من صفات الله – قد تشترك مع صفات خلقه في اللفظ، وفي المعنى العام المطلق قبل أن تضاف.\nوبمجرد إضافتها تختص صفات الخالق بالخالق، وصفات المخلوق بالمخلوق؛ فصفات الخالق تليق بجلاله، وعظمته، وربوبيته، وقيومته.\nوصفات المخلوق تليق بحدوثه، وضعفه، ومخلوقيته (٤).\nوبناء على ذلك يقال لمن يطلق تلك الألفاظ المجملة السالفة: إن أردت أن تنفي عن الله ﷿ أن يكون جسمًا، وجثة، وأعضاء، ونحو ذلك – فكلامك صحيح، ونفيك في محله.\nوإن أردت بذلك نفي الصفات الثابتة له، والتي ظننت أن إثباتها يقتضي التجسيم، ونحو ذلك من اللوازم الباطلة – فإن قولك باطل، ونفيك في غير محله.\nهذا بالنسبة للمعنى.\nأما بالنسبة للفظ فيجب ألا تعدل عن الألفاظ الشرعية في النفي أو الإثبات؛ لسلامتها من الاحتمالات الفاسدة.\nيقول شارح الطحاوية ﵀: (ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء، أو جوارح، أو أدوات، أو أركان؛ لأن الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد، الصمد، لا يتجزأ ﷾، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية تعالى الله عن ذلك، ومن هذا المعنى قوله تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآَنَ عِضِينَ [الحجر: ٩١].\nوالجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع؛ وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة.\nوكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمة من الاحتمالات الفاسدة، فكذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفيًا، ولا إثباتًا؛ لئلا يثبت معنى فاسد، وأن ينفى معنى صحيح.\nوكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل) (٥). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٢٨\n_________\n(١) انظر «معجم مفردات ألفاظ القرآن» (ص: ٥٠، ٨٨، ٩٠، ٢٠٨) و«التعريفات» (ص: ٧٨، ١١٧).\n(٢) انظر «معجم مفردات ألفاظ القرآن» (ص: ٥٠، ٨٨، ٩٠، ٢٠٨) و«التعريفات» (ص: ٧٨، ١١٧).\n(٣) انظر «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢١٩).\n(٤) انظر: «الصفات الإلهية» (ص: ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(٥) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٢٠، ٢٢١).","vol":"2","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-589>المطلب الخامس: كلمة (الأغراض)</span>\nهذه الكلمة من إطلاقات المتكلمين، وإليك بعض التفصيل في هذا اللفظ.\nأ- الأغراض في اللغة: جمع غرض، والغرض هو الهدف الذي يرمي فيه، أو هو الهدف الذي ينصب، فيرمى فيه.\nوالغرض يطلق في اللغة أيضًا على الحاجة، والبغية، والقصد (١).\nب- الغرض في اصطلاح علماء الكلام: قيل هو ما لأجله يصدر الفعل من الفاعل (٢).\nوقال الجلال الدواني ﵀: (الغرض هو الأمر الباعث للفاعل على الفعل، وهو المحرك الأول، وبه يصير الفاعل فاعلًا) (٣).\nوبذلك نرى توافق المعنى اللغوي والاصطلاحي للغرض، وأنه غاية الفاعل من فعله، وهو الباعث له على فعله (٤).\nج- مراد أهل الكلام بهذه اللفظة: يريدون إبطال الحكمة في أفعال الله ﷿ وشرعه.\nد- حجتهم في ذلك: يقول المتكلمون – وعلى وجه الخصوص الأشاعرة – إننا ننزه الله عن الأغراض، فلا يكون له غرض فيما شرعه أو خلقه؛ فأبطلوا الحكمة من ذلك، وقرروا أن الله لم يشرع إلا لمجرد مشيئته فحسب؛ فإذا شاء تحريم شيء حرمه، أو شاء إيجابه أوجبه.\nوقالوا: لو قررنا أن له حكمة فيما شرعه لوقعنا في محذورين:\nالأول: أنه إذا كان لله غرض فإنه محتاج إلى ذلك الغرض؛ ليعود عليه من ذلك منفعة، والله منزه عن ذلك.\nوالثاني: أننا إذا عللنا الأحكام أي أثبتنا الحكمة والعلة لزم أن نوجب على الله ما تقتضيه الحكمة؛ لأن الحكم يدور مع علته، فنقع فيما وقع فيه المعتزلة من إيجاب الصلاح والأصلح على الله؛ لأن الغرض عند المعتزلة بمعنى الغاية التي فعل لها، وهم يوجبون أن يكون فعله معللًا بالأغراض (٥).\nهـ- الرد عليهم:\n١ - أن هذا اللفظ – الأغراض أو الغرض – لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، ولا أطلقه أحد من علماء الإسلام وأتباعهم؛ لأن هذه الكلمة قد توهم النقص، ونفيها قد يفهم منه نفي الحكمة؛ فلابد إذًا من التفصيل، والأولى أن يعبر بلفظ: الحكمة، والرحمة، والإرادة، ونحو ذلك مما ورد به النص.\n٢ - أن الغرض الذي ينزه الله عنه ما كان لدفع ضرر، أو جلب مصلحة له، فالله سبحانه لم يخلق، ولم يشرع لأن مصلحة الخلق والأمر تعود إليه، وإنما ذلك لمصلحة الخلق.\nولا ريب أن ذلك كمال محض، قال تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا [آل عمران: ١٧٦].\nوقال: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزُّمر: ٧].\nوفي الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني».\nوهذا أمر مستقر في الفطر.\n٣ - أن إيجاب حصول الأشياء على الله متى وجدت الحكمة حق صحيح، لكنه مخالف لما يراه المعتزلة من جهة أن الله ﷿ هو الذي أوجب هذا على نفسه، ولم يوجبه عليه أحد، كما قال ﷿: كتب ربكم على نفسه الرحمة [الأنعام: ٥٤].\nوكما قال: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ [الرُّوم: ٤٧].\nوكما في حديث معاذ بن جبل ﵁ لما كان رديف النبي ﷺ على حمار فقال: «أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به» (٦) الحديث.\nفهذا حق أوجبه الله على نفسه، ولله أن يوجب على نفسه ما يشاء.\nثم إن مقياس الصلاح والأصلح ليس راجعًا إلى عقول البشر ومقاييسهم، بل إن ذلك راجع إلى ما تقتضيه حكمة الله تعالى، فقد تكون على خلاف ما يراه الخلق باديء الرأي في عقولهم القاصرة؛ فانقطاع المطر – على سبيل المثال- قد يبدو لكثير من الناس أنه ليس الأصلح، بينما قد يكون هو الأصلح لكنه مراد لغيره لقوله تعالى: ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الرُّوم: ٤١].\nوكذلك استدراج الكفار بالنعم، وابتلاء المسلمين بالمصائب، كل ذلك يحمل في طياته ضروبًا من الحكم التي لا تحيط عقول البشر إلا بأقل القليل منها.\nبل إن خلق إبليس، وتقدير المعاصي، وتقدير الآلام يتضمن حكمًا تبهر العقول وتبين عن عظيم حكمة أحكم الحاكمين (٧). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٣٢\n_________\n(١) انظر «لسان العرب» (٧/ ١٩٦).\n(٢) انظر «شرح مطالع الأنصار على طوالع الأنوار» لشمس الدين بن محمود الأصفهاني (ص: ٩١٧).\n(٣) «شرح العقائد العضدية» للجلال الدواني (٢/ ٢٠٤).\n(٤) انظر: «الحكمة والتعليل في أفعال الله» د. محمد المدخلي (ص: ٢٦ - ٤٧).\n(٥) انظر «آراء المعتزلة الأصولية» دراسة وتقويمًا د. علي الضويحي (ص: ١٠٦ - ١١٥).\n(٦) رواه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠).\n(٧) انظر تفصيل ذلك في «كتاب الإيمان بالقضاء والقدر» للكاتب، (ص: ١٤٥ - ١٧٦).","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>المطلب السادس: حلول الحوادث بالله تعالى</span>\nهذا اللفظ من إطلاقات أهل الكلام، وإليك بعض التفصيل في معناه، ومقصود أهل الكلام منه، والرد على ذلك.\nأ- معنى كلمة (حلول): الحلول هو عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفًا للآخر، كحلول الماء في الكوز (١).\nب- معنى كلمة (الحوادث): الحوادث جمع حادث، وهو الشيء المخلوق المسبوق بالعدم، ويسمى حدوثًا زمانيًا.\nوقد يعبر عن الحدوث بالحاجة إلى الغير، ويسمى حدوثًا ذاتيًا.\nوالحدوث الذاتي: هو كون الشيء مفتقرًا في وجوده إلى الغير.\nوالحدوث الزماني: هو كون الشيء مسبوقًا بالعدم سبقًا زمانيًا (٢).\nج- معنى (حلول الحوادث بالله تعالى) أي قيامها بالله، ووجودها فيه تعالى.\nد- مقصود أهل التعطيل من هذا الإطلاق: مقصودهم نفي اتصاف الله بالصفات الاختيارية الفعلية، وهي التي يفعلها متى شاء، كيف شاء، مثل الإتيان لفصل القضاء، والضحك، والعجب، والفرح؛ فينفون جميع الصفات الاختيارية.\nهـ- حجتهم في ذلك: وحجتهم في ذلك أن قيام تلك الصفات بالله يعني قيام الحوادث أي الأشياء المخلوقة الموجودة بالله.\nوإذا قامت به أصبح هو حادثًا بعد أن لم يكن، كما يعني ذلك أن تكون المخلوقات حالة فيه، وهذا ممتنع، فهذه هي حجتهم.\nوجواب أهل السنة: أهل السنة يقولون: إن هذا الإطلاق لم يرد في كتاب ولا سنة، لا نفيا ولا إثباتًا، كما أنه ليس معروفًا عند سلف الأمة.\nأما المعنى فيستفصل عنه؛ فإن أريد بنفي حلول الحوادث بالله أن لا يحل بذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل فهذا النفي صحيح؛ فالله ﷿ ليس محلًا لمخلوقاته، وليست موجودة فيه، ولا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل.\nوإن أريد بالحوادث: أفعاله الاختيارية التي يفعلها متى شاء كيف شاء كالنزول، والاستواء، والرضا، والغضب، والمجيء لفصل القضاء ونحو ذلك فهذا النفي باطل مردود.\nبل يقال له: إن تلك الصفات ثابتة، وإن مثبتها –في الحقيقة- مثبت ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ. رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٣٥\n_________\n(١) انظر: «التعريفات» للجرجاني (ص: ٩٧).\n(٢) انظر: «التعريفات» (ص: ٨٥ - ٨٦).","vol":"2","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-591>المطلب السابع: كلمة (التسلسل)</span>\nالتسلسل: وهو أحد الألفاظ المجملة التي يطلقها المتكلمون.\nولأجل أن يتضح مفهوم هذه اللفظة، ومدلولها، ووجه الصواب والخطأ في إطلاقها إليك هذا العرض الموجز.\nأ- تعريف التسلسل: قال الجرجاني: (التسلسل هو ترتيب أمور غير متناهية) (١).\nب- سبب تسميته بذلك: سمي بذلك أخذًا من السلسلة؛ فهي قابلة لزيادة الحلق إلى ما لا نهاية؛ فالمناسبة بينهما عدم التناهي بين طرفيهما؛ ففي السلسلة مبدؤها ومنتهاها، وأما التسلسل فطرفاه الزمن الماضي والمستقبل.\nج- مراد أهل الكلام من إطلاق هذه اللفظة: مرادهم يختلف باختلاف سياق الكلام، وباختلاف المتكلمين؛ فقد يكون مرادهم نفي قدم اتصاف الله ببعض صفاته، وقد يكون مرادهم نفي دوام أفعال الله ومفعولاته، وقد يكون مرادهم نفي أبدية الجنة والنار، وقد يكون غير ذلك.\nد- هل وردت هذه اللفظة في الكتاب، أو السنة، أو أطلقها أحد من أئمة السلف؟ الجواب: لا.\nهـ- طريقة أهل السنة في التعامل مع هذا اللفظ: طريقتهم كطريقتهم في سائر الألفاظ المجملة، حيث إنهم يتوقفون في لفظ (التسلسل) فلا يثبتونه، ولا ينفونه، لأنه لفظ مبتدع مجمل يحتمل حقًا وباطلًا، وصوابًا وخطأ.\nهذا بالنسبة للفظ.\nأما بالنسبة للمعنى فإنهم يستفصلون، فإن أريد به حق قبلوه، وإن أريد به باطل ردوه.\nووبناء على ذلك فإنه ينظر في هذا اللفظ، وتطبق عليه هذه القاعدة: فيقال لمن أطلقوا هذا اللفظ:\n١ - إذا أردتم بالتسلسل: دوام أفعال الرب - أزلًا وأبدًا – فذلك معنى صحيح دل عليه العقل والشرع؛ فإثباته واجب، ونفيه ممتنع، قال الله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: ١٠٧].\nوالفعال هو من يفعل على الدوام، ولو خلا من الفعل في أحد الزمانين لم يكن فعالًا، فوجب دوام الفعل أزلًا وأبدًا.\nثم إن المتصف بالفعل أكمل ممن لا يتصف به، ولو خلا الرب منه لخلا من كمال يجب له، وهذا ممتنع.\nولأن الفعل لازم من لوازم الحياة، وكل حي فهو فعال، والله تعالى حي، فهو فعال وحياته لا تنفك عنه أبدًا وأزلًا.\nولأن الفرق بين الحي والميت الفعل، والله حي؛ فلابد أن يكون فاعلًا، وخلوه من الفعل في أحد الزمانين: الماضي والمستقبل ممتنع؛ فوجب دوام فعله أزلًا وأبدًا.\nفخلاصة هذه المسألة أنه إذا أريد بالتسلسل دوام أفعال الرب فذلك معنى صحيح واجب في حق الله، ونفيه ممتنع.\n٣ - وإذا أريد بالتسلسل: أنه تعالى كان معطلًا عن الفعل ثم فعل، أو أنه اتصف بصفة من الصفات بعد أن لم يكن متصفًا بها، أو أنه حصل له الكمال بعد أن لم يكن – فذلك معنى باطل لا يجوز.\nفالله ﷿ لم يزل متصفًا بصفات الكمال صفات الذات، وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله اتصف بصفة بعد أن لم يكن متصفًا بها؛ لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص؛ فلا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفًا بضده.\nقال الإمام الطحاوي ﵀: (ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته.\nوكما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا).\nمثال ذلك صفة الكلام؛ فالله ﷿ لم يزل متكلمًا إذا شاء.\nولم تحدث له صفة الكلام في وقت، ولم يكن معطلًا عنها في وقت، بل هو متصف بها أزلًا وأبدًا.\nوكذلك صفة الخلق، فلم تحدث له هذه الصفة بعد أن كان معطلًا عنها.\n٤ - وإذا كان المقصود بالتسلسل التسلسل في مفعولات الله ﷿ وأنه ما زال ولا يزال يخلق خلقًا بعد خلق إلى ما لا نهاية – فذلك معنى صحيح، وتسلسل ممكن، وهو جائز في الشرع والعقل.\n_________\n(١) «التعريفات» للجرجاني (ص: ٥٧).","vol":"2","page":260},{"text":"قال الله تعالى: أَفَعَيِينَا بِالخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: ١٥].\nثم إنه ﷿ ما زال يخلق خلقًا، ويرتب الثاني على الأول وهكذا؛ فما زال الإنسان والحيوان منذ خلقه الله يترتب خلقه على خلق أبيه وأمه.\n٥ - وإن أريد بالتسلسل: التسلسل بالمؤثرين، أي بأن يؤثر الشيء بالشيء إلى ما لا نهاية، وأن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى غاية – فذلك تسلسل ممتنع شرعًا وعقلًا؛ لاستحالة وقوعه؛ فالله ﷿ خالق كل شيء، وإليه المنتهى؛ فهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء.\nوالقول بالتسلسل في المؤثرين يؤدي إلى خلو المحدث والمخلوق من محدث وخالق، وينتهي بإنكار الخالق جل وعلا.\nخلاصة القول في مسألة التسلسل عمومًا:\n- أن التسلسل هو ترتيب أمور غير متناهية، وأنه سمي بذلك أخذًا من السلسلة.\n- وأن التسلسل من الألفاظ المجملة التي لابد فيها من الاستفصال كما مر.\n- وأنه إن أريد بالتسلسل: دوام أفعال الرب ومفعولاته، وأنه متصف بصفات الكمال أزلًا وأبدًا فذلك حق صحيح، يدل عليه الشرع والعقل.\n- وأنه إن أريد بالتسلسل: أنه ﷿ كان معطلًا عن أفعاله، وصفاته، ثم فعل، واتصف فحصل له الكمال بعد أن لم يكن متصفًا به، أو أريد بالتسلسل: التسلسل في المؤثرين فذلك معنى باطل مردود بالشرع والعقل (١). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٣٨\n_________\n(١) انظر تفصيل الحديث عن التسلسل في «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ١٣٠ - ١٣٥)، و«توضيح المقاصد وتصحيح القواعد شرح النونية» للشيخ أحمد بن عيسى (١/ ٣٧٠)، و«القواعد الكلية للأسماء والصفات عند السلف» د. إبراهيم البريكان (ص: ٢٠٨ - ٢١٤).","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-592>المبحث السادس: خصائص إيمان الصحابة في الصفات الإلهية</span>\nلقد نزل الكتاب العزيز وجاء النبي الخاتم ﵊ بالصورة الصحيحة الكاملة عن الإله الحق سبحانه وجاءت النصوص القرآنية والنبوية بأحسن ما يمكن أن تأتي به واضحة لا لبس ولا غموض فيها، وفي ذلك يقول المولى: ﷻ: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الزمر:٥٥]، وإن من غاية الحسن في هذا الكتاب والسنة المطهرة ما وصف به الرب سبحانه من صفات الكمال والجلال التي تعهد الله بحفظها فكانت هذه الصفات الربانية تامة كاملة، وقد اختص الله بها خير خلقه وصفوته من البشرية جمعاء صحابة رسول الله ﷺ، الذين نزل عليهم الوحي غضًّا طريًّا، فعاصروا أحداثه وأسباب نزوله، ففهموا مراد ربهم سبحانه ومراد رسوله ﷺ، فكان ذلك الجيل المبارك خير من سمع، وخير من آمن، وخير من فهم، وخير من بلغ لمن بعده تمام التبليغ، فلا عجب أن تتطلع الأعناق إلى مستواهم، أو تنسب إليهم، وتتلمس منهجهم الحق في كل مسائل الاعتقاد ...\nوقد وصف القرآن الكريم عميق إيمانهم، وتأثرهم بالوحي المنزل على رسولهم ﷺ فقال ﷾: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:٢٣] وقال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:٢٩].\nوقد أخبر النبي ﷺ أن أصحابه أمنة لهذه الأمة بما يحملون من سلامة المعتقد الحق، والاستقامة الصادقة على أمر الله تعالى: فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ. ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء! قال: فجلسنا. فخرج علينا. فقال: ما زلتم ههنا؟ قلنا: يا رسول الله، صلينا معك المغرب. ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال: أحسنتم أو أصبتم قال: فرفع رأسه إلى السماء. وكان كثيرًا مما يرفع رأسه إلى السماء. فقال: النجوم أمنة للسماء. فإذا ذهبن النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي. فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» (١)\n_________\n(١) [٢٤٤٩]» رواه مسلم (٢٥٣١).","vol":"2","page":262},{"text":"قال الإمام النووي: (قال العلماء معنى الحديث: أن النجوم ما دامت باقية فالسماء باقية، فإذا انكدرت النجوم وتناثرت يوم القيامة، وهنت السماء فانفطرت، وانشقت، وذهبت، وقوله ﷺ: «وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون» أي: من الفتن والحروب، وارتداد من ارتد من الأعراب، واختلاف القلوب ونحو ذلك مما أنذر به صريحًا، وقد وقع كل ذلك. وقوله ﷺ: «وأصحابي أمنة لأمتي؛ فإذا ذهب أصحابي، أتى أمتي ما يوعدون» معناه: ظهور البدع، والحوادث في الدين، والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم) (١).\nوقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أمنة للأمة في صفاء عقيدتها وجميع تصوراتها، حيث عاش من عاش منهم، ونشروا العلم، وبلغوا للتابعين أحاديث رسول الله ﷺ في كل مسائل العقيدة والشريعة، وساد عصرهم الوفاق العقدي بين الأمة، وفي أواخر عصرهم برزت المرجئة والجهمية، وغيرها وكان علماء السلف يعتدون في إبطال البدع بما تلقوه عنهم من أحاديث رسول الله ﷺ، ومن أقوالهم في تفسير كتاب الله، ومن قبل هذا، وكله من نصوص الكتاب والسنة، فكانوا رضوان الله عليهم أمنة للأمة من المعطلة، والنفاة، والمشبهة، ومن جميع أهل البدع، فهم المنارة التي يهتدى بها في الظلمات.\nوقد كان عبدالله بن مسعود ﵁ وغيره من الصحابة الكرام ينبهون الناس إلى ضرورة اتباع منهج الصحابة رضوان الله عليهم حيث يقول: (من كان منكم متأسيًا، فليتأس بأصحاب محمد ﷺ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قومًا اختارهم الله لصحبه نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) (٢).\nوكان حذيفة بن اليمان ﵁ - ت:٣٥هـ - يدخل المسجد فيقف على الحلق فيقول: (يا معشر القراء، اسلكوا الطريق فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلال بعيدًا) (٣).\nوكان معاذ بن جبل ﵁ لا يجلس مجلسًا إلا ويحذر من الابتداع في الدين، فيقول: (الله حكم قسط هلك المرتابون، إن وراءكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن، والمنافق، والرجل، والمرأة، والصغير، والكبير، والعبد، والحر، فيوشك قائل أن يقول للناس: ألا تتبعوني، وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، ويقول المنافق كلمة الحق) (٤).\nوقد بلغ من صفات عقيدتهم، وسلامة سلوكهم أنهم كانوا يقارنون الأحوال التي عاشوها مع رسول الله ﷺ، وأحوال عصرهم المتأخر؛ حيث يقول أنس ﵁: (إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات) قال أبو عبدالله: (يعني بذلك المهلكات) (٥).\n_________\n(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ٨٣).\n(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ٦٣).\n(٣) رواه البخاري (٧٢٨٢).\n(٤) رواه أبو داود (٤٦١١)، والحاكم (٤/ ٥٠٧). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه،. وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى»: مشهور، وصحح إسناده موقوفًا الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٥) رواه البخاري (٦٤٩٢).","vol":"2","page":263},{"text":"لقد كان العهد الذي عاشوه مع رسول الله ﷺ يمثل الكمال كله في مسائل العقيدة والشريعة، فلما ظهرت الفتن والأحداث العظيمة وأطلت البدع برأسها في أواخر حياتهم كانوا هم المرجع الذي رجع إليه علماء السلف في رد البدع، وأقوال أربابها المخالفة لمنهجهم الحق، ويمكننا إعطاء هذه الصورة الموجزة عن طبيعة البيان القرآني والنبوي في عرض الصفات الإلهية التي آمن بها الصحابة الكرام واعتقدوها الاعتقاد الحق؛ وهو المعتقد الحق الذي اعتقده التابعون وتابعوهم بإحسان إلى يوم الدين، وهو المنهج الذي هيمن على جمهور الأمة بالرغم من كثرة فرق الابتداع التي طرحت بدعها المخالفة لهذا المنهج طرحًا معاديًا لمعتقدهم وما أثر عنهم.\n- شمولية النصوص القرآنية لمسائل الأسماء والصفات:\nلقد حفل القرآن الكريم بذكر أسماء الله وصفاته وكمالاته إلى حد يفوق الحصر؛ فلا تكاد تخلو الآلاف من الآيات القرآنية من ذكر هذه الصفات والكمالات في أوائلها أوأثنائها، أو أواخرها، إما متناثرة في تلك الآيات، وإما بجمع بعضها لهذه الآيات وتلك، وبأساليب متنوعة، واحتفال القرآن بذكر صفات الله وكمالاته على هذه النحو حقيقة لا يخطئها من يقرأ القرآن ويتدبر آياته؛ بحيث لا يحتاج هذا الأمر إلى ذكر نماذج لهذه الحقيقة القرآنية لأنها تنتظم معظم آيات القرآن الكريم ولا يقتصر ذكر القرآن للصفات الإلهية على الآيات التي يكون موضوعها الحديث عن ذات الله وصفاته، بل كثيرًا ما تختم بهذه الصفات الآيات التي يكون موضوعها الدعوة إلى عبادة الله تعالى وبيان هذه العبادات وآثارها الفردية والاجتماعية.\nأو الدعوة إلى الأخلاق الإسلامية الكريمة، والحض عليها، وبيان نتائجها، وأثارها، وكذلك الآيات التي تتناول نظام المجتمع في مختلف جوانبه السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتشريعية، فلا تكاد تخلو أغلب آيات القرآن الكريم التي ترافق عرض هذه الموضوعات من التذكير بصفات الله تعالى التي ينبني عليها ضرورة التمسك بهذه التوجيهات الإلهية والتحذير من مخالفتها، هذا بالإضافة إلى الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر بكل ما فيه من البعث، والحشر، والعرض، والجزاء، والجنة، والنار ترغيبًا في ثواب الله ورضاه، وتحذيرًا من غضبه، وعقابه، فعلى أساس الكثير من الصفات الإلهية التي تذكر في هذه الآيات يقوم الترغيب والترهيب وإثبات كل ما يتناوله اليوم الآخر من معتقدات.\n- إن هذا العرض الموسع للصفات الإلهية في الكتاب العزيز جعل الإيمان بها، وفهم المراد الإلهي منها مسألة بدهية، لا تحتاج إلى خوض فيها، أو شرح وزيادة بيان، وقد أوقف القرآن الكريم والسنة النبوية هذا العرض عند حدود معينة؛ حيث فيها إثبات للصفات بمعانيها المعروفة لغة، ولم يتعد ذلك إلى الكشف عن الكيفية، فالتزم الصحابة رضوان الله عليهم، بالمنهج القرآني والنبوي ولم يقعوا في النفي والتشبيه كما وقع غيرهم ممن لم يلتزم بهذا المنهج الرباني فاعتقدوا – رضوان الله عليهم- المعتقد الحق في الصفات الإلهية، وورث هذا المنهج الحق منهم التابعون وتابعوهم بإحسان.","vol":"2","page":264},{"text":"- يلاحظ في العرض القرآني، والنبوي أن الإثبات جاء بصورة واسعة النطاق، وأن النفي جاء في مسائل محدودة لتنزيه الرب – سبحانه – عن النقائص التي نسبها إليه أهل الأديان السابقة والمشركون، فالإثبات مفصل، والنفي مجمل، وقد وضع القرآن الكريم الأساس المتين للصحابة رضوان الله عليهم، بتحذيرهم من حماقات الأمم السابقة، فقال ﷾: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة:١٠٦ - ١٠٧]\nوهذا المعتقد أي الإثبات المفصل للصفات الإلهية هو الذي اعتقده الصحابة والتابعون وتابعوهم بخلاف المبتدعة الذين امتدت ألسنتهم الآثمة إلى الصفات الإلهية بالتعطيل، والتأويل، والتشبيه، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقد علم النبي ﷺ أمته هذا التوحيد والقران مملوء منه، ولم يقل لهم كلمة واحدة تتضمن نفي الصفات، ولا قال ذلك أحد من الصحابة، والتابعين، وأئمة الدين، مع العلم الضروري بأنهم كانوا أعلم بمعاني القرآن منا، وإن ادعى مدع تقدمه في الفلسفة عليهم، فلا يمكنه أن يدعي تقدمه في معرفة ما أريد به القرآن عليهم، وهم الذين تعلموا من الرسول ﷺ لفظه ومعناه، وهم الذين أدوا ذلك إلى من بعدهم قال أبو عبدالرحمن السلمي- ت:٧٤هـ -: حدثنا الذين كانوا يقرءون القرآن، عثمان بن عفان، وعبدالله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من رسول الله ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل) (١).\n_________\n(١) ابن تيمية «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٢٢٠).","vol":"2","page":265},{"text":"- فالإثبات المفصل هو ما قررناه من هيمنة الصفات الإلهية على معظم آيات الكتاب العزيز، والنفي المجمل يبين محدوديته هذا العرض الذي اقتبسناه من القرآن الكريم والسنة المطهرة، فقد عرض القرآن الكريم للتصورات الباطلة لليهود، والنصارى، والمشركين عن الله تعالى فقال ﷾ عن بعض حماقات اليهود: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة:٦٤]، وزعمت اليهود أن لله ولدًا - ﷾ عن قولهم- فقال سبحانه: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ [التوبة:٣٠]، وزعموا – لعنهم الله – أن الله فقير وهم أغنياء، قال تعالى: لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ [آل عمران:١٨١] وقال تعالى ردًا على مزاعم اليهود الذين قالوا: إنه استراح يوم السبت - سبحانه - عن ذلك: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق:٣٨]، وقال تعالى ردًا على شبه النصارى وأكاذيبهم: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:٧٢]، وقال سبحانه ردًا على هذه المزاعم الباطلة: مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [مريم:٣٥] وقال تعالى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام:١٠١]، وأبطل القرآن تصورات المشركين عن الإله الحق، فقال سبحانه: وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ [النحل:٥٧]، وقال تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ [الصافات:١٤٩] وقال تعالى: أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ [الطور:٣٩].","vol":"2","page":266},{"text":"وقال تعالى: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنْ الأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ١٥٠ - ١٨٢] وقال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا [الفرقان:٥٨]\nوقال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] وقال تعالى: اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:٢٥٥] وقال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:١ - ٤]\nوالسنة المطهرة اتبعت القرآن الكريم في الإثبات المفصل والنفي المجمل، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «قام فينا رسول الله ﷺ فقال: إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصرة من خلقه» (١).\nوعن عبدالله بن عمر ﵄ قال: «ذكر الدجال عند النبي ﷺ فقال: إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية» (٢)\n_________\n(١) رواه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٧٤٠٧).","vol":"2","page":267},{"text":"- وقد آمن الصحابة رضوان الله عليهم، من خلال هذا العرض المفصل الواسع بأن آيات الصفات هي من المحكم وليست من المتشابه كما افترى المبتدعة فيما بعد، وهذا الإحكام جاء من خلال سهولة معانيها وإن السلف تعرضوا لتفسيرها التفسير الذي يثبت الصفة، ولا يتعرض لبيان الكيفية، يقول شيخ الإسلام بعد أن يعرض قول الرازي حول سورة الإخلاص يقول الرازي: (هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات، ولأنه تعالى جعلها جوابًا عن سؤال السائل عند الحاجة وذلك يقتضي كونها من المحكمات لا من المتشابهات، وإذا ثبت هذا وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة كان باطلًا (١) قلت-شيخ الإسلام- كون هذه السورة من المحكمات، وكون كل مذهب يخالفها باطل هو حق لا ريب فيه، بل هذه السورة تعدل ثلث القرآن، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، وهي صفة الرحمن كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، وعليها اعتمد الأئمة في تنزيه الله كما ذكره الفضيل بن عياض، والإمام أحمد، وغيرهم من أئمة الإسلام ... لكن سائر الآيات المذكورة فيها أسماء الله وصفاته؛ مثل آية الكرسي، وأول الحديد، وآخر الحشر ونحو ذلك هي كذلك- كل ذلك من الآيات المحكمات لكن هذه السورة ذكر فيها ما لم يذكر في غيرها من اسمه الأحد الصمد، ومثل نفي الأصول والفروع، والنظراء جميعًا، وإلا فاسمه الرحمن أنزله الله لما أنكر المشركون هذا الاسم، فأثبته الله لنفسه ردًا عليهم، وهذا أبلغ في كونه محكمًا من هذه السورة إذ الرد على المنكر أبلغ في إثبات نقيض قوله من جواب السائل الذي لم يرد عليه بنفي ولا إثبات) «٢)\nويقول شيخ الإسلام أيضًا إن آيات الصفات من المحكم وليست من المتشابه: (إن الصحابة ﵃، فسروا للتابعين القرآن كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أُوقفُه عند كل آية منه وأسأله عنها؛ ولهذا قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وكان ابن مسعود يقول:\n(لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته) (٣) وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقلوا عنه من التفسير ما لم يحصه إلا الله، والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها) (٤).\nأما آيات الصفات فقد تعرض السلف لتفسير معناها المفهوم لغة، ووقفوا عند المعنى اللغوي ولم يتعدوه إلى الخوض في الكنه، أو القول بالنفي والتعطيل، فآيات الصفات إذًا هي من المحكم الذي فهم الصحابة معناه.\nومن الملاحظ على بعض آيات الصفات أنها عرضت بصورة مميزة، وذلك من خلال وقائع وأحداث عاصرها الصحابة رضوان الله عليهم، فكانت تلك التعقيبات التي تربط الحديث بالصفات الإلهية مصدر إيمان، ويقين، وفهم كامل لمراد الله ﷿.\n_________\n(١) [٢٤٥٨] انتهى هنا كلام الرازي\n(٢) ابن تيمية «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٢٦١).\n(٣) رواه مسلم (٢٤٦٣).\n(٤) ابن تيمية «القاعدة المراكشية» (ص: ٣١ - ٣٢)","vol":"2","page":268},{"text":"وسوف نعرض لجملة من هذه الأحاديث التي عرضت فيها الصفات الإلهية وكان للصحابة منها مواقف وتعقيبات تنم عن تمام الفهم، واليقين الكامل بها، فقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: «لما نزلت على رسول الله ﷺ: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٨٤]، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ. ثم بركوا على الركب. فقالوا: أي رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق. الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية. ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم. فأنزل الله في إثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى. وأنزل الله ﷿: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قال: نعم، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، قال: نعم، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، قال: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم.» (١)\nلقد كان هذا الفهم منبعه التأثر بصفة من أعظم صفاته سبحانه وهي العلم، علمه بما يبدون، وما يكتمون، فخافوا من ذلك أشد الخوف، وهذا يبين عمق الفهم للمعاني وملاحظتها بما يخصهم في دينهم، وما يرضي ربهم، فلما علم سبحانه، منهم هذا الإيمان الصادق زادهم إيمانًا ويقينًا به، فقد روى مسلم عن ابن عباس قال: «لما نزلت هذه الآية: لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:٢٨٤]. قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ: قولوا: سمعنا وسلمنا، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم ..» (٢).\nوروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه – يشير إلى رباعيته -، اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله» (٣).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢٥).\n(٢) رواه مسلم (١٢٦).\n(٣) رواه البخاري (٤٠٧٣)، ومسلم (١٧٩٣).","vol":"2","page":269},{"text":"وروى البخاري ذلك الخبر أيضًا على لسان ابن عباس – ﵄- أنه قال: «اشتد غضب الله على من قتله النبي ﷺ» (١) فأي فهم يكون من هؤلاء الصحابة – رضوان الله عليهم- في هذه الساعات العصيبة من المفهوم اللغوي للعبارة، ولكنه غضب يليق بجلاله وكماله، فلم يخطر على بالهم تشبيه ذلك بغضب المخلوقين، أو خطر على بالهم أن يؤولوه، أو يعطلوه، رضوان الله عليهم.\nويوجه النبي ﷺ أصحابه إلى معنى صفة السمع، وأن الله سبحانه سميع قريب، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر: فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ، ولا غائبًا، تدعون سميعًا قريبًا» (٢) وفي رواية مسلم قال: «إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (٣).\nومن تمام فهم الصحابة للصفات الإلهية أن عائشة ﵂ قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله ﷺ وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:١]» (٤)\nفكان هذا التعجب نابعًا من وصف الرب سبحانه بأعظم صفات الكمال، وهذا هو التفريق بين الصفات الإلهية وصفات المخلوقين على لسان هذه الصحابية الجليلة التي تمثل هذا الجمع الكبير الذي يؤمن بالصفات الإلهية هذا الإيمان الحق، وكانوا رضوان الله عليهم يحبون صفات ربهم، ويتقربون إليه بهذا الحب، فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:١]، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع هذا فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ: أخبروه أن الله – ﷿- يحبه» (٥)، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة:١] قال: وسماني؟ قال: نعم، فبكى» (٦).\nوروى البخاري عن أنس قال: «جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي ﷺ يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه، فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات» (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٠٧٤).\n(٢) رواه البخاري (٦٣٨٤).\n(٣) رواه مسلم (٢٧٠٤).\n(٤) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم بعد حديث (٧٣٨٥)، ورواه موصولًا النسائي (٦/ ١٦٨)، وابن ماجه (١٨٨)، وأحمد (٦/ ٤٦) (٢٤٢٤١). قال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١/ ١٦٣)، وابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ٣٣٩)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٥) رواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣).\n(٦) رواه البخاري (٤٩٥٩)، ومسلم (٧٩٩).\n(٧) رواه البخاري (٧٤٢٠).","vol":"2","page":270},{"text":"ومما يبين عمق الفهم، وسرعة التفاعل مع الصفات التي أثرت في إيمان وحياة الصحابة رضوان الله عليهم، ما رواه البخاري ومسلم في حديث الإفك عن عائشة ﵂ قالت: «فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه، والله لا أنفق على مسطح شيئًا بعد ما قاله لعائشة، فأنزل الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور:٢٢] فقال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه» (١).\nوهكذا لو بحثنا عن مواقف الصحابة لوجدناها قد ألمت إلمامًا كبيرًا في الصفات ومعانيها، وظهرت آثارها على حياتهم وجميع تصرفاتهم، ولعل الوقائع العظيمة من الغزوات التي غزاها الصحابة مع رسول الله ﷺ والآيات التي نزلت بشأنها والتي تنتهي تعقيباتها بالصفات الإلهية، هي من هذا الجانب الذي نرى أنها هيمنت عليه، فكانوا بأعلى درجات الفهم والإيمان واليقين، وعندما تجلى هذا الجانب في تصوراتهم بهذه الضخامة والشمول استغنوا عن السؤال والبحث والتنقير عنه، ومع ضخامة هذا العرض وشموليته في القرآن والسنة فقد غشيت أبصار المبتدعة عنه تمامًا، وقاموا بالبحث والتنقير على غير الهدى الرباني، وفتحوا أبواب الشرور على الأمة في أخص مسائل الألوهية، وهي مسائل الصفات التي حسمت مادة الاعتقاد بها على الصورة التي وقف عندها الصحابة، والتابعون، وتابعوهم الذين يمتدح طريقتهم الخليفة الزاهد عمر بن عبدالعزيز ﵀ فيقول: (قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافد قد كفوا، وإنهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا من سلك غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، ولقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونه مقصر، وما فوقهم مجسر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وطمح آخرون عنهم فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم) (٢). وكانوا – رضوان الله عليهم- يكرهون التعمق والتكلف؛ فقد روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كنا عند عمر، فقال: نهينا عن التكلف» (٣) فإذا كان عمر ﵁ يروي النهي عن التكلف فمن باب أولى أن ينتهوا عن الخوض في الصفات بما لا يحل، وإنما وقفوا عند الحد الذي وقف عنده الكتاب والسنة بعيدًا عن القول بالوصف والكيفية، أو النفي والتعطيل.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(٢) رواه عبدالله بن أحمد في «زوائد الزهد» (ص: ٢٩٦)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٥/ ٣٣٨، ٣٣٩).\n(٣) رواه البخاري (٧٢٩٣).","vol":"2","page":271},{"text":"ويوضح ابن الوزير كيف أن الصحابة فهموا الصفات الإلهية من خلال تعليم الرسول ﷺ لهم حيث يقول: (التسليم لقول الله تعالى ولحديث رسول الله ﷺ ولأصحابه، وتابعيهم الناقلين إلينا شريعته ﵇، وأن لا نتهم منهم أحدًا لثبوت عدالتهم في سائر لوازم الشريعة، فإنهم نقلوها عن معدن النبوة، وعنصر الرسالة، ولنعلم أن البيان لا يجوز تأخيره عند الحاجة، وقد بين لهم رسول الله ﷺ جميع ما أرسله الله تعالى به حتى قال فلان: (علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، فقال الصحابي: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم) (١). وحتى قال ﵇ في خطبة الوداع: «إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب - مضر- الذي بين جمادي وشعبان» (٢) هذا فيما لا يضر جهله كيف في أمر التوحيد، فلو علم أن الحاجة داعية إلى تأويل صفات الله، وأنه يلزم الخلق كيفية معرفتها لما وسعه إلا البيان، وفي عدم ذلك دليل على كذب مدعيه، فلا يرفع أحد طرفه إلى كيفية معرفة صفات الله تعالى من قبل عقله إلا غضه الدهش والحيرة، فانقلب إليه البصر خاسئًا وهو حسير، فهذا ما يجب على المسلمين أن يؤمنوا به جملة، وأن يحيطوا به تفصيلًا) (٣)\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٢). من حديث سلمان ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٣١٩٧)، ومسلم (١٦٧٩). من حديث أبي بكرة ﵁.\n(٣) «العواصم والقواصم» (٣/ ٣٧٠).","vol":"2","page":272},{"text":"- ومن خصائص إيمان الصحبة رضوان الله عليهم، بجانب فهمهم الواضح لها أنهم لم يتنازعوا بأي منها، وقد تنازعوا في آيات الأحكام، ولم يؤثر وجود أي نزاع بينهم في الصفات الإلهية، وهذا راجع إلى كمال فهمهم لها، يقول ابن القيم ﵀: (وقد تنازع الصحابة في تأويل قوله تعالى: أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة:٢٣٧]، هل هو الأب، أو الزوج، وتنازعوا في تأويل قوله تعالى: أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء [النساء:٤٣] هل هو الجماع، أو اللمس باليد، والقبلة ونحوها، وتنازعوا في تأويل قوله تعالى: وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ هل هو المسافر يصلي بالتيمم مع الجنابة، أوالمجتاز بمواضع الصلاة، كالمساجد وهو جنب، وتنازعوا في تأويل ذوي القربى المستحقين الخمس هل هم قرابة رسول الله ﷺ، أو قرابة الإمام، وتنازعوا في تأويل قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:٢٠٤]، هل يدخل فيه قراءة الصلاة الواجبة أم لا، وتنازعوا في تأويل قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:٢٣٤] هل يتناول اللفظ الحال، أو هل للحمل فقط، وتنازعوا في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:٣] هل يدخل فيه ما مات في البحر أم لا، وتنازعوا في تأويل الكلالة، وفي تأويل قوله تعالى: فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ [النساء:١١]، وأمثال ذلك، ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها، مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانًا، وأن العناية ببيانها أهم لأنها من تمام تحقيق الشهادتين، وإثباتها من لوازم التوحيد، فبينها الله ورسوله بيانًا شافيًا لا يقع فيه لبس ولا إشكال يوقع الراسخين في العلم في منازعة ولا اشتباه، ومن شرح الله لها صدره، ونور لها قلبه يعلم أن دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها، ولهذا فإن آيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس، وأما آيات الأسماء والصفات فيشترك في فهمها الخاص والعام، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه، والكيفية، ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:١٨٧] ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:١٨٦]، وأمثالها من آيات الصفات، وأشكل على عمر بن الخطاب آية الكلالة، ولم يشكل عليه أول الحديد، وآخر الحشر، وأول سورة طه، ونحوها من آيات الصفات، وأيضًا فإن بعض آيات الأحكام مجملة عرف بيانها بالسنة كقوله تعالى: فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:١٩٦]، فهذا مجمل في قدر الصيام والإطعام، فبينته السنة بأنه صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، وكذلك، قوله: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:٢٩] مجمل في مقدار الطواف فبينته السنة بأنه سبع، ونظائره كثيرة كآية السرقة، وآية الزكاة، وآية الحج، وليس في آيات الصفات، وأحاديثها مجمل يحتاج إلى بيان من خارج بل بيانها فيها، وإن جاءت السنة بزيادة في البيان، والتفصيل؛ فلم تكن آيات الصفات مجملة محتملة لا يفهم المراد منها إلا بالسنة بخلاف آيات الأحكام) (١). العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - بتصرف - ص: ٨١ - ٩٨\n_________\n(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢٠٨ - ٢١٢).","vol":"2","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-594>تمهيد:</span>\nمن الأمور الهامة التي تستوقف الباحث أن أول من أظهر الطعن على رسول الله ﷺ وأصحابه من المنتسبين لهذه الأمة هم المنافقون الذين ظهرت من خلالهم فرق الابتداع والمبتدعة، وأولهم ذو الخويصرة أول الخوارج؛ الذي خرج من ضئضئه حرقوص بن زهير، وذي الثدية، وجمهور الخوارج الذين خرجوا على عثمان ﵁، ثم على علي ﵁، وقالوا بتكفيرهم، وتكفير الصحابة، ثم عبدالله بن سبأ وأتباعه السبئية الذين اتخذوا شعار التشيع؛ حيث قالت الخوارج بتكفير عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعائشة ومن عاش في زمانهم من الصحابة فاستدركت عليهم الشيعة، فتناولت أبا بكر، وعمر، وجمهور الصحابة، ولتغطية سؤتها في كراهيتهم تولت أربعة منهم فقط بجوار علي ﵁.\nثم عندما برز قرن المرجئة المبتدعة خاضوا في الأحداث التي وقعت بين الصحابة رضوان الله عليهم، مخالفين لجمهور الأمة، وقالوا بالتوقف فيهم، ثم عندما ظهرت المعتزلة على يد واصل بن عطاء، وقرينه في الضلالة عمرو بن عبيد قالوا: بتفسيق الصحابة عليهم رضوان الله، وصار مثل هؤلاء الحيارى المتهوكون يطلقون ألسنتهم العلية للطعن على خير خلق الله ﷿، حتى أن عمرو بن عبيد كان يقول عن عبدالله بن عمر إنه حشوي (١)، ثم تعمقت خطة أعداء الأمة ببروز الجعدية، والجهمية، وغلاة الشيعة، والقرامطة، وفلاسفة المعتزلة الذين توجهوا للعقائد التي اعتقدها الصحابة بصفاء وكمال تام، فقاموا بالإنكار والطعن وإلصاق الأباطيل بهم، والزعم بأنهم كانوا لا يفهمون معاني الصفات، فقام هؤلاء المبتدعة بالتأويل والتعطيل، والنفي والتشبيه لإثارة الشكوك والبلبلة في صفوف الأمة، حتى قيض الله لهم من رد هجمتهم الظالمة التي كانت تهدف إلى تجريد معاني الألوهية من نفوس المسلمين، والعمل على سيادة منهجها الظالم عندما استخدمت المأمون، والمعتصم، والواثق، في امتحان علماء الأمة طمعًا منهم في زعزعة قداسة القرآن من نفوس المسلمين، وإعادتهم إلى الجاهلية، ولكن الله ﷿ أعز دينه بصمود علماء السلف وعلى رأسهم إمام أهل السنة الإمام أحمد ﵀ وجزاه الله خيرًا، - فعاد الخزي والعار على المعتزلة ومن شايعهم من فرق الضلال.\nومن هنا، فإن أغلب الأفكار الخاطئة التي أثيرت قديمًا وحديثًا عن عقيدة الصحابة رضوان الله عليهم، فهي تنبع من هذه المستنقعات العفنة من المعتزلة، والشيعة، والخوارج، والمرجئة، والمشبهة، والقدرية، الذين انبرى لمناصرتهم فئة من الكتّاب المعاصرين تحت مسميات براقة، وكأن المغيرين تداعوا من جديد عندما شاهدوا الصحوة الإسلامية تنمو وتتلمس طريق السلف في المعتقد والسلوك، فقاموا بإشاعة أباطيل الفرق الضالة في قوالب جديدة، وأصبح الشباب المسلم في حيرة واضطراب، ولكن الله ﷿ منجز وعده وناصر دينه، بإذنه تعالى: وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف:٢١]\nوقد سبق أن تعرضت لعقيدة الصحابة في الصفات، وأنهم كانوا أعظم الناس فهمًا، وسوف نعرض فيما يلي لجملة من الشبه التي أثارها أعداء الصحابة لإبطالها، وبيان زيفها، وأهداف القائلين بها، وذلك أن هؤلاء المبتدعة عندما ألجأتهم بدعهم المنحرفة لمثل هذه المقالات أرادوا تسويقها بين الناس، فقاموا بإلصاقها بالصحابة، وحاشاهم رضوان الله عليهم، أن يميلوا عن الطريق القويم الذي اختطه لهم رسول الله ﷺ. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ١٩١\n_________\n(١) «منهاج السنة النبوية» لابن تيمية (٢/ ٥٢٠).","vol":"2","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-595>المطلب الأول: شبه القائلين بأن الصحابة والتابعين كانوا يؤولون الصفات والرد عليها</span>\nالتأويل بالمعنى المبتدع أول من استخدمه كسلاح لتعطيل النصوص هم فرق الابتداع الذين أخذوه بدورهم عن اليهود حيث ذكر القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:٧]، أن جماعة من اليهود منهم حيي بن أخطب دخلوا على رسول الله ﷺ وقالوا: بلغنا أنه نزل عليك الم فإن كنت صادقًا في مقالتك فإن ملك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة، لأن الألف في حساب الجمل واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون فنزل: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:٧] (١)\nثم جاء عبدالله بن سبأ واتبع منهج من سبقه وبنى بدعته الهدامة على تأويل آي القرآن، حيث قال: (لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدًا يرجع، وقد قال الله ﷿: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [القصص:٥٨] فمحمد أحق بالرجوع من عيسى)، قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة ...) (٢) وتتابعت حلقات المبتدعة، فوجدت في هذا المنهج سلاحًا يخدم أغراضها الخبيثة للي أعناق النصوص لتأييد باطلها، فكانت تلك الانحرافات التي جاء بها الشيعة مبنية على التأويل الباطل للنصوص، وعندما ظهرت المرجئة استخدمت نفس هذا المنهج وكذلك القدرية، والمعتزلة، والخوارج، والجهمية، فأصبح التأويل الباطل مأوى لكل من يريد الخروج على عقيدة الأمة وشريعتها، فهم لم يكتفوا بالتأويل في مسائل العقيدة، وإنما امتدت أيديهم الآثمة لتأويل جميع مسائل الشريعة بقصد تعطيلها وتوهينها في نفوس الناس.\n- والتأويل في عرف السلف هو التفسير؛ حيث يقول الإمام الطبري: (إن الصحابة رضوان الله عليهم – كانوا يفهمون معاني القرآن، وتأويله، وتفسيره بما يوافق الطريقة النبوية في الإثبات، فعن ابن مسعود ﵁ قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن (٣) وعنه قال: وله الذي لا إله غيره، ما نزلت آية في كتاب الله، إلا أعلم فيما نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته) (٤).\nفالتأويل في لفظ السلف كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (له معنيان: أحدهما تفسير الكلام، وبيان معناه سواء وافق ظاهره، أو خالفه، فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربًا، أو مترادفًا وهذا والله أعلم هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله ومحمد بن جرير الطبري عندما يقول في تفسيره، القول في تأويل قوله كذا وكذا، واختلف أهل التأويل في هذه الآية ونحو ذلك ومراده التفسير، والمعنى الثاني في لفظ السلف هو نفس المراد بالكلام فإن الكلام إن كان طلبًا كان تأويله نفس المطلوب وإن كان خبرًا كان تأويله نفس الشيء المخبر به) (٥).\n_________\n(١) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٤/ ١٥).\n(٢) «تاريخ الأمم والملوك» للطبري (٢/ ٦٤٧)، «الكامل» لابن الأثير (٣/ ٧٧).\n(٣) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٤٤).\n(٤) «تفسير الطبري» (١/ ٣٥ - ٣٦) بتصرف.\n(٥) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩).","vol":"2","page":275},{"text":"ويقول في موضع آخر: (إن لفظ التأويل في القرآن يراد به ما يؤول الأمر إليه، وإن كان موافقًا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر، ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه وإن كان موافقًا له، وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين؛ كمجاهد وغيره، ويراد به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، لدليل يقترن بذلك، وتخصيص لفظ التأويل بهذا المعنى إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذه المعنى، بل يريدون بالتأويل المعنى الأول والثاني) (١).\n- أما التأويل الباطل الذي قالت به فرق الابتداع فهو (صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه، فهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف، وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله التي هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه، فكانوا ينكرون التأويل الباطل الذي هو التفسير الباطل) (٢).\nويقول ابن القيم – ﵀ –: (وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول، والفقه، ولهذا يقولون: التأويل على خلاف الأصل، والتأويل يحتاج إلى دليل وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين، فصنف جماعة في تأويل آيات الصفات وأخبارها كأبي بكر بن فورك- ت ٤٠٦هـ -، وابن مهدي الطبري -٣٨٠هـ - وغيرهما، وعارضهم آخرون فصنفوا في إبطال تلك التأويلات كالقاضي أبي يعلي- ت ٤٥٤٨ -، والشيخ موفق الدين بن قدامة- ت٦٢٠ -، وهو الذي حكى عن غير واحد إجماع السلف على عدم القول به) (٣).\n- وإذا كانت فرق الابتداع على مختلف مشاربها لم تنسب القول بالتأويل فيما أعلم إلى النبي ﷺ أو أصحابه الكرام فإن ببعض المعاصرين تجرأوا بدافع التعصب إلى مذاهبهم فنسبوا ذلك إلى الرسول ﷺ، وصحابته الكرام، حيث يقول ابن خليفة عليوي: (سنجعل قدوتنا في التأويل رسول الله وصحابته الكرام، والتابعين ومن سار على هديهم من أئمة الإسلام الأعلام إلى يوم الدين!! ويقال هنا: هل الرسول ﷺ أول الاستواء على العرش أم لا، وإذا كان ﵊، قد أول أعسر كلمة يمكن أن يستعصي فهمها على الأمة فيكون الرسول ﷺ قد أشار إلى أمته باقتفاء أثره بتأويل كل ما يوهم ظاهره التجسيم!! والسؤال هنا هل يوجد دليل على ما قلته: نعم، ها هو الدليل – جاء في كتاب العلو للذهبي – حديث سمعناه من أحمد بن هبة الله عن أبي رزين العقيلي، قال: قلت يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض، قال: «كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء ثم خلق العرش، ثم استولى عليه» (٤).\nفأنت ترى أن النبي ﷺ قد أوَّل قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] بقوله: ثم استولى عليه، وبذا يكون المؤولون قد اقتفوا أثر الرسول ﷺ بصرف كل لفظ عن ظاهره يفهم منه التجسيم إلى لفظ آخر يفني عنه ذلك، وسواء أكان الحديث صحيحًا أم ضعيفًا فلا أقل من أن يحمل على التفسير، وحينئذ لا يخرج عن التأويل) (٥).\n_________\n(١) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ١٤).\n(٢) «الصفدية» لابن تيمية (١/ ٢٩١).\n(٣) «الصواعق المرسلة» (١/ ١٧٩).\n(٤) رواه الذهبي في (العلو) (٢٦). وقال: رواه الترمذي وابن ماجه، وإسناده حسن.\n(٥) «هذه عقيدة السلف والخلف» (ص:٨٧) لابن خليفة عليوي.","vol":"2","page":276},{"text":"ثم ينسب القول بالتأويل إلى ابن عباس ﵄ فيقول: (فإذا كان الرسول ﵊، قد فسر الاستواء بالاستيلاء؛ فهذا هو التأويل بعينه، وقد علمت أن السلف الصالح وعلى رأسهم حبر هذه الأمة عبدالله بن عباس ﵄ قد أول كثيرًا من الصفات، وهو أحق بالتأويل من كافة الأمة، لاختصاصه به بفضل دعاء الرسول له بالتأويل بقوله: «اللهم علمه الحكمة» (١)، «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٢)\nوبذا يعلم أن التأويل ليس مذمومًا، إذ لو كان كذلك لم دعا الرسول ﷺ لابن عباس به، ومن أجل هذا رأت الأمة اقتفاء أثر السلف الصالح في التأويل في كل لفظ يوهم ظاهره التجسيم) (٣)\nأما حسن السقاف – محقق كتاب دفع شبه التشبيه، لابن الجوزي- فيقول: (أوّل ابن عباس قوله – تعالى - يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:٤٢]، فقال: يكشف عن شدة، فأول الساق بالشدة ذكر ذلك الحافظ بن حجر في فتح الباري ١٣/ ٤٢٨، والحافظ بن جرير الطبري في تفسيره، حيث قال في صدر كلامه على هذه الآية: قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد قلت: - أي السقاف -: ومنه يتضح أن التأويل كان عند الصحبة والتابعين وهم سلفنا الصالح) (٤)\n- وللرد على هذه الأباطيل نقول أولًا: مما يؤسف له أن المتأخرين قد بلغت بهم الجرأة على قول ما لم يقله أسلافهم الأوائل، فإن الأوائل كانوا يقرون في أنفسهم أن التأويل هم الذين قالوا به، ولم ينسبوه فيما أعلم إلى الرسول ﷺ أو صحابته الكرام، وذلك بسبب تقاصر أفهامهم عن مستوى الصحابة والتابعين في اليقين والفهم، ولعدم سعة صدورهم وعقولهم لتقبل الوحي الرباني بنصوصه الواضحة السهلة الميسرة.\nولكن المتأخرين عندما شاهدوا الصحوة الإسلامية تتلمس طريق السلف وتأخذ بمعتقدهم الحق والسهل طارت عقولهم، فخافوا على هذا البناء الهش الذي أقامه المتكلمون أن ينهار، فقامت بطرح هذه الدعاوى الباطلة المزيفة.\nثانيًا: ومما يبين أن القوم فقدوا صوابهم أن عليوي قد زور الحديث، وزاد فيه من عنده؛ ليوافق مذهبه الباطل في التأويل فإن الحديث هذا هو لفظه: قال أبو رزين العقيلي قلت: «يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء» (٥) وفي رواية للإمام أحمد «ثم خلق العرش ثم استوى عليه – ﵎».\nفلا يوجد في الحديث ما زعمه زورًا وبهتانًا عن أكذوبة الاستيلاء.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٧٥٦).\n(٢) رواه البخاري (١٤٣) دون لفظ: «وعلمه التأويل»، وأحمد (١/ ٢٦٦) (٢٣٩٧)، وابن حبان (١٥/ ٥٣١) (٧٠٥٥)، والحاكم (٣/ ٦١٥). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٨/ ٣٠٠): منهم من أرسله والمتصل هو الصحيح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٩): متفق عليه دون قوله: «وعلمه التأويل»، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٧٩): لأحمد طريقان رجالهما رجال الصحيح.\n(٣) «هذه عقيدة السلف والخلف» (ص:٨٠) لابن خليفة عليوي.\n(٤) «دفع التشبيه بأكف التنزيه» (ص: ١١) لابن الجوزي.\n(٥) رواه الترمذي (٣١٠٩)، وابن ماجه (١٨٢)، وأحمد (٤/ ١١) (١٦٢٣٣)، وابن حبان (١٤/ ٨) (٦١٤١). قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الذهبي في (العلو) (٢٦): رواه الترمذي وابن ماجه، وإسناده حسن.","vol":"2","page":277},{"text":"ثالثًا: زعم عليوي أن هذا الحديث في كتاب العلو للذهبي – ﵀- وقد بحثت عن الحديث في المطبوعة التي حققها فضيلة الشيخ الألباني، فلم أجد هذا الحديث فضلًا عن الزيادة التي أضافها من عنده ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nرابعًا: زعم عليوي أن النبي ﷺ دعا لابن عباس بأن يعلمه التأويل، ونحن نرى أن التأويل هو التفسير وليس التأويل الذي ذهب إليه المبتدعة، مع أن روايتي البخاري ومسلم ليس فيهما أي إشارة إلى أن النبي ﷺ دعا له بأن يعلمه التأويل، فعن ابن عباس أن النبي ﷺ «دخل الخلاء، فوضعت له وضوءًا، وقال من وضع هذا؟ فأخبر، فقال: اللهم، فقهه في الدين» (١).\nخامسًا: أما ما ذكره السقاف من تأويل ابن عباس للساق، فهذا ليس من التأويل المبتدع الذي قالت به فرق الابتداع، فإن هذه الآية قد اختلف السلف في تفسيرها، وليس هناك بينهم أي خلاف بإثبات الصفة نفسها حيث يبطل شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الزعم بهذه الشهادة العظيمة فيقول: (إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما ورد في الحديث ووقفت من ذلك ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مئة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات، أو أحاديث الصفات، بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل إن عنهم في تقرير ذلك وتثبيته وبيان ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله، وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير، وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:٤٢]، فروى ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة: أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدُّوها من الصفات، للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين، ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها المعروف) (٢).\nوقال القاضي أبو يعلى: (ودليل آخر على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا، لكانوا أسبق إليه لما فيه من إزالة التشبيه، ورفع الشبه، بل قد روي عنهم ما دل على إبطاله) (٣).\nوقال المقريزي ﵀ مفصلًا مذهب الصحابة والتابعين في الصفات: (إنه لم يرد قط من طريق صحيح، ولا سقيم عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد ﷺ، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات، نعم، ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات، أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم، والقدرة، والعظمة، وساقوا الكلام واحدًا، وهكذا أثبتوا، ﵃ ما أطلقه الله ﷿، على نفسه الكريمة من الوجه واليد، ونحو ذلك مع نفي مماثلة المخلوقين فأثبتوا ﵃ بلا تشبيه، ونزهوا من غير تعطيل، ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت، ولم يكن عند أحد منهم شيء من الطرق الكلامية، ولا مسائل الفلسفة، فقضى عصر الصحابة ﵃ على هذا) (٤).\nوهكذا تسقط دعوى المبطلين الذين راموا تسويق بضاعتهم المزجاة، عن طريق نسبة مبتدعاتهم إلى خير الله بعد الأنبياء والرسل، فلم يكن لهم حاجة رضوان الله عليهم إلى التأويل أو غيره، فهم الذين نزل القرآن وهم أحياء يسمعونه من رسول الله غضًّا طريًّا، وعاصروا أحداثه التي قيلت فيها آيات القرآن كلها، وصفات ربهم سبحانه كانوا لتوقيرها، والإيمان بها، والتعبد بها أعظم، وأجل، ولو أشكل عليهم شيء مما قاله المبلطون؛ لسألوا ولأجابهم النبي ﷺ الذي كانت أعظم مهماته تعريفهم بربهم المعبود بوحدانيته، وأسمائه، وصفاته. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ١٩٣\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٣)، ومسلم (٢٤٧٧).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٩٤)\n(٣) أبو يعلى «إبطال التأويلات لأخبار الصفات» (ص:٧١) ت محمد النجدي ط١، الكويت\n(٤) «المواعظ والاعتبار» للمقريزي (٢/ ٣٥٦).","vol":"2","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-596>المطلب الثاني: شبهة القائلين بأن الصحابة والتابعين كانوا يفوضون معاني الصفات والرد عليها</span>\nوممن زعم هذه الشبهة الشهرستاني؛ حيث يقول: (اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى، صفات أزلية من العلم، والقدر، الحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزة، والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا، وكذلك يثبتون صفات خبرية، مثل اليدين، والوجه، ولا يؤولون ذلك، إلا أنهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها صفات خبرية، ولما كان المعتزلة ينفون الصفات، والسلف يثبتونها سمي السلف صفاتية، والمعتزلة معطلة، فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها، وما ورد به الخبر، فافترقوا فرقتين:\nفمنهم من أوله على وجه يحتمل ذلك اللفظ، ومنهم من توقف في التأويل، وقال عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه منها شيء، وقطعنا بذلك، إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيها؛ مثل قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] ومثل قوله: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥]، ومثل قوله: وَجَاء رَبُّكَ [الفجر:٢٢]، إلى غير ذلك، ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له، وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقينًا، ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قله السلف، فقالوا لا بد من إجرائها على ظاهرها، فوقعوا في التشبيه الصرف؛ وذلك على خلاف ما اعتقده السلف) (١).\nوقال السيوطي: (وجمهور أهل السنة، منهم السلف، وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها) (٢). ويقول حسن السقاف: (وبقيت مسألة، ولا شك أن السلف كانوا يفوضون الكيف والمعنى، وهو المراد بالتفويض عند إطلاقه بلا شك) (٣).\nهذه بعض أقوال من نسبوا التفويض إلى السلف، رضوان الله عليهم، حيث يلمح من عبارة الشهرستاني أن السلف تطور مذهبهم من الإثبات إلى القول بالتأويل أو التفويض، وهذا زعم باطل لا أساس له فإن السلف، وأولهم الصحابة رضوان الله عليهم مذهبهم الإثبات ما حادوا عنه إلى قول من الأقوال المبتدعة، وكذلك فعل السيوطي عندما أغفل مذهب السلف المثبت لمعاني الصفات مع عدم تعرضهم للكيفية.\nويذكر شيخ الإسلام سبب نشوء هذه الشبهة فيقول عن المفوضة: (هم طائفة من المنتسبين إلى السنة، وأتباع السلف، تعارض عندهم المعقول والمنقول، فأعرضوا عنها جميعًا بقلوبهم وعقولهم، بعد أن هالهم ما عليه أصحاب التأويل من تحريف للنصوص، وجناية على الدين، فقالوا في أسماء الله وصفاته، وما جاء في ذكر الجنة والنار، والوعد والوعيد إنها نصوص متشابهة لا يعلم معناها إلا الله تعالى وهم طائفتان من حيث إثبات ظواهر النصوص ونفيها، الأولى تقول: المراد بهذه النصوص خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعرف أحد من الأنبياء، ولا الملائكة، ولا الصحابة، ولا أحد من الأمة، ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.\nالثانية تقول: بل تجري على ظاهرها، وتحمل عليه، ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله تعالى فتناقضوا؛ حيث أثبتوا لها تأويلًا يخالف ظاهرها، وقالوا، مع هذا بأنها تحمل على ظاهرها.\n_________\n(١) الشهرستاني «الملل والنحل» (ص: ٩٢ - ٩٣) ت عبدالعزيز الوكيل، دار الفكر.\n(٢) السيوطي «الإتقان في علوم القرآن» (٢/ ٦) ١٩٧٣، لبنان.\n(٣) ابن الجوزي «دفع شبه التشبيه» (ص:٢١) مقدمة المحقق.","vol":"2","page":279},{"text":"وهم أيضًا طائفتان؛ من حيث علم الرسول ﷺ بمعاني النصوص الأولى تقول: أن الرسول ﷺ كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، لكنه لم يبين للناس المراد منها، ولا أوضحه إيضاحًا يقطع النزاع، وهذا هو المشهور عنهم، والثانية تقول: وهم الأكابر منهم، أن معاني هذه النصوص المتشابهة لا يعلمها إلا الله، لا الرسول، ولا جبريل، ولا أحد من الصحابة، والتابعين، وعلماء الأمة، وعند الطائفتين أن هذه النصوص إنما أنزلت للابتلاء، والمقصود منها تحصيل الثواب بتلاوتها، وقراءتها، من غير فقه، ولا فهم) (١).\nوقد اشتبه على بعض المعاصرين قول بعض السلف (أمرّوها كما جاءت) فظنوا أن هذا القول موافق لمذهب القائلين بالتفويض (٢) ويبطل شيخ الإسلام هذه الدعوى، فيقول: (والمقصود هنا التنبيه، على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم، والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، ولم يجعل القرآن هدى، ولا بيانًا للناس، وهم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول ﷺ، وإلى السلف من الجهل كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة، وسائر أصناف الملاحدة) (٣).\nثم ذكر قول الأوزاعي: (كنا والتابعون متوافرون، نقول إن الله تعالى ذكره، فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته) (٤)\nونسب للأوزاعي، ومكحول، والزهري، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد قولهم عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمرّوها كما جاءت بلا كيف (٥)، فقولهم ﵃: (أمروها كما جاءت) ردًا على المعطلة، وقولهم: بلا كيف ردًا على الممثلة، وكان مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: (قال عمر بن عبدالعزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من خلق الله تغييرها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا) (٦).\n_________\n(١) ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٤٤٢).\n(٢) انظر ابن الجوزي «دفع شبه التشبيه» (٢٢)، لكلام المحقق.\n(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ٣٨).\n(٤) رواه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٠٤) (٨٦٥). قال الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (ص: ١٨٢): إسناده صحيح.\n(٥) «الأسماء والصفات» للبيهقي (٢/ ٣٧٧)، «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» لللالكائي (٣/ ٥٨٢)، و«التمهيد» (٤/ ١٤٩)\n(٦) رواه عبدالله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٥٧)، والآجري في «الشريعة» (ص:٤٦).","vol":"2","page":280},{"text":"وعندما سئل مالك بن أنس، عن الاستواء أثبت المعنى، وترك القول بالكيفية، فقد جاءه رجل، فقال: يا أبا عبدالله، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥]، كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، ثم أمر به أن يخرج (١)، فقول مالك وربيعة موافق لقول الباقين أمرّوها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم، وأيضًا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية، إذا أثبت الصفات، وأيضًا فقولهم: أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية، لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير المراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول (٢).\nوقال أبو الفضل إسحاق بن أحمد بن غانم العلثي (ت٦٣٤هـ) في رسالة إلى عبد الرحمن بن الجوزي ينكر عليه أشياء، ومن جملتها التأويل، وزعمه أن جماعة من السلف فوضوا معنى الصفات، قال: (ثم تعرضت لصفات الخالق تعالى كأنها صدرت لا من صدر سكن فيه احتشام العلي العظيم، ولا أملاها قلب مليء بالهيبة والتعظيم، وزعمت أن طائفة من أهل السنة الأخيار تلقوها، وما فهموا وحاشاهم من ذلك بل كفوا عن الثرثرة، والتشدق، ولا عجزًا بحمد الله عن الجدال والخصام، ولا جهلًا بطرق الكلام، وإنما أمسكوا عن الخوض في ذلك عن علم ودراية لا عن جهل وعماية) (٣).\nويرى شيخ الإسلام أن القول بالتفويض يفضي إلى (القدح في الرب جلا وعلا وفي القرآن الكريم، وفي الرسول ﷺ؛ وذلك بأن يكن الله تعالى أنزل كلامًا لا يفهم، وأمر بتدبر ما لا يتدبر، وبعقل ما لا يعقل، وأن يكون القرآن الذي هو النور المبين والذكر الحكيم سبب لأنواع الاختلافات، والضلالات، بل يكون بينهم، وكأنه بغير لغتهم، وأن يكون الرسول ﷺ لم يبلغ البلاغ المبين، ولا بين للناس ما نزل إليهم، وبهذا يكون قد فسدت الرسالة، وبطلت الحجة، وهو الذي لم يتجرأ عليه صناديد الكفر) (٤).\nوهكذا تبدو لنا خطورة القول بالتفويض الذي رده علماء السلف، وجعلوه بدعة تقابل بدعة التأويل، وأن القول به هو إزراء بمقام النبوة، ومقام الصحابة، وسلف الأمة جمعاء؛ فهموا مراد ربهم، وعبدوه العبادة الحقة، وآمنوا بأسمائه، وصفاته كما جاءت في الكتاب والسنة، وهم فوق جميع أهل العقول، والأفهام لا يدانيهم في هذه المكانة أحد على الإطلاق كما قال الإمام الشافعي، ﵀، (إنهم فوقنا في كل عقل، وعلم، وفضل، وسبب ينال به علم، أو يدرك به صواب، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا) (٥). العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ٢٠٠\n_________\n(١) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (١/ ٣٩٨)، وابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (ص: ٢٨).\n(٢) ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٨ - ٤١) بتصرف، وانظر د. رضا نعسان، «علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين» (ص: ٦٩) ط٣، مكة المكرمة.\n(٣) «الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب الحنبلي (٢/ ٢٠٧) نقلا عن الأستاذ عثمان علي حسن، «منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة» (٢/ ٥٨٧) ط١، ١٤١٢هـ مكتبة الرشد، الرياض.\n(٤) «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (١/ ٢٠٤).\n(٥) «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (٥/ ٧٣)","vol":"2","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-597>المطلب الثالث: إبطال شبهة القائلين بأن الصحابة والتابعين قد شغلهم الجهاد عن فهم آيات الصفات ومسائل العقيدة</span>\nوالذين قالوا بهذه الشبهة أهل الابتداع، قديمًا، والمستشرقين وتلاميذهم حديثًا؛ وابن عربي، وابن سينا وأبو حامد الغزالي فقال: (ثم إن هؤلاء مع هذا لما لم يجدوا الصحابة والتابعين تكلموا بمثل كلامهم، بل ولا نقل ذلك عن النبي ﷺ صار منهم من يقول: كانوا مشغولين بالجهاد عن هذا الباب، وأنهم هم حققوا ما لم يحققه الصحابة، ويقولون أيضًا أن الرسول ﷺ لم يعلمهم هذه؛ لئلا يشتغلوا به عن الجهاد، وأهل السيف قد يظن من يظن منهم أن لهم من الجهاد وقتال الأعداء ما لم يكن مثله للصحابة، وأن الصحابة كانوا مشغولين بالعلم، والعبادة عن مثل جهادهم) (١).\nأما المستشرقون فيمثلهم كتاب دائرة المعارف الإسلامية، حيث يزعم أحدهم أن الصحابة والتابعين عندما انتهوا من الفتوحات قاموا بتفهم القرآن، حيث يقول: (ولما استقر المسلمون بعد الفتوحات، ودخل من دخل في الإسلام من أرباب الديانات المختلفة، عكف المسلمون من جهة على فهم القرآن، والتعمق في الفهم، وأثار بعض هؤلاء الذين التحقوا بالإسلام دون أن يتبطنوه من جهة أخرى كثيرًا من عقائدهم الدينية، وصاروا يتجادلون حولها، ويجادلون المسلمين فيها، في هذا المرحلة نجد الآيات المتشابهات في القرآن يتسعرضها المفكرون ويحللونها، ويحاول كل أحد أن يخضعها لما يرى، إما بأخذها على ظواهرها، وإما بتأويلها تنزيهًا لله تعالى، عما يوهم التشبيه في الذات أو الصفات وإما بالإيمان بها كما جاءت دون تعرض لها بتفسير أو تأويل، وكان نتيجة هذه المواقف من تلك الآيات ظهور فرقة المشبهة والمجسمة، وفرقة المعتزلة النافية للصفات مبالغة في التنزيه، والصفاتية، وهم جمهور السلف الذين بين بين) (٢)\nويردد أحمد أمين نفس فكرة المستشرقين فيقول: (إن المسلمين لما فرغوا من الفتح واستقر بهم الأمر، واتسع لهم الرزق، أخذ عقلهم يتفلسف في الدين، فيثير خلافات دينية، ويجتهد في بحثها، والتوفيق بين مظاهرها، ويكاد يكون هذا مظهرًا عامًا في كل ما نعرفه من أديان، فهي أول أمرها عقيدة ساذجة، قوية لا تأبه الخلاف ولا تلتفت إلى بحث) (٣)\nوهذه المزاعم في غاية البطلان وذلك لأن الصحابة قد اكتملت معالم عقيدتهم وشريعتهم قبل وفاة الرسول ﷺ، ولقد كانت الأحداث التي عاشوها رضوا ن الله عليهم، والآيات التي خوطبوا بها ابتداء والتي تتحدث عن كل مسائل العقيدة هي الزاد الحقيقي الذي فهموا فيه أمور عقيدتهم، والتي عرضت بوضوح وشمول كبير أغناهم عن البحث، والتنقير، والابتداع، أو السؤال، فانطلقوا بهذا التصور الكامل عن الإله الحق، ووعده الحق لهم بالجزاء الحسن بالجنة، وأنه ﵃، ورضوا عنه، انطلقوا يفتحون الدنيا شرقًا وغربًا، وقد امتلأت قلوبهم حبًا وعقولهم معرفة وفهمًا لكل معاني الصفات ويمثل هذا الكمال في الفهم والمعرفة ما رواه البخاري عن طارق بن شهاب قال: (قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا، لاتخذناها عيدًا، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله ﷺ حيث أنزلت: يوم عرفة، وإنا والله بعرفة، قال سفيان، وأشك كان يوم الجمعة أم لا الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:٣]).\nفقد أكمل الله دينه، وفهمته العصبة المؤمنة تمام الفهم، وأعرض عمر ﵁ عن مزاعم اليهود، بأخذهم يوم نزول الآيات أعيادًا، وأخبرهم عن علمه بزمان نزولها ومكان نزولها، فكانت تفيد تمام هذا الدين، وأعظم ما فيه مسائل العقيدة، ومن أخصها توحيد الإله الحق بأسمائه، وصفاته والإيمان الحق، وعدم تعريضها للجدال والخصومة، ولم يكن الصحابة ولا التابعين سلفًا لمن زاغت عقيدته فمال إلى التأويل، والتعطيل، أو مال إلى التشبيه، فإن الصحابة والتابعين ما كانوا يعدلون بالقرآن والسنة أي فكر بشري أبدًا، وإنما الذين تفلسفوا هم قنائص زنادقة البلاد المفتوحة، الذين دخلوا في جدال معهم؛ كالجعد والجهم، وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء وغيرهم الذين سقطوا في حمأة البدعة الممقوتة، وفتحوا باب الشرور على الأمة. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ٢٠٥\n_________\n(١) «النبوات» لابن تيمية (ص: ٢٢١) ط ١٤٢٠هـ، دار الكتب العلمية بيروت.\n(٢) «دائرة المعارف الإسلامية» (٥/ ٥٣١). دار المعرفة – بيروت.\n(٣) أحمد أمين «ضحى الإسلام» (٣/ ٢)، دار الكتاب العربي – بيروت.","vol":"2","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-598>المطلب الرابع: إبطال التعليل الباطل لسكوت الصحابة، وعدم سؤالهم عن الصفات الإلهية</span>\nومن المزاعم الباطلة التي قيلت حول عقيدة الصحابة سكوتهم، وعدم خوضهم في الصفات وعدم سؤالهم عنها، وهذا الزعم في غاية الفساد والبطلان وذلك لأن الصحابة رضوان الله عليهم، إنما سكتوا عن الخوض في الصفات ولم يسألوا عنها؛ لأنهم وجدوا أن كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ قد كفتهم مؤنة التكلف والسؤال فقد أحاطت الآيات والأحاديث بكل ما يخص الإله الحق من أسمائه وصفاته، وكل مسائل العقيدة فقد وردت بشتى الأشكال والصور التي يطول حصرها كما ذكرنا من قبل.\nويقرر شيخ الإسلام ﵀ هذه الشبهة ويرد عليها فيقول: (وصار كثير منهم يقول: إن الرسول ﷺ لم يكن يعرف أصول الدين، ومنهم من هاب النبي ﷺ ولكن، يقول: الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون ذلك، ومن عظم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقى حائرًا كيف لم يتكلم أولئك الأفاضل في هذه الأمور التي هي أفضل العلوم ومن هو مؤمن بالرسول معظم له يستشكل كيف لم يبين أصول الدين مع أن الناس أحوج منهم إلى غيرهم) (١).\nويرد شيخ الإسلام فيقول: (فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده، والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وبينه للناس، وهو من أعظم ما أقام الله الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه، وكتاب الله الذي نقل الصحابة، ثم التابعون عن الرسول ﷺ لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله ﷺ التي نقلوها أيضًا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب) (٢).\nومما يؤكد أن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا في غنى عن السؤال، وإنما سكتوا عن فهم وعلم، ما سبق، وذكرنا من هيمنة مسائل الصفات على الكتاب والسنة، واستيعابها من قبلهم بأعلى درجات الاستيعاب، ولو احتاجوا إلى السؤال لسألوا كما سألوا عن رؤية الله ﷿، وكسؤال أبي رزين العقيلي أين كان ربنا؟ وقول ذلك الصحابي: أيضحك ربنا؟ وسؤالهم عن القدر، وعن مسائل الآخرة من الحساب، والجنة والنار، فلم يكن هناك حجر على السؤال عن مسائل الاعتقاد، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (كل من فيه أدنى محبة للعلم أو أدنى محبة للعبادة لا بد أن يخطر بقلبه هذا الباب، ويقصد فيه الحق، ومعرفة الخطأ من الصواب فلا يتصور أن يكون الصحابة والتابعون كلهم كانوا معرضين عن هذا لا يسألون عنه، ولا يشتاقون إلى معرفته، ولا تطلب قلوبهم الحق فيه، وهم ليلًا ونهارًا، يتوجهون بقلوبهم إليه سبحانه، ويدعونه تضرعًا وخفية، ورغبًا ورهبًا، والقلوب مجبولة مفطورة على طلب العلم ومعرفة الحق فيه، وهي مشتاقة إليه أكثر من شوقها إلى كثير من الأمور، ومع الإرادة الجازمة والقدرة يجب حصول المراد وهم قادرون على سؤال الرسول ﷺ، وسؤال بعضهم بعضًا، وقد سألوا عما دون ذلك، سألوه: أنرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم، وسأله أبو رزين: أيضحك الرب؟ فقال: نعم، فقال، لن نعدم من رب يضحك خيرًا) (٣).\nوغاية القول أن سكوت الصحابة وعدم سؤالهم عن حقائق الصفات وكيفيتها كان لوجود هذا الفهم، والإيمان وعدم تعرض عقولهم لشبهات الشك والحيرة، ولوفرة النصوص القرآنية، والنبوية التي أفاضت في البيان فلم تبقى لأنفسهم مجالًا للتساؤل فكان هذا البيان وهذا الوضوح وسلامة الاعتقاد من أعظم أسباب استقرار عصر الصحابة والتابعين وبعدهم عن الجدال والبدع العقدية فانصرفوا إلى خدمة دينهم، فانطلقوا يفتحون الأمصار شرقًا وغربًا، ويزكون أنفسهم بقراءة كتابه وتتبع سنة نبيه، واجتهدوا بالعبادات، والطاعات النافعة بخلاف من تقاصرت أفهامهم، وضعف إيمانهم، ويقينهم فراموا ابتداع تصور جديد عن الإله الحق فوقعوا في الفتن التي كانت سببًا في حيرتهم وشكهم، وكان من خيارهم الذين امتن الله عليهم بالهداية قبل موتهم أن ندموا أشد الندم على مخالفة منهج الصحابة والتابعين. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ٢٠٧\n_________\n(١) «درء تعارض العقل والنقل» لأحمد بن عبدالحليم ابن تيمية (١/ ٢٤).\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» لأحمد بن عبدالحليم ابن تيمية (١/ ٢٧)\n(٣) «القادة المراكشية» (ص: ٤٧ – ٤٨)","vol":"2","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>المطلب الخامس: إبطال الزعم أن الصحابة والتابعين أقاموا العقيدة على أسس غير دقيقة باعتمادهم على أخبار الآحاد</span>\nوقد ابتدع هذا القول فرق الابتداع على مختلف مشاربها، وأولهم المعتزلة؛ الذين حكموا عقولهم بالنصوص الشرعية، بزعم أن العقائد لا تثبت عندهم إلا إذا بلغ الخبر حد التواتر، وهذا الشرط الذي وضعوه كان دافعه المنهج المبتدع الذي اختطوه في رد معظم العقائد التي جاءت على لسان النبي ﷺ وهو الذي لا ينطق عن الهوى.\nيقول الشيخ عمر الأشقر: (والناظر في كلام سلفنا الصالح يعلم أنهم كانوا يثبتون العقائد بنصوص القرآن والحديث، لا يفرقون بين المتواتر والآحاد، ولا يفرقون في الاحتجاج بين العقائد والأحكام، ولم يعرف أحد خالف في هذا من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ولا من الأئمة المرضيين؛ أمثال الأئمة الأربعة، وكان السلف الصالح وما يزال أتباعهم ينكرون أشد الإنكار على الذين يرغبون إلى ترك الأحاديث والنصوص، والاحتكام إلى العقل، ويسفهون من قال بذلك.\nونبتت نابتة ترفض الاحتجاج والأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد، وعندما سئل هؤلاء عن مستندهم وجدناهم يستدلون بحجة الخوارج والمعتزلة، الذين رفضوا أحاديث الآحاد في العقائد والأحكام، فنراهم يقولون: الأحاديث الآحاد لا تفيد اليقين، والعقائد لا تبنى إلا على اليقين) (١)\nوعلماء أهل السنة مجمعون على الأخذ بخبر الآحاد في العقائد قال الإمام الشافعي: (فقال لي قائل: احدد لي أقل ما تقوم به الحجة على أهل العلم؛ حتى يثبت عليهم خبر الخاصة؟ فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي ﷺ أو من انتهى به إلى دونه) (٢).\nثم يفصل قوله هذا، فيقول (٣): (فإن قال قائل: أذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنص خبر، أو دلالة فيه، أو إجماع فقلت له: أخبرنا سفيان بن عبدالملك بن عمير عن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها، وأداها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم، إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» (٤) فلما ندب رسول الله إلى سماع مقالته، وحفظها، وأدائها إمرءًا يؤديها، والامرؤ واحد، دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلال، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا) (٥).\n_________\n(١) «أصل الاعتقاد» د. عمر الأشقر (١١ - ١٢) ط٣ الدار السلفية، الكويت.\n(٢) «الرسالة» (ص:٣٦٩) ت أحمد شاكر – بدون تاريخ.\n(٣) «الرسالة» (ص:٣٦٩) ت أحمد شاكر – بدون تاريخ\n(٤) رواه الترمذي (٢٦٥٧)، وأحمد (١/ ٤٣٦) (٤١٥٧)، وابن حبان (١/ ٢٦٨) (٦٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٢٧٤) (١٧٣٨)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٣٨٦). وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال أبو نعيم: صحيح ثابت، وصححه ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٣٦٤).\n(٥) «الرسالة» (ص:٤٠١ - ٤٠٣).","vol":"2","page":284},{"text":"وقال ابن الأثير: (فإن الصحيح من المذاهب والذي ذهب إليه الجماهير من سلف الأئمة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء والمتكلمين: أنه لا يستحيل التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يجب التعبد عقلًا، وأن لا تنحصر، وإنفاذ رسول الله ﷺ رسله، وقضاته، وأمراءه وسعاته إلى الأطراف، وهم آحاد، وبإجماع الأمة على أن العامي مأمور باتباع المفتي وتصديقه، مع أنه ربما يخبر عن ظنه، فالذي يخبر عن السماع الذي لا شك فيه أولى بالتصديق) (١).\nويقول ابن القيم ﵀: (وأما المقام الثامن: وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث، وإثبات صفات الرب تعالى بها؛ فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرة بالمنقول؛ فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث، وتلقاها بعضهم من بعض بالقبول، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم، ومن سمعها منهم، تلقاها بالقبول والتصديق لهم، ومن لم يسمعها منهم تلقها عن التابعين كذلك وكذلك تابع التابعين مع التابعين، هذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم، وأمانتهم، ونقلهم ذلك عن نبيهم ﷺ، والغسل من الجنابة وأعداد الصلوات وأوقاتهم، ونقل الأذان والتشهد، والجمعة والعيدين، فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فإن جاز عليهم الخطأ والكذب في نقلها، جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرناه، وحينئذ فلا وثوق لنا بشيء نقل لنا عن نبينا ﷺ البتة، وهذا انسلاخ من الدين والعلم والعقل، على أن كثيرًا من القادحين في دين الإسلام قد طردوه، وقالوا، لا وثوق لنا بشيء من ذلك البتة) (٢).\nوقد أتى ابن القيم ﵀ بواحد وعشرين دليلًا على صحة خبر الآحاد، وقال إن مقصود المبتدعة هو رد الأخبار في مسائل العقيدة حسب أصولهم الفاسدة، مع أنهم يحتجون بأخبار الآحاد؛ لتأييد بدعتهم، فيقول: (وأما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، فلا بد من نقله بطريق التواتر؛ لوقوع العلم به حتى أخبر عنه القدرية، والمعتزلة وكان مقصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولن يقفوا على مقصودهم من هذا القول، ولو أنصف أهل الفرق في الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد – ترى أصحاب القدر يستدلون بقوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة» (٣).\nوبقوله عن ربه: «خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين» (٤).\nوترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله: «من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة» (٥)\n_________\n(١) ابن الأثير «جامع الأصول في أحاديث الرسول» (١/ ١٢٥ – ١٢٦) ت عبدالقادر الأرناؤوط ط ٢ ١٤٠٣ دار الفكر – بيروت.\n(٢) ابن القيم «مختصر الصواعق المرسلة» اختصار محمد الموصلي (٢/ ٥٢٤) ط١٤٠٥ دار الندوة - بيروت\n(٣) رواه البخاري (١٣١٩)، ومسلم (٦٩٢٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٢٨٦٥) بلفظ: «وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم». من حديث عياض بن حمار ﵁.\n(٥) رواه مسلم (٢٧).","vol":"2","page":285},{"text":"وذكر احتجاج الشيعة، والخوارج ثم قال: إلى غير ذلك من الأحاديث التي يستدل بها أهل الفرق، ومشهور معلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث، ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد، وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله، ومسائل القدر، والرؤية وأصول الإيمان، والشفاعة، والحوض، وإخراج الموحدين المذنبين من النار، وفي صفة الجنة، وفي الترغيب، والترهيب، والوعد، والوعيد) (١).\nوقد ترتب على عدم احتجاج هؤلاء المبتدعة بخبر الآحاد أن أنكروا جملة من عقائد الإسلام التي آمن بها الصحابة والتابعون، وجمهور الأمة من بعدهم، حيث يقول الشيخ الألباني: (أنكروا جملة من العقائد؛ منها:\n١ - نبوة آدم – ﵇، وغيره من الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن.\n٢ - أفضلية نبينا محمد ﷺ، على غيره من الأنبياء.\n٣ - شفاعته ﷺ العظمى في المحشر.\n٤ - شفاعته لأهل الكبائر من أمته.\n٥ - معجزاته ﷺ كلها ما عدا القرآن، ومنها معجزة انشقاق القمر فإنها مع ذكرها في القرآن تأولها بما ينافي الأحاديث الصحيحة المصرحة بانشقاق القمر معجزة لرسول الله ﷺ.\n٦ - صفاته البدنية، وبعض شمائله الخلقية.\n٧ - الأحاديث التي تتحدث عن بدء الخلق، وصفة الملائكة، والجن، والجنة، والنار، وأنهما مخلوقتان، وأن الحجر الأسود من الجنة.\n٨ - خصوصياته مثل دخول الجنة، ورؤية أهلها، وما أعد للمتقين، وإسلام قرينه من الجن، وغير ذلك.\n٩ - القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة.\n١٠ - الإيمان بعذاب القبر.\n١١ - الإيمان بسؤال منكر ونكير في القبر.\n١٢ - الإيمان بضغطة القبر.\n١٣ - الإيمان بالميزان ذي الكفتين يوم القيامة.\n١٤ - الإيمان بالصراط.\n١٥ - الإيمان بالحوض.\n١٦ - دخول سبعين ألفًا من أمته الجنة بغير حساب.\n١٧ - الإيمان بكل ما صح في الحديث عن صفة القيامة، والحشر، والنشر.\n١٨ - الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره.\n١٩ - الإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء.\n٢٠ - الإيمان بالعرش والكرسي حقيقة لا مجازًا.\n٢١ - الإيمان بأن القرآن كتاب الله حقيقة لا مجازًا.\n٢٢ - الإيمان بأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار (٢) وغيرها. حتى عدد ٣٠ معتقدًا يفضي عدم الأخذ بأحاديث الآحاد إلى إنكارها وعدم الاعتقاد بها.\nوهكذا تبدو خطورة هذا الانحراف الذي قالت به فرق الابتداع التي ردت عقائد الإسلام، التي آمن بها الصحابة الكرام الذين تلقوها عن الصادق المصدوق، وكانت لهم بشرى من الله نالوا بها الرضوان والثواب العظيم، وكانت وما زالت الأمة على هذه المعتقدات لم تهزها في نفوسهم زوابع أهل الفتنة على مر الأزمان والحمد لله رب العالمين. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ١٩١ - ٢١٤\n_________\n(١) ابن القيم «مختصر الصواعق» (٢/ ٥٠٥).\n(٢) الألباني: «وجوب الأخذ بخبر الآحاد» (ص: ٣٦).","vol":"2","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>تمهيد: العلاقة بين العقل والشرع</span>\nمن تمام تكريم الإسلام للعقل إعماله فيما خلق له، وهيئ من أجله، وحجبه عن التهوك والخوض فيما لا سبيل له ولا قدرة عليه.\nوباب الصفات يتضمن علومًا ضرورية، وعلومًا نظرية، وعلومًا غيبية، فالعلوم الضرورية يتفق عليها جميع العقلاء. والعلوم النظرية يتفاوت الناس في إدراكها بحسب ما أتوا من قدرات ذهنية وتدبر ونظر، وأما العلوم الغيبية فتعلق العقل بها من جهتين:\nأولًا: العلم بها: وهذا لا يستقل به العقل، ولا يهتدي إليه من حيث هو إلا أن يهدى إليه بخبر الصادق، فيعلمه حينئذ علمًا معنويًا عامًا مبنيًا على الاشتراك الذهني مع ما يوافقه في عالم الشهادة.\nثانيا: إدراك تفاصيلها وكيفياتها: وهذا لا سبيل إليه مطلقًا، إذ أنه قاصر قصورًا ذاتيًا عن بلوغ دركه والإحاطة بعلمه.\nومع كون العقل لا يستقل بالعلم بباب الصفات على سبيل التفصيل، فضلًا عن إدراك كيفية جميع الصفات، فإنه لا يحيل ذلك ولا يمنعه كما يمنع المستحيلات العقلية، مثل اجتماع النقيضين في محل واحد، أو ارتفاعهما عنه معًا، بل يقف من هذه النصوص الغيبية الخبرية موقف التسليم إذا صح النقل وسلمت الرواية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه) (١)، وقال أيضًا: (فإن الرسول لا يجوز عليه أن يخالف شيئًا من الحق، ولا يخبر بما تحيله العقول وتنفيه. لكن يخبر بما تعجز العقول عن معرفته فيخبر بمحارات العقول، لا بمحالات العقول. ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته في السنة، التي رواها عبدوس بن مالك العطار، قال: (ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول)، هذا قوله وقول سائر أئمة المسلمين، فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول ﷺ لا تدركه كل الناس بعقولهم، ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول) (٢).\nوالعقل الصريح السالم من الشبهات والشهوات لا يمكن أن يخالف النقل الصحيح السالم من العلل والقوادح في سنده ومتنه. وسر ذلك أن كلًا منهما من الله، فالعقل خلقه والنقل خبره وأمره، أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]. فكيف يختلفان! قال تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]. ولهذا فإن العلاقة بين العقل والشرع لها حالان لا ثالث لهما:\n- فإما أن يؤيد العقل الشرع ويصدقه ويدل عليه.\n- وإما أن يسلم له، ويجوز ما جاء به.\nولا يمكن أن يكون الثالث: وهو أن يعارضه ويخالفه.\nوهذه الموافقة بين العقل الصريح والنقل الصحيح تقع من الطرفين، بحيث يصدق أحدهما الآخر، أو لا يعارضه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (.. كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول، وإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ولكن كثيرًا من الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا، فمن عرف قول الرسول ومراده كان عارفًا بالأدلة الشرعية، وليس في المعقول ما يخالف المنقول .. وكذلك (العقليات الصريحة) إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحًا لم تكن إلا حقًا، لا تناقض شيئًا مما قاله الرسول) (٣).\nولما كان (النقل الصحيح) معصومًا محفوظًا، وكان العقل عرضة للزلل والانحراف، كان للنقل على العقل وصاية وحماية. فلا قياس في مقابلة النص، وإذا قدر ظهور تعارض بين العقل والنقل الصحيح، فالنقل ثابت والعقل متهم. فالنقل يحوط العقل ويسوسه ويوجهه الوجهة الصحيحة، ويحفظه من الزيغ.\nكما أن النقل الصحيح ينير الطريق للعقل، ويوفر عليه الجهد، كما مثل شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تقدم أثر النقل على العقل بقوله: (إن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار. وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها) (٤). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ٤٧٣\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٣٩).\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٢٩٧).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٨٠ - ٨١).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٣٩).","vol":"2","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>المطلب الأول: من وظائف العقل في باب الصفات فهم معانيها</span>\nفإن الله ﷾ خاطب عباده بلسان عربي مبين، وجعل كتابه تبيانًا لكل شيء وشفاء لما في الصدور. ولم يستثن نوعًا من الآيات يمتنع فهمها ومعرفة معناها. قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. وقال أيضًا: وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ [الأحقاف: ١٢]. وقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: ٧]. ولا يمكن أن تتحقق النذارة المذكورة إلا بفهم معناه وتعقله. ولهذا قال: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣]. فالتلازم بين كونه عربيًا وتعقله واضح. فالألفاظ إنما هي أوعية للمعاني. كما أن عربية القرآن سبب لحصول التقوى الناشئة من الفهم. قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه: ١١٣]. وعربية القرآن سبب لحصول العلم الذي هو ثمرة الفهم للمعنى. قال تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: ٣]. وقد قطع الله حجة الذين قد يتعللون بعدم فهمه بجعله عربيًا مفهوم المعنى لدى المخاطبين فقال: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء [فصلت: ٤٤].\nفالعقل مدعو لفهم خطاب الشارع دون استثناء، ومن ادعى استثناء نص معين، أو نوع معين من النصوص طولب بالدليل، ولا دليل.\nومن أمثلة فهم معاني ما أخبر الله عن نفسه من الأسماء والصفات، قول الإمام الأصبهاني أبي القاسم إسماعيل بن محمد في شرح أسماء الله الحسنى: (ومن أسماء الله تعالى: الحليم: حليم عمن عصاه لأنه لو أراد أخذه في وقته أخذه، فهو يحلم عنه ويؤخره إلى أجله، وهذا الاسم وإن كان مشتركًا يوصف به المخلوق، فحلم المخلوقين حلم لم يكن في الصغر ثم كان في الكبر، وقد يتغير بالمرض، والغضب، والأسباب الحادثة، ويفنى حلمه بفنائه، وحلم الله ﷿ لم يزل ولم يزول. والمخلوق يحلم عن شيء ولا يحلم عن غيره، ويحلم عمن لا يقدر عليه، والله تعالى حليم مع القدرة) (١).\nفهذا مثال للمنهج الشرعي في فهم نصوص الصفات تضمن إثبات المعنى المشترك للفظ الصفة المعهود بالأذهان، ثم فرق بين ما ينبغي للخالق وما ينبغي للمخلوق، وأن لله تعالى المثل الأعلى. وهكذا صنع في بقية الأسماء والصفات.\nوفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدة، إنه وتر يحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة» (٢). قال أبو إسحاق الزجاج ﵀ في ذكر معنى الإحصاء: (ويجوز أن يكون معناه: من عقلها، وتدبر معانيها، من الحصاة التي هي العقل) (٣). وأنشد في هذا المعنى قول الشاعر:\nوإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل\n@ مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ٤٧٦\n_________\n(١) «الحجة في بيان المحجة» (١/ ١٣٠).\n(٢) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧).\n(٣) «تفسير أسماء الله الحسنى» (ص: ٢٢).","vol":"2","page":288},{"text":"إن العقل يدرك ما يجب لله ﷾ ويمتنع عليه على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل؛ فمثلًا: العقل يدرك بأن الرب لابد أن يكون كامل الصفات، ولكن هذا لا يعني أن العقل يثبت كل صفة بعينها أو ينفيها لكن يثبت أو ينفي على سبيل العموم الرب لابد أن يكون كامل الصفات سالمًا من النقص فمثلًا: يدرك بأنه لا بد أن يكون الرب سميعًا بصيرًا؛ قال إبراهيم لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [مريم: ٤٢] ولابد أن يكون خالقًا؛ لأن الله قال: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ [النحل: ١٧] وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا [النحل: ٢٠] يدرك هذا ويدرك بأن الله ﷾ يمتنع أن يكون حادثًا بعد العدم؛ لأنه نقص، ولقوله تعالى محتجًا على هؤلاء الذين يعبدون الأصنام: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [النحل: ٢٠]؛ إذًا يمتنع أن يكون الخالق حادثًا بالفعل والعقل أيضًا يدرك بأن كل صفة نقص فهي ممتنع على الله؛ لأن الرب لابد أن يكون كاملًا فيدرك بأن الله ﷿ مسلوب عن العجز؛ لأنه صفة نقص إذا كان الرب عاجزًا وعصي وأراد أن يعاقب الذي عصاه وهو عاجز؛ فلا يمكن! إذًا؛ العقل يدرك بأن العجز لا يمكن أن يوصف الله به، والعمى كذلك والصمم كذلك والجهل كذلك وهكذا على سبيل العموم ندرك ذلك، لكن على سبيل التفصيل لا يمكن أن ندركه فنتوقف فيه على السمع شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٨١","vol":"2","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>المطلب الثاني: التفكر والتدبر لآثارها ومقتضياتها</span>\nوهذه وظيفة زائدة على مجرد العلم بالمعنى الأصلي. وقد أمر الله تعالى بتدبر كتابه مطلقًا دون أن يستثنى نوعًا ما من النصوص لا يشملها التدبر، فقال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص: ٢٩]. ونعى الله على المعرضين عن تدبره فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤] وهذا شامل لنصوص الصفات وغيرها.\nومن التدبر الذي يتعلق بصفات الباري تدبر آثار هذه الأوصاف الشريفة ومقتضياتها، كما قال تعالى: فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم: ٥٠]. وهذه الوظيفة ميدان فسيح، ومجال واسع ترتاده عقول المؤمنين فلا تحيط به، ولا تبلغ منتهاه. فكل المخلوقات والأعراض والأحداث شواهد حية لآثار أسمائه وصفاته، ومظاهر ناطقة بعظمته ورحمته. وانطلاق القوى العقلية في هذا المجال تنظر وتتفكر من أعظم أسباب زيادة الإيمان وامتلاء القلب بمحبة الله وتعظيمه. وقد صنف العلماء المصنفات في التأمل العقلي في مخلوقات الله تعالى، والاستدلال بذلك على الإيمان به وعبادته (١). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ٤٧٩\n_________\n(١) انظر على سبيل المثال: «مفتاح دار السعادة» و«شفاء العليل» لابن القيم، وانظر: تفسير «ظلال القرآن» للآيات الكونية لسيد قطب، وانظر: كتاب «التوحيد» و«الإيمان» لعبدالمجيد الزنداني.","vol":"2","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>المطلب الثالث: استعمال الأقيسة العقلية الصحيحة اللائقة بالله تعالى</span>\nلما كان (العقل) أحد مصادر المعرفة بما أودع الله فيه من قوة الاستدلال والنظر والمقايسة، جرى استعماله في إثبات العقائد لتأييد دلالة الشرع. وقد تضمن الكتاب والسنة جملة من (المقاييس العقلية) التي هي بمثابة مقدمات منطقية للوصول إلى النتائج التي جاء بها الشرع. ويعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الأمثال المضروبة في القرآن (أقيسة عقلية) (١)، وبذلك يجمع بين الحسنيين باتفاق الدلالتين، دلالة العقل ودلالة الشرع. قال: (وإذا كان الشيء موجودًا في الشرع، فذلك يحصل بأن يكون في القرآن الدلالة على الطرق العقلية، والتنبيه عليها والبيان لها والإرشاد إليها. والقرآن ملآن من ذلك، فتكون شرعية بمعنى أن الشرع هدى إليها، عقلية بمعنى أنه يعرف صحتها بالعقل، فقد جمعت وصفي الكمال).\nوقد قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: ١٧]، وقال: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: ٢٥]، وقد فسر السلف (الميزان) بالعدل. والعدل يقتضي التسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات.\nومن المقاييس العقلية الصحيحة المتعلقة بباب الصفات ما يلي:\n١ - إثبات الكمال لله ونفي النقص عنه:\nوهذه قضية يستقل العقل بالحكم بها موافقًا بذلك دلالة الشرع والفطرة. وخلاصتها أن كل (موجود) في خارج الذهن لا بد أن يكون متصفًا بصفة. وهذه الصفة إما أن تكون صفة كمال أو صفة نقص. وصفة النقص ممتنعة في حق الإله المعبود، واللائق به الكمال. ومن جهة أخرى فإن المشاهدة والحس تدل على ثبوت صفات كمالية للمخلوق. والله خالق المخلوق وصفاته، فواهب الكمال أولى بالكمال.\nتلك المقدمات، وهذه النتيجة، محل اتفاق بين جميع أرباب الملل والنحل، وجمهور أهل الفلسفة والكلام، لكنهم يختلفون في تحقيق مناطها في أفراد الصفات مع الإجماع على أن الرب المعبود مستحق للكمال، منزه عن النقص (٢).\nويفصل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه الجملة العقلية بقوله: (فإذا قيل: (الوجود) إما واجب وإما ممكن، والممكن لا بد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين، فهو مثل أن يقال: الموجود إما (قديم) وإما حادث؛ والحادث لابد له من قديم، فيلزم ثبوت القديم على التقديرين.\nوالموجود إما (غني) وإما (فقير)، والفقير لا بد له من الغني، فلزم وجود الغني على التقديرين. والموجود إما (قيوم بنفسه) وإما (غير قيوم)، وغير القيوم لابد له من القيوم، فلزم ثبوت القيوم على التقديرين. والموجود إما (مخلوق) وإما (غير مخلوق)، والمخلوق لابد له من خالق غير مخلوق، فلزم ثبوت الخالق غير المخلوق على التقديرين، ونظائر ذلك متعددة) (٣).\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٨٨).\n(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٦/ ٦٨ - ٨٨).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٧٦).","vol":"2","page":291},{"text":"فهذا المقياس العقلي يعرض على الصفات فيثبت لله صفات الكمال، وينفي عنه صفات النقص، وهو مدرك مقرر ببداهة العقول. ثم ينتقل شيخ الإسلام إلى بسط الوجه الثاني في استحقاق الله للكمال، وانتفاء النقص عنه فيقول: (ثم يقول: هذا الواجب القديم الخالق، إما أن يكون ثبوت الكمال الذي لا نقص فيه للممكن الوجود ممكنًا له، وإما أن لا يكون. والثاني: ممتنع؛ لأن هذا ممكن للموجود المحدث الفقير الممكن، فلأن يمكن للواجب الغني القديم بطريق الأولى والأحرى؛ فإن كلاهما موجود. والكلام في الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه. فإذا كان الكمال الممكن الوجود ممكنًا للمفضول، فلأن يمكن للفاضل بطريق الأولى، لأن ما كان ممكنًا لما هو في وجوده ناقص، فلأن يمكن لما هو في وجوده أكمل منه بطريق الأولى. لاسيما وذلك أفضل من كل وجه، فيمتنع اختصاص المفضول من كل وجه بكمال لا يثبت للأفضل من كل وجه. بل ما قد ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل أحق به؛ فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى.\nولأن ذلك الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق، والذي جعل غيره كاملًا هو أحق بالكمال منه؛ فالذي جعل غيره قادرًا أولى بالقدرة. والذي علم غيره أولى بالعلم، والذي أحيا غيره أولى بالحياة. والفلاسفة توافق على هذا، ويقولون: كل كمال للمعلول فهو من آثار العلة، والعلة أولى به) (١).\nوهذه حجة عقلية قرآنية. قال تعالى منبهًا على هذا المعنى: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل: ١٧]. ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [النحل: ٧٥]. وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل: ٧٦]. وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا [الفرقان: ٣].\nفهذه الآيات، وأمثالها كثير في القرآن، ميزان عقلي أثبت الله به ألوهيته لاتصافه بالكمال وبطلان ألوهية ما سواه لاتصافها بصفات النقص، والعيب، والعجز. وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على طائفة من المتكلمين زعموا أن ثبوت الكمال لله وانتفاء النقص عنه لا يعلم بالعقل، وإنما يعلم بالسمع والإجماع، وبين خطاهم ومخالفتهم لسائر الطوائف (٢).\nفهذا المقياس العقلي وظيفة يمارسها العقل باستقلال للحكم على الصفات العقلية. فصفة (العلو) مثلًا تثبت بالعقل – كما تثبت بغيره – فالعقل يحكم أن العلو صفة كمال، كما أن نقيضه (السفل) صفة نقص، فيثبت الأولى وينفي الثانية.\nقياس الأولى:\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٧٦ - ٧٧).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٧٣).","vol":"2","page":292},{"text":"وهذا مقياس عقلي يلي المقياس السابق في الرتبة. فإذا دل العقل على إثبات جنس الكمال لله تعالى وآحاده وأفراده، فإن قياس الأولى يقضي بأن ما ثبت من الكمالات ثبوتًا عامًا للخالق والمخلوق فإن لله تعالى أكمله وأعظمه ليس له فيه مكافئ ولا نظير، كما قال تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل: ٦٠]، وقال تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [٢٧: الروم]. فلما كانت الألفاظ الدالة على الصفات تحمل معاني مشتركة باعتبار أصل المعنى، كان لابد من القياس. والقياس الصحيح هنا هو قياس الأولى، وهو طريقة السلف التي وافقوا بها القرآن. قال شارح الطحاوية: (ومما يوضح هذا: أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية يستوي أفرادها ..\nولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى، سواء كان تمثيلًا أو شمولًا، كما قال تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ، مثل أن يعلم أن كل كمال للممكن أو للمحدث، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهو ما كان كمالا للوجود غير مستلزم للعدم بوجه، فالواجب القديم أولى به. وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ثبت نوعه للمخلوق والمربوب المدبر، فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره، وهو أحق به منه. وأن كل نقص وعيب في نفسه، وهو ما تضمن سلب هذا الكمال، إذا وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات والممكنات والمحدثات فإنه يجب نفيه عن الرب تعالى بطريق الأولى) (١).\nويبين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مدى هذه الأولوية في قياس الأولى، ومقدار ذلك التفاضل المندرج تحت ذلك المعنى العام المشترك فيقول: (وأما قياس الأولى الذي كان يسلكه السلف اتباعًا للقرآن، فيدل على أنه يثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها أكمل مما علموه ثابتًا لغيره، مع التفاوت الذي لا يضبطه العقل كما لا يضبط التفاوت بين الخالق وبين المخلوق. بل إذا كان العقل يدرك من التفاضل الذي بين مخلوق ومخلوق ما لا ينحصر قدره، وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق أعظم من فضل مخلوق على مخلوق كان هذا مما يبين له أن ما يثبت للرب أعظم من كل ما يثبت لكل ما سواه بما لا يدرك قدره. فكان قياس الأولى يفيده أمرًا يختص به الرب مع علمه بجنس ذلك الأمر) (٢).\nنفي الصفة إثبات لنقيضها:\nقال شيخ الإسلام ﵀: (وهذه الطريقة هي من أعظم الطرق في إثبات الصفات، وكان السلف يحتجون بها، ويثبتون أن من عبد إلهًا لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم فقد عبد ربًا ناقصًا، معيبًا، مؤوفًا) (٣).\nومن أمثلة احتجاج السلف بهذه الطريقة العقلية قول الإمام الدارمي في رده على المريسي: (وكيف استجزت أن تسمي أهل السنة وأهل المعرفة بصفات الله المقدسة: مشبهة، إذا وصفوا الله بما وصف به نفسه في كلامه بالأشياء التي أسماؤها موجودة في صفات بني آدم بلا تكييف.\n_________\n(١) «شرح العقيدة الطحاوية» ص (١٢٢).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٩/ ١٤٥).\n(٣) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٢٤٠).","vol":"2","page":293},{"text":"وأنت قد شبهت إلهك في يديه، وسمعه، وبصره بأعمى وأقطع، وتوهمت في معبودك ما توهمت في الأعمى والأقطع، فمعبودك في دعواك مخدًّج منقوص؛ أعمى لا بصر له؛ وأبكم لا كلام له، وأصم لا سمع له، ومقعد لا حراك به؛ وليس هذه بصفة إله المصلين. أفأنت أوحش مذهبًا في تشبيهك إلهك بهؤلاء العميان والمقطوعين؛ أم هؤلاء الذين تسميهم مشبهة إذ وصفوه بم وصف به نفسه بلا تشبيه؟ فلولا أنها كلمة هي محنة الجهمية التي بها ينبزون المؤمنين ما سميت مشبهًا غيرك؛ لسماجة ما شبهت ومثلت) (١).\nوقد حاول نفاة الصفات التخلص من هذا الإلزام العقلي بالزعم بأن ذلك متحقق إذا كان المحل قابلًا للاتصاف بالصفتين المتقابلتين وما لا فلا. وأجاب شيخ الإسلام ﵀ في مواضع عدة من كتبه على هذه الشبهة، ومن ذلك قوله: (ومن قال: إنه ليس بحي ولا سميع، ولا بصير، ولا متكلم لزمه أن يكون ميتًا أصم أعمى أبكم. فإن قال: العمى عدم البصر عما من شأنه أن يقبل البصر، وما لا يقبل البصر كالحائط لا يقال له أعمى ولا بصير، قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام يمكن وصفه بالموت، والصم، والعمى، والخرس، والعجمة. وأيضًا فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإن الله قادر على جعل الجماد حيًا، كما جعل عصا موسى حية ابتلعت الحبال والعصي. وأيضًا: فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا ممن يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها. فالجماد الذي لا يوصف بالبصر، ولا العمى، ولا الكلام والخرس أعظم نقصًا من الحي الأعمى الأخرس) (٢).\nفقد فر هؤلاء النفاة من تشبيهه بالحيوانات – بزعمهم – فوقعوا في تشبيهه بالجمادات. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ٤٨٠\n_________\n(١) «رد الإمام الدارمي على بشر المريسي» (ص: ٤٢).\n(٢) «التدمرية» (ص: ٦١ - ٦٢).","vol":"2","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>المطلب الرابع: إبطال الأقيسة العقلية الخاطئة</span>\nالعقل الصريح المستضيء بنور الشرع الصحيح ميزان توزن به الدعاوى والمقدمات. وكما أن العقل يقعد القواعد السليمة والمقدمات الصحيحة فإنه يمارس وظيفة أخرى، وهي فحص المقدمات المزعومة وبيان زيفها، وبالتالي بطلان ما بني عليها من نتائج وعقائد.\nوتظهر أهمية هذه الوظيفة العقلية الهامة إذا تبينا حجم الأقيسة العقلية الباطلة التي توارثتها أجيال الفلاسفة والمتكلمين مسلِّمين بها، مذعنين لما أدت إليه من نتائج حتى ولو خالفت الشرع مخالفة صريحة.\nفالفرق بين الأقيسة العقلية الصحيحة والأقيسة العقلية الخاطئة، أن الأولى منضبطة بضوابط الشرع المعصوم موافقة للفطر السليمة، والأخرى اجتهادات بشرية منحرفة لا ضابط لها تتأثر بمؤثرات شتى. قال شيخ الإسلام ﵀: (بل المقدمة التي تدعي طائفة من النظار صحتها، تقول الأخرى هي باطلة، وهذا بخلاف مقدمات أهل الإثبات الموافقة لما جاء به الرسول ﷺ، فإنها من العقليات التي اتفقت عليها فطر العقلاء سليمي الفطرة، التي لا ينازع فيها إلا من تلقى النزاع تعليمًا من غيره، لا من موجب فطرته، فإنما يقدح فيها بمقدمة تقليدية أو نظرية، لا ترجع إلى العقل الصريح، وهو يدعي أنها عقلية فطرية.\nومن كان له خبرة بحقيقة هذا الباب، تبين له أن جميع المقدمات العقلية التي ترجع إليها براهين المعارضين للنصوص النبوية إنما ترجع إلى تقليد منهم لأسلافهم لا إلى ما يعلم بضرورة العقل ولا إلى الفطرة) (١).\nولم يزل السلف الصالح ﵏ يرفضون نتاج الفلسفة اليونانية الفاسد، ويحذرون منه ويكشفون عواره، مع التزامهم بالمنهج الإيماني في عرض العقيدة. ومن أمثلة تفطن السلف لمسالكهم الباطلة قول الإمام أحمد ﵀ في الرد على الجهمية نفاة الصفات: (.. وقلنا هو شيء فقالوا: هو شيء لا كالأشياء، فقلنا: إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء. فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئًا بشيء، ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون من العلانية) (٢)\nلكن السلف الأولون لم يطيلوا النفس في نقض شبهاتهم، وتفنيد حججهم لما في ذلك من نشرها وإذاعتها في حال كان الغالب على الناس السنة والاتباع، والسلامة من هذه اللوثات. ولما عمت البلوى بكتب أهل الكلام، وصاروا هم المتنفذين، وأصحاب الرياسات، ونشروا مذاهبهم، قيض الله في العصور المتأخرة – القرنين السابع والثامن الهجريين – شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فانتدب لهتك أستارهم، وبيان عوارهم للأمة بعلم نقي، ومعتقد سلفي، وذهن ثاقب، وعقل راجح، فحمل عليهم سلاحهم الذي كانوا يستطيلون به على أهل السنة والاتباع، وهو (العقل)، وبين أن أهل السنة أسعد بهذا الدليل من غيرهم، وأولى الناس به. وسنضرب بعض الأمثلة لإبطال العقل الصريح لبعض المقاييس العقلية الخاطئة في باب الصفات.\n١ - إثبات الصفات إثبات لتعدد الآلهة:\n_________\n(١) «درء تعارض العقل والنقل» (٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(٢) «الرد على الجهمية والزنادقة» ص (٢٩).","vol":"2","page":295},{"text":"وهذا عمدة نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة، حيث زعموا أن إثبات صفات (قديمة) يقتضي استحقاق تلك الصفات للقدم الذي لله، ومن ثم مساواته في الإلهية، فمنعوا إثبات الصفات بناء عليها، وأبقوا له مجرد ألفاظ الأسماء كأعلام محضة، خالية من المعاني المتمايزة، بل هي من قبيل المترادفات. قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: (.. إنه تعالى لو كان يستحق هذه الصفات لمعان قديمة، وقد ثبت أن القديم إنما يخالف مخالفه بكونه قديمًا، وثبت أن الصفة التي تقع بها المخالفة عند الافتراق بها تقع المماثلة عند الاتفاق، وذلك يوجب أن تكون هذه المعاني مثلًا لله تعالى ..) (١).\nوهذه حجة داحضة، ولازم مزعوم، فإن الصفات المضافة إلى الله ﷿ ليست أعيانًا منفصلة قائمة بذاتها حتى تكون قديمة قدم الخالق - على حد تعبير المتكلمين بالقدم – وإنما هي أوصاف له – سبحانه – قائمة به. قال شارح الطحاوية: (ولهذا كان أئمة السنة – رحمهم الله تعالى – لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره، ولا أنه ليس غيره. لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو، إذ كان لفظ (الغير) فيه إجمال، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل: فإن أريد به أن هناك ذاتًا مجردة قائمة بنفسها، منفصلة عن الصفات الزائدة عليها، فهذا غير صحيح، وإن أريد به أن الصفات الزائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة، فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها ..) (٢).\nومما يبطل هذا المسلك اضطرارهم إلى إثبات صفات لا بد لهم من إثباتها كالوجود والحياة والقدرة، وهذا تناقض يستلزم البطلان.\n٢ - الصفات لا تقوم إلا بالأجسام، والأجسام متماثلة، فإثبات الصفات مستلزم للتجسيم:\nوهاتان المقدمتان باطلتان. فالصفات تقوم بالأجسام وغير الأجسام. فيقال مثلًا: الليل طويل، والنهار قصير، والعكس، وهما ليسا جسمين. كما أن المدعي يثبت أوصافًا من العلم والحياة والقدرة لله ﷿ مع نفيه (الجسمية) عنه.\nكما أن دعوى تماثل الأجسام دعوى باطلة ببداهة العقول. فإن بين الأجسام من التغاير في الصفات ما هو معلوم بالضرورة، كبرًا وكثافة، وصلابة، وأضدادها وغيرها.\n_________\n(١) «شرح الأصول الخمسة» (ص: ١٩٥).\n(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» ص (١٢٩).","vol":"2","page":296},{"text":"ثم لابد من تحرير المراد بالجسم، فإنه في حق الله تعالى من الألفاظ البدعية التي لم ترد بنفي ولا إثبات، فلا يصح إطلاقه نفيًا ولا إثباتًا في حق الله تعالى، لأن صفاته – سبحانه – توقيفية. وأما في المعنى فله عدة استعمالات. فقد يراد به البدن والجسم الكثيف – كما في اللغة – وقد يراد به المركب من الجواهر المفردة، أو المركب من المادة والصورة، وهذه كلها منفية عن الله تعالى، فضلًا عن كونها غير متماثلة خلاف ما زعموا قال شيخ الإسلام ﵀: (ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل، سواء فسروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب من الهيولي والصورة ونحو ذلك. فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة على أنها متماثلة، فهذا يبنى على صحة ذلك، وعلى إثبات الجواهر المفردة، وعلى أنها متماثلة، وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك) (١)، إذ أن هذه المرادات مركبات يفتقر بعضها إلى بعض فهي مخلوقات. وقد يريد النافي بالجسم ما يوصف بالصفات، ويرى بالأبصار، ويتكلم، ويسمع، ويبصر، ويقوم به صفات تليق به من الوجه، واليدين، والعينين وغيرها من الصفات الثابتة لله. فنفيه لهذا المعنى باطل مردود عليه إذ هو التعطيل بعينه، فلا ننفي عنه هذه الأوصاف لتواطئهم على تسمية المتصف بها جسمًا.\n٣ - إثبات الصفات يستلزم الحدوث، والله منزه عن الحوادث:\nوهذه شبهة عقلية أراد النفاة أن يتوصلوا بها إلى نفي الصفات الفعلية الاختيارية المتعلقة بمشيئته – سبحانه -، ويجعلون هذه الدعوى من أخص خصائص الباري – جل وعلا -. قال الجويني: (مما يخالف الجوهر فيه حكم الإله قبول الأعراض، وصحة الاتصاف بالحوادث، والرب ﷾ يتقدس عن قبول الحوادث) (٢). ومن هذه المقدمة ينطلق المتكلمون من معتزلة وأشاعرة إلى نفي الاستواء، والمجيء، والفرح، والسخط، والرضا، والغضب، والنزول .. الخ من صفات الفعل. قال شارح الطحاوية ﵀: (وحلول الحوادث بالرب تعالى المنفي في علم الكلام المذموم، لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة. وفيه إجمال: فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح. وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية، من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول، والاستواء، والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته، فهذا نفي باطل.\nوأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث، فيسلم السني للمتكلم ذلك، على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية، وصفات الفعل، وهو غير لازم له. وإنما أتي السني من تسليم هذا النفي المجمل، وإلا فلو استفسر واستفصل لم ينقطع معه) (٣).\n_________\n(١) «التدمرية» (ص: ١٢١ - ١٢٢).\n(٢) «الإرشاد» (ص: ٦٢).\n(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ١٢٨ - ١٢٩).","vol":"2","page":297},{"text":"ثم بعد هذا الاستفصال يمتنع التلازم المزعوم من أن حدوث الصفة حدوث للموصوف، بل نقول إن تعلق بعض الصفات الفعلية بمشيئته وحكمته دليل كمال عقلًا وشرعًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض مناقشته لهذه الشبهة: (.. إذا قدر ذات تفعل شيئًا بعد شيء وهي قادرة على الفعل بنفسها، وذات لا يمكنها أن تفعل بنفسها شيئًا، بل هي كالجماد الذي لا يمكنه أن يتحرك كانت الأولى أكمل من الثانية. فعدم هذه الأفعال نقص بالضرورة، وأما وجودها بحسب الإمكان فهو الكمال. ويقال: لا نسلم أن عدم هذه مطلقًا نقص ولا كمال، ولا وجودها مطلقًا نقص ولا كمال؛ بل وجودها في الوقت الذي اقتضت مشيئته وقدرته وحكمته، هو الكمال، ووجودها بدون ذلك نقص، وعدمها مع اقتضاء الحكمة عدمها كمال، ووجودها حيث اقتضت الحكمة وجودها هو الكمال) (١).\nوقبل أن نختم هذا المبحث نشير إلى سمة بارزة في المنهج العقلي الصحيح، ألا وهي الاطراد، والتسوية بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات، بل هي حقيقة العدل والميزان الذي ينبغي أن يدل عليه العقل.\nوبالمقابل فإن المناهج العقلية الباطلة يعتريها التناقض والاضطراب وعدم طرد القاعدة على جميع أجزائها. وفيما يلي مثال بديع يصور هذه السمة في المنهجين:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فإذا كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.\nقيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته. بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به. قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به.\nوإن قال: الغضب غليان القلب لطلب الانتقام، قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أودفع مضرة. فإن قلت هذه إرادة المخلوق، قيل لك: وهذا غضب المخلوق .. فإن قال: تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة. والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام، أو ضد ذلك ...\nيقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات. فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة. وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكفار يدل على بغضهم.\nفما أعظم المنة بهذا العقل حين يستنير بنور الإيمان، ويهتدي بهداه، ويعتصم بدلالته، ويحفظ حدوده، فيعمل فيما خلق له، متفكرًا متدبرًا، فيكون صاحبه من (أولي الألباب).\nوما أعظم البلية بذلك العقل حين يسرح بلا قيد ولا شرط، فيضرب في التيه بغر هدى، ويتخبط في الظلمات، تتناوشه وساوس شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، فيكون صاحبه من (الضالين) (٢). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد عبدالرحمن القاضي -ص٤٨٧\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(٢) «التدمرية باختصار» (٣١ - ٣٤).","vol":"2","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-607>المطلب الأول: من أدلة تفاضل صفات الله</span>\nمعنى تفاضل صفات الله كون بعض الصفات أفضل من بعض لوجه من وجوه الفضل، ومن أدلة تفاضل الصفات: قوله ﷺ: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبي» (١)\n. وفي رواية: «سبقت غضبي» (٢). قال ابن تيمية ﵀: (وصف رحمته بأنها تغلب وتسبق غضبه، وهذا يدل على فضل رحمته على غضبه من جهة سبقها وغلبتها) (٣).\nوعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك. وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك» (٤)، فكان يستعيذ من صفة السخط بصفة الرضا، ومن عقوبة الله بمعافاته، وبه سبحانه منه، قال ابن تيمية ﵀: (ومعلوم أن المستعاذ به أفضل من المستعاذ منه) (٥).\nوأما قوله: «أعوذ بك منك»، فمعناه والله أعلم، الاستعاذة بكل صفة مرغوب فيها من صفات الله من كل صفة مرهوب منها من صفات الله، فيكون دليلًا جامعًا يدل على تفاضل صفات الله المستعاذ بها والمستعاذ منها جميعها، وقد قال ابن تيمية ﵀: (وأما استعاذته به منه فلابد أن يكون باعتبار جهتين: يستعيذ به باعتبار تلك الجهة، ومنه باعتبار تلك الجهة، ليتغاير المستعاذ به والمستعاذ منه إذ أن المستعاذ منه مخوف مرهوب منه، والمستعاذ به مدعو مستجار به ملتجأ إليه، والجهة الواحدة لا تكون مطلوبة مهروبًا منها، لكن باعتبار جهتين تصح) (٦). والجهتان متعلقتان بصفاته ولا ريب، وشبه ﵀ قوله: «أعوذ بك منك» بقوله في حديث البراء في الدعاء عند النوم: «لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك» (٧). وقال ﵀: (ومعلوم أن جهة كونه منجيًا غير جهة كونه منجيًا منه، وكذلك جهة كونه ملتجأ إليه غير كونه ملتجأ منه، سواء قيل إن ذلك يتعلق بمفعولاته، أو أفعاله القائمة به، أو صفاته، أو بذاته باعتبارين) (٨).\nثم إن كل دليل على تفاضل أسماء الله دليل على تفاضل صفاته لأن أسماء الله أسماء وأوصاف. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ٧٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٩٤) واللفظ له، ومسلم (٢٧٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٧٤٢٢) واللفظ له، ومسلم (٢٧٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «جواب أهل العلم والإيمان» (٨٩).\n(٤) رواه مسلم (٤٨٦).\n(٥) «جواب أهل العلم والإيمان» (٩٠).\n(٦) «جواب أهل العلم والإيمان» (٩٠).\n(٧) رواه البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠). من حديث البراء بن عازب ﵁.\n(٨) «جواب أهل العلم والإيمان» (٩١).","vol":"2","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>المطلب الثاني: تفاضل الصفة الواحدة</span>\nالتفاضل في صفات الله قد يقع في الصفة الواحدة، فتكون الصفة الواحدة متفاضلة، ومن أدلة ذلك: تفاضل صفة الحب والبغض، قال ﷺ: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (١). و(أحب) و(أبغض) صيغة تفضيل، وقال ﷺ: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (٢). وقال ﷺ: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق يهريق دمه» (٣). وكذا تفاضل صفة اليد كما في حديث: «يمين الله ملآى. لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض. وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض» (٤).\nقال ابن تيمية: (فبين ﷺ أن الفضل بيده اليمنى والعدل بيده الأخرى، ومعلوم أنه مع أن كلتا يديه يمين فالفضل أعلى من العدل، وهو سبحانه كل رحمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، ورحمته أفضل من نقمته) قال: (ولهذا كان المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن (٥) ولم يكونوا عن يده الأخرى وجعلهم عن يمين الرحمن تفضيل لهم، كما فضل في القرآن أهل اليمين وأهل الميمنة على أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة، وإن كانوا إنما عذبهم بعدله، وكذلك الأحاديث والآثار جاءت بأن أهل قبضة اليمين أهل السعادة، وأهل القبضة الأخرى هم أهل الشقاوة) (٦).\nومن تفاضل الصفة الواحدة من صفات الله، تفاضل صفة الكلام، والدلائل عليه كثيرة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فمن ذلك: أن القرآن كلام الله وقد فضله على سائر كتبه التي سبقته وهي كلها كلامه ﷾، قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨]. واختص الله القرآن من بين سائر كلامه بخصائص، فاختصه بأن تكفل سبحانه بحفظه بأن تحدى الخلق أن يأتوا بمثله، أو بمثل عشر سور منه، أو بمثل سورة منه، وغير ذلك من خصائصه، وتخصيص القرآن بأحكام وفضائل توجب تشريفه وتفضيله، على غيره مما أنزل الله على رسله، وقد قال سبحانه: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الزمر: ٥٥]، وقال: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ [الزمر: ٢٣].\nثم القرآن نفسه متفاضل، كما صح عن رسول الله ﷺ تفضيل بعض آياته وسوره على غيرها، فمن ذلك:\nحديث أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. قال: فضرب في صدري وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر» (٧).\n_________\n(١) رواه مسلم (٦٧١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٢٤٥٧)، ومسلم (٢٦٦٨). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) رواه البخاري (٦٨٨٢). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٤) رواه البخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣). من حديث أبي هريرة ﵂.\n(٥) الحديث رواه مسلم (١٨٢٧). من حديث عبدالله بن عمرو ﵄.\n(٦) «جواب أهل العلم والإيمان» (٩٢).\n(٧) رواه مسلم (٨١٠).","vol":"2","page":300},{"text":"فهذه آية من كلام الله وهي آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، ووردت أحاديث فيها تخصيص بعض الآيات من كتاب الله بفضائل، كما ثبت في الآيتين من آخر البقرة أن من قرأهما في ليلة كفتاه (١)، وكذا ثبت في بعض السور، نحو قوله ﷺ: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران» (٢). فهذا في تفضيل هاتين السورتين من كلام الله، وفي حديث ابن عباس قال: «بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال هذا ملك نزل إلى الأرض. لم ينزل قط إلا اليوم. فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة. لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته» (٣). وقال ﷺ: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» (٤). وقال: «والذي نفسي بيده لتعدل ثلث القرآن» (٥) ووردت أحاديث عديدة يطول حصرها فيها ما ذكر من تخصيص بعض الآيات والسور بفضائل، وجميعها يدل على أن كلام الله يتفاضل، قال الغزالي: (لعلك تقول: قد توجه قصدك في هذه التنبيهات إلى تفضيل بعض القرآن على بعض، والكل قول الله تعالى فكيف يفارق بعضها بعضًا؟ وكيف يكون بعضها أشرف من بعض؟ فاعلم: أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات، وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، وترتاع من اعتقاد الفرق نفسك الجوارة، المستغرقة بالتقليد، فقلد صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، فهو الذي أنزل عليه القرآن، وقد دلت الأخبار على شرف بعض الآيات وعلى تضعيف الأجر في بعض السور المنزلة (٦» ونقل السيوطي عن العز بن عبد السلام قوله: (كلام الله في الله أفضل من كلامه في غيره، فـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أفضل من تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ (٧). فهذا من وجوه تفاضل صفة الكلام ومن وجوهها أيضًا ما قاله ابن تيمية: (فإذا كان المخبر به أكمل وأفضل كان الخبر به أفضل وإذا كان المأمور به أفضل كان الأمر به أفضل (٨» وقد قال تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١]. قال ابن تيمية: (معلوم أن تكليمه من وراء حجاب أفضل من تكليمه بالإيحاء وبإرسال رسول، ولهذا كان من فضائل موسى ﵇ أن الله كلمه تكليمًا وقال: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف: ١٤٤]. ولقد قال تعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦]. قال ابن تيمية: (أخبر أنه يأت بخير منها أو مثلها، وهذا بيان من الله لكون تلك الآية قد يأتي بمثلها تارة أو خير منها أخرى فدل ذلك على أن الآيات تتماثل تارة وتتفاضل أخرى) (٩) .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص٨٠\n_________\n(١) الحديث رواه البخاري (٤٠٠٨)، ومسلم (٨٠٨). من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٨٠٥). من حديث النواس بن سمعان ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٨٠٦). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٨١٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٥٠١٣). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٦) «جواهر القرآن» (ص: ٦٢).\n(٧) «الإتقان» (٢/ ١٩٩).\n(٨) «جواب أهل العلم والإيمان» (ص: ٦١).\n(٩) «جواب أهل العلم والإيمان» (ص: ٦١).","vol":"2","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-609>المطلب الثالث: دلالة تفاضل صفات الله</span>\nتفاضل صفات الله ﷿ يدل على تعددها، لأن التفاضل لا يعقل إلا مع التعدد، إذ لا يكون إلا بين شيئين فصاعدًا ....... وهذا يدل إلى أن صفات الله ليست هي عين ذاته، وإنما هي متعلقة بذاته ﷾، لأن الذات واحدة غير متعددة، ولكنها متصفة بصفات متعددة، واتصاف الذات بالصفات دليل كمالها، لأن الذات المجردة التي لا تتعلق بها صفة ناقصة.\nوثبوت تعدد صفات الله يدل على ثبوتها لله ﷿، فلا يسع المؤمن إلا إثباتها متعددة، لكل منها معنى يغاير معنى الآخر، ولذلك كان ورود إثبات صفات الله في نصوص الشرع إنما يكون على وجه التفصيل، أما النفي فيكون مجملًا، ففي النصوص ذكر أسماء وصفات الله مفصلة، وفيها نفي ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل إجمالًا، وهذا بخلاف طريقة أهل الضلال والباطل الذين يفصلون في النفي، فينفون عنه صفاته على وجه التفصيل، ولا يثبتون له إلا وجودًا مطلقًا لا تتعلق به صفة (١). وإثبات تفاضل الصفات هو من لوازم إثبات الصفات، فمن أثبت الصفات لزمه إثبات تفاضلها، لأن إثبات التفاضل بين الشيئين، فرع من إثبات كل واحد منهما بمعناه وما تضمنه من كمال، فينظر في أيهما أفضل وأكمل، أما إذا كان الشيئان منفيين، فلا تفاضل بينهما، لأنه لا وجود لهما أصلًا، فلا كمال ولا فضيلة هناك أصلًا حتى يمكن النظر في التفاضل، ولذلك فإنه يمتنع التفاضل بين صفات الله بناء على مذهب المعطلة الباطل من الجهمية والمعتزلة ونحوهم. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - بتصرف – ص: ٨٥\n_________\n(١) «انظر الرسالة التدمرية» (ص ٨ – ١١ و٧٤، ٧٥).","vol":"2","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-611>تمهيد</span>\nقال الإمام ابن القيم: (والأسماء الحسنى والصفات العلى مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاؤها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها – أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها – وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي تقع على القلب والجوارح:\n(١) فعلم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة تثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.\n(٢) علمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه، وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات والأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح. ومعرفة غناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه.\n(٣) وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزته تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها، وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات، وارتبطت بها ارتباط الخلق بها. فخلقه سبحانه وأمره هو موجب أسمائه وصفاته في العلم وآثارها ومقتضاها؛ لأنه لا يتزين من عباده بطاعتهم، ولا تشينه معصيتهم. وتأمل قوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي يرويه عن ربه ﵎: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» ذكر هذا عقب قوله: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم» (١). فتضمن ذلك أن يفعله تعالى بهم في غفران زلاتهم وإجابة دعواتهم، وتفريج كرباتهم ليس لجلب منفعة منهم ولا لدفع مضرة يتوقعها منهم؛ كما هو عادة المخلوق الذي ينفع غيره ليكافئه بنفع مثله، أو ليدفع عنه ضررًا، فالرب تعالى لم يحسن إلى عباده ليكافئوه، ولا ليدفعوا عنه ضررًا، فقال: «لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني»، إني لست إذا هديت مستهديكم، وأطعمت مستطعمكم، وكسوت مستكسيكم وأرويت مستسقيكم، وكفيت مستكفيكم وغفرت لمستغفركم، بالذي أطلب منكم أن تنفعوني أو تدفعوا عني ضررًا، فإنكم لن تبلغوا ذلك وأنا الغني الحميد، كيف والخلق عاجزون عما يقدرون عليه، من الأفعال إلا بإقداره وتيسيره وخلقه، فكيف بما لا يقدرون عليه، فكيف يبلغون نفع الغني الصمد الذي يمتنع في حقه أن يستجلب من غيره نفعًا، أو يستدفع منه ضررًا، بل ذلك مستحيل في حقه؟!\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٧٧). من حديث أبي ذر ﵁.","vol":"2","page":303},{"text":"ثم ذكر بعد هذا قوله: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا» (١)؛ فيبين سبحانه أن ما أمرهم به من الطاعات وما نهاهم عنه من السيئات لا يتضمن استجلاب نفعهم، ولا استدفاع ضررهم كأمر السيد عبده، والوالد ولده، والإمام رعيته بما ينفع الآمر والمأمور، ونهيهم عما يضر الناهي والمنهي، فبين تعالى أنه المنزه عن لحوق نفعهم وضرهم به في إحسانه إليهم بما يفعله بهم وبما يأمرهم به، ولهذا لما ذكر الأصلين بعد هذا، وأن تقواهم وفجورهم الذي هو طاعتهم ومعصيتهم لا يزيد في ملكه شيئًا، ولا ينقصه، وأن نسبة ما يسألونه كلهم إياه؛ فيعطيهم إلى ما عنده كلا نسبة، فتضمن ذلك أنه لم يأمرهم ولم يحسن إليهم بإجابة الدعوات، وغفر الزلات، وتفريج الكربات لاستجلاب منفعة، ولا لاستدفاع مضرة، وأنهم لو أطاعوه كلهم لم يزيدوا في ملكه شيئًا، ولو عصوه كلهم لم ينقصوا من ملكه شيئًا، وأنه الغني الحميد. ومن كان هكذا فإنه لا يتزيد بطاعة عباده وأمرهم ونهيهم ما يقتضيه ملكه التام وحمده وحكمته، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يستوجب من عباده شكر نعمه التي لا تحصى، بحسب قواهم وطاقتهم، لا بحسب ما ينبغي له، فإنه أعظم وأجل من أن يقدر خلقه عليه، ولكنه سبحانه يرضى من عباده بما تسمح به طبائعهم وقواهم، فلا شيء أحسن في العقول والفطر من شكر المنعم، ولا أنفع للعبد منه) (٢).\nويضرب الإمام ابن القيم مثالًا على الآثار المترتبة على عبودية الله تعالى باسمي الأول والآخر قائلًا: (فعبوديته باسمه الأول تقتضي التجرد عن مطالعة الأسباب، والوقوف أو الالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد، إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، وأي وسيلة كانت هناك، إنما هو عدم محض، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، فمنه سبحانه الإعداد، ومنه الإمداد، وفضله سابق على الوسائل، والوسائل من مجرد فضله، وجوده، لم تكن بوسائل أخرى.\nفمن نزل اسمه الأول على هذا المعنى أوجب له فقرًا خاصًا وعبودية خاصة، وعبوديته باسمه الآخر تقتضي أيضًا عدم ركونه ووقوفه بالأسباب والوقوف معها، فإنها تنعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بالآخر سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول، فالمتعلق به حقيق ألا يزول ولا ينقطع بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يغنى به، كذا نظر العارف إليه بسبق الأولية، حيث كان قبل الأسباب كلها، وكذلك نظره إليه ببقاء الآخرية حيث يبقى بعد الأسباب كلها، فكان الله ولم يكن شيء غيره، كل شيء هالك إلا وجهه، فتأمل عبودية هذين الاسمين وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده، ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه، وأن الأمر ابتدأ منه وإليه يرجع، فهو المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة وإليه تنتهي الأسباب والوسائل، فهو أول كل شيء وآخره، وكما أنه رب كل شيء وفاعله وخالقه وبارئه، فهو الحق وغايته التي لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون وحده غايته ونهايته ومقصوده، فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبودياتها وإرادتها ومحبتها، فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله، كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ) (٣).\nوللتعبد بهذين الاسمين (الأول والآخر) يرى الإمام ابن القيم أن لهما رتبتين:\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٥١٠ - ٥١٣).\n(٣) «طريق الهجرتين» (ص: ١٩، ٢٠).","vol":"2","page":304},{"text":"الرتبة الأولى: أن تشهد الأولية منه تعالى في كل شيء والآخرية بعد كل شيء، والعلو والفوقية فوق كل شيء، والقرب من الدنو دون كل شيء فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب، والرب ﷻ ليس دونه شيء أقرب إلى الخلق منه.\nوالرتبة الثانية من التعبد: أن يعامل كل اسم بمقتضاه؛ فيعامل سبقه تعالى بأوليته لكل شيء وسبقه بفضله وإحسانه، الأسباب كلها بما يقتضيه ذلك من إفراده وعدم الالتفات إلى غيره والوثوق بسواه والتوكل على غيره، فمن ذا الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئًا مذكورًا حتى سماك باسم الإسلام، ووسمك بسمة الإيمان، وجعلك من أهل قبضة اليمين، وأقطعك في ذلك الغيب عمالات المؤمنين، فعصمك عن العبادة للعبيد، وأعتقك من التزام الرق لمن له شكل ونديد، ثم وجه وجهة قلبك إليه سبحانه دون ما سواه (١).\nوعن سر العبودية وغايتها وحكمتها قال: (إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب ﷿ ولم يعطلها، وعرف معنى الإلهية وحقيقتها، ومعنى كونه إلها. بل هو الإله الحق، وكل إله سواه فباطل، بل أبطل الباطل، وأن حقيقة الإلهية لا تنبغي إلا له، وأن العبادة موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات، وكارتباط المعلوم بالعلم والمقدور بالقدرة، والأصوات بالسمع، والإحسان بالرحمة، والعطاء بالجود) (٢).\nويذكر الإمام ابن القيم (أن أعرف الناس بأسماء الله وصفاته أشدهم حبًا له، فكل اسم من أسمائه وصفاته تستعدي محبة خاصة، فإن أسماءه كلها حسنى وهي مشتقة من صفاته، وأفعاله دالة عليها، فهو المحبوب المحمود على كل ما فعل وعلى كل ما أمر إذ ليس في أفعاله عبث، وليس في أوامره سفه، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة، والعدل، والفضل، والرحمة، وكل واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناء والمحبة عليه، ولا يتصور نشر هذا المقام حق تصوره فضلًا عن أن يوفاه حقه، فأعرف خلقه به وأحبهم له ﷺ يقول: «لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (٣) ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبة التامة عليها (٤)\nوبالنظر والتأمل في أجزاء هذا الفصل يتضح لنا عدة أمور أوردها الإمام ابن القيم وهي لا تخرج عما ذهب إليه أئمة أهل السنة والجماعة، بل هي أصل فيما ذهبوا إليه من أنه لا بد في الأسماء الحسنى من أركان ثلاثة: وهي الإيمان بالاسم، وبما دل عليه من المعنى، وبما تعلق به من الآثار. وهذه الأمور جاءت على النحو التالي:\nأولًا: أن الأسماء والصفات مقتضية لآثارها من العبودية اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها تعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها.\nثانيًا: أن مذهب السلف الصالح قائم على الإيمان بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني، وبما تعلقت به من الآثار والأحكام (٥).\nثالثًا: أن الوجود خلقًا وأمرًا يتعلق بأسماء الله وصفاته، وإن كان العلم بما فيه بعض آثارها ومقتضياتها؛ إذا عرفت هذا فمن أسمائه الغفار والتواب والعفو فلا بد لهذه الأسماء من متعلقات ولا بد من جناية تغفر، وتوبة تقبل، وجرائم يعفى عنها (٦).\n_________\n(١) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٤، ٢٥).\n(٢) «مدارج السالكين» (١/ ١١٠).\n(٣) رواه مسلم (٤٨٦). من حديث عائشة ﵂.\n(٤) «مدارج السالكين» (١/ ١١٠).\n(٥) «مفتاح دار السعادة» (٣/ ٥١٠)، وانظر: «الكواشف الجلية» للسلمان (ص: ٤٢٥)، «طريق الوصول إلى العلم المأمول» لابن سعدي (ص: ٣٤٩).\n(٦) «مدارج السالكين» (١/ ٤١٧ - ٤١٩).","vol":"2","page":305},{"text":"رابعًا: (أن ظهور أحكامها وآثارها لا بد منه إذ هو من مقتضى الكمال المقدس والملك التام، وإذا أعطيت اسم الملك حقه – ولن تستطيع – علمت أن الخلق والأمر والثواب والعقاب، والعطاء والحرمان أمر لازم لصفة الملك، وأن صفة الملك تقتضي ذلك ولا بد، وأن تعطيل هذه الصفة أمر ممتنع. فالملك الحق مقتضي إرسال الرسل وإنزال الكتب وأمر العباد ونهيهم وثوابهم وعقابهم) (١).\nخامسًا: أن لكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها. من عرفها أثمرت له أنواعًا من العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه (٢).\nسادسًا: من مقتضيات العبودية لله بأسمائه الحسنى التجرد عن مطالعة الأسباب، والوقوف أو الالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان والإنعام عليه من غير وسيلة من العبد.\nسابعًا: أن العبادة موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها، وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات، وأعظم الناس سعادة أعظمهم عبودية لله.\nومما تجدر الإشارة إليه ... أن معرفة هذه الآثار على التفصيل لا تجب على كل أحد بل كل بحسبه، فيجب على العالم ما لا يجب على غيره، ولا يعني هذا أيضًا أن تعرف كل آثار أسماء الله ﵎ لأن هذا محال على البشر معرفته، وليس في مقدورهم الإحاطة به علمًا، لأنه قد منع من ذلك فقال ﷿: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]. منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي الغامدي– ص: ١٦٦\n_________\n(١) «التبيان في أقسام القرآن» (ص: ٥٠).\n(٢) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٥١٠) وما بعدها، وانظر: «طريق الهجرتين» (ص: ١٢٢).","vol":"2","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>المبحث الأول: الآثار الإيمانية العامة للأسماء والصفات</span>\nإن للتعبد بالأسماء والصفات آثارا كثيرة على قلب العبد وعمله، قال العز بن عبد السلام: (اعلم أن معرفة الذات والصفات مثمرة لجميع الخيرات العاجلة والآجلة، ومعرفة كل صفة من الصفات تثمر حالا علية، وأقوالا سنية، وأفعالا رضية، ومراتب دنيوية، ودرجات أخروية، فمثل معرفة الذات والصفات كشجرة طيبة أصلها – وهو معرفة الذات – ثابت بالحجة والبرهان، وفرعها – وهو معرفة الصفات – في السماء مجدا وشرفا تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ من الأحوال والأقوال والأعمال بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم: ٢٥] وهو خالقها إذ لا يحصل شيء من ثمارها إلا بإذنه وتوفيقه، منبت هذه الشجرة القلب الذي إن صلح بالمعرفة والأحوال صلح الجسد كله) (١).\nوهذه إشارة موجزة إلى بعض تلك الآثار؛ إذ تقصي تلك الآثار أمر في غاية العسر، ويجزئ منها ما يبلغ القصد:\nأولًا: محبة الله.\nمن تأمل أسماء الله وصفاته وتعلق قلبه بها طرحه ذلك على باب المحبة، وفتح له من المعارف والعلوم أمورا لا يعبر عنها (٢)، وإن من عرف الله أورثه ذلك المحبة له ﷾، قال ابن الجوزي: (فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجد في الخدمة لعل ذلك يورث المحبة ... ذلك الغنى الأكبر، ووافقراه) (٣).\nومراده أن من عرف الله أحبه، ومن أحب الله أحبه الله، وذلك والله هو الفوز العظيم والجنة والنعيم، والمحبة هي المنزلة التي (فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبوب وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، والتي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه) (٤).\nحب الله هو الفطرة:\nوحب الله هو فطرة القلب التي فطر عليها، قال ابن تيمية: (والقلب إنما خلق لأجل حب الله تعالى، وهذه الفطرة التي فطر الله عليها عباده كما قال النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء»، ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرأوا إن شئتم: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠] أخرجه البخاري ومسلم (٥)، فالله سبحانه فطر عباده على محبته وعبادته وحده فإذا تركت الفطرة بلا فساد كان القلب عارفا بالله محبا له عابدا له وحده) (٦).\n_________\n(١) «شجرة المعارف والأحوال» (ص: ١٤ - ١٥).\n(٢) انظر: «مفتاح دار السعادة» (١/ ٢٨٦).\n(٣) «صيد الخاطر» (ص: ٧٠).\n(٤) «مدارج السالكين» (٣/ ٦ - ٧).\n(٥) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"2","page":307},{"text":"ومن سلك طريق التأمل في الأسماء والصفات ولاحظ نعم الله عليه كيف لا يكون حب الله تعالى أعظم شيء لديه، قال أبو سليمان الواسطي: (ذكر النعم يورث المحبة) (١)، وقال ابن القيم: (فإذا انضم داعي الإحسان والإنعام إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها وأشدها نقصًا وأبعدها من كل خير، فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أوصافه وأخلاقه، وإذا كانت هذه فطرة الله التي فطر عليها قلوب عباده، فمن المعلوم أنه لا أحد أعظم إحسانًا منه ﷾، ولا شيء أكمل منه ولا أجمل، فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعه ﷾، وهو الذي لا يحد كماله ولا يوصف جلاله وجماله، ولا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه بجميل صفاته وعظيم إحسانه وبديع أفعاله، بل هو كما أثنى على نفسه وإذا كان الكمال محبوبًا لذاته ونفسه وجب أن يكون الله هو المحبوب لذاته وصفاته؛ إذ لا شيء أكمل منه، وكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته وأفعاله دالة عليها، فهو المحبوب المحمود على كل ما فعل وعلى كل ما أمر؛ إذ ليس في أفعاله عبث ولا في أوامره سفه، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة، وكل واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناء والمحبة عليه، وكلامه كله صدق وعدل، وجزاؤه كله فضل وعدل، فإنه إن أعطى فبفضله ورحمته ونعمته، وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته\nما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع\nإن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع (٢)\nسرور القلب بمحبة الله:\nوإذا شمر العبد إلى تلك المنزلة ورام الوصول إليها وعرف الله بأسمائه وصفاته التفت القلب إلى الله وخلى عن كل ما عداه فـ (لم يكن شيء أحب إليه منه، ولم تبق له رغبة فيما سواه إلا فيما يقربه إليه ويعينه على سفره إليه) (٣).\nقال يحيى بن أبي كثير: (نظرنا فلم نجد شيئًا يتلذذ به المتلذذون أفضل من حب الله تعالى وطلب مرضاته).\nفكأن لسان الحال يقول:\nكل محبوب سوى الله سرف ... وهموم وغموم وأسف\nكل محبوب فمنه خلف ... ما خلا الرحمن ما منه خلف (٤)\nوقال ابن تيمية: (وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله) (٥).\nمحبة الله باعث التوحيد والطاعة:\nولذا كانت محبة الله مقتضية لعدم التشريك بينه وبين غيره فهي باعث التوحيد، ألا ترى أن القلب له وجه واحد: مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: ٤]، فإذا مال إلى جهة لم يمل إلى غيرها، وليس لأحد قلبان يوحد بأحدهما ويشرك بالآخر (٦).\nقال صديق حسن: (محبة الله إذا استغرق بها القلب واستولت عليه لم تبعث الجوارح إلا إلى مراضي الرب، وصارت النفس حينئذ مطمئنة بإرادة مولاها عن ماردها وهواها، يا هذا اعبد الله لمراده منك لا لمرادك منه)، وقال: (من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه فراغ لشيء من إرادة النفس والهوى) (٧).\nفإلى من ابتلي بهواه حتى ألم به من جوانبه وأعياه هذا هو الدواء لكل داء والبلسم للشفاء، تأمل في أسماء الخالق العظيم وصفاته لتتلمس محبته وما يقربك إليه.\n_________\n(١) «المحبة لله سبحانه» لإبراهيم بن الجنيد (ص: ٢٤).\n(٢) «طريق الهجرتين» (ص: ٥٢٠ - ٥٢١).\n(٣) «روضة المحبين» (ص: ٤٠٦).\n(٤) «المحبة لله سبحانه» لإبراهيم بن الجنيد (ص: ٤٤، ١٠١).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٢).\n(٦) لاحظ «روضة المحبين» (ص: ٢٩٥).\n(٧) «الدين الخالص» (١/ ١٦٧).","vol":"2","page":308},{"text":"وإذا أردت كمال العبودية فاعلم أنه تابع لكمال المحبة، وذلك تابع لكمال المحبوب في نفسه، ولما أن كان الله تعالى له الكمال المطلق من كل وجه بحيث لا يعتريه توهم النقص فإن القلوب السليمة والفطر المستقيمة والعقول الحكيمة لا تلتفت إلا إليه ولا تريد أحدًا سواه ولا تقبل بحبها إلا إليه سبحانه، وحينذاك فلا تقبل إلا لما تقتضيه تلك المحبة من عبوديته وطاعته وأتباع مرضاته واستفراغ الجهد في التعبد له والإنابة إليه.\nقال ابن القيم: (وهذا الباعث أكمل بواعث العبودية وأقواها حتى لو فرض تجرده عن الأمر والنهي والثواب والعقاب استفرغ الوسع واستخلص القلب للمعبود الحق) (١).\nوإياك أن يخلو قلبك من الحب لله تعالى أو أن تملئه من محبة غيره فإن الله تعالى يغار على قلب عبده أن يكون معرضًا عن حب، فالله تعالى خلقك لنفسه واختارك من بين خلقه، ولتعلم أن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرًا سلط على قلبه إذا أعرض عنه واشتغل بحب غيره أنواع العذاب حتى يرجع قلبه إليه وإذا اشتغلت جوارحه بغير طاعته ابتلاها بأنواع البلاء (٢).\nوبعد هذا اللهج بقولك: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقرب على حبك (٣)، فقد كان هذا من دعاء سيد المحبين ﷺ، فأكثر منه لعل الله تعالى أن يفتح لك الباب، فإن من أكثر الطرق ولج بإذن الله تعالى.\nثانيًا: الذل والتعظيم.\nمن تحقق بمعاني الأسماء والصفات شهد قلبه عظمة الله تعالى فأفاض على قلبه الذل والانكسار بين يدي العزيز الجبار.\nسجود القلب:\nولا شك أن تمام العبودية لا يتم إلا بتمام الذل والانقياد لله، وأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلا وافتقارا وخضوعا بحيث يحصل للقلب انكسار خاص لا يشبهه شيء فهو يرى حينئذ أنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من خالقه وربه ومولاه، وحينئذ يستكثر القليل من الخير على نفسه كأنه لا يستحقه، ويستكثر قليل معاصيه لعظمة الله تعالى في قلبه، وذلك هو سجود القلب، سئل بعض العارفين أيسجد القلب؟ قال: نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء.\nومن سجد هذه السجدة سجدت معه جميع جوارحه، وعنا الوجه للحي القيوم، ووضع خده على عتبة العبودية التي يقول عنها ابن تيمية: (من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية) ...\nوإذا تأمل العبد ذلك ألا يدعوه إلى تعظيم الخالق العظيم، فلا يستصغر في حقه معصية قط مهما صغرت، ولا يستعظم في حقه طاعة قط مهما عظمت.\nقال القرافي في سر تحريم العجب: (إنه سوء أدب على الله تعالى، فإن العبد لا ينبغي له أن يستعظم ما يتقرب به إلى سيده، بل يستصغره بالنسبة إلى عظمة سيده لا سيما عظمة الله تعالى، ولذلك قال الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزُّمر: ٦٧] أي ما عظموه حق تعظيمه) (٤).\nفانظر وفقك الله كيف يثمر التأمل في الأسماء والصفات والتعبد بها من معرفة عظمة الله تعالى، وما يثمره ذلك من الأدب مع الله والذل بين يديه واحتقار كل عمل يتقرب به إليه إذ هو قليل في حق عظمته تعالى، وما يثمره ذلك من الخوف منه والبعد عن معاصيه؛ إذ كل عظيم يخشى من مخالفة أمره والوقوع في نهيه فكيف بأعظم عظيم جل وعلا.\nثالثًا: الخشية والهيبة.\n_________\n(١) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٨٨ - ٨٩).\n(٢) انظر: «روضة المحبين» (ص: ٣١٠).\n(٣) رواه الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٣) (٢٢١٦٢)، والطبراني (٢٠/ ١٠٩) (٢١٦)، والحاكم (١/ ٧٠٢، رقم ١٩١٣). من حديث معاذ بن جبل ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» (٤/ ٧٣): صحيح.\n(٤) «الفروق» (٤/ ٢٢٧).","vol":"2","page":309},{"text":"قال ابن القيم: (كلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه، كما قال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨] أي العلماء به، وقال النبي ﷺ: «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية» (١» (٢).\nوفي قول تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ يقول البحر ابن عباس في معنى الآية: (إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني) (٣).\nوقال ابن كثير: (إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر) (٤).\nوكيف لا يخشع القلب ويهاب إذا امتلأ بالحب والتعظيم والمعرفة بالخالق العظيم، فإن من عرف الله صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله وحده (٥).\nرابعًا: اليقين والسكينة والطمأنينة.\nمن عبد الله بأسمائه وصفاته وتحقق من معرفة خالقه جل وعلا، وعظمه حق تعظيمه فإنه ولا شك يصل إلى درجة اليقين.\nقال ابن القيم: (فاليقين هو الوقوف على ما قام بالحق من أسمائه وصفاته ونعوت كماله وتوحيده) (٦).\nوباليقين مع الصبر تنال الإمامة في الدين، قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: ٢٤].\nوتلك المنزلة العالية الرفيعة هي روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصديقية، ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط وغم وامتلأ محبة لله وخوفا منه ورضى به وشكرا له وتوكلا عليه وإنابة إليه، قال أبو بكر الدقاق: (اليقين ملاك القلب وبه كمال الإيمان، وباليقين عرف الله، وبالعقل عقل عن الله).\nوإذا تيقن القلب نزلت السكينة، وهي الطمأنينة والسكون الذي ينزل في القلب عند اشتداد المخاوف والبلاء، فيزداد ذلك القلب إيمانًا وثباتا، ويكسو الجوارح خشوعا ووقارا، ويضفي على اللسان حكمة وصوابا (٧).\nخامسًا: الرضا.\nوالرضا من ثمرات المعرفة بالله، فمن عرف الله بعدله وحكمه وحكمته ولطفه أثمر ذلك في قلبه الرضا بحكم الله وقدره في شرعه وكونه فلا يتعرض على أمره ونهيه ولا على قضائه وقدره، بل تراه: (قد يجري في ضمن القضاء مرارات يجد بعض طعمها الراضي، أما العارف فتقل عنده المرارات لقوة حلاوة المعرفة، فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة صارت مرارة الأقدار حلاوة كما قال القائل:\nعذابه فيك عذب ... وبعده فيك قرب\nوأنت عندي كروحي ... بل أنت منها أحب\nحسبي من الحب أني ... لما تحب أحب (٨)\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١٠١)، ومسلم (٢٣٥٦). بلفظ: «إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية». من حديث عائشة ﵂.\n(٢) «روضة المحبين» (ص: ٤٠٦).\n(٣) «زاد المسير» (٦/ ٤٨٦).\n(٤) «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٥٦١).\n(٥) لاحظ «روضة المحبين» (ص: ٤٠٦).\n(٦) «مدارج السالكين» (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠) وانظر لليقين منه (١/ ٤١٣ وما بعدها).\n(٧) انظر: «مدارج السالكين» (٣٢/ ٥٢٥ - ٥٢٧).\n(٨) «صيد الخاطر» (ص: ٦٩).","vol":"2","page":310},{"text":"وقد كان من سؤال الحبيب ﷺ: «أسألك الرضا بعد القضا» (١).\nوإنما يرضى المؤمن العارف بأسماء الله وصفاته بحكم الله وقضائه؛ لأنه يعلم أن تدبير الله له خير من تدبيره لنفسه، وأنه تعالى أعلم بمصلحته من نفسه، وأرحم به من نفسه، وأبر به من نفسه، ولذا تراه يرضى ويسلم، بل إنه يرى أن هذه الأحكام القدرية الكونية أو الشرعية إنما هي رحمة وحكمة، وحينئذ لا تراه يعترض على شيء منها، بل لسان حاله: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولا، وذلك والله محض الإيمان.\nسادسًا: التوكل.\nإن من أجل ما يثمره التعبد بالأسماء والصفات أن يعتمد القلب على الله ويخلص في تفويض أمره إليه، وذلك حقيقة التوكل على الله.\nوالتوكل من أعظم العبادات تعلقا بالأسماء والصفات، ذلك أن مبناه على أصلين عظيمين.\nالأول: علم القلب، وهو يقينه بعلم الله وكفايته وكمال قيامه بشأن خلقه، فهو القيوم سبحانه الذي كفى عباده شئونهم، فبه يقومون وله يصمدون.\nوالثاني: عمل القلب، وهو سكونه إلى العظيم الفعال لما يريد وطمأنينته إليه وتفويض أمره إليه ورضاه وتسليمه بتصرفه وفعله؛ إذ كل شيء يمضي ويكون فبحكمه وحكمته وقدره وعلمه، لا ينفذ شيء في الأرض ولا في السماء عن قدرته، فله الحكم كله، وإليه يرجع الأمر كله (٢).\nومتى ما أخلص القلب ذلك لله علما وعملا كان من سابقي المتوكلين وصادقي المفوضين والمستسلمين، وإنه والله لغاية الأنس والعز أن يعتمد الإنسان في جميع أمره وشأنه على الله تعالى.\nولما أن كان هذان الأمران إنما ينبنيان على العلم بهذا الباب العظيم باب الأسماء والصفات قال بعض العلماء مفسرا التوكل بأنه المعرفة بالله، وإنما أراد أنه بحسب معرفة العبد بالله تعالى وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا وتعبده بها وعلمه بقدرة الله وكفايته وتمام علمه وقيوميته وصدور الأمور عن مشيئته يصح له التوكل ويتم له ويتحقق، قال ابن القيم: (كلما كان بالله أعرف كان توكله عليه أقوى)، ولذا قال ابن تيمية: (لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف ولا من القدرية النفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب ﷻ ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات) (٣).\nسابعًا: الدعاء.\nإن من تأمل شيئا من أسماء الله وصفاته فإنها بلا شك ستقوده إلى أن يتضرع إلى الله بالدعاء ويبتهل إليه بالرجاء، فمن تأمل قرب الله تعالى من عبده المؤمن، وأن الله تعالى هو القريب المجيب والبر الرحيم والمحسن الكريم فإن ذلك سيفتح له باب الرجاء وإحسان الظن بالله وسيدفعه إلى الاجتهاد في الدعاء والتقرب إلى الله به.\nبل إن من تأمل وتعبد بالأسماء والصفات لا يقتصر على مجرد الدعاء، بل سيفيض عليه ذلك الأمر حضور القلب وجمعيته بكليته على الله تعالى فيرفع يديه ملحا على الله بالدعاء والسؤال والطلب والرجاء.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١٩١) (٢١٧١٠)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٣٤)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٤٢٦)، والحاكم (١/ ٦٩٧)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٣١٤). من حديث زيد بن ثابت ﵁. والحديث صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح عند ابن خزيمة - كما أشار إلى ذلك في المقدمة – وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في (تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم).\n(٢) انظر: «طريق الهجرتين» (ص: ٤٢٦).\n(٣) «مدارج السالكين» (٢/ ١٢٣) وانظر: «طريق الهجرتين» (ص: ٤٢٣).","vol":"2","page":311},{"text":"وإنما كان الدعاء من أجل ثمرات العلم بالأسماء والصفات، وكان هو سلاح المؤمن، وميدان العارف، ونجوى المحب، وسلم الطالب، وقرة عين المشتاق، وملجأ المظلوم لما فيه من المعاني الإلهية العظيمة، ولذا قال ابن عقيل مبينا شيئا من هذه المعاني: (قد ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معان:\nأحدها: الوجود، فإن من ليس بموجود لا يدعى.\nالثاني: الغنى، فإن الفقير لا يدعى.\nالثالث: السمع، فإن الأصم لا يدعى.\nالرابع: الكرم، فإن البخيل لا يدعى.\nالخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يدعى.\nالسادس: القدرة، فإن العاجز لا يدعى) (١).\nثامنًا: الإخلاص.\nإن إدراك معاني الأسماء والصفات على التحقيق يحمل العبد على إفراد الله بالقصد والابتعاد عن صرف شيء من العبادة لغيره تعالى، ولذا كان من أعظم ما يخلص العبد من دنس الرياء ملاحظة أسماء الله وصفاته، فمن لاحظ من أسماء الله الغني دفعه ذلك إلى الإخلاص لغنى الله تعالى عن عمله وفقره هو إلى الله ﷿ قال الله ﵎: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٢).\nومن تأمل اسم الله العليم فإنه يعلم أن ما أخفاه عن أعين الناس من ملاحظة الخلق لا يخفى على الله لعلمه التام بكل شيء، ومن تأمل اسم الله الحفيظ حمله ذلك على ترك الرياء؛ لأن كل ما يفعله العبد محفوظ عليه سيوافى به يوم القيامة.\nوإذا صنع ذلك كان عمله كله لله، فحبه لله، وبغضه لله، وقوله لله، ولحظه لله، وعطاؤه لله، ومنعه لله، فلا يريد من الناس جزاء أو شكورا، ولسان حاله: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان: ٩]\nوإن تقصير العبد في إخلاصه ووقوعه في الرياء أو قصد غير الله إنما هو بسبب جهله بأسماء الله وصفاته، ولذا قال ابن رجب: (ما تظاهر المرائي إلى الخلق بعمله إلا بجهله بعظمة الخالق) (٣).\nذلك أن من امتلأ قلبه بعظمة الله فإنه يستصغر كل من سواه ... ولم يتعلق بغير الله، والله تعالى له الأمر كله، فلا يكون في الكون شيء إلا بأمره وعلمه.\nتاسعًا: التلذذ بالعبادة.\nإن من أعظم المنح الربانية منحة التلذذ بالعبادة، فإذا قام العبد بالعبادة وجد لها من اللذة كما يجد المتذوق طعم الحلاوة في فمه ووجد في قلبه من الأنس والانشراح والسعادة ما لا يجده في وقت آخر، وحينئذ تكون العبادة راحة نفسه وطرب قلبه فيكون لسان حاله أرحنا بالعبادة يا بلال، كما كان النبي ﷺ يقول في الصلاة: «قم يا بلال فأرحنا بالصلاة» (٤)، فتكون الصلاة لما فيها من القرب لله والمناجاة له والتلذذ بكلامه والتذلل له والتعبد بأسمائه قرة العين وسلوة الفؤاد، ولذا كان النبي ﷺ يقول: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (٥).\n_________\n(١) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (ص: ٦٧٨).\n(٢) رواه مسلم (٢٩٨٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «تحقيق كلمة الإخلاص» (ضمن مجموعة رسائل له، ت: العزازي: ٥٣).\n(٤) رواه أبو داود (٤٩٨٦). من حديث صهر لمحمد بن الحنفية. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٤/ ١٦٧): كلام صحيح معقول، وقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (١/ ٦٣): إسناده على شرط البخاري.\n(٥) رواه أحمد (٣/ ١٢٨) (١٢٣١٥)، والنسائي (٧/ ٦١)، وأبو يعلى (٦/ ٢٣٧) (٣٥٣٠)، والحاكم (٢/ ١٧٤)، والبيهقي (٧/ ٧٨) (١٣٢٣٢). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال البيهقي: له متابعة، ورواه جماعة من الضعفاء عن ثابت، وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ١٧٧): إسناده قوي.","vol":"2","page":312},{"text":"قال ابن تيمية: (فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله ﷾ وتوحيده والإيمان به وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول فيها إن كان أهل الجنة في هذه الحال إنهم لفي عيش طيب، وقال آخر: لتمر على القلب أوقات يرقص فيها طربا، وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة، ولهذا كان النبي ﷺ يقول: «أرحنا بالصلاة يا بلال»، ولا يقول أرحنا منها كما يقوله من تثقل عليه الصلاة كما قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ [البقرة: ٤٥]، والخشوع: الخضوع لله تعالى والسكون والطمأنينة إليه بالقلب والجوارح) (١).\nخفة العبادة بسبب لذتها:\nوبتحصيل هذه اللذة يخف ثقل العبادة على القلب، بل قد تزول تلك المشقة فتكون العبادة بردا وسلاما على القلب، قال الشاطبي: (والضرب الثاني شأنه أن لا يدخل عليه ذلك الملل ولا الكسل لوازع هو أشد من المشقة أو حاد يسهل به الصعب، أو لما له في العمل من المحبة ولما حصل له فيه من اللذة حتى خف عليه ما ثقل على غيره، وصارت تلك المشقة في حقه غير مشقة بل يزيده كثرة العمل وكثرة العناء فيه نورا وراحة أو يحفظ عن تأثير ذلك المشوش في العمل بالنسبة إليه أو إلى غيره كما جاء في الحديث: «أرحنا بها يا بلال» (٢).\nتأمل الأسماء والصفات طريق للذة العبادة:\nوإذا تبين ذلك فإن من أعظم ما يحصل به لذة العبادة هو تأمل الأسماء والصفات وتعبد الله بها ومراعاتها في كل عبادة يأتي بها العبد أو يتركها.\nفإذا تصدق العبد بالقليل مستشعرا أن الله شكور لا يضيع عمله، بل يبارك له فيه ولو كان قليلا كان ذلك مدخلا على قلبه الفرح والسرور بربه ووجد في قلبه حلاوة عظيمة لعمله.\nومن صلى لله تعالى متذكرا حينما قام لله صافا قدميه قيومية الله تعالى وأن الله قائم بذاته وعباده لا يقومون إلا به ﷾، ثم إذا كبر ورفع يديه استشعر أن الله أكبر من كل شيء، وشاهد كبرياء الله وعظمته وجلاله، ثم إذا قرأ دعاء الاستفتاح استشعر ما فيه من تنزيه الرب عن كل نقص، وإذا استعاذ وبسمل التجأ بقلبه إلى الركن الركين وتبرأ من كل حول واعتصم بالله من عدوه واستعان به لا بغيره، ثم إذا قرأ الفاتحة استشعر ما فيها من استحقاق الله لكل المحامد وألوهيته وربوبيته ورحمته بخلقه وملكه لكل شيء، واستحضر أنه يناجي ربه وأن ربه يجيبه على مناجاته كما في الصحيح: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (٣).\nثم تذكر عظمة الله وعلوه، وتذكر خضوعه وتذلله بين يدي ربه بركوعه وسجوده وانكساره، وتأمل ذلك وهو يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، إذا صنع ذلك في صلاته كيف لا يصلي صلاة مودع، وكيف لا يتلذذ بصلاته وعبادته (٤) ...\nوما سبق هو جنس من العبادة، وكل عبادة يقدم عليها العبد مستشعرا هذه المعاني، وقد امتلأ قلبه بالحب للخالق العظيم فإنه ولا بد يحصل لذتها والأنس بها، وفي الحديث: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٥). التعبد بالأسماء والصفات لمحات علمية إيمانية لوليد بن فهد الودعان - بتصرف – ص: ٦٤\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١) وهي رسالة يتحدث فيها عن نعم الله عليه وهو في السجن.\n(٢) «الموافقات» (٢/ ٢٤٠) وحديث عن أضرب الناس في تأثرهم من خوضهم في العمل الشاق، وانظر «كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة» (مع مجموعة رسائل لابن رجب ت: عاجل العزازي، ص: ١٠٨).\n(٣) رواه مسلم (٣٩٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) انظر كتاب «الصلاة» لابن القيم (ص: ١٧١) وما بعدها.\n(٥) رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣). من حديث أنس ﵁.","vol":"2","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>أولا: الآثار الإيمانية لاسم الله الرحمن</span>\nوإن من تأمل هذا الاسم الكريم أثمر ذلك في قلبه أمورا عظيمة، ومنها:\nأولا: الحب:\nفقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها وكيف لا يحب الإنسان من أفاض عليه رحمته وعطفه ومنته وفضله ومن هو أرحم به من أمه، جاء في الصحيح أنه قدم على رسول الله ﷺ بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذ وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار»، قالوا: لا والله وهي تقدر على أن لا تطرح، فقال رسول الله ﷺ: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (١).\nثانيا: الرجاء وحسن الظن بالله:\nقال العز بن عبد السلام: (من عرف سعة رحمة الله كان حاله الرجاء) (٢)، وفي الصحيح: «قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي» (٣).\nوفي الحديث عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷿: «قال أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎، عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب أعمل ما شئت فقد غفرت لك» (٤).\nوفي الحديث: «أسرف رجل على نفسه –وفي رواية لم يعمل حسنة قط- فلما حضره الموت أوصى بنيه، فقال إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه به أحدا، قال ففعلوا ذلك به فقال للأرض أدى ما أخذت فإذا هو قائم، فقال له ما حملك على ما صنعت، فقال خشيتك يا رب أو قال مخافتك، فغفر له بذلك» (٥).\nوقد دخل حماد بن سلمة على الثوري، فقال سفيان: أترى أن الله يغفر لمثلي، فقال حماد: والله لو خيرت بين محاسبة الله إياي وبين محاسبة أبوي لاخترت محاسبة الله؛ وذلك لأن الله أرحم بي من أبوي.\nومما يزيد العبد تعلقا بربه وإحسان الظن به أن الله تعالى يشكر عمل عبده مع قلته، بل ويغفر لصاحبه بسببه، وفي الحديث: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغر له»، قالوا يا رسول الله وإن لنا في هذه البهائم لأجرا، فقال: «في كل كبد رطبة أجر» (٦)، وفي لفظ «أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها فغفر لها» (٧).\nوفيه: «كان على الطريق غصن شجرة يؤذي الناس فأماطها رجل فأدخل الجنة» (٨).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤). من حديث عمر ﵁.\n(٢) «مختصر الفوائد في أحكام المقاصد» (ص: ٢٠٣ - ٢٠٤) وانظر «شجرة المعارف والأحوال» (ص: ٨٣).\n(٣) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٣٤٨٢)، ومسلم (٢٧٥٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) رواه البخاري (٢٣٦٣)، ومسلم (٢٢٤٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) رواه البخاري (٣٤٦٧)، ومسلم (٢٢٤٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٨) رواه ابن ماجه (٢٩٨٤)، وأحمد (٢/ ٤٩٥) (١٠٤٣٦). من حديث أبي هريرة ﵁. وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"2","page":314},{"text":"وفيه: «كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه» (١).\nوإن من حسن الظن بالله أن ترى البلاء رحمة ونعمة فكم من محنة محصت الذنوب ونبهت من الغفلة وذكرت بالنعمة، وكم من محنة أصبحت منحة أعادت إلى الله وأنقذت من شرك الشيطان:\nإذا سر بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر\nوما منهما إلا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر\nفإذا أصابك البلاء فهو رحمة، وقد سمى النبي ﷺ الطاعون رحمة، فعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون، فخبرها ﷺ: «أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد» (٢).\nولو لم يكن في البلاء إلا تكفير الذنوب لكفى في كونه رحمة وفضلا، وفي الحديث: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (٣)، وفيه: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها» (٤)، وفي الترمذي: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» (٥).\nوقد يرى العبد الأمر شرا وهو خير له كما رأى موسى فعل الخضر شرا فكان خيرا.\nثالثا: الحياء:\nإن التأمل في إحسان الله ورحمته يورث العبد حياء منه ﷾، فيستحي العبد المؤمن من خالقه أن يعصيه، ثم إن وقع في الذنب جهلا منه استحيا من الله بعد وقوعه في الذنب، ولذا كان الأنبياء يعتذرون عن الشفاعة للناس بذنوبهم خوفا وخجلا، وإن هذا لأمر قل من ينتبه له، بل قد يظن كثير من الناس أن التوبة والعفو قد غمر ذنوبه فلا يلتفت إلى الحياء بعد ذلك.\nكان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة والصوم حتى يصفر جسده فلما احتضر بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: ما لي لا أجزع، والله لو أتيت بالمغفرة من الله لأهمني الحياء منه مما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين آخر الذنب الصغير فيعفو عنه فلا يزال مستحييا منه.\nو«الله أحق أن يستحيا منه من الناس» (٦).\nرابعًا: رحمة الخلق:\nومن استشعر رحمة الله تعالى وشاهد ذلك بقلب صادق أفاض على قلبه رحمة الخلق، ولذا كان النبي ﷺ أرحم الخلق بالخلق، وسماه ربه رحيما فقال تعالى: بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨].\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٠٧٨)، ومسلم (١٥٦٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٥٧٣٤). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) رواه البخاري (٥٦٤١، ٥٦٤٢)، ومسلم (٢٥٧٣). من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄.\n(٤) رواه البخاري (٥٦٤٠)، ومسلم (٢٥٧٢). من حديث عائشة ﵂.\n(٥) رواه الترمذي (٢٣٩٩)، وأحمد (٢/ ٤٥٠) (٩٨١٠)، وابن حبان (٧/ ١٧٦) (٢٩١٣)، والحاكم (٤/ ٣٥٠). من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٣٣) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٦) رواه أبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، وابن ماجه (١٩٢٠)، وأحمد (٥/ ٣) (٢٠٠٤٦)، والحاكم (٤/ ١٩٩). من حديث معاوية بن حيدة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في «هداية الساري» (٢٠).","vol":"2","page":315},{"text":"وقد أبصر الأقرع بن حابس النبي ﷺ يقبل الحسن، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم، فقال رسول الله ﷺ: «إنه من لا يرحم لا يرحم» (١).\nولما قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ قالوا: أتقبلون صبيانكم، فقالوا نعم، فقالوا لكن والله ما نقبل، فقال رسول الله ﷺ: «وأملك إن كان الله نزع منك الرحمة» (٢).\nوتتبين آثار رحمته ﷺ حينما رأى ابنه إبراهيم وهو في سكرات الموت، قال أنس لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون» (٣) وفي رواية البخاري: «فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله فقال: يا ابن عوف إنها رحمة» (٤).\nوقد حث النبي ﷺ على الرحمة، بل وجعلها سببا لرحمة الله تعالى، وجعل من نزعت منه الرحمة شقيا، فقال ﷺ: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ﷿» (٥)، وقال ﷺ: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» (٦)، وكان ابن لبعض بنات النبي ﷺ يقضي فأرسلت إليه أن يأتيها فأرسل: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل إلى أجل مسمى فلتصبر ولتحتسب»، فأرسلت إليه فأقسمت عليه، فقام رسول الله ﷺ ومعه أسامة ومعاذ بن جبل وسعد بن عبادة، فلما دخل ناولوا رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تقعقع في صدره فبكى رسول الله ﷺ، فقال سعد بن عبادة أتبكي! فقال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (٧)، وفي الترمذي: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٨).\nقال الطيبي: (أتي بصيغة العموم ليشمل جميع أصناف الخلق فيرحم البر والفاجر والناطق والبهم والوحوش والطير) (٩).\nرحمة تغيب عن كثير من الأذهان:\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨).\n(٢) رواه البخاري (٥٩٩٨)، ومسلم (٢٣١٧). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) رواه البخاري (١٣٠٣)، ومسلم (٢٣١٥).\n(٤) رواه البخاري (١٣٠٣).\n(٥) رواه البخاري (٧٣٧٦)، ومسلم (٢٣١٩). من حديث جرير بن عبدالله ﵁.\n(٦) رواه أبو داود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٣)، وأحمد (٢/ ٣٠١) (٧٩٨٨)، وابن حبان (٢/ ٢١٣) (٤٦٦)، والحاكم (٤/ ٢٧٧). من حديث أنس ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه الترمذي، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.\n(٧) رواه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣). من حديث أسامة بن زيد ﵁.\n(٨) رواه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤)، وأحمد (٢/ ١٦٠) (٦٤٩٤)، والحاكم (٤/ ١٧٥). من حديث عبدالله بن عمرو ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه العراقي في «الأربعون العشارية» (ص: ١٢٥).\n(٩) «تحفة الأحوذي» (٦/ ٥١).","vol":"2","page":316},{"text":"ومن الرحمة التي تغيب عن كثير من الأذهان رحمة عموم الخلق مسلمهم وكافرهم، قال ابن تيمية في أهل البدع: (ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر –والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم- رحمتهم ورفقت عليهم، وأتوا ذكاء وما أتوا زكاء، وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما، وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأحقاف: ٢٦] (١).\nوقال ابن القيم:\nوانظر بعين الحكم وارحمهم بها ... إذ لا ترد مشيئة الديان\nوانظر بعين الأمر واحملهم على ... أحكامه فهما إذا نظران\nواجعل لقلبك مقلتين كلاهما ... من خشية الرحمن باكيتان\nلو شاء ربك كنت أيضا مثلهم ... فالقلب بين أصابع الرحمن\nتنبيهان:\nوختاما للتأمل في هذا الاسم الكريم لا بد من التنبيه على أمرين: أولهما: أن رحمة الله الخاصة إنما تحصل بطاعة الله واتباع مرضاته فالله ﷿ يقول: إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦].\nوليس لمن عصى الله أن يتعلق باسمه الرحمن ليستمر في العصيان فالله تعالى يقول: نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]، وقد حج عمر بن عبد العزيز مع سليمان بن عبد الملك فأصابهم برق ورعد كادت تنخلع له قلوبهم، فقال سليمان: هل رأيت مثل هذه الليلة أو سمعت بها، قال: يا أمير المؤمنين هذا صوت رحمة الله فكيف لو سمعت صوت عذاب الله (٢). وفي الحديث: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد» (٣).\nثانيهما: أن ما ذكر من آثار وتأملات في هذا الاسم الكريم إنما هي قطرة من بحر وزهرة من بستان، فلو سودت الدفاتر والأوراق كلها ما أدركت جميع ما في هذا الاسم من الأسرار والمعاني، وهكذا كل اسم من أسماء الله تعالى، وإنما هي فتوحات يفتح الله بها لكل عبد بحسبه، ولو اجتمعت فتوحات الخلق جميعا لما أدركوا جميع ما في كل اسم من أسماء الله تعالى. التعبد بالأسماء والصفات لمحات علمية إيمانية لوليد بن فهد الودعان – ص: ٩٥\n_________\n(١) «الفتوى الحموية» (ص: ٥٥٣) وانظر كلاما جميل عن ذلك في «مدارج السالكين» (١/ ٤٥٩).\n(٢) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٥/ ١٥٣).\n(٣) رواه مسلم (٢٧٥٥). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-615>ثانيا: الآثار الإيمانية لاسم الله الجميل</span>\nإن التعبد باسمه الجميل يقتضي محبته والتأله له، وأن يبذل العبد له خالص المحبة وصفو الوداد، بحيث يسيح القلب في رياض معرفته، وميادين جماله، ويبتهج بما يحصل له من آثار جماله وكماله، فإن الله ذو الجلال والإكرام (١) ...\nعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال» (٢).\nفائدة مهمة: يشرع الدعاء للغير بالجمال، تأسيًا بالنبي ﷺ. عن عمرو بن أخطب ﵁ قال: استسقى رسول الله ﷺ، فأتيته بإناء فيه ماء وفيه شعرة، فرفعتها فناولته، فنظر إلي (رسول الله) ﷺ، فقال: «اللهم جمله». قال: فرأيته وهو ابن ثلاث وتسعين، وما في رأسه ولحيته شعرة بيضاء. (٣)\nوعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ مسح وجهه، ودعا له بالجمال (٤). نسأل الله جل وعلا أن يجمل قلوبنا وألسنتنا وأعمالنا. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ١١٤\nأن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالجمال فإنه يحرص على معرفة ربه تعالى بهذا الجمال الذي بهر القلوب والعقول فكان كل جمال في الوجود من آثار صنعته، فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال؟ قال الإمام ابن القيم: من أعز أنواع المعرفة معرفة الرب سبحانه بالجمال وهي معرفة خواص الخلق، وكلهم عرفه بصفة من صفاته، وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله، وجماله سبحانه ليس كمثله شيء في سائر صفاته، ولو فرضت الخلق كلهم على أجملهم صورة وكلهم على تلك الصورة، ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سبحانه لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس، ويكفي في جماله: (أنه لو كشف عن وجهه لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه)، ويكفي في جماله أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال، ويكفي في جماله أنه له العزة جميعًا، والقوة جميعًا، والجود كله والإحسان كله، والعلم كله، والفضل كله، والنور كله، وجهه أشرقت له الظلمات كما قال النبي ﷺ في دعاء الطائف: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة» (٥).\nولقد ضل في مفهوم الجمال أقوام قال عنهم الإمام ابن القيم:\nولكن ضل في هذا الموضوع فريقان: فريق قالوا كل ما خلقه جميل، فهو يحب كل ما خلقه، ونحن نحب جميع ما خلقه فلا ينبغي منه شيئا، قالوا: ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة وأنشد منشدهم:\nوإذا رأيت الكائنات بعينهم ... فجميع ما يحوي الوجود مليح\n_________\n(١) «المجموعة الكاملة» (٣/ ٢٢٨).\n(٢) رواه مسلم (٩١).\n(٣) رواه أحمد (٥/ ٣٤٠) (٢٢٩٣٢)، وابن حبان (١٦/ ١٣٢) (٧١٧٢)، والحاكم (٤/ ١٥٥)، والطبراني (١٧/ ٢٨) (١٣٧٣٥). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٣٨١): رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: ستون سنة، وإسناده حسن، وحسنه ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٥/ ٢٥٦).\n(٤) رواه أحمد (٥/ ٣٤١) (٢٢٩٤١)، وأبو يعلى (١٢/ ٢٤٠) (٦٨٤٧)، وابن حبان (١٦/ ١٣١) (٧١٧١). وصححه الألباني في «صحيح الموارد» (١٩٣٢)، والوادعي في «الصحيح المسند» (١٠٠٢).\n(٥) رواه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٧/ ٢٦٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٩/ ١٥٢). من حديث عبدالله بن جعفر ﵄. قال ابن عدي: لم نسمع أن أحدا حدث بهذا الحديث غير أبي صالح الراسبي، وضعفه الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٢٩٣٣).","vol":"2","page":318},{"text":"واحتجوا بقوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة: ٧] وقوله: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨] وقوله: مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ [الملك: ٣]، والعارف عندهم هو الذي يصرح بإطلاق الجمال، ولا يرى في الوجود قبيحًا، وهؤلاء قد عدمت الغيرة لله من قلوبهم، والبغض في الله، والمعاداة فيه، وإنكار المنكر، والجهاد في سبيله وإقامة حدوده، ويرى جمال الصور من الذكور والإناث من الجمال الذي يحبه الله فيتعبدون بفسقهم فيها، وإن كان اتحاديًا قال: هي مظهر من مظاهر الحق، ويسميها المظاهر الجميلة.\nوقابلهم الفريق الثاني فقالوا: قد ذم الله سبحانه جمال الصور، وتمام القامة والخلقة، فقال عن المنافقين: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ [المنافقون: ٤] وقال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [مريم: ٧٤] أي أموالًا ومناظر. قال الحسن: هو الصور.\nوفي صحيح مسلم عنه ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (١). قالوا: ومعلوم أنه لم ينف نظر الإدراك، وإنما نفى نظر المحبة. قالوا: وقد حرم علينا لباس الحرير والذهب وآنية الذهب والفضة، وذلك من أعظم جمال الدنيا، وقال: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه: ١٣١] وفي الحديث: «البذاذة من الإيمان» (٢). وقد ذم الله المسرفين، والسرف كما يكون في الطعام والشراب يكون في اللباس. وفصل النزاع أن يقال: الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد ومنه ما يذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم. فالمحمود منه ما كان لله وأعان على طاعة الله، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له، كما كان النبي ﷺ يتجمل للوفود. وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه، فإن ذلك محمودًا إذا تضمن إعلاء لكلمة الله، ونصر دينه، وغيظ عدوه، والمذموم منه ما كان للدنيا والرئاسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه. فإن كثيرًا من النفوس ليس لها هم في سوى ذلك، وأما ما لا يحمد ولا يذم فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرد عن الوصفين. والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين: فأوله معرفة، وآخره سلوك، فيعرف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله في شيء، ويعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق وقلبه بالإخلاص والمحبة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ في الشعور المكروهة والختان وتقليم الأظافر، فيعرفه بصفات الجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة والسلوك (٣). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي الغامدي -بتصرف – ص: ٤٦٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٦٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه أبو داود (٤١٦١)، وابن ماجه (٣٣٤٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٢٢٧). من حديث أبي أمامة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٣٨١): صحيح، وصحح إسناده السفاريني في «شرح كتاب الشهاب» (٢٨١).\n(٣) «الفوائد» (ص: ٣٢٣ - ٣٢٧).","vol":"2","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-616>ثالثا: الآثار الإيمانية لاسم الله الرقيب</span>\nمن تعبد الله باسمه الرقيب أورثه ذلك المقام المستولي على جميع المقامات، وهو مقام المراقبة لله في حركاته وسكناته، لأن من علم أنه رقيب على حركات قلبه، وحركات جوارحه وألفاظه السرية والجهرية، ناظر إليه، سامع لقوله، وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة، وكل نفس وكل طرفة عين، واستدام هذا العلم، فإنه لابد أن يثمر له هذا المقام الجليل، وهذا سر عظيم من أسرار المعرفة بالله. انظروا إلى ثمراته وفوائده العظيمة، وإصلاحه للشؤون الباطنة والظاهرة (١). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ١٢٨\n١ - يجب على كل مكلف أن يعلم الله جل شأنه هو القريب على عباده، الذي يراقب حركاتهم وسكناتهم، وأقوالهم وأفعالهم بل ما يجول قلوبهم وخواطرهم، لا يخرج أحد من خلقه عن ذلك قال سبحانه وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة: ٢٣٥]. وقال رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: ٧].\nقال القرطبي: ورقيب بمعنى راقب، فهو من صفات ذاته، راجعة إلى العلم والسمع والبصر، فإن الله تعالى رقيب على الأشياء بعلمه المقدس عن مباشرة النسيان.\nورقيب للمبصرات ببصره الذي لا تأخذه سنه ولا نوم. ورقيب للمسموعات بسمعه المدرك لكل حركة وكلام. فهو سبحانه رقيب عليها بهذه الصفات،، تحت رقبته الكليات والجزئيات، وجميع الخفيات في الأرضين والسماوات، ولا خفي عنده بل جميع الموجودات كلها على نمط واحد في أنها تحت رقبته التي هي من صفته اهـ (٢).\nفمن كان لذلك ملاحظًا غير غافل عنه، راقب تصرفاته، ومعاملاته وعباداته، وسائر حياته، وفي ذلك صلاح دنياه وآخرته، بل بلوغه أعلى درجات الإيمان كما جاء في حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي ﷺ عن الإحسان فأجابه: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٣).\nقال ابن القيم: (المراقبة) دوام علم العبد، وتيقنه باطلاع الحق ﷾ على ظاهره وباطنه.\nفاستدامته لهذا العلم واليقين: هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه، ناظر إليه، سامع لقوله، وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين.\nقال: (والمراقبة) هي التعبد باسمه (الرقيب)، الحفيظ، العليم، السميع، البصير.\nفمن عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها، حصلت له المراقبة والله أعلم (٤). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٧٨\n_________\n(١) «فتح الرحيم الملك العلام» (ص: ٥٢).\n(٢) «الكتاب الأسنى» (٤٠١ - ٤٠٢).\n(٣) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) «مدارج السالكين» (٢/ ٦٥ - ٦٦) باختصار.","vol":"2","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-617>رابعا: الآثار الإيمانية لاسم الله المحسن</span>\nإن الله يحب من خلقه التعبد بمعاني أسمائه وصفاته، فهو جميل يحب الجمال، محسن يحب الإحسان، ولذا كتب الإحسان على كل شيء.\nعن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إن الله محسن يحب الإحسان، فإذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قلتم فأحسنوا» (١).\nوعن شداد بن أوس ﵁ قال: حفظت من رسول الله ﷺ اثنتين أنه قال: «إن الله محسن يحب الإحسان، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة؛ وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، ثم ليرح ذبيحته» (٢).\nفإذا كان العبد مأمورًا بالإحسان إلى من استحق القتل من الآدميين، وبإحسان ذبحة ما يراد ذبحه من الحيوان، فكيف بغير هذه الحالة؟ (٣)\nعن كليب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الله يحب من العامل إذا عمل أن يحسن» (٤).\nقال ابن القيم ﵀:\nوالله لا يرضى بكثرة فعلنا ... لكن بأحسنه مع الإيمان\nفالعارفون مرادهم إحسانه ... والجاهلون عموا عن الإحسان (٥)\nوالإحسان هو غاية الوجود الإنساني. قال ﷻ: الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ [الملك: ٢]. وقال تعالى: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: ٣٠]. وقال سبحانه: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف: ٧]، (ولم يقل: أكثر عملًا، فإذا عرف العبد أنه خلق لأجل أن يختبر في إحسان العمل، كان حريصًا على الحالة التي ينجح بها في هذا الاختبار؛ لأن اختبار رب العالمين يوم القيامة، من لم ينجح فيه جر إلى النار، فعدم النجاح فيه مهلكة، وقد أراد جبريل ﵇ أن ينبه أصحاب رسول الله ﷺ على عظم هذه المسألة وشدة تأكدها، فقال للنبي ﷺ في حديثه المشهور: يا محمد – صلوات الله وسلامه عليه – أخبرني عن الإحسان؟ أي: وهو الذي خلق الخلق من أجل الاختبار فيه، فبين له النبي ﷺ أن طرقه الوحيدة هي هذا الواعظ الأكبر، والزاجر الأعظم، الذي هو طريق المراقبة والعلم فقال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٦).) (٧).\nوالإحسان نوعان: إحسان في عبادة الله وهو: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٨). فهذان مقامان: أحدهما: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه واطلاعه عليه؛ فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله، فيراقبه في حركاته، وسكناته، وسره وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان.\nوالثاني: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة، فيصير كأنه يرى الله ويشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين.\n_________\n(١) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٦/ ٤٠) (٥٧٣٥). قال ابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ» (٤/ ١٩٨٤): [فيه] محمد بن بلال قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.\n(٢) رواه الطبراني (٧/ ٢٧٥) (٧١٢١). وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٨٢٤).\n(٣) «بهجة قلوب الأبرار» (ص: ١١٩).\n(٤) رواه الطبراني (١٩/ ١٩٩) (١٦١١٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٣٣٥). وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (١٨٩١، و٨٠٣٧).\n(٥) «الكافية الشافية» (ص: ٧٠).\n(٦) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).\n(٧) «العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير» (٥/ ٢٠٠).\n(٨) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).","vol":"2","page":321},{"text":"فمن وصل إلى هذا المقام، فقد وصل إلى نهاية الإحسان، وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان، فعرف ربه وأنس به في خلوته، وتنعم بذكره، ومناجاته، ودعائه (١).\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قدم على رسول الله ﷺ أناس من أهل البدو، فقالوا: يا رسول الله! قدم علينا أناس من قرابتنا، فزعموا أنه لا ينفع عمل دون الهجرة والجهاد؟ فقال رسول الله ﷺ: «حيثما كنتم، فأحسنوا عبادة الله، وأبشروا بالجنة» (٢).\nوالإحسان إلى المخلوقين (هو بذل المعروف القولي والفعلي والمالي إلى الخلق. فأعظم الإحسان تعليم الجاهلين، وإرشاد الضالين، والنصيحة لجميع العالمين.\nومن الإحسان: إعانة المحتاجين، وإغاثة الملهوفين، وإزالة ضرر المضطرين، ومساعدة ذوي الحوائج على حوائجهم، وبذل الجاه والشفاعة للناس في الأمور التي تنفعهم.\nومن الإحسان المالي: جميع الصدقات المالية، سواء كانت على المحتاجين، أو على المشاريع الدينية العام نفعها.\nومن الإحسان: الهدايا والهبات للأغنياء والفقراء، خصوصًا للأقارب والجيران، ومن لهم حق على الإنسان من صاحب ومعامل وغيرهم.\nومن أعظم أنواع الإحسان: العفو عن المخطئين المسيئين، والإغضاء عن زلاتهم، والعفو عن هفواتهم) (٣).\nومن كانت طريقته الإحسان، أحسن الله جزاءه. قال تعالى: هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، وهذا استفهام بمعنى التقرير؛ أي: هل جزاء من أحسن في عبادة الله وإلى عباد الله إلا أن يحسن الله جزاءه. وقال تعالى: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]؛ فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وقال تعالى: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥] ومحبة الله هي أعلى (٤) ما تمناه المؤمنون، وأفضل ما سأله السائلون، وسببها من العبد أن يكون من المحسنين في عبادته وإلى عباده، فينال من محبة الله ورحمته بحسب ما قام به من الإحسان (٥).\nومحبته – ﵎ – لعبده المؤمن شيء فوق إنعامه، وإحسانه، وعطائه، وإثابته، فإن هذا أثر المحبة وموجبها، أما هي فأعظم من ذلك وأشرف. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ١٤٨\n_________\n(١) «فتح الباري» (١/ ٢١١ - ٢١٣)، لابن رجب الحنبلي ﵀.\n(٢) رواه البيهقي (٩/ ١٧) (١٧٥٥٣).\n(٣) «فتح الرحيم الملك العلام» (ص: ١١٢ - ١١٣).\n(٤) «فتح الرحيم الملك العلام» (ص: ١١١ - ١١٢).\n(٥) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٥٩).","vol":"2","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>خامسا: الآثار الإيمانية لاسم الله الفتاح</span>\n١ - إن الفتح والنصر لا يكون إلا من الله ﷾، فهو يفتح على من يشاء ويخذل من يشاء. وقد نسب الله الفتوح لنفسه لينبه عباده على طلب النصر والفتح منه لا من غيره، وأن يعملوا بطاعته، وينالوا مرضاته ليفتح عليهم وينصرهم على أعدائهم. قال تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح: ١] وهو خطاب لرسوله الأمين ﷺ، وقال جل ثناؤه: فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ [المائدة: ٥٢]، وقال: وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصَّف: ١٣]. ومن ذلك: ما هيأ الله تعالى للمسلمين من أسباب النصر، والعز والمنعة يوم خيبر.\nعن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا، يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» (١).\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنكم منصورون، ومصيبون، ومفتوح لكم ...» (٢).\n٢ - وقد يفتح الله سبحانه أنواع النعم والخيرات على الناس استدراجًا لهم، إذا تركوا ما أمروا به، ووقعوا فيما نهوا عنه، كما قال سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤].\nعن عقبة بن عامر ﵁: عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا، على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج» ثم تلا رسول الله ﷺ: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤] (٣).\n٣ - ومما يفتحه الله على من يشاء من عباده من الحكمة والعلم والفقه في الدين، وذلك بحسب التقوى والإخلاص والصدق، ولذا نجد أن فهم السلف أعمق وعلمهم أوسع بمراحل ممن جاء بعدهم. قال تعالى: وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ [البقرة:٢٨٢]، وقال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ [الزُّمر: ٢٢].\nفالرب تعالى هو الفتاح العليم الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله وعدله.\n٤ - مفاتيح كل شيء بيد الفتاح جل وعلا، فعلى المؤمن أن يطلب من الله أن يفتح عليه أبواب رحمته.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٩٤٣)، ومسلم (٢٤٠٦).\n(٢) رواه الترمذي (٢٢٥٧)، وأحمد (١/ ٤٣٦) (٤١٥٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٥١١) (٩٨٢٨)، وابن حبان (١١/ ١٢٩) (٤٨٠٤)، والبيهقي (٣/ ١٨٠) (٥٨٢٧). قال الترمذي: حسن صحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٦/ ٩٦)، وقال الألباني: صحيح.\n(٣) رواه أحمد (٤/ ١٤٥) (١٧٣٤٩)، والطبري في تفسيره (١١/ ٣٦١). قال أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٧٧٣): في إسناد أحمد: رشدين بن سعد وهو ضعيف. وإسناد الطبري لا بأس بهما، فهما يشدان من رواية رشدين ويكونان شاهدين له، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤١٣): إسناده قوي.","vol":"2","page":323},{"text":"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم» (١).\nوفي ختام الكلام على اسم الله الفتاح، نوصي المسلم بأن يكون مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، يفتح عليه بأكثر مما فتح به على عباده.\nعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر، مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه» (٢). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ١٥٧\n١ - الله سبحانه هو الحاكم بين عباده في الدنيا والآخرة بالقسط والعدل، يفتح بينهم في الدنيا بالحق بما أرسل من الرسل، وأنزل من الكتب.\nيقول القرطبي ﵀ في هذا الاسم: ويتضمن من الصفات كل ما لا يتم الحكم إلا به، فيدل صريحًا على إقامة الخلق وحفظهم في الجملة، لئلا يستأصل المقتدرون المستضعفين في الحال.\nويدل على الجزاء العدل على أعمال الجوارح والقلوب في المثال، ويتضمن ذلك أحكامًا وأحوالًا لا تنضبط بالحد، ولا تحصى بالعد.\nوهذا الاسم يختص بالفصل والقضاء بين العباد بالقسط والعدل، وقد حكم الله بين عباده في الدنيا بما أنزل من كتابه، وبين من سنة رسوله، وكل حاكم إما أن يحكم بحكم الله تعالى أو بغيره، فإن حكم بحكم الله فأجره على الله، والحاكم في الحقيقة هو الله تعالى، وإن حكم بغير حكم الله فليس بحاكم إنما هو ظالم وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥] (٣).\n٢) ذكرنا أن الله سبحانه يحكم بين عباده في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويفتح بينهم بالحق والعدل، وقد توجهت الرسل إلى الله الفتاح سبحانه أن يفتح بينهم وبين أقوامهم المعاندين فيما حصل بينهم من الخصومة والجدال.\nقال نوح ﵊ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨].\nوقال شعيب ﵊ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ [الأعراف: ٨٩].\nوقال وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم: ١٥].\nوقد استجاب الله سبحانه لرسله ولدعائهم ففتح بينهم وبين أقوامهم بالحق، فنجي الرسل وأتباعهم وأهلك المعاندين المعرضين عن الإيمان بآيات الله وهذا من الحكم بينهم في الحياة الدنيا.\n٣) وكذا يوم القيامة فإن الله سبحانه هو الفتاح الذي يحكم بين عباده فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٦٣٤)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٧) (٩٩١٨) وابن حبان (٥/ ٣٩٩) (٢٠٥٠)، والحاكم (١/ ٣٢٥)، والبيهقي (٢/ ٤٤٢) (٤١١٩). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري (١/ ١٢٣): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٢٧٥): حسن لشواهده.\n(٢) رواه ابن ماجه (١٩٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤٥٥). وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) «الكتاب الأسنى».","vol":"2","page":324},{"text":"قال سبحانه قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالحَقِّ وَهُوَ الفَتَّاحُ العَلِيمُ [سبأ: ٢٦] ففي ذلك اليوم يقضي الله سبحانه ويفصل بين العباد، فيتبين الضال من المهتدي، وهو سبحانه لا يحتاج إلى شهود ليفتح بين خلقه، لأنه لا تخفى عليه خافية وما كان غائبا عما حدث في الدنيا فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٧]، وقال وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس: ٦١].\nوقد سمى الله يوم القيامة بيوم الفتح في قوله سبحانه قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [السجدة: ٢٩].\n٤) إن الله سبحانه متفرد بعلم مفاتح الغيب التي ذكرها في قوله تعالى وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام: ٥٩].\nوقد عددها في قوله سبحانه إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤].\nقال القرطبي: مفاتح جمع مفتح هذه اللغة الفصيحة ويقال مفتاح، ويجمع مفاتيح، ويجمع مفاتيح، المفتح عبارة عن كل ما يحل غلقًا، محسوسًا كان كالقفل على البيت، أو معقولًا كالنظر، ثم قال: وهو الآية استعارة على التوصل إلى الغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفتاح إلى المغيب عن الإنسان.\nولذلك قال بعضهم: هو مأخوذ من قول الناس افتح علي كذا، أي أعطني أو علمني ما أتوصل إليه به، فالله تعالى عنده علم الغيب وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلا هو فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه ومن شاء حجبه عنها حجبه، ولا يكون ذلك من إفاضته إلا على رسوله بدليل قوله تعالى وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ١٧٩] وقوله عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ [الجن: ٢٦ - ٢٧] (١).\nوقال في (الأسنى): والفتح في اللغة حل ما استغلق من المحسوسات والمعقولات، والله سبحانه هو (الفتاح) لذلك، فيفتح ما تغلق على العباد من أسبابهم، فيغني فقيرًا، ويفرج عن مكروب، ويسهل مطلبًا وكل ذلك يسمى فتحًا، لأن الفقير المتغلق عليه باب رزقه فيفتح بالغنى، وكذلك المتحاكمان إلى الحاكم، يتغلق عليهما وجه الحكم فيفتحه الحاكم عليهما، ولذلك سمي الحاكم فتاحًا لأنه يحل ما استغلق من الخصوم، تقول: افتح بيننا، أي احكم، ومنه قول شعيب: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ [الأعراف: ٨٩] أي: احكم، وَأَنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ أي الحاكمين (٢).\n٥) أن الفتح والنصر من الله سبحانه فهو يفتح على من يشاء ويخذل من يشاء، وقد نسب الله الفتوح لنفسه، لينبه عباده على طلب النصر والفتح منه لا من غيره، وأن يعملوا بطاعته وينالوا مرضاته، ليفتح عليهم وينصرهم على أعدائهم. قال تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح: ١]، وهو خطاب لرسوله الأمين ﷺ.\n_________\n(١) «الجامع لأحكام القرآن» (٧/ ١ - ٢).\n(٢) «الكتاب الأسنى».","vol":"2","page":325},{"text":"وقال جل ثناؤه فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ [المائدة: ٥٢]، وقال وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ [الصَّف: ١٣].\n٦) أن الله بيده مفاتيح خزائن السماوات والأرض. قال سبحانه.\nلَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشُّورى: ١٢]، فما يفتحه من الخير للناس لا يملك أحد أن يغلقه عنهم، وما يغلقه فلا يملك أحد أن يفتحه عليهم كما قال جل وعلا مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [فاطر: ٢].\nفلو فتح الله المطر على الناس فمن ذا الذي يحبسه عنهم، حتى لو أدى المطر إلى إغراقهم وإهلاكهم مثلما حدث لقوم نوح ﵊، فقد وصلت المياه إلى رؤوس الجبال، فما استطاعوا أن يردوها عن أنفسهم، ولو حبس عن عباده القطر والنبات سنين طويلة لما استطاعوا أيضا أن يفتحوا ما أغلقه الله سبحانه وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧].\n٧) وقد يفتح الله سبحانه أنواع النعم والخيرات على الناس استدراجًا لهم، إذا تركوا ما أمروا به، ووقعوا فيما نهوا عنه كما قال سبحانه فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤].\n٨) ومما يفتحه الله على من يشاء من عباده الحكمة والعلم والفقه في الدين، ويكون ذلك بحسب التقوى والإخلاص والصدق، ولذا تجد أن فهم السلف أعمق وعلمهم أوسع ممن جاء بعدهم وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ [البقرة: ٢٨٢].\nوقال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الزُّمر: ٢٢].\nقال القرطبي: وهذا الفتح والشرح ليس له حد، وقد أخذ كل مؤمن منه بحظ، ففاز الأنبياء بالقسم الأعلى، ثم من بعدهم الأولياء، ثم العلماء، ثم عوام المؤمنين، ولم يخيب الله منه سوى الكافرين.\nوكان النبي ﷺ يقول لأصحابه: «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم باعدني من الشيطان» (١). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٩٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٧١٣). من حديث أبي حميد أو أبو أسيد الساعدي ﵁.","vol":"2","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>سادسا: الآثار الإيمانية لاسم الله الشاكر والشكور</span>\nأولًا: إن العبد من حين استقر في الرحم إلى وقته، يتقلب في نعم الله ظاهرًا وباطنًا ليلًا ونهارًا، ويقظة ومنامًا، سرًا وعلانية (١)، في كل الآنات، وفي جميع اللحظات. وتواتر إحسان الله إليه على مدى الأنفاس.\nقال ابن القيم ﵀:\nيكفيك رب لم تزل في فضله ... متقلبًا في السر والإعلان (٢)\nجل وعلا لا تنفد عطاياه، ولا تنقطع آلاؤه، ولا تنتهي نعماؤه، قال ﷻ: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان: ٢٠]. والنعم الظاهرة بعضها وقع، وبعضها منتظر وقوعه. والنعم الباطنة بعضها نعلمه، وبعضها نحاول أن نعلمه، وبعضها لا نعلمه أبدًا.\nفلو اجتهد العبد في إحصاء أنواع النعم لما قدر، كما قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤] (أي وإن تتعرضوا لتعداد النعم التي أنعم الله تعالى بها عليكم إجمالًا، فضلًا عن التفصيل، لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه، ولا تقوموا بحصرها على حال من الأحوال.\nومن المعلوم أنه لو رام فرد من أفراد العباد أن يحصي ما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسة من حواسه لم يقدر على ذلك قط، ولا أمكنه أصلًا، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه الله في بدنه؟! فكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنويعها واختلاف أجناسها؟! (٣)\nوإن كل جزء من أجزاء الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل وأيسر نقص، لنغص النعم على الإنسان، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل، فهو سبحانه يدبر هذا الإنسان على الوجه الملائم له، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك، فكيف يطيق حصر بعض نعم الله عليه، أو يقدر على إحصائها، أو يتمكن من شكر أدناها؟ وأي شكر يقابل هذا الإنعام؟ فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه، هذا إلى ما يصرف عنه من المضرات وأنواع الأذى التي تقصده، ولعلها توازن النعم في الكثرة، والعبد لا شعور له بأكثرها أصلًا، والله سبحانه يكلؤه منها بالليل والنهار؛ كما قال تعالى: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ [الأنبياء: ٤٢]، فهو سبحانه منعم عليهم بكلاءتهم وحفظهم وحراستهم مما يؤذيهم بالليل والنهار وحده، لا حافظ لهم غيره. هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه من كل وجه (٤).\nولو عمل العبد من الصالحات أعمال الثقلين، فإن نعم الله عليه أكثر، وأدنى نعمة من نعم الله تستغرق جميع أعماله.\nما ثم إلا العجز عن شكر ربنا ... كما ينبغي سبحانه متفضلا (٥)\nفينبغي على العبد أن يكون عبدًا شكورًا، يشكر الله على وافر نعمه، وجميل إحسانه، ويبالغ في الشكر، (على النعم الدنيوية، كصحة الجسم وعافيته، وحصول الرزق وغير ذلك. ويشكره ويثني عليه، بالنعم الدينية، كالتوفيق للإخلاص، والتقوى، بل نعم الدين، هي النعم على الحقيقة) (٦). فلله الحمد والمنة، الذي أنعم على عباده بهذه النعم التي لا يقدرون لها على جزاء ولا شكور (٧).\nفعلى العبد أن يكثر من الشكر، بالقلب واللسان، والعمل بالجوارح. لعله يشكر الله على بعض مننه العظيمة، وآلائه الجسيمة، وإحسانه التام، وخيره المدرار، وعطائه العظيم، وإكرامه الجليل.\n_________\n(١) «الروح» (ص: ٢٩٨).\n(٢) «الكافية الشافية» (ص: ٢٨٧).\n(٣) «فتح البيان» (٧/ ١١٩ - ١٢٠).\n(٤) «طريق الهجرتين» (ص: ٥٧٠).\n(٥) «مجالس في تفسير قوله تعالى: لقد من الله على المؤمنين (ص: ٤٦٨).\n(٦) انظر: «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ١٠٢٣).\n(٧) انظر: «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ١٣١١).","vol":"2","page":327},{"text":"فالشكر بالقلب: الاعتراف بالنعم الباطنة والظاهرة للمنعم، وأنها منه وبفضله. وأنها وصلت إليه من غير ثمن بذله فيها، ولا وسيلة منه توسل بها إليه، ولا استحقاق منه لها، وأنها لله في الحقيقة لا للعبد (١)، قال جل وعلا: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ [النحل: ٥٣].\nأي ما يلابسكم من النعم على اختلاف أنواعها فهي منه سبحانه، والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية (٢). فما (طاب العيش إلا بمنته، وكل نعمة منه في الدنيا والآخرة، فهي منه يمن بها على من أنعم عليه) (٣).\nفأشرف الناس منزلة: أعرفهم بهذه المنة، وأعظمهم إقرارًا بها، وذكرًا لها، وشكرًا عليها، ومحبة لله لأجلها، فهل يتقلب أحد قط إلا في منته؟\nوقد جاء في الحديث ما يبين عظمة تذكر النعمة والاعتراف بها، وهو قوله ﷺ: «سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ومن قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها، فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة» (٤).\nويكرر ﷺ الاعتراف بالنعمة في أدبار الصلوات في قوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون» (٥).\nفلله النعمة الظاهرة والباطنة، وله الفضل في كل شيء، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [البقرة: ١٠٥].\nفالعبد لا خروج له عن نعمته وفضله ومنه وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا ولا في الآخرة (٦). فهو المان بهدايته للإيمان، وتيسيره للأعمال، وإحسانه بالجزاء، كل ذلك مجرد منته وفضله بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ [الحجرات: ١٧] (٧). فإيجادهم نعمة منه، وجعلهم أحياء ناطقين نعمة منه، وإعطاؤهم الأسماع والأبصار والعقول نعمة منه، وإدرار الأرزاق عليهم على اختلاف أنواعها وأصنافها نعمة منه، وتعريفهم نفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله نعمة منه، وإجراء ذكره على ألسنتهم ومحبته ومعرفته على قلوبهم نعمة منه، وحفظهم بعد إيجادهم نعمة منه، وقيامه بمصالحهم دقيقها وجليلها نعمة منه، وهدايتهم إلى أسباب مصالحهم ومعاشهم نعمة منه. وذكر نعمه على سبيل التفصيل لا سبيل إليه، ولا قدرة للبشر عليه (٨).\nوالشكر باللسان: الثناء بالنعم، وذكرها، وتعدادها، وإظهارها. قال ﷾: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضُّحى: ١١].\nوعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال النبي ﷺ على المنبر: «من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير؛ ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله. التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر» (٩).\n_________\n(١) «الفوائد» (ص: ١٦٧).\n(٢) «فتح البيان» (٧/ ٢٥٧).\n(٣) «التبيان في أقسام القرآن» (ص: ٣٣).\n(٤) رواه البخاري (٦٣٠٦). من حديث شداد بن أوس ﵁.\n(٥) رواه مسلم (٥٩٤). من حديث عبدالله بن الزبير ﵁.\n(٦) «شفاء العليل» (١/ ١٥٣).\n(٧) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٥١٥).\n(٨) «شفاء العليل» (١/ ٣٤٥).\n(٩) رواه أحمد (٤/ ٢٧٨) (١٨٤٧٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٥١٦)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ١٠٣): إسناده لا بأس به، وحسنه ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٣٣٢)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٢٠): رجاله ثقات.","vol":"2","page":328},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» (١).\nوعن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ في ثوب دون، فقال: «ألك مال؟ قال: نعم. قال: من أي المال؟ قال: قد آتاني الله من الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق. قال: فإذا آتاك الله مالًا، فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته» (٢).\nفإذا أنعم الله عليك بمال فليكن عليك أثر هذا المال في لباسك، في بيتك، في مركوبك، في صدقاتك، في نفقاتك؛ لير أثر نعمة الله عليك في هذا المال. وإذا أنعم الله عليك بعلم فلير عليك أثر هذا العلم من تعليمه ونشره بين الناس، والدعوة إلى الله، وغير ذلك (٣).\nوالشكر بالجوارح: أن لا يستعان بالنعم إلا على طاعة الله، وأن يحذر من استعمالها في شيء من معاصيه.\nقال ﷾: اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا [سبأ: ١٣].\nوكان النبي ﷺ يقوم حتى تتفطر قدماه ويقول: «أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا؟!» (٤).\nفسمى الأعمال شكرًا، وأخبر أن شكره قيامه بها ومحافظته عليها (٥).\nالعجب ممن يعلم أن كل ما به من النعم من الله، ثم لا يستحي من الاستعانة بها على ارتكاب ما نهاه!\nولقد أحسن القائل:\nأنالك رزقه لتقوم فيه ... بطاعته وتشكر بعض حقه\nفلم تشكر لنعمته ولكن ... قويت على معاصيه برزقه\nومن كثرت عليه النعم فليقيدها بالشكر، وإلا ذهبت.\nإذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم\nوحافظ عليها بشكر الإله ... فشكر الإله يزيل النقم\nولو لم يكن من فضل الشكر إلا أن النعم به موصولة، والمزيد لها مرتبط به؛ لكان كافيًا، فهو حافظ للموجود من النعم، جالب للمفقود منها بالمزيد. قال ﷾: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧]، نعمة إلى نعمة تفضلًا من الكريم المنان.\nفلن ينقطع المزيد من الله تعالى، حتى ينقطع الشكر من العبد.\n(فمن شكر الله على ما رزقه وسع الله عليه في الرزق، ومن شكر الله على ما أقدره عليه من طاعته، زاده من طاعته، ومن شكره على ما أنعم من الصحة، زاده الله صحة إلى غير ذلك) (٦).\nفبالشكر تثبت النعم ولا تزول، ويبلغ الشاكر من المزيد فوق المأمول. فمتى لم تر حالك في مزيد، فاستقبل الشكر.\nوإذا وفقك الله للشكر، فهذه نعمة تحتاج إلى شكر جديد؛ فإن شكرت، فإنها نعمة تحتاج إلى شكر ثان، وهلم جرا. فلا يقدر العباد على القيام بشكر النعم. وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر، كما قيل:\nإذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر\nفكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر\nولهذا نقول: سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.\nوالرب ﷾ يعطي مع استغنائه عن العبد، والعبد يشكر مع افتقاره إلى الرب. فهل يكافئ شكر المحتاج الفقير عطاء الغني الكريم؟!\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٨١٩). وقال: حسن، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٥١٨): إسناده جيد إلى عمرو حديثه حسن، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٧١): له شاهد.\n(٢) رواه أبو داود (٤٠٦٣)، والنسائي (٨/ ١٨١)، والطبراني (١٩/ ٢٨٠) (١٦٢٨٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٩/ ١١٨): رجاله رجال الصحيح، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٧٤٦) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٣) «شرح رياض الصالحين» (٣/ ٥٢٤).\n(٤) رواه البخاري (٤٨٣٧). من حديث عائشة ﵂.\n(٥) «طريق الهجرتين» (ص: ٦٢١).\n(٦) «فتح البيان» (٧/ ٨٨ - ٨٩).","vol":"2","page":329},{"text":"ولكن الله تعالى رضي منا بشهود المنة ورؤية التقصير في القيام بشكره، كما في حديث سيد الاستغفار: «أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي» (١).\nوالمعنى: أقر لك، وألتزم بنعمتك علي، وأقر وألتزم بذنبي، فمنك النعمة والإحسان والفضل، ومني الذنب والإساءة.\nفالعبد دائمًا بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى الشكر، وذنب منه يحتاج فيه إلى الاستغفار، وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائمًا، فإنه لا يزال يتقلب في نعم الله وآلائه، ولا يزال محتاجًا إلى التوبة والاستغفار.\nوالشاكرون هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا. قال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣] (٢) الذين يقرون بنعمة ربهم، ويخضعون لله، ويحبونه، ويصرفونها في طاعة مولاهم ورضاه (٣). وقال سبحانه: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [البقرة: ٢٤٣]؛ فضله وإنعامه، ولا يعرفون حق إحسانه (فأكثر الخلق منحرفون عن شكر المنعم، مشتغلون باللهو واللعب، قد رضوا لأنفسهم بأسافل الأمر، وسفاسف الأخلاق) (٤). فأكثرهم لم يشكروا الله تعالى على ما أولاهم من النعم، ودفع عنهم من النقم (٥).\nثانيًا: ومما ينبغي أن يعلم بأن (منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيًا وآخرة، لا إلى الله، والعبد هو الذي ينتفع بشكره، لأن نفع ذلك وثوابه راجع إليه وفائدته حاصلة له، إذ به تستبقى النعمة، وبسببه يستجلب المزيد لها من الله سبحانه، كما قال تعالى: وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: ٤٠]، وقال تعالى: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان: ١٢]، غني عن أعماله، (غني عن شكره غير محتاج إليه، حميد مستحق للحمد من خلقه، لإنعامه عليهم بنعمه التي لا يحاط بقدرها، ولا يحصر عددها، وإن لم يحمده أحد من خلقه، فإن كل موجود ناطق بحمده بلسان الحال) (٦).\nفشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى، فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر، لا أنه مكافئ به لنعم الرب، فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه أبدًا، ولا أقلها، ولا أدنى نعمة من نعمه، فإنه تعالى هو المنعم المتفضل، الخالق للشكر والشاكر وما يشكر عليه، فلا يستطيع أحد أن يحصي ثناء عليه، فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه، وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها.\nومن تمام نعمته سبحانه، وعظيم بره وكرمه وجوده، محبته له على هذا الشكر، ورضاه منه به، وثناؤه عليه به، ومنفعته وفائدته مختصة بالعبد، لا تعود منفعته على الله، وهذا غاية الكرم الذي لا كرم فوقه، ينعم عليك ثم يوزعك شكر النعمة، ويرضى عنك، ثم يعيد إليك منفعة شكرك، ويجعله سببًا لتوالي نعمه واتصالها إليك، والزيادة على ذلك منها (٧).\nوتأمل قوله تعالى: مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء: ١٤٧].\nكيف تجد في ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى تعذيب عباده بغير جرم، كما يأبى إضاعة سعيهم باطلًا، فالشكور لا يضيع أجر محسن، ولا يعذب غير مسيء (٨).\n_________\n(١) جزء من حديث الاستغفار؛ رواه البخاري (٦٣٠٦). من حديث شداد بن أوس ﵁.\n(٢) «المجموعة الكاملة» (٥/ ٤٢٨)، للعلامة السعدي ﵀.\n(٣) «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ١٠٤١).\n(٤) «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ١٣١٠).\n(٥) «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ٩٤٦).\n(٦) «فتح القدير» (٤/ ٣٣٨).\n(٧) «تهذيب مدارج السالكين» (ص: ٦١٥ - ٦١٦).\n(٨) «عدة الصابرين» (ص: ٣٣٦).","vol":"2","page":330},{"text":"ثالثًا: على العبد أن يشكر من أجرى الله سبحانه النعمة على يده، قال الله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ [لقمان: ١٤]، فأمر بشكره ثم بشكر الوالدين إذ كانا سبب وجوده في الدنيا، وسهرا وتعبا في تربيته وتغذيته، فيحسن إليهم بالقول الكريم، والخطاب اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، وإكرامهما، وإجلالهما، والقيام بمؤونتهما، واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه، بالقول والفعل. فمن عقهما أو أساء إليهما فما شكرهما على صنيعهما، بل جحد أفضالهما عليه، ومن لم يشكرهما فإنه لم يشكر الله الذي أجرى تلك النعم على أيديهما، وقد قال النبي ﷺ: «لا يشكر الله، من لا يشكر الناس» (١).\nأي: من كان من طبعه كفران نعمة الناس، وترك الشكر لمعروفهم فلن يكون شاكرًا لله، ولا يوفق لذلك، ومن عجز عن القليل عجز عن الكثير من باب أولى، وقد قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، فكيف يؤدي العاجز شكر هذه النعم التي لا تحصى؟! إذا لم يؤد القليل (٢).\nفلابد من مكافأة المحسن وشكره على صنيعه.\nعن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ﵁. أن النبي ﷺ استلف منه – حين غزا حنينًا – ثلاثين أو أربعين ألفًا، فلما قدم قضاها إياه؛ ثم قال له النبي ﷺ: «بارك الله لك في أهلك ومالك؛ إنما جزاء السلف الوفاء والحمد» (٣).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (٤).\nقوله: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه» بأن أعطاك شيئا من المال، أو أكرمك، أو أعانك على شيء تحتاج إليه، هذا معروف؛ لأنه غير واجب عليه، وإنما بذله معروفًا وإحسانًا.\nقوله: (فكافئوه) بأن تصنع إليه معروفًا مثل معروفه، من باب المكافئة، فالمؤمن يكون كريمًا يكافئ على المعروف ولا يجحده ولا ينكره، بل يكافئ عليه، والله تعالى يقول: هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]؛ فإذا لم تجد شيئًا تكافئه به عن معروفه، فعليك بالدعاء له (فادعوا له)، فادعوا الله له بالخير على معروفه وإحسانه إليك (٥).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٨١١)، وأحمد (٢/ ٢٩٥) (٧٩٢٦)، وابن حبان (٨/ ١٩٨) (٣٤٠٧)، وأبو نعيم فى «حلية الأولياء» (٧/ ١٦٥)، والبيهقي (٦/ ١٨٢) (١١٨١٢). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (١١٧)، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٣٣٠): إسناده صحيح، وقال السفاريني الحنبلي في «شرح كتاب الشهاب» (١٤٧): له طرق يقوي بعضها بعضا.\n(٢) «شرح صحيح الأدب المفرد» (١/ ٢٥٥).\n(٣) رواه ابن ماجه (١٩٨٣)، وأحمد (٤/ ٣٦) (١٦٤٥٧)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ١١١٩). وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٤) رواه أبو داود (١٦٧٢)، والنسائي (٥/ ٨٢)، وأحمد (٢/ ٦٨) (٥٣٦٥)، وابن حبان (٨/ ١٩٩) (٣٤٠٨)، والحاكم (١/ ٥٧٢). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه النووي في «المجموع» (٦/ ٢٤٥)، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (إسناده صحيح).\n(٥) «تسهيل الإلمام بفقه الأحاديث من بلوغ المرام» (٦/ ١٩٨).","vol":"2","page":331},{"text":"عن أسامة بن زيد ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء» (١).\nوهذا لا يعني أن ينسى العبد المعطي الأول، (لأن النعم كلها لله تعالى، وكما قال تعالى: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ [النحل: ٥٣]، وقال تعالى: كُلًاّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ [الإسراء: ٢٠]؛ فالله سبحانه هو المعطي على الحقيقة، فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدرها، وساقها إلى من يشاء من عباده؛ فالمعطي هو الذي أعطاه، وحرك قلبه لعطاء غيره، فهو الأول والآخر) (٢).\nفمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لومه وذمه إياهم، وتجرد التوحيد في قلبه، فقوي إيمانه وانشرح صدره، وتنور قلبه، ومن توكل على الله فهو حسبه (٣).\nرابعًا: ينبغي على العبد (أن يتدبر نعم الله عليه، ويستبصر فيها، ويقيسها بحال عدمها. فإنه إذا وازن بين حالة وجودها، وبين حالة عدمها، تنبه عقله لموضع المنة. بخلاف من جرى مع العوائد، ورأى أن هذا أمر لم يزل مستمرًا، ولا يزال. وعمي قلبه عن الثناء على الله، بنعمه، ورؤية افتقاره إليه في كل وقت. فإن هذا لا يحدث له فكرة شكر) (٤).\nوإن خصلة تكون لها كل هذه القيمة، وتكون فيها كل هذه الفائدة، لحقيق أن يتمسك بها من غير إغفال بحال.\n(اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا مما لا يعلمه إلا أنت، ومما علمناه، شكرًا لا يحيط به حصر ولا يحصره عد، وعدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان) (٥).\nفائدة مهمة: يشرع سجود الشكر عند النعم المتجددة، (شكرًا لله عليها، وخضوعًا له، وذلًا، في مقابلة فرحة النعم، وانبساط النفس لها، وذلك من أكبر أدوائها، فإن الله سبحانه لا يحب الفرحين ولا الأشرين، فكان دواء هذا الداء الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين، وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا المقصود ما ليس في غيره) (٦).\nعن أبي بكرة ﵁: عن النبي ﷺ: أنه كان إذا جاءه أمر سرور، أو بشر به، خر ساجدًا شاكرًا لله. (٧) الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ١٧٨\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٠٣٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٥٣) (١٠٠٠٨)، وابن حبان (٨/ ٢٠٢) (٣٤١٣). قال الترمذي: حسن جيد غريب، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٢٢٢) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١/ ٩٢).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١/ ٩٣).\n(٤) «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ٨٧٢).\n(٥) «فتح البيان» (٧/ ١٢٠).\n(٦) «إعلام الموقعين» (٢/ ٤٤٩).\n(٧) رواه أبو داود (٢٧٧٤). وسكت عنه، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».","vol":"2","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-620>سابعا: الآثار الإيمانية لاسم الله الحفيظ</span>\nإن التعبد باسم الله الحفيظ يقتضي من العبد أن يحفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك: هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به، وأذن فيه، إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك، فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه، قال: هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ [ق: ٣٢ - ٣٣]؛ وفسر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامر الله، وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها.\nومن أعظم ما يجب حفظه من أوامر الله: الصلاة، وقد أمر الله بالمحافظة عليها فقال: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى [البقرة: ٢٣٨] ومدح المحافظين عليها بقوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج: ٣٤].\nوكذلك الطهارة، فإنها مفتاح الصلاة. عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (١).\nفإن العبد تنتقض طهارته ولا يعلم بذلك إلا الله، فالمحافظة على الوضوء للصلاة، دليل على ثبوت الإيمان في القلب.\nومما يؤمر بحفظه الأيمان، قال الله: وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ [المائدة: ٨٩]، فإن الأيمان يقع الناس فيها كثيرًا، ويهمل كثير منهم ما يجب بها، فلا يحفظه، ولا يلتزمه.\nفمن حفظ أيمانه، دل على دخول الإيمان في قلبه.\nوقد ورد التشديد العظيم في الحلف الكاذب، ولا يصدر كثرة الحلف بالله إلا من الجهل بالله، وقلة هيبته في الصدور.\nومما يلزم المؤمن حفظه: رأسه وبطنه. عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «استحيوا من الله حق الحياء قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحيي والحمد لله؛ قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى؛ ومن أراد الآخرة، ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء» (٢).\nوحفظ الرأس وما وعى: يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن وما حوى: يتضمن حفظ القلب عن الإصرار على محرم. قال الله: وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة: ٢٣٥]، وقد جمع الله ذلك كله في قوله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء: ٣٦].\nويدخل في حفظ البطن وما حوى: حفظه من إدخال الحرام إليه، من المأكولات والمشروبات.\nومما يجب حفظه من المنهيات: حفظ اللسان والفرج.\nعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من حفظ ما بين فقميه وفرجه، دخل الجنة» (٣).\nوقد أمر الله بحفظ الفروج خاصة، ومدح الحافظين لها، فقال: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور: ٣٠]، وقال: فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٣٥]. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٢١٤\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٢٢٦)، وأحمد (٥/ ٢٧٦) (٢٢٤٣٢)، والطبراني (٢/ ١٠١) (١٤٤٤). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٤٧): هذا الحديث رجاله ثقات، أثبات إلا أنه منقطع بين سالم وثوبان، فإنه لم يسمع منه بلا خلاف. لكن له طريق أخرى متصلة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١٨١) كما قال ذلك في المقدمة، وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (١/ ١٤٣): له سند جيد.\n(٢) رواه الترمذي (٢٤٥٨). وقال: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٣٩٨) (١٩٥٧٧)، وأبو يعلى (١٣/ ٢٠٦) (٧٢٧٥)، والحاكم (٤/ ٣٩٩)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٢٦٩). وقال: رواته ثقات، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٠١): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بنحوه ورجال الطبراني وأبي يعلى ثقات وفي رجال أحمد راو ولم يسم وبقية رجاله ثقات والظاهر أن الرواي الذي سقط عنه أحمد هو سليمان بن يسار، وصححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٦٢٠٢).","vol":"2","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>ثامنا: الآثار الإيمانية لاسم الله الكافي</span>\nإذا علم العبد أن الله هو الكافي عباده رزقًا ومعاشًا وقوتًا، وحفظًا وكلاءة، ونصرًا وعزًا، اكتفى بمعونته عمن سواه.\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ومن استكفى كفاه الله ﷿» (١).\nفمن وقع في شدة وضائقة، فليطلب من الله الكفاية؛ فإن الله يكفيه.\nفإن الغلام المؤمن لما أبى أن يرجع عن دينه، دفعه الملك إلى نفر من أصحابه – أي جماعة من الناس – وقال لهم: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، جبل معروف عندهم شاهق رفيع؛ وقال لهم: إذا بلغوا ذروته فاطرحوه يعني على الأرض، ليقع من رأس الجبل فيموت، بعد أن تعرضوا عليه أن يرجع عن دينه، فإن رجع وإلا فاطرحوه.\nفلما بلغوا قمة الجبل فطلبوا منه أن يرجع عن دينه أبى، لأن الإيمان قد وقر في قلبه ولا يمكن أن يتحول أو يتزحزح؛ فلما هموا أن يطرحوه قال: (اللهم اكفنيهم بما شئت) دعوة مضطر مؤمن: (اللهم اكفنيهم بما شئت) أي: بالذي تشاء ولم يعين، فرجف الله بهم الجبل فسقطوا وهلكوا. وجاء الغلام إلى الملك فقال: ما الذي جاء بك؟ أين أصحابك؟ فقال: قد كفانيهم الله، ثم دفعه إلى جماعة آخرين وأمرهم أن يركبوا البحر في قرقور –أي سفينة-؛ فإذا بلغوا لجة البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه، فإن لم يفعل رموه في البحر.\nفلما توسطوا من البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه –وهو الإيمان بالله- فقال: لا! فقال: (اللهم اكفنيهم بما شئت) فانقلبت السفينة وغرقوا وأنجاه الله (٢) (٣).\nومن كان عليه دين، فليتضرع إلى الله تعالى ليكفيه همَّ الدين.\nعن علي ﵁: أن مكاتبًا جاءه، فقال: إني قد عجزت عن كتابتي؛ فأعني، قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ، لو كان عليك مثل جبل صير دينًا؛ أداه الله عنك؟! قال: «قل: اللهم! اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك» (٤).\nفنسأل الله تعالى، وهو خير مسؤول، أن يكفينا وإياكم هم الدنيا والآخرة، فإنه الكافي لكل مهم، وبيده الخلق والأمر، وهو على كل شيء قدير. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٢٢٠\n_________\n(١) رواه النسائي (٥/ ٩٨)، وأحمد (٣/ ٩) (١١٠٧٥). وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: حسن صحيح.\n(٢) رواه مسلم (٣٠٠٥).\n(٣) «شرح رياض الصالحين» (١/ ١٢٢ - ١٢٣).\n(٤) رواه الترمذي (٣٥٦٣)، وأحمد (١/ ١٥٣) (١٣١٨)، والحاكم (١/ ٧٢١). قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ١٥) كما قال ذلك في المقدمة.","vol":"2","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-622>تاسعا: الآثار الإيمانية لاسم الله الحيي</span>\nاعلم – بارك الله فيك – بأن أعظم الحياء ينبغي أن يكون من الله تعالى، الذي نتقلب في نعمه وإحسانه الليل والنهار، ولا نستغني عنه طرفة عين، ونحن تحت سمعه وبصره، لا يغيب عنه من حالنا وقولنا وفعلنا شيء. فهو الذي خلقنا وهو الذي رزقنا، فنطعم من خيره، ونتنفس من جوه، ونعيش على أرضه، ونستظل بسمائه، وآلاؤه غمرتنا من المهد إلى اللحد وإلى ما بعد ذلك من خلود طويل في الجنة إن شاء الله تعالى. فكيف لا نستحي منه؟ وكيف نقابل كل هذه النعم بالإساءة؟!\nويتولد الحياء من (المعرفة بعظمة الله وجلاله وقدرته، لأنه إذا ثبت تعظيم الله في قلب العبد، أورثه الحياء من الله والهيبة له، فغلب على قلبه ذكر إطلاع الله العظيم إلى ما في قلبه وجوارحه، وذكر المقام غدا بين يديه، وسؤاله إياه عن جميع أعمال قلبه وجوارحه، وذكر دوام إحسانه إليه، وقلة الشكر منه لربه، فإذا غلب ذكر هذه الأمور على قلبه، هاج منه الحياء من الله، فاستحيى من الله أن يطلع على قلبه، وهو معتقد لشيء مما يكره، أو على جارحة من جوارحه، يتحرك بما يكره، فطهر قلبه من كل معصية، ومنع جوارحه من جميع معاصيه) (١).\nفمن استحيى من ربه حق الحياء، حفظ القلب وما وعى، والرأس وما وحوى. وعرف ما خلق له من عبادة ربه، فآثر ما يبقى على ما يفنى (٢).\nعن سعيد بن يزيد الأنصاري ﵁: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: أوصني، قال: «أوصيك أن تستحي الله ﷿، كما تستحي رجلًا صالحًا من قومك» (٣).\nفقل لنفسك: لو كان رجل من صالحي قومي يراني، أو يسمع كلامي، لاستحيت منه، فكيف لا أستحي من ربي ﵎، ثم لا آمن تعجيل عقوبته وكشف ستره؟!\nفإن من علم أن الله يراه حيث كان، وأنه مطلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك ترك المعاصي في السر.\nقال القحطاني ﵀:\nوإذا خلوت بريبة في ظلمة ... والنفس داعية إلى الطغيان\nفاستحي من نظر الإله وقل لها ... إن الذي خلق الظلام يراني (٤)\nوكان ابن السماك ينشد:\nيا مدمن الذنب أما تستحي ... والله في الخلوة ثانيكا\nعن معاوية بن حيدة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك» قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت أن لا يرينها أحد، فلا يرينها» قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: «الله أحق أن يستحيى منه من الناس» (٥).\nفقد (أمر النبي ﷺ الرجل: أن يستر عورته، وإن كان خاليًا لا يراه أحد، أدبًا مع الله، على حسب القرب منه، وتعظيمه وإجلاله، وشدة الحياء منه، ومعرفة وقاره) (٦).\nفإن أصل أعمال القلوب الحياء، فمن (اتصف بالحياء من الله، فقد انصبغ قلبه بمعرفة الله وحبه، وخوفه ورجائه، والتحبب إليه مهما أمكن) (٧). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٢٤٦\n_________\n(١) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٨٢٦).\n(٢) «المجموعة الكاملة» (٦/ ٤٥)، للعلامة السعدي ﵀.\n(٣) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ١٤٥)، وأحمد في «الزهد» (ص: ٤٦). وصححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٢٥٤١).\n(٤) «نونية القحطاني» (ص: ٩٠).\n(٥) رواه أبو داود (٤٠١٦)، والترمذي (٢٧٩٤)، وابن ماجه (١٥٧٢)، وأحمد (٥/ ٣) (٢٠٠٤٦)، والحاكم (٤/ ١٩٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه الترمذي، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن القطان في «أحكام النظر» (٩٤).\n(٦) «تهذيب المدارج» (ص: ٧١١).\n(٧) «المجموعة الكاملة» (٥/ ٦٧)، للعلامة السعدي ﵀.","vol":"2","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>عاشرا: الآثار الإيمانية لاسم الله الهادي</span>\nالهداية إلى الصراط المستقيم أجل مطلوب وأعظم مسؤول، ونيله أشرف المواهب. وهي أكبر نعمة ينعم بها الهادي سبحانه على من يشاء من عباده، وأجل مننه الواصلة إلينا. فعلى العبد أن يسأل الله تعالى الهداية إلى الصراط المستقيم. ولهذا فإن العبد في اليوم والليلة، يسأل الله الهداية إلى الصراط المستقيم، كما في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦]، ويشهد من (اهدنا) عشر مراتب، إذا اجتمعت حصلت له الهداية.\nالمرتبة الأولى: هداية العلم والبيان. فيجعله عالمًا بالحق مدركًا له.\nالثانية: أن يقدره عليه. وإلا فهو غير قادر بنفسه.\nالثالثة: أن يجعله مريدًا له.\nالرابعة: أن يجعله فاعلًا له.\nالخامسة: أن يثبته على ذلك، ويستمر به إلى الوفاة.\nالسادسة: أن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادة له (١).\nومعلوم أن وساوس العبد وخواطره، وشهوات الغي في قلبه، كل منها مانع من وصول أثر الهداية إليه، فإن لم يصرفها الله عنه لم يهتد هدى تامًا، فحاجته إلى هداية الله له مقرونة بأنفاسه، وهي أعظم حاجة للعبد (٢).\nالسابعة: أن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة، أخص من الأولى. فإن الأولى هداية إلى الطريق إجمالًا، وهذه هداية فيها وفي منازلها تفصيلًا (٣).\nفإن العبد قد يهتدي إلى طريق قصده، تتميز له الطرق عن غيرها، ولا يهتدي إلى تفاصيل سيره فيها، ولأوقات المسير من غيره، وزاد المسير، وآفات الطرق (٤).\nالثامنة: أن يشهده المقصود في الطريق، وينبهه عليه. فيكون مطالعًا له في سيره، وملتفتًا إليه.\nالتاسعة: أن يشهده فقره وضرورته إلى هذه الهداية، فوق كل ضرورة. في ظاهره وباطنه، في جميع ما يأتيه ويذره. ويدخل في هذا أن يهدي غيره ويعلمه، فيصير هاديًا مهديًا، كما في دعاء النبي ﷺ: «اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين» (٥).\nيعني نهدي غيرنا ونهتدي في أنفسنا، وهذه أفضل الدرجات أن يكون العبد هاديًا مهديًا. قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا [السجدة: ٢٤] (٦).\nالعاشرة: أن يشهده طريق المنحرفين عن الهداية. وهما: طريق أهل الغضب، الذين عدلوا عن أتباع الحق قصدًا وعنادًا؛ وطريق أهل الضلال، الذين عدلوا عنها جهلًا وضلالًا.\nولقد كان النبي ﷺ يسأل ربه الهداية، ويحث أصحابه على سؤال الله الهداية.\nوليتأمل القارئ اللبيب، الأحاديث التالية:\n١ - عن أبي ذر ﵁: عن النبي ﷺ – فيما روى عن الله ﵎ – أنه قال: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم» (٧).\nأي: اطلبوا مني الهداية، أوفقكم إلى سلوك طريقها.\n_________\n(١) «تهذيب المدارج» (ص: ١٠٥١).\n(٢) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٣٠٦).\n(٣) «تهذيب المدارج» (ص: ١٠٥١).\n(٤) «شفاء العليل» (ص: ٢٦٨).\n(٥) رواه النسائي (٣/ ٥٤)، وأحمد (٤/ ٢٦٤) (١٨٣٥١)، والحاكم (١/ ٧٠٥). من حديث عمار بن ياسر ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ٣٣٣): رجاله إسناده ثقات، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٦) «شرح حديث عمار بن ياسر» (ص: ٤٩).\n(٧) رواه مسلم (٢٥٧٧).","vol":"2","page":336},{"text":"٢ - عن الحسن بن علي ﵁ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت» (١).\nفقوله: (اهدني) سؤال للهداية المطلقة، التي لا يتخلف عنها الاهتداء.\nوقوله: (فيمن هديت) فيه فوائد:\nأحدها: أنه سؤال له أن يدخله في جملة المهتدين، وزمرتهم ورفقتهم.\nالثانية: توسل إليه بإحسانه وإنعامه، أي إنك قد هديت من عبادك بشرًا كثيرًا فضلًا منك وإحسانًا، فأحسن إلي كما أحسنت إليهم، كما يقول الرجل للملك: اجعلني من جملة من أغنيته وأعطيته وأحسنت إليه.\nالثالثة: أن ما حصل لأولئك من الهدى، لم يكن منهم ولا بأنفسهم، وإنما كان منك، فأنت الذي هديتهم (٢).\n٣ - عن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم» (٣).\nقال ابن القيم ﵀: هذا من أبلغ التعليم والنصح، حيث أمره أن يذكر إذا سأل الله الهدى إلى طريق رضاه وجنته، كونه مسافرًا، وقد ضل عن الطريق، ولا يدري أين يتوجه، فطلع له رجل خبير بالطريق، عالم بها، فسأله أن يدله على الطريق، فهكذا شأن طريق الآخرة، تمثيلًا لها بالطريق المحسوس للمسافر؛ وحاجة المسافر إلى الله سبحانه، إلى أن يهديه تلك الطريق، أعظم من حاجة المسافر إلى بلد، إلى من يدله على الطريق الموصل إليها.\nوكذلك السداد – وهو إصابة القصد قولًا وعملًا – فمثله مثل رامي السهم إذا وقع سهمه وأصاب، وإذا لم يقع باطلًا؛ فهكذا المصيب للحق في قوله وعمله، بمنزلة المصيب في رميه (٤).\n٤ - عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» (٥).\n٥ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين: بأي شيء كان نبي الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة؛ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٦).\nذكر النبي ﷺ في الدعاء العظيم القدر، من أوصاف الله وربوبيته ما يناسب المطلوب، فإن فطر السماوات والأرض توسل إلى الله بهذا الوصف في الهداية للفطرة التي ابتدأ الخلق عليها، فذكر كونه فاطر السماوات والأرض، والمطلوب تعليم الحق، والتوفيق له، فذكر علمه سبحانه بالغيب والشهادة، وأن من هو بكل شيء عليم جدير أن يطلب منه عبده أن يعلمه، ويرشده ويهديه؛ وهو بمنزلة التوسل إلى الغني بغناه وسعة كرمه أن يعطي عبده شيئًا من ماله، والتوسل إلى الغفور بسعة مغفرته أن يغفر لعبده، وبعفوه أن يعفو عنه، وبرحمته أن يرحمه، ونظائر ذلك.\nوذكر ربوبيته تعالى لجبريل وميكائيل وإسرافيل؛ وهذا – والله أعلم – لأن المطلوب هدى يحيا به القلب؛ وهؤلاء الثلاثة الأملاك، قد جعل الله تعالى على أيديهم أسباب حياة العباد:\nأما جبريل: فهو صاحب الوحي الذي يوحيه الله إلى الأنبياء، وهو سبب للحياة الدنيا والآخرة.\nوأما ميكائيل: فهو الموكل بالقطر، الذي به سبب حياة كل شيء.\nوأما إسرافيل: فهو الذي ينفخ في الصور، فيحيي الله الموتى بنفخته؛ فإذا هم قيام لرب العالمين (٧).\nفالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير عظيم في حصول المطلوب. والله المستعان (٨). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٢٦٤\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي (٣/ ٢٤٨)، وابن حبان (٣/ ٢٢٥) (٩٤٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال ابن عبدالبر في «الاستذكار» (٢/ ٢٨٥): روي من طرق ثابتة، وصحح إسناده النووي في «المجموع» (٣/ ٤٩٦).\n(٢) «شفاء العليل» (ص: ٣٣٨).\n(٣) رواه مسلم (٢٧٢٥).\n(٤) «إغاثة اللهفان» (ص: ٦٥).\n(٥) رواه مسلم (٢٧٢١).\n(٦) رواه مسلم (٧٧٠).\n(٧) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n(٨) «شرح الطحاوية» (١/ ٢٤٨).","vol":"2","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-624>حادي عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله السلام</span>\n١ - الدعاء بالسلامة:\nإن الله تعالى هو السلام ويحب السلام، ويعطي السلام لمن طلبه منه بصدق وإخلاص.\nأ- عن ابن عمر ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربنا وربك الله» (١).\nقوله: (أهله) أي: أطلعه علينا، وأرنا إياه، والمعنى: اجعل رؤيتنا له مقترنًا بالأمن والإيمان.\nقوله: (بالأمن) أي: مقترنًا بالأمن من الآفات والمصائب.\nقوله: (والإيمان) أي: وبثبات الإيمان فيه.\nقوله: (والسلامة) أي: السلامة عن آفات الدنيا والدين (٢).\nب- وعلى (العبد أن يطلب السلامة يوم القيامة يوم يبعث الله الأحياء، عند معاينته هول المطلع، إذا قدم على الله وحيدًا مجردًا عن كل مؤنس، إلا ما قدمه من صالح عمله، وعند موافاته القيامة مع الجمع الأعظم، ليصير إلى إحدى الدارين التي خلق لها، واستعمل بعمل أهلها؛ وطلب السلامة فيه آكد من جميع ما قبله، فإن عطبه لا يستدرك، وعثرته لا تقال، وسقمه لا يداوى، وفقره لا يسد. فأي موطن أحق بطلب السلامة من هذا الموطن، فنسأل الله السلامة فيها بمنه وكرمه، ولطفه وجوده وإحسانه (٣).\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «... ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم» (٤). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٢٦٤\n_________\n(١) رواه الطبراني (١٢/ ٣٥٦) (١٣٣٣٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٤٢): فيه عثمان بن إبراهيم الحاطبي وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.\n(٢) «العلم الهيب» (ص: ٤٢١).\n(٣) «بدائع الفوائد» (٢/ ٦٥٤).\n(٤) رواه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢).","vol":"2","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>ثاني عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الشافي</span>\nأولًا: أن الله تعالى هو الشافي، ولا شافي إلا هو، ولا شفاء إلا شفاؤه، ولا يرفع المرض إلا هو.\nوفي الحديث: «اللهم رب الناس، أذهب الباس، واشفه وأنت الشافي؛ لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» (١).\nوقوله: (لا شفاء إلا شفاؤك) صدق رسول الله ﷺ، فلا شفاء إلا شفاء الله، فشفاء الله لا شفاء غيره، وشفاء المخلوقين ليس إلا سببًا، والشافي هو الله، فليس الطبيب وليس الدواء هما اللذان يشفيان، بل الطبيب سبب، والدواء سبب، وإنما الشافي هو الله.\nولهذا يمرض رجلان بمرض واحد، ويداويان بدواء واحد، وعلى صفة واحدة، فيموت هذا، ويشفى ذاك، لأن الأمر كله بيد الله فهو الشافي، وما يصنع من أدوية أو رقى فهو سبب، ونحن مأمورون بذلك السبب، كما قال النبي ﷺ: «فتداووا، ولا تتداووا بحرام» (٢).\nوقوله: (شفاء لا يغادر سقمًا) يعني: شفاء كاملًا لا يبقي سقمًا، أي: لا يبقي مرضًا (٣).\nففي هذه الرقية توسل إلى الله بكمال ربوبيته، وكمال رحمته بالشفاء، وأنه وحده الشافي، وأنه لا شفاء إلا شفاؤه، فتضمنت التوسل إليه بتوحيده وإحسانه وربوبيته (٤).\nثانيًا: أن الله تعالى لم ينزل داء إلا وأنزل له شفاء، وله أسباب.\nعن جابر ﵁: عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لكل داء دواء، فإن أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله تعالى» (٥).\nوعن أسامة بن شريك ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وأصحابه، كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا؛ فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: «تداووا، فإن الله ﷿ لم يضع داء، إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم» (٦). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٣٤٠\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠)، وأحمد (١/ ٣٨١) (٣٦١٥)، والطبراني (١٠/ ٢١٣)، والحاكم (٤/ ٤٦٣). من حديث ابن مسعود ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢١٩): إسناده حسن، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٩٧٢): إسناده صحيح.\n(٢) رواه الطبراني (٢٤/ ٢٥٤) (٦٤٩). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٨٩): رجاله ثقات، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٧٦٢).\n(٣) «شرح رياض الصالحين» (٣/ ٦٥ - ٦٦).\n(٤) «زاد المعاد» (٤/ ١٨٨).\n(٥) رواه مسلم (٢٢٠٤).\n(٦) رواه أبو داود (٣٨٥٥) واللفظ له، والترمذي (٢٠٣٨)، وابن ماجه (٢٧٨٩)، وأحمد (٤/ ٢٧٨) (١٨٤٧٧)، وابن حبان (١٣/ ٤٢٦) (٦٠٦١)، والحاكم (١/ ٢٠٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده النووي في «المجموع» (٥/ ١٠٧).","vol":"2","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>ثالث عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الحميد</span>\nإذا علم العبد أن الحمد على الإطلاق إنما هو لله، وأنه يستحق جميع المحامد بأسرها، كان حريًا به أن يشتغل بالثناء والمجد لذي العلى والمجد؛ فإنه (﷾ له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو ﷾ أهل وأحق بكل حمد، وبكل حب من كل جهة، فهو أهل أن يحب لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه ﷾) (١).\nولا تتصور القلوب حقيقة نعمته وإحسانه، فضلًا عن أن يقوم بشكره (٢).\nولو استنفد العبد أنفاسه كلها في حمده على نعمة من نعمه، كان ما يجب له من الحمد ويستحقه فوق ذلك وأضعافه، ولا يحصي أحد البتة ثناء عليه بمحامده.\n(ولكن الله سبحانه لكرمه، رضي من عباده باليسير من شكره، وأداء شكره) (٣).\nوفضائل الحمد كثيرة في السنة، نذكر بعضها:\n١ - عن الأسود بن سريع ﵁ قال: كنت شاعرًا، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! إني مدحت ربي بمحامد، قال: «أما إن ربك يحب الحمد» (٤).\nفهو ﷾ حميد يحب الحمد، ويحب من يحمده، وحمده لنفسه أعظم من حمد العباد له، ويحب من يثني عليه، وثناؤه على نفسه أعظم من ثناء العباد عليه.\nوالحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود على وجه المحب له. (وهذه اللفظة لا تصلح على هذا الوجه، ولا تنبغي إلا لمن هذا شأنه وهو الحميد المجيد) (٥).\nومحاسن المحمود تعالى إما قائمة بذاته، وإما ظاهرة في مخلوقاته.\nالنوع الأول: حمد الأسماء والصفات، وهو حمد يتضمن الثناء عليه بكماله القائم بذاته، وعلى ما له من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والمدائح والمحامد، والنعوت الجليلة الجميلة.\nوتفصيل هذا مما لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به ولا إلى التعبير عنه، ولكن بالجملة فكل صفة عليا، واسم حسن، وثناء جميل، وكل حمد، وتسبيح، وتنزيه، وتقديس، وجلال وإكرام، فهو لله ﷿ على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميع ما يوصف به، ويذكر به، ويخبر عنه به فهو محامد له، وثناء، وتسبيح، وتقديس، فسبحانه وبحمده لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه، فله الحمد أولًا وآخرًا، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده. فهذا تنبيه على أحد نوعي حمده، وهو حمد الأسماء والصفات.\nالنوع الثاني: حمد النعم والآلاء، وهذا مشهود للخليقة برها وفاجرها، مؤمنها وكافرها، من جزيل مواهبه وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته لهم، وبره ولطفه وحنانه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ورحمته للعالمين، وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق، بل ابتداء منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه، ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها وصرفها بعد وقوعها (٦).\n_________\n(١) «جلاء الأفهام» (ص: ٣٦٧).\n(٢) «جلاء الأفهام» (ص: ٤٦٢).\n(٣) «جلاء الأفهام» (ص: ٥٣٤).\n(٤) رواه أحمد (٣/ ٤٣٥) (١٥٦٢٤)، والطبراني (١/ ٢٨٢) (٨٢٢). قال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٩٨): جاءت الآثار متواترة بذلك، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٩٨): أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٦٢) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٥) انظر: «بدائع الفوائد» (٢/ ٥٣٧).\n(٦) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٤٢).","vol":"2","page":340},{"text":"٢ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «... وما من شيء أحب إلى الله من الحمد» (١).\nوحمده يتضمن أصلين: الإخبار بمحامده وصفات كماله، والمحبة له عليها.\n(وهو سبحانه كما يحب أن يعبد، يحب أن يحمد ويثنى عليه، ويذكر بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى) (٢).\n٣ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الذكر: لا إله إلا الله وأفضل الدعاء: الحمد لله» (٣).\nقال شيخ الإسلام ﵀: فسمى الحمد لله دعاء وهو ثناء محض، لأن الحمد متضمن الحب والثناء. والحب أعلى أنواع الطلب؛ فالحامد طالب للمحبوب، فهو أحق أن يسمى داعيًا من السائل الطالب؛ فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب، فهو دعاء حقيقة، بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه (٤).\n٤ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ» (٥).\nفإن حمده لولي النعمة نعمة أخرى هي أفضل وأنفع له، وأجدى عائدة من النعمة العاجلة، فإن أفضل النعم وأجلها على الإطلاق، نعمة معرفته تعالى وحمده وطاعته (٦).\n٥ - عن عمران بن حصين ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: «إن أفضل عباد الله يوم القيامة الحمادون» (٧).\nفقد دل هذا الحديث على أن أفضل العباد يوم المعاد الذين يكثرون من حمد الله في السراء والضراء. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٩١\n_________\n(١) رواه أبو يعلى (٧/ ٢٤٧) (٤٢٥٦)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٣٥٩). وقال: رجاله رجال الصحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٢): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) «طريق الهجرتين» (ص: ٤٣١).\n(٣) رواه الترمذي (٣٣٨٣)، وابن ماجه (٣٠٨٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٠٨) (١٠/ ٦٦٧)، وابن حبان (٣/ ١٢٦) (٨٤٦)، والحاكم (١/ ٦٧٦). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسنه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٦٣)، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٦٢) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ١٩).\n(٥) رواه ابن ماجه (٣٠٨٢). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٢٤٤): إسناده حسن، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٦) «فتيا في صيغة الحمد» (ص: ١٢)، لابن القيم ﵀.\n(٧) رواه أحمد (٤/ ٤٣٤) (١٩٩٠٩) موقوفًا، والطبراني (١٨/ ١٢٤) (١٤٩٦٤). وصحح إسناده ابن جرير في «مسند عمر» (٢/ ٨٢٥)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٩٨): رواه أحمد موقوفًا وهو شبه المرفوع ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٥٧١).","vol":"2","page":341},{"text":"إن المؤمن متى ما عرف أن الله متصف بالحمد فإنه يسعى إلى حمده تعالى على كل حال بكل وسيلة ممكنة ومشروعة في السراء والضراء والشدة والرخاء والعسر واليسر وفيما يحب ويكره، فهو الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فله من الأسماء الحسنى أحسنها، ومن الصفات أكملها وأعلاها، وأن أفعاله تعالى دائرة بين الفضل والعدل، وهو أهل لكل المحامد وليس ذلك لأحد إلا الله تعالى. قال الإمام ابن القيم: وبالجملة فكل صفة عليا واسم حسن وثناء جميل وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله ﷿ على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه به فهو حمد له وثناء وتسبيح وتقديس، فسبحانه وبحمده لا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه، فله الحمد أولًا وآخرًا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده (١).\nقال القرطبي: فيجب على كل مكلف أن يعتقد أن الحمد على الإطلاق إنما هو لله وأن الألف واللام للاستغراق لا للعهد، فهو الذي يستحق جميع المحامد بأسرها، فنحمده على كل نعمة وعلى كل حال بمحامده كلها ما علم منها وما لم يعلم ... ثم يجب عليه أن يسعى في خصال الحمد وهي التخلق بالأخلاق الحميدة والأفعال الجميلة (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٣٩٦\nفكلمة (الحمد لله) كلمة عظيمة جليلة القدر، كثيرة النفع، لها فضل عظيم وثواب جزيل وأجر جسيم عند الله. حيث أعطى من فضله وكرمه هذا المقدار العظيم لقائل هذا القول اليسير، الذي يمكن أن يقوله القائل في جميع الأحوال والأوقات، من غير تكلف بدن ولا مال.\nعن أبي أمامة ﵁ قال: رآني النبي ﷺ، وأنا أحرك شفتي، فقال لي: «بأي شيء تحرك شفتيك يا أبا أمامة؟ فقلت: أذكر الله يا رسول الله، فقال: ألا أدلك على ما هو أكثر من ذكرك الله الليل مع النهار؟ تقول: الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله ملء ما خلق، الحمد لله عدد ما في السماوات والأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله على ما أحصى كتابه، والحمد لله عدد كل شيء، والحمد لله ملء كل شيء، وتسبح الله مثلهن. تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك» (٣).\nومن نظر بعين المعرفة في هذا، استكثر منه طمعًا بالخير العظيم، والأجر الجسيم، والعطاء الجليل، والجود الجميل.\n(فلله تعالى الحمد والشكر والثناء، حيث أعطى العباد من مصالحهم ومنافعهم فوق ما يطلبون، وأعلى ما يتمنون، وآتاهم من كل ما سألوه، لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه) (٤).\nومن أجل نعم الله على الإطلاق، التي يستحق عليها الحمد، ما تعاقب الليل والنهار: نعمة الإسلام. فهي النعمة الحقيقية الكبيرة العظيمة على عباده، قال الله تعالى: اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣].\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٥)، وانظر: «طريق الهجرتين» (ص: ١٣٠ - ١٣٢).\n(٢) «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى للقرطبي» (١/ ١٩٠).\n(٣) رواه ابن خزيمة (١/ ٣٧١) (٧٥٤)، والطبراني (٨/ ٢٣٨) (٧٩٣٠). وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٦١٥).\n(٤) «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ٦٠١).","vol":"2","page":342},{"text":"عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثًا مني، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: «ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومن به علينا؛ قال: آلله ما أجلسكم إلى ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني: أن الله يباهي بكم الملائكة» (١).\nفهؤلاء كانوا قد جلسوا يحمدون الله بذكر أوصافه وآلائه، ويثنون عليه بذلك، ويذكرون حسن الإسلام، ويعترفون لله بالفضل العظيم إذ هداهم له ومن عليهم به (٢).\nفمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم، وقد عظمت عليه نعمة الله، فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها والثبات عليها إلى الممات، والموت عليها، فبذلك تتم النعمة (٣).\nفالحمد لله الذي خصنا بهذه الرحمة، وأسبغ علينا هذه النعمة، وأعطانا هذه الفضائل الجمة (٤).\nالحمد لله، ثم الحمد لله تعالى، الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.\nيا ذا الجلال والإكرام، كما هديتنا للإسلام، أسألك أن لا تنزعه عنا، حتى تتوفانا على الإسلام (٥). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ١٠٨\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٠١).\n(٢) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٢٩١).\n(٣) «لطائف المعارق» (ص: ١٦٩ - ١٧٠).\n(٤) «لطائف المعارف» (ص: ١٨٠).\n(٥) «موارد الأمان» (ص: ٤٦٩).","vol":"2","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>رابع عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله القوي</span>\nأن المؤمن عندما يعلم أن من أوصافه تعالى القوة والقدرة على كل شيء فإنه يدرك تمامًا أنه لا قوة له على طاعة الله تعالى إلا بتوفيقه وقوته وعونه، وأنه لا حول له على اجتناب المعاصي ودفع الشرور عن نفسه إلا بعون من الله، ويدل على هذا قوله ﷺ: «يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمات هي من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله» (١). قال النووي: قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا راد لأمره وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر، ثم قال: قال أهل اللغة: (الحول) الحركة والحيلة أي: لا حركة ولا استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل معناه: لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا الله. وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود ﵁، وكله متقارب (٢).\nوكما قيل:\nإذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده (٣)\nقال الإمام ابن القيم: ولو اجتمعت قوى الخلائق على شخص واحد منهم ثم أعطي كل واحد منهم مثل تلك القوة لكانت نسبتها إلى قوته سبحانه دون نسبة قوة البعوضة إلى حملة العرش، ولو كان جودهم على جود رجل واحد، وكل الخلائق على ذلك الجود لكانت نسبته إلى جوده دون نسبة قطرة إلى البحر، وكذلك علم الخلائق إذا نسب إلى علمه كان كنقرة عصفور من البحر، وكذلك سائر صفاته كحياته وسمعه وبصره وإرادته (٤). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٣٩٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٦١٠)، ومسلم (٢٧٠٤). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٢) «شرح النووي على مسلم» (١٧/ ٢٦).\n(٣) «ديوان علي بن أبي طالب ﵁» (ص: ٥٦).\n(٤) «شفاء العليل» (ص: ٢٢٨).","vol":"2","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>خامس عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الحي</span>\nأن المؤمن عندما يدرك أن الله تعالى حي بحياة وهي صفة لازمة له تعالى وله جميع معانيها الكاملة من السمع والبصر والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، والحي من أسمائه ﷿، فإنه يسلم وجهه له إيمانًا به وتوكلًا عليه، ففيه رغبته ورهبته، ومعاذه وملاذه لأنه الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون، وحاديه في هذا كله قوله ﷺ: «اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون» (١).\nومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم أن يلهج المؤمن به لما له من تأثير عظيم في حياة القلوب. قال الإمام ابن القيم: فذكر الله ﷾، ومحبته وطاعته والإقبال عليه ضامن لأطيب الحياة في الدنيا والآخرة، والإعراض عنه والغفلة ومعصيته: كفيل بالحياة المنغصة والمعيشة الضنك في الدنيا والآخرة (٢).\nومن تجريبات السالكين التي جربوها فألفوها صحيحة: أن من أدمن (يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت) أورثه ذلك حياة القلب والعقل، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه- شديد الله جبها جدًا وقال لي يومًا: لهذين الاسمين – وهما (الحي القيوم) – تأثير عظيم في حياة القلب. وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم، وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر: (يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك استغيث) حصلت له حياة القلب ولم يمت قلبه (٣). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٣٩٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧١٧). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) «مدارج السالكين» (٣/ ٢٧٠، ٢٧١).\n(٣) «مدارج السالكين» (١/ ٤٨٢).","vol":"2","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-629>سادس عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله القيوم</span>\nأن المؤمن متى أعطى هذا الاسم الكريم حقه من العلم والعمل بمقتضاه فقد استيقن أن الله تعالى قائم بتدبير أمور العباد وأرزاقهم وجميع أحوالهم، كما أن من أعطى هذا الاسم حقه من التعبد به لله ﵎ فقد توكل على ربه وانقطع رجاؤه من الخلق إلى الله تعالى، واستغنى عما في أيديهم إلى ما في يدي الله ﵎ لأن العباد محتاجون مفتقرون إلى خالقهم في قيامهم وقعودهم وحركاتهم وسكناتهم في دنياهم وأخراهم وفي حياتهم وبعد مماتهم.\nومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم (القيوم) الدعاء به والتعبد لله بمقتضاه (فمن علم عبوديات الأسماء الحسنى والدعاء بها، وسر ارتباطها بالخلق والأمر وبمطالب العبد وحاجاته: عرف ذلك وتحققه) (١). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٠٢\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ٤٨٢).","vol":"2","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-630>سابع عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الصمد</span>\nأن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بصمديته وليس في الوجود صمد سوى الله تعالى، فإنه يصمد إليه في الحوائج كلها ويكون مفزعه وغايته فلا يقصد غيره ولا يلجأ في حوائجه إلا إليه.\nومن جعله الله تعالى مقصد عباده في مهمات دينهم ودنياهم وأجرى على لسانه ويده حوائج خلقه، فقد أنعم عليه بحظ من معنى هذا الوصف وعليه أن يتخلق بأخلاق السيادة والسادة حتى يكون مصمودًا، وبابه مقصودًا. روى هشام بن عروة عن أبيه قال: أدركت سعد بن عبادة ومناد ينادي على أطمه: من أحب شحمًا ولحمًا فليأت سعدًا، ثم أدركت ابنه قيسًا ينادي مثل ذلك (١) (٢).\nقال الإمام ابن تيمية: والمخلوق وإن كان صمدًا من بعض الوجوه فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه فإنه يقبل التفرق والتجزئة، وهو أيضًا محتاج إلى غيره فإن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه، فليس أحد يصمد إليه كل شيء ولا يصمد إلى شيء إلا الله ﵎ (٣).\nقال الغزالي في المقصد: ومن جعله الله تعالى مقصد عباده في مهمات دينهم ودنياهم وأجرى على لسانه ويده حوائج خلقه فقد أنعم عليه بحظ من هذا الوصف (٤). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٠٤\n_________\n(١) رواه بنحوه الحاكم (٣/ ٢٨٤).\n(٢) «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» للقرطبي (١/ ١٨٦).\n(٣) «مجموع الفتاوى» للإمام ابن تيمية (١٧/ ٢٣٨).\n(٤) «المقصد الأسنى» للغزالي (ص: ١١٩).","vol":"2","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-631>ثامن عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الظاهر والباطن</span>\nأن المؤمن إذا تحقق علوه تعالى المطلق على كل شيء بذاته، وأنه ليس فوقه شيء البتة وأنه ظاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم توجه إليه، فقد جمع قلبه على المعبود، وجعله له ربًا يقصده وصمدًا يصمد إليه في حوائجه، وملجأ يلجأ إليه، فإذا استقر ذلك في قلبه وعرف ربه باسم (الظاهر) استقامت له عبوديته وصار معقل وموئل يلجأ إليه ويهرب إليه ويفر كل وقت إليه.\nكما أن الله ﷿ هو الباطن المحيط بكل شيء الذي أحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، دنا من كل شيء ببطونه فلا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهر باطنًا، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب والسر عنده علانية، فهو العليم ببواطن الأمور وظواهرها يستوي عنده هذا وهذا. قال تعالى سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد: ١٠] فيستوي عند الله تعالى من هو متخف في قعر بيته في ظلام الليل ومن هو سائر في سربه (طريقه) في بياض النهار وضيائه (١).\nوعن عبوديته تعالى بهذين الاسمين قال الإمام ابن القيم: وأما عبوديته باسمه الظاهر فكما فسره النبي ﷺ: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» (٢)، فإذا تحقق العبد علوه المطلق على كل شيء بذاته وأنه ليس فوقه شيء البتة، وأنه ظاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم توجه إليه إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠] صار لقلبه قبلة توجه نحوها ومعبود يتوجه إليه قصده، وصاحب هذه الحال إذا سلك وتأله وتعبد طلب قلبه إلهًا يسكن إليه ويتوجه إليه.\nوأما تعبده باسمه الباطن فأمر يضيق نطاق التعبير عن حقيقته ويكل اللسان عن وصفه، وتصطلم الإشارة إليه وتجفو العبارة عنه، فإنه يستلزم معرفة بريئة من شوائب التعطيل مخلصة من فرث التشبيه، منزهة عن رجس الحلول أهل الانحراف، فمن رزق هذا فهم معنى اسمه (الباطن) ووضح له التعبد به.\nوباب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة إحاطة الرب سبحانه بالعالم وعظمته، وأن العوالم كلها في قبضته، وأن السماوات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد. قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ [الإسراء: ٦٠] وقال: وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ [البروج: ٢٠] ولهذا يفرق سبحانه بين هذين الاسمين الدالين على هذين المعنيين: اسم العلو الدال على أنه (الظاهر) وأنه لا شيء فوقه، واسم العظمة الدال على الإحاطة، وأنه لا شيء دونه كما قال تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [الشورى: ٤] وقال تعالى وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٣] وقال: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]، وهو ﵎ كما أنه العالي على خلقه بذاته فليس فوقه شيء فهو (الباطن) بذاته فليس دونه شيء بل ظهر على كل شيء فكان فوقه، وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه فهذا أقرب لإحاطة العامة (٣). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤١٦\n_________\n(١) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٤).\n(٢) رواه مسلم (٢٧١٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «طريق الهجرتين» (ص: ٢١ - ٢٤).","vol":"2","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-632>تاسع عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله المعطي والمانع</span>\nأن المؤمن عندما يدرك أن الله تعالى متصف بالعطاء والمنع فإنه يقطع الأمل من المخلوقين، وينزل حوائجه بالمعطي المانع المتفرد بالعطاء والمنع فيطرح الأواسط طرحًا ويضرب عن الأسباب صفحًا، ويجعل الله هو الكل وكل موجود مع القدرة كالطل لا حكم له في الفعل، فلا يذم مانعًا بوجه ولا يمدح معطيًا إلا من حيث ينظر إلى الله فيمدحه لمدح الله إياه إذ جرت بالخير يداه على ما أجراهما الله.\nكما يدرك أن التأييد والإحاطة والنصر على الأعداء إنما يكون بحسب متابعة الرسول ﷺ، وعندها تكون العزة والكفاية والنصرة. كما أنه بحسب متابعته تكون الهداية والنجاة، فالله سبحانه علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح والعزة، والكفاية والنصرة والولاية، والتأييد وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال، والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة (١).\nومن مقتضى الإيمان بهذين الاسمين الكريمين: أن لا يفر أحد هذين الاسمين عن الآخر وذلك تأدبًا مع الله تعالى، فإن إفراد أحدهما عن الآخر يوهم نقصًا.\nقال الخطابي: وفي ذكرهما معًا إنباء عن القدرة وأدل على الحكمة، كقوله تعالى: وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٤٥]، وإذا ذكرت القابض مفردًا عن الباسط كنت كأنك قد قصرت بالصفة على المنع والحرمان، وإذا وصلت أحدهما بالآخر فقد جمعت بين الصفتين منبئًا على وجه الحكمة فيهما (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٢٢\n_________\n(١) انظر: «زاد المعاد» (١/ ٣٧) بتصرف.\n(٢) «شأن الدعاء» للخطابي (ص: ٥٨). وانظر: «تفسير أسماء الله الحسنى» للزجاج (ص: ٤٠).","vol":"2","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>عشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله القابض والباسط</span>\nأن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالقبض والبسط فيقبض الأرواح عن الأشباح بعد الممات، ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة، ويقبض الصدقات من الأغنياء ويبسط الرزق لمن يشاء، حتى لا تبقى فاقة؛ فلا ريب أنه يتوجه بكليته إلى الله تعالى فهو المعد وهو الممد، وهو القائل سبحانه تعالى: وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٤٥]. كما أن الآثار الإيمانية لاسم الله هذين الاسمين الكريمين ما قاله الإمام ابن القيم في حالتي القبض والبسط وأثرهما في المؤمن حيث قال: القبض والبسط حالتان تعرضان لكل سالك، يتولدان من الخوف تارة فيقبضه الخوف تارة والرجاء تارة، والجمعية تارة، فتفرقته تورثه القبض، وجمعيته تورثه البسط، ويتولدان من أحكام الوارد تارة فوارد يورث قبضًا، ووارد يورث بسطًا، وقد يهجم على قلب السالك قبض لا يدري ما سببه وبسط لا يدري ما سببه، وحكم صاحب هذا القبض: أمران: الأول: التوبة والاستغفار لأن ذلك القبض نتيجة جناية، أو جفوة ولا شعر بها، والثاني: الاستسلام حتى يمضي عنه ذلك الوقت، ولا يتكلف دفعه، ولا يستقبل وقته مغالبة وقهرًا، ولا يطلب طلوع الفجر في وسط الليل، وليرقد حتى يمضي عامة الليل ويحن طلوع الفجر، وانقشاع ظلمة الليل، بل يصبر حتى يهجم عليه الملك فالله يقبض ويبسط.\nوكذلك إذا هجم وارد البسط فليحذر كل الحذر من الحركة والاهتزاز، وليحرزه بالسكون والانكماش، فالعاقل يقف على البساط، ويحذر من الانبساط، وهذا شأن عقلاء أهل الدنيا ورؤسائهم: إذا ما ورد عليهم ما يسرهم ويبسطهم ويهيج أفراحهم، قابلوه بالسكون والثبات والاستقرار حتى كأنه لم يهجم عليهم (١).\nومن مقتضى الإيمان بهذين الاسمين الكريمين أن لا يفرد أحدهما في الذكر عن قرينه، وذلك تأدبًا مع الله تعالى وإظهارًا لتمام قدرته، قال الزجاج: الأدب في هذين الاسمين أن يذكرا معًا لأن تمام القدرة بذكرهما معًا، ألا ترى أنك إذا قلت: إلى فلان قبض أمري، وبسطه، ولا بمجموعها أنك تريد أن جميع أمرك إليه؟ وتقول: ليس إليك من أمري بسط ولا قبض، ولا حل ولا عقد، أراد ليس إليك منه شيء (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٢٤\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (٢/ ٣٨٩، ٣٩٠).\n(٢) «تفسير أسماء الله الحسنى» للزجاج (ص: ٤٠).","vol":"2","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-634>واحد وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الخافض الرافع</span>\nأن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالخفض والرفع يوقن أن الله تعالى يرفع أولياءه بالطاعة فيعلي مراتبهم وينصرهم على أعدائه ويجعل العاقبة لهم كما أنه يخفض الجبارين ويذل الفراعنة المتكبرين. فهو الذي يرفع أولياءه في الدنيا والآخرة وذلك بما وفقهم إليه من طاعته وامتثال أمره ونهيه والعمل بمقتضى شرعه واتباع ما جاء به نبيه ﷺ، فإذا فعلوا ذلك كانت لهم الرفعة والسؤدد على سائر الناس، وكانوا شامة بين الأمم وهداة إلى الحق على المحجة البيضاء التي من وافقها كانت له الرفعة والعلو، ومن خالفها وزاغ عنها فليس له إلا الخفض والذل والصغار في الدنيا والآخرة، وكان مصيره مصير أولئك الكفرة الجبابرة والفراعنة المتكبرين ومصيرهم أن يحشروا يوم القيامة في صورة الذر حتى تطأهم الخلائق بأقدامها (١).\nوليس المرفوع قدرًا، والمعلى شأنًا وأمرًا، والمستحق مجدًا وفخرًا من رفع الطين على الطين وتكبر على المساكين وتجبر على أشكاله بكثرة ماله، واستقامة أحواله، وإنما المشرف شأنا والمعلى رتبة ومكانًا من رفعه الله بتوفيقه، وأيده لتصديقه، وهداه إلى طريقته، صفى قلبه وخلى له وجهه وصعد إلى السماء أنينه، وصدق إلى الله شوقه وحنينه، وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» (٢). واعلم أن المخفوض حقًا من تنكبه التوفيق والنصرة وأدركه الخذلان والفترة، ويصبح في حسرة. فعلى هذا: الرفع والخفض أمارتان للجزاء، فمن فتحت لروحه أبواب السماء فرفع واستبشر ومن نكس إلى أسفل أبعد وآيس، وبحسب ذلك الأعمال بشارات ونذارات (٣). ومن مقتضى الإيمان بهذين الاسمين كذلك أن يوصل أحدهما في الذكر بالآخر؛ لأن الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد ولذلك لم تجئ مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة (٤). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٢٦\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (٢/ ١٣٠) بتصرف.\n(٢) رواه مسلم (٢٦٢٢) بدون لفظة: «أغبر». من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» للقرطبي (١/ ٣٩٨).\n(٤) «بدائع الفوائد» (١/ ١٨٤).","vol":"2","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-635>اثنان وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله المعز المذل</span>\nأن المؤمن عندما يدرك أن الله تعالى المعز المذل فإنه يجد في العزة مظهرًا من مظاهر الثقة بالله تعالى ورسوخ اليقين والقوة في الدين والخلق. فعن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة له فنزل عنها وخلع خفيه فوضعها على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا؟ تخلع خفيك وتضعها على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك. فقال عمر: أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد ﷺ، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله (١)\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) (٢)\nوقال الإمام ابن القيم في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة: ٥٤]: لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة (على) تضمينًا لمعاني هذه الأفعال، فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل، وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول كما في الحديث: «المؤمن كالجمل الذلول، والمنافق والفاسق ذليل» (٣)، وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق: الكذاب، والنمام، والبخيل، والجبار.\nوقوله: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ هو من عزة القوة والمنعة والغلبة، قال عطاء ﵁: للمؤمنين كالوالد لوده وعلى الكافرين كالسبع على فريسته، كما قال في الآية الأخرى: أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وهذا عكس حال من قيل فيهم:\nكبرًا علينا وجبنًا عن عدوكم ... لبئست الخلتان الكبر والجبن (٤)\n@ منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٣١\n_________\n(١) رواه الحاكم (١/ ١٣٠)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٥). من حديث طارق بن شهاب ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين .. ولم يخرجاه، وله شاهد. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١/ ١١٧): صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) رواه البخاري (٣٦٨٤). من حديث قيس بن أبي حازم ﵁.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) «مدارج السالكين» (٢/ ٣٤٠).","vol":"2","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>ثلاث وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله البَرّ</span>\nأن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالبر والكرم والإحسان فإن ذلك يوجب له معرفة بكرم الله عليه وفضله في المغفرة وتمام الإحسان إلى الخلائق وإمهاله المسيء والعاصي، فلا يؤاخذهم فيعجلهم عن التوبة مع كمال قدرته على معاجلتهم بالعقوبة، قال الإمام ابن القيم في لطائف أسرار توبة العبد: ومنها: أن يعرف – العبد – بره سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له ولو شاء بره لفضحه بين خلقه فحذروه، وهذا من كمال بره، ومن أسمائه (البر) وهذا البر من سيده كان عن كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه، فيستقل بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم، فيذهل عن ذكر الخطيئة، فيبقى مع الله سبحانه، وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته، وشهود ذل معصيته، فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه: هو المطلب الأعلى والقصد الأسنى.\nومنها: شهود حلم الله ﷾ في إمهال راكب الخطيئة ولو شاء لعاجله بالعقوبة ولكنه الحليم الذي لا يعجل، ومنها: معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدم من الاعتذار لا بالقدر، فإنه مخاصمة ومحاجة، كما تقدم، فيقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره.\nومنها: أن يشهد فضله في مغفرته فإن المغفرة فضل من الله، وإلا فلو أخذك بمحض حقه كان عادلًا محمودًا، وإنما عفوه بفضله لا باستحقاقك، فيوجب لك ذلك أيضًا شكرًا له ومحبة، وإنابة إليه، وفرحًا، وابتهاجًا به، ومعرفة له باسم الغفار، ومشاهدة لهذه الصفة، وتقيدًا بمقتضاها، وذلك أكمل في العبودية والمحبة والمعرفة (١). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٣٥\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ٢٢٨).","vol":"2","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>أربع وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله المنّان</span>\nأن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالمن والعطاء الكثير الذي ليس وراءه استثابة فإنه يستشعر مواهب الله العظيمة، فهو الذي أعطى الحياة والعقل والمنطق وصور فأحسن الصور، وأنعم فأجزل وأسنى النعم، وأكثر العطايا والمنح فقال وقوله الحق: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [النحل: ١٨].\nقال الإمام ابن القيم في معرض كلامه عن الأول والآخر والظاهر والباطن: فانظر: كيف كانت هذه الأسماء الأربعة الأول والآخر والظاهر والباطن؛ جماع المعرفة وجماع العبودية له. فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته فلا يرى لغيره شيئا إلا به وبحوله وقوته .. فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة وشهد معنى اسمه المنان، وتجلى سبحانه على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه الأول، ذهل القلب والنفس به، وصار العبد فقيرًا إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول، ... (١).\nومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم أن يأخذ المؤمن بحظه ونصيبه من هذه الصفة على وجهها الحسن من العطاء والصنع الجميل والإحسان إلى الخلق، وحاديه في ذلك السلف الصالح الذين ضربوا أروع الأمثلة في العطاء والفضل. فهذا أبو بكر الصديق ﵁ جاء بما له ولم يبق لأهله منه شيء جاء يقدمه للإسلام والمسلمين فقال فيه النبي ﷺ: «وإن من أمن الناس علي في ماله أبو بكر» (٢) وقوله: «ما أحد أمن علي من أبي بكر واساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته» (٣). وهذا عمر الفاروق الذي أعطى الإسلام حياته كلها دمه ودموعه ليله ونهاره حتى ضرب الإسلام بأطنابه، وقال فيه القائل:\nوراع صاحب كسرى أو رأى عمرًا ... بين الرعية عطلًا وهو راعيها\nوعهده بملوك الفرس أن لها ... سورًا من الجند والأحراس يحميها\nرآه مستغرقًا في نومه فرأى ... فيه الجلالة في أسمى معانيها\nوقال قولة حق أصبحت مثلًا ... وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها\nأمنت لما أقمت العدل بينهم ... فنمت نوم قرير العين هانيها (٤)\nولا زال يأمر وينهي بالإسلام حتى وهو مضرج بدمائه، ويحكى عنه ﵁، أن أعرابيًا أتاه فقال:\nيا عمر الخير جزيت الجنة ... أكس بنياتي وأمهنه\nوكن لنا من الزمانا جنة ... أقسم بالله لتفعلنه\nقال عمر: إن لم أفعل يكون ماذا؟ قال:\nإذا أبا حفص لأذهبنه.\nقال: إذا ذهبت يكون ماذا؟ قال:\nيكون عن حالي لتسألنه ... يوم يكون الأعطيات منة\nوموقف المسؤول بينهنه ... إما إلى نار وإما جنة\nفبكى عمر حتى اختضلت لحيته بالدمع ثم قال: يا غلام أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره، فوالله لا أملك غيره (٥).\nوهذا عثمان بن عفان ﵁ الذي حفر بئر رومة وجهز الجيوش بماله وأعطى عطاء من لا يخشى الفقر حتى قال فيه النبي ﷺ: «ما على عثمان فعل بعد هذا» (٦). وهذا علي ﵁ قام مقام إخوانه وأصحابه حتى جعلت محبته من علامة الإيمان وبغضه علامة للنفاق (٧)، قام بالدين خير قيام حتى طعن وهو يصلي بالناس فكانت حياته مليئة بالعطاء والعلم والجهاد فرضي الله عنهم أجمعين، ولا يزال في الأمة بحمد الله من يترسم خطى هؤلاء المؤمنين –من الأئمة والعلماء والصالحين- في العطاء والتنافس والبذل والمسارعة فيه ولكل مجتهد نصيبه وكل آخذ بحظه ونصيبه من ذلك وكل ميسر لما خلق له.\nومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم أن لا يمن المؤمن بعلمه ولا بعمله. قال الإمام ابن القيم: (فمن جلى الله سبحانه صدأ بصيرته وكمل فطرته وأوقفه على مبادئ الأمور وغاياتها، ومناطها ومصادرها ومواردها أصبح كالمفلس حقًا من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه يقول: أستغفر الله من علمي ومن عملي، أي انتسابي إليهما وغيبتي بهما عن فضل من ذكرني بهما وابتدأني بإعطائهما من غير تقدم سبب مني يوجب ذلك ... (٨). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي الغامدي - بتصرف – ص: ٤٥١\n_________\n(١) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٦).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٥٤)\n(٣) رواه الطبراني (١١/ ١٩١) (١١٤٦١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٤٩): فيه أرطأة أبو حاتم وهو ضعيف.\n(٤) «شرح ديوان حافظ إبراهيم» (ص: ٣٨٨، ٣٨٩).\n(٥) «أسنى في شرح الأسماء الحسنى» للقرطبي (١/ ٢٦٣).\n(٦) رواه الترمذي (٣٧٠١)، وأحمد (٥/ ٦٣) (٢٠٦٤٩)، والحاكم (٣/ ١١٠). من حديث عبدالرحمن بن سمرة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٧) الحديث رواه مسلم (٧٨) بلفظ: (قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلى أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق).\n(٨) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٦).","vol":"2","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>خمس وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله المجيب</span>\nأن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالمجيب الذي يقابل الدعاء والسؤال بالعطاء والقبول، ويبتدئ بالنوال قبل السؤال ويجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، ويغيث الملهوف إذا ناداه؛ فإنه يقوى رجاؤه بربه وتعلقه به طمعًا ورجاء. فهو الذي ابتدأ العباد بالإجابة حيث قال تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] فلا أعظم ولا أكرم من هذا العرض على العباد، فسبحان من انفرد بإجابة الداعين وتنفيس كرب المضطرين الذي من شأنه النوال قبل السؤال، أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.\nومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم أن يكون المؤمن مجيبًا أولًا لربه تعالى فيما أمره به ونهاه عنه، وفيما قربه إليه ودعاه، ثم لعباده فيما أنعم الله عليه بالاقتدار عليه، وفي كل سائل بما يسأله إن قدر عليه وفي لطف الجواب إن عجز عنه، قال الله تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠].\nوقال رسول الله ﷺ: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت» (١).\nوكان حضوره الدعوات وقبوله الهدايا غاية الإكرام والإيجاب منه (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٥٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٥١٧٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) انظر: «المقصد الأسنى» للغزالي (ص: ١٠٦) بتصرف.","vol":"2","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>ست وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الستّير</span>\nيجب على المؤمن أن يتصف بالستر لينال بذلك محبة الله ﷿ لأنه تعالى حيي ستير يحب أهل الحياء والستر. قال النووي في شرح مسلم في قوله ﷺ: «ومن ستر مسلمًا ستره الله ﷿ يوم القيامة» (١) قال: وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس هو معروفًا بالأذى والفحشاء (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٥٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٤٢).\n(٢) «الآداب الشرعية» لابن مفلح (١/ ٢٣٥).","vol":"2","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>سبع وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الجواد</span>\nأن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالجود وكثرة العطاء فإنه يحرص على مواقع فضله ورحمته تعالى، فإنه أجود الأجودين وأكرم الأكرمين فهو يحب الإحسان والجود والعطاء والبر، وذلك أن الفضل كله بيده والخير كله منه. قال الإمام ابن القيم: وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من فرح الآخذ بما يعطاه ويأخذه، أحوج ما هو إليه أعظم ما كان قدرًا، فإذا اجتمع شدة الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها فما الظن بفرح المعطي؟ ففرح المعطي سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فرح هذا بما يأخذه ولله المثل الأعلى ... فما الظن بمن تقدس وتنزه عن ذلك كله؟ ولو أن أهل سماواته وأرضه، وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل واحد ما سأله: ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة وهو الجواد لذاته، كما أنه الحي لذاته، العليم لذاته، السميع البصير لذاته فجوده العالي من لوازم ذاته، ... (١).\nوالجود صفة الكرماء وشيمة النبلاء، كانت العرب تفاخر به وتطاول حتى تنافس فيه أقوام. وهو عشر مراتب جمعها الإمام ابن القيم في (مدارج السالكين) فقال:\nأحدها: الجود بالنفس وهو أعلى مراتبه كما قال الشاعر:\nيجود بالنفس إذ ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود (٢)\nالثانية: والجود بالرياسة. وهو ثاني مراتب الجود، ويحمل الجواد جوده على امتهان رياسته والجود بها والإيثار في قضاء حاجات الملتمس.\nالثالثة: الجود براحته ورفاهيته، وإجمامه نفسه، فيجود بها تعبًا وكدًا في مصلحة غيره، ومن هذا جود الإنسان بنونه ولذته لمسامره كما قيل:\nمتيم بالندى لو قال سائله ... هب لي جميع كرى عينيك لم ينم\nالرابعة: الجود بالعلم وبذله، وهو من أعلى مراتب الجود، والجود به أفضل من الجود بالمال، لأن العلم أشرف من المال.\nالخامسة: الجود بالنفع بالجاه، كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان، ونحوه وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد، كما أن التعليم وبذل العلم زكاته.\nالسادسة: الجود ينفع البدن على اختلاف أنواه كما قال ﷺ: «يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين اثنين: صدقة، ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها، أو يرفع له عليها متاعه: صدقة، والكلمة الطيبة: صدقة، وبكل خطوة مشيها الرجل إلى الصلاة: صدقة، ويميط الأذى عن الطريق: صدقة» (٣).\nالسابعة: الجود بالعرض، كجود أبي ضمضم من الصحابة ﵃، كان إذا أصبح قال: اللهم إنه لا مال لي، أتصدق به على الناس، وقد تصدقت عليهم بعرضي، فمن شتمني أو قذفني فهو في حل، فقال النبي ﷺ: «من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم» (٤).\nالثامنة: الجود بالصبر والاحتمال، والإغضاء، وهذه مرتبة شريفة من مراتبه وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال وأعز له وأنصر، وأملك لنفسه، وأشرف لها، ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار.\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ٢٣٣، ٢٣٤).\n(٢) «موسوعة الشعر العربي»، معهد البحوث العلمية بجامعة أم القرى (١/ ٥٣٣)، والبيت لأبي الشيص الخزاعي.\n(٣) رواه البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه بنحوه أبو داود (٤٨٨٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٢٧٥١)، والضياء (٥/ ١٥٠). من حديث أنس ﵁. قال البيهقي: الصحيح رواية من رواه مرسلًا، وقال الضياء: رجاله موثقون والصحيح أنه مرسل.","vol":"2","page":357},{"text":"التاسعة: الجود بالخلق والبشر والبسطة، وهو فوق الجود بالصبر، والاحتمال والعفو، وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وهو أثقل ما يوضع في الميزان. قال النبي ﷺ: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه» (١).\nالعاشرة: الجود بتركه ما في أيدي الناس عليهم، فلا يلتفت إليه، ولا يستشرف له بقلبه، ولا يتعرض له بحاله، ولا لسانه، وهذا الذي قال عبد الله بن المبارك: (إنه أفضل من سخاء النفس بالبذل)، فلسان حال القدر يقول للفقير الجواد: وإن لم أعطك بما تجود به على الناس، فجد عليهم بزهدك في أموالهم وما في أيديهم تفضل عليهم، وتزاحمهم في الجود، وتنفرد عنهم بالراحة، ولكل مرتبة من مراتب الجود مزيد وتأثير خاص في القلب والحال، والله ﷾ قد ضمن المزيد للجواد، والإتلاف للإمساك، والله المستعان (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٦١\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٠٨٤)، وأحمد (٥/ ٦٣) (٢٠٦٥١)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٤٨٦) (٩٦٩١)، والطبراني (٧/ ٦٣) (٦٣٨٤)، وابن حبان (٢/ ٢٨١) (٥٢٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٢٥٢). من حديث أبي جري الجهني ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١١٤٤): حسن غريب، وقال الذهبي في «المهذب» (٨/ ٤٢٥٣): لبعضه طرق عن جابر وإسناده حسن. والحديث رواه مسلم (٢٦٢٦) بلفظ: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» من حديث أبي ذر ﵁.\n(٢) «مدارج السالكين» (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٨) باختصار.","vol":"2","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>ثمان وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله القريب</span>\nأن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالقرب من داعيه بالإجابة، ومن مطيعه بالإنابة، فإنه يحرص على أن يكون قريبًا من الله بتكميله العبودية، فإنه ليس بين الرب والعبد إلا محض العبودية، فكلما كمل قرب العبد إليه خصه بمزيد فضله، فمن تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا.\nهذا قربه تعالى من عابده، وأما قربه من داعيه فكما في الآية: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦]، وقربه تعالى من عباده وداعيه قرب خاص أخص من قرب الإنابة وقرب الإجابة، الذي لم يثبت أكثر المتكلمين سواه (١).\nوبهذا يتبين أن قربه تعالى من عباده نوعان:\nأولهما: قربه – تعالى – من قلوب المؤمنين، وقرب قلوبهم منه، وهذا أمر معروف لا يجهل فإن القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الإيمان والمعرفة به تعالى وذكره وخشيته والتوكل عليه لم ينكره منهم أحد. والثاني: ما دل عليه الحديث ونحوه مثل قربه عشية عرفة، وقربه آخر الليل، كما ثبتت بذلك النصوص. وهذا القرب ينكره أكثر المتكلمين من الجهمية والمعتزلة والأشعرية، وإنكاره منكر (٢).\nوللرد على من زعم أن القرب يقصد به الحلول والاتحاد قال الإمام ابن القيم: (وأما ما ذكرتم من أن مشاهدة القرب تجعل القصد قعودًا: فكلام له خبئ، وقد أفصح عنه بعض المغرورين المخدوعين بقوله:\nما بال عينك لا يقر قرارها ... إلام ظلك لا يني متنقلًا\nفلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا\nوكأن صاحبه يشير إلى أنه وجود قلبه ولسانه، ووجوده أقرب إليه من إرادته ولطفه. هذا خبيء هذا الكلام، وتعالى الله عن إلحاد هذا وأمثاله وإفكهم علوًا كبيرًا، بل هو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه.\nوأما ما ذكرتم من القرب: فإن أردتم عموم قربه إلى كل لسان من نطفه، وإلى كل قلب من قصده، فهذا – لو صح – لكان قرب قدرة وعلم وإحاطة لا قربًا بالذات والوجود، فإنه سبحانه لا يمازج خلقه، ولا يخالطهم، ولا يتحد بهم مع أن هذا المنى لم يرد عن الله ورسوله، ولا عن أحد من السلف الأخيار تسميته قربًا، ولم يجئ القرب في القرآن والسنة قط إلا خاصًا كما تقدم.\nوإن أردتم القرب الخاص إلى اللسان والقلب: فهذا قرب المحبة، وقرب الرضى، والأنس كقرب العبد من ربه وهو ساجد، وهو نوع آخر من القرب لا مثال ولا نظير، فإن الروح والقلب يقربان من الله وهو على عرشه والروح والقلب والبدن، وهذا لا ينافي القصد والطلب، بل هو مشروط بالقصد، فيستحيل وجوده بدونه، وكلما كان الطلب والقصد أتم كان هذا القرب أقوى (٣). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٧١\n_________\n(١) «بدائع الفوائد» (٢/ ٣١٠).\n(٢) كتاب «التوحيد» للغنيمان (١/ ٢٦٦).\n(٣) «مدارج السالكين» (٢/ ٣٠٠ - ٣٠٢).","vol":"2","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>تسع وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الرشيد</span>\nأن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالرشد في قوله وفعله وأمره ونهيه، فإنه يطمع في توفيقه تعالى وهدايته له، فمن هداه فهو وليه ومرشده. وفي الدعاء: (اللهم هب لي من لدنك رحمة وهيأ لي من أمري رشدا).\nفسبحان من أرشد الصغار من الأطفال والبهائم إلى المنافع، كالتقام الثدي ومص الضرع، والعنكبوت نسيج تلك البيوت، والنحل لصنعة ذلك الشكل، ... وقس على هذا، فكل موجود في الأرض والسماء جاء على منهج السداد، ومنه سبحانه جاء الرشاد وأعظم الرشاد، إرشاد عباده المؤمنين إلى دينه ودين ملائكته ورسله، وما حوته كتبه ذلك الدين القيم، فعليه أن يحسن معاملة مولاه بما أمره به وعن ما نهاه وهذا غاية الرشد، يدل عليه قوله ﷺ في خطبته: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يلومن إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا» (١). فقد بين ﷺ أن الرشد في طاعة الله، والغي في معصيته، وعليه أن يرشد عباد الله ويهديهم حتى لا يألفوا أعيادهم وهي –أي الأعادي – كل ذات وصفة من الصفات التي تصدهم عن طاعة الله وعبادته وتوقعهم في حبائل العصيان وشهواته. فإذا اتصف بهذه الصفات تسمى عند الله رشيدًا، ونال منه حظًا مجيدًا، ولله عليه في هذه المنة والفضل كما امتن على إبراهيم فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ [الأنبياء: ٥١] (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي الغامدي -بتصرف– ص: ٤٧٤\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٠٩٧)، والبيهقي (٣/ ٢١٥) (٥٥٩٤). من حديث ابن مسعود ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده النووي في «شرح صحيح مسلم» (٦/ ١٦٠).\n(٢) «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» للقرطبي (١/ ٤٧٤).","vol":"2","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-643>ثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله الصّبور</span>\nأن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالصبر فلا يعاجل العصاة بالانتقام منهم ويمهلهم لوقت معلوم، فإن هذا كله يفتح له باب الرجاء ويحثه على الإنابة إلى الله تعالى. قال الإمام ابن القيم: وأما صبره سبحانه فمتعلق بكفر العباد وشركهم، ومسبتهم له سبحانه وأنواع معاصيهم وفجورهم فلا يزعجه ذلك كله إلى تعجيل العقوبة بل يصبر على كيده، ويمهله، ويستصلحه ويرفق به، ويحلم عنه، حتى إذا لم يبق فيه موضع للضيعة، ولا يصلح على الإمهال والرفق بالحلم ولا ينيب إلى ربه ولا يدخل عليه لا من باب الإحسان والنعم، ولا من باب البلاء والنقم أخذه أخذ عزيز مقتدر بعد غاية الإعذار إليه، وبذل النصيحة له ودعائه إليه من كل باب، وهذا كله من موجبات صفة حلمه، وهي صفة ذاتية له لا تزول (١).\nومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم أن يصبر العبد ويتصبر ويصابر، وقد أمر الله بذلك فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ [آل عمران: ٢٠٠] فأمر سبحانه بالصبر على ما يخصه وعلى مصابرة الأعداء والمداومة على الصبر حتى يتخذه إلفًا وصاحبًا وخلًا ومؤانسًا، وقد أخبر أنه يحب الصابرين وأنه معهم والصابرون جمع صابر، والصابر أعلى مقامًا من المتصبر، مر رسول الله ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: «اتقي الله واصبري» (٢) الحديث، وفيه فقال «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (٣).\nوقلما يكون الصبر عند الصدمة الأولى من المتصبر، وإنما يكون من الصابر أو الصبار أو الصبور، وهي مقامات بعضها فوق بعض (٤). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٧٨\n_________\n(١) «عدة الصابرين» (ص: ٤٢٠، ٤٢١).\n(٢) رواه البخاري (١٢٥٢)، ومسلم (٩٢٦). من حديث أنس ﵁.\n(٣) رواه البخاري (١٢٨٣)، ومسلم (٩٢٦). من حديث أنس ﵁.\n(٤) «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» للقرطبي (١/ ١٤١).","vol":"2","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-644>واحد وثلاثون: الآثار الإيمانية لأسماء الله الملك – المالك - المليك</span>\n١ - إن الملك الحقيقي لله وحده لا يشركه فيه أحد، وكل من ملك شيئا فإنما هو بتمليك الله له، قال ﷺ «لا مالك إلا الله» (١) وفي رواية «لا ملك إلا الله» (٢) (٣).\nوقد يسمى بعض المخلوقين ملكا، إذا اتسع ملكه إلا أن الذي يستحق هذا الاسم هو الله جل وعز لأنه مالك الملك، وليس ذلك لأحد غيره، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير.\nفالمخلوقات لا تملك شيئا، وقد أنكر تعالى على المشركين الذين عبدوا هذه المخلوقات التي هي مثلهم في الضعف والعبودية لله تعالى وأنها لا تملك من السماوات والأرض شيئًا ولا مثقال ذرة ولا تنفع أحدًا ولا تضره.\nقال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ [النحل: ٧٣].\nوقال سبحانه قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ [المائدة: ٧٦].\nوقال سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢].\nوقال سبحانه: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر: ١٣].\nفالله ﵎ هو المالك لخزائن السماوات والأرض، بيده الخير، يرزق من يشاء، وهو المالك للموت والحياة والنشور، والنفع والضر وإليه يرجع الأمر كله، فهو المالك لجميع الممالك، العلوية والسفلية وجميع من فيهما مماليك لله فقراء مدبرون.\nوهو سبحانه كل يوم هو في شأن يتصرف في ملكوته كيف يشاء، فعن أبي الدرداء ﵁ قال عن النبي ﷺ في قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرَّحمن: ٢٩] قال: «من شأنه أن يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويرفع قومًا ويخفض آخرين» (٤). قال تعالى: يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:٢٤٧].\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا الدهر فإن الله ﷿ قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي، أجددها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك» (٥).\nولكن من الناس من يطغى ويظن أنه المالك الحقيقي وينسى أنه مستخلف فقط فيما آتاه الله من ملك ومال وجاه وعقار، فيتكبر ويتجبر ويظلم الناس بغير حق، كما حكى الله سبحانه عن فرعون عليه لعنة الله الذي نسى نفسه وضعفها وزعم لنفسه الملك بل والألوهية، قال تعالى عنه: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الزُّخرف: ٥١].\nوهذا كقوله تعالى: فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات: ٢٣ - ٢٤].\n_________\n(١) رواه مسلم (٢١٤٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٢١٤٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «فتح القدير» (١/ ٢٢).\n(٤) رواه ابن ماجه (١٦٨)، والبزار (١٠/ ٣٩)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٧٨) (٣١٤٠). وحسن إسناده البزار، والبوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٢٩).\n(٥) رواه أحمد (٢/ ٤٩٦) (١٠٤٤٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٣١٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٧٤): رجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٥٨١).","vol":"2","page":362},{"text":"ودعا قومه إلى هذه الضلالة الكبرى فاستجابوا له فعاقبهم جميعًا، قال تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ [الزخرف: ٥٤ - ٥٦]. وقال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [النَّازعات: ٢٦].\nوإهلاك الله سبحانه لفرعون وقومه عبرة لكل ظالم متكبر من ملوك الأرض، تفرعن على الناس فيما آتاه الله من ملك، وظن أنه مخلد، ونسي أن ملكه زائل وأن إقامته في ملكه مؤقتة وأن الموت مدركه لا محالة، قال تعالى منبهًا عباده إلى ذلك وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ [المائدة: ١٨].\n٢ - وإذا كان الملك المطلق إنما هو لله وحده لا شريك له، فالطاعة المطلقة إنما هي له وحده لا شريك له، لأن من سواه من ملوك الأرض إنما هم عبيد له وتحت إمرته.\nفلا بد من تقديم طاعة الملك الحق على طاعة من سواه وتقديم حكمه على حكم غيره، لأن طاعته سبحانه أوجب من طاعة غيره بل لا طاعة لأحد إلا في حدود طاعته، أما في معصيته فلا سمع ولا طاعة.\n٣ - عدم جواز التسمية بملك الملوك:\nوقد ورد في ذلك الحديث المتفق عليه حديث سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أخنع اسم عند الله – وقال سفيان غير مرة: أخنع الأسماء عند الله – رجل تسمى بملك الأملاك» (١) وفي رواية «أخنى الأسماء يوم القيامة ...» (٢).\nقال سفيان: يقول غيره (أي غير أبي الزناد» تفسيره شاهان شاه (٣).\nومعنى أخنع: أوضع اسم وأذله. قال أبو عبيد: الخانع الذليل، وخنع الرجل ذل. قال ابن بطال: وإذا كان الاسم أذل الأسماء كان من تسمى به أشد ذلًا.\nومعنى أخنى: أي أفحش اسم من الخنا وهو الفحش في القول.\nوجاء في رواية مسلم: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه وأغيظه عليه» (٤).\nقال ابن حجر: واستدل بهذا الحديث على تحريم التسمي بهذا الاسم لورود الوعيد الشديد ويلتحق به ما في معناه مثل خالق الخلق وأحكم الحاكمين وسلطان السلاطين وأمير الأمراء (٥) ...\nوقال ابن القيم ﵀:\nولما كان الملك الحق لله وحده، ولا ملك على الحقيقة سواه، كان أخنع اسم وأوضعه عند الله، وأغضبه له اسم (شاهان شاه) أي: ملك الملوك، وسلطان السلاطين، فإن ذلك ليس لأحد غير الله، فتسمية غيره بهذا من أبطل الباطل، والله لا يحب الباطل.\nوقد ألحق بعض أهل العلم بهذا (قاضي القضاة) وقال: ليس قاضي القضاة إلا من يقضي الحق وهو خير الفاصلين، الذي إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون (٦).\n٤ - الله سبحانه مالك يوم الدين وملكه:\nفالملك في ذلك اليوم العظيم لله وحده لا ينازعه فيه أحد من ملوك الأرض وجبابرتها، قال تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤].\nوقال تعالى: وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [الأنعام: ٧٣].\nوقال تعالى: المُلْكُ يَوْمَئِذٍ للهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ [الحج: ٥٦].\nوقال تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان: ٢٦].\nوقال تعالى: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ [غافر: ١٦].\nوقد جاء ما يبين ذلك من السنة الشريفة:\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٢٠٦)، ومسلم (٢١٤٣).\n(٢) رواه البخاري (٦٢٠٥).\n(٣) رواه البخاري بعد حديث (٦٢٠٦).\n(٤) رواه مسلم (٢١٤٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) «الفتح» (١٠/ ٥٩٠).\n(٦) «الزاد» (٢/ ٣٤٠ - ٣٤١).","vol":"2","page":363},{"text":"فعن عبد الله بن مسعود قال: «جاء حبر إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! أو يا أبا القاسم! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا مما قال الحبر، تصديقًا له، ثم قرأ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزُّمر: ٦٧]» (١).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: «يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض» (٢).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «يطوي الله ﷿ السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون» (٣).\nفهل يجيبه أحد من طغاة الأرض وفراعنتها، كلا بل الجميع خاشعون صامتون وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه: ١٠٨].\nومن الرحمة للخلق أن الله سبحانه هو الملك الوحيد يوم القيامة لأنه الذي يحاسب بالعدل ولا يظلم ولا يجور وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصِّلت: ٤٦]، وقال: وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء: ٤٧] ...\nوثالثها: قوله تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ لما أثبت لنفسه الملك أردفه بأن وصف نفسه بكونه رحمانًا، يعني إن كان ثبوت الملك له في ذلك اليوم يدل على كمال القهر فكونه رحمانًا يدل على زوال الخوف وحصول الرحمة.\nورابعها: قوله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس مَلِكِ النَّاسِ فذكر أولًا كونه ربًا للناس ثم أردفه بكونه ملكًا للناس.\nوهذه الآيات دالة على أن الملك لا يحسن ولا يكمل إلا مع الإحسان والرحمة، فيما أيها الملوك اسمعوا هذه الآيات، وارحموا هؤلاء المساكين، ولا تطلبوا مرتبة زائدة في الملك على ملك الله تعالى اهـ (٤). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود - بتصرف– ص: ٨٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨١١)، ومسلم (٢٧٨٦).\n(٢) رواه البخاري (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧).\n(٣) رواه البخاري (٧٤١٢)، ومسلم (٢٧٨٨).\n(٤) «التفسير الكبير» للرازي (١/ ٢٣٩).","vol":"2","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-645>اثنان وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله القدوس</span>\n١) تقديس الله سبحانه وتنزيهه عن النقائص وأنه موصوف بكل كمال، وصفات الكمال هي ما وصف به نفسه سبحانه في كتابه أو ما وصفه به رسوله ﷺ.\nوليس معنى التنزيه هو تعطيل صفات الله ونفي معاني أسمائه الحسنى كما ظنه الجهمية والمعتزلة ومن شابههم من الفرق الضالة، وإنما هو تنزيهه عن مشابهة الخلق كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشُّورى: ١١].\nفتنزيه أهل السنة ليس فيه تعطيل، وإثباتهم ليس فيه تشبيه، والآية السابقة فيها تنزيه وإثبات، وكل تنزيه ونفي في الكتاب فإنما هو لثبوت كمال ضده، فمثلًا نفي الله عن نفسه الظلم بقوله وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصِّلت: ٤٦] وذلك لثبوت كمال العدل له سبحانه وهكذا، وأما النفي المحض فلا كمال فيه وهو مذموم.\nوقال الحليمي: (القدوس) ومعناه الممدوح بالفضائل والمحاسن، والتقديس مضمن في صريح التسبيح، والتسبيح مضمن في صريح التقديس، لأن نفي المذام إثبات للمدائح، كقولنا: لا شريك له ولا شبيه له، إثبات أنه واحد أحد، وكقولنا: لا يعجزه شيء، إثبات أنه قادر قوي، وكقولنا: إنه لا يظلم أحدًا، إثبات أنه عدل في حكمه.\nوإثبات المدائح له نفي للمذام عنه كقولنا: إنه عالم، نفي للجهل عنه، وكقولنا: إنه قادر، نفي للعجز عنه، إلا أن قولنا هو كذا، ظاهره التقديس، وقولنا ليس بكذا، ظاهره التسبيح، لأن التسبيح موجود في ضمن التقديس، والتقديس موجود في ضمن التسبيح.\nوقد جمع الله ﵎ بينهما في صورة (الإخلاص) فقال عز اسمه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ فهذا تسبيح، والأمران راجعان إلى إفراده وتوحيده ونفي الشريك والتشبيه عنه (١).\n٢) وكما أنه منزه عن النقائص في صفاته وأسمائه الحسنى، فهو أيضًا منزه عن النقص في أقواله وأفعاله.\nفقوله الصدق وخبره الحق، قال سبحانه وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧] وقال وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢].\nوفعله منزه عن الخطأ والنسيان وغيرها من الآفات، قال سبحانه وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ [الأنعام: ١١٥] أي صدقًا فيما قال وأخبر ووعد، وعدلًا فيما حكم وشرع من أحكام.\nوقال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] أي تعالى وتقدس وتنزه عن أن يخلق شيئا عبثًا أو سفهًا.\n٣) كان النبي ﷺ يكثر من ذكر هذا الاسم في ركوعه وسجوده. فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح (٢).\nوكان يسبح الله به بعد فراغه من الوتر كما جاء في حديث أبي بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات (٣). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٩٩\n_________\n(١) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ١٩٧) وذكره ضمن الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن الله تعالى جده، ونقله البيهقي في «الأسماء» (ص: ٣٨).\n(٢) رواه مسلم (٤٨٧).\n(٣) رواه النسائي (٣/ ٢٤٤)، وأحمد (٣/ ٤٠٦) (١٥٣٩٨)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨/ ١٠٨) (٨١١٥). والحديث صحح إسناده النووي في «الأذكار» (١٢٠)، وصححه ابن دقيق في «الإلمام بأحاديث الأحكام» (١/ ٢٢٩) على طريقة أهل الحديث - كما اشترط في المقدمة -، وابن حجر في «نتائج الأفكار» (٣/ ٢١).","vol":"2","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-646>ثلاث وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله السلام</span>\n١) الله ﷾ هو (السلام) أي السالم من كل نقص وآفة وعيب، فمعناه قريب من القدوس.\nوقيل إن القدوس: إشارة إلى براءته عن جميع العيوب في الماضي والحاضر، والسلام: إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء من العيوب في الزمان المستقبل، فإن الذي يطرأ عليه شيء من العيوب تزول سلامته ولا يبقى سليمًا (١).\n٢) الله سبحانه هو المسلم على عباده وأوليائه في الجنة، قال تعالى خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ [إبراهيم: ٢٣].\nوقال سبحانه: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [الأحزاب: ٤٤]. وقال سَلامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ [يس: ٥٨].\nفالله تعالى يحيي عباده في الجنة بالسلام عليهم، والجنة هي دار السلام من الموت والمرض وسائر الآفات. قال تعالى: لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ [الأنعام: ١٢٧] وقال وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ [يونس: ٢٥].\n٣) والله تعالى هو المسلم على أنبيائه ورسله، لإيمانهم وإحسانهم وطاعتهم له وتحملهم في سبيله أعظم الشدائد، فيؤمنهم في الآخرة فلا يخافون ولا يفزعون.\nوقيل: سلم الله تعالى عليهم ليقتدي بذلك البشر فلا يذكرهم أحد بسوء (٢).\nقال تعالى سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].\nوقال سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات: ١٠٩].\nوقال سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات: ١٢٠]\nوقال تعالى سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ [الصافات: ١٣٠].\nوقال وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٨١].\nوقال سبحانه قُلِ الحَمْدُ للهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [النمل: ٥٩].\nقال الخطابي: أخبرني أحمد بن إبراهيم بن مالك حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري عن صدقة بن الفضل قال سمعت سفيان بن عيينة يقول: أوحش ما تكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجًا مما كان، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى فخصه بالسلام فقال وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [مريم: ١٥]، كأنه أشار إلى أن الله جل وعز سلم يحيى من شر هذه المواطن الثلاثة وأمنه من خوفها.\nوكذا عباده المؤمنين فإن الملائكة تسلم عليهم عند قبض أرواحهم وتطمئنهم وتؤمنهم. قال تعالى الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٣٢]. فالملائكة تبشرهم بالفوز بالجنة والنجاة من عقاب الله والنار.\n٤) الأمر بإفشاء الاسم وأنه سبب في دخول الجنة:\n...\n_________\n(١) انظر: «التفسير الكبير» للرازي (٢٩/ ٢٩٣).\n(٢) «تفسير البحر المحيط» لأبي حيان (٧/ ٣٤٩).","vol":"2","page":366},{"text":"وإفشاء السلام من شعائر الإسلام العظيمة التي يتهاون فيها كثير من المسلمين وهي من أوائل ما دعا إليه النبي ﷺ عندما وصل إلى المدينة، فعن عبد الله بن سلام قال: أول ما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه واستثبته علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب. قال: وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: «أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» (١).\n٥) لا يقال السلام على الله:\nجاء ذلك في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ فنقول: السلام على الله. فقال النبي ﷺ: «إن الله هو السلام ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليكم أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» (٢).\nقال البيضاوي ما حاصله: أنه ﷺ أنكر التسليم على الله وبين أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له ومنه وهو مالكها ومعطيها (٣).\nوقال الخطابي: المراد أن الله هو ذو السلام فلا تقولوا السلام على الله فإن السلام منه بدأ وإليه يعود (٤).\nولذلك أمر النبي ﷺ المسلمين أن يقولوا: التحيات لله. قال ابن حجر: جمع تحية ومعناها السلام. وقيل: البقاء. وقيل: العظمة. وقيل: السلامة من الآفات والنقض. وقيل: الملك.\nوقال ابن قتيبة: لم يكن يحيا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه فلهذا جمعت، فكان المعنى التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله.\nوقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركًا بين المعاني المقدم ذكرها، وكونها بمعنى السلام أنسب هنا (٥).\nوجاء في حديث أنس قال: قال جبريل للنبي ﷺ إن الله يقرئ خديجة السلام، يعني فأخبرها. فقالت: «إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام وعليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته» (٦).\nقال العلماء: في هذه القصة دليل على وفور فقهها لأنها لم تقل (وعليه السلام) كما وقع لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد (السلام على الله) فنهاهم النبي ﷺ فعرفت خديجة ﵂ لصحة فهمها أن الله لا يرد ﵇ كما يرد على المخلوقين لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود - بتصرف– ص: ١٠٥\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤)، وأحمد (٥/ ٤٥١) (٢٣٨٣٥)، والدارمي (١/ ٤٠٥) (١٤٦٠)، والحاكم (٣/ ١٤). من حديث عبدالله بن سلام ﵁. قال الترمذي: صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال البغوي في «شرح السنة» (٢/ ٤٦٣): حسن صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢).\n(٣) «الفتح» (٢/ ٣١٢).\n(٤) «الفتح» (٢/ ٣١٢).\n(٥) «الفتح» (٢/ ٣١٢)، وانظر كذلك «النهاية لابن الأثير» (١/ ١٨٣).\n(٦) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٩٤)، والضياء (٢/ ٢٦٦). وقال: له شاهد، وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند» (١١٦).","vol":"2","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-647>أربع وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله المؤمن</span>\n١) إن الله ﷾ هو المؤمن الموحد لنفسه، وقد أخبر عن وحدانية نفسه في قوله تعالى شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران: ١٨].\nفالله صدق نفسه بهذا، وتصديقه علمه بأنه صادق، وهذا التصديق إيمان.\nوأخبر تعالى أنه سيري خلقه علامات وحدانيته ودلائل إلهيته وعظمته، قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصِّلت: ٥٣].\n٢) إنه سبحانه صدق أنبياءه بإظهار الآيات الباهرة على أيديهم التي تبين للناس أنهم صادقون في ادعائهم أنهم رسل الله ولتحملهم على الدخول في دين الله، قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٤٩].\nوقال: وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ [آل عمران: ٥٠].\n٣) إنه تعالى يصدق عباده ما وعدهم به من النصر في الدنيا والتمكين في الأرض ومن الثواب في الآخرة، ويصدق الكفار ما أوعدهم من العقاب والخذلان في الدنيا والآخرة، قال تعالى وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ [النور: ٥٥].\nومن نظر إلى سيرة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين علم صدق وعد الله لعباده المخلصين.\nوقال تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ [الأعراف: ٤٤].\nوقال وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزمر: ٧٤].\n٤) إنه يأمن عذابه من لا يستحقه، ويهب الأمن لعباده المؤمنين يوم القيامة، قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ.\nوقال تعالى أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [فصلت: ٤٠].\nوقال لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ [الأنبياء: ١٠٣].\nوقال مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ [النمل: ٨٩].\n٥) وأما المؤمن فقد وجب عليه أن يأمن المؤمنون شره وغوائله. فقد قال ﷺ: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن: قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (١) أي لا يكون الرجل مؤمنًا كامل الإيمان حتى يأمن جاره بوائقه أي: شروره وغوائله.\nوقال أيضا ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢).\nوعن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «ألا أخبركم بالمؤمن! من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده» (٣). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٠٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح العدوي ﵁.\n(٢) رواه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٣) رواه ابن ماجه (٣١٩٣)، أحمد (٦/ ٢١) (٢٤٠٠٤)، وابن حبان (١١/ ٢٠٣) (٤٨٦٢). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٢٦٨): إسناده صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٧١): رجاله ثقات، وصحح إسناده ابن حجر في «مختصر البزار» (١/ ٤٦٤)، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-648>خمس وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله المهيمن</span>\n١ - إن الله سبحانه هو الشاهد على خلقه بما يصدر منهم من قول أو فعل، لا يغيب عنه من أفعالهم شيء، وله الكمال في هذا فلا يضل ولا ينسى ولا يغفل وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ٧٤].\n٢ - جعل الله تعالى كلامه المنزل على خاتم أنبيائه ورسله ﷺ مهيمنًا على ما قبله من الكتب، فقال سبحانه: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ [المائدة: ٤٨].\nقال ابن الحصار: ومعنى قوله تعالى: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ أي: عال، وعلوه على سائر كتب الله، وإن كان الكل كلام الله تعالى بأمور:\nأحدها: بما زاد عليها من السور، فقد جاء في حديث الصحيح أن نبينا ﷺ خص بسورة الحمد وخواتيم سورة البقرة (١).\nوالأمر الثاني: أن جعله الله قرآن عربيًا مبينًا، وكل نبي قد بين لقومه بلسانهم – كما أخبر الله تعالى – ولكن للسان العرب مزية في البيان.\nوالثالث: أن جعل نظمه وأسلوبه معجزًا، وإن كان الإعجاز في سائر الكتب المنزلة من عند الله سبحانه، من حيث الإخبار عن المغيبات، والإعلام بالأحكام المحكمات، وسنن الله المشروعات، وغير ذلك، وليس فيها نظم وأسلوب خارج عن المعهود.\nفكان أعلى منها بهذه المعاني، ولهذا المعنى الإشارة بقوله الحق: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٢٠\n_________\n(١) الحديث رواه مسلم (٨٠٦) من حديث ابن عباس ﵄. بلفظ: «.. أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته».","vol":"2","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-649>ست وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله الجبار</span>\n١ - إن الله تعالى هو الجبار الذي له العلو على خلقه، علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر والجبر، لا يدنو منه الخلق إلا بأمره، ولا يشفعون أو يتكلمون إلا من بعد إذنه، لن يبلغوا ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه.\n٢ - جبر الله تعالى خلقه على ما أراد أن يكونوا عليه من خلق، لا يمتنع عليه شيء منهم أبدًا إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].\nوقال تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران: ٨٣].\nوقال: إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤].\nوقال: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ [فصِّلت: ١٢].\nأي: استجيبا لأمري، وانفعلا لفعلي، طائعتين أو مكرهتين.\n٣ - والله سبحانه جبر خلقه أيضًا على ما شاء من أمر أو نهي، بمعنى أنه شرع لهم من الدين ما ارتضاه هو، كما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١].\nفشرع لهم من الشرائع ما شاء، وأمرهم باتباعها ونهاهم عن العدول عنها، فمن أطاع فله الجنة ومن عصى فله النار. ولم يجبر أحدًا من خلقه على إيمان أو كفر، بل لهم المشيئة في ذلك كما قال سبحانه: وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩].\nوقال: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس: ٧ - ١٠]. وهم مع ذلك لا يخرجون عن مشيئته.\nولو شاء الله لهدى الناس جميعًا، ولم يجعل لهم اختيارًا كما قال سبحانه: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١]، وقال: وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة: ١٣].\n٤) الجبروت لله وحده وقد مدح الله بهذا الاسم نفسه وأما في حق الخلق فهو مذموم فما الفرق؟.\nالفرق أنه سبحانه قهر الجبابرة بجبروته وعلاهم بعظمته لا يجري عليه حكم حاكم فيجب عليه انقياده، ولا يتوجه عليه أمر آمر فيلزمه امتثاله، آمر غير مأمور، قاهر غير مقهور لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣].\nوأما الخلق فهم موصوفون بصفات النقص مقهورون مجبورون تؤذيهم البقة وتأكلهم الدودة، وتشوشهم الذبابة، أسير جوعه، وصريع شبعه ومن تكون هذه صفته كيف يليق به التكبر والتجبر؟! (١)\n_________\n(١) «شرح الأسماء» للرازي (ص: ١٩٩).","vol":"2","page":370},{"text":"وقد أنكرت الرسل على أقوامها صفة التجبر والتكبر في الأرض بغير الحق كما قال تعالى عن هود ﷺ أنه قال لقومه وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ إلى أن قال إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء: ١٣٠ - ١٣٥]. ولكنهم عاندوا واتبعوا أمر جبابرتهم فهلكوا أجمعين. قال تعالى وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [هود: ٥٩].\nوقد كان التجبر سببا للطبع على قلوبهم فلم تعرف معروفًا ولم تنكر منكرًا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر: ٣٥].\nوقد توعد الله سبحانه الجبابرة بالعذاب والنكال، توعدهم بجهنم وبئس المهاد. قال تعالى وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٥ - ١٧].\nوقال ﷺ: «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين» (١).\nوقال ﷺ: «تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ...» (٢).\n٥) الأرض كلها خبزة بيد الجبار ﷾ يوم القيامة:\nعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة ...» (٣).\n٦) وكان النبي ﷺ يدعو بين السجدتين فيقول: «اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني واهدني وعافني وارزقني» (٤).\nفكان يدعو بما دل عليه اسم الجبار جل وعلا.\nقال ابن الأثير: وأجبرني أي أغنني، من جبر الله مصيبته: أي رد عليه ما ذهب منه وعوضه، وأصله من جبر الكسر (٥).\nوكان يعظم ربه أيضًا بهذا الاسم في الصلاة في الركوع والسجود كما جاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي أنه كان يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» (٦)، وفي سجوده مثل ذلك. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٣٣\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥٧٤)، وأحمد (٢/ ٣٣٦) (٨٤١١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ١٩٠). من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١٦/ ١٨٤).\n(٢) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٦٥٢٠)، ومسلم (٢٧٩٢).\n(٤) رواه أحمد (١/ ٣٧١) (٣٥١٤)، والطبراني (١٢/ ٢٠) (١٢٣٧٨)، والبيهقي (٢/ ١٢٢) (٢٨٥٧). من حديث ابن عباس ﵄. والحديث صحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٥/ ١٧٢).\n(٥) «النهاية» (١/ ٢٣٦).\n(٦) رواه أبو داود (٨٧٣)، والنسائي (٢/ ١٩١)، وأحمد (٦/ ٢٤) (٢٤٠٢٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه النووي في «المجموع» (٤/ ٦٧)، وحسنه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٧٤).","vol":"2","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-650>سبع وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله المتكبر والكبير</span>\n١) إن الله أكبر من كل شيء، وأكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته وأكبر من أن نحيط به علمًا. قال تعالى وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، فالله جلت عظمته أكبر من أن نعرف كيفية ذاته أو صفاته ولذلك نهينا عن التفكر في الله لأننا لن ندرك ذلك بعقولنا الصغيرة القاصرة المحدودة، فقد قال ﷺ «تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله ﷿» (١).\nوقد وقع الفلاسفة في ذلك وحاولوا أن يدركوا كيفية وماهية ربهم بعقولهم فتاهوا وضلوا ضلالًا بعيدًا ولم يجنوا سوى الحيرة والتخبط والتناقض فيما سطروه من الأقوال والمعتقدات.\nفمن أراد معرفة ربه وصفاته فعليه بطريق الرسول ﷺ لأنه أعلم الخلق بالله وصفاته، فعليه أنزل الكتاب العزيز الذي لا تكاد الآية منه تخلو من صفة لله سبحانه سواء كانت ذاتية أو فعلية أو اسم من أسمائه الحسنى، وعليه أيضًا أنزلت السنة الشارحة والمفصلة للكتاب، فطريقه ﷺ هو الطريق الأسلم ومنهجه هو المنهج الأقوم، فمن اتبعه كان من الناجين، ولذلك بين في الحديث الصحيح أن الفرقة الناجية هي ما كان عليه هو وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين في المعتقد والعبادة والسلوك.\n٢) إن التكبر لا يليق إلا به ﷾، فصفة السيد التكبر والترفع وأما العبد فصفته التذلل والخشوع والخضوع.\nوقد توعد الله سبحانه المتكبرين بأشد العذاب يوم القيامة. قال تعالى فَاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ [الأحقاف: ٢٠].\nوقال أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزُّمر: ٦٠].\nواستكبارهم هذا: هو رفضهم الانقياد لله ولأمره ورفضهم عبادة ربهم كما قال تعالى إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصَّفات: ٣٥]، فرفضوا الإذعان لكلمة التوحيد وقوله سبحانه أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ [الجاثية: ٣١] يبين أنهم رفضوا الحق الذي جاءت به الرسل وردوه ولم يقبلوه، وقوله سبحانه قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ [الشعراء: ١١١] يبين أنهم احتقروا أتباع الرسل لكونهم من ضعفة الناس وفقراءهم فلم يدخلوا في جماعتهم ولم يشاركوهم في الإيمان بما جاءت به الرسل.\nوكان الكبر سببا للطبع على قلوبهم فلم تعد تعرف معروفا ولا تنكر منكرا. قال تعالى كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر: ٣٥].\nفالحاصل أن الكبر كان سببا في هلاك الأمم السابقة بل كان السبب في هلاك إبليس عليه لعنة الله وطرده من رحمة الله لأنه أبي أن يسجد لآدم ﷺ واستكبر على أمر ربه سبحانه، قال تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤].\n٣) ولا يكاد يخلو طاغية في الأرض من هذا المرض العضال، الذي كثرت الآيات فيه والأحاديث المحذرة منه، والآمرة بالتواضع.\n_________\n(١) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٦/ ٢٥٠) (٦٣١٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ١٣٦). من حديث ابن عمر ﵄. والحديث حسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٩٧٥).","vol":"2","page":372},{"text":"ودواؤه أن يتذكر العبد دومًا أنه لا حول له ولا قوة إلا بربه وأن الله هو الكبير المتعال على الخلق أجمعين، القادر على الانتقام من الأقوياء للضعفاء والمساكين كما جاء في قوله تعالى وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء: ٣٤] أي والنساء اللاتي تتخوفون أن يعصين أزواجهن فذكروهن بالله فإن هي رجعت وإلا هجرها فإن أقبلت وإلا ضربها ضربا غير مبرح فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله فلا سبيل له عليها، وقوله إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو منتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن (١).\nفذكر الله الرجال بأنه هو العلي الكبير ليحذرهم من الظلم والتكبر والطغيان على المرأة الضعيفة.\n٤) والكبر يمنع أيضا من طلب العلم والسؤال عنه، لأن المتكبر يترفع عن الجلوس بين يدي العالم للتعلم ويرى أن في ذلك مهانة له ويؤثر البقاء على الجهل فيجمع بين الكبر والجهل، بل قد يجادل ويناقش ويخوض في المسائل بدون علم حتى لا يقال أنه لا يعلم فيصغر عند الناس، قال تعالى ذكره وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج: ٨ - ٩].\nأي ومن الناس من يجادل في الله بغير علم صحيح ولا نقل صريح بل بمجرد الرأي والهوى وإذا دعي إلى الحق ثنى عطفه أي لوى رقبته مستكبرًا عما يدعى إليه من الحق كقوله تعالى وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ فأخبر تعالى أن له في الدنيا الخزي وهو الإهانة والذل لأنه استكبر عن آيات الله فجوزي بنقيض قصده وله في الآخرة عذاب النار المحرقة.\nونحوه قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [غافر: ٥٦]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٤١\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٩١ - ٤٩٢).","vol":"2","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>ثمان وثلاثون: الآثار الإيمانية لأسماء الخالق – الخلاق – البارئ – المصور</span>\n١) أخبر تعالى عن نفسه أنه هو الخالق وحده وما سواه مخلوق، قال تعالى قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ [الرعد: ١٦]. وقال سبحانه هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ [فاطر: ٣].\nفكل ما سوى الله مخلوق محدث، كائن بعد أن لم يكن، وكل المخلوقات سبقها العدم كما قال ﷿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان: ١].\nوهذا قول الرسل جميعا وأتباعهم، وخالف في ذلك الفلاسفة القائلين بقدم العالم وأبديته وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يزل ولا يزال، ولكن الكتاب يرد ذلك ويرفضه (١).\n٢) أن الله سبحانه لم يزل خالقًا كيف شاء ومتى شاء ولا يزال، لقوله سبحانه قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٧].\nوقوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص: ٦٨]. وقوله سبحانه: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [البروج: ١٥ - ١٦]. وليس بعد خلق الخلق استفاد اسم (الخالق)، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم (الباري)، وذلك من كماله، ولا يجوز أن يكون فاقدًا لهذا الكمال، أو معطلًا عنه في وقت من الأوقات، قال تعالى أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [النحل: ١٧].\n٣) إن الله تعالى ذكره خالق كل شيء. قال تعالى: ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [غافر: ٦٢].\nومن جملة مخلوقاته أفعال العباد وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يدل هذا على أن العبد ليس بفاعل على الحقيقة ولا مريد ولا مختار، بل هو فاعل لفعله حقيقة، وأن إضافة الفعل إليه إضافة حق، وأنه يستوجب عليه المدح والذم والثواب والعقاب، لكن لا يدل هذا أنه واقع بغير مشيئة الله وقدرته.\nوالدليل على أن أفعال العباد مخلوقة قوله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦] فأفعالهم لله تعالى خلق ولهم كسب، ولا ينسب شيء من الخلق لغير الله تعالى، فيكون شريكا وندا ومساويا له في نسبة الفعل إليه، وقد نهى الله سبحانه عن ذلك بقوله فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢] وقد وقع في ذلك القدرية نفاة القدر، الذين جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى، ولهذا كانوا (مجوس هذه الأمة) بل أردأ من المجوس من حيث أن المجوس أثبتوا خالقين، خالقًا للخير وخالقا للشر، وأما هؤلاء فقد أشركوا جميع العباد في الخلق فقالوا هم يخلقون أفعالهم، وخالفوا بذلك الكتاب والسنة وأهل الحق (٢).\n٤) خلق الله عظيم محكم فلا يستطيع مخلوق أن يخلق مثله، فضلًا عن أن يخلق أفضل منه، قال ﷾: هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [لقمان: ١١]. وفي الآية تحدي لجميع الخلق من الجن والإنس وغيرهم.\n_________\n(١) قال ابن تيمية في «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ١٦٧): وقد نقل غير واحد أن أول من قال بقدم العالم من الفلاسفة أرسطو.\n(٢) انظر: «العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٩٣ - ٥٠٢)، و«الفتح» (١٣/ ٤٩١ - ٤٩٥).","vol":"2","page":374},{"text":"وقد أثبت الله عجزهم عن خلق خلق ضعيف حقير كالذباب مثلًا ولو اجتمعوا على ذلك وتعاونوا عليه، قال ﷿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الحج:٧٣ - ٧٤.\n٥) ولذلك حرم الله على عباده أن يصوروا الصور ذات الأرواح لما فيها من مضاهاة لخلق الله، أي تشبيه ما يصنعونه ويصورونه من الصور بما يصنعه ويصوره الله كما جاء في رواية مسلم «الذين يشبهون بخلق الله» (١).\nوقد وردت أحاديث كثيرة في توعد المصورين بأشد العذاب كقوله ﷺ «إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون» (٢)، وقوله ﷺ «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم» (٣)، وهو أمر تعجيز ويستفاد منه صفة تعذيب المصور وهو أن يكلف نفخ الروح في الصورة التي صورها وهو لا يقدر على ذلك فيستمر تعذيبه. قاله الحافظ (٤).\nوجاء في الحديث القدسي قوله تعالى: «ومن أظلم مم ذهب – أي قصد – يخلق خلقًا كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة» (٥).\nفتحداهم الخالق سبحانه بأن يخلقوا ذرة وهي النملة الصغيرة، ثم زاد في التحدي بأن طلب منهم أن يخلقوا حبة أو شعيرة وهو من الجماد الذي لا حركة فيه نسبيًا إذا ما قيس بالنسبة للنمل الذي يتحرك.\nوقال بعض الملحدة يومًا: أنا أخلق! فقيل له: فأرنا خلقك؟ فأخذ لحمًا فشرحه، ثم جعل بينه روثًا ثم جعله في كوز وختمه ودفعه إلى من حفظه عنده ثلاثة أيام، ثم جاء به إليه فكسر الخاتم وإذا الكوز ملآن دودًا، فقال: هذا خلقي!! فقال له بعض من حضر: فكم عدده؟ فلم يدر، فقال: كم منه ذكور وكم منه إناث، وهل تقوم برزقه؟ فلم يأت بشيء، فقال له: الخالق الذي أحصى كل ما خلق عددًا، وعرف الذكر من الأنثى، ورزق ما خلق، وعلم مدة بقاءه وعلم نفاد عمره، قال الله ﷿: اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الرُّوم: ٤٠] وقال: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة: ٧] (٦).\nوقد قسم النووي – ﵀ – المصورين إلى ثلاثة أقسام:\nأ- من فعل الصورة لتعبد وهو صانع الأصنام ونحوها فهذا كافر وهو أشدهم عذابا.\nب- من فعل الصورة وقصد مضاهاة خلق الله تعالى واعتقد ذلك، فهذا كافر له من أشد العذاب ما للكفار ويزيد عذابه بزيادة قبح كفره.\nج- من لم يقصد بالصورة العبادة ولا المضاهاة فهو فاسق صاحب ذنب كبير ولا يكفر كسائر المعاصي اهـ (٧).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢١٠٧). من حديث عائشة ﵂.\n(٢) رواه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٥٩٥١)، ومسلم (٢١٠٨). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٤) «الفتح» (١٠/ ٣٨٤).\n(٥) رواه البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) «الحجة في المحجة» (١/ ١٤٣)\n(٧) «شرح مسلم» (١٤/ ٩١)، وانظر: «الفتح» (١٠/ ٣٨٣ - ٣٨٤).","vol":"2","page":375},{"text":"٦) وجود هذا الخلق العظيم المحيط بنا من كل ناحية دليل على قدرة الخالق وعلى عظمته وكماله، فالإنسان يعجز في كثير من الأحيان عن معرفة جوانب كثيرة من الأرض التي يعيش عليها، مع أنها صغيرة جدًا إذا ما قيست بالنسبة لبقية الكون الفسيح المليء بملايين النجوم المضيئة والشموس والأقمار والتي يعجز عن حصرها أو عدها، وهذا كله في السماء الدنيا، التي فوقها ست سماوات طباق، بعضها فوق بعض وفوقهن جميعًا الكرسي، ومن عظمة خلق هذا الكرسي واتساعه أنه يستوعب السماوات السبع والأرض جميعًا، قال تعالى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥] والعرش أعظم من ذلك والخالق سبحانه فوق العرش، وهو جلت عظمته أكبر من كل شيء وأعظم.\nوبذلك تعلم أن خلق الإنسان ضعيف جدًا، إذا ما قورن بالسماوات السبع والكرسي والعرش كما قال تعالى لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧] وقوله تعالى أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا [النازعات: ٢٧ - ٢٩].\n٧) وأخيرا يجب أن نعلم أن الله ﷾ ما خلق هذا الخلق العظيم لهوا ولعبًا، ولا خلقه عبثا وإنما خلقه لغاية عظيمة، قال تعالى أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] أي أفظننتم أنكم مخلوقون عبثًا بلا قصد ولا حكمة لنا فيكم، فتعالى الله أي تقدس وتنزه عن ذلك ثم ذكر العرش لأنه سقف جميع المخلوقات (١).\nوقال ﷿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: ١٨].\nقال ابن كثير: يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق – أي بالعدل – ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى وأنه لم يخلق ذلك عبثًا ولا لبعًا (٢).\nوأبان تعالى عن هذه الغاية العظيمة بقوله وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٥٧\n_________\n(١) من «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٥٩) ملخصًا.\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٣/ ١٧٤ - ١٧٥).","vol":"2","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-652>تسع وثلاثون: الآثار الإيمانية لأسماء الله الغافر – الغفور – الغفار</span>\n١) وصف الله سبحانه نفسه بأنه غفار وغفور للذنوب والخطايا والسيئات لصغيرها وكبيرها، وحتى الشرك إذا تاب منه الإنسان واستغفر ربه، قبل الله توبته وغفر له ذنبه، قال تعالى قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزُّمر: ٥٣] وقال تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١١٠].\nفمهما عظمت ذنوب هذا الإنسان فإن مغفرة الله ورحمته أعظم من ذنوبه التي ارتكبها قال تعالى إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ [النَّجم: ٣٢].\nوقد تكفل الله سبحانه بالمغفرة لمن تاب وآمن، قال تعالى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه: ٨٢].\nبل من فضله وجوده وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات، قال تعالى عن التائبين فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: ٧٠].\n٢) ولكن لا يجوز للمسلم أن يسرف في الخطايا والمعاصي والفواحش بحجة أن الله غفور رحيم، فالمغفرة إنما تكون للتائبين الأوابين، قال تعالى إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء: ٢٥]، وقال سبحانه إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [النمل: ١١].\nفاشترط تبدل الحال من عمل المعاصي والسيئات إلى عمل الصالحات والحسنات لكي تتحقق المغفرة والرحمة. وقوله تعالى إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] يبين أن المقيم على الشرك حتى الوفاة لا غفران لذنوبه لأنه لم يبدل حسنًا بعد سوء، وكذا قوله تعالى عن المنافقين سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ [المنافقون: ٦] لأنهم لم يخلصوا دينهم لله ولم يصلحوا من أحوالهم وأما إذا حصل ذلك فإن المغفرة تحصل لهم مع المؤمنين قال تعالى إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١٤٦] ...\n٣) اتصاف الله سبحانه بأنه (غفار) للذنوب والسيئات، فضل من الله ورحمة عظيمة للعباد، لأنه غني عن العالمين، لا ينتفع بالمغفرة لهم، لأنه سبحانه لا يضره كفرهم أصلًا، ولا يغفر لهم خوفًا منهم أيضًا، لأنه قوي عزيز، قد قهر كل شيء وغلبه ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وقد نبه الله عباده إلى هذا الأمر في القرآن الكريم عدة مرات، باقتران اسمه (الغفور) مع (العزيز) كقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٨] وقوله أَلَا هُوَ العَزِيزُ الغَفَّارُ [الزُّمر: ٥] فمع عزته وقهره، إلا أنه غفور رحيم. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود- بتصرف– ص: ١٦٥","vol":"2","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>أربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله القاهر – القهار</span>\n١) إن القهار على الحقيقة هو الله وحده سبحانه، هو قهر وغلب عباده أجمعين، حتى إن أعتى الخلق يتضاءل ويتلاشى أمام قهر الله وجبروته، فها هو الموت الذي كتبه الله على عباده لا يستطيع الخلق رده أو دفعه عن أنفسهم، ولو أوتوا من القوة والجبروت ما أوتوا، وقد ذكر الله الموت قريبًا من وصفه نفسه بـ (القاهر) لذكرهم بشيء قد قهرهم به أجمعين وذلك في قوله وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦١ - ٦٢].\nومما قهرهم به أيضًا: الأمراض والمصائب والنكبات التي لا يملكون ردها عن أنفسهم.\nوما أحسن قول من قال: القهار الذي طاحت عند صولته صولة المخلوقين، وبادت عند سطوته قوى الخلائق أجمعين، قال تعالى لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ فأين الجبابرة والأكاسرة! عند ظهور هذا الخطاب وأين الأنبياء والمرسلون، والملائكة المقربون في هذا العتاب، وأين أهل الضلال والإلحاد، والتوحيد والإرشاد، وأين آدم وذريته، وأين إبليس وشيعته، وكأنهم بادوا أو انقضوا زهقت النفوس، وتبددت الأرواح وتلفت الأجسام والأشباح، وتفرقت الأوصال، وبقي الموجود الذي لم يزل ولا يزال (١).\n٢) وأما صفة القهر في الخلق، فغالبًا ما تكون مذمومة لقيامها على الظلم والطغيان، والتسلط على الضعفاء والفقراء كما قال فرعون لعنه الله قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [الأعراف: ١٢٧].\nوقال تعالى فَأَمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ [الضُّحى: ٩] أي لا تسلط عليه بالظلم وادفع إليه حقه، وخص اليتيم لأنه لا ناصر له غير الله تعالى، فغلظ في أمره بتغليظ العقوبة على ظالمه، وقوله وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ أي لا تزجره ولا تغلظ له القول.\nوَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ قال القرطبي: وهذه هي النعمة العظمى، وهي ما من الله عليه من الرسالة والنبوة والخلة والمحبة والعلم والحكمة، فأوجب عليه أن يظهر ذلك ويشيعه ويحدث به، ويعلم الجاهل غير ممتن عليه ولا متطاول ولا قاهر له.\nوكذلك قال معاوية بن الحكم السلمي: (فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني) الحديث خرجه مسلم (٢).\nوقرئ فلا تكهر بالكاف وهي قراءة عبد الله بن مسعود، قال الكسائي: كهره وقهره بمعنى (٣).\n٣) قوله تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ٦١] يستفاد منه صفة العلو لله سبحانه على عباده، سواء علو (المكانة والرتبة) أو علو (المكان والجهة) وقد تظافرت أدلة الكتاب والسنة عليه (أي الثاني) كقوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى وقوله أَأَمِنتُم مَّنْ فِي السَّمَاء.\n٤) أنه سبحانه هو الذي قهر الخلق جميعًا على ما أراد.\n٥) أن الله هو القهار المستحق للعبادة والألوهية وما سواه من الآلهة فإنما هي مخلوقات عاجزة مقهورة، لا تملك أن ترد الضر عن نفسها فكيف تقهر غيرها، وبهذا جادل نبي الله يوسف ﷺ صاحباه في السجن فقال يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ [يوسف: ٣٩] فبين لهم أن آلهتهم متعددة متفرقة، والعابد لها متحير أيها يرضى، وأنها مسخرة ومقهورة لله وفي قبضته، وليس لها من الألوهية إلا الاسم الذي أعطي لها زورًا وبهاتانًا دون حجة ولا برهان مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [يوسف: ٤٠]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٧١\n_________\n(١) انظر: «شرح الأسماء» للرازي (ص: ٢٢٢).\n(٢) رواه مسلم (٥٣٧).\n(٣) «الكتاب الأسنى».","vol":"2","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-654>واحد وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله الوهاب</span>\n١) أن الوهاب هو الله وحده، بيده خزائن كل شيء، الذي له ملك السماوات والأرض ومن فيهن قال تعالى لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].\nقال ابن كثير: يخبر تعالى أنه خالق السماوات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء. ثم قال: فجعل الناس أربعة أقسام منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيمًا لا نسل له ولا ولد له، إنه عليم أي بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام، قدير أي على يشاء من تفاوت الناس في ذلك (١).\nفالله سبحانه يهب ما يشاء لمن يشاء، لأنه مالك الملك وأما العباد فإنهم ملك لله سبحانه، والعبد لا يملك أن يهب شيئًا على الحقيقة. قال تعالى ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ [النحل: ٧٥].\n٢) الفرق بين هبة الخالق والمخلوق:\nقال الخطابي ﵀: فكل من وهب شيئًا من عرض الدنيا لصاحبه فهو واهب ولا يستحق أن يسمى وهابًا إلا من تصرفت مواهبه في أنواع العطايا فكثرت نوافله ودامت، والمخلوقون إنما يملكون أن يهبوا مالًا أو نوالًا في حال دون حال، ولا يملكون أن يهبوا شفاء لسقيم، ولا ولدًا لعقيم، ولا هدى لضال، ولا عافية لذي بلاء، والله الوهاب سبحانه يملك جميع ذلك، وسع الخلق جوده، فدامت مواهبه واتصلت منه وعوائده (٢).\nوأكثر الخلق إنما يهبون من أجل عوض ينالونه، كأن يهب لأجل أن يمدح بين الناس، أو يهب من أجل الثواب في الآخرة (٣).\n٣) النبوة والكتاب هبة من الله يختص بها من يشاء من عباده، وقد أنكر أقوام الرسل هذا الأمر فحكى الله عن قوم صالح ﵊ أنهم قالوا أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ [القمر: ٢٥].\nوقال سبحانه عن كفار قريش أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ [ص: ٨ - ٩].\nيقول ابن جرير رحمة الله: يقول تعالى ذكره أم عند هؤلاء المشركين المنكرين وحي الله إلى محمد خزائن رحمة ربك يعني مفاتيح رحمة ربك يا محمد، العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد ما من الله به عليك من الكرامة، وفضلك به من الرسالة (٤).\nوقال تعالى عن إبراهيم ﵊ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ [العنكبوت: ٢٧]. وقال عن موسى ﵊ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ [الشعراء: ٢١].\nوقال سبحانه وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [مريم: ٥٣].\n٤) الملك والسلطان هبة من الله سبحانه وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٤٧].\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٢١).\n(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٥٣).\n(٣) انظر: «شرح الأسماء» للرازي (ص: ٢٢٤ - ٢٢٥) و«المقصد الأسنى» (ص: ٤٩).\n(٤) «جامع البيان» (٢٣/ ٨٢).","vol":"2","page":379},{"text":"وقال سبحانه أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا [النساء: ٥٣ - ٥٤] وهذا استفهام انكار أي ليس لهم نصيب من الملك بل الله وحده هو المالك للملك الذي يهب ما يشاء لمن يشاء.\nوقد دعا سليمان ﵊ ربه قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ [ص: ٣٥].\nدعاه أن يهبه ملكًا لا يكون لأحد من بعده فاستجاب الوهاب سبحانه له فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٦ - ٣٩].\nسخر الله له الريح التي تجري بأمره حيث أراد أي تحمله حيث شاء، والشياطين التي تعمل له ما يشاء من تماثيل ومحاريب وقصور وقدور وجفان، ويغوصون في البحار يستخرجون له اللآلئ. فيا له من ملك عظيم يعجز أعظم البشر مالًا وسلطانًا أن يهب شيئًا منه، هذا عطاؤنا هذه هبة الله لمن يريد من خلقه.\n٥) الذرية هبة من الله أيضًا. قال جل ذكره لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] وقد مر قريبًا كلام ابن كثير عليها.\nوقد وهب الله سبحانه بعض الأنبياء الذرية بعد كبر السن ووهن العظم. قال تعالى عن إبراهيم ﵊ الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [إبراهيم: ٣٩].\nوكذا زكريا ﷺ وهبه الله الولد بعد ما طعن في السن وشاخ، وكانت امرأته عاقرًا أيضا كما بين الله ذلك في مطلع سورة مريم، لكن ذلك لم يمنع زكريا ﵊ من الطمع في هبة الله الوهاب، فدعا ربه رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: ٣٨] فاستجاب الله دعاءه فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ [الأنبياء: ٩٠] أي شفى امرأته من العقم، فحملت يحيى ﵊ فسبحان الكريم الوهاب. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٧٦","vol":"2","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-655>اثنان وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله الرزاق</span>\n١) إن المتفرد بالرزق هو الله وحده لا شريك له، قال ﷿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر: ٣]. وقال سبحانه قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ [سبأ: ٢٤].\nينبه الله عباده إلى الاستدلال على توحيده وإفراده بالعبادة، أنه سبحانه هو المستقل بالخلق والرزق لا يشاركه أحد في ذلك، وإذا كان كذلك، فليفرد بالعبادة ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد، ولهذا قال تعالى بعد ذلك لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر: ٣] أي: كيف تصرفون بعد هذا البيان عن عبادة الله وحده.\nوقد أنكر الله على المشركين عبادتهم للأوثان والأصنام مع أنها لا تملك لهم رزقًا ولا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا. قال سبحانه وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ [النحل: ٧٣].\nفأخبر تعالى أنها لا تملك لهم رزقًا ولا تستطيع ذلك ثم قال سبحانه فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ أي لا تجعلوا له الأنداد والأشباه والأمثال إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ أي: أنه يعلم ويشهد أن لا إله إلا هو المتفرد بالخلق والرزق وأنتم بجهلكم تشركون به (١).\nوكذا قوله تعالى اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الرُّوم: ٤٠] أي لا يقدر شركاؤكم على شيء من ذلك أبدا، بل لو أمسك الله سبحانه الرزق عن الناس، فلا يملك أحد أن يفتحه عليهم من دون الله، قال تعالى مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [فاطر: ٢] وقوله جل وعلا أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ [الملك: ٢١] أي: أمن هذا الذي يطعمكم ويسقيكم ويأتي بأقواتكم إن أمسك ربكم رزقه الذي يرزقكم عنكم (٢).\nوقد ورد عن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا انصرف من الصلاة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولما معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (٣).\n٢) أن الله ﷿ متكفل برزق من في السماوات والأرض، قال سبحانه وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا [هود: ٦]. وقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت: ٦٠]. قال ابن كثير: أي لا تطيق جمعه ولا تحصيله، ولا تدخر شيئًا لغد، اللهُ يَرْزُقُهَا أي يقيض لها رزقها على ضعفها وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الزرق، ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض والطير في الهواء، والحيتان في الماء (٤).\n٣) قال القرطبي: والفرق بين القوت والرزق، أن القوت ما به قوام البنية مما يؤكل ويقع به الاغتذاء.\nوالرزق كل ما يدخل تحت ملك العبد: مما يؤكل ومما لا يؤكل، وهو مراتب أعلاها ما يغذي.\n_________\n(١) «جامع البيان» (٢٩/ ٦).\n(٢) «جامع البيان» (٢٩/ ٦).\n(٣) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٢٠).","vol":"2","page":381},{"text":"وقد حصر رسول الله ﷺ وجوه الانتفاع في الرزق في قوله: «يقول ابن آدم مالي مالي!! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» (١).\nوفي معنى اللباس يدخل المركوب وغير ذلك مما ينتفع به الإنسان، والقوت رزق مخصوص، وهو المضمون من الرزق الذي لا يقطعه عجز، ولا يجلبه كيس، وهو الذي أراد تعالى بقوله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا [هود: ٦]، فلا ينقطع هذا الرزق إلا بانقطاع الحياة (٢).\n٤) وكل ذلك بلا ثقل ولا كلفة ولا مشقة، قال الطحاوي ﵀: رازق بلا مؤنة. اهـ (٣). بل لو سألوه جميعًا فأعطاهم لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا، كما جاء في قوله تعالى في الحديث القدسي «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» (٤).\n٥) أن الله سبحانه لم يختص برزقه من آمن في الحياة الدنيا، وإنما كان الرزق في الدنيا للجميع، للمؤمنين والكافرين، وهذا من عظيم لطفه سبحانه كما قال اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ [الشُّورى: ١٩].\nوعن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ: «ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم» (٥).\nومعناه أن الله سبحانه واسع الحلم حتى مع الكافر الذي ينسب له الولد فهو يعافيه ويرزقه.\n٦) أن الله سبحانه متحكم في أرزاق عباده فيجعل من يشاء غنيا كثير الرزق، ويقتر على آخرين، وله في ذلك حكم بالغة. قال تعالى وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [النحل: ٧١]، وقال سبحانه إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: ٣٠].\nقال ابن كثير: أي خبير بصير بمن يستحق الغنى ومن يستحق الفقر (٦) فمن العباد من لا يصلح حاله إلا بالغنى فإن أصابه الفقر فسد حاله ومنهم العكس إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا، وقال ابن كثير في معنى قوله تعالى وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ [الشُّورى: ٢٧]: ولو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرًا وبطرًا، ثم قال تعالى وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ وهذا كقوله سبحانه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: ٢١].\n٧) كثرة الرزق في الدنيا لا تدل على محبة الله تعالى، ولكن الكفار لجهلهم ظنوا ذلك، قال تعالى عنهم وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ: ٣٥ - ٣٧].\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٥٨). من حديث عبدالله بن الشخير ﵁.\n(٢) «الكتاب الأسنى».\n(٣) «العقيدة الطحاوية» (ص: ١٢٥).\n(٤) رواه مسلم (٢٥٧٧). من حديث أبي ذر الغفاري ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٧٣٧٨). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٦) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٨).","vol":"2","page":382},{"text":"فظن الكفار والمترفون أن كثرة الأموال والأولاد دليل على محبة الله لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة، وقد رد الله هذا بقوله أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ [المؤمنون: ٥٦].\nثم قال تعالى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى أي ليست كثرة الأموال والأولاد، هي التي تقرب من الله أو تبعد إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا أي إنما يقرب من الله الإيمان به، وعمل البر والصالحات. وهذا كقوله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» (١) وفي رواية «ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٢).\nوبين تعالى أنهم يرضون بالحياة الدنيا وأرزاقها ويطمئنون إليها ويفرحون بها لأنهم لا يرجون بعثًا ولا حسابًا، غافلين عن الآخرة وأهوالها. قال سبحانه إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يونس: ٧ - ٨] وقال سبحانه اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ [الرعد: ٢٦].\nولم يعملوا أن الدنيا عند الله لا تزن شيئا كما جاء في حديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» (٣).\nولذلك فإن الله يعطيها لمن يحب ولمن لا يحب فليس كثرة الرزق دليل على الكرامة ولا قلته دليل على الإهانة فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلاَّ [الفجر: ١٥ - ١٦].\nوقوله سبحانه في آخر آية الرعد السابقة وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ دليل على قصر عمر الدنيا وقلة خطرها بالنسبة للآخرة كما قال ﷺ: «وما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» (٤).\n٨) إن تقوى وطاعته سبب عظيم للرزق والبركة فيه. قال سبحانه عن أهل الكتاب وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم [المائدة: ٦٦].\nوقال وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف: ٩٦].\nوقال جل شأنه وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطَّلاق: ٢ - ٣] أي من جهة لا تخطر بباله، وقال سبحانه وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجنّ: ١٦].\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٦٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٤٦٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه الترمذي (٢٣٢٠) واللفظ له، وابن ماجه (٣٣٣٤)، والحاكم (٤/ ٣٤١). قال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) رواه مسلم (٢٨٥٨). من حديث المستورد بن شداد ﵁.","vol":"2","page":383},{"text":"وتأذن بالزيادة لمن شكر وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧].\n٩) والعكس صحيح أيضًا فإن المعصية تنقص الرزق والبركة، لأن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، قال سبحانه ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الرُّوم: ٤١].\nقيل: الفساد القحط وقلة النبات وذهاب البركة والفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم. وقيل: هو كساد الأسعار وقلة المعاش.\n١٠) أعظم رزق يرزق الله به عباده هو (الجنة) التي أعدها الله لعباده الصالحين وخلق فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكل رزق يعد الله به عباده الصالحين في القرآن فغالبًا ما يراد به الجنة كقوله تعالى لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ [سبأ: ٤]. وقوله وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج: ٥٨]. وقوله سبحانه وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا [الطَّلاق: ١١].\nفهو أحسن الرزق وأكمله وأفضله وأكرمه، لا ينقطع ولا يزول إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص: ٥٤]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٨٤","vol":"2","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-656>ثلاث وأربعون: الآثار الإيمانية لأسماء العليم – العالم – العلام</span>\n١) إثبات العلم التام الكامل الشامل لله وحده، ولا يشابهه أحد من مخلوقاته في كمال علمه:\nوقد أثبت الله ﷿ لنفسه العلم الكامل الشامل في آيات كثيرة منها قوله تعالى إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [طه: ٩٨]، وقوله وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: ٧]، وقوله وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطَّلاق: ١٢].\nففي هذه الآيات إثبات علمه بكل شيء من الأشياء، دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، كما قال سبحانه وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٥٩]، وقال وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجنّ: ٢٨].\nوقد أنكر بعض الفلاسفة ومن تابعهم كابن سينا علمه تعالى بالجزيئات، فقالوا إنه يعلم الأشياء على وجه كلي لا جزئي، وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) بقوله: وهذا مما يبين لك أن من قال من المتفلسفة إنه سبحانه يعلم الأشياء على وجه كلي لا جزئي، فحقيقة قوله إنه لم يعلم شيئًا من الموجودات، فإنه ليس في الموجودات إلا ما هو معين جزئي، والكليات إنما تكون في العالم، لاسيما وهم يقولون: إنما علم الأشياء لأنه مبدؤها وسببها، والعلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب، ومن المعلوم أنه مبدع للأمور المعينة المشخصة الجزئية، كالأفلاك المعينة والعقول المعينة، وأول الصادرات عنه – على أصلهم – العقل الأول، وهو معين، فهل يكون من التناقض وفساد العقل في الإلهيات أعظم من هذا؟ (١).\nوبين العلامة المحقق ابن القيم أن (الحمد لله) تتضمن الرد على منكري علمه تعالى بالجزئيات، قال: وذلك من وجوه:\nأحدهما: كمال حمده، وكيف يستحق الحمد من لا يعلم شيئًا من العالم وأحواله وتفاصيله، ولا عدد الأفلاك، ولا عدد النجوم، ولا من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدعوه ممن لا يدعوه؟\nالثاني: أن هذا مستحيل أن يكون إلهًا، وأن يكون ربًا فلابد للإله المعبود، والرب المدبر من أن يعلم عابده ويعلم حاله.\nالثالث: من إثبات رحمته، فإنه يستحيل أن يرحم من لا يعلم.\nالرابع: إثبات ملكه، فإن ملكًا لا يعرف أحدًا من رعيته ألبته ولا شيئًا من أحوال مملكته ألبته، ليس بملك بوجه من الوجوه.\nالخامس: كونه مستعانًا.\nالسادس: كونه مسئولا أن يهدي سائله ويجيبه.\nالسابع: كونه هاديًا.\nالثامن: كونه منعمًا.\nالتاسع: كونه غضبانًا على من خالفه.\nالعاشر: كونه مجازيًا، يدين الناس بأعمالهم يوم الدين.\nفنفي علمه بالجزئيات مبطل لذلك كله (٢).\nوكيف لا يحيط تعالى علمًا بكل شيء وهو قد خلق كل شيء أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ [الملك: ١٤].\nفقبح الله من رمى ربه بالجهل وعدم العلم وهو يأنف أن يوصف بشيء من ذلك.\n٢) أن الله سبحانه لكمال علمه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، أي أنه سبحانه يعلم الأمور الماضية التي وقعت، والأمور المستقبلية التي لم تقع بعد، ويعلم الأمور التي لن تقع لو فرض أنها تقع كيف تقع، وهذا من كمال علمه بالغيب وعواقب الأمور، وهو معتقد أهل السنة والجماعة، والأدلة على ذلك كثيرة منها:\nقوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩].\n_________\n(١) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ١١٣)، وانظر: (١٠/ ١٥١).\n(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٦٧).","vol":"2","page":385},{"text":"وقوله تعالى لإبليس عليه لعنة الله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٥] وهو خبر عن المستقبل.\nوقوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].\nوقوله تعالى أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠].\nوقوله إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل: ٢٠] أي علم الله أنكم لن تستطيعوا القيام بما أمركم به من قيام الليل، لأنه سيكون منكم مرضى وآخرون يجاهدون في سبيل الله وآخرون مسافرون في الأرض يبتغون فضل الله في المكاسب فقوموا من الليل بما يتيسر.\nوقوله تعالى فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ٢٧].\nوقوله سبحانه مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢] أي: ما تقع من مصيبة في الأرض من قحط أو طوفان أو صاعقة وغير ذلك، وَلا فِي أَنفُسِكُمْ أي: من الأمراض والمصائب والبلاء، إلا كان ذلك مكتوبًا في اللوح المحفوظ من قبل أن نخلق الخليقة، ونبرأ النسمة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء» (١).\n٣) وقد خالف في ذلك القدرية – قبحهم الله – فقالوا إن الله لا يعلم الأمر قبل وقوعه وإنما يعلمه بعد وقوعه، وقد حدث القول بهذا في أواخر عصر الصحابة، فقد جاء عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف. قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ... (٢).\nومعنى قول القدرية أن الأمر أنف أي مستأنف لم يسبق به قدر، ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه، أي أن الله أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار حتى فعلوا ذلك، فعلمه بعد ما فعلوه (٣).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٥٣).\n(٢) رواه مسلم (٨).\n(٣) راجع إن شئت كتاب «الإيمان» لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ص: ٣٦٤ - ٣٦٩).","vol":"2","page":386},{"text":"٤) أن الخلق لا يحيطون علمًا بالخالق، أي لا يعلمون شيئا من ذاته وصفاته إلا ما أطلعهم الله سبحانه عليه، عن طريق رسله وكتبه المنزلة. قال تعالى وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة: ٢٥٥] وقال يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠].\n٥) وعلى وجه أعم، أنهم لا يعلمون شيئًا من المعلومات، إلا بتعليم الله لهم، فكل علم شرعي وقدري فمرجعه إلى الله العليم الحكيم، كما قالت الملائكة سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ [البقرة: ٣٢].\nوقال ﷿ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٢]\nوقال وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة: ٣١].\nوقال مخاطبا نبيه ﷺ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء: ١١٣].\nوقال عن يوسف ﷺ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف: ١٠١].\nوقال عن داود ﷺ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [الأنبياء: ٨٠].\nوعن الخضر ﷺ وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: ٦٥].\nوغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين أن أصل ومنشأ كل علم إنما هو من الله جل ثناؤه سواء كان شرعيًا أو دنيويًا.\n٦) قلة ما بأيدينا من العلم بالنسبة لعلم الله تعالى:\nومع كثرة المعلومات التي تعلمها بنو آدم وتشعبها، إلا أنها قليلة جدًا بالنسبة لعلم الله تعالى الواسع، قال سبحانه وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥].\nوفي قصة الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام: «فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين. قال له الخضر: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر ...» (١).\n٧) الفرق بين علم الخالق وعلم المخلوق:\nعلم الله جل ثناؤه لا يعتريه نقص أبدًا، من نسيان أو جهل، أو علم ببعض أمور الخلق وجهل بغيرها.\nقال تعالى وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: ٦٤].\nوقال وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٩].\nوهو سبحانه لا يشغله علم عن علم، كما لا يشغله سمع عن سمع، وأني للمخلوق مثل هذه الصفات، فهم يولدون جهلة لا يعلمون شيئا، ثم يتعلمون شيئا فشيئا، قال تعالى وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: ٧٨].\nفعلمهم قد سبقه الجهل، والله سبحانه كان ومازال عليمًا لم يسبق علمه جهل، ولا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم، كما تقوله المبتدعة تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٧٢٥)، ومسلم (٢٣٨٠). من حديث أبي بن كعب ﵁.","vol":"2","page":387},{"text":"واقرأ معي ما يقوله الخطابي ﵀ عن علم الخلق. يقول: والآدميون – وإن كانوا يوصفون بالعلم – فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالمًا بالفقه غير عالم بالنحو، وعالمًا بهما غير عالم بالحساب والطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله سبحانه علم حقيقة وكمال، قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطَّلاق: ١٢]، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: ٢٨] (١).\n٨) اختص الله نفسه سبحانه بعلوم الغيب. قال سبحانه وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام: ٥٩] وقال قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ [النمل: ٦٥].\nوذكر منها خمسة في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤].\nقال الألوسي ﵀: وما في الإخبار يحمل على بيان البعض المهم لا على دعوى الحصر، إذ لا شبهة في أن ما عدا الخمس من المغيبات لا يعلمه إلا الله تعالى (٢).\nفعلم الغيب لا شك أنه أعظم وأوسع من أن يحصر في هذا الخمس فقط.\nومن زعم أن أحدًا يعلم الغيب غير الله سبحانه فقد كفر بالآيات السابقة.\nعن عائشة ﵂ قالت: ومن زعم أنه (تعني النبي ﷺ) يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ [النمل:٦٥]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢٠٣\n_________\n(١) «شأن الدعاء» (ص: ٥٧).\n(٢) «روح المعاني» (٧/ ١٧١).","vol":"2","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-657>أربع وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله السميع</span>\n١) إثبات صفة السمع له ﷾ كما وصف الله ﷿ نفسه. قال الأزهري ﵀: والعجب من قوم فسروا (السميع) بمعنى المسمع فرارًا من وصف الله بأن له سمعًا، وقد ذكر الله الفعل في غير موضع من كتابه، فهو سميع ذو سمع، بلا تكييف ولا تشبيه بالسمع من خلقه، ولا سمعه كسمع خلقه ونحن نصف الله بما وصف به نفسه بلا تحديد ولا تكييف (١).\nوقد بوب البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد: باب (وكان الله سميعًا بصيرًا).\nقال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب الرد على من قال إن معنى (سميع بصير) عليم، قال ويلزم من قال ذلك أن يسويه بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها، والأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتًا ولا يسمعها.\nولا شك أن من سمع وأبصر أدخل في صفة الكمال ممن انفرد بأحدهما دون الآخر، فصح أن كونه سميعًا بصيرًا يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا، وكونه سميعًا بصيرًا يتضمن أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر، كما تضمن كونه عليمًا أنه يعلم بعلم ولا فرق بين إثبات كونه سميعًا بصيرًا وبين كونه ذا سمع وبصر.\n٢) إن سمع الله ﵎ ليس كسمع أحد من خلقه، فإن الخلق وإن وصفوا بالسمع والبصر كما في قوله تعالى إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان: ٢]، لكن هيهات أن يكون سمعهم وبصرهم كسمع وبصر خالقهم جل شأنه، قد نفى الرب سبحانه المشابهة عن نفسه بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] لأن سمع الله وبصره مستغرق لجميع المسموعات والمرئيات لا يعزب عن سمعه مسموع وإن دق وخلفي سرًا كان أو جهرًا.\nعن عائشة ﵂ قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات. لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١] (٢).\nوفي رواية: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء (٣).\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبرنا. فقال: «أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، تدعون سميعًا بصيرًا قريبا ...» (٤).\nقال ابن بطال: في هذا الحديث نفي الآفة المانعة من السمع، والآفة المانعة من النظر، وإثبات كونه سميعًا بصيرًا قريبًا، يستلزم أن لا تصح أضداد هذه الصفات عليه (٥).\nوفي بيان الفرق بين سمع الخالق والمخلوق، يقول أبو القاسم الأصبهاني: خلق الإنسان صغيرًا لا يسمع، فإن سمع لا يعقل ما يسمع، فإذا عقل ميز بين المسموعات فأجاب عن الألفاظ بما يستحق، وميز الكلام المستحسن من المستقبح، ثم كان لسمعه مدى إذا جاوزه لم يسمع، ثم إن كلمه جماعة في وقت واحد عجز عن استماع كلامهم، وعن إدراك جوابهم.\n_________\n(١) «النونية» (٢/ ٢١٥).\n(٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم بعد حديث (٧٣٨٥)، ورواه موصولًا النسائي (٦/ ١٦٨)، وابن ماجه (١٨٨)، وأحمد (٦/ ٤٦) (٢٤٢٤١). قال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١/ ١٦٣)، وابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ٣٣٩)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) رواه ابن ماجه (١٦٩١)، والحاكم (٢/ ٥٢٣). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ١٢٦٤): أصله في البخاري من هذا الوجه إلا أنه لم يسمها.\n(٤) رواه البخاري (٤٢٠٢)، ومسلم (٢٧٠٤).\n(٥) «الفتح» (١٣/ ٣٧٥).","vol":"2","page":389},{"text":"والله ﷿ السميع لدعاء الخلق وألفاظهم عند تفرقهم واجتماعهم مع اختلاف ألسنتهم ولغاتهم، يعلم ما في قلب القائل قبل أن يقول، ويعجز القائل عن التعبير عن مراده فيعلم الله فيعطيه الذي في قلبه، والمخلوق يزول عنه السمع بالموت والله تعالى لم يزل ولا يزال، يغني الخلق ويرثهم فإذا لم يبق أحد قال: لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: ١٦] فلا يكون من يرد! فيقول: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦] (١).\nواشتراك المخلوق مع الخالق سبحانه في هذا الاسم لا يعني المشابهة، فإن صفات المخلوق تناسب ضعفه وعجزه وخلقه، وصفات الخالق تليق بكماله وجلاله ﷾.\n٣) وقد أنكر الله ﵎ على المشركين الذين ظنوا أن الله لا يسمع السر والنجوى.\nفعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي – أو ثقفيان وقرشي – كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقه قلوبهم. فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله ﷿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ [فصلت: ٢٢] (٢).\nوكذا قوله تعالى أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى [الزُّخرف: ٨٠].\n٤) ورد الاسم مقرونًا بغيره من الأسماء كقوله تعالى سَمِيعٌ عَلِيمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وسَمِيعٌ قَرِيبٌ وهي تدل على الإحاطة بالمخلوقات كلها، وأن الله محيط بها، لا يفوته شيء منها ولا يخفى عليه، بل الجميع تحت سمعه وبصره وعلمه. وفي ذلك تنبيه للعاقل وتذكير، كي يراقب نفسه، وما يصدر عنها من أقوال وأفعال، لأن خالقه وربه لا يخفى عليه شيء منها، وأنه سبحانه محصيها عليه ثم يجازي بها في الآخرة إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\nومتى آمن الناس بذلك وتذكروه فإن أحوالهم تتغير من القبيح إلى الحسن ومن الشر إلى الخير.\nوإذا نسوا ذلك وتناسوه وغفلوا عنه ففي ذلك ما يكفي لفساد الدنيا وخرابها، والناظر في أحوال الناس يرى ذلك واضحًا جليًا.\n٥) الله هو (السميع) الذي يسمع المناجاة ويجيب الدعاء عند الاضطرار ويكشف السوء، ويقبل الطاعة.\nوقد دعا الأنبياء والصالحين ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦].\nفإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام قالا رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧] وهما يرفعان قواعد البيت الحرام.\nوامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصًا لله، لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ [آل عمران: ٣٥].\nودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء [آل عمران: ٣٧] فاستجاب الله دعاءه.\nودعا يوسف ﵊ ربه أن يصرف عنه كيد النسوة فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف: ٣٤].\nوأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن.\nقال تعالى وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ٢٠٠].\nقال ابن كثير: سميع لجهل الجاهل عليك، والاستعاذة به من نزغه ولغير ذلك من كلام خلقه لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه (٣). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢١٤\n_________\n(١) «الحجة في المحجة» (ورقة ١٤ب – ١٥أ).\n(٢) رواه البخاري (٤٨١٦)، ومسلم (٢٧٧٥).\n(٣) «ابن كثير» (٢/ ٢٧٨).","vol":"2","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>خمس وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله البصير</span>\n١) إثبات صفة البصر له جل شأنه، لأنه وصف نفسه بذلك وهو أعلم بنفسه.\nوصفة البصر من صفات الكمال كصفة السمع، فالمتصف بهما أكمل ممن لا يتصف بذلك، قال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام: ٥٠].\nوقال مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [هود: ٢٤].\nوقد أنكر إبراهيم ﷺ على أبيه عندما عبد ما لا يبصر ولا يسمع لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢].\nوقال تعالى موبخًا الكفار ومسفها عقولهم لعبادتهم الأصنام التي هي من الحجارة الجامدة التي لا تتحرك ولا تملك سمعًا ولا بصرًا أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا [الأعراف: ١٩٥].\nأي أنتم أكمل من هذه الأصنام لأنكم تسمعون وتبصرون فكيف تبعدونها وأنتم أفضل منها!\nقال الأصبهاني: وأما (البصير) فهذا الاسم يقع مشتركًا، فيقال: فلان بصير، ولله المثل الأعلى، والرجل قد يكون صغيرًا لا يبصر ولا يميز بالبصر بين الأشياء المتشاكلة، فإذا عقل أبصر فميز بين الردئ والجيد، وبين الحسن والقبيح، يعطيه الله هذا مدة ثم يسلبه ذلك، فمنهم من يسلبه وهو حي ومنهم من يسلبه بالموت.\nوالله بصير لم يزل ولا يزول، والخلق إذا نظر إلى ما بين يديه عمي عما خلفه وعما بعد منه، والله تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة في خفيات مظلم الأرض، وكل ما ذكر مخلوقًا به وصفه بالنكرة، فإذا وصف به ربه وصفه بالمعرفة (١).\n٢) إن الله ﵎ بصير بأحوال عباده خبير بها بصير بمن يستحق الهداية منهم ممن لا يستحقها، بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال، وبمن يفسد حاله بذلك وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى: ٢٧].\nوهو بصير بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن: ٢]، إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: ٩٦]. بصير خبير بأعمالهم وذنوبهم وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا [الإسراء: ١٧] وسيجزيهم عليها أتم الجزاء.\n٣) ومن علم أن ربه مطلع عليه استحى أن يراه على معصية أو فيما لا يحب.\nومن علم أنه يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربه وخشع فقد جاء في حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي ﷺ عن الإحسان فقال ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٢).\nقال النووي ﵀: هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه ﷾ لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه وعلى الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به.\nفقال ﷺ: اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان، فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد بإطلاع الله ﷾ عليه فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للإطلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه ﵎ في إتمامه الخشوع والخضوع وغير ذلك اهـ (٣). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢٢١\n_________\n(١) «الحجة بالمحجة» (ورقة ١٥أ).\n(٢) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «شرح مسلم» (١/ ١٥٧ - ١٥٨).","vol":"2","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-659>ست وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله الحكم –الحكيم</span>\n١) أن الحكم لله وحده لا شريك له في حكمه، كما لا شريك له في عبادته، قال تعالى وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: ٢٦] وقال فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.\nوقال سبحانه إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ [الأنعام: ٥٧].\nوقال جل شأنه وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٧٠].\nوقال أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦٢].\nوقال وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠].\nوقال ابن الحصار: وقد تضمن هذا الاسم (يعني –الحكم-) جميع الصفات العلى والأسماء الحسنى، إذ لا يكون حكمًا إلا سميعًا بصيرًا عالمًا خبيرًا إلى غير ذلك، فهو سبحانه الحكم بين العباد في الدنيا والآخرة في الظاهر والباطن، وفيما شرع من شرعه، وحكم من حكمه وقضاياه على خلقه قولًا وفعلًا، وليس ذلك لغير الله تعالى، ولذلك قال وقوله الحق: لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٧٠].\nوقال: الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]. فلم يزل حكيمًا قبل أن يحكم، ولا ينبغي ذلك لغيره (١).\nقال الشنقيطي رحمه الله تعالى:\nوبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه، كفر بواح لا نزاع فيه. اهـ (٢).\nثم بين ﵀ أن الله سبحانه بصفاته العظيمة يستحق أن يكون له الحكم، فهل يوجد في البشر من له مثل صفات خالقه ليشارك ربه في الحكم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا!\nفتعال معي أخي القارئ لنطلع على ما سطره في هذه المسألة في كتابه القيم (أضواء البيان)، قال ﵀:\nمسألة\nاعلم أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة، صفات من يستحق أن يكون الحكم له، فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة، التي سنوضحها الآن إن شاء الله، ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية، فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع.\nسبحان الله وتعالى عن ذلك. فإن كانت تنطبق عليهم ولن تكون، ليتبع تشريعهم.\nوإن ظهر يقينًا أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك، فليقف بهم عند حدهم، ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية.\n﷾ أن يكون له شريك في عبادته، أو حكمه أو ملكه.\nفمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ، ثم قال مبينًا صفات من له الحكم ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشورى: ١٠ – ١٢].\n_________\n(١) «الكتاب الأسنى»\n(٢) «أضواء البيان» (٧/ ١٦٢).","vol":"2","page":392},{"text":"فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنه فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومخترعهما، على غير مثال سابق، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجًا، وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ الآية، وأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ وأنه لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وأنه هو الذي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ أي يضيقه على من يشاء وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.\nفعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم، ولا تقبلوا تشريعًا من كافر خسيس حقير جاهل.\nونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩]، فقوله فيها فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ كقوله في هذه فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: ٢٦].\nفهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السماوات والأرض؟ وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات وبصره بكل المبصرات؟ وأنه ليس لأحد دونه من ولي؟ ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا؟\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨].\nفهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السماوات والأرض؟ وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات وبصره بكل المبصرات؟ وأنه ليس لأحد دونه من ولي؟ ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا؟\nسبحانك ربنا وتعاليت عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص: ٧٠ - ٧٣].\nفهل في مشرعي القوانين الوضعية، من يستحق أن يوصف بأن له الحمد في الأولى والآخرة، وأنه هو الذي يصرف الليل والنهار مبينا بذلك كمال قدرته، وعظمة إنعامه على خلقه.\nسبحان خالق السماوات والأرض، جل وعلا أن يكون له شريك في حكمه أو عبادته، أو ملكه.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: ٤٠].\nفهل في أولئك من يستحق أن يوصف بأنه هو الإله المعبود وحده، وأن عبادته وحده هي الدين القيم. اهـ باختصار (١).\n_________\n(١) راجع «أضواء البيان» (٧/ ١٦٣ - ١٧٣).","vol":"2","page":393},{"text":"٢) الله سبحانه يحكم ما يريد، وما يشاء هو وحده لا شريك له.\nقال سبحانه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١].\nفالله سبحانه يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله، وتحريم ما أراد تحريمه، وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم، وغير ذلك من أحكامه وقضاياه. وله الحكمة البالغة في ذلك كله.\nوليس لأحد أن يراجع الله في حكمه، كما يراجع الناس بعضهم البعض في أحكامهم، قال تعالى وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد: ٤١]، فحكمه في الخلق نافذ، ليس لأحد أن يرده أو يبطله.\n٣) كلام الله حكيم ومحكم، وكيف لا يكون بهذه الصفة وهو كلام أحكم الحاكمين ورب العالمين.\nوقد وصف الله القرآن العظيم (وهو كلامه المنزل على محمد ﷺ) بأنه حكيم ومحكم في ثمان آيات منها قوله تعالى الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١].\nوقوله الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان: ١ - ٢].\nوقوله يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس: ١ - ٢].\nوقوله وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ... الآية [محمد: ٢٠].\nوحكمة الله تقتضي ذلك، تقتضي أن يكون القرآن حكيمًا ومحكمًا، لأنه الكتاب الذي ليس بعده كتاب، ولأنه الكتاب الذي أنزله الله ليكون تشريعًا عامًا لكل مجتمع بشري ولكل فرد من أفراده، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.\nفالقرآن حكيم في أسلوبه الرائع الجذاب، وحكيم في هدايته ورحمته، وحكيم في إيضاحه وبيانه، وحكيم في تشريعاته وحكيم في كل أحكامه، وحكيم في أمره ونهيه، وحكيم في ترغيبه وترهيبه، وحكيم في وعده ووعيده، وحكيم في أقاصيصه وأخباره، وحكيم في أقسامه وأمثال، وحكيم في كل ما اشتمل عليه، بل هو فوق ذلك وأعظم من ذلك.\nوالقرآن أيضًا محكم فلا حشو فيه، ولا نقص ولا عيب كما يكون في كلام البشر، الله أكبر ما أعظم هذا القرآن، لقد بلغ الغاية في البهاء والجمال والكمال (١).\n٤) والإيمان بما سبق يقتضي تحكيم كتاب الله جل شأنه بيننا، لأنه لا يوجد كتاب مثل القرآن حكيمًا في كل شيء.\nلأن ما شرعه الله سبحانه لعباده من الأحكام والمعاملات والقصاص والحدود وتقسيم المواريث وما يتعلق بالأحوال الشخصية في القرآن الكريم هي في منتهى الحكمة، لأنها تشريع الحكيم العليم سبحانه، الذي لا يدخل حكمه خلل ولا زلل، ولأنها قضاء من لا يخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة.\nوقد نبه الله سبحانه عباده لهذا بقوله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، وقوله ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة: ١٠] وقوله أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨].\nولذا فإنك تجد آيات الأحكام كثيرًا ما تشتمل خواتيمها على اسمه (الحكيم)، ومن الأمثلة على ذلك:\nقوله يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ إلى قوله فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا [النساء: ١١].\nوقوله وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ إلى قوله إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ٢٤].\n_________\n(١) باختصار من كتاب «الهدى والبيان في أسماء القرآن» للشيخ صالح بن إبراهيم البليهي (ص: ٢١٢).","vol":"2","page":394},{"text":"وقوله في القتل الخطأ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا إلى قوله وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ٩٢] وقوله وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًاّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء: ١٣٠].\nوقوله قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم: ٢]، وغيرها من الآيات.\n٥) وقد أمر الله رسوله ﷺ بأن يحكم بين الناس بما أنزل إليه من الأحكام الربانية، وأن يترك ما سواها من الآراء والأهواء، قال تعالى فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ [المائدة: ٤٨].\nقال تعالى وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ [المائدة: ٤٩].\nولم يكن هذا الأمر لمحمد ﷺ خاصة، وإنما هو ما أمرت به جميع الرسل من قبله، يبين هذا قوله تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ [البقرة: ٢١٣].\nوقوله إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ [المائدة: ٤٤].\nوالمؤمنون يرضون بحكم الله، قال سبحانه إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور: ٥١].\nأما من لم يرض بذلك وترك تشريع الحكيم العليم، وأخذ بآرائه وما يمليه عليه عقله من أفكار، أو اتبع أهواءه وما تشتهيه نفسه، فقد وقع في هاوية الكفر أو الظلم أو الفسق التي حكم الله بها عليه.\nقال سبحانه وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤].\nوقال وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥].\nوقال وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٧].\n٦) الله سبحانه يؤتي حكمته من يشاء:\nكما قال عن نفسه جل ثناؤه يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: ٢٦٩].\nوقد تنوعت عبارات المفسرين في تأويل قوله تعالى يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فمنهم من قال هي الإصابة في القول والفعل، وقيل: هي الفقه في القرآن والفهم فيه. وقال بعضهم: هي الفهم والعقل في الدين والأتباع له. وقال آخرون: هي النبوة. وقيل هي: الخشية لله.\nقال ابن جرير جامعًا بين الأقوال السابقة: وقد بينا فيما مضى معنى الحكمة وأنها مأخوذة من الحكم وفصل القضاء، وأنها الإصابة بما دل على صحته، فأغنى عن تكريره في هذا الموضع.\nفإذا كان ذلك كذلك معناه، كان جميع الأقوال التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولهم في ذلك، داخلًا فيما قلنا من ذلك، لأن الإصابة في الأمور، إنما تكون عن فهم بها وعلم ومعرفة، وإذا كان ذلك كذلك، كان المصيب عن فهم منه بمواضع الصواب في أموره، فهو خاشيًا لله عالمًا، وكانت النبوة من أقسامه لأن الأنبياء مسددون مفهمون وموفقون لإصابة الصواب في الأمور، والنبوة بعض معاني الحكمة.\nفتأويل الكلام: يؤتي الله إصابة الصواب في القول والفعل من يشاء، ومن يؤته الله ذلك فقد أتاه خيرًا كثيرًا. اهـ (١).\n_________\n(١) «جامع البيان» (٣/ ٦٠ - ٦١)، وانظر «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٢٢).","vol":"2","page":395},{"text":"٧) وقد جاء في الحديث ما يدل على أنه من أوتي الحكمة ينبغي أن يغبط لعظم هذه النعمة عليه وهو قوله ﷺ «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمه فهو يقضي بها ويعلمها» (١).\nوقد ذكر الله في كتابه بعض الذين آتاهم الحكمة وأكثرهم من الأنبياء فامتن على محمد ﷺ بذلك في قوله وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: ١١٣].\nوعلى آل إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا [النساء: ٥٤].\nوعلى عيسى ﵇ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ [المائدة: ١١٠].\nوعلى داود ﵇ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء [البقرة: ٢٥١].\nوعلى لقمان العبد الصالح وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ [لقمان: ١٢]. والله سبحانه أعلم حيث يجعل حكمته.\n٨) خلق الله سبحانه محكم لا خلل فيه ولا قصور. قال تعالى صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨].\nوقال الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ [تبارك: ٣].\nأي خلقهن طبقة بعد طبقة مستويات ليس فيها اختلاف ولا تنافر ولا نقص ولا عيب، ولهذا قال تعالى فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ أي انظر إلى السماء فتأملها هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو خللًا أو فطورًا وشقوقًا، ثم قال تعالى ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ أي مهما كررت البصر مرتين أو أكثر لرجع إليك البصر خاسئًا عن أن يرى عيبًا أو خللًا، وهو حسير أي كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر ولا يرى نقصًا (٢).\nقال الخطابي: ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها، إذ ليس كل الخليقة موصوفًا بوثاقة البنية، وشدة الأسر كالبقة، والنملة، وما أشبههما من ضعاف الخلق، إلا أن التدبير فيهما، والدلالة بها على كون الصانع وإثباته، ليس بدون الدلالة عليه بخلق السماوات والأرض والجبال وسائر معاظم الخليقة، وكذلك هذا في قوله جل وعز الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة: ٧]، لم تقع الإشارة به إلى الحسن الرائق في المنظر، فإن هذا المعنى معدوم في القرد والخنزير والدب، وأشكالها من الحيوان، وإنما ينصرف المعنى فيه إلى حسن التدبير في إنشاء كل شيء من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها، كقوله تعالى وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: ٢] اهـ (٣).\n٩) إن الله سبحانه خلق الخلق لحكمة عظيمة، وغاية جليلة، وهي عبادته ﵎ حيث قال وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].\n_________\n(١) رواه البخاري (٧١٤١)، ومسلم (٨١٦). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٩٦).\n(٣) «شأن الدعاء» (ص: ٧٣ - ٧٤).","vol":"2","page":396},{"text":"ولم يخلقهم عبثًا وباطلًا كما يظن الكفار والملاحدة، قال تعالى وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧].\nوقال سبحانه مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى [الأحقاف: ٣].\nوقال عز من قائل أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [المؤمنون: ١١٥].\nوجعل يوم القيامة موعدا لهم، يرجعون إليه ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.\n١٠) كراهة التكني بأبي الحكم:\nفعن هانئ بن يزيد أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله ﷺ فقال: «إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرض كلا الفريقين. فقال رسول الله ﷺ: ما أحسن هذا. فما لك من الولد؟ قال: لي شريح ومسلم وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح» (١).\nفتغيير النبي ﷺ لكنية الصحابي دليل على كراهته التكني بهذا الاسم أو التسمي به.\nقال ابن الأثير: وإنما كره له ذلك لئلا يشارك الله تعالى في صفته (٢). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢٢٩\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٨/ ٢٢٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨١٩) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) «النهاية» (١/ ٤١٩).","vol":"2","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-660>سبع وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله اللطيف</span>\n١ - إن الله ﷾ لا يفوته من العلم شيء وإن دق وصغر، أو خفي وكان في مكان سحيق قال سبحانه وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [الأنعام: ٥٩].\nوجاء في قوله تعالى عن لقمان: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان: ١٦].\nفالله لا يخفى عليه شيء، ولا الخردلة وهي الحبة الصغيرة التي لا وزن لها، فإنما ولو كانت في صخرة في باطن الأرض، أو في السماوات فإن الله يستخرجها ويأت بها، لأنه اللطيف الخبير.\n٢ - وإذا علم العبد أن ربه متصف بدقة العلم، وإحاطته بكل صغيرة وكبيرة، حاسب نفسه على أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، فإنه في كل وقت وحين، بين يدي اللطيف الخبير، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [تبارك: ١٤].\nوالله سبحانه يجازي الناس على أفعالهم يوم الدين، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، لا يفوته من أعمالهم شيء، فلا المحسن يضيع من إحسانه مثقال ذرة، ولا المسيء يضيع من سيئاته مثقال ذرة.\nقال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧].\nوقال فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧ - ٨].\nثم هو بعد ذلك يزيد أجور الصالحين من فضله وكرمه ما يشاء، ويعفو ويتجاوز عن ذنوب من يشاء من عباده بلطفه وعفوه، ويعذب بالذنوب من يشاء من عباده بعدله، إنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا.\n٤ - الله لطيف بعباده، أي كثير اللطف بهم بالغ الرأفة لهم.\nقال الحليمي في معنى (اللطيف): وهو الذي يريد بعباده الخير واليسر، ويقيض لهم أسباب الصلاح والبر (١).\nومن لطفه بعباده أنه يسوق إليهم أرزاقهم، وما يحتاجونه في معاشهم.\nقال القرطبي في تفسير الآية السابقة يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ ...: وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى، وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه، لأن الخردلة يقال: إن الحس لا يدرك لها ثقلًا، إذ لا ترجح ميزانًا.\nأي لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع، جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، أي لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن أتباع سبيل من أناب إلي اهـ (٢).\nقال الغزالي: إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دق منها وما لطف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستحق سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في العلم تم معنى اللطف، ولا يتصور كحال ذلك في العلم والفعل إلا لله تعالى.\n_________\n(١) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٢٠٢).\n(٢) «الجامع لأحكام القرآن» (١٤/ ٦٦).","vol":"2","page":398},{"text":"فأما إحاطته بالدقائق والخفايا فلا يمكن تفصيل ذلك، بل الخفي مكشوف في علمه كالجلي، من غير فرق، وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها فلا يدخل أيضا تحت الحصر، إذ لا يعرف اللطف في الفعل، إلا من عرف تفاصيل أفعاله وعرف دقائق الرفق فيها، وبقدر اتساع المعرفة فيها تتسع المعرفة بمعنى اسم (اللطيف)، وشرح ذلك يستدعي طويلًا ثم لا يتصور أن يفي بعشر عشره، مجلدات كبيرة، وإنما يمكن التنبيه على بعض جمله.\nفمن لطفه: خلقه الجنين في بطن الأم في ظلمات ثلاث وحفظه فيها وتغذيته بواسطة السرة، إلى أن ينفصل، فيستقل بالتناول بالفم، ثم إلهامه إياه عند الانفصال التقام الثدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل، من غير تعليم ومشاهدة. بل فلق البيضة عن الفرخ وقد ألهمه التقاط الحب في الحال.\nثم تأخير خلق السن عن أول الخلقة، إلى وقت الحاجة للاستغناء في الاغتذاء باللبن عن السن، ثم إنباته بعد ذلك عند الحاجة إلى طحن الطعام، ثم تقسيم الأسنان إلى عريضة للطحن، وإلى، أنياب للكسر، وإلى ثنايا حادة الأطراف للقطع، ثم استعمال اللسان الذي الغرض الأظهر منه النطق في رد الطعام إلى المطحن كالمجرفة.\nولو ذكر لطفه في تيسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها وقد تعاون على إصلاحها خلق لا يصحى عددهم، من مصلح الأرض وزارعها وساقيها وحاصدها ومنقيها وطاحنها وعاجنها وخابزها إلى غير ذلك، لكان لا يستوفي شرحه (١).\nالآثار الإيمانية لاسم الله الخبير:\n١ - إن الله هو الخبير، العالم ببواطن الأمور ومخفياتها، عالم بما كان وما يكون، لا يفوته من العلم شيء وإن كان صغيرًا دقيقًا، وهذا لله وحده لا يشاركه فيه أحد من خلقه.\n٢ - والله أخبر بنفسه، إذ لا أحد أعلم بالله من الله، قال سبحانه الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان: ٥٩]. أي اسأل عنه خبيرًا (و-الباء- هنا مكان –عن-) (٢) وهو الله ﷿ (٣).\n٣ - إن الله خبير عليم بأعمال عباده وأقوالهم، وما يجول في صدورهم من خير أو شر.\nقال سبحانه وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: ١٧].\nوقال أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].\nولذلك أمرنا ﷾ أن نتقيه ونعمل بما يحب، وأن نبتعد عن كل ما يسخطه ويغضبه.\nقال تعالى محرضًا على التقوى والإحسان وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: ١٢٨].\nوقال وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: ١٨].\nوحض على طاعته وطاعة رسوله ﷺ فقال وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المجادلة: ١٣].\nوأمر بالإيمان به وبرسوله وبكتابه فقال فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [التغابن: ٨].\n_________\n(١) «المقصد الأسنى» (ص: ٦٢ - ٦٣).\n(٢) انظر: «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة (ص: ٥٦٨) و«تفسير القرطبي» (١٣/ ٦٣) والشوكاني (٤/ ٨٤) وهو كقوله تعالى سأل سائل بعذاب واقع.\n(٣) انظر: «تفسير البغوي» (٥/ ١٠٦) والشوكاني (٤/ ٨٤).","vol":"2","page":399},{"text":"وفي قوله تعالى وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: ١٣٥]، تحذير من معصيته، وهي عدم إقامة الشهادة بالحق وعبر عنه بقوله وإن تلووا أو كتمان الشهادة مع الحاجة إليها وعبر عنه بقوله أو تعرضوا، ثم جاء التحذير وهو قوله فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا أي فإن الله خبير بما تعملون، من عدم إقامتكم الشهادة وتحريفكم لها، وإعراضكم عنها بكتمانها، ويحفظ ذلك منكم عليكم حتى يجازيكم به يوم الجزاء، فاتقوا ربكم في ذلك.\n٤ - إن الله سبحانه خبير، قد أحاط بكل شيء خبرًا يخبر بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون.\nفقد أخبر عن خلقه للسماوات والأرض في ستة أيام، واستواءه على عرشه فقال الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان: ٥٩].\nوأخبر عن نفسه سبحانه أنه يعلم مفاتح الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا هو، فقال إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤].\nوهذه الخمسة كلها غيبية مستقبلية.\nوأخبر عما سيقع في يوم القيامة من الأهوال الكونية من انشقاق السماء وانفطارها، وارتجاف الأرض وزلزالها، ونسف الجبال وسيرها وتسجير البحار وانفجارها، وغير ذلك من الأهوال المنتظرة التي لم تقع.\nوأخبر عن حال أهل الإيمان وما هم فيه من الاطمئنان والأمان من تلك الأهوال، ثم عن دخولهم الجنان بسلام.\nوأخبر عن حال أهل الكفران، وما هم فيه عند قيامهم من تخبط الشيطان، لاتخاذهم إياه وليًا – في الدنيا – من دون الرحمن، واتباعهم لخطواته وتركهم لكلام الكريم المنان.\nوالله خبير بالطائفتين في ذلك اليوم المشهود، قال تعالى أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ [العاديات: ٩ - ١١].\nولا يخبر بهذه الأمور كلها إلا الله وحده العليم الخبير، كما قال سبحانه وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٤] أي: لا ينبئك أحد مثلي لأني عالم بالأشياء (١). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢٥٢\n_________\n(١) «تفسير البغوي» (٥/ ٣٠٠)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٥٥١).","vol":"2","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-661>ثمان وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله الحليم</span>\n١ - إثبات صفة (الحلم) لله ﷿، وهو الصفح عن العصاة من العباد، وتأجيل عقوبتهم رجاء توبتهم عن معاصيهم.\n٢ - وحلم الله سبحانه عن عباده، وتركه المعالجة لهم بالعقوبة، من صفات كماله ﷾، وتأجيل عقوبتهم رجاء توبتهم عن معاصيهم.\n٢ - وحلم الله سبحانه عن عباده، وتركه المعاجلة لهم بالعقوبة، من صفات كماله ﷾. فحلمه ليس لعجزه عنهم، وإنما هو صفح وعفو عنهم، أو إمهال لهم مع القدرة، فإن الله لا يعجزه شيء.\nقال سبحانه أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤].\nوحلمه أيضًا ليس عن عدم علمه بما يعمل عباده من أعمال، بل هو العليم الحليم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.\nقال سبحانه وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا [الأحزاب: ٥١].\nوحلمه عن خلقه ليس لحاجته إليهم، إذ هو سبحانه يحلم عنهم ويصفح ويغفر مع استغنائه عنهم، قال سبحانه اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة: ٢٣٥].\n٣ - حلم الله عظيم، ويتجلى في صبره سبحانه على خلقه، والصبر داخل تحت الحلم، إذ كل حليم صابر، وقد جاء في السنة وصف الله ﷿ بالصبر، كما في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس أحد – أو ليس شيء – أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا وإنه ليعافيهم ويرزقهم» (١).\nقال الحليمي في معنى (الحليم): الذي لا يحبس أنعامه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكن يرزق العاصي كما يرزق المطيع، ويبقيه وهو منهمك في معاصيه، كما يبقي البر التقي، وقد يقيه الآفات والبلايا وهو غافل لا يذكره، فضلًا عن أن يدعوه، كما يقيها الناسك الذي يسأله، وربما شغلته العبادة عن المسألة (٢).\nوقد أخبر تعالى عن تأخيره لعقاب من أذنب من عباده في الدنيا، وأنه لو كان يؤاخذهم بذنوبهم أولًا بأول، لما بقي على ظهر الأرض أحد.\nقال سبحانه وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [النمل: ٦١].\nوقال وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف: ٥٨].\nقال ابن جرير: ولو يؤاخذ الله عصاة بني آدم بمعاصيهم (ما ترك عليها) يعني: الأرض من دابة تدب عليها (ولكن يؤخرهم) يقول: ولكن بحلمه يؤخر هؤلاء الظلمة، فلا يعاجلهم بالعقوبة، (إلى أجل مسمى) يقول: إلى وقتهم الذي وقت لهم، (فإذا جاء أجلهم) يقول: فإذا جاء الوقت الذي وقت لهلاكهم لا يستأخرون عن الهلاك ساعة فيمهلون ولا يستقدمون قبله حتى يستوفوا آجالهم اهـ (٣).\nفتأخير العذاب عنهم إنما هو رحمة بهم.\nولكن الناس يغترون بالإمهال، فلا تستشعر قلوبهم رحمة الله وحكمته، حتى يأخذهم سبحانه بعدله وقوته، عندما يأتي أجلهم الذي ضرب لهم.\nومن العجب! أن يريد الله للناس الرحمة والإمهال، ويرفض الجهال منهم والأجلاف تلك الرحمة وذلك الإمهال، حين يسألون الله أن يعجل لهم العذاب والنقمة!\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٠٩٩)، ومسلم (٢٨٠٤).\n(٢) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٢٠٠ - ٢٠١)، وانظر: «الأسماء للبيهقي» (ص: ٧٢ - ٧٣).\n(٣) «تفسير الطبري» (١٧/ ٢٣٠).","vol":"2","page":401},{"text":"قال تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ [يونس: ١١].\nوقال وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحِسَابِ [ص: ١٦].\nوقال عن كفار مكة وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢].\nوأمثال ذلك مما وقع من المسرفين السفهاء.\nتنبيه: تأخير العذاب عن الكفار إنما هو في الدنيا فقط، وأما في الآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون.\nقال الأقليشي: أما تأخير العقوبة في الدنيا عن الكفرة والفجرة من أهل العصيان، فمشاهد بالعيان، لأنا نراهم يكفرون ويعصون، وهم معافون في نعم الله يتقلبون.\nوأما رفع العقوبة في الأخرى، فلا يكون مرفوعًا إلا عن بعض من استوجبها من عصاة الموحدين.\nوأما الكفار فلا مدخل لهم في هذا القسم، ولا لهم في الآخرة حظ من هذا الاسم، وهذا معروف بقواطع الآثار، ومجمع عليه عند أولى الاستبصار اهـ (١).\n٤ - يجوز إطلاق صفة الحلم على الخلق، فقد وصف الله ﷿ أنبياءه بذلك، قال عز من قائل إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: ٩].\nوقال إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ [هود: ٧٥]. وقال حكاية عن قوم شعيب ﵇ إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود: ٨٧] وقال فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [الصافات: ٥٩] يعني بذلك إسحاق ﵇.\nوالحلم من الخصال العظيمة التي يريد الله من عباده أن يتخلقوا بها، وهي خصلة يحبها الله ورسوله كما مر آنفا في حديث أشج عبد القيس.\nقال القرطبي ﵀: فمن الواجب على من عرف أن ربه حليم على من عصاه، أن يحلم هو على من خالف أمره، فذاك به أولى حتى يكون حليمًا فينال من هذا الوصف بمقدار ما يكسر سورة غضبه ويرفع الانتقام عن من أساء إليه، بل يتعود الصفح حتى يعود الحلم له سجية.\nوكما تحب أن يحلم عنك مالك، فاحلم أنت عمن تملك لأنك متعبد بالحلم مثاب عليه قال الله تعالى وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، وقال وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى: ٤٣] اهـ (٢). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢٥٨\n_________\n(١) «الكتاب الأسنى»\n(٢) «الكتاب الأسنى»","vol":"2","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-662>تسع وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله العظيم</span>\n١ - إن الله سبحانه، هو العظيم المطلق، فهو عظيم في ذاته، عظيم في أسمائه كلها، عظيم في صفاته كلها، فهو عظيم في سمعه وبصره، عظيم في قدرته وقوته، عظيم في علمه ...، فلا يجوز قصر عظمته في شيء دون شيء، لأن ذلك تحكم لم يأذن به الله.\nقال ابن القيم ﵀ في نونيته مقررًا ذلك:\nوهو العظيم بكل معنى يوجب التـ ... ـعظيم لا يحصيه من إنسان (١)\nفمن عظمته في علمه وقدرته أنه لا يشق عليه أن يحفظ السماوات السبع والأرضين السبع، ومن فيهما كما قال وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥].\n٢ - الفرق بين عظمة الخالق والمخلوق:\nأن المخلوق قد يكون عظيمًا في حال دون حال، وفي زمان دون زمان، فقد يكون عظيمًا في شبابه، ولا يكون كذلك عند شيبه، وقد يكون ملكًا أو غنيًا معظمًا في قومه، فيذهب ملكه وغناه أو يفارق قومه وتذهب عظمته معها، لكن الله سبحانه هو العظيم أبدا.\nقال الحليمي في (العظيم): ومعناه الذي لا يمكن الامتناع عليه بالإطلاق، لأن عظيم القوم إنما يكون مالك أمورهم، الذي لا يقدرون على مقاومته ومخالفة أموره، إلا أنه وإن كان كذلك، فقد يلحقه العجز بآفات تدخل عليه فيما بيده فتوهنه وتضعفه، حتى يستطاع مقاومته، بل قهره وإبطاله، والله جل ثناؤه قادر لا يعجزه شيء، ولا يمكن أن يعصى كرهًا، أو يخالف أمره قهرًا. فهو العظيم إذًا حقًا وصدقا، وكان الاسم لمن دونه مجازًا اهـ (٢).\n٣ - على المسلم أن يعظم الله حق تعظيمه، ويقدره حق قدره، وإن كان هذا لا يستقصى، إلا أن على المسلم أن يبذل قصارى ما يملك لكي يصل إليه.\nوتعظيم الله ﷾ أولًا، إنما هو بوصفه بما يليق به من الأوصاف والنعوت التي وصف بها نفسه، والإيمان بها وإثباتها له، دون تشبيهها بخلقه، ولا تعطيلها عما تضمنته من معاني عظيمة.\nفمن شبه ومثل، أو عطل وأول، فما عظم الله حق تعظيمه.\nومن تعظيمه جل علا، الإكثار من ذكره في كل وقت وحين، والبدء باسمه في جميع الأمور، وحمده والثناء عليه بما هو أهل له، وتهليله وتكبيره.\nومن تعظيم الله سبحانه، أن يطاع رسوله ﷺ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ [النساء: ٦٤]، فمن أطاع الرسول فقد أطاع المرسل مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ [النساء: ٨٠]، ومن عصاه فقد عصى الله.\nومن تعظيم الله سبحانه أن يعظم رسوله ويوقر، قال تعالى لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩] (٣).\nوأن لا يقدم على كلامه أحد مهما كانت مكانته قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات: ١].\nومن تعظيم الله سبحانه أن يصدق كتابه، لأنه كلامه، وأن يحكم في الأرض لأنه شرعه الذي ارتضاه للناس أجمعين. فمن لم يفعل فما عظم الله حق تعظيمه، بل التحق بأشباهه من اليهود الذين اتخذوا كتاب الله وراءهم ظهريًا واتبعوا شياطين الإنس والجن.\nومن تعظيم الله سبحانه، أن تعظم شعائر دينه كالصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة وغيرها.\nقال تعالى: وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: ٣٢].\n_________\n(١) «النونية بشرح أحمد بن إبراهيم بن عيسى» (٢/ ٢١٤).\n(٢) «المنهاج» (١/ ١٩٥).\n(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣).","vol":"2","page":403},{"text":"ومن تعظيم الله سبحانه أن تجتنب نواهيه ومحارمه التي حرمها في كتابه، أو حرمها رسوله ﷺ قال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ [الحج: ٣٠] ومن أعظم ما حرمه الله الشرك بأنواعه. ومقابل هذا أن يعمل المسلم بأوامره التي أمر بها، والتي من أعظمها توحيده وإفراده بالعبادة. وحده لا شريك له.\n٤ - ليس أضل من ذلك الإنسان الذي أبى أن يعبد الله وحده، وأصر على أن يشرك به مالا يملك له رزقًا، ولا يملك له نفعًا ولا ضرًا، من أوثان وأحجار وأشجار، أو قبور وأضرحة، قد صار أصحابها عظامًا نخرة، فكيف تقضي لهم حاجة؟ أو تشفي لهم مريضًا؟ أو ترد لهم غائبًا؟ لكنه العمى والضلال البعيد، وهم في الآخرة في العذاب الشديد خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة: ٣٠ - ٣٣]، فلما لم يعظمه حق التعظيم، عذب العذاب العظيم.\nوهذا في المشركين الذين أقروا بخالقهم وخالق السموات والأرض، وأنه منزل المطر ومحي الأرض بعد موتها، فما بالك بأولئك الشيوعيين الأنجاس، الذين أبت نفوسهم العفنة أن تقر بخالقها ورازقها ومدبر أمرها، والذين يسمون أنفسهم بـ (اليساريين) وما أصدق هذه التسمية عليهم، فهم أهل اليسار حقًا في الآخرة وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [الواقعة: ٤١ - ٤٤].\n٤ - أمر النبي ﷺ أن يسبح بهذا الاسم في الركوع فقال: «... ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» (١). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢٦٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٧٩). من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"2","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-663>خمسون: الآثار الإيمانية لأسماء الله العلي – الأعلى – المتعال</span>\n١ - إثبات العلو المطلق لله رب العالمين بكل معانيه، دون أن نعطل أو نؤول شيئًا، ونثبت شيئًا لأن ذلك تحكم لم يأذن الله به.\nأولًا: تضمنت هذه الأسماء إثبات علو ذات ربنا سبحانه، وأنه عال على كل شيء، وفوق كل شيء، ولا شيء فوقه، بل هو فوق العرش كما أخبر عن نفسه، وهو أعلم بنفسه.\nوهذا اعتقاد سلف الأمة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، من علماء الحديث والتفسير والفقه والأصول والسيرة والتاريخ والعربية والأدب وغيرهم (١).\nوسنحاول باختصار ذكر ما يدل على علو ذاته ﷾ من آيات الكتاب، والأحاديث الشريفة.\nفعن آيات الكتاب:\n١ - قوله تعالى إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤].\nوقد ذكر الاستواء في ست آيات أخر في سورة يونس: ٣، الرعد: ٢، طه: ٥، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤.\n٢ - بين تعالى في آيات كثيرة أن (الروح) وهو جبريل ﵇ والملائكة منه تتنزل، وإليه تعرج وتصعد.\nمنها قوله تعالى: مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج: ٣ - ٤].\nوقوله عن ليلة القدر تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر: ٤].\nومعلوم أن التنزل لا يكون إلا من العلو.\n٣ - وأخبر تعالى أنه ينزل ملائكته بالوحي والكتاب على ما يشاء من عباده، قال سبحانه يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ [النحل: ٢].\nوقال وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤].\n٤ - أن الأعمال الصالحة والكلام الطيب إليه يصعدان، قال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠].\nقال الدارمي: فإلى من ترفع الأعمال، والله بزعمكم الكاذب مع العامل بنفسه في بيته ومسجده ومنقلبه ومثواه؟!! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا اهـ (٢).\n٥ - قوله تعالى مخاطبًا المسيح ﵇ إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ [آل عمران: ٥٥].\nوقوله سبحانه وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨].\n٦ - أخبر تعالى عن تنزيله لآيات الكتاب في آيات كثيرة منها: قوله تعالى نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٣ - ٤].\nقوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا [الكهف: ١].\nوقوله حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت: ١ - ٢].\nوقوله سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [النور: ١].\nوقوله إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١].\n_________\n(١) انظر النقول الكثيرة التي نقلها الذهبي ﵀ في «العلو» وابن القيم ﵀ في «اجتماع الجيوش الإسلامية» عن علماء الأمة في هذه المسألة.\n(٢) «الرد على الجهمية» (ص: ٥٣).","vol":"2","page":405},{"text":"قال أبو سعيد الدارمي ﵀: فظاهر القرآن وباطنه يدل على ما وصفنا من ذلك، نستغني فيه بالتنزيل عن التفسير، ويعرفه العامة والخاصة، فليس منه لمتأول تأول، إلا لمكذب به في نفسه مستتر بالتأويل.\nويلكم!! إجماع من الصحابة والتابعين وجميع الأمة، من تفسير القرآن والفرائض والحدود والأحكام: نزلت آية كذا في كذا، ونزلت آية كذا في كذا، ونزلت سورة كذا في مكان كذا، ولا نسمع أحدًا يقول: طلعت من تحت الأرض، ولا جاءت من أمام ولا من خلف ولكن كله: نزلت من فوق. وما يصنع بالتنزيل من هو بنفسه في كل مكان؟\nإنما يكون شبه مناولة لا تنزيلًا من فوق السماء مع جبريل، إذ يقول ﷾ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل: ١٠٢]، والرب بزعمكم الكاذب في البيت معه وجبريل يأتيه من خارج، هذا واضح، ولكنكم تغالطون.\nفمن لم يقصد بإيمانه وعبادته إلى الله الذي استوى على العرش فوق سمواته، وبان من خلقه، فإنما يعبد غير الله ولا يدري أين الله اهـ (١).\n٧ - قول الله تعالى عن فرعون وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [غافر: ٣٦ - ٣٧]، دليل على أن فرعون كان يريد الإطلاع إلى الله تعالى في السماء، وذلك أن موسى وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين كانوا يدعونهم إلى الله بذلك.\nوأما الأحاديث التي تدل على (العلو) فهي كثيرة منها:\n١ - حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: وكان لي جارية ترعى غنمًا لي قبل (أحد والجوانية) فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي، قالت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال «ائتني بها» فأتيته بها فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «اعتقها فإنها مؤمنة» (٢).\nقال أبو سعيد الدارمي: ففي حديث رسول الله ﷺ هذا دليل على أن الرجل إذا لم يعلم أن الله ﷿ في السماء دون الأرض فليس بمؤمن، ولو كان عبدًا فأعتق لم يجز في رقبة مؤمنه، إذ لا يعلم أن الله في السماء اهـ (٣).\n٢ - الأحاديث الكثيرة في معراج النبي ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج، وقد تواترت (٤) وأجمع عليها سلف الأمة وأئمتها.\n٣ - حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام بنا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل ...» (٥).\n٤ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم – وهو أعلم بهم – كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» (٦).\n٥ - حديث أبو هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها» (٧).\n٦ - حديث أبي سعيد الخدري: بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ بذهبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، قال فقسمها .. وفيه فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء؟ ...» (٨).\n٦ - حديث أنس أن زينب كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول (زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات) (٩). وفي رواية (وكانت تقول: عن إن الله أنكحني في السماء) (١٠). وغيرها من الأحاديث. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٠٨\n_________\n(١) «الرد على الجهمية» (ص: ٥٥).\n(٢) رواه مسلم (٥٣٧). من حديث معاوية بن الحكم ﵁.\n(٣) «الرد على الجهمية» (ص: ٣٩).\n(٤) ذكر ذلك ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص: ٢٩).\n(٥) رواه مسلم (١٧٩).\n(٦) رواه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢).\n(٧) رواه مسلم (١٤٣٦).\n(٨) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤).\n(٩) رواه البخاري (٧٤٢٠). من حديث أنس ﵁.\n(١٠) رواه البخاري (٧٤٢١). من حديث أنس ﵁.","vol":"2","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>واحد وخمسون: الآثار الإيمانية لأسماء الله الحفيظ</span>\n١ - إن الحافظ لهذه السماوات السبع والأرض وما فيهما هو الله وحده لا شريك له.\nفهو سبحانه يحفظ السماوات أن تقع على الأرض كما في قوله تعالى: وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [الأنبياء: ٣٢]، أي: كالسقف على البيت، قاله الفراء (١)، وهو كقوله وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [الحج: ٦٥].\nوقال بعض المفسرين في قوله (محفوظا) أي من الشياطين، كما في قوله تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ [الحجر: ١٦ - ١٨].\nقال ابن جرير: يقول تعالى ذكره وحفظنا السماء الدنيا من كل شيطان لعين، قد رجمه الله ولعنه، إلا من استرق السمع يقول لكن قد يسترق من الشياطين السمع مما يحدث في السماء بعضها، فيتبعه شهاب من النار مبين، يبين أثره فيه إما بإخباله وإفساده، أو بإحراقه اهـ (٢).\nوقيل: محفوظًا من الهدم والنقض، وعن أن يبلغه أحد بحيلة.\nوقيل: محفوظًا فلا يحتاج إلى عماد (٣).\nوالله يحفظ ذلك كله بلا مشقة ولا كلفة، ودون أدنى تعب أو نصب، كما قال سبحانه وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [الحجر: ٩].\nفبقى كذلك – كما قال سبحانه – هذه القرون الطويلة محفوظًا بحفظ الله تعالى له، فهو من آيات الله الظاهرة للعيان، الدالة على صدق وعد الله جل شأنه.\nولقد أتى على المسلمين أيام فتن سوداء، انتشر فيها أهل البدع والأهواء، وأدخلوا على هذا الدين أنواع المحدثات، وافتروا على رسول الأمة ﷺ أنواع المفتريات، ولكنهم عجزوا جميعًا عن أن يحدثوا في هذا القرآن شيئًا، أو أن يغيروا فيه حرفًا واحدًا، فبقي كما هو، وبقيت نصوصه كما أنزلها الله على نبيه ﷺ.\nوكذا أماكن العبادة، فإن المحفوظ منها هو ما حفظه الله ﷾ وهو خير حافظًا.\nقال ابن تيمية ﵀ عن آيات الله العظيمة: وكذلك الكعبة، فإنها بيت من حجارة بواد غير ذي زرع، ليس عندها أحد يحفظها من عدو، ولا عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها، فليس عندها رغبة ولا رهبة، ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة، فكل من يأتيها يأتيها خاضعا ذليلًا متواضعًا في غاية التواضع، وجعل فيها من الرغبة ما يأتيها الناس من أقطار الأرض محبة وشوقًا من غير باعث دنيوي، وهي على هذه الحال من ألوف من السنين، وهذا مما لا يعرف في العالم لبنية غيرها، والملوك يبنون القصور العظيمة فتبقى مدة، ثم تهدم لا يرغب أحد في بنائها ولا يرهبون من خرابها.\n_________\n(١) «معاني القرآن» (٢/ ٢٠١)، وكذا في «تفسير ابن كثير» (٣/ ١٧٧) فقد قال: وقوله وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا أي: على الأرض وهي كالقبة عليها.\n(٢) «جامع البيان» (١٤/ ١١).\n(٣) «الجامع لأحكام القرآن» (١١/ ٢٨٥).","vol":"2","page":407},{"text":"وكذلك ما بني للعبادات قد تتغير حاله على طول الزمان، وقد يستولي العدو عليه كما استولى على بيت المقدس، والكعبة لها خاصة ليست لغيرها، وهذا مما حير الفلاسفة ونحوهم، فإنهم يظنون أن المؤثر في هذا العالم هو حركات الفلك، وأن ما بنى وبقي فقد بني بطالع سعيد، فحاروا في طالع الكعبة إذ لم يجدوا في الأشكال الفلكية ما يوجب مثل هذه السعادة والفرح والعظمة والدوام والقهر والغلبة، وكذلك ما فعل الله بأصحاب الفيل لما قصدوا تخريبها قال تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُول [الفيل: ١ - ٥].\nقصدها جيش عظيم ومعهم الفيل، فهرب أهلها منهم فبرك الفيل وامتنع من المسير إلى جهتها، وإذا وجهوه إلى غير جهتها توجه، ثم جاءهم من البحر طير أبابيل أي جماعات في تفرقة فوجًا بعد فوج رموا عليهم حصى هلكوا به كلهم، فهذا مما لم يوجد نظيره في العالم، فآيات الأنبياء هي أدلة وبراهين على صدقهم اهـ (١).\n٣ - والله سبحانه وحده هو الذي يحفظ الإنسان من الشرور والآفات والمهالك، ويحفظه من عقابه وعذابه وسخطه، إن هو حفظ حدود الله واجتنب محارمه، فبتقوى الله وخوفه يحفظ الإنسان، وبقدر ذلك يكون الحفظ والكلاءة، قال تعالى فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ [النساء: ٣٤]، فالآية تدل على ذلك، فلأنهن صالحات حافظات لمغيب أزواجهن – من عرض ومال وولد – حفظهن الله سبحانه، وأعانهن وسددهن على ذلك.\nفبحفظهن الله – أي أمره ودينه – حفظهن الله. وجاء في الحديث قوله ﷺ لابن عباس ﵄: «يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك ...» (٢).\nقال ابن رجب ﵀: يعني احفظ حدود الله، وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ولا يتعدى ما أمر به إلى ما نهى عنه، فدخل في ذلك فعل الواجبات جميعًا وترك المحرمات جميعًا اهـ (٣).\nوقد مدح الله سبحانه عباده الذين يحفظون حقوقه وحدوده فقال في معرض بيانه لصفات المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١١٣].\nوقال هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ [ق: ٣٢ - ٣٣].\n٤ - ومن أعظم ما يجب على المسلم حفظه من حقوق الله هو التوحيد، أن يعبده ولا يشرك به شيئا، كما جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ إذ قال له رسول الله ﷺ: «يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديكن قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم» (٤).\n_________\n(١) «النبوات» (ص: ١٦٠ - ١٦١).\n(٢) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والحاكم (٣/ ٦٢٤). قال الترمذي: صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا.\n(٣) «نور الاقتباس» (ص: ٣٤).\n(٤) رواه البخاري (٥٩٦٧)، ومسلم (٣٠).","vol":"2","page":408},{"text":"فهذا هو الحق العظيم الذي أمر الله سبحانه عباده أن يحفظوه ويراعوه، وهو الذي من أجل حفظه، أرسل الرسل وأنزل الكتب.\nفمن حفظه في الدنيا، حفظه الله تعالى من عذابه يوم القيامة، وسلمه وأمنه منه، وكان له عند الله عهدًا أن يدخله الجنة ويجيره من النار.\nوإن عذب بسبب ذنوبه، فإنه أيضًا محفوظ بتوحيده من الخلود في نار جهنم، مع الكفار الذين ضيعوا هذا الحق العظيم.\n٥ - ومن أعظم ما أمر الله بحفظه من الواجبات: الصلاة، قال تعالى حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى [البقرة: ٢٣٨]. وقال وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون: ٩].\nفمن حافظ على الصلوات وحفظ أركانها، حفظه الله من نقمته وعذابه وكانت له نجاة يوم القيامة. قال ابن القيم ﵀: والصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، مطردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن.\nوبالجملة: فلها تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما، ودفع المواد الرديئة عنهما، وما ابتلى رجلان بعاهة أو داء أو محنة أو بلية إلا كان حظ المصلي منهما أقل، وعاقبته أسلم.\nوللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، ولاسيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهرًا وباطنًا، فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة، ولا استجلبت مصالحها بمثل الصلاة.\nوسر ذلك: إن الصلاة صلة بالله ﷿، وعلى قدر صلة العبد بربه ﷿ تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه الشرور أسبابها، وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه ﷿، والعافية، والصحة، والغنيمة والغنى، والراحة والنعيم، والأفراح والمسرات، كلها محضرة لديه، ومسارعة إليه اهـ (١).\nومما جاء في أن الصلاة تحفظ صاحبها قوله ﷺ: «عن الله ﷿ أنه قال: يا ابن آدم! اركع لي من أول النهار أربع ركعات أكفك آخره» (٢) وقيل: إن الصلاة تحفظ صاحبها الحفظ الذي نبه عليه في قوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ [العنكبوت: ٤٥] (٣) وأما من ضيع الصلاة فقد توعده الله سبحانه بالهلاك والشر العظيم. قال سبحانه فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: ٥٩].\nومما أمر الله بحفظه السمع والبصر والفؤاد، قال سبحانه وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء: ٣٦]. فاحفظ سمعك، فلا تسمع إلا ما يرضيه، واحفظ بصرك فلا تنظر إلا إلى ما يرضيه، واحفظ قلبك وعقلك من أن يتعلقا بما يغضبه ويسخطه، وينشغلا بغيره.\n٧ - ومما أمر ﷾ بحفظه الفروج، قال سبحانه قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور: ٣٠] ومدح المؤمنين بذلك فقال وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون: ٥ - ٦]. وقال ﷺ «من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه أضمن له الجنة» (٤).\n_________\n(١) «الطب النبوي» (ص: ٣٣٢).\n(٢) رواه الترمذي (٤٧٥). وقال: هذا حديث حسن غريب، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) «المفردات» للراغب (ص: ١٢٤).\n(٤) رواه البخاري (٦٤٧٤). من حديث سهل بن سعد ﵁.","vol":"2","page":409},{"text":"٨ - ومما أمر الله بحفظه الإيمان، فقال وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ [المائدة: ٨٩]. لأن حفظ اليمين يدل على إيمان المرء وورعه، فكثير من الناس يتساهل في الحلف والقسم، وقد تلزمه الكفارة وهو لا يدري، أو يعجز عنها، فيقع في الإثم لتضييعه وعدم حفظه لأيمانه واستقصاء هذا يطول.\nوبالجملة فالمؤمن مأمور بحفظ دينه أجمع، فلا يترك منه شيئًا لتعارضه مع هواه ومصلحته، بل هو مطيع لربه على أي حال، وفي كل زمان ومكان.\nوكلما كان وفاءه بحفظ حدود الله وشرائعه أعظم، كان حفظ الله له كذلك، قال تعالى وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: ٤٠].\nوقال فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢].\nوقال إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد: ٧].\nقال ابن رجب ﵀: وحفظ الله سبحانه له يتضمن نوعين: أحدهما حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وماله.\nوفي حديث ابن عمر قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم أني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» (١).\nقال: ودعا رجل لبعض السلف بأن يحفظه الله، فقال له: يا أخي لا تسأل عن حفظه ولكن قل يحفظ الإيمان.\nيعني أن المهم هو الدعاء بحفظ الدين، فإن الحفظ الدنيوي قد يشترك فيه البر والفاجر، فالله تعالى يحفظ على المؤمن دينه، ويحول بينه وبين ما يفسده عليه بأسباب قد لا يشعر العبد ببعضها وقد يكون يكرهه.\nوهذا كما حفظ يوسف ﵇ – قال كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: ٢٤]. فمن أخلص لله خلصه من السوء والفحشاء وعصمه منهما من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أسباب المعاصي المهلكة. قال: وفي الجملة فمن حفظ حدود الله وراعى حقوقه، تولى الله حفظه في أمور دينه ودنياه، وفي دنياه وآخرته.\nوقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه ولي المؤمنين، وأنه يتولى الصالحين، وذلك يتضمن أنه يتولى مصالحهم في الدنيا والآخرة، ولا يكلهم إلى غيره قال تعالى اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: ٢٥٧].\nوقال تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد: ١١]، وقال وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، وقال أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] اهـ (٢).\n٩ - الله سبحانه يحفظ أعمال عباده فلا يضيع شيء منها ولا يخفى عليه، صغيرًا كان أو كبيرًا، ويوافيهم بها يوم الحساب إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولا ينسى الله منه شيئًا وإن نساه الناس، قال تعالى أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة: ٦]، وقال وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا [النبأ: ٢٩]. وقد وكل الله بذلك حفظة كرامًا من الملائكة.\nقال تعالى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٠ - ١٢].\n_________\n(١) رواه أبو داود (٥٠٧٤)، والنسائي (٨/ ٢٨٢)، وابن ماجه (٣١٣٥)، وأحمد (٢/ ٢٥) (٤٧٨٥)، والحاكم (١/ ٦٩٨). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٩٧) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٢) من «نور الاقتباس» باختصار.","vol":"2","page":410},{"text":"وقال إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤]، وغيرها. ولا يسقط من هذه الصحف شيئًا ولو صغر، قال تعالى وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩].\nوقال وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: ٥٣ - ٥٤].\nوهذا الأمر ليس من مهام الرسل ولا أتباع الرسل، بل هو لله وحده كما قال سبحانه في ذلك قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ [الأنعام: ١٠٤].\nوقال عن شعيب ﵇ في خطابه لقومه بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ [هود: ٨٦].\nوقال تعالى وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء: ٨٠] وغيرها.\n١٠ - يجوز إطلاق هذا الاسم على الخلق، فقد جاء ذلك في قوله تعالى هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ [ق: ٢٢]. وقال يوسف ﵊ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٢٤","vol":"2","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>اثنان وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله المقيت</span>\n١ - إن الله هو (المقيت) أي القدير على كل شيء، وسيأتي بسط الكلام على ذلك في (القدير) إن شاء الله تعالى.\n٢ - إن الله ﷾ هو المعطى لأقوات الخلق صغيرهم وكبيرهم، قويهم وضعيفهم، غنيهم وفقيرهم، قال تعالى وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [هود: ٦].\nوقد قدر الله ذلك كله عند خلقه للأرض، قال تعالى وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ [فصلت: ١٠].\nقال ابن كثير: وقدر فيها أقواتها، وهو ما يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس (١).\nوقال القرطبي: معنى قدر فيها أقواتها أي أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد على بلد (٢).\n٣ - قال القرطبي في الأسنى: وقد يقوت الأرواح إدامة المشاهدة ولذيذ المؤانسة، قال الله ﷿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ [يونس: ٩] (٣).\nوإلى هذا أحد أوجه قوله ﵊: «إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» (٤).\nوأنشدوا:\nفقوت الروح أرواح المعاني ... وليس بأن طعمت وأن شربتا\nفلكل مخلوق قوت، فالأبدان قوتها المأكول والمشروب، والأرواح قوتها العلوم، وقوت الملائكة التسبيح، وبالجملة فالله سبحانه هو المقيت لعباده، الحافظ لهم، والشاهد لأحوالهم، والمطلع عليهم، وقد تضمن هذا الاسم جميع الصفات.\nفيجب على كل مكلف أن يعلم أن لا قائم بمصالح العباد إلا الله سبحانه، وأنه الذي يقوتهم ويرزقهم.\nوأفضل رزق يرزقه الله العقل، فمن رزقه العقل أكرمه، ومن حرمه ذلك فقد أهانه اهـ (٥). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٤١\n_________\n(١) «التفسير» (٤/ ٩٣).\n(٢) «التفسير» (١٥/ ٣٤٢ - ٣٤٣).\n(٣) قال في «التفسير» (٨/ ٣١٢): يهديهم ربهم بإيمانهم أي يزيدهم هداية كقوله والذين اهتدوا زادهم هدى.\n(٤) رواه البخاري (٧٢٩٩)، ومسلم (١١٠٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) «الكتاب الأسنى»","vol":"2","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-666>ثلاث وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله الحسيب</span>\n١ - إن الله ﷾ هو الكافي لعباده، الذي لا غنى لهم عنه أبدًا، بل لا يتصور لهم وجود بدونه، فهو خالقهم وبارئهم ورازقهم وكافيهم في الدنيا والآخرة، لا يشاركه في ذلك أحد أبدًا، وإن ظن الناس أن غير الله يكفيهم فهو ظن باطل، وخطأ محض، بل كل شيء بخلقه وتقديره وأمره.\nقال في المقصد: هو الكافي، وهو الذي من كان له كان حسبه، والله تعالى حسيب كل أحد وكافيه، وهذا وصف لا يتصور حقيقته لغيره، فإن الكفاية إنما يحتاج إليها المكفي، لوجوده ولدوام وجوده ولكمال وجوده.\nوليس في الوجود شيء هو وحده كاف لشيء إلا الله تعالى، فإنه وحده كاف لكل شيء، لا لبعض الأشياء، أي هو وحده كاف يتحصل به وجود الأشياء ويدوم به وجودها ويكمل به وجودها.\nولا تظنن أنك إذا احتجت إلى طعام وشراب وأرض وسماء وشمس وغير ذلك، فقد احتجت إلى غيره ولم يكن هو حسبك، فإنه هو الذي كفاك بخلق الطعام والشراب والأرض والسماء، فهو حسبك.\nولا تظنن أن الطفل الذي يحتاج إلى أمه، ترضعه وتتعهده، فليس الله حسيبه وكافيه، بل الله كفاه إذ خلق أمه، وخلق اللبن في ثديها وخلق له الهداية إلى التقامه، وخلق الشفقة والمودة في قلب الأم حتى مكنته من الالتقام، ودعته إليه وحملته عليه.\nفالكفاية إنما حصلت بهذه الأسباب، والله وحده المتفرد بخلقها لأجله، ولو قيل لك أن الأم وحدها كافية للطفل وهي حسبه لصدقت به، ولم تقل إنها لا تكفيه لأنه يحتاج إلى اللبن فمن أين تكفيه الأم إذا لم يكن لبن؟ ولكنك تقول: نعم، يحتاج إلى اللبن، ولكن اللبن أيضًا من الأم، فليس محتاجًا إلى غير الأم، فاعلم أن اللبن ليس من الأم، بل هو والأم من الله، ومن فضله وجوده.\nفهو وحده حسب كل أحد، وليس في الوجود شيء وحده هو حسب شيء سواه، بل الأشياء يتعلق بعضها ببعض وكلها تتعلق بقدرة الله تعالى اهـ (١).\nفالله وحده حسب كل أحد، لا يشاركه في ذلك أحد، وهذا هو المعنى الصحيح لقول تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤]، وهو المعنى الذي اختاره أكثر العلماء والذي تؤيده الأدلة الكثيرة.\nقال ابن القيم ﵀ بعد ذكره للآية السابقة: أي الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد.\nقال: وهنا تقديران، أحدهما: أن تكون الواو عاطفة لـ (من) على الكاف المجرورة، ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة والثاني أن تكون الواو واو (مع)، وتكون (من) في محل نصب عطفًا على الموضع، (فإن حسبك) في معنى (كافيك)، أي: الله يكفيك ويكفي من اتبعك، كما تقول العرب: حسبك وزيدًا درهم، قال الشاعر:\nإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند\nوهذا أصح التقديرين:\nوفيها تقدير ثالث: أن تكون (من) في موضع رفع بالابتداء، أي: ومن اتبعك من المؤمنين، فحسبهم الله.\n_________\n(١) «المقصد الأسنى» (ص: ٧٢).","vol":"2","page":413},{"text":"وفيها تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن تكون (من) في موضع رفع عطفًا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك، وهذا وإن قاله بعض الناس (١) فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن (الحسب) و(الكفاية) لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢]. ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣].\nولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، فإذا كان هذا قولهم، ومدح الرب تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك حسبك؟ وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟! هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل.\nونظير هذا قوله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ [التوبة: ٥٩]. فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله، كما قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر: ٥٩]. وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا: حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، كما قال تعالى: إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ [التوبة: ٥٩] ولم يقل: وإلى رسوله، بل جعل الرغبة إليه وحده، كما قال تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الانشراح: ٧ - ٨]. فالغربة، والتوكل، والإنابة، والحسب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى، والسجود لله وحده، والنذر والحلف لا يكون إلا لله ﷾.\nونظير هذا قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] فالحسب: هو الكافي، فأخبر ﷾ أنه وحده كاف عبده، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية؟! والأدلة الدالة على بطلان هذا التأويل الفاسد أكثر من أن تذكر ها هنا اهـ (٢).\nوبقدر ما يلتزم العبد بطاعة الله ورسوله، تكون الولاية والكفاية، ولذلك يتابع ابن القيم كلامه قائلًا:\nوالمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله سبحانه علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاح والعزة، والكفاية والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار، والخوف والضلال، والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة. اهـ.\n٣ - والله ﷾ (الحاسب) الذي أحصى كل شيء، لا يفوته مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.\nقال ﵎: وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: ٢٨].\nوقال إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [مريم: ٩٣ - ٩٤].\nوكتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو (٣).\n_________\n(١) ذكره الفراء في «معاني القرآن» (١/ ٤١٧) وقال: وهو أحب الوجين إلي اهـ ونقله القرطبي (٨/ ٤٣). عن الحسن والنحاس.\n(٢) «زاد المعاد» (١/ ٣٥ - ٣٧).\n(٣) رواه مسلم (٢٦٥٣).","vol":"2","page":414},{"text":"وتصديق ذلك من كتاب الله قوله سبحانه وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس: ١٢]، والإمام هو أم الكتاب (١).\nوقوله مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢].\nوقوله وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا [النبأ: ٢٩].\n٤ - وأعمالك أيها الإنسان كلها محسوبة محصية، لا يضيع منها شيء، ولا يزاد عليك شيء، فتجزى بها يوم القيامة ولا تظلم.\nقال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧].\nوقال سبحانه: أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة: ٦].\nوقد أمر الله سبحانه الحفظة بذلك، أن يدونوا كل صغيرة وكبيرة.\nقال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨]. وهذا الحفظ والإحصاء الدقيق، والحساب الذي لا يفوته شيء، هو الذي يبهت أهل الأجرام، الذين لا يبالون بأعمالهم صلحت أو فسدت، يعملون السيئات بلا حساب ويظنون أنهم متروكون سدى، لا حساب ولا عذاب، قال تعالى عنهم وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩].\nلذلك كان لزامًا علينا أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، وأن نزن أعمالنا قبل توزن (٢).\nقال الأقليشي: فأرباب القلوب، المحسون بأوجاع الذنوب العالمون يقينًا بمحاسبة علام الغيوب، وإحصاء حسابه لجميع العيوب، أقاموا في الدنيا موازين القسط على أنفسهم وأحصوا عليها بالحساب المحرر كلما برز عنها وصدر ثم حاسبوها محاسبة الشريك النحرير القائم بماله شريكه الذي انفصل عن شركته بعداوة وقعت بينه وبينه، فانظر هل يسمح له بترك حبة، أو يسقيه من مائه عند ظمأه عبه، فلذلك انتثرت ذنوب هؤلاء من الصحائف كما ينتثر ورق الشجر اليابس بالريح العاصف. فإذا قدموا قضاء الموقف، برزت لهم تلك الصحائف منيرة وقد استنارت فيها المعاني والأحرف، لأنها ممحضة مخلصة بدقيق المحاسبة وشديد المطالبة فكان حسابهم عرضًا لا مناقشة اهـ (٣).\n٥ - وحساب الخلق لا مشقة فيه على الخالق الحاسب، بل هو يسير عليه.\nقال تعالى ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦٢].\nقال ابن جرير: ثم ردت الملائكة الذين توفوهم فقبضوا نفوسهم وأرواحهم إلى الله سيدهم الحق، (ألا له الحكم) يقول: ألا له الحكم والقضاء دون من سواه من جميع خلقه، (وهو أسرع الحاسبين) يقول: وهو أسرع من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم وغير ذلك من أموركم أيها الناس، وأحصاها وعرف مقاديرها ومبالغها.\nلأنه لا يحسب بعقد يد، ولكنه يعلم ذلك ولا يخفى عليه منه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين اهـ (٤).\nفكما أن خلقهم وبعثهم لا مشقة فيه كما قال سبحانه مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان: ٢٨].\nفكذلك حسابهم لا مشقة فيه ولا تأخير، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].\nفسبحان الله العظيم، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٤٩\n_________\n(١) انظر «تفسير ابن جرير» (٢٢/ ١٠٠) وغيره.\n(٢) روي عن عمر ﵁: «أنه قال في خطبته حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فإنه أهون لحسابكم وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا» رواه ابن المبارك في «الزهد» (ص: ٣٠٦)، وابن أبى شيبة (٧/ ٩٦)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٥٢).\n(٣) «الكتاب الأسنى» (٢٠٩ - ٢١٠)\n(٤) «جامع البيان» (٧/ ١٤٠).","vol":"2","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-667>أربع وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله الواسع</span>\n١ - الله ﷾ واسع في علمه، واسع في حكمته، فلو كان ماء البحر مدادًا للقلم الذي يكتب به كلمات الله وحكمته، وآياته وعلمه وشرعه وقدره، لنفد ماء البحر قبل أن تنفد ما عند الله من علم وحكمة وآيات، ولو مددنا البحر بمثل ما فيه، كما قال تعالى قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: ١٠٩].\nوقال سبحانه وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان: ٢٧]. أي لو أن أشجار الأرض كانت أقلاما، والبحار مدادًا، وسبعة بحار مثلها مدادًا، وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات في الله، لنفدت البحار وتكسرت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله جل شأنه.\nوقد نظم ذلك ابن القيم بقوله:\nكلماته جلت عن الإحصاء والتعداد بل عن حصر ذي الحسبان\nلو أن أشجار البلاد جميعها الأقلام تكتبها بكل بنان\nوالبحر تلقى فيه سبعة أبحر ... لكتابة الكلمات كل زمان\nنفدت ولم تنفد بها كلماته ... ليس الكلام من الإله بفان (١)\n٢ - تقدم قول الحليمي ﵀ أن (الواسع) معناه الكثير مقدوراته ومعلوماته.\nفقد جاء اسمه (الواسع) مقترنًا بـ (العليم) في سبع آيات من كتاب الله، فالله سبحانه واسع العطاء، كثير الأفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وجوده وفضله، يعطى من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.\nوقد ذكر الله اعتراض بنو إسرائيل على نبيهم حين قال لهم: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ [البقرة: ٢٤٧]. أي كيف يكون له الملك وليس من سبط النبوة ولا الملك (٢)، ونحن أحق بالملك منه، ثم هو ليس من الأغنياء أصحاب الأموال والسعة في الرزق ليفضل علينا، فرد عليهم نبيهم ﵊ بقوله قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ أي: أن الله سبحانه قد زاده بسطة وسعة في العلم والجسم، وهما خير من الملك والمال، ثم ذكرهم بأنه مختار من قبل الله سبحانه وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.\nقال ابن جرير: يعني تعالى بذلك: إن الملك لله وبيده دون غيره، (يؤتيه) قول: يؤتى ذلك من يشاء فيضعه عنده ويخصه به ويمنحه من أحب من خلقه، يقول فلا تستنكروا يا معشر الملأ من بني إسرائيل أن يبعث الله طالوت ملكا عليكم، وإن لم يكن من أهل بيت المملكة، فإن الملك ليس بميراث عن الآباء والأسلاف، ولكنه بيد الله يعطيه من يشاء من خلقه، فلا تتخيروا على الله.\nوأما قوله (والله واسع عليم) فإنه يعني بذلك: والله واسع بفضله فينعم به على من أحب، ويريد به من يشاء، عليم بمن هو أهل لملكه الذي يؤتيه، وفضله الذي يعطيه، فيعطيه ذلك لعلمه به، وبأنه لما أعطاه أهل، إما للإصلاح به، وإما لأن ينتفع هو به اهـ (٣).\n٣ - تقدم قول القرطبي في الواسع أنه الذي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم.\nومصداق ذلك من كتاب الله قوله سبحانه يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥].\n_________\n(١) «النونية» (٢/ ٢١٧).\n(٢) لأنه من سبط بنيامين بن يعقوب «ابن جرير» (٢/ ٣٧٨).\n(٣) «جامع البيان» (٢/ ٣٨١).","vol":"2","page":416},{"text":"وقوله: لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٣٣].\nوقوله: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦].\nوقوله: يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨].\nوقوله: مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: ٦].\nوقال ﷺ: «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ...» (١).\nفكل ما كلفنا الله سبحانه به من العبادات والشرائع هو مما تطيقه النفوس على وجه العموم، ثم خفف الله عن المريض والمسافر، والمسن والفقير، والمرأة والصغير، وغيرهم من أصحاب الأعذار، كل ذلك تخفيفًا وتوسعة على عباده، ورفعًا للضيق والحرج عنهم.\nواضرب على ذلك مثالًا مناسبًا لما نسمعه هذه الأيام من اتجاه الغرب لإباحة الطلاق بعد أن حرموه على أنفسهم وضيقوا ما وسع الله عليهم.\nقال الله تعالى في كتابه العزيز عن الزوجين وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًاّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء: ١٣٠]. قال ابن جرير: يغنى الله الزوج والمرأة المطلقة من سعة فضله، أما هذه فبزوج هو أصلح لها من المطلق الأول، أو برزق واسع وعصمة، وأما هذا فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلقة أو عفة، وكان الله واسعًا يعني: وكان الله واسعًا لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه، حكيمًا فيما قضى بينه وبينها من الفرقة والطلاق، وسائر المعاني التي عرفناها من الحكم بينهما في هذه الآيات وغيرها، وفي ذلك من أحكامه وتدبيره وقضاياه في خلقه اهـ (٢).\n٤ - أن الله واسع المغفرة، ومن سعة مغفرته أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه، قال عز من قائل قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣].\nوقال حمله العرش عن ربهم ﵎ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر: ٧]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٨٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٩)، ومسلم (٢٨١٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «جامع البيان» (٥/ ٢٠٤)، وبنحوه ابن كثير (١/ ٥٦٤).","vol":"2","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-668>خمس وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله الرب</span>\n١ - أن الله سبحانه هو الرب على الحقيقة، فلا رب على الحقيقة سواه وهو رب الأرباب ومالك الملك، وملك الملوك ﷾.\nقال القرطبي: فالله سبحانه رب الأرباب، ومعبود العباد، يملك الممالك والملوك، وجميع العباد، وهو خالق ذلك ورازقه، وكل رب سواه غير خالق ولا رازق، وكل مخلوق فمملك بعد أن لم يكن، ومنتزع ذلك من يده، وإنما يملك شيء دون شيء. وصفة الله مخالفة لهذا المعنى، فهذا الفرق بين صفات الخالق والمخلوقين.\nفأما قول فرعون –لعنة الله- إذ قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات: ٢٤]، فإنه أراد أن يستبد بالربوبية العالية على قومه، ويكون رب الأرباب فينازع الله في ربوبيته وملكه الأعلى، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى [النازعات: ٢٥].\nوقد قيل إن الرب مشتق من التربية فالله سبحانه مدبر لخلقه ومربيهم ومصلحهم وجابرهم والقائم بأمورهم، قيوم الدنيا والآخرة، كل شيء خلقه، وكل مذكور سواه عبده وهو ربه، لا يصلح إلا بتدبيره ولا يقوم إلا بأمره، ولا يربه سواه، ومنه قوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ [النساء: ٢٣]، فسمى ولد الزوجة ربيبة لتربية الزوج لها.\nفعلى أنه مدبر لخلقه ومربيهم ومصلحهم وجابرهم يكون صفة فعل، وعلى أن الرب المالك والسيد يكون صفة ذات اهـ (١).\nويبين الحليمي أن الله سبحانه يرعى العباد ويربيهم في أحوالهم وأطوارهم المختلفة فيقول: (الرب) وهو المبلغ كل ما أبدع حد كماله الذي قدره له، وهو يسل النطفة من الصلب ويجعلها علقة، والعلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم يخلق في البدن الروح ويخرجه خلقًا آخر وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه وينشئه حتى يجعله رجلًا، ويكون في بدء أمره شابًا ثم يجعله كهلًا ثم شيخًا.\nوهكذا كل شيء خلقه فهو القائم عليه به، والمبلغ إياه الحد الذي وصفه وجعله نهاية ومقدارًا له (٢).\n٢ - فمن عرف ذلك لم يطلب غير الله تعالى له ربًا وإلهًا، بل رضى به ﷾ ربا، ومن كانت هذه صفته ذاق طعم الإيمان وحلاوته، كما قال ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا» (٣).\nقال القاضي عياض ﵀: معنى الحديث صح إيمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه، لأن رضاه بالمذكورات دليل لثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة بشاشته قلبه، لأن من رضي أمرًا سهل عليه، فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعات الله تعالى ولذت له، والله أعلم (٤).\n٣ - وقد تكلم العلامة ابن القيم عن ارتباط اسم (الرب) باسم (الله) كلامًا جيدًا حيث يقول:\nوتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة. وهي (الله، والرب، والرحمن) كيف نشأ عنها الخلق، والأمر، والثواب، والعقاب؟ وكيف جمعت الخلق وفرقتهم؟ فلها الجمع، ولها الفرق.\nفاسم (الرب) له الجمع الجامع لجميع المخلوقات. فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته، وتحت قهره. فاجتمعوا بصفة الربوبية، وافترقوا بصفة الإلهية، فألهه وحده السعداء، وأقروا له طوعًا بأن الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا تنبغي العبادة والتوكل، والرجاء والخوف، والحب والإنابة والإخبات والخشية، والتذلل والخضوع إلا له.\n_________\n(١) «الكتاب الأسنى».\n(٢) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٢٠٥) وقد ذكره في الأسماء التي تتبع إثبات التدبير له دون ما سواه، وكذا البيهقي في «الأسماء» (ص: ٩٤).\n(٣) رواه مسلم (٣٤). من حديث العباس ﵁.\n(٤) «شرح مسلم للنووي» (٢/ ٢).","vol":"2","page":418},{"text":"وهنا افترق الناس، وصاروا فريقين: فريقا مشركين في السعير، وفريقًا موحدين في الجنة.\nفالإلهية هي التي فرقتهم، كما أن الربوبية هي التي جمعتهم.\nفالدين والشرع، والأمر والنهي – مظهره، وقيامه-: من صفة الإلهية. والخلق والإيجاد والتدبير والفعل: من صفة الربوبية. الجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار: من صفة الملك. وهو ملك يوم الدين. فأمرهم بإلهيته، وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله. وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى.\nوأما الرحمة: فهي التعلق، والسبب الذي بين الله وبين عباده. فالتأليه منهم له، والربوبية منه لهم. والرحمة سبب وأصل بينه وبين عباده، بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه. وبها هداهم. وبها أسكنهم دار ثوابه. وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم. فبينهم وبينه سبب العبودية، وبينه وبينهم سبب الرحمة.\nواقترن ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه برحمته. فـ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى مطابق لقوله رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شمول الرحمة وسعتها. فوسع كل شيء برحمته وربوبيته، مع أن في كونه ربًا للعالمين ما يدل على علوه على خلقه، وكونه فوق كل شيء، كما يأتي بيانه إن شاء الله اهـ (١).\n٤ - قال القرطبي ﵀: فيجب على كل مكلف أن يعلم أن لا رب له على الحقيقة إلا الله وحده، وأن يحسن تربية من جعلت تربيته إليه، فيقوم بأمره ومصالحه كما قام الحق فيرقيه شيئًا شيئًا وطورًا طورًا، ويحفظه ما استطاع جهده، كما حفظه الله.\nقال ابن عباس وقد سئل عن الرباني فقال: هو الذي يعلم الناس بصغار الأمر قبل كباره.\nفالعالم الرباني هو الذي يحقق علم الربوبية وربي الناس بالعلم على مقدار ما يحتملوه، فبذل لخواصهم جوهره ومكنونه، وبذل لعوامهم ما ينالون به فضل الله ويدركونه اهـ (٢).\n٥ - وقد دعا الأنبياء والصالحون الله ﷾ بهذا الاسم وتضرعوا به إليه.\nفدعا آدم ﵇ وحواء به كما في قوله تعالى: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣].\nونوح ﵇ في دعائه رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح: ٢٨].\nوإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧].\nوموسى ﵊ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأعراف: ١٥١].\nوعيسى ﵊ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء [المائدة: ١١٤].\nوالرسول ﷺ وأمته في قوله آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥].\nوغير ذلك في كتاب الله كثير لا يحصى.\n٦ - وقد نهي النبي ﷺ العبد أن يقول لسيده (ربي) فقال: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي» (٣).\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤ - ٣٥).\n(٢) «الكتاب الأسنى».\n(٣) رواه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٨). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":419},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: وفيه نهي العبد أن يقول لسيده ربي، وكذلك نهي غيره فلا يقول له أحد ربك، ويدخل في ذلك أن يقول السيد ذلك عن نفسه، فإنه قد يقول لعبده إسق ربك، فيضع الظاهر موضع الضمير على سبيل التعظيم لنفسه.\nوالسبب في النهي أن حقيقة الربوبية لله تعالى، لأن الرب هو المالك القائم بالشيء، فلا توجد حقيقة ذلك إلا لله تعالى. قال الخطابي: سبب المنع أن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله، وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة في الاسم لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا فرق في ذلك بين الحر والعبد، فأما ما لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يكره إطلاق ذلك عليه عند الإضافة، كقوله: رب الدار ورب الثوب.\nقال ابن بطال: لا يجوز أن يقال لأحد غير الله رب، كما لا يجوز أن يقال له إله.\nوتعقبه الحافظ بقوله: والذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ [يوسف: ٤٢]، وقوله ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [يوسف: ٥٠]، وقوله ﵊ في أشراط الساعة «أن تلد الأمة ربتها» (١) فدل على أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق، ويحتمل أن يكون النهي للتنزيه، وما ورد في ذلك فلبيان الجواز.\nوقيل هو مخصوص بغير النبي ﷺ ولا يرد ما في القرآن، أو المراد النهي عن الإكثار من ذلك واتخاذ استعمال هذه اللفظة عادة، وليس المراد النهي عن ذكرها في الجملة اهـ (٢). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٩٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٨). من حديث عمر ﵁.\n(٢) «الفتح» (٥/ ١٧٩).","vol":"2","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>ست وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله الودود</span>\n١ - قال القرطبي: فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله سبحانه هو (الودود) على الإطلاق، المحب لخلقه، والمثنى عليهم والمحسن إليهم اهـ (١).\nفالله ﷾ يحب من أطاعه ويبغض من عصاه. يحب التوابين والمتطهرين والصابرين والمتوكلين والمقسطين والمؤمنين والمتقين والمحسنين، وجميع الطائعين. ويبغض ويكره المعتدين والمفسدين والمسرفين والخائنين والمستكبرين والفاسقين والظالمين والكافرين، ولا يحب كل مختال فخور، ولا كل خوان كفور، وهذا كله في كتابه العزيز.\nفيجب على العبد أن يتبع ما يحبه الله ويرضاه، ويتجنب ما يبغضه ولا يحبه.\nيقول القرطبي في تتمه كلامه السابق: ثم يجب عليه أن يتودد على ربه بامتثال أمره ونهيه، كما تودد إليه بإدرار نعمه وفضله، ويحبه كما أحبه.\nومن حب العبد لله رضاه بما قضاه وقدره، وحب القرآن والقيام به، وحب الرسول ﷺ وحب سنته والقيام بها والدعاء إليها، قال الله العظيم قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ [آل عمران: ٣١]، فمن اتبع رسوله فيما جاء به، وصدق في أتباعه، فذلك الذي أحب الله وأحبه الله.\nواعلم أن مثال محبة الله تعالى بترك المناهي، أكثر من مثالها بسواها من أعمال الطاعات، فالأعمال الصالحة قد يعملها البر والفاجر، والانتهاء عن المعاصي لا تكون إلا بالكمال (و) إلا من مصدق.\nقلت (القرطبي) وعلى هذا الحذو – والله أعلم – يترتب حب الله تعالى للعبد وحب الناس له، وعليه يخرج الحديث الذي خرجه مالك والبخاري ومسلم وغيرهم واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض» (٢) (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو سبحانه يحب عباده الذين يحبونه، والمحبوب لغيره أولى أن يكون محبوبًا.\nفإذا كنا إذا أحببنا شيئًا لله كان الله هو المحبوب في الحقيقة، وحبنا لذلك بطريق التبع، وكنا نحب من يحب الله لأنه يحب الله، فالله تعالى يحب الذين يحبونه، فهو المستحق أن يكون هو المحبوب المألوه المعبود، وأن يكون غاية كل حب (٤).\n٢ - أن المستحق أن يحب لذاته هو الله سبحانه، وتعالى، وكل محبة يجب أن تكون لله وفي الله، فإذا أحب العبد أحب الله وإذا أبغض أبغض لله، وإذا أعطى أعطى لله، وإذا منع منع لله، وإذا والى والى في الله وإذا عادى عادى في الله، وهكذا كل أعماله يجب أن تكون فيما يحبه الله ويرضاه.\nوكذا فإنه لا يجوز للعبد أن يبغض من أحبه الله تعالى من الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين، ولا يحب من أبغضه الله من الفساق والعاصين والمكذبين والمحاربين لله بأموالهم وأنفسهم، مهما كانت قرابتهم له.\n_________\n(١) «الكتاب الأسنى».\n(٢) رواه البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧).\n(٣) «الكتاب الأسنى».\n(٤) «درء تعارض العقل والنقل» (٤/ ١٥).","vol":"2","page":421},{"text":"فعن الأول يقول المصطفى ﷺ «إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» (١).\nفالحديث يدل على أن معاداة أولياء الله إنما هي في الحقيقة معاداة الله، ومن ذا الذي يطيق أن يعادي الله تعالى شأنه أو يحاربه، ويدل أيضًا على أن الفرائض من أحب ما يتقرب به إلى الله تعالى، ويليها النوافل.\nوأما عن الثاني وهي أن لا يحب من عصى الله، يقول تعالى لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة: ٢٢].\nقال ابن تيمية ﵀:\nوليس ما يستحق أن يكون هو المحبوب لذاته، المراد لذاته، المطلوب لذاته، المعبود لذاته: إلا الله. كما أنه ليس ما هو بنفسه مبدع خالق إلا الله، فكما أنه لا رب غيره، فلا إله إلا هو، فليس في المخلوقات ما يستقل بإبداع شيء حتى يكون ربا له، ولكن ثم أسباب متعاونة ولها فاعل هو سببها.\nوكذلك ليس في المخلوقات ما هو مستحق لأن يكون المستقل بأن يكون هو المعبود المقصود المراد بجميع الأعمال، بل إذا استحق أن يحب ويراد، فإنما يراد لغيره، وله ما شاركه في أن يحب معه، وكلاهما يحب أن يحب الله، لا يحب واحد منهما لذاته، إذ ليست ذاته هي التي يحصل بها كمال النفوس وصلاحها وانتفاعها، إذا كانت هي الغاية المطلوبة.\nوالله فطر عباده على ذلك، وهو أعظم من كونه فطرهم على حب الأغذية التي تصلحهم، فإذا تناولوا غيرها أفسدتهم، فإن ذلك، وإن كان كذلك، ففي الممكن أن يجعل في غير ذلك ما يغذيهم. وأما كون الفطرة يمكن أن تصلح على عبادة غير الله، فهذا ممتنع لذاته كما يمتنع لذاته أن يكون للعالم مبدع غير الله. قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم: ٣٠].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» (٢).\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء (كلهم) فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (٣).\nوالفطر تعرف هذا أعظم مما تعرف ما يلائمها من الطعام والشراب، لكن قد يحصل للفطرة نوع فساد، فيفسد إدراكها، كما يفسد إدراكها إذا وجدت الحلو مرا، وهذا هو أعرف المعروف الذي أمر الله الرسل أن تأمر به، والشرك أنكر المنكر الذي أمرهم بالنهي عنه، والشرك لا يغفره الله، فإنه فساد لا يقبل الصلاح.\nولهذا وجب التفريق بين الحب مع الله، والحب لله، فالأول شرك، والثاني إيمان.\nقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة: ١٦٥]، فليس لأحد أن يحب شيئًا مع الله.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٠٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٦٥).","vol":"2","page":422},{"text":"وأما الحب لله فقال تعالى: أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: ٢٤].\nوقال ﷺ في الصحيح: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار» (١) اهـ (٢).\n٣ - حب الله سبحانه ورسوله ﷺ يقوى بقوة العلم الشرعي، وكلما كان المسلم عالمًا بدين الله وأحكامه وشرائعه، عاملًا به، كان حبه أقوى من غيره من الجاهلين، وإن كانت محبة الله سبحانه توجد في الفطر، ولكنها تقوى بالعلم وتخبو وتضعف بالشهوات والشبهات.\nقال ابن تيمية ﵀: وكذلك حب الله ورسوله حاصل لكل مؤمن، ويظهر ذلك بما إذا خير المؤمن بين أهله وبين الله ورسوله، فإنه يختار الله ورسوله.\nوالمؤمنون متفاضلون في هذه المحبة، ولكن المنافقون – الذين أظهروا الإسلام ولما يدخل الإيمان في قلوبهم – ليسوا من هؤلاء، وما من مؤمن إلا وهو إذا ذكر له رؤية الله اشتاق إلى ذلك شوقًا لا يكاد يشتاقه إلى شيء.\nوقد قال الحسن البصري: لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا (٣).\nوالحب لله يقوى بسبب قوة المعرفة وسلامة الفطرة، ونقصها من نقص المعرفة ومن خبث الفطرة بالأهواء الفاسدة.\nولا ريب أن النفوس تحب اللذة بالأكل والشرب والنكاح، وقد تشتغل النفوس بأدنى المحبوبين عن أعلاهما، لقوة حاجته العاجلة إليه، كالجائع الشديد الجوع، فإن ألمه بالجوع قد يشغله عن لذة مناجاته لله في الصلاة.\nولهذا قال ﷺ في الحديث الصحيح: «لا يصلين أحدكم بحضرة طعام، ولا هو يدافع الأخبثين» (٤).\nوإن كانت الصلاة قرة عين العارفين، والإنسان إنما يشتاق إلى ما يشعر به من المحبوبات، فأما ما لم يشعر به فهو لا يشتاق إليه، وإن كان لو شعر به لكان شوقه إليه أشد من شوقه إلى غيره اهـ (٥). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٤٠٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣)، ومسلم (٤٣). من حديث أنس ﵁.\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٩/ ٣٧٤ - ٣٧٦).\n(٣) رواه عبد الله في «السنة» (١/ ٢٦٣) (٢/ ٤٧١)، والآجري في «الشريعة» (ص: ٢٥٣).\n(٤) رواه مسلم (٥٦٠). من حديث عائشة ﵁.\n(٥) «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٧٢ - ٧٣).","vol":"2","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>سبع وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله المجيد</span>\n١ - قال الأزهري: الله تعالى هو (المجيد) تمجد بفعاله، ومجده خلقه لعظمته (١).\nفالله سبحانه له المجد العلي العظيم، بفعاله العظيمة وصفاته العلية وبأسمائه الحسنى، فلا مجد إلا مجده، ولا عظمة إلا عظمته، وكل مجد لغيره إنما هو منه عطاء وتفضل.\nوفي اقتران (الحميد) مع (المجيد) بيان أنه محمود على مجده وعظمته وكمال صفاته، فليس كل ذي شرف محمود، وكذلك ليس كل محمود يكون ذو شرف.\nقال الحليمي: (المجيد) ومعناه: المنيع المحمود، لأن العرب لا تقول لكل محمود مجيدًا، ولا لكل منيع مجيدًا. أو قد يكون الواحد منيعًا غير محمود، كالمتآمر الخليع الجائر، أو اللص المتحصن ببعض القلاع.\nوقد يكون محمودًا غير منيع، كأمير السوقة والصابرين من أهل القبلة.\nفلما لم يقل لكل واحد منهما مجيد، علمنا أن (المجيد) من جمع بينهما فكان منيعًا لا يرام، وكان في منعته حسن الخصال جميل الفعال، والباري – جل ثناؤه – يجل عن أن يرام وأن يوصل إليه، وهو مع ذلك فحسن مجمل لا يستطيع العبد أن يحصي نعمته، ولو استنفذ فيه مدته، فاستحق اسم المجيد وما هو أعلى منه اهـ (٢).\n٢ - إن الله سبحانه عطاؤه واسع، وفضله سابغ، قد شمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، مجد بذلك نفسه في قوله ﷿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤].\n٣ - مجد الله تعالى نفسه في كتابه العزيز في آيات كثيرة بل القرآن مليء بتمجيد الله وتعظيمه، وكذا حديث رسوله ﷺ، وأعظم آيات القرآن وسوره هي التي احتوت على ذلك، كآية الكرسي في البقرة، وسورة الفاتحة والإخلاص.\nومن أعظم من يعظم به العبد ربه ويمجده هو تلاوة كتابه، في آناء الليل وأطراف النهار، فإنه لا أحد يحصى الثناء عليه والتمجيد له، هو كما أثنى على نفسه.\nففي الحديث القدسي «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي ...» (٣).\nثم ذكره وتسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله، وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار والدعاء بخيري الدنيا والآخرة.\nوهذه الحال هي حال أهل الذكر، من لا يشقى بهم الجليس، من الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال فيسألهم ربهم ﷿ وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قال تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال فيقول: هل رأوني؟ قال فيقولون: لا والله ما رأوك، قال فيقول: كيف لو رأوني؟ قال يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا وأكثر لك تسبيحًا ...، حتى قال تعالى: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال يقول: ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى جليسهم» (٤).\n٤ - سمى الله ﵎ كتابه بـ (المجيد) في آيتين من كتابه: في قوله تعالى ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: ١]. وقوله بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ [البروج: ٢١ - ٢٢].\n_________\n(١) «اللسان» (٥/ ٤١٣٨).\n(٢) «المنهاج» (١/ ١٩٧) ذكره في الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن الله تعالى جده، وكذا البيهقي في «الأسماء» (ص: ٥٧).\n(٣) رواه مسلم (٣٩٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩).","vol":"2","page":424},{"text":"قال قتادة: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ يقول: قرآن كريم (١). فالقرآن مجيد أي شريف كريم عظيم، ولا غرابة في ذلك فإنه كلام الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.\nومن مجد القرآن وشرفه أنه لا يمكن للجن والأنس أن يأتوا بمثله، بل بسورة منه، قال تعالى قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].\nوهذا يتجلى لنا في جوانب عديدة:\nمنها، أنه لا يمكن للجن والإنس أن يأتوا بمثل ما فيه من التشريعات من أمر ونهي، وحلال وحرام، وما فيه من العبادات الدينية والمعاملات الدنيوية، فهذا من أعظم إعجازه.\nومنها أن بلاغته وفصاحته، وروعته وبهاؤه، وحسن تراكيبه وأسلوبه، وأخذه بالنفوس كله مما لا يضاهي.\nومنها كثرة فوائده التي لا تنقضي، ولا يشبع منها العلماء على مر الدهور والعصور.\nومن شرفه ورفعته، أن الله سبحانه حفظه وصانه من كيد الكفار والمنافقين، ومن الحاقدين على هذا الدين، حفظه من أن يبدلوه أو أن يحرفوه، أو أن يزيدوا فيه أو ينقصوه، قال سبحانه إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].\nومن عظمة هذا الكتاب ومجده، أن الله يرفع به من عمل به واتخذه دينا ومنهاجًا، ويخفض به ويذل من تركه وراء ظهره، ورأى أن العمل به رجعية وتخلف وجمود.\nففي صحيح مسلم عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزي، قال: ومن ابن أبزي؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلف عليهم مولى؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله ﷿، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين» (٢).\nفقد رفع الله تعالى هذا المولى لحفظه لكتابه وعلمه به مع انحطاط نسبه وشرفه على غيره من أهل مكة أهل الشرف والنسب.\nوهكذا الجد والرفعة في الدرجات في الآخرة، فإنما هي لمن أخذ بهذا الكتاب، وعمل به، والذل والمهانة والدركات لمن تركه وأعرض عنه النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٤١٥\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٣٤٧).\n(٢) رواه مسلم (٨١٧).","vol":"2","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-672>تمهيد</span>\nأن العلم بصفات الله ﷿، والإيمان بها، على ما يليق به سبحانه، وتدبرها: يورث ثمرات عظيمة وفوائد جليلة، تجعل صاحبها يذوق حلاوة الإيمان، وقد حُرِمها قوم كثيرون من المعطِّلة والمؤوِّلة والمشبهة، وإليك بعضًا منها:\n١ - فمن ثمرات الإيمان بصفات الله ﷿: أن العبد يسعى إلى الاتصاف والتحلِّي بها على ما يليق به؛ لأنه من المعلوم عند أرباب العقول أن المحب يحب أن يتصف بصفات محبوبه؛ كما أن المحبوب يحب أن يتحلَّى مُحِبُّهُ بصفاته؛ فهذا يدعو العبد المحب لأن يتصف بصفات محبوبه ومعبوده كلٌّ على ما يليق به، فالله كريم يحب الكرماء، رحيم يحب الرحماء، رفيق يحب الرفق، فإذا علم العبد ذلك؛ سعى إلى التحلي بصفات الكرم والرحمة والرفق، وهكذا في سائر الصفات التي يحب الله تعالى أن يتحلَّى بها العبد على ما يليق بذات العبد.\n٢ - ومنها: أن العبد إذا آمن بصفة (الحب والمحبة) لله تعالى وأنه سبحانه (رحيم ودود) استأنس لهذا الرب، وتقرَّب إليه بما يزيد حبه ووده له، «ولا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه» وسعى إلى أن يكون ممن يقول الله فيهم: «يا جبريل إني أُحبُّ فلانًا فأحبَّه، فيُحبُّه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحبُّ فلانًا فأحبوه، فيُحبُّه أهلُ السماء ثم يوضع له القبول في الأرض» ومن آثار الإيمان بهذه الصفة العظيمة أن من أراد أن يكون محبوبًا عند الله اتبع نبيه ﷺ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وحبُّ الله للعبد مرتبطٌ بحبِ العبدِ لله، وإذا غُرِست شجرةُ المحبة في القلب، وسُقيت بماء الإخلاص، ومتابعة الحبيب ﷺ، أثمرت أنواعَ الثمار، وآتت أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذن ربها. ٣ - ومنها: أنه إذا آمن العبد بصفات (العلم، والإحاطة، والمعية)؛ أورثه ذلك الخوف من الله ﷿ المطَّلع عليه الرقيب الشهيد، فإذا آمن بصفة (السمع)؛ علم أن الله يسمعه؛ فلا يقول إلا خيرًا، فإذا آمن بصفات (البصر، والرؤية، والنظر، والعين)؛ علم أن الله يراه؛ فلا يفعل إلا خيرًا؛ فما بالك بعبد يعلم أن الله يسمعه، ويراه، ويعلم ما هو قائله وعامله، أليس حريٌّ بهذا العبد أن لا يجده الله حيث نهاه، ولا يفتقده حيث أمره؟! فإذا علم هذا العبد وآمن أن الله (يحبُّ، ويرضى)؛ عمل ما يحبُّه معبوده ومحبوبه وما يرضيه، فإذا آمن أن من صفاته (الغضب، والكره، والسخط، والمقت، والأسف، واللعن)؛ عمل بما لا يُغْضب مولاه ولا يكرهه حتى لا يسخط عليه ويمقته ثم يلعنه ويطرده من رحمته، فإذا آمن بصفات (الفرح، والبشبشة، والضحك)؛ أنس لهذا الرب الذي يفرح لعباده ويتبشبش لهم ويضحك لهم؛ ما عدمنا خيرًا من ربًّ يضحك.\n٤ - ومنها: أنه إذا علم العبد وآمن بصفات الله من (الرحمة، والرأفة، والتَّوْب، واللطف، والعفو، والمغفرة، والستر، وإجابة الدعاء)؛ فإنه كلما وقع في ذنب؛ دعا الله أن يرحمه ويغفر له ويتوب عليه، وطمع فيما عند الله من سترٍ ولطفٍ بعباده المؤمنين، فأكسبه هذا رجعة وأوبة إلى الله كلما أذنب، ولا يجد اليأس إلى قلبه سبيلًا، كيف ييأس من يؤمن بصفات (الصبر، والحلم)؟! كيف ييأس من رحمة الله من علم أن الله يتصف بصفة (الكرم، والجود، والعطاء)؟!.\n٥ - ومنها: أن العبد الذي يعلم أن الله متصف بصفات (القهر، والغلبة، والسلطان، والقدرة، والهيمنة، والجبروت)؛ يعلم أن الله لا يعجزه شيء؛ فهو قادر على أن يخسف به الأرض، وأن يعذبه في الدنيا قبل الآخرة؛ فهو القاهر فوق عباده، وهو الغالب من غالبه، وهو المهيمن على عباده، ذو الملكوت والجبروت والسلطان القديم؛ فسبحان ربي العظيم.","vol":"2","page":426},{"text":"٦ - ومن ثمرات الإيمان بصفات الله ﷿ أن يظل العبد دائم السؤال لربه، فإن أذنب؛ سأله بصفات (الرحمة، والتَّوب، والعفو، والمغفرة) أن يرحمه ويتوب عليه ويعفو عنه ويغفر له، وإن خشي على نفسه من عدو متجهم جبار؛ سأل الله بصفات (القوة، والغلبة، والسلطان، والقهر، والجبروت)؛ رافعًا يديه إلى السماء، قائلًا: يا رب! يا ذا القوة والسلطان والقهر والجبروت! اكفنيه. فإن آمن أن الله (كفيل، حفيظ، حسيب، وكيل)؛ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وتوكل على (الواحد، الأحد، الصمد)، وعلم أن الله ذو (العزة، والشدة، والمحال، والقوة، والمنعة) مانعه من أعدائه، ولن يصلوا إليه بإذنه تعالى، فإذا أصيب بفقر؛ دعا الله بصفات (الغنى، والكرم، والجود، والعطاء)، فإذا أصيب بمرض؛ دعاه لأنه هو (الطبيب، الشافي، الكافي)، فإن مُنع الذُرِّيَّة؛ سأل الله أن يرزقه ويهبه الذرية الصالحة؛ لأنه هو (الرَّزَّاق، الوهَّاب) وهكذا فإنَّ من ثمرات العلم بصفات الله والإيمان بها دعاءه بها.\n٧ - ومنها: أن العبد إذا تدبر صفات الله من (العظمة، والجلال، والقوة، والجبروت، والهيمنة)؛ استصغر نفسه، وعلم حقارتها، وإذا علم أن الله مختص بصفة (الكبرياء)؛ لم يتكبَّر على أحد، ولم ينازع الله فيما خصَّ نفسه من الصفات، وإذا علم أن الله متصف بصفة (الغنى، والملك، والعطاء)؛ استشعر افتقاره إلى مولاه الغني، مالك الملك، الذي يعطي من يشاء ويمنع من يشاء.\n٨ - ومنها: أنه إذا علم أن الله يتصف بصفة (القوة، والعزة، والغلبة)، وآمن بها؛ علم أنه إنما يكتسب قوته من قوة الله، وعزته من عزة الله؛ فلا يذل ولا يخنع لكافر، وعلم أنه إن كان مع الله؛ كان الله معه، ولا غالب لأمر الله.\n٩ - ومن ثمرات الإيمان بصفات الله: أن لا ينازع العبدُ اللهَ في صفة (الحكم، والألوهية، والتشريع، والتحليل، والتحريم)؛ فلا يحكم إلا بما أنزل الله، ولا يتحاكم إلا إلى ما أنزل الله. فلا يحرِّم ما أحلَّ الله، ولا يحل ما حرَّم الله.\n١٠ - ومنها: أن صفات (الكيد، والمكر، والاستهزاء، والخداع) إذا آمن بها العبد على ما يليق بذات الله وجلاله وعظمته؛ علم أن لا أحد يستطيع أن يكيد لله أو يمكر به، وهو خير الماكرين سبحانه، كما أنه لا أحد من خلقه قادر على أن يستهزئ به أو يخدعه، لأن الله سيستهزئ به ويخادعه ومن أثر استهزاء الله بالعبد أن يغضب عليه ويمقته ويعذبه، فكان الإيمان بهذه الصفات وقاية للعبد من الوقوع في مقت الله وغضبه.\n١١ - ومنها: أن العبد يحرص على ألاَّ ينسى ربه ويترك ذكره، فإن الله متصف بصفة (النسيان، والترك)؛ فالله قادرٌ على أن ينساه – أي: يتركه،) نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ (، فتجده دائم التذكر لأوامره ونواهيه.\n١٢ - ومنها أن العبد الذي يعلم أن الله متصف بصفة (السلام، والمؤمن، والصِّدق)؛ فإنه يشعر بالطمأنينة والهدوء النفسي؛ فالله هو السلام، ويحب السلام، فينشر السلام بين المؤمنين، وهو المؤمن الذي أمِنَ الخلقُ من ظلمه، وإذا اعتقد العبد أن الله متصف بصفة (الصَّدق)، وأنه وعده إن هو عمل صالحًا جنات تجري من تحتها الأنهار؛ علم أن الله صادق في وعده، لن يخلفه، فيدفعه هذا لمزيدٍ من الطاعة، طاعة عبدٍ عاملٍ يثقُ في سيِّده وأجيرٍ في مستأجره أنَّه موفيه حقَّه وزيادة.","vol":"2","page":427},{"text":"١٣ - ومنها: أن صفات الله الخبرية كـ (الوجه، واليدين، والأصابع، والأنامل، والقدمين، والساق، وغيرها) تكون كالاختبار الصعب للعباد، فمن آمن بها وصدق بها على وجه يليق بذات الله ﷿ بلا تمثيل ولا تحريف ولا تكييف، وقال: كلُّ من عند ربنا، ولا فرق بين إثبات صفة العلم والحياة والقدرة وبين هذه الصفات، مَن هذا إيمانه ومعتقده؛ فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن قدَّم عقله السقيم على النقل الصحيح، وأوَّل هذه الصفات، وجعلها من المجاز، وحرَّف فيها، وعطَّلها؛ فقد خسر خسرانًا مبينًا، إذ فرَّق بين صفة وصفة، وكذَّب الله فيما وصف به نفسه، وكذَّب رسوله ﷺ، فلو لم يكن من ثمرة الإيمان بهذه الصفات إلا أن تُدخل صاحبها في زمرة المؤمنين الموحِّدين؛ لكفى بها ثمرة، ولو لم يكن من ثمراتها إلا أنها تميِّز المؤمن الحق الموحِّد المصدِّق لله ورسوله ﷺ وبين ذاك الذي تجرَّأ عليهما، وحرَّف نصوصهما، واستدرك عليهما؛ لكفى، فكيف إذا علمت أن هناك ثمراتٍ أخرى عظيمةً للإيمان بهذه الصفات الخبرية؛ منها أنك إذا آمنت أن لله وجهًا يليق بجلاله وعظمته، وأن النظر إليه من أعظم ما ينعم الله على عبده يوم القيامة، وقد وعد به عباده الصالحين؛ سألت الله النظر إلى وجهه الكريم، فأعطاكه، وأنك إذا آمنت أن لله يدًا ملأى لا يغيضها نفقة، وأن الخير بين يديه سبحانه؛ سألته مما بين يديه، وإذا علمت أن قلبك بين إصبعين من أصابع الرحمن؛ سألت الله أن يثبت قلبك على دينه٠٠٠ وهكذا.\n١٤ - ومن ثمرات الإيمان بصفات الله ﷿: تَنْزِيه الله وتقديسه عن النقائص، ووصفه بصفات الكمال، فمن علم أن من صفاته (القُدُّوس، السُّبُّوح)؛ نَزَّه الله من كلِّ عيبٍ ونقصٍ، وعلم أن الله) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء (\n١٥ - ومنها: أن من علم أن من صفات الله (الحياة، والبقاء)؛ علم أنه يعبد إلهًا لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، فأورثه ذلك محبة وتعظيمًا وإجلالًا لهذا الرب الذي هذه صفته.\n١٦ - ومن ثمرات الإيمان بصفة (العلو، والفوقية، والاستواء على العرش، والنُّزُول، والقُرب، والدُّنُو)؛ أن العبد يعلم أن الله منزه عن الحلول بالمخلوقات، وأنه فوق كل شيء، مطَّلع على كل شيء، بائن عن خلقه، مستو على عرشه، وهو قريب من عبده بعلمه، فإذا احتاج العبد إلى ربه؛ وجده قريبًا منه، فيدعوه، فيستجيب دعاءه، وينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل كما يليق به سبحانه، فيقول: من يدعوني فأستجب له، فيورث ذلك حرصًا عند العبد بتفقد هذه الأوقات التي يخلو فيها مع ربه القريب منه، فهو سبحانه قريب في علوه، بعيد في دنوه.\n١٧ - ومنها أن الإيمان بصفة (الكلام) وأن القرآن كلام الله يجعل العبد يستشعر وهو يقرأ القرآن أنه يقرأ كلام الله، فإذا قرأ: يا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؛ أحسَّ أن الله يكلمه ويتحدث إليه، فيطير قلبه وجلًا، وأنه إذا آمن بهذه الصفة، وقرأ في الحديث الصحيح أن الله سيكلمه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان؛ استحى أن يعصي الله في الدنيا، وأعد لذلك الحساب والسؤال جوابًا.\nوهكذا؛ فما من صفة لله تعالى؛ إلا وللإيمان بها ثمرات عظيمة، وآثار كبيرة مترتبة على ذلك الإيمان؛ فما أعظم نعم الله على أهل السنة والجماعة الذين آمنوا بكل ذلك على الوجه الذي يليق بالله تعالى!. صفات الله الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف – ص ٣٠","vol":"2","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-673>أولا: الآثار الإيمانية لصفة الفرح</span>\n١ - كمال رحمته جل وعلا ورأفته بعباده؛ حيث يحب رجوع العاصي إليه هذه المحبة العظيمة، هارب من الله، ثم وقف ورجع إلى الله، يفرح الله به هذا الفرح العظيم.\n(وهذا أمر عظيم إلى الغاية، فإذا كانت التوبة بهذه المنزلة، كيف لا يكون صاحبها معظمًا عند الله؟!) (١).\nويفيدنا أن نحرص على التوبة غاية الحرص، كلما فعلنا ذنبًا؛ تبنا إلى الله.\nفأنت إذا علمت أن الله يفرح بتوبتك هذا الفرح الذي لا نظير له؛ لا شك أنك سوف تحرص غاية الحرص على التوبة (٢). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٢٠٥\n_________\n(١) «شرح حديث أبي بكر» (ص: ٥٣)، لشيخ الإسلام ﵀.\n(٢) «شرح العقيدة الواسطية» (ص: ٤٠٥).","vol":"2","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-674>ثانيا: الآثار الإيمانية لصفة المعية</span>\nإذا عرف العبد أن الله معه؛ فلا شك أنه يراقب الله، يعرف أن الله مطلع عليه، وأنه لا تخفى عليه منه خافية. فإذا آمن بأن الله معه، أي عالم به ومطلع عليه ورقيب على أعماله؛ (فإن ذلك يحمله على مراقبة الله، وعلى خوفه، وعدم الخروج عن طاعته، وعدم ارتكاب شيء من معاصيه. تقول له نفسه وقلبه: كيف تتجرأ على مخالفته وهو مراقب لك ولأعمالك؟ ويحمله هذا على إصلاح الأعمال وعدم إفسادها، وعلى الإكثار من الحسنات والبعد عن السيئات، هذه فائدة الإيمان بالمعية) (١) العامة.\nعن عبد الله بن معاوية الغاضري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده فإنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه ... وزكى عبد نفسه» فقال رجل: وما تزكية المرء نفسه يا رسول الله؟ قال: «يعلم أن الله معه حيث ما كان» (٢).\nفحصلت التزكية بالإيمان بهذه المعية، وأي تزكية أعظم منها!\nوأما المعية الخاصة، فإن الإنسان إذا عرف أن هذا العمل يحظى أهله بمعية الله، حرص على أن يكون من أهله، فيحرص على أن يكون من أهل التقوى والإحسان والصبر والإيمان، ويكثر من الذكر والدعاء. (وأي فضيلة تداني فضيلة من كان الله معه! وأي مزية توازي مزية من هو من أهل هذه الطبقة الشريفة، والمنزلة السامية؟!) (٣).\nفمتى حظي العبد بمعية الله (هانت عليه المشاق، وانقلبت المخاوف في حقه أمانًا، فبالله يهون كل صعب، ويسهل كل عسير، ويقرب كل بعيد، وبالله تزول الهموم والغموم والأحزان؛ فلا هم مع الله، ولا غم ولا حزن) (٤). وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن حصل الله له فعلى أي شيء يحزن؟ ومن فاته الله فبأي شيء يفرح (٥). وإذا كان الله معك، فمن تخاف؟ وإذا كان عليك، فمن ترجو؟ (٦)\nواعلم بأن معية الله (من أعظم نعمة أنعم الله بها على عبده، ولكن لهذه النعمة أقوال وأعمال، هما السبب الذي تنال به، والله سبحانه سميع لتلك الأقوال، عليم بتلك الأفعال، وهو عليم بمن يصلح لهذه النعمة، ويشكرها، ويعرف قدرها، ويحب المنعم عليه، فتصلح عنده هذه النعمة، ويصلح بها كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام: ٥٣]، فإذا فاتت العبد نعمة من نعم ربه، فليقرأ على نفسه: أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٧).\nلمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (٨). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي– ص: ٨٤\n_________\n(١) «التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية» (١/ ٢٤٢).\n(٢) رواه أبو داود (١٥٨٢) مختصرا والبيهقي (٤/ ٩٦) والطبراني في المعجم الصغير (٥٥٥) قال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٨٠): صحيح.\n(٣) «الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني» (٣/ ١٣٦٠).\n(٤) «الداء والدواء» (ص: ٢٨٨).\n(٥) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٨٠).\n(٦) «الدرر السنية» (٢/ ١٦٨).\n(٧) «زاد المعاد» (٣/ ١٧).\n(٨) «طريق الهجرتين» (ص: ٥٠٧).","vol":"2","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-675>ثالثا: الآثار الإيمانية لصفة الضحك</span>\n١ - إن المؤمن يقابل صفة الضحك بالقبول، والرضى والتسليم، فيستنير بها قلبه، ويتسع لها صدره، ويمتلئ بها سرورًا ومحبة، ويعلم أنها تعريف من تعريفات الله تعالى، تعرف بها إليه على لسان رسوله، فأنزلها من قلبه منزلة الغذاء، أعظم ما كان إليه فاقة، ومنزلة الشفاء، أشد ما كان إليه حاجة؛ فاشتد بها فرحه، وعظم بها غناه، وقويت بها معرفته، واطمأنت إليها نفسه، وسكن إليها قلبه (١).\n٢ - إننا إذا علمنا أن الله ﷿ يضحك؛ فإننا نرجو منه كل خير. ولهذا قال أبو رزين العقيلي ﵁ للنبي ﷺ: يا رسول الله! أويضحك ربنا؟ قال: «نعم». قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا (٢).\nإذا علمنا ذلك؛ انفتح لنا الأمل في كل خير. وتفاءلنا أعظم تفاؤل، واستبشرنا خيرًا. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي– ص: ٣١٢\n_________\n(١) انظر: «الكافية الشافية» (ص: ٣٢ - ٣٣).\n(٢) رواه ابن ماجه (١٨١) وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١/ ٧٨): صحيح.","vol":"2","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-676>رابعا: الآثار الإيمانية لصفة وجه الله تعالى</span>\nأ- قصد وجه الله بصالح الأعمال:\nقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف: ٢٨] أي: يقصدون وجه الله بالرضا، أي رضا وجهه سبحانه، وقال سبحانه: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [الإنسان: ٩]. وقال تعالى: وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ١٩ - ٢١]. فجعل غاية أعمال الأبرار والمقربين والمحبين إرادة وجهه (١). أي: يقصدون بأعمالهم وجه الله، بدخولهم الجنة ورؤيته فيها.\nعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا شيء له» فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله ﷺ: «لا شيء له» ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه» (٢).\nوعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة» (٣).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من جرعة أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله» (٤).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (٥) -يعني: ريحها-.\nوعن عتبان بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «... فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (٦).\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «... إنك لن تخلف، فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله تعالى، إلا ازددت به خيرًا، ودرجة ورفعة» (٧).\nوعن حذيفة ﵁ قال: أسندت النبي ﷺ إلى صدري فقال: «من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة» (٨).\nومتى أنفق العبد ليريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه، فهذا لم يرد وجه الله، وإنما يقبل ما كان عطاؤه لله، وقصده ابتغاء وجه الله.\n_________\n(١) «تهذيب المدارج» (ص: ٨١٩).\n(٢) رواه النسائي (٣١٤٠) وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٤٠): إسناده جيد وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٨١): إسناده جيد.\n(٣) رواه البخاري (٤٥٠) ومسلم (٥٣٣).\n(٤) رواه ابن ماجه (٤٣٢٩) والإمام أحمد١٣/ ٢٨٦ قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٣٨٦) رواته محتج بهم في الصحيح، وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٣٣٩٦): صحيح.\n(٥) رواه أبو داود (٣٦٦٤) وابن ماجه (٢٥٢) وسكت عنه أبو داود [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح]. وقال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١٦٥): رجاله رجال الصحيحين.\n(٦) رواه البخاري (٤٥٠١) ومسلم (٣٣).\n(٧) رواه البخاري (٤٤٠٩) ومسلم (١٦٢٨).\n(٨) رواه الإمام أحمد ٥/ ٣٩١ وابن أبي شيبة كما في «إتحاف الخيرة المهرة» (٦١٢٥/ ١) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٦٥١) قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ١٠٨) إسناده لا بأس به. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٣٢٧): رجاله موثقون.","vol":"2","page":432},{"text":"فلهذا ينبغي للعبد، أن يقصد وجه الله تعالى، ويخلص العمل لله، في كل وقت، وفي كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، وليتعود الإخلاص، فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا، لأن النية حصلت، واقترن بها، ما يمكن من العمل (١).\nب- الاستعاذة بوجهه سبحانه:\nعن جابر ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ [الأنعام: ٦٥] قال رسول الله ﷺ: «أعوذ بوجهك». قال: أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال: «أعوذ بوجهك». قال: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام: ٦٥]. قال رسول الله ﷺ: «هذا أهون أو هذا أيسر» (٢).\nعن عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» قال: «فإذا قلت ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم» (٣).\nقال ابن القيم ﵀: فتأمل كيف فرق في الاستعاذة بين استعاذته بالذات وبين استعاذته بالوجه الكريم، وهذا صريح في إبطال قول من قال: إنه الذات نفسها (٤).\nج- إجابة من سألك بوجه الله:\nعن أبي موسى الأشعري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ملعون من سأل بوجه الله، ومعلون من سئل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأل هجرا» (٥).\nقوله: (هجرا) الهجر: الكلام الباطل (٦).\nوعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «من استعاذ بالله؛ فأعيذوه، ومن سألكم بوجه الله فأعطوه» (٧).\nقال العلامة الألباني ﵀: ووجوب الإعطاء إنما هو إذا كان المسؤول قادرًا على الإعطاء، ولا يلحقه ضرر به أو بأهله، وإلا فلا يجب عليه، والله أعلم (٨).\n_________\n(١) «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ٢٥٤).\n(٢) رواه البخاري (٤٦٢٨).\n(٣) رواه أبو داود (٤٦٦) وسكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح] وقال النووي في «الأذكار» (٤٦): حسن. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٦٦): صحيح.\n(٤) «مختصر الصواعق» (٣/ ١٠١٠).\n(٥) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٢/ ٣٧٧) من حديث أبي عبيد مولى رفاعة بن رافع قال ابن منده في «الرد على الجهمية» (٩٨) لا يثبت من جهة الرواة. وقال ابن عبد البر في الاستغناء (٢/ ١٣٠٤): أبو عبيد ليست له صحبة [وفيه] أبو معقل قال أبو زرعة: لا يسمى.\n(٦) «المجموع» (٥/ ٣١٠)، للإمام النووي ﵀.\n(٧) رواه أبو داود (٥١٠٨) والإمام أحمد١/ ٢٤٩ سكت عنه أبو داود [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح] وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٥١٠٨): حسن صحيح.\n(٨) «السلسلة الصحيحة» (١/ ٥١٣).","vol":"2","page":433},{"text":"فلو سألك سائل فقال: أسألك بوجه الله أن تعطيني كذا وكذا، أعطه، إلا إذا سألك شيئًا محرمًا، فلا تعطه، مثلًا أن يسألك يقول لك: أسألك بوجه الله أن تخبرني ماذا تصنع مع أهلك مثلا، هذا لا يجوز أن تخبره، بل وجهه وانصحه وقل: هذا تدخل فيما لا يعنيك، وقد قال النبي ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (١). وكذلك لو سأل محرمًا ولو سألك بوجه الله لا تعطه، لو قال: أسألك بوجه الله أن تعطيني كذا وكذا ليشتري به دخانًا، فلا تعطه، لأنه سألك ليستعين به على شيء محرم، فالمهم أن من سألك بوجه الله فأعطه ما لم يكن على شيء محرم. وكذلك ما لم يكن عليك ضرر، فإن كان عليك ضرر فلا تعطه (٢)، لأن النبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» (٣).\nد- الطمع في رؤية وجه الله:\nعن عمار بن ياسر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «... وأسألك لذة النظر إلى وجهك» (٤).\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» (٥).\nومن أعظم نعيم الجنة: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه.\nوهل فوق نعيم قرة العين برؤية الله، الذي لا شيء أجل منه، ولا أكمل ولا أجمل، قرة عين البتة؟!\nوهذا –والله- هو العلم الذي شمر إليه المحبون، واللواء الذي أمه العارفون، وهو روح مسمى (الجنة) وحياتها، وبه طابت الجنة، وعليه قامت. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي– ص: ٣٣٠\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٦٧). من حديث أبي هريرة ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٩١١).\n(٢) انظر: «شرح رياض الصالحين» (٤/ ٣٦٥)، للعلامة ابن عثيمين ﵀.\n(٣) رواه ابن ماجه (١٩٠٩)، وأحمد (٥/ ٣٢٦) (٢٢٨٣٠)، والبيهقي (٦/ ١٥٦) (١٢٢٢٤). من حديث عبادة بن الصامت. قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٣/ ٤٨): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع. والحديث صححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه». والحديث مشهور روي من طرق عن عبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وعائشة بنت أبي بكر الصديق، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وأبي لبابة ﵃ جميعًا.\n(٤) رواه النسائي (١٣٠٥) وأشار ابن خزيمة في مقدمة كتاب التوحيد (١/ ٢٩) أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي» (١٣٠٤).\n(٥) رواه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠).","vol":"2","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>تمهيد:</span>\nشغل مبحث (الأسماء والصفات) حيزًا كبيرًا من التراث العقدي لأهل القبلة، وتعددت مدارسه، وتشعبت اتجاهاته. ولم يكن الأمر كذلك في صدر الإسلام إبان عهد النبوة، وعهد الخلفاء الراشدين، ولكن الاحتكاك بثقافات الأمم المغلوبة والمجاورة، وحركة الترجمة التي نشطت في عهد الخليفة العباسي المأمون، والاختلافات السياسية، وغيرها من الأسباب أفرزت توجهات عقدية متباينة، لحقت أخص جوانب العقيدة الإسلامية، إلا وهو الإيمان بأسماء الله وصفاته ...\nقال المقريزي – ﵀ - في كلامه على افتراق الناس في نصوص الصفات: (فصار للمسلمين في ذلك خمسة أقوال: أحدها: اعتقاد ما يفهم مثله من اللغة. وثانيها: السكوت عنها مطلقًا، وثالثها: السكوت عنها بعد نفي إرادة الظاهر، ورابعها: حملها على المجاز، وخامسها: حملها على الاشتراك).\nوقال الشيخ أحمد بن إبراهيم الواسطي الشافعي: (وكنت متحيرًا في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك: من تأويل الصفات وتحريفها، أو إمرارها، أو الوقوف فيها، أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – (وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة: قسمان يقولان: تجري على ظواهرها، وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها، وقسمان: يسكتون. أما الأولون فقسمان:\nأحدهما: من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين. فهؤلاء (المشبهة)، ومذهبهم باطل، أنكره السلف، وإليهم يتوجه الرد بالحق.\nالثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله، كما يجري ظاهر اسم العليم والقدير، والرب والإله، والموجود والذات ونحو ذلك؛ على ظاهرها اللائق بجلال الله؛ فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث، أو عرض قائم به. فالعلم، والقدرة، والكلام، والمشيئة، والرحمة، والرضا، والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض؛ والوجه، واليد، والعين، في حقه أجسام، فإذا كان الله موصوفًا عند عامة أهل الإثبات بأن له علمًا وقدرة، وكلامًا ومشيئة وإن لم يكن ذلك عرضًا؛ يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين، جاز أن يكون وجه الله ويداه صفات ليست أجسامًا، يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين.\nوأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها – أعني الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط، وأن الله لا صفة له ثبوتية؛ بل صفاته إما سلبية، وإما إضافية، وإما مركبة منهما، أو يثبتون بعض الصفات (وهي الصفات السبعة، أو الثمانية، أو الخمسة عشر) أو يثبتون الأحوال دون الصفات، ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث، على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين – فهؤلاء قسمان: قسم يتأولونها ويعينون المراد، مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علو المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه .. إلى غير ذلك من تأويلات المتكلمين. وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه.\nوأما القسمان الواقفان: فقوم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز أن لا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم. وقوم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن، وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.\nفهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها).\nومن خلال المقارنة بين هذه النصوص نجد تطابقًا في تحديد الاتجاهات وإن كان الأخير منها أتم في القسمة، حيث فصل ما أجمله غيره. والذي يترشح منها ما يلي:","vol":"2","page":435},{"text":"١ - اتجاه (التمثيل): وهو ما عناه المقريزي بقوله: (ما يفهم مثله من اللغة)، وصرح به شيخ الإسلام بقوله: (من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء: المشبهة).\n٢ - اتجاه (النفي والتعطيل والتحريف): وهو القسم الرابع عند المقريزي، أي (حملها على المجاز)، وما أشار إليه الواسطي بقوله: (تأويل الصفات وتحريفها) وهو القسم الثالث عند شيخ الإسلام الذين (يتأولونها ويعينون المراد) ممن ينفون نصوص الصفات عن ظاهرها نفيًا كليًا أو جزئيًا.\n٣ - اتجاه التوقف والسكوت: وهو القسم الثاني عند المقريزي: (السكوت عنها مطلقًا)، وما عبر عنه الواسطي بقوله: (أو الوقوف فيها). وهو الذي جعله شيخ الإسلام قسمين ووصفه مرة بالتوقف ومرة بالسكوت.\n٤ - اتجاه التفويض: وهو القسم الثالث عند المقريزي حيث قال: (السكوت عنها بعد نفي إرادة الظاهر) ووصفه الواسطي (بالإمرار)، وأوضحه شيخ الإسلام بقوله: (وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه).\n٥ - اتجاه الإثبات: ولعله ما أراده المقريزي في القسم الخامس من (حملها على الاشتراك)، ونص عليه الواسطي بقوله: (إثباتها بلا تأويل، ولا تشبيه، ولا تمثيل)، وأوضحه جليًا شيخ الإسلام بقوله: (من يجريها على ظاهرها اللائق بالله، كما يجري ظاهر اسم العليم والقدير، والرب والإله، والموجود والذات ونحو ذلك، على ظاهرها اللائق بجلال الله .. الخ)، مما يفسر كلام المقريزي في معنى الاشتراك في المعنى الكلي دون الكنه والحقيقة.\nهذا مجمل الاتجاهات السائدة لدى أهل القبلة حيال نصوص الصفات .. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي - بتصرف -٧٤","vol":"2","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>المطلب الأول: تعريف التمثيل</span>\nالتمثيل: ذكر مماثل للشيء، وبينه وبين التكييف عموم وخصوص مطلق، لأن كل ممثل مكيف، وليس كل مكيف ممثلا، لأن التكييف ذكر كيفية غير مقرونة بمماثل، مثل أن تقول: لي قلم كيفيته كذا وكذا فإن قرنت بمماثل، صار تمثيلًا، مثل أن أقول: هذا القلم مثل هذا القلم، لأني ذكرت شيئًا مماثلا لشيء وعرفت هذا القلم بذكر مماثله شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١٠٢","vol":"2","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-681>المطلب الثاني: عقيدة أهل السنة هي إثبات الصفات دون مماثلة</span>\nأهل السنة يتبرءون من تمثيل الله ﷿ بخلقه، لا في ذاته ولا في صفاته وأهل السنة والجماعة يثبتون لله ﷿ الصفات بدون مماثلة، يقولون: إن الله ﷿ له حياة وليست مثل حياتنا، له علم وليس مثل علمنا، له بصر، ليس مثل بصرنا، له وجه وليس مثل وجوهنا له يد وليست مثل أيدينا وهكذا جميع الصفات، يقولون: إن الله ﷿ لا يماثل خلقه فيما وصف به نفسه أبدًا شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١٠٢","vol":"2","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>المطلب الثالث: الأدلة على انتفاء التمثيل في باب الصفات</span>\n• ١ -: الأدلة السمعية.\n• ٢ -: الأدلة العقلية.\n• ٣ - الأدلة الفطرية.","vol":"2","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-683>١ -: الأدلة السمعية</span>\nتنقسم إلى قسمين: خبر، وطلب\n- فمن الخبر قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء [الشورى: ١١]، فالآية فيها نفي صريح للتمثيل.\nوقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥]، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى الخبر، لأنه استفهام بمعنى النفي.\nوقوله: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية.\nوأما الطلب، فقال الله تعالى: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا [البقرة: ٢٢] أي: نظراء مماثلين وقال فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَال [النحل: ٧٤].\nفمن مثل الله بخلقه، فقد كذب الخبر وعصى الأمر ولهذا أطلق بعض السلف القول بالتكفير لمن مثل الله بخلقه، فقال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري ﵀: من شبه الله بخلقه، فقد كفر، لأنه جمع بين التكذيب بالخبر وعصيان الطلب.","vol":"2","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-684>٢ -: الأدلة العقلية</span>\nمن وجوه:\nأولًا: أن نقول لا يمكن التماثل بين الخالق والمخلوق بأي حال من الأحوال لو لم يكن بينهما من التباين إلا أصل الوجود، لكان كافيًا، وذلك أن وجود الخالق واجب، فهو أزلي أبدي، ووجود المخلوق ممكن مسبوق بعدم ويلحقه فناء، فما كانا كذلك لا يمكن أن يقال: إنهما متماثلان.\nثانيًا: أنا نجد التباين العظيم بين الخالق والمخلوق في صفاته وفي أفعاله، في صفاته يسمع ﷿ كل صوت مهما خفي ومهما بعد، لو كان في قعار البحار، لسمعه ﷿.\nوأنزل الله قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١]، تقول عائشة: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، إني لفي الحجرة، وإنه ليخفى علي بعض حديثها) (١)، والله تعالى سمعها من على عرشه وبينه وبينها ما لا يعلم مداه إلا الله ﷿، ولا يمكن أن يقول قائل: إن سمع الله مثل سمعنا.\nثالثًا: نقول: نحن نعلم أن الله تعالى مباين للخلق بذاته: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:٢٥٥]، وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُه [الزمر: ٦٧]، ولا يمكن لأحد من الخلق أن يكون هكذا، فإذا كان مباينًا للخلق في ذاته، فالصفات تابعة للذات، فيكون أيضًا مباينًا للخلق في صفاته ﷿، ولا يمكن التماثل بين الخالق والمخلوق\nرابعًا: نقول: إننا نشاهد في المخلوقات أشياء تتفق في الأسماء وتختلف في المسميات، يختلف الناس في صفاتهم: هذا قوي البصر وهذا ضعيف، وهذا قوي السمع وهذا ضعيف، هذا قوي البدن وهذا ضعيف وهذا ذكر وهذا أنثى وهكذا التباين في المخلوقات التي من جنس واحد، فما بالك بالمخلوقات المختلفة الأجناس؟ فالتباين بينها أظهر ولهذا، لا يمكن لأحد أن يقول: إن لي يدًا كيد الجمل، أو لي يدًا كيد الذرة، أو لي يدًا كيد الهر، فعندنا الآن إنسان وجمل وذرة وهر، كل واحد له يد مختلفة عن الثاني، مع أنها متفقة في الاسم فنقول: إذا جاز التفاوت بين المسميات في المخلوقات مع اتفاق مع فجوازه بين الخالق والمخلوق ليس جائزًا فقط بل هو واجب؛ فعندنا أربعة وجوه عقلية كلها تدل على أن الخالق لا يمكن أن يماثل المخلوق بأي حال من الأحوال\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم مختصرا (٧٣٨٥)، والنسائي (٦/ ١٦٨)، وابن ماجه (١٨٨)، وأحمد (٦/ ٤٦) (٢٤٢٤١). وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١/ ١٦٣) والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح. وقال ابن تيمية في «تلبيس الجهمية» (١/ ٢٨٠): إسناده ثابت.","vol":"2","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-685>٣ - الأدلة الفطرية</span>\nربما نقول أيضا هناك دليل فطري، وذلك لأن الإنسان بفطرته بدون أن يلقن يعرف الفرق بين الخالق والمخلوق ولولا هذه الفطرة؛ ما ذهب يدعو الخالق فتبين الآن أن التمثيل منتفٍ سمعًا وعقلًا وفطرة شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١٠٣","vol":"2","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-686>المطلب الرابع: شبهات والرد عليها</span>\nفإن قال قائل: إن النبي ﷺ حدثنا بأحاديث تشتبه علينا؛ هل هي تمثيل أو غير تمثيل؟ ونحن نضعها بين أيديكم:\n١ - قال النبي ﷺ «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» (١)؛ فقال: (كما) والكاف للتشبيه، هذا رسول الله ﷺ، ونحن من قاعدتنا أن نؤمن بما قال الرسول كما نؤمن بما قال الله؛ فأجيبوا عن هذا الحديث؟\nنقول نجيب عن هذا الحديث وعن غيره بجوابين: الجواب الأول مجمل والثاني مفصل\nفالأول المجمل: أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين كلام الله وكلام رسوله الذي صح عنه أبدًا؛ لأن الكل حق، والحق لا يتعارض والكل من عند الله، وما عند الله تعالى لا يتناقض وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]؛ فإن وقع ما يوهم التعارض في فهمك؛ فاعلم أن هذا ليس بحسب النص، ولكن باعتبار ما عندك؛ فأنت إذا وقع التعارض عندك في نصوص الكتاب والسنة؛ فإما لقلة العلم، وإما لقصور الفهم، وإما للتقصير في البحث والتدبر، ولو بحثت وتدبرت؛ لوجدت أن التعارض الذي توهمته لا أصل له، وإما لسوء القصد والنية؛ بحيث تستعرض ما ظاهره التعارض لطلب التعارض، فتحرم التوفيق؛ كأهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه\nويتفرع على هذا الجواب المجمل أنه يجب عليك عند الاشتباه أن ترد المشتبه إلى المحكم؛ لأن هذه الطريق طريق الراسخين في العلم؛ قال الله تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:٧]، ويحملون المتشابه على المحكم حتى يبقى النص كله محكمًا وأما الجواب المفصل؛ فإنا نجيب عن كل نص بعينه فنقول:\nإن قول النبي ﷺ «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته»؛ ليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي، ولكنه تشبيه للرؤية بالرؤية؛ (سترون كما ترون)؛ الكاف في (كما ترون) داخلة على مصدر مؤول؛ لأن (ما) مصدرية، وتقدير الكلام: كرؤيتكم القمر ليلة البدر وحينئذ يكون التشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي، والمراد أنكم ترونه رؤية واضحة كما ترون القمر ليلة البدر ولهذا أعقبه بقوله: \"لا\" تضامون في رؤيته\" أو: \" لا تضارون في رؤيته\" فزال الإشكال الآن\n٢ - قال النبي ﷺ «إن الله خلق آدم على صورته» (٢) والصورة مماثلة للأخرى، ولا يعقل صورة إلا مماثلة للأخرى، ولهذا أكتب لك رسالة، ثم تدخلها الآلة الفوتوغرافية، وتخرج الرسالة، فيقال: هذه صورة هذه، ولا فرق بين الحروف والكلمات؛ فالصورة مطابقة للصورة، والقائل: \" إن الله خلق آدم على صورته\": الرسول ﵊ أعلم وأصدق وأنصح وأفصح الخلق\nوالجواب المجمل أن نقول: لا يمكن أن يناقض هذا الحديث قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١]، فإن يسر الله لك الجمع؛ فاجمع، وإن لم يتيسر؛ فقل: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]، وعقيدتنا أن الله لا مثيل له؛ بهذا تسلم أمام الله ﷿\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣). من حديث جرير بن عبد الله ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٦٢٢٧) بدون (إن)، ومسلم (٢٦١٢). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":443},{"text":"هذا كلام الله، وهذا كلام رسوله، والكل حق، ولا يمكن أن يكذب بعضه بعضًا؛ لأنه كله خبر وليس حكمًا كي ينسخ؛ فأقول: هذا نفي للمماثلة، وهذا إثبات للصورة؛ فقل: إن الله ليس كمثله شيء، وإن الله خلق آدم على صورته؛ فهذا كلام الله، وهذا كلام رسوله والكل حق نؤمن به، ونقول: كل من عند ربنا ونسكت وهذا هو غاية ما نستطيع\nوأما الجواب المفصل؛ فنقول: إن الذي قال «إن الله خلق آدم على صورته» رسول الذي قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: الآية١١] والرسول لا يمكن أن ينطق بما يكذب المرسل والذي قال «خلق آدم على صورته»: هو الذي قال «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر» (١) فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه أو تعتقد أنهم على صورة البشر لكن في الوضاءة والحسن والجمال واستدارة الوجه وما أشبه ذلك على صورة القمر، لا من كل وجه؟! فإن قلت بالأول؛ فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين وليس لهم آناف وليس لهم أفواه! وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار! وإن قلت بالثاني؛ زال الإشكال، وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له من كل وجه\nفإن أبى فهمك، وتقاصر عن هذا وقال: أنا لا أفهم إلا أنه مماثل قلنا: هناك جواب آخر، وهو أن الإضافة هنا من باب إضافة المخلوق إلى خالقه؛ فقوله:\" على صورته\"؛ مثل قوله ﷿ في آدم: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: من الآية٢٩]، ولا يمكن أن الله ﷿ أعطى آدم جزءًا من روحه، بل المراد الروح التي خلقها الله ﷿، لكن إضافتها إلى الله بخصوصها من باب التشريف؛ كما نقول: عباد الله؛ يشمل الكافر والمسلم والمؤمن والشهيد والصديق والنبي لكننا لو قلنا: محمد عبد الله؛ هذه إضافة خاصة ليست كالعبودية السابقة فقوله: «خلق آدم على صورته»؛ يعني: صورة من الصور التي خلقها الله وصورها؛ كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [الأعراف: الآية١١]، والمصور آدم إذًا؛ فآدم عل صورة الله؛ يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:٤]؛ فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف؛ كأنه ﷿ اعتنى بهذه الصورة ومن أجل ذلك؛ لا تضرب الوجه؛ فتعيبه حسًا، ولا تقبحه فتقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك؛ فتعيبه معنىً؛ فمن أجل أنه الصورة التي صورها الله وأضافها إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا؛ لا تقبحها بعيب حسي ولا بعيب معنوي\nثم هل يعتبر هذا الجواب تحريفًا أم له نظير؟\nنقول: له نظير، كما في: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله؛ لأن هذه الصورة (أي: صورة آدم) منفصلة بائنة من الله وكل شيء أضافه الله إلى نفسه وهو منفصل بائن عنه؛ فهو من المخلوقات؛ فحينئذ يزول الإشكال\nولكن إذا قال قائل: أيما أسلم المعنى الأول أو الثاني؟ قلنا: المعنى الأول أسلم، ما دمنا نجد أن لظاهر اللفظ مساغًا في اللغة العربية وإمكانًا في العقل؛ فالواجب حمل الكلام عليه ونحن وجدنا أن الصورة لا يلزم منها مماثلة الصورة الأخرى، وحينئذ يكون الأسلم أن نحمله على ظاهره\nفإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله ويكون آدم عليها؟\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":444},{"text":"قلنا: إن الله ﷿ له وجه وله عين وله يد وله رجل ﷿، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان؛ فهناك شيء من الشبه لكنه ليس على سبيل المماثلة؛ كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة فيها شبه من القمر لكن بدون مماثلة، وبهذا يصدق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة؛ من أن جميع صفات الله ﷾ ليست مماثلة لصفات المخلوقين؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل\nنسمع كثيرًا من الكتب التي نقرأها يقولون: تشبيه؛ يعبرون بالتشبيه وهم يقصدون التمثيل؛ فأيما أولى: أنعبر بالتشبيه، أو نعبر بالتمثيل؟ نقول بالتمثيل أولى\nأولًا: لأن القرآن عبر به: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١]، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا [البقرة: الآية٢٢] وما أشبه ذلك، وكل ما عبر به القرآن؛ فهو أولى من غيره؛ لأننا لا نجد أفصح من القرآن ولا أدل على المعنى المراد من القرآن، والله أعلم بما يريده من كلامه، فتكون موافقة القرآن هي الصواب، فنعبر بنفي التمثيل وهكذا في كل مكان؛ فإن موافقة النص في اللفظ أولى من ذكر لفظ مرادف أو مقارب\nثانيًا: أن التشبيه عند بعد الناس يعني إثبات الصفات ولهذا يسمون أهل السنة: مشبهة؛ فإذا قلنا: من غير تشبيه وهذا الرجل لا يفهم من التشبيه إلا إثبات الصفات؛ صار كأننا نقول له: من غير إثبات صفات! فصار معنى التشبيه يوهم معنى فاسدًا فلهذا كان العدول عنه أولى\nثالثًا: أن نفي التشبيه على الإطلاق غير صحيح؛ لأن ما من شيئين من الأعيان أو من الصفات إلا وبينهما اشتراك من بعض الوجوه، والاشتراك نوع تشابه، فلو نفيت التشبيه مطلقًا؛ لكنت نفيت كل ما يشترك فيه الخالق والمخلوق في شيء ما مثلًا: الوجود؛ يشترك في أصله الخالق والمخلوق، هذا نوع اشتراك نوع تشابه، لكن فرق بين الوجودين؛ وجود الخالق واجب ووجود المخلوق ممكن وكذلك السمع؛ فيه اشتراك؛ الإنسان له سمع، والخالق له سمع، لكن بينهما فرق، لكن أصل وجود السمع مشترك فإذا قلنا: من غير تشبيه ونفينا مطلق التشبيه؛ صار في هذا إشكال\nوبهذا عرفنا أن التعبير بالتمثيل أولى من ثلاثة أوجه\n٣ - وفي قوله: َليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير [الشورى:١١] رد صريح على الممثلة الذين يثبتون أن الله ﷾ له مثيل وحجة هؤلاء يقولون: إن القرآن عربي، هذا كان عربيًا؛ فقد خاطبنا الله تعالى بما نفهم، ولا يمكن أن يخاطبنا بما لا نفهم، وقد خاطبنا الله تعالى، فقال: إن له وجهًا وإن له عينًا، وإن له يدين وما أشبه ذلك ونحن لا نعقل بمقتضى اللغة العربية من هذه الأشياء إلا مثل ما نشاهد، وعلى هذا؛ فيجب أن يكون مدلول هذه الكلمات مماثلًا لمدلولها بالنسبة للمخلوقات: يد ويد، وعين وعين، ووجه ووجه وهكذا؛ فنحن إنما قلنا بذلك لأن لدينا دليلًا لا شك أن هذه الحجة واهية يوهيها ما سبق من باين أن الله ليس له مثيل ونقول: إن الله خاطبنا بما خاطبنا به من صفاته، لكننا نعلم علم اليقين أن الصفة بحسب الموصوف ودليل هذا في الشاهد؛ فإنه يقال للجمل يد وللذرة يد، ولا أحد يفهم من اليد التي أضفناها إلى الجمل أنها مثل اليد التي أضفناها إلى الذرة! هذا وهو في المخلوقات؛ فكيف إذا كان ذلك من أوصاف الخالق؟! فإن التباين يكون أظهر وأجلى وعلى هذا؛ فيكون قول هؤلاء الممثلة مردودًا بالعقل كما أنه مردود بالسمع قال الله تعالى وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فأثبت لنفسه ﷾ السمع والبصر؛ لبيان كماله، ونقص الأصنام التي تُعبد من دونه؛ فالأصنام التي تعبد من دون الله تعالى لا يسمعون، ولو سمعوا؛ ما استجابوا، ولا يبصرون؛ كما قال الله ﷿: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:٢٠ - ٢١]؛ فهم ليس لهم سمع ولا عقل ولا بصر ولو فرض أن لهم ذلك؛ ما استجابوا: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف:٥] فأهل السنة والجماعة يؤمنون بانتفاء المماثلة عن الله؛ لأنها عيب ويثبتون له السمع والبصر؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١٠٥","vol":"2","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>المطلب الخامس: معنى قول أهل السنة: (من غير تكييف ولا تمثيل)</span>\nهذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة.\n(فالتكييف) هو: جعل الشيء على حقيقة معينة من غير أن يقيدها بمماثل (١).\nمثال ذلك: قول الهشامية عن الله: (طوله كعرضه) (٢).\nأو قولهم: (طوله طول سبعة أشبار بشبر نفسه).\nوعلى هذا التعريف يكون هناك فرق بين التكييف والتمثيل.\nفالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل.\nوأما التمثيل: فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.\nولعل الصواب أن التكييف أعم من التمثيل.\nفكل تمثيل تكييف؛ لأن من مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كيف تلك الصفة أي جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.\nوليس كل تكييف تمثيلًا؛ لأن من التكييف ما ليس فيه تمثيل صفات المخلوقين، كقولهم: طوله كعرضه.\nومعنى قول أهل السنة: (من غير تكييف) أي من غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: (من غير تكييف) أنهم ينفون الكيف مطلقًا؛ فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف؛ إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (٣).\nفمن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ﷿؛ لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.\nوقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) قاعدة ساروا عليها في هذا الباب.\n(ولا تمثيل):\nالمثيل لغة: هو الند والنظير.\nوالتمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق أنها مثل صفات المخلوقين.\nوهو قول الممثل: له يد كيدي، وسمع كسمعي، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.\nوالتمثيل والتشبيه هنا بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة (٤).\nفالمماثلة: هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه.\nوالمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.\nولكن التعبير هنا بنفي (التمثيل) أولى لموافقة لفظ القرآن.\nفي قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشُّورى: ١١].\nوقوله تعالى: فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ [النحل: ٧٤].\nوقد وقع في التمثيل والتكييف (المشبهة) الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.\nوقد وقع في التمثيل كل من:\n١ - الكرامية: أتباع محمد بن كرام السجستاني.\nوهم طوائف يبلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة، وأصولها ستة هي:\n١ - العابدية. ٢ - النونية. ٣ - الزرينية.\n٤ - الإسحاقية. ٥ - الواحدية. ٦ - الهيصمية.\n٢ - الهشامية الرافضية الإمامية.\nوهم أصحاب: هشام بن الحكم الرافضي.\nوأحيانًا تنسب إلى: هشام بن سالم الجواليقي، وكلاهما من الإمامية المشبهة، والجدير بالذكر أن الرافضة الإمامية كان ينتشر فيهم التشبيه وهذا في أوائلهم (٥).\nوأما الرافضة الإمامية في الوقت الراهن فعلى عقيدة المعتزلة في مسائل الصفات، وكذلك (الزيدية) من الشيعة. معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٦٤\n_________\n(١) «القواعد المثلى» (ص: ٢٧).\n(٢) «مقالات الإسلاميين» (ص: ٣١).\n(٣) «شرح العقيدة الواسطية» (ص: ٢١).\n(٤) «القواعد المثلى» (ص: ٢٧).\n(٥) «شرح الأصفهانية» (ص: ٦٥).","vol":"2","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-688>المطلب السادس: الفرق بين التمثيل والتكييف</span>\nالفرق بينهما من وجهين:\nالأول: أن التمثيل ذكر الصفة مقيدة بمماثل؛ فتقول يد فلان مثل يد فلان، والتكييف ذكر الصفة غير مقيدة بمماثل؛ مثل أن تقول: كيفية يد فلان كذا وكذا\nوعلى هذا نقول: كل ممثل مكيف، ولا عكس\nالثاني: أن الكيفية لا تكون إلا في الصفة والهيئة، والتمثيل يكون في ذلك كما في قوله تعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُن [الطلاق: ١٢]؛ أي: في العدد\nبل يؤمنون بأن الله سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] أي: يقر أهل السنة والجماعة بذلك إقرارًا وتصديقًا بأن الله ليس كمثله شيء؛ كما قال عن نفسه: َليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير [الشورى:١١]؛ فهنا نفى المماثلة، ثم أثبت السمع والبصر فنفى العيب، ثم أثبت الكمال؛ لأن نفي العيب قبل إثبات الكمال أحسن، ولهذا يقال التخلية قبل التحلية فنفي العيوب يبدأ به أولًا ثم يذكر إثبات الكمال\nوكلمة (شيء) نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء، ليس شيء مثله أبدًا ﷿ أي مخلوق وإن عظم؛ فليس مماثلًا لله ﷿؛ لأن مماثلة الناقص نقص، بل إن طلب المفاضلة بين الناقص والكامل تجعله ناقصًا؛ كما قيل:\nألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا\nفهنا لو قلنا: إن لله مثيلًا؛ لزم من ذلك تنقص الله ﷿؛ فلهذا نقول: نفى الله عن نفسه مماثلة المخلوقين؛ لأن مماثلة المخلوقين نقص وعيب؛ لأن المخلوق ناقص وتمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصا، بل ذكر المفاضلة بينهما يجعله ناقصًا؛ إلا إذا كان في مقام التحدي؛ كما في قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، وقوله: قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ [البقرة: ١٤٠] شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١١٢","vol":"2","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-691>المسألة الأولى: تعريف التعطيل لغةً</span>\nالتعطيل لغة مأخوذ من مادة (عطل):\nقال ابن فارس: (عطل) العين والطاء واللام أصل صحيح واحد يدل على خلو وفراغ؛ تقول عطلت الدار، ودار معطلة. ومتى تركت الإبل بلا راع فقد عطلت، وكذلك البئر إذا لم تورد ولم يستق منها.\nقال الله ﵎: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ [الحج: ٤٥] وقال تعالى: وَإِذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ [التَّكوير: ٤]، وكل شيء خلا من حافظ فقد عطل، من ذلك تعطيل الثغور وما أشبهها، ومن هذا الباب العَطَل وهو العُطُول، يقال امرأة عاطل، إذا كانت لا حلي لها، والجمع عواطل، وقوس عُطُلٌ: لا وتر عليها، وخيل أعطال: لا قلائد لها (١).\nوقال الخليل بن أحمد: (امرأة عاطل بغير هاء: لا حلي عليها وقوس عُطُل: لا وتر عليها، والأعطال من الخيل التي لا أرسان عليها، وإذا ترك الثغر بلا حام يحميه فقد عطل، والمواشي إذا أهملت بلا راع فقد عطلت، وكذلك الرعية إذا لم يكن لها وال يسوسها فهم معطلون، وقد عطلوا: أي أهملوا، وبئر معطلة لا يستقى منها ولا ينتفع بمائها، وتعطيل الحدود ألا تقام على من وجبت عليه، وعطلت الغلات والمزارع إذا لم تعمر ولم تحرث، وسمعت العرب تقول فلان ذو عطلة إذا لم تكن له صنعة يمارسها، ودلو عَطِلّة إذا تَقَطع وذَمُها فتعطلت من الاستقاء بها) (٢).\nوقال ابن سيده: (التعطيل: التَّفريغ، وعطّل الدار: أخلاها، وكل ما ترك ضياعًا مُعَطَّلٌ ومُعْطَل) (٣).\nفمن خلال هذه النقول عن بعض كبار أئمة اللغة يتضح لك أن مدار كلمة التعطيل في اللغة على الخلو والفراغ والترك، وهذا ما فسر به بعض السلف قوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ.\nقال ابن عباس ﵄ في تفسيرها: (التي تركت) (٤).\nوقال قتادة: (أعطلها أهلها، وتركوها) (٥).\nوكذا قوله تعالى: وَإِذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ قال أبي بن كعب: (إذا أهملها أهلها) (٦)، وقال مجاهد: (سيبت وتركت) (٧).\nوهذه المعاني اللغوية للتعطيل هي المستعملة في الاصطلاح. مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ١٦\n_________\n(١) «معجم مقاييس اللغة» (٤/ ٣٥١).\n(٢) «تهذيب اللغة» (٢/ ١٦٥).\n(٣) «المحكم» (١/ ٣٣٨، ٣٣٩).\n(٤) «تفسير الطبري» (١٧/ ١٨٠).\n(٥) «تفسير الطبري» (١٧/ ١٨٠).\n(٦) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٦٦).\n(٧) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٦٦).","vol":"2","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-692>المسألة الثانية: تعريف التعطيل شرعًا</span>\nيختلف تعريف التعطيل باختلاف صوره فهناك:\n١ - التعطيل المحض أو الكلي: وهو إنكار الخالق، وإنكار كلامه ودينه، وإنكار عبادته وشرائعه.\nقال ابن القيم: (وأهل التعطيل المحض عطلوا الشرائع، وعطلوا المصنوع عن الصانع، وعطلوا الصانع عن صفات كماله، وعطلوا العالم عن الحق الذي خلق له وبه، فعطلوه عن مبدئه ومعاده وعن فاعله وغايته) (١).\nوأهل هذا التعطيل هم الملاحدة الدهرية الطبائعية الذين ينكرون ما سوى هذا الوجود الذي يشاهده الناس ويحسونه، وهو وجود الأفلاك وما فيها (٢)، وقالوا: (إن العالم دائم لم يزل ولا يزال، ولا يتغير ولا يضمحل، وإن الأشياء ليس لها أول البتة) (٣).\n٢ - أما تعطيل الأسماء والصفات: فهو نفي الصفات الإلهية عن الله وإنكار قيامها بذاته أو إنكار بعضها (٤).\nأو: نفي الأسماء والصفات أو بعضها.\nفتوحيد الأسماء والصفات له ضدان هما:\n١ - التعطيل. ٢ - التمثيل.\nفمن نفى صفات الرب ﷿ وعطلها؛ فقد كذب تعطيله توحيده، ومن شبهه بخلقه ومثله بهم؛ فقد كذب تشبيهه وتمثيله توحيده (٥).\nوالتعطيل في هذا الباب على قسمين:\nالقسم الأول: التعطيل المحض التام أو الكلي، وهو الذي عليه الجهمية والفلاسفة من إنكار جميع الأسماء والصفات.\nوالقسم الثاني: التعطيل الجزئي، وهو نوعان:\nالنوع الأول: إثبات الأسماء ونفي الصفات وهو الذي عليه المعتزلة ومن وافقهم.\nالنوع الثاني: نفي بعض الصفات دون بعض وهو الذي عليه الكلابية والأشاعرة والماتريدية.\nوالتعطيل هنا في هذا الباب يدخل فيه تعطيل الباري ﷾ عن أسمائه وصفاته.\nويدخل فيه أيضًا تعطيل نصوص الأسماء والصفات الذي هو إنكار حقائقها وما دلت عليه وما تضمنته من المعاني.\n٣ - تعطيل النبوات: وهو إنكار النبوات، كما هو حال البراهمة القائلين بحدوث العالم المثبتين للصانع ولكنهم ينكرون النبوات أصلًا. فالخلاف مع الخارجين عن الملة على ثلاثة أضرب:\n١ - الخلاف مع المنكرين للصانع والقائلين بقدم العالم.\n٢ - وخلاف مع القائلين بحدوث العالم المثبتين للصانع المنكرين للنبوات أصلًا كالبراهمة.\n٣ - خلاف مع القائلين ببعض النبوات المنكرين لنبوة محمد ﷺ (٦).\nقال ابن حزم: (ذهبت البراهمة وهم قبيلة بالهند فيهم أشراف الهند وهم يقولون بالتوحيد على نحو قولنا إلا أنهم أنكروا النبوات) (٧). مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ١٧\n_________\n(١) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٦٨).\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ١٦٨).\n(٣) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٥٦).\n(٤) «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» (ص: ٨٧).\n(٥) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص: ٣٦).\n(٦) «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ١٤٠).\n(٧) «الفصل» (١/ ٦٩).","vol":"2","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>المطلب الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة بريئة من التعطيل</span>\nفأهل السنة والجماعة لا يعطلون أي اسم من أسماء الله، أو أي صفة من صفات الله ولا يجحدونها، بل يقرون بها إقرارًا كاملًا\nفإن قلت: ما الفرق بين التعطيل والتحريف؟\nقلنا: التحريف في الدليل والتعطيل في المدلول، فمثلًا:\nإذا قال قائل: معنى قوله تعالى بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان [المائدة: ٦٤]، أي بل قوتاه هذا محرف للدليل، ومعطل للمراد الصحيح، لأن المراد اليد الحقيقية، فقد عطل المعنى المراد، وأثبت معنى غير المراد وإذا قال: بل يداه مبسوطتان، لا أدري! أفوض الأمر إلى الله، لا أثبت اليد الحقيقية، ولا اليد المحرف إليها اللفظ نقول: هذا معطل، وليس بمحرف، لأنه لم يغير معنى اللفظ، ولم يفسره بغير مراده، لكن عطل معناه الذي يراد به، وهو إثبات اليد لله ﷿\nأهل السنة والجماعة يتبرءون من الطريقتين: الطريقة الأولى: التي هي تحريف اللفظ بتعطيل معناه الحقيقي المراد إلى معنى غير مراد والطريقة الثانية: وهي طريقة أهل التفويض، فهم لا يفوضون المعنى كما يقول المفوضة بل يقولون: نحن نقول: بَلْ يَدَاهُ، أي: يداه الحقيقيتان مَبْسُوطَتَان، وهما غير القوة والنعمة\nفعقيدة أهل السنة والجماعة بريئة من التحريف ومن التعطيل شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٩١","vol":"2","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-694>المطلب الثالث: أنواع التعطيل في توحيد الله</span>\nينقسم التعطيل في باب التوحيد إلى ثلاثة أقسام هي:\n١ - التعطيل في جانب الربوبية.\n٢ - التعطيل في جانب الألوهية.\n٣ - التعطيل في جانب الأسماء والصفات.\nفالتوحيد كما هو معلوم ضده الشرك، والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته ولكنه عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل (١).\nأما القسم الأول: فهو تعطيل جانب الربوبية:\nوالمقصود به: إنكار وجود الخالق ﷾، ومن صور هذا القسم وأمثلته:\n١ - شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وإنه لم يكن معدومًا أصلًا بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس (٢).\n٢ - شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق، ولا هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه (٣).\n٣ - شرك فرعون إذ قال: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ [الشعراء: ٢٣] وقال تعالى مخبرًا عنه أنه قال لهامان: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر: ٣٧].\nالقسم الثاني: التعطيل في جانب الألوهية:\nقال ابن القيم في تعريفه هو: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. ومن صوره: ما يفعله بعض غلاة المتصوفة من إسقاط العبادات عنهم وعن أتباعهم، وزعمهم أن الكمال في فناء العبد عن حظوظه – أي الفناء في توحيد الربوبية – حيث يعلنون أن العارف الذي يشهد هذا المقام (لا يستحسن حسنة، ولا يستقبح سيئة) ويجعلون هذا غاية العرفان (٤).\nالقسم الثالث: التعطيل في جانب الأسماء والصفات:\nوهو: نفي أسماء الله وصفاته أو بعضها. ومن صوره: ما يعتقده غلاة الجهمية والقرامطة الذين لم يثبتوا لله أسمًا ولا صفة، فعطلوا أسماء الرب تعالى، وأوصافه، وأفعاله، بل جعلوا المخلوق أكمل منه إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها (٥). مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٢١\n_________\n(١) «الجواب الكافي» (ص: ١٥٣).\n(٢) «الجواب الكافي» (ص: ١٥٣).\n(٣) «الجواب الكافي» (ص: ١٥٣).\n(٤) «التصوف وابن تيمية» للدكتور مصطفى حلمي (ص: ٣٩٠).\n(٥) «الجواب الكافي» (ص: ١٥٣).","vol":"2","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-696>المسألة الأولى: درجات التعطيل في باب الأسماء والصفات عمومًا</span>\nمن سبر أقوال أهل التعطيل يجدها من حيث العموم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: نفي جميع الأسماء والصفات\nوهذا قول الجهمية أتباع جهم بن صفوان (١)، والفلاسفة، سواء كانوا أصحاب فلسفة محضة كالفارابي (٢)، أو فلسفة باطنية إسماعيلية قرمطية كابن سينا (٣)، أو فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والتحقيق أن التجهم المحض وهو نفي الأسماء والصفات، كما يحكي عن جهم والغالية من الملاحدة ونحوهم من نفي أسماء الله الحسنى، كفر بين مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول) (٤).\nالقسم الثاني: نفي الصفات دون الأسماء\nوهذا قول المعتزلة، ووافقهم عليه ابن حزم الظاهري (٥)، والزيدية، والرافضة الإمامية، والإباضية. فالمعتزلة يجمعون على تسمية الله بالاسم ونفي الصفة عنه.\nيقول ابن المرتضى المعتزلي: (فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثًا، قديمًا، قادرًا، عالمًا، حيًا، لا لمعان ...) (٦).\nالقسم الثالث: إثبات الأسماء وبعض الصفات ونفي البعض الآخر\nوهذا قول الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.\nفالكلابية وقدماء الأشاعرة: يثبتون الأسماء والصفات ما عدا صفات الأفعال الاختيارية (٧) (أي التي تتعلق بمشيئته واختياره)، فهم إما يؤولونها أو يثبتونها على اعتبار أنها أزلية، وذلك خوفًا منهم على حد زعمهم من حلول الحوادث بذات الله (٨)، أو يجعلونها من صفات الفعل المنفصلة عن الله التي لا تقوم به (٩).\nوأما الأشاعرة المتأخرون ومعهم الماتريدية فهم يثبتون الأسماء وسبعًا من الصفات هي: (الحياة، العلم، القدرة، السمع، البصر، الإرادة، الكلام) ويزيد بعض الماتريدية صفة ثامنة هي (التكوين) (١٠)، وينفون باقي الصفات، ويؤولون النصوص الواردة فيها، ويحرفون معانيها. مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٢١\nالمعطلة أربع طوائف\nالطائفة الأولى: الأشاعرة ومن تبعهم\nقالوا: نثبت له الأسماء حقيقة، ونثبت له صفات معينة دل عليها العقل وننكر الباقي، نثبت له سبع صفات فقط والباقي ننكره تحريفًا لا تكذيبًا، لأنهم لو أنكروه تكذيبًا، كفروا، لكن ينكرونه تحريفًا وهو ما يدعون أنه \"تأويل\"\nالصفات السبع هي مجموعة في قوله:\nله الحياة والكلامُ والبصر ... سمع إرادةُ وعلم واقتدر\nفهذه الصفات نثبتها لأن العقل دل عليها وبقية الصفات ما دل عليها العقل، فنثبت ما دل عليه العقل، وننكر ما لم يدل عليه العقل وهؤلاء هم الأشاعرة، آمنوا بالبعض، وأنكروا البعض\nالطائفة الثانية: المعتزلة ومن تبعهم\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٣٥، ٥/ ٣٥٥، ١٣/ ١٣١)، «درء تعارف العقل والنقل» (٣/ ٣٦٧).\n(٢) «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٣، ٥٢٤).\n(٣) «شرح العقيدة الأصفهانية» (ص: ٧٦).\n(٤) «النبوات» (ص: ١٩٨).\n(٥) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٢٤٩، ٢٥٠).\n(٦) كتاب «باب ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل» (ص: ٦). وانظر «شرح الأصول الخمسة» (ص: ١٥١) و«مقالات الإسلاميين» (ص: ١٦٤، ١٦٥)، «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٥٥).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ١٣١).\n(٨) «موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٢/ ٥٠٦).\n(٩) «موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٢/ ٥٤٤).\n(١٠) انظر: «تحفة المريد» (ص: ٦٣)، و«إشارات المرام» (ص: ١٠٧ - ١١٤)، و«كتاب الماتريدية دراسة وتقويم» (ص: ٢٣٩)، و«كتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات» (٢/ ٤٣٠)، و«منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله» (ص: ٤٠١).","vol":"2","page":452},{"text":"قالوا: يثبت له الأسماء دون الصفات، وهؤلاء هم المعتزلة أثبتوا أسماء الله، قالوا: إن الله سميع بصير قدير عليم حكيم لكن قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع بصير بلا بصر، عليم بلا علم، حكيم بلا حكمة\nالطائفة الثالثة: غلاة الجهمية والقرامطة والباطنية ومن تبعهم\nقالوا: لا يجوز أبدًا أن نصف الله لا بوجود ولا بعدم، لأنه إن وصف بالوجود، أشبه الموجودات، وإن وصف بالعدم، أشبه المعدومات، وعليه يجب نفي الوجود والعدم عنه، وما ذهبوا إليه، فهو تشبيه للخالق بالممتنعات والمستحيلات، لأن تقابل العدم والوجود تقابل نقيضين، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وكل عقول بني آدم تنكر هذا الشيء ولا تقبله، فانظر كيف فروا من شيء فوقعوا في أشر منه!\nالطائفة الرابعة: غلاة الغلاة من الفلاسفة والقرامطة والباطنية\nقالوا: نصفه بالنفي ولا نصفه بالإثبات، يعني: أنهم يجوِّزون أن تسلب عن الله ﷾ الصفات لكن لا تثبت، يعني: لا نقول: هو حي، وإنما نقول ليس بميت ولا نقول عليم، بل نقول: ليس بجاهل وهكذا قالوا: لو أثبت له شيئًا شبهته بالموجودات، لأنه على زعمهم كل الأشياء الموجودة متشابهة، فأنت لا تثبت له شيئًا، وأما النفي، فهو عدم، مع أن الموجود في الكتاب والسنة في صفات الله من الإثبات أكثر من النفي بكثير قيل لهم: إن الله قال عن نفسه: (سميع بصير) قالوا: هذا من باب الإضافات، بمعنى: نُسب إليه السمع لا لأنه متصف به، ولكن لأن له مخلوقا يسمع، فهو من باب الإضافات، فـ (سميع)، يعني: ليس له سمع، لكن له مسموع وجاءت طائفة ثانية، قالوا: هذه الأوصاف لمخلوقاته، وليست له، أما هو، فلا يثبت له صفة فهذه أقسام التعطيل في الأسماء والصفات شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٣١","vol":"2","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-697>المسألة الثانية: درجات التعطيل في باب الأسماء الحسنى</span>\nالقول الأول: من يقول إن الله لا يسمى بشيء\nوهذا قول الجهمية أتباع جهم بن صفوان، والغالية من الملاحدة كالقرامطة الباطنية والفلاسفة.\nوهؤلاء المعطلة لهم في تعطيلهم لأسماء الله أربعة مسالك هي:\nالمسلك الأول: الاقتصار على نفي الإثبات فقالوا: لا يسمى بإثبات.\nالمسلك الثاني: أنه لا يسمى بإثبات ولا نفي.\nالمسلك الثالث: السكوت عن الأمرين الإثبات والنفي.\nالمسلك الرابع: تصويب جميع الأقوال بالرغم من تناقضها.\nفهذا الصنف من المعطلة اتفقوا على إنكار الأسماء جميعها، ولكن تنوعت مسالكهم في الإنكار.\n١ - فأصحاب المسلك الأول: اقتصروا على قولهم: بأنه ليس له اسم كالحي والعليم ونحو ذلك. وشبهتهم في ذلك:\nأ- أنه إذا كان له اسم من هذه الأسماء لزم أن يكون متصفًا بمعنى الاسم كالحياة والعلم.\nفإن صدق المشتق – أي الاسم كالعليم – مستلزم لصدق المشتق منه – أي الصفة كالعلم – وذلك محال عندهم.\nب- ولأنه إذا سمي بهذه الأسماء فهي مما يسمى به غيره؛ والله منزه عن مشابهة الغير (١).\nفهؤلاء المعطلة المحضة – نفاة الأسماء – يسمون من سمى الله بأسمائه الحسنى مشبهًا؛ فيقولون: (إذا قلنا حي عليم فقد شبهناه بغيره من الأحياء العالمين، وكذلك إذا قلنا هو سميع بصير فقد شبهناه بالإنسان السميع البصير، وإذا قلنا رؤوف رحيم فقد شبهناه بالنبي الرؤوف الرحيم، بل قالوا إذا قلنا موجود فقد شبهناه بسائر الموجودات لاشتراكهما في مسمى الوجود) (٢).\nوهذا المسلك ينسب لجهم بن صفوان.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئًا لا حيًا ولا غير ذلك إلا على سبيل المجاز) (٣) هو قول الباطنية من الفلاسفة والقرامطة، فهم يقولون لا نسميه حيًا، ولا عالمًا، ولا قادرًا، ولا متكلمًا، إلا مجازًا بمعنى السلب والإضافة: أي هو ليس بجاهل ولا عاجز (٤). وهذا كذلك قول ابن سينا وأمثاله (٥).\n٢ - وأما أصحاب المسلك الثاني: فقد زادوا في الغلو فقالوا: (لا يسمى بإثبات ولا نفي، ولا يقال موجود ولا لا موجود، ولا حي ولا لا حي؛ لأن في الإثبات تشبيهًا بالموجودات، وفي النفي تشبيهًا له بالمعدومات.\nوكل ذلك تشبيه. وهذا المسلك ينسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية والمتفلسفة (٦).\n٣ - وأما أصحاب المسلك الثالث فيقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول ليس بموجود ولا معدوم، ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.\nومن الناس من يحكي هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله، ومعرفته، وحبه، وذكره، وعبادته، ودعائه (٧).\nوأصحاب هذا المسلك: هم المتجاهلة اللاأدرية.\nوأصحاب المسلك الثاني: هم المتجاهلة الواقفة الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي.\nوأصحاب المسلك الأول: هم المكذبة النفاة.\n_________\n(١) انظر «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٥، ٣/ ١٠٠)، و«درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٣٦٧)، وكتاب «الصفدية» (١/ ٨٨ - ٨٩، ٩٦ - ٩٧).\n(٢) «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٣، ٥٣٤).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣١١).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٥٥).\n(٥) «الصفدية» (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٥، ٣/ ١٠٠)، «شرح الأصفهانية» (ص: ٧٦ - ٨٠).\n(٧) كتاب «الصفدية» (٦/ ٩٦ - ٩٨)، «شرح الأصفهانية» (ص: ٨٤).","vol":"2","page":454},{"text":"والملاحظ أن كل فريق من هؤلاء يهدم ما بناه ما قبله، فلما اقتصر أصحاب المسلك الأول على النفي وامتنعوا عن الإثبات بحجة أن في الإثبات تشبيهًا له بالموجودات جاء أصحاب المسلك الثاني فزادوا في الغلو، وزعموا أن في النفي كذلك تشبيهًا له بالجمادات، فمنعوا النفي أيضًا، ثم جاء أصحاب المسلك الثالث فاتهموا أصحاب المسلك الثاني بأنهم شبهوه بالممتنعات، لأن قولهم يقوم على نفي النقيضين وهذا ممتنع.\n٤ - وهناك مسلك رابع: وهو مسلك أصحاب وحدة الوجود الذين يعطون أسماءه سبحانه لكل شيء في الوجود، إذ كان وجود الأشياء عندهم هو عين وجوده ما ثمت فرق إلا بالإطلاق والتقييد (١).\nوهذا منتهى قول طوائف المعطلة (٢) وغاية ما عندهم في الإثبات قولهم هو: (وجود مطلق) أي: وجود خيالي في الذهن، أو وجود مقيد بالأمور السلبية (٣).\nالقول الثاني: أن الله يسمى باسمين فقط هما: (الخالق) و(القادر): وهذا القول منسوب للجهم بن صفوان.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كان الجهم وأمثاله يقولون: إن الله ليس بشيء، وروى عنه أنه قال: لا يسمى باسم يسمى به الخلق، فلم يسمه إلا (بالخالق) و(القادر) لأنه كان جبريًا يرى أن العبد لا قدرة له) (٤).\nوقال ﵀: (ولهذا نقلوا عن جهم أنه لا يسمى الله بشيء، ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من الأسماء التي يسمى بها الخلق: كالحي، والعالم، والسميع، والبصير، بل يسميه قادرًا خالفًا، لأن العبد عنده ليس بقادر، إذ كان هو رأس الجهمية الجبرية) (٥).\nالقول الثالث: إثبات الأسماء مجردة عن الصفات\nوهذا قول المعتزلة ووافقهم ابن حزم الظاهري. وتبع المعتزلة على ذلك الزيدية، والرافضة الإمامية، وبعض الخوارج. فالمعتزلة يجمعون على تسمية الله بالاسم ونفي الصفة عنه. يقول ابن المرتضى المعتزلي: (فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثًا قديمًا، قادرًا، عالمًا، حيًا لا لمعان) (٦).\nوابن حزم وافق المعتزلة في ذلك فهو يرى: (أن الأسماء الحسنى كالحي، والعليم، والقدير، بمنزلة أسماء الأعلام التي لا تدل على حياة ولا علم، ولا قدرة، وقال: لا فرق بين الحي وبين العليم في المعنى أصلًا) (٧).\nوالمعتزلة لهم في نفيهم لتضمن الأسماء للصفات مسلكان:\nالمسلك الأول: من جعل الأسماء كالأعلام المحضة المترادفة التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به. فهم بذلك ينظرون إلى هذه الأسماء على أنها أعلام محضة لا تدل على صفة.\nو(المحضة) الخاصة الخالية من الدلالة على شيء آخر، فهم يقولون: إن العليم والخبير والسميع ونحو ذلك أعلام لله ليست دالة على أوصاف، وهي بالنسبة إلى دلالتها على ذات واحدة هي مترادفة وذلك مثل تسميتك ذاتًا واحدة (يزيد، وعمرو، ومحمد، وعلي) فهذه الأسماء مترادفة، وهي أعلام خالصة لا تدل على صفة لهذه الذات المسماة بها (٨).\n_________\n(١) «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ١٢٦).\n(٢) «الصفدية» (١/ ٩٨، ٩٩).\n(٣) «الصفدية» (١/ ١١٦، ١١٧).\n(٤) «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٦ - ٥٢٧)، «الأنساب» للسمعاني (٢/ ١٣٣).\n(٥) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ١٨٧)، «مجموع الفتاوى» (٨/ ٤٦٠).\n(٦) كتاب «ذكر المعتزلة» (ص: ٦)، «شرح الأصول الخمسة» (ص: ١٥١)، «مقالات الإسلاميين» (ص: ١٦٤ - ١٦٥).\n(٧) «شرح الأصفهانية» (ص: ٧٦)، «الفصل» (٢/ ١٦١)، «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٢٤٩ - ٢٥٠).\n(٨) «التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية» (١/ ٤٦).","vol":"2","page":455},{"text":"والمسلك الثاني: من يقول منهم إن كل علم منها مستقل، فالله يسمى عليمًا وقديرًا، وليست هذه الأسماء مترادفة، ولكن ليس معنى ذلك أن هناك حياة أو قدرة (١)؛ ولذلك يقولون عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر.\nالقول الرابع: إثبات الأسماء الحسنى مع إثبات معاني البعض وتحريف معاني البعض الآخر.\nوهذا قول الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.\nفهؤلاء وإن كانوا يوافقون أهل السنة والجماعة في إثبات ألفاظ الأسماء الحسنى لكنهم يخالفونهم في إثبات بعض معاني تلك الأسماء.\nفمن المعلوم أن كل اسم من أسماء الله متضمن لصفة. وللكلابية والأشاعرة والماتريدية قول في الصفات يخالف قول أهل السنة والجماعة. فالكلابية وقدماء الأشاعرة ينفون صفات الأفعال الاختيارية، وبالتالي لا يثبتون الصفات التي تضمنتها الأسماء إذا كانت من هذا القبيل كالخالق والرزاق ونحوها، ... وأما المتأخرون من الأشاعرة ومعهم الماتريدية، فإنهم لا يثبتون من الصفات سوى سبع صفات هي: (العلم، القدرة، الحياة، السمع، البصر، الإرادة، الكلام) ويزيد بعض الماتريدية صفة ثامنة هي (التكوين). فالاسم عندهم إن دل على ما أثبتوه من الصفات؛ أثبتوا ما دل عليه من المعنى، وإن كان دالًا على خلاف ما أثبتوه صرفوه عن حقيقته وحرفوا معناه.\nومعلوم أنه لم يرد في باب الأسماء من تلك الصفات التي ذكروها إلا خمسة فقط وهي: (العليم)، و(القدير)، و(الحي)، و(السميع)، و(البصير)، فهذه الخمسة يثبتون معانيها وإن كان هناك من يرجع صفتي (السمع) و(البصر) إلى (العلم)، ولكن جمهورهم على خلاف ذلك (٢).\nوأما بقية الأسماء التي لا تتفق مع ما أثبتوه من الصفات، فإنهم لا يثبتون ما دلت عليه من المعاني، بل يحرفونها كتحريفهم لمعنى (الرحمة) في اسمه (الرحمن) إلى إرادة الثواب أو إرادة (الإنعام)، و(الود) في (الودود) بـ (إرادة إيصال الخير) (٣). مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي - بتصرف– ص: ٢٦\n_________\n(١) «التحفة المهدية» (١/ ٤٦).\n(٢) «لباب العقول» للمكلاني (ص: ٢١٣ - ٢١٤)، «شرح الأصفهانية» (ص: ٤٤٥)، «المسايرة» لابن الهمام (ص: ٦٧)، «الماتريدية دراسة وتقويم» (ص: ٢٦٤)، «الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات» (٢/ ٤١٣)، «منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في التوحيد» (ص: ٤٠٩).\n(٣) «شرح الأسماء الحسنى» للرازي (ص: ٢٨٧).","vol":"2","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>المسألة الثالثة: درجات التعطيل في باب صفات الله تعالى</span>\nالقول الأول: نفاة جميع الصفات\nوهذا قول الغلاة من المعطلة، ومنهم الجهمية أتباع جهم، والفلاسفة سواء كانوا أهل فلسفة محضة كالفارابي، أو فلسفة باطنية رافضية إسماعيلية كابن سينا وإخوان الصفا، أو فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي وابن سبعين. وهذا القول بنفي الصفات هو قول المعتزلة ومن تبعهم كالزيدية، والرافضة الإمامية، والخوارج الإباضية، وكذلك هو قول النجارية، والضرارية.\nفهؤلاء جميعًا لا يثبتون الصفات لله تعالى، وقد تنوعت أساليب تعطيلهم وطرق إنكارهم لها، ويمكن تصنيفهم إلى صنفين:\n١ - غلاة المعطلة. ٢ - المعتزلة ومن وافقهم.\n١ - فغلاة المعطلة يمنعون الإثبات بأي حال من الأحوال ولهم في النفي درجات:\nالدرجة الأولى: درجة المكذبة النفاة\nوهي التي عليها الجهمية وطائفة من الفلاسفة (١)، وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله (٢).\nفهم يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون له إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان (٣)، فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات (٤).\nالدرجة الثانية: المتجاهلة الواقفة\nالذين يقولون لا نثبت ولا ننفي، وهذه الدرجة تنسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية المتفلسفة (٥).\nفهؤلاء هم غلاة الغلاة (٦) لأنهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ﷺ؛ فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات؛ إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات (٧).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم، ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير، ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفى عنه هذه الصفات) (٨).\nالدرجة الثالثة: المتجاهلة اللأدرية\nالذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم، ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.\nومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله، ومعرفته، وحبه، وذكره، وعبادته، ودعائه (٩).\nالدرجة الرابعة: أهل وحدة الوجود\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٧ - ٨).\n(٢) «الصفدية» (١/ ٢٩٩، ٣٠٠).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٧)، «شرح الأصفهانية» (ص: ٥١ - ٥٢).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٨).\n(٥) «شرح العقيدة الأصفهانية» (ص: ٧٦).\n(٦) «مجمع الفتاوى» (٣/ ١٠٠).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٧ - ٨).\n(٨) «شرح العقيدة الأصفهانية» (ص: ٧٦).\n(٩) «الصفدية» (١/ ٩٦، ٩٨).","vol":"2","page":457},{"text":"الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام، وفي ذلك يقول ابن عربي:\nألا كل قول في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه\nيعم به أسماع كل مكون ... فمنه إليه بدؤه وختامه (١)\nفيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النَّازعات: ٢٤] ومَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] وبين القول الذي يسمعه موسى إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: ١٤]. بل يقولون: (إنه الناطق في كل شيء؛ فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون يصرحون بأن أقوالهم هي قوله) (٢).\nوهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض والعفيف التلمساني.\nوأصل مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق يساوي الآخر ويفتقر إليه، وفي هذا يقول ابن عربي:\nفيعبدني وأعبده ... ويحمدني وأحمده (٣)\nويقول: إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات، وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب، وإنهما شيء واحد إذ لا فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت (٤) فهو الموصوف عندهم بجميع صفات النقص والذم، والكفر، والفواحش، والكذب، والجهل، كما هو الموصوف عندهم بصفات المجد، والكمال، فهو العالم والجاهل، والبصير والأعمى، والمؤمن والكافر، والناكح والمنكوح، والصحيح والمريض، والداعي والمجيب، والمتكلم والمستمع، وهو عندهم هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم، وقد يقولون لا هو العالم ولا غيره، وقد يقولون: هو العالم أيضًا وهو غيره، وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها في المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضين (٥).\nوهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام؛ فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال، وليس له اسم، ولا صفة، ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.\nويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء، وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:\n(عين ما ترى ذات لا ترى ... وذات لا ترى عين ما ترى)\nوهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود (٦).\nوفي هذا يقول ابن عربي:\nفإن قلت بالتنزيه كنت مقيدًا ... وإن قلت بالتشبيه كنت محددًا\nوإن قلت بالأمرين كنت مسددًا ض ... وكنت إمامًا في المعارف سيدًا\nفمن قال بالإشفاع كان مشركًا ... ومن قال بالإفراد كان موحدًا\nفإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا ... وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا\nفما أنت هو بل أنت هو وتراه ... في عين الأمور مسرحًا ومقيدًا) (٧)\n@ مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٣٣\n_________\n(١) «الفتوحات المكية» (٤/ ١٤١) ط: دار صادر، بيروت.\n(٢) «بغية المرتاد» (ص: ٣٤٩).\n(٣) «فصوص الحكم» (١/ ٨٣).\n(٤) «بغية المرتاد» (ص: ٣٩٧، ٣٩٨).\n(٥) «بغية المرتاد» (ص: ٤٠٨).\n(٦) «بغية المرتاد» (ص: ٤٧٣).\n(٧) «بغية المرتاد» (ص: ٥٢٧).","vol":"2","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>المطلب الخامس: جمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل</span>\nأما تمثيل المعطلة: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات.\nفهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.\nوتعطيل المعطلة: في نفيهم لما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات اللائقة به سبحانه.\nوبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولًا، وعطلوا آخرا.\nوامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات.\nمثال لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:\nنصوص الاستواء: كقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥].\nفإن المعطل يقول: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش، أو أصغر، أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام.\nفهذا المعطل لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم الذي جاء به المعطل تابع لهذا المفهوم.\nوكان الواجب عليه أن يثبت لله استواء يليق بجلاله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي هي من لوازم المخلوقات، ويجب نفيها في حق الله.\nفأهل التعطيل وقعوا في أربعة محاذير:\nالأول: كونهم مثلوا ما فهموه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنوا أن مدلول النصوص هو التمثيل.\nالثاني: أنهم عطلوا النصوص عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله.\nالثالث: أنهم بنفي تلك الصفات صاروا معطلين لما يستحقه الرب من صفات الكمال.\nالرابع: أنهم وصفوا الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات والمعدومات (١). معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٦٦\n_________\n(١) «الرسالة التدمرية» (ص: ٧٩ - ٨٠).","vol":"2","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>المطلب السادس: خطورة مقالة التعطيل</span>\nظهرت مقالة التعطيل التي هي مقالة (الجهمية) في أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: (هذه مسألة كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين، من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية، فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا. وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية؛ لما ظهر (الجعد بن درهم) وصاحبه (الجهم بن صفوان) ومن تبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات) (٢).\nوقد جاءت هذه المقالة من حيث الترتيب بعد مقالات الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمعتزلة، والمرجئة، فقد كانت تلك المقالات أسبق في الظهور منها. لكن مقالة التعطيل تعد أغلظ تلك البدع، والسبب في ذلك:\nأولًا: أن أصحاب هذه المقالة كانوا أول من عارض الوحي بالرأي، ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي ﵁، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص، ويستدلون بها على قولهم، ولا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص (٣).\nقال ابن القيم ﵀: (مضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور – أي نور الوحي – لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم تلتبس به ظلم الآراء، وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم، وأن لا يخرجوا عن طريقهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها، دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم.\nفصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرؤا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم، ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا.\nفلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي) (٤).\nثانيًا: أن بدعة هؤلاء كانت في أعظم مسائل الإيمان، ألا وهي الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، بل أعظم مسائل الدين، وهذا ما لم يسبقهم إليه أحد من أهل المقالات إلا القدرية؛ روى عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن أبي المعتمر سليمان ابن طرخان التيمي قال: (ليس قوم أشد نقضًا للإسلام من الجهمية والقدرية، وأما الجهمية فقد بارزوا الله تعالى؛ وأما القدرية فقد قالوا في الله ﷿) (٥).\nودخل رأس من رؤوس الزنادقة يقال له (شمعلة) على المهدي فقال: دلني على أصحابك. فقال: أصحابي أكثر من ذلك. فقال: دلني عليهم. فقال: صنفان ممن ينتحل القبلة: الجهمية والقدرية. الجهمي إذا غلا قال: ليس ثم شيء وأشار إلى السماء. والقدري إذا غلا قال: هما اثنان، خالق خير، وخالق شر؛ فضرب عنقه وصلبه (٦).\nوقال عبد الله بن المبارك: (ليس تعبد الجهمية شيئًا) (٧).\nوقد مضى عصر الصحابة وعقيدة الإيمان بأسماء الله وصفاته محفوظة مصونة؛ إلى أن ابتدع الجعد مقالته في أواخر عصر التابعين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام – أعني أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى استولى ونحو ذلك – هو الجعد بن درهم) (٨). مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٣٣\n_________\n(١) «منهاج السنة» (١/ ٣٠٩)، «مجموع الفتاوى» (١٣/ ١٧٧).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٣).\n(٣) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٢٤٤).\n(٤) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٦٩ - ١٠٧٠).\n(٥) «السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ١٠٤، ١٠٥) رقم (٨).\n(٦) كتاب «خلق أفعال العباد» (ص: ١١)، «توضيح المقاصد وتصحيح القواعد» (١/ ٤٨).\n(٧) «السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ١٠٩) رقم (١٧).\n(٨) «الفتوى الحموية» (ص: ٤٧).","vol":"2","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-702>المطلب الأول: تعريف التحريف</span>\nقال في الصحاح: (حرف كل شيء: طرفه وشفيره وحده .. وتحريف الكلام عن مواضعه: تغييره). وقال في (المفردات): (وتحريف الشيء إمالته، كتحريف القلم، وتحريف الكلام: أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين. قال ﷿:\nيُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ [المائدة: ١٣]. ومِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ [المائدة: ٤١]. وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ٧٥].\nفالتحريف في أصل الوضع يعني التغيير والإمالة. والتحريف في النصوص تغييرها لفظًا أو معنى والميل بها عن وجهها وحقيقتها.\nوالتحريف أعم من التعطيل، إذ هو تعطيل وزيادة. فالمحرف نفى المعنى الصحيح للنص أولًا، ثم استبدله بمعنى آخر ثانيًا، فصار كل محرف معطلًا ولا عكس. ولذا جعل أهل السنة والجماعة التحريف قسيمًا للتعطيل في جانب النفي، كما جعلوا التكييف قسيمًا للتمثيل في جانب الإثبات، (فيصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل) (١). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ١١٥\n_________\n(١) انظر: «أقاويل الثقات» لمرعي الكرمي (ص: ٦٤).","vol":"2","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>المطلب الثاني: أنوع التحريف</span>\nالتحريف نوعان النوع الأول: تحريف اللفظ:\nوتعريفه: هو العدول باللفظ عن جهته إلى غيرها، وله أربع صور:\n١ - الزيادة في اللفظ.\n٢ - النقصان في اللفظ.\n٣ - تغيير حركة إعرابية.\n٤ - تغيير حركة غير إعرابية.\nومن أمثلة تحريف اللفظ:\nالمثال الأول: تحريف إعراب قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] من الرفع إلى النصب، وقال: وَكَلَّمَ الله أي موسى كلم الله، ولم يكلمه الله، ولما حرفها بعض الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنع بقوله: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: ١٤٣] فبهت المحرف.\nمثال آخر: إن بعض المعطلة سأل بعض أئمة العربية: هل يمكن أن يقرأ العرش بالرفع في قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] وقصد بهذا التحريف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق (١).\nالنوع الثاني: تحريف المعنى:\nوتعريفه: هو صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ (٢). أو نقول: تعريفه: هو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما.\nوهذا النوع هو الذي جال فيه أهل الكلام من المعطلة وصالوا، وتوسعوا وسموه تأويلًا، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة (٣).\nومن أمثلة تحريف المعنى:\nكقول المعطلة في معنى استوى: استولى في قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥].\nوفي معنى اليد في قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] النعمة والقدرة.\nوفي معنى المجيء في قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] وجاء أمر ربك.\nوقد ذكر الله التحريف وذمه حيث ذكره، وهو مأخوذ في الأصل عن اليهود، فهم الراسخون فيه، وهم شيوخ المحرفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة، وما غلبوا عن تحريف لفظه حرفوا معناه؛ ولهذا وصفوا بالتحريف في القرآن دون غيرهم من الأمم.\nوقد درج على آثارهم الرافضة؛ فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، وكذلك الجهمية؛ فإنهم سلكوا في تحريف النصوص مسالك إخوانهم في اليهود (٤).\nوأصحاب تحريف الألفاظ شر من أصحاب تحريف المعنى من وجه.\nوأصحاب تحريف المعنى شر من أصحاب تحريف اللفظ من وجه.\nفأصحاب تحريف اللفظ عدلوا باللفظ والمعنى جميعًا عما هما عليه، فأفسدوا اللفظ والمعنى، بينما أصحاب تحريف المعنى أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله فكانوا خيرًا من أولئك من هذا الوجه.\nفأصحاب تحريف اللفظ لما أرادوا المعنى الباطل حرفوا له لفظًا يصلح له لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ المحرف فهم منه المعنى المحرف، فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، فبدأوا بتحريف اللفظ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا (٥).\nوأما كون أصحاب تحريف المعنى شرًا من أصحاب تحريف اللفظ من وجه؛ فلأن تحريف المعنى هو الأكثر استعمالًا عند أصحاب التحريف؛ ولأنه أسهل رواجًا وسوقًا عند الجهلة والعوام من الناس، فيفتتن به من ليس لديه زاد من العلم الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة. معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٥٩\n_________\n(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٨).\n(٢) «الصواعق المنزلة» (١/ ٢٠١).\n(٣) «مختصر الصواعق» (٢/ ١٤٧).\n(٤) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(٥) «مختصر الصواعق» (٢/ ١٤٧، ١٤٨).","vol":"2","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-704>المطلب الثالث: الفرق بين التحريف والتأويل</span>\nلما كان الإيمان بخبر الله ورسوله أصل هذا الدين، لم يسع أحدًا من أهل البدع المنتسبين إلى الملة رد ألفاظ النصوص الثابتة المتواترة من كتاب وسنة مما يخالف أصل بدعتهم، لكنهم سلكوا مسلكًا آخر وهو رد معانيها الثابتة الصحيحة التي فهمها سلف هذه الأمة عن الله ورسوله ﷺ، واستبدالها بمعان محدثة ابتكروها لتوافق بدعتهم. وهذه حقيقة التحريف. إلا أنهم تلطيفًا لبشاعة مسلكهم هذا سموه بغير اسمه، وزعموا أنه (تأويل) لا (تحريف)، حتى شاع هذا المصطلح وذاع في المتأخرين، وعد من طريقة أهل السنة والجماعة، ووصف ب (العلم) و(الحكمة) حتى قيل: (طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم).\nلكن التواضع على الخطأ لا يقلب الباطل حقًا، ولا يغير حقائق الأشياء لا سيما ما كان صادرًا عن معصوم. قال شيخ الإسلام – ﵀ -: (الأقوال نوعان:\n- أقوال ثابتة عن الأنبياء فهي معصومة؛ يجب أن يكون معناها حقًا، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، والبحث عنها إنما هو عما أرادته الأنبياء، فمن كان مقصوده معرفة مرادهم من الوجه الذي يعرف مرادهم فقد سلك طريق الهدى، ومن قصد أن يجعل ما قالوه تبعًا له؛ فإن وافقه قبله وإلا رده وتكلف له من التحريف ما يسميه تأويلًا، مع أنه يعلم بالضرورة أن كثيرًا من ذلك أو أكثره لم ترده الأنبياء، فهو محرف للكلم عن مواضعه، لا طالب لمعرفة التأويل الذي يعرفه الراسخون في العلم.\n- النوع الثاني: ما ليس منقولًا عن الأنبياء، فمن سواهم، ليس معصومًا، فلا يقبل كلامه ولا يرد إلا بعد تصور مراده، ومعرفة صلاحه من فساده). (١).\nوعليه، فلا يسلم لهم تسمية (تحريفهم) (تأويلًا) بإطلاق. وسبب ذلك (أن لفظ التأويل قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملًا في ثلاثة معان:\nأحدهما: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين المتكلمين في الفقه وأصوله أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به. وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وترك تأويلها، وهل هذا محمود أم مذموم، وحق أو باطل؟\nالثاني: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري القرآن، كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير: (واختلف علماء التأويل) (٢).\nالثالث: من معاني التأويل: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣]، فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه، مما يكون من القيامة، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، ونحو ذلك، كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته: وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ [يوسف: ١٠٠]. فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا) (٣).\nفلما كان لفظ (التأويل) تتنازعه هذه المعاني، وإنما أراد مدعوه المعنى الأول منها فقط، كما أن ذلك المعنى قد يكون صحيحًا وقد يكون فاسدًا بحسب صحة الدليل الصارف أو فساده لم يجز أن يسمى صنيعهم ذلك تأويلًا، وقد قام على شبهة فاسدة، فإطلاق القول يوقع في الوهم.\nولهذا فإن السلف – ﵏ – لم يمنعوا التأويل مطلقًا، وإنما منعوا التحريف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان ذلك: (.. كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم – من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه – تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله. وإنما ذمهم لكونهم تأولوه على غير تأويله وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وإن كان لا يشتبه على غيرهم وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينف مطلق لفظ (التأويل) كما تقدم من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين لمراد الله به؛ فذلك لا يعاب بل يحمد، ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو. .\nوأما التأويل المذموم والباطل: فهو تأويل أهل التحريف والبدع، الذين يتأولونه على غير تأويله، ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله، بغير دليل يوجب ذلك) (٤). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ١١٦\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٤/ ١٩١).\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» (١/ ٢٣٧)، و«تفسير الماوردي» (١/ ١٠١) بلفظ: «اختلف أهل التأويل»، و«تفسير القرطبي» (١/ ٢٧٨)، و«تفسير ابن عادل» (ص: ١٢٧).\n(٣) «التدمرية» (٨٩ - ٩٧)، وانظر الصواعق المرسلة ١/ ١٧٥ - ١٨٠\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٦٦ - ٦٧).","vol":"2","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>المطلب الرابع: أهل التحريف أصل شبهتهم والرد عليهم</span>\nيتذرع بالتحريف كل معطل تجبهه صراحة النصوص في الإثبات، سواء كان من أهل التعطيل الكلي كالجهمية والمعتزلة، أو كان من أهل التعطيل الجزئي كالمتكلمين من الأشاعرة، والماتريدية، والكلابية، وغيرهم من نظار المثبتة.\nوقد نبه شيخ الإسلام ﵀ إلى اتفاق منابع التأويل، وأن ما يتأوله أصحاب التعطيل الجزئي إنما تلقفوه عمن سبقهم من أصحاب التعطيل المحض، فقال: (وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه: (تأسيس التقديس)، ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني، وأبي الحسن البصري، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي حامد الغزالي وغيرهم – هي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه، وإن كان يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضًا. ولهم كلام حسن في أشياء) (١).\nومن هذا النص يتبين أن من وقع في التأويل المذموم على ضربين:\n١ - من اتخذه منهجًا ثابتًا، وقاعدة مطردة يعامل بها النصوص، كبشر المريسي، والنفاة نفيًا مطلقًا.\n٢ - من اضطرب قوله في ذلك ولم يسر على قاعدة مطردة، بل وقع له تأويل، ورد تأويل، وهو حال كثير من (الصفاتية) من الأشاعرة وغيرهم.\nولكنهم يتفقون – كل فيما رده - في تبرير تأويلاتهم بعلة عليلة تحمل علامات بطلانها في ثناياها (فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول ﷺ أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها. ومقصوده امتحانهم، وتكليفهم، وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله، ومقتضاه، ويعرف الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة، والجهمية، والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك).\nوالجواب عن هذه الشبهة من وجوه كثيرة أبرزها:\n١ - أن هذا المسلك قائم على أن أسماء الله وصفاته مجاز لا حقيقة، (ولو كانت أسماء الله وصفاته مجازًا يصح نفيها عند الإطلاق لكان يجوز أن الله ليس بحي، ولا عليم، ولا قدير، ولا سميع، ولا بصير، ولا يحبهم، ولا يحبونه، ولا استوى على العرش، ونحو ذلك. ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاق النفي على ما أثبته الله تعالى من الأسماء الحسنى والصفات. بل هذا جحد للخالق وتمثيل له بالمعدومات. وهم مقرون أن علامة المجاز صحة نفيه عند الإطلاق.\n٢ - أن المعاني التي ادعاها أهل التأويل المذموم معان مجازية باعترافهم وليست هي المعاني التي دلت عليها ظواهر الألفاظ، (فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه، وحقيقتها المفهومة منها: إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافي الحقيقة، لا بد فيه من أربعة أشياء:\nأحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلها، فلابد أن يكون ذلك المعنى المجازي ما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له وإن لم يكن له أصل في اللغة.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٣).","vol":"2","page":464},{"text":"الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف. وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز.\nالثالث: أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل – الصارف – عن معارض؛ وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مراده امتنع تركها، ثم إن كان هذا الدليل نصا قاطعا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرا فلا بد من الترجيح.\nالرابع: أن الرسول ﷺ إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلابد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته، وأنه أراد مجازه، سواء عينه أولم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد، والعلم، دون عمل الجوارح، فإنه – ﷾ – جعل القرآن نورًا وهدى وبيانًا للناس وشفاء لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. ثم هذا الرسول الأمي العربي بعث بأفصح اللغات، وأبين الألسنة والعبارات، ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علمًا، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره، إلا وقد نصب دليلًا يمنع من حمله على ظاهره؛ إما أن يكون عقليًا ظاهرًا، مثل قوله: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣].، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك: خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٠٢]. يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم. أو سمعيًا ظاهرًا، مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر. ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعيًا أو عقليًا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة؛ وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه، ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب أن لا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا من ظاهره، كان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان. فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد؟! أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة؟!) (١).\n٣ - أن مسلكهم هذا في تحريف نصوص الصفات، يوقعهم في التناقض والاضطراب والتفريق بين المتماثلات، وذلك أن هؤلاء المتكلمين مقرون بنصوص الغيب الأخرى من الإيمان باليوم الآخر وأنها حق على حقيقتها، بخلاف الملاحدة الباطنية الذين طردوا القول في الأمرين؛ نصوص الصفات ونصوص المعاد، وأنهما مجاز وتخييل لا تراد حقيقته، وإنما قصد به انتفاع العامة بحملهم على الطاعة والسلوك القويم خوفًا من تخييلات لا حقيقة لها. فصاروا هدفًا لهؤلاء الملاحدة من جهة النفي، ولأهل السنة من جهة الإثبات بسبب اضطراب طريقتهم وتناقضها.\n_________\n(١) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام» (٦/ ٣٦٠ - ٣٦٢). وانظر: «الوظائف الواجبة عل المتأول الذي لا يقبل منه تأويله إلا بها - في الصواعق المرسلة» (١/ ٢٨٨ - ٢٩٥).","vol":"2","page":465},{"text":"قال شيخ الإسلام ﵀ في تصوير حال هؤلاء المحرفين: (أنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم - في الحقيقة – لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا؛ لكن أولئك الملاحدة ألزموهم في النصوص – نصوص المعاد – نظير ما ادعوه في نصوص الصفات، فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة.\nوأهل السنة يقولون لهم: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات. ونصوص الصفات في الكتب الإلهية: أكثر وأعظم من نصوص المعاد. ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول، وناظروه عليه؛ بخلاف الصفات فإنه لم ينكر شيئًا منها أحد من العرب.\nفعلم إن إقرار العقول بالصفات، أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟!) (١).\nوكما أن هذا التناقض لازم لكل محرف سواء كان تحريفه كليًا أو جزئيًا، فإن أصحاب التحريف الجزئي من المتكلمين كالكلابية والأشاعرة يلزمهم لازم أخص وهو أن: (القول في بعض الصفات كالقول في بعض. فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات. قيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به) (٢). وحسبك بالتناقض والاضطراب دليلًا على فساد المنهج (٣). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ١١٩\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٣).\n(٢) «التدمرية، ابن تيمية» (٣١ - ٣٢).\n(٣) يراجع في إبطال مذهب أهل التأويل كتاب: «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» فقد توسع مؤلفه ﵀ في سرد أوجه بطلانه بما لم يجتمع في غيره.","vol":"2","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>المبحث الرابع: التفويض في نصوص الصفات</span>\n• المطلب الأول: أركان التفويض.\n• المطلب الثاني: أنواع التفويض.\n• المطلب الثالث: دعوى أن التفويض هو الطريق الأسلم.\n• المطلب الرابع: شبهات المفوضة.","vol":"2","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>المطلب الأول: أركان التفويض</span>\nالتفويض ينبني على ركنين:\nالأول: اعتقاد أن ظواهر نصوص الصفات السمعية يقتضي التشبيه، حيث لا يعقل لها معنى معلوم إلا ما هو معهود في الأذهان من صفات المخلوقين. وبالتالي فإنه يتعين نفيه ومنعه. وهذه مقدمة مشتركة بين مذهب التفويض والتأويل.\nالثاني: أن المعاني المرادة من هذه النصوص مجهولة للخلق، لا سبيل للعلم بها، بل هي مما استأثر الله بعلمه، ولا يمكن تعيين المراد بها لعدم ورود النص التوقيفي بذلك. وهنا يفترق مذهب التفويض مع مذهب التأويل الذي يجوز الاجتهاد في تعيين معان مجازية للصفات السمعية.\nفصارت نتيجة مذهب التفويض هي الجهل المطبق بمعاني النصوص، ولذا سماهم أهل السنة (أهل التجهيل)، فقال ابن القيم في أقسام الناس في نصوص الوحي: (والصنف الثالث: أصحاب التجهيل: الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا ندري ما أراد الله ورسوله منها. ولكن نقرأها ألفاظًا لا معاني لها، ونعلم أن لها تأويلًا لا يعلمه إلا الله. وهي عندنا بمنزلة كهيعص [مريم: ١] حم عسق [الشورى: ١ - ٢] المص [الأعراف: ١]. فلو ورد علينا منها ما ورد لم نعتقد فيه تمثيلًا ولا تشبيهًا، ولم نعرف معناه. وننكر على من تأوله، ونكل علمه إلى الله) (١)، وسماهم مرة: (اللاأدرية) (الذين يقولون: لا ندري معاني هذه الألفاظ، ولا ما أريد منها، ولا ما دلت عليه، وهؤلاء ينسبون طريقتهم إلى السلف) (٢). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي - ص ١٥٥\n_________\n(١) «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» (٢/ ٤٢٢).\n(٢) «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» (٣/ ٩٢٠).","vol":"2","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-708>المطلب الثاني: أنواع التفويض</span>\nنبه شيخ الإسلام ﵀ إلى لونين من التفويض فقال: (وهؤلاء أهل التضليل والتجهيل الذين حقيقة قولهم: إن الأنبياء وأتباع الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء.\nثم هؤلاء منهم من يقول: المراد بها خلاف مدلولها الظاهر والمفهوم. ولا يعرف أحد من الأنبياء، والملائكة، والصحابة، والعلماء ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.\nومنهم من يقول: بل تجري على ظاهرها، وتحمل على ظاهرها، ومع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله. فيتناقضون حيث أثبتوا لها تأويلًا يخالف ظاهرها، وقالوا – مع هذا – إنها تحمل على ظاهرها. وهذا ما أنكره ابن عقيل على شيخه القاضي أبي يعلى في كتاب (ذم التأويل» (١).\nوكلا اللونين تفويض للعلم بالمعنى، والفرق بينهما أن الأولين يعتقدون بأن ظواهر النصوص مقتضية للتشبيه، فيبادرون بنفيها، ويحيلون على معنى مجهول لا يعلمه إلا الله. والآخرين يعتقدون بأن الظواهر لا تقتضي التشبيه، ويحكمون بوجوب إجرائها على ظواهرها، لكن دون أن يبينوا المعنى الواجب فهمه من تلك الظواهر، بل يحيلون إلى معنى مجهول لا يعلمه إلا الله. وهذا وجه تناقضهم.\nويفسر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقوع هذين الاتجاهين من التفويض لبعض الأفاضل فيقول في ذكر أنواع النفاة: (ونوع ثالث: سمعوا الأحاديث والآثار، وعظموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض. وهذا حال أبي بكر بن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وأمثالهم.\nولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.\nوتارة يفوضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك. وتارة يختلف اجتهادهم، فيرجحون هذا تارة وهذا تارة كحال ابن عقيل وأمثاله) (٢) ...\nنسبة التفويض إلى السلف:\nمن الأخطاء الفاحشة في تاريخ العقيدة الإسلامية نسبة القول بالتفويض إلى مذهب السلف الصالح، وتوارث هذه الفكرة الخاطئة جيلًا بعد جيل، إلى وقتنا الحاضر حتى صارت لدى كثير من الناس من المسلمات التي لا يتطرق إليها الجدل والمقدمات التي ترتب عليها النتائج. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ١٥٦\n_________\n(١) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ١٥ - ١٦).\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٧/ ٣٤ - ٣٥).","vol":"2","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>المطلب الثالث: دعوى أن التفويض هو الطريق الأسلم</span>\nدرج المفوضة والمتكلمة من الأشاعرة على وصف مذهب التفويض بـ (السلامة) مبررين بذلك – حسب فهمهم الخاطئ – اختيار السلف لهذا السبيل لكونهم أقرب إلى الورع والاحتياط في الدين. وانساق كثير من الناس وراء هذا التبرير الذي يظهر منه – بادئ الرأي – إجلال السلف، وإضفاء مسحة الورع عليهم بتعظيمهم لجانب الرب، وعدم الخوض في هذه المزالق.\nوصار بعض من ينتحل السلف ومذهبهم يلوح بهذه اللافتة (السلامة) للترويج لمذهب التجهيل. ولما كانت (السلامة) كلمة مقابلة لكلمة (الهلاك) أو حتى كلمة (المخاطرة) فقد استمالت النفوس والقلوب طلبًا للحذر من الوقيعة في مقام دحض مزلة.\nفاجتمع في دعوى التفويض المزعومة أمران حبيبان إلى النفوس:\n- نسبته إلى السلف ...\n- تضمنه للسلامة المنافية للخطر والهلكة.\nولذلك قيل: (مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم).\nوقد تتابع المتأخرون على ترديد هذه المقالة بلفظها أو مضمونها ...\n- قول بدر الدين بن جماعة: ت ٧٢٧هـ: (وقد رجح قوم من الأكابر الأعلام قول السلف لأنه أسلم، وقوم منهم قول أهل التأويل للحاجة إليه) (١).\n- وقال سعد الدين التفتازاني (ت٧٩٣هـ) بعد ذكر نصوص الصفات: (إنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظواهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله – تعالى -، مع اعتقاد حقيقتها، جريًا على الطريق الأسلم الموافق للوقف على (إلا الله) في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ، أو تأول تأويلات مناسبة موافقة لما دلت عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفسير، وشروح الحديث سلوكًا للطريق الأحكم، الموافق للعطف في (إلا الله، والراسخون في العلم» (٢).\n- قول أحمد الدردير (ت ١٢٠١هـ: (وأجاب أئمتنا، سلفهم، بأن الله تعالى منزه عن صفات الحوادث، مع تفويض معاني هذه النصوص إليه تعالى إيثارًا للطريق الأسلم: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ، وخلفهم، بتعيين محامل صحيحة إبطالًا لمذهب الضالين، وإرشادًا للقاصدين .. نظرًا إلى الطريق الأحكم، وذهابًا إلى أن الوقف في الآية: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. ومن ثم قيل: إن طريق السلف أسلم، وطريق الخلف أعلم) (٣).\nومثل هذا في كتب المتأخرين كثير. وسبب ذلك كما يبين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة، التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين؛ فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى، بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى – وهي التي يسمونها طريقة السلف – وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف – وهي التي يسمونها طريقة الخلف – فصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع .. الخ) (٤).\nنقض شبهتهم:\nبعد هذا العرض والاستذكار لدعوى المفوضة، والمسوغين للتفويض بأن التفويض أسلم، ننقض هذه الدعوى بما يلي:\nأولًا: أن هذه (السلامة) المزعومة سلامة في مقابلة (العلم) و(الحكمة). فنصيب السلف: (السلامة) دون (العلم) و(الحكمة)، ونصيب الخلف (العلم) و(الحكمة) دون (السلامة)، وتلك قسمة ضيزى، وتحكم بلا دليل. فهذه الأمور الثلاثة متلازمة، لا يتصور انفكاكها. فإقرارهم بأن السلف لا يتميزون بالعلم والحكمة لعدم تعيينهم المراد من النصوص يتسلزم نفي السلامة عن طريقتهم. والأمر خلاف ذلك، بل على النقيض تمامًا.\n_________\n(١) «إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل» (ص: ٩٣).\n(٢) «شرح المقاصد» (٤/ ٥٠).\n(٣) «شرح الخريدة البهية» (ص: ٤٢ - ٤٣).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٩ - ١٠).","vol":"2","page":470},{"text":"قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين في بيان بطلان هذا الزعم: (.. إن كون طريقة السلف أسلم من لوازم كونها أعلم وأحكم، إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة. العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك تلك الأسباب، وبهذا يتبين أن طريق السلف (أسلم، وأعلم، وأحكم) (١).\nوالسلامة التي يمكن إثباتها في مذهب أهل التفويض هي السلامة من التحريف الذي تقوله المتكلمون على الله بغير علم، بصرف معاني النصوص إلى استعمالات مجازية. ولا ريب أن هذا لون من السلامة، لكن قابله الوقوع في هلكة التجهيل، بتفريغ تلك النصوص من أي معنى يفهمه السامع، فكانوا كما قيل:\nالمستجير بعمرو حال كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار\nثانيًا: أن هذه (السلامة) المدعاة، المبنية على الجهل، لن تصل بأصحابها إلى شاطئ الأمان، وبر الطمأنينة إلا من ابتلي بالإعراض والصدود ولم يشتغل قلبه بمعالي الأمور. أما النفوس الزكية، والقلوب الحية فلا يمكن أن تحال على مجهولات، وطلاسم، ومعميات ثم تركن إليها. (لأنه لا يمكن لأي قلب فيه حياة ووعي وطلب للعلم ونهمة في العبادة إلا أن يكون أكبر همه هو البحث في الإيمان بالله تعالى، ومعرفته بأسمائه وصفاته، وتحقيق ذلك علمًا واعتقادًا) (٢). وبالتالي يظل معتنق التفويض يعيش في حيرة، واضطراب، وتناقض، وحسبه بذلك بعدًا عن السلامة المزعومة. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي -بتصرف – ص ٤٣٩\n_________\n(١) «فتح رب البرية بتلخيص الحموية» (ص: ١٩).\n(٢) «تلخيص الحموية» (ص: ٨).","vol":"2","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-711>المسألة الأولى: المراد بالمحكم والمتشابه</span>\nاختلفت عبارات المفسرين في تعريف المحكم والمتشابه من الآيات، حتى قال الإمام الخطابي ﵀ عن آية آل عمران: (هذه الآية مشكلة جدًا وأقاويل المتأولين فيها مختلفة) (١). ونكتفي بعرض ما أورده إمام المفسرين ابن جرير الطبري ﵀ مختصرًا عند ذكر هذه الآية: (فأما المحكمات فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه، من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعبر، وما أشبه ذلك.\nثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات المحكمات بأنهن هن أم الكتاب، يعني بذلك أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين، والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم، وإنما سماهن أم الكتاب لأنهن معظم الكتاب، وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه.\nوأما قوله (متشابهات) فإن معناه متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى، كما قال جل ثناؤه: وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة: ٢٥]، يعني في المنظر، مختلفًا في المطعم.\nوقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، وما المحكم من آي الكتاب؟ وما المتشابه منه؟\n- فقال بعضهم: المحكمات من آي القرآن: المعمول بهن وهن الناسخات، أو المثبتات الأحكام. والمتشابهات من آية: المتروك العمل بهن، المنسوخات.\n- وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه، والمتشابه منها: ما أشبه بعضه بعضًا في المعاني، وإن اختلفت ألفاظه.\n- وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منه: ما احتمل من التأويل أوجهًا.\n- وقال آخرون: معنى المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن، وقصص الأنبياء ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله بيان ذلك لمحمد وأمته. والمتشابه: هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور، فقصة باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني.\nوقال آخرون: بل المحكم من آي القرآن: ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم ووقت طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يعلمه أحد ..) (٢).\nفهذه خمسة أقوال مأثورة عن السلف في بيان المحكم والمتشابه. فصار الكلام في الإحكام والتشابه يدور حول خمسة متعلقات:\n١ - النسخ.\n٢ - الحلال والحرام.\n٣ - احتمال المعاني.\n٤ - القصص والأخبار.\n٥ - حقائق المعاني الغيبية.\nوقبل أن نبين وجه الإحكام والتشابه في هذه الأمور، نتعرف على معنى (الإحكام)، و(التشابه) من حيث هما، ومن حيث استعمالهما في القرآن الكريم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (.. إن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه. وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه. فينبغي أن يعرف الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه. قال تعالى: الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود: ١]، فأخبر أنه أحكم آياته كلها. وقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ [الزمر: ٢٣]، فأخبر أنه كله متشابه.\n_________\n(١) «أعلام الحديث» (٣/ ١٨٢٤).\n(٢) «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» (٣/ ١٧٠ - ١٧٥).","vol":"2","page":472},{"text":"والحكم هو الفصل بين الشيئين، والحاكم يفصل بين الخصمين، والحكمة فصل بين المشتبهات علمًا وعملًا، إذا ميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار. وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار، فيقال: حكمت السفيه، وأحكمته إذا أخذت على يديه، وحكمت الدابة وأحكمتها إذا جعلت لها حكمة، وهو ما أحاط الحنك من اللجام، وإحكام الشيء إتقانه. فإحكام الكلام: إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره.\nوالقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، فقد سماه الله حكيمًا بقوله: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١].\nوأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، وهو الاختلاف المذكور في قوله: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات: ٨ - ٩] فالتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضًا.\nوهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام، بل هو مصدق له. فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضه، لا يناقض بعضه بعضًا. بخلاف الإحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص. فالتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله، وليس كذلك.\nوالإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر. وهذا التشابه إنما يكون لقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما.\nثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما، فيكون مشتبهًا عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا تمييز معه قد يكون من الأمور النسبية الإضافية. بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض. ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله، فعلم العلماء أنه ليس هو مثله، وإن كان مشبهًا له من بعض الوجوه) (١).\nفتبين من هذا العرض أن (الإحكام) و(التشابه) المتعلقان بالقرآن أربعة أنواع:\n١ - الإحكام العام: بمعنى الإتقان في أخباره وأحكامه.\n٢ - التشابه العام: وهو تماثله وتناسبه وتصديق بعضه بعضًا.\n٣ - التشابه الخاص: وهو مشابهة الشيء لغيره من وجه، ومخالفته له من وجه آخر.\n٤ - الإحكام الخاص: الفصل بين الشيئين المشتبهين من وجه، المختلفين من وجه آخر.\nفالأول والثاني متفقان، والثالث والرابع متضادان. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ٢٩٨\n_________\n(١) «التدمرية» (ص: ١٠٢ - ١٠٦) باختصار.","vol":"2","page":473},{"text":"والمحكم الذي اتضح معناه وتبين، والمتشابه هو الذي يخفى معناه، فلا يعلمه الناس، وهذا إذا جمع بين المحكم والمتشابه، وأما إذا ذكر المحكم مفردًا دون المتشابه، فمعناه المتقن الذي ليس فيه خلل: لا كذب في أخباره، ولا جور في أحكامه، قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، وقد ذكر الله الإحكام في القرآن دون المتشابه، وذلك مثل قوله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، وقال تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود: ١] وإذا ذكر المتشابه دون المحكم صار المعنى أنه يشبه بعضه بعضًا في جودته وكماله، ويصدق بعضه بعضًا ولا يتناقض، قال تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ [الزمر: ٢٣]، والتشابه نوعان: تشابه نسبي، وتشابه مطلق والفرق بينهما: أن المطلق يخفى على كل أحد، والنسبي يخفى على أحد دون أحد، وبناء على هذا التقسيم ينبني الوقف في قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧] فعلى الوقوف على (إلا الله) يكون المراد بالمتشابه المطلق، وعلى الوصل (إلا الله والراسخون في العلم) يكون المراد بالمتشابه المتشابه النسبي، وللسلف في ذلك قولان: القول الأول: الوقف على (إلا الله)، وعليه أكثر السلف، وعلى هذا، فالمراد بالمتشابه المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، وذلك مثل كيفية وحقائق صفات الله، وحقائق ما أخبر الله به من نعيم الجنة وعذاب النار، قال الله تعالى في نعيم الجنة: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧]، أي: لا تعلم حقائق ذلك، ولذلك قال ابن عباس: (ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء) (١) والقول الثاني: الوصل، فيقرأ: إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:٧]، وعلى هذا، فالمراد بالمتشابه المتشابه النسبي، وهذا يعلمه الراسخون في العلم ويكون عند غيرهم متشابهًا، ولهذا يروى عن ابن عباس أنه قال: (أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله) ولم يقل هذا مدحًا لنفسه أو ثناء عليها، ولكن ليعلم الناس أنه ليس في كتاب الله شيء لا يعرف معناه، فالقرآن معانيه بينة، لكن بعض القرآن يشتبه على ناس دون آخرين حتى العلماء الراسخون في العلم يختلفون في معنى القرآن، وهذا يدل على أنه خفي على بعضهم، والصواب بلا شك مع أحدهم إذا كان اختلافهم اختلاف تضاد لا تنوع، أما إذا كانت الآية تحتمل المعنيين جميعًا بلا منافاة ولا مرجح لأحدهما، فإنها تحمل عليهما جميعًا وبعض أهل العلم يظنون أن في القرآن ما لا يمكن الوصول إلى معناه، فيكون من المتشابه المطلق، ويحملون آيات الصفات على ذلك، وهذا من الخطأ العظيم، إذ ليس من المعقول أن يقول الله تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩]، ثم تستثني الصفات وهي أعظم وأشرف موضوعًا وأكثر من آيات الإحكام، ولو قلنا بهذا القول، لكان مقتضاه أن أشرف ما في القرآن موضوعًا يكون خفيًا، ويكون معنى قوله تعالى: لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ، أي: آيات الإحكام فقط، وهذا غير معقول، بل جميع القرآن يفهم معناه، إذا لا يمكن أن تكون هذه الأمة من رسول الله ﷺ إلى آخرها لا تفهم معنى القرآن، وعلى رأيهم يكون الرسول ﷺ وأبو بكر وعمر وجميع الصحابة يقرؤون آيات الصفات وهم لا يفهمون معناها، بل هي عندهم بمنزلة الحروف الهجائية أ، ب، ت والصواب أنه ليس في القرآن شيء متشابه على جميع الناس من حيث المعنى، ولكن الخطأ في الفهم فقد يقصر الفهم عن إدراك المعنى أو يفهمه على معنى خطأ، وأما بالنسبة للحقائق، فما أخبر الله به من أمر الغيب، فمتشابه على جميع الناس القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٢/ ٣٦٨\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٣٩٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٦٦)، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (١١٩)، وابن حزم في «الفصل» (٢/ ٨٦)، والضياء في «الأحاديث المختارة» (٤/ ٧٧)، والبيهقي في «البعث والنشور» (٣٢٢). قال ابن حزم: هذا سند غاية في الصحة. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٤٠٨): رواه البيهقي موقوفًا بإسناد جيد. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٥٤١٠): صحيح.","vol":"2","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-712>المسألة الثانية: أقوال السلف في المحكم والمتشابه</span>\nبيان أقوال السلف المأثورة كما حكاها ابن جرير الطبري ﵀ بعد تحرير المراد بـ (المحكم) و(المتشابه).\nأولًا – تعلقهما بالنسخ:\nالمنسوخ أمران:\n(أ) إلقاء الشيطان المشار إليه في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: ٥٢].\n(ب) النص الشرعي المتقدم، المرفوع حكمه بنص شرعي متأخر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (.. ولهذا قال طائفة من المفسرين المتقدمين: المحكم هو الناسخ، والمتشابه المنسوخ. أرادوا والله أعلم قوله: فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، والنسخ هنا: رفع ما ألقاه الشيطان، لا رفع ما شرعه الله، وقد أشرت إلى وجه ذلك فيما بعد وهو أن الله جعل المحكم مقابل المتشابه تارة، ومقابل المنسوخ أخرى، والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح، كتخصيص العام، وتقييد المطلق. فإن هذا متشابه لأنه يحتمل معنيين، ويدخل في المجمل، فإنه متشابه، وإحكامه رفع ما يتوهم فيه من المعنى الذي ليس بمراد، وكذلك ما رفع حكمه، فإن في ذلك جميعه نسخًا لما يلقيه الشيطان في معاني القرآن. ولهذا كانوا يقولون: هل عرفت الناسخ من المنسوخ؟ فإذا عرف الناسخ عرف المحكم. وعلى هذا فيصح أن يقال: المحكم والمنسوخ، كما يقال: المحكم والمتشابه) (١).\nفهذا وجه النسخ بالإحكام والتشابه، فالنسخ لما يلقي الشيطان هو (الإحكام العام) الذي بمعنى الإتقان، المقتضي لنفي ما ليس منه عنه. والنسخ بتخصيص، أو تقييد، أو تفصيل لعام، أو مطلق، أو مجمل هو (الإحكام الخاص) المقتضي للفصل بين الشيئين المشتبهين من وجه، المختلفين من وجه آخر.\nثانيًا – تعلقهما بالحلال والحرام، وبالأخبار والقصص والأمثال:\nالإحكام متعلق بالأمر والنهي، لأنه فعل أو ترك ليس إلا. والتشابه متعلق بالأخبار، والوعد، والوعيد، والقصص، لأنه اعتقاد يتصور فيه الزيغ والانحراف. قال شيخ الإسلام ﵀: (ولهذا في الآثار: (العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه)، لأن المقصود في الخبر الإيمان، وذلك لأن المخبر به من الوعد والوعيد فيه من التشابه ما ذكرناه، بخلاف الأمر والنهي، ولهذا قال بعض العلماء: المتشابه: الأمثال، والوعد والوعيد، والمحكم الأمر والنهي، فإنه متميز غير مشتبه بغيره، فإنه أمور نفعلها قد علمناها بالوقوع، وأمور نتركها لا بد أن نتصورها) (٢).\nوعبارة ابن جرير ﵀ في حكاية القول الرابع تدل على هذا المعنى، فإنه قال: (المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن، وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله بيان ذلك لمحمد وأمته) (٣)، فهذا الفصل الذي بينه الله لمحمد وأمته هو (الإحكام الخاص) المزيل لـ (التشابه الخاص) الواقع في قصص الأمم ورسلهم. ثم قال: (والمتشابه: هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور، فقصة باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني) (٤)، وذكر أثرًا طويلًا عن ابن زيد ﵀ قال في آخره: (من يرد الله به البلاء والضلالة يقول: ما شأن هذا لا يكون هكذا، وما شأن هذا لا يكون هكذا؟) (٥).\n_________\n(١) «الإكليل في المتشابه والتأويل» (ص: ٥).\n(٢) «الإكليل في المتشابه والتأويل» (ص: ١٣).\n(٣) «جامع البيان» (٣/ ١٧٤).\n(٤) «جامع البيان» (٣/ ١٧٤).\n(٥) «جامع البيان» (٣/ ١٧٤).","vol":"2","page":475},{"text":"فهذا هو (التشابه الخاص) الذي يعتري بعض الناس فيتبعونه.\nثالثًا – تعلقهما باحتمال النص للمعاني:\nفالمحكم ما كان نصًا فاصلًا في معناه، لا يحتمل غيره، والمتشابه ما تجاذبته التأويلات المختلفة. قال شيخ الإسلام ﵀: (وتارة يكون الإحكام في التأويل والمعنى، وهو تمييز الحقيقة المقصودة من غيرها حتى لا تشتبه بغيرها. وفي مقابلة المحكمات: الآيات المتشابهات التي تشبه هذا وتشبه بغيرها. وفي مقابلة المحكمات: الآيات المتشابهات التي تشبه هذا وتشبه هذا فتكون محتملة للمعنيين) (١)\nفهذه الاحتمالات للمعاني المتنافرة هي الموجبة للتشابه الخاص. وتمييز الحقيقة من غيرها هو الإحكام الخاص.\nرابعًا – تعلقهما بحقائق المعاني الغيبية:\nوهذا بيت القصيد ... فقد قال أصحاب هذا القول - فيما حكاه الطبري ﵀ -: (المحكم من آي القرآن: ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره. والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه) (٢)، وهذا تمييز دقيق، وتفريق واضح بين الإحكام والتشابه في الأمور الغيبية. فتعلق الإحكام بها يكون من جهة التفسير بالمعنى اللغوي من حيث أصل الوضع. والتشابه يتعلق بها من حيث الحقائق والكيفيات التي هي عليها في نفس الأمر. قال شيخ الإسلام ﵀: (وهذا القدر الذي أخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم وقته، وقدره، وصفته إلا الله، فإن الله يقول: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، ويقول: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (٣). وقال ابن عباس: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) (٤)، فإن الله قد أخبر أن في الجنة خمرًا، ولبنًا، وماء، وحريرا، ً وفضة وغير ذلك، ونحن نعلم قطعًا أن تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه، بل بينهما تباين عظيم مع التشابه كما في قوله: وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة: ٢٥] على أحد القولين أنه يشبه ما في الدنيا وليس مثله. فأشبه اسم تلك الحقائق أسماء هذه الحقائق، كما أشبهت الحقائق الحقائق من بعض الوجوه. فنحن نعلمها إذ خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما، ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها في الدنيا، ولا سبيل إلى إدراكنا لها لعدم إدراك عينها أو نظيرها من كل وجه) (٥).\n_________\n(١) «الإكليل في المتشابه والتأويل» (ص: ٧).\n(٢) «جامع البيان» (٣/ ١٧٤).\n(٣) رواه البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٣٩٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٦٦)، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (١١٩)، وابن حزم في «الفصل» (٢/ ٨٦)، والضياء في «الأحاديث المختارة» (٤/ ٧٧)، والبيهقي في «البعث والنشور» (٣٢٢). قال ابن حزم: هذا سند غاية في الصحة. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٤٠٨): رواه البيهقي موقوفًا بإسناد جيد. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٥٤١٠): صحيح.\n(٥) «الإكليل في المتشابه والتأويل» ص (١٠ - ١١).","vol":"2","page":476},{"text":"وبهذا البيان الجلي يتبين متعلق الإحكام ومتعلق التشابه في نصوص الصفات أيضًا. فإن الإحكام فيها راجع إلى معرفة معانيها، وفهم مرادها، وثمرة ذلك التدبر والتفكر المحقق للعبودية الخالصة للرب سبحانه اعتقادًا وعملًا. والتشابه فيها راجع إلى استحالة إدراك كيفياتها وهيئاتها على ما هي عليه في الواقع. ولهذا جمع الله بين الأمرين في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]. فالسمع من حيث القدر المشترك في الأذهان: إدراك الأصوات، والبصر: إدراك المرئيات. لكنهما في حق الباري ﷾ على صفة لا تبلغها الأوهام ولا تدركها العقول. فالإحكام تناول هاتين الصفتين من حيث التفسير والمعنى العام، والتشابه تناولهما من حيث الكيفية والكنه.\nوبذلك يتبين خطأ المقدمة الأولى التي بنى عليها أهل التفويض مذهبهم؛ من أن المتشابه لا يوقف على معناه بلغة العرب، وأن آيات الصفات من ذلك المتشابه (١). وقد عقب ابن جرير ﵀ بعد ذكر الأقوال في معنى المحكم والمتشابه بقوله: (وذلك أن جميع ما أنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ فإنما أنزله عليه بيانًا له ولأمته وهدى للعالمين، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليهم، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه حاجة، ثم لا يكون بهم إلى علم تأويله سبيل. فإذا كان ذلك كذلك، فكل ما فيه لخلقه إليه الحاجة، وإن كان في بعضه ما بهم عن بعض معانيه الغنى، وإن اضطرته الحاجة إليه في معان كثيرة، وذلك كقول الله ﷿: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ [الأنعام: ١٥٨]، فأعلم النبي ﷺ أمته أن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه عباده أنها إذا جاءت لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك هي طلوع الشمس من مغربها، فالذي كانت بالعباد إليه الحاجة من علم ذلك هو العلم منهم بوقت نفع التوبة بصفته، بغير تحديده بعد بالسنين والشهور والأيام، فقد بين الله ذلك لهم بدلالة الكتاب، وأوضحه لهم على لسان رسوله ﷺ مفسرًا، والذي لا حاجة لهم إلى علمه منه وهو العلم بمقدار المدة التي بين نزول هذه الآية، ووقت حدوث تلك الآية فإن ذلك لا حاجة بهم إلى علمه في دين ولا دنيا. وذلك هو العلم الذي استأثر الله جل ثناؤه به دون خلقه، فحجبه عنهم، وذلك وما أشبهه هو المعنى الذي طلبت اليهود معرفته في مدة محمد ﷺ وأمته (٢) من قبل قوله: الم، المص، الر، المر، ونحو ذلك من الحروف المقطعة المتشابهات التي أخبر الله جل ثناؤه أنهم لا يدركون تأويل ذلك من قبله، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله.\nفإذا كان المتشابه هو ما وصفنا، فكل ما عداه فمحكم، لأنه لن يخلو من أن يكون محكمًا بمعنى واحد لا تأويل له غير تأويل واحد، وقد استغنى بسماعه عن بيان مبينه، أو يكون محكمًا وإن كان ذا وجوه وتأويلات وتصرف في معان كثيرة، فالدلالة على المعنى المراد منه إما من بيان الله تعالى ذكره عنه، أو بيان رسوله ﷺ لأمته، ولن يذهب علم ذلك عن علماء الأمة لما قد بينَّا) (٣). وقد تضمن هذا النقل الطويل حقائق هامة:\n١ - جميع ما أنزل الله تعالى بيان للأمة وهدى للعالمين – دون استثناء -.\n٢ - امتناع تضمنه ما لا حاجة للأمة إليه.\n_________\n(١) «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي (٢/ ١٣)، و«مناهل العرفان» للزرقاني (٢/ ٢٠٥).\n(٢) «جامع البيان» (١/ ٩٢ - ٩٣).\n(٣) «جامع البيان» (٣/ ١٧٥).","vol":"2","page":477},{"text":"٣ - امتناع تضمنه ما للأمة به حاجة، ثم لا يتمكنون من علمه.\n٤ - إمكان تضمنه لما للأمة به حاجة وإن كان لها غنى عن بعض معانيه.\n٥ - المتشابه الذي استأثر الله به هو الأمور الغيبية كالعلم بالمقدار، والوقت، والكيف ونحوه.\n٦ - المحكم نوعان: ما له معنى واحد، سماعه بيانه. وما يحتمل عدة معان لكن تعيين المعنى المراد متحقق ببيان الله أو بيان رسوله ﷺ.\n٧ - امتناع جهل علماء الأمة ببيان الله وبيان رسوله ﷺ.\nوقد تضمنت هذه الحقائق القضاء المبرم على أصل مذهب التفويض ولوازمه، والحمد لله.\nومن الجدير بالذكر، أن شيخ المفسرين، الطبري ﵀ لم يشر من قريب ولا من بعيد، مع كثرة سياقاته للآثار، أن أحدًا قال: إن من المتشابه أسماء الله وصفاته. وغاية ما في الأمر أن المتشابه هو ما يتعلق بأمور الآخرة، وفناء الدنيا ليس غير، وأن اتباع المتشابه هو محاولة اليهود معرفة مدته ﷺ، ومدة أمته، وفناء الدنيا .. الخ من الحروف المقطعة (١). أما أمر صفات الله تعالى فلم يكن واردًا لديه أصلًا، وإنما أقحمت في المتشابه لدى المتأخرين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فصل – وأما إدخال أسماء الله وصفاته، أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله، كما يقول كل واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم. فإنهم وإن أصابوا في كثير مما يقولون ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم، فالكلام على هذا من وجهين:\nالأول: من قال: إن هذا من المتشابه، وأنه لا يفهم معناه، فنقول: أما الدليل على بطلان ذلك فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره، أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إن الله ينزل كلامًا لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة. قالوا في أحاديث الصفات: (تمر كما جاءت). ونهوا عن تأويلات الجهمية، وردوها وأبطلوها التي مضمونها تعطيل النصوص على ما دلت عليه. ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية منها، ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك.\nالوجه الثاني: أنه إذا قيل: هذه من المتشابه، أو كان فيها ما هو من المتشابه، كما نقل عن بعض الأئمة أنه سمى بعض ما استدل به الجهمية متشابها، فيقال: الذي في القرآن أنه لا يعلم تأويله إلا الله، إما المتشابه، وإما الكتاب كله، ونفي علم تأويله ليس نفي علم معناه، كما قدمناه في القيامة وأمور القيامة، وهذا الوجه قوي إن ثبت حديث ابن إسحاق في وفد نجران أنهم احتجوا على النبي ﷺ بقوله: (إنا) و(نحن) ونحو ذلك، ويؤيده أيضًا أنه قد ثبت في القرآن متشابهًا وهو ما يحتمل معنيين، وفي مسائل الصفات ما هو من هذا الباب كما أن ذلك في مسائل المعاد أولى. فإن نفي التشابه بين الله وبين خلقه أعظم من نفي التشابه بين موعود الجنة وموجود الدنيا) (٢).\nفأبطل الشيخ – ﵀ – إدخال أسماء الله وصفاته في المتشابه، أو اعتقاد أنه هو المتشابه بأمرين:\nالأول: براءة السلف قاطبة من هذا الاعتقاد، بل الثابت المنقول عنهم هو إثبات المعاني.\n_________\n(١) «جامع البيان» (٣/ ١٨٠).\n(٢) «الإكليل في المتشابه والتأويل» (ص: ٢٥ - ٢٦، ٣٦ - ٣٧).","vol":"2","page":478},{"text":"الثاني: أن التشابه الذي يطلقه بعض السلف على بعض ما يستدل به الجهمية إنما هو تشابه المعاني الذي لا يختص بباب الصفات، والعلم بالمعنى المراد ممكن بل متحقق، والمنفي العلم بتأويله لا العلم بمعناه.\nوالخلاصة أن إطلاق القول بأن معاني أسماء الله وصفاته من المتشابه، أو هي المتشابه، باطل، لم يصدر عن أحد من السلف. لكن قد يقع تشابه نسبي إضافي خاص لبعض الناس في هذا الباب فيزول بالإحكام الخاص الذي يعلمه الراسخون في العلم. أما حقائق هذه المعاني وكيفياتها، فلا ريب أنه مما استأثر الله بعلمه، وحجب إدراك كنهه عن خلقه، فلا سبيل لأحد إلى العلم به. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ٣٠٢\n(ذكر ما ورد عن علماء السلف في المتشابه) قال في الدر المنثور: أخرج الحاكم - وصححه - عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، فنزل القرآن من سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا) (١) قال: وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:٧] الآية قال: طلب القوم التأويل، فأخطأوا التأويل وأصابوا الفتنة، وطلبوا ما تشابه منه فهلكوا بين ذلك وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ [آل عمران:٧] قال: منهن قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:١٥١] إلى ثلاث آيات، ومنهن: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء:٢٣] إلى آخر الآيات (٢) وأخرج ابن جرير من طريق أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة ﵃: (المحكمات الناسخات التي يعمل بهن، والمتشابهات المنسوخات) (٣) وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن إسحق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا هذه الآية هن أم الكتاب فقال أبو فاختة: هن فواتح السور منها يستخرج القرآن: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:٢] منها استخرجت البقرة والم اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ [آل عمران:١ - ٢] منها استخرجت آل عمران وقال يحيى: هن اللاتي فيهن الفرائض، والأمر والنهي والحلال والحرام والحدود وعماد الدين (٤) وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: المحكمات فيهن حجة الرب وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس فيها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه وأخر متشابهات في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله بهن العباد كما ابتلاهم بالحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق (٥) وأخرج ابن أبي حاتم مقاتل بن حيان إنما قال: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ لأنه ليس من أهل دين لا يرضى بهن: وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ يعني فيما بلغنا الم والمص والمر (٦)\n_________\n(١) رواه الحاكم (١/ ٧٣٩)، (٢/ ٣١٧). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والحديث حسنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥٨٧).\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ١٧٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٩٢).\n(٣) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ١٧٥).\n(٤) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ١٨٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٩٣).\n(٥) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ١٧٧).\n(٦) رواه ابن أبي حاتم (٢/ ٥٩٣ - ٥٩٤).","vol":"2","page":479},{"text":"قلت: وليس في هذه الآثار ونحوها ما يشعر بأن أسماء الله تعالى وصفاته من المتشابه، وما قال النفاة من أنها من المتشابه دعوى بلا برهان قوله: ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:٣٠] روى ابن جرير عن قتادة: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ذكر لنا «أن نبي الله ﷺ زمن الحديبية حين صالح قريشًا كتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال مشركو قريش: لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله فقال أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله دعنا نقاتلهم فقال: لا اكتبوا كما يريدون: إني محمد بن عبد الله فلما كتب الكاتب بسم الله الرحمن الرحيم قالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه وكان أهل الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم قال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون» (١) وروى أيضًا عن مجاهد قال: «قوله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:٣٠] قال: هذا ما كاتب عليه رسول الله ﷺ قريشًا في الحديبية، كتب بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: لا تكتب الرحمن، لا ندري ما الرحمن؟ لا نكتب إلا باسمك اللهم قال تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ الآية» (٢) وروى أيضًا عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يدعو ساجدًا: يا رحمن يا رحيم فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدًا وهو يدعو مثنى مثنى فأنزل الله: قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:١١٠] الآية» (٣) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - ص٤٠٦\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٤٤٥). والحديث أصله في الصحيحين رواه البخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم ﵄، ورواه مسلم مختصرًا (١٧٨٤) من حديث أنس ﵁.\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٤٤٦).\n(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٥٨٠).","vol":"2","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-713>المسألة الثالثة: التأويل والظاهر</span>\n• أولًا: معاني التأويل.\n• ثانيًا: بيان موضع الوقف في آية آل عمران.","vol":"2","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>أولًا: معاني التأويل</span>\nقال في الصحاح في مادة (أول): (التأويل: تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقد أولته وتأولته تأولًا بمعنى. ومنه قول الأعشى:\nعلى أنها كانت تأول حبها ... تأول ربعي السقاب فأصحبا\nقال أبو عبيدة: يعني تأول حبها، أي تفسيره ومرجعه، أي أنه كان صغيرًا في قلبه فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديمًا كهذا السقب الصغير، لم يزل يشب حتى صار كبيرًا مثل أمه، وصار له ابن يصحبه ..). وقال الراغب في مفردات القرآن: (أول: التأويل من الأول أي الرجوع إلى الأصل. ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علمًا كان أو فعلًا، ففي العلم نحو: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وفي الفعل كقول الشاعر:\n[وللنوى قبل يوم البين تأويل]\nوقوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف: ٥٣] أي بيانه الذي هو غايته المقصودة منه، وقوله تعالى: ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩]، قيل أحسن معنى وترجمة، وقيل أحسن ثوابًا في الآخرة. .) (١). وكذا قال إمام المفسرين الطبري ﵀ -: (وأما معنى التأويل في كلام العرب: فإنه التفسير، والمرجع، والمصير) (٢). وهذان المعنيان للتأويل: بمعنى تفسير الكلام وبيانه، أو ما يؤول إليه الأمر ويرجع ويصير، هما المعنيان المستعملان في لغة العرب، والثاني في لغة القرآن خاصة، حتى استحدث له المتأخرون معنى اصطلاحيًا بحتًا لا يستند على استعمال أصلي، فأوجب ذلك خلطًا وتشويشًا وسوء فهم لمقاصد النصوص.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إن لفظ التأويل، قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملًا في ثلاثة معان:\nأحدها: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين المتكلمين في الفقه وأصوله: أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به؛ وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وترك تأويلها، وهل هذا محمود أو مذموم، وحق أو باطل؟\nوالثاني: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري القرآن، كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير: واختلف علماء التأويل. ومجاهد، إمام المفسرين - قال الثوري: (إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به) (٣). وعلى تفسيره يعتمد الشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري وغيرهم - فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه، فالمراد به: معرفة تفسيره.\nالثالث: من معاني التأويل، هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣]. فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد: هو ما أخبر الله تعالى به فيه، مما يكون من القيامة والحساب، والجزاء، والجنة والنار ونحو ذلك، كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ [يوسف: ١٠٠]، فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا.\n_________\n(١) «مفردات القرآن» (ص: ٣١).\n(٢) «جامع البيان» (٣/ ١٨٤).\n(٣) «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» (١/ ٤٠).","vol":"2","page":482},{"text":"فالتأويل الثاني: هو تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه، أو تعرف علته أو دليله. وهذا التأويل الثالث: هو عين ما هو موجود في الخارج، ومنه قول عائشة - ﵂: «كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن» (١) تعني قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر: ٣]. وقول سفيان بن عيينة: (السنة هي تأويل الأمر والنهي)، فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبر عنه هو تأويل الخبر، والكلام: خبر وأمر. ولهذا يقول أبو عبيد وغيره: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة، كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء (٢)، لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أمر به ونفس ما نهى عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ، كما يعلم أتباع (أبقراط) و(سيبويه) ونحوهما من مقاصدهم ما لا يعلم بمجرد اللغة. ولكن تأويل الأمر والنهي لا بد من معرفته بخلاف تأويل الخبر).\nوقد تضمن هذا السياق تقرير الحقائق التالية:\n١ - بيان معاني التأويل المستعملة وهي:\n(أ) صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح لدليل يقترن به، وهو اصطلاح المتأخرين.\n(ب) التفسير، وهو اصطلاح المفسرين.\n(ج) الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وهو عين ما يوجد في الخارج، وهو المعنى المراد في النصوص الشرعية.\n٢ - تأويل كل كلام بحسبه:\n(أ) تأويل الخبر: عين المخبر به إذا وقع.\n(ب) تأويل الأمر، نفس الفعل المأمور به.\n٣ - التأويل المتعلق بالأمر والنهي لا بد من معرفته وإدراك حقيقته لأنه مناط التكليف، بخلاف تأويل الخبر فلا سبيل إلى إدراك حقيقته إلا بوقوعه وتحققه.\nوبعد هذا التأصيل يصل شيخ الإسلام ﵀ إلى علاقة التأويل بصفات الرب - تعالى -، فيتابع قائلًا: (وإذا عرف ذلك، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة الغنية بما لها من حقائق الأسماء والصفات هو حقيقة نفسه المقدسة المتصفة بمالها من حقائق الصفات. وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد هو نفسه ما يكون من الوعد والوعيد) (٣). فإذا كان التأويل - بمعنى الحقيقة - متعلقًا بذات الباري جل وعلا، فلا سبيل لأحد إلى العلم به سواه سبحانه. وإذا كان التأويل متعلقًا بأمر مستقبلي كالوعد والوعيد، فالعلم به حاصل بتحقق وقوعه لمن شاء الله أن يعلمه.\nأما التأويل - بمعنى التفسير وفهم المعنى ومقصود الخطاب - فهو ممكن في كل ما أخبر الله به مما يتعلق بذاته المقدسة أو الأمور الغيبية أو غير ذلك. قال شيخ الإسلام ﵀ مبينًا حدود هذا الإمكان: (.. ولهذا ما يجيء في الحديث: نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه، لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة، تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنَّة لحمًا، ولبنًا، وعسلًا، وماء وخمرًا ونحو ذلك، وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى، ولكن ليس هو مثله، ولا حقيقته كحقيقته. والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، ومع العلم بالفارق المميز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد) (٤). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي - ص ٣١٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤).\n(٢) «غريب الحديث» (٢/ ١١٧ - ١١٨).\n(٣) «الرسالة التدمرية» (ص: ٩٦).\n(٤) «الرسالة التدمرية» (ص: ٩٦ - ٩٧).","vol":"2","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-715>ثانيًا: بيان موضع الوقف في آية آل عمران</span>\nللسلف في موضع الوقف في هذه الآية مذهبان:\nالأول: مذهب الجمهور (١) وهو الوقف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ.\nالثاني مذهب كثير من السلف وهو الوقف عند قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.\nقال الطبري ﵀: (واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، وهل الراسخون معطوف على اسم الله، بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه، أو هو مستأنف ذكرهم بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون آمنا بالمتشابه، وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله؟\nفقال بعضهم: معنى ذلك: وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردًا بعلمه. وأما الراسخون في العلم فإنهم ابتدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون: آمنا بالمتشابه والمحكم، وأن جميع ذلك من عند الله) (٢)، ثم ساق بأسانيده هذا القول عن عائشة، وابن عباس، ﵃، وعروة، وأبي نهيك الأسدي، وعمر بن عبد العزيز، ومالك ﵏- (٣)، ثم قال: (وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) (٤). ثم ساق الروايات عمن ذكر ذلك وهم: ابن عباس ﵄ ومجاهد، والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير ﵏ (٥).\nفهذان قولان محفوظان عن السلف، ظاهرهما التعارض، فالأول يقضي باختصاص الرب سبحانه بعلم التأويل، والثاني يفيد اشتراك الراسخين في العلم بعلم التأويل. ولا ريب أن لكل قراءة محملًا صحيحًا لا يعارض المحمل الآخر. وسر هذا الاختلاف راجع إلى تحديد المراد بـ (بالتأويل). فمن أراد به الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، التي هي عين الموجود في الخارج، أخذ بقراءة الوقف على (إلا الله)، حيث إن إدراك الكيفيات وكنه المغيبات من خصائص علمه سبحانه.\nومن قصد بالتأويل (التفسير) وبيان معنى الكلام، ودلالته اللغوية، أثبت للراسخين في العلم علمًا بذلك التأويل ووصل الآية. وبذلك يزول الإشكال، ويتوافق الكلام. ومن لم يميز بين المعنيين، ويحمل كل قراءة على المعنى المناسب لها، وقع في الاشتباه واللبس، وخلط بين الحق والباطل، وفسر (التأويل) بمعنى غير صحيح أدى به إلى تلفيق مذهب أصاب فيه من وجه، وأخطأ من وجه آخر.\nوقابل هذين المعنيين الصحيحين معنيان باطلان:\nالأول: مذهب أهل التحريف (التأويل المذموم)، فقد تضمن مذهبهم حقًا وباطلًا. فأما الحق فجزمهم بأن النصوص دالة على معان مقصودة مطلوبة، وأن من العيب والعجز والقبح اعتقاد أن الله يخاطب عباده بكلام غير مفهوم وغير مقدور على فهمه أصلًا. وأما الباطل فاعتقادهم أن التأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف ذلك الظاهر. فوقعوا في التحريف. وصاروا يحتجون بمذهب مجاهد وغيره من السلف الذين أرادوا بالتأويل: التفسير، وينتسبون إليهم، ويتذرعون بقراءة (الوصل) لإثبات باطلهم.\nالثاني: مذهب أهل التفويض (التجهيل)، وقد تضمن مذهبهم حقًا وباطلًا. فأما الحق فنكيرهم على أهل التحريف الذين يقولون على الله بغير علم، ويبتكرون المعاني المجازية بغير دليل ولا برهان. وأما الباطل فلتعميمهم نفي التأويل على المعنى اللغوي كما هو على الحقيقة. وصاروا يحتجون بمذهب جمهور السلف الذين أرادوا بالتأويل: الحقيقة التي يؤول إليها الشيء، أو التي عليها الشيء في الخارج، وينتسبون إليهم، ويتذرعون بقراءة (الوقف) لإثبات باطلهم.\n_________\n(١) انظر «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٥، ١٧/ ٣٥٨).\n(٢) «جامع البيان» (٣/ ١٨٢).\n(٣) انظر «جامع البيان» (٣/ ١٨٢ - ١٨٣).\n(٤) «جامع البيان» (٣/ ١٨٣).\n(٥) «جامع البيان» (٣/ ١٨٣).","vol":"2","page":484},{"text":"قال شيخ الإسلام ﵀ موازنًا بين الفريقين: (والغالب على كلا الطائفتين الخطأ، أولئك يقصرون في فهم القرآن بمنزلة من قيل فيه: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ [البقرة: ٧٨]، وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ [المائدة: ١٣].\nومثار الفتنة بين الطائفتين ومحار عقولهم: أن مدعي التأويل أخطأوا في زعمهم أن العلماء يعلمون التأويل، وفي دعواهم أن التأويل هو تأويلهم الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه، فإن الأولين لعلمهم بالقرآن والسنن وصحة عقولهم، وعلمهم بكلام السلف، وكلام العرب علموا يقينا أن التأويل الذي يدعيه هؤلاء ليس هو معنى القرآن، فإنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وصاروا مراتب، ما بين قرامطة وباطنية، يتأولون الأخبار والأوامر، وما بين صابئة فلاسفة يتأولون عامة الأخبار عن الله وعن اليوم الآخر، حتى عن أكثر أحوال الأنبياء، وما بين جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء في اليوم الآخر، وفي آيات القدر ويتأولون آيات الصفات، وقد وافقهم بعض متأخري الأشعرية على ما جاء في بعض الصفات، وبعضهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر. وآخرون من أصناف الأمة، وإن كان تغلب عليهم السنة فقد يتأولون أيضًا مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه.\nوالذين ادعوا العلم بالتأويل، مثل طائفة من السلف وأهل السنة وأكثر أهل الكلام والبدع رأوا أيضًا أن النصوص دلت على معرفة معاني القرآن، ورأوا عجزًا وعيبًا وقبيحًا أن يخاطب الله عباده بكلام يقرأونه ويتلونه وهم لا يفهمونه، وهم مصيبون فيما استدلوا به من سمع وعقل، لكن أخطأوا في معنى التأويل الذي نفاه الله، وفي التأويل الذي أثبتوه، وتسلق بذلك مبتدعهم إلى تحريف الكلم عن مواضعه.\nوصار الأولون أقرب إلى السكوت والسلامة بنوع من الجهل، وصار الآخرون أكثر كلامًا وجدالًا، ولكن بفرية على الله، وقول عليه ما لا يعلمونه، وإلحاد في أسمائه وآياته فهذا هذا. ومنشأ الشبهة الاشتراك في لفظ التأويل) (١).\nوهذا النص تحليل دقيق لهذين المذهبين وغوص عميق على سر ضلالهما، وتقويم منصف لما تضمنه كل مذهب من حق وباطل.\nوشيخ الإسلام ﵀ يصحح القولين الأولين في معنى التأويل في مواضع كثيرة من كتبه، كقوله في توجيه كلام الإمام أحمد في رده على الجهمية: (إنها احتجت بثلاث آيات من المتشابه ..) (٢)، ثم ذكرها، وفسرها، وبين معناها، فقال ﵀: (قد يجاب بجوابين:\nأحدهما: أن يكون في الآية قراءاتان: قراءة من يقف على قوله: إِلاَّ اللهُ، وقراءة من يقف عند قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وكلتا القراءتين حق. ويراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله. ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره، وهو تأويله. ومثل هذا يقع في القرآن ..)، ثم ذكر أمثلة.\n_________\n(١) «الإكليل في المتشابه والتأويل» (ص: ١٧ - ١٩).\n(٢) انظر «الرد على الجهمية والزنادقة» (ص: ٢٠).","vol":"2","page":485},{"text":"وذكر الوجه الثاني: إلى أن قال (١): (والمقصود هنا: أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلامًا لا معنى له، ولا يجوز أن يكون الرسول ﷺ وجميع الأمة لا يعلمون معناه، كما يقول ذلك من يقول من المتأخرين. وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ، سواء كان مع هذا: تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون، أو كان للتأويل معنيان: يعلمون أحدهما، ولا يعلمون الآخر. وإذا دار الأمر بين القول بأن الرسول ﷺ كان لا يعلم معنى المتشابه من القرآن وبين أن يقال: الراسخون في العلم يعلمون، كان هذا الإثبات خيرًا من ذلك النفي، فإن معنى الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره. وهذا مما يجب القطع به، وليس معناه قاطع على أن الراسخين في العلم لا يعلمون تفسير المتشابه، فإن السلف قد قال كثير منهم أنهم يعلمون تأويله، منهم مجاهد - مع جلالة قدره -، والربيع بن أنس، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ونقلوا ذلك عن ابن عباس، وأنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله (٢» (٣).\nولما كان ابن قتيبة – ﵀ – يرى تبعًا للمذكورين آنفًا أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل – بمعنى التفسير – نابذه المفوضة وخطؤوه، مستدلين بالنصوص المنقولة عن بعض السلف الذين يرون أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل – بمعنى الحقيقة والكيفية -. وقد نصره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله نصرًا مؤزرًا فقال في الثناء عليه: (وابن قتيبة هو من المنتسبين إلى أحمد وإسحاق والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة، وله في ذلك مصنفات متعددة. قال فيه صاحب (كتاب التحديث بمناقب أهل الحديث): وهو أحد أعلام الأئمة، والعلماء والفضلاء، أجودهم تصنيفًا، وأحسنهم ترصيفًا، له زهاء ثلاثمائة مصنف، وكان يميل إلى مذهب أحمد وإسحاق. وكان معاصرًا لإبراهيم الحربي، ومحمد بن نصر المروزي، وكان أهل المغرب يعظمونه، ويقولون: من استجاز الوقيعة في ابن قتيبة يتهم بالزندقة. ويقولون: كل بيت ليس فيه شيء من تصنيفه فلا خير فيه، قلت: ويقال: هو لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة. فإنه خطيب السنة كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة) (٤).\nومن أشهر من رد على ابن قتيبة ﵀ - في إثبات علم الراسخين بمعاني المتشابه إمام اللغة: أبو بكر بن الأنباري ﵀ وقد ذب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية وبين تناقض اللغويين المانعين لإثبات العلم بالمتشابه، وقال عن ابن الأنباري: (وليس هو أعلم بمعاني القرآن والحديث، وأتبع للسنة من ابن قتيبة، ولا أفقه في ذلك. وإن كان ابن الأنباري من أحفظ الناس للغة؛ لكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ اللغة) (٥). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي -٣١٩\nوقد يبقى إشكالان في الآية وهما:\nالأول: إعراب الآية يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ على قراءة الوصل.\nالثاني: احتمال الآية الواحدة لمعنيين متباينين.\nأما الإشكال الأول: وهو إعراب الآية فإن قوله: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم يقولون أو أنها معطوفة بمحذوف كما في قوله: وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ [التوبة: ٩٢] أي وقلت (٦).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٣٨١).\n(٢) رواه ابن جرير، «جامع البيان» (٣/ ١٨٣).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٣٩٠).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٣٩١ - ٣٩٢).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤١١).\n(٦) انظر: «شرح الرضي على الكافية» لابن الحاجب (١/ ٣٢٦).","vol":"2","page":486},{"text":"أما الإشكال الثاني: فيرتفع ببيان أن لهذا نظائر في القرآن بحسب اختلاف القراءة بالنفي أو الإثبات فيختلف المعنى تبعًا لذلك، وكل قراءة لها معنى صحيح (١).\nفمن ذلك قول الله تعالى: وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم: ٤٦] ففي لتزول قراءتان: الأولى: بفتح اللام الأولى ورفع الثانية (لَتزولُ)، والقراءة الثانية بكسر اللام الأولى ونصب الثانية (لِتزولَ) (٢).\nفعلى القراءة الأولى تكون (إِنْ) مخففة من الثقيلة، والهاء مقدرة، أي: وإنه كان مكرهم، واللام في (لَتَزُولُ) لام الابتداء، فالمعنى: إن مكرهم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فهذا مثل ضرب لبيان أنهم يريدون إزالة هذا الدين، ولكن بين الله في كتابه أنهم لا يستطيعون ذلك.\nوعلى القراءة الثانية تكون (إِنْ) نافية، واللام – لام الجحود – مؤكدة لهذا النفي، والجملة على هذا تكون حالًا من الضمير في (مكروا) أي والحال أن مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال (٣).\nفاتضح من هذا أن كلا القراءتين لها معنى وهو صحيح بحسبها. فلهذا يقال: إنه لا يستغرب إذا وجد ذلك في آية آل عمران، فالوقف صحيح باعتبار، وكذلك الوصل – والله أعلم -. وعلى قراءة الوقف لا يجوز أن يدعى أن نصوص الصفات لا يمكن تفسيرها وفهم معانيها، وذلك للآتي:\n١ - إن السلف تواتر عنهم تفسير كل القرآن بما في ذلك آيات الصفات، كما قال مجاهد: (عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث مرات أوقفه عند كل آية) (٤).\n٢ - ولأنه قد تبين على قراءة الوقف أن التأويل المراد به: الحقائق العينية للمخبر عنه – فلا يمكن العلم بالكيفية – جمعًا بينها وبين قراءة الوصل الدالة على معرفة المعنى فقط دون الكيفية، وقد أثر الأمران عن ابن عباس ﵄ ومتى ما أمكن الجمع فالمصير إليه أولى من الترجيح.\n٣ - إنه قد جاء الأمر يتدبر القرآن كله وفهم معانيه، وهذا شمل نصوص الصفات قطعًا.\n٤ - وأنه لو سلم أن في القرآن ما لا يمكن معرفة معناه، فلا يسلم ذلك في نصوص الصفات إذ يلزم من القول بذلك تعطيل الخالق ﷾ من صفاته (٥). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ٢/ ٤٦٣\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٣٨٢ - ٣٨٣).\n(٢) الأولى قرأ بها الكسائي، والثانية قرأ بها الباقون، انظر: «إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ١٧١).\n(٣) انظر: «تفسير أبي السعود» (٥/ ٥٨)، و«فتح القدير» للشوكاني (٣/ ١٦٦).\n(٤) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٩٠).\n(٥) انظر: «معرفة المحكم والمتشابه وأثرها في التفسير» (ص: ١٠٢). رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية، للباحث: حامد عبد الله العلي.","vol":"2","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-717>المطلب الأول: حقيقة التوقف</span>\nيلجأ بعض الناس بسبب القصور في العلم أو البصيرة أو بسبب الورع إلى (التوقف) في الأمور المشتبهات عليه، ويعرفون باسم (الواقفة) و(الواقفية). وهو مسلك معروف في الأصول والفروع، ولهذا يطلق هذا اللقب على فرق عدة اختارت التوقف بين أمرين متعارضين لم يسعفها فيه الجمع ولا الترجيح.\nولئن ساغ هذا المسلك في بعض المسائل الفرعية بعد استفراغ الجهد في البحث وتحري الصواب، فإنه غير سائغ في أمر الاعتقاد الذي بينه الله غاية البيان، لما ينطوي عليه من الشك، والتردد، وعدم الجزم المنافي لليقين، الذي هو عمدة الاعتقاد. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ١٣٣","vol":"2","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>المطلب الثاني: أنواع التوقف</span>\nجعل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، التوقف على ضربين:\n(فقوم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز أن لا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.\nوقوم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات) (١).\nوالفرق بين القولين أن توقف الطائفة الأولى قائم على الحكم بجواز الأمرين: الإثبات، والنفي لكن دون ميل إلى أحدهما. وتوقف الطائفة الثانية قائم على عدم الحكم بشيء أبدًا. فتوقف الأولى من جهة الإيجاب وتوقف الثانية من جهة السلب. وكلاهما توقف.\nولعل ممن يندرج في القول الأول: (قول الواقفة، الذين يجوزون إثبات صفات زائدة، لكن يقولون: لم يقم عندنا دليل على نفي ذلك ولا إثباته. وهذه طريقة محققي من لم يثبت الصفات الخبرية، وهذا اختيار الرازي والآمدي وغيرهما) (٢).\nكما يدخل في النوع الثاني ما حكاه شيخ الإسلام عن بعض الملاحدة: (نحن لا ننفي النقيضين، بل نسكت عن إضافة واحد منهما إليه، فلا نقول هو موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل) (٣). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي- بتصرف – ص ١٣٤\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ١١٧).\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٣٨٣).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١٠٦).","vol":"2","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-719>المطلب الثالث: أصل شبهتهم والرد عليها</span>\nمدار شبهة الواقفة – سواء ممن يجوزون النفي أو الإثبات، أو من يسكتون عنهما معًا – راجع إلى اعتقادهم أن ليس في النصوص ما يقطع بأحد الأمرين، ومن ثم ساغ لهم أن يرتضوا الشك والحيرة في هذا الأمر الجلل، بل ربما استحسنوا ذلك وطلبوه، بل قد نسبوا إليه ﷺ أنه قال: (زدني فيك تحيرًا)، وهو كذب باتفاق أهل العلم بحديثه ﷺ (١).\nالرد عليهم:\nليس المراد في هذا المقام بيان صحة مذهب الإثبات وبطلان مذهب النفي، بل المقصود بيان فساد مذهب (التوقف) بنوعيه. ويمكن إجمال الرد عليهم في الأمور التالية:\n١ - أن مسلك (التوقف) مخالف لما أنزل الله القرآن من أجله، وهو التدبر والذكرى، كما قال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]. ومن جوز الأمرين، أو أعرض، لم يشتغل بأجل مقاصد القرآن.\n٢ - أن هذا المسلك مخالف لما كان عليه النبي ﷺ والسلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان من اعتقاد الإثبات مع التنزيه، ولم يحفظ عن أحد من السلف التوقف في هذه المسألة.\n٣ - (إن كان الذي يحب الله منا أن لا نثبت ولا ننفي، بل نبقى في الجهل البسيط، وفي ظلمات بعضها فوق بعض، لا نعرف الحق من الباطل، ولا الهدى من الضلال، ولا الصدق من الكذب؛ بل نقف بين المثبتة والنفاة موقف الشاكين للحيارى مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء: ١٤٣]، لا مصدقين ولا مكذبين: لزم من ذلك أن يكون الله يحب منا عدم العلم بما جاء به الرسول ﷺ، وعدم العلم بما يستحقه الله ﷾ من الصفات التامات، وعدم العلم بالحق من الباطل، ويحب منا الحيرة والشك.\nومن المعلوم أن الله لا يحب الجهل، ولا الشك، ولا الحيرة، ولا الضلال، وإنما يحب الدين والعلم واليقين. وقد ذم الحيرة بقوله تعالى: قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنعام: ٧٢].\nوقد أمرنا الله تعالى أن نقول: اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٦ - ٧].\nوفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٢). فهو ﷺ يسأل ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق، فكيف يكون محبوب الله عدم الهدى في مسائل الخلاف؟ وقد قال الله تعالى له: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: ١١٤]) (٣).\nفـ (الوقوف في ذلك جهل وعي، مع أن الرب – سبحانه – وصف لنا نفسه بهذه الصفات؛ لنعرفه بها، فوقوفنا عن إثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياه. فما وصف لنا نفسه إلا لنثبت ما وصف به نفسه، ولا نقف في ذلك) (٤).\nوبهذا يتبين فساد مسلك (الواقفة) وأنه مبني على الجهل، والشك، والحيرة، وأنهم أبعد الناس عن (اليقين) و(الجزم) الذي هو الأصل في الاعتقادات. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ١٣٥\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٧٩).\n(٢) رواه مسلم (٧٧٠). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(٤) «النصيحة في صفات الرب جل وعلا» (٢١ - ٢٢).","vol":"2","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-723>المطلب الأول: تعريف الشرك لغةً</span>\nجاء في (معجم مقاييس اللغة) لابن فارس: (مادة الشرك المكونة من حرف الشين والراء والكاف أصلان:\nأحدهما: يدل على مقارنة وخلاف انفراد.\nوالآخر: يدل على امتداد واستقامة) (١).\nأما الأول: فهو الشرك، بالتخفيف أي بإسكان الراء، أغلب في الاستعمال، يكون مصدرا واسما، تقول: شاركته في الأمر وشركته فيه أشركه شركًا، بكسر الأول وسكون الثاني، ويأتي: شركة، بفتح الأول وكسر الثاني فيها. ويقال: أشركته: أي جعلته شريكًا (٢).\nفهذه اشتقاقات لفظ الشرك في اللغة على الأصل الأول.\nويطلق حينئذ على المعاني الآتية:\n١ - المحافظة، والمصاحبة، والمشاركة.\nقال ابن منظور: (الشَّركة والشَّرِكة سواء؛ مخالطة الشريكين، يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر والشريك: المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء) (٣).\nقال ابن فارس: (الشركة هو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانًا في الشيء، إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا، إذا جعلته شريكًا لك)، قال تعالى حكاية عن موسى ﵊: وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه: ٣٢]،. .......... قال الراغب: (الشركة والمشاركة: خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا عينًا كان ذلك الشيء أو معنى، كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية) (٤).\n٢ - ويطلق أيضًا على النصيب والحظ والحصة.\nقال الأزهري: (يقال: شريك وأشراك، كما قالوا: يتيم وأيتام، ونصير وأنصار، والأشراك أيضًا جمع الشرك وهو النصيب، كما قال: قسم وأقسام) (٥)، وقد ذكر هذا المعنى كل من الزبيدي (٦) وابن منظور (٧)، ومنه الحديث: «من أعتق شركًا له في عبد» (٨) أي حصة ونصيبًا (٩).\n٣ - ويطلق أيضًا على التسوية: قال ابن منظور: (يقال: طريق مشترك: أي يستوي فيه الناس، واسم مشترك: تستوي فيه معاني كثيرة) (١٠).\n٤ - ويطلق على الكفر أيضًا، قال الزبيدي: (والشرك أيضًا: الكفر) (١١).\nوأما الأصل الثاني: وهو الذي يدل على الامتداد والاستقامة، فأيضًا يطلق على معان:\n١ - الشِرَاك ككتاب، سير النعل على ظهر القدم، يقال: أشركت نعلي وشركتها تشريكًا: إذا جعلت لها الشراك (١٢).\n_________\n(١) «معجم مقاييس اللغة» (٣/ ٢٦٥)، مادة (شرك).\n(٢) انظر ما ذكره الجوهري «الصحاح» (٤/ ١٥٩٣ - ١٥٩٤)، مادة (شرك) والفيومي المقري: «المصباح المنير» (١/ ٤٧٤ - ٤٧٥).\n(٣) «لسان العرب» (٧/ ٩٩)، وما بعدها، مادة (شرك)، وانظر ما ذكره الزبيدي في «تاج العروس» (٧/ ١٤٨)، والأزهري في «تهذيب اللغة» (١٠/ ١٧)، والجوهري (٤/ ١٥٩٣ - ١٥٩٤)، مادة (شرك).\n(٤) انظر قول الراغب في «المفردات» (ص: ٢٥٩).\n(٥) «تهذيب اللغة» (١٠/ ١٧) مادة (شرك).\n(٦) الزبيدي في «تاج العروس» (٧/ ١٤٨) مادة (شرك).\n(٧) ابن منظور في «لسان العرب» (٧/ ٩٩، ١٠٠) مادة (شرك).\n(٨) رواه البخاري (٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٩) انظر ما ذكره ابن منظور في «لسان العرب» (٧/ ٩٩).\n(١٠) انظر ما ذكره ابن منظور في «لسان العرب» (٧/ ٩٩، ١٠٠)، وانظر ما ذكره الزمخشري في «أساس البلاغة» (١/ ٤٨٩).\n(١١) انظر ما ذكره الزبيدي في «تاج العروس» (٧/ ١٤٨) مادة: (شرك).\n(١٢) انظر ما ذكره الأزهري في «تهذيب اللغة» (١٠/ ١٨)، والزبيدي في «تاج العروس» (٧/ ١٤٩،) والفيومي في «المصباح المنير» (١/ ٤٧٤)، وابن منظور في «لسان العرب» (٧/ ٩٩)، والجوهري في «الصحاح» (٤/ ١٥٩٣، ١٥٩٤) في مادة (شرك).","vol":"2","page":491},{"text":"٢ - الشرك - بفتحتين - حبالة الصائد، الواحدة منها: شَرَكة، ومنه قيل: «وأعوذ بك من الشيطان وشركه» (١) بفتح الراء.\n٣ - الشركة - بسكون الراء -: بمعنى معظم الطريق ووسطه ... جمعها: شرك - بفتحتين - (٢).\nفهذه هي المعاني لكلمة الشرك، والكلمات ذات المادة الواحدة غالبا يكون فيما بينها ترابط في المعنى، فإذا تأملنا مدلولات المادة السابقة نجد الترابط واضحًا بينها، فالمشرك يجعل غير الله مشاركًا له في حقه، فله نصيب مما هو مستحق لله تعالى، فهو سوى بين الله وبين من أشركه في حق الله، بمعنى أنه جعل مَن تألهه من دون الله مقصودًا بشيء من العبادة، ولا يلزم أن يساوي بين الرب جل وعلا، وبين من أشركه معه في القصد والتعبد من كل وجه، بل يكفي أن يكون في وجه من الوجوه. وهو - أي الشرك - حبائل الشيطان؛ به يصيد أهله، وهو شبكة إبليس، أدخل أهله فيها، والذي يوجد فيه هذا الشرك لا يعتبر مسلمًا.\nوقد جاء في كتاب الشيخ مبارك الميلي (الشرك ومظاهره) ذكر مثل هذا الترابط؛ بأن مرجع مادة الشرك إلى الخلط والضم، فإذا كان بمعنى الحصة من الشيء يكون لواحد وباقيه لآخر أو آخرين، كما في قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ [الأحقاف: ٤]، فالشريك مخالط لشريكه، وحصته منضمة لنصيب الآخر.\nوإذا كان بمعنى الحبالة، فإنه ما يقع فيها من الحيوان يختلط بها وينضم إلى ملك الصائد.\nوإذا كان بمعنى معظم الطريق، فإن أرجل السائرين تختلط آثارها هنالك وينضم بعضها إلى بعض.\nوإذا كان بمعنى سير النعل، فإن النعل تنضم به إلى الرجل فيخلط بينهما.\nوإذا كان بمعنى الكفر فهو التغطية، والتغطية نوع من الخلط.\nثم إن اجتماع الشركاء في شيء لا يقتضي تساوي أنصبائهم منه، ولا يمنع زيادة قسط للآخر، فموسى – ﵇ – سأل ربه إشراك أخيه في الرسالة، وقد أجيب سؤاله، لقوله تعالى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه: ٣٦]، ومعلوم أن حظ هارون من الرسالة دون حظ موسى، ولهذا تقول: فلان شريك لفلان في دار أو بضاعة، ولو لم يكن له إلا معشار العشر، هذا في الحسيات، ومثله في المعنويات: تقول: الأبوان شريكان في طاعة ابنهما لهما، وإن كان حق الأم في الطاعة أقوى، وتقول: أبنائي شركائي في محبتي، وأنت تحب بعضهم أشد من بعض، فهذا تقرير معنى الشرك في اللغة (٣). الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا – ١/ ١١٣\n_________\n(١) رواه أبو داود (٥٠٦٧)، والترمذي (٣٣٩٢)، وأحمد (١/ ٩) (٥١)، والدارمي (٢/ ٣٧٨) (٢٦٨٩)، وابن حبان (٣/ ٢٤٢) (٩٦٢)، والحاكم (١/ ٦٩٤)، والضياء (١/ ١١٣) (٣٠). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الضياء: إسناده صحيح.\n(٢) «لسان العرب» (١٠/ ٤٤٨).\n(٣) انظر ما ذكره مبارك محمد الميلي في: «رسالة في الشرك ومظاهره» (ص: ٦١، ٦٢).","vol":"2","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>المطلب الثاني: معنى الشرك اصطلاحًا</span>\nلقد اختلفت عبارات العلماء في بيان معنى الشرك في الدين، وإن كانت هذه العبارات تكمل بعضها الأخرى، وفيما يلي بيان لبعض أقوالهم.\nأ- بعض العلماء بدأ بالتقسيم قبل التعريف، ثم عرفه من خلال التعريف بأقسامه، منهم الراغب في (المفردات) (١)، والذهبي في كتاب (الكبائر) - المنسوب إليه (٢) -، والإمام ابن القيم في (مدارج السالكين) (٣).\nب- ومنهم من عرف الشرك في ثنايا كلامه – وإن كان التعريف لم يكن مقصودًا بذاته في ذلك الكلام – ولهم في ذلك عبارات مختلفة، منها:\n١ - يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: هو (تشبيه للمخلوق بالخالق – تعالى وتقدس – في خصائص الإلهية، من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله وحده) (٤).\n٢ - وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: (هو صرف نوع من العبادة إلى غير الله، أو: هو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها) (٥).\n٣ - وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي - ﵀ -: (هو أن يجعل لله ندًا يدعوه كما يدعو الله، أو يخافه، أو يرجوه، أو يحبه كحب الله، أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة) (٦).\n٤ - وقال أيضا: (حقيقة الشرك بالله: أن يعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يعظم كما يعظم الله، أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية) (٧).\nقلت: هذا التعريف شامل لجميع مدلولات الشرك.\n٥ - وقيل: (هو كل ما ناقض التوحيد أو قدح فيه، مما ورد في الكتاب والسنة تسميته شركا) (٨).\n٦ - وقيل: هو (أن يثبت لغير الله – ﷾ – شيئًا من صفاته المختصة به؛ كالتصرف في العالم بالإرادة الذي يعبر عنه بكن فيكون، أو العلم الذي هو من غير اكتساب بالحواس ... أو الإيجاد لشفاء المريض واللعنة لشخص والسخط عليه حتى يقدر عليه الرزق أو يمرض أو يشفى لذلك السخط، أو الرحمة لشخص حتى يبسط له الرزق أو يصح بدنه ويسعد ...) (٩).\n٧ - وقيل: (الشرك هو أن يعتقد المرء في غير الله صفة من صفات الله؛ كأن يقول: إن فلانا يعلم كل شيء، أو يعتقد أن فلانا يفعل ما يشاء، أو يدعي أن فلانا بيده خيري وشري، أو يصرف لغير الله من التعظيم ما لا يليق إلا بالله - تعالى -، كأن يسجد للشخص أو يطلب منه حاجة أو يعتقد التصرف في غير الله) (١٠).\n_________\n(١) انظر «المفردات» له (ص: ٢٥٩).\n(٢) الذهبي: «الكبائر» (ص: ٨).\n(٣) انظر ما ذكره ابن القيم في «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٩).\n(٤) سليمان بن عبد الله آل الشيخ «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٩١).\n(٥) الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «مؤلفات الشيخ: قسم العقيدة» (ص: ٢٨١)، والدكتور صالح عبد الله العبود في «عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب» (ص: ٤٢٣).\n(٦) عبد الرحمن السعدي: «القول السديد في مقاصد التوحيد» (ص: ٢٤).\n(٧) عبد الرحمن السعدي: «تفسير كلام المنان» (٢/ ٤٩٩).\n(٨) أبوبكر الجزائري: «عقيدة المؤمن» (ص: ١٠٥).\n(٩) ولي الله الدهلوي: «الفوز الكبير في أصول التفسير» (ص: ٣).\n(١٠) محمد إسماعيل بن عبد الغني بن عبد الرحمن العمري: «تقوية الإيمان» (٢٢، ٢٣)، و«رسالة التوحيد» (ص: ٣٢، ٣٣).","vol":"2","page":493},{"text":"٨ - وقال الشيخ محمد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي - ﵀ -: (إن الشرك لا يتوقف على أن يعدل الإنسان أحدا بالله، ويساوي بينهما بلا فرق، بل إن حقيقة الشرك: أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال خصها الله - تعالى - بذاته العلية وجعلها شعارًا للعبودية، لأحد من الناس؛ كالسجود لأحد، والذبح باسمه والنذر له، والاستعانة به في الشدة والاعتقاد أنه ناظر في كل مكان، وإثبات التصرف له، كل ذلك يثبت به الشرك ويصبح به الإنسان مشركًا) (١).\nقلت: هذا التعريف فيه تصور كامل لحقيقة الشرك، ولكنه غير منضبط.\n٩ - وقيل: هو (إشراك غير الله مع الله في اعتقاد الإلهية، وفي العبادة) (٢). قلت: هذا التعريف فيه تصور كامل لحقيقة الشرك، ولكنه غير منضبط.\n١٠ - وقال الشوكاني: (إن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه) (٣).\n١١ - وقيل: (الشرك: إسناد الأمر المختص بواحد إلى من ليس معه أمره) (٤).\nقلت: هذا التعريف غير مانع، فإنه ليس كل إسناد مختص بواحد إلى من ليس معه أمره يعد شركًا، بل ربما يكون ظلمًا أو فسقًا.\nفهذه – كما ترى – أقوال العلماء في تصور حقيقة الشرك، بعض منها جامع وليس بمانع، وبعضها ناقص، وبعضها كمثابة التمثيل على بعض ما وقع فيه الناس من أفراد الشرك في العبادة أو في الاعتقاد، وليس المراد: أنهم ما كانوا عارفين بالشرك، ولكن لما كان من دأبهم ذكر النماذج دون إرادة الاستقصاء، ذكروا بعض الجوانب من الشرك، والجوانب الأخرى أشاروا إليها من خلال مصنفاتهم، ومؤلفاتهم، ومن فاته شيء منها ذكره الآخرون منهم، كما هو واضح في كتابتهم ومناظرتهم مع الذين وقعوا في الشرك في زمانهم.\nوالذي يظهر من هذه الأقوال: أن الشرك حقيقته في اتخاذ الند مع الله، سواء كان هذا الند في الربوبية أو الألوهية.\nوبهذا يتفق قول العلماء المحققين في حقيقة الشرك مع قول أصحاب المعاجم بأن أصل الشرك اتخاذ الأنداد مع الله.\nفأصل الشرك – كما علمنا من البيان السابق – ما هو إلا اتخاذ الند مع الله، وهذا ما سيتضح لنا أكثر عند بيان حقيقة الشرك في نصوص القرآن والسنة.\nإذا نظرنا إلى حقيقة الشرك في القرآن نرى: أن الله – ﷿ – بينها في كتابه بيانًا شافيًا واضحًا لا لبس فيه ولا غموض. فقال تعالى: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢].\nمعنى الآية: النهي عن اتخاذ الأنداد مع الله بأي وجه من الوجوه، وقد نقل عن السلف في تفسير الآية مثل هذا القول، فمثلًا:\n١ - قال ابن عباس: (الأنداد: الأشباه) (٥)، والند: الشبه، يقال: فلان ند فلان، ونديده: أي مثله وشبهه، ومنه قول النبي ﷺ لمن قال له: ما شاء الله وشئت: «أجعلتني لله ندا» (٦)\n،\n_________\n(١) محمد إسماعيل بن عبد الغني بن عبد الرحيم العمري: «تقوية الإيمان» (٢٢، ٢٣)، و«رسالة التوحيد» (ص: ٣٢، ٣٣).\n(٢) ابن عاشور: الطاهر: «التحرير والتنوير» (٧/ ٣٣٣).\n(٣) الشوكاني: «الدر النضيد» (ص: ٣٤) ط مكتبة الصحابة الإسلامية.\n(٤) المناوي: «التوقيف على مهمات التعريف» (ص: ٤٢٨).\n(٥) انظر هذا القول فيما ذكره «الطبري في تفسيره» (١/ ١٢٦، ١٢٧).\n(٦) رواه أحمد (١/ ٢١٤) (١٨٣٩) والبخاري في «الأدب المفرد» (١/ ٢٩٠) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٤٥)، قال ابن القيم في «مدارج السالكين» (١/ ٦٠٢): صحيح. وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٠٠): إسناده صحيح، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٢٥٣): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (ص: ٦٠١).","vol":"2","page":494},{"text":"وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيها فهو له ند (١).\n٢ - قال ابن مسعود: (الأنداد: الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله) (٢)، كما قال جل ثناؤه: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة: ٣١].\nوقال الطبري: قال عدي بن حاتم: «أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك. فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ. قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟. قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم» (٣). ففي هذا القول أيضًا: إثبات كون الشرك هو اتخاذ الند، فإن من أثبت حق التشريع والتحليل والتحريم لغيره – سبحانه – فقد أثبت له الند.\n٣ - قال عكرمة: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا (أي تقولوا: لولا كلبنا لدخل علينا اللص الدار، لولا كلبنا صاح في الدار، ونحو ذلك (٤)، فنهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئا، وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له ندا وعدلا في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمتي عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكًا وندًا من خلقي، فإنكم تعلمون: أن كل نعمة عليكم مني (٥».\n٤ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له) (٦). فمعنى الأنداد على هذا المعنى هي الآلهة، والآلهة عند الكفار بمعنى الشفعاء لهم عند الله، وقد سماهم الله – ﷿ – شركاء، فقال – في الرد على اتخاذهم آلهة -: وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء.\n٥ - قال مجاهد: (الأنداد: العدلاء) (٧).\nوالعدلاء هنا أيضًا بمعنى الشركاء لله في عبادته، قال الله تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ [الأنعام:١] أي يشركون (٨)، ويقال: من مساواة الشيء بالشيء: عدلت هذا بهذا، إذا ساويته به عدلًا.\nقال الطبري: (يجعلون شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شاركه في خلق شيء من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره) (٩).\n٦ - قال الطبري: (الأنداد جمع ند، والند: العدل، والمثل).\n_________\n(١) انظر ما نقله «الطبري في تفسيره» (١/ ١٢٧).\n(٢) الطبري: «جامع البيان» (١/ ١٢٧).\n(٣) رواه الترمذي (٣٠٩٥) والطبري في «تفسيره» (١٤/ ٢١٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (ص: ١٧٨٤) والطبراني في «المعجم الكبير» (١٧/ ٩٢) (٢١٨) والبيهقي (١٠/ ١١٦)، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. وقال الذهبي في «المهذب» (٨/ ٤١٠٨): فيه غطيف ضعفه الدارقطني. وقال ابن عثيمين في «مجموع فتاوى ابن عثيمين» (١٠/ ٧٣٦): إسناده ضعيف. وحسنه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٧) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٢٩٣).\n(٤) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٣٦٩).\n(٥) الطبري: «جامع البيان» (١/ ١٢٧).\n(٦) انظر ما ذكره «الطبري في تفسيره» (١/ ١٢٧).\n(٧) انظر ما ذكره «الطبري في تفسيره» (١/ ١٢٧).\n(٨) انظر ما ذكره «الطبري في تفسيره» (٧/ ٩٢، ٩٣).\n(٩) «تفسير الطبري» (١١/ ٢٥٢).","vol":"2","page":495},{"text":"والمقصود: أن اتخاذ الشبيه والكفؤ لله يسمى شركًا بالله، ولهذا أخبر ﷾ أنه لم يكن له كفؤ ولا شبيه ولا نظير، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، قال تعالى: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]. قال أبو العالية في معنى الآية: (لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء) (١)، أي كيف يكون له من خلقه نظير يساميه أو قريب يدانيه، تعالى وتقدس وتنزه (٢)، وهو الواحد الأحد، لا نظير له ولا وزير ولا نديد، ولا شبيه ولا عديل (٣).\nهكذا بين الله في كتابه حقيقة الشرك بالله بيانا واضحا، وهو: اتخاذ الند مع الله، وكل ما ذكر في معاني الند من الكفؤ، والشبيه، والمثل، والعدل، والآلهة، كلها معاني متقاربة تدل على معنى الشرك بالله، والتي تدل صراحة أن الشرك في الحقيقة: اتخاذ الند بمعنى الشبيه لله ﷿ كما سيأتي.\nكما أن هذا المعنى هو المستفاد من أحاديث الرسول ﷺ التي فيها بيان حقيقة الشرك، والدليل عليه:\n١ - ما روى الشيخان عن ابن مسعود قال: «سألت النبي ﷺ: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك» (٤) ... الحديث.\n٢ - ما رواه مسلم أيضًا عنه: قال: قال رجل: «يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله ندا وهو خلقك» (٥) .... الحديث – وفي آخره – فأنزل الله ﷿ تصديقها: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان:٦٨].\n٣ - وروى الشيخان عن أبي بكرة قال: «كنا عند رسول الله ﷺ فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: - ثلاثًا- الإشراك بالله ...» (٦) الحديث.\nففي هذا الحديث ذكر أكبر الكبائر بأنه الشرك، فهو بمثابة التفسير للند المذكور في الحديثين السابقين.\nوبهذا يحصل لنا حقيقة الشرك بلسان الرسول - ﵊ -، حيث فسر اتخاذ الند بالشرك، بأن الشرك أكبر المعاصي وأكبر الكبائر، وهو أن تجعل لله ندا ومثلا وشبيهًا وعديلًا في العبادة وكفؤا في الطاعة، فمن جعل لله ندا وشبيها فقد أشرك.\nوأيضًا اتضح لنا من خلال ما ذكرنا: أن الشرك إنما هو اتخاذ الند والشبيه لله من خلقه فيما يستحقه ﷿ من الإلهية والربوبية، فمن صرف شيئًا من هذه الخصائص لغيره فهو مشرك، فأصل الشرك وحقيقته إنما هو في التشبيه والتشبه.\nقال ابن القيم: (حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، ...). (٧) فالمشرك مشبه للمخلوق في خصائص الإلهية. الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا – ١/ ١١٧\n_________\n(١) انظر ما ذكره «الطبري في تفسيره» (١٢/ ٢٢٤).\n(٢) انظر ما ذكره «ابن كثير في تفسيره» (٤/ ٥٧٠).\n(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٨/ ٥٢٧).\n(٤) رواه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦).\n(٥) رواه مسلم (٨٦).\n(٦) رواه البخاري (٥٩٧٦)، ومسلم (٨٧).\n(٧) ابن القيم: «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» (ص: ٣٢٦).","vol":"2","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-725>المبحث الثاني: هل الأصل في الإنسان التوحيد أم الشرك</span>؟\nهذا السؤال يتطلب جوابه أن نرجع إلى أصل الإنسان، فالذين يقولون: إن أصل الإنسان أنهم خلقوا من نفس واحدة، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: ١] قالوا: إنهم خلقوا من آدم، وعليه اتفاق جميع الأديان السماوية، وعليه اتفقت كلمة أصحاب الملل -اليهود والنصارى والمسلمون - إلا من شذ منهم واتبع الملاحدة في أقوالهم، وآرائهم، فجميع أصحاب الأديان السماوية يقولون إن الأصل في الإنسان هو التوحيد، والشرك طارئ عليهم.\nويستدل عليه من وجوه:\nأولًا: أن الإنسان الأول هو آدم ﵇ كان نبيًا يعبد الله وحده لا شريك له، وعلم أبناءه التوحيد؛ حيث سئل النبي ﷺ عن آدم: أنبي هو؟ قال: «نعم، نبي مكلم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه روحه ...» (١) ثم وقع بنو آدم في الشرك بعده بأزمان – وهذا يقر ويقول به كل من يؤمن بأن الله هو الخالق، وكل من يؤمن بالأديان السماوية الثلاث؛ الإسلامية والنصرانية واليهودية، إلا من تابع قول الملحدين منهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمة الله- (ولم يكن الشرك أصلًا في الآدميين، بل كان آدم ومن كان على دينه من بنيه على التوحيد لله، لا تباعهم النبوة ... فإن آدم أمرهم بما أمره الله به، حيث قال له: قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:٣٨ - ٣٩]، فهذا الكلام الذي خاطب الله به آدم وغيره لما أهبطهم قد تضمن أنه أوجب عليهم اتباع هداه المنزل)\nثانيًا: بين الله سبحانه أن البشرية كانت في أول أمرها على التوحيد، ثم طرأ عليها الشرك وتعدد الآلهة، لقوله تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [البقرة: ٢١٣]\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٦٥) (٢٢٣٤٢)، والطبراني (٨/ ٢١٧) (٧٨٨٧). من حديث أبي أمامة ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٦٤): مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٦/ ٣٥٩): فيه علي بن يزيد وهو الألهاني ضعيف، ومعان بن رفاعة لين الحديث.","vol":"2","page":497},{"text":"وجمهور المفسرين يقولون بأن الناس كانوا أمة واحدة على الهدى والتوحيد، فظهر فيهم الشرك عن طريق تعظيم الموتى، فبعث الله إليهم رسله ليردوهم إلى التوحيد. قال الطبري: (وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال: إن الله ﷿ أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة، وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة في عهد آدم إلى عهد نوح - ﵉ - كما روى عكرمة عن ابن عباس (١)، وكما قاله قتادة) ويؤيده ما جاء في قراءة أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود ﵄ (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين ...) كما يؤيده قوله تعالى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ [يونس: ١٩]) (٢) وهو الذي رجحه ابن كثير معللًا بقوله: (لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام – فبعث الله إليهم نوحًا﵇ – فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)، ويقول: (ثم أخبر الله تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام) (٣)\nثالثًا: أخبر الله ﷾ في كتابه أن الفطرة التي فطرت عليها البشرية كلها هي فطرة الإسلام التي هي التوحيد الخالص، قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: ٣٠] وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف: ١٧٢] فهاتان الآيتان تبينان أن العباد كلهم مفطورون على التوحيد وأنه الأصل في بني آدم، وقد فسر مجاهد الفطرة بأنها الإسلام.\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٧٥) ورواه الحاكم (٢/ ٤٨٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن تيمية: «تلبيس الجهمية» (٣/ ٦٥): ثابت. وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧/ ٨٥٤): صحيح.\n(٢) «تفسير الطبري» (٤/ ٢٧٨ - ٢٨٠).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٥٦ - ٣٥٧).","vol":"2","page":498},{"text":"رابعًا: بيّن الله في كتابه: أن التوحيد هو أصل دعوة الرسل وإليه دعوا أقوامهم، قال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ [الشورى: ١٣] وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦]، وقال تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: ٤٥] وكل رسول افتتح دعوته لأمته بالدعوة إلى عبادة الله، فقال اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٥٩]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀-: (إن الناس كانوا بعد آدم ﵇ وقبل نوح ﵇ على التوحيد والإخلاص كما كان أبوهم آدم أبو البشر ﵇، حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء أنفسهم لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل بها رسولًا، بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة، قوم منهم زعموا أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية، وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين، وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين، وقوم على مذاهب أخرى، فابتعث الله نبيه نوحًا ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة ما سواه ... وجاءت الرسل بعده تترى، إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين كما كانت النماردة والفراعنة، فبعث الله تعالى إليهم إمام الحنفاء وأساس الملة الخالصة والكلمة الباقية إبراهيم خليل الرحمن فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص ونهاهم عن عبادة الكواكب والأصنام ... فجعل الأنبياء والمرسلين من أهل بيته .. وبعث بعده أنبياء من بني إسرائيل ... ثم بعث الله المسيح بن مريم ...) (١) وقد قال قتادة: (ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح﵉- عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله ﷿ نوحًا وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض) (٢).\nسادسًا: ما رواه عياض بن حمار: أن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» (٣)\nسابعًا: ما رواه أبو هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله صلي عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: ٣٠]» (٤)\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٦٠٣ - ٦٠٦).\n(٢) «تفسير الطبري» (٤/ ٢٧٦)، وانظر: «إغاثة اللهفان» لابن القيم (٢/ ٦٢٠،٦٢١). وحديث «أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض» رواه البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣). من حديث أنس ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٢٨٦٥) بلفظ: «وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم». من حديث عياض بن حمار ﵁.\n(٤) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":499},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الحديث: (فالصواب أنها فطرة الإسلام وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف: ١٧٢]، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة ... وقد ضرب رسول الله ﷺ مثل ذلك فقال: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» (١) بين أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن، وأن العيب حادث طارئ) (٢)\nوقال ابن القيم: (فجمع ﵊ بين الأمرين، تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع، وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لابد أن يغيرهما، فغير فطرة الله بالكفر وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها، وغير الصورة بالجدع والبتك، فغير الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح، وهذا تغيير خلقة الصورة) (٣) ويقول كذلك: (فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه، فصرف ذلك التأله والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة) (٤).\nومن هذا يتبين لنا أن الشرك لم يكن أصلًا في بني آدم، بل كان آدم ومن جاء بعده من ذريته على التوحيد إلى أن وقع الشرك.\nفإن هذه الأدلة تنص على أن بني آدم عبدوا الله فترة من الزمن، وهي عشرة قرون كما يذكره ابن عباس - ﵄- (٥) ثم انحرف من انحرف عن هذا المنهج القويم، فبعث الله إليهم الرسل ليردوهم إلى التوحيد.\nوهناك رواية أخرى تبين لنا كيف بدأ وقوع بني آدم في الشرك، فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال في معنى قول الله ﷿: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح: ٢٣] قال: «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون إليها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت» (٦) فهذا كان مبدأ وقوع بني آدم في الشرك وانحرافهم عن توحيد الله ﷿. الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا ١/ ١٨١\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٤٥).\n(٣) «إغاثة اللهفان» (١/ ١٠٧).\n(٤) «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٥٨).\n(٥) رواه الحاكم (٢/ ٤٨٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧/ ٨٥٤): صحيح.\n(٦) رواه البخاري (٤٩٢٠).","vol":"2","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-726>المبحث الثالث: أصل الشرك وأسبابه</span>\nأوائل المشركين كما قال شيخ الإسلام: (صنفان: قوم نوح وقوم إبراهيم، فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين، ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم، وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر) (١).\nوكلا الفريقين عابد للجن فإنها التي تأمرهم به وتسوله لهم وترضى منهم الشرك ولذلك يقول الله جل وعلا: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [سبأ: ٤٠ - ٤١].\nوقد كانت الأصنام في زمن نوح ﵇ صورًا لصالحين ماتوا، كما قال ابن عباس ﵄: (أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت) (٢) اهـ.\nويشير ابن عباس ﵄ إلى الآية: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح: ٢٣].\nوقد كان الناس قبل ذلك فيما بين آدم ﵇ ونوح مدة عشرة قرون كانوا كلهم على الإسلام كما قال ابن عباس ﵄: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام) (٣).\nوأما الشرك في زمن إبراهيم ﵇ فقد كان بعبادة الكواكب، ولذلك ناظرهم في أن تلك الكواكب لا تستحق أن تعبد لأنها مربوبة مخلوقة مدبرة، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٧٥ - ٧٨].\nثم إن الشرك دخل العرب بنقل عمرو بن لحي الذي قال عنه الرسول ﷺ «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب» (٤).\nوقد كان سافر إلى الشام للتجارة فوجد أهل الشام يعبدون الأصنام فأخذ منها إلى مكة فأدخل فيهم الشرك (٥).\nوقد كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها تقربهم إلى الله تعالى فاتخذوهم واسطة بينهم وبين الله، وهذا يشبه شرك القوم الذين بعث فيهم نوح ﵇.\n_________\n(١) «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» (ص: ٢٢). وانظر: «الرد على المنطقيين» (ص: ٢٨٥ - ٢٨٦).\n(٢) رواه البخاري (٤٩٢٠).\n(٣) رواه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٧٥) والحاكم (٢/ ٤٨٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن تيمية: «تلبيس الجهمية» (٣/ ٦٥): ثابت. وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧/ ٨٥٤): صحيح.\n(٤) رواه البخاري (٣٥٢١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) انظر: «السيرة لابن هشام» (١/ ٧٧) و«فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٦٣٤).","vol":"2","page":501},{"text":"وأما اعتقاد تأثير بعض الأشياء بخفاء مما لا يعلم له سبب ظاهر فيبدو أن ذلك دخل عليهم من أصل الكلدانيين الذين يعتقدون تأثير الكواكب، وكان هذا هو أصل شرك أولئك - قوم إبراهيم ﵇-. وقد كانت الشياطين تزين لهم عبادة تلك الكواكب، ولبست عليهم بأمور تدعوهم للاعتقاد فيها، وقد مثلوا لها تماثيل، فانتقل ذلك إلى العرب فوجد فيهم الاستسقاء بالأنواء، ومن مظاهر اعتقادهم تأثير بعض الأشياء بخفاء: اشتغالهم بالكهانة والطيرة.\nوبهذا العرض يتبين جليًا أن أصل شرك العالم هو عبادة الأشخاص ثم الكواكب. وهذا هو الشرك الذي أرسلت الرسل لإنكاره، وليس الشرك محصورًا في اعتقاد وجود رب آخر لهذا العالم مساو لله تعالى، بل هذا النوع لم يكن معروفًا في بني آدم كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله وبهذا يتضح جهل كثير من الناس في هذه الأزمان بحقيقة الشرك، ولزيادة المسألة إيضاحًا، يفرع على هذا بيان سبب الشرك، فلوقوع الشرك سببان:\nالسبب الأول: الغلو في المخلوق: (١) ويكون بتنزيل المخلوق منزلة فوق منزلته فيصرف له شيء من حقوق الله، وهذا الأمر جلي وواضح يبينه أصل الشرك الذي حدث لقوم نوح وإبراهيم ﵉ – كما تقدم مستوفى ولهذا سد الرسول ﷺ هذا الطريق كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوأما السبب الثاني: فهو إساءة الظن برب العالمين:\nوهذا السبب مترتب على السبب السابق، فإنه بعد غلو الشخص في المخلوق وحصول الجهل بالدين يتخذه وسيطًا يقربه إلى الله فيعطفه عليه في قضاء حاجاته، فيكون قد أساء الظن بإفضال ربه وإنعامه وإحسانه إليه. وهذا يحدث وإن اعتقد أن الله يسمع ويرى ويملك كل شيء.\nقال الله تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [الفتح: ٦] وكان ظن المشركين والمنافقين أن الله لن يحقق وعده بنصر الرسول ﷺ وأصحابه (٢) كما قال الله تعالى: بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا [الفتح: ١٢] وهذا الوصف وصف لله بالنقص، فكذلك من يعتقد أن الله لا يستجيب له إلا بوساطة يكون قد وصف الله بالنقص.\nوقال الله تعالى عن إبراهيم ﵇ في رده على قومه: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ٨٧ - ٨٥] فقوله: فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ حكي فيه وجهان (٣):\nالأول: ما ظنكم بربكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره، وهذا للتهديد.\nوالوجه الثاني: هو: أي شيء تظنون برب العالمين أنه هو حتى عبدتم غيره؟ وهذا الأسلوب معني به تعظيم الله وتوبيخ المشركين.\nولا مانع أن يكون الوجهان مرادين. وعلى الوجه الثاني يظهر جليًا أن من أسباب الشرك إساءة الظن برب العالمين.\nوقال ابن القيم في سياق بيانه لأنواع الظن السيئ برب العالمين: (ومن ظن أن له ولدًا أو شريكًا، أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه ويتوسلون بهم إليه ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه فيدعونهم ويحبونهم كحبه ويخافونهم ويرجونهم فقط ظن به أقبح الظن وأسوأه) (٤) اهـ منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٩٥\n_________\n(١) انظر: «إغاثة اللهفان» (٢/ ٣٢٢).\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» (٢٢/ ٢٠٥).\n(٣) انظر: «فتح القدير» للشوكاني (٤/ ٤٠١). و«التسهيل لعلوم التنزيل» لابن جزي (٣/ ١٧٣).\n(٤) «زاد المعاد» (٣/ ٢٣٣).","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>المبحث الرابع: أول شرك وقع في بني آدم</span>\nإن مما لا خلاف فيه أن أول شرك وقع في العباد هو شرك الشيطان. قال الحافظ ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٢٩]:\nقال ابن جريج: (من يقل من الملائكة إني إله من دونه، فلم يقله إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية في إبليس).\nوقال قتادة: (إنما كانت هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس، لما قال ما قال لعنه الله، وجعله رجيما) (١).\nوقال الضحاك في قوله تعالى: وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ: (يعني من الملائكة إني إله من دونه، قال: ولم يقل أحد من الملائكة إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه وشرع الكفر) (٢).\nفهذا أول شرك وقع على الإطلاق – فيما أعلم -، ولكن متى وقع أول شرك في بني آدم؟ اختلفوا فيه على أقوال:\nالقول الأول: إن أول شرك في بني آدم كان من قابيل، وقد حكى الإمام الطبري في تاريخه رواية تدل عليه؛ وهي (ذكر أن قابيل لما قتل هابيل، وهرب من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس فقال له: إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها) (٣).\nفهذا القول نرى الإمام الطبري نقله بدون سند، بل صدره بقوله: (ذكر) بصيغة التمريض، مما يدل على ضعفه عنده، وهو في نفسه ضعيف، كما سيأتي بيان ما يخالفه من القول الصحيح.\nالقول الثاني: إن بداية الشرك كان في زمن يرد بن مهلائل، وهو أبو إدريس ﵇، وقد حكاه أيضًا ابن جرير في تاريخه، فقال: (حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: في زمان يرد عملت الأصنام، ورجع من رجع عن الإسلام) (٤).\nففي هذا السند نرى هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وهما ضعيفان بل متهمان، ولا يقبل منهما، خصوصًا أن هذه الرواية خالفت الرواية الصحيحة – كما سيأتي -، ثم إن الكلبي هنا يروي التفسير عن أبي صالح عن ابن عباس، وأبو صالح لم ير ابن عباس، ولا سمع منه شيئًا، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فما رواه الكلبي لا يحل ذكره في الكتاب، فكيف الاحتجاج به؟ (٥).\nوالمقصود: أن هذه الرواية لا تصلح للاحتجاج.\nالقول الثالث: إن أول شرك وقع في بني آدم إنما هو من قبل أبناء قابيل.\nوتدل عليه رواية ابن الكلبي في كتاب الأصنام، قال فيها: أخبرني أبي قال: (أول ما عبدت الأصنام أن آدم ﵊ لما مات، جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند). ثم روى عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: (وكان بنو شيث يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل! إن لبني شيث دوارًا يدورون حوله ويعظمونه، وليس لكم شيء. فنحت لهم صنمًا، فكان أول من عملها) (٦).\n_________\n(١) نقله الطبري في «جامع البيان» (٩/ ١٧ - ١٣)، وفي «تاريخ الأمم والملوك» (١/ ٨٣)، والسند صحيح.\n(٢) السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣١٧)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٣) الطبري: «تاريخ الأمم والملوك» (١/ ١٦٥)، وانظر ما ذكره ابن الأثير في «الكامل» (١/ ٣٢).\n(٤) الطبري: «تاريخ الرسل والملوك» (١/ ١٧٠)، وانظر ما ذكر ابن الأثير في «الكامل» (١/ ٣٤)، والسهيلي في «الروض الأنف» (١/ ١٤).\n(٥) انظر ما ذكره أبو حاتم ابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٢٥٣).\n(٦) ابن الكلبي: في «الأصنام» (ص: ٥٠، ٥١)، وعنه ابن القيم في «الإغاثة» (٢/ ٦٢٢).","vol":"3","page":2},{"text":"فهذه الرواية أيضًا من قبل هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، وهو عن أبي صالح عن ابن عباس. وقد تطرقت لهذا السند بالنقد فيما قبل، فلا أعيده هاهنا، وإنما المقصود بيان كونه قولًا ضعيفًا للغاية.\nالقول الرابع: إن أول شرك وقع في بني آدم هو في قوم نوح.\nويستدل لهذا القول بما يلي:\n١ - قوله تعالى: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح: ٢٢]، والدليل على أن هؤلاء المذكورين كانوا في قوم نوح؛ الروايات الحديثية التي وردت في تفسير الآية.\nمن أشهرها: ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس – ﵄ – (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت) (١).\nوما أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: (كانوا قوما صالحين – يغوث ويعوق ... – بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم) (٢).\n٢ - قوله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة: ٢١٣].\nويتضح وجه الاستدلال من الآية لمن اطلع على تفسيرها، وقد سبق معنا بيانه فيما قبل.\n٣ - ويدل عليه أيضًا: ما رواه ابن جرير بسنده عن ابن عباس – ﵄ – قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ...) (٣).\n٤ - وقد قال قتادة: (ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح – ﵉ – عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله ﷿ نوحًا، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض).\n٥ - وعن عكرمة قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام) (٤).\nفهذه أقوال صحيحة عن سلف هذه الأمة في بيان بداية الشرك في بني آدم، وهي ترجح هذا القول الرابع؛ بأن بداية الشرك كان في قوم نوح، وقبل هذا كانوا على الإسلام.\nومن غرائب ما في هذا الباب نسبة وجود الشرك في آدم – ﵇ – استدلالًا بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف: ١٨٩، ١٩٠].\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٢٠).\n(٢) «جامع البيان في تفسير القرآن» (١٢/ ٢٩/٦٢)، وانظر ما نقله السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٦٩)، عن محمد بن كعب القرظي.\n(٣) رواه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٧٥) والحاكم (٢/ ٤٨٠) بنحوه. وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن تيمية: «تلبيس الجهمية» (٣/ ٦٥): ثابت. وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧/ ٨٥٤): صحيح.\n(٤) رواه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٧٥) والحاكم (٢/ ٤٨٠) بنحوه. وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن تيمية: «تلبيس الجهمية» (٣/ ٦٥): ثابت. وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧/ ٨٥٤): صحيح.","vol":"3","page":3},{"text":"فإنه جاء في تفسير هذه الآيات آثار عن بعض السلف توهم وجود الشرك في زمن آدم ﵇، وهي ما يلي:\nأولًا: ما روى الإمام أحمد بسنده عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس – وكان لا يعيش لها ولد -، فقال: سميه عبد الحارث؛ فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» (١) هذا هو الحديث المرفوع الوحيد إلى النبي ﷺ.\nقال الحافظ ابن كثير: (وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد به، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد به ولم يرفعه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعًا، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه الإمام أبو محمد ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي عن هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعًا، وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض عن عمر بن إبراهيم مرفوعًا؛ قلت – القائل هو الحافظ ابن كثير -: وشاذ هو هلال وشاذ لقبه) (٢).\nثانيا: الآثار عن الصحابة:\nأ- روي عن ابن عباس روايات بنحو ما ذكر:\n١ - من طريق محمد بن إسحاق بن يسار عن داود بن الحصين عن عكرمة عنه (٣)، وهذا السند غير مقبول عند المحدثين، فإن كل ما رواه داود بن الحصين عن عكرمة فهو منكر، بل ضعفه بعضهم (٤).\n٢ - من طريق عبد الله بن المبارك عن شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عنه، ففي هذا السند خصيف، وهو ضعيف (٥)، وشريك أيضًا مختلط (٦)، فلا اعتبار بهذه الرواية.\n٣ - ما رواه ابن جرير الطبري، قال: حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس (٧) (بنحوه).\nفهذه هي السلسلة العوفية المعروفة بالضعف من رواة التفسير عن ابن عباس (٨).\n٤ - ما رواه الطبري من طريق القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج عن ابن جرير قال: قال ابن عباس. وذكر نحوه (٩). فهذا أثر منقطع، وضعيف؛ فإن حجاج بن أرطأة ضعيف، وابن جريج لم يدرك ابن عباس.\nب- وفي الباب رواية عن أبي بن كعب نحوه، وقد رواه ابن عباس عنه (١٠).\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١١) (٢٠١٢٩)، ورواه الترمذي (٣٠٧٧)، والحاكم (٢/ ٥٩٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\n(٢) ابن كثير: «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ٢٧٤).\n(٣) «ابن جرير في تفسيره» (٦/ ٩/٩٩).\n(٤) انظر ما ذكره الخزرجي في «الخلاصة» (ص: ١٠٩).\n(٥) انظر ما ذكره ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (٢/ ٨٧)، برقم (٢٠٢٦).\n(٦) انظر ما قاله الخزرجي في «خلاصته» (ص: ١٦٥) في ترجمة شريك القاضي.\n(٧) انظر ما ذكره «الطبري في تفسيره» (٦/ ٩/٩٩).\n(٨) انظر في تحقيق حال الرواة لهذا الأثر: «لسان الميزان» لابن حجر (٥/ ١٧٤، ٣/ ١٨، ١٩)، و«تهذيب التهذيب له» (٢/ ٢٩٤)، و«التاريخ الكبير» للبخاري (١/ ٢٩٩، و٤/ ١/٩٠٨)، وابن سعد في «الطبقات» (١/ ٢١٢، ٢١٣).\n(٩) انظر ما ذكره «ابن جرير في التفسير» (٦/ ٩/٩٩).\n(١٠) انظر ما ذكره «ابن كثير في التفسير» (٢/ ٢٧٥)، والسيوطي في «الدر» (٣/ ١٥١)، وعزياه لابن أبي حاتم.","vol":"3","page":4},{"text":"قال ابن كثير: (وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس من أصحابه؛ كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة. ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي، وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة. وكأنه – والله أعلم – أصله مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب كما رواه ابن أبي حاتم) (١) ... وهذه الآثار يظهر عليها – والله أعلم – أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن النبي ﷺ في عدم تصديق أهل الكتاب وفي عدم تكذيبهم أيضًا، ثم إن أخبارهم على ثلاثة أقسام؛ فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في الحديث (٢).\nوهذا الأثر – المروي عن ابن عباس – ننظر إليه بهذه الاعتبارات الثلاثة، فهل يدل عليه من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ شيء؟. في الحقيقة: أن هذا فرع عن صحة الحديث الذي رواه سمرة بن جندب – ﵁ – عن النبي ﷺ أو ضعفه. أعني الحديث: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس ...» (٣) إلخ.\nفالمحدثون في هذا الحديث فريقان:\nفريق: أخذوا الحديث بالتصحيح، ثم بدؤوا يؤولون في معنى الحديث كي لا يؤدي إلى نسبة الشرك إلى آدم.\nوفريق آخر يضعفون الحديث، ويفسرون الآية بما يوافق طبيعة اللغة العربية، وبما روي من آثار في ذلك.\nفأما الذين قالوا بصحة الحديث أجابوا بأجوبة، منها:\nأ- أن النفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، والشرك الواقع منهما ليس شركًا في العبادة، وإنما هو شرك في التسمية، حيث سميا ولدهما (عبد الحارث) والحارث هو اسم إبليس، وآدم وحواء لم يعتقدا بتسمية ولدهما عبد الحارث أن الحارث ربهما (٤)، وقد ذكر هذا القول بعض المفسرين، كابن جرير الذين صوبه (٥)، ورجحه على غيره، وروى في تأييده آثارًا عن السلف.\nفروى عن ابن عباس أنه قال: (أشركه في طاعته في غير عبادة، ولم يشرك بالله، ولكن أطاعه) (٦).\nوعن قتادة قال: (وكان شركًا في طاعته، ولم يكن شركًا في عبادته) (٧).\nوعن سعيد بن جبير قال: (قيل له: أشرك آدم؟ قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم أشرك، ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليس فقال لها: من أين يخرج هذا؟ من أنفك، أو من عينك، أو من فيك؟ فقنطها، ثم قال: أرأيت إن خرج سويًا ... أتطيعيني؟ قالت: نعم، قال: فسميه عبد الحارث، ففعلت ... فإنما كان شركه في الاسم) (٨).\n_________\n(١) «ابن كثير في تفسيره» (٢/ ٢٧٥).\n(٢) «ابن كثير في تفسيره» (٢/ ٢٧٥).\n(٣) رواه أحمد (٥/ ١١) (٢٠١٢٩)، ورواه الترمذي (٣٠٧٧)، والحاكم (٢/ ٥٩٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\n(٤) انظر هذا القول عند «ابن جرير في تفسيره» (٦/ ٩/١٠١).\n(٥) انظر هذا القول عند «ابن جرير في تفسيره» (٦/ ٩/١٠١).\n(٦) انظر هذا القول عند «ابن جرير في تفسيره» (٦/ ٩/٩٩).\n(٧) انظر هذا القول عند «ابن جرير في تفسيره» (٦/ ٩/٩٩).\n(٨) انظر هذا القول عند «ابن جرير في تفسيره» (٦/ ٩/٩٩).","vol":"3","page":5},{"text":"وعن السدي قال: (... فذلك حين يقول الله: جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا يعني في التسمية) (١). وأيضًا يدل عليه قراءة من قرأ: جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء بمعنى الشركة يعني بالاسم (٢)، وحتى يتفادى أصحاب هذا القول الاعتراض عليهم بأن قوله تعالى: فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يفيد أن الذين أتوا بالشرك جماعة؛ إذ لو كان آدم وحواء لقال: فتعالى الله عما يشركان. فقد ذهبوا إلى أن في الآيتين قصتين: قصة آدم وحواء، والخبر قد انقضى عند قوله: جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا.\nوقصة مشركي العرب، والخبر عنها في قوله: فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، والمعنى فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان (٣)، واستأنسوا في ذلك بما روي من آثار، منها: ما روي عن السدي في قوله تعالى: فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يقول: هذه فصل من آية آدم خاصة في آلهة العرب (٤).\nويروى عنه أيضًا أنه قال: (هذا من الموصول والمفصول، قوله: جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا في شأن آدم وحواء، ثم قال الله ﵎: فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ قال: عما يشرك المشركون، ولم يعنهما) (٥). وقد رواه ابن أبي حاتم أيضًا في تفسيره (٦).\nوأجابوا عما يقال: إن آدم وحواء إنما سميا ابنهما عبد الحارث والحارث واحد، وقوله شُرَكَاء جماعة، فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء، وإنما أشركا واحدًا؟ قالوا في الجواب عن هذا السؤال: إن العرب تخرج الخبر الواحد مخرج الخبر عن الجماعة إذا لم تقصد واحدًا بعينه ولم تسمه، كقوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ [آل عمران:١٧٣] وإنما كان القائل واحدًا، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة؛ إذ لم يقصد قصده، وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها (٧).\nوممن استحسن هذا القول ودافع عنه، ورأى صحة الحديث الألوسي الذي قال: (لا يعد هذا شركًا في الحقيقة؛ لأن أسماء الأعلام لا تفيد مفهوماتها اللغوية، لكن أطلق عليها الشرك تغليظًا) (٨).\nكما يفهم من سياق كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أنه يرجح هذا التفسير؛ حيث أتى به في تفسير قوله تعالى: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، مستدلًا به على منع التعبيد لغير الله (٩).\n_________\n(١) ابن جرير الطبري: «جامع البيان» (٦/ ٩/٩٩).\n(٢) ابن جرير الطبري: «جامع البيان» (٦/ ٩/١٠١).\n(٣) ابن جرير الطبري: «جامع البيان» (٦/ ٩/١٠١).\n(٤) ابن جرير الطبري: «جامع البيان» (٦/ ٩/١٠١).\n(٥) ابن جرير الطبري: «جامع البيان» (٦/ ٩/١٠٢).\n(٦) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٥٢) إلى ابن أبي حاتم.\n(٧) انظر ما ذكره «الطبري في تفسيره» (٦/ ٩/١٠١).\n(٨) الآلوسي: «روح المعاني» (٣/ ١٨٥).\n(٩) انظر ما كتبه الشيخ في كتاب «التوحيد له مع فتح المجيد» (٢/ ٦١٤).","vol":"3","page":6},{"text":"كما أن الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – يرى رجحان هذا التفسير في تيسير العزيز الحميد؛ حيث قال: (وإذا تأملت سياق الكلام من أوله إلى آخره مع ما فسره به السلف، تبين قطعًا أن ذلك في آدم وحواء ﵉، فإن فيه غير موضع يدل على ذلك، والعجب ممن يكذب بهذه القصة، وقوله تعالى: عَمَّا يُشْرِكُونَ هذا – والله أعلم – عائد إلى المشركين من القدرية، فاستطرد من ذكر الشخص إلى الجنس، وله نظائر في القرآن) (١). وقال أيضًا: (قوله: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته: أي لكونهما أطاعاه في التسمية بعبد الحارث، لا أنهما عبداه، فهو دليل على الفرق بين شرك الطاعة وبين شرك العبادة) (٢) ....\nوأما الذين قالوا بتضعيف الحديث فهم كثر – وهو الصحيح إن شاء الله كما سيأتي -، قالوا: إن الحديث ضعيف، فبعض منهم ضعفه رواية، وبعضهم ضعفه دراية.\nأما الذين ضعفوه من جهة الرواية فهم الجهابذة من المحدثين، منهم الحافظ ابن عدي؛ حيث إنه أعله بتفرد عمر بن إبراهيم، وقال: (وحديثه عن قتادة مضطرب) (٣).\nوأما الحافظ ابن كثير فقال: إن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعًا، فالله أعلم.\nالثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعًا، كما قال ابن جرير ...\nالثالث: أن الحسن –نفسه- فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه إلى الذي أورده ابن جرير بسنده عن الحسن جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا، قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم.\nوبسنده عن الحسن قال: عني به ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده.\nوبسنده عن الحسن قال: هم اليهود والنصارى؛ رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا.\nثم قال ابن كثير: هذه أسانيد صحيحة عن الحسن –﵁- أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث محفوظًا عنده عن رسول الله ﷺ لما عدل عنه هو ولا غيره، ولاسيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب، ووهب بن منبه، وغيرهما (٤).\nوزاد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – ﵀ – علة أخرى؛ وهي الآتي ذكرها في الوجه الرابع.\nالرابع: أن الحسن في سماعه من سمرة خلاف مشهور، ثم هو مدلس، ولم يصرح بسماعه عن سمرة، وقال الذهبي في ترجمته في الميزان: (كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديث: (عن فلان) ضعف احتجاجه) (٥).\nولكن يفهم من صنيع الحافظ العلائي أن رواياته عن سمرة تحمل على السماع، وقد ذكر لذلك شاهدًا (٦)، فلم يبق من العلل إلا ما ذكره ابن كثير.\n_________\n(١) سليمان بن عبد الله آل الشيخ: «تيسير العزيز الحميد» (٥٦٥، ٥٦٦).\n(٢) سليمان بن عبد الله آل الشيخ: «تيسير العزيز الحميد» (٥٦٥، ٥٦٦).\n(٣) ابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٧٠١).\n(٤) انظر ما ذكره «ابن كثير في تفسيره» (٢/ ٢٧٥).\n(٥) انظر قول الذهبي في «ميزان الاعتدال» (١/ ٥٢٧)، برقم (١٩٦٨)، وجاء في المطبوع: ضعف لحاجة، وهو خطأ، والصواب ما ذكر الشيخ الألباني – ﵀ – (ضعف احتجاجه)، وانظر قول الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١/ ٥١٧).\n(٦) انظر ما ذكره العلائي في «جامع التحصيل» (١٦٥، ١٦٦) بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي. ابن حزم: «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ١١).","vol":"3","page":7},{"text":"أما من حيث الدراية: فأيضًا لا يصح؛ فإنه لم يثبت لدينا أن إبليس كان اسمه حارث، ثم ليس لدينا ما يدل على أن آدم كان يموت له الأولاد في حياته غير هابيل، ثم إن هذا خلاف مقتضى إرساله إلى الأرض من الله جل وعلا، فإنه أرسل لعمران الأرض، فلو مات له الأولاد لا يحصل هذا المقصود ألبتة، فهذا مما يضعف الحديث دراية، ولهذا قال ابن حزم – ﵀-: (وهذا الذي نسبوه إلى آدم – ﵇ – من أنه سمى ابنه عبد الحارث خرافة موضوعة مكذوبة، من تأليف من لا دين له ولا حياء، لم يصح سندها قط، وإنما نزلت في المشركين على ظاهرها) (١).\nوقال ابن القيم: (فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، واللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل: إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد .....) (٢).\nمن وجوه ضعف هذا القول ما يلي:\n١ - أن آدم – ﵇ – كان أعرف بإبليس وعداوته الشديدة له، وأن اسم إبليس هو الحارث – لو صح – فكيف مع هذا يسمي ولده عبد الحارث؟\n٢ - جمع الشركاء في قوله تعالى: جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا يدل على أن المتخذ شريكًا لله جماعة، في حين أن المتخذ شريكًا لله على هذا القول واحد وهو إبليس، فالتعبير بالجمع يدل على ضعف هذا القول.\n٣ - أنه لم يجر لإبليس في الآية ذكر، فلو كان هو المتسبب في التسمية – التي أطلق عليها شرك – على حد هذا القول – لجرى له ذكر، فالمقام مقام التحذير من الانخداع بوسوسة إبليس يقتضي ذكر اسم إبليس؛ لئلا ينخدع أحد بعده.\n٤ - أنه تعالى قال بعده: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.\n٥ - لو كان المراد إبليس لقال: (أيشركون من لا يخلق شيئًا)، ولم يقل: مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا؛ لأن العاقل إنما يذكر بصيغة (من) لا بصيغة (ما) (٣).\nوأما تفسير الآية على القول بتضعيف هذه الرواية فكما يلي:\n١ - أن الآيتين في حق آدم وحواء، ويدفع الإشكال في قوله: جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا بأن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: (جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما)، والتثنية على أن ولده قسمان: ذكر وأنثى؛ أي صنفين ونوعين، فزال الإشكال عن (جعلا) و(آتاهما). وفي قوله تعالى: فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ بلفظ الجمع باعتبار الأولاد (٤).\n٢ - أن الخطاب لجميع الناس، والضمير في (جعلا) و(آتاهما) يعود على النفس وزوجها، لا إلى آدم وحواء (٥)، وعلى هذا: النفس، غير ما ذكروه في تأويله، وهذا أقرب وأبعد من التأويل المتكلف.\n٣ - أن الخطاب في (خلقكم) لقريش، وهم آل قصي، فإنهم خلقوا من نفس قصي، وكان له زوج من جنسه عربية قرشية، وطلبا من الله أن يعطيهما الولد، فأعطاهما أربعة بنين فسماهم بـ عبد مناف، عبد شمس، عبد العزى، عبد الدار (٦).\n_________\n(١) ابن حزم: «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ١١).\n(٢) ابن القيم: «روضة المحبين» (ص: ٢٩٦).\n(٣) انظر هذه الأوجه عند «الفخر الرازي في تفسيره» (٨/ ١٥/٦٠، ٦١).\n(٤) ذكره الزمخشري في «الكشاف» (٢/ ١٠٩)، وابن القيم في «التبيان في أقسام القرآن» (ص: ٢٦٣ - ٢٦٤).\n(٥) ذكره «الرازي في تفسيره» (٨/ ١٥/٦٠ - ٦٢).\n(٦) انظر ما ذكره النيسابوري: «تفسير رغائب الفرقان وغرائب القرآن» (٦/ ٩/٩٤) بهامش تفسير الطبري.","vol":"3","page":8},{"text":"٤ - أن المراد بالنفس الواحدة آدم، وزوجها المجعول منها حواء، والذي طلبه آدم وحواء من الله صالحًا هو النسل السوي بصنفيه الذكور والإناث، ولكن أولاده جعلوا لله شركاء من الأصنام والأوثان فيما أتاهم، فتعالى الله عن إشراك المشركين من هذا النسل.\nفقوله: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدنًا وقوة، وعقلًا، فكثروا صفة للولد وهو الجنس، فيشمل الذكر والأنثى والقليل والكثير، فكأنه قيل: (فلما أتاهما أولادًا صالحي الخلقة من الذكور والإناث جعل النوعان (له شركاء) بعضهم أصنامًا، وبعضهم نارًا، وبعضهم شمسًا، وبعضهم غير ذلك (١).\nوالمقصود: أنه لم يثبت أن آدم ﵇ وقع في الشرك، بل الصحيح الثابت ما سبق أن ذكرناه أن أول شرك وقع في بني آدم هو في قوم نوح.\nقال شيخ الإسلام: (إن الناس كانوا بعد آدم ﵇، وقبل نوح ﵇ على التوحيد والإخلاص، كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر ﵇ حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان، بدعة من تلقاء أنفسهم، لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل بها رسولًا، بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة، والفلسفة الحائدة؛ قوم منهم زعموا: أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية، والدرجات الفلكية، والأرواح العلوية.\nوقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين.\nوقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين.\nوقوم على مذاهب آخر.\nوأكثرهم لرؤسائهم مقلدون، وعن سبيل الهدى ناكبون، فابتعث الله نبيه نوحًا ﵇، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وإن زعموا أنهم يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى ويتخذوهم شفعاء) (٢). الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا– ١/ ١٧٦\n_________\n(١) انظر ما ذكره الخطيب الشربيني: «السراج المنير في الإعانة على معرفة كلام ربنا الخبير» (١/ ٤٤٩).\n(٢) ابن تيمية: «مجموع الفتاوى له» (٢٨/ ٦٠٣ - ٦٠٤).","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>المبحث الخامس: وقوع بعض هذه الأمة في الشرك</span>\nلقد صدق الرسول الأمين الحريص على حفظ إيمان المؤمنين حينما قال: «الشرك أخفى في أمتي من دبيب الذر على الصفا ...» (١). لقد خفى بعض أنواع الشرك على كثير من العلماء حيث وقعوا فيه، قال صاحب الدين الخالص: (ومن أنواع الشرك أشياء ما عرفها الصحابة إلا بعد سنين، فمن أنت حتى تعرفه بغير تعلم. وقد قال لنبيه ﷺ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: ١٩]، وقال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ [الزُّمر: ٦٥]، فإذا كان هذا في حق سيد الرسل وخاتمهم، فما ظنك بغيره من الناس؟ ...\nوقال إبراهيم ...: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم: ٣٥]، فإذا كان أبو الأنبياء يخاف على نفسه وعلى بنيه الأنبياء فما ترجوه في غيره وغيرهم من آحاد الناس الذين ليسوا بأنبياء؟ ... وحيث إن الشرك أخفى من دبيب النمل ابتلي به بعض من لم يتفطن له، وأفصح به في مقالاته، على جهل منه ...) (٢).\nحتى بعض العلماء مبتلون في الوقوع في بعض أنواع الشرك؛ لخفائها وعدم تصور حقيقة الشرك التي بعث الرسل لأجلها، ولعل بعضهم كان لديهم حسن نية في بعض أقوالهم وأعمالهم التي شابهت الشرك، ولكن كما قال عبد الله بن مسعود – ﵁ -: (وكم من مريد للخير لن يصيبه) (٣).\nثم إن هؤلاء القوم الذين سأذكرهم فيما يلي: لا أقول إنهم مشركون، فإن الحكم على العموم سهل وميسر في كثير من القضايا دون الحكم بالتعيين، فإنه ربما يوجد المقتضي للحكم على أحد بالشرك أو الكفر، ولكن يمنع من الحكم عليه فوات شرط من الشروط أو انتفاء مانع من الموانع، فمثلًا إذا كان لدى أي مسلم شبهة في كون بعض أنواع من التصرفات شركًا فإنه تزال عنه الشبهة أولًا، وتقام عليه الحجة ثانيًا، وقبل هذا لا يحكم عليه بالشرك أو الكفر أبدًا.\nقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين: أحد علماء نجد الأعلام: (والذي نقوله في ذلك: إن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ ... الدعوة إليه، فالذي يحكم عليه إذا كان معروفًا بفعل الشرك ويدين به، ومات على ذلك فظاهره أنه مات على الكفر، فلا يدعى له ولا يضحى له، ولا يتصدق عنه. وأما حقيقة أمره فإلى الله تعالى، فإن كانت قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند فهذا كافر في الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله، وأما من لا نعلم حاله في حال حياته، ولا ندري ما مات عليه، فإنا لا نحكم بكفره، وأمره إلى الله) (٤).\nوقال الإمام المجدد – الشيخ محمد بن عبد الوهاب -: (القصة تفيد أن المسلم – بل العالم – قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها، فتفيد لزوم التعلم والتحرز، ... وتفيد أيضًا: أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كذب هو لا يدري، فنبه على ذلك فتاب من ساعته، أنه لا يكفر ...) (٥).\n_________\n(١) رواه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٣١٩). وأشار المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٨٧) إلى أن -إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما.\n(٢) «الدين الخالص» (١/ ١٣٨ - ١٤١)، مختصرًا.\n(٣) رواه الدارمي (١/ ٧٩) (٢٠٤). وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٥/ ١١): إسناده صحيح.\n(٤) «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٤/ ٨٣٥).\n(٥) ابن عبد الوهاب: «كشف الشبهات» (ص: ٤٥، ٤٦).","vol":"3","page":10},{"text":"وفي موضع آخر: (... وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم ...) (١).\nوقال الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عن بعض من يعمل الشرك أنه لا يكفر: (لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه، وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة ...) (٢).\nفالصحيح في تكفير المعين ونسبته إلى الشرك: أنه لا ينسب إليه الشرك إلا بعد إزالة الشبهة الموجودة عنده، وبعد إقامة الحجة عليه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – في الجهمية (الذين وقعوا في شرك التعطيل): (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال) (٣)، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم.\nفكل من وقع في هذه الأمة من أنواع من الشرك بالله جل شأنه لا نحكم عليهم بأنهم مشركون إلا إذا ثبت لنا أنه قد أقيمت عليهم الحجة، وأزيلت عنهم الشبهة، فليس كل من وجد عنده شرك يوصف بالمشرك – إلا إذا كان الشيء مما يعلم من الدين بالضرورة-، كما هو ظاهر من نصوص الأئمة.\nوإذا نظرنا إلى أغلب الفرق التي وقعت في الشرك نرى أنها كانت لديهم شبهة فيما قالوه وارتكبوه، فهذا الذي يمنعنا عن الحكم عليهم بأنهم مشركون بالتعيين، ولكن ليس المراد منه أن من ليس عنده شبهة، أو كانت شبهته في الأمور التي تعد من المعلوم بالدين بالضرورة، وقد أقيمت عليه الحجة؛ أنا لا نقول له بأنه مشرك كالباطنية والنصيرية والغلاة من الروافض مثلًا، فقد ثبت عن الأئمة أنهم كفروهم بالتعيين.\nثم إنا وإن لم نصف أحدًا بالتعيين بأنه من المشركين فإنه لا ضير أن نذكر من وجد عنده نوع من أنواع الشرك؛ تنبيهًا للعامة ونصحًا للأمة، فمن هذا المنطلق سأذكر بعض من تورط في بعض أنواع الشرك سواء كان بقصد أو بغير قصد.\nفمثلًا: إن الشرك في ذات الله وصفاته وأفعاله بالتعطيل قد وقع فيه كثير من العلماء البارزين من الجهمية والمعتزلة، كما وقع فيه جملة من العلماء المشهورين من الأشاعرة والماتريدية، وجملة من العلماء الذين قالوا بالقدر أو الجبر، وهذا وقع فيه جملة من المتصوفة الذين قالوا بوحدة الوجود مثلًا.\nوأما الشرك في ذات الباري وأسمائه وصفاته وأفعاله بالأنداد فقد وقع فيه كثير من الشيعة وكثير من أهل السنة الغالين بالتشبيه، سواء كان هذا التشبيه في ذاته، أو في صفاته، أو في أفعاله، وذلك بإثبات بعض صفات الباري المختصة به سبحانه لبعض العباد، كما فعل الروافض في علي وأئمتهم، وكما فعل بعض أصحاب الغلو في النبي ﷺ، وفي بعض من يحسنون بهم الظن بأنهم من الأولياء الكمل ولهم من الخصائص كذا وكذا، حتى بلغوا بهم إلى حد إثبات الأنداد لله ﷿، ...\nوأما الشرك في العبادة فحدث عنه ولا حرج، فكم ممن ينسب إلى العلم المعروفين في هذه الأمة أشركوا بالله جل وعلا – ومازالوا يشركون – في هذا الباب؛ كدعاء غير الله، والاستغاثة بغيره فيما لا يستغاث فيه إلا به، والاستعانة بغير الله في الأمور التي تختص فيها الاستعانة به سبحانه، والنذر والذبح، وأنواع من العبادات لغير الله، بحجة التوسل بهؤلاء الأشخاص والأموات إلى الله جل شأنه.\nفلما فشى الشرك في هذه الأمة إلى هذه الدرجة قام العلماء الذين قد نور الله قلوبهم بمعرفة التوحيد ومعرفة حقيقة الشرك بمقتضى البشارة النبوية: «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي وعد الله» (٤)، وهم أصحاب الحديث والأثر من هذه الأمة. الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا– بتصرف ١/ ٦٧١\n_________\n(١) «مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب: فتاوى ومسائل» (٩/ ١١).\n(٢) نقلا عن «الهداية السنية» لسليمان بن سحمان (٤٦/ ٤٧).\n(٣) ابن تيمية: «الرد على البكري» (ص: ٤٦).\n(٤) رواه مسلم (١٩٢٠). من حديث ثوبان ﵁.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-729>المبحث السادس: متى وكيف كانت بداية الشرك في هذه الأمة</span>\nإن الله ﷿ أنعم على هذه الأمة حيث بعث محمدًا ﷺ رسولًا إلى الثقلين عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ [المائدة: ١٩]، وقد «مقت أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» (١)، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب مبدل أو منسوخ، ودين دارس بعضه مجهول، وبعضه متروك، وإما أمي: من عربي وعجمي.\nفمنهم من بحث عن الحنيفية واعتصم بها، ولكن أغلبهم كانوا مقبلين على عبادة ما استحسنوه، وظنوا أنه ينفعهم؛ من جن، أو وثن، أو قبر، أو تمثال أو غير ذلك؛ والناس في جاهلية جهلاء: من مقالات يظنونها علمًا وهي الجهل، وأعمال يحسبونها صلاحًا، وهي فساد، وعبادات يحسبونها من عند الله، وهي من ما زينت لهم الشياطين وتهواها نفوسهم، ووجدوا عليها آباءهم.\nفهدى الله الناس بنبوة محمد ﷺ هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، وفتح الله بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، بعد أن جاهدهم وجالدهم باللين والحكمة، وقارعهم بالسنان والحجة لمن كابر وعاند، وكان من أمره ﷺ مع قريش ما كان، حتى هاجر إلى المدينة، وكان نصر الله حليفه، فاستقام أمره، وظهر دينه، فجاء نصر الله ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وجمعهم الله على دين الإسلام؛ دين التوحيد، والملة الإبراهيمية الحنيفية بعد تشتت تام، وعداوة كاملة، وانهيار خلقي، وانحلال ديني، وفساد عقدي.\nفألف بين قلوبهم حتى أصبحوا بنعمة الله إخوانًا، وكسرت الأوثان والأصنام، وزالت عبادتها على أصنافها، فطمست التماثيل، وسويت القبور المشرفة، وأزيلت المعبودات من دون الله من قبر، وشجر، وحجر، ونصب، وصنم، ووثن، وأبطلت.\nوتحررت العقول من دناءة تفكيرها، ووضاعة تصورها، فارتقت إلى التوحيد بعد أن كانت في حمأة الشرك، وأصبحت قلوبهم متجهة إلى الله وحده لا شريك معه غيره؛ لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، فأتم الله أمره، وأكمل دينه، وأعلا كلمته، حتى صار الدين كله لله.\nفلما تمت نعمة الله عليه وعلى أمته وظهر ما جاء به من الحق، ووضحت الطريقة توفاه الله جل وعلا إليه، والإسلام في تقدم وشوكة تامة وغلبة كاملة، ليظهر على الدين كله.\nوكان الصحابة – ﵃ وأرضاهم – يأخذون سلوكهم وأعمالهم وعقائدهم من رسول الله ﷺ، فحياته هي الإسلام غضًا طريًا، وقد نزل القرآن الكريم بلغتهم ففهموا ما أراد الله منهم، وما احتاج إلى بيان بينه لهم رسول الله ﷺ بسنته، فكان الناس أمة واحدة ودينهم قائم في خلافة أبي بكر وعمر، فلما استشهد باب الفتنة عمر ﵁، وانكشف الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذبح صبرًا، وتفرقت الكلمة، وتمت وقعة الجمل ثم وقعة صفين، فظهرت الخوارج وكُفِّر سادة الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.\nوكان السبب في ذلك أنه كان هناك دولتان عظيمتان في زمن النبي ﷺ؛ وهما: فارس، والروم، وقد كسر الله شوكتهم، وأزال ملكهم بأيدي الصحابة، وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، فلما سيطر حكم الإسلام على أكثر البلاد في آسيا، وإفريقيا، وغيرهما، دخل تحت حكمه أمم كثيرة رغبة ورهبة، وكان لها أديان مختلفة، من يهودية ونصرانية، ومجوسية ووثنية، وغير ذلك.\nوقد كان لكثير من هذه الأمم سلطان كبير مثل المجوس، والرومان، فسلبهم المسلمون ذلك، وكان عند هؤلاء من الكبر والاستعلاء ما يجعلهم يأنفون من كونهم تحت سلطان المسلمين، ولا سيما وقد كانوا يرون العرب من أحقر الأمم، وأقلها شأنًا.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٦٥). من حديث عياض بن حمار ﵁.","vol":"3","page":12},{"text":"كما أن اليهود واجهوا الإسلام ورسوله من أول أمره بالعداء، وحاولوا القضاء عليه بأنواع جهدهم وكيدهم إلى الدسائس، والمؤامرات، والاغتيالات لرجاله العظام، ودخل في الإسلام ظاهرًا من هؤلاء من قصد إفساده، وتمزيق وحدة أهله، ولابد أن يكون عن دراسة، وإعمال فكر وتخطيط، وربما يكون هناك جمعيات متعاونة، من المجوس والنصارى، والهنود، وغيرهم، وقد تكون لكل طائفة مؤسسات تعمل لإفساد عقائد المسلمين، لتيقنهم أنه لا يمكن هزيمة المسلمين إلا بإفساد عقيدتهم.\nفبدأت آثار تلك المؤامرات تظهر، شيئًا فشيئًا، فقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بأيد مجوسية، وربما بمؤامرة مجوسية يهودية، ثم قتل الخليفة الذي بعده، بأيد مشبوهة، من غوغاء، بدفعهم بعض دهاة اليهود والمجوس (١).\nقال الإمام ابن حزم: (الأصل في أكثر خروج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام أن الفرس كانوا على سعة الملك، وعلو اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى أنهم يسمون أنفسهم الأحرار والأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم، على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة، في أوقات شتى، ... فرأوا أن كيده على الحيلة أنجح.\nفأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله ﷺ، واستشناع ظلم علي –﵁-، ثم سلكوا بهم مسالك شتى، حتى أخرجوهم عن الإسلام، فقوم منهم أدخلوهم إلى القول بأن رجلًا ينتظر يدعى المهدي، عنده حقيقة الدين، إذ لا يجوز أن يؤخذ الدين من هؤلاء الكفار، وقوم خرجوا إلى نبوة من ادعى له النبوة، وقوم سلكوا بهم ... القول بالحلول، وسقوط الشرائع.\nوآخرون تلاعبوا بهم، وأوجبوا عليهم خمسين صلاة في كل يوم وليلة ... وقد سلك هذا المسلك أيضًا عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي، فإنه –لعنه الله- أظهر الإسلام ليكيد أهله، فهو كان أصل إثارة الناس على عثمان – ﵁- ...\nومن هذه الأصول الملعونة، حدثت الإسماعيلية، والقرامطة، وهما طائفتان مجاهرتان بترك الإسلام جملة، قائلتان بالمجوسية المحضة، ثم مذهب مزدك الموبذ، ... فإذا بلغ الناس إلى هذين الشعبين أخرجوهم عن الإسلام كيف شاؤوا، إذ هذا هو غرضهم فقط) (٢).\nفأول فرقة ظهورًا هي الشيعة، وكانت الخوارج أيضًا في نفس الوقت ظهرت كفرقة مستقلة، وإن كان لكل منهما وجود قبل هذا ولكن بصفة متفرقة، فهاتين الفرقتين لهما السبق في تفريق جمع هذه الأمة.\nقال الشهرستاني: (ومن الفريقين ابتدأت البدع والضلالة ... وانقسمت الاختلافات بعده إلى قسمين:\nأحدهما: الاختلاف في الإمامة.\nوالثاني: الاختلاف في الأصول ... والاختلاف في الإمامة على وجهين:\nأحدهما: القول بأن الإمامة بالاتفاق والاختيار، والثاني: القول بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين ...\n_________\n(١) راجع لما تقدم ما ذكره كل من الإمام ابن حزم في «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٢/ ١١٥، ١١٦). والشهرستاني في «الملل والنحلل» (١٠/ ١٥ - ٢٢). والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٢٣٦). والمقريزي في «الخطط» (٢/ ٣٣١ - ٣٤٣، ٣/ ٣٠٩ - ٣٤٣). وشيخنا عبد الله محمد الغنيمان في «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٣ - ١٩). و«مقدمة الدكتور علي بن محمد بن ناصر فقيهي في تحقيقه لكتاب الإيمان لابن مندة» (١/ ٤ - ٧).\n(٢) ابن حزم الأندلسي في «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٢/ ١١٥ - ١١٦)، والبغدادي في «الفرق بين الفرق» (ص: ٥٨٤، ٢٨٥)، والديلمي في «قواعد آل محمد» «بيان عقيدة الباطنية وبطلانها» (ص: ١٩).","vol":"3","page":13},{"text":"وأما الاختلاف في الأصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، ... في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر ...) (١)، فتبرأ ابن عمر (٢) وابن عباس (٣) وغيرهما ممن يقول بهذه المقالة. ثم حدثت بدعة الإرجاء، ثم حدثت بدعة الجهم بن صفوان ببلاد المشرق، فعظمت الفتنة به، فإنه نفى أن يكون لله صفة، وأورد على أهل الإسلام شكوكًا أثرت في الملة الإسلامية آثارًا قبيحة تولد منها بلاء كبير.\nوفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال على يد واصل بن عطاء، كمسلك فكري، بنت هذه الفرقة مذهبها على الجدل، واستعانت في ذلك بما وجدته من منطق اليونان وفلسفتها لتعزيز آرائها، وغيروا كثيرًا من مفاهيم العقيدة، وأصلوا لبدعتهم أصولًا توافق عقولهم وأهواءهم.\nثم تطورت هذه المذاهب السياسية والفكرية وتشعبت حتى خرجت بعض هذه الفرق عن دائرة الإسلام، كما هو معلوم.\nبداية الانحراف الشركي في هذه الأمة في الربوبية بالتعطيل:\nبعد استعراض أقوال العلماء في كيفية انحراف عقيدة هذه الأمة يحسن بنا أن نتعرف على بداية الانحراف الشركي في الربوبية بالتعطيل: سواء كان في أسماء الله أو صفاته أو أفعاله.\nولعل أول شرك منظم في هذه الأمة في هذا الجانب – على ما نص عليه العلماء – هو شرك القدرية (٤) الذين أنكروا القدر، فأشركوا في الربوبية بتعطيل صفات الله ﷿ وأفعاله. فإن إنكار القدر يتضمن إنكار كثير من الصفات والأفعال، كما أنهم أثبتوا خالقين.\nولهذا قال ابن عباس –﵄-: (هذا أول شرك في هذه الأمة) (٥).\nوقال ابن عمر –﵄- فيهم: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر) (٦).\nوأول من عرف بذلك رجل مجوسي يقال له: سيسويه، من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهني (٧).\nثم ظهر شرك التعطيل في أسماء الله وصفاته، بأنه ليس لله أسماؤه الحسنى، وأنه لا يوصف بشيء مما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، وأنه لا يحب أحدًا من عباده، ولا يتكلم وليس له يد ولا وجه، وكان أول من عرف بذلك رجل يقال له: الجعد بن درهم.\n_________\n(١) الشهرستاني: «الملل والنحل» (١/ ١٧ - ٢٢).\n(٢) رواه مسلم (٨).\n(٣) رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (ص: ٧٩)، وفي «الأوائل» (ص: ٥٩)، والآجري في «الشريعة» (ص: ٢٣٨)، واللالكائي في «شرح اعتقاد أهل السنة» (ص: ١١١٦).\n(٤) انظر ما ذكره ابن أبي العز في «شرح الطحاوية» (١/ ٣٢٢).\n(٥) رواه الإمام أحمد في «المسند» (١/ ٣٣٠): قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٠٧): [روي] من طريقين وفي إحداهما رجل لم يسم وسماه في الأخرى العلاء بن الحجاج ضعفه الأزدي. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢١): إسناده ضعيف [وروي من طريق آخر إسناده حسن على الأقل]. وضعفه الألباني في «شرح الطحاوية» (٢٥٠).\n(٦) رواه مسلم (٨).\n(٧) انظر ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع فتاواه» (٧/ ٣٨٤)، وما ذكره المقريزي في «الخطط» (٣/ ٣٦٠).","vol":"3","page":14},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أصل هذه المقالة – مقالة التعطيل للأسماء والصفات- إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين، وضلال الصابئين، فأول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة ... في الإسلام: هو الجعد بن درهم، فأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها، فنسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ) (١). فهذه سلسلة يهودية لها سوابق في محاربة الإسلام.\nروى البخاري في خلق أفعال العباد، بسنده، قال: قال خالد بن عبد الله القسري في يوم أضحى: (ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد ابن درهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله علوًا كبيرًا عما يقول ابن درهم)، ثم نزل فذبحه. قال أبو عبد الله: قال قتيبة: إن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم) (٢).\nفتبين من هذا أن الإلحاد أو شرك التعطيل في الربوبية بتعطيل الأسماء والصفات والأفعال ما هو إلا مؤامرة يهودية سيقت بغية إفساد العقيدة الصحيحة النقية للإسلام، كما بينا أن هذا الرفض أول من عرف من دعاته يهودي ماكر حاقد وهو ابن سبأ.\nوالمقصود: بيان كون الشرك الذي يتعلق بذات الرب سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله بالتعطيل أول ما حدث في تاريخ الإسلام من قبل هؤلاء القدرية في زمن صغار الصحابة، ومن قبل هؤلاء الجهمية بعدما ذهب أئمة التابعين – رضوان الله عليهم أجمعين (٣) -.\nوفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال على يد واصل بن عطاء؛ فأنكر صفات الله ﷿ متأثرًا بالجهمية، فهؤلاء المعتزلة نفوا أن يكون الله ﷿ خالقًا لأفعال العباد، وأثبتوا صفة الخلق لأفعال العباد، وأثبتوا صفة الخلق لأفعال العباد للعباد الضعفاء، وحرفوا الآيات القرآنية الدالة على الصفات وخلق الله لأفعال العباد، وجعلوا الأحاديث الصحيحة التي تدل على خلق الله سبحانه لأفعال العباد ظنية غير موجبة للعمل، تلبية لدعوة هواهم في إثبات آرائهم الفاسدة، وجمعوا بهذه الأعمال الشنيعة بين شرك تعطيل الصفات مع شرك تعطيل الأفعال، فما عبدوا إلا المعدوم، وما أشبهوا إلا المجوس.\nوتأثر بهم ابن كلاب، فهذب مذهب الاعتزال وحاول تقريبه إلى مذهب أهل السنة في الصفات، ولكن لم يتخلص منهم، ثم ظهر في الساحة الإمام الأشعري، وكان أخذ عن الجبائي المعتزلي في أول الأمر، ولكنه سرعان ما رجع إلى مذهب ابن كلاب، فألف ودافع عنه، فهؤلاء الأشاعرة المنسوبة إلى الإمام الأشعري كلهم من أتباع ابن كلاب في الحقيقة، وهم من المتأثرين بالمعتزلة في الصفات حيث لم يتخلصوا من شرك التعطيل.\nومن الذين تأثروا بمذهب المعتزلة والجهمية في زمن الأشعري: أبو منصور الماتريدي، حيث إنه أخذ مذهب الاعتزال وأراد أن يتخلص منه، ولكن فاته الحظ الأوفر من مذهب السلف في الصفات، فلم يسلم من شرك التعطيل في صفات الله جل وعلا من جميع الوجوه، وهؤلاء الماتريدية المنسوبون إليه إلى يومنا هذا كلهم واقعون في شرك تعطيل بعض صفات الله جل شأنه شاؤوا أم أبوا.\n_________\n(١) ابن تيمية: «مجموع فتاواه» (١٤/ ٢٠)، وانظر ما نقله عنه ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (ص: ٨٥).\n(٢) البخاري: في «خلق أفعال العباد» (ص: ٢٩، ٣٠)، ورواه عثمان بن سعيد الدارمي في «الرد على الجهمية» (ص: ٢٥).\n(٣) راجع ما قاله شيخ الإسلام في «مجموع فتاواه» (٤/ ٣٤٧ - ٣٥٧)، وفي كتابه «تفسير آيات أشكلت على كثير من الناس ..» (٢/ ٧٧٤، ٧٧٥).","vol":"3","page":15},{"text":"والمقصود: أن هؤلاء الأشاعرة والماتريدية إنما تأثروا ببدعة الجهمية في إنكار الصفات وتأويلها وتعطيلها، وبهذا وقعوا في شرك التعطيل من غير أن يشعروا، ورائدهم في ذلك: جهم بن صفوان الذي ابتدع هذه البدعة في زمان أئمة التابعين وأتباعهم.\nوفي نفس الوقت حدث في الساحة شرك التشبيه بالله جل شأنه، فسموا مشبهة، وهم صنفان: صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره، وصنف آخر شبهوا صفاته بصفات غيره، وكل صنف من هذين الصنفين مفترقون على أصناف شتى (١).\nفأما الذين شبهوا ذات الباري بذات غيره، فسيأتي ذكرهم في شرك الأنداد، وأما الذين يشبهون صفاته بصفات المخلوقين فهم الذين وقعوا في شرك التعطيل – تعطيل الصفات – إذ إن كل مشبه معطل، فهؤلاء المشبهة كثيرون، ولعل من أوائلهم: (هشام بن الحكم الرافضي الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم لأجل ذلك أنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم ذو حد ونهاية) (٢).\nوتبعه (هشام بن سالم الجواليقي الذي زعم أن معبوده على صورة الإنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف، ونصفه الأسفل مصمت، وأن له شعرة سوداء وقلبًا ينبع منه الحكمة) (٣). تعالى الله عن هذه المقولات القبيحة علوًا كبيرًا.\nوتبعهما الغالية من الرافضة في التشبيه (٤). كما تأثر بهما جماعة من المعتزلة، وجماعة من المنتسبين إلى أهل السنة.\nوبعد ظهور شرك تعطيل الصفات بزمن يسير ظهر في الساحة شرك وحدة الوجود، وهو شرك تعطيل معاملة الله سبحانه عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، قال ابن القيم: (ومن هذا شرك أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خلق وما خلق، ولا هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه) (٥).\nولعل أول من قال بهذه المقالة الشنيعة في هذه الأمة هو الحلاج.\nوتبعه كل من ابن الفارض، وابن عربي، وابن سبعين وغيرهم، والمتصوفة الطرقية عمومًا.\nفالحلاج هو القائل الأول بوحدة الوجود، وأما القائلون بالحلول والاتحاد فقد حاز السبق فيه أيضا ابن سبأ وأتباعه، فقد وجد هذان الشيئان في الغالية من الرافضة قديمًا، وقد ذكر الأشعري والبغدادي والشهرستاني من ذلك شيئًا كثيرًا (٦).\nوالمقصود: بيان أن هؤلاء أشركوا بالله جل وعلا بتعطيل حقيقة التوحيد، فمنهم من ادعى الألوهية لنفسه، ومنهم من ادعى الحلول، ومنهم من ادعى الاتحاد، كما أن فريقًا آخر منهم ادعى الوحدة، وهم أكفر وأشد تشريكًا بالله من اليهود والنصارى، فاليهود – مثلًا – قالوا بحلول الرب في ذات عزرا، وقالت النصارى بحلوله في ذات المسيح، ولكن هؤلاء قالوا بحلوله سبحانه في كل شيء حتى في أخبث الحيوانات وأنتن الأماكن والبقاعات.\nفهذا استعراض مجمل لخط الانحراف العقدي الشركي في هذه الأمة في الربوبية التي تتضمن الشرك في الألوهية أيضًا – كما هو معلوم – بالتعطيل.\nبداية ظهور شرك الربوبية بالأنداد في هذه الأمة:\n_________\n(١) انظر ما ذكره الأشعري في «مقالات الإسلاميين» (١/ ١٠٦ - ١٠٩ و١/ ٢٨١ - ٢٩٠)، والبغدادي في «الفرق بين الفرق» (ص: ٦٥ - ٧١ و٢٢٥ - ٢٣)، والشهرستاني في «الملل والنحل» (١/ ٩٢ - ٩٩).\n(٢) البغدادي في «الفرق بين الفرق» (ص: ٢٢٧).\n(٣) البغدادي في «الفرق بين الفرق» (ص: ٢٢٧).\n(٤) انظر ما ذكره الأشعري في «مقالات الإسلاميين» (١/ ١٠٦ - ١٠٩)، وما ذكره البغدادي في «الفرق بين الفرق» (ص: ٦٥ - ٧٠)، وما ذكره الشهرستاني في «الملل والنحل» (١/ ٤٤ - ٥٦، ١/ ٩٢ - ٩٨).\n(٥) ابن القيم: «الجواب الكافي» (ص: ٣١١).\n(٦) انظر ما ذكره «الأشعري في مقالاته» (١/ ٦٦ - ٨٨)، والبغدادي في «الفرق بين الفرق» (ص: ١٣، ٢٣٠، ٢٦٩)، والشهرستاني في «الملل والنحل» (١/ ١٤٥ - ١٧٧).","vol":"3","page":16},{"text":"لعل أول شرك في هذا الجانب هو شرك عبد الله بن سبأ (١) اليهودي حيث أشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد في الذات. حيث غلا في علي – ﵁ – حتى زعم أنه إله (٢)، كما أنه هو الرائد في الإشراك بالله في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال؛ حيث زعم: أن عليًا له الحياة الدائمة المطلقة، وله العلم المحيط بكل شيء، وله القدرة الكاملة الشاملة على كل شيء، وأنه هو الذي يقوم بمحاسبة الناس يوم القيامة، ويأتي بالأمطار، وسينتقم من أعدائه (٣)، وغير هذه الاعتقادات الباطلة التي فيها شرك في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال.\nوبهذا نستطيع أن نقول: إن بداية ظهور شرك الربوبية بالأنداد في الذات إنما كان من عبد الله بن سبأ اليهودي، وتبعه أغلب الروافض الغلاة (٤)، والإسماعيلية، والعبيدية، والقرامطة، والنصيرية، والدروز، وغيرهم.\nوأما الشرك في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال فقد كان السبق فيه أيضًا لابن سبأ اليهودي، وقد سبق بيانه، ويشترك كل من أشرك بالله في الربوبية بالأنداد في الذات في الشرك بالله بالأنداد في الصفات والأفعال؛ لأن كل من أثبت إلهًا من دون الله أعطى له من صفات الربوبية وأفعاله ما شاء وما أراد (٥). ووقع في هذا النوع من الشرك كثير ممن لا يشرك بالله في ربوبيته في الأنداد في الذات، كالإمامية من الشيعة، والغلاة من المتصوفة في النبي ﷺ، وفي بعض مشايخ التصوف وأساطينهم.\nأما الرافضة فأصل البلاء عندهم في شرك الأنداد في الصفات والأفعال هو اتباعهم لابن سبأ اليهودي الزنديق الذي أراد أن يغير الدين الإسلامي الحنيف إلى دين اليهود والنصارى، فأحدثوا لهم أقوالًا من هذا النمط. وسيأتي تفصيل هذه المقولات فيما بعد إن شاء الله.\nوأما الباطنية فهؤلاء تآمروا على هدم الدين من أساسه، فادعوا الند والشريك بالسابق، وله قرين، سموه بالتالي وهو الذي خلق السموات والأرضين وما فيهن.\nأما السبب في انتشار شرك الأنداد بين المتصوفة فهو: أنه قد ظهر أناس من المسلمين بمظهر التقشف، وكان أخطر هؤلاء الأعداء على الدهماء وأبعدهم غورًا في الإغواء: أناس ظهروا بأزياء الصالحين؛ بعيون دامعة كحيلة، ولحى مسرحة طويلة، وعمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج، يحملون سبحات طويلة كبيرة الحبات، يتظاهرون بمظهر الدعوة إلى سنة سيد السادات، مع انطوائهم على مخاز ورثوها عن الأديان الباطلة، والنحل الآفلة، وكان من مكرهم الماكر أن خلطوا الكذب المباشر بالتزيد في تفسير مأثور، أو في فهم حديث صحيح، أو تأويله على مقتضى هواهم، أو الاستدلال بحديث مكذوب سواء كان قصدًا أو بغير قصد.\n_________\n(١) انظر ما ذكره البغدادي في «الفرق بين الفرق» -حيث صدر بذكره في الخارجين من الإسلام- (ص: ٢٣٣).\n(٢) انظر البغدادي في «الفرق بين الفرق» (ص: ٢٣٣)، وانظر أيضًا ما ذكره المقدسي في «البدء والتاريخ» (٥/ ١٢٥ - ١٢٩)، وابن حجر في «لسان الميزان» (٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، والذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ٤٢٦).\n(٣) انظر ما ذكره «الأشعري في مقالاته» (١/ ٨٦ - ٨٨)، والبغدادي في «الفرق بين الفرق» (ص: ٢١ - ٢٣٣)، وما ذكره الشهرستاني في «الملل والنحل» (١/ ١٧٧).\n(٤) انظر ما ذكره البغدادي في «الفرق بين الفرق» (ص: ٢٣ - ٢٤، و٢٢٥ - ٢٣٠، و٢٣٣ - ٢٦٦)، والأشعري في «المقالات» (١/ ٦٦ - ٨٨)، الشهرستاني في «الملل والنحل» (١/ ١٥١، ١٧٦ - ١٩١).\n(٥) راجع ما ذكره الأشعري في «المقالات» (١/ ٦٦ - ٨٨)، والشهرستاني في «الملل والنحل» (١/ ١٥١، ١٧٦ - ١٩١)، والبغدادي في «الفرق بين الفرق» (ص: ٢٣ - ٢٤، ٢٢٥ - ٢٣٠)، وابن منظور في «تهذيب تاريخ دمشق» (٧/ ٤٣٠).","vol":"3","page":17},{"text":"فهؤلاء غلوا في أنفسهم بادعاء أشياء واهية من التصرفات في الكون، والعلم بما في المكنون، والقدرة على تقليب الشيء الموزون، ثم لما هلك هؤلاء جاء أتباعهم فادعوا فيهم أكثر مما ادعوا لأنفسهم من ذكر الكرامات، طلبًا لتقديس الشخصيات، اتباعًا لسنن الأمم السابقة في هذه المجالات، ونبين بعض هذه الأنواع من الشركيات بشيء من البسط والتفصيل فيما يأتي من العبارات.\nبداية ظهور الشرك في الألوهية والعبادة:\nلعل أصل حدوث الشرك في الألوهية والعبادة كان من قبل الشيعة على اختلاف فرقها، وطوائفها، ونحلها، فإن التشيع هو ملجأ كل من يريد أن يحارب الإسلام والمسلمين، فما الباطنية بجميع شعبها – والإسماعيلية والقرامطة، والنصيرية، والعبيدية، والدرزية – إلا من فرقها، ومعروف: أن هؤلاء الباطنية كانوا مشركين بالله جل وعلا في ذاته وصفاته وأفعاله، ومشركين بالله جل وعلا في عبادته ومعاملته أيضًا، فهؤلاء جمعوا خبائث الأمم السابقة، وقالوا بالمجوسية المحضة، وجاهروا بترك الإسلام جملة، وهؤلاء كما كانوا يثبتون الشرك في الربوبية في الذات، ويثبتون الشرك في الربوبية في الصفات والأفعال، هكذا كانوا يعبدون القبور وأهلها، ويبنون عليها المساجد، والقباب، فأحيوا بذلك سنة اليهود والنصارى، فظهرت في هذه الأمة فرقة قبورية وثنية مشركة في صورة هؤلاء الروافض، الذين عمروا المشاهد وعطلوا المساجد (١).\nفالإسماعيلية منهم – مثلًا – بثوا معتقداتهم بين الناس سرًا، فاستحسن الجهال هذا الأمر لخفته وطرح التكاليف الشرعية، فأخذت تظهر الاعتناء بالقبور وتشييد المزارات والمشاهد، وتحري الدعاء عندها (٢)، حتى نقلهم الشيطان إلى اتخاذهم شفعاء، ثم نقلهم إلى دعاء الأموات، ودعاء صاحب القبر، ثم نقلهم إلى الاعتقاد بأن لهم تصرفًا في الكون، تدرج هذا في قرنين ونحوها.\nقال أحد المعاصرين: (إن أقدم من وقفت عليه يرجع المسلمين إلى دين الجاهلية في الاعتقاد بالأرواح والقبور هم الإسماعيليون، وبخاصة إخوان الصفا، تلك الجماعة السرية الخفية التي بنت عقائدها ورسائلها الخمسين بسرية تامة حتى لا يكاد يعرف لها كاتب، ولا مصنف وإن ظن ظنًا.\nثم تبعهم على تقديس المقبورين من أهل البيت: الموسويون الملقبون بالاثني عشرية) (٣). وصنفوا التصانيف في الحج إلى المشاهد، وفي كيفية الزيارات والأدعية عند القبور، يسندونها بطرق باطلة كاذبة، إلى أئمة أهل البيت –﵃-، وقد طالعت كتاب (الزيارات الكاملة) لابن قولويه فرأيت فيه من هذا شيئًا كثيرًا.\nومن طالع تراث الإسماعيليين، وحركة إخوان الصفا وجد ما قلته ماثلًا أمامه، فإن فتنة الناس بالقبور، واتخاذ أهلها شفعاء ووسطاء لم تعرف قبلهم، ولما غلب الجهل قبل ظهور الدولة الفاطمية عرفت هذه الأمور طائفة من الناس، فلما ظهرت هذه الدولة العبيدية شيدت المشاهد ونشرت ما كان سرًا من عقائدها.\nجاء في الرسالة الثانية والأربعين من رسائل إخوان الصفا ما يبين هذا، ويبرهن له، فقد قال مؤلفو الرسائل:\n_________\n(١) انظر ما ذكره البركوي: في «زيارة القبور» (ص: ٢٠).\n(٢) انظر ما كتبه الجوير: «الإسماعيلية المعاصرة» (ص: ١٣٥).\n(٣) صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: «هذه مفاهيمنا» (ص: ٩٩، ١٠٠).","vol":"3","page":18},{"text":"(وذلك أن القوم الذين بعث إليهم النبي –﵊ والتحيات والرضوان- كانوا يتدينون بعبادة الأصنام، وكانوا يتقربون إلى الله تعالى بالتعظيم لها والسجود والاستسلام والخبورات، وكانوا يعتقدون أن ذلك يكون قربة لهم إلى الله زلفى، والأصنام هي أجسام خرس، لا نطق لها ولا تمييز، ولا حسًا ولا صورة ولا حركة، فأرشدهم الله، ودلهم على ما هو أهدى وأقوم وأولى مما كانوا فيه، وذلك أن الأنبياء – ﵈ – وإن كانوا بشرًا فهم أحياء ناطقون مميزون علماء، مشاكلون للملائكة بنفوسهم الزكية، يعرفون الله حق معرفته، والتقرب إلى الله بهم أولى وأهدى وأحق من التوسل بالأصنام الخرس التي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تغني عنك شيئًا، ...\nثم اعلم يا أخي: أن من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله، وبأئمتهم، وأوصيائهم، أو بأولياء الله وعبادة الصالحين، أو بملائكة الله المقربين، والتعظيم لهم، ومساجدهم ومشاهدهم، والاقتداء بهم، وبأفعالهم، والعمل بوصاياهم وسننهم على ذلك بحسب ما يمكنهم ويتأتى لهم، ويتحقق في نفوسهم، ويؤدي إليه اجتهادهم.\nفإن من يعرف الله حق معرفته فهو لا يتوسل إليه بأحد غيره، وهذه مرتبة أهل المعارف الذين هم أولياء الله، وأما من قصر فهمه ومعرفته وحقيقته: فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه، ومن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء، والصلاة، والصيام، والاستغفار، وطلب الغفران والرحمة عند قبورهم وعند تماثيل المصورة على أشكالهم، لتذكر آياتهم، وتعرف أحوالهم، من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلبًا للقربة إلى الله وزلفى لديه.\nثم اعلم أن حال من يعبد شيئًا من الأشياء ويتقرب إلى الله تعالى بأحد فهو أصلح حالًا ممن لا يدين شيئًا ولا يتقرب إلى الله ألبتة ...) (١).\nوهذه الجماعة الباطنية كانت نشاطاتها في أول القرن الثالث، ولم تعرف رسائلها التي قعدت لمذهبها، وبثت ذلك أوساط الناس إلا في القرن الرابع الهجري، بسرية تامة، فدخلت الأفكار في الطغام، وأنكرها العلماء الأعلام، وكفروا أصحابها.\nكما قال ابن عقيل في القرن الخامس حيث انتشرت المذاهب بتأييد الدولة العبيدية، قال: (لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد السرج وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشرج اقتداء بمن عبد اللات والعزى ...) (٢).\nفعلمنا بهذا الحديث الطويل أن الشرك في القبور في هذه الأمة إنما هو من معتقدات الباطنية في هذه الأمة، ولم يكن هذا فاشيًا قبل ظهورهم. هذا من ناحية ...\nومن ناحية أخرى: أنه عربت كتب الفلاسفة اليونانية القبورية الوثنية، وعكف عليها كثير ممن تفلسفوا في الإسلام، أمثال الفارابي الكافر، وابن سينا الحنفي القرمطي، ونصير الكفر والشرك الطوسي.\nوغيرهم ممن لعبوا بالإسلام كما لعب بولس بالنصرانية.\nفتأثروا بآرائهم الفلسفية، ومنها العقائد القبورية، فصاروا دعاة القبورية الوثنية بتفلسفهم.\n_________\n(١) «رسائل إخوان الصفا» (٤/ ١٩ - ٢١).\n(٢) نقلًا عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب –﵀- في «مفيد المستفيد في حكم تارك التوحيد»: (ضمن عقيدة الموحدين) (ص: ٦٤). وكما نقله عنه المعصوبي في كتابه «حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد» (ص: ٤٤)، وهو عند الإمام ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (١/ ٦٩٥).","vol":"3","page":19},{"text":"وسايرهم كثير من المتكلمين من الماتريدية الحنفية، والأشعرية الكلابية، بسبب العكوف على كتبهم الفلسفية، فتأثروا بعقائدهم القبورية، حتى صاروا دعاة إلى القبورية الدهمية في آن واحد – كما سيأتي بيانه فيما بعد -.\nفهذه نبذة من تاريخ حدوث الشرك في العبادة والألوهية في هذه الأمة، والتي تؤكد: أن الشرك بالعبادة ما كان موجودًا في القرنين الأول والثاني، وإنما حدث بعد هذا عندما ذهب أصحاب القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية على لسان الرسول ﵊.\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: (قد جاءت خلافة بني العباس. وظهر في أثنائها من المشاهد بالعراق وغير العراق ما كان كثير منها كذبًا، وكانوا عند مقتل الحسين بكربلاء قد بنوا هناك مشهدًا، وكان ينتابه أمراء عظماء، حتى أنكر عليهم الأئمة، وحتى إن المتوكل لما تقدموا له بأشياء يقال إنه بالغ في إنكار ذلك وزاد على الواجب.\nدع خلافة بني العباس في أوائلها، وفي حال استقامتها، فإنهم حينئذ لم يكونوا يعظمون المشاهد، سواء منها ما كان صدقًا أو كذبًا كما حدث فيما بعد؛ لأن الإسلام كان حينئذ ما يزال في قوته وعنفوانه، ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك شيء في بلاد الإسلام، .. بل عامة هذه المشاهد محدثة بعد ذلك.\nوكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت خلافة بني العباس، وتفرقت الأمة، وكثر فيهم الزنادقة الملبسون على المسلمين، وفشت فيهم كلمة أهل البدع، وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة، فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية القداحية بأرض المغرب. ثم جاءوا بعد ذلك إلى أرض مصر ...) (١). الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا– ١/ ٦٤٧\n_________\n(١) ابن تيمية في «الفتاوى» (٢٧/ ٤٦٥ - ٤٦٦).","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-730>المبحث السابع: شبهة من قال بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة وردها</span>\nهناك نصوص يتشبث بها القائلون بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة، ويزعمون دلالتها على خلاف ما ذهبنا إليه مما دلت عليه الأدلة، ويؤكده الواقع من أن الشرك يقع في هذه الأمة.\nومن أشهر هذه النصوص التي يستدلون بها ما يلي:\n١ - قوله ﷺ: «والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها ...» (١).\nوجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ ما خاف علينا الشرك فكيف يقع الشرك في هذه الأمة؟ (٢).\nويجاب عن هذه الشبهة بما أجاب به الحافظ ابن حجر في (الفتح)، حيث قال في شرح الحديث:\nأ- (أي على مجموعكم، لأن ذلك قد وقع من البعض، أعاذنا الله تعالى منها) (٣).\nب- أو يقال: إنه في الصحابة خاصة، لأن الرسول ﷺ قال: «عليكم». قال الحافظ في (الفتح): (فيه إنذار بما سيقع فوقع كما قال ﷺ ... وأن الصحابة لا يشركون بعده، فكان كذلك، ووقع ما أنذر به من التنافس في الدنيا) (٤).\nج- أو يقال: (لعل النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم ويوحى إليه بأن طوائف من الأمة سوف يضلون ويشركون) (٥).\nومن هذه الشبه أيضًا:\n٢ - قوله ﷺ: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» (٦).\nوجه الاستدلال: (إن هذه البلاد بفضل الله طاهرة من كل رجس سالمة من كل شرك بإخبار رسول الله ﷺ) (٧).\nويجاب عن هذه الشبهة: بأن هذا الفهم الذي ذكره هذا المفتون لم يفهمه المحدثون ولا السابقون الأولون، بل المعنى الذي فهموا منه هو النهي عن التمكين لدينين أن يجتمعا في جزيرة العرب، وليس المقصود به نفيه، ولا نفي وجوده عن النبي ﷺ؛ إذ كيف يمكن حمله على النفي وقد كان هناك أديان – لا دينان فقط – عند موت النبي ﷺ وحتى في صدر الخلافة الراشدة في جزيرة العرب.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٤٤)، ومسلم (٢٢٩٦). من حديث عقبة بن عامر ﵁.\n(٢) انظر ما قاله سليمان بن عبد الوهاب في «الصواعق الإلهية» (ص: ٤٤ - ٤٥).\n(٣) الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٢١١).\n(٤) الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٦/ ٦١٤).\n(٥) عبد الله بن علي القصيمي: «الصراع بين الإسلام والوثنية» (٢/ ١١٨).\n(٦) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٨٩٢) (١٥٨٤)، والبيهقي (٩/ ٢٠٨) (١٨٥٣١) من حديث ابن شهاب مرسلا. قال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٢/ ١٣): مرسل يتصل من وجوه كثيرة. وقد رواه إسحاق بن راهويه كما في «نصب الراية» (٣/ ٤٥٤) والبزار (٧٧٨٦) من حديث أبي هريرة. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٢٤): فيه صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف وقد وثق. ورواه ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٦/ ٨٨) والإمام أحمد (٦/ ٢٧٤) من حديث عائشة بنحوه، وصححه الدارقطني كما «نصب الراية» (٣/ ٤٥١) قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٣٢٨): رجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع. وحسن إسناده الألباني في «التعليقات الرضية» (٣/ ٤٩٣) وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند» (١٦٥٠).\n(٧) محمد بن علوي المالكي: «مفاهيم يجب أن تصحح»: (ز).","vol":"3","page":21},{"text":"ثانيا: لو حملنا الحديث المنسوب إلى النبي بهذا اللفظ على النفي لكنا قد كذبنا الواقع؛ فإن جزيرة العرب في تحديدهم (جنوبًا وشمالًا: من عدن إلى ديار بكر، وشرقًا وغربًا: من العراق إلى مصر، فتدخل فيها اليمن، والحجاز، ونجد، والعراق، والشام، ومصر) (١)، فإن قلنا بحمل الحديث على النفي فإننا قد فتحنا لغير المسلمين بابا للضحك على عقولنا في رد الأحاديث، بدلالة كذب الواقع له، فإن في هذه الديار المذكورة كم من الأديان، وكم من الكنائس أيضًا، وهي مازالت معمورة من أول الإسلام حتى عصرنا الحاضر.\nثالثًا: أن ما ذكره هذا الضال من الحديث الذي رواه الإمام مالك في الموطأ، وما ورد أيضًا بلفظ: «لا يبقين دينان بأرض العرب» (٢)، وما رواه الإمام أحمد في (المسند) بلفظ: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» (٣)، كل هذه الأحاديث إنما جاءت في سياق رواية وصية النبي ﷺ وآخر عهده في حياته، وهي تدل صراحة على أن المراد بالحديث إنما هو النهي لا النفي كما فهمه هذا المفتون.\nرابعًا: أن جميع من روى هذا الحديث من أصحاب الحديث كلهم ذكروه بعبارات تدل على أن المراد هو النهي، لا النفي، فمن هذه الروايات ما يلي:\n١ - عن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب ...» (٤).\n٢ - عن عمر قال: (لئن عشت - إن شاء الله - لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب) (٥).\nوهناك روايات صريحة تدل على أن هذا إنما هو أمر النبي ﷺ، منها:\n١ - عن ابن عباس: في حديث طويل قال ﷺ: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (٦).\nوبعد هذه الروايات الواضحة لا يقول بحمل الحديث على النفي إلا الغبي الجاهل الذي ليس له أي مشاركة في هذا العلم الشريف. والله أعلم.\nومما اشتبه عليهم أيضًا:\n٣ - قوله ﷺ: «إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرتكم - جزيرة العرب» (٧)\nهكذا ذكره بعضهم، وقال آخر (٨):\n_________\n(١) ابن جرجيس في «صلح الإخوان» (ص: ١٤٤)، وانظر ما قال سليمان بن عبد الوهاب في «الصواعق الإلهية» (ص: ٤٤ - ٤٧).\n(٢) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٥٩٢) (١٥٨٣) والبيهقي (٦/ ١٣٥) مرسلا عن عمر بن عبدالعزيز ﵁. قال البيهقي: مرسل. وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ١٦٥): مقطوع يتصل من وجوه حسان. وقال ابن الملقن «شرح البخاري» (١٧/ ١٣٧): أسانيده منقطعة.\n(٣) «مسند أحمد» (٦/ ٢٧٤) (٢٦٣٩٥)، ورواه ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٦/ ٨٨) والطبراني في «المعجم الأوسط» (٢/ ١٢) (١٠٦٦). من حديث عائشة، وصححه الدارقطني كما في «نصب الراية» (٣/ ٤٥١)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٣٢٨): رجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع. وحسن إسناده الألباني في «التعليقات الرضية» (٣/ ٤٩٣) وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند» (١٦٥٠).\n(٤) رواه مسلم (١٧٦٧).\n(٥) رواه والترمذي (١٦٠٦، ١٦٠٧) وأحمد (١/ ٣٢) (٢١٥) وابن حبان (٩/ ٦٩) (٣٧٥٣)، والحاكم (٤/ ٣٠٥) (٧٧٢١). وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال الألباني في «صحيح الترمذي» (١٦٠٦): صحيح. ورواه مسلم (١٧٦٧) وأبو داود (٣٠٣٠)، بدون لفظة: «لئن عشت».\n(٦) رواه البخاري (٣٠٥٣)، ومسلم (١٦٣٧).\n(٧) رواه الترمذي (٣٠٨٧)، وابن ماجه (٢٤٩٧)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٢/ ٤٤٤) (٤١٠٠). من حديث عمرو بن الأحوص ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٨) سليمان بن عبد الوهاب: «الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية» (ص: ٤١).","vol":"3","page":22},{"text":"قوله ﷺ: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (١).\nوقوله ﷺ فيما رواه ابن مسعود –﵁-: «إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب، ولكن رضي منهم بما دون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات» (٢).\nوجه الدلالة: (أن الرسول أخبر أن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، وفي حديث ابن مسعود: أيس الشيطان أن تعبد الأصنام بأرض العرب، وهذا بخلاف مذهبكم؛ فإن البصرة ومن حولها والعراق من دون دجلة الموضع فيه قبر علي وقبر الحسين –﵄- كذلك اليمن كلها والحجاز كل ذلك من أرض العرب، ومذهبكم أن هذه المواضع كلها عبد الشيطان فيها، وعبدت الأصنام، وكلهم كفار، وهذه الأحاديث ترد مذهبكم) (٣).\nويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nأولًا: أن الرواية الأولى لم أجدها في كتب الحديث بهذا اللفظ، وأقرب ما وجدت مما يوافق هذه الرواية ما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: «أيها الناس! إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا آخر الزمان، وقد رضي منكم بمحقرات الأعمال، فاحذروه على دينكم» (٤) الحديث.\nوالحديث ضعيف، فلا احتجاج فيه.\nأما الرواية الثانية: فهي ثابتة، ولكن هل الأحاديث الصحيحة تتناقض مع بعض؟ كلا، بل لابد أن يكون لكل واحد منها محمل غير ما للآخر، فالحديث الذي نحن بصدده يخالف ظاهرًا – لدى البعض- الأحاديث الثابتة الصحيحة التي فيها خوف الرسول ﷺ، وتحذيره من وقوع ألوان من الشرك في هذه الأمة، والعلماء قد ذكروا لهذا الحديث عدة احتمالات، فمما قالوا فيه:\n١ - إن الشيطان أيس بنفسه –ولم ييأس- لما رأى عز الإسلام في حياة النبي ﷺ وإقبال القبائل على الدخول في هذا الدين الذي أكرمهم الله به، فلما رأى ذلك يئس من أن يرجعوا إلى دين الشيطان، وأن يعبدوا الشيطان أي: يتخذوه مطاعًا.\nوهذا كما أخبر الله عن الذين كفروا في قوله: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ [المائدة: ٣]، فهم يئسوا أن يراجع المسلمون مع عليه المشركون من الدين القائم على اتخاذ الأنداد مع الله، وصرف العبودية إلى أشياء مع الله أو دونه.\nفكما أن المشركين لما رأوا تمسك المسلمين بدينهم يئسوا من مراجعتهم، هكذا الشيطان يئس لما رأى عز المسلمين ودخولهم في الدين في أكثر نواحي جزيرة العرب.\nوالشيطان – لعنه الله- لا يعلم الغيب، ولا يعلم أنه ستحين فرص يصد الناس بها عن الإسلام والتوحيد، وكانت أول أموره في صرف الناس لعبادته بعد موت النبي ﷺ، حيث أطاعه أقوام وقبائل فارتدت عن الإسلام إما بمنع الزكاة، أو باتباع مدعي النبوة، فنشط وكانت له جولة وصولة، ثم كبته الله.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨١٢) من حديث جابر ﵁.\n(٢) رواه الحاكم (٢/ ٣٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٥١) (٧٤٧١). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه لغيره الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٢٢١).\n(٣) سليمان بن عبد الوهاب: «الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية» (ص: ٤٥).\n(٤) رواه البزار وابن أبي شيبة كما في «إتحاف الخيرة المهرة» (٣/ ٦٤) وعبد بن حميد في «مسنده» (١/ ٢٧٠) (٨٥٨). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٦٩): فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف. وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٣/ ٦٤): فيه موسى بن عُبيدة الربذي، وهو ضعيف.","vol":"3","page":23},{"text":"والمقصود: أن الشيطان ييأس إذا رأى التمسك بالتوحيد والإقرار به والتزامه، واتباع الرسول ﷺ، وهو حريص على أن يصد الناس عن هذا، ولذا تمكن من هذا في فترات مختلفة، فعبده القرامطة عبادة طاعة وهم في الجزيرة، وأفسدوا ما أفسدوا، وعبده من بعدهم مما يعرفه أولو البصيرة (١) (٢).\nفالقول بأن الشرك منتف عن هذه الأمة مخالف للواقع، كما أنه مخالف للفهم الصحيح لنصوص الشرع.\n٢ - أو يقال: إن نبينا ﷺ فصل ما بين الشرك والتوحيد وبينه أتم بيان، وترك الدين على بيضاء ليلها كنهارها، وهذه البيضاء هي مضمون لا إله إلا الله، وهي إفراد الله بالعبادة، وخلع الأنداد، والكفر بما يعبد من دون الله، والبراءة من الشرك وأهله، كما فسرها أهل العلم ﵏، فإذا علم هذا يقينًا فمحال أن يكون الشرك بصورته التي نهى الله عنها موجودًا في بلاد كثيرة، ويحكم عليها بالشرك ويوجد في الجزيرة بصورته ولا يحكم عليها بالشرك. وهذا من التلاعب والهوى الصارخ (٣).\n٣ - وقال ابن رجب في شرح الحديث: إنه يئس أن يجتمعوا كلهم على الكفر الأكبر (٤).\nوأشار ابن كثير إلى هذا المعنى عند تفسيره قوله تعالى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ حيث قال: (قال ابن عباس ﵄: يعني يئسوا أن تراجعوا دينكم) (٥).\n٤ - ولا يبعد أن يقال: (مراد النبي ﷺ بقوله: «إن الشيطان ...» أن الشيطان لا يطمع أن يعبده المؤمنون في جزيرة العرب، وهم المصدَقون بما جاء به الرسول من عند ربه المذعنون له، والممتثلون لأوامره، ولا شك أن من كان على هذه الصفة فهو على بصيرة ونور من ربه، فلا يطمع الشيطان أن يعبده ... ووجود مثل هذا في جزيرة العرب لا ينافي الحديث الصحيح كما لا يخفى على من له قلب سليم وعقل راجح، وإطلاق لفظ المصلين على المؤمنين كثير في كلام العارفين.\n٥ - ويحتمل أن يراد بالمصلين أناس معلومون بناء على أن تكون (أل) للعهد وأن يراد بهم الكاملون فيها ... وهم خير القرون، يؤيد ذلك قول النبي ﷺ في آخر الحديث-: «ولكن في التحريش بينهم». يقول الطيي: لعل المصطفى ﷺ أخبر بما يكون بعده من التحريش الواقع بين صحبه رضوان الله عليهم أجمعين، أي أيس أن يعبد فيها، ولكن يطمع في التحريش ... والدليل متى طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال) (٦).\n_________\n(١) انظر ما ذكره الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ في: «هذه مفاهيمنا» (ص: ١٩٧ - ١٩٨).\n(٢) انظر ما ذكره أبو بطين، عبد الرحمن: «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٤/ ٤٨٢ - ٤٨٧).\n(٣) انظر ما ذكره الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ في كتابه: «هذه مفاهيمنا» (ص: ١٩٨ - ١٩٩).\n(٤) انظر «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٤/ ٤٨٢ - ٤٨٧).\n(٥) «ابن كثير في تفسيره» (٢/ ١٢).\n(٦) محمد شكري الآلوسي: «فتح المنان تتمة منها التأسيس» (ص: ٤٩٧ - ٤٩٩) باختصار.","vol":"3","page":24},{"text":"٦ - أو يقال: كما أن الرسول ﷺ قد أخبر بوقوع الشرك وحدوثه في هذه الأمة، ووقع، وحصل هذا الإخبار بما هو مشاهد عيانًا، ولا ينكره إلا من أعمى الله بصره وطمس بصيرته. هكذا أخبر الرسول ﷺ في هذا الحديث أناسًا معلومين بأن الشيطان لا يسلط عليهم، وهم الذين قال عنهم الرسول ﵊: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق، منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله» (١).\n٧ - أو يقال: إن الحديث يقول: إن الشيطان أيس أن يعبد. وظاهر لفظه: أن أيس من أن يعبد هو نفسه، لا من أن يعبد غيره من المخلوقات كالأنبياء والملائكة والصالحين والأشجار والأحجار، والقبور. فإن الشيطان إن أطيع في عبادة بعض المخلوقات، وقد تضاف إليه هذه العبادة ولكنها إضافة غير حقيقية، والعلاقة في الإضافة كونه هو الآمر بها، وحقيقة عبادة الشيطان نفسه: أن توجه إليه العبادة كفاحًا مباشرة.\n٨ - أو يقال: المراد أن الشيطان قد أيس من أن يعبد أو تعبد الأصنام في بلاد العرب في كل وقت وزمان، فهذا لن يكون إن شاء الله، وقد يشهد لهذا لفظة (أبدًا) المذكور في الرواية الأخرى (٢).\nوعلى كل حال: لا يمكن أن يدعى أنه لن يعبد غير الله في بلاد العرب في وقت من الأوقات، فإن هذا باطل كاذب بالإجماع والضرورة والنصوص المتواترة.\nومما يستدل به القبوريون في هذا الباب:\n٤ - قوله ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولا يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة، أو يأتي أمر الله تعالى ....» (٣)\nوجه الاستدلال: (أن النبي ﷺ أخبر أن أمر هذه الأمة لا يزال مستقيمًا إلى آخر الدهر، ومعلوم أن هذه الأمة .. التي تكفرون بها، مازالت قديمًا ظاهرة ملأت البلاد، فلو كانت هي الأصنام الكبرى، ومن فعل شيئًا من تلك الأفاعيل عابد الأوثان، لم يكن أمر هذه الأمة مستقيمًا، بل منعكسًا ...) (٤).\nيجاب عن هذه الشبهة: بأن هذه الشبهة ناتجة عن قصور باعه في علم الحديث. فإن الأحاديث تأتي بروايات مختلفة بعضها يفسر البعض الآخر، فالذي ذكره جاء بعدة روايات، حتى إنه جاء في صحيح البخاري في خمسة مواضع عن معاوية ﵁.\nوقد جاء في كتاب العلم بلفظ: «ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» (٥)، وفي كتاب الاعتصام بلفظ: «ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» (٦).\nوجاء في كتاب المناقب بلفظ: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ...» (٧).\nكما جاء في كتاب الاعتصام بلفظ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» (٨).\nوفي كتاب التوحيد: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ...» (٩).\n_________\n(١) رواه ابن حبان (٦٧١٤) والطبراني في «الأوسط» (٨٣٩٧) والبيهقي (٩/ ١٨١) من حديث ثوبان. قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٤٢): محفوظ من غير وجه. وصححه السخاوي في «البلدانيات» (١٠٥) والحديث عند مسلم (١٩٢٠) بنحوه.\n(٢) راجع ما ذكره القصيمي في «الصراع بين الإسلام والوثنية» (٢/ ١٢٢ - ١٢٧).\n(٣) رواه البخاري (٧٣١٢)، ومسلم (١٠٣٧) مختصرًا.\n(٤) سليمان بن عبد الوهاب: «الصواعق الإلهية» (ص: ٤١).\n(٥) رواه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧).\n(٦) رواه البخاري (٧٣١١)، ومسلم (١٩٢١). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(٧) رواه البخاري (٣٦٤١)، ومسلم (١٠٣٧).\n(٨) رواه البخاري (٧٣١١)، ومسلم (١٩٢١). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(٩) رواه البخاري (٣٦٤١)، ومسلم (١٠٣٧).","vol":"3","page":25},{"text":"والحديث جاء عند مسلم بلفظ: «لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» (١).\nوالمقصود: أن الروايات المطلقة في بعض الأحاديث تحمل على الروايات المقيدة، فإن من قواعد أصول الفقه حمل المطلق على المقيد إذا اتحد المحل والحكم (٢)، وهنا هكذا، لهذا قال الحافظ ابن حجر عند شرح الحديث: (أن بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدًا) (٣). ولا شك أن هؤلاء البعض هم المحدثون، ومتبعوا الآثار لا غيرهم من القبوريين كما نص عليه السلف.\nومما يتشبث به القبوريون في هذا الباب:\n٥ - عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» فقلت: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ إن ذلك تام، قال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم» (٤).\nوقال النبي ﷺ: «لا يزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ... حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» (٥).\nوقال النبي ﷺ: «لن يبرح هذا الدين قائمًا عليه عصابة المسلمين حتى تقوم الساعة» (٦).\nوقال رسول الله ﷺ: «لا يزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك، فقال عبد الله بن عمرو: أجل، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك مسها مس الحرير، لا تترك إنسانًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة» (٧).\nوجه الاستدلال: (في هذه الأحاديث الصحيحة أبين دلالة على بطلان مذهبكم؛ وهي أن جميع هذه الأحاديث مصرحة بأن الأصنام لا تعبد في هذه الأمة إلا بعد انخرام أنفس جميع المؤمنين آخر الدهر) (٨).\nويجاب عن هذه الشبهة من عدة أوجه:\nأولًا: مراد النبي ﷺ في هذا الحديث بيان وقت ظهور الشرك بصفة عامة بحيث يطغى على التوحيد، ويسيطر على حاملي لواء التوحيد ويستأصلهم، فذكر: أن هذا يحدث في أواخر أيام الدنيا، قبل انعقاد القيامة الكبرى، وبعد خروج الريح القابضة لأنفس جميع المؤمنين حتى لا تبقى هذه الطائفة المنصورة والناجية على ظهر الأرض (٩)، والذي يدل عليه فهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو حيث إنه عقب على قوله ﵊: «لا تزال عصابة ... الحديث» بقوله: أجل، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك ... إلخ.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣١١)، ومسلم (١٩٢١). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(٢) انظر ما ذكره ابن قدامة في «روضة الناظر» (٢/ ١٩٢).\n(٣) ابن حجر في «الفتح» (١/ ١٦٤).\n(٤) رواه مسلم (٢٩٠٧).\n(٥) رواه أبو داود (٢٤٨٤)، وأحمد (٤/ ٤٣٧) (١٩٩٣٤)، والطبراني (١٨/ ١١٦) (٢٢٨)، والحاكم (٢/ ٨١). من حديث عمران بن حصين ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن جرير في «مسند عمر» (٢/ ٨٢٤): إسناده صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٢٩٤).\n(٦) رواه مسلم (١٩٢٢). من حديث جابر بن سمرة ﵁.\n(٧) رواه مسلم (١٩٢٤). من حديث ابن عمرو بن العاص ﵄.\n(٨) سليمان بن عبد الوهاب: «الصواعق الإلهية» (ص: ٥٠).\n(٩) انظر توجيه الحافظ ابن حجر وتطبيقه بين هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض: في «الفتح» (١/ ١٦٤، و١٣/ ٢٩٤، و١٣/ ٧٦ - ٧٧)، وانظر ما ذكره شيخنا عبد الله محمد الغنيمان في «شرح كتاب التوحيد للبخاري» (٢/ ٢٣٥).","vol":"3","page":26},{"text":"فهذا الحديث إنما يبين التحديد الزمني لفشو الشرك في هذه الأمة حتى لا يبقى في ظهر الأرض إلا مشرك، وليس المراد منه عدم وقوع الشرك في هذه الأمة كما ظنه بعض مدعي العلم والمعرفة، وإلا يكون هذا الفهم مخالفًا للأحاديث الصحيحة الأخرى ومخالفًا للواقع.\nوأما استدلاله بهذا الحديث على عدم وقوع الشرك في هذه الأمة، فليس فيه ما يدل عليه، وقد بينا المراد من الحديث، ثم إن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين كما هو معلوم لدى كل واحد من أهل العلم.\nومما يتشبث به القبوريون أيضًا في إثبات شبهتهم:\n٦ - قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... [آل عمران: ١١٠].\nوقوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... [البقرة: ١٤٣].\nوجه الاستدلال: (أن الأمة ليس فيها من يعمل الكفر، وأنها أمة صالحة كلها – من أولها إلى آخرها – ليس فيها شرك) (١).\nويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nأولًا: أنهم تركوا من الآيتين ما هو دليل عليهم، وذلك: (أن الله وصف خير أمة أخرجت للناس بثلاث صفات وهي لأهل الإيمان خاصة، وليس لأهل الكفر والشرك، والنفاق والبدع والفسوق فيها نصيب، فقال: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ، فليس المشركون والمنافقون من خير أمة ... بل هم شرار الأمة ...) (٢).\nثانيًا: (كل أهل الملل من اليهود والنصارى والمجوس والصابئة من أمته أرسل إليهم وكلهم من أمة محمد، وهم أمة الدعوة ... ومن لم يؤمن بالنبي ﷺ ولم يتبعه من هذه الملل الخمس فهو في النار، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٦] فأخبر تعالى أنهم في النار مع كونهم من هذه الأمة.\nوأما استدلاله بقوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، فالخطاب للنبي ﷺ، وأصحابه، وهم المعنيون بهذه الأمة، ومن كان مثلهم من أهل الإيمان لحق بهم، وأما الكفار والمشركون والمنافقون فهم أعداء الأمة الوسط في كل زمان ومكان، ولا يمكن أحد أن يزعم أنهم من الأمة الوسط إلا مثل هذا الجاهل الذي يقول: ليس في الأمة كافر ولا مشرك ...) (٣).\nويبين الشيخ عبد الرحمن بن حسن جانبًا من البدع والشرك والضلال الذي وقع في هذه الأمة، ... (مثل المرتدين في عهد الصديق، والخوارج زمن علي بن أبي طالب، والقدرية، والجهمية الجبرية، ودولة القرامطة، الذين وصفهم شيخ الإسلام بأنهم أشد الناس كفرًا، والبويهيين، والعبيديين وغيرهم) (٤).\nوبالجملة: (هذا المعترض مموه بلفظ الأمة ملبس، قال تعالى في ذم هذا الصنف من الناس وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٤٢].\n_________\n(١) انظر ما قاله الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن بعضهم في «مجموعة الرسائل والمسائل» (٢/ ٥٤).\n(٢) «مجموع الرسائل والمسائل» (٢/ ٥٤، ٥٥) بتصرف. وانظر رد الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن على الاستدلال بالآيتين السابقتين كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، ووَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ونحوهما، «الدرر السنية» (٩/ ٣٥٤، ٣٥٦).\n(٣) مجموعة «الرسائل والمسائل» (٢/ ٥٧، ٦١)، وانظر رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن «التوحيد وطروء الشرك على المسلمين في الجامع الفريد» (ص: ٣٤٣ - ٣٤٥).\n(٤) الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في «مجموعة الرسائل» (٢/ ٦٢ - ٨٠).","vol":"3","page":27},{"text":"وهذا من أعظم اللبس والخلط والتمويه، والأمة تطلق ويراد بها عموم أهل الدعوة، ويدخل فيها من لم يستجب لله ورسوله، وتطلق أيضًا ويراد بها: أهل الاستجابة المنقادين لما جاءت به الرسل، ومن لم يفصل ويضع النصوص (في غير) مواضعها فهو من الجاهلين الملبسين) (١).\nويكشف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن أصل هذه الشبهة وسبب حدوثها، فقال: (أعلم أن هذ المعترض لم يتصور حقيقة الإسلام والتوحيد، بل ظن أنه مجرد قول بلا معرفة ولا اعتقاد، وإلا فالتصريح بالشهادتين في هذه الأزمان والإتيان بهما ظاهرا هو نفس التصريح بالعداوة، ولأجل عدم تصوره أنكر هذا، ورد إلحاق المشركين في هذه الأزمان بالمشركين الأولين، ومنع إعطاء النظير حكم نظيره، وإجراء الحكم مع علته، واعتقد أن من عبد الصالحين، ودعاهم وتوكل عليهم، وقرب لهم القرابين مسلم من هذه الأمة، لأنه يشهد أن لا إله إلا الله) (٢).\nويظهر جهل القائل بهذا القول حين لم يفرق بين أمة الإجابة، وأمة الدعوة، وقد رد الشيخ عبد اللطيف ذلك الاشتباه، فقال: (ليس كل من وصف بأنه من الأمة يكون من أهل الإجابة والقبلة، وفي الحديث: «ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار» (٣) ... وقال تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢] فدلت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة التي يشهد عليهم ﷺ ... والأمة في مقام المدح والوعد يراد بها أهل القبلة وأهل الإجابة، وتطلق في مقام التفرق والذم ويراد بها غيرهم، فلكل مقام مقال) (٤).\nومما يتشبث به القبوريون أيضًا في هذا الباب:\n٧ - قوله ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» (٥).\nوجه الاستدلال: (دعاؤه مستجاب) (٦)، يعني فلا يمكن أن يكون هناك شرك عند قبر الرسول.\nويجاب عن هذه الشبهة: بأن دعاء الرسول مستجاب لا شك فيه، ولهذا قد أحاطه الله بأسوار وجدران (٧)، فلا أحد يستطيع أن يسجد لقبره مباشرة كائنًا من كان، وليس فيه أي دليل على أن أحدًا لا يشرك بالله جل وعلا بعبادة النبي مثلًا أو بإثبات خصائص الربوبية في الرسول ﵊، فإن هذا واقع، والواقع خير دليل في هذا المجال، فكم من الغالين في الرسول مثلًا يدعي فيه خصائص الربوبية، ...\nوأيضا مما يتشبث به القبوريون في هذا الباب:\n_________\n(١) عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: «مصباح الظلام» (ص: ٣٠).\n(٢) انظر قول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في «مصباح الظلام» (ص: ٣٦).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٣٥٠) (٨٥٩٤). وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (٢/ ٦٦) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٤) عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: «مصباح الظلام» (ص: ٣٤١).\n(٥) رواه مالك (١/ ١٧٢) من حديث عطاء بن يسار، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ١٥٠) من حديث زيد ابن أسلم، قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢/ ٣٤٧): روي متصلا مسندًا، وقال في «التمهيد» (٥/ ٤١): مرسل غريب وهو صحيح، وقال ابن تيمية في «حقوق آل البيت» (٥٨): ثابت. وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (١/ ١٦٥). ورواه أحمد (٢/ ٢٤٦) (٧٣٥٢) وأبو يعلى (٦٦٨١) والحميدي (٢/ ٤٤٥) متصلا من حديث أبي هريرة بنحوه. وصحح إسناده الألباني في «تحذير الساجد» (٢٥).\n(٦) انظر ما قاله «محمد العلوي المالكي في مفاهيمه» (ص: ح).\n(٧) «النونية» (٢/ ١٩٦).","vol":"3","page":28},{"text":"٨ - بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أخوف ما أتخوف على أمتي، الإشراك بالله، أما إني لست أقول: يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا وثنًا، ولكن أعمالًا لغير الله وشهوة خفية» (١).\nوجه الاستدلال: أن الرسول ﵊ ما خاف علينا الشرك الأكبر، وإنما خاف علينا الشرك الأصغر (٢).\nويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\n١ - إن الحديث ضعيف (٣)، والحديث الضعيف لا احتجاج به عند من يعتد به من أهل العلم.\n٢ - ولو فرضنا صحته: يكون مراد النبي ﷺ من الحديث بيان خفاء هذا الشرك في أمته حتى يقع فيه بعض من يدعي العلم والتحقيق أيضًا، فمثلًا: عبادة الشمس والقمر والوثن من الظواهر التي لا يخفى ضلال مرتكبه، ولكن الشرك بأعمال القلوب؛ مثلًا المحبة لغير الله، والذل والخضوع لغير الله، واعتقاد أشياء مخصوصة لله جل شأنه لغير الله تعالى، هذه كلها من ضمن الأعمال لغير الله ومما تبقى خفيًا، وهذا ظاهر، والحمد لله. الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا– ١/ ٦٧١\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤٢٠٥)، وأحمد (٤/ ١٢٣) (١٧١٦١). قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٢/ ٣٢٣): هذا إسناد فيه مقال، عامر بن عبد الله لم أر من تكلم فيه بجرح ولا غيره، وباقي رجال الإسناد ثقات، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٤٩٧٤).\n(٢) انظر ما قاله «محمد العلوي المالكي في مفاهيمه» (ص: ز-ح).\n(٣) انظر ما ذكره الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» برقم: (٩٢١).","vol":"3","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>المبحث الثامن: قبح الشرك وخطره</span>\nفأما قبحه فيظهر في أن الشرك تنقص للرب تعالى بمساواة غيره له في بعض الأمور، وذلك غاية الضلال كما قال الله تعالى عن المشركين يوم القيامة عند خصومتهم مع معبوديهم: تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، وهذا التنقص متضمن للظلم ولذلك قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]. فإن الذي يعبد هو الذي بيده الخلق والأمر والمتفضل بالنعم فصرف شيء من حق الله تعالى من العبودية إلى غيره ظلم عظيم.\nفظهر مما تقدم أن قبح الشرك يتمثل في أنه تنقص للرب تعالى وظلم وضلال مبين.\nوأما خطره فيتمثل في أنه يحبط الأعمال كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥]. ويتمثل خطره كذلك في أن صاحبه إن مات عليه فإنه لا يغفر له كما قال الله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤] ويتمثل خطره كذلك في أن صاحبه الذي مات عليه مخلد في نار جهنم، كما قال الله تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: ٧٢]. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٩٢","vol":"3","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-733>تمهيد</span>\nتنوعت عبارات أهل العلم في بيان أنواع الشرك، ولكنها لا تخرج عن المدلول الشرعي للشرك ... فمن عباراتهم في بيان أنواع الشرك ما يلي:\nأ- أن الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر (١).\nب- ويقول بعضهم: إنه على ثلاثة أقسام: أكبر، وأصغر، وخفي (٢).\nج- والبعض يقسمه حسب أجزاء التوحيد الثلاثة (٣).\nد- وبعضهم يقسمه إلى نوعين: الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية، ويدخل الشرك في الأسماء والصفات ضمن النوع الأول (٤).\nهذه الأقوال ليست متباينة، بل بعضها يوافق بعضًا، فمن قسم الشرك إلى قسمين: أكبر وأصغر، نظر إلى حقيقة الشرك وأحكامه من حيث خروجه من الإسلام وعدم خروجه. والذي قسم الشرك إلى ثلاثة أنواع: الأكبر والأصغر والخفي، فإنه لم يخالف القول السابق؛ لأنه إنما أراد إظهار أهمية الشرك الخفي، وإلا فالشرك الخفي داخل تحت النوعين السابقين، فإن الشرك الخفي بعضه من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وبعضه من الشرك الأصغر الذي هو أكبر من المعاصي - الكبائر - ولكنها لا تخرج من الملة، وإنما أراد من أبرزها كنوع ثالث بيان خفائها على كثير من الناس وكثرة وقوعها، ...\nأما الذي قسمه حسب أنواع التوحيد الثلاثة، والذي قسمه إلى نوعي الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية فليس بينهما إلا إجمال وتفصيل.\nفهذه الأقوال صحيحة وشاملة. وهناك أقوال أخرى للعلماء في بيان أنواع الشرك، وهي غير شاملة، منها:\nهـ- أن أقسام الشرك أربعة:\nالأول: شرك الاحتياز: وهو أن يكون غير الله مالكًا لشيء يستقل به، ولو كان في الحقارة مثقال ذرة.\nالثاني: شرك الشياع: أن يكون لغيره نصيب يشاركه فيه، كيفما كان هذا النصيب في المكان والمكانة.\nالثالث: شرك الإعانة: وهو أن يكون له ظهير ومعين من غير أن يملك معه، كما يعين أحدنا مالك متاع على حمله مثلًا.\nالرابع: شرك الشفاعة: وهو أن يوجد من يتقدم بين يديه يدل بجاهه؛ ليخلص أحدًا بشفاعته.\nويبدر ممن قال بهذا القول: أنه قسم الشرك حسب متعلقه وحسب باعث الناس على الشرك، وهذه الأنواع كلها داخلة تحت الشرك الأكبر، وهذه من أفراده، وكان قد أخذه من قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢، ٢٣].\nووقال بعضهم: إنه على ستة أنواع:\n١ - شرك الاستقلال: وهو إثبات شريكين مستقلين، كشرك المجوس.\n٢ - شرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى.\n٣ - شرك التقريب: وهو عبادة غير الله إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية.\n٤ - شرك التقليد: وهو عبادة غير الله تبعًا للغير، كشرك متأخري الجاهلية.\n٥ - شرك الأسباب: وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة، والطبائعيين، ومن تبعهم في ذلك.\n٦ - شرك الأغراض: وهو العمل لغير الله (٥).\n_________\n(١) ابن القيم: «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٩)، وابن سحمان: «الدرر السنية» (٢/ ٨٥).\n(٢) انظر ما قاله الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في «رسالة: أنواع التوحيد وأنواع الشرك، ضمن الجامع الفريد» (ص: ٣٤١).\n(٣) سليمان بن عبد الله: «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٤٣).\n(٤) انظر ما ذكره ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١/ ٩١ - ٩٤)، و«درء تعارض العقل والنقل» (٧/ ٣٩٠)، والمقريزي: «تجريد التوحيد المفيد» (ص: ٨).\n(٥) أبو البقاء الكفوي، «الكليات» (ص: ٢١٦)، وأحمد الرومي: «مجالس الأبرار» (ص: ١٥٠ - ١٥٢).","vol":"3","page":31},{"text":"يلاحظ أن أقسام الشرك التي ذكرها هي مجرد صور للأعمال الشركية التي تقع في بعض المجتمعات الإسلامية لعموم الجهل، وهناك صور أخرى للشرك لم يتعرض لها، ولا يمكن حصر جميع الصور بهذه الطريقة.\nز- وهناك تقسيم للإمام ابن القيم – ﵀ – ذكره في كتابه: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، يمكن أن يوصف بأنه أكثر دقة في استقصاء أنواع الشرك؛ حيث قال: (الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه – سبحانه – لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله) (١). ثم بدأ الإمام في بيان التفريعات فيهما.\nالتقسيم المختار:\nولعل التقسيم الذي يجمع بين هذه التقسيمات هو أن يقال:\nالشرك على نوعين: أكبر، وأصغر.\nأما الأكبر:\nفهو أن يتخذ شريكًا أو ندًا مع الله – تعالى – في ذاته أو في أسمائه وصفاته، أو أن يعدل بالله – تعالى – مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده (٢).\nأو يقال: هو أن يجعل الإنسان لله ندًا في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته (٣). الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا– ١/ ١٣٨\n_________\n(١) ابن القيم: «الجواب الكافي» (ص: ٣٠٩، ٣١٠).\n(٢) انظر ما ذكره ابن تيمية: «الاستقامة» (١/ ٣٤٤)، وابن القيم: «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٩).\n(٣) انظر ما ذكره حافظ الحكمي: «معارج القبول» (٢/ ٤٨٣)، و«فتاوى اللجنة الدائمة» (١/ ٥١٦، ٥١٧)، وانظر ما ذكره ابن تيمية: «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٣، ٧)، والسعدي في «الإرشاد» (ص: ٥، ٢).","vol":"3","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-735>المطلب الأول: تعريفه</span>\nأما الشرك الأكبر فحقيقته هي: أن يضرع الإنسان بعبادة من العبادات إلى غير الله تعالى صلاة أو نذرًا أو استغاثة به في شدة أو مكروه فيما لا يقدر عليه إلا الله ونحو ذلك، ويخرج من الملة، فمثاله في الاعتقادات: اعتقاد أن غير الله يستحق العبادة ومثاله في الأعمال: الذبح لغير الله، ومثاله في الأقوال: دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. وهذا هو الذي ورد فيه مثل قول الله تعالى: تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ [البقرة: ١٦٥]. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٩٣","vol":"3","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>المطلب الثاني: حكمه</span>\nمن المعلوم أن هذا الشرك أعظم ما نهى الله عنه، قال تعالى: وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦]، فقرن النهي عنه بأعظم أمر أمر به وهو عبادته، التي من أجلها خلق الخلق كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].\nوهو أول المحرمات كما يدل عليه قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام: ١٥١].\nفهذا الشرك الأكبر مخرج عن الملة، وصاحبه حلال الدم والمال، وفي الآخرة خالد مخلد في النار، قال تعالى: فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة: ٥].\nوقال تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨].\nوقال تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: ٧٢].\nكما أن هذا الشرك يحبط العمل، قال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام: ٨٨]، وقال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥].\nكما أنه تحرم ذبيحة مرتكبه، لقوله تعالى: وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٢١].\nوصاحب هذا الشرك لا يرث ولا يورث، بل ماله لبيت المال، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وذلك أن المشرك قد ارتكب أعظم جريمة، وأفظع ظلم، قال تعالى: وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٨].\nوقد جاء في الحديث الذي رواه ابن مسعود – ﵁ – عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار» (١)، وفي رواية عنه: «من مات يجعل لله ندًا أدخل النار ...» (٢).\nوكما جاء عن جابر – ﵁ -: أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» (٣).\nوكما جاء عن ابن مسعود أيضًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار ...» (٤) الحديث.\nوفي حديث أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي» (٥).\nوفي حديث ابن عمر قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم، وكان ...، فأين هو؟ قال: «في النار»، قال: فكأنه وجد من ذلك، فقال: يا رسول الله! فأين أبوك؟ فقال رسول الله ﷺ: «حيثما مررت بقبر مشرك، فبشره بالنار». قال: فأسلم الأعرابي بعد، وقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تبعًا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٩٧).\n(٢) رواه البخاري (٦٦٨٣).\n(٣) رواه مسلم (٩٣).\n(٤) رواه البخاري (١٢٣٨)، ومسلم (٩٢).\n(٥) رواه مسلم (٩٧٦).\n(٦) رواه ابن ماجه (١٥٧٣). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٢٤١): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات محمد بن إسماعيل وثقه ابن حبان والدارقطني والذهبي وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"3","page":34},{"text":"وفي حديث سلمة بن يزيد الجعفي – ﵁ – قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ، قال: قلنا: يا رسول الله، إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل وتفعل، هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: «لا» (١).\nوفي حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الدواوين عند الله ﷿ ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لايغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله ﷿: مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ [المائدة: ٧٢] ...» (٢).\nومثله ما روت عائشة عن النبي ﷺ قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا يا عائشة، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» (٣).\nوالأحاديث في هذا الباب كثيرة، نكتفي منها بهذا القدر.\nوأما الإجماع: فقد نقل غير واحد من العلماء إجماع الأمة على أن المشرك يخلد في النار.\nوأما أقوال السلف في ذلك: فهي كثيرة، منها:\nأ- قال الإمام أحمد بن حنبل: (ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم، أو يرد فريضة من فرائض الله ﷿ جاحدًا بها ...) (٤).\nب- قد عقد الإمام البخاري لذلك بابًا في صحيحه، فقال: (باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا الشرك) (٥).\nج- وقال العلامة ابن جرير – ﵀ – حول قوله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥]: (ومعنى الكلام: ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وإلى الذين من قبلك، بمعنى وإلى الذين من قبلك من الرسل من ذلك، مثل الذي أوحي إليك منه، فاحذر أن تشرك بالله شيئًا فتهلك، ومعنى قوله: ولتكونن من الهالكين بالإشراك بالله إن أشركت به شيئًا) (٦).\nد- قال القرطبي: تعليقًا على حديث: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» (٧): إن من مات على الشرك لا يدخل الجنة، ولا يناله من الله رحمة، ويخلد في النار أبد الآباد، من غير انقطاع عذاب، ولا تصرم آماد (٨).\nهـ- قال النووي: (أما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي – اليهودي والنصراني -، وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا بين من خالف ملة الإسلام، وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده ما يكفر بجحده غير ذلك) (٩).\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤٧٨) (١٥٩٦٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١١٦٤٩). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣١٧): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: رجاله ثقات.\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٢٤٠) (٢٦٠٧٣)، والحاكم (٤/ ٦١٩). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في «التلخيص»: صدقة ضعفوه وابن بابنوس فيه جهالة. وقال أحمد شاكر في «المسند» (١/ ٥٢٠): إسناده صحيح. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٠٢٢): ضعيف.\n(٣) رواه مسلم (٢١٤).\n(٤) ابن أبي يعلى: «طبقات الحنابلة» (١/ ٣٤٣).\n(٥) «الإمام البخاري في صحيحه» (١/ ٤٨).\n(٦) ابن جرير الطبري: «جامع البيان» (٢٣/ ٢٤).\n(٧) رواه مسلم (٩٣). من حديث جابر ﵁.\n(٨) نقله الشيخ عبد الرحمن بن حسن في «فتح المجيد» (١/ ٩٩)، وهو في «المفهم» للقرطبي (١/ ٢٩٠).\n(٩) «شرح مسلم للنووي» (٢/ ٩٧).","vol":"3","page":35},{"text":"وويقول شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية: (ومن أعظم الاعتداء والعدوان والذل والهوان أن يدعى غير الله، فإن ذلك من الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإن الشرك لظلم عظيم ...) (١).\nز- قال ابن كثير: (أخبر – تعالى – أنه لا يغفر أن يشرك به، أي: لا يغفر من لقيه وهو مشرك به، ويغفر ما دون ذلك أي: من الذنوب لمن يشاء من عباده) (٢).\nح- قال ابن القيم: (ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله –﷿- حرم الجنة على أهله فلا تدخل الجنة نفس مشركة، وإنما يدخلها أهل التوحيد ...) (٣).\nط- وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – ﵀ -: (أن من لقيه لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار، ولو كان من أعبد الناس) (٤).\nي- وقال أحمد بن حجر آل بوطامي الشافعي – ﵀ -: (الشرك نوعان: أكبر وأصغر، فمن خلص منهما وجبت له الجنة، ومن مات على الأكبر وجبت له النار) (٥). الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا– ١/ ١٦٠\n_________\n(١) ابن تيمية: «الرد على البكري» (ص: ٩٥).\n(٢) «ابن كثير في تفسيره» (٢/ ٣٠٨).\n(٣) ابن القيم: «الوابل الصيب» (ص: ١٨).\n(٤) «التوحيد» ابن عبد الوهاب (١/ ١٠٠) مع «فتح المجيد».\n(٥) أحمد بن حجر آل بوطامي، «تطهير الجنان والأركان عن درن الشرك والكفران» (ص: ٣٨، ٣٩).","vol":"3","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-737>المطلب الثالث: أقسام الشرك الأكبر</span>\n• أولًا: تعريف الشرك في الربوبية.\n• ثانيًا: أنواع الشرك في الربوبية والأسماء والصفات.\n• ثالثًا: الفرق التي أشركت بالربوبية (١).\n• رابعًا: مظاهر الشرك في الربوبية.\n_________\n(١) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي، تحقيق الشيخ أحمد شاكر، (ص: ٢٤ - ٢٦).","vol":"3","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-739>أولًا: تعريف الشرك في الربوبية</span>\nهو اعتقاد متصرف مع الله ﷿ في أي شيء من تدبير الكون، من إيجاد أو إعدام، أو إحياء أو إماتة، جلب خير أو دفع شر، أو غير ذلك من معاني الربوبية، أو اعتقاد منازع له في شيء من مقتضيات أسمائه وصفاته كعلم الغيب وكالعظمة والكبرياء ونحو ذلك وقال الله تعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر: ٢ - ٣] الآيات، وقال تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧] الآية، وقال تعالى: قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: ٣٨].\nوقال ﵎: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام: ٥٩] الآيات، وقال تعالى: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥] الآية، وقال تعالى: وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء [البقرة: ٢٥٥] وقال النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: العظمة إزاري، الكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما أسكنته ناري» (١) وهو في الصحيح (٢). أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة لحافظ بن أحمد الحكمي- ص: ٣٠\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (... إن الرب سبحانه هو الملك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع، أو الضار أو النافع، أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته) (٣).\nوقال في موضع آخر: (فأما الأول - الشرك في الربوبية - فهو إثبات فاعل مستقل غير الله، كمن يجعل الحيوان مستقلًا بإحداث فعله، ويجعل الكواكب، أو الأجسام الطبيعية، أو العقول، أو النفوس، أو الملائكة، أو غير ذلك مستقلًا بشيء من الأحداث، فهؤلاء حقيقة قولهم: تعطيل الحوادث عن الفاعل ...) (٤).\nأو بعبارة مختصرة يقال: من أشرك مع الله غيره في خصائص الربوبية أو أنكر شيئًا منها، أو شبهه بغيره، أو شبه غيره به، يعد مشركًا بالله، سواء كان في ذاته، أو أفعاله، أو أوصافه.\nوهذا الشرك ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورًا (٥). الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا- ١/ ١٤١\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه (٣٣٨٣)، وأحمد (٢/ ٣٧٦) (٨٨٨١)، وابن حبان (٢/ ٣٥) (٣٢٨). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال محمد جار الله في «النوافح العطرة» (٢٢٢)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه مسلم (٢٦٢٠). من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄.\n(٣) ابن تيمية: «مجموع الفتاوى» (١/ ٩٢).\n(٤) ابن تيمية: «درء تعارض العقل والنقل» (٧/ ٣٩٠).\n(٥) انظر ما ذكره ابن القيم في «الجواب الكافي» (ص: ٣٠٩).","vol":"3","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>ثانيًا: أنواع الشرك في الربوبية والأسماء والصفات</span>\nالنوع الأول: شرك التعطيل؛ وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، وقال تعالى مخبرًا عنه ما قال لهامان: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا.\nوإنما قلنا لهذا التعطيل بأنه شرك؛ لأن الشرك والتعطيل متلازمان، فكل معطل مشرك، وكل مشرك معطل (١)، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد. وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل، وهو على ثلاثة أقسام:\n١ - تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس (٢)، ومنه الإلحاد بإنكار الخالق للكون.\n٢ - تعطيل الصانع – سبحانه – عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه، وأوصافه، وأفعاله، ومن هذا الشرك من عطل أسماء الرب تعالى، وأوصافه، وأفعاله من غلاة الجهمية، والقرامطة، فلم يثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائه وصفاته.\nويدخل في ذلك شرك منكري الرسالة للرسل، وشرك منكري القدر، وشرك التشريع والتحليل والتحريم من غير الله.\n٣ - تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق، ولا هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه.\nالنوع الثاني: شرك الأنداد من غير تعطيل: وهو من جعل مع الله إلهًا آخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، ومن ذلك:\n١ - شرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا.\n٢ - شرك المجوس (٣): القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة.\n٣ - شرك القدرية (٤): القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته، ولهذا كانوا أشباه المجوس.\n٤ - شرك الذي حاج إبراهيم في ربه: إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، فهذا جعل نفسه ندًا لله تعالى، يحيى ويميت بزعمه، كما يحيى الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالًا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًا.\n٥ - شرك فرعون حينما قال: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨]، وقوله تعالى حكاية عن قول قومه له: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف: ١٢٧]، كما هو في بعض القراءات (٥).\n٦ - وأيضًا من هذا النوع شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابًا مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم.\n٧ - ومن هذا النوع: شرك من أسند النعمة إلى غير الله، قال تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً.\n_________\n(١) انظر ما ذكره ابن القيم في «الجواب الكافي» (ص: ٣١٠).\n(٢) انظر ما ذكره ابن تيمية في «الفتاوى» (١٧/ ٢٨٦).\n(٣) انظر: «الملل والنحل» (٢/ ٧٣)، و«الفرق بين الفرق» (ص: ٢٧٦).\n(٤) انظر: «الفرق بين الفرق» (ص: ١٨ - ٢٠)، و«تذهيب تهذيب الكمال» (ص: ٣٨٣).\n(٥) وهي قراءة ابن عباس ومجاهد، «انظر: ما قال الطبري في التفسير» (٦/ ٩/١٧).","vol":"3","page":39},{"text":"٨ - ومن هذا شرك عباد الشمس، وعباد النار، وغيرهم، فمن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته، والتبتل إليه، والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله ﷾!! فتارة تكثر الآلهة والوسائط وتارة تقل (١).\nفيستنتج مما سبق أن هذا القسم من الشرك ينقسم قسمين:\n١ - نوع في توحيد الربوبية، ويكون من وجهين:\nأ- بالتعطيل، وذلك:\nإما بالإلحاد، كقول فرعون: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٢٣]، ويدخل فيه الشيوعية، والاشتراكية، والقومية، وغيرها من الاتجاهات الهدامة التي تجددت.\nوإما بتعطيل المصنوع عن صانعه: كالقول بقدم العالم.\nوإما بتعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد: كالقول بوحدة الوجود.\nوإما تعطيل الصانع عن أفعاله: كمنكري إرسال الرسل، ومنكري القدر، ومنكري البعث والنشور، وغيرها.\nب- بالأنداد، وذلك:\nإما بدعوى التصرف في الكون من الغير كمشركي قوم إبراهيم الصابئة، والمتصوفة القائلين بالغوث، والقطب، والأوتاد، والأبدال وتصرفهم كما يدعون.\nوإما بإعطاء السلطة لأحد غير الله في التحليل والتحريم، كما كان في النصارى، وفي بعض حكام هذه الأمة، والقوانين الوضعية وغيرها.\nوإما بدعوى التأثير في الكون من النجوم والهياكل، كالصابئة من قوم إبراهيم، أو الأولياء، أو التمائم والأحجبة.\n٢ - نوع في توحيد الأسماء والصفات، وذلك من وجهين أيضًا:\nأ- بالتعطيل: وذلك بتعطيل الصانع عن كماله المقدس: كالجهمية الغلاة، والقرامطة الذين أنكروا أسماء الله ﷿ وصفاته.\nب- بالأنداد:\n١ - إثبات صفات الصانع للمخلوقين: وذلك؛ بالتمثيل في أسمائه أو صفاته، كالشرك في علم الباري المحيط، ويدخل في ذلك: التنجيم، والعرافة، والكهانة، وادعاء علم المغيبات لأحد غير الله، وكالشرك في قدرة الله الكاملة، وذلك بادعاء التصرف للغير في ملكوت الله، وخوف الضرر أو التماس النفع من الغير، أو بالاستغاثة من الغير، أو تسمية غيره غوثًا، أو بالسحر والتسحر وغيرها.\n٢ - أو بإثبات صفات المخلوق للصانع جل وعلا: كاليهود المغضوب عليهم الذين شبهوا الله بصفات المخلوقين، وهكذا النصارى في قولهم بالنبوة والأبوة وما إلى ذلك من صفات المخلوقات لله جل وعلا، ويدخل في هذا النوع كل من شبه الله بخلقه ومثله بهم من هذه الأمة.\nوكل هذه الأنواع السالفة الذكر يعتبر من الشرك الأكبر، وينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورًا باتفاق العلماء (٢). الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا– ١/ ١٤٢\n_________\n(١) ابن القيم: «الجواب الكافي» (ص: ٣١٤١)، بتصرف يسير.\n(٢) على ضوء ما ذكره ابن القيم في «الجواب الكافي» (ص: ٣٠٩ - ٣١٤).","vol":"3","page":40},{"text":"ثالثًا: الفرق التي أشركت بالربوبية (١)\n١ - المجوس: (الأصلية) قالوا بالأصلين: النور والظلمة، وقالوا: إن النور أزلي، والظلمة محدثة.\n٢ - الثنوية: (أصحاب الاثنين الأزليين): الذين يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس الذين قالوا بحدوث الظلام، لكن قالوا باختلافهما في الجوهر، والطبع، والفعل، والخبر، والمكان، والأجناس، والأبدان، والأرواح، ولم يقولوا بتماثلهما في الصفات والأفعال، كما ترى، وإن قالوا بتساويهما في القدم.\n٣ - المانوية: (أصحاب ماني بن فاتك): قالوا: إن العالم مصنوع من أصلين قديمين، ولكن قالوا باختلافهما في النفس، والصورة، والفعل، التدبير.\n٤ - النصارى: (القائلون بالتثليث): فالنصارى لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضها عن بعض، بل هم متفقون على أنه صانع واحد يقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، ويقولون: واحد بالذات ثلاثة بالأقنوم. أما الأقانيم فإنهم عجزوا عن تفسيرها.\nوقولهم هذا متناقض أيما تناقض، وتصوره كاف في رده، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولهذا قال طائفة من العقلاء: إن عامة مقالات الناس يمكن تصورها إلا مقالة النصارى، وذلك أن الذين وضعوها لم يتصوروا ما قالوا، بل تكلموا بجهل، وجمعوا في كلامهم بين النقيضين، ولهذا قال بعضهم: لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا عن أحد عشر قولًا.\nوقال آخر: لو سألت بعض النصارى وامرأته وابنه عن توحيدهم لقال الرجل قولًا، وامرأته قولًا آخر، وابنه قولًا ثالثًا) (٢).\nوقال ابن القيم ﵀ في معرض رده عليهم: (أما خبر ما عندكم أنتم فلا نعلم أمة أشد اختلافًا في معبودها منكم؛ فلو سألت الرجل، وامرأته، وابنته، وأمه، وأباه، عن دينهم لأجابك كل منهم بغير جواب الآخر) (٣).\nبل قيل فيهم: (لو توجهت إلى أي نصراني على وجه الأرض، وطلبت منه أن يصور لك حقيقة دينه، وما يعتقده في طبيعة المسيح تصويرًا دقيقًا – لما استطاع ذلك) (٤).\nهذا وقد بين الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه (إظهار الحق) ما عندهم من التناقض، وكذلك الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (محاضرات في النصرانية).\n٥ - القدرية: هم في الحقيقة مشركون في الربوبية، وهذا لازم لمذهبهم؛ لأنهم يرون أن الإنسان خالق لفعله، فهم أثبتوا لكل أحد من الناس خلق فعله.\nوالخلق إنما هو مما اختص الله به، قال تعالى: وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصَّافَّات: ٩٦].\nوأفعال العباد لا يخرجها شيء من عموم خلقه –﷿- (٥).\n٦ - الفلاسفة الدهرية: في قولهم في حركة الأفلاك بأنها تسعة، وأن التاسع منها وهو الأطلس يحرك الأفلاك كلها، فجعلوه مبدأ الحوادث، وزعموا أن الله يحدث ما يقدره في الأرض.\n٧ - عبدة الأصنام من مشركي العرب وغيرهم: ممن كانوا يعتقدون أن الأصنام تضر وتنفع، فيتقربون إليها، وينذرون لها، ويتبركون بها.\n٨ - غلاة الصوفية: لغلوهم في الأولياء، وزعمهم أنهم يضرون، وينفعون، ويتصرفون في الأكوان، ويعلمون الغيب، ولقولهم بوحدة الوجود، وربوبية كل شيء (٦).\n_________\n(١) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي، تحقيق الشيخ أحمد شاكر، (ص: ٢٤ - ٢٦).\n(٢) «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» لابن تيمية (٢/ ١٥٥).\n(٣) «هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى» لابن القيم، (ص: ٣٢١).\n(٤) «ما يجب أن يعرفه المسلم عن حقائق النصرانية والتبشير» لإبراهيم الجيهان (ص: ١٣).\n(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٢٥٨)، و«الإيمان بالقضاء والقدر» لمحمد بن إبراهيم الحمد (ص: ١٧٣ - ١٧٤)،\n(٦) انظر: «هذه هي الصوفية» لعبد الرحمن الوكيل، (ص: ٣٥ - ٣٨ و١٣٣).","vol":"3","page":41},{"text":"٩ - الشيعة: لقولهم بأن الدنيا والآخرة للإمام، يتصرف بهما كيف يشاء، وأن تراب الحسين شفاء من كل داء، وأمان من كل خوف، ولقولهم: إن أئمتهم يعلمون الغيب، ويعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا بإذنهم.\nوهذا باطل، وبطلانه لا يحتاج إلى دليل، بل إن فساده يغني عن إفساده (١).\n١٠ - النصيرية: لقولهم بألوهية علي بن أبي طالب ﵁، وبأنه المتصرف بالكون، لوصفهم إياه بأوصاف لا يجوز أن يوصف بها أحد إلا الله –﷿- مع اختلاف أقوالهم في هذا؛ فبعضهم يقول: إنه يسكن في الشمس ويسمون بـ: الشمسية.\nوبعضهم يقولون: إنه يسكن في القمر، ويسمون بـ: القمرية.\nوبعضهم يقولون: إنه يسكن في السحاب، ولذا إذا رأوا السحاب قالوا: السلام عليك يا أمير النحل (٢).\n١١ - الدروز: لقولهم بألوهية الحاكم بأمر الله العبيدي، وغلوهم فيه، ووصفه بأوصاف لا تليق إلا بالله وحده، كقولهم عنه: (إنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) (٣).\n١٢ - من يعتقدون تأثير النجوم، والكواكب، والأسماء: وذلك كحال الذين يتتبعون الأبراج ويقولون – رجمًا بالغيب – إذا ولد فلان في البرج الفلاني، أو الشهر الفلاني، أو اليوم الفلاني، أو كان اسمه يبدأ بحرف كذا أو كذا – فسيصيبه كذا وكذا، ويضعون عليها دعايات تقول: من شهر ميلادك تعرف حظك، أو من اسمك تعرف حظك.\nكل ذلك شرك في الربوبية؛ لأنه ادعاء لعلم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده لا شريك له.\n١٣ - القانونيون: الذين يصدون ويصدفون عن شرع الله، والذين يحكمون الناس بالقوانين الوضعية، التي هي من نحاتة أفكارهم، وزبالة أذهانهم فهؤلاء محاربون لله، منازعون له في ربوبيته وحكمه وشرعه (٤). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ١٢٨\n_________\n(١) انظر: «الخطوط العريضة» لمحب الدين الخطيب، تحقيق: محمد مال الله (ص: ٦٩)، وانظر «مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة»، د. ناصر القفاري، (١/ ٢٩٠)، و«الشيعة والسنة لإحسان إلهي ظهير» (ص: ٦٦).\n(٢) انظر: «الحركات الباطنية في العالم الإسلامي»، د. محمد بن أحمد الخطيب، (ص: ٣٤١)، و«دراسات في الفرق» لصابر طعمية، (ص: ٤٢)، و«النصيرية» د. سهير الفيل (ص: ٩٣ - ١٠٣)، و«الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة النصيرية» لسليمان الأذني، و«رسالة النصيرية في كتاب رسائل في الأديان والفرق والمذاهب» لمحمد بن إبراهيم الحمد.\n(٣) انظر «عقيدة الدروز، عرض ونقض» د. محمد بن أحمد الخطيب (ص: ١١٧)، وانظر «الحركات الباطنية» (ص: ٢٣٣ - ٢٣٨).\n(٤) انظر «رسالة تحكيم القوانين» لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀.","vol":"3","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-742>رابعًا: مظاهر الشرك في الربوبية</span>\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في خاتمة كتابه الإغاثة: وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم كما ... كان في قوم نوح ﵊ ولهذا لعن النبي ﷺ المتخذين على القبور المساجد والسرج ونهى عن الصلاة إلى القبور وسأل ربه ﷾ أن لا يجعل قبره وثنا يعبد ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدا وقال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) وأمر بتسوية القبور وطمس التماثيل، قال فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله إما جهلا وإما عنادا لأهل التوحيد ولم يضرهم ذلك شيئا وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين وأما خواصهم فإنهم اتخذوها بزعمهم على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم وجعلوا لها بيوتا وسدنة وحجابا وحجا وقربانا ولم يزل هذا في الدنيا قديما وحديثا فمنها بيت على رأس جبل بأصبهان كانت به أصنام أخرجها بعض ملوك المجوس وجعله بيت نار ومنها بيت ثان وثالث ورابع بصنعاء بناه بعض المشركون على اسم الزهرة فخربه عثمان ﵁ ومنها بيت بناه قابوس الملك المشرك بالهند قال يحيى بن بشر إن شريعة الهند وضعها لهم رجل يقال له برهمن ووضع لهم أصناما وجعل أعظم بيوتها بيتا بمدينة من مدائن السند وجعل فيه صنمهم الأعظم وزعم أنه بصورة الهيولي الأكبر وفتحت هذه المدينة في أيام الحجاج واسمها الملتان إلى أن قال رحمه الله تعالى وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة وهم قوم إبراهيم ﵊ الذين ناظرهم في بطلان الشرك وكسر حجتهم بعلمه وآلهتهم بيده فطلبوا تحريقه وهذا مذهب قديم في العالم وأهله طوائف شتى فمنهم من عباد الشمس زعموا أنها ملك من الملائكة لها نفس وعقل وهي أصل نور القمر والكواكب وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها وهي عندهم ملك الفلك يستحق التعظيم والسجود والدعاء ومن شريعتهم في عبادتها أنهم اتخذوا لها صنما بيده جوهر على نوع النار وله بيت خاص قد بنوه باسمه وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القرى والضياع وله سدنة وقوام وحجبة يأتون البيت ويصلون فيه ثلاث مرات في اليوم ويأتيه أصحاب العاهات فيصومون لذلك الصنم ويصلون ويدعون ويستسقون به وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم وإذا غربت وإذا توسطت الفلك ولهذا يقارفها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة لتقع عبادتهم وسجودهم له ولهذا نهى النبي ﷺ عن تحري الصلاة في هذه الأوقات قطعا لمشابهة الكفار ظاهرا وسدا لذريعة الشرك وعبادة الأصنام\nقلت وقد ذكر الله ﷿ عبادة الشمس عن أهل سبأ من أرض اليمن في عهد بلقيس كما حكى قول الهدهد حيث قال وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ للشَّمْسِ مِنْ دُونِ الله [النمل:٢٤] إلى آخر الآيات وهداها الله تعالى إلى الإسلام على يد نبيه سليمان ﵊ حيث قال: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لله رَبِّ العَالَمِين [النمل:٤٤]\n_________\n(١) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٢٤٠)، وعبدالرزاق في «المصنف» (١/ ٤٠٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ١٥٠). من حديث عطاء بن يسار مرسلا. وقال ابن عبدالبر في «التمهيد» (٥/ ٤١): مرسل غريب وهو صحيح. وقال الألباني في «مشكاة المصابيح» (٥١٧): صحيح.","vol":"3","page":43},{"text":"ثم قال ابن القيم رحمه الله تعالى (فصل) وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنما وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة وإليه تدبير هذا العالم السفلي ومن شريعة عباده أنهم اتخذوا لهم صنما على شكل عجل ويجره أربعة وبيد الصنم جوهرة ويعبدونه ويسجدون له ويصومون له أياما معلومة من كل شهر ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه ومنهم من يعبد أصناما اتخذوها على صور الكواكب وروحانياتها بزعمهم وبنوا لها هياكل ومتعبدات لكل كوكب منها هيكل يخصه وصنم يخصه وعبادة تخصه ومتى أردت الوقوف على هذا فانظر في كتاب (السر المكتوم في مخاطبة النجوم) المنسوب لابن خطيب الري تعرف عبادة الأصنام وكيفية تلك العبادة وشرائطها وكل هؤلاء مرجعهم إلى عبادة الأصنام فإنهم لا تستمر لهم طريق إلا بشخص خاص على شكل خاص ينظرون إليه ويعكفون عليه ومن هنا اتخذ أصحاب الروحانيات والكواكب أصناما زعموا أنها على صورها فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته ليكون نائبا منابه وقائما مقامه وإلا فمن المعلوم أن عاقلا لا ينحت خشبة أو حجرا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده.","vol":"3","page":44},{"text":"ومن أسباب عبادتها أيضا أن الشياطين تدخل فيها وتخاطبهم منها وتخبرهم ببعض المغيبات وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم وهم لا يشاهدون الشيطان فجهلتهم وسقطهم يظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم المخاطب، وعقلاؤهم يقولون إن تلك روحانيات الأصنام وبعضهم يقول إنها الملائكة وبعضهم يقول إنها هي العقول المجردة وبعضهم يقول هي روحانيات الأجرام العلوية وكثير منهم لا يسأل عما عهد بل إذا سمع الخطاب من الصنم اتخذه إلها ولا يسأل عما وراء ذلك وبالجملة فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام والأوثان ولم يتخلص منها إلا الحنفاء أتباع ملة إبراهيم ﵊ وعبادتها في الأرض من قبل نوح ﵊ كما تقدم وهياكلها ووقوفها وسدنتها وحجابها والكتب المصنفة في شرائع عبادتها طبق الأرض قال إمام الحنفاء وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦] والأمم التي أهلكها الله تعالى بأنواع الهلاك كلهم يعبدون الأصنام كما قص الله ﷿ ذلك عنهم في القرآن وأنجى الرسل وأتباعهم من الموحدين ويكفي في معرفة كثرتهم وأنهم أكثر أهل الأرض ما صح عن النبي ﷺ أن «بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون» (١)، وقد قال الله تعالى: فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا [الإسراء:٨٩] وقال الله تعالى: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ [الأنعام:١١٦] وقال الله تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:١٠٣] وقال الله تعالى: وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ [الأعراف:١٠٢] ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة لما أقدم عبادها على بذل نفوسهم وأموالهم وأبنائهم دونها فهم يشاهدون مصارع إخوانهم وما حل بهم ولا يزيدهم ذلك إلا حبا لها وتعظيما ويوصي بعضهم بعضا بالصبر عليها وتحمل أنواع المكاره في نصرتها وعبادتها وهم يسمعون أخبار الأمم التي فتنت بعبادتها وما حل بهم من عاجل العقوبات ولا يثنيهم ذلك عن عبادتها ففتنة عبادة الأصنام أشد من فتنة عشق الصور وفتنة الفجور بها والعاشق لا يثنيه عن مراده خشية عقوبة في الدنيا ولا في الآخرة وهو يشاهد ما يحل بأصحاب ذلك من الآلام والعقوبات والضرب والحبس والنكال والفقر غير ما أعد الله له في الآخرة وفي البرزخ ولا يزيده ذلك إلا إقداما وحرصا على الوصول والظفر بحاجته فهكذا الفتنة بعبادة الأصنام وأشد فإن تأله القلوب لها أعظم من تألهها للصور التي يريد منها الفاحشة بكثير والقرآن بل وسائر الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها مصرحة ببطلان هذا الدين وكفر أهله وأنهم أعداء الله وأعداء رسله وأنهم أولياء الشيطان وعباده وأنهم هم أهل النار الذين لا يخرجون منها وهم الذين حلت بهم المثلات ونزلت بهم العقوبات وأن الله سبحانه برئ منهم هو وجميع رسله وملائكته وأنه سبحانه لا يغفر لهم ولا يقبل لهم عملا وهذا معلوم بالضرورة من الدين الحنيف وقد أباح الله ﷿ لرسوله وأتباعه من الحنفاء دماء هؤلاء وأموالهم ونساءهم وأبناءهم وأمرهم بتطهير الأرض منهم حيث وجدوا وذمهم بسائر أنواع الذم وتوعدهم بأعظم أنواع العقوبة فهؤلاء في شق ورسل الله في شق معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- بتصرف - ص٥٨٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"3","page":45},{"text":"(ومن أعمال أهل الشرك) التي لا يفعلها غيرهم ولا تليق إلا بعقولهم السخيفة، وأفئدتهم الضعيفة، وقلوبهم المطبوع عليها، وأبصارهم المغشي عليها (ما) أي الذي (لم يأذن الله) ﷿ في كتابه ولا سنة نبيه (بأن يعظما) بألف الإطلاق، وأن ومدخولها في تأويل مصدر أي لم يأذن الله بتعظيمه ذلك التعظيم الذي منحه إياه من لم يفرق بين حق الله تعالى وحقوق عباده من النبيين والأولياء وغيرهم، بل لم يفرق بين أولياء الله وأعدائه ولا بين طاعته ومعصيته، فيتخذ من دون الله أندادًا وهو يرى أن ذلك الذي فعله قربة وطاعة لله وأن الله يحب ذلك ويرضاه، ويكذَّب الرسل ويدَّعي أنه من أتباعهم، ويوالي أعداء الله وهو يظنهم أولياؤه، كفعل اليهود والنصارى يجاهرون الله بالمعاصي ويكذبون كتابه ويغيرونه ويبدلونه ويحرفون الكلم عن مواضعه ويقتلون الأنبياء بغير الحق وينسبون لله ﷾ الولد ويفعلون الأفاعيل ويقولون نحن أبناء الله وأحباؤه، وهم البُغَضَاء إلى الله وأعداؤه وسبب هذا كله – في الأمم الأولى والأخرى – هو الإعراض عن الشريعة وعدم الاهتمام لمعرفة ما احتوت عليه الكتب من البشارة والنذارة والأمر والنهي والحلال والحرام والوعد والوعيد، ومعرفة ما يجب لله على عباده فعله وما يجب تركه (كمن يَلُذ ببقعة) أي يعوذ بها ويختلف إليها ويتبرك بها ولو بعبادة الله تعالى عندها، وتقدم تقييد ذلك بما لم يأذن به الله، فيخرج بهذا القيد ما أذن الله تعالى بتعظيمه كتعظيم بيته الحرام بالحج إليه وتعظيم شعائر الله من المشاعر والمواقف وغيرها، فإن ذلك تعظيم لله ﷿ الذي أمر بذلك لا لتلك البقعة ذاتها كما قال عمر بن الخطاب ﵁ لما استلم الحجر الأسود: (أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) (١)،\n_________\n(١) رواه البخاري (١٥٩٧) ومسلم (١٢٧٠) ..","vol":"3","page":46},{"text":"وكذلك التعظيم أيضًا نفسه إنَّما أردنا منع تعظيم لم يأذن الله به لا المأذون فيه، فإن الله تعالى قد أمر بتعظيم الرسل بأن يطاعوا فلا يعصوا ويحبوا ويتبعوا، وأن طاعة الرسول هي طاعة الله ﷿ ومعصيته معصية الله ﷿، فهذا تعظيم لا يتم الإيمان إلا به إذ هو عين تعظيم الله تعالى، فإنهم إنما عُظموا لأجل عظمة المرسل ﷾ وأُحبوا لأجله واتُّبعوا على شرعه، فعاد ذلك إلى تعظيم الله ﷿، فلو أن أحدًا عظم رسولًا من الرسل بما لم يأذن الله به ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله ﷿ وغلا فيه حتى اعتقد فيه شيئًا من الإلهية لانعكس الأمر وصار عين التنقص والاستهانة بالله وبرسله كفعل اليهود والنصارى الذي ذكر الله ﷿ عنهم من غلوهم في الأنبياء والصالحين كعيسى وعزير، فكذبوا بالكتاب وتنقصوا الرب ﷿ بنسبة الولد إليه وغير ذلك وكذبوا الرسول في قوله: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [مريم:٣٠] فصار ذلك التعظيم في اعتقادهم هو عين التنقص والشتم، سبحان الله عما يصفون، وسلام على المرسلين (أو حجر، أو قبر ميت، أو ببعض الشجر) أو غير ذلك من العيون ونحوها ولو بعبادة الله عندها فإن ذلك ذريعة إلى عبادتها ذاتها كما فعل إبليس لعنه الله بقوم نوح حيث أشار عليهم بتصوير صالحيهم ثم بالعكوف على قبورهم وصورهم وعبادة الله عندها إلى أن أشار عليهم بعبادتها ذاتها من دون الله تعالى فعبدوها، (متخذًا لذلك المكان) من القبور والأشجار والعيون والبقاع وغيرها (عيدًا) أي ينتابها ويعتاد الاختلاف إليها (كفعل عابدي الأوثان) في تعظيمهم أوثانهم واعتيادهم إليها، ولذا سمى النبي ﷺ العكوف على الأشجار وتعليق الأسلحة بها على جهة التعظيم (تألهًا)، كما في الترمذي عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من قبلكم» (١) ولقد عمت البلوى بذلك وطمت في كل زمان ومكان حتى في هذه الأمة لاسيما زماننا هذا، ما من قبر ولا بقعة يذكر لها شيء من الفضائل ولو كذبًا إلا وقد اعتادوا الاختلاف إليها والتبرك بها حتى جعلوا لها أوقاتًا معلومة يفوت عيدهم بفواتها ويرون من أعظم الخسارات أن يفوت الرجلَ ذلك العيد المعلوم وآل بهم الأمر إلى أن صنفوا في أحكام حجهم إليها كتبًا سموها مناسك حج المشاهد ومن أخل بشيء منها فهو عندهم أعظم جرمًا ممن أخل بشيء من مناسك الحج إلى بيت الله الحرام، وجعلوا لها طوافًا معلومًا كالطواف بالبيت الحرام، وشرعوا تقبيلها كما يقبَّل الحجر الأسود حتى قالوا إن زحمت فاستلم بمحجن أو أشر إليه، قياسًا على فعل النبي ﷺ بالحجر الأسود، وشرعوا لها نذورًا من المواشي والنقود، ووقفوا عليها الوقوف من العقارات والحرث وغيرها وغير ذلك من شرائعهم الشيطانية، وقواعدهم الوثنية معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- ص٦٤\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٥/ ٢١٨) (٢١٩٥٠)، وابن حبان (١٥/ ٩٣) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٤٦)، والطبراني (٣/ ٢٤٤) واللفظ له. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. تنبيه: بعض نسخ الترمذي فيها خيبر بدل حنين.","vol":"3","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-744>أولًا: تعريف الشرك في الألوهية</span>\nوهو شرك في عبادة الله، وإن كان صاحبه يعتقد أنه – سبحانه – لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهو الذي يسمى بالشرك في العبادة، وهو أكثر وأوسع انتشارًا ووقوعًا من الذي قبله، فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة أخرى، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب.\nوهذا حال أكثر الناس، ومعلوم أن من لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير الذي أمر به، فلا يصح، ولا يقبل منه، قال الله ﷿- كما في الحديث القدسي: - «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء» (١).\n، ويقول أصحاب هذا الشرك مخاطبين لآلهتهم وقد جمعهم الجحيم: تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والرزق والإماتة والإحياء، والملك والقدرة، وإنما سووهم في الحب والتأله والخضوع لهم، والتذلل، والتعظيم (٢). الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا– ١/ ١٤٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٨٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) انظره مع بعض ما تقدم في «الجواب الكافي» (ص: ٣١٨)، و«مدارج السالكين» (١/ ٣٣٩).","vol":"3","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>ثانيًا: أنواع الشرك في الألوهية</span>\nالنوع الأول: اعتقاد شريك لله تعالى في الألوهية (١).\nفمن اعتقد أن غير الله تعالى يستحق العبادة مع الله (٢)، أو يستحق أن يصرف له أي نوع من أنواع العبادة فهو مشرك في الألوهية.\nويدخل في هذا النوع من يسمي ولده أو يتسمى باسم يدل على التعبد لغير الله تعالى (٣)، كمن يتسمى بـ (عبد الرسول)، أو (عبد الحسين)، أو غير ذلك.\nفمن سمى ولده أو تسمى بشيء من هذه الأسماء التي فيها التعبد للمخلوق معتقدًا أن هذا المخلوق يستحق أن يعبد فهو مشرك بالله تعالى. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ١٦١\nالنوع الثاني: صرف شيء من العبادات لغير الله تعالى\nفالعبادات بأنواعها القلبية، والقولية، والعملية، والمالية حق لله تعالى لا يجوز أن تصرف لغيره. ... فمن صرف شيئًا منها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر.\nقال علامة الهند: صديق حسن خان القنوجي في تفسير قوله تعالى: أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] قال ﵀: (وقد تقرر أن العبادة لا تجوز إلا لله، وأنه هو المستحق لها، فكل ما يسمى في الشرع عبادة ويصدق عليه مسماها فإن الله يستحقه، ولا استحقاق لغيره فيها، ومن أشرك فيها أحدًا من دون الله فقد جاء بالشرك، وكتب اسمه في ديوان الكفر) (٤).\nوالشرك بصرف شيء من العبادة لغير الله له صور كثيرة، يمكن حصرها في الأمرين التاليين:\nالأمر الأول: الشرك في دعاء المسألة\nدعاء المسألة هو أن يطلب العبد من ربه جلب مرغوب، أو دفع مرهوب (٥).\nويدخل في دعاء المسألة: الاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والاستجارة.\nقال الخطابي رحمه الله تعالى: (ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه – ﷿ – العناية، واستمداده إياه المعونة. وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة. وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله – ﷿ – وإضافة الجود والكرم إليه) (٦).\n_________\n(١) «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٨) نقلًا عن القرطبي.\n(٢) «الإرشاد» للسعدي: الردة (ص: ٢٠٥).\n(٣) «الدين الخالص» لصديق حسن خان (٢/ ١٠٤)، «رسالة التوحيد» للدهلوي الهندي (ص: ١٧، ٢٥)، وينظر «مجموع فتاوى ابن تيمية» (آخر ١/ ٣٧٨، ٣٧٩).\n(٤) «الدين الخالص» (باب في رد الإشراك في العبادات) (٢/ ٥٢).\n(٥) «الاستغاثة» (٢/ ٤٥٢)، «تيسير العزيز الحميد باب من الشرك الاستعاذة بغير الله» (ص: ١٨٠)، و«فتح المجيد» (٢/ ٣٠١)، «مجموعة الرسائل» (٥/ ٥٩٤).\n(٦) «شأن الدعاء» (ص: ٤).","vol":"3","page":49},{"text":"والدعاء من أهم أنواع العبادة، فيجب صرفه لله تعالى، ولا يجوز لأحد أن يدعو غيره كائنًا من كان، قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: ١٨]، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الدعاء هو العبادة» (١)، وقال ﷺ في وصيته لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» (٢).، فمن دعا غير الله فقد وقع في الشرك الأكبر – نسأل الله السلامة والعافية -.\nومن أمثلة الشرك في دعاء المسألة ما يلي:\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، والحاكم (١/ ٦٦٧). من حديث النعمان بن بشير ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال البغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٥٨): حسن لا يعرف إلا من حديث ذر. وقال النووي في «الأذكار» (٤٧٨): إسناده صحيح. وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١/ ٦٤): إسناده جيد. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والحاكم (٣/ ٦٢٣). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا، وصححه عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٣/ ٣٣٣).","vol":"3","page":50},{"text":"أ- أن يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق، سواء أكان هذا المخلوق حيًا أم ميتًا، نبيًا أم وليًا، أو ملكًا أم جنيًا أم غيرهم، كأن يطلب منه شفاء مريضه، أو نصره على الأعداء، أو كشف كربة، أو أن يغيثه، أو أن يعيذه، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا كله شرك أكبر، مخرج من الملة بإجماع المسلمين (١)؛ لأنه دعا غير الله، واستغاث به، واستعاذ به، وهذا كله عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله بإجماع المسلمين، وصرفها لغيره شرك، ولأنه اعتقد في هذا المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله ﷾ (٢).\nب- دعاء الميت.\nج- دعاء الغائب.\n_________\n(١) ينظر «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١/ ١٢٤، ١٩٤، و٢٧/ ٦٧ – ٨٧، ١٤٥)، «قاعدة في التوسل» (ص: ٥٨، ٩٥)، «قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام وعبادات أهل الشرك» (ص: ٧٠)، «الاستغاثة» (١/ ٣٧٦، و٢/ ٦١٩)، «مدارج السالكين» (منزلة التوبة) (٣/ ٣٧٥)، «القول الفصل النفيس» (ص: ٩٥)، «منهاج التأسيس» (ص: ١٠٤)، «الدر النضيد» (ص: ٢٨ - ٢٩)، «مصباح الظلام» (ص: ١٨٨)، «الدرر السنية» (٢/ ١٩٢ - ١٩٤)، «تيسير العزيز الحميد وفتح المجيد» (باب من الشرك الاستعاذة بغير الله، والأبواب الأربعة بعده)، «مجموعة الرسائل» (٤/ ٤٦٩)، «السنن والمبتدعات فصل في الأدعية المحرمة» (ص: ٢١٢ - ٢٦٦)، «القول الجلي» (ص: ٥٦)، «سيف الله لصنع الله الحنفي» (ص: ٤٨).\n(٢) «الدر النضيد» للشوكاني (ص: ٦٩، ٧٠) «الكواكب الدرية» للرباطي الحنفي (ص: ٣٦ - ٣٩)، «الوسيلة» لجوهر الباكستاني الحنفي (ص: ٤٢ - ٦٧)، «التبيان» للرستمي الحنفي (ص: ١١٥ - ١٦١) نقلًا عن كتاب «جهود علماء الحنفية» لشمس الدين الأفغاني (ص: ١٤٧٢ - ١٤٧٤)، «منهاج التأسيس» (ص: ١٨٧)، «القول الفصل النفيس» (ص: ٨٢)، «حجة الله البالغة» (١/ ١٨٥)، «صيانة الإنسان» (ص: ٣٧٣)، «مجموعة الرسائل» (٥/ ٥٩٣ - ٦٠٣، ٦١٠ - ٦١٨)، «الصواعق المرسلة الشهابية» (ص: ١٣٢ - ١٣٧)، «تصحيح الدعاء» (ص: ٢٤٧، ٢٥١).","vol":"3","page":51},{"text":"فمن دعا غائبًا أو دعا ميتًا وهو بعيد عن قبره، وهو يعتقد أن هذا المدعو يسمع كلامه، أو يعلم بحاله فقد وقع في الشرك الأكبر، سواء أكان هذا المدعو نبيًا أو وليًا، أم عبدًا صالحًا أم غيرهم، وسواء طلب من هذا المدعو ما لا يقدر عليه إلا الله أم طلب منه أن يدعو الله تعالى له، ويشفع له عنده (١)، فهذا كله شرك بالله تعالى مخرج من الملة؛ لما فيه من دعاء غير الله، ولما فيه من اعتقاد أن المخلوق يعلم الغيب، ولما فيه من اعتقاد إحاطة سمعه بالأصوات، وهذا كله من صفات الله تعالى التي اختص بها، فاعتقاد وجودها في غيره شرك مخرج من الملة (٢).\nد- أن يجعل بينه وبين الله تعالى واسطة في الدعاء، ويعتقد أن الله تعالى لا يجيب دعاء من دعاه مباشرة، بل لابد من واسطة بين الخلق وبين الله في الدعاء، فهذه شفاعة شركية مخرجة من الملة (٣).\n_________\n(١) وقريب من هذا من جاء إلى القبر وطلب من صاحبه أن يدعو الله له فهذا عمل محرم، وهو بدعة باتفاق السلف. ينظر: «قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام ...» (ص: ١١١ - ١٣٦)، «مجموع الفتاوى» (١/ ٣٣٠، ٣٥١، ٣٥٤ و٢٧/ ٧٦) «قاعدة في المحبة» (ص: ١٩٠ - ١٩٢)، «رسالة زيارة القبور» لابن تيمية (ص: ٢٥، ٤٩، ٥٠)، «تلخيص الاستغاثة» (ص: ٥٧)، «الرد على الأخنائي» (ص: ١٦٤، ١٦٥، ٢١٦)، «صيانة الإنسان» (ص: ٣٦٠)، «القول الجلي» (ص: ٥٦)، «تعليق شيخنا عبد العزيز بن باز على الفتح كتاب الاستسقاء» (٢/ ٤٩٥)، «تصحيح الدعاء» (ص: ٢٥١). وقد نص جمع من أهل العلم على أن هذا العمل شرك أكبر. «ينظر مدارج السالكين» (١/ ٣٦٩)، «إغاثة اللهفان»: «الفرق بين زيارة الموحدين ...» (١/ ٢١٨ - ٢٢٢)، «تطهير الاعتقاد» (ص: ١٥)، «الدين الخالص» (١/ ١٩١، ٢١٣، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٣٨، ٤١٣، و٢/ ٥٧)، «الدرر السنية» (١/ ٨٥، ٢٢٤ و٢/ ٢٣٨، ٢٣٩)، «تيسير العزيز الحميد وفتح المجيد باب من الشرك الاستعاذة بغير الله وباب الشفاعة»، «الكواكب الدرية» للرباطي الحنفي (ص: ٧٧ - ١٠٨)، و«التبيان» للرستمي الحنفي (ص: ١٥٥ - ١٦١)، و«الوسيلة» لجوهر الباكستاني الحنفي (ص: ٤٢ - ٦٧) نقلًا عن كتاب «جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية» للدكتور شمس الدين الأفغاني (٣/ ١٤٧٢ - ١٤٧٤)، ويراجع «الرسالة الصفدية» (٢/ ١٨٧ - ٢٩١). وللتوسع في هذه المسألة ينظر «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٠٣، ٣٣١، ٣٣٢)، «الروح» (المسألة الأولى)، تفسير الآية (٦٤) من النساء في «تفسيري القرطبي وابن كثير»، «كتاب الدعاء» للعروسي.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٨١، ٨٢)، «رسالة التوحيد» لإسماعيل الدهلوي (ص: ١٧، ٢٠، ٢٣، ٣١، ٤٣)، «مجموع فتاوى عبد الحي اللكنوي» (١/ ٢٦٤) نقلًا عن كتاب «الدعاء» للعروسي (ص: ٢٧٤، ٢٧٥، ٢٩٦)، «مصباح الظلام» للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ابن حسن (ص: ١٩٩ - ٢٠١، ٢٥٤)، «روح المعاني» للألوسي (١٣/ ٦٧، و١٧/ ٢١٣، و٢٤/ ١١)، «صيانة الإنسان» لمحمد بن بشير السهسواني الهندي (ص: ٣٧٣).\n(٣) ينظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١/ ١٢٦ - ١٣٥، ١٥٠ - ١٦٣، و٢٤/ ٣٤١)، «إغاثة اللهفان» (١/ ٦٢)، «رسالة التوحيد» للدهلوي الهندي (ص: ٤٦ - ٤٨).","vol":"3","page":52},{"text":"واتخاذ الوسائط والشفعاء هو أصل شرك العرب (١)، فهم كانوا يزعمون أن الأصنام تماثيل لقوم صالحين، فيتقربون إليهم طالبين منهم الشفاعة، كما قال تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣].\nالأمر الثاني: الشرك في دعاء العبادة\nدعاء العبادة هو: عبادة الله تعالى بأنواع العبادات القلبية، والقولية، والفعلية كالمحبة، والخوف، والرجاء والصلاة، والصيام، والذبح، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى وغيرها.\nوسمي هذا النوع (دعاء) باعتبار أن العابد لله بهذه العبادات طالب وسائل لله في المعنى، لأنه إنما فعل هذه العبادات رجاء لثوابه وخوفًا من عقابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب (٢)، فهو داع لله تعالى بلسان حاله، لا بلسان مقاله.\nومن أمثلة الشرك في هذا النوع:\nأ- شرك النية والإرادة والقصد:\nهذا الشرك إنما يصدر من المنافق النفاق الأكبر، فقد يظهر الإسلام وهو غير مقر به في باطنه، فهو قد راءى بأصل الإيمان، كما قال تعالى: وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا [البقرة: ١٤]، وقد يرائي ببعض العبادات، كالصلاة، كما قال تعالى عن المنافقين: وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء: ١٤٢]، فهم قد جمعوا بين الشرك والنفاق.\nب- الشرك في الخوف:\nالخوف في أصله ينقسم إلى أربعة أقسام:\n١ - الخوف من الله تعالى: ويسمى (خوف السر)، وهو الخوف المقترن بالمحبة، والتعظيم، والتذلل لله تعالى، وهو خوف واجب، وأصل من أصول العبادة.\n٢ - الخوف الجبلي: كالخوف من عدو، والخوف من السباع المفترسة ونحو ذلك. وهذا خوف مباح؛ إذا وجدت أسبابه، قال الله تعالى عن نبيه موسى ﵇: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص: ٢١].\n٣ - الخوف الشركي: وهو أن يخاف من مخلوق خوفًا مقترنًا بالتعظيم والخضوع والمحبة. ومن ذلك الخوف من صنم أو من ميت خوفًا مقرونًا بتعظيم ومحبة، فيخاف أن يصيبه بمكروه بمشيئته وقدرته، كأن يخاف أن يصيبه بمرض، أو بآفة في ماله، أو يخاف أن يغضب عليه؛ فيسلبه نعمه فهذا من الشرك الأكبر، لأنه صرف عبادة الخوف والتعظيم لغير الله، ولما في ذلك من اعتقاد النفع والضر في غير الله تعالى، قال الله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة: ١٨] قال ابن عطية المالكي الأندلسي المولود سنة ٤٨١هـ في تفسيره (٣): (يريد خشية التعظيم، والعبادة، والطاعة).\n_________\n(١) «شرح الطحاوية» (ص: ٢٩)، «تطهير الاعتقاد» (ص: ١٥)، بل هو أصل شرك الخلق كلهم. ينظر: «إغاثة اللهفان» (فصل في ما في الشرك والزنا من الخبث) (١/ ٦٢)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (١/ ١٣٤، ١٣٥): (من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى).\n(٢) «بدائع الفوائد» (٣/ ٢ - ٥)، «تيسير العزيز الحميد وفتح المجيد» (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله)، «مقدمة تفسير السعدي» (ص: ١٤).\n(٣) (٢/ ١٤٨).","vol":"3","page":53},{"text":"٤ - الخوف الذي يحمل على ترك واجب أو فعل محرم، وهو خوف محرم (١)، كمن يخاف من إنسان حي أن يضره في ماله أو في بدنه، وهذا الخوف وهمي لا حقيقة له، وقد يكون هناك خوف فعلًا ولكنه يسير لا يجوز معه ترك الواجب أو فعل المحرم. قال الله تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٥]. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه أو علمه» (٢).\nج- الشرك في المحبة:\nالمحبة في أصلها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\n١ - محبة واجبة: وهي محبة الله ومحبة رسوله ﷺ، ومحبة ما يحبه الله تعالى من العبادات وغيرها (٣).\n٢ - محبة طبيعية مباحة: كمحبة الوالد لولده، والإنسان لصديقه، ولماله ونحو ذلك.\nويشترط في هذه المحبة أن لا يصحبها ذل، ولا خضوع، ولا تعظيم، فإن صحبها ذلك فهي من القسم الثالث، ويشترط أيضًا أن لا تصل إلى درجة محبته لله ومحبته لرسول الله ﷺ، فإن ساوتها أو زادت عليها فهي محبة محرمة، لقوله تعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: ٢٤].\n٣ - محبة شركية، وهي أن يحب مخلوقًا محبة مقترنة بالخضوع والتعظيم، وهذه هي محبة العبودية، التي لا يجوز صرفها لغير الله، فمن صرفها لغيره فقد وقع في الشرك الأكبر (٤)، قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ [البقرة: ١٦٥].\nد- الشرك في الرجاء: وهو أن يرجو من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، كمن يرجو من مخلوق أن يرزقه ولدًا، أو يرجو منه أن يشفيه بإرادته وقدرته، فهذا من الشرك الأكبر المخرج من الملة (٥).\nهـ- الشرك في الصلاة والسجود والركوع:\n_________\n(١) ينظر في أنواع الخوف «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٤)، وينظر باب إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ في «تيسير العزيز الحميد»، و«فتح المجيد»، و«إبطال التنديد»، و«القول السديد»، و«القول المفيد»، و«الإرشاد» للفوزان (ص: ٥٣ - ٦٠).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤٤) (١١٤٢١)، وأبو يعلى (٢/ ٤١٩) (١٢١٢)، وابن حبان (١/ ٥٠٩) (٢٧٥)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٩٩). والحديث صحح إسناده ابن حجر على شرط مسلم في «الأمالي المطلقة» (١٦٣).\n(٣) ينظر: «الجواب الكافي» (ص: ٢٧٤).\n(٤) «قاعدة في المحبة» (ص: ٦٧ - ١٠٧) «الجواب الكافي» (ص: ١٩٥ و٢٦٣ - ٢٧٥)، «طريق الهجرتين» (ص: ٣٨٣)، «جلاء الأفهام فصل تسمية النبي ﷺ بمحمد» (ص: ٩٣)، والباب الخامس (ص: ٢٤٩)، «تفسير ابن كثير» (تفسير الآية ١٦٥ من سورة البقرة)، «تجريد التوحيد» (ص: ٨٠، ٨١)، «تيسير العزيز الحميد» باب (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا)، «الدرر السنية» (٢/ ٢٩١)، «الإرشاد» للفوزان (ص: ٦٠، ٦١). وينظر «الدين الخالص» (١/ ٦٩، ٢١٩).\n(٥) «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٤).","vol":"3","page":54},{"text":"فمن صلى، أو سجد، أو ركع، أو انحنى لمخلوق محبة وخضوعًا له وتقربًا إليه (١)، فقد وقع في الشرك الأكبر بإجماع أهل العلم (٢)، قال الله تعالى: لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧]، وقال سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] وقال النبي ﷺ لمعاذ لما سجد له: «لا تفعل، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» (٣).\nوقال ﷺ: «ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد» (٤)، ولأنه قد صرف شيئًا من العبادة لغير الله ﷿.\nوصرف العبادة لغيره شرك بإجماع أهل العلم (٥).\nوالشرك في الذبح:\nالذبح في أصله ينقسم إلى أربعة أقسام:\n١ - ذبح الحيوان المأكول اللحم تقربًا إلى الله تعالى وتعظيمًا له، كالأضحية، وهدي التمتع والقران في الحج، والذبح للتصدق باللحم على الفقراء ونحو ذلك، فهذا مشروع، وهو عبادة من العبادات.\n٢ - ذبح الحيوان المأكول لضيف، أو من أجل وليمة عرس ونحو ذلك، فهذا مأمور به إما وجوبًا وإما استحبابًا.\n٣ - ذبح الحيوان الذي يؤكل لحمه من أجل الاتجار ببيع لحمه، أو لأكله، أو فرحًا عند سكنى بيت ونحو ذلك، فهذا الأصل أنه مباح، وقد يكون مطلوبًا فعله، أو منهيًا عنه حسبما يكون وسيلة إليه.\n_________\n(١) ينظر: «زاد المعاد»: الطب: حلق الرأس (٤/ ١٥٨ - ١٦٠).\n(٢) حكى هذا الإجماع في السجود القاضي عياض المالكي في آخر كتاب: «الشفاء» (٢/ ٥٢١، ٥٢٨)، والحافظ ابن عبد الهادي في «الصارم المنكي» (ص: ٢١٥)، وذكره ابن حجر الهيتمي المكي الشافعي في كتابه «الإعلام بقواطع الإسلام» (ص: ٢٠) نقلًا عن كتاب «المواقف وشرحه»، وينظر «التمهيد» (٥/ ٤٥)، و«الاستغاثة» (١/ ٣٥٦، و٢/ ٦٢٩)، و«مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٩٢)، و«الجواب الكافي» (ص: ١٩٦، ١٩٩)، و«سيف الله» لصنع الله الحنفي (ص: ٦٩)، و«الدين الخالص» (١/ ٩٤)، و«رسالة التوحيد» للدهلوي (ص: ٥٣، ٥٤)، وينظر أيضًا رسالة «النواقض العملية» ففيها نقول كثيرة عن كثير من العلماء من جميع المذاهب في أن الصلاة والسجود والركوع والانحناء تقربًا إلى المخلوق شرك أكبر مخرج من الملة. وذكر البركوي الحنفي في «إيقاظ النائمين» (ص: ٧٩) أن الصلاة لغير الله حرام بالاتفاق.\n(٣) رواه ابن ماجه (١٨٥٣)، وابن حبان (١٢٩٠) والبيهقي (٧/ ٢٩٢). قال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٦/ ٣٦٠): إسناده صالح وله ما يشهد له فيتقوى به. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح. قال الشوكاني: (أخرج قصة معاذ المذكورة في الباب البزار بإسناد رجاله رجال الصحيح. وأخرجها أيضًا البزار والطبراني بإسناد آخر رجاله ثقات، وقصة السجود ثابتة من حديث ابن عباس عند البزار ومن حديث سارقة عند الطبراني، ومن حديث عائشة عند أحمد وابن ماجه، ومن حديث عصمة عند الطبراني وغير هؤلاء)، «نيل الأوطار» (٦/ ٢٣٤).\n(٤) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٩/ ٤٧٠) (٤١٦٢)، وحسن إسناده الألباني في «إرواء الغليل» (٧/ ٥٤).\n(٥) ينظر: «تيسير العزيز الحميد» (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله) (ص: ١٩٢).","vol":"3","page":55},{"text":"٤ - الذبح تقربًا إلى مخلوق، وتعظيمًا له، وخضوعًا له، فهذه عبادة – كما سبق – ولا يجوز التقرب به إلى غير الله (١)، فمن ذبح تقربًا إلى مخلوق وتعظيمًا له فقد وقع في الشرك الأكبر وذبيحته محرمة لا يجوز أكلها، سواء أكان هذا المخلوق من الإنس أم من الجن أم من الملائكة أم كان قبرًا، أم غيره، وقد حكى نظام الدين الشافعي النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٦هـ إجماع العلماء على ذلك.\nقال الله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]، وقال تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: ٢]، وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «لعن الله من ذبح لغير الله». رواه مسلم (٢).\nز- الشرك في النذر، والزكاة، والصدقة:\nالنذر هو: إلزام مكلف مختار نفسه عبادة الله تعالى غير واجبة عليه بأصل الشرع (٣).\nكأن يقول: لله علي نذر أو أفعل كذا، أو لله علي أن أصلي أو أصوم كذا، أو أتصدق بكذا، أو ما أشبه ذلك.\nوالنذر عبادة من العبادات، لا يجوز أن يصرف لغير الله تعالى، فمن نذر لمخلوق كأن يقول: لفلان علي نذر أن أصوم يومًا، أو لقبر فلان علي أن أتصدق بكذا، أو إن شفي مريضي أو جاء غائبي للشيخ فلان علي أن أتصدق بكذا، أو لقبره علي أن أتصدق بكذا، فقد أجمع أهل العلم على أن نذره محرم وباطل (٤)، وعلى أن من فعل ذلك قد أشرك بالله تعالى الشرك الأكبر المخرج من الملة (٥)، لأنه صرف عبادة النذر لغير الله، ولأنه يعتقد أن الميت ينفع ويضر من دون الله، وهذا كله شرك (٦).\n_________\n(١) ينظر «الأشباه والنظائر» للسيوطي  mm  المبحث الثالث فيما شرعت النية لأجله (ص: ١٢)، «شرح مسلم للنووي» (١٣/ ١٤١)، «الأشباه والنظائر» لابن نجيم: «قاعدة الأمور بمقاصدها» (ص: ٢٩)، «حاشية ابن عابدين»: «كتاب الذبائح» (٥/ ١٩٦، ١٩٧)، «شرح الأصول الستة» للشيخ ابن عثيمين (ص: ٢٧، ٢٨)، وينظر في «أنواع الذبائح المباحة» «الفتح»: (الأطعمة» باب حق إجابة الوليمة، و«الروض مع حاشية» لابن قاسم: «النكاح» (باب الوليمة).\n(٢) [٣٥٣٩]» (١٩٧٨).\n(٣) «التوضيح عن توحيد الخلاق» (ص: ٢٨٠)، وينظر: «المقنع والشرح الكبير والإنصاف» (باب النذر) (٢٨/ ١٢٨). قال في الشرح الكبير: (فيقول: لله علي أن أفعل كذا، وإن قال: علي نذر كذا. لزمه أيضًا، لأنه صرح بلفظ النذر). وقال في «التعريفات» (ص: ٣٠٨) في تعريفه: (إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيمًا لله تعالى). وقال في «كشاف القناع» (٦/ ٢٧٣): (لا تعتبر له صيغة بحيث لا ينعقد إلا بها، بل ينعقد بكل ما أدى معناه، كالبيع).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٨٦، ٣١/ ١١، ٢٧، ٣٥/ ٣٥٤)، «منهاج السنة» (٢/ ٤٤٠)، «كشاف القناع» (٦/ ٢٧٦). وينظر «الدر المختار» للحصكفي الحنفي مع حاشيته لابن عابدين آخر كتاب «الصيام» (٢/ ١٢٨)، و«البحر الرائق» لابن نجيم الحنفي (٢/ ٣٢٠) نقلًا عن الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، ونقل حكاية هذا الإجماع أيضا جمع من علماء الحنفية، وكذلك نقل جماعة من الحنفية الإجماع على أنه لا يجوز الوفاء به. ينظر رسالة «جهود علماء الحنفية» (ص: ١٥٥٠ - ١٥٥٢).\n(٥) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٨٦)، «التوضيح عن توحيد الخلائق» (ص: ٢٨٢)، «الدين الخالص» (١/ ١٨٣، ٢/ ٦٠)، «سيف الله» لصنع الله الحنفي (ص: ٦٩)، «السنن والمبتدعات» للشقيري المصري (ص: ٧٤ - ٧٦).\n(٦) «حاشية ابن عابدين آخر كتاب الصيام» (٢/ ١٢٨).","vol":"3","page":56},{"text":"ومثله إخراج زكاة المال وتقديم الهدايا والصدقات إلى قبر ميت تقربًا إليه، أو تقديمها إلى سدنة القبر تقربًا إلى الميت، أو تقديمها إلى الفقراء الذين يذهبون إلى القبر، وكان يفعل ذلك تقربًا إلى الميت، فهذه كله من الشرك الأكبر أيضًا، لما فيه من عبادة غير الله، ومن اعتقاد أن هذا الميت ينفع أو يضر من دون الله، قال الشيخ قاسم الحنفي: (ما يؤخذ من الدراهم، والشمع، والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأموات تقربًا إليهم حرام بإجماع المسلمين) (١)، فمن زكى أو تصدق تدينًا تقربًا إلى غير الله فقد وقع في الشرك الأكبر (٢).\nح- الشرك في الصيام والحج:\nالصيام والحج من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله بالإجماع، فمن تعبد بها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، وذلك كمن يصوم أو يحج إلى الكعبة تقربًا إلى ولي أو ميت أو غيرهما من المخلوقين، وكمن يحج إلى قبر تقربًا إلى صاحبه فهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة، سواء أفعله العبد أم اعتقد جوازه (٣).\nط- الشرك في الطواف:\nالطواف عبادة بدنية لا يجوز أن تصرف إلا لله تعالى، ولا يجوز أن يطاف إلا بالكعبة المشرفة، وهذا كله مجمع عليه، فمن طاف بقبر نبي، أو عبد صالح، أو بمنزل معين، أو حتى بالكعبة المشرفة تقربًا إلى غير الله تعالى، فقد وقع في الشرك الأكبر بإجماع المسلمين (٤).\nوهكذا بقية العبادات كالتوكل (٥)، والتبرك، والتعظيم، والخضوع، وقراءة القرآن، والذكر، والأذان (٦) والتوبة والإنابة فهذه كلها عبادات لا يجوز أن تصرف لغير الله، فمن صرف شيئًا منها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر (٧) تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين- بتصرف– ص: ١٦٢\nالنوع الثالث: الشرك في الحكم والطاعة\nومن صور الشرك في هذا النوع:\n_________\n(١) «البحر الرائق» (٢/ ٣٢٠)، نقلًا عن الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١/ ٧٥).\n(٣) «منهاج السنة» (٢/ ٤٤٠)، «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٢٧، ٢٢٨)، «مجموع الفتاوى» (١/ ٧٥، ٣٥١)، «الصارم المنكي» (ص: ٢١٥)، «الدين الخالص» (٢/ ٥٨)، «رسالة التوحيد» للدهلوي الفصل الرابع (ص: ٥٧، ٥٨).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٣٠٨)، «الصارم المنكي» (ص: ٢١٥)، وينظر «الجواب الكافي» (ص: ١٩٦، ١٩٩، ٢٠٠) «الدين الخالص» (٢/ ٥٨، ٩٤)، «رسالة التوحيد» للعلامة إسماعيل الدهلوي الهندي الفصل الرابع (ص: ٥٥، ٥٦).\n(٥) ينظر في الشرك في هذه العبادة: «التحفة العراقية»، «مجموع الفتاوى» (٧/ ٧٩)، «الفوائد» (ص: ١٦٣، ٢٠٨، ٢١١)، «مدارج السالكين» (منزلة التوكل) (٣/ ٥٢١، ٥٢٢)، «الجواب الكافي» (ص: ١٩٩، ٢٠٠)، «تيسير العزيز الحميد»، «فتح المجيد»، «قرة عيون الموحدين»، (القول المفيد» باب (وعلى الله فتوكلوا)، «مجموعة التوحيد» (١/ ٢٨٥، ٤١٥، ٤٧٤)، «الإرشاد» للفوزان (ص: ٦٤).\n(٦) ينظر: «الجواب الكافي» (ص: ١٩٩).\n(٧) ينظر في الشرك في هذه العبادات: «مجموع الفتاوى» (١/ ٧١، ٢٩١، ٣٥١)، «مدارج السالكين» (١/ ٣٧٤)، «زاد المعاد»: الطب (حلق الرأس) (٤/ ١٥٨ - ١٦٢)، «الجواب الكافي» (ص: ١٩٦، ١٩٧، ٢٠٠)، «تجريد التوحيد» (ص: ٣١، ٣٨، ٤٥)، «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٤ - ٢٦) «الدرر السنية» (٢/ ٣١٨)، «جهود علماء الحنفية» (ص: ١٥٧٥) وغيرها.","vol":"3","page":57},{"text":"١ - أن يعتقد أحد أن حكم غير الله أفضل من حكم الله أو مثله، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، لأنه مكذب للقرآن، فهو مكذب لقوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا [المائدة: ٥٠]، ولقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] وهذا استفهام تقريري، أي أن الله تعالى أحكم الحاكمين، فليس حكم أحد غيره أحسن من حكمه ولا مثله.\n٢ - أن يعتقد أحد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقد خلاف ما دلت عليه النصوص القطعية من الكتاب والسنة، وخلاف ما دل عليه الإجماع القطعي من المسلمين من تحريم الحكم بغير ما أنزل الله (١).\n٣ - أن يضع تشريعًا أو قانونًا مخالفًا لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويحكم به، معتقدًا جواز الحكم بهذا القانون، أو معتقدًا أن هذا القانون خير من حكم الله أو مثله، ومثله من يحكم بعادات آبائه وأجداده أو عادات قبيلته – وهي ما تسمى عند بعضهم بـ: السلوم – وهو يعلم أنها مخالفة لحكم الله، معتقدًا أنها أفضل من حكم الله، أو مثله، أو أنه يجوز الحكم بها، فهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة.\n٤ - أن يطيع من يحكم بغير شرع الله عن رضى، مقدمًا لقولهم على شرع الله، ساخطًا لحكم الله، أو معتقدًا جواز الحكم بغيره، أو معتقدًا أن هذا الحكم أو القانون أفضل من حكم الله أو مثله.\nومثل هؤلاء من يتبع أو يتحاكم إلى الأعراف القبلية – التي تسمى: السلوم – المخالفة لحكم الله تعالى، مع علمه بمخالفتها للشرع، معتقدًا جواز الحكم بها، أو أنها أفضل من الشرع أو مثله، فهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة (٢).\n_________\n(١) ينظر تفسير الآيات (٦٠ - ٦٥) من سورة النساء، وتفسير الآيات (٤٤ - ٥٠) من سورة المائدة، وتفسير الآتيتين (٣١، ٣٧) من سورة التوبة في «تفاسير ابن جرير، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، وابن سعدي، والشنقيطي»، «التمهيد» (٤/ ٢٢٦)، «مجموع الفتاوى» (١/ ٩٧، ٩٨، ٣/ ٢٦٧، ٧/ ٦٧ - ٧٢)، و«شرح الطحاوية» (ص: ٤٤٦)، و«الدين الخالص» (٢/ ٦٦، ٦٧)، و«تيسير العزيز الحميد»، و«فتح المجيد»، و«القول المفيد باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم»، و(الباب بعده)، و«رسالة تحكيم القوانين» للشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة السابق المطبوعة ضمن فتاويه (١٢/ ٢٨٤ - ٢٩١)، و«رسالة فتنة التكفير» للألباني، وتقديم شيخنا عبد العزيز بن باز – ﵀- لها، وتعليق شيخنا محمد بن عثيمين عليها، و«رسالة تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن» (مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية) (١/ ١٣٦ - ١٣٧)، «ورسالة النواقض القولية والعملية» (ص: ٣١٢ - ٣٤٣)، و«رسالة النواقض الاعتقادية» الفصل الأخير (٢/ ٢٢٢ - ٢٣٢)، و«رسالة الحكم بغير ما أنزل الله» للدكتور عبد الرحمن المحمود، و«رسالة الغلو» (ص: ٢٨٩ - ٣٠٠).\n(٢) ينظر «فتح المجيد» (آخر باب من أطاع العلماء ...)، و«الدين الخالص» (٢/ ٦٦)، وينظر تفسير الآية (٣١) من التوبة في «تفسير الشوكاني».","vol":"3","page":58},{"text":"والدليل على أن هذا كله شرك قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤]، وقوله تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١]، وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فقلت: إنا لسنا نعبدهم؟ فقال ﷺ: «أليس يحرمون ما أحل الله، فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله، فتحلونه؟ قال: قلت: بلى. فقال ﷺ: فتلك عبادتهم» (١). فذكر في هذا الحديث أن طاعتهم في مخالفة الشرع عبادة لهم، وذكر الله تعالى في آخر الآية أن ذلك شرك، ولأن من كره شرع الله كفر، لقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٩].\n٥ - من يدعو إلى عدم تحكيم شرع الله، وإلى تحكيم القوانين الوضعية محاربة للإسلام وبغضًا له، كالذين يدعون إلى سفور المرأة واختلاطها بالرجال الأجانب في المدارس والوظائف، وإلى التعامل بالربا، وإلى منع تعدد الزوجات، وغير ذلك مما فيه دعوة إلى محاربة شرع الله، فالذي يدعو إلى ذلك مع علمه بأنه يدعو إلى المنكر وإلى محاربة شرع الله ظاهر حاله أنه لم يدع إلى ذلك إلا لما وقع في قلبه من الإعجاب بالكفار وقوانينهم واعتقاده أنها أفضل من شرع الله، ولما وقع في قلبه من كره لدين الإسلام وأحكامه، وهذا كله شرك وكفر مخرج من الملة، ومن كانت هذه حقيقة حاله فقد وقع في الشرك الأكبر، وإن كان يظهر أنه من المسلمين فهو نفاق أيضًا. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ١٨٧\n_________\n(١) [٣٥٥٣]» رواه الترمذي (٣٠٩٥) والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١١٦) والطبراني (١٧/ ٩٢)، قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث، وحسنه ابن تيمية في «حقيقة الإسلام والإيمان» (١١١)، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٨٦١): علة الحديث هي جهالة غطيف ابن أعين، وحسنه في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"3","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-747>أولًا: تعريف الشرك في الأسماء والصفات</span>\nوهو: أن يجعل لله تعالى مماثلًا في شيء من الأسماء أو الصفات، أو يصفه تعالى بشيء من صفات خلقه.\nفمن سمى غير الله باسم من أسماء الله تعالى معتقدًا اتصاف هذا المخلوق بما دل عليه هذا الاسم مما اختص الله تعالى به، أو وصفه بصفة من صفات الله تعالى الخاصة به فهو مشرك في الأسماء والصفات.\nوكذلك من وصف الله تعالى بشيء من صفات المخلوقين فهو مشرك في الصفات. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ١٥٤","vol":"3","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>ثانيًا: من صور الشرك في الأسماء والصفات</span>\n١ - اشتقاق أسماء للآلهة الباطلة من أسماء الله تعالى، كاشتقاق اسم (اللات) من (الإله)، و(العزى) من (العزيز) (١).\n٢ - اعتقاد بعض الرافضة وبعض الصوفية أن بعض الأحياء أو الأموات يسمعون من دعاهم في أي مكان وفي أي وقت (٢).\n٣ - شرك المشبهة: وهو تشبيه الخالق بالمخلوق، كمن يقول: (يد الله كيدي) أو (سمعه كسمعي)، أو (استواؤه كاستوائي) (٣)، وهذا كله شرك، فالله تعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].\n٤ - الشرك بدعوى علم الغيب، أو باعتقاد أن غير الله تعالى يعلم الغيب، فكل ما لم يطلع عليه الخلق ولم يعلموا به بأحد الحواس الخمس فهو من علم الغيب، كما قال تعالى: قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إلَّا اللهُ [النمل: ٦٥]، وقال جل شأنه: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ [يونس: ٢٠]، وقال ﷾: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام: ٥٩]، وقال لنبيه محمد ﷺ: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف: ١٨٨]، وقال لنبيه ﷺ أيضًا: قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام: ٥٠].\nفمن ادعى أن أحدًا من الخلق يعلم الغيب، فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، لأن في ذلك ادعاء مشاركة الله تعالى في صفة من صفاته الخاصة به، وهي (علم الغيب). ومن أمثلة الشرك بدعوى علم الغيب:\nأ- اعتقاد أن الأنبياء أو أن بعض الأولياء والصالحين يعلمون الغيب: وهذا الاعتقاد يوجد عند غلاة الرافضة والصوفية، ولذلك تجدهم يستغيثون بالأنبياء والصالحين الميتين وهم بعيدون عن قبورهم، ويدعون بعض الأحياء وهم غائبون عنهم، ويعتقدون أنهم جميعًا يعلمون بحالهم، وأنهم يسمعون كلامهم، وهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة (٤).\n_________\n(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩)، «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٨).\n(٢) «أعلام السنة المنشورة» (ص: ٨٧)، «معارج القبول» (٢/ ٤٧٥).\n(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٧٠)، «الروح» (الفرق بين إثبات حقائق الأسماء والصفات وبين التشبيه) (ص: ٣٥٤)، «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٨).\n(٤) «رسالة التوحيد» للدهلوي (ص: ٢٠، ٣١، ٣٤)، وينظر «تيسير العزيز الحميد وفتح المجيد» (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله).","vol":"3","page":61},{"text":"ب- الكهانة: الكاهن هو الذي يدعي أنه يعلم الغيب. ومثله أو قريب منه (العراف)، و(الرمال)، ونحوهم، فكل من ادعى أنه يعرف علم ما غاب عنه دون أن يخبره به مخبر، أو زعم أنه يعرف ما سيقع قبل وقوعه فهو مشرك شركًا أكبر، وسواء ادعى أنه يعرف ذلك عن طريق (الطرق بالحصى)، أم عن طريق حروف (أبا جاد) (١)، أم عن طريق (الخط في الأرض)، أم عن طريق (قراءة الكف)، أم عن طريق (النظر في الفنجان)، أم غير ذلك، كل هذا من الشرك (٢)، وقد قال النبي ﷺ: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» (٣).\nج- اعتقاد بعض العامة أن السحرة أو الكهان يعلمون الغيب، أو تصديقه لهم في دعواهم معرفة ما سيقع في المستقبل، فمن اعتقد ذلك أو صدقهم فيه فقد وقع في الكفر والشرك المخرج من الملة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» (٤).\nد- التنجيم: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية.\nوذلك أن المنجم يدعي من خلال النظر في النجوم معرفة ما سيقع في الأرض من نصر لقوم، أو هزيمة لآخرين، أو خسارة لرجل، أو ربح لآخر، ونحو ذلك، وهذا لا شك من دعوى علم الغيب، فهو شرك بالله تعالى (٥).\nومما يفعله كثير من المشعوذين والدجاجلة أن يدعي أن لكل نجم تأثيرًا معينًا على من ولد فيه، فيقول: فلان ولد في برج كذا فسيكون سعيدًا، وفلان ولد في برج كذا فستكون حياته شقاء، ونحو ذلك، وهذا كله كذب، ولا يصدقه إلا جهلة الناس وسفهاؤهم، قال الشيخ ابن عثيمين: (فهذا اتخذ تعلم النجوم وسيلة لادعاء علم الغيب، ودعوى علم الغيب كفر مخرج من الملة) (٦). تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ١٥٤\n_________\n(١) ينظر: «التيسير» (ص: ٣٦٤).\n(٢) ينظر «شرح السنة» (١٢/ ١٨١ - ١٨٤)، «شرح مسلم» للنووي (١٤/ ٢٢٣)، «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣٥/ ١٧٠ - ١٩٧)، «تفسير القرطبي» (٧/ ٢، ٣)، «مفتاح دار السعادة» (٢/ ١٢٥ - ٢٤٢)، «فتح الباري» (١٠/ ٢١٦، ٢١٧)، «شرح الطحاوية» (ص: ٧٥٩، ٧٦٠)، «الفروع» (٦/ ١٧٧، ١٧٨)، «الروض مع حاشيته» لابن قاسم (٧/ ٤١٣)، «الزواجر» (٢/ ١٠٩)، «الدين الخالص» (١/ ٤٢٣ - ٤٥٥، و٢/ ١٣٧ - ١٤١)، «تيسير العزيز الحميد باب ما جاء في الكهان»، «معارج القبول» (ص: ٥٥٩ - ٥٧٤)، «التوحيد» للدهلوي (ص: ٣٤، ٦٩»، «فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم» (١/ ١٦٤، ١٦٥)، «عالم السحر» للأشقر (ص: ١٣)، «الإرشاد» للفوزان (ص: ٨٤)، «النواقض القولية والعملية» للدكتور عبد العزيز بن عبد اللطيف (ص: ٥١٨ - ٥٢٢).\n(٣) [٣٥٦٠]» رواه البزار (٨/ ٤٢٦)، والطبراني (١٨/ ١٦٢)، وقال البزار: روي بعضه من غير وجه [وفيه] أبو حمزة العطار لا بأس به، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٨٨): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٠٣): فيه إسحاق بن الربيع العطار وثقه أبو حاتم وضعفه عمرو بن علي وبقية رجاله ثقات، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢١٩٥): صحيح بمجموع طرقه.\n(٤) [٣٥٦١]» رواه أبو داود (٣٩٠٤)، بلفظ (من أتى كاهنا) بدون (عرافا) وزاد (أو أتى امرأةً حائضا أو أتى امرأةً في دبرها فقد برئ) بدلا من (فقد كفر) والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣٢٣) (٩٠١٧) بلفظ «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها) بدون (عرافا)، ورواه الحاكم (١/ ٤٩)، قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما جميعا من حديث ابن سيرين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨): له متابعة، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٧): له شاهد [وروي] بإسنادين جيدين ولفظهما (من أتى كاهنا)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» و«صحيح ابن ماجه».\n(٥) ينظر: «تيسير العزيز الحميد» (باب ما جاء في التنجيم، وباب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء).\n(٦) «القول المفيد» (باب ما جاء في التنجيم) (٢/ ٥).","vol":"3","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-750>المطلب الأول: تعريف الشرك الأصغر</span>\nوأما الشرك الأصغر فهو: كل ما كان ذريعة إلى الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، ونهى عنه الشرع وسماه شركًا (١)، ولا يخرج من الملة. وهو قد يكون في الأعمال، ومن ذلك يسير الرياء كما قال الرسول ﷺ «أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر – فسئل عنه فقال: الرياء» (٢)، وقد يكون في الأقوال: ومنه الحلف بغير الله كما ثبت عن النبي ﷺ قوله: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٣)، وقد يصير الشرك الأصغر شركًا أكبر بحسب ما يقوم بقلب صاحبه. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٩٣\nفقد جاء في تعريفه عبارات عدة، منها:\n١ - (أنه كل وسيلة وذريعة يتطرق بها إلى الأكبر) (٤).\nوينتقض هذا التعريف بأنه غير مانع؛ إذ إن هذا التعريف يصدق على الكبائر من الذنوب.\n٢ - (وهو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك يعد من الشرك، كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة؛ كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك) (٥).\nوهذا التعريف أيضًا غير جامع ولا مانع؛ إذ إنه يصدق على كبائر الذنوب، ثم ليس كل ما يتوسل به إلى الشرك يعد من الشرك الأصغر، كالتوسل إلى الله بذوات الصالحين ونحو ذلك.\n٣ - (هو كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركًا) (٦).\nفيه ما سبق من الاعتراضات، ثم ليس كل شرك أصغر جاء في النصوص تسميته شركًا، فهناك أفراد من الشرك الأصغر لم يأت تسميتها في النصوص شركًا.\n٤ - (هو تسوية غير الله بالله في هيئة العمل، أو أقوال اللسان، فالشرك في هيئة العمل هو الرياء، والشرك في أقوال اللسان: هو الألفاظ التي فيها معنى التسوية بين الله وغيره، كقوله: ما شاء الله وشئت، ... وقوله: عبد الحارث ونحو ذلك) (٧).\n٥ - (هو مراعاة غير الله تعالى معه في بعض الأمور) (٨).\n٦ - لا يعرف، وإنما يذكر بالأمثلة (٩).\nوهذا الأخير هو ما أرتضيه؛ لأن تعريف مثل هذا النوع من الشرك غير منضبط لكثرة أفراده وتنوعه.\nمصدر تسمية هذا النوع من الشرك بالشرك الأصغر:\nجاءت نصوص الشرع بتسميته شركًا أصغر، ومما يدل عليه الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة، إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» (١٠).\nفثبتت هذه التسمية بنص الحديث.\nوهكذا ثبتت هذه التسمية في لسان الصحابة، ومن ذلك ما رواه شداد بن أوس، وقال: (كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﷺ الشرك الأصغر) (١١). الشرك في القديم والحديث لأبو بكر محمد زكريا– ١/ ١٦٠\n_________\n(١) انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٤٥)، و«الفتوى رقم ١٦٥٣ بتاريخ ٢٢/ ٨/١٣٩٧هـ من فتاوى اللجنة الدائمة بمجلة البحوث الإسلامية عدد رقم ٢٠» – (ص: ١٥١).\n(٢) رواه الطبراني (٤/ ٢٥٣) (٤٣٠١). من حديث رافع بن خديج ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٢٥): رجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن شبيب بن خالد، وهو ثقة.\n(٣) رواه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥)، وأحمد (٢/ ١٢٥) (٦٠٧٢)، وابن حبان (١٠/ ١٩٩) (٤٣٥٨)، والحاكم (١/ ٦٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٧٣٥).\n(٤) عبد العزيز المحمد السلمان، «الكواشف الجلية» (ص: ٣٢١).\n(٥) عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «القول السديد في مقاصد التوحيد» (ص: ١٥).\n(٦) انظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (١/ ٥١٧)، وما ذكره عواد بن عبد الله المعتق: «مجلة البحوث الإسلامية» (٣٧/ ٢٠٤).\n(٧) إبراهيم بن محمد البريكان «المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية» (ص: ١٢٦، ١٢٧).\n(٨) الراغب الأصفهاني: «المفردات» (ص: ٢٦٠).\n(٩) كما يفهم من صنيع ابن القيم في «مدارج السالكين» (١/ ٣٤٤).\n(١٠) رواه أحمد (٥/ ٤٢٨) (٢٣٦٨٠)، والمنذري (١/ ٣٤). وقال: رواه أحمد بإسناد جيد، وقال الهيثمى (١/ ١٠٢): رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٥٥٥).\n(١١) رواه الحاكم (٤/ ٣٦٥) والطبراني (٧/ ٢٨٩)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، قال ابن حجر في «الكافي الشاف» (١٧٨): في إسناده ابن لهيعة، وقال العجلوني في «كشف الخفاء» (١/ ٥٢٥): فيه ابن لهيعة، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب».","vol":"3","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-751>المطلب الثاني: حكمه</span>\nأنه محرم، بل هو أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر، لكنه لا يخرج من ارتكبه عن ملة الإسلام (١).\nولذا ورد التحذير منه في الكتاب والسنة.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠].\nفإن عموم الآية تشمل الشرك الأكبر والأصغر.\nوقوله تعالى: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢].\nالآية في الشرك الأكبر، إلا أن بعض السلف كابن عباس – ﵄ – كانوا يحتجون بها في الأصغر؛ لأن الكل شرك (٢).\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ [فاطر: ١٠].\nقال مجاهد: (هم أهل الرياء (٣). ومعلوم أن الرياء هو رأس الشرك الأصغر).\nومن السنة: قوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٤)، وقوله ﵇: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» (٥) الحديث.\nوعن أبي سعيد الخدري – ﵁ – قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قال: فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الشرك الخفي ...» (٦).\nالحديث.\nأما كونه أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر، فلما قال عبد الله بن مسعود – ﵁ -: (لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا) (٧)\nووجه الاستدلال: أن الحلف بالله كاذبًا كبيرة من الكبائر، لكن الشرك أكبر من الكبائر وإن كان أصغر، وإلا لما أقدم عبد الله بن مسعود –﵁- لأن يقول مثل هذا القول الذي فيه إقدام على ارتكاب الكبائر، والله أعلم.\nولأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك، ففيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر (٨).\n_________\n(١) «فتاوى اللجنة الدائمة» (١/ ٥١٨).\n(٢) سليمان بن عبد الله آل الشيخ، «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٥٢٢، ٥٢٣).\n(٣) ابن حجر الهيثمي: «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (١/ ٣١).\n(٤) رواه مسلم (٢٩٨٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه أحمد (٥/ ٤٢٨) (٢٣٦٨٠)، والطبراني (٤/ ٢٥٣). من حديث محمود بن لبيد ﵁. قال العراقي في «المغني» (٣/ ٣٦١): رجاله ثقات. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٠٧): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٩٥١): وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمود بن لبيد؛ فإنه من رجال مسلم وحده.\n(٦) رواه أحمد (٣/ ٣٠) (١١٢٧٠)، والحديث رواه ابن ماجه (٤٢٠٤) واللفظ له. قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٤/ ٢٣٧): إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن.\n(٧) رواه الطبراني (٩/ ١٨٣) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٧٩) وعبد الرزاق في «المصنف» (٨/ ٤٩٦)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٧٧) رجاله رجال الصحيح، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٥٨): رواته رواة الصحيح، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (٢٥٦٢).\n(٨) انظر ما قال الشيخ سليمان بن عبد الله في «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٥٣٠).","vol":"3","page":64},{"text":"ثم (إن هذا النوع من الشرك – الشرك الأصغر – يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه ينزله منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك امتثال الأمر) (١).\nثم إنه قد يكون وسيلة تؤدي بصاحبه إلى الشرك الأكبر.\nأما حكم مرتكبه:\nفقد اتفقوا على أن مرتكب الشرك الأصغر غير خارج من الملة، وأنه لا يخلد في النار، ولكن هل يكون تحت المشيئة إن لم يتب كما هو حال أصحاب الكبائر الآخرين لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨]، أو يكون تحت الوعيد بأن لا يغفر له إذا لم يتب، لأنه قد أطلق عليه بأنه أشرك؟ اختلفوا فيه على قولين:\nالقول الأول: أنه تحت المشيئة، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ (٢) – كما يظهر ميل الإمام ابن القيم إليه في (الجواب الكافي) (٣).\nالقول الثاني: أنه تحت الوعيد، وهو الذي مال إليه بعض أهل العلم (٤). الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا– ١/ ١٧٣\n_________\n(١) ابن القيم «في الجواب الكافي» (ص: ٣١٦).\n(٢) انظر تفصيل القول عنه في هذه المسألة في كتابه: «تفسير آيات أشكلت على كثير من الناس» (١/ ٣٦١ - ٣٦٥).\n(٣) انظر ما ذكره في «الجواب الكافي» (ص: ٣١٧)، وقد وافقه الشيخ البليهي في «عقيدة المسلمين» (١/ ٣٣٩).\n(٤) انظر ما قال ابن تيمية: «تلخيص كتاب الاستغاثة» (١/ ٣٠١)، تحقيق محمد بن علي عجال وما قال الشيخ عبد العزيز السلمان في «الكواشف الجلية» (ص: ٣٢٢).","vol":"3","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-752>المطلب الثالث: الفروق بين نوعي الشرك الأكبر والأصغر</span>\nهناك فروق بين الشرك الأكبر والأصغر، منها:\n١ - أن الأكبر لا يغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فقد اختلف فيه فقيل: إنه تحت المشيئة. وقيل: إن صاحبه إذا مات فلابد أن يعذبه الله عليه، لكن لا يخلد في النار.\n٢ - الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه (على القول الراجح).\n٣ - أن الأكبر مخرج عن الملة الإسلامية، وأما الأصغر فلا يخرج منها، ولذا فمن أحكامه: أن يعامل معاملة المسلمين؛ فيناكح، وتؤكل ذبيحته، ويرث ويورث، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين.\n٤ - أن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار، وأما الأصغر فلا يخلد في النار وإن دخلها كسائر مرتكبي الكبائر (١).\n٥ - أن الشرك الأكبر يحل الأنفس والأموال، بعكس الشرك الأصغر، فإن صاحبه مسلم مؤمن ناقص الإيمان، فاسق من حيث الحكم الديني (٢).\nويجتمعان في:\nاستحقاق صاحبهما الوعيد، وأنهما من أكبر الكبائر من الذنوب (٣). الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا– ١/ ١٧٦\n_________\n(١) انظر ما ذكره، عبد العزيز المحمد السلمان: «الكواشف الجلية» (ص: ١٨٧)، و«فتاوى اللجنة» (١/ ٥١٨).\n(٢) انظر ما ذكره البريكان: «المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية» (ص: ١٢٧ - ١٢٨).\n(٣) انظر ما ذكره البريكان: «المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية» (ص: ١٢٧ - ١٢٨).","vol":"3","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-754>تمهيد: في أقسام الشرك الأصغر إجمالًا</span>\nتنوعت الأقوال في بيان أنواع الشرك الأصغر.\nفمنهم من قال: (هو نوعان: ظاهر، وخفي\nفالظاهر: يكون بعمل رياء، كالتصنع لغير الله بعمل في ظاهره أنه لله، وفي باطنه عدم الإخلاص لله به، ويكون باللفظ كالحلف بغير الله ...\nوالخفي: ما ينتابه الإنسان في أقواله وأعماله في بعض الفترات من غير أن يعلم أنه شرك) (١).\nويدل عليه قوله ﷺ: «الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا» (٢).\nولكن هذا القول فيه نظر، فإن ما ينتابه الإنسان من أقواله أو أعماله في بعض الفترات من غير أن يعلم أنه شرك ليس بشرك أصغر فقط، بل قد يدخل في الشرك الأكبر أيضًا.\nومنهم من قال: إنه على نوعين:\nأ- الشرك في النيات والمقاصد؛ ويدخل فيه:\n١ - الرياء.\n٢ - إرادة الإنسان بعمله الدنيا.\nب- الشرك في الألفاظ؛ ويدخل فيه:\n١ - الحلف بغير الله.\n٢ - قول القائل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، ونحوهما.\n٣ - إسناد بعض الحوادث إلى غير الله ﷿، واعتقاد تأثيره فيها، مثل أن يقول: لولا وجود فلان لحصل كذا، ولولا الكلب لدخل اللص.\n٤ - قول بعضهم: مطرنا بنوء كذا وكذا، إن كان جرى على لسانه من غير قصد (٣).\nولعل من أحسن ما يقال في بيان أنواع الشرك الأصغر ما يلي:\nإن له أنواعًا كثيرة، ويمكن حصرها بما يأتي:\nأولًا: قولي: وهو ما كان باللسان، ويدخل فيه ما يأتي:\n١ - الحلف بغير الله، على تفصيل في ذلك.\n٢ - قول: (ما شاء الله وشئت)، أو: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذر لله ولفلان، أو أنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانًا ونحو ذلك (٤).\nولعل الضابط في هذا أن يكون الشيء مما يختص بالله جل وعلا، فيعطف عليه غيره سبحانه لا على سبيل المشاركة وإنما بمجرد التسوية في اللفظ، وأما إن كان يعتقد المشاركة فهذا يدخل تحت الشرك الأكبر.\n٣ - وقوله: (قاضي القضاة).\n٤ - وهكذا: التعبيد لغير الله، كعبد النبي وعبد الرسول (إذا لم يقصد به حقيقة العبودية).\n٥ - وإسناد بعض الحوادث إلى غير الله ﷿، مثل أن يقول: لولا وجود فلان لحصل كذا، ولولا الكلب لدخل اللص، وقول الرجل: لولا الله وفلان، ولولا تجعل فيها فلانًا، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص ...، وأعوذ بالله وبك.\n٦ - قول بعضهم: مطرنا بنوء كذا وكذا، (على طريق غير الحقيقة).\nولعل الضابط في هذا: (الاعتماد على سبب لم يجعله الشرع سببًا) (٥).\nثانيا: فعلي: وهو ما كان بأعمال الجوارح، ويدخل فيه ما يلي:\n١ - التطير، (إذا لم يعتقد القدرة في المتطير به).\n٢ - إتيان الكهان وتصديقهم، (إذا لم يعتقد وجود علم الغيب لديهم).\n٣ - والاستعانة على كشف السارق ونحوه بالعرافين، (إذا لم يصاحبه اعتقاد علمهم الغيب).\n٤ - تصديق المنجمين والرمالين وغيرهم من المشعوذين، (إذا لم يصاحبه اعتقاد علمهم الغيب).\n_________\n(١) حسن العواجي: «شرح نواقض التوحيد» (ص: ٢٤، ٢٥).\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٣٦٩)، وابن أبي حاتم (١/ ٦٢)، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٤/ ١٤٧). من حديث ابن عباس ﵄. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٧٣٠).\n(٣) عواد بن عبد الله المعتق: «مجلة البحوث الإسلامية» عدد ٣٧ (ص: ٢٠٧ - ٢٤٣) باختصار.\n(٤) انظر ما ذكره ابن القيم: «الجواب الكافي» (ص: ٣٢٤).\n(٥) انظر ما قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في «القول المفيد على كتاب التوحيد» (٢/ ٩٣).","vol":"3","page":67},{"text":"٥ - ولبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، (إذا لم يعتقد تأثيرها بذاتها).\nثالثًا: قلبي: ويدخل فيه ما يلي:\n١ - الرياء، (إذا كان يسيرًا)، ولا يخلو من:\nأ- أن يكون الرياء بالأعمال: كمن يصلي فيطيل القيام، ويطيل الركوع والسجود، ويظهر الخشوع عند رؤية الناس له، ويصوم فيظهر للناس أنه صائم، فيقول مثلًا مخاطبًا غيره: اليوم يوم الاثنين والخميس ألا تعلم؟ ألست بصائم؟ أو يقول له: أدعوك اليوم لتفطر معي، وكذلك في الحج والجهاد فيذهب إليهما ومقصده المراءاة بهما، وكالمراءاة بالصدقة ونحوها.\nب- أو يكون الرياء من جهة القول: كالرياء بالوعظ والتذكير، وحفظ الأخبار والآثار لأجل المحاورة وإظهار غزارة العلم، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس، وخفض الصوت وترقيقه بقراءة القرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن ونحو ذلك، إذا فعل ذلك يقصد الرياء، ومن ذلك أيضًا: تحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس ويتغافل عنه في منزله.\nج- أو يكون الرياء من جهة الزي: كإبقاء أثر السجود على جبهته، ولبس الغليظ من الثياب وخشنها مع تشميرها كثيرًا ليقال: عابد زاهد، أو ارتداء نوع معين من الزي ترتديه طائفة يعدهم الناس علماء ليقال: عالم.\nد- أو يكون الرياء بالأصحاب والزائرين: كالذي يتكلف أن يستزير عالمًا أو عابدًا ليقال: إن فلانًا قد زار فلانًا، ودعوة الناس لزيارته كي يقال: إن أهل الخير يترددون عليه، وكذلك من يرائي بكثرة الشيوخ ليقال: لقي فلان شيوخًا كثيرين واستفاد منهم، فيباهي بذلك.\nهـ- أو يكون الرياء لأهل الدنيا: كمن يتبختر ويختال في مشيته، وتحريك يديه وتقريب خطاه، أو يأخذ بطرف ثوبه، أو يصعر خده، أو يلف عباءته، أو يحرك سيارته حركة خاصة.\nوأو يكون الرياء من جهة البدن: كأن يرائي بإظهار النحول والصفار ليوهم الناس أنه جاد في العبادة كثير الخوف والحزن، أو يرائي بتشعيث الشعر ليظهر أنه مستغرق في هم الدين لا يتفرغ لتسريح شعره، أو يرائي بحلق الشارب واستئصال الشعر ليظهر بذلك تتبع زي العباد والنساك، أو يرائي بخفض الصوت، وإغارة العينين، وذبول الشفتين ليدلك على أنه مواظب للصوم.\nهذه مجامع ما يرائي به المراؤون – غالبًا – يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد (١).\n٢ - إرادة الإنسان بعمله الدنيا:\nالمراد به: أن يعمل الإنسان أعمالًا صالحة يريد بها الدنيا، إما لقصد المال أو الجاه، كالذي يجاهد أو يتعلم ليأخذ مالًا، أو ليحتل منصبًا، أو يتعلم القرآن، أو يواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، أو نحو ذلك من الأعمال الصالحة، لكن نيته الحصول على مصالح دنيوية لا طلب مرضاة الله.\nوالفرق بينه وبين الرياء:\nأن المرائي إنما يعمل لأجل المدح والثناء، والمريد بعمله الدنيا يعمل لدنيا يصيبها كالمال أو المنصب (٢).\nفهذه أنواع الشرك الأصغر قد تكون هذه الأنواع في خصائص الربوبية، وقد يكون في خصائص الألوهية، كما أن كل قسم من أنواع الشرك الأصغر يحتمل أن ينقلب إلى شرك أكبر، وذلك من وجهين:\n١ - إذا صحبه اعتقاد قلبي، وهو تعظيم غير الله كتعظيمه. كالحلف بغير الله معظمًا له كتعظيم الله.\n٢ - أو كان في أصل الإيمان، أو كثر حتى يغلب على العبد؛ كالمراءاة بأصل الإيمان، أو يغلب الرياء على أعماله، أو يغلب عليها إرادة الدنيا بحيث لا يريد بها وجه الله.\nفهذه أنواع الشرك الأصغر على الإجمال. الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا– ١/ ١٦٨\n_________\n(١) انظر ما ذكره ابن قدامة في «مختصر منهاج القاصدين» (ص: ٢١٥ - ٢١٧)، وعمر سليمان الأشقر في «مقاصد المكلفين» (ص: ٤٤٢ - ٤٤٣).\n(٢) سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ: «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٧٣) بتصرف.","vol":"3","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-756>المثال الأول: الرياء</span>\nالرياء في اللغة مشتق من الرؤية، وهي: النظر، يقال: راءيته، مراءاة، ورياء، إذا أريته على خلاف ما أنا عليه.\nوفي الاصطلاح: أن يظهر الإنسان العمل الصالح للآخرين أو يحسنه عندهم، أو يظهر عندهم بمظهر مندوب إليه ليمدحوه ويعظم في أنفسهم (١).\nفمن أراد وجه الله والرياء معًا فقد أشرك مع الله غيره في هذه العبادة، أما لو عمل العبادة وليس له مقصد في فعلها أصلًا سوى مدح الناس فهذا صاحبه على خطر عظيم، وقد قال بعض أهل العلم: إنه قد وقع في النفاق والشرك المخرج من الملة.\nوالرياء له صور عديدة، منها:\n١ - الرياء بالعمل، كمراءاة المصلي بطول الركوع والسجود.\n٢ - المراءاة بالقول، كسرد الأدلة إظهارًا لغزارة العلم، ليقال: عالم.\n٣ - المراءاة بالهيئة والزيِّ، كإبقاء أثر السجود على الجبهة رياء.\nوقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الرياء وعظم عقوبة فاعله، وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه، منها حديث محمود بن لبيد ﵁ مرفوعًا: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله – ﷿ – لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم جزاء؟» (٢)\nوحديث محمود بن لبيد ﵁ الآخر، قال: خرج النبي ﷺ فقال: «أيها الناس! إياكم وشرك السرائر» قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟. قال: «يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر» (٣). وحديث أبي هريرة في خبر الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وهم رجل قاتل في الجهاد حتى قتل، ليقال: جريء، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن ليقال: عالم وقارئ، ورجل تصدق ليقال: جواد (٤). رواه مسلم.\nولهذا ينبغي للمسلم البعد عن الرياء والحذر من الوقوع فيه، وهناك أمور تعين على البعد عنه، أهمها:\n١ - تقوية الإيمان في القلب، ليعظم رجاء العبد لربه، ويعرض عمن سواه، ولأن قوة الإيمان في القلب من أعظم الأسباب التي يعصم الله بها العبد من وساوس الشيطان، ومن الانقياد لشهوات النفس.\n٢ - التزود من العلم الشرعي، وبالأخص علم العقيدة الإسلامية، ليكون ذلك حرزًا له بإذن الله من فتن الشبهات، وليعرف عظمة ربه جل وعلا، وضعف المخلوقين وفقرهم، فيحمله ذلك كله على مقت الرياء واحتقاره والبعد عنه، وليعرف أيضًا مداخل الشيطان ووساوسه، فيحذرها.\n_________\n(١) وينظر: «الرعاية» (ص: ٢٠٩)، «قواعد الأحكام» للعز بن عبد السلام (ص: ١٦٠)، «الإحياء» (٣/ ٣١٤)، «تفسير القرطبي» للآية ٣٦ من سورة النساء (٥/ ١٨١)، وتفسيره للآية ١٤٢ من سورة النساء (٥/ ٤٢٢)، وتفسيره للآية الأخيرة من سورة الكهف (١١/ ٧١)، «منهاج القاصدين» (ص: ٢٧٥)، «الفروق» (الفرق ١٢٢)، «فتح الباري» الرقاق، باب الرياء (١١/ ٣٣٦)، «الزواجر» (الكبيرة الثانية ١/ ٤٣)، «الموافقات» (٢/ ٢١٧ - ٢٢١، ٢٢٢)، «سبل السلام» (٤/ ٣٥٦).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٤٢٨) (٢٣٦٨٠)، والطبراني (٤/ ٢٥٣). من حديث محمود بن لبيد ﵁. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٥٢): إسناده جيد. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٠٧): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (ص٤٤٠): إسناده حسن. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٩٥١): إسناده جيد.\n(٣) رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (٢/ ٦٧). والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٩١) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٢٢٧) والحديث حسنه الألباني في «صحيح الترغيب».\n(٤) رواه مسلم (١٩٠٥).","vol":"3","page":69},{"text":"٣ - الإكثار من الالتجاء إلى الله تعالى ودعائه أن يعيذه من شر نفسه، ومن شرور الشيطان ووساوسه، وأن يرزقه الإخلاص فيما يأتي وما يذر، والإكثار من الأذكار الشرعية التي هي حصن من شرور النفس والشيطان.\n٤ - تذكر العقوبات الأخروية العظيمة التي تحصل للمرائي، ومن أعظمها أنه من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.\n٥ - التفكر في حقارة المرائي وأنه من السفهاء والسفلة؛ لأنه يضيع ثواب عمله الذي هو سبب لفوزه بالجنة، ونجاته من عذاب القبر، وشدة القيامة، وعذاب النار من أجل مدح الناس والحصول على منزلة عند المخلوقين، فهو يبحث عن رضا المخلوق بمعصية الخالق، ولهذا لما سئل الإمام مالك – ﵀ – من السفلة؟ قال: (من أكل بدينه) (١).\n٦ - الحرص على كل ما هو سبب في عدم الوقوع في الرياء، وذلك بالحرص على إخفاء العبادات المستحبة، وبمدافعة الرياء عندما يخطر بالقلب، وبالبعد عن مجالسة المداحين وأهل الرياء، ونحو ذلك (٢). تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٣٦٥\n_________\n(١) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٣٥٧) (٦٩٣٣).\n(٢) ينظر «الرعاية» (ص: ٢٣٣ - ٢٤٢)، «الإحياء» (٣/ ٣٢١ - ٣٣٤)، «مختصر منهاج القاصدين» (ص: ٢٨٣ - ٢٨٥)، «الزواجر» (الكبيرة الثانية ١/ ٤٩ - ٥٠)، «مقاصد المكلفين» للأشقر (ص: ٤٦٥ - ٤٧٣)، «نور الإخلاص» لسعيد بن علي القحطاني (ص: ٢ - ٣٠)، «الإخلاص» لحسين العوايشة (ص: ٤١ - ٥٦)، «الإخلاص والشرك الأصغر» للدكتور عبد العزيز العبد اللطيف (ص: ١٠ - ١٢)، «الشرك الأصغر» لعبد الله السليم (ص: ٩٥ - ٩٩).","vol":"3","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-757>المثال الثاني: إرادة الإنسان بعبادته الدنيا</span>\nالمراد بهذا النوع: أن يعمل الإنسان العبادة المحضة ليحصل على مصلحة دنيوية مباشرة.\nوإرادة الإنسان بعمله الدنيا ينقسم من حيث الأصل إلى أقسام كثيرة، أهمها:\n١ - أن لا يريد بالعبادة إلا الدنيا وحدها، كمن يحج ليأخذ المال، وكمن يغزو من أجل الغنيمة وحدها، وكمن يطلب العلم الشرعي من أجل الشهادة والوظيفة ولا يريد بذلك كله وجه الله البتة، فلم يخطر بباله احتساب الأجر عند الله تعالى، وهذا القسم محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، وهو من الشرك الأصغر، ويبطل العمل الذي يصاحبه.\nومن الأدلة على تحريم هذا القسم وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه:\nأ- قوله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود: ١٥، ١٦].\nب- حديث عمر ﵁ مرفوعًا: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». رواه البخاري ومسلم (١).\nج- حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة» (٢)\nيعني ريحها.\n٢ - أن يريد بالعبادة وجه الله والدنيا معًا، كمن يحج لوجه الله وللتجارة، وكمن يقاتل ابتغاء وجه الله وللدنيا، وكمن يصوم لوجه الله وللعلاج، وكمن يتوضأ للصلاة وللتبرد، وكمن يطلب العلم لوجه الله وللوظيفة، فهذا الأقرب أنه مباح؛ لأن الوعيد إنما ورد في حق من طلب بالعبادة الدنيا وحدها، ولأن الله رتب على كثير من العبادات منافع دنيوية عاجلة، كما في قوله تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣]، وكما في قوله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح: ١٠ - ١٢]، والنصوص في هذا المعنى كثيرة، فهذه النصوص تدل على جواز إرادة وجه الله وهذه المنافع الدنيوية معًا بالعبادة؛ لأن هذه المنافع الدنيوية ذكرت على سبيل الترغيب في هذه العبادات.\nوهذا القسم لا يبطل العمل الذي يصاحبه، ولكن أجر هذه العبادة ينقص منه بقدر ما خالط نيته الصالحة من إرادة الدنيا. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٣٧٥\n_________\n(١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).\n(٢) رواه أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٠٦)، وأحمد (٢/ ٣٣٨) (٨٤٣٨)، والحاكم (١/ ١٦٠). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح سنده ثقات على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده النووي في «المجموع» (١/ ٢٣).","vol":"3","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-758>المثال الثالث: الاعتماد على الأسباب</span>\nالسبب لغة: الحبل، ويطلق على (كل شيء يتوصل به إلى غيره) استعير من الحبل الذي يتوصل به إلى الماء (١).\nوفي الاصطلاح هو: الأمور التي يفعلها الإنسان ليحصل له ما يريده من مطلوب، أو يندفع عنه ما يخشاه من مرهوب في الدنيا أو في الآخرة.\nفمن الأسباب في أمور الدنيا: البيع والشراء أو العمل في وظيفة ليحصل على المال، ومنها: أن يستشفع بذي جاه عند السلطان ليسلم من عقوبة دنيوية، أو ليدفع عنه ظلمًا، أو لتحصل له منفعة دنيوية كوظيفة أو مال أو غيرهما، ومنها: أن يذهب إلى طبيب ليعالجه من مرض، ونحو ذلك.\nومن الأسباب في أمور الآخرة: فعل العبادات رجاء ثواب الله تعالى والنجاة من عذابه (٢)، ومنها: أن يطلب من غيره أن يدعو الله له بالفوز بالجنة والنجاة من النار، ونحو ذلك.\nوالذي ينبغي للمسلم في هذا الباب هو أن يستعمل الأسباب المشروعة التي ثبت نفعها بالشرع أو بالتجربة الصحيحة، مع توكله على الله تعالى، واعتقاد أن هذا الأمر إنما هو مجرد سبب، وأنه لا أثر له إلا بمشيئة الله تعالى، إن شاء نفع بهذا السبب، وإن شاء أبطل أثره.\nأما إن اعتمد الإنسان على السبب فقد وقع في الشرك، لكن إن اعتمد عليه اعتمادًا كليًا، مع اعتقاد أنه ينفعه من دون الله فقد وقع في الشرك الأكبر، وإن اعتمد على السبب مع اعتقاده أن الله هو النافع الضار فقد وقع في الشرك الأصغر، فالمؤمن مأمور بفعل السبب مع التوكل على مسبب الأسباب جل وعلا.\nوعليه فإن ترك الأسباب واعتقاد أن الشرع أمر بتركها، وأنها لا نفع فيها كذب على الشرع، ومخالفة لما أمر الله به وأجمع عليه العلم، ومخالفة لمقتضى العقل، ولهذا قال بعض أهل العلم: «الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد، والعقل، والشرع» (٣).\nومن الشرك في الأسباب: أن يجعل ما ليس بسبب سببًا، فإن اعتقد أن هذا الشيء يستقل بالتأثير بدون مشيئة الله فهو شرك أكبر، كحال عباد الأصنام وعباد القبور الذين يعتقدون أنها تنفع وتضر استقلالًا، وإن اعتقد أن الله جعله سببًا، مع أن الله لم يجعله سببًا فهو شرك أصغر؛ لأنه شارك الله تعالى من الحكم لهذا الشيء بالسببية مع أن الله لم يجعله سببا (٤). تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٣٨١\n_________\n(١) ينظر: «لسان العرب»، و«التعريفات»، و«الكليات» (مادة: سبب).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٧٥ - ١٧٦).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٦٩)، وينظر آخر «مدارج السالكين» (٣/ ٥٢١)، و«شرح الطحاوية: الدعاء» (ص: ٦٧٩).\n(٤) «القول السديد» باب من الشرك لبس الحلقة (ص: ٤٥ - ٤٦)، «القول المفيد» باب الرقى (١/ ١٨٣)، «مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين» (١/ ١٠٢ - ١٠٤)، «الشرك الأصغر» (ص: ١٣٥ - ١٤٧).","vol":"3","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-759>المثال الرابع: التطير</span>\nتعريف التطير:\nفي اللغة: مصدر تطير، وأصله مأخوذ من الطير، لأن العرب يتشاءمون أو يتفاءلون بالطيور على الطريقة المعروفة عندهم بزجر الطير، ثم ينظر: هل يذهب يمينًا أو شمالًا أو ما أشبه ذلك، فإن ذهب إلى الجهة التي فيها التيامن، أقدم، أو فيها التشاؤم، أحجم.\nأما في الاصطلاح، فهي التشاؤم بمرئي أو مسموع، وهذا من الأمور النادرة، لأن الغالب أن اللغة أوسع من الاصطلاح، لأن الاصطلاح يدخل على الألفاظ قيودًا تخصصها، مثل الصلاة لغة: الدعاء، وفي الاصطلاح أخص من الدعاء، وكذلك الزكاة وغيرها.\nوإن شئت، فقل: التطير: هو التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو معلوم.\nبمرئي مثل: لو رأى طيرًا فتشاءم لكونه موحشًا.\nأو مسموع مثل: من هم بأمر فسمع أحدًا يقول لآخر: يا خسران، أو يا خائب، فيتشاءم.\nأو معلوم، كالتشاؤم ببعض الأيام أو بعض الشهور أو بعض السنوات، فهذه لا ترى ولا تسمع.\nواعلم أن التطير ينافي التوحيد، ووجه منافاته له من وجهين:\nالأول: أن المتطير قطع توكله على الله واعتمد على غير الله.\nالثاني: أنه تعلق بأمر لا حقيقة له، بل هو وهم وتخييل، فأي رابطة بين هذا الأمر، وبين ما يحصل له، وهذا لا شك أنه يخل بالتوحيد، لأن التوحيد عبادة واستعانة، قال تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٤]، وقال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣].\nفالطيرة محرمة، وهي منافية للتوحيد كما سبق، والمتطير لا يخلو من حالين:\nالأول: أن يحجم ويستجيب لهذه الطيرة ويدع العمل، وهذا من أعظم التطير والتشاؤم.\nالثاني: أن يمضي لكن في قلق وهم وغم يخشى من تأثير هذا المتطير به، وهذا أهون.\nوكلا الأمرين نقص في التوحيد وضرر على العبيد، بل انطلق إلى ما تريد بانشراح صدر وتيسير واعتماد على الله ﷿، ولا تسيء الظن بالله ﷿.\nوقول الله تعالى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٣١].\nوقد ذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب آيتين:\n[الآية الأولى قوله تعالى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ.]\nهذه الآية نزلت في قوم موسى كما حكى الله عنهم في قوله: وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ [الأعراف: ١٣١]، قال الله تعالى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ ومعنى: يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ: أنه إذا جاءهم البلاء والجدب والقحط قالوا: هذا من موسى وأصحابه، فأبطل الله هذه العقيدة بقوله: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ.\nقوله: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ. ألا: أداة استفتاح تفيد التنبيه والتوكيد، وإنما: أداة حصر.\nوقوله: طائر مبتدأ، وعند الله خبر، والمعنى: أن ما يصيبهم من الجدب والقحط ليس من موسى وقومه، ولكنه من الله، فهو الذي قدره ولا علاقة لموسى وقومه به، بل إن الأمر يقتضي أن موسى وقومه سبب للبركة والخير، ولكن هؤلاء - والعياذ بالله - يلبسون على العوام ويوهمون الناس خلاف الواقع.\nقوله: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. فهم في جهل، فلا يعلمون أن هناك إلهًا مدبرًا، وأن ما أصابهم من الله وليس من موسى وقومه.\nوقوله: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ [يس: ١٩].\nالآية الثانية قوله تعالى: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ.\nأي: قال الذين أرسلوا إلى القرية في قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ. .. الآيات [يس: ١٣].","vol":"3","page":73},{"text":"فقالوا ذلك ردًا على قول أهل القرية: إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ [يس: ١٨]، أي: تشاءمنا بكم، وإننا لا نرى أنكم تدلوننا على الخير، بل على الشر وما فيه هلاكنا، فأجابهم الرسل بقولهم: طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ، أي: مصاحب لكم، فما يحصل لكم، فإنه منكم ومن أعمالكم، فأنتم السبب في ذلك.\nولا منافاة بين هذه الآية والتي ذكرها المؤلف قبلها، لأن الأولى تدل على أن المقدر لهذا الشيء هو الله، والثانية تبين سببه، وهو أنه منهم، فهم في الحقيقة طائرهم معهم (أي الشؤم) الحاصل عليهم معهم ملازم لهم، لأن أعمالهم تستلزمه، كما قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]، وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦].\nويستفاد من الآيتين المذكورتين في الباب: أن التطير كان معروفًا من قبل العرب وفي غير العرب، لأن الأولى في فرعون وقومه، والثانية في أصحاب القرية.\nوقوله: أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ. ينبغي أن تقف على قوله: ذُكِّرْتُم، لأنها جملة شرطية، وجواب الشرط محذوف تقديره: أإن ذكرتم تطيرتم، وعلى هذا، فلا تصلها بما بعدها.\nوقوله: بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ، بَلْ هنا للإضراب الإبطالي، أي: ما أصابكم ليس منهم، بل هو من إسرافكم.\nوقوله: مُّسْرِفُونَ. أي: متجاوزون للحد الذي يجب أن تكونوا عليه.\nعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر». أخرجاه (١)، وزاد مسلم: «ولا نوء» (٢)، «ولا غول» (٣).\nقوله ﷺ: \"لا عدوى\". \"لا\" نافية للجنس، ونفي الجنس أعم من نفي الواحد والاثنين والثلاثة، لأنه نفي للجنس كله، فنفى الرسول ﷺ العدوى كلها.\nوالعدوى: انتقال المرض من المريض إلى الصحيح، وكما يكون في الأمراض الحسية يكون أيضًا في الأمراض المعنوية الخلقية، ولهذا أخبر ﷺ أن جليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة (٤).\nفقوله: \"لا عدوى\" يشمل الحسية والمعنوية، وإن كانت في الحسية أظهر.\nقوله: \"ولا طيرة\". اسم مصدر تطير، لأن المصدر منه تطيُّر، مثل الخيرة اسم مصدر اختار، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا [الأحزاب: ٣٦]، أي: الاختيار، أي يختاروا خلاف ما قضى الله ورسوله من الأمر.\nواسم المصدر يوافق المصدر في المعنى، ولذلك تقول كلمته كلامًا بمعنى كلمته تكليمًا، وسلمت عليه سلامًا بمعنى سلمت عليه تسليمًا.\nلكن لما كان يخالف المصدر في البناء سموه اسم مصدر، والطيرة تقدم أنها هي التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم.\nقوله: (ولا هامة). الهامة، بتخفيف الميم فسرت بتفسيرين:\n_________\n(١) [٣٦٠٩]» رواه البخاري (٥٧٥٧)، ومسلم (٢٢٢٠) (١٠٢).\n(٢) [٣٦١٠]» رواه مسلم (٢٢٢٠) (١٠٦)،\n(٣) [٣٦١١]» رواه مسلم (٢٢٢٢) من حديث جابر ﵁.\n(٤) [٣٦١٢]» رواه البخاري (٥٥٣٤) ومسلم (٢٦٢٨) من حديث أبي موسى ﵁، ونصه: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة).","vol":"3","page":74},{"text":"الأول: أنها طير معروف يشبه البومة، أو هي البومة، تزعم العرب أنه إذا قتل القتيل، صارت عظامه هامة تطير وتصرخ حتى يؤخذ بثأره، وربما اعتقد بعضهم أنها روحه.\nالتفسير الثاني: أن بعض العرب يقولون: الهامة هي الطير المعروف، لكنهم يتشاءمون بها، فإذا وقعت على بيت أحدهم ونعقت، قال: إنها تنعق به ليموت، ويعتقدون أن هذا دليل قرب أجله، وهذا كله - بلا شك - عقيدة باطلة.\nقوله: (ولا صفر). قيل: إنه شهر صفر، كانت العرب يتشاءمون به ولا سيما في النكاح.\nوقيل: إنه داء في البطن يصيب الإبل وينتقل من بعير إلى آخر، وعلى هذا، فيكون عطفه على العدوى من باب عطف الخاص على العام.\nوقيل: إنه نهي عن النسيئة، وكانوا في الجاهلية ينسئون، فإذا أرادوا القتال في شهر المحرم استحلوه، وأخروا الحرمة إلى شهر صفر، وهذه النسيئة التي ذكرها الله بقوله تعالى: فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللهُ [التوبة: ٣٧]، وهذا القول ضعيف، ويضعفه أن الحديث في سياق التطير، وليس في سياق التغيير، والأقرب أن صفر يعني الشهر، وأن المراد نفي كونه مشؤومًا، أي: لا شؤم فيه، وهو كغيره من الأزمان يقدر فيه الخير ويقدر فيه الشر.\nوهذا النفي في هذه الأمور الأربعة ليس نفيًا للوجود، لأنها موجودة، ولكنه نفي للتأثير، فالمؤثر هو الله، فما كان منها سببًا معلومًا، فهو سبب صحيح، وما كان منها سببًا موهومًا، فهو سبب باطل، ويكون نفيًا لتأثيره بنفسه إن كان صحيحًا، ولكونه سببًا إن كان باطلًا.\nفقوله: (لا عدوى): العدوى موجودة، ويدل لوجودها قوله ﷺ: «لا يورد ممرض على مصح» (١)، أي: لا يورد صاحب الإبل المريضة على صاحب الإبل الصحيحة، لئلا تنتقل العدوى.\nوقوله ﷺ: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» (٢).\nوالجذام مرض خبيث معد بسرعة ويتلف صاحبه، حتى قيل: إنه الطاعون، فالأمر بالفرار من المجذوم لكي لا تقع العدوى منه إليك، وفيه إثبات لتأثير العدوى، لكن تأثيرها ليس أمرًا حتميًا، بحيث تكون علة فاعلة، وأمر النبي ﷺ بالفرار، وأن لا يورد ممرض على مصح من باب تجنب الأسباب لا من باب تأثير الأسباب بنفسها، فالأسباب لا تؤثر بنفسها، لكن ينبغي لنا أن نتجنب الأسباب التي تكون سببًا للبلاء، لقوله تعالى: وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة [البقرة: ١٩٥]، ولا يمكن أن يقال: إن الرسول ﷺ ينكر تأثير العدوى، لأن هذا أمر يبطله الواقع والأحاديث الأخرى.\n_________\n(١) [٣٦١٣]» رواه مسلم (٢٢٢١)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) [٣٦١٤]» رواه البخاري تعليقا (٥٧٠٧)، من حديث أبي هريرة ﵁، وأحمد (٢/ ٤٤٣) (٩٧٢٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٢١٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ١٤٢)، والحديث صححه البيهقي في «السنن الصغرى» (٣/ ٦٥)، وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ١٣٩): [روي] مرسلا وهو أصح، وصححه البغوي في «شرح السنة» (٦/ ٢٦٤)، والسيوطي في «تدريب الراوي» (٢/ ٢٠٧)، وأحمد شاكر في «الباعث الحثيث» (٢/ ٤٨٢)، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧٨٣): إسناده صحيح.","vol":"3","page":75},{"text":"فإن قيل: إن الرسول ﷺ لما قال: «لا عدوى. قال رجل: يا رسول الله الإبل تكون صحيحة مثل الظباء، فيدخلها الجمل الأجرب فتجرب؟ فقال النبي ﷺ: فمن أعدى الأول؟» (١)، يعني أن المرض نزل على الأول بدون عدوى، بل نزل من عند الله ﷿، فكذلك إذا انتقل بالعدوى فقد انتقل بأمر الله، والشيء قد يكون له سبب معلوم وقد لا يكون له سبب معلوم، فجرب الأول ليس سببه معلومًا، إلا أنه بتقدير الله تعالى، وجرب الذي بعده له سبب معلوم، لكن لو شاء الله تعالى لم يجرب، ولهذا أحيانًا تصاب الإبل بالجرب، ثم يرتفع ولا تموت، وكذلك الطاعون والكوليرا أمراض معدية، وقد تدخل البيت فتصيب البعض فيموتون ويسلم آخرون ولا يصابون ...\nوهذا الجمع الذي أشرنا إليه هو أحسن ما قيل في الجمع بين الأحاديث، وادعى بعضهم النسخ، فمنهم من قال: إن الناسخ قوله: (لا عدوى)، والمنسوخ قوله: (فر من المجذوم)، و(ولا يورد ممرض على مصح)، وبعضهم عكس، والصحيح أنه لا نسخ، لأن من شروط النسخ تعذر الجمع، وإذا أمكن الجمع وجب الرجوع إليه، لأن في الجمع إعمال الدليلين، وفي النسخ إبطال أحدهما، وإعمالهما أولى من إبطال أحدهما، لأننا اعتبرناهما وجعلناهما حجة، وأيضًا الواقع يشهد أنه لا نسخ.\nوقوله: (ولا صفر). فيه ثلاثة أقوال سبقت، وبيان الراجح منها.\nوالأزمنة لا دخل لها في التأثير وفي تقدير الله ﷿، فصفر كغيره من الأزمنة يقدر فيه الخير والشر، وبعض الناس إذا انتهى من شيء في صفر أرخ ذلك وقال: انتهى في صفر الخير، وهذا من باب مداواة البدعة ببدعة، والجهل بالجهل، فهو ليس شهر خير ولا شهر شر.\nأما شهر رمضان، قولنا: إنه شهر خير، فالمراد بالخير العبادة، ولا شك أنه شهر خير، وقولهم: رجب المعظم، بناء على أنه من الأشهر الحرم.\nولهذا أنكر بعض السلف على من إذا سمع البومة تنعق قال: خيرًا إن شاء الله، فلا يقال: خير ولا شر، بل هي تنعق كبقية الطيور.\nفهذه الأربعة التي نفاها الرسول ﷺ تبين وجوب التوكل على الله وصدق العزيمة، ولا يضعف المسلم أما هذه الأشياء، لأن الإنسان لا يخلو من حالين:\nإما أن يستجيب لها بأن يقدم أو يحجم أو ما أشبه ذلك، فيكون حينئذ قد علق أفعاله بما لا حقيقة له ولا أصل له، وهو نوع من الشرك.\nوإما أن لا يستجيب بأن يكون عنده نوع من التوكل ويقدم ولا يبالي، لكن يبقى في نفسه نوع من الهم أو الغم، وهذا وإن كان أهون من الأول، لكن يجب ألا يستجيب لداعي هذه الأشياء التي نفاها الرسول ﷺ مطلقًا، وأن يكون معتمدًا على الله ﷿.\nوبعض الناس قد يفتح المصحف لطلب التفاؤل، فإذا نظر ذكر النار تشاءم، وإذا نظر ذكر الجنة قال: هذا فأل طيب، فهذا مثل عمل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام.\nفالحاصل أننا نقول: لا تجعل على بالك مثل هذه الأمور إطلاقًا، فالأسباب المعلومة الظاهرة تقي أسباب الشر، وأما الأسباب الموهومة التي لم يجعلها الشرع سببًا بل نفاها، فلا يجوز لك أن تتعلق بها، بل احمد الله على العافية، وقل: ربنا عليك توكلنا.\nقوله: (لا نوء). واحد الأنواء، والأنواء: هي منازل القمر، وهي ثمان وعشرون منزلة، كل منزلة لها نجم تدور بمدار السنة.\nوهذه النجوم بعضها يسمى النجوم الشمالية، وهي لأيام الصيف، وبعضها يسمى النجوم الجنوبية، وهي لأيام الشتاء، وأجرى الله العادة أن المطر في وسط الجزيرة العربية يكون أيام الشتاء، أما أيام الصيف، فلا مطر.\n_________\n(١) [٣٦١٥]» رواه البخاري (٥٧١٧)، ومسلم (٢٢٢٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":76},{"text":"فالعرب كانوا يتشاءمون بالأنواء، ويتفاءلون بها، فبعض النجوم يقولون: هذا نجم نحس لا خير فيه، وبعضها بالعكس يتفاءلون به فيقولون: هذا نجم سعود وخير، ولهذا إذا أمطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا، ولا يقولون: مطرنا بفضل الله ورحمته، ولا شك أن هذا غاية الجهل.\nألسنا أدركنا هذا النوء بعينه في سنة يكون فيه مطر وفي سنة أخرى لا يكون فيه مطر؟\nونجد السنوات تمر بدون مطر مع وجود النجوم الموسمية التي كانت كثيرًا ما يكون في زمنها الأمطار.\nفالنوء لا تأثير له، فقولنا: طلع هذا النجم، كقولنا: طلعت الشمس، فليس له إلا طلوع وغروب، والنوء وقت تقدير، وهو يدل على دخول الفصول فقط.\nوفي عصرنا الحاضر يعلق المطر بالضغط الجوي والمنخفض الجوي، وهذا وإن كان قد يكون سببًا حقيقيًا، ولكن لا يفتح هذا الباب للناس، بل الواجب أن يقال: هذا من رحمة الله، هذا من فضله ونعمه، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [النور: ٤٣]، وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الروم: ٤٨].\nفتعليق المطر بالمنخفضات الجوية من الأمور الجاهلية التي تصرف الإنسان عن تعلقه بربه.\nفذهبت أنواء الجاهلية، وجاءت المنخفضات الجوية، وما أشبه ذلك من الأقوال التي تصرف الإنسان عن ربه ﷾.\nنعم، المنخفضات الجوية قد تكون سببًا لنزول المطر، لكن ليست هي المؤثر بنفسها، فتنبه.\nقوله: (ولا غول). جمع غَولة أو غُولة، ونحن نسميها باللغة العامية: (الهولة)، لأنها تهول الإنسان.\nوالعرب كانوا إذا سافروا أو ذهبوا يمينًا وشمالًا تلونت لهم الشياطين بألوان مفزعة مخيفة، فتدخل في قلوبهم الرعب والخوف، فتجدهم يكتئبون ويستحسرون عن الذهاب إلى هذا الوجه الذي أرادوا، وهذا لاشك أنه يضعف التوكل على الله، والشيطان حريص على إدخال القلق والحزن على الإنسان بقدر ما يستطيع، قال تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة: ١٠].\nوهذا الذي نفاه الرسول ﷺ هو تأثيرها، وليس المقصود بالنفي نفي الوجود، وأكثر ما يبتلى الإنسان بهذه الأمور إذا كان قلبه معلقًا بها، أما إن كان معتمدا على الله غير مبال بها، فلا تضره ولا تمنعه عن جهة قصده.\nولهما عن أنسٍ، قال: قال رسول الله «لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل». قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الطيبة» (١).\nقوله في حديث أنس: «لا عدوى، ولا طيرة». تقدم الكلام على ذلك.\nقوله: (ويعجبني الفأل). أي: يسرني، والفأل بينه بقوله: (الكلمة الطيبة). فـ (الكلمة الطيبة) تعجبه ﷺ، لما فيها من إدخال السرور على النفس والانبساط، والمضي قدمًا لما يسعى إليه الإنسان، وليس هذا من الطيرة، بل هذا مما يشجع الإنسان، لأنها لا تؤثر عليه، بل تزيده طمأنينة وإقدامًا وإقبالًا.\nوظاهر الحديث: الكلمة الطيبة في كل شيء، لأن الكلمة الطيبة في الحقيقة تفتح القلب وتكون سببًا لخيرات كثيرة، حتى إنها تدخل المرء في جملة ذوي الأخلاق الحسنة.\n_________\n(١) [٣٦١٦]» رواه البخاري (٥٧٥٦)، ومسلم (٢٢٢٤)،","vol":"3","page":77},{"text":"وهذا الحديث جمع النبي ﷺ فيه بين محذورين ومرغوب، فالمحذوران هما العدوى والطيرة، والمرغوب هو الفأل، وهذا من حسن تعليم النبي ﷺ، فمن ذكر المرهوب ينبغي أن يذكر معه ما يكون مرغوبًا، ولهذا كان القرآن مثاني إذا ذكر أوصاف المؤمنين ذكر أوصاف الكافرين، وإذا ذكر العقوبة ذكر المثوبة، وهكذا.\nقوله: (عن عقبة بن عامر). صوابه عن عروة بن عامر، كما ذكره في (التيسير)، وقد اختلف في نسبه وصحبته.\nقوله: (ذكرت الطيرة عند رسول الله). وهذا الذكر إما ذكر شأنها، أو ذكر أن الناس يفعلونها، والمراد: تحدث الناس بها عند رسول الله ﷺ\nولأبي داود - بسند صحيح - عن عقبة بن عامر، قل: ذكرت الطيَرَة عند رسول الله ﷺ فقال: «أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» (١).\nقوله: \"أحسنها الفأل\". سبق أن الفأل ليس من الطيرة، لكنه شبيه بالطيرة من حيث الإقدام، فإنه يزيد الإنسان نشاطًا وإقدامًا فيما توجه إليه، فهو يشبه الطيرة من هذا الوجه، وإلا، فبينهما فرق لأن الطيرة توجب تعلق الإنسان بالمتطير به، وضعف توكله على الله، ورجوعه عما هم به من أجل ما رأى، لكن الفأل يزيده قوة وثباتًا ونشاطًا، فالشبه بينهما هو التأثير في كل منهما.\nقوله: \"ولا ترد مسلمًا\". يفهم منه أن من ردته الطيرة عن حاجته فليس بمسلم.\nقوله: (فإذا رأى أحدكم ما يكره). فحينئذ قد ترد على قلبه الطيرة، ويبتعد عما يريد، ولا يقدم عليه، وقد ذكر النبي ﷺ دواء لذلك وقال: «فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات ....» إلخ.\nقوله: «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت». وهذا هو حقيقة التوكل، وقوله: \"اللهم\". يعني: يا الله، ولهذا بنيت على الضم، لأن المنادى علم، بل هو أعلم الأعلام وأعرف المعارف على الإطلاق، والميم عوض عن يا المحذوفة، وصارت في آخر الكلمة تبركًا بالابتداء باسم الله ﷾، وصارت ميمًا، لأنها تدل على الجمع، فكأن الداعي جمع قلبه على الله.\nقوله: «لا يأتي بالحسنات إلا أنت». أي: لا يقدرها ولا يخلقها ولا يوجدها للعبد إلا الله وحده لا شريك له، وهذا لا ينافي أن تكون الحسنات بأسباب، لأن خالق هذه الأسباب هو الله، فإذا وجدت هذه الحسنات بأسباب خلقها الله، صار الموجد هو الله.\nوالمراد بالحسنات: ما يستحسن المرء وقوعه، ويحسن في عينه.\nويشمل ذلك الحسنات الشرعية، كالصلاة والزكاة وغيرها، لأنها تسر المؤمن، ويشمل الحسنات الدنيوية، كالمال والولد ونحوها، قال تعالى: إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ [التوبة: ٥٠]، وقال تعالى في آية أخرى: إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا [آل عمران: ١٢٠].\nوقوله: (إلا أنت). فاعل يأتي، لأن الاستثناء هنا مفرغ.\n_________\n(١) [٣٦١٧]» رواه أبو داود (٣٩١٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٩)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١٠/ ٤٠٦)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن حجر في «هداية الرواة» (٤/ ٢٩١)، والشوكاني في «نيل الأوطار» (٧/ ٣٧٣): مرسل، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (١٩٩).","vol":"3","page":78},{"text":"قوله: «ولا يدفع السيئات إلا أنت». السيئات: ما يسوء المرء وقوعه وينفر منه حالًا أو مآلًا، ولا يدفعها إلا الله، ولهذا إذا أصيب الإنسان بمصيبة التجأ إلى ربه تعالى، حتى المشركون إذا ركبوا في الفلك، وشاهدوا الغرق، دعوا الله مخلصين له الدين.\nولا ينافي هذا أن يكون دفعها بأسباب، فمثلًا لو رأى رجلًا غريقًا، فأنقذه فإنما أنقذه بمشيئة الله، ولو شاء الله لم ينقذه، فالسبب من الله.\nفعقيدة كل مسلم أنه لا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يدفع السيئات إلا الله، وبمقتضى هذه العقيدة، فإنه يجب أن لا يسأل المسلم الحسنات ولا يسأل دفع السيئات إلا من الله، ولهذا كان الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يسألون الله الحسنات ويسألون دفع السيئات، قال تعالى عن زكريا: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: ٣٨]، وقال تعالى عن أيوب: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: ٨٣]، وهكذا يجب أن يكون المؤمن أيضًا.\nقوله: \"ولا حول ولا قوة إلا بك\". في معناها وجهان:\nالأول: أنه لا يوجد حول ولا قوة إلا بالله، فالباء بمعنى في، يعني: إلا في الله وحده، ومن سواه ليس لهم حول ولا قوة، ويكون الحول والقوة المنفيان عن غير الله هما الحول المطلق والقوة المطلقة، لأن غير الله فيه حول وقوة، لكنها نسبية ليست بكاملة، فالحول الكامل والقوة الكاملة في الله وحده.\nالثاني: أنه لا يوجد لنا حول ولا قوة إلا بالله، فالباء للاستعانة أو للسببية، وهذا المعنى أصح، وهو مقتضى ورودها في مواضعها، إذ إننا لا نتحول من حول إلى حول ولا نقوى على ذلك إلا بالله فيكون في هذه الجملة كمال التفويض إلى الله، وأن الإنسان يبرأ من حوله وقوته إلا بما أعطاه الله من الحول والقوة.\nفإن صح الحديث، فالرسول ﷺ أرشدنا إذا رأينا ما نكره مما يتشاءم به المتشائم أن نقول: «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك».\nوعن ابن مسعود مرفوعًا: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» رواه أبو داود والترمذي وصححه (١). وجعل آخره من قول ابن مسعودٍ.\nقوله: \"مرفوعًا\". أي: إلى النبي ﷺ.\nقوله: (الطيرة شرك، الطيرة شرك). هاتان الجملتان يؤكد بعضهما بعضًا من باب التوكيد اللفظي.\nوقوله: (شرك). أي: إنها من أنواع الشرك، وليس الشرك كله، وإلا، لقال: الطيرة الشرك.\nوهل المراد بالشرك هنا الشرك الأكبر المخرج من الملة، أو أنها نوع من أنواع الشرك؟\nنقول: هي نوع من أنواع الشرك، كقوله ﷺ: «اثنتان في الناس هما بهم كفر» (٢)، أي: ليس الكفر المخرج عن الملة، وإلا، لقال: (هما بهم الكفر)، بل هما نوع من الكفر.\n_________\n(١) [٣٦١٨]» رواه أبو داود (٣٩١٠) والترمذي (١٦١٤) وابن ماجه (٣٥٣٨) وأحمد (١/ ٣٨٩) (٣٦٨٧) وابن حبان (١٣/ ٤٩١) والحاكم (١/ ٦٥) وأبو يعلى (٩/ ٢٦) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٩) والبخاري في «العلل الكبير» وعبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٦٠) والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن كهيل وروى سليمان بن حرب يقول هذا الحديث وما منا ولكن الله يذهبه بالتوكل قال سليمان هذا عندي قول عبد الله بن مسعود وما منا، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١٠٨) وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد»: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) [٣٦١٩]» رواه مسلم (٦٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":79},{"text":"لكن في ترك الصلاة قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (١)، فقال: (الكفر)، فيجب أن نعرف الفرق بين (أل) المعرفة أو الدالة على الاستغراق، وبين خلو اللفظ منها، فإذا قيل: هذا كفر، فالمراد أنه نوع من الكفر لا يخرج من الملة، وإذا قيل: هذا الكفر، فهو المخرج من الملة.\nفإذا تطير إنسان بشيء رآه أو سمعه، فإنه لا يعد مشركًا شركًا يخرجه من الملة، لكنه أشرك من حيث إنه اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سببًا، وهذا يضعف التوكل على الله ويوهن العزيمة، وبذلك يعتبر شركًا من هذه الناحية، والقاعدة: (أن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرع سببًا، فإنه مشرك شركًا أصغر).\nوهذا نوع من الإشراك مع الله، إما في التشريع إن كان هذا السبب شرعيًا، وإما في التقدير إن كان هذا السبب كونيًا، لكن لو اعتقد هذا المتشائم المتطير أن هذا فاعل بنفسه دون الله، فهو مشرك شركًا أكبر، لأنه جعل لله شريكًا في الخلق والإيجاد.\nقوله: (وما منا). (منا): جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، إما قبل (إلا) إن قدرت ما بعد إلا فعلًا، أي: وما منا أحد إلا تطير، أو بعد (إلا)، أي: وما منا إلا متطير.\nوالمعنى: ما منا إنسان يسلم من التطير، فالإنسان يسمع شيئًا فيتشاءم، أو يبدأ في فعل، فيجد أوله ليس بالسهل فيتشاءم ويتركه.\nوالتوكل: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله، وفعل الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابًا.\nفلا يكفي صدق الاعتماد فقط، بل لابد أن تثق به، لأنه سبحانه يقول: مَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٤].\nقوله: (وجعل آخره من قول ابن مسعود). وهو قوله: (وما منا إلا ...) إلخ.\nوعلى هذا يكون موقوفًا، وهو مدرج في الحديث، والمدرج: أن يدخل أحد الرواة كلامًا في الحديث من عنده بدون بيان، ويكون في الإسناد والمتن، ولكن أكثره في المتن، وقد يكون في أول الحديث، وقد يكون في وسطه، وقد يكون في آخره، وهو الأكثر.\nمثال ما كان في أول الحديث: قول أبي هريرة ﵁: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار» (٢)، فقوله: (أسبغوا الوضوء) من كلام أبي هريرة، وقوله: (ويل للأعقاب من النار) من كلام الرسول ﷺ.\nومثال ما كان في وسطه قول الزهري في حديث بدء الوحي: «كان رسول الله ﷺ يتحنث في غار حراء، والتحنث: التعبد» (٣)، ومثال ما كان في آخره: هذا الحديث الذي ذكره المؤلف، وكذا حديث أبي هريرة، وفيه: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل» (٤)، فهذا من كلام أبي هريرة.\nولأحمد من حديث ابن عمرو «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك قالوا: فما كفارة ذلك، قال: أن تقولوا اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك» (٥).\nقوله: \"من ردته الطيرة عن حاجته\". \"من\". شرطية، وجواب الشرط: \"فقد أشرك\"، واقترن الجواب بالفاء، لأنه لا يصلح لمباشرة الأداة، وحينئذ يجب اقترانه بالفاء، وقد جمع ذلك في بيت شعر معروف، وهو قوله:\nاسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس\n_________\n(١) [٣٦٢٠]» رواه مسلم (٨٢)، من حديث جابر ﵁.\n(٢) [٣٦٢١]» رواه البخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) [٣٦٢٢]» رواه البخاري (٦٩٨٢)، ومسلم (١٦٠)، من حديث عائشة ﵁.\n(٤) [٣٦٢٣]» رواه البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦).\n(٥) [٣٦٢٤]» رواه أحمد (٢/ ٢٢٠) (٧٠٤٥)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٠٨): فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٢/ ١٠)، والألباني في «السلسلة الصحيحة»: إسناده صحيح.","vol":"3","page":80},{"text":"وقوله: (عن حاجته) الحاجة: كل ما يحتاجه الإنسان بما تتعلق به الكمالات، وقد تطلق عن الأمور الضرورية.\nقوله: (فقد أشرك). أي: شركًا أكبر إن اعتقد أن هذا المتشاءم به يفعل ويحدث الشر بنفسه، وإن اعتقده سببًا فقط فهو أصغر، .... قاعدة مفيدة .... وهي: (أن كل من اعتقد في شيء أنه سبب ولم يثبت أنه سبب لا كونًا ولا شرعًا، فشركه شرك أصغر، لأنه ليس لنا أن نثبت أن هذا سبب إلا إذا كان الله قد جعله سببًا كونيًا أو شرعيًا، فالشرعي: كالقراءة والدعاء، والكوني: كالأدوية التي جرب نفعها).\nوقوله: \"فما كفارة ذلك\". أي: ما كفارة هذا الشرك، أو ما هو الدواء الذي يزيل هذا الشرك؟ لأنه الكفارة قد تطلق على كفارة الشيء بعد فعله، وقد تطلق على الكفارة قبل الفعل، وذلك لأن الاشتقاق مأخوذ من الكفر، وهو الستر، والستر واق، فكفارة ذلك إن وقع وكفارة ذلك إن لم يقع.\nوقوله: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك». يعني: فأنت الذي بيدك الخير المباشر، كالمطر والنبات، وغير المباشر، كالذي يكون سببه من عند الله على يد مخلوق، مثل: أن يعطيك إنسان دراهم صدقة أو هدية، وما أشبه ذلك، فهذا الخير من الله، لكن بواسطة جعلها الله سببًا، وإلا، فكل الخير من الله ﷿.\nوقوله: «فلا خير إلا خيرك». هذا الحصر حقيقي، فالخير كله من الله، سواء كان بسبب معلوم أو بغيره.\nوقوله: «لا طير إلا طيرك». أي: الطيور كلها ملكك، فهي لا تفعل شيئًا، وإنما هي مسخرة، قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ [الملك: ١٩]، وقال تعالى: أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: ٧٢]، فالمهم أن الطير مسخرة بإذن الله، فالله تعالى هو الذي يدبرها ويصرفها ويسخرها تذهب يمينًا وشمالًا، ولا علاقة لها بالحوادث.\nويحتمل أن المراد بالطير هنا ما يتشاءم به الإنسان، فكل ما يحدث للإنسان من التشاؤم والحوادث المكروهة، فإنه من الله كما أن الخير من الله، كما قال تعالى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ [الأعراف: ١٣١].\n... وأن الشر في فعل الله ليس بواقع، بل الشر في المفعول لا في الفعل، بل فعله تعالى كله خير، إما خير لذاته، وإما لما يترتب عليه من المصالح العظيمة التي تجعله خيرًا.\nفيكون قوله: \"لا طير إلا طيرك\" مقابلًا لقوله: \"ولا خير إلا خيرك\".\nقوله: (ولا إله غيرك). (لا) نافية للجنس، و(إله) بمعنى: مألوه، كغراس بمعنى مغروس، وفراش بمعنى مفروش، والمألوه: هو المعبود محبة وتعظيمًا يتأله إليه الإنسان محبة له وتعظيمًا له.\nفإن قيل: إن هناك آلهة دون الله، كما قال تعالى: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ [هود: ١٠١].\nأجيب: أنها وإن عبدت من دون الله وسميت آلهة، فليست آلهة حقًا لأنها لا تستحق أن تعبد، فلهذا نقول: لا إله إلا الله، أي: لا إله حق إلا الله.\nيستفاد من هذا الحديث:\nأنه لا يجوز للإنسان أن ترده الطيرة عن حاجته، وإنما يتوكل على الله ولا يبالي بما رأى أو سمع أو حدث له عند مباشرته للفعل أول مرة، فإن بعض الناس إذا حصل له ما يكره في أول مباشرته الفعل تشاءم، وهذا خطأ، لأنه مادامت هناك مصلحة دنيوية أو دينية، فلا تهتم بما حدث.\nأن الطيرة نوع من الشرك، لقوله: (من ردته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك).","vol":"3","page":81},{"text":"أن من وقع في قلبه التطير ولم ترده الطيرة، فإن ذلك لا يضر كما سبق في حديث ابن مسعود: (وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل).\nأن الأمور بيد الله خيرها وشرها.\nانفراد الله بالألوهية، كما انفرد بالخلق والتدبير.\nوله من حديث الفضل بن عباس: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك» (١).\nقوله في حديث الفضل: (إنما الطيرة). هذه الجملة عند البلاغيين تسمى حصرًا، أي: ما الطيرة إلا ما أمضاك أو ردك لا ما حدث في قلبك ولم تلتفت إليه، ولا ريب أن السلامة منها حتى في تفكير الإنسان خير بلا شك، لكن إذا وقعت في القلب ولم ترده ولم يلتفت لها، فإنها لا تضره، لكن عليه أن لا يستسلم، بل يدافع، إذ الأمر كله بيد الله.\nقوله: (ما أمضاك أو ردك). أما (ما ردك)، فلا شك أنه من الطيرة، لأن التطير يوجب الترك والتراجع.\nوأما (ما أمضاك)، فلا يخلو من أمرين:\nالأول: أن تكون من جنس التطير، وذلك بأن يستدل لنجاحه أو عدم نجاحه بالتطير، كما لو قال: سأزجر هذا الطير، فإذا ذهب إلى اليمين، فمعنى ذلك اليمن والبركة، فيقدم، فهذا لا شك أنه تطير، لأن التفاؤل بمثل انطلاق الطير عن اليمين غير صحيح، لأنه لا وجه له، إذا الطير طار، فإنه يذهب إلى الذي يرى أن وجهته، فإذا اعتمد عليه، فقد اعتمد على سبب لم يجعله الله سببًا، وهو حركة الطير.\nالثاني: أن يكون سبب المضي كلامًا سمعه أو شيئًا شاهده يدل على تيسير هذا الأمر له، فإن هذا فأل، وهو الذي يعجب النبي ﷺ، لكن إن اعتمد عليه وكان سببًا لإقدامه، فهذا حكمه حكم الطيرة، وإن لم يعتمد عليه ولكنه فرح ونشط وازداد نشاطًا في طلبه، فهذا من الفأل المحمود.\nوالحديث في سنده مقال، لكن على تقدير صحته هذا حكمه. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - بتصرف – ٢/ ٩٣\n_________\n(١) [٣٦٢٥]» رواه أحمد (١/ ٢١٣) (١٨٢٤)، قال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٣٥٨): [فيه] محمد بن عبد الله بن علاثة وهو مختلف فيه وفيه انقطاع، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٢٤٠): إسناده ضعيف.","vol":"3","page":82},{"text":"وأما الطِّيَرَةُ فهي: ترك الإنسان حاجته، واعتقاده عدم نجاحها، تشاؤمًا بسماع بعض الكلمات القبيحة كيا هالك أو يا ممحوق ونحوها. وكذا التشاؤم ببعض الطيور كالبومة وما شاكلها إذا صاحت، قالوا إِنَّها ناعية أو مخبرة بشر، وكذا التشاؤم بملاقاة الأعورِ أو الأعرج أو المهزول أو الشيخ الهرم أو العجوز الشمطاء، وكثير من الناس إذا لقيه وهو ذاهب لحاجة صَدَّهُ ذلك عنها ورجع معتقدًا عدم نجاحها، وكثير من أهل البيع لا يبيع مِمَّنْ هذه صفته إذا جاءهُ أول النهار، حتى يبيع من غيره تشاؤمًا به وكراهة له. وكثير منهم يعتقد أنه لا ينال في ذلك اليوم خيرًا قط، وكثير من الناس يتشاءم بما يعرض له نفسه في حال خروجه كما إذا عثر أو شيك يرى أَنَّه لا يجد خيرًا، ومن ذلك التشاؤم ببعض الأيام أو ببعض الساعات كالحادي والعشرين من الشهر وآخر أربعاء فيه ونحو ذلك فلا يسافر فيها كثير من الناس ولا يعقد فيها نكاحًا ولا يعمل فيها عملًا مهمًا ابتداء، يظن أو يعتقد أن تلك الساعة نحس، وكذا التشاؤم ببعض الجهات في بعض الساعات فلا يستقبلها في سفر ولا أمر حتى تنقضي تلك الساعة أو الساعات. وهي من أكاذيب المنجمين ...، يزعمون أَنَّ هناك فلكًا دَوَّارًا يكون كل يوم أو ليلة في جهة من الجهات فمن استقبل تلك الجهة في الوقت الذي يكون فيها هذه الفلك لا ينال خيرًا ولا يأمن شرًا، وهم في ذلك كاذبون مفترون قبَّحهم الله ولعنهم، وقد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل. ومن ذلك التشاؤم بوقوع بعض الطيور على البيوت يرون أَنَّها معلمةٌ بشرٍّ، وكذا صوت الثعلب عندهم، ومن ذلك الاستقسام بتنفير الطير والظباء فإِنْ تيامنت ذهبوا لحاجتهم وإِنْ تياسرت تركوها، وهذا من الاستقسام بالأزلام الذي أمر الله تعالى باجتنابه وأخبر أَنَّه رجس من عمل الشيطان، وهذا وما شاكله كثير منه كان في الجاهلية قبل النبوة وقد أبطله الإسلام فأَعاده الشيطان في هذا الزمان أكثر مما كان عليه في الجاهلية بأضعاف مضاعفة، ووسع دائرة ذلك وساعده عليه شياطين الإنس من الكهنة والمنجمين وأضرابهم وأتباعهم؛ أرداهم الله وألحقهم به آمين.\nقال الله تعالى وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف:١٣١]، وقال تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ [النمل:٤٥ – ٤٧]، وقال تعالى في قصة الثلاثة رسل عيسى قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ [يس:١٦ - ١٨] قال مجاهد في قوله تعالى فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ قالوا: العاقبة والرخاء نحن أحق بها وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ قال بلاء وعقوبة يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى قال: يتشاءموا به.","vol":"3","page":83},{"text":"وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ [الأعراف:١٣١] قال «الأمر مِنْ قِبَلِ اللهِ» (١). وقال ﵁ في قوله طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ [النحل:٤٧] قال: الشؤم أتاكم مِنْ عندِ اللهِ لكفركم (٢)، وتقدم ذكر الطيرة ونفيها في الأحاديث السابقة.\nوقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثني عبد الله بن محمد حدَّثنا عثمان بن عمر حدَّثنا يونس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵄ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا عَدْوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاث: في المرأةِ والدار والدابة» (٣). والشُّؤم ضد اليمن، وهو عدم البركة، والمراد به الأمر المحسوس المشاهد كالمرأة العاقر التي لا تلد أو اللسنة المؤذية أو المبذرة بمال زوجها سفاهة ونحو ذلك. وكذا الدار الجدبة أو الضيقة أو الوبيئة الوخيمة المشرب أو السيئة الجيران وما في معنى ذلك، وكذا الدابة التي لا تلد ولا نسل لها أو الكثيرة العيوب الشينة الطبع وما في معنى ذلك، فهذا كله شيء ضروري مشاهد معلوم ليس هو من باب الطيرة المنفية فإِنَّ ذلك أمر آخر عند من يعتقده ليس من هذا لأنهم يعتقدون أنَّها نحس على صاحبها لذاتها لا لعدم مصلحتها وانتفائها فيعتقدون أَنَّه إِنْ كان غنيًا افتقر ليس بتبذيرها بل لنحاستها عليه، وإِنَّه إِنْ يأخذها يموت بمجرد دخولها عليه لا بسبب محسوس، بل عندهم أَنَّ لها نجما لا يوافق نجمه بل ينطحه ويكسره، وذلك مِنْ وحي الشيطان يوحيه إلى أوليائه من المشركين، قال الله تعالى وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ [الأنعام:١٢١]، وقال تعالى إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:٢٧].\nحتَّى إنَّ رجلًا في زماننا هذا كان يشعوذ على الناس بذلك ويفرق به بين المرء وزوجه، فتنبه له بعض العامة ممن يحضر مجالس الذكر ويسمع ذم المنجمين وتكذيبهم بالآيات والأحاديث فقال له: إنِّي أُرِيد أَنْ أنكح امرأة، ما ترى فيها هل هي سعد لي أو نحس عليَّ؟ فعرض ذلك على قواعده الشيطانية ثم قال له: دعها فإنِّك إنْ أخذتها لا تبلي معها ثوبًا، يعني يموت سريعًا لا تطول معها صحبته، وكانت تلك المرأة التي سأله عنها وسماها له هي زوجته وقد طالت صحبته معها وله منها نحو خمسة من الأولاد، فدعاهم كلهم بأسمائهم حتى حضروا فقال له: هؤلاء أولادي منها. ولهذا نظائر كثيرة من خرافاتهم.\nوالمقصود أنَّ الشؤم المثبت في هذا الحديث أمر محسوس ضروري مشاهد ليس من باب الطيرة المنفية التي يعتقدها أهل الجاهلية ومن وافقهم.\nوقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أَنَّ أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا طيرة، وخيرها الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة. يسمعها أحدكم» (٤).\nقال حدَّثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن أنس ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصَّالح الكلمة الحسنة» (٥).\n...\n_________\n(١) [٣٦٢٦]» رواه ابن جرير في «التفسير» (١٣/ ٤٨).\n(٢) [٣٦٢٧]» ذكره البغوي في «التفسير» (٦/ ١٦٩)،\n(٣) [٣٦٢٨]» رواه البخاري (٥٧٥٣).\n(٤) [٣٦٢٩]» رواه البخاري (٥٧٥٤)، ومسلم (٢٢٢٣).\n(٥) [٣٦٣٠]» رواه البخاري (٥٧٥٦)، ومسلم (٢٢٢٤)،","vol":"3","page":84},{"text":"ومن ذلك قوله ﷺ يوم صلح الحديبية حين جاء سهيل بن عمرو قال: «سَهَّلَ اللهُ أَمْرَكُمْ» (١) الحديث وما شاكله.\nومن شرط الفأل أَنْ لا يعتمد عليه وأَنْ لا يكون مقصودًا، بل أَنْ يتفق للإنسان ذلك مِنْ غير أنْ يكون له على بال. ومن البِدَع الذميمة والمحدثات الوخيمة مأخذ الفأل من المصحف فإنَّه من اتخذ آيات الله هزوًا ولعبًا ولهوًا، ساءَ ما يعملون. وما أدري كيف حال مَنْ فتح على قوله تعالى لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:٧٨]، وقوله وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء:٩٣] وأمثال هذا الآيات. ويروى أَنَّ أَوَّل من أحدث هذه البدعة بعض المروانية وأَنَّه تفاءلَ يومًا ففتح المصحف فاتفق لاستفتاحه قول الله ﷿ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنيدٍ [إبراهيم:١٥] الآيات فيقال إنَّه أَحرق المصحف غضبًا من ذلك وقال أبياتًا لا نسوِّد بها الأوراق. والمقصود أَنَّ هذه بدعة قبيحة، والفأْلُ إذا قصده المتفائل فهو طيرة كالاستقسام بالأزلام، وقد روى الإمام أحمد في تعريف الطيرة حديث الفضل بن العباس ﵄ «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك» (٢)، وروى في كفارتها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وقفه «مَنْ ردَّتْهُ الطِّيرة عَنْ حاجته فقد أَشْرَك. قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أَنْ تقول: اللهم لا خير إلا خيرُك، ولا طير إلا طيرُك، ولا إله غيرك» (٣).\n_________\n(١) [٣٦٣١]» رواه البخاري في «الأدب المفرد» (١/ ٣٥٣)، قال الألباني في «صحيح الأدب المفرد»: حسن لغيره.\n(٢) [٣٦٣٢]» رواه أحمد (١/ ٢١٣) (١٨٢٤)، قال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٣٥٨): [فيه] محمد بن عبد الله بن علاثة وهو مختلف فيه وفيه انقطاع، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٢٤٠): إسناده ضعيف.\n(٣) [٣٦٣٣]» رواه أحمد (٢/ ٢٢٠) (٧٠٤٥)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٠٨): فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٢/ ١٠)، والألباني في «السلسلة الصحيحة»: إسناده صحيح.","vol":"3","page":85},{"text":"وقال أبو داود رحمه الله تعالى: حدَّثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عيسى بن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود عن رسولِ الله ﷺ قال: «الطيرة شرك» ثلاثًا «وما منّا إلا، ولكنَّ الله يذهبه بالتوكل» (١)، وقوله «ما منّا إلا» إلخ هو من كلام ابن مسعود كما فصله الترمذي ﵀ في روايته عن المرفوع حيث قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث «وما منا إلاَّ، ولكن الله يذهبه بالتوكل»: كل هذا عندي قول عبد الله بن مسعود (٢١٥). وقال رحمه الله تعالى: حدَّثنا أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة قالا حدَّثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن عامر (قال أحمد: القرشي) قال ذُكرت الطِّيَرَةُ عند رسول الله ﷺ فقال: «أحسنها الفأل ولا تَرُدُّ مسلمًا. فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهُمَّ لا يأتي بالحسنات إلا أنْت، ولا يدفع السيئات إلا أَنْتَ ولا حول ولا قوة إلا بك» (٢).\n_________\n(١) [٣٦٣٤]» رواه أبو داود (٣٩١٠) والترمذي (١٦١٤) وابن ماجه (٣٥٣٨) وأحمد (١/ ٣٨٩) (٣٦٨٧) وابن حبان (١٣/ ٤٩١) والحاكم (١/ ٦٥) وأبو يعلى (٩/ ٢٦) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٩) والبخاري في «العلل الكبير» وعبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٦٠) والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن كهيل وروى سليمان بن حرب يقول هذا الحديث وما منا ولكن الله يذهبه بالتوكل قال سليمان هذا عندي قول عبد الله بن مسعود وما منا، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١٠٨) وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد»: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) [٣٦٣٥]» رواه أبو داود (٣٩١٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٩)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١٠/ ٤٠٦)، والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه النووي في «رياض الصالحين» (٥٣٧)، وقال ابن حجر في «هداية الرواة» (٤/ ٢٩١)، والشوكاني في «نيل الأوطار» (٧/ ٣٧٣): مرسل، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (١٩٩).","vol":"3","page":86},{"text":"وأما الغول فهي واحد الغيلان وهي من شَرِّ شياطين الجن وسحرتهم والنفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية فيهم من الضُرِّ والنَّفعِ، وكانوا يخافونهم خوفًا شديدًا ويستعيذون ببعضهم من بعض كما قال تعالى عنهم وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:٦] زاد الإنس الجن جرأة عليهم وشرًا وطغيانًا، وزادتهم الجن إخافة وخبلًا وكفرانًا. وكان أَحَدُهم إذا نزل واديا قال: أعوذُ بِسَيِّدِ هذا الوادي من سفهائه (١) فيأتي الشيطان فيأخذ من مال هذا المستعيذ أو يروعه في نفسه، فيقول: يا صاحب الوادي، جارك أو نحو ذلك. فيسمع مناديًا ينادي ذلك المعتدي أَنْ اتركه أو دعه أو ما أشبه ذلك. فأبطل الله تعالى ورسولُهُ ﷺ ذلك ونفى أَنْ يضروا أحدًا إلاَّ بإذن اللهِ ﷿، وأبدلنا عن الاستعاذة بالمخلوقين الاستعاذة بجبَّار السموات والأرض، رب الكون وخالقه ومالكه وإلهه وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا وكلماته التامات التي لا يجاوزهن جبار ولا متكبر، فقال الله ﵎ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ [المؤمنون:٩٧]، وقال تعالى وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأعراف:٢٠٠]، وقال تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:١] إلى آخر السورة، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:١] إلى آخر السورة. وغيرها من الآيات. وقال رسول اللهِ ﷺ في هاتين السورتين: «ما سأل سائلٌ بمثلهما ولا استعاذَ مستعيذٌ بمثلهما» (٢)، وقال ﷺ «مَنْ نَزَلَ منْزلًا فقال: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّات مِنْ شَرِّ ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منْزله ذلك» (٣) وهو في الصحيح، ... وفي الحديث الصحيح «إِنَّ الشيطان إذا سمع النداء أَدْبَرَ وله ضُراط (٤) – وفي لفظ حصاص» (٥) وأحاديث الاستعاذة والأذكار في طرد الشيطان وغيره كثيرة مشهورة مسبورة في مواضعها من كتب السنة، وأَمَّا قول مَنْ قال إِنَّ المراد في الحديث نفي وجود الغيلان مطلقًا فليس بشيءٍ لأنَّ ذلك مكابرة للأمور المشاهدة المعلومة بالضرورة في زمن النّبي ﷺ وقبله وبعده من إتيانهم وانصرافهم ومخاطبتهم وتشكلهم. والله أعلم.\nوأما الهامة والصفر: فقال أبو داود رحمه الله تعالى: حدَّثنا محمَّدُ بن المصفى حدَّثنا بقية قال: قلت لمحمد – يعني ابن راشد – قوله «هام» قال: كانت الجاهلية تقول: «لَيْسَ أحدٌ يموت فيدفن إلا خرج مِنْ قبره هامة». ... فقوله «صَفَر» قال: سمعت أهل الجاهلية يستشئمون بصَفَر، فقال النَّبيّ ﷺ «لا صَفَر» قال محمد: وقد سمعنا من يقول هو وجع يأخذ في البطن، فكانوا يقولون هو يعدي فقال «لا صفر» (٦)، وقال ﵀: حدَّثنا يحيى بن خلف حدَّثنا أبو عاصم حدَّثنا ابن جريج عن عطاء قال: يقول الناس صفر وجع يأخذ في البطن. قلت: فما الهامة؟ قال: يقول الناس الهامة التي تصرخ هامة الناس، وليست بهامة الإنسان، إنما هي دابة (٧). وقال ﵀: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهدٌ أخبركم أشهب قال: سئل مالك عن قوله «لا صَفَر» قال: إنَّ أَهْل الجاهلية كانوا يحلِّون صَفَر، يحلّونه عامًا ويحرِّمونه عامًا، فقال النَّبيّ ﷺ: «لا صَفَر» (٨).\n... وكل هذه المعاني لهذه الألفاظ قد اعتقدها الجهال وكلها بجميع معانيها المذكورة منفية بنص الحديث. ولله الحمد والمنّة. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي -بتصرف – ص١١٦٠\n_________\n(١) [٣٦٣٦]» رواه ابن جرير في «التفسير» (٢٣/ ٦٥٤).\n(٢) [٣٦٣٧]» رواه النسائي في (٨/ ٢٥٣) (٥٤٣٨)، والدارمي (٢/ ٥٥٤)، والحميدي (٢/ ٣٧٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ٧٨)، من حديث عقبة بن عامر ﵁، قال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٢٣٢): إسناده جيد، وقال الألباني في «صحيح النسائي»: حسن صحيح.\n(٣) [٣٦٣٨]» رواه مسلم (٢٧٠٨).\n(٤) [٣٦٣٩]» رواه البخاري (٦٠٨)، ومسلم (٣٨٩)، من حديث أبي هريرة ﵁ ولفظه: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ....».واللفظ للبخاري.\n(٥) [٣٦٤٠]» رواه مسلم (٣٨٩).\n(٦) [٣٦٤١]» رواه أبو داود (٣٩١٥)، وقال الألباني صحيح مقطوع.\n(٧) [٣٦٤٢]» رواه أبو داود (٣٩١٨)، وقال الألباني صحيح مقطوع.\n(٨) [٣٦٤٣]» رواه أبو داود (٣٩١٤)، وقال الألباني صحيح مقطوع.","vol":"3","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>المثال الأول: الرقى الشركية</span>\nالرقى في اللغة: جمع رقية، والاسم منه (رقيا)، يقال: رقيته، أرقيه، رقيا، والمرة (رقية) (١).\nوفي الاصطلاح: الأمور التي يعوذ بها لرفع البلاء أو دفعه (٢).\nوالرقية الشرعية هي الأذكار من القرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في السنة أو الأدعية الأخرى المشروعة التي يقرؤها الإنسان على نفسه أو يقرؤها عليه غيره ليعيذه الله من الشرور بأنواعها، من الأمراض وشرور جميع مخلوقات الله الأخرى من السباع والهوام والجن والإنس وغيرها، فيعيذه منها بدفعها قبل وقوعها، بأن لا تصيبه، أو يعيذه منها بعد وقوعها بأن يرفعها ويزيلها عنه، وغالبًا يصحب قراءة هذه الأذكار نفث من الراقي، وقد تكون الرقية بالقراءة والنفث على بدن المرقي أو في يديه ويمسح بهما جسده ومواضع الألم إن وجدت، وقد تكون بالقراءة في ماء ثم يشربه المرقي أو يصب على بدنه، وبعضهم يقوم بكتابة الأذكار بزعفران أو غيره على ورق أو في إناء، ثم يغسله بماء، ثم يسقيه المريض.\nوالرقى التي يفعلها الناس تنقسم إلى نوعين:\nالنوع الأول: الرقى الشرعية، وهي الرقى التي سبق ذكرها، وقد أجمع أهل العلم جوازها في الجملة.\nويشترط في هذه الرقية أيضا أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، وأن لا يعتمد عليها المرقي بقلبه، وأن يعتقد أن النفع إنما هو من الله تعالى، وأن هذه الرقية إنما هي سبب من الأسباب المشروعة (٣)، ويشترط أن لا تكون هذه الرقية من ساحر أو متهم بالسحر، وحكم هذه الرقية عند اجتماع الشروط السابقة أنها مستحبة، وهي من أعظم أسباب الشفاء من الأمراض بإذن الله تعالى.\nوالدليل على استحباب الرقية في حق المرقي: ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ: قل هو الله أحد، وبالمعوذتين جميعًا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به.\nوالدليل على استحبابها في حق الراقي: ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله – ﵄ – قال: كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وأنا أرقي من العقرب؟ فقال: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل».\nالنوع الثاني: الرقى المحرمة:\nومنها: الرقى الشركية، وهي الرقى التي يعتمد فيها الراقي أو المرقي على الرقية، فإن اعتمد عليها مع اعتقاده أنها سبب من الأسباب، وأنها لا تستقل بالتأثير فهذا شرك أصغر، وإن اعتمد عليها اعتمادًا كليًا حتى اعتقد أنها تنفع من دون الله، أو تضمنت صرف شيء من العبادة لغير الله، كالدعاء، أو الاستعاذة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو من الشرك الأكبر المخرج من الملة.\nوالدليل على تحريم جميع الرقى الشركية: قوله ﷺ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»، وما روى عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك» رواه مسلم.\n_________\n(١) «النهاية»، و«المصباح»، (مادة: رقى).\n(٢) وينظر «النهاية»، و«المصباح» و«فتح الباري»: الطب باب الرقى بالقرآن (١٠/ ١٩٥)، و«عمدة القاري» (٢١/ ٢٦٢). والرقى تسمى العزائم. والعزائم في الأصل: رقى كانوا يعزمون بها على الجن، فيقال: عزم الراقي، كأنه أقسم على الداء. ينظر «لسان العرب» (مادة: عزم)، وينظر «المراد بالعزائم عند المشعوذين في الفروق» (الفرق ٢٤٢، ٤/ ١٤٧).\n(٣) ينظر: «المدخل» لابن الحاج (٤/ ٣٢٦).","vol":"3","page":88},{"text":"ومن الرقى المحرمة: أن تكون الرقية فيها طلاسم، أو ألفاظ غير مفهومة، والغالب أنها رقى شركية، وبالأخص إذا كانت من شخص غير معروف بالصلاح والاستقامة على دين الله تعالى، أو كانت من كافر كتابي أو غيره. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٣٩٧\nهذه الأمور المذكورة التي يتعلق بها العامة غالبها من الشرك الأصغر لكن إذا اعتمد العبد عليها بحيث يثق بها ويضيف النفع والضر إليها كان ذلك شركا أكبر والعياذ بالله لأنه حينئذ صار متوكلا على سوى الله ملتجئا إلى غيره\nوَمَن يَثِقْ بِوَدْعَةٍ أوْ نَابِ ... أَوْ حَلْقَةٍ أوْ أَعْيُنِ الذِّئَابِ\nأَوْ خَيْطٍ اَوْ عُضْوٍ مِنَ النُّسُورِ ... أَو وَتَرٍ أوْ تُرْبَةِ الْقُبُورِ\nلأَيِّ أَمْرٍ كَائِنٍ تَعَلَّقَهْ ... وَكلَهُ اللهُ إِلَى مَا عَلَّقَهْ\n(ومن يثق) هذا الشرط جوابه (وكلهُ) الآتي:\n(بودعة) قال في النهاية هو شيء أبيض يجلب من البحر يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم. وإنما نهى عنه لأنهم كانوا يعلقونها مخافة العين (٢٢٧).\n(أو ناب) كما يفعله كثير من العامة يأخذون ناب الضبع ويعلقونه من العين.\n(أو حلقة) وكثيرًا ما يعلقونها من العين وسيأتي في الحديث أنهم يعلقونها من الواهنة وهو مرض العضد.\n(أو أعين الذئاب) وكثيرًا ما يعلقونها يزعمون أن الجن تفر منها، ومنهم من يقول إنه إذا وقع بصر الذئب على جني لا يستطيع أن يفر منه حتى يأخذه، ولهذا يعلقون عينه إذا مات على الصبيان ونحوهم.\n(أو خيط) وكثيرًا ما يعلقونه على المحموم ويعتقدونه فيه عقدًا بحسب اصطلاحاتهم، وأكثرهم يقرأ عليه سورة: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:١] إلى آخرها، ويعقد عند كل كاف منها عقدة، فيجتمع في الخيط تسع عقد بعدد الكافات، ثم يربطونه بيد المحموم أو عنقه.\n(أو عضو من النسور) كالعظم ونحوه يجعلونها خرزًا ويعلقونها على الصبيان يزعمون أنها تدفع العين.\n(أو وتر) وكانوا في الجاهلية إذا عتق وتر القوس أخذوه وعلقوه يزعمون عن العين على الصبيان والدواب.\n(أو تربة القبور) وما أكثر من يستشفي بها لا شفاهم الله، واستعمالهم لها على أنواع: فمنهم من يأخذها ويمسح بها جلده، ومنهم من يتمرغ على القبر تمرغ الدابة، ومنهم من يغتسل بها مع الماء، ومنهم من يشربها وغير ذلك. وهذا كله ناشئ عن اعتقادهم في صاحب ذلك القبر أنه ينفع ويضر، حتى عدوا ذلك الاعتقاد فيه إلى تربته فزعموا أنها فيها شفاء وبركة لدفنه فيها، حتى إن منهم من يعتقد في تراب بقعة لم يدفن فيها ذلك الولي بزعمه بل قيل له إن جنازته قد وضعت في ذلك المكان. وهذا وغيره من تلاعب الشيطان بأهل هذه العصور زيادة على ما تلاعب بمن قبلهم. نسأل الله العافية.","vol":"3","page":89},{"text":"(لأي أمر كائن تعلقه) الضمير عائد إلى ما تقدم وغيره (وكله الله) أي تركه (إلى ما علقه) دعاء عليه أي لا حفظه الله ولا كلأه بل تركه إلى ما وثق به واعتمد عليه دون الله ﷿: قال الله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» رواه أحمد (١). وله عن عمران بن حصين ﵄ أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلقة من صفر فقال: «ما هذا؟» قال: من الواهنة، فقال: «انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا» (٢)، ولابن أبي حاتم عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلًا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] (٣) وفي (الصحيح) عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسولًا أن «لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» (٤). وعن رويفع ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدًا بريء منه» رواه أحمد (٥). وله عن عبد الله بن عكيم مرفوعًا «من علق شيئًا وكل إليه» ورواه الترمذي (٦).\n_________\n(١) [٣٦٤٧]» رواه أحمد (٤/ ١٥٤) (١٧٤٤٠)، وأبو يعلى (٣/ ٢٩٥)، قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٨/ ٢٣٢): [فيه] مشرح بن عقبة أرجو أنه لا بأس به، وقال الذهبي في «المهذب» (٨/ ٣٩٤٩): فيه خالد لم يضعف تفرد به، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٢٦٦).\n(٢) [٣٦٤٨]» رواه أحمد (٤/ ٤٤٥) (٢٠٠١٤)، وابن ماجه باختصار (٣٥٣١) قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٤٠): [فيه] مبارك بن فضالة عن الحسن عن عمران والحسن اختلف في سماعه من عمران، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٠٦):فيه مبارك بن فضالة وهو ثقة وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٢٠١٥).\n(٣) [٣٦٤٩]» رواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٨/ ٤٧٣).\n(٤) [٣٦٥٠]» رواه البخاري (٣٠٠٥)، ومسلم (٢١١٥).\n(٥) [٣٦٥١]» رواه أبو داود (٣٦)، والنسائي (٨/ ١٣٥) (٥٠٦٧)، وأحمد (٤/ ١٠٨) (١٧٠٣٦)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال النووي في «المجموع شرح المهذب» (٢/ ١١٦)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٢/ ٣٥٢): إسناده جيد، وصححه ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ١٤٠)، والألباني في «صحيح الجامع» (٧٩١٠).\n(٦) [٣٦٥٢]» رواه الترمذي (٢٠٧٢)، وأحمد (٤/ ٣١٠) (١٨٨٠٣)، والحاكم (٤/ ٢٤١)، ورواه الطبراني (٢٢/ ٣٨٥) بلفظ: «من علق» بدلًا من «من تعلق»، قال الترمذي عبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي، وقال ابن حجر في «إتحاف المهرة» (٨/ ٢٦٠): مرسل، وقال أبو حاتم في «المراسيل»: عبد الله بن عكيم ليس له سماع من النبي ﷺ إنما كتب إليه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٠٣): [أبو معبد الجهني] قد قيل إنه عبد الله بن عكيم قلت فإن كان هو قد ثبتت صحبته بقوله سمعت وفي إسناده محمد بن أبى ليلى وهو سيئ الحفظ وبقية رجاله ثقات، وقال الألباني في «صحيح الترغيب» (٣٤٥٦): حسن لغيره.","vol":"3","page":90},{"text":"وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منا على أمر يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح وعندي عجوز ترقيني من الحمرة فأدخلتها تحت السرير. قالت: فدخل فجلس إلى جانبي فرأى في عنقي خيطًا. فقال: ما هذا الخيط؟ قالت قلت: خيط رقي لي فيه، فأخذه فقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» قالت قلت له: لم تقول هذا، وقد كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت. فقال: إنما ذاك من الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي ﷺ: «أذهب البأس رَبَّ الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» رواه أحمد (١). وروى جملة الدلالة منه على الباب أبو داود، أعني الجملة المرفوعة إلى النبي ﷺ. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد: الرقى هي التي تسمى العزائم وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة، والتمائم شيء يلقونه على الأولاد عن العين، والتولة شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته ا. هـ. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٦٢٣\n_________\n(١) [٣٦٥٣]» رواه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠)، وأحمد (١/ ٣٨١) (٣٦١٥)، والطبراني (١٠/ ٢١٣)، والحاكم (٤/ ٤٦٣)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢١٩): إسناده حسن، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٩٧٢): إسناده صحيح.","vol":"3","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-762>المثال الثاني: التمائم الشركية</span>\nالتمائم في اللغة: جمع تميمة، وهي في الأصل خرزة كانت تعلق على الأطفال، يتقون بها من العين ونحوها (١)، وكأن العرب سموها بهذا الاسم لأنهم يريدون أنها تمام الدواء والشفاء المطلوب.\nوفي الاصطلاح: هي كل ما يعلق على المرضى أو الأطفال أو البهائم أو غيرها من تعاويذ لدفع البلاء أو رفعه (٢).\nومن أنواع التمائم: الحجب والرقى التي يكتبها بعض المشعوذين ويكتبون فيها طلاسيم وكتابات لا يفهم معناها، وغالبها شرك، واستغاثات بالشياطين، وتعلق على الأطفال أو على البهائم، أو على بعض السلع أو أبواب البيوت يزعمون أنها سبب لدفع العين أو أنها سبب لشفاء المرضى من بني الإنسان أو من الحيوان، ومنها: الخلاخيل التي يجعلها بعض الجهال على أولادهم يعتقدون أنها سبب لحفظهم من الموت، ومنها: لبس حلقة الفضة للبركة أو للبواسير، ولبس خواتم لها فصوص معينة يعتقدون أنها تحفظ من الجن، ولبس أو تعليق خيوط عقد فيها شخص له اسم معين كـ (محمد) عقدًا للعلاج من بعض الأمراض (٣)، ومنها الحروز وجلود الحيوانات والخيوط وغيرها مما يعلق على الأطفال أو على أبواب البيوت ونحو ذلك، والتي يزعمون أنها تدفع العين أو المرض أو الجن أو أنها سبب للشفاء من الأمراض، وهذه كلها محرمة، وهي من الشرك، لقوله ﷺ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»، ولقوله ﷺ: «من علق تميمة فقد أشرك»، فهي من الشرك، لأنهم ظنوا أن لغير الله تأثيرا في الشفاء، وطلبوا دفع الأذى من غيره تعالى مع أنه لا يدفعه أحد سواه جل وعلا (٤)، لكن إن اعتقد متخذها أنها تنفع بذاتها من دون الله فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أن الله هو النافع وحده، لكن تعلق قلبه بها في دفع الضر، فهو شرك أصغر، لاعتماده على الأسباب، ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا (٥)، فهذه التمائم السابق ذكرها كلها ليس فيها نفع بوجه من الوجوه، وهي من خرافات الجاهلية التي ينشرها السحرة والمشعوذون، ويدجلون بها على السذج والجهلة من الناس.\nويدخل في التمائم أن تكتب آيات من القرآن أو بعض الأذكار الشرعية (الرقى) في ورقة ثم توضع في جلد أو غيره ثم تعلق على الأطفال أو على بعض المرضى، وقد اختلف في جواز تعليقها، ولعل الأحوط المنع من هذه التمائم، لعدة أمور، أهمها:\n١ - أن الأحاديث جاءت عامة في النهي عن التمائم، ولم يأت حديث واحد في استثناء شيء منها.\n٢ - أن تعليق التمائم من القرآن والأدعية والأذكار المشروعة نوع من الاستعاذة والدعاء، فهي على هذا عبادة، وهي بهذه الصفة لم ترد في القرآن ولا في السنة، والأصل في العبادات التوقيف، فلا يجوز إحداث عبادة لا دليل عليها.\n_________\n(١) انظر: «تأويل مختلف الحديث» (ص: ٢٢٦)، و«الصحاح»، و«النهاية»، و«القاموس»، و«لسان العرب» (مادة: تمم).\n(٢) «التمهيد» (١٧/ ١٦٢)، «سنن البيهقي: الضحايا» (٩/ ٣٥٠)، «تفسير القرطبي» تفسير الآية ٨٢ من الإسراء (١٠/ ٣٢٠)، «النهاية» لابن الأثير (مادة: تمم)، «شرح السنة» (١٢/ ١٥٨)، «القوانين الفقهية كتاب الجامع» (ص: ٢٩٥).\n(٣) ينظر «تعليق الشيخ محمد حامد الفقي المصري –﵀ – على فتح المجيد» باب من الشرك لبس الحلقة (ص: ١١٤، ١١٨).\n(٤) «النهاية» لابن الأثير (مادة: تمم)، «حاشية ابن عابدين»: أول البيع (٥/ ٢٣٢).\n(٥) ينظر: «التيسير»، و«قرة عيون الموحدين»، و«القول السديد»، و«القول المفيد باب من الشرب لبس الحلقة»، و«تعليق شيخنا عبد العزيز بن باز على فتح المجيد باب الرقى» (ص: ١٢) و«مجموع فتاويه ومقالاته» (١/ ٢٧٥)، و«الشرك الأصغر» (ص: ٢١٦).","vol":"3","page":92},{"text":"٣ - أن في تعليقها تعريضًا للقرآن وكلام الله تعالى وعموم الأذكار الشرعية للإهانة، إذ قد يدخل بالتميمة أماكن الخلاء، وقد ينام عليها الأطفال أو غيرهم، وقد تصيبها بعض النجاسات، وفي منع تعليقها صيانة للقرآن ولذكر الله تعالى عن الإهانة.\n٤ - سد الذريعة؛ لأن تعليق هذه التمائم يؤدي إلى تعلق القلوب بها من دون الله، ويؤدي إلى تعليق التمائم الشركية، كما هو الواقع عند كثير من المسلمين. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٤٠٨\nوَإِنْ تَكُنْ مِمَّا سِوَى الْوَحْيَيْنِ ... فَإِنَّهَا شِرْكٌ بِغَيْرِ مَيْنِ\nبَلْ إِنَّهَا قَسِيمَةُ الأَزْلاَمِ ... فِي الْبُعْدِ عَنْ سِيمَا أُولي الإسْلامِ\n(وإن تكن) أي التمائم (مما سوى الوحيين) بل من طلاسم اليهود وعباد الهياكل والنجوم والملائكة ومستخدمي الجن ونحوهم أو من الخرز أو الأوتار أو الحلق من الحديد وغيره (فإنها شرك) أي تعلقها شرك (بدون مين) أي شك، إذ ليست هي من الأسباب المباحة والأدوية المعروفة، بل اعتقدوا فيها اعتقادًا محضًا أنها تدفع كذا وكذا من الآلام لذاتها لخصوصية زعموا فيها كاعتقاد أهل الأوثان في أوثانهم، (بل إنها قسيمة) أي شبيهة (الأزلام) التي كان يستصحبها أهل الجاهلية في جاهليتهم ويستقسمون بها إذا أرادوا أمرًا، وهي ثلاثة قداح مكتوب على أحدها: افعل، والثاني: لا تفعل، والثالث: غفل، فإن خرج في يده الذي فيه افعل مضى لأمره، أو الذي فيه لا تفعل ترك ذلك، أو الغفل أعاد استقسامه. وقد أبدلنا الله تعالى – وله الحمد – خيرًا من ذلك: صلاة الاستخارة ودعاءها.\nوالمقصود أن هذه التمائم التي من غير القرآن والسنة شريكة للأزلام وشبيهة بها من حيث الاعتقاد الفاسد والمخالفة للشرع (في البعد عن سيما أولي الإسلام) أي عن زي أهل الإسلام، فإن أهل التوحيد الخالص من أبعد ما يكون عن هذا وهذا، والإيمان في قلوبهم أعظم من أن يدخل عليه مثل هذا، وهم أجل شأنًا وأقوى يقينًا من أن يتوكلوا على غير الله أو يثقوا بغيره. وبالله التوفيق. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي –٢/ ٦٤٠","vol":"3","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-764>المثال الأول: الحلف بغير الله</span>\nالحلف في اللغة: مصدر حلف، يحلف، وهو الملازمة؛ لأن الإنسان يلزمه الثبات على ما حلف عليه، ويسمى (اليمين)؛ لأن المتحالفين كان أحدهما يصفق بيمينه على يمين صاحبه (١)، ويسمى أيضًا (القسم).\nوالحلف في الأصل: توكيد لشيء بذكر معظم مصدرًا بحرف من حروف القسم.\nوفي الاصطلاح: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى مصدرًا بحرف من حروف القسم.\nوقد أجمع أهل العلم على أن اليمين المشروعة هي قول الرجل: والله، أو بالله، أو تالله، واختلفوا فيما عدا ذلك.\nواليمين عبادة من العبادات التي لا يجوز صرفها لغيره الله (٢)، فيحرم الحلف بغيره تعالى، لقوله ﷺ: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله، وإلا فليصمت» (٣) متفق عليه، فمن حلف بغير الله سواء أكان نبيًا أم وليًا أم الكعبة أم غيرها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، ووقع في الشرك، لقوله ﷺ: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (٤)، ولأن الحلف فيه تعظيم للمحلوف به، فمن حلف بغير الله كائنًا من كان، فقد جعله شريكًا لله – ﷿ – في هذا التعظيم الذي لا يليق إلا به ﷾، وهذا من الشرك الأصغر إن كان الحالف إنما أشرك في لفظ القسم لا غير (٥)، أما إن كان الحالف قصد بحلفه تعظيم المخلوق الذي حلف به كتعظيم الله تعالى، كما يفعله كثير من المتصوفة الذين يحلفون بالأولياء والمشايخ أحياء وأمواتًا، حتى ربما بلغ تعظيمهم في قلوبهم أنهم لا يحلفون بهم كاذبين مع أنهم يحلفون بالله وهم كاذبون، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن المحلوف به عندهم أجل وأعظم وأخوف من الله تعالى. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٤١٧\n_________\n(١) ينظر: «معجم مقاييس اللغة» (مادة: حلف، ومادة: يمن)، «المطلع» (ص: ٣٨٧)، «الدر النقي» (٣/ ٧٩٦).\n(٢) «بدائع الصنائع»: الإيمان (٣/ ٢).\n(٣) رواه البخاري (٦١٠٨)، مسلم (١٦٤٦)\n(٤) رواه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥) واللفظ له، وأحمد (٢/ ١٢٥) (٦٠٧٢). من حديث ابن عمر ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث حسن. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٧٣٥) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وأحمد شاكر في «المسند» (٨/ ٢٢٢). وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٥) ينظر: «مشكل الآثار» للطحاوي الحنفي (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٩)، «مدارج السالكين» (١/ ٣٧٣)، «معطية الأمان من حنث الأيمان» لابن العماد الحنبلي (ص: ٨٣ - ٨٤)، «فتح المجيد والقول السديد باب فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا»، «اليمين» لسعاد الشايقي (ص: ١٥٧ - ١٥٨)، «فقه الإيمان» للدكتور أمير عبد العزيز (ص: ٢٩ - ٣٢)، «فقه الإيمان» للدكتور محمد عبيدات (ص: ٣١ - ٣٣)، «من أحكام اليمين» لناجي الطنطاوي (ص: ٢٢)، «فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين» جمع فهد السليمان (٢/ ٢١٥ - ٢٢١).","vol":"3","page":94},{"text":"عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: «ألا إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (١) وفي رواية قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكرًا ولا آثرًا (٢). متفق عليه. ولأبي داود والنّسائي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» (٣). ولأحمد ومسلم والنسائي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله» (٤) ... وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من حلف بالأمانة» رواه أبو داود (٥). وفي الطبراني من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يحلف بالأمانة فقال: «ألست الذي يحلف بالأمانة» (٦). وعن قتيلة بنت صفي أن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تنددون وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: «ورب الكعبة»، ويقول أحدهم: «ما شاء الله ثم شئت» رواه النسائي وصححه وابن ماجه (٧). وقد ثبت في كفارة الحلف بغير الله حديث الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من حلف فقال في حلفه باللات والعزَّى فليقل لا إله إلا الله (٨). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص ٦١٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٦٤٦).\n(٢) رواه البخاري (٦٦٤٧) ومسلم (١٦٤٦).\n(٣) رواه أبو داود (٣٢٤٨) والنسائي (٧/ ٥) وابن حبان (١٠/ ١٩٩) والطبراني في «الأوسط» (٥/ ٢٥) والحديث سكت عنه أبي داود، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٤٥٥)، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٤) رواه البخاري (٣٨٣٦) ومسلم (١٦٤٦).\n(٥) رواه أبو داود (٣٢٥٣) وأحمد (٥/ ٣٥٢) (٢٣٠٣٠) واللفظ له، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ٣٠) والحديث سكت عنه أبو داود، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ١٢٤): إسناده صحيح، وقال النووي في «الأذكار» (٤٥٦): إسناده صحيح وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٣٣٥): رجاله رجال الصحيح خلا الوليد بن ثعلبة وهو ثقة، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٦) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٤/ ٧٧) وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٧٨): رجاله ثقات. وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٩/ ١٢٦): رجاله ثقات.\n(٧) رواه النسائي (٧/ ٦) قال ابن حجر في «الإصابة» (٤/ ٣٨٩): إسناده صحيح، وقال البخاري في «العلل الكبير» (٢٥٣) [روى] منصور: عن عبد الله بن يسار، عن حذيفة حديث منصور أشبه عندي وأصح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٨) رواه البخاري (٤٨٦٠) ومسلم (١٦٤٧).","vol":"3","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>المثال الثاني: التشريك بين الله تعالى وبين أحد من خلقه بـ (الواو)</span>\nومن الشرك الأصغر قول ما شاء الله وشئت، كما روى النسائي عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت، فقال: «أجعلتني لله ندًا؟ ما شاء الله وحده» (١). ولأبي داود بسند صحيح عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» (٢). وتقدم في ذلك حديث قتيلة، والفرق بين الواو وثم أنه إذا عطف بالواو كان مضاهيًا مشيئة الله بمشيئة العبد إذ قرن بينهما، وإذا عطف بثم فقد جعل مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله ﷿ كما قال تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ [الإنسان: ٣٠] ومثله قول: لولا الله وفلان هذا من الشرك الأصغر، ويجوز أن يقول: لولا الله ثم فلان، ذكره إبراهيم النخعي. ولابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قول الله ﷿: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢] قال: الأندادُ هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن يقول والله وحياتك يا فلان وحياتي ويقول لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه ما شاء الله وشئت، وقول الرجل لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانًا، هذا كله به شرك (٢٢٦). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص ٦١٥\nعن قتيلة: «أن يهوديًا أتى النبي ﷺ، فقال: إنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت». رواه النسائي وصححه (٣)\nقوله: (أن يهوديًا) اليهودي: هو المنتسب إلى شريعة موسى ﵇، وسموا بذلك من قوله تعالى: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ، أي: رجعنا، أو لأن جدهم اسمه يهوذا بن يعقوب، فتكون التسمية من أجل النسب، وفي الأول تكون التسمية من أجل العمل، ولا يبعد أن تكون من الاثنين جميعًا.\nقوله: (إنكم تشركون). أي: تقعون في الشرك أيها المسلمون.\nقوله: (ما شاء الله وشئت). الشرك هنا أنه جعل المعطوف مساويًا للمعطوف عليه، وهو الله ﷿ حيث كان العطف بالواو المفيدة للتسوية.\nقوله: \" والكعبة \". الشرك هنا أنه حلف بغير الله، ولم ينكر النبي ﷺ ما قال اليهودي، بل أمر بتصحيح هذا الكلام، فأمرهم إذا حلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، فيكون القسم بالله.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢١٤) (١٨٣٩) والبخاري في «الأدب المفرد» (١/ ٢٩٠) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٤٥)، قال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٠٠): إسناده صحيح، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٢٥٣): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٦٠١).\n(٢) رواه أبو داود (٤٩٨٠) وأحمد (٥/ ٣٨٤) (٢٣٣١٣) والنسائي في «السنن الكبرى» (٣/ ٢١٦) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٣٤٠) الحديث سكت عنه أبو داود، وقال الذهبي في «المهذب» (٣/ ١١٤٤):إسناده صالح، وقال النووي في «الأذكار» (٤٤٤): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٣) رواه النسائي (٧/ ٦) قال ابن حجر في «الإصابة» (٤/ ٣٨٩): إسناده صحيح، وقال البخاري في «العلل الكبير» (٢٥٣) [روى] منصور: عن عبد الله بن يسار، عن حذيفة حديث منصور أشبه عندي وأصح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».","vol":"3","page":96},{"text":"وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله، ثم شئت، فيكون الترتيب بثم بين مشيئة الله ومشيئة المخلوق، وبذلك يكون الترتيب صحيحًا، أما الأول، فلأن الحلف صار بالله، وأما الثاني، فلأنه جعل بلفظ يتبين به تأخر مشيئة العبد عن مشيئة الله، وأنه لا مساواة بينهما.\nويُستفاد من الحديث:\n١ - أن النبي ﷺ لم ينكر على اليهودي مع أن ظاهر قصده الذم واللوم للنبي ﷺ وأصحابه، لأن ما قاله حق.\n٢ - مشروعية الرجوع إلى الحق وإن كان من نبه عليه ليس من أهل الحق.\n٣ - أنه ينبغي عند تغيير الشيء أن يغير إلى شيء قريب منه، لأن النبي ﷺ أمرهم أن يقولوا: «ورب الكعبة»، ولم يقل: احلفوا بالله، وأمرهم أن يقولوا: «ما شاء الله، ثم شئت».\nإشكال وجوابه:\nوهو أن يقال: كيف لم ينبه على هذا العمل إلا هذا اليهودي؟\nوجوابه: أنه يمكن أن الرسول ﷺ لم يسمعه ولم يعلم به.\nولكن يقال: بأن الله يعلم، فكيف يقرهم؟\nفيبقى الإشكال، لكن يجاب: إن هذا من الشرك الأصغر دون الأكبر، فتكون الحكمة هي ابتلاء هؤلاء اليهود الذين انتقدوا المسلمين بهذه اللفظة مع أنهم يشركون شركًا أكبر ولا يرون عيبهم.\nوله أيضًا عن ابن عباس، أن رجلًا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت فقال: «أجعلتني لله ندًا؟! بل ما شاء الله وحده» (١).\nقوله في حديث ابن عباس ﵄: «أن رجلًا قال للنبي ﷺ. ..». الظاهر أنه قاله للنبي ﷺ تعظيمًا، وأنه جعل الأمر مُفوضًا لمشيئة الله ومشيئة رسوله.\nقوله: «أجعلتني لله ندًا؟!». الاستفهام للإنكار، وقد ضمن معنى التعجب، ومن جعل للخالق ندًا، فقد أتى شيئًا عجابًا.\nوالنِّد: هو النظير والمساوي، أي: أجعلتني لله مساويًا في هذا الأمر؟!\nقوله «بل ما شاء الله وحده». أرشده النبي ﷺ إلى ما يقطع عنه الشرك، ولم يرشده إلى أن يقول ما شاء الله ثم شئت حتى يقطع عنه كل ذريعة عن الشرك وإن بَعُدَت.\nيستفاد من الحديث:\nأن تعظيم النبي ﷺ بلفظ يقتضي مساواته للخالق شرك، فإن كان يعتقد المساواة، فهو شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنه دون ذلك، فهو أصغر، وإذا كان هذا شركًا، فكيف بمن يجعل حق الخالق للرسول ﷺ؟!\nهذا أعظم، لأنه ﷺ ليس له شيء من خصائص الربوبية، بل يلبس الدرع، ويحمل السلاح، ويجوع، ويتألم، ويمرض، ويعطش كبقية الناس، ولكن الله فضله على البشر بما أوحى إليه من هذا الشرع العظيم، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ [الكهف: ١١٠]، فهو بشر، وأكد هذه البشرية بقوله: مِّثْلُكُمْ، ثم جاء التمييز بينه وبين بقية البشر بقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠]، ولا شك أن الله أعطاه من الأخلاق الفاضلة التي بها الكمالات من كل وجه أعطاه من الصبر العظيم، وأعطاه من الكرم ومن الجود، لكنها كلها في حدود البشرية، أما أن تصل إلى خصائص الربوبية، فهذا أمر لا يمكن، ومن ادعى ذلك، فقد كفر بمحمد ﷺ وكفر بمن أرسله.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢١٤) (١٨٣٩)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١/ ٢٩٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٤٥)، قال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٠٠): إسناده صحيح، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٢٥٣): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٦٠١).","vol":"3","page":97},{"text":"فالمهم أننا لا نغلو في الرسول ﵊ فننزله في منزلة هو ينكرها، ولا نهضم حقه الذي يجب علينا فنعطيه ما يجب له، ونسأل الله أن يعيننا على القيام بحقه، ولكننا لا ننزله منزلة الرب ﷿.\n٢ - إنكار المنكر وإن كان في أمر يتعلق بالمنكر، لقوله ﷺ «أجعلتني لله ندًا»، مع أنه فعل ذلك تعظيمًا للنبي ﷺ، وعلى هذا إذا انحنى لك شخص عند السلام، فالواجب عليك الإنكار.\n٣ - أن من حسن الدعوة إلى الله ﷿ أن تذكر ما يباح إذا ذكرت ما يحرم، لأنه ﷺ لما منعه من قوله: «ما شاء الله وشئت» أرشده إلى الجائز وهو قوله: «بل ما شاء الله وحده».\nولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: «رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت، أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ، فأخبرته، قال: هل أخبرت بها أحدًا؟. قلت نعم قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن طفيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده» (١). القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين – ٢/ ٤٠٨\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٢١٩٩)، والطبراني (٨/ ٣٢٥)، والحاكم (٣/ ٣٢٣). قال أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٩١): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٣٨).","vol":"3","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-766>المثال الثالث: الاستسقاء بالأنواء</span>\nالاستسقاء في اللغة: من سقى، يسقي، والمصدر: سقيا، بفتح السين وتسكين القاف، والاسم: السقيا، والمراد: إنزال الغيث (١)، والسين والتاء في «الاستسقاء» تدل على الطلب، أي السقيا، كالاستغفار، فهو طلب المغفرة، فمادة (استفعل) تدل على الطلب غالبًا (٢).\nوالأنواء: جمع نوء، وهو النجم، وفي السنة الشمسية ثمانية وعشرون نجمًا، كنجم الثريا، ونجم الحوت.\nفالاستسقاء بالأنواء: أن يطلب من النجم أن ينزل الغيث، ويدخل فيه أن يُنسب الغيث إلى النجم، كما كان أهل الجاهلية يزعمون، فكانوا إذا نزل مطر في وقت نجم معين نسبوا المطر إلى ذلك النجم، فيقولون: مطرنا بنوء كذا، أو هذا مطر الوسمي، أو هذا مطر الثريا، ويزعمون أن النجم هو الذي أنزل هذا الغيث (٣).\nوالاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: أن ينسب المطر إلى النجم معتقدًا أنه هو المنزل للغيث بدون مشيئة الله وفعله جل وعلا، فهذا شرك أكبر بالإجماع.\nالقسم الثاني: أن ينسب المطر إلى النوء معتقدًا أن الله جعل هذا النجم سببًا في نزول هذا الغيث، فهذا من الشرك الأصغر؛ لأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فالله تعالى لم يجعل شيئًا من النجوم سببًا في نزول الأمطار، ولا صلة للنجوم بنزولها بأي وجه، وإنما أجرى الله العادة بنزول بعض الأمطار في وقت بعض النجوم.\nوقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الاستسقاء بالأنواء، ومنها:\n١ - ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس – ﵄ – قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: «أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا» (٤). قال: فنزلت هذه الآية: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: ٧٥] حتى بلغ: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، ومعنى الآية الأخيرة: أنكم تجعلون شكر ما أنعم الله به عليكم من الغيث أنكم تكذبون بذلك، وذلك بنسبة إنزال الغيث إلى غير الله تعالى (٥).\n٢ - ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (٦). وهذا الحديث يشمل على الصحيح النوعين السابقين، فهذا القول كفر، لكن إن نسب الغيث إلى النجم من دون الله فهو كفر وشرك أكبر، وإن نسبه إليه نسبة تسبب فهو كفر نعمة وشرك أصغر.\n٣ - ما رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» (٧).\n_________\n(١) «معجم مقاييس اللغة» و«النهاية» (مادة: سقي).\n(٢) «القول المفيد» باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.\n(٣) ينظر: «التمهيد» (١٦/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، «شرح السنة» (٤/ ٤٢٠)، «شرح النووي لصحيح مسلم» (٢/ ٦١)، «النهاية» (مادة: نوأ)، «جامع الأصول»: النجوم (١١/ ٥٧٧ - ٥٧٨).\n(٤) رواه مسلم (٧٣)\n(٥) «المفهم» (١/ ٢٦١)، «إكمال المعلم» (١/ ٣٣٣).\n(٦) رواه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١).\n(٧) رواه مسلم (٩٣٤).","vol":"3","page":99},{"text":"هذا وإذا قال المسلم: (مطرنا بنوء كذا وكذا) ومقصده أن الله أنزل المطر في وقت هذا النجم، معتقدًا أنه ليس للنجم أدنى تأثير لا استقلالًا ولا تسببًا فقد اختلف أهل العلم في حكم هذا اللفظ: فقيل: هو محرم (١).\nوقيل: مكروه (٢). وقيل: مباح (٣)، ولا شك أن هذا اللفظ ينبغي تركه، واستبداله بالألفاظ الأخرى التي لا إيهام فيها، فإما أن يقول: (مطرنا بفضل الله ورحمته)، أو يقول: (هذه رحمة الله)، وهذا هو الذي ورد الثناء على من قاله، كما سبق في النصوص، فهو أولى من غيره، وإما أن يقول: (هذا مطر أنزله الله في وقت نجم كذا)، أو يقول: (مطرنا في نوء كذا)، ونحو ذلك من العبارات الصريحة التي لا لبس ولا إشكال فيها، فقول (مطرنا بنوء كذا) أقل أحواله الكراهة الشديدة، والقول بالتحريم قول قوي، لما يلي:\n١ - أنه قد جاء الحديث القدسي مطلقًا بعيب قائلي هذا اللفظ، وباعتبار قولهم كفرًا بالله تعالى، وإيمانًا بالكوكب.\n٢ - أن هذا القول ذريعة إلى الوقوع في الاعتقاد الشركي، فاعتياد الناس عليه في عصر قد يؤدي بجهالهم أو بمن يأتي بعدهم إلى الوقوع في الاستسقاء الشركي بالأنواء.\n٣ - أنه لفظ موهم لاعتقاد فاسد.\n٤ - أن فيه استبدالًا للفظ المندوب إليه شرعًا في هذه الحال، وهو قول: (مطرنا بفضل الله ورحمته) بلفظ من ألفاظ المشركين، ففي هذا ترك للسنة وتشبه بالمشركين، وقد نهينا عن التشبه بهم.\nقريب من لفظ (مطرنا بنوء كذا وكذا) ما يشبهه من الألفاظ الموهمة، كلفظ (هذا مطر الوسمي)، ونحو ذلك.\nهذا وهناك أمثلة أخرى كثيرة للشرك الأصغر تركتها خشية الإطالة، ومن ذلك التسمي بالأسماء التي فيها تعظيم لا يليق إلا بالله تعالى، كملك الملوك، وقاضي القضاة ونحوهما، ومنها التسمي بأسماء الله تعالى، ومنها التسمي باسم فيه تعبيد لغير الله تعالى، كعبد الرسول، وعبد الحسين، ونحوهما، ومنها بعض صور التبرك البدعي، ومنها التصوير لذوات الأرواح إذا كان فيه نوع تعظيم، ومنها سب الدهر، ومنها الحكم بغير ما أنزل الله، وبالأخص إذا كان في قضية واحدة. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٤٢٩\nالاستسقاء: طلب السقيا، كالاستغفار: طلب المغفرة والاستعانة: طلب المعونة، والاستعاذة: طلب العوذ، والاستهداء: طلب الهداية، لأن مادة استفعل في الغالب تدل على الطلب، وقد لا تدل على الطلب، بل تدل على المبالغة في الفعل، مثل: استكبر، أي: بلغ في الكبر غايته، وليس المعنى طلب الكبر، والاستسقاء بالأنواء، أي: أن تطلب منها أن تسقيك.\nوالاستسقاء بالأنواء، أي: أن تطلب منها أن تسقيك.\nوالاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: شرك أكبر، وله صورتان:\nالأولى: أن يدعو الأنواء بالسقيا، كأن يقول: يا نوء كذا! اسقنا أو أغثنا، وما أشبه ذلك، فهذا شرك أكبر، لأنه دعا غير الله، ودعاء غير الله من الشرك الأكبر، قال تعالى: وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: ١٧]، وقال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: ١٨]، وقال تعالى وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦].\n_________\n(١) «الفروع»: صلاة الاستسقاء (١/ ١٦٣)، «التيسير وفتح المجيد» باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.\n(٢) «الأذكار» للنووي (ص: ٣٠٨)، «شرح مسلم للنووي» (٢/ ٦١).\n(٣) «شرح السنة» الاستسقاء (٤/ ٤٢١)، «النهاية» (مادة: نوأ)؛ «جامع الأصول» النجوم (١١/ ٥٧٨).","vol":"3","page":100},{"text":"إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على النهي عن دعاء غير الله، وأنه من الشرك الأكبر.\nالثانية: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنها هي الفاعلة بنفسها دون الله ولو لم يدعها، فهذا شرك أكبر في الربوبية، والأول في العبادة، لأن الدعاء من العبادة، وهو متضمن للشرك في الربوبية، لأنه لم يدعها إلا وهو يعتقد أنها تفعل وتقضي الحاجة.\nالقسم الثاني\nشرك أصغر، وهو أن يجعل هذه الأنواء سببًا مع اعتقاده أن الله هو الخالق الفاعل، لأن كل من جعل سببًا لم يجعله الله سببًا لا بوجه ولا بقدرة، فهو مشرك شركًا أصغر.\nوقال الله تعالى وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٨٢].\nقوله تعالى: وتجعلون. أي: تصيرون، وهى تنصب مفعولين: الأول: رزق، والثاني أن، وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول ثان، والتقدير: وتجعلون رزقكم كونكم تكذبون أو تكذيبكم.\nوالمعنى: تكذبون أنه من عند الله، حيث تضيفون حصوله إلى غيره.\nقوله: رزقكم. الرزق هو العطاء، والمراد به هنا: ما هو أعم من المطر، فيشمل معنيين:\nالأول: أن المراد به رزق العلم، لأن الله قال: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٧٥ - ٨٣]، أي: تخافونهم فتداهنونهم، وتجعلون شكر ما رزقكم الله به من العلم والوحي أنكم تكذبون به، وهذا هو ظاهر سياق الآية.\nالثاني: أن المراد بالرزق المطر، وقد روي في ذلك حديث عن النبي ﷺ لكنه ضعيف، إلا أنه صح عن ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: أن المراد بالرزق المطر، وأن التكذيب به نسبته إلى الأنواء (١)، وعليه يكون ما ساق المؤلف الآية من أجله مناسبًا للباب تمامًا. والقاعدة في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين جميعًا بدون منافاة تحمل عليهما جميعًا، وإن حصل بينهما منافاة طلب المرجح.\nومعنى الآية: أن الله يوبخ هؤلاء الذين يجعلون شكر الرزق التكذيب والاستكبار والبعد، لأن شكر الرزق يكون بالتصديق والقبول والعمل بطاعة المنعم، والفطرة كذلك لا تقبل أن تكفر بمن ينعم عليها، فالفطرة والعقل والشرع كل منها يوجب أن تشكر من ينعم عليك، سواء قلنا: المراد بالرزق المطر الذي به حياة الأرض، أو قلنا: إن به القرآن الذي به حياة القلوب، فإن هذا من أعظم الرزق، فكيف يليق بالإنسان أن يقابل هذه النعمة بالتكذيب؟!\nواعلم أن التكذيب نوعان:\nأحدهما: التكذيب بلسان المقال، بأن يقول هذا كذب، أو المطر من النوء ونحو ذلك.\nوالثاني: التكذيب بلسان الحال، بأن يعظم الأنواء والنجوم معتقدًا أنها السبب، ولهذا وعظ عمر بن عبد العزيز الناس يومًا، فقال: (أيها الناس! إن كنتم مصدقين، فأنتم حمقى، وإن كنتم مكذبين، فأنتم هلكى) (٢). وهذا صحيح، فالذي يصدق ولا يعمل أحمق، والمكذب هالك، فكل إنسان عاص نقول له الآن: أنت بين أمرين: إما أنك مصدق بما رتب على هذه المعصية، أو مكذب، فإن كنت مصدقًا، فأنت أحمق، كيف لا تخاف فتستقيم؟ ! وإن كنت غير مصدق، فالبلاء أكبر، فأنت هالك كافر.\nوعن أبي مالك الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» (٣).\n_________\n(١) [٣٦٨٧]» رواه مسلم (٧٣).\n(٢) [٣٦٨٨]» رواه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٢٩٠).\n(٣) [٣٦٨٩]» رواه مسلم (٩٣٤).","vol":"3","page":101},{"text":"قوله في حديث أبي مالك: (أربع في أمتي). الفائدة من قوله: (أربع) ليس الحصر، لأن هناك أشياء تشاركها في المعنى، وإنما يقول النبي ﷺ ذلك باب حصر العلوم وجمعها بالتقسيم والعدد، لأنه يقرب الفهم، ويثبت الحفظ.\nقوله: (من أمر الجاهلية). أمر هنا بمعنى شأن، أي: من شأن الجاهلية وهو واحد الأمور، وليس واحد الأوامر، وليس الأوامر، لأن واحد الأوامر طلب الفعل على وجه الاستعلاء.\nوقوله: (من أمر الجاهلية). إضافتها إلى الجاهلية الغرض منها التقبيح والتنفير، لأن كل إنسان يقال: فعلك فعل الجاهلية لا شك أنه يغضب، إذ إنه لا أحد يرضى أن يوصف بالجهل، ولا بأن فعله من أفعال الجاهلية، فالغرض من الإضافة هنا أمران:\nالتنفير.\nبيان أن هذه الأمور كلها جهل وحمق بالإنسان، إذ ليست أهلًا بأن يراعيها الإنسان أو يعتني بها، فالذي يعتني بها جاهل.\nوالمراد بالجاهلية هنا: ما قبل البعثة، لأنهم كانوا على جهل وضلال عظيم حتى إن العرب كانوا أجهل خلق الله، ولهذا يسمون بالأميين، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، نسبة إلى الأم، كأن أمه ولدته الآن.\nلكن لما بعث فيهم هذا النبي الكريم، قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [آل عمران: ١٦٤]، فهذه منة عظيمة أن بعث فيهم النبي ﵊ لهذه الأمور السامية:\nيتلو عليهم آيات الله. ويزكيهم، فيطهر أخلاقهم وعبادتهم وينميها.\nويعلمهم الكتاب والحكمة.\nهذه فوائد أربع عظيمة لو وزنت الدنيا بواحدة منها لوزنتها عند من يعرف قدرها، ثم بين الحال من قبل فقال وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [عمران: ١٦٤] و(إن هذه ليست نافية بل مؤكدة؛ فهي مخففة من الثقيلة، يعني: وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين.\nإذا ًالمراد بالجاهلية ما قبل البعثة، لأن الناس كانوا فيها على جهل عظيم. فجهلهم شامل للجهل في حقوق الله وحقوق عباده، فمن جهلهم أنهم ينصبون النصب ويعبدونها من دون الله، ويقتل أحدهم ابنته لكي لا يعير بها، ويقتل أولاده من ذكور وإناث خشية الفقر.\nقوله: «لا يتركونهن». المراد: لا يتركون كل واحد منها باعتبار المجموع بالمجموع، بأن يكون كل واحد منها عند جماعة، والثاني عند آخرين، والثالث عند آخرين، والرابع عند آخرين، وقد تجتمع هذه الأقسام في قبيلة، وقد تخلو بعض القبائل منها جميعًا، إنما الأمة كمجموع لابد أن يوجد فيها شيء من ذلك، لأن هذا خبر من الصادق المصدوق ﷺ، والمراد بهذا الخبر التنفير، لأنه ﷺ قد يخبر بأشياء تقع وليس غرضه أن يؤخذ بها، كما قال ﷺ «لتركبن سنن من كان قبلكم اليهود والنصارى» (١) أي: فاحذروا، وأخبر ﷺ: «أن الظعينة تخرج من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله» (٢)، أي: بلا محرم، وهذا خبر عن أمر واقع وليس إقرارًا له شرعًا.\nقوله (أمتي) أي: أمة الإجابة.\n_________\n(١) [٣٦٩٠]» رواه البخاري (٣٤٥٦) من حديث أبي سعيد ﵁، ولفظه: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه) قلنا يارسول الله، اليهود والنصارى قال «فمن».\n(٢) روى البخاري (٣٥٩٥) من حديث عدي بن حاتم بلفظ: (فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله). أما لفظ: (أن الظعينة تخرج من صنعاء إلى حضر موت ......)، لم أجده.","vol":"3","page":102},{"text":"قوله: (الفخر بالأحساب). الفخر: التعالي والتعاظم، والباء للسببية، أي: يفخر بسبب الحسب الذي هو عليه.\nوالحسب: ما يحتسبه الإنسان من شرف وسؤدد، كأن يكون من بني هاشم فيفتخر بذلك، أو من آباء وأجداد مشهورين بالشجاعة، فيفتخر بذلك، وهذا من أمر الجاهلية، لأن الفخر في الحقيقة يكون بتقوى الله الذي يمنع الإنسان من التعالي والتعاظم، والمتقي حقيقة هو الذي كلما ازدادت نعم الله عليه ازداد تواضعًا للحق وللخلق.\nوإذا كان الفخر بالحسب من فعل الجاهلية، فلا يجوز لنا أن نفعله، ولهذا قال تعالى لنساء نبيه ﷺ: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ [الأحزاب: ٣٣]، واعلم أن كل ما ينسب إلى الجاهلية، فهو مذموم ومنهي عنه.\nقوله: «الطعن في الأنساب». الطعن العيب، لأنه وخز معنوي كوخز الطاعون في الجسد، ولهذا سمي العيب طعنًا.\nوالأنساب: جمع نسب، وهو أصل الإنسان وقرابته، فيطعن في نسبه كأن يقول: أنت ابن الدباغ، أو أنت ابن مُقطَّعة البظور – وهو شيء في فرج المرأة يقطع عند ختان النساء -.\nقوله: «والاستسقاء بالنجوم». أي: نسبة المطر إلى النجوم مع اعتقاد أن الفاعل هو الله – ﷿، أما إن أعتقد أن النجوم هي التي تخلق المطر والسحاب أو دعاها من دون الله لتنزل المطر، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة .............\nأن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة، فمن أهل العلم من قال: إنه داخل تحت المشيئة: إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له.\nومن أهل العلم من قال: إنه ليس بداخل تحت المشيئة، وإنه لابد أن يعاقب، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيميه لإطلاق قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ١١٦]، فقال: والشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، وبهذا نعرف عظم سيئة الشرك، قال ابن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقًا) (١)\nلأن الحلف بغير الله من الشرك، والحلف بالله كاذبًا من كبائر الذنوب وسيئة الشرك أعظم من سيئة الذنب.\nثبوت الجزاء والبعث.\nأن الجزاء من جنس العمل.\nولهما عن زيد بن خالد ﵁، قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصراف، اقبل على الناس، فقال «هل تدرون ماذا قال ربكم» (٢)؟.\nقوله في حديث زيد بن خالد (صلى لنا). أي إمامًا، لأن الإمام يصلي لنفسه ولغيره، ولهذا يتبعه المأموم، وقيل: إن اللام بمعنى الباء، وهذا قريب وقيل: إن اللام للتعليل، أي: صلى لأجلنا.\nقوله: (صلاة الصبح بالحديبية). أي صلاة الفجر، والحديبية فيها لغتان: التخفيف، وهو أكثر، والتشديد، وهى أسم بئر سمي بها المكان، وقيل أن أصلها شجرة حدبا تسمى حديبية، والأكثر على أنها بئر، وهذا المكان قريب من مكة بعضه في الحل وبعضه في الحرم، نزل به الرسول ﷺ في السنة السادسة من الهجرة لما قدم معتمرًا، فصده المشركون عن البيت، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون، ويسمى الآن الشميسي.\nقوله: (على إثر سماء كانت من الليل). الإثر معناه العقب، والأثر معناه العقب، والأثر: ما ينتج عن السير.\nقوله: (سماء). المراد به المطر.\n_________\n(١) رواه الطبراني (٩/ ١٨٣) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٧٩) وعبد الرزاق في «المصنف» (٨/ ٤٩٦)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٧٧) رجاله رجال الصحيح، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٥٨): رواته رواة الصحيح، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (٢٥٦٢).\n(٢) [٣٦٩٣]» رواه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١).","vol":"3","page":103},{"text":"قوله: (كانت من الليل). (من) لابتداء الغاية هذا هو الظاهر – والله أعلم -، ويحتمل أن تكون بمعنى في للظرفية.\nقوله: (فلما انصرف) أي: من صلاته، وليس من مكانه بدليل قوله: (أقبل على الناس).\nقوله: (هل تدرون ماذا قال ربكم؟). الاستفهام يراد به التنبيه والتشويق لما سيلقي عليهم، وإلا، فالرسول ﷺ يعلم أنهم لا يعلمون ماذا قال الله، لأن الوحي لا ينزل عليهم.\nومعنى قوله: (هل تدرون). أي: هل تعلمون.\nوالمراد بالربوبية هنا الخاصة، لأن ربوبية الله للمؤمن خاصة كما أن عبودية المؤمن له خاصة، ولكن الخاصة لا تنافي العامة، لأن العامة تشمل هذا وهذا، والخاصة تختص بالمؤمن.\nقوله: (قالوا: الله ورسوله). فيه إشكال نحوي، لأن: (أعلم) خبر عن اثنين، وهي مفرد، فيقال: أن اسم التفضيل: إن اسم التفضيل إذا نوي به معنى (من)، وكان مجردًا من أل والإضافة لزم فيه الإفراد والتذكير.\nوفيه أيضًا إشكال معنوي، وهو أنه جمع بين الله ورسوله بالواو، مع أن الرسول ﷺ لما قال له الرجل: «ما شاء الله وشئت. قال أجعلتني لله ندًا!» (١)\nفيقال: أن هذا أمر شرعي، وقد نزل على الرسول ﷺ.\nوأما إنكاره على من قال: ما شاء وشئت، فلأنه أمر كوني، والرسول ﷺ ليس له شأن في الأمور الكونية.\nوالمراد بقولهم: (الله ورسوله أعلم) تفويض العلم إلى الله ورسوله، وأنهم لا يعلمون.\nقالوا: الله ورسوله أعلم. قال «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال، مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (٢).\nقوله: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر). (مؤمن) صفة لموصوف محذوف، أي: عبد مؤمن، وعبد كافر.\nو(أصبح): من أخوات كان، واسمها: (مؤمن)، وخبرها: (من عبادي). ويجوز أن يكون (أصبح) فعلًا ماضيًا ناقصًا، واسمها ضمير الشأن، أي: أصبح الشأن، فـ (من عبادي) خبر مقدم، و(مؤمن) مؤخر، أي: أصبح شأن الناس منهم مؤمن ومنهم كافر.\nقوله: (فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته). أي: قال بلسانه وقلبه، والباء للسببية، وأفضل: العطاء والزيادة.\nوالرحمة: صفة من صفات الله، يكون بها الإنعام والإحسان إلى الخلق.\nوقوله: (فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب). لأنه نسب المطر إلى الله ولم ينسبه إلى الكوكب، ولم ير له تأثيرًا في نزوله، بل نزل بفضل الله.\nقوله: (وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا). الباء للسببية، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب، وصار كافرًا بالله، لأنه أنكر نعمة الله ونسبها إلى سبب لم يجعله الله سببًا، فتعلقت نفسه بهذا السبب، ونسي نعمة الله، وهذا الكفر لا يخرج من الملة، لأن المراد نسبة المطر إلى النوء على أنه سبب وليس إلى النوء على أنه فاعل.\nلأنه قال: (مطرنا بنوء كذا)، ولم يقل: أنزل علينا المطر نوء كذا، لأنه لو قال ذلك، لكان نسبة المطر إلى النوء نسبة إيجاد، وبه نعرف خطأ من قال: إن المراد بقوله: (مطرنا بنوء كذا) نسبة المطر إلى النوء نسبة إيجاد، لأنه لو كان هذا هو المراد لقال: أنزل علينا المطر نوء كذا ولم يقل مطرنا به.\nفعلم أن المراد أن من أقر بأن الذي خلق المطر وأنزله هو الله، لكن النوء هو السبب، فهو كافر، وعليه يكون من باب الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢١٤) (١٨٣٩) والبخاري في «الأدب المفرد» (١/ ٢٩٠) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٤٥)، قال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٠٠): إسناده صحيح، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٢٥٣): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٦٠١).\n(٢) [٣٦٩٥]» رواه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١).","vol":"3","page":104},{"text":"والمراد بالكوكب النجم، وكانوا ينسبون المطر إليه، ويقولون: إذا سقط النجم الفلاني جاء المطر، وإذا طلع النجم الفلاني جاء المطر، وليسوا ينسبونه إلى هذا نسبة وقت، وإنما نسبة سبب، فنسبة المطر إلى النوء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nنسبة إيجاد، وهذه شرك أكبر.\nنسبة سبب، وهذه شرك أصغر.\nنسبة وقت، وهذه جائزة بأن يريد بقوله: مطرنا بنوء كذا، أي: جاءنا المطر في هذا النوء أي في وقته.\nولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويجوز مطرنا في نوء كذا، وفرقوا بنيهما أن الباء للسببية، و(في) للظرفية، ومن ثم قال أهل العلم: إنه إذا قال: مطرنا بنوء كذا وجعل الباء للظرفية فهذا جائز، وهذا وإن كان له وجه من حيث المعنى، لكن لا وجه له من حيث اللفظ، لأن لفظ الحديث: (من قال: مطرنا بنوء كذا)، والباء للسببية أظهر منها للظرفية، وهي وإن جاءت للظرفية كما في قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، لكن كونها للسببية أظهر، والعكس بالعكس، (في) للظرفية أظهر منها للسببية وإن جاءت للسببية، كما في قوله ﷺ «دخلت امرأة النار في هرة» (١)\nوالحاصل أن الأقرب المنع ولو قصد الظرفية، لكن إذا كان المتكلم لا يعرف من الباء إلا الظرفية مطلقًا، ولا يظن أنها تأتى سببية، فهذا جائز، ومع ذلك فالأولى أن يقال لهم: قولوا: في نوء كذا.\nولهما من حديث ابن عباس معناه وفيه قال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا. فأنزل الله هذه الآيات: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢].\nقوله: (ولهما). الظاهر أنه سبق قلم، وإلا، فالحديث في (مسلم) وليس في (الصحيحين).\nومعنى الحديث: أنه لما نزل المطر نسبه بعضهم إلى رحمة الله وبعضهم قال: لقد صدق نوء كذا وكذا، فكأنه جعل النوء هو الذي أنزل المطر أو نزل بسببه.\nومنه ما يذكر في بعض كتب التوقيت: (وقل أن يخلف نوؤه)، أو: (هذا نوؤه صادق)، وهذا لا يجوز، وهو الذي أنكره الله – ﷿ – على عباده، وهذا شرك أصغر، ولو قال بإذن الله، فإنه لا يجوز لأن كل الأسباب من الله، والنوء لم يجعله الله سببًا. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - بتصرف– ٢/ ١٤١\n_________\n(١) [٣٦٩٦]» رواه البخاري (٣٣١٨) من حديث عبد الله بن عمر ﵁. ومسلم (٢٦١٩) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-768>تمهيد</span>\nلما كانت الأعمال الشركية كثيرة لا حصر لها، رأينا أنه من اللازم علينا الكلام على بعضها مما هو منتشر بين الناس خطره، وقد يخفى عليهم حكمه. وهي ما بين قضايا منافية للتوحيد، وأخرى منافية لكماله؛ أو قضايا لها جهتان: فهي من جهة تنافي التوحيد، ومن جهة تنافي كماله.\nوعلة ذلك: أنها تارة تكون من الشرك، أو الكفر، أو النفاق الأكبر، وتارة تكون من الشرك، أو الكفر، أو النفاق الأصغر. وقد تقدم أن الأولى تنافي التوحيد، وأن الثانية تنافي كمال التوحيد. وهكذا الأمر نفسه بالنسبة للوسائل، فما أوصل للشرك الأكبر ونحوه أخذ حكمه، وما أوصل إلى الشرك الأصغر ونحوه أخذ حكمه.\nوهذه الأعمال كما يلي: المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٤١","vol":"3","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>الفرع الأول: السحر والشعوذة</span>\nوهو لغة: عبارة عما خفي ولطف سببه، ومنه سمي السحر سحرًا لأنه يقع خفيًا آخر الليل، ومنه قوله ﷺ: «إن من البيان لسحرًا» لما في البيان من قدرة من يتصف به على إخفاء الحقائق.\nوشرعًا: هو عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان، فتمرض وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه، قال تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ، وقد أمر الله بالتعوذ من السحر وأهله، فقال جل شأنه: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ وهن السواحر اللواتي ينفخن في عقد السحر، والسحر له حقيقة؛ ولذا أمرنا بالتعوذ منه، وظهرت آثاره على المسحورين، قال تعالى: وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. فوصفه بالعظم، ولو لم تكن له حقيقة لم يوصف بهذا الوصف، وهذا لا يمنع أن يكون من السحر ما هو خيال، كما قال سبحانه عن سحر سحرة فرعون: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى أي: يخيل لموسى أن الحبال تسعى كالحيات من قوة ما صنعوه من السحر. وعليه فالسحر قسمان:\nأحدهما: سحر حقيقي.\nوالثاني: سحر خيالي.\nوهذا لا يعني أن الساحر قادر على تغيير حقائق الأشياء، فهو لا يقدر على جعل الإنسان قردًا أو القرد بقرة مثلًا.\nوالساحر ليس هو ولا سحره مؤثرين بذاتهما ولكن يؤثر السحر إذا تعلق به إذن الله القدري الكوني، وأما إذن الله الشرعي فلا يتعلق به البتة؛ لأن السحر مما حرمه الله ولم يأذن به شرعًا، قال تعالى: وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ.\nوحكم الساحر: كافر خارج عن ملة الإسلام، والسحر: كفر مخرج عن ملة الإسلام، فهو من الكفر الأكبر الذي إن مات عليه لم يغفر له، وأحبط له عمله.\nوعليه، فالساحر يقتل مرتدًا، وقد ثبت قتل الساحر عن عدد من أصحاب رسول الله ﵇، فقد صح عن أم المؤمنين حفصة (أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت)، وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر ابن الخطاب ﵁: (أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر). وقد صح عن جندب بن عبد الله الأزدي مرفوعًا إلى رسول الله ﵊ قال: «حد الساحر ضربة بالسيف» وهو قول مالك وأحمد وأبي حنيفة وقال الشافعي: (يقتل إذا قتل به إنسانًا). وقال أبو حنيفة: (يقتل إن تكرر منه السحر). وقتله عند مالك وأحمد وأبي حنيفة حد للمرتد، وعند الشافعي لا يقتل إلا إذا قتل به قصاصًا عن قتله لمعصوم، وأما كفره، فإن لم يصف كفرًا ولا فعله فليس بكافر، مع العلم بأن الكل متفقون على أنه محرم، ومن كبائر الذنوب، بل من الموبقات، كما قال ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر ...» إلخ الحديث.\nهذا وقد كان سحر النبي ﵊ من قبيل المرض المؤثر في البدن دون العقل الذي هو مناط التكليف، ولذا لما أمره جبريل وميكائيل أن يقرأ المعوذات الثلاث (سورة الإخلاص والفلق والناس) فهم عنهما وقرأ فأزال الله بذلك ما كان يشعر به.\nوالصحيح الراجح من أقوال أهل العلم عندي: أن الساحر كافر بالله كما قال تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [البقرة: ١٠٢]، ولولا أن تعلمه واستعماله كفر لما وجها له هذا التحذير.\nويدخل في مسمى السحر ما يفعله بعض الناس مما يسمى خفة يد، والتنويم المغناطيسي، وما يسمى بتحضير الأرواح، وغيرها من أفعال الشعوذة والدجالين.\nوإذا كان السحر محرمًا والساحر على الراجح كافرًا فإن إتيانهم، وطلب عمل السحر أيضًا محرم، ومن يقصد الساحر كافر كفرًا أصغر هو أعظم من كبائر الذنوب، لظاهر قوله ﷺ: «من تعلم شيئا من السحر قليلًا كان أو كثيرًا كان آخر عهده من الله» رواه عبد الرزاق، عن صفوان بن سليم، وهو مرسل (١).\nوالسحر من الشرك لأنه لا يحصل إلا بالاستعانة بالشياطين، كما قال ﷺ: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه» رواه النسائي وحسنه ابن مفلح (٢). المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٤١\n_________\n(١) [٣٦٩٧]» رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٨٧٥٣).\n(٢) [٣٦٩٨]» رواه النسائي (٧/ ١١٢)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ١٢٧)، قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٥/ ٥٥١): [فيه] عباد المنقري هو ممن يكتب حديثه، وقال المزي في «تهذيب الكمال» (٩/ ٤٢٩): [فيه] عباد بن ميسرة قال يحيى بن معين ليس به بأس وقال أبو داود ليس بالقوي، وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ٣٧٨): لا يصح للين عباد بن ميسرة وانقطاعه، وقال الألباني في «ضعيف النسائي»: ضعيف لكن جملة التعليق ثبتت في الحديث.","vol":"3","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-770>الفرع الثاني: الكهانة</span>\nالكهانة هي طلب العلم بالمستقبل والإخبار عما في الضمير. فالكاهن مدع للعلم بالغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، كما قال ﷾: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا.\nوأما ما يتكلم به الكاهن فيقع كما أخبر فذلك سببه مسترق السمع من الشياطين الذي يلقي للكاهن ما استرقه ومعه تسعا وتسعين كذبة، فصارت نسبة إصابته الحق في حقه واحد إلى مائة مما يدل على أن إصابة الحق عنده ضعيفة جدا، بل بعيدة للغاية، وعندئذ فلا تكون إصابته لأنه عالم، بل لأنها وافقت ما في علم الله، وإلا فإنه رماها مع عدم علمه بأنها ستقع قطعًا.\nوعلى هذا، فالكاهن في إخباره عما يقع في المستقبل، أو في الضمير كاذب في ادعاء علمه، وهو يستغل البسطاء من الناس، ويسلب أموالهم بغير حق، وهو ينشر أنواع الشعوذات فيهم، ويجعلهم أكثر قابلية للدجل، والشعوذة والإيمان بالخرافة.\nومن هنا حرمت الكهانة وما في معناها من العرافة وهي: الاستدلال على المسروق ببعض المقدمات، كأثر السارق، ورؤية محل السرقة، أو منديل السارق، أو نحو ذلك؛ لأنها من جنس الكهانة، وفيها ما فيها من معنى.\nوالكاهن كافر بالله كفرًا أكبر لادعائه علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ومن أتاه مصدقًا أنه يعلم الغيب كافرًا كفرًا أكبر، أما من لم يصدقه لكن حضر مكانه ليرى ما يفعله لا لقصد الشهادة عليه أو أمره بمعروف، أو نهيه عن منكر، أو حضر ليعمل بما أشار به لدعوى أنه لا ضرر فيه، فإن أفاد حصل المطلوب، وإن لم يحصل فلا ضرر؛ فإنه كافر كفرًا أصغر، أكبر من كبائر الذنوب.\nقال الرسول ﵊: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» رواه أبو داود. وفي رواية للأربعة والحاكم: «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ». (١). وقال ﵊: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا» رواه مسلم (٢).\nهذا، ولأحمد ﵁ فيمن أتى الكاهن فصدقه روايتان:\nإحداهما: أنه كفر أصغر ولعله الراجح.\nالثانية: التوقف مع تسميته كافرًا كما سماه الرسول ﷺ، فالتوقف في الحكم لا في التسمية، فلا يقال: ينقل عن الملة.\nويلتحق بالكاهن حكمًا به الرمال، والضرب بالحصى، وقراءة الكف، والفنجان، وقراءة الحروف الأبجدية، وقراءة البروج، وقراءة الخطوط ونحو ذلك مما انتشر في هذا العصر من أنواع الكهانة. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٤٣\n_________\n(١) [٣٦٩٩]» رواه أبو داود (٣٩٠٤)، بلفظ (من أتى كاهنا) بدون (عرافا) وزاد (أو أتى امرأتا حائضا أو أتى امرأتا في دبرها فقد برئ) بدلا من (فقد كفر) والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣٢٣) (٩٠١٧) بلفظ «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها) بدون (عرافا)، ورواه الحاكم (١/ ٤٩)، قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما جميعا من حديث ابن سيرين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨): له متابعة، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٧): له شاهد [وروي] بإسنادين جيدين ولفظهما (من أتى كاهنا)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» و«صحيح ابن ماجه».\n(٢) [٣٧٠٠]» رواه مسلم (٢٢٣٠)","vol":"3","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-771>الفرع الثالث: النشرة</span>\nقال ابن الأثير: (النشرة بالضم ضرب من الرقية والعلاج يعالج به من كان يظن أن به مسًّا من الجن، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء أي: يكشف ويزال)، والمراد بها هنا: هي حل السحر عن المسحور وهي نوعان:\nالأول: حل السحر عن المسحور بسحر مثله، وهو محرم، وهو كفر أصغر، وهو الذي قال فيه الحسن: (لا يحل السحر إلا الساحر) (١)، حيث يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور.\nالثاني: حل السحر بالأدعية والرقى المباحة من القرآن والسنة، فهذا جائز.\nوعن جابر أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة، فقال: (هي من عمل الشيطان) رواه أحمد بسند جيد (٢). وقال ﷺ: «لا تداووا بحرام» (٣)، وقال: «ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها» فحل السحر بالسحر من عمل الشيطان، وعمل الشيطان محرم، فلا يكون فيه شفاء وتوقع أن فيه شفاء عادة لم يجز؛ لأنه يحرم التداوي بالمحرمات، ولا يقال أن ذلك مما تمليه الضرورة؛ لأن محل الضرورة ما فيه نفع يدفعها، والسحر ليس كذلك كما دل عليه الحديث المتقدم. وإن قلنا: إن فيها نفعًا فإن محل الضرورة خوف الموت، والمسحور لا يموت بمجرد سحره حتى يقال إنه يحافظ على نفسه، كما أن تجويز إتيان السحر من أجل العلاج به يساعد على تعلمه وهو يحمل ضمنًا تجويز تعلمه والعمل به، ويفتح الباب لكل شرير أن يسحر فيلجأ الناس إليه من أجل العلاج مما يزيد في شر السحرة وإفسادها، مع أن الشرع يحل دم الساحر ويدل على كفره – كما تقدم – وهذا الأمر مما ابتلي به كثير من الناس في عصرنا، فيكثر منهم من يذهب إلى السحر لحل ما أصابه من السحر عنه، مما جعل الناس يكثرون من لجوئهم إلى السحر سواء في العلاج، أو في طلب سحر الغير لحقد أو حسد أو بغضاء، مما زاد في الفساد وفتح باب الخرافة للناس. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٤٥\n_________\n(١) [٣٧٠١]» «فتح الباري» (١٠/ ٢٣٣)، وانظر «تغليق التعليق» (٣/ ٢٤٣).\n(٢) [٣٧٠٢]» رواه أبو داود (٣٨٦٨)، وأحمد (١٤١٦٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٣٥١)، ابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٤٠)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٣٥١): روي مرسلًا وهو أصح، وقال النووي في «المجموع شرح المهذب» (٩/ ٦٧): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».\n(٣) رواه أبو داود (٣٨٧٤). وسكت عنه أبو داود. وقال الألباني في «التعليقات الرضية» (٣/ ١٥٣): صحيح من حيث معناه لشواهده، وقال في «مشكاة المصابيح» (٤٤٦٤): إسناده ضعيف وشطره الأول صحيح لغيره. والحديث رواه الطبراني (٢٤/ ٢٥٤) بلفظ: «خلق» بدل «أنزل». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٨٦): رواه الطبراني ورجاله ثقات. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (١٦٣٣).","vol":"3","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-772>الفرع الرابع: التنجيم</span>\nوهو في اللغة: طلب العلم بالنجوم فالتاء في لفظ التنجيم للطلب فهو تفعيل منه.\nوشرعًا: هو الاستدلال بالنجوم.\nوالحكمة من خلق النجوم التي أخبرنا بها في كتابه الكريم هي:\n١ - علامات على الجهات التي تعرف بها الجهات الأصلية والفرعية.\n٢ - يهتدي بها المسافر إلى جهات البلدان؛ لمعرفة طرقها، أو أماكن وجودها، قال تعالى: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ.\n٣ - زينة للسماء الدنيا.\n٤ - رجومًا للشياطين المسترقين للسمع بعد بعثة النبي ﷺ قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وعليه فمن ادعى لها فائدة غير هذه طولب بالدليل الشرعي على ذلك، ولا يقر على شيء مما يقول حتى يقيمه بلا شبهة إذ لا يترك ما دل عليه كتاب الله لقول قائل كائنًا من كان.\nوالتنجيم على قسمين:\nالأول: علم تأثير:\nوهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، بأن تجعل أسبابًا مؤثرة أو مقارنة لها، فإن اعتقد أنها الفاعلة أو المؤثرة، سواء بنفسها أو ادعى أنها مؤثرة بإذنه تعالى فهو مشرك شركًا أكبر مخرجًا عن ملة الإسلام.\nوإن اعتقد أنها مقارنة للحوادث الأرضية لا تفارقها فهو مشرك شركًا أصغر، ينافي كمال التوحيد، وذلك لأن اعتقاد أن الشيء سبب مؤثر أو مقارنة أمر شرعي فلابد من ثبوت السببية شرعًا أو عادة وهي منفية هنا فدعواها قول على الله بغير علم.\nالثاني: علم تسيير:\nوهو الاستدلال بها على الجهات، ومواقع البلدان، ونحو ذلك، فهو جائز لا محظور فيه ومنه: حساب التقاويم، ومعرفة بروج الشتاء والصيف، وأوقات التلقيح، والتأبير، والأمطار، وهبوب الرياح وصلاح الثمار، وتهيج العلل. والأمراض، ونحو ذلك.\nوأما قوله ﷺ: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» رواه أبو داود، وإسناده صحيح (١). فالمراد به القسم الأول؛ لأن المعروف من حال المنجم هو الاستعانة بالشياطين واعتقادهم ما يعتقده الصابئة من أن النجوم ذوات أرواح فاعلة، فيستعينون بالشياطين في قضاء أمورهم، وبناء عليه اعتبر نوعًا من السحر. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٤٦\n(ينظر الفصل الثاني، من الباب الخامس، في الكتاب التاسع من الموسوعة)\n_________\n(١) [٣٧٠٤]» رواه أبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦)، وأحمد (١/ ٢٢٧) (٢٠٠٠) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٨)، والطبراني (١١/ ١٣٥)، كلهم رووه بلفظ: «من اقتبس علمًا من النجوم» بدلًا من «من اقتبس شعبةً من النجوم»، والحديث سكت عنه ابو داود، وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٩٣)، والنووي في «رياض الصالحين» (٥٣٦)، والعراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ١٤٤)، وأحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٣١٢) قالوا: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».","vol":"3","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-774>تمهيد:</span>\nالوسائل: جمع وسيلة، وهي: ما أدى إلى غيره.\nولذا فقد تقرر شرعًا أن ما كان وسيلة لمحرم فهو محرم، وما كان وسيلة لواجب فهو واجب، وما كان وسيلة لسنة فهو سنة، وما كان وسيلة لمكروه فهو مكروه، وما كان وسيلة إلى مباح فهو مباح. فكذلك ما كان وسيلة لشرك فهو شرك. وبذا يتبين أن خطر الوسيلة تبعًا لخطر ما تؤدي إليه، وإن أخطر الوسائل ما أدت إلى الشرك بالله لأنه أعظم ذنب عصي الله به.\nمن هنا تأتي أهمية معرفة وسائل الشرك المؤدية إليه، وقيمة العلم بها وبأحكامها، ولما كانت وسائل الشرك كثيرة غير محصورة، كان التعرض لأكثرها انتشارًا وأعظمها خطرًا أمرًا متعينًا علمًا بها، وتنبيهًا على غيرها المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٦٥\nولما كان الشرك الأكبر أعظم ذنب عصي الله به؛ حرم الله ورسوله ﷺ كل قول أو فعل يؤدي إليه، أو يكون سببًا في وقوع المسلم فيه.\nفالرسول ﷺ كان حريصًا على هداية أمته، وسلامتها من كل ما يكون سببًا في هلاكها، كما قال تعالى: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ١٢٨].\nوقال أبو ذر ﵁: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علمًا. قال: وقال رسول الله ﷺ: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا بين لكم» (١).\nوثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يحجزهن، ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقحمون فيها» (٢) رواه البخاري ومسلم.\nفالرسول ﷺ حمى جناب التوحيد من كل ما يهدمه أو ينقصه حماية محكمة، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك ولو من بعيد؛ لأن من سار على الدرب وصل؛ ولأن الشيطان يزين للإنسان أعمال السوء، ويتدرج به من السيء إلى الأسوأ شيئًا فشيئًا حتى يخرجه من دائرة الإسلام بالكلية – إن استطاع إلى ذلك سبيلًا – فمن انقاد له واتبع خطواته خسر الدنيا والآخرة.\nولذلك لما عصى كثير من المسلمين نبيهم محمد بن عبد الله ﷺ بفعل بعض الأمور التي نهاهم عنها وحذرهم منها، واتبعوا خطوات الشيطان الذي زين لهم الباطل ودعاهم إليه حتى ظنوا أنهم على الحق مع مخالفتهم ومعصيتهم الصريحة للنبي ﷺ أدى بهم ذلك إلى الوقوع في الشرك الأكبر المخرج من الملة. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٢٧٣\n_________\n(١) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢/ ١٥٥). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٦٦): رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ وهو ثقة. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٨٠٣): إسناده صحيح رجاله ثقات.\n(٢) رواه البخاري (٣٤٢٦)، ومسلم (٢٢٨٤)","vol":"3","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-776>المطلب الأول: تعريف التوسل</span>\nلفظة (التوسل) لفظة عربية أصيلة، وردت في القرآن والسنة وكلام العرب من شعر ونثر، وقد عني بها: التقرب إلى المطلوب، والتوصل إليه برغبة، قال ابن الأثير في (النهاية): (الواسل: الراغب، والوسيلة: القربة والواسطة، وما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل) وقال الفيروز أبادي في (القاموس): (وسل إلى الله تعالى توسيلًا: عمل عملًا تقرب به إليه كتوسل) وقال ابن فارس في (معجم المقاييس): (الوسيلة: الرغبة والطلب، يقال: وسل إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله ﷿، وهو في قول لبيد:\nأرى الناس لا يدرون ما قدْرُ أمرهم بلى، كل ذي دين إلى الله واسلُ).\nوقال الراغب الأصفهاني في (المفردات): (الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها لمعنى الرغبة، قال تعالى: وابتغوا إليه الوسيلة، وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى: مراعاة سبيله بالعمل والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسل: الراغب إلى الله تعالى).\nوقد نقل العلامة ابن جرير هذا المعنى أيضًا وأنشد عليه قول الشاعر:\nإذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل\nهذا وهناك معنى آخر للوسيلة هو المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة، كما ورد في الحديث تسمية أعلى منزلة في الجنة بها، وذلك هو قوله ﷺ: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (١).\nوواضح أن هذين المعنيين الأخيرين للوسيلة وثيقا الصلة بمعناها الأصلي، ولكنهما غير مرادين في بحثنا هذا.\nمعنى الوسيلة في القرآن:\nإن ما قدمته من بيان معنى التوسل هو المعروف في اللغة، ولم يخالف فيه أحد، وبه فسر السلف الصالح وأئمة التفسير الآيتين الكريمتين اللتين وردت فيهما لفظة (الوسيلة)، وهما قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٣٥].\nوقوله سبحانه: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: ٥٧].\nفأما الآية الأولى، فقد قال إمام المفسرين الحافظ ابن جرير ﵀ في تفسيرها: (يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. اتقوا الله يقول: أجيبوا الله فيما أمركم، ونهاكم بالطاعة له في ذلك. وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ: يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه).\nونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس ﵄ أن: معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: (أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه) ثم قال ابن كثير: (وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه .. والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود) (٢)\nوأما الآية الثانية فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: (نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون) (٣).\n_________\n(١) رواه مسلم (٣٨٤).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٢ - ٥٣).\n(٣) رواه مسلم (٣٠٣٠).","vol":"3","page":112},{"text":"قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١): (أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية).\n... وهي صريحة في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك قال:\nيبتغون أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة، وهي كذلك تشير إلى هذه الظاهرة الغريبة المخالفة لكل تفكير سليم، ظاهره أن يتوجه بعض الناس بعبادتهم ودعائهم إلى بعض عباد الله، يخافونهم ويرجونهم، مع أن هؤلاء العباد المعبودين قد أعلنوا إسلامهم، وأقروا لله بعبوديتهم، وأخذوا يتسابقون في التقرب إليه سبحانه، بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، ويطمعون في رحمته، ويخافون من عقابه، فهو سبحانه يُسَفه في هذه الآية أحلام أولئك الجاهلين الذين عبدوا الجن، واستمروا على عبادتهم مع أنهم مخلوقون عابدون له سبحانه، وضعفاء مثلهم، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، وينكر الله عليهم عدم توجيههم بالعبادة إليه وحده، ﵎، وهو الذي يملك وحده الضر والنفع، وبيده وحده مقادير كل شيء وهو المهيمن على كل شيء. التوسل أنواعه وأحكامه لمحمد ناصر الدين الألباني – بتصرف - ص١٠\n_________\n(١) «فتح الباري» (١٠/ ١٢ - ١٣).","vol":"3","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-778>الفرع الأول: التوسل المشروع</span>\n١ - التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العليا: كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير أن تعافيني.\nأو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي. ومثله قول القائل: اللهم إني أسألك بحبك لمحمد ﷺ. فإن الحب من صفاته تعالى.\nودليل مشروعية هذا التوسل قوله ﷿: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨]، والمعنى: ادعوا الله تعالى متوسلين إليه بأسمائه الحسنى. ولا شك أن صفاته العليا ﷿ داخلة في هذا الطلب، لأن أسماءه الحسنى سبحانه صفات له، خصت به ﵎.\nومن ذلك ما ذكره الله تعالى من دعاء سليمان ﵇ حيث قال: وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: ١٩].\nومن الأدلة أيضًا قول النبي ﷺ في أحد أدعيته الثابتة عنه قبل السلام من صلاته ﷺ:\n«اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي ..» (١).\nومنها أنه ﷺ سمع رجلًا يقول في تشهده: «اللهم إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم فقال ﷺ قد غفر له قد غفر له» (٢).\n_________\n(١) رواه النسائي (٣/ ٥٥) وأحمد (٤/ ٢٦٤) (١٨٣٥١) وابن حبان (٥/ ٣٠٤) والحاكم (١/ ٧٠٥) وأبو يعلى (٣/ ١٩٥) من حديث عمار بن ياسر، قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٧٧): رجاله ثقات إلا أن عطاء بن السائب اختلط، وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٥٦): مأثور وقد روي هذا اللفظ من وجه آخر عن النبي ﷺ – أظنه من رواية زيد بن ثابت، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ٣٣٣): رجال إسناده ثقات، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٣٠١).\n(٢) رواه أبو داود (٩٨٥) والنسائي (٣/ ٥٢) (١٣٠١) وأحمد (٤/ ٣٣٨) (١٨٩٩٥) والطبراني (٢٠/ ٢٩٦) والحاكم (١/ ٤٠٠) من حديث محجن بن الأدرع، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».","vol":"3","page":114},{"text":"وسمع النبي ﷺ رجلًا آخر يقول في تشهده: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار فقال النبي ﷺ لأصحابه: تدرون بما دعا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم - وفي رواية (الأعظم) - الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى» (١).\nومنها قوله ﷺ: «من كثر همه فليقل: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحد من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجا» (٢).\nومنها ما ورد في استعاذته ﷺ وهي قوله: «اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني ..» (٣).\nومنها ما رواه أنس ﵁ أن النبي ﷺ: «كان إذا حزبه - أي أهمه وأحزنه- أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» (٤).\nفهذه الأحاديث وما شابهها تبين مشروعية التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفه من صفاته، وأن ذلك مما يحبه الله سبحانه ويرضاه، ولذلك استعمله رسول الله ﷺ، وقد قال الله ﵎: وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر: ٨]، فكان من المشروع لنا أن ندعوه سبحانه بما دعاه به رسوله ﷺ، فذلك خير ألف مرة من الدعاء بأدعية ننشئها، وصيغ نخترعها.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٤٩٥) والترمذي (٣٥٤٤) والنسائي (٣/ ٥٢) (١٣٠٠) وابن ماجه (٣٨٥٨) وأحمد (٣/ ١٥٨) (١٢٦٣٢) من حديث أنس بن مالك ﵁، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث غريب من حديث ثابت عن أنس وقد روي من غير هذا الوجه عن أنس، وقال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٤/ ٤١١): (فيه) سعيد بن زربي عامة حديثه لا يتابع عليه، وقال ابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ» (٢/ ٧٤٩): (فيه) سعيد بن زربي متروك الحديث، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٥٩): رجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس وإن كان ثقة، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٩١) (٣٧١٢) والطبراني (١٠/ ١٦٩) وابن حبان (٣/ ٢٥٣) والحاكم (١/ ٦٩٠) قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٨٩): رجاله رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان، وصححه ابن القيم في «شفاء العليل» (٢/ ٧٤٩) وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢٦٧» إسناده صحيح، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٩).\n(٣) رواه البخاري (٧٣٨٣) ومسلم (٢٧١٧) من حديث ابن عباس.\n(٤) [٣٧١٦]» رواه الترمذي (٣٥٢٤) من حديث أنس ﵁ بلفظ: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ١٤٧) والحاكم (١/ ٧٣٠) قال الترمذي هذا حديث غريب، وقال الحاكم حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٣١٣): إسناده صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٢٠): رجاله رجال الصحيح غير عثمان بن موهب وهو ثقة، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"3","page":115},{"text":"٢ - التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به الداعي: كأن يقول المسلم: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك اغفر لي .. أو يقول: اللهم إني أسألك بحبي لمحمد ﷺ وإيماني به أن تفرج عني .. ومنه أن يذكر الداعي عملًا صالحًا ذا بالٍ، فيه خوفه من الله سبحانه، وتقواه إياه، وإيثاره رضاه على كل شيء، وطاعته له جل شأنه، ثم يتوسل به إلى ربه في دعائه، ليكون أرجى لقبوله وإجابته.\nوهذا توسل جيد وجميل قد شرعه الله تعالى وارتضاه، ويدل على مشروعيته قوله تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: ١٦]، وقوله: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٥٣]، وقوله: رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤]،. وقوله: إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: ١٠٩]، وأمثال هذه الآيات الكريمات المباركات. وكذلك يدل على مشروعية هذا النوع من التوسل ما رواه بريدة بن الحٌصَيب ﵁ حيث قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال: قد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب» (١).\n_________\n(١) [٣٧١٧]» رواه أبو داود (١٤٩٣) والترمذي (٣٤٧٥) وابن ماجه (٣٨٤٧) وأحمد (٥/ ٣٥٠) (٢٣٠١٥) وابن حبان (٣/ ١٧٣) والحاكم (١/ ٦٨٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٩٥)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب، وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وله شاهد على شرط مسلم، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي»","vol":"3","page":116},{"text":"ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار، كما يرويها عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم»، وفي رواية لمسلم: فقال بعضهم لبعض: «انظروا أعمالًا عملتموها صالحة لله، فادعوا الله بها، لعل الله يفرجها عنكم. فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبُقُ (١) قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب شيء (وفي رواية لمسلم: الشجر) يومًا، فلم أرحْ عليهما (٢)، حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج. قال النبي ﷺ: قال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني حتى ألمت بها سَنَة (٣) من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض -وفي رواية لمسلم-: يا عبد الله اتق الله، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال النبي ﷺ: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره، حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدِّ لي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله! لا تستهزئ بي. فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا. اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون» (٤).\n_________\n(١) الغبوق: هو الذي يشرب العشي، ومعناه: كنت لا أقدم عليهما في شرب اللبن أهلا ولا غيرهم\n(٢) المراح: موضع مبيت الماشية، والمعنى: لم أرد الماشية من المرعى إلى حظائرها.\n(٣) السنة: العام المقحط الذي لم تنبت الأرض فيه شيئًا، سواء نزل غيث أم لم ينزل.\n(٤) [٣٧٢١]» رواه البخاري (٢٢٧٢) ومسلم (٢٧٤٣).","vol":"3","page":117},{"text":"ويتضح من هذا الحديث أن هؤلاء الرجال المؤمنين الثلاثة حينما اشتد بهم الكرب، وضاق بهم الأمر، ويئسوا من أن يأتيهم الفرج من كل طريق إلا طريق الله ﵎ وحده، فلجئوا إليه، ودعوه بإخلاص واستذكروا أعمالًا لهم صالحة، كانوا تعرفوا فيها إلى الله في أوقات الرخاء، راجين أن يتعرف إليهم ربهم مقابلها في أوقات الشدة، كما ورد في حديث النبي ﷺ الذي فيه: «.. تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» (١) فتوسلوا إليه سبحانه بتلك الأعمال؛ توسل الأول ببره والديه، وعطفه عليهما، ورأفته الشديدة بهما حتى كان منه ذلك الموقف الرائع الفريد، وما أحسب إنسانًا آخر، حاشا الأنبياء - يصل بره بوالديه إلى هذا الحد.\nوتوسل الثاني بعفته من الزنى بابنة عمه التي أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء بعدما قدر عليها، واستسلمت له مكرهة بسبب الجوع والحاجة، ولكنها ذكرته بالله ﷿، فتذكر قلبه، وخشعت جوارحه، وتركها والمال الذي أعطاها.\nوتوسل الثالث بحفاظه على حق أجيره الذي ترك أجرته التي كانت فَرَقاَ (٢) من أرز كما ورد في رواية صحيحة للحديث وذهب، فنماها له صاحب العمل، وثمرها حتى كانت منها الشاه والبقر والإبل والرقيق، فلما احتاج الأجير إلى المال ذكر أجرته الزهيدة عند صاحبه، فجاءه وطالبه بحقه، فأعطاه تلك الأموال كلها، فدهش وظنه يستهزئ به، ولكنه لما تيقن منه الجد، وعرف أنه ثمرَّ له أجره حتى تجمعت منه تلك الأموال، استاقها فرحًا مذهولًا، ولم يترك منها شيئًا. وأيْم الله إن صنيع رب العمل هذا بالغ حد الروعة في الإحسان إلى العامل، ومحقق المثل الأعلى الممكن في رعايته وإكرامه، مما لا يصل إلى عشر معشاره موقف كل من يدعي نصرة العمال والكادحين، ويتاجر بدعوى حماية الفقراء والمحتاجين، وإنصافهم وإعطائهم حقوقهم، دعا هؤلاء الثلاثة ربهم سبحانه متوسلين إليه بهذه الأعمال الصالحة أي صلاح، والمواقف الكريمة أي كرم، معلنين أنهم إنما فعلوها ابتغاء رضوان الله تعالى وحده.\n_________\n(١) [٣٧٢٢]» رواه أحمد (١/ ٣٠٧) (٢٨٠٤) والطبراني (١١/ ٢٢٣) والحاكم (٣/ ٦٢٣) والحديث حسنه ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٣٢٧) وقال ابن رجب في «رسائل ابن رجب» (٣/ ٩١): إسناده حسن لا بأس به، وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٤/ ٢٦٧): إسناده حسن، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٢٨٧): إسناده حسن، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٩٦١)\n(٢) مكيال تقدر سعته بثلاثة آصع","vol":"3","page":118},{"text":"لم يريدوا بها دنيا قريبة أو مصلحة عاجلة أو مالًا، ورجوا الله جل شأنه أن يفرج عنهم ضائقتهم، ويخلصهم من محنتهم، فاستجاب سبحانه دعاءهم، وكشف كربهم، وكان عند حسن ظنهم به، فخرق لهم العادات وأكرمهم بتلك الكرامة الظاهرة، فأزاح الصخرة بالتدرج على مراحل ثلاث، كلما دعا واحد منهم تنفرج بعض الانفراج حتى انفرجت تمامًا مع آخر دعوة الثالث بعد أن كانوا في موت محقق. ورسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه يروي لنا هذه القصة الرائعة التي كانت في بطون الغيب، لا يعلمها إلا الله ﷾ ليذكرنا بأعمال فاضلة مثالية لأناس فاضلين مثاليين من أتباع الرسل السابقين، لنقتدي بهم، ونتأسى بأعمالهم، ونأخذ من أخبارهم الدروس الثمينة، والعظات البالغة. ولا يقولن قائل: إن هذه الأعمال جرت قبل بعثة نبينا محمد ﷺ فلا تنطبق علينا بناء على ما هو الراجح في علم الأصول أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا. لأننا نقول: إن حكاية النبي ﷺ لهذه الحادثة إنما جاءت في سياق المدح والثناء، والتعظيم والتبجيل، وهذا إقرار منه ﷺ بذلك، بل هو أكثر من إقرار لما قاموا به من التوسل بأعمالهم الصالحة المذكورة، بل إن هذا ليس إلا شرحًا وتطبيقًا عمليًا للآيات المتقدمة، وبذلك تتلاقى الشرائع السماوية في تعاليمها وتوجيهاتها، ومقاصدها وغاياتها، ولا غرابة في ذلك، فهي تنبع من معين واحد، وتخرج من مشكاة واحدة، وخاصة فيما يتعلق بحال الناس مع ربهم سبحانه، فهي لا تكاد تختلف إلا في القليل النادر الذي يقتضي حكمة الله سبحانه تغييره وتبديله.\n٣ - التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح:","vol":"3","page":119},{"text":"كأن يقول المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله ﵎، فيجب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعو له ربه، ليفرج عنه كربه، ويزيل عنه همه. فهذا نوع آخر من التوسل المشروع، دلت عليه الشريعة المطهرة، وأرشدت إليه، وقد وردت أمثلة منه في السنة الشريفة، كما وقعت نماذج منه من فعل الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، فمن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ حيث قال: «أصاب الناس سنَة على عهد النبي ﷺ، فبينما النبي ﷺ يخطب (على المنبر) قائمًا في يوم الجمعة، قام (وفي راوية: دخل) أعرابي (من أهل البدو) (من باب كان وجَاه المنبر) (نحو دار القضاء ورسول الله قائم، فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا) فقال: يا رسول الله! هلك المال، وجاع (وفي رواية: هلك) العيال (ومن طريق أخرى: هلك الكُراع، وهلك الشاء) (وفي أخرى هلكت المواشي، وانقطعت السبل (فادعُ الله لنا) أن يَسْقِيَنا () وفي أخرى: يُغيثنا (فرفع يديه يدعو) حتى رأيت بياض إبطه (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا (، ورفع الناس أيديهم معه يدعون (ولم يذكر أنه حوَّل رداءه، ولا استقبل القبلة) ولا والله (ما نرى في السماء) من سحاب ولا) قزعة (ولا شيئًا، وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار) (وفي رواية: قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة) (قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت) فو الذي نفسه بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطرَ يتحادر على لحيته ﷺ (وفي رواية: فهاجت ريح أنشأت سحابًا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماءُ عزاليها (ونزل عن المنبر فصلى) (فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا) (وفي رواية: حتى ما كاد الرجل يصل إلى منزله) فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى (ما تقلع) (حتى سالت مثاعب المدينة) (وفي رواية: فلا والله ما رأينا الشمس ستًا) وقام ذلك الأعرابي أو غيره وفي رواية: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائمًا (فقال: يا رسول الله تهدم البناء) وفي رواية: تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي) وفي طريق: بشَق المسافر، ومُنع الطريق (وغرق المال، فادع الله) يحبسه (لنا) فتبسم النبي ﷺ (فرفع يده، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا،) اللهم على رؤوس الجبال والآكام) والظراب (وبطون الأودية ومنابت الشجر (فما) جعل) يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت مثل الجوْبَة، (وفي رواية: فنظرت إلى السحاب تصدع حول المدينة (يمينًا وشمالًا) كأنه إكليل) (وفي أخرى: فانْجابَتْ) عن المدينة انجياب الثوب) (يمطر ما حولينا ولا يمطر فيها شيء (وفي طريق: قطرة) (وخرجنا نمشي في الشمس) يريهم الله كرامة نبيه ﷺ وإجابة دعوته)، وسال الوادي (وادي) قناة شهرًا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود» (١).\n_________\n(١) [٣٧٢٤]» قال الألباني في «التوسل» (ص٤٠)، رواه البخاري وقد أوردته هكذا في مختصري له (١/ ٢٢٤ - ٢٢٦ رقم ٤٩٧) جامعا بين طرقه ورواياته المختلفة الواردة في مواضع شتى.","vol":"3","page":120},{"text":"ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ أيضًا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيُسقَون» (١).\nومعنى قول عمر: إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، أننا كنا نقصد نبينا ﷺ ونطلب منه أن يدعو لنا، ونتقرب إلى الله بدعائه، والآن وقد انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ولم يعد من الممكن أن يدعو لنا، فإننا نتوجه إلى عم نبينا العباس، ونطلب منه أن يدعوَ لنا، وليس معناه أنهم كانوا يقولون في دعائهم: (اللهم بجاه نبيك اسقنا)، ثم أصبحوا يقولون بعد وفاته ﷺ: (اللهم بجاه العباس اسقنا)، لأن مثل هذا دعاء مبتدع ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، ولم يفعله أحد من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم ...،\nومن ذلك أيضًا ما رواه الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى في (تاريخه) (١٨/ ١٥١/١) بسند صحيح عن التابعي الجليل سليم ابن عامر الخبَائري: (أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجُرَشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى الناس، فأمره معاوية فصعد على المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم) (٢).\nوروى ابن عساكر أيضًا بسند صحيح أن الضحاك بن قيس خرج يستسقي بالناس فقال ليزيد بن الأسود أيضًا: قم يا بكاء! زاد في رواية: (فما دعا إلا ثلاثًا حتى أمطروا مطرًا كادوا يغرقون منه) (٣).\nفهذا معاوية ﵁ أيضًا لا يتوسل بالنبي ﷺ، لما سبق بيانه، وإنما يتوسل بهذا الرجل الصالح: يزيد بن الأسود رحمه الله تعالى، فيطلب منه أن يدعو الله تعالى، ليسقيهم ويغيثهم، ويستجيب الله ﵎ طلبه. وحدث مثل هذا في ولاية الضحاك بن قيس أيضًا. التوسل أنواعه وأحكامه لمحمد بن ناصر الدين الألباني - بتصرف - ص٣٨\n_________\n(١) [٣٧٢٥]» رواه البخاري (١٠١٠).\n(٢) [٣٧٢٦]» أورده الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٢/ ١٧٨)، قال الألباني في «التوسل» (٤١): إسناده صحيح.\n(٣) [٣٧٢٧]» رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٣٦٦)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢/ ٤٦١)، واللالكائي في «كرامات الأولياء» (١/ ١٩٠).","vol":"3","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>الفرع الثاني: التوسل الممنوع</span>\n• الوجه الأول: التوسل إليه تعالى بذات وشخص المتوسل به ..\n• الوجه الثاني: التوسل إلى الله تعالى بجاه فلان، أو حقه، أو حرمته وما أشبه.\n• الوجه الثالث: الإقسام على الله جل وعلا بالمتوسل به.","vol":"3","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>الوجه الأول: التوسل إليه تعالى بذات وشخص المتوسل به</span>.\nإن التوسل بذات وشخص المتوسل به إلى الله تعالى، عمل غير شرعي لأنه لم يأمر به الله، ولا بلغه رسوله ﷺ. على أن التوسل بذات الشخص بدون متابعة للعمل الذي كان يعمله، فبلغ به المنزلة الطيبة عند الله، إنما هو عمل قد ذمه الله تعالى لما وصف توسل المشركين فقال حاكيًا عنهم: أَلَا للهِ الدِّينُ الخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزُّمر: ٣].\nفالتوسل بالعبد الصالح من غير متابعة له في الأعمال الصالحة لا يجوز أن يكون وسيلة. فهذا التزلف بذوات الأشخاص رده الله سبحانه ولم يقبله. وإنه تعالى قد عاب عليهم في هذه الآية أمرين اثنين: عاب عليهم عبادة الأولياء من دونه، وعاب عليهم، محاولتهم القربى والزلفى إليه تعالى بالأشخاص والعباد المخلوقين. فكلا الأمرين في الآية، عيب وذنب. وكلاهما باطل وكذب وضلال وقال تعالى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ آَمِنُونَ [سبأ: ٣٧].\nأي إن الذين يقربون عند الله درجات، ومنازل عظيمة والذين تضاعف لهم حسناتهم إنما تضاعف بأعمالهم لا بالجاهات ولا الوساطات.\nقول ابن تيمية ﵀:\nسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لابد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإنا لا نقدر أن نصل بغير ذلك: فأجاب ﵀:\n(الحمد لله رب العالمين: إن أراد بذلك أنه لابد من واسطة يبلغنا أمر الله فهذا حق. فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه، وما أعده لأوليائه من كرامته، وما وعد به أعداءه من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، التي تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى عباده. فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى، ويرفع درجاتهم، ويكرمهم في الدنيا والآخرة. وأما المخالفون للرسل، فإنهم ملعونون، وهم عن ربهم ضالون محجوبون).\nثم قال: (وإن أراد بالواسطة أنه لابد من واسطة في جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد، ونصرهم وهداهم، ويسألونه ذلك، ويرجعون إليه فيه فهو من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء شفعاء، يجتلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار). اهـ.\nقول أبي حنيفة ﵀:\nقال في الدر المختار: (وفي التتارخانية معزيًا للمنتقى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. والدعاء المأذون فيه المأمور به: ما استفيد من قوله تعالى: وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]) ...","vol":"3","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-782>الوجه الثاني: التوسل إلى الله تعالى بجاه فلان، أو حقه، أو حرمته وما أشبه</span>\nأما التوسل إلى الله تعالى: بجاه أو بحرمة المتوسل به .. فهذا عمل لم يشرعه الله ولم يبلغه رسوله ﷺ، ولا أمر به، ولا حض عليه، ولم يصل إلينا عن أحد من أصحابه ﵃.\nوإننا نوجه سؤالًا للذين يستحلون هذا النوع من التوسل فنقول:\nإن هذا الذي تسألون الله بجاهه أو بحرمته عنده، كيف تكون له هذا الجاه والحرمة، وتلك المنزلة الطيبة عنده سبحانه؟ أليس هذا كله، من طاعته لربه وتنفيذه لأوامره، وتركه لنواهيه، وفعله الخيرات، وجهاده في سبيل الله، ونشره الدعوة بين الناس، وصبره على الأذى في سبيلها ...؟ أليس كذلك ...؟ ولولا أن يفعل هذا ... ما كان له ذلك الجاه ولا الحرمة ولا تلك المنزلة العالية. فإذا كان الأمر كذلك ... فهل لكم من أعماله تلك أي سهم أو نصيب ...؟ ستقولون: لا ... إن عمله له وليس لأحد أي نصيب منه، فأقول: هذا هو القول الحق بارك الله فيكم، فما دمتم تعلمون أن كل هذه المكانة والحرمة متأتية له من سعيه، ومتأكدون أن سعيه له، وليس لكم فيه من حق ... فكيف إذًا تتوسلون إلى الله بجاه لا تملكونه، وحرمة ليس لكم فيها أية علاقة، ومكانة اختصه الله بها وليس لكم منها مثقال ذرة ...؟ والله ﷾ قرر في كتاب العزيز: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى [النجم: ٣٩ - ٤٠].\nإذًا فالذي ليس من سعيكم ليس لكم فيه من نصيب ... فتوسلكم بجاهه، أو بحرمته، أو منزلته مخالف لما قال سبحانه من الآية المتقدمة، وليس لكم أن تفعلوا ذلك.\nوبناء على ما تقدم، فإن كل توسل إلى الله بما لم يشرع ... غير مقبول ومردود .. لأنه ليس مطابقًا لما أمر الله وشرع. هذا عدا عن أن مخالفة أمر الله يترتب عليها عقاب، لأن مخالفة أمر الله ذنب، ولكل ذنب عقاب.\nفما رأيكم بعمل تعملونه ... وتظنون أنه قربى إلى الله وفي الواقع ليس هو قربى ... بل ذنب يستحق أن تتوبوا منه أو تعاقبوا عليه ... فلا أنتم منه تتوبون أو تستغفرون، ولا أنتم عنه راجعون، فتكررون الذنب ولا تستغفرون، ويتراكم ولا تشعرون، وتحسبون أنكم بعملكم هذا تحسنون صنعًا ... !!!\nفأطعتم الشيطان ... ! وعصيتم الرحمن!!! ولكن بعد أن وضح الحق ... هل أنتم منتهون؟\nوإذا كان هناك رجال صالحون، قبضهم الله إليه، ومضوا إلى ما عملوا من خير وصلاح ... فهم – إن شاء الله – في بحبوحة من رحمة الله ومغفرته، ورحاب فسيحة من رضاه وعفوه وكرمه، فليس لأحد أن يتوسل إلى الله بصلاحهم ... لأن صلاحهم من سعيهم، لا من سعي المتوسلين بهم.\nقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀:\n(ليس لأحد أن يدل على الله بصلاح سلفه، فإنه ليس صلاحهم من عمله الذي يستحق به الجزاء، كأهل الغار الثلاثة، فأنهم لم يتوسلوا إلى الله بصلاح سلفهم، وإنما توسلوا إلى الله بأعمالهم) اهـ.\nولماذا لا تعملون صالحًا كما عملوا .. وتتوسلون بأعمالكم الصالحة كما توسلوا .. فتكتب لكم في صحائفكم، وتتقربون بها إلى الله وتتوسلون، كما فعل السلف الصالح ممن سبقكم ... أما سمعتم الشاعر يقول:\nلسنا وإن أحسابنا كرمت ... يومًا على الآباء نتكل\nنبني كما كانت أوائلنا ... تبني، ونفعل مثلما فعلوا\nوقال شارح العقيدة الطحاوية ﵀:\n(ولا مناسبة بين ذلك –أي صلاح المتوسل به- وبين استجابة الدعاء، فكأن المتوسل يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعاي! وأي مناسبة في هذا ... وأي ملازمة؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء وقد قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥].\nوهذا ... ونحوه من الأدعية المبتدعة. ولم ينقل عن النبي ﷺ، ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن الأئمة ﵃ أجمعين، وإنما يوجد مثل هذا .. في الحروز والهياكل – أي التمائم – التي يكتب بها الجهال والطرقية، والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على السنة والإتباع، لا على الهوى والابتداع).","vol":"3","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-783>الوجه الثالث: الإقسام على الله جل وعلا بالمتوسل به</span>\nالأصل في القسم أو الحلف، أن يكون بالله تعالى، لأنه عبادة، ومعلوم أن العبادة لا يجوز أن تصرف إلا لله ﷿، ولذا فإنه لا يجوز القسم أو الحلف بغيره سبحانه. وقد ثبت في الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (١) وفي لفظ: «من حلف بغير الله فقد أشرك» رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححوه (٢). فإذا فهم هذا ... فيتعين أنه لا يجوز الحلف بمخلوق على مخلوق، فكيف يجوز الحلف بالمخلوق على الخالق .. !؟ كأن يقول مثلًا: اللهم إني أقسمت عليك بفلان أو أسألك بحق فلان أن تقضي حاجتي ...\nقد يتأثر المخلوق إذا أقسمت عليه بعظيم أو مكرم لديه ... فيتحول عن عزمه الذي كان عازمًا على فعله ... إلى مرادك الذي أقسمت عليه بأن يلتزم به ... أما الله سبحانه، فلا أحد يستطيع أن يحول مراده أو يؤثر عليه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا: وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ [المؤمنون: ٨٨]. أي هو السيد العظيم الذي لا أعظم منه أحد الذي له الخلق والأمر، ولا معقب لحكمه، الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فمن كان هذا شأنه، كيف تقسم عليه بمخلوق؟ ألا إن شأن الله أعظم من ذلك، وإن الله تعالى جده وتقدست أسماؤه، وجلت صفاته، هو الذي يقسم به على مخلوقاته، لا أن يقسم عليه بمخلوقاته.\nألا ترى معي يا أخي المسلم، أن الإقسام على الله بمخلوقاته ليس شركًا فحسب .. بل هو تقرب إلى الله بالشرك به ... !!! والمفروض بالتقرب ... أن يكون بشيء يرضي المتقرب منه ... ولا يفكر عاقل بأن يتقرب إلى أحد بما يكره. وإن هؤلاء الذين يقسمون على الله بمخلوقاته يتقربون إلى ربهم بذلك .. والله سبحانه لا يرضيه أن يشرك به عباده ... فضلًا عن أن يتقربوا إليه بهذا الشرك وما أدري إذا كان هؤلاء يدرون ما يفعلون أو لا يدرون ... !!!؟\nفإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم\nثم نسأل: إذا كان الحلف عبادة ... هل المحلوف به أعظم، أم المحلوف عليه أعظم ...؟ سيقولون بل المحلوف به أعظم ... فإذا كان المحلوف به أعظم فعندما نحلف على الله بأحد خلقه ... من يكون هنا المحلوف عليه ...؟!!! سيقولون: المحلوف به هو المخلوق والمحلوف عليه هو الله الخالق. فنقول: أرأيتم كيف جعلتم المخلوق أعظم عندكم من الخالق ...؟!!! نعوذ بالله من الشرك والكفر وسوء المنقلب في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٦٤٦).\n(٢) رواه أبو داود (٣٢٥١) والترمذي (١٥٣٥) وأحمد (٢/ ١٢٥) (٦٠٧٣) وابن حبان (١٠/ ١٩٩) والحاكم (٤/ ٣٣٠) من حديث عبد الله بن عمر، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث حسن، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٤٥٩) وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد»: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».","vol":"3","page":125},{"text":"أرأيت يا أخي المسلم كيف يستولي الشيطان على هؤلاء فيريهم الحق باطلًا والباطل حقًا ...؟ أرأيت يا أخي إلى أية هاوية يريد الشيطان أن يرديهم فيها.؟ ترى هل شعروا بهمز الشيطان ونفخة ونفثه يسري في كيانهم كما يسري السم في الجسد ...؟ وهل سيظلون هكذا طائعين منقادين كالأنعام إلى جهنم وبئس المصير ... أسيظلون هكذا ... أم يفلتون من حبال عدوهم ويهربون إلى ربهم تائبين منيبين إليه، يذرفون دموع الندم ويرجون من الله رحمة ومغفرة ... والله إن فعلوا ... لوجدوا الله توابًا رحيمًا. فبادروا يا رعاكم الله إلى كنف التواب الرحيم، تلقوا عفوه وكرمه ورضوانه رغم ما أسلفتم من الذنوب والآثام قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزُّمر: ٥٣]. وإن الكريم سبحانه لا يغفر ذنوبكم فحسب بل يبدلها حسنات، وهذا جزاء التائبين المستغفرين المؤمنين العاملين. اسمعوا قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: ٧٠]. وقد أنحى العلماء باللائمة على من يقسم بالمخلوق، وأقاموا النكير عليه، وحذروا منه أشد التحذير، لما فيه من المساس بالألوهية والعياذ بالله تعالى.\nقال شارح العقيدة الطحاوية:\n(وإن الإقسام على الله بحق فلان، فذلك محذور، لأن الإقسام بالمخلوق لا يجوز فكيف على الخالق؟! وقد قال ﷺ: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (١) ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه ﵃: يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، والمشعر الحرام، ونحو ذلك. حتى كره أبو حنيفة ومحمد ﵄، أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك ولم يكرهه أبو يوسف ﵀ لما بلغه الأثر فيه (٢)، كما أن القول بجاه فلان عندك، أو نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك. ومراده أن فلانًا عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا. وهذا أيضًا محذور فإنه لو كان هذا، هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته. وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم، وهم يؤمنون على دعائه، كما في الاستسقاء وغيره. فلما مات رسول الله ﷺ قال عمر ﵁ – لما خرجوا يستسقون -: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. معناه: بدعائه الله لنا، وشفاعته عنده، وليس المراد أنا نقسم عليك به، أو نسألك بجاهه عندك، إذ لو كان ذلك مرادًا، لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاه العباس). اهـ\nويروى ... أن داود ﵇ قال: «اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك، فأوحى إليه: وما حق آبائك علي؟» (٣).\nوقال أبو الحسن القدوري في شرح كتاب الكرخي:\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥) واللفظ له، وأحمد (٢/ ١٢٥) (٦٠٧٢). من حديث ابن عمر ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث حسن. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٧٣٥) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وأحمد شاكر في «المسند» (٨/ ٢٢٢). وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) قال الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٢٧٣) هو حديث مرفوع موضوع.\n(٣) قيل إنه ضعيف وقد رويناه بصيغة التمريض للدلالة على ضعفه، وذكرناه اسئناسا للمناسبة مع بيان ضعفه.","vol":"3","page":126},{"text":"(قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: (لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: أسألك بمعاقد العز من عرشك. وأن يقول: بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام) قال أبو الحسن: أما المسألة بغير الله، فمنكرة لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق له على خلقه). وفي قوله له: (المسألة بخلقه لا تجوز: لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، فلا يجوز، يعني: وفاقًا).\nوقال ابن بلدجي في شرح المختار: (ويكره أن يدعو الله إلا به. ولا يقول: أسألك بملائكتك أو أنبيائك، أو نحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على خالقه).\nوقال نعمان خير الدين الحنفي في (جلا العينين) وذكر العلائي في شرح التنوير عن التتارخانية: أن أبا حنيفة قال: (لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به). وجميع متون الحنفية أن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء وبحق البيت الحرام، مكروه كراهة تحريم، وهي كالحرام في العقوبة بالنار اهـ. التوصل إلى حقيقة التوسل المشروع والممنوع لمحمد نسيب الرفاعي - بتصرف – ص: ١٨٦\nوللتوسل غير المشروع (البدعي) صور متعددة، ومنها:\n١ - التوسل إلى الله بدعاء الموتى أو الغائبين، والاستغاثة بهم ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر مخرج عن ملة الإسلام مناف للتوحيد.\n٢ - التوسل إلى الله بفعل الطاعات عند قبور الموتى ومشاهدهم، والبناء عليهم، وسترها، والدعاء عندها، فهذا شرك أصغر مناف لكمال التوحيد الواجب.\n٣ - التوسل إلى الله بمنزلة الصالحين، ومكانتهم عند الله؛ وهو محرم لأن عملهم ينفعهم هم، كما قال تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وقوله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». (١).\nومكانتهم تنفعهم هم، والله لا يقاس على خلقه، فإن رضاه عن عبد لا يحتاج فيه إلى الوسائط، وغضبه عليه لا تنفع فيه الوسائط، وإنما يكون ذلك في حق المخلوق لما في قبول الوسائط من منافع تعود إليهم؛ لكونهم شركاء لبعضهم في المنافع والأمور، ولذا فإن الصحابة عدلوا عن التوسل بالرسول ﷺ بعد موته إلى العباس ليدعو لهم، ولو كان ذلك جائزًا بعد موته لكان التوسل به أولى، وعدولهم دليل على أن المستقر عندهم عدم جوازه مع أن مكانة الرسول ﷺ لا يبلغها أحد، وإنما أتي من أجاز التوسل بالمكانة والمنزلة عند الله من حيث قاس الله على الخلق.\nوأما حديث الأعمى الذي قال للرسول ﷺ اللهم إني أتوسل بك يا محمد إلى ربك.\nفإن ذلك طلب من الرسول ﷺ أن يدعو له؛ ولذا قال له الرسول ﷺ قل: «اللهم شفعه في» وهذا على فرض صحته وإلا فإن هذا الحديث منقطع السند.\nوأما «توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم» فهو حديث موضوع.\nذكر ذلك ابن الجوزي، وابن تيمية، والشوكاني وغيرهم من أهل العلم، وبذا يعلم حرمة الدعاء بقول بعضهم أسألك بجاه فلان.\n٤ - التوسل بذوات الصالحين كقول بعضهم (أسألك بمحمد) وهذا اللفظ بدعي محرم، وهو محتمل لمعان كلها فاسدة غير مشروعة وهي:\nأ- أن يقصد التوسل بالمكانة والمنزلة.\nب- أن يريد الإقسام به على الله، والحلف بغير الله محرم وهو من الشرك الأصغر.\nج- أن يريد أن يكون واسطة بين الله وعبده في جلب منفعة أو دفع ضر، وهذا شرك المشركين، وهو شرك أكبر مخرج عن ملة الإسلام. قال تعالى عن المشركين: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٦٣١).","vol":"3","page":127},{"text":"د- أن يقصد التبرك بذكر هذا اللفظ وهو أيضًا محرم لاحتماله المقاصد المتقدمة من جهة، ولكونه ليس مأخوذًا به شرعًا فيفعل، بل إن الصحابة لم يفعلوه، وهكذا من بعدهم من التابعين وتابعيهم، مما يدل على أنه بدعة محدثة، والرسول ﷺ يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١). وقال: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٦٥\nومما يدل على بدعيته أيضا أن الأدعية الواردة في القرآن الكريم وهي كثيرة، لا نجد في شيء منها التوسل بالجاه أو الحرمة أو الحق أو المكانة لشيء من المخلوقات، وهاك بعض الأدعية الكريمة على سبيل المثال: يقول ربنا جل شأنه معلمًا إيانا ما ندعو به ومرشدًا: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦] ويقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١] ويقول: فَقَالُواْ عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [يونس:٨٥ - ٨٦] ويقول: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ، إلى قوله رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم: ٣٥ - ٤١] ويقول على لسان موسى ﵇: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه: ٢٥ - ٢٨] ويقول سبحانه: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان: ٦٥]، إلى آخر ما هنالك من الأدعية القرآنية الكريمة، وبعضها مما يعلمنا الله تعالى أن ندعو به ابتداء، وبعضها مما يحكيه سبحانه عن بعض أنبيائه ورسله، أو بعض عباده وأوليائه، وواضح أنه ليس في شيء منها ذاك التوسل المبتدع الذي يدندن حوله المتعصبون، ويخاصم فيه المخالفون.\nوإذا انتقلنا إلى السنة الشريفة لنطلع منها على أدعية النبي ﷺ التي ارتضاها الله تعالى له، وعلمه إياها، وأرشدنا إلى فضلها وحسنها، نراها مطابقة لما في أدعية القرآن السالفة من حيث خلوها من التوسل المبتدع المشار إليه، وهاك بعض تلك الأدعية النبوية المختارة:\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).","vol":"3","page":128},{"text":"فمنها دعاء الاستخارة المشهور الذي كان النبي ﷺ يعلمه أصحابه إذا هموا بأمر كما كان يعلمهم القرآن، وهو: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به» (١).\nومنها: «اللهم أصلح لي ديني، الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر» (٢) و: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي ...» (٣) و: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» (٤) و: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك» (٥) و: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد نعوذ بك من النار» (٦). ومثل هذه الأدعية في السنة كثير، ولا نجد فيها دعاء واحدًا ثابتًا فيه شيء من التوسل المبتدع الذي يستعمله المخالفون.\nومن الغريب حقًا أنك ترى هؤلاء يعرضون عن أنواع التوسل المشروعة السابقة.\nفلا يكادون يستعملون شيئًا منها في دعائهم أو تعليمهم الناس مع ثبوتها في الكتاب والسنة وإجماع الأمة عليها، وتراهم بدلًا من ذلك يعمدون إلى أدعية اخترعوها، وتوسلات ابتدعوها لم يشرعها الله ﷿، ولم يستعملها رسوله المصطفى ﷺ، ولم ينقل عن سلف هذه الأمة من أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة، وأقل ما يقال فيها: إنها مختلف فيها، فما أجدرهم بقوله ﵎: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ َ خَيْرٌ [البقرة:٦١].\nولعل هذا أحد الشواهد العملية التي تؤكد صدق التابعي الجليل حسان بن عطية المحاربي ﵀ حيث قال: (ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سننهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة) (٧).\nهذا ولم ننفرد نحن بإنكار تلك التوسلات المبتدعة، بل سبقنا إلى إنكارها كبار الأئمة والعلماء، وتقرر ذلك في بعض المذاهب المتبعة، ألا وهو مذهب أبي حنيفة ﵀، فقد جاء في (الدر المختار) (٢/ ٦٣٠) – وهو من أشهر كتب الحنفية – ما نصه:\n_________\n(١) [٣٧٣٥]» رواه البخاري (١١٦٢).\n(٢) [٣٧٣٦]» رواه مسلم (٢٧٢٠).\n(٣) رواه النسائي (٣/ ٥٥) وأحمد (٤/ ٢٦٤) وابن حبان (٥/ ٣٠٤) والحاكم (١/ ٧٠٥) وأبو يعلى (٣/ ١٩٥) من حديث عمار بن ياسر، قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٧٧): رجاله ثقات إلا أن عطاء بن السائب اختلط، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٣٠١).\n(٤) [٣٧٣٨]» رواه مسلم (٢٧٢١).\n(٥) [٣٧٣٩]» رواه الترمذي (٣٥٠٢) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ١٠٧) من حديث عبد الله بن عمر، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، وقال الشوكاني في «تحفة الذاكرين» (٤٨٢): غاية رتبة هذا الحديث أن يكون حسنا، وحسنه الألباني في «صحيح الترمذي».\n(٦) [٣٧٤٠]» رواه الطبراني (١/ ١٩٥) والحاكم (٣/ ٧٢١) من حديث أسامة بن عمير، والحديث سكت عليه الحاكم والذهبي، وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٣٧٣): حسن وله شاهد، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (١٣٠٤).\n(٧) [٣٧٤١]» رواه الدارمي (١/ ٥٨)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ٩٣).","vol":"3","page":129},{"text":"(عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه، المأمور به.\nما استفيد من قوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]).\nونحوه في (الفتاوى الهندية) (٥/ ٢٨٠). وقال القُدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بـ (شرح الكرخي) في (باب الكراهة): (قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك، وهو قول أبي يوسف، قال أبو يوسف: معقد العز من عرشه هو الله، فلا أكره هذا، وأكره أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام، قال القُدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقًا). نقله شيخ الإسلام في (القاعدة الجليلة) وقال الزبيدي في (شرح الإحياء) (٢/ ٢٨٥): (كره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام، ونحو ذلك، إذ ليس لأحد على الله حق، وكذلك كره أبو حنيفة ومحمد أن يقول الداعي: «اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك» (١)، وأجازه أبو يوسف لما بلغه الأثر فيه).\nأقول: لكن الأثر المشار إليه باطل لا يصح، رواه ابن الجوزي في (الموضوعات) وقال: (هذا حديث موضوع بلا شك)، وأقره الحافظ الزيلعي في (نصب الراية) (٢) فلا يحتج به، وإن كان قول القائل: (أسألك بمعاقد العز من عرشك) يعود إلى التوسل بصفة من صفات الله ﷿، فهو توسل مشروع بأدلة أخرى كما سبق، تغني عن هذا الحديث الموضوع. قال ابن الأثير ﵀: (أسألك بمعاقد العز من عرشك، أي بالخصال التي استحق بها العرش العز، أو بمواضع انعقادها منه، وحقيقة معناه: بعز عرشك، وأصحاب أبي حنيفة يكرهون هذا اللفظ من الدعاء).\nفعلى الوجه الأول من هذا الشرح، وهو الخصال التي استحق بها العرش العز، يكون توسلًا بصفة من صفات الله تعالى فيكون جائزًا، وأما على الوجه الثاني الذي هو مواضع انعقاد العز من العرش، فهو توسل بمخلوق فيكون غير جائز، وعلى كلٍ فالحديث لا يستحق زيادة في البحث والتأويل لعدم ثبوته، فنكتفي بما سبق. التوسل أنواعه وأحكامه لمحمد ناصر الدين الألباني – ص ٣٤\n- والذي قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء - من أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى بمخلوق، لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك - يتضمن شيئين:\n- أحدهما: الإقسام على الله ﷾ به، وهذا منهيٌّ عنه عند جماهير العلماء كما تقدم، كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء.\n- والثاني: السؤال به، فهذا يجوزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس، لكنَّ ما روي عن النبي ﷺ في ذلك كله ضعيفٌ بل موضوع، وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة، إلا حديث الأعمى الذي علَّمه أن يقول: «أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة» (٣) .. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ص١١٤\n_________\n(١) [٣٧٤٢]» والحديث رواه الطبراني (٢٥/ ١٢) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٣٢٤) من حديث قيلة بنت مخرمة ﵂، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨٣): إسناده حسن، وروى البيهقي في «كتاب الدعوات الكبير» (١/ ٤٢٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ نحوه، قال ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٤٦٤): موضوع بلا شك، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٣٢٨): (فيه) عامر بن خداش هذا هو النيسابوري قال شيخنا الحافظ أبو الحسن كان صاحب مناكير وقد تفرد به عن عمر بن هارون البلخي وهو متروك متهم، وقال السخاوي في «القول البديع» (٣٢٩): سنده واه بمرة، وقال الشوكاني في «تحفة الذاكرين» (٢٣٣): موضوع، وقال الألباني في «ضعيف الترغيب» (٤١٨): موضوع.\n(٢) [٣٧٤٣]» انظر «نصب الراية» (٤/ ٣٣٨).\n(٣) [٣٧٤٤]» رواه الترمذي (٣٥٧٨) وابن ماجه (١٣٨٥) وأحمد (٤/ ١٣٨) (١٧٢٧٩) والطبراني (٩/ ٣٠) وابن خزيمة في «صحيحه» (٢/ ٢٢٥) وعبد بن حميد (١/ ١٤٧) من حديث عثمان بن حنيف، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال الشوكاني في «تحفة الذاكرين» (٢٣٠): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"3","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>ثانيا: شبهات حول التوسل وردها</span>\nالشبهة الأولى: حديث استسقاء عمر بالعباس ﵄:\nيحتجون على جواز التوسل بجاه الأشخاص وحرمتهم وحقهم بحديث أنس ﵁ قال: «أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون» (١).\nفيفهمون من هذا الحديث أن توسل عمر ﵁ إنما كان بجاه العباس ﵁، ومكانته عند الله سبحانه، وأن توسله كأنه مجرد ذكر منه للعباس في دعائه، وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله، وقد أقره الصحابة على ذلك، فأفاد بزعمهم ما يدعون.\nوأما سبب عدول عمر ﵁ عن التوسل بالرسول ﷺ - بزعمهم – وتوسله بدلًا منه بالعباس ﵁، فإنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ليس غير.\nوفهمهم هذا خاطئ، وتفسيرهم هذا مردود من وجوه كثيرة أهمها:\n١ – إن القواعد المهمة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضًا، ولا يفهم شيء منها في موضوع ما بمعزل عن بقية النصوص الواردة فيه. وبناء على ذلك فحديث توسل عمر السابق إنما يفهم على ضوء ما ثبت من الروايات والأحاديث الواردة في التوسل بعد جمعها وتحقيقها، ونحن والمخالفون متفقون على أن في كلام عمر: «كنا نتوسل إليك بنبينا .. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا» شيئًا محذوفًا، لا بد له من تقدير، وهذا التقدير إما أن يكون: (كنا نتوسل بـ (جاه) نبينا، وإنا نتوسل إليك بـ (جاه) عم نبينا) على رأيهم هم، أو يكون: (كنا نتوسل إليك بـ (دعاء) نبينا، وإنا نتوسل إليك بـ (دعاء) عم نبينا) على رأينا نحن.\nولا بد من الأخذ بواحد من هذين التقديرين ليفهم الكلام بوضوح وجلاء.\nولنعرف أي التقديرين صواب لا بد من اللجوء إلى السنة، لتبين لنا طريقة توسل الصحابة الكرام بالنبي ﷺ.\nترى هل كانوا إذا أجدبوا وقحَطوا قبع كل منهم في داره، أو مكان آخر، أو اجتمعوا دون أن يكون معهم رسول الله ﷺ، ثم دعوا ربهم قائلين: (اللهم بنبيك محمد، وحرمته عندك، ومكانته لديك اسقنا الغيث). مثلًا أم كانوا يأتون النبي ﷺ ذاته فعلًا، ويطلبون منه أن يدعو الله تعالى لهم، فيحقق ﷺ طلْبتهم، ويدعو ربه سبحانه، ويتضرع إليه حتى يسقوا؟\nأما الأمر الأول فلا وجود له إطلاقًا في السنة النبوية الشريفة، وفي عمل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولا يستطيع أحد من الخلفيين أو الطُّرُقيين أن يأتي بدليل يثبت أن طريقة توسلهم كانت بأن يذكروا في أدعيتهم اسم النبي ﷺ، ويطلبوا من الله بحقه وقدره عنده ما يريدون. بل الذي نجده بكثرة، وتطفح به كتب السنة هو الأمر الثاني، إذ تبين أن طريقة توسل الأصحاب الكرام بالنبي ﷺ إنما كانت إذا رغبوا في قضاء حاجة، أو كشف نازلة أن يذهبوا إليه ﷺ، ويطلبوا منه مباشرة أن يدعو لهم ربه، أي أنهم كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء الرسول الكريم ﷺ ليس غير.\nويرشد إلى ذلك قوله ﵎: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا [النساء:٦٤].\n_________\n(١) [٣٧٤٥]» رواه البخاري (١٠١٠).","vol":"3","page":131},{"text":"ومن أمثلة ذلك ما مر معنا في حديث أنس السابق الذي ذكر فيه مجيء الأعرابي إلى المسجد يوم الجمعة حيث كان رسول الله ﷺ يخطب، وعرضه له ضنك حالهم، وجدب أرضهم، وهلاك ماشيتهم، وطلبه منه أن يدعو الله سبحانه لينقذهم مما هم فيه، فاستجاب له ﷺ، وهو الذي وصفه ربه بقوله: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة:١٢٨]، فدعا ﷺ لهم ربه، واستجاب سبحانه دعاء نبيه، ورحم عباده ونشر رحمته، وأحيا بلدهم الميت.\nومن ذلك أيضًا مجيء الأعرابي السابق نفسه أو غيره إلى النبي ﷺ وهو يخطب الجمعة الثانية، وشكواه له انقطاع الطرقات وتهدم البنيان، وهلاك المواشي، وطلبه منه أن يدعو لهم ربه، ليمسك عنهم الأمطار، وفعل ﷺ فاستجاب له ربه جل شأنه أيضًا.\nومن ذلك ما روته السيدة عائشة ﵂ حيث قالت: «شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه. قالت: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم ...» الحديث، وفيه أنه ﷺ دعا الله سبحانه، وصلى بالناس، فأغاثهم الله تعالى حتى سالت السيول، وانطلقوا إلى بيوتهم مسرعين، فضحك الرسول ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله» (١).\nفهذه الأحاديث وأمثالها مما وقع زمن النبي ﷺ وزمن أصحابه الكرام رضوان الله عليهم تُبين بما لا يقبل الجدال أو المماراة أن التوسل بالنبي ﷺ أو بالصالحين الذي كان عليه السلف الصالح هو مجيء المتوسل إلى المتوسل به، وعرضه حاله له، وطلبه منه أن يدعو له الله سبحانه، ليحقق طلبه، فيستجيب هذا له، ويستجيب من ثم الله ﷾.\n٢ – وهذا الذي بيناه من معنى الوسيلة هو المعهود في حياة الناس واستعمالهم، فإنه إذا كانت لإنسان حاجة ما عند مدير أو رئيس أو موظف مثلًا، فإنه يبحث عمن يعرفه ثم يذهب إليه ويكلمه، ويعرض له حاجته فيفعل، وينقل هذا الوسيط رغبته إلى الشخص المسؤول، فيقضيها له غالبًا. فهذا هو التوسل المعروف عند العرب منذ القديم، وما يزال، فإذا قال أحدهم: إني توسلت إلى فلان، فإنما يعني أنه ذهب إلى الثاني وكلمه في حاجته، ليحدث بها الأول، ويطلب منه قضاءها، ولا يفهم أحد من ذلك أنه ذهب إلى الأول وقال له: بحق فلان (الوسيط) عندك، ومنزلته لديك اقض لي حاجتي.\nوهكذا فالتوسل إلى الله ﷿ بالرجل الصالح ليس معناه التوسل بذاته وبجاهه وبحقه، بل هو التوسل بدعائه وتضرعه واستغاثته به ﷾، وهذا هو بالتالي معنى قول عمر ﵁: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا» (٢)، أي: كنا إذا قل المطر مثلًا نذهب إلى النبي ﷺ، ونطلب منه أن يدعو لنا الله جل شأنه.\n_________\n(١) [٣٧٤٦]» رواه أبو داود (١١٧٣) والحاكم (١/ ٤٧٦) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٣٤٩) قال أبو داود وهذا حديث غريب إسناده جيد، وقال النووي في «الأذكار» (٢٣٠): إسناده صحيح، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ١٥١) وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (١٤٣): إسناده جيد، وحسنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) [٣٧٤٧]» رواه البخاري (١٠١٠).","vol":"3","page":132},{"text":"٣ – ويؤكد هذا ويوضحه تمام قول عمر ﵁: «وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا»، أي إننا بعد وفاة نبينا جئنا بالعباس عم النبي ﷺ، وطلبنا منه أن يدعو لنا ربنا سبحانه ليغيثنا.\nتُرى لماذا عدل عمر ﵁ عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بالعباس ﵁، مع العلم أن العباس مهما كان شأنه ومقامه فإنه لا يذكر أمام شأن النبي ﷺ ومقامه؟\nأما الجواب برأينا فهو: لأن التوسل بالنبي ﷺ غير ممكن بعد وفاته، فأنى لهم أن يذهبوا إليه ﷺ ويشرحوا له حالهم، ويطلبوا منه أن يدعو لهم، ويؤمنوا على دعائه، وهو قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، وأضحى في حال يختلف عن حال الدنيا وظروفها مما لا يعلمه إلا الله ﷾، فأنى لهم أن يحظوا بدعائه ﷺ وشفاعته فيهم، وبينهم وبينه كما قال الله عز شأنه:\nوَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:١٠٠].\nولذلك لجأ عمر ﵁، وهو العربي الأصيل الذي صحب النبي ﷺ ولازمه في أكثر أحواله، وعرفه حق المعرفة، وفهم دينه حق الفهم، ووافقه القرآن في مواضع عدة، لجأ إلى توسل ممكن فاختار العباس ﵁، لقرابته من النبي ﷺ من ناحية، ولصلاحه ودينه وتقواه من ناحية أخرى، وطلب منه أن يدعو لهم بالغيث والسقيا. وما كان لعمر ولا لغير عمر أن يدع التوسل بالنبي ﷺ، ويلجأ إلى التوسل بالعباس أو غيره لو كان التوسل بالنبي ﷺ ممكنًا، وما كان من المعقول أن يقر الصحابة رضوان الله عليهم عمر على ذلك أبدًا، لأن الانصراف عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بغيره ما هو إلا كالانصراف عن الاقتداء بالنبي ﷺ في الصلاة إلى الاقتداء بغيره، سواء بسواء، ذلك أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يعرفون قدر نبيهم ﷺ ومكانته وفضله معرفة لا يدانيهم فيها أحد، كما نرى ذلك واضحًا في الحديث الذي رواه سهل بن سعد الساعدي ﵁: «أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي بالناس، فأقيم؟ قال: فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ، فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله ﷿ على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم النبي ﷺ فصلى ثم انصرف، فقال: يا أبا بكر: ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ». (١).\n_________\n(١) [٣٧٤٨]» رواه البخاري (٦٨٤). ومسلم (٤٢١).","vol":"3","page":133},{"text":"فأنت ترى أن الصحابة ﵃ لم يستسيغوا الاستمرار على الاقتداء بأبي بكر ﵁ في صلاته عندما حضر الرسول ﷺ، كما أن أبا بكر ﵁ لم تطاوعه نفسه على الثبات في مكانه مع أمر النبي ﷺ له بذلك، لماذا؟ كل ذلك لتعظيمهم نبيهم ﷺ، وتأدبهم معه، ومعرفتهم حقه وفضله، فإذا كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لم يرتضوا الاقتداء بغير النبي ﷺ عندما أمكن ذلك، مع أنهم كانوا بدءوا الصلاة في غيابه ﷺ عنهم، فكيف يتركون التوسل به ﷺ أيضًا بعد وفاته، لو كان ذلك ممكنًا، ويلجئون إلى التوسل بغيره؟ وكما لم يقبل أبو بكر أن يؤم المسلمين فمن البديهي أن لا يقبل العباس أيضًا أن يتوسل الناس به، ويدعوا التوسل بالنبي ﷺ لو كان ذلك ممكنًا.\n(تنبيه): وهذا يدل من ناحية أخرى على سخافة تفكير من يزعم أنه ﷺ في قبره حي كحياتنا، لأنه لو كان ذلك كذلك لما كان ثمة وجه مقبول لانصرافهم عن الصلاة وراءه ﷺ إلى الصلاة وراء غيره ممن لا يدانيه أبدًا في منزلته وفضله. ولا يعترض أحد على ما قررته بأنه قد ورد أن النبي ﷺ قال: «أنا في قبري حي طري، من سلم علي سلمت عليه» (١). وأنه يستفاد منه أنه ﷺ حي مثل حياتنا، فإذا توسل به سمعنا واستجاب لنا، فيحصل مقصودنا، وتتحقق رغبتنا، وأنه لا فرق في ذلك بين حاله ﷺ في حياته، وبين حاله بعد وفاته أقول:\nلا يعترض أحد بما سبق لأنه مردود من وجهين:\n_________\n(١) [٣٧٤٩]» لم يرد حديث بهذا اللفظ ولكن معناه قد ورد في عدة أحاديث صحيحة منها ما ذكر في المتن، ومنها حديث رواه أبو يعلى في «المسند» (٢/ ١٧٣) من حديث عبد الرحمن بن عوف، ولفظه: «..... إني لما رأيتني دخلت النخل لقيت جبريل فقال إني أبشرك أن الله يقول: من سلم عليك سلمت عليه ومن صلى عليك صليت عليه»، قال الذهبي في «المهذب» (٢/ ٧٩٦): إسناده جيد لكنه معلول، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٤/ ٢٧٧): صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"3","page":134},{"text":"الأول حديثي: وخلاصته أن الحديث المذكور لا أصل له بهذا اللفظ، كما أن لفظة (طري) لا وجود لها في شيء من كتب السنة إطلاقًا، ولكن معناه قد ورد في عدة أحاديث صحيحة، منها قوله ﷺ: «إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمتَ (قال: يقولون: بَليتَ)، قال: «إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء» (١) ومنها قوله ﷺ «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» (٢) وقوله ﷺ: «مررت ليلة أسري بي على موسى قائمًا يصلي في قبره» (٣) وقوله: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» (٤).\nالجواب الثاني فقهي: وفحواه أن حياته ﷺ بعد وفاته مخالفة لحياته قبل الوفاة، ذلك أن الحياة البرزخية غيب من الغيوب، ولا يدري كنهها إلا الله ﷾، ولكن من الثابت والمعلوم أنها تختلف عن الحياة الدنيوية، ولا تخضع لقوانينها، فالإنسان في الدنيا يأكل ويشرب، ويتنفس ويتزوج، ويتحرك ويتبرز، ويمرض ويتكلم، ولا أحد يستطيع أن يثبت أن أحدًا بعد الموت حتى الأنبياء ﵈، وفي مقدمتهم نبينا محمد ﷺ تعرض له هذه الأمور بعد موته.\n_________\n(١) [٣٧٥٠]» رواه أبو داود (١٠٤٧) وابن ماجه (١٦٣٦) والنسائي (٣/ ٩١) وأحمد (٤/ ٨) (١٦٢٠٧) والحاكم (١/ ٤١٣)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال النووي في «الخلاصة» (١/ ٤٤١): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) [٣٧٥١]» رواه أبو يعلى (٦/ ١٤٧) من حديث أنس بن مالك، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢١٤): رجال أبي يعلى ثقات، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٥٦١): فيه يحيى بن أبي كثير وهو من رجال الصحيح عن المستلم بن سعيد، وقد وثقه أحمد وابن حبان عن الحجاج الأسود وهو ابن أبي زياد البصري وقد وثقه أحمد وابن معين عن ثابت عنه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٧٩٠).\n(٣) [٣٧٥٢]» رواه مسلم (٢٣٧٥) من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٤) [٣٧٥٣]» رواه النسائي (٣/ ٤٣) وابن حبان (٣/ ١٩٥) والطبراني (١٠/ ٢٢٠) والحاكم (٢/ ٤٥٦) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال ابن القيم في «جلاء الأفهام» (١٢٠): إسناده صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٧): رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».","vol":"3","page":135},{"text":"ومما يؤكد هذا أن الصحابة ﵃ كانوا يختلفون في مسائل كثيرة بعد وفاته ﷺ، ولم يخطر في بال أحد منهم الذهاب إليه ﷺ في قبره، ومشاورته في ذلك، وسؤاله عن الصواب فيها، لماذا؟ إنّ الأمر واضح جدًا، وهو أنهم كلهم يعلمون أنه ﷺ انقطع عن الحياة الدنيا، ولم تعد تنطبق عليه أحوالها ونواميسها. فرسول الله ﷺ بعد موته حي، أكمل حياة يحياها إنسان في البرزخ، ولكنها حياة لا تشبه حياة الدنيا، ولعل مما يشير إلى ذلك قوله ﷺ: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» (١) وعلى كل حال فإن حقيقتها لا يدريها إلا الله ﷾، ولذلك فلا يجوز قياس الحياة البرزخية أو الحياة الأخروية على الحياة الدنيوية، كما لا يجوز أن تعطى واحدة منهما أحكام الأخرى، بل لكل منها شكل خاص وحكم معين، ولا تتشابه إلا في الاسم، أما الحقيقة فلا يعلمها إلا الله ﵎.\nونعود بعد هذا التنبيه إلى ما كنا فيه من الرد على المخالفين في حديث توسل عمر بالعباس، فنقول: إن تعليلهم لعدول عمر ﵁ عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بالعباس ﵁ بأنه لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل هو تعليل مضحك وعجيب. إذ كيف يمكن أن يخطر في بال عمر ﵁، أو في بال غيره من الصحابة الكرام ﵃ تلك الحذلقة الفقهية المتأخرة، وهو يرى الناس في حالة شديدة من الضنك والكرب، والشقاء والبؤس، يكادون يموتون جوعًا وعطشًا لشح الماء وهلاك الماشية، وخلو الأرض من الزرع والخضرة حتى سمي ذاك العام بعام الرمادة، كيف يَرِد في خاطره تلك الفلسفة الفقهية في هذا الظرف العصيب، فيدع الأخذ بالوسيلة الكبرى في دعائه، وهي التوسل بالنبي الأعظم ﷺ، لو كان ذلك جائزًا ويأخذ بالوسيلة الصغرى، التي لا تقارن بالأولى، وهي التوسل بالعباس، لماذا؟ لا لشيء إلا ليبين للناس أنه يجوز لهم التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل!!\nإن الشاهد والمعلوم أن الإنسان إذ حلّت به شدة يلجأ إلى أقوى وسيلة عنده في دفعها، ويدَع الوسائل الأخرى لأوقات الرخاء، وهذا كان يفهمه الجاهليون المشركون أنفسهم، إذ كانوا يَدعون أصنامهم في أوقات اليسر، ويتركونها ويدْعون الله تعالى وحده في أوقات العسر، كما قال ﵎: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: ٢٦٥].\nفنعلم من هذا أن الإنسان بفطرته يستنجد بالقوة العظمى، والوسيلة الكبرى حين الشدائد والفواق، وقد يلجأ إلى الوسائل الصغرى حين الأمن واليسر، وقد يخطر في باله حينذاك أن يبين ذلك الحكم الفقهي الذي افترضوه، وهو جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل. وأمر آخر نقوله جوابًا على شبهة أولئك، وهو: هب أن عمر ﵁ خطر في باله أن يبين ذلك الحكم الفقهي المزعوم، ترى فهل خطر ذلك في بال معاوية والضحاك بن قيس حين توسلا بالتابعي الجليل: يزيد بن الأسود الجُرَشي أيضًا؟ لا شك أن هذا ضرب من التمحل والتكلف لا يحسدون عليه.\n_________\n(١) [٣٧٥٤]» رواه أبو داود (٢٠٤١) وأحمد (٢/ ٥٢٧) (١٠٨٢٧) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٤٥) من حديث أبي هريرة، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٦/ ٢٩٩): إسناده جيد، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٤٠٩): سنده جيد، وحسنه ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٥/ ٣١) ووافقه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».","vol":"3","page":136},{"text":"٤ – إننا نلاحظ في حديث استسقاء عمر بالعباس ﵄ أمرًا جديرًا بالانتباه، وهو قوله: (إن عمر بن الخطاب كان إذا قَحطوا، استسقى بالعباس بن عبدالمطلب، ففي هذا إشارة إلى تكرار استسقاء عمر بدعاء العباس ﵄، ففيه حجة بالغة على الذين يتأولون فعل عمر ذلك أنه إنما ترك التوسل به ﷺ إلى التوسل بعمه ﵁، لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل، فإننا نقول: لو كان الأمر كذلك لفعل عمر ذلك مرة واحدة، ولما استمر عليه كلما استسقى، وهذا بيّن لا يخفى إن شاء الله تعالى على أهل العلم والإنصاف.\n٥ – لقد فسرت بعض روايات الحديث الصحيحة كلام عمر المذكور وقصده، إذ نقلت دعاء العباس ﵁ استجابة لطلب عمر ﵁، فمن ذلك ما نقله الحافظ العسقلاني ﵀ في (الفتح) (٣/ ١٥٠) حيث قال: (قد بين الزبير بن بكار في (الأنساب) صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: (اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجّه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، قال: فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس) (١).\nوفي هذا الحديث: أولًا: التوسل بدعاء العباس ﵁ لا بذاته كما بينه الزبير\nبن بكار وغيره، وفي هذا رد واضح على الذين يزعمون أن توسل عمر كان بذات العباس لا بدعائه، إذ لو كان الأمر كذلك لما كان ثمة حاجة ليقوم العباس، فيدعو بعد عمر دعاءً جديدًا.\nثانيًا: أن عمر صرح بأنهم كانوا يتوسلون بنبينا ﷺ في حياته، وأنه في هذه الحادثة توسل بعمه العباس، ومما لا شك فيه أن التوسليْن من نوع واحد: توسلهم بالرسول ﷺ وتوسلهم بالعباس، وإذا تبين للقارئ ... أن توسلهم به ﷺ إنما كان توسلًا بدعائه ﷺ فتكون النتيجة أن توسلهم بالعباس إنما هو توسل بدعائه أيضًا، بضرورة أن التوسليْن من نوع واحد.\nأما أن توسلهم به ﷺ إنما كان توسلًا بدعائه، فالدليل على ذلك صريح رواية الإسماعيلي في (مستخرجه على الصحيح) لهذا الحديث بلفظ: (كانوا إذ قحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا به، فيستسقي لهم، فيسقون، فلما كان في إمارة عمر ...) (٢) فذكر الحديث (٣)، نقلته من (الفتح) (٢/ ٣٩٩)، فقوله: (فيستسقي لهم) صريح في أنه ﷺ كان يطلب لهم السقيا من الله تعالى ففي (النهاية) لابن الأثير: (الاستسقاء، استفعال من طلب السقيا أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم، والاسم السقيا بالضم، واستقيت فلانًا إذا طلبت منه أن يسقيك).\nإذا تبين هذا، فقوله في هذه الرواية (استسقوا به) أي بدعائه، وكذلك قوله في الرواية.\nالأولى: (كنا نتوسل إليك بنبينا)، أي بدعائه، لا يمكن أن يفهم من مجموع رواية الحديث.\nإلا هذا. ويؤيده:\nثالثًا: لو كان توسل عمر إنما هو بذات العباس أو جاهه عند الله تعالى، لما ترك التوسل.\n_________\n(١) [٣٧٥٥]» «فتح الباري» لابن حجر (٣/ ٤٤٣).\n(٢) [٣٧٥٦]» رواه ابن حبان (٧/ ١١٠)، وذكره ابن حجر في «فتح الباري» (٢/ ٤٩٥)\n(٣) [٣٧٥٧]» الحديث رواه البخاري (١٠١٠).","vol":"3","page":137},{"text":"به ﷺ بهذا المعنى، لأن هذا ممكن لو كان مشروعًا، فعدول عمر عن هذه إلى التوسل بدعاء العباس ﵁ أكبر دليل على أن عمر والصحابة الذين كانوا معه كانوا لا يرون التوسل بذاته ﷺ، وعلى هذا جرى عمل السلف من بعدهم، كما رأيت في توسل معاوية بن أبي سفيان والضحاك ابن قيس بيزيد بن الأسود الجرشي، وفيهما بيان دعائه بصراحة وجلاء.\nفهل يجوز أن يجمع هؤلاء كلهم على ترك التوسل بذاته ﷺ لو كان جائزًا، سيّما والمخالفون يزعمون أنه أفضل من التوسل بدعاء العباس وغيره؟! اللهم إن ذلك غير جائز ولا معقول، بل إن هذا الإجماع منهم من أكبر الأدلة على أن التوسل المذكور غير مشروع عندهم، فإنهم أسمى من أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير!\nاعتراض ورده:\nوأما جواب صاحب (مصباح الزجاجة في فوائد قضاء الحاجة) (ص٢٥) عن ترك عمر التوسل بذاته ﷺ بقوله: (إن عمر لم يبلغه حديث توسل الضرير، ولو بلغه لتوسل به).\nفهو جواب باطل من وجوه:\nالأول: أن حديث الضرير إنما يدل على ما دل عليه توسل عمر هذا من التوسل بالدعاء.\nلا بالذات ...\nالثاني: أن توسل عمر لم يكن سرًا، بل كان جهرًا على رؤوس الأشهاد، وفيهم كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فإذا جاز أن يخفى الحديث على عمر، فهل يجوز أن يخفى على جميع الموجودين مع عمر من الصحابة؟!\nالثالث: أن عمر ... كان يكرر هذا التوسل كلما نزل بأهل المدينة خطر، أو كلما دعي للاستسقاء كما يدل على ذلك لفظ (كان) في حديث أنس السابق (أن عمر كان إذا قحَطوا استسقى بالعباس) (١) وكذلك روى ابن عباس عن عمر كما ذكره ابن عبد البر في (الاستيعاب) (٣/ ٩٨)، فإذا جاز أن يخفى ذلك عليه أول مرة، أفيجوز أن يستمر على الجهل به كلما استسقى بالعباس، وعنده المهاجرون والأنصار، وهم سكوت لا يقدمون إليه ما عندهم من العلم بحديث الضرير؟! اللهم إن هذا الجواب ليتضمن رمي الصحابة جميعهم بالجهل بحديث الضرير مطلقًا، أو على الأقل بدلالته على جواز التوسل بالذات، والأول باطل لا يخفى بطلانه، والثاني حق فإن الصحابة لو كانوا يعلمون أن حديث الضرير يدل على التوسل المزعوم لما عدلوا عن التوسل بذاته ﷺ إلى التوسل بدعاء العباس كما سبق.\nرابعًا: أن عمر ليس هو وحده الذي عدل عن التوسل بذاته ﷺ إلى التوسل بالدعاء، بل تابعه على ذلك معاوية بن أبي سفيان فإنه أيضًا عدل إلى التوسل بدعاء يزيد بن الأسود، ولم يتوسل به ﷺ وعنده جماعة من الصحابة وأجلاء التابعين، فهل يقال أيضًا إن معاوية ومن معه لم يكونوا يعلمون بحديث الضرير؟ وقل نحو ذلك في توسل الضحاك بن قيس بيزيد هذا أيضًا.\nثم أجاب صاحب (المصباح) بجواب آخر، وتبعه من لم يوفق من المتعصبين المخالفين فقال:\n_________\n(١) [٣٧٥٨]» رواه البخاري (١٠١٠).","vol":"3","page":138},{"text":"(إن عمر أراد بالتوسل بالعباس الاقتداء بالنبي ﷺ في إكرام العباس وإجلاله، وقد جاء هذا صريحًا عن عمر، فروى الزبير بن بكار في (الأنساب) من طريق داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: (استسقى عمر ابن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب، فخطب عمر فقال: إن رسول ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله ﷺ، واتخذوه وسيلة إلى الله ...) ورواه البلاذري من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه به (١).\nوالجواب من وجوه أيضًا:\nالأول: عدم التسليم بصحة هذه الرواية، فإنها من طريق داود ابن عطاء وهو المدني، وهو ضعيف كما في (التقريب)، ومن طريق الزبير بن بكار عنه رواه الحاكم (٣/ ٣٣٤) وسكت عنه، وتعقبه الذهبي بقوله: (داود متروك) ... والراوي عنه ساعدة بن عبيدالله المزني لم أجد من ترجم له، ثم إن في السند اضطرابًا، فقد رواه – كما رأيت – هشام بن سعد عن زيد بن أسلم فقال: (عن أبيه) بدل ابن عمر، لكن هشامًا أوثق من داود، إلا أننا لم نقف على سياقه، لننظر هل فيه مخالفة لسياق داود هذا أم لا؟ ولا تغتر بقولهم في (المصباح) عقب هذا الإسناد: (به) المفيد أن السياق واحد، فإن عمدته فيما نقله عن البلاذري إنما هو (فتح الباري) وهو لم يقل: (به). انظر (الفتح) (٢/ ٣٩٩).\nالثاني: لو صحت هذه الرواية، فهي إنما تدل على السبب الذي من أجله توسل عمر بالعباس دون غيره من الصحابة الحاضرين حينذاك، وأما أن تدل على جواز الرغبة عن التوسل بذاته ﷺ - لو كان جائزًا عندهم – إلى التوسل بالعباس أي بذاته فكلا، ثم كلا، لأننا نعلم بالبداهة والضرورة – كما قال بعضهم – أنه لو أصاب جماعة من الناس قحط شديد، وأرادوا أن يتوسلوا بأحدهم لما أمكن أن يعدلوا عمن دعاؤه أقرب إلى الإجابة، وإلى رحمة الله ﷾، ولو أن إنسانًا أصيب بمكروه فادح، وكان أمامه نبي، وآخر غير نبي، وأراد أن يطلب الدعاء من أحدهما لما طلبه إلا من النبي، ولو طلبه من غير النبي، وترك النبي لعد من الآثمين الجاهلين، فكيف يظن بعمر ومن معه من الصحابة أن يعدلوا عن التوسل به ﷺ إلى التوسل بغيره، لو كان التوسل بذاته ﷺ جائزًا، فكيف وهو أفضل عند المخالفين من التوسل بدعاء العباس وغيره من الصالحين؟! لا سيما وقد تكرر ذلك منهم مرارًا كما سبق، وهم لا يتوسلون به ﷺ ولا مرة واحدة، واستمر الأمر كذلك، فلم ينقل عن أحد منهم خلاف ما صنع عمر، بل صح عن معاوية ومن معه ما يوافق صنيعه حيث توسلوا بدعاء يزيد بن الأسود، وهو تابعي جليل، فهل يصح أن يقال: إن التوسل به كان اقتداء بالنبي ﷺ؟!\nالحق أقول: إن جريان عمل الصحابة على ترك التوسل بذاته ﷺ عند نزول الشدائد بهم.\n_________\n(١) [٣٧٥٩]» رواه الطبراني في «الدعاء» (٥/ ٤٢٧) والحاكم (٣/ ٣٧٧)، قال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (٢/ ٧١١): تفرد به الزبير بن بكار عن ساعدة، وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٩٢): [فيه] داود وهو ضعيف، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ١٧٤): [فيه] داود بن عطاء المدني: متروك، وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٣/ ١٣٩): واه جدا.","vol":"3","page":139},{"text":"– بعد أن كانوا لا يتوسلون بغيره ﷺ في حياته – لهو أكبر الأدلة الواضحة على أن التوسل بذاته ﷺ غير مشروع، وإلا لنقل ذلك عنهم من طرق كثيرة في حوادث متعددة، ألا ترى إلى هؤلاء المخالفين كيف يلهجون بالتوسل بذاته ﷺ لأدنى مناسبة لظنهم أنه مشروع، فلو كان الأمر كذلك لنُقِل مثله عن الصحابة، مع العلم أنهم أشد تعظيمًا ومحبة له ﷺ من هؤلاء، فكيف ولم يُنقل عنهم ذلك ولا مرة واحدة، بل صح عنهم الرغبة عنه إلى التوسل بدعاء الصالحين؟!\nالشبهة الثانية: حديث الضرير:\nبعد أن فرغنا من تحقيق الكلام في حديث توسل عمر بالعباس ﵁، وبينا أنه ليس حجة للمخالفين بل هو عليهم، نشرع الآن في تحقيق القول في حديث الضرير، والنظر في معناه: هل هو حجة لهم أم عليهم أيضًا؟ فنقول:\nأخرج أحمد وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: «إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخّرتُ ذاك، فهو خير»، وفي رواية: - وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك -، فقال: ادعهُ. فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفِّعه فيَّ (وشفّعني فيه). قال: ففعل الرجل فبرأ (١).\nيرى المخالفون: أن هذا الحديث يدل على جواز التوسل في الدعاء بجاه النبي ﷺ أو غيره من الصالحين، إذ فيه أن النبي ﷺ علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيرًا.\nوأما نحن فنرى أن هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل المختلف فيه، وهو التوسل بالذات، بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع ...، لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه. والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة، وأهمها:\nأولًا: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي ﷺ ليدعو له، وذلك قوله: (ادعُ الله أن يعافيني) فهو توسل إلى الله تعالى بدعائه ﷺ، لأنه يعلم أن دعاءه ﷺ أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي ﷺ، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلًا:\n(اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن يشفيني، وتجعلني بصيرًا). ولكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم، ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة، يذكر فيها اسم الموسَّل به، بل لابد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة، وطلب الدعاء منه له.\nثانيًا: أن النبي ﷺ وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له، وهو قوله ﷺ:\n_________\n(١) [٣٧٦٠]» رواه أحمد (٤/ ١٣٨) (١٧٢٧٩) والحديث رواه ابن ماجه (١٣٨٥) والترمذي (٣٥٧٨) والطبراني (٩/ ٣٠) وابن خزيمة في «صحيحه» (٢/ ٢٢٥) وعبد بن حميد (١/ ١٤٧)، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال الشوكاني في «تحفة الذاكرين» (٢٣٠): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"3","page":140},{"text":"«إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت فهو خير لك». وهذا الأمر الثاني هو ما أشار إليه ﷺ في الحديث الذي رواه عن ربه ﵎ أنه قال: «إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه – أي عينيه – فصبر، عوضته منهما الجنة» (١).\nثالثًا: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: (فادع) فهذا يقتضي أن الرسول ﷺ دعا له، لأنه ﷺ خير من وفى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء وأصر عليه، فإذن لا بد أنه ﷺ دعا له، فثبت المراد، وقد وجه النبي ﷺ الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله ﷾ يقدمها بين يدي دعاء النبي ﷺ له، وهي تدخل في قوله تعالى: وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة: ٣٥].\nوهكذا فلم يكتف الرسول ﷺ بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها طاعة لله ﷾ وقربة إليه، ليكون الأمر مكتملًا من جميع نواحيه، وأقرب إلى القبول والرضا من الله ﷾، وعلى هذا، فالحادثة كلها تدور حول الدعاء – كما هو ظاهر – وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.\nوقد غفل عن هذا الشيخ الغماري أو تغافل، فقال في (المصباح) (٢٤): «وإن شئتَ دعوتُ». أي وإن شئت علمتك دعاء تدعو به، ولقنتك إياه، وهذا التأويل واجب ليتفق أول الحديث مع آخره).\n... هذا التأويل باطل لوجوه كثيرة منها: أن الأعمى إنما طلب منه ﷺ أن يدعو له، لا أن يعلمه دعاء، فإذا كان قوله ﷺ له: «وإن شئت دعوت» جوابًا على طلبه تعين أنه الدعاء له، ولابد، وهذا المعنى هو الذي يتفق مع آخر الحديث، ولذلك رأينا الغماري لم يتعرض لتفسير قوله في آخره: «اللهم فشفعه في، وشفعني فيه» لأنه صريح في أن التوسل كان بدعائه ﷺ ...\nثم قال: (ثم لو سلمنا أن النبي ﷺ دعا للضرير فذلك لا يمنع من تعميم الحديث في غيره).\n... وهذه مغالطة مكشوفة، لأنه لا أحد ينكر تعميم الحديث في غير الأعمى في حالة دعائه ﷺ لغيره، ولكن لما كان الدعاء منه ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير معلوم بالنسبة للمتوسلين في شتى الحوائج والرغبات، وكانوا هم أنفسهم لا يتوسلون بدعائه ﷺ بعد وفاته، لذلك اختلف الحكم، وكان هذا التسليم من الغماري حجة عليه.\nرابعًا: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله ﷺ إياه أن يقول: «اللهم فشفعه في» وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته ﷺ، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته ﷺ في، أي اقبل دعائه في أن ترد عليَّ بصري، والشفاعة لغة الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له ﷺ ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا، فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره، قال في (لسان العرب): (الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال: تشفعت بفلان إلى فلان، فشفعني فيه).\nفثبت بهذا الوجه أيضًا أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه ﷺ لا بذاته.\n_________\n(١) [٣٧٦١]» رواه البخاري (٥٦٥٣).","vol":"3","page":141},{"text":"خامسًا: إن مما علم النبي ﷺ الأعمى أن يقوله: «وشفعني فيه» أي اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته ﷺ، أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.\nولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه. ذلك أن شفاعة الرسول ﷺ في الأعمى مفهومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول ﷺ كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة. ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدًا منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلًا: اللهم شفع فيَّ نبيك، وشفعني فيه.\nسادسًا: إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه ﷺ لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنفون في (دلائل النبوة) كالبيهقي وغيره، فهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي ﷺ. ويؤيده كل من دعا به من العميان مخلصًا إليه تعالى، منيبًا إليه قد عوفي، بل على الأقل لعوفي واحد منهم، وهذا ما لم يكن ولعله لا يكون أبدًا.\nكما أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي ﷺ وقدره وحقه، كما يفهم عامة المتأخرين، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه ﷺ، بل ويضمون إليه أحيانًا جاه جميع الأنبياء المرسلين، وكل الأولياء والشهداء والصالحين، وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة، والإنس والجن أجمعين! ولم نعلم ولا نظن أحدًا قد علم حصول مثل هذا خلال القرون الطويلة بعد وفاته ﷺ إلى اليوم.\nإذا تبين للقارئ الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه ﷺ، وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات، فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه: (اللهم إني أسألك، وأتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ) إنما المراد به: أتوسل إليك بدعاء نبيك، أي على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [يوسف: ٨٢] أي أهل القرية وأصحاب العير. ونحن والمخالفون متفقون على ذلك، أي على تقدير مضاف محذوف، وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر وتوسله بالعباس، فإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ (جاه) نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ (ذات) ك أو (مكانت) ك إلى ربي كما يزعمون، وإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ (دعاء) نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ (دعاء) ك إلى ربي كما هو قولنا. ولا بد لترجيح أحد التقديرين من دليل يدل عليه. فأما تقديرهم (بجاهه) فليس لهم عليه دليل لا من هذه الحديث ولا من غيره، إذ ليس في سياق الكلام ولا سباقه تصريح أو إشارة لذكر الجاه أو ما يدل عليه إطلاقًا، كما أنه ليس عندهم شيء من القرآن أو من السنة أو من فعل الصحابة يدل على التوسل بالجاه، فيبقى تقديرهم من غير مرجح، فسقط من الاعتبار، والحمد لله ...","vol":"3","page":142},{"text":"وثمة أمر آخر جدير بالذكر، وهو أنه لو حمل حديث الضرير على ظاهره، وهو التوسل بالذات لكان معطلًا لقوله فيما بعد: (اللهم فشفعه في، وشفعني فيه) وهذا لا يجوز كما لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها. وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد، وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات، والحمد لله.\nعلى أنني أقول: لو صح أن الأعمى إنما توسل بذاته ﷺ، فيكون حكمًا خاصًا به ﷺ، لا يشاركه فيه غيره من الأنبياء والصالحين، وإلحاقهم به مما لا يقبله النظر الصحيح، لأنه ﷺ سيدهم وأفضلهم جميعًا، فيمكن أن يكون هذا مما خصه الله به عليهم كثير مما صح به الخبر، وباب الخصوصيات لا تدخل فيه القياسات، فمن رأى أن توسل الأعمى كان بذاته لله، فعليه أن يقف عنده، ولا يزيد عليه كما نقل عن الإمام أحمد والشيخ العز بن عبد السلام رحمهما الله تعالى. هذا هو الذي يقتضيه البحث العلمي مع الإنصاف، والله الموفق للصواب ...\nتنبيه:\nواعلم أنه وقع في بعض الطرق الأخرى لحديث الضرير ... زيادتان لا بد من بيان شذوذهما وضعفهما، حتى يكون القارئ على بينة من أمرهما، فلا يغتر بقول من احتج بهما على خلاف الحق والصواب.\nالزيادة الأولى:\nزيادة حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو جعفر الخطمي .. فساق إسناده مثل رواية شعبة، وكذلك المتن إلا أنه اختصره بعض الشيء، وزاد في آخره بعد قوله: «وشفع نبيي في رد بصري: وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك» رواه أبو بكر بن أبي خيثمة في (تاريخه)، فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا حماد بن سلمه به.\nوقد أعلَّ هذه الزيادة شيخ الإسلام ابن تيمية في (القاعدة الجليلة) (ص١٠٢) بتفرد حماد بن سلمة بها، ومخالفته لرواية شعبة، وهو أجل من روى هذا الحديث وهذا إعلال يتفق مع القواعد الحديثية، ولا يخالفها البتة، وقول الغماري في (المصباح) (ص٣٠) بأن حمادًا ثقة من رجال الصحيح، وزيادة الثقة مقبولة، غفلة منه أو تغافل عما تقرر في المصطلح، أن القبول مشروط بما إذا لم يخالف الراوي من هو أوثق منه، قال الحافظ في (نخبة الفكر): (والزيادة مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، فإن خولف بأرجح، فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ).\n... وهذا الشرط مفقود هنا، فإن حماد بن سلمة، وإن كان من رجال مسلم، فهو\nبلا شك دون شعبة في الحفظ، ويتبين لك ذلك بمراجعة ترجمة الرجلين في كتب القوم، فالأول أورده الذهبي في (الميزان) وهو إنما يورد فيه من تُكُلَّم فيه، ووصفه بأنه (ثقة له أوهام) بينما لم يورد فيه شعبة مطلقًا، ويظهر لك الفرق بينهما بالتأمل في ترجمة الحافظ لهما، فقد قال في (التقريب): (حماد بن سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره) ثم قال: (شعبة بن الحجاج ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدًا).\n...","vol":"3","page":143},{"text":"وإذا تبين لك هذا عرفت أن مخالفة حماد لشعبة في هذا الحديث وزيادته عليه تلك الزيادة غير مقبولة، لأنها منافية لمن هو أوثق منه فهي زيادة شاذة كما يشير إليه كلام الحافظ السابق في (النخبة) ولعل حمادًا روى هذا الحديث حين تغير حفظه، فوقع في الخطأ، وكأن الإمام أحمد أشار إلى شذوذ هذه الزيادة، فإنه أخرج الحديث من طريق مؤمَّل (وهو ابن إسماعيل) عن حماد – عقب رواية شعبة المتقدمة – إلا أنه لم يسق لفظ الحديث، بل أحال به على لفظ حديث شعبة، فقال: (فذكر الحديث) ويحتمل أن الزيادة لم تقع في رواية مؤمل عن حماد، لذلك لم يشر إليها الإمام أحمد كما هي عادة الحفاظ إذا أحالوا في رواية على أخرى بينوا ما في الرواية المحالة من الزيادة على الأولى.\nوخلاصة القول: إن الزيادة لا تصح لشذوذها، ولو صحت لم تكن دليلًا على جواز التوسل بذاته ﷺ، لاحتمال أن يكون معنى قوله: «فافعل مثل ذلك» يعني من إتيانه ﷺ في حال حياته، وطلب الدعاء منه والتوسل به، والتوضؤ والصلاة، والدعاء الذي علمه رسول الله ﷺ أن يدعو به. والله أعلم.\nالزيادة الثانية:\nقصة الرجل مع عثمان بن عفان، وتوسله به ﷺ حتى قضى له حاجته، وأخرجها الطبراني في (المعجم الصغير) (ص١٠٣ - ١٠٤) وفي (الكبير) (٣/ ٢/١/ ١ - ٢) من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد، فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ﷿، فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليَّ حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال، ثم أتى باب عثمان ﵁ فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عليه، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ﷺ: فتصبر، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال النبي ﷺ: «ائت الميضأة، فتوضأ ثم صلِّ ركعتين، ثم ادعُ بهذه الدعوات» قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط. (١) قال الطبراني: (لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي وهو ثقة، وهو الذي يحدث عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي – واسمه عمير بن يزيد – وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، والحديث صحيح).\n...\n_________\n(١) [٣٧٦٢]» رواه الطبراني في «الكبير» (٩/ ٣٠) وفي «الصغير» (١/ ٣٠٦) وقال الطبراني والحديث صحيح، بعد ما ذكر الطرق التي روي بها، وقال مقبل الوادعي في «الشفاعة» (١٨٩): في إسنادها روح بن القاسم، لكن تضعيف هذه الزيادة من حيث كونها تدور على شبيب بن سعيد.","vol":"3","page":144},{"text":"لا شك في صحة الحديث، وإنما البحث الآن في هذه القصة التي تفرد بها شبيب بن سعيد كما قال الطبراني، وشبيب هذا متكلم فيه، وخاصة في رواية ابن وهب عنه، لكن تابعه عنه إسماعيل وأحمد ابنا شبيب بن سعيد هذا، أما إسماعيل فلا أعرفه، ولم أجد من ذكره، ولقد أغفلوه حتى لم يذكروه في الرواة عن أبيه، بخلاف أخيه أحمد فإنه صدوق، وأما أبوه شبيب فملخص كلامهم فيه: أنه ثقة في حفظه ضعف، إلا في رواية ابنه أحمد هذا عنه عن يونس خاصة فهو حجة، فقال الذهبي في (الميزان): (صدوق يغرب، ذكره ابن عدي في (كامله) فقال .. له نسخة عن يونس بن يزيد مستقيمة، حدث عنه ابن وهب بمناكير، قال ابن المديني: كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه صحيح قد كتبته عن ابنه أحمد. قال ابن عدي: كان شبيب لعله يغلط ويهم إذا حدث من حفظه، وأرجو أنه لا يتعمد، فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس فكأنه يونس آخر. يعني يجوَّد).\nفهذا الكلام يفيد أن شبيبًا هذا لا بأس بحديثه بشرطين اثنين: الأول: أن يكون من رواية ابنه أحمد عنه، والثاني: أن يكون من رواية شبيب عن يونس، والسبب في ذلك أنه كان عنده كتب يونس بن يزيد، كما قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) عن أبيه، فهو إذا حدث من كتبه هذه أجاد، وإذا حدث من حفظه وهم كما قال ابن عدي، وعلى هذا فقول الحافظ في ترجمته من (التقريب): (لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب) فيه نظر، لأنه أوهم أنه لا بأس بحديثه من رواية أحمد مطلقًا، وليس كذلك، بل هذا مقيد بأن يكون من روايته هو عن يونس لما سبق، ويؤيده أن الحافظ نفسه أشار لهذا القيد، فإنه أورد شبيبًا هذا في (من طعن فيه من رجال البخاري) من (مقدمة فتح الباري) (ص١٣٣) ثم دفع الطعن عنه – بعد أن ذكر من وثقه وقول ابن عدي فيه – بقوله: (قلت: أخرج البخاري من رواية ابنه عنه عن يونس أحاديث، ولم يخرج من روايته عن غير يونس، ولا من رواية ابن وهب عنه شيئًا).\nفقد أشار ﵀ بهذا الكلام إلى أن الطعن قائم في شبيب إذا كانت روايته عن غير يونس، ولو من رواية ابنه أحمد عنه، وهذا هو الصواب كما بينته آنفًا، وعليه يجب أن يحمل كلامه في (التقريب) توفيقًا بين كلاميه، ودفعًا للتعارض بينهما.\nإذا تبين هذا يظهر لك ضعف هذه القصة، وعدم صلاحية الاحتجاج بها. ثم ظهر لي فيها علة أخرى وهي الاختلاف على أحمد فيها، فقد أخرج الحديث ابن السني في (عمل اليوم والليلة) (ص٢٠٢) والحاكم (١/ ٥٢٦) من ثلاثة طرق عن أحمد بن شبيب بدون القصة، وكذلك رواه عون بن عمارة البصري ثنا روح ابن القاسم به، أخرجه الحاكم، وعون هذا وإن كان ضعيفًا، فروايته أولى من رواية شبيب، لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي.\nوخلاصة القول: إن هذه القصة ضعيفة منكرة، لأمور ثلاثة:\nضعف حفظ المتفرد بها، والاختلاف عليه فيها، ومخالفته للثقات الذين لم يذكروها في الحديث، وأمر واحد من هذه الأمور كاف لإسقاط هذه القصة، فكيف بها مجتمعة؟ ومن عجائب التعصب واتباع الهوى أن الشيخ الغماري أورد روايات هذه القصة في (المصباح) (ص١٢و١٧) من طريق البيهقي في (الدلائل) والطبراني، ثم لم يتكلم عليها مطلقًا لا تصحيحًا ولا تضعيفًا، والسبب واضح، أما التصحيح فغير ممكن صناعة، وأما التضعيف فهو الحق ولكن، ونحو ذلك فعل من لم يوفق في (الإصابة)، فإنهم أوردوا (ص٢١ - ٢٢) الحديث بهذه القصة، ثم قالوا: (وهذا الحديث صححه الطبراني في (الصغير) و(الكبير)!\nوفي هذا القول على صغره جهالات:","vol":"3","page":145},{"text":"أولًا: أن الطبراني لم يصحح الحديث في (الكبير) بل في (الصغير) فقط، وأنا نقلت الحديث عنه للقارئين مباشرة، لا بالواسطة كما يفعل أولئك، لقصر باعهم في هذا العلم الشريف (ومن ورد البحر استقل السواقيا).\nثانيًا: أن الطبراني إنما صحح الحديث فقط دون القصة، بدليل قوله ... (قد روى الحديث شعبة ... والحديث صحيح) فهذا نص على أنه أراد حديث شعبة، وشعبة لم يرو هذه القصة، فلم يصححها إذن الطبراني، فلا حجة لهم في كلامه.\nثالتًا: أن عثمان بن حنيف لو ثبتت عنه القصة لم يُعَلِّم ذلك الرجل فيها دعاء الضرير بتمامه، فإنه أسقط منه جملة «اللهم شفعه في وشفعني فيه» لأنه يفهم بسليقته العربية أن هذا القول يستلزم أن يكون النبي ﷺ داعيًا لذلك الرجل، كما كان داعيًا للأعمى، ولما كان هذا منفيًا بالنسبة للرجل، لم يذكر هذه الجملة؟ قال شيخ الإسلام (ص١٠٤): (ومعلوم أن الواحد بعد موته ﷺ إذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه – مع أن النبي ﷺ لم يدعُ له – كان هذا كلامًا باطلًا، مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره أن يسأل النبي ﷺ شيئًا، ولا أن يقول: (فشفعه في)، ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه، وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من النبي ﷺ شفاعة، ولا ما يظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته: (فشفعه في) لكان كلامًا لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان، والدعاء المأثور عن النبي ﷺ لم يأمر به، والذي أمر به ليس مأثورًا عن النبي ﷺ، ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في حسن العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات، إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما يثبت عن النبي ﷺ يخالفه ولا يوافقه، لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب رده إلى الله والرسول).\nثم ذكر أمثلة كثيرة مما تفرد به بعض الصحابة، ولم يتبع عليه مثل إدخال ابن عمر الماء في عينيه في الوضوء، ونحو ذلك فراجعه.\nثم قال: وإذا كان في ذلك كذلك، فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي ﷺ بعد موته من غير أن يكون النبي ﷺ داعيًا له، ولا شافعًا فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته ﷺ يتوسلون فلما مات لم يتوسلوا به، بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور، لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر: لا يأكل سمينًا حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بالناس قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون. وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، ولم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته، فلو كان توسلهم بالنبي ﷺ بعد مماته كتوسلهم في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما، ونعدل عن التوسل بالنبي ﷺ الذي هو أفضل الخلائق، وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره، وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به، لا بذاته).","vol":"3","page":146},{"text":"هذا، وفي القصة جملة إذا تأمل فيها العاقل العارف بفضائل الصحابة وجدها من الأدلة الأخرى على نكارتها وضعفها، وهي أن الخليفة الراشد عثمان ﵁ كان لا ينظر في حاجة ذلك الرجل، ولا يلتفت إليه! فكيف يتفق هذا مع ما صح عن النبي ﷺ أن الملائكة تستحي من عثمان، ومع ما عرف به ﵁ من رفقه بالناس، وبره بهم، ولينه معهم؟ هذا كله يجعلنا نستبعد وقوع ذلك منه، لأنه ظلم يتنافى مع كماله ﵁ وأرضاه.\nالشبهة الثالثة: قياس الخالق على المخلوقين:\nيقول المخالفون، إن التوسل بذوات الصالحين وأقدارهم أمر مطلوب وجائز، لأنه مبني على منطق الواقع ومتطلباته، ذلك أن أحدنا إذا كانت له حاجة عند ملك أو وزير أو مسؤول كبير فهو لا يذهب إليه مباشرة، لأنه يشعر أنه ربما لا يلتفت إليه، هذا إذا لم يرده أصلًا، ولذلك كان من الطبيعي إذا أردنا حاجة من كبير فإننا نبحث عمن يعرفه، ويكون مقربًا إليه أثيرًا عنده، ونجعله واسطة بيننا وبينه، فإذا فعلنا ذلك استجاب لنا، وقضيت حاجتنا، وهكذا الأمر نفسه في علاقتنا بالله سبحانه – بزعمهم – فالله ﷿ عظيم العظماء، وكبير الكبراء، ونحن مذنبون عصاة، وبعيدون لذلك عن جناب الله، ليس من اللائق بنا أن ندعوه مباشرة، لأننا إن فعلنا ذلك خفنا أن يردنا على أعقابنا خائبين، أو لا يلتفت إلينا فنرجع بخفي حنين، وهناك ناس صالحون كالأنبياء والرسل والشهداء قريبون إليه سبحانه، يستجيب لهم إذا دعوه، ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا لديه، أفلا يكون الأولى بنا والأحرى أن نتوسل إليه بجاههم، ونقدم بين يدي دعائنا ذكرهم، عسى أن ينظر الله تعالى إلينا إكرامًا لهم، ويجيب دعاءنا مراعاة لخاطرهم، فلماذا تمنعون هذا النوع من التوسل، والبشر يستعملونه فيما بينهم، فلم لا يستعملونه مع ربهم ومعبودهم؟\nونقول جوابًا على هذه الشبهة: إنكم يا هؤلاء إذًا تقيسون الخالق على المخلوق، وتشبهون قيوم السماوات والأرض، أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، الرؤوف الرحيم بأولئك الحكام الظالمين، والمتسلطين المتجبرين الذين لا يأبهون لمصالح الرعية، ويجعلون بينهم وبين الرعية حجبًا وأستارًا، فلا يمكنها أن تصل إليهم إلا بوسائط ووسائل، ترضي هذه الوسائط بالرشاوي والهبات، وتخضع لها وتتذلل، وتترضاها وتتقرب إليها، فهل خطر ببالكم أيها المساكين أنكم حين تفعلون ذلك تذمون ربكم، وتطعنون به، وتؤذونه، وتصفونه بما يمقته وما يكرهه؟ هل خطر ببالكم أنكم تصفون الله تعالى بأبشع الصفات حين تقيسونه على الحكام الظلمة، والمتسلطين الفجرة، فكيف يسوِّغ هذا لكم دينكم، وكيف يتفق هذا مع ما يجب عليكم من تعظيمكم لربكم، وتمجيدكم لخالقكم؟\nترى لو كان يمكن لأحد الناس أن يخاطب الحاكم وجهًا لوجه، ويكلمه دون واسطة أو حجاب أيكون ذلك أكمل وأمدح له، أم حين لا يتمكن من مخاطبته إلا من خلال وسائط قد تطول وقد تقصر؟\nيا هؤلاء إنكم تفخرون في أحاديثكم بعمر بن الخطاب ﵁ وتمجدونه وتشيدون به وتبينون للناس أنه كان متواضعًا لا يتكبر ولا يتجبر، وكان قريبًا من الناس، يتمكن أضعفهم من لقائه ومخاطبته، وأنه كان يأتيه الأعرابي الجاهل الفظ من البادية، فيكلمه دون واسطة أو حجاب، فينظر في حاجته ويقضيها له إن كانت حقًا. ترى هل هذا النوع من الحكام خير وأفضل، أم ذاك النوع الذي تضربون لربكم به الأمثال؟\nفما لكم كيف تحكمون؟ وما لعقولكم أين ذهبت، وما لتفكيركم أين غاب، وكيف ساغ لكم تشبيه الله تعالى بالملك الظالم، أم كيف غطى عنكم الشيطان بشاعة قياس الله سبحانه على الأمير الغاشم؟","vol":"3","page":147},{"text":"يا هؤلاء إنكم لو شبهتم الله تعالى بأعدل الناس وأتقى الناس، وأصلح الناس لكفرتم، فكيف وقد شبهتموه بأظلم الناس، وأفجر الناس، وأخبث الناس؟\nيا هؤلاء إنكم لو قستم ربكم الجليل على عمر بن الخطاب التقي العادل لوقعتم في الشرك، فكيف تردى بكم الشيطان، فلم ترضوا بذلك حتى أوقعكم في قياس ربكم على أهل الجور والفساد من الملوك والأمراء والوزراء؟\nإن تشبيه الله تعالى بخلقه كفر كله حذر منه سبحانه حيث قال: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [سورة النحل:٧٣ - ٧٤] (١) كما نفى سبحانه أي مشابهة بينه وبين أي خلق من مخلوقاته فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [سورة الشورى: ١١]. ولكن شر تشبيه أن يشبهه المرء بالأشرار والفجار والفساق من الولاة، وهو يظن أنه يحسن صنعًا! إن هذا هو الذي يحمل بعض العلماء والمحققين على المبالغة في إنكار التوسل بذوات الأنبياء، واعتباره شركًا، وإن كان هو نفسه ليس شركًا عندنا، بل يخشى أن يؤدي إلى الشرك، وقد أدى فعلًا بأولئك الذين يعتذرون لتوسلهم بذلك التشبيه السابق الذي هو الكفر بعينه لو كانوا يعلمون.\nومن هنا يتبين أن قول بعض الدعاة الإسلاميين اليوم في الأصل الخامس عشر من أصوله العشرين: (والدعاء إذا قُرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء، وليس من مسائل العقيدة) ليس صحيحًا على إطلاقه لما علمت أن في الواقع ما يشهد بأنه خلاف جوهري، إذ فيه شرك صريح ... ولعل مثل هذا القول الذي يهوِّن من أمر هذا الانحراف هو أحد الأسباب التي تدفع الكثيرين إلى عدم البحث فيه، وتحقيق الصواب في أمره، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى استمرار المبتدعين في بدعهم، واستفحال خطرها بينهم، ولذلك قال الإمام العز بن عبد السلام في رسالة (الواسطة) (ص٥): (ومن أثبت الأنبياء وسواهم من مشايخ العلم والدين وسائط بين الله وبين خلقه كالحجَّاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله تعالى حوائج خلقه، وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، ولأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطلب، فمن أثبتهم وسائط على هذ الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبَّهون لله، شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادًا ...).\nالشبهة الرابعة: هل هناك مانع من التوسل المبتدع على وجه الإباحة لا استحباب؟\nقد يقول القائل: صحيح أنه لم يثبت في السنة ما يدل على استحباب التوسل بذوات الأنبياء والصالحين، ولكن ما المانع منه إذا فعلناه على طريق الإباحة، لأنه لم يأتِ نهي عنه؟\nفأقول: هذه شبهة طالما سمعناها ممن يريد أن يتخذ موقفًا وسطًا بين الفريقين لكي يرضي كلًا منهما، وينجو من حملاتهما عليه! والجواب: يجب أن لا ننسى في هذا المقام معنى الوسيلة إذ هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود ...\n_________\n(١) [٣٧٦٣]» قال الحافظ ابن كثير: (أي لا تجعلوا لله أندادًا وأشباهًا وأمثالًا).","vol":"3","page":148},{"text":"ولا يخفى أن الذي يراد التوصل إليه إما أن يكون دينيًا، أو دنيويًا، وعلى الأول لا يمكن معرفة الوسيلة التي توصل إلى الأمر الديني إلا من طريق شرعي، فلو ادعى رجل أن توسله إلى الله تعالى بآية من آياته الكونية العظيمة كالليل والنهار مثلًا سبب لاستجابة الدعاء لرد عليه ذلك إلا أن يأتي بدليل، ولا يمكن أن يقال حينئذ بإباحة هذا التوسل، لأنه كلام ينقض بعضه بعضًا، أنك تسميه توسلًا، وهذا لم يثبت شرعًا، وليس له طريق آخر في إثباته، وهذا بخلاف القسم الثاني من القسمين المذكورين وهو الدنيوي، فإن أسبابه يمكن أن تعرف بالعقل أو بالعلم أو بالتجربة ونحو ذلك، مثل الرجل يتاجر ببيع الخمر، فهذا سبب معروف للحصول على المال، فهو وسيلة لتحقيق المقصود وهو المال، ولكن هذه الوسيلة نهى الله عنها، فلا يجوز اتباعها بخلاف ما لو تاجر بسبب لم يحرمه الله ﷿، فهو مباح، أما السبب المدعى أن يقرب إلى الله وأنه أرجى في قبوله الدعاء، فهذا سبب لا يعرف إلا بطريق الشرع، فحين يقال: بأن الشرع لم يرد بذلك، لم يجز تسميته وسيلة حتى يمكن أن يقال إنه مباح التوسل به،. ......\nوشيء ثان: وهو أن التوسل الذي سلمنا بعدم وروده قد جاء في الشرع ما يغني عنه، وهو التوسلات الثلاثة التي سبق ذكرها في أول البحث، فما الذي يحمل المسلم على اختيار هذا التوسل الذي لم يرد، والإعراض عن التوسل الذي ورد؟ وقد اتفق العلماء على أن البدعة إذا صادمت سنة فهي بدعة ضلالة اتفاقًا، وهذا التوسل من هذا القبيل، فلم يجز التوسل به، ولو على طريق الإباحة دون الاستحباب!.\nوأمر ثالث: وهو أن هذا التوسل بالذوات يشبه توسل الناس ببعض المقربين إلى الملوك\nوالحكام، والله ﵎ ليس كمثله شيء باعتراف المتوسلين بذلك، فإذا توسل المسلم إليه تعالى بالأشخاص فقد شبهه عملًا بأولئك الملوك والحكام كما سبق بيانه، وهذا غير جائز.\nالشبهة الخامسة: قياس التوسل بالذات على التوسل بالعمل الصالح\nهذه شبهة أخرى يثيرها بعض أولئك المبتدعين (١) زينها لهم الشيطان، ولقنهم إياها حيث يقولون: قد قدمتم أن من التوسل المشروع اتفاقًا التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، فإذا كان التوسل بهذا جائزًا فالتوسل بالرجل الصالح الذي صدر منه هذا العمل أولى بالجواز، وأحرى بالمشروعية، فلا ينبغي إنكاره.\nوالجواب من وجهين:\nالوجه الأول: أن هذا قياس، والقياس في العبادات باطل كما تقدم (ص١٣٠)، وما مثل من يقول هذا القول إلا كمثل من يقول: إذا جاز توسل المتوسل بعمله الصالح – وهو بلا شك دون عمل الولي والنبي – جاز أن يتوسل بعمل النبي والولي، وهذا وما لزم منه باطل فهو باطل.\nالوجه الثاني: أن هذه مغالطة مكشوفة، لأننا لم نقل – كما لم يقل أحد من السلف قبلنا – أنه يجوز للمسلم أن يتوسل بعمل غيره الصالح، وإنما التوسل المشار إليه إنما هو التوسل بعمل المتوسل الصالح نفسه، فإذا تبين هذا قلبنا عليهم كلامهم السابق فقلنا: إذا كان لا يجوز التوسل بالعمل الصالح الذي صدر من غير الداعي فأولى ثم أولى ألا يجوز التوسل بذاته، وهذا بين لا يخفى والحمد لله. التوسل أنواعه وأحكامه لمحمد ناصر الدين الألباني – بتصرف - ص٤٠\nتوجيه بعض ما استدل به المبتدعون من جواز التوسل بالرسول ﷺ مع بيان خطئهم في الاستدلال:\n_________\n(١) [٣٧٦٤]» منهم صاحب كتاب «التاج».","vol":"3","page":149},{"text":"- حديث الأعمى الذي صححه الترمذي «أنه جاء إلى النبي ﷺ فسأله أن يدعو الله أن يرد بصره عليه، فأمره أن يتوضأ فيصلي ركعتين ويقول: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، يا نبي الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضيها، اللهم فشفعه في فدعا الله، فرد الله عليه بصره» (١).\nوالجواب عن هذا أن يقال:\nأولًا: لا ريب أن الله جعل على نفسه حقًا لعباده المؤمنين، كما قال تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧]، وكما قال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤] وفي (الصحيحين): «أن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل وهو رديفه: يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم» (٢) فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق.\nوقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا: هل يوجب بنفسه على نفسه؟ على قولين. ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤]، وبقوله في الحديث الصحيح: «إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا» (٣) والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ٢/ ٧٨٤\n- حديث أبي سعيد: «أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا» (٤)، فهذا الحديث رواه عطية العوفي، وفيه ضعف. لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه سبحانه، أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له، والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته فهو من التوسل به، والتوجه به، والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته لأن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله. فصار هذا كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ٢/ ٧٩٦\n_________\n(١) [٣٧٦٥]» رواه الترمذي (٣٥٧٨) وابن ماجه (١٣٨٥) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ١٦٩) (١٠٤٩٥)، وأحمد (٤/ ١٣٨) (١٧٢٧٩) والطبراني (٩/ ٣٠) وابن خزيمة في «صحيحه» (٢/ ٢٢٥) وعبد بن حميد (١/ ١٤٧)، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال الشوكاني في «تحفة الذاكرين» (ص: ٢٣٠): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٢) [٣٧٦٦]» رواه البخاري (٧٣٧٣) ومسلم (٣٠).\n(٣) [٣٧٦٧]» رواه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁.\n(٤) [٣٧٦٨]» رواه ابن ماجه (٧٧٨) وأحمد (٣/ ٢١) (١١١٧٢) قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٣٧٩): لم أره في شيء من الأصول التي جمعها أبو رزين، وقال ابن تيمية في «الرد على البكري» (١٢٢) في إسناده عطية العوفي وفيه ضعف، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه».","vol":"3","page":150},{"text":"ومن هذا الباب: ما يروى عن عبد الله بن جعفر أنه قال: (كنت إذا سألت عليا ﵁ شيئا فلم يعطنيه قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه فيعطينيه) (١) أو كما قال. فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر، أو من باب قولهم: أسألك بحق أنبيائك، ونحو ذلك. وليس كذلك، بل جعفر هو أخو علي، وعبد الله هو ابنه، وله عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر، كما في الحديث: «إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي» (٢)، ولو كان هذا من الباب الذي ظنوه لكان سؤاله لعلي بحق النبي وإبراهيم الخليل ونحوهما، أولى من سؤاله بحق جعفر، فكان علي إلى تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته وإجابة السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره، لكن بين المعنيين فرق. فإن السائل بالنبي، طالب به متسبب به، فإن لم يكن في ذلك السبب ما يقتضي حصول مطلوبه، ولا كان مما يقسم به لكان باطلا.\nوإقسام الإنسان على غيره بشيء يكون من باب تعظيم المقسم للمقسم به، وهذا هو الذي جاء به الحديث من الأمر بإبرار القسم، وفي مثل هذا قيل: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» (٣)، وقد يكون من باب تعظيم المسؤول به. فالأول يشبه ما ذكره الفقهاء في الحلف الذي يقصد به الحض والمنع. والثاني: سؤال للمسؤول بما عنده من محبة المسؤول به وتعظيمه ورعاية حقه.\nفإن كان ذلك مما يقتضي حصول مقصود السائل حسن السؤال، كسؤال الإنسان بالرحم. وفي هذا سؤال الله بالأعمال الصالحة، وبدعاء أنبيائه وشفاعتهم. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ٢/ ٨٠١\nوحديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، وهو طلب من النبي ﷺ الدعاء، وقد أمره النبي ﷺ أن يقول: «اللهم شَفِّعْه فيَّ» ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي ﷺ، وكان ذلك مما يعد من آيات النبي ﷺ. ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدْعُ لهم النبي ﷺ بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله (٤). قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية- ص ١٠١\n- ما روي عن مالك في هذا وجوابه\n_________\n(١) [٣٧٦٩]» رواه الطبراني (٢/ ١٠٩) وأحمد في «العلل» (١/ ٣٧٨).\n(٢) [٣٧٧٠]» رواه مسلم (٢٥٥٢).\n(٣) [٣٧٧١]» رواه البخاري (٢٧٠٣).\n(٤) وقد عمي بعض الصحابة بعد النبي ﷺ منهم ابن عباس وجابر وكان ابن عباس راغبًا في الشفاء، فلو كان التوسل بذات النبي ﷺ مشروعًا لتوسل بذاته ﷺ ولشفي وهو أولى بأن يجاب من هذا الصحابي المجهول بل عمي عتبان بن مالك في حياة رسول الله ﷺ. وكذلك ابن أم مكتوم.","vol":"3","page":151},{"text":"ثم ذكر حكاية بإسناد غريب (١) منقطع رواها عن غير واحد إجازة، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهات قال: حدثنا أبو الحسن علي بن فهر، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرح، ثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، ثنا يعقوب (٢) بن إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا ابن حميد (٣) قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكًا في مسجد رسول الله ﷺ، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قومًا فقال لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات: ٢] الآية، ومدح قومًا فقال إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [الحجرات: ٣] الآية، وذم قومًا فقال إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ [الحجرات: ٤] الآية، وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا. فاستكان لها أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله ﷺ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله، قال الله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء: ٦٤]: (٤).\n...\n_________\n(١) لقد بحثت عن رجال هذا الإسناد بدءًا من أبي العباس أحمد بن عمر بن دلهات إلى أبي الحسن بن المنتاب في ترتيب المدارك للقاضي عياض، والصلة لابن بشكوال، فلم أقف لأحد منهم على ترجمة، فهو إسناد غريب حقًا كما وصفه شيخ الإسلام.\n(٢) هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن كامجر، قال الدارقطني لا بأس به، «تاريخ بغداد» (١٤/ ٢٩١).\n(٣) قال الذهبي في «المغني» (٢/ ٥٧٣): ضعيف لا من قبل حفظه، قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير. وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبوزرعة: يكذب. وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب منه ومن ابن الشاذكوني.\n(٤) قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١/ ٣٥٣): كذب على مالك ليس لها إسناد معروف وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه.","vol":"3","page":152},{"text":"وهذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكًا لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور، فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة، وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومائتين (١) ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه (٢). وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذَّبه أبو زرعة (٣) وابن وارة (٤). وقال صالح بن محمد الأسدي (٥): ما رأيت أحدًا أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه (٦). وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير (٧). وقال النسائي: ليس بثقة (٨). وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات (٩).\nوآخر من روى (الموطأ) عن مالك هو أبو مصعب (١٠) وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد ابن إسماعيل السهمي (١١) توفي سنة تسع وخمسين ومائتين.\nوفي الإسناد أيضًا من لا يعرف حاله (١٢).\n_________\n(١) انظر: كتاب «المجروحين» لابن حبان (٢/ ٣٠٣)، و«الكاشف» (٣/ ٣٢٦)، و«تهذيب التهذيب» (٩/ ١٣١)، والميزان (٣/ ٥٣١).\n(٢) ولم يذكره أحد في تلاميذ مالك حتى المزي في «تهذيب الكمال»، انظر ترجمة مالك في «تهذيب الكمال» (٣/ ١٢٩٦ - ١٢٩٧)، وترجمة محمد بن حميد منه (٣/ ١١٩٠ - ١١٩١) وراجع «ترتيب المدارك» للقاضي عياض (١/ ٢٨٢ - ٥٤٥) وقد قسم فيه الرواة عن مالك إلى طبقتين: كبرى وصغرى، وعلى حسب البلدان، ولم يذكر فيهم ابن حميد وهذا يؤكد ما قاله شيخ الإسلام.\n(٣) قال ابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٢٠٤). قال أبو زرعة وابن وارة - أي للإمام أحمد -: صح عندنا أنه يكذب قال - يعني صالح بن أحمد -: فرأيت أبي بعد ذلك إذا ذكر ابن حميد نفض يده.\n(٤) الحافظ الكبير الثبت أبو عبد الله محمد بن مسلم بن عثمان بن وارة الرازي، مات سنة (٢٧٠)، «تذكرة الحفاظ» (٢/ ٥٧٥).قال الحافظ: ثقة حافظ .. من الحادية عشر/ س. (تقريب) (٢/ ٢٠٧).\n(٥) الحافظ العلامة شيخ ما وراء النهر، أبو علي صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب الأسدي مولاهم البغدادي، نزيل بخارى، كان ثبتًا صدوقًا مشهورًا. قال أبو سعد الإدريسي: ما أعلم بعصر صالح بالعراق ولا بخراسان في الحفظ مثله ...، «تذكرة الحفاظ» (٢/ ٥٤١ - ٥٤٣).\n(٦) انظر: «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٦٢) وقال: محمد بن حميد أحاديثه تزيد وما رأيت أجرأ على الله منه.\n(٧) «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٦٠)\n(٨) «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٦٣).\n(٩) كتاب «المجروحين» (٢/ ٢٠٣). وقال البخاري في «التاريخ» (ق١/ج١/ ٦٩): فيه نظر. وقال إسحاق بن منصور: أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار أنهما كذابان. «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٦٣). وجرت له قصتان مع أبي حاتم الرازي ومحمد بن عيسى الدامغاني اتضح منهما كذبه العريض. «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٧/ ٢٣٢ - ٢٣٣). راجع هذه الأقوال في «تهذيب الكمال» (٣/ ١١٩٠ - ١١٩١)، و«تهذيب التهذيب» (٩/ ١٢٧ - ١٣١)، و«الميزان» (٣/ ٥٣٠).\n(١٠) الإمام الفقيه أحمد بن أبي بكر الزهري المدني، قاضي المدينة وعالمها، سمع مالكًا وطائفة. وفاته كما ذكر شيخ الإسلام. راجع «الكاشف» (١/ ٥٣)، و«التقريب» (١/ ١٢)، و«التذكرة» (ص ٤٨٢).\n(١١) الأمر كما ذكر المؤلف. انظر «الكاشف» (١/ ٥٢)، و«التقريب» (١/ ١١).\n(١٢) لعله يشير بهذا إلى معظم رجال الإسناد من ابن دلهات إلى يعقوب بن إسحاق، وقد أخبرت أني لم أقف لهم على خبر بعد بحث، فلعل واحدًا من هؤلاء المجهولين اخترع هذه الحكاية إن سلم من اختراعها ابن حميد.","vol":"3","page":153},{"text":"وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند، فكيف إذا أرسل (١) حكاية لا تعرف إلا من جهته! (٢).\nهذا إن ثبتت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد بن مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث!.\nمع أن قوله: (وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة). إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة ...\nكما جاءت به الأحاديث الصحيحة (٣) حين يأتي الناس يوم القيامة آدم ليشفع لهم، فيردّهم آدم إلى نوح، ثم يردهم نوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، ويردهم عيسى إلى محمد ﷺ، فإنه كما قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر» (٤).\nولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه:\nأحدها، قوله: (أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله وأدعو!) فقال: (ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم)؛ فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين أن الداعي إذا سلم على النبي ﷺ ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو لنفسه، بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبي ﷺ والدعاء له. هذا قول أكثر العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم ... ومما يوهن هذه الحكاية أنه قال فيها: \"ولم تصرفُ وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة\". إنما يدل على أنه يوم القيامة يتوسل الناس بشفاعته، وهذا حق كما تواترت به الأحاديث، لكن إذا كان الناس يتوسلون بدعائه وشفاعته يوم القيامة، كما كان أصحابه يتوسلون بدعائه وشفاعته في حياته، فإنما ذاك طلب لدعائه وشفاعته، فنظير هذا - لو كانت الحكاية صحيحة - أن يطلب منه الدعاء والشفاعة في الدنيا عند قبره.\n_________\n(١) يريد بهذا شيخ الإسلام أن ابن حميد على مافيه من بلاء لم يصرح في رواية هذه الحكاية بصيغة من صيغ التحديث؛ كسمعت مالكًا، أو حدثني، أو أخبرني، أو عن مالك، أو قال مالك، وإنما قال: ناظر مالك فهي بهذا التعبير مرسلة، فإن سلم محمد بن حميد من تبعتها، فهناك احتمال آخر أن يكون رجل كذاب اخترع هذه الحكاية، ونسبها إلى مالك، أو يكون هناك عدد من الوسائط بين محمد بن حميد وبين مالك فيهم كذاب أو كذابون تداولوا هذه الحكاية حتى وصلت إلى محمد بن حميد.\n(٢) يقصد شيخ الإسلام أن محمد بن حميد مع عدم إدراكه لمالك، فقد انفرد من بين أصحاب مالك على كثرتهم، وكثرة الأئمة الحفاظ فيهم، وعلى كثرة من لازمه منهم، ومع معرفتهم وحفظهم وإتقانهم لحديثه ومثل محمد بن حميد - وأصدق منه - إذا انفرد عن أصحاب مالك بحديث، أو مثل هذه الحكاية، لا تقبل منه، ولو أسندها فكيف إذا أرسلها.\n(٣) رواه البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه الترمذي (٣١٤٨)، وابن ماجه (٤٣٠٨)، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٢٥): في إسناده علي بن يزيد بن جدعان، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي»،","vol":"3","page":154},{"text":"ومعلوم أن هذا لم يأمر به النبي ﷺ ولا سَنَّهُ لأمته، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين لا مالك ولا غيره من الأئمة، فكيف يجوز أن ينسب إلى مالك مثل هذا الكلام الذي لا يقوله إلا جاهل لا يعرف الأدلة الشرعية ولا الأحكام المعلومة بأدلتها الشرعية، مع علو قدر مالك وعظم فضيلته وإمامته، وتمام رغبته في اتباع السنة وذم البدع وأهلها؟ وهل يأمر بهذا أو يشرعه إلا مبتدع؟ فلو لم يكن عن مالك قول يناقض هذا لعلم أنه لا يقول مثل هذا.\nثم قال في الحكاية: \"استقبله واستشفع به فيشفعك الله\". والاستشفاع به معناه في اللغة؛ أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة، وكما كان أصحابه يستشفعون به.\nومنه الحديث الذي في (السنن) (١) «أن أعرابيًا قال: يا رسول الله! جهدت الأنفس وجاع العيال، وهلك المال، فادْعُ الله لنا فإنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله. فسبح رسول الله حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ويحك أتدري ما تقول؟ شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه».\nوذكر تمام الحديث فأنكر قوله: \"نستشفع بالله عليك\". ومعلوم أنه لا ينكر أن يُسأل المخلوق بالله أو يقسم عليه بالله، وإنما أن يكون الله شافعًا إلى المخلوق، ولهذا لم ينكر قوله: \"نستشفع بك على الله\"؛ فإنه هو الشافع المشفع.\nوهم – لو كانت الحكاية صحيحة – إنما يجيئون إليه لأجل طلب شفاعته ﷺ ولهذا قال في تمام الحكاية: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا [النساء: ٦٤] الآية، وهؤلاء إذا شرع لهم أن يطلبوا منه الشفاعة والاستغفار بعد موته فإذا أجابهم فإنه يستغفر لهم، واستغفاره لهم دعاء منه وشفاعة أن يغفر الله لهم.\nوإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته، فإنما يقال في ذلك: (استشفعْ به فيشفعه الله فيك) لا يقال: فيشفعك الله فيه وهذا معروف الكلام، ولغة النبي ﷺ وأصحابه وسائر العلماء، يقال: شفع فلان في فلان فشفع فيه. فالمشفع الذي يشفعه المشفوع إليه هو الشفيع المستشفع به، لا السائل الطالب من غيره أن يشفع له، فإن هذا ليس هو الذي يشفع، فمحمد ﷺ هو الشفيع المشفع، ليس المشفع الذي يستشفع به. ولهذا يقول في دعائه: يا رب شفعني، فيشفعه الله فيطلب من الله سبحانه أن يشفعه لا أن يشفع طالبي شفاعته، فكيف يقول: واستشفع به فيشفعك الله؟.\nوأيضًا فإنَّ طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس مشروعًا عند أحد من أئمة المسلمين، ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة وأصحابهم القدماء، وإنما ذكر هذا بعض المتأخرين قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ص١٤٧\n_________\n(١) رواه أبوداود (٤٧٢٦) والطبراني (٢/ ١٢٨) والآجري في «الشريعة» (١/ ٢٨٠) من حديث جبير بن مطعم، قال أبو داود والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح وافقه عليه جماعة، وقال ابن القيم في «مختصر الصواعق المرسلة» (٤٣٤): إسناده حسن، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١/ ٨): له طريق أخرى عند غير محمد بن إسحاق، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود».","vol":"3","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-785>ثالثا: أحاديث وآثار ضعيفة في التوسل</span>\nيحتج مجيزو التوسل المبتدع بأحاديث كثيرة، إذا تأملناها نجدها تندرج تحت نوعين اثنين، الأول ثابت بالنسبة إلى رسول الله ﷺ، ولكنه لا يدل على مرادهم، ولا يؤيد رأيهم كحديث الضرير، وقد تقدم الكلام على هذا النوع.\nوالنوع الثاني غير ثابت النسبة إلى رسول الله ﷺ، وبعضه يدل على مرادهم، وبعضه لا يدل، وهذه الأحاديث التي لا تصح كثيرة، فأكتفي بذكر ما اشتهر منها، فأقول:\nالحديث الأول:\nعن أبي سعيد الخدري مرفوعًا «من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ... أقبل الله عليه بوجهه» (١).\nرواه أحمد (٣/ ٢١) واللفظ له، وابن ماجه، وانظر تخريجه مفصلًا في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (رقم ٢٤). وإسناده ضعيف لأنه من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، وعطية ضعيف كما قال النووي في (الأذكار) وابن تيمية في (القاعدة الجليلة) والذهبي في (الميزان) بل قال في (الضعفاء) (٨٨/ ١): (مجمع على ضعفه)، والحافظ الهيثمي في غير موضع من (مجمع الزوائد) منها (٥/ ٢٣٦) وأورده أبو بكر بن المحب البعلبكي في (الضعفاء والمتروكين)، والبوصيري كما يأتي، وكذا الحافظ ابن حجر بقوله فيه: (صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا، وقد أبان فيه عن سبب ضعفه وهو أمران:\nالأول: ضعف حفظه بقوله: (يخطئ كثيرًا، وهذا كقوله فيه (طبقات المدلسين): (ضعيف الحفظ) وأصرح منه قوله في (تلخيص الحبير) (ص٢٤١ طبع الهند) وقد ذكر حديثًا آخر: (وفيه عطية بن سعيد العوفي وهو ضعيف).\nالثاني: تدليسه، لكن كان على الحافظ أن يبين نوع تدليسه، فإن التدليس عند المحدثين على أقسام كثيرة من أشهرها ما يلي:\nالأول: أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهمًا أنه سمعه منه، كأن يقول: عن فلان، أو قال فلان.\nالثاني: أن يأتي الراوي باسم شيخه أو لقبه على خلاف المشهور به تعمية لأمره، وقد صرحوا بتحريم هذا النوع إذا كان شيخه غير ثقة، فدلسه لئلا يعرف حاله، أو أوهم أنه رجل آخر من الثقات على وفق اسمه أو كنيته، وهذا يعرف عندهم بتدليس الشيوخ.\n... وتدليس عطية من هذا النوع المحرم، كما كنت بينته في كتابي (الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة).\nوخلاصة ذلك أن عطية هذا كان يروي عن أبي سعيد الخدري ﵁، فلما مات جالس أحد الكذابين المعروفين، بالكذب في الحديث وهو الكلبي، فكان عطية إذا روى عنه كناه أبا سعيد، فيتوهم السامعون منه أنه يريد أبا سعيد الخدري! وهذا وحده عندي يسقط عدالة عطية هذا، فكيف إذا انضم إلى ذلك سوء حفظه! ولهذا كنت أحب للحافظ ﵀ أن ينبه على أن تدليس عطية من هذا النوع الفاحش، ولو بالإشارة كما فعل في (طبقات المدلسين) إذ قال: (مشهور بالتدليس القبيح) ...\nثم كأن الحافظ نسي أو وهم – أو غير ذلك من الأسباب التي تعرض للبشر – فقال في تخريجه لهذا الحديث: إن عطية قال في رواية: حدثني أبو سعيد. قال: (فأمن بذلك تدليس عطية) كما نقله ابن علان عنه، وقلده في ذلك بعض المعاصرين.\n...\n_________\n(١) [٣٧٩٤]» انظر «مسند أحمد» (٣/ ٢١) (١١١٧٢)، ورواه ابن ماجه (٧٧٨)، قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٣٧٩): لم أره في شيء من الأصول التي جمعها أبو رزين، وقال ابن تيمية في «الرد على البكري» (١٢٢) في إسناده عطية العوفي وفيه ضعف، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٤٢٦): إسناده حسن، وحسنه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٢٦٧)، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٥٢). انظر «السلسلة الضعيفة» (٢٤).","vol":"3","page":156},{"text":"والتصريح بالسماع إنما يفيد إذا كان التدليس من النوع الأول، وتدليس عطية من النوع الآخر القبيح، فلا يفيد فيه ذلك، لأنه في هذه الرواية أيضًا قال: (حدثني أبو سعيد) فهذا هو عين التدليس القبيح.\nفتبين مما سبق أن عطية ضعيف لسوء حفظه وتدليسه الفاحش، فكان حديثه هذا ضعيفًا، وأما تحسين الحافظ له الذي اغتر به من لا علم عنده فهو بناء على سهوه السابق، فتنبه ولا تكن من الغافلين. وفي الحديث علل أخرى تكلمت عليها في الكتاب المشار إليه سابقًا، فلا حاجة للإعادة، فليرجع إليه من شاء الزيادة.\nوأما فهم بعض المعاصرين من عبارة الحافظ ابن حجر السابقة في (التقريب) أنها تفيد توثيق عطية هذا ففهم لا يغبطون عليه، وقد سألت الشيخ أحمد بن الصديق حين التقيت به في ظاهرية دمشق عن هذا الفهم فتعجب منه، فإن من كثر خطؤه في الرواية سقطت الثقة به بخلاف من قال ذلك منه، فالأول ضعيف الحديث، والآخر حسن الحديث، ولذلك جعل الحافظ في (شرح النخبة) من كثر غلطه قرين من ساء حفظه، وجعل حديث كل منهما مردودًا فراجعه مع حاشية الشيخ علي القاري عليه (ص١٢١، ١٣٠).\nوإنما غرَّ هؤلاء ما نقلوه عن الحافظ أنه قال في (تخريج الأذكار): (ضعف عطية إنما جاء من قبل تشيعه، وقيل تدليسه، وإلا فهو صدوق).\nوهم لقصر باعهم إن لم نقل لجهلهم في هذا العلم لا جرأة لهم على بيان رأيهم الصريح في أوهام العلماء، بل إنهم يسوقون كلماتهم كأنها في مأمن من الخطأ والزلل، لا سيما إذا كانت موافقة لغرضهم كهذه الجملة، وإلا فهي ظاهرة التعارض مع قول الحافظ المنقول عن (التقريب) إذ أنها تعلل ضعف عطية بسببين:\nأحدهما: التشيع، وهذا ليس جرحًا مطلقًا على الراجح.\nوالثاني: التدليس، وهذا جرح قد يزول كما سيأتي، ومع ذلك فإنه أشار إلى تضعيفه لهذا السبب بقوله: (قيل). بينما جزم في (التقريب) بأنه كان مدلسًا، كما جزم بأنه كان شيعيًا، ولذلك أورده (أعني الحافظ نفسه) في رسالة (طبقات المدلسين) (ص١٨) فقال: (تابعي معروف، ضعيف الحفظ مشهور بالتدليس القبيح) ذكره في (المرتبة الرابعة) وهي التي يورد فيها (من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد) كما ذكره في المقدمة، فهذان النصان من الحافظ نفسه دليل على وهمه في تضعيفه كون عطية مدلسًا في الجملة المذكورة آنفًا. فهذا وجه من وجوه التعارض بينها وبين عبارة (التقريب). وثمة وجه آخر وهو أنه في هذه الجملة لم يصفه بما هو جرح عنده – كما سبق عن (شرح النخبة) – وهو قوله في (التقريب): (يخطئ كثيرًا) فهذا كله يدلنا على أن الحافظ رحمه الله تعالى لم يكن قد ساعده حفظه حين تخريجه لهذا الحديث، فوقع في هذا القصور الذي يشهد به كلامه المسطور في كتبه الأخرى، وهي أولى بالاعتماد عليها من كتابه (التخريج)، لأنه في تلك ينقل عن الأصول مباشرة، ويلخص منها بخلاف صنيعه في (التخريج).\nولما ذكرنا من حال العوفي ضعف الحديث غير واحد من الحفاظ كالمنذري في (الترغيب) والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية في (القاعدة الجليلة) وكذا البوصيري، فقال في (مصباح الزجاجة) (٢/ ٥٢): (هذا إسناد مسلسل بالضعفاء: عطية وفضيل بن مرزوق والفضل بن الموفق كلهم ضعفاء). وقال صديق خان في (نزل الأبرار) (ص٧١) بعد أن أشار لهذا الحديث وحديث بلال الآتي بعده: (وإسنادهم ضعيف، صرح بذلك النووي في (الأذكار).\nالحديث الثاني:","vol":"3","page":157},{"text":"وحديث بلال الذي أشار إليه صديق خان هو ما روي عنه أنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى الصلاة قال: بسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم بحق السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ..» (١) الحديث أخرجه ابن السني في (عمل اليوم والليلة – رقم٨٢) من طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عنه.\n... وهذا سند ضعيف جدًا، وآفته الوازع هذا، فإنه لم يكن عنده وازع يمنعه من الكذب، كما بينته في (السلسلة الضعيفة) ولذلك لما قال النووي في (الأذكار): (حديث ضعيف أحد رواته الوازع بن نافع العقيلي وهو متفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث) قال الحافظ بعد تخريجه: (هذا حديث واه جدًا، أخرجه الدارقطني في (الأفراد) من هذا الوجه وقال: تفرد به الوازع، وهو متفق على ضعفه وأنه منكر الحديث. والقول فيه أشد من ذلك، فقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم وجماعة، متروك الحديث، وقال الحاكم: يروي أحاديث موضوعة).\n... فلا يجوز الاستشهاد به كما فعل الشيخ الكوثري، والشيخ الغماري في (مصباح الزجاجة) وغيرهما من المبتدعة.\nومع كون هذين الحديثين ضعيفين فهما لا يدلان على التوسل بالمخلوقين أبدًا، وإنما يعودان إلى أحد أنواع التوسل المشروع الذي تقدم الكلام عنه، وهو التوسل إلى الله تعالى بصفة من صفاته ﷿، لأن فيهما التوسل بحق السائلين على الله وبحق ممشى المصلين. فما هو حق السائلين على الله تعالى؟، لا شك أنه إجابة دعائهم، وإجابة الله دعاء عباده صفة من صفاته ﷿، وكذلك حق ممشى المسلم إلى المسجد هو أن يغفر الله له، ويدخله الجنة ومغفرة الله تعالى ورحمته، وإدخاله بعض خلقه ممن يطيعه الجنة. كل ذلك صفات له ﵎.\nوبهذا تعلم أن هذا الحديث الذي يحتج به المبتدعون ينقلب عليهم، ويصبح بعد فهمه فهمًا جيدًا حجة لنا عليهم، والحمد لله على توفيقه.\nالحديث الثالث:\nعن أبي أمامة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أصبح، وإذا أمسى دعا بهذا الدعاء: اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد .. أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك ...» (٢).\nقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١٠/ ١١٧): (رواه الطبراني، وفيه فضال بن جبير، وهو ضعيف مجمع على ضعفه).\n... بل هو ضعيف جدًا، اتهمه ابن حبان فقال: (شيخ يزعم أنه سمع أبا أمامة، يروي عنه ما ليس منه حديثه). وقال أيضًا: (لا يجوز الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل لها).\nوقال ابن عدي في (الكامل) (٢٥/ ١٣): (أحاديثه كلها غير محفوظة).\n... فالحديث شديد الضعف، فلا يجوز الاستشهاد به أيضًا، كما فعل صاحب (المصباح) (ص٥٦).\nالحديث الرابع:\n_________\n(١) [٣٧٩٥]» انظر «عمل اليوم والليلة) (١/ ١٦١) لابن السني، قال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٢٦٧): الحديث واه جدا، وقال النووي في «الأذكار» (١/ ٧٨): حديث ضعيف أحد رواته الوازع بن نافع العقيلي وهو متفق على ضعفه وأنه منكر الحديث. والحديث رواه ابن ماجه (٧٧٨)، وأحمد (٣/ ٢١) (١١١٧٢)، من حديث فضيل بن مرزوق عن عطية بن سعد العوفى عن أبى سعيد الخدرى، قال ابن تيمية في «الرد على البكري» (١٢٢): في إسناده عطية العوفي وفيه ضعف، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه».\n(٢) [٣٧٩٦]» رواه الطبراني (٨/ ٢٦٤)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٢٠): فيه فضال بن جبير وهو ضعيف مجمع على ضعفه، وضعفه الألباني انظر «السلسلة الضعيفة» (٦٢٥٣).","vol":"3","page":158},{"text":"عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي ﵄ دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلامًا أسود يحفرون ...\nفلما فرغ دخل رسول الله ﷺ، فاضطجع فيه فقال: «الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع مدخلها بحق نبيك، والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين ...» (١).\nقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٩/ ٢٥٧): (رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه روح بن صلاح، وثقة ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح).\n... ومن طريق الطبراني رواه أبو نعيم في (حلية الأولياء) (٣/ ١٢١) وإسناده عندهما ضعيف، لأن روح بن صلاح الذي في إسناده قد تفرد به، كما قال أبو نعيم نفسه، وروح ضعفه ابن عدي، وقال ابن يونس: رويت عنه مناكير، وقال الدارقطني (ضعيف في الحديث) وقال ابن ماكولا: (ضعفوه) وقال ابن عدي بعد أن أخرج له حديثين: (له أحاديث كثيرة، في بعضها نكرة) فقد اتفقوا على تضعيفه فكان حديثه منكرًا لتفرده به.\nوقد ذهب بعضهم إلى تقوية هذا الحديث لتوثيق ابن حبان والحاكم لروح هذا، ولكن ذلك لا ينفعهم، لما عرفا به من التساهل في التوثيق، فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن حتى لو كان الجرح مبهمًا، فكيف مع بيانه كما هي الحال هنا، وقد فصلت الكلام على ضعف هذا الحديث في (السلسلة الضعيفة) فلا نعيد الكلام عليه في هذه العجالة ...\nالحديث الخامس:\nعن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: «كان رسول الله ﷺ يستفتح بصعاليك المهاجرين» (٢).\nفيرى المخالفون أن هذا الحديث يفيد أن النبي ﷺ كان يطلب من الله تعالى أن ينصره، ويفتح عليه بالضعفاء المساكين من المهاجرين، وهذا – بزعمهم – هو التوسل المختلف فيه نفسه.\nوالجواب من وجهين:\nالأول: ضعف الحديث، فقد أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) (١/ ٨١/٢): حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه حدثنا أبي حدثنا عيسى بن يونس حدثني أبي عن أبيه عن أمية به.\nوحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي بن عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي إسحاق عن أمية بن خالد به. ثم رواه من طريق قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة عن أمية بن خالد مرفوعًا بلفظ:\n«... يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين».\n... مداره على أمية هذا، ولم تثبت صحبته، فالحديث مرسل ضعيف، وقال ابن عبد البر في (الاستيعاب) (١/ ٣٨): (لا تصح عندي صحبته، والحديث مرسل) وقال الحافظ في (الإصابة) (١/ ١٣٣): (ليست له صحبة ولا رواية).\n... وفيه علة أخرى، وهي اختلاط أبي إسحاق وعنعنته، فإنه كان مدلسًا، إلا أن سفيان سمع منه قبل الاختلاط، فبقيت العلة الأخرى وهي العنعنة.\nفثبت بذلك ضعف الحديث وأنه لا تقوم به حجة. وهذا هو الجواب الأول.\n_________\n(١) [٣٧٩٧]» رواه الطبراني في «الكبير» (٢٤/ ٣٥١)، وفي «الأوسط» (١/ ٦٧) وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٢٣).\n(٢) [٣٧٩٨]» رواه الطبراني (١/ ٢٩٢)، قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١/ ١٩٧): مرسل، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ١٤٢): رواته رواة الصحيح وهو مرسل، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٦٥): رجاله رجال الصحيح، وقال ابن حجر في «هداية الرواة» (٤/ ٥٧): مرسل، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (١٨٥٨)،","vol":"3","page":159},{"text":"الثاني: أن الحديث لو صح فلا يدل إلا على مثل ما دل عليه حديث عمر، وحديث الأعمى من التوسل بدعاء الصالحين. قال المناوي في (فيض القدير): «كان يستفتح» أي يفتتح القتال، من قوله تعالى: إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال:١٩] ذكره الزمخشري.\n«ويستنصر» أي يطلب النصرة «بصعاليك المسلمين» أي بدعاء فقرائهم الذين لا مال لهم.\n... وقد جاء هذا التفسير من حديثه، أخرجه النسائي (٢/ ١٥) بلفظ: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم وإخلاصهم» (١) وسنده صحيح، وأصله في (صحيح البخاري)، فقد بين الحديث أن الاستنصار إنما يكون بدعاء الصالحين،\nلا بذواتهم وجاههم.\nومما يؤكد ذلك أن الحديث ورد في رواية قيس بن الربيع المتقدمة بلفظ: «كان يستفتح ويستنصر ...» فقد علمنا بهذا أن الاستنصار بالصالحين يكون بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم، وهكذا الاستفتاح، وبهذا يكون هذا الحديث – إن صح – دليلًا على التوسل المشروع، وحجة على التوسل المبتدع، والحمد لله.\nالحديث السادس:\nعن عمر بن الخطاب مرفوعًا: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم ! وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضِف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال: غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتُك» (٢).\nأخرجه الحاكم في (المستدرك) (٢/ ٦١٥) من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري: حدثنا إسماعيل بن مسلمة: أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر. وقال: صحيح الإسناد ...\nفتعقبه الذهبي فقال: (قلت: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن أسلم الفهري لا أدري من ذا) قلت: ومن تناقض الحاكم في (المستدرك) نفسه أنه أورد فيه (٣/ ٣٣٢) حديثًا آخر لعبد الرحمن هذا ولم يصححه، بل قال: (والشيخان لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد!).\n... والفهري هذا أورده الذهبي في (الميزان) وساق له هذا الحديث وقال: (خبر باطل)، وكذا قال الحافظ ابن حجر في (اللسان) (٣/ ٣٦٠) وزاد عليه قوله في الفهري هذا: (لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله فإنه من طبقته) قلت: والذي قبله هو عبد الله بن مسلم بن رُشيد، قال الحافظ: ذكره ابن حبان، متهم بوضع الحديث، يضع على ليث ومالك وابن لهيعة، لا يحل كتب حديثه، وهو الذي روى عن ابن هدية نسخة كأنها معمولة).\n... والحديث رواه الطبراني في (المعجم الصغير) (ص٢٠٧): ثنا محمد بن داود بن أسلم الصدفي المصري: ثنا أحمد بن سعيد المدني الفهري: ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به. وهذا سند مظلم فإن كل من دون عبد الرحمن لا يعرفون، وقد أشار إلى ذلك الحافظ الهيثمي حيث قال في (مجمع الزوائد) (٨/ ٢٥٣): (رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه من لم أعرفهم).\n...\n_________\n(١) [٣٧٩٩]» رواه النسائي (٦/ ٤٥) (٣١٧٨)، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٤٠٩): إسناده صحيح على شرط الشيخين. والحديث أصله في «صحيح البخاري» (٢٨٩٦).\n(٢) [٣٨٠٠]» رواه الحاكم (٢/ ٦٧٢): وقال هذا حديث صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي وقال: بل موضوع، وقال البيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٤٨٩): تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه وهو ضعيف، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٢/ ٢٩٩): [فيه] عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وفيه كلام، وقال الألباني في «التوسل» (١٠٣): موضوع.","vol":"3","page":160},{"text":"وهذا إعلال قاصر، يوهم من لا علم عنده أن ليس فيهم من هو معروف بالطعن فيه، وليس كذلك فإن مداره على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال البيهقي: (إنه تفرد به) وهو متهم بالوضع، رماه بذلك الحاكم نفسه، ولذلك أنكر العلماء عليه تصحيحه لحديثه، ونسبوه إلى الخطأ والتناقض، فقال (وارث علم الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين شيخ الإسلام ابن تيمية) (١) ﵀ في (القاعدة الجليلة) (ص٨٩): (ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب (المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم): (عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه)، قلت: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا (٢)، ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني، وغيرهم. وقال ابن حبان: (كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف، فاستحق الترك).\nوأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث. ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم).\n... وقد أورد الحاكم نفسه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في كتابه (الضعفاء) كما سماه\nالعلامة ابن عبد الهادي، وقال في آخره: (فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم، لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح لا أستحله تقليدًا، والذي أختاره لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم داخل في قوله ﷺ: «من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن» (٣).\n... فمن تأمل في كلام الحاكم هذا والذي قبله يتبين له بوضوح أن حديث عبد الرحمن بن زيد هذا موضوع عند الحاكم نفسه، وأن من يرويه بعد العلم بحاله فهو أحد الكاذبَيْن.\nوقد اتفق عند التحقيق كلام الحفاظ ابن تيمية والذهبي والعسقلاني على بطلان هذا الحديث، وتبعهم على ذلك غير واحد من المحققين كالحافظ ابن عبد الهادي كما سيأتي، فلا يجوز لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصحح الحديث بعد اتفاق هؤلاء على وضعه تقليدًا للحاكم في أحد قوليه، مع اختياره في قوله الآخر لطالب العلم أن لا يكتب حديث عبد الرحمن هذا، وأنه إن فعل كان أحد الكاذبين كما سبق.\n... أن للحديث علتين:\nالأولى: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأنه ضعيف جدًا.\nالثانية: جهالة الإسناد إلى عبد الرحمن.\n_________\n(١) [٣٨٠١]» من كلام العلامة الشيخ محب الدين الخطيب في مقدمته للقاعدة الجليلة.\n(٢) [٣٨٠٢]» هذا نص من شيخ الإسلام على أن كلمة (يغلط كثيرًا) صيغة جرح لا تعديل، ولا يخفى أنه لا فرق بينها وبين كلمة (يخطئ كثيرًا) التي وصف الحافظ بها عطية العوفي.\n(٣) [٣٨٠٣]» رواه مسلم في المقدمة (١/ ٧) من حديث المغيرة بن شعبة.","vol":"3","page":161},{"text":"وللحديث عندي علة أخرى. وهي اضطراب عبد الرحمن أو من دونه في إسناده، فتارة كان يرفعه كما مضى، وتارة كان يرويه موقوفًا على عمر، لا يرفعه إلى النبي ﷺ، كما رواه أبو بكر الآجري في كتاب (الشريعة) (ص٤٢٧) من طريق عبد الله ابن إسماعيل بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن زيد به، وعبد الله هذا لم أعرفه أيضًا، فلا يصح عن عمر مرفوعًا ولا موقوفًا، ثم رواه الآجري من طريق آخر عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال: من الكلمات التي تاب الله بها على آدم قال: «اللهم أسألك بحق محمد عليك ..» الحديث نحوه مختصرًا، (١) وهذا مع إرساله ووقفه، فإن إسناده إلى ابن أبي الزناد ضعيف جدًا، وفيه عثمان بن خالد والد أبي مروان العثماني، قال النسائي: (ليس بثقة).\nوعلى هذا فلا يبعد أن يكون أصل هذا الحديث من الإسرائيليات التي تسربت إلى المسلمين من بعض مسلمة أهل الكتاب أو غير مسلمتهم. أو عن كتبهم التي لا يوثق بها، لما طرأ عليها من التحريف والتبديل كما بينه شيخ الإسلام في كتبه، ثم رفعه بعض هؤلاء الضعفاء إلى النبي ﷺ خطأ أو عمدًا.\nمخالفة هذا الحديث للقرآن:\nومما يؤيد ما ذهب إليه العلماء من وضع هذا الحديث وبطلانه أنه يخالف القرآن الكريم في موضعين منه:\nالأول: أنه تضمن أن الله تعالى غفر لآدم بسبب توسله به ﷺ، والله ﷿ يقول:\nفَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ٣٧] وقد جاء تفسير هذه الكلمات عن ترجمان القرآن ابن عباس ﵄ مما يخالف هذا الحديث، فأخرج الحاكم (٣/ ٥٤٥) عنه: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ قال: أي رب! ألم تخلقني بيدك؟\nقال: بلى. قال: ألم تنفخ فيَّ من روحك؟ قال: بلى. قال: أي رب! ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى. قال: ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قال: أرأيت إن تبتُ وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. قال: فهو قوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة: ٣٧]» (٢) وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.\n... وقول ابن عباس هذا في حكم المرفوع من وجهين:\nالأول: أنه أمر غيبي لا يقال من مجرد الرأي.\nالثاني: أنه ورد في تفسير الآية، وما كان كذلك فهو في حكم المرفوع ...\nولا سيما إذا كان من قول إمام المفسرين عبد الله بن عباس ﵄ الذي دعا له رسول الله ﷺ بقوله «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» (٣).\nوقد قيل في تفسير هذه الكلمات: إنها ما في الآية الأخرى قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣].وبهذا جزم السيد رشيد رضا في (تفسيره).\n_________\n(١) [٣٨٠٤]» رواه الآجري في «الشريعة» (١/ ٣٩٥).\n(٢) [٣٨٠٥]» رواه الحاكم (٢/ ٥٩٤) والآجري في «الشريعة» (١/ ٣٧٠) وابن أبي حاتم في «التفسير» (١/ ١٠٤) قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في «التوسل» (١١٣).\n(٣) [٣٨٠٦]» رواه أحمد (١/ ٢٦٦) (٢٣٩٧) والطبراني (١٠/ ٢٦٣) والحاكم (٣/ ٦١٥) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البزار في «البحر الزخار» (١١/ ٢٨٢): روي من غير وجه بأسانيد مختلفة وباختلاف ألفاظ، وصححه ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٣/ ٦٧) وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٧٩): لأحمد طريقان رجالهما رجال الصحيح، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد»: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦/ ٨٨).","vol":"3","page":162},{"text":"(١/ ٢٧٩). لكن أشار ابن كثير (١/ ٨١) إلى تضعيفه، ولا منافاة عندي بين القولين، بل أحدهم يتمم الآخر، فحديث ابن عباس لم يتعرض لبيان ما قاله آدم ﵇ بعد أن تلقى من ربه تلك الكلمات وهذا القول يبين ذلك، فلا منافاة والحمد لله، وثبت مخالفة الحديث للقرآن، فكان باطلًا.\nالموضع الثاني: قوله في آخره: «ولولا محمد ما خلقتك» فإن هذا أمر عظيم يتعلق بالعقائد التي لا تثبت إلا بنص متواتر اتفاقًا، أو صحيح عند آخرين، ولو كان ذلك صحيحًا لورد في الكتاب والسنة الصحيحة، وافتراض صحته في الواقع مع ضياع النص الذي تقوم به الحجة ينافي قوله ﵎: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]. والذكر هنا يشمل الشريعة كلها قرآنًا وسنة، كما قرره ابن حزم في (الإحكام) وأيضًا فإن الله ﵎ قد أخبرنا عن الحكمة التي من أجلها خلق آدم وذريته، فقال ﷿: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، فكل ما خالف هذه الحكمة أو زاد عليها لا يقبل إلا بنص صحيح عن المعصوم ﷺ كمخالفة هذا الحديث الباطل. ومثله ما اشتهر على ألسنة الناس: «لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك» (١) فإنه موضوع كما قاله الصنعاني ووافقه الشوكاني في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة) (٢). ومن الطرائف أن المتنبي ميرزا غلام أحمد القادياني سرق هذا الحديث الموضوع فادعى أن الله خاطبه بقوله: «لولاك لما خلقت الأفلاك»!! وهذا شيء يعترف به أتباعه القاديانيون ... لوروده في كتاب متنبئهم (حقيقة الوحي) (ص٩٩).\nثم على افتراض أن هذا الحديث ضعيف فقط كما يزعم بعض المخالفين خلافًا لمن سبق ذكرهم من العلماء والحفاظ، فلا يجوز الاستدلال به على مشروعية التوسل المختلف فيه، لأن – على قولهم – عبادة مشروعة، وأقل أحوال العبادة أن تكون مستحبة، والاستحباب حكم شرعي من الأحكام الخمسة التي لا تثبت إلا بنص صحيح تقوم به الحجة، فإذا الحديث عنده ضعيف، فلا حجة فيه البتة، وهذا بين لا يخفى إن شاء الله تعالى.\nالحديث السابع «توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم»:\nوبعضهم يرويه بلفظ: «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم» (٣).\nهذا باطل لا أصل له في شيء من كتب الحديث البتة، وإنما يرويه بعض الجهال بالسنة كما نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (القاعدة الجليلة) (ص١٣٢، ١٥٠) قال: (مع أن جاهه ﷺ عند الله أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، ولكن جاه المخلوق عند الخالق ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه، فهو شريك له في حصول المطلوب، والله تعالى لا شريك له\nكما قال سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سورة سبأ: ٢٢ - ٢٣].\n_________\n(١) [٣٨٠٧]» قال الصغاني في «موضوعات الصغاني» (٥٢): موضوع، وقال ملا علي قاري في «الأسرار المرفوعة» (٢٨٨): قيل لا أصل له أو بأصله موضوع، انظر «السلسلة الضعيفة» (١/ ٣٥٩).\n(٢) [٣٨٠٨]» «الفوائد المجموعة» (١/ ١٥٢).\n(٣) [٣٨٠٩]» قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ١٢٦): كذب موضوع، وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١/ ٩٩): لا أصل له.","vol":"3","page":163},{"text":"فلا يلزم إذًا من كون جاهه ﷺ عند ربه عظيمًا، أن نتوسل به إلى الله تعالى لعدم ثبوت الأمر به عنه ﷺ، ويوضح ذلك أن الركوع والسجود من مظاهر التعظيم فيما اصطلح عليه الناس، فقد كانوا وما يزال بعضهم يقومون ويركعون ويسجدون لمليكهم ورئيسهم والمعظم لديهم، ومن المتفق عليه بين المسلمين أن محمدًا ﷺ هو أعظم الناس لديهم، وأرفعهم عندهم. ترى فهل يجوز لهم أن يقوموا ويركعوا ويسجدوا له في حياته وبعد مماته؟\nالجواب: إنه لا بد لمن يجوز ذلك، من أن يثبت وروده في الشرع، وقد نظرنا فوجدنا أن السجود والركوع لا يجوزان إلا له ﷾، وقد نهى النبي ﷺ أن يسجد أو يركع أحد لأحد، كما أننا رأينا في السنة كراهية النبي ﷺ للقيام، فدل ذلك على عدم مشروعيته.\nترى فهل يستطيع أحد أن يقول عنا حين نمنع السجود لرسول الله ﷺ: إننا ننكر جاهه ﷺ وقدره؟ كلا ثم كلا.\nفظهر من هذا بجلاء إن شاء الله تعالى أنه لا تلازم بين ثبوت جاه النبي ﷺ وبين تعظيمه بالتوسل بجاهه ما دام أنه لم يرد في الشرع.\nهذا، وإن من جاهه ﷺ أنه يجب علينا اتباعه وإطاعته كما يجب إطاعة ربه، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا أمرتكم به» (١) فإذا لم يأمرنا بهذا التوسل ولو أمرَ استحباب فليس عبادة، فيجب علينا اتباعه في ذلك وأن ندع العواطف جانبًا، ولا نفسح لها المجال حتى ندخل في دين الله ما ليس منه بدعوى حبه ﷺ، فالحب الصادق إنما هو بالاتِّباع، وليس بالابتداع كما قال ﷿: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ [آل عمران: ٣١]، ومنه قول الشاعر:\nتعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمرك في القياس بديع\nلو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع\nأثران ضعيفان:\n١ – أثر الاستسقاء بالرسول ﷺ بعد وفاته:\nوبعد أن فرغنا من إيراد الأحاديث الضعيفة في التوسل، وتحقيق القول فيها يحسن بنا أن نورد أثرًا، كثيرًا ما يورده المجيزون لهذا التوسل المبتدع، لنبين حاله من صحة أو ضعف، وهل له علاقة بما نحن فيه أم لا؟\nفأقول: قال الحافظ في (الفتح) (٢/ ٣٩٧) ما نصه: (وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار – وكان خازن عمر – قال: «أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجلُ في المنام، فقيل له: ائت عمر ..» الحديث. (٢) وقد روى سيف في (الفتح) أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة).\n... والجواب من وجوه:\n_________\n(١) [٣٨١٠]» رواه الشافعي في «المسند» (١/ ٢٣٣) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٧٦) وفي «شعب الإيمان» (٣/ ٢٣٩) والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٢٤١) من حديث المطلب بن حنطب ﵁، قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٤١٧) إسناده مرسل حسن.\n(٢) [٣٨١١]» رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ٣٥٦)، وضعفه الألباني في «التوسل» (١١٨) قال: فيه مالك الدار غير معروف العدالة والضبط.","vol":"3","page":164},{"text":"الأول: عدم التسليم بصحة هذه القصة، لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط، وهذان شرطان أساسيان في كل سند صحيح كما تقرر في علم المصطلح، وقد أورده ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (٤/ ٢١٣) ولم يذكر راويًا عنه غير أبي صالح هذا، ففيه إشعار بأنه مجهول، ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه – مع سعة حفظه واطلاعه – لم يحك فيه توثيقًا فبقي على الجهالة، ولا ينافي هذا قول الحافظ: (... بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان ...) لأننا نقول: إنه ليس نصًا في تصحيح جميع السند بل إلى أبي صالح فقط، ولولا ذلك لما ابتدأ هو الإسنادَ من عند أبي صالح، ولقال رأسًا: (عن مالك الدار ... وإسناده صحيح) ولكنه تعمد ذلك، ليلفت النظر إلى أن ها هنا شيئًا ينبغي النظر فيه، والعلماء إنما يفعلون ذلك لأسباب منها: أنهم قد لا يحضرهم ترجمة بعض الرواة، فلا يستجيزون لأنفسهم حذف السند كله، لما فيه من إيهام صحته لاسيما عند الاستدلال به، بل يوردون منه ما فيه موضع للنظر فيه، وهذا هو الذي صنعه الحافظ ﵀ هنا، وكأنه يشير إلى تفرد أبي صالح السمان عن مالك الدار كما سبق نقله عن ابن أبي حاتم، وهو يحيل بذلك إلى وجوب التثبت من حال مالك هذا أو يشير إلى جهالته. والله أعلم.\nوهذا علم دقيق لا يعرفه إلا من مارس هذه الصناعة، ويؤيد ما ذهبت إليه أن الحافظ المنذري أورد في (الترغيب) (٢/ ٤١ - ٤٢) قصة أخرى من رواية مالك الدار عن عمر ثم قال: (رواه الطبراني في (الكبير)، ورواته إلى مالك الدار ثقات مشهورون، ومالك الدار لا أعرفه). وكذا قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٣/ ١٢٥).\nوقد غفل عن هذا التحقيق صاحب كتاب (التوصل) (ص٢٤١) فاغتر بظاهر كلام الحافظ، وصرح بأن الحديث صحيح، وتخلص منه بقوله: (فليس فيه سوى: جاء رجل ..) واعتمد على أن الرواية التي فيها تسمية الرجل ببلال بن الحارث فيها سيف، وقد عرفت حاله.\nوهذا لا فائدة كبرى فيه، بل الأثر ضعيف من أصله لجهالة مالك الدار كما بيناه.\nالثاني: أنها مخالفة لما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء لاستنزال الغيث من السماء، كما ورد ذلك في أحاديث كثيرة، وأخذ به جماهير الأئمة، بل هي مخالفة لما أفادته الآية من الدعاء والاستغفار، وهي قوله تعالى في سورة نوح: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا [نوح: ١٠ - ١١] وهذا ما فعله عمر بن الخطاب حين استسقى وتوسل بدعاء العباس كما سبق بيانه، وهكذا كانت عادة السلف الصالح كلما أصابهم القحط أن يصلوا ويدعوا، ولم ينقل عن أحد منهم مطلقًا أنه التجأ إلى قبر النبي ﷺ، وطلب منه الدعاء للسقيا، ولو كان ذلك مشروعًا لفعلوه ولو مرة واحدة، فإذا لم يفعلوه دل ذلك على عدم مشروعية ما جاء في القصة.\nالثالث: هب أن القصة صحيحة، فلا حجة فيها، لأن مدارها على رجل لم يسم، فهو مجهول أيضًا، وتسميته بلالًا في رواية سيف لا يساوي شيئًا، لأن سيفًا هذا – وهو ابن عمر التميمي – متفق على ضعفه عند المحدثين، بل قال ابن حبان فيه: (يروي الموضوعات عن الأثبات، وقالوا: إنه كان يضع الحديث). فمن كان هذا شأنه لا تقبل روايته ولا كرامة،\nلا سيما عند المخالفة ...\nالفرق بين التوسل بذات النبي ﷺ وبين طلب الدعاء منه:","vol":"3","page":165},{"text":"الوجه الرابع: أن هذا الأثر ليس فيه التوسل بالنبي ﷺ، بل فيه طلب الدعاء منه بأن يسقي الله تعالى أمته، وهذه مسألة أخرى لا تشملها الأحاديث المتقدمة، ولم يقل بجوازها أحد من علماء السلف الصالح ﵃، أعني الطلب منه ﷺ بعد وفاته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (القاعدة الجليلة) (ص١٩ - ٢٠): (لم يكن النبي ﷺ بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين، ويستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم، ولا في مغيبهم، فلا يقول أحد: (يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا، وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله يا ولي الله (الأصل: رسول الله) ادع الله لي، سل الله لي، سل الله أن يغفر لي ... ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي أو نقص رزقي أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلانًا الذي ظلمني، ولا يقول: أنا نزيلك، أنا ضيفك، أنا جارك، أو أنت تجير من يستجيرك.\nولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور، ولا يكتب أحد محضرًا أنه استجار بفلان، ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، كما يفعله النصارى في كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم، فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي ﷺ لم يشرع هذا لأمته، وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئًا من ذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحابه ﷺ والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي ﷺ عند قبره أن يشفع له أو يدعو لأمته، أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين، وكان أصحابه يبتلون بأنواع البلاء بعد موته، فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكوا إليك جدب الزمان أو قوة العدو، أن كثرة الذنوب ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم، بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين، وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة وضلالة باتفاق المسلمين (١).\n_________\n(١) [٣٨١٢]» يحمل كلام شيخ الإسلام هنا على أحد وجهين: أولهما: أن يكون خطاب المخالفين بما يعتقدون من انقسام البدعة بحسب الأحكام الخمسة، ومنها الوجوب والاستحباب. وثانيهما: أن يكون أراد بالبدعة اللغوية منها، وهي ما حدث بعد النبي ﷺ، ودل عليها الدليل الشرعي. وإنما قلنا هذا لما هو معروف عنه ﵀ أنه يعد البدعة الشرعية كلها ضلالة، وتمام كلامه هنا يدل عليه.","vol":"3","page":166},{"text":"ومن قال في بعض البدع: إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي على أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين: إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله، ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبيل الشيطان، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: خط لنا رسول الله ﷺ خطًا، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال «هذا سبيل الله، وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» ثم قرأ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١) [الأنعام: ١٥٣].\nقلت: إنما وقع بعض المتأخرين في هذا الخطأ المبين بسبب قياسهم حياة الأنبياء في البرزخ على حياتهم في الدنيا، وهذا قياس باطل مخالف للكتاب والسنة والواقع، وحسبنا الآن مثالًا على ذلك أن أحدًا من المسلمين لا يجيز الصلاة وراء قبورهم، ولا يستطيع أحد مكالمتهم، ولا التحدث إليهم، وغير ذلك من الفوارق التي لا تخفى على عاقل.\nالاستغاثة بغير الله تعالى:\nونتج من هذا القياس الفاسد والرأي الكاسد تلك الضلالة الكبرى، والمصيبة العظمى التي وقع فيها كثير من عامة المسلمين وبعض خاصتهم، ألا وهي الاستغاثة بالأنبياء الصالحين من دون الله تعالى في الشدائد والمصائب حتى إنك لتسمع جماعات متعددة عند بعض القبور يستغيثون بأصحابها في أمور مختلفة، كأن هؤلاء الأموات يسمعون ما يقال لهم، ويطلب منهم من الحاجات المختلفة بلغات متباينة، فهم عند المستغيثين بهم يعلمون مختلف لغات الدنيا، ويميزون كل لغة عن الأخرى، ولو كان الكلام بها في آن واحد! وهذا هو الشرك في صفات الله تعالى الذي جهله كثير من الناس، فوقعوا بسببه في هذه الضلالة الكبرى.\nويبطل هذا ويرد عليه آيات كثيرة. منها قوله تعالى: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا [الإسراء: ٥٦]. والآيات في هذا\nالصدد كثيرة، بل قد ألف في بيان ذلك كتب ورسائل عديدة (٢). فمن كان في شك من ذلك فليرجع إليها يظهر له الحق إن شاء الله، ولكني وقفت على نقول لبعض علماء الحنفية رأيت من المفيد إيرادها هنا حتى لا يظن ظان أن ما قلناه لم يذهب إليه أحد من أصحاب المذاهب المعروفة.\n_________\n(١) [٣٨١٣]» رواه أحمد (١/ ٤٦٥) وابن حبان (١/ ١٨٠) والحاكم (٢/ ٢٦١) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٤٣) والطيالسي (١/ ٣٣)، قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن القيم في «طريق الهجرتين» (١٥٢): ثابت، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٥): فيه عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه ضعف، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٦/ ٨٩): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٢) [٣٨١٤]» منها «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» و«الرد على البكري» لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن أجمعها «مجموعة التوحيد النجدية» فعليك بمطالعتها.","vol":"3","page":167},{"text":"قال الشيخ أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في (التعليق المغني على سنن الدارقطني) (ص٥٢٠ - ٥٢١): (ومن أقبح المنكرات وأكبر البدعات وأعظم المحدثات ما اعتاده أهل البدع من ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀ بقولهم: يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئًا لله، والصلوات المنكوسة إلى بغداد، وغير ذلك مما لا يعد، هؤلاء عبدة غير الله ما قدروا الله حق قدره، ولم يعلم هؤلاء السفهاء أن الشيخ ﵀ لا يقدر على جلب نفع لأحد ولا دفع ضر عنه مقدار ذرة، فلم يستغيثون به ولم يطلبون الحوائج منه؟! أليس الله بكاف عبده؟!! اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك أو نعظم أحدًا من خلقك كعظمتك، قال في (البزازية) وغيرها من كتب الفتاوى: (من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر) (١) وقال الشيخ فخر الدين أبو سعد عثمان الجياني بن سليمان الحنفي في رسالته: \"ومن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقد بذلك كفر. كذا في (البحر الرائق)، وقال القاضي حميد الدين ناكوري الهندي في (التوشيح): (منهم الذين يدعون الأنبياء والأولياء عند الحوائج والمصائب باعتقاد أن أرواحهم حاضرة تسمع النداء وتعلم الحوائج، وذلك شرك قبيح وجهل صريح، قال الله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥]، وفي (البحر) (٢): لو تزوج بشهادة الله ورسوله لا ينعقد النكاح، ويكفر لاعتقاده أن النبي ﷺ يعلم الغيب (٣)، وهكذا في (فتاوى قاضي خان) و(العيني) و(الدر المختار) و(العالمكيرية) وغيرها من كتب العلماء الحنفية، وأما في الآيات الكريمة والسنة المطهرة في إبطال أساس الشرك، والتوبيخ لفاعله فأكثر من أن تحصى، - ولشيخنا العلامة السيد محمد نذير حسين الدهلوي في رد تلك البدعة المنكرة رسالة شافية).\n٢ – أثر فتح الكوى فوق قبر الرسول ﷺ إلى السماء:\nروى الدارمي في (سننه) (١/ ٤٣): حدثنا أبو النعمان ثنا سعيد ابن زيد ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحَط أهل المدينة قحطًا شديدًا، فشكوا إلى عائشة، فقالت: (انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطرنا مطرًا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق) (٤).\n... وهذا سند ضعيف لا تقوم به حجة لأمور ثلاثة:\nأولها: أن سعيد بن زيد وهو أخو حماد بن زيد فيه ضعف. قال فيه الحافظ في (التقريب): صدوق له أوهام. وقال الذهبي في (الميزان): (قال يحيى بن سعيد: ضعيف، وقال السعدي: ليس بحجة، يضعفون حديثه، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أحمد: ليس به بأس، كان يحيى بن سعيد لا يستمرئه).\nوثانيهما: أنه موقوف على عائشة وليس بمرفوع إلى النبي ﷺ، ولو صح لم تكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون من قبيل الآراء الاجتهادية لبعض الصحابة، مما يخطئون فيه ويصيبون، ولسنا ملزمين بالعمل بها.\n_________\n(١) [٣٨١٥]» «البحر» (٥/ ١٣٤).\n(٢) [٣٨١٦]» (٣/ ٩٤).\n(٣) [٣٨١٧]» ومن هذا القبيل ما اعتاده كثير من الناس من الإجابة بقولهم: \"الله ورسوله أعلم\"! وما ورد من قول بعض الصحابة ذلك فإنما كان في حال حياته ﷺ، أما في حال وفاته فلا يجوز هذا بحال.\n(٤) [٣٨١٨]» رواه الدارمي (١/ ٥٦) قال الألباني في «التوسل» (١٢٦): ضعيف الإسناد موقوف.","vol":"3","page":168},{"text":"وثالثها: أن أبا النعمان هذا هو محمد بن الفضل، يعرف بعارم، وهو وإن كان ثقة فقد اختلط في آخر عمره. وقد أورده الحافظ برهان الدين الحلبي حيث أورده في \"المختلطين\" من كتابه (المقدمة) وقال (ص٣٩١): (والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده).\n... وهذا الأثر لا يدرى هل سمعه الدارمي منه قبل الاختلاط أو بعده، فهو إذن غير مقبول، فلا يحتج به، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الرد على البكري) (ص٦٨ - ٧٤): (وما روي عن عائشة ﵂ من فتح الكوة من قبره إلى السماء، لينزل المطر فليس بصحيح، ولا يثبت إسناده، ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة، بل كان باقيًا كما كان على عهد النبي ﷺ، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في (الصحيحين) عن عائشة «أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء من حجرتها» (١)، ولم تزل الحجرة النبوية كذلك في مسجد الرسول ﷺ .. ومن حينئذ دخلت الحجرة النبوية في المسجد، ثم إنه يُبنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف. وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بين لو صح ذلك لكان حجة ودليلًا على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت، ولا يسألون الله به، وإنما فتحوا على القبر لتنزل الرحمة عليه، ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه، فأين هذا من هذا، والمخلوق إنما ينفع المخلوق بدعائه أو بعمله، فإن الله تعالى يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة والسلام على نبيه ﷺ ومحبته وطاعته وموالاته، فهذه هي الأمور التي يحب الله أن نتوسل بها إليه، وإن أريد أن نتوسل إليه بما تُحِبُ ذاته، وإن لم يكن هناك ما يحب الله أن نتوسل به من الإيمان والعمل الصالح، فهذا باطل عقلًا وشرعًا، أما عقلًا فلأنه ليس في كون الشخص المعين محبوبًا له ما يوجب كون حاجتي تقضى بالتوسل بذاته إذا لم يكن مني ولا منه سبب تقضى به حاجتي، فإن كان منه دعاء لي أو كان مني إيمان به وطاعة له فلا ريب أن هذه وسيلة، وأما نفس ذاته المحبوبة فأي وسيلة لي منها إذا لم يحصل لي السبب الذي أمرت به فيها.\nوأما الشرع فيقال: العبادات كلها مبناها على الاتباع لا على الابتداع، فليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فليس لأحد أن يصلي إلى قبره ويقول هو أحق بالصلاة\nإليه من الكعبة، وقد ثبت عنه ﷺ في (الصحيح) أنه قال «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (٢) مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم، بل يستدبرون القبلة، ويصلون إلى قبر الشيخ ويقولون: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة! وطائفة أخرى يرون الصلاة عند قبور شيوخهم أفضل من الصلاة في المساجد حتى المسجد الحرام (والنبوي) والأقصى. وكثير من الناس يرى أن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل منه في المساجد، وهذا كله مما قد علم جميع أهل العلم بديانة الإسلام أنه مناف لشريعة الإسلام. ومن لم يعتصم في هذا الباب وغيره بالكتاب والسنة فقد ضَل وأضل، ووقع في مهواة من التلف. فعلى العبد أن يسلم للشريعة المحمدية الكاملة البيضاء الواضحة، ويسلم أنها جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا رأى من العبادات والتقشفات وغيرها التي يظنها حسنة ونافعة ما ليس بمشروع علم أن ضررها راجح على نفعها، ومفسدتها راجحة على مصلحتها، إذ الشارع الحكيم لا يهمل المصالح) ثم قال: (والدعاء من أجل العبادات، فينبغي للإنسان أن يلزم الأدعية المشروعة فإنها معصومة كما يتحرى في سائر عبادته الصور المشروعة، فإن هذا هو الصراط المستقيم. والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين). التوسل أنواعه وأحكامه لمحمد ناصر الدين الألباني - بتصرف- ص ٧٥\nوإذا كان القرب من النبي ﷺ لا يغني عن القريب شيئًا، دل ذلك على منع التوسل بجاه النبي ﷺ، لأن جاه النبي ﷺ لا ينتفع به إلا النبي ﷺ، ولهذا كان أصح قولي أهل العلم تحريم التوسل بجاه النبي ﷺ. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين – ص ١٢٢\n_________\n(١) [٣٨١٩]» رواه البخاري (٥٤٥) ومسلم (٦١١).\n(٢) [٣٨٢٠]» رواه مسلم (٩٧٢).","vol":"3","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>المطلب الأول: معنى التبرك</span>\nالبركة: هي كثرة الخير وثبوته، وهي مأخوذة من البركة بالكسر، والبركة: مجمع الماء، ومجمع الماء يتميز عن مجرى الماء بأمرين:\nالكثرة. الثبوت.\nوالتبرك طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين:\nأن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم، مثل القرآن، قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ [ص: ٢٩]، فمن بركته أن من أخذ به حصل له الفتح، فأنقذ الله بذلك أممًا كثيرة من الشرك، ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات، وهذا يوفر للإنسان الوقت والجهد، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.\nأن يكون بأمر حسي معلوم، مثل: التعليم، والدعاء، ونحوه، فهذا الرجل يتبرك بعمله ودعوته إلى الخير، فيكون هذا بركة لأننا نلنا منه خيرًا كثيرًا.\nوقال أسيد بن حضير: (ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر) (١)، فإن الله يجري على بعض الناس من أمور الخير ما لا يجريه على يد الآخر. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٢٤٥\n_________\n(١) [٣٨٢١]» رواه البخاري (٣٣٤) ومسلم (٣٦٧).","vol":"3","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-789>تمهيد</span>\nوالتبرك ينقسم من جهة حكمه إلى قسمين:\nأ- تبرك مشروع: وهو أن يفعل المسلم العبادات المشروعة طلبًا للثواب المترتب عليها، ومن ذلك أن يتبرك بقراءة القرآن والعمل بأحكامه، فالتبرك به هو ما يرجو المسلم من الأجور على قراءته له وعمله بأحكامه، ومنه التبرك بالمسجد الحرام بالصلاة فيه ليحصل على فضيلة مضاعفة الصلاة فيه، فهذا من بركة المسجد الحرام.\nب- تبرك ممنوع: وهو ينقسم من حيث حكمه إلى قسمين: تبرك شركي، وتبرك بدعي تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين- بتصرف - ص: ٢٨٨","vol":"3","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>١ - التبرك بذكر الله</span>\nبما أن حقيقة البركة ثبوت الخير ودوامه، وكثرة الخير وزيادته، وأن الخير كله الديني والدنيوي في يدي الله ﷾. ..... فلا تطلب البركة إلا منه ﵎، أو مما أودع هو فيه البركة، وعلى الوجه المشروع، فإن من وسائل طلب البركة منه ﷾ التبرك بذكره ﷿.\nوذكر الله ﷾ يكون بالقلب، ويكون باللسان، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعًا، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل (١)، لأن ذكر القلب يثمر المعرفة، ويثير المحبة والحياء، ويبعث على المخافة، ويدعو إلى المراقبة (٢). التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – ص: ٢٠٣\nبركات الذكر وفضائله:\nلذكر الله تعالى فضائل عظيمة وبركات كثيرة، دينية ودنيوية.\n(أ) فمن البركات الدنيوية ما يأتي:\n١ - اطمئنان القلب وزوال الخوف عنه، كما قال تعالى: أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ [الرعد: ٢٨].\n٢ - الذكر يعطي الذاكرة قوة، حتى أنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه.\nوقد علم النبي ﷺ ابنته فاطمة وعليًا رضي الله تعالى عنهما أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثًا وثلاثين، ويحمدا ثلاثًا وثلاثين، ويكبرا أربعًا وثلاثين، لما سألته الخادم، وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة، فعلمها ذلك وقال: «فهو خير لكما من خادم» (٣).\nفقيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في بدنه مغنية عن خادم (٤).\nوذكر ابن القيم ﵀ أن كلمة (لا حول ولا قوة إلا بالله) لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق. وأورد شواهد على ذلك (٥).\n٣ - من منافع الاستغفار الدنيوية ما جاء في قول الله تعالى في سورة نوح اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح: ١٠ - ١٢]. وقول الرسول ﷺ فيما رواه عبد الله بن عباس ﵄: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» (٦).\n٤ - من بركات الذكر الدنيوية الرقية باسم الله تعالى، وبالأذكار الشرعية للاستشفاء والعلاج ...\n(ب) ومن البركات الدينية ما يأتي:\n١ - مغفرة الذنوب ومضاعفة الأجر.\nوالأحاديث في هذا كثيرة جدًا، أنقل منها ما يأتي:\nفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك» (٧).\n_________\n(١) من كتاب «الأذكار» للنووي (ص: ٦).\n(٢) «الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب» للإمام ابن القيم (ص: ١٩٠).\n(٣) رواه البخاري (٣٧٠٥)، ومسلم (٢٧٢٧).\n(٤) «الوابل الصيب» لابن القيم (ص: ١٦٤، ١٦٥) باختصار.\n(٥) «الوابل الصيب» لابن القيم (ص: ١٦٥، ١٦٧).\n(٦) رواه أبو داود (١٥١٨) وابن ماجه (٣٨١٩) قال البغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٠٠): يرويه الحكم بن مصعب بإسناده، وهو ضعيف، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٧٦٨).\n(٧) رواه البخاري (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩١).","vol":"3","page":172},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (١).\nوفي صحيح البخاري عن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت، إذا قال حين يمسي فمات دخل الجنة، أو كان من أهل الجنة، وإذا قال حين يصبح فمات من يومه مثله» (٢).\n٢ - ومن المنافع الدينية أيضًا أن مجالس الذكر من أسباب نزول السكينة وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة. فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقعد قوم يذكرون الله ﷿ إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٣).\n(ج) ومن البركات الدينية والدنيوية معًا لذكر الله ﷿ أنه حصن منيع من الشياطين وشرورهم.\nوالأحاديث الدالة على هذا كثيرة، ومنها ما يأتي:\nجاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء» (٤).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن قدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدًا» (٥).\nوفي بعض السنن عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله» (٦).\nثم إن الدعاء له ثمرات ونتائج طيبة في الدنيا والآخرة.\nومما يدل على فضل الذكر أيضًا: أن المقصود بالطاعات كلها إقامة ذكر الله ﷿، فهو سر الطاعات وروحها (٧).\nإلى غير ذلك من الفضائل العظيمة والبركات العديدة لذكر الله ﷿ (٨). ولذا «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه» (٩) كما روت ذلك عائشة ﵂.\nفحري بنا المداومة على ذكر الله تعالى بأنواعه، وفي مواطنه، والتقيد بالأذكار المشروعة، طاعة لله تعالى، واتباعًا لرسوله ﷺ، ورجاء نيل الفضائل الجليلة، والبركات الكثيرة، والخيرات الوفيرة لذكر الله تعالى في الدنيا والآخرة. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع - بتصرف– ص: ٢١٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٦٣٠٦).\n(٣) رواه مسلم (٢٦٩٩).\n(٤) رواه مسلم (٢٠١٨).\n(٥) رواه البخاري (١٤١)، ومسلم (١٤٣٤).\n(٦) رواه الترمذي (٦٠٦)، وابن ماجه (٢٩٧) وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده ليس بذاك القوي، وقال البيهقي في الدعوات الكبير (١/ ١١١): إسناده فيه نظر.\n(٧) من كتاب «مدارج السالكين» لابن القيم (٢/ ٤٢٦)، وانظر التفصيل في كتابه «الوابل الصيب» (ص: ١٥٩ - ١٦٢)، وانظر أيضًا «فتح الباري» (١١/ ٢٠٩، ٢١٠).\n(٨) ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الوابل الصيب» (ص٩١ - ١٨٧) أكثر من سبعين فائدة للذكر.\n(٩) رواه البخاري معلقا قبل حديث (٦٣٤) باب هل يتتبع المؤذن فاه ها هنا وها هنا، ومسلم (٣٧٣).","vol":"3","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>٢ - التبرك بتلاوة القرآن الكريم</span>\nبركات التلاوة وفضائلها:\nقال ﷾ آمرًا بتلاوة كتابه الكريم وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الكهف: ٢٧].\nوقال رسوله ﷺ: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه». رواه الإمام مسلم من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ (١).\nوقال جل وعلا في بيان فضل تلاوة القرآن المجيد: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: ٢٩، ٣٠].\nوأما الأحاديث في ذلك فكثيرة جدًا.\nمنها ما جاء في حديث عقبة بن عامر ﵁، المخرج في صحيح مسلم وفيه قوله ﷺ: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله ﷿ خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» (٢).\nومنها ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ المخرج في صحيح مسلم أيضًا وفيه «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٣).\nوقد ثبت في الصحيحين دنو الملائكة واستماعهم لقراءة أسيد بن حضير ﵁.\nوروى الترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (٤).\nوأخيرًا أذكر المثل الذي ضربه نبينا ﷺ لمن يقرأ القرآن أو يتركه، مؤمنًا كان أو منافقًا.\nفقد روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر» (٥).\nهذا مجمل فضائل وبركات تلاوة القرآن الكريم الدينية.\nومن البركات والمصالح الدنيوية: الاستشفاء به والانتفاع من الرقية ببعض سوره وآياته. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – ص: ٢١٥\n_________\n(١) رواه مسلم (٨٠٤).\n(٢) رواه مسلم (٨٠٣).\n(٣) رواه مسلم (٢٦٩٩).\n(٤) رواه الترمذي (٢٩١٠). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصحح إسناده الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠١) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٥) رواه البخاري (٥٠٢٠،٥٤٢٩). ومسلم (٧٩٧)، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"3","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-794>تمهيد:</span>\n(ولا شك أن آثار رسول الله ﷺ – صفوة خلق الله وأفضل النبيين – أثبت جودًا، وأشهر ذكرًا، وأظهر بركة، فهي أولى بذلك وأحرى).\nولهذا فإن صحابة الرسول ﷺ ورضي الله عنهم تبركوا بذاته ﵊، وبآثاره الحسية المنفصلة منه ﷺ في حياته، وأقرهم ﷺ على ذلك ولم ينكر عليهم، ثم إنهم ﵃ تبركوا ومن بعدهم من سلف هذه الأمة الصالح بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته، مما يدل على مشروعية هذا التبرك.\nوينبغي أن يعلم أنه لا يصاحب هذا التبرك – من جهة الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح – شيء يعارض أو يناقض توحيد الألوهية أو الربوبية، وأن هذا الفعل ليس من باب الغلو المذموم، وإلا لنبه على ذلك الرسول ﷺ صحابته ﵃، كما نهاهم عن بعض الألفاظ الشركية (١)، وحذرهم من ألفاظ الغلو (٢).\nفينظر إذًا إلى هذا على أنه تكريم وتشريف من الخالق ﷾ لصفوة خلقه في بدنه، وما ينفصل عنه من آثاره الحسية، حيث وضع ﵎ في ذلك كله الخير والبركة.\n_________\n(١) انظر أمثلة هذا في كتاب «التوحيد» للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص: ١١٢) (باب قول ما شاء الله وشئت).\n(٢) انظر أمثلة هذا في كتاب «التوحيد» للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص: ١٤٦) (باب ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك).","vol":"3","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-795>نماذج من تبرك الصحابة بالرسول ﷺ في حياته:</span>\n..... نماذج مما نقل إلينا نقلًا صحيحًا من الأخبار والآثار عن تبرك جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بنبينا محمد ﷺ أثناء حياته، بذاته الكريمة، أو بآثاره الشريفة ﷺ، على النحو التالي:\nأ- تبرك الصحابة ﵃ بأعضاء جسده ﷺ.\nمما يدل على بركة أعضاء جسده الشريف ﷺ ما روته عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها» (١).\nومما ورد عن تبرك الصحابة رضي الله تعالى عنهم بيده الشريفة ﷺ ما ثبت عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاءوه في الغداة الباردة، فيغمس يده فيها» (٢).\nوما ثبت عن أبي جحيفة ﵁ أنه قال: «خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين» وفيه «وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم» قال: «فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك» (٣).\nوكان الصحابة ﵃ يحرصون على تقبيل يده ﷺ.\nكما أنهم أيضًا يحرصون على مس أي موضع من جسده ﷺ وتقبيله كلما أمكن ذلك للتبرك وغيره.\nومن هذا ما روى أبو داود في سننه أن أسيد بن حضير ﵁ بينما هو يحث القوم – وكان فيه مزاح – طعنه النبي ﷺ في خاصرته بعود، فقال: أصبرني، قال: «اصطبر» قال: إن عليك قميصًا وليس علي قميص، فرفع النبي ﷺ عن قميصه فاحتضنه، وأخذ يقبل كشحه، قال: «إنما أردت هذا يا رسول الله» (٤).\nب- تبركهم بما انفصل منه ﷺ:\n١ - التبرك بشعر النبي ﷺ.\nثبت أن الصحابة ﵃ كانوا يتبركون بشعر النبي ﷺ، وأنه قد أقرهم على ذلك، بل إنه ﷺ وزعه عليهم.\nففي صحيح مسلم عن أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق (خذ) وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس» (٥).\nوفي رواية: «فبدأ بالشق الأيمن، فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك، ثم قال: هاهنا أبو طلحة فدفعه إلى أبي طلحة» (٦).\nقال النووي رحمه الله تعالى: (من فوائد الحديث التبرك بشعره ﷺ، وجواز اقتنائه للتبرك) (٧).\nوكان الصحابة ﵃ يحرصون على اقتناء شعره الشريف ﵊.\nففي صحيح مسلم أيضًا عن أنس ﵁ قال: «لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل» (٨).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠١٦)، ومسلم (٢١٩٢).\n(٢) رواه البخاري (٥٠١٦)، ومسلم (٢١٩٢).\n(٣) رواه البخاري (٣٥٥٣).\n(٤) رواه أبو داود (٥٢٢٤) والطبراني في «الكبير» (١/ ٢٠٥) (٥٥٦) والحديث سكت عنه أبو داود [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح]، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٥٢٢٤): إسناده صحيح.\n(٥) رواه مسلم (١٣٠٥).\n(٦) رواه مسلم (١٣٠٥).\n(٧) «شرح النووي لصحيح مسلم» (٩/ ٥٤).\n(٨) رواه مسلم (٢٣٢٥).","vol":"3","page":176},{"text":"وقد ذكر النووي من أحكام هذا الحديث: تبرك الصحابة بشعر الرسول ﷺ الكريم، وإكرامهم إياه أن يقع منه إلا في يد رجل سبق إليه (١).\nولعل حرص الصحابة ﵃ على ذلك في حجة الوداع لإظهار مدى حبهم للنبي ﷺ وتعظيمهم له على مرأى جموع الحجاج.\n٢ - التبرك بريق النبي ﷺ.\nفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها هاجرت إلى رسول الله ﷺ وهي حبلى بعبد الله بن الزبير. قالت: «فأتيت المدينة فنزلت بقباء، فولدته بقباء، ثم أتيت رسول الله ﷺ فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ... ثم حنكه بالتمرة» الحديث (٢).\nوجاء في صحيح البخاري في حديث صلح الحديبية أن عروة بن مسعود الثقفي ﵁ قال عن أصحاب النبي ﷺ: «فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده ...» (٣).\nقال ابن حجر ﵀ معلقًا على فعل الصحابة ﵃ ونحوه في هذه الغزوة مع الرسول ﷺ: (ولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عروة، وبالغوا في ذلك،، إشارة منهم إلى الرد على ما خشيه من فرارهم، وكأنهم قالوا بلسان الحال: من يحب إمامه هذه المحبة، ويعظمه هذا التعظيم، كيف يظن به أن يفر عنه ويسلمه لعدوه؟ بل هم أشد اغتباطًا به وبدينه وبنصره من القبائل التي يراعي بعضها بعضًا بمجرد الرحم) (٤).\n٣ - التبرك بعرق النبي ﷺ.\nجاء في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأُتيت فقيل لها: هذا النبي ﷺ نام في بيتك على فراشك، قال: فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها، فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، ففزع النبي ﷺ فقال: «وما تصنعين يا أم سليم؟ فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا، قال: أصبت» (٥).\nج- تبركهم بما لبسه أو لمسه أو فضل منه ﷺ:\n- التبرك بثياب النبي ﷺ:\nجاء في صحيح البخاري عن سهل بن سعد ﵁ قال: «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ببردة، فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة؟ فقال القوم: هي شملة، فقال سهل: هي شملة منسوجة، فيها حاشيتها، فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه، فاكسنيها، فقال: نعم فلما قام النبي ﷺ لامه أصحابه فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئًا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ لعلي أكفن فيها» (٦).\nوثبت في الصحيحين أن الرسول ﷺ أعطى اللاتي يغسلن ابنته إزاره وقال: «أشعرنها إياه» (٧).\nقال النووي رحمه الله تعالى: معنى «أشعرنها إياه»: اجعلنه شعارًا لها، وهو الثوب الذي يلي الجسد، سمي شعرًا لأنه يلي شعر الجسد، ثم قال: (والحكمة في إشعارها به تبريكها).\n_________\n(١) من كتاب «شرح النووي لصحيح مسلم» (١٥/ ٨٢).\n(٢) رواه البخاري (٣٩٠٩)، ومسلم (٢١٤٦).\n(٣) رواه البخاري (٢٧٣١،٢٧٣٢).\n(٤) «فتح الباري» (٥/ ٣٤١).\n(٥) رواه مسلم (٢٣٣١).\n(٦) رواه مسلم (٦٠٣٦).\n(٧) رواه البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩).","vol":"3","page":177},{"text":"- التبرك بمواضع أصابع النبي ﷺ.\nجاء في صحيح مسلم في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ «فكان يصنع للنبي ﷺ طعامًا، فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع موضع أصابعه» (١).\n- التبرك بفضل شرب النبي ﷺ.\nفي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: «أن رسول الله ﷺ أتي بشراب، فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا. قال: فتله رسول الله ﷺ في يده» (٢).\n- التبرك بماء وضوئه ﷺ.\nجاء في الصحيحين عن أبي جحيفة ﵁ أنه قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به» (٣).\nوأما المقصود بفضل وضوئه ﷺ فقد قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (كأنهم اقتسموا الماء الذي فضل عنه، ويحتمل أن يكونوا تناولوا ما سال من أعضاء وضوئه ﷺ) (٤). وجاء في صحيح البخاري في حديث صلح الحديبية أن عروة ابن مسعود الثقفي ﵁ قال عن أصحاب النبي ﷺ: «وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه» (٥).\nبل إن الرسول ﷺ أرشد أصحابه ﵃ أحيانًا إلى شيء من هذا، وساعدهم عليه.\nففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «دعا رسول الله ﷺ بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه، ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشرا فأخذا القدح، ففعلا ما أمرهما به رسول الله ﷺ، فنادتهما أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما، فأفضلا لها منه طائفة» (٦).\nوفيهما أيضًا عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه فعقلت» الحديث (٧). التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – ص: ٢٤٣\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٠٥٣).\n(٢) رواه البخاري (٢٤٥١) ومسلم (٢٠٣٠).\n(٣) رواه البخاري (٣٥٥٣) ومسلم (٥٠٣).\n(٤) «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» لابن حجر العسقلاني (١/ ٢٩٥).\n(٥) رواه البخاري (٢٧٣١،٢٧٣٢).\n(٦) رواه البخاري (٤٣٢٨)، ومسلم (٢٤٩٧).\n(٧) رواه البخاري (١٩٤).","vol":"3","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-796>٤ - التبرك بآثاره ﷺ بعد وفاته:</span>\n• أ- نماذج من تبرك الصحابة بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته:.\n• ب- نماذج من تبرك التابعين بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته:.\n• ج- هل يوجد شيء من آثار الرسول ﷺ في العصر الحاضر؟.","vol":"3","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-797>أ- نماذج من تبرك الصحابة بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته:</span>\nعقد الإمام البخاري ﵀ في صحيحه - كتاب فرض الخمس - باب بعنوان: باب ما ذكر من درع النبي ﷺ وعصاه، وسيفه، وقدحه، وخاتمه، وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم يذكر قسمته، ومن شعره، ونعله، وآنيته، مما تبرك أصحابه وغيرهم بعد وفاته (١).\nثم ساق البخاري جملة من أحاديث هذا الباب. ... منها.\nعن عيسى بن طهمان قال: (أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين، لهما قبالان، فحدثني ثابت البناني بعد عن أنس: أنهما نعلا النبي ﷺ) (٢).\nوعن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة ﵂ كساء ملبدًا، وقالت: (في هذا نزع روح النبي ﷺ) (٣). وفي رواية أخرى (أخرجت إلينا عائشة إزارًا غليظًا مما يصنع باليمن، وكساء من هذه التي يدعونها الملبدة). (٤).\nوأخرج البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه أيضًا في موضع آخر عن عاصم الأحول قال: (رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة، قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا) (٥).\nوجاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى أن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أخرجت جبة طيالسة، وقالت: (هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) (٦).\n_________\n(١) «صحيح البخاري» (٤/ ٤٦).\n(٢) رواه البخاري (٣١٠٧).\n(٣) رواه البخاري (٣١٠٨).\n(٤) رواه البخاري (٣١٠٨)، ومسلم (٢٠٨٠).\n(٥) رواه البخاري (٣١٠٨)، ومسلم (٢٠٨٠).\n(٦) رواه ومسلم (٢٠٦٩).","vol":"3","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-798>ب- نماذج من تبرك التابعين بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته:</span>\nلم يقتصر التبرك بآثار المصطفى ﷺ بعد وفاته على الصحابة الكرام ﵃، بل نقل عن بعض التابعين أيضًا رحمهم الله تعالى ما يدل على وقوع هذا التبرك المشروع.\nوسأورد الآن نماذج مما صح نقله في هذا الباب عن جمع من التابعين رحمهم الله تعالى.\nفمن ذلك حرصهم على اقتناء شعر الرسول ﷺ، المحفوظ عند بعض الصحابة ﵃ للتبرك به.\nففي صحيح البخاري رحمه الله تعالى عن ابن سيرين رحمه الله تعالى أنه قال: قلت لعبيدة: (عندنا من شعر النبي ﷺ، أصبناه من قبل أنس، أو من قبل أهل أنس) فقال: (لأن تكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها) (١).\nوكانوا يتبركون بالشعرات الكريمة عند إصابتهم بالعين ونحوها.\nففي صحيح البخاري عن عثمان بن عبد الله بن موهب ﵁ قال: (أرسلني أهلي إلى أم سلمة – زوج النبي ﷺ – بقدح من ماء ... فيه شعر من شعر النبي ﷺ، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مخضبة ...) (٢).\nقال ابن حجر ﵀: (والمراد أنه كان من اشتكى أرسل إناء إلى أم سلمة، فتجعل فيه تلك الشعرات وتغسلها فيه، وتعيده، فيشربه صاحب الإناء، أو يغتسل به استشفاء بها فتحصل له بركتها) (٣).\nكما كان التابعون رحمهم الله تعالى يتبركون بالشرب في قدح النبي ﷺ.\nفقد عقد الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه – كتاب الأشربة – بابًا بعنوان (باب الشرب من قدح النبي ﷺ وآنيته) ثم ذكر هذا القول تعليقًا: وقال أبو بردة: قال لي عبد الله بن سلام: (ألا أسقيك في قدح شرب النبي ﷺ فيه؟) (٤).\nثم روى البخاري في هذا الباب حديثين فقط.\nوسأذكر أحدهما، وهو المروي عن أبي حازم ﵀ عن سهل بن سعد ﵁، وفيه أن سهل بن سعد سقى الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ بقدح، قال أبو حازم: (فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه) وقال: (ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له) (٥).\nوفي موضع آخر من صحيح البخاري، روى عن عاصم الأحول ﵀ أنه قال في شأن قدح النبي ﷺ – الموجود عند أنس بن مالك ﵁ -: (رأيت القدح وشربت فيه) (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٧٠).\n(٢) رواه البخاري (٥٨٩٦).\n(٣) «فتح الباري» (١٠/ ٣٥٣).\n(٤) رواه البخاري معلقا قبل حديث (٥٦٣٧).\n(٥) رواه البخاري (٥٦٣٧).\n(٦) رواه البخاري (٣١٠٩).","vol":"3","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>ج- هل يوجد شيء من آثار الرسول ﷺ في العصر الحاضر</span>؟\nقبل الإجابة عن هذا السؤال أحب أن أنبه على أن حكم التبرك بآثار الرسول ﷺ باق على مشروعيته، لا يقتصر على الصحابة ﵃ أو التابعين فقط رحمهم الله تعالى، فإن بركة آثار الرسول ﷺ باقية فيها، وليس هناك ما يرفعها.\nوإجابة عن السؤال الآنف الذكر لابد من بيان الأمور الآتية:\nأولًا: جاء في صحيح البخاري ﵀ عن عمرو بن الحارث ﵁ أنه قال: (ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهمًا ولا دينارًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضًا جعلها صدقة) (١).\nولا شك أن هذا يدل على قلة ما خلفه الرسول ﷺ بعد موته من أدواته الخاصة.\nثانيًا: وردت أخبار عديدة بعد عصر الصحابة ﵃، والتابعين ﵏، إلى يومنا هذا تدل على حصول هذا التبرك بآثار المصطفى ﷺ، من قبل بعض الخلفاء والعلماء والصالحين، وإن كان بعض هذه الأخبار ليس صحيحًا، وهذا إما بسبب ضعف في روايته، أو لعدم صحة نسبة الأثر ذاته إلى الرسول ﷺ، وهذا هو الأكثر.\nقال صاحب كتاب (الآثار النبوية) بعد أن سرد الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ وغيره، بالقسطنطينية – عاصمة الخلافة العثمانية -: (لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة، غير أنا لم نر أحدًا من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها من الشكوك) (٢) الخ.\nثالثًا: ثبوت فقدان الكثير من آثار الرسول ﷺ على مدى الأيام والقرون، بسبب الضياع، أو الحروب والفتن، وغير ذلك.\nومن الأمثلة على هذا ما يأتي:-\n١ - جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع منه في بئر أريس، نقشه – محمد رسول الله -) (٣).\n٢ - فقدان البردة والقضيب في آخر الدولة العباسية حين أحرقهما التتار عند غزوهم لبغداد سنة ٦٥٦هـ (٤).\nقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفًا عن سلف، وكان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إليه صلوات الله وسلامه عليه في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب، ويبهر به الأبصار) (٥).\n٣ - ذهاب نعلين ينسبان إلى النبي ﷺ في فتنة تيمورلنك بدمشق سنة ٨٠٣هـ (٦).\nومن الأسباب أيضًا لفقدان الآثار النبوية وصية بعض من عنده شيء منها أن يكفن فيه إن كان لباسًا، كما تقدم قريبًا من حديث سهل بن سعد ﵁، أو يوصي بأن يدفن معه بعد موته، إن كان ذلك الأثر شعرات مثلًا (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٣٩).\n(٢) من كتاب «الآثار النبوية» لأحمد تيمور باشا (ص: ٧٨).\n(٣) رواه البخاري (٥٨٧٣)، ومسلم (٢٠٩١).\n(٤) من كتاب «الآثار النبوية» لأحمد تيمور باشا (ص: ٢٧ - ٣٠).\n(٥) من كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير (٦/ ٨).\n(٦) «فتح المتعال في مدح النعال» لأحمد بن محمد المقري (ص: ٣٦٣) باختصار.\n(٧) انظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١١/ ٣٣٧)، «الآثار النبوية» لأحمد تيمور باشا (ص: ٨٢، ٨٤، ٨٥).","vol":"3","page":182},{"text":"رابعًا: يلحظ كثرة ادعاء وجود وامتلاك شعرات منسوبة إلى الرسول ﷺ في كثير من البلدان الإسلامية (١) في العصور المتأخرة، حتى قيل إن في القسطنطينية وحدها ثلاثًا وأربعين شعرة سنة ١٣٢٧هـ، ثم أهدي منها خمس وعشرون وبقي ثماني عشرة (٢).\nولذا قال مؤلف كتاب (الآثار النبوية) بعد أن ذكر أخبار التبرك بشعرات الرسول ﷺ من قبل أصحابه ﵃: (فما صح من العشرات التي تداولها الناس بعد ذلك فإنما وصل إليهم مما قسم بين الأصحاب ﵃، غير أن الصعوبة في معرفة صحيحها من زائفها) (٣).\nوهناك عناية بحفظ تلك الشعراء المنسوبة إلى الرسول ﷺ من قبل من يدعي ذلك، حيث إنها تحفظ في صناديق أو قوارير وتلف بقطع من الحرير ونحوه.\nعلى أنه في بعض الأماكن يحتفل بإخراجها – على طريقة خاصة – مرة واحدة أو أكثر كل عام، في بعض المواسم، كليلة ٢٧ من رمضان، أو ليلة النصف من شعبان مثلًا (٤).\nومن خلال ما تقدم فإن ما يدعى الآن عند بعض الأشخاص، أو في بعض المواضع من وجود بعض الآثار النبوية، كالشعرات أو النعال وغيرها – موضع شك، فيحتاج في إثبات صحة نسبته إلى الرسول ﷺ إلى برهان قاطع، يزيل الشك الوارد، ولكن أين ذلك؟\nيقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀: (ونحن نعلم أن آثاره ﷺ، من ثياب، أو شعر، أو فضلات، قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين) (٥) لاسيما مع مرور أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان على وجود تلك الآثار النبوية، ومع إمكان الكذب في ادعاء نسبتها إلى الرسول ﷺ للحصول على بعض الأغراض، كما وضعت الأحاديث ونسبت إلى الرسول ﷺ كذبًا وزورًا.\nوعلى أي حال فإن التبرك الأسمى والأعلى بالرسول ﷺ هو اتباع ما أثر عنه من قول أو فعل، والاقتداء به، والسير على منهاجه ظاهرًا وباطنًا، وإن في هذا الخير كله ...\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (كان أهل المدينة لما قدم عليهم النبي ﷺ في بركته لما آمنوا به وأطاعوه، فببركة ذلك حصل لهم سعادة الدنيا والآخرة، بل كل مؤمن آمن بالرسول وأطاعه حصل له من بركة الرسول بسبب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله) (٦). التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع - بتصرف– ص: ٢٤٣\n_________\n(١) ومن الأمثلة على ذلك: القاهرة، دمشق، بيت المقدس، عكا، حيفا وغيرها. انظر كتاب «الآثار النبوية» لأحمد تيمور باشا (ص: ٨٩ - ٩٦).\n(٢) انظر: «الآثار النبوية» (ص: ٩١).\n(٣) انظر: «الآثار النبوية» (ص: ٨٢).\n(٤) انظر: «الآثار النبوية» (ص: ٩١ - ٩٣، ٩٥)، وكتاب «تبرك الصحابة بآثار رسول الله ﷺ» للكردي (ص: ٥٨ - ٦٠)، وكتاب «تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين» لأحمد بن حجر البنعلي (ص: ١٦٨ - ١٧٠).\n(٥) «التوسل أنواعه وأحكامه» للألباني (ص: ١٤٦)، وانظر كتاب «أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة» لأحمد بن يحيى النجمي (ص: ٣٠٩)، وكتاب «هذه مفاهيمنا» لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ (ص: ٢٠٤).\n(٦) «مجموع فتاوى» شيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ١١٣).","vol":"3","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-802>١ - تبرك شركي:</span>\nوهو أن يعتقد المتبرك أن المتبرك به – وهو المخلوق – يهب البركة بنفسه، فيبارك في الأشياء بذاته استقلالًا، أو أن يطلب منه الخير والنماء فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى (١)؛ لأن الله تعالى وحده موجد البركة وواهبها، فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: «البركة من الله»، فطلبها من غيره، أو اعتقاد أن غيره يهبها بذاته شرك أكبر.\n_________\n(١) «كتاب التبيان» (ص: ٢٦ - ٢٧) و«كتاب التنشيط» (ص: ٦٠ - ٦٥) كلاهما للرستمي الحنفي نقلًا عن كتاب «جهود علماء الحنفية» لشمس الدين الأفغاني (٢/ ١٥٧٥ - ١٥٧٨)، وينظر: «التيسير»، باب من تبرك بشجرة أو حجر (ص: ١٤٨).","vol":"3","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-803>٢ - تبرك بدعي:</span>\nوهو التبرك بما لم يرد دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقدًا أن الله جعل فيه بركة، أو التبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه.\nوهذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو سنة، ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فهو من الشرك الأصغر؛ ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين - ص: ٢٨٩\nأنواع التبرك البدعي\nالنوع الأول: التبرك بالنبي ﷺ بعد وفاته\nالذي بقي من التبرك بعد وفاته أمران فقط هما:\n١ - الإيمان به وطاعته واتباعه.\nومن المعلوم أن هذا واجب على المكلفين، وأن من أداه سيحصل على الخير العظيم والأجر الجزيل، وعلى سعادة الدارين، وهذا ما يسمى بالبركات المعنوية للرسول ﷺ، وأنعم بذلك من فضل وخير.\n٢ - التبرك بآثاره الحسية المنفصلة منه ﷺ ...\nوعلى هذا فما عدا ذلك من صيغ التبرك بالرسول ﷺ بعد وفاته غير مشروع، بل هو ممنوع.\nهذا وإن مما تتحتم معرفته هنا أنه مع وجوب اعتقاد عظم شأن الرسول ﷺ وعلو منزلته، وعموم بركته حيًا وميتًا، ومع عظم محبة الناس له ﷺ، إلا أن هذا يجب أن لا يؤدي إلى رفعه فوق منزلته، أو الغلو في محبته، كما يظهر مثلًا في ممارسات التبرك بالرسول ﷺ غير المشروع.\nكما ينبغي أن يعلم أيضًا أن منع التبرك بالرسول ﷺ في بعض الأحوال، لا يعني انتقاص حقه أو التقليل من شأنه ﷺ. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – بتصرف - ص: ٣١٧\nأ- مظاهر التبرك الممنوع بقبره ﷺ:\nتشرع زيارة قبر الرسول ﷺ بدون شد الرحال إليه، وأن فاعل ذلك يثاب عليه كما يثاب على زيارة القبور، إلا أن هذه الزيارة لابد أن تكون على الوجه المشروع كما سلف إيضاحه.\nولكن بعض الزائرين لقبره ﵊ لم يكتفوا بالزيارة الشرعية، بل أحدثوا بدعا وأمورًا، بحجة التماس البركة والخير والأجر، ونحو ذلك.\nولا شك أن ذلك ممنوع من جهة الشرع، كما سيأتي توضيحه بإذن الله. ويمكن بيان أبرز مظاهر ذلك التبرك الممنوع بقبره ﷺ فيما يلي:\n١ - طلب الدعاء أو الشفاعة من الرسول ﷺ عند قبره:\nإن هذا العمل من أنواع التوسل غير المشروع بالرسول ﷺ، فإن التوسل مشروع ونافع في حياته ﷺ فقط، وبشفاعته يوم القيامة.\nأما طلب ذلك بعد وفاته، عند قبره، أو غير قبره ﷺ، كأن يقول الشخص: يا رسول الله استغفر الله لي، ادع الله أن يغفر لي، أو يهديني، أو ينصرني، فهذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، وليست واجبة ولا مستحبة باتفاقهم، وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة، وهي ضلالة باتفاق المسلمين (١).\n_________\n(١) من كتاب «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» لابن تيمية (ص: ١٤ - ٢١) بتصرف واختصار.","vol":"3","page":185},{"text":"أما سؤال الرسول ﷺ بعد وفاته حاجة، أو الاستغاثة به لكشف كربة، ونحو ذلك، فهذا أبعد مراتب البدع، وهو من أنواع الشرك بالله تعالى (١)، لأنه من باب الاستعانة أو الاستغاثة بمخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله ﵎ (٢).\n٢ - أداء بعض العبادات عند القبر النبوي:\nمن أشهر هذه العبادات الدعاء والصلاة عند القبر. وإن من يعمل ذلك يظن أو يعتقد أن الدعاء عند قبره ﷺ مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت، وأن الصلاة عند القبر أرجى للقبول (٣)، فيقصد زيارته لذلك (٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الفعل ونحوه: (فهذا من المنكرات المبتدعة باتفاق أئمة المسلمين، وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعًا بين أئمة الدين) (٥).\nوقال أيضًا ﵀ مبينًا حكم الدعاء عند القبر النبوي: (ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه، فإن هذا بدعة، ولم يكن أحد من الصحابة يقف عند القبر يدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة، ويدعون في مسجده) (٦) اهـ.\nويدخل فيما تقدم من بدع الزيارة: الجلوس عند القبر، وحوله، لتلاوة القرآن الكريم، وذكر الله ﷿ (٧)، وما قد يتبع ذلك من رفع الصوت، وطول القيام أو الجلوس عند القبر، مما يضايق الآخرين من المصلين أو الزوار، أو يشوش عليهم، وأيضًا تجديد الزائر التوبة عند القبر الشريف، كما ادعى بعضهم استحبابه (٨).\nوهكذا فإن قصد أي نوع من أنواع العبادة الأخرى، كالطواف (٩) ونحوه، مما قد يعمل عند القبر تبركًا، فإن ذلك كله من البدع المحدثة في الدين، ولأن الطواف خاص بالكعبة فقط.\nوكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معللًا عدم مشروعية أداء العبادات عند القبر النبوي: (لو كان للأعمال عند القبر فضيلة لفتح للمسلمين باب الحجرة، فلما منعوا من الوصول إلى القبر، وأمروا بالعبادة في المسجد: علم أن فضيلة العمل فيه لكونه في مسجده ... ولم يأمر قط بأن يقصد بعمل صالح أن يفعل عند قبره ﷺ) (١٠).\n٣ - التمسح بالقبر أو تقبيله، ونحو ذلك:\n_________\n(١) من كتاب «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» (ص: ١١٩)، وكتاب «الرد على البكري» لابن تيمية (ص: ٥٥) بتصرف.\n(٢) انظر إن شئت تفاصيل هذه المسألة في كتاب غاية الأماني في الرد على النبهاني للألوسي (ص: ٢٥٦) فما بعدها، وانظر أيضًا لهذه المسألة ونحوها كتاب «كشف الشبهات» للإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وقد طبع ضمن القسم الأول لمؤلفاته (ص: ١٥٣ - ١٨٣) وهو كتاب نفيس.\n(٣) ومن باب أولى قصد الصلاة تجاه القبر. انظر: «إغاثة اللهفان» لابن القيم (١/ ١٩٤).\n(٤) «الرد على البكري» لابن تيمية (ص: ٥٦) بتصرف.\n(٥) «الرد على البكري» لابن تيمية (ص: ٥٦).\n(٦) «مجموعة الرسائل الكبرى» لابن تيمية (٢/ ٤٠٨)، وانظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٦٨١).\n(٧) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٣٧) بتصرف، ومن رسالة الألباني بعنوان «مناسك الحج والعمرة في الكتاب والسنة وآثار السلف، ورد ما ألحق الناس بها من البدع» (ص: ٦١).\n(٨) انظر مثلًا كتاب «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» للسمهودي (٤/ ١٣٩٩)، وكتاب «حقيقة التوسل والوسيلة على ضوء الكتاب والسنة» لموسى محمد علي (ص: ٩٤).\n(٩) «الروض المربع» للبهوتي (ص: ١٥٢)، «مجموعة الرسائل الكبرى» لابن تيمية (٢/ ٤١٠)، «الإيضاح في المناسك» للنووي (ص: ١٦٠)، «المدخل» لابن الحاج (١/ ٢٦٣)، «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» للسيوطي (ص: ١٢٥)، «الإبداع في مضار الابتداع» لعلي محفوظ (ص: ١٦٦)، وغيرها.\n(١٠) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٢٣٦، ٢٣٧).","vol":"3","page":186},{"text":"إن التمسح بحائط قبر الرسول ﷺ باليد أو غيرها – على أي وجه كان – أو تقبيله رجاء الخير والبركة، مظهر من مظاهر البدع عند بعض الزوار.\nوقد نص على كراهة ذلك الفعل، وعلى النهي عنه جماعة من العلماء (١)، وقال الإمام الغزالي ﵀: إنه عادة النصارى واليهود (٢).\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اتفاق العلماء على أن من زار قبر النبي ﷺ، أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين – الصحابة وأهل البيت وغيرهم – أنه لا يتمسح به، ولا يقبله (٣).\nأما ما يروى عن بعض العلماء أنه فعل ذلك أو أجازه ففيه نظر (٤).\nوقال شيخ الإسلام مبينًا حكم تقبيل الجمادات: (ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود، وقد ثبت في الصحيحين أن عمر ﵁ قال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) (٥) (٦) ..\nوقال في موضع آخر مبينًا سبب كراهة العلماء للتمسح بقبر النبي ﷺ أو تقبيله، قال ﵀: (لأنهم علموا ما قصده النبي ﷺ من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله رب العالمين) (٧).\nوقال أيضا: (لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق) (٨).\nوللإمام النووي رحمه الله تعالى كلام نفيس حول حكم هذا الفعل بقبر الرسول ﷺ، أرى أن من المناسب ذكره هنا لأهميته.\nقال ﵀ ما نصه: (يكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته ﷺ، هذا هو الصواب، وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه، وينبغي أن لا يغتر بكثير من العوام في مخالفتهم ذلك، فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء، ولا يلتفت إلى محدثات العوام وجهالاتهم، ولقد أحسن السيد الجليل أبو علي الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في قوله ما معناه: اتبع طرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطريق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين. ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي في ما وافق الشرع، وأقوال العلماء، وكيف يبتغى الفضل في مخالفة الصواب؟) (٩) اهـ.\n_________\n(١) انظر الكتب الآتية: «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ٨٥)، «إحياء علوم الدين» للغزالي (١/ ٢٥٩)، «الحوادث والبدع» للطرطوشي (ص: ١٤٨)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ٥٥٩)، «الإيضاح» للنووي (ص: ١٦١)، «المدخل» لابن الحجاج (١/ ٢٦٣)، «الأمر بالأتباع» للسيوطي (ص: ١٢٥)، «وفاء الوفا بأخبار المصطفى» للسمهودي (٤/ ١٤٠٢).\n(٢) «إحياء علوم الدين» للغزالي (١/ ٢٧١).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٧٩).\n(٤) راجع «الرد على الأخنائي» لابن تيمية (ص: ١٦٩، ١٧١)، «أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة» لأحمد بن يحيى النجمي (ص: ٣٠٣ - ٣٠٦).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٧٩).\n(٦) الحديث رواه البخاري (١٥٩٧) ومسلم (١٢٧٠).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٨٠).\n(٨) «مجموعة الرسائل الكبرى» لابن تيمية (١/ ٢٩٨).\n(٩) «الإيضاح في المناسك» للإمام النووي (ص: ١٦١).","vol":"3","page":187},{"text":"وهكذا تبين لنا أن التمسح بالقبر أو تقبيله (١)، ونحو ذلك مما قد يعمل عند القبر الشريف تبركًا، كإلصاق البطن أو الظهر بجدار القبر (٢)، أو التبرك برؤية القبر (٣)، كل ذلك من البدع المذمومة.\nإلى غير ذلك من مظاهر التبرك غير المشروع بقبر النبي ﷺ التي يراها من يزور مسجده ﷺ ويسلم عليه. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – ص: ٣٢٤\nب- التبرك بالمواضع التي جلس أو صلى فيها ﷺ\nلابد من معرفة الفرق بين هذين الأمرين (وهما):\nأحدهما: ما قصده الرسول ﷺ من العبادات – كالصلاة ونحوها – في أي بقعة أو مكان، فإنه يشرع قصده وتحري مكانه، اقتداء به ﷺ وطلبًا للأجر والثواب، وهذا لا خلاف فيه.\nالثاني: ما فعله الرسول ﷺ من العبادات وغيرها، في أي مكان، دون قصده لمكان بذاته، أو أداء العبادة فيه، فهذا مما لا يشرع قصده أو تحريه، وهو محل البحث هنا.\nوعلى هذا فإن ما فعله الرسول ﷺ على وجه التعبد فهو عبادة يشرع التأسي به فيه، فإذا تخصص زمان أو مكان بعبادة، كان تخصيصه بتلك العبادة سنة (٤).\nفقصد الصلاة أو الدعاء في الأمكنة التي كان النبي ﷺ يقصد الصلاة أو الدعاء عندها سنة، اقتداء برسول الله ﷺ واتباعًا له، كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات، فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته، وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب (٥).\nومن أمثلة هذا قصد الرسول ﷺ الصلاة خلف مقام إبراهيم ﵇، وكما كان يتحرى الصلاة عند الاسطوانة في مسجده ﷺ، وكما يقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول، ونحو ذلك (٦). أما ما لم يكن كذلك فلا يشرع قصده.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية موضحًا حكم هذه المسألة: (لم يشرع الله تعالى للمسلمين مكانًا يقصد للصلاة إلا المسجد، ولا مكانًا يقصد للعبادة إلا المشاعر، فمشاعر الحج، كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر والدعاء والتكبير لا الصلاة، بخلاف المساجد، فإنها هي التي تقصد للصلاة، وما ثم مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر، وفيها الصلاة والنسك ... وما سوى ذلك من البقاع فإنه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة ولا الدعاء ولا الذكر، إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك، وإن كان مسكنًا لنبي أو منزلًا أو ممرًا.\nفإن الدين أصله متابعة النبي ﷺ وموافقته بفعل ما أمرنا به وشرعه لنا وسنه لنا، ونقتدي به في أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها، بخلاف ما كان من خصائصه.\nفأما الفعل الذي لم يشرعه هو لنا، ولا أمرنا به، ولا فعله فعلًا سن لنا أن نتأسى به فيه، فهذا ليس من العبادات والقرب، فاتخاذ هذا قربة مخالفة له ﷺ) (٧) اهـ.\n_________\n(١) أقبح من هذا تقبيل الأرض حول القبر. انظر: «وفاء الوفا» للسمهودي (٤/ ١٤٠٦).\n(٢) من كتاب «الإيضاح» للنووي (ص: ١٦٠، ١٦١)، «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٢١٩)، «الأمر بالأتباع» للسيوطي (ص: ١٢٥)، «الإبداع» لعلي محفوظ (ص: ١٦٦). ومنهم من يضع خده على القبر استشفاء. انظر كتاب «التوسل والزيارة في الشريعة الإسلامية» لمحمد الفقي (ص: ٢١٦).\n(٣) ذكر هذا بعضهم على سبيل الترغيب. انظر كتاب «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ٨٥).\n(٤) «مجموعة الرسائل والمسائل» لابن تيمية (٥/ ٢٦٠).\n(٥) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٦، ٧٤٧) بتصرف.\n(٦) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٢).\n(٧) «مجموعة الرسائل والمسائل» (٥/ ٢٦٣، ٢٦٤).","vol":"3","page":188},{"text":"وبناء على ما تقدم فإن المواضع التي صلى فيها الرسول ﷺ بالمدينة – ما عدا مسجده ﷺ ومسجد قباء – أو على طرقها، أو بمكة – ما عدا المسجد الحرام – ونحو ذلك مما لم يقصده بذاته، كبعض المساجد بمكة أو المدينة وما حولهما، المبنية على آثار صلاة الرسول ﷺ، في حضره أو سفره أو غزواته – إن صح ذلك – لا تشرع الصلاة فيها على سبيل القصد، والقربة، والتبرك، وستأتي أدلة ذلك.\nوكذلك فإن المواضع والبقاع والجبال التي جلس أو أقام فيها الرسول ﷺ – ما عدا المشاعر – لا تقصد العبادة فيها التماسًا للبركة.\nوكذا فإن الآبار التي شرب منها الرسول ﷺ – ما عدا بئر زمزم – أو اغتسل منها، لا تقصد تبركًا واستشفاء ......\nأدلة عدم شرعية التبرك بالمواضع التي جلس أو صلى فيها ﷺ:\nيمكن الاستدلال على عدم شرعية التبرك بهذه المواضع – على الوجه المتقدم – من عدة أوجه:\nأحدها: لا يوجد دليل من النصوص الشرعية يفيد جواز ذلك الفعل أو استحبابه.\nولا شك أن الجلوس في تلك المواضع للصلاة أو الدعاء أو الذكر ونحو ذلك قربة وتبركًا من أنواع العبادة، والعبادات مبناها على الاتباع لا على الابتداع.\nالثاني: أن الصحابة ﵃ لم ينقل عن أحد منهم أنه تبرك بشيء من المواضع التي جلس فيها رسول الله ﷺ، أو البقع التي صلى عليها ﵊ اتفاقًا، مع أنهم أحرص الأمة على التبرك بالرسول ﷺ، ومع علمهم بتلك المواضع، وشدة محبتهم للرسول ﷺ وتعظيمهم له، واتباعهم لسنته.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمارًا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته، وأتبع لها من غيرهم) (١).\nفتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين التي حث الرسول ﷺ على التمسك بها، بل هو مما ابتدع.\nولم ينقل قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها الرسول ﷺ إلا عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وهو لم يكن يقصد التبرك – كما سيأتي إيضاحه – مع أن قول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة (٢).\nوكما أن أداء الصلاة ونحوها من أنواع العبادة غير مشروع عند الآثار النبوية تبركًا، فإن التمسح أو التقبيل لشيء منها ممنوع أيضًا، كما عليه سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: (المكان الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه بالمدينة النبوية دائمًا، لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا المواضع التي صلى فيها بمكة وغيرها) (٣).\nالوجه الثالث: نهي السلف الصالح عن هذا التبرك قولًا وفعلًا.\nلقد أنكر هذا التبرك السلف الصالح ﵏، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم.\nوكان على رأس هؤلاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الراشد.\n_________\n(١) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٨).\n(٢) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٨) بتصرف.\n(٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٨٠٠).","vol":"3","page":189},{"text":"فعن المعرور بن سويد ﵀ قال: (خرجنا مع عمر بن الخطاب، فعرض لنا في بعض الطريق مسجد، فابتدره الناس يصلون فيه، فقال عمر: ما شأنهم؟ فقالوا: هذا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ، فقال عمر: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا، حتى أحدثوها بِيَعًا، فمن عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض) (١).\nقال ابن تيمية ﵀ معلقًا على هذه القصة: (لما كان النبي لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد، الذي هو عمل القلب وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل) (٢) اهـ.\nوورد في قصة أخرى أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فأمر بها فقطعت.\nهذا قول عمر بن الخطاب ﵁ وفعله، الذي قال عنه النبي ﷺ: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» (٣).\nوقد قال ابن وضاح القرطبي ﵀ بعد أن روى هاتين القصتين: (وكان مالك بن أنس، وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قباء وأحدًا) (٤).\nثم قال: (وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس، فصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضًا ممن يقتدى به، وقدم وكيع أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان).\nثم قال أخيرًا: (فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعد من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى) (٥) الخ.\nتلك نماذج لنهي السلف الصالح رحمهم بأقوالهم وأفعالهم عن هذا التبرك المبتدع.\nالوجه الرابع: أن منع هذا التبرك من باب سد الذريعة، ويمكن إيضاح ذلك من عدة وجوه:\nأحدها: أن النهي عن هذا الفعل سد لذريعة الشرك والفتنة (٦)، فهو وسيلة إلى الفتنة بتلك المواضع، وتعظيمها، وربما أفضى ذلك إلى جعلها معابد (٧).\nالثاني: أن ذلك الفعل يشبه الصلاة عند المقابر (٨)، إذ هو ذريعة إلى اتخاذ تلك الآثار مساجد.\nوالنصوص الشرعية تحرم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد ... مع أنهم مدفونون فيها، وهم أحياء في قبورهم (٩)، فما بالك بالمواضع الأخرى لهم.\nالثالث: أن هذا الفعل ذريعة إلى التشبه بأهل الكتاب في أفعالهم، كما حذر عمر ﵁.\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق ٢/ ١١٨ (٢٧٣٤).\n(٢) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (١/ ٢٨١).\n(٣) رواه أحمد٢/ ٥٣، والترمذي (٣٦٨٢) وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وقال الألباني «تخريج مشكاة المصابيح» (٥٩٨٨): حسن أو أعلى.\n(٤) المقصود إتيان قبور شهداء أحد لزيارتهم والسلام عليهم، وفي كتاب «الاعتصام» للشاطبي (١/ ٣٤٧) هكذا (ما عدا قباء وحده) نقلًا عن ابن وضاح.\n(٥) «البدع والنهي عنها» لابن وضاح القرطبي (ص: ٤٣).\n(٦) «إغاثة اللهفان» لابن القيم (١/ ٣٦٨).\n(٧) من كتاب «التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية» لعبد العزيز بن ناصر الرشيد (ص: ٣٤٠)، وانظر كتاب «هذه مفاهيمنا» لصالح آل الشيخ (ص: ٢١٢).\n(٨) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٥).\n(٩) «مجموعة الرسائل والمسائل» لابن تيمية (٥/ ٢٦٢) بتصرف.","vol":"3","page":190},{"text":"الوجه الخامس: أن بركة ذوات الأنبياء والمرسلين لا تتعدى إلى الأمكنة الأرضية، والله أعلم، وإلا لزم أن تكون كل أرض وطئها النبي، أو جلس عليها، أو طريق مر بها تطلب بركتها، ويتبرك بها، وهذا لازم باطل قطعًا، فانتفى الملزوم إذًا (١).\nقال الشيخ صديق حسن ﵀: (قالوا: المشي في أرض مشى فيها رسول الله ﷺ يكفر السيئات، خصوصًا مع النية الصالحة ... وفيها بشرى له برجاء أن يكون متبعًا آثاره الشريفة، قلت: وذلك يحتاج إلى سند، لأن المكفر إنما هو اتباع هديه وسنته ظاهرًا وباطنًا دون تتبع آثاره الأرضية فقط، فتدبر) (٢).\nوبهذه الأوجه وغيرها يستدل على عدم مشروعية التبرك المذكور. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – ص: ٣٣٩\nوما ورد عن ابن عمر ونزوله في مواضع نزول النبي ﷺ ونحو ذلك مردود بفعل سائر الصحابة\nوقد تبين أن أحدا من السلف لم يكن يفعل ذلك، إلا ما نقل عن ابن عمر: أنه كان يتحرى النزول في المواضع التي نزل فيها النبي ﷺ والصلاة في المواضع التي صلى فيها، حتى أن النبي ﷺ توضأ وصب فضل وضوئه في أصل شجرة. ففعل ابن عمر ذلك وهذا من ابن عمر تحر لمثل فعله. فإنه قصد أن يفعل مثل فعله، في نزوله وصلاته، وصبه للماء وغير ذلك، لم يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها.\n... أن لا تكون تلك البقعة في طريقه، بل يعدل عن طريقه إليها، أو يسافر إليها سفرا قصيرًا أو طويلا مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال، التي يقال فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، أو مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء، مثل ما كان مبنيًا على نعله، ومثل ما في جبل قاسيون، وجبل الفتح، وجبل طور زيتا الذي ببيت المقدس، ونحو هذه البقاع، فهذا مما يعلم كل من كان عالما بحال رسول الله ﷺ، وحال أصحابه من بعده، أنهم لم يكونوا يقصدون شيئا من هذه الأمكنة.\nارتياد جبل حراء والغار ونحوه من البدع التي لم تشرع ولم يفعلها الصحابة والسلف الصالح.\nفإن جبل حراء الذي هو أطول جبل بمكة، كانت قريش تنتابه قبل الإسلام وتتعبد هناك، ولهذا قال أبو طالب في شعره:\nوراق ليرقى في حراء ونازل\nوقد ثبت في (الصحيح) «عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي غار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، ثم يرجع فيتزود لذلك، حتى فجأه الوحي، وهو بغار حراء، فأتاه الملك، فقال له: اقرأ. فقال لست بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، ثم قال: اقرأ. فقال لست بقارئ قال: مرتين أو ثلاثا- ثم قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ - ٥]، فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره» (٣) الحديث بطوله.\n_________\n(١) من كتاب «هذه مفاهيمنا» (ص: ٢١١)، وانظر: «مجموعة الرسائل والمسائل» لابن تيمية (٥/ ٢٦٣).\n(٢) من كتاب «رحلة الصديق إلى البيت العتيق» لصديق حسن خان (ص: ٢١).\n(٣) رواه البخاري (٣).","vol":"3","page":191},{"text":"فتحنثه وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث. ثم إنه لما أكرمه الله بنبوته ورسالته، وفرض على الخلق الإيمان به وطاعته واتباعه، وأقام بمكة بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم أفضل الخلق، ولا يذهب هو ولا أحد من أصحابه إلى حراء. ثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت -والحديبية عن يمينك وأنت قاصد مكة إذا مررت بالتنعيم عند المساجد التي يقال إنها مساجد عائشة، والجبل الذي عن يمينك يقال له جبل التنعيم، والحديبية غربيه- ثم إنه اعتمر من العام القابل عمرة القضية، ودخل مكة هو وكثير من أصحابه، وأقاموا بها ثلاثا. ثم لما فتح مكة وذهب إلى ناحية حنين والطائف شرقي مكة، فقاتل هوازن بوادي حنين، ثم حاصر أهل الطائف وقسم غنائم حنين بالجعرانة، فأتى بعمرة من الجعرانة إلى مكة، ثم إنه اعتمر عمرته الرابعة مع حجة الوداع، وحج معه جماهير المسلمين، ولم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله، ولم يشرع النبي ﷺ لأمته زيارة تلك البقاع والمشاهد وهو في ذلك كله، لا هو ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء، ولا يزوره، ولا شيئا من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك عبادة إلا بالمسجد الحرام، وبين الصفا والمروة، وبمنى والمزدلفة وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنمرة، المجاورة لعرفة.\nثم بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم، من السابقين الأولين، لم يكونوا يسيرون إلى غار حراء ونحوه للصلاة فيه والدعاء.\nوكذلك الغار المذكور في القرآن في قوله تعالى: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة: ٤٠]، وهو غار بجبل ثور، يمان مكة، لم يشرع لأمته السفر إليه وزيارته والصلاة فيه والدعاء، ولا بنى رسول الله ﷺ بمكة مسجدا، غير المسجد الحرام، بل تلك المساجد كلها محدثة، مسجد المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد ولا زيارة موضع بيعة العقبة الذي خلف منى، وقد بني هناك له مسجد.\nومعلوم أنه لو كان هذا مشروعا مستحبا يثيب الله عليه، لكان النبي ﷺ أعلم الناس بذلك، ولكان يعلم أصحابه ذلك، وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة، التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة، فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله.\nوإذا كان حكم مقام نبينا ﷺ في مثل غار حراء الذي ابتدئ فيه بالإنباء والإرسال، وأنزل عليه فيه القرآن، مع أنه كان قبل الإسلام يتعبد فيه. وفي مثل الغار المذكور في القرآن الذي أنزل الله فيه سكينته عليه.\nفمن المعلوم أن مقامات غيره من الأنبياء أبعد عن أن يشرع قصدها، والسفر إليها لصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، إذا كانت صحيحة ثابتة. فكيف إذا علم أنها كذب، أو لم يعلم صحتها.\nوأيضا- فإن المكان الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه بالمدينة النبوية دائما، لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا المواضع التي صلى فيها بمكة وغيرها. فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه الكريمتين، ويصلي عليه، لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال: إن غيره صلى فيه أو نام عليه؟","vol":"3","page":192},{"text":"وإذا كان هذا ليس بمشروع في موضع قدميه للصلاة، فكيف بالنعل الذي هو موضع قدميه للمشي وغيره؟ هذا إذا كان النعل صحيحا، فكيف بما لا يعلم صحته، أو بما يعلم أنه مكذوب: كحجارة كثيرة يأخذها الكذابون وينحتون فيها موضع قدم، ويزعمون عند الجهال أن هذا الموضع قدم النبي ﷺ، وإذا كان هذا غير مشروع في موضع قدميه، وقدمي إبراهيم الخليل، الذي لا شك فيه، ونحن مع هذا قد أمرنا أن نتخذه مصلى، فكيف بما يقال إنه موضع قدميه، كذبا وافتراء عليه كالموضع الذي بصخرة بيت المقدس، وغير ذلك من المقامات.\nفإن قيل فقد أمر الله أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فيقاس عليه غيره. قيل له: هذا الحكم خاص بمقام إبراهيم الذي بمكة، سواء أريد به المقام الذي عند الكعبة موضع قيام إبراهيم، أو أريد به المشاعر: عرفة ومزدلفة ومنى، فلا نزاع بين المسلمين أن المشاعر خصت من العبادات بما لا يشركها فيه سائر البقاع، كما خص البيت بالطواف. فما خصت به تلك البقاع لا يقاس به غيرها. وما لم يشرع فيها فأولى أن لا يشرع في غيرها ونحن استدللنا على أن ما لم يشرع هناك من التقبيل، والاستلام أولى أن لا يشرع في غيرها، ولا يلزم أن يشرع في غير تلك البقاع مثل ما شرع فيها. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ٢/ ٨٠٣\nج- حكم التبرك بأثر قدم الرسول ﷺ:\nذلك أنه يوجد في بعض البلدان ما يسمى (أثر موطئ قدم الرسول ﷺ) وهو عبارة عن حجارة عليها أثر قدم، يزعم بعض الناس أنها قدم الرسول ﷺ، فيتبركون بها مسحًا وتقبيلًا ومشاهدة، وغير ذلك، كالدعاء عندها، ونحوه، وقد ينشئون الزيارة لأجل ذلك.\nوالكلام على بطلان ذلك من وجهين:\nالوجه الأول: أن ما يدعى وجوده من آثار قدمه الشريفة ﵊ غير صحيح؛ لعدة أسباب، منها ما يأتي:\n١ - عدم وجود ما يثبت صحة شيء من ذلك، فليس هناك أدلة معتبرة يعتمد عليها، وإنما الأمر مجرد إشاعات فقط في البداية، اكتسبت الشهرة بعد ذلك، خصوصًا عند العوام.\n٢ - نص المحققون من العلماء والحفاظ على إنكار صحة آثار القدم النبوية على الأحجار (١).\nوإن من علامات زيف آثار القدم ما قرره صاحب كتاب (الآثار النبوية) حين قابل بين المعروف من تلك الآثار، حيث قال: (المعروف الآن من هذه الأحجار سبعة: أربعة منها بمصر، وواحد بقبة الصخرة ببيت المقدس، وواحد بالقسطنطينية، وواحد بالطائف، وهي حجارة سوداء، إلى الزرقة في الغالب، عليها آثار أقدام متباينة في الصورة والقدم، لا يشبه الواحد منها الآخر) (٢).\n٣ - أن ما استفاض واشتهر خصوصًا على ألسنة الشعراء والمداح من تأثير قدمه ﷺ في الصخر إذا وطئ عليه لا أصل له، فهو كذب مختلق (٣).\nالوجه الثاني: لو صح وجود شيء من آثار قدم الرسول ﷺ افتراضًا، فإنه لا يجوز التبرك به على وجه من الوجوه، لما يأتي:\n١ - ما تقدم تقريره والاستدلال عليه. .. من عدم مشروعية التبرك بالمواضع التي جلس أو صلى فيها الرسول ﷺ، وأثر القدم جزء من هذه المواضع، ولذا لم يتبرك به السلف الصالح رحمهم الله تعالى.\n_________\n(١) أورد المؤلف أحمد تيمور باشا صاحب كتاب «الآثار النبوية» جملة من أسماء هؤلاء العلماء. انظر كتابه هذا (ص: ٦٨، ٦٩)، وراجع «الاقتضاء» (٢/ ٨٠٠)، و«مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٧/ ١٣).\n(٢) «الآثار النبوية» لأحمد تيمور باشا (ص: ٥٣).\n(٣) انظر كتاب «فتح المتعال في مدح النعال» للمقري (ص: ٣٤٩، ٣٥١)، وكتاب «الآثار النبوية» (ص: ٥٣، ٦٣).","vol":"3","page":193},{"text":"وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (الموضع الذي كان ﷺ يطؤه بقدميه الكريمتين، ويصلي عليه، لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله) (١).\nوقال في موضع آخر ﵀: (قصد الصلاة والدعاء عندما يقال إنه قدم نبي، أو أثر نبي، أو قبر نبي ... من البدع المحدثة، المنكرة في الإسلام، لم يشرع ذلك الرسول ﷺ، ولا كان السابقون الأولون والتابعون لهم بإحسان يفعلونه، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، بل هو من أسباب الشرك، وذرائع الإفك) (٢).\n٢ - اتفق العلماء على ما مضت به السنة من أنه لا يشرع الاستلام والتقبيل لمقام إبراهيم ﵇ (٣) – الموجود به موضع قدميه – وإذا كان هذا غير مشروع في موضع قدمي إبراهيم ﵇ – الذي لا شك فيه – مع أنا قد أمرنا أن نتخذه مصلى، فكيف بما يقال إنه موضع قدم الرسول ﷺ – كذبًا وافتراء (٤) -.\nهذا ما يتعلق بحكم التبرك بأثر قدم الرسول ﷺ.\nوهكذا الحكم أيضًا في كل ما قد ينسب إلى المصطفى ﷺ من آثار أخرى مشابهة، كأثر الكف، أو المرفق، أو الرأس وغير ذلك (٥)، فإنه لا يوجد لها مستند شرعي صحيح، يثبت صحة نسبتها إلى الرسول ﷺ، ثم أنه لا يشرع التبرك بها على أي وجه من الوجوه لو صح شيء منها، والله ﷾ أعلم. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع – ص: ٣٥٢\nد - حكم التبرك بمكان ولادة الرسول ﷺ:\nذكر بعض المتأخرين من المؤرخين أن بمكة موضعًا مشهورًا يقال إنه مكان مولد النبي ﷺ، وأنه يزار بعد صلاة المغرب من الليلة الثانية عشرة من شهر ربيع الأول في كل سنة، من قبل بعض الفقهاء والأعيان، على طريقة خاصة، فيدخلون فيه ويخطبون ويدعون لولاة الأمر، ثم يعودون إلى المسجد الحرام قبيل العشاء (٦).\nوذكر بعضهم أن هذا الموضع يفتح يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ليتبرك به الناس – بالصلاة، والدعاء، والتمسح ونحو ذلك – فهو أول تربة مست جسمه الطاهر ﵊ (٧)، وحتى ادعى بعض العلماء أن الدعاء يستجاب في مولد النبي ﷺ عند الزوال (٨).\nفهل التبرك بمكان ولادة الرسول ﷺ مشروع أم ممنوع؟.\nوالجواب: أن حكم هذه المسألة لا يختلف عن أمثالها من المسائل السابقة، وهو عدم الجواز، وذلك من وجهين:\nالوجه الأول: اختلاف العلماء والمؤرخين في تعيين مكان ولادته ﷺ (٩)، وعدم وجود أدلة صحيحة تحدد هذا الموضع يقينًا.\nوأما المكان المشهور – المشار إليه آنفًا – فمحل شك لدى كثير من العلماء.\nوقد تطرق الرحالة أبو سالم العياشي إلى تحقيق مكان المولد، وساق اختلاف العلماء فيه، ثم ناقش ذلك القول المشهور بين الناس.\n_________\n(١) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٨٠٠).\n(٢) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (٢٧/ ١٤٥).\n(٣) انظر: «أخبار مكة» للأزرقي (٢/ ٢٩، ٣٠)، «إغاثة اللهفان» لابن القيم (١/ ٢١٢).\n(٤) «الاقتضاء» (٢/ ٧٩٩، ٨٠٠) بتصرف.\n(٥) انظر: «الآثار النبوية» لأحمد تيمور باشا (ص: ٦١، ٦٢).\n(٦) من كتاب «الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف» لابن ظهيرة – المتوفى سنة ٩٨٦هـ - (ص: ٣٢٦)، و«كتاب إعلام العلماء الأعلام» للقطبي – المتوفى سنة ١٠١٤هـ (ص: ١٥٤) باختصار.\n(٧) «رحلة ابن جبير» (ص: ٩٢) بتصرف.\n(٨) انظر: «إعلام العلماء والأعلام» للقطبي (ص: ١٥٤).\n(٩) انظر مثلًا «شفاء الغرام» (١/ ٢٦٩)، «الجامع اللطيف» (ص: ٣٢٥ - ٣٢٧)، «أخبار الكرام» (ص: ٢٢٠، ٢٢١).","vol":"3","page":194},{"text":"ومما أورده قوله: (والعجب أنهم عينوا محلًا من الدار مقدار مضجع، وقالوا له: موضع ولادته ﷺ، ويبعد عندي كل البعد تعيين ذلك من طريق صحيح أو ضعيف، لما تقدم من الخلاف في كونه في مكة أو غيرها، وعلى القول بأنه فيها ففي أي شعابها؟ وعلى القول بتعيين هذا الشعب ففي أي الدور؟ وعلى القول بتعيين الدار يبعد كل البعد تعيين الموضع من الدار، بعد مرور الأزمان والأعصار، وانقطاع الآثار).\nثم قال أيضًا ﵀ مستبعدًا صحة تحديد ذلك المكان: (والولادة وقعت في زمن الجاهلية، وليس هناك من يعتني بحفظ الأمكنة، سيما مع عدم تعلق غرض لهم بذلك، وبعد مجيء الإسلام فقد علم من حال الصحابة وتابعيهم ضعف اعتناقهم بالتقييد، بالأماكن التي لم يتعلق بها عمل شرعي، لصرفهم اعتناءهم ﵃ لما هو أهم، من حفظ الشريعة، والذب عنها بالسنان واللسان) (١) اهـ.\nولا شك أن اختلاف العلماء والمؤرخين في تحديد موضع الولادة دليل على عدم اهتمام الصحابة الأجلاء ﵃ به – لأنه لا يتعلق به عمل شرعي – وإلا لنقل اتفاقهم على مكان معين معروف، كما تعرف أماكن مشاعر الحج مثلًا.\nفهذا إذًا من دلائل عدم مشروعية التبرك بمكان الولادة، فالصحابة أحرص من غيرهم على فعل الخير والمسارعة إليه.\nالوجه الثاني: لو صحت معرفة مكان ولادة النبي ﷺ لما جاز التبرك به على أي وجه، لما تقدم تقريره والاحتجاج له ... من عدم مشروعية التبرك بالمواضع التي جلس أو صلى فيها الرسول ﷺ، ونحو ذلك من الآثار المكانية، ومكان الولادة جزء منها.\nأما الاستدلال على شرعية تعظيم المكان الذي ولد فيه نبي، والتبرك به، بما روي أن جبريل ﵇ أمر محمدًا ﷺ ليلة الإسراء والمعراج بصلاة ركعتين ببيت لحم، حيث ولد عيسى ﵇ (٢)، فيجاب عنه بما يأتي:\n١ - أن علماء الحديث وغيرهم حكموا على هذه الرواية بأنها منكرة موضوعة، فلم يثبت عن النبي ﷺ أنه صلى في بيت لحم (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ثبت في الصحيح «أن النبي ﷺ لما أتى بيت المقدس ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين» (٤) ولم يصل بمكان غيره ولا زاره، وحديث المعراج فيه ما هو في الصحيح، وفيه ما هو في السنن والمسانيد، وفيه ما هو ضعيف، وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات، مثل ما يرويه بعضهم فيه «أن النبي ﷺ قال له جبريل: هذا قبر أبيك إبراهيم، انزل فصل فيه، وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى، انزل فصل فيه» (٥) .... فهذا ونحوه من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة). إلى أن قال: (وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى، ليس في إتيانها فضيلة عند المسلمين، سواء كان مولد عيسى أو لم يكن) (٦).\nوقال ابن القيم ﵀: (قد قيل: إنه – أي النبي ﷺ – نزل ببيت لحم، وصلى فيه، ولم يصح ذلك عنه ألبتة) (٧).\n_________\n(١) «الرحلة العياشية» المسماة (ماء الموائد) للعياشي (١/ ٢٢٥).\n(٢) من كتاب «القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل ﷺ» للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري (ص: ٤٣، ١٣٨) نقلًا عن رسالة لمحمد بن علوي المالكي.\n(٣) انظر كتاب «القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل ﷺ» للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري (ص: ١٣٨ - ١٤٥) فقد أفاض مؤلفه وفقه الله في نقل كلام أهل العلم وحكمهم على هذه الرواية وأسانيدها.\n(٤) رواه مسلم (١٦٢).\n(٥) ينظر كتاب «المجروحين» (١/ ٢٢٥) لابن حبان.\n(٦) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٨١٤).\n(٧) «زاد المعاد» لابن القيم (٣/ ٣٤).","vol":"3","page":195},{"text":"٢ - لو ثبت أنه ﵊ صلى ليلة الإسراء في بيت لحم، لم يكن في ذلك ما يؤيد جواز الصلاة في مكان ولادة النبي ﷺ تبركًا واحتسابًا للأجر، لعدم صحة القياس في أمور العبادة، فهي توقيفية.\nفضلًا عن أن النبي ﷺ لم يأمر أمته بتعظيم بيت لحم، ولم يأمرها بالصلاة فيه، ولم يكن أحد من الصحابة ﵃ يعظم بيت لحم ويصلي فيه (١)، فليس في إتيانه فضيلة عند المسلمين كما تقدم، وكذا مكان ولادة النبي ﷺ، والله تعالى أعلم. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع – ص: ٣٥٥\nالنوع الثاني: التبرك بالأولياء والصالحين\nوردت أدلة كثيرة تدل على مشروعية التبرك بجسد وآثار النبي ﷺ، كشعره وعرقه وثيابه وغير ذلك.\nأما غير النبي ﷺ من الأولياء والصالحين فلم يرد دليل صحيح صريح يدل على مشروعية التبرك بأجسادهم ولا بآثارهم، ولذلك لم يرد عن أحد من أصحاب النبي ﷺ، ولا عن أحد من التابعين أنهم تبركوا بجسد أو آثار أحد من الصالحين، فلم يتبركوا بأفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو أبو بكر الصديق ﵁، ولا بغيره من العشرة المبشرين بالجنة، ولا بأحد من أهل البيت ولا غيرهم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، لحرصهم الشديد على فعل جميع أنواع البر والخير، فإجماعهم على ترك التبرك بجسد وآثار غيره ﷺ من الصالحين دليل صريح على عدم مشروعيته.\nوعليه فإن من تبرك بذات أو آثار أحد من الصالحين غير النبي ﷺ قد عصى الله تعالى، وعصى نبيه محمدًا ﷺ، وأعطى هذه الخاصية التي خص بها ربنا جل وعلا نبيه ﷺ لغيره من البشر، وسواهم بالنبي ﷺ في ذلك، فسوى عموم الأولياء والصالحين بخير البشر وسيد ولد آدم ﷺ، وهذا فيه هضم لحقه ﷺ، ودليل على نقص محبته ﵊ في قلب هذا المتبرك.\nومن أنواع التبرك المحرم بالصالحين:\nأ) التمسح بهم، ولبس ثيابهم، أو الشرب بعد شربهم طلبًا للبركة.\nب) تقبيل قبورهم، والتمسح بها، وأخذ ترابها طلبًا للبركة، وقد حكى جمع من أهل العلم إجماع العلماء على أن هذا كله منهي عنه (٢)، وذكر أبو حامد الغزالي الشافعي المتوفي سنة ٥٠٥هـ، وغيره من علماء الشافعية والحنفية أن هذه الأفعال من عادات النصارى، وذكر بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية أن استلام القبور تبركًا كبيرة من كبائر الذنوب.\nج) عبادة الله عند قبورهم تبركًا بها، معتقدًا فضل التعبد لله تعالى عندها، وأن ذلك سبب لقبول هذه العبادة، وسبب لاستجابة الدعاء.\nالنوع الثالث: التبرك بالأزمان، والأماكن، والأشياء التي لم يرد في الشرع ما يدل على مشروعية التبرك بها.\nومن أمثلة هذه الأشياء:\n١ - الأماكن التي مر بها النبي ﷺ، أو تعبد لله فيها اتفاقًا من غير قصد لها لذاتها، وإنما لأنه ﷺ كان موجودًا في هذه الأماكن وقت تعبده لله تعالى بهذه العبادة، ولم يرد دليل شرعي يدل على فضلها.\n_________\n(١) من كتاب «الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي» للشيخ حمود التويجري (ص: ٨٨) بتصرف، وانظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٨١٣).\n(٢) ينظر: رسالة «زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور» (ص: ٢٤ - ٣٢)، «الاستغاثة في الرد على البكري» (١/ ٣٥٦)، «مجموع الفتاوى» (٤/ ٥٢١، ٢٦/ ٩٧، ٢٧/ ٧٩ - ١٠٩، ١٣٦ - ٢٩٤)، «الاختيارات» الجنائز (ص: ٩٢)، «الصارم المنكي» (ص: ١٠٩ - ١٧٨)، «الزواجر»: الكبيرة (٩٣ - ٩٨، ١/ ١٤٩).","vol":"3","page":196},{"text":"ومن هذه الأماكن: جبل ثور، وغار حراء، وجبل عرفات، والأماكن التي مر بها النبي ﷺ في أسفاره، والمساجد السبعة التي قرب الخندق، والمكان الذي يزعم بعضهم أن النبي ﷺ ولد فيه – مع أنه مختلف في مكان ولادته ﵊ اختلافًا كثيرًا – ومثل الأماكن التي قيل إنه ولد فيها نبي أو ولي أو عاشوا فيها ونحو ذلك – مع أن كثيرًا من ذلك لم يثبت -.\nفلا يجوز للمسلم قصد زيارة هذه الأماكن للتعبد لله تعالى عندها، أو فوقها، بصلاة أو دعاء أو غيرهما، كما لا يجوز للمسلم مسح شيء من هذه الأماكن لطلب البركة، ولا يشرع صعود هذه الجبال لا في أيام الحج ولا غيرها، حتى جبل عرفات، لا يشرع صعوده في يوم عرفة، ولا غيره، ولا التمسح بالعمود التي فوقه، وإنما يشرع الوقوف عند الصخرات القريبة منه إن تيسر، وإلا وقف الحاج في أي مكان من عرفات.\nولذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه قصد شيئًا من هذه الأماكن للتبرك بها بتقبيل أو لمس أو غيرهما ولا أن أحدًا منهم قصدها للتعبد لله فيها.\nوقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» (١) رواه البخاري ومسلم، وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ الذي هو ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم (أنه لما رأى الناس وهو راجع من الحج ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من مر بشيء من هذه المساجد فحضرت الصلاة فليصل، وإلا فليمض) (٢).\nفهذا قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي قال عنه النبي ﷺ: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» (٣). وقال عنه النبي ﷺ وعن أبي بكر – ﵄ – «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٤).\nوهو – أي قول عمر السابق – يدل على التحذير من التبرك بالأماكن التي مر بها أو تعبد فيها نبينا ﷺ دون قصد لها، وعلى عدم مشروعية قصد هذه الأماكن للتعبد لله فيها، وعلى هذا أجمع سلف هذه الأمة وكل من سار على طريقتهم؛ ولأن ذلك من المحدثات التي لا دليل عليها.\n_________\n(١) رواه البخاري (١١٩٧)، ومسلم (٨٢٧).\n(٢) رواه عبد الرزاق (٢/ ١١٨) (٢٧٣٤). قال ابن تيمية في «التوسل والوسيلة» (٢٠٣)، وابن كثير في «مسند الفاروق» (١/ ١٤٢): إسناده صحيح.\n(٣) [٣٩٥٨]» رواه الترمذي (٣٦٨٢)، وأحمد (٢/ ٥٣) (٥١٤٥)، وابن حبان (١٥/ ٣١٨)، والحاكم (٣/ ٩٣)، والطبراني في «الأوسط» (٣/ ٣٣٨)، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٧/ ١٣٣): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي». والحديث روي عن أبي هريرة، ومعاوية ابن أبي سفيان، وأبو ذر الغفاري، وبلال، ﵃.\n(٤) رواه الترمذي (٣٦٦٣، ٣٧٩٩) وابن ماجه (٩٧)، وأحمد (٥/ ٣٨٥) (٢٣٣٢٤). وقال: هذا حديث حسن. وحسنه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٥)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٧٩). وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"3","page":197},{"text":"٢ - التبرك ببعض الأشجار وبعض الأحجار وبعض الأعمدة وبعض الآبار والعيون التي يظن بعض العامة أن لها فضلًا، إما لظنهم أن أحد الأنبياء والأولياء وقف على ذلك الحجر، أو لاعتقادهم أن نبيًا نام تحت تلك الشجرة، أو يرى أحدهم رؤيا أن هذه الشجرة أو هذا الحجر مبارك، أو يعتقدون أن نبيًا اغتسل في تلك البئر أو العين، أو أن شخصًا اغتسل فيها فشفي، ونحو ذلك، فيغلون فيها ويتبركون بها فيتمسحون بالأشجار والأحجار، ويغتسلون بماء هذه البئر أو تلك العين طلبًا للبركة، ويعلقون بالشجرة الخرق والمسامير والثياب، فربما أدى بهم غلوهم هذا في آخر الأمر إلى عبادة هذه الأشياء، واعتقاد أنها تنفع وتضر بذاتها.\nولا شك أن التبرك بالأشجار والأحجار والعيون ونحوها، بأي نوع من أنواع التبرك، من مسح أو تقبيل، أو اغتسال، أو غيرها مما سبق ذكره تبركًا وتعظيمًا محرم بإجماع أهل العلم، ولا يفعله إلا الجهال؛ لأنه إحداث عبادات ليس لها أصل في الشرع، ولأنه من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر، ولما روى أبو واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم وأمتعتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ: «الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨]، ثم قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم» (١).\nفلما طلب حدثاء العهد بالإسلام من الصحابة شجرة يتبركون بها تقليدًا للمشركين أنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وأخبرهم أن طلبهم هذا يشبه طلب بني إسرائيل من موسى ﵇ أن يجعل لهم آلهة تقليدًا لمشركي زمانهم، فطلبهم مشابه لطلب بني إسرائيل من جهة طلب التشبه بالمشركين فيما هو شرك، وإن كان ما طلبه هؤلاء الصحابة من الشرك الأصغر.\nومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه ليس هناك حجر أو غيره يشرع مسحه أو تقبيله تبركًا، حتى مقام إبراهيم الخليل – ﵇ – لا يشرع تقبيله مطلقًا مع أنه قد وقف عليه، وأثرت فيه قدماه – ﵇ -، وهذا كله قد أجمع عليه أهل العلم.\nومسح الحجر الأسود وتقبيله، وكذلك مسح الركن اليماني في أثناء الطواف إنما هو من باب التعبد لله تعالى، واتباع سنة النبي ﷺ، ولذلك قال عمر ﵁ لما قبل الحجر الأسود: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) (٢) رواه البخاري ومسلم.\nكما أنه يجب قطع الأشجار وهدم الآبار والعيون، وإزالة الأحجار التي يتبرك بها العامة، حسمًا لمادة الشرك، كما فعل عمر – ﵁ – حين قطع شجرة بيعة الرضوان.\n٢ - التبرك ببعض الليالي والأيام التي يقال: إنها وقعت فيها أحداث عظيمة، كالليلة التي يقال إنها حصل فيها الإسراء والمعراج، ونحو ذلك تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين - ص: ٢٩٦\nالنوع الرابع: التبرك بالأماكن والأشياء الفاضلة\nوردت نصوص شرعية كثيرة تدل على فضل وبركة كثير من الأماكن، كالكعبة المشرفة، والمساجد الثلاثة، وكثير من الأزمان كليلة القدر ويوم عرفة، وكثير من الأشياء الأخرى، كما زمزم، والسحور للصائم، والتبكير في طلب الرزق ونحوه، وغير ذلك.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٥/ ٢١٨) (٢١٩٤٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) [٣٩٦١]» رواه البخاري (١٥٩٧) ومسلم (١٢٧٠).","vol":"3","page":198},{"text":"والتبرك بهذه الأشياء يكون بفعل العبادات وغيرها مما ورد في الشرع ما يدل على فضلها فيها، ولا يجوز التبرك بها بغير ما ورد، وعليه فمن تبرك بالأزمان، أو الأماكن، أو الأشياء التي وردت نصوص تدل على فضلها أو بركتها بتخصيصها بعبادات أو تبركات معينة لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، فقد خالف المشروع، وأحدث بدعة ليس لها أصل في الشرع، وذلك كمن يخص ليلة القدر بعمرة، وكمن يتبرك بجدران الكعبة بتقبيلها أو مسحها، أو يتمسح بمقام إبراهيم أو بالحجر المسمى حجر إسماعيل، أو بأستار الكعبة، أو بجدران المسجد الحرام، أو المسجد النبوي وأعمدتهما ونحو ذلك، فهذا كله محرم، وهو من البدع المحدثة، وقد اتفق أصحاب النبي ﷺ وسلف هذه الأمة على عدم مشروعيته (١)، وعندك أن يتبرك بأحجار أو تراب شيء من المواضع الفاضلة بالتمرغ عليه أو يجمعه أو الاحتفاظ به.\nومما يدل أيضًا على تحريم التبرك بالأشياء الفاضلة بغير ما ورد في الشرع ما ثبت في (صحيح البخاري) عن ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بأتباع سنتهم: عمر بن الخطاب ﵁ والذي قال عنه النبي ﷺ: «إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه» (٢)، وقال ﷺ عنه وعن أبي بكر: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٣)، أنه قال ﵁ لما قبل الحجر الأسود: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك) (٤) رواه البخاري ومسلم، فقول عمر هذا صريح في أن تقبيل الحجر الأسود إنما هو اتباع للنبي ﷺ، فالمسلم يفعله تعبدًا لله تعالى، واقتداء بخير البرية ﷺ، وليس من باب التبرك في شيء.\nوإذا كان هذا في شأن الحجر الأسود الذي هو أفضل الكعبة، فغيره من الأماكن والأشياء الفاضلة أولى، فيتعبد المسلم فيها بما ورد في الشرع ولا يزيد عليه.\nومما يدل كذلك على تحريم التبرك بالأشياء الفاضلة بغير ما ورد في الشرع ما ثبت عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عم النبي ﷺ عبد الله بن عباس – ﵄ – أنه أنكر على من استلم أركان الكعبة الأربعة؛ لأن النبي ﷺ لم يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني (٥).رواه البخاري. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين - بتصرف– ص: ٣٠٨\n_________\n(١) «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص: ٨٠٨، ٨٠٩)، «مجموع الفتاوى» (٤/ ٥٢١، ٢٧/ ٧٩، ١٠٦ - ١١٠)، «الاختيارات» الجنائز (٩٢)، و«الحج» (ص: ١١٨)، «زيارة القبور» للبركوي الحنفي (ص: ٥٢)، «مجلس الأبرار» للرومي الحنفي مع «خزينة الأسرار» لسبحان بخش الهندي الحنفي (ص: ١٣٠)، و«نقائش الأزهار للسورتي الحنفي (ص: ١٦١) نقلًا عن «جهود علماء الحنفية» (ص: ٦٥٧)، «إصلاح المساجد» للقاسمي (ص: ٥٢)، «القول السديد» للسعدي (ص: ٥٣)، «فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم» (٥/ ١١، ١٢).\n(٢) [٣٩٦٣]» رواه الترمذي (٣٦٨٢)، وأحمد (٢/ ٥٣) (٥١٤٥)، وابن حبان (١٥/ ٣١٨)، والحاكم (٣/ ٩٣)، والطبراني في «الأوسط» (٣/ ٣٣٨)، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٧/ ١٣٣): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».والحديث روي عن أبي هريرة، ومعاوية ابن أبي سفيان، وأبو ذر الغفاري، وبلال، ﵃.\n(٣) رواه الترمذي (٣٦٦٣، ٣٧٩٩) وابن ماجه (٩٧)، وأحمد (٥/ ٣٨٥) (٢٣٣٢٤). وقال: هذا حديث حسن. وحسنه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٥)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٧٩). وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٤) [٣٩٦٥]» رواه البخاري (١٥٩٧) ومسلم (١٢٧٠).\n(٥) رواه البخاري (٢٤٤).","vol":"3","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-805>١ - الجهل بالدين</span>\nمن الأمور المسلم بها: أهمية العلم، ولاسيما العلم الشرعي، أي معرفة أمور الدين وشرائعه، ومن ثم العمل بذلك، حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩].\nومن هنا فإن الجهل بالدين وبأحكامه آفة خطيرة، وداء عظيم، فهو يحجب عن معرفة الحق، ويبعد عن سنن الهدى، ويؤدي إلى الضلال، ويوقع في البدع المتعددة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ما أحدث في الإسلام من المساجد والمشاهد على القبور والآثار فهو من البدع المحدثة في الإسلام، من فعل من لم يعرف شريعة الإسلام، وما بعث الله به محمدًا ﷺ من كمال التوحيد، وإخلاص الدين لله، وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبني آدم. ولهذا يوجد أن من كان أبعد عن التوحيد، وإخلاص الدين لله، ومعرفة دين الإسلام هم أكثر تعظيمًا لمواضع الشرك، فالعارفون بسنة رسول الله ﷺ وحديثه أولى بالتوحيد وإخلاص الدين لله، وأهل الجهل بذلك أقرب إلى الشرك والبدع) (١). الخ.\nفالجهل إذًا أحد أسباب حصول كثير من صور التبرك الممنوع عند بعض المسلمين، حيث لم يميزوا بين التبرك المشروع والممنوع، بل خلطوا بينهما أو قاسوا الثاني على الأول.\nولقد انتشر الجهل في العصور المتأخرة في أنحاء العالم الإسلامي، وخاصة الأقطار النائية.\nومن أهم أسباب انتشار الجهل بين الناس: سكوت علماء أهل السنة عن بيان الحق وتبليغ شرائع الدين وأحكامه، وتخاذلهم عن إنكار البدع المحدثة والتحذير عنها، وإعراض الناس عن سؤال أهل العلم في أمور دينهم.\nوفي مقابل هذا: تشجيع ورعاية علماء أهل البدع – وعلى رأسهم الروافض والصوفية – لبدعهم، وإحيائها، أو إفتاء البعض بدون علم ولا دراية، فيحصل الضلال والإضلال.\nهذا ومن آثار الجهل السيئة، والمفاسد المترتبة عليه: تقليد الأسلاف، وتحكيم العادات السائدة بدون دليل، وهي شبهة قديمة احتج بها الكفار المخالفون لدعوة الرسل ﵈، كما أخبرنا الله تعالى عن ذلك في كتابه الكريم.\nيقول الإمام الشوكاني ﵀ مبينًا خطر هذا الأمر: (بهذه الذريعة الشيطانية، والوسيلة الطاغوتية بقي المشرك من الجاهلية على شركه، واليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، وصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، وتبدلت الأمة بكثير من المسائل الشرعية غيرها، وألفوا ذلك، ومرنت عليه نفوسهم، وقبلته قلوبهم، وأنسوا إليه) (٢).\nكما أن من مفاسد الجهل أيضًا الوقوع في فتنة الشيطان وتلبيسه.\nقال الإمام ابن القيم عند ذكره الأمور التي أوقعت عباد القبور في الافتتان بها، مع العلم بأن ساكنيها أموات، لا يملكون لهم ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياتًا ولا نشورًا.\nقال رحمه الله تعالى: (منها: الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل: من تحقيق التوحيد، وقطع أسباب الشرك، فقل نصيبهم جدًا من ذلك، ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن عندهم من العلم ما يبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا بقدر ما معهم من العلم) (٣) الخ.\nوعلى أي حال فإن الواجب على المسلم تعلم أمور دينه والتفقه فيه، حتى لا يعبد الله بغير ما شرعه، ولأن من أمكنه التعلم ولم يتعلم يأثم.\nوقد يعذر الجاهل لعدم علمه، أو عدم استطاعته التعلم، لكنه لا يعذر بعد العلم، فقد قامت عليه الحجة حينئذ التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع – ص: ٤٦٧\n_________\n(١) «تفسير سورة الإخلاص» (ص: ٣٦٦).\n(٢) «الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد» لمحمد بن علي الشوكاني (ص: ٢٨)، المطبوع ضمن مجموعة الرسائل السلفية. انظر «رسالة تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد» للصنعاني (ص: ٣٣).\n(٣) «إغاثة اللهفان» (١/ ٢١٤، ٢١٥).","vol":"3","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-806>٢ - التشبه بالكفار</span>\nلقد دل القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع العلماء على الأمر بمخالفة الكفار، والنهي عن مشابهتهم، لما ينشأ عن مشابهتهم والاقتداء بهم من الأضرار الكثيرة.\nفمن الأدلة على ذلك في القرآن الكريم قول الله تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠].\nوأما الأحاديث في ذلك فكثيرة.\nمنها ما روي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» (١).\nوما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» (٢).\nقال ابن تيمية ﵀: وهذا خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك، والذم لمن يفعله، كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات (٣).\nكما جاءت السنة بالنهي عن مشابهة الكفار في أمور مخصوصة كثيرة، في العبادات والعادات، كنهيه ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، وأن في ذلك مشابهة لأهل الكتاب.\nوقد تقدم لنا إنكار النبي ﷺ على من طلب اتخاذ شجرة لتعليق الأسلحة، وللعكوف عندها من أجل التبرك، اقتداء بفعل مشركي الجاهلية.\nهذا ومن صور التبرك الحاصلة بسبب التشبه بالكفار مما ابتلي به بعض المسلمين ما يأتي:\n١ - الغلو في الأنبياء والصالحين.\nفإن النصارى قد عظموا أنبياءهم وأتباعهم حتى عبدوهم، فقلدهم بعض المسلمين وتأثروا بهم، حيث غلوا في محبة وتعظيم النبي ﷺ وغيره من الأنبياء والصالحين، كما تقدم قريبًا.\nوقد أضل النصارى كثيرًا من جهال المسلمين، حتى صاروا يزورون كنائسهم، ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهابينهم ونحوهم (٤).\n٢ - إحداث الاحتفال بالموالد والأعياد.\nومن أمثلة ذلك الاحتفال بزمان المولد النبوي، وموالد الأولياء، ونحو ذلك من المناسبات تعظيمًا وتبركًا.\nولا يخفى أن أهم دواعي إحداث هذه الأعياد والاحتفالات البدعية في بلاد المسلمين هو التشبه بأهل الكتاب، ولاسيما النصارى منهم، حيث إنهم يقيمون أعيادًا عديدة في مواسم وأحوال عيسى ﵇.\n٣ - بناء المساجد وغيرها على القبور، والتبرك بها.\nفإن منشأ ما ابتلي به الكثير في بلاد المسلمين من بناء المساجد على القبور، أو اتخاذ القبور مساجد بلا بناء، أو تعظيم القبور والمشاهد، إن منشأ ذلك هو التقليد الأعمى لمن كان قبلنا من الضالين، بل والمغضوب عليهم (٥).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٠٣١)، وأحمد (٢/ ٥٠) (٥١١٤). من حديث ابن عمر ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٥٠٩)، والعراقي في «المغني» (١/ ٣٥٩): إسناده صحيح. وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٨٢): ثابت [و] إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٧٣١٩)، ومسلم (٢٦٦٩).\n(٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٤٧).\n(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٧/ ٤٦٠، ٤٦١) بتصرف.\n(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٧/ ٤٦٠)، «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٧٧، ٢٩٥)، بحث الوادعي «حول القبة المبنية على قبر الرسول ﷺ» (ص: ٢٨٦) بتصرف.","vol":"3","page":201},{"text":"فإن اليهود والنصارى هم الأئمة في ذلك، ولهذا قال النبي ﷺ محذرًا عن فعلهم، في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١).\nوالنصارى أشد غلوا في ذلك من اليهود، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأينها بالحبشة، فيها تصاوير، فقال رسول الله ﷺ: «إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٢).\nومن المعلوم أن النصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين، مما يوافق دينهم، ويشابهونهم فيه، ويحبون أن يقوى ذلك ويكثر، ليقوى بذلك دينهم، ولئلا ينفر المسلمون عنهم وعن دينهم (٣). ولا شك أن من دواعي التشبه بأفعال الكفار مجاورتهم أو مخالطتهم، حتى وصل الحال – مثلًا – ببعض جهال المسلمين في بلاد الهند إلى أن أحدهم صار يمشي زحفًا لزيارة قبر الولي، ويرجع على قفاه تقديرًا وتعظيمًا. وهذا بسبب مجاورة البوذيين هناك ومخالطتهم، حيث تأثروا بهم فقلدوهم في هذا الفعل ونحوه. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع – ص: ٤٧٥\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم (٥٢٩) من حديث عائشة.\n(٢) رواه البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨).\n(٣) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (٢٧/ ٤٦٢ - ٤٦٤) باختصار.","vol":"3","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-807>٣ - تعظيم الآثار</span>\nالمقصود بالآثار هنا: الآثار المكانية، ونحوها.\nوقد تقدم أنه لا يجوز تعظيم مكان لم يعظمه الشرع، كما أن هذا التعظيم يجب أن يكون على وفق الشرع أيضًا، وما جاوز ذلك من التعظيم والتبرك بالأماكن فممنوع.\nوقد لاحظنا ... أن تعظيم الآثار المكانية وتقديسها هو السبب الباعث على التبرك بها وطلب الخير عندها.\nكما يلاحظ أن معظم هذه الآثار التي يتبرك بها هي آثار النبي والصالحين المكانية المنسوبة إليهم، مثل أماكن ولادتهم، ومواضع عبادتهم أو إقامتهم، أو بعض أحوالهم، ...\nويدخل في هذا تعظيم قبور الأنبياء والصالحين والبناء عليها.\nوهذه الآثار المكانية إما أن تكون ثابتة – وهي الأكثر – أو منقولة، مثل ما يزعم في بعض البلدان من أحجار عليها أثر قدم النبي ﷺ، وما ينقل من تراب القبور تبركًا.\nولا شك أن تعظيم تلك الآثار، ومن ثم التبرك بها، قد حصل بسبب تعظيم أصحاب هذه الآثار والغلو فيهم.\nومن الأسباب الأخرى أيضًا تقليد الكفار، فإن الكفار يعظمون آثار عظمائهم، وتعظيم الآثار من سماتهم.\nويمكن أن يدخل فيما تقدم مما يعظم ويتبرك به: التبرك الممنوع ببعض البقاع المقدسة، أو ما هي مظنة التقديس والتعظيم، كالتبرك ببعض أجزاء الكعبة، أو بالمشاعر المقدسة، أو بصخرة بيت المقدس، ونحو ذلك.\nهذا ولعل من أسباب انتشار التبرك بالمواضع: تساهل الكثير من العلماء في رواية أخبار فضائل المواضع، وعدم تمحيصها، فكثرت في كتب الفضائل الأحاديث والآثار والأخبار الضعيفة، بل والموضوعة، عن فضائل بعض المواضع وما تحتوي عليه من البركة.\nومن النماذج لما وصل إليه تعظيم وتقديس الآثار المكانية، والمبالغة في اقتضائها للبركة ما يأتي:\n(١) أن مفتاح الكعبة إذا وضع في فم الصغير الذي ثقل لسانه عن الكلام يتكلم سريعًا بقدرة الله تعالى (١).\n(٢) ما يروى أن الله تعالى قال للصخرة: (أنت عرشي الأدنى).\n(٣) تمسح الجهال بالحاج أو المعتمر من مكة المكرمة، أو الزائر للمدينة المنورة، بل وبسكان الحجاز وما حوله.\n(٤) نقل شيء من تراب قبر الرسول ﷺ بالمدينة وحفظه تبركًا، وكذا قبر غيره ﷺ.\n(٥) أكل تراب جبل عرفات، ونحوه.\nوغير ذلك كثير ...\nوهناك أسباب أخرى عامة ساعدت على وجود وانتشار هذا التبرك الممنوع وفشوه في المجتمع.\nومن أهم هذه الأسباب على سبيل الإجمال: تأثير الفرق المبتدعة، كالصوفية والرافضة، والتمسك بالآثار الضعيفة أو الموضوعة، وقياس الممنوع من التبرك على المشروع منه، وسكوت العلماء عن الإنكار، والاستسلام للعاطفة، والتعصب للهوى، والله تعالى أعلم. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – بتصرف – ص: ٤٧٩\n_________\n(١) انظر «رحلة الصديق إلى البيت العتيق»، للسيد صديق حسن خان (ص: ٢٤).","vol":"3","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-808>ثالثًا: آثار التبرك الممنوع</span>\nلاشك أن التبرك الممنوع يفضي إلى شرور كثيرة، اعتقادية وعملية، وإلى مفاسد عظيمة، دينية ودنيوية، فله آثار سيئة وخطيرة.\nوسأتكلم عن أهم هذه الآثار بالتفصيل، مبينًا كيفية حصول كل أثر منها، مع الاستشهاد بنماذج توضح ذلك.\nأولا: الشرك:\nمن آثار التبرك الممنوع: الشرك، والمقصود به الشرك الأكبر.\nوهو أعظم الآثار وأشدها خطرًا، كيف لا وهو أكبر الكبائر، يخرج من ملة الإسلام، ويحبط جميع الأعمال، ويوجب الخلود في النار لمن مات عليه، وفيه تنقص لله رب العالمين.\nولهذا بعث الله تعالى رسله من أجل إفراده بالعبادة بجميع أنواعها، وترك عبادة ما سواه، كما قال ﷿: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦].\nأما كيف يوصل التبرك الممنوع إلى الشرك؟ فإن ذلك يحصل من إحدى حالتين:\nالأولى: أن يكون التبرك الممنوع في حد ذاته شركًا.\nومن أبرز الأمثلة على ذلك: التبرك بالأموات – من الأنبياء والصالحين وغيرهم – في دعائهم لقضاء الحاجات الدينية أو الدنيوية، وتفريج الكربات والاستغاثة بهم، والتقرب إليهم بالذبح أو النذر لهم، والطواف على قبورهم.\nفهذا ونحوه من الشرك الأكبر، لأنهم قد اعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقد إلا في الله، فأنزلوهم منزلة الربوبية، أو صرفوا لهم من العبادات ما لا يجوز أن يصرف إلا لله ﵎، وهذا بسبب المبالغة في تعظيمهم، والافتتان فيهم، والتعلق بهم.\nووصل الأمر في اعتقاد بعض المشركين بأصحاب القبور إلى أن قالوا: إن البلاء يندفع عن أهل البلد بمن هو مدفون عندهم من الأنبياء والصالحين.\nوكل هذه الأمور الشركية تفعل باسم التبرك، وأحيانًا باسم التوسل والتشفع.\nالحالة الثانية: أن يؤدي التبرك الممنوع إلى الشرك، فيكون التبرك الممنوع من وسائله، ويكون الشرك من نتائج التبرك الممنوع ومن آثاره.\nولهذا حصل المنع من بعض أنواع التبرك سدًا للذريعة إلى الشرك، وخوفًا من الوقوع فيه.\nومن الأمثلة على ذلك النهي عن الصلاة عند القبور، أو بناء المساجد أو القباب عليها، أو الدعاء عندها، ونحو ذلك من المظاهر والمشاهد مما يراد به تعظيم أصحابها.\nويلحق بذلك: التبرك بأمكنة وآثار الأنبياء والصالحين، وتعظيمها وتقديسها.\nفإن هذه الأمور ونحوها من أعظم الذرائع والأسباب المؤدية إلى وقوع الشرك بأصحاب القبور والآثار في وقت من الأوقات مع تطاول الأيام.\nوقد كان أصل حصول الشرك وعبادة الأصنام في الأرض بسبب تعظيم الموتى الصالحين.\nروى ابن جرير الطبري ﵀ عن بعض السلف في تفسيره لقوله تعالى: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا [نوح: ٢٣ - ٢٤] أن هذه أسماء رجال صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا جاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم. وروى ابن جرير أن هذه الأصنام كانت تعبد في زمان نوح ﵇، ثم اتخذها العرب بعد ذلك (١).\nوأيضا فإن (اللات) التي هي من أكبر أوثان العرب في الجاهلية، كان سبب عبادتهم تعظيم قبر رجل صالح والعكوف عليه (٢).\nوبهذا تبين أن سبب عبادة الأصنام هو المبالغة في تعظيم الصالحين.\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢٩/ ٩٨، ٩٩) وانظر: «صحيح البخاري» (٦/ ٧٣٦) كتاب التفسير، تفسير سورة نوح.\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» (٢٧/ ٥٨، ٥٩).","vol":"3","page":204},{"text":"ولهذا نهى الشارع الحكيم عن كل ما يؤدي إلى اتخاذ الأوثان، مثل تعظيم قبور الأنبياء والصالحين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين ... ونحو ذلك، فلأن يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله، وبهذا نجد أقوامًا كثيرين يتضرعون عندها ويخشعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد، بل ولا في السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء بها ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال).\nثم قال ﵀: (فهذه المفسدة، التي هي مفسدة الشرك – كبيره وصغيره – هي التي حسم النبي ﷺ مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة، ونحو ذلك، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها، لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها، فنهى المسلم عن الصلاة حينئذ – وإن لم يقصد ذلك – سدًّا للذريعة) (١) اهـ.\nومن الأمثلة أيضًا على النهي عن بعض أنواع التبرك سدًّا لذريعة الوقوع في الشرك: التبرك الممنوع بالأشجار والأحجار وبعض البقع، وتعظيمها، فإن هذا التبرك قد يؤدي إلى الشرك مع مرور الزمان.\nولقد كان من أسباب عبادة الأوثان والأحجار عند العرب أن الواحد منهم كان إذا أراد سفرًا حمل معه حجرًا من حجارة البيت تبركًا به وتعظيمًا، حتى صاروا إلى عبادة الأحجار والجمادات.\nجاء في كتاب (الأصنام) لابن الكلبي (أن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ لما سكن مكة، وولد بها أولاد كثير حتى ملأوا مكة ... ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد ... وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم، تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه، وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمنًا منهم بها، وصبابة بالحرم وحبًا له، وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة، ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل ﵉.\nثم سلخ ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم ...) (٢).\nثانيًا: الابتداع:\nالتبرك الممنوع ابتداع في الدين، ليس عليه دليل من كتاب الله تعالى ولا من سنة نبيه ﷺ، ولم يفعله السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وهو مخالف للتبرك المشروع الذي دلت عليه الأدلة الشرعية.\nفالتبرك الممنوع كله إذًا من أصنام البدع المحدثة المذمومة، إلا أن بدعيته تتفاوت وتختلف باختلاف صوره وكيفيته، فإن منه ما يصل إلى حد الشرك ... ومنه ما يكون أدنى من ذلك.\nوالأمثلة على صور التبرك الممنوع المبتدعة كثيرة جدًا،. ....\nومن نماذج ذلك على سبيل الإجمال ما يأتي:-\n- شد الرحال إلى زيارة قبر النبي ﷺ وغيره من الأنبياء والصالحين.\n- التبرك بقبور الأنبياء والصالحين، كأداء العبادات عندهم، مثل الصلاة والدعاء والطواف، وكتقبيل القبور والتمسح بها، وحمل شيء من ترابها والعكوف عندها.\n- قصد مواضع صلاة أو جلوس النبي ﷺ للصلاة أو الدعاء، مما لم يفعله ﷺ على وجه التعبد.\n_________\n(١) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٦٧٤).\n(٢) «الأصنام» لابن الكلبي (ص: ٦).","vol":"3","page":205},{"text":"- التبرك بمكان ولادة النبي ﷺ، أو بليلة مولده، أو بليلة الإسراء والمعراج، أو ذكرى الهجرة، ونحو ذلك.\n- وكذا التبرك بموالد الصالحين، أو من يسمون بالأولياء.\n- التبرك المبتدع ببعض الجبال والمواضع.\nوكما أن التبرك الممنوع بدعة في حد ذاته فهو أيضًا يجر إلى بدع أخرى.\nوأكتفي هنا من الشواهد على ذلك بمثالين فقط.\nأحدهما: أن من النتائج السيئة للتبرك الممنوع بقبور الأنبياء والصالحين بناء المساجد عليها، وبناء القباب فوقها، وزخرفة القبور وتشييدها، وكذا بناء المساجد على آثار الأنبياء والصالحين، ونحو ذلك من الأعمال المحدثة في الإسلام.\nالثاني: أن التبرك الممنوع بالنبي ﷺ بعد وفاته قد أدى إلى إحداث عيد المولد النبوي والاحتفال به، ثم تدرج الأمر، فأقيمت الاحتفالات لأعياد أخرى كثيرة مبتدعة، في مواسم متفرقة، كليلة الإسراء والمعراج، وذكرى الهجرة، وغير ذلك من الأعياد المبتدعة التي تفعل باسم الدين، وكأنها من شعائر الإسلام، والتي يزداد عددها مع مرور الأيام.\nوهذا هو شأن البدعة، فإن فعل القليل منها يؤدي إلى فعل الكثير من البدع الأخرى.\nفلا يجوز التهاون في شأن البدعة مهما صغرت، فإنها تتدرج حتى تكبر وتعظم، ويشتد خطرها وأثرها.\nقال الإمام أبو محمد البربهاري ﵀ محذرًا عن ذلك: (واحذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارًا، وكذلك كل بدعة أحدثت من الأمور، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع المخرج منها، فعظمت، وصارت دينًا يدان بها) (١).\nوحسبنا في ذم البدع والابتداع قول المصطفى ﷺ: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٢)، وقوله ﵊ في الحديث الآخر: «وشر الأمور محدثاتها» (٣).\nثالثا: اقتراف المعاصي:\nإن من آثار التبرك الممنوع انتهاك الحرمات، ووقوع كثير من المفاسد والمنكرات، ومن الأمثلة على ذلك ما يأتي:\n١ - ما تتضمنه غالبًا أعياد المولد النبوي، وأعياد موالد الأولياء، وكذا الأعياد المبتدعة الأخرى من أنواع المعاصي والمنكرات الظاهرة.\nومنها استعمال الأغاني وآلات اللهو والطرب، وما يتبع ذلك من الرقص.\nوإقامة حلقات الذكر على الوجه المحرم شرعًا، مع قلة احترام كتاب الله تعالى.\nومنها اختلاط الرجال بالنساء، وما ينتج عن ذلك من الفتنة.\nومنها إضاعة الأموال وتبذيرها لإقامة الحفلات، والإسراف في إيقاد الشموع في المساجد والطرقات، ونفقات الزينة.\nإلى غير ذلك من الأمور المخالفة للشرع، التي تفعل باسم التبرك والاحتفال بليلة مولد النبي ﷺ ونحوها من المناسبات.\n٢ - ما يترتب من المفاسد والأضرار على التبرك الممنوع بالقبور واتخاذها مزارات ومشاهد وأعياد متكررة.\nومن ذلك صرف النفقات الباهظة المحرمة على بناء القباب والمزارات وكسوتها بالأقمشة، وتزيينها بالمصابيح، وتحبيس الأوقاف للإنفاق على ذلك، وإضاعة الأموال عن طريق النذور التي تقدم لصالح الأموات ويأكلها السدنة.\n_________\n(١) «شرح السنة» لأبي محمد البربهاري (ص: ٢٣).\n(٢) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤). قال الترمذي: هذا حديث صحيح. قال الشوكاني في «إرشاد الفحول» (١/ ١٦٠)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) رواه مسلم (٨٦٧).","vol":"3","page":206},{"text":"٣ - ما يحصل من مساوئ التبرك الممنوع عند زيارة قبر الرسول ﷺ، كالجلوس عند القبر النبوي للتلاوة والذكر، ورفع الصوت بالدعاء، وتكرار التلفظ بالصلاة على النبي ﷺ، وقصد القبر للسلام عليه بعد كل صلاة.\nومع بدعية هذه الأفعال إلا أن لها أيضًا أضرارًا على الآخرين، كالتشويش على المصلين، وإحداث الزحام على الزوار.\nرابعا: الوقوع في أنواع من الكذب:\nإن من الآثار السيئة للتبرك الممنوع لجوء أصحابه إلى الكذب، من أجل الاستدلال على شرعية ما ذهبوا إليه، أو لغرض تعيين موضع التبرك أو محله. ولهذا وقعوا في عدة أنواع من الكذب، تلك الخصلة الذميمة الممقوتة.\nويمكن بيان أنواع الكذب التي وقعوا فيها بسبب التبرك الممنوع فيما يأتي:\nالأول: الكذب على الرسول ﷺ.\nلا شك أن أشد أنواع الكذب هو الكذب على الله تعالى، أو على رسوله ﷺ.\nوقد حذر ﵊ من الكذب عليه بقوله: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (١).\nويتنوع الكذب هنا على الرسول ﷺ: فقد يكون في أقواله، للاستدلال على شرعية التبرك ببعض الأمور، وهذا هو الكثير، وقد يكون الكذب في آثاره ﷺ.\nومن نماذج الكذب على الرسول ﷺ في أقواله ما يأتي:\n١ - إيراد الأخبار الموضوعة لأجل تعظيم النبي ﷺ في القصص التي تقرأ ليلة المولد النبوي.\n٢ - الأحاديث الموضوعة في فضل زيارة قبره ﷺ.\n٣ - وضع الأحاديث في فضائل القبور كحديث: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بالقبور».\n٤ - الأحاديث المكذوبة في فضل الصخرة بالقدس.\n٥ - أحاديث فضل الجامع الأموي بدمشق ومضاعفة الصلاة فيه.\nأما الكذب على الرسول ﷺ في آثاره فإن المقصود به ما قد ينسب إلى الرسول ﷺ كذبًا – لا سيما في العصر الحاضر – من آثاره الحسية، للتبرك بها، كشعراته مثلًا.\nوكذا دعوى وجود أثر موطئ قدم النبي ﷺ على بعض الأحجار، حتى يتبرك بها، وقد حققت عدم صحة ذلك.\nالثاني: الكذب على غير الرسول ﷺ، كالكذب على الصحابة ﵃، أو التابعين ﵏، وغيرهم من الصالحين.\nوهذا الكذب عليهم قد يكون في الأقوال، مثل ما ينسب إليهم من الروايات المكذوبة في ذكر فضائل وبركة بعض الأماكن.\nوقد يكون الكذب عليهم في الأفعال، كادعاء حصول البركة عند بعض القبور، مثل ادعاء أن الشافعي كان يدعو عند قبر أبي حنيفة إذا نزلت به شدة فيستجاب له.\nالثالث: الكذب في تعيين موضع التبرك.\nويكثر هذا النوع في تعيين مواضع قبور بعض الصالحين من الصحابة وغيرهم.\nولعل خير مثال على ذلك هو تعدد أسماء المدن التي يقال إن رأس الحسين بن علي ﵄ موجود فيها، فقد بلغ عددها ثمانية أسماء.\nالرابع: ادعاء بركة بعض المواضع دون مستند شرعي.\nومن النماذج على ذلك: زعمهم أن دار خديجة ﵂ بمكة أفضل المواضع بعد المسجد الحرام، وأن الدعاء يستجاب فيها.\nومنها كثرة ادعاء استجابة الدعاء عند بعض المقابر أو الجبال أو المساجد المحدثة المبنية على آثار الأنبياء والصالحين ...\nخامسًا: تحريف النصوص:\n... إن أصحاب التبرك الممنوع، من أجل الاستدلال على شرعية ما ذهبوا إليه يلجؤن أحيانًا إلى الكذب، فهم لهذا أيضًا يذهبون إلى تحريف معاني النصوص الشرعية، وتحميلها ما لا تحتمل.\nوأغلب ما يوجد من هذا التحريف هو تحريفهم النصوص التي يريدون الاستدلال بها.\nومن الأمثلة على ذلك ما يأتي:\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٩١)، ومسلم في مقدمة صحيحه (٣).","vol":"3","page":207},{"text":"١ - استدلالهم على استحباب طلب الاستغفار من الرسول ﷺ عند قبره بعموم قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء: ٦٤].\n٢ - استدلالهم على مشروعية التبرك بالمواضع التي صلى فيها الرسول ﷺ بحديث صلاة الرسول ﷺ في بيت عتبان بن مالك ﵁.\n٣ - استدلالهم على جواز اتخاذ المساجد على القبور بقوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف: ٢١].\nوقد يوجد التحريف من قبلهم عن طريق تحريف النصوص المعارضة لهم.\nمثال ذلك تحريفهم نهي الرسول ﷺ عن اتخاذ قبره عيدًا بقوله ﵊: «لا تجعلوا قبري عيدًا» (١).\nفقالوا: هذا أمر بملازمة قبره، والعكوف عنده، واعتياد قصده وانتيابه، ونهي أن يجعل بمنزلة العيد الذي يكون من الحول إلى الحول، بل يقصد كل ساعة وكل وقت (٢).\nوهذا تحريف للمعاني، ومناقضة لما قصده الرسول ﷺ، وقلب للحقائق (٣).\nسادسًا: إضاعة السنن:\nمن المفاسد في الدين التي يشتمل عليها التبرك الممنوع إضاعة السنن. وهذا من خصائص البدع (ذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن) (٤).\nولهذا جاء في الحديث «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة» (٥).\nولا شك أن السنن تموت إذا أحييت البدع (لأن الباطل إذا عمل به لزم ترك العمل بالحق، كما في العكس، لأن المحل الواحد لا يشتغل إلا بأحد الضدين) (٦).\nثم إن من لم يعطل الفرائض والسنن فستضعف عنايته بها على الأقل، بسبب تعلقه بالبدع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عند سياقه مفاسد البدع: (ومنها أن الخاصة والعامة تنقص بسببها عنايتهم بالفرائض والسنن، ورغبتهم فيها، فتجد الرجل يجتهد فيها ويخلص وينيب، ويفعل فيها ما لا يفعله في الفرائض والسنن، حتى كأنه يفعل هذه عبادة، ويفعل الفرائض والسنن عادة ووظيفة، وهذا عكس الدين، فيفوته بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة، والرحمة، والرقة، والطهارة، والخشوع، وإجابة الدعوة، وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك من الفوائد، إن لم يفته هذا كله فلابد أن يفوته كماله) (٧).\nهذا ومن الأمثلة على ما يؤدي إليه التبرك الممنوع من إضاعة الواجبات والسنن ما يأتي:\n١ - التبرك بقبور الأنبياء والصالحين، والعكوف عندها ومجاورتها، ونحو ذلك من المظاهر المبتدعة يشغل عن كثير من الفرائض والواجبات، والسنن المشروعة في الدين.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٠٤٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٩١) (٤١٦٢). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٩٢) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، والنووي في «الأذكار» (١٥٤).\n(٢) «إغاثة اللهفان» لابن القيم (١/ ١٩٢).\n(٣) «إغاثة اللهفان» لابن القيم (١/ ١٩٢، ١٩٣).\n(٤) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٠).\n(٥) رواه أحمد (٤/ ١٠٥) (١٧٠١١)، مرفوعا من حديث غضيف بن الحارث. قال الهيثمي «مجمع الزوائد» (١/ ١٩٣): فيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم وهو منكر الحديث. وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٣/ ٣٣٣): في إسناده ابن أبي مريم وهو ضعيف وبقية وهو مدلس.\n(٦) «الاعتصام» للشاطبي (١/ ١١٤).\n(٧) «الاقتضاء» (٢/ ٦١١)، وانظر هذا المرجع (٢/ ٧٤١).","vol":"3","page":208},{"text":"حتى لقد أصبح العكوف عند بعضهم في المسجد المبني على القبر أحب إليه من العكوف في المسجد الحرام، بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله أعظم عندهم من حرمة بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه (١).\nوبلغ الأمر ببعض الغلاة إلى تفضيل زيارة المشاهد التي على القبور على حج البيت الحرام، وإلى اعتقاد أن السفر لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من حج البيت (٢).\n٢ - قصد المساجد المحدثة المبتدعة، وتتبع آثار الأنبياء والصالحين وبعض الجبال والمواضع، في مكة والمدينة وبلاد الشام وغيرها، لأداء العبادات فيها تبركًا، كالصلاة والدعاء – وفي ذلك تعطيل لأداء العبادة المفروضة أو المسنونة في المساجد الثلاثة الفاضلة، وسائر المساجد الأخرى التي شرعت العبادة فيها.\n٣ - إقامة الأعياد والاحتفالات المبتدعة للموالد وغيرها، التي تستنزف الجهود والأوقات، وتشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، وعن كثير من الواجبات والسنن.\nسابعًا: التغرير بالجهال، وإضلال الأجيال:\nمن الآثار السيئة للتبرك الممنوع أنه يؤدي إلى التغرير بالجهال وإضلالهم. فمن المعلوم أن هذا التبرك يحتوي على مظاهر بارزة جذابة.\nومن أكثر تلك المظاهر: الأبنية المقامة على بعض القبور، كالمساجد والقباب والمشاهدات والمزارات، وما يجري فيها وما حولها من مظاهر التبرك المبتدعة المختلفة.\nومنها أيضًا مظاهر الأعياد والاحتفالات المبتدعة، التي تقام في المساجد، أو القبور، أو الطرقات، واجتماع الناس فيها.\nفإن الجاهل إذا رأى هذه المظاهر المحسوسة والمشاهد الملموسة، أو مر بها، سيتأثر بلا شك، ويغتر بذلك، لاسيما مع كثرة أهلها الذين يزاولونها ويعتنون بها.\nفهذا التبرك الممنوع – بمظاهره البراقة – سبب من أسباب فتنة الناس به، وجرهم إليه، ولاسيما الجهال والعوام، وهو بهذا يؤدي إلى إضلال كثير من الأجيال المتعاقبة للمسلمين، الذين يرون تلك المظاهر والمشاهد المتكررة، التي تقام باسم الدين، ويدعو إليها من ينتسب إليه، إضافة إلى تحسين الشيطان للبدع في نفوس الناس وتزيينها لهم. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع – بتصرف – ص: ٤٨٣\n_________\n(١) «الاقتضاء» (٢/ ٧٣٩).\n(٢) «الاقتضاء» (٢/ ٧٣٩).","vol":"3","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-810>أولًا: معنى اتخاذ القبور مساجد</span>\nالذي يمكن أن يفهم من هذا الاتخاذ، إنما هو ثلاثة معانٍ:\nالأول: الصلاة على القبور، بمعنى: السجود عليها.\nالثاني: السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء.\nالثالث: بناء المساجد عليها، وقصد الصلاة فيها.\nأقوال العلماء في معنى الاتخاذ المذكور:\nوبكل واحدٍ من هذه المعاني قال طائفة من العلماء، وجاءت بها نصوص صريحة عن سيد الأنبياء ﷺ.\nأما الأول: فقال ابن حجر الهيتمي: واتخاذ القبر مسجدًا معناه الصلاة عليه، أو إليه (١).\nفهذا نصٌ منه على أنه يفهم الاتخاذ المذكور شاملًا لمعنيين، أحدهما: الصلاة على القبر.\nوقال الصنعاني: واتخاذ القبور مساجد أعمّ من أن يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة عليها (٢).\n... يعني أنه يعمّ المعنيين كليهما، ويحتمل أنه أراد المعاني الثلاثة، وهو الذي فهمه الإمام الشافعي ﵀، وسيأتي نص كلامه في ذلك، ويشهد للمعنى الأول أحاديث:\nالأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها» (٣).\nالثاني: قوله ﷺ: «لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر» (٤).\nالثالث: عن أنس ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور» (٥).\nالرابع: عن عمرو بن دينار - وسئل عن الصلاة وسط القبور - قال: ذكر لي أن النبي ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلعنهم الله تعالى» (٦).\nوأما المعنى الثاني: فقال المناوي في (فيض القدير) - حيث شرح الحديث الثالث المتقدم -: أي اتخذوها جهة قبلتهم، مع اعتقادهم الباطل، وأن اتخاذها مساجد لازم لاتخاذ المساجد عليها كعكسه، وهذا بيّن به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم. قال القاضي - يعني: البيضاوي -: لما كانت اليهود يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثانًا لعنهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه ...\n... وهذا معنى قد جاء النهي الصريح عنه فقال ﷺ: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» (٧).\nقال الشيخ علي القاري - معللًا النهي -: لما فيه من التعظيم البالغ كأنه من مرتبة المعبود، ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظِّم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم، وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة - يعني قبلة المصلين - وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها (٨) ....\n_________\n(١) «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (١/ ١٢١).\n(٢) «سبل السلام» (١/ ٢١٤).\n(٣) رواه ابن ماجه مختصرا (١٢٧٠)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٢٩٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٦٤): رواه أبو يعلى ورجاله ثقات. وقال الألباني في «تحذير الساجد» (ص٢٩): إسناده صحيح.\n(٤) رواه الطبراني (١١/ ٣٧٦). من حديث ابن عباس ﵄. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٧): رواه الطبراني في «الكبير» وفيه عبدالله بن كيسان المروزي: ضعّفه أبو حاتم، ووثّقه ابن حبان. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٠١٦): الحديث صحيح.\n(٥) رواه ابن حبان (٦/ ٩٣). وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٦٨٩٣): صحيح.\n(٦) رواه عبدالرزاق (١/ ٤٠٦) (١٥٩١). وقال الألباني في «تحذير الساجد» (٢٩): وهو مرسل صحيح الإسناد.\n(٧) رواه مسلم (٩٧٢). من حديث أبي مرثد الغنوي ﵁.\n(٨) انظر: «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (٢/ ٣٧٢).","vol":"3","page":210},{"text":"ونحو الحديث السابق ما روى ثابت البناني عن أنس ﵁ قال: كنت أصلي قريبًا من قبر، فرآني عمر بن الخطاب، فقال: القبر القبر؛ فرفعت بصري إلى السماء وأنا أحسبه يقول: القمر! (١).\nوأما المعنى الثالث: فقد قال به الإمام البخاري، فإنه ترجم للحديث الأول بقوله: (باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور) (٢).\nفقد أشار بذلك إلى أن النهي عن اتخاذ القبور مسجدًا يلزم منه النهي عن بناء المساجد عليه، وهذا أمر واضح، وقد صرح به المناوي آنفًا، وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: قال الكرماني: مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجدًا، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر، ومفهومها متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان، وإن تغاير المفهوم (٣).\nوهذا المعنى هو الذي أشارت إليه السيدة عائشة ﵂ بقولها في آخر الحديث الأول: فلولا ذاك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا (٤).\nإذ المعنى فلولا ذاك اللعن الذي استحقه اليهود والنصارى بسبب اتخاذهم القبور مساجد المستلزم البناء عليها، لجعل قبره ﷺ في أرض بارزة مكشوفة، ولكن الصحابة ﵃ لم يفعلوا ذلك خشية أن يبنى عليه مسجد من بعض من يأتي بعدهم فتشملهم اللعنة.\nويؤيد هذا ما روى ابن سعد بسند صحيح عن الحسن وهو (البصري) قال: ائتمروا أن يدفنوه ﷺ في المسجد، فقالت عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ كان واضعًا رأسه في حجري إذ قال: «قاتل الله أقوامًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، واجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة ﵂ (٥).\n... هذه الرواية - على إرسالها - تدل على أمرين اثنين:\nأحدهما: أن السيدة عائشة فهمت من الاتخاذ المذكور في الحديث أنه يشمل المسجد الذي قد يدخل فيه القبر، فبالأحرى أن يشمل المسجد الذي بني على القبر.\nالثاني: أن الصحابة أقرّوها على هذا الفهم، ولذلك رجعوا إلى رأيها فدفنوه ﷺ في بيتها.\nفهذا يدل على أنه لا فرق بين بناء المسجد على القبر، أو إدخال القبر في المسجد، فالكل حرام لأن المحذور واحد، ولذلك قال الحافظ العراقي: فلو بنى مسجدًا يقصد أن يدفن في بعضه دخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد، وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفة وقفه مسجدًا (٦).\n... وفي هذا إشارة إلى أن المسجد والقبر لا يجتمعان في دين الإسلام ...\nويشهد لهذا المعنى الحديث الخامس المتقدم بلفظ: «أولئك قوم إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا ... أولئك شرار الخلق ...» (٧).\nفهو نص صريح في تحريم بناء المسجد على قبور الأنبياء والصالحين؛ لأنه صرح أنه من أسباب كونهم من شرار الخلق عند الله تعالى.\nويؤيده حديث جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» (٨).\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٤٢٧)، ورواه موصولًا عبدالرزاق في «المصنف» (١/ ٤٠٤) (١٥٨١) وزاد: «إنما أقول القبر: لا تصل إليه». وقال الألباني في «النصيحة» (١٤٣): أخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا، وهو صحيح. وانظر: «تغليق التعليق» (٢/ ٢٢٨ - ٢٣٠) ففيه زيادة فائدة.\n(٢) انظر: «صحيح البخاري» باب رقم (٦١).\n(٣) انظر: «فتح الباري» (٣/ ٢٠١).\n(٤) رواه مسلم (٥٢٩).\n(٥) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٢/ ٢٤١). وقال الألباني في «تحذير الساجد» - كما في (متن الموسوعة) -: سنده صحيح.\n(٦) انظر: «فيض القدير» للمناوي (٥/ ٢٧٤).\n(٧) رواه البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨). من حديث عائشة ﵂.\n(٨) رواه مسلم (٩٧٠).","vol":"3","page":211},{"text":"فإنه بعمومه يشمل بناء المسجد على القبر، كما يشمل بناء القبة عليه، بل الأول أولى بالنهي، كما لا يخفى.\nفثبت أن هذا المعنى صحيح أيضًا يدل عليه لفظ (الاتخاذ)، وتؤيده الأدلة الأخرى.\nأما شمول الأحاديث للنهي عن الصلاة في المساجد المبنيّة على القبور فدلالتها على ذلك أوضح، وذلك لأن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها، من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه، مثاله: إذا نهى الشارع عن بيع الخمر، فالنهي عن شربه داخل في ذلك، كما لا يخفى، بل النهي عنه من باب أولى.\nومن البيّن جدًا أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصودًا بالذات، كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصودًا بالذات، بل ذلك كله من أجل الصلاة فيها، سلبًا أو إيجابًا، يوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلًا بنى مسجدًا في مكان قفر غير مأهول، ولا يأتيه أحد للصلاة فيه،\nفليس لهذا الرجل أيّ أجر في بنائه لهذا المسجد، بل هو عندي آثم لإضاعة المال، ووضعه الشيء في غير محله!\nفإذا أمر الشارع ببناء المساجد فهو يأمر ضمنًا بالصلاة فيها، لأنها هي المقصودة بالبناء، وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور، فهو ينهى ضمنًا عن الصلاة فيها؛ لأنها هي المقصودة بالبناء أيضًا، وهذا بيّن لا يخفى على العاقل إن شاء الله تعالى.\nترجيح شمول الحديث للمعاني كلها وقول الشافعي بذلك:\nوجملة القول: أن الاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل كل هذه المعاني الثلاثة، فهو من جوامع كلمه ﷺ، وقد قال بذلك الإمام الشافعي ﵀، ففي كتابه (الأم) ما نصه:\nوأكره أن يُبنى على القبر مسجد وأن يُسوّى، أو يُصلّى عليه، وهو غير مُسوّى - يعني: أنه ظاهر معروف - أو يُصلى إليه، قال: وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١). قال: وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره - والله تعالى أعلم - أن يُعظّمه أحد من المسلمين، يعني يتخذ قبره مسجدًا، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على ما يأتي بعده (٢).\nفقد استدل بالحديث على المعاني الثلاثة التي ذكرها في سياق كلامه، فهو دليل واضح على أنه يفهم الحديث على عمومه، وكذلك صنع المحقق الشيخ على القارئ نقلًا عن بعض أئمة الحنفية فقال في (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح): سبب لعنهم: إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيمًا لهم، وذلك هو الشرك الجلي، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء والسجود على مقابرهم والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذلك هو الشرك الخفي لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له، فنهى النبي ﷺ أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود، أو لتضمّنه الشرك الخفي. كذا قاله بعض الشراح من أئمتنا، ويؤيده ما جاء في رواية: «يُحذِّر ما صنعوا» (٣) (٤).\n... والسبب الأول الذي ذكره وهو السجود لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم وإن كان غير مستبعد حصوله من اليهود والنصارى، فإنه غير متبادر من قوله ﷺ: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فإن ظاهره أنهم اتخذوها مساجد لعبادة الله فيها على المعاني السابقة تبركًا بمن دُفن فيها من الأنبياء، وإن كان هذا أدى بهم - كما يؤدي بغيرهم - إلى وقوعهم في الشرك الجلي، ذكره الشيخ القارئ. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد لمحمد ناصر الدين الألباني - ص٢٨\n_________\n(١) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٨٩٢) مرسلًا. من حديث عمر بن عبد العزيز ﵁. ورواه موصولًا البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠) بدون لفظة: (النصارى)، وأحمد (٢/ ٢٨٥) (٧٨١٨) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁. قال شعيب الأرناؤوط محقق المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) «الأم» (ص٢٤٦).\n(٣) رواه البخاري (٤٣٥، ٤٣٦)، ومسلم (٥٣١). من حديث عائشة وابن عباس ﵃.\n(٤) «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (١/ ٤٥).","vol":"3","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-811>ثانيًا: أدلة تحريم هذا الاتخاذ وحكمه ومذاهب العلماء فيه</span>\n١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت: فلولا ذاك أبرز (١) قبره غير أنه خُشي أن يتخذ مسجدًا (٢) ...\n٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣).\n٣ و٤ - عن عائشة وابن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له، فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: «لعنة الله على اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» تقول عائشة: «يُحذِّر مثل الذي صنعوا» (٤).\nقال الحافظ ابن حجر: وكأنه ﷺ علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذمّ من يفعل فعلهم ...\n٥ - عن عائشة ﵂ قالت: لما كان مرض النبي ﷺ تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها: مارية - وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة - فذكرن من حسنها وتصاويرها قالت: فرفع النبي ﷺ رأسه فقال: «أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٥)\nقال الحافظ ابن رجب في (فتح الباري): هذا الحديث يدلّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها، كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراد، فتصوير صور الآدميين محرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرم، كما دلت عليه نصوص أُخر، يأتي ذكر بعضها. قال: والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظل، فتصوير الصور على مثال صور الأنبياء والصالحين للتبرك بها، والاستشفاع بها يحرم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي ﷺ أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وتصوير الصور للتآنس برؤيتها أو للتنزه بذلك، والتلهي محرم، وهو من الكبائر وفاعله من أشد الناس عذابًا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره، والله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ﷾ (٦) ...\n... ولا فرق في التحريم بين التصوير اليدوي والتصوير الآلي والفوتوغرافي، بل التفريق بينهما جمود وظاهرية عصرية ...\n٦ - عن جندب بن عبدالله البجلي أنه سمع النبي ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: «قد كان لي فيكم إخوة وأصدقاء، وإني أبرأ إلى الله أن يكون لي فيكم خليل، وإن الله ﷿ قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (٧).\n_________\n(١) قال الألباني: أي كشف قبره ﷺ ولم يتخذ عليه الحائل، والمراد دفن خارج بيته، كذا في «فتح الباري».\n(٢) رواه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم (٥٢٩).\n(٣) رواه البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠).\n(٤) رواه البخاري (٤٣٥، ٤٣٦)، ومسلم (٥٣١).\n(٥) رواه البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨).\n(٦) «فتح الباري» لابن رجب (٣/ ١٩٧، ١٩٨).\n(٧) رواه مسلم (٥٣٢).","vol":"3","page":213},{"text":"٧ - عن الحارث النجراني قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: «ألا وإنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك» (١).\n٨ - عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: «أدخلوا عليَّ أصحابي فدخلوا عليه وهو متقنع ببردة معافريّ، فكشف القناع فقال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢).\n٩ - عن أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به النبي ﷺ: «أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذي اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣).\n١٠ - عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله (وفي روايةٍ: قاتل الله) اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤).\n١١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٥).\n١٢ - عن عبدالله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد» (٦).\n١٣ - عن علي بن أبي طالب قال: «لقيني العباس فقال: يا علي انطلق بنا إلى النبي ﷺ فإن كان لنا من الأمر شيء وإلا أوصى بنا الناس، فدخلنا عليه، وهو مغمى عليه، فرفع رأسه فقال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور الأنبياء مساجد». زاد في رواية: «ثم قالها الثالثة». فلما رأينا ما به خرجنا ولم نسأله عن شيءٍ (٧) ...\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٥٠) (٧٥٤٦). قال الألباني في «تحذير الساجد»: وإسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٢٠٣) (٢١٨٢٢)، والطبراني (١/ ١٦٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٣٠): رواه أحمد والطبراني في «الكبير»، ورجاله موثقون. وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ١٣٩): إسناده جيد. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: سنده حسن في الشواهد.\n(٣) رواه أحمد (١/ ١٩٥) (١٦٩١) و(١/ ١٩٦) (١٦٩٩)، والدارمي (٢/ ٣٠٥)، والبيهقي (٩/ ٢٠٨)، وأبو يعلى (٢/ ١٧٧). قال الذهبي في «المهذب» (٧/ ٣٧٧٥): إسناده صالح. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٣٢٨): [روي] بإسنادين ورجال طريقين منها ثقات متصل إسنادهما. وقال أحمد شاكر في «المسند» (٣/ ١٤٦): إسناده صحيح. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: سنده صحيح.\n(٤) رواه أحمد (٥/ ١٨٤) (٢١٦٤٤) و(٥/ ١٨٦) (٢١٦٦٧)، والطبراني (٥/ ١٥٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٣٠): رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله موثقون. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: صحيح بشواهده المتقدمة.\n(٥) رواه أحمد (٢/ ٢٤٦) (٧٣٥٢)، وأبو يعلى (١٢/ ٣٣)، والحميدي (٢/ ٤٤٥). قال أحمد شاكر في «المسند» (١٣/ ٨٨): إسناده صحيح. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: سنده صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده قوي.\n(٦) الشطر الأول من الحديث رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (٧٠٦٧)، والحديث رواه موصولًا أحمد (١/ ٤٠٥) (٣٨٤٤)، وابن حبان (١٥/ ٢٦٠)، والطبراني (١٠/ ١٨٨)، وأبو يعلى (٩/ ٢١٦). قال أحمد شاكر في «المسند» (٥/ ٣٢٤): إسناده صحيح. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: صحيح.\n(٧) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٤/ ٢٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٢/ ٤٢٦). وقال الألباني في «تحذير الساجد»: هذا إسناد حسن لولا أنني لم أعرف أبا بكر هذا، ولم يورده الدولابي، وأبو أحمد الحاكم في «الكنى».","vol":"3","page":214},{"text":"إن كل من يتأمل في تلك الأحاديث الكريمة يظهر له بصورةٍ لا شك فيها أن الاتخاذ المذكور حرام، بل كبيرة من الكبائر، لأن اللعن الوارد فيها، ووصف المخالفين بأنهم شرار الخلق عند الله ﵎، لا يمكن أن يكون في حقّ من يرتكب ما ليس كبيرة كما لا يخفى.\nمذاهب العلماء في ذلك:\nوقد اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم ذلك، ومنهم من صرح بأنه كبيرة وإليك تفاصيل المذاهب في ذلك:\n١ - مذهب الشافعية أنه كبيرة:\nقال الفقيه ابن حجر الهيتمي: الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانًا، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها (١).\nثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها، ثم قال: (تنبيه): عدّ هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية، ... ووجه اتخاذ القبر مسجدًا منها واضح، لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله تعالى يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية: «يُحذِّر مثل الذي صنعوا» (٢) أي يُحذِّر أمته بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك، فيلعنوا كما لعنوا، ومن ثم قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركًا وإعظامًا، ومثلها الصلاة عليه للتبرك والإعظام، وكون هذا الفعل كبيرة ظاهرة من الأحاديث المذكورة لما علمت، فقال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركًا به عين المحادّة لله ولرسوله ﷺ وابتداع دين لم يأذن به الله، للنهي عنها ثم إجماعًا، فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، أو بناؤها عليها والقول بالكراهة محمول على غير ذلك، إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي ﷺ لعن فاعله، ويجب المبادرة لهدمها، وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار، لأنها أسست على معصية رسول الله ﷺ، لأنه نهى عن ذلك، وأمر رسول الله ﷺ بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. اهـ. (٣).\nهذا كله كلام الفقيه ابن حجر الهيتمي، وأقره عليه المحقق الألوسي في (روح المعاني) (٤)، وهو كلام يدل على فهم وفقه في الدين؛ وقوله فيما نقله عن بعض الحنابلة: والقول بالكراهة محمول على غير ذلك كأنه يشير إلى قول الشافعي: وأكره أن يُبنى على القبر مسجد وأن يُسوّى، أو يُصلّى عليه، وهو غير مُسوّى - يعني: أنه ظاهر معروف - أو يُصلّى إليه، قال: وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٥). قال: وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره - والله تعالى أعلم - أن يُعظّم أحد من المسلمين، يعني يتخذ قبره مسجدًا، ولم تُؤمن في ذلك الفتنة والضلال على ما يأتي بعده (٦).\n_________\n(١) «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (١/ ١٢٠).\n(٢) رواه البخاري (٤٣٥، ٤٣٦)، ومسلم (٥٣١).\n(٣) «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (١/ ١٢١).\n(٤) «روح المعاني» (٥/ ٣١).\n(٥) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٨٩٢) مرسلًا. من حديث عمر بن عبد العزيز ﵁. ورواه موصولًا البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠) بدون لفظة: (النصارى)، وأحمد (٢/ ٢٨٥) (٧٨١٨) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁. قال شعيب الأرناؤوط محقق المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٦) «الأم» (ص٢٤٦).","vol":"3","page":215},{"text":"وعلى هذا أتباعه من الشافعية كما في (التهذيب)، وشرحه (المجموع) ومن الغريب أنهم يحتجون على ذلك ببعض الأحاديث ... مع أنها صريحة في تحريم ذلك، ولعن فاعله، ولو أن الكراهة كانت عندهم للتحريم لقرب الأمر، ولكنها لديهم للتنزيه فكيف يتفق القول بالكراهة مع تلك الأحاديث التي يستدلون بها عليها؟!\nأقول هذا، وإن كنت لا أستبعد حمل الكراهة في عبارة الشافعي المتقدمة خاصة على الكراهة التحريمية؛ لأنه هو المعنى الشرعي المقصود في الاستعمال القرآني، ولا شك أن الشافعي متأثر بأسلوب القرآن غاية التأثر، فإذا وقفنا في كلامه على لفظ له معنى خاص في القرآن الكريم وجب حمله عليه، لا على المعنى المصطلح عليه عند المتأخرين، فقد قال تعالى: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات:٧] وهذه كلها محرمات، فهذا المعنى - والله أعلم - هو الذي أراده الشافعي ﵀ بقوله المتقدم: (وأكره)، ويؤيده أنه قال عقب ذلك: وإن صلى إليه أجزأه، وقد أساء؛ فإن قوله: (أساء) معناه: ارتكب سيئة، أي حرامًا، فإنه هو المراد بالسيئة في أسلوب القرآن أيضًا، فقد قال تعالى في سورة (الإسراء) بعد أن نهى عن قتل الأولاد، وقربان الزنى، وقتل النفس وغير ذلك: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: ٣٨] أي: محرمًا.\nويؤكد أنّ هذا المعنى هو المراد من الكراهة في كلام الشافعي في هذه المسألة: أن مذهبه أن الأصل في النهي التحريم، إلا ما دلّ الدليل على أنه لمعنى آخر، كما صرح بذلك في رسالته (جماع العلم) (١) ونحوه في كتابه (الرسالة) (٢)، ومن المعلوم لدى كل من درس هذه المسألة بأدلتها أنه لا يوجد أي دليل يصرف النهي الوارد في بعض الأحاديث المتقدمة إلى غير التحريم كيف والأحاديث تؤكد أنه للتحريم ...؟ ولذلك فإني أقطع بأن التحريم هو مذهب الشافعي، لاسيما وقد صرح بالكراهة بعد أن ذكر حديث: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) ... فلا غرابة إذًا إن صرح الحافظ العراقي -وهو شافعي المذهب - بتحريم بناء المسجد على القبر كما تقدم والله أعلم.\nولهذا نقول: لقد أخطأ من نسب إلى الإمام الشافعي القول بإباحة تزوج الرجل بنته من الزنى بحجّة أنه صرّح بكراهة ذلك والكراهة لا تنافي الجواز إذا كانت للتنزيه! قال ابن القيم: نصّ الشافعي على كراهة تزوج الرجل بنته من ماء الزنى، ولم يقل قطّ أنه مباح ولا جائز، والذي يليق بجلالته وإمامته\nومنصبه الذي أحلّه الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظ الكراهة لأن الحرام يكرهه الله ورسوله ﷺ، وقد قال تعالى عقب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند\nقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ... [الإسراء: ٢٣] إلى قوله: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ... [الأنعام:١٥١] إلى قوله: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] إلى آخر الآيات ثم قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:٣٨]، وفي (الصحيح): «إن الله ﷿ كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال» (٤).\n_________\n(١) «جماع العلم» (ص١٢٥).\n(٢) «الرسالة» (ص٣٤٣).\n(٣) رواه البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠) بدون لفظ: (النصارى)، وأحمد (٢/ ٢٨٥) (٧٨١٨) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁. قال شعيب الأرناؤوط محقق المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٤) رواه البخاري (٢٤٠٨) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. ومسلم (١٧١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":216},{"text":"فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله ﷺ، ولكن المتأخرين اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرّم، وتركه أرجح من فعله، ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلط في ذلك، وأقبح غلطًا منه من حمل لفظ الكراهة، أو لفظ لا ينبغي في كلام الله ورسوله ﷺ على المعنى الاصطلاحي الحادث! (١) ...\n٢ - مذهب الحنفية الكراهة التحريمية:\nوالكراهة بهذا المعنى الشرعي قد قال به هنا الحنفية فقال الإمام محمد تلميذ أبي حنيفة: لا نرى أن يُزاد على ما خرج من القبر ونكره أن يُجصص أو يُطين أو يُجعل عنده مسجدا (٢).\nوالكراهة عند الحنفية إذا أُطلقت فهي للتحريم كما هو معروف لديهم وقد صرح بالتحريم في هذه المسألة ابن الملك منهم ...\n٣ - مذهب المالكية التحريم:\nوقال القرطبي - بعد أن ذكر الحديث الخامس (٣) -: قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد (٤).\n٤ - مذهب الحنابلة التحريم:\nومذهب الحنابلة التحريم أيضا كما في (شرح المنتهى) (٥) وغيره بل نص بعضهم على بطلان الصلاة في المساجد المبنية على القبور ووجوب هدمها فقال ابن القيم في (زاد المعاد) في صدد بيان ما تضمنته غزوة تبوك من الفقه والفوائد وبعد أن ذكر قصة مسجد الضرار الذي نهى الله ﵎ نبيه أن يصلي فيه وكيف أنه ﷺ هدمه وحرقه؛ قال: ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يُعصى الله ورسوله ﷺ فيها، وهدمها كما حرق رسول الله ﷺ مسجد الضرار وأمر بهدمه وهو مسجد يُصلى فيه ويُذكر اسم الله فيه لما كان بناؤه ضررًا وتفريقًا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين وكل مكانٍ هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله إما بهدمٍ أو تحريقٍ وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وُضع له وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادًا من دون الله أحقّ بذلك وأوجب ... ومنها: أن الوقف لا يصحّ على غير برّ ولا قربة كما لم يصحّ وقف هذا المسجد وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بُني على قبر كما يُنبش الميت إذا دُفن في المسجد نصّ على ذلك الإمام أحمد وغيره؛ فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق فلو وضعا معًا لم يجز ولا يصحّ هذا الوقف، ولا يجوز ولا تصحّ الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدًا أو أوقد عليه سراجًا (٦) فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه، وغربته بين الناس كما ترى (٧).\n_________\n(١) «إعلام الموقعين» (١/ ٤٧ - ٤٨).\n(٢) «الآثار» لمحمد بن الحسن الشيباني (ص٤٥).\n(٣) وهو حديث عائشة ﵂ قالت: لما كان مرض النبي ﷺ تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها: مارية - وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة - فذكرن من حسنها وتصاويرها قالت: فرفع النبي ﷺ رأسه فقال: «أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». رواه البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨).\n(٤) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١٠/ ٣٨).\n(٥) «شرح منتهى الإرادات» للبهوتي (١/ ٣٥٣).\n(٦) «زاد المعاد» (٣/ ٢٢).\n(٧) «زاد المعاد» (٣/ ٢٢).","vol":"3","page":217},{"text":"فتبين مما نقلناه عن العلماء أن المذاهب الأربعة متفقة على ما أفادته الأحاديث المتقدمة من تحريم بناء المساجد على القبور. وقد نقل اتفاق العلماء على ذلك أعلم الناس بأقوالهم ومواضع اتفاقهم واختلافهم ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد سُئل ﵀ بما نصه: هل تصح الصلاة على المسجد إذا كان فيه قبر والناس تجتمع فيه لصلاتي الجماعة والجمعة أم لا؟ وهل يُمهد القبر أو يُعمل عليه حاجز أو حائط؟\nفأجاب: الحمد لله، اتفق الأئمة أنه لا يُبنى مسجد على قبرٍ لأنّ النبي ﷺ قال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (١).\nوأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّر إما بتسويةِ القبر، وإما بنبشه إن كان جديدًا، وإن كان المسجد بُني بعد القبر فإما أن يُزال المسجد، وإما أن تُزال صورة القبر؛ فالمسجد الذي على القبر لا يُصلّى فيه فرض ولا نفل فإنه منهيٌ عنه (٢).\nوقد تبنّت دار الإفتاء في الديار المصرية فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه فنقلتها عنه في فتوى لها أصدرتها تنصّ على عدم جواز الدفن في المسجد فليراجعها من شاء في (مجلة الأزهر) (٣)\nوقال ابن تيمية: يحرم الإسراج على القبور واتخاذ المساجد عليها وبينها ويتعين إزالتها ولا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين (٤) ...\nوهكذا نرى أن العلماء كلهم اتفقوا على ما دلت عليه الأحاديث من تحريم اتخاذ المساجد على القبور فنحذّر المؤمنين من مخالفتهم والخروج عن طريقتهم خشية أن يشملهم وعيد قوله ﷿: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:١١٥] وإِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:٣٧]. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد لمحمد ناصر الدين الألباني - ص١٠\nفأما العكوف والمجاورة عند شجرة أو حجر، تمثال أو غير تمثال، أو العكوف والمجاورة عند قبر نبي، أو غير نبي، أو مقام نبي أو غير نبي، فليس هذا من دين المسلمين. بل هو من جنس دين المشركين، الذين أخبر الله عنهم بما ذكره في كتابه، حيث قال: وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [الأنبياء:٥١ - ٥٨].\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٣٢). من حديث جندب ﵁.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١/ ١٠٧)، و(٢/ ١٩٢).\n(٣) «مجلة الأزهر» (١١٢/ ٥٠١، ٥٠٣).\n(٤) «الاختيارات العلمية» (ص٥٢).","vol":"3","page":218},{"text":"وقال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:٦٩ - ٨٢].\nوقال تعالى: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الأعراف:١٣٨ - ١٤٠].\nفهذا عكوف المشركين، وذاك عكوف المسلمين، فعكوف المؤمنين في المساجد لعبادة الله وحده لا شريك له، وعكوف المشركين على ما يرجونه، ويخافونه من دون الله، ومن يتخذونهم شركاء وشفعاء، فإن المشركين لم يكن أحد منهم يقول: إن العالم له خالقان، ولا إن الله له شريك يساويه في صفاته. هذا لم يقله أحد من المشركين، بل كانوا يُقرّون بأن خالق السماوات والأرض واحد كما أخبر الله عنهم بقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ [لقمان:٢٥]، وقوله تعالى: قُلْ لِّمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩].\nوكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك فقال تعالى لهم: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ [الروم:٢٨]. وكانوا يتخذون آلهتهم وسائط تقربهم إلى الله زُلفى، وتشفع لهم كما قال تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] وقال تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ [الزمر:٤٣ - ٤٤].\nوقال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ [يونس:١٨].","vol":"3","page":219},{"text":"وقال تعالى عن صاحب يس: وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [يس:٢٢ - ٢٥].\nوقال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: ٩٤]\nوقال تعالى: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ [السجدة:٤] وقال تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام:٥١]. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ٨٢٧\nقال الشيخ حافظ الحكمي-رحمه الله تعالى- في شرح منظومة سلم الوصول\nوَمَنْ عَلَى الْقَبْرِ سِرَاجًا أَوْقَدَا ... أوِ ابْتَنَى عَلَى الضَّرِيحِ مَسْجِدا\nفإِنَّهُ مُجَدِّدٌ جِهَارا ... لِسُنَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى\n(ومن على القبر) متعلق بأوقد (سراجا) مفعول (أوقدا) بألف الإطلاق، والمعنى: ومن أوقد سراجًا على القبر (أو ابتنى) بمعنى: بنا وزيدت التاء فيه لمعنى الاتخاذ (على الضريح) أي: على القبر، واشتقاقه من الضرح الذي هو الشق (مسجدا) أو اتخذ القبر نفسه مسجدا ولو لم يبن عليه (فإنه) أي فاعل ذلك (مجدد) بفعله ذلك (جهارًا) أي تجديدًا واضحًا مجاهرًا به الله ورسوله وأولياءه (لسنن) أي لطرائق (اليهود والنصارى) في اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد ويعكفون عليها، وأعياد لهم ينتابونها، ويترددون إليها، كيف وقد قال الرسول ﷺ للذين طلبوا منه ذات أنواط: «الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لتتبعن سنن من كان قبلكم» (١) وقال ﷺ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه». قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» أخرجاه من حديث أبي سعيد ﵁ (٢)، وقد وقع الأمر والله كما أخبر ﷺ به، فالله المستعان.\nكَمْ حَذَّرَ الْمُخْتَارُ عَنْ ذَا وَلَعَنْ ... فَاعِلَهُ كَمَا رَوَى أَهْلُ السُّنَنْ\nبَلْ قَدْ نَهَى عَنِ ارْتِفَاعِ الْقَبْرِ ... وَأَنْ يُزَادَ فِيهِ فَوْقَ الشِّبْرِ\nوَكُلُّ قَبْرٍ مُشْرِفٍ فَقَدْ أَمَرْ ... بِأَنْ يُسَوَّى هَكَذَا صَحَّ الْخَبَرْ\n_________\n(١) رواه ابن حبان (٦٧٠٢)، والطبراني (٣/ ٢٤٤). من حديث أبي واقد الليثي ﵁. قال شعيب الأرناؤوط محقق «صحيح ابن حبان»: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) رواه البخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩).","vol":"3","page":220},{"text":"(كم) خبرية للتكثير (حذر المختار) نبينا محمدًا ﷺ (عن ذا) الفعل من اتخاذ القبور مساجد وأعيادًا والبناء عليها وإيقاد السرج عليها، كما في (الصحيح) عن عائشة ﵂: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ: «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح - أو الرجل الصالح - بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١). وفيه - أي في (الصحيح) - عنها هي - أي: عائشة - وعبدالله بن عباس ﵃: قال: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يُحذِّر ما صنعوا (٢) وفيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣). وعن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» رواه الجماعة إلا البخاري، وابن ماجه (٤)، وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا» رواه الجماعة إلا ابن ماجه (٥). وعن جندب بن عبدالله البجلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: «إنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إنّي أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم (٦). وعن جابر ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» رواه أحمد ومسلم والثلاثة (٧) وصححه الترمذي ولفظه: «نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ»، وفي لفظ النسائي: «نهى أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه»، وعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أهل السنن (٨). وللترمذي وصححه عن أبي هريرة ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور» (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨).\n(٢) رواه البخاري (٤٣٥، ٤٣٦)، ومسلم (٥٣١).\n(٣) رواه البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠) بدون لفظة: (النصارى)، وأحمد (٢/ ٢٨٥) (٧٨١٨) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁. قال شعيب الأرناؤوط محقق المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٤) رواه مسلم (٩٧٢)، وأبو داود (٣٢٢٩)، والترمذي (١٠٥٠)، والنسائي (٢/ ٦٧).\n(٥) رواه البخاري (٤٣٢)، ومسلم (٧٧٧)، وأبو داود (١٠٤٣)، والترمذي (٤٥١)، والنسائي (٣/ ١٩٧).\n(٦) رواه مسلم (٥٣٢).\n(٧) رواه مسلم (٩٧٠)، وأبو داود (٣٢٢٥)، والترمذي (١٠٥٢)، والنسائي (٤/ ٨٧)، وأحمد (٣/ ٢٩٥) (١٤١٨١).\n(٨) رواه أبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٤/ ٩٤). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حسن. ووافقه البغوي في «شرح السنة» (٢/ ١٥٠)، وابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ٣٤٥) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «تحذير الساجد» (٥٩): الحديث صحيح لغيره إلا (اتخاذ السرج) فإنه: منكر، لم يأت إلا من هذا الطريق الضعيف.\n(٩) رواه الترمذي (١٠٥٦). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال البغوي في «شرح السنة» (٢/ ١٥١): صحيح. وقال ابن القطان في «المحرر» (٢٠٦)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن.","vol":"3","page":221},{"text":"ولابن ماجه مثله من حديث حسان ﵁ (١)، ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» رواه أبو حاتم ابن حبان في (صحيحه) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» رواه أبو داود بإسناد حسن ورواته ثقات (٣) ...، وقال سعيد بن منصور في (سننه): حدثنا عبدالعزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي صالح قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة ﵂ يتعشَّى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت لا أريده، فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم. لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء (٤). وروى مالك في (الموطأ) أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٥). وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا.\n(وقد نهى) النبي ﷺ، عن (ارتفاع القبر) بالبناء أو نحوه، كما تقدم من النهي عن تجصيصها والبناء عليها، ... من الأمر بتسويتها (وأن يزاد فيه فوق شبر) كما في (السنن) عن جابر ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ أن يُبنى على القبر أو يُزاد عليه أو يُجصص» (٦).\n(وكل قبر مشرف) يعني مرتفع (فقد أمر النبي ﷺ (بأن يُسوّى) بالأرض أو بما عداه من القبور التي لم تجاوز الشرع في ارتفاعها، (هكذا صح الخبر)، وهو ما رواه مسلم عن ثمامة بن شُفِي قال: كنا مع فَضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا، فأمر فَضالة بن عبيد بقبره فسوي ثم قال: «سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها» (٧). وله عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ «ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سوَّيته» (٨). معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ الحكمي – ٢/ ٦٥٩\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (١٢٧٩). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٤٣ - ٤٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٤٠٥) (٣٨٤٤)، وابن حبان (١٥/ ٢٦٠)، ورواه الطبراني (١٠/ ١٨٨)، وأبو يعلى (٩/ ٢١٦)، والشطر الأول من الحديث رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (٧٠٦٧). قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص٣٣٠): رواه أحمد بإسنادٍ جيد. وقال أحمد شاكر في «المسند» (٥/ ٣٢٤): إسناده صحيح. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: صحيح.\n(٣) رواه أبو داود (٢٠٤٢). وسكت عنه. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٩٢) - كما أشار لذلك في مقدمته -، والنووي في «الأذكار» (١٥٤). وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ١٦٩): إسناده حسن وله شواهد. وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٣/ ٣١٤): حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٤) رواه سعيد بن منصور في «سننه» مرسلًا كما في «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (ص١٠٦). قال ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (١/ ٣٠١)، وابن عبدالهادي الحنبلي في «الصارم المنكي» (٣٢٢): مرسل. قال الألباني في «أحكام الجنائز» (ص٢٢٠): مرسل بإسنادٍ قوي.\n(٥) رواه مالك في «الموطأ» (١/ ١٧٢) مرسلًا عن عطاء بن يسار ﵀. قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢/ ٣٤٧): روي متصلًا مسندًا. وقال ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ٣٤٩): مرسل. وقال الألباني في «غاية المرام» (١٢٦): صحيح.\n(٦) رواه النسائي (٤/ ٨٦)، والبيهقي (٣/ ٤١٠). قال المعلمي في «البناء على القبور» (٩٤): رواته ثقات، وفيه ما يعلم مما تقدم [يعني عنعنة ابن جريج مع الزيادة]. وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.\n(٧) رواه مسلم (٩٦٨).\n(٨) رواه مسلم (٩٦٩).","vol":"3","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-812>ثالثًا: شبهات حول اتخاذ القبور مساجد وحكم مسجد الرسول ﷺ</span>\nأولًا: قوله تعالى في سورة الكهف: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:٢١]، وجه دلالة الآية على ذلك: أنّ الذين قالوا هذا القول كانوا نصارى، على ما هو مذكور في كتب التفسير، فيكون اتخاذ المسجد على القبر من شريعتهم، وشريعة من قبلنا شريعة لنا إذا حكاها الله تعالى، ولم يعقبها بما يدل على ردها كما في هذه الآية الكريمة.\nثانيًا: كون قبر النبي ﷺ في مسجده الشريف، ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه ﷺ في مسجده!\nثالثًا: صلاة النبي ﷺ في مسجد الخيف مع أن فيه قُبِر سبعين نبيًا كما قال ﷺ (١)!\nرابعًا: ما ذكر في بعض الكتب أن قبر إسماعيل ﵇ وغيره في الحجر من المسجد الحرام، وهو أفضل مسجد يتحرى المصلي فيه.\nخامسًا: بناء أبي جندل ﵁ مسجدًا على قبر أبي بصير ﵁ في عهد النبي ﷺ كما جاء في «الاستيعاب» لابن عبد البر (٢).\nسادسًا: زعم بعضهم أن المنع من اتخاذ القبور مساجد إنما كان لعلة خشية الافتتان بالمقبور، زالت برسوخ التوحيد في قلوب المؤمنين، فزال المنع!\nالجواب عن الشبهة الأولى:\nأما الشبهة الأولى فالجواب عنها من ثلاثة وجوه:\nالأول: أن الصحيح المتقرر في علم الأصول أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا لأدلة كثيرة منها: قوله ﷺ: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدًا من الأنبياء قبلي ... (فذكرها، وآخرها) وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة» (٣)\nفإذا تبين هذا فلسنا ملزمين بالأخذ بما في الآية لو كانت تدل على أن جواز بناء المسجد على القبر كان شريعة لمن قبلنا!\nالثاني: هب أن الصواب قول من قال: (شريعة من قبلنا شريعة لنا) فذلك مشروط عندهم بما إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وهذا الشرط معدوم هنا، لأن الأحاديث تواترت في النهي عن البناء المذكور كما سبق، فذلك دليل على أن ما في الآية ليس شريعة لنا.\nالثالث: لا نسلم أن الآية تفيد أن ذلك كان شريعة لمن قبلنا غاية ما فيها أن جماعة من الناس قالوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:٢١] فليس فيها التصريح بأنهم كانوا مؤمنين، وعلى التسليم فليس فيها أنهم كانوا مؤمنين صالحين، متمسكين بشريعة نبيٍ مرسل، بل الظاهر خلاف ذلك، قال الحافظ ابن رجب في (فتح الباري في شرح البخاري) ..: حديث: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤).\n_________\n(١) رواه الطبراني (١٢/ ٤١٤) بلفظ: «في مسجد الخيف قُبِر سبعين نبيًا». من حديث ابن عمر ﵄. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٣٠٠): رواه البزار ورجاله ثقات. وقال ابن حجر في «مختصر البزار» (١/ ٤٧٦): إسناده صحيح. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٤٠٢٠): ضعيف.\n(٢) «الاستيعاب» (٢/ ١٣). وقال الألباني في «تحذير الساجد»: منكر.\n(٣) رواه البخاري (٣٣٥) بلفظة: (عامةً) بدلًا من (كافةً)، ومسلم (٥٢١) بلفظة: (خاصة). من حديث جابر بن عبد الله ﵄.\n(٤) رواه البخاري (٤٤٤١). من حديث عائشة ﵂.","vol":"3","page":223},{"text":"وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله ﷿ في قصة أصحاب الكهف: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:٢١]، فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى (١).\nوقال الشيخ علي بن عروة في (مختصر الكوكب) .. تبعًا للحافظ ابن كثير في (تفسيره): حكى ابن جرير (٢) في القائلين ذلك قولين (٣):\nأحدهما: أنهم المسلمون منهم.\nوالثاني: أهل الشرك منهم.\nفالله أعلم، والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هم محمودون أم لا؟ فيه نظر، لأن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يُحذِّر ما فعلوا (٤)، وقد رُوِّينا عن عمر بن الخطاب: أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدها عنده، فيها شيء من الملاحم وغيرها (٥).\nإذا عرفت هذا، فلا يصح الاحتجاج بالآية على وجه من الوجوه، وقال العلامة المحقق الألوسي في (روح المعاني): واستدل بالآية على جواز البناء على قبور العلماء واتخاذ مسجد عليها، وجواز الصلاة في ذلك! وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في (حواشيه على البيضاوي)، وهو قول باطل عاطل، فاسد كاسد ...) (٦).\nثم ذكر بعض الأحاديث المتقدمة، وأتبعها بكلام الهيتمي في (الزواجر) مقرًا له عليه، ... ثم نقل عنه في كتابه (شرح المنهاج) ما نصه: وقد أفتى جمعٌ بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية، حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة، التي بناها بعض الملوك، وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة، فيتعين الرفع للإمام آخذًا من كلام ابن الرفعة في الصلح. اهـ.\n_________\n(١) «فتح الباري» (٣/ ١٩٤).\n(٢) «تفسير الطبري» (١٧/ ٦٤٠).\n(٣) قال الألباني: وحكاهما أيضًا: ابن الجوزي في تفسيره «زاد المسير» (٥/ ١٢٣) دون أن يرجح أحدهما على عادته.\n(٤) رواه البخاري (٤٣٥، ٤٣٦)، ومسلم (٥٣١) بلفظة: (صنعوا) بدلًا من (فعلوا). من حديث عائشة وابن عباس ﵃.\n(٥) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٧٨)\n(٦) «روح المعاني» (٥/ ٣١).","vol":"3","page":224},{"text":"ثم قال الإمام الألوسي: لا يقال: إن الآية ظاهرة في كون ما ذكر من شرائع من قبلنا، وقد استُدِلَّ بها، فقد روي أنه ﷺ قال: «من نام عن صلاة أو نسيها» (١)، الحديث ثم تلا قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:١٤]، وهو مقول لموسى ﵇، وسياقه الاستدلال، واحتج أبو يوسف على جري القود بين الذكر والأنثى بآية: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ [المائدة: ٤٥]، والكرخي على جريه بين الحر والعبد، والمسلم والذمي بتلك الآية الواردة في بني إسرائيل، إلى غير ذلك، لأنا نقول: مذهبنا في شرع من قبلنا وإن كان أنه يلزمنا على أنه شريعتنا، لكن لا مطلقًا، بل إنْ قصّ الله تعالى علينا بلا إنكار فإنكار رسوله ﷺ كإنكاره ﷿ (٢). وقد سَمِعتَ أنه ﵊ لعن الذين يتخذون المساجد على القبور، على أن كون ما ذكر من شرائع من قبلنا ممنوع، وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، والآية ليست كالآيات التي ذكرنا آنفًا احتجاجُ الأئمة بها، وليس فيها أكثر من حكاية قول طائفة من الناس وعزمهم على فعل ذلك، وليست خارجة مخرج المدح لهم والحض على التأسي بهم، فمتى لم يثبت أن فيهم معصومًا لا يدل على فعلهم عن عزمهم على مشروعية ما كانوا بصدده.\nومما يقوي قلة الوثوق بفعلهم القول بأن المراد بهم: الأمراء والسلاطين، كما روي عن قتادة.\nوعلى هذا لقائلٍ أن يقول: إن الطائفة الأولى كانوا مؤمنين عالمين بعدم مشروعية اتخاذ المساجد على القبور، فأشاروا بالبناء على باب الكهف وسدّه، وكفّ التعرض لأصحابه، فلم يقبل الأمراء منهم، وغاظهم ذلك حتى أقسموا على اتخاذ المسجد.\nوإن أبيت إلا حسن الظن بالطائفة الثانية فلك أن تقول: إن اتخاذهم المسجد عليهم ليس على طراز اتخاذ المساجد على القبور المنهي عنه، الملعون فاعله، وإنما هو اتخاذ مسجد عندهم وقريبًا من كهفهم، وقد جاء التصريح بالعندية في رواية القصة عن السدي ووهب، ومثل هذا الاتخاذ ليس محذورًا إذ غاية ما يلزم على ذلك أن يكون نسبة المسجد إلى الكهف الذي هم فيه، كنسبة النبوي إلى المرقد ... صلى الله تعالى على من فيه وسلم، ويكون قوله: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ [الكهف:٢١] على هذه الشاكلة قول الطائفة: (ابنوا عليهم).\nوإن شئت قلت: إن ذلك الاتخاذ كان على كهفٍ فوق الجبل الذي هم فيه، وفيه خبر مجاهد: أن الملك تركهم في كهفهم وبنى على كهفهم مسجدًا، وهذا أقرب لظاهر اللفظ كما لا يخفى، وهذا كله إنما يحتاج إليه على القول بأن أصحاب الكهف ماتوا بعد الإعثار عليهم، وأما على القول بأنهم ناموا كما ناموا أولًا فلا يحتاج إليه على ما قيل (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) بلفظ: «من نسي صلاةً أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها»، واللفظ لمسلم من حديث أنس ﵁.\n(٢) قال الألباني: لقوله ﷺ «فإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله». وهو حديث صحيح. اهـ. والحديث: رواه أبو داود (٤٦٠٤)، والترمذي (٢٦٦٤)، وابن ماجه (١٢)، وأحمد (٤/ ١٣٢) (١٧٢٣٣). من حديث المقدام بن معد يكرب ﵁.\n(٣) قال الألباني: يشير إلى ما ذكره في أول الصفحة الأولى من الصفحتين المشار إليهما وهو قوله: وعن الحسن: أنه اتخذ (يعني: المسجد) ليصلي فيه أصحاب الكهف إذا استيقظوا. قال الألوسي: وهذا مبني على أنهم لم يموتوا بل ناموا كما ناموا أولًا وإليه ذهب بعضهم، بل قيل: إنهم لا يموتون حتى يظهر المهدي ويكونوا من أنصاره. ولا معول على ذلك وهو عندي أشبه شيء بالخرافات.","vol":"3","page":225},{"text":"وبالجملة: لا ينبغي لمن له أدنى رشد أن يذهب إلى خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة، معولًا على الاستدلال بهذه الآية، فإن ذلك في الغواية غاية، وفي قلة النُهى نهاية! ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور الصالحين من إشرافها، وبنائها بالجص والآجرّ، وتعليق القناديل عليها، والصلاة إليها، والطواف بها، واستلامها، والاجتماع عندها، في أوقات مخصوصة، إلى غير ذلك محتجًا بهذه الآية الكريمة، وبما جاء في بعض روايات القصة من جعل الملك لهم في كل سنة عيدًا، وجعله إياهم في توابيت من ساج، ومقيسًا لبعض على بعض! وكل ذلك محادة لله تعالى ورسوله ﷺ، وابتداع دين لم يأذن به الله ﷿.\nويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله ﷺ في قبره ﵊ - وهو أفضل قبر على وجه الأرض - والوقوف على أفعالهم في زيارتهم له، والسلام عليه، فتتبع ذاك وتأمل ما هنا وما هناك، والله سبحانه يتولى هداك.\n... وقد استدل بالآية المذكورة على الجواز المزعوم، بل على استحباب بناء المساجد على القبور بعض المعاصرين لكن من وجهٍ آخرٍ مبتدعٍ مغايرٍ بعض الشيء لما سبق حكايته ورده فقال ما نصه: والدليل من هذه الآية إقرار الله إياهم على ما قالوا، وعدم رده عليهم!\n... هذا الاستدلال باطل من وجهين:\nالأول: أنه لا يصحّ أن يعتبر عدم الرد عليهم إقرارًا لهم، إلا إذا ثبت أنهم كانوا مسلمين وصالحين متمسكين بشريعة نبيهم، وليس في الآية ما يشير أدنى إشارة إلى أنهم كانوا كذلك، بل يحتمل أنهم لم يكونوا كذلك، وهذا هو الأقرب؛ أنهم كانوا كفارًا أو فجارًا، كما ... -نقل عن- ابن رجب وابن كثير وغيرهما، وحينئذ فعدم الرد عليهم لا يعد إقرارًا بل إنكارًا، لأن حكاية القول عن الكفار والفجار يكفي في رده عزوه إليهم! فلا يعتبر السكوت عليه إقرارًا كما لا يخفى، ويؤيده الوجه الآتي:\nالثاني: أن الاستدلال المذكور إنما يستقيم على طريقة أهل الأهواء من الماضين والمعاصرين، الذين يكتفون بالقرآن فقط دينًا، ولا يقيمون للسنة وزنًا، وأما طريقة أهل السنة والحديث الذين يؤمنون بالوحيين، مصدقين بقوله ﷺ في الحديث الصحيح المشهور: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» وفي رواية: «ألا إنّ ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله» (١).\nفهذا الاستدلال عندهم والمستدل يزعم أنه منهم! باطل ظاهر البطلان، لأن الرد الذي نفاه، قد وقع في السنة المتواترة كما سبق، فكيف يقول: إن الله أقرهم ولم يرد عليهم، مع أن الله لعنهم على لسان نبيه ﷺ، فأي ردٍّ أوضح وأبين من هذا؟!\nوما مثل من يستدل بهذه الآية على خلاف الأحاديث المتقدمة؛ إلا كمثل من يستدل على جواز صنع التماثيل والأصنام بقوله تعالى في الجن الذين كانوا مذللين لسليمان ﵇: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [سبأ:١٣] يستدل بها على خلاف الأحاديث الصحيحة التي تحرم التماثيل والتصاوير! وما يفعل ذلك مسلم يؤمن بحديثه ﷺ.\nوبهذا ينتهي الكلام عن الشبهة الأولى، وهي الاستدلال بآية الكهف والجواب عنها وعن ما تفرع منها.\nالجواب عن الشبهة الثانية:\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٠٤) بلفظ: (الكتاب) بدلًا من: (القرآن)، والترمذي (٢٦٦٤)، وابن ماجه (١٢)، وأحمد (٤/ ١٣٠) (١٧٢١٣)، و(٤/ ١٣٢) (١٧٢٣٣). من حديث المقدام بن معد يكرب ﵁. والحديث حسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١٢٩) - كما أشار لهذا في مقدمته -. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: صحيح.","vol":"3","page":226},{"text":"وأما الشبهة الثانية وهي أن قبر النبي ﷺ في مسجده كما هو مشاهد اليوم، ولو كان ذلك حرامًا لم يدفن فيه!\nوالجواب: أن هذا وإن كان هو المشاهد اليوم، فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة ﵃، فإنهم لما مات النبي ﷺ دفنوه في حجرته التي كانت بجانب مسجده، وكان يفصل بينهما جدار فيه باب، كان النبي ﷺ يخرج منه إلى المسجد، وهذا أمر معروف مقطوع به عند العلماء، ولا خلاف في ذلك بينهم، والصحابة ﵃ حينما دفنوه ﷺ في الحجرة، إنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجدًا، كما ... في حديث عائشة وغيره (١)، ولكن وقع بعدهم ما لم يكن في حسبانهم! ذلك أن الوليد بن عبدالملك أمر سنة ثمان وثمانين بهدم المسجد النبوي وإضافة حُجر أزواج رسول الله ﷺ إليه، فأدخل فيه الحجرة النبوية حجرة عائشة، فصار القبر بذلك في المسجد (٢)، ولم يكن في المدينة أحد من الصحابة حينذاك خلافًا لما توهم بعضهم، قال العلامة الحافظ محمد بن عبدالهادي في (الصارم المنكي): وإنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبدالملك، بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان آخرهم موتًا جابر بن عبدالله ﵄، وتوفي في خلافة عبدالملك، فإنه توفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولى سنة ست وثمانين، وتوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك (٣)، وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري، في كتاب (أخبار مدينة الرسول ﷺ) عن أشياخه وعمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائبًا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب وهدم حجرات أزواج النبي - ﷺ - فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم (٥٢٩). ولفظه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). لولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خَشِيَ أو خٌشِيَ أن يتخذ مسجدًا. من حديث عائشة ﵁.\n(٢) انظر: «تاريخ ابن جرير» (٥/ ٢٢ - ٢٣)، و«تاريخ ابن كثير» (٩/ ٧٤ - ٧٥).\n(٣) قال الألباني: وإنما لم يسم الحافظ ابن عبدالهادي السنة التي وقع فيها ذلك لأنها لم ترد في رواية ثابتة على طريقة المحدثين، وما نقلناه عن ابن جرير هو من رواية الواقدي وهو متهم، ورواية ابن شبة الآتية في كلام الحافظ ابن عبدالهادي مدارها على مجاهيل، وهم عن مجهول! كما هو ظاهر، فلا حجة في شيء من ذلك، وإنما العمدة على اتفاق المؤرخين على أن إدخال الحجرة إلى المسجد كان في ولاية الوليد، وهذا القدر كاف في إثبات أن ذلك كان بعد موت الصحابة الذين كانوا في المدينة حسبما بيَّنه الحافظ لكن يُعكّر عليه ما رواه أبو عبدالله الرازي في «مشيخته» (١/ ٢١٨) عن محمد بن الربيع الجيزري: توفي سهل بن سعد بالمدينة وهو ابن مائة سنة وكانت وفاته: سنة إحدى وتسعين وهو آخر من مات بالمدينة من أصحاب النبي ﷺ. لكن الجيزري هذا لم أعرفه ثم هو معضل، وقد ذكر مثله الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (٢/ ٨٧) عن الزهري من قوله: فهو معضل أيضًا أو مرسل، ثم عقبه بقوله: وقيل: قبل ذلك، وزعم ابن أبي داود أنه مات بالإسكندرية. وجزم في (التقريب): أنه مات سنة ٨٨ فالله أعلم. وخلاصة القول: أنه ليس لدينا نص تقوم به الحجة على أن أحدًا من الصحابة كان في عهد عملية التغيير هذه، فمن ادّعى خلاف ذلك فعليه الدليل.\n(٤) انظر: «الصارم المنكي» (ص١٣٦).","vol":"3","page":227},{"text":"يتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما أدخل إلى المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة وإن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته ﷺ، فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة، لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما فهم الصحابة والأئمة منها ... وهو مخالف أيضًا لصنيع عمر وعثمان حين وسّعا المسجد ولم يدخلا القبر فيه، ولهذا نقطع بخطأ ما فعله الوليد بن عبدالملك عفا الله عنه، ولئن كان مضطرًا إلى توسيع المسجد، فإنه كان باستطاعته أن يوسّعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو ﵁ بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى ولم يتعرض للحجرة، بل قال: (إنه لا سبيل إليها) (١) فأشار ﵁ إلى المحذور الذي يترقب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد.\nومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين، فإن المخالفين لما أدخلوا القبر النبوي في المسجد الشريف احتاطوا للأمر شيئًا ما، فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم، قال النووي: ولما احتاجت الصحابة (٢) والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة ﵂ مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ بنوا على القبر حيطانًا مرتفعةً مستديرةً حوله، لئلا يظهر في المسجد (٣)، فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر (٤).\nونقل الحافظ ابن رجب في (الفتح) نحوه عن القرطبي كما في (الكوكب) (٦٥/ ٩١/١)، وذكر ابن تيمية في (الجواب الباهر) (ق٩/ ٢): أن الحجرة لما أُدخلت إلى المسجد سُدَّ بابها، وبُني عليها حائط آخر، صيانةً له ﷺ أن يُتخذ بيته عيدًا، وقبره وثنًا. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد لمحمد ناصر الدين الألباني – ص: ٥٤\nالجواب عن الشبهة الثالثة:\nوأما الشبهة الثالثة، وهي أن النبي ﷺ صلى في مسجد الخيف وقد ورد في الحديث أن فيه قَبر سبعين نبيًّا!\nفالجواب: أننا لا نشك في صلاته ﷺ في هذا المسجد، ولكننا نقول: إن ما ذكر في الشبهة من أنه دفن فيه سبعون نبيًا لا حجة فيه من وجهين:\n_________\n(١) قال الألباني: انظر: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٤/ ٢١)، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر (٨/ ٤٧٨/٢) وقال السيوطي في «الجامع الكبير» (٣/ ٢٧٢/٢): وسنده صحيح إلا أن سالمًا أبا النضر لم يدرك عمر، و«وفاء الوفاء» للسمهودي (١/ ٣٤٣)، و«المشاهدات المعصومية عند قبر خير البرية» للعلامة محمد سلطان العصومي رحمه الله تعالى (ص٤٣) وهو مؤلف رسالة «هداية السلطان إلى بلاد اليابان».\n(٢) قال الألباني: عزو هذا إلى الصحابة لا يثبت ....\n(٣) قال الألباني: وفي هذا دليل واضح على أن ظهور القبر في المسجد ولو من وراء النوافذ والحديد والأبواب لا يزيل المحذور، كما هو الواقع في قبر يحيى ﵇ في مسجد بني أمية في دمشق وحلب، ولهذا نص أحمد على أن الصلاة لا تجوز في المسجد الذي قبلته إلى قبر، حتى يكون بين حائط المسجد وبين المقبرة حائل آخر.\n(٤) «شرح صحيح مسلم» (٥/ ١٤).","vol":"3","page":228},{"text":"الأول: أننا لا نسلم صحة الحديث المشار إليه، لأنه لم يروه أحد ممن عني بتدوين الحديث الصحيح، ولا صححه أحد ممن يوثق بتصحيحه من الأئمة المتقدمين، ولا النقد الحديثي يساعد على تصحيحه، فإن في إسناده من يروي الغرائب وذلك مما يجعل القلب لا يطمئن لصحة ما تفرد به، قال الطبراني في (معجمه الكبير): حدثنا عبدان بن أحمد نا عيسى بن شاذان، نا أبو همام الدلال، نا إبراهيم بن طمهان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: «في مسجد الخيف قَبرُ سبعين نبيًا» (١).\nوأورده الهيثمي (المجمع) بلفظ: «... قُبِرَ سبعون نبيًا» وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.\nوهذا قصور منه في التخريج، فقد أخرجه الطبراني أيضًا كما رأيت.\nوأنا أخشى أن يكون الحديث تحرّف على أحدهما فقال: (قُبِر) بدل (صلى) لأن هذا اللفظ الثاني هو المشهور في الحديث، فقد أخرج الطبراني في (الكبير) بإسنادٍ رجاله ثقات عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا: «صلى في مسجد الخيف سبعون نبيًا ...» الحديث (٢) ...\nوجملة القول: أن الحديث ضعيف لا يطمئن القلب لصحته، فإن صح فالجواب عنه من الوجه الآتي وهو:\nالثاني: أن الحديث ليس فيه أن القبور ظاهرة في مسجد الخيف، وقد عقد الأزرقي في (تاريخ مكة) (٣) عدة فصول في وصف مسجد الخيف، فلم يذكر أن فيه قبورًا بارزةً، ومن المعلوم أن الشريعة إنما تُبنى أحكامها على الظاهر، فإذًا ليس في المسجد المذكور قبور ظاهرة، فلا محظور في الصلاة فيه ألبتة، لأن القبور مندرسة ولا يعرفها أحد، بل لولا هذا الخبر الذي عرفت ضعفه لم يخطر في بال أحد أن في أرضه سبعين قبرًا! ولذلك لا يقع فيه تلك المفسدة التي تقع عادة في المساجد المبنية على القبور الظاهرة والمشرفة!.\nالجواب عن الشبهة الرابعة:\nوأما ما ذكر في بعض الكتب أن قبر إسماعيل ﵇ وغيره في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى فيه.\nفالجواب: لا شك أن المسجد الحرام أفضل المساجد والصلاة فيه بمائة ألف صلاة (٤)، ولكن هذه الفضيلة أصلية فيه منذ رفع قواعده إبراهيم مع ابنه إسماعيل ﵉، ولم تطرأ هذه الفضيلة عليه بدفن إسماعيل ﵇ فيه لو صح أنه دفن فيه، ومن زعم خلاف ذلك، فقد ضلَّ ضلالًا بعيدًا، وجاء بما لم يقله أحد من السلف الصالح ﵃، ولا جاء به حديث تقوم الحجة به.\nفإن قيل: لا شك فيما ذكرت، ودفن إسماعيل فيه لا يخالف ذلك، ولكن ألا يدل هذا على الأقل على عدم كراهية الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؟\nفالجواب: كلا ثم كلا، وهاك البيان من وجوه:\n_________\n(١) رواه الطبراني (١٢/ ٤١٤) بلفظ: «في مسجد الخيف قُبِر سبعين نبيًا». من حديث ابن عمر ﵄. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٣٠٠): رواه البزار ورجاله ثقات. وقال ابن حجر في «مختصر البزار» (١/ ٤٧٦): إسناده صحيح. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: ضعيف.\n(٢) رواه الطبراني (١١/ ٤٥٢). من حديث عبد الله بن عباس ﵄. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٣٠٠): رواه الطبراني في «الكبير» وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: حسن.\n(٣) «تاريخ مكة» (٤٠٦ - ٤١٠).\n(٤) قال ﷺ: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه». رواه ابن ماجه (١٤٠٦)، وأحمد (٣/ ٣٤٣) (١٤٧٣٥). قال ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥١٧): إسناده صحيح. وقال العراقي في «طرح التثريب» (٦/ ٤٧): إسناده جيد. وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٤/ ١٥٥٠): إسناده صحيح إلا أنه اختلف فيه على عطاء. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.","vol":"3","page":229},{"text":"الأول: أنه لم يثبت في حديثٍ مرفوعٍ أن إسماعيل ﵇ أو غيره من الأنبياء الكرام دفنوا في المسجد الحرام، ولم يرد شيء من ذلك في كتابٍ من كتب السنة المعتمدة كـ (الكتب الستة)، و(مسند أحمد)، و(معاجم الطبراني الثلاثة) وغيرها، ضعيفًا بل موضوعًا عند بعض المحققين (١)، وغاية ما روي في ذلك من آثار معضلات، بأسانيد واهيات موقوفات، أخرجها الأزرقي في (أخبار مكة)، فلا يلتفت إليها وإن ساقها بعض المبتدعة مساق المسلمات (٢). ونحو ذلك ما أورد السيوطي في (الجامع) من رواية الحاكم في (الكنى) عن عائشة مرفوعًا بلفظ: «إن قبر إسماعيل في الحجر» (٣).\nالوجه الثاني: أن القبور المزعوم وجودها في المسجد الحرام غير ظاهرة ولا بارزة، ولذلك لا تقصد من دون الله تعالى، فلا ضرر من وجودها في بطن أرض المسجد، فلا يصح حينئذٍ الاستدلال بهذه الآثار على جواز اتخاذ المساجد على قبور مرتفعة على وجه الأرض لظهور الفرق بين الصورتين، وبهذا أجاب الشيخ على القاري رحمه الله تعالى، فقال في (مرقاة المفاتيح): ... وذكر غيره أن صورة قبر إسماعيل ﵇ في الحجر تحت الميزاب، وأن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قَبْرُ سبعين نبيًّا (٤).\nقال القاري: وفيه أن صورة قبر إسماعيل ﵇ وغيره مندرسة فلا يصلح الاستدلال (٥).\nوهذا جواب عالم نحرير، وفقيه خريت، وفيه الإشارة إلى ما ذكرناه آنفًا، وهو أن العبرة في هذه المسألة بالقبور الظاهرة، وأن ما في بطن الأرض من القبور، فلا يرتبط به حكم شرعي من حيث الظاهر، بل الشريعة تنزه عن مثل هذا الحكم، لأننا نعلم بالضرورة والمشاهدة أن الأرض كلها مقبرة الأحياء، كما قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]\nقال الشعبي: بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم (٦).\nومنه قول الشاعر:\nصاح هذي قبورنا تملأ الرحب ... فأين القبور من عهد عاد؟\nخفف الوطأ ما أظن أديم ... الأرض إلا من هذه الأجساد\nسر إن استطعت في الهواء رويدًا ... لا اختيالا على رفات العباد\nومن البيّن الواضح أن القبر إذا لم يكن ظاهرًا غير معروفًا مكانه، فلا يترتب من وراء ذلك مفسدة كما هو مشاهد، حيث ترى الوثنيات والشركيات إنما تقع عند القبور المشرفة، حتى ولو كانت مزورة! لا عند القبور المندرسة، ولو كانت حقيقية، فالحكمة تقتضي التفريق بين النوعين، وهذا ما جاءت به الشريعة كما بيّنا سابقًا، فلا يجوز التسوية بينهما، والله المستعان.\nالجواب عن الشبهة الخامسة:\n_________\n(١) قال الألباني: نقل السيوطي في «التدريب» عن ابن الجوزي قال: ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين العقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع. قال: ومعنى مناقضته للأصول أن يكون خارجًا من دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهورة. كذا في «الباعث الحثيث» (ص٨٥).\n(٢) قال الألباني: انظر: «إحياء المقبور» (٤٧ - ٤٨). ومن عجائب الجهل بالسنة أن بعض المفسرين المتأخرين احتج بهذه الآثار الواهية على جواز الصلاة في المقبرة بقصد الاستظهار بروح الميت أو وصول أثر ما من أثر عبادته لا للتعظيم له والتوجه نحوه! وهذا مع أنه لا دليل فيها على ما زعمه من الجواز، فهو مخالف لعموم الأدلة الناهية عن الصلاة في المقبرة وما شابهها من المساجد المبنية على القبور ...\n(٣) قال الألباني في «ضعيف الجامع الصغير» (١٩٠٧): ضعيف.\n(٤) (مرقاة المفاتيح) (١/ ٤٥٦).\n(٥) (مرقاة المفاتيح) (١/ ٤٥٦).\n(٦) رواه الدولابي (١/ ١٢٩)، والطبري في «تفسيره» (٢٤/ ١٣٤). قال الألباني في «تحذير الساجد»: رجاله ثقات.","vol":"3","page":230},{"text":"أما بناء أبي جندل ﵁ مسجدًا على قبر أبي بصير ﵁ في عهد النبي ﷺ، فشبهة لا تساوي حكايتها! ولولا أن بعض ذوي الأهواء من المعاصرين اتكأ عليها في رد تلك الأحاديث المحكمة لما سمحت لنفسي أن أسوّد الصفحات في سبيل الجواب عنها وبيان بطلانها! والكلام عليها من وجهين:\nالأول: رد ثبوت البناء المزعوم من أصله، لأنه ليس له إسناد تقوم الحجة به، ولم يروه أصحاب (الصحاح) و(السنن) و(المسانيد) وغيرهم، وإنما أورده ابن عبدالبر في ترجمة أبي بصير من (الاستيعاب) مرسلًا، فقال: وله قصة في المغازي عجيبة، ذكرها ابن إسحاق وغيره وقد رواها معمر عن ابن شهاب. ذكر عبدالرزاق عن معمر عن ابن شهاب في قصة عام الحديبية، قال: ثم رجع رسول الله ﷺ، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلت قريش في طلبه رجلين، فقالا لرسول الله ﷺ: العهد الذي جعلت لنا أن ترد إلينا كل من جاءك مسلمًا. فدفعه النبي ﷺ إلى الرجلين، فخرجا حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيد يا فلان! فاستلّه الآخر، وقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال له أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد وفرّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد بعده، فقال له النبي ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرًا»، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير، فقال: يا رسول الله قد والله أوفى الله ذمتك: قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم، فقال النبي ﷺ: «ويل أُمه مِسْعَر حرب، لو كان معه أحد» فلما سمع ذلك علم أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي بصير ... وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر في أبي بصير بأتمّ ألفاظٍ وأكمل سياقٍ قال:. .. وكتب رسول الله ﷺ إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهما من المسلمين، فقدم كتاب رسول الله ﷺ على أبي جندل، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ بيده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وصلى عليه، وبنى على قبره مسجدًا (١).\n...\n_________\n(١) انظر: «الاستيعاب» (٢/ ١٣).","vol":"3","page":231},{"text":"فأنت ترى أن هذه القصة مدارها على الزهري فهي مرسلة على اعتبار أنه تابعي صغير، سمع من أنس بن مالك ﵁، وإلا فهي معضلة، وكيف ما كان الأمر فلا تقوم بها حجة، على أن موضع الشاهد منها وهو قوله: (وبنى على قبره مسجدًا) لا يظهر من سياق ابن عبد البر للقصة أنه من مرسل الزهري، ولا من رواية عبدالرزاق عن معمر عنه، بل هو من رواية موسى بن عقبة، كما صرح به ابن عبد البر، لم يجاوزه، وابن عقبة لم يسمع أحدًا من الصحابة، فهذه الزيادة ... قوله: (وبنى على قبره مسجدًا) معضلة (١)، بل هي عنده منكرة، لأن القصة رواها البخاري في (صحيحه) (٢) موصولة من طريق عبدالرزاق عن معمر قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بها دون هذه الزيادة، وكذلك أوردها ابن إسحاق في (السيرة) عن الزهري مرسلًا كما في (مختصر السيرة) لابن هشام (٣)، ووصله أحمد في (مسنده) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة به مثل رواية معمر وأتم وليس فيها هذه الزيادة (٤)، وكذلك رواه ابن جرير في (تاريخه) (٥) من طريق معمر وابن إسحاق وغيرهما عن الزهري به دون هذه الزيادة، فدل ذلك كله على أنها زيادة منكرة؛ لإعضالها، عدم رواية الثقات لها. والله الموفق.\nالوجه الثاني: أن ذلك لو صح لم يجز أن ترد به الأحاديث الصريحة، في تحريم بناء المساجد على القبور لأمرين:\nأولًا: أنه ليس في القصة أن النبي ﷺ اطلع على ذلك وأقره.\nثانيًا: أنه لو فرضنا أن النبي ﷺ علم بذلك وأقره، فيجب أن يحمل ذلك على أنه قبل التحريم، لأن الأحاديث صريحة في أن النبي ﷺ حرم ذلك في آخر حياته كما سبق، فلا يجوز أن يترك النص المتأخر من أجل النص المتقدم - على فرض صحته - عند التعارض وهذا بيّن لا يخفى، نسأل الله تعالى أن يحمينا من اتباع الهوى!\nالجواب عن الشبهة السادسة\nوهي الزعم بأن المنع إنما كان لعلةٍ، وهي خشية الافتتان بالمقبور، وقد زالت، فزال المنع!!\n_________\n(١) قال الألباني: ولا تغتر أيها القارئ بما فعله هنا مؤلف «إحياء المقبور» فإنه ساق (ص٤٤) القصة التي أوردناها في الأعلى من طريق ابن عبد البر، غير أن المؤلف حذف من كلامه: (وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر). ووصل رواية عبدالرزاق عن الزهري برواية موسى بن عقبة حتى صارتا كأنهما رواية واحدة وبدا للناظر في سياقه أن القصة بناء المسجد على القبر هي من رواية عبدالرزاق عن الزهري، وإنما هي من رواية موسى بن عقبة بدون إسناد! ثم وقفت على رواية موسى بن عقبة في «تاريخ ابن عساكر» (٨/ ٣٣٤/١) رواه بإسنادين عنه عن ابن شهاب مرسلًا ومعضلًا بلفظ: (وجعل عند قبره مسجدًا) وهذا اللفظ - لو صح - أقلّ مخالفة، لأنه ليس نصًا في أن البناء كان على القبر، بل عنده، وشتان ما بينهما، وليس فيه أيضًا أن أبا جندل هو الذي بنى المسجد؛ فتأمل.\n(٢) رواه البخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢).\n(٣) «مختصر السيرة» (٣/ ٣٣١ - ٣٣٩)\n(٤) رواه أحمد (٤/ ٣٢٣) (١٨٩٣٠). قال شعيب الأرناؤوط محقق (المسند): إسناده حسن، محمد بن إسحاق وإن كان مدلسًا وقد عنعن إلا أنه قد صرح بالتحديث في بعض فقرات هذا الحديث فانتفت شبهة تدليسه.\n(٥) «تاريخ الطبري» (٣/ ٢٧١ - ٢٨٥).","vol":"3","page":232},{"text":"لا أعلم أحدًا من العلماء ذهب إلى القول بهذه الشبهة، إلا مؤلف (إحياء المقبور) فإنه تمسك بها وجعلها عمدته في رد تلك الأحاديث المتقدمة واتفاق الأمة عليها، فقال ما نصه: وأما النهي عن بناء المساجد على القبور، فاتفقوا على تعليله بعلتين: إحداهما: أن يؤدي إلى تنجيس المسجد (١) ... وثانيهما: وهو قول الأكثرين بل الجميع حتى من نص على العلة السابقة أن ذلك قد يؤدي إلى الضلال والفتنة بالقبر، لأنه إذا وقع بالمسجد، وكان قبر ولي مشهور بالخير والصلاح، لا يؤمن مع طول المدة أن يزيد اعتقاد الجهلة فيه، ويؤدي بهم إلى فرط التعظيم إلى قصد الصلاة إليه، إذا كان في قبلة المسجد، فيؤدي بهم ذلك إلى الكفر والإشراك (٢).\nثم ساق شيئًا من النقول في العلة المذكورة عن بعض العلماء منهم الإمام الشافعي، ثم قال المؤلف المشار إليه: والعلة المذكورة قد انتفت برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين، ونشأهم على التوحيد الخالص، واعتقاد نفي الشريك مع الله تعالى، وأنه سبحانه المنفرد بالخلق والإيجاد والتصريف (!) وبانتفاء العلة ينتفي الحكم المترتب عليها، وهو كراهة اتخاذ المساجد والقباب على قبور الأولياء والصالحين (٣)!\n... والجواب: أن يقال: أثبت العرش ثم انقش!\nأثبت أولًا أن الخشية المذكورة هي وحدها علة النهي، ثم أثبت أنها قد انتفت، ودون ذلك خرط القتاد.\nأما الأول: فإنه لا دليل مطلقًا على أن العلة هي الخشية المذكورة فقط، نعم من الممكن أن يقال: إنها بعض العلة، وأما حصولها بها فباطل، لأن من الممكن أيضًا أن يضاف إليها أمور أخرى معقولة كالتشبه بالنصارى، وكالإسراف في صرف المال فيما لا فائدة فيه شرعًا، وغير ذلك مما قد يبدو للباحث الناقد.\nوأما زعمه أن العلة انتفت برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين إلخ. فهو زعم باطل أيضًا وبيانه من وجوه:\nالأول: أن الزعم بُني على أصل باطل، وهو أن الإيمان بأن الله هو المنفرد بالخلق، والإيجاد كاف في تحقيق الإيمان المنجي عند الله ﵎، وليس كذلك، فإن هذا التوحيد وهو المعروف عند العلماء بتوحيد الربوبية، كان يؤمن به المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كما قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:٢٥]، ومع ذلك فلم ينفعهم هذا التوحيد شيئًا، لأنهم كفروا بتوحيد الألوهية والعبادة، وأنكروه على النبي ﷺ أشد الإنكار، بقولهم فيما حكاه الله عنهم: أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:٥].\nومن مقتضيات هذا التوحيد الذي أنكروه ترك الاستغاثة بغير الله، وترك الدعاء والذبح لغير الله، وغير ذلك مما هو خاص بالله تعالى من العبادات، فمن جعل شيئًا من ذلك لغير الله ﵎ فقد أشرك به، وجعل له ندًا وإن شهد له بتوحيد الربوبية، فالإيمان المنجي إنما هو الجمع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وإفراد الله بذلك، وهذا مفصّل في غير هذا الموضوع ...\nالوجه الثاني:\n_________\n(١) قال الألباني: وهذه العلة باطلة من وجوه لا مجال لبيانها الآن، ومن أدلة ذلك بخصوص قبور الأنبياء: أن أجسادهم لا تبلى كما صحّ عن رسول الله ﷺ، فكيف تنجس الأرض بهم؟!\n(٢) «إحياء المقبور» (ص١٨ - ١٩).\n(٣) «إحياء المقبور» (ص٢٠ - ٢١).","vol":"3","page":233},{"text":"علمت مما سبق من الأحاديث أن النبي ﷺ حذَّر من اتخاذ المساجد على القبور في آخر حياته، بل في مرض موته، فمتى زالت العلة التي ذكرها؟ إن قيل: زالت عقب وفاته ﷺ فهذا نقض لما عليه جميع المسلمين أن خير الناس قرنه ﷺ، لأن القول بذلك يستلزم بناء على ما سبق من كلامه أن الإيمان لم يكن قد رسخ بعد في نفوس الصحابة ﵃، وإنما رسخ بعد وفاته ﷺ! ولذلك لم تزل العلة وبقي الحكم، وهذا مما لا أتصور أحدًا يقول به لوضوح بطلانه. وإن قيل: زالت قبل وفاته ﷺ، قلنا: وكيف ذلك وهو ﷺ إنما نهى عن ذلك في آخر نَفَسٍ من حياته؟! ويؤيده:\nالوجه الثالث: أن في بعض الأحاديث المتقدمة باستمرار الحكم إلى قيام الساعة ...\nالوجه الرابع: أن الصحابة ﵃ إنما دفنوه في حجرته ﷺ خشية أن يتخذ قبره مسجدًا، عن عائشة ﵂ في الحديث (١)، فهذه خشية إما أن يقال: إنها كانت مُنصبة على الصحابة أنفسهم، أو على من بعدهم، فإن قيل بالأول، قلنا: فالخشية على من بعدهم أولى، وإن قيل بالثاني، وهو الصواب عندنا، فهو دليل قاطع على أن الصحابة ﵃ كانوا لا يرون زوال العلة المستلزم زوال الحكم، لا في عصرهم ولا فيما بعدهم، فالزعم بخلاف رأيهم ضلال بيّن. ويؤيده:\nالوجه الخامس: أن العمل استمر من السلف على هذا الحكم ونحوه، مما يستلزم بقاء العلة السابقة، وهي خشية الوقوع في الفتنة والضلال، فلو أن العلة المشار إليها كانت منتفية لما استمر العمل على معلولها، وهذا بيّن لا يخفى والحمد لله، وإليك بعض الأمثلة على ما ذكرنا:\n١ - عن عبدالله بن شرحبيل بن حسنة قال: رأيت عثمان بن عفان يأمر بتسوية القبور، فقيل له: هذا قبر أم عمرو بنت عثمان! فأمر به فسوّي (٢).\n٢ - عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سوّيته» (٣) ...\n٣ - عن أبي بردة قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: «إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا المشي ولا يتبعني مجمر، ولا تجعلوا في لحدي شيئًا يحول بيني وبين التراب، ولا تجعلوا على قبري بناء وأشهدكم أني بريء من كل حالقةٍ، أو سالقةٍ، أو خارقةٍ»، قالوا: أو سمعت فيها شيئًا؟ قال: نعم، من رسول الله ﷺ (٤).\n٤ - عن أنس: كان يكره أن يُبنى مسجد بين القبور (٥).\n٥ - عن إبراهيم أنه: كان يكره أن يجعل على القبر مسجدًا (٦).\nوإبراهيم هذا هو ابن يزيد النخعي الثقة الإمام، وهو تابعي صغير مات سنة ٩٦هـ، فقد تلقى هذا الحكم بلا شك من بعض كبار التابعين من الصحابة، ففيه دليل قاطع على أنهم كانوا يرون بقاء هذا الحكم واستمراره بعده ﷺ، فمتى نسخ؟ !\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم (٥٢٩).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٢٨). قال الألباني في «تحذير الساجد»: سنده صحيح.\n(٣) رواه مسلم (٩٦٩).\n(٤) رواه أحمد (٤/ ٣٩٧) (١٩٥٦٥)، والبيهقي (٣/ ٣٩٥). قال الألباني في «تحذير الساجد»: إسناده قوي. وقال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده حسن من أجل أبي حريز.\n(٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ١٥٣). قال الألباني في «تحذير الساجد»: ورجاله ثقات رجال الشيخين.\n(٦) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٢٣). قال الألباني في «تحذير الساجد»: سنده صحيح عنه.","vol":"3","page":234},{"text":"٦ - عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:١] ولإيلافِ قُرَيْشٍ [قريش:١]، فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون، فقال: ما هذا؟ فقال: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا! من عرضت له منكم فيها الصلاة، فليصل، ومن لم يعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل (١).\n٧ - عن نافع قال: بلغ عمر بن الخطاب أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت (٢).\n٨ - عن قزعة قال: سألت ابن عمر: آتي الطور؟ فقال: دع الطور ولا تأتها، وقال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (٣).\n٩ - عن علي بن حسين: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه، (كذا الأصل) فيدخل فيها فيدعو، فدعاه فقال: ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن جدي رسول الله ﷺ؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم وتسليمكم تبلغني حيثما كنتم» (٤).\nويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، وابن خزيمة في حديث علي ابن حجر وابن عساكر من طريقين عن سهيل بن أبي سهيل أنه رأى قبر النبي ﷺ فالتزمه ومسح، قال: فحصبني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب فقال: قال رسول الله ﷺ: لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، (وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني) (٥)\n_________\n(١) رواه عبدالرزاق في «المصنف» (٢/ ١١٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ١٥١). قال الألباني في «تحذير الساجد»: سنده صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٥٠). قال الألباني في «تحذير الساجد»: ورجاله ثقات كلهم، لكنه منقطع بين نافع وعمر فلعل الواسطة بينهما عبدالله بن عمر ﵄. ثم قال: ثم استدركت فقلت: يبعد ذلك كله ما أخرجه البخاري فيه «صحيحه» (٢٩٥٨) من طريق أخرى عن نافع قال: قال ابن عمر ﵄: «رجعنا من العام المقبل: فما اجتمع اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله». يعني خفاءها عليهم. فهو نص على أن الشجرة لم تبق معروفة المكان حتى يمكن قطعها من عمر، فدل ذلك على ضعف رواية القطع الدال عليه الانقطاع الظاهر فيها نفسها. ومما يزيدها ضعفا ما روى البخاري (صحيحه) (٤١٦٢) عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: «لقد رأيت الشجرة، ثم أتيتها بعد، فلم أعرفها».\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ١٥٠)، والأزرقي في «أخبار مكة» (٢/ ٢٩٨). وقال الألباني في «تحذير الساجد»: إسناده صحيح.\n(٤) رواه أبو يعلى (١/ ٣٦١)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٤٢٨). قال ابن عبدالهادي المقدسي في «الصارم المنكي» (٢٠٦): جيد. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٦): رواه أبو يعلى، وفيه حفص بن ابراهيم الجعفري ذكره ابن أبى حاتم ولم يذكر فيه جرحًا، وبقية رجاله ثقات. وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٣١٣)، والعجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٣٣): حسن. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: وسنده مسلسل بأهل البيت ﵃، إلا أن أحدهم وهو علي بن عمر مستور، كما قال الحافظ في «التقريب» (١/ ٧٠٠).\n(٥) رواه عبدالرزاق في «المصنف» (٣/ ٧١)، وسعيد بن منصور في «سننه» مرسلًا كما في «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (ص١٠٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٣/ ٦٢). قال ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (١/ ٣٠١)، وابن عبدالهادي الحنبلي في «الصارم المنكي» (٣٢٢): مرسل. قال الألباني في «أحكام الجنائز» (ص٢٢٠): مرسلٌ بإسنادٍ قوي.","vol":"3","page":235},{"text":"١٠ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني (١) حيثما كنتم» (٢).\n١١ - ورأى ابن عمر فسطاطًا على قبر عبدالرحمن فقال: انزعه يا غلام فإنما يظله عمله (٣).\n١٢ - عن أبي هريرة: أنه أوصى أن لا يضربوا على قبره فسطاطًا (٤).\n١٣ - وروى ابن أبي شيبة وابن عساكر مثله عن أبي سعيد الخدري (٥).\n١٤ - عن محمد بن كعب قال: هذه الفساطيط التي على القبور محدثة (٦).\n١٥ - سعيد بن المسيب أنه قال في مرضه الذي مات فيه: إذا ما مت، فلا تضربوا على قبري فسطاطًا (٧).\n١٦ - عن سالم مولى عبدالله بن علي بن حسين قال: أوصى محمد بن علي أبو جعفر قال: لا ترفعوا قبري على الأرض (٨).\n١٧ - عن عمرو بن شرحبيل قال: لا ترفعوا جدثي - يعني القبر - فإني رأيت المهاجرين يكرهون ذلك (٩).\nواعلم أن هذه الآثار وإن اختلفت دلالاتها، فهي متفقة على النهي في الجملة عن كل ما يُنبئ عن تعظيم القبور تعظيمًا يخشى منه الوقوع في الفتنة والضلال، مثل بناء المساجد والقباب على القبور، وضرب الخيام عليها، ورفعها أكثر من الحديث المشروع، والسفر والاختلاف إليها (١٠)، والتمسح بها، ومثل التبرك بآثار الأنبياء ونحو ذلك، فهذه الأمور كلها غير مشروعة عند السلف الذين سميناهم من الصحابة وغيرهم، وذلك يدل على أنهم كانوا جميعًا يرون بقاء علة النهي عن بناء المساجد على القبور وتعظيمها بما لم يشرع، ألا وهي خشية الإضلال والافتتان بالموتى كما نص عليها الإمام الشافعي ﵀، بدليل استمرارهم على القول بالحكم المعلول بهذه العلة، فإن بقاء أحدهم يستلزم بقاء الآخر، كما لا يخفى، وهذا بالنسبة لمن نص منهم على كراهية بناء المساجد على القبور ظاهرًا، أما الذين صرحوا بالنهي عن غير ذلك، مثل: رفع القبر وضرب الخيمة عليه ونحوه مما أجملنا الكلام عليه آنفًا، فهم يقولون ببقاء الحكم المذكور من باب أولى، وذلك لوجهين:\nالأول: أن بناء المساجد على القبور أشد جرمًا من رفع القبور وضرب الخيام عليها، لما ورد من اللعن على البناء، دون الرفع والضرب المذكور.\nالثاني: أن المفروض في أولئك السلف الفهم والعلم، فإذا ثبت عن أحد منهم النهي عن شيء هو دون ما نهى عنه الشارع، ولم ينقل هذا النهي عن أحدهم، فنحن نقطع بأنه ينهى عنه أيضًا، حتى ولو فرض عدم بلوغ النهي إليه لأن نهيه عما هو دون هذا يستلزم النهي عنه من باب أولى، كما لا يخفى.\nفثبت أن القول بانتفاء العلة المذكورة وما بني عليه كله باطل، لمخالفته نهج السلف الصالح ﵃، مع مصادمته للأحاديث الصحيحة، والله المستعان. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد لمحمد ناصر الدين الألباني - ٦٨\n_________\n(١) قال الألباني: قوله: (تبلغني) هذا الحديث وغيره مما تقدم صريح في أنه ﵊ لا يسمع صلاة المصلين عليه، فمن زعم أن النبي ﷺ يسمعها فقد كذب عليه، فكيف حال من يزعم أنه ﷺ يسمع غيرها؟!\n(٢) رواه أبو داود (٢٠٤٢). وسكت عنه. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٩٢) - كما أشار لذلك في مقدمته -، والنووي في «الأذكار» (١٥٤). وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ١٦٩): إسناده حسن، وله شواهد. وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٣/ ٣١٤): حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (١٤٦١)، ورواه موصولًا ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٥/ ٤١ - ٤٢) من طريق ابن سعد في «الطبقات الكبرى»، وانظر: «تغليق التعليق» لابن حجر (٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣).\n(٤) رواه عبدالرزاق في «المصنف» (٣/ ٤١٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٢٣)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٤/ ٣٣٨). قال الألباني في «تحذير الساجد»: إسناده صحيح.\n(٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٢٤)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٠/ ٣٩٦)، ورواه عبدالرزاق في «المصنف» (٣/ ٤٣٠). قال الألباني في «تحذير الساجد»: إسناده ضعيف، لكن له طرق أخرى عند ابن عساكر فهو بها صحيح.\n(٦) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٢٤). وقال الألباني في «تحذير الساجد»: رجاله ثقات غير ثعلبة وهو ابن الفرات، قال أبو حاتم وأبوزرعة: لا أعرفه، كما في «الجرح والتعديل» (١/ ٤٦٤ - ٤٦٥).\n(٧) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٥/ ١٤٢).\n(٨) رواه الدولابي في «الكنى» (٣/ ١٥٤) قال الألباني في «تحذير الساجد»: ورجاله ثقات غير سالم هذا فهو مجهول. كما قال الذهبي في «الميزان»، والحلي الشيعي في «خلاصة الأقوال» (ص ١٠٨).\n(٩) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٦/ ١٠٨) قال الألباني في «تحذير الساجد»: سنده صحيح.\n(١٠) الاختلاف إليها أي: إكثار التردد لزيارتها، وهذا مستفاد من قوله ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري عيدًا».","vol":"3","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>رابعًا: النهي عن اتخاذ قبر النبي ﷺ عيدا</span>\nفأما العموم: فقال أبو داود في (سننه): حدثنا أحمد بن صالح، قال: قرأت على عبدالله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (١)\nفمن ذلك: ما رواه أبو يعلى الموصلي في (مسنده)، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم - من ولد ذي الجناحين- حدثنا علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو. فنهاه، فقال: ألا أحدّثكم حديثًا سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» رواه أبو عبدالله محمد بن عبدالواحد المقدسي الحافظ، فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على (الصحيحين)، وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في (صحيحه) (٢).\nوروى سعيد في (سننه)، حدثنا حبان بن علي، حدثني محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» (٣).\nوقال سعيد: حدثنا عبدالعزيز بن محمد، أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني، وهو في بيت فاطمة يتعشى. فقال: هلم إلى العشاء؟ فقلت لا أريده. فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء (٤).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٠٤٢). وسكت عنه. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٩٢) - كما أشار لذلك في مقدمته -، والنووي في «الأذكار» (١٥٤). وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ١٦٩): إسناده حسن وله شواهد. وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٣/ ٣١٤): حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه أبو يعلى (١/ ٣٦١)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٤٢٨). قال ابن عبدالهادي المقدسي في «الصارم المنكي» (٢٠٦): جيد. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٦): رواه أبو يعلى، وفيه حفص بن إبراهيم الجعفري ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا، وبقية رجاله ثقات. وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٣١٣)، والعجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٣٣): حسن. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: وسنده مسلسل بأهل البيت ﵃، إلا أن أحدهم وهو علي بن عمر مستور، كما قال الحافظ في «التقريب» (١/ ٧٠٠).\n(٣) رواه سعيد بن منصور في «سننه» مرسلًا كما في «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (ص: ٣٢٢)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٣/ ٦٢).\n(٤) رواه سعيد بن منصور في «سننه» مرسلًا كما في «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (ص: ١٠٦)، ورواه عبد الرزاق في «المصنف» (٣/ ٧١). قال ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (١/ ٣٠١)، وابن عبدالهادي الحنبلي في «الصارم المنكي» (ص: ٣٢٢): مرسل. قال الألباني في «أحكام الجنائز» (ص٢٢٠): مرسل بإسنادٍ قوي.","vol":"3","page":237},{"text":"فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لاسيما وقد احتج من أرسله به وذلك يقتضي ثبوته عنده، ولو لم يكن روي من وجوه مسندة غير هذين. فكيف وقد تقدم مسندا؟\nووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا. فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله ﷺ: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورا» أي: لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم. وفي (الصحيحين) عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا» (١).\nوروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه» (٢)، ثم إنه ﷺ أعقب النهي عن اتخاذه عيدًا بقوله: «صلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٣) وفي الحديث الآخر: «فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» (٤) يشير بذلك ﷺ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا، والأحاديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تعرض عليه كثيرة.\nمثل ما روى أبو داود من حديث أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبدالله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» (٥) ﷺ. وهذا الحديث على شرط مسلم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٢)، ومسلم (٧٧٧).\n(٢) رواه مسلم (٧٨٠).\n(٣) رواه أبو داود (٢٠٤٢). من حديث أبي هريرة ﵁. وسكت عنه. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٩٢) - كما أشار لذلك في مقدمته -، والنووي في «الأذكار» (١٥٤). وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ١٦٩): إسناده حسن وله شواهد. وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٣/ ٣١٤): حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٤) رواه أبو يعلى (١/ ٣٦١)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٤٢٨). من حديث علي بن أبي طالب ﵁. قال ابن عبدالهادي المقدسي في «الصارم المنكي» (٢٠٦): جيد. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٦): رواه أبو يعلى، وفيه حفص بن ابراهيم الجعفري ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا، وبقية رجاله ثقات. وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٣١٣)، والعجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٣٣): حسن.\n(٥) رواه أبو داود (٢٠٤١). وسكت عنه. وقال النووي في «الأذكار» (١٥٤): إسناده صحيح. وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٦/ ٢٩٩)، والعراقي في «المغني» (١/ ٤٠٩): إسناده جيد. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن.","vol":"3","page":238},{"text":"ومثل ما روى أبو داود - أيضًا - عن أوس بن أوس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي»، قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء» (١) ...\nوفي النسائي وغيره عنه ﷺ أنه قال: «إن الله وكَّلَ بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام» (٢) إلى أحاديث أخر في هذا الباب متعددة.\nثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵁، نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ، واستدل بالحديث، وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي، وأعلم بمعناه من غيره، فبيّن أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذ له عيدًا.\nوكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا. فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت، الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ٦٥٩\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٠٤٧)، ورواه النسائي (٣/ ٩١)، وابن ماجه (١٦٣٦)، وأحمد (٤/ ٨) (١٦/ ٢٠٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال النووي في «المجموع» (٤/ ٥٤٨): إسناده صحيح. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٩٤) - كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه النسائي (٣/ ٤٣) بلفظ: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» وبلفظ النسائي رواه أحمد (١/ ٣٨٧) (٣٦٦٦)، والحاكم (٢/ ٤٥٦). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ٤١٦) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.","vol":"3","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-814>خامسًا: زيارة القبور</span>\nقال الشيخ حافظ الحكمي-رحمه الله تعالى- في شرح الأبيات الآتية من منظومة (سلم الوصول):\nفإنْ نَوَى الزَّائِرُ فيمَا أضمَرَهُ ... في نَفْسِهِ تَذْكِرَةً بالآخِرَهْ\nثُمَّ الدُّعَا لَهُ ولِلأَمْوَاتِ ... بِالعَفْوِ والصفْحِ عَنِ الزَّلاَّتِ\nوَلَمْ يَكُنْ شَدَّ الرِّحَالِ نَحْوَها ... وَلَمْ يقُلْ هَجْرًا كَقَوْلِ السُّفَهَا\nفَتِلْكَ سُنَّةٌ أتَتْ صَرِيحَهْ ... في السُّنَنِ المُثْبَتَة الصَّحِيحَهْ\nقال: زيارة القبور تأتي (على أقسام ثلاثة): زيارة سنيّة، وزيارة بدعية، وزيارة شركية ...","vol":"3","page":240},{"text":"والبداءة بالشرعية لشرفها والندب إليها، ثم البدعية لكونها أخف جرمًا من الشركية، ثم هي بعد ذلك. (فإن نوى الزائر) للقبور (فيما أضمره في نفسه) أي: كانت نيته بتلك الزيارة (تذكرة بالآخرة) أي ليتعظ بأهل القبور ويعتبر بمصارعهم إذ كانوا أحياء مثله يؤملون الآمال ويخولون الأموال، ويجولون في الأقطار بالأيام والليال، ويطمعون في البقاء ويستبعدون الارتحال، فبينما هم كذلك إذا بصارخ الموت قد نادى، فاستجابوا له على الرغم جماعات وفرادى، وأبادهم ملوكًا ونوابًا وقوادًا وأجنادًا، وقدموا على ما قدَّموا غيًا كان أو رشادًا، وصار لهم التراب لحفًا ومهادًا، بعد الغرف العالية التي كان عليها الحجاب أرصادًا، تساوى فيها صغيرهم وكبيرهم، وغنيهم وفقيرهم، وشريفهم وحقيرهم، ومأمورهم وأميرهم. اتفق ظاهر حالهم واتحد، ولا فرق للناظر إليهم يميز به أحدًا من أحد. وأما باطنًا فالله أكبر لو كشف للناظرين الحجاب، لرأوا من الفروق العجب العجاب، فهؤلاء لهم طوبى وحسن مآب، وأولئك في أسوأ حالة وأشد العذاب، فليعلم الواقف عليهم الناظر إليهم، أنه بهم ملتحق، ولإحدى الحالتين مستحق، فليتأهب لذلك، وليتب إلى العزيز المالك، وليلتجئ إليه من شر كل ما هنالك. (ثم) قصد أيضًا (الدعا) أي: دعاء الله ﷿ (له) أي لنفسه (وللأموات) من المسلمين (بالعفو) من الله ﷿ (والصفح عن الزلات) وكذا يدعو لسائر المسلمين بذلك (و) مع ذلك (لم يكن شد الرحال نحوها) الضمير للقبور لما في (الصحيحين) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (١). (ولم يقل هجرًا) أي محظورًا شرعًا (كقول) بعض (السفها) لما في (السنن) من حديث بريدة قال فيه النبي ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرًا» (٢) (فتلك) الإشارة إلى النوع المذكور من الزيارة (سنة) طريقة نبوية (أتت صريحة) أي واضحة ظاهرة (في السنن) أي الأحاديث (المثبتة) في دواوين الإسلام (الصحيحة) سندًا ومتنًا، منها: حديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «وقد كنت نهيتك عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد ﷺ في زيارة قبر أمه فزوروها، فإنها تذكر الآخرة» رواه الترمذي وصححه (٣). وحديث أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزورها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» (٤). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» رواه أحمد ومسلم والنسائي (٥). ولأحمد من حديث عائشة ﵂ مثله وزاد: «اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم» (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (١١٩٧)، ومسلم (٨٢٧).\n(٢) رواه النسائي (٤/ ٨٩)، وأحمد (٥/ ٣٦١) (٢٣١٠٢). وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: حديث صحيح.\n(٣) رواه الترمذي (١٠٥٤). وقال: حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. وهو جزء من حديث رواه مسلم (١٩٧٧).\n(٤) رواه مسلم (٩٧٦).\n(٥) رواه مسلم (٢٤٩)، والنسائي (١٥٠)، وأحمد (٢/ ٣٠٠) (٧٩٨٠).\n(٦) رواه أحمد (٦/ ٧١) (٢٤٤٦٩). قال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ٢٢٢): حسن. قال شعيب الأرناؤوط محقق (المسند): إسناده ضعيف. وضعف هذه الزيادة الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه».","vol":"3","page":241},{"text":"وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» رواه أحمد ومسلم وابن ماجه (١)، زاد مسلم في رواية «يرحم الله المتقدمين منا ومنكم والمتأخرين» (٢) ... وكذلك الأحاديث في خروج النبي ﷺ إلى بقيع الغرقد كثيرًا يدعو لهم ويترحم عليهم (٣).\nوكان الصحابة إذا أتوا قبره ﷺ صلوا وسلموا عليه فحسب، كما كان ابن عمر ﵄ يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه» (٤). وكذا التابعون ومن بعدهم من أعلام الهدى ومصابيح الدجى لم يذكر عنهم في زيارة القبور غير العمل بهذه الأحاديث النبوية وأفعال الصحابة لم يعدلوا عنها ولم يستبدلوا بها غيرها بل وقفوا عندها، فهذه الزيارة الشرعية المستفادة من الأحاديث النبوية، وعليها درج الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان، إنما فيها التذكر بالقبور والاعتبار بأهلها والدعاء لهم والترحم عليهم وسؤال الله العفو عنهم، فمن ادعى فيها غير هذا طولب بالبرهان، وأنى له ذلك ومن أين يطلبه؟ بل كذب وافترى، وقفا ما ليس له به علم. بلى إن العلوم الشرعية دالة على ضلاله وجهله معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ الحكمي – ٢/ ٦٤٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٩٧٥)، وابن ماجه (١٥٤٧)، وأحمد (٥/ ٣٥٣) (٢٣٠٣٥).\n(٢) رواه مسلم (٩٧٤) من حديث عائشة ﵂. بلفظ: (ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين).\n(٣) رواه مسلم (٩٧٤).\n(٤) رواه عبدالرزاق في «المصنف» (٣/ ٥٧٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٨)، والبيهقي (٥/ ٢٤٥). وقال الألباني في «فضل صلاة النبي» (١٠٠): إسناده موقوف صحيح.","vol":"3","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>سادسًا: حكم الدعاء عند القبور</span>\nقال الشيخ حافظ الحكمي-رحمه الله تعالى- في شرح منظومة سلم الوصول:\nأو قصد الدعاء والتوسلا ... بهم إلى الرحمن جلّ وعلا\nفبدعة محدثة ضلالة ... بعيدة عن هدي ذي الرسالة\nأو قصد الدعاء من الصلاة وغيرها، أو الاعتكاف عند قبورهم أو نحو ذلك (والتوسلا) بألف الإطلاق (بهم) أي بأهل القبور (إلى الرحمن جل وعلا) عما ائتفكه أهل الزيغ والضلال (فبدعة محدثة) لم يأذن الله تعالى بها (ضلالة) كما قال ﷺ: «كل بدعة ضلالة» (١) وقال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢). وقال ﷺ في روايةٍ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣). وقال ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (٤) وغير ذلك. فإن من قال: اللهم إني أسألك بجاه فلان، وهو ميت أو غائب، وإن كان يرى أنه لم يدع إلا الله ولم يعبد سواه فهو قد عبد الله بغير ما شرع وابتدع في الدين ما ليس منه واعتدى في دُعائه ودعا الله بغير ما أمره أن يدعوه به، فإن الله تعالى إنما أمرنا أن ندعوه بأسمائه الحسنى كما قال تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠] ولم يشرع لنا أن ندعوه بشيء من خلقه البتة، بل قد نهانا رسول الله ﷺ عن أن نقسم بشيء من المخلوقات مطلقًا فكيف بالإقسام بها على الله ﷿. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ الحكمي – بتصرف – ٢/ ٦٥٠\nولهذا فإن الدعاء عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين:\nأحدهما: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق، لا لقصد الدعاء فيها، كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور، أو كمن يزورها، فيسلم عليها، ويسأل الله العافية له وللموتى، كما جاءت به السنة، فهذا ونحوه لا بأس به.\nالثاني: أن يتحرى الدعاء عندها، بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره، فهذا النوع منهي عنه، إما نهي تحريم أو تنزيه، وهو إلى التحريم أقرب، والفرق بين البابين ظاهر. فإن الرجل لو كان يدعو الله، واجتاز في ممره بصنم، أو صليب، أو كنيسة، أو كان يدعو في بقعة، وهناك صليب هو عنه ذاهل، أو دخل كنيسة ليبيت فيها مبيتًا جائزًا، ودعا الله في الليل، أو بات في بيت بعض أصدقائه ودعا الله، لم يكن بهذا بأس. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ٦٨٢\n_________\n(١) رواه مسلم (٨٦٧) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.\n(٢) رواه البخاري (٢٦٩٥)، ومسلم (١٧١٨) (١٧). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) رواه مسلم (١٧١٨). ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٧٣٥٠) كتاب: الاعتصام، باب: إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ. من حديث عائشة ﵂.\n(٤) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤). قال الترمذي: هذا حديث صحيح. قال الشوكاني في «إرشاد الفحول» (١/ ١٦٠)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.","vol":"3","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-816>سابعًا: الكلام على الزيارة الشركية</span>\nقال الشيخ حافظ الحكمي-رحمه الله تعالى- في شرح الأبيات الآتية من منظومة (سلم الوصول):\nوَإِنْ دَعَا الْمَقْبُورَ نَفْسَهُ فَقَدْ ... أَشْرَكَ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَجَحَدْ\nلَن يَقْبَلَ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ ... صَرْفًَا ولاَ عَدْلًا فَيَعْفُوْ عَنْهُ\nثُمَّ الدُّعَا لَهُ وَلِلأَمْوَاتِ ... بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنِ الزَّلاَّتِ\nإِذْ كُلُّ ذَنْبٍ مُوشِكُ الْغُفْرَانِ ... إلاَّ اتِّخَاذَ النِّدِّ للرَّحْمَنِ","vol":"3","page":244},{"text":"قال: (وإن دعا) الزائر (المقبور نفسه) من دون الله ﷿ وسأل منه ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿ من جلب خير أو دفع ضر أو شفاء مريض أو رد غائب أو نحو ذلك من قضاء الحوائج (فقد أشرك) في فعله ذلك (بالله العظيم) المتعالي عن الأضداد والأنداد والكفؤ والولي والشفيع بدون إذنه (وجحد) حق الله ﷿ على عباده وهو إفراده بالتوحيد وعبادته وحده لا شريك له ونفي ضد ذلك عنه، قال الله تعالى: وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:١١٧]، وقال تعالى: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ. وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ [يونس:١٠٦ - ١٠٧]، وقال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:٥ - ٦]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأعراف:١٩٤] الآيات.","vol":"3","page":245},{"text":"وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج:٧٣] الآيات وقال تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر/١٣] وقال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:٥٧] الآيات، وغيرها ما لا يحصى يخبر الله تعالى أن من دعا مع الله إلهًا آخر ولو لحظة فقد كفر وإن مات على ذلك فلا فلاح له أبدًا، ولو فعل ذلك نبيه لكان من الظالمين، وأنه لا كاشف للضر غيره ولا جالب للخير سواه، وأنه لا أضل ممن يدعو من دونه سواه، وأن من عبد من دون الله يكون عدوًا لعابده يوم القيامة وكافرًا بعبادته إياه من دون الله تعالى، وأنهم كلهم عباد مثل عابديهم مخلوقون مربوبون مملوكون تحت تصرف الله وقهره لا يستجيبون لمن دعاهم ولا يقدرون على استنقاذ ما استلبه الذباب فكيف يقدرون على قضاء شيء من حوائج عابديهم؟ بل قد أخبرنا ﷿ أنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو سمعوا دعاءه ما استجابوا له، وأخبرنا أن من عبدوهم من الصالحين كالملائكة وعيسى وعزير وغيرهم أنهم لا يملكونَ كشف ضر من دعاهم ولا تحويله من حال إلى حال، بل هم يبتغون الوسيلة إلى ربهم والقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه، فينبغي للعباد الاقتداء بهم في ذلك الابتغاء والرجاء والخوف من الله ﷿، لا دعاؤهم دونه، تعالى الله عما يشركون.\n(لا يقبل الله تعالى منه) أي من ذلك الداعي مع الله غيره المتخذ من دونه أولياء (صرفًا) أي نافلةً (ولا عدلًا) أي ولا فريضةً (فيعفو عنه) في ذلك لأن الكافر عمله لا شيء، قال الله تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف:١٠٥] وقال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا [الفرقان:٢٣] وقال تعالى: مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ [إبراهيم:١٨]، وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [النور:٣٩] الآيات، وقال تعالى لصفوة خلقه وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام: ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام:٨٨] وقال لسيدهم وخاتمهم وأكرمهم على ربه تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ [الزمر:٦٥].\n(إذ) حرف تعليل (كل ذنب) لقي العبد ربه به (موشك الغفران) أي يرجى ويؤمل أن يغفر ويعفو عنه (إلا اتخاذ الند للرحمن) فإن ذلك لا يغفر ولا يخرج صاحبه من النار ولا يجد ريح الجنة، قال الله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:٤٨] وقال تعالى: وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء:١١٦] وقال تعالى: مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:٧٢] وقال تعالى: وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:٣١]. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ الحكمي – ٢/ ٦٥٦","vol":"3","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>المبحث الرابع: الغلو في الصالحين</span>\nلقد حذر النبي ﷺ من الغلو على وجه العموم، فقال ﷺ: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» (١)\nوثبت أن الغلو في الصالحين كان هو أول وأعظم سبب أوقع بني آدم في الشرك الأكبر، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس – ﵄ – أنه أخبر عن أصنام قوم نوح أنها صارت في العرب، ثم قال: (أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسخ العلم، عبدت) (٢).\nولذلك ينبغي للمسلم أن يحذر من التساهل في هذا الباب؛ لئلا يؤدي به أو يؤدي بمن يراه أو يقلده أو يأتي بعده إلى الوقوع في الشرك الأكبر.\nومن أنواع الغلو المحرم في حق الصالحين والذي يوصل إلى الشرك:\nأولًا: المبالغة في مدحهم، كما يفعل كثير من الرافضة، وقلدهم في ذلك كثير من الصوفية، وقد أدت هذه المبالغة بكثير منهم في آخر الأمر إلى الوقوع في الشرك الأكبر في الربوبية، وذلك باعتقاد أن بعض الأولياء يتصرفون في الكون، وأنهم يسمعون كلام من دعاهم ولو من بعد، وأنهم يجيبون دعاءه، وأنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب، مع أنه ليس لديهم دليل واحد يتمسكون به في هذا الغلو، سوى أحاديث مكذوبة أو واهية ومنامات، وما يزعمونه من الكشف إما كذبًا، وإما من أثر تلاعب الشيطان بهم، وقد أدى بهم هذا الغلو إلى الشرك في الألوهية أيضًا، فدعو الأموات من دون الله، واستغاثوا بهم، وهذا والعياذ بالله من أعظم الشرك.\nوقد حذر النبي ﷺ من الغلو في مدحه ﵊، فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، فإنما أنا عبد فقولون: عبد الله ورسوله» (٣)، رواه البخاري، وإذا كان هذا في حقه ﷺ فغيره من البشر أولى أن لا يزاد في مدحهم، فمن زاد في مدحه ﷺ أو في مدح غيره من البشر فقد عصى الله تعالى، ومن دعا إلى هذا الغلو وأصر عليه بعد علمه بنهي النبي ﷺ فقد رد سنته ﷺ، ودعا الناس إلى عدم اتباعه ﵊، وإلى اتباع وتقليد اليهود والنصارى في ضلالهم وغلوهم في أنبيائهم، والذي نهاهم الله تعالى عنه.\nوالنبي ﷺ له فضائل كبيرة ثابتة في كتاب الله تعالى وفي صحيح سنته ﵊، فهو ﵊ ليس في حاجة إلى أن يكذب ويزور الناس له فضائل صلوات ربي وسلامه عليه.\nثانيًا: تصوير الأولياء والصالحين: من المعلوم أن أول شرك حدث في بني آدم سببه الغلو في الصالحين بتصويرهم، كما حصل من قوم نوح ﵇، ...\nولخطر التصوير وعظم جرم فاعله وردت نصوص شرعية فيها تغليظ على المصورين، وتدل على تحريم التصوير لذوات الأرواح بجميع صوره وأشكاله.\nومن النصوص الواردة في ذلك قوله ﷺ: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» (٤)\n_________\n(١) [٤١٥٧]» رواه النسائي (٥/ ٢٦٨) وأحمد (١/ ٣٤٧) (٣٢٤٨) وابن حبان (٩/ ١٨٣) والحاكم (١/ ٦٣٧) وأبو يعلى (٤/ ٣١٦) قال الحاكم حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٤/ ٤٢٨) وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٨٥): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٢) رواه البخاري (٤٩٢٠).\n(٣) رواه البخاري (٣٤٤٥) بلفظ (ابن مريم). من حديث عمر بن الخطاب ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩).","vol":"3","page":247},{"text":"رواه البخاري ومسلم، وروى البخاري ومسلم أيضًا عن ابن عباس – ﵄ – أنه أتاه رجل فقال: إني رجل أصور هذه الصور، فأفتني فيها، فقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم» (١)\nوقال: إن كنت لابد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له.\nوثبت عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لأبي الهياج الأسدي: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته) (٢). رواه مسلم\nولذلك فإنه ينبغي للمسلم أن لا يتساهل في أمر التصوير بجميع أنواعه، سواء منه ما كان مجسمًا، كالتماثيل وغيرها مما له ظل – وهو أشد حرمة وأعظم إثمًا – أم ما كان على ورق، أو جدار، أو خرقة أو غيرها، ويعظم خطر التصوير إذا كان المصور من كبار أهل العلم، أو ممن لهم منزلة كبيرة في قلوب الناس.\nقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: (التصوير معناه نقل شكل الشيء وهيئته بواسطة الرسم أو الالتقاط بالآلة أو النحت، وإثبات هذا الشكل على لوحة، أو ورقة، أو تمثال، وكان العلماء يتعرضون للتصوير في مواضيع العقيدة؛ لأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك، وادعاء المشاركة لله بالخلق أو المحاولة لذلك، وأول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير ... فالتصوير هو منشأ الوثنية؛ لأن تصوير المخلوق تعظيم له، وتعلق به في الغالب، خصوصًا إذا كان المصور له شأن من سلطة، أو علم، أو صلاح، وخصوصًا إذا عظمت الصورة بنصبها على حائط، أو إقامتها في شارع أو ميدان، فإن ذلك يؤدي إلى التعلق بها من الجهال وأهل الضلال ولو بعد حين، ثم هذا فيه أيضًا فتح باب لنصب الأصنام والتماثيل التي تعبد من دون الله) (٣). تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين - بتصرف– ص: ٢٧٥\n_________\n(١) رواه مسلم (٢١١٠).\n(٢) رواه مسلم (٩٦٩).\n(٣) ينظر كتاب «الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد».","vol":"3","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>المبحث الخامس: تقديس الأشخاص والأشياء</span>\nالتقديس: هو التعظيم، ويستعمل عرفًا: فيما جاوز الحد المشروع.\nوالأشياء: جمع شيء، والمراد به الأماكن، والأزمان، والاجتماعات.\nوغاية التعظيم وكماله لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، لما له من صفات العظمة ونعوت الجلال والكمال، فأسماؤه حسنى كما قال سبحانه: وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠] وأفعاله كلها حكمة كما وصف نفسه فقال: فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] وشرعه كله عدل كما قال جل شأنه: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] ونعمه سابغة على عباده قال تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤] فهو المستحق وحده لأعظم التقديس وتمامه، فهو المحمود على كل شيء لذاته، وأما غيره سبحانه فإنما يستحق من التعظيم بحسب ما له من مكانة عند الله، وبالطريقة التي شرعها الله لتعظيمه. وكل تعظيم خرج عن ذلك فهو تعظيم محرم لا يأذن به الله.\nوبناء على ذلك فإن تعظيم الأشخاص لا يكون إلا بمقدار موافقتهم لشرعه فيستحقون بذلك موالاة المؤمنين ومحبتهم واحترامهم هذا، والتعظيم بناء على ذلك على قسمين:\n١ - تعظيم أذن الله به، وهو ما كان في حدود المشروع.\n٢ - تعظيم لم يأذن الله به، وهو ما جاوز المشروع وهو المسمى بالتقديس.\nوعليه فلا تقديس إلا لله وحده، وهو ما تقدم من غاية التعظيم كماله وتمامه وأعلاه. وبذا لا يكون صالحًا لسواه، ولا يوصف به أحد إلا إياه.\nومن الأماكن، والأزمان، والاجتماعات ما جاءت الشريعة بتعظيمه، ورفعة مكانه ومكانته، وذلك بما شرعه الله فيها من العبادة التي يحبها ويرضاها، فيختص التعظيم بها دون سواها، وذلك كالكعبة المشرفة التي شرع تعظيمها بالطواف حولها عبادة لله، وبين الصفا والمروة التي شرع السعي بينهما عبادة لله، وعرفة التي شرع الله الوقوف فيه في يوم التاسع من ذي الحجة عبادة لله، والمسجد النبوي الذي شرع الله تعظيمه بعبادة الله فيه وزيادة الأجر لمن فعلها فيه، والمسجد الأقصى الذي شرع الله تعظيمه بزيادة ثواب العبادة فيه، ونحو ذلك.\nوهكذا فقد عظم الله أمر أيام الحج، وأيام التشريق، وشهر رمضان، والاثنين والخميس من كل أسبوع، والأمر نفسه في العيدين، والجمعة، والاجتماع لصلاة الخسوف، والكسوف، والاستسقاء، ونحو ذلك.\nفتعظيمها بما عظمها الله به ورسوله ﷺ لا يتجاوز ذلك؛ لأنه عبادة لله، والعبادات توقيفية على معنى أن لا يزاد فيها ولا ينقص إلا بدليل من الكتاب والسنة.","vol":"3","page":249},{"text":"وأما ما عظم من الأماكن والأزمان والاجتماعات، كالقبور، وبعض الأيام كيوم مولد النبي ﷺ، وغيره، والاجتماع فيه كالاحتفال بالإسراء والمعراج، وذكرى الهجرة النبوية، ونحو ذلك. فهي من البدع المنكرة المحرمة كما قال ﷺ: «وكل بدعة ضلالة» ولو كان هذا الأمر مشروعًا لشرعه الله ورسوله، ولفعله من بعده من الصحابة والتابعين وتابعيهم، فلما لم يكن شيء من ذلك دل على أنه ليس مما جاء به الرسول ﷺ لاسيما وأن دين الله قد كمل وتوفي رسول الله ﷺ ولم يترك شيئًا نافعًا، أو ضارًا في أمر الدين والدنيا إلا بينه وحث أمته عليه أو حذرهم منه، كما قال ﷺ: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزغ عنها إلا هالك» (١). وقال ﷾: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣]، كما أنه لا يجوز شرعًا أن تشرع عبادات خاصة حتى بأيام أذن الله تعظيمها إلا ما شرعه الله ورسوله ﷺ، فقد نهى رسول الله ﷺ: «أن تخص ليلة الجمعة بقيام، أو يومها بصيام».\nولأن تخصيص الأماكن والأيام والاجتماعات بذلك في كل عام أو نحوه من اتخاذها عيدًا، والرسول ﷺ نص على أن للمسلمين عيدين الفطر والأضحى، مما يدل على أنه لا عيد غيرهما، فمن اعتاد شيئًا في وقت معين يعظمه بالاجتماع، أو مكان معين، فقد اتخذه عيدًا، وشرع ما لم يشرع الله.\nكما أنه تحرم موافقة أصحاب الملل الأخرى في أماكن عبادتهم، أو أيامها، أو اجتماعاتها؛ لأن في ذلك تشبهًا بهم. ومن تشبه بقوم فهو منهم، ومن هنا لما جاء الرجل يسأل النبي ﷺ عن مكان نذر الذبح فيه، سأله هل هو مكان لوثن من أوثان الجاهلية أو عيد من أعيادهم؟ فلما بين له الرجل أنه ليس كذلك أذن له، مما يدل على أنه إذا كان مكانًا لعباداتهم أو اجتماعاتهم فيحرم على المسلم موافقتهم فيه، كما أنه ﷺ شرع صوم التاسع من محرم مع العاشر لما في تخصيصه من شبهة الموافقة لليهود. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٨٠\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤٣)، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٢). من حديث العرباض بن سارية ﵁. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٦٨): إسناده حسن، وصححه الشوكاني في «إرشاد الفحول» (٢/ ١٣١)، والألباني في «صحيح ابن ماجه».","vol":"3","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-819>المبحث السادس: الأعياد والاحتفالات البدعية</span>\nالأعياد: جمع عيد، وهو اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد؛ إما يعود السنة، أو بعود الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك.\nفالعيد يجمع أمورًا منها يوم عائد كيوم الفطر، ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات، وقد يختص العيد بمكان تعينه، وقد يكون مطلقًا، وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدًا.\nفالزمان كقوله ﷺ ليوم الجمعة: «إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدًا» (١)، والاجتماع والأعمال كقول ابن عباس ﵁: (شهدت العيد مع رسول الله ﷺ) (٢).\nوالمكان كقوله ﷺ: «لا تتخذوا قبري عيدًا» (٣).\nوقد يكون لفظ العيد اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه كقول النبي ﷺ: «دعهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيد، وإن عيدنا هذا اليوم» (٤).\nوبناء على ذلك فلا يجوز لأحد أن يلازم الحفاوة والاحتفال بيوم من الأيام، أو مكان من الأماكن، أو اجتماع من الاجتماعات لم يرد الشرع باتخاذه عيدًا سواء كان ذلك بتخصيصه بعبادة من العبادات، أو اجتماع من الاجتماعات، أو عادة من العادات، فإن قارنه الموافقة لأعداء الله من الكفار، والمشركين، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كان الأمر أعظم حرمة وأشد خطرًا، وذلك لما فيه من المشابهة الظاهرة بهم، والذي هو طريق للمشابهة في الباطن.\nولذا لما طلب منه رجل أن يذبح في مكان سماه (بوانة) قال له النبي ﷺ: «هل بها عيد من أعيادهم» (يريد اجتماعًا معتادًا من اجتماعاتهم التي عندهم عيدًا) فلما قال: لا. قال له: «أوف بنذرك». وهذا يقتضي أن كون البقعة مكانًا لعيدهم مانع من الذبح بها وإن نذر، كما أن كونها موضع أوثانهم كذلك، وإلا لما انتظم الكلام، ولا حسن الاستفصال. ومعلوم أن ذلك لما هو لتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها، أو لمشاركتهم في التعييد فيها، أو لإحياء شعار عيدهم فيها، ونحو ذلك. إذ ليس الإمكان الفعل، أو نفس الفعل، أو زمانه.\nفيحرم الاحتفال بعيد الميلاد، سواء كان للمسيح أو للنبي محمد ﷺ وغيرهما من الناس، لما في ذلك من مشابهة اليهود والنصارى، وهكذا كل احتفال أو اجتماع يعتاد كل أسبوع، أو شهر، أو سنة، ولم يأت من الشرع ما يدل على إباحته كعيد رأس السنة، أو الاحتفال بالهجرة، أو الإسراء، أو ليلة النصف من شعبان.\n_________\n(١) رواه البيهقي في «السنن) (٣/ ٢٤٣)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ٣٧٢)، من حديث أبي هريرة ﵁. قال البيهقي: مرسل وروي موصولا ولا يصح وصله. وقال أبو حاتم الرازي في «العلل» (١/ ٣٩٩): وهم إنما يرويه مالك بإسناد مرسل. وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١١/ ٢١١): [فيه] اضطراب عن يزيد بن سعيد ولا يصح من روايته في هذا الباب.\n(٢) رواه البخاري (٩٦٢) من حديث ابن عباس ﵄.\n(٣) رواه أبو يعلى (١/ ٣٦١)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٤٢٨). قال ابن عبدالهادي المقدسي في «الصارم المنكي» (٢٠٦): جيد. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٦): رواه أبو يعلى، وفيه حفص بن ابراهيم الجعفري ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا، وبقية رجاله ثقات. وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٣١٣)، والعجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٣٣): حسن. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: وسنده مسلسل بأهل البيت ﵃، إلا أن أحدهم وهو علي بن عمر مستور، كما قال الحافظ في «التقريب» (١/ ٧٠٠).\n(٤) رواه البخاري (٣٩٣١) من حديث عائشة ﵂.","vol":"3","page":251},{"text":"ومن ذلك ما ابتدع هذه الأزمان من الأعياد الوطنية، والاحتفال بعيد الشجرة، والاحتفال بالأيام المبتدعة كيوم الغذاء، ويوم الطفل، ونحو ذلك.\nويدل على ما ذكرناه ما في الصحيحين أنه ﷺ قال: «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد» (١) وتلك الأيام أيام منى. وفي رواية «هذا عيدنا» (٢) وفي رواية «وإن عيدنا هذا اليوم» (٣).\nودلالته من وجهين:\nأولًا: قوله: «فإن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا» فهذا يقتضي أن لكل قوم عيدًا يخصهم كما قال تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا. فأعياد اليهود والنصارى وسواهم أمر يخصهم دوننا فلا نشاركهم فيه، كما لا نشاركهم في دينهم.\nثانيًا: قوله: «هذا عيدنا» فمقتضى هذا اللفظ أن عيدنا يخصنا وليس لنا عيد سواه وقوله: «وإن عيدنا هذا اليوم» أضاف العيد إلى «نا»، وعرف اليوم، والتعريف باللام والإضافة يفيد الاستغراق، فيقتضي هذا أن جنس عيدنا منحصر في هذا اليوم.\nويدل عليه أيضًا قوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٤). ولا شك أن هذه الأعياد والاجتماعات ليست من ديننا فهي مردودة أي: باطلة، فيحرم اعتيادها والاحتفاء بها. ويدل على هذا قوله ﷺ: «كل بدعة ضلالة» (٥) وهذه الأعياد والاحتفالات من البدع فهي ضلالة، فيحرم اعتيادها والعناية بأمرها.\nهذا، والأعياد إما مكانية، أو زمانية، أو اجتماعية.\nفأما الأعياد المكانية من جهة حكم الشرع فثلاثة أنواع:\nالأول: مالا خصوص له في الشريعة.\nالثاني: ماله خصوص لا يقتضي قصده للعبادة فيه.\nالثالث: ما تشرع العبادة فيه لكن لا يتخذ عيدًا.\nفمثال الأول: عموم الأمكنة مما لا خصوصية له، ولا شرعت فيه العبادة، فلا يجوز تخصيصه، ولا قصده بعبادة، كالصحارى، وسائر الأمكنة مثلًا ما لم يكن عيدًا لليهود والنصارى.\nومثال الثاني: كقبر النبي ﷺ وسائر القبور وكشهر رجب.\nومثال الثالث: كالصلاة في مسجد قباء فهي مشروعة، لكن لا يتخذ عيدًا يقصد كل سنة، وكل شهر، ونحو ذلك. وهكذا ليلة النصف من شعبان، ثبوت فضلها لا يجوز اتخاذها عيدًا يحتفل به كل سنة.\nوأما الأعياد الزمانية فهي أيضًا من جهة حكم الشرع ثلاثة أنواع:\nأحدها: يوم لم تعظمه الشريعة أصلًا كأول خميس من رجب، وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب.\nالنوع الثاني: ما جرى فيه من الحوادث مالا يقتضي كونه موسمًا كالثامن عشر من ذي الحجة المشهور بـ (غدير خم).\nالنوع الثالث: ما هو معظم في الشريعة كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويومي العيدين، نحوها.\nفالأول يحرم تخصيصه بشيء من العبادات أو الاحتفالات، وكذلك الحكم في النوع الثاني. وأما النوع الثالث فلا يتجاوز ما شرعه الله ورسوله فيه.\nهذا، وقد يصحب هذه الأعياد المكانية والزمانية من الاجتماعات البدعية ما يجعلها أعظم بدعة، وأغلظ حكمًا؛ كمن يقصد القبور يوم العيد، والاجتماع عليها، والاحتفال عندها، أو يقصد المسجد الأقصى من أجل التبرك به، أو الطواف بجبل عرفات، ونحو ذلك من البدع المنكرة التي لم يأت بها دليل من الكتاب ولا من السنة النبوية.\nوأما الاجتماعات فهي من جهة حكم الشرع ثلاثة أنواع:\n_________\n(١) رواه البخاري (٩٨٧) ومسلم (٨٩٢) من حديث عائشة ﵂.\n(٢) رواه البخاري تعليقا بعد حديث رقم (٩٨٦).\n(٣) رواه البخاري (٣٩٣١) من حديث عائشة ﵂.\n(٤) رواه البخاري (٢٦٩٥)، ومسلم (١٧١٨) (١٧). من حديث عائشة ﵂.\n(٥) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤). قال الترمذي: هذا حديث صحيح. قال الشوكاني في «إرشاد الفحول» (١/ ١٦٠)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.","vol":"3","page":252},{"text":"الأول: ما لم يشرع أصلًا كالاجتماع للاحتفال بالمواليد.\nالثاني: ما شرع الاجتماع له كصلاة الجماعة، وصلاة العيدين، ونحوها.\nالثالث: ما يحرم الاجتماع له كالاجتماع في المقابر، والأضرحة للصلاة المفروضة فيها، ودعاء أهلها، والطواف حولها.\nهذا، والواجب على المسلمين أن يحرصوا على تخليص دينهم من كل شائبة تكدر صفوه، أو تتسبب في تغييره؛ لأن الدين إذا كثرت فيه البدع تغيرت صورته، فصار مجموعة من الأعمال الخرافية التي ما أنزل الله بها من سلطان. فإن لحفظ الدين جانبين:\nالأول: المحافظة عليه؛ وذلك بتعلم حقائقه، وتعليمها، ونشرها بين الناس حتى تكون معروفة مشهورة ظاهرة واضحة.\nالثاني: محاربة ما يكدر صفوه من المكفرات، والمبتدعات، والمعاصي التي تقضي على صفائه، وتكدر حقائقه، فتظهر مشوهة. وبذلك يفرح أعداؤه ويسر أدعياؤه.\nقال تعالى: يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة: ٣٢].\nومما تقدم تبين أن الحكم العام لاتخاذ الأعياد والاحتفالات هو الحرمة المقتضية للبدعة؛ وأما كونها وسيلة من وسائل الشرك فذلك بين من جهتين:\nالأولى: لما في ذلك من المشابهة للكفار في الظاهر التي تؤدي للمشابهة في الباطن؛ لأن المشابهة بالكفار تدل على استحسان من الفاعل لفعلهم، والذي هو جزء من كفرهم، وشعائرهم الوثنية؛ ولذا استحق أن يحشر معهم.\nوفي رواية: «من تشبه بقوم فهو منهم» (١). وهو نص صريح على أن التشبه في الظاهر مؤذن بالتشبه بهم في الباطن.\nالثانية: ما يشتمل عليه اتخاذ الأعياد والاحتفالات البدعية من مخالفة ما جاء به الرسول ﷺ، والحكم بغير ما أنزل الله. ففيه نوع من شرك الطاعة كما قال تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] أي: دينًا وشرعًا.\nوعلى هذا فهو إما وسيلة من وسائل الشرك الأكبر أو الأصغر، فإن اشتمل على عبادة غير الله فهو شرك أكبر، وإن اشتمل على ما دونه فهو شرك أصغر. والشرك الأكبر ينافي التوحيد، والشرك الأصغر ينافي كمال التوحيد.\nكما أن اتخاذ الاحتفالات والأعياد البدعية كبيرة من كبائر الذنوب، وهي مؤذنة بتغيير وجه الدين، الأمر الذي هو طريق للكفر الأكبر أو الكفر الأصغر؛ فإن اشتمل على ما به يكفر كفرًا أكبر خرج من الملة، وإن اشتمل على ما به كفر أصغر لم يخرج عن الملة، واستحق المتلبس به الوعيد إذا مات ولم يتب منه.\nومن هنا يتبين لنا الخطر المؤدي إلى زعزعة العقيدة الإسلامية في قلوب المسلمين عن طريق اتخاذ الأعياد، والاحتفالات البدعية. ولا يقال إننا نفعلها ولا نجد هذا، لأن الشرع ينزل مظنة الشيء منزلة الشيء نفسه، ويجعل وسائل الأشياء في الحكم كالذي تؤدي إليه، فما كان وسيلة للشرك أكبره أو أصغره ينزل منزلة الشرك نفسه أكبره أو أصغره. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٨٦\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٠٣١)، وأحمد (٢/ ٥٠) (٥١١٤). من حديث ابن عمر ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٥٠٩)، والعراقي في «المغني» (١/ ٣٥٩): إسناده صحيح. وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٨٢): ثابت [و] إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.","vol":"3","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>الفصل الرابع: حماية النبي ﷺ للتوحيد بتحريم وسائل الشرك وطرقه</span>\nلقد بين الرسول ﷺ أمر التوحيد وحذر عن الشرك غاية التحذير، فكل أمر بالتوحيد ونهي عن الشرك حماية لأمر التوحيد، ولكن المقصود بهذه المسألة هنا ما جاء عنه في التحذير وسده للطرق الموصلة للشرك، إذ به يتحقق الإنسان من معرفة الشرك فيحذره بالابتعاد عن وسائله، ولما خفي على كثير من الناس في الأزمنة المتأخرة هذا الأمر وقعوا في الشرك وإن زعموا أنه ليس بشرك.\nفقد نهى الرسول ﷺ عن الغلو في تعظيم المخلوق، إذ الغلو في تعظيمه يؤدي إلى استشعار القلب بالخوف والرهبة منه والرجاء فيه، فيصرف إليه عندئذ شيئًا من حقوق الله تعالى. فمن هذه الوسائل المنهي عنها:\nالأول (١): إن الرسول ﷺ قد نهى عن الغلو في مدحه بما قد يفضي إلى عبادته فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (٢).\n_________\n(١) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (٢/ ٦٧٥)، ومجلة البحوث الإسلامية – العدد: ٢٠، (ص: ٢٠٠)، بحث للشيخ صالح الفوزان.\n(٢) رواه البخاري (٣٤٤٥). من حديث عمر ﵁.","vol":"3","page":254},{"text":"الثاني (١): نهى الرسول ﷺ عن البناء على القبور وعن اتخاذها عيدًا، وعن اتخاذها مساجد، فقال لما ذكرت له أم سلمة ﵂: أنها رأت كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الصور قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (٢) وقال الرسول ﷺ قبل أن يموت بخمس ليال: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك» (٣). وقال الرسول ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٤). كما نهى النبي ﷺ عن تجصيص القبور كما قال جابر بن عبد الله ﵄: (نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه) (٥). وكذلك نهى عن الصلاة عند القبور سواء بني عليها مسجد أو لا لقوله: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (٦). فقد نهى النبي ﷺ عن تلك الأمور كلها الدالة على تعظيم القبر لئلا يفضي ذلك إلى عبادتهم وطلب قضاء الحوائج من الموتى، ويدل على أن هذا هو المراد ما أشار به إلى صنيع الأمم السابقة، وكذلك لأن هذا هو أصل ابتداء الشرك في الناس كما تقدم (٧). وقد قال ابن قدامة معللًا للنهي عن اتخاذ القبور مساجد ومصلى: (لأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام: تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها) (٨) اهـ.\n_________\n(١) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (١/ ٧٧، ٢٩٢، ٢٩٥، ٢/ ٦٧١ - ٦٧٢)، و«مجلة البحوث الإسلامية» – العدد: ٢٠، (ص: ٢٠٠). بحث للشيخ صالح الفوزان.\n(٢) رواه البخاري (٤٣٤)، ومسلم (٥٢٨). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) رواه مسلم (٥٣٢). من حديث جندب بن عبدالله ﵁.\n(٤) رواه أبو داود (٢٠٤٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٩١) (٤١٦٢). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٩٢) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، والنووي في «الأذكار» (١٥٤).\n(٥) رواه مسلم (٩٧٠).\n(٦) رواه مسلم (٩٧٢). من حديث أبو مرثد الغنوي ﵁.\n(٧) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٦٧٣ - ٢/ ٧٦٨).\n(٨) «المغني» لابن قدامة (٢/ ١٩٣).","vol":"3","page":255},{"text":"الثالث: النهي عن الوفاء بالنذر بالذبح لله تعالى في مكان يذبح فيه لغير الله أو يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية. فعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: «نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة فسأل النبي ﷺ فقال: هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيه عيد من أعيادهم. قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم» (١). فقوله في آخر الحديث «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» يفيد أن الوفاء بالنذر في المكان الذي فيه أمر من أمور الجاهلية معصية لله، ففي هذا سد لذريعة الشرك وإبعاد للمسلمين عن التشبه بالمشركين في تعظيم أوثانهم (٢).\nالرابع: النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها صيانة للصلاة وللمصلين المسلمين أن يشبهوا الكفار في سجودهم لها وعبادتهم لها وللشيطان.\nوفيه أن الرسول ﷺ أرشد عمرو بن عبسة بقوله: «صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ... (إلى أن قال): حتى تصلي العصر ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار» (٣).\nوهذا كله حماية للتوحيد.\nوقد نهى الرسول ﷺ عن كل ما يؤدي إلى إساءة الظن برب العالمين وعدم تقديره حق قدره. ومن ذلك الألفاظ التي فيها التسوية بين الله وبين المخلوق، فعن قتيلة: «أن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون وتقولون: ما شاء الله وشئت وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت» (٤) اهـ.\nفجعل المخلوق مساويًا للخالق باللفظ في المشيئة أو التعظيم فيه إساءة ظن برب العالمين واستنقاص له، إذ هو المتعالي العظيم الذي له الخلق والأمر سبحانه. وإن هذه التسوية نهي عنها وإن لم يعتقد قائلها ذلك بقلبه، وقد تكون مثل هذه الألفاظ شركًا أكبر إذا قصدها قائلها بقلبه (٥). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ١٠٠\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٣١٣)، والطبراني (٢/ ٧٥) (١٣٤٢). والحديث سكت عنه أبو داود، واحتج به ابن حزم في «المحلى» (٨/ ٢٢)، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٧٤١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال النووي في «المجموع» (٨/ ٤٦٧): إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٤٤٠ - ٤٤٢). و«تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٠١).\n(٣) رواه مسلم (٨٣٢).\n(٤) رواه النسائي (٧/ ٦) (٣٧٨٢). من حديث قتيلة بنت صيفي الجهني ﵂. قال ابن حجر في «الإصابة» (٤/ ٣٨٩): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٥) انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٥٩٦ - ٦٠٢).","vol":"3","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-824>تمهيد:</span>\nالإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، والذي لا يصح إيمان عبد حتى يقر به، فيؤمن بوجودهم، وبما ورد في الكتاب والسنة من صفاتهم وأفعالهم.\nقال الله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥]، وقال تعالى: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٨].\nوقد حكم الله ﷿ بالكفر على من أنكر وجود الملائكة؛ ولم يؤمن بهم، فقال ﵎: وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء: ١٣٦]. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٦٥٩","vol":"3","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>المبحث الأول: معنى الملائكة لغةً</span>\nوالملائكة لغة: جمع ملك، قال ابن فارس: (الميم واللام والكاف أصل صحيح يدل على قوة في الشيء وصحة) (١).\nوالملك أصله (ملاك) نقلت حركة الهمزة فيه إلى الساكن قبله، ثم حذفت الألف تخفيفًا فصارت ملكًا، وهو مشتق من الألوكة والملأكة وهي: الرسالة، والملأك: الملك؛ لأنه يبلغ عن الله تعالى، يقال: ألك؛ أي تحمل الرسالة (٢).\nقال الطبري ﵀: (فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة؛ لأنها رسل الله بينه وبين أنبيائه ومن أرسلت إليه من عباده) (٣).\nوإنما سميت الرسالة ألوكة ومألكة لأنها تؤلك في الفم، من قولهم: يألك اللجام ويعلكه (٤). المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٦٥٩\n_________\n(١) «معجم مقاييس اللغة» (٥/ ٣٥١ - ٣٥٢) مادة (ملك).\n(٢) انظر: «معجم مقاييس اللغة» (١/ ١٣٢) مادة (ألك)، و«المحيط في اللغة» (٦/ ٢٧٥)، و«المصباح المنير» (١/ ٢٣)، و«القاموس المحيط» (٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، مادة (ملك).\n(٣) «تفسير الطبري» (١/ ٢٦١).\n(٤) انظر: «المحيط في اللغة» (١/ ٣٢٩)، «معجم مقاييس اللغة» (١/ ١٣٣) مادة (ألك).","vol":"3","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>المبحث الثاني: معنى الملائكة اصطلاحًا</span>\nالملائكة اصطلاحًا: خلق من خلق الله تعالى، خلقهم الله ﷿ من نور، مربوبون مسخرون، عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصوفون بالذكورة ولا بالأنوثة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملون ولا يتعبون ولا يتناكحون ولا يعلم عددهم إلا الله (١).\nوقد عرفها بعضهم بأنها: (أجسام نورانية، أعطيت قدرة على التشكل والظهور بأشكال مختلفة بإذن الله تعالى) (٢). المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين - ص: ٦٦٠\n_________\n(١) انظر: «لوامع الأنوار البهية» (١/ ٤٤٧)، و«أعلام السنة المنشورة» (ص: ٧٨)، و«الإيمان» لمحمد نعيم ياسين (ص: ٣٢)، «عالم الملائكة الأبرار» لعمر سليمان الأشقر (ص: ١٣ وما بعدها).\n(٢) انظر: «فتح الباري» (٦/ ٤٥٠)، «روح المعاني» للألوسي (١/ ٢١٨).","vol":"3","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-828>المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة</span>\nالإيمان (بالملائكة) الذين هم عباد الله المكرمون والسفرة بينه تعالى: وبين رسله عليهم الصلاة والسلام (المرام) خَلقا وخُلقا والكرام على الله تعالى: (البررة) الطاهرين ذاتا وصفة وأفعالا المطيعين لله ﷿ خلقهم الله تعالى: من النور لعبادته ليسوا بناتا لله ﷿ ولا أولادا ولا شركاء معه ولا أندادا تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون والملحدون علوا كبيرا قال الله تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُون لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون وَمَنْ يِقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نُجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِين [الأنبياء:٢٦ - ٢٩]، وقال الله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون أصْطَفَى البَنَاتِ عَلَى البَنِين مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُون - إلى قوله: - وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومْ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُون [الصافات:١٥١ - ١٦٦]، وقال الله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِين أَمْ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالبَنِين - إلى قوله – وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الذِّينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَنَكْتُبُ شَهَادَتَهُمْ وَيَسْأَلُون [الزخرف:١٥ - ١٩]، الآيات. وقال الله تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لله وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَيَحْشُرْهُمْ إليه جَمِيعا [الأنبياء:١٧٢]، وقال الله تعالى: وَمَنْ عِنْدَهَ لا يَسْتِكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُون يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتَرُون [الأنبياء:١٩ - ٢٠]، وقال الله تعالى: الحَمْدُ لله فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلائِكَةَ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاع يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شيء قَدِير [فاطر:١]، وقال الله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالغَمَامِ وَنَزَّلَ المَلائِكَةَ تَنْزِيلًا المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ للرَّحْمَن وقال الله تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ للمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورا [الفرقان:٢٢]، وقال الله تعالى: إِنَّ الذِّينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُون [الأعراف:٢٠٦]، وقال الله تعالى: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيَا [مريم:٦٤] وقال الله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُم جَمِيعًا ثُمَّ يقول للمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُون [سبأ:٤٠] وقال الله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًا لله وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌ للكَافِرِين [البقرة:٩٨] والآيات في ذكر الملائكة في القرآن كثيرة.","vol":"3","page":260},{"text":"معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٨٠٨\nوالإيمان بالملائكة: هو الإيمان بوجودهم إيمانًا جازمًا لا يتطرق إليه شك، ولا ريب، قال الله ﵎: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إليه مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة:٢٨٥]، لقوله تعالى: وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء:١٣٦]. فأهل السنة والجماعة: يؤمنون بهم إجمالًا، وأما تفصيلًا فبمن صح به الدليل ممن سماه الله ورسوله ﷺ؛ كجبريل الموكل بالوحي، وميكائيل الموكل بالمطر، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح، ومالك خازن النار. وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بوجودهم، وأنهم عباد مخلوقون، خلقهم الله تعالى: من نور، وهم ذوات حقيقية، وليسوا قوى خفية، وهم خلق من خلق الله تعالى. والملائكة خلقتهم عظيمة، منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، وثبت أن جبريل - ﵇ - له ستمائة جناح. وهم جند من جنود الله، قادرون على التمثل بأمثال الأشياء، والتشكل بأشكال جسمانية؛ حسبما تقتضيها الحالات التي يأذن بها الله ﷾ وهم مقربون من الله ومكرمون. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة لعبدالله بن عبدالحميد الأثري - ص١٣١","vol":"3","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-829>المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بالملائكة</span>\nوأما الملائكة فهم الموكلون بالسماوات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة، كما قال تعالى: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا [النازعات:٥]، فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا [الذاريات:٤]. وهم الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل، وأما المكذبون بالرسل المنكرون للصانع فيقولون: هي النجوم. ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسله، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله للواحد القهار، وهم ينفذون أمره: لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم. ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون فهم عباد مكرمون، منهم الصافون، ومنهم المسبحون، ليس منهم إلا له مقام معلوم، ولا يتخطاه، وهو على عمل قد أمر به، لا يقصر عنه ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ورؤساؤهم الأملاك الثلاثة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، الموكلون بالحياة، فجبرائيل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم. فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، ينزلون الأمر من عنده في أقطار العالم، ويصعدون إليه بالأمر، قد أطت السماوات بهم، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد لله، ويدخل البيت المعمور منهم كل يوم سبعون ألفًا لا يعودون إليه آخر ما عليهم. والقرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم، فتارة يقرن الله تعالى: اسمه باسمهم، وصلاته بصلاتهم، ويضيفهم إليه في مواضع التشريف، وتارة يذكر حفهم بالعرش وحملهم له، ومراتبهم من الدنو، وتارة يصفهم بالإكرام والكرم، والتقريب والعلو والطهارة والقوة والإخلاص. قال تعالى: كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة:٢٨٥]، شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْم [آل عمران:١٧]، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [سورة الأحزاب:٤٣]، الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [سورة غافر:٧]، وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [سورة الزمر:٧٥]، بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ [الأنبياء:٢٦] إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف:٢٠٦]، فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ [فصلت:٣٨] كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:١١]، كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس:١٦] يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:٢١]، لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ [الصافات:٨]، وكذلك الأحاديث النبوية طافحة بذكرهم. فلهذا كان الإيمان بالملائكة أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ٢/ ٤٠٥","vol":"3","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-830>المبحث الثالث: الملائكة مخلوقات قائمة بنفسها حية ناطقة</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الملائكة مخلوقات قائمة بنفسها، خلقها الله ﷿ من نور، وأنها حية ناطقة تنزل وتصعد، وتجيء وتذهب، وتتكلم بتبليغ الوحي، وبغيره.\nفهي أعيان مخلوقة موجودة، وليست مجرد أعراض كما زعمت الفلاسفة.\nنص الإجماع الذي حكاه شيخ الإسلام: قرر ﵀ أن الملائكة من المخلوقات بقوله: (والملائكة من الأعيان لا من الأعراض، فهي من المخلوقات باتفاق المسلمين، وليس بين أهل الملل خلاف في أن الملائكة جميعهم مخلوقون، ولم يجعل أحد منهم المصنوعات نوعين: عالم خلق وعالم أمر، بل الجميع عندهم مخلوق، ومن قال: إن قوله تعالى: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤] أريد به هذا التقسيم الذي ذكره، فقد خالف إجماع المسلمين) (١).\nوبين ﵀ أن هذه المخلوقات موجودة في الحقيقة، وليسوا مجرد صفات أو أعراض، فقال: (فنقول إن المسلمين من أعظم الناس معرفة بوجود الملائكة والجن كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة) (٢).\nوقرر أيضًا ﵀ أن الملائكة أعيان قائمة بنفسها، حية وناطقة، خلافًا للفلاسفة ومن سار على نهجهم ممن يجعل الملائكة أعراضًا تقوم بالنفس، حيث قال: (ومعلوم أن الملائكة الذين وصفهم الله تعالى في الكتاب والسنة لا ينطبقون على هذه العقول العشرة والنفوس التسعة التي يذكرونها، ولهذا يؤول بهم الأمر إلى أن يجعلوا الملائكة والشياطين أعراضًا تقوم بالنفس؛ ليست أعيانًا قائمة بنفسها حية ناطقة، ومعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما أخبرت به الرسل واتفق عليه المسلمون) (٣).\nذكر من نقل الإجماع أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: الملائكة خلق من خلق الله ﷿؛ خلقهم الله من نور، وعلى هذا تواترت أقوال السلف رحمهم الله تعالى من الصحابة والتابعين.\nفقد روى الإمام أبو سعيد الدارمي ﵀ أن عمرو بن دينار ﵀ قال: (أدركت أصحاب النبي ﷺ فمن دونهم منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق ...) (٤).\nوعقد الإمام البخاري ﵀ في صحيحه بابًا بعنوان: (باب ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق، وهو فعل الرب ﵎ وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره وهو الخالق المكون غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه؛ فهو مفعول مخلوق مكون) (٥).\nوقال الواحدي ﵀ في قوله تعالى: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤] قال: (يعني: أن جميع ما في العالم مخلوق له) (٦).\nفيدخل في ذلك الملائكة بلا شك، إذ ليس هناك نص من القرآن الكريم، ولا من السنة الشريفة يخرج الملائكة عن هذا العموم، بل إن النصوص جاءت مقررة لكون الملائكة ﵈ مخلوقون مربوبون ...\nوقد ذكر الحليمي ﵀ المعاني التي ينتظمها الإيمان بالملائكة، وذكر منها: (إنزالهم منازلهم، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه كالإنس والجن) (٧).\n_________\n(١) «بغية المرتاد» (ص: ٢٣١، ٢٣٢).\n(٢) «الجواب الصحيح» (٥/ ٢٤ - ٢٥).\n(٣) «بغية المرتاد» (ص: ٢١٩) باختصار.\n(٤) انظر: «شذرات الذهب» (٢/ ١٧٦).\n(٥) بعد رقم (٧٤٥١).\n(٦) «الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» (١/ ٣٩٧).\n(٧) «المنهاج» (٢/ ٢٥٦) بتحقيق أبو زيد بن محمد مكي.","vol":"3","page":263},{"text":"وهذا ما قرره ابن حزم ﵀ بقوله: (وإن الملائكة حق، وهم خلق من خلق الله ﷿، مكرمون، كلهم رسل الله، قال الله تعالى: وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ [الرعد: ٢٣]، وقال تعالى: بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ [الأنبياء: ٢٦]، وقال تعالى: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ [فاطر: ١]) (١).\nوقال الطوفي ﵀: (وكذا الملائكة، فإن الشياطين خلقوا من نار، والملائكة من نور، كما صح في السنة النبوية) (٢).\nوتواترت أقوال السلف أيضًا على أن الملائكة أحياء عقلاء ناطقون.\nقال القاضي عياض ﵀: (أجمع المسلمون على أن الملائكة مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة مما ذكرنا عصمتهم منه، وأنهم في حقوق الأنبياء، والتبليغ إليهم كالأنبياء مع الأمم) (٣).\nوقال ابن حزم ﵀: (وقال بعض السخفاء: إن الملائكة بمنزلة الهواء والرياح.\nوهذا كذب وقحة وجنون؛ لأن الملائكة بنص القرآن والسنن وإجماع جميع من يقر بالملائكة من أهل الأديان المختلفة عقلًا متعبدون منهيون مأمورون، وليس كذلك الهواء والرياح، لكنها لا تعقل ولا هي متكلفة متعبدة؛ بل هي مسخرة مصرفة لا اختيار لها، قال تعالى: وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ [البقرة: ١٦٤]) (٤).\nومن المعلوم ضرورة أن الإيمان والعقل والفضل لا يوصف به غير الأحياء، فظهر من كلام العلماء ﵏ أنهم مقرون لكون الملائكة من الأحياء.\nمستند الإجماع في المسألة: مما يستدل به على أن الملائكة مخلوقة عموم قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر: ٦٢]، وقوله تعالى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [غافر: ٦٢].\nيقول الإمام الشافعي ﵀: (فكل شيء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك: فالله خلقه) (٥).\nومن الأدلة أيضًا قوله تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا [فصلت: ١٢].\nقال القرطبي ﵀: وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا قال قتادة والسدي: خلق فيها شمسها وقمرها، ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها) (٦).\nومن الأدلة قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩].\nقال مجاهد ﵀ في قوله: وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ قال: (يدخل في هذا الملائكة والناس) (٧).\nوقال ابن كثير ﵀: (وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات؛ على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم، وقد فرقهم في أرجاء أقطار السماوات والأرض) (٨).\nومن أدلة السنة ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (٩).\nفهذا نص صريح صحيح من النبي ﷺ بأن الملائكة مخلوقة، فلم يبق بعد ذلك لمخالف مقال.\n_________\n(١) «المحلي» (١/ ١٣).\n(٢) «الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية» (١/ ٤٠٩).\n(٣) «الشفا» (٢/ ١٧٤).\n(٤) «الفصل» (٣٦/ ١٩٦) باختصار.\n(٥) «الرسالة» (ص: ٥٤).\n(٦) «تفسير القرطبي» (١٥/ ٣٠٢).\n(٧) «تفسير الطبري» م١٣ (٢٦/ ٤٠)، و«تفسير القرطبي» (١٦/ ٢٨).\n(٨) «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٤٦).\n(٩) رواه مسلم (٢٩٩٦).","vol":"3","page":264},{"text":"أما الأدلة على أن الملائكة متصفون بالكلام فقد أخبرنا الله ﷾ عن المحاورة التي جرت بينه ﷿ وبين ملائكته ﵈ فقال ﵎: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: ٣٠ - ٣٢].\nفأثبت الله ﷿ في هذه الآيات أنه كلم الملائكة ﵈ وكلموه.\nوقد أخبر الله ﷾ أيضًا أن الملائكة ﵈ يكلم بعضهم بعضًا كما في قوله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٣].\nوقد ذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ أن هذه الآية فيها: (إثبات أن الملائكة يتكلمون ويفهمون ويعقلون لأنهم يسألون: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ويجابون: قال الْحَقَّ، خلافًا لمن قال: إنهم لا يوصفون بذلك؛ فيلزم من قولهم هذا أننا تلقينا الشريعة ممن لا عقول لهم، وهذا قدح في الشريعة بلا ريب) (١).\nوفي هذه الأدلة – التي تثبت صفة الكلام للملائكة ﵈ – دلالة أيضًا على أنهم أحياء.\nومما يدل على ذلك أيضًا ما أخبر الله ﷿ عنهم من أنهم يصعدون وينزلون، كما في قوله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤]، وقوله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر: ٤]. وغير الحي لا يمكن وصفه بذلك.\nأما من السنة فقد ثبت أن الملائكة ﵈ يتمثلون في صورة البشر، كما في حديث جبريل المشهور عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينا نحن عند رسول الله ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ ...).\nثم قال النبي ﷺ في آخر الحديث: «يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم». (٢).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله ﷿، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه». (٣).\nوهذا إثبات قاطع على أن الملائكة ﵈ أحياء، وأنهم يتكلمون.\nفظهر جليًا بما لا يدع مجالًا للشك – بجموع هذه الأدلة – أن الملائكة ﵈ خلق من خلق الله ﷿، وهم أحياء ناطقون. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٦٦٤\n_________\n(١) «القول المفيد» (١/ ٤١١).\n(٢) رواه مسلم (٨).\n(٣) رواه مسلم (٢٥٦٧).","vol":"3","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>المبحث الرابع: سجود الملائكة لآدم ﵇</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله ﷿ لما أمر الملائكة بالسجود لآدم ﵇ سجدوا له جميعًا بلا استثناء، ملائكة الأرض، وملائكة السماء، لقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص: ٧٢].\n(ومن قال إنه لم يسجد له جميع الملائكة بل ملائكة الأرض؛ فقد رد القرآن بالكذب والبهتان، وهذا القول ونحوه ليس من أقوال المسلمين واليهود والنصارى، وإنما هو من أقوال الملاحدة المتفلسفة الذين يجعلون الملائكة قوى النفس الصالحة، والشياطين قوى النفس الخبيثة، ويجعلون سجود الملائكة طاعة القوى للعقل، وامتناع الشياطين عصيان القوى الخبيثة للعقل) (١).\nوكانت سجود الملائكة لآدم ﵇ عبادة وطاعة لله، وقربة يتقربون بها إليه وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم (٢) ... نقل شيخ الإسلام ﵀ إجماع أهل الملل على سجود الملائكة لآدم ﵇ وذلك في معرض رده على الفلاسفة الذين يزعمون أن الملائكة هي التي أبدعت جميع المصنوعات حيث قال:\n(ولأن ما اتفق عليه أهل الملل من أن الملائكة سجدوا لآدم ﵇ يبطل قول هؤلاء: إن أضعف العقول – التي هي الملائكة عندهم – هو مبدع جميع البشر، ورب كل ما تحت فلك القمر) (٣).\nوقد بين ﵀ أن هذا السجود كان لآدم ﵇ على الحقيقة فقال: (السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه بإجماع من يسمع قوله) (٤).\nوذلك للرد على من زعم أن السجود كان لله، وإنما جعل آدم ﵇ قبله للملائكة يسجدون إليه كما يسجد إلى الكعبة، وليس في هذا تفضيل له عليهم؛ كما أن السجود إلى الكعبة ليس فيه تفضيل للكعبة على المؤمن عند الله.\nثم ذكر ﵀ الأدلة على صحة ما ذهب إليه، وفساد قول هؤلاء وذلك من عدة وجوه:\nأحدها: أن الله ﷾ قال: اسْجُدُواْ لآدَمَ [البقرة: ٣٤]، ولم يقل: إلى آدم.\nوكل حرف له معنى، ومن التمييز في اللسان أن يقال: سجدت له، وسجدت إليه، كما قال تعالى: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧]، وقوله: وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الرعد: ١٥]، وأيضًا فإن النبي ﷺ كان يصلي إلى عنزة، ولا يقال لعنزة، وإلى عمود وشجرة، ولا يقال لعمود، ولا لشجرة.\nوالساجد للشيء يخضع له بقلبه، ويخشع له بفؤاده، وأما الساجد إليه فإنما يولي وجهه وبدنه إليه ظاهرًا، كما يولي وجهه إلى بعض النواحي إذا أمه، كما قال تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤].\nالثاني: أن آدم ﵇ لو كان قبلة لم يمتنع إبليس من السجود، أو يزعم أنه خير منه، فإن القبلة قد تكون أحجارًا؛ وليس في ذلك تفضيل لها على المصلين إليها، وقد يصلي الرجل إلى عَنَزَة وبعير، وإلى رجل؛ ولا يتوهم أنه مفضل بذلك، فمن أي شيء فر الشيطان؟ هذا هو العجب العجيب.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٤٥، ٣٤٦).\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» (١/ ٣٠١)، و«الوسيط في تفسير القرآن المجيد» للواحدي (١/ ١١٩)، و«تفسير البغوي» (١/ ٣٥).\n(٣) «بغية المرتاد» (ص: ٢٤٣).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٥٨).","vol":"3","page":266},{"text":"الثالث: أنه لو جعل آدم قبلة في سجدة واحدة؛ لكانت القبلة وبيت المقدس أفضل منه بآلاف كثيرة، إذ جعلت قبلة دائمة في جميع أنواع الصلوات، فهذه القصة الطويلة التي هي من أفضل النعم عليه، والتي رفعه الله بها، وامتن بها عليه؛ ليس فيها أكثر من أنه جعله كالكعبة في بعض الأوقات، مع أن بعض ما أوتيه من الإيمان والعلم، والقرب من الرحمن أفضل بكثير من الكعبة؛ والكعبة إنما وضعت له ولذريته؛ أفيجعل من جسيم النعيم عليه أو يشبه به في شيء نزر قليل جدًا؟. هذا مالا يقوله عاقل (١).\nوهذا السجود كان من جميع الملائكة؛ ملائكة السماء، وملائكة الأرض، وهذا ما قرره ﵀ عندما سئل: هل سجد ملائكة السماء والأرض، أم ملائكة الأرض خاصة؟.\nفأجاب ﵀: (بل أسجد له جميع الملائكة كما نطق بذلك القرآن في قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص: ٧٣]، فهذه ثلاث صيغ مقررة للعموم وللاستغراق؛ فإن قوله: الْمَلَائِكَةُ يقتضي جميع الملائكة؛ فإن اسم الجمع المعرف بالألف واللام يقتضي العموم؛ فهو رب جميع الملائكة.\nالثاني: (كلهم) وهذا من أبلغ العموم، الثالث: قوله: أَجْمَعُونَ وهذا توكيد للعموم.) (٢).\nذكر من نقل الإجماع أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: اتفقت كلمة العلماء رحمهم الله تعالى على أن الملائكة ﵈ سجدوا لآدم ﵇.\nوالذي يدل على ذلك ما نقوله من الإجماع على أن سجود الملائكة لآدم ﵇ لم يكن سجود عبادة.\nقال أبو بكر بن العربي ﵀: (اتفقت الأمة على أن السجود لآدم ﵇ لم يكن سجود عبادة) (٣).\nوقال الفخر الرازي ﵀: (أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة) (٤).\nوقرر ذلك القرطبي ﵀ بقوله: (واختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة) (٥).\nقلت: وفي إجماعهم على أن السجود لم يكن سجود عبادة، يؤخذ منه أنهم مجمعون على وقوع هذا السجود لآدم ﵇، وهو ما نقل عليه الإجماع شيخ الإسلام ﵀.\nوقد بين الطبري ﵀ أن السجود وقع من جميع الملائكة لا من بعضهم حيث قال: (... فلما سوى الله خلق ذلك البشر وهو آدم، ونفخ فيه من روحه، سجد له الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص: ٧٣]، يعني بذلك الملائكة الذين هم في السموات والأرض) (٦).\nوهذا السجود كان لآدم ﵇ على الحقيقة، خلافًا لمن زعم أن السجود كان لله وإنما جعل آدم ﵇ قبلة، فقد أخرج الطبري عن قتادة رحمهما الله في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [البقرة: ٣٤] أنه قال: (فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته) (٧).\nوقال البغوي ﵀: اسْجُدُواْ فيه قولان: الأصح أن السجود كان لآدم على الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله ﷿ بامتثال أمره، وكان ذلك سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة) (٨).\nمستند الإجماع في المسألة: الأدلة على سجود الملائكة لآدم ﵇ كثيرة، وقد ذكر المولى ﵎ ذلك في سبعة مواضع من الكتاب العزيز.\nقال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤].\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٥٨، ٣٥٩) بتصرف.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٤٥) باختصار.\n(٣) «أحكام القرآن» (١/ ٢٧).\n(٤) «التفسير الكبير» (٢/ ٢١٢).\n(٥) «تفسير القرطبي» (١/ ٣٣٣).\n(٦) «تفسير الطبري» م١٢ (٢٣/ ٢٢٥).\n(٧) «تفسير الطبري» م١ (١/ ٣٠١).\n(٨) «تفسير البغوي» (١/ ٣٥).","vol":"3","page":267},{"text":"وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ [الأعراف: ١١].\nوقال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء: ٦١].\nوقال الله ﷾: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف: ٥٠].\nوقال الله ﷿: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى [طه: ١١٦].\nوقال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: ٢٨ - ٣٠].\nوقال المولى ﷿: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص: ٧١ - ٧٣].\nفهذه الأدلة جميعًا دلت دلالة قاطعة على أن الملائكة سجدوا لآدم ﵇ على الحقيقة؛ امتثالًا وطاعة لربهم ﷿.\nأما أدلة السنة على ذلك فما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «احتج آدم وموسى ﵉ عند ربهما، فحج آدم موسى. قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض؟. فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما. قال آدم: فهل وجدت فيها: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه: ١٢١]؟. قال: نعم قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟. قال رسول الله ﷺ: فحج آدم موسى». (١).\nوالشاهد في قوله موسى ﵇: (وأسجد لك ملائكته). فهذا إثبات من موسى ﵇، وإقرار من محمد ﷺ على سجود الملائكة لآدم ﵇.\nوعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، يأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا ...» (٢).\nوفي هذا إثبات من النبي ﷺ – الذي لا ينطق عن الهوى – على سجود الملائكة لآدم ﵇. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٦٧٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢).\n(٢) رواه البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣).","vol":"3","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-832>المبحث الخامس: ثمرات الإيمان بالملائكة</span>\nقال ابن عثيمين: والإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة منها:\nالأولى: العلم بعظمة الله تعالى، وقوته، وسلطانه، فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق.\nالثانية: شكر الله تعالى على عنايته ببني آدم، حيث وكل من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم، وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم.\nالثالثة: محبة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله تعالى مجموع فتاوى ابن عثيمين -٦/ ٨٩","vol":"3","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-835>المبحث الأول: مادة خلقهم ووقته</span>\nإنّ المادة التي خلقوا منها هي النور؛ ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ وعن أبيها: أن رسول الله ﷺ قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (١).\nولم يبين لنا رسول الله ﷺ أي نور هذا الذي خلقوا منه، ولذلك فإننا لا نستطيع أن نخوض في هذا الأمر لمزيد من التحديد؛ لأنه غيب لم يرد فيه ما يوضحه أكثر من هذا الحديث ...\nولا ندري متى خُلقوا، فالله - سبحانه - لم يخبرنا بذلك، ولكننا نعلم أنّ خلقهم سابق على خلق آدم أبي البشر، فقد أخبرنا الله أنه أعلم ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠]، والمراد بالخليفة آدم ﵇، وأمرهم بالسجود له حين خلقه: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر: ٢٩].\nرؤية الملائكة:\nولما كانت الملائكة أجسامًا نورانية لطيفة، فإن العباد لا يستطيعون رؤيتهم، خاصة أن الله لم يعط أبصارنا القدرة على هذه الرؤية.\nولم ير الملائكة في صورهم الحقيقية من هذه الأمة إلا الرسول ﷺ، فإنه رأى جبريل مرتين في صورته التي خلقه الله عليها، وقد دلت النصوص على أن البشر يستطيعون رؤية الملائكة، إذا تمثل الملائكة في صورة بشر.\nرأى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ على صورته الملائكية التي خلقه الله عليها مرتين، هما المذكورتان في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣]، وفي قوله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: ١٣ - ١٥]، عندما عرج به إلى السموات العلا.\nوقد ورد في صحيح مسلم: «أن عائشة ﵂ سألت الرسول ﷺ عن هاتين الآيتين فقال ﷺ: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين.\nرأيته منهبطًا من السماء، سادًّا عِظَمُ خَلْقه ما بين السماء إلى الأرض» (٢).\n(وسئلت عائشة ﵂ عن قوله تعالى: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم: ٨]، فقالت: إنما ذلك جبريل ﵇، كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه في هذه المرة في صورته، التي هي صورته، فسدّ أفق السماء) (٣).\nوورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (رأى محمد ﷺ جبريل له ستمائة جناح) (٤).\nوقال ابن مسعود أيضًا في قوله تعالى: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: ١٨] (أي رفرفًا أخضر قد سدّ الأفق) (٥). وهذا الرفرف الذي سدّ الأفق هو ما كان عليه جبريل، فقد ذكر ابن حجر أن النسائي والحاكم رويا من طريقهما عن ابن مسعود قال: (أبصر نبي الله ﷺ جبريل ﵇ على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض) (٦) (٧).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٩٦).\n(٢) رواه مسلم (١٧٧).\n(٣) رواه مسلم (١٧٧).\n(٤) رواه البخاري (٤٨٥٦)، ورواه مسلم (١٧٤).\n(٥) رواه البخاري (٣٢٣٣).\n(٦) رواه الترمذي (٣٢٨٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٧٣) (١١٥٤١)، والحاكم (٢/ ٥٠٩). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١/ ٤٠): إسناده جيد قوي، وحسن إسناده ابن حجر في «تحفة النبلاء» (٨٥).\n(٧) «فتح الباري» (٨/ ٦١١).","vol":"3","page":270},{"text":"وذكر ابن حجر أن ابن مسعود قال في رواية النسائي: (رأى محمد ﷺ جبريل له ستمائة جناح قد سدّ الأفق) (١).\nوفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: (رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته، وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سدّ الأفق. يسقط من جناحه التهاويل من الدرر واليواقيت) (٢).\nقال ابن كثير في هذا الحديث: (إسناده جيد) (٣).\nوقال في وصف جبريل: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١٩ - ٢١]، والمراد بالرسول الكريم هنا: جبريل، وذي العرش: رب العزة سبحانه.\n٢ - عِظم خلقة حَمَلة العرش:\nروى أبو داود عن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن رسول الله ﷺ قال: «أُذن لي أن أُحدِّث عن ملك من ملائكة الله، من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» (٤).\nورواه ابن أبي حاتم وقال: «تخفق الطير». قال محقق مشكاة المصابيح: (إسناده صحيح).\nوروى الطبراني في معجمه الأوسط بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت» (٥). عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص ٩\n_________\n(١) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٧٣) (١١٥٤٢)، ورواه أحمد (١/ ٤١٢) (٣٩١٥)، وابن خزيمة في «التوحيد» (٢/ ٥٠١) وأشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٩٥) (٣٧٤٨)، وابن خزيمة في «التوحيد» (٢/ ٥٠٥) وأشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١/ ٣٩): إسناده جيد قوي.\n(٣) «البداية والنهاية» (١/ ٣٩).\n(٤) رواه أبو داود (٤٧٢٧)، وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٠٩). وسكت عنه، وقال ابن كثير في تفسيره (٨/ ٢١٢): وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ٥٣٣): إسناده على شرط الصحيح.\n(٥) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٦/ ٣١٤) (٦٥٠٣). وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٨٥٣).","vol":"3","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-837>المطلب الأول: أجنحة الملائكة</span>\nللملائكة أجنحة كما أخبرنا الله تعالى، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، أو أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فاطر: ١].\nوالمعنى أن الله جعلهم أصحاب أجنحة، بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة أو أربعة، أو أكثر من ذلك. عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص ١٢","vol":"3","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-838>المطلب الثاني: جمال الملائكة</span>\nخلقهم الله على صور جميلة كريمة قال تعالى في جبريل: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم: ٥ - ٦]. قال ابن عباس: (ذُو مِرَّةٍ: ذو منظر حسن) (١)، وقال قتادة: (ذو خَلْقٍ طويل حسن) (٢). وقيل: (ذُو مِرَّةٍ: ذو قوة) (٣). ولا منافاة بين القولين، فهو قوي وحسن المنظر.\nوقد تقرر عند الناس وصف الملائكة بالجمال، كما تقرر عندهم وصف الشياطين بالقبح، ولذلك تراهم يشبهون الجميل من البشر بالملك، انظر إلى ما قالته النسوة في يوسف الصديق عندما رأينه: فلما رأينه أكبرنه وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وقلن حاش لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملكٌ كريمٌ [يوسف: ٣١] عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص: ١٢\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٩٩).\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٩٩).\n(٣) «تفسير الطبري» (٢٢/ ٤٩٩).","vol":"3","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-839>المطلب الثالث: تفاوتهم في الخلق والمقدار</span>\nالملائكة ليسوا على درجة واحدة في الخلق والمقدار، فبعض الملائكة له جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وجبريل له ستمائة جناح، ولهم عند ربهم مقامات متفاوتة معلومة: وما منَّا إلاَّ له مقامٌ معلومٌ [الصافات: ١٦٤].\nوقال في جبريل: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ\n[التكوير: ١٩ - ٢١]؛ أي له مكانة ومنزلة عالية رفيعة عند الله.\nوأفضل الملائكة هم الذين شهدوا معركة بدر، ففي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع: «أن جبريل جاء للنبي ﷺ فقال: ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة» (١). عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص: ١٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٩٩٢).","vol":"3","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-840>المطلب الرابع: لا يوصفون بالذكورة والأنوثة</span>\nمن أسباب ضلال بني آدم في حديثهم عن عوالم الغيب أن بعضهم يحاول إخضاع هذه العوالم لمقاييسه البشرية الدنيوية، فنرى أحدًا من هؤلاء يعجب في مقال له من أن جبريل كان يأتي الرسول ﷺ بعد ثوان من توجيه سؤال إلى الرسول ﷺ يحتاج إلى جواب من الله، فكيف يأتي بهذه السرعة الخارقة، والضوء يحتاج إلى ملايين السنوات الضوئية؛ ليصل إلى بعض الكواكب القريبة من السماء.\nوما درى هذا المسكين أن مثله كمثل بعوضة، تحاول أن تقيس سرعة الطائرة بمقياسها الخاص، لو تفكر في الأمر، لعلم أن عالم الملائكة له مقاييس تختلف تمامًا عن مقاييسنا نحن البشر.\nولقد ضلّ في هذا المجال مشركو العرب الذين كانوا يزعمون أن الملائكة إناث، واختلطت هذه المقولة المجافية للحقيقة عندهم بخرافة أعظم وأكبر؛ إذ زعموا أن هؤلاء الإناث بنات الله.\nوناقشهم القرآن في هاتين القضيتين، فبين أنهم - فيما ذهبوا إليه - لم يعتمدوا على دليل صحيح، وأن هذا القول قول متهافت، ومن عجب أنهم ينسبون لله البنات، وهم يكرهون البنات، وعندما يبشر أحدهم أنه رزق بنتًا يظل وجهه مسودًا وهو كظيم، وقد يتوارى من الناس خجلًا من سوء ما بُشر به، وقد يتعدى هذا المأفون طوره، فيدس هذه المولودة في التراب، ومع ذلك كله ينسبون لله الولد، ويزعمون أنهم إناث، وهكذا تنشأ الخرافة، وتتفرع في عقول الذين لا يتصلون بالنور الإلهي.\nاستمع إلى الآيات التالية تحكي هذه الخرافة وتناقش أصحابها: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ [الصافات: ١٤٩ - ١٥٦].\nوقد جعل الله قولهم هذا شهادة سيحاسبهم عليها، فإن من أعظم الذنوب القول على الله بغير علم: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُون [الزخرف: ١٩]. عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص: ١٣","vol":"3","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>المطلب الخامس: لا يأكلون ولا يشربون</span>\nوأنهم لا يحتاجون إلى طعام البشر وشرابهم، فقد أخبرنا الله أن الملائكة جاؤوا إبراهيم في صورة بشر، فقدّم لهم الطعام، فلم تمتد أيديهم إليه، فأوجس منهم خيفة، فكشفوا له عن حقيقتهم، فزال خوفه واستغرابه: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨].\nوفي آية أخرى قال: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود: ٧٠].\nونقل السيوطي عن الفخر الرازي: (أن العلماء اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناكحون) (١). عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص ١٥\n_________\n(١) «تفسير الرازي» (ص: ٥٢)، و«الحبائك في أخبار الملائك» (ص: ٦٤).","vol":"3","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-842>المطلب السادس: لا يملّون ولا يتعبون</span>\nوالملائكة يقومون بعبادة الله وطاعته وتنفيذ أوامره، بلا كلل ولا ملل، ولا يدركهم ما يدرك البشر من ذلك، قال تعالى في وصف الملائكة: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠].\nومعنى لا يفترون: لا يضعفون. وفي الآية الأخرى: فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ [فصلت: ٣٨] تقول العرب: سئم الشيء، أي: ملّه.\nوقد استدل السيوطي بقوله: لا يَفْتُرُونَ على أن الملائكة لا ينامون، ونقله عن الفخر الرازي (١). عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص: ١٥\n_________\n(١) «تفسير الرازي» (ص: ٥٢)، و«الحبائك في أخبار الملائك» (ص: ٦٤).","vol":"3","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-843>المطلب السابع: منازل الملائكة</span>\nمنازل الملائكة ومساكنها السماء، كما قال تعالى: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: ٥].\nوقد وصفهم الله تعالى بأنهم عنده: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ [فصلت: ٣٨].\nوينزلون إلى الأرض بأمر الله لتنفيذ مهمات نيطت بهم، ووكلت إليهم: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم: ٦٤]. ويكثر نزولهم في مناسبات خاصة كليلة القدر: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر: ٣ - ٤]. عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص: ١٥","vol":"3","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-844>المطلب الثامن: أعداد الملائكة</span>\nالملائكة خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: ٣١].\nوإذا أردت أن تعلم كثرتهم، فاسمع ما قاله جبريل عن البيت المعمور، عندما سأله الرسول ﷺ عنه عندما بلغه في الإسراء: «هذا البيت المعمور يصلي فيه في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم» (١).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (٢). فعلى ذلك فإن الذين يأتون بجهنم يوم القيامة أربعة مليارات وتسعمائة مليون ملك.\nوإذا تأملت النصوص الواردة في الملائكة التي تقوم على الإنسان علمت مدى كثرتهم، فهناك ملك موكل بالنطفة، وملكان لكتابة أعمال كل إنسان، وملائكة لحفظه، وقرين ملكي لهدايته وإرشاده ..... عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص: ١٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٠٧) واللفظ له، ومسلم (١٦٢).\n(٢) رواه مسلم (٢٨٤٢).","vol":"3","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-845>المطلب التاسع: موت الملائكة</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله ﷿ قد كتب على جميع المخلوقات الفناء، وتفرد عز جاهه بالبقاء، وعلى هذا فهم يؤمنون بأن الملائكة ﵈ يجوز عليهم الموت، وأن الله قادر على ذلك.\nوإنما يخالف في ذلك طوائف من المتفلسفة، أتباع أرسطو وأمثالهم، ومن دخل معهم من المنتسبين إلى الإسلام ممن زعم أن الملائكة هي العقول والنفوس، وأنه لا يمكن موتها بحال (١)، وأنكر ذلك أيضًا ابن حزم ﵀ ... سئل – شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: هل جميع الخلق حتى الملائكة يموتون؟.\nفأجاب: (الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة، والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك، وقدرة الله عليه) (٢) ....\nإن الله ﷿ قادر على أن يميت الملائكة، كما هو قادر على إماتة البشر، كما قال الله ﷾: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧].\nفقد روى البيهقي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، والصور قرن، فلا يبقى لله خلق في السماوات ولا في الأرض إلا مات؛ إلا من شاء ربك) (٣).\nوأخرج الطبري ﵀ بسنده عن قتادة أنه قال: (قوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ [الزمر: ٦٨] قال الحسن: يستثني الله وما يدع أحدًا من أهل السماوات ولا أهل الأرض إلا أذاقه الموت، قال قتادة: قد استثنى الله، والله أعلم إلى ما صارت ثنيته) (٤).\nوقد بين الطبري ﵀ أن قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ بمعنى: مات (٥).\nوالملائكة ﵈ من سكان السماوات؛ وبناء على ذلك فالآية تشملهم، فيموتون كما يموت الإنس والجن.\nوقال الطبري ﵀ في تفسير قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء: ٣٥] من سورة الأنبياء، قال: (يقول تعالى ذكره: كل نفس منفوسة من خلقه معالجة غصص الموت ومتجرعة كأسها) (٦).\nوقد قرر ذلك الحليمي ﵀ في كتابه (المنهاج) بقوله: (والإيمان بالملائكة ينتظم معاني – وذكر منها -: إنزالهم منازلهم، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه، كالإنس والجن، مأمورون مكلفون، لا يقدرون إلا على ما يقدرهم الله تعالى عليه، والموت جائز عليهم، ولكن الله تعالى جعل لهم أمدًا بعيدًا، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه) (٧).\nونقل عبد القاهر البغدادي ﵀ الإجماع على جواز فناء العالم من طريق القدرة والإمكان فقال: (وأجمعوا أيضًا على جواز الفناء على العالم كله من طريق القدرة والإمكان، وإنما قالوا بتأبيد الجنة، وتأبيد جهنم وعذابها من طريق الشرع) (٨).\nوالملائكة ﵈ إنما هم جزء من هذا العالم الكبير الذي خلقه الله ﷾ وأوجده، وهو وحده القادر على فنائه وهلاكه؛ كما أخبرنا الله ﷿ في كتابه العزيز، فقال عز من قائل: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨] ....\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٥٩) باختصار.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٥٩).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٥١١) (٣٧٦٣٧). قال ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٣٧٧): موقوف [و] إسناده قوي.\n(٤) «تفسير الطبري» م١٢ (٢٤/ ٣٩).\n(٥) «تفسير الطبري» م١٢ (٢٤/ ٣٧).\n(٦) «تفسير الطبري» م١٠ (١٧/ ٣٤).\n(٧) (٢/ ٢٥٦) بتحقيق أبو زيد بن محمد مكي.\n(٨) «الفرق بين الفرق» (ص: ٢٩٠).","vol":"3","page":280},{"text":"ومن الأدلة قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨].\nقال ابن كثير ﵀: (هذه النفخة هي الثانية وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله؛ كما جاء مصرحًا به مفسرًا في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولًا وهو الباقي آخرًا بالديمومة والبقاء، ويقول: «لمن الملك اليوم» ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: «لله الواحد القهار» (١).\nوقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في المراد بالمستثنى في قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨] إلى أقوال كثيرة، وقد ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه (فتح الباري) بقوله:\n(وحاصل ما جاء في ذلك عشرة أقوال: الأول: أنهم الموتى كلهم لكونهم لا إحساس لهم فلا يصعقون، وإلى هذا جنح القرطبي في (المفهم) وفيه ما فيه، ومستنده أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، وتعقبه صاحبه القرطبي في (التذكرة) فقال: قد صح فيه حديث أبي هريرة.\nوفي الزهد لهناد بن السري عن سعيد بن جبير موقوفًا: (هم الشهداء)، وسنده إلى سعيد صحيح وهذا هو القول الثاني.\nالثالث: الأنبياء، وإلى ذلك جنح البيهقي في تأويل الحديث في تجويزه أن يكون موسى ممن استثنى الله، قال: ووجهه عندي أنهم أحياء عند ربهم كالشهداء فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا ثم لا يكون ذلك موتًا في جميع معانيه إلا في ذهاب الاستشعار، وقد جوز النبي ﷺ أن يكون موسى ممن استثنى الله، فإن كان منهم فإنه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة بسبب ما وقع له في صعقة الطور.\nثم ذكر أثر سعيد بن جبير في الشهداء وحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: «أنه سأل جبريل عن هذه الآية من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم شهداء الله ﷿» (٢). صححه الحاكم ورواته ثقات ورجحه الطبري.\nالرابع: قال يحيى بن سلام في تفسيره: (بلغني أن آخر من يبقى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثم يموت الثلاثة ثم يقول الله لملك الموت مت فيموت. قلت: وجاء نحو هذا مسندًا في حديث أنس أخرجه البيهقي وابن مردويه بلفظ: (فكان ممن استثنى الله ثلاثة جبريل وميكائيل وملك الموت) الحديث، وسنده ضعيف.\nوأخرج الطبري بسند صحيح عن إسماعيل ووصله إسماعيل بن أبي زياد الشامي في تفسيره عن ابن عباس مثل يحيى بن سلام ونحوه عن سعيد بن المسيب أخرجه الطبري وزاد (ليس فيهم حملة العرش لأنهم فوق السماوات).\nالخامس: يمكن أن يؤخذ مما في الرابع.\nالسادس: الأربعة المذكورون وحملة العرش، وقع ذلك في حديث أبي هريرة الطويل المعروف بحديث الصور وقد تقدمت الإشارة إليه وأن سنده ضعيف مضطرب، وعن كعب الأحبار نحوه وقال: هم اثنا عشر، أخرجه ابن أبي حاتم وأخرجه البيهقي من طريق زيد بن أسلم مقطوعًا ورجاله ثقات.\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٨١).\n(٢) رواه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٧٧) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في «التلخيص»: صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقال ابن الملقن في «شرح البخاري» (٢٩/ ٦١٧): إسناده صحيح. وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٣٧٨): رواته ثقات.","vol":"3","page":281},{"text":"وجمع في حديث الصور بين هذا القول وبين القول أنهم الشهداء، ففيه «فقال أبو هريرة ﵁: يا رسول الله فمن استثنى حين الفزع؟ قال: الشهداء» ثم ذكر نفخة الصعق على ما تقدم.\nالسابع: موسى ﵇ وحده، أخرجه الطبري بسند ضعيف عن أنس وعن قتادة وذكره الثعلبي عن جابر.\nالثامن: الولدان الذين في الجنة والحور العين.\nالتاسع: هم وخزان الجنة والنار وما فيها من الحيات والعقارب، حكاهما الثعلبي عن الضحاك بن مزاحم.\nالعاشر: الملائكة كلهم، جزم به أبو محمد بن حزم في الملل والنحل فقال: الملائكة أرواح لا أرواح فيها، فلا يموتون أصلًا.\nوأما ما وقع عند الطبري بسند صحيح عن قتادة قال: قال الحسن: يستثني الله وما يدع أحدا إلا أذاقه الموت فيمكن أن يعد قولًا آخر.\nقال البيهقي: استضعف بعض أهل النظر أكثر هذه الأقوال لأن الاستثناء وقع من سكان السماوات والأرض وهؤلاء ليسوا من سكانها؛ لأن العرش فوق السماوات فحملته ليسوا من سكانها، وجبريل وميكائيل من الصافين حول العرش، ولأن الجنة فوق السماوات والجنة والنار عالمان بانفرادهما خلقتا للبقاء.\nويدل على أن المستثنى غير الملائكة ما أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وصححه الحاكم من حديث لقيط بن عامر مطولًا وفيه: «يلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من أحد إلا مات حتى الملائكة الذين مع ربك» (١).\nولعل الذي تطمئن إليه النفس من هذه الأقوال هو ما ذكره الحسن ﵀: من أن الله ﷾ يستثني، وهو أعلم بما استثناه.\nفقد يتناول الاستثناء هذه الأقوال جميعًا، وقد يتناول غيرها، ولا يمكن الجزم بكل من استثناه الله ﷻ، فإنه ﷿ قد ذكر ذلك على سبيل الإطلاق (٢).\n(ولا يصار إلى بيان المبهمات إلا بقاطع) (٣)، فلا سبيل إلى العلم بذلك إلا عن طريق الخبر، إما من كتاب الله ﷿، وإما عن طريق نبيه ﷺ.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وبكل حال: النبي ﷺ قد توقف في موسى ﵇، وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه أم لا؟.\nفإذا كان النبي ﷺ لم يخبر بكل من استثنى الله؛ لم يمكنا نحن أن نجزم بذلك، وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة وأعيان الأنبياء، وأمثال ذلك مما لم يخبر به، وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر، والله أعلم) (٤).\nوعلى هذا فالذي يظهر والله أعلم أن الملائكة ﵈ يموتون كما يموت غيرهم من الجن والإنس، أما المستثنى فعلمه عند الله. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – بتصرف – ص: ٦٩٣\n_________\n(١) رواه أحد في «المسند» (٤/ ١٢) (١٦٢٥١). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ٧٢): غريب جدا وألفاظه في بعضها نكارة. وضعف إسناده الألباني في «تخريج كتاب السنة» (٦٣٦).\n(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٦١).\n(٣) «تفسير القاسمي» سورة الزمر ٦٨.\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٦١).","vol":"3","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-846>المبحث الثالث: هل الجن من الملائكة</span>\nالجن ليسوا من الملائكة؛ لأن الملائكة خلقوا من نور، والجن خلقوا من نار قال الله - تعالى -: وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ [الحجر: ٢٧]. وثبت عن النبي، ﷺ، أن الملائكة خلقوا من نور؛ ولأن الملائكة كما وصفهم الله - تعالى - بقوله: عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]. والجن فيهم المؤمن والكافر والمطيع والعاصي قال الله - تعالى -: قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ [الأعراف:٣٨]. وقال عن الجن: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٤ - ١٥]. وقال عنهم أيضًا: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:١١]. ولأن الملائكة - كما قال أهل العلم - صمد لا يأكلون ولا يشربون، والجن يأكلون ويشربون، فقد ثبت عن النبي ﷺ، أنه قال للجن الذين وفدوا إليه: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحمًا» فتبين بهذه الأدلة أن الملائكة ليسوا من الجن فأما قوله - تعالى -: فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ [الحجر: ٣٠ - ٣١].\nفإنما استثناه لأنه كان معهم حينذاك وليس منهم، ويبين ذلك قوله - تعالى - في سورة الكهف: فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠]. فعلل فسقه عن أمر ربه بكونه من الجن، ولو كان الملائكة من الجن لأمكن أن يفسقوا عن أمر ربهم كما فسق إبليس، وهذا الاستثناء يسمى استثناء منقطعًا كما يقول النحويون: (جاء القوم إلا حمارًا) (١) وهو كلام عربي فصيح، فاستثنى الحمار من القوم وإن لم يكن منهم. مجموع فتاوى ورسائل لابن عثيمين - ١/ ٢٨٥\n_________\n(١) «التوقيف على مهمات التعاريف» (ص: ٦٥٤).","vol":"3","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-847>المبحث الرابع: هل إبليس من الملائكة</span>\nإبليس ليس من الملائكة لأن إبليس خلق من نار والملائكة خلقت من نور، ولأن طبيعة إبليس غير طبيعة الملائكة، فالملائكة وصفهم الله - تعالى - بأنهم: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [الممتحنة: ٦]. ووصفهم الله - تعالى - بقوله: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].أما الشيطان فإنه على العكس من ذلك فإنه كان مستكبرًا كما قال - تعالى -: إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، [البقرة:٣٤] ولكن لما وجه الخطاب إلى الملائكة بالسجود لآدم وكان إبليس من بينهم - أي معهم مشاركًا لهم في العبادة - وإن كان قلبه - والعياذ بالله - منطويًا على الكفر والاستكبار صار الخطاب متوجهًا إلى الجميع فلهذا صح استثناؤه منهم فقال - تعالى -: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ وإلا فأصله ليس منهم بلا شك كما قال - تعالى -: فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠] .. والله أعلم. مجموع فتاوى ورسائل لابن عثيمين - ١/ ٢٨٦","vol":"3","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-849>المبحث الأول: الملائكة كرام بررة</span>\nوصف الله الملائكة بأنهم كرام بررة: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١٥ - ١٦]؛ أي القرآن بأيدي سفرة، أي: الملائكة؛ لأنهم سفراء الله إلى رسله وأنبيائه، قال البخاري: (سفرة: الملائكة واحدهم سافر، سفرتُ: أصلحت بينهم، وجعلت الملائكة - إذا نزلت بوحي الله تعالى وتأديته - كالسفير الذي يصلح بين القوم) (١).\nوقد وصف الله تعالى هؤلاء الملائكة بأنهم كِرَامٍ بَرَرَةٍ؛ أي: خلقهم كريم حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارة ظاهرة كاملة، ومن هنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.\nروى البخاري عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله ﷺ: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام، ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده، وهو عليه شديد، فله أجران» (٢).\nاستحياء الملائكة:\nمن أخلاق الملائكة التي أخبرنا الرسول ﷺ بها: الحياء؛ ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن عائشة: «أن الرسول ﷺ كان مضطجعًا في بيتها، كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثمّ استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس الرسول ﷺ وسوّى ثيابه، فدخل، فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر، فلم تهتش له، ولم تُبَالهِ، ثم دخل عمر، فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان، فجلست، وسويت ثيابك، فقال: ألا استحيي من رجل تستحيي منه الملائكة» (٣).\nوقولها: لم تهتش له: الهشاشة والبشاشة: طلاقة الوجه، وحسن اللقاء.\nوقولها: لم تباله: لم تحتفل به (٤). عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص: ١٩\n_________\n(١) «صحيح البخاري» (٦/ ٢١٦).\n(٢) رواه البخاري (٤٩٣٧) واللفظ له، ومسلم (٧٩٨).\n(٣) رواه مسلم (٢٤٠١).\n(٤) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٥/ ١٦٨ - ١٦٩).","vol":"3","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>المبحث الثاني: قدراتهم</span>\nأعطى الله الملائكة القدرة على أن يتشكلوا بغير أشكالهم، فقد أرسل الله جبريل إلى مريم في صورة بشر: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا [مريم: ١٦ - ١٩].\nوإبراهيم - ﵇ - جاءَته الملائكة في صورة بشر، ولم يعرف أنهم ملائكة حتى كشفوا له عن حقيقة أمرهم، وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود: ٦٩ - ٧٠].\nوجاؤوا إلى لوط في صورة شباب حسان الوجوه، وضاق لوط بهم، وخشي عليهم قومه، فقد كانوا قوم سوء يفعلون السيئات، ويأتون الذكران من العالمين: وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود: ٧٧].\nيقول ابن كثير) تبدى لهم الملائكة في صورة شباب حسان امتحانًا واختبارًا، حتى قامت على قوم لوط الحجة، وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر «١).\nوقد كان جبريل يأتي الرسول ﷺ في صفات متعددة، فتارة يأتي في صورة دحية بن خليفة الكلبي (صحابي كان جميل الصورة)، وتارة في صورة أعرابي.\nوقد شاهده كثير من الصحابة عندما كان يأتي كذلك.\nفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام» (٢). وفي الحديث أنه سأله عن الإيمان، والإحسان، والساعة وأماراتها.\nوقد أخبر الرسول ﷺ فيما بعد أن السائل جبريل، جاء يعلم الصحابة دينهم.\n«ورأت عائشة الرسول ﷺ واضعًا يده على معرفة فرس دحية الكلبي يكلمه، فلما سألته عن ذلك، قال ﷺ: ذلك جبريل، وهو يقرئك السلام» (٣).\nوقد حدثنا الرسول ﷺ عن الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، وأنه لما هاجر تائبًا جاءه الموت في منتصف الطريق إلى الأرض التي هاجر إليها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فحكّموا فيه ملكًا جاءَهم في صورة آدمي، يقول ﵇: «فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له» (٤)، ولا بدّ أنهم حكموه بأمر الله، فأرسل الله لهم هذا الملك في صورة آدمي، والقصة في صحيح مسلم، في باب التوبة. عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص: ٢٠\n_________\n(١) «البداية والنهاية» (١/ ٤٢).\n(٢) رواه مسلم (٨).\n(٣) رواه أحمد (٦/ ٧٤) (٢٤٥٠٦). قال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣/ ١٠٥): إسناده حسن في الشواهد.\n(٤) رواه مسلم (٢٧٦٦). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"3","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>المبحث الثالث: علمهم</span>\nوالملائكة عندهم علم وفير علّمهم الله إيّاه، ولكن ليس عندهم القدرة التي أعطيت للإنسان في التعرف على الأشياء: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: ٣١ - ٣٢].\nفالإنسان يتميز بالقدرة على التعرف على الأشياء، واكتشاف سنن الكون، والملائكة يعلمون ذلك بالتلقي المباشر عن الله ﷾.\nولكنّ الذي علمهم الله إياه أكثر مما يعرفه الإنسان، ومن العلم الذي أعطوه علم الكتابة: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص: ٢٢","vol":"3","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-852>المبحث الرابع: اختصام الملأ الأعلى</span>\nوالملائكة تتحاور فيما بينها فيما خفي عليها من وحي ربها، ففي سنن الترمذي، ومسند أحمد عن ابن عباس: أن الرسول ﷺ قال: «أتاني الليلة ربي - ﵎ - في أحسن صورة - قال: أحسبه قال: في المنام - فقال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا. قال: فوضع يده بين كتفيّ، حتى وجدت بردها بين ثدييّ، فعلمت ما في السموات، وما في الأرض.\nفقال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الكفارات والدرجات، والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلاة، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام.\nقال: صدقت، ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه.\nوقال: يا محمد، إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبّ المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وتتوب عليّ، وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون» (١).\nقال ابن كثير في هذا الحديث بعد ذكره له: (هذا حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط، وهو في السنن من طرق، وهذا الحديث رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به.\nوقال الحسن: صحيح، وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن في قوله: مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإٍ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِن يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٦٩ - ٧٠].\nفإن الاختصام المذكور في الحديث، قد فسره الرسول ﷺ.\nوالاختصام المذكور في القرآن فسرته الآيات بعده: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ [ص: ٧١ - ٧٤].\nفالاختصام المذكور في القرآن كان في شأن آدم - ﵇ - وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربّه في تفضيله عليه) (٢).\nمنظمون في كل شؤونهم:\nالملائكة منظمون في عبادتهم، وقد حثنا الرسول ﷺ على الاقتداء بهم في ذلك فقال: «ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها؟. قالوا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف، ويتراصون في الصف» (٣).\nوفي يوم القيامة يأتون صفوفًا منتظمة: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، ويقفون صفوفًا بين يدي الله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ: ٣٨]، والروح: جبريل.\nوانظر إلى دقة تنفيذهم للأوامر، ففي صحيح مسلم، ومسند أحمد عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك» (٤) .. عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص: ٢٣\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٢٣٣، ٣٢٣٤)، وأحمد (١/ ٣٦٨) (٣٤٨٤)، وأبو يعلى (٤/ ٤٧٥)، وابن خزيمة في «التوحيد» (٢٩٣) بلفظ: «ثديي» بدلًا من «صدري». من حديث ابن عباس ﵄. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ١٦٢): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٨١).\n(٣) رواه مسلم (٤٣٠). من حديث جابر بن سمرة ﵁.\n(٤) رواه مسلم (١٩٧)، وأحمد (٣/ ١٣٦) (١٢٤٢٠).","vol":"3","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>المبحث الخامس: عبادة الملائكة</span>\nالملائكة مطبوعون على طاعة الله، ليس لديهم القدرة على العصيان: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦].\nفتركهم للمعصية، وفعلهم للطاعة جبلّة، لا يكلفهم أدنى مجاهدة؛ لأنه لا شهوة لهم.\nولعلّ هذا هو السبب الذي دعا فريقًا من العلماء إلى القول: إن الملائكة ليسوا بمكلفين، وإنهم ليسوا بداخلين في الوعد والوعيد (١).\nويمكن أن نقول: إن الملائكة ليسوا بمكلفين بالتكاليف نفسها التي كلف بها أبناء آدم. أما القول بعدم تكليفهم مطلقًا، فهو قول مردود، فهم مأمورون بالعبادة والطاعة: يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: ٥٠]. وفي الآية أنهم يخافون ربهم، والخوف نوع من التكاليف الشرعية، بل هو من أعلى أنواع العبودية، كما قال فيهم: وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: ٢٨].\nمكانة الملائكة:\nخير ما يوصف به الملائكة أنهم عباد الله، ولكنهم عباد مكرمون، وقد سبق أن أشرنا إلى أن دعوى المشركين في أنّ الملائكة - بنات الله - دعوى باطلة، لا نصيب لها من الصحة، وقد أكذب الله القائلين بهذا القول، وبين حقيقة الملائكة ومكانتهم في أكثر من موضع، قال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩].\nالملائكة عباد يتصفون بكل صفات العبودية، قائمون بالخدمة، منفذون للتعاليم، وعلم الله بهم محيط، لا يستطيعون أن يتجاوزوا الأوامر، ولا أن يخالفوا التعليمات الملقاة إليهم، خائفون وجلون ...\nومن تمام عبودية الملائكة أنهم لا يتقدمون بين يدي ربهم مقترحين، ولا يعترضون على ما أمر من أوامره، بل هم عاملون بأمره، مسارعون مجيبون لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٧]، وهم لا يفعلون إلا ما يؤمرون به، فالأمر يحركهم، والأمر يوقفهم، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: «قال رسول الله ﷺ لجبريل: ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟ قال: فنزلت: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: ٦٤]» (٢).\nنماذج من عبادتهم:\nالملائكة عباد الله، مكلفون بطاعته، وهم يقومون بالعبادة والتكاليف بيسر وسهولة. وسنورد - هنا - بعض العبادات التي حدثنا الله، أو رسوله ﷺ أنهم يقومون بها.\n١ - التسبيح: الملائكة يذكرون الله تعالى، وأعظم ذكره التسبيح، يسبحه تعالى حملة عرشه: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [غافر: ٧]، كما يسبحه عموم ملائكته: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: ٥].\nوتسبيحهم لله دائم لا ينقطع، لا في الليل، ولا في النهار: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠].\nولكثرة تسبيحهم فإنهم هم المسبِّحون في الحقيقة، وحق لهم أن يفخروا بذلك: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦].\n_________\n(١) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٤٠٩).\n(٢) رواه البخاري (٣٢١٨).","vol":"3","page":289},{"text":"وما كثرة تسبيحهم إلا لأن التسبيح أفضل الذكر، روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر، قال: «سئل رسول الله ﷺ أي الذكر أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده» (١).\n٢ - الاصطفاف: ... ذكر الحديث الذي يحث الرسول ﷺ فيه أصحابه على الاقتداء بالملائكة في الاصطفاف للصلاة: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟. وعندما سئل عن كيفية اصطفافهم قال: يتمون الصفوف، ويتراصون في الصف». رواه مسلم (٢).\nوفي القرآن عن الملائكة: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات: ١٦٥]. وهم يقومون، ويركعون، ويسجدون، ففي مشكل الآثار للطحاوي، وفي المعجم الكبير للطبراني عن حكيم بن حزام قال:\n«بينما رسول الله ﷺ في أصحابه إذ قال لهم: أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء، قال: إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا عليه ملك ساجد أو قائم» (٣).\n٣ - الحج: للملائكة كعبة في السماء السابعة يحجون إليها، هذه الكعبة هي التي أسماها الله تعالى: البيت المعمور، وأقسم به في سورة الطور: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ [الطور: ٤].\nقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: (ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء، بعد مجاوزته السماء السابعة: «ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفًا، لا يعودون إليه آخر ما عليهم» (٤)؛ يعني يتعبدون فيه، ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، والبيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة، ولهذا وَجَد إبراهيمَ الخليل - ﵊ - مسندًا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل).\nوذكر ابن كثير أن البيت المعمور بحيال الكعبة، أي فوقها، لو وقع لوقع عليها، وذكر أن في كل سماء بيتًا يتعبد فيه أهلها، ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة (٥).\nوهذا الذي ذكره ابن كثير من أن البيت المعمور بحيال الكعبة مروي عن علي بن أبي طالب، أخرج ابن جرير من طريق خالد بن عرعرة: (أن رجلًا قال لعلي - ﵁-: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء بحيال البيت، حرمة هذا في السماء كحرمة هذا في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه) (٦).\nقال فيه الشيخ ناصر الدين الألباني: (ورجاله ثقات غير خالد بن عرعرة، وهو مستور ... ثم ذكر أن له شاهدًا مرسلًا صحيحًا من رواية قتادة، قال: ذكر لنا «أن النبي ﷺ قال يومًا لأصحابه: هل تدرون ما البيت المعمور؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه مسجد في السماء، تحته الكعبة، لو خرّ لخر عليها ...» (٧».\nثم قال المحقق - الألباني -: (وجملة القول أن هذه الزيادة «حيال الكعبة» ثابتة بمجموع طرقها) (٨).\n٤ - خوفهم من الله وخشيتهم له: ولما كانت معرفة الملائكة بربهم كبيرة، كان تعظيمهم له، وخشيتهم له عظيمة، قال الله فيهم: وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: ٢٨].\nويبين شدة خوفهم من ربهم ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كالسلسلة على صفوان».\nقال علي، وقال غيره: (صفوان ينفذهم ذلك. فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير) (٩).\nوفي معجم الطبراني الأوسط بإسناد حسن عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «مررت ليلة أُسري بي بالملأ الأعلى، وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى» (١٠). عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص ٢٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٣١).\n(٢) رواه مسلم (٤٣٠). من حديث جابر بن سمرة ﵁.\n(٣) رواه الطحاوي (٣/ ١٦٧)، والطبراني (٣/ ٢٠١)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٢٥٨)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١/ ٢٠٢)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٣/ ٩٨٦). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٠٦٠): إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات.\n(٤) رواه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٢). من حديث صعصعة بن مالك ﵁. بلفظ: «... فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم ...».\n(٥) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٤٢٩).\n(٦) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٥٥).\n(٧) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٥٦).\n(٨) «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١/ ٤٧٦).\n(٩) [٤٢٨٦]» رواه البخاري (٤٧٠١).\n(١٠) [٤٢٨٧]» رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٥/ ٦٤) (٤٦٧٩)، وابن أبي عاصم (٦٢١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٨٣): رجاله رجال الصحيح، وقال ابن حجر في «الكافي الشاف» (١٨٧): مرفوع وإسناده قوي، وصحح إسناده السيوطي في «الخصائص الكبرى» (١/ ١٥٨).","vol":"3","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>تمهيد:</span>\nهم بالنسبة إلى ما هيأهم الله تعالى له ووكلهم به على أقسام","vol":"3","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-856>المبحث الأول: الموكل بالوحي</span>\nفمنهم الموكلُ بالوحي من الله تعالى: إلى رسله عليهم الصلاة والسلام، وهو الروح الأمين جبريل ﵇، قال الله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:٩٧]، وقال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:١٩٣]، وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ [النحل:١٠٢]، وقال تعالى: إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:٤ - ٩] وهذا في رؤية النبي ﷺ له في الأبطح حين تجلى له على صورته التي خلق عليها، له ستمائة جناح قد سد عظم خلقه الأفق، ثم رآه ليلة المعراج أيضًا في السماء كما قال تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم:١٣ - ١٥]، ولم يره ﷺ في صورته إلا هاتين المرتين، وبقية الأوقات في صورة رجل، وغالبًا في صورة دحية الكلبي ﵁. وقال تعالى: فيه: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير:١٩ - ٢٣] الآيات، وقال تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:٢٣] ... معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨١٠","vol":"3","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>المبحث الثاني: الموكل بالصُّور</span>\nومنهم الموكل بالصُّور وهو إسرافيل ﵇، ينفخ فيه ثلاث نفخات بأمر ربه ﷿: الأولى: نفخة الفزع. والثانية: نفخة الصعق. والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين ... ولأحمد والترمذي من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له. قالوا: كيف نقول يا رسول الله؟ قال قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» (١). وهؤلاء الثلاثة من الملائكة هم الذين ذكرهم النبي ﷺ في دعائه من صلاة الليل: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٢) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨١٢\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٤٣١)، وأحمد (٣/ ٧) (١١٠٥٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. ووافقه البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٤٧٠)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه مسلم (٧٧٠). من حديث عائشة ﵂.","vol":"3","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-858>المبحث الثالث: الموكل بقبض الأرواح</span>\nومنهم الموكل بقبض الأرواح (ملك الموت) قال الله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة:١١]، وقال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:٦١]، وقال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال:٥٠]، وقال تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ - إلى قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٢٨ - ٣٢] وغيرها من الآيات. وقد جاء في الأحاديث أن أعوانه يأتون العبد بحسب عمله، إن كان محسنًا ففي أحسن هيئة وأجمل صورة بأعظم بشارة، وإن كان مسيئًا ففي أشنع هيئة وأفظع منظر بأغلظ وعيد، ثم يسوقون الروح حتى إذا بلغت الحلقوم قبضها ملك الموت فلا يدعونها في يده بل يضعونها في أكفان وحنوط يليق بها كما قال تعالى: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:٨٣ - ٩٦] معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨١٣","vol":"3","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>المبحث الرابع: الموكل بحفظ العبد في حِلّه وارتحاله</span>\nومنهم الموكل بحفظ العبد في حِلّه وارتحاله وفي نومه ويقظته وفي كل حالاته، وهم المعقبات قال الله تعالى: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:١٠ - ١١]، وقال تعالى: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ [الأنبياء:٤٢]، وقال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً [الأنعام:٦١]. قال ابن عباس ﵄ في الآية الأولى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:١١]: والمعقبات من الله هم الملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله تعالى: خلوا عنه (١). وقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك موكّل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه إلاّ قال له الملك وراءك، إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه (٢). وقال تعالى: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ [الأنبياء:٤٢] قال ابن كثير: أي بدل الرحمن، يمتنُّ ﷾ بنعمته على عبيده وحفظه لهم بالليل والنهار وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام. اهـ. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨١٤\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (١٦/ ٣٧١).\n(٢) رواه الطبري في «تفسيره» (١٦/ ٣٧٣).","vol":"3","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-860>المبحث الخامس: الموكل بحفظ عمل العبد من خير وشر</span>\nومنهم الموكل بحفظ عمل العبد من خير وشر، وهم الكرام الكاتبون وهؤلاء يشملهم مع ما قبلهم قوله ﷿: وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً [الأنعام:٦١]، وقال تعالى: فيهم: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:٨٠]، وقال تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:١٨]؛ فالذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. وقال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:١٠]، عن علقمة عن بلال بن الحارث المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الرجل ليتكلمُ بالكلمة مِنْ رضوانِ الله تعالى: ما يظنُّ أَنْ تبلغ ما بلغت، يكتب الله ﷿ له بها رضوانَهُ إلى يومِ يلقاه. وإِنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى: ما يظُنُّ أَنْ تبلغ ما بلغت، يكتب الله تعالى: عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه» فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال من الحارث، ورواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن صحيح (١). وفي (الصحيح) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الله تعالى: تجاوز لي عَنْ أُمَّتي ما حدَّثت به أَنْفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به» (٢) وفي رواية «ما لم تعمل أو تكلم به» (٣) وفيه عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﷿: إذا همَّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإِذَا همَّ بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حَسنة، فإِن عملها فاكتبوها عشرًا» (٤) وفي روايةٍ: «قال الله ﷿: إذا همَّ عبدي بحسنةٍ فلم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا هَمَّ بسيئةٍ ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإِن عملها كتبتها سيئة واحدة» (٥). وفي أخرى: «قال الله ﷿: إذا تحدَّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنةً ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها. وإذا تحدث بأنْ يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها» (٦). وقال رسول الله ﷺ: «قالت الملائكة رَبِّ ذاك عبدُك يريدُ أن يعمل سيئة - وهو تعالى: أبْصرُ به - فقال ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإِن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرّاي» (٧). وقال رسول الله ﷺ: «إذا أحسن أحدُكُم إسلامه فكُلُّ حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله ﷿» (٨)،\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٣١٩)، وابن ماجه (٣٩٦٩)، وأحمد (٣/ ٤٦٩) (٨٣٩٢)، والحاكم (١/ ١٠٦). قال الترمذي: حسن صحيح. ووافقه ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (٢١٠). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح. ووافقه الذهبي. وقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٣٧)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) رواه مسلم (١٢٧) (٢٠١).\n(٣) رواه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧) (٢٠٢)، واللفظ له.\n(٤) رواه البخاري (٧٥٠١) بلفظ: (إذا أراد)، ومسلم (١٢٨) (٢٠٣).\n(٥) رواه مسلم (١٢٨) (٢٠٤).\n(٦) رواه مسلم (١٢٩).\n(٧) رواه مسلم (١٢٩).\n(٨) رواه البخاري (٤٢)، ومسلم (١٢٩) ..","vol":"3","page":296},{"text":"وفيه عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: «إنَّ الله ﵎ كتب الحسنات والسيئات ثم بَيَّنَ ذلك، فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هَمَّ بها فعملها كتبها الله ﷿ عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وإن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة – زاد في رواية: - أو محاها الله. ولا يهلك على الله إلا هالك» (١). وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: وتلا هذه الآية عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد [ق:١٧]: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأمَّا الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول الله تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:١٤]، ثم يقول: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك. اهـ. ويناسب ذكر المعقبات والحفظة ما روى البخاري رحمه الله تعالى: في باب: قول الله ﷿: تعرجُ الملائكةُ والروحُ إليه [المعارج:٤] قال: حدَّثنا إسماعيلُ حدثني مالكٌ عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنَّهار، ويجتمعون في صلاةِ العصرِ وصلاة الفجر، ثم يعرُجُ الذين باتوا فيكُم فيسألُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بهم فيقول: كيفَ تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وَهُمْ يُصَلُّون وأتيناهم وهُمْ يُصَلُّون» ورواه مسلم أيضًا (٢). وفيهما عن أبي موسى ﵁ قال: «قام فينا رسولُ اللهِ ﷺ بأربع كلمات فقال: إِنَّ الله لا ينامُ ولا ينبغي لهُ أْن ينام، يحفظُ القسط ويرفعه، يرفعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النَّهار قبل عمل الليل» (٣) ... والأحاديث في ذكر الحفظة كثيرة. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨١٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١) واللفظ له.\n(٢) رواه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢).\n(٣) رواه مسلم (١٧٩).","vol":"3","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-861>المبحث السادس: الموكل بفتنة القبر</span>\nوللناس في سؤال منكر ونكير: هل هو خاص بهذه الأمة أم لا ثلاثة أقوال: الثالث: التوقف، وهو قول جماعة، منهم: أبو عمر بن عبد البر، فقال: وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ، قال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها» (١) منهم من يرويه: تُسأل (٢)، وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة قد خصت بذلك، وهذا أمر لا يقطع به، ويظهر عدم الاختصاص، والله أعلم (٣). شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ٢/ ٥٨١\nمنكر ونكير هما ملكان جاء وصفهما في السنة بأنهما سود الوجوه وزرق العيون، يأتيان العبد في قبره فيقعدانه ويسألانه من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ، فينعم في قبره. وأما الكافر فلا يحار جوابا، فيضرب بمرزبة من حديد يصيح منها صيحة يسمعها كل من يليه إلا الثقلين. ومن الأحاديث الواردة في هذا: ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قبر الميت - أو قال: أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، والآخر: النكير. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبدالله ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا ...» (٤) تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي لعبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر - ص٢٨٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٦٧).\n(٢) رواه الطبري في «تفسيره» (١٦/ ٦٠٠ - ٦٠١) عن الربيع، وأبي قتادة، وغيرهما. وعزاه ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٢/ ٢٥٤) لابن أبي شيبة، وقال: وقال ابن أبي شيبة: تُسأل في قبورها. ولم أجده في «مصنفه» إنما روى الحديث (٣/ ٥٠) كما بـ «صحيح مسلم» - حيث رواه مسلم من طريق ابن أبي شيبة أصلًا - «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ...».\n(٣) انظر: «التمهيد» (٢٢/ ٢٥٣).\n(٤) رواه الترمذي (١٠٧١)، وابن أبي عاصم في (السنة) (٨٦٤). قال الترمذي: حسن غريب. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١١٥) - كما أشار إلى ذلك في المقدمة -. وكذلك الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"3","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>المبحث السابع: خزنة الجنة</span>\nومنهم خزنة الجنة ومقدمهم رضوان ﵈ قال الله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:٧٣]، وقال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:٢٣]. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨١٨","vol":"3","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-863>المبحث الثامن: المبشرون للمؤمنين عند وفياتهم، وفي يوم القيامة</span>\nومنهم المبشرون للمؤمنين عند وفياتهم، وفي يوم القيامة كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:٣٠ – ٣٢]، وقال تعالى: فيهم لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:١٠٣] معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨١٤","vol":"3","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-864>المبحث التاسع: خزنة جهنم</span>\nومنهم خزنة جهنم عياذًا بالله منها، وهم الزبانية ورؤساؤهم تسعة عشر، ومقدمهم مالك ﵈. قال الله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حتَّى إِذَا جَاؤُها فُتِحَتْ أبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الزمر:٧١] الآيات، وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ [غافر:٤٩]، فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ [العلق:١٧ - ١٨]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:٦]، وقال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر:٢٧ - ٣١]، وقال تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:٧٧]، وفي (صحيح مسلم): «يُؤتى بجهنَّم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، كُل زمام في يد سبعين ألف مَلكٍ يَجرُونها» (١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ٢ ٨١٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٤٢). من حديث عبدالله بن مسعود ﵁.","vol":"3","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>المبحث العاشر: الموكلون بالنطفة في الرحم</span>\nومنهم الموكلون بالنطفة في الرحم كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: «حدثنا رسولُ الله ﷺ وهو الصادق المصدوق أَنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمِّه أربعين يومًا نطفة، ثم يكونُ علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» (١) الحديث. وفي بابه من الأحاديث كثير، وفيها «أن الملك يقول يا رب مخلَّقة أو غير مخلَّقة؟ أو توأم؟ ذكر أم أنثى؟ شقي أو سعيد؟ ما الرزق وما الأجل؟ فيقضي الله تعالى: ما يشاء. فيكتب الملك كما أمره الله ﷿ فلا يغير ولا يبدل» (٢) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨١٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» من حديث أبي ذر مرفوعًا (١٠/ ٣٣٥٨) بدون (مخلَّقة أو غير مخلَّقة؟ أو توأم) ورواه الطبري في «تفسيره» (١٨/ ٥٦٧)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٤٧٤) بدون «أو توأم». من حديث ابن مسعود ﵁ موقوفًا. قال ابن حجر في «فتح الباري» (١/ ٤١٩): وإسناده صحيح وهو موقوف لفظًا مرفوع حكمًا.","vol":"3","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-866>المبحث الحاي عشر: حملة العرش</span>\nومنهم حملة العرش والكروبيون وهم الذين قال الله تعالى فيهم: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:٧] الآيات، وقال تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:١٧]، ... وعن جابر بن عبدالله ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» (١)، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي وعكرمة والضحاك وابن جريج: ثمانية صفوف من الملائكة (٢). وقال الضحاك عن ابن عباس: الكروبيون ثمانية أجزاء (٣)، كل جزء منهم بعدة الإنس والجن والشياطين والملائكة معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - بتصرف – ٢/ ٨٢٠\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٢٧)، ورواه الطبراني في «الأوسط» (٤/ ٣٥٦) بلفظ: «سبعين» بدلًا من «سبعمائة». والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الذهبي في «العلو» (٩٧): إسناده صحيح. وقال ابن كثير في «تفسير القرآن» (٨/ ٢٣٩): إسناده جيد. وقال ابن حجر في «تحفة النبلاء» (ص٥٣): رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٨٥): رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» (٢٣/ ٥٨٣ - ٥٨٤).\n(٣) انظر: «النكت والعيون» للماوردي (٤/ ٣١٧).","vol":"3","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-867>المبحث الثاني عشر: ملائكة سياحون يتبعون مجالس الذكر</span>\nومنهم ملائكة سياحون يتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله ﷿ تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم ﷿ وهو أعلم بهم منهم: ما يقول عبادي؟ قالوا: يسبِّحونك ويكبِّرونك ويحمدونك ويمجدونك» (١) ... وقال ﷺ: «وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلونَ كتابَ الله ويتدارسونه بينهم إلا نَزَلَتْ عليهم السَّكينة وغشيتهم الرَّحمة وحفَّتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده» (٢) ... معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨٢٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٩٩).","vol":"3","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>المبحث الثالث عشر: الموكل بالجبال</span>\nومنهم الموكل بالجبال وقد ثبت ذكره في حديث خروج النبي ﷺ إلى بني عبد ياليل وعوده منهم، وفيه قول جبريل له ﷺ «إِنَّ اللهَ قَدْ سمع قولَ قومِكَ لك وما ردُّوه عليك» وفيه قول ملك الجبال: «إِن شئت أَنْ أطبق عليهم الأخشبين، فقال ﷺ بل أرجو أن يخرج الله مِنْ أصلابِهِمْ مَنْ يعبد الله لا يشرك به شيئًا» (١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨٢٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥). من حديث عائشة ﵂.","vol":"3","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-869>المبحث الرابع عشر: زوَّارُ البيت المعمور</span>\nومنهم زوَّارُ البيت المعمور الذي أقسم الله تعالى به في كتابه ثبت ذلك في حديث المعراج، وهو بيت في السماء السابعة بحيال الكعبة في الأرض لو سقط لوقع عليها، حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض، «يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم» (١)، يعني: لا تحول نوبتهم لكثرتهم. والحديث بألفاظه في (الصحيحين). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨٢٣\n_________\n(١) جزء من حديث طويل رواه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤). من حديث أنس ﵁.","vol":"3","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>المبحث الخامس عشر: ملائكة صفوف لا يفترون، وقيام لا يركعون</span>\nومنهم ملائكة صفوف لا يفترون، وقيام لا يركعون، وركَّع وسجَّد لا يرفعون، ومنهم غير ذلك: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ [المدثر:٣١].\nروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنِّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون. أَطَّتِ السَّماءُ وحق لها أَنْ تَئطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتُم قليلًا ولبكيتم كثيرًا ولما تلذذتم بالنِّساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» فقال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة تعضد (١).\nوعن حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه إذ قال لهم: «هل تسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله ﷺ: أسمع أطيطَ السَّماءِ وما تلام أَنْ تَئِطّ، ما فيها موضع شبرٍ إلاَّ وعليه ملكٌ راكعٌ أو ساجد» (٢).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما في السماء الدنيا موضِعٌ إلاَّ عليه ملك ساجد أو قائم، وذلك قول الملائكة: وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات:١٦٤ - ١٦٦]» (٣).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠)، وأحمد (٥/ ١٧٣) (٢١٥٥٥)، والحاكم (٢/ ٥٥٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ١٥٢): صحيح. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٧١)، - وذلك كما أشار في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن دون قوله: (والله لوددت ...) فإنه مدرج.\n(٢) رواه الطبراني (٣/ ٢٠١)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٢٥٨)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١/ ٢٠٢)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٣/ ٩٨٦). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٠٦٠): إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات.\n(٣) رواه الطبري في «تفسيره» (٢١/ ١٢٦)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٢٦٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣٢٣٢). قال ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» (٨/ ٢٧١): وهذا مرفوع غريب جدًا. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٠٥٩): وهذا إسناد حسن في الشواهد.","vol":"3","page":307},{"text":"وعن رجلٍ صحب رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ لله تعالى: ملائكة ترعد فرائِصَهُمْ مِنْ خيفَتِهِ، ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه إلاَّ وقعت على ملك يصلي، وإِنَّ منهم ملائكة سجودًا منذ خلقَ اللهُ السَّمواتِ والأَرْضِ لم يرفعوا رؤوسهمْ ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وإِنَّ منهم ملائكةً ركوعًا لم يرفعوا رؤوسهم منذُ خلقَ الله السَّمواتِ والأرض ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رؤوسهم نظروا إلى وجه الله ﷿ فقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك» (١). وفي (الصحيح) عن جابر بن سمرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: «ألا تَصفُّونَ كما تصفُّ الملائكة عِنْدَ رَبِّها؟ فقلنا: يا رسولَ اللهِ وكيفَ تَصُفُّ الملائكة عِنْدَ ربِّها؟ قال: يتمون الصفوف الأول ويتراصُّونَ في الصف» (٢). وفيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «خُلقَت الملائكةُ مِنْ نورِ العَرْش، وَخُلِقَ الجانُّ من مارجٍ مِنْ نار، وخلق آدمُ ممَّا وُصِفَ لكم» (٣) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨٢٣\nمنهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم الموكلون بالوحي، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم خزنة الجنة وخزنة النار. ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد، ومنهم الموكلون بقبض أرواح المؤمنين، ومنهم الموكلون بقبض أرواح الكافرين، ومنهم الموكلون بسؤال العبد في القبر. ومنهم من يستغفرون للمؤمنين ويصلون عليهم ويحبونهم، ومنهم من يشهد مجالس العلم وحلقات الذكر؛ فيحفونهم بأجنحتهم، ومنهم من هو قرين للإنسان لا يفارقه، ومنهم من يدعو العباد إلى فعل الخير، ومنهم من يشهد جنائز الصالحين، ويقاتلون مع المؤمنين ويثبّتونهم في جهادهم مع أعداء الله، ومنهم الموكلون بحماية الصالحين، وتفريج كربهم، ومنهم الموكلون بالعذاب. والملائكة لا يدخلون بيتًا فيه تمثال، ولا صورة، ولا كلب، ولا جرس، ويتأذون مما تتأذى منه بنو آدم.\nقال النبي ﷺ: «إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة» (٤). وقال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة» (٥). والملائكة كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله ﷿. قال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ [المدثر:٣١]. وقد حجبهم الله تعالى: عنا؛ فلا نراهم في صورهم التي خلقوا عليها، ولكن كشفهم لبعض عباده، كما رأى النبي ﷺ جبريل على صورته التي خلقه الله عليها مرتين، قال الله ﵎: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:١٣ - ١٤]. وقال: وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ [النجم:٢٢ - ٢٣] الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري - ص ١٣١\nوقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغرسها وعمل آلاتها ملائكة. فالملائكة أعظم جنود الله ومنهم: وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا [المرسلات:١ - ٣]، فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا [المرسلات:٤ - ٥]، ومنهم: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًًا [النازعات:١ - ٤]، ومنهم: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا [الصافات:١ - ٣]، ومعنى جمع التأنيث في ذلك كله: الفرق والطوائف والجماعات، التي مفردها: فرقة وطائفة وجماعة، ومنهم ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ٢/ ٤٠٥\n_________\n(١) رواه المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٢٦٧). قال ابن كثير في «تفسيره» (٨/ ٢٧٢): وهذا إسنادٌ لا بأس به.\n(٢) رواه مسلم (٤٣٠).\n(٣) رواه مسلم (٢٩٩٦) بدون لفظة: (العرش).\n(٤) رواه البخاري (٣٣٥١)، ومسلم (٢١٠٦). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٥) رواه البخاري (٣٢٢٥) ومسلم (٢١٠٦). من حديث أبي طلحة الأنصاري ﵁.","vol":"3","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-871>الفصل الرابع: التفاضل بين الملائكة، وبين الملائكة والبشر</span>\n• المبحث الأول: التفاضل بين الملائكة.\n• المبحث الثاني: التفاضل بين الملائكة والبشر.","vol":"3","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-872>المبحث الأول: التفاضل بين الملائكة</span>\nوالملائكة متفاضلون بعضهم أفضل من بعض، وأفضلهم المقربون الذين قال الله فيهم: لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء: ١٧٢].\nقال الرازي: (قوله: وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ يدل على أن طبقات الملائكة مختلفة في الدرجة والفضيلة، فالأكابر منهم مثل جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، وحملة العرش) (١) والملائكة المقربون هم المسمون بالكروبيين) (٢).\nقال ابن الأثير: (وفي حديث أبي العالية: «الكروبيين سادة الملائكة» هم المقربون) (٣).\nقال ابن كثير وقد ذكر أقسام الملائكة: (ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش، وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش، وهم الملائكة المقربون كما قال تعالى: لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) (٤).\nوأفضل المقربين رؤساء الملائكة الثلاثة الذين كان النبي ﷺ يذكرهم في دعائه الذي يفتتح به صلاته إذا قام من الليل فيقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض ..» (٥). الحديث\nقال ابن القيم في هذا الحديث: (فذكر هؤلاء الثلاثة من الملائكة لكمال اختصاصهم واصطفائهم وقربهم من الله، وكم من ملك غيرهم في السماوات فلم يسم إلا هؤلاء الثلاثة، فجبريل صاحب الوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل صاحب القطر الذي به حياة الأرض والحيوان والنبات، وإسرافيل صاحب الصور الذي إذا نفخ فيه أحيت نفخته بإذن الله الأموات وأخرجتهم من قبورهم) (٦). وقد خص الله جبريل وميكائيل في كتابه بالذكر وعطف ذكرهما على ذكر الملائكة فقال: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٨]. قيل إنما خصهما بالذكر تشريفًا لهما (٧).\nوأفضل الملائكة ومقدمهم جبريل ﵇، قال الله ﷿ فيه: قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٩٧]. فشرفه الله ﷿ بذكره وذم معاديه، وذكر سبحانه دليل فضله وتشريفه وهو وظيفته الشريفة الكريمة: تبليغ الوحي للرسل من الله، فهو الواسطة بين الله ورسوله، وقد سماه الله في كتابه بأسماء شريفة ووصفه بأوصاف كريمة، قال سبحانه: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ١٠٢]. فسماه روح القدس، وقال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣]. فسماه الروح الأمين، وقال سبحانه: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١٩ - ٢١]. أي أن القرآن نزل به جبريل ووصف سبحانه جبريل بصفات كريمة كلها تقتضي تفضيله على سائر الملائكة، فهو رسول كريم، وذو قوة، وهو مكين المنزلة عند ذي العرش، ومطاع في السموات تطيعه الملائكة، وأمين على وحي الله ورسالاته (٨)، ولقد خصه الله بالذكر في مواضع من كتابه، قال سبحانه: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: ٤].\nفذكره سبحانه بعد ذكر نفسه ولم يذكر سواه من الملائكة، وقال سبحانه: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر: ٤]. ففي هذه الآيات تخصيص من الله له في الذكر مع ذكر الملائكة، وقال ﷺ: «إن الله ﵎ إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في السماء أن الله قد أحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء» (٩). وفي هذا الحديث ما لا يخفى من بيان فضل جبريل ﵇ وأنه ليس فقط مبلغ كلام الله إلى الرسل بل وإلى الملائكة أيضًا.\nومن أفضل الملائكة أهل بدر منهم كما في الحديث أن جبريل سأل النبي ﷺ: «ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة» (١٠). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص: ٣٥٠\n_________\n(١) «تفسير الرازي» (١١/ ١١٩).\n(٢) «الفتاوى» (٤/ ٣٥٧) و«البداية والنهاية» (١/ ٤٩) و«معارج القبول» (٢/ ٨٧).\n(٣) «النهاية» (٤/ ١٦١).\n(٤) «البداية والنهاية» (١/ ٤٩).\n(٥) رواه مسلم (٧٧٠). من حديث أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف ﵄.\n(٦) «زاد المعاد» (١/ ٣٦).\n(٧) «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٦).\n(٨) «زاد المسير» (٧/ ٤٣).\n(٩) «البخاري مع الفتح» (١٣/ ٤٦١) و«مسلم» (٤/ ٢٠٣٠).\n(١٠) رواه البخاري (٣٩٩٢). من حديث رفاعة بن رافع ﵁.","vol":"3","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-873>المبحث الثاني: التفاضل بين الملائكة والبشر</span>\nهذه مسألة كثر الكلام فيها في كتب المتأخرين من أهل العلم أخذًا وردًا، وطال طولًا أخرجها عن فائدتها وحدها، وخلاصة ما قيل فيها أن الناس فيها على مذاهب ثلاثة (١):\nالأول: تفضيل الملائكة على البشر مطلقًا، وإليه ذهبت المعتزلة، وبعض الأشعرية، وابن حزم، ومال إليه بعض أهل السنة، وبعض الصوفية، واستدلوا بأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لها وجهها في الدلالة على قولهم، كقوله سبحانه في بني آدم: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: ٧٠]. فقال على كثير ولم يقل على كل، ومن عساه أن يكون الخارج من هذا الكثير إلا الملائكة، وبقوله سبحانه: لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء: ١٧٢]. ومثل هذا دال لغة على أن المعطوف أفضل من المعطوف عليه، وبقوله سبحانه: قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: ٥٠]. والمعنى عندهم أني لا أدعي فوق منزلتي، وبقوله ﷺ: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» (٢). وهو نص في الأفضلية، وهي أدلة على ما ترى من الدلالة، إلا أن المخالفين ردوا على الاستدلال بها ورد هؤلاء على ردودهم.\nالثاني: تفضيل الأنبياء وصالحي البشر على الملائكة: وهو مذهب جمهور أهل السنة والجماعة وكذا جمهور أصحاب الأشعري واستدلوا بأدلة ظاهرة الدلالة على قولهم، كقوله سبحانه: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، والفاضل لا يسجد للمفضول، وقوله سبحانه: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان: ٣٢]. وقوله: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٣٣]. هذه في الأنبياء، أما في صالح البشر فكقوله سبحانه:\n_________\n(١) «مقالات الإسلاميين» (٤٨ و٢٢٦ و٤٣٩) و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٧/ ٢٣٥) و«الفصل» (٥/ ٢٠ وما بعدها) و«المحلى» (١/ ١٣) و«أصول الدين» (١٦٦) و«المواقف» (٣٦٧) و«فتح الباري» (١٣/ ٣٨٦) و«شرح الطحاوية» (٢٧٧) و«لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٣٩٨) و«المواهب اللدنية» (٢/ ٤٤) وغيرها.\n(٢) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":311},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٧]. وهي أدلة في القوة على ما ترى، إلا أن المخالفين ردوا على الاستدلال بها وعلى الرد رد، ورأى قوم أن الأدلة متكافئة فكان قول ثالث وهو التوقف والسكوت عن التفضيل. وإنا إن ذهبنا نتتبع الأدلة والردود ورد الردود لخرج بنا الموضوع عن حده وطال طولًا لا نستطيع الوقوف عند حد له. وهي مسألة - كما ذكرت - كثر فيها الاختلاف، وتشعبت فيها الاستدلالات، وتشابكت وعظم فيها الجدال حتى خرج بها بعضهم مخرج المنافرة والمفاخرة فأخذ يقول: منا الأنبياء ومنا الأولياء، فرد عليه بأن للملائكة أن تقول: أليس منكم فرعون وهامان؟ أليس منكم من ادعى الربوبية؟ (١) وأساء بعضهم الأدب فقال: كان الملك خادمًا للنبي ﷺ، أو أن بعض الملائكة خدموا بني آدم (٢). وهذه المسألة قد قال فيها ابن تيمية ﵀: (المسألة على هذا الوجه لست أعلم فيها مقالة سابقة مفسرة، وربما ناظر بعض الناس على تفضيل الملك، وبعضهم على تفضيل البشر، وربما اشتبهت هذه المسألة بمسألة التفضيل بين الصالح وغيره) (٣).\nوقال ابن كثير: (أكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم) قال: (أقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن سعيد بن العاص أنه حضر مجلسًا لعمر بن عبد العزيز وعنده جماعة فقال عمر: ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم) وذكر بقية الواقعة وفيها معارضة أحدهم بتفضيل الملائكة واستدلال كل (٤).\nولقد نزع جماعة من أهل العلم إلى أن هذه من فضول المسائل، قال البيهقي في التفاضل بين الملائكة والبشر: (والأمر فيه سهل، وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو به) (٥). وقال شارح الطحاوية: (وكنت ترددت في الكلام على هذه المسألة لقلة ثمرتها، وأنها قريب مما لا يعني، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (٦).\nوقال: (وحاصل الكلام أن هذه المسألة من فضول المسائل ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول) (٧).\nونقل عن تاج الدين الفزاري من كتاب له في تفضيل البشر على الملك ما نصه: (اعلم أن هذه المسألة من بدع الكلام التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة ولا من بعدهم من أعلام الأئمة، ولا يتوقف عليها أصل من أصول العقائد، ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كبير المقاصد، ولهذا خلا عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن، وامتنع عن الكلام فيها جماعة من الأعيان، وكل متكلم فيها من علماء الظاهر بعلمه لم يخل كلامه من ضعف واضطراب) (٨).\n_________\n(١) «طبقات الحنابلة» (٤/ ٢٠٧).\n(٢) «شرح الطحاوية» (٢٧٩).\n(٣) «الفتاوى» (٤/ ٣٥٤).\n(٤) «البداية والنهاية» (١/ ٥٤) «تهذيب تاريخ دمشق» (٣/ ١٣٦).\n(٥) «شعب الإيمان» (١/ ١٨٢).\n(٦) «شرح الطحاوية» (٢٧٨).\n(٧) «شرح الطحاوية» (٢٨٨).\n(٨) «شرح الطحاوية» (٢٩٧).","vol":"3","page":312},{"text":"ولم تكن المسألة عند السلف موضع نظر وأخذ ورد، ولم تكن لهم بها عناية فائقة بحيث ينصبونها موضوعًا للنظر والاستدلال، ولم يقع بينهم فيها كلام وخلاف، وقد رويت عن الصحابة أحاديث موقوفة ومرفوعة فيها ذكر لهذه المسألة في بعضها تفضيل المؤمن على الملائكة، وبعضها تفضيل المؤمن على بعض الملائكة، وبعضها تفضيل بني آدم على الملائكة، ولكنها أحاديث إما ضعيفة أو موضوعة مثل حديث: «المؤمن أكرم على الله ﷿ من بعض الملائكة» (١). وحديث: «أن الملائكة قالت: يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فأجعل لنا الآخرة فقال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان» (٢). وحديث: «ما من شيء أكرم على الله يوم القيامة من بني آدم، قيل: يا رسول الله، ولا الملائكة؟ قال: الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر» (٣). وكلها ضعيف وموضوع.\nوقال ابن تيمية بعد ذكر بعض هذه الأحاديث: (وأقل ما في هذه الآثار أن السلف الأولين كانوا يتناقلون بينهم أن صالحي البشر أفضل من الملائكة من غير نكير منهم لذلك، ولم يخالف أحد منهم في ذلك، إنما ظهر الخلاف بعد تشتت الأهواء بأهلها، وتفرق الآراء، فقد كان ذلك المستقر عندهم) (٤). وقال: (قد كان السلف يحدثون الأحاديث المتضمنة فضل صالح البشر على الملائكة، وتروى على رؤوس الناس ولو كان هذا منكرًا لأنكروه فدل على اعتقادهم ذلك) (٥).\nوقد جاء عن الإمام أحمد أنه كان يفضل صالحي المؤمنين على الملائكة، ويخطئ من يفضل الملائكة على بني آدم (٦).\nوقد فصل ابن تيمية في هذه المسألة تفصيلًا طويلًا، قرر فيه مذهب أهل السنة تفضيل صالح البشر على الملائكة (٧). ونقل عنه ابن القيم: (أنه سئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل؟ فأجاب بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة) قال: (وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه) (٨). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي- ص٣٥٤\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٧٨٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ١٣٧). من حديث أبي هريرة ﵁. [فيه أبو المهزم] قال البيهقي: متروك، وقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٢/ ٢٧٨): [فيه] أبو المهزم تركه شعبة وقال البيهقي: متروك وقد روي موقوفًا.\n(٢) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٦/ ١٩٦) (٦١٧٣). من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄. قال ابن تيمية في «بغية المرتاد» (٢٢٤): ثابت بالإسناد على شرط الصحيح، وقال ابن القيم في «مختصر الصواعق المرسلة» (٤٠٥): إسناده صحيح وروي مرسلًا، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١/ ٤٩): مرفوع وهو أصح.\n(٣) رواه الطبراني كما في «مجمع الزوائد» (١/ ٨٧)، والبيهقي (١/ ١٧٤) (١٥٣). من حديث ابن عمرو ﵁. قال البيهقي: تفرد به عبيد الله بن تمام، قال البخارى: عنده عجائب. ورواه غيره عن خالد الحذاء موقوفا على عبد الله بن عمرو، وهو الصحيح، وقال ابن كثير في تفسيره (٥/ ٩٨): هذا حديث غريب جدًا، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه عبيد الله بن تمام وهو ضعيف، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (٤٩٨١): منكر مرفوع.\n(٤) «الفتاوى» (٤/ ٣٦٩).\n(٥) «الفتاوى» (٤/ ٣٧١).\n(٦) «طبقات الحنابلة» (٢/ ٢٧٩ و٣٠٦).\n(٧) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٣٥٢).\n(٨) «بدائع الفوائد» (٣/ ١٦٣).","vol":"3","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>الفصل الأول: دور الملائكة تجاه المؤمنين</span>\n- محبتهم للمؤمنين:\nروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل. فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحبّ فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثمّ يوضع له القبول في الأرض» (١).\n- تسديد المؤمن:\nروى البخاري في صحيحه «عن حسّان بن ثابت: أن رسول الله ﷺ دعا له، فقال: اللهمّ أيده بروح القدس» (٢).\nوفي الصحيح أيضًا عن أبي هريرة قال: (قال سليمان ﵇: لأطوفنّ الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله. فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ونسي، فأطاف بهنّ، ولم تلد إلا امرأة منهنّ نصف إنسان».\nقال النبي ﷺ: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته» (٣).\nفالملك سدد نبي الله سليمان وأرشده إلى الأصوب والأكمل.\n- صلاتهم على المؤمنين:\nأخبرنا الله أن الملائكة تصلي على الرسول ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦]. وهم يصلون على المؤمنين أيضًا: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣].\nوالصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند ملائكته، حكاه البخاري عن أبي العالية (٤)، ...\nوأمّا الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس، والاستغفار لهم، وهذا ما سنوضحه فيما يأتي:\nنماذج من الأعمال التي تصلي الملائكة على صاحبها:\nأ- معلّم الناس الخير:\nروى الترمذي في سننه عن أبي أمامة أن الرسول ﷺ قال: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير» (٥).\nب- الذين ينتظرون صلاة الجماعة:\nفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه، تقول: اللهمّ اغفر له، اللهم ارحمه. ما لم يحدث» (٦).\nج- الذين يصلون في الصف الأول:\nفي سنن أبي داود عن البراء بن عازب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول» (٧).\nوفي سنن النسائي: «على الصفوف المتقدمة» (٨).\nوفي سنن ابن ماجة من حديث البراء، وحديث عبد الرحمن بن عوف: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول» (٩).\nد- الذين يسدّون الفرج بين الصفوف:\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧).\n(٢) رواه البخاري (٤٥٣).\n(٣) رواه البخاري (٥٢٤٢)، ومسلم (١٦٥٤).\n(٤) «صحيح البخاري» (٦/ ١١١).\n(٥) رواه الترمذي (٢٦٨٥). وقال: غريب، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٦) رواه مسلم (٦٤٩).\n(٧) رواه أبو داود (٦٦٤)، وأحمد (٤/ ٢٩٨) (١٨٦٦٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٢١٩) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وحسن إسناده النووي في «رياض الصالحين» (٣٨٤).\n(٨) رواه النسائي (٢/ ٨٩). وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٩) رواه ابن ماجه (٨٢٣) و(٨٢٥). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ١٥٣) بعد حديث البراء: رجاله ثقات، وقال بعد حديث عبدالرحمن بن عوف: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححهما الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"3","page":314},{"text":"في سنن ابن ماجة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف، ومن سدّ فرجة رفعه الله بها درجة» (١).\nهـ- الذين يتسحرون:\nفي صحيح ابن حبان ومعجم الطبراني الأوسط بإسناد حسن، عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين» (٢).\nوالذين يصلون على النبي ﷺ:\nروى أحمد في مسنده، والضياء في المختارة عن عامر بن ربيعة بإسناد حسن: أن رسول الله ﷺ قال: «ما من عبد يصلي عليّ إلا صلتْ عليه الملائكة، ما دام يصلي عليّ، فليقلّ العبد من ذلك أو ليكثر» (٣).\nز- الذين يعودون المرضى:\nروى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من رجل يعود مريضًا ممسيًا، إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، وكان له خريف في الجنّة، ومن أتاه مصبحًا خرج معه سبعون ألف ملك، يستغفرون له حتى يمسي، وكان له خريف في الجنة» (٤).\nهل لصلاة الملائكة علينا أثر:\nيقول تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الأحزاب: ٤٣].\nتفيد الآية أن ذكر الله لنا في الملأ الأعلى، ودعاء الملائكة للمؤمنين واستغفارهم لهم، له تأثير في هدايتنا وتخليصنا من ظلمات الكفر، والشرك، والذنوب، والمعاصي إلى النور الذي يعني وضوح المنهج والسبيل، بالتعرف على طريق الحق الذي هو الإسلام، وتعريفنا بمراد الله منا، وإعطائنا النور الذي يدلنا على الحق: في الأفعال، والأقوال، والأشخاص.\n- التأمين على دعاء المؤمنين:\nالملائكة يؤمنِّون على دعاء المؤمن: وبذلك يكون الدعاء أقرب إلى الإجابة، ففي صحيح مسلم وسنن ابن ماجة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك، كلما دعا له بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل» (٥).\nولما كان الدعاء المؤمّن عليه حريًّا بالإجابة، فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يدعو على نفسه بشر، ففي صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» (٦).\n- استغفارهم للمؤمنين:\nأخبرنا الله أن الملائكة يستغفرون لمن في الأرض: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الشورى: ٥].\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٨٢١)، وأحمد (٦/ ٨٩) (٢٤٦٣١)، والحاكم (١/ ٣٣٤)، والبيهقي (٣/ ١٠٣) (٥٤٠٤). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال البيهقي: إسناده محفوظ، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٢) رواه ابن حبان (٨/ ٢٤٥) (٣٤٦٧)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٦/ ٢٨٧) (٦٤٣٤). قال ابن الملقن في «شرح صحيح البخاري» (١٣/ ١٣٥): صحيح، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣٤٠٩): رجاله ثقات.\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٤٤٥) (١٥٧١٨)، والضياء (٨/ ١٨٩). وقال: إسناده حسنه، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٧٤٤).\n(٤) رواه أبو داود (٣٠٩٨) وقال: أسند عن علي عن النبي من غير وجه صحيح، وصححه الألباني موقوفًا في «صحيح سنن أبي داود».\n(٥) رواه مسلم (٢٧٣٢)، وابن ماجه (٢٣٥٨).\n(٦) رواه مسلم (٩٢٠).","vol":"3","page":315},{"text":"وأخبر في آية سورة غافر أن حملة العرش والملائكة الذين حول العرش ينزهون ربهم، ويخضعون له، ويخصون المؤمنين التائبين بالاستغفار، ويدعونه بأن ينجيهم من النار، ويدخلهم الجنة، ويحفظهم من فعل الذنوب والمعاصي: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر: ٧ - ٩]\n- شهودهم مجالس العلم، وحلق الذكر، وحفهم أهلها بأجنحتهم:\nفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم». قال: «فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا» (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٢).\nوفي سنن الترمذي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع» (٣)؛ أي تتواضع له.\nفالأعمال الصالحة - كما ترى - تقرب الملائكة منا، وتقربنا منهم، ولو استمر العباد في حالة عالية من السمو الروحي، لوصلوا إلى درجة مشاهدة الملائكة ومصافحتهم كما في الحديث الذي يرويه مسلم، عن حنظلة الأسيدي ﵁، عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم» (٤).\nوفي رواية الترمذي عن حنظلة قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أنكم تكونون كما تكونون عندي لأظلتكم الملائكة بأجنحتها» (٥).\n- تسجيل الملائكة الذين يحضرون الجمعة:\nوهؤلاء الملائكة يسجلون بعض أعمال العباد، فيسجلون الذين يؤمون الجُمَع الأول فالأول. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم، وجلسوا يستمعون الذكر». متفق عليه (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٠٨) واللفظ له، ومسلم (٢٦٨٩).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٩٩).\n(٣) رواه الترمذي (٢٦٨٢). ورواه أبو داود (٣٦٤١)، وابن ماجه (٢٢٣)، وأحمد (٥/ ١٩٦) (٢١٧٦٣)، وابن حبان (١/ ٢٨٩) (٨٨). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: ليس هو عندي بمتصل، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١٠٦): لا يصح، وقال ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٥/ ٢٤٧): له طرق كثيرة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١٥١) كما أشار لذلك في المقدمة، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٤) رواه مسلم (٢٧٥٠).\n(٥) رواه الترمذي (٢٤٥٢). وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.\n(٦) رواه البخاري (٩٢٩)، ومسلم (٨٥٠).","vol":"3","page":316},{"text":"ويسجلون ما يصدر عن العباد من أقوال طيبة، ففي صحيح البخاري وغيره عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: «كنا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ فلما رفع رأسه من الركعة، قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءَه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلما انصرف، قال: من المتكلم؟ قال: أنا. قال: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول» (١). فهؤلاء الكتبة من الملائكة غير الملكين اللذين يسجلان صالح أعماله وطالحها بالتأكيد؛ لكونهم بضعة وثلاثين ملكًا.\n- تعاقب الملائكة فينا:\nوهؤلاء الملائكة الذين يطوفون في الطرق يلتمسون الذكر، ويشهدون الجمع والجماعات يتعاقبون فينا، فطائفة تأتي، وطائفة تذهب، وهم يجتمعون في صلاة الصبح، وصلاة العصر، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» (٢).\nولعل هؤلاء هم الذين يرفعون أعمال العباد إلى ربهم، ففي صحيح مسلم «عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إنّ الله ﷿ لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل. ..» (٣) الحديث.\nوقد عظّم الله شأن صلاة الفجر؛ لأن الملائكة تشهدها، قال: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: ٧٨]\n- تنزلّهم عندما يقرأ المؤمن القرآن:\nومنهم من يتنزّل من السماء حين يقرأ القرآن؛ ففي صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال: «قرأ رجل سورة الكهف، وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، قال فذكر للنبي ﷺ. فقال: اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزلت عند القرآن، أو تنزلت للقرآن» (٤).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن أسيد بن حضير بينما هو في ليلة يقرأ في مربده، إذ جالت فرسه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضًا. قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى، فقمت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسي، فيها أمثال السرج، عرجت في الجوّ حتى ما أراها.\nقال: فغدوت على رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، بينا أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي، إذ جالت فرسي، فقال رسول الله ﷺ: اقرأ ابن حضير، قال: فقرأت، ثمّ جالت أيضًا، فقال رسول الله ﷺ: اقرأ ابن حضير، قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله ﷺ: اقرأ ابن حضير، قال: فانصرفت، وكان يحيى قريبًا منها، خشيت أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج، عرجت في الجوّ حتى ما أراها.\nفقال رسول الله ﷺ: تلك الملائكة كانت تسمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم» (٥).\n- يبلّغون الرسول ﷺ عن أمته السلام:\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٩٩)، وأبو داود (٧٧٠).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٢٣)، ومسلم (٦٣٢).\n(٣) رواه مسلم (١٧٩).\n(٤) رواه مسلم (٧٩٦).\n(٥) رواه البخاري (٥٠١٨)، ومسلم (٧٩٦) واللفظ له.","vol":"3","page":317},{"text":"روى النسائي والدارمي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» (١).\n- تبشيرهم المؤمنين:\nفقد حملوا البشرى إلى إبراهيم بأنه سيرزق بذرية صالحة: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨].\nوبشرت زكريا بيحيى: فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى [آل عمران: ٣٩].\nوليس هذا مقصورًا على الأنبياء والمرسلين، بل قد تبشر المؤمنين، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنّ رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته -طريقه- ملكًا، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله ﷿، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه» (٢).\nوفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل، فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إِدام، أو طعام، أو شراب، فإذا هي قد أتتك، فاقرأ ﵍ من ربّها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» (٣).\n- الملائكة والرؤيا في المنام:\nروى البخاري في صحيحه في باب التهجد، «عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: كان الرجل في حياة النبي ﷺ إذا رأى رؤيا قصّها على رسول الله ﷺ، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله ﷺ، وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطيّ البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقيهما ملك آخر، فقال لي: لم ترع» (٤)؛ أي لا تخف.\nوفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «أريتك في المنام يجيء بك الملك في سَرَقَةٍ من حرير، فقال لي: هذه امرأتك، فكشفتُ عن وجهك الثوب، فإذا أنت هي، فقلت: إن يك هذا من الله يمضه» (٥).\n- يقاتلون مع المؤمنين ويثبتونهم في حروبهم:\n_________\n(١) [٤٣٧٩]» رواه النسائي (٣/ ٤٣)، والدارمي (٢/ ٤٠٩) (٢٧٧٤)، وابن حبان (٣/ ١٩٥)، والطبراني (١٠/ ٢٢٠)، والحاكم (٢/ ٤٥٦). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال ابن القيم في «جلاء الأفهام» (١٢٠): إسناده صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٧): رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٢) رواه مسلم (٢٥٦٧).\n(٣) رواه البخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (٢٤٣٢).\n(٤) رواه البخاري (١١٢١)، ومسلم (٢٤٧٩).\n(٥) رواه البخاري (٣٨٩٥)، ورواه مسلم (٢٤٣٨).","vol":"3","page":318},{"text":"وقد أمد الله المؤمنين بأعداد كثيرة من الملائكة في معركة بدر: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: ٩]، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٥]\nوفي صحيح البخاري «عن ابن عباس: أن الرسول ﷺ قال في يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة حرب» (١).\nوقد بين الله الحكمة والغاية من هذا الإمداد، وهو تثبيت المؤمنين، والمحاربة معهم، وقتال الأعداء، وقتلهم بضرب أعناقهم وأيديهم: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ١٠]، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال: ١٢].\nوقال في سورة آل عمران: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ [آل عمران: ١٢٦ - ١٢٧]. .........\nوقد سمع أحد المقاتلين من المسلمين صوت ضربة ملك، ضرب بها أحد الكفار، وصوته وهو يزجر فرسه، ففي صحيح مسلم «عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذٍ يشتدّ في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فخرّ مستلقيًا، فنظر إليه، فإذا هو قد خُطم أنفه، وشقّ وجهه، كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة» (٢).\nوقد حاربت الملائكة في مواقع أخر؛ ففي غزوة الخندق أرسل الله ملائكته: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا [الأحزاب: ٩]، والمراد بالجنود التي لم يروها الملائكة، كما ثبت في الصحاح وفي غيرها: «أن جبريل جاء الرسول ﷺ بعد رجوعه ﷺ من الخندق وقد وضع سلاحه واغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال للرسول ﷺ: وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، أخرج إليهم. فقال رسول الله ﷺ: فأين؟ فأشار إلى بني قريظة» (٣).\nوفي صحيح البخاري عن أنس ﵁ قال: «كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم، موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة» (٤).\n- حمايتهم للرسول ﷺ:\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٩٩٥).\n(٢) رواه مسلم (١٧٦٣).\n(٣) رواه البخاري (٤١١٧)، ومسلم (١٧٦٩). من حديث عائشة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٤١١٨).","vol":"3","page":319},{"text":"روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: «قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته، أو لأعفرنّ وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته. قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبه، ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا» (١).\nورواه البخاري بأخصر من رواية مسلم هذه، في كتاب التفسير (٢) ....\n- شهود الملائكة لجنازة الصالحين:\nقال الرسول ﷺ في سعد بن معاذ: «هذا الذي تحرّك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضُمّ ضمة، ثمّ فرّج عنه». رواه النسائي عن ابن عمر (٣).\n- إظلالها للشهيد بأجنحتها:\nفي البخاري عن جابر ﵁ قال: «جيء بأبي إلى النبي ﷺ وقد مثل به، ووضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع صوت نائحة، فقيل: ابنة عمرو - أو أخت عمرو-. فقال النبي ﷺ: لمَ تبكي، أو لا تبكي، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها» وقد عنون له البخاري بقوله: (باب ظل الملائكة على الشهيد) (٤).\n- الملائكة الذين جاؤوا بالتابوت:\nقال تعالى: وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ [البقرة: ٢٤٨].\nوالذي يعنينا من هذه الآية ما أخبرنا الله به، أن الملائكة جاءت بني إسرائيل، في تلك الفترة، بتابوت تطمينًا لهم وتثبيتًا؛ كي يعلموا أن طالوت مختار من الله تعالى، فيتابعوهُ، ويطيعوهُ.\n- حمايتهم للمدينة ومكة من الدجال:\nيدخل الدجال عندما يخرج كل بلد إلا مكة والمدينة؛ لحماية الملائكة لهما، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث فاطمة بنت قيس من قصة تميم الداري: «أن الدجال قال: إني أنا المسيح الدجال، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، فهما محرمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة، أو أحدًا منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلتًا، يصدني عنهما، وإن على كل نَقْب منها ملائكة يحرسونها\nقالت: قال رسول الله ﷺ، وطعن بمخصرته في المنبر: هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة»، يعني: المدينة (٥).\nوروى البخاري عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، ولها يومئذٍ سبعة أبواب، على كل باب ملكان» (٦).\nوفي صحيح البخاري أيضًا عن أبي هريرة: أن الرسول ﷺ قال: «على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» (٧) ....\n- نزول عيسى بصحبة ملكين:\nفي سنن الترمذي عن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ: في ذكره حديث الدجال وفيه: «فبينما هو كذلك إذ هبط عيسى ابن مريم ﵇ بشرقي دمشق، عند المنارة البيضاء، بين مهرودتين، واضعًا يَدَيْهِ على أجنحة ملكين» (٨).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٩٧).\n(٢) رواه البخاري (٤٩٥٨).\n(٣) رواه النسائي (٢/ ٤٤١). قال السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ٤٣٦): أصله صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٤) رواه البخاري (٢٨١٦).\n(٥) رواه مسلم (٢٩٤٢).\n(٦) رواه البخاري (٧١٢٥).\n(٧) رواه البخاري (١٨٨٠)، ومسلم (١٣٧٩).\n(٨) رواه الترمذي (٢٢٤٠)، ورواه مسلم (٢٩٣٧).","vol":"3","page":320},{"text":"- الملائكة باسطة أجنحتها على الشام:\nعن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا طوبى للشام، يا طوبى للشام. قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطوا أجنحتها على الشام» (١).\n- ما في موافقة الملائكة من أجر وثواب:\nثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمّن الإمام فأَمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٢).\nوفي صحيح البخاري: «إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهمّ ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٤). عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر - بتصرف – ص ٥٣\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٩٥٤)، وأحمد (٥/ ١٨٤) (٢١٦٤٧)، وابن حبان (١/ ٣٢٠) (١١٤)، والحاكم (٢/ ٢٤٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٤٣٢) (٢٣١١). قال الترمذي: حسن غريب، وقال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٥/ ٣٥٢): سنده سند الصحيحين إلا عبد الرحمن بن شماسة فإنه لم يخرج له البخاري، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٧٨١).\n(٤) رواه البخاري (٧٩٦).","vol":"3","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>الفصل الثاني: واجب المؤمنين تجاه الملائكة</span>\nالملائكة عباد الله اختارهم واصطفاهم، ولهم مكانة عند ربهم، والمؤمن الذي يعبد الله، ويتبع رضوانه لا مناص له من أن يتولى الملائكة بالحب والتوقير، ويتجنب كل ما من شأنه أن يسيء إليهم ويؤذيهم، وفي المبحث التالي نتناول شيئًا من ذلك بالبيان والتوضيح.\n- البعد عن الذنوب والمعاصي:\nأعظم ما يؤذي الملائكة الذنوب، والمعاصي، والكفر، والشرك، ولذا فإن أعظم ما يُهْدَى للملائكة ويرضيهم أن يخلص المرء دينه لربه، ويتجنب كل ما يغضبه. ولذا فإنَّ الملائكة لا تدخل الأماكن والبيوت التي يعصى فيها الله تعالى، أو التي يوجد فها ما يكرهه الله يبغضه، كالأنصاب، والتماثيل، والصور، ولا تقرب من تلبس بمعصية كالسكران.\nقال ابن كثير (١): (ثبت في الحديث المروي في الصحاح والمسانيد والسنن من حديث جماعة من الصحابة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يدخل الملائكة بيتًا فيه صورة، ولا كلب، ولا جُنب» (٢).\nوفي رواية عن عاصم بن ضمرة عن علي: «ولا بول» (٣)، وفي رواية رافع عن أبي سعيد مرفوعًا: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو تمثال» (٤)، وفي رواية ذكوان أبي صالح السماك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب أو جرس» (٥».\nوروى البزار بإسناد صحيح عن بريدة ﵁: أن الرسول ﷺ قال: «ثلاث لا تقربهم الملائكة: السكران، والمتضمخ بالزعفران، والجنب» (٦).\nوفي سنن أبي داود بإسناد حسن، عن عمار بن ياسر أن الرسول ﷺ قال: «ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ» (٧).\n- الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم:\nثبت في الأحاديث الصحيحة أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فهم يتأذون من الرائحة الكريهة، والأقذار، والأوساخ.\nروى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله عن النبيّ ﷺ قال: «من أكل الثوم، والبصل، والكراث، فلا يقربنّ مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» (٨).\nوقد بلغ الأمر بالرسول ﷺ أن أمر بالذي جاء إلى المسجد - ورائحة الثوم أو البصل تنبعث منه - أن يخرج إلى البقيع: - وهذا ثابت في صحيح مسلم (٩).\n- النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة:\n_________\n(١) «البداية والنهاية» (١/ ٥٥).\n(٢) رواه أبو داود (٢٢٧)، والنسائى (٧/ ١٨٥)، وابن حبان (٤/ ٥)، (١٢٠٥)، والحاكم (١/ ٢٧٨). من حديث علي بن أبي طالب ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١/ ٤٦): ثابت، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ٢٤٢) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٣) رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١٤٦) (١٢٤٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٩١): فيه عمرو بن خالد وقد أجمعوا على ضعفه.\n(٤) رواه الترمذي (٢٨٠٥)، وأحمد (٣/ ٩٠، رقم ١١٨٧٦)، ومالك (٢/ ٩٦٥، رقم ١٧٣٤)، وابن حبان (١٣/ ١٦٠، رقم ٥٨٤٩). قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) رواه مسلم (٢١١٣).\n(٦) رواه البزار كما في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٥٩) للهيثمي، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٥/ ٢٥٢) (٥٢٣٣). قال الهيثمي: رواه البزار وفيه عبد الله بن حكيم ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٠٦٠).\n(٧) رواه أبو داود (٤١٨٠)، والبيهقي (٥/ ٣٦) (٨٧٥٦). والحديث سكت عنه أبو داود، [وأورده الألباني في «صحيح سنن أبي داود»].\n(٨) رواه البخاري (٨٥٥)، ومسلم (٥٦٤) واللفظ له.\n(٩) رواه مسلم (٥٦٤).","vol":"3","page":322},{"text":"نهى الرسول ﷺ عن البصاق عن اليمين في أثناء الصلاة؛ لأن المصلي إذا قام يصلي يقف عن يمينه ملك، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها» (١).\n- موالاة الملائكة كلهم:\nوعلى المسلم أن يحب جميع الملائكة، فلا يفرق في ذلك بين ملك وملك؛ لأنهم جميعًا عباد الله عاملون بأمره، تاركون لنهيه، وهم في هذا وحدة واحدة، لا يختلفون ولا يفترقون. وقد زعم اليهود أن لهم أولياء وأعداء من الملائكة، وزعموا أن جبريل عدو لهم، وميكائيل ولي لهم، فأكذبهم الله تعالى- في مدعاهم - وأخبر أن الملائكة لا يختلفون فيما بينهم: قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٧ - ٩٨].\nفأخبر سبحانه أن الملائكة كلهم وحدة واحدة فمن عادى واحدًا منهم، فقد عادى الله وجميع الملائكة، أمّا تولي بعض الملائكة ومعاداة بعض آخر، فهي خرافة لا يستسيغها إلا مثل هذا الفكر اليهودي المنحرف، وهذه المقولة التي حكاها القرآن عن اليهود عذر واهٍ عللوا به عدم إيمانهم، فزعموا أن جبريل عدوهم؛ لأنّه يأتي بالحرب والدمار، ولو كان الذي يأتي الرسول ﷺ ميكائيل لتابعوه. عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر – ص ٦٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٤١٦).","vol":"3","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-877>الفصل الثالث: دور الملائكة تجاه الكفار والفساق</span>\nالملائكة لا يحبون الكفرة الظالمين المجرمين، بل يعادونهم ويحاربونهم، ويزلزلون قلوبهم، كما حدث في معركة بدر والأحزاب، ونزيد الأمر هنا تفصيلًا وإيضاحًا بذكر ما لم نذكره هناك\n- إنزال العذاب بالكفار:\nعندما كان يُكذَّب رسول من الرسل، ويصرّ قومه على التكذيب، كان الله ينزل في كثير من الأحيان بهم عذابه، وكان الذي يقوم بالتعذيب أحيانًا الملائكة.\n- إهلاكهم قوم لوط:\nجاء الملائكة المأمورون بتعذيب قوم لوط في صورة شبان حسان الوجوه، واستضافهم لوط، ولم يعلم قومه بهم، فدلت زوجة لوط قومها عليهم، فجاءوا مسرعين، يريدون بهم الفاحشة، فدافعهم لوط، وحاورهم، فأبوا عليه، فضربهم جبريل بجناحه، فطمس أعينهم، وأذهب بصرها: وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيد قالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ [هود: ٧٧ - ٨١].\nقال ابن كثير (١): وذكروا أن جبريل - ﵇ - خرج عليهم، فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه، فطمست أعينهم، حتى قيل غارت بالكلية، ولم يبق لها محل ولا أثر ... قال تعالى: وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ [القمر: ٣٧].\nوفي الصباح أهلكهم الله تعالى: فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٢ - ٨٣] قال ابن كثير في تفسيره: (قال مجاهد: أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم، ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم كفأها، وكان حملهم على خوافي جناحه الأيمن). وذكر أقوالًا مقاربة لهذا القول، ولم يورد حديثًا يشهد لهذا.\n- لعن الكفرة:\nقال تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [آل عمران: ٨٦ - ٨٧]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة: ١٦١].\nولا تلعن الملائكة الكفرة فحسب، بل قد تلعن من فعلوا ذنوبًا معينة ومن هؤلاء:\nأ- لعن الملائكة المرأة التي لا تستجيب لزوجها:\nففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، لَعَنَتْها الملائكة حتى تصبح» (٢) وفي رواية في الصحيح: «حتى ترجع» (٣)\nب- لعنهم الذي يشير إلى أخيه بحديدة:\nروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال أبو القاسم: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمّه» (٤).\n_________\n(١) «البداية والنهاية» (١/ ١٦٧).\n(٢) رواه البخاري (٥١٩٣).\n(٣) رواه البخاري (٥١٩٤).\n(٤) رواه مسلم (٢٦١٦).","vol":"3","page":324},{"text":"ولعن الملائكة يدل على حرمة هذا الفعل، لما فيه من ترويعٍ لأخيه، ولأنّ الشيطان قد يطغيه فيقتل أخاه، خاصة إذا كان السلاح من هذه الأسلحة الحديثة، التي قد تنطلق لأقل خطأ، أو لمسة غير مقصودة، وكم حدث أمثال هذا.\nج- لعنهم من سبّ أصحاب الرسول:\nفي معجم الطبراني الكبير عن ابن عباس بإسناد حسن: أن الرسول ﷺ قال: «من سبّ أصحابي، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (١).\nفيما عجبًا لأقوام جعلوا سبّ أصحاب الرسول ﷺ دينًا لهم يتقربون به إلى الله، مع أن جزاءَهم ما ذكره الرسول ﷺ هنا، وهو جزاء رهيب.\nد- لعنهم الذين يحولون دون تنفيذ شرع الله:\nفي سنن النسائي وسنن ابن ماجة، بإسناد صحيح، عن ابن عباس ﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قَتَلَ عمدًا فَقَود يديه، فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين» (٢). فالذي يحول دون تنفيذ حكم الله في قتل القاتل عمدًا بالجاه أو المال ... فعليه هذه اللعنة، فكيف بالذي يحول دون تنفيذ الشريعة كلها؟!\nهـ- لعنهم الذي يؤوي محدثًا:\nمن الذين تلعنهم الملائكة كما يلعنهم الله الذين يحدثون في دين الله، بالخروج على أحكامه، والاعتداء على تشريعه، أو يؤوون من يفعل ذلك، ويحمونه، كما في الحديث الصحيح: «من أحدث حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين» (٣).\nوالحدث في المدينة فيه زيادة في الإجرام، ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال: قال النبيّ ﷺ أنه قال: «المدينة حرم، ما بين عَيْر إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا، ولا عدلًا» (٤)\n- رؤية الملائكة:\nلا يستطيع بنو آدم أن يروا الملائكة، لأن الله لم يعط أبصارهم القدرة على رؤيتهم.\nولم ير الملائكة في صورهم الحقيقة من هذه الأمة إلا الرسول ﷺ، فإنه رأى جبريل مرتين في صورته التي خلقه الله عليها ...\n- طلب الكفار رؤية الملائكة؟\nوقد طلب الكفار رؤية الملائكة للتدليل على صدق الرسول ﷺ، فأخبرهم الله أن اليوم الذي يرون فيه الملائكة يوم شؤم عليهم؛ إذ الكفار يرون الملائكة عندما يحلّ بهم العذاب، أو عندما ينزل بالإنسان الموت، ويكشف عنه الغطاء: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا [الفرقان: ٢١ - ٢٢]. عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر - بتصرف – ص: ٧٠\n_________\n(١) رواه الطبراني (١٢/ ١٤٢) (١٢٧٤٠). وحسنه محمد جار الله الصعدي في «النوافح العطرة» (٣٨٣)، والألباني بمجموع طرقه في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٣٤٠).\n(٢) رواه أبو داود (٤١٩٥)، والنسائي (٨/ ٤٠)، وابن ماجه (٢٦٣٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٣٧٩)، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٧٥٠) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٣٨١) كما قال هذا في المقدمة.\n(٣) رواه مسلم (١٣٧١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٦٧٥٥)، ومسلم (١٣٧٠).","vol":"3","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-878>الكتاب الرابع: الإيمان بالكتب المنزلة</span>\n• الفصل الأول: تعريف الإيمان بالكتب.\n• الفصل الثاني: معنى الإيمان بالكتب.\n• الفصل الثالث: أهمية الإيمان بالكتب.\n• الفصل الرابع: حكم الإيمان بالكتب.\n• الفصل الخامس: حقيقة الإيمان بالكتب.\n• الفصل السادس: ثمرات الإيمان بالكتب.","vol":"3","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-880>الفصل الأول: تعريف الإيمان بالكتب</span>\nالكتب في اللغة: جمع كتاب بمعنى مكتوب، مثل فراش بمعنى مفروش، وإله بمعنى مألوه، وغراس بمعنى مغروس.\nومادة (كتب) تدور حول الجمع والضم، وسمي الكاتب كاتبًا؛ لأنه يجمع الحروف ويضم بعضها إلى بعض.\nومنه الكتيبة من الجيش سميت كتيبةً؛ لاجتماعها، وانضمام بعضها إلى بعض، ومنه تسمية الخياط كاتبًا؛ لأنه يجمع أطراف الثوب إلى بعض، كما في مقامات الحريري، حيث قال ملغزًا:\nوكاتبين وما خطت أناملهم ... حرفًا ولا قرأوا ما خط في الكتب\nويَقْصدُ بهم الخياطين. رسائل في العقيدة لمحمد إبراهيم الحمد - ص: ٢٨٠\nوالكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيها كما في قوله تعالى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ [النساء: ١٥٣] يعني صحيفة مكتوبا فيها.\nوالمراد بالكتب هنا: الكتب والصحف التي حوت كلام الله تعالى الذي أوحاه إلى رسله ﵈. سواء ما ألقاه مكتوبًا كالتوراة، أو أنزله عن طريق الملك مشافهة فكتب بعد ذلك كسائر الكتب. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء - ص: ١٢٧","vol":"3","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-881>الفصل الثاني: معنى الإيمان بالكتب</span>\nومعنى الإيمان بالكتب التصديق الجازم بأن كلها منزل من عند الله ﷿ على رسله إلى عباده بالحق المبين والهدى المستبين، وأنها كلام الله ﷿ لا كلام غيره، وأن الله تعالى: تكلم بها حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع منه من وراء حجاب بدون واسطة، ومنها ما يسمعه الرسول المَلَكي ويأمره بتبليغه منه إلى الرسول البشري كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى:٥١] وقال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:١٦٤]، وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:١٤٣]، يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:١٤٤]، فَأَوْحَى إلى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:١٠]، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:٥٢]، يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [النحل:٢]، وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء:١٠٦] ومنها ما خطه بيده ﷿ كما قال تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا [الأعراف:١٤٥]. والإيمان بكل ما فيها من الشرائع وأنه كان واجبًا على الأمم الذين نزلت إليهم الصحف الأولى الانقياد لها والحكم بما فيها كما قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - إلى قوله: - وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أهل الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة:٤٤ – ٤٩].","vol":"3","page":328},{"text":"وأن جميعها يصدق بعضها بعضًا لا يكذبه كما قال تعالى: في الإنجيل مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ [المائدة:٤٦] وقال في القرآن مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة:٤٨]. وإن كل من كذب بشيء منها أو أبى عن الانقياد لها مع تعلق خطابه يكفر بذلك كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:٤٠]. وأَنَّ نسخ الكتب الأولى بعضها ببعض حق كما نسخ بعض شرائع التوراة بالإنجيل قال الله تعالى: في عيسى ﵇ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَرَسُولًا إلى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ – إلى قوله - وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [آل عمران:٤٨ - ٥٠] وكما نسخ كثير من شرائع التوراة والإنجيل والقرآن كما قال تعالى: عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُون الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: ١٥٦ – ١٥٨] الآية. وأَنَّ نسخ القرآن بعض آياته ببعض حَقٌّ كما قال تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:١٠٦] وقال تعالى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل:١٠١] الآيات، وكما قال تعالى: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ [الأنفال:٦٦] بعد قوله يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:٦٥]. والناسخ والمنسوخ آيات مشهورات مذكورات في مواضعها من كتب التفسير وغيرها. وإنه لا يأتي كتاب بعده ولا مغير ولا مبدِّل لشيء من شرائعه بعده، وأنه ليس لأحد الخروج عن شيء من أحكامه، وأَنَّ من كذب بشيء منه من الأمم الأولى فقد كذب بكتابه، كما أَنَّ مَنْ كذب بما أخبر عنه القرآن من الكتب فقد كذب به، وأَنَّ من اتَّبَعَ غير سبيله ولم يقتفِ أثره ضل قال تعالى: المص. كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ.","vol":"3","page":329},{"text":"اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف:١ – ٣]. ثم الإيمان بكتب الله ﷿ يجب إجمالًا فيما أجمل وتفصيلًا فيما فصل، فقد سمى الله تعالى: من كتبه التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود في قوله تعالى: وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [النساء:١٦٣] والقرآن على محمد ﷺ، وذكر صحف إبراهيم وموسى، وقد أخبر تعالى: عن التنْزيل على رسله مجملًا في قوله وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء:١٣٦] وقال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا – إلى قوله - وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [البقرة:١٣٦] وقال وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ [الشورى:١٥] فنقول كما أمرنا ربنا ﷿: آمنا بما أنزل الله من كتاب وما أرسل من رسول. وقال تعالى: في القرآن والسنة وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:٧]، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:٧]. فلا بد في الإيمان به من امتثال أوامره واجتناب مناهيه وتحليل حلاله وتحريم حرامه والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بقصصه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والوقوف عند حدوده وتلاوته آناء الليل والنهار والذب عنه لتحريف الغالين وانتحال المبطلين والنصيحة له ظاهرًا وباطنًا بجميع معانيها، نسأل الله تعالى: أن يرزقنا كل ذلك ويوفقنا له ويعيننا عليه ويثبتنا به وجميع إخواننا المسلمين إنه وليّ التوفيق. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ٨٢٦","vol":"3","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-882>الفصل الثالث: أهمية الإيمان بالكتب</span>\nالإيمان بالكتب أصل من أصول العقيدة، وركن من أركان الإيمان، ولا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بالكتب التي أنزلها الله على رسله ﵈\nوقد أثنى الله ﷿ على الرسل الذين يبلغون عن الله رسالاته فقال ﷿: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ [الأحزاب: ٣٩].\nكما أخبر سبحانه أن الرسول والمؤمنون آمنوا بما أنزل من عند الله من كتب، قال تعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].\nومما يدل على أهميته أن الله أمر المؤمنين بأن يؤمنوا بما أنزله كما في قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٦].\nومما يدل على أهميته أن الله أهلك الأمم بسبب تكذيبهم برسالاته، كما أخبر الله عن صالح بقوله: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٧٩].\nكذلك من أنكر شيئًا مما أنزل الله فهو كافر كما قال تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:١٣٦]. رسائل في العقيدة لمحمد إبراهيم الحمد – ص: ٢٨١","vol":"3","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-883>الفصل الرابع: حكم الإيمان بالكتب</span>\nالإيمان بكتب الله التي أنزل على رسله كلها ركن عظيم من أركان الإيمان وأصل كبير من أصول الدين، لا يتحقق الإيمان إلا به. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة.\nفمن الكتاب قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: ١٣٦]. فأمر الله عباده المؤمنين في الآية بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه. فأمرهم بالإيمان بالله ورسوله وهو محمد ﷺ والكتاب الذي أنزل على رسوله وهو القرآن، والكتاب الذي أنزل من قبل وهو جميع الكتب المتقدمة: كالتوراة، والإنجيل، والزبور، ثم بين في ختام الآية أن من كفر بشيء من أركان الإيمان فقد ضل ضلالا بعيدا وخرج عن قصد السبيل ومن أركان الإيمان المذكورة الإيمان بكتب الله.\nوقال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: ١٧٧]. فأخبر ﷿ أن حقيقة البر: هو الإيمان بما ذكر من أركان الإيمان، والعمل بخصال البر الواردة في الآية بعد هذا. وذكر من أركان الإيمان: (الإيمان بالكتاب) قال ابن كثير: هو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء. حتى ختمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب (١).\nولتقرير الإيمان بالكتب كلها أمر الله عباده المؤمنين أن يخاطبوا أهل الكتاب بقوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٦]. فتضمنت الآية إيمان المؤمنين بما أنزل الله عليهم بواسطة رسوله ﷺ، وما أنزل على أعيان الرسل المذكورين في الآية، وما أنزل على بقية الأنبياء في الجملة وأنهم لا يفرقون بين الرسل في الإيمان ببعضهم دون بعض فانتظم ذلك الإيمان بجميع الرسل وكل ما أنزل الله عليهم من الكتب.\nوالآيات في تقرير هذا من كتاب الله كثيرة.\nوأما السنة فقد دلت كذلك على وجوب الإيمان بالكتب. وأن الإيمان بها ركن من أركان الإيمان، دل على ذلك حديث جبريل، وسؤاله النبي ﷺ أركان الإيمان، فذكر النبي ﷺ في إجابته: الإيمان بالكتب مع بقية أركان الإيمان.\nفتقرر بهذا وجوب الإيمان بالكتب والتصديق بها جميعها، واعتقاد أنها كلها من الله تعالى أنزلها على رسله بالحق والهدى والنور والضياء، وأن من كذب بها أو جحد شيئا منها فهو كافر بالله خارج من الدين. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء ص١٢٧\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (١/ ٢٩٧).","vol":"3","page":332},{"text":"وأن أهل السنة والجماعة يؤمنون ويعتقدون اعتقادًا جازمًا أن الله - ﷿ - أنزل على رسله كتبًا فيها أمره، ونهيه، ووعده ووعيده، وما أراده الله من خلقه، وفيها هدى ونور، قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إليه مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة:٢٨٥]. وأن الله أنزل كتبه على رسله لهداية البشرية، قال تعالى: الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم:١]. ومن هذه الكتب: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها التوراة والإنجيل والقرآن، وأعظم الثلاثة وناسخها وأفضلها هو القرآن. ولم يتكفّل الله سبحانه بحفظ شيء من هذه الكتب - عدا القرآن - بل استحفظ عليها الأحبار والربانيون؛ لكنهم لم يحافظوا عليها، وما رعوها حق رعايتها؛ فحصل فيها تغيير وتبديل. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري - ص ١٣٥\nقال ابن أبي العز الحنفي-رحمه الله تعالى-: وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين، فنؤمن بما سمى الله تعالى منها في كتابه، من التوراة والإنجيل والزبور، ونؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتبًا أنزلها على أنبيائه، لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى وأما الإيمان بالقرآن، فالإقرار به، واتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب. فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله أتتهم من عند الله، وأنها حق وهدى ونور وبيان وشفاء. قال تعالى: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ [البقرة:١٣٦]. الم اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ –إلى قوله- وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:١ - ٤]. آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إليه مِن رَّبِّهِ [البقرة:٢٨٥]. أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء:٨٢]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تكلم بها، وأنها نزلت من عنده. وفي ذلك إثبات صفة الكلام والعلو. وقال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [البقرة:٢١٣]. وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:٤١ - ٤٢]. وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ [سبأ:٦]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [يونس:٥٧]. قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت:٤٤]. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:٨]. وأمثال ذلك في القرآن كثيرة. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ٢/ ٤٢٣","vol":"3","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>الفصل الخامس: حقيقة الإيمان بالكتب</span>\nالإيمان بكتب الله يشتمل على عدة جوانب دلت النصوص على وجوب اعتقادها وتقريرها لتحقيق هذا الركن العظيم من أركان الإيمان وهي:\n١ - التصديق الجازم بأنها كلها منزلة من الله ﷿، وأنها كلام الله تعالى لا كلام غيره، وأن الله تكلم بها حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد سبحانه. قال تعالى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ٢ - ٤].\nفأخبر الله ﷿ أنه أنزل هذه الكتب المذكورة وهي: التوراة، والإنجيل، والقرآن من عنده وهذا يدل على أنه هو المتكلم بها وأنها منه بدأت لا من غيره، ولذا توعد في نهاية السياق من كفر بآيات الله بالعذاب الشديد.\nوقال مخبرًا عن التوراة إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ [المائدة: ٤٤] فبين أنه تعالى هو الذي أنزل التوراة وأن ما فيها من الهدى والنور منه سبحانه. وقال تعالى في سياق آخر مبينًا أن التوراة من كلامه وذلك في معرض إخباره عن اليهود أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ [البقرة: ٧٥] فكلام الله الذي سمعوه ثم حرفوه هو التوراة. قاله السُّدِّي وابن زيد وجمع من المفسرين.\nوقال تعالى في الإنجيل وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [المائدة: ٤٧] أي من الأوامر والنواهي التي هي من كلام الله.\nوقال في القرآن الكريم: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]. وقال تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل: ٦]. وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ [النحل: ١٠٢]. وقال تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة: ٦]. وإنما أمروا أن يسمعوا القرآن الذي أنزله على رسوله ﷺ فهو كلام الله على الحقيقة.\n٢ - الإيمان بأنها دعت كلها إلى عبادة الله وحده وقد جاءت بالخير والهدى والنور والضياء. قال تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٩]. فبين الله أنه ما ينبغي لأحد من البشر، آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة، أن يأمر الناس أن يتخذوه إلها من دون الله. وذلك أن كتب الله إنما جاءت بإخلاص العبادة لله وحده.","vol":"3","page":334},{"text":"وقال تعالى مبينًا أن كتبه جاءت بالحق والهدى نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ [آل عمران: ٣ - ٤]. وقال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [البقرة: ٢١٣]. وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ [المائًدة: ٤٤]. وقال تعالى: وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ [المائدة: ٤٦]. وقال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة: ١٨٥]. إلى غير ذلك من الآيات المتضمنة أن كتب الله تعالى قد جاءت بالهدى والنور من الله تعالى.\n٣ - الإيمان بأن كتب الله يصدق بعضها بعضًا فلا تناقض بينها ولا تعارض كما قال تعالى في القرآن وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨]. وقال في حق الإنجيل: وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ [المائدة: ٤٦]. فيجب الإيمان بهذا واعتقاد سلامة كتب الله من كل تناقض أو تعارض، وهذا من أعظم خصائص كتب الله عن كتب الخلق وكلام الله عن كلام الخلق فإن كتب المخلوقين عرضة للنقص والخلل والتعارض كما قال تعالى في وصف القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].\n٤ - الإيمان بما سمى الله ﷿ من كتبه على وجه الخصوص، والتصديق بها، وبإخبار الله ورسوله عنها. وهذه الكتب هي:\nأ) التوراة: وهي كتاب الله الذي آتاه موسى ﵇. قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ [القصص: ٤٣]. وفي حديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: «... فيأتون إبراهيم فيقول: لست هُنَاكم ويذكر خطيئته التي أصابها ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه تكليما» (١)، وقد ألقى الله التوراة على موسى مكتوبة في الألواح وفي ذلك يقول سبحانه وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٤٥]. قال ابن عباس (يريد ألواح التوراة) (٢). وفي حديث احتجاج آدم وموسى من رواية أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «... قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده» أخرجاه في الصحيحين من طرق كثيرة (٣). والتوراة هي أعظم كتب بني إسرائيل وفيها تفصيل شريعتهم وأحكامهم التي أنزلها الله على موسى وقد كان على العمل بها أنبياء بني إسرائيل الذين جاءوا من بعد موسى كما قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ [المائدة: ٤٤].\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤١٠)، ومسلم (١٩٣).\n(٢) «تفسير البغوي» (٣/ ٨٢)، و«تفسير الخازن» (٢/ ٢٨٧).\n(٣) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢).","vol":"3","page":335},{"text":"ب) الإنجيل: وهو كتاب الله الذي أنزله على عيسى ابن مريم ﵉. قال تعالى: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [المائدة: ٤٦].\nوقد أنزل الله الإنجيل مصدقا للتوراة وموافقا لها كما تقدم في الآية السابقة.\nقال بعض العلماء (١): لم يخالف الإنجيل التوراة إلا في قليل من الأحكام مما كانوا يختلفون فيه كما أخبر الله عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠].\nوقد أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أن التوراة والإنجيل نصا على البشارة بنبينا محمد ﷺ. قال تعالى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: ١٥٧].\nوقد لحق الإنجيل من التحريف ما لحق التوراة ...\nج) الزبور: وهو كتاب الله الذي أنزله على داود ﵇. قال تعالى: وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [السماء: ١٦٣]. قال قتادة في تفسير الآية: (كنا نحدث أنه دعاء علمه الله داود وتحميد وتمجيد لله ﷿ ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود) (٢).\nد) صحف إبراهيم وموسى: وقد جاء ذكرها في موضعين من كتاب الله، الأول في سورة النجم في قول الله تعالى: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم: ٣٦ - ٣٩]. والثاني في سورة الأعلى، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٤ - ١٩]. فأخبر الله ﷿ عن بعض ما جاء في هذه الصحف من وحيه الذي أنزله على رسوليه إبراهيم وموسى ﵉. والعلم عند الله.\nهـ) القرآن العظيم: وهو كتاب الله الذي أنزله على نبينا محمد ﷺ مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه، وهو آخر كتب الله نزولا وأشرفها وأكملها، والناسخ لما قبله من الكتب وقد كانت دعوته لعامة الثقلين من الإنس والجن. قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨] ومهيمنًا: أي شهيدًا على ما قبله من الكتب وحاكما عليها. وقال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩]. وقال ﷿: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١]. وللقرآن أسماء كثيرة أشهرها: القرآن، والفرقان، والكتاب، والتنزيل، والذكر.\nفيجب الإيمان بهذه الكتب على ما جاءت به النصوص، من ذكر أسمائها، ومن أنزلت فيهم، وكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ عنها، وما قُصَّ علينا من أخبار أهلها.\n٥ - الاعتقاد الجازم بنسخ جميع الكتب والصحف التي أنزلها الله على رسله، بالقرآن الكريم، وأنه لا يسع أحدًا من الإنس أو الجن، لا من أصحاب الكتب السابقة، ولا من غيرهم، أن يعبدوا الله بعد نزول القرآن بغير ما جاء فيه أو يتحاكموا إلى غيره. والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة. قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١]. وقال ﷿: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥، ١٦]. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء- بتصرف - ١٣١\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٦).\n(٢) رواه الطبري (١٧/ ٤٧٠).","vol":"3","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-885>الفصل السادس: ثمرات الإيمان بالكتب</span>\nوللإيمان بالكتب آثاره العظيمة على المؤمن فمن ذلك:\n- شكر الله تعالى على لطفه بخلقه وعنايته بهم حيث أنزل إليهم الكتب المتضمنة إرشادهم لما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة.\n- ظهور حكمة الله تعالى حيث شرع في هذه الكتب لكل أمة ما يناسبها، وكان خاتم الكتب القرآن العظيم مناسبا لجميع الخلق في كل عصر ومصر إلى قيام الساعة.\n- إثبات صفة الكلام لله تعالى وأن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين، وعجز المخلوقين عن الإتيان بمثل كلامه. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء – ص: ١٢٩\n- العلم بعناية الله؛ حيث أنزل لكل قوم كتابًا يهديهم به ...\n- التحرر من زبالات أفكار البشر بهدي السماء.\n- السير على طريق مستقيمة واضحةٍ لا اضطراب فيها ولا اعوجاج.\n- الفرح بذلك الخير العظيم قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨]\n- شكر الله على هذه النعمة العظيمة.\n- التحرر من التخبط الفكري والعقدي. رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد – بتصرف - ص: ٢٨٢","vol":"3","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-886>الباب الثاني: الإيمان بالقرآن</span>\n• الفصل الأول: تعريف القرآن وفضله.\n• الفصل الثاني: حفظ القرآن الكريم وسلامته من التحريف.\n• الفصل الثالث: منزلة القرآن من الكتب المتقدمة.\n• الفصل الرابع: خصائص القرآن الكريم.\n• الفصل الخامس: عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن.\n• الفصل السادس: المخالفون في القرآن.","vol":"3","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-887>الفصل الأول: تعريف القرآن وفضله</span>\n• المبحث الأول: معنى القرآن في اللغة.\n• المبحث الثاني: معنى القرآن في الاصطلاح.\n• المبحث الثالث: فضل القرآن.","vol":"3","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-888>المبحث الأول: معنى القرآن في اللغة</span>\nالقرآن من مادة قرأ، ومنه قرأت الشيء، فهو قرآن: أي جمعته، وضممت بعضه إلى بعض، فمعناه: الجمع والضم. ومنه قولهم: ما قرأت هذه الناقة سلى قط، وما قرأت جنينًا، أي لم تضم رحمها على ولد (١). قال أبو عبيدة -﵀-: (... وإنما سمي قرآنًا لأنه يجمع السور فيضمها، وتفسير ذلك في آية من القرآن، قال الله -جل ثناؤه-: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ [القيامة: ١٧] ... تأليف بعضه إلى بعض ...) ثم قال: وفي آية أخرى: فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآَنَ [النحل: ٩٨] ... إذا تلوت بعضه في إثر بعض، حتى يجتمع، وينضم بعضه إلى بعض، ومعناه: يصير إلى معنى التأليف والجمع، ثم استشهد على هذا المعنى، بقول عمرو بن كلثوم:\nذراعي حرة أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينًا (٢)\nأي لم تضم في رحمها ولدًا قط (٣) فسمي القرآن قرآنًا، لأنه جمع القصص، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والآيات والسور: بعضها إلى بعض (٤).\nويذكر أبو بكر الباقلاني: أن القرآن يكون مصدرًا واسمًا: مصدرًا كما في قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ [القيامة: ١٧]، واسمًا كما في قوله (تعالى): وَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء: ٤٥] (٥).\nويروى عن الشافعي ﵀: (أن القرآن اسم علم لكتاب الله، غير مشتق: كالتوراة، والإنجيل) (٦). قال القرطبي ﵀: (والصحيح الاشتقاق في الجميع) (٧) أي في القرآن والتوراة والإنجيل. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن- ١/ ٥٣\n_________\n(١) انظر: «الصحاح» - لإسماعيل بن حماد الجوهري (١/ ٦٥) مادة: قرأ. بتحقيق أحمد عبد الغفور عطار - دار العلم للملايين - الطبعة الثانية ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م، و«لسان العرب» (١/ ١٢٨) مادة: قرأ.\n(٢) انظر: «شرح القصائد السبع الطوال» لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (معلقة عمرو ابن كلثوم) (ص: ٣٨٠)، بتحقيق: عبد السلام هارون - دار المعارف - الطبعة الثانية ١٩٦٩م. مصر، وأصل البيت: ذراعي عيطل أدماء بكر تربعت الأجارع والمتونا\n(٣) «مجاز القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي (١/ ١ - ٣)، بتحقيق: د/ محمد فؤاد سركين، دار الفكر - الطبعة الثانية ١٣٩٠هـ - ١٩٧٠م، مطبعة السعادة ١٩٥٤م، مصر -.\n(٤) انظر: «لسان العرب» (١/ ١٢٨) مادة قرأ.\n(٥) انظر: «نكت الانتصار لنقل القرآن» لأبي بكر الباقلاني (ص: ٥٦) بتحقيق: محمد زغلول سلام، منشأة المعارف ١٩٧١م الإسكندرية - مصر - (بدون رقم الطبعة).\n(٦) «الجامع لأحكام القرآن» لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (٢/ ٢٩٨) - دار الكاتب العربي الطبعة الثالثة ١٣٨٧هـ - ١٩٦٧م، مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية - القاهرة.\n(٧) «الجامع لأحكام القرآن» لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (٢/ ٢٩٨) - دار الكاتب العربي الطبعة الثالثة ١٣٨٧هـ - ١٩٦٧م، مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية - القاهرة.","vol":"3","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>المبحث الثاني: معنى القرآن في الاصطلاح</span>\nالقرآن الكريم هو اسم لكلام الله تعالى، المنزل على عبده ورسوله: محمد ﷺ، وهو اسم لكتاب الله خاصة ولا يسمى به شيء غيره من سائر الكتب (١). وإضافة الكلام إلى الله تعالى إضافة حقيقية، من باب إضافة الكلام إلى قائله.\nوعرفه السيوطي (﵀) بقوله: (وأما في العرف فهو الكلام المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه، فخرج بالمنزل على محمد ﷺ: التوراة والإنجيل، وسائر الكتب، وبالإعجاز: الأحاديث الربانية القدسية كحديث الصحيحين: «أنا عند ظن عبدي بي ... إلى آخره» (٢) وغيره ... وقولنا: بسورة منه: هو بيان لأقل ما وقع به الإعجاز، وهو قدر أقل سورة، كالكوثر، أو ثلاث آيات من غيرها، بخلاف من دونها (٣) ... ثم قال: (وزاد بعض المتأخرين في الحد: المتعبد بتلاوته، ليخرج المنسوخ التلاوة) (٤).\nولما ظهر الخوض في صفات الله تعالى، وفي كلام الله خاصة، من قبل الزنادقة، وفرق المبتدعة، أحتاج أهل السنة إلى تعريف القرآن تعريفًا يظهرون فيه معتقدهم في صفات الله تعالى عامة، وفي صفة الكلام خاصة، ومنه القرآن، مخالفين بذلك أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وغيرهم، فقال أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى:\n(وإن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه، فزعم أنه كلام البشر فقد كفر) (٥). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن– ١/ ٥٤\n_________\n(١) انظر: «الجامع لأحكام القرآن»، القرطبي (٢/ ٢٩٨)، و«مجاز القرآن» لأبي عبيدة (١/ ١).\n(٢) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) انظر: تفصيل هذه المسألة في كتاب: «إعجاز القرآن» لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني، (ص: ٢٥٤ - ٢٥٨) بتحقيق: السيد أحمد صقر – دار المعارف الطبعة الثالثة ١٩٧١م – مصر.\n(٤) «التحبير في علم التفسير» لجلال الدين السيوطي ص: (٣٩ - ٤٠) بتحقيق: د/ فتحي عبد القادر فريد – دار العلوم للطباعة والنشر – الطبعة الأولى ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م الرياض – السعودية.\n(٥) «شرح الطحاوية» (ص: ١٢١، ١٢٢).","vol":"3","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-890>المبحث الثالث: فضل القرآن</span>\nما تقولون في فضل كتاب أنقذ الله به أمة من جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، دأبهم السلب والنهب، ومعبودهم الأوثان والحجارة، وديدنهم توارث العداوات والأحقاد، لا تعرف من الحق رسمًا. نحلتها ما وجدت عليه آباءها، وما استحسنته أسلافها، من آراء منحرفة، ونحل مخترعة، وملل مبتدعة، فأنزل الله عليهم هذا الكتاب فأنقذهم منها به، وانتشلهم به من أوحالها.\nما تقولون في فضل كتاب ختم الله به الكتب، وأنزل على نبي ختم به الأنبياء، وبدين ختمت به الأديان.\nما تقولون في فضل كتاب فتحت به أمصار، وجثت عنده الركب، ونهل من منهله العلماء، وشرب من مشربه الأدباء، وخشعت لهيمنته الأبصار، وذلت له القلوب، وقام بتلاوته العابدون، والراكعون، والساجدون.\nذلكم القرآن الكريم: (كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، فلا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه) (١).\nذلكم القرآن الكريم: كلام الله العظيم، وصراطه المستقيم، ودستوره القويم، ناط به كل سعادة، وحكمته البالغة، ونعمته السابغة.\nذلكم القرآن الكريم: حجة الرسول الدامغة، وآيته الكبرى شاهدة برسالته، وناطقة بنبوته.\nذلكم القرآن الكريم: كتاب الإسلام في عقائده وعباداته، وحكمه وأحكامه، وآدابه وأخلاقه، وقصصه ومواعظه، وعلومه وأخباره، وهدايته ودلالته.\nذلكم القرآن الكريم: أساس رسالة التوحيد، والمصدر القويم للتشريع، ومنهل الحكمة والهداية، والرحمة المسداة للناس، والنور المبين للأمة، والمحجة البيضاء التي لا يزغ عنها إلا هالك ...\nفضل القرآن ومكانته لا يدانيه فضل، ولا تسموا إليه مكانة، فضائل عامة، وفضائل خاصة لبعض سوره وآياته، أكتفي هنا بذكر ومضات من هذه ومن تلك عل فيها المراد.\nفضائل القرآن الكريم العامة:\nأما فضائله عامة، فقد وردت في آيات عديدة وأحاديث كثيرة الإشارة إلى ذلك، فمن القرآن ننهل أصدق الأوصاف لفضله، وأوفاها لحقه، فمن ذلك قوله تعالى: ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢]، وهي أول جملة بعد الفاتحة يقرأها المسلم في القرآن، ولك أن تسيح في استكناه المراد بذلك.\nومن فضل القرآن في القرآن: أن عد إنزاله في شهر مزية كبرى لهذا الشهر، فما ظنكم بالمنزل نفسه، قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ [البقرة: ١٨٥].\nوعلق الرحمة عند تلاوة القرآن بالاستماع إليه: وَإِذَا قُرِئَ القُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: ٢٠٤].\nووصفه بالعظمة: وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ المَثَانِي وَالقُرْآَنَ العَظِيمَ [الحجر: ٨٧]، وبالهداية: إِنَّ هَذَا القُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩].\nوأقسم الله به: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وأمر بتلاوته: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ [النمل: ٩١ - ٩٢]. وبتدبره: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ [محمد: ٢٤]، وذم الذين لا يسجدون عند تلاوته: وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢١]، وشهد له بالسلامة من العوج: قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزُّمر: ٢٨]، الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا [الكهف: ١].\nبل إنه لكثرة فضائل القرآن تعددت أسماؤه وصفاته، وورد في القرآن كثير من ذلك، وسبق الحديث عن ذلك.\n_________\n(١) «الموافقات» الشاطبي (٣/ ٣٤٦).","vol":"3","page":342},{"text":"فهل رأيتم فضلًا أكبر من هذا، ومنزلة أعظم من هذه المنزلة، يتبوأ عليها القرآن مستحقًا.\nهذا بعض فضل القرآن عند منزله ﷾، أما فضائله التي جاءت على لسان مبلغه ﵊ فكثيرة، من أجمعها الحديث الذي رواه الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنها ستكون فتنة، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الجن: ١ - ٢]، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» (١)، وروى عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما أني لا أقول: ألم حرف، ....» (٢).\nومالنا والإطناب في فضل القرآن ليكفنا – وحسبنا ذلك قول الرسول ﵊: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٣).\nفكما فاض فضل القرآن فعم الشهر الذي أنزل فيه فصار أفضل الشهور، والليلة التي أنزل فيها فصارت أفضل الليالي، فقد عم فضله أيضًا على الناس فصار خيرهم من تعلمه وعلمه.\nهذا غيض من فيض عن فضل القرآن الكريم عامة في الكتاب والسنة، وهناك فضائل خاصة لبعض سوره وآياته. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– ص: ١٢٤\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٩٠٦) وقال: إسناده مجهول وفي الحارث مقال. وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٦/ ٤٣): لا ينبغي أن يعول عليه. وقال المزي في «تهذيب الكمال»: [فيه] أبو المختار الطائي قال علي بن المديني لا يعرف وقال أبو زرعة لا أعرفه.\n(٢) رواه الدارمي في «سننه» (٣٣١٥)، قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (١/ ٦٦): [فيه] إبراهيم الهجري [ضعفه غير واحد]. وقال ابن كثير في «فضائل القرآن» (٤٦): غريب من هذا الوجه وإنما هو من كلام ابن مسعود ولكن له شاهد من وجه آخر. وروي الترمذي حديثًا بلفظ (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ولا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصحح إسناده الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠١) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٥٠٢٧).","vol":"3","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-892>المبحث الأول: حفظ القرآن في عهد النبوة</span>\nأنزل الله تعالى كتابه ليكون الكتاب المهيمن، والرسالة الخاتمة، والشرعة الباقية، مما يتطلب رعايته عن عبث العابثين؛ وتحريف الغالين؛ وانتحال المبطلين؛ وقد اتفق له ذلك منذ اللحظة الأولى لنزوله، وحتى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تحقيقًا لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].\nوللحفظ في عهد النبوة وجوه عدة، منها:\n١ - الطريقة التي كان ينزل بها الوحي:\nوهي أن ينزل على هيئة تكون أدعى إلى حفظه، وضبطه: أخرج البخاري عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني، فأعي ما يقول» (١).\n٢ - مدارسة الملك النبي ﷺ القرآن:\nوكان ذلك في رمضان من كل عام: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة) (٢). وفي رواية لأبي هريرة ﵁ قال: (كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه ...) (٣).\n٣ - كتابة الوحي، ومقابلته:\nعن زيد بن ثابت ﵁ قال: «كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ، وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقًا شديدًا ... فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف، أو كسرة، فأكتب وهو يملي علي ... فإذا فرغت، قال: اقرأ، فأقرؤه، فإن كان فيه سقط أقامه، ثم أخرج به إلى الناس» (٤).\n٤ - قصر الكتابة على القرآن:\nوذلك في بادئ الأمر، لئلا يختلط القرآن بغيره، لحديث «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج ...» (٥). ثم كان الإذن بالكتابة، بعد أن زال سبب المنع.\n٥ - الحض على تعلم القرآن وتعليمه:\nفقد كان النبي ﷺ يحث أصحابه على تعلم القرآن وتعليمه، وحفظه، وتحفيظه، وكان يقدم أكثرهم أخذًا للقرآن في إمامة الصلوات، وقيادة السرايا: أخرج البخاري في صحيحه عن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٦). وأخرج الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «بعث رسول الله ﷺ بعثًا وهم ذو عدد، فاستقرأهم، فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن؛ فأتى على رجل منهم من أحدثهم سنًا، فقال: ما معك يا فلان؟ قال: معي كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم. قال: فاذهب أنت أميرهم ...» (٧).\n٦ - قوة الحافظة عند العرب:\nفالعرب كانوا أهل حافظة لا تكاد تخطئ، وذاكرة لا يكاد يعزب عنها شيء، وخاصة أن القرآن جاء في براعة من الأسلوب، ورفعة من البيان، ما يجعله أحرى لحفظه، والاهتمام به، حتى كثر آخذوه: صدرًا وسطرًا، قال الباقلاني ﵀: (... وتظاهر بينهم، حتى حفظه الرجال، وتنقلت به الرحال، وتعلمه الكبير والصغير؛ إذ كان عمدة دينهم، وعلمًا عليه، والمفروض تلاوته في صلواتهم، والواجب استعماله في أحكامهم) (٨). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن– ١/ ٦١\n_________\n(١) رواه البخاري (٢)، ومسلم (٢٣٣٣).\n(٢) رواه البخاري (٤٩٩٧)، ومسلم (٢٣٠٨).\n(٣) رواه البخاري (٤٩٩٨).\n(٤) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٤٨٨٩). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٥٧): [روي] بإسنادين ورجال أحدهما ثقات. وقال السيوطي في «تدريب الراوي» (٢/ ٢٤): رجاله موثقون.\n(٥) رواه مسلم (٣٠٠٤).\n(٦) رواه البخاري (٥٠٢٧).\n(٧) «سنن الترمذي» (٢٨٧٦)، قال الترمذي: هذا حديث حسن. وأشار المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٣٠٠): إلى أن [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما]. وأحمد شاكر في «عمدة التفسير» [أشار في المقدمة إلى صحته].\n(٨) «إعجاز القرآن» (ص: ١٦).","vol":"3","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-893>المبحث الثاني: حفظ القرآن في عهد الصحابة رضوان الله عليهم</span>\nأما حفظ القرآن في عهد الصحابة، فقد تجلى ذلك عبر حادثتين عظيمتين:\nالأولى منها: في عهد أبي بكر الصديق ﵁ وذلك لما كثر في حفظة كتاب الله تعالى، فخشي الصحابة ذهاب القرآن بذهاب حفظته؛ فأجمعوا أمرهم على جمعه في مكان واحد، وهو ما يسمى بالجمع الأول؛ أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: (أرسل إلي أبو بكر الصديق، مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى إن استحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك؛ وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به في جمع القرآن، قلت كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄ فتتبعت القرآن، أجمعه من العسب، واللخاف، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [التوبة: ١٢٨]، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر، حياته، ثم عند حفصة بنت عمر) (١).\nأما الحادثة الثانية: ففي عهد الخليفة الثالث، عثمان بن عفان ﵁ وذلك لما ظهر النزاع بين بعض المسلمين بسبب الاختلاف في الأحرف التي يقرأ بها القرآن، فأجمع الصحابة ومن معهم من المسلمين على جمع القرآن في مصحف واحد، وأحرقوا ما دونه من المصاحف، توحيدًا لقراءتهم، وجمعًا لكلمتهم: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: (إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القرآن، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى! فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم؛ ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) (٢).\nوهكذا حفظ كتاب الله تعالى على يد الشيخين الجليلين، أبي بكر وعثمان، وهو مما يعد في مناقبهما (٣). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان بن علي بن حسن-١/ ٦٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٦٧٩).\n(٢) رواه البخاري (٤٩٨٧).\n(٣) انظر: «البرهان في علوم القرآن» لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (١/ ٢٣٩، ٢٤٠). بتحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم – مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه الطبعة الثانية ١٣٩١هـ - ١٩٧٢م – مصر.","vol":"3","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-894>المبحث الثالث: سلامة القرآن من التحريف</span>\nإن القرآن الكريم، وهو ما بين الدفتين، مما في أيدي الناس اليوم، هو الذي أنزله الله تعالى على رسوله ﷺ، وهو على ما كان عليه؛ لا زيادة فيه ولا نقصًا، وقد ورد إلينا متواترًا، بنقل الكافة – التي لا تقع تحت حصر ولا عد – عن مثلها حفظًا وكتابة، ولم يختلف في عصر من العصور عما في غيره، بل هو كتاب واحد، بلفظ واحد، يجتمع أهل الأرض جميعًا على قراءته دون اختلاف بينهم: لا في سورة، أو آية، أو كلمة، أو حركة.\nوقد ضمن الله تعالى لكتابه السلامة من التحريف، كما في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] وهذا يقتضي حفظ عينه وهيئته التي نزل عليها، وقال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ [الأنعام: ١١٥] قال البيضاوي ﵀ في تفسيرها: (لا أحد يبدل شيئًا منها بما هو أصدق وأعدل، أولا أحد يقدر أن يحرفها شائعًا ذائعًا كما فعل بالتوراة ... فيكون ضمانًا لها من الله ﷾ بالحفظ) (١).\nومن وسائل هذا الحفظ: النقل المتواتر، نقل الكافة المتكاثرة عن مثلها إلى غيرها، حفظًا وكتابة، جيلًا بعد جيل. قال الباقلاني ﵀: (... ثم تناقله خلف عن سلف، هم مثلهم في كثرتهم، وتوافر دواعيهم على نقله، حتى انتهى إلينا على ما وصفنا من حاله) (٢).\nلكن الرافضة الشيعة، أثاروا بعض الشبهات حول تواتر القرآن وسلامته من التحريف، أذكر أشدها، مع الجواب على كل شبهة:\nالشبهة الأولى: زعموا أن التواتر لم يتوفر للقرآن في عهد النبي ﷺ بدليل حديث قتادة عند البخاري، قال (سألت أنس بن مالك ﵁: من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ؟ قال أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد) (٣). وفي رواية عن أنس قال: (مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة) (٤) وذكر ثلاثة من المتقدمين، وأبدل أبي بن كعب بأبي الدرداء.\nوالجواب على هذه الشبهة من وجوه:\nالأول: أن هذه الأحاديث ليس فيها ما هو مرفوع للنبي ﷺ، وقد وقع في تعيين الصحابة، وتعدادهم اضطراب، حتى أن بعضهم أوصلهم إلى ستة (٥)، فيصير العدد لا مفهوم له (٦).\nالثاني: أن يكون المراد بالأحاديث أنه لم يجمع القرآن من فيِّ رسول الله إلا هؤلاء الأربعة، أو أنه لم يجمعه على جميع الوجوه والأحرف التي نزل بها إلا أولئك، أو أنه لم يجمع ما نسخ منه وأزيل رسمه بعد تلاوته مع ما ثبت رسمه وبقي فرض حفظه وتلاوته، إلا تلك الجماعة (٧).\nالثالث: الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ كانوا أكثر من ذلك بكثير، ويدل عليه حديث بئر معونة، حيث قتل سبعون من القراء، (٨) وقتل مثلهم في صدر خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وذلك في موقعة اليمامة (٩).\n_________\n(١) «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» لأبي الخير عبد الله بن عمر البيضاوي (١/ ٣٢٨) – مطبعة مصطفى البابي الحلبي – الطبعة الثانية ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م. مصر (وبهامشه تفسير الجلالين – السيوطي والمحلى).\n(٢) «إعجاز القرآن» (ص: ١٧)، وانظر: «البرهان» للزركشي (١/ ٢٤١).\n(٣) رواه البخاري (٣٨١٠)، ومسلم (٢٤٦٥).\n(٤) رواه البخاري (٥٠٠٤).\n(٥) انظر: «البرهان في علوم القرآن» للزركشي (١/ ٤١).\n(٦) انظر: «فتح الباري» (٩/ ٥١).\n(٧) انظر: «البرهان» للزركشي (٢/ ٢٤٢) و«الانتصار» للباقلاني (ص: ٦٨ - ٧٠)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١/ ٥٧).\n(٨) رواه البخاري (٣٠٦٤)، ومسلم (٦٧٧).\n(٩) رواه البخاري (٤٩٨٦).","vol":"3","page":346},{"text":"الرابع: دواعي الحفظ لدى الصحابة، وتمام الاستعداد عندهم يحيل القول بقلة الحفظة منهم.\nالشبهة الثانية: زعم الرافضة أن بعض القرآن لم يتفق له التواتر، ومثلوا لذلك بقول زيد بن ثابت: (حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩] (١). وبقوله – أيضا -: (فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله يقرأ بها، فالتمسناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣] فألحقناها في سورتها في المصحف) (٢).\nوالجواب عن هذه الشبهة يكون في مقامين:\nالمقام الأول: الجواب على ما ادعوه في آية براءة: وهو من وجوه:\nالأول: أن زيد بن ثابت ﵁ كان يعرف هذه الآية قبل هذه الحادثة، بدليل رواية أخرى يقول فيها: (فقدت آية كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... الآية فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت (٣)؛ فأثبتناها في سورتها) (٤).\nالثاني: قد شهد كل من عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وأبي بن كعب أنهم سمعوها من رسول الله ﷺ (٥) قال الخطابي: (فقد اجتمع في هذه الآية: زيد، وأبو خزيمة، وعمر) (٦).\nالثالث: أما قول زيد في رواية البخاري: (لم أجدها مع أحد غيره) فقد قال الحافظ ابن حجر: (أي مكتوبة، كما تقدم من أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ، أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها من النبي ﷺ، وإنما كان زيد يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة ...) (٧).\nالمقام الثاني: الجواب على ما ادعوه في آية الأحزاب: وهو من وجوه:\nالأول: هذه الآية شهد بسماعها من الرسول ﷺ خزيمة الأنصاري، وشهادته تعدل شهادة رجلين بنص حديث رسول الله ﷺ (٨).\nالثاني: قول زيد: (فقدت آية، كنت أسمعها من رسول الله ﷺ، يدل على معرفته إياها، وأنه سمعها وإنما كان يطلب التثبت).\nالثالث: هذه الحادثة وقعت في عهد عثمان أثناء نسخ المصحف ولا يتصور أن تكون هذه الآية مفقودة من عهد نزول القرآن، مرورًا بالجمع الأول في عهد أبي بكر، ولا تعرف إلا في عهد عثمان ﵁، مع حفظ الله تعالى لكتابه ودينه.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٨٦).\n(٢) رواه البخاري (٤٠٤٩).\n(٣) وقع اضطراب في هذا الاسم في بعض الروايات، فبعضهم ذكره: أبا خزيمة، وآخرون ذكروه: خزيمة، والصحيح أن صاحب آية التوبة أبو خزيمة، وصاحب آية الأحزاب خزيمة. انظر: «فتح الباري» (٩/ ١٥).\n(٤) كتاب «المصاحف» لأبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ص: ٧)، صححه: د/ آثر جفري – المطبعة الرحمانية – الطبعة الأولى ١٩٣٦م-١٣٥٥هـ - مصر – وانظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١/ ٥٦).\n(٥) انظر: «كتاب المصاحف» أبو بكر عبد الله بن أبي داود (ص: ٣٠ - ٣١).\n(٦) انظر: «فتح الباري» (٩/ ١٥).\n(٧) «فتح الباري» (٩/ ١٥).\n(٨) رواه البخاري (٤٧٨٤).","vol":"3","page":347},{"text":"الشبهة الثالثة: زعم الرافضة أن القرآن تعرض لتحريف شديد من قبل الصحابة أثناء عملية الجمع، وأن عثمان ﵁ قد أسقط منه خمسمائة حرف (١) حتى قام أحد مشاهير الشيعة، وهو الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي بتأليف كتاب في ذلك، سماه: (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب)، جمع فيه مئات النصوص عن علماء الشيعة ومجتهديهم في مختلف العصور، بأن القرآن الكريم قد زيد فيه ونقص منه (٢) وذكر هاشم البحراني – وهو أحد علماء الشيعة – في كتابه: (البرهان). نصوصًا كثيرة يستدل بها على أن القرآن لم يجمعه إلا الأئمة، أي أئمة الشيعة الاثنا عشر (٣)، وقد روى أحاديث في تحريف القرآن، منها: (لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين) (٤) ومنها: (لولا أن زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي الحجى) (٥).\nوالجواب على هذه الشبهة، من وجوه:\nالأول: أن هذا الزعم مخالف لإجماع الصحابة والمسلمين في كل عصر، والعادة تمنع تواطؤ هذه الجموع المتكاثرة، على الكذب والافتراء.\nالثاني: أن علي بن أبي طالب داخل في هذا الإجماع، ولو قدر أنه سكت عن إظهار الحق تقية، فلا يجوز له ذلك بعد أن أفضت إليه الخلافة، وصار الأمر بيده (٦).\nالثالث: هذا الزعم مخالف لحفظ الله تعالى للقرآن: نصًا وعقلًا وحسًا، أما النص فقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]. وأما العقل: فإن الله تعالى قدر أن تكون رسالة محمد ﷺ هي الخاتمة، فمحال أن تتعرض للتحريف والتبديل؛ لأنه خلاف الحكمة والتقدير.\nأما الحس: فهو يشهد بأن الذي في أيدي عامة المسلمين اليوم، هو القرآن الكريم، فكيف يكون القرآن الحق عند قلة من الناس، والمحرف عند الأكثرية منهم! وهو مع ذلك الكتاب المهيمن، والناسخ لجميع الشرائع المتقدمة (٧). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن– ١/ ٦٥\n_________\n(١) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١/ ٨١)، و«مقدمتان في علوم القرآن» «مقدمة كتاب المباني» لمجهول و«مقدمة ابن عطية» (ص: ٧٨) وما بعدها تصحيح: د/ آثر جفري – مكتبة الخانجي – الطبعة الثانية ١٣٩٢هـ - ١٩٧٢م القاهرة. انظر: «شرح المولى محمد صالح المازندراني على الكافي» للكليني (١١/ ٧٦) مع تعليق الحاج الميرزا أبو الحسن الشعراني، من منشورات المكتبة الإسلامية ١٣٨٨هـ طهران (بدون رقم الطبعة).\n(٢) انظر: «الخطوط العريضة» للسيد محب الدين الخطيب (ص: ١٠، ١١) – دار طيبة الرياض – مطابع الشرق الأوسط – الطبعة التاسعة (بدون تاريخ الطبعة)، وراجع كتاب: «الشيعة والقرآن» لإحسان إلهي ظهير (ص: ١١١) وما بعدها، فقد عقد بابًا لدراسة كتاب الطبرسي – المذكور أعلاه – ونقل عنه جملًا كثيرة، وصور منه صفحات ... «الشيعة والقرآن» توزيع رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد نشر: إدارة ترجمان السنة – الطبعة الخامسة ١٤٠٤هـ - ١٩٨٣م – لاهور باكستان.\n(٣) انظر: «البرهان في تفسير القرآن» لهاشم بن السيد سليمان بن سيد عبد الجواد البحراني (من علماء الشيعة) (١/ ١٥ - ١٧) الطبعة الثانية – طهران (بدون تاريخ الطبعة).\n(٤) «البرهان في تفسير القرآن» (١/ ٢٢) – باب فيما عني به الأئمة (ع) في القرآن.\n(٥) «البرهان في تفسير القرآن» (١/ ٢٢).\n(٦) انظر: «مقدمات في علوم القرآن» (ص: ٧٨).\n(٧) يذكر الأستاذ: موريس بو كاي – أنه يوجد في المكتبات الأوربية – مثل المكتبة الوطنية بباريس، قطع مخطوطة من القرآن يرجع تاريخها – حسب تقدير الخبراء – إلى القرنين: الثاني والثالث من الهجرة. انظر: «دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة» (ص: ١٥٦).","vol":"3","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-895>الفصل الثالث: منزلة القرآن من الكتب المتقدمة</span>\nالقرآن آخر الكتب السماوية وهو خاتمها، وهو أطولها، وأشملها، وهو الحاكم عليها.\nقال الله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨].\nوقال تعالى: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: ٣٧].\nوقال: مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: ١١١].\nقال أهل التفسير في قوله تعالى وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ: مهيمنًا وشاهدًا على ما قبله من الكتب، ومصدقًا لها؛ يعني يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف، وتبديل، وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير.\nولهذا يخضع له كل متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبيه كما قال ﵎: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص:٥٢ - ٥٣].\nفالقرآن هو رسالة الله لجميع الخلق، وقد تكفل سبحانه إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].\nولا يقبل الله من أحد دينًا إلا ما جاء في هذا القرآن العظيم.\nقال الشيخ ابن سعدي ﵀ في قوله تعالى: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ: أي مشتملًا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة وزيادة في المطالب الإلهية، والأخلاق النفسية؛ فهو الكتاب الذي يتبع كل حق جاءت به الكتب، فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه.\nوهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود قد دخله التحريف والتبديل، وإلا لو كان من عند الله لم يخالفه. رسائل في العقيدة لمحمد إبراهيم الحمد – بتصرف – ص: ٢٩٣\nالقرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب\nأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب؛ يقال – إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده – قد هيمن فلان عليه.\nوتقول: هيمن فلان على فلان، إذا صار قريبًا عليه؛ فهو مهيمن (١).\nويسمى الحاكم على الناس والقائم بأمورهم: المهيمن (٢).\nولفظ مهيمن كان أصله (مؤيمن) بالهمزة، ثم قلبت الهمزة هاء لقرب مخرجها، كما تقلب في أرقت الماء؛ فيقال: هرقت الماء. ويقال: ماء مهراق، والأصل: ماء مراق (٣).\nوأهل السنة والجماعة يؤمنون أن القرآن الكريم هو المهيمن على كل الكتب قبله؛ بمعنى: أنه أمين عليها، حافظ لها، وشاهد على أنها حق من عند الله تعالى، يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما فيها من التحريف والتبديل، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل، فصارت له الهيمنة عليها من كل وجه.\nنص الإجماع الذي حكاه شيخ الإسلام: قال شيخ الإسلام ﵀: (السلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب) (٤).\nفهو الأمين والشاهد على ما بين يديه من الكتب، وهو أيضًا الحاكم على كل كتاب قبله بإجماع المسلمين.\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» م٤ (٦/ ٣٤٤)، و«فتح الباري» (٩/ ١٤٩).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٣).\n(٣) انظر: «تفسير غريب القرآن» لابن قتبة (ص: ١٢).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٣).","vol":"3","page":349},{"text":"قال ﵀: (... إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لمسلم أن يحكم بين أحد إلا بما أنزل الله في القرآن، وإذا تحاكم اليهود والنصارى إلى المسلمين لم يجز لهم أن يحكموا بينهم إلا بما أنزل الله في القرآن) (١).\nوقد بين ﵀ السبب في احتلال القرآن هذه المنزلة العالية، والمرتبة الرفيعة بقوله: (فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم، ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها، وبين ما حرف منها وبدل، وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين أيضًا ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة: فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حرف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقره الله، ونسخ ما نسخه، فهو شاهد في الخبريات، حاكم في الأمريات) (٢).\nذكر من نقل الإجماع أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: تواترت النصوص عن سلف هذه الأمة وخلفها على أن القرآن الكريم هو المؤتمن والشاهد والحاكم على ما بين يديه من الكتب.\nفقد روى الطبري ﵀ بسنده عن ابن عباس ﵁ أنه قال في تفسير قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤]. قال: (المهيمن: الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله) (٣).\nوروي عنه أيضًا أنه قال: (وَمُهَيْمِنًا أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب) (٤).\nوقال قتادة ﵀: وَمُهَيْمِنًا أي: (أمينًا وشاهدًا على الكتب التي خلت قبله) (٥).\nوعن سعيد بن جبير ﵀ أنه قال: (القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب) (٦).\nوروى الطبري عن ابن زيد في قوله: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ قال: (مصدقًا عليه، كل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زبور فالقرآن مصدق على ذلك، وكل شيء ذكر الله في القرآن فهو مصدق عليها وعلى ما حدث عنها أنه حق) (٧).\nوجميع هذه الأقوال كما قال ابن كثير ﵀: (كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله) (٨).\nوإنما احتل القرآن الكريم هذه المنزلة لكونه يستحيل أن يتطرق إليه التبديل والتحريف، ولا يمكن نسخه بعد وفاة النبي ﷺ، وقد ختم الله به الكتب.\nقال الفخر الرازي ﵀: (إنما كان القرآن مهيمنًا على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخًا البتة، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف على ما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].\nوإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق؛ صدق باقية أبدًا) (٩).\n_________\n(١) «منهاج السنة النبوية» (٥/ ٥٠٨)، وانظر كذلك (٥/ ٥٠٩).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٤).\n(٣) «تفسير الطبري» م٤ (٦/ ٣٤٥).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٩٢).\n(٥) «تفسير الطبري» م٤ (٦/ ٣٤٥).\n(٦) «تفسير الطبري» م٤ (٦/ ٣٤٦)، و«تفسير القرطبي» (٦/ ١٩٨).\n(٧) «تفسير الطبري» م٤ (٦/ ٣٤٦).\n(٨) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٩٢) وانظر كذلك: قول ابن قتيبة في «تفسير غريب القرآن» (ص: ١١).\n(٩) «التفسير الكبير» (١٢/ ١١).","vol":"3","page":350},{"text":"مستند الإجماع في المسألة: لقد نص المولى ﷻ في كتابه العزيز على أن هذا القرآن هو الأمين على ما سبقه من الكتب، وهو الشاهد والحاكم عليها فقال ﵎ في محكم التنزيل: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: ٤٨].\nقال ابن كثير ﵀: (جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدًا، وأمينًا، وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى حفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]) (١).\nفهو محفوظ بحفظ الله ﷿ إلى قيام الساعة، شاهد على هذه الكتب، مبين ما حرف منها، وحاكم بما أقره الله وأمر به من أحكامها، وناسخ ما نسخه الله منها، وهو أمين عليها في ذلك كله. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٧٤٨\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٩٢).","vol":"3","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-896>الفصل الرابع: خصائص القرآن الكريم</span>\n• المبحث الأول: الأخبار الغيبية.\n• المبحث الثاني: إعجازه.\n• المبحث الثالث: تعدد أسمائه وصفاته.\n• المبحث الرابع: شفاعته لأهله.\n• المبحث الخامس: أنه لا ينسب إلا إلى الله تعالى.\n• المبحث السادس: التعبد بتلاوته.\n• المبحث السابع: الثواب لقارئه ولمستمعه.\n• المبحث الثامن: أن الله ﷾ تعهد بحفظه.\n• المبحث التاسع: أنه آخر الكتب المنزلة.\n• المبحث العاشر: هيمنته على الكتب السابقة.","vol":"3","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-897>المبحث الأول: الأخبار الغيبية</span>\nحوى القرآن الكريم جملة من أخبار الغيب، تجعل الإعجاز في القرآن إعجازًا مركبًا، إن كان خصومه عجزوا عن الإتيان بمثله مفردًا، فهم عن الإتيان بمثله مركبًا أعجز، فلا يفكر أحدهم أو يخطر بباله محاولة الإتيان بمثله، وإن حاول منهم سفيه ذلك زاد سفاهته سفاهة، وحمقه حمقًا.\nوعلم الغيب ليس لأحد من البشر، ولا يدركون منه شيئًا إلا على سبيل التخمين لا على سبيل القطع والجزم.\nأما أن يأتي كتاب يحمل أخبارًا غيبية، ويقطع بوقوعها ثم تقع كما أخبر فهذا من خصائص القرآن الكريم.\nوالغيب إما أن يتعلق بماض، أو بحاضر، أو بمستقبل، وهي أخبار كثيرة جدًا نذكر أمثلة لكل نوع للإثبات لا للاستقصاء.\nفمن الأخبار الغيبية الماضية:\nالإخبار عن خلق السماوات والأرض، وآدم وقصة إبليس لعنه الله .. ثم بعد ذلك قصص الأنبياء السابقين، والأمم الماضية ووجه الغيب فيها أن الرسول ﷺ كان أميًا لا يعرف القراءة، فلم يعهد عنه أنه قرأ في كتب أهل الكتاب، أو تلقى الدرس عن أحد منهم، أو خالطهم، أو مازجهم، ولم يكن أحد من قومه يعلم شيئًا منها.\nونصوص القرآن تشهد على ذلك، فقد خاطب الله نبيه محمدًا ﷺ في سياق قصة نوح ﵇، فقال سبحانه: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود: ٤٩]، وفي قصة موسى ﵇: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ... وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ [هود: ٤٤ - ٤٦].\nوفي قصة مريم ﵍: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤].\nأخبار غيب الحاضر:\nآيات كثيرة كشفت أحداثًا وقضايا في حينها لم يحضرها الرسول ﷺ، ولم يخبره بها أحد من أصحابه.\nوفي سورة التوبة من هذا النوع كثير، فقد وردت آيات تكشف حال المنافقين وما يخفونه بينهم أو في صدورهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ [البقرة: ٢٠٤]، يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا [التوبة: ٧٤].\nولاشتهار هذا بين المنافقين والكفار فإنهم يتنادون فيما بينهم أن اخفضوا أصواتكم حتى لا يسمعكم إله محمد، ووصف الله المنافقين بقوله: يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ [التوبة: ٦٤]. يقولون ذلك لما شاهدوا من أخبار الغيب التي يجيء بها القرآن الكريم.\nأخبار الغيب في المستقبل:\nوهذا النوع آياته كثيرة منها ما تحقق وانقطع، ومنها ما تحقق أيضًا وما زال في كل يوم يتحقق.\nفمن النوع الأول قوله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: ١ - ٤]، الآية والقصة في ذلك مشهورة وتفصيلها في كتب التفسير.\nومنه أيضًا وعد الله سبحانه للرسول وأصحابه بدخول مكة: لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ [الفتح: ٢٧]، ثم وقع هذا الحادث كما أخبر الله تعالى.","vol":"3","page":353},{"text":"ومن ذلك قوله تعالى مخاطبًا نبيه محمد ﷺ: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧]، فلم يستطع أحد أن يصل إلى الرسول ﷺ بقتل مع كثرة المتربصين له، بل وكثرة المحاولات لذلك، فتبوء كلها بالفشل أمام: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.\nوالشواهد على ذلك كثيرة أوردها المؤرخون والرواة، وسردوا منها ما يثبت أن هذا التحدي لم يكن في مجتمع يخلص الود والحب، بل كان يكمن فيه أعداء متربصون، ماكرون، يكيدون من اليهود والمشركين.\nومن النوع الثاني الذي تحقق ومازال يتحقق الإخبار بعد أن وقع التحدي بالقرآن أنهم لن يأتوا بمثل هذا القرآن وأنهم لن يفعلوا فقال سبحانه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].\nوقال سبحانه: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٣ - ٢٤]، إنه ليس تحديًا فحسب، بل تحد مع إخبار مسبق بأنهم لن يفعلوا!! ومازال التحدي جاريًا وما زال الخبر الغيبي متحققًا.\nومنه ما جاء في بيان أن الله قد كتب للإسلام البقاء والخلود وحفظ القرآن: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ [الرعد: ١٧]، وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].\nويظهر ذلك ويستبين إذا علمت أن هذه الآيات نزلت في مكة في وقت كان المشركون متكالبين على الرسول ﷺ وأصحابه، وكان المسلمون في اضطهاد وتعذيب، ومع هذا جاءت هذه البشرى ترسل أشعتها، ولو كانت تحمل خبرًا بظهورهم على قومهم فحسب لكان فيها إعجاز وأي إعجاز، فكيف وهي تحمل خبر (مكث الإسلام في الأرض)، و(إيتاء أكله في كل حين)، و(حفظ الله له)، والله ما هذا بقول بشر، ولا يقوله بشر لا يعلم مصيره، ولا يضمن لنفسه حياته، فكيف يضمن بقاء هذا الدين في حياته وبعد وفاته أبد الآبدين وما بقيت على الأرض حياة. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي- ص: ٨٧","vol":"3","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>المبحث الثاني: إعجازه</span>\nالقرآن هو الحجة التي أظهرها الله ﷾ على يد نبيه محمد ﷺ وتحدى الناس أن يأتوا بمثله، وتحداهم أخرى أن يأتوا بعشر سور مثله، وتحداهم ثالثة أن يأتوا بسورة مثله، وتحداهم رابعة أن يأتوا بحديث مثله، وما استطاعوا ولن يستطيعوا.\nولن نذهب يمنة ويسرة لتأصيل الإعجاز، أو لإطالة الحديث عنه هنا، فليس هذا بمقام ذاك، ولا هو بمستوعب له، فالإعجاز أجلى من أن يطال في بيانه، وأوعب من أن تستقصى أطرافه.\nنزل القرآن على أمة أمية في العقيدة، وأمية في الفكر، وأمية في الصناعة، وفي الزراعة، وأمية في العلاقات الاجتماعية والسياسية، وأمية في كل شؤون الحياة، إلا الكلمة وتذوقها، فهم أربابها وأصحابها، يمتطونها ويحكمون صنعتها، يطربون لجميلها، ويمجون قبيحها، ملكوها بقدر ما ملكتهم، يسيرونها وتسيرهم، ترفع فيهم وتضع.\nبعث فيهم محمد ﷺ فلم تكن معجزته في شيء لا يتقنونه، أو فن لا يحذقونه، بل تحداهم فيما يدركون، وفيما هم فيه بارزون.\nجاءت المعجزة قرآنًا يقرأونه بألسنتهم، ويسمعونه بآذانهم، ويزنونه بموازين كلامهم، فإذا به أبلغ من بليغ الكلام، وأفصح من فصيحه، لا يرتقي إليه بيان، ولا يدركه لسان، فملك البلاغة بألوانها، وجاز الفصاحة بأركانها. وجاءهم بما لا قبل لهم برده، ولا قدرة لهم في دفعه، لا يملكون من أنفسهم معه إرادة، وليست لهم معه مشيئة، إلا أن يضع المعاند أصابعه في أذنيه، ويستغشي ثيابه ويلغو فيه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآَنِ وَالغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصِّلت: ٢٦]، أما من لم يفعل فقد حيل بينه وبين خلافه، فلا يملك إلا أن ينعقد قلبه عليه وهو يجهد في نقضه، ويستقيم لدعوته، وهو يبالغ في رفضه، فلا مفر منه إلا إليه، فقد أخذ بمجامع القلوب، واستولى على جهات النفوس، فما أعجب شأنه، وأعظم أمره.\nويزيدك عجبًا لا ينفد أن هذا الكلام لم يأخذ من اللغة صنعتها، ومن الأسلوب جماله، ومن الفصاحة رونقها، ومن البلاغة سموها فحسب، بل أخذ مع هذا كله من المعاني أسماها، ومن المقاصد أعلاها.\nجاء بالدين بأصوله، وحججه، وبراهينه، وشريعته، وآدابه، وسائر مقومات الأمة على أكمل وجه، وأحسنه، فهو والله إعجاز في إعجاز. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– ص: ٩٥","vol":"3","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-899>المبحث الثالث: تعدد أسمائه وصفاته</span>\nوردت للقرآن الكريم أسماء وصفات كثيرة في كثير من الآيات، وفي بعض من الأحاديث النبوية.\nولكثرة هذه الأسماء والصفات، فقد أفردها بعض العلماء بمؤلفات مستقلة، فضلًا عن إيرادها أو إيراد جملة منها في بطون مؤلفاتهم.\nوممن ألف فيه علي بن أحمد بن الحسن التجيبي الحرالي، المتوفي سنة (٦٤٧)، وابن قيم الجوزية المتوفي سنة (٧٥١)، ألف كتاب (شرح أسماء الكتاب العزيز) (١)، ومن المعاصرين، ألف الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي، كتابًا عنوانه: (الهدى والبيان في أسماء القرآن).\nوقد وقع الاختلاف بين العلماء في عدد أسماء القرآن الكريم، فهذا الزركشي يذكر أن (الحرالي) أنهى أساميه إلى نيف وتسعين، لكن الزركشي نفسه لا يورد إلا خمسة وخمسين اسمًا نقلها عن أبي المعالي عزيزي بن عبد الملك المعروف بشيدل (٢)، وقد أوردها أيضًا السيوطي (٣).\nأما الفيروز آبادي فقد قال: (ذكر الله تعالى للقرآن مائة اسم نسوقها على نسق واحد) (٤)، لكنه لم يذكر إلا تسعة وثمانين اسمًا وزادها أربعة أسماء. فتكون جملة الأسماء التي أوردها الفيروز آبادي ثلاثة وتسعين اسمًا من القرآن للقرآن.\nأما الشيخ صالح البليهي فلم يذكر إلا ستة وأربعين اسمًا من أسماء القرآن الكريم، لاعتقاده أن بعض هذا العدد –إن لم يكن أكثره- أوصاف للقرآن وليست بأسماء (٥)، ومع هذا فإنه لا يستبعد أن يكون بعض ما ذكره هو من أوصاف القرآن وليست من أسمائه (٦).\nومن أسمائه التي استمدها العلماء من القرآن نفسه: التنزيل، الآيات، الكتاب، القرآن، الحق، التذكرة، الهدى، الوحي، الصراط المستقيم، التبيان، الصدق، المفصل، الحديث، الرحمة، النور، النذير، كلام الله، القول الثقيل، القول الفصل، العربي، الحكيم، الحكمة البالغة، العلم، القصص، البشير، الموعظة، المبارك البصائر، الشفاء، النبأ العظيم، الفرقان، المجيد، الروح، البلاغ، حبل الله، البرهان، أحسن الحديث المثاني، السراج، المبين، وغير ذلك من الأسماء والصفات.\nوقد بين العلماء حكمة تعدد الأسماء فقال الفيروز آبادي: (أعلم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى أو كماله في أمر من الأمور، أما ترى أن كثرة أسماء الأسد دلت على كمال قوته، وكثرة أسماء القيامة دلت على كمال شدته وصعوبته، وكثرة أسماء الداهية دلت على شدة نكايتها، وكذلك كثرة أسماء الله تعالى دلت على كمال جلال عظمته، وكثرة أسماء النبي ﷺ دلت على علو رتبته وسمو درجته، وكذلك كثرة أسماء القرآن دلت على شرفه وفضيلته) (٧).\nوبين أسماء القرآن الكثيرة اشتراك وامتياز، فهي تشترك في دلالتها على ذات واحدة هي القرآن الكريم نفسه، ويمتاز كل واحد منها عن الآخر بدلالته على معنى خاص، فكل اسم للقرآن يدل على حصول معناه فيه، فتسميته مثلًا بالهدى يدل على أن الهداية فيه، وتسميته بالتذكرة يدل على أن فيه ذكرى، وهكذا كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى عن لفظ السيف والصارم والمهند ... فإنها تشترك في دلالتها على الذات فهي من هذا الوجه كالمتواطئة، ويمتاز كل منها بدلالته على معنى خاص، فتشبه المتباينة وأسماء الله وأسماء رسوله وكتابه من هذا الباب) (٨).\n_________\n(١) «ذيل طبقات الحنابلة» ابن رجب، (٢/ ٤٤٩).\n(٢) «البرهان» الزركشي (١/ ٢٧٣).\n(٣) «الإتقان» السيوطي (١/ ٥٠ - ٥١).\n(٤) «بصائر ذوي التمييز» الفيروزآبادي (١/ ٨٨).\n(٥) «الهدى والبيان في أسماء القرآن» صالح البليهي (ص: ٤٤).\n(٦) «الهدى والبيان» صالح البليهي (ص: ٤٣).\n(٧) «بصائر ذوي التمييز» الفيروزآبادي (١/ ٨٨).\n(٨) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٠/ ٤٩٤).","vol":"3","page":356},{"text":"وهناك إشارة دقيقة استمدها بعض العلماء من تسميته بالقرآن، والكتاب، فقال: (روعي في تسميته قرآنًا كونه متلوا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه.\nوفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجتمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحافظ بالإسناد الصحيح المتواتر.\nوبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية، إقتداء بنبيها بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز (١).\nوينبغي أن أنبه إلى أمرين هنا ..\nالأول: أن ما ذكرته من أسماء القرآن مأخوذ من القرآن نفسه، وقد ورد في السنة أسماء أخرى للقرآن الكريم.\nالثاني: أن أسماء القرآن وصفاته توقيفية، لا نسميه ولا نصفه إلا بما جاء في الكتاب، أو في السنة النبوية الشريفة، فإن قلت: أرأيت تسميته بالمصحف، هل وردت في الكتاب أو السنة، قلت: أن المصحف ليس اسمًا للقرآن ذاته، وإنما اسم للصحف التي كتب عليها القرآن، ولم يطلق عليه (المصحف) إلا بعد جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁ في صحف ضم بعضها إلى بعض فسميت مصحفًا. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– ص: ١٢١\n_________\n(١) «النبأ العظيم» د. محمد عبد الله دراز (ص: ١٢ - ١٣).","vol":"3","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-900>المبحث الرابع: شفاعته لأهله</span>\nخص الله ﷾ كتابه المبين القرآن الكريم من بين سائر الكتب بأن يشفع لأهله يوم القيامة، وقد ثبت هذا للقرآن الكريم كله ولسور منه بعينها، ووردت في السنة أحاديث تبين هذه الشفاعة.\nومن ذلك حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة» (١).\nوروى عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان» (٢).\nوعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ: قال: «يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن: يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق، وتزاد بكل آية حسنة» (٣).\nوعن الشعبي أن ابن مسعود ﵁ كان يقول: (يجيء القرآن يوم القيامة فيشفع لصاحبه، فيكون له قائدًا إلى الجنة، ويشهد عليه ويكون سائقًا به إلى النار) (٤).\nوغير ذلك من الأحاديث التي تثبت شفاعة القرآن لأهله يوم القيامة، فهنيئًا لأصحاب القرآن صحبته. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي– ص: ١١٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٨٠٤).\n(٢) رواه أحمد في «المسند» (٢/ ١٧٤) (٦٦٢٦). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ١٠٧): رجاله محتج بهم في الصحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٠/ ١١٨): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (١٤٢٩)\n(٣) رواه الترمذي (٢٩١٥)، وقال: حسن صحيح. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠١) كما أشار لذلك في مقدمته. وذكر المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٢٩٩) إلى أن [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما].\n(٤) رواه الدارمي في «سننه» (٣٣٢٥). قال الوادعي في «الشفاعة» (٢٤٥): فيه انقطاع.","vol":"3","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>المبحث الخامس: أنه لا ينسب إلا إلى الله تعالى</span>\nالأصل في الأقوال أن تنسب إلى قائليها، تلك قضية مسلمة لا شك فيها. وما جاء به رسول الله ﷺ فليس من عند نفسه، بل هو من عند ربه: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤].\nلكن ما بلغه ﵊ لأمته، إما أن يؤمر بتبليغه بلفظه على أنه قرآن لا يزيد فيه حرفًا، ولا ينقص منه حرفًا، وإما أن يوحى إليه معناه، ويوكل إليه التعبير عنه.\nفما كان من الأول فليس للرسول ﷺ منه إلا التبليغ، ولا يمنحه هذا حق نسبته إليه، فلا ينسب إلا لله ﷾.\nأما النوع الثاني فإن للرسول ﷺ فوق تبليغه صياغة ألفاظه، وحينئذ فيجوز أن ينسب إلى الله نسبة إنشاء، ويجوز أن ينسب إلى الرسول ﷺ نسبة تبليغ وعبارة، هذا فيما يضيفه الرسول ﷺ إلى ربه أو ما يسمى بالأحاديث القدسية.\nوعلى هذا فإن القرآن الكريم هو الذي لا تجوز نسبته لغير الله، لأن لفظه ومعناه من عند الله.\nقال ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى عن الأحاديث القدسية: (وهي ما نقل إلينا آحادًا عنه ﷺ مع إسناده لها عن ربه، فهي من كلامه تعالى، فتضاف إليه وهو الأغلب، ونسبتها إليه حينئذ نسبة إنشاء لأنه المتكلم بها أولًا، وقد تضاف إلى النبي ﷺ لأنه المخبر بها عن الله تعالى، بخلاف القرآن فإنه لا يضاف إلا إليه تعالى فيقال فيه: (قال الله تعالى)، وفيها قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى) (١).\nولعل الحكمة في جواز نسبة الأحاديث القدسية إلى الله تعالى وإلى نبيه محمد ﷺ أنها ليست كالقرآن، ألفاظها ومعانيها من الله، فلا تصح الصلاة بتلاوتها، وينال قارئها ما ينال تالي القرآن من الثواب على كل حرف، ويجوز أن يمسها المحدث، وتجوز روايتها بالمعنى، وتختلف الروايات فيها، بخلاف القرآن وما إلى ذلك، ولو كان لفظها من الله، لكان لها ما كان للقرآن الكريم. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– ص: ١٣٢\n_________\n(١) «فتح المبين لشرح الأربعين» أحمد بن حجر الهيثمي (ص: ٢٠١).","vol":"3","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-902>المبحث السادس: التعبد بتلاوته</span>\nوهي من خصائص القرآن التي لا تكون لسواه، وقد تلتبس هذه الخاصية للقرآن بالخاصية التالية وهي الثواب لقارئه ولمستمعه، والحق أنها غير تلك، فالتعبد بتلاوة القرآن أخص من ثواب القراءة، ذلكم أنا نقصد بالتعبد بتلاوته، أن من العبادات الشرعية ما لا يتم إلا بتلاوة القرآن وهي الصلاة عمود هذا الدين، أما الثواب على التلاوة فيحصل سواء كان في صلاة أو في خارجها، وهذا فرق أحسبه بينًا.\nوقد وردت النصوص القرآنية التي تقرن تلاوة القرآن الكريم بالصلاة عمود هذا الدين، قال تعالى مخاطبًا نبيه ﵊: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ١ - ٤].\nوقال سبحانه: أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا [الإسراء: ٧٨ - ٧٩]، وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ [فاطر: ١٩ - ٢٠].\nوقال المفسرون: (إن (قرآن الفجر) هو صلاة الصبح) (١).\nفتأمل أخي المسلم كيف عبر عن الصلاة بالقرآن، وما ذاك إلا لأن الصلاة لا تصح إلا به، كما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». (٢).\nوهذا البخاري وغيره يعقد بابًا في (وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت)، بل عد العلماء الفاتحة ركنا من أركان الصلاة لا تصح إلا بها، ...\nوغير ذلك من العبادات التي يشترط أو يسن فيها تلاوة شيء من القرآن، والتي لا يقوم فيها مقامه شيء من الكلام سواه، مما يدل على اختصاص القرآن بأنه متعبد بتلاوته فيها، فضلًا عن الثواب لقارئه.\nفتأملوا أيها الأحبة فضل القرآن العظيم، ومكانته السامية بين العبادات حتى مازجها وكأنه روحها الذي به تصح، وعمادها الذي به تقوم. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– بتصرف - ص: ١٣٣\n_________\n(١) انظر: «تفسير جامع البيان» الطبري (١٥/ ٩٤).\n(٢) رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤)، من حديث عبادة بن الصامت ﵁.","vol":"3","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-903>المبحث السابع: الثواب لقارئه ولمستمعه</span>\nالواجبات والسنن وعد الله عليها بالثواب، حتى المباحات إذا اقترنت بالنية الصالحة يثاب فاعلها.\nوطلب العلم إذا أريد به وجه الله نال صاحبه الأجر العظيم، والثواب الجزيل. لكن تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه، واستماعه وتدبره، وما إلى ذلك يثاب صاحبها فوق ذلك ثوابًا خاصًا لا يكون لشيء غيرها.\nوأنواع الثواب التي وردت لأولئك التالين للقرآن، أو معلميه، أو متعلميه، أو مستمعيه، متنوعة متعددة.\nمنها ما يكون حسنات ترجح بميزان صاحبها يوم القيامة، ومنها ما يكون نورًا وضياء، ومنها ما يكون حفظًا لنفسه، ولأهله، ولماله في الدنيا، ومنها ما يكون شفيعًا لصاحبه يوم القيامة، ومنها ما يكون سببًا لحماية صاحبها من عذاب النار، وغير ذلك من أنواع الثواب على تلاوة القرآن.\nومنها ما يكون ثوابًا لتلاوة القرآن كله، ومنها ما يكون ثوابًا على تلاوة سورة منه مخصوصة، ومنها ما يكون ثوابًا على آيات منه معينة، ومنها ما يكون خاصًا بالمداومين على القرآن وأهله، وخاصته، وحملته.\nالاجتماع لتلاوته:\nومن أجمع الأحاديث التي وردت في بيان ثواب من اجتمع لتلاوة القرآن الكريم وتدارسه، حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». (١).\nفجمع هذا الحديث أربعة أنواع من ثواب تلاوة القرآن ومدارسته:\n١ - تنزل عليهم السكينة.\n٢ - تغشاهم الرحمة.\n٣ - تحفهم الملائكة.\n٤ - يذكرهم الله فيمن عنده.\nفمن منا لا يحرص على واحدة منها، فضلًا عن مجموعها، كيف وقد اجتمعت كلها في علم واحد ميسر. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– ص: ١٣٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٩٩).","vol":"3","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-904>المبحث الثامن: أن الله ﷾ تعهد بحفظه</span>\nميز الله ﷾ القرآن الكريم عن سائر الكتب بأن تعهد بحفظه فقال عز شأنه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] ...\nالقرآن وحده هو الذي تعهد الله بحفظه، أما التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة، فقد أوكل الله حفظها إلى أهلها، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ [المائدة: ٤٤]، الآية ..\nوانظر بعين البصيرة، واخترق بنورها حواجز القرون، فسترى حتمًا معجزة إلهية في هذا الكتاب المبين، وإن شئت فقل معجزة في المعجزة، تكالب الأعداء عليه منذ أول إشعاعة له، وتداعت الأمم عليه، وتآمر المتآمرون، وخطط المخططون، على وجه ما كان من الممكن أن ينجو منهم، فلا تتبدل فيه كلمة زيادة أو نقصًا، ولا يختلف فيه حرف تقديمًا أو تأخيرًا، لولا أن هناك قوة أكبر لا يستطيعها بشر، تولت حفظ هذا الكتاب. أول ما نزل كان المشركون يلغون عند تلاوته، ويطاردون صاحبه، ويحاربون أتباعه، ويصرفون الناس عن سماعه، ما تركوا وسيلة إلا سلكوها، ولا مطية إلا ركبوها، وخابوا وخسروا.\nوحين دخل الناس في الإسلام، دخل معهم أرباب نحل وملل يريدون تحطيم الحصون الإسلامية من الداخل، ونشأت فرق، وكثر النزاع، وعمت الفتن، وطمت المحن، وذهبت كل فرقة تلتمس لها سندًا من القرآن، ومن السنة، وما كان بعض أصحاب الفرق ليتردد أو ليحجم عن التحريف في القرآن الكريم لو استطاع ذلك، لا يمنعه عنه خوف من الله أو احترام لكتابه، فالذي يجرؤ على الافتراء على الرسول ﷺ لن يعدم جرأة على الافتراء على الكتاب الذي جاء به.\nفاستطاع أولئك أن يفتروا في سنة الرسول ﷺ ما احتاج إلى جهود علماء أعلام، حتى قاموا بتنقيتها من افتراءات المفترين، ودحض شبهات الملحدين، حتى ظلت كما كانت محجة بيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك.\nفحين قال الزنديق لهارون الرشيد رحمه الله تعالى: أين أنت من أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم، أحرم فيها الحلال، وأحلل فيها الحرام، ما قال النبي ﷺ منها حرفًا، أجابه هارون: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري، وعبد الله بن المبارك، ينخلانها نخلًا، فيخرجانها حرفًا حرفًا (١).\nهكذا تجرأوا على سنة الرسول ﷺ، أما القرآن فلم يجرؤ أحد منهم على شيء من ذلك.\nوحين قامت دولة الإسلام، واتسعت رقعته، حسبت طائفة أن المهمة انتهت، وأن العقيدة انتشرت، ووصلت في الأرض مداها، فركنوا إلى الدعة، وآثروا السكون، فالتمس الأعداء منهم هذه الغفلة، فتداعوا عليهم، وجيشوا الجيوش، وجمعوا الجموع، وصبوا جام غضبهم على العالم الإسلامي في أرضهم، يهدمون بيوتهم ومساكنهم .. وفي أرواحهم .. يقتلونهم رجالًا، ونساء، وأطفالًا، كبارًا وصغارًا، وفي تراثهم .. يحرقون كتبهم، ومؤلفاتهم، وعلومهم.\n_________\n(١) «تاريخ الخلفاء» السيوطي (ص: ١٩٤)، و«الأسراء المرفوعة» ملا علي القارئ (ص: ٦٢).","vol":"3","page":362},{"text":"صليبيون .. وتتار .. ومغول .. وباطنية .. وملاحدة .. ثم استعمار بأبشع صوره، وأردأ أشكاله، يستولي على العقول، فيسلخها من الدين، ويجردها من الأخلاق، وينشر الفسق، والمجون، والبدع، والمنكرات، وصورًا من الجهل، والدجل، والشعوذة .. حتى أعجزوهم عن حماية أنفسهم، أو عقيدتهم، أو أرضهم، أو أعراضهم، أو أخلاقهم، حتى عقولهم باعوها بالرخيص لأولئك فقلدوهم في مساوئهم، ولم يدركوا الأخذ بمحاسنهم، إن كان فيهم محاسن.\nبلبلوا أفكارهم، ورموهم في متاهات العقول، وراجت بينهم الشعارات البراقة: التقدم .. التطور .. العلمانية .. الحداثة .. البنيوية .. التحرر .. الثورية .. التجديد .. القومية .. الاشتراكية .. الشيوعية .. شعارات جوفاء يرددونها لا يفقهون لها معنى، أو لا يدركون لها مرمى. مع كل هذا التفكك في العالم الإسلامي .. وكل هذا التأثير من الأعداء فإنهم لم يستطيعوا تحريف، أو تبديل، أو أدنى تغيير في هذا الكتاب، ولم يكونوا من الزاهدين، ولا عنه من المتورعين، فهم أحرص الناس لو كانوا يستطيعون.\nاستطاعوا الدس في سيرة الرسول ﷺ، وفي تاريخ المسلمين، وشوهوا قيادات إسلامية حكيمة، وزوروا أحداثًا، وحطموا دولًا ومجتمعات، واتخذوا لهم زعامات أظهروها في صور الأبطال أو المصلحين، أو أدعياء النبوة، حتى القرآن دسوا الشبهات في علومه ومعارفه، في نزوله وجمعه، في تفسيره ... الخ.\nلكن شيئًا واحدًا مع كل هذه الظروف، وكل هذه الأحداث، وكل هذه القدرات والمحاولات، والمكر، والكيد، لم يستطيعوه، ألا وهو زيادة حرف، أو نقص حرف، فضلًا عن الكلمة، أو تقديم جملة على جملة، أو تغيير عبارة بأخرى في هذا القرآن.\nهذا لم يستطيعوه .. ولم يدركوه، ولو اجتمعوا له، كانت المطابع عندهم قبل أن يعرفها المسلمون بسنوات طوال، وكان عندهم من السلطة والقوة، ما يستطيعون به طبع مصاحف مزورة، وترويجها بين المسلمين قبل أن يعرفوا المطابع، أو في مجتمع لم يصل إليه المصحف، حاولوا ذلك لكن محاولاتهم كلها تبوء بالفشل، وتعود عليهم بالخسار المادي، والفكري، فقد كان المسلمون في هذه الناحية أقوى منهم، وإن كانوا أضعف في كل شيء، وما هذه القوة إلا من: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].\nوأنى التفتنا يمنة أو يسرة، فلن نجد كتابًا يشارك القرآن في هذه الخاصية.\nدونكم التوراة والإنجيل، التحريف فيهما أشهر من أن يذكر، لم يحرفهما الخصوم، بل حرفهما أهلهما وبأيديهم.\nدونكم المؤلفات الهائلة التي ألفت بعد نزول القرآن بقرون وقرون، لا تجدون أبدًا مخطوطتين لكتاب واحد يتطابقان تمامًا، فلابد من الاختلاف في كلمة أو جملة، تصحيفًا أو تحريفًا، أو تغييرًا أو تبديلًا، إن لم يكن هناك اختلاف في فصول أو أبواب، وإن لم يكن هناك نقصان من مخطوطة وزيادة في أخرى، ما الذي ميز القرآن الكريم عن هذا، والنساخ هم النساخ، لا تجد نسخة تختلف عن الأخرى، لا أقول في جملة، ولا في كلمة، ولا في حرف، ولكن في شكل لكلمة، إلا اختلاف في القراءات المشروعة، وليس هذا باختلاف، بل هو زيادة في الحفظ، فالحفظ للقراءات المتواترة، من حفظ القرآن: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– ص: ١٥٧","vol":"3","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-905>المبحث التاسع: أنه آخر الكتب المنزلة</span>\nرسالة محمد ﷺ عامة للناس كلهم، والقرآن أيضًا كذلك، فعن عمومية رسالة محمد ﷺ قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: ١٥٨]، وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ: ٢٨]، وعن عمومية القرآن الكريم قال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام: ١٩].\nوإذا كانت رسالة محمد ﷺ عامة، والقرآن يخاطب الناس جميعًا، من كان في عهده ﷺ ومن سيأتي من بعده، فإنه يظهر بهذا العموم أنها خاتمة الرسالات، وأنه خاتم الكتب المنزلة، فليست البشرية بحاجة إلى دين جديد ما دام هذا الدين يشملهم جميعًا، والقرآن يخاطبهم جميعًا، وهذا الزمخشري يقول في تفسير قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ: ٢٨]، (إلا رسالة عامة لهم، محيطة بهم، لأنهم إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم) (١).\nهذا ما يظهر من عمومية الرسالة، فكيف إذا كان ختم النبوة قد وردت فيه النصوص الصحيحة والصريحة، قال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠].\nوتواترت الأخبار عنه ﷺ بأنه لا نبي بعده (٢).\nوإذا كان محمد ﷺ خاتم النبيين، فإن القرآن الذي أنزل عليه خاتم الكتب المنزلة.\nوإذا كان الأمر كذلك فلا تحسبن ختم الرسالة بمحمد ﷺ، وختم الكتب بالقرآن الكريم، وختم الأمم بهذه الأمة، وختم الأديان بالإسلام، أمرًا هينًا، بل هو أمر عظيم يحتاج إلى وقفات ووقفات.\nفكون القرآن الكريم خاتم الكتب السماوية، يعني أن القرآن حجة قائمة على كل من بلغه من الإنس والجن في كل زمان وفي كل مكان، وقد أمر الرسول ﷺ ببيان ذلك في قوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام: ١٩].\nولهذا قال مقاتل بن سليمان رحمه الله تعالى: (ومن يبلغ القرآن من الجن والإنس فهو نذير لهم، يعني القرآن إلى يوم القيامة) (٣)، وقال أبو السعود في تفسيره: (أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه من الأسود، والأحمر، ومن الثقلين، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن سيوجد إلى يوم القيامة، وهو دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله، ومن سيوجد بعد إلى يوم القيامة) (٤).\nويعني ختم الكتب بالقرآن أيضًا كمال الدين، قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣].\nنعم يعني كمال الدين، فليس من الحكمة أن تختم الأديان بدين ناقص، والله عز شأنه حكيم عليم.\n_________\n(١) «تفسير الكشاف» الزمخشري (٢/ ٧).\n(٢) «أصول الدين» عبد القاهر البغدادي (ص: ١٦٣) و«الفصل في الملل والأهواء والنحل» ابن جزم (١/ ٧٧)، و«تفسير ابن كثير» (٣/ ٥١٣ - ٥١٤)، و«الأزهار المتناثرة» للسيوطي (ص: ٣٦).\n(٣) «تفسير مقاتل» (١/ ٣٦٨)، و«البغوي» (٢/ ٨٩).\n(٤) «تفسير أبو السعود» (٢/ ٨٧).","vol":"3","page":364},{"text":"وتأمل أخي المسلم كمال هذا الدين، واستعرض موكب الأديان من قبله، منذ خلق آدم ﵇، إلى رسالة محمد ﷺ، سترى أنبياء تترى، فإن تأملت وتدبرت، رأيت كل نبي إنما أرسل لقومه، وأن كل رسالة محدودة بزمن معين، فكل رسالة إنما هي لطائفة خاصة في بيئة خاصة، ومن ثم كانت كل رسالة محكومة بظروفها، ومتوازنة مع هذه الظروف، فكان لكل منها شريعة للحياة تناسب حال الجماعة، والزمان، والمكان، والعوامل المؤثرة في حياتها.\nحتى إذا ما أراد الله أن يختم الأديان كلها بدين واحد يجتمع عليه الناس كلهم، أرسل لهم جميعًا رسولًا، برسالة تخاطب الفطرة الإنسانية التي لا تختلف في بيئة أو في عصر عن عصر، لا تخضع لزمان معين، ولا تتقيد بظروف معينة، لأنها تخاطب في الإنسان ملكة لا تتغير ولا تتبدل، لا تتحور ولا تتطور: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ [الرُّوم: ٣٠].\nفجاء هذا الدين بكل ما تحتاجه البشرية. وبهذا كان كمال الدين، وبهذا كان إتمام النعمة، وهو الذي ارتضاه الله ﷾ لعباده المؤمنين، واصطفاه لهم من الدين.\nويعني أيضًا وفاء الشريعة، وكمالها، وشمولها لحاجات البشر كلهم، في كل مكان، وفي كل عصر إلى يوم القيامة، ففي القرآن التفصيل: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلًا [الأنعام: ١١٤]، فهو النظام الشامل الكامل لشؤون الحياة كلها، فلا يبتغي المؤمنون به بديلًا، ولا يرتضون إلا حكمه، ولا يقبلون إلا شريعته، ليس فيه نقص يستدعي الإكمال، ولا قصور يطلب الإضافة، ولا اعوجاج يحتاج إلى التعديل، ولا جمود يطلب التطوير، ولا البلى الذي يستدعي التجديد.\nبل هو الكتاب الكامل، الوافي، المستقيم، المتجدد في عطائه، الصالح لكل زمان ومكان، وهذا بعض ما يعنيه كونه آخر الكتب المنزلة.\nويعني أيضًا حفظه عن التحريف، والتغيير، والتبديل، فكتاب لن ينزل من بعده كتاب حقه أن يخص بالحفظ فلا تطاله يد التحريف، ولا تناله يد التغيير، ولهذا تعهد الله ﷾ بحفظه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، دون سائر الكتب السابقة، قال الزمخشري: (وهو حافظ – أي للقرآن – في كل وقت، من كل زيادة ونقصان، وتحريف وتبديل، بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها، وإنما استحفظها الربانيين والأحبار، فاختلفوا فيما بينهم بغيًا، فكان التحريف، ولم يكل القرآن إلى غير حفظه) (١).\nويعني كونه آخر الكتب المنزلة أن الدين الذي جاء به هو الدين الصحيح، الذي يجب أتباعه، والذي ينسخ الأديان كلها، فلا يبقى في الساحة سواه: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥]، وقال سبحانه: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ [آل عمران: ١٩]، وقال سبحانه: وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣].\nويعني كون القرآن آخر الكتب المنزلة، أن دينه دين خالد، وشريعته باقية، وأنها الرسالة الأخيرة للبشرية كلها، فمن بدلها، فقد ابتغى غير الإسلام دينًا: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ، فلا مجال أبدًا لمزاحمة هذا الدين بدين آخر، ولا مجال أبدًا لإقصائه عن مكانه الذي خصه الله به، وما حفظ القرآن إلى يوم القيامة، إلا بقاء لهذا الدين إلى يوم القيامة، فالله ﷾ متم نوره ولو كره الكافرون. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– ص: ١٩٠\n_________\n(١) «الكشاف» الزمخشري (٢/ ٣١١).","vol":"3","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-906>المبحث العاشر: هيمنته على الكتب السابقة</span>\nأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب؛ يقال إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده قد هيمن فلان عليه.\nوتقول: هيمن فلان على فلان، إذا صار قريبًا عليه؛ فهو مهيمن (١).\nويسمى الحاكم على الناس والقائم بأمورهم: المهيمن (٢).\nولفظ مهيمن كان أصله (مؤيمن) بالهمزة، ثم قلبت الهمزة هاء لقرب مخرجها، كما تقلب في أرقت الماء؛ فيقال: هرقت الماء. ويقال: ماء مهراق، والأصل: ماء مراق (٣).\nوأهل السنة والجماعة يؤمنون أن القرآن الكريم هو المهيمن على كل الكتب قبله؛ بمعنى: أنه أمين عليها، حافظ لها، وشاهد على أنها حق من عند الله تعالى، يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما فيها من التحريف والتبديل، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل، فصارت له الهيمنة عليها من كل وجه.\nنص الإجماع الذي حكاه شيخ الإسلام: قال شيخ الإسلام ﵀: (السلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب) (٤).\nفهو الأمين والشاهد على ما بين يديه من الكتب، وهو أيضًا الحاكم على كل كتاب قبله بإجماع المسلمين.\nقال ﵀: (... إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لمسلم أن يحكم بين أحد إلا بما أنزل الله في القرآن، وإذا تحاكم اليهود والنصارى إلى المسلمين لم يجز لهم أن يحكموا بينهم إلا بما أنزل الله في القرآن) (٥).\nوقد بين ﵀ السبب في احتلال القرآن هذه المنزلة العالية، والمرتبة الرفيعة بقوله: (فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم، ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها، وبين ما حرف منها وبدل، وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين أيضًا ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة: فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حرف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقره الله، ونسخ ما نسخه، فهو شاهد في الخبريات، حاكم في الأمريات) (٦).\nذكر من نقل الإجماع أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: تواترت النصوص عن سلف هذه الأمة وخلفها على أن القرآن الكريم هو المؤتمن والشاهد والحاكم على ما بين يديه من الكتب.\nفقد روى الطبري ﵀ بسنده عن ابن عباس ﵁ أنه قال في تفسير قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤]. قال: (المهيمن: الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله) (٧).\nوروي عنه أيضًا أنه قال: (وَمُهَيْمِنًا أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب) (٨).\nوقال قتادة ﵀: وَمُهَيْمِنًا أي: (أمينًا وشاهدًا على الكتب التي خلت قبله) (٩).\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» م٤ (٦/ ٣٤٤)، و«فتح الباري» (٩/ ١٤٩).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٣).\n(٣) انظر: «تفسير غريب القرآن» لابن قتبة (ص: ١٢).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٣).\n(٥) «منهاج السنة النبوية» (٥/ ٥٠٨)، وانظر كذلك (٥/ ٥٠٩).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٤).\n(٧) «تفسير الطبري» م٤ (٦/ ٣٤٥).\n(٨) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٩٢).\n(٩) «تفسير الطبري» م٤ (٦/ ٣٤٥).","vol":"3","page":366},{"text":"وعن سعيد بن جبير ﵀ أنه قال: (القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب) (١).\nوروى الطبري عن ابن زيد في قوله: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ قال: (مصدقًا عليه، كل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زبور فالقرآن مصدق على ذلك، وكل شيء ذكر الله في القرآن فهو مصدق عليها وعلى ما حدث عنها أنه حق) (٢).\nوجميع هذه الأقوال كما قال ابن كثير ﵀: (كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله) (٣).\nوإنما احتل القرآن الكريم هذه المنزلة لكونه يستحيل أن يتطرق إليه التبديل والتحريف، ولا يمكن نسخه بعد وفاة النبي ﷺ، وقد ختم الله به الكتب.\nقال الفخر الرازي ﵀: (إنما كان القرآن مهيمنًا على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخًا البتة، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف على ما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].\nوإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق؛ صدق باقية أبدًا) (٤).\nمستند الإجماع في المسألة: لقد نص المولى ﷻ في كتابه العزيز على أن هذا القرآن هو الأمين على ما سبقه من الكتب، وهو الشاهد والحاكم عليها فقال ﵎ في محكم التنزيل: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: ٤٨].\nقال ابن كثير ﵀: (جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدًا، وأمينًا، وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى حفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]) (٥).\nفهو محفوظ بحفظ الله ﷿ إلى قيام الساعة، شاهد على هذه الكتب، مبين ما حرف منها، وحاكم بما أقره الله وأمر به من أحكامها، وناسخ ما نسخه الله منها، وهو أمين عليها في ذلك كله. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٧٤٨\nأما الكتب السابقة فقد بعث الله ﷾ موسى ﵇ ومعه التوراة، فحرفها قومه، وبدلوا وغيروا، حتى أصبحت التوراة غير التوراة.\nوبعث سبحانه عيسى ﵇ ومعه الإنجيل، فحرف كما حرفت، وبدل كما بدلت، حتى أصبح الإنجيل غير الإنجيل.\nوبعث الله أنبياء آخرين، وأنزل معهم الكتب، ولم تسلم مما أصاب أمثالها، إلا القرآن الكريم، فقد أبى الله ﷾ إلا حفظه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].\n_________\n(١) «تفسير الطبري» م٤ (٦/ ٣٤٦)، و«تفسير القرطبي» (٦/ ١٩٨).\n(٢) «تفسير الطبري» م٤ (٦/ ٣٤٦).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٩٢) وانظر كذلك: قول ابن قتيبة في «تفسير غريب القرآن» (ص: ١١).\n(٤) «التفسير الكبير» (١٢/ ١١).\n(٥) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٩٢).","vol":"3","page":367},{"text":"بل جعل القرآن مهيمنًا على الكتب السابقة: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]، فجاء القرآن بالعقيدة الإسلامية التي اتفق عليها الأنبياء كلهم، صافية نقية، ليكون ما جاء به القرآن حجة على الناس، وشاهدًا على تحريف الأمم السابقة لما نزل عليهم من الكتب، ومصححًا لأغلاطهم، وفاضحًا لأباطيلهم: يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ [النساء: ١٧١]، مَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة: ٧٥]، ورد على اليهود فريتهم: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨].\nونعى عليهم عبادة غير الله: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخَالِقِينَ [الصَّفات: ١٢٥]، وأبطل زعمهم: وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة: ٦٤].\nورد على الفريقين عقيدتهم الباطلة: وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٠ - ٣١].\nوأبطل زعم اليهود أنهم شعب الله المختار: قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ [البقرة: ٩٤ - ٩٥].\nورد زعم اليهود والنصارى معًا: وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة: ١٨].\nوقولهم: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٨٠].\nوأنكر زعمهم قتل المسيح ﵇ وصلبه: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٥٧ - ١٥٨].","vol":"3","page":368},{"text":"وكشف ابتداعهم الرهبانية: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد: ٢٧].\nوالقرآن حين يكذبهم، يتحداهم بالإتيان بالتوراة: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [آل عمران: ٩٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة وكثيرة، كلها شاهدة على تحريف التوراة والإنجيل، ومثبتة الحق الذي يجب أتباعه، ودالة على أن الرسول ﷺ لو كان تلقى هذه الأخبار من أهل الكتاب في الجزيرة كما زعم خصومه، لجاءت موافقة لمعتقداتهم، لكن القرآن من لدن حكيم عليم، أنزل هذا القرآن الكريم وجعله مهيمنًا على ما بين يديه من الكتاب، يرجع إليه المحققون، وطالبوا الحقيقة، لمعرفة الخبر الصادق، والقصص الحق.\nوفي القرآن نصوص تؤكد هذه الحقيقة – هيمنة القرآن – وتدعو أهل الكتاب إلى أتباعه، والأخذ به، وتحذرهم من ضلالاتهم، وتحريفاتهم الباطلة: يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة: ١٥].\nوبين في موضع آخر أن من مقاصد القرآن الأولى أن يبين لأهل الكتاب ما اختلفوا فيه فقال سبحانه: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: ٦٤]، وقال سبحانه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، هذا قبس من هيمنة القرآن الكريم على الكتب السابقة لم يجعله الله ﷾ إلا لكتابه المبين. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– ص: ١٩٤","vol":"3","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-908>المبحث الأول: القرآن الكريم كلام الله تعالى</span>\nالقرآن الكريم كلام الله تعالى ... وأن إضافته إليه، إضافة حقيقية، من باب إضافة الكلام إلى قائله، فالله تعالى تكلم به، وهو الذي أنزله على رسوله، ليكون للعالمين نذيرا وهذه الحقيقة قد صرح بها القرآن الكريم، في مثل قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل: ٦]، وقوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا [يوسف: ٢] وصرح بها صاحب الرسالة، ومبلغ القرآن الكريم محمد ﷺ في مثل قوله: «ما من الأنبياء نبي، إلا أعطي من الآيات، ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (١). وهذا القدر من الأدلة الشرعية كاف في حق من آمن بالله تعالى ربا، وبمحمد بن عبد الله رسولا، وبالإسلام دينا، أن يعرف مصدر القرآن الكريم، وأنه من الله تعالى، إذ الإيمان الصحيح يقتضي أن يصدق المؤمن الرسول ﷺ في كل ما يخبر به، وقد أخبر أن هذا الكتاب من عند الله تعالى.\nأما غير المؤمن من الناس، ممن يشك في نسبة هذا القرآن إلى الله تعالى، وكونه من كلامه، فمثله: إما أن يضيف القرآن إلى النبي ﷺ، أو إلى بشر يعلمه القرآن، أو إلى جن يدرسه إياه.\nأما الأول: وهو كون القرآن من عند محمد ﷺ، وذلك لفرط ذكائه، ونفاذ بصيرته، وشفافية روحه، مما يجعله ينشئ بزعمهم مثل هذا الكلام البديع الرصين، فترده أدلة كثيرة، هذا طرف منها:\n١ - أن هذا القرآن الذي أعجز البلغاء والفصحاء، قد قال صاحبه: إنه ليس من عندي، وإنما هو من عند غيري، فكيف ينسب له بعد ذلك؟ إذ أي مصلحة تكون لعاقل يرجو لنفسه الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات، لتأييد دعواه؛ ثم تجده بعد ذلك ينسب بضاعته إلى غيره، وينسلخ عنها انسلاخا، على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها، فيزداد بها رفعة، وعظمة شأن (٢).\n٢ - أن الرجل مهما بلغ ذكاؤه، وصفت سريرته، أنى له أن يأتي بذكر لأحوال الأمم الغابرة، ومسائل العقائد والشرائع، وما في الجنة والنار من النعيم والعذاب، ثم يذكر لنا بعض ما سيقع في قابل الأيام والدهور، كل ذلك على نحو من التفصيل والتدقيق، مع تمام السبك، وقوة الأسلوب، ومن غير تضاد ولا اختلاف. يقول الباقلاني (﵀): (ما تضمنه القرآن من قصص الأولين، وأخبار الماضين التي لا يعرفها إلا من أكثر ملاقاة الأمم، ودراسة الكتب، مع العلم بأن النبي ﷺ لم يكن يتلو كتابا، ولا يخالط أهل السير) (٣).\n٣ - قال تعالى: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] فكيف يجرؤ بشر على هذا التحدي العظيم؛ وقد علم ما عليه قومه من البيان والفصاحة؛ بل تحداهم: حاضرا ومستقبلا! لعمر الله، إنها لمخاطرة لا يقدم عليها عاقل يتصور ما يقول، فضلا عن نبي كريم يرجو لرسالته أن تنتصر، ولدعوته أن تنتشر (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢).\n(٢) انظر: «النبأ العظيم» د/ محمد عبد الله دراز (ص: ١٤، ١٥) – مطبعة السعادة ١٣٨٩هـ - ١٩٦٩م – مصر (بدون رقم الطبعة).\n(٣) «الانتصار لنقل القرآن» (ص: ٥٩).\n(٤) انظر: «النبأ العظيم» دراز (ص: ٣٦، ٣٧).","vol":"3","page":370},{"text":"٤ - التناسب في جميع ما تضمنه القرآن من الأخبار، والعقائد، والأحكام من غير اختلاف ولا تعارض ولا تضاد، الأمر الذي لا ينتظر من بشر، أن يسلم كلامه من الاختلال والاختلاف، قال تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢] (١).\n٥ - الاتفاق التام بين إشارات القرآن الكريم إلى بعض العلوم الكونية وبين معطيات العلم الحديث؛ الأمر الذي أثار دهشة كثير من الباحثين الغربيين المعاصرين، حيث تعرض القرآن الكريم إلى بعض العلوم الكونية وبين معطيات العلم الحديث؛ الأمر الذي أثار دهشة كثير من الباحثين الغربيين المعاصرين، حيث تعرض القرآن الكريم لقضايا علمية دقيقة – نحو ما يتعلق بعلم الأجنة – لم تكتشف وسائل معرفتها إلا بعد عصر نزول القرآن بعدة قرون (٢).\nوأما الثاني: وهو أن يكون النبي ﷺ قد تعلم القرآن من غيره، فهذا الغير إما أن يكون إنسيا أو جنيا، والإنسي إما أن يكون من بني قومه أو من أهل الكتاب:\nأما كون النبي ﷺ قد تعلم القرآن عند بعض قومه، فهذا فاسد من وجهين:\n١ - أن النبي ﷺ نشأ أميا، بين ناس أميين، لا يعرفون غير علم البيان، والفصاحة، وما يتصل بهما، وكانوا منعزلين بشركهم عن أهل الكتاب، قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩] ففي الآية إشارة واضحة إلى أن هذا النوع من العلم ما كان عند العرب، وليس لهم به دراية (٣).\n٢ - لم يدع واحد من العرب – مع شدة تكذيبهم – نسبة هذا القرآن إلى نفسه، ثم إن الله تعالى قد تحدى به بلغاءهم، وفصحاءهم على أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يتعرض واحد منهم لذلك، اعترافا بالحق، وربئا بالنفس عن تعريضها للافتضاح؛ وهم أهل القدرة في فنون الكلام نظما ونثرا، وترغيبا وزجرا (٤).\nأما كون المعلم من أهل الكتاب، فهذا يرده ما يلي:\n١ - لم يذكر واحد من المصادر التاريخية جلوس النبي ﷺ بين يدي أحبار اليهود، أو رهبان النصارى، بغية التعلم والمدارسة (٥). أما مقابلته بحيرا الراهب، فقد كانت قبل النبوة بفترة من الزمن، وكانت وجيزة في وقتها؛ لا يعقل أن يتلقى فيها كل هذا العلم، ثم إنها كانت بحضور عمه أبي طالب وغيره، ولو وجدوا في تلك المقابلة ما يبطل دعوى الرسول ﷺ النبوة لأفشوه إلى قريش، بل إن بحيرا لما لاحت له تباشير النبوة، همس بها على أبي طالب، حاثا له على المحافظة على ابن أخيه من يهود. وأما مقابلته ﷺ ورقة بن نوفل – ابن عم زوجه خديجة ﵂ -، وذلك بعد النبوة، فكانت لأجل اطمئنان زوجه عليه، وورقة كان شيخا كبيرا قد عمي، ولم يلبث أن توفي، وذلك قبل فترة الوحي؛ مما يحيل دعوى تعلم الرسول ﷺ منه شيئا.\n_________\n(١) انظر: بيان هذا المعنى عند الشاطبي في «الاعتصام» (٢/ ٣٠٧) وما بعدها.\n(٢) انظر: «دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة» للأستاذ: موريس بوكاي (ص: ١٥٠).\n(٣) انظر: «المعجزة الكبرى – القرآن –» محمد أبو زهرة (ص: ٣١٠) دار الفكر العربي (بدون رقم الطبعة وتاريخها وبلدها).\n(٤) انظر: «التحرير والتنوير» – محمد الطاهر بن عاشور (ص:٨٢) دار الكتب الشرقية – تونس (بدون رقم الطبعة وتاريخها).\n(٥) انظر: «النبأ العظيم» – دراز (ص: ٥٠)، و«فقه السيرة» لمحمد الغزالي (ص: ٦٨)، خرج أحاديثه: محمد ناصر الدين الألباني – دار الكتب الحديثة – الطبعة السابعة ١٩٧٦م مصر.","vol":"3","page":371},{"text":"٢ - أن الله تعالى رد على الذين قالوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣] ذلك حين زعم المشركون في مكة أن النبي ﷺ كان يجلس إلى بعض غلمان النصارى يتعلم منهم (١)، فرد الله عليهم بقوله: لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل: ١٠٣].\n٣ - أن القرآن الكريم قد شنع بأهل الكتاب ودحض شبهاتهم وأغاليطهم، ثم دعاهم إلى الإيمان بالرسول الكريم، والاستجابة للذكر الحكيم؛ قال تعالى: وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة: ٣٠] وقال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] وقال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ [المائدة: ٥٩]، فكيف يعقل بعد ذلك أن يكون اليهود والنصارى مصدر القرآن ومنبعه، وهذه حالهم من الإعراض عنه والكفر به، وبمن أنزل عليه؟\nأما أن يكون المعلم جنيا، فحال النبي ﷺ بين قومه، ولبوثه فيهم عمرا طويلا، وهو أحسنهم خلقا؛ وأعظمهم عقلا؛ وأثبتهم نفسا؛ وأرسخهم فهما؛ كل ذلك وغيره يحيل أن يكون ﷺ ملاذ الشياطين ومحل وساوسهم، بل الشياطين لأعجز من أن تأتي بهذا الكلام ... أما إضافة قريش القرآن إلى السحر والجن، فهذا حينما أعيتهم الحجة، وعجزوا عن الإتيان بمثله، على سبيل الجزم والإيقان. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - بتصرف– ١/ ٥٦\n_________\n(١) انظر تفصيل هذه المسألة: «الجامع لأحكام القرآن» – القرطبي – (١٠/ ١٧٧، ١٧٨).","vol":"3","page":372},{"text":"وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن القرآن كلام الله تعالى: - حروفه ومعانيه - منه بدأ وإليه يعود، منزل غير مخلوق، تكلم الله به حقًا، وأوحاه إلى جبريل؛ فنزل به جبريل - ﵇ - على محمد ﷺ. أنزله الحكيم الخبير بلسان عربي مبين، ونقل إلينا بالتواتر الذي لا يرقى إليه شك، ولا ريب، قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥] والقرآن الكريم: مكتوب في اللوح المحفوظ، وتحفظه الصدور، وتتلوه الألسن، ومكتوب في الصحف، قال الله تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:٤٩]. وقال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:٧٧ - ٧٩]. والقرآن الكريم: المعجزة الكبرى الخالدة لنبي الإسلام محمد بن عبدالله ﷺ وهو آخر الكتب السماوية؛ لا ينسخ ولا يبدل، وقد تكفل الله بحفظه من أي تحريف، أو تبديل، أو زيادة، أو نقص إلى يوم يرفعه الله تعالى، وذلك قبل يوم القيامة. قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩]. وأهل السنة والجماعة: يكفرون من أنكر حرفًا منه أو زاد أو نقص، وعلى هذا فنحن نؤمن إيمانًا جازمًا بأن كل آية من آيات القرآن منزلة من عند الله، وقد نقلت إلينا بطريق التواتر القطعي. والقرآن الكريم: لم ينزل جملة واحدة على رسول الله ﷺ بل نزل منجمًا، أي مفرقًا حسب الوقائع، أو جوابًا عن أسئلة، أو حسب مقتضيات الأحوال في ثلاث وعشرين سنة. والقرآن الكريم: يحتوي على (١١٤) سورة، (٨٦) منها نزلت في مكة، و(٢٨) منها نزلت في المدينة، وتسمى السور التي نزلت قبل الهجرة النبوية بالسور المكية، والسور التي نزلت بعد الهجرة بالسور المدنية، وفيه تسع وعشرون سورة افتتحت بالحروف المقطعة. وقد كتب القرآن في عهد النبي ﷺ وبمرأى منه؛ حيث كان للوحي كتبة من خيرة الصحابة – ﵃ – يكتبون كل ما نزل من القرآن وبأمر من النبي ﷺ ثم جمع في عهد أبي بكر بين دفتي المصحف، وفي عهد عثمان على حرف واحد؛ رضي الله تعالى: عنهم أجمعين. وأهل السنة والجماعة: يهتمون بتعليم القرآن وحفظه، وتلاوته، وتفسيره، والعمل به. قال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:٢٩]. ويتعبدون لله تعالى: بقراءته؛ لأن في قراءة كل حرف منه حسنة كما أخبر النبي ﷺ حيث قال: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ولا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (١). وأهل السنة والجماعة: لا يجوزون تفسير القرآن بالرأي المجرد؛ فإنه من القول على الله – ﷿ – بغير علم، ومن عمل الشيطان، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:١٦٨ - ١٦٩]. بل يفسر القرآن بالقرآن وبالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين، ثم باللغة العربية التي نزل بها القرآن الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري - ص ١٣٥\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٩١٠). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصحح إسناده الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠١) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"3","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>المبحث الثاني: كلام الله في كتابه هو الحروف والمعاني</span>\nقال العلامة حافظ الحكمي –﵀ في شرح قوله من منظومة (سلم الوصول):\nوَالْقَوْلُ في كِتَابِهِ المُفَصَّلْ ... بِأنَّهُ كَلامُهُ الْمُنَزَّلْ\nقال: (والقول) الذي نعتقده وندين به (في) شأن (كتابه المفصلْ) بسكون اللام للروي وهو القرآن وصفه الله تعالى بذلك فقال: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير [هود:١] وقال الله تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيَّا [فصلت:٣] وقال الله تعالى: أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الذِّي نَزَّلَ إِلَيْكُمْ الكِتَابَ مُفَصَلا [الأنعام:١١٤] وغير ذلك من الآيات (بأنه كلامه) حقيقة حروفه ومعانيه ليس كلامه الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله [التوبة:٦] وقال الله تعالى: سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ الله قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِنْ قَبْل [الفتح:١٥] وروى ابن خزيمة عن نيار بن مكرم الأسلمي صاحب رسول الله ﷺ ﵁ قال: لما نزلت الَمِ. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيُغْلَبُون [الروم:١ - ٢] إلى آخر الآيتين خرج رسول الله ﷺ فجعل يقول: بسم الله الرحمن الرحيم الَمِ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيُغْلَبُون فِي بِضْعِ سِنِين [الروم:١ - ٢] فقال رؤساء مشركي مكة: يا ابن أبي قحافة هذا مما أتى به صاحبك؟ قال لا والله، ولكنه كلام الله وقوله، وذكر الحديث (١). وكان ابن مسعود ﵁ يقبل المصحف ويقول: كلام ربي كلام ربي (٢). وعن عمر ﵁ قال: (إن هذا القرآن كلام الله فضعوه على مواضعه) (٣). وقال خباب صاحب رسول الله ﷺ: (تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه) (٤). وقال عبدالله بن مسعود ﵁: (القرآن كلام الله، فمن رد منه شيئا فإنما يرد على الله) (٥). وعنه ﵁ قال: (إن أحسن الكلام كلام الله) (٦) فهذه النصوص من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن القرآن كلام الله تكلم به حقيقة وأنه هو الذي قال ﵎: الَمِ، اَلَمِصَ، الَمِرَ، كَهَيَعِصَ، طَهَ، طَسِ، طَسِمِ، حَمِ، عِسِقَ وليس كلام الله المعاني دون الحروف ولا الحروف دون المعاني، بل حروفه ومعانيه عين كلام الله. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ بن أحمد الحكمي -١/ ٣٢٥\n_________\n(١) رواه ابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٤٠٤).\n(٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٤٠ - ١٤١). عن عكرمة بن أبي جهل وليس عن ابن مسعود.\n(٣) رواه أحمد في «الزهد» (ص٣٥)، وعبد الله في «السنة» (١/ ١٣٦)، والآجري في «الشريعة» (ص٧٧) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٥٩٢).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٠/ ٥١٠)، وأحمد في «الزهد» (ص٣٥»، وعبد الله في «السنة» (١/ ١٣٧)، والآجري في «الشريعة» (ص٧٧) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٥٨٨) وقال: هذا إسناد صحيح.\n(٥) رواه الدارمي في «الرد على الجهمية» (ص١٧١) وعبد الله في «السنة» (١/ ١٤٥ - ١٤٦) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٥٨٩) وفي سنده مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني وهو ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره.\n(٦) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٤٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٥٨٩).","vol":"3","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-910>المبحث الثالث: القرآن ليس بمخلوق كما يقوله الزنادقة</span>\nالقرآن (ليس بمخلوق) كما يقول الزنادقة من الحلولية والاتحادية والجهمية والمعتزلة وغيرهم تعالى الله عن أن يكون شيء من صفاته مخلوقًا قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا [الشورى:٥٢] وقال الله تعالى: أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْر [الأعراف:٥٤] وقال الله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون [يس:٨٢] فأخبر تعالى: أن الخلق غير الأمر وأن القرآن من أمره لا من خلقه وقال: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل:٤٠] فـ كنْ من كلامه الذي هو صفته ليس بمخلوق والشيء المراد المقول له (كن) مخلوق وقال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ الله كَمَثَلَ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون [آل عمران:٥٩] فعيسى وآدم مخلوقان بـ كن و(كن) قول الله صفة من صفاته وليس الشيء المخلوق هو كن ولكنه كان بقول الله له كن. وقد انعقد إجماع سلف الأمة الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون على تكفير من قال بخلق القرآن وذلك لأنه لا يخلو قوله من إحدى ثلاث: إما أن يقول إنه خلقه في ذاته أو في غيره أو منفصلا مستقلا وكل الثلاث كفر صريح، لأنه إن قال خلقه في ذاته فقد جعل ذاته محلا للمخلوقات، وإن قال إنه خلقه في غيره فهو كلام ذلك الغير فيكون القرآن على هذا كلام تالٍ له وهذا قول الوليد بن المغيرة فيما حكى الله عنه حيث قال الله تعالى: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ [المدثر:١٨ - ٢٩] الآيات. وإن قال إنه خلقه منفصلا مستقلا فهذا جحود لوجوده مطلقا إذ لا يعقل ولا يتصور كلام يقوم بدون متكلم كما لا يعقل سمع بدون سميع ولا بصر بدون بصير ولا علم بدون عالم ولا إرادة بدون مريد ولا حياة بدون حي إلى غير ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، فهذه الثلاث لا خروج لزنديق منها ولا جواب له عنها فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ بن أحمد الحكمي -١/ ٣٣٧","vol":"3","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-911>المبحث الرابع: أصل القول بخلق القرآن</span>\nوأول ما اشتهر القول بخلق القرآن في آخر عصر التابعين لما ظهر جهم بن صفوان شقيق إبليس لعنهما الله وكان ملحدًا عنيدًا وزنديقًا مبتغيًا غير سبيل المؤمنين لم يثبت أن في السماء ربا ولا يصف الله تعالى بشيء مما وصف به نفسه وينتهي قوله إلى جحود الخالق ﷿. ترك الصلاة أربعين يوما يزعم يرتاد دينا ولما ناظره بعض السمنية في معبوده قال قبحه الله: هو هذا الهواء في كل مكان وافتتح مرة سورة طه فلما أتى على هذه الآية الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] قال: لو وجدت السبيل إلى حكها لحككتها، ثم قرأ حتى أتى آية أخرى فقال: ما كان أظرف محمدا حين قالها، ثم افتتح سورة القصص فلما أتى على ذكر موسى جمع يديه ورجليه ثم رفع المصحف ثم قال: أي شيء هذا ذكره ههنا فلم يتم ذكره، وذكره ههنا فلم يتم ذكره. وقد روى عنه غير هذا من الكفريات وهو أذل وأحقر من أن نشتغل بترجمته. وقد يسر الله تعالى ذبحه على يد سالم بن أحوز بأصبهان وقيل: بمرو، وهو يومئذ نائبها رحمه الله تعالى وجزاه عن المسلمين خيرا. وقد تلقى هذا القول عن الجعد بن درهم لكنه يشتهر في أيام الجعد كما اشتهر عن الجهم، فإن الجعد لما أظهر القول بخلق القرآن تطلبه بنو أمية فهرب منهم فسكن الكوفة فلقيه الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول عنه ولم يكن له كثير أتباع غيره، ثم يسر الله تعالى قتل الجعد على يد خالد بن عبدالله القسري الأمير، قتله يوم عيد الأضحى بالكوفة، وذلك لأن خالدا خطب الناس فقال في خطبته تلك: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، روى ذلك البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) (١)، وهو مشهور في كتب التواريخ وذلك سنة أربع وعشرين ومائة. وقد أخذ الجعد بدعته هذه من بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ وأنزل الله تعالى في ذلك سورة المعوذتين. ثم تقلد هذا المذهب المخذول عن الجهم بن غياث بن أبي كريمة، المريسي المتكلم، شيخ المعتزلة وأحد من أضل المأمون وجدد القول بخلق القرآن ويقال أن أباه كان يهوديا صباغا بالكوفة وروي عنه أقوال شنيعة في الدين من التجهم وغيره مات سنة ثماني عشرة ومائتان. ثم تقلد عن بشر ذلك المذهب الملعون قاضي المحنة أحمد بن أبي داود، وأعلن مذهب الجهمية وحمل السلطان على امتحان الناس بالقول بخلق القرآن وعلى أن الله لا يرى في الآخرة وكان بسببه ما كان على أهل الحديث والسنة من الحبس والضرب والقتل وغير ذلك، وقد ابتلاه الله تعالى: بالفالج قبل موته بأربع سنين حتى أهلكه الله تعالى: سنة أربعين ومائتين. ومن أراد الاطلاع على ذلك وتفاصيله فليقرأ كتب التواريخ يرى العجب. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ بن أحمد الحكمي -١/ ٣٩٣\n_________\n(١) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص٢٩). وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص٧٥): صحيح لغيره.","vol":"3","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-912>المبحث الخامس: ما قاله أئمة السنة في القرآن، وحكمهم على من قال بخلق القرآن</span>\nقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر لأن القرآن من علم الله وفيه أسماء الله، وقال: إذا قال الرجل العلم مخلوق فهو كافر لأنه يزعم أنه لم يكن لله علم حتى خلقه وقال رحمه الله تعالى: من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر لأن القرآن من علم الله (١) قال الله تعالى: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران:٦١]، وقال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَائَهُمْ بَعْدَ الذِّي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَالَكَ مِنَ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير [البقرة:١٢٠] وقال الله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:١٤٥] وقال الله تعالى: أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْر [الأعراف:٥٤] وقال الله تعالى: وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ [هود:١٧] قال أحمد: قال سعيد بن جبير: والأحزاب الملل كلها فَالنَّارُ مُوْعِدُه [هود:١٧] وقال الله تعالى: وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إليه أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ [الرعد:٣٦] وقال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ [الرعد:٣٧] وقال رحمه الله تعالى: من قال ذاك القول لا يصلى خلفه الجمعة ولا غيرها فإن صلي خلفه أعاد الصلاة، يعني: من قال القرآن مخلوق (٢) وقال رحمه الله تعالى: إذا كان القاضي جهميا فلا تشهد عنده (٣) وقال إبراهيم بن طهمان: الجهمية كفار والقدرية كفار (٤) وقال سليمان التيمي رحمه الله تعالى: ليس قوم أشد بُغضا للإسلام من الجهمية والقدرية فأما الجهمية فقد بارزوا الله وأما القدرية فإنهم قالوا في الله. وقال سلام بن أبي مطيع الجهمية كفار لا يصلى خلفهم (٥) وقال خارجة: الجهمية كفار بلغوا نساءهم إنهن طوالق وأنهن لا يحللن لأزواجهن لا تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم ثم تلا: طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى [طه:١ - ٣] إلى قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] (٦) وقال مالك رحمه الله تعالى: من قال القرآن مخلوق يوجع ضربا ويحبس حتى يتوب (٧). وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: من زعم أن قول الله: يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النمل:٩] مخلوق فهو كافر زنديق حلال دمه (٨)\n_________\n(١) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٠٢ - ١٠٣).\n(٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٠٣).\n(٣) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٠٣).\n(٤) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٠٣ - ١٠٤)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٤/ ٦٤٦).\n(٥) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص٣٤)، وعبد الله في «السنة» (١/ ١٠٥)، والدارمي في «الرد على الجهمية» (ص٢٠٤ - ٢٠٥).\n(٦) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٠٥ - ١٠٦).\n(٧) رواه أحمد في «العلل» (٣/ ١٨١)، وعبدالله في «السنة» (١/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(٨) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٠٧) ..","vol":"3","page":377},{"text":"وقال أيضا: من قال إنّ قُلْ هُوَ الله أَحَدْ الله الصَّمَد [الإخلاص:١ - ٢] مخلوق فهو كافر (١) وقال أبو يوسف القاضي: صنفان ما على وجه الأرض شر منهما الجهمية والمقاتلية (٢). قلت: وأظنه يعني بالمقاتلية: أتباع مقاتل بن سليمان البلخي فإنه رماه الإمام أبو حنيفة بالتشبيه فإنه قال أفرط جهم في نفي التشبيه حتى قال إنه تعالى ليس بشيء وأفرط مقاتل في معنى الإثبات حتى جعله مثل خلقه وتابع أبا حنيفة على ذلك جماعة من أئمة الجرح والتعديل من أقرانه كأبي يوسف وغيره فمن بعدهم حتى قال ابن حبان: كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان يشبه الرب بالمخلوق وكذبه وكيع وغيره والله أعلم بحاله. قال وكيع: مات مقاتل بن سليمان سنة خمسين ومائة. اهـ. وقال عبدالله بن المبارك: الجهمية كفار. (٣) وقال: ليس تعبد الجهمية شيئا (٤) وقال من قال القرآن مخلوق فهو زنديق (٥) وقال: إنا نستجير أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستجير أن نحكي كلام الجهمية (٦) وقال سفيان بن عيينة: القرآن كلام الله من قال مخلوق فهو كافر ومن شك في كفره فهو كافر (٧) وقال: من قال القرآن مخلوق يحتاج أن يصلب على ذباب يعني: جبل (٨) وقال عبدالله بن إدريس رحمه الله تعالى: وقد سئل ما تقول في الجهمية يصلى خلفهم؟ فقال: أمسلمون هؤلاء؟ أمسلمون هؤلاء؟ لا ولا كرامة لا يصلى خلفهم (٩) وقال له رجل: يا أبا محمد إن قبلنا ناسًا يقولون: القرآن مخلوق، فقال: من اليهود؟ قال: لا، قال: فمن النصارى؟ قال: لا، قال: فمن المجوس؟ قال: لا، قال: فمن؟ قال: من الموحدين؟ قال: كذبوا ليس هؤلاء بموحدين، هؤلاء زنادقة هؤلاء زنادقة. وقرأ ابن إدريس بسم الله الرحمن الرحيم فقال الله مخلوق؟ والرحمن مخلوق؟ والرحيم مخلوق؟ هؤلاء زنادقة (١٠) وسئل عن قوم يقولون: القرآن مخلوق؛ فاستشنع ذلك وقال سبحان الله شيء منه مخلوق؟ (١١) وقال وكيع: فإني أستتيبه فإن تاب وإلا قتلته (١٢) وقال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أنه محدث ومن زعم أنه محدث فقد كفر. (١٣) وقيل له: إن فلانا يقول إن القرآن محدث فقال: سبحان الله هذا كفر. قال السويدي: وسألت وكيعا عن الصلاة خلف الجهمية فقال: لا تصل خلفهم (١٤) وقال: من زعم أن القرآن مخلوق؛ فقد زعم أنه محدث يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه (١٥)\n_________\n(١) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٠٨).\n(٣) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٠٩).\n(٤) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٠٩).\n(٥) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١١).\n(٦) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص٣١)، وعبد الله في «السنة» (١/ ١١١) واللفظ له، وابن بطة في «الإبانة- كتاب الرد على الجهمية» (٢/ ٩٧).\n(٧) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص٣٧)، وعبد الله في «السنة» (١/ ١١٢).\n(٨) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص٣٧)، وعبد الله في «السنة» (١/ ١١٢).\n(٩) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١٣).\n(١٠) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص٣٠).\n(١١) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١٤).\n(١٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١٤ - ١١٥).\n(١٣) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١٥)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٦٠٨ - ٦٠٩).\n(١٤) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١٥).\n(١٥) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص٣٤)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٣١٧) ..","vol":"3","page":378},{"text":"وقال زهير بن حرب: اختصمت أنا ومثنى فقال مثنى: القرآن مخلوق، وقلت أنا: كلام الله، فقال وكيع وأنا أسمع: هذا كفر، وقال: من قال: القرآن مخلوق هذا كفر؛ فقال المثنى: يا أبا سفيان قال الله تعالى: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ [الشعراء:٥] فإيش هذا؟ فقال وكيع: من قال القرآن مخلوق هذا كفر (١) وقال: من قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر (٢) وقال رحمه الله تعالى: القرآن كلام الله أنزله جبريل على رسول الله ﷺ كل صاحب هوى يعرف الله ويعرف من يعبد إلا الجهمية لا يدرون من يعبدون بشر المريسي وأصحابه (٣) وقيل لوكيع في ذبائح الجهمية قال: لا تؤكل هم مرتدون (٤) وقال: من قال: إن كلامه ليس منه فقد كفر، وقال: من قال: إن منه شيئًا مخلوقًا فقد كفر (٥). وقال فطر بن حماد سألت معتمر بن سليمان فقلت: يا أبا محمد إمام لقوم يقول القرآن مخلوق أصلي خلفه؟ فقال: ينبغي أن تضرب عنقه. قال فطر: وسألت حماد بن زيد فقلت: يا أبا إسماعيل إمام لنا يقول: القرآن مخلوق، أصلي خلفه؟ فقال: صل خلف مسلم أحبّ إليّ. وسألت يزيد بن زريع فقلت: يا أبا معاوية إمام يقول القرآن مخلوق أصلي خلفه؟ قال: لا، ولا كرامة (٦) وقال عبدالرحمن بن مهدي: من زعم أن الله لم يكلم موسى يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه (٧) وقال مرة: لا أرى أن تستتيب الجهمية (٨) وقال رحمه الله تعالى: لو كان لي من الأمر شيء لقمت على الجسر فلا يمر بي أحد من الجهمية إلا سألته عن القرآن فإن قال: مخلوق ضربت رأسه ورميت به في الماء (٩) وقال أبو بكر بن الأسود: لو أن رجلا جهميا مات وأنا أرثه ما استحللت أن آخذ من ميراثه (١٠) وقال أبو يوسف القاضي جيئوني بشاهدين يشهدان على المريسي والله لأملأن ظهره وبطنه بالسياط يقول في القرآن يعني: مخلوق (١١) وقال يزيد بن هارون وذكر الجهمية فقال: هم والله زنادقة عليهم لعنة الله (١٢) وقال رحمه الله تعالى: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة من قال القرآن مخلوق فهو زنديق (١٣) وسئل عن الصلاة خلفهم قال: لا. وقال معاذ بن معاذ من قال القرآن مخلوق فهو كافر (١٤) وقال شبابة بن سوار: اجتمع رأيي ورأي أبي النضر هاشم بن قاسم وجماعة من الفقهاء على أن المريسي كافر جاحد نرى أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه (١٥) وكان أبو توبة الحلبي ونعيم بن حماد وإبراهيم بن مهدي يكفرون الجهمية وقال بشر بن الحارث: لا تجالسوهم ولا تكلموهم وإن مرضوا لا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم كيف يرجعون وأنتم تفعلون بهم هذا؟! (١٦)\n_________\n(١) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١٦)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٣١٧).\n(٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١٦)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٢٥٧)، والآجري في «الشريعة» (ص٧٨).\n(٣) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١٦).\n(٤) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١٧).\n(٥) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١٧).\n(٦) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١٨).\n(٧) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١١٩ - ١٢٠).\n(٨) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٠).\n(٩) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٠).\n(١٠) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢١).\n(١١) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٢ - ١٢٣).\n(١٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢١ - ١٢٢).\n(١٣) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٢).\n(١٤) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٣)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٢٦٠).\n(١٥) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٤)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٣١٧ - ٣١٨).\n(١٦) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٥ - ١٢٦) ..","vol":"3","page":379},{"text":"قال أبو الأسود النضر بن عبد الجبار: القرآن كلام الله ومن زعم أنه مخلوق فهو كافر هذا كلام الزنادقة (١) وقال عباد بن عوام: كلمت بشر المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا: ليس في السماء شيء (٢) وقال عمرو بن الربيع بن طارق: القرآن كلام الله من زعم أنه مخلوق فهو كافر (٣) وقال هارون أمير المؤمنين: بلغني أن بشرًا المريسي يزعم أن القرآن مخلوق؛ فهو يعبد صنما (٤) وقال يحيى بن معين رحمه الله تعالى: من قال القرآن مخلوق فهو كافر (٥) وقال رجل لهيثم: إن فلانا يقول القرآن مخلوق؛ فقال: اذهب إليه فاقرأ عليه أول الحديد وآخر الحشر فإن زعم أنهما مخلوقتان فاضرب عنقه (٦) وقال أبو هشام الغساني مثله (٧) وقال أبو عبيد: من قال القرآن مخلوق فقد افترى على الله وقال عليه ما لم تقله اليهود والنصارى (٨) وقال إسحاق بن البهلول لأنس بن عياض أبي ضمرة: أصلي خلف الجهمية قال: لا، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:٨٥] (٩) وسئل عيسى بن يونس رحمه الله تعالى: عمن يقول القرآن مخلوق؟ فقال: كافر أو كفر؛ فقيل له: تكفرهم بهذه الكلمة. قال: إن هذا أيسر أو أحسن ما يظهرون (١٠) وكان يحيى بن معين رحمه الله تعالى: يعيد صلاة الجمعة مذ أظهر عبدالله بن هارون المأمون ما أظهر يعني القول بخلق القرآن (١١). وقال الحسين بن إبراهيم بن أشكاب وعاصم بن علي بن عاصم وهارون الفروي وعبد الوهاب الوراق وسفيان بن وكيع القرآن كلام الله وليس بمخلوق. وسئل جعفر بن محمد رحمه الله تعالى: عن القرآن فقال: ليس بخالق ولا بمخلوق ولكنه كلام الله (١٢). وروى عن أبيه علي بن الحسين أنه قال في القرآن: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله. (١٣) وقال الزهري سألت علي بن الحسين عن القرآن؟ فقال: كتاب الله وكلامه (١٤) وعن إبراهيم بن سعد وسعيد بن عبدالرحمن الجمحي ووهب بن جرير وأبي النضر هاشم بن القاسم وسليمان بن حرب قالوا: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. وقال سفيان بن عيينة: لا نحسن غير هذا القرآن كلام الله فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله [التوبة:٦] يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح:١٥] (١٥) وقال الإمام مالك بن أنس وجماعة من العلماء بالمدينة وذكروا القرآن فقالوا: كلام الله وهو منه وليس من الله شيء مخلوق (١٦)\n_________\n(١) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٦).\n(٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(٣) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٦).\n(٤) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٧).\n(٥) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٨).\n(٦) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٨).\n(٧) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٨).\n(٨) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٩).\n(٩) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٢٩).\n(١٠) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٣٠).\n(١١) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٣٠).\n(١٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٥١ - ١٥٢)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(١٣) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٥٢ - ١٥٣)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٢٣٧).\n(١٤) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٥٣)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٢٣٧) ..\n(١٥) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٥٥)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٣٤٨).\n(١٦) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٢٤٩) ..","vol":"3","page":380},{"text":"وقال حماد بن زيد رحمه الله تعالى: القرآن كلام الله أنزله جبريل من عند رب العالمين (١) وقال أبو بكر بن عياش: من زعم أن القرآن مخلوق فقد افترى على الله (٢) وقال وكيع: القرآن من الله، منه خرج وإليه يعود (٣) وقال يحيى بن سعيد: كيف يصنعون بقل هو الله أحد كيف يصنعون بهذه الآية إِنِّي أَنَا اللَّهُ [القصص:٣٠] يكون مخلوقا؟ (٤) وقال وهب بن جرير ومحمد بن يزيد الواسطي وابن أبي إدريس وأبو بكر بن أبي شيبة وأخوه عثمان بن أبي شيبة وأبو عمر الشيباني ويحيى بن أيوب وأبو الوليد وحجاج الأنماطي ويحيى بن معين وأبو خيثمة وإسحاق بن أبي إسرائيل وأبو معمر: القرآن كلام الله ليس بمخلوق (٥) وقال أبو عمرو الشيباني لإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة وقال: القرآن مخلوق فقال الشيباني: خلقه قبل أن يتكلم به أو بعدما تكلم به؟ قال: فسكت (٦) وقال حسن بن موسى الأشيب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين [الفاتحة:٥] فقال حسن مخلوق هذا؟ (٧) وقال محمد بن سليمان: لو أن القرآن كلام الله غير مخلوق ما رأيت أحدًا يقول القرآن مخلوق أعوذ بالله (٨).اهـ.\n_________\n(١) رواه عبدالله في «السنة» (٢/ ٤٨٥)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٣٤٨).\n(٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٥٧).\n(٣) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٥٨).\n(٤) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٥٩).\n(٥) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٥٤ - ١٦٠).\n(٦) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٦٠).\n(٧) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٦١).\n(٨) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٦١)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٢٦٦).","vol":"3","page":381},{"text":"وقال الشافعي رحمه الله تعالى: في وصيته: القرآن كلام الله غير مخلوق. وقال عفان بن مسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح:١٥] الله لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّوم [البقرة:٢٥٥] قُلْ هُوَ الله أَحُد [الإخلاص:١] أمخلوق هذا؟ أدركت شعبة وحماد بن سلمة وأصحاب الحسن يقولون: القرآن كلام الله ليس مخلوقا (١) وقال يحيى بن يحيى: من زعم أن من القرآن من أوله إلى آخره آية مخلوقة فهو كافر. وقال هشام بن عبيد الله القرآن كلام الله غير مخلوق؛ فقال له رجل أليس الله تعالى: يقول: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ [الأنبياء:٢] فقال: محدث إلينا وليس عند الله محدث. وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي رحمه الله تعالى: ليس بين أهل العلم خلاف أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فكيف يكون شيء خرج من الرب ﷿ مخلوقا؟ (٢) وقال أبو جعفر النفيلي: من قال: إن القرآن مخلوق؛ فهو كافر. فقيل: يا أبا جعفر الكفر كفران كفر النعمة وكفر بالرب ﷿؟ قال: لا بل كفر بالرب ﷿ ما تقول فيمن يقول: الله أَحَد الله الصَّمَد [الإخلاص:١] مخلوق أليس كافر هو؟ (٣) وقال عبدالله بن محمد العيشي: يستحيل في صفة الحكيم أن يخلق كلاما يدعي الربوبية يعني: قوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا الله [طه:١٤] وقوله: أَنَا رَبُّك [طه:١٢] (٤). قلت: والمعتزلة يقولون إن كلام الله لموسى خلقه في الشجرة فعلى هذا تكون الشجرة هي القائلة: إِنَّنِي أَنَا الله لاَ إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:١٤] قبحهم الله في الدنيا والآخرة. وقال محمد بن يحيى الذهلي: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع صفاته وحيث تصرف (٥) وأما كلام البخاري رحمه الله تعالى ومتانته في هذه المسألة فأشهر من أن يحتاج إلى تعريف وله في ذلك كتاب (خلق أفعال العباد) وقد بوّب في (صحيحه) على جملة وافية تدل على غزارة علمه وجلالة شأنه. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: أدركنا العلماء في جميع الأمصار فكان من مذهبهم أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته والقدر خيره وشره من الله تعالى، وأن الله تعالى على عرشه بائن من خلقه كما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف أحاط بكل شيء علمًا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (٦) وقال محمد بن أسلم الطوسي: القرآن كلام الله غير مخلوق أينما تلي وحيثما كتب لا يتغير ولا يتحول ولا يتبدل (٧).\n_________\n(١) أورده الذهبي في «العلو» (ص١٦٦ - ١٦٧). وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص٧٥): سنده قوي.\n(٢) أورده الذهبي في «العلو» (ص١٧٩). وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص٧٥): صحيح.\n(٣) أورده الذهبي في «العلو» (ص١٨١). وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص٧٥): صحيح.\n(٤) أورده الذهبي في «العلو» (ص١٨١).\n(٥) رواه الذهبي في «العلو» (ص١٨٦).\n(٦) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ١٧٦ - ١٧٧)، وأورد شطره الثاني الذهبي في «العلو» (ص١٨٦). وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص٧٥): صحيح.\n(٧) رواه الذهبي في «العلو» (ص١٨٦). قال الألباني في «مختصر العلو» (ص٧٥): إسناده لا بأس به.","vol":"3","page":382},{"text":"وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى: في كتاب (التوحيد) بعد تبويبه على تكليم الله موسى ﵊: وتكليم الله بالوحي وصفة نزول الوحي وتكليم الله عباده يوم القيامة وتقرير البحث في ذلك، ثم قال: باب ذكر البيان في كتاب ربنا المنزل على نبيه المصطفى ﷺ ومن سنة نبينا محمد ﷺ على الفرق بين كلام الله ﷿ الذي به يكون خلقه وبين خلقه الذي يكون بكلامه وقوله والدليل على نبذ قول الجهمية الذين يزعمون أن كلام الله تعالى: مخلوق جل ربنا وعز عن ذلك. قال الله تعالى: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:٥٤] ففرق الله تعالى: بين الخلق والأمر الذي به يخلق الخلق بواو الاستئناف وأعلمنا الله جل وعلا في محكم تنزيله أنه يخلق الخلق بكلامه وقوله: ِإنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل:٤٠] فأعلمنا جل وعلا أنه يكون كل مكون من خلقه بقوله كن فيكون وقوله كن هو كلامه الذي به يكون الخلق وكلامه ﷿ الذي به يكون الخلق غير الخلق الذي يكون مكونا بكلامه فافهم ولا تغلط ولا تغالط ومن عقل عن الله خطابه علم أن الله سبحانه لما أعلم عباده المؤمنين أنه يكون الشيء بقوله: كن أن القول الذي هو كن غير المكون بكن المقول له كن وعقل عن الله أن قوله كن لو كان خلقا على ما زعمت الجهمية المفترية على الله أنه إنما يخلق الخلق ويكونه بخلق لو كان قوله كن خلقا فيقال لهم يا جهلة فالقول الذي يكون به الخلق على زعمكم لو كان خلقا بم يكونه؟ أليس قول مقالتكم التي تزعمون أن قوله: كن إنما يخلقه بقول قلبه وهو عندكم خلقه وذلك القول يخلقه بقول قلبه وهو خلق حتى يصير إلى ما لا غاية له ولا عدد ولا أول، وفي هذا إبطال تكوين الخلق وإنشاء البرية وإحداث ما لم يكن قبل أن يحدث الله الشيء وينشئه، وهذا قول لا يتوهمه ذو لب لو تفكر فيه ووفق لإدراك الصواب والرشاد قال الله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ [الأعراف:٥٤] فهل يتوهم مسلم أن الله تعالى: سخر الشمس والقمر والنجوم مسخرات بخلقه أليس مفهوما عند من يعقل عن الله خطابه أن الأمر الذي سخر به غير المسخر بالأمر وأن القول غير المقول له فتفهموا يا ذوي الحجا عن الله خطابه وعن النبي ﷺ بيانه لا تصدوا عن سواء السبيل فتضلوا كما ضلت الجهمية عليهم لعائن الله فاسمعوا الآن الدليل الواضح البيّن غير المشكل من سنة رسول الله ﷺ بنقل العدل موصولا إليه على الفرق بين خلق الله وبين كلام الله تعالى. ثم ساق الأحاديث في ذكر كلمات الله تعالى إلى الحديث: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» (١) ثم قال: أفليس العلم محيطا يا ذوي الحجا أنه غير جائز أن يأمر النبي ﷺ بالتعوذ بخلق الله من شر خلقه هل سمعت عالمًا يجيز أن يقول: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله أو يجيز أن يقول أعوذ بالصفا والمروة أو أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق الله؟ هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه ...\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٠٨). من حديث خولة بنت حكيم السلمية ﵂.","vol":"3","page":383},{"text":"وقال أبو معاوية بن حازم الضرير رحمه الله تعالى: الكلام فيه بدعة وضلالة ما يكلم فيه النبي ﷺ ولا الصحابة ﵃ ولا التابعون ولا الصالحون رحمهم الله تعالى: يعني قول القرآن مخلوق (١). وذكر عند أبي نعيم هو الفضل بن دكين من يقول: القرآن مخلوق فقال: والله والله ما سمعت بشيء من هذا حتى خرج ذاك الخبيث جهم (٢) وكلام أئمة السنة في هذا الباب يطول ذكره ولو أردنا استيعابه لطال الفصل. وقد تكرر نقل الإجماع منهم على إثبات ما أثبت الله ﷿ لنفسه وأثبته رسول الله ﷺ والصحابة فمن بعدهم ونفي التكييف عنها لا سيما في مسألة العلو وفي هذه المسألة مسألة القرآن وتكليم الله تعالى موسى لأنها أول ما جحده الزنادقة قبحهم الله تعالى: وفي ذكر من سمينا كفاية ومن لم نسم منهم أضعاف ذلك ولم يختلف منهم اثنان في أن القرآن كلام الله تعالى: ليس بمخلوق من الله بدأ وإليه يعود، وتقلدوا كفر من قال بخلق القرآن ومنعوا الصلاة خلفه وأفتوا بضرب عنقه وبتحريم ميراثه على المسلمين وحرموا ذبيحته وجزموا بأنها ذبيحة مرتد لا تحل للمسلمين فانظر أيها المنصف أقوالهم ثم اعرضها على نصوص الكتاب والسنة هل تجدهم حادوا عنها قيد شبر أو قدموا عليها قول أحد من الناس كائنا من كان حاشا وكلا معاذ الله بل بها اقتدوا ومنها تضلعوا وبنورها استضاءوا وإياها اتبعوا فهداهم الله بذلك لما اختلفت فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. .. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ بن أحمد الحكمي -١/ ٣٤٣ - ٣٦٢\n_________\n(١) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٧٢).\n(٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ١٧٢).","vol":"3","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-914>تمهيد</span>\nوالمخالفون لأهل السنة في القرآن سبع طوائف ذكرهم شيخ الإسلام ابن تيمية في المنهاج وابن القيم في الصواعق معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨١","vol":"3","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-915>المبحث الأول: الاتحادية</span>\nالقائلون بوحدة الوجود أن كل كلام في الوجود كلام الله نظمه ونثره وحقه وباطله سحره وكفره والسب والشتم والهجر والفحش وأضداده كله عين كلام الله تعالى القائم به كما قال عارفهم:\nوكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه\nوهذا المذهب مبني على أصلهم الذي أصلوه وهو أن الله سبحانه هو عين هذا الوجود فصفاته هي صفات الله وكلامه هو كلام الله وأصل هذا المذهب إنكار مسألة المباينة والعلو فإنهم لما أصلوا أن الله تعالى: غير مباين لهذا العالم المحسوس صاروا بين أمرين لا ثالث لهما إلا المكابرة أحدهما: أنه معدوم لا وجود له إذ لو كان موجودًا لكان إما داخل العالم وإما خارجًا عنه وهذا معلوم بالضرورة فإنه إذا كان قائما بنفسه فإما أن يكون مباينا للعالم أو محدثا له إما داخلا فيه وإما خارجا عنه الأمر الثاني: أن يكون هو عين هذا العالم فإنه يصح أن يقال فيه حينئذ أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباينا له ولا حلا فيه إذ هو عينه والشيء لا يباين نفسه ولا يحايثها فرأوا أن هذا خير من إنكار وجوده والحكم عليه بأنه معدوم ورأوا أن الفرار من هذا إلى إثبات موجود قائم بنفسه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا مباين له ولا محايث ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا من خلفه ولا أمامه فرارا إلى ما لا يسيغه عقل ولا تقبله فطرة ولا تأتي به شريعة ولا يمكن أن يقر برب هذا شأنه إلا على أحد وجهين لا ثالث لهما أحدهما: أن يكون ساريا فيه حالا فهو في كل مكان بذاته وهو قول جميع الجهمية الأقدمين. الوجه الثاني: أن يكون وجوده في الذهن لا في الخارج فيكون وجوده سبحانه وجودا عقليا إذ لو كان موجودا في الأعيان لكان إما عين هذا العالم أو غيره ولو كان غيره لكان إما بائنا عنه أو حالا فيه وكلاهما باطل فثبت أنه عين هذا العالم فله حينئذ كل اسم حسن وقبيح وكل صفة كمال ونقص وكل كلام حق وباطل نعوذ بالله من ذلك. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨١","vol":"3","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-916>المبحث الثاني: مذهب الفلاسفة</span>\nالمتأخرين أتباع أرسطو وهم الذين يحكي ابن سينا والفارابي والطوسي قولهم: إن كلام الله فيض فاض من العقل الفعال على النفوس الفاضلة الزكية بحسب استعدادها فأوجب لها ذلك الفيض تصورات وتصديقات بحسب ما قبلته منه ولهذه النفوس عندهم ثلاث قوى: قوة التصور وقوة التخيل وقوة التعبير فتدرك بقوة تصورها من المعاني ما يعجز عن غيرها وتدرك بقوة تخيلها شكل المعقول في صورة المحسوس فتتصور المعقول صورا نورانية تخاطبها وتكلمها بكلام تسمعه الآذان وهو عندهم كلام الله ولا حقيقة له في الخارج وإنما ذلك كله من القوة الخيالية الوهمية قالوا وربما قويت هذه القوة على إسماع ذلك الخطاب لغيرها وتشكيل تلك الصورة العقلية لعين الرائي فيرى الملائكة ويسمع خطابهم وكل ذلك من الوهم والخيال لا في الخارج فهذا أصل هؤلاء في إثبات كلام الرب الذي عرفت به الرسل ودعت إليه وهو القائم بنفسه المباين لخلقه العالي فوق عرشه الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته العالم بجميع المعلومات القادر على كل شيء فهم أنكروا ذلك كله. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨٢","vol":"3","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-917>المبحث الثالث: مذهب الجهمية</span>\nالنفاة لصفات الرب تعالى: القائلين إن كلامه مخلوق ومن بعض مخلوقاته فلم يقم بذاته سبحانه فاتفقوا على هذا الأصل واختلفوا في فروعه قال الأشعري في كتاب (المقالات): اختلفت المعتزلة في كلام الله هل هو جسم أو ليس بجسم وفي خلقه على ستة أقاويل فالفرقة الأولى: يزعمون أن كلام الله جسم وأنه مخلوق وأنه لا شيء إلا الجسم والفرقة الثانية: زعموا أن كلام الخلق عرض وهو حركة لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة وأن كلام الخالق جسم وأن ذلك الجسم صوت منقطع مؤلف مسموع وهو فعل الله وخلقه وهذا قول الهذيل وأصحابه وأحال النظام أن يكون كلام الله في أماكن كثيرة أو مكانين في وقت واحد وزعم أنه في المكان الذي خلق فيه والفرقة الثالثة: من المعتزلة تزعم أن القرآن مخلوق لله وأنه عرض وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد إذا تلاه تال فهو يوجد مع تلاوته وإذا كتبه وجد مع كتابته وإذا حفظه وجد مع حفظه وهو يوجد في الأماكن بالتلاوة والحفظ والكتابة ولا يجوز عليه الانتقال والزوال والفرقة الرابعة: يزعمون أن كلام الله ﷿ عرض وأنه مخلوق وأحالوا أن يوجد في مكانين في وقت واحد وزعموا أن المكان الذي خلقه الله تعالى فيه محال انتقاله وزواله منه ووجوده في غيره وهذا قول جعفر بن حرب وأكثر البغداديين. الفرقة الخامسة: أصحاب معمر يزعمون أن القرآن عرض والأعراض عندهم قسمان: قسم منهما يفعله الأحياء وقسم منهما يفعله الأموات ومحال أن يكون ما يفعله الأموات فعلا للأحياء والقرآن مفعول وهو عرض ومحال أن يكون الله فعله في الحقيقة لأنهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلا لله وزعموا أن القرآن فعل للمحل الذي يسمع منه إذا سمع من الشجرة فهو فعل لها وحيث سمع فهو فعل المحل الذي حل فيه الفرقة السادسة: يزعمون أن كلام الله عرض مخلو وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد وهذا قول الإسكافي واختلفت المعتزلة في كلام الله هل يبقى فقالت فرقة منه: يبقى بعد خلقه وقالت فرقة أخرى: لا يبقى وإنما يوجد في الوقت الذي خلقه الله ثم يعدم بعد ذلك وهذا المذهب هو من فروع ذلك الأصل الباطل المخالف لجميع كتب الله ورسله ولصريح المعقول والفطر من جحد صفات الرب وتعطيل حقائق أسمائه وصفاته ونفي قيام الأفعال به فلما أصلوا أنه لا يقوم به وصف ولا فعل كان من فروع هذا الأصل أنه لم يتكلم بالقرآن ولا بغيره وأن القرآن مخلوق وطرد ذلك إنكار ربوبيته وإلهيته فإن ربوبيته سبحانه إنما تتحقق بكونه فعالا مدبرا متصرفا في خلقه يعلم ويقرر ويريد ويسمع ويبصر فإذا انتفت عنه صفة الكلام انتفى الأمر والنهي ولوازمهما وذلك ينفي حقيقة الإلهية فطرد ما أصلوه أن الله سبحانه ليس برب العالمين ولا إله فضلا عن أن يكون لا رب غيره ولا إله سواه. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨٣","vol":"3","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-918>المبحث الرابع: مذهب الكلابية</span>\nأتباع عبدالله بن سعيد بن كلاب أن القرآن معنى قائم بالنفس لا يتعلق بالقدرة والمشيئة وأنه لازم ذات الرب كلزوم الحياة والعلم وأنه لا يسمع على الحقيقة والحروف والأصوات حكاية له دالة عليه وهي مخلوقة وهو أربعة معاني في نفسه: الأمر والنهي والخبر والاستفهام فهي أنواع لذلك المعنى القديم الذي لا يسمع وذلك المعنى هو المتلو وهذا المذهب أول من يعرف أنه قال به ابن كلاب وبناه على أن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم والحروف والأصوات حادثة فلا يمكن أن تقوم بذات الرب والقرآن اسم لذلك المعنى وهو غير مخلوق. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨٥","vol":"3","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-919>المبحث الخامس: مذهب الأشعري</span>\nومن وافقه أنه معنى واحد قائم بذات الرب تعالى: لأنه ليس بحرف ولا صوت ولا ينقسم ولا له أبعاض ولا له أجزاء وهو عين الأمر وعين النهي وعين الخبر وعين الاستخبار الكل واحد وهو عين التوراة وعين الإنجيل وعين القرآن والزبور وكونه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا صفات لذلك المعنى الواحد لا أنواع له فإنه لا ينقسم بنوع ولا جزء وكونه قرآنا وتوراة وإنجيلا تقسيم للعبارات عنه لا لذاته بل إذا عبر عن ذلك المعنى بالعربية كان قرآنا وإذا عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإذا عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا والمعنى واحد وهذه الألفاظ عبارة عنه ولا يسميها حكاية وهي خلق من المخلوقات وعنده لم يتكلم الله بهذا الكلام العربي ولا سمع من الله وعنده ذلك المعنى سمع من الله حقيقة ويجوز أن يرى ويشم ويذاق ويلمس ويدرك بالحواس الخمس إذ المصحح عنده لإدراك الحواس هو الوجود فكل وجود يصح تعلق الإدراكات كلها به كما قرره في مسألة رؤية من ليس في جهة الرائي وأنه يرى حقيقة وليس مقابلا للرائي هذا قولهم في الرؤية وذلك قولهم في الكلام. والبلية العظمى نسبة ذلك إلى رسول الله ﷺ وأنه جاء بهذا ودعا إليه الأمة وأنهم أهل الحق ومن عداهم أهل الباطل وجمهور العقلاء يقولون: إن تتصور هذا المذهب كاف في الجزم ببطلانه وهو لا يتصور إلا كما تصور المستحيلات الممتنعات وهذا المذهب مبني على مسألة إنكار قيام الأفعال والأمور الاختيارية بالرب تعالى: ويسمونها مسألة حلول الحوادث وحقيقتها إنكار أفعاله وربوبيته وإرادته ومشيئته. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨٥","vol":"3","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-920>المبحث السادس: مذهب الكرامية</span>\nوهو أنه متعلق بالمشيئة والقدرة قائم بذات الرب تعالى: وهو حروف وأصوات مسموعة وهو حادث بعد أن لم يكن فهو عندهم متكلم بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن فاعلا كما ألزموا به الكرامية في مسألة الكلام فهو لازم لهم في مسألة الفعل والكرامية أقرب إلى الصواب منهم فإنهم اثبتوا كلاما وفعلا حقيقة قائمين بذات المتكلم الفاعل وجعلوا لها فرارا من القول بحوادث لا أول لها ومنازعوهم أبطلوا حقيقة الكلام والفعل وقالوا لم يقم به فعل ولا كلام ألبتة وأما من أثبت منهم معنى قائما بنفسه سبحانه فلو كان ما أثبته مفعولا لكان من جنس الإرادة والعلم لم يكن خارجا عنهما فهم لم يثبتوا لله كلاما ولا فعلا وأما الكرامية فإنهم جعلوه متكلما بعد أن لم يكن متكلما كما جعله خصومهم فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨٧","vol":"3","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-921>المبحث السابع: مذهب السالمية</span>\nومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة وأهل الحديث إنه صفة قديمة قائمة بذات الرب تعالى: لم يزل ولا يزال لا يتعلق بقدرته ومشيئته ومع ذلك هو حروف وأصوات وسور وآيات سمعه جبريل منه وسمعه موسى بلا واسطة ويسمعه سبحانه من يشاء وإسماعه نوعان: بواسطة وبلا واسطة ومع ذلك فحروفه وكلماته لا يسبق بعضها بعضا بل هي مقترنة الباء من السين مع الميم في آن واحد ثم لم تكن معدومة في وقت من الأوقات ولا تعدم بل لم تزل قائمة بذاته سبحانه قيام صفات الحياة والسمع والبصر وجمهور العقلاء قالوا إن تصور هذا المذهب كاف في الجزم في بطلانه والبراهين العقلية والأدلة القطعية شاهدة ببطلان هذه المذاهب كلها وأنها مخالفة لصريح العقل والنقل والعجب إنها هي الدائرة بين فضلاء العالم لا يكادون يعرفون غيرها ثم ذكر رحمه الله تعالى: قول أتباع الرسل وأطال على ذلك ثم مسألة تكلم العباد بالقرآن وساق فيه كثيرا من كلام البخاري رحمه الله تعالى: في (صحيحه) وفي كتاب (خلق أفعال العباد) لأنه من أحسن الأئمة توضيحا وتفصيلا في هذه المسألة لما جرى عليه من المحنة في شأنها ثم ذكر الكلام على حروف المعجم وساق فيه أقوال الأئمة ثم ذكر اللفظية في أثناء ذلك والواقفة ثم ذكر فصلا في الكتابة له في الرق وغيره ثم فصلا في السماع ثم فصلا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في أول من أظهر إنكار أن الله سبحانه يتكلم بصوت في أثناء المئة الثالثة ابن كلاب، وأنكر عليه ذلك أئمة الحديث كأحمد والبخاري وغيرهما، وفي غضون هذه الفصول أبحاث نفيسة لا يستغنى عنها فلتراجع منه.\nثم قال رحمه الله تعالى: فصل منشأ النزاع بين الطوائف أن الرب تعالى: هل يتكلم بمشيئته أم كلامه بغير مشيئته على قولين فقالت طائفة كلامه بغير مشيئته واختياره ثم انقسم هؤلاء أربع فرق قالت فرقة هو فيض فاض منه بواسطة العقل الفعال على نفس شريفة فتكلمت به كما يقول ابن سينا وأتباعه وينسبونه إلى أرسطو وفرقة قالت بل هو معنى قائم بذات الرب تعالى: هو به متكلم وهو قول الكلابية ومن تبعهم وانقسم هؤلاء فرقتين فرقة قالت هو معان متعددة في أنفسها أمر ونهي وخبر واستخبار ومعنى جامع لهذه الأربعة وفرقة قالت بل هو معنى واحد بالعين لا ينقسم ولا يتبعض وفرقة قالت كلامه هو هذه الحروف والأصوات خلقها خارجة عن ذاته فصار بها متكلما وهذا قول المعتزلة وهو في الأصل قول الجهمية تلقاه عنهم أهل الاعتزال فنسب إليهم وفرقة قالت يتكلم بقدرته ومشيئته كلاما قائما بذاته سبحانه كما يقوم به سائر أفعاله لكنه حادث النوع وعندهم أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا فقول هؤلاء في الفعل المتصل كقول أولئك في الفعل المنفصل وهذا قول الكرامية وفرقة قالت يتكلم بمشيئته وكلامه سبحانه هو الذي يتكلم به الناس كله حقه وباطله وصدقه وكذبه كما يقوله طوائف الاتحادية.\nوقال أهل الحديث والسنة إنه لم يزل سبحانه متكلما إذا شاء ويتكلم بمشيئته ولم تتحدد له هذه الصفة بل كونه متكلما بمشيئته هو من لوازم ذاته المقدسة وهو بائن عن خلقه بذاته وصفاته وكلامه ليس متحدا بهم ولا حالا فيهم واختلفت الفرق هل يسمع كلام الله على الحقيقة فقالت فرقة لا يسمع كلامه على الحقيقة إنما تسمع حكايته والعبارة عنه وهذا قول الكلابية ومن تبعهم وقالت بقية الطوائف بل يسمع كلامه حقيقة ثم اختلفوا فقالت فرقة يسمعه كل أحد من الله تعالى: وهذا قول الاتحادية وقالت فرقة بل لا يسمع إلا من غيره وعندهم أن موسى لم يسمع كلام الله منه فهذا قول الجهمية والمعتزلة وقال أهل السنة والحديث يسمع كلامه سبحانه منه تارة بلا واسطة كما سمعه موسى وجبريل وغيرهما وكما يكلم عبده يوم القيامة ويكلم أهل الجنة ويكلم الأنبياء في الموقف ويسمع من المبلغ عنه كما سمع الأنبياء الوحي من جبريل تبليغا عنه وكما سمع الصحابة القرآن من رسول الله ﷺ عن الله فسمعوا كلام الله بواسطة المبلغ وكذلك نسمع نحن بواسطة التالي فإذا قيل المسموع مخلوق أو غير مخلوق قيل إن أردت المسموع عن الله تعالى: فهو كلامه غير مخلوق وإن أردت المسموع من المبلغ ففيه تفصيل إن سألت عن الكلام المؤدى بذلك الصوت فهو غير مخلوق والذين قالوا إن الله يتكلم بصوت فرق أربعة فرقة قالت يتكلم بصوت مخلوق منفصل عنه وهم المعتزلة وفرقة قالت يتكلم بصوت قديم لم يزل ولا يزال وهم السالمية والاقترانية وفرقة قالت يتكلم بصوت حادث في ذاته بعد أن لم يكن وهم الكرامية، وقال أهل السنة والحديث: لم يزل الله تعالى: متكلما بصوت إذا شاء والذين قالوا لا يتكلم بصوت فرقتان أصحاب الفيض والقائلون إن الكلام معنى قائم بالنفس معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨٨","vol":"3","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-922>الباب الثالث أهم الكتب المنزلة</span>\n• أولا: مواضع الاتفاق.\n• ثانيا: مواضع الاختلاف.","vol":"3","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-924>أولا: مواضع الاتفاق</span>\nتتفق الكتب السماوية في أمور عديدة منها:\n١ - وحدة المصدر: فمصدرها واحد؛ فهي منزلة من عند الله، قال تعالى: الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:١ - ٤].\n٢ - وحدة الغاية: فالكتب السماوية غايتها واحدة، فهي كلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى دين الإسلام؛ فالإسلام هو دين جميع الرسل، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦].\nوقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: ١٩].\nوالإسلام هو الدين الذي أُمِر به إبراهيم ﵇ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة: ١٣١].\nوقال موسى ﵇ لقومه: يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس: ٨٤].\nوالحواريون قالوا لعيسى ﵇: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢].\nفالغاية إذًا هي الدعوة إلى دين الإسلام، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له.\n٣ - مسائل العقيدة: فالكتب اشتملت على الإيمان بالغيب، ومسائل العقيدة، كالإيمان بالرسل، والبعث والنشور، والإيمان باليوم الآخر إلى غير ذلك.\nفمسائل العقيدة من باب الأخبار التي لا تنسخ.\n٤ - القواعد العامة: فالكتب السماوية تقرر القواعد العامة، التي لابد أن تعيها البشرية؛ كقاعدة الثواب والعقاب، وهي أن الإنسان يحاسب بعمله، فيعاقب بذنوبه وأوزاره، ولا يؤاخذ بجريرة غيره، ويثاب بسعيه، وليس له سعي غيره كما قال تعالى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى [النجم: ٣٦_٤١].\nومن ذلك الحث على تزكية النفس، وبيان أن الفلاح الحقيقي لا يتحقق إلا بتزكية النفس بالطاعة لله، والعبودية له، وإيثار الآجل على العاجل.\nقال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٤ - ١٩].\nومن تلك القواعد أن الذي يستحق وراثة الأرض هم عباد الله الصالحون؛ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥].\nومن ذلك أن العاقبة للتقوى وللمتقين، كما قال تعالى: وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه: ١٣٢]، وقال: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨].\n٥ - العدل والقسط: وهذا من مواطن الاتفاق؛ فجميع الأنبياء ﵈ حملوا ميزان العدل والقسط، قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: ٢٥].\n٦ - محاربة الفساد والانحراف: وهذا ما اتفقت عليه الرسالات؛ سواء كان الفساد عقديًا أو خلقيًا، أو انحرافًا عن الفطرة، أو عدوانًا على البشر، أو تطفيفًا في الكيل والميزان، أو غير ذلك.","vol":"3","page":394},{"text":"٧ - الدعوة إلى مكارم الأخلاق: فالكتب كلها دعت إلى مكارم الأخلاق، كالعفو عن المسيء، وكالصبر على الأذى، وكالقول الحسن، وبر الوالدين، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وإكرام الضيف، والتواضع، والعطف على المساكين، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق.\n٨ - كثير من العبادات: فكثير من العبادات التي نقوم بها كانت معروفة عند الرسل وأتباعهم، كالصلاة، والزكاة، قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ [الأنبياء: ٧٣].\nوإسماعيل ﵇ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ [مريم: ٥٥]، وقال الله لموسى ﵇: فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: ١٤]، وقال عيسى ﵇: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم: ٣١].\nوالصوم كذلك مفروض علينا كما هو مفروض على من قبلنا، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ١٨٣].\nوالحج كذلك، كما في قول الله تعالى لإبراهيم ﵇: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا [الحج: ٢٧].\nوقد جعل الله لكل أمة مناسكها وعبادتها، قال ﷿: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [الحج: ٣٤]. رسائل في العقيدة لمحمد إبراهيم الحمد - ص ٢٨٧","vol":"3","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-925>ثانيا: مواضع الاختلاف</span>\nتختلف الكتب السماوية في الشرائع، فشريعة عيسى تخالف شريعة موسى ﵉ في بعض الأمور، وشريعة محمد تخالف شريعة موسى وعيسى ﵉ في أمور.\nقال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨].\nوليس معنى ذلك أن الشرائع تختلف اختلافًا كليًا؛ فالناظر في الشرائع يجد أنها متفقة في المسائل الأساسية، وقد مر بنا شيء من ذلك، فالاختلاف بينها إنما يكون في التفاصيل.\nفعدد الصلوات، وأركانها، وشروطها، ومقادير الزكاة، ومواضع النسك، ونحو ذلك قد تختلف من شريعة إلى شريعة، وقد يُحِل الله أمرًا في شريعة لحكمة، ويحرمه في شريعة أخرى لحكمة يعلمها ﷿ ولا يلزم أن نعلمها، ومن الأمثلة على ذلك مايلي:\n١ - الصوم: فقد كان الصائم يفطر في غروب الشمس، ويباح له الطعام، والشراب، والنكاح إلى طلوع الفجر ما لم ينم، فإن نام قبل الفجر حرم عليه ذلك كله إلى غروب الشمس من اليوم الثاني، فخفف الله عن هذه الأمة، وأحله من الغروب إلى الفجر، سواءً نام أم لم ينم، قال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧].\n٢ - ستر العورة حال الاغتسال: لم يكن واجبًا عند بني إسرائيل، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: «كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده». (١)\n٣ - الأمور المحرمة: فمما أحله الله لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم الله هذا بعد ذلك.\nوكان التسري على الزوجة مباحًا في شريعة إبراهيم، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة.\nوقد حرَّم الله مثل هذا على بني إسرائيل في التوراة.\nوكذلك الجمع بين الأختين كان سائغًا،. ...\nومما حرَّمه الله على اليهود ما قصه علينا في سورة الأنعام، قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام: ١٤٦].\nثم جاء عيسى ﵇ فأحل لبني إسرائيل بعض ما حرم عليهم.\nوجاءت الشريعة الخاتمة لتكون القاعدة: إحلال الطيبات وتحريم، الخبائث.\nومما تميزت به الشريعة الخاتمة أنها عامة لجميع الناس إلى قيام الساعة، بخلاف الشرائع الأخرى، فهي خاصة بقوم دون قوم، أو فترة دون فترة. رسائل في العقيدة لمحمد إبراهيم الحمد – بتصرف – ص ٢٩٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٨)، ومسلم (٧٩٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-927>المبحث الأول تعريف التوراة</span>\nالتوراة: كلمة عبرانية تعني الشريعة أو الناموس، ويراد بها في اصطلاح اليهود: خمسة أسفار يعتقدون أن موسى ﵇ كتبها بيده، ويسمونها \"بنتاتوك\" نسبة إلى (بنتا) وهي كلمة يونانية تعني خمسة، أي: الأسفار الخمسة، وهذه الأسفار هي:\n١ - سفر التكوين: ويتحدث عن خلق السموات والأرض، وآدم، والأنبياء بعده إلى موت يوسف ﵇\n٢ - سفر الخروج: ويتحدث عن قصة بني إسرائيل من بعد موت يوسف ﵇ إلى خروجهم من مصر، وما حدث لهم بعد الخروج مع موسى ﵇\n٣ - سفر اللاويين: وهو نسبة إلى لاوى بن يعقوب، الذي من نسله موسى وهارون ﵉، وأولاد هارون هم الذين فيهم الكهانة، أي: القيام بالأمور الدينية، وهم المكلفون بالمحافظة على الشريعة وتعليمها الناس، ويتضمن هذا السفر أمورًا تتعلق بهم وبعض الشعائر الدينية الأخرى.\n٤ - سفر العدد: وهو معنيٌّ بعدِّ بني إسرائيل، ويتضمن توجيهات، وحوادث حدثت من بني إسرائيل بعد الخروج.\n٥ - سفر التثنية: ويعني تكرير الشريعة، وإعادة الأوامر والنواهي عليهم مرة أخرى، وينتهي هذا السفر بذكر موت موسى ﵇ وقبره، وقد يطلق النصارى اسم التوراة على جميع أسفار العهد القديم.\nأما في اصطلاح المسلمين فهي: الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﵇ نورًا وهدى لبني إسرائيل.\nأما الكتب الملحقة بالتوراة فهي: أربعة وثلاثون سفرًا، حسب النسخة البروتستانتية، فيكون مجموعها مع التوراة تسعة وثلاثين سفرًا، وهي التي تسمى العهد القديم لدى النصارى، ويمكن تقسيمها إلى خمسة أقسام:\nأولًا: الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇\nثانيًا: الأسفار التاريخية، وهي ثلاثة عشر سفرا:\n١ - يشوع ٢ - القضاة ٣ - راعوث ٤ - صموئيل الأول ٥ - صموئيل الثاني ٦ - الملوك الأول ٧ - الملوك الثاني ٨ - أخبار الأيام الأول ٩ - أخبار الأيام الثاني ١٠ - عزرا ١١ - نحميا ١٢ - إستير ١٣ - يونان (يونس ﵇).\nوهذه الأسفار تحكي قصة بني إسرائيل من بعد موسى ﵇ إلى ما بعد العودة من السبي البابلي إلى فلسطين، وإقامتهم للهيكل مرة أخرى بعد تدميره، ماعدا سفري أخبار الأيام الأول والثاني، فإنها تعيد قصة بني إسرائيل، وتبتدئ بذكر مواليد آدم على سبيل الاختصار إلى السنة الأولى لملك الفرس قورش، وكذلك سفر يونان (يونس ﵇) يحكي قصته مع أهل نينوى الذين أرسل إليهم. ثالثًا: أسفار الأنبياء وهي خمسة عشر سفرًا:\n١ - أشعيا ٢ - إرميا ٣ - حزقيال ٤ - دانيال ٥ - هوشع ٦ - يوثيل ٧ - عاموس ٨ - عوبديا ٩ - ميخا ١٠ - ناحوم ١١ - حبقوق ١٢ - صفنيا ١٣ - حجى ١٤ - زكريا ١٥ - ملاخى.\nوهذه الأسفار يغلب عليها طابع الرؤى، والتنبؤات بما سيكون من حال بني إسرائيل، وحال الناس معهم، وفيها تهديدات لبني إسرائيل، ووعود بالعودة والنصر. والذين نسبت إليهم هذه الأسفار هم ممن كانوا زمن السبي إلى بابل وبعده.\nرابعًا: أسفار الحكمة والشعر (الأسفار الأدبية).\nوهي خمسة أسفار:\n١ - أيوب ٢ - الأمثال ٣ - الجامعة ٤ - نشيد الإنشاد ٥ - مراثي إرميا.\nخامسًا: سفر الابتهالات والأدعية سفر واحد، وهو سفر المزامير المنسوب إلى داود ﵇.\nهذه أسفار النسخة العبرانية المعتمدة لدى اليهود والبروتستانت من النصارى.\nأما النصارى الكاثوليك، والأرثوذكس فيعتمدون النسخة اليونانية، وهي تزيد على العبرانية بسبعة أسفار هي: سفر طوبيا، ويهوديت، والحكمة، ويشوع بن سيراخ، وباروخ، والمكابيين الأول والمكابيين الثاني. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٧٦","vol":"3","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>المبحث الثاني: تاريخ التوراة</span>\nإن كل كتاب يستمد قيمته من قيمة صاحبه، ولابد أن يثبت صحة نسبته إلى صاحبه، وإلا فإنه يفقد قيمته، والكتب المنزلة المقدسة تستمد قدسيتها من نسبتها إلى من جاءت من عنده، وهو الله ﷿، ولابد لثبوت قدسيتها أن تثبت صحة نسبتها وسندها إلى الله ﷿، وما لم يثبت ذلك فإنها لا تكون مقدسة، وغير واجبة القبول؛ إذ تكون عرضة للتحريف، والتبديل، والخطأ.\nفلهذا لابد لنا أن نتعرف على حال التوراة المنسوبة إلى موسى ﵇، وهي أهم جزء في العهد القديم الذي بين يدي اليهود والنصارى من ناحية إسنادها فنقول:\nإن من نظر في التوراة والأسفار الملحقة بها يجد ذكرًا محدودًا لأسفار موسى التي يسمونها الشريعة، أو سفر الرب، أو التوراة.\nومن خلال هذه المعلومات نجد أن اليهود ذكروا:\n١ - أن موسى ﵇ دوَّن جميع الأحكام وكتبها، وهي أحكام أعطيها شفهيًّا وفي هذا قالوا في (سفر الخروج) (٢٤/ ٣): (فجاء موسى وحدث الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام، فأجاب جميع الشعب بصوت واحد، وقالوا: كل الأقوال التي تكلم بها الرب نفعل. فكتب موسى جميع أقوال الرب ...) ثم قالوا: (وأخذ كتاب العهد، وقرأ في مسامع الشعب فقالوا: كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له).\n٢ - أن موسى أُعطي شريعة مكتوبة بيد الله تعالى، وفي هذا قالوا في (سفر الخروج) (٢٤/ ١٢) (وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل، وكن هناك فأعطيك لوحي الحجارة، والشريعة، والوصية التي كتبتها لتعليمهم).\nثم ذكروا بعد هذا أن موسى ﵇ مكث أربعين يومًا في الجبل، وذكروا شرائع كثيرة أعطيها، وتكلم الله بها معه، ثم في نهاية ذلك ذكروا إعطاءه الألواح، وفي هذا قالوا في (سفر الخروج) (٣١/ ١٨): (ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله). وفي أثناء غياب موسى ﵇ عبد بنو إسرائيل العجل، فلما عاد موسى ﵇ ورأى قومه يرقصون حول العجل ألقى الألواح فتكسرت، ثم إن الله ﷾ فيما يذكر اليهود كتب له لوحين آخرين بدلًا عنها.\n٣ - ذكر اليهود أن موسى ﵇ قبيل وفاته كتب التوراة، وأعطاها لحاملي التابوت، وفي هذا قالوا في (سفر التثنية) (٣١/ ٩): (وكتب موسى هذه التوراة، وسلمها للكهنة من بني لاوي حاملي تابوت عهد الرب، ولجميع شيوخ إسرائيل، وأمرهم موسى قائلًا: في نهاية السبع السنين في ميعاد سنة البراء في عيد المظال حينما يجيء جميع إسرائيل؛ لكي يظهروا أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره، تقرأ هذه التوراة، أمام كل إسرائيل في مسامعهم).\nثم ذكر اليهود في خاتمة هذا السفر السبب الذي لأجله دوَّن موسى ﵇ التوراة فقالوا في (سفر التثنية) (٣١/ ٢٤): (فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها، أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلًا: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم؛ ليكون هناك شاهدًا عليكم؛ لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة. هو ذا وأنا بعد حي معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب فكم بالحري بعد موتي).\n٤ - ذكر اليهود في سفر يشوع أن يشوع (يوشع) كتب التوراة مرة أخرى على أحجار المذبح حسب وصية موسى ﵇، وفي هذا قالوا: (حينئذ بنى يشوع مذبحًا للرب إله إسرائيل في جبل عيبال ... وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التي كتبها أمام بني إسرائيل ... وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة البركة واللعنة، حسب كل ما كتب في سفر التوراة).","vol":"3","page":398},{"text":"٥ - انقطع بعد هذا ذكر التوراة وخبرها، فلا يذكر اليهود في كتابهم التوراة التي كتبها موسى، ولا ما كتبه يشوع على حجارة المذبح، وإنما ذكروا التابوت الذي وضع موسى ﵇ فيه التوراة، وأن هذا التابوت استولى عليه الأعداء في زمن النبي صموئيل في قولهم، ثم أعيد إليهم بعد سبعة أشهر، فجعلوه في قرية يسمونها يعاريم. وبقى هناك فيما ذكروا عشرين عامًا إلى أن جاء داود ﵇ فأصعده من هناك إلى أورشليم، وجعله في خيمة، ثم نقله سليمان ﵇ إلى الهيكل الذي بناه، وجعله في قدس الأقداس فيما يقولون، وكانوا يستقبلونه في الصلاة.\nوقد ذكروا أن سليمان ﵇ حين فتح التابوت لم يكن فيه سوى لوحي الحجر اللذين وضعهما موسى ﵇، فأين ذهبت نسخة التوراة التي نسخها موسى ﵇ ووضعها في التابوت؟ هذا مالا يجد اليهود ولا النصارى جوابًا له.\n٦ - بعد سليمان ﵇ انقسمت دولة بني إسرائيل إلى قسمين: دولة إسرائيل في الشمال: وهي تحت حكم يربعام بن نباط، وعاصمتها نابلس. ودولة يهوذا في الجنوب، وهي تحت حكم رحبعام بن سليمان، وعاصمتها أورشليم.\nوذكر اليهود حادثة في زمن رحبعام، لها دلالتها المهمة: وهي أن رحبعام ترك شريعة الرب هو وكل إسرائيل، وذلك يعني انحرافهم عن الدين فهاجمهم فرعون مصر في ذلك الزمن، واستباح ديارهم، وفي هذا قالوا في (سفر الملوك الأول) (١٤/ ٢٢): (وعمل يهوذا الشر في عيني الرب، وأغاروه أكثر من جميع ما عمل آباؤهم بخطاياهم التي أخطأوا بها، وبنوا لأنفسهم مرتفعات، وأنصابًا، وسواري على كل تل مرتفع، وتحت كل شجرة خضراء، وكان أيضًا مأبونون في الأرض فعلوا حسب كل أرجاس الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل. وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم، وأخذ جميع خزائن بيت الرب، وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء، وأخذ جميع أتراس الذهب التي عملها سليمان).\nوفي (سفر أخبار الأيام الثاني) (١٢/ ١) وصفوا شيشق، وما معه من قوة بما يلي: (وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر على أورشليم- لأنهم خانوا الرب- بألف ومائتي مركبة، وستين ألف فارس، ولم يكن عدد للشعب الذين جاؤوا معه من مصر، لوبيين وسكيين وكوشيين، وأخذ المدن الحصينة التي ليهوذا، وأتى إلى أورشليم ...).\nفهذا النص فيه دلالة واضحة على أن عاصمة اليهود الدينية استباحها فرعون مصر، واستولى على ما فيها، وهذا يدل على أن اليهود فقدوا التوراة في هذه الحادثة حيث لم يشر كتابهم المقدس إليها بعد هذا إلا في زمن الملك يوشيا، أي: بعد ما يقارب ثلاثة قرون وزيادة، كما سيأتي بيانه في الفقرة التالية، كما أن التابوت ينتهي خبره بعد هذه الحادثة إلى زمن الملك يوشيا أيضًا، حيث طلب من اللاويين أن يجعلوا التابوت في البيت الذي بناه النبي سليمان ﵇، ثم ينقطع بعد هذا خبره إلى يومنا هذا، ولعله كان مما دمره بختنصر في غزوه لبيت المقدس.\n٧ - يزعم اليهود أن الملك يوشيا الذي تولى الملك في يهوذا بعد سليمان ﵇ بما يقارب (٣٤٠) عامًا، وقبيل غزو بختنصر لدولة يهوذا وتدميرها مرة أخرى وجد سفر الشريعة، وهذا نص كلامهم: (وفي السنة الثامنة عشرة للملك يوشيا، أرسل الملك شافان بن أصليا بن مشلام الكاتب إلى بيت الرب قائلًا:","vol":"3","page":399},{"text":"اصعد إلى حلقيا الكاهن فيحسب الفضة المدخلة إلى بيت الرب التي جمعها حارسو الباب من الشعب فيدفعوها ليد عاملي الشغل الموكلين ببيت الرب ... فقال حلقيا الكاهن العظيم لشافان الكاتب: قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب، وسلم حلقيا السفر لشافان فقرأه، وجاء شافان الكاتب إلى الملك ورد على الملك جوابًا .... وأخبر شافان الملك قائلًا: قد أعطاني حلقيا الكاهن سفرًا، وقرأه شافان أمام الملك، فلما سمع الملك كلام سفر الشريعة مزق ثيابه، وأمر الملك حلقيا الكاهن، وأخيقام بن شافان .... قائلًا: اذهبوا اسألوا الرب لأجلي، ولأجل الشعب، ولأجل كل يهوذا من جهة كلام هذا السفر الذي وجد؛ لأنه عظيم، هو غضب الرب الذي اشتعل علينا من أجل أن آباءنا لم يسمعوا لكلام هذا السفر ليعملوا حسب كل ما هو مكتوب علينا. .. وأرسل الملك فجمعوا إليه كل شيوخ يهوذا وأورشليم وصعد الملك إلى بيت الرب، وجمع رجال يهوذا، وكل سكان أورشليم معه والكهنة والأنبياء، وكل الشعب من الصغير إلى الكبير، وقرأ في آذانهم كل كلام سفر الشريعة الذي وجد في بيت الرب).\nفهذا الخبر الذي ذكره اليهود فيه دلالة واضحة على أنهم كانوا قد فقدوا التوراة، وأنهم أيضًا ضيعوا أحكامها، ونسوا الشيء الكثير منها، وما وجدوه في الواقع ليس فيه أي دليل على أنه التوراة؛ إذ من المستبعد جدًّا أن يكون اليهود قد فقدوا التوراة كل هذه المدة الطويلة- أكثر من ثلاثة قرون- وهي موجودة في الهيكل مع أنه معبد عام، وقد تعاقب على رئاسته خلال تلك المدة الكثيرة من الكهنة، وهم يبحثون عنها كل تلك المدة ولا يجدونها مع ما لها من القداسة في نفوسهم ثم يجدها الكاهن حلقيا؟\nهذا في الواقع مستبعد جدًّا، وليس بعيدًا أن يكون الكاهن حلقيا كتبها من محفوظاته ومعلوماته، وزعم أنها سفر الشريعة؛ ليرضي بذلك الملك يوشيا، الذي كان له تدين ورغبة في استقامة الشعب. والله أعلم.\n٨ - بعد الملك يوشيا بخمس وعشرين سنة تقريبًا- وذلك سنة (٥٨٦) ق. م- هجم بختنصر الكلداني على دولة يهوذا ودمرها، ودمر الهيكل، وسبى بني إسرائيل، وفي هذا قالوا في كتابهم بعد ذكر مبررات التدمير من فساد بني إسرائيل وكفرهم: \"فأصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم، ولم يشفق على فتى، أو عذراء، ولا على شيخ أو أشيب بل دفع الجميع ليده، وجميع آنية بيت الله الكبيرة والصغيرة، وخزائن بيت الرب وخزائن الملك ورؤسائه أتى بها جميعا إلى بابل، وأحرقوا بيت الله، وهدموا سور أورشليم، وأحرقوا جميع قصورها بالنار، وأهلكوا جميع آنيتها الثمينة، وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل فكانوا له ولبنيه عبيدًا إلى أن ملكت مملكة فارس\". فيجمع الكُتَّاب هنا على أن التوراة فقدت من بني إسرائيل مرة أخرى بسبب هذا التدمير الشامل.\n٩ - يزعم اليهود أن عزرا الكاتب قد هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء.\nوعزرا هذا كان زمن السبي البابلي، ولما عاد بنو إسرائيل إلى أورشليم في زمن ملك الفرس جمعهم لقراءة ما كتب من شريعة موسى، وفي هذا قالوا: (اجتمع كل الشعب كرجل واحد إلى الساحة التي أمام باب الماء، وقالوا لعزرا الكاتب أن يأتي بسفر شريعة موسى التي أمر بها الرب إسرائيل، فأتى عزرا الكاتب بالشريعة أمام الجماعة من الرجال والنساء، وكل فاهم ما يسمع في اليوم الأول من الشهر السابع، وقرأ منها أمام الساحة التي أمام باب الماء من الصباح إلى نصف النهار أمام الرجال والنساء والفاهمين، وكانت آذان كل الشعب نحو سفر الشريعة).","vol":"3","page":400},{"text":"فيظهر من هذا واضحًا أن عزرا قد كتب لهم التوراة، ولم يذكر اليهود من أين وصلت التوراة إليه، وبينه وبين موسى ﵇ أكثر من ثمانية قرون؟ وقد فقدت التوراة قبل زمن عزرا قطعًا كما مرَّ ذكره.\nفعلى هذا يتبين أن التوراة التي كان عزرا يقرأها على الناس إما أن تكون مفتراة مكذوبة، دوَّنها عزرا من محفوظاته وما وصل إليه من مدونات ومعلومات، وليست توراة موسى، وبالتأكيد لا يوثق بحفظه ولا ما وصل إليه من أوراق وكتب؛ إذ إن ذلك يحتاج إلى إثبات السند المتصل منه إلى موسى ﵇، وهذا أبعد عليهم من السماء. وإما أن تكون معلومات متوارثة في الأحكام الواجب على بني إسرائيل التزامها، دوَّنها عزرا على أنها الفرائض التي أوجبها الله على بني إسرائيل، وزعم هو أو زعم كُتَّاب الكلام السابق أنها سفر شريعة موسى، وبين الأمرين كما بين السماء والأرض؛ إذ إن توراة موسى منزلة من عند الله، وما جمعه عزرا ودوَّنه لا يعدو أن يكون فهومًا واستنباطات بشرية يعتريها ما يعتري البشر من النقص والخلل، وهذا الاحتمال الأخير في رأيي أرجح من سابقه، وذلك لأن اليهود ذكروا في كتابهم عن عزرا قولهم: \"لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء\". فهذا يدل على أنه أخذ يجدُّ في الجمع والتتبع والعمل والتعليم.\nوهناك نص آخر يدل على أن بني إسرائيل قد أهملوا العمل بكثير من التعاليم من أيام يوشع بن نون، وفي هذا قالوا عن أحد أعيادهم التي عملوها بدعوة من عزرا: (وعمل كل الجماعة الراجعين من السبي مظال وسكنوا في المظال؛ لأنه لم يعمل بنو إسرائيل هكذا من أيام يشوع بن نون إلى ذلك اليوم، وكان فرح عظيما جدًّا).\nفهذا ينص صراحة على الإهمال للتعاليم، وعدم أدائها من زمن بعيد، فلا يمكن لرجل مهما أوتي من العلم جمع كل التعاليم الواجبة مع البعد الزمني، وكثرة التقلبات والانحرافات التي وقع فيها بنو إسرائيل، ومع ذلك فجمعه لا يعدو أن يكون عملًا بشريًّا لا يصح بأي حال نسبته إلى الله ﷿.\n١٠ - ذكر المؤرخون أن الحاكم اليوناني (بطليموس الثاني) الذي كان في الفترة من (٢٨٢ - ٢٤٧ - ق. م) طلب من اليعازار رئيس الكهان أن يرسل إليه اثنين وسبعين عالمًا من علماء التوراة؛ لترجمة أسفار موسى الخمسة إلى اليونانية فنفذ الطلب، وكان اليعازار على رأس أولئك، وتمت المهمة خلال اثنين وسبعين يومًا، فكانت الترجمة المعروفة بـ (السبعينية) في اللغة اليونانية للأسفار الخمسة. وعن اليونانية ترجم العهد القديم إلى اللاتينية.","vol":"3","page":401},{"text":"فهذه الترجمة للأسفار تمت بعد فترة طويلة جدًّا من وفاة موسى ﵇، إذ تقارب العشرة قرون، وكذلك بعد فترة طويلة من نسخة عزرا التي سبق ذكرها؛ إذ بين هذه الترجمة وتلك النسخة قرابة قرنين من الزمان، مما يجعل الكتاب الذي ترجم عنه إلى اليونانية لا سند له، فيكون المترجَم بالتالي لا قيمة له. كما أن هذه المعلومة لم يذكرها إلا رجل يوناني يسمى (أرستاي) في رسالة له لهذا ردها كثيرٌ من متأخري اليهود والنصارى، وإن كان المتقدمون قد قبلوها. كما ذكر ذلك الدبس في (تاريخ سورية). فهي معلومة لم يتوفر لها الإثباتات اللازمة، إضافة إلى غرابتها حيث زعم قائلها أن اليعازار أرسل اثنين وسبعين رجلًا من علماء اليهود، ستة من كل سبط من أسباطهم الاثني عشر، وأنهم جعلوا في أماكن منفرد بعضهم عن بعض، فكانت ترجماتهم متطابقة تمامًا. فهذا الخبر لا يمكن قبوله وتصديقه، وذلك لأن مما هو متفق عليه عند اليهود أن عشرة أسباط من بني إسرائيل وهم الذين كانوا شعب دولة إسرائيل شمال دولة يهوذا قد سبوا من أيام الأشوريين في سنة (٧٢٢) ق. م وانقرضوا حيث يوصفون بالأسباط العشرة الضائعة، وحسب الخبر المذكور هنا فإن اليعازار قد أحضر ستين عالمًا منهم، وهذا مستبعد جدًّا.\n١١ - أن اليهود فقدوا المقدرة على فهم اللغة العبرية المدونة القديمة بعد اختلاطهم بالأمم، وذلك أن اللغة العبرية في أصلها بدون نقط ولا حركات، وهذا يسبب أخطاءً كثيرة في القراءة، فاهتدوا إلى وسيلة لإزالة هذا اللبس بإدخال النقط والحركات، والفواصل، واستمر هذا العمل من القرن السابع الميلادي إلى القرن العاشر الميلادي، فأخرجوا نسخة من التوراة باللغة العبرية على هذا النمط تسمى النسخة الماسورية، انتهوا منها في القرن العاشر الميلادي، وعن هذه النسخة- أي: العبرية- المعدلة نسخت جميع النسخ العبرية والمترجمة عنها.\nوالسؤال المطروح هنا: أين النسخ الأصلية التي نقلت عنها النسخة الماسورية؟\nالجواب عن ذلك: أنه لا يوجد بأيدي اليهود أو النصارى شيء من النسخ الأصلية سوى مخطوطات وادي قمران عند البحر الميت، والتي عثر عليها في الفترة من عام (١٩٤٧) - (١٩٥٦م) وهي مجموعات متكاملة للعهد القديم كتبت قبل الميلاد بثلاثة قرون، وأقربها عهدًا ما كتب قبل الميلاد بقرن واحد، إلا أن هذه المخطوطات التي استولى على الجزء الأكبر منها كل من أمريكا، وبريطانيا، واليهود في فلسطين لم تكشف ولم تعلن حتى الآن، مما يجعل في الأذهان استفهامات عديدة حولها، وأنها تتضمن أمورا خطيرة، جعلت اليهود والنصارى يتفقون على عدم كشفها على غير عادتهم في الآثار التاريخية.\nومن خلال هذا العرض التاريخي الموثق للتوراة يتبين ما يلي:\n١ - أن التوراة التي أعطيها موسى ﵇ مكتوبة، والتي دوَّنها، وكذلك التي دوَّنها يوشع بن نون بعد موسى ﵇ فقدت، إما قبل عهد سليمان ﵇، أو بعده مباشرة.\n٢ - أن اليهود زعموا أنهم عثروا على التوراة زمن الملك يوشيا، وهو ادعاء يحتاج إلى العديد من الإثباتات لاعتقاد صحته.\n٣ - أن اليهود فقدوا ما ادعوا أنهم وجدوه زمن الملك يوشيا، وذلك بسبب تدمير بيت المقدس وما أعقب ذلك من سبي اليهود وتهجيرهم.\n٤ - أن عزرا أعاد لهم التوراة وكتبها فيما زعم اليهود، وإذا قبلنا كلام اليهود هذا فإن ذلك لا يعدو أن يكون عملًا بشريًّا، وإذا كان عزرا نسبه إلى الله ﷿ فهو كاذب في ذلك؛ لأن التوراة لم يدَّعِ أحد لا من اليهود، ولا من النصارى، ولا من المسلمين أنها أنزلت مرتين مرة على موسى، ومرة على عزرا.","vol":"3","page":402},{"text":"وقد يكون الذي ادَّعى أن تلك هي التوراة ألهمها عزرا هم الكتبة فيما بعد، فهم في هذا كاذبون؛ لأن عزرا لم يقل ذلك فيما نقلوا عنه.\nوأدلة بطلان ذلك ظاهرة من ناحية بُعد الزمان، وانقطاع السند، وفساد بني إسرائيل.\n٥ - أن نسخة عزرا وما دوَّنه عزرا لا يعلم على التحقيق مصيرها، وإنما بعد ذلك بما يقارب قرنين من الزمان كتبت النسخة السبعينية، ولم يذكر من أي نسخة ترجمت، وادعاء أنها من حفظ الكهنة بعيد جدًّا؛ إذ إن اليهود لا يحفظون كتابهم عن ظهر قلب، وليس فيهم من يدَّعي ذلك.\n٦ - أن النسخة العبرية، والتي تنتمي إلى النص الماسوري، لا تختلف عن الكتاب المترجم من ناحية أنها أخذت طريقة في الكتابة مغايرة للغة الأصلية التي كتب بها العهد القديم، مما يجعل ثبوت صحتها منوطًا بوجود النصوص الأصلية التي تتفق مع اللغة القديمة، حتى يمكن المقابلة عليها، وإلا تعتبر لا أصل لها يشهد لصحتها، فتكون بذلك مثلها مثل النسخة اليونانية.\n٧ - أن النص اليوناني والنص العبري للتوراة والعهد القديم لم يؤخذا من مصدر واحد، بل من مصدرين مختلفين يدل على هذا اختلافهما في عدد الأسفار، حيث إن اليونانية ستة وأربعون سفرًا، وأما العبرية الماسورية فهي تسعة وثلاثون سفرًا، كما أن بينهما اختلافات كثيرة وعديدة مما يدل على أنهما من مصدرين مختلفين.\nومن خلال هذا يتبين بما لا يدع مجالًا للشك أن العهد القديم كتاب ليس له أي سند تاريخي يثبت تسلسل نقله، وأنه تعرض لفترات عديدة من الضياع، وأن أصله العبري لا وجود له بأيدي اليهود، مما يجعل المجال واسعًا للتحريف والتبديل. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٨٠","vol":"3","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>تمهيد: وقوع التحريف في الكتب المتقدمة على القرآن</span>\nالتحريف لغة: التغيير والتبديل، وتحريف الكلام عن مواضعه: تغييره (١).\nقال الراغب الأصفهاني ﵀: (التحريف: الإمالة، وتحريف الكلام: أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين) (٢).\nوقد بين ابن القيم ﵀ كيفية التحريف في الكتب السابقة كما بينها الله ﷿ في القرآن الكريم بقوله: (وأما التحريف فقد أخبر سبحانه عنهم في مواضع متعددة، وكذلك لي اللسان بالكتاب ليحسبه السامع منه وما هو منه. فهذه خمسة أمور: أحدها: لبس الحق بالباطل، وهو خلطه به بحيث لا يتميز الحق من الباطل.\nالثاني: كتمان الحق.\nالثالث: إخفاؤه، وهو قريب من كتمانه.\nالرابع: تحريف الكلم عن مواضعه، وهو نوعان: تحريف لفظه، وتحريف معناه.\nالخامس: لي اللسان به، ليلبس على السامع اللفظ المنزل بغيره) (٣).\nوقد اختلفت أقوال الناس في وقوع التحريف في الكتب السابقة على ثلاثة أقوال (٤).\nالقول الأول: زعمت طائفة أنها بدلت كلها بجميع لغاتها، ومن هؤلاء من أسرف حتى قال: (إنه لا حرمة لها، وجوز الاستجمار بها من البول).\nوهذا القول باطل لا يقوله أحد من المسلمين، قال شيخ الإسلام ﵀: (وهذا مما لا يقوله المسلمون، ولكن قد يقول بعضهم: إنه حرف بعد مبعث محمد ﷺ ألفاظ بعض النسخ، فإن الجمهور الذين يقولون: إن بعض ألفاظها حرفت، منهم من يقول: كان من قبل المبعث، ومنهم من يقول: كان بعده، ومنهم من يثبت الأمرين أو يجوزهما، ولكن لا يقول: إنه حرفت ألفاظ جميع النسخ الموجودة في مشارق الأرض ومغاربها) (٥).\nالقول الثاني: أن التبديل والتغيير وقع في المعاني لا في الألفاظ.\nوإلى هذا القول ذهب الإمام البخاري (٦) ﵀، واختاره الرازي في تفسيره (٧).\nوهذا القول لا يسلم له بإطلاق، بل لابد من التفصيل في ذلك.\nفأما القول: بأن التحريف قد وقع في معاني تلك الكتب؛ فهذا أمر مسلم به، وهو ما حكى عليه شيخ الإسلام ﵀ الإجماع ... بل إن هذا القول يقر به عامة اليهود والنصارى (٨).\nوأما القول بعدم التحريف في ألفاظها فلا يسلم بذلك؛ لأنه قد وجد فيها من الألفاظ ما لا يجوز أن يكون من كلام الله ﷿، إضافة إلى ما فيها من التناقض والتضارب في نصوصها، فلو كان وحيًا من عند الله لما وجد فيها هذا التناقض والتضارب، وقد ذكر ابن حزم ﵀ في (كتاب الفصل) كثيرًا من هذه التناقضات الظاهرة، والتي تؤكد وقوع التحريف في ألفاظها.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: (تحريفهم المعاني لا ينكر؛ بل هو موجود عندهم بكثرة ...) (٩).\nالقول الثالث: أن التحريف قد وقع في اليسير منها، ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه.\nوقد رجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١٠).\nوقد تكفل الله ﷿ بحفظ كتابه العزيز، أما ما سبقه من الكتب فقد استحفظها ﷻ الربانيين والأحبار؛ فأحدثوا فيها كثيرًا من التحريف والتغيير والتبديل، كما أخبرنا الله عنهم في أكثر من موضع من القرآن الكريم.\nنص الإجماع الذي حكاه شيخ الإسلام، مما سبق يتضح أن التحريف في الكتب السابقة على قسمين:\nالأول: التحريف في ألفاظها، وهذا قد وقع فيه الخلاف ...\n_________\n(١) «مختار الصحاح» (ص: ١٣١).\n(٢) «المفردات في غريب القرآن» (ص: ١٢١).\n(٣) «هداية الحيارى» (ص: ٤٨).\n(٤) انظر: «الجواب الصحيح» (٢/ ٤١٨ - ٤٢٧)، و«إغاثة اللفهان» (٢/ ٣٥١ - ٣٥٤)، و«فتح القدير» (١٥/ ٥٠٥).\n(٥) «الجواب الصحيح» (٢/ ٤١٩).\n(٦) «فتح الباري» (١٥/ ٥٠٣).\n(٧) «التفسير الكبير» (٢/ ١٢٣).\n(٨) انظر: «الجواب الصحيح» (٢/ ٤٠٧).\n(٩) «فتح الباري» (١٥/ ٥٠٥).\n(١٠) «الجواب الصحيح» (٢/ ٤٢٠).","vol":"3","page":404},{"text":"الثاني: التحريف في معانيها وترجمتها، وهذا أمر مجمع عليه، وهو ما نقله شيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة بقوله:\n(وأهل الكتاب اليهود والنصارى مع المسلمين متفقون على أن الكتب المتقدمة وقع التحريف بها؛ إما عمدًا وإما خطأ: في ترجمتها، وفي تفسيرها، وشرحها، وتأويلها؛ وإنما تنازع الناس هل وقع التحريف في بعض ألفاظها) (١).\nوقال أيضًا: (والمسلمون وأهل الكتاب متفقون على وقوع الغلط في تفسير بعض الألفاظ وبيان مراد الأنبياء بها، وفي ترجمة بعضها، فإنك تجد بالتوراة عدة نسخ مترجمة وبينها فروق يختلف بها المعنى المفهوم، وكذلك في الإنجيل وغيره).\nوقال أيضا: (ولكن علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب متفقون على وقوع التحريف في المعاني والتفسير) (٢).\nذكر من نقل الإجماع أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: إن المتأمل لأحوال اليهود والنصارى ومواقفهم مع كتب الله ﷿ يجد أنهم قد حرفوا كثيرًا مما أنزل الله.\nقال الطبري ﵀ في تفسير قوله تعالى: وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ٧٥] ... قال: (يحرفونه أي يميلونه عن وجهه ومعناه الذي هو معناه إلى غيره، فأخبر الله جل ثناؤه أنهم فعلوا ما فعلوا من ذلك على علم منهم بتأويل ما حرفوا وأنه بخلاف ما حرفوه إليه فقال: يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ [البقرة: ٧٥] يعني: من بعد ما عقلوا تأويله؛ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي يعلمون أنهم في تحريفهم ما حرفوا من ذلك مبطلون كاذبون) (٣).\nوقال أيضا: (قال ابن زيد في قوله: يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ قال: التوراة التي أنزلها عليهم يحرفونها؛ يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرام فيها حلالًا، والحق فيها باطلًا، والباطل فيها حقًا، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب؛ فهو فيه محق، وإن جاء أحد يسألهم شيئًا ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء؛ أمروه بالحق، فقال لهم: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤]) (٤).\nوقال البخاري ﵀: (يحرفون: يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله ﷿، ولكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله) (٥).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: (مراد البخاري بقوله: (يتأولونه) أنهم يحرفون المراد؛ بضرب من التأويل، كما لو كانت الكلمة بالعبرانية تحتمل معنيين قريب وبعيد، وكان المراد القريب؛ فإنهم يحملونها على البعيد، ونحو ذلك) (٦).\nوقال شهاب الدين القرافي ﵀: (ومن طالع كتبهم وأناجيلهم وجد فيها من العجائب ما يقضي له بأن القوم تفرقت شرائعهم وأحكامهم، وأن القوم لا يلتزمون مذهبًا.\n_________\n(١) «الجواب الصحيح» (٥/ ١٢٣).\n(٢) «الجواب الصحيح» (٢/ ٤١٩).\n(٣) «تفسير الطبري» م١ (١/ ٤٨٥).\n(٤) «تفسير الطبري» م١ (١/ ٤٨٣، ٤٨٤).\n(٥) «صحيح البخاري» (٦/ ٢٧٤٥).\n(٦) «فتح الباري» (١٥/ ٥٠٧).","vol":"3","page":405},{"text":"والعجب أن أناجيلهم حكايات وتواريخ، وكلام كفرة وكهنة وتلامذة وغيرهم، حتى أني أحلف بالله الذي لا إله إلا هو أن تاريخ الطبري عند المسلمين أصح نقلًا من الإنجيل، ويعتمد عليه العاقل أكثر، مع أن التاريخ لا يجوز – عند المسلمين – أن يبنى عليه شيء من أمر الدين، وإنما هو حكايات في المجالس، ويقولون مع ذلك: الإنجيل كتاب الله أنزله إلينا، وأمر السيد المسيح باتباعه، فليت شعري أين هذا الإنجيل المنزل من عند الله تعالى؟! وأين كلماته من بين هذه الكلمات؟!) (١).\nبل إن اليهود أنفسهم قد اتفقوا على وقوع التحريف في كتابهم؛ كما ذكر ذلك عنهم شهاب الدين القرافي ﵀ حيث قال: (طائفة من اليهود يقال لهم السامرية، اتفق اليهود على أنهم حرفوا التوراة تحريفًا شديدًا، والسامرية يدعون عليهم مثل ذلك التحريف، ولعل الفريقين صادقان، فأين حينئذ في التوراة شيء يوثق به مع تقابل هذه الدعاوى من فرق اليهود؟، فكفونا بأنفسهم عن أنفسهم) (٢).\nومن ذلك أيضًا أنهم يعترفون أن سبعين كاهنًا منهم اجتمعوا على تبديل ثلاثة عشر حرفًا من التوراة، وقد نقل ذلك ابن القيم ﵀ بقوله: (واليهود تقر أن السبعين كاهنًا اجتمعوا على اتفاق من جميعهم على تبديل ثلاثة عشر حرفًا من التوراة، وذلك بعد المسيح في عهد القياصرة الذي كانوا تحت قهرهم؛ حيث زال الملك عنهم ولم يبق لهم ملك يخافونه ويأخذ على أيديهم، ومن رضي بتبديل موضوع واحد من كتاب الله فلا يؤمن منه تحريف غيره، واليهود تقر أيضًا أن السامرة حرفوا مواضع من التوراة وبدلوها تبديلًا ظاهرًا وزادوا ونقصوا، والسامرة تدعي ذلك عليهم) (٣).\nأما النصارى فقد ذكر ابن حزم ﵀ أنهم متفقون على أن هذه الأناجيل التي بين أيديهم عبارة عن تواريخ ألفها أصحابها في أزمان مختلفة حيث يقول:\n(النصارى لا يدعون أن الأناجيل منزلة من عند الله تعالى على المسيح، ولا أن المسيح ﵇ أتاهم بها، بل كلهم أولهم عن آخرهم لا يختلفون في أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال معروفون في أزمان مختلفة) (٤).\nأما ما يتعلق بالترجمة فإن التوراة قد ترجمت من العبرية إلى اليونانية والعربية، كما أن الأناجيل الأربعة قد كتبت بلغات متعددة، فإنجيل متى كتب بالعبرية، وأما مرقص ولوقا ويوحنا فقد كتبت أناجيلهم باليونانية (٥)، ومعلوم أن التوراة والإنجيل إنما نزلت بلغة موسى وعيسى ﵉ وهي العبرية، ثم ترجمت بعد ذلك إلى غيرها من اللغات (٦).\n(وإذا أخذنا في الحسبان الاعتبارات التي من الممكن أن تحول مسار واتجاه الترجمة؛ نخرج بنتيجة أن هذه الترجمة لا يمكن أن تكون مماثلة ومطابقة للأصل الذي نقلت منه، ومن هذه الاعتبارات ما يلي:\n١ - إذا فقد الإيمان، وفقد الضمير الحي الذي يؤرق صاحبه عند المخالفة؛ عندئذ لا يستبعد حصول التجاوزات في الترجمة.\n٢ - تأثر الترجمة قوة وضعفًا بسبب قوة وضعف المترجم في معرفة وفهم اللغة المنقول منها والمنقول إليها.\n٣ - أن الترجمة تصبغ بصبغة المترجم؛ لأنه من غير المعقول أن يتخلى المترجم – حال الترجمة – عن عقيدته وماضيه وثقافته وتطلعاته، وهذه كلها أمور تدفع المترجم لأن يصوغ الترجمة بالصيغة التي تميل إليها نفسه.\n_________\n(١) «الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة في الرد على اليهود والنصارى» (ص: ٥١).\n(٢) «الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة في الرد على اليهود والنصارى» (ص: ١١٦).\n(٣) «هداية الحياري» (ص: ١٠١).\n(٤) «الفصل» لابن حزم (١/ ٢٥١) باختصار.\n(٥) «الفصل» لابن حزم (١/ ٢٥١، ٢٥٢).\n(٦) «الجواب الصحيح» (٥/ ١٢٣).","vol":"3","page":406},{"text":"٤ - يكفي في عدم التماثل أنه ترجمة وليس أصلًا) (١).\n٥ - ومن المهم في ذلك أننا لا علم لنا بالأصل الذي ترجم.\n٦ - وكذلك فإنا لا نعرف المترجم، ومدى معرفته باللغة المترجم عنها، وكذلك باللغة المترجم إليها؛ لأن الضعف في واحدة منهما يفسد اللفظ والمعنى جميعًا.\nفإذا كان هذا صنيعهم في ألفاظ التوراة التي يزعمون أنها كلام الله، فكيف يؤمنون بعد ذلك في تفسيرهم لها وبيان معانيها، أو عند ترجمتها، لا شك أن العقل السليم يجزم بوقوع التغيير والتبديل في ذلك.\nمستند الإجماع في المسألة: لقد شهد الله ﷻ في مواضع عديدة من القرآن الكريم على تحريف اليهود والنصارى لكتبهم التي أنزلها الله ﷾ لأنبيائهم؛ فمن ذلك قول الحق ﷾: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ٧٥].\nوقوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ [المائدة: ١٣].\nومعنى يحرفونه: أي يبدلون معناه، ويتأولونه على غير تأويله (٢).\nقال القرطبي ﵀ في قوله تعالى: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ قال: (قال مجاهد والسدي: هم علماء اليهود الذين يحرفون التوراة، فيجعلون الحرام حلالًا والحلال حرامًا اتباعًا لأهوائهم مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ أي عرفوه وعلموه وهذا توبيخ لهم) (٣).\nومن الأدلة أيضًا قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: ٧٨].\nومن الأدلة المحسوسة على وقوع التحريف في كتبهم؛ إضافة إلى ما ذكره الله ﷿ عنهم في القرآن الكريم ما يلي:\n١ - انقطاع السند، وعدم حصول التواتر في نقلها، فليس في أسفار اليهود وأناجيل النصارى ما تصح نسبته إلى أنبيائهم ﵈.\nفالتوراة لم يتم تدوينها إلا بعد موسى ﵇، ثم إن نسخة التوراة الأصلية قد ضاعت أيام الغزو البابلي لليهود، كما شهد بذلك أهل العلم منهم، ثم أعادوا كتابتها مرة أخرى (٤)، حتى جاء أحد ملوك الرومان وفتح فلسطين عام (١٦١ ق. م) فأمر بإحراق كافة النسخ التي عثر عليها من التوراة، وكل من احتفظ بنسخة منها يقتل، وكان يجري البحث عنها شهريًا، واستمر الحال على ذلك مدة زادت على ثلاث سنوات ونصف (٥).\nوأما الإنجيل فإن الذي بأيدي النصارى منه أربع كتب مختلفة؛ وهم جميعًا متفقون على أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال وهم: يوحنا ومتى ومرقس ولوقا (٦)، ثم إن مرقس ولوقا لم يكونا من حواريي المسيح ﵇ (٧).\n٢ - التناقض الواضح والتعارض الفاضح بين نصوص التوراة، وكذلك الحال في نصوص الأناجيل (٨)، ولو كانت كلام الله حقيقة لاستحال أن يلحق بها تناقض أو اختلاف، يقول المولى ﵎: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].\n٣ - شهادة بعض علماء اليهود والنصارى على وقوع التحريف في كتبهم؛ وخاصة من رجع منهم إلى الحق، واتبع شريعة محمد ﷺ (٩).\nوفي هذه الأدلة أوضح دلالة على أن الكتب التي سبقت القرآن الكريم قد وقع فيها التغيير والتبديل، وأن أهل الكتاب قد غيروا وبدلوا عن علم وإصرار. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – بتصرف – ص: ٧٥٨\n_________\n(١) «مسلمو أهل الكتاب وأثرهم في الدفاع عن القضايا القرآنية» (٢/ ٦٨٤ - ٦٨٥) باختصار.\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» م١ (١/ ٤٨٥)، و«تفسير القرطبي» (٥/ ٢٣٣).\n(٣) «تفسير القرطبي» (٢/ ٦).\n(٤) انظر: «التوراة بين فقدان الأصل وتناقض النص» (ص: ٤، ٥).\n(٥) انظر: «التوراة بين فقدان الأصل وتناقض النص» (ص: ٨٤، ٨٥).\n(٦) انظر: «الفصل» لابن حزم (١/ ٢٥١).\n(٧) انظر: «تخجيل من حرف التوراة والإنجيل» (١/ ٢٨٤).\n(٨) انظر: «التوراة والأناجيل والقرآن الكريم بمقياس العلم الحديث» (ص: ٥٥، ٥٦)، و(ص: ١٣٠، ١٣١)، و«تخجيل من حرف التوراة والإنجيل» (١/ ٢٨٣) وما بعدها، «التوراة بين فقدان الأصل وتناقض النص» (ص: ١).\n(٩) انظر: «التوراة والأناجيل والقرآن الكريم» (ص: ١٥)، و«التوراة بين فقدان الأصل وتناقض النص» (ص: ٢).","vol":"3","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-931>المطلب الأول: أدلة التحريف من القرآن الكريم والتوراة</span>\nقد شهد الله ﷿ بتحريف اليهود لكتابهم، وأبان عن هذا في القرآن الكريم في مواضع عديدة، فمن ذلك قوله ﷿: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ٧٥]. فهذا فيه دلالة على أنهم غيَّروا وبدَّلوا عن إصرار وعلم. وقوله ﷿: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة: ٧٩]. وقوله ﷿: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: ٧٨]. فهذا فيه دلالة على أنهم أدخلوا في كلام الله ما ليس منه، وافتروا على الله الكذب بأن نسبوا إليه سبحانه ما لم يقله وهم يعلمون ذلك؛ فجورًا منهم، وجرأة على الله تعالى وتقدس. وقوله ﷿: قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: ٩١]. فهذا فيه دلالة على أنهم قد أَخفَوا وكتموا ما عندهم من علم، وما أنزل الله عليهم من كتاب حسب أهوائهم. وقوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ [المائدة: ١٣]. وفي هذه الآية دلالة واضحة على التحريف وعلى أنهم نسوا حظًّا، أي: نصيبًا وجزءًا مما أنزل عليهم.\nوهذا جزاء من الله ﷿ لهم بسبب كفرهم وفسادهم وسابق تحريفهم ونقضهم للميثاق.\nكما ورد في كتابهم ما يتفق مع ما ذكره الله ﷿ عنهم، فمن ذلك ما ورد في (سفر إرميا) (٨/ ٨) مما ينسب إلى الله ﷿ القول: (كيف تقولون نحن حكماء، وشريعة الرب معنا، حقًّا إنه إلى الكذب حوَّلها قلم الكتبة الكاذب، خَزِىَ الحكماء ارتاعو وأُخِذُوا ها قد رفضوا كلمة الرب). فهذا النص من نبي من أنبيائهم الكبار على ما ذكروا وكان في عصر متأخر، قد عاصر انحرافاتهم، وذلك قبيل الغزو البابلي وسبي اليهود، وهو نص على تركهم لدين الله وتحريفهم لشريعته، وأن الكتبة الموكلون بالكتب المنزلة قد حوَّلوها إلى الكذب والزور. الأسفار المقدسة عند اليهود وأثرها في انحرافهم لمحمود عبد الرحمن قدح – مجلة الجامعة الإسلامية – عدد ١١١","vol":"3","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-933>تمهيد:</span>\nجاءت بعض آيات القرآن الكريم الصريحة في أن اليهود قد حرَّفوا التوراة وغيرها من كتب الله المنزلة على أنبيائه من بني إسرائيل، ولقد انطلق علماؤنا المسلمون من تلك الآيات وغيرها من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في نقدهم للتوراة وما يتبعها من الأسفار المقدسة عند اليهود، واستخرجوا منها الأدلة والشواهد على تحقيق ما ذكره الله ﷿ في القرآن الكريم من وقوع التحريف والتبديل والكذب في كتبهم، ونستطيع أن نقرر بكل ثقة أن الأسبقية في نقد التوراة والأناجيل والكتب الأخرى المحرفة كان لعلمائنا المسلمين بهدي من القرآن الكريم الذي وضع أصول ذلك النقد الهادف إلى إظهار الحق وإزهاق الباطل، وقد تأثر أحبار اليهود والنصارى ومفكريهم بالمسلمين في دراساتهم النقدية للتوراة والأناجيل، ومن ثم تجرؤوا على المشاركة في تلك الدراسات النقدية لكتبهم المقدسة بعد أن تخلصوا من طغيان الكنيسة وسيطرتها، واستطاعوا إعلان نتائج دراساتهم التي سبقهم إلى كثير منها علماؤنا المسلمون بقرون عديدة.\nوفي هذه الدراسة الموجزة جدًّا سنحاول أن نبين الخطوط العريضة والعناوين الرئيسة في نقد أسفار العهد القديم وخاصة التوراة، وستتركز على ناحيتين: الأولى: نقد سند كتبهم المقدسة، وعدم صحة نسبتها إلى أنبيائهم، الثانية: نقد المتن، وبيان ما فيه من مواطن التحريف والتبديل والخطأ.","vol":"3","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-934>الفرع الأول: نقد السند</span>\nلقد أرشدنا القرآن الكريم إلى طريقة المجادلة، والرد على دعاوى اليهود والنصارى، وبيان بطلانها، وهي مطالبتهم بالحجة والدليل على مزاعمهم، قال تعالى: وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين [البقرة: ١١١].\nوبما أن اليهود وكذلك النصارى يزعمون أن التوراة الحالية كتبها موسى بيده وأن أسفارهم الأخرى كتبها أنبياؤهم أو أشخاص أوحي إليهم بها، فإنا نطالبهم بالأدلة والبراهين التي تثبت صحة نسبة التوراة المحرفة إلى موسى ﵊، وكذلك سائر أسفارهم المنسوبة إلى أنبيائهم قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ! [البقرة:١١١].\nومن الأدلة التي نطالبهم بها:-\nالنسخة الأصلية للتوراة التي كتبها موسى ﵊، أو أملاها على غيره، وكذلك النسخ الأصلية لأسفارهم الأخرى.\nالسند المتصل المتواتر بنقل الثقات العدول الذي يثبت سلامة النص الحالي لأسفارهم من التحريف والتبديل. وتأتي الإجابة لطلبنا من أحبار اليهود والنصارى وباحثيهم بأنهم لا يملكون النسخ الأصلية للتوراة أو غيرها من الأسفار، وأن أقدم مخطوطة لديهم لأسفارهم تعود إلى القرن الرابع الميلادي، علما بأن موسى ﵊ قد عاش في القرن الرابع عشر قبل الميلاد على الأرجح، وآخر نبي من أنبيائهم في العهد القديم عاش في القرن الرابع قبل الميلاد.\nيقول مؤلفو (قاموس الكتاب المقدس): ولكن لا توجد لدينا الآن هذه المخطوطات الأصلية (للعهد القديم والجديد) التي دوَّنها كتبة الأسفار المقدسة.\nويعلل اليهود والنصارى فقدان النسخ والسند لكتبهم المقدسة بكثرة حوادث الاضطهاد والنكبات التي نزلت بهم خلال تاريخهم الطويل. ومن تلك الحوادث: الغزو الآشوري عليهم في سنة (٧٢٢) ق. م، ثم الغزو البابلي الشهير سنة (٥٨٦) ق. م ونتج عنه تدمير الهيكل وأخذ بني إسرائيل سبيًا إلى بابل، ثم الاضطهاد اليوناني ومن بعده الاضطهاد الروماني الذي استمر لعدة قرون، وقد نتج عن هذه الاضطهادات إحراق أسفارهم وإتلافها ومنع قراءتها وقتل أحبارهم وعلمائهم.\nونضيف سببًا آخر مهمًّا لضياع أسفارهم، وانقطاع أسانيدهم، هو كثرة حوادث الردة والشرك في بني إسرائيل، وكفرهم بالله ﷿، وإهمالهم للتوراة وغيرها، وهي مذكورة في أسفارهم المقدسة لديهم، ومنها ما ورد في (سفر القضاة) (٢/ ١١ - ١٥): (وفعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا البعليم، وتركوا الرب إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر، وساروا وراء آلهة أخرى من آلهة الشعوب الذين حولهم، وسجدوا لها وأغاظوا الرب، تركوا الرب وعبدوا البعل وعشتاروت، فحمي الرب على إسرائيل فدفعهم بأيدي ناهبين نهبوهم وباعهم بيد أعدائهم، ولم يقدروا بعد على الوقوف أمام أعدائهم، حيثما خرجوا كانت يد الرب عليهم للشر، كما تكلم الرب وكما أقسم الرب لهم).\nوقد تكررت الردة والشرك بالله من بني إسرائيل مرات عديدة في عهد القضاة.\nثم تكرر ذلك منهم في عهد الملوك، فقد ورد في (سفر الملوك) (١٢/ ٢٨ - ٣٣): (أن يربعام استشار الملك وعمل عجلي ذهب، وقال لهم: كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم، هو ذا آلهتكم يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر. ووضع واحدًا في بيت إيل، وجعل الآخر في دان، وكان هذا الأمر خطية، وكان الشعب يذهبون إلى أمام أحدهما حتى إلى دان ...).\nوما ذكرناه مما يجعل كل عاقل منصف منهم يرتاب ويشك في صحة نسبة التوراة الحالية إلى موسى وسلامتها من التحريف والتبديل!!!","vol":"3","page":410},{"text":"وكانت تلك الأسباب وغيرها قد دفعت بالكثيرين من محققي اليهود والنصارى إلى الاعتراف بأن أسفار العهد القديم مشكوك في أمر مؤلفيها، وإليك مختصرا لما يقوله محررو طبعة سنة (١٩٧١م) الإنجليزية من كتابهم المقدس لديهم، وهي آخر طبعة معدَّلة من كتابهم وآخر طبعة حتى الآن، يقول المحررون:\n- سفر التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية: مؤلفه موسى على الأغلب.\n- سفر يشوع: معظمه منسوب إلى يشوع.\nوتكرر منهم الشرك والردَّة عن دين الله الحق مرات عديدة في عهد الملوك.\n- انظر: (سفر الملوك الأول)، (الإصحاحات: ١٩،٢٢)، و(سفر الملوك الثاني)، (الإصحاحات: ١/ ١٣،١٤،١٥،١٦،١٧،٢١،٢٢،٢٣،٢٤).\nبل وصل بهم الكفر إلى حد وصف نبي الله سليمان ﵊ بالكفر وعبادة غير الله، والعياذ بالله.\n- انظر: (سفر الملوك الأول)، (الإصحاح: ١١).\nنقلًا من كتاب (التحريف في التوراة)، (ص: ٣) د. محمد الخولي، ووجدت أيضًا تلك الاعترافات بجهالة مؤلفي أسفارهم في مقدمة الكتاب المقدس (المدخل) طبع المطبعة الكاثوليكية سنة (١٩٨٨م) بلبنان، وفي كتاب (رسالة في اللاهوت والسياسة) - تأليف الفيلسوف اليهودي باروخ سبينوزا، وكتاب (السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم)، و(قاموس الكتاب المقدس) في التعليق على تلك الأسفار.\n- سفر القضاة: مؤلفه صموئيل على الاحتمال.\n- سفر راعوث: مؤلفه غير محدد، ولكن ربما يكون صموئيل.\n- سفر صموئيل الأول: المؤلف مجهول.\n- سفر صموئيل الثاني: المؤلف مجهول.\n- سفر الملوك الأول: المؤلف مجهول.\n- سفر الملوك الثاني: المؤلف مجهول\n- سفر أخبار الأيام الأول: المؤلف مجهول، ولكن ربما جمعه وحرره عزرا.\n- سفر أخبار الأيام الثاني، المؤلف مجهول، ولكن ربما جمعه وحرره عزرا.\n- سفر عزرا: من المحتمل أن عزرا كتبه أو حرره.\n- سفر أستير: المؤلف مجهول.\n- سفر المزامير: المؤلف الرئيسي داود، لكن معه آخرون وبعضهم مجهولون.\n- سفر الأمثال والجامعة ونشيد الأناشيد: المؤلف مجهول، ولكنها عادة تنسب إلى سليمان.\n- سفر إشعياء: ينسب معظمه إلى أشعيا، ولكن بعضه من المحتمل كتبه آخرون.\n- سفر يونان: المؤلف مجهول.\n- سفر حبقون: لا يعرف شيء عن مكان أو زمان ولادته.\nوبعد هذا الاعتراف منهم فإن الأمر لا يحتاج إلى زيادة تعليق منا.\nومن الأدلة أيضًا على عدم الوثوق بالتوراة الحالية ما ورد في (سفر الملوك الثاني) (٢٢/ ٨ - ١٣) في عهد الملك يوشيا من ملوك مملكة يهوذا، أن التوراة قد فقدت وضاعت من بني إسرائيل سنوات عديدة، ثم ادعاء العثور عليها على يد الكاهن في الهيكل، ولا نسلم لهم بأن التوراة التي عثر عليها هي توراة موسى؛ إذ إن اتهام الكاهن بالتزوير قائم في مسايرته لرغبة الملك في العودة إلى التوحيد بعد ارتداد وكفر من سبقه من آبائه، إضافة إلى أن هذه النسخة من التوراة قد فقدت أيضًا في الغزو البابلي وحوادث الحروب الأخرى.\nومن الأدلة القاطعة على عدم صحة نسبة التوراة الحالية إلى موسى ﵊ نصوص التوراة نفسها، وإليك بعض الشواهد:\n- خاتمة التوراة في (سفر التثنية) (٣٤/ ١ - ١٢) وفيه: \"فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مؤاب حسب قول الرب ودفنه في الجواء ... ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم، وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته، فبكى بنو إسرائيل موسى في عربات موآب ثلاثين يومًا، فكملت أيام بكاء مناحة موسى، ويشوع بن نون كان قد امتلأ روح حكمة، إذ وضع موسى عليه يديه فسمع له بنو إسرائيل وعملوا كما أوصى الرب موسى، ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهًا لوجه ... \" وبذلك ينتهي كتاب التوراة.","vol":"3","page":411},{"text":"ولا أعتقد أن عاقلًا يجرؤ على القول أن كاتب هذا الكلام هو موسى ﵊!!!\n- إن بعض نصوص التوراة تتحدث عن موسى بضمير الغائب، وبصيغة لا يمكن التصديق بأن كاتبها هو موسى، ومن تلك النصوص: (تحدث الله مع موسى) (وكان الله مع موسى وجهًا لوجه) (وكان موسى رجلًا حليمًا جدًّا أكثر من جميع الناس) (فسخط موسى على وكلاء الجيش) (موسى رجل الله) ونحو ذلك، فلو كان موسى كاتب تلك النصوص لقال مثلًا: كلمني الرب، تحدثت مع الله. ونحوه. - إن ملاحظة اللغات والأساليب التي كتبت بها التوراة وما تشتمل عليها من موضوعات وتشريعات وبيئات اجتماعية وسياسية وجغرافية تنعكس فيها، تظهر أنها قد ألفت في عصور لاحقة لعصر موسى، مما يثبت أن هذه الأسفار قد كتبت بأقلام اليهود التي تعكس أفكارهم ونظمهم المتعددة في مختلف أدوار تاريخهم الطويل، مثال ذلك:\nورد في التوراة في (سفر التكوين) (١٤/ ١٤) أن إبراهيم ﵊ تتبع أعداءه إلى (دان). وهي اسم مدينة لم تُسَمَّ بهذا الاسم إلا بعد موت يوشع بعد دخول بني إسرائيل فلسطين واستقرارهم بها، فقد ورد في (سفر القضاة) (١٨/ ٢٩) (وسمّوا المدينة دان) باسم أبيهم الذي ولد لإسرائيل، وكان اسم المدينة قبل ذلك (لاييش) فكيف يذكر موسى - وهو يقص قصة إبراهيم- اسم مدينة لم تسمَّ بهذا الاسم إلا من بعده بزمن طويل جدًّا؟!!\nتلك بعض الملاحظات التي جعلت الفيلسوف اليهودي باروخ سبنوزا (ت١٦٧٧م) يعلن صراحة قوله: (من هذه الملاحظات كلها يظهر واضحًا وضوح النهار أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة، بل كتبها شخص آخر عاش بعد موسى بقرون عديدة). اهـ\nأضف إلى ذلك أيضًا اختلاف فرق اليهود في قبول ورفض بعض أسفار العهد القديم، فطائفة السامرة من اليهود لا تعترف إلا بالتوراة الخمسة الأسفار، وتنكر ما عداها من الأسفار، وتقبل منها سفري يوشع والقضاة باعتبارهما أسفارا تاريخية فقط. ويخالفها جمهور اليهود الذين يقبلون أسفار العهد القديم المذكورة. ويختلف مع اليهود أيضًا طائفة الكاثوليك من النصارى في قبول ورفض بعض أسفار العهد القديم. الأسفار المقدسة عند اليهود وأثرها في انحرافهم لمحمود عبد الرحمن قدح – مجلة الجامعة الإسلامية – بتصرف – عدد ١١١","vol":"3","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-936>تمهيد</span>\nقال الله ﷿: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].\nوقال تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون [النحل: ٩٠].\nوقال ﵎: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ٥٨].\nفي ضوء هذه الآيات الكريمة- التي وضحت بعض خصائص الوحي الإلهي المنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - نبين بعض مواطن الاختلاف والتناقض والباطل الذي يدل على وقوع التحريف والتزوير في أسفار اليهود، ... ويمكننا تلخيص أبرز الانتقادات الموجهة إلى متن الأسفار في العناوين الرئيسة الآتية، وتندرج تحتها عشرات الأمثلة والشواهد، وسنكتفي بذكر بعضها الأسفار المقدسة عند اليهود وأثرها في انحرافهم عرض ونقد لمحمود عبد الرحمن قدح – مجلة الجامعة الإسلامية – عدد ١١١","vol":"3","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-937>أولًا: الاختلاف في عدد الأسفار</span>\nمما هو معلوم أن بين يدي اليهود والنصارى ثلاث نسخ مشهورة من التوراة والعهد القديم. ومن هذه النسخ تتفرع سائر الترجمات تقريبًا، وهي:\n١ - النسخة العبرية\nوهي المقبولة والمعتبرة لدى اليهود وجمهور علماء البروتستانت النصارى، وهي مأخوذة من الماسورية وما ترجم عنها.\n٢ - النسخة اليونانية\nوهي المعتبرة لدى النصارى الكاثوليك والأرثوذكس، وهي التي تسمى السبعينية وما ترجم عنها.\n٣ - النسخة السامرية\nوهي المعتبرة والمقبولة لدى اليهود السامريين.\nوإذا عقدنا مقارنة بين النسخ الثلاث من ناحية عدد الأسفار نجد أن النسخة العبرية تسعة وثلاثون سفرًا فقط.\nأما النسخة اليونانية فهي ستة وأربعون سفرًا، حيث تزيد سبعة أسفار عن النسخة العبرية، ويعتبرها النصارى الكاثوليك والأرثوذكس مقدسة.\nأما النسخة السامريه فلا تضم إلا أسفار موسى الخمسة فقط، وقد يضمون إليها سفر يوشع فقط، وما عداه فلا يعترفون به ولا يعدونه مقدسًا.\nفهذا الاختلاف الهائل بين النسخ لكتاب واحد، والكل يزعم أنه موحى به من قبل الله ﷿، ويدَّعي أن كتابه هو الكتاب الحق وما عداه باطل، مع عدم القدرة على تقديم الدليل القاطع على صحة ما يدعيه، فذلك دليل على التحريف من قبل المتقدمين، وأن المتأخرين استلموا ما وصل إليهم بدون نظر في ثبوته أو عدم ثبوته، أو أن المتأخرين وصلتهم كتب عديدة ومتنوعة، فأدخلوا ما رأوا أنه مناسب وذو دلالات مهمة، وحذفوا ما رأوا عدم تناسبه مع ما يعتقدون أو يرون، بدون أن يكون لهم دليل صحيح على إضافة ما أضافوا من الأسفار، أو حذف ما حذفوا منها.","vol":"3","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-938>ثانيًا: الاختلاف والتباين بين النسخ في المعلومات المدونة</span>\nإذا قارنا بين النسخ الثلاث فيما اتفقت في ذكره من أخبار وقصص نجد بينها تباينًا شديدًا واختلافًا كبيرًا، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - أن اليهود ذكروا تاريخ مواليد بني آدم إلى نوح ﵇، ونصوا على عمر كل واحد منهم، وكذلك عمره حين ولد له أول مولود، وبعقد مقارنة بين أعمار من ذكروا حين ولد لهم أول مولود تتبين اختلافات واضحة بين النسخ الثلاث، فمن ذلك:\nالاسم\nالعبرانية\nالسامرية\nاليونانية\nآدم\n١٣٠\n١٣٠\n٢٣٠\nشيث\n١٠٥\n١٠٥\n٢٠٥\nآنوش\n٩٠\n٩٠\n١٩٠\nقينان\n٧٠\n٧٠\n١٧٠\nيارد\n١٦٢\n٦٢\n٢٦٢\nمتوشالح\n١٨٧\n٦٧\n١٨٧\nالزمان من خلق آدم إلى الطوفان.\n١٦٥٦\n١٣٠٧\n٢٢٦٢\nفهذه أمثلة تدل على تحريفهم وتبديلهم لكلام الله - إن ثبت أن ما سبق هو من كلام الله المنزل- حيث لا يمكن الجمع بين هذه الروايات المتناقضة.","vol":"3","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-939>ثالثًا: الاختلاف بالمقارنة مع ما ذكروه في مواضع أخرى من كتابهم</span>\n١ - ذكروا في سفر التكوين أن سفينة نوح استقرت بعد الطوفان على جبال أراراط بعد سبعة أشهر وسبعة عشر يومًا، ثم ذكروا أن رؤوس الجبال بعد الطوفان لم تظهر إلا في أول الشهر العاشر.\nوهذا نص كلامهم في (سفر التكوين) (٨/ ٤): (واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط، وكانت المياه تنقص نقصًا متواليًا إلى الشهر العاشر، وفي العاشر في أول الشهر ظهرت رؤوس الجبال).\nففي هذا تناقض ظاهر، فكيف رست السفينة على الجبال بعد سبعة أشهر مع أن رؤوس الجبال لم تظهر إلا في أول الشهر العاشر؟!\n٢ - ذكروا أن الله أمر نوحًا أن يحمل في الفلك من كل جنس اثنين، فقالوا في (سفر التكوين) (٦/ ١٩): (ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كلٍّ تدخل إلى الفلك؛ لاستبقائها معك، تكون ذكرًا وأنثى من الطيور كأجناسها، ومن البهائم كأجناسها، ومن كل دبابات الأرض كأجناسها).\nوبعده مباشرة ذكروا أن الله أمره أن يأخذ من كل جنس سبعة سبعة ذكرًا وأنثى، ماعدا البهائم غير الطاهرة فيأخذ اثنين. ففي (سفر التكوين) (٧/ ٢) قالوا: (من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرًا وأنثى، ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين ذكرًا وأنثى، ومن طيور السماء أيضًا سبعة سبعة ذكرًا وأنثى؛ لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض).\n٣ - ذكروا في (سفر الخروج) (٢٤/ ٩) أن موسى وهارون وشيوخ إسرائيل رأوا الله، فقالوا: (ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل. ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف، وكذات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف إسرائيل، فرأوا الله وأكلوا وشربوا). هكذا زعموا في هذا الموضع وفي (سفر التثنية) (٤٤/ ١٢) زعموا أن الله تعالى قال لموسى ﵇ ممتنًا عليه وعلى بني إسرائيل: (فكلَّمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام، ولكن لم تروا صورة بل صوتًا ... فاحتفظوا جدًّا لأنفسكم، فإنكم لم تروا صورة ما ...). فهذا فيه أنهم لم يروا الله ﷿، وهذا الحق، فهم لم يروا الله ﷿ إلا أن فيه بيان تناقض كلامهم.\n٤ - قالوا في (سفر الخروج) (٣٣/ ١١) في كلام الله لموسى: (ويكلم الرب موسى وجهًا لوجه، كما يكلم الرجل صاحبه).\nففي هذا يزعمون أن الكلام يتم مقابلة مما يوحي بأن موسى ﵇ يرى وجه الله تعالى حين يكلمه.\nوفي نص آخر بعد هذا يقولون: إن الله قال لموسى لما طلب أن يراه (سفر الخروج) (٣٣/ ٢٠) (لا تقدر أن ترى وجهي؛ لأن الإنسان لا يراني ويعيش). فهنا ذكروا أن الله تعالى نفى أن يستطيع موسى أو أي إنسان رؤية وجهه ﷿. وفي هذا تناقض واضح مع ما قبله، ودليل على التحريف. والحق أن موسى ﵇ لم يرَ الله ﷿، كما ذكر ذلك ربنا جلَّ وعلا في القرآن الكريم حيث قال: وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣].\n٥ - أنهم ذكروا أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵇ كما في (سفر التكوين) (٢٢/ ٢): (خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال).\nفلا شك أن هذا خطأ؛ لأن إسحاق ﵇ لم يكن وحيد إبراهيم ﵇، بل الذي كان وحيده هو بكره إسماعيل ﵇، حيث نص اليهود في كتابهم على أن إسماعيل ﵇ ولد قبل إسحاق ﵇، حيث ختن وعمره ثلاث عشرة سنة، ولم يكن إسحاق ولد بعد، وفي هذا قالوا في (سفر التكوين) (١٧/ ٢٥): (وكان إسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة حين ختن في لحم غرلته، في ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم وإسماعيل ابنه).\nثم ذكروا بعد ذلك بشارة الملائكة بإسحاق حين ضافوا إبراهيم ﵇، وهم في طريقهم إلى قوم لوط، والذي يبدو أن اليهود حسدوا أبا العرب إسماعيل ﵇ على هذه المنقبة العظيمة فغيَّروا وحرَّفوا لأجل ذلك.","vol":"3","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-940>رابعًا: الزيادة والإضافات:</span>\nتوجد في التوراة العديد من الجمل التي لا يمكن أن يصح نسبتها إلى موسى ﵇، ومن ذلك:\n١ - أن الكتاب من أوله إلى آخره مليء بقولهم: (وقال الرب لموسى)، (وقال موسى للرب) (وحدَّث موسى الشعب). ونحو ذلك من العبارات التي تدل على الحكاية والرواية مما يقطع بأنها ليست من كلام موسى ﵇ ولا من كلام الله ﷿.\n٢ - جاء في (سفر التكوين) (٣٦/ ٣١): (وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا في أرض أدوم قبل ما مَلَك ملكٌ لبني اسرائيل)، فهذه العبارة لا يمكن أيضا أن تكون من كلام موسى ﵇؛ إذ إن ملوك بني إسرائيل بعد موسى ﵇ بزمن طويل.\n٣ - جاء في (سفر التثنية) في آخره (٣٤/ ٥) حكاية وفاة موسى ودفنه فقالوا: (فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مؤاب حسب قول الرب ودفنه في الجواء في أرض مؤاب، مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم).\nفهذا النص لا شك أنه أُدخل في الكتاب وليس منه؛ إذ ليس من المعقول أن يكتب موسى ﵇ موته ودفنه، وأن إنسانًا لا يعرف قبره إلى يوم كتابة ذلك الكلام.\nوببعض ما ذكرنا يستدل اللبيب والعاقل على أن اليهود لم يحافظوا على كلام الله وكتبه، بل ضيَّعوها وحرَّفوها، وغيَّروا فيها وبدَّلوا، وأضافوا وحذفوا حسب أهوائهم وشهواتهم وأغراضهم. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص: ٩٦","vol":"3","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-942>١ - صفات الله ﷿ في التوراة المحرفة</span>\nالله ﷿ له صفات الكمال المطلق التي لا تشوبها شائبة نقص، ولا شك أن موسى ﵇ قد علَّم بني إسرائيل ذلك، كما أن التوراة المنزلة قد تضمنت ذلك، إلا أن بني إسرائيل قد كفروا وضلوا وانحرفوا عن دين الله ﷿، فتكونت لديهم عقيدة منحرفة جعلتهم يقولون في الله قولًا عظيمًا، ومن ذلك ما ذكره الله ﷿ في القرآن الكريم من قوله ﷿: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة: ٦٤]. وقال ﷿: لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران: ١٨١]. فهذا الكفر والوقاحة من اليهود أثر من آثار تحريفهم لكتابهم، حيث تضمن كتابهم المسمى التوراة، وكذلك الكتب الملحقة به كثيرًا من الصفات التي لا يصح ولا يليق وصف الله ﷿ بها، وهي من أدل الأدلة على التحريف، فمن ذلك:\nوصفهم الله ﷿ بالتعب\nيزعم اليهود في كتابهم أن الله ﷿ تعب من خلق السموات والأرض، فاستراح في اليوم السابع، فقد ورد في (سفر التكوين) (٢/ ٢) ما نصه: (وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل). وفي (سفر الخروج) (٣١/ ١٧) قالوا: (لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض، وفي اليوم السابع استراح وتنفس). وقد ردَّ الله ﷿ عليهم وبيَّن بطلان قولهم هذا في قوله ﷿: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق: ٣٨].\nوصفهم الله ﷿ بالجهل","vol":"3","page":418},{"text":"وصف اليهود الله ﷿ بالجهل في عدة مواطن من كتابهم، منها: قولهم في قصة آدم وحواء بعد أن أكلا من الشجرة كما في (سفر التكوين) (٣/ ٨): (وسمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة فنادى الرب الإله آدم، وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت؛ لأني عريان فاختبأت. فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني فأكلت). فيتضح من كلامهم هذا أن الله ﷿ لم يعلم بآدم حين أكل من الشجرة، ولم يره حين أكل، بل لم يعلم بمكانه بعد أن اختبأ في الجنة. فهل يصحُّ أن يقول أحد: إن الله العليم بكل شيء، والذي لا يغيب عن سمعه وبصره شيء مهما خفي ودقَّ، يخفى عليه أمر آدم على هذه الحال التي ذكر اليهود؟ فلاشك أن ذلك من تحريفهم. ولو نظرنا في كلام الله ﷿ في القرآن الكريم عن هذه الحادثة لوجدنا الفرق الشاسع بين التعبيرين ودلالتهما. ففي القرآن يقول الله ﷿: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ١٩ - ٢٣] ففي هذا النص الكريم ما يتناسب مع كمال علم الله وكمال سمعه وبصره، وأنه محيط بكل شيء، فحالما أكل آدم وزوجته من الشجرة ناداهما ربهما قائلًا: أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ [الأعراف: ٢٢] فلم يسأل آدم أين هو؟ ولا من أعلمه أنه عريان؟ وهل أكل من الشجرة؟ كما يزعم اليهود. كما أن جواب آدم في القرآن الكريم هو الجواب اللائق بالنبي الكريم، حيث اعتذر مباشرة بأنه معتدٍ في هذا الأكل، وسأل الله المغفرة والرحمة، وهذا هو اللائق بآدم العبد الصالح والنبي الكريم، لا ما ذكره اليهود من أنه ألقى باللائمة على زوجته، وحمَّلها وحدها المسئولية.\nومن وصفهم الله ﷿ بالجهل أيضًا زعمهم أن الله ﷿ يجب أن توضع له علامة؛ ليستدل بها عليهم حيث قالوا: إن الله أمرهم قبل خروجهم من مصر أن يلطخوا أبوابهم: العتبة العليا والقائمتين بالدم، ويعللون ذلك بقولهم: (فان الربَّ يجتاز ليضرب المصريين فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب، ولا يدع المهلك يدخل بيوتكم ليضرب). (سفر الخروج) (١٢/ ٢٣). وهذا باطل؛ فإن الله جلَّ وعلا عالم الغيب والشهادة يقول سبحانه عن نفسه: عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سبأ: ٣].\nوصفهم الله ﷿ بالندم","vol":"3","page":419},{"text":"يزعم اليهود أن الله ﷿ ندم على فعله، فمن ذلك قولهم في (سفر الخروج) (٣٢/ ١٤): \"فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه\". وقد كذَّبهم الله في ذلك فقال جلَّ وعلا: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] وقال: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [الفرقان: ٧٧] وهل يندم إلا الغرُّ الجاهل بالعواقب؟ والله ﷿ منزه عن ذلك.\nوقد ورد في كتابهم أيضا ما يبين بطلان هذا الوصف وأن الله جلَّ وعلا لا يوصف به. جاء في (سفر العدد) (٢٣/ ١٩): \"ليس الله إنسانًا فيكذب ولا ابن إنسان فيندم\".\nوصفهم الله ﷿ وتعالى وتقدس بالبكاء وذرف الدموع\nوفي هذا يقولون في كتابهم أن الله قال لهم: (وإن لم تسمعوا- أي: كلامه وتطيعوه- فإن نفسي تبكي في أماكن مستترة من أجل الكبرياء، وتبكي عيني بكاءً وتذرف الدموع؛ لأنه قد سبي قطيع الرب). (سفر إرميا) (١٣/ ١٧). وأيضًا قالوا بعد ذلك مثله في (سفر إرميا) (١٤/ ١٧): إن الله قال لهم: \"لتذرف عيناي دموعًا ليلًا ونهارًا ولا تكفا؛ لأن العذراء بنت شعبي سحقت سحقًا عظيمًا بضربة موجعة جدًّا\". فهذا كله لاشك أنه من افتراءات اليهود على الله ﷿ ووقاحتهم في كلامهم عن الله سبحانه. وهو دليل واضح على التحريف والتلاعب بكلام الله وكتب الأنبياء وفق أهوائهم، لا يراعون في ذلك لله وقارًا، ولا لكلامه تعظيمًا وإكبارًا، سوى ما يتفق مع أمزجتهم وأهوائهم، فعليهم من الله ما يستحقون. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص: ١٠٥","vol":"3","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-943>٢ - وصف اليهود للأنبياء ﵈ في التوراة المحرفة</span>\nمن يقرأ التوراة والكتب الملحقة بها يجد أن أنبياء الله والموكلين بهداية الناس وتعليمهم الهدى والخير لا يتمتعون بصفات الصالحين والأتقياء، بل يجد أن العهد القديم ينسب إليهم كثيرًا من المخازي والقبائح التي يتنزه عنها كثير من الناس العاديين، فكيف يليق أن يُنسب شيء من ذلك إلى الأنبياء الذين قد اصطفاهم الله وخصَّهم بهذه المهمة العظيمة، وهي تبليغ دينه، والذين هم قدوة للصالحين، وأئمة في البرِّ والتُّقَى.\nومما لاشك فيه أن الأنبياء ﵈ أكمل الناس دينًا وورعًا وتقوى، وأن الله اصطفاهم ورعاهم، وكمَّلهم وحفظهم، وعصمهم من القبائح والرذائل، هذه حقيقتهم بلا مراء ولا تردد، وما أضافه اليهود إليهم مما لا يليق نسبته إليهم هو محض افتراء وكذب، ودليل واضح على تحريفهم لكتبهم لأغراض في نفوسهم، غير مراعين حرمة لمقام النبوة، ولا لما جبل الله عليه أولئك الأنبياء ﵈ من الكمال البشري في خلْقهم وخُلقهِم.\nوإليك الأمثلة الدالة على تحريف اليهود لكتابهم بطعنهم في أنبياء الله ﷿، ووصفهم بالصفات التي لا يجوز بحال نسبتها إليهم، فمن ذلك قولهم في:\nنوح ﵇\nزعم اليهود في كتابهم أن نوحًا ﵇، شرب الخمر وتعرَّى داخل خبائه، وفي هذا قالوا في (سفر التكوين) (٩/ ٢٠): (وابتدأ نوح يكون فلاحًا، وغرس كرمًا وشرب من الخمر وتعرَّى داخل خبائه). هكذا وصفوا نبي الله نوحًا ﵇، وهو أول أنبياء الله إلى المشركين، والذي دعا قومه إلى دين الله ألف سنة إلا خمسين عامًا، كما ذكر الله ﷿ حيث قال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [العنكبوت: ١٤] وامتنَّ الله على بني إسرائيل أنهم ذرية ذلك العبد الصالح نوح ﵇، فقال جلَّ وعلا: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:٢ - ٣] فامتنَّ الله على بني إسرائيل بنسبتهم إلى ذلك العبد الصالح، واليهود يصفونه بتلك النقيصة، وما ذلك منهم إلَّا خدمة لأهوائهم وأغراضهم التي تتضح من بقية كلامهم في القصة نفسها، حيث يقولون بعد الكلام السابق في (سفر التكوين) (٩/ ٢٢): (فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجًا، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء فلم يبصرا عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير. فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته). فيتضح من هذا النص أن مقصد اليهود منه لعن الكنعانيين الذين كانوا أعداءً لبني إسرائيل، كما أن فيه خطأً ظاهرًا من ناحية أن حام هو الذي أبصر عورة أبيه حسب النص السابق، فلماذا يلعن ابنه كنعان، مع أن لحام أبناءً آخرين غير كنعان، فإن اليهود قالوا في (سفر التكوين) (١٠/ ٦): (وبنو حام كوش ومصرايم ونوط وكنعان). فلماذا خص كنعان من بين إخوته؟ ما ذلك إلا لهدف خاص في نفوسهم، وهو لعن الكنعانيين أعدائهم، ولو كان بالافتراء على الله ﷿ وعلى نبيه نوح ﵇.\nلوط ﵇","vol":"3","page":421},{"text":"ومن الأنبياء الذين افترى عليهم اليهود لوط ﵇، فقد افتروا عليه فرية عظمى، ورموه بشنيعة كبرى يترفع عنها أعظم الناس فسادًا، حيث زعم اليهود أن لوطًا ﵇ قد زنى بابنتيه الكبرى والصغرى بعد أن أنجاه الله من القرية التي كانت تعمل الخبائث، وأن البنتين أنجبتا من ذلك الزنى، وهذا محض افتراء وبهتان لنبي كريم ولبناته وأهل بيته الصالحين، وقد ذكر الله ﷿ لنا صلاح لوط ﵇ وأهل بيته وطهارتهم على لسان أعدائه، فقال جلَّ وعلا: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل: ٥٦] ولو بحثنا عن سبب افتراء اليهود لهذه الفرية في كتابهم لوجدنا أنهم إنما قصدوا الطعن في أعدائهم المؤابيين والعمونيين من خلال هذه الفرية؛ لأنهم زعموا أن البنت الكبرى حملت من ذلك الزنى فأنجبت مؤاب، وهو أبو المؤابيين، وأن الصغرى حملت أيضًا من ذلك الزنى وأنجبت بني عمي، وهو أبو بني عمون، فلهذا السبب والهوى كذب اليهود على نبي الله ووصموه بهذه الفعلة الشنيعة، وفي ذلك أوضح دليل على التحريف.\nيعقوب ﵇\nزعموا أن يعقوب ﵇ احتال لأخذ النبوة والبركة من أبيه إسحاق ﵇ لنفسه، فذكروا أن إسحاق ﵇ لما كبر وكف بصره دعا ابنه عيسو، وهو الأكبر، وحسب التقليد لديهم فإن البركة تكون للأكبر، وطلب منه أن يصطاد له جديًا ويطبخه حتى يباركه، فذهب عيسو للصيد كما أمره أبوه، إلا أن أمهما كانت تحب يعقوب- وهو الأصغر- أكثر من أخيه عيسو، وأرادت أن تكون البركة له، فدعته وأمرته أن يحضر جديًا فيطبخه، وأن يلبس ملابس أخيه، ويضع فوق يديه جلد جدي حتى يبدو جسمه بشعر مثل جسم أخيه عيسو، فيظن إسحاق ﵇ أنه هو فيباركه، ففعل يعقوب ﵇ ذلك ثم دخل على أبيه، ففي ذلك قالوا: (فدخل إلى أبيه وقال: يا أبي. فقال: ها أنذا، من أنت؟ فقال يعقوب لأبيه: أنا عيسو بكرك قد فعلت كما كلمتني، قم اجلس وكلْ من صيدي؛ لكي تباركني نفسك. فقال إسحاق لابنه: ما هذا الذي أسرعت لتجد يا بني؟ فقال: إن الرب إلهك قد يسر لي. فقال إسحاق ليعقوب: تقدم لأجسك يا ابني أأنت هو ابني عيسو أم لا؟ فتقدم يعقوب إلى إسحاق أبيه فجسه، وقال: الصوت صوت يعقوب، ولكن اليدين يدا عيسو. ولم يعرفه؛ لأن يديه كانتا مشعرتين كيدي عيسو أخيه، فباركه وقال: هل أنت هو ابني عيسو؟ فقال: أنا هو. فقال: قدِّم لي لآكل من صيد ابني حتى تباركك نفسي. فقدم له فأكل وأحضر له خمرًا فشرب، فقال له إسحاق أبوه: تقدَّم وقبِّلني يا ابني. فتقدم وقبله، فشم رائحة ثيابه وباركه، وقال: انظر رائحة ابني كرائحة حقل، قد باركه الرب، فليعطك الله من ندى السماء، ومن دسم الأرض، وكثرة حنطة وخمر، ليستعبد لك شعوب، وتسجد لك قبائل، كن سيدًا لإخوتك، وليسجد لك بنو أمك، ليكن لاعنوك ملعونين، ومباركوك مباركين) (سفر التكوين) (٢٧/ ١٨ - ٢٩). وفاز يعقوب بالبركة بهذه الحيلة، وبعد أن جاء أخوه عيسو لم يكن أمامه إلا الصراخ والعويل لفوات البركة. وبهذا الكلام يصمون أباهم يعقوب ﵇ بالكذب مرارًا، وانتحال شخصية أخيه كيدًا، وأخذ ما ليس له فيه حق احتيالًا، كما يصمون أباهم إسحاق ﵇ بالجهل الشديد إلى حد التغفيل والغباء حيث لم يستطع أن يميز بين ولديه، وهو أمر مستبعد جدًّا أن يقع لأقل الناس إدراكًا وأشدهم تغفيلًا، فضلًا عن نبي الله إسحاق ﵇.","vol":"3","page":422},{"text":"وهذا كله مما لا يليق وصف الأنبياء ﵈ به، كما أن النبوة ليست بيد إسحاق ولا بيد غيره من الأنبياء، بل هي محض تفضل من الله ﷿. قال تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ. [الزخرف:٣٢] وقال تعالى: وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].\nويتجلى في هذه القصة طرفًا من مكر اليهود وكيدهم، فإذا نظرنا إلى قصة إسماعيل وإسحاق ﵉ نجد أنهم أغفلوا مسألة البكورية في استحقاق البركة، والتي يقصدون بها النبوة، وجعلوا البركة لإسحاق دون إسماعيل ﵇؛ لأن إسماعيل عندهم ابن جارية، ولما صار الأمر متعلقًا بعيسو ويعقوب، وعيسو هو الأكبر حسب كلامهم اخترعوا هذه القصة، حتى يبينوا أن يعقوب قد أخذ البركة دون أخيه عيسو.\nوأيضًا تلك البركة التي يزعمون أنها للأكبر لا نراها بَعْدُ في نبي آخر من أنبيائهم، حتى أن يعقوب ﵇ لما بارك أبناءه عند موته جعل البركة العظمى ليوسف ﵇، وهو أصغر أبناء يعقوب، ما عدا شقيقه بنيامين فقد كان أصغر منه، وهكذا أيضًا بارك يعقوب أفرايم ومنسي ابني يوسف ﵇، فقد كان منسي هو البكر، فجعل يعقوب ﵇ البركة الأهم لأفرايم- وهو الصغير- حيث وضع عليه يده اليمنى، فهذه قصة مخترعة مفتراة على نبي الله إسحاق ويعقوب ﵉، لاشك في ذلك.\nهارون ﵇\nزعموا أن هارون ﵇ هو الذي صنع لهم العجل ودعاهم إلى عبادته فقالوا في (سفر الخروج) (٣٢/ ١): (ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون، وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا ... فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها .... فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلًا مسبوكًا، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل). فهل يعقل أن نبيًّا أرسله الله لدعوة قومه إلى عبادة الله وحده يصنع لقومه عجلًا، ويدعوهم إلى عبادته؟! حاشا أنبياء الله من ذلك. وقد بيَّن الله ﷿ في القرآن أن الذي صنع لهم العجل هو السامري، فقال ﷿: قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [طه: ٨٥]. أما هارون ﵇ فقد قام بواجبه من ناحية نهيهم عن عبادة العجل، قال جلَّ وعلا: وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [طه: ٩٠].\nداود ﵇\nزعموا أنه زنى بامرأة أحد جنوده، وحبلت من ذلك الزنى، ثم إنه تسبب في مقتل زوجها حيث أمر أن يُجعل في مقدمة الجيش حتى يعرِّضه للقتل، ثم بعد مقتل زوجها تزوَّجها ومات ذلك المولود الأول، ثم حبلت مرة أخرى، فأنجبت النبي سليمان ﵇.\nسليمان ﵇\nزعموا أن سليمان ﵇ تزوَّج بنساء مشركات يعبدن الأصنام، ثم هو عبد الأصنام معهن وبنى للأصنام أيضًا معابد لعبادتها.\nذلك كله محض افتراء وكذب، وهو من افتراءات اليهود على أنبياء الله تعالى وكذبهم عليهم، وأن هذا من أظهر أدلة تحريف الكتب الإلهية، والعبث فيها وفق أهوائهم ورغباتهم.","vol":"3","page":423},{"text":"ولسائل أن يسأل لماذا طعن اليهود في أنبيائهم، وقد كان لأنبيائهم الدور الأكبر والفضل العظيم عليهم بعد فضل الله فيما نالوا من خير الدنيا وعزِّها في سابق حياتهم؟\nإن هذا لسؤال محير!! إلا أنَّا إذا تصورنا أن هذه الكتب قد طالتها يد التحريف، ولا نعرف على التحقيق من الذي تولَّى تحريفها، ولا الزمان الذي حرِّفت فيه، إلا أننا نقطع حسب ما أوردوا في كتبهم أن بني إسرائيل انحرفوا عن دينهم انحرافات خطيرة وكثيرة، بل تركوا دينهم وعبدوا الأصنام والأوثان خاصة فيما قبل السبي، ولا نشك أن جزءًا كبيرًا من التحريف كان في تلك الفترات، وهي التي لا يتورع أصحابها عن الافتراء على الله ﷿ وعلى أنبيائه ﵈ فتمَّت في ذلك الزمان التحريفات الكثيرة، أو كتابة كتب كاملة ونسبتها إلى نبي من الأنبياء، ثم إن المتأخرين منهم لم يكن لديهم الجرأة على تمحيص تلك النصوص، أو أنهم أيضًا اختلَّت موازينهم بسبب ذلك التحريف.\nولكن السؤال لازال قائمًا: لماذا حرَّف أولئك اليهود كلام الله، وطعنوا في أنبيائهم وأصحاب الفضل عليهم بهذه المطاعن؟\nالذي يبدو لي أن أولئك المحرفين أرادوا أن يبرروا ما هم فيه من فساد وانحراف وفسق، فألصقوا أنواعًا من التُّهم بأنبيائهم حتى لو احتجَّ عليهم محتجٌّ بأمر من الأمور المتعلقة بانحرافهم احتجوا له بأن النبي الفلاني فعل كذا وفعل كذا، كذبًا وزورًا.\nوأيضًا ليخدموا غرضًا في نفوسهم، كما سبق أن قلنا عن طعنهم في نبي الله نوح ولوط ﵉.\nوهذا كله يكفي في التعبير عنه قول الله ﷿: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُون [البقرة: ٧٩]. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ١١٠","vol":"3","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-944>الفصل الثاني: الإنجيل</span>\n• المبحث الأول: إسناد وتاريخ الأناجيل الأربعة.\n• المبحث الثاني: تحريف الإنجيل.","vol":"3","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-945>المبحث الأول: إسناد وتاريخ الأناجيل الأربعة</span>\n• تمهيد.\n• المطلب الأول: تاريخ الأناجيل الأربعة إجمالًا.\n• المطلب الثاني: تاريخ الأناجيل الأربعة وإنجيل برنابا تفصيلًا.","vol":"3","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-946>تمهيد</span>\nالإنجيل كلمة يونانية تعني الخبر الطيب (البشارة). والإنجيل عند المسلمين: هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على عيسى ﵇ فيه هدى ونور، قال تعالى: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ [المائدة: ٤٦]. وقد دعا المسيح ﵇ بني إسرائيل للأخذ بالإنجيل والإيمان به، فقد جاء في إنجيل مرقص (١/ ١٤): (وبعدما أُسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان، واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل). وقد ذكر هذا الإنجيل أوائل النصارى، ودعوا إلى الإيمان به، وفي هذا يقول سفر (أعمال الرسل) (٨/ ٢٥) عن بطرس ويوحنا في دعوتهما للسامريين من اليهود: (وكما شهدا وتكلما بكلمة الرب رجعا إلى أورشليم، وبشَّرا بالإنجيل في قرى كثيرة للسامريين).\nوذكره بولس أيضًا في رسائله، مثل قوله في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي (٢/ ٢): (جاهرنا في إلهنا أن نكلمكم بإنجيل الله في جهاد كثير؛ لأن وعظنا ليس عن ضلال ولا عن دنس ولا بمكر، بل كما استحسنا من الله أن نؤتمن على الإنجيل هكذا نتكلم ... ثم يقول: ... فإنكم أيها الإخوة تذكرون تعبنا وكدنا إذ كنا نكرز لكم بإنجيل الله ..). فإذًا الإنجيل كان كتابًا موجودًا ومعروفًا لدى النصارى الأوائل بأنه إنجيل الله أو إنجيل المسيح، إلا أن هذا الإنجيل لا نجده بين الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى اليوم، فأين هو؟ على النصارى أن يجيبوا على هذا السؤال، أو يعترفوا بأنهم فقدوه في زمن مبكر من تاريخهم، ولعل هذا هو الأرجح؛ إذ يقول الله ﷿: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة:١٤]. وقد صار عند النصارى بدل الإنجيل الواحد أربعة أناجيل، يجعلونها في مقدمة كتابهم العهد الجديد، ولا ينسبون أيًّا منها إلى المسيح ﵇، وإنما هي منسوبة إلى متى ومرقص ولوقا ويوحنا - الذي يزعم النصارى أن اثنين منهم من الحواريين وهما متى ويوحنا، والآخران أحدهما مرقص تلميذ بطرس، والآخر لوقا تلميذ بولس في زعمهم. وهذه الأناجيل تحوي شيئًا من تاريخ عيسى ﵇ حيث ذُكِرَ فيها ولادته، ثم تنقلاته في الدعوة، ثم نهايته بصلبه وقيامته في زعمهم، ثم صعوده إلى السماء. كما تحتوي على مواعظ منسوبة إليه وخطب، ومجادلات مع اليهود، ومعجزات كان يظهرها للناس دليلًا على صدقه في أنه مرسل من الله، فهذه الأناجيل أشبه ما تكون بكتب السيرة، إلا أن بينها اختلافات ليست قليلة، وبعضها اختلافات جوهرية لا يمكن التوفيق بينها إلا بالتعسف كما سيتبين.\nوالقارئ لهذه الأناجيل الأربعة يستطيع بسهولة أن يدرك أن ما ورد فيها من دعوة وخطب ومواعظ ومجادلات تعود إلى مطلبين أساسيين، هما:\n١ - الدعوة إلى التوبة والعمل بما جاء في الشريعة التي أنزلت على موسى ﵇.\n٢ - التبشير بقرب قيام مملكة الله التي يتحقق فيها العدل والمساواة. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف - ص ١٩٩","vol":"3","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-947>المطلب الأول: تاريخ الأناجيل الأربعة إجمالًا</span>\nقبل الحديث عن تاريخ الأناجيل الأربعة لدى النصارى لا بد من بيان أن الكتب الدينية لها مكانة عظيمة لدى أتباعها، ولها دور خطير في الحياة؛ إذ يعتمد عليها في توضيح الطريق إلى سعادة الدنيا وفوز الآخرة. فلهذا يجب أن تكون الكتب ثابتة الإسناد إلى أصحابها الذين هم رسل الله، والمبلغون عن الله ﷿، فإذا لم تكن كذلك فإنها تفقد قيمتها؛ إذ تكون عرضة للتحريف والتبديل من قبل أصحاب الأهواء والمقاصد الخبيثة، أو من قبل العوارض البشرية كالنسيان، وقلة العلم، والوهم ونحو ذلك.\nفصحة الإسناد بعدالة رواة الأخبار وضبطهم، وعدم انقطاعه، هو السبيل الذي يمكن به وصول هذه الكتب إلى الناس سليمة صحيحة كاملة، فيتعرَّف الناس على الحق من خلالها.\nوإذا نظرنا في كتب الحديث عند أهل الإسلام- والتي تتضمن أقوال نبينا محمد ﷺ وأفعاله وتقريرا ته وجميع ما يتعلق به- عرفنا الجهد العظيم الذي بذله أولئك الأئمة في المحافظة على حديث رسول الله ﷺ سليمًا صحيحًا، حيث يستطيع المسلم في القرن الخامس عشر الهجري أن يعرف صحة الحديث من عدمها.\nوإذا بحثنا في التاريخ لدى النصارى عن إسناد لهذه الأناجيل إلى من تنسب إليه لا نجد من ذلك شيئًا البتة لا قليلًا ولا كثيرًا. ورسائل بولس، وكذلك الرسائل الأخرى، وأعمال الرسل ليس في شيء منها إشارة إلى واحد من هذه الكتب الأربعة، الأمر الذي يترتب عليه أن هذه الكتب لم تكن معروفة في ذلك الزمن، ولم يطَّلع عليها أحد منهم، وفي هذا دلالة قوية على أن نشأة هذه الكتب وظهورها كان متأخرًا عن هذه الرسائل، بخلاف إنجيل الله أو إنجيل المسيح فقد ورد ذكره في كلام بولس مرارًا عديدة، كما ورد ذكره في إنجيل مرقص، وأعمال الرسل مما يدل على وجوده وأنه معروف معلوم.\nوقد حاول النصارى أن يجدوا لهذه الكتب إسنادًا أو إخبارًا عنها في كلام متقدميهم يتفق مع الزمن الذي يزعمون أنها كتبت فيه، وهو الربع الأخير من القرن الأول الميلادي على أكثر تقدير. إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع، مما اضطرهم إلى الاعتراف بأن هذه الكتب لم تعرف إلا بعد موت من تنسب إليه بعشرات السنين، فتكون نسبتها إلى أولئك الناس نسبة لا تقوم على أدنى دليل، وإليك بعض كلام النصارى في هذا الأمر:\nيقول القس (فهيم عزيز) الأستاذ بكلية اللاهوت الإنجيلية: (لكن قانونية أسفار العهد الجديد لم تتم في وقت واحد ولم يكفها جيل أو جيلان، بل استمرت مدة طويلة، ولم تقف الكنائس المختلفة موقفًا موحدًا من الأسفار المختلفة، بل اختلفت آراؤها من جهة بعض الأسفار، واستمرت في ذلك حقبة طويلة، فلهذا يلزم تتبع هذا التاريخ الطويل لقانونية أسفار العهد الجديد.\nالكنيسة الأولى: يوم الخمسين (١٠٠) م:\nمن المعلوم جيدًا أنه لم تكن في تلك الفترة كتب مقدسة تسمى العهد الجديد، ولكن الكنيسة لم تمكث بدون مصادر إلهية تستند عليها في كل شيء من وعظ وتعاليم وسلوك ومعاملات، وقد كان لها في هذا المجال ثلاثة مصادر). ثم ذكر أن المصادر الثلاثة هي: العهد القديم، المسيح، الرسل، ثم قال:\n(ثانيًا: (١٠٠ - ١٧٠) م، ظهور الكتب القانونية في العهد الجديد:\nكانت أول مجموعة عرفتها الكنيسة من العهد الجديد هي مجموعة رسائل بولس. فهي أول ما جمع من كل كتب العهد الجديد، ولقد كتب بولس رسائله إلى كنائس وأفراد لظروف خاصة ومواقف محددة ..).","vol":"3","page":428},{"text":"ثم قال: (أما المجموعة الثانية: فهي مجموعة الأناجيل الأربعة، وقد ظهرت هذه المجموعة متأخرة بعض الوقت عن مجموعة كتابات بولس. ومع أن تاريخ اعتبارها كتبًا قانونية مقدسة متساوية في ذلك مع كتب العهد القديم لا يزال مجهولًا، لكن الاقتباسات العديدة التي وجدت في كتابات آباء الكنيسة الرسوليين وشهاداتهم تلقي بعض الضوء على هذه الحقيقية الجوهرية في العصر المسيحي، ويلاحظ الدارس الأمور الآتية:\nأن بولس لم يشر في كتاباته إلى أي من الأناجيل المكتوبة، ولا إلى أي كتاب عن حياة المسيح أو أقواله ..). ثم ذكر المصنف سبع نقاط أخرى أورد في بعضها اقتباسات لمتقدمين من النصارى تتوافق في بعضها مع ما ورد في بعض الأناجيل بدون النص على اسم الإنجيل. وأهم ما ذكره من الملاحظات هي قوله في الملاحظتين السابعة والثامنة:\n٧ - أما جاستن أو يوستينوس الشهيد الذي كان سامريًّا يونانيًّا، وتحوَّل إلى المسيحية، ودرس في روما، واستشهد حوالي (١٦٥) م، فيؤخذ من كتاباته أنه قد عرف الأناجيل الأربعة مرتبطة معًا، مع أنه لم يكشف النقاب عمن جمعها، ولا في أي مكان جمعت، وهو يصفها عندما يذكرها في دفاعه ضد الوثنيين بأنها الذكريات، ولكنه عندما كان يكتب للمسيحين كان يقول عن الرسل: (هم أولئك الذين كتبوا ذكرياتهم عن كل الأشياء التي تختص بيسوع المسيح المخلص). ثم يقول مرة أخرى: (الذكريات التي عملها الرسل التي تسمى الأناجيل).\n٨ - أما الشاهد الأخير فهو (الديا طسرن) الذي كتبه (تاتيان)، وأراد أن يجمع فيه الأناجيل الأربعة معًا في إنجيل واحد، وقد أضاف تاتيان هذا بضعة كلمات للمسيح لا توجد في هذه الأناجيل، ولكنها أخذت من كتب أبوكريفية أخرى، وهو بذلك يشهد أن الأربعة الأناجيل وجدت معًا، ولكن إضافاته مجرد اقتباسات لا تدلُّ على أنه كان يعتبر أن هناك كتبًا أخرى تضارعها في سلطانها وقداستها. وبعد هذا النقل عن أحد القسس المتعمقين والمتخصصين في دراسات العهد الجديد، ننقل كلام مجموعة من المتخصصين النصارى عن أناجيلهم وذلك في المدخل إلى العهد الجديد قالوا في التعريف بتاريخ وقانونية العهد الجديد ما يلي: (لقد سيطرت على المسيحيين الأوائل فكرة تناقلتها الألسن شفاهًا - تعلن انتهاء هذا العالم سريعًا وعودة المسيح ثانية إلى الأرض؛ ليدين الناس، وكان من بين نتائج هذا المعتقد أن توقف التفكير في تأليف كتابات مسيحية تسجل أخبار المسيح وتعاليمه، فتأخر لذلك تأليف الأناجيل؛ إذ لم يشرع في تأليف أقدمها - وهو إنجيل مرقس الذي لم يكن قط من تلاميذ المسيح - إلا بعد بضع عشرات من السنين، لقد كانوا يؤمنون بنهاية العالم وعودة المسيح سريعًا إلى الأرض: قبل أن يكمل رسله التبشير في مدن إسرائيل، وهي عملية لا تستغرق أكثر من عدة أشهر أو بضع سنين على أكثر تقدير ..... الحق أقول لكم: لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان. متى (١٠/ ٢٣).\n- وقبل أن يموت عدد من الذين وقفوا أمامه يستمعون إلى تعاليمه ومواعظه. وهي فترة يمكن تقديرها دون خطأ يذكر في حدود خمسين عامًا على أقصى تقدير: الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوم لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته. متى (١٦/ ٢٨)","vol":"3","page":429},{"text":"- وهو يعود ثانية إلى الأرض قبل أن يفنى ذلك الجيل الذي عاصر المسيح، وهي فترة لا تتجاوز أقصى ما قدرناه، أي: خمسين عامًا:. ...... الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله. متى (٢٤/ ٢٤). ومعلوم أن ذلك كله لم يحدث؛ إذ لا يزال الكون قائمًا، وبنو آدم يعيشون في عالمهم الدنيوي حتى يأتي أمر الله، هذا - ولما بردت الحمية التي أثارتها فكرة عودة المسيح سريعًا إلى الأرض، ظهرت الحاجة ماسة إلى تدوين الذكريات عنه وعن تعاليمه، ومن هنا كانت النواة لتأليف أسفار- ما صار يعرف فيما بعد باسم - العهد الجديد، وهي الأسفار التي لم يعترف بشرعيتها إلا على مراحل وعلى امتداد أكثر من ثلاثة قرون. إن كلمة (قانون) اليونانية مثل كلمة (قاعدة) في العربية قابلة لمعنى مجازي يراد به قاعدة للسلوك أو قاعدة للإيمان، وقد استعملت هنا للدلالة على جدول رسمي للأسفار التي تعدها الكنيسة ملزمة للحياة وللإيمان. ولم تندرج هذه الكلمة بهذا المعنى في الأدب المسيحي إلا منذ القرن الرابع، كانت السلطة العليا في أمور الدين تتمثل عند مسيحي الجيل الأول في مرجعين. أولهما: العهد القديم، وكان الكتبة المسيحيون الأولون يستشهدون بجميع أجزائه على وجه التقريب استشهادهم بوحي الله.\nوأما المرجع الآخر الذي نما نموًّا سريعًا، فقد أجمعوا على تسميته: الرب. ولكن العهد القديم كان يتألف وحده من نصوص مكتوبة، وأما أقوال الرب وما كان يبشر به الرسل، فقد تناقلتها ألسنة الحفاظ مدة طويلة، ولم يشعر المسيحيون الأولون إلا بعد وفاة آخر الرسل بضرورة كل من: تدوين أهم ما علَّمه الرسل، وتولى حفظ ما كتبوه. ويبدو أن المسيحيين حتى ما يقرب من السنة (١٥٠) م، تدرجوا من حيث لم يشعروا بالأمر إلا قليلًا جدًّا إلى الشروع في إنشاء مجموعة جديدة من الأسفار المقدسة، وأغلب الظن أنهم جمعوا في بدء أمرهم رسائل بولس واستعملوها في حياتهم الكنسية، ولم تكن غايتهم قط أن يؤلفوا ملحقًا بالكتاب المقدس، بل كانوا يَدَعُون الأحداث توجِّههم، فقد كانت الوثائق البولسية مكتوبة، في حين أن التقليد الإنجيلي كان لا يزال في معظمه متناقلًا على ألسنة الحفاظ. ولا يظهر شأن الأناجيل طوال هذه المدة ظهورًا واضحًا كما يظهر شأن رسائل بولس.","vol":"3","page":430},{"text":"أجل لم تخل مؤلفات الكتبة المسيحيين الأقدمين من شواهد مأخوذة من الأناجيل أو تلمح إليها، ولكنه يكاد أن يكون من العسير في كل مرة الجزم: هل الشواهد مأخوذة من نصوص مكتوبة كانت بين أيدي هؤلاء الكتبة، أم هل اكتفوا باستذكار أجزاء من التقليد الشفهي؟ ومهما يكن من أمر، فليس هناك قبل السنة (١٤٠) م، أي شهادة تثبت أن الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيلية المكتوبة، ولا يذكر أن لمؤلَفٍ من تلك المؤلفات صفة ما يلزم، فلم يظهر إلا في النصف الثاني من القرن الثاني شهادات ازدادت وضوحًا على مرِّ الزمن بأن هناك مجموعة من الأناجيل، وأن بها صفة ما يلزم، وقد جرى الاعتراف بتلك الصفة على نحو تدريجي. فيمكن القول أن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة (١٧٠) م، بمقام الأدب القانوني، وإن لم تستعمل تلك اللفظة حتى ذلك الحين. لم يوضع (لم يستقر) الجدول التام للمؤلفات العائدة إلى القانون إلا على نحو تدرجي، وكلما تحقق شيء من الاتفاق، فهكذا يجدر بالذكر ما جرى بين السنة (١٥٠) م، والسنة (٢٠٠) م، إذ حدد على نحو تدرجي أن سفر أعمال الرسل مؤلف قانوني، وقد حصل شيء من الإجماع على رسالة يوحنا الأولى. ولكن ما زال هناك شيء من التردد في بعض الأمور: فإلى جانب مؤلفات فيها من الوضوح الباطني ما جعل الكنيسة تتقبَّلها تقبُّلها لما لابد منه، هناك عدد كبير من المؤلفات الحائرة يذكرها بعض الآباء ذِكْرَهم لأسفار قانونية، في حين أن غيرهم ينظر إليها نظرته إلى مطالعة مفيدة ذلك شأن: الرسالة إلى العبرانيين، ورسالة بطرس الثانية، وكل من رسالة يعقوب ويهوذا.\nوهناك أيضًا مؤلفات جرت العادة أن يستشهد بها في ذلك الوقت على أنها من الكتاب المقدس، ومن ثم جزء من القانون، لم تبق زمنًا على تلك الحال، بل أخرجت آخر الأمر من القانون، ذلك ما جرى لمؤلَّف: هرماس، وعنوانه (الراعي)، وللديداكي ورسالة إكليمنضس الأولى، ورسالة برنابا، ورؤيا بطرس، وكانت الرسالة إلى العبرانيين، والرؤيا، موضوع أشد المنازعات، وقد أنكرت صحة نسبتها إلى الرسل إنكارًا شديدًا مدة طويلة. ولم تقبل من جهة أخرى إلا ببطء: رسالتا يوحنا الثانية والثالثة ورسالة بطرس الثانية، ورسالة يهوذا. ولا حاجة إلى أن نتتبع تتبعًا مفصلًا جميع مراحل هذا التطور الذي أدَّى خلال القرن الرابع إلى تأليف قانون هو في مجمله القانون الذي نعرفه اليوم). من خلال هذا البيان والنقل المطول عن النصارى أنفسهم في حديثهم عن كتبهم يتلخص لنا ما يلي:\n١ - أن الله أنزل كتابًا على المسيح سماه الإنجيل، ودعا المسيح ﵇ الناس إلى الإيمان به، وذكره أوائل النصارى، كما ذكره بولس في رسائله.\n٢ - أن النصارى لا يعرفون شيئًا عن مصير ذلك الإنجيل، ولا أين ذهب!!.\n٣ - أنه كانت هناك روايات شفوية ووثيقة مشتركة متداولة كان يتناقلها الحواريون ودعاة النصارى الأوائل، ويعتقد أنها كانت المصدر الأساسي لأوجه الاتفاق بين الأناجيل. وأرى أن تلك الروايات الشفوية لا يبعد أن يكون الإنجيل الأصلي من ضمنها، إلا أن النصارى لم يدوِّنوه مجموعة واحدة، كما أنهم لم يميزوه عن غيره من الروايات، مما جعله غير محدد، ولا يستطيع أحد الجزم والاعتقاد بشيء من النصوص أنها منه، وهذا تصديق قول الله ﷿: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ [المائدة:١٤].","vol":"3","page":431},{"text":"٤ - أن المتقدمين من النصارى لم يشيروا إلى الأناجيل الأربعة، ولم يذكروها ألبته، فبولس- على كثرة رسائله- لم يذكرها في رسائله أبدًا، وكذلك لم يذكرها سفر أعمال الرسل الذي ذكر دعاة النصارى الأوائل، وهذا يدلُّ على أن هذه الكتب لم تكن موجودة في ذلك الزمن، وأنها أُلِّفت وكتبت بعد ذلك.\n٥ - أن أول من ذكر مجموعة من الكتب المدونة ذكرًا صريحا هو جاستن الذي قتل عام (١٦٥) م، وهذا لا يدل صراحة على الأناجيل الأربعة نفسها، وأما أول محاولة للتعريف بها ونشرها فكانت عن طريق \"تاتيان\" الذي جمع الأناجيل الأربعة في كتاب واحد سماه (الدياطسرن) في الفترة من (١٦٦ - ١٧٠) م، وهذا هو التاريخ الذي يمكن أن يعزى إليه وجود هذه الكتب، وهو تاريخ متأخر جدًّا عن وفاة من تعزى إليهم هذه الكتب؛ إذ إنهم جميعًا ماتوا قبل نهاية القرن الأول، مما يدلُّ على أنهم برءاء منها، وأنها منحولة إليهم.\n٦ - أنه حتى بعد هذا التاريخ- وهو (١٧٠) م، إلى القرن الرابع الميلادي- لم تكن الأناجيل الأربعة وحدها هي الموجودة، بل كانت هناك أناجيل كثيرة موجودة منتشرة ربما تبلغ مائة إنجيل، ولم يكن لأيٍّ منها صفة الإلزام والقداسة، وذلك أمر تكون الأناجيل الأربعة معه عرضة للتحريف والتغيير خلال تلك الفترة أيضًا.\n٧ - أن النصارى لا يعرفون بالضبط تاريخ إعطاء هذه الكتب صفة الإلزام والقداسة، وإنما يرون أنه خلال القرن الرابع الميلادي أخذت كتبهم صفة القداسة بشكل متدرج، يعني: رويدًا رويدًا.\n٨ - أن النصارى لا يملكون السند لكتبهم، ولا يعرفون مصدرها الحقيقي، ولا تعدو أن تكون كتبًا وجدوها منحولة إلى أولئك الناس الذين نُسبت إليهم فنسبوها إليهم، واعتقدوا صحة ذلك بدون دليل، وهذا أمر لا يمكن أن يعطي النفس البشرية القناعة المناسبة لما تراد له هذه الكتب في الأصل من تجنب سخط الله وبلوغ رضوانه.\n٩ - أننا نعجب غاية العجب من زعم النصارى: أن هذه الكتب حقيقية وصادقة، وتنقل بأمانة وإخلاص كلام المسيح، وتروي أخباره. كيف تجرؤوا على مثل هذا الكلام، وكيف قبله أتباعهم مع أنهم لا يملكون الدليل على ذلك، وكل دعوى عريت عن الدليل فهي باطله.\nقال الله ﷿: قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ [الأنعام:١٤٨].\nوكل من تحدث في دين الله بلا علم فهو ضال مضل، قال ﷿: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ [الحج:٣]. وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:٨ - ٩]. ولأن دعاويهم عارية عن الدليل فهي نابعة من الهوى، فلهذا سمى الله ﷿ ما عند اليهود والنصارى من دين أهواء في قوله ﷿ لنبيه محمد ﷺ: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة:١٢٠]. ولكن ذلك العجب يذهب، وتلك الدهشة تزول إذا علمنا أن للآباء والكبراء والسادة من أهل الضلالة الذين يسعون إلى المحافظة على مكاسبهم الدنيوية الدور الأكبر في إضلال العوام والدهماء الذين لا يستخدمون ما وهبهم الله من عقل وسمع وإدراك، وإنما يتابعون وينقادون انقياد الأعمى، وفي هذا يقول الله ﷿: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ [المائدة:١٠٤].\nوقال ﷿: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب:٦٦ - ٦٨]. والواجب على الإنسان أن لا يخضع للتقليد فيما تتعلق به نجاته وسعادته أو هلاكه وشقاوته، بل يتحقق من الأمر، ويتأكد من صحته، ويسأل الله الهداية والتسديد والرشد إلى أن يصل إلى الحق والنور الذي لن يخطئه بإذن الله تعالى إذا أخلص الطلب، واجتهد في الدعاء، وتحرَّر من الأهواء والتقليد والعصبية. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٢٠٣","vol":"3","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-948>المطلب الثاني: تاريخ الأناجيل الأربعة وإنجيل برنابا تفصيلًا</span>\n• أولًا: إنجيل متى.\n• ثانيًا: إنجيل مرقص.\n• ثالثًا: إنجيل لوقا.\n• رابعًا: إنجيل يوحنا.\n• خامسا: إنجيل برنابا.","vol":"3","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-949>أولًا: إنجيل متى</span>\nيصدر النصارى كتابهم المقدس بهذا الإنجيل، فهو أول كتبهم في الترتيب، وهو أطولها؛ إذ يحوي ثمانية وعشرين إصحاحًا.\nويزعم النصارى أن (متى) الذي ينسب الكتاب إليه هو أحد الحواريين، وكان قبل اتباعه للمسيح عشارًا (جابي ضرائب).\nإلا أن النصارى لم يستطيعوا أن يبرزوا لنا دليلًا يُعتمد عليه في صحة نسبة هذا الكتاب إلى (متى)، وأقدم من يعتمدون على قوله في نسبة الكتاب إلى (متى) أحد كتابهم، ويسمى (يوسابيوس القيصري) في كتابه (تاريخ الكنيسة) حيث نقل عن أسقف كان لهيرا بوليس سنة (١٣٠) م، يدعى (بابياس)، أنه قال: (إن متى كتب الأقوال باللغة العبرانية).\nوهذا القول ولدى جميع العقلاء لا يمكن أن يعتمد عليه في إثبات صحة نسبة الكتاب إلى \"متى\" الذي يزعمون أنه حواري.\nوذلك لأن \"بابياس\" المذكور هنا لم يكن سمع تلك التعاليم وتلك الكتب من أصحابها، بل كان يسمعها بواسطة، حيث يقول عن نفسه فيما ذكر عنه (يوسابيوس): (وكلما أتى واحد ممن كان يتبع المشايخ سألته عن أقوالهم؛ لأنني لا أعتقد أن ما تحصل عليه من الكتب يفيد بقدر ما يصل من الصوت الحي).\nفهو هنا لا يتحرى في النقل، ومما لاشك فيه أن أولئك الوسائط لابد أن تثبت عدالتهم، وإلا فلا يعتد بما يروونه ويقولونه.\nكما أن (يوسابيوس القيصري) قد طعن في بابياس نفسه حيث قال عن رواياته: (ويُدوِّنُ نفس الكاتب روايات أخرى يقول: إنها وصلته من التقليد غير المكتوب. وأمثالًا وتعاليم غريبة للمخلص وأمورًا خرافية ...).\nثم قال عنه وعن آرائه: (وأظن أنه وصل إلى هذه الآراء بسبب إساءة فهمه للكتابات الرسولية، غير مدرك أن أقوالهم كانت مجازية؛ إذ يبدو أنه كان محدود الإدراك جدًّا كما يتبين من أبحاثه، وإليه يرجع السبب في أن كثيرين من آباء الكنيسة من بعده اعتنقوا نفس الآراء مستندين في ذلك على أقدمية الزمن الذي عاش فيه).\nفهذه طريقة (بابياس) في النقل حيث ينقل عن كل من اتبع المشايخ بدون تحر لمقدرة التلميذ على الحفظ والضبط للروايات والعدالة وما إلى ذلك من شروط صحة الخبر، كما أن (بابياس) نفسه ضعيف التمييز بين الأقوال محدود الإدراك جدًّا. فكيف تعتبر أقوال من هذه حاله في أخطر قضية، وهي الشهادة لكتاب بأنه كلام رب العالمين؟ كما أن في المقابل هناك عدة أدلة تدل على عدم صحة نسبة الإنجيل إلى (متى) الذي يزعمون أنه حواري وهي:\n١ - أن النصارى لم ينقلوا الإنجيل بالسند، وقول (بابياس) السابق لم يعين فيه من هو (متى)، هل هو الحواري أم رجل آخر؟ كما أنه لم يعين الكتاب بل قال: (الأقوال).\nوأيضًا فقد ذكر أمرًا آخر يختلف تمامًا عما عليه إنجيل متى الموجود، وهو أنه قال: إنه كتبه باللغة العبرانية، مع أن النصارى يجمعون على أن: الكتاب لم يعرفوه إلا باللغة اليونانية، ولا يعرفون للكتاب نسخة عبرانية، بل الكثير منهم يرى أن: الكتاب يظهر من لغته أنه أول ما كتب إنما كتب باللغة اليونانية، وليس العبرانية، فهذا يدل على أن قول (بابياس) لا ينطبق على إنجيل متى الموجود بين يدي النصارى.\nكما أن هناك استفسارًا آخر في حالة أن يكون الإنجيل مترجمًا من اللغة العبرانية إلى اللغة اليونانية، وهو: من هو مترجمه؟ وهذا أمر مهم؛ لأنه ما لم يعلم دين المترجم، وصدقه، وضبطه، وقوة معرفته باللغتين لا يمكن أن يعتمد على ترجمته.\n٢ - إن الدارسين لهذا الكتاب والباحثين من النصارى وغيرهم يرون أن كاتب هذا الإنجيل اعتمد كثيرًا على إنجيل مرقص، ومرقص في كلام النصارى تلميذ بطرس، فهل من المعقول أن يعتمد أحد كبار الحواريين في زعمهم على تلميذ من تلاميذهم في الأمور التي هم شاهدوها وعاينوها وعايشوا أحداثها؟\nهذا يدل على أن كاتبه غير (متى) الذي يزعمون أنه حواري، وأن دعوى النصارى أن كاتب الإنجيل هو متى الحواري دعوى عارية عن الدليل، وهي من باب الظن والتخمين الذي لا يغني من الحق شيئًا.","vol":"3","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-950>ثانيًا: إنجيل مرقص</span>\nهذا الإنجيل الثاني في ترتيب الأناجيل لدى النصارى، وهو أقصرها؛ إذ إنه يحوي ستة عشر إصحاحًا فقط. أما كاتب الإنجيل فهو في زعم النصارى رجل من أتباع الحواريين، والمعلومات عنه قليلة جدًّا وغامضة، ولا تتضح شخصيته وضوحًا يُطمئن النفس؛ إذ إن كل ما ورد عنه الإشارة إلى أن اسمه يوحنا، ويلقب مرقص، وأنه صاحَبَ بولس وبرنابا في دعوتهما، ثم افترق عنهما، ثم ذكر بولس في رسائله اسم مرقص ذكرًا مقتضبًا لا يعطي غناء في التعريف به، وورد ذكر اسمه مع بطرس حيث يقول عنه: (تسلم عليكم التي في بابل المختارة معكم ومرقص ابني). فهذه المعلومات يفهم منها أن الرجل مجهول؛ إذ إنها لم تعط تعريفًا بدينه، وعلمه، وأمانته، ونحو ذلك مما يجب توافر معرفته فيمن يكون واسطة لكتاب مقدس. أما الكتاب وهو الإنجيل: فأقدم المعلومات التي عزته إلى من يسمَّى مرقص ما نقله (يوسابيوس) في تاريخه الكنسي عن بابياس حيث قال: (ولقد قال الشيخ أيضًا: إن مرقص الذي صار مفسرًا لبطرس قد كتب بكل دقة كل ما تذَكَّره من أقوال وأعمال الرب، ولكن ليس بالترتيب؛ لأنه لم يسمع الرب ولم يتبعه، ولكن كما قلت قبلًا عن بطرس الذي ذكر من تعاليم السيد ما يوافق حاجة السامعين، بدون أن يهدف إلى كتابة كل ما قاله الرب وعمله، وهكذا فصل مرقص أنه لم يعمل خطأً واحدًا في كل ما ذكره وكتبه ..). هذه أقدم شهادة لدى النصارى عن الكتاب والكاتب، فهي شهادة مطعون فيه، لمجهول الحال- وهو مرقص- عن أمر مجمل، حيث ذكر أنه كتب ما تذكر، ولم يفصل في المكتوب ما هو!! فهل تكفي هذه الشهادة في إثبات صحة الكتاب!!، لاشك أنها لا تكفي؛ فإن مثل هذه الأدلة والشواهد لو قدِّمت لدى قاض في قضية لم يقبلها ولم يحكم وفقها.","vol":"3","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-951>ثالثًا: إنجيل لوقا</span>\nهذا الإنجيل الثالث في ترتيب النصارى لكتابهم، ويحوي أربعة وعشرين إصحاحًا. وكاتب الإنجيل في زعم النصارى هو أحد الوثنيين الذين آمنوا بالمسيح بعد رفعه، وكان رفيقًا لبولس (شاؤول اليهودي) حيث ذكره بولس في ثلاثة مواضع من رسائله، واصفًا إياه بأنه رفيقه. ولا يوجد لدى النصارى معلومات عنه سوى أنه أممي رافق بولس في بعض تنقلاته، حيث ورد اسمه في تلك الرحلات. فهو بذلك يعتبر شخصية مجهولة وغير معروفة ولا متميزة بعدالة وديانة، ومع هذا أيضًا لا يوجد لدى النصارى دليل يعتمد عليه في صحة نسبة الكتاب إليه. ولندرة المعلومات التي توثق نسبة الكتاب إلى لوقا المذكور يستشهد النصارى بكلام مجهول، حيث يقول القس (فهيم عزيز) في كتابه (المدخل إلى العهد الجديد) في استدلاله على صحة نسبة الكتاب إلى لوقا ما يلي: (هناك مقدمة كتبت لإنجيل لوقا فيما بين (١٦٠ - ١٨٠)، اسمها (ضد مارسيون) فيها يقول الكاتب عن لوقا: إنه من أنطاكية في سوريا، مهنته طبيب، وكان أعزب بدون زوجة، مات وهو في سن (٨٤) في بواتييه ممتلئًا بروح القدس، وقد كتب إنجيله كله في المناطق التي تحيط بأخائيه؛ لكي يفسر للأمم القصة الصحيحة للعهد الجديد الإلهي ..) ثم قال صاحب الكتاب معلقًا: (هذه مقتطقات عن هذه الشهادة التي لا يعرف كاتبها، وقد قبلها كثير من العلماء؛ لأنهم لم يجدوا من أتباع مارسيون من يكذبها، مما يدل على أنها تقليد كنسي قوي). بمثل هذه الشهادة المجهولة يثبت النصارى صحة كتابهم إلى ذلك الرجل المجهول لوقا، وهي لاشك شهادة لا قيمة لها ولا تفيد شيئًا، ويدل استدلالهم بها على أنهم لا يملكون أدلة على صحة نسبة الكتاب إلى من يسمونه (لوقا)، وذلك يبين لنا أن النصارى حين زعموا أن إنجيل لوقا كتاب صحيح وصادق، فإن ذلك مجرد دعوى بدون بينة.","vol":"3","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-952>رابعًا: إنجيل يوحنا</span>\nهذا الإنجيل الرابع في ترتيب العهد الجديد، وهو إنجيل متميز عن الأناجيل الثلاثة قبله؛ إذ تلك متشابهة إلى حد كبير، أما هذا فإنه يختلف عنها؛ لأنه ركَّز على قضية واحدة، وهي إبراز دعوى ألوهية المسيح وبنوته لله- تعالى الله عن قولهم - بنظرة فلسفية لا تخفى على الناظر في الكتاب، لهذا يعتبر هو الكتاب الوحيد من بين الأناجيل الأربعة الذي صرَّح بهذا الأمر تصريحًا واضحًا. وإذا بحثنا في صحة نسبة الكتاب إلى يوحنا الذي يزعم النصارى أن الكتاب من تصنيفه نجده أقل كتبهم نصيبًا من الصحة؛ لعدة أدلة أبرزها منكروا نسبة الكتاب إلى يوحنا الحواري وهي:\n١ - أن بوليكاربوس الذي يقال: إنه كان تلميذًا ليوحنا. لم يشر إلى هذا الإنجيل عن شيخه يوحنا، مما يدلُّ على أنه لا يعرفه، وأن نسبته إلى شيخه غير صحيحة.\n٢ - أن الكتاب مملوء بالمصطلحات الفلسفية اليونانية التي تدلُّ على أن لكاتبه إلمامًا بالفلسفة اليونانية، أما يوحنا فكما يذكر النصارى فقد كان يمتهن الصيد، مما يدلُّ على أنه بعيد عن الفلسفة ومصطلحاتها.\n٣ - أن النصارى الأوائل لم ينسبوا هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري المزعوم، وأن (يوسابيوس) الذي كان يسأل (بابياس) عن هذه الأمور يقول: (الواضح أن بابياس يذكر اثنين اسمهما يوحنا: الأول: الرسول وقد مات، والثاني: الشيخ وهو حيٌّ. ويلوح أنه هو الذي كتب الإنجيل). فلهذا يقول القس (فهيم عزيز) بناء على ذلك: (إن الكنيسة كانت بطيئه في قبولها لهذا الإنجيل). وبناءً على ذلك فمنذ نهاية القرن التاسع عشر ظهر الاعتراض على نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا بشكل واسع، ووصفته (دائرة المعارف الفرنسية) بأنه إنجيل مزور، وهذه الدائرة اشترك في تأليفها خمسمائة من علماء النصارى، ونص كلامهم: (أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولاشك كتاب مزور، أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما لبعض، وهما القديسان يوحنا ومتى، وقد ادَّعى هذا الكاتب المزور في متن الكتاب أنه الحواري الذي يحبه المسيح، فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري، ووضعت اسمه على الكتاب نصًّا، مع أن صاحبه غير يوحنا يقينًا، ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه، وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهودهم ليربطوا- ولو بأوهى رابطة- ذلك الرجل الفلسفي الذي ألَّف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليلي، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى). نقول مع هذه الاعتراضات، ومع عدم وجود أدلة تثبت صحة نسبته إلى يوحنا الحواري المزعوم، فلا يجوز لعاقل أن يدعي صحة نسبته إلى يوحنا، فضلًا عن أن يزعم أنه كتاب مقدس موحى به من الله، فهذا فيه افتراء عظيم على الله ﷿، وإضلال لعباد الله بالباطل. بعد هذا كله يتضح للناظر اللبيب أن النصارى- وكذلك اليهود من قبلهم- لا يملكون مستندًا صحيحًا لكتبهم يثبت صحة نسبتها إلى من ينسبونها إليه، وإن من المعلوم أن أي إنسان أراد أن يقاضي إنسانًا آخر لدى محكمة فلا يمكن أن تنظر المحكمة في دعواه ما لم يقدم من الإثباتات الصحيحة ما يصح اعتباره دليلًا، والنصارى لم يقدِّموا لأنفسهم ولا لأهل ملتهم من المستندات والأدلة شيئًا يثبتون به صحة كتبهم، بل لا يعرفون طريقًا إلى شيء من المستندات الصحيحة، يقول الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه العظيم (إظهار الحق): (ولذلك طلبنا مرارًا من علمائهم الفحول السند المتصل، فما قدروا عليه، واعتذر بعض القسيسين في محفل المناظرة التي كانت بيني وبينهم، فقال: إن سبب فقدان السند عندنا وقوع المصائب والفتن على النصارى إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة). وفي هذا كفاية ودلالة على أن تلك الكتب التي تسمَّى الأناجيل كتب لا يملك أصحابها أي مستند يمكن الاعتماد عليه في صحة نسبتها إلى من ينسبونها إليه، فضلًا عن أن يصحَّ نسبتها إلى المسيح ﵇ أو إلى الله ﷿. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص: ٢١٧","vol":"3","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-953>خامسا: إنجيل برنابا</span>\nإنجيل برنابا لا يعتبر من الأناجيل القانونية لدى النصارى، ولا يعترفون به، ولأهمية ما يحتويه من معلومات، ولما بينه وبين الأناجيل الأربعة من تشابه في التعريف بالمسيح ﵇ ودعوته نُعرِّف به هنا في نقاط مختصرة.\nأ- التعريف بـ (برنابا)\nبرنابا: اسمه (يوسف) ويلقب ابن الوعظ، وهو لاوي قبرصي الجنسية، وهو خال (مرقس) صاحب الإنجيل فيما يقال، وكان من دعاة النصرانية الأوائل، ويظهر من إنجيله أن له مكانة لدى المسيح ﵇، والنصارى يرون أنه من الدعاة الذين لهم أثر ونشاط ظاهر، وكان من أعماله البارزه أنه باع حقله وأتى بقيمته من النقود ووضعها تحت تصرف الدعاة، وحين ادَّعى بولس (شاؤول اليهودي) الدخول في دين المسيح ﵇ خاف منه الحواريون لما يعلمون من سابق عداوته، فشفع له برنابا عندهم فقبلوه ضمن جماعتهم، ثم اختلف معه بعد فترة من العمل في الدعوة سويا وانفصلا.\nب- التعريف بإنجيله:\nأقدم خبر عن إنجيل برنابا كان قريبًا من عام (٤٩٢) م، وذلك حين أصدر البابا (جلاسيوس) الأول أمرًا يحرم فيه مطالعة عدد من الكتب، كان منها كتاب يسمَّى (إنجيل برنابا) وهذا كان قبل مبعث النبي ﷺ، ثم لم يظهر له خبر بعد ذلك إلا في أواخر القرن السادس عشر الميلادي حيث عثر أحد الرهبان اللاتينيين وهو (فرامرينو) على رسائل (لإريانوس) يندد فيها ببولس، وأسند (إريانوس) تنديده هذا إلى إنجيل برنابا. فحرص هذا الراهب على الاطِّلاع على هذا الإنجيل. واتفق أنه أصبح مقربًا للبابا (سكتس) الخامس، ودخل معه يومًا إلى مكتبته فأخذت البابا غفوة نام فيها، فأخذ (فرامرينو) يطالع في مكتبته رغبة في قطع الوقت، فوقعت يده على هذا الكتاب فوضعه في ثوبه وأخفاه، ثم أستأذن بعد أن أفاق البابا، وخرج فطالع الكتاب بشغف شديد، ثم أسلم على أثر ذلك- بيَّن هذه المعلومات المستشرق سايل في مقدمة ترجمته للقرآن الكريم- ثم في أوائل القرن الثامن عشر عام (١٧٠٩) م، عثر (كريمر) أحد مستشارى ملك بروسيا على نسخة لإنجيل برنابا باللغة الايطالية، عند أحد وجهاء مدينة أمستردام- حيث كان يقيم وقتئذ - وأهداها (كريمر) إلى الأمير (إيوجين سافوي) لولعه بالعلوم والآثار التاريخية، ثم انتقلت تلك النسخة فيما بعد- وذلك عام (١٧٣٨) م- مع جميع مكتبة ذلك الأمير إلى مكتبة البلاط الملكي في فينا، حيث هي موجودة الآن، ثم ترجمت إلى الإنجليزية، وعنها إلى العربية من قبل الدكتور خليل سعادة، وهو لبناني نصراني. وكان يوجد لهذا الكتاب نسخة أخرى بالأسبانية، يظن أنها منقولة عن الإيطالية عُثِرَ عليها في أوائل القرن الثامن عشر أيضًا، وكانت عند رجل يدعى الدكتور (هلم) أهداها إلى المستشرق (سايل)، ثم دفعها هذا بدوره إلى الدكتور (منكهوس) الذي ترجمها إلى الإنجليزية، ودفعها مع ترجمتها عام (١٧٨٤) م، إلى الدكتور (هويت) أحد مشاهير الأساتذة في إكسفورد ببريطانيا، وعنده اختفت تلك النسخة مع ترجمتها. وقد أورد الدكتور (هويت) مقتطفات عديدة منها في دروسه، وقد اطَّلع على تلك المقتطفات خليل سعادة، مترجم كتاب إنجيل برنابا إلى العربية.\nوحين ظهر هذا الإنجيل أحدث دويًّا في الأوساط النصرانية لما فيه من المعلومات المضادة لعقائدهم، فحاولوا دفعه بوسائل كثيرة، ومما زعموه:\nأنه تأليف عربي مسلم، أو يهودي أندلسى تنصر ثم أسلم- وهذا في الواقع من التخرصات، ويدلُّ على بطلان تلك الدعاوى أمور منها:\n١ - لماذا يؤلف رجل أسلم كتابًا للنصارى، ويفتري الكذب وهو قد دخل في الإسلام.\n٢ - أن في الكتاب معلومات غير موجودة في كتب اليهود والنصارى الآن.","vol":"3","page":438},{"text":"٣ - أن مترجم الكتاب إلى العربية- وهو خليل سعادة النصراني- قد وصف صاحب الإنجيل بأنه على إلمام واسع جدًّا بالعهد القديم والنصرانية أكثر ممن نذروا أنفسهم للدين النصراني وتفسيره وتعليمه، حتى إنه ليندر أن يكون فيهم من يقرب من إلمام صاحب هذا الإنجيل، فكيف يكون مسلمًا وله هذا الإلمام الواسع؟!\n٤ - إن مما يدفع أن يكون صاحبه مسلم أن فيه أخطاء لا يمكن أن تقع من المسلم لبداهتها، ومنها قوله: إن السموات عشرة. وخلطه بين اسم ميخائيل وميكائيل، ويقول: أدريل بدل إسرافيل.\nوعلى كل حال فهذا كتاب ظهر في بلاد نصرانية، وبخط ولغة نصرانية، ولم يرد عن أحد المسلمين أنه اطَّلع على الكتاب مع سعة اطلاع علماء المسلمين، وحرصهم على الرد على النصارى، وهو لاشك مما يظهره الله ﷿ دليلًا للحق ودحرًا للباطل وردًّا له.\nج- أهم مبادئ إنجيل برنابا التي يختلف بها عن الأناجيل الأربعة:\nإن الذي جعل النصارى يحملون على هذا الإنجيل حملتهم، ويتنصلون منه، هو مخالفته لأناجيلهم المعتمدة وعقيدتهم في أخطر وأهم نقاطها، وهي:-\nأولًا: أنه صرح أن المسيح ﵇ إنسان، وليس إله ولا ابن إله، وبيَّن أن سبب تأليف إنجيله هو رد هذه الفرية التي أطلقها بولس مع غيرها من الافتراءات، كترك الختان وإباحة أكل اللحوم النجسة، وفي هذا يقول في أول إنجيله: أيها الأعزاء، إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة، للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائمًا مجوزين كل لحم نجس، الذين ضلَّ في عدادهم أيضًا بولس، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله.\nثانيًا: أنه نقل عن المسيح التصريح بأن الذبيح هو إسماعيل ﵇، وليس إسحاق كما يزعم اليهود، وفي هذا يقول:-\nأجاب يعقوب: يا معلم قل لنا من صنع هذا العهد، فإن اليهود يقولون بإسحاق، والإسماعيليون يقولون بإسماعيل؟ أجاب يسوع: صدقوني؛ لأني أقول لكم الحق، إن العهد صنع بإسماعيل لا بإسحاق.\nحينئذ قال التلاميذ: يا معلم هكذا كتب في كتاب موسى أن العهد صنع بإسحاق.\nأجاب يسوع متأوهًا: هذا هو المكتوب، ولكن موسى لم يكتبه ولا يشوع، بل أحبارنا الذين لا يخافون الله.\nالحق أقول لكم: إنكم إذا أعملتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون حديث كتبتنا وفقهائنا؛ لأن الملاك قال: يا إبراهيم، سيعلم العالم كله كيف يحبك الله، ولكن كيف يعلم العالم محبتك لله حقًّا، يجب عليك أن تفعل شيئًا لأجل محبة الله، أجاب إبراهيم: هاهو ذا عبد الله مستعد أن يفعل كل ما يريد الله، فكلَّم الله حينئذ إبراهيم قائلًا: خذ ابنك بكرك إسماعيل، واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة.\nفكيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين؟\nفقال حينئذ التلاميذ: إن خداع الفقهاء لجلي، لذلك قل لنا أنت الحق؛ لأننا نعلم أنك مرسل من الله\".\nوذكر برنابا أيضًا أن المسيح خاطب رئيس كهنة اليهود قائلًا له: إن إبراهيم أحب الله حيث إنه لم يكتف بتحطيم الأصنام الباطلة تحطيمًا ولا بهجر أبيه وأمه، ولكنه كان يريد أن يذبح ابنه طاعة لله.\nأجاب رئيس الكهنة: إنما أسألك هذا ولا أطلب قتلك، فقل لنا: من كان ابن إبراهيم هذا؟\nأجاب يسوع: إن غيرة شرفك يا الله تؤججني ولا أقدر أن أسكت. الحق أقول: إن ابن إبراهيم هو إسماعيل الذي يجب أن يأتي من سلالته مسيا الموعود به إبراهيم أن به تتبارك كل قبائل الأرض.","vol":"3","page":439},{"text":"فلما سمع هذا رئيس الكهنة حنق وصرخ: لنرجم هذا الفاجر؛ لأنه إسماعيلى، وقد جدف على موسى وعلى شريعة الله.\nثالثًا:- أنه نقل عن المسيح التصريح بالبشارة بالنبي محمد ﷺ باسمه وذلك في مواطن عدة من كتابه منها: أن اليهود سألوا المسيح ﵇ عن اسم النبي المنتظر فقال: فقال الكاهن حينئذ: ماذا يسمى مسيا، وما هي العلامة التي تعلن مجيئه؟ فأجاب يسوع: إن اسمه المبارك (محمد). حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا الله، أرسل لنا رسولك، يا محمد، تعال سريعًا لخلاص العالم.\nوأورد أيضًا برنابا حوارًا تمَّ بينه وبين المسيح ﵇ بعد أن رفع إلى السماء، ثم عاد مرة أخرى ليطمئن أمه وحوارييه بأنه لم يمت، ثم ارتفع مرة أخرى إلى السماء، وهذا نصه: (فقال حينئذ الذي يكتب: يا معلم إذا كان الله رحيمًا فلماذا عذبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتًا، ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت، وسمح الله أن يقع عليك عار القتل بين اللصوص على جبل الجمجمة وأنت قدوس الله؟\nأجاب يسوع: صدقني يا برنابا إن الله يعاقب على كل خطيئة- مهما كانت طفيفة- عقابًا عظيمًا؛ لأن الله يغضب من الخطيئة، فلذلك لما كانت أمي وتلاميذي الأمناء الذين كانوا معي أحبوني قليلًا حبًّا عالميًّا، أراد الله البر أن يعاقب على هذا الحب بالحزن الحاضر حتى لا يعاقب عليه بلهب الجحيم، فلماذا كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئًا في العالم، أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا، معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب؛ لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله، الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله).\nرابعًا: أن برنابا صرَّح أن المسيح لم يُصلب، وإنما رُفع إلى السماء، وأن الذي صلب هو يهوذا الإسخريوطي، وهو الذي وشى بالمسيح لدى اليهود، حيث أُلْقِي عليه شبه المسيح، فقبض عليه وصلب بدلًا عن المسيح ﵇.\nوهذا نص كلامه:-\n(ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع، سمع يسوع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفًا، وكان الأحد عشر نيامًا، فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبِّح الله إلى الأبد. ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع، وكان التلاميذ كلهم نيامًا.\nفأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغيَّر يهوذا في النطق وفي الوجه، فصار شبيها بيسوع حتى إننا اعتقدنا أنه يسوع، أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم، لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيد هو معلمنا أنسيتنا الآن؟\nأما هو فقال متبسمًا: هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفون يهوذا الإسخريوطي.\nوبينما كان يقول هذا دخلت الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا؛ لأنه كان شبيهًا بيسوع من كل وجه).\nوبعد أن ذكر محاكمة يهوذا وجلده من قبل اليهود والوالي الروماني وهم يظنون أنه يسوع قال: (وأُسْلِمَ يهوذا للكتبة والفريسيين كأنه مجرم يستحق الموت، وحكموا عليه بالصلب وعلى لصين معه.\nفقادوه إلى جبل الجمجمة حيث اعتادوا شنق المجرمين، وهناك صلبوه عريانًا مبالغة في تحقيره).\nهذه أهم مبادئ هذا الكتاب الذي أحدث بمبادئه وقت ظهوره دويًّا لدى النصارى، أما نحن المسلمين فلا يقدم عندنا هذا الكتاب ولا يؤخر، فنحن مطمئنون لكتاب ربنا الذي بين أيدينا نعرف به الحق، وعلى ضوئه نقيس الحق.\nوهذا كتاب لا سند له ولا تاريخ، ثم هو من تأليف رجل ليس بمعصوم فقد يخطئ، ويضل، وينسى، وهذه لا تجعل لكتابه قيمة دينية عقائدية، وإنما تجعل له قيمة تاريخية وأدبية، والله أعلم. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص: ٢٤١","vol":"3","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-955>تمهيد</span>\nإن الكتب المقدسة كتب معصومة عن الخطأ، محفوظة من الخلل والزلل؛ لأن المفترض فيها أن تكون من قبل رب العالمين الذي يعلم السرَّ وأخفى، وهو الحق لا يصدر منه إلا الحق جلَّ وعلا. والنصارى يسندون كتبهم إلى الله ﷿ عن طريق الإلهام إلى كتابها، والدارس لهذه الكتب يستطيع أن يتبين صدق هذه الدعوى من كذبها؛ إذ إن الحقَّ لا خفاء فيه. وقد سبق أن ذكرنا نبذة عن هذه الكتب من ناحية السند، حيث تبين أن النصارى لا يوجد عندهم دليل يثبت صحة نسبة كتبهم إلى أولئك الناس الذين نُسبت إليهم، فعليه لا يمكن اعتبارها كتبًا صحيحة، ولا يجوز لعاقل أن ينسبها إلى أولئك الرجال، فضلًا عن أن ينسبها إلى الله ﷿. ومما يؤكد عدم صحتها الاختلافات الكثيرة بينها، وكذلك الأغلاط العديدة فيها، وسنضرب لذلك أمثلة دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص: ٢٢٧","vol":"3","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-957>أولا: الاختلافات</span>\nإذا قارنا بين الأناجيل الأربعة نجد بينها اختلافات جوهرية تدل على خطأ كُتَّابها، وأنهم غير معصومين ولا ملهمين، وأن الله ﷿ بريء منها، ورسوله عيسى ﵇، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - نسب المسيح ﵇ إن مما يدهش له الإنسان أشدَّ الدهش أن النصارى لم يستطيعوا أن يضبطوا نسب المسيح ﵇، ولم يتفقوا عليه، فأعطاه كلٌّ من صاحب إنجيل متى وصاحب إنجيل لوقا نسبًا مختلفًا عن الآخر، وإليك جدولًا بذلك يوضح الفرق بينهما:\nإنجيل لوقا\nإنجيل متى\nالمسيح ابن\nالمسيح ابن\n١ـ يوسف ١٥ـ شمعي ٢٩ـ اليعازر\n١ـ يوسف ١٥ـ آمون\n٢ـ هالي ١٦ـ يوسف ٣٠ - يوريم\n٢ـ يعقوب ١٦ـ منسى\n٣ـ متثاب ١٧ـ يهوذا ٣١ـ متثات\n٣ـ متان ١٧ـ حزقيا\n٤ـ لاوي ١٨ـ يوحنا ٣٢ـ لاوي\n٤ـ اليعازر ١٨ـ أحاز\n٥ـ ملكي ١٩ـ ريسا ٣٣ - شمعون\n٥ـ أليود ١٩ـ يوثام\n٦ـ ينا ٢٠ - زربايل ٣٤ - يهوذا\n٦ـ أخيم ٢٠ـ عزيا\n٧ - يوسف ٢١ـ شألتئيل ٣٥ - يوسف\n٧ـ صادوق ٢١ـ يورام\n٨ـ متاثيا ٢٢ـ نيري ٣٦ـ يونان\n٨ـ عازور ٢٢ـ يهوشافاط\n٩ـ عاموص - ٢٣ - ملكي ٣٧ـ مليا\n٩ـ الياقيم ٢٣ـ أسا\n١٠ـ ناحوم ٢٤ـ أدى ٣٨ـ مليا\n١٠ـ ابيهود ٢٤ـ أبيا\n١١ـ حسلي ٢٥ـ قصم ٣٩ - مينان\n١١ـ زربابل ٢٥ـ حبعام\n١٢ـ نجاي ٢٦ـ ألمودام ٤٠ - متاثا\n١٢ـ شألتئيل ٢٦ـ سليمان\n١٣ـ مآث ٢٧ـ عير ٤١ـ تاثان\n١٣ - يكنيا ٢٧ـ داود\n١٤ـ متاثيا ٢٨ـ يوسى ٤٢ـ داود\n١٤ـ يوشيا\nففي هذا النسب فوارق وأغلاط عدة هي:\n١ - أن متى نسب المسيح إلى يوسف بن يعقوب، وجعله في النهاية من نسل سليمان بن داود ﵉.\nأما لوقا فنسبه إلى يوسف بن هالي، وجعله في النهاية من نسل ناثان بن داود ﵇.\n٢ - أن متى جعل آباء المسيح إلى داود ﵇ سبعة وعشرين أبًا، أما لوقا فجعلهم اثنين وأربعين أبًا، وهذا فرق كبير بينهما يدل على خطئهما أو خطأ أحدهما قطعًا.\nوالنصارى يدَّعون أن أحد الإنجيلين كتب فيه نسب مريم، والآخر كتب فيه نسب يوسف، وهذا كلام باطل؛ إذ إن صاحب إنجيل متى (١/ ١٦) يقول: (يعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح).\nأما إنجيل لوقا (٣/ ٢٣) فيقول: (ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة، وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي). فكلاهما صرح بنسب يوسف.\nأما الأغلاط في هذا النسب فعديدة منها:\n١ - أن نسبة المسيح ﵇ إلى يوسف خطيب مريم في زعمهم خطأ فاحش، وفيه تصديق لطعن اليهود في مريم أم المسيح ﵇، وكان الواجب على النصارى أن ينسبوه إلى أمه مريم لا إلى رجل أجنبي عنه. خاصة وأن ولادته منها كانت معجزة عظيمة وآية باهرة، فنسبته إليها فيه إظهار لهذه المعجزة، وتأكيد لها وإعلان، أما نسبته إلى رجل وليس هو أبوه فيه إخفاء لهذه المعجزة واستحياء. والله ﷿ في القرآن الكريم صرَّح في مواطن عدة بنسبته إلى مريم الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:١٧،٧٢، ٧٥]. عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ [آل عمران: ٤٥]، [النساء: ١٥٧،١٧١].","vol":"3","page":442},{"text":"٢ - أن صاحب إنجيل متَّى أسقط أربعة آباء من سلسلة النسب: ثلاثة منهم على التوالي بين (عزيا ويورام) حيث النسب كما هو في أخبار الأيام الأول (٣/ ١١ - ١٣) (عزريا بن أمصيا بن يواش بن أخزيا بن يورام)،كما أسقط واحدًا بين (يكنيا ويوشيا) وهو (يهو ياقيم) وسبب إسقاط اسم يهوياقيم بين يوشيا ويكنيا هو أن (يهوياقيم) هذا مَلَكَ دولة يهوذا بعد أبيه، إلا أنه كان عابدا للأوثان فكتب له (إرميا) يحذره من قبيح صنعه، ويبين له مغبة أفعاله، فأحرق (يهوياقيم) الكتاب ولم يرجع عن غيه، فقال عنه إرميا حسب كلامهم: (لذلك هكذا قال الرب عن يهوياقيم مَلِكِ يهوذا لا يكون له جالس على كرسي داود، وتكون جثته مطروحة للحر نهارًا وللبرد ليلًا) سفر إرميا (٣٦/ ٣٠).\nومعنى هذا الكلام أنه لا يكون من نسله ملك، فأسقطه (متى) لهذا السبب، وعلل صاحب تفسير العهد الجديد ذلك التصرف بأن (متى) أراد أن يجعل كل مجموعه من النسب تحوي أربعة عشر اسمًا.\nونقول: إذا كانت هذه العلة التي لا معنى لها من أجلها حذف أربعة آباء من نسب المسيح، فذلك يعني أن الكاتب قد كتبه لخدمة أهداف في نفسه، وأنه لا يكتب ما علم وسمع مجردًا من الهوى والآراء الخاصة، ومن هنا يمكن أن ندرك كيفية تعامل النصارى الأوائل مع المعلومات الواردة إليهم، وأنهم يصوغونها وفق ما يرون ويعتقدون، لا وفق الحق مجردًا عن الهوى والآراء الخاصة. ولنا أن نبحث هنا عن السبب في هذا الخطأ الفاحش والاختلاف في نسب المسيح ﵇، فنقول: إن سبب خطأ النصارى في نسب المسيح ﵇ أنهم نسبوه إلى رجل مغمور غير مشهور هو \"يوسف النجار\" خطيب مريم في زعمهم، فلهذا أخطؤوا في نسبه، فأعطاه (متَّى) نسبًا ملوكيًّا، وأعطاه (لوقا) نسبًا آخر غير معروف ولا معلوم.\nولكن لماذا أعرض كُتَّاب النصارى عن مريم، ولم يعطوه نسبها، فيجعلونه كما هو الحق عيسى بن مريم بنت عمران؟.\nالسبب في هذا ظاهر وهو: أن مريم بنت عمران امرأة عابدة مشهورة، تربَّت في بيت النبي زكريَّا ﵇، الذي كان من نسل هارون ﵇ حيث كان كاهن بيت المقدس والمسؤول عن البخور عندهم هو زوج \"أليصابات\" خالة مريم، وهي من نسل هارون ﵇ أيضًا، فتكون مريم من السبط نفسه، وهو سبط لاوي بن يعقوب ﵇، وذلك أن تشريع اليهود يأمرهم أن تتزوج المرأة من سبطها، ولا تتزوج من سبط أخر حتى تستمر الأموال في نفس السبط، ولا تنتقل إلى أسباط أخرى بواسطة الميراث. فلهذا تكون مريم من سبط زكريا ﵇ وزوجته، وكذلك خطيبها المزعوم إن صحَّ كلامهم في ذلك يكون من السبط نفسه، وهو سبط لاوي الذي منه هارون ﵇، ومما يدلُّ على أن مريم من سبط هارون قول الله ﷿: يَا أُخْتَ هَارُونَ [مريم:٢٨]. قال السدي: قيل لها: يَا أُخْتَ هَارُونَ. أي: أخي موسى؛ لأنها من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم. وللمضري: يا أخا مضر. وهذا الأمر فيما يبدو علمه كتَّاب الأناجيل فأزعجهم إزعاجًا شديدًا؛ لأنهم يظنون أن المسيح لابد أن يكون من نسل داود ﵇ فأعطوه ذلك النسب المخترع إلى داود ﵇، وذلك حتى ينطبق عليه ما يزعمه اليهود، وهو أن المسيح لابد أن يكون من نسل داود ﵇ حتى يكون مسيحًا. والله أعلم.","vol":"3","page":443},{"text":"٣ - ذكر إنجيل متَّى (١١/ ١٣) من كلام المسيح عن يوحنا المعمدان (يحيى ﵇) قوله: (لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤوا، وإن أردتم أن تقبلوا فهذا إيليا المزمع أن يأتي من له أذنان للسمع فليسمع). وورد في إنجيل متَّى أيضًا (١٧/ ١) أنهم سألوا المسيح ﵇ فقال: (وسأله تلاميذه قائلين: فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولًا، فأجاب يسوع وقال لهم: إن إيليا يأتي أولًا ويرد كل شيء، ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كل ما أرادوا، كذلك ابن الإنسان أيضا سوف يتألم منهم، حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان). فالمسيح هنا يبين أن يحيى ﵇ هو إيليا. ويخالف هذا قول يوحنا في إنجيله (١/ ١٩) حين جاء اليهود يسألون يحيى عن نفسه حيث قال: (أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت، فاعترف ولم ينكر وأقر أني لست أنا المسيح، فسألوه من أنت، إيليا أنت؟ فقال: لست أنا. النبي أنت؟ فأجاب لا. فقالوا له: من أنت لنعطي جوابًا للذين أرسلونا؟ ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا صوت صارخ في البرية قَوِّمُوا طريق الرب كما قال إشعيا النبي). فهنا أنكر يحيى ﵇ أن يكون هو إيليا، وهذا تناقض واضح.\n٤ - أن متى ذكر في إنجيله (٢٠/ ٢٩ - ٣٤) أن عيسى ﵇ لما خرج من أريحا قابله أعميان فطلبا منه أن يشفيهما من العمى فلمس عيونهما فشفيا. وقد ذكر هذه القصة مرقص في (١٠/ ٤٦ - ٥٢) وبين أن بارينماوس الأعمى ابن نيماوس هو الذي طلب ذلك فقط.\n٥ - أن مرقص ذكر في (٦/ ٨) أن عيسى ﵇ أوصى حوارييه حين أرسلهم للدعوة في القرى بأن لا يحملوا شيئًا للطريق غير عصا فقط لا مزودًا، ولا خبزًا، ولا نحاسًا، وذكر ذلك لوقا في (٩/ ٣) إلا أنه قال: إن عيسى ﵇ أوصاهم وقال لهم: (لا تحملوا شيئًا للطريق لا عصا ولا مزودًا ولا خبزًا ولا فضة) ففي الأول أجاز لهم حمل العصا، والثاني نهاهم عن حمل العصا أيضًا.\n٦ - أن إنجيل متى ذكر فيه في (١٥/ ٢١) أن المرأة التي طلبت من المسيح شفاء ابنتها كانت كنعانية. وذكر القصة مرقص في إنجيله (٧/ ٢٤) ونص عبارته عن جنس المرأة: (وكانت المرأة أممية وفي جنسها فينيقيه سوريه).\n٧ - أن إنجيل متى ذكر أسماء تلاميذ عيسى الاثني عشر فقال (١٠/ ٢): (وأما أسماء الاثني عشر رسولًا فهي هذه: الأول سمعان الذي يقال له: بطرس، وإندراوس أخوه، يعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه، فيلبس، وبرثولماوس، توما، ومتى العشار، يعقوب بن حلفى، ولباوس الملقب تداوس، سمعان القانوني، ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه). وذكر مرقص في (٣/ ١٦) الأسماء فوافق فيها متى، وخالفهما لوقا حيث حذف من قائمة متى (لباوس الملقب تداوس) ووضع بدلًا عنه (يهوذا أخا يعقوب).\n٨ - اختلافهم في الذين حضروا لمشاهدة قبر المسيح بعد دفنه المزعوم ووقت ذلك، حيث يقول متى (٢٨/ ١): (وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدليه ومريم أخرى لتنظرا القبر). وفي إنجيل مرقص (١٦/ ١) يقول: (وبعد ما مضى السبت اشترت مريم المجدليه ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطًا ليأتين ويدهنه، وباكرًا جدًّا في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس). وفي إنجيل لوقا (٢٤/ ١) يقول: (ثم في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهن أناس).\nوفي إنجيل يوحنا (٢٠/ ١) يقول: (وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باق، فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر).\nفهذه الاختلافات وغيرها كثير- ذكرها علماء الإسلام وغيرهم- تدلُّ دلالة واضحة على أن في الكتاب صنعة بشرية، وتحريف وتبديل. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٢٢٧","vol":"3","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-958>ثانيا: الأغلاط في الأناجيل</span>\nكما بين الأناجيل اختلافات يوجد بها أغلاط وأخطاء كثيرة أيضًا، نذكر منها:\n١ - قال متَّى في إنجيله (١/ ٣) مستدلًّا للمسيح وولادته من مريم بنبوءة سابقة جاءت على لسان إشعيا: (وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنًا، ويدعون اسمه (عمانوئيل) الذي تفسيره الله معنا). وهذا غلط؛ لأن هذا اللفظ الذي ورد على لسان إشعياء لا ينطبق على المسيح، فإن له قصة تدل على المراد به، وهي: أن (رصين) ملك أرام، (وفقح بن رمليا) ملك إسرائيل، اتفقا على محاربة (آحاز بن يوثان) ملك يهوذا، فخاف منهما (آحاز) خوفًا شديدًا، فأوحى الله إلى النبي إشعياء أن يقول لآحاز: بأن لا يخاف؛ لأنهما لا يستطيعان أن يفعلا به ما أرادا وأن ملكهما سيزول أيضًا، وبين له إشعياء آية لخراب ملكهما وزواله، أن امرأة شابه تحبل وتلد ابنًا يسمى (عما نوئيل)، فتصبح أرض هذين الملكين خرابًا قبل أن يميز ذلك الابن بين الخير والشر، ونص كلامه: (ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه (عمانوئيل) زبدًا وعسلًا يأكل، متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير؛ لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير تخلى الأرض التي أنت خاش من ملكيها) سفر إشعياء (٧/ ١٤). وقد وقع ذلك فقد استولى (تغلث فلاسر) الثاني ملك آشور على بلاد سوريا، وقتل (رصين) ملكها، أما (فقح) فقتله في نفس السنة أحد أقربائه، وتولَّى الملك مكانه، كل ذلك حدث بعد هذه المقولة بما يقارب إحدى وعشرين سنة، أي: قبل ميلاد المسيح بما يقارب سبعة قرون.\n٢ - قال متى في إنجيله (٢٧/ ٥١) بعد الصلب المزعوم للمسيح وإسلامه الروح: (وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تفتقت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين). فهذه الحكاية التي ذكرها متَّى لم يذكرها غيره من كتَّاب الأناجيل مما يدلُّ على أن كلامه لا حقيقة له؛ لأنها آية عظيمة تتوافر الهمم على نقلها.\n٣ - أنه ورد في إنجيل متَّى (١٢/ ٤٠) وكذلك في (١٦/ ٤) أن المسيح قال: إنه لن يعطي لليهود آية إلا آية يونان (يونس ﵇). ونصه: (لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال). وهذا غلط؛ لأن المسيح ﵇ في زعمهم صلب ضحى يوم الجمعة، ومات بعد ست ساعات، أي: وقت العصر، ودفن قبيل غروب الشمس، وبقى في قبره تلك الليلة، ونهار السبت من الغد، وليلة الأحد، وفي صباح الأحد جاؤوا ولم يجدوه في قبره، مما يدل على أنه مكث في زعمهم ليلتين ويومًا واحدًا فقط، فيكون كلام متَّى السابق غلط واضح.\n٤ - أن متَّى ذكر في مواضع من كتابه أن القيامة ستقوم على ذلك الجيل، ومن ذلك قوله في (١٦/ ٢٧) على لسان المسيح: (فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله، الحق أقول لكم: إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته). كما ورد في الإنجيل نفسه (٣/ ٢٣) قولهم على لسان المسيح: (فإن الحق أقول لكم: لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان). فهذه النصوص تؤكد القيامة قبل موت الكثيرين من ذلك الجيل، وقبل أن يكمل الحواريون الدعوة في جميع مدن بني إسرائيل، وهذا أمر لم يتحقق، وله الآن ألفا سنة إلا قليلا مما يدلُّ على أنه غلط فاحش.","vol":"3","page":445},{"text":"٥ - جاء في إنجيل لوقا (١/ ٣٠) في البشارة بالمسيح قوله: (ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية). وهذا خطأ بيِّن؛ لأن المسيح ﵇ لم يكن ملكًا لليهود، ولا ملكًا على آل يعقوب، بل كان أكثرهم معادين له إلى أن رفع إلى السماء بسبب محاولتهم قتله.\n٦ - ورد في إنجيل مرقس (١١/ ٢٣): (فأجاب يسوع وقال لهم: ليكن لكم إيمان بالله؛ لأن الحق أقول لكم: إن من قال لهذا الجبل: انتقل وانطرح في البحر. ولا يشك في قلبه، بل يؤمن أن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له، لذلك أقول لكم: كل ما تطلبونه حينما تصلون، فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم). وورد أيضا في إنجيل مرقس (١٦/ ١٧): (وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيات، وإن شربوا شيئًا مميتًا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون). وفي إنجيل يوحنا (١٤/ ١٢): (الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا، ويعمل أعظم منها؛ لأني ماض إلى أبي، ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله). فهذه النصوص الثلاثة لاشك في أنها خطأ، فلا يستطيع النصارى أن يدعو ذلك لأنفسهم. كما أن عبارة إنجيل يوحنا فيها مغالات شديدة، حيث زعم أن من آمن بالمسيح يعمل أعظم من أعمال المسيح نفسه، وهذا من الترهات الفارغة. وبمجموع ما ذكر عن الأناجيل من ناحية تاريخها، ومتنها يتبين لنا أن هذه الكتب لا يمكن أن تكون هي الكتاب الذي أنزل الله ﷿ على عبده ورسوله المسيح ﵇، وأحسن أحوالها أن تكون متضمنة لبعض ما أنزل الله ﷿ على عيسى ﵇. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٢٣٧","vol":"3","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-962>المبحث الأول: تعريف النبي</span>\nالنبي في لغة العرب مشتق من النبأ وهو الخبر، قال تعالى: عَمَّ يَتَسَاءلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيم [النبأ: ١ - ٢].\nوإنّما سمّي النبي نبيًّا لأنه مُخْبرٌ مُخْبَر، فهو مُخْبَر، أي: أنَّ الله أخبره، وأوحى إليه قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [التحريم: ٣]، وهو مُخْبرٌ عن الله تعالى أمره ووحيه نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر: ٤٩] وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ [الحجر: ٥١].\nوقيل: النبوة مشتقة من النَّبْوَة، وهي ما ارتفع من الأرض، وتطلق العرب لفظ النبي على علم من أعلام الأرض التي يهتدى بها، والمناسبة بين لفظ النبي والمعنى اللغوي، أنَّ النبي ذو رفعة وقدر عظيم في الدنيا والآخرة، فالأنبياء هم أشرف الخلق، وهم الأعلام التي يهتدي بها الناس فتصلح دنياهم وأخراهم (١). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٣\n_________\n(١) انظر: «لسان العرب» (٣/ ٥٦١، ٥٧٣)، «بصائر ذوي التمييز» (٥/ ١٤)، «لوامع الأنوار البهية» (١/ ٤٩، ٢/ ٢٦٥).","vol":"3","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-963>المبحث الثاني: تعريف الرسول</span>\nالإرسال في اللغة التوجيه، فإذا بعثت شخصًا في مهمة فهو رسولك، قال تعالى حاكيًا قول ملكة سبأ: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل: ٣٥]، وقد يريدون بالرسول ذلك الشخص الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذًا من قول العرب: (جاءت الإبلُ رَسَلًا) أي: متتابعة.\nوعلى ذلك فالرُّسل إنّما سمّوا بذلك لأنَّهم وُجّهوا من قبل الله تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا [المؤمنون: ٤٤]، وهم مبعوثون برسالة معينة مُكلَّفون بحملها وتبليغها ومتابعتها (١). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٣\n_________\n(١) انظر: «لسان العرب» (٢/ ١١٦٦ - ١١٦٧)، «المصباح المنير» (ص: ٢٦٦).","vol":"3","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-964>المبحث الثالث: الفرق بين الرسول والنبي</span>\nلا يصحُّ قول من ذهب إلى أنه لا فرق بين الرسول والنبي، ويدلُّ على بطلان هذا القول ما ورد في عدة الأنبياء والرسل، فقد ذكر الرسول ﷺ أنَّ عدة الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، وعدَّة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولًا (١)، ويدلّ على الفرق أيضًا ما ورد في كتاب الله من عطف النبي على الرسول وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ [الحج: ٥٢]، ووصف بعض رسله بالنبوة والرسالة مما يدُل على أن الرسالة أمر زائد على النبوة، كقوله في حقِّ موسى ﵇: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىَ إِنّهُ كَانَ مُخْلِصًا وَكَانَ رَسُولًا نّبِيًّا [مريم: ٥١].\nوالشائع عند العلماء أنَّ النبي أعم من الرسول، فالرسول هو من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه ولم يؤمر بالبلاغ، وعلى ذلك فكلُّ رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا (٢).\nوهذا الذي ذكروه هنا بعيد لأمور:\nالأول: أن الله نصَّ على أنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل في قوله: وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ ... [الحج: ٥٢]، فإذا كان الفارق بينهما هو الأمر بالبلاغ فالإرسال يقتضي من النبي البلاغ.\nالثاني: أنَّ ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى، والله لا ينزل وحيه ليكتم ويدفن في صدر واحد من الناس، ثمَّ يموت هذا العلم بموته.\nالثالث: قول الرسول ﷺ فيما يرويه عنه ابن عباس: «عرضت عليَّ الأمم، فجعل يمرُّ النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد» (٣).\nفدلّ هذا على أنَّ الأنبياء مأمورون بالبلاغ، وأنَّهم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم. والتعريف المختار أنَّ (الرسولَ مَنْ أُوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله) (٤).\nوقد «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ» كما ثبت في الحديث (٥)، وأنبياء بني إسرائيل كلّهم مبعوثون بشريعة موسى: التوراة وكانوا مأمورين بإبلاغ قومهم وحي الله إليهم أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىَ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ أن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاّ تُقَاتِلُواْ ... [البقرة: ٢٤٦] فالنبي كما يظهر من الآية يُوحَى إليه شيء يوجب على قومه أمرًا، وهذا لا يكون إلا مع وجوب التبليغ. واعتبر في هذا بحال داود وسليمان وزكريا ويحي فهؤلاء جميعًا أنبياء، وقد كانوا يقومون بسياسة بني إسرائيل، والحكم بينهم وإبلاغهم الحق، والله أعلم بالصواب. الرسل والرسالات لعمر الأشقر – ص: ١٤\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٦٥) (٢٢٣٤٢). من حديث أبي أمامة ﵁. والحديث ضعفه ابن كثير في «البداية والنهاية» (٢/ ١٤٠)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٦٤): مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف.\n(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ١٦٧)، «لوامع الأنوار البهية» (١/ ٤٩).\n(٣) رواه البخاري (٥٧٥٢) واللفظ له، ومسلم (٢٢٠).\n(٤) «تفسير الآلوسي» (٧/ ١٥٧).\n(٥) رواه البخاري (٣٤٥٥). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-966>المبحث الأول: معنى الإيمان بالرسل</span>\nوأما الأنبياء والمرسلون، فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى: في كتابه من رسله، والإيمان بأن الله تعالى: أرسل رسلًا سواهم وأنبياء، لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم. فعلينا الإيمان بهم جملة لأنه لم يأت في عددهم نص. وقد قال تعالى: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:١٦٤]، وقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر:٧٨]. وعلينا الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به، وأنهم بينوه بيانًا لا يسع أحدًا ممن أرسلوا إليه جهله، ولا يحل خلافه. قال تعالى: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:٣٥]. فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ [النحل:٨٢] وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور:٥٤]. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [التغابن:١٢]. وأما أولو العزم من الرسل. فقد قيل فيهم أقوال أحسنها: ما نقله البغوي وغيره عن ابن عباس وقتادة أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم. قال: وهم المذكورون في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:٧]. وفي قوله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى:١٣] (١) وأما الإيمان بمحمد ﷺ، فتصديقه واتباع ما جاء به من الشرائع إجمالًا وتفصيلًا. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ٢/ ٤٢٣\n_________\n(١) انظر: «تفسير البغوي» (٧/ ٢٧٢).","vol":"3","page":450},{"text":"فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا. (الهداة) جمع هاد والمراد به هداية الدعوة والدلالة والإرشاد إلى سبيل الهدى كما قال تعالى: إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد:٧] وقال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ [الشورى: ٥٢ – ٥٣]. وأما هداية التوفيق والتسديد والتثبيت فليست إلا بيد الله ﷿ هو مقلب القلوب ومصرِّف الأمور ليس لملك مقرب، ولا لنبي مرسل تصريف في شيء منهما فضلًا عمن دونهما، ولذا قال تعالى: لنبيِّه ﷺ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء [البقرة:٢٧٢] وقال تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:٥٦]. والإيمان برسل الله ﷿ متلازم من كفر بواحد منهم فقد كفر بالله تعالى: وبجميع الرسل ﵈ كما قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إليه مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:٢٨٥]. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء:١٥٠ – ١٥٢]، وقال تعالى: وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء:١٣٦]، وقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [البقرة:٩١]، وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الصف:٦ – ٧]، وقال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:٨١ – ٨٢].","vol":"3","page":451},{"text":"ومعنى الإيمان بالرسل هو التصديق الجازم بأن الله تعالى: بعث في كل أمةٍ رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دونه، وأَنَّ جميعهم صادقون مصدقون بارُّون راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الظاهرة والآيات الباهرة من ربهم مؤيدون، وأنهم بلَّغوا جميع ما أرسلهم الله به، لم يكتموا حرفًا ولم يغيروه ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفًا ولم ينقصوه، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين. وأنهم كلهم كانوا على الحق المبين، والهدى المستبين، وأن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلًا، واتخذ محمدًا ﷺ خليلًا، وكلَّم موسى تكليمًا، ورفع إدريس مكانًا عليا، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الله تعالى فضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم على بعض درجات. وقد اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين وهو توحيد الله ﷿ بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ونفي ما يضاد ذلك أو ينافي كماله كما تقدم ذلك في تقرير توحيد الطلب والقصد. وأما فروع الشرائع من الفرائض والحلال والحرام فقد تختلف فيفرض على هؤلاء ما لا يفرض على هؤلاء ويُخفف على هؤلاء ما شدد على أولئك ويحرم على أمة ما يحل للأخرى وبالعكس لحكمة بالغة وغاية محمودة قضاها ربنا ﷿ ليبلوكم فيما آتاكم، وليبلوكم أيكم أحسن عملا. وقد ذكر الله تعالى في كتابه منهم: آدم ونوحا وإدريس وهودا وصالحا وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوطا وشعيبا ويونس وموسى وهارون وإلياس وزكريا ويحيى واليسع وذا الكفل وداود وسليمان وأيوب، وذكر الأسباط جملة، وعيسى ومحمدًا ﷺ، وقص علينا من أنبائهم ونبَّأنا من أخبارهم ما فيه كفاية وعبرة وموعظة إجمالًا وتفصيلًا ثم قال وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:١٦٤] وقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ [غافر:٧٨] فنؤمن بجميعهم تفصيلًا فيما فصل وإجمالًا فيما أجمل. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ٨٣٠","vol":"3","page":452},{"text":"وأهل السنة والجماعة: يؤمنون ويعتقدون اعتقادًا جازمًا بأن الله سبحانه أرسل إلى عباده رسلًا مبشرين ومنذرين، ودعاة إلى دين الحق، لهداية البشر، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. فكانت دعوتهم إنقاذًا للأمم من الشرك والوثنية، وتطهيرًا للمجتمعات من التحلل والفساد، وأنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وقد جاؤوا بمعجزات باهرات تدل على صدقهم، ومن كفر بواحد منهم؛ فقد كفر بالله تعالى: وبجميع الرسل ﵈، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:١٥٠]. وقد بين الله الحكمة من بعثة الرسل الكرام، فقال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:١٦٥]. ولقد أرسل الله رسلًا وأنبياء كثيرين منهم من ذكره لنا في كتابه أو على لسان نبيه ﷺ ومنهم من لم يخبرنا عنهم، قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر:٧٨]. وقال: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦]. والمذكور من أسمائهم في القرآن الكريم خمسة وعشرون رسولًا ونبيًا، وهم: أبو البشر آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، يوسف، شعيب، أيوب، ذو الكفل، موسى، هارون، داود، سليمان، إلياس، اليسع، يونس، زكريا، يحيى، عيسى، ومحمد خاتم الأنبياء والرسل؛ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وأفضل أولي العزم نبي الإسلام، وخاتم الأنبياء والمرسلين ورسول رب العالمين؛ محمد بن عبدالله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال الله ﵎: وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:٤٠]. وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بهم جميعًا من سمى الله منهم ومن لم يسم، من أولهم آدم ﵇ ... إلى آخرهم وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد بن عبدالله؛ صلى الله عليهم أجمعين. والإيمان بالرسل إيمان مجمل، والإيمان بنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إيمان مفصل يقتضي ذلك منهم اتباعه فيما جاء به على وجه التفصيل. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري – ص: ١٤١","vol":"3","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-967>المبحث الثاني: أهمية الإيمان بالرسل</span>\nالإيمان بالرسل أصل من أصول الإيمان، قال تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٤].\nومن لم يؤمن بالرسل ضل ضلالًا بعيدًا، وخسر خسرانًا مبينًا وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا [النساء: ١٣٦]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر – ص: ١٥","vol":"3","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-968>المبحث الثالث: الصلة بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل</span>\nالذين يزعمون أنَّهم مؤمنون بالله ولكنّهم يكفرون بالرسل والكتب هؤلاء لا يقدرون الله حقَّ قدره، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٩١]. فالذين يقدرون الله حقَّ قدره، ويعلمون صفاته التي اتصف بها من العلم والحكمة والرحمة لا بدَّ أن يوقنوا بأنَّه أرسل الرسل وأنزل الكتب، لأن هذا مقتضى صفاته، فهو لم يخلق الخلق عبثًا، أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [القيامة: ٣٦].\nومن كفر بالرسل وهو يزعم أنَّه يؤمن بالله فهو عند الله كافر لا ينفعه إيمانه، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥٠ - ١٥١].\nفقد نصَّت الآية على كفر من زعم الإيمان بالله وكفر بالرسل وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، يقول القرطبي في هذه الآية: (نصّ سبحانه على أنَّ التفريق بين الله ورسله كفر، وإنَّما كان كفرًا لأنَّ الله فرض على الناس أن يعبدوه بما شرعه على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردّوا عليهم شرائعهم، ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أُمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية، وكذلك التفريق بين الله ورسله) (١). الرسل والرسالات لعمر الأشقر – ص: ١٦\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (٦/ ٥).","vol":"3","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-969>المبحث الرابع: ما يجب علينا نحو الرسل</span>\nيجب على الأمة تجاه الرسل حقوق عظيمة بحسب ما أنزلهم الله من المنازل الرفيعة في الدين، وما رفعهم الله إليه من الدرجات السامية الجليلة عنده، وما شرفهم به من المهمات النبيلة، وما اصطفاهم به من تبليغ وحيه وشرعه لعامة خلقه. ومن هذه الحقوق:\n١ - تصديقهم جميعًا فيما جاءوا به، وأنهم مرسلون من ربهم، مبلغون عن الله ما أمرهم الله بتبليغه لمن أرسلوا إليهم وعدم التفريق بينهم في ذلك. قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء: ٦٤]. وقال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [المائًدة: ٩٢]. وقال ﷿: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥٠، ١٥١]. فيجب تصديق الرسل فيما جاءوا به من الرسالات وهذا مقتضى الإيمان بهم.\nومما يجب معرفته أنه لا يجوز لأحد من الثقلين متابعة أحدٍ من الرسل السابقين بعد مبعث محمد ﷺ المبعوث للناس كافة، إذْ أن شريعته جاءت ناسخة لجميع شرائع الأنبياء قبله، فلا دين إلا ما بعثه الله به ولا متابعة إلا لهذا النبي الكريم. قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥]. وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [سبأ: ٢٨]. وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا .. [الأعراف: ١٥٨].\n٢ - موالاتهم جميعًا ومحبتهم والحذر من بغضهم وعداوتهم.\nقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة: ٥٦]. وقال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة: ٧١]. فتضمنت الآية وصف المؤمنين بموالاة بعضهم لبعض فدخل في ذلك رسل الله الذين هم أكمل المؤمنين إيمانًا، وعليه فإن موالاتهم ومحبتهم في قلوب المؤمنين هي أعظم من موالاة غيرهم من الخلق لعلو مكانتهم في الدين ورفعة درجاتهم في الإيمان. ولذا حذر الله من معاداة رسله وعطفها في الذكر على معاداة الله وملائكته، وقرن بينهما في العقوبة والجزاء. فقال عز من قائل: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٨].","vol":"3","page":456},{"text":"٣ - اعتقاد فضلهم على غيرهم من الناس، وأنه لا يبلغ منزلتهم أحد من الخلق مهما بلغ من الصلاح والتقوى، إذ الرسالة اصطفاء من الله يختص الله بها من يشاء من خلقه، ولا تنال بالاجتهاد والعمل. قال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج: ٧٥]. وقال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [الأنعام: ٨٣]. إلى أن قال بعد ذكر طائفة كبيرة من الأنبياء والمرسلين: وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [الأنعام: ٨٦] ........... كما دلت السنة أيضًا على أن منزلة الرسل لا يبلغها أحد من الخلق لما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» (١) وفي رواية للبخاري: «من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» (٢). قال بعض شراح الحديث: (إنه ﷺ قال هذا زجرًا أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئًا من حط مرتبة يونس ﷺ من أجل ما في القرآن العزيز من قصته). وبيّن العلماء: (أن ما جرى ليونس ﷺ لم يحطه من النبوة مثقال ذرة، وخص يونس بالذكر لما ذكر الله من قصته في القرآن الكريم كقوله تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨]. وقوله تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ... الآيات [الصافات: ١٣٩ - ١٤٨]).\n٤ - اعتقاد تفاضلهم فيما بينهم وأنهم ليسوا في درجة واحدة بل فضل الله بعضهم على بعض. قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقَرة: ٢٥٣]. قال الطبري في تفسير الآية: (يقول تعالى ذكره: هؤلاء رسلي فضلت بعضهم على بعض، فكلمت بعضهم كموسى ﷺ، ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنزلة). فإنزال كل واحد منهم منزلته في الفضل والرفعة بحسب دلالات النصوص من جملة حقوقهم على الأمة.\n٥ - الصلاة والسلام عليهم فقد أمر الله الناس بذلك وأخبر الله بإبقائه الثناء الحسن على رسله وتسليم الأمم عليهم من بعدهم. قال تعالى عن نوح: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٨، ٧٩]. وقال عن إبراهيم: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات: ١٠٨، ١٠٩]. وقال عن موسى وهارون: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات: ١١٩، ١٢٠].\nوقال تعالى: وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٨١]. قال ابن كثير: (قوله تعالى سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩] مفسرًا لما أبقى عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه جميع الطوائف). وقد نقل الإمام النووي إجماع العلماء على جواز الصلاة على سائر الأنبياء واستحبابها. قال: (أجمعوا على الصلاة على نبينا محمد ﷺ. وكذلك أجمع من يعتد به على جوازها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالًا، وأما غير الأنبياء فالجمهور على أنه لا يصلى عليهم ابتداء).\nفهذه طائفة مما يجب للرسل من حقوق على هذه الأمة مما دلت عليه النصوص وقرره أهل العلم. والله تعالى أعلم. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء - بتصرف – ص١٦٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤١١)، ومسلم (١٦٧).\n(٢) رواه البخاري (٤٦٠٤). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-970>المبحث الخامس: وجوب الإيمان بجميع الرسل</span>\nالكفر برسول واحد كفر بجميع الرسل، قال تعالى: كَذّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥]، وقال: كَذّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٢٣]، وقال: كذَّبت ثمود المرسلين [الشعراء: ١٤١]، وقال: كَذّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٦٠]، ومن المعروف أنَّ كلَّ أمةٍ كذَّبت رسولها، إلا أن التكذيب برسول واحد يعدّ تكذيبًا بالرسل كلِّهم، ذلك أنَّ الرسل حملة رسالة واحدة، ودعاة دين واحد، ومرسلهم واحد، فهم وحدة، يبشر المتقدم منهم بالمتأخر، ويصدق المتأخر المتقدم.\nومن هنا كان الإيمان ببعض الرسل والكفر ببعض كفرًا بهم جميعًا، وقد وسم الله من هذا حاله بالكفر إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥٠ - ١٥١]، وقد أمرنا الله بعدم التفريق بين الرسل والإيمان بهم جميعًا قُولُوَاْ آمَنّا بِاللهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىَ وَعِيسَىَ وَمَا أُوتِيَ النّبِيّونَ مِن رّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٦]، ومن سار على هذا النهج فقد اهتدى فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ [البقرة: ١٣٧]، والذي يخالفه فقد ضلَّ وغوى وّإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٣٧].\nوقد مدح الله رسول هذه الأمة والمؤمنين الذين تابعوه لإيمانهم بالرسل كلهم، ولعدم تفريقهم بينهم، قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].\nووعد الله الذين لم يفرقوا بين الرسل بالمثوبة والأجر الكريم وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٥٢].\nوقد ذم الله أهل الكتاب لإيمانهم ببعض الرسل وكفرهم ببعض وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ [البقرة: ٩١].\nفاليهود لا يؤمنون بعيسى ولا بمحمد، والنصارى لا يؤمنون بمحمد ﷺ. الرسل والرسالات لعمر الأشقر – ص: ٢٤","vol":"3","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-971>المبحث السادس: ثمرات الإيمان بالرسل</span>\nومن ثمرات الإيمان بالرسل:\nأولًا: العلم برحمة الله تعالى وعنايته بخلقه، حيث أرسل إليهم أولئك الرسل الكرام، للهداية والإرشاد.\nثانيًا: شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى.\nثالثًا: محبة الرسل، وتوقيرهم، والثناء عليهم بما يليق بهم، لأنهم رسل الله تعالى وخلاصة عبيده، قاموا لله بعبادته، وتبليغ رسالته، والنصح لعباده، والصبر على أذاهم عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين - ص: ٤٠.","vol":"3","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-973>الفصل الأول: الأنبياء والرسل جمّ غفير</span>\nاقتضت حكمة الله تعالى في الأمم قبل هذه الأمّة أن يرسل في كلّ منها نذيرًا، ولم يرسل رسولًا للبشرية كلّها إلاّ محمدًا ﷺ، واقتضى عدله ألاّ يعذب أحدًا من الخلق إلاّ بعد أن تقوم عليه الحجة: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] من هنا كثر الأنبياء والرسل في تاريخ البشرية كثرة هائلة، قال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]. وقد أخبرنا رسول الله ﷺ بعدّة الأنبياء والمرسلين، «فعن أبي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جمًّا غفيرًا وقال مرة: خمسة عشر» (١) وفي رواية أبي أمامة «قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله، كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرُّسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا» (٢).\nمن الأنبياء والرسل من لم يقصصهم الله علينا:\nوهذا العدد الكبير للأنبياء والرسل يدلنا على أنَّ الذين نعرف أسماءهم من الرسل والأنبياء قليل، وأنَّ هناك أعدادًا كثيرة لا نعرفها، وقد صرّح القرآن بذلك في أكثر من موضع، قال تعالى: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء: ١٦٤]، وقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مّن قَبْلِكَ مِنْهُم مّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مّن لّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨].\nفالذين أخبرنا الله بأسمائهم في كتابه أو أخبرنا بهم رسوله – ﷺ – لا يجوز أنّ نكذّبَ بهم، ومع ذلك فنؤمن أنَّ لله رسلًا وأنبياء لا نعلمهم. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٧\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١٧٨) (٢١٥٨٦)، والحاكم (٢/ ٦٥٢)، والبيهقي (٩/ ٤) (١٨١٦٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٦٤): فيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٣٠٩) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، والألباني في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥٦٦٩).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٢٦٥) (٢٢٣٤٢). من حديث أبي أمامة ﵁. والحديث ضعفه ابن كثير في «البداية والنهاية» (٢/ ١٤٠)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٦٤): مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف.","vol":"3","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>الفصل الثاني: الأنبياء والرسل المذكورون في القرآن</span>\nذكر الله في كتابه خمسة وعشرين نبيًا ورسولًا، فذكر في مواضع متفرقة آدم وهودًا وصالحًا وشعيبًا وإسماعيل وإدريس وذا الكفل ومحمدًا ﵈.\nقال تعالى: إِنّ اللهَ اصْطَفَىَ آدَمَ ... [آل عمران: ٣٣]، وقال: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا [هود: ٥٠]، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [هود: ٦١]، وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [هود: ٨٤]، وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلّ مّنَ الصّابِرِينَ [الأنبياء: ٨٥] مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ... [الفتح: ٢٩].\nوذكر ثمانية عشر منهم في موضع واحد في سورة الأنعام وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [الأنعام: ٨٣ - ٨٦].\nأربعة من العرب:\nمن هؤلاء الخمسة والعشرين أربعة من العرب، فقد جاء في حديث أبي ذر في ذكر الأنبياء والمرسلين: «منهم أربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيك يا أبا ذر» (١).\nويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل: العرب العاربة، وأمّا العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل (٢)، وهود وصالح كانا من العرب العاربة.\nالأسباط: الأنبياء الذين سبق ذكرهم مذكورون في القرآن بأسمائهم، وهنا بعض الأنبياء أشار القرآن إلى نبوتهم، ولكننا لا نعرف أسماءهم، وهم الأسباط، والأسباط هم أولاد يعقوب، وقد كانوا اثني عشر رجلًا عرّفنا القرآن باسم واحد منهم وهو يوسف، والباقي وعددهم أحد عشر رجلًا لم يعرفنا الله بأسمائهم، ولكنه أخبرنا بأنّه أوحى إليهم، قال تعالى: قُولُوَاْ آمَنّا بِاللهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ [البقرة: ١٣٦].\nوقال: أَمْ تَقُولُونَ أن إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَىَ .. [البقرة: ١٤٠]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر – ص: ١٨\n_________\n(١) رواه ابن حبان (٢/ ٧٦) (٣٦١)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ١٦٦). وقال: تفرد به يحيى بن سعيد العبشمي عن ابن جريج، وقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٢/ ٣٨٨): [فيه] يحيى بن سعيد السعدي قال البيهقي: ضعيف وله طريق آخر، وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٢١٢٢): ضعيف جدًا.\n(٢) «البداية والنهاية» (١/ ١١٩ - ١٢٠).","vol":"3","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-975>الفصل الثالث: أنبياء مذكورون في السنة</span>\nهناك أنبياء عرفناهم من السنة، ولم ينصّ القرآن على أسمائهم، وهم: ١ - شيث:\nيقول ابن كثير: (وكان نبيًّا بنصّ الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر مرفوعًا أنّه أنزل عليه خمسون صحيفة) (١).\n٢ - يوشع بن نون:\nروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «غزا نبيٌّ من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولمّا يبنِ، ولا آخر قد بنى بنيانًا ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنمًا أو خلفات وهو منتظر ولادها، قال: فغزا، فأدنى للقرية حين صلاةِ العصر، أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة، وأنا مأمور، اللهمَّ احبسها عليَّ شيئًا، فحسبت عليه حتى فتح الله عليه» (٢).\nوالدليل على أنَّ هذا النبي هو يوشع قوله ﷺ: «إنَّ الشمس لم تحبس إلاّ ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس» (٣). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٢١\n_________\n(١) «البداية والنهاية» (١/ ٩٩).\n(٢) رواه البخاري (٣١٢٤)، ومسلم (١٧٤٧) واللفظ له.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٣٢٥) (٨٢٩٨). من حديث أبي هريرة ﵁. قال الذهبي في «ترتيب الموضوعات» (١٠٦): صحيح، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٦/ ٢٨٦): إسناده على شرط البخاري، وحسنه ابن الملقن في «الإعلام» (٢/ ٢٨١)، وصححه ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٢٥٥).","vol":"3","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-976>الفصل الرابع: صالحون مختلف في نبوتهم</span>\n١ - ذو القرنين:\nذكر الله خبر ذي القرنين في آخر سورة الكهف، ومما أخبر الله به عنه أنه خاطبه قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [الكهف: ٨٦].\nفهل كان هذا الخطاب بواسطة نبيّ كان معه، أو كان هو نبيًّا؟ جزم الفخر الرازي بنبوته (١)، وقال ابن حجر: (وهذا مرويٌّ عن عبد الله بن عمرو، وعليه ظاهر القرآن) (٢) ومن الذين نفوا نبوته عليُّ بن أبي طالب (٣).\n٢ - تبع:\nورد ذكر تبع في القرآن الكريم، قال تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبّعٍ وَالّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [الدخان: ٣٧]، وقال: كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرّسّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ وَقَوْمُ تّبّعٍ كُلّ كَذّبَ الرّسُلَ فَحَقّ وَعِيدِ [ق: ١٢ - ١٤]، فهل كان نبيًّا مرسلًا إلى قومه فكذبوه فأهلكهم الله؟ الله أعلم بذلك.\nالأفضل التوقف في أمر ذي القرنين وتُبّع:\nوالأفضل أن يتوقف في إثبات النبوة لهذين، لأنه صحّ عن الرسول ﷺ أنه قال: «ما أدري أتُبّع نبيًّا أم لا، وما أدري ذا القرنين نبيًا أم لا» (٤). فإذا كان الرسول ﷺ لا يدري، فنحن أحرى بأن لا ندري.\n٣ - الخضر:\nالخضر هو العبد الصالح الذي رحل إليه موسى ليطلب منه علمًا، وقد حدثنا الله عن خبرهما في سورة الكهف.\nوسياق القصة يدلّ على نبوته من وجوه (٥):\nأحدها: قوله تعالى: فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَعَلّمْنَاهُ مِن لّدُنّا عِلْمًا [الكهف: ٦٥]، والأظهر أنّ هذه الرحمة هي رحمة النبوة، وهذا العلم هو ما يوحى إليه به من قبل الله.\nالثاني: قول موسى له: هَلْ أَتّبِعُكَ عَلَىَ أَن تُعَلّمَنِ مِمّا عُلّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىَ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِيَ إِن شَآءَ اللهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْرًا قَالَ فَإِنِ اتّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٦٦ - ٧٠] فلو كان غير نبيّ لم يكن معصومًا، ولم يكن لموسى – وهو نبيٌّ عظيم، ورسول كريم، واجب العصمة – كبيرُ رغبةٍ، ولا عظيم طلبة في علم وَليٍّ غير واجب العصمة، ولما عزم على الذهاب إليه، والتفتيش عنه، ولو أنَّه يمضي حقبًا من الزمان، قيل: ثمانين سنة، ثمَّ لما اجتمع به، تواضع له، وعظّمه، واتبعه في صورة مستفيد منه، دلّ على أنه نبيٌّ مثله، يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خصّ من العلوم اللدنيَّة والأسرار النبويَّة بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم، نبيّ بني إسرائيل الكريم.\nالثالث: أنّ الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام، وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام، وهذا دليل مستقلٌّ على نبوتَّه، وبرهان ظاهر على عصمته، لأنَّ الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده، لأنَّ خاطره ليس بواجب العصمة، إذ يجوز الخطأ عليه بالاتفاق، ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم علمًا منه بأنّه إذا بلغ يكفر، ويحمل أبويه على الكفر لشّدة محبتهما له، فيتابعانه عليه، ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته دلّ ذلك على نبوته وأنّه مؤيد من الله بعصمته. الرابع: أنّه لمَّا فسر الخضر تأويل تلك الأفاعيل لموسى، ووضح له عن حقيقة أمره وجلاَّه، قال بعد ذلك كلّه: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف: ٨٢]، يعني ما فعلته من تلقاء نفسي، بل أمرت به، وأوحي إليّ فيه. الرسل والرسالات لعمر الأشقر – ص: ٢١\n_________\n(١) «فتح الباري» (٦/ ٣٨٢).\n(٢) «فتح الباري» (٦/ ٣٨٢).\n(٣) رواه ابن أبى عاصم في «السنة» (٢/ ٥٩٧) (١٣١٨).\n(٤) رواه الحاكم (١/ ٩٢)، والبيهقي (٨/ ٣٢٩) (١٨٠٥٠). من حديث أبي هريرة ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعلم له علة ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٢١٧).\n(٥) انظر: «البداية والنهاية» (١/ ٣٢٦).","vol":"3","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-977>الفصل الخامس: لا تثبت النبوة إلاّ بالدليل</span>\nيذكر علماء التفسير والسير أسماء كثير من الأنبياء نقلًا عن بني إسرائيل، أو اعتمادًا على أقوال لم تثبت صحتها، فإن خالفت هذه النقول شيئًا مما ثبت عندنا من كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ رفضناها، كقول الذين قالوا: (إنَّ الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية المذكورة قصتهم في سورة يس كانوا من أتباع عيسى، وأن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين بعد عيسى) (١).\nنردّ هذّا كله، لأنَّه ثبت في الحديث الصحيح أنّه ليس بين عيسى ابن مريم وبين رسولنا صلوات الله وسلامه عليهما نبيٌّ (٢).، فالرسل المذكورون في آية سورة يس إما رسل بعثوا قبل عيسى، وهذا هو الراجح، أو هم – كما يقول بعض المفسرين – مبعوثون من قبل عيسى وهذا بعيد، لأن الله أخبر أنّه مرسلهم، والرسول عند الإطلاق ينصرف إلى الاصطلاح المعروف، وما ورد من أنَّ خالد بن سنان نبي عربي ضيعه قومه فهو حديث لا يصحُّ، وهو مخالف لحديث صحيح أخبر الرسول ﷺ فيه أنَّ عدد الأنبياء الذين من العرب أربعة (٣).\nأما ما ورد عن بني إسرائيل من أخبار بتسمية بعض الأنبياء مما لا دليل عليه من الكتاب والسنة، فلا نكذَّبه، ولا نصدّق به، لأنَّ خبرهم يحتمل الصدق والكذب. الرسل والرسالات لعمر الأشقر – ص: ٢٦\n_________\n(١) «فتح الباري» (٦/ ٤٨٩).\n(٢) رواه البخاري (٣٤٤٢)، ومسلم (٢٣٦٥) بلفظ: «ليس بيني وبينه نبي». من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه ابن حبان (٢/ ٧٦) (٣٦١)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ١٦٦). وقال: تفرد به يحيى بن سعيد العبشمي عن ابن جريج، وقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٢/ ٣٨٨): [فيه] يحيى بن سعيد السعدي قال البيهقي: ضعيف وله طريق آخر، وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٢١٢٢): ضعيف جدًا.","vol":"3","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-979>المبحث الأول: التفاضل بين الأنبياء والرسل</span>\nيقول ابن كثير: (لا خلاف أن الرسول أفضل من بقية الأنبياء) (١). وقال السفاريني: (الرسول أفضل من النبي إجماعًا لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة) (٢).\nوقد بدأ الله بذكر الرسول قبل النبي في قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: ٥٢]. وقدم سبحانه الوصف بالرسالة على الوصف بالنبوة في قوله في كل من موسى وإسماعيل ﵉: وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا [مريم: ٥١]. فلعل في هذه دلالة على فضل الرسول على النبي، إذا الترتيب كان قاضيا بتقديم النبي على الرسول، لأن النبوة تكون أولًا ثم الرسالة، ففي تقديمها على النبوة إفادة معنى. ودلل الماوردي على فضل الرسول فقال: (الرسول أعلى منزلة من النبي ولذلك سميت الملائكة رسلًا ولم يسموا أنبياء) (٣). ولكن هذا الاستدلال على القول بتفضيل الملائكة على الأنبياء وهو مرجوح. كما سيأتي بيانه إن شاء الله.\nومن أوجه فضل الرسل على الأنبياء:\nأن الرسالة في أصلها قدر زائد على النبوة فهي نبوة وزيادة، فالرسل ساووا الأنبياء في النبوة، وفضلوا عليهم بالرسالة – صلوات الله وسلامه على الجميع-، يقول القرطبي: (معلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل، فإن من أرسل فضل على غيره في الرسالة واستووا في النبوة).\nقال: (إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم وهذا مما لا خفاء فيه) (٤). وفي قول القرطبي هذا وجه آخر من وجوه فضل الرسول على النبي وهو ما يلقاه الرسل دون الأنبياء من المنازعة مع أقوامهم، وذكر ابن القيم طبقات المكلفين فجعل الطبقة الأولى مرتبة أولي العزم من الرسل ثم الطبقة الثانية من عداهم من الرسل ثم قال: (الطبقة الثالثة الذين لم يرسلوا إلى أممهم وإنما كانت لهم النبوة دون الرسالة فاختصوا بإيحاء الله إليهم، وإرساله ملائكته إليهم، واختصت الرسل عنهم بإرسالهم إلى الأمة بدعوتهم إلى الله بشريعته وأمره واشتركوا في الوحي ونزول الملائكة عليهم) (٥).\nومن وجوه فضل الرسول على النبي: أن الرسالة تثمر هداية الكافرين وإزالة الشرك، أما النبوة فتثمر توجيه المؤمنين وصيانة أحكام الله فيهم، وهذا مستفاد مما ذكر من الفرق بين النبي والرسول أن النبي يبعث في مؤمنين، والرسول في كافرين، ولا شك أن هداية الكافر خير من تعليم المؤمن وفي كل خير، قال ﷺ لعلي ﵁ لما أمره بدعوة أهل خيبر إلى الإسلام: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (٦).\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٧).\n(٢) «لوامع الأنوار البهية» (١/ ٥٠).\n(٣) «أعلام النبوة» (٣٨).\n(٤) «تفسير القرطبي» (٣/ ٢٦٣).\n(٥) «طريق الهجرتين» (ص: ٣٥٠).\n(٦) رواه البخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦). من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.","vol":"3","page":465},{"text":"وهذا الإجماع المذكور على فضل الرسول على النبي واقع خلافًا للعز بن عبد السلام كما يقول السفاريني (١) فإن العز قال: (إن قيل أيهما أفضل النبوة أم الإرسال؟ فنقول: النبوة أفضل، لأن النبوة إخبار عما يستحقه الرب من صفات الجمال ونعوت الكمال، وهي متعلقة بالله من طرفيها، والإرسال دونها أمر بالإبلاغ إلى العباد، فهو متعلق بالله من أحد طرفيه وبالعباد من الطرف الآخر، ولا شك أن ما يتعلق بالله من طرفيه أفضل مما يتعلق به من أحد طرفيه، والنبوة سابقة على الإرسال فإن قول الله لموسى: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مقدم على قوله: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فجميع ما تحدث به قبل قوله: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ نبوة، وما أمره بعد ذلك من التبليغ فهو إرسال، والحاصل أن النبوة راجعة إلى التعريف بالإله وبما يجب له والإرسال إلى أمر الرسول بأن يبلغ عنه إلى عباده أو إلى بعض عباده ما أوجبه عليهم من معرفته، وطاعته، واجتناب معصيته، وكذلك الرسول ﵇ لما قال له جبريل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إلى قوله: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى كان هذا نبوة، وكان ابتداء الرسالة حين جاء جبريل بـ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ) (٢).\nويظهر من كلام العز بن عبد السلام حصره سبب تفضيله النبي على الرسول في أمرين:\nالأول: أن النبوة متعلقة بالله من طرفيها، والإرسال متعلق بالله من أحد طرفيه وبالعباد من الطرف الآخر.\nالثاني: أن النبوة سابقة على الإرسال.\nأما الأول: فإنه لم يعين الطرفين ما هما على التحديد، إلا أنه بنى ذلك على تفريقه بين النبوة والرسالة بأن النبوة تعريف الله نبيه به سبحانه وبما يجب له، ومثاله في كلامه قول الله لموسى ﵇: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وقول جبريل للنبي ﷺ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، والرسالة الأمر بالتبليغ، ومثاله قوله سبحانه لموسى ﵇: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ وقوله للنبي ﷺ: قم فأنذر، فكان النبوة على هذا وحي خاص بالنبي لا يبلغه لغيره، والرسول من أمر بالتبليغ فرجع إلى قول من جعل الفرق بينهما أن النبي من أوحي إليه بوحي ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بوحي وأمر بتبليغه، وهو غير مسلم، فإن الإرسال ثابت لهما كما تقدم بيانه في مسألة الفرق، وثبوت الإرسال لهما يجعل النبوة متعلقة بالله وبالعباد كالرسالة، فيكون السبب المذكور في تفضيل النبي على الرسول منتقضًا.\nوأما الثاني: فإن سبق النبوة دليل على فضل الرسالة عليها لأنه لا يبلغ مرتبة الرسالة إلا من كان نبيًا فهي مرتبة شريفة تفضل مرتبة النبوة، فلا يبلغ مبلغ الرسول إلا من كان نبيًا أولًا.\nونبوة الرسول تكون إعدادا له للقيام بأعباء الرسالة – وهذا مفهوم من كلام العز – فدل على فضل الرسالة على النبوة.\nوقد فهم السفاريني من كلام العز بن عبد السلام تخصيصه فضل النبوة على الرسالة في حال اجتماعهما في شخص واحد لا مطلقًا قال السفاريني: (الرسول أفضل من النبي إجماعًا، لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة، على الأصح خلافًا لابن عبد السلام) إلى أن قال: (ثم أن محل الخلاف فيهما مع اتحاد محلهما وقيامهما معًا بشخص واحد، أما مع تعدد المحل فلا خلاف في أفضلية الرسالة على النبوة) (٣). وقال في موضع آخر: (الرسالة أفضل من النبوة ولو في شخص واحد، خلافًا للعز بن عبد السلام في قوله أن نبوة النبي أفضل من رسالته لقصرها على الحق تعالى، إذ هي الإيحاء بما يتعلق بالباري جل شأنه من غير ارتباط له بالخلق، وأما مع تعدد المحل فلا خلاف في أفضلية الرسالة على النبوة ضرورة جمع الرسالة لها مع زيادة) قال: (على أن الصحيح المعتمد أفضلية الرسالة مطلقًا) (٤).\nوليس في كلام العز الذي وجدته ونقلته إلا إطلاق تفضيل النبوة على الرسالة لا كما يذكر السفاريني إلا أن يكون وقف على غير ما وقفت عليه.\nهذا وقد جاء في كلام لابن حجر في ذكره وجوهًا في تعليل نهي النبي ﷺ عبادة من قول: ورسولك الذي أرسلت، ليقول: ونبيك الذي أرسلت في حديث الدعاء قبل النوم، وكان مما قاله: (أو لأن لفظ النبي أمدح من لفظ الرسول، لأنه مشترك في الإطلاق على كل من أرسل بخلاف لفظ النبي فإنه لا اشتراك فيه عرفًا) (٥). وهذا في عرف اللغة لا في عرف الشرع، بل وصف الرسالة في عرف الشرع يستلزم وصف النبوة. فالصحيح أن الرسالة أفضل من النبوة، والرسول أفضل من النبي، فلفظ الرسول أمدح من لفظ النبي مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ١٢٤\n_________\n(١) «لوامع الأنوار البهية» (١/ ٥٠، ٢/ ٣٠٠).\n(٢) «قواعد الأحكام» (٢٣٧).\n(٣) «لوامع الأنوار البهية» (١/ ٥٠).\n(٤) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٣٠٠).\n(٥) «فتح الباري» (١/ ٣٥٨).","vol":"3","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-980>المبحث الثاني: التفاضل بين الرسل</span>\nقال ﷾: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة: ٢٥٣]. فهذا نص في التفاضل بين الرسل خاصة من جملة الأنبياء، فقد ذكرهم الله ﷿ نصًا فقال: تِلْكَ الرُّسُلُ ثم ذكر سبحانه رسلًا مبينًا أوجه فضلهم.\nوقال سبحانه: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [الإسراء: ٥٥]. والرسل داخلون في هذا الإطلاق وهو إطلاق يفهم منه تفاضل الرسل فيما بينهم فإنه غير مانع من أن يكون الرسل من الأنبياء متفاضلين فيما بينهم.\nوأفضل الرسل أولوا العزم منهم، قال ﷾ آمرًا نبيه محمدًا ﷺ وهو أفضل الخلق: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ [الأحقاف: ٣٥]. فامتدحهم الله ﷿ بالعزم، وخصهم بالذكر من بين رسله، وأمر نبيه محمدًا ﷺ وقد فضله على جميع خلقه أن يقتدي بهم.\nيقول ابن تيمية ﵀: (أفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم) (١). وقال ابن كثير: (لا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم) (٢).\nومعنى العزم الذي امتدحهم الله وفضله به: الحزم والصبر، فإن العزم في أصل اللغة دال على الصريمة والقطع واجتماع القلب على الشيء، وفي كتاب الله ما يدل على تفسير العزم بالصبر دلالة ظاهرة قال سبحانه: وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦]. وقال سبحانه حاكيًا قول لقمان لابنه: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان: ١٧]. وقال سبحانه: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى: ٤٣]. وفي ذات الآية المذكورة فيها أولو العزم بهذه الصفة ذكر الصبر فقد أمر الله فيها نبيه بالصبر اقتداء بأولي العزم في صبرهم.\nوالمقصود بالصبر، الصبر على أعباء الرسالة، وأمانة أدائها، وتحمل مشاقها، والصبر على أذى المرسل إليهم، مع الحزم في الدعوة وأداء الرسالة، ونحوه من المعاني. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص: ١٢٩\n_________\n(١) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص: ٧).\n(٢) «التفسير» (٣/ ٤٧).","vol":"3","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-982>المطلب الأول: تعيين أولي العزم</span>\nأولو العزم هم بعض الرسل لا كلهم كما نقل عن بعض السلف ممن حمل (من) الآية على التجنيس لا التبعيض (١). فإن خروج بعض الرسل من أن يكونوا معنيين في الآية ثابت في كتاب الله، فالله ﷿ أمر نبيه في هذه الآية بالاقتداء بأولي العزم، ونهاه في آية أخرى عن أن يكون كصاحب الحوت يونس ﵇ إذ قال سبحانه: وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ [القلم: ٤٨]. ويونس ﵇ رسول، قال سبحانه: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٣٩]. وقال: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧]. وقيل: أولو العزم هم كل الأنبياء عدا يونس ﵇ (٢) وهو مرجوح بأمرين ورد الدليل بهما:\nالأول: أن الآية نص في أنهم من الرسل لا من الأنبياء غير الرسل.\nالثاني: أن الله نفى العزم عن آدم ﵇ وهو نبي، ولم يستثنه أصحاب هذا القول قال سبحانه: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥].\nوما من شك أن الله لم يرسل رسولًا إلا وهو ذو عزم وجد في طاعة الله فيما ائتمنه عليه، ولكن خص هؤلاء بالذكر والتفضيل لأنهم أعظم وأكمل عزمًا من غيرهم، والله أعلم.\nوقد اختلفت الأقوال في تعيين أولي العزم من هم (٣). ويمكن تصنيفها إلى قسمين:\nالأول: قول من جعل التعيين بالصفة لا بالتسمية:\nكقول من قال: إنهم الذين امتحنوا في ذات الله في الدنيا بالمحن فلم تزدهم المحن إلا جدًا في أمر الله (٤).\nوقول من قال: إنهم الذين أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة، وهو مروي عن الشعبي ومجاهد والسدي وغيرهم (٥). وقول من قال: إنهم الذين لم تصبهم فتنة من الأنبياء، وهو مروي عن الحسن (٦). وقول من قال: إنهم العرب من الأنبياء، قاله مجاهد والشعبي (٧). ولم تذكر للقائلين بما تقدم أدلة لما قالوه.\nوالثاني: قول من جعل التعيين بالتسمية، وهي أقوال:\nفقيل: هم الثمانية عشر المذكورين في سورة الأنعام الآيات ٨٤ – ٨٦ لقوله سبحانه في عقب ذكرهم أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ [الأنعام: ٩٠]. وهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط (٨). وهو قول يضعفه أمران:\nأحدهما: أن فيهم أنبياء ليسوا برسل كزكريا ويحيى وهما من أنبياء بني إسرائيل، وأولوا العزم رسل.\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٢٤) و«تفسير البغوي» (٤/ ١٧٦) و«زاد المسير» (٧/ ٣٩٢) و«تفسير ابن كثير» (٤/ ١٧٣).\n(٢) «تفسير البغوي» (٤/ ١٧٦) و«زاد المسير» (٧/ ٣٩٢) «تفسير القرطبي» (١٦/ ٢٢٠).\n(٣) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٢٤) و«تفسير البغوي» (٤/ ١٧٦) و«زاد المسير» (٧/ ٣٩٢) و«تفسير ابن كثير» (٤/ ١٧٣) و«تفسير القرطبي» (١٦/ ٢٢٠) و«الدر المنثور» (٦/ ٤٥) وغيرها.\n(٤) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٢٤).\n(٥) «تفسير البغوي» (٤/ ١٧٦) و«تفسير القرطبي» (١٦/ ٢٢٠) و«زاد المسير» (٧/ ٣٩٢).\n(٦) «زاد المسير» (٧/ ٣٩٢).\n(٧) «تفسير البغوي» (٤/ ١٧٦) و«تفسير القرطبي» (١٦/ ٢٢٠) و«زاد المسير» (٧/ ٣٩٢).\n(٨) «تفسير البغوي» (٤/ ١٧٦) و«تفسير القرطبي» (١٦/ ٢٢٠) و«زاد المسير» (٧/ ٣٩٢).","vol":"3","page":468},{"text":"ثانيهما: أنهم لم يخصوا تعيينًا في أمره سبحانه نبيه بالاقتداء بهم، فقد قال سبحانه بعد أن ذكرهم وقبل الأمر بالاقتداء وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ فهو أمر بالاقتداء بهدي الأنبياء جملة، قال ابن كثير في قوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ (أولئك: يعني الأنبياء المذكورين مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان وهم الأشباه) (١).\nوقيل: هم ستة: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى ﵈، وهم المذكورون على النسق في سورتي الأعراف والشعراء (٢).\nوقيل غير ذلك (٣)، ولكن الأشهر المتداول في كتب العلم أنهم خمسة وهم: محمد، ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وهم الخمسة المذكورون نصًا في قوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب: ٧]، وفي قوله سبحانه: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى: ١٣] فقد خصهم الله ﷿ بالذكر في هاتين الآيتين من بين الأنبياء، وهو تنبيه إلى فضلهم بين سائر الأنبياء، وقد خصهم سبحانه بالذكر في ذكره أعظم الأمور وأفضلها وأغلظها، وهو الميثاق الذي قال فيه: وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب: ٧]، والوصايا التي شرعها لخلقه، وذلك ما أخذ على جميع النبيين وبعث به جميع النبيين، وهو العهد الذي بين الله وخلقه، وهو إقامة دين الله، وعدم التفرق فيه، وإسلام الوجه له سبحانه، والدعوة إلى ذلك، والمجاهدة فيه والموالاة فيه والبراءة فيه، وهؤلاء الخمسة صلوات الله وسلامه عليهم أكمل وأعظم من قام بهذا الميثاق، ولذا خصوا بالذكر، وهم الذين تفزع الأمم إليهم في الموقف يوم القيامة بعد أبيهم آدم فيتراجعونها حتى تنتهي إلى محمد ﷺ كما في حديث الشفاعة (٤).\nوالقول بأنهم هم أولو العزم، مروي عن ابن عباس وغيره من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: خيار ولد آدم خمسة نوح وإبراهيم وعيسى وموسى ومحمد ﷺ، وخيرهم محمد ﷺ وصلى الله وسلم عليهم أجمعين (٥).\nقال أبو حاتم في آية الأحزاب: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ: (أجمل النبيين ثم قال: وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فأفردهم تفضيلًا لهم على سائر الأنبياء) (٦). يقول ابن القيم في بيان طبقات المكلفين: (الطبقة الأولى وهي العليا على الإطلاق مرتبة الرسالة فأكرم الخلق وأخصهم بالزلفى لديه رسله) قال: (وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم المذكورين في قوله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وهؤلاء هم الطبقة العليا في الخلائق وعليهم تدور الشفاعة حتى يردوها إلى خاتمهم وأفضلهم ﷺ) قال: (الطبقة الثانية: من عداهم من الرسل على مراتبه من تفضيلهم بعضهم على بعض) (٧) .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص: ١٣١\n_________\n(١) «التفسير» (٢/ ١٥٦) و«زاد المسير» (٧/ ٣٩٢).\n(٢) «تفسير البغوي» (٤/ ١٧٦) و«تفسير القرطبي» (١٦/ ٢٢٠).\n(٣) «تفسير البغوي» (٤/ ١٧٦) و«تفسير القرطبي» (١٦/ ٢٢٠) و«الدر المنثور» (٦/ ٤٥).\n(٤) حديث الشفاعة رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤).\n(٥) رواه البزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (٨/ ٢٥٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٢/ ٢٧١). قال الهيثمي: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.\n(٦) «كتاب النخل» (ص: ٤٠).\n(٧) «طريق الهجرتين» (٢٤٩).","vol":"3","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-983>المطلب الثاني: تفاضل أولي العزم</span>\nوقد ذكر الله ﷿ أولي العزم في آيتي الأحزاب والشورى المذكورتين، وقد بدأ سبحانه في الآيتين بذكر الطرفين أول الرسل وخاتمهم، وذكر بعدهما الثلاثة مبتدأ بإبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، بحسب ترتيب وجودهم عليهم الصلاة والسلام، وقد بدأ سبحانه في آية الأحزاب بذكر محمد ﷺ لشرفه وفضله عليهم وذلك لأن في الآية ذكر للنبيين في الجملة تعميمًا ثم خص سبحانه أفضلهم بالذكر بعد دخولهم في العموم فناسب لذلك الابتداء بذكر محمد ﷺ لكونه أفضل هؤلاء المفضلين، وفي الآية ذكر للميثاق المأخوذ على النبيين فهي متعلقة بالأنبياء خاصة ولذلك قدم محمد ﷺ في الذكر للوجه المذكور قال سبحانه: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: ٧]. أما آية الشورى فمتعلقة بالشريعة التي بعثوا بها. ولذا بدأ سبحانه بنوح قبل محمد عليهما الصلاة والسلام، لأن الآية في ذكر دين الإسلام وما وصى الله به الرسل، فناسب ذلك أن يبدأ بنوح، لأن رسالته أول الرسالات، ففيه بيان جلي أن أول رسالات الرسل أوصت بما شرع لأمة محمد ﷺ من الدين، فهو دين أصيل مستقيم لا عوج فيه ولا اضطراب، ثم ذكر سبحانه من بين من توسطوا بين محمد ونوح أشهر أصحاب الشرائع وأفضلهم (١).\nقال سبحانه شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا [الشورى: ١٣].\nفمحمد ﷺ هو أفضل أولي العزم بلا خلاف، يقول ابن كثير: (لا خلاف أن محمدًا ﷺ أفضلهم ثم بعده إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى ﵈ على المشهور) (٢). يعني ابن كثير أن نوحًا آخرهم في ترتيبهم في الفضل، وقوله: (على المشهور) كأنه إشارة إلى وجود خلاف في ترتيبهم في الفضل بعد محمد ﷺ، وقد قطع بأن إبراهيم بعده في الفضل في موضع آخر فقال في إبراهيم: (هو أشرف أولي العزم بعد محمد ﷺ) (٣). وقد نص السفاريني على اختلاف العلماء في من يلي النبي ﷺ في الفضيلة منهم، وذكر أن المشهور أنه إبراهيم، قال: (وقد اختلف العلماء في من يلي النبي ﷺ في الفضيلة منهم، والمشهور واختاره ابن حجر في شرح البخاري أنه إبراهيم خليل الرحمن، لما ورد أن إبراهيم ﵇ خير البرية، خص منه محمد ﷺ بإجماع، فيكون أفضل من موسى وعيسى ونوح ﵈، والثلاثة بعد إبراهيم أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين، قال الحافظ ابن حجر ولم أقف على نقل أيهم أفضل، والذي ينقدح في النفس تفضيل موسى فعيسى فنوح عليهم الصلاة والسلام) (٤).\nوذكر السيوطي أن الإجماع منقول على تقديم إبراهيم ﵇، فبعد أن ذكر أن النبي ﷺ أفضل خلق الله على الإطلاق قال: (فخليله إبراهيم يليه في التفضيل، فهو أفضل الخلق بعده، نقل بعضهم الإجماع على ذلك، وفي الصحيح خير البرية إبراهيم خص منه النبي ﷺ فبقي على عمومه) قال السيوطي: (فموسى وعيسى ونوح الثلاثة بعد إبراهيم أفضل من سائر الأنبياء ولم أقف على نقل أيهم أفضل) (٥).\n_________\n(١) «الأنموذج الجليل» (٢/ ٧٧) و«فتح الرحمن» (٤٥٨) و«روح المعاني» (٢١/ ١٥٤).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٥/ ٨٨).\n(٣) «البداية والنهاية» (١/ ١٧٠).\n(٤) «اللوامع» (٢/ ٣٠٠).\n(٥) «إتمام الدراية» (١٧) بهامش مفتاح العلوم.","vol":"3","page":470},{"text":"وتعقب المناوي السيوطي في كلامه هذا فقال: (وفاته – (يعني وفات السيوطي) – أن الفخر الرازي حكى الإجماع على تقديم موسى وعيسى على نوح فإنه قال في أسرار التنزيل: لا نزاع في أن أفضل الأنبياء والرسل هؤلاء الأربعة محمد وإبراهيم وموسى وعيسى) (١).\nوالحاصل أن النص دال على تفضيل محمد ﷺ والإجماع منعقد عليه. وكذا يدل النص على أن إبراهيم يليه في التفضيل لحديث أنس قال: «قال رجل لرسول الله ﷺ: يا خير البرية فقال رسول الله ﷺ: ذاك إبراهيم» (٢). وقال السيوطي وابن حجر – كما نقله السفاريني عنه - أنهما لم يقفا على نقل أي الثلاثة أفضل بعد إبراهيم ﵇، ولكن النقل دال على تقديم موسى على عيسى ﵉، ففي أحاديث المعراج أن النبي ﷺ مر بعيسى في السماء الثانية، ومر بموسى في رواية في السادسة، وفي أخرى في السابعة (٣)، يعني في منزلة أعلى من منزلة عيسى عليهم الصلاة والسلام، فموسى أفضل من عيسى، فبقي ترتيب نوح ﵇ هل هو مقدم عليهما أم مؤخر عنهما أم هو بينهما؟\nولا نقل يدل على شيء من ذلك وليس الأمر مورد اجتهاد، وغاية ما يستطيعه من اجتهد بتأخير نوح الاستدلال بنصوص غاية ما فيها إثبات منقبة لكل واحد منهم من غير تخيير بين المناقب.\nوتقديم أحدهما عليه أو تأخيره عنه – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – بتفضيل منقبة على أخرى مما لا يقبل اجتهادًا حتى يقوم عليه دليل، لأن ثبوت منقبة لا يستلزم التفضيل بها حتى يرد النص بالتفضيل، فالواجب اعتقاده فضل نوح ﵇ بعد إبراهيم على الجملة من غير تعيين ترتيبه مع موسى وعيسى ﵈، فيكون حاصل القول في تفاضل أولي العزم أن أفضلهم محمد ثم يليه إبراهيم ثم نوح وموسى وعيسى.\nوموسى أفضل من عيسى عليهم الصلاة والسلام أجمعين، والله أعلم.\nهذا الذي أراه – والله ورسوله بريئان من خطأي – أنه لا يفاضل بين نوح وكل من موسى وعيسى لعدم ورود نص في ذلك، ولكن المشهور بين أهل العلم - على قول ابن كثير المتقدم – تقديم موسى بعد إبراهيم، وإن صح قول الرازي الذي نقله المناوي عنه ... أن لا نزاع في تأخير نوح عن الأربعة أولي العزم الباقين، وإن صح كون ذلك إجماعًا فبها ونعمت، وإلا فالرأي عندي ما ذكرته، والله أعلم .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص: ١٣٦\n_________\n(١) «فيض القدير» (٣/ ٤٦٤).\n(٢) رواه مسلم (٢٣٦٩). من حديث أنس ﵁.\n(٣) ليس هناك من الروايات والأحاديث الصحيحة ما يفيد بأن موسى في السماء السابعة إنما هو في السماء السادسة وإبراهيم هو الذي في السابعة. والحديث رواه البخاري (٣٠٣٥)، ومسلم (١٦٤). من حديث مالك بن صعصعة ﵁.","vol":"3","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-984>المطلب الثالث: بعض خصائص أولي العزم</span>\nأما إبراهيم ﵇ فمن فضائله وخصائصه ﵇ أنه خليل الرحمن لم يشاركه في الخلة إلا محمد صلى الله عليهما وسلم، قال سبحانه: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥]. وقد جعله الله ﷿ إمامًا للناس يقتدون به ويهتدون بهديه، قال سبحانه: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤]. وقال سبحانه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٠]. وقال سبحانه: وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [البقرة: ١٣٠].\nوقد أجرى الله على يديه بناء بيته الذي جعله قيامًا لناس ومثابة وأمنًا وعهد الله إليه ولابنه تبعًا له تطهير البيت للطائفين، والعاكفين، والركع، والسجود. وأمر سبحانه المؤمنين باتخاذ مقامه مصلى قال سبحانه: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة: ١٢٥]. وقال تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧].\nوقد حصر الله النبوة والكتاب من بعده في ذريته ﵇، قال سبحانه: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: ٢٧]. فلم يأت نبي بعد إبراهيم إلا من ذريته، وهو ﵇ أول من يكسى يوم القيامة كما في المتفق عليه من حديث ابن عباس قال: قام فينا النبي ﷺ يخطب فقال: «إنكم محشورون حفاة عراة غرلًا – كما بدأنا أول خلق نعيده – الآية وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم» (١).\nوقد جمع الله له منزلتين عظيمتين، قال سبحانه: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا [مريم: ٤١] فجمع له بين الصديقية والنبوة، وفضائله أكثر من أن تحصر ﵇، وما علمناه غيض من فيض مما جهلناه في إبراهيم ﵇.\nوأما نوح – ﵇ – فقد جاهد في الله حق جهاده وهو أول رسول بعث في الناس بعد اختلافهم على دينهم، واجتيال الشيطان لهم، وقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا باذلًا وسعه في الدعوة إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، صابرًا على أذى قومه، لا تثنيه عن الدعوة إلى ربه سفاهاتهم وتعدياتهم، قال سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ [العنكبوت: ١٤ - ١٥].\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠).","vol":"3","page":472},{"text":"وقال سبحانه في نوح: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [نوح: ٥ - ١٠]. وقال سبحانه عن قوم نوح: قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ [هود: ٣٢ - ٣٣]. وأما موسى ﵇ فهو كليم الله اشتهر من بين الأنبياء بهذه الحلية قال سبحانه: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤]. وقال سبحانه: وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف: ١٤٣ - ١٤٤]. وقد ورد ذكر تكليم الله موسى في مواضع من كتاب الله. وهو ﵇ المعني في قوله سبحانه: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ في قول كافة المفسرين، وقد ثبت تكليم الله آدم ﵇ في كتاب الله، في نحو قوله سبحانه: قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ [البقرة: ٣٣]. وقوله: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ [البقرة: ٣٥]. وقوله: فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه: ١١٧]. وما بعدها، وظاهر هذا أنه كان كفاحًا بغير واسطة الملك (١). وفي حديث أبي ذر في عدد الأنبياء والرسل المتقدم ذكره أنه سأله النبي ﷺ عن آدم: أنبي مكلم هو؟ فقال: «نعم نبي مكلم» (٢). قال ابن عطية: (وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة فعلى هذا تبقى خاصية موسى) (٣). وقد حمل بعضهم قوله سبحانه في سورة النجم: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى على أن الله أوحى إلى محمد ليلة المعراج كفاحًا بلا واسطة (٤) فيكون تكليمًا، وحمله آخرون على أن الله أوحى إلى محمد بواسطة جبريل (٥)\n_________\n(١) «أضواء البيان» (١/ ١٩٤).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ١٧٨) (٢١٥٨٦)، والطبراني (٨/ ٢١٧) (٧٨٧١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٦٤): فيه المسعودى وهو ثقة ولكنه اختلط، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٣٠٩) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، والألباني في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥٦٦٩).\n(٣) «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٧١).\n(٤) «تفسير الطبري» (٢٧و٢٨) و«زاد المسير» (٨/ ٦٧) وو «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٥٠) و«الدر المنثور» (٦/ ١٢٣).\n(٥) «تفسير الطبري» (٢٢/ ٥٠٦) ..","vol":"3","page":473},{"text":"فلا يكون تكليمًا، قال ابن كثير: (وكلا المعنيين صحيح) (١) كأنه يرى أن الأمرين قد وقعا وهو قد قال في قوله سبحانه: مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ في آية البقرة ما نصه: (يعني موسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم وكذلك آدم) (٢).\nوإن صح تكليم الله محمدًا ﷺ ليلة المعراج قد يتأول أنه وقع في السماء، فتبقى خاصية موسى ﵇. ومر من فضائله – ﵇ – كونه في السماء السادسة، وقد آتاه الله ﷿ تسع آيات بينات إلى فرعون وقومه ظهرت بهن حجته وقامت بينته أيده الله بهن قال سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الإسراء: ١٠١]. وقال ﷿: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [النمل: ١٢].\nوأما عيسى ﵇ فاختص من بين سائر الخلق بأنه ولد لأم من غير أب، وإنما نفخ جبريل في درع جيب مريم فحملت بعيسى ﵇ وتكلم في المهد وآتاه الله من البينات ما فضله به في قوله: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة: ٢٥٣]. وقد حكى الله كلام عيسى في المهد فكان مما قاله وتظهر فيه من فضائله ﵇ غرر: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: ٣٠ - ٣٣]. وقد قال سبحانه في ذكر ولادة عيسى ﵇: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا [مريم:١٦ - ٢٢].\nوكان من الآيات التي آتاها الله عيسى ﵇ ما ذكره سبحانه في قوله: إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ [المائدة: ١١٠].\nوقد رفعه الله ﷿ إليه، فهو حي في السماء وهو في الثانية كما في أحاديث الإسراء، قال سبحانه في تكذيب اليهود في دعواهم قتله ﵇: وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]. وهذا من خصائصه ﷺ إذ ليس في الأنبياء حي إلا هو.\nوسينزل ﵇ في آخر الزمان كما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وهذا من خصائصه ﵇، قال سبحانه: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء: ١٥٩]. وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ بنزول عيسى ﵇ قال ﷺ: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا» (٣). وقال ﷺ «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم» (٤). وأجمعت الأمة على نزوله ﵇ آخر الزمان (٥). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ١٤١\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٥٠).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٥٠).\n(٣) رواه البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٣٤٤٩)، ومسلم (١٥٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) «البحر المحيط» (٢/ ٤٧٣) و«لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٩٤).","vol":"3","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-985>المبحث الرابع: تفضيل نبينا محمد ﷺ على جميع الخلائق</span>\nمحمد ﷺ هو أفضل الأنبياء على الإطلاق بل هو خير الخلائق أجمعين صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاءت في ذلك نصوص لا تحصى كثرة فيما أوحاه الله ﷿ في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ وفيما كتب وروي من أقوال الأئمة المهديين من السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين.\nقال ﷾: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة: ٢٥٣]. والمعنى بقوله: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ محمد ﷺ، قاله ابن عباس والشعبي ومجاهد وغيرهم (١). قال الزمخشري في هذه الجملة من الآية: (أي ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة) قال: (والظاهر أنه أراد محمدًا ﷺ لأنه هو المفضل عليهم حيث أوتي ما لم يؤته أحد) إلى أن قال: (وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس، ويقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه) (٢). وقد خص سبحانه في الآية بالذكر من وجوه التفضيل، التفضيل بالآيات فقال: مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ، وقال: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ قال الزمخشري: (وهذا دليل بين أن من زيد تفضيلًا بالآيات منهم فقد فضل على غيره، ولما كان نبينا ﷺ هو الذي أوتي منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها، كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع) (٣).\nوذهب بعض المفسرين إلى احتمال أن يراد بقوله: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ محمد وغيره على الإجمال (٤). إلا أنه (يتعين أن يكون المراد من البعض هنا واحدًاَ من الرسل معينًا لا طائفة، وتكون الدرجات مراتب من الفضيلة ثابتة لذلك الواحد، لأنه لو كان المراد من البعض جماعة من الرسل مجملًا، ومن الدرجات درجات بينهم، لصار الكلام تكرار مع قوله فضلنا بعضهم على بعض، ولأنه لو أريد بعض فضل على بعض لقال: ورفع بعضهم فوق بعض درجات كما قال في الآية الأخرى: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ (٥). بعد قوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ [الأنعام: ١٦٥].\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٣/ ٢». و«تفسير البغوي» (١/ ٢٣٦) و) و«تفسير القرطبي» (٣/ ٢٦٤) و«الدر المنثور» (١/ ٣٢٢).\n(٢) «الكشاف» (١/ ١٥١).\n(٣) «الكشاف» (١/ ١٥١).\n(٤) «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٧١) و«زاد المسير» (١/ ٣٠١) وغيرهما.\n(٥) «ما بين القوسين بنصه من التحرير والتنوير» (٣/ ٦).","vol":"3","page":475},{"text":"وقال سبحانه: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [الإسراء: ٥٥]. ذكر المفسرون أن الآية في محاجة اليهود وأن المعنى: وإنكم لم تنكروا تفضيل النبيين فكيف تنكرون فضل النبي ﷺ (١). وقال الزمخشري: (قوله: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ إشارة إلى تفضيل رسول الله ﷺ، وقوله: وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا دلالة على وجه تفضيله، وهو أنه خاتم النبيين وأن أمته خير الأمم لأن ذلك مكتوب في زبور داود وقال الله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ وهم محمد وأمته) (٢).\nوقد احتج العلماء – كما يقول الخازن – بقوله تعالى في الأنعام: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام: ٩٠] لكون النبي ﷺ أفضل الأنبياء لأن ما تفرق في الأنبياء من خصال الفضل اجتمعت فيه ﷺ (٣).\nوقال ﷺ: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة» (٤).\nوفي رواية من حديث أبي هريرة: «فضلت على الأنبياء بست» (٥). فذكر أربعًا من الخمس المتقدمة إلا الشفاعة وزاد خصلتين هما: «أعطيت جوامع الكلم» و«ختم بي النبيون» فتحصل من الروايتين سبع خصال.\nومن حديث حذيفة: «فضلنا على الناس بثلاث» (٦). وفي روايات أن الخصائص أربع وروايات أنها اثنتين، ويتحصل من مجموع الروايات جملة من خصائصه ﷺ التي فضل بها على الأنبياء تزيد كثيرًا على ما حدد في كل رواية من عدد، ذكر ابن حجر أنه ينتظم من الروايات سبع عشرة خصلة قال: (ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع) ونقل عن بعض أهل العلم أن عدد الذي اختص به نبينا ﷺ عن الأنبياء ستون خصلة (٧).\nوأما اختلاف الروايات في تحديد العدد فإنه لا تعارض فيه، يقول ابن حجر في ذلك: (وطريق الجمع أن يقال: لعله اطلع أولًا على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي، ومن لا يرى مفهوم العدد حجه يدفع هذا الإشكال من أصله) (٨).\nوفي أحاديث الشفاعة من بيان فضله ﷺ على الأنبياء ما هو ظاهر، وقد وصف النبي ﷺ ذلك بأنه يرغب إليه فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم ﵊ (٩).\nوقال ﷺ: «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك» (١٠).\nوقال ﷺ: «أنا أكثر الأنبياء تبعًا» (١١) وقال: «لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت وإن من الأنبياء نبيًا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد» (١٢).\n_________\n(١) «تفسير البغوي» (٣/ ١٢٠». و«تفسير الرازي» (٢٠/ ٢٣) و) و«تفسير القرطبي» (١/ ٢٧٨) و«تيسير الكريم الرحمن» (٤/ ١٤٣).\n(٢) «الكشاف» (٢/ ٣٦٤).\n(٣) «تفسير الخازن» (٢/ ١٥٧).\n(٤) رواه البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١). من حديث جابر بن عبدالله ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٥٢٣).\n(٦) رواه مسلم (٥٢٢).\n(٧) «فتح الباري» (١/ ٤٣٩).\n(٨) «فتح الباري» (١/ ٤٣٦).\n(٩) الحديث رواه مسلم (٨٢٠).\n(١٠) رواه مسلم (١٩٧). من حديث أنس ﵁.\n(١١) رواه مسلم (١٩٦). من حديث أنس ﵁.\n(١٢) رواه مسلم (١٩٦). من حديث أنس ﵁.","vol":"3","page":476},{"text":"ولقد قال ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع» (١). وقال ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة» (٢).\nومن حديث أبي بكر الصديق في الشفاعة أن عيسى ﵇ يقول للناس إذا أتوه يستشفعونه: «انطلقوا إلى سيد ولد آدم» وفيه أن النبي ﷺ يقول في دعاء شفاعته: «رب خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر» (٣).\nوقال ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (٤).\nوفي معنى «ولا فخر» قال ابن الجوزي: (قال ابن الأنباري: المعنى لا أتبجح بهذه الأوصاف وإنما أقولها شكرًا لربي ومنبهًا أمتي على إنعامه علي، وقال ابن عقيل: إنما نفي الفخر الذي هو الكبر الواقع في النفس المنهي عنه الذي قيل فيه: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان: ١٨] ولم ينف فخر التجمل بما ذكره من النعم التي بمثلها يفتخر، ومثله قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦] يعني الأشرين، ولم يرد الفرح بنعمة الله تعالى) (٥) وقد قال سبحانه: قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨] فأمره سبحانه بالفرح بفضله.\nوظاهر من النصوص أوجه تفضيله ﷺ على الأنبياء فبعثه إلى الناس كافة، وشريعته أكمل الشرائع، وهو أعظم الناس أمة، وختم الله به النبوات، إلى غير ذلك من معجزاته ﵊ فهو أكثر الأنبياء آيات، وقد ذكر أن آياته ﷺ تبلغ ألفًا أو أكثر (٦). وقد نحى بعض أهل العلم إلى المفاضلة بين معجزاته ﷺ ومعجزات الأنبياء مبينًا في كل معجزة لنبي أن نبينا أوتي خيرًا منها (٧).\nولقد أجمعت الأمة على أنه ﷺ أفضل الخلق (٨). وهو في كلام الأئمة سلفًا وخلفًا كثير، فمن ذلك ما نقل من عقيدة الإمام أحمد إمام أهل السنة أنه (كان يعتقد أن محمدًا ﷺ خير الرسل، وخاتم الأنبياء، والشهيد على الجميع) (٩). وأنه كان يقول: (إن بعض النبيين أفضل من بعض ومحمد ﷺ أفضلهم) (١٠).\nوعقد النووي في شرح صحيح الإمام مسلم بابًا قال: (باب تفضيل نبينا محمد ﷺ على جميع الخلائق) (١١).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٢٧٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٢٢٧٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه أحمد (١/ ٤) (١٥) واللفظ له، وابن حبان (١٤/ ٣٩٣) (٦٤٧٦)، وأبو يعلى (١/ ٥٦) (٥٦)، وابن أبي عاصم (٧٥١). قال ابن القيم في «حادي الأرواح» (٢٥٥): متواتر، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٧٧): رجاله ثقات، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٢٩).\n(٤) رواه الترمذي (٣١٤٨)، ابن ماجه (٣٤٩٦) واللفظ له. من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٥) «صفة الصفوة» (١/ ١٨٣) «فيض القدير» (٣/ ٤٢).\n(٦) «دلائل النبوة للبيهقي» (٥/ ٥٠٠) و«الكشاف» (١/ ١٥١).\n(٧) كما فعل أبو نعيم في «الدلائل» من (ص ٥٣٧ - ٥٦٤).\n(٨) «تفسير الرازي» (٦/ ١٩٥) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٧) و«الشفا» (١/ ٢٢٦).\n(٩) «طبقات الحنابلة» (٢/ ٢٧٩).\n(١٠) «طبقات الحنابلة» (٢/ ٣٠٦).\n(١١) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٥/ ٣٧).","vol":"3","page":477},{"text":"وعقد الآجري بابًا في كتابه (الشريعة) فقال: (باب ذكر ما فضل الله ﷿ به نبينا ﷺ في الدنيا من الكرامات على جميع الأنبياء) (١) وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقيدته: (فصل: ونعتقد أن محمدًا المصطفى خير الخلائق وأفضلهم وأكرمهم على الله ﷿ وأعلاهم درجة وأقربهم إلى الله وسيلة) (٢).\nومما ينبغي أن يعلم ما اختص به بعض الأنبياء من الفضائل لا يقتضي أفضليته على صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون – صلوات الله وسلامه عليهم-، فإن المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل من غير أن يفضله بما اختص به، وقد وقع نحو هذا في نبينا ﷺ وبعض أتباعه من الصحابة رضوان الله عليهم وهم دون الأنبياء في الفضل، فهذا عمر ﵁ أخبره النبي ﷺ أن الشيطان ينفر منه قال ﷺ: «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك» (٣)، وعرض له ﷺ الشيطان في صلاته ولم ينفر منه كما في حديث أبي هريرة (٤) قال القرافي في هذا: (وأين عمر من النبي ﵇، غير أنه لا يجوز أن يحصل للمفضول ما لا يحصل للفاضل) قال: (ومن ذلك أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أفضل من الملائكة على الصحيح، وقد حصل للملائكة المواظبة على العبادة مع جميع الأنفاس، يلهم أحدهم التسبيح كما يلهم أحدنا النفس إلى غير ذلك من الفضائل والمزايا التي لم تحصل للبشر، ومع ذلك فالأنبياء أفضل منهم لأن المجموع الحاصل للأنبياء من المزايا والمحاسن أعظم من المجموع الحاصل للملائكة، فمن استقرى هذا وجده كثيرًا) إلى أن قال: (فعلى هذه القاعدة تخرجت الإقامة والأذان وأن من خواصهما التي جعل الله تعالى لهما أن الشيطان ينفر منهما دون الصلاة، وأن الصلاة أفضل منهما، ولا تناقض في ذلك بسبب أن المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل) (٥). فالحاصل أن نبينا ﷺ أفضل الخلائق ولا يلتفت إلى غير هذا، ولقد زعم قوم أنه ﷺ لم يكن أفضل من إبراهيم ولا من نوح ولا من آدم ﵈ لأن الثلاثة آباؤه، وامتنعوا من تفضيل الابن على الأب، وفضلوه على كل نبي لم يكن أبا له (٦). قال البغدادي: (وقياسهم يقتضي أن لا يكون أفضل من إدريس ولا من إسماعيل لأنهم أبواه) (٧) ولم ينصوا عليهما، فهم ينطقون عن جهل وسفه، وكذا يقتضي قياسهم أن يكون الأب الكافر المخلد في النار خير من الابن المؤمن المخلد في الجنة كمن نزل فيهم قوله سبحانه: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة: ٢٢]. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ١٤٧\n_________\n(١) «الشريعة» (ص: ٤٩٨).\n(٢) «عقيدة الحافظ المقدسي، ضمن المجموعة العلمية السعودية» (ص: ٥٢).\n(٣) رواه البخاري (٣٢٩٤)، ومسلم (٢٣٩٦). من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.\n(٤) الحديث رواه البخاري (٣٤٢٣) بلفظ: «إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي*ص: ٣٥* فرددته خاسئا».\n(٥) «الفروق» (٢/ ١٤٤).\n(٦) «أصول الدين» (١٦٥).\n(٧) «أصول الدين» (١٦٥).","vol":"3","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-986>المبحث الخامس: توجيه النهي الوارد في التفضيل بين الأنبياء</span>\nلابد من اعتقاد التفاضل بين الأنبياء واعتقاد فضل الرسل على الأنبياء وفضل أولي العزم على بقية الرسل وفضل محمد ﷺ على سائر الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، لقيام الأدلة الشرعية الصريحة الصحيحة على ذلك، وقد ثبت عن النبي ﷺ نهيه عن التفضيل بين الأنبياء، ونهيه عن تفضيله خاصة على بعض الأنبياء، وفي هذا إشكال يظهر لناظره ويزول لمتأمله، وقد خرج العلماء وجوهًا من القول في توجيه ذلك النهي.\nأما ما ورد عن النبي ﷺ فقد قال ﷺ: «لا تخيروا بين الأنبياء»، وفي رواية «لا تفضلوا بين الأنبياء» وهو واقع في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ جالس جاء يهودي، فقال: يا أبا القاسم، ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: أضربته؟ قال: سمعته بالسوق يحلف: والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث، على محمد ﷺ؟ فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي ﷺ: لا تخيروا بين الأنبياء ..» الحديث (١)، وفي رواية: «لا تخيروني بين الأنبياء» (٢) وفي رواية: «لا تفضلوا بين أنبياء الله» (٣)، وروى القصة أبو هريرة بنحوه إلا أنه قال: «لا تخيروني على موسى» (٤) وفي حديث ثان قال ﷺ: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» (٥) إلا أن النهي في هذا الحديث يحتمل التأويل على وجهين:\nالأول: أن يكون المراد بقوله (أنا): رسول الله ﷺ نفسه، قال الخطابي: (وهذا أولى الوجهين وأشبههما بمعنى الحديث، فقد جاء من غير هذا الطريق أنه ﷺ قال: «ما ينبغي لنبي أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» (٦) فعم الأنبياء كلهم فدخل هو في جملتهم) (٧).\nالثاني: أن يكون إنما أراد ﷺ بقوله: «لا ينبغي لعبد»: من سواه من الناس، أي لا ينبغي للعبد القائل أن يقول ذلك (٨).\nوقد دل على أن هذا هو الأولى في معنى الحديث جملة من ألفاظ الحديث في عدد من رواياته في الصحيحين، ففي رواية: «لا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى» (٩) وفي رواية: «من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» (١٠) فلا يصح مع قوله: «فقد كذب» أن يكون المراد رسول الله ﷺ.\nوفي رواية يقول ﷺ: «قال – يعني الله ﵎ – لا ينبغي لعبد لي (وفي لفظ: لعبدي) أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» (١١). فقوله: «لعبد لي» يمنع أن يكون المراد رسول الله ﷺ خاصة.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤١٢) ومسلم (١٦٣)، (٢٣٧٤).\n(٢) رواه البخاري (٦٩١٦).\n(٣) رواه البخاري (٣٤١٤)، ومسلم (١٥٩).\n(٤) رواه البخاري (٢٤١١)، ومسلم (١٦٠).\n(٥) رواه البخاري (٢٤١١)، ومسلم (١٦٧).\n(٦) رواه أبو داود (٤٦٧٠) من حديث عبد الله بن جعفر وسكت عنه، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ١٩٦): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٨٢١).\n(٧) «معالم السنن» للخطابي (٣/ ١٤٦).\n(٨) «معالم السنن» (٣/ ١٤٦) و«فتح الباري» (٨/ ٢٦٧) و«تحفة الأحوذي» (١/ ٥٤٢ و٩/ ١١٩).\n(٩) رواه البخاري (٣٤١٤)، ومسلم (٢٣٧٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(١٠) رواه البخاري (٤٦٠٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(١١) رواه مسلم (٢٣٧٦). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":479},{"text":"والحاصل أن في الحديثين ينهى رسول الله ﷺ عن التفضيل بين الأنبياء، وعن تفضيله على موسى ويونس خاصة - على حمل الحديث في يونس على أن النبي ﷺ هو المراد – وهو ﷺ أفضل منهما ومن سائر الأنبياء وجميع الخلق قطعًا كما تقدمت الدلائل عليه من الكتاب والسنة والإجماع، وفي هذا إشكال ظاهر، وقد وجه العلماء ذلك النهي لإزالة الإشكال في أقوال متعددة، منها:\n١ - أن النهي ورد قبل أن يعلم النبي ﷺ أنه سيد ولد آدم وأفضل الأنبياء فلما علم أخبر به، وأن النهي عن التفضيل منسوخ بالقرآن (١).\nإلا أن في هذا القول نظر كما يقول ابن كثير، قال: (لأن هذا من رواية أبي سعيد وأبي هريرة (٢)، وما هاجر أبو هريرة إلا عام حنين متأخرًا، فيبعد أنه لم يعلم بهذا إلا بعد هذا والله أعلم) (٣)، وهو كما قال، بل والقول بالنسخ مردود، فإن التفاضل بين الأنبياء،وفضل أولى العزم من الرسل منهم، وتفضيله ﷺ على يونس، كل ذلك قد ورد في الآيات المكية في سورة الإسراء، والأحقاف، والقلم، وقصة حديث أبي سعيد وأبي هريرة وقعت في المدينة، وكذلك الحديث الآخر في يونس ﵇ ورد من رواية أبي هريرة وابن عباس، وابن عباس على سبيل المثال، من صغار الصحابة توفي النبي ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة وقد ورد أيضًا من رواية عبد الله بن مسعود.\n٢ - أن النهي من باب التواضع وهضم النفس ونفي الكبر والعجب (٤). قال القاضي عياض: (وهذا لا يسلم من الاعتراض) (٥). وهذا التوجيه لا يتناسب مع قوله ﷺ «فقد كذب» في رواية: «من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» إن حمل الحديث على أن المراد بقوله «أنا» رسول الله ﷺ (٦). فإذا حمل على أن المراد به من سواه ﷺ، فإن لهذا التوجيه وجهه، خاصة مع قوله ﷺ: «إن الله أوصى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» (٧). ويكون مناسبًا أيضًا مع قوله: «ولا فخر» في حديث «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» المتقدم ذكره.\n٣ - أن النهي عن تعيين المفضول، أما تفضيل بعضهم على بعض في الجملة دون تعيين المفضول فهو دلالة النصوص، قاله ابن عطية (٨) واستشهد له بقوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم» بإطلاق دون تعيين. ونقل القرطبي قول من قال: (إن النهي اقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإن الله أخبر بأن الرسل متفاضلون، فلا تقول: نبينا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبي، اجتنابًا لما نهي عنه، وتأدبًا به، وعملًا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل) (٩).\n_________\n(١) «الشفا» (١/ ٢٢٦) و«تفسير القرطبي» (٣/ ٢٦٢) و«شرح النووي لمسلم» (١٤/ ٣٨) و«فتاوى النووي» (١٩٦) و«فتح الباري» (٦/ ٤٥٢) و«تفسير ابن كثير» (١/ ٣٠٥/).\n(٢) يعني حديث قصة لطم الأنصاري لليهودي المتقدم ذكرها.\n(٣) «البداية والنهاية» (١/ ٢٨٥).\n(٤) «تأويل مختلف الحديث» (٧٩) «الشفا» (١/ ٢٢٧) و«شرح صحيح مسلم للنووي» (١٤/ ٣٨) و«تفسير القرطبي» (٣/ ٢٦٢) و«تفسير ابن كثير» (١/ ٣٠٥) و«فتح الباري» (٦/ ٤٥٢) و«معالم السنن بهامش المختصر» (٧/ ٤١).\n(٥) «الشفا» (١/ ٢٢٧).\n(٦) «تحفة الأحوذي» (٩/ ١١٩).\n(٧) رواه مسلم (٢٨٦٥). من حديث عياض بن حمار ﵁.\n(٨) «المحرر الوجيز» (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).\n(٩) «تفسير القرطبي» (٣/ ٢٦٢).","vol":"3","page":480},{"text":"إلا أن في هذا التوجيه نظرًا، فالله ﷿ لما أخبر أنه فضل بعض النبيين على بعض في آية الإسراء، وبعض الرسل على بعض في آية البقرة، جعل يعين في الآيتين بعض المتفاضلين ويذكر بعض الوجوه التي فضلوا بها، فعمم ثم خص كما هو ظاهر من لفظ الآيتين وقد تقدم ذكرهما مرارًا (١).\nوقد عين الله ﷿ أولي العزم بالذكر وفضلهم على بقية الأنبياء – كما تقدم -، والرسل أفضل من الأنبياء كما دل عليه الدليل واتفق عليه العلماء، فالرسول أفضل من النبي وفي هذا تعيين كما هو ظاهر، أما الإجمال في قوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم» فهو دال على التعيين أيضًا، إذ ثبوت كونه ﷺ أفضل من الأنبياء جملة دليل كونه أفضل من كل واحد منهم مفصلًا، هذا مع قيام دليل على التعيين فلقد استدل العلماء بقوله تعالى: وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ على أن النبي ﷺ أفضل من يونس، وهذا شاهد على التعيين، فالمراد بالنهي إذًا غير هذا الوجه.\n٤ - أن المراد بالنهي المنع من التفضيل من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها فهم متساوون فيها، وإنما التفاضل بالخصائص والمحن ونحوها (٢). قال القرطبي: (وهذا قول حسن فإنه جمع بين الآيات والأحاديث من غير نسخ) (٣).\nوقال ابن قتيبة في حديث «لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى»: (ويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أكثر عملًا مني، ولا في البلوى والامتحان فإنه أعظم مني محنة) (٤).\n٥ - أن المراد بالنهي منع التفضيل من عند أنفسنا لأن مقام التفضيل إنما هو إلى الله (٥)، وروي عن أحمد بن حنبل – ﵀ – أنه كان يمنع من المفاضلة بين الأنبياء مع قوله بأن بعضهم أفضل من بعض وأن محمدًا أفضلهم، لكنه يقول ليس تعيين التفضيل إلى أحد منا (٦).\n٦ - أن المراد بالنهي منع التفضيل بمجرد الآراء والعصبية (٧). وهذا قد يؤول إلى سابقه.\n٧ - أن المراد بالنهي منع التفضيل الذي يؤدي إلى الخصومة والتشاجر (٨). وذلك في مثل الحال التي تحاكم فيها اليهودي مع الأنصاري عند النبي ﷺ كما في حديث أبي سعيد وأبي هريرة فهذا التوجيه ملائم لسبب ورود الحديث.\n٨ – أن المراد بالنهي منع التفضيل الذي يؤدي إلى توهم النقص في المفضول، أو الغض منه، والإزراء به (٩).\nقال الخطابي في النهي الوارد: (معنى هذا ترك التخيير بينهم على وجه الإزراء ببعضهم، فإنه ربما أدى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم والإخلال بالواجب من حقوقهم، ويفرض الإيمان بهم، وليس معناه أن يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم فإن الله سبحانه قد أخبر أنه قد فاضل بينهم) (١٠). وممن قال بهذا التوجيه ابن تيمية ﵀ وعليه حمل حديث أبي سعيد وأبي هريرة المذكور (١١). وهو لائق بحديث: «ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى».\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (٣/ ٢٦٤).\n(٢) «الشفا» (١/ ٢٢٧) و«تفسير القرطبي» (٣/ ٢٦٢) و«شرح صحيح مسلم للنووي» (١٤/ ٣٨) و«فتاوى النووي» (١٩٦) و«عون المعبود» (١٢/ ٤٢٥).\n(٣) «تفسير القرطبي» (٣/ ٢٦٢).\n(٤) «تأويل مختلف الحديث» (٧٩).\n(٥) «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٠٥) و«عون المعبود» (١٢/ ٤٢٤).\n(٦) «طبقات الحنابلة» (٢/ ٣٠٦).\n(٧) «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٠٥).\n(٨) «شرح صحيح مسلم للنووي» (١٤/ ٣٨) و«فتاوى النووي» (١٩٦) «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٠٥).\n(٩) «الشفا» (١/ ٢٢٧) و«تفسير القرطبي» (٣/ ٢٦٢) و«شرح صحيح مسلم للنووي» (١٤/ ٣٨) و«فتاوى النووي» (١٩٦).\n(١٠) «معالم السنن – بهامش مختصر سنن أبي داود» (٧/ ٣٨).\n(١١) «الفتاوى» (١٤/ ٤٣٦).","vol":"3","page":481},{"text":"فقد ذكر أهل العلم أنه إنما خص يونس ﵇ بالذكر لما يخشى على من سمع ما قصه الله علينا من شأنه وما كان من قلة صبره، ونهي نبينا عليهما الصلاة والسلام عن أن يكون مثله، من أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالغ ﷺ في ذكر فضل يونس ﵇ لسد هذه الذريعة (١). إلا أن هناك من خرج بهذه العلة للنهي عن حدها فأطلق حكم النهي لمطلق هذه العلة، فجعل النهي مطلقًا لهذه العلة، فقال كما نقل القرطبي: (لا يقال: النبي أفضل من الأنبياء كلهم ولا من فلان ولا خير، كما هو ظاهر النهي، لما يتوهم من النقص في المفضول، لأن النهي اقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإن الله تعالى أخبر بأن الرسل متفاضلون، فلا تقول: نبينا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبي، اجتنابًا لما نهي عنه، وتأدبًا به وعملًا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل) (٢).\nوظاهر هذا الكلام أن المراد من النهي – عند قائله – هو منع تعيين المفضول، لا تفضيل بعض النبيين على بعض في الجملة كما في آخر النقل، ...، ثم جعل العلة من عدم تعيين المفضول هي دفع توهم نقص المفضول كما في أول النقل، وظاهر هذا جعل تعيين المفضول موهمًا نقصه، هكذا بهذا الإطلاق وهو خطأ، ويكفي في الجواب عن القول بألا يقال النبي أفضل من الأنبياء أن يورد حديث أبي هريرة في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «فضلت على الأنبياء بست» الحديث (٣) .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ١٥٨\n_________\n(١) «الشفا» (١/ ٢٢٧) و«معالم السنن – بهامش المختصر» (٧/ ٤١) و«فتح الباري» (٦/ ٤٥٢).\n(٢) «تفسير القرطبي» (٣/ ٢٦٢).\n(٣) رواه البخاري (٥٢٣).","vol":"3","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-987>المبحث السادس: الأنبياء أفضل البشر</span>\nالأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، هذه هي دلالة الكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح.\nأما الكتاب:\nفقد قال ﷾ مبينًا مراتب أوليائه: وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: ٦٩].\nفالله قد رتب عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب وبدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم قد شق عليهم أن النبي ﷺ في الجنة يرفع مع النبيين في الدرجات العلا فتكون منزلتهم دون منزلته فلا يصلون إليه ولا يرونه ولا يجالسونه، فنزلت الآية (١) مبينة أن من أطاع الله ورسوله يكون من نعيمه في الجنة أن يتمكن من مجالسة الأنبياء ورؤيتهم وزيارتهم، فلا يفوته ذلك ولذلك قال سبحانه: وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم وقال: وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا وهذه المعية والرفقة لا تعني تساويهم في الدرجة، بل هم متفاوتون، لكنهم يتزاورون ويتجالسون ويأنسون بقربهم كما كانوا في الدنيا، وهذا بفضل الله لاتباعهم الأنبياء، واقتدائهم بهم.\nفالآية نص في تفضيل الأنبياء على البشر فهم أفضل أولياء الله وأرفعهم درجة على الإطلاق.\nوذكر سبحانه جملة من الأنبياء في آيات من سورة الأنعام ثم قال في آخرها: وَكُلًاّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [الأنعام: ٨٦]. قال ابن سعدي في تفسير الآية: (وكلًاّ من هؤلاء الأنبياء والمرسلين فضلنا على العالمين، لأن درجات الفضائل أربع وهي التي ذكرها الله بقوله: وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا فهؤلاء من الدرجة العليا) (٢).\nوقال ﷾: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٣٣]. قال الرازي مبينًا وجه الترابط بين هذه الآية والآيات قبلها: (اعلم أنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو درجات الرسل وشرف مناصبهم) (٣). وقال في معرض تفسيره للآية: (بين تعالى أنه اصطفى آدم وأولاده من الأنبياء على كل العالمين) (٤).\nفالآية في ذكر الأنبياء خاصة وإن قيل في تفسير لفظ (الآل) فيها بأن المقصود به سائر المؤمنين من ذرية إبراهيم، وعمران، أنبياء وغير أنبياء، ويشهد لتخصيصها الأنبياء فقط، وأنهم هم المعنيون بتفضيلهم على العالمين دون غيرهم أمور:\n١ - قوله سبحانه: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى والمراد الاصطفاء بالنبوة كما قاله الحسن وغيره (٥). وكذا قد ورد الاصطفاء مرادًا به الاصطفاء بالنبوة في عدد من آيات الكتاب عند ذكر النبيين، كقوله سبحانه: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ [الحج: ٧٥]. وقوله في موسى: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي [الأعراف: ١٤٤]. وقوله: وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ.\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٥/ ١٠٤) و«حلية الأولياء» (٤/ ٢٤٠ و٨/ ١٢٥) و«أسباب النزول للواحدي» (ص: ٩٤) و«الدر المنثور» (٢/ ١٨٢) و«لباب النقول – بهامش الجلاليين -» (ص: ١٧٤).\n(٢) «تيسير الكريم الرحمن» (٢/ ٢٠٠).\n(٣) «تفسير الرازي» (٨/ ١٩).\n(٤) «تفسير الرازي» (٨/ ٢٠).\n(٥) «تفسير الطبري» (٣/ ١٥٧).","vol":"3","page":483},{"text":"٢ - أنه قد أطلق ﷾ وصف الاصطفاء وعنى به الرسل خاصة في قوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [النمل: ٥٩]. والرسل هم المصطفون من عباد الله الذين سلم عليهم في العالمين كما بينه سبحانه في كتابه جملة وتفصيلًا كقوله سبحانه: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ١٨١]. فقوله: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ كقوله: وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى وقال سبحانه: سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩]. وقال: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩]. وقال: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات: ١١٩ - ١٢٠].\nفكما أطلق سبحانه الاصطفاء في آية النمل وهو مقيد في الاصطفاء بالنبوة فكذا في آية آل عمران هذه.\n٣ - أن الله قد ذكر في الآية النبيين آدم ونوحًا ثم ذكر آل إبراهيم وآل عمران وفيه إشارة إلى أن المراد بالآل الأنبياء خاصة من ذرية إبراهيم، وذرية عمران، لا عامة المؤمنين.\n٤ - أن الله قد ذكر آل إبراهيم وآل عمران لأن الأنبياء بعد إبراهيم لم يكونوا إلا من ذريتهما، فجمع ذكرهم في لفظ الآل، وهو سبحانه قد ذكر آل إبراهيم، وآل عمران فقط، ويكون في المؤمنين من ليس من ذريتهم، مما يشهد بأن الآية خاصة بالنبيين.\n٥ - أن قوله سبحانه: عَلَى الْعَالَمِينَ شاهد على أن المراد بالآية الأنبياء من سائر المؤمنين، ذلك أن اصطفاء المؤمنين وتفضيلهم على الكافرين أمر ظاهر ظهورًا يستغنى به عن الذكر، فكيف بتفضيل النبيين واصطفائهم على الكافرين، والنبيون معنيون في الآية بلا خلاف، فأن يكون المراد اصطفاء النبيين وتفضيلهم على سائر المؤمنين أولى، والله أعلم.\nهذا، وقد قال بعض المفسرين بأن المراد بآل إبراهيم وآل عمران الأنبياء منهم، وقال بعضهم أن المراد بآل إبراهيم – إبراهيم نفسه (١).\nوالحاصل فإن الآية نص في تفضيل الأنبياء على البشر سواء كانت في الأنبياء خاصة وهو الأظهر، أو كانت فيهم وفي أتباعهم من المؤمنين عامة، فإنه إذا كان المؤمنون أفضل البشر قد اصطفاهم الله على العالمين فالأنبياء هم الأفضل إطلاقًا بطريق الأولى.\nأما السنة: فمن أدلتها على أن الأنبياء أفضل البشر:\nقوله ﷺ لما سئل عن أشد الناس بلاء قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» (٢). وهذا صريح في أن الأنبياء أمثل البشر.\n_________\n(١) «زاد المسير» (١/ ٣٧٤).\n(٢) رواه الترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٣٢٦٥)، وأحمد (١/ ١٧٣) (١٤٩٤)، والدارمي (٢/ ٤١٢) (٢٧٨٣)، وابن حبان (٧/ ١٦١) (٢٩٠١)، والحاكم (١/ ١٠٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٣٢) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وأحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ٩٧)، وقال ابن القيم في «طريق الهجرتين» (٢٢٦): ثابت، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ١٦٧) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.","vol":"3","page":484},{"text":"وقال ﷺ في أبي بكر وعمر: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين» (١). وفي هذا الاستثناء الدليل على أن الأنبياء أفضل الأولين والآخرين.\nوروي عنه ﷺ أنه قال: «إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين» (٢).\nواستدل ابن تيمية ﵀ على فضل الأنبياء على سائر الناس بحديث: «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر الصديق» (٣).\nأما الإجماع:\nفقد قال ابن تيمية ﵀: (وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء) (٤).\nوقال: (الأنبياء أفضل الخلق باتفاق المسلمين وبعدهم الصديقون، والشهداء، والصالحون) (٥). وذكر ﵀ أن تفضيل بعض الفرق غير النبي على النبي مخالف لإجماع الأمة (٦).\nأما النظر الصحيح:\nفإن العقل يقضي بكون الأنبياء خير الخلق وأفضلهم، لأنهم رسل الله، والواسطة بينه وبين خلقه في تبليغهم شرعه ومراده من عباده، وشرف الرسول من شرف المرسل وشرف الرسالة، وهم المصطفون من عباد الله، اصطفاهم الله واختارهم واجتباهم ولا يختار سبحانه من الخلق إلا أكرمهم عليه وأفضلهم عنده وأكملهم لديه، قال ابن القيم ﵀: (ويكفي في فضلهم وشرفهم أن الله ﷾ اختصهم بوحيه، وجعلهم أمناء على رسالته، وواسطة بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته فمنهم من اتخذه خليلًا، ومنهم من كلمه تكليمًا، ومنهم من رفعه مكانًا عليًّا على سائرهم درجات، ولم يجعل لعباده وصولًا إليه إلا من طريقهم، ولا دخولًا إلى جنته إلا خلفهم، ولم يكرم أحدًا منهم بكرامة إلا على أيديهم، فهم أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه وأكرمهم عليه، وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على أيديهم، وبهم عرف الله، وبهم عبد وأطيع، وبهم حصلت محابه تعالى في الأرض) (٧).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٦٦٥)، وابن ماجه (٩٥)، وأحمد (١/ ٨٠) (٦٠٢). من حديث علي بن أبي طالب ﵁. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح. والحديث روي من طرق عن أنس بن مالك، وأبي جحيفة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري ﵃.\n(٢) رواه البزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (١٠/ ١٨). من حديث جابر بن عبدالله ﵁. والحديث صحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠٥) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال الهيثمي: رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.\n(٣) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (١/ ١٥٢)، وابن أبي عاصم (٢/ ٥٧٦) (١٢٢٤)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٣٢٥)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (١٢/ ٤٣٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٢٠٨).\n(٤) «الفتاوى» (١١/ ٢٢١).\n(٥) «منهاج السنة» (٢/ ٤١٧).\n(٦) «الفتاوى» (١١/ ٣٦٤).\n(٧) «طريق الهجرتين» (٣٥٠).","vol":"3","page":485},{"text":"وأعلى منازل الخلق في تحقيق العبودية لله ﷿، ولقد حقق الأنبياء عبوديتهم لله فكانوا عباد الله المخلصين الذين بين سبحانه أنهم هم الذين ينجون من السيئات التي يزينها الشيطان، قال الشيطان – فبما حكاه الله -: رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر: ٣٩ - ٤٠]. وقال: فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢]. وقد قال الله في حق يوسف ﵇: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: ٢٤]. فالأنبياء من المخلصين الذين أخلصهم الله واصطفاهم من خلقه فحققوا العبودية له سبحانه ولذلك نعتهم الله بالعبودية التي حققوها فكانوا خير الخلق فيها وبها، قال سبحانه: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ [ص: ٤٥ - ٤٧]. وقال سبحانه: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٧] وقال عن سليمان: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٣٠] وعن أيوب: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٤٤] وعن نوح: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: ٣٠]. ونعت سبحانه خير خلقه بالعبودية في المقامات الشريفة فقال في الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] وقال في الدعوة: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩]. وقال في الوحي: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: ١٠]. ولقد قام ﷺ يصلي لله حتى تورمت قدماه، وتفطرتا، فقيل له: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال ﷺ: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (١). فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد حققوا العبودية لله فهم أتم الخلق عبودية لله ولذلك فهم أكمل الخلق وأفضلهم.\nوقد اتضح في المبحثين السابقين أمران ظاهرا الدلالة على أفضلية الأنبياء على البشر وهما:\nأولًا: أن الأنبياء كانوا خيار أقوامهم قبل نبواتهم فقد عصمهم الله عما يصغر أقدراهم.\nثانيًا: أن النبوة اختيار من الله واصطفاء لا تبلغ بكسب ولا بغيره. فجمع الله للأنبياء الفضل من أطرافه ميزهم على خلقه من قبل النبوة، ثم زادهم فضلًا عليهم بالنبوة، فلا يبلغ أحد منزلتهم. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ١٧٧\n_________\n(١) رواه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.","vol":"3","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-990>المبحث الأول: البلاغ المبين</span>\nالرسل سفراء الله إلى عباده، وحملة وحيه، ومهمتهم الأولى هي إبلاغ هذه الأمانة التي تحملوها إلى عباد الله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة: ٦٧]، والبلاغ يحتاج إلى الشجاعة وعدم خشية الناس، وهو يبلغهم ما يخالف معتقداتهم، ويأمرهم بما يستنكرونه، وينهاهم عمّا ألفوه، الّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاّ اللهَ [الأحزاب: ٣٩].\nوالبلاغ يكون بتلاوة النصوص التي أوحاها الله من غير نقصان ولا زيادة اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ [العنكبوت: ٤٥]، كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا [البقرة: ١٥١]، فإذا كان الموحى به ليس نصًا يتلى، فيكون البلاغ ببيان الأوامر والنواهي والمعاني والعلوم التي أوحاها الله من غير تبديل ولا تغيير.\nومن البلاغ أن يوضح الرسول الوحي الذي أنزله الله لعباده، لأنّه أقدر من غيره على التعرف على معانيه ومراميه، وأعرف من غيره بمراد الله من وحيه، وفي ذلك يقول الله لرسوله ﷺ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ [النحل: ٤٤].\nوالبيان من الرسول للوحي الإلهي قد يكون بالقول، فقد بين الرسول – ﷺ – أمورًا كثيرة استشكلها أصحابه، كما بين المراد من الظلم في قوله تعالى: الّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مّهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]، فقد بين الرسول – ﷺ – أن المراد به الشرك، لا ظلم النفس بالذنوب.\nوكما بيّن الرسول – ﷺ – الآيات المجملة في الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك بقوله.\nوكما يكون البيان بالقول يكون بالفعل، فقد كانت أفعال الرسول – ﷺ – في الصلاة والصدقة والحج وغير ذلك بيانًا لكثير من النصوص القرآنية. وعندما يتولى الناس، ويعرضون عن دعوة الرسل، فإن الرسل لا يملكون غير البلاغ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [آل عمران: ٢٠]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٤٣","vol":"3","page":487},{"text":"والرسول ﷺ مبلغ عن الله ﷿، لم يقل شيئًا من رأيه فيما يتعلق بالتبليغ، بل ليس عليه إلا بلاغ الرسالة من الله إلى الناس، وتلاوة آياته على الناس، وتعليمهم الحكمة والتبيان، وذلك معنى كونه ﷺ رسول الله فأمره ونهيه تبليغ لأمره ونهيه، وأخباره وقصصه تبليغ لما قصه الله وأخبر به، ولذا كان طاعته طاعة لله ﷿، ومعصيته معصية لله ﷿، وتكذيبه تكذيبًا لإخبار الله ﷿ في أنه رسوله. قال الله ﵎ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء: ٧٩ – ٨٠]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ [الأنفال:٢٠ – ٢١]، وقال تعالى: وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ [المائدة:٩٢]، وقال تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور:٥٤]، وقال تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ [الشورى:٤٨]، وقال تعالى: إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد:٧]، وقال تعالى: إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ [فاطر:٢٣]، وقال قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [ص:٦٥]، وقال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إليه وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت:٦]، وقال: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق:٤٥]، وقال تعالى: قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلاَّ بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن:٢٢ – ٢٣] وقال وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:٥٥]، وقال تعالى: فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى [الأعلى:٩ – ١٠]، وقال تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:٢١ – ٢٢]، وقال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر:٧] وغير ذلك من الآيات وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:٣ – ٥] وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: عن أبي أمامة ﵁ أَنَّه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: «ليدخلن الجنَّةَ بشفاعةِ رجلٍ ليس بنبيٍّ مثل الحيين – أو مثل أحد الحيين – ربيعة ومضر»، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ وما ربيعة من مضر؟ قال: «إِنَّما أقولُ ما أقول» (١)،\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٥٧) (٢٢٢٦٩)، والطبراني (٨/ ١٤٣). قال البوصيري في «إتحاف المهرة» (٨/ ٧٤): رواه أحمد بن منيع وأحمد بن حنبل بسندٍ واحدٍ رواته ثقات .. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨١): رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني رجالهم رجال الصحيح غير عبدالرحمن بن ميسرة وهو ثقة. وحسنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢١٧٨).","vol":"3","page":488},{"text":"وله عن عبدالله بن عمر وقال كُنْتُ أكتبُ كلَّ شيءٍ أسمعه من رسولِ اللهِ ﷺ أريدُ حفظه، فنهتني قريشٌ فقالوا: إِنَّك تكتبُ كلَّ شيءٍ تسمعه من رسولِ اللهِ ﷺ ورسولُ اللهِ ﷺ يتكلَّم في الغضب والرِّضا، فأمسكتُ عن الكتاب حتى ذكرت ذلك لرسولِ الله ﷺ فقال: «اكتُبْ فوالذي نفسي بيده ما خرج منِّي إلاّ الحق» (١) وله عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا أقول إلا حقًا». قال بعض أصحابه فإِنَّك تداعبنا، قال: «إِنِّي لا أقولُ إلاّ حقًّا» (٢) وللبزار عنه ﵁ عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: «ما أخبرتكم أَنَّه من عند الله فهو الذي لا شك فيه» (٣) وغير ذلك من الأحاديث، ويكفي في ذلك قول الله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:٤٤ - ٤٦] الآيات. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ١٢٨٩\nوأما الرسل فقد تبين أنهم هم الوسائط بيننا وبين الله ﷿، في أمره ونهيه ووعده ووعيده وخبره، فعلينا أن نصدقهم في كل ما أخبروا به، ونطيعهم فيما أوجبوا وأمروا، وعلينا أن نصدق بجميع أنبياء الله ﷿، لا نفرق بين أحد منهم، ومن سبَّ واحدا منهم كان كافرًا مرتدًا مباح الدم. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ص ٢٤٠\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٦٤٦)، وأحمد (٢/ ١٦٢) (٦٥١٠)، والحاكم (١/ ١٠٥ - ١٠٦). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: رواة هذا الحديث قد احتجا بهم عن آخرهم غير الوليد هذا وأظنه الوليد بن أبي الوليد الشامي فإنه الوليد بن عبدالله وقد علمت على أبيه الكتبة فإن كان كذلك فقد احتج مسلم به. وقال الذهبي في «التلخيص»: إن كان الوليد هو ابن أبي الوليد الشامي فهو على شرط مسلم. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٥٣٢).\n(٢) رواه الترمذي (١٩٩٠)، وأحمد (٢/ ٣٤٠) (٨٤٦٢). قال الترمذي: حسن صحيح. وحسنه البغوي في «شرح السنة» (٦/ ٥٤٧) وابن حجر في «هداية الرواة» (٤/ ٣٦٧) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الذهبي في «المهذب» (٨/ ٤٢٧٠) إسناده صالح. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) رواه البزار في «كشف الأستار» (٢٠٣)، وابن حبان (٥/ ٤٦٥). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٨٤): رواه البزار وفيه أحمد بن منصور الرمادي وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر وبقية رجاله رجال الصحيح، وعبد الله بن صالح مختلف فيه. قال شعيب الأرناؤوط محقق «صحيح ابن حبان»: إسناده قوي على شرط مسلم.","vol":"3","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-992>تمهيد</span>\nلا تقف مهمّة الرسل عند حدّ بيان الحقِّ وإبلاغه، بل عليهم دعوة الناس إلى الأخذ بدعوتهم، والاستجابة لها، وتحقيقها في أنفسهم اعتقادًا وقولًا وعملًا، وهم في ذلك ينطلقون من منطلق واحد، فهم يقولون للناس: أنتم عباد الله، والله ربكم وإلهكم، والله أرسلنا لنعرفكم كيف تعبدونه، ولأننا رسل الله مبعوثون من عنده، فيجب عليكم أن تطيعونا وتتبعونا، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. وكل رسول قال لقومه: فَاتّقُواْ اللهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء: ١٠٨، ١٢٦، ١٤٤، ١٥٠، ١٦٣، ١٧٩].\nوقد بذل الرسل في سبيل دعوة الناس إلى الله جهودًا عظيمة، وحسبك في هذا أن تقرأ سورة نوح لترى الجهد الذي بذله على مدار تسعمائة وخمسين عامًا، فقد دعاهم ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية، واستعمل أساليب الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وحاول أن يفتح عقولهم، وأن يوجهها إلى ما في الكون من آيات، ولكنهم أعرضوا، قَالَ نُوحٌ رّبّ إِنّهُمْ عَصَوْنِي وَاتّبَعُواْ مَن لّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَسَارًا [نوح: ٢١]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٤٥","vol":"3","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-993>المطلب الأول: دعوة الرّسُل</span>\nالنظر في دعوة الرسل مجال خصب يدلنا على مدى صدقهم، فقد جاءت الرسل بمنهج متكامل لإصلاح الإنسان، ولإصلاح المجتمع الإنساني، ودين كهذا يقول الذين جاؤوا به إنّه منزل من عند الله لا بدّ أن يكون في غاية الكمال، خاليًا من النقائص والعيوب، لا يتعارض مع فطرة الإنسان، وسنن الكون، وقد وجهنا القرآن إلى هذا النوع من الاستدلال، فقال: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].\nفكونه وحدة متكاملة يصدق بعضه بعضًا، لا تناقض فيه ولا اختلاف – دليل واضح على صدق الذي جاء به.\nوالنظر في المقاصد التي تدعو إليها الرسل، والفضائل والقيم التي يُنادون بها كلُّ ذلك من أعظم الأدلة على صدقهم، وقد قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩].\nولقد ألَّف العلماء مؤلفات في بيان كمال هذا الدين وشموله وبيان حكمة التشريع، وبيان القواعد والأسس التي تجعل هذا الدين بناء محكمًا، يردد الناس النظر فيه فلا يجدون فيه عيبًا ولا نقصًا.\nوقد ميز الله البشر بالعقل، وأودع عقولهم إدراك قبح القبيح، وإدراك حسن الحسن، إلاّ أنّ رحمته جلّ وعلا اقتضت ألاّ يعذب خلقه على تركهم الحسن وفعلهم القبيح ما لم يُقِم عليهم الحجةَ بإرسال الرسل.\n(وقد سئل أعرابيّ: بم عرفت أنّ محمدًا رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيء فقال العقل: ليته ينهى عنه، ولا نهى عن شيء، فقال العقل: ليته أمر به) (١). وهذا الذي استدل به الأعرابي في غاية الجودة، فإن الرسل جاءت من عند الله بعلوم وشرائع يعلم العاقل المنصف عند التأمل فيها أنّه لا يمكن أن تكون آراء البشر ولا أفكارهم. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٢٠٢\n_________\n(١) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٦ - ٧).","vol":"3","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-994>المطلب الثاني: دعوة نبينا محمد ﷺ</span>\nوالناظر في دعوة نبينا محمد ﷺ يكون مكابرًا أعظم المكابرة إن لم يعتبر ولم يؤمن، فنبينا ﵇ جاء بهذا القرآن الذي عجزت الإنس والجنُّ عن الإتيان بمثله، وقد حوى من الأخبار الماضية والآتية، والعلوم المختلفة ما يخضع له المنصف، ويجعله يسبح بحمد الله طويلًا.\nهذا الكتاب وتلك العلوم تصل إلينا على يد رجل أميّ، لم يمسك بالقلم يومًا، ولم يكن يقرأ ما سطره العلماء والكتاب من قبل وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨].\nليس أمرًا عاديًا أن يتحول رجل أميّ بين عشية وضحاها إلى معلم بشرية، يبذل العلم للناس، ويقوّم علوم السابقين، ويبين ما فيها من تحريف وتغير. لقد كان هذا الدليل يجول في نفوس أهل مكة، فهم يعرفون محمدًا ﷺ قبل أن يأتيهم بما أتاهم به، ويعلمون أُميته، ولذلك لم يكن منهم إلا التمحل وجحود الحقّ بعد معرفته فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] لقد وصلت بهم السفاهة إلى الزعم بأن الذي يأتي محمدًا ﷺ بهذا العلم حداد رومي كان بمكة، وإنه لفرية مضحكة لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل: ١٠٣]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٢٠٣","vol":"3","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-995>المطلب الثالث: مثال يوضح دور الرسل</span>\nوقد ضربت الملائكة للرسول ﷺ مثلًا يوضح دوره، ويبين وظيفته، فعن جابر بن عبد الله قال: «جاءت ملائكة إلى النبي - ﷺ - وهو نائم فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا. فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا أولوها له يفقهها فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا فالدار الجنة، والداعي محمد - ﷺ - فمن أطاع محمدا - ﷺ - فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا - ﷺ - فقد عصى الله، ومحمد - ﷺ - فرق بين الناس» (١). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٤٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٢٨١).","vol":"3","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-996>المبحث الثالث: التبشير والإنذار</span>\nودعوة الرسل إلى الله تقترن دائمًا بالتبشير والإنذار، ولأنَّ ارتباط الدعوة إلى الله بالتبشير والإنذار وثيق جدًا فقد قصر القرآن مهمة الرسل عليهما في بعض آياته وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ [الكهف: ٥٦]، وقد ضرب الرسول – ﷺ – لنفسه مثلًا في هذا، فقال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومًا، فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعينيَّ، وإني أنا النذير العُريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذَّبته طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني، فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذّب بما جئت به من الحق» (١).\nوتبشير الرسل وإنذارهم دنيوي وأخروي، فهم في الدنيا يبشرون الطائعين بالحياة الطيبة، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧]. فَمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلّ وَلاَ يَشْقَىَ [طه: ١٢٣]، ويعدونهم بالعزّ والتمكين والأمن وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: ٥٥]. ويخوِّفون العصاة بالشقاء الدنيوي وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [طه: ١٢٤] ويحذرونهم العذاب والهلاك الدنيوي فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣]، وفي الآخرة يبشرون الطائعين بالجنة ونعيمها وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء: ١٣].\nويخوفون المجرمين والعصاة عذاب الله في الآخرة، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء: ١٤].\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٢٨٣)، ومسلم (٢٢٨٣). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"3","page":494},{"text":"ومن يطالع دعوات الرسل يجد أنّ دعوتهم قد اصطبغت بالتبشير والإنذار، ويبدو أنّ التبشير والإنذار على النحو الذي جاءت به الرسل هو مفتاح النفس الإنسانية، فالنفس الإنسانية مطبوعة على طلب الخير لذاتها، ودفع الشر عنها، فإذا بصّر الرسل النفوس بالخير العظيم الذي يحصِّلونه من وراء الإيمان والأعمال الصالحة فإن النفوس تشتاق إلى تحصيل ذلك الخير، وعندما تُبيَّن لها الأضرار العظيمة التي تصيب الإنسان من وراء الكفر والضلال فإنّ النفوس تهرب من هذه الأعمال، ونعيم الله المبشر به نعيم يستعذبه القلب، وتلذُّه النفس، ويهيم به الخيال، اسمع إلى قوله تعالى يصف نعيم المؤمنين في جنات النعيم: عَلَىَ سُرُرٍ مّوْضُونَةٍ مّتّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مّخَلّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مّن مّعِينٍ لاّ يُصَدّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مّمّا يَتَخَيّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا إِلاّ قِيلًا سَلاَمًا سَلاَمًا وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة: ١٥ - ٣٨].\nوانظر إلى عذاب الكفرة في دار الشقاء وَأَصْحَابُ الشّمَالِ مَآ أَصْحَابُ الشّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ لاّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ إِنّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [الواقعة: ٤١ - ٤٥] ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [الواقعة: ٥١ - ٥٦].\nوحسبك أن تطالع كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري وتقرأ منه على إخوانك ومن تدعوهم إلى الله، ثم انظر أثر هذا في نفسك وفي نفوس السامعين. إن بعض الذين لم يفقهوا دعوة الإسلام يعيبون على دعاة الإسلام أخذهم بالإنذار والتبشير، ويقولون: فلان واعظ، ويعيبون عليهم عدم فلسفتهم للأمور التي يدعون إليها، ويطالبون الدعاة بالكف عن طريقة الوعظ وتخويف النّاس وترغيبهم، وهؤلاء بحاجة إلى أن يراجعوا أنفسهم، وينظروا في موقفهم هذا، في ضوء نصوص القرآن وأحاديث الرسول التي تبين أسلوب الدعوة، وتوضيح مهمة الرسل الكرام. الرسل والرسالات لعمر الأشقر – ص: ٤٧","vol":"3","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-997>المبحث الرابع: إصلاح النفوس وتزكيتها</span>\nالله رحيم بعباده، ومن رحمته أن يحي نفوسهم بوحيه، وينيرها بنوره، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: ٥٢].\nوالله يخرج الناس بهذا الوحي الإلهي من الظلمات إلى النور، ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإسلام والحق: اللهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ [البقرة: ٢٥٧]، وقد أرسل اللهُ رسله بهديه ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىَ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ [إبراهيم: ٥]، وبدون هذا النور تعمى القلوب فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]، وعماها ضلالها عن الحق، وتركها لما ينفعها وإقبالها على ما يضرها وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ [الفرقان: ٥٥].\nوإخراج الرسل الناس من الظلمات إلى النور لا يتحقق إلاّ بتعليمهم تعاليم ربهم وتزكية نفوسهم بتعريفهم بربهم وأسمائه وصفاته، وتعريفهم بملائكته وكتبه ورسله، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، ودلالتهم على السبيل التي توصلهم إلى محبته، وتعريفهم بعبادته هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الاُمّيّينَ رَسُولًا مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ [الجمعة: ٢] رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ [البقرة: ١٢٩]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٥٠","vol":"3","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-998>المبحث الخامس: تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة</span>\nكان الناس في أول الخلق على الفطرة السليمة، يعبدون الله وحده، ولا يشركون به أحدًا، فلمّا تفرقوا واختلفوا أرسل الله الرسل ليعيدوا الناس إلى جادة الصواب، وينتشلوهم من الضلال، كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة: ٢١٣].\nأي: كان الناس أمّة واحدة على التوحيد والإيمان وعبادة الله فاختلفوا فأرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين.\nوقد كان كلُّ رسول يدعو قومه إلى الصراط المستقيم، ويبينه لهم ويهديهم إليه، وهذا أمر متفق عليه بين الرسل جميعًا، ثم كُلُّ رسول يقوِّم الانحراف الحادث في عصره ومصره، فالانحراف عن الصراط المستقيم لا يحصره ضابط وهو يتمثل في أشكال مختلفة، وكلُّ رسول يُعنى بتقويم الانحراف الموجود في عصره، فنوح أنكر على قومه عبادة الأصنام، وكذلك إبراهيم، وهود أنكر على قومه الاستعلاء في الأرض والتجبّر فيها، وصالح أنكر عليهم الإفساد في الأرض واتباع المفسدين، ولوط حارب جريمة اللواط التي استشرت في قومه، وشعيب قاوم في قومه جريمة التطفيف في المكيال والميزان، وهكذا، فكل هذه الجرائم وغيرها التي ارتكبتها الأمم خروج عن الصراط المستقيم وانحراف عنه، والرّسل يبينون هذا الصراط ويحاربون الخروج عليه بأيّ شكل من الأشكال كان. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٥١","vol":"3","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-999>المبحث السادس: إقامة الحجّة</span>\nلا أحد أحبّ إليه العذر من الله تعالى، فالله جلّ وعلا أرسل الرسل وأنزل الكتب كي لا يبقى للناس حجّة في يوم القيامة، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]، ولو لم يرسل الله إلى الناس لجاؤوا يوم القيامة يخاصمون الله – جل وعلا – ويقولون: كيف تعذبنا وتدخلنا النار، وأنت لم ترسل إلينا من يبلغنا مرادك منّا، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه: ١٣٤]، أي: لو أهلكهم الله بعذاب جزاء كفرهم قبل أن يرسل إليهم رسولًا لقالوا: هلا أرسلت إلينا رسولا كي نعرف مرادك، ونتبع آياتك، ونسير على النهج الذي تريد؟\nوفي يوم القيامة عندما يجمع الله الأولين والآخرين يأتي الله لكل أمة برسولها ليشهد عليها بأنّه بلغها رسالة ربه، وأقام عليها الحجّة فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤١ - ٤٢].\nوقال في آية أخرى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ [النحل: ٨٩].\nولذلك فإن الذين يرفضون اتبّاع الرسل، ويعرضون عن هديهم – لا يملكون إلاّ الاعتراف بظلمهم إذا وقع بهم العذاب في الدنيا وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [الأنبياء: ١١ - ١٥].\nوفي يوم القيامة عندما يساقون إلى المصير الرهيب، وقبل أن يلقوا في الجحيم يسألون عن ذنبهم فيعترفون تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: ٨ - ١١].\nوعندما يضجّون في النَّار بعد أن يُحيط بهم العذاب من كل جانب، وينادون ويصرخون تقول لهم خزنة النار: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيّنَاتِ قَالُواْ بَلَىَ قَالُواْ فَادْعُواْ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ [غافر: ٥٠]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٥٢","vol":"3","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1000>المبحث السابع: سياسة الأمة</span>\nالذين يستجيبون للرسل يُكونّون جماعة وأمة، وهؤلاء يحتاجون إلى من يسوسهم ويقودهم ويدبر أمورهم، والرُّسل يقومون بهذه المهمة في حال حياتهم، فهم يحكمون بين الناس بحكم الله فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ [المائدة: ٤٨].\nونادى ربُّ العزة داود قائلًا: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص: ٢٦]، وأنبياء بني إسرائيل كانوا يسوسون أمتهم بالتوراة، وفي الحديث «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ» (١) وقال الله عن التوراة: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا [المائدة: ٤٤].\nفالرسل وأتباعهم من بعدهم يحكمون بين الناس، ويقودون الأمة في السلم والحرب، ويلون شؤون القضاء، ويقومون على رعاية مصالح الناس، وهم في كلّ ذلك عاملون بطاعة الله، وطاعتهم في ذلك كلّه طاعة لله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠].\nولن يصل العبد إلى نيل رضوان الله ومحبته إلا بهذه الطاعة قُلْ أن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ [آل عمران: ٣١].\nولذا فإنّ شعار المسلم الذي يعلنه دائمًا هو السمع والطاعة إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور: ٥١]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٥٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1002>تمهيد:</span>\nإذا كان الناس في القديم يجادلون الرسل، ويرفضون علومهم، ويعرضون عنهم فإن البشر اليوم في القرن العشرين – حيث بلغت البشرية ذروة التقدم المادي، فغاصت في أعماق البحار، وانطلقت بعيدًا في أجواز الفضاء، وفجرت الذرة، وكشفت كثيرًا من القوى الكونية الكامنة في هذا الوجود – أشدُّ جدالًا للرسل، وأكثر رفضًا لعلومهم، وأعظم إعراضًا عنهم، وحال البشر اليوم من الرسل وتعاليمهم كحال الحمر المستنفرة حين ترى الأسد فتفرّ لا تلوي على شيء، قال تعالى: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر: ٤٩ - ٥١].\nوالبشر – اليوم – يأبون أكثر من قبل التسليم للرسل وتعاليمهم اغترارًا بعلومهم، واستكبارًا عن متابعة رجال عاشوا في عصور متقدمة على عصورهم ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن: ٦].\nواليوم ينفخ شياطين الإنس في عقول البشر يدعونهم إلى التمرد على الله وعلى شريعة الله، ورفض تعاليم الرسل، بحجة أنَّ في شريعة الله حجرًا على عقولهم، وتوقيفًا لركب الحياة، وتجميدًا للحضارة والرقي ّ، وقد أقامت الدول اليوم نظمها وقوانينها وتشريعاتها على رفض تعاليم الرسل، بل إنَّ بعض الدول تضع الإلحاد مبدأ دستوريًا، وهو الذي يسمى بالعلمانية، وكثير من الدول التي تتحكم في رقاب المسلمين تسير على هذا النهج، وقد ترضي عوامّ الناس بأن تضع مادة في دستورها تقول: دين الدولة الإسلام، ثمَّ تهدم هذه المادة بالموادّ السابقة واللاحقة، والتشريعات التي تحكم العباد.\nفهل صحيح أنَّ البشرية بلغت – اليوم – مبلغًا يجعلها تستغني عن الرسل وتعاليم الرسل؟ وهل أصبحت البشرية اليوم قادرة على أن تقود نفسها بعيدًا عن منهج الرسل؟ يكفي في الإجابة أن ننظر في حال تلك الدول التي نسميها متقدمة متحضرة كأمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين – لنعلم مدى الشقاء الذي يغشاهم، نحن لا ننكر أنَّهم بلغوا في التقدّم المادي شأوًا بعيدًا، ولكنّهم في الجانب الآخر الذي جاء الرسل وجاءت تعاليمهم لإصلاحه انحدروا انحدارًا بعيدًا.\nلا ينكر أحد أنَّ الهموم والأوجاع النفسية والعقد النفسية – اليوم – سمة العالم المتحضر، الإنسان في العالم المتحضر اليوم فقد إنسانيته، خسر نفسه، ولذلك فإن الشباب هناك يتمردون، يتمردون على القيم والأخلاق والأوضاع والقوانين، أخذوا يرفضون حياتهم التي يعيشونها، وأخذوا يتبعون كل ناعق من الشرق أو الغرب يلوِّح لهم بفلسفة أو دروشة أو سفسطة يظنون فيه هناءهم، لقد تحوّل عالم الغرب إلى عالم تنخر الجريمة عظامه، وتقوده الانحرافات والضياع، لقد زلزلت الفضائح أركان الدول الكبرى، والخافي أعظم وأكثر من البادي، إن الذين يسمّون – اليوم – بالعالم المتحضر يخربون بيوتهم بأيديهم، حضارتهم تقتلهم، حضارتهم تفرز سمومًا تسري فيهم فتقتل الأفراد، وتفرق المجتمعات، الذين نسميهم اليوم بالعالم المتحضر كالطائر الجبّار الذي يريد أن يحلق في أجواز الفضاء بجناح واحد. إننا بحاجة إلى الرسل وتعاليمهم لصلاح قلوبنا، وإنارة نفوسنا، وهداية عقولنا ... ونحن بحاجة إلى الرسل كي نعرف وجهتنا في الحياة، وعلاقتنا بالحياة وخالق الحياة. نحن بحاجة إلى الرسل كيلا ننحرف أو نزيغ فنقع في المستنقع الآسن. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٢٩","vol":"3","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1003>المبحث الأول: كلام ابن القيم في حاجة البشرية إلى الرسل</span>\nيقول ابن القيم مبينًا حاجة العباد إلى الرسل وتعاليمهم:\n(ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول، وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلاّ على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلاّ من جهتهم، ولا يُنال رضا الله البتة إلاّ على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلاّ هديهم وما جاؤوا به، فهم الميزان الراجح، الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأيّ ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحسُّ بهذا إلاّ قلبٌّ حيٌّ.\nما لجرح بميت إيلام (١) وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي ﷺ فيجب على كل من نصح نفسه، وأحبَّ نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقلٍّ، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو فضل عظيم) (٢). الرسل والرسالات لعمر الأشقر – ص: ٣١\n_________\n(١) عجز بيت للمتنبي وصدره: من يهن يسهل الهوان عليه وهو في ديوانه: (٤/ ٢٧٧) من قصيدة يمدح بها أبا الحسن علي بن أحمد المري الخراساني.\n(٢) «زاد المعاد» (١/ ١٥).","vol":"3","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1004>المبحث الثاني: كلام ابن تيمية في حاجة البشرية إلى الرسل</span>\nوممن جلى هذه المسألة وبينها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: (الرسالة ضرورية للعباد، لا بدَّ لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأيُّ صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات، قال الله تعالى: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مّثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا [الأنعام: ١٢٢]، فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأمّا الكافر فميت القلب في الظلمات). وبين رحمه الله تعالى: (أن الله سمّى رسالته روحًا، والروح إذا عدم فقدت الحياة، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: ٥٢]، فذكر هنا الأصلين، وهما: الروح، والنور، فالروح الحياة، والنور النور) وبين رحمه الله تعالى: (أن الله يضرب الأمثال للوحي الذي أنزله حياة للقلوب ونورًا لها بالماء الذي ينزله من السماء حياة للأرض، وبالنَّار التي يحصل بها النور، وهذا كما في قوله تعالى: أَنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَدًا رّابِيًا وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ [الرعد: ١٧].\nيقول شيخ الإسلام ﵀ معقبًا على الآية: (فشبه العلم بالماء المنزل من السماء لأن به حياة القلوب، كما أنَّ بالماء حياة الأبدان، وشبّه القلوب بالأودية، لأنّها محلّ العلم، كما أنَّ الأودية محل الماء، فقلب يسع علمًا كثيرًا، وواد يسع ماءً كثيرًا، وقلب يسع علمًا قليلًا، وواد يسع ماءً قليلًا، وأخبر تعالى أنَّه يعلو على السيل من الزبد بسبب مخالطة الماء، وأنّه يذهب جفاءً، أي: يرمى به، ويخفى، والذي ينفع الناس يمكث في الأرض ويستقر، وكذلك القلوب تخالطها الشهوات والشبهات، ثم تذهب جفاءً، ويستقر فيها الإيمان والقرآن الذي ينفع صاحبه والناس، وقال: وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ [الرعد: ١٧]. فهذا المثل الآخر وهو الناري، فالأول للحياة، والثاني للضياء.\nوبين ﵀ أن لهذين المثالين نظيرًا وهما المثالان المذكوران في سورة البقرة في قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ [البقرة: ١٧ - ١٩].","vol":"4","page":1},{"text":"وبعد أن بيَّن الشيخ ﵀ وصف المؤمن، بين وصف الكافر، فقال: (وأمّا الكافر ففي ظلمات الكفر والشرك غير حيّ، وإن كانت حياته حياة بهيمية، فهو عادم الحياة الروحانية العلوية التي سببها الإيمان، وبها حصل للعبد السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، فإنّ الله – سبحانه – جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعًا بالدعوة إلى الله وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول إليه).\nثم بيّن ﵀ هذه الأصول التي أشار إليها هنا فقال: (فالأصل الأول يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر، وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه، وهي القصص التي قصّها الله على عباده والأمثال التي ضربها لهم.\nوالأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه. والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر، والجنّة والنار والثواب والعقاب).\nثم بيّن أنَّ (على هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر، والسعادة والفلاح موقوفة عليها، ولا سبيل إلى معرفتها إلاّ من جهة الرسل، فإنَّ العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة، كالمريض الذي يدرك وجه الحاجة إلى الطب ومن يداويه، ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض، وتنزيل الدواء عليه) (١).\nمقارنة بين حاجة العباد إلى علم الرسل وعلم الطب:\nعقد ابن القيم ﵀ في كتابه القيم (مفتاح دار السعادة) مقارنة بيّن فيها أنّ حاجة الناس إلى الشريعة أعظم من حاجتهم إلى علم الطب مع شدّة حاجة الناس إليه لصلاح أبدانهم، فحاجتهم إلى الرسالة أعظم من حاجتهم إلى غيرها من العلوم، قال: (حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية، فوق حاجتهم إلى كل شيء، ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها، ألا ترى أنَّ أكثر العالم يعيشون بغير طبيب، ولا يكون الطبيب إلا في بعض المدن الجامعة، وأمَّا أهل البدو كلهم، وأهل الكفور كلّهم، وعامة بني آدم – لا يحتاجون إلى طبيب، وهم أصحُّ أبدانا، وأقوى طبيعة ممن هو متقيد بالطبيب، ولعّل أعمارهم متقاربة، وقد فطر الله بني آدم على تناول ما ينفعهم، واجتناب ما يضرهم، وجعل لكلّ قوم عادة وعرفًا في استخراج ما يهجم عليهم من الأدواء، حتى إنَّ كثيرًا من أصول الطب إنما أخذت من عوائد الناس، وعرفهم وتجاربهم.\nوأمّا الشريعة فمبناها على تعريف مواقع رضا الله وسخطه في حركات العباد الاختيارية، فمبناها على الوحي المحض، والحاجة إلى التنفس فضلًا عن الطعام والشراب، لأنّ غاية ما يقدر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن، وتعطل الروح عنه، وأما ما يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة، وهلاك الأبد، وشتان بين هذا وهلاك البدن بالموت، فليس النّاس قطّ إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول ﷺ والقيام به، والدعوة إليه، والصبر عليه، وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، وليس للعالم صلاح بدون ذلك ألبتة، ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلاّ بالعبور على هذا الجسم) (٢). الرسل والرسالات لعمر الأشقر – ص: ٣١\n_________\n(١) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٩/ ٩٣ - ٩٦).\n(٢) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٢).","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1006>المبحث الأول: النبّوة منحة إلهيّة</span>\nالنبوة منحة إلهية، لا تنال بمجرد التشهي والرغبة، ولا تنال بالمجاهدة والمعاناة، وقد كذّب الفلاسفة الذين زعموا أن النبوة تنال بمجرد الكسب بالجدّ والاجتهاد، وتكلّف أنواع العبادات، واقتحام أشقّ الطاعات، والدأب في تهذيب النفوس، وتنقية الخواطر، وتطهير الأخلاق، ورياضة النفس والبدن (١).\nوقد بيّن الله في أكثر من آية أنّ النبوة نعمة ربانية إلهية، قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا [مريم: ٥٨]، وحكى الله قول يعقوب لابنه يوسف: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبّكَ [يوسف: ٦]، وقال الله لموسى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف: ١٤٤].\nوقد طمع أمية بن أبي الصَّلت في أن يكون نبي هذه الأمة، وقال الكثير من الشعر متوجهًا به إلى الله، وداعيًا إليه، ولكنه لم يحصل على مراده، وصدق الله إذ يقول: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].\nوعندما اقترح المشركون أن يختار الله لأمر النبوة والرسالة أحد الرجلين العظيمين في مكة والطائف عروة بن مسعود الثقفي أو الوليد بن المغيرة، أنكر الله ذلك القول، وبين أنّ هذا مستنكر، فهو الإله العظيم الذي قسم بينهم أرزاقهم في الدنيا، أفيجوز لهم أن يتدخلوا في تحديد المستحقِّ لرحمة النبوة والرسالة؟ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَىَ رَجُلٍ مّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا .. [الزخرف: ٣١ - ٣٢]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٥٩\n_________\n(١) انظر: «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ٢٦٧).","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1007>المبحث الثاني: طريق إعلام الله أنبياءه ورسله</span>\nتعريف الوحي:\nسمى الله الطريق الذي يعلم الله به أنبياءَه ورسله وحيًا، قال تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [النساء: ١٦٣].\nوالوحي في اللغة: الإعلام الخفّي السريع مهما اختلفت أسبابه (١)، فقد يكون بالإلهام كوحي الله إلى الحواريين: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيّينَ أن آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي [المائدة: ١١١] وكوحي الله لأم موسى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: ٧]، ويأتي بمعنى الإيماء والإشارة، فقد سمّى القرآن إشارة زكريا إلى قومه وحيًا فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ١١].\nوأكثر ما وردت كلمة (وحي) في القرآن الكريم بمعنى إخبار وإعلام الله من اصطفاه من عباده كل ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، بطريقة سرّية خفيّة، غير معتادة للبشر. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٦١\n_________\n(١) انظر: «فتح الباري» (١/ ٩»، «المصباح المنير» (٦٥١، ٦٥٢).","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1008>المبحث الثالث: مقامات وحي الله إلى رسله</span>\nللوحي الذي يعلم الله به رسله وأنبياءَه مقامات، قال الله تعالى مبيِّنًا هذه المقامات: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنّهُ عَلِيّ حَكِيمٌ ٌ [الشورى: ٥١].\nفالمقامات ثلاثة:\nالأولى: الإلقاء في روع النبي الموحى إليه، بحيث لا يمتري النبي في أنّ هذا الذي ألقي في قلبه من الله تعالى، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إنّ روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب» (١). وذهب ابن الجوزي إلى أن المراد بالوحي في قوله: إِلاّ وَحْيًا الوحي في المنام (٢).\nرؤيا الأنبياء:\nوهذا الذي فسّر به ابن الجوزي المقام الأول داخل في الوحي بلا شّك، فإنّ رؤيا الأنبياء حقٌ، ولذلك فإنَّ خليل الرحمن إبراهيم بادر إلى ذبح ولده عندما رأى في المنام أنّه يذبحه، وعدّ هذه الرؤيا أمرًا إلهيًا، قال تعالى في إبراهيم وابنه إسماعيل: فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السّعْيَ قَالَ يَبُنَيّ إِنِّي أَرَىَ فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىَ قَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ فَلَمّا أَسْلَمَا وَتَلّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدّقْتَ الرّؤْيَآ إِنّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥].\nوفي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة – ﵂ – قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في المنام، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» (٣).\nالمقام الثاني: تكليم الله لرسله من وراء حجاب:\nوذلك كما كلَّم الله تعالى موسى ﵇، وذكر الله ذلك في أكثر من موضع في كتابه: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: ١٤٣]، فَلَمّآ أَتَاهَا نُودِيَ يَمُوسَىَ إِنّيَ أَنَاْ رَبّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىَ إِنّنِي أَنَا اللهُ لآ إِلَهَ إِلآ أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصّلاَةَ لِذِكْرِيَ [طه: ١١ - ١٤]، وممن كلّمه الله آدم ﵇ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ .. [البقرة: ٣٣]، وكلّم الله عبده ورسوله محمدًا ﷺ عندما عرج به إلى السماء.\nالمقام الثالث: الوحي إلى الرسول بواسطة الملك:\nوهذا هو الذي يفقه من قوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ [الشورى: ٥١] وهذا الرسول هو جبريل، وقد يكون غيره وذلك في أحوال قليلة (٤). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٦٢\n_________\n(١) رواه الطبراني (٨/ ١٦٦) (٧٧١٠). من حديث أبي أمامة ﵁. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٠٨٥) وعزاه لابن حبان.\n(٢) «زاد المسير» (٧/ ٢٩٧).\n(٣) رواه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠).\n(٤) انظر: «عالم الملائكة» لعمر الأشقر (ص: ٤٠).","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1009>المبحث الرابع: صفة مجيء الملك إلى الرسول</span>\nبالتأمل في النصوص في هذا الموضوع نجد أنّ للملك ثلاثة أحوال (١): الأول: أن يراه الرسول ﷺ على صورته التي خلقه الله عليها، ولم يحدث هذا لرسولنا ﷺ إلا مرتين.\nالثاني: أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس، فيذهب عنه وقد وعى عنه الرسول ﷺ ما قال.\nالثالث: أن يتمثل له الملك رجلًا فيكلّمه ويخاطبه ويعي عنه قوله، وهذه أخف الأحوال على الرسول ﷺ وقد حدث هذا من جبريل في اللقاء الأول عندما فجأه في غار حراء. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٦٤\n_________\n(١) انظر: «عالم الملائكة» لعمر الأشقر (ص: ٤٠).","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1010>المبحث الخامس: بشائر الوحي</span>\nكان الرسول ﷺ قبل معاينته للملك، يرى ضوءًا، ويسمع صوتًا، ولكنه لا يرى الملك الذي يحدث الضوء، ولا يرى مخاطبه والهاتف به، روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: «مكث رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئًا، وثمان سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا» (١).\nقال النووي: (يسمع الصوت ويرى الضوء) قال القاضي: (أي: صوت الهاتف من الملائكة، ويرى الضوء، أي: نور الملائكة، ونور آيات الله، حتى رأى الملك بعينيه، وشافهه بوحي الله) (٢). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٦٤\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢٣).\n(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٥/ ١٠٤).","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1011>المبحث السادس: أثر الملك في الرسول</span>\nمن المزاعم التي يدعيها المكذبون بالرسل أن ما كان يصيب الرسول ﷺ إنّما هو نوع من الصرع، أو اتصال من الشياطين به، وكذبوا في دعواهم، فالأمران مختلفان، فالذي يصيبه الصرع يصفرُّ لونه، ويخفُّ وزنه، ويفقد اتزانه، وكذلك الذي يصيبه الشيطان، وقد يتكلم الشيطان على لسانه، ويخاطب الحاضرين، وعندما يفيق من غيبوبته لا يدري ولا يذكر شيئًا ممّا خاطب به الشيطان الحاضرين على لسانه، أمّا الرسول ﷺ فإن اتصال الملك به نماء في جسده، وإشراق في وجهه، ثمّ إن الجالسين لا يسمعون كلامًا، إنما يسمعون دويًا كدويّ النحل عند وجهه (١)، ويقوم الرسول ﷺ بعد ذلك وقد وعى كلّ ما أخبر به الملك، فيكون هو الذي يخبر أصحابه بما أوحي إليه.\nفقد أخبرتنا عائشة – ﵂ وعن أبيها – «أنها رأت الرسول ﷺ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا» (٢).\nوفي رواية عنها: «إن كان لينزل على رسول الله ﷺ في الغداة الباردة، ثم تفيض جبهته عرقًا» (٣).\nوأخبرتنا «أنّ ناقته عندما كان يوحى إليه وهو فوقها يضرب حزامها وتكاد تبرك به من ثقله فوقها» (٤) ويذكر أحد الصحابة «أنّ فخذه كانت تحت فخذ النبي ﷺ فأنزل إليه، فكادت فخذ النبي ﷺ حين الإنزال إليه ترض فخذ الصحابي» (٥).\nوهذا يعلى بن أمّية يحدثنا عن مشاهدة تنزُّل الوحي على الرسول ﷺ وقد كان يتمنى قبل ذلك أن يراه في تلك الحال، قال: «فإذا رسول الله ﷺ محمّر الوجه، وهو يغطُّ، ثمّ سُرِّي عنه» (٦). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٦٥\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣١٧٣)، وأحمد (١/ ٣٤) (٢٢٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١/ ٤٥٠) (١٤٣٩)، والحاكم (٢/ ٤٢٥). من حديث عمر ﵁. قال الحاكم: صحيح الإسناد، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٥٤)، وصححه ابن العربي في «أحكام القرآن» (٣/ ٣١١)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٣٢) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٢) رواه البخاري (٢).\n(٣) رواه مسلم (٢٣٣٣).\n(٤) ذكره ابن حجر في «فتح الباري» (١/ ٢١) وقال: زاد ابن أبي الزناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي في «الدلائل»: (وإن كان ليوحى إليه وهو على ناقته فيضرب حزامها من ثقل ما يوحى إليه).\n(٥) رواه البخاري (٢٨٣٢). من حديث زيد بن ثابت ﵁. بلفظ: «فأنزل الله ﵎ على رسوله ﷺ، وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه».\n(٦) رواه البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠).","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1012>المبحث السابع: هل يمكن أن يستغني العقل عن الوحي</span>\nيزعم الناس في عالم اليوم أنّه يمكنهم الاستغناء عن الرسل والرسالات بالعقول التي وهبهم الله إياها، ولذلك نراهم يسنُّون القوانين، ويحلُّون ويحرمون، ويخططون ويوجهون، ومستندهم في ذلك كلّه أن عقولهم تستحسن ذلك أو تقبحه، وترضى به أو ترفضه، وهؤلاء لهم سلف قالوا مثل مقالتهم هذه (فالبراهمة – وهم طائفة من المجوس – زعموا أن إرسال الرسل عبث، لا يليق بالحكيم، لإغناء العقل عن الرسل، لأنّ ما جاءت به الرسل إن كان موافقًا للعقل حسنًا عنده فهو يفعله، وإن لم يأت به، وإن كان مخالفًا قبيحًا – فإن احتاج إليه فعله وإلاّ تركه) (١).\nولا يجوز في مجال الحجاج والنزاع أن يبادر المسلم إلى إنكار قدرة العقل على إدراك الحسن والقبح، (فإنّ الله قد فطر عباده على الفرق بين الحسن والقبيح، وركب في عقولهم إدراك ذلك، والتمييز بين النوعين، كما فطرهم على الفرق بين النافع والضار والملائم لهم والمنافر، وركب في حواسهم إدراك ذلك، والتمييز بين أنواعه.\nوالفطرة الأولى: (وهي فطرته العباد على الفرق بين الحسن والقبيح) هي خاصة الإنسان التي تميز بها عن غيره من الحيوانات، وأما الفطرة الثانية (وهي فطرته للعباد على الفرق بين النافع والضار ..) فمشتركة بين أصناف الحيوان) (٢) والذي ينبغي أن ينازع فيه أمور:\nالأول: أنّ هناك أمورًا هي مصلحة للإنسان لا يستطيع الإنسان إدراكها بمجرد عقله، لأنها غير داخلة في مجال العقل ودائرته، (فمن أين للعقل معرفة الله – تعالى – بأسمائه وصفاته ..؟ ومن أين له معرفة تفاصيل شرعه ودينه الذي شرعه لعباده؟ ومن أين له معرفة تفاصيل ثوابه وعقابه، وما أعدّ لأوليائه، وما أعدّ لأعدائه، ومقادير الثواب والعقاب، وكيفيتهما، ودرجاتهما؟ ومن أين له معرفة الغيب الذي لم يُظهِر اللهُ عليه أحدًا من خلقه إلاّ من ارتضاه من رسله إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل، وبلغته عن الله، وليس في العقل طريق إلى معرفته) (٣).\nالثاني: أن الذي يدرك العقل حسنه أو قبحه يدركه على سبيل الإجمال، ولا يستطيع أن يدرك تفاصيل ما جاء به الشرع، وإن أدركت التفاصيل فهو إدراك لبعض الجزئيات وليس إدراكًا كليًا شاملًا: (فالعقل يدرك حسن العدل، وأما كون هذا الفعل المعين عدلًا أو ظلمًا فهذا مما يعجز العقل عن إدراكه في كلّ فعل وعقد) (٤).\nالثالث: أن العقول قد تحار في الفعل الواحد، فقد يكون الفعل مشتملًا على مصلحة ومفسدة، ولا تعلم العقول مفسدته أرجح أو مصلحته، فيتوقف العقل في ذلك، فتأتي الشرائع ببيان ذلك، وتأمر براجح المصلحة، وتنهى عن راجح المفسدة، وكذلك الفعل يكون مصلحة لشخص مفسدة لغيره، والعقل لا يدرك ذلك، وتأتي الشرائع ببيانه، فتأمر به من هو مصلحة له، وتنهى عنه من حيث هو مفسدة في حقّه، وكذلك الفعل يكون مفسدة في الظاهر، وفي ضمنه مصلحة عظيمة لا يهتدي إليها العقل، فتجيء الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة، والمفسدة الراجحة (٥).\nوفي هذا يقول ابن تيمية: (الأنبياء جاؤوا بما تعجز العقول عن معرفته، ولم يجيئوا بما تعلم العقول بطلانه، فهم يخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول) (٦).\nالرابع: ما يتوصل إليه العقل وإن كان صحيحًا، فإنه ليس إلا فرضيات، قد تجرفها الآراء المتناقضة، والمذاهب الملحدة.\nولو استطاعت البقاء فإنها – في غيبة الوحي – ستكون تخمينات شتى، يلتبس فيها الحق بالباطل.\n_________\n(١) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٢٥٦).\n(٢) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ١١٦).\n(٣) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ١١٧).\n(٤) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ١١٧).\n(٥) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ١١٧).\n(٦) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢/ ٣١٢).","vol":"4","page":9},{"text":"بطلان قول البراهمة:\nوالبراهمة الذين يزعمون أنّ العقل يغني عن الوحي لا نحتاج إلى إيراد الحجج لإبطال قولهم، وكل ما نفعله أن نوجه الأنظار إلى ما قادتهم إليه عقولهم التي زعموا أنهم يستغنون بها عن الوحي، هذا زعيم من زعمائهم في القرن العشرين يقول مفاخرًا (١): (عندما أرى البقرة لا أجدني أرى حيوانًا، لأني أعبد البقرة، وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع). ولقد قاده عقله إلى تفضيل أمّه البقرة على أمّه التي ولدته: (وأمي البقرة تفضل أمّي الحقيقية من عدة وجوه، فالأمّ الحقيقية ترضعنا مدة عام أو عامين، وتتطلب منّا خدمات طول العمر نظير هذا، ولكنّ أمنا البقرة تمنحنا اللبن دائمًا، ولا تطلب منّا شيئًا مقابل ذلك سوى الطعام العادي ..) ومضى عابد البقر يقارن بين أمّه البقرة وأمّه الحقيقية موردًا الحجج والبراهين على أفضلية أمّه البقرة على أمّه الحقيقية إلى أن قال: (إنّ ملايين الهنود يتجهون للبقرة بالعبادة والإجلال، وأنا أعدّ نفسي واحدًا من هؤلاء الملايين). وقد قرأت منذ مدة في مجلة العربي التي تصدر في الكويت عن معبد فخم مكسو بالرخام الأبيض ترسل إليه الهدايا والألطاف – من شتى أنحاء الهند، بقي أن تعلم أنّ الآلهة التي تقدم لها القرابين وترسل لها النذور في ذلك المعبد الفخم إنّما هي الفئران. هذه بعض الترهات التي هدتهم إليها عقولهم التي زعموا أنّ فيها غنية عن الوحي الإلهي.\nمجالات العقل:\nإن الذين يريدون أن يستغنوا عن الوحي بالعقل يظلمون العقل ظلمًا كبيرًا، ويبددون طاقة العقل في غير مجالها، (إن للعقل اختصاصه وميدانه وطاقته، فإذا اشتغل خارج اختصاصه جانبه الصواب، وحالفه الشطط والتخبط، وإذا أجري في غير ميدانه كبا وتعثر، وإذا كلف فوق طاقته كان نصيبه العجز والكلال. إن العالم المادي المحسوس أو عالم الطبيعة هو ميدان العقل الفسيح الذي يصول فيه ويجول، فيستخرج مكنوناته، ويربط بين أسبابه وعلله، ومقدماته ونتائجه، فيكشف ويخترع، ويتبحّر في العلوم النافعة في مختلف ميادين الحياة، وتسير عجلة التقدم البشري إلى أمام.\nأما إذا كلف النظر خارج اختصاصه أعني ما وراء الطبيعة فإنه يرجع بعد طول البحث والعناء بما لا يروي غليلًا ولا يشفي عليلًا، بل يرجع بسخافات وشطحات) (٢).\nموقع العقل من الوحي:\nيزعم كثير من الناس أن الوحي يلغي العقل ويطمس نوره، ويورثه البلادة والخمول، وهذا زعم كاذب، ليس له من الصحة نصيب، فالوحي الإلهي وجّه العقول إلى النظر في الكون والتدبر فيه، وحث الإنسان على استعمار هذه الأرض، واستثمارها، وفي مجال العلوم المنزلة من الله وظيفة العقل أن ينظر فيها، ليستوثق من صحة نسبتها إلى الله تعالى، فإن تبين له صحة ذلك فعليه أن يستوعب وحي الله إليه، ويستخدم العقل الذي وهبه الله إياه في فهم وتدبر الوحي، ثم يجتهد في التطبيق والتنفيذ.\nوالوحي مع العقل كنور الشمس أو الضوء مع العين، فإذا حجب الوحي عن العقل لم ينتفع الإنسان بعقله، كما أنّ المبصر لا ينتفع بعينه إذا عاش في ظلمة، فإذا أشرقت الشمس، وانتشر ضوؤها انتفع بناظريه، وكذلك أصحاب العقول إذا أشرق الوحي على عقولهم وقلوبهم أبصرت واهتدت فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٣٥\n_________\n(١) هو زعيم الهند غاندي، انظر أقواله في كتاب «مقارنة الأديان» (٤/ ٣٢). وانظر: «نظرات في النبوة» (ص: ٢٧).\n(٢) «نظرات في النبوة» (ص: ١٧).","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1016>تمهيد</span>\nجاءت حكمة العليم الخبير أن يكون الرسل الذين يرسلهم إلى البشر من البشر أنفسهم قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف: ١١٠]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٦٩","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1017>المطلب الأول: أهلية البشر لتحمّل الرسالة</span>\nالذين يستعظمون ويستبعدون اختيار الله بعض البشر لتحمّل الرسالة لا يقدرون الإنسان قدره، فالإنسان مؤهل لتحمّل الأمانة العظمى، أمانة الله التي أشفقت السماوات والأرض والجبال من حملها، إِنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢].\nوالذين استعظموا اختيار الله البشر رسلًا نظروا إلى المظهر الخارجي للإنسان، نظروا إليه على أنه جسد يأكل ويشرب وينام، ويمشي في الأرض لتلبية حاجاته وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ [الفرقان: ٧]، ولم ينظروا إلى جوهر الإنسان، وهو تلك الروح التي هي نفخة من روح الله فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر: ٢٩]. وبهذه الروح تميز الإنسان، وصار إنسانًا، واستخلف في الأرض، وقد أودعه الله الاستعداد للاتصال به عن طريق تلك النفخة العلوية التي ميزته، فلا عجب أن يختار الله واحدًا من هذا الجنس، صاحب استعداد للتلقي، فيوحي إليه ما يهدي به إخوانه إلى الطريق كلّما غام عليهم الطريق، وما يقدم به إليهم العون كلّما كانوا بحاجة إلى العون (١) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نّحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ وَلَكِنّ اللهَ يَمُنّ عَلَىَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١].\nثمَّ إنّ الرسل يُعدّون إعدادًا خاصًّا لتحمُّل النبوة والرسالة، ويصنعون صنعًا فريدًا وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: ٤١]، واعتبر هذا بحال نبينا محمد ﷺ، كيف رعاه الله وحاطه بعنايته على الرغم من يتمه وفقره أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىَ وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىَ وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَىَ [الضحى: ٦ - ٨]، وقد زكّاه وطهّره، وأذهب عنه رجس الشيطان، وأخرج منه حظّ الشيطان منذ كان صغيرًا، فعن أنس بن مالك «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه، فصرعه، فشقّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظُّ الشيطان منك، ثمّ غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه (٢)، يعني ظئره، فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللّون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره» (٣).\nوحدث قريب من هذا عندما جاءه جبريل يهيئه للرحلة الكبرى للعروج به إلى السماوات العلى، ففي حديث الإسراء: «فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﷺ، ففرج صدري، ثمّ غسله من ماء زمزم، ثمّ جاء بطست من مذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه» متفق عليه (٤). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٦٩\n_________\n(١) انظر: «في ظلال القرآن» (١٩/ ٢٥٥٢).\n(٢) المقصود: أمه من الرضاع، وهي حليمة السعدية.\n(٣) رواه مسلم (٢٦١).\n(٤) رواه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (٢٦٣) واللفظ له.","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1018>المطلب الثاني: لِمَ لَمْ يكن الرسل ملائكة</span>؟\nلقد كثر اعتراض أعداء الرسل على بعثة الرسل من البشر، وكان هذا الأمر من أعظم ما صدّ الناس عن الإيمان، وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٤] وعدّوا اتباع الرسل بسبب كونهم بشرًا فيما جاؤوا به من عقائد وشرائع أمرًا قبيحًا، وعدُّوه خسرانًا مبينًا وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مّثْلَكُمْ إِنّكُمْ إِذًا لّخَاسِرُونَ [المؤمنون: ٣٤]، فَقَالُوَاْ أَبَشَرًا مّنّا وَاحِدًا نّتّبِعُهُ إِنّآ إِذًا لّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ [القمر: ٢٤]، وقد اقترح أعداء الرسل أن يكون الرسل الذين يبعثون إليهم من الملائكة يعاينونهم ويشاهدونهم، أو على الأقل يبعث مع الرسول البشري رسولًا من الملائكة، وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا [الفرقان: ٢١]، وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [الفرقان: ٧].\nوعندما نتأمل النصوص القرآنية يمكننا أن نرّد على هذه الشبهة من وجوه: الأول: أن الله اختارهم بشرًا لا ملائكة لأنّه أعظم في الابتلاء والاختبار، ففي الحديث القدسي الذي يرويه مسلم في صحيحه: «إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك» (١).\nالثاني: أن في هذا إكرامًا لمن سبقت لهم منه الحسنى، فإن اختيار الله لبعض عباده ليكونوا رسلًا تكريم وتفضيل لهم، أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا .. [مريم: ٥٨].\nالثالث: أنّ البشر أقدر على القيادة والتوجيه، وهم الذين يصلحون قدوة وأسوة، يقول سيد قطب ﵀ في هذا: (وإنها لحكمة تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر، واحد من البشر يحسّ بإحساسهم، ويتذوق مواجدهم، ويعاني تجاربهم، ويدرك آلامهم وآمالهم، ويعرف نوازعهم وأشواقهم، ويعلم ضروراتهم وأثقالهم. .، ومن ثمّ يعطف على ضعفهم ونقصهم، ويرجو في قوتهم واستعلائهم، ويسير بهم خطوة خطوة، وهو يفهم بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم، لأنّه في النهاية واحد منهم، يرتاد بهم الطريق إلى الله، بوحي من الله وعون منه على وعثاء الطريق. وهم من جانبهم يجدون فيه القدرة الممكنة، لأنّه بشر مثلهم، يتسامى بهم رويدًا رويدًا، ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أنّ الله قد فرضها عليهم، وأرادها منهم، فيكون بشخصه ترجمة حية للعقيدة التي يحملها إليهم، وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم، ينقلونها سطرًا سطرًا، ويحققونها معنى معنى، وهم يرونها بينهم، فتهفوا نفوسهم إلى تقليدها، لأنها ممثلة في إنسان) (٢).\nالرابع: صعوبة رؤية الملائكة، فالكفار عندما يقترحون رؤية الملائكة، وأن يكون الرسل إليهم ملائكة لا يدركون طبيعة الملائكة، ولا يعلمون مدى المشقة والعناء الذي سيلحق بهم من جراء ذلك.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٦٥).\n(٢) «في ظلال القرآن» (١٩/ ٢٥٥٣).","vol":"4","page":13},{"text":"فالاتصال بالملائكة ورؤيتهم أمر ليس بسهل، فالرسول ﷺ مع كونه أفضل الخلق، وهو على جانب عظيم من القوة الجسمية والنفسية عندما رأى جبريل على صورته أصابه هول عظيم ورجع إلى منزله يرجف فؤاده، وقد كان ﷺ يعاني من اتصال الوحي به شدّة، ولذلك قال في الردّ عليهم: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [الفرقان: ٢٢]، ذلك أنّ الكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت أو حين نزول العذاب، فلو قُدِّر أنهم رأوا الملائكة لكان ذلك اليوم يوم هلاكهم.\nفكان إرسال الرسل من البشر ضروريًا كي يتمكنوا من مخاطبتهم والفقه عنهم، والفهم منهم، ولو بعث الله رسله إليهم من الملائكة لما أمكنهم ذلك. وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٤ - ٩٥] فلو كان سكان الأرض ملائكة لأرسل الله إليهم رسولًا من جنسهم، أما وأن الذين يسكنون الأرض بشر فرحمة الله وحكمته تقتضي أن يكون رسولهم من جنسهم لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران: ١٦٤].\nوإذا كان البشر لا يستطيعون رؤية الملائكة والتلقي عنهم بيسر وسهولة فيقتضي هذا – لو شاء الله أن يرسل ملكًا رسولًا إلى البشر – أن يجعله رجلًا وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩] فالله يخبر أنه (لو بعث رسولًا ملكيًا، لكان على هيئة رجل، ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس الأمر عليهم) (١).\nوالتباس الأمر عليهم بسبب كونه في صورة رجل، فلا يستطيعون أن يتحققوا من كونه ملكًا، وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة من إرسال الرسل من الملائكة على هذا النحو، بل إرسالهم من الملائكة على هذا النحو لا يحقق الغرض المطلوب، لكون الرسول الملك لا يستطيع أن يحس بإحساس البشر وعواطفهم وانفعالاتهم وإن تشكل بأشكالهم. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٧٠\n_________\n(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٩).","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1019>المطلب الثالث: مقتضى بشرية الأنبياء والرسل</span>\nمقتضى كون الرسل بشرًا أن يتصفوا بالصفات التي لا تنفك البشرية عنها، وهي:\nأولًا: يأكلون ويشربون وينامون ويتزوجون ويولد لهم: الرسل والأنبياء يحتاجون لما يحتاج إليه البشر من الطعام والشراب، ويحدِثونَ كما يحدث البشر، لأنّ ذلك من لوازم الطعام والشراب، وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاّ رِجَالًا نّوحِيَ إِلَيْهِمْ فَاسْئَلُوَاْ أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاّ يَأْكُلُونَ الطّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ [الأنبياء: ٧ - ٨].\nومن ذلك أنهم ولدوا كما ولد البشر، لهم آباء وأمهات، وأعمام وعمات، وأخوال وخالات، يتزوجون ويولد لهم، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيّةً [الرعد: ٣٨].\nويصيبهم ما يصيب البشر من أعراض، فهم ينامون ويقومون، ويصحون ويمرضون، ويأتي عليهم ما يأتي على البشر وهو الموت، فقد جاء في ذكر إبراهيم خليل الرحمن لربه: وَالّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالّذِي يُمِيتُنِي ثُمّ يُحْيِينِ [الشعراء: ٧٩ - ٨١]. وقال الله لعبده ورسوله محمد ﷺ: إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُمْ مّيّتُونَ [الزمر: ٣٠]، وقال مبينًا أنّ هذه سنته في الرسل كلهم: وَمَا مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفإِنْ مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ [آل عمران: ١٤٤] وقد جاء في وصف الرسول ﷺ: «كان بشرًا من البشر: يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه» (١).\nوقد صح أنّ الرسول ﷺ قال لأمّ سُلَيم: «يا أم سُلَيم، أما تعلمين أن شرطي على ربي، أني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيّما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها طَهورًا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة» (٢).\nثانيًا: تعرض الأنبياء للبلاء:\nومن مقتضى بشرية الرسل أنّهم يتعرضون للابتلاء كما يتعرض البشر، فقد يسجنون كما سجن يوسف قَالَ رَبّ السّجْنُ أَحَبّ إِلَيّ مِمّا يَدْعُونَنِيَ إِلَيْهِ [يوسف: ٣٣]، وذكر الله أنه فَلَبِثَ فِي السّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف: ٤٢]، وقد يصيبهم قومهم بالأذى وقد يدمونهم، كما أصابوا الرسول ﷺ في معركة أحد فأدموه، وكسروا رباعيته، وقد يخرجونهم من ديارهم كما هاجر إبراهيم من العراق إلى الشام، وكما هاجر نبينا محمد ﷺ من مكة إلى المدينة، وقد يقتلونهم أَفَكُلّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىَ أَنْفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة: ٨٧] وقد يصابون بالأمراض، كما ابتلى الله نبيّه أيوب فصبر، وقد صحّ عن الرسول ﷺ: «أن نبيّ الله أيوب لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه ..» (٣).\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٢٥٦) (٢٦٢٣٧)، وأبو يعلى (٨/ ٢٨٦) (٤٨٧٣)، وابن حبان (١٢/ ٤٨٨) (٥٦٧٥). من حديث عائشة ﵂. وصححه الألباني في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥٧٦٠)، وشعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند.\n(٢) رواه مسلم (٢٦٠٣).\n(٣) رواه أبو يعلى (٦/ ٢٩٩) (٣٦١٧)، وابن حبان (٧/ ١٥٧) (٢٨٩٨)، والحاكم (٢/ ٦٣٥)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٣٧٤)، والضياء (٧/ ١٨٤) (٢٦١٧). من حديث أنس ﵁. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال الضياء: إسناده صحيح.","vol":"4","page":15},{"text":"وكان من ابتلائه أن ذهب أهله وماله، وكان ذا مال وولد كثير، وَأَيّوبَ إِذْ نَادَىَ رَبّهُ أَنّي مَسّنِيَ الضّرّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مّعَهُمْ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىَ لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]. والأنبياء لا يصابون بالبلاء فحسب، بل هم أشدُّ الناس بلاءً، فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: «قلت لرسول الله ﷺ: أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقَّة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» (١).\n«ودخل أبو سعيد الخدري على الرسول ﷺ وهو يوعك، فوضع يده على الرسول ﷺ فوجد حرّه بين يديه فوق اللحاف، فقال: يا رسول الله، ما أشدها عليك! قال: إنا كذلك، يُضّعَّف علينا البلاء، ويُضَعَّف لنا الأجر، قلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد إلا العباءة التي يُحَوِّيها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء» (٢).\nثالثًا: اشتغال الأنبياء بأعمال البشر:\nومن مقتضى بشريتهم أنهم قد يقومون بالأعمال والأشغال التي يمارسها البشر، فمن ذلك اشتغال الرسول ﷺ بالتجارة، قبل البعثة، ومن ذلك رعي الأنبياء للغنم، فقد روى جابر بن عبد الله – ﵁ – قال: «كنّا مع رسول الله ﷺ نجني الكَبَاث وإنّ رسول الله ﷺ قال: عليكم بالأسود منه، فإنّه أطيبه، قالوا: أكنت ترعى الغنم؟ قال: وهل من نبي إلا وقد رعاها» رواه البخاري في صحيحه (٣).\nومن الأنبياء الذين نصّ القرآن على أنهم رعوا الغنم نبيّ الله موسى ﵇، فقد عمل في ذلك عدةّ سنوات، فقد قال له العبد الصالح: إِنّيَ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيّ هَاتَيْنِ عَلَىَ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيّ وَاللهُ عَلَىَ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: ٢٧ - ٢٨] قال ابن حجر: (والذي قاله الأئمة أن الحكمة في رعاية الأنبياء للغنم ليأخذوا أنفسهم بالتواضع، وتعتاد قلوبهم بالخلوة، ويترقوا من سياستها إلى سياسة الأمم) (٤).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٣٢٦٥)، وأحمد (١/ ١٧٣) (١٤٩٤)، والدارمي (٢/ ٤١٢) (٢٧٨٣)، وابن حبان (٧/ ١٦١) (٢٩٠١)، والحاكم (١/ ١٠٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٣٢) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وأحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ٩٧)، وقال ابن القيم في «طريق الهجرتين» (٢٢٦): ثابت، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ١٦٧) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٢) رواه ابن ماجه (٣٢٦٦)، وأبو يعلى (٢/ ٣١٢) (١٠٤٥)، والحاكم (١/ ٩٩). وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال البوصيري (٢/ ٢٨٦): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححه على شرط مسلم الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٤٤).\n(٣) رواه البخاري (٣٤٠٦). ورواه مسلم (٢٠٥٠).\n(٤) «فتح الباري» (٦/ ٤٣٩).","vol":"4","page":16},{"text":"ومن الأنبياء الذي عملوا بأعمال البشر داود ﵇، فقد كان حدّادًا يصنع الدروع، قال تعالى: وَعَلّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ [الأنبياء: ٨٠]، كان حدادًا، وفي نفس الوقت كان ملكًا، وكان يأكل مما تصنعه يداه.\nونبي الله زكريا كان يعمل نجارًا، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كان زكريا يعمل نجارًا» (١).\nرابعًا: ليس فيهم شيء من خصائص الألوهية والملائكية:\nومقتضى كونهم بشرًا أنهم ليسوا بآلهة، وليس فيهم من صفات الألوهية شيء، ولذلك فإنّ الرسل يتبرَّؤون من الحول والطول ويعتصمون بالله الواحد الأحد، ولا يَدَّعون شيئًا من صفات الله تعالى، قال تعالى مبينًا براءة عيسى مما نسب إليه: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة: ١١٦ - ١١٧].\nهذه مقالة عيسى في الموقف الجامع في يوم الحشر الأكبر، وهي مقولة صدق تنفي تلك الأكاذيب والترهات التي وصف بها النصارى عبد الله ورسوله عيسى فطائفة قالت: الله هو المسيح ابن مريم حلّ في بطن مريم لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة: ٧٢]، وأخرى قالت: هو ثالث ثلاثة لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة: ٧٣] وطائفة ثالثة قالوا: هو ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا [مريم: ٨٨ - ٨٩].\nلقد غلا النصارى في عيسى غلوًا عظيمًا، وهم بمقالتهم الغالية هذه يسبُّون الله أعظم سبّ وأقبحه، فهم يزعمون: (أنّ ربَّ العالمين نزل عن كرسي عظمته، فالتحم ببطن أنثى، وأقام هناك مدةً من الزمان، بين دم الطمث في ظلمات الأحشاء، تحت ملتقى الأعكان، ثمّ خرج صبيًا رضيعًا يشبُّ شيئًا فشيئًا، ويبكي، ويأكل، ويشرب، ويبول، ويتقلب مع الصبيان، ثمّ أودع المكتب بين صبيان اليهود، يتعلم ما ينبغي للإنسان، هذا وقد قطعت منه القلفة حين الختان، ثمّ جعل اليهود يطردونه من مكان إلى مكان، ثمّ قبضوا عليه وأحلوه أصناف الذلّ والهوان، فعقدوا على رأسه من الشوك تاجًا من أقبح التيجان، وأركبوه قصبة ليس لها لجام ولا عنان، ثمّ ساقوه إلى خشبة الصلب مصفوعًا مبصوقًا في وجهه، وهم خلفه وأمامه وعن شمائله والأيمان، ثمّ أركبوه ذلك المركب الذي تقشعرُّ منه القلوب مع الأبدان، ثمّ شدّت بالحبال يده مع الرجلين، ثمّ خالطهما تلك المسامير، التي تكسر العظام، وتمزق اللحمان، وهو يستغيث، ويقول: ارحموني، فلا يرحمه منهم إنسان، هذا وهو مدبر العالم العلوي والسفلي، الذي يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن، ثمّ مات ودفن في التراب تحت صم الجنادل والصوّان، ثمّ قام من القبر وصعد إلى عرشه وملكه بعد أن كان ما كان) (٢).\nفأيّ سبّ أعظم من هذا السبّ الذي نسبوه إلى الباري جل وعلا! وأي ضلال أعظم من هذا الضلال!. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٧٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٣٧٩) بلفظ: «كان زكريّاء نجارًا».\n(٢) «هداية الحيارى» (ص: ٣ - ٤).","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1020>المطلب الرابع: الكمال البشري</span>\nلا شكّ أن البشر يتفاوتون فيما بينهم تفاوتًا كبيرًا في الخَلْق والخُلُق، والمواهب، فمن البشر القبيح والجميل وبين ذلك، ومنهم الأعمى والأعور والمبصر بعينه، والمبصرون يتفاوتون في جمال عيونهم وفي قوة أبصارهم، ومنهم الأصم والسميع وبين ذلك، ومنهم ساقط المروءة، ومنهم ذو المروءة والهمة العالية. ولا شكّ أن الأنبياء والرسل يمثلون الكمال الإنساني في أرقى صوره، ذلك أنّ الله اختارهم واصطفاهم لنفسه، فلا بدّ أن يختار أطهر البشر قلوبًا، وأزكاهم أخلاقًا، وأجودهم قريحة، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].\nوالكمال البشري يتحقق فيما يأتي:\n- الكمال في الخلقة الظاهرة:\nلقد حذرنا الله تعلى من إيذاء الرسول ﷺ كما آذى بنو إسرائيل موسى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب: ٦٩].\nوقد بين لنا رسولنا ﷺ أن إيذاء بني إسرائيل لموسى كان باتهامهم إياه بعيب خلقي في جسده، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ موسى كان رجلًا حييًا ستَّيرًا لا يرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلاّ من عيب بجلده: إما برص، وإمّا أُدْرة، وإمّا آفة، وإنّ الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثمّ اغتسل، فلمّا فرغ، أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملا من بني إسرائيل فرأوه عريانًا، أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ بثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إنّ بالحجر لندبًا من أثر ضربه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: يا أيَّها الَّذين آمنوا لا تكونوا كالَّذين آذوا موسى فبرَّأه الله ممَّا قالوا وكان عند الله وجيهًا [الأحزاب: ٦٩]» (١).\nقال ابن حجر العسقلاني معقبًا على الحديث: (وفيه أن الأنبياء في خَلقهم وخُلُقهم، على غاية الكمال، وأن من نسب نبيًّا إلى نقص في خلقته فقد آذاه، ويخشى على فاعله الكفر) (٢).\n- الصور الظاهرة مختلفة:\nليس معنى كون الرسل أكمل الناس أجسامًا أنهم على صفة واحدة صورة واحدة، فالكمال الذي يدهش ويعجب متنوع وذلك من بديع صنع الواحد الأحد وكمال قدرته. وقد وصف لنا الرسول ﷺ بعض الأنبياء والرسل، يقول ﷺ: «ليلة أسري بي رأيت موسى، وإذا هو رجل ضَرْبٌ من الرجال، كأنه من رجال شَنوءة» (٣).\nوقال في عيسى: «ورأيت عيسى، فإذا هو رجل ربعة أحمر، كأنما خرج من ديماس» (٤).\nوقال فيه أيضًا: (ليس بيني وبينه نبيٌّ، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل) (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤٠٤)، ومسلم (٣٣٩).\n(٢) «فتح الباري» (٦/ ٤٣٨).\n(٣) رواه البخاري (٣٣٩٤)، ومسلم بنحوه (١٦٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٣٣٩٤)، ومسلم (١٦٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه أبو داود (٤٣٢٤)، وأحمد (٢/ ٤٣٧) (٩٦٣٠)، وابن حبان (١٥/ ٢٣٣)، والحاكم (٢/ ٦٥١). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"4","page":18},{"text":"وقد وصف لنا الصحابة رسولنا ﷺ فمن ذلك قولهم: (كان ربعة من القوم، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ليس بجعد قَطِطٍ، ولا سَبْطٍ رَجِلٍ) (١)، وقالوا فيه: (كان أحسن الناس. . ربعة، إلى الطول ما هو، بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدين، شديد سواد الشعر، أكحل العينين، أهدب الأشفار، إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها، ليس له أخمص، إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضة) (٢).\nوكان الرسول أشبه الناس بنبي الله إبراهيم كما أخبرنا ﵇ بذلك (٣).\n- الكمال في الأخلاق:\nلقد بلغ الأنبياء في هذا مبلغًا عظيمًا، وقد استحقوا أن يثني عليهم ربّ الكائنات فقد أثنى الله على خليله إبراهيم ﵇ فقال: إِنّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مّنِيبٌ [هود: ٧٥]. وقالت ابنة العبد الصالح تصف موسى: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦].\nوأثنى الله على إسماعيل ﵇ بصدق الوعد، وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نّبِيًّا [مريم: ٥٤].\nوأثنى الله – ﷻ، وتقدست أسماؤه – على خلق نبينا محمد ﷺ ثناءً عطرًا، فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤].\nفقد وصف الله – سبحانه – خلق نبينا محمد ﷺ بأنّه عظيم، وأكّد ذلك بثلاثة مؤكدات: أكّد ذلك بالإقسام عليه بنون والقلم وما يسطرون، وتصديره بإنّ، وإدخال اللام على الخبر.\nومن خلقه الكريم ﷺ الذي نوَّه الله به ما جبله عليه من الرحمة والرأفة لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨].\nوقد كان لهذه الأخلاق أثر كبير في هداية الناس وتربيتهم، هذا صفوان بن أميّة يقول: (والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض خلق الله إليّ، فما زال يعطيني حتى إنّه من أحبِّ الناس إليّ) (٤).\nوفي صحيح مسلم عن أنس «أنّ رجلًا سأل النبي ﷺ غنمًا بين جبلين فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم، أسلموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاءً، ما يخاف الفقر» (٥).\nولو لم يتصف الرسل بهذا الكمال الذي حباهم الله به لما انقاد الناس إليهم، ذلك أن الناس لا ينقادون عن رضًا وطواعية لمن كثرت نقائصه، وقلت فضائله.\n- خير الناس نسبًا:\nالرسل ذوو أنساب كريمة، فجميع الرسل بعد نوح من ذريته، وجميع الرسل بعد إبراهيم من ذرية إبراهيم، قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ .. [الحديد: ٢٦].\nولذلك فإنّ الله – سبحانه – يصطفي لرسالته من كان خيار قومه في النسب، وفي الحديث الذي يرويه البخاري، يقول الرسول ﷺ: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه» (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٥٤٧)، ومسلم (٢٣٤٧). من حديث أنس ﵁.\n(٢) رواه البيهقي في «دلائل النبوة» (١/ ٢٧٥)، والبزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (٨/ ٢٨٣). وقال: رجاله وثقوا، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٦٣٣).\n(٣) رواه البخاري (٣٣٩٤)، ومسلم (١٦٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٢٣١٣).\n(٥) رواه مسلم (٢٣١٢).\n(٦) رواه البخاري (٣٥٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":19},{"text":"وفي مسند أحمد وسنن الترمذي عن الرسول، ﷺ قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إنّ الله – تعالى – خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثمّ جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثمّ جعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا، وخيركم نفسًا» (١).\nوفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٢).\n- أحرار بعيدون عن الرق:\nومن صفات الكمال أنّ الأنبياء لا يكونون أرقاء. يقول السفاريني في هذا: (الرق وصف نقص لا يليق بمقام النبوة، والنبي يكون داعيًا للناس آناء الليل وأطراف النهار، والرقيق لا يتيسر له ذلك، وأيضًا الرقّيَّة وصف نقص يأنف الناس ويستنكفون من اتباع من اتصف بها، وأن يكون إمامًا لهم وقدوة، وهي أثر الكفر، والأنبياء منزهون عن ذلك) (٣).\n- التفرد في المواهب والقدرات:\nالأنبياء أُعطوا العقول الراجحة، والذكاء الفذ، واللسان المبين، والبديهة الحاضرة، وغير ذلك من المواهب والقدرات التي لا بدّ منها لتحمل الرسالة ثم إبلاغها ومتابعة الذين تقبلوها بالتوجيه والتربية.\nلقد كان الرسول ﷺ يحفظ ما يُلقى إليه ولا ينسى منه كلمة سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦].\nوقد كانوا يعرضون دين الله للمعارضين ويفحمونهم في معرض الحجاج، وفي هذا المجال أسكت إبراهيم خصمه فَبُهِتَ الّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ [البقرة: ٢٥٨]، وقال الله معقبًا على محاججة إبراهيم لقومه: وَتِلْكَ حُجّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىَ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مّن نّشَآءُ [الأنعام: ٨٣].\nوموسى كان يجيب فرعون على البديهة حتى انقطع، فانتقل إلى التهديد بالقوة قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مّوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأوّلِينَ قَالَ إِنّ رَسُولَكُمُ الّذِيَ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأجْعَلَنّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٣ - ٢٩].\n- الكمال في تحقيق العبودية:\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٦٠٨)، وأحمد (١/ ٢١٠) (١٧٨٨). من حديث المطلب بن أبي وداعة ﵁. قال الترمذي: حسن، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٤٧٢).\n(٢) رواه مسلم (٢٢٧٦).\n(٣) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٢٦٥).","vol":"4","page":20},{"text":"بيّنا الكمال الذي حبا الله به رسله في صورهم الظاهرة، وأخلاقهم الباطنة، والمواهب والسجايا التي أعطاهم إياها في ذوات أنفسهم، وهناك نوع آخر من الكمال وفق الله رسله وأنبياءه لتحصيله، وهو تحقيق العبودية لله في أنفسهم. فكلّما كان الإنسان أكثر تحقيقًا للعبودية لله تعالى، كلَّما كان أكثر رقيًّا في سلّم الكمال الإنساني، وكلما ابتعد عن تحقيق العبودية لله كلما هبط وانحدر. والرسل حازوا السبق في هذا الميدان، فقد كانت حياتهم انطلاقة جادة في تحقيق هذه العبودية، وهذا خاتم الرسل وسيد المرسلين يثني عليه ربّه في أشرف المقامات بالعبودية، فيصفه بها في مقام الوحي فَأَوْحَىَ إِلَىَ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىَ [النجم: ١٠]، وفي مقام إنزال الكتاب تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١]، وفي مقام الدعوة وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن: ١٩]، وفي مقام الإسراء سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ .. [الإسراء: ١] وبهذه العبودية التامة استحق صلوات الله وسلامه عليه التقديم على الناس في الدنيا والآخرة، ولذلك فإن المسيح ﵇ يقول للناس إذا طلبوا منه الشفاعة بعد طلبها من الرسل من قبله: «ائتوا محمدًا ﷺ، فقد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» (١).\nوإليك صورة من صور هذه العبودية ترويها لنا أمّنا عائشة – ﵂ – قالت ﵂ وعن أبيها: «قلت: يا رسول الله، كُلْ – جعلني الله فداك – متكئًا، فإنّه أهون عليك، فأحنى رأسه حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض، وقال: بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» رواه البغوي في (شرح السنة)، وابن سعد، والإمام أحمد في (الزهد) (٢).\n- الذكورة:\nومن الكمال الذي حباهم به أنه اختار جميع الرسل الذين أرسلهم من الرجال، ولم يبعث الله رسولًا من النساء يدلُّ على ذلك صيغة الحصر التي وردت في قوله تعالى: وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاّ رِجَالًا نّوحِيَ إِلَيْهِمْ [الأنبياء: ٧]. الحكمة من كون الرسل رجالًا:\nكان الرسل من الرجال دون النساء لحكم يقتضيها المقام فمن ذلك: ١ - أنّ الرسالة تقتضي الاشتهار بالدعوة، ومخاطبة الرجال والنساء، ومقابلة الناس في السرّ والعلانية، والتنقل في فجاج الأرض، ومواجهة المكذبين ومحاججتهم ومخاصمتهم، وإعداد الجيوش وقيادتها، والاصطلاء بنارها، وكل هذا يناسب الرجال دون النساء.\n٢ - الرسالة تقتضي قوامة الرسول على من يتابعه، فهو في أتباعه الآمر الناهي، وهو فيهم الحاكم والقاضي، ولو كانت الموكلة بذلك امرأة لَمْ يتم ذلك لها على الوجه الأكمل، ولاستنكف أقوام من الاتباع والطاعة.\n٣ - الذكورة أكمل كما بينا آنفًا، ولذلك جعل الله القوامة للرجال على النساء الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء: ٣٤] وأخبر الرسول – ﷺ – أنّ النساء ناقصات عقل ودين.\n٤ - المرأة يطرأ عليها ما يعطلها عن كثير من الوظائف والمهمات، كالحيض والحمل والولادة والنفاس، وتصاحب ذلك اضطرابات نفسية وآلام وأوجاع، عدا ما يتطلبه الوليد من عناية، وكل ذلك مانع من القيام بأعباء الرسالة وتكاليفها. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٧٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٦٥). من حديث أنس ﵁.\n(٢) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (١/ ٣٨١)، والبغوي في «شرح السنة» (١١/ ٢٨٧)، ورواه أبو يعلى (٨/ ٣١٨) (٤٩٢٠)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤/ ٧٤). قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٢/ ١٩٤): حسن غريب، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٢): رواه أبو يعلى وإسناده حسن، وحسن سنده العجلوني في «كشف الخفاء» (١/ ١٧)، وصححه الألباني «صحيح الجامع» (٧).","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1021>المبحث الثاني: نبوّة النساء</span>\nذهب بعض العلماء إلى أنّ الله أنعم على بعض النساء بالنبوة، فمن هؤلاء أبو الحسن الأشعري والقرطبي وابن حزم (١).\nوالذين يقولون بنبوة النساء متفقون على نبوة مريم، ومنهم من ينسب النبوة إلى غيرها، ويعدّون من النساء النبيات: حواء وسارة وأمّ موسى وهاجر وآسية. وهؤلاء عندما اعترض عليهم بالآية التي تحصر الرسالة في الرجال دون النساء، قالوا: نحن لا نخالف في ذلك، فالرسالة للرجال، أمّا النبوة فلا يشملها النصُّ القرآني، وليس في نبوة النساء تلك المحذورات التي عددتموها فيما لو كان من النساء رسول، لأنَّ النبوة قد تكون قاصرة على صاحبها، يعمل بها، ولا يحتاج إلى أن يبلغها إلى الآخرين.\nأدلتهم:\nوحجّة هؤلاء أن القرآن أخبر بأن الله تعالى أوحى إلى بعض النساء، فمن ذلك أنه أوحى إلى أمّ موسى: وَأَوْحَيْنَآ إِلَىَ أُمّ مُوسَىَ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيَ إِنّا رَآدّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٧]، وأرسل جبريل إلى مريم فخاطبها فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنّيَ أَعُوذُ بِالرّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا .. [مريم: ١٧ - ١٩] وخاطبتها الملائكة قائلة: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ .. [آل عمران: ٤٢ - ٤٣].\nفأبو الحسن الأشعري يرى أنّ كلَّ من جاءه الملك عن الله – تعالى – بحكم من أمر أو نهي أو بإعلام فهو نبي (٢)، وقد تحقق في أمّ موسى ومريم شيء من هذا، وفي غيرهما أيضًا، فقد تحقق في حواء وسارة وهاجر وآسية بنصّ القرآن. واستدلوا أيضًا باصطفاء الله لمريم على العالمين وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٤٢] وبقوله ﷺ: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون» (٣).\nقالوا: الذي يبلغ مرتبة الكمال هم الأنبياء.\nالردّ عليهم:\nوهذا الذي ذكروه لا ينهض لإثبات نبوة النساء، والرد عليهم من وجوه: الأول: أنّا لا نسلم لهم أن النبي غير مأمور بالتبليغ والتوجيه ومخالطة الناس، والذي اخترناه أن لا فرق بين النبي والرسول في هذا، وأنَّ الفرق واقع في كون النبي مرسل بتشريع رسول سابق.\nوإذا كان الأمر كذلك فالمحذورات التي قيلت في إرسال رسول من النساء قائمة في بعث نبي من النساء، وهي محذورات كثيرة تجعل المرأة لا تستطيع القيام بحقّ النبوة.\n_________\n(١) انظر: «فتح الباري» (٦/ ٤٤٧ - ٤٤٨، ٤٧٣)، «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ٢٦٦).\n(٢) «فتح الباري» (٦/ ٤٤٧).\n(٣) رواه البخاري (٣٧٦٩)، ومسلم (٢٤٣١). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"4","page":22},{"text":"الثاني: قد يكون وحي الله إلى هؤلاء النسوة أم موسى وآسية. . إنّما وقع منامًا، فقد علمنا أنّ من الوحي ما يكون منامًا، وهذا يقع لغير الأنبياء. الثالث: لا نسلم لهم قولهم: إن كل من خاطبته الملائكة فهو نبي، ففي الحديث أن الله أرسل ملكًا لرجل يزور أخًا له في الله في قرية أخرى، فسأله عن سبب زيارته له، فلمّا أخبره أنه يحبّه في الله، أعلمه أنَّ الله قد بعثه إليه ليخبره أنه يحبّه، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى معروفة، وقد جاء جبريل يعلم الصحابة أمر دينهم بسؤال الرسول ﷺ والصحابة يشاهدونه ويسمعونه. الرابع: أنّ الرسول – ﷺ – توقف في نبوة ذي القرنين مع إخبار القرآن بأنّ الله أوحى إليه قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [الكهف: ٨٦].\nالخامس: لا حجّة لهم في النصوص الدالة على اصطفاء الله لمريم، فالله قد صرح بأنّه اصطفى غير الأنبياء: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر: ٣٢]، واصطفى آل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ومن آلهما من ليس بنبيّ جزمًا إِنّ اللهَ اصْطَفَىَ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٣٣]. السادس: لا يلزم من لفظ الكمال الوارد في الحديث الذي احتجوا به النبوة، لأنّه يطلق لتمام الشيء، وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغ النساء الكاملات النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، وعلى ذلك فالكمال هنا غير كمال الأنبياء.\nالسابع: ورد في بعض الأحاديث النصّ على أن خديجة من الكاملات (١) وهذا يبين أن الكمال هنا ليس كمال النبوة.\nالثامن: ورد في بعض الأحاديث أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلاّ ما كان من مريم ابنة عمران (٢)، وهذا يبطل القول بنبوة من عدا مريم كأم موسى وآسية، لأنّ فاطمة ليست بنبيّة جزمًا وقد نصَّ الحديث على أنها أفضل من غيرها، فلو كانت أم موسى وآسية نبيتان لكانتا أفضل من فاطمة.\nالتاسع: وصف مريم بأنها صديقة في مقام الثناء عليها والإخبار بفضلها، قال تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ [المائدة: ٧٥] فلو كان هناك وصفًا أعلى من ذلك لوصفها به، ولم يأت في نصّ قرآني ولا في حديث نبويّ صحيح إخبار بنبوة واحدة من النساء. وقد نقل القاضي عياض عن جمهور الفقهاء أنّ مريم ليست بنبيّة (٣)، وذكر النووي في (الأذكار) عن إمام الحرمين أنّه نقل الإجماع على أنّ مريم ليست نبيّة (٤)، ونسبه في (شرح المهذب) لجماعة، وجاء عن الحسن البصري: ليس في النساء نبيّة ولا في الجنّ (٥). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٨٦\n_________\n(١) رواه ابن مردويه كما في «البداية والنهاية» لابن كثير (٣/ ١٢٧). من حديث قرة بن إياس المزني. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى شعبة وبعده.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٨٠) (١١٧٧٣). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. قال ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٥١٥): إسناده حسن، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣١٨١).\n(٣) «إكمال المعلم» (٧/ ٢٢٣).\n(٤) «الأذكار» (ص: ١١٩).\n(٥) «فتح الباري» (٦/ ٤٧١، ٤٧٣).","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1023>المطلب الأول: الوحي</span>\nخصّ الله الأنبياء دون سائر البشر بوحيه إليهم، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف: ١١٠].\nوهذا الوحي يقتضي عدة أمور يفارقون بها الناس، فمن ذلك تكليم الله بعضهم، واتصالهم ببعض الملائكة، وتعريف الله لهم شيئًا من الغيوب الماضية أو الآتية، وإطلاع الله لهم على شيء من عالم الغيب.\nفمن ذلك الإسراء بالرسول ﷺ إلى بيت المقدس، والعروج به إلى السماوات العُلى، ورؤيته للملائكة والأنبياء، وإطلاعه على الجنّة والنار، ومن ذلك سماعه للمعذبين في قبورهم، وفي الحديث عن أنس أن النبي ﷺ قال: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر» (١).\nوعن أيوب قال «خرج رسول الله ﷺ بعدما غربت الشمس فسمع صوتًا، فقال: يهود تعذب في قبورها» (٢). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٩٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٦٨).\n(٢) رواه البخاري (١٣٧٥)، ومسلم (٢٦٨٩) واللفظ له.","vol":"4","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>المطلب الثاني: الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم</span>\nومما اختصهم الله تعالى به أنّ أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام، فعن أنس في حديث الإسراء: «والنبي نائمة عيناه، ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم» رواه البخاري في صحيحه (١)، وهذا وإن كان من قول أنس إلا أن مثله لا يقال من قبل الرأي كما يقول ابن حجر (٢)، وقد ورد هذا من قول الرسول ﷺ، فقد صحّ عنه أنّه قال: «إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» (٣)، وقال ﷺ عن نفسه: «إنّ عيني تنامان ولا ينام قلبي» (٤). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٩٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٥٧٠).\n(٢) «فتح الباري» (٦/ ٥٧٩).\n(٣) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (١/ ١٧١). عن عطاء مرسلًا. قال العظيم آبادي في «عون المعبود» (١/ ١٧٥): مرسل، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٢٨٧).\n(٤) رواه البخاري (١١٤٧)، ومسلم (٧٣٨).","vol":"4","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1025>المطلب الثالث: تخيير الأنبياء عند الموت</span>\nمما تفرد به الأنبياء أنّهم يخيَّرون بين الدنيا والآخرة، فعن عائشة – ﵂ – قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبي يمرض إلاّ خيّر بين الدنيا والآخرة، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحّة شديدة، فسمعته يقول: مع الَّذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشُّهداء والصَّالحين [النساء: ٦٩] فعلمت أنه خيَّر» (١).\nوقد سبق أن أوردنا حديث تخيير ملك الموت لموسى وضرب موسى لملك الموت وقلع عينه (٢). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٩١\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٥٨٦).\n(٢) انظر كتاب «عالم الملائكة» لعمر الأشقر.","vol":"4","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1026>المطلب الرابع: لا يقبر نبي إلا حيث يموت</span>\nممّا خص به الأنبياء بعد موتهم أمور تتعلق بهم في القبر، منها: الأول: أنّه لا يقبر نبيٌّ إلاّ في الموضع الذي مات فيه، ففي الحديث: «لم يقبر نبيٌّ إلا حيث يموت» (١) ولهذا فإنّ الصحابة – رضوان الله عليهم – دفنوا الرسول ﷺ في حجرة عائشة حيث قبض. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٩١\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٧) (٢٧). من حديث أبي بكر الصديق ﵁. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٢٠١).","vol":"4","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1027>المطلب الخامس: لا تأكل الأرض أجسادهم</span>\nومن إكرام الله لأنبيائه ورسله أنّ الأرض لا تأكل أجسادهم، فمهما طال الزمان وتقادم العهد تبقى أجسادهم محفوظة من البلى، ففي الحديث «إنّ الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (١).\nويذكر أهل التاريخ قصة فيها عجب وغرابة، روى ابن كثير في (البداية والنهاية) عن يونس بن بكير قال: «لما فتحنا تستر (مدينة في فارس) وجدنا في مال بيت الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر، فدعا له كعبًا فنسخه بالعربية، فأنا أوّل رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا.\nفقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيركم وأموركم ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد.\nقلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلّها، لنعميه على الناس فلا ينبشونه. قلت: فما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون.\nقلت: من كنتم تظنون بالرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال.\nقلت: مذ كم وجدتموه؟ قال: قد مات منذ ثلاثمائة سنة. قلت: ما تغير منه شيء؟ قال: لا إلاّ شعرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا يبليها الأرض، ولا تأكلها السباع».\nقال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية (٢).\nويبدو أن هذا من أنبياء بني إسرائيل، وقد ظنَّ الصحابة أنّه دانيال، لأنّ دانيال أخذه ملك الفرس، فأقام عنده مسجونًا، ويبدو أنَّ تقدير الذين وجدوه لم يكن صوابًا، فإنّ دانيال كان قبل الإسلام بثمانمائة سنة، فإن كان تقديرهم صوابًا فليس بنبي؛ لأنّه لا نبي بين عيسى ورسولنا محمد عليهما الصلاة والسلام، فيكون عبدًا صالحًا ليس بنبي، وكونه نبيًا أرجح، لأنّ الذين تحفظ أجسادهم هم الأنبياء دون غيرهم، ويرجح هذا أيضًا ذلك الكتاب الذي وجد عند رأسه، لا شكّ أنه كتاب نبيّ، فالأمور الغيبيّة التي تضمنها لا تكون إلا وحيًا سماويًا، وترجيحنا لكونه من بني إسرائيل لأمرين: الأول: ظن الصحابة أنّه دانيال، ويكونون قد علموا ذلك من قرائن لم تذكر. والثاني: الكتاب الذي وجد عند رأسه، ويبدو أنه كان مكتوبًا بالعبرانية، لأنّ الذي ترجمه هو أبيّ بن كعب، وقد كان قبل إسلامه يهوديًا. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٩٢\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (٣/ ٩١)، وابن ماجه (١٦٣٦)، وأحمد (٤/ ٨) (١٦٢٠٧)، وابن حبان (٣/ ١٩٠)، والحاكم (١/ ٤١٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال النووي في «المجموع» (٤/ ٥٤٨): إسناده صحيح. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٩٤) - كما أشار لذلك في المقدمة - وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) «البداية والنهاية» (٢/ ٤٠). ورواه البيهقي في «دلائل النبوة» (١/ ٣٨١).","vol":"4","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1028>المطلب السادس: أحياء في قبورهم</span>\nصحَّ عن النبي أنّ «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» (١)، وروي أيضًا أنّ الرسول ﷺ قال: «مررت على موسى ليلة أسري به عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره» (٢).\nوروى مسلم عن أبي هريرة في قصة الإسراء: «وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي. .، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي، وإذا إبراهيم قائم يصلي» (٣). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٩٣\n_________\n(١) [٤٨٩٧]» رواه أبو يعلى (٦/ ١٤٧)، والبيهقي في «حياة الأنبياء» (ص: ٧٠). من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢١٤): رجال أبي يعلى ثقات، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٥٦١): فيه يحيى بن أبي كثير وهو من رجال الصحيح عن المستلم بن سعيد، وقد وثقه أحمد وابن حبان عن الحجاج الأسود وهو ابن أبي زياد البصري وقد وثقه أحمد وابن معين عن ثابت عنه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٧٩٠).\n(٢) رواه مسلم (٢٣٧٥). من حديث أنس ﵁.\n(٣) رواه مسلم (١٧٢).","vol":"4","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1030>المبحث الأول: العصمة في التحمل وفي التبليغ</span>\nاتفقت الأمة على أنَّ الرسل معصومون في تحمّل الرسالة (١)، فلا ينسون شيئًا مما أوحاه الله إليهم إلاّ شيئًا قد نُسخ، وقد تكفل الله لرسوله ﷺ بأن يقرئه فلا ينسى شيئًا مما أوحاه إليه، إلا شيئًا أراد الله أن ينسيه إياه: سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىَ إِلاّ مَا شَآءَ اللهُ [الأعلى: ٦ - ٧]، وتكفل له بأن يجمعه في صدره: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٦ - ١٨]\nوهم معصومون في التبليغ، فالرسل لا يكتمون شيئًا ممّا أوحاه الله إليهم، ذلك أن الكتمان خيانة، والرسل يستحيل أن يكونوا كذلك، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة: ٦٧] ولو حدث شيء من الكتمان أو التغيير لما أوحاه الله، فإن عقاب الله يحلّ بذلك الكاتم المغيّر وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦].\nومن العصمة ألاّ ينسوا شيئًا مما أوحاه الله إليهم، وبذلك لا يضيع شيء من الوحي، وعدم النسيان في التبليغ داخل في قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىَ [الأعلى: ٦] وما يدل على عصمته في التبليغ قوله تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ [النجم: ٣ - ٤]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٩٧\nكماتجب عصمتهم عن أي شيء يخل بالتبليغ: ككتمان الرسالة، والكذب في دعواها، والجهل بأي حكم أنزل عليهم، والشك فيه، والتقصير في تبليغه؛ وتصور الشيطان لهم في صورة الملك، وتلبيسه عليهم في أول الرسالة فيما بعدها، وتسلطه على خواطرهم بالوساوس؛ وتعمد الكذب في أي خبر أخبروا به عن الله تعالى؛ وتعمد بيان أي حكم شرعي على خلاف ما أنزل عليهم: سواء أكان ذلك البيان بالقول أم بالفعل؛ وسواء أكان ذلك القول خبرًا أم غيره.\nفذلك كله: قد انعقد الإجماع من أهل الشرائع على وجوب عصمتهم منه -: لدلالة المعجزات التي أظهرها الله على أيديهم (القائمة مقام قوله تعالى: صدق رسلي في كل ما يبلغون عني) عليه. فإنه لو جاز عليهم شيء من ذلك: لأدى إلى إبطال دلالتها. وهو محال.\nوقد أمر الله تعالى نبينا محمدًا ﷺ أن يبلغ جميع ما أنزل عليه؛ وبين أنه إن قصر في شيء منه لم يكن مبلغًا رسالته؛ وبين أيضًا أنه قد عصمه من جميع خلقه، ومن أن يهموا بإضلاله، وأن يمنعوه عن أدائها؛ وأنه لو اختلق شيئًا عليه لأهلكه، وأنزل أشد العقاب به.\nثم: إنه تعالى – مع ذلك – قد شهد له بالبلاغ والصدق، وأنه مستمسك بما أمره به، وأنه يهدي إلى الحق وإلى الصراط المستقيم.\nوقد شهد النبي ﷺ لنفسه بذلك، وبين أنه متمسك بالتبليغ مهما حصل له.\n_________\n(١) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٠/ ٢٩١)، و«لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ٣٠٤).","vol":"4","page":30},{"text":"قال تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧]. وقال تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: ١١٣]. وقال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة: ٣٨ - ٤٧].\nوقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] .. وقال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧]. وقال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٤]. وقال تعالى – في آخر زمنه ﷺ -: اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣]. حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق – ص: ٩٦\nالغاية من عصمة الأنبياء لكي يكون الناس على يقين من دين الله، فيدينون بدين الأنبياء، وهذا لا ينافي وقوعهم في أخطاء من صغائر الذنوب، فيغفر الله لهم ولا يقرون على ذلك الخطأ، كما قال تعالى: وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه: ١٢١] ثم بعد ذلك اجتباه وهدى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: ١٢٢].\n... قال - شيخ الإسلام - ﵀: (فإن أهل السنة متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرسالة) (١).\nذكر من نقل الإجماع من أهل العلم أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام:\nلما كان الشرع لا يعرف إلا عن طريق الأنبياء .. ولا يمكن تحقيق شرع الله ودينه الذي ارتضاه إلا عن طريقهم وأتباعهم، كان لزامًا أن يكون الأنبياء معصومين عن الخطأ، وذلك حتى لا يقتدي بهم على الخطأ.\n_________\n(١) «منهاج السنة» (١/ ٤٧٠).","vol":"4","page":31},{"text":"قال ابن حزم – ﵀ -: (ذهبت جميع أهل الإسلام من أهل السنة والمعتزلة .. أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلًا معصية بعمد لا صغيرة ولا كبيرة .. ونقول إنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد ويقع منهم أيضًا قصد الشيء يريدون به وجه الله تعالى والتقرب به منه فيوافق خلاف مراد الله تعالى إلا أنه تعالى لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين) (١).\nوقال ابن حزم أيضًا: (والأنبياء ﵈، لا يعصون الله تعالى لا بكبيرة ولا صغيرة على سبيل العمد، لأنهم معصومون، والناس مأمورون بالاقتداء بهم، ولا يجوز الأمر بالاقتداء بمن يعصي) (٢).\nذكر مستند الإجماع على عصمة الأنبياء: مسألة العصمة للأنبياء تعلم من دين الإسلام بالضرورة، وذلك أن الله ﷿ جعل دينه المقبول عنده هو ما شرعه الأنبياء وأمروا به، كما قال تعالى: آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥].\nوقال تعالى: قُولُوا آَمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ البقرة: ١٣٦ - ١٣٧.\nوقال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ [النساء: ٨٠] الآية.\nفلو كان الأنبياء غير معصومين فيما يبلغونه من شرع الله لما ذكر الله ﷿ هذا الثناء على المؤمنين بإيمانهم برسل الله وطاعتهم لهم، بل قد يكون هذا الثناء والخبر غشا وعدم تبيين للناس وقد قال تعالى: يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء: ٢٦].\nبل حكم الله على من آمن بمثل ما آمن به الأنبياء بالاهتداء .. ولو كانوا غير معصومين لما حكم لمن آمن بمثل ما آمنوا به بذلك، وأظهر من هذا كله أن جعل من يطيعهم فقد أطاع الله، وهذا لا يمكن إلا لمعصوم، ولو كانوا غير معصومين لكان في ذلك هدم للدين ونزع لجذوره، ولهذا يعبر شيخ الإسلام –﵀- عن عصمة الأنبياء بأنها مقصود الرسالة (٣)، فلن يستقيم للدين أمره وللرسالة مقصودها إلا بعصمة الأنبياء فيما يبلغونه من شرع الله، وسواء قلنا العصمة ابتداء أو عدم إقرار الأنبياء على خطأ في التبليغ؛ فالمقصود أنهم معصومون فيما يبلغونه من شرع الله، وسواء قلنا العصمة ابتداء أو عدم إقرار الأنبياء على خطأ في التبليغ؛ فالمقصود أنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله، ولهذا وجب أتباعهم وعدم مخالفتهم، وهذه لا تكون إلا للمعصوم من الخطأ. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٧٧٧\n_________\n(١) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ٢).\n(٢) «الدرة فيما يجب اعتقاده» (ص: ٢٢٩).\n(٣) «منهاج السنة» (١/ ٤٧٠).","vol":"4","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1031>المبحث الثاني: العصمة من الصغائر</span>\nذهب أكثر علماء الإسلام إلى أن الأنبياء ليسوا معصومين من الصغائر، وقال ابن تيمية: (القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أنّ هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلاّ ما يوافق هذا القول ..) (١).\nالأدلة: وقد استدل جماهير العلماء على دعواهم بأدلة:\n١ - معصية آدم بأكله من الشجرة التي نهاه الله تعالى عن الأكل منها، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى - فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى - إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى - فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى - فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه: ١١٦ - ١٢١].\nوالآية في غاية الوضوح والدلالة على المراد، فقد صرحت بعصيان آدم ربه. ٢ - ونوح دعا ربه في ابنه الكافر وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥]، فلامه ربه على مقالته هذه، وأعلمه أنّه ليس من أهله، وأن هذا منه عمل غير صالح قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود: ٤٦] فاستغفر ربّه من ذنبه وتاب وأناب قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ [هود: ٤٧].\nوالآية صريحة في كون ما وقع منه كان ذنبًا يحتاج إلى مغفرة وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي .. .\n٣ - وموسى أراد نصرة الذي من شيعته، فوكز خصمه فقضى عليه قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ - قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص: ١٥ - ١٦]، فقد اعترف موسى بظلمه لنفسه، وطلب من الله أن يغفر له، وأخبر الله بأنه غفر له.\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٣١٩).","vol":"4","page":33},{"text":"٤ - وداود ﵇ تسّرع في الحكم قبل سماع قول الخصم الثاني، فأسرع إلى التوبة فغفر الله له ذنبه فَاسْتَغْفَرَ رَبّهُ وَخَرّ رَاكِعًا وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ [ص: ٢٤ - ٢٥]. ٥ - ونبينا محمد ﷺ عاتبه ربه في أمور يَا أَيُّهَا النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التحريم: ١] نزلت بسبب تحريم الرسول ﷺ العسل على نفسه، أو تحريم مارية القبطية. وعاتبه ربه بسبب عبوسه في وجه الأعمى ابن أم مكتوم، وانشغاله عنه بطواغيت الكفر يدعوهم إلى الله، والإقبال على الأعمى الراغب فيما عند الله هو الذي كان ينبغي أن يكون من الرسول ﷺ: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى .. [عبس: ١ - ٤]. وقبل الرسول ﷺ من أسرى بدر الفدية فأنزل الله تعالى: لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٦٨]. هذه أمثلة اكتفينا بذكرها عن غيرها، وإلاّ فقد ورد في القرآن مغاضبة يونس لقومه، وخروجه من قومه من غير إذن من ربه، وما صنعه أولاد يعقوب بأخيهم يوسف في إلقائه في غيابة الجبِّ، ثم أوحى الله إليهم وجعلهم أنبياء.\nالقائلون بعصمة الأنبياء من الصغائر:\nيستعظم بعض الباحثين أن ينسب إلى الأنبياء صغائر الذنوب التي أخبرت نصوص الكتاب والسنة بوقوعها منهم، ويذهب هؤلاء إلى تهويل الأمر، ويزعمون أنّ القول بوقوع مثل هذا منهم فيه طعن بالرسل والأنبياء، ثم يتحملون في تأويل النصوص، وهو تأويل يصل إلى درجة تحريف آيات الكتاب كما يقول ابن تيمية (١). وكان الأحرى بهم تفهم الأمر على حقيقته، وتقديس نصوص الكتاب والسنة، واستمداد العقيدة في هذا الأمر وفي كل أمر من القرآن وأحاديث الرسول، وبذلك نحكمها في كل أمر، وهذا هو الذي أمرنا به، أمّا هذا التأويل، والتحريف بعد تصريح الكتاب بوقوع مثل ذلك منهم فإنّه تحكيم للهوى، ونعوذ بالله من ذلك.\nوقد انتشرت هذه التأويلات عند الكتاب المحدثين، وهي تأويلات فاسدة من جنس تأويلات الباطنية والجهمية، كما يقول ابن تيمية (٢).\nشبهتان (٣):\nالذين منعوا من وقوع الصغائر من الأنبياء أوردوا شبهتين:\nالأولى: أن الله أمر باتباع الرسل والتأسي بهم لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١]، وهذا شأن كل رسول، والأمر باتباع الرسول يستلزم أن تكون اعتقاداته وأفعاله وأقواله جميعها طاعات لا محالة، لأنه لو جاز أن يقع من الرسول معصية لله تعالى لحصل تناقض في واقع الحال، إذ يقتضي أن يجتمع في هذه المعصية التي وقعت من الرسول الأمر باتباعها وفعلها من حيث كوننا مأمورين بالتأسي بالرسول ﷺ، والنهي عن موافقتها من حيث كونها معصية منهي عنها، وهذا تناقض، فلا يمكن أن يأمر الله عبدًا بشيء في حال أنه ينهاه عنه.\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٠/ ٣١٣).\n(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٠/ ٣١٣).\n(٣) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٠/ ٢٩٣ - ٣١٣)، و(١٥/ ١٥٠).","vol":"4","page":34},{"text":"وقولهم هذا يكون صحيحًا، لو بقيت معصية الرسول خافية غير ظاهرة، بحيث تختلط علينا الطاعة بالمعصية، أمّا وأنّ الله ينبه رسله وأنبياؤه إلى ما وقع منهم من مخالفات ويوفقهم إلى التوبة منها، من غير تأخير فإنّ ما أوردوه لا يصلح دليلًا بل يكون التأسي بهم في هذا منصبًا على الإسراع في التوبة عند وقوع المعصية، وعدم التسويف في هذا، تأسيًا بالرسل والأنبياء الكرام في مبادرتهم بالتوبة من غير تأخير.\nالثانية: أنّ هؤلاء توهموا أن الذنوب تنافي الكمال، وأنها تكون نقصًا وإن تاب التائب منها، وهذا غير صحيح، فإنّ التوبة تغفر الحوبة، ولا تنافي الكمال، ولا يتوجه إلى صاحبها اللوم، بل إنّ العبد في كثير من الأحيان يكون بعد توبته من معصيته خيرًا منه قبل وقوع المعصية، وذلك لما يكون في قلبه من الندم والخوف والخشية من الله تعالى، ولما يجهد به نفسه من الاستغفار والدعاء، ولما يقوم به من صالح الأعمال، يرجو بذلك أن تمحو الصالحات السيئات، وقد قال بعض السلف: (كان داود ﵇ بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة) (١)، وقال آخر: (لو لم تكن التوبة أحبّ الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه) (٢).\nوقد ثبت في الصحاح «أن الله أشد فرحًا بتوبة عبده من رجل أضلته ناقته بأرض فلاة، وعليها طعامه وشرابه، فنام نومة فقام فوجد راحلته فوق رأسه فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» (٣).\nوفي الكتاب الكريم: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢] وقال تعالى مبينًا مثوبة التائبين: إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ... [الفرقان: ٧٠].\nوفي يوم القيامة «يدني الله المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا، فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (٤). ومعلوم أنه لم يقع ذنب من نبي إلا وقد سارع إلى التوبة والاستغفار منه، يدلنا على هذا أن القرآن لم يذكر ذنوب الأنبياء إلا مقرونة بالتوبة والاستغفار، فآدم وزوجه عصيا فبادرا إلى التوبة قائلين: ربَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣] وما كادت ضربة موسى تسقط القبطي قتيلًا حتى سارع طالبًا الغفران والرحمة قائلًا: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص: ١٦]. وداود ما كاد يشعر بخطيئته حتى خرّ راكعًا مستغفرًا فَاسْتَغْفَرَ رَبّهُ وَخَرّ رَاكِعًا وَأَنَابَ [ص: ٢٤].\nفالأنبياء لا يقرون على الذنب، ولا يؤخرون التوبة، فالله عصمهم من ذلك، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها.\nوبذلك انهارت هاتان الشبهتان، ولم يثبتا في مجال الحجاج والنقاش، وحسبنا بالأدلة الواضحة البينة التي تهدي للتي هي أقوم.\nالسبب في عصمة الأنبياء مما عصموا منه وعدم عصمتهم مما لم يعصموا منه: الرسل والأنبياء بشر من البشر، عصمهم الله في تحمل الرسالة وتبليغها، فلا ينسون شيئًا، ولا ينقصون شيئًا، وبذلك يصل الوحي الذي أنزله الله إلى الذين أرسلوا إليهم كاملًا وافيًا، كما أراده الله جلّ وعلا، وهذه العصمة لا تلازمهم في كلّ أمورهم فقد تقع منهم المخالفة الصغيرة، بحكم كونهم بشرًا، ولكنّ رحمة الله تتداركهم، فينبههم الله إلى خطئهم، ويوفقهم للتوبة والأوبة إليه.\nيقول الشيخ مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر: (إنّ الوحي لا يلازم الأنبياء في كلّ عمل يصدر عنهم، وفي كلِّ قول يبدر منهم، فهم عرضة للخطأ، يمتازون عن سائر البشر بأنّ الله لا يقرّهم على الخطأ بعد صدوره، ويعاتبهم عليه أحيانًا) (٥). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٠٧\n_________\n(١) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٠/ ٤٥).\n(٢) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٠/ ٢٩٤).\n(٣) رواه البخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٥) انظر: مقدمة كتاب «حياة محمد لهيكل» بقلم الشيخ المراغي (ص: ١١).","vol":"4","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>المبحث الثالث: تكريم الأنبياء وتوقيرهم</span>\nهذه الصغائر التي تقع من الأنبياء لا يجوز أن تتخذ سبيلًا للطعن فيهم، والإزراء عليهم، فهي أمور صغيرة ومعدودة غفرها الله لهم، وتجاوز عنها، وطهرهم منها، وعلى المسلم أن يأخذ العبرة والعظة لنفسه من هذه، فإذا كان الرسل الكرام الذين اختارهم الله واصطفاهم عاتبهم الله ولامهم على أمور كهذه، فإنّه يجب أن نكون على حذر وتخوف من ذنوبنا وآثامنا، وعلينا أن نتأسى بالرسل والأنبياء في المسارعة إلى التوبة والأوبة إلى الله، وكثرة التوجه إليه واستغفاره. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١١٢","vol":"4","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1033>المبحث الرابع: أمور لا تنافي العصمة</span>\n- الأعراض البشرية الجبلية لا تنافي العصمة:\nفإبراهيم ﵇ أوجس في نفسه خيفة عندما رأى أيدي ضيوفه لا تمتد إلى الطعام الذي قدمه لهم، ولم يكن يعلم أنهم ملائكة تشكلوا في صور البشر فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود: ٧٠]\n- عدم صبر موسى ﵇ على تصرفات العبد الصالح:\nوموسى وعد الخضر بأن يصبر في صحبته له، فلا يسأله عن أمر يفعله العبد الصالح حتى يحدث له منه ذكرًا، ولكنه لم يتمالك نفسه، إذ رأى تصرفات غريبة، فكان في كل مرّة يسأل أو يعترض أو يوجه، وفي كل مرّة يذكّره العبد الصالح ويقول له: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: ٧٥]. وعندما كشف له عن سر أفعاله قال له: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: ٨٢].\n٣ - تصرفات موسى ﵇ عندما رأى قومه يعبدون العجل: وغضب موسى غضبًا شديدًا، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح وفي نسختها هدى – عندما عاد إلى قومه بعد أن تمّ ميقات ربه، فوجدهم يعبدون العجل، وَلَمّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَىَ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمّ أن الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ [الأعراف: ١٥٠] وفي الحديث: «ليس الخبر كالمعاينة، إنَّ الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلمّا عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت» (١).\n- نسيان آدم وجحوده:\nومن ذلك نسيان آدم ﵇ وجحوده، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كلٍّ منهم وبيصًا من نور، ثمّ عرضهم على آدم، فقال: أي ربِّ مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي ربّ من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له داود، فقال: ربِّ كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي ربِّ زده من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم، جاءه ملك الموت، فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة، قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته» (٢).\n- نبي يحرق قرية النمل:\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٧١) (٢٤٤٧)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (١/ ١٢) (٢٥)، وابن حبان (١٤/ ٩٦) (٦٢١٣)، والحاكم (٢/ ٣٥١). من حديث ابن عباس ﵄. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٥٨): رواه أحمد والبزار والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» ورجاله رجال الصحيح وصححه ابن حبان، وقال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (٢/ ١٣٩): له شاهد.\n(٢) رواه الترمذي (٣٠٧٦)، والحاكم (٢/ ٦٤٠). قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن العربي في «أحكام القرآن» (٢/ ٣٣٣).","vol":"4","page":37},{"text":"ومن ذلك ما وقع من نبي من الأنبياء غضب إذ قرصته نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فعاتبه الله على ذلك، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة عن النبي ﷺ: «نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثمّ أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلاّ نملة واحدة» (١).\n- نسيان نبينا ﷺ وصلاته الظهر ركعتين:\nومن ذلك نسيان الرسول ﷺ في غير البلاغ، وفي غير أمور التشريع، فمن ذلك ما رواه ابن سيرين عن أبي هريرة قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ، إحدى صلاتي العشيّ، فصلى ركعتين، ثمّ سلّم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنّه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبّك بين أصابعه، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه.\nوفي القوم رجل يقال له ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم فصلّى ما ترك، ثمّ سلّم، ثمّ كبّر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثمّ رفع رأسه وكبّر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثمّ رفع رأسه وكبّر، فربما سألوه، ثمّ سلّم، فيقول: أنبئت أنّ عمران بن حصين، قال: ثمّ سلّم» متفق عليه (٢). وليس لمسلم فيه وضع اليد على اليد ولا التشبيك.\nوفي رواية، قال: «بينما أنا أصلّي مع النبي ﷺ صلاة الظهر سلّم من ركعتين، فقام رجل من بني سليم، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟» وساق الحديث، رواه أحمد ومسلم (٣).\nوهذا يدل على أنّ القصة كانت بحضرته وبعد إسلامه. وفي رواية متفق عليها لما قال: «لم أنس ولم تقصر، قال: بلى، قد نسيت» (٤) وهذا يدل على أن ذا اليدين تكّلم بعدما علم عدم النسخ كلامًا ليس بجواب سؤال (٥).\nوقد صرح الرسول ﷺ بطروء النسيان عليه كعادة البشر، ففي حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «ولكنّي إنّما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني» (٦) قال هذا بعد نسيانه في إحدى الصلوات. أمّا الحديث الذي يروى بلفظ: «إني لا أنسى، ولكن أُنسَّى لأسنّ» (٧) فلا يجوز أن يعارض به الحديث السابق، لأنّ هذا الحديث – كما يقول ابن حجر – لا أصل له، فإنّه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد (٨).\n- مدى العصمة في إصابة الحق في القضاء:\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣١٩)، ومسلم (٢٢٤١).\n(٢) رواه البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣).\n(٣) رواه مسلم (٥٧٣)، وأحمد (٢/ ٤٢٣) (٩٤٥٨).\n(٤) رواه البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣).\n(٥) انظر: «نيل الأوطار» (٣/ ١١٤).\n(٦) رواه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢).\n(٧) «موطأ مالك» (٢/ ١٣٨). قال: ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢/ ٧): لا يعرف بهذا اللفظ في الموطأ وهو غير مسند، وقال ابن العربي في «القبس» (١/ ٣٥٤): لم يصح سنده، وقال ابن الملقن في «الإعلام» (٣/ ٢٧٢): منقطع الإسناد، وقال العراقي في «طرح التثريب» (٣/ ٩): لا أصل له.\n(٨) انظر: «نيل الأوطار» (٣/ ١١٧).","vol":"4","page":38},{"text":"الأنبياء والرسل يجتهدون في حكم ما يعرض عليهم من وقائع، ويحكمون وفق ما يبدو لهم، فهم لا يعلمون الغيب، وقد يخطئون في إصابة الحق، فمن ذلك عدم إصابة نبي الله داود في الحكم، وتوفيق الله لابنه سليمان في تلك المسألة. فعن أبي هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول: «كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنّما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى» (١).\nوقد وضح الرسول ﷺ هذه القضية وجلاّها، فقد روت أمُّ سلمة زوج النبي ﷺ: «أنّ النبي ﷺ سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: إنّما أنا بشر، وإنّه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها» (٢). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ٩٩\nوبشرية الأنبياء وحصول المرض والجوع والنسيان عليهم كما يحصل ويقع لسائر البشر من الأمور الظاهرة المعروفة عند كافة الناس، وما نقل شيخ الإسلام وغيره الإجماع على ذلك إلا لوجود أولئك الذين يرفعون من قدر المخلوق نبيًا كان أو غيره ويعظمونه حتى يعدلوا به الرب ﷿ أو يلحقوا به بعض صفاته تعالى؛ ولهذا اضطر شيخ الإسلام وغيره على نقل الإجماع في بشرية الأنبياء وحصول المرض والجوع ونحو ذلك عليهم، وهذا مثل ما قاله الإمام الدارمي في كتابه الرد على الجهمية مبينًا اضطراره إلى الكلام في المسائل البديهية حيث قال: (باب الإيمان بالعرش وهو أحد ما أنكرته المعطلة ثم قال: وما ظننا أن نضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله، فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا، وإلى الله نشكو ما أوهت هذه العصابة من عرى الإسلام وإليه نلجأ، وبه نستعين) (٣).\nنص كلام شيخ الإسلام في المسألة: قال – ﵀ -: (والأنبياء يجوز عليهم المرض والجوع والنسيان ونحو ذلك بالإجماع) (٤).\nذكر من نقل الإجماع من أهل العلم أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: كون الأنبياء بشرًا ويحصل لهم ما يحصل للبشر من المرض والجوع والنسيان فيه رفعة لشأنهم وقدرهم .. وذلك لأنهم مع وجود هذه الصفات فهم محققون لعبودية الله ﷿ غاية التحقيق وأعلاه .. ولأن هذه المسألة من المسلمات عند المسلمين وذلك بنص القرآن: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف: ١١٠] لم أقف على من تعرض لها ممن جمع في معتقد أهل السنة إلا ما كان من ابن حزم فقد قال –﵀-: (وأن جميع النبيين وعيسى ومحمدًا ﵈ عبيد لله تعالى مخلوقون، ناس كسائر الناس) (٥). وكونهم بشرًا وأناسًا يؤكد وقوع المرض والجوع والنسيان عليهم كوقوعه على غيرهم من سائر البشر.\nذكر مستند الإجماع على جواز المرض والجوع والنسيان ونحو ذلك على الأنبياء:\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٢٨).\n(٢) رواه البخاري (٢٤٥٨)، ومسلم (١٧١٣).\n(٣) «الرد على الجهمية» (ص: ١٢).\n(٤) «الرد على البكري» (١/ ٣٠٦).\n(٥) «المحلى» (١/ ١٠).","vol":"4","page":39},{"text":"الأنبياء إنما هم بشر كسائر البشر يحصل لهم ما يحصل للبشر فيمرضون ويجوعون وينسون ونحو ذلك، قال تعالى: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١] وقال تعالى عن أيوب ﵇: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: ١٤]، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: ٨٣].\nوأخبر الله ﷿ أن للأنبياء أزواجًا وذرية كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨] بل إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:٢٠]، وأخبر الله ﷿ عن آدم ﵇ أنه نسي، فقال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥]، وقال تعالى عن موسى ﵇ وغلامه فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف: ٦١]، فكل هذه الصفات تبين بشرية الأنبياء، وأنهم يجوز عليهم ما يجوز على سائر البشر، وإنما يوحى إليهم كما قال تعالى على لسان نبيه: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف: ١١٠] ولقد قال النبي ﷺ: «إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون» (١). المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٧٧٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٧٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"4","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1035>تمهيد:</span>\nالأنبياء الذين ابتعثهم الله إلى عباده يقولون للناس: نحن مرسلون من عند الله، وعليكم أن تصدقونا فيما نخبركم به، كما يجب عليكم أن تطيعونا بفعل ما نأمركم به، وترك ما ننهاكم عنه، وقد أخبر الله في سورة الشعراء أن نوحًا خاطب قومه قائلًا: أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء: ١٠٦ - ١٠٨]. وبهذا القول نفسه خاطب رسل الله: هود، وصالح، ولوط، وشعيب، أقوامهم، بل هي مقالة ودعوة كل رسول لقومه.\nفإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ أن يقيم الله الدلائل والحجج والبراهين المبينة صدق الرسل في دعواهم أنهم رسل الله كي تقوم الحجة على الناس، ولا يبقى لأحد عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ [الحديد: ٢٥] أي: بالدلائل والآيات البينات التي تدلُّ على صدقهم. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١١٩","vol":"4","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1037>المبحث الأول: تعريف الآية والمعجزة</span>\nالآية – في لغة العرب – العلامة الدالة على الشيء، والمراد بها هنا: ما يجريه الله على أيدي رسله وأنبيائه من أمور خارقة للسنن الكونية المعتادة التي لا قدرة للبشر على الإتيان بمثلها، كتحويل العصا إلى أفعى تتحرك وتسعى، فتكون هذه الآية الخارقة للسنة الكونية المعتادة دليلًا غير قابل للنقض والإبطال، يدلُّ على صدقهم فيما جاؤوا به.\nوقد تتابع العلماء على تسمية هذه الآيات بالمعجزات، والمعجزة – في اللغة – اسم فاعل مأخوذ من العجز الذي هو زوال القدرة عن الإتيان بالشيء من عمل أو رأي أو تدبير (١).\nويعرّف الفخر الرازي المعجزة في العرف: بأنّها أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة (٢).\nويعرفها ابن حمدان الحنبلي بأنَّها ما خرق العادة من قول أو فعل إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها وطابقها على جهة التحدي ابتداءً بحيث لا يقدر أحدٌ على مثلها، ولا على ما يقاربها (٣).\nوعلى ذلك فإنّ الأمور التالية لا تعدّ من باب المعجزات:\n١ - الخوارق التي تعطى للأنبياء وليس مقصودًا بها التحدي، كنبع الماء من بين أصابع الرسول ﷺ، وتكثيره الطعام القليل، وتسبيح الحصا في كفّه، وإتيان الشجر إليه، وحنين الجذع إليه، وما أشبه ذلك.\n٢ - الخوارق التي أعطاها الله لغير الأنبياء ويسميها المتأخرون كرامات. والذين فرقوا هذا التفريق هم العلماء المتأخرون، أمّا المعجزة في اللغة وفي عرف العلماء المتقدمين كالإمام أحمد فإنّها تشمل ذلك كله (٤).\nوقد أطلقنا عليها اسم (الآية) كما جاء بذلك القرآن الكريم، وهو اسم شامل لكل ما أعطاه الله لأنبيائه للدلالة على صدقهم سواءً أقصد به التحدي أم لم يقصد. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٢١\n_________\n(١) «بصائر ذوي التمييز» (١/ ٦٥).\n(٢) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠).\n(٣) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠).\n(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١١/ ٣١١)، و«لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٢٩٠).","vol":"4","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1038>المبحث الثاني: أنواع الآيات</span>\nإذا استقرأنا الآيات والمعجزات التي أعطاها الله لرسله وأنبيائه نجدها تندرج تحت ثلاثة أمور: العلم، والقدرة، والغنى (١).\nفالإخبار بالمغيبات الماضية والآتية، كإخبار عيسى قومه بما يأكلونه وما يدخرونه في بيوتهم، وإخبار رسولنا ﷺ بأخبار الأمم السابقة، وإخباره بالفتن وأشراط الساعة التي ستأتي في المستقبل – كل ذلك من باب العلم. وتحويل العصا أفعى، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وشقّ القمر وما أشبه هذا – من باب القدرة.\nوعصمة الله لرسوله ﷺ من الناس، وحمايته له ممن أراد به سوءًا، ومواصلته للصيام مع عدم تأثير ذلك على حيويته ونشاطه من باب الغنى. وهذه الأمور الثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى، التي ترجع إليها المعجزات لا ينبغي أن تكون على وجه الكمال إلاّ لله تعالى، ولذلك أمر الله رسوله ﷺ بالبراءة من دعوى هذه الأمور قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام: ٥٠].\nفالرسول ﷺ يبرأ من دعوى علم الغيب، وملك خزائن الأرض، ومن كونه مَلَكًا مستغنيًا عن الطعام والشراب والمال. والرسل ينالون من هذه الثلاثة المخالفة للعادة المطردة، أو لعادة أغلب الناس بقدر ما يعطيهم الله تعالى، فيعلمون من الله ما علمهم إيّاه، ويقدرون على ما أقدرهم عليه، ويستغنون بما أغناهم به. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٢٣\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١١/ ٣١٢ - ٣١٣).","vol":"4","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1040>المطلب الأول: آية نبي الله صالح</span>\nدعا صالح قومه إلى عبادة الله الواحد الأحد وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النمل: ٤٥]، فكذبوه وطلبوا منه آية تدل على صدقه قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء: ١٥٣ - ١٥٤].\nيقول ابن كثير: (ذكر المفسرون أنّ ثمود اجتمعوا يومًا في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح، فدعاهم إلى الله، وذكرهم، وحذّرهم، ووعظهم، وأمرهم، فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة – وأشاروا إلى صخرة هناك – ناقة، من صفتها كيت وكيت، وذكروا أوصافًا سموها، ونعتوها، وتعنتوا فيها، وأن تكون عشراء طويلة، من صفتها كذا وكذا.\nفقال لهم نبيهم صالح ﵇: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئت به، وتصدقوني بما أرسلت به؟ قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، ثمّ قام إلى مصلاه فصلّى لله – ﷿ – ما قدّر له، ثم دعا ربّه – ﷿ – أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله ﷿ تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه الذي طلبوا، أو على الصفة التي نعتوا. فلما عاينوها كذلك رأوا أمرًا عظيمًا، ومنظرًا هائلًا، وقدرة باهرة، ودليلًا قاطعًا، وبرهانًا ساطعًا، فآمن كثير منهم، واستمرَّ أكثرهم على كفرهم (١)، وقد ذكر الله استجابته لطلبهم الآية قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ [الشعراء: ١٥٥]، قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ) [الأعراف: ٧٣]، وقد أخبر الله أنها كانت آية واضحة بينة لا خفاء فيها، ولذا سماها مبصرة وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الإسراء: ٥٩]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٢٥\n_________\n(١) «البداية والنهاية» (١/ ١٣٤).","vol":"4","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1041>المطلب الثاني: معجزة إبراهيم ﵇</span>\nحطّم إبراهيم آلهة قومه التي كانوا يعبدونها، فأشعلوا له النار، ورموه فيها، فأمر الله جل وعلا النار ألا تصيبه بأذى وأن تكون عليه بردًا وسلامًا قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].\nومن الآيات التي أجراها على يد إبراهيم إحياء الموتى، وقد قصّ الله علينا خبر ذلك: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا [البقرة: ٢٦٠].\nفأمره بذبح هذه الطيور، ثم تقطيعها، وتفريقها على عدة جبال، ثم دعاها فلبت النداء، واجتمعت الأجزاء المتفرقة، والتحمت كما كانت من قبل، ودبت فيها الحياة، وطارت محلقة في الفضاء، فسبحان الله ما أعظم شأنه، وأجلَّ قدرته. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٢٧","vol":"4","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1042>المطلب الثالث: آيات نبي الله موسى ﵇</span>\nأعطى الله موسى تسع آيات بينات وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الإسراء: ١٠١].\n١ - وأعظم هذه الآيات وأكبرها العصا التي كانت تتحول إلى حيّة عظيمة عندما يلقيها على الأرض وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى [طه: ١٧ - ٢١].\nوكان من شأن هذه العصا أن ابتلعت عشرات من الحبال والعصي التي جاء بها فرعون ليغالبوا موسى، قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه: ٦٥ - ٦٩].\nوعندما عاين السحرة ما فعلته حيَّة موسى، علموا أنَّ هذا ليس من صنع البشر، إنما هو من صنع الله خالق البشر، فلم يتمالكوا أن خروا أمام الجموع ساجدين لله ربِّ العالمين فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه: ٧٠].\n٢ - ومن الآيات التي أرسل بها موسى ما ذكره الله في قوله: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى [طه: ٢٢]، كان يدخل يده في جيبه (درع قميصه)، ثم ينزعها، فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضًا من غير سوء، أي: من غير برص، ولا بهق.\nوذكر الله سبع آيات في سورة الأعراف، فقد ذكر الله أنه أصابهم: ٣ - بالسنين، وهي ما أصابهم من الجدب والقحط، بسبب قلة مياه النيل، وانحباس المطر عن أرض مصر.\n٤ - نقص الثمرات ذلك أن الأرض تمنع خيرها، وما يخرج يصاب بالآفات والجوائح. ٥ - الطوفان الذي يتلف المزارع ويهدم المدن والقرى.\n٦ - الجراد الذي لا يدع خضراء ولا يابسة.\n٧ - القمّل، وهي حشرة تؤذي الناس في أجسادهم.\n٨ - الضفادع التي نغصت عليهم عيشتهم لكثرتها.\n٩ - الدم الذي يصيب طعامهم وشرابهم.\nوَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ - فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ - وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ - فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ [الأعراف: ١٣٠ - ١٣٣].\nآيات أخرى:\nهذه الآيات التسع التي أرسل بها موسى إلى فرعون، وإلاّ فالآيات التي أجراها الله على يد موسى أكثر من ذلك، فمن ذلك ضرب موسى البحر بعصاه وانفلاقه، ومن هذا ضربه الحجر فينفلق عن اثنتي عشرة عينًا، وإنزال المن والسلوى على بني إسرائيل في صحراء سيناء، وغير ذلك من الآيات. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٢٨","vol":"4","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1043>المطلب الرابع: معجزات نبي الله عيسى ﵇</span>\nمن معجزاته التي أخبرنا الله بها أنّه كان يصنع من الطين ما يشبه الطيور ثمَّ ينفخ فيها فتصبح طيورًا بإذن الله وقدرته، ويمسح الأكمه فيبرأ بإذن الله، ويمسح الأبرص فيذهب الله عنه برصه، ويمرُّ على الموتى فيناديهم فيحييهم الله تعالى، وقد حكى القرآن لنا هذا في قوله تعالى مخاطبًا عيسى: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي [المائدة: ١١٠].\nومن آياته تلك المائدة التي أنزلها الله من السماء عندما طلب الحواريون من عيسى إنزالها، وكانت على الحال التي طلبها عيسى عيدًا لأولهم وآخرهم إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: ١١٢ - ١١٥]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٣٠","vol":"4","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1045>المطلب الأول: القرآن</span>\nالقرآن الذي تحدى الله به أفصح الأمم وأبلغها وأقدرها على المنطق وأكثرها فيه اتساعًا وأطولها فيه باعًا وأكملها على أضربه وأنواعه اطلاعًا، مع عظم محادَّتهم له ومشاقتهم فيه وشدة حرصهم على رده، وهو ينادي عليهم بأبلغ عبارة وأوجزها، وأمتنها وأجزلها أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ [الطور:٣٣ - ٣٤]، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:١٣]، وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:٢٣ - ٢٤]. ثم نادى عليهم بالعجز عن ذلك فلا يقدر أحد منهم على شيء منه لا مجتمعين ولا متفرقين، لا في زمن واحد ولا في أزمان، فقال تعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:٨٨]، وغير ذلك من الآيات. ولهذا لما أراد مسيلمة الكذاب معارضته مكابرة ومباهاته مع علمه أَنَّه لا يقدر على شيء ألبتة فلما فعل ذلك جعل الله تعالى: كلامه أسمج ما يسمع وأركّ ما ينطق به، وصار أضحوكة للصبيان في كل زمان ومكان، حتى إنَّه لا يشبه كلام العقلاء ولا المجانين ولا النِّساء ولا المخنثين، وصار كذبهُ معلومًا عند كل أحد، ووسمه الله ﷿ على لسان نبيِّه ﷺ باسم الكذّاب فلا يسمى إلا به، ولا يعرف إلاّ به، حتى صار أشهر من عليه العلم، بل لا علم له غيره أبدًا، ويروى أَّن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له: أيُّها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أيامًا كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، إِنِّي فتحتُ المصحف فخرجت سورة المائدة، فنظرتُ فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلًا عامًا، ثم استثنى بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحدٌ أَنْ يأتي بهذا، قلت: وهذا الذي قاله الفيلسوف مقدار فهمه ومبلغ علمه، وإلاّ فبلاغةُ القرآن فوق ما يصف الواصفون، وكيف يقدر البشر أَنْ يصفوا صفات مَنْ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ١٢٨٢","vol":"4","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1046>المطلب الثاني: انشقاق القمر</span>\nقال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:١] الآيات، وفي (الصحيحين) عن أنس ﵁ قال: «سأَل أهل مكة أَنْ يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر» (١) وعن ابن مسعود ﵁ قال: «انشقَّ القمرُ على عهد رسولِ اللهِ ﷺ فرقتين فرقةٌ فوق الجبل وفرقةٌ دونه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: اشهدوا» (٢) زاد في رواية: «ونحنُ مع النَّبيّ ﷺ» (٣) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص١٢٨٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٣٧)، ومسلم (٢٨٠٢).\n(٢) رواه البخاري (٤٨٦٤).\n(٣) رواه البخاري (٤٨٦٥).","vol":"4","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1047>المطلب الثالث: حنين الجذع إليه ﷺ</span>\nكما في (الصحيح) عن جابر بن عبدالله ﵄ «إِنَّ النَّبيّ ﷺ كان يقوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالتْ امرأةٌ مِنَ الأنصار أو رجل: يا رسولَ اللهِ ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: إِنْ شِئْتُمْ، فجعلوا له منبرًا، فلمَّا كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النخلةُ صياح الصبيِّ، ثم نزل النَّبيّ ﷺ فضمَّها إليه تئن أنين الصبيِّ الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها» (١) وفي رواية: «قال فلما صُنِعَ له المنبر وكان عليه فسمعنا من ذلك الجذع صوتًا كصوت العشار، حتى جاء النَّبيّ ﷺ فوضع يده عليها فسكنت» (٢).\nفيا حامدًا معنى بصورة عاقلٍ ... أَمالك من قلب شهيدٍ ولا سمْع\nيحنُّ إليه الجذعُ شوقًا وما لنا ... أَلسنا بذاك الشَّوْقِ أولى مِنَ الجذعِ\n@ معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص١٢٨٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٥٨٤).\n(٢) رواه البخاري (٣٥٨٥).","vol":"4","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1048>المطلب الرابع: تسبيح الطعام وتكثير القليل بإذن الله ﷿، ونبع الماء من أصابعه الشريفة ﷺ</span>\nكما في (الصحيح) عن ابن مسعود ﵁ قال: «كُنَّا نعدُّ الآيات بركة، وأَنْتُم تعدُّونها تخويفًا. كنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر فقلَّ الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماءٍ، فجاءوا بإناءٍ فيه ماء قليل، فأَدخل يده في الإناء ثم قال: حيّ على الطهور المبارك والبركة من اللهِ ﷿، فلقد رأيتُ الماءَ ينبع مِنْ بين أصابع رسولِ اللهِ ﷺ، ولقد كُنَّا نسمعُ تسبيح الطعام وهو يؤكل» (١). وعن أنس ﵁ قال: «أُتي النَّبيّ ﷺ بإناءٍ وهو بالزوراء فوضع يده في الإناء فجعل الماءُ ينبعُ مِنْ أصابعه فتوضَّأَ القوم، قال وكانوا ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة» (٢). وعن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: «عطش الناس يوم الحديبية والنَّبيّ ﷺ بين يده ركوة فتوضَّأَ، فجهش الناس نحوه فقال: مالكم؟ قالوا: ليس عندنا ما نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك. فوضع يده في الرَّكوة فجعل الماء يفورُ بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضَّأنَا. قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كُنَّا خمس عشرة مائة» (٣). وعن البراء بن عازب ﵁ قال: «كُنَّا يوم الحديبية أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنَزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس النَّبيّ ﷺ على شفير البئر فدعا بماء فمضمض ومجَّ في البئر فمكثنا غير بعيدٍ، ثم استقينا حتى روينا وروت أو صدرت ركائبنا» (٤). وعن أنس بن مالك قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسولِ الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيءٍ؟ قالت: نعم فأخرجتْ أقراصًا من شعيرٍ ثم أخرَجَتْ خمارًا لها فلفَّت الخبز ببعضه ثم دسَّته تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسولِ اللهِ ﷺ، قال فذهبتُ به فوجدتُ رسولَ اللهِ ﷺ في المسجد ومعه الناس فقمتُ عليهم فقال لي رسول الله ﷺ: «أرسلك أبو طلحة؟ فقلتُ: نعم. قال: بطعامٍ؟ قلت: نعم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ لمن معه: قوموا، فانطلق وانطلقتُ بين أيديهم حتى جئت ُ أبا طلحة فأخبرته. فقال أبو طلحة: يا أُمَّ سليم، قد جاء رسولُ اللهِ ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسولَ اللهِ ﷺ، فأقبل رسولُ اللهِ ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: هلمَّ يا أُمَّ سليم ما عندك، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسولُ اللهِ ﷺ ففت وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسولُ اللهِ ﷺ فيه ما شاءَ اللهُ أَنْ يقول ثم قال: ائذن لعشرة، فأَذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا ثم قال: ائذن لعشرة، فأَكل القوم كلُّهم حتى شبعوا، والقومُ سبعون أو ثمانون رجلًا» (٥). وعن جابر ﵁ أَنَّ أباه توفي وعليه دين، قال «فأتيتُ النَّبيّ ﷺ فقلت: إنَّ أبي ترك ديْنًا وليس عندي إلا ما يخرج نخلهُ ولا يبلغ ما يُخْرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكيلا يفحش علي الغرماء، فمشى حول بيدر من بيادر التمر، فدعا ثم آخر ثم جلس عليه فقال: انزعوه فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم» (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٥٧٩).\n(٢) رواه البخاري (٣٥٧٢).\n(٣) رواه البخاري (٣٥٧٦).\n(٤) رواه البخاري (٣٥٧٧).\n(٥) رواه البخاري (٣٥٧٨)، ومسلم (٢٠٤٠).\n(٦) رواه البخاري (٣٥٨٠).","vol":"4","page":51},{"text":"وفي حديث أبي قتادة الطويل في تلك الغزوة: «ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيءٌ من ماء فتوضّأً منها وضوءًا دون وضوء، قال وبقي منها شيء من ماءٍ، ثم قال لأبي قتادة: احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ» الحديث، إلى أَنْ قال: «فانتهينا إلى الناس حين امتدَّ النهار وحمي كل شيء وهم يقولون: يا رسولَ اللهِ هلكنا عطشًا فقال: لا هلك عليكم – ثم قال – اطلقوا لي غمري قال ودعا بالميضأة فجعل رسولُ اللهِ ﷺ يصبُّ وأبو قتادة يسقيهم، فلم يعد أَنْ رأى الناس ماءً في الميضأة تكابوا عليها، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: أحسنوا الملء كلكم سيروى. قال: ففعلوا، فجعل رسول الله ﷺ يصبُّ وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ قال ثم صب رسول الله ﷺ فقال لي: اشربْ فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسولَ اللهِ، قال: إِنَّ ساقي القوم آخرهم شربًا قال فشربْتُ وشرب رسولُ اللهِ ﷺ قال فأتى الناس الماء جامين رواء» (١).\nوعن أبي هريرة ﵁ أَنَّه كان يقول: «والله الذي لا إله إلا هو إِنْ كُنْتُ لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإِنْ كنت لأَشُدَّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدتُ يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه فمرَّ أبو بكر فسألته عن آية مِنْ كتاب الله ما سألته إلاّ ليشبعني فمرَّ ولم يفعل، ثم مرّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمرَّ ولم يفعل، ثم مرّ أبو القاسم ﷺ فتبسَّم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثم قال: (أبا هر) قلتُ: لبيك يا رسولَ اللهِ. قال: (الحق) ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأَذن لي فدخل فوجد لبنًا في قدح فقال: (مِنْ أين هذا اللبن؟) قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: (أبا هر) قلت: لبيك يا رسولَ اللهِ، قال: (الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي)، قال: وأَهل الصُّفَّةِ أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مالٍ ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأَشركهم فيها، فساءني ذلك فقلتُ: وما هذا اللبن في أهل الصفة، كنت أَحقُّ أَنْ أُصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني فكنتُ أَنا أعطيهم، وما عسى أَنْ يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فأتيتُهم فدعوتُهم، فأَقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: (أبا هر) قلتُ: لبَّيك يا رسولَ اللهِ، قال: (خذ فأعطهم) قال: فأخذتُ القدح فجعلتُ أُعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد عليّ القدح، فأُعطي الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرُدُّ عليّ القدح، حتى انتهيتُ إلى النَّبيّ ﷺ وقد روى القوم كلُّهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إِليّ فتبسَّم فقال: (يا أبا هر) قلت: لبيك يا رسولَ اللهِ قال: (بقيتُ أَنا وأَنت) قلت: صدقْتَ يا رسولَ اللهِ، قال: (اقعد فاشرب) فقعدتُ فشربْتُ، فما زال يقول اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مسلكًا، قال: (فأرني) فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة» (٢). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ١٢٨٢\n_________\n(١) رواه مسلم (٦٨١).\n(٢) رواه البخاري (٦٤٥٢).","vol":"4","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1049>المطلب الخامس: الإسراء والمعراج</span>\n(المعراج: مفعال، من العروج، أي الآلة التي يعرج فيها، أي يصعد، وهو بمنزلة السلم، لكن لا يعلم كيف هو، وحكمه كحكم غيره من المغيبات، نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته. وقوله: وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة - اختلف الناس في الإسراء. فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية ﵄، ونقل عن الحسن البصري نحوه. لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال: كان الإسراء منامًا، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم. فعائشة ومعاوية ﵄ لم يقولا: كان منامًا، وإنما قالا: أسري بروحه ولم يفقد جسده، وفرق ما بين الأمرين: (أن) ما يراه النائم قد يكون أمثالًا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج إلى السماء، وذهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال. فما أراد أن الإسراء منامًا، وإنما أراد أن الروح ذاتها أسري بها، ففارقت الجسد ثم عادت إليه، ويجعلان هذا من خصائصه، فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت. وقيل: كان الإسراء مرتين، مرة يقظة، ومرة منامًا. وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله: ثم استيقظت، وبين سائر الروايات. وكذلك منهم من قال: بل كان مرتين، مرة قبل الوحي، ومرة بعده. ومنهم من قال: بل ثلاث مرات، مرة قبل الوحي، ومرتين بعده. وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة، للتوفيق!! وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة، بعد البعثة، قبل الهجرة بسنة، وقيل: بسنة وشهرين، ذكره ابن عبد البر. قال شمس الدين ابن القيم: يا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارًا! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسًا، فيقول: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها إلى خمس؟! وقد غلط الحفاظ شريكًا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد (المسند) منه، ثم قال: فقدم وأخر وزاد ونقص. ولم يسرد الحديث. وأجاد ﵀. انتهى كلام الشيخ شمس الدين ﵀. وكان من حديث الإسراء: أنه ﷺ أسري بجسده في اليقظة، على الصحيح، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، راكبًا على البراق، صحبه جبرائيل ﵇، فنزل هناك، صلى بالأنبياء إمامًا، وربط البراق بحلقة باب المسجد. وقد قيل: أنه نزل بيت لحم وصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك ألبتة. ثم عرج من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبرائيل، ففتح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلم عليه، فرحب به ورد ﵇، وأقر بنبوته، ثم عرج (به) إلى السماء الثانية.","vol":"4","page":53},{"text":"فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، فلقيهما، فسلم عليهما، فردا ﵇، ورحبا به، وأقرا بنبوته ثم عرج (به) إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج (به) إلى السماء الرابعة، فرأى فيها إدريس، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج (به) إلى السماء الخامسة، فرأى فيها هارون بن عمران، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج إلى السماء السادسة، فلقي فيها موسى فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، فلما جاوزه بكى موسى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم عرج إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم رفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت المعمور، ثم عرج به إلى الجبار، ﷻ وتقدست أسماؤه، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مر على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال؟ بخمسين صلاة، فقال: (إن) أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار: أن نعم، إن شئت، فعلا به جبرائيل حتى أتى به (إلى) الجبار ﵎ وهو في مكانه - هذا لفظ البخاري في (صحيحه) وفي بعض الطرق - فوضع عنه عشرًا، ثم نزل حتى مر بموسى، فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله ﵎، حتى جعلها خمسًا، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: قد استحييت من ربي، ولكن أرضى وأسلم، فلما نفذ، نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي (١). وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته ﷺ ربه ﷿ بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه، وقوله: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:١١ - ١٣]، صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي (جبرائيل)، رآه مرتين على صورته التي خلق عليها (٢). وأما قوله تعالى: في سورة النجم: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:٨]، فهو غير الدنو والتدلي المذكورين في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبرائيل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود ﵄، فإنه قال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:٥ - ٨]. فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى، وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى: وتدليه. وأما الذي في سورة النجم: أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، فهذا هو جبرائيل، رآه مرتين، مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى. ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة، قوله تعالى:: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:١] والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح. فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلًا، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٨٧٨، ٧٥١٧).\n(٢) رواه البخاري (٤٨٥٥). من حديث عائشة ﵂.","vol":"4","page":54},{"text":"فإن قيل: فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس أولًا؟ فالجواب - والله أعلم -: أن ذلك كان إظهارًا لصدق دعوى الرسول ﷺ المعراج حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس فنعته لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه، ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك، إذ لا يمكن اطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه، وقد اطلعوا على بيت المقدس، فأخبرهم بنعته. وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو لله تعالى: من وجوه، لمن تدبره، وبالله التوفيق شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي-١/ ٢٧٠\nقال الشيخ حافظ الحكمي-رحمه الله تعالى- في شرح منظومة سلم الوصول\nبَعْدَ خَمْسِينَ مِنَ الأَعْوَامِ ... مَضَتْ لِعُمْرِ سَيِّدِ الأَنَامِ\nأَسرَى بِهِ اللهُ إليه فِي الظُّلَمْ ... وَفَرَضَ الْخَمْسَ عَلَيْهِ وَحَتَمْ","vol":"4","page":55},{"text":"وكان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى ثم إلى حيث شاء الله ﷿، قال الله ﵎ في ذكر الإسراء: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الإسراء:١]. وقال ﵎ في ذكر المعراج: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:١٣ - ١٨]. وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب حديث الإسراء وقول الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إلى المَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:١] حدَّثنا يحيى بن بكير حدَّثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب حدَّثني أبو سلمة بن عبدالرحمن سمعتُ جابرَ بن عبدالله ﵄ قال سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «لما كذبني قريش، قُمْتُ في الحجر فجلا اللهُ لي بيت المقْدِسِ، فطفقت أُخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» (١). باب المعراج. حدثنا هديةُ بن خالد حدثنا همام بن يحيى حدَّثنا قتادةُ عن أنس بن مالك عن مالك ابن صعصعة ﵄ أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ حدثهم عَنْ ليلة أسري به قال: «بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجعًا إذ أتاني آتٍ، فقد قال وسمعته يقول، فشقَّ ما بين هذه إلى هذه» فقلتُ للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به؟ قال من ثغرةِ نحره إلى شعرته. وسمعتُه يقول: مِنْ قَصَّهِ إلى شِعْرَتِهِ «فاستخرج قلبي. ثم أتيتُ بطست من ذهب مملوءة إيمانًا فغسل قلبي، ثم حُشي، ثم أعيد. ثم أتيت بدابةٍ دون البغل وفوق الحمار أبيض» فقال الجارود: هو البراقُ يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم «يضع خطوَه عند أقصى طرفه، فحُملت عليه، فانطلق بي جبريل حتَّى أتى السَّماءَ الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحبًا به فِنِعْمَ المجيءُ جاء، ففتح فلما خلصتُ فإذا فيها آدم فقال: هذا أبوك آدم فسلِّم عليه، فسلَّمتُ عليه فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنَّبيّ الصَّالح. ثم صعِدَ حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحبًا به فِنِعْمَ المجيءُ جاء. ففتح فلما خَلَصتُ إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة، قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما. فسلمت فردَّا ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنَّبيّ الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحبًا به فِنِعْمَ المجيءُ جاء ففتح فلما خَلَصتُ فإذا يوسف، قال هذا يوسف فسلّم عليه، فسلمتُ عليه فردّ ثم قال: مرحبًا بالأَخِ الصَّالح والنَّبيّ الصالح. ثم صَعِدَ بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: أوقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحبًا به فِنِعْمَ المجيءُ جاء. فلما خَلَصْتُ فإذا إدريس، قال هذا إدريس فسلِّم عليه، فسلمتُ عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنَّبيّ الصالح.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٨٨٦)، ومسلم (١٦٢) مختصرا.","vol":"4","page":56},{"text":"ثم صَعِد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحبًا به فِنِعْمَ المجيءُ جاء. فلما خَلَصْتُ فإذا هارون، قال هذا هارون فسَلِّمْ عليه، فسلمتُ عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخِ الصَّالح والنَّبيّ الصالح، ثم صَعِدَ بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: أوقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحبًا به فِنِعْمَ المجيءُ جاء فلما خلصتُ فإذا موسى، قال هذا موسى فسلِّم عليه، فسلَّمتُ عليه فردَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصَّالح والنَّبيّ الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها مِنْ أُمَّتي. ثم صعِدَ بي إلى السَّابعة فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن مَعَك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحبًا به فِنِعْمَ المجيءُ جاء فلما خلصتُ فإذا إبراهيم قال: هذا أبوك فسلِّم عليه، فسلمتُ عليه فردَّ علي السلام قال: مرحبًا بالابن الصالح والنَّبيّ الصالح. ثم رُفِعَتْ إِليَّ سِدْرَةُ المنتهى فإذا نبقُها مثلُ قِلال هَجَر، وإذ ورقها مثل آذانِ الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهرانِ باطنان ونهرانِ ظاهرانِ، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيلُ والفرات، ثم رُفع لي البيتُ المعمور ثم أتيت بإناءٍ من خمر وإناءٍ من لبنٍ وإناء من عسلٍ، فأخذتُ اللَّبن فقال: هي الفطرة أَنْتَ عليها وأُمَّتُكَ، ثم فُرِضَتْ عليَّ الصلوات خمسين صلاةً كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بما أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إنَّ أُمتك لا تستطيع خمسين صلاة كلَّ يوم، وإِنِّي والله قد جربت الناس قبلك وعالجتُ بني إسرائيل أَشدَّ المعالجة، فارجع إلى ربِّك فاسأله التخفيف لأُمَّتك، فرجعت فوضع عنِّي عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعتُ فوضع عني عشرًا فرجعتُ إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عنِّي عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فَأُمِرْتُ بعشرِ صلواتٍ كُلَّ يومٍ، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأُمِرْتُ بخمس صلواتٍ كُلَّ يومٍ. فرجعت إلى موسى فقال: بما أُمرت؟ قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إنَّ أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإِنِّي قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أَشدَّ المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمَّتِكَ، قال: سألتُ ربِّي حتى استحييتُ ولكني أرضى وأسلم، قال فلما تجاوزتُ ناداني مناد: أمضيت فريضتي وخفَّفْتُ عن عبادي» (١). قلت: وقوله في هذه الرواية عن إدريس مرحبًا بالأخ الصالح هذا قد يشكل، لأن إدريس من آبائه، والمعنى والله أعلم على ما في الحديث «نحن معاشر الأنبياء أبناء علات» (٢) إلخ. وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدالله حدَّثني سليمان عن شريك بن عبدالله أَنَّه قال: سمعتُ ابن مالك – يعني أنسًا ﵁ – يقول ليلةَ أُسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة: «إِنَّه جاءَه ثلاثةُ نفرٍ قبل أَنْ يوحى إليه وهو نائمٌ في المسجد الحرام فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أَتوه ليلةً أخرى فيما يرى قلبُهُ وتنامُ عينه ولا ينام قلْبُهُ.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٨٨٧).\n(٢) رواه البخاري (٣٤٤٢)، ومسلم (٢٣٦٥) بدون لفظ: «نحن معاشر». من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":57},{"text":"وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم. فلم يكلِّموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئْرِ زمزم فتولاه منهم جبريلُ فشقَّ جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى أفرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه. ثم أتى بطست من ذهب فيه نور من ذهب محشو إيمانًا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده – يعني عروق حلقه. ثم أَطبقه. ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب بابًا من أبوابها فناداه أهل السماء: مَنْ هذا؟ فقال: جبريل. قالوا: ومَنْ معك؟ قال: محمد، قال: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، فيستبشر أهل السماءِ لا يعلم أهل السماء بما يريدُ اللهُ به في الأرضِ حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل: هذا أبوكَ فسلِّم عليه، فسلَّم وردَّ عليه آدم وقال: مرحبًا وأهلًا يا بنيَّ نعم الابن أَنْتَ، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات. ثم مضى به في السماءِ فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خَبَّأَ لك ربُّكَ. ثم عرج إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به وأهلًا. ثم عُرِجَ به إلى السماء الثالثة وقالوا مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عُرِجَ به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عُرِجَ به إلى السماء الخامسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عُرِجَ به إلى السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عُرِجَ به إلى السماءِ السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سمَّاهم فأوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمَهُ وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى ربِّ لم أظن أَنْ يرفع عليّ أحدٌ، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا اللهُ تعالى: حتى جاء سِدْرَةِ المنتهى ودنا الجبَّارُ ربُّ العزَّةِ فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى اللهُ فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أُمَّتِكَ كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربَّكَ؟ قال: عهد إلي خمسين صلاة كلَّ يوم وليلة، قال: إِنَّ أُمَّتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفِّف عنك ربُّك وعنهم، فالتفتَ النَّبيّ ﷺ إلى جبريل كأَنَّه يستشيرُهُ في ذلك، فأشار إليه جبريل أَنْ نعم إِنْ شِئْتَ، فعلا به إلى الجبار فقال وهو مكانه: يا رب خفف عنَّا فإِنَّ أُمَّتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربِّه حتَّى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عِنْد الخمس فقال: يا محمد واللهِ لقد راودتُ بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه فأُمَّتكَ أضعفُ أَجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفِّف عنك ربُّكَ، كل ذلك يلتفت النَّبيُّ ﷺ إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: يا ربِّ إِنَّ أُمَّتي ضعفاء أجسامهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفِّف عنَّا. فقال الجبَّارُ: يا محمد، قال: لبَّيْكَ وسعديك، قال: إِنَّه لا يبدل القول لديّ، كما فرضتُ عليك في أُمِّ الكتاب.","vol":"4","page":58},{"text":"قال: فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أُمِّ الكتاب وهي خمسٌ عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: خفَّف عنَّا، أعطانا بكل حَسَنَةٍ عشر أمثالها، قال موسى: قد واللهِ راودتُ بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارْجع إلى ربِّك فليخفِّف عنك أيضًا، قال رسول الله ﷺ: يا موسى قَدْ والله استحييتُ مِنْ ربِّي مما اختلفت إليه. قال: فاهبط باسْمِ اللهِ. قال واستيقظ وهو في المسجد الحرام» (١). ورواه مسلم بعد حديث ثابت البناني أصله وقال نحو حديث ثابت البناني وقدم فيه شيئًا وأَخَّر وزاد ونقص، وهذا السياق روايته لحديث ثابت قال رحمه الله تعالى: حدَّثنا شيبانُ بنُ فروخ حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة حدَّثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «أتيت بالبراقِ، وهو دابة أبيض طويل فوقَ الحمار ودون البَغْلِ يضع حافرَهُ عند منتهى طرفه، قال فركبته حتى أتيت بيتَ المقدس. قال فربطته بالحلقَةِ التي يربط بها الأنبياءُ. قال ثم دخلتُ المسجد فصلَّيْتُ فيه ركعتين ثم خرجْتُ، فجاءني جبريلُ ﵇ بإِناءٍ مِنْ خمرٍ وإِناءٍ مِنْ لبنٍ فاخترتُ اللَّبن فقال جبريلُ ﵇: اخترتَ الفطرة. ثم عُرِجَ بنا إلى السماء فاسْتفتح جبريل فقيل: مَنْ أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحَّب بي ودعا لي بخير، ثم عُرج بنا إلى السَّماء الثانية فاستفتح جبريلُ ﵇، فقيل: من أَنْتَ؟ قال: جبريل، قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صلواتُ اللهِ عليهما وسلامُهُ، فرحَّبا ودعوا لي بخير، ثم عُرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أَنْتَ؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أَنا بيوسف ﵇ إذ هو قد أعطي شَطْرَ الحسن فرحَّب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السَّماءِ الرابعة فاستفتح جبريلُ ﵇، قيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد ﷺ.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٥١٧).","vol":"4","page":59},{"text":"قال: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح الباب فإذا أنا بإدريس ﵇ فرحَّب ودعا لي بخير، قال الله ﷿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:٥٧] ثم عُرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريلُ، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد ﷺ قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون ﵇، فرحَّب ودعا لي بخير، ثم عُرِجَ بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريلُ ﵇، وقيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا بموسى ﵇ فرحَّب بي ودعا لي بخير، ثم عُرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﵇ مسندًا ظهرهُ إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سِدْرَةِ المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا تمرها كالقلال، قال فلما غشيها مِنْ أَمر الله ما غشي تغيَّرت فما أحدٌ مِنْ خلق الله يستطيع أَنْ ينعتها مِنْ حسنها، فأَوحى الله إليَّ ما أوحى، ففرض عليَّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنَزلت إلى موسى ﵇ فقال: ما فرض ربُّك على أُمَّتِك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربِّك فاسأَله التخفيف فإِنَّ أُمَّتك لا يطيقون ذلك فإِنِّي قد بلوتُ بني إسرائيل وخبرتهم. قال فرجعتُ إلى ربِّي فقلت: يا ربِّ خَفِّفْ عن أُمَّتي، فحَطَّ عني خمسًا، فرجعتُ إلى موسى فقلت: حطَّ عنِّي خمسًا، قال: إِنَّ أُمَّتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربِّك فاسأله التخفيف. قال فلم أزل أرجع بين ربِّي ﵎ وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمد إِنَّهنَّ خمس صلوات كل يومٍ وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة، ومن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة، فإِنْ عملها كتبت له عشرًا. ومن همَّ بسيّئةٍ فلم يعملها لم تكتب شيئًا فإن عملها كتبت سيئةً واحدة. قال فنَزلتُ حتى انتهيتُ إلى موسى ﵇ فأخْبرتُهُ، فقال: ارجع إلى ربِّك فاسأله التخفيف، فقال رسولُ اللهِ ﷺ فقلت: قد رجعتُ إلى ربِّي حتى استحييتُ منه» (١). وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب كيف فُرِضت الصلاة في الإسراء. حدَّثنا يحيى بن بكير قال حدَّثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر ﵁ يحدِّث أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «فُرِجَ عن سقف بيتي وأنا بمكَّة فنَزل جبريلُ ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطسْتٍ من ذهب مُمتلئ حكمةً وإيمانًا فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فخرج بي إلى السماء الدنيا. فلمَّا جاءت السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: جبريلُ، قال: هل معك أحدٌ؟ قال: نعم معي محمد ﷺ، فقال: أُرسل إليه؟ قال: نعم. فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجلٌ قاعد على يمينه أَسْوِدَةٌ وعلى يساره أَسوِدةٌ، إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قِبَلَ يساره بكى، فقال مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسمُ بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، حتى عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح فقال له خازنها مثل ما قال الأول، ففتح.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٨٧٨)، ومسلم (١٦٢).","vol":"4","page":60},{"text":"قال أنس فذكر أَنَّه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم غير أَنَّه ذكر أَنَّه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس: فلما مرَّ جبريلُ بالنَّبيّ ﷺ بإدريس قال: مرحبًا بالنبيِّ الصالح والأخ الصالح، فقلت: مَنْ هذا؟ قال: هذا إدريس، ثم مررت بموسى فقال: مرحبًا بالنبيِّ الصالح والأخِ الصالح، قلت: مَنْ هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى فقال: مرحبًا بالنبيِّ الصالح، والأخ الصالح، قلت: مَنْ هذا؟ قال: هذا عيسى، ثم مررتُ بإبراهيم فقال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصالح والابن الصالح. قلت: مَنْ هذا؟ قال: هذا إبراهيم ﵇. قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أَنَّ ابْنَ عباس وأبا حبَّة الأنصاري كانا يقولان: قال النبيّ ﷺ: ثم عُرج بي حتى ظهرت لمستوىً أسمع فيه صريف الأقلام» قال ابن حزم وأنس بن مالك قال النبيُّ ﷺ: «ففرض اللهُ على أُمَّتي خمسين صلاة، فرجعتُ بذلك حتى مررتُ على موسى فقال: ما فرض اللهُ لك على أُمَّتك؟ قلتُ: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربِّك فإِنَّ أُمَّتك لا تطيق ذلك، فراجعتُ فوضع شطرها، فرجعتُ إليه فقال: ارجع إلى ربك فإِنَّ أُمَّتك لا تطيق ذلك، فراجعته فقال: هي خمسٌ وهي خمسون لا يبدَّلُ القول لديَّ، فرجعتُ إلى موسى فقال: راجع ربَّك، فقلتُ: استحييت من ربِّي ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سِدْرَةِ المنتهى وغشيها ألوانٌ لا أدري ما هي، ثم أُدخلتُ الجنة فإذا فيها جبال اللؤلؤ وإذا ترابُها المسك». وافقه عليه مسلم رحمه الله تعالى (١). وله عن مُرَّة عن عبدالله قال: «لما أُسري برسولِ اللهِ ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيُقْبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبْط من فوقها فيُقبض منها، قال إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم:١٦] قال فراشٌ من ذهب، قال فأُعطي رسولُ الله ﷺ ثلاثًا: أعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمنْ لم يشركُ بالله مِن أمته شيئًا المقحمات» (٢). وله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «لقد رأيتُني في الحجر وقريشٌ تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكُربْتُ كربة ما كُربْتُ مثلها قط، قال فرفعه الله لي أنظر إليه: ما يسألوني عن شيء إلا أَنبأْتُهُم به» (٣) الحديث. وهذا الذي ذكرنا من حديث أنس وجابر ومالك بن صعصعة وأبي ذر وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس وأبي حبة هي من أصح ما ورد وأقواه وأجوده وأسنده وأشهره وأظهره لاتّفاق الشيخين على إخراجهما، وعن هؤلاء روايات أخر لم نذكرها استغناء عنها بما في (الصحيحين). وفي الباب أحاديث أخر عن جماعة من الصحابة منهم من لم نذكر: عمر بن الخطاب وعلي وأبو سعيد وشداد بن أوس وأبي بن كعب وعبدالرحمن بن قرظ وأبو ليلى وعبد الله بن عمرو وحذيفة وبريدة وأبو أيوب وأبو أمامة وسمرة بن جندب وأبو الحمأ وصهيب الرومي وأم هانئ وعائشة وأسماء ابنتا أبي بكر ﵃ أجمعين. ثم الذي دلت عليه الآيات والأحاديث أَنَّ الإسراء والمعراج كانا يقظة لا منامًا، ولا ينافي ذلك ما ذكر في بعض الروايات في قوله ﷺ: «بينا أنا نائم» (٤)\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣).\n(٢) رواه مسلم (١٧٣).\n(٣) رواه مسلم (١٧٢).\n(٤) رواه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤) ..","vol":"4","page":61},{"text":"فإن ذلك عند أول ما أتياه ولا يدل على أَنَّه استمر نائمًا، ولذا كانت رؤيا الأنبياء وحْيًا، ولكن في سياق الأحاديث من ركوبه ونزوله وربطه وصلاته وصعوده وهبوطه وغير ذلك ما يدل على أنه أُسري بروحه وجسده يقظة لا منامًا، وكذا لا ينافي ذلك رواية شريك: «فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام» (١) فإن رواية شريك فيها أوهام كثيرة تخالف رواية الجمهور عن أنس في أكثر من عشرة مواضع سردها في الفتح، وسياقه يدل على أّنَّه بالمعنى، وصرَّح في مواضع كثيرة أَنَّه لم يثبتها، وتصريح الآية سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:١] شامل للروح والجسد، وكذلك قوله تعالى: في سورة النجم وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى [النجم:١٣ - ١٤] جعل رؤية النَّبيّ ﷺ لجبريل عند سدرة المنتهى مقابلًا لرؤيته إياه في الأبطح، وهي رؤية عين حقيقة لا منامًا. ولو كان الإسراء والمعراج بروحه في المنام لم تكن معجزة ولا كان لتكذيب قريش بها وقولهم كُنَّا نضربُ أكبادَ الإِبل إلى بيت المقدس شهرًا ذهابًا وشهرًا إيابًا، ومحمدٌ يزعم أّنَّه أُسري به إليه وأصبح فينا، إلى آخر تكذيبهم واستهزائهم به ﷺ، لو كان ذلك رؤيا مناما لم يستبعدوه ولم يكن لردهم عليه معنى، لأنَّ الإنسان قد يرى في منامه ما هو أبعد من بيت المقدس ولا يكذبه أحد استبعادًا لرؤياه، وإنما قصَّ عليهم رسول الله ﷺ مسرى حقيقة يقظة لا منامًا فكذَّبوه واستهزؤوا به استبعادًا لذلك واستعظامًا له، مع نوع مكابرة لقلة علمهم بقدرة الله ﷿ وأَنَّ الله يفعل ما يريد، ولهذا لما قالوا للصديق وأخبروه الخبر قال: إنْ كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: وتصدقه بذلك؟ قال: نعم، إِنِّي لأُصدقه فيما هو أبعد من ذلك في خبر السماء يأتيه بكرةً وعشيًا. أو كما قال. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ١٢٣٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٥١٧) بلفظ: (واستيقظ وهو في المسجد الحرام).","vol":"4","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1050>المطلب السادس: كف الأعداء عنه</span>\nومن ذلك استجابة الله دعاء نبيه ﷺ عندما كان مهاجرًا، وأدركه سراقة ابن مالك، فارتطمت بسراقة فرسه إلى بطنها في أرض صلبة، فقال سراقة: إني أراكما قد دعوتما عليَّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أردّ عنكما الطلب، فدعا له النبي ﷺ فنجا، فجعل لا يلقى أحدًا إلاّ قال: كفيتم، ما هاهنا، فلا يلقى أحدًا إلاّ ردّه. متفق عليه (١).\nوفي معركة حنين انهزم المسلمون وثبت الرسول الله ﷺ وقلّة من المؤمنين أولئك الذين بايعوا تحت الشجرة، فلّما حمى الوطيس، أخذ صلوات الله وسلامه عليه حصيات، فرمى بهنَّ وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا وربِّ محمد يقول العباس راوي الحديث: فوالله ما هو إلاّ أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدّهم كليلًا، وأمرهم مدبرًا (٢).\nوفي رواية سلمة بن الأكوع، قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ حنينًا، فولّى صحابة رسول الله ﷺ، فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثمَّ قبض قبضة من تراب الأرض، ثمَّ استقبل به وجوههم، فقال: شاهت الوجوه، فما خلق الله منهم إنسانًا إلاّ ملأ الله عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين» (٣).\nومن ذلك ما رواه أبو هريرة «أن أبا جهل حلف باللات والعزى أنه لو رأى الرسول ﷺ يصلي في المسجد حيث مجامع قريش أن يطأ على رقبته، أو ليعفرن وجهه في التراب، فلما رأى الرسول ﷺ ساجدًا، أراد أن يفعل ما أقسم عليه، فلما اقترب منه ما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي يديه، فقيل له: مالك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا» (٤). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٤٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦١٥)، ومسلم (٢٠٠٩). من حديث أبي بكر الصديق ﵁.\n(٢) رواه مسلم (١٧٧٥). من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁.\n(٣) رواه مسلم (١٧٧٧) مختصرًا.\n(٤) رواه مسلم (٢٧٩٧).","vol":"4","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1051>المطلب السابع: إجابة دعوته</span>\nاهتداء أم أبي هريرة بدعوة رسول الله ﷺ:\nعن أبي هريرة قال: كنت أدعو أميَّ إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام، فتأبى عليَّ، فدعوتها اليوم، فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال: «اللهمَّ اهد أم أبي هريرة \" فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله ﷺ فلما جئت، فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف مردود فسمعَتْ أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعتُ خضخضة تحريك الماء، قال: فاغتسلَتْ، ولبسَتْ درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فرجعت إلى رسول الله فأتيته، وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله، أبشر، قد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال خيرًا» (١).\nأصبح بدعوته فارسًا:\nعن جرير بن عبد الله، قال: «قال لي رسول الله ﷺ: ألا تُريحني من ذي الخلَصةِ؟ فقلت: بلى. فانطلقتُ في خمسين ومائة فارسٍ من أحمسَ، وكانوا أصحابَ خيل وكنتُ لا أثبُتُ على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري، وقال: اللهم ثبته، واجعلهُ هاديًا مهديًا. قال: فما وقعتُ عن فرس بعدُ. قال: وكان ذو الخلَصة بيتًا باليمن لخَثْعَم وبجيلة فيه نُصُبٌ تُعبَد، يقال له: الكعبة. قال: فأتاها فحرَّقها بالنار وكسرها» (٢).\nإغاثة الله الناس بدعائه:\nوعن أنس بن مالك قال: «أصابت الناس سنةٌ على عهد النبي ﷺ، فبينما النبي ﷺ يخطبُ في يوم الجمعة، قام أعرابيٌ فقالَ: يا رسول الله هَلَكَ المالُ، وجاعَ العيالُ، فادعُ الله لنا. فرفعَ يديه، وما نرى في السماء قَزَعةً، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثارَ السحابُ أمثالَ الجبالِ، ثم لم ينزلْ عن منبره حتى رأيتُ المطرَ يتحادرُ على لحيته، فمُطِرنا يومنا ذلك، ومن الغدِ، والذي يليه حتى الجمعةِ الأخرى، وقام ذلك الأعرابي – أو قال غيره – فقال: يا رسول الله تهدَّمَ البناء وغرقَ المالُ، فادعُ الله لنا. فرفعَ يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا \" فما يُشيرُ بيده إلى ناحيةٍ من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينةُ مثلَ الجوبة، وسال الوادي قناةُ شهرًا، ولم يجئ أحدٌ من ناحيةٍ إلا حدّث بالجود» (٣).\nوفي رواية قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام، والجبال، والآجام، والظراب، والأودية ومنابت الشجر قال: فأقلعَتْ وخرجنا نمشي في الشمس» (٤).\nأصابت الدعوة يد مستكبر:\nوعن سلمة بن الأكوع «أنَّ رجلًا أكل عندَ رسول الله ﷺ بشماله فقال: كُل بيمينك قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت ما مَنَعَه إلا الكبرُ. قال: فما رفعها إلى فيه» (٥).\nد- بركة دعوة الرسول الله ﷺ تصيب بعير جابر: وعن جابر قال: «غزوتُ مع رسول الله ﷺ فتلاحق بي النبي ﷺ وأنا على ناضحٍ لنا قد أعيا، فلا يكادُ يسيرُ فقال لي: ما لبعيرك؟ قال: قلت: عيي، قال: فتخلف رسولُ الله ﷺ فزجره ودعا له، فما زال بين يدي الإبلِ قدّامها يسيرُ. فقال لي: كيف ترى بعيرك؟ قلت: بخير، قد أصابته بركتُك. قال: أَفتبيعُنيه؟ قال: فاستحييت، ولم يكن لنا ناضحٌ غيره، قال: فقلت: نعم، قال: فبعنيه فبعته إياه على أن لي فقار ظهره إلى المدينة،. . قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، غدوت عليه بالبعير، فأعطاني ثمنه وردَّه عليَّ» (٦). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٤٢\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٤٩١).\n(٢) رواه البخاري (٤٣٥٦). ومسلم (٢٤٧٦).\n(٣) رواه البخاري (٩٣٣) واللفظ له، ومسلم (٨٩٧).\n(٤) رواه البخاري (١٠١٣).\n(٥) رواه مسلم (٢٠٢١).\n(٦) رواه البخاري (٢٩٦٧).","vol":"4","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1052>المطلب الثامن: إبراء المرضى</span>\nإبراؤه من كسرت رجله:\nعن البراء بن عازب قال: «بعثَ النبي ﷺ رهطًا إلى أبي رافعٍ، فدخل عليه عبد الله بن عتيك ليلًا وهو نائم فقتله (١)، فقال عبد الله بن عتيكٍ: فوضعتُ السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتحُ الأبواب بابًا فبابًا، حتى انتهيتُ إلى درجة له فوضعت رجلي، وأنا أرى أني انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامةٍ فانطلقت إلى أصحابي، فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال: ابسط رجلك فبسطت رجلي، فمسحها فكأنها لم أشتكِها قطُّ» (٢).\nإبراؤه عين علي بن أبي طالب:\nوعن سهل بن سعدٍ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتحُ الله على يديه، يحبُّ الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناسُ غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يُعطاها فقال: أين عليُّ بنُ أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق رسول الله في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجعٌ، فأعطاه الراية، فقال عليٌّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفُذْ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعُهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجبُ عليهم من حقِّ الله فيه، فوالله لأن يهدي اللهُ بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لكَ حمرُ النعم» (٣).\nساق سلمة بن الأكوع:\nوعن يزيد بن أبي عبيد قال: «رأيت أثر ضربةٍ في ساق سلمة فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربةٌ أصابتني يوم خيبر، فقال الناسُ: أصيب سلمة، فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة» (٤).\nإخراجه الجن من المصروع:\nوعن يعلى بن مرة الثقفي قال: «سرنا مع رسول الله ﷺ فمررنا بماءٍ، فأتتهُ امرأةٌ بابن لها به جنةٌ، فأخذَ النبي ﷺ بمنخرِهِ ثم قال: اخرج فإني محمد رسول الله ثم سرنا، فلما رجعنا مررنا بذلك الماء، فسألها عن الصبي، فقالت: والذي بَعَثَك بالحقِّ ما رأينا منه ريبًا بعدك» (٥). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٤٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٠٣٨).\n(٢) رواه البخاري مختصرًا (٤٠٣٩).\n(٣) رواه البخاري (٤٢١٠)، ومسلم (٢٤٠٦).\n(٤) رواه البخاري (٤٢٠٦).\n(٥) رواه أحمد (٤/ ١٧٣) (١٧٦٠١)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٦/ ٢٤). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٦/ ١٤٥): طريقه جيد، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٣٤٦) كما قال ذلك في المقدمة.","vol":"4","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1053>المطلب التاسع: إخباره بالأمور الغيبية</span>\nفمن ذلك إخباره عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإخباره عن الملائكة وصفاتهم، وإخباره عن عالم الجن، وعن الجنة والنار، ومن ذلك إخباره عن الحوادث التي وقعت، كما أخبر عن آدم ونوح وهود وصالح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والرسل، وما جرى بينهم وبين أقوامهم، وهو حديث فيه تفصيل وبيان، ومثل هذا لا يتأتى من رجل أمي لم يكن كاتبًا ولا قارئًا، ولم يخالط الذين درسوا تاريخ الأمم وعرفوا أخبارها، ثم هو يأتي بأخبار لم يبلغها علم الأمم، وأخبار يكتمها علماء أهل الكتاب، ويصحح لهم كثيرًا مما عندهم، وكل ذلك دليل على أنه إنما جاء بهذه العلوم من العليم الخبير، تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ [هود: ٤٩].\nوقد أشار القرآن إلى هذا الدليل في عدة مواضع، فمن ذلك قوله في سياق قصة مريم: وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤].\nوفي سياق قصة موسى، قال: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص: ٤٦].\nوقد كان يخبر الأخبار المغيبة التي وقعت في حينها، فقد أخبر باستشهاد قادة المسلمين الثلاثة في معركة مؤتة، وباستلام خالد بن الوليد الراية من بعدهم في اليوم الذي وقع فيه الحدث، رواه البخاري (١).\nوعندما توفي النجاشي أخبر بوفاته في اليوم نفسه الذي توفي فيه، وكذلك عندما توفي كسرى. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٤٧\n_________\n(١) الحديث رواه البخاري (٤٢٦٢). من حديث أنس ﵁.","vol":"4","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1054>المطلب العاشر: انقياد الشجر وتسليمه وكلامه</span>\nعن جابر قال «سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديًا أفيح واسعًا، فذهب رسولُ الله ﷺ يقضي حاجته فلم ير شيئًا يستَتِرُ به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسولُ الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي عليَّ بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش، الذي يصانع قائدَه، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصنٍ من أغصانها، فقال: انقادي عليَّ بإذن الله فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف (الوسط) مما بينهما قال: التئما علي بإذن الله فالتأمتا، فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتةٌ، فإذا برسول الله ﷺ مقبلًا، وإذا بالشجرتين قد افترقتا فقامت كل واحدةٍ منهما على ساقٍ» (١).\nوعن يعلى بن مُرة الثقفي قال: «سِرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا منزلًا، فنام النبي ﷺ فجاءت شجرةٌ تشقُّ الأرض حتى غشيته، ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ رسول الله ﷺ ذكرتُ له فقال: هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلِّم على رسول الله ﷺ فأُذن لها» (٢).\nوعن أنس قال: «جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو جالس حزينٌ، قد تخضب بالدم من فعل أهل مكة، فقال: يا رسول الله، هل تحبُّ أن نريك آية؟ قال: نعم. فنظر إلى شجرةٍ من ورائه فقال: ادعُ بها. فدعا بها فجاءت فقامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع فأمرها فرجعت. فقال رسول الله ﷺ: حسبي حسبي» (٣).\nوعن ابن عباس قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: بمَ أعرفُ أنك نبيٌّ؟ قال: إن دعوت هذا العذقَ من هذه النخلة يشهدُ أني رسول الله فدعاه رسولُ الله ﷺ فجعل ينزلُ من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ ثم قال: ارجع فعاد، فأسلم الأعرابي» (٤).\nوعن معن بن عبد الرحمن قال (سمعت أبي قال: سألتُ مسروقًا: من آذن النبي ﷺ بالجنِّ ليلة استمعوا القرآن قال: حدثني أبوك – يعني عبد الله بن مسعود – أنه قال: آذنت بهم شجرةٌ) (٥).\nوعن ابن عمر قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا قال له رسولُ الله ﷺ: تشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأنَ محمدًا عبدهُ ورسوله؟ قال: ومَن يشهدُ على ما تقولُ؟ قال: هذه السَّلَمة، فدعاها رسولُ الله ﷺ وهو بشاطئ الوادي، فأقبلت تخدُّ الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثًا فشهدت ثلاثًا أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها» (٦). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٥٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٣٠١٢).\n(٢) رواه أحمد (٤/ ١٧٣) (١٧٦٠١)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٦/ ٢٤). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٦/ ١٤٥): طريقه جيد، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٣٤٦) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٣) رواه أحمد (٣/ ١١٣) (١٢١٣٣)، والدارمي (١/ ٢٦) (٢٣). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٦/ ١٢٨): إسناده على شرط مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٣٤٧) كما قال ذلك في المقدمة، وصحح إسناده الألباني في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥٨٦٧).\n(٤) رواه الترمذي (٣٦٢٨). وقال: حسن غريب صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» دون قوله: «فأسلم الأعرابي».\n(٥) رواه البخاري (٣٨٥٩)، ومسلم (٤٥٠).\n(٦) رواه الدارمي (١/ ١٧) (٨)، وابن حبان (١٤/ ٤٣٤) (٦٥٠٥)، والطبراني (١٢/ ٤٣١) (١٣٦١٦). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٦/ ١٣٠): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٩٥): رجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده السيوطي في «الخصائص الكبرى» (٢/ ٣٦).","vol":"4","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1055>المطلب الحادي عشر: تسليم الحجر</span>\nعن جابر بن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعرفُ حجرًا بمكةَ كان يسلمُ عليَّ قبل أن أبعثَ إني لأعرفُهُ الآن» (١). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٥٢\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٢٧٧).","vol":"4","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1056>المطلب الثاني عشر: شكوى البعير</span>\nعن يعلى بن مرة الثقفي قال: «بينما نحنُ نسيرُ مع رسول الله ﷺ إذ مررنا ببعيرٍ يُسنَى عليه، فلما رآه البعيرُ جرجَرَ، فوضع جرانه، فوقف عليه النبي ﷺ فقال: أين صاحبُ هذا البعير؟ فجاءه فقال: بِعْنِيهِ فقال: بل نهبُهُ لكَ يا رسول الله، وإنه لأهلِ بيتٍ ما لهم معيشةٌ غيرُهُ. قال: أما إذ ذكرتَ هذا من أمره، فإنه شكا كثرةَ العمل، وقلةَ العلفِ، فأحسنوا إليه» (١).\nوعن عبد الله بن جعفر قال: «أردفني رسولُ الله ﷺ خلفه ذات يوم، فأسرَّ إليَّ حديثًا لا أُحدثُ به أحدًا من الناس، وكان أحبَّ ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجتِهِ هدفٌ أو حائشُ نخلٍ. فدخلَ حائطًا لرجلٍ من الأنصار فإذا جملٌ، فلما رأى النبي ﷺ حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح سراته إلى سنامه وذفراه فسَكَنَ فقال: مَن ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاءه فتىً من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال: أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ الله إياها؟ فإنه شكا إليَّ أنك تُجيعه وتُدئبُهُ» (٢). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٥٢\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٧٣) (١٧٦٠١)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٦/ ٢٤). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٦/ ١٤٥): طريقه جيد، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٣٤٦) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٢) رواه أبو داود (٢٥٤٩)، وأحمد (١/ ٢٠٤) (١٧٤٥)، والحاكم (٢/ ١٠٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال ابن الملقن في «تحفة المحتاج» (٢/ ٤٣٨): سنده في مسلم، وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٤٧): أصله في مسلم.","vol":"4","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1058>تمهيد:</span>\nقال تعالى: أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ١٩٧] فالآية تبين أنَّ من الآيات البينات الدالة على صدق الرسول ﷺ، وصدق ما جاء به – علم بني إسرائيل بذلك، وهو علم مسجل محفوظ مكتوب في كتبهم التي يتداولونها، كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٦٢","vol":"4","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1060>تمهيد</span>\nحكى الله سبحانه في القرآن الكريم ما تتضمنه الكتب المنزلة والرسل المرسلة من التبشير بنبينا محمد ﷺ ما يغني عن جميع ما ذكرناه من نصوص تلك الكتب، وإنما أردنا بالنقل منها إلزام الحجة وتكميل الفائدة لمن كان في قلبه ريب، وفي صدره حرج، فمن ذلك قوله سبحانه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ [الأعراف: ١٧٥]. وقال ﷿: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ [البقرة: ١٤٦] وقال تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤] وقال سبحانه: وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة: ٨٩] وقال سبحانه: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [الأنعام: ١١٤] وقال سبحانه: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد: ٤٣] وقال ﵎: أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ١٩٧] وقال سبحانه: وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: ٨٣] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨] وقال سبحانه: فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ [يونس: ٩٤]\nوهذا بعض ما اشتمل عليه الكتاب العزيز، وفي الأحاديث ما يؤيد ذلك ويؤكده، فمن ذلك ما رواه ابن اسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل بعثته، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود بن سلم: يا معشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبرونا أنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره لكم. فأنزل الله ﷿: فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة: ٨٩]) (١).\n_________\n(١) رواه ابن إسحاق في «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٤٧).","vol":"4","page":71},{"text":"وروى ابن اسحاق نحو هذه القصة التي هي سبب نزول هذه الآية من طرق، ومنها أنه قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصاري قال حدثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت الأنصاري قال: (والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان سنين، أعقل كلما سمعت، إذ سمعت يهوديًا يقول على أطم يثرب فصرخ: يا معشر اليهود، فلما اجتمعوا عليه قالوا: مالك وتلك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث الليلة) (١) ومن ذلك ما كان من خروج زيد بن عمرو بن نفيل وسؤاله لأهل الكتاب وإخبارهم عن أن نبيًا يبعث في العرب فرجع، وأدرك النبي قبل أن يبعث، ومات قبل البعثة وهذا الحديث في البخاري وغيره (٢).\nوأخرج البيهقي بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك: «أن غلامًا يهوديًا كان يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله ﷺ: يا يهودي: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة صفتي ومخرجي؟ قال: لا. قال الفتى: بلى والله يا رسول الله إنا نجد في التوراة نعتك، ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: أقيموا هذا من عند رأسه، ولوا أخاكم» (٣).\nوثبت في البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب لما سأله هرقل ملك الروم عن صفات رسول الله ﷺ فأخبره فقال: (إن يكن ما تقوله حقًا إنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحسنت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه) (٤).\nوفي البخاري حكاية عن هرقل هذا إنه كان حزاء ينظر في النجوم، فنظر، فقال: (إن ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: يختتن اليهود، فلا يهمك شأنهم، وابعث إلى من في مملكتك من اليهود فيقتلونهم، ثم وجد إنسانًا من العرب فقال: انظروا أفختتن هو؟ فنظروا فإذا هو مختتن، وسأله عن العرب فقال: يختتنون) (٥).\nوفيه أيضًا وكان برومية صاحب لهرقل كان هرقل نظيره في العلم، فأرسل إليه، وسار إلى حمص، فلم يرم حمص، حتى أتى كتاب من صاحبه يوافق رأيه على خروج النبي ﷺ.\nومن هذا ما ثبت في كتب السير والحديث من إسلام النجاشي، وتصديقه بالنبي وهو في الحبشة لم يشاهد النبي ﷺ، وإنما وصل إليه بعض أصحابه، وسمع ما تلوه عليه من القرآن، فآمن وصدق.\nوثبت في الصحيح أن ورقة بن نوفل الذي دار في طلب الدين، وسأل طوائف أهل الكتاب، لما أخبره رسول الله ﷺ بما رأى من نزول جبريل عليه في غار حراء وما قال له فقال ورقة: «هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، ليتني كنت جذعًا أدرك إذ يخرجك قومك، فقال النبي ﷺ: أو مخرجي هم؟ فقال ورقة: لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي» (٦).\n_________\n(١) رواه ابن إسحاق في «سيرة ابن هشام» (١/ ١٥٩).\n(٢) الحديث رواه البخاري (٣٨٢٧).\n(٣) رواه البيهقي (٦/ ٢٠٦) (١٢٥١٨). قال ابن تيمية في «الجواب الصحيح» (٥/ ١٧٢): إسناده صحيح.\n(٤) رواه البخاري (٤٥٥٣)، ومسلم (١٧٧٣).\n(٥) رواه البخاري (٧).\n(٦) رواه البخاري (٤٩٥٣)، ومسلم (١٦٠).","vol":"4","page":72},{"text":"ومن هذا ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال: (هل تدري عما كان إسلام أسيد وثعلبة ابني سعية وأسد بن عبيد نفر من هذيل لم يكونوا من بني قريظة ولا النضير كانوا فوق ذلك؟ قلت: لا، قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام من يهود يقال له ابن الهيبان، فأقام عندنا، والله ما رأينا رجلًا قط لا يصلي الخمس خيرًا منه، فقدم علينا قبل مبعث النبي ﷺ بسنين، وكنا إذا قحطنا، أو قل علينا المطر نقول: يا ابن الهيبان، أخرج فاستق لنا، فيقول: لا والله حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة، فنقول: كم؟ فيقول: صاع من تمر، أو مدين من شعير، فنخرجه ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا ونحن معه، فيستقي، فوالله ما نقوم من مجلسه حتى تمر السحاب، وقد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة، فحضرته الوفاة، فاجتمعنا إليه، فقال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قالوا: أنت أعلم. قال: فإنه إنما أخرجني أتوقع خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلاد مهاجره، فاتبعوه ولا تسبقن إليه إذا خرج يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري والنساء، فمن يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه. ثم مات، فلما كان الليلة التي فتحت فيها قريظة قال أولئك الثلاثة الفتية وكانوا شبانًا أحداثًا: يا معشر يهود، والله إنه الذي ذكر لكم ابن الهيبان، فقالوا: ما هو به، قالوا: بلى والله إنه بصفته. ثم نزلوا فأسلموا، وخلوا أموالهم وأولادهم وأهاليهم، فلما فتح الحصن رد ذلك عليهم) (١).\nوأخرج البخاري في تاريخه والبيهقي في دلائل النبوة عن محمد بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: (سمعت أبي جبير يقول لما بعث الله نبيه وظهر أمره بمكة خرجت إلى الشام، فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا لي: أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم. قالوا: تعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم. قال: فأخذوا بيدي فأدخلوني ديرًا لهم فيه تماثيل وصور، قالوا لي: أنظر هل ترى صورة هذا الذي بعث فيكم؟ فنظرت فلم أر صورته، قلت: لا أرى صورته. فأدخلوني ديرًا أكبر من ذلك الدير، فيه صور أكثر مما في ذلك الدير، فقالوا لي: أنظر هل ترى صورته؟ فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله ﷺ وصورته، وإذا أنه بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ بعقب رسول الله، فقالوا لي: انظر هل ترى صفته؟ قلت: نعم. قالوا: هو هذا، وأشاروا إلى صفة رسول الله ﷺ؟ قلت: اللهم نعم. قالوا: أتعرف هذا الذي أخذ بعقبه؟ قلت: نعم. قالوا تشهد أن هذا هو صاحبكم، وأن هذا الخليفة من بعده) (٢) .......\n_________\n(١) رواه ابن إسحاق في «سيرة ابن هشام» (١/ ٢١٣).\n(٢) رواه البيهقي في «دلائل النبوة» (١/ ٣٨٤)","vol":"4","page":73},{"text":"وأمثال هذا كثيرة جدًا يطول المقام ببسط بعضها فضلًا عن كلها، وفي القرآن الكريم من دلائل إثبات النبوات على العموم، وإثبات نبوة نبينا ﷺ على الخصوص ما لا يخفى على من يعرف القرآن، ويفهم كلام العرب، فإنه مصرح بثبوت جميع الأنبياء من لدن آدم إلى محمد ﷺ، وفيه ذكر كل واحد منهم بصفته، وإلى من أرسل، وفي أي زمان كان، مع تقديم المتقدم، وتأخير المتأخر، وذكر ما وقع لكل واحد منهم، من إجابة قومه له، وامتناعهم عليه، وردهم لما جاء به، وما وقع بينه وبينهم من المقاولة، والمحاولة، والمقاتلة. ومن نظر في التوراة وما اشتملت عليه من حكاية حال الأنبياء من لدن آدم إلى موسى وجد القرآن موافقًا لما فيها غير مخالف لها، وهكذا ما اشتملت عليه التوراة مما اتفق لموسى وبني إسرائيل في مصر مع فرعون، وما كان من تلك الحوادث من الآيات البينات التي جاء بها، ومن تلك العقوبات التي عوقب بها فرعون وقومه، ثم ما كان من بني إسرائيل مع موسى من بعد خروجهم من مصر إلى عند موت موسى مع طول تلك المدة، وكثرة تلك الحوادث.","vol":"4","page":74},{"text":"فإن القرآن حكى ذلك كما هو، وذكره بصفته من غير مخالفة، ثم ما كان من الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى إلى عند قيام المسيح فإن القرآن الكريم حكى قصصهم، وما جرى لهم، وما قالوه لقومهم، وما قاله قومهم لهم، وما وقع بينهم من الحوادث، وكان ما حكاه القرآن موافقًا لما في كتب نبوة أولئك الأنبياء من غير مخالفة، ثم هكذا ما حكاه القرآن عن نبوة المسيح، وما جرى له، وأحواله وحوادثه، فإنه موافق لما اشتمل عليه الإنجيل من غير مخالفة، ومعلوم لكل عاقل يعرف أحوال نبينا ﷺ أنه كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وكان منذ ولد إلى أن بعثه الله ﷿ بين قومه، وهم قوم مشركون لا يعرفون شيئًا من أحوال الأنبياء، ولا يدرون بشيء من الشرائع، ولا يخالطون أحدًا من اليهود والنصارى، ولا يعرفون شيئًا من شرائعهم، وإن عرفوا فردًا منها فليس ذلك إلا في مثل ما هو متقرر بينهم يعملون به في عباداتهم ومعاملاتهم باعتبار ما يشتهر عنهم في ذلك كما يبلغ بعض أنواع العالم عن البعض الآخر، فإنه قد يبلغهم بعض ما يتمسكون به في دينهم باعتبار اشتهار ذلك عنهم، وأما العلم بأحوال الأنبياء وما جاءوا به، وإلى من بعثهم الله، وما قالوا لقومهم، وما أجابوهم به، وما جرى بينهم من الحوادث كلياتها وجزئياتها، وفي أي عصر كان كل واحد منهم، وإلى من بعثه الله، وكون هذا النبي كان متقدمًا على هذا، وهذا كان متأخرًا عن هذا، مع كثرة عددهم، وطول مددهم، واختلاف أنواع قومهم، واختلاف ألسنتهم، وتباين لغاتهم، فهذا أمر لا يحيط بعلمه إلا الله ﷿، ولولا اشتمال التوراة على حكاية أحوال من قبل موسى من الأنبياء لانقطع علم ذلك عن البشر، ولم يبق لأحد منهم طريق إليه البتة، فلما جاءنا هذا النبي العربي الأمي المبعوث من بين طائفة مشركة، تعبد الأوثان، وتكفر بجميع الأديان، قد دبروا دنياهم بأمور جاهلية تلقاها الآخر عن الأول، وسمعها اللاحق من السابق، لا يرجع شيء منها إلى ملة من الملل الدينية، ولا إلى كتاب من الكتب المنزلة، ولا إلى رسول من الأنبياء المرسلة، بل غاية علمهم، ونهاية ما لديهم ما يجري بين أسلافهم من المقاولة والمقاتلة، وما يحفظونه من شعر شعرائهم، وخطب خطبائهم، وبلاغات بلغائهم، وجود أجوادهم، وإقدام أهل الجرأة والجسارة منهم، لا يلتفتون مع ذلك إلى دين، ولا يقبلون على شيء من أعمال الآخرة، ولا يشتغلون بأمر من الأمور التي يشتغل بها أهل الملل، فإن راموا مطلبًا من مطالب الدنيا، ورغبوا في أمر من أمورها، قصدوا أصنامهم، وطلبوا حصولها منها، وقربوا إليها بعض أموالهم ليبلغوا بذلك إلى مقاصدهم ومطالبهم، وكان هذا النبي العربي الأمي لا يعلم إلا بما يعلمون، ولا يدري إلا بما يدرون، بل قد يعلم الواحد منهم، المتمكن من قراءة الكتب وكتابة المقروء بغير ما يعلمه هذا النبي، فبينما هو على هذه الصفة بين هؤلاء القوم البالغين في الجهالة إلى هذا الحد جاءنا بهذا الكتاب العظيم الحاكي لما ذكرناه من تفاصيل أحوال الأنبياء وقصصهم، وما جرى لهم مع قومهم على أكمل حال، وأتم وجه، ووجدناه موافقًا لما في تلك الكتب غير مخالف لشيء منها، كان هذا من أعظم الأدلة الدالة على ثبوت نبوته على الخصوص، وثبوت نبوة من قبله من الأنبياء على العموم، ومثل دلالة هذا الدليل لا يتيسر لجاحد ولا لمكابر ولا لزنديق مارق أن يقدح فيها بقادح، أو يعارضها بشبهة من الشبه كائنة ما كانت، إن كان ممن يعقل ويفهم، ويدري بما يوجبه العقل من قبول الأدلة الصحيحة التي لا تقابل بالرد، ولا تدفع بالمعارضة، ولا تقبل التشكيك، ولا تحتمل الشبهة، ومع هذا فقد كان النبي الأمي المبعوث بين هؤلاء يصرح بين ظهرانيهم ببطلان ما هم","vol":"4","page":75},{"text":"عليه، ويزيف ما هم فيه أبلغ تزييف، ويقدح فيه أعظم قدح، ويبين لهم أنهم أعداء الله، وأنهم مستحقون لغضبه وسخطه وعقوبته، وأنهم ليسوا على شيء، فبهذا السبب صاروا جميعا أعداء له يطعنون عليه بالمطاعن التي يعلمون أنه منزه عنها، مبرأ منها، كقولهم إنه كذاب، وإنه مجنون، وإنه ساحر، فلو علموا أنه تعلم من أحد من أهل الكتاب أو أخذ عن فرد من أفرادهم لجاءوا بهذا المطعن بادئ بدء، وجعلوه عنوانًا لتلك المطاعن الكاذبة، بل لو وجدوا إلى ذلك سبيلا ًلعولوا عليه ولم يحتاجوا إلى غيره، فلما لم يأتوا بذلك، ولا تكلموا به، ولا وجدوا إليه سبيلًا علم كل عاقل أنه لم يتعلم من أحد من اليهود ولا من النصارى، ولا من غير هاتين الطائفتين، إذ لم يطعن عليه بذلك هؤلاء الذين هم قومه وقد ولد بينهم، وعاش في ديارهم يخالطهم ويخالطونه، ويواصلهم، ويعرفون جميع أحواله، ولا سيما من كان من قرابته منهم الذين صاروا له بعد البعثة أشد الأعداء، وأعظم الخصوم، كأبي لهب وأمثاله، فإنه لا شك ولا ريب أنه لا يخفى عليهم ما هو دون هذا من أحواله، وأيضًا لو كان قد تعلم من أحد من أهل الكتاب لم يخف ذلك على أهل الكتاب الذين صرح لهم بأنهم إن لم يؤمنوا به فهم من أعداء الله، ومن المستحقين لسخطه وعقوبته، وأنهم على ضلالة، وأنهم قد غيروا كتابهم وحرفوه وبدلوه، وأنهم أحقاء بلعنة الله وغضبه، فلو كان له معلم منهم أو من أمثالهم من أهل الكتاب لجعلوا هذا المطعن عليه مقدمًا على كل مطعن يطعنونه به من تلك المطاعن الكاذبة، بل كان هذا المطعن مستغنيًا عن كل ما طعنوا به عليه، لأن مسافته قريبة، وتأثيره ظاهر، وقبول عقول العامة له من أهل الكتاب ومن المشركين أيسر من قبولها لتلك المطاعن الكاذبة التي جاءوا بها، هذا معلوم لكل عاقل لا يشك فيه شاك، ولا يتلعثم عنده متلعثم، ولا يكابره فيه مكابر، فلما لم يطعن عليه أحد منهم بشيء من ذلك علمنا علمًا يقينًا انتفاء ذلك، وأنه لم يتعلم من أحد منهم، وإذا تقرر هذا البرهان الذي هو أوضح من شمس النهار، أنه لم يكن له معلم من اليهود ولا من النصارى، ولا من غيرهم ممن له علم بأحوال الأنبياء فلم يبق إلا أن يكون اطلع بنفسه منفردًا عن الناس على مثل التوراة، والزبور، والإنجيل، ونحو ذلك من كتب الأنبياء، وقد علمنا علما يقينيًا بأنه كان أميًا لا يقرأ المكتوب، ولا يكتب المقروء، ثبت هذا بالنقل المتواتر عن أصحابه، مع عدم مخالفة المخالفين له في ذلك، فإنه لم يسمع عن واحد منهم أنه نسب إليه أنه يقدر على قراءة المكتوب، أو كتابة المقروء، وحينئذ انتفت هذه الطريقة أعني كونه اطلع على الكتب المتقدمة بنفسه منفردًا عن الناس، وإنما قلنا منفردًا عن الناس لأنا لو فرضنا قدرته على ذلك في محضر أحد من الناس لم يخف ذلك على أتباعه ولا على أعدائه، فإذا انتفت قدرته على قراءة المكتوب من حيث كونه أميًا، وانتفى اطلاع أحد من الناس على شيء من ذلك علمنا أنه لم يأخذ شيئًا من ذلك لا بطريق التعليم، ولا بطريق المباشرة منه لتلك الكتب، ولم يسمع عن أحد لا من أتباعه ولا من أعدائه أنه كان بمكة من يعرف أحوال الأنبياء وقصصهم وما جاءوا به من الشرائع، ولا كان بمكة من كتب الله سبحانه المنزلة على رسله شيء، ولا كانت قريش ممن يرغب إلى ذلك أو يطلبه أو يحرص على معرفته، ومع هذا فقد كان أعداؤه من كفار قريش معترفون بصدقه، ويقرون بأنهم لم يجربوا عليه كذبًا. وفي حديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما في قصة سؤال هرقل لأبي سفيان أنه قال له (فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا) (١) وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود (أن سعد بن معاذ لما قال لأمية بن خلف أن النبي ذكر أنه سيقتل، فقال ذلك لامرأته، فقالت: والله ما يكذب محمد، وعزم على ألا يخرج خوفًا من هذا) (٢). وأخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس أن النبي قال لقريش: «لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا» (٣).\nوأخرج البخاري في تاريخه، وأبو زرعة في دلائله، وابن اسحق أن أبا طالب لما قال للنبي ﷺ أن يكف عن قريش فقال: «والله ما أقدر على أن أدع ما بعثت به، فقال أبو طالب لقريش: والله ما كذب قط، فارجعوا راشدين» (٤).\nوأخرج ابن مردويه في كتاب التفسير، وأبو يعلى الموصلي في مسنده، وعبد بن حميد أن عتبة بن ربيعة قال لقريش: (وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب) الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - بتصرف - ١/ ٥٢١\n_________\n(١) رواه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٣٢).\n(٣) رواه البخاري (٤٧٧٠)، ومسلم (٢٠٨)\n(٤) رواه البخاري في «التاريخ الكبير» (٧/ ٥٠)","vol":"4","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1061>المطلب الأول: دعوة إبراهيم</span>\nعن العرباض بن سارية عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإنَّ آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري، دعوةُ إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني، أنه خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام» رواه في (شرح السنة) (١).\nوقد أخبرنا الله أنَّ خليل الرحمن إبراهيم وابنه إسماعيل كان يبنيان البيت الحرام ويدعوان، ومن دعائهما ما قصه علينا في سورة البقرة وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩].\nوقد استجاب الله دعاء خليله إبراهيم وابنه نبيّ الله إسماعيل، وكان محمد ﷺ هو تأويل تلك الاستجابة. ولا تزال التوراة الموجودة اليوم – على الرغم مما أصابها من تحريف – تحمل شيئًا من هذه البشارة، فنجد فيها أنَّ الله استجاب دعاء إبراهيم في إسماعيل، فقد ورد في التوراة في سفر التكوين في الإصحاح السابع عشر فقرة (٢٠): (وأمّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره، وأكثره كثيرًا جدًا، اثني عشر رئيسًا يلد، وأجعله أمّة عظيمة كبيرة). وهذا النصُّ ورد في التوراة السامرية بألفاظ قريبة جدًا مما أثبتناه هنا، والترجمة الحرفية للتوراة العبرانية لهذا النص: وأمّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأكثره (بمأد مأد) (٢). وقد ذكر ابن القيم أنَّ بعض نسخ التوراة القديمة أوردت النص كما أثبتناه هنا.\nودلالة هذه البشارة على نبينا محمد ﷺ من وجوه: الأول: أنَّ الأمة العظيمة عند الله لا بدَّ أن تكون مسلمة، ولم توجد هذه الأمّة من نسل إسماعيل إلاّ بعد بعثة الرسول وانتشار المسلمين في المشارق والمغارب.\nالثاني: النصّ العبراني (مأد مأد) صريح في اسم الرسول ﷺ فالمترجمون ترجموه (جدًا جدًا أو كثيرًا كثيرًا) والصواب هو: محمد، لأنها تلفظ بالعبراني (مؤد مؤد) واللفظ العبراني قريب من العربي. الثالث: قوله: اثني عشر رئيسًا يلد، هذا موافق لأخبار الرسول ﷺ أنه سيلي أمر هذه الأمة اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٦٣\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٢٨) (١٧٢٠٣)، والبزار (١٠/ ١٣٥)، وابن حبان (١٤/ ٣١٢) (٦٤٠٤)، والطبراني (١٨/ ٢٥٣) (١٥٣٤١)، والحاكم (٢/ ٦٥٦)، والبغوي في «شرح السنة» (١٣/ ٢٠٧). قال البزار: لا نعلمه يروى بإسناد متصل أحسن من هذا الإسناد، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٢٦): أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد وقد وثقه ابن حبان.\n(٢) «نبوة محمد من الشك إلى اليقين» (ص: ٢٥٠)، «محمد نبي الإسلام» (ص: ٣).","vol":"4","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1062>المطلب الثاني: بشارة موسى</span>\nلقد جاء بني إسرائيل الخبرُ اليقين بالنبيِّ الأميّ، على يد نبي الله موسى منذ أمد بعيد، جاءهم الخبر اليقين ببعثه، وبصفاته، ونهج رسالته، وبخصائص ملته، فهو النبي الأمي، وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحلُّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، يضع عن من يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم، فيرفعها عنهم النبي الأمي حين يؤمنون به، وأتباع هذا النبي يتقون ربهم، ويخرجون زكاة أموالهم ويؤمنون بآيات الله. . وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي، ويعظمونه ويوقرونه وينصرونه ويؤيدونه ويتبعون النور الذي أنزل معه (أولئك هم المفلحون).\nقال تعالى: عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النبي الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧].\nبقية هذه البشارة في التوراة:\nوقد بقي من هذه البشارة بقية في التوراة، ففي سفر التثنية، الإصحاح (١٨) فقرة ١٨ - ١٩ قال الله لموسى: (أقيم لهم أي لبني إسرائيل نبيًا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع كلامي الذي يتكلّم به باسمي أنا أطالبه).\nودلالة هذه البشارة على رسولنا ﷺ بيَّنه، ذلك أنّه من بني إسماعيل وهم إخوة بني إسرائيل، فجدُّهم هو إسحاق، وإسماعيل وإسحاق أخوان، ثم هو أوسط العرب نسبًا، وقوله: مثلك، أي: صاحب شريعة مثل موسى، ومحمد ﷺ هو الذي جعل الله كلامه في فمه حيث كان أميًّا لا يقرأ من الصحف، ولكنَّ الله يوحي إليه كلامه، فيحفظه ويرتله، وهو الرسول المرسل إلى الناس كافة، وبنو إسرائيل مطالبون باتباعه وترك شريعتهم لشريعته، ومن لم يفعل فإنَّ الله معذبه (ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه).\nومما يعرفنا أنَّ هذه البشارة هي بقية البشارة العظيمة التي أوحى الله بها إلى موسى، وأخبرنا بها القرآن الكريم، أن هذه البشارة وردت في موقف معين، فعندما اختار موسى من قومه سبعين رجلًا لميقات الله أخذتهم الرجفة، وذلك بسبب طلبهم رؤية الله جلَّ وعلا، فدعا موسى ربَّه وتوسل إليه، فبعثهم الله من بعد موتهم، قال الله بعد توسل موسى ودعائه عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ .. الآيات.\nوإذا رجعت إلى التوراة في سفر الخروج تجد أنَّ هذه البشارة إنما أوحى الله بها إلى موسى بعد ذهابه لميقات الله، وتتحدث التوراة عن شيء قريب من الرجفة (وكل الشعب سمع الأصوات وصوت البوق، ونظروا الشهب والجبل دخانًا ونظر كل القوم وتشردوا ووقفوا من بعد ..) سفر الخروج، الإصحاح (٢٠) فقرة: ١٨. (وكان جميع الشعب يرون الرعود والبروق، وصوت البوق والجبل يدخن، ولما رأى الشعب ارتعدوا ووقفوا من بعيد ..). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٦٥","vol":"4","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1063>المطلب الثالث: بشارة عيسى</span>\nوأخبرنا الله – سبحانه – أن عيسى بشر برسولنا محمد ﷺ: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ [الصف: ٦].\nوأحمد من أسماء نبينا محمد ﷺ كما ثبت في صحيح البخاري عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» (١).\nمثلان في التوراة والإنجيل:\nضرب الله في التوراة والإنجيل مثلين لرسولنا محمد ﷺ ولأصحابه: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ٢٩]. الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٦٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨٩٦)، ومسلم (٢٣٥٤).","vol":"4","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1064>المبحث الثاني: بشائر التوراة وأسفار الأنبياء</span>\nالتوراة التي بين أيدي الناس اليوم محرَّفة مغيرة يدلك على ذلك هذا الاختلاف الذي تجده في أمور كثيرة بين نسخها وطبعاتها، فهناك ثلاث نسخ للتوراة: العبرانية، واليونانية، والسامرية، وكلُّ قوم يدَّعون أن نسختهم هي الصحيحة، وهناك فروق واضحة بين طبعات التوراة وترجماتها. وقد أدى هذا التحريف إلى ذهاب كثير من البشارات أو طمس معالمها، ومع ذلك فقد بقي من هذه البشارات شيء كثير، ولا تخفى هذه البشارات على من يتأملها، ويعرضها على سيرة رسول الله ﷺ متجردًا من الهوى.\n١ - ذكر الرسول ﷺ باسمه في التوراة:\nلقد صرح بعض هذه البشارات باسم محمد ﷺ وقد اطلع بعض علماء المسلمين على هذه النصوص، ولكنَّ التحريف المستمر لهذا الكتاب أتى على هذه النصوص، فمن ذلك ما ورد في سفر أشعيا (١): (إني جعلت أمرك محمدًا، يا محمد يا قدوس الربّ، اسمك موجود من الأبد) (٢). وقوله إن اسم محمد موجود من الأبد موافق لقول الرسول ﷺ: «إني مكتوب عند الله خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته» (٣). وفي التوراة العبرانية في الإصحاح الثالث من سفر حبقوق: (وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، ملك بيمينه رقاب الأمم).\nوفي النسخة المطبوعة في لندن قديمًا سنة ١٨٤٨، والأخرى المطبوعة في بيروت سنة ١٨٨٤، والنسخ القديمة تجد في سفر حبقوق النص في غاية الصراحة والوضوح: (لقد أضاءت السماء من بهاء محمد، امتلأت الأرض من حمده،. . زجرك في الأنهار، واحتدام صوتك في البحار، يا محمد ادن، لقد رأتك الجبال فارتاعت). ٢ - ذكر الرسول ﷺ بأمر يتعلق به:\nوفي بعض الأحيان يذكر مكان مبعثه، ففي سفر التثنية الإصحاح الثالث والثلاثون، فقرة (٢): (جاء الربّ من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران \" وسيناء هي الموضع الذي كلّم الله فيه موسى، وساعير الموضع الذي أوحى الله فيه لعيسى، وفاران هي جبال مكة، حيث أوحى الله لمحمد ﷺ، وكون جبال فاران هي مكة، دلت عليه نصوص من التوراة. وقد جمع الله هذه الأماكن المقدسة في قوله: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التين: ١ - ٣] وذكرت التوراة مكان الوحي إليه، ففي سفر أشعيا الإصحاح (٢١) فقرة: (١٣) وحي من جهة بلاد العرب في الوعر). وقد كان بدء الوحي في بلاد العرب في الوعر في غار حراء.\nوفي هذا الموضع من التوراة فقرة: (١٤) حديث عن هجرة الرسول ﷺ وإشارة إلى الجهة التي هاجر إليها (هاتوا ماءً لملاقاة العطشان يا سكان أرض تيماء، وافوا الهارب بخبزة، فإنهم من أمام السيوف قد هربوا، من أمام السيف المسلول، ومن أمام القوس المشدودة، ومن أمام شدة الحرب) وتيماء من أعمال المدينة المنورة، وإذا نظرت في النص ظهر لك بوضوح أنه يتحدث عن هجرة الرسول ﷺ.\n_________\n(١) «الجواب الصحيح» (٣/ ٣٢٦).\n(٢) «محمد نبي الإسلام» (ص: ١٨).\n(٣) رواه أحمد (٤/ ١٢٨) (١٧٢٠٣)، والبزار (١٠/ ١٣٥)، وابن حبان (١٤/ ٣١٢) (٦٤٠٤)، والطبراني (١٨/ ٢٥٣) (١٥٣٤١)، والحاكم (٢/ ٦٥٦)، والبغوي في «شرح السنة» (١٣/ ٢٠٧). قال البزار: لا نعلمه يروى بإسناد متصل أحسن من هذا الإسناد، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٢٦): أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد وقد وثقه ابن حبان.","vol":"4","page":80},{"text":"وتكملة النص السابق فقرة: (١٦) يقول: (فإنه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار، وبقية قسى أبطال بني قيدار تقلّ، لأنَّ الربّ إله إسرائيل قد تكلم).\nوهذا النص يتحدث عن معركة بدر، فإنّه بعد سنة كسنة الأجير من الهجرة كانت وقعة بدر، وفنى مجد قيدار، وقيدار من أولاد إسماعيل، وأبناؤه أهل مكة، وقد قلت قسى أبناء قيدار بعد غزوة بدر.\n٣ - إشارة التوراة إلى معلم من معالم مهاجر الرسول:\nوأشارت بعض نصوص التوراة إلى مكان هجرة الرسول ﷺ، ففي سفر أشعيا الإصحاح (٤٢) فقرة: (١١) (لترفع البريّة ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار، لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا، ليعطوا الربَّ مجدًا ..).\nوقيدار أحد أبناء إسماعيل كما جاء في سفر التكوين إصحاح (٢٥) عدد (١٣).\nوسالع جبل سلع في المدينة المنورة.\nوالترنم والهتاف ذلك الأذان الذي كان ولا يزال يشقُّ أجواز الفضاء كلّ يوم خمس مرات، وذلك التكبير والتحميد في الأعياد وفي أطراف النهار وآناء الليل كانت تهتف به الأفواه الطاهرة من أهل المدينة الطيبة الرابضة بجانب سلع. ٤ - إشارة التوراة إلى أمور جرت على يديه ﷺ:\nوقد تذكر النصوص انتشار دعوته وبعض ما يكون من الرسول ﷺ، ففي سفر حبقوق الإصحاح الثالث فقرة: (٣ - ٦): (الله جاء من تيمان، والقدوس من جبال فاران، سلاه جلاله غطى السماوات والأرض، امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور، له من يده شعاع، وهناك استنارت قدرته، قدامه ذهب الوبا، وعند رجليه خرجت الحمّى، وقف وقاس الأرض، نظر، فرجفت الأمم، ودكت الجبال الدهرية، وخسفت آكام القدم).\nففي هذه البشارة إخبار بالنصر العظيم الذي حازه الرسول ﷺ وأتباعه، وإخبار بانتشار دعوته في شتى بقاع الأرض، وبأن الجبال الدهرية وهي الدول القويّة ذات المجد القديم ستدك، وآكام القدم وهي الدول الأقل ستخسف، وقد تحقق ذلك كله، وأشارت هذه البشارة إلى أمرين يدركهما من كان عليمًا بسيرة الرسول ﷺ وأخباره، وهما: لمعان كالنور له من يده، وذهاب الوبا من قدامه، وخروج الحمّى من عند رجليه.\n٥ - اللمعان والنور الذي شعَّ من يده:\nيقول النص: (وكان لمعان كالنور، له من يده، وشعاع، وهناك استنارت قدرته) ثم يقول: (وقف وقاس الأرض نظر، فرجفت الأمم ..) والذي يبدو لي أنَّ هذا النص يتحدث عن حادثة بعينها، وهي ما وقع منه ﷺ في غزوة الخندق، عندما أعجزت صخرة الصحابة أثناء حفر الخندق، فجاء الرسول ﷺ فضربها ضربة عظيمة أسقطت ثلثها، وخرج منها نور فكبر الرسول ﷺ فكبر أصحابه، ثمَّ الثانية فالثالثة، وقد أخبر الرسول ﷺ أنه رأى بالنور الأول قصور الشام، وبالنور الثاني قصور فارس، وبالنور الثالث أبواب صنعاء.","vol":"4","page":81},{"text":"وروى النسائي وأحمد بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب قال: «لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى النبي ﷺ، فجاء فأخذ المعول فقال: باسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثمَّ ضرب الثانية فقطع الثالث الآخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثمَّ ضرب الثالثة، وقال: باسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة» (١).\nوفي رواية الطبراني: «فضرب الصخرة وبرق منها برقة فكبّر، وكبّر، المسلمون»، وفيه «إن البرقة الأولى أضاءت لها قصور الشام، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم ..» (٢).\nتأمل النص الذي أوردناه مرة أخرى (لمعان كالنور له من يده، وشعاع، وهناك استنارت قدرته .. وقف وقاس الأرض نظر ..).\nوتأمل في الأحاديث التي أوردناها أليست هذه الواقعة تأويل لتلك البشارة؟\n٦ - ذهاب الوبا وخروج الحمى:\nتقول هذه البشارة: (قدامه ذهب الوبا، وعند رجليه خرجت الحمّى)، وهذه – والله – بشارة صريحة لا تحتمل تأويلًا، فالمدينة قبل مجيء الرسول – ﷺ – كانت معروفة بالحمّى، وفي الحديث عن ابن عباس «أنَّ الرسول ﷺ وأصحابه عندما قدموا مكة للعمرة – وهي العمرة المعروفة بعمرة القضاء – قال المشركون: إنّه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمّى يثرب» رواه البخاري (٣). وقد أصابت هذه الحمّى صحابة رسول الله ﷺ أول قدومهم المدينة، فدعا رسول الله ﷺ ربَّه كي يذهب الحمّى.\nعن عائشة ﵂ قالت: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وعُك أبو بكر وبلال. قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف تَجِدُك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:\nكلُّ امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ... والموتُ أدنى من شراك نعله\nوكان بلال إذا أقلع عنه الحمّى يرفع رأسه ويقول:\nألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة ... بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليلُ\nوهل أرِدَنْ يومًا مياهَ مَجَنَّةٍ ... وهل يَبدُوَنْ لي شامةٌ وطفيلُ\nقالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: اللَّهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ، وصَحِّحْها، وبارك لنا في صاعها ومدِّها، وانقل حمّاها، فاجعلها في الجحفة» رواه البخاري (٤) وزاد البخاري في آخر كتاب الحج: «ثم يقول بلال: اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء» (٥).\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٣٠٣) (١٨٧١٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٦٩) (٨٨٥٨)، وأبو يعلى (٣/ ٢٤٤) (١٦٨٥). والحديث صحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٥١٠) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، قال الهيثمى (٦/ ١٣٣): فيه ميمون أبو عبد الله، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعه، وبقية رجاله ثقات، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٧/ ٤٥٨): إسناده حسن.\n(٢) رواه بنحوه الطبراني (١١/ ٣٧٦) (١٢٠٨١).\n(٣) انظر: «فتح الباري» (٣/ ٤٦٩).\n(٤) رواه البخاري (٣٩٢٦)، ومسلم (١٣٧٦).\n(٥) رواه البخاري (١٨٨٩).","vol":"4","page":82},{"text":"إذن كانت يثرب موبُوْءَة بالحمى، لا يكاد يدخلها أحد إلاّ أصابته. وقد استجاب الله لنبيه ﷺ فنقل عنها الحمى، وصحَّحَها، ومنع عن المدينة الطاعون، ففي الحديث الذي يرويه أحمد في مسنده عن أبي عسيب مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل ﵇ بالحمّى والطاعون، فأمسكت الحمّى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام» (١).\nوإمساكه الحمّى بالمدينة لعله في بداية الأمر، ثمَّ أمر بإرسالها إلى الجحفة، أو أن المراد بإمساكها بالمدينة المنطقة التي فيها المدينة، ذلك أن الجحفة تقع قرب المدينة، وعلى كلّ فالبشارة واضحة وقعت كما أخبرت التوراة.\n٧ - بشارات جامعة:\nوفي بعض الأحيان تكون البشارات جامعة تذكر صفات الرسول ﷺ ووحي الله إليه، وأخبار أمته، وما ينزل إليه عليهم من نصره، وإمدادهم بالملائكة، وشيئًا مما يعطيه الله لرسوله كالعروج به إلى السماء ونحو ذلك، فمن ذلك ما ورد في بشائر دانيال.\nقال دانيال (٢) يهدد اليهود، ويصف لهم أمة محمد ﷺ: (إن الله يظهرهم عليكم، وباعث فيهم نبيًا، ومنزل عليهم كتابًا، ومملكهم رقابكم، يقهرونكم ويذلونكم بالحق، ويخرج رجال قيدار في جماعات الشعوب، معهم الملائكة على خيل بيض، فيحيطون بكم، وتكون عاقبتكم النار، نعوذ بالله من النار). وأبناء قيدار بن إسماعيل، قد انتشروا في الأرض، واستولوا على الشام والجزيرة ومصر والعراق، وقد تواترت الآثار أن الملائكة كانت تنزل على الخيل البيض كما نزلت يوم بدر والأحزاب، وقال دانيال مصرحًا باسم محمد ﷺ: (ستنزع في قسيّك إغراقًا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد).\nوقال دانيال أيضًا: (سألت الله وتضرعت إليه أن يبيّن لي ما يكون من بني إسرائيل، وهل يتوب عليهم، ويردّ إليهم ملكهم، ويبعث فيهم الأنبياء، أو يجعل ذلك في غيرهم؟ فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه، فقال: السلام عليكم يا دانيال، إن الله يقول: إنّ بني إسرائيل أغضبوني وتمردوا علي، وعبدوا من دوني آلهة أخرى، وصاروا من بعد العلم إلى الجهل، ومن بعد الصدق إلى الكذب. فصلَّت عليهم بخت نصّر، فقتل رجالهم، وسبى ذراريهم، وهدم مساجدهم، وحرق كتبهم، وكذلك فعل من بعده بهم، وأنا غير راض عنهم، ولا مقيلهم عثرات، فلا يزالون في سخطي حتى أبعث مسيحي ابن العذراء البتول، وأختم ذلك عليهم باللعن والسخط، فلا يزالون ملعونين، عليهم الذلة والمسكنة، حتى أبعث نبي بني إسماعيل الذي بشرت به هاجر، وأرسلت إليها ملاكي وبشرها، وأوحي إلى ذلك النبي، وأعلمه الأسماء، وأزينه بالتقوى، وأجعل البرَّ شعاره، والتقوى ضميره، والصدق قوله، والوفاء طبيعته، والقصد سيرته، والرشد سنته، أخصه بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب، وناسخ لبعض ما فيها، أسري به إلي، وأرقيه من سماء إلى سماء، حتى يعلو، فأدنيه، وأسلِّم عليه، وأوحي إليه، ثمَّ أردّه إلى عبادي بالسرور والغبطة، حافظًا لما استودع، صادقًا فيما أخبر، يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة الحسنة، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، رؤوف بمن والاه، رحيم بمن عاداه، فيدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي، ويخبرهم بما رأى من آياتي، فيكذبونه، ويؤذونه).\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٨١) (٢٠٧٨٦)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٢٩٢). وقال: رواة أحمد ثقات مشهورون، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٣١٣): رجال أحمد ثقات، وحسنه ابن حجر في «بذل الماعون» (٣٣).\n(٢) انظر: «الجواب الصحيح» (٣/ ٣٣١، ٤/ ٣).","vol":"4","page":83},{"text":"يقول ابن تيمية: (ثمَّ سرد دانيال قصة رسول الله ﷺ بما أملاه عليه الملك حتى وصل آخر أمته بالنفخة، وانقضاء الدنيا).\nثم قال: (وهذه البشارة الآن عند اليهود والنصارى يقرؤونها، ويقولون: لم يظهر صاحبها بعد). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٦٨\nوالكلام في تبشير نبينا محمد بمن تقدمه من الأنبياء حتى يتضح لك أن هذه سنة الله ﷿ في أنبيائه ﵈ فمن ذلك ما ثبت في التوراة في الفصل السابع عشر من السفر الأول منها قال الله سبحانه لإبراهيم: (وقد سمعت قولك في إسماعيل وها أنا مبارك فيه وأثمره وأكثره بمأذ مأذ) انتهى. قوله بمأذ مأذ هو اسم محمد بالعبرانية وهذا صريح في البشارة بنبينا محمد وفي الفصل الثالث والثلاثين من السفر الخامس من التوراة ما لفظه: (يا الله الذي تجلى نوره من طور سينا، وأشرق نوره من جبل سيعير، ولوح به من جبل فاران، وأتى ربوة القدس بشريعة نور من يمينه لهم) انتهى. هذا نص التوراة المعربة تعريبًا صحيحًا، وقد حكى هذا اللفظ من نقل عن التوراة بمخالفة لما هنا يسيرة: (هكذا جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران). وفي لفظ: (تجلى الله من طور سيناء أو مجيئه من طور سيناء) الخ.\nقال جماعة من العلماء: (إن معنى تجلى نور الله سبحانه من طور سيناء، أو مجيئه من طور سيناء هو إنزاله التوراة على موسى بطور سيناء، ومعنى إشراقه من جبل سيعير إنزاله الإنجيل على المسيح وكان المسيح من سيعير أو ساعير وهي أرض الخليل من قرية منها تدعى ناصرة وباسمها سمي أتباعه نصارى، ومعنى لوح به من جبل فاران أو استعلن من جبل فاران إنزاله القرآن على محمد وجبال فاران هي جبال مكة بلا خلاف بين علماء المسلمين وأهل الكتاب). ومما يؤيد هذا ما في التوراة في السفر الأول منها ما لفظه: (وغدا إبراهيم فأخذ الغلام يعني إسماعيل وأخذ خبزًا وسقاء من ماء ودفعه إلى هاجر، وحمله عليها وقال لها اذهبي فانطلقت هاجر فظلت سبعًا، ونفذ الماء الذي كان معها، فطرحت الغلام تحت شجرة وجلست مقابلته على مقدار رمية سهم لئلا تبصر الغلام حين يموت، ورفعت صوتها بالبكاء، وسمع الله صوت الغلام فدعا ملك الله هاجر وقال لها: مالك يا هاجر، لا تخشي فإن الله قد سمع صوت الغلام حيث هو، فقومي فاحملي الغلام وشدي يديك به فإني جاعله لأمة عظيمة، وفتح الله عينيها فبصرت بئر ماء، فسقت الغلام، وملأت سقاها، وكان الله مع الغلام، فربي وسكن في برية فاران). انتهى. ولا خلاف أن إسماعيل سكن أرض مكة فعلم أنها فاران، وقد حكى الله سبحانه في القرآن الكريم ما يفيد هذا فقال حاكيًا عن إبراهيم: رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:٣٧] ولا خلاف في أن المراد بهذا الوادي أرض مكة، وفي الأحاديث الصحيحة الحاكية لقصة إبراهيم مع هاجر وولدها إسماعيل ما يفيد هذا ويوضحه، ومما يؤيد هذه البشارة المذكور في كتاب نبوة النبي شمعون ولفظه: (جاء الله من جبال فاران، وامتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته) ومثل ذلك البشارة المذكورة في نبوة النبي حبقوق ولفظه: (جاء الله من التيمن، وظهر القدس على جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، وملك يمينه رفات الأمم، وأنارت الأرض لنوره، وحملت خيله في البحر). انتهى.\nوفي هذا التصريح بجبال فاران مع التصريح باسم نبينا محمد بقوله: (وامتلأت الأرض من تحميد أحمد) تصريحًا لا يبقى بعده ريب لمرتاب.","vol":"4","page":84},{"text":"ومن البشارات بنبينا محمد في الزبور لداود ﵇ ما لفظه (إن ربنا عظيم محمود جدا ومحمد قد عم الأرض كلها فرحًا). انتهى.\nففي هذا التصريح باسمه، ومن ذلك قوله فيه: (بارك عليك إلى الأبد، ويقلد أبونا الجبار السيف، لأن البهاء لوجهك، والحمد الغالب عليك، اركب كلمة الحق، وسمت التأله، فإن ناموسك وشرائعك معروفة بهيبة يمينك، وسهامك مسنونة، والأمم يخرون تحتك). انتهى.\nوهذه صفات نبينا فإنه لم يبعث نبي هذه صفته بعد داود سواه، ومثل هذا قوله في موضع آخر: (ويجوز من البحر إلى البحر، ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض، وتخزى أهل الجزائر بين يديه، ويلحس أعداؤه التراب، ويسجد له ملوك الفرس، وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد، ويخلص البائس المضطهد ممن هو أقوى منه، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويرأف بالمساكين والضعفاء، ويصلي عليه ويبارك في كل حين). انتهى.\nوهذه الصفات أيضًا ليست لأحد من الأنبياء غيره، فإنه لم يملك أحد منهم من البحر إلى البحر، ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض كما ذلك معلوم لكل أحد، بل الذي انتشرت شريعته، وبلغت سيوف أمته إلى هذا المقدار هو نبينا ﷺ، وهكذا قوله: (ويسجد له ملوك الفرس) فإنه لم يفتح الفرس، ويستعبد أهلها، ويضرب عليهم الجزية إلا أمة نبينا، وهكذا قوله: (وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد) فإنها لم تدن الأمم كلها لغيره، وهكذا قوله: (ويصلى عليه ويبارك في كل حين) فإن هذا يختص بنبينا لاستمرار ذلك له في كل وقت، ووقوع الأمر القرآني به، ولم يكن ذلك لغيره من الأنبياء، ومن البشارات ما ذكره أشعيا في كتاب نبوته من التبشير براكب الحمار، وراكب الجمل، ولا شك أن راكب الحمار هو المسيح، وراكب الجمل هو نبينا ﷺ.\nوفي نبوة أشعيا أيضًا قوله: (إني جعلت أمرك يا محمد يا قدوس الرب اسمك موجود من الأبد) انتهى. وهذا تصريح باسم نبينا ﷺ، ومثل هذا قول حبقوق النبي في كتاب نبوته: (أضاءت السماء من بهاء محمد، وامتلأت الأرض من شعاع منظره) وكذا قوله في موضع آخر من كتاب نبوته: (وتنزع في مسيك إعراقًا ونزعًا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء) فإن هذا تصريح أوضح من الشمس، ومن البشارات قول حزقيال النبي في كتاب نبوته مهددًا لليهود: (وأن الله يظهرهم عليكم، وباعث فيهم نبيًا، وينزل عليهم كتابًا، ويملكهم رقابكم، فيقهرونكم، ويذلونكم بالحق، ويخرج رجال بني قيذار في جماعات الشعوب، معهم ملائكة على خيل بيض) انتهى.\nففي هذا التصريح ببعثة نبينا ﷺ وقهر أمته للأمم، فإن قيذار هو ابن إسماعيل بن إبراهيم بلا خلاف، ولم يبعث الله فيهم نبيًا إلا نبينا محمدًا ﷺ، وهذا معلوم لكل أحد لا يخالف فيه مخالف، ولا ينكره منكر.\nومن البشارات ما في كتاب نبوة دانيال النبي، فإنه صرح فيها باسم النبي بمثل ما تقدم في نبوة حبقوق فقال: (ستنزع في مسيك إعراقًا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء) انتهى.","vol":"4","page":85},{"text":"وفي موضع آخر من كتابه هذا التصريح ببعثة نبينا فقال بعد ذكر التبشير بالمسيح ما لفظه: (حتى أبعث نبي بني إسماعيل الذي بشرت به هاجر، وأرسلت إليها ملائكة فبشروها، فأوحى إلى ذلك النبي، وأعلمه السماء، وأزينه بالتقوى، وأجعل البر شعاره، والتقوى جهده، والصدق قوله، والوفاء طبيعته، والقصد سيرته، والرشد سنته، بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب، وناسخ لبعض ما فيها، أسري به إلي، وأرقيه من سماء إلى سماء حتى يعلو، فأدنيه، وأسلم عليه، وأوحي إليه، ثم أرده إلى عبادي بالسرور والغبطة، حافظًا لما استودع، صادعًا بما أمر، يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة الحسنة، لا فظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، رؤوف بمن والاه، رحيم بمن آمن به حتى على من عاداه) انتهى.\nولا ريب أن هذه صفات نبينا ﷺ، وأنه لم يبعث الله نبيًا من بني إسماعيل سواه، ومثل هذه الصفات ما في حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري وغيره (أنه قيل له: أخبرنا ببعض صفة رسول الله في التوراة، قال: إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا، ومبشرًا، ونذيرًا، وحرزًا للأميين. أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، لست بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي السيئة بالحسنة، ويعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، فأفتح به أعينًا عمياء، وآذانًا صمًا، وقلوبا غلفًا بأن يقولوا: لا إله إلا الله).\nقيل: قد يراد بلفظ التوراة جنس الكتب المتقدمة من التوراة، والزبور، والإنجيل، وسائر كتب أنبياء بني إسرائيل، فعلى هذا يكون المراد بقول عبد الله بن عمرو: (إنه لموصوف في التوراة) هذه الصفات المذكورة في نبوة دانيال، ولا مانع من أن تكون هذه الصفات كانت موجودة في التوراة فحذفتها اليهود، فما ذلك بأول تحريف وتبديل وتغيير منهم الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - ١/ ٥١٠","vol":"4","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1065>المبحث الثالث: بشارات من الإنجيل</span>\nوفي إنجيل متى الإصحاح (١١) عدد (١٤) (وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع).\nوقد أخبرنا الرسول ﷺ أنه ليس بينه وبين عيسى نبي، فيكون إيلياء الذي بشر به عيسى هو محمدًا ﷺ. وإيليا بحساب الجمل الذي أغرمت به اليهود يساوي محمدًا.\nوفي إنجيل يوحنا إصحاح (١٤) عدد (١٥) (إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد، وفي اللغات الأجنبية (فيعطيكم باركليتوس) ليمكث معكم إلى الأبد) والمعنى الحرفي لكلمة (باركليتوس) اليونانية هو أحمد، وهو من أسماء الرسول ﷺ (١).\nوفي إصحاح يوحنا (١٥) عدد (٢٦) (ومتى جاء المعزي الذي أرسله أنا إليكم من الآب روح الحقّ الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي) (ويشهد لي) لأن النبي محمد ﷺ شهد للمسيح بالنبوة والرسالة، وروح الحقّ كناية عن الرسول محمد ﷺ، والمعاني الواردة في هذه الترجمة الحديث ليست دقيقة، لأن أصلها باليونانية، وهي اللغة التي ترجمت منها هذه الأناجيل – مكتوبة (بيركليتوس) وفي التراجم العربية المطبوعة سنة ١٨٢١، سنة ١٨٣١، سنة ١٨٤٤، في لندن تجدها (فارقليط) وهي أقرب إلى العبارة اليونانية المشار إليها (٢)، أمّا ترجمتها في الطبعات الحديثة إلى المعزي فهو من التحريف الذي ذم الله أهل الكتاب به يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ [النساء: ٤٦]. ويلاحظ أن هناك جملة ساقطة قبل الجملة الواردة في عدد (٢٦) من هذا الإصحاح سقطت من الطبعات الحديثة، لكنها واردة صراحة في الطبعات القديمة للإنجيل، ونص هذه الجملة: (فلو قد جاء المنحمنا الذي يرسله الله إليكم) ومعنى المنحمنا الحرفي باللغة السريانية محمد (٣) (٤). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٧٤\nوجاء في (إنجيل متى) في الإصحاح الحادي والعشرين:\n(٤٢ قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناؤون هوذا قد صار رأس الزاوية، من قِبَل الرب كان هذا هو عجيب في أعيننا. ٤٣ لذلك أقول لكم إنَّ ملكوت الله يُنزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره. ٤٤ ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه).\nوهذا الحجر إنما هو سيدنا محمد، جاء في (صحيحي البخاري ومسلم) عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (٥).\nقال ابن القيم (٦): (وتأمل قوله المسيح في البشارة الأخرى: ألم تر إلى الحجر الذي أخره البناؤون صار رأسًا للزاوية، كيف تجده مطابقًا لقول النبي ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأتمها إلا موضع لبنة منها، فجعل الناس يطوفون بها ويعجبون منها، ويقولون: هلاّ وضعت تلك اللبنة فكنت أنا تلك اللبنة» (٧).\n_________\n(١) «محمد نبي الإسلام» (ص: ٣٦).\n(٢) «محمد نبي الإسلام» (ص: ٣٨).\n(٣) «محمد نبي الإسلام» (ص: ٣٩).\n(٤) انظر: «الجواب الصحيح» (٤/ ٦).\n(٥) رواه البخاري (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧). من حديث جابر بن عبد الله ﵁. ورواه البخاري (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) «هداية الحيارى» (ص: ٣٨١ - ٣٨٢).\n(٧) رواه البخاري (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":87},{"text":"وتأمل قول المسيح في هذه البشارة: إن ذلك عجيب في أعيننا. وتأمل قوله فيها: (إن ملكوت الله سيؤخذ منكم، ويدفع إلى آخر) كيف تجده مطابقًا لقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥]، وقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ [النور: ٥٥].\nونحو هذا النص ما جاء في (إنجيل متى) في الإصحاح الثامن:\n(١١ وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب، ويتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماوات، وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان).\nوهذه بشارة تشير إلى ظهور أمة الإسلام التي تأتي من المشارق والمغارب، وتكون مرضية عند الله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.\nجاء في (الفارق): (أيها المسيحي إذا أنصفت تحكم بأن هؤلاء الذين سيأتون من مشارق الأرض ومغاربها هم الأمة المحمدية، لأنكم مخاطبون حاضرون إذ ذاك، والمسيح سلام الله عليه يخبر عن قوم سيأتون في مستقبل الزمن، وقد أخرجكم بقوله: وأما بنو الملكوت) (١).\nونحو ذلك ما جاء في (إنجيل يوحنا) في الإصحاح الرابع:\n(٢٠ - ٢٤ قال لها يسوع: يا امرأة صدقيني، أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون لله).\nوهذا النص يشير إلى ظهور الدين الجديد، وإنّه سيتحول مركزه عن أورشليم ويشير إلى تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المعظمة، قبلة أصحاب الدين الجديد، ويصدقه قوله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤].\nفقد كان المسلمون أول الأمر يتجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، ثم نزلت الآية بوجوب توجههم إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة. - من إنجيل لوقا (٢):\nذكر صاحب كتاب (الإنجيل والصليب) أنه جاء في (إنجيل لوقا) ٢: ١٤ (الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد).\nولكن المترجمين ترجموها في الإنجيل هكذا:\n(الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة).\nومؤلف الكتاب يرى أن الترجمة الصحيحة ما ذكره هو.\nيقول المؤلف أنّ ثمة كلمتين وردتا في اللغة الأصلية لم يدرك أحد ما تحتويان عليه من المعاني تمامًا، فلم تترجم هاتان الكلمتان كما يجب في الترجمة القديمة من السريانية.\nهاتان الكلمتان هما:\nأيريني – التي يترجمونها: السلامة.\nوأيودكيا – التي يترجمونها: حسن الرضا.\nفالأولى من الكلمتين اللتين هما موضوع بحثنا الآن هي (أيريني)، فقد ترجمت بكلمات (سلامة) (مسالمة) (سلام).\n_________\n(١) «الفارق» (ص: ٥٤).\n(٢) «نبوة محمد من الشك إلى اليقين» (ص: ٣٠٠).","vol":"4","page":88},{"text":"والمؤلف يرى أن ترجمتها الصحيحة (إسلام) فيقول في ص: ٤٠: (ومن المعلوم أن لفظ (إسلام) يفيد معاني واسعة جدًا، ويشتمل على ما تشتمل عليه ألفاظ (السلم، السلام) (الصلح، المسالمة) (الأمن، الراحة). . وتتضمن معنى زائدًا وتأويلًا آخر أكثر وأعم وأشمل وأقوى مادة ومعنى، ولكن قول الملائكة: (على الأرض سلام) لا يصح أن يكون بمعنى الصلح العام والمسالمة، لأنّ جميع الكائنات وعلى الأخص الحيَّة منها، ولا سيما النوع البشري الموجود على كرة الأرض دارنا الصغيرة هي بمقتضى السنن الطبيعة والنواميس الاجتماعية خاضعة للوقائع والفجائع الوخيمة كالاختلافات والمحاربات والمنازعات ..، فمن المحال أن يعيش الناس على وجه الأرض بالصلح والمسالمة).\nثم يستشهد بقول المسيح: (ما جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا) (متى ١٠: ٣٤).\nويستشهد بقول آخر للمسيح: (جئت لألقي نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟ أتظنون أني جئت لأعطي سلامًا على الأرض؟ كلا أقول لكم بل انقسامًا) (لوقا: ١٢: ٤٩ - ٥٣).\nوعلى هذا فالترجمة لا تنطبق ورسالة المسيح وأقواله والصواب (وعلى الأرض إسلام). (انظر البحث من ص٣٨ - ٤٤).\nكما يرى أن (أيادوكيا) بمعنى (أحمد) لا (المسرة أو حسن الرضا) كما يترجمها القسس، وذلك لأنه لا يقال في اليونانية لحسن الرضا (أيودوكيا) بل يقال: (ثليما). ويقول: إن كلمة (دوكوته)، هي بمعنى (الحمد، الاشتهاء، الشوق، الرغبة، بيان الفكر). وها هي ذي الصفات المشتقة من هذا الفعل (دوكسا) وهي (حمد، محمود، ممدوح، نفيس، مشتهى، مرغوب، مجيد).\nواستشهد بأمثلة كثيرة من اليونانية لذلك. وقال: إنهم يترجمون (محمديتو) في (أشعيا ٦٤: ١١) بـ (اندوكساهيمون)، ويترجمون الصفات منها (محمد، أحمد، أمجد، ممدوح، محتشم، ذو الشوكة) بـ (ايندكسوس).\nواستدل بهذا التحقيق النفيس أن الترجمة الحقيقية الصحيحة لما ذكره لوقا هي (أحمد، محمد) لا (المسرة)، فتكون الترجمة الصحيحة لعبارة الإنجيل: (الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد) (١).\n- بشارات إنجيل برنابا:\nهذا الإنجيل مليء بالبشارات الصريحة بالرسول المصطفى المختار، ومما ورد فيه (ص١٦١): (قال الله اصبر يا محمد. .) وفي (ص١٦٢) (إن اسمه المبارك محمد. .) (ص١٦٢): (يا الله أرسل لنا رسولك، يا محمد تعال سريعًا لخلاص العالم).\nرأي في إنجيل برنابا:\nلا شكّ أن هذا الإنجيل من الأناجيل التي كانت معروفة قديمًا، وقد ورد ذكره في كتب القرن الثاني والثالث للميلاد، ثمّ لم يرد له ذكر بعد ذلك، إلى أن عثر على نسخة منه في أوائل القرن الثامن عشر الهجري، ولا تزال هذه النسخة في مكتبة بلاط (فيّنا).\nوعندما نشر هذا الكتاب أحدث ضجّة – كبرى في ذلك الوقت – في أوربا في نوادي العلم والدين، وقد طبعت ترجمة هذا الكتاب مرتين باللغة العربية، الطبعة الثانية نشرتها دار القلم بالكويت.\n_________\n(١) انظر كتاب (الإنجيل والصليب) للأب عبدالأحد داود (ص: ٣٤ - ٣٥).","vol":"4","page":89},{"text":"وقد اطلعت على هذا الكتاب، وأمعنت النظر فيه، فتبين لي فيه رأي لم أجد أحدًا قد تنبه إليه، تبين لي أن هذا الكتاب وإن كان له أصل فقد لعبت فيه يد مسلم، فأدخلت فيه ما ليس منه، والذي جعلني أذهب هذا المذهب ليست تلك التعليقات العربية التي وجدت على هامش النسخة الأصلية الموجودة في (فينّا)، وإنّما تلك المبالغات التي وصف بها الإنجيل الرسول ﷺ، نحن نصدّق أن يبشر الإنجيل بالرسول ﷺ ولكننا نستبعد كل البعد أن يكون قد شاع بين أهل الكتاب تلك الخرافات التي شاعت بين المسلمين بعد بعثة الرسول ﷺ، ونسبوها للرسول ﷺ، فنجد في هذا الإنجيل أنّ الله أعطى رسوله محمدًا ﷺ كل شيء، وخلق من أجله كل شيء، وجعله قبل كل شيء، انظر ص (٩١، ٩٣، ١١٠)، وفي ص (١١١) يقول حاكيًا كلام الرسول ﷺ: (يا رب اذكر أنك لما خلقتني قلت: إنّك أردت أن تخلق العالم والجنة والملائكة – والناس حبًّا فيّ ليمجدوك بي أنا عبدك). وفي ص (١٦١)، اصبر يا محمد، لأجلك أريد أن أخلق الجنّة والعالم وجمًّا غفيرًا من الخلائق التي أهبها لك. .).\nوفي ص (٢٦٦) (هذا هو الذي لأجله خلق الله كل شيء).\nوفي ص (١٥٢) يقول: (ولذلك لما خلق الله قبل كل شيء رسوله).\nهذه الأقوال بدون شكّ غير صحيحة، وهي تناقض الحقّ الذي بين أيدينا، فالله خلق البشر والملائكة والجنَّ لعبادته وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].\nوأول المخلوقات القلم كما في الحديث «أول ما خلق الله القلم» (١) وهذه الأقوال التي فيها غلو شاعت بين المسلمين، وصاغوها أحاديث نسبوها إلى الرسول ﷺ، ومن هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة حديث «لولاك لما خلقت الأفلاك» (٢) (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة حديث رقم ٢٨٢) وحديث «كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين» (٣) (حديث رقم ٣٠٢، ٣٠٣) وحديث: «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث» (٤) (كتاب الفوائد المجموعة للشوكاني ص٣٢٦).\nوحديث: «لقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك علي ومنزلتك عندي، ولولاك يا محمد ما خلقت الدنيا» (٥) (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة: ص٣٢٥).\nوفي هذا المصدر ص٣٣٧ حديث يقول: «خلقني الله من نوره وخلق أبا بكر من نوري» (٦).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٥٥). من حديث عبادة بن الصامت ﵁. وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ٩٥) - كما أشار لذلك في المقدمة - وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) ذكره الصغاني في «الموضوعات» (٥٢)، وملا على القاري في «الأسرار المرفوعة» (٢٨٨) وقال: قيل لا أصل له أو بأصله موضوع.\n(٣) ذكره الصغاني في «الدر الملتقط» (٤٣)، وقال: ليس بحديث وهذا كلام عطاء بن أبي رباح. وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢/ ١٤٧): لا أصل له بل هو باطل.\n(٤) رواه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٤/ ٤١٧). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال: [فيه] سعد بن بشير لعله يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط والغالب على حديثه الاستقامة والغالب عليه الصدق، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٢/ ٢٩٨): [روي] عن قتادة ذكر لنا أن رسول الله .. وهذا أثبت وأصح.\n(٥) رواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩). من حديث سلمان ﵁. وقال: هذا حديث موضوع لا شك فيه.\n(٦) رواه أبو نعيم في «الأمالي» كما في «ميزان الاعتدال» للذهبي (١/ ١٦٦). قال الذهبي: خبر كذب. ثم قال: قال أبو نعيم: هذا باطل مخالف كتاب الله.","vol":"4","page":90},{"text":"وإذا أنت قارنت بين ما نقلته عن إنجيل برنابا وهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة أدركت أن الذي أدخل هذه الأوصاف كان من هذا النوع الذي عشعشت أمثال هذه الأحاديث المكذوبة في ذهنه.\nوهناك أمور منسوبة إلى الرسول ﷺ زورًا، لأنها تخالف الحقَّ الذي في أيدينا، فمن ذلك ما ورد (ص٢٠٩) من (أن الجحيم ترتعد لحضور الرسول ﵇، فيمكث بلا مكابدة عقاب مدة إقامة رسول الله ﷺ لمشاهدة الجحيم). فهذا مخالف لصريح القرآن لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف:٧٥].\nومن ذلك نقل هذا الكتاب عن عيسى قوله في (ص٩٢): (لست أهلًا أن أحل رباطات جرموق أو سيور حذاء رسول الله) ويقول قريبًا من هذا في ص (٩٦) وص (١٦٠)، ومثل هذا بعيد أن يصدر عن رسول من أولي العزم من الرسل. ومع ذلك فقد وصف الكتاب الرسول ﷺ بأمور فيها تحقير له، ففي ص (١٠٨) يصف الرسول ﷺ بأنّه سيكون كالمخبول، وفي ص (١٠٥) يقول: (إن الله سيجرد رسوله محمد في يوم القيامة من الذاكرة). الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٧٨\nومن البشارات به في الإنجيل ما في الفصل الخامس عشر من الإنجيل الذي جمعه يوحنا: (أن الفارقليط روح الحق الذي يرسله الله هو يعلم كل شيء). انتهى.\nوفي موضع آخر منه: (والفارقليط روح القدس الذي يرسله الله هو يعلم كل شيء، وهو يذكركم ما قلت لكم)، وفي موضع آخر منه: (إذا جاء الفارقليط الذي أرسله الله روح الحق الذي هو يشهد لي، قلت لكم هذا حتى إذا كان يؤمنون به ولا يشكون فيه).\nوفي الفصل السادس عشر منه: لكني أقول لكم الحق: (إنه خير لكم أن أنطلق، لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط، فإذا انطلقت أرسلته إليكم، فهو يوبخ العالم على الخطيئة، وعلى البر، وعلى الحكم، أما على الخطيئة فإنهم لم يؤمنوا بي، وأما على البر فإني منطلق ولستم تروني، وأما على الحكم فإن رئيس هذا العالم يدان، وأن لي كلامًا كثيرًا لستم تطيقون كله الآن، لكن إذا جاء روح الحق ذاك فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي). انتهى.\nوقد تكرر ذكر الفارقليط في الإنجيل، وأنذر به المسيح، وبشر به قومه في غير موضع منه، وقد اختلفوا في المراد فالفارقليط في لغتهم على أقوال، وذهب الأكثر من النصارى إنه المخلص، وقالوا: هو مشتق من الفاروق، أو من فارق، قالوا ومعنى ليط كلمة تزاد كما يقال رجل هو، وحجر هو، وعالم هو، وجاهل هو.\nوقد تقرر أنه لا نبي بعد المسيح غير نبينا ﷺ، وهذه البشارات قد تضمنت أنه سيأتي بعد المسيح نبي يخلص تلك الأمة مما هم فيه، ويوبخهم على الخطية، ويتكلم بما يسمع، ويخبر بكل ما يأتي، ولم يكن هذا لأحد بعد المسيح غير نبينا ﷺ، ومما يدل على أن المراد بالفارقليط هو نبينا ﷺ أنه وقع الحذف بهذا اللفظ من بعض نسخ الإنجيل مع ثبوته في غالبها، وليس ذلك إلا تغييرًا وتبديلًا من النصارى لما يعلمونه من أن المراد بهذا اللفظ هو التبشير بنبي يأتي بعد المسيح، وأنها ستقوم بذلك الحجة عليهم، فحذفوا هذا اللفظ لهذه العلة، وقد حكى الله سبحانه في القرآن العظيم أن المسيح بشر بنبينا محمد ﷺ فقال: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] وفي الإنجيل الذي جمعه يوحنا أن المسيح قال: (أركون العالم سيأتي، وليس لي شيء) وهذا اللفظ فيه أعظم بشارة بنبينا محمد، فإن الأركون في لغة النصارى العظيم القدر، ولم يأت بعد المسيح من هو بهذه الصفة إلا نبينا ﷺ، فإنه جعله أركون العالم، وقال عن نفسه ليس له من الأمر شيء، فدل هذا على أنه سيأتي بعده عظيم من عظماء العالم، يكون منه الإصدار والإيراد، والحل والعقد في الدين وإثبات الشرائع، وأن المسيح بالنسبة إليه كمن ليس له شيء، وهذا إنما يكون تبشيرًا بمن هو أعظم من المبشر به أعني المسيح ﵇، ولا يصح حمله على رجل عظيم القدر في الدنيا، أو في الملك، أو غير ذلك، لأن الأنبياء لا يبشرون بمن هو كذلك ويجعلونه أركون العالم، ويجعلون الأمر إليه، وينفون الأمر عن أنفسهم، فإن هذا لا يكون أبدًا من الأنبياء، ولا يصح نسبته إليهم، ولا صدوره منهم قط بلا خلاف بين أهل الملل، ولا يمكن أن يدعي مدع أنه جاء بعد المسيح من هو بهذه الصفة غير نبينا ﷺ، فإن الحواريين إنما دانوا بدينه، ودعوا الناس إلى شريعته، ولم يستقل أحد منهم بشيء من جهة نفسه قط، ومن جاء بعدهم من أتباع المسيح فهو دونهم بمراحل. الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - ١/ ٥١٨","vol":"4","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1066>المبحث الرابع: شيوع هذه البشارات قبل البعثة</span>\nلقد كانت هذه البشارات منتشرة قبل البعثة النبوية، فلم يكن أهل الكتاب يكتمونها في ذلك الوقت، بل كانوا يذيعونها، ويزعمون أنهم سيتابعون صاحبها عندما يبعث، وقد حفظ لنا المسلمون بعض هذه البشارات، ونقل لنا الأنصار من أهل المدينة أحاديث اليهود قبل البعثة عن هذه البشارات، وقد تعرف بعض أهل الكتاب على الرسول ﷺ في صغره، وانتفع بعض أهل الكتاب بهذه البشارات وآمنوا.\n١ - صفة رسولنا ﷺ في التوراة:\nروى البخاري في صحيحه عن عطاء بن يسار، قال: «لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة، قال: أجل، والله إنّه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، يَا أَيُّهَا النبي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥]، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق السخب: الصياح، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولا يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح أعينا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا» (١) (١). وروى الدارمي عن عطاء عن ابن سلام ونحوه (٢) وعن كعب – وهو من علماء اليهود الذين آمنوا بالنبي ﷺ – قال: «نجد مكتوبًا في التوراة محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظٌّ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمّادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كلّ منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة للشمس، يصلُّون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جوّ السماء، صفهم في القتال، وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دويٌّ كدوي النحل» قال التبريزي: هذا لفظ المصابيح، ورواه الدارمي مع تغيير (٣) يسير.\nأين هذه البشارة في التوراة:\n_________\n(١) رواه البخاري (٢١٢٥).\n(٢) رواه الدارمي (١/ ١٦) (٦).\n(٣) رواه الدارمي (١/ ١٧) (٧).","vol":"4","page":92},{"text":"وهذه البشارة ليست موجودة في التوراة المنتشرة اليوم بين اليهود والنصارى، فإن كان المراد بالتوراة التوراة المعينة فتكون هذه البشارة مما أخفته اليهود، وقد تكون مخفية عندهم مما لا يطلع عليه إلاّ أحبارهم، إلاّ أنه قد تطلق التوراة ولا يراد بها توراة موسى، بل يراد بها الكتب المنزلة من عند الله، وقد يطلق على الكتب المنزلة اسم القرآن، كما في الحديث الصحيح «خفّف على داود القرآن، فكان ما بين أن يسرج دابته على أن يركبها يقرأ القرآن» (١) والمراد به قرآنه وهو الزبور. وجاء في بعض البشارات عن هذه الأمة (أناجيلهم في صدورهم) (٢) فسمى القرآن إنجيلًا، وعلى ذلك فهذه البشارة موجودة عندهم في نبوة أشعيا، فقد جاء فيها: (عبدي الذي سرّت به نفسي، أنزل عليه وحيي، فيظهر في الأمم عدلي، ويوصيهم بالوصايا، لا يضحك، ولا يسمع صوته في الأسواق، يفتح العيون العور، والآذان الصمّ، ويحيي القلوب الغلف، وما أعطيه لا أعطيه أحدًا، يحمد الله حمدًا جديدًا، يأتي من أقصى الأرض، وتفرح البريّة وسكانها، يهللون على كلِّ شرف، ويكبرونه على كل رابية، لا يضعف، ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى مشقح، ولا يذلّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوّي الصديقين، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا ينطفي، أثر سلطانه على كتفيه) (٣).\n٢ - خبر ابن الهيبان:\nومما حفظته لنا كتب السنة عن علماء اليهود قبل الإسلام أن رجلًا من اليهود كان يدعى ابن الهيبان قدم المدينة ونزل في يهود بني قريظة قبل الإسلام بسنين، قال راوي القصة: ما رأينا رجلًا قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا، فيقول: لا والله حتى تقدموا بين مخرجكم صدقة، فنقول له: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مدّين من شعير، قال: فنخرجها ثمَّ يخرج بنا إلى ظاهر حرثنا، فيستسقي لنا، فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي، وقد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا. قال: ثَمَّ حضرته الوفاة عندنا، فلمّا عرف أنّه ميت قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: الله أعلم. قال: فإني إنّما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعثه الله، وقد أظلّكم زمانه، فلا تسبقّن إليه يا معشر يهود، فإنّه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري، فيمن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه، وفد انتفع بوصية ابن الهيبان مجموعة من شباب يهود بني قريظة، وهم ثعلبة بن سعيه، وأسيد بن سعيه، وأسد بن عبيد، فإنّ الرسول ﷺ – لما حاصر بني قريظة – قال هؤلاء الفتية وكانوا شبابًا أحداثًا: يا بني قريظة، والله إنّه للنبي الذي عهد إليكم ابن الهيبان، قالوا: ليس به، قالوا: بلى، إنّه لهو صفته، فنزلوا، فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم ورحالهم (٤).\n٣ - خبر يوشع:\nوروى أبو نعيم في دلائل النبوة بإسناده عن محمد بن سلمة، قال: «لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد، يقال له: يوشع، فسمعته يقول – وإني لغلام في إزار – قد أظلَّكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت، ثمّ أشار بيده إلى بيت الله، فمن أدركه فليصدّقه، فبعث رسول الله فأسلمنا وهو بين أظهرنا، ولم يسلم حسدًا وبغيًا» (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤١٧).\n(٢) رواه الطبراني (١٠/ ٨٩) (١٠٠٤٦). من حديث ابن مسعود ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٧٤): فيه من لم أعرفهم، وضعفه الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٣٧٧٠).\n(٣) «الجواب الصحيح» لابن تيمية (٣/ ٢٨١).\n(٤) «البداية والنهاية» (١/ ٣١٠).\n(٥) «البداية والنهاية» (٢/ ٣٠٩).","vol":"4","page":93},{"text":"٤ - خبر عبد الله بن سلام:\nوقد كان عبد الله بن سلام سيد اليهود وأعلمهم وابن سيدهم وأعلمهم، قال: «لما سمعت برسول الله ﷺ وعرفت صفته واسمه وهيئته وزمانه الذي كنا نتوكف له، فكنت بقباء مسرًا صامتًا عليه، حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، فلمّا قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله ﷺ كبّرت، فقالت عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت، قال: قلت لها: أي عمّة، والله هو أخو موسى بن عمران، وعلى دينه بعث بما بعث به. قال: فقالت: يا ابن أخي أهو الذي كنّا نخبر أنّه يبعث مع الساعة؟ قال: قلت: نعم، قالت: فذاك إذًا» (١).\nوقد ذكر البخاري قصة مجيء عبد الله بن سلام إلى الرسول ﷺ وإسلامه وطلبه من الرسول ﷺ أن يرسل إلى اليهود ويسألهم عنه بل أن يعلموا بإسلامه، فلما جاؤوا قال لهم الرسول ﷺ: «يا معشر يهود، ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنّكم لتعلمون أنّي رسول الله حقًا، وأنّي جئتكم بحقٍّ، فأسلموا. قالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي ﷺ، (قالها ثلاث مرات) قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أفرأيتم إن أسلم، قالوا: حاش لله ما كان ليسلم (سألهم ذلك ثلاثًا، ويرددون عليه بالجواب نفسه)، قال: يا ابن سلام، اخرج عليهم \"، فخرج، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو، إنّكم لتعلمون أنّه رسول الله، وأنّه جاء بالحق. فقالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله ﷺ» (٢).\n٥ - شهادة غلام يهودي:\nوروى أنس بن مالك «أنَّ غلامًا يهوديًا كان يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله ﷺ: يا يهودي أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة صفتي ومخرجي؟ قال: لا.\nقال الفتى: بلى والله يا رسول الله، إنّا لنجد في التوراة نعتك ومخرجك، وإنّي أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله» رواه البيهقي بإسناد صحيح (٣).\n٦ - فراسة راهب:\nوقد تعرف على الرسول ﷺ أحد الرهبان وهو صغير، عندما كان في تجارة مع عمّه أبي طالب إلى الشام، روى أبو موسى قال: «خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلمّا أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلّوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم، قال: فهم يحلّون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ، قال: هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين.\n_________\n(١) «السيرة النبوية» لابن هشام (١/ ٥١٦)، و«البداية والنهاية» (٣/ ٢١١).\n(٢) رواه البخاري (٣٩١١).\n(٣) «الجواب الصحيح» (٣/ ٢٨٧).","vol":"4","page":94},{"text":"فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلاّ خرّ ساجدًا، ولا يسجدان إلاّ لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثمَّ رجع فصنع لهم طعامًا، فلمّا أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل عليه غمامة تظلّه، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلمّا جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه» (١).\n٧ - معرفة علماء اليهود بموعد خروج النبي ﷺ:\nعندما اقترب موعد خروج المصطفى ﷺ علم أهل الكتاب بذلك بأمارات كانت عندهم، فقد روى أبو زرعة بإسناد صحيح عن أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثة «أن الرسول ﷺ التقى بزيد بن عمرو بن نفيل قبل البعثة، وكان مما أخبر به زيد الرسول ﷺ أنه رحل في طلب الدين الحق دين التوحيد فقال له حبر في الشام: إنك لتسأل عن دين ما نعلم عليه أحدًا يعبد الله به إلاّ شيخ بالجزيرة.\nقال فخرجت: فقدمت عليه، فأخبرته بالذي خرجت له، فقال: إن كلّ من رأيت في ضلالة، ممنّ أنت؟\nقلت: أنا من أهل بيت الله، ومن أهل الشوك والقرظ.\nفقال: إنه قد خرج في بلدك نبيّ، أو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه واتبعه، فرجعت فلم أحسّ شيئًا بعد» (٢).\nكان زيد يحدّث بهذا الرسول ﷺ قبل بعثته، ولم يكن يعلم أنَّ الذي يحدثه هو الرسول ﷺ الذي ظهر نجمه، ومات زيد قبل البعثة بسنوات.\nوقد سبق ذكر خبر ابن الهيبان، الذي خرج من الشام إلى المدينة، فقد قال لليهود عندما حضرته الوفاة: (إنّما أخرجني توقع خروج نبيّ قد أظلّ زمانه، هذه البلاد مهاجره) (٣).\nوفي صحيح البخاري: (كان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل سُقُفًا على نصارى الشام، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور: وكان هرقل حزّاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختانِ قد ظهر. وقال هرقل في آخر كلامه: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر) (٤) الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص ١٨٩ - ١٩٦\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٦٢٠)، والحاكم (٢/ ٦٧٢). قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال السيوطي في «الخصائص الكبرى» (١/ ٨٣): لها شواهد تقضي بصحتها، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» وقال: لكن ذكر بلال فيه منكر كما قيل.\n(٢) «الجواب الصحيح» (٣/ ٢٨٥).\n(٣) رواه البيهقي (٩/ ١١٤) (١٨٧٢٦). وقال إسناده غير قوي.\n(٤) رواه البخاري (٧). من حديث أبي سفيان بن حرب ﵁.","vol":"4","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1068>تمهيد:</span>\nإن الإيمان بالبعث أمر معلوم من الدين بالضرورة، ومنكره خارج عن الإسلام. ولقد خص ذكر اليوم الآخر بمزيد من العناية والتعظيم لشأنه في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه ﷺ، وقد أجمع على ذلك المسلمون .....\n- عناية الكتاب والسنة بالإيمان باليوم الآخر:\nإن المتتبع لطريقة القرآن الكريم في مجادلة خصوم العقيدة؛ يجد أن الاهتمام باليوم الآخر أخذ قسطًا واسعًا من تلك الحجج والبراهين الدامغة لمنكري اليوم الآخر، وكذا في السنة المطهرة، ويتمثل ذلك فيما يلي:\n١ - ربط الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر:\nكما قال تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، وكذا قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٦٢]، فنحن نرى كيف ربط الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر، وجعله في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله.\nفلا إيمان إذًا للشخص وإن قال أنه مؤمن بالله حتى يؤمن باليوم الآخر كإيمانه بالله تعالى، وإن المفرق بينهما لا حظَّ له من الإيمان وإن ادعاه، وقد كان كثير من الكفار يؤمنون بالله ولكنهم يجحدون اليوم الآخر؛ فلم ينفعهم ذلك الإيمان، وأباح الله للمؤمنين دماءهم وأموالهم لأنهم كفار.\nويتمثل كذلك ربط الإيمان بالله باليوم الآخر من السنة المطهرة في مثل قوله ﷺ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم» (١)، وقال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (٢). وقال ﷺ: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» (٣).\n٢ - الإكثار من ذكره في القرآن الكريم وفي السنة النبوية:\nفقلما تخلو سورة من سور القرآن عن التحدث عنه وتقريبه إلى الأذهان بشتى الأساليب، من إقامة للحجة والبرهان، أو من ضرب الأمثال، كالاستدلال بالنشأة الأولى، وكذا خلق السموات والأرض، وإحياء الأرض بعد موتها - على الإعادة، وما إلى ذلك من المسالك التي سلكها القرآن الكريم ...\n٣ - كثرة الأسماء التي جاءت له في القرآن الكريم:\nفقد وردت أسماء كثيرة وكلها تبين ما سيقع في هذا اليوم من أهوال (٤).\nومعلوم من أساليب العرب أنهم يكثرون الأسماء للشيء إذا كان ذا أهمية وشأن، وقد نزل القرآن بلغتهم.\nولتلك العناية أسباب نذكرها فيما يلي:\nبعض أسباب العناية باليوم الآخر:\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٩٩) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٧٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) «العقائد الإسلامية» (ص: ٢٦١).","vol":"4","page":96},{"text":"لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نبيه محمد ﷺ في وقت انمحت فيه كثير من الأمور التعبدية، وجهلت فيه على الخصوص عقيدة الإيمان باليوم الآخر، فلم تعد على ذلك الوضوح الذي كان في زمن الأنبياء، بل صارت بتطاول الزمن عقيدة محرفة بعيدة عن الصواب والواقع، فلم تبق من معالم الإيمان باليوم الآخر إلا بقايا رسوم؛ هي إلى الاندثار أقرب منها إلى التماسك، ليس عند جهة أو قوم بل في كل بقاع الأرض، وعند كل أمة عربية أو غير عربية، اللهم إلا ما ورد عن أناس بخصوصهم من العرب بقوا على الحنفية ملة إبراهيم.\nفالعرب منهم مشركون ينكرون اليوم الآخر أساسًا، وأهل الكتاب من يهود ونصارى –وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر عمومًا – لكنهم على جهل كبير بحقيقته، وما ينبغي اعتقاده فيه، وغير هؤلاء وثنيون أو مجوس لا يؤمنون به مطلقًا عند بعضهم، وعند بعضهم الآخر يؤمنون أن هناك عودة للروح، لكنه لا يمت إلى الإيمان باليوم الآخر كما جاءت به الأنبياء بأي صلة، كما هو الحال عند الهنود والبوذيين وغيرهم من الفرق الضالة.\nوعلى هذا فمن أسباب تلك العناية ما يلي:\n١ - إنكار المشركين لليوم الآخر أشد الإنكار، ونسبة ما يشاهد من الإحياء والإماتة إلى الدهر، دون أن يكون هناك تنظيم لهذا التغير المستمر أو هدف من وراء هذا الخلق: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤].\nفكان من الأمور البديهية أن ينزل القرآن بتلك الحجج القوية ليشد من أزر الرسول ﷺ في مواجهة ذلك السيل الجارف من الجحود لليوم الآخر.\n٢ - فإن أهل الكتاب وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر لكنهم لم يكونوا على العقيدة الصحيحة فيه، فقد حرفوه وبلغوا به منتهى الفساد، وحتى صاروا فيه كالوثنيين من هنود وبوذيين، وذلك من ناحية أن الهنود يعتقدون في كرشنة أنه هو المخلص لهم من الآلام (١).\nوالنصارى – بخصوصهم – يعتقدون في عيسى أنه هو المخلص لأمته من عقوبة الخطايا في الآخرة؛ فالكل في الجنة والنعيم (٢).\nوأما اليهود فقد اختلفوا في الإيمان باليوم الآخر، وحتى نفس هذا الاختلاف بعيد كل البعد عن حقيقة اليوم الآخر.\n٣ - ومن الأسباب التي جعلت القرآن الكريم يهتم باليوم الآخر ذلك الاهتمام الشديد، هو التأكيد على أن هذه الحياة إنما جعلت لهدف أعلى وغاية سامية، فلولا أن هناك يومًا يجازى فيه المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته؛ لما كان هناك فرق بين عمل الخير وعمل الشر، ولا كانت هناك فضائل ولا رذائل، فالحياة فوضى، والمصير مجهول، ولا وازع نفسي، ولا ضمير حي.\nإذًا فلا عجب إن رأينا الإسلام يهتم بذكر اليوم الآخر، ويحث على الإيمان به، ويجعله من أهم القضايا الأساسية التي لا يمكن أن يسمى الشخص مؤمنًا إلا إذا جاء بها، معتقدًا صحتها في قرارة نفسه.\nفالإسلام خاتم الديانات ورسوله خاتم المرسلين، ولا عجب كذلك حينما نرى ونقرأ حقائق وتفاصيل عن اليوم الآخر لم تكن معلومة عند أهل الديانات السابقة.\nوهذا هو الذي حمل بعض الفلاسفة ومن سار على طريقهم على القول بأنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا نبينا محمد ﷺ (٣)، ...\nولأن تلك التفاصيل لم تكن معلومة لدى الكفار من قريش وغيرهم؛ نرى أن الإسلام قد سلك مسالك شتى وطرقًا متعددة في إقناع الكفار بالإيمان باليوم الآخر، مبينًا أن هذا الكون لابد وأن ينتهي ويزول كل أثر له، وأنه لم يخلق عبثًا دون حساب وجزاء. الحياة الآخرة لغالب عواجي – بتصرف - ١/ ٧٣\n_________\n(١) انظر: «الديانات القديمة» لأبي زهرة (ص: ٣٠).\n(٢) انظر: «الديانات القديمة» لأبي زهرة (ص: ٣٠).\n(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٥٧).","vol":"4","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1071>تمهيد</span>\nويدخل في الإيمان باليوم الآخر (الإيمان بالموت) الذي هو المفضي بالعبد إلى منازل الآخرة، وهو ساعة كل إنسان بخصوصه، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث .....: «إنْ يعش هذا لَمْ يُدْرِكْهُ الهرم قامَتْ عليكم ساعَتُكُمْ» (١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – بتصرف - ص ٨٦٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥١١)، ومسلم (٢٩٥٢). من حديث عائشة ﵂.","vol":"4","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1072>المبحث الأول: تعريف الاحتضار</span>\nالحضور: نقيض المغيب والغيبة، يقال: حَضَر الرجل يَحْضُرُ حُضُورًا وحِضَارة، ويعدّى فيقال: حَضَرَه، يَحْضُرُهُ، وأحْضَرَ الشيء وأَحْضَرَه إياه، وكان ذلك بِحَضْرَةِ فلان وحِضْرَته وحُضْرَتِهِ، وحَضَرِه ومَحْضَرِه، وكلّمته بِحَضْرَةِ فُلان وبمَحْضَرٍ منه، أي بمشهد منه.\nوحَضْرَةُ الرجل: قُرْبه وفِناؤه، والحَضْرة: قرب الشيء، يقال: أُكْرِم فلانُ بِحَضْرة فلان وبمَحْضَرِه، ويقال: حَضَرَت الصَلاة.\nورجل حَضِرٌ وحَضُرٌ: يتحيّن طعام الناس حتى يَحْضُرَه، تقول العرب: اللبن مُحْتضِرٌ ومَحْضُوْرٌ فَغَطِّه: أي كثير الآفة، يعني يحتضره الجنّ والدواب وغيرها.\nوقوله تعالى: وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: ٩٨] أي: أعوذ بك من حضور الشياطين في شيء من أمري (١).\nوحضره الهمُّ واحْتضره وتَحَضّرَه إذا نزل به.\nوحُضِر المريض واحْتُضِرَ إذا نزل به الموت (٢).\nنخلص مما سبق إلى أن الاحتضار هو حضور الموت ونزوله بالعبد. أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ ص ٧١\n_________\n(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٤٧).\n(٢) انظر: «لسان العرب» (١/ ٦٥٨، ٦٥٩).","vol":"4","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1073>المبحث الثاني: حضُور ملائكة الموت</span>\nإذا حان الأجل وشارفت حياة الإنسان على المغيب أرسل الله رسل الموت لسلِّ الروح المدبِّرة للجسد والمحركة له، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١]، وملائكة الموت تأتي المؤمن في صورة حسنة جميلة، وتأتي الكافر والمنافق في صورة مخيفة، ففي حديث البراء بن عازب ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدَّ بصره، ثم يجيء ملك الموت ﵇، حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة -وفي رواية: المطمئنة- اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء، فيأخذها ... وإن العبد الكافر -وفي رواية الفاجر- إذا كان في انقطاع من الآخرة، وإقبال من الدنيا، نزل إليه من السماء ملائكة -غلاظ شداد- سود الوجوه، معهم المسوح -من النار- فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود -الكثير الشعب- من الصوف المبلول، -فتقطع معها العروق والعصب-» (١).\nوما يحدث للميت حال موته لا نشاهده ولا نراه، وإن كنا نرى آثاره، وقد حدثنا ربنا ﵎ عن حال المحتضر فقال: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ - وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ - وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]: والمتحدث عنه في الآية الروح عندما تبلغ الحلقوم في حال الاحتضار، ومن حوله ينظرون إلى ما يعانيه من سكرات الموت، وإن كانوا لا يرون ملائكة الرحمن التي تسلُّ روحه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥] كما قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١].\nوقال في الآية الأخرى: كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة: ٢٦ - ٣٠] والتي تبلغ التراقي هي الروح، والتراقي جمع ترقوة وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق (٢).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، والحاكم (١/ ٩٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٥٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الطبري في «مسند عمر» (٢/ ٤٩١): إسناده صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا جميعا بالمنهال بن عمرو وزاذان أبي عمر الكندي، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة ولم يخرجاه بطوله وله شواهد على شرطهما، وصحح إسناده البيهقي، وقال الهيثمي (٣/ ٥٢): رجاله رجال الصحيح.\n(٢) انظر: «تفسير البغوي» (٨/ ٢٨٥)، «تفسير الرازي» (٣٠/ ٢٠٤)، «تفسير ابن كثير» (٨/ ٢٨١).","vol":"4","page":100},{"text":"وقد صرح الحديث بأن ملك الموت يبشر المؤمن بالمغفرة من الله والرضوان، ويبشر الكافر أو الفاجر بسخط الله وغضبه، وهذا قد صرحت به نصوص كثيرة في كتاب الله، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].\nوهذا التنزُّل – كما قال طائفة من أئمة التفسير منهم مجاهد والسدي – إنما يكون حالة الاحتضار (١)، ولا شك أن الإنسان في حالة الاحتضار يكون في موقف صعب، يخاف فيه من المستقبل الآتي، كما يخاف على من خلَّف بعده، فتأتي الملائكة لتؤمنه مما يخاف ويحزن، وتُطَمئِنُ قلبه، وتقول له: لا تخف من المستقبل الآتي في البرزخ والآخرة، ولا تحزن على ما خلفت من أهل وولد أو دَيْنٍ، وتبشره بالبشرى العظيمة، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠]، وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: ٣١]، وما دام العبد قد تولى الله وحده، فإن الله يتولاه دائمًا، وخاصة في المواقف الصعبة، ومن أشقها هذا الموقف، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [فصلت: ٣١]. أما الكفرة الفجرة فإن الملائكة تتنزل عليهم بنقيض ذلك إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ٩٧]، وقد نزلت هذه الآية كما أخرج البخاري عن ابن عباس في فريق أسلم، ولكنه لم يهاجر فأدركه الموت، أو قتل في صفوف الأعداء (٢)، فإن الملائكة تقرِّع هؤلاء في حال الاحتضار وتوبخهم، وتبشرهم بالنار.\nوقد حدثنا ربنا عن توفي الملائكة للكفرة في معركة بدر فقال: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ - ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [الأنفال: ٥٠ - ٥١].\nقال ابن كثير في تفسير الآيات: (ولو ترى يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمرًا عظيمًا فظيعًا منكرًا، إذ يضربون وجوههم وأدبارهم، ويقولون ذوقوا عذاب الحريق) (٣).\nوقد أشار المفسر المدقق العلامة ابن كثير إلى أن هذا وإن كان في وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر، بل قال: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ .. (٤).\nوهذا الذي قاله ابن كثير صحيح يدل عليه أكثر من آية في كتاب الله تعالى، كقوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ [الأعراف: ٣٧]، وقوله: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٢٨]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [محمد: ٢٥ - ٢٧]. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢١/ ٤٦٦).\n(٢) رواه البخاري (٤٥٩٦).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٧٦).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٧٧).","vol":"4","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1074>المبحث الثالث: مع ملك الموت ملائكة يعاونونه في قبض الروح</span>\nإذا حان أجل العبد وأراد الله تعالى قبض روحه أرسل إليه ملك الموت ومعه ملائكة يعاونونه على قبض روح ذلك العبد، قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١]، فقوله: حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي احتضر وحان أجله، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا أي ملائكة موكلون بذلك، روى ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس وغير واحد قولهم: إن لملك الموت أعوانًا من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم (١).\nيقول الطبري: (يقول تعالى ذكره: إن ربكم يحفظكم ... إلى أن يحضركم الموت، وينْزل بكم أمر الله وإذا جاء ذلك أحدكم توفاه أملاكنا الموكلون بقبض الأرواح ورسلنا المرسلون به وهم لا يفرطون في ذلك، فيضيعونه؛ فإن قال قائل: أو ليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت فكيف قيل تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا والرسل جملة، وهو واحد، أو ليس قد قال يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: ١١]، قيل جائز أن يكون الله تعالى أعان ملك الموت بأعوان من عنده، فيتولون ذلك بأمر ملك الموت، فيكون التوفي مضافًا، وإن كان ذلك من فعل أعوان ملك الموت إلى ملك الموت؛ إذ كان فعلهم ما فعلوا من ذلك بأمره، كما يضاف قتل من قتل أعوان السلطان، وجلد من جلدوه بأمر السلطان إلى السلطان، وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا وليه بيده) (٢).\nفالمتأمل في نصوص القرآن الكريم يدرك أن الله ﷾ أسند التوفي للملائكة كما في قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [النحل: ٢٨]، وقوله: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ [سورة النحل: ٣٢]، وقوله تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا، وغيرها من الآيات، وأسنده في آية أخرى لملك الموت، قال تعالى: قل يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، وأسنده سبحانه في آية أخرى إليه جل وعلا، قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: ٤٢]، ولا معارضة بين الآيات المذكورة، فإسناد التوفي إليه ﷾؛ لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته وإذنه كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا [آل عمران: ١٤٥]، وإسناده لملك الموت؛ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وإسناده للملائكة؛ لأن لملك الموت أعوانًا من الملائكة ينْزعون الروح من الجسد إلى الحلقوم؛ فيأخذها ملك الموت) (٣). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ ص ٧١\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٦٧).\n(٢) «تفسير الطبري» (١١/ ٤٠٩ - ٤١٠)\n(٣) انظر: «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» (٣/ ٢٦٧)، و«دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب» (ص: ٢٣٦).","vol":"4","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1075>المبحث الرابع: حضور الشيطان عند الموت</span>\nإذا حضر الموت كان الشيطان حريصًا على الإنسان حتى لا يفلت منه، ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة، فليمط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة» (١).\nوقد ذكر علماؤنا أن الشيطان يأتي الإنسان في تلك اللحظات الحرجة في صورة أبيه أو أمه أو غيرهم ممن هو شفيق عليه ناصح له، ويدعوه إلى اتباع اليهودية أو النصرانية أو غيرها من المبادئ المعارضة للإسلام، فهناك يزيغ الله من كتبت له الشقاوة (٢)، وهو معنى قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨].\nوقد حدث عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قال: (حضرت وفاة أبي أحمد، وبيدي خرقة لأشد لحييه، فكان يغرق، ثم يفيق، ويقول بيده: لا بعد، لا بعد، فعل هذا مرارًا، فقلت له: يا أبت أي شيء يبدو منك؟ قال: إن الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله، يقول: يا أحمد فتني، وأنا أقول: لا بعد، لا بعد، حتى أموت) (٣).\nوقال القرطبي: سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي، يقول: (حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة، وقد احتضر، فقيل له: لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، لا، فلما أفاق، ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي، يقول أحدهما: مت يهوديًا فإنه خير الأديان، والآخر يقول: مت نصرانيًا فإنه خير الأديان، فكنت أقول لهما: لا، لا ...) (٤). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر- ص: ٢٩\nوقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث – حديث جابر بن عبد الله - على حضور الشيطان عند المحتضر؛ لإغوائه وافتتانه، كما استدلوا أيضًا بما رواه أبو هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» (٥).\nقال ابن دقيق العيد ت ٧٠٢هـ: (فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر) (٦).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٠٣٣).\n(٢) انظر: «التذكرة» (ص: ٣٣).\n(٣) «الحجة في بيان المحجة» (١/ ٤٩٩).\n(٤) انظر: «التذكرة» (ص: ٣٣).\n(٥) رواه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨).\n(٦) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٢/ ٣١٩).","vol":"4","page":103},{"text":"كما قد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بحديث الاستعاذة من فتنة المحيا والممات على حضور الشيطان عند المحتضر لإغوائه، وأنه قد يعرض الأديان على بعض العباد، حيث قال ﵀: (أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمرًا عامًا لكل أحد، ولا هو أيضًا منتفيًا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته، ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام، وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا، منها ما في الحديث الصحيح «أمرنا النبي ﷺ أن نستعيذ في صلاتنا من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» (١)، ولكن وقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم؛ لأنه وقت الحاجة، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «الأعمال بخواتيمها» (٢) وقال ﷺ: «إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (٣) ...، ولهذا يقال: إن من لم يحج يخاف عليه من ذلك، لما روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ملك زادًا أو راحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا» (٤) ...) (٥).\nوقال في موضع آخر: (وأما عرض الأديان وقت الموت فيبتلى به بعض الناس دون بعض ...) (٦).\nوذكر ابن حجر أن الأكثر والأغلب في سوء الخاتمة أنه لا يقع إلا لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويكثر وقوعه للمصرّ على الكبائر والمجترئ على العظائم، إذ يهجم عليه الموت بغتة فيصطلمه (٧) الشيطان عند تلك الصدمة، فيكون ذلك سببًا لسوء خاتمته (٨).\nويدل على حضور الشيطان عند المحتضر قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: ٩٧، ٩٨]، فالمعنى: أعوذ بك أن يحضرني الشيطان في أمرٍ من أموري كائنًا ما كان، سواء كان ذلك وقت تلاوة القرآن، أو عند حضور الموت، أو غير ذلك من جميع الشؤون في جميع الأوقات (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨).\n(٢) رواه البخاري (٦٤٩٣). من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٤) رواه الترمذي (٨١٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٣٠). من حديث علي ﵁. قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال وهلال بن عبد الله مجهول والحارث يضعف، وقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (١١/ ٨١): روي موقوفًا وهو أصلح رواية، وقال السيوطي في «النكت على الموضوعات» (١٢٩): له شواهد، وقال ابن همات في «التنكيت والإفادة» (١١٦): بشواهده لا ينزل عن درجة الحسن، وحسنه لغيره الشوكاني في «نيل الأوطار» (٥/ ٨).\n(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٥٥، ٢٥٦).\n(٦) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٤/ ٢٠٢).\n(٧) الاصطلام: الاستئصال والهلاك والقطع. انظر: «لسان العرب» (٢/ ٤٦٩).\n(٨) انظر: «فتح الباري» (١١/ ٤٨٩، ٤٩٠).\n(٩) انظر: «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» (٥/ ٨١٩).","vol":"4","page":104},{"text":"وتحدث أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي عن حضور الشيطان عند المحتضر تحت عنوان (الفصل الثاني والعشرون في اجتهاد الشيطان على المؤمن عند الموت)، واستشهد بما رواه النسائي وأبو داود بسنديهما عن أبي اليسر قال: كان رسول الله ﷺ يقول «اللهم إني أعوذ بك من التردّي، والهدم، والغرق، والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا» (١).\nفقوله ﷺ: «وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت»، قال الخطابي ت٣٨٨هـ في شرحه: (هو أن يستولي عليه عند مفارقة الدنيا، فيضله، ويحول بينه وبين التوبة أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله، أو يؤيسه من رحمة الله، أو يكره له الموت ويؤسفه على حياة الدنيا، فلا يرضى بما قضاه الله عليه من الفناء والنقلة إلى الدار الآخرة، فيختم له، ويلقى الله وهو ساخط عليه) (٢).\nويقول ابن الجوزي ت٥٩٧هـ: (وقد يتعرض إبليس للمريض فيؤذيه في دينه ودنياه، وقد يستولي على الإنسان فيضله في اعتقاده، وربما حال بينه وبين التوبة ... وربما جاء الاعتراض على المقدر؛ فينبغي للمؤمن أن يعلم أن تلك الساعة هي مصدوقة للحرب، وحين يحمى الوطيس فينبغي أن يتجلد، ويستعين بالله على العدو) (٣). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ١٢٣\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٥٥٢)، والنسائي (٨/ ٢٨٣)، وأحمد (٣/ ٤٢٧) (١٥٥٦٢)، والطبراني (١٩/ ١٧٠) (٣٨١). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٢٣) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) «معالم السنن» (٢/ ١٩٤).\n(٣) «الثبات عند الممات» (ص: ٤١، ٤٢).","vol":"4","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1077>المبحث الأول: تحتم الموت على من كان في الدنيا من المخلوقات</span>\nإن الموت واقع حتما ... على من كان في الدنيا من أهل السموات والأرض من الإنس والجن والملائكة وغيرهم من المخلوقات قال الله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨] وقال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:١٨٥] وقال تعالى: لنبيه ﷺ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:٣٠ - ٣١] وقال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:٣٤ – ٣٥]، وقال تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [العنكبوت:٥٦ - ٥٧]، وقال تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة:١١] وفي (الصحيح) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول: «أعوذُ بعزَّتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أَنْتَ الحيُّ الذي لا يموت، والجِنُّ والإِنسُ يَمُوتُونَ» (١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨٦٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧١٧).","vol":"4","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1078>المبحث الثاني: الإيمان بأن الأجل محدود</span>\nإنَّ كلًّا له أجلٌ محدود وأمدٌ ممدود ينتهي إليه لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، وقد علم الله تعالى: جميع ذلك بعلمه الذي هو صفته، وجرى به القلم بأمره يوم خلقه، ثم كتبه الملك على كل أحد في بطن أمه بأمر ربه ﷿ عند تخليق النطفة في عينه في أي مكان يكون وفي أي زمان فلا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يغير ولا يبدل عما سبق به علم الله تعالى: وجرى به قضاؤه وقدره، وأنَّ كُلَّ إنسانٍ مات أو قتل أو حرق أو غرق أو بأَيِّ حتف هلك بأجله لم يستأخر عنه ولم يستقدم طرفة عين، وأن ذلك السبب الذي كان هو فيه حتفه هو الذي قدره الله تعالى: عليه وقضاه عليه وأمضاه فيه ولم يكن له بد منه ولا محيص عنه ولا مفر له ولا مهرب ولا فكاك ولا خلاص، وأنى وكيف وإلى أين ولات حين مناص، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا [آل عمران:١٤٥] الآية. وقال تعالى: قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران: ١٥٤] الآيات. وقال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ [النساء:٧٨] وقال تعالى: حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:٦١ – ٦٢] وقال تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:٣٤] في مواضع من القرآن، وقال تعالى: كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى [الرعد:٢] وقال تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه:١٢٩] وقال تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد:٨] وقال تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة:٨]، وقال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر:٤٢] وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إليه مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأنعام:٦٠] وغيرها من الآيات. وروى مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى: في (صحيحه) عن المعرور بن سويد عن عبدالله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة ﵂: اللَّهُمَّ مَتِّعني بزوجي رسولِ الله ﷺ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله ﷺ: «إنَّكِ سألتِ الله تعالى: لآجالٍ مضروبةٍ وآثارٍ موطوءةٍ وأرزاقٍ مقسومةٍ لا يعجل شيء منها قبل حله ولا يؤخر منها يومًا بعد حله، ولو سألت الله تعالى: أنْ يعافيك من عذابٍ في النار وعذابٍ في القبر لكانَ خيرًا لكِ» (١).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٦٣) (٣٣).","vol":"4","page":107},{"text":"وفي رواية: «قد سألتِ الله لآجالٍ مضروبةٍ وأيام معدودةٍ وأرزاقٍ مقسومةٍ لَنْ يعجل شيئًا قبل حله أو يؤخر شيئًا عن حله، ولو كُنتِ سألتِ الله تعالى: أن يعيذكِ من عذابٍ في النار أو عذابٍ في القبر كانَ خيرًا وأفضل» (١) وفي أخرى «وآثارٍ مبلوغةٍ» (٢). وعن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر:١١] يقول: «ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله تعالى: وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر:١١] يقول كل ذلك في كتاب عنده» (٣). وهكذا قال الضحاك بن مزاحم. وأما حديث أنس في (الصحيحين) وغيرهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ سَرَّهُ أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه» (٤) فإنه يفسر بحديث أبي الدرداء ﵁ عند ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى: قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ الزيادة في العمر فقال: «إنَّ الله تعالى: لا يؤخِّر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنّما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادةُ العمر» (٥) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨٦١\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٦٣) (٣٢).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٦٣) (٣٣م).\n(٣) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٠/ ٤٤٧)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣١٧٥).\n(٤) رواه البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧).\n(٥) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣١٧٤)، والطبراني في «الأوسط» (٣/ ٣٤٣)، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٤/ ٢٨٥). وقال: سليمان بن عطاء في بعض أحاديثه بعض الإنكار. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٩٦ - ١٩٧): رواه الطبراني في «الأوسط» فيه سليمان بن عطاء وهو ضعيف. وقال الشوكاني في «فتح القدير» (٢/ ٢٩٧): وهذا الحديث ينبغي أن يكشف عن إسناده ففيه نكارة وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في (الصحيحين) وغيرهما بخلافه. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٥٤٣): منكر.","vol":"4","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1079>المبحث الثالث: الإيمان بأن الأجل لا يعلمه أحد إلا الله</span>\nالإيمان بأن ذلك الأجل المحتوم والحد المرسوم لانتهاء كل عمر إليه لا اطلاع لنا عليه ولا علم لنا به وأنَّ ذلك من مفاتح الغيب التي استأثر الله تعالى: بعلمها عن جميع خلقه فلا يعلمها إلا هو كما قال تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام:٥٩] الآية. وقال تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:٣٤] الآية. ... وفي الحديث المشهور عند أحمد والترمذي وغيرهما عن جماعة من الصحابة قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله تعالى: قَبْضَ روحِ عبدٍ بأرضٍ جعل له فيها – أو قال: بها – حاجةً» (١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي –بتصرف- – ٢/ ٨٦٣\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٤٧)، وأحمد (٣/ ٤٢٩) (١٥٥٧٨)، والحاكم (١/ ١٠٢). من حديث أبي عزة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ورواته عن آخرهم ثقات ... فإني سمعت علي بن عمر الحافظ يقول: يلزم البخاري ومسلمًا إخراج حديث أبي المليح عن أبي عزة فقد احتج البخاري بحديث أبي المليح عن بريدة وحديث أبي عزة رواه جماعة من الثقات الحفاظ. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"4","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1080>المبحث الرابع: الإكثار من ذكر الموت</span>\nذكر العبد الموت وجعله على باله وهو المفضي به إلى أعماله وإلى الحسن والقبيح من أقواله وأفعاله وإلى الجزاء الأوفى من الحكم العدل في شرعه وقدره وقضائه ووعده ووعيده فلا يعاقب أحدًا بذنب غيره ولا يهضمه ذرة من حسن أعماله. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الترمذي والنسائي وابن حبان وصححه قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثروا من ذكر هادم اللَّذات» الموت (١). وقال البخاري رحمه الله تعالى: في كتاب الرقاق من (صحيحه): باب قول النبي ﷺ (كُنْ في الدنيا كأَنَّك غريب أو عابر سبيل) ... عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: أَخَذَ رسولُ الله ﷺ بمنكبي فقال: «كُنْ في الدنيا كأنَّك غريب أو عابرُ سبيل» وكان ابنُ عمر ﵄ يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساءَ. وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتِك» (٢) ثم قال: باب في الأمل وطوله وقول الله تعالى: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:١٨٥] بمزحزحه بمباعده. وقال تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:٣]، وقال علي ﵁: (ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون. فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل) (٣). عن ربيع بن خُثيم عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: خَطَّ النبيُّ ﷺ خطًّا مربعًا وخط خطًّا في الوسط خارجًا منه وخطّ خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال: «هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به أو قد أحاط به. وهذا الذي هو خارجٌ أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض فإن أخطأهُ هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (٤)، ... عن أنس ﵁ قال: خَطَّ النبيُّ ﷺ خطوطًا فقال: «هذا الأملُ، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءَهُ الخط الأقرب» (٥) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - بتصرف – ٢/ ٨٦٥\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٣٠٧)، والنسائي (٤/ ٤)، وابن ماجه (٤٢٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٩٢) (٧٩١٢)، وابن حبان (٧/ ٢٥٩)، والحاكم (٤/ ٣٥٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال النووي في «المجموع» (٥/ ١٠٥): إسناده صحيح كلها على شرط البخاري ومسلم. وقال الحافظ في «بلوغ المرام» (ص١٥٠): صححه ابن حبان. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٦٤١٦).\n(٣) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٦٤١٧)، ورواه موصولًا ابن أبي شيبة (٧/ ١٠٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٧٦)، وابن أبي الدنيا - مرفوعًا - في «قصر الأمل» (٢). قال أبو نعيم: رواه الثوري وجماعة عن زبيد مثله عن علي مرسلًا، ثم قال: أفادني هذا الحديث الدارقطني عن شيخي لم أكتبه إلا من هذا الوجه. وقال ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٢٣): وصله ابن أبي الدنيا. وقال في «تغليق التعليق» (٥/ ١٥٨ - ١٦٠): ووقع لنا من وجه آخر ... فيه ضعف وانقطاع، والصواب الموقوف.\n(٤) رواه البخاري (٦٤١٧).\n(٥) رواه البخاري (٦٤١٨).","vol":"4","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1081>المبحث الخامس: التأهب للموت قبل نزوله</span>\nوالمبادرة بالعمل الصالح والسعي النافع قبل دهوم البلاء وحلوله، وهو - المقصود الأعظم - إذ هو الفيصل بين هذه الدار وبين دار القرار وهو الفصل بين ساعة العمل والجزاء عليه، والحد الفارق بين أوان تقديم الزاد والقدوم عليه، إذ ليس بعده لأحد من مستعتب ولا اعتذار، ولا زيادة في الحسنات ولا نقص من السيئات، ولا حيلة ولا افتداء ولا درهم ولا دينار ولا مقعد ولا منْزل إلا القبر وهو إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إلى يوم البعث والجزاء وجمع الأوَّلين والآخرين وأهل السموات والأرضين والموقف الطويل بين يدي القويِّ المتين، يوم يقوم الناس لرب العالمين الحكيم العليم المقسط العدل الحكيم الذي لا يحيف ولا يجور ولا يظلم مثقال ذرة إن ربي على صراط مستقيم، ثم إما نعيم مقيم في جنات النعيم، وإما عذاب أليم في نار الجحيم، وإنَّ لكل ظاعن مقرًا ولكل نبأ مستقرًا وسوف تعلمون، قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:٩٩ – ١٠٠] الآيات، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:١٨] الآيات، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:٩ – ١١] وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ [الشورى:٤٤] وهذا سؤالهم الرجعة عند الاحتضار، وكذلك يسألون الرجعة عند معاينة العذاب يوم القيامة كما قال تعالى: وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ [إبراهيم:٤٤] الآيات.","vol":"4","page":111},{"text":"وكذلك يسألون الرجعة إذا وقفوا على النار ورأوا ما فيها من عظيم الأهوال وشديد الأنكال والمقامع والأغلال والسلاسل الطوال وما لا يصفه عقل ولا يعبر عنه مقال ولا يغني بالخبر عنه ضرب الأمثال كما قال تعالى: وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:٢٧ – ٢٨] الآيات، وكذلك يسألون الرجعة إذا وقفوا على ربهم وعرضوا عليه وهم ناكسو رؤوسهم بين يديه كما قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:١٢] الآيات، وكذلك يسألون الرجعة وهم في غمرات الجحيم وعذابها الأليم كما قال تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:٣٧] الآيات، وقال تعالى: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ [غافر:١١] وغيرها من الآيات. ويجمع كل ذلك قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ [الأعراف:٥٣] وغيرها من الآيات. وقال قتادة في قوله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [المؤمنون:٩٩]، قال كان العلاء بن زياد يقول: لينَزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة ربه تعالى. وقال قتادة: والله ما تمنى إلاّ أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: «إذا وضع – يعني الكافر – في قبره فيرى مقعده من النار قال فيقول: ربِّ ارجعون أتوبُ وأعملُ صالحًا، قال فيقال: قد عُمِّرت ما كنت معمرًا. قال فيضيق عليه قبرُه ويلتئِمُ فهو كالمنهوشِ ينام أو يفزع تهوي إليه هوام الأرض وحيَّاتها وعقاربها» (١). وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كلُّ أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول لو أَنَّ الله هداني، فتكون عليه حسرة. قال: وكلُّ أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول لولا أَنَّ الله هداني قال فيكون لهم الشكر» (٢) ... وحديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم «بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها» الحديث (٣).\n_________\n(١) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٥/ ٤٩٤).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٥١٢) (١٠٦٦٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٤٧)، والحاكم (٢/ ٤٧٣). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٩٩): رواه كله أحمد ورجاله رجال الصحيح. وانظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (٢٠٣٤).\n(٣) رواه مسلم (٢٩٤٧).","vol":"4","page":112},{"text":"وفي (صحيح البخاري) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصِّحةُ والفراغ» (١). وللحاكم عنه ﵁ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لرجلٍ وهو يعظه: «اغتنم خَمْسًا قبل خَمْس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (٢)، يعني: أن هذه الخمس أيام الشباب والصحة والغنى والفراغ والحياة هي أيام العمل والتأهب والاستعداد والاستكثار من الزاد، فمن فاته العمل فيها لم يدركه عند مجيء أضدادها، ولا ينفعه التمني للأعمال، بعد التفريط منه والإهمال، في زمن الفرصة والإمهال، فإن بعد كل شباب هرمًا، وبعد كل صحة سقمًا، وبعد كل غنىً فقرًا، وبعد كل فراغ شغلًا، وبعد كل حياة موتًا، فمن فرط في العمل أيام الشباب لم يدركه في أيام الهرم، ومن فرط فيه في أوقات الصحة لم يدركه في أوقات السقم، ومن فرط فيه في حالة الغنى فلم ينل القرب التي لم تنل إلاّ بالغنى لم يدركه في حالة الفقر، ومن فرط فيه في ساعة الفراغ لم يدركه عند مجيء الشواغل، ومن فرط في العمل في زمن الحياة لم يدركه بعد حيلولة الممات، فعند ذلك يتمنى الرجوع وقد فات، ويطلب الكرة وهيهات، وحيل بينه وبين ذلك وعظمت حسراته حين لا مدفع للحسرات. ولقد حثَّنا الله ﷿ أعظم الحث وحضنا أشد الحضَّ ودعانا إلى اغتنام الفرص في زمن المهلة وأخبرنا أن من فرط في ذلك تمناه وقد حيل بينه وبينه إذ يقول تعالى: في محكم كتابه داعيًا عباده إلى بابه يا من يسمع صريح خطابه ويتأمل لطيف عتابه قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الزمر:٥٣ – ٥٩]، الآيات. وقال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ [الروم:٤٣] الآيات. وقال تعالى: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ [الشورى:٤٧] الآيات. وغيرها. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨٦٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤١٢).\n(٢) رواه الحاكم (٤/ ٣٤١). وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (١٠٧٧): صحيح.","vol":"4","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1084>المطلب الأول: تعريف السكرات</span>\nالسكرات جمع سَكْرة، ... والسَّكْرَانُ: خلاف الصاحي، والسُّكْرُ: نقيض الصَّحْوِ، وقولهم: ذهب بين الصحوة والسكرة إنما هو بين أن يعقل ولا يعقل.\nوسكرة الموت: شدّته، وسكرة الميت غشيته التي تدل الإنسان على أنه ميّت (١).\nقال الراغب الأصفهاني ت ٥٠٢هـ: (السكر حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل في الشراب المسكر، ويطلق في الغضب والعشق والألم والنعاس، والغشي الناشئ عن الألم وهو المراد هنا) (٢).\nفالمراد بالسكرات، إذًا، شدائد الموت وأهواله وكربه التي تصيب المحتضر، بسبب نزع الروح. أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - بتصرف - ص ٧٦\n_________\n(١) انظر: «لسان العرب» (٢/ ١٧٠، ١٧١).\n(٢) انظر: «مفردات القرآن» (ص: ٢٣٦)، و«فتح الباري» (١١/ ٣٦٢).","vol":"4","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1085>المطلب الثاني: تعريف الغمرات</span>\nالغمرات جمع غَمْرَة، وهي الشدة، وغَمْرةُ كل شيء: مُنْهَمَكه وشدّته ...\nقال الطبري ت٣١٠هـ: (والغمرات جمع غمرة، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه، وأصله الشيء الذي يغمر الأشياء، فيغطيها) (١).\nوغمرات الموت سكراته التي تغمر المحتضر، أي تغطي عقله وتستره، فيصاب بالغمرة والإغماء (٢). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - بتصرف -ص ٧٦\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٧/ ١٨٢، ١٨٣).\n(٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير (ص: ٦٧٨).","vol":"4","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1086>المبحث الثاني: الأدلة من الكتاب والسنة على سكرات الموت</span>\nأولًا: الأدلة من كتاب الله تعالى:\nذكر الله ﷾ في كتابه الكريم، القرآن العظيم، سكرات الموت وشدائده في أكثر من آية، منها:\n١ - قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الأنعام: ٩٣].\nقال الطبري في تفسير هذه الآية: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ولو ترى يا محمد حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين ...، فتعاينهم وقد غشيتهم سكرات الموت، ونزل بهم أمر الله، وحان فناء آجالهم ...، والغمرات جمع غمرة، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه) (١)، ثم روى عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ. أنه قال: سكرات الموت (٢).\nيقول السعدي ت ١٣٧٦هـ: (ولما ذم الظالمين ذكر ما أعد لهم من العقوبة حال الاحتضار، ويوم القيامة فقال: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت أي: شدائده وأهواله الفظيعة، وكربه الشنيعة، لرأيت أمرًا هائلًا، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها، وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ إلى أولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب ...) (٣).\n٢ - قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب: ١٨، ١٩].\n٣ - وقوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةُ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونُ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فِإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد: ٢٠، ٢١]\nفقوله تعالى في الآية الأولى رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ يعني ينظرون إليك يا محمد ﷺ تدور أعينهم خوفًا من القتل وفرارًا منه كالذي يغشى عليه من الموت، أي كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت النازل به وما يعانيه من سكرات وكرب (٤).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ت٧٢٨هـ: (من شدة الرعب الذي في قلوبهم يشبهون المغمى عليه وقت النزع؛ فإنه يخاف ويذهل عقله، ويشخص بصره، ولا يطرف، فكذلك هؤلاء؛ لأنهم يخافون القتل) (٥).\n٤ - قوله تعالى وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: ١٩].\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٧/ ١٨٢).\n(٢) «تفسير الطبري» (٧/ ١٨٣).\n(٣) «تفسير السعدي» (ص: ٢٢٧).\n(٤) انظر: «تفسير الطبري» (٢١/ ٨٩).\n(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٨/ ٤٥٦).","vol":"4","page":116},{"text":"والمراد بسكرة الموت شدته وغمرته وغلبته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، ومعنى (بالحق) أي من أمر الآخرة، فتبينه الإنسان حتى تثبته وعرفه، بمعنى أنه عند الموت يتضح له الحق، ويظهر له صدق ما جاءت به الرسل من الإخبار بالبعث، والوعد والوعيد، وقيل الحق هو الموت، فيكون المعنى: وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت، كما قرأ أبو بكر الصديق وابن مسعود (وجاءت سكرة الحق بالموت) (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (... وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي جاءت بما بعد الموت من ثواب وعقاب، وهو الحق الذي أخبرت به الرسل، ليس مراده أنها جاءت بالحق الذي هو الموت؛ فإن هذا مشهور لم ينازع فيه، ولم يقل أحد: إن الموت باطل حتى يقال جاءت بالحق) (٢).\n٥ - قوله تعالى: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧] هذا دليل على سكرات الموت (٣)؛ فإن الله ﷾ يقول: مهلًا إذا بلغت النفوس عند خروجها من أجسادكم، أيها الناس، حلاقيكم، ومن حضرهم منكم من أهليهم حينئذ إليهم ينظر، ونحن أقرب إليه بالعلم والقدرة والرؤية منكم، ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون، فلولا إن كنتم غير مربوبين ومملوكين وغير مجزيين ترجعون تلك النفوس التي بلغت الحلقوم عند سكرات الموت إلى مقرها الذي كانت فيه، إن كنتم صادقين بأنكم غير مربوبين ولا مجزيين، ولن ترجعونها فبطل زعمكم (٤).\nقال ابن كثير ت٧٧٤هـ في تفسير هذه الآيات: يقول تعالى فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ أي الروح الْحُلْقُومَ أي الحلق، وذلك حين الاحتضار، كما قال تعالى: كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة: ٢٦ - ٣٠]؛ ولهذا قال هاهنا وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ أي: إلى المحتضر، وما يكابده من سكرات الموت وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أي بملائكتنا وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ أي: ولكن لا ترونهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦١، ٦٢]، وقوله تعالى: فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا معناه فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول، ومقرها من الجسد، إن كنتم غير مدينين) (٥).\n٦ - وقد روى ابن كثير ت٧٧٤هـ عن جماعة من السلف أن المراد بقوله تعالى وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا [النازعات: ١، ٢]: الملائكة حين تنْزع أرواح بني آدم، فمنهم من تؤخذ روحه بعسر، فتغرق في نزعها، ومنهم من تؤخذ روحه بسهولة، وكأنما حلته من نشاط (٦).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢٦/ ١٠٠، ١٠١)، «فتح القدير» (٥/ ٧٥).\n(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٦٥).\n(٣) انظر: «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (١/ ٤١).\n(٤) انظر: «تفسير الطبري» (٢٧/ ١٢٠، ١٢١)، «تفسير البغوي» (٤/ ٢٩٠، ٢٩١).\n(٥) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٠١).\n(٦) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٤٦٨).","vol":"4","page":117},{"text":"وقال ابن تيمية ت٧٢٨هـ: (وأما وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا فهي الملائكة القابضة للأرواح، وهذا يتضمن الجزاء، وهو من أعظم المقسم عليه) (١).\nوقال البغوي ت٥١٦هـ: (... وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا: يعني الملائكة تنْزع أرواح الكفار من أجسادهم، كما يغرق النازع في القوس، فيبلغ بها غاية المدّ، وقال ابن مسعود: ينْزعها ملك الموت من تحت كل شعرة ومن الأظافر وأصول القدمين، ويرددها في جسده بعدما ينْزعها حتى إذا كادت تخرج ردها في جسده بعدما ينْزعها، فهذا عمله بالكفار ...، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا هي الملائكة تنشط نفس المؤمن، أي تحل حلًا رفيقًا فتقبضها، كما ينشط العقال من يد البعير، أي يحل برفق) (٢)، وروي في تفسيرها غير ذلك (٣).\n٧ - قوله تعالى كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٤).\nدلت هذه الآية على سكرة الموت؛ فقوله كَلا إِذَا بَلَغَتِ أي النفس التَّرَاقِيَ فحشرج بها عند سكرات الموت، والتراقي جمع الترقوة، وهي العظام بين ثغرة النحر والعاتق، فدل ذلك على الإشراف على الموت، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ أي: قال من حضره هل من طبيب يرقيه ويداويه، فيشفيه برقيته أو دوائه، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ أي أيقن الذي بلغت روحه التراقي أنه مفارق الدنيا، حيث تتابعت عليه الشدائد، فلا يخرج من كرب إلا جاءه أشد منه، واجتمع فيه الحياة والموت، والتفت ساقاه (٥).\nيقول السعدي في تفسير هذه الآيات: (يعظ تعالى عباده بذكر المحتضر حال السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب، ويطلب كل وسيلة وسبب يظن أن يحصل به الشفاء والراحة؛ ولهذا قال: وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ أي: من يرقيه، من الرقية؛ لأنهم انقطعت آمالهم من الأسباب العادية، فتعلقوا بالأسباب الإلهية، ولكن القضاء والقدر إذا حتم وجاء فلا مرد له، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ للدنيا، وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، أي: اجتمعت الشدائد، والتفت، وعظم الأمر، وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح من البدن، الذي ألفته، ولم تزل معه، فتساق إلى الله تعالى؛ ليجازيها بأعمالها ويقررها بفعلها، فهذا الزجر الذي ذكره الله يسوق القلوب إلى ما فيه نجاتها، ويزجرها عما فيه هلاكها، ولكن المعاند الذي لا تنفع فيه الآيات لا يزال مستمرًا على غيه وكفره وعناده) (٦)\nثانيا: الأدلة على سكرات الموت من السنة والأثر:\nثبتت أحاديث عن الرسول ﷺ تدل على أن للموت سكرات، ومن ذلك:\n١ - ما أخرجه البخاري بسنده عن عائشة ﵂: «أنّ رسول الله ﷺ كانت بين يديه رَكْوَة، أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض ومالت يده» (٧).\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٣/ ٣٢٠).\n(٢) «تفسير البغوي» (٤/ ٤٤١).\n(٣) انظر: «تفسير الطبري» (٣٠/ ١٨ - ٢٠)، و«تفسير البغوي» (٤/ ٤٤١، ٤٤٢).\n(٤) سورة القيامة، الآية ٢٦ - ٣٠.\n(٥) انظر: «تفسير البغوي» (٤/ ٤٢٤، ٤٢٥)، «تفسير الطبري» (٢٩/ ١٢١).\n(٦) «تفسير السعدي» (ص: ٨٣٣).\n(٧) رواه البخاري (٦٥١٠).","vol":"4","page":118},{"text":"٢ - وعن أنس ﵁ قال: «لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه فقالت فاطمة: وا كرب أباه، فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة -﵂-: يا أنس أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب» (١)\n٣ - ما أخرجه البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: «مات النبي ﷺ وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي ﷺ» (٢).\n٤ - ما رواه الترمذي بسنده عن عائشة ﵂ قالت «ما أغبط أحدًا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ» (٣).\nقال أبو حامد الغزالي ت٥٠٥هـ: (اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديرًا بأن يتنغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته، وحقيقًا بأن يطول فيه فكره، ويعظم له استعداده، لا سيما وهو في كل نفس بصدده ...، واعلم أن شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها، ومن لم يذقها فإنما يعرفها إما بالقياس إلى الآلام التي أدركها، وإما بالاستدلال بأحوال الناس في النَزع على شدة ما هم فيه.\nفأما القياس: الذي يشهد له فهو أن كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم، فإذا كان فيه الروح فالمدرك للألم هو الروح، فمهما أصاب العضو، جرح أو حريق سرى الأثر إلى الروح، فبقدر ما يسري إلى الروح يتألم، يتفرق على اللحم والدم وسائر الأجزاء، فلا يصيب الروح إلا بعض الألم؛ فإن كان من الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره فما أعظم ذلك الألم وما أشده، والنَزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح فاستغرق جميع أجزائه، حتى لم يبق جزء من أجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم ...، فألم النَزع يهجم على نفس الروح ويستغرق جميع أجزائه؛ فإنه المنْزوع المجذوب من كل عرق من العروق، وعصب من الأعصاب، وجزء من الأجزاء، ومفصل من المفاصل، ومن أصل كل شعرة وبشرة من العرق إلى القدم، ... فلا تسل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه، ولو كان المجذوب عرقًا واحدًا لكان ألمه عظيمًا، فكيف والمجذوب نفس الروح المتألم، لا من عرق واحد، بل من جميع العروق، ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجيًا، فتبرد أولًا قدماه، ثم ساقاه، ثم فخذاه، ولكل عضو سكرة بعد سكرة، وكربة بعد كربة، حتى يبلغ بها إلى الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها) (٤).\nأخرج ابن أبي الدنيا عن شداد ابن أوس ﵁ قال: «الموت أفظع هول في الدنيا والآخرة على المؤمنين، والموت أشد من نشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، وغلي في القدور، ولو أن الميت نُشر فأخبر أهل الدنيا بألم الموت، ما انتفعوا بعيش، ولا لذوا بنوم» (٥).\nوأخرج ابن سعد عن عوانة بن الحكم قال: (كان عمرو بن العاص يقول: عجبًا لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه، فلما نزل به قال له ابنه عبد الله: يا أبتِ إنك كنت تقول: عجبًا لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه؟ فصف لنا الموت قال: يا بنيّ الموت أجل من أن يوصف، ولكن سأصف لك منه شيئًا، أجدني كأن على عنقي جبال رضوى، وأجدني كأن في جوفي الشوك، وأجدني كأن نفسي تخرج من ثقب إبرة (٦). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ٧٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٦٢) بلفظ: «أطابت أنفسكم» بدلًا من «أطابت نفوسكم».\n(٢) رواه البخاري (٤٤٤٦).\n(٣) رواه الترمذي (٩٧٩). حسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ١٦٨) كما قال ذلك في المقدمة، وقال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٣/ ٤١٥): الظاهر أنه حسن، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) انظر: «الموت»: (ص٦٥ - ٦٧)، ونقله ابن الجوزي في: «الثبات عند الممات» (ص٦١ - ٦٣).\n(٥) «الموت» (ص: ٦٩).\n(٦) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٤/ ٢٦٠). وانظر: «سير أعلام النبلاء» (٣/ ٧٥)، و«فتح الباري» (٨/ ٣٤٦).","vol":"4","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1087>المبحث الثالث: سكرات الموت تحصل لكل المخلوقات</span>\nكل المخلوقات تجد سكرات الموت ويشهد لهذا عموم قوله تعالى كل نفس ذائقة الموت [آل عمران: ١٨٥]، وقوله ﷺ «إن للموت سكرات» (١)، لكن تختلف المخلوقات في درجة إحساسها بالسكرات (٢).\nفالعبد المؤمن تخرج روحه بسهولة ويسر، ودليل ذلك ما ورد في حديث البراء بن عازب أن الرسول ﷺ قال عن وفاة المؤمن: «ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة وفي رواية: المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء، فيأخذها ...» (٣).\nأما الكافر فإن روحه تخرج بشدة وصعوبة يتعذب بها، لقوله ﷺ في حديثه عن وفاة الكافر وفي رواية الفاجر: «ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب» (٤).\nهذا بالجملة وإلا فإنه قد تشتد السكرات على بعض الصالحين؛ لتكفير ذنوبهم، ولرفع درجاتهم، كما حصل للرسول ﷺ حيث عانى من شدة سكرات الموت، كما في صحيح البخاري ...\nقال ابن حجر: وفي الحديث «لا إله إلا الله إن للموت سكرات»: أن شدة الموت لا تدل على نقص في المرتبة، بل هي للمؤمن إما زيادة في حسناته، وإما تكفير لسيئاته) (٥).\nوقد ترجم ابن ماجه ت٢٧٥هـ في سننه بعنوان: (باب ما جاء في المؤمن يؤجر في النَزْع)، وساق تحته قوله ﷺ: «المؤمن يموت بعرق الجبين» (٦). كما قد جاء في حديث آخر قوله ﷺ: «الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم مس القرصة» (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٤٩). من حديث عائشة ﵁.\n(٢) انظر: «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (١/ ٥٠، ٥١).\n(٣) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، والحاكم (١/ ٩٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٥٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الطبري في «مسند عمر» (٢/ ٤٩١): إسناده صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا جميعا بالمنهال بن عمرو وزاذان أبي عمر الكندي، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة ولم يخرجاه بطوله وله شواهد على شرطهما، وصحح إسناده البيهقي، وقال الهيثمي (٣/ ٥٢): رجاله رجال الصحيح.\n(٤) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، والحاكم (١/ ٩٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٥٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الطبري في «مسند عمر» (٢/ ٤٩١): إسناده صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا جميعا بالمنهال بن عمرو وزاذان أبي عمر الكندي، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة ولم يخرجاه بطوله وله شواهد على شرطهما، وصحح إسناده البيهقي، وقال الهيثمي (٣/ ٥٢): رجاله رجال الصحيح.\n(٥) «فتح الباري» (١١/ ٣٦٣).\n(٦) رواه ابن ماجه (١١٩٧). وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ١٨٣) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٧) رواه ابن ماجه (٢٢٧٨). بلفظ: «ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرصة». قال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.","vol":"4","page":120},{"text":"وهذا يدل على أن الأصل تخفيف نزع روح المؤمن، إلا أنها قد تشدّد على من أراد الله ﷾ من المؤمنين؛ تكفيرًا لسيئاتهم، أو رفعًا لدرجاتهم؛ قال القرطبي في معرض حديثه عن سكرات الموت: قال القرطبي: (قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فإذا كان هذا الأمر قد أصاب الأنبياء والمرسلين والأولياء فما لنا عن ذكره مشغولين؟ وعن الاستعداد له متخلفين؟ قالوا وما جرى على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين من شدائد الموت وسكراته فله فائدتان:\nأحدهما: أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت وأنه باطن، وقد يطلع الإنسان على بعض الموتى فلا يرى عليه حركة ولا قلقًا، ويرى سهولة خروج روحه، فيغلب على ظنه سهولة أمر الموت ولا يعرف ما الميت فيه، فلما ذكر الأنبياء الصادقون في خبرهم شدة ألمه مع كرامتهم على الله تعالى، وتهوينه على بعضهم قطع الخلق بشدة الموت الذي يعانيه ويقاسيه الميت مطلقًا لإخبار الصادقين عنه، ما خلا الشهيد قتيل الكفار ....\nالثانية: ربما خطر لبعض الناس أن هؤلاء أحباب الله وأنبياؤه ورسله، فكيف يقاسون هذه الشدائد العظيمة؟ وهو سبحانه قادر أن يخفف عنهم أجمعين. فالجواب: أن «أشد الناس بلاءً في الدنيا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» (١) كما قال نبينا ﵇ ... فأحب الله أن يبتليهم تكميلًا لفضائلهم لديه، ورفعة لدرجاتهم عنده، وليس ذلك في حقهم نقصًا ولا عذابًا، بل هو .. كمال رفعة، مع رضاهم بجميل ما يجري الله عليهم، فأراد الحق سبحانه أن يختم لهم بهذه الشدائد، مع إمكان التخفيف والتهوين عليهم، ليرفع منازلهم، ويعظم أجورهم قبل موتهم، كما ابتلى إبراهيم بالنار، وموسى بالخوف والأسفار وعيسى بالصحارى والقفار، ونبينا محمدًا ﷺ بالفقر في الدنيا ومقاتلة الكفار، كل ذلك لرفعة في أحوالهم وكمال في درجاتهم.\nولا يفهم من هذا أن الله شدد عليهم أكثر مما شدد على العصاة المخلطين؛ فإن ذلك عقوبة لهم، ومؤاخذة على إجرامهم، فلا نسبة بينه وبين هذا) (٢).\nفشدة السكرات تخفف من الذنوب، وكل ما يصيب الإنسان من مرض أو شدة أو هم أو غم حتى الشوكة تصيبه فإنها كفارة لذنوبه، ثم إن صبر واحتسب كان له مع التكفير أجر ذلك الصبر الذي قابل به هذه المصيبة التي لحقت به، ولا فرق في ذلك بين ما يكون عند الموت، وما يكون قبله، فالمصائب كفارات لذنوب المؤمن، وقد أخبر الرسول ﷺ بأنه: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها»، وكذلك قوله ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يصب منه» وقوله ﷺ: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهمّ يهمّه إلا كفر به من سيئاته»، وفي رواية قال ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه».\nأحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ٨٦\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٣٩٨)، وأحمد (١/ ١٧٢) (١٤٨١)، و(١/ ١٨٠) (١٥٥٥)، والحاكم (١/ ٩٩). من حديث سعد ابن أبي وقاص ﵁، بلفظ: «أي الناس أشد بلاء؟ قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه .....». قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ١١٦): له شاهد، وصححه الزرقاني في «مختصر المقاصد» (١٠٢)، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٥٢): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٩٩٢).\n(٢) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (١/ ٤٨ - ٥٠).","vol":"4","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1088>المبحث الرابع: من يخفف عنه سكرات الموت</span>\nأخبرنا الرسول ﷺ أن الشهيد الذي يسقط في المعركة تخفف عنه سكرات الموت، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة» رواه الترمذي والنسائي والدارمي (١)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٦\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٦٦٨)، والنسائي (٦/ ٣٦)، والدارمي (١/ ١٧٩) (٢٤٥٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وقال أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٢٩١): ثابت مشهور من حديث القعقاع عن أبي صالح، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.","vol":"4","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1090>المبحث الأول: سؤال الرجعة إلى الدنيا عند الاحتضار</span>\nالكافرون والمفرّطون في أمر الله تعالى يسألون الله ﷿ حال الاحتضار الرجعة إلى الحياة الدنيا؛ ليصلحوا ما كان أفسدوه في مدة حياتهم، قال تعالى عنهم: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].\nفالكافرون يسألون الرجعة عند الاحتضار؛ ليسلموا، والعصاة ليتوبوا ويعملوا صالحًا، فلا يجابون إلى ذلك، كما قال تعالى كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وكَلا حرف ردع وزجر، أي لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه، وقوله: إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا أي لابد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم، ولو رُدّ لما عمل صالحًا ولكن يكذب في مقالته.\nيقول الطبري في تفسيره للآية السابقة: (يقول تعالى ذكره حتى إذا جاء أحد هؤلاء المشركين الموت، وعاين نزول أمر الله به، قال لعظيم ما يعاين، مما يقدم عليه من عذاب الله تندمًا على ما فات، وتلهفًا على ما فرط فيه قبل ذلك من طاعة الله ومسألته للإقالة: رَبِّ ارْجِعُونِ إلى الدنيا فرّدوني إليها، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا، يقول: كي أعمل صالحًا فِيمَا تَرَكْتُ قبل اليوم، من العمل، فضيّعته، وفرطت فيه) (١).\nويقول السعدي: (يخبر تعالى عن حال من حضره الموت من المفرطين الظالمين أنه يندم في تلك الحال، إذا رأى مآله، وشاهد قبح أعماله، فيطلب الرجعة إلى الدنيا، لا للتمتع بلذاتها واقتطاف شهواتها، وإنما ذلك ليقول: لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ من العمل، وفرطت في جنب الله، كَلَّا أي: لا رجعة له ولا إمهال، قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون إِنَّهَا أي: مقالته التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا أي مجرد قول اللسان لا يفيد صاحبه إلا الحسرة والندم، وهو أيضًا غير صادق في ذلك؛ فإنه لو رُدّ لعاد لما نُهِي عنه) (٢).\nويدل على سؤال الرجعة وتمنيها حين الاحتضار قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون: ٩ - ١١].\nفكل مفرّط يندم عند الاحتضار، ويتحسر على ما فرّط في وقت الإمكان، ويسأل الرجعة إلى الدنيا، ولو لمدة يسيرة، ليستعتب ويستدرك ما فاته وما فرّط فيه، ويتصدق ويكون من الصالحين، لكن هيهات فهذا السؤال والتمني قد فات وقته ولا يمكن تداركه؛ ولهذا قال تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون: ١١] أي لا يؤخر أحدًا بعد حلول أجله، وهو سبحانه أعلم وأخبر بمن يكون صادقًا في قوله وسؤاله ممن لو رُدّ لعاد إلى شر مما كان عليه (٣)\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٨/ ٤٠).\n(٢) «تفسير السعدي» (ص: ٥٠٨).\n(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٧٣)، و«تفسير السعدي» (ص: ٨٠٢).","vol":"4","page":123},{"text":"قال أبو جعفر الطبري في تفسير هذه الآية: (يقول تعالى ذكره وَأَنْفِقُوا أيها المؤمنون بالله ورسوله، من الأموال التي رزقناكم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ إذا نزل به الموت: يا رب هلا أخرتني، فتمهل لي في الأجل إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ يقول فأزكي مالي، وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ أعمل بطاعتك وأؤدي فرائضك، وقيل: عني بقوله وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وأحج بيتك الحرام) (١).\nوفي موضع آخر من كتاب الله تعالى يخبر جل وعلا عن حال الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب وحلول الأجل أنهم يسألون الرجعة وتأخير الأجل؛ نادمين على ما فعلوا، قال تعالى مخبرًا عنهم: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ [إبراهيم: ٤٤]؛ وهذا كله أمل في التخلص من العذاب الأليم وإلا فهم كاذبون في وعودهم؛ ولهذا يوبخون بأن يقال لهم أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ [إبراهيم: ٤٤، ٤٥]، فهم يوبخون بتذكيرهم بكذبهم حين أقسموا أنهم لن يزولوا عن الدنيا إلى الآخرة، وهم يرون ويعلمون ما أحل بالأمم المكذبة قبلهم وما نزل بهم من العقوبات ولكنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا، بل أعرضوا واستمروا على باطلهم وظلمهم حتى وصلوا إلى اليوم الذي لا ينفع فيه اعتذار ولا تقبل فيه توبة (٢).\nقال الشنقيطي ت١٣٩٣هـ: (قوله تعالى حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا .. [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] وما تضمنته الآية الكريمة من أن الكافر والمفرّط في عمل الخير إذا حضر أحدهما الموت طلبا الرجعة إلى الحياة؛ ليعملا العمل الصالح الذي يدخلهما الجنة، ويتداركا به ما سلف منهما من الكفر والتفريط، وأنهما لا يجابان إلى ذلك، كما دل عليه حرف الزجر والردع الذي هو كَلا، جاء موضحًا في مواضع أخر كقوله تعالى وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا الآية، وقوله تعالى: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ [إبراهيم: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات، وكما أنهم يطلبون الرجعة عند حضور الموت، ليصلحوا أعمالهم؛ فإنهم يطلبون ذلك يوم القيامة، ومعلوم أنهم لا يجابون إلى ذلك.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا الظاهر أن لعل فيه للتعليل أي ارجعون لأجل أن أعمل صالحًا، وقيل: هي للترجي والتوقع؛ لأنه غير جازم بأنه إذا رُدّ للدنيا عمل صالحًا، والأول أظهر، والعمل الصالح يشمل جميع الأعمال من الشهادتين والحج، الذي كان قد فرّط فيه، والصلوات والزكاة، ونحو ذلك، والعلم عند الله تعالى، وقوله كَلا كلمة زجر، وهي دالة على أن الرجعة التي طلبها لا يعطاها كما هو واضح» (٣). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ١٢٠\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢٨/ ٧٦).\n(٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣)، و«تفسير السعدي» (ص: ٣٨١ - ٣٨٢).\n(٣) «أضواء البيان» (٥/ ٨٢١، ٨٢٢).","vol":"4","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1091>المبحث الثاني: انقطاع التوبة بحضور الموت</span>\nأخبرنا الله ﷾ في كتابه العزيز أن الذين يعملون السيئات ثم يتوبون فإنه تعالى يقبل توبتهم، حيث قال سبحانه إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١٧] وغيرها من الآيات الكثيرة، ويقول ﷺ فيما يرويه عنه أبو هريرة ﵁ «لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء، ثم تبتم لتاب عليكم» (١)، وعن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٢)، وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (٣)، وغيرها من الأحاديث الشريفة، فالنصوص الشرعية التي تحث على التوبة كثيرة جدًا، إلا أنها غير مقبولة عند الله تعالى إلا حين تتوفر شروطها التي ذكرها العلماء استقراءً من نصوص كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، ومن تلك الشروط:\n١ - أن تكون التوبة خالصة لوجه الله تعالى، فلا يراد بها الدنيا أو مدح الناس وثناؤهم.\n٢ - الإقلاع عن المعصية.\n٣ - الندم على فعلها.\n٤ - العزم على عدم العودة إليها.\n٥ - إرجاع الحقوق إلى أصحابها، إن كانت المعصية حقوقًا للآخرين.\n٦ - أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت (٤).\nوالذي يعنينا من هذه الشروط في هذا المبحث هو أن التوبة لا بد أن تكون قبل حضور الموت (٥) لقوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: ١٧، ١٨].\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤٢٤٨). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٣٣٠): هذا إسناد حسن، وقال محمد الغزي في «إتقان ما يحسن» (٢/ ٤٥٦): إسناده جيد، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٢) رواه ابن ماجه (٣٤٤٦)، والطبراني (١٠/ ١٥٠) (١٠٣٠٣)، والبيهقي (١٠/ ١٥٤) (٢١٠٧٠). قال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ١١٧): [رواته] كلهم ثقات وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٠٣): رجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، وقال السخاوي في «الأجوبة المرضية» (١/ ٨٧): رجال سنده ثقات ولولا الإرسال الذي فيه لكان صحيحًا، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) رواه الترمذي (٢٤٩٩)، وابن ماجه (٤٢٥١)، والحاكم (٤/ ٢٧٢). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٤٣٩): إسناده قوي. وحسّنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٤) انظر: «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (١/ ٨٥).\n(٥) انظر: «فتح الباري» (١١/ ٤٨٧).","vol":"4","page":125},{"text":"يقول الطبري: (ما التوبة على الله لأحد من خلقه إلا للذين يعملون السوء من المؤمنين بجهالة، ثم يتوبون من قريب، يقول: ما الله براجع لأحد من خلقه إلى ما يحبه من العفو عنه، والصفح عن ذنوبه التي سلفت منه إلا للذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار وترك العودة إلى مثله قبل نزول الموت بهم، وذلك هو القريب الذي ذكره الله تعالى ذكره، فقال: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ...، تأويله يتوبون قبل مماتهم في الحال التي يفهمون فيها أمر الله ﵎، ونهيه، وقبل أن يغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحشرجة وغم الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة؛ لأن التوبة لا تكون توبة إلا ممن ندم على ما سلف وعزم فيه على ترك المعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك المعاودة، وأما إذا كان بكرب الموت مشغولًا، وبغم الحشرجة مغمورًا فلا أخاله إلا عن الندم على ذنوبه مغلوبًا؛ ولذلك قال من قال: إن التوبة مقبولة ما لم يغرغر العبد بنفسه؛ فإن كان المرء في تلك الحال يعقل عقل الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأديب فأحدث إنابة من ذنوبه، ورجعة من شروده عن ربه إلى طاعته كان إن شاء الله ممن دخل في وعد الله الذي وعد التائبين إليه من إجرامهم من قريب) (١).\nفهذه الآية تدل على قبول الله تعالى للتوبة قبل حضور الموت، أما إذا حضر موته وغرغرت روحه فليس توبته معتبرة حينئذ ولا مقبولة، قال ابن كثير في تفسيره للآيتين السابقتين: (يقول ﷾ إنما يقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب ولو بعد معاينة الملك يقبض روحه قبل الغرغرة ...، فقد دلت الأحاديث على أن من تاب إلى الله ﷿ وهو يرجو الحياة فإن توبته مقبولة ...، وأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وخرجت الروح من الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة من الغلاصم، فلا توبة مقبولة حينئذ ولات حين مناص) (٢).\nوهذا مثل قوله تعالى عن فرعون: ... حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩٠، ٩١].\nففرعون كفر بالله تعالى وكذّب رسوله ﵊، وأساء إلى نفسه أيام حياته وفي صحته بتماديه في طغيانه ومعصية ربه، فلما حل به سخط الله ونزل عليه عقابه، فزع إليه مستجيرًا به من عذابه الواقع به، وناداه وقد علته أمواج البحر، وغشيته كرب الموت قائلًا: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ له المنقادين بالذلة والعبودية، فقال ﷾ معرفًا فرعون قبح صنيعه في حياته: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ آلآن تقر بالعبودية وتستسلم له بالذلة وتخلص له الألوهية، وقد عصيته قبل نزول نقمته بك فأسخطته على نفسك، وكنت من الصادين عن سبيله، فهلا وأنت في مهل وباب التوبة لك منفتح أقررت بما أنت به الآن مقر (٣).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٤/ ٢٠٢، ٢٠٥، ٢٠٦).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ٤٣٩، ٤٤٠).\n(٣) انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ١١٣).","vol":"4","page":126},{"text":"قال السعدي: (حتى إذا أدرك فرعون الغرق وجزم بهلاكه قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وهو الله الحق، الذي لا إله إلا هو وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي: المنقادين لدين الله، ولما جاء به موسى، قال الله تعالى، مبينًا أن هذا الإيمان في هذه الحالة غير نافع له آلآنَ تؤمن، وتقر برسول الله وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ أي: بارزت بالمعاصي والكفر والتكذيب وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فلا ينفعك الإيمان كما جرت عادة الله أن الكفار إذا وصلوا إلى هذه الحالة الاضطرارية أنه لا ينفعهم إيمانهم؛ لأن إيمانهم صار إيمانًا مشاهدًا كإيمان من ورد القيامة، والذي ينفع إنما هو الإيمان بالغيب) (١).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل هذه التوبة لا تمنع إلا إذا عاين أمر الآخرة، كما قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ .. [النساء: ١٧] الآية ... وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، وأما من تاب عند معاينة الموت فهذا كفرعون الذي قال: أنا الله فلما أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قال الله: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وهذا استفهام إنكار بين به أن هذه التوبة ليست هي التوبة المقبولة المأمور بها ... ومثله قوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٣ - ٨٥] الآية، بين أن التوبة بعد رؤية البأس لا تنفع، وأن هذه سنة الله التي قد خلت في عباده كفرعون وغيره) (٢).\nوقبول التوبة قبل حضور الموت؛ لأن الرجاء باق ويصح الندم والعزم على ترك الفعل، قال القرطبي: (قال علماؤنا ﵏ وإنما صحت منه التوبة في هذا الوقت؛ لأن الرجاء باق ويصح الندم والعزم على ترك الفعل، وقيل: المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار، والمبادرة في الصحة أفضل وألحق لأمله في العمل الصالح والبعد كل البعد عن الموت، وأما ما كان قبل الموت فهو قريب) (٣).\nوقد أخبر الله تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر بأنهم لما رأوا وقوع عذاب الله بهم وحّدوا الله ﷿ وكفروا بالطاغوت فلم يقبل الله منهم توبتهم، قال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر: ٨٤، ٨٥]، فهذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل، وهذه سنة الله وعادته أن المكذبين حين ينْزل بهم بأس الله وعقابه إذا آمنوا كان إيمانهم غير صحيح ولا مقبولًا؛ لأنه إيمان ضرورة قد اضطروا إليه، وإيمان مشاهدة، وإنما الإيمان المقبول المنجي هو الإيمان الاختياري، الذي يكون إيمانًا بالغيب، وذلك قبل وجود قرائن العذاب (٤).\n_________\n(١) «تفسير السعدي» (ص: ٣٢٨، ٣٢٩).\n(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٨/ ١٩٠، ١٩١).\n(٣) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (١/ ٨٥).\n(٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٩١)، و«تفسير السعدي» (ص: ٦٩٠).","vol":"4","page":127},{"text":"يقول الطبري: (لم يك ينفعهم تصديقهم في الدنيا بتوحيد الله عند معاينة عقابه قد نزل، وعذابه قد حل؛ لأنهم صدقوا حين لا ينفع التصديق مصدقا؛ إذ كان قد مضى حكم الله في السابق من علمه أن من تاب بعد نزول العذاب من الله على تكذيبه لم تنفعه توبته) (١).\nويشهد لهذا الشرط المهم من شروط قبول التوبة ما ورد عن الرسول ﷺ أنه قال: «إن الله ﷿ ليقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (٢)، أي فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة، وعاين الملك فلا توبة حينئذ (٣).\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ [آل عمران: ٩٠]، قال بعض العلماء بأن المراد: إذا أخروا التوبة إلى حضور الموت فتابوا حينئذ، فلن تقبل توبتهم، فيكون مثل قوله تعالى في الآية السابقة: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء: ١٨]، وتقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا (٤).\nوروى الطبري ت٣١٠هـ بسنده عن الحسن البصري ت١١٠هـ قوله في هذه الآية هم اليهود والنصارى لن تقبل توبتهم عند الموت (٥).\nوقال ابن تيمية: (قال الأكثرون ... لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت ...، قلت: وذلك لأن التائب راجع عن الكفر، ومن لم يتب فإنه مستمر يزداد كفرًا بعد كفر، فقوله ثم ازدادوا بمنْزلة قول القائل: ثم أصروا على الكفر، واستمروا على الكفر، وداموا على الكفر، فهم كفروا بعد إسلامهم، ثم زاد كفرهم ما نقص، فهؤلاء لا تقبل توبتهم، وهي التوبة عند حضور الموت؛ لأن من تاب قبل حضور الموت فقد تاب من قريب، ورجع عن كفره، فلم يزدد بل نقص، بخلاف المصر إلى حين المعاينة، فما بقي له زمان يقع لنقص كفره فضلًا عن هدمه) (٦).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢٤/ ٥٨).\n(٢) رواه الترمذي (٣٥٣٧)، وابن ماجه (٣٤٤٩) - قال المزي: وقع عند ابن ماجه عبدالله بن عمرو وهو وهج والصواب عن عبدالله بن عمر بن الخطاب-، وأحمد (٢/ ١٣٢) (٦١٦٠)، وابن حبان (٢/ ٣٩٤) (٦٢٨)، والحاكم (٤/ ٢٨٦). من حديث ابن عمر ﵄. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير في «تفسير القرآن» (٢/ ٢٠٧): مرسل حسن، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٤٤٩) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٩١).\n(٤) انظر: «أضواء البيان» (١/ ٣٤٣).\n(٥) انظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٢٤٣).\n(٦) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٦/ ٢٩).","vol":"4","page":128},{"text":"أما ما ثبت «أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ - وعنده أبو جهل - فقال: أي عم، قل: لا إله إلا الله كلمةً أحاجُّ لك بها عند الله» (١) الحديث، فقد قال ابن حجر: بأنه ﷺ لقن عمه الشهادة قبل أن يدخل في الغرغرة، وقول الرسول ﷺ: أحاج لك بها عند الله كأنه ﵊ فهم من امتناع أبي طالب من الشهادة في تلك الحالة أنه ظن أن ذلك لا ينفعه؛ لوقوعه عند الموت؛ أو لكونه لم يتمكن من سائر الأعمال الصالحة كالصلاة وغيرها، فلذلك ذكر له المحاججة، وأما لفظ (الشهادة) فيحتمل أنه يكون ظن أن ذلك لا ينفعه إذ لم يحضر حينئذ أحد من المؤمنين مع النبي ﷺ فطيب قلبه بأن يشهد له بها فينفعه، وهذا يدل على أن التوبة مقبولة ولو في شدة مرض الموت حتى يصل إلى المعاينة فلا يقبل، كما يدل هذا الحديث على أن الكافر إذا شهد شهادة الحق قبل المعاينة وتحقق الموت نجا من العذاب؛ لأن الإسلام يجب ما قبله (٢).\nونقل ابن حجر عن الكرماني قوله بأن عرض الرسول ﷺ الشهادة على عمه كان عند حضور علامات الوفاة، وإلا فلو كان انتهى إلى المعاينة لم ينفعه الإيمان لو آمن، ويدل على الأول ما وقع من المراجعة بينه وبينهم، ثم قال ابن حجر: (ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجا النبي ﷺ أنه إذا أقر بالتوحيد، ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه بخصوصه، وتسوغ شفاعته ﷺ لمكانه منه، ولهذا قال: أجادل لك بها وأشفع لك ...، ويؤيد الخصوصية أنه بعد أن امتنع من الإقرار بالتوحيد، وقال هو على ملة عبد المطلب ومات على ذلك أن النبي ﷺ لم يترك الشفاعة له، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقه) (٣)، يشير في هذا إلى ما ثبت أن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال للنبي ﷺ: «ما أغنيت عن عمّك؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك. قال ﷺ: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (٤).\nوقال ابن بطال ت٤٤٩هـ: (فإن قال قائل: فأي محاجة يحتاج إليها من وافى ربه بما يدخله به الجنة؟ فالجواب: أنه يحتمل وجوهًا من التأويل:\nأحدها: أن يكون ظن ﵇ أن عمه اعتقد أن من آمن في مثل حاله لا ينفعه إيمانه؛ إذ لم يقارنه عمل سواه من صلاة وصيام وزكاة وحج وشرائط الإسلام كلها، فأعلمه ﵇ أن من قال: لا إله إلا الله عند موته أنه يدخل في جملة المؤمنين، وإن تعرى من عمل سواها.\nويحتمل وجهًا آخر: وهو أن يكون أبو طالب قد عاين أمر الآخرة، وأيقن بالموت، وصار في حالة من لا ينتفع بالإيمان لو آمن، وهو الوقت الذي قال فيه: هو على ملة عبد المطلب، عند خروج نفسه، فرجا له ﵇ إن قال: لا إله إلا الله، وأيقن بنبوته أن يشفع له بذلك، ويحاج له عند الله في أن يتجاوز عنه، ويتقبل منه إيمانه في تلك الحال، ويكون ذلك خاصًا لأبي طالب وحده؛ لمكانه من الحماية والمدافعة عن النبي ﵇ ...\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٨٨٤). من حديث المسيب بن حزن ﵁.\n(٢) انظر: «فتح الباري» (٧/ ١٩٥، ١٩٦).\n(٣) «فتح الباري» (٨/ ٥٠٦، ٥٠٧).\n(٤) رواه البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩).","vol":"4","page":129},{"text":"ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن أبا طالب كان ممن عاين براهين النبي ﵇ وصدق معجزاته، ولم يشك في صحة نبوته، وإن كان ممن حملته الأنفة وحمية الجاهلية على تكذيب النبي ﷺ ...، فاستحق أبو طالب ونظراؤه على ذلك من عظيم الوزر وكبير الإثم أن باؤوا بإثمهم على تكذيب النبي ﵇، فرجا له ﵇ المحاجة بكلمة الإخلاص عند الله، حتى يسقط عنه إثم العناد والتكذيب لما قد تبين حقيقته وإثم من اقتدى به في ذلك، وإن كان الإسلام يهدم ما قبله لكن آنسه بقوله: «أحاج لك بها عند الله» لئلا يتردد في الإيمان، ولا يتوقف عليه؛ لتماديه على خلاف ما تبين حقيقته، وتورطه في أنه كان مضلًا لغيره.\nوقيل: إن قوله: «أحاج لك بها عند الله) كقوله: «أشهد لك بها عند الله» (١)، لأن الشهادة المرجحة له في طلب حقه؛ ولذلك ذكر البخاري هذا الحديث في هذا الباب بلفظ (الشهادة» (٢) لأنه أقرب للتأويل، وذكر قوله «أحاج لك بها عند الله» في قصة أبي طالب في كتاب مبعث النبي ﵇، لاحتمالها التأويل) (٣).\nونص بعض أهل العلم على أن الخبر الذي فيه حضور أبي طالب الوفاة مطابق لقوله تعالى: حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: ١٨]، وبالتالي فإن الأوضح أن يقال بأن ذلك خاص بالنبي ﷺ مع أبي طالب، واستدل من قال بهذا القول بأمرين:\nالأول: أن الرسول ﷺ قال: «كلمة أحاج لك بها عند الله»، ولم يجزم بنفعها له، ولم يقل: تخرجك من النار.\nالثاني: أنه سبحانه أذن للنبي ﷺ بالشفاعة لعمه مع كفره، وهذا لا يستقيم إلا له، والشفاعة له ليخفف عنه العذاب (٤).\nهذه أقوال بعض أهل العلم في قصة أبي طالب، ولعل الأقرب أن تكون خاصة به، وعلى كل الأحوال فإن مما لا خلاف فيه أن الذين يعملون السيئات من أهل الإصرار على المعاصي حتى إذا حضر أحدهم الموت، وحشرج بنفسه، وعاين الملائكة قد أقبلوا عليه لقبض روحه، وقد غلب على نفسه، وحيل بينه وبين فهمه بشغله بكرب حشرجته وغرغرته قال: إِنِّي تُبْتُ الآنَ فليس لهذا عند الله ﵎ توبة؛ لأنه قال ما قال في غير حال توبة (٥).\nفإن قيل: هل تصح توبة من حكم عليه بالقتل، أو حضر في مكان يحترق أو كان في طائرة حدث فيها خلل وبدأت تهوي إلى الأرض، ونحو هذه الحالات.\nفإنه يقال: نعم تصح توبة هؤلاء؛ لأنهم ربما ينجون من الموت، فمن هوت به الطائرة، أو كان في بيت يحترق، فربما ينجو، وكذلك من حكم عليه بالقتل فربما يرفع القتل عنه (٦). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ١٠٨\n_________\n(١) جزء من حديث رواه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤). من حديث المسيب بن حزن ﵁.\n(٢) أي: في باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله، من كتاب الجنائز.\n(٣) «شرح صحيح البخاري» (٣/ ٣٤٤ - ٣٤٦).\n(٤) انظر: «القول المفيد على كتاب التوحيد» (١/ ٣٥٤).\n(٥) انظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٢٠٥، ٢٠٦).\n(٦) انظر: «فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين» (٢/ ٩٩٠).","vol":"4","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1092>المبحث الثالث: فرح المؤمن بلقاء ربه</span>\nإذا جاءت ملائكة الرحمن العبد المؤمن بالبشرى من الله ظهر عليه الفرح والسرور، أما الكافر والفاجر فإنه يظهر عليه الضيق والحزن والتعب، ومن ثم فإن العبد المؤمن في حال الاحتضار يشتاق إلى لقاء الله، والعبد الكافر أو الفاجر يكره لقاء الله تعالى، فقد روى أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضِر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه» (١) ولذلك فإن العبد الصالح يطالب حامليه بالإسراع به إلى القبر شوقًا منه إلى النعيم، بينما العبد الطالح ينادي بالويل من المصير الذاهب إليه، ففي صحيح البخاري وسنن النسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق» (٢).\nولكن هذا ليس لازمًا لكل أحد كما يقول ابن تيمية، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته، ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام، وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا (٣)، وقد ذكر الشيخ ابن تيمية أن الشيطان أحرص ما يكون على إغواء الإنسان وقت موته، لأنه وقت الحاجة، واستدل بالحديث الذي في الصحيح: «الأعمال بخواتيمها» (٤)، وقال ﷺ: «إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها» (٥)، ولهذا روي: «أن الشيطان أشد ما يكون على ابن آدم حين الموت، يقول لأعوانه: دونكم هذا فإنه إن فاتكم لن تظفروا به أبدًا» (٦). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص: ٢٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٠٧).\n(٢) رواه البخاري (١٣١٦)، والنسائي (٤/ ٤١).\n(٣) الحديث رواه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨).\n(٤) رواه البخاري (٦٤٩٣). من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٦) ذكره ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٥٦). ولم أقف عليه.","vol":"4","page":131},{"text":"وقد جاء صريحًا في كتاب الله تعالى أن الملائكة تتنْزل على المؤمنين بعدم الخوف والحزن، والبشرى بالجنة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نزلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصّلت: ٣٠ - ٣٢]، أي إن الذين أخلصوا العمل لله، وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم تتنّزل عليهم الملائكة عند الموت والاحتضار قائلين لهم أَلا تَخَافُوا مما تقدمون عليه من عمل الآخرة وَلا تَحْزَنُوا على ما خلفتموه من أمر الدنيا من ولد وأهل ومال أو دين؛ فإنا نخلفكم فيه وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير، ذكر هذا ابن كثير ثم روى عن زيد بن أسلم قوله: بأن البشرى تكون عند الموت وفي القبر وحين البعث (١). ثم علّق ابن كثير على رأي زيد بقوله: (وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدًا، وهو الواقع) (٢).\nوقوله تعالى نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ (أي تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار نحن كنا أولياءكم: أي قرناؤكم في الحياة الدنيا نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم) (٣).\nوذكر الطبري في تفسيره أن تنَزل الملائكة عليهم، في الآية، معناه أن الملائكة تتهبط عليهم عند نزول الموت بهم قائلة لهم: لا تخافوا ما تقدمون عليه من بعد مماتكم، ولا تحزنوا على ما تخلفونه وراءكم (٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد ذكروا أن هذا التنَزل عند الموت) (٥).\nوقال الله تعالى ﷾ في بشارة المؤمنين: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس: ٦٢ - ٦٤].\nفالله جل وعلا يخبر في هذه الآيات عن أوليائه بأنه لا خوف عليهم فيما يستقبلونه أمامهم من الأهوال والمخاوف؛ ولا هم يحزنون على ما أسلفوا؛ لأنهم لم يسلفوا إلا الأعمال الصالحة؛ لذلك كانت لهم البشارة، في الدنيا بالثناء الحسن والمودة في قلوب المؤمنين، والرؤيا الصالحة، ولطف الله بهم وتيسيرهم لأحسن الأعمال والأخلاق، وصرفهم عن مساوئها، ولهم البشارة في الآخرة، وأولها البشارة عند قبض أرواحهم، وفي القبر، ثم دخول جنات النعيم، والنجاة من العذاب الأليم (٦).\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ٣٣٧٦) عن زيد بن أسلم، ﵁، يا أيتها النفس المطمئنة قال: بشرت بالجنة عند الموت، وعند البعث، ويوم الجمع.\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٠٠ - ١٠١).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٠١).\n(٤) انظر: «تفسير الطبري» (٢٤/ ٧٤).\n(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٦٨).\n(٦) انظر: «تفسير السعدي» (ص: ٣٢٤)، و«تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٠٥).","vol":"4","page":132},{"text":"قال الطبري: (إن الله تعالى ذكره أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ومنها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله ...، ومنها بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من الثواب الجزيل ...، وكل هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها، ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمه جل ثناؤه أن لهم البشرى في الحياة الدنيا، وأما في الآخرة فالجنة، وأما قوله: لا تبديل لكلمات الله؛ فإن معناه أن الله لا خلف لوعده، ولا تغيير لقوله عما قال، ولكنه يمضي لخلقه مواعيده، وينجزها لهم) (١).\nوقال ابن تيمية: (وقد فَسّر النبي ﷺ البشرى في الدنيا بنوعين:\nأحدهما: ثناء المثنين عليه.\nالثاني: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له، فقيل: «يا رسول الله الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن» (٢)، وقال البراء بن عازب: «سئل النبي ﷺ عن قوله: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فقال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له» (٣) (٤).\nوأخبر الله ﷾ عن حال المؤمنين عند الاحتضار أنهم طيبون، أي مخلصون من الشرك والدنس، وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم، وتبشرهم بالجنة، حيث قال تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٣٢].\nقال الشنقيطي ت١٣٩٣هـ: (ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين الذين كانوا يمتثلون أوامر ربهم، ويجتنبون نواهيه، تتوفاهم الملائكة: أي يقبضون أرواحهم في حال كونهم طيبين: أي طاهرين من الشرك والمعاصي - على أصح التفسيرات - ويبشرونهم بالجنة، ويسلّمون عليهم ...، والبشارة عند الموت وعند الجنة من باب واحد؛ لأنها بشارة بالخير بعد الانتقال إلى الآخرة، ويفهم من صفات هؤلاء الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، ويقولون لهم سلام عليكم ادخلوا الجنة: أن الذين لم يتصفوا بالتقوى لم تتوفهم الملائكة على تلك الحال الكريمة، ولم تسلّم عليهم، ولم تبشرهم» (٥).\nوقال تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧]\nففي هذه الآية يخبر الله ﷾ أنه يثبت المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا عند ورود الشبهات والشهوات، بالهداية إلى اليقين وتقديم ما يحبه الله على هوى النفس ومرادها، وفي الآخرة عند الموت بالثبات على التوحيد، وفي القبر عند سؤال الملكين للجواب الصحيح، ويضل الله الظالمين عن الصواب في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١١/ ٩٦).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٤٢). من حديث أبي ذر الغفاري ﵁.\n(٣) رواه الترمذي (٢٢٧٥)، وابن ماجه (٣١٦٠)، وأحمد (٥/ ٣١٥) (٢٢٧٤٠)، والحاكم (٢/ ٣٧٠). من حديث عبادة بن الصامت ﵁. قال الترمذي: حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في «الكافي الشاف» (١٤٤): رجاله ثقات إلا أنه معلول فإن أبا سلمة لم يسمع من عبادة، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١/ ٨)، و(١٤/ ٢٠٠).\n(٥) «أضواء البيان» (٣/ ٢٦٦).","vol":"4","page":133},{"text":"قال البغوي ت٥١٦هـ: (قوله تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ: كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يعني قبل الموت وَفِي الآخِرَةِ يعني في القبر، هذا قول أكثر المفسرين، وقيل: في الحياة الدنيا عند السؤال في القبر، وفي الآخرة عند البعث، والأول أصح) (١).\nوروى النسائي ت٣٠٣هـ بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا حُضِر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضيًا عنك، إلى روح الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا، حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض!، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدُّ فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهب به إلى أمه الهاوية.\nوإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله ﷿؛ فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح! حتى يأتون به أرواح الكفار» (٢).\nوفي سنن ابن ماجه ت ٢٧٥هـ عن أبي هريرة ﵁، عن النّبي ﷺ قال: «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيّب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿.\nوإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فلا يفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك أبواب السماء فيرسل بها من السماء، ثم تصير إلى القبر» (٣) ...\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المؤمن ينْزل به الموت، ويعاين ما يعاين، فودّ لو خرجت - يعني نفسه - والله يحب لقاءه. فإذا كان عدوًا لله نزل به الموت وعاين ما عاين؛ فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبدًا، والله يبغض لقاءه ...» (٤). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - بتصرف - ص ٩٨\n_________\n(١) «تفسير البغوي» (٣/ ٣٣).\n(٢) رواه النسائي (٤/ ٨)، وابن حبان (٧/ ٢٨٤) (٣٠١٤)، والحاكم (١/ ٥٠٤). وقال: سنده صحيح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢١٢): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٣) رواه ابن ماجه (٣٤٥٦)، وأحمد (٢/ ٣٦٤) (٨٧٥٤)، والطبري في «مسند عمر» (٢/ ٥٠٣). وقال: إسناده صحيح، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٣٣٣): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال الذهبي في «العرش» (٢٩): صحيح على شرط الشيخين.\n(٤) رواه البزار (١/ ٤١٣)، والطبري في «مسند عمر» (٢/ ٥٠٢). وقال: إسناده صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٥): رجاله ثقات خلا سعيد بن بحر القراطيسي فإني لم أعرفه، وقال السيوطي في «شرح الصدور» (١٣٤): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٦٢٨).","vol":"4","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1093>المبحث الرابع: تخيير الأنبياء عند الموت</span>\nروى البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من نبي يمرض إلا خيّر بين الدنيا والآخرة. وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بُحّة شديدة فسمعته يقول: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩]، فعلمت أنه خُيّر» (١).\nوعنها ﵂ قالت: «كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخيّر بين الدنيا والآخرة، فسمعت النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بُحّة، يقول: مع الذين أنعم الله عليهم الآية، فظننت أنه خيّر» (٢).\nوفي رواية عنها قالت: «لما مرض النبي ﷺ المرض الذي مات فيه جعل يقول: في الرفيق الأعلى» (٣).\nوفي رواية أخرى قالت: «كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُحيّا، أو يُخيّر فلما اشتكى وحضره القبض - ورأسه على فخذ عائشة - غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت، ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى. فقلت: إذًا لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدّثنا وهو صحيح» (٤).\nفمعنى قوله ﷺ «ما من نبي يمرض إلا خُيّر بين الدنيا والآخرة»: أي خيره الله تعالى بين الإقامة في الدنيا والموت؛ لتكون وفادته على الله وفادة محب مخلص مبادر، ولتقاصُر المؤمن عن يقين النبي ﷺ تولى الله الخيرة في لقائه؛ لأنه وليه، ألا ترى إلى خبر «ما ترددت في شيء ترددي في قبض روح عبدي المؤمن» (٥)، ففي ضمن ذلك اختيار الله للمؤمن لقاءه؛ لأنه وليه، يختار له فيما لا يصل إليه إدراكه ...) (٦).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله. قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد خيّر، فكان رسول الله ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ﷺ: إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر» (٧).\nقال ابن حجر: (فهم عائشة من قوله ﷺ: «في الرفيق الأعلى» أنه خيّر، نظير فهم أبيها ﵁ من قوله ﷺ «إن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده» (٨) أن العبد المراد هو النبي ﷺ حتى بكى) (٩).\nوقال بدر الدين العيني ت٨٥٥هـ: «قول (خُيّر) على صيغة المجهول: أي خيّر بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ﷺ» (١٠).\nهذه الأحاديث الصحيحة تدل على أنه ما من نبي يمرض إلا خُيّر بين البقاء في الحياة الدنيا والموت.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٥٨٦).\n(٢) رواه البخاري (٤٤٣٥).\n(٣) رواه البخاري (٤٤٣٦).\n(٤) رواه البخاري (٤٤٣٧).\n(٥) رواه البخاري (٦٥٠٢). من حديث أبي هريرة ﵁. بلفظ: «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن».\n(٦) «فيض القدير» (٥/ ٥٠١).\n(٧) رواه البخاري (٣٦٥٤).\n(٨) رواه البخاري (٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٢). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٩) «فتح الباري» (٧/ ١٣).\n(١٠) «عمدة القاري» (١٨/ ١٧٨).","vol":"4","page":135},{"text":"وقد ثبت أن ملك الموت ﵇ جاء إلى موسى ﵇ فخيره بين الموت والحياة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «جاء ملك الموت إلى موسى، فقال له أجب ربك، قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله ﷿، فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فردّ إليه عينه، قال: ارجع إلى عبدي فقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعرةٍ فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، قال: ربّ أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله ﷺ: لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر» (١).\nهذا الحديث ثابت، وقد أنكره بعض المبتدعة قائلين: إن كان موسى ﵇ عرفه فقد استخف به، وإن كان لم يعرفه فلماذا لم تقتص له من فقء عينه؟\nقال بعض أهل العلم: إن الله لم يبعث ملك الموت لموسى، وهو يريد قبض روحه حينئذٍ، وإنّما بعثه إليه اختبارًا، فلطمه موسى ﵇ لأنه رأى آدميًا داخل داره بغير إذنه، ولم يعلم أنه ملك الموت، فقد جاء في رواية «كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا فأتى موسى فلطمه ...» (٢)، وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة البشر فلم يعرفاهم ابتداء، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذنه، كما جاء في الحديث: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم حل لهم أن يفقؤوا عينه» (٣)، وعلى فرض أنه عرفه فلا دليل على مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر، ولا دليل على أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم يقتص له، ثم رد الله عين ملك الموت ليعلم موسى أنه جاءه من عند الله فلهذا استسلم حينئذ (٤).\nونقل النووي أنه لا يمتنع أن يأذن الله لموسى في هذه اللطمة امتحانًا للملطوم (٥).\nوقال ابن حجر: (وقال غيره -أي غير النووي-: إنما لطمه؛ لأنه جاء لقبض روحه من قبل أن يخيره، لما ثبت أنه لم يقبض نبي حتى يخير، فلهذا لما خيره في المرة الثانية أذعن، قيل: وهذا أولى الأقوال بالصواب، وفيه نظر؛ لأنه يعود أصل السؤال، فيقال: لم أقدم ملك الموت على قبض نبي الله وأخل بالشرط؟ فيعود الجواب أن ذلك وقع امتحانًا، وزعم بعضهم أن معنى قوله (فقأ عينه) أي أبطل حجته، وهو مردود بقوله في نفس الحديث (فرد الله عينه)، وبقوله (لطمه وصكّه) وغير ذلك من قرائن السياق ...، ورد الله إلى ملك الموت عينه البشرية؛ ليرجع إلى موسى على كمال الصورة، فيكون ذلك أقوى في اعتباره) (٦).\nوكذا ذكر المناوي ت١٠٣١هـ أن موسى ﵇ لطم موسى ﵊ لما جاءه؛ لكونه لم يخير قبل ذلك (٧). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ١٤٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤٠٧)، ومسلم (٢٣٧٢).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٥٣٣) (١٠٩١٧)، والحاكم (٢/ ٦٣٢). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٠٧): رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح. والحديث أصله في الصحيحين.\n(٣) رواه مسلم (٢١٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) انظر: «شرح السنة» (٥/ ٢٦٦، ٢٦٧)، و«شرح صحيح مسلم» للنووي (١٥/ ١٢٩)، و«فتح الباري» (٦/ ٤٤٢)، و«البداية والنهاية» (١/ ٢٩٦).\n(٥) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٥/ ١٢٩).\n(٦) «فتح الباري» (٦/ ٤٤٢، ٤٤٣).\n(٧) انظر: «فيض القدير» (٥/ ٥٠١).","vol":"4","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1094>المبحث الخامس: حال الكفار عند الموت</span>\nأخبر الله ﷾ في كتابه الكريم عن حال توفي الملائكة الكفارَ، وذلك بأن الملائكة يضربون وجوه الكفار وأدبارهم، ويبشرونهم بعذاب الحريق، قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال: ٥٠، ٥١].\nقال ابن كثير: (يقول تعالى ولو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمرًا عظيمًا هائلًا فظيعًا منكرًا؛ إذ يضربون وجوههم وأدبارهم، ويقولون: لهم: ذوقوا عذاب الحريق) (١).\nوقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٢٧، ٢٨]، أي كيف حال الكفار إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعاصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة وهم باسطوا أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم، يقولون لهم أخرجوا أنفسكم (٢).\nوالخبر الوارد في سورة الأنفال نزل في وصف وفاة الكفار يوم بدر إلا أنه وصف عام لوفاة الكفار في كل وقت، قال ابن كثير في تفسيره للآية السابقة: (وهذا السياق وإن كان سببه وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر؛ ولهذا لم يخصصه الله تعالى بأهل بدر، بل قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال: ٥٠ - ٥١]. وفي سورة القتال (محمد) مثلها، ... وفي سورة الأنعام قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الأنعام: ٩٣]، أي باسطوا أيديهم بالضرب فيهم بأمر ربهم؛ إذ استصعبت أنفسهم وامتنعت من الخروج من الأجساد أن تخرج قهرًا، وذلك إذا بشروهم بالعذاب والغضب من الله، كما في حديث البراء أن ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة المنكرة يقول: اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سموم وحميم وظل من يحموم، فتفرق في بدنه، فيستخرجونها من جسده كما يخرج السفود من الصوف المبلول، فتخرج معها العروق والعصب؛ ولهذا أخبر تعالى أن الملائكة تقول لهم ذوقوا عذاب الحريق) (٣).\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٠٥).\n(٢) انظر: «تفسير الطبرى» (٧/ ١٨٢)، و«تفسير ابن كثير» (٤/ ١٨٢).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٠٥).","vol":"4","page":137},{"text":"ويشهد له قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأعراف: ٣٧]، ففي هذه الآية يخبر ﷾ أن الملائكة إذا توفت المشركين تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم ويقولون لهم: أين الذين كنتم تشركون بهم في الدنيا وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله ادعوهم يخلصونكم مما أنتم فيه الآن من الفزع والموت الواقع بكم، قالوا: ذهبوا عنا فلا نرجو نفعهم ولا ضرهم، وأقروا واعترفوا على أنفسهم بالكفر والضلال (١).\nوكذلك قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [النحل: ٢٨، ٢٩].\nفالله ﷾ يخبر في هذه الآية أن المشركين الظالمين لأنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة يظهرون السمع والطاعة قائلين مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ فقال الله مكذبًا لهم بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أي بئس المقيل والمقام من دار هوان لمن كان متكبرًا عن آيات الله واتباع رسله، وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، وينال أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها؛ فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم وخلدت في نار جهنم (٢).\nفقوله تعالى فَأَلْقَوُا السَّلَمَ أي: الاستسلام والخضوع، والمعنى أنهم أظهروا الطاعة والانقياد، وتركوا ما كانوا عليه من الشقاق، فالمشركون في الدنيا يشاقون الرسل ويخالفونهم ويعادونهم؛ فإذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم وخضعوا وانقادوا، وذلك عندما يعاينون الموت أو يوم القيامة، ولكن لا ينفعهم ذلك؛ لأن الانقياد عند معاينة الموت لا ينفع (٣).\nوقد توعد الله تعالى في كتابه العزيز من تركوا الهجرة مع قدرتهم عليها حتى ماتوا بأن الملائكة الذين يقبضون أرواحهم يوبخونهم توبيخًا عظيمًا، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا [النساء: ٩٧، ٩٨].\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» (٨/ ١٢٧)، و«تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٣).\n(٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٤٨).\n(٣) انظر: «أضواء البيان» (٣/ ٢٥٩، ٢٦٠).","vol":"4","page":138},{"text":"قال الطبري في تفسير هذه الآية: (إن الذين تقبض أرواحهم الملائكة ظالمي أنفسهم، يعني مكسبي أنفسهم غضب الله وسخطه ...، قالت الملائكة لهم فِيمَ كُنْتُمْ في أي شيء كنتم من دينكم، قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ يعني قال الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: كنا مستضعفين في الأرض، يستضعفنا أهل الشرك بالله، في أرضنا وبلادنا ... معذرة ضعيفة وحجة واهية، قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا يقول: فتخرجوا من أرضكم ودوركم، وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله ﷺ ..، وذُكر أن هاتين الآيتين والتي بعدهما نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد أسلموا وآمنوا بالله وبرسوله، وتخلفوا عن الهجرة مع رسول الله ﷺ حين هاجر، وعُرض بعضهم على الفتنة فافتتن، وشهد مع المشركين حرب المسلمين، فأبى الله قبول معذرتهم، التي اعتذروا بها، التي بينها في قوله، خبرًا عنهم: قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ ...) (١).\nوقال السعدي: (قوله فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ... فيه ذكر بيان السبب الموجب، فقد يترتب عليه مقتضاه، مع اجتماع شروطه، وانتفاء موانعه، وقد يمنع من ذلك مانع، وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من أكبر الكبائر) (٢). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ٩١\nوقد جاء صريحًا في كتاب الله تعالى أن الملائكة تبشر الكافر بالعذاب، قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزلُ مِثْلَ مَا أَنزلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: ٩٣]. أي: أن الملائكة يبسطون أيديهم بالضرب والعذاب للملائكة حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم؛ ولهذا يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم؛ وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم فتتفرق روحه في جسده وتعصى وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أي اليوم تهانون غاية الإهانة بسبب تكذيبكم على الله واستكباركم على اتباع آياته والانقياد لرسله (٣).\nيقول الطبري في تفسير هذه الآية: (وهذا خبر من الله جل ثناؤه، عما تقول رسل الله التي تقبض أرواح هؤلاء الكفار لها، يخبر عنها أنها تقول لأجسامها ولأصحابها أخرجوا أنفسكم إلى سخط الله ولعنته؛ فإنكم اليوم تثابون على كفركم بالله، وقيلكم عليه الباطل وزعمكم أن الله أوحى إليكم ولم يوح إليكم شيئًا، وإنذاركم أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا، واستكباركم عن الخضوع لأمر الله وأمر رسوله والانقياد لطاعته، عذاب الهون وهو عذاب جهنم الذي يهينهم فيذلهم حتى يعرفوا صغار أنفسهم وذلتها) (٤).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٥/ ١٤٧، ١٤٨)، وانظر: «تفسير البغوي» (١/ ٤٦٩).\n(٢) «أضواء البيان» (ص: ١٥٩، ١٦٠).\n(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٤٩).\n(٤) «تفسير الطبري» (٧/ ١٨٣).","vol":"4","page":139},{"text":"ويقول ابن القيم: (فقول الملائكة: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ المراد به عذاب البرزخ، الذي أوله يوم القبض والموت) (١).\nوأخبر ﷾ عن حالهم حين الاحتضار، في سورة أخرى، بقوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال: ٥٠ - ٥١] فالله جل وعلا يخاطب نبينا محمدًا ﷺ قائلًا له: (ولو تعاين يا محمد حين يتوفى الملائكة أرواح الكفار فتنْزعها من أجسادهم، تضرب الوجوه منهم والأستاه، ويقولون لهم ذوقوا عذاب النار التي تحرقكم يوم ورودكم جهنم ..، ذوقوا عذاب الله الذي يحرقكم، هذا العذاب لكم بما قدمت أيديكم، أي بما كسبت أيديكم من الآثام والأوزار، واجترحتم من معاصي الله أيام حياتكم، فذوقوا اليوم العذاب، وفي معادكم عذاب الحريق) (٢).\nيقول ابن القيم: (فهذه الإذاقة هي في البرزخ وأولها حين الوفاة؛ فإنه معطوف على قوله يضربون وجوههم وأدبارهم وهو من القول المحذوف مقولة لدلالة الكلام عليه كنظائره، وكلاهما واقع وقت الوفاة) (٣).\nوالأدلة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ على بشارة الملائكة الكفار بالعذاب، وحزنهم بذلك كثيرة ... أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ١٠٦\n_________\n(١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٧٢).\n(٢) «تفسير الطبري» (١٠/ ١٦، ١٧).\n(٣) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٧٢).","vol":"4","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1095>المبحث السادس: حال الروح بعد فراق البدن</span>\nعن أبي هريرة عند مسلم قال: «إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان – يُصعدانها. قال حماد: فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك قال: ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه ﷿، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل \". قال: \" وإنّ الكافر إذا خرجت روحه – قال حماد: وذكر من نتنها، وذكر لعنًا – ويقول أهل السماء: روح خبيثة من قبل الأرض، قال: فيقال: انطلقوا به آخر الأجل» (١).\nوقد ذكر الرسول ﷺ في حديث البراء التكريم الذي يكون لروح العبد الصالح بعد خروجها من جسده، حيث تصلي ملائكة الله على تلك الروح الطيبة، وتفتح له أبواب السماء، وتجعل في كفن من الجنة وحنوط من الجنة، وتخرج منها روائح طيبة عطرة تفوق رائحة المسك، ثم تأخذها الملائكة في رحلة علوية كريمة، وتفتح لها أبواب السماء، أما الروح الخبيثة، فتلعنها ملائكة السماء عند خروجها، وتغلق أبواب السماء دونها، ويدعو كل فريق من ملائكة الرحمن على باب ألا تعرج من قبلهم وتجعل تلك الروح الخبيثة في حنوط من النار وكفن من النار، وتفوح منها الروائح الخبيثة التي تؤذي ملائكة الرحمن. ويعرج بها إلى السماء فلا تفتح لها أبواب السماء، فتلقى روحه من شاهق، ففي حديث البراء بن عازب الذي يصف الرسول ﷺ فيه رحلة الإنسان من الموت إلى البرزخ قال: «حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج من قبلهم، فإذا أخذها (يعني ملك الموت) لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، فذلك قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١]، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض.\nقال: فيصعدون بها، فلا يمرون – يعني – بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان – بأحسن أسمائه التي كان يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ - كِتَابٌ مَّرْقُومٌ - يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ١٩ - ٢١]، فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. .». وتحدث الرسول ﷺ عن الروح الخبيثة التي نزعت من العبد الكافر أو الفاجر، فقال عنها بعد نزعها: فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن لا تعرج روحه من قبلهم، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ: لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف: ٤٠].\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٧٢).","vol":"4","page":141},{"text":"فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى ثم يقول: أعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتطرح روحه من السماء، طرحًا (حتى تقع في جسده)، ثم قرأ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج: ٣١]، فتعاد روحه إلى جسده» (١).\nوروى ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا، قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، وربّ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقول: فلان، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﵎ فإذا كان الرجل السُّوءُ: قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لَكِ أبواب السماء، فيرسل بها من السماء، ثم تصير إلى القبر. ..» (٢). القيامةالصغرى لعمر الأشقر - ص ٣٧\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): هو في (الصحيح) وغيره باختصار رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه ابن ماجه (٣٤٥٦)، وأحمد (٢/ ٣٦٤) (٨٧٥٤)، والطبري في «مسند عمر» (٢/ ٥٠٣). وقال: إسناده صحيح، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٣٣٣): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال الذهبي في «العرش» (٢٩): صحيح على شرط الشيخين.","vol":"4","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1097>المبحث الأول: هول القبر وفظاعته</span>\nروى هانئ مولى عثمان بن عفان، قال: «كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى، حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: إنَّ القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه، قال: وقال رسول الله ﷺ: ما رأيت منظرًا قط إلا القبر أفظع منه» أخرجه الترمذي (١)، ولما كان ما بعد القبر أيسر منه لمن نجا فإن العبد المؤمن إذا رأى في قبره ما أعد الله له من نعيم يقول: «رب عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي» (٢) والعبد الكافر الفاجر إذا رأى ما أعد الله له من العذاب الشديد فإنه يقول على الرغم مما هو فيه من عذاب: «رب لا تقم الساعة» (٣)، لأن الآتي أشدُّ وأفظع. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤١\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٣٠٨)، وابن ماجه (٣٤٦١)، وأحمد (١/ ٦٣) (٤٥٤)، والحاكم (٤/ ٣٦٦). قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ١٩٢).\n(٢) جزء من حديث رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٩٥) (١٨٦٣٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): هو في (الصحيح) وغيره باختصار رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٣) جزء من حديث رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٩٥) (١٨٦٣٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): هو في (الصحيح) وغيره باختصار رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"4","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1098>المبحث الثاني: ظلمة القبر</span>\n«ماتت امرأة كانت تَقُمُّ المسجد في عهد الرسول ﷺ، ففقدها الرسول ﷺ، فأخبروه أنها ماتت من الليل، ودفنوها، وكرهوا إيقاظه، فطلب من أصحابه أن يدلوه على قبرها، فجاء إلى قبرها فصلى عليها، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ﷿ ينورها لهم بصلاتي عليهم» (١). القيامة الصغرى لعمر الأشقر - ص ٤٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٥٨)، ومسلم.","vol":"4","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1099>المبحث الثالث: ضمَّة القبرة</span>\nعندما يوضع الميت في القبر فإنه يضمه ضمة لا ينجو منها أحد كبيرًا كان أو صغيرًا، صالحًا أو طالحًا، فقد جاء في الأحاديث أن القبر ضم سعد بن معاذ، وهو الذي تحرك لموته العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، ففي (سنن النسائي) عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضم ضمة، ثم فرج عنه» (١). وفي (مسند الإمام أحمد) عن ابن عمر أيضًا أن الرسول ﷺ قال: «إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجيًا منها نجا سعد بن معاذ» رواه أحمد في مسنده (٢). وفي (معجمي الطبراني الكبير والأوسط) عن ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ قال: «لو نجا أحد من ضمة القبر، لنجا سعد بن معاذ، ولقد ضمَّ ضمة، ثم رخي عنه» (٣). ومما يدل على أن ضمة القبر لازمة لكل إنسان أن الصبيان لا ينجون منها، ففي (معجم الطبراني الكبير) عن أبي أيوب الأنصاري بإسناد صحيح وهو في (معجمه الأوسط)، وفي (الكامل) لابن عدي عن أنس أن الرسول ﷺ قال: «لو أفلت أحد من ضمة القبر لنجا هذا الصبي» (٤). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤٣\n_________\n(١) رواه النسائي (٤/ ١٠٠)، والطبراني (٦/ ١٠) (٥٣٤٠). قال النووي في «الخلاصة» (٢/ ١٠٤٢): إسناده صحيح، وقال السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ٤٣٦): أصله صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٢) (٦/ ٩٨) (٢٤٧٠٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٥٨) (٣٩٦). من حديث عائشة ﵂ وليس من حديث ابن عمر ﵄. قال الهيثمى (٣/ ٤٦): رواه أحمد عن نافع عن عائشة وعن نافع عن إنسان عن عائشة، وكلا الطريقين رجالها رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢١٨٠).\n(٣) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٠/ ٣٣٤) (١٠٨٤٩)، وفي «المعجم الأوسط» (٦/ ٣٤٩) (٦٥٩٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٤٩): رجاله موثقون، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٣٠٦).\n(٤) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٤/ ١٢١) (٣٨٥٩)، وفي «المعجم الأوسط» (٣/ ١٤٦) (٢٧٥٣)، وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٣٢٢). وقال: [فيه] ثمامة بن عبد الله عن أنس وهو صالح فيما يرويه عنه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): رجاله موثقون، وقال ابن حجر في «المطالب العالية» (٥/ ٩٧): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٣٠٧).","vol":"4","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1101>المطلب الأول: كيف تكون فتنة القبر</span>؟\nإذا وضع العبد في قبره جاءته ملائكة على صورة منكرة، ففي سنن الترمذي «إذا قبر الميت – أو قال: أحدكم – أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان، ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول، هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. . وإن كان منافقًا، قال: سمعت الناس يقولون قولًا، فقلت مثله، لا أدري ...» (١).\nوجاء في الحديث الذي يرويه البراء بن عازب عن الرسول ﷺ: «فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه، ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله ﷿: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم: ٢٧]، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، وقال في العبد الكافر أو الفاجر: ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه، ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد، فيقول: هاه، هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون ذاك، قال: فيقولان: لا دريت ولا تلوت فينادي منادي أن كذب عبدي» (٢).\nوعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، إذا انصرفوا: أتاه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد؟ فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله ..، وأما الكافر أو المنافق، وفي رواية: وأما الكافر والمنافق – فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت، ولا تليت ..» رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي (٣). ولم يكن الرسول ﷺ يعلم في أول الأمر أن هذه الأمة تفتن في قبورها، ثم أوحى الله له بهذا العلم، فقد حدث عروة بن الزبير عن خالته عائشة، قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ، وعندي امرأة من اليهود، وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله ﷺ، وقال: إنما تفتن اليهود. قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ: هل شعرت أنه أوحي إليَّ أنَّكم تفتنون في القبور؟ قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ، بعد: يستعيذ من عذاب القبر» (٤). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤٤\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٠٧١). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال: حسن غريب، وقال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١١٩) رجاله رجال مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١١٥) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٢) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): هو في (الصحيح) وغيره باختصار رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠)، وأبو داود (٢٨٩٧)، والنسائي (٤/ ٩٧).\n(٤) رواه مسلم (٥٨٤).","vol":"4","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1102>المطلب الثاني: هل يفتن الكافر في قبره</span>؟\nدلت الأحاديث ... على أن الكفار يفتنون في قبورهم، وقد خالف في ذلك الحكيم الترمذي وابن عبد البرّ والسيوطي (١)، واحتج الحكيم الترمذي على عدم السؤال بأن الأمم الماضية إن رفضت الاستجابة لرسلها عوجلت بالعذاب، بخلاف هذه الأمة، فقد أمسك عنها العذاب، وبعث الرسول ﷺ بالسيف، فمن دخل في الإسلام مخافة القتل، ثم نافق عذب في قبره، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإن الله لم يهلك مكذبي الأمم بعد نزول التوراة (٢)، واحتج ابن عبد البرّ بقوله ﵇ في الحديث الصحيح: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها» (٣)، ومنهم من يرويه: تسأل، والأحاديث الصحيحة ترد هذا الفهم، وتدل على أن هذا ليس خاصًا بالمؤمنين، وليس خاصًا بهذه الأمة (٤). وقد ذهب إلى أن السؤال عام عبد الحق الإشبيلي، وابن القيم، والقرطبي، والسفاريني وغيرهم (٥). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤٦\n_________\n(١) انظر: «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ١٠).\n(٢) انظر: «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ١٠).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٦٧). من حديث زيد بن ثابت ﵁.\n(٤) «التمهيد» (٢٢/ ٢٥٣).\n(٥) انظر: «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ١٠)، و«التذكرة» للقرطبي (ص: ١٤٧).","vol":"4","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1103>المطلب الثالث: هل يفتن غير المكلفين</span>؟\nالفتنة عامة لجميع المكلفين إلا النبيين فقد اختلف فيهم (١)، وإلا الشهداء والمرابطين ونحوهم.\nممن جاءت النصوص دالة على نجاتهم من الفتنة ... واختلف في غير المكلفين من الصبيان والمجانين، فذهب جمع من العلماء إلى أنهم لا يفتنون، منهم: القاضي أبو يعلى وابن عقيل، ووجهة نظر هؤلاء أن المحنة تكون لمن كلف، أما من رفع عنه القلم فلا يدخل في المحنة، إذ لا معنى لسؤاله عن شيء لم يكلف به.\nوقال آخرون: بل يفتنون. وهذا قول أبي الحكيم الهمداني، وأبي الحسن بن عبدوس، ونقله عن أصحاب الشافعي، وقد روى مالك وغيره عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ صلى على الطفل، فقال: «اللهم قه عذاب القبر وفتنة القبر» (٢) وهذا القول موافق لقول من قال: إنهم يمتحنون في الآخرة، وأنهم مكلفون يوم القيامة، كما هو قول أكثر أهل العلم وأهل السنة من أهل الحديث والكلام، وهو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة واختاره، وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد (٣). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤٧\n_________\n(١) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٥٧).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٥٧ - ٢٧٧).","vol":"4","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1105>المبحث الأول: أحاديث عذاب القبر ونعيمه متواترة</span>\nيقول شارح الطحاوية: (وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، بل إن الشرع قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عودة الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا) (١). وقال في موضع آخر: (واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور، وما ورد من إجلاسه، واختلاف أضلاعه ونحو ذلك، فيجب أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلو ولا تقصير) (٢). وأنكرت الملاحدة ومن تمذهب بمذهب الفلاسفة من الإسلاميين عذاب القبر، وقالوا: ليس له حقيقة، واحتجوا لذلك بأنهم يفتحون القبور فلا يرون شيئًا مما أخبرت به النصوص (٣).\nوأنكره أيضًا الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمرو وبشر المريسي، وخالفهم جميع أهل السنة، وأكثر المعتزلة (٤).\nوهؤلاء كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وقد ظن هؤلاء أن أبصارهم يمكن أن ترى كل شيء، وأن أسماعهم يمكن أن تسمع كل شيء، ونحن اليوم نعلم من أسرار الكون ما كانت أسماعنا وأبصارنا عاجزة عن سماعه ورؤيته، ومن آمن بالله صدَّق خبره.\nوقد وردت إشارات في القرآن تدل على عذاب القبر، وقد ترجم البخاري في كتاب الجنائز لعذاب القبر، فقال: باب ما جاء في عذاب القبر، وساق في الترجمة قوله تعالى: إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأنعام: ٩٣]، وقوله تعالى: سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ [التوبة: ١٠١]. وقوله تعالى: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ - النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٥ - ٤٦].\nوالآية الأولى التي ساقها البخاري إنما هي في تعذيب الملائكة الكفار في حال الاحتضار ...، والآية الثانية تدل على أن هناك عذابين سيصيبان المنافقين قبل عذاب يوم القيامة، العذاب الأول ما يصيبهم الله به في الدنيا إما بعقاب من عنده وإما بأيدي المؤمنين، والعذاب الثاني عذاب القبر، قال الحسن البصري: سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ [التوبة: ١٠١]: (عذاب الدنيا، وعذاب القبر) (٥)، وقال الطبري: (والأغلب أن إحدى المرتين عذاب القبر، والأخرى تحتمل أحد ما تقدم ذكره من الجوع أو السبي أو القتل والإذلال أو غير ذلك) (٦).\n_________\n(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٧٦).\n(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٦٨).\n(٣) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (ص: ١٢٥).\n(٤) انظر: «فتح الباري» (٣/ ٢٣٣).\n(٥) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٤٣).\n(٦) انظر: «تفسير الطبري» (١٤/ ٤٤٢).","vol":"4","page":149},{"text":"والآية الثالثة حجة واضحة لأهل السنة الذين أثبتوا عذاب القبر، فإن الحق ﵎ قرر أن آل فرعون يعرضون على النار غدوًا وعشيًا، وهذا قبل يوم القيامة، لأنه قال بعد ذلك: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦]، قال القرطبي: (الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجة في تثبيت عذاب القبر) (١).\nومن الإشارات القرآنية الواضحة الدالة على فتنة القبر وعذابه قوله ﵎: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧] ففي الحديث الذي يرويه البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إذا أقعد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: ٢٧]، وفي رواية أخرى: وزاد: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ [إبراهيم: ٢٧] نزلت في عذاب القبر» (٢).\nوقد روت لنا السيدة عائشة ﵂: «أن اليهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة الرسول ﷺ عن عذاب القبر، فقال: نعم، عذاب القبر. قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى إلا تعوذ من عذاب القبر» (٣). زاد غندر: «عذاب القبر حق» رواه البخاري (٤). وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂، قالت: «دخلت عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتهما، ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل رسول الله ﷺ، فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا عليَّ، فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: صدقتا، إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم \" قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر» (٥).\nولعظم هذا الأمر وخطورته كان الرسول ﷺ يعلمه لأصحابه، بل وخطب فيهم مرة به، ففي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵂: قالت: «قام رسول الله ﷺ خطيبًا فذكر فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة \" رواه البخاري (٦). والنسائي، وزاد النسائي: «حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ، فلما سكنت ضجتهم، قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله لك، ماذا قال رسول الله ﷺ آخر قوله؟ قال: قد أوحى إلي: أنكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة الدجال» (٧). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤٨\n_________\n(١) انظر: «فتح الباري» (٣/ ٢٣٣).\n(٢) رواه البخاري (١٣٦٩).\n(٣) رواه البخاري (١٣٧٢).\n(٤) رواه البخاري (١٣٧٣).\n(٥) رواه مسلم (٥٨٦). ورواه البخاري (٦٣٦٦).\n(٦) رواه البخاري (١٣٧٣).\n(٧) رواه النسائي (٤/ ١٠٣). وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».","vol":"4","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1106>المبحث الثاني: سماع الرسول ﷺ أصوات المعذبين</span>\nوقد أعطى الله رسوله القدرة على سماع المعذبين في قبورهم، ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: «بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار، على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه» (١).\nوفي صحيح البخاري ومسلم وسنن النسائي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ بعدما غربت الشمس، فسمع صوتًا، فقال: يهود تعذب في قبورها» (٢).\nويدل على سماع الرسول ﷺ للمعذبين في قبورهم الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس، وفيه أن الرسول ﷺ مرّ بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ..» الحديث (٣). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٢\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٦٧).\n(٢) رواه البخاري (١٣٧٥)، ومسلم (٢٨٦٩)، والنسائي (٤/ ١٠٢).\n(٣) رواه البخاري (٦٠٥٥)، ومسلم (٢٩٢).","vol":"4","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1107>المبحث الثالث: سماع غير الرسول ﷺ أصوات المعذبين</span>\nلم يزل بعض الناس يتحدثون عن سماعهم أو رؤيتهم للمعذبين في قبورهم، ومن هؤلاء ثقات أعلام لا مطعن في دينهم وأمانتهم، يقول ابن تيمية في ذلك: (قد يكشف لكثير من أبناء زماننا يقظة ومنامًا، ويعلمون ذلك ويتحققونه، وعندنا من ذلك أمور كثيرة) (١).\nوقال في موضع آخر في معرض رده على المكذبين بعذاب القبر: (وإذا عرف أن النائم يكون نائمًا وتقعد روحه وتقوم وتمشي، وتذهب وتتكلم وتفعل أفعالًا وأمورًا بباطن بدنه مع روحه، ويحصل لبدنه وروحه بها نعيم وعذاب، مع أن جسده مضطجع، وعينيه مغمضة، وفمه مطبق، وأعضاؤه ساكنة، وقد يتحرك لقوة الحركة الداخلة، وقد يقوم ويمشي ويتكلم ويصيح، لقوة الأمر في باطنه، كان هذا مما يعتبر به أمر الميت في قبره، فإن روحه تقعد، وتجلس، وتسأل، وتنعم، وتعذب، وتصيح وذلك متصل ببدنه، مع كونه مضطجعًا في قبره، وقد يقوى ذلك حتى يظهر ذلك في بدنه، وقد يرى خارجًا من قبره، والعذاب عليه، وملائكة العذاب موكلة به، فيتحرك بدنه، ويمشي ويخرج من قبره، وقد سمع غير واحد أصوات المعذبين في قبورهم، وقد شوهد من يخرج من قبره وهو معذب، ومن يقعد بدنه أيضًا إذا قوي الأمر، لكن ليس هذا لازمًا في حق كل ميت، كما أن قعود بدن النائم لما يراه، ليس لازمًا لكل نائم، بل هو بحسب قوة الأمر) (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٣\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٤/ ٣٧٦).\n(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ٥٢٥).","vol":"4","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1108>المبحث الرابع: صفة نعيم القبر وعذابه</span>\nذكر الرسول ﷺ في حديث البراء بن عازب أن الملائكة تسأل العبد المؤمن في قبره فيحسن الإجابة وعند ذاك: «ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره، قال: ويأتيه (وفي رواية: يمثل له) رجل حسن الوجه حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، (أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم) هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: (وأنت فبشرك الله بخير) من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح (فوالله ما علمتك إلا كنت سريعًا في طاعة الله، بطيئًا في معصية الله، فجزاك الله خيرًا)، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة، قال: ربِّ عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، فيقال له: اسكن» (١).\nوذكر صلوات الله عليه وسلامه أن العبد الكافر أو الفاجر بعد أن يسيء الإجابة «ينادي منادٍ في السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه في قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: (وأنت فبشرك الله بالشر)، من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، (فوالله ما علمتك إلا كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إلى معصية الله)، (فجزاك الله شرًا، ثم يقيض الله له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة، لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه حتى يصير بها ترابًا، ثم يعيده كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار)، فيقول: رب لا تقم الساعة» (٢).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٠٠). من حديث البراء بن عازب ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال البيهقي: هذا حديث صحيح الإسناد. وحسنه المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٨٠)، وابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١١٦) كما أشار لذلك في مقدمته، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٩٥) (١٨٦٣٧). من حديث البراء بن عازب ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): هو في (الصحيح) وغيره باختصار رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"4","page":153},{"text":"وفي حديث أنس: أن العبد المؤمن إذا أجاب الإجابة الصادقة في قبره، «يقال له: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، قال النبي ﷺ: فيراهما جميعًا، قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره» وذكر في حديث أنس أن الكافر والمنافق بعد أن يجيب في قبره تلك الإجابة الكاذبة، يقال له: «لا دريت، ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين» أخرجه البخاري ومسلم (١)، ولفظ الحديث للبخاري، ولمسلم: «إن العبد إذا وضع في قبره»، ثم ذكر نحوًا مما تقدم إلى قوله: «وذكر لنا: أنه يفسح فيه سبعين ذراعًا، ويملأ عليه خضرًا إلى يوم تبعثون» (٢)، وفي رواية لأبي داود أن العبد المؤمن بعد أن يسأل ويجيب: «ينطلق به إلى بيت كان له في النار، فيقول له: هذا كان لك، ولكن الله عصمك، فأبدلك به بيتًا في الجنة، فيراه، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن» (٣).\nوهذا الذي أشارت إليه الأحاديث من أنَّ كل إنسان يعرض عليه مقعده بعد أن يسأل في قبره مستمر طيلة بقائه في القبر، وقد صرح بذلك الرسول ﷺ، ففي الحديث الذي يرويه عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (٤).\nوفي سنن الترمذي عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ أخبر أن الملكين يقولان للعبد المؤمن بعد أن يجيب الإجابة السديدة: «قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول، أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وأنهما يقولان للمنافق: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (٥). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٤\nقال الإمام الطحاوي: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم. والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران). قال الشارح: قال تعالى: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:٤٥ - ٤٦]. وقال تعالى: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الطور:٤٥ - ٤٧]،. وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر، لأن كثيرًا منهم مات ولم يعذب في الدنيا، أو المراد أعم من ذلك.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠).\n(٢) رواه مسلم (٢٨٧٠).\n(٣) رواه أبو داود (٤٧٥١). وسكت عنه، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٤) رواه البخاري (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦).\n(٥) رواه الترمذي (١٠٧١). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال: حسن غريب، وقال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١١٩) رجاله رجال مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١١٥) كما قال ذلك في المقدمة.","vol":"4","page":154},{"text":"وعن البراء بن عازب ﵁، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي ﷺ، فقعد وقعدنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير، وهو يلحد له، فقال: «أعوذ بالله من عذاب القبر، ثلاث مرات، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، نزلت إليه الملائكة، كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون بها، يعني على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب، أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ: لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا، ثم قرأ: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم، فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت، فوجهك الوجه","vol":"4","page":155},{"text":"(الذي) يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول رب لا تقم الساعة» (١). وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله شواهد من (الصحيح). فذكر البخاري ﵀ عن سعيد عن قتادة عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد ﷺ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبدالله ورسوله، فيقول له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعا. قال قتادة: وروي لنا أنه يفسح له في قبره» (٢) وذكر الحديث. وفي (الصحيحين) عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة، فشقها نصفين، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» (٣). وفي (صحيح أبي حاتم) عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ: «إذا قبر أحدكم، أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، وللآخر: النكير» (٤) وذكر الحديث إلخ. وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا تتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذا الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول. فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ٢/ ٥٧٢\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): هو في (الصحيح) وغيره باختصار رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠).\n(٣) رواه البخاري (١٣٦١)، ومسلم (٢٩٢).\n(٤) رواه ابن حبان (٧/ ٣٨٦). والحديث رواه الترمذي (١٠٧١). وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١١٥): - كما أشار لذلك في مقدمته - والألباني في «صحيح سنن الترمذي». وقال شعيب الأرناؤوط محقق «صحيح ابن حبان»: إسناده قوي.","vol":"4","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1110>تمهيد</span>\nقال القرطبي: (قال أبو محمد عبد الحق: اعلم أن عذاب القبر ليس مختصًا بالكافرين، ولا موقوفًا على المنافقين، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين، وكل على حاله من عمله، وما استوجبه من خطيئته وزلله) (١)، والأدلة على أن المؤمن قد يعذب في قبره بسبب ذنوبه كثيرة ...\n(الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور على قسمين: مجمل ومفصّل، أمّا المجمل فإنهم يعذبون على جهلهم بالله وإضاعتهم لأمره وارتكابهم معاصيه) (٢). أما المفصل فإن النصوص ذكرت منه الكثير، وسنشير إلى ما اطلعنا على ذكره في الأحاديث القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر – بتصرف - ص ٥٦\n_________\n(١) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (ص: ١٤٦).\n(٢) «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ١٧).","vol":"4","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1111>المطلب الأول: من أسباب عذاب القبر عدم الاستتار من البول، والنميمة</span>\nروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄ قال: «مرّ النبي ﷺ على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، أمّا أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، ثم قال: ثم أخذ عودًا رطبًا فكسره باثنتين، ثم غرز كل واحد منهما على قبر، ثم قال: لعله يخفف عنهما، ما لم ييبسا» (١).\nوروى النسائي عن عائشة ﵂ قالت: «دخلت عليَّ امرأة من اليهود، فقالت: إن عذاب القبر من البول، فقلت: كذبت، فقالت: بلى، إنا لنقرض منه الجلد والثوب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة، وقد ارتفعت أصواتنا، فقال: ما هذا؟ فأخبرته بما قالت فقال: صدقت. قالت: فما صلى بعد يومئذ إلا قال دبر كل صلاة: ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أعذني من حرّ النار وعذاب القبر» (٢).\nوهذا الذي أشار إليه الحديث من أن بني إسرائيل كانوا يقرضون من البول الجلد والثوب – هو من الدين الذي شرعه الله لهم، ولذلك لما نهاهم عن فعل ذلك أحدهم عذب في قبره بسبب نهيه، ففي حديث عبد الرحمن بن حسنة أن رسول الله ﷺ قال: «ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل، كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم عن ذلك، فعذب في قبره» (٣).\nوقد أخبر الرسول ﷺ أن عامة عذاب القبر من البول، فقد روى أنس ﵁، عن الرسول ﷺ قال: «تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» (٤)، ورواه ابن عباس بلفظ: «عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا منه» (٥) ورواه أبو هريرة بلفظ: «أكثر عذاب القبر من البول» (٦). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢).\n(٢) رواه النسائي (٣/ ٧٢). وضعف إسناده الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٣) رواه أبو داود (٢٢)، والنسائي (١/ ٢٦)، وابن ماجه (٢٨١)، وأحمد (٤/ ١٩٦) (١٧٧٩٣)، وابن حبان (٧/ ٣٩٧) (٣١٢٧)، والحاكم (١/ ٢٩٤). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ومن شرط الشيخين، وصححه النووي في «الخلاصة» (١/ ١٥٨)، والعيني في «عمدة القاري» (٨/ ٢١١).\n(٤) رواه الدارقطني (١/ ٣١١). وقال: المحفوظ مرسل، وقال الذهبي في «تنقيح التحقيق» (١/ ١٢٩): إسناده وسط، وحسن إسناده ابن الملقن في «تحفة المحتاج» (١/ ٢١٧)، وابن كثير في «إرشاد الفقيه» (١/ ٥٧).\n(٥) رواه عبد بن حميد (ص: ٢١٥)، والبزار (١١/ ١٧٠)، والطبراني (١١/ ٧٩) (١١١٠٤)، والدارقطني (١/ ٣١٥)، والحاكم (١/ ٢٩٣). قال البزار: روي من غير وجه بألفاظ مختلفة، وصححه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٣/ ١٨٩)، وقال الدارقطني: لا بأس به.\n(٦) رواه ابن ماجه (٢٨٣)، وأحمد (٢/ ٣٨٩) (٩٠٤٧)، والدارقطني (١/ ٣١٤)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ١١٤). قال الدارقطني: صحيح، وقال المنذري: صحيح على شرط الشيخين، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٦٠): هذا إسناد صحيح رجاله عن آخرهم محتج بهم في الصحيحين.","vol":"4","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1112>المطلب الثاني: الغلول</span>\nومن الذنوب التي يعذب صاحبها في القبر الغلول، وقد صح في ذلك أكثر من حديث، فعن أبي هريرة، قال: «أهدى رجل لرسول الله ﷺ غلامًا يقال له: مِدْعم، فبينما مدعم يحط رحلًا لرسول الله ﷺ إذ أصابه سهم عائر، فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال الرسول ﷺ: كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا. فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي ﷺ، فقال: \" شراك من نار أو شراكان من نار» متفق عليه (١).\nوعن عبد الله بن عمرو قال: «كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كَرْكرة، فمات، فقال رسول الله ﷺ: هو في النار فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلّها» رواه البخاري (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٧٠٧)، ومسلم (١١٥).\n(٢) رواه البخاري (٣٠٧٤).","vol":"4","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1113>المطلب الثالث: الكذب، هجر القرآن، الزنا، الربا</span>\nأرى الله رسوله ﷺ أنواعًا مما يعذب به بعض العصاة، ففي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال: «كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإن رأى أحد قصها، فيقول ما شاء الله.\nفسألنا يومًا فقال: هل رأى أحدكم منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كلوب من حديد – قال بعض أصحابنا عن موسى: كلوب من حديد يدخله في شدقه – حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا، فيعود فيصنع مثله.\nقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه.\nقلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نارًا، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة.\nفقلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، على وسط النهر رجل بين يديه حجارة – قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم: وعلى شط النهر رجل – فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان.\nفقلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب.\nقلت: طَوَّفتماني الليلة فأخبراني عما رأيتُ. قالا: نعم. أما الذي رأيته يُشَقُّ شِدْقُه فكذاب يحدّث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إلى يوم القيامة. والذي رأيته في الثقب فهم الزناة. والذي رأيته في النهر آكلوا الربا. والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇، والصبيان حوله أولاد الناس. والذي يوقد النار مالك خازن النار. والدار الأولى التي دخلت عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدارُ الشهداء. وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك. فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك. قلت: دعاني أدخل منزلي. قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملت أتيت منزلك» (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٩\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٨٦).","vol":"4","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1114>المطلب الرابع: حبس المدين في قبره بدينه</span>\nومما يضر الميت في قبره ما عليه من دين، فعن سعد بن الأطول ﵁: «أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، قال: فقال لي نبي الله ﷺ: إن أخاك محبوس بدينه، فاذهب فاقض عنه، فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت، قلت: يا رسول الله، قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة، وليست لها بيِّنه، قال: أعطها فإنها محقة. وفي رواية: صادقة» (١).\nفقد أخبر الرسول ﷺ أن ذلك الصحابي محبوس بسبب دينه، ويمكن أن يُفسّر هذا الحبس الحديث الآخر حيث قال الرسول ﷺ: «إنه مأسور بدينه عن الجنة»، ففي الحديث الذي يرويه سمرة بن جندب «أن النبي ﷺ صلى على جنازة، (وفي رواية صلى الصبح)، فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ (فسكت القوم، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا)، فقال ذلك مرارًا، (ثلاث لا يجيبه أحد)، (فقال رجل: هو ذا)، قال: فقام رجل يجر إزاره من مؤخر الناس، (فقال له النبي ﷺ: ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟) أما إني لم أنوِّه باسمك إلا لخير، إن فلانًا – لرجل منهم – مأسور بدينه (عن الجنة، فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله)، فلو رأيت أهله ومن يتحرَّون أمره قاموا فقضوا عنه، (حتى ما أحد يطلبه بشيء» (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦١\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (١٩٨٨) وأحمد (٤/ ١٣٦) (١٧٢٦٦)، وأبو يعلى (٣/ ٨٠) (١٥١٠)، والطبراني (٦/ ٤٦) (٥٤٦٦)، والبيهقي (١٠/ ١٤٢) (٢٠٢٨٦). قال البوصيري (٣/ ٧١): ليس لسعد هذا عند ابن ماجه سوى هذا الحديث وليس له شيء في الكتب الخمسة وإسناد حديثه صحيح، وقال الهيثمى (٤/ ١٢٩): فيه عبد الملك بن أبى جعفر وقد ذكره ابن حبان في الثقات ولم أجد من ترجمه، وقال الشوكاني في «السيل الجرار» (٤/ ٤٩٥): إسناده رجاله ثقات.\n(٢) رواه أبو داود (٣٣٤١)، والنسائي (٧/ ٣١٥)، وأحمد (٥/ ٢٠) (٢٠٢٤٤)، والطبراني (٧/ ١٧٩) (٦٧٧١). والحديث سكت عنه أبو دواد، وحسنه الألباني في «صحيح سنن أي داود».","vol":"4","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1115>المطلب الخامس: عذاب الميت ببكاء الحي</span>\n«عندما طُعِن عمر بن الخطاب ﵁ دخل عليه صهيب يبكي، يقول: وا أخاه، واصاحباه، فقال عمر ﵁: يا صهيب أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله ﷺ: إن الميت يُعَذَّب ببعض بكاء أهله عليه» (١). وقد أنكرت عائشة ﵂ أن يكون الرسول ﷺ قد قال هذا الحديث، ففي (صحيح البخاري) «أن ابن عباس ذكر لعائشة ما قاله عمر بعد وفاته، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله ﷺ أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه، حسبكم القرآن وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: ١٨]» (٢)، وقد أولت عائشة ﵂ هذا الحديث أكثر من تأويل، ورد ذلك عنها في الصحاح والسنن (٣).\nوها هنا أمران: الأول هل قال الرسول ﷺ هذا الحديث؟ قال القرطبي: (إنكار عائشة ذلك، وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضًا، ولم يسمع بعضًا بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح) (٤).\nالثاني: كيف يعذب ببكاء أهله عليه، وليس ذلك من فعله، والله يقول: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: ١٨].\nللعلماء في ذلك أجوبة أحسنها ما قاله البخاري في ترجمة الباب الذي وضع الحديث تحته، قال رحمه الله تعالى: (باب قول النبي ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته) لقول الله تعالى: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: ٦]، وقال النبي ﷺ: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته» (٥) فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة ﵂ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: ١٨] وممن ذهب هذا المذهب الترمذي ﵀، فإنه روى حديث عمر ﵁ بلفظ: «الميت يعذب ببكاء أهله عليه» (٦) ثم قال: (قال أبو عيسى (هو الترمذي): حديث عمر حديث حسن صحيح، وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت، قالوا: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وذهبوا إلى هذا الحديث، وقال ابن المبارك: أرجو إن كان ينهاهم في حياته، أن لا يكون عليه من ذلك شيء) (٧). وهذا الفقه للحديث هو مذهب القرطبي ﵁، فإنه قال: (قال بعض العلماء أو أكثرهم: إنما يعذب الميت ببكاء الحي إذا كان البكاء من سنة الميت واختياره، كما قال:\nإذ أنا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد\nوكذلك إذا وصى به) (٨).\n(وقد كان النواح ولطم الخدود وشق الجيوب من شأن أهل الجاهلية، وكانوا يوصون أهاليهم بالبكاء، والنوح عليهم، وإشاعة النعي في الأحياء، وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وموجودًا في أشعارهم كثيرًا، فالميت تلزمه العقوبة في ذلك لما تقدم إليهم في وقت حياته) كذا قال ابن الأثير (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٧).\n(٢) رواه البخاري (١٢٨٦).\n(٣) انظر: «فتح الباري» (٣/ ١٥٢).\n(٤) انظر: «فتح الباري» (٣/ ١٥٤).\n(٥) رواه البخاري (٨٩٣) مسندا من حديث ابن عمر ﵄.\n(٦) رواه الترمذي (١٠٠٢). وقال: حديث عمر حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٧) «سنن الترمذي» (٣/ ٣٢٦).\n(٨) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (ص: ١٠٢).\n(٩) «جامع الأصول في أحاديث الرسول» (ص: ١٠٢).","vol":"4","page":162},{"text":"وينبغي أن ينبه هنا إلى لفظ البخاري، فقد جاء فيه: «يعذب ببعض بكاء أهله عليه» (١). ولا يعذب بكل البكاء، فالبكاء الذي تدمع فيه العين، ولا شق، ولا لطم معه لا يؤاخذ صاحبه به، وقد جاءت في ذلك نصوص كثيرة. وقد تعرض العلامة ابن تيمية للمسألة وضعف مذهب البخاري والقرطبي وابن عبدالبرَّ ومن سلك مسلكهم في فقه الأحاديث التي أخبرت أن الميت يعذب ببكاء الحي، فقد قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر النصوص الواردة في ذلك: (وقد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف، واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره، فهو مخالف لقوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: ١٨]، ثم تنوعت طرقهم في تلك الأحاديث الصحيحة.\nفمنهم من غلَّط الرواة لها، كعمر بن الخطاب وغيره، وهذه طريقة عائشة والشافعي، وغيرهما. ومنهم من حمل ذلك على ما إذا أوصى به فيعذب على إيصائه، وهو قول طائفة كالمزني، وغيره.\nومنهم من حمل ذلك على ما إذا كان عادتهم، فيعذب على ترك النهي عن المنكر، وهو اختيار طائفة منهم جدي أبو البركات، وكل هذه الأقوال ضعيفة جدًا) (٢) وقد رد قول الذين ردوا هذه الأحاديث بنوع من التأويل، فقال: (والأحاديث الصحيحة الصريحة التي يرويها مثل عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو موسى الأشعري وغيرهم، لا ترد بمثل هذا، وعائشة أم المؤمنين ﵂ لها مثل هذا نظائر، ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه، ولا يكون الأمر كذلك، ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا كان مخطئًا) (٣). ثم بين رحمه الله تعالى أن عائشة وقعت في مثل ما فرت منه، قال: (وعائشة ﵂ روت عن النبي ﷺ لفظين – وهي الصادقة فيما نقلته – فروت عن النبي ﷺ قوله: «إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه» (٤)، وهذا موافق لحديث عمر، فإنه إذا جاز أن يزيده عذابًا ببكاء أهله، جاز أن يعذب غيره ابتداء ببكاء أهله، ولهذا رد الشافعي في (مختلف الحديث) هذا الحديث نظرًا إلى المعنى، وقال الأشبه روايتها الأخرى: «إنهم يبكون عليه، وإنه ليعذب في قبره» (٥) (٦).\nورد قول الذين ظنوا أن الحديث يفيد معاقبة الإنسان بذنب غيره، فقال: (والذين أقروا هذا الحديث على مقتضاه، ظن بعضهم أن هذا من باب عقوبة الإنسان بذنب غيره، وأن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، واعتقد هؤلاء أن الإنسان يعاقب بذنب غيره، فجوزوا أن يدخل أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم) (٧) وبعد أن أطال النفس في هذه المسألة: مسألة دخول أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم، وأن هذا ليس بصواب من القول، وأن الحق أن الله لا يعذب إلا من عصاه، وأن الذين لم يبتلوا يمتحنون في عرصات القيامة، قال: (وأما تعذيب الميت: فهو لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال: (يعذب)، والعذاب أعمُّ من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقابًا له على ذلك السبب، فإن النبي ﷺ قال: «السفر قطعة من العذاب، يمْنَعُ أحدكم طعامه وشرابه» (٨)، فسمى السفر عذابًا، وليس هو عقابًا.\n_________\n(١) الحديث لفظه لمسلم (٩٢٧)، ورواه البخاري (١٢٨٦) بلفظ: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه».\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧٠).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧٠).\n(٤) رواه مسلم (٩٢٩).\n(٥) رواه مسلم (٩٣١).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧١).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧١).\n(٨) رواه البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":163},{"text":"والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها، مثل الأصوات الهائلة، والأرواح الخبيثة، والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا وشَمِّ هذا، ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملًا له عوقب عليه، فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة، وإن لم تكن النياحة عملًا له، يعاقب عليه؟\nوالإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس، ويتألم برؤية بعضهم، وبسماع كلامهم، ولهذا أفتى القاضي أبو يعلى بأن الموتى إذا عمل عندهم المعاصي فإنهم يتألمون بها، كما جاءت بذلك الآثار، فتعذبهم بعمل المعاصي عند قبورهم كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم، ثم النياحة سبب العذاب) (١).\nوهذا الفقه الذي صار إليه الشيخ العلامة جاءت بعض الأحاديث دالة عليه، فعن النعمان بن بشير، قال: «أغمي على عبد الله بن رواحة ﵁، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي، أنت كذلك؟! فلما مات لم تبك عليه» (٢)، بل إن هذا المعنى ورد صريحًا في الحديث الذي يرويه أبو موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من ميت يموت، فيقوم باكيه، فيقول: واجبلاه! واسيداه! أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت» رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن غريب (٣)، وقال الحافظ في (التلخيص) بعد سياقه لهذا الحديث: (ورواه الحاكم وصححه، وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير) (٤). وينبغي أن ينبه هنا أنه ليس كل ميت يناح عليه يعذب بالنياح عليه، فقد يندفع حكم السبب بما يعارضه – كما يقول ابن تيمية – كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة، والأرواح والصور الخبيثة. ثم ذكر أن أحاديث الوعيد يذكر فيها السبب، وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك، إما بتوبة مقبولة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بشفاعة شفيع مطاع، وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته. وبين في خاتمة كلامه أن ما يصيب الميت المؤمن من عذاب في قبره بما نيح عليه يكفر الله به عن سيئاته (٥). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦٢\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧١).\n(٢) رواه البخاري (٤٢٦٨).\n(٣) رواه الترمذي (١٠٠٣). وقال: هذا حديث حسن غريب، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٢/ ٣٨٥)، وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ١٤٠): ورواه الحاكم وصححه وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ١٤٠).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧٥).","vol":"4","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1116>المطلب السادس: عذاب الذي يأخذ القرآن ويرفضه، والنائم عن الصلاة المكتوبة</span>\nحديث سمرة بن جندب ﵁ بطوله، وفيه «. .. وأنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر ها هنا، فيتبع الحجر، فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى» ثم جاء البيان في آخر الحديث بقول الملكين للرسول ﷺ: «أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة» (١)، وفي رواية «فيفعل به إلى يوم القيامة» (٢). القبر عذابه ونعيمه لحسين العواشيه -ص ٢٥ - ٢٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٠٤٧).\n(٢) رواه البخاري (١٣٨٦).","vol":"4","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1117>المبحث السادس: الذين يعصمون من فتنة القبر وعذابه</span>\nبعض المؤمنين من الذين قاموا بأعمال جليلة، أو أصيبوا بمصائب كبيرة يأمنون فتنة القبر وعذابه، فمن هؤلاء:\n١ - الشهيد: فقد روى المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده في الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه» رواه الترمذي وابن ماجه (١). وروى النسائي في سننه عن راشد بن سعد بن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ «أن رجلًا قال: يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» (٢). ٢ - الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فقد روى فضالة بن عبيد، عن رسول الله ﷺ، قال: «كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله؟ فإنه ينمي له عمله يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر» رواه الترمذي وأبو داود (٣).\n٣ - الذي يموت يوم الجمعة، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر» رواه أحمد والترمذي (٤)، والحديث صحيح بمجموع طرقه أو حسن.\n- الذي يموت بداء البطن، وقد ثبت في حديث يرويه عبد الله بن يسار، قال: «كنت جالسًا وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذكروا أن رجلًا توفي مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهدا جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ: من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره؟ فقال الآخر: بلى» وفي رواية: «صدقت» (٥). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٧١\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٦٦٣)، وابن ماجه (٢٢٧٤). قال الترمذي: حسن صحيح غريب، وحسنه ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٥/ ١٦١)، وابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ١٦) كما قال هذا في المقدمة.\n(٢) رواه النسائي (٤/ ٩٩). وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٣) رواه أبو داود (٢٥٠٠)، والترمذي (١٦٢١)، والحاكم (٢/ ٨٨). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١١٣)، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٢/ ٤٢٩): ثابت وله شواهد.\n(٤) رواه الترمذي (١٠٧٤)، وأحمد (٢/ ١٦٩) (٦٥٨٢). وقال الترمذي: غريب وليس إسناده متصل، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) رواه النسائي (٤/ ٩٨)، وأحمد (٤/ ٢٦٢) (١٨٣٣٦)، والطبراني (٤/ ١٩٠) (٤١٠٤). وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي»، والوادعي في «الصحيح المسند» (٤٥٤)، وقال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن يسار - وهو الجهني - فقد روى له أبو داود والنسائي وهو ثقة.","vol":"4","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1119>تمهيد:</span>\nلا بدَّ للباحث في أمر الإنسان بعد موته من إعطاء فكرة عن الروح التي تنعم أو تعذب بعد موتها، ما هي؟ وهل لها كيفية تعلم؟ وهل هي جزء من البدن، أم شيء آخر غير البدن؟ فإن كانت غيره فأين مسكنها فيه؟ وهل هي مخلوقة؟ وهل هي واحدة في الإنسان أم متعددة؟ وهل تموت الأرواح، وكيف موتها؟ وأين مستقرها في البرزخ، وهل تعلم الأرواح شيئًا عما يجري في الدنيا من البرزخ؟ يقول ابن تيمية: (والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه بالموت) (١)، وقد أخطأ الذين فرقوا بين الروح والنفس واعتقدوا أنهما أمران مختلفان، ومن تأمل ... علم أن النفس هي التي تقبضها الملائكة، وتصعد بها إلى السماء، وتعود بها إلى الجسد، وتسأل، وتنعم وتعذب، وهي الروح أيضًا التي إذا خرجت من الجسد تبعها البصر كما ثبت في الأحاديث.\nوهذا المخلوق الذي تكون به الحياة، وتفقد الحياة بفقده يسمى روحًا ونفسًا، ولا يمنع هذا أن تطلق كل من الروح والنفس إطلاقات أخرى، يقول ابن تيمية: (لفظ الروح والنفس يعبر بهما عن عدة معان: فيراد بالروح الهواء الخارج من البدن والهواء الداخل فيه، ويراد بالروح البخار الخارج من تجويف القلب من سويداه الساري في العروق، وهو الذي تسميه الأطباء الروح، ويسمى الروح الحيواني، فهذان المعنيان غير الروح التي تفارق بالموت التي هي النفس، ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه، وقد يراد بلفظ النفس الدم الذي يكون في الحيوان، كقول الفقهاء: \" ماله نفس سائلة، وما ليس له نفس سائلة \" فهذان المعنيان بالنفس ليسا هما معنى الروح) (٢).\nوتطلق الروح أيضًا على جبرائيل: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣]، وتطلق على القرآن وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢].\nويلاحظ شارح الطحاوية أن الروح والنفس وإن أطلقا على تلك اللطيفة الربانية، إلا أن (غالب ما يسمى نفسًا إذا كانت الروح متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها) (٣).\nويقول ابن تيمية في هذا: (لكن تسمى نفسًا باعتبار تدبيره للبدن، وتسمى روحًا باعتبار لطفه، ولهذا يسمى الريح روحًا، وقال النبي ﷺ: «الريح من روح الله» (٤) أي: من الروح التي خلقها الله (٥).\nلما كنت الروح مخلوقة من جنس لا نظير له في عالم الموجودات فإننا لا نستطيع أن نعرف صفاتها، فقد عرفنا الله أنها تصعد وتهبط، وتسمع وتبصر وتتكلم إلى غير ذلك، إلا أن هذه الصفات مخالفة لصفات الأجسام المعروفة، فليس صعودها وهبوطها وسمعها وبصرها وقيامها وقعودها من جنس ما نعرفه ونعلمه، فقد أخبرنا الرسول ﷺ أن الروح يصعد بها إلى السماوات العلى، ثم تعاد إلى القبر، ساعة من الزمن، وقد أخبرنا أنها تنعم أو تعذّب في القبر، ولا شك أن هذا النعيم على نحو مخالف لما نعلمه ونعرفه. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - بتصرف- ص ٨٥\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٩/ ٢٨٩).\n(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٩/ ٢٩٢).\n(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٤٤).\n(٤) رواه أبو داود (٥٠٩٧)، وأحمد (٢/ ٢٦٧) (٧٦١٩)، وابن حبان (٣/ ٢٨٧) (١٠٠٧)، والحاكم (٤/ ٣١٨). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسن إسناده النووي في «المجموع» (٥/ ٩٧)، وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ٢٧٢): حسن صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا ثابت بن قيس.\n(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٩/ ٢٩٠).","vol":"4","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1120>المبحث الأول: استقلال الروح عن البدن</span>\nو(يرى فريق من أهل الكلام المبتدع المحدث من الجهمية والمعتزلة أن الروح جزء من أجزاء البدن، أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التي تردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن) (١). (والفلاسفة المشاؤون يقرون بأن النفس تبقى إذا فارقت البدن، لكن يصفون النفس بصفات باطلة فيدعون أنها إذا فارقت البدن كانت عقلًا، والعقل عندهم مجرد عن المادة وعلائق المادة، والمادة عندهم هي الجسم، والعقل عندهم قائم بنفسه، لا يوصف بحركة ولا سكون، ولا يتجدد له أحوال البتة) (٢).\nوقد تخبط هؤلاء وهؤلاء في مقالاتهم في الروح، فأهل الكلام المبتدع المذموم الذين قالوا: إن الروح هي الحياة أو المزاج أو نفس البدن، أنكر كثير منهم عذاب القبر، فليس هناك روح تنعم أو تعذب بعد الموت في البرزخ. ورفضوا النصوص التي أثبتت ذلك.\nوالفلاسفة الذين زعموا أن الروح إذا فارقت البدن تصبح عقلًا، قالوا: (إذا فارقت البدن لا يتجدد لها حال من الأحوال لا علوم ولا تصورات، ولا سمع ولا بصر، ولا إرادات، ولا فرح ولا سرور، ولا غير ذلك مما قد يتجدد ويحدث، بل تبقى عندهم على حال واحدة أزلًا وأبدًا، كما يزعمونه في العقل والنفس) (٣).\n(وفريق من الفلاسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له، ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض) (٤).\nوالسبب الذي أوقع كلا الفريقين في هذا الخطأ أنهم اعتمدوا على عقولهم وما وضعوه من مقاييس في البحث عن أمر غيبي، فالفريق الأول أنكر وجود روح مستقلة عن البدن، وهذا تكذيب للنصوص المتواترة، وإنكار لأمر معلوم من الدين بالضرورة، والفلاسفة المشاؤون ومن سلك سبيلهم أثبتوا وجود الروح مستقلة عن البدن، ولكن لما كانت هذه الروح (ليست من جنس هذا البدن، ولا جنس العناصر والمولدات منها، بل هي جنس آخر مخالف لهذه الأجناس) (٥) صعب عليهم تعريفها وتصورها، وضاقت تعبيراتهم ومقاييسهم عن حدها وتصورها. وقد هدى الله الذين استجابوا لله ورسوله، وآمنوا بما أخبرهم به، فعلموا أن (الروح جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي هذا الجسم اللطيف متشابكًا بهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح) (٦).\nوقد سقنا في تضاعيف بحثنا كثيرًا من الأدلة التي تثبت أن الروح شيء مستقل عن البدن، كقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ [الزمر: ٤٢]، وقوله: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [الأنفال: ٥٠]، وقوله: وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ [الأنعام: ٩٣]، وقوله: كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة: ٢٦ - ٣٠]، وقوله: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ [الواقعة: ٨٣ - ٨٤]، فالذي يمسك، وتتوفاه الملائكة، ويبلغ الحلقوم، ويبلغ التراقي، ويساق لا بد أن يكون شيئًا حقيقيًا مخالفًا للجسد.\nوقد سقنا الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ أنَّ ملك الموت يقبض الروح، وأنَّ الملائكة تضع تلك الروح في كفن من الجنة أو النار بحسب فلاحها أو فسادها، وأنَّه يذهب بها في رحلة علوية سماوية، حيث تفتح لها أبواب السماء إن كانت صالحة، وتغلق دونها إن كانت طالحة، وأنها تعاد إلى الجسد، وتسأل وتعذب أو تنعم، وأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، وأرواح المؤمنين طير يعلق في شجر الجنة، وأن الروح إذا قبض تبعه البصر، إلى غير ذلك من النصوص الدالة في مجموعها دلالة قاطعة على أن الأرواح شيء آخر غير الأبدان، وأنها تبقى بعد مفارقة البدن. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٨٨\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٣١).\n(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٩/ ٢٧٢).\n(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٩/ ٢٧٣).\n(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٣١).\n(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٣٢).\n(٦) «الروح» لابن القيم (ص/١٧٨ - ١٧٩).","vol":"4","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1121>المبحث الثاني: مسكن الروح في الجسد</span>\nالروح تسري في بدن الإنسان كله، يقول ابن تيمية: (لا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فإن الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة) (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٩٢\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٩/ ٣٠٢ - ٣٠٣).","vol":"4","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1122>المبحث الثالث: الروح مخلوقة</span>\nذهب فريق من الفلاسفة إلى أن الروح غير مخلوقة، بل هي قديمة أزلية، ولكنها ليست من ذات الرب، ومقالتهم في الروح هي مقالتهم في العقول والنفوس الملكية، ويزعم من دخل من أهل الملل فيهم أنها هي الملائكة.\nوذهب صنف آخر من زنادقة هذه الأمة وضُلالها من المتكلمة والمتصوفة والمحدثة إلى أن الروح من ذات الله، وهؤلاء – كما يقول ابن تيمية – أشرُّ قولًا من أولئك، وهؤلاء جعلوا الآدمي نصفين: نصف لاهوت، وهو روحه، ونصف ناسوت، وهو جسده: نصفه رب ونصفه عبد (١).\nوالحق الذي لا ينبغي أن يخالف فيه أن الروح مخلوقة مبتدعة، ويدل على ذلك أمور: ١ - الإجماع:\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (روح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم.\nوكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال في (كتاب اللقط) لما تكلم على خلق الروح، قال: النسم الأرواح، قال: وأجمع الناس أن الله خالق الجثة وبارئ النسمة، أي: الروح. وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة، قال: هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب، إلى أن قال: والروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة.\nوصنف الحافظ أبو عبد الله بن منده في ذلك كتابًا كبيرًا في (الروح والنفس) وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئًا كثيرًا، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره، والشيخ أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في عيسى ابن مريم، لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في (الرد على الزنادقة والجهمية) (٢).\n٢ - الكتاب والسنة:\nالأدلة من الكتاب والسنة الدالة على خلقها كثيرة، مثل قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: ١٦]، [الزمر: ٦٢]، يقول شارح الطحاوية عقب استدلاله بهذه الآية: (فهذا عام لا تخصيص فيه بوجه ما) (٣) ومن ذلك قوله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا [الإنسان: ١]، وقوله جل وعلا لزكريا: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم: ٩]، والإنسان اسم لروح الإنسان وبدنه، وخطاب الله لزكريا لروحه وبدنه.\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٤٢).","vol":"4","page":170},{"text":"يقول ابن تيمية: (الإنسان عبارة عن البدن والروح معًا، بل هو بالروح أخص منه بالبدن، وإنما البدن مطية للروح، كما قال أبو الدرداء: (إنما بدني مطيتي، فإن رفقت بها بلغتني، وإن لم أرفق بها لم تبلغني)، وقد رواه ابن منده وغيره عن ابن عباس، قال: (لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلق حتى تختصم الروح والبدن، فتقول الروح للبدن: أنت عملت السيئات، فيقول البدن للروح: أنت أمرتني، فيبعث الله ملكًا يقضي بينهما فيقول: إنما مثلكما كمثل مقعد وأعمى دخلا بستانًا، فرأى المقعد فيه ثمرًا معلقًا، فقال للأعمى: إني أرى ثمرًا ولكن لا أستطيع النهوض إليه، وقال الأعمى: لكني أستطيع النهوض إليه، ولكني لا أراه، فقال المقعد: تعال فاحملني حتى أقطفه، فحمله وجعل يأمره فيسير به إلى حيث يشاء فقطع الثمرة، قال المَلَكُ: فعلى أيهما العقوبة؟ قالا: عليهما جميعًا، قال: فكذلك أنتما) (١).\n٣ - ذكرنا في بحثنا هذا كثيرًا من النصوص عن النبي ﷺ أن الأرواح تقبض، وتوضع في كفن وحنوط تأتي بهما الملائكة، ويصعد بها، وتنعم وتعذب، وتمسك في النوم، وترسل، وكل هذا شأن المخلوق المحدث. ٤ - لو لم تكن مخلوقة مربوبة لما أقرت بالربوبية، وقد قال الله للأرواح حين أخذ الميثاق على العباد، وهم في عالم الذرّ، ألستُ بربكم؟ قالوا: بلى (٢)، وذلك ما قرره الحق في قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى ... [الأعراف: ١٧٢]، وما دام هو ربهم فإنهم مربوبون مخلوقون.\n٥ - لو لم تكن الأرواح مخلوقة فإن النصارى لا لوم عليهم في عبادتهم عيسى، ولا في قولهم: إنه ابن الله، أو هو الله.\n- لو كانت الروح غير مخلوقة فإنها لا تدخل النار ولا تعذب، ولا تحجب عن الله، ولا تغيب عن البدن، ولا يملكها ملك الموت، ولما كانت صورة توصف، ولم تحاسب ولم تعذب، ولم تتعبد ولم تخف، ولم ترج، ولأن أرواح المؤمنين تتلألأ، وأرواح الكفار سود مثل الفحم (٣). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٩٣\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢٧٢) (٢٤٥٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٤٧) (١١١٩١)، والحاكم (١/ ٨٠). من حديث ابن عباس ﵁. وقال: صحيح الإسناد، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١/ ٨٣): إسناده جيد قوي على شرط مسلم، وقال الهيثمي (٧/ ٢٨): رجاله رجال الصحيح.\n(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٢٠).","vol":"4","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1123>المبحث الرابع: شبهات الذين زعموا أن الروح غير مخلوقة</span>\nالذين قالوا: إن الروح غير مخلوقة احتجوا بمثل قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥]، والجواب عن هذا من وجوه: الأول: أن الروح هنا ليست روح الآدمي، وإنما هو اسم ملك، كما قال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا [النبأ: ٣٨]، وقال: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج: ٤]، وقال: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم [القدر: ٤] وهذا قول معروف مشهور عند علماء السلف في تفسير الآية (١).\nالثاني: وإذا قلنا: إن المراد بالروح هنا روح الآدمي – كما هو قول جمع من علماء السلف في الآية – فليس فيها ما يدل على أن الروح غير مخلوقة، وأنها جزء من ذات الله تعالى كما يقال هذه الخرقة من هذا الثواب، بل المراد أنها تنسب إلى الله، لأنها بأمره تكونت، أو لأنها بكلمته كانت، والأمر في القرآن يذكر ويراد به المصدر تارة، ويراد به المفعول تارة أخرى، وهو المأمور به، كقوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] أي: المأمور به، ويمكن أن يقال أيضًا: إن لفظة مِنْ في قوله: مِنْ أَمْرِ رَبِّي لابتداء الغاية، ومعلوم أن (من) تأتي لبيان الجنس، كقولهم: باب من حديد، وتأتي لابتداء الغاية، كقولهم: خرجت من مكة، فقوله: مِنْ أَمْرِ رَبِّي ليس نصًا في أن الروح بعض الأمر ومن جنسه، بل هي لابتداء الغاية إذ كونت بالأمر، وصدرت عنه، وهذا معنى جواب الإمام أحمد في قوله: وَرُوحٌ مِّنْهُ حيث قال: وَرُوحٌ مِّنْهُ يقول: من أمره كان الروح، كقوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ [الجاثية: ١٣]، ونظير هذا أيضًا قوله تعالى: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ [النحل: ٥٣]. فإذا كانت المسخرات والنعم من الله، ولم تكن بعض ذاته، بل منه صدرت، لم يجب أن يكون معنى قوله في المسيح وَرُوحٌ مِّنْهُ، أنها بعض ذاته (٢).\nالشبهة الثانية: قوله تعالى في آدم: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي [الحجر: ٢٩]، وقوله في عيسى: فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا [الأنبياء: ٩١]، قالوا: فقد أضاف الله الروح إلى نفسه، وقد أجاب عن هذه الشبهة شارح الطحاوية فقال: (ينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله تعالى نوعان: صفات لا تقوم بأنفسها، كالعلم والقدرة، والكلام والسمع والبصر، فهذه إضافة صفة إلى موصوف بها، فعلمه وكلامه وقدرته وحياته صفات له، وكذا وجهه ويده سبحانه.\nوالثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه، كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح كقوله: نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس: ١٣] وقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١] وقوله: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ... [الحج: ٢٦] فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، لكن إضافة تقتضي تخصيصًا وتشريفًا، يتميز بها المضاف إلى غيره) (٣). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٩٧\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢٤/ ١٧٦).\n(٢) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٢٦ - ٢٣٥).\n(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٤٢).","vol":"4","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1124>المبحث الخامس: هل تموت النفوس</span>\nيقول ابن تيمية: (والأرواح مخلوقة بلا شك، وهي لا تعدم ولا تفنى، ولكن موتها بمفارقة الأبدان، وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان) (١).\nوقد تعرَّض شارح الطحاوية لهذه المسألة، فقال: (واختلف الناس هل تموت الروح أم لا؟ فقالت طائفة: تموت لأنها نفس، وكل نفس ذائقة الموت، .. وإذا كانت الملائكة تموت، فالنفوس البشرية أولى بالموت، وقال آخرون: لا تموت الأرواح، فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان، قالوا: وقد دل على ذلك الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها، والصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر، فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتفنى بالكلية فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب، .. وقد أخبر سبحانه أن أهل الجنة لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى [الدخان: ٥٦]، وتلك الموتة هي مفارقة الروح للجسد) (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٠١\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٧٩).\n(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٤٦).","vol":"4","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1126>المطلب الأول: مستقر الأرواح في البرزخ</span>\nأرواح العباد في البرزخ متفاوتة في منازلها، وقد استقرأنا النصوص الواردة في ذلك فأفادتنا التقسيم التالي:\nأولًا: أرواح الأنبياء، وهذه تكون في خير المنازل في أعلى عليين، في الرفيق الأعلى، وقد سمعت السيدة عائشة الرسول ﷺ في آخر لحظات حياته يقول: «اللهمَّ الرفيق الأعلى» (١).\nالثاني: أرواح الشهداء، وهؤلاء أحياء عند ربهم يرزقون، قال تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦]، وقد سأل مسروق عبد الله بن مسعود عن هذه الآية، فقال: «إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: \" أرواحهم في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل» رواه مسلم في صحيحه (٢). وهذه أرواح بعض الشهداء لا كل الشهداء، لأن منهم من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه، كما في المسند عن عبد الله بن جحش: «أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، مالي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: الجنة، فلما ولّى، قال: إلا الدين، سارني به جبريل آنفًا» (٣). الثالث: أرواح المؤمنين الصالحين: تكون طيورًا تعلق في شجر الجنة، ففي الحديث الذي يرويه عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما نسمة المسلم طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده إلى يوم القيامة» رواه أحمد (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٦٣)، ومسلم (٢٤٤٤).\n(٢) رواه مسلم (١٨٨٧).\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٣٥٠) (١٩١٠٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٣٠): فيه أبو كثير وهو مستور وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ١٩): إسناده جيد.\n(٤) رواه أحمد (٣/ ٤٥٥) (١٥٨١٤). قال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢/ ٦٩٤)، وشعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط الشيخين.","vol":"4","page":174},{"text":"والفرق بين أرواح المؤمنين وأرواح الشهداء، أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح متنقلة في رياض الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرض، أما أرواح المؤمنين فإنها في أجواف طير يعلق ثمر الجنة ولا ينتقل في أرجائها. وكون أرواح المؤمنين في أجواف طير يعلق شجر الجنة لا يشكل عليه الحديث الآخر الذي يرويه أبو هريرة عن الرسول ﷺ، وفيه «أن الملائكة تقبض روح العبد المؤمن، وترقى به إلى السماء، فتقول الملائكة: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدُّ فرحًا من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنه كان في غم الدنيا، فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية» (١)، فإن روح المؤمن تلتقي بأرواح المؤمنين في الجنة. الرابع: أرواح العصاة: ... أن الذي يكذب الكذبة تبلغ الآفاق يعذب بكلوب من حديد يدخل في شدقه حتى يبلغ قفاه، والذي نام عن الصلاة المكتوبة يشدخ رأسه بصخرة، والزناة والزواني يعذبون في ثقب مثل التنور، ضيق أعلاه، وأسفله واسع، توقد النار من تحته، والمرابي يسبح في بحر من دم، وعلى الشط من يلقمه حجارة (٢). وقد ذكرنا الأحاديث التي تتحدث عن عذاب الذي لم يكن يستنزه من بوله، والذي يمشي بالنميمة بين الناس، والذي غلَّ من الغنيمة ونحو ذلك. الخامس: أرواح الكفار: في حديث أبي هريرة عند النسائي بعد وصف حال المؤمن إلى أن يبلغ مستقره في الجنة، ذكر حال الكافر، وما يلاقيه عند النزع، وبعد أن تقبض روحه «تخرج منه كأنتن ريح، حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار» (٣).\nإشكال وجوابُه:\nقد يقال: سقت من النصوص ما يدل على أن الأرواح تعاد إلى الأبدان، ثم تُسأل، وبعد ذلك ينعم المؤمن، ويعذب الكافر، فكيف تقول بعد ذلك: إن نسم المؤمنين في الجنة، ونسم الكفار في النار؟\nحاول ابن حزم أن يضعف الأحاديث التي تذكر إعادة الروح إلى البدن في القبر، ولكن ليس الأمر كذلك، فإن ما ضعفه ابن حزم وهو حديث زاذان عن البراء حديث صحيح، وهناك أحاديث كثيرة صحيحة متواترة تدل على عود الروح إلى البدن كما يقول ابن تيمية (٤).\nوفي التوفيق بين النصوص يقول ابن تيمية: (وأرواح المؤمنين في الجنة، وإن كانت مع ذلك قد تعاد إلى البدن، كما أنها قد تكون في البدن، ويعرج بها إلى السماء كما في حال النوم، أما كونها في الجنة ففيه أحاديث عامة، وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء، واحتجوا بالأحاديث المأثورة العامة وأحاديث خاصة في النوم وغيره) (٥).\n_________\n(١) رواه النسائي (٤/ ٨)، وابن حبان (٧/ ٢٨٤) (٣٠١٤)، والحاكم (١/ ٥٠٤). وقال: سنده صحيح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢١٢): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٢) الحديث رواه البخاري (٧٠٧٤). من حديث سمرة بن جندب ﵁.\n(٣) رواه النسائي (٤/ ٨)، وابن حبان (٧/ ٢٨٤) (٣٠١٤)، والحاكم (١/ ٥٠٤). وقال: سنده صحيح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢١٢): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٤٦).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٤٧).","vol":"4","page":175},{"text":"ثم ذكر بعض هذه الأحاديث التي سقناها من قبل، وأورد حديث أبي هريرة الذي رواه ابن حبان وغيره، والذي يذكر فيه أن المؤمن يرى بعد السؤال مقعده من الجنة، ومقعده من النار لو كان كافرًا، قال: «ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له فيه، ويعاد جسده كما بدئ، وتجعل نسمته في نسم طيب، وهي طير تعلق في شجر الجنة» (١)، وفي لفظ: «وهو طير يعلق في شجر الجنة» (٢)، وفي لفظ: «ثم يعاد جسده إلى ما بدئ منه» (٣) فالروح – كما يدل عليه الحديث تعاد إلى الجسد بعد الرحلة إلى السماء، ثم تسأل، ثم تكون طيرًا يعلق بشجر الجنة إلى أن يبعث العباد، ومع كونها في الجنة فإنه يبقى لها تعلق بالجسد، كحال الإنسان في النوم، فإنها تجول في ملكوت السماوات والأرض، مع أن لها تعلق بالجسد، وفقه هذا مبني على معرفة أن الروح مخالفة للأجساد وللمعهود من حال المخلوقات الدنيوية، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن مستقر أرواح المؤمنين الجنة: (ومع ذلك تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى، وهي في تلك بمنزلة نزول الملك، وظهور الشعاع في الأرض، وانتباه النائم) (٤). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٠٢ - ١٠٦\nوقد اختلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة: فقيل: أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في النار، وقيل: إن أرواح المؤمنين بفناء الجنة على بابها، يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها. وقيل: على أفنية قبورهم. وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة، تذهب حيث شاءت. وقالت طائفة: بل أرواح المؤمنين عند الله ﷿، ولم يزيدوا على ذلك. وقيل: إن أرواح المؤمنين بالجابية من دمشق، وأرواح الكافرين ببرهوت بئر بحضرموت! وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكافرين في سجين في الأرض السابعة تحت خد إبليس! وقيل: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكافرين ببئر برهوت. وقيل: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله. قال ابن حزم وغيره: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها. وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم. وعن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش، تغدو وتروح إلى رياض الجنة، تأتي ربها كل يوم تسلم عليه. وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض. وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من أعراض البدن، كحياته وإدراكه! وقولهم مخالف للكتاب والسنة. وقالت فرقة: مستقرها بعد الموت أبدان أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الروح! وهذا قول التناسخية منكري المعاد، وهو قول خارج عن أهل الإسلام كلهم.\n...\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٠٧١)، وابن حبان (٧/ ٣٨٠) (٣١١٣). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال: حسن غريب، وقال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١١٩) رجاله رجال مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١١٥) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٢) رواه الترمذي (١٠٧١)، وابن حبان (٧/ ٣٨٠) (٣١١٣). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال: حسن غريب، وقال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١١٩) رجاله رجال مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١١٥) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٩٦ - ٥٩٧).\n(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٤/ ٣٦٥).","vol":"4","page":176},{"text":"ويتلخص من أدلتها: أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت، فمنها: أرواح في أعلى عليين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وهم متفاوتون في منازلهم. ومنها أرواح في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء، لا كلهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه. كما في (المسند) عن عبدالله بن جحش: «أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: مالي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: الجنة، فلما ولى، قال: إلا الدين، سارني به جبرائيل آنفا» (١). ومن الأرواح من يكون محبوسًا على باب الجنة، كما في الحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنة» (٢) ومنهم من يكون محبوسًا في قبره، ومنهم من يكون في الأرض، ومنها أرواح في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة، كل ذلك تشهد له السنة، والله أعلم. وأما الحياة التي اختص بها الشهيد وامتاز بها عن غيره، في قوله تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:١٦٩]، وقوله تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ [البقرة:١٥٤] فهي: أن الله تعالى: جعل أرواحهم في أجواف طير خضر. كما في حديث عبدالله بن عباس ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لما أصيب إخوانكم، يعني يوم أحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مظلة في ظل العرش» الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود (٣)، وبمعناه في حديث ابن مسعود رواه مسلم (٤). فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله ﷿ حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبدانًا خيرًا منها، تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون تنعمها بواسطة تلك الأبدان، أكمل من تنعم الأرواح المجردة عنها. ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير. وتأمل لفظ الحديثين، ففي (الموطأ) أن كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله ﷺ، قال: «إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» (٥). فقوله نسمة المؤمن تعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال: هي في جوف طير خضر، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير، فتدخل في عموم الحديث الآخر بهذا الاعتبار، فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم، وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم، فلهم نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه، والله أعلم. وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، كما روي في (السنن) (٦). وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة، والله أعلم. وكأنه - والله أعلم - كلما كانت الشهادة أكمل، والشهيد أفضل، كان بقاء جسده أطول. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - بتصرف - ٢/ ٥٨٢\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٣٩) (١٧٢٩٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٣/ ٢٣) والطبراني (١٩/ ٢٤٧). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٢٧): رواه أحمد وفيه أبو كثير وهو مستور وبقية رجاله موثقون. وقال الألباني في «شرح العقيدة الطحاوية» (٤٥٣): صحيح.\n(٢) رواه بنحوه أحمد (٥/ ١١) (٢٠١٣٦)، والطبراني في «الأوسط» (٣/ ٢٤٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٢٩): رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه أسلم بن سهل الواسطي قال الذهبي: لينه الدارقطني، وهذه عبارة سهلة في التضعيف وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في «شرح العقيدة الطحاوية» (٤٥٥): صحيح.\n(٣) رواه أبو داود (٢٥٢٠)، وأحمد (١/ ٢٦٥) (٢٣٨٨)، والحاكم (٢/ ٩٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن.\n(٤) انظر: صحيح مسلم (١٨٨٧).\n(٥) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٣٣٧) بلفظ: (طير) بدلًا من (طائر). والحديث رواه النسائي (٤/ ١٠٨)، وابن ماجه (٤٢٧١)، وأحمد (٣/ ٤٥٥) (١٥٨١٦). قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢/ ٦١٤)، وابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١٢٥)، وابن حجر في «توالي التأسيس» (١/ ٢٠٣)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٦) الحديث روي في «السنن» بلفظ: «إن الله عزوجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء». رواه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (٣/ ٩١)، وابن ماجه (١٦٣٦). قال الحاكم (١/ ٤١٣): هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.","vol":"4","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1127>المطلب الثاني: هل العذاب في البرزخ على الروح أم على البدن أم على كليهما</span>؟\nالفِرَقُ الإسلامية في هذا الموضوع على أقوال (١):\nالأول: مذهب أهل السنة والجماعة أن الروح منفصلة عن الجسد، ومتصلة به، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح مفردة عن البدن).\nالثاني: قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين ينكرون النعيم والعذاب في البرزخ مطلقًا، والسِّر في ذلك أنهم ينكرون وجود روح مستقلة عن الجسد، فالروح عندهم هي الحياة، ولا تبقى الروح في نظرهم بعد الموت، فلا نعيم ولا عذاب حتى يبعث الله العباد، قال بذلك بعض المعتزلة والأشاعرة كالقاضي أبي بكر، وهذا قول باطل لا شك في بطلانه خالفه أبو المعالي الجويني، وقد نقل غير واحد من أهل السنة الإجماع على أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة.\nالثالث: قول الفلاسفة الذين يرون أن النعيم والعذاب على الروح وحدها، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وقد قال بهذا القول من أهل السنة ابن ميسرة، وابن حزم. الرابع: قول من قال من علماء الكلام: إن الذي ينعم ويعذب في القبر البدن وحده، وقال بذلك طائفة من أهل الحديث منهم ابن الزاغوني (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٠٧\nوليس السؤال في القبر للروح وحدها، كما قال ابن حزم وغيره، وأفسد منه قول من قال: إنه للبدن بلا روح! والأحاديث الصحيحة ترد القولين. وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعًا، باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به. واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر- وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور. وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه ونحو ذلك - فيجب أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان، فكم حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله. بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، وهو أصل كل خطأ في الفروع والأصول، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد. والله المستعان. فالحاصل أن الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. وقد جعل الله لكل دار أحكاما تخصها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان، والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبع لها، فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم - صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعًا. فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل، ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم. ويجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم، ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها، وإن كان الله تعالى: يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه وتحته حتى يكون أعظم حرًا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بها. بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفن أحدهما إلى جنب صاحبه، وهذا في حفرة من النار، وهذا في روضة من رياض الجنة، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره، ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه. وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما. وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير. وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده أطلعه وغيبه عن غيره، ولو اطلع الله على ذلك العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس، كما في (الصحيح) عنه ﷺ: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع» (٣). ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعته وأدركته شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ٢/ ٥٧٩\n_________\n(١) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٦٢ - ٢٨٢).\n(٢) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٦٢ - ٢٨٢).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٦٧).","vol":"4","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1128>المبحث السابع: هل يعلم الإنسان شيئًا عن أحوال الدنيا بعد موته</span>\nثبت في الأحاديث الصحيحة أن الميت يسمع قرع نعال أصحابه، بعد وضعه في قبره، حال انصرافهم، فعن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم ..» (١) ووقف الرسول ﷺ بعد ثلاثة أيام من معركة بدر على قتلى بدر من المشركين، فنادى رجالًا منهم، فقال: «يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! كيف يسمعوا أنى يجيبوا وقد جيفوا؟! قال: والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا، فألقوا في قليب بدر» (٢).\nوقد ساق ابن تيمية جملة من الأحاديث التي تدل على أن الموتى يسمعون، ثم قال: (فهذه النصوص وأمثالها تُبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض للحي، فإنه يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرض له) (٣)، وقد أجاب شيخ الإسلام على إشكال من يقول: إن الله نفى السماع عن الميت في قوله: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل: ٨٠]، وكيف تزعمون أن الموتى يسمعون؟ فقال: وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل: ٨٠]، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى، فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أمر به، ونهى عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ [الأنفال: ٢٣] (٤).\nوقد جاءت النصوص دالة أيضًا على أن الميت مع سماعه يتكلم، فإن منكرًا ونكيرًا يسألانه، فالمؤمن يوفق للجواب الحق، والكافر والمنافق يضل عن الجواب، ويتكلم أيضًا في غير سؤال منكر ونكير، وكل هذا مخالف لما عهده أهل الدنيا من كلام، فإن الذي يسأل ويتكلم الروح، وهي التي تجيب وتقعد وتعذب وتنعم، وإن كان لها نوع اتصال بالجسد القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٠٩\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠).\n(٢) رواه مسلم (٢٨٧٤). من حديث أنس ﵁.\n(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ٣٦٤).\n(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ٣٦٤).","vol":"4","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1129>المبحث الثامن: التفاضل في البرزخ</span>\nوالمؤمنون يتفاضلون في البرزخ، وتتفاوت درجاتهم تفاوتًا عظيمًا، وأفضلهم درجة في البرزخ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فأرواح الأنبياء في أعلى عليين، في الملأ الأعلى، ويدل على ذلك حديث الإسراء والمعراج المخرج في الصحيحين ... وفيه أن النبي ﷺ التقى بالأنبياء في السموات على اختلاف منازلهم فيها، وأنه رأى موسى قائمًا يصلي، ورأى عيسى قائمًا يصلي، ورأى إبراهيم قائمًا يصلي، ورأى إبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور (١).\nوفي أحاديث الإسراء والمعراج دلالتان:\nالأولى: أن الأنبياء أفضل المؤمنين حياة في البرزخ.\nالثانية: أن الأنبياء متفاضلون في حياتهم البرزخية.\nوقد ورد في الأنبياء قوله ﷺ: «إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء» (٢)\nومن تفاضل المؤمنين في البرزخ ما ثبت في فضل الشهداء من قوله ﷺ لما سئل عن قوله تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩].\nفقال ﷺ: «أرواحهم في جوف طير خضر. لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت. ثم تأوي إلى تلك القناديل. فاطلع إليهم ربهم اطلاعة. فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات. فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» (٣).\nوقال ﷺ: «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة» (٤).\nفالشهيد اختص بحياة في البرزخ امتاز بها عن غيره من المؤمنين، قال شارح الطحاوية في الشهداء: (فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم، وإن كان الميت أعلى درجة منهم، فلهم نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه) (٥). إلا الشهيد يتساوى مع بقية المؤمنين في المؤاخذة بالدين، وإن كان يمتاز في سوى ذلك، قال ﷺ: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين» (٦).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٦٢). من حديث أنس ﵁.\n(٢) رواه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (٣/ ٩١)، وابن ماجه (١٦٣٦)، وأحمد (٤/ ٨) (١٦٢٠٧)، وابن حبان (٣/ ١٩٠)، والحاكم (١/ ٤١٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال النووي في «المجموع» (٤/ ٥٤٨): إسناده صحيح. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٩٤) - كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) رواه مسلم (١٨٨٧).\n(٤) رواه البخاري (٢٨١٧)، ومسلم (١٨٧٧).\n(٥) «شرح الطحاوية» (٣٩٦).\n(٦) رواه مسلم (١٨٨٦). من حديث ابن عمرو ﵄.","vol":"4","page":180},{"text":"فمن المؤمنين طائفة يحبسون في البرزخ عن الجنة وهم المحبوسون بدين عليهم حتى يؤدى، ففي الحديث أن النبي ﷺ صلى على جنازة – وفي رواية صلى الصبح – فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ قالوا: نعم، قال: «إن فلانًا – لرجل منهم – مأسور بدينه عن الجنة – (وفي رواية محتبس على باب الجنة في دين عليه) – فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله» (١).\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٠) (٢٠٢٣٥)، والطبراني (٧/ ١٧٨) (٦٧٥٠)، والحاكم (٢/ ٣٠)، والبيهقي (٦/ ٧٦) (١١١٩٢). من حديث سمرة بن جندب ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الألباني في «أحكام الجنائز» (٢٦): على الوجه الأول صحيح على شرط الشيخين وعلى الوجه الثاني صحيح.","vol":"4","page":181},{"text":"وفي هذا الحديث دلالة على أن في المؤمنين في البرزخ من يحبس على باب الجنة حتى يزول سبب الحبس، وهو دال على أن فيهم من يدخل الجنة، وهناك أحاديث تدل على أن في المؤمنين من يعذب في البرزخ بذنوب ارتكبوها، وفيها دلالة على تفاوت هؤلاء في العذاب على تفاوتهم فيما آتوا من الذنوب، وهي أحاديث يطول حصرها جدًا، ومن أمثلتها قوله ﷺ لأصحابه: «إنه أتاني الليلة آتيان، وأنهما ابتعثاني، وأنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوى بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتهدهد الحجر ههنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان، ثم يعود فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى. قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، وربما قال أبو رجاء: فيشق - قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور - قال: وأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على نهر- حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم - وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا فينطلق يسبح، ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر فاه فألقمه حجرًا، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة، كأكره ما أنت راء رجلًا مرآة، وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة، فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط، قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة، لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قال: قالا لي: ارق فيها، قال: فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها، فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صعدًا، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله، قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك، أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه، يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة، الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة. قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ، وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطرًا منهم حسنًا وشطرًا منهم قبيحًا، فإنهم قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، تجاوز الله عنهم» (١).\nففي الحديث أن من المؤمنين في البرزخ من يثلغ رأسه أي يشدخ بالحجر، وأن منهم من يكون في تنور الزناة والزواني، وأن منهم من يكون في نهر الدم يسبح فيه ويلقم بالحجارة، ذلك لمعاصي أتوها، وأن منهم من يكون شطره حسنًا وشطره الآخر قبيحًا لخلطه عملا صالحًا وآخر سيئًا. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ٣٨٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٠٤٧). من حديث سمرة بن جندب ﵁.","vol":"4","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1132>المبحث الأول: معنى الأشراط والعلامات لغة</span>\nالأشراط جمع شرط بالتحريك، والشرط العلامة، وأشراط الساعة أي علاماتها، وأشراط الشيء أوائله، ومنه شُرَط السلطان وهم نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من مجموع جنده.\nالأشراط في اللغة هي علامات الشيء المتقدمة عليه والدالة عليه، ومما يدل على تسمية هذه الأشراط في السنة بالعلامات ما جاء في حديث جبريل المشهور عند النسائي، قال: «يا محمد، أخبرني متى الساعة؟ قال: فنكس، فلم يجبه شيئا ثم أعاد فلم يجبه شيئا ثم أعاد فلم يجبه شيئا ورفع رأسه فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ولكن لها علامات تعرف بها ...» (١) الحديث والساعة: هي جزء من أجزاء الليل أو النهار وجمعها ساعات وساع. والساعة: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، وقد سميت بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنها تفاجئ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة. أشراط الساعة لعبد الله بن سليمان الغفيلي - ص٤٢\n_________\n(١) رواه النسائي (٨/ ١٠١). من حديث أبي هريرة وأبي ذر ﵄. قال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح. والحديث رواه أصحاب (السنن)، وأصله في (الصحيحين).","vol":"4","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1133>المبحث الثاني: معنى الأشراط والعلامات شرعا</span>\nهي العلامات التي تسبق يوم القيامة وتدل على قدومها.\nيقول الحليمي: أما انتهاء الحياة الأولى فإن لها مقدمات تسمى أشراط الساعة وهي أعلامها. ويقول البيهقي في تحديد المراد من الأشراط: أي: ما يتقدمها من العلامات الدالة على قرب حينها.\nويقول الحافظ ابن حجر المراد بالأشراط: العلامات التي يعقبها قيام الساعة. أشراط الساعة لعبد الله بن سليمان الغفيلي - ص٤٢","vol":"4","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1136>المطلب الأول: بعثة النبي ﷺ</span>\nأخبر ﷺ أن بعثته دليل على قرب الساعة، وأنه نبي الساعة، ففي الحديث عن سهل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير بأصبعيه فيمدهما» (١).\nوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين، قال: وضم السبابة والوسطى» (٢).\nوعن قيس بن أبي حازم عن أبي جبيرة مرفوعًا «بعثت في نسم الساعة» (٣).\nفأول أشراط الساعة بعثة المصطفى ﷺ، فهو النبي الأخير فلا يليه نبي آخر، وإنما تليه القيامة كما يلي السبابة الوسطى، وليس بينهما أصبع آخر، أو كما يفضل إحداهما الأخرى (٤)، ويدل على ذلك رواية الترمذي «بعثت أنا والساعة كهاتين – وأشار أبو داود بالسبابة والوسطى – فما فضل إحداهما على الأخرى» (٥).\nوفي رواية مسلم: قال شعبة: وسمعت قتادة يقول: (في قصصه كفضل إحداهما على الأخرى فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة) (٦).\nقال القرطبي: (أولها النبي ﷺ، لأنه نبي آخر الزمان، وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي) (٧).\nقال تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠]. أشراط الساعة ليوسف الوابل - ٦٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٠٣).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١) واللفظ له.\n(٣) رواه ابن أبي الدنيا في «الأهوال» (٥)، والبزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (١٠/ ٥٦٢)، والدولابي في «الكنى والأسماء» (١/ ٢٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ١٦١). قال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٢/ ٣٥٩): رواه البزار في مسنده وسكت عنه، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٨٠٨): إسناده صحيح رجاله ثقات.\n(٤) انظر: «التذكرة» (ص: ٧١٠)، و«فتح الباري» (١١/ ٣٤٩)، و«تحفة الأحوذي شرح الترمذي» (٦/ ٤٦٠).\n(٥) رواه الترمذي (٢٢١٤). وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال الألباني: صحيح.\n(٦) رواه مسلم بعد حديث (٢٩٥١).\n(٧) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (ص: ٧١٠).","vol":"4","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1137>المطلب الثاني: موت النبي ﷺ</span>\nمن أشراط الساعة موت النبي ﷺ، ففي الحديث عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي» (١) الحديث.\nفقد كان موت النبي ﷺ من أعظم المصائب التي وقعت على المسلمين، فقد أظلمت الدنيا في عيون الصحابة ﵃ عندما مات ﵊.\nقال أنس بن مالك ﵁: (لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا) (٢).\nقال ابن حجر: (يريد أنهم وجدوها تغيرت عما عهدوه في حياته من الألفة والصفاء والرقة، لفقدان ما كان يمدهم به من التعليم والتأديب) (٣).\nفبموته ﷺ انقطع الوحي من السماء كما في جواب أم أيمن لأبي بكر وعمر ﵃ عندما زاراها بعد موت النبي ﷺ، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: (ما يبكيك ما عند الله خير لرسول الله ﷺ.\nفقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها) (٤).\nفقد مات ﵊ كما يموت الناس لأن الله تعالى لم يكتب الخلود في هذه الحياة الدنيا لأحد من الخلق، بل هي دار ممر لا دار مقر كما قال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥]. إلى غير ذلك من الآيات التي تبين أن الموت حق، وأن كل نفس ذائقة الموت، حتى ولو كان سيد الخلق وإمام المتقين محمد بن عبد الله ﷺ. وكان موته كما قال القرطبي: (أول أمر دهم الإسلام .. ثم بعده موت عمر فبموت النبي ﷺ انقطع الوحي وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه) (٥). أشراط الساعة ليوسف الوابل - ٦٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٧٦).\n(٢) رواه الترمذي (٣٦١٨)، وابن ماجه (١٣٣٢)، وأحمد (٣/ ٢٦٨) (١٣٨٥٧). قال الترمذي: غريب صحيح، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ٢٣٩): إسناده على شرط الصحيحين. وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) «فتح الباري» (٨/ ١٤٩).\n(٤) رواه مسلم (٢٤٥٤).\n(٥) «التذكرة» (ص: ٧١١).","vol":"4","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1138>المطلب الثالث: انشقاق القمر</span>\nاتفق العلماء على أن القمر قد انشق في عهد رسول الله ﷺ وأن انشقاقه إحدى المعجزات الباهرة، وقد صرح القرآن بهذا في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ [القمر:١ - ٢] القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٤١","vol":"4","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1139>المطلب الرابع: نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصرى» (١).\nوقد ظهرت هذه النار في منتصف القرن السابع الهجري في عام أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارًا عظيمة أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها ومن بعدهم في وصفها.\nقال النووي: (خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارًا عظيمة جدًا من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة) (٢).\nونقل ابن كثير أن غير واحد من الأعراب ممن كان بحاضرة بصرى، شاهدوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز (٣).\nوذكر القرطبي ظهور هذه النار وأفاض في وصفها في كتابه (التذكرة) (٤)، فذكر أنها رؤيت من مكة ومن جبال بصرى.\nوقال ابن حجر: (والذي ظهر لي أن النار المذكورة ... هي التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره) (٥). أشراط الساعة ليوسف الوابل-٩٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٧١١٨)، ومسلم (٢٩٠٢).\n(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٨/ ٢٨).\n(٣) «البداية والنهاية» (٦/ ٢٨٥).\n(٤) «التذكرة» (٦٣٦).\n(٥) «فتح الباري» (١٣/ ٧٩).","vol":"4","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1140>المطلب الخامس: فتح بيت المقدس</span>\nومن أشراط الساعة فتح بيت المقدس، فقد جاء في حديث عوف بن مالك ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أعدد ستًا بين يدي الساعة» فذكر منها «فتح بيت المقدس» (١).\nففي عهد عمر بن الخطاب ﵁ تم فتح بيت المقدس سنة ست عشرة من الهجرة كما ذهب إلى ذلك أئمة السير، فقد ذهب عمر ﵁ بنفسه، وصالح أهلها، وفتحها، وطهرها من اليهود والنصارى، وبنى بها مسجدًا في قبلة بيت المقدس (٢).\nروى الإمام أحمد من طريق عبيد بن آدم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب الأحبار: (أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة فكانت القدس كلها بين يديك!\nفقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله ﷺ فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه، فكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس) (٣). أشراط الساعة ليوسف الوابل – ص: ٦٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٧٦).\n(٢) «البداية والنهاية» (٧/ ٥٥ - ٥٧).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٣٨) (٢٦١). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٦٠): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٩): رواه أحمد وفيه عيسى بن سنان القسملي وثقة ابن حبان وغيره وضعفه أحمد وغيره وبقية رجاله ثقات، وحسن إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ١٣٦).","vol":"4","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1141>المطلب السادس: طاعون عمواس</span>\nجاء في حديث عوف بن مالك ... قوله ﷺ: «أعدد ستًا بين يدي الساعة» فذكر منها «ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم» (١).\nقال ابن حجر: (يقال أن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر، وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس) (٢).\nففي سنة ثمان عشرة للهجرة على المشهور الذي عليه الجمهور (٣) وقع طاعون في كورة عمواس، ثم انتشر في أرض الشام، فمات فيه خلق كثير من الصحابة ﵃، ومن غيرهم، قيل: بلغ عدد من مات فيه – خمسة وعشرون ألفا من المسلمين، ومات فيه من المشهورين أبو عبيدة عامر الجراح أمين هذه الأمة ﵁ (٤). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ٦٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٧٦).\n(٢) «فتح الباري» (٦/ ٢٧٨).\n(٣) «البداية والنهاية» (٧/ ٩٠).\n(٤) «معجم البلدان» (٤/ ١٥٧)، و«البداية والنهاية» «٧/ ٩٤).","vol":"4","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1142>المطلب السابع: توقف الجزية والخراج</span>\nوهما من أهم مصادر بيت مال المسلمين وقد أخبر الرسول ﷺ بأن ذلك سيتوقف وسيفقد المسلمون بسبب ذلك موردا إسلاميا هاما ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «منعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت الشام مدها ودينارها ومنعت مصر إردبها ودينارها وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم»، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٥٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٩٦).","vol":"4","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1144>المطلب الأول: الفتوحات والحروب</span>\nقد كان الرسول ﷺ يخبر الصحابة بما سيكون من الفتوحات والانتصارات التي سيجريها الله على أيديهم أو على أيدي من بعدهم حيث أخبر ﷺ بفتح فارس والروم وزوال ملك كسرى وقيصر، وغزو الهند ثم فتح القسطنطينية وفتح روما وقتال الترك. قال ﷺ: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» (١)، وقال ﷺ: «عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى بن مريم ﵇» (٢)، وفي الحديث الصحيح عن أبي قبيل قال: كنا عند عبدالله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبدالله بصندوق له حلق قال: فأخرج منه كتابا قال: فقال عبدالله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ: أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ: «مدينة هرقل تفتح أولا يعني القسطنطينية» (٣). وقال ﷺ: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل به الكفر» (٤). وقال ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك ...» (٥). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٥٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦١٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه النسائي (٦/ ٤٢)، وأحمد (٥/ ٢٧٨) (٢٢٤٤٩). من حديث ثوبان ﵁. قال ابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ» (٣/ ١٥٧٩): صالح. وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ١٧٦) (٦٦٤٥)، والدارمي (١/ ١٣٧)، والحاكم (٤/ ٤٦٨). من حديث عبدالله بن عمرو ﵄. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤): وهو كما قالا.\n(٤) رواه أحمد (٤/ ١٠٣) (١٦٩٩٨)، والحاكم (٤/ ٤٧٧). من حديث تميم الداري ﵁. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ١٤): ورجال أحمد رجال الصحيح. وانظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (٣).\n(٥) رواه البخاري (٢٩٢٨) واللفظ له، ومسلم (٢٩١٢) بلفظ: (يقاتل المسلمون). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1145>المطلب الثاني: خروج الدجالين أدعياء النبوة</span>\nومن العلامات التي ظهرت خروج الكذابين الذين يدعون النبوة، وهم قريب من ثلاثين كذابًا، وقد خرج بعضهم في الزمن النبوي وفي عهد الصحابة، ولا يزالون يظهرون، وليس التحديد في الأحاديث مرادًا به كل من ادعى النبوة مطلقًا، فإنهم كثير لا يحصون، وإنما المراد من قامت له شوكة، وكثر أتباعه، واشتهر بين الناس (١).\nففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين. كلهم يزعم أنه رسول الله» (٢).\nوعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي» (٣).\nوالأحاديث في ظهور هؤلاء الدجاجلة كثيرة، وفي بعضها وقع أنهم ثلاثون بالجزم كما في حديث ثوبان، وفي بعضها أنهم قريب من الثلاثين كما في حديث الصحيحين، ولعل رواية ثوبان على طريقة جبر الكسر (٤).\nوممن ظهر من هؤلاء الثلاثين مسيلمة الكذاب، فادعى النبوة في آخر زمن النبي ﷺ، وكاتبه رسول الله ﷺ وسماه مسيلمة الكذاب وقد كثر أتباعه، وعظم شره على المسلمين حتى قضى عليه الصحابة في عهد أبي بكر الصديق ﵁ في معركة اليمامة المشهورة.\nوظهر كذلك الأسود العنسي في اليمن وادعى النبوة، فقتله الصحابة قبل موت النبي ﷺ، وظهرت سجاح وادعت النبوة، وتزوجها مسيلمة ثم لما قتل رجعت إلى الإسلام.\nوتنبأ أيضًا طليحة بن خويلد الأسدي، ثم تاب ورجع إلى الإسلام وحسن إسلامه. ثم ظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي، وأظهر محبة أهل البيت، والمطالبة بدم الحسين، وكثر أتباعه فتغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، ثم أغواه الشيطان فادعى النبوة ونزول جبريل عليه (٥). والذي يقوي أنه من الدجالين ما رواه أبو داود بعد سياقة لحديث أبي هريرة الذي في الصحيحين في ذكر الكذابين عن إبراهيم النخعي أنه قال لعبيدة السلماني: أترى هذا منهم – يعني المختار؟ قال: فقال عبيدة: أما أنه من الرؤوس) (٦).\nومنهم الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل وخرج في خلافة بني العباس جماعة (٧).\nوظهر في العصر الحديث ميرزا أحمد القادياني بالهند وادعى النبوة، وأنه المسيح المنتظر، وأن عيسى ليس بحي في السماء، إلى غير ذلك من الإدعاءات الباطلة، وصار له أتباع وأنصار، وانبرى له كثير من العلماء، فردوا عليه وبينوا أنه أحد الدجالين.\nولا يزال خروج هؤلاء الكذابين واحدًا بعد الآخر حتى يظهر آخرهم الأعور الدجال. فقد روى الإمام أحمد عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم كسفت الشمس على عهده: «وأنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا آخرهم الأعور الكذاب» (٨).\nومن هؤلاء الكذابين أربع نسوة، فقد روى الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: «في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٩). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ٨٩\n_________\n(١) «فتح الباري» (٦/ ٦١٧).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٠٩)، ومسلم (١٥٧).\n(٣) رواه أبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢٢١٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠٦)، وقال السخاوي في «البلدانيات» (١٠٥): صحيح.\n(٤) «فتح الباري» (١٣/ ٨٧).\n(٥) «فتح الباري» (٦/ ٦١٧).\n(٦) رواه أبو داود بعد حديث (٤٣٣٤). قال الألباني في «ضعيف سنن أبو داود»: ضعيف مقطوع.\n(٧) «فتح الباري» (٦/ ٦١٧).\n(٨) رواه أحمد (٥/ ١٦) (٢٠١٩٠) بلفظ: «الدجال» بدلًا من «الكذاب». قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٤٤): رجال أحمد رجال الصحيح غير ثعلبة بن عباد وثقه ابن حبان.\n(٩) رواه أحمد (٥/ ٣٩٦) (٢٣٤٠٦). قال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٩٣): أخرجه أحمد عن حذيفة بسند جيد.","vol":"4","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1146>المطلب الثالث: ظهور الفتن</span>\nالفتن: جمع فتنة، وهي الابتلاء والامتحان والاختبار، ثم كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثم أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه، كالإثم، والكفر، والقتل، والتحريق وغير ذلك من الأمور المكروهة (١).\nوقد أخبر النبي ﷺ أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة التي يلتبس فيها الحق بالباطل فتزلزل الإيمان حتى يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا.\nكلما ظهرت فتنة قال المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، ويظهر غيرها فيقول هذه هذه، ولا تزال الفتن تظهر في الناس إلى أن تقوم الساعة.\nففي الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم» رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم في (المستدرك) (٢).\nوروى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (٣).\nوعن أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: «استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعًا، يقول: سبحان الله، ماذا أنزل الله من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن، من يوقظ صواحب الحجرات - يريد أزواجه لكي يصلين - رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» (٤).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: نادى منادي رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها. وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها. وتجيء الفتنة فيرقق بعضها بعضًا. وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر» رواه مسلم (٥).\nوأحاديث الفتن كثيرة جدًا فقد حذر النبي ﷺ أمته من الفتن، وأمر بالتعوذ منها، وأخبر أن آخر هذه الأمة سيصيبها بلاء وفتن عظيمة، وليس هنالك عاصم منها إلا الإيمان بالله، واليوم الآخر، ولزوم جماعة المسلمين، وهم أهل السنة وإن قلُّوا، والابتعاد عن الفتن والتعوذ منها، فقد قال ﵊: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» رواه مسلم عن زيد بن ثابت ﵁ (٦).\nظهور الفتن من المشرق:\n_________\n(١) انظر: «لسان العرب» (١٣/ ٣١٧) مادة (فتن).\n(٢) رواه أبو داود (٤٢٥٩)، وابن ماجه (٣٢١٥)، وأحمد (٤/ ٤٠٨) (١٩٦٧٧)، والحاكم (٤/ ٤٤٠). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠٩) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (١٠١).\n(٣) رواه مسلم (١١٨).\n(٤) رواه البخاري (٧٠٦٩).\n(٥) رواه مسلم (١٨٤٤).\n(٦) رواه مسلم (٢٨٦٧).","vol":"4","page":194},{"text":"أكثر الفتن التي ظهرت في المسلمين كان منبعها من المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان. وهذا مطابق لما أخبر به نبي الرحمة ﷺ، فقد جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: «ألا أن الفتنة هاهنا، ألا أن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» رواه الشيخان (١) وفي رواية لمسلم أنه قال: «رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» (٢)\nوعن ابن عباس ﵄ قال: دعا النبي ﷺ: «اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا، فقال رجل من القوم: يا نبي الله، وفي عراقنا، قال: أن بها قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وأن الجفاء بالمشرق» (٣).\nقال ابن حجر: (وأول الفتن كان منبعها من قبل المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة) (٤).\nفمن العراق ظهر الخوارج، والشيعة الروافض، والباطنية، والقدرية، والجهمية، والمعتزلة، وأكثر مقالات الكفر كان منشؤها من المشرق من جهة الفرس المجوس كالزردشتية، والمانوية، والمزدكية، والهندوسية، والبوذية، وأخيرًا وليس آخرًا القاديانية، والبهائية إلى غير ذلك من المذاهب الهدامة.\nوأيضًا فإن ظهور التتار في القرن السابع الهجري كان من المشرق، وقد حدث على أيديهم من الدمار والقتل والشر العظيم ما هو مدون في كتب التاريخ، وإلى اليوم لا يزال المشرق منبعًا للفتن، والشرور، والبدع، والخرافات، والإلحاد، فالشيوعية الملحدة مركزها روسيا والصين الشيوعية وهما في المشرق، وسيكون ظهور الدجال، ويأجوج ومأجوج من جهة المشرق، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. أشراط الساعة ليوسف الوابل- ٧٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٧٩)، ومسلم (٢٩٠٥).\n(٢) رواه مسلم (٢٩٠٥).\n(٣) رواه الطبراني (١٢/ ٨٤) (١٢٥٨٣)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٢١٤). وقال: رواته ثقات، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٣٠٨): رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله ثقات، وصححه لغيره الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٢٠٤).\n(٤) «فتح الباري» (١٣/ ٤٧).","vol":"4","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1147>المطلب الرابع: إسناد الأمر إلى غير أهله</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال «أين السائل عن الساعة». قال: ها أنا يا رسول الله قال: «فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٧٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩).","vol":"4","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1148>المطلب الخامس: اتباع سنن الأمم الماضية</span>\nومن الفتن العظيمة اتباع سنن اليهود والنصارى وتقليدهم، فقد قلد بعض المسلمين الكفار، وتشبهوا بهم، وتخلقوا بأخلاقهم، وأعجبوا بهم، وهذا مصداق ما أخبر به النبي ﷺ، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع. فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك» رواه البخاري (١).\nوفي رواية عن أبي سعيد: «قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن» رواه البخاري ومسلم (٢).\nقال ابن بطال: (أُعْلِمَ ﷺ أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور، والبدع والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم. وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة من الناس) (٣).\nوقال ابن حجر: (وقد وقع معظم ما أنذر به ﷺ وسيقع بقية ذلك) (٤).\nوفي هذا الزمن كثر في المسلمين من يتشبه بالكفار من شرقيين وغربيين، فتشبه رجالنا برجالهم، ونساءنا بنسائهم، وافتتنوا بهم حتى أدى الأمر ببعض الناس أن خرجوا عن الإسلام، واعتقدوا أنه لا يتم لهم تقدم وحضارة إلا بنبذ كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ومن عرف الإسلام الصحيح عرف ما وصل إليه المسلمون في القرون الأخيرة من بعد عن تعاليم الإسلام، وانحراف عن عقيدته، فلم يبق عند بعضهم من الإسلام إلا اسمه، فقد حكموا قوانين الكفار، وابتعدوا عن شريعة الله، وليس هناك أبلغ مما وصف به النبي ﷺ المسلمين في اتباعهم ومحاكاتهم للكفار فقال: «شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم» (٥).\nقال النووي: (والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات، لا في الكفر وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ فقد وقع ما أخبر به ﷺ) (٦)\nهذا والفتن ليس لها حصر ففتنة النساء، وفتنة المال، وحب الشهوات، وحب السلطان، والسيادة والزعامة، كلها فتن ربما تهلك الإنسان وتعصف به إلى مهاوي الردى نسأل الله العافية والسلامة. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٨٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣١٩).\n(٢) رواه البخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩).\n(٣) «شرح صحيح البخاري» (١٠/ ٣٦٦)، «فتح الباري» (١٣/ ٣٠١).\n(٤) «فتح الباري» (١٣/ ٣٠١).\n(٥) رواه البخاري (٧٣٢٠).\n(٦) «شرح النووي لمسلم» (١٦/ ٢١٩).","vol":"4","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1149>المطلب السادس: ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاة الشاة في البنيان</span>\nعن أبي هريرة قال كان النبي ﷺ بارزا يوما للناس فأتاه جبريل فقال ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث». قال ما الإسلام؟ قال «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان». قال ما الإحسان؟ قال «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال متى الساعة؟ قال «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله». ثم تلا النبي ﷺ إن الله عنده علم الساعة الآية ثم أدبر فقال «ردوه» فلم يروا شيئا فقال: «هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم» (١). والمراد بقوله: (أن تلد الأمة ربها) أي: سيدتها ومالكتها. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٨٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1150>المطلب السابع: استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقة، ويدعى إليه الرجل فيقول: لا أرب لي فيه» (١).\nوعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه» (٢). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص: ٦٩\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤١٢)، ومسلم (١٥٧).\n(٢) رواه البخاري (١٤١٤)، ومسلم (١٠١٢).","vol":"4","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1151>المطلب الثامن: تداعي الأمم على الأمة الإسلامية</span>\nعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن». فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٨٥\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٢٩٧)، وأحمد (٥/ ٢٧٨) (٢٢٤٥٠) بلفظ: (حب الحياة). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"4","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1152>المطلب التاسع: ضياع الأمانة</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (١).\nوبيَّن النبي ﷺ كيف ترفع الأمانة من القلوب، وأنه لا يبقى منها في القلب إلا أثرها.\nروى حذيفة ﵁ قال: «حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة. وحدثنا عن رفعها قال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرًا وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا ردَّه عليَّ الإسلام، وإن كان نصرانيًا ردَّه عليَّ ساعيه، فأما اليوم: فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا» (٢).\nففي هذا الحديث بيان أن الأمانة سترفع من القلوب، حتى يصير الرجل خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنما يقع لمن ذهبت خشيته، وضعف إيمانه، وخالط أهل الخيانة فيصير خائنًا، لأن القرين يقتدي بقرينه.\nومن مظاهر تضييع الأمانة إسناد أمور الناس من إمارة وخلافة وقضاء ووظائف على اختلافها إلى غير أهلها القادرين على تسييرها والمحافظة عليها، لأن في ذلك تضييعًا لحقوق الناس، واستخفافًا بمصالحهم، وإيغارًا لصدورهم، وإثارة للفتن بينهم.\nفإذا ضيع من يتولى أمر الناس الأمانة، والناس تبع لمن يتولى أمرهم، كانوا مثله في تضييع الأمانة، فصلاح حال الولاة صلاح لحال الرعية، وفساده فساد لهم، ثم أن إسناد الأمر إلى غير أهله دليل واضح على عدم اكتراث الناس بدينهم، حتى أنهم ليولون أمرهم من لا يهتم بدينه وهذا إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم، ولهذا ذكر البخاري ﵀ حديث أبي هريرة الماضي في كتاب العلم إشارة إلى هذا.\nقال ابن حجر: (ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط) (٣) وقد أخبر ﷺ أنه ستكون هناك سنون خداعة، تنعكس فيها الأمور، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٩٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩).\n(٢) رواه البخاري (٧٠٨٦)، ومسلم (١٤٣).\n(٣) «فتح الباري» (١/ ١٤٣).","vol":"4","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1153>المطلب العاشر: قبض العلم وظهور الجهل</span>\nومن أشراطها قبض العلم، وفشو الجهل، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل» (١).\nوروى البخاري عن شقيق قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى فقالا: قال النبي ﷺ: «إن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل، ويرفع العلم» (٢).\nوفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقي الشح، ويكثر الهرج» (٣).\nقال ابن بطال: (وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عيانًا، فقد نقص العلم، وظهر الجهل، وألقي الشح في القلوب، وعمت الفتن، وكثر القتل) (٤) وعقب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: (الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى بما يقابله إلا النادر، وإليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم، فلا يبقى إلا الجهل الصرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم، لأنهم يكونون حينئذ معمورين في أولئك) (٥).\nوقبض العلم يكون بقبض العلماء، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٦).\nقال النووي: (هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوه من صدور حفاظه ولكن معناه: أن يموت حملته، ويتخذ الناس جهالًا يحكمون بجهالاتهم، فيَضِلُّون ويُضِلِّون) (٧)\nوالمراد بالعلم هنا علم الكتاب والسنة وهو العلم الموروث عن الأنبياء ﵈، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء وبذهابهم يذهب العلم وتموت السنن وتظهر البدع ويعم الجهل، وأما علم الدنيا فإنه في زيادة وليس هو المراد في الأحاديث، بدليل قوله ﷺ: «فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». والعلماء الحقيقيون هم الذين يعملون بعلمهم، ويوجهون الأمة ويدلونها على طريق الحق والهدى، فإن العلم بدون عمل لا فائدة فيه، بل يكون وبالًا على صاحبه، وقد جاء في رواية للبخاري «وينقص العمل» (٨).\nقال الإمام مؤرخ الإسلام الذهبي بعد ذكره لطائفة من العلماء: (وما أوتوا من العلم إلا قليلًا، وأما اليوم فما بقي من العلوم القليلة إلا القليل في أناس قليل ما أقل من يعمل منهم بذلك القليل فحسبنا الله ونعم الوكيل) (٩) وإذا كان هذا في عصر الذهبي فما بالك بزمننا هذا؟ فإنه كلما بعد الزمان من عهد النبوة كلما قل العلم وكثر الجهل، فإن الصحابة ﵃ كانوا أعلم هذه الأمة ثم التابعين، ثم تابعيهم، وهم خير القرون كما قال ﷺ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١٠).\n_________\n(١) رواه البخاري (٨٠)، ومسلم (٢٦٧١).\n(٢) رواه البخاري (٧٠٦٢).\n(٣) رواه مسلم (١٥٧).\n(٤) «شرح صحيح البخاري» (١٠/ ١٣)، و«فتح الباري» (١٣/ ١٦).\n(٥) «فتح الباري» (١٣/ ١٦).\n(٦) رواه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣).\n(٧) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ٢٢٣).\n(٨) رواها البخاري (٦٠٣٧).\n(٩) «تذكرة الحفاظ» (٣/ ١٠٣١).\n(١٠) رواه البخاري (٣٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٣).","vol":"4","page":202},{"text":"ولا يزال العلم ينقص والجهل يكثر حتى لا يعرف الناس فرائض الإسلام، فقد روى حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها. فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار ثلاثًا» (١).\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁: «لينزعن القرآن من بين أظهركم يسري عليه ليلًا فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء» (٢).\nقال ابن تيمية: (يسري به في آخر الزمان من المصاحف والصدور فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف) (٣).\nوأعظم من هذا أن لا يذكر اسم الله تعالى في الأرض كما في الحديث عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله» (٤).\nقال ابن كثير: (في معنى هذا الحديث قولان:\nأحدهما: أن معناه أن أحدًا لا ينكر منكرًا، ولا يزجر أحدًا إذا رآه قد تعاطى منكرًا، وعبر عن ذلك بقوله «حتى لا يقال: الله الله»، كما ... في حديث عبد الله بن عمرو «فيبقى فيها عجاجة لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا» (٥).\nوالقول الثاني: حتى لا يذكر الله في الأرض، ولا يعرف اسمه فيها، وذلك عند فساد الزمان، ودمار نوع الإنسان، وكثرة الكفر والفسوق والعصيان\" (٦). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٠٢\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٣٢٨٩)، والحاكم (٤/ ٥٨٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٣٥٦) (٢٠٢٨). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٤/ ٩٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ١٩): إسناده قوي.\n(٢) رواه الطبراني (٩/ ١٤١) (٨٧١٩)، وعبدالرزاق في «المصنف» (٣/ ٣٦٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٣٢): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير شداد بن معقل وهو ثقة، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ١٩): إسناده صحيح لكنه موقوف.\n(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ١٩٨).\n(٤) رواه مسلم (١٤٨).\n(٥) رواه أحمد (٢/ ٢١٠) (٦٩٦٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٦): رواه أحمد مرفوعًا وموقوفًا ورجالهما رجال الصحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١١/ ١٦١).\n(٦) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ١٢٢ - ١٢٣).","vol":"4","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1154>المطلب الحادي عشر: الخسف والقذف والمسخ</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قالت: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا ظهر الخبث» (١).\nوعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «بين يدي الساعة مسخ وخسف وقذف» (٢).\nوقد جاء الخبر أن الزنادقة والقدرية يقع عليهم المسخ والقذف، روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في أمتي مسخ وقذف، وهو في الزندقية والقدرية» (٣).\nوفي رواية للترمذي: «في هذه الأمة أو في أمتي خسف أو مسخ أو قذف في أهل القدر» (٤).\nوعن عبد الرحمن بن صحار العبدي عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل، فيقال: من بقي من بني فلان؟ قال: فعرفت حين قال: قبائل أنها العرب، لأن العجم تنسب إلى قراها» (٥).\nوعن محمد بن إبراهيم التيمي قال: سمعت بقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد تقول: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: «إذا سمعتم بجيش قد خسف به قريبًا فقد أظلت الساعة» (٦).\nوالخسف قد وجد في مواضع في الشرق والغرب (٧) قبل عصرنا هذا، ووقع في هذا الزمن كثير من الخسوفات في أماكن متفرقة من الأرض، وهي نذير بين يدي عذاب شديد، وتخويف من الله لعباده، وعقوبة لأهل البدع والمعاصي، كي يعتبر الناس ويرجعوا إلى ربهم ويعلموا أن الساعة قد أزفت، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٨٥)، وقال: غريب من حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه و[فيه] عبد الله بن عمر تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه ابن ماجه (٣٢٩٦). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٣١٠): حديث عبد الله ورجال إسناده ثقات. إلا أنه منقطع. سيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق ابن شهاب. قاله الإمام أحمد. وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) رواه أحمد (٢/ ١٣٦) (٦٢٠٨). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٠٦): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده السيوطي في «الخصائص الكبرى» (٢/ ١٤٨)، وأحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٩/ ٧٤).\n(٤) رواه الترمذي (٢١٥٢). وقال: حسن صحيح غريب، وقال ابن القيم في «تهذيب السنن» (١٢/ ٤٥٥): أجود ما في الباب، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) رواه أحمد (٣/ ٤٨٣) (١٥٩٩٨)، والحاكم (٤/ ٤٩٢). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٨): رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى والبزار ورجاله ثقات، وصحح إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ١٤٢)، والسفاريني في «شرح ثلاثيات المسند» (١/ ٢٩٠).\n(٦) رواه أحمد (٦/ ٣٧٨) (٢٧١٧٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٢): رواه أحمد والطبراني وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجال أحد إسنادي أحمد رجال الصحيح، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٦١٨).\n(٧) انظر: «فتح الباري» (١٣/ ٨٤)، و«عون المعبود» (١١/ ٤٢٩).","vol":"4","page":204},{"text":"وقد جاء الوعيد للعصاة من أهل المعازف وشاربي الخمور بالخسف والمسخ والقذف، روى الترمذي عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف. فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرت القيان والمعازف، وشربت الخمور» (١).\nوروى ابن ماجة عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» (٢).\nوالمسخ يكون حقيقيًا، ويكون معنويًا، فقد فسر الحافظ ابن كثير ﵀ (المسخ) في قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: ٦٥].\nبأنه مسخ حقيقي وليس مسخًا معنويًا فقط، وهذا القول هو الراجح، وهو ما ذهب إليه ابن عباس وغيره من أئمة التفسير (٣).\nوذهب مجاهد وأبو العالية وقتادة إلى أن المسخ كان معنويًا وأنه كان لقلوبهم ولم يمسخوا قردة (٤) ونقل ابن حجر عن ابن العربي القولين ورجح الأول (٥) ورجح رشيد رضا في تفسيره القول الثاني، وهو أنه كان مسخًا في أخلاقهم (٦).\nواستبعد ابن كثير ما روي عن مجاهد وقال: (أنه قول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وغيره) (٧).\nثم قال بعد سياقه لطائفة من كلام العلماء: والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد - ﵀ – من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًا بل الصحيح أنه معنوي صوري والله أعلم (٨).\nوإذا كان المسخ يحتمل أن يكون معنويًا فإن كثيرًا من المستحلين للمعاصي قد مسخت قلوبهم فأصبحوا لا يفرقون بين الحلال والحرام، ولا بين المعروف والمنكر، مثلهم في ذلك كمثل القردة والخنازير – نسأل الله العافية والسلامة – وسيقع ما أخبر به ﷺ من المسخ سواء كان معنويًا أو صوريًا. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٣٣\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٢١٢). وقال: غريب، وحسنه لغيره الشوكاني في «نيل الأوطار» (٨/ ٢٦٢)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه ابن ماجه (٣٢٦٣)، والبيهقي (١٠/ ٢٢١) (٢١٥١٧). وقال بعده: ولهذا شواهد من حديث علي وعمران بن حصين وعبد الله بن بسر وسهل بن سعد وأنس بن مالك وعائشة ﵃ عن النبي ﷺ، وصحح إسناده ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٠٩)، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) «تفسير الطبري» (٢/ ١٧٠)، «تفسير الماوردي» (١/ ١٣٥)، «تفسير ابن كثير» (١/ ١٥٠).\n(٤) «تفسير الطبري» (٢/ ١٧٢ - ١٧٣)، «تفسير ابن كثير» (١/ ١٥٠).\n(٥) «فتح الباري» (١٠/ ٥٦).\n(٦) «تفسير المنار» (١/ ٣٤٣).\n(٧) «تفسير ابن كثير» (١/ ١٥١).\n(٨) «تفسير ابن كثير» (١/ ١٥٣).","vol":"4","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1155>المطلب الثاني عشر: انتشار الزنا</span>\nومن العلامات التي ظهرت فشو الزنا وكثرته بين الناس، فقد أخبر النبي ﷺ بأن ذلك من أشراط الساعة:- ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشراط الساعة (فذكر منها) ويظهر الزنا» (١).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «سيأتي على الناس سنوات خداعات (فذكر الحديث وفيه) وتشيع فيها الفاحشة» (٢).\nوأعظم من ذلك استحلال الزنا. فقد ثبت في الصحيح عن أبي مالك الأشعري أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير» (٣)، وفي آخر الزمان بعد ذهاب المؤمنين يبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر، كما جاء في حديث النواس ﵁ «ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» (٤).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذ من يقول لو واريتها وراء هذا الحائط» (٥). قال القرطبي في كتابه (المفهم) على حديث أنس السابق: (في هذا الحديث علم من أعلم النبوة إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت خصوصًا في هذه الأزمان) (٦).\nوإذا كان هذا في زمان القرطبي فهو في زماننا هذا أكثر ظهورًا لعظم غلبة الجهل وانتشار الفساد بين الناس. أشراط الساعة ليوسف الوابل-١٠٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٨٠)، ومسلم (٢٦٧١).\n(٢) رواه ابن ماجه (٣٢٧٧)، والحاكم (٤/ ٥٥٧) واللفظ له. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهو من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن المقبري غريب جدا، وقال الذهبي: صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) رواه البخاري (٥٥٩٠).\n(٤) رواه مسلم (٢٩٣٧).\n(٥) رواه أبو يعلى (١١/ ٤٣) (٦١٨٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٣٤): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.\n(٦) «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (٢٢/ ٦١)، «فتح الباري» (١/ ١٧٩).","vol":"4","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1156>المطلب الثالث عشر: انتشار الربا</span>\nومنها ظهور الربا وانتشاره بين الناس، وعدم المبالاة بأكل الحرام، ففي الحديث عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بين يدي الساعة يظهر الربا» (١).\nوفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان، لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام» (٢).\nوهذه الأحاديث تنطبق على كثير من المسلمين في هذا الزمن، فتجدهم لا يتحرون الحلال في المكاسب، بل يجمعون المال من الحلال والحرام وأغلب ذلك بدخول الربا في معاملات الناس، فقد انتشرت المصارف المتعاملة بالربا، ووقع كثير من الناس في هذا البلاء العظيم.\nومن فقه الإمام البخاري ﵀ أنه أورد حديث أبي هريرة السابق في باب قول الله ﷿: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: ١٣٠] ليبين أن أكل الأضعاف المضاعفة من الربا يكون بالتوسع فيه عند عدم مبالاة الناس بطرق جمع المال، وعدم التمييز بين الحلال والحرام. أشراط الساعة ليوسف الوابل-١٠٨\n_________\n(١) رواه الطبراني (٧/ ٣٤٩) (٧٦٩٥)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٧). وقال: رواه الطبراني ورواته رواة الصحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٢١): رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣٤١٥): رجال إسناده رجال الصحيح غير أبي حمزة الكوفي وهو حسن الحديث.\n(٢) رواه البخاري (٢٠٨٣).","vol":"4","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1157>المطلب الرابع عشر: ظهور المعازف واستحلالها</span>\nعن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ، قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت المعازف والقينات» (١).\nوهذه العلامة قد وقع شيء كبير منها في العصور السابقة، وهي الآن أكثر ظهورًا، فقد ظهرت المعازف في هذا الزمن وانتشرت انتشارًا عظيمًا، وكثر المغنون والمغنيات وهم المشار إليهم في هذا الحديث بـ \" القينات\" وأعظم من ذلك استحلال كثير من الناس للمعازف، وقد جاء الوعيد لمن فعل ذلك بالمسخ، والقذف، والخسف كما في الحديث السابق، ولما ثبت في صحيح البخاري ﵀ قال: قال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد - ثم ساق السند إلى أبي مالك الأشعري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» (٢).\nوقد زعم ابن حزم أن هذا الحديث منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد، ورد عليه العلامة ابن القيم، وبيَّن أنَّ ما قاله ابن حزم باطل من ستة وجوه (٣):\n١ - أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا روى عنه معنعنًا حمل على الاتصال اتفاقًا لحصول المعاصرة والسماع فإذا قال: (قال هشام) لم يكن فرق بينه وبين قوله: (عن هشام) أصلًا.\n٢ - أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولًا، قال الإسماعيلي في صحيحه: (أخبرني الحسن حدثنا هشام بن عمار) بإسناده ومتنه.\n٣ - أنه قد صح من غير حديث هشام، فرواه الإسماعيلي وعثمان بن أبي شيبة بسندين آخرين إلى أبي مالك الأشعري ﵁.\n٤ - أن البخاري لو لم يلق هشامًا ولم يسمع منه فإدخاله هذا الحديث في صحيحه وجزمه به يدل على أنه ثابت عنده عن هشام ولم يذكر الواسطة بينه وبين هشام إما لشهرتهم، وإما لكثرتهم فهو معروف مشهور عن هشام.\n٥ - أن البخاري إذا قال في صحيحه: (قال فلان) فالمراد أن الحديث صحيح عنده.\n٦ - أن البخاري ذكر هذا الحديث محتجًا به، مدخلًا له في صحيحه أصلًا لا استشهادًا فالحديث صحيح بلا ريب.\nوقال ابن الصلاح ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رده ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر أو أبي مالك فذكره ثم قال: – والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري ﵀ قد يفعل مثل ذلك لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علقه عنه. وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلًا وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع والله أعلم (٤). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص: ١٠٩\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٣٢٩٧)، والطبراني (٦/ ١٥٠) (٥٨٢٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٣): فيه عبد الله بن أبي الزناد وفيه ضعف وبقية رجال إحدى الطريقين رجال الصحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٢) رواه البخاري (٥٥٩٠).\n(٣) «تهذيب السنن» (٥/ ٢٧٠).\n(٤) «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ٣٦).","vol":"4","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1158>المطلب الخامس عشر: كثرة شرب الخمر واستحلالها</span>\nظهر في هذه الأمة شرب الخمر وتسميتها بغير اسمها، والأدهى من ذلك استحلال بعض الناس لها، وهذا من أمارات الساعة، فقد روى الإمام مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أشراط الساعة» وذكر منها «ويشرب الخمر» (١) ومضى ذكر بعض الأحاديث في الكلام على المعازف وفيها أنه سيكون من هذه الأمة من يستحل شرب الخمر. ومنها ما رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه» (٢).\nفقد أطلق على الخمر أسماء كثيرة، حتى سميت بالمشروبات الروحية ونحو ذلك، والأحاديث في بيان أن هذه الأمة سيفشو فيها شرب الخمر، وأن فيهم من يستحلها ويغير اسمها، وفسر ابن العربي استحلال الخمر بتفسيرين:\nالأول: اعتقاد حل شربها.\nالثاني: أن يكون المراد بذلك الاسترسال في شربها كالاسترسال في الحلال.\nوذكر أنه سمع ورأى من يفعل ذلك (٣)، وهو في زمننا هذا أكثر، فقد فتن بعض الناس بشربها، وأعظم من ذلك بيعها جهارًا وشربها علانية في بعض البلدان الإسلامية، وانتشار المخدرات انتشارًا عظيمًا لم يسبق له مثيل مما ينذر بخطر عظيم، وفساد كبير، والأمر لله من قبل ومن بعد. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١١٢\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٧١). ورواه البخاري (٨٠).\n(٢) رواه ابن ماجه (٢٧٤٦)، وأحمد (٥/ ٣١٨) (٢٢٧٦١) واللفظ له. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٧٨): رواه أحمد وفيه ثابت بن السمط وهو مستور وبقية رجاله ثقات، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) «فتح الباري» (١٠/ ٥٥).","vol":"4","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1159>المطلب السادس عشر: زخرفة المساجد والتباهي بها</span>\nومنها زخرفة المساجد ونقشها والتفاخر بها فقد روى الإمام أحمد عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» (١) وفي رواية للنسائي وابن خزيمة ﵁ أن النبي ﷺ قال «ومن أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد» (٢).\nقال البخاري: (قال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلًا، فالتباهي بها العناية بزخرفتها) (٣).\nقال ابن عباس: (لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى) (٤).\nوقد نهى عمر بن الخطاب ﵁ عن زخرفة المساجد لأن ذلك يشغل الناس عن صلاتهم. وقال عندما أمر بتجديد المسجد النبوي (أكِنَّ الناسَ من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس) (٥).\nورحم الله عمر فإن الناس لم يأخذوا بوصيته، ولم يقتصروا على التحمير والتصفير. بل تعدوا ذلك إلى نقش المساجد كما ينقش الثوب، وتباهى الملوك والخلفاء في بناء المساجد وتزويقها حتى أتوا في ذلك بالعجب، ولا زالت هذه المساجد قائمة حتى الآن كما في الشام ومصر وبلاد المغرب والأندلس وغيرها. وحتى الآن لا يزال المسلمون يتباهون في زخرفة المساجد.\nولا شك أن زخرفة المساجد علامة على الترف والتبذير، وعمارتها إنما تكون بالطاعة والذكر فيها، ويكفي الناس ما يكنهم من الحر والقر والمطر، وقد جاء الوعيد بالدمار إذا زخرفت المساجد وحليت المصاحف، فقد روى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء ﵁ قال: (إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم) (٦)، قال المناوي: (فزخرفة المساجد، وتحلية المصاحف منهي عنها، لأن ذلك يشغل القلب، ويلهي عن الخشوع والتدبر والحضور مع الله تعالى، والذي عليه الشافعية أن تزويق المسجد ولو الكعبة بذهب أو فضة حرام مطلقًا وبغيرهما مكروه) (٧). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص: ١١٣\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٣٤) (١٢٤٠٢)، ورواه أبو داود (٤٤٩) وسكت عنه. وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (١٨١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه النووي في «الخلاصة» (١/ ٣٠٥)، وابن دقيق العيد في «الاقتراح» (١١٤).\n(٢) رواه النسائي (٢/ ٣٢)، ابن خزيمة (٢/ ٢٨٢) (١٣٢٣). والحديث حسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ٣٣٦) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٣) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٤٤٦)، ووصله أبو يعلى في مسنده (٥/ ١٩٩) (٢٨١٧)، وانظر «تغليق التعليق» لابن حجر (٢/ ٢٣٦).\n(٤) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٤٤٦)، ووصله ابن حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٢٣٨).\n(٥) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٤٤٦).\n(٦) رواه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٣/ ٢٥٦). وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٨٥).\n(٧) «فيض القدير» (١/ ٣٦٧).","vol":"4","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1160>المطلب السابع عشر: تقارب الزمن</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى .. يتقارب الزمان» (١).\nوعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة» (٢). وللعلماء أقوال في المراد بتقارب الزمان منها:\n١ - أن المراد بذلك قلة البركة في الزمان (٣).\nقال ابن حجر: (وقد وجد في زماننا هذا، فإننا نجد من سرعة مر الأيام ما لم يكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا) (٤).\n٢ - أن المراد بذلك هو ما يكون في زمان المهدي وعيسى ﵇ من استلذاذ الناس للعيش وتوفر الأمن وغلبة العدل وذلك أن الناس يستقصرون أيام الرخاء وأن طالت، وتطول عليهم مدة الشدة وأن قصرت (٥).\n٣ - أن المراد تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون منهم من يأمر بمعروف وينهى عن منكر لغلبة الفسق وظهور أهله وذلك عند ترك طلب العلم خاصة والرضى بالجهل، وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم، فدرجات العلم تتفاوت كما قال تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٦) [يوسف: ٧٦] وإنما يتساوون إذا كانوا جهالًا.\n٤ - أن المراد تقارب أهل الزمان بسبب توفر وسائل الاتصالات والمراكب الأرضية والجوية السريعة التي قربت البعيد (٧).\n٥ - أن المراد بذلك هو قصر الزمان وسرعته سرعة حقيقية وذلك في آخر الزمان، وهذا لم يقع إلى الآن ويؤيد ذلك ما جاء أن أيام الدجال تطول حتى يكون اليوم كالسنة وكالشهر وكالجمعة في الطول، فكما أن الأيام تطول فإنها تقصر (٨) وذلك لاختلال نظام العالم وقرب زوال الدنيا.\nقال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان قصره على ما وقع في حديث «لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر» وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسيًا ويحتمل أن يكون معنويًا، أما الحسي فلم يظهر بعد ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة.\nوأما المعنوي فله مدة منذ ظهر يعرف ذلك أهل العلم الديني ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي، فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك ولا يدرون العلة فيه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشد ذلك الأقوات ففيها من الحرام المحض ومن الشبه ما لا يخفى، حتى أن كثيرًا من الناس لا يتوقف في شيء ومهما قدر على تحصيل شيء هجم عليه ولا يبالي.\nوالواقع أن البركة في الزمان وفي الرزق وفي النبت إنما يكون من طريق قوة الإيمان، واتباع الأمر، واجتناب النهي، والشاهد لذلك قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦] (٩). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٢٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٠٣٧)، ومسلم (١٥٧).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٥٣٧) (١٠٩٥٦). قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط مسلم، وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند» (١٤٦٠).\n(٣) «معالم السنن بهامش مختصر سنن أبي داود للمنذري» (٦/ ١٤١) «جامع الأصول لابن الأثير» (١٠/ ٤٠٩) «فتح الباري» (١٣/ ١٦).\n(٤) «فتح الباري» (١٣/ ١٦).\n(٥) «فتح الباري» (١٣/ ١٦).\n(٦) «مختصر سنن أبي داود للمنذري» (٦/ ١٤٢).\n(٧) «اتحاف الجماعة» (١/ ٤٩٧)، «والعقائد الإسلامية» (٢٤٧) لسيد سابق.\n(٨) «مختصر سنن أبي داود للمنذري» (٦/ ١٤٢) «جامع الأصول» (١٠/ ٤٠٩) تحقيق عبد القادر الأرناؤوط.\n(٩) «فتح الباري» (١٣/ ١٧).","vol":"4","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1161>المطلب الثامن عشر: كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق</span>\nجاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قوله ﷺ: «إن بين يدي الساعة ... شهادة الزور وكتمان شهادة الحق» (١).\nوشهادة الزور هي الكذب متعمدًا في الشهادة، فكما أن شهادة الزور سبب لإبطال الحق، فكذلك كتمان الشهادة سبب لإبطال الحق.\nقال الله تعالى: وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٣].\nوعن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. ثلاثًا الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، أو قول الزور وكان متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته يسكت» (٢).\nوما أكثر شهادة الزور وكتمان شهادة الحق في هذا الزمن، ولعظم خطرها قرنها النبي ﷺ بالشرك وعقوق الوالدين، فإن شهادة الزور سبب للظلم والجور وضياع حقوق الناس في الأموال والأعراض، وظهورها دليل على ضعف الإيمان وعدم الخوف من الرحمن. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٥٠\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٤٠٧) (٣٨٧٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٣٢): رجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٥/ ٣٣٣)، والألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٦٤٧) وقال: على شرط مسلم.\n(٢) رواه البخاري (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧).","vol":"4","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1163>المطلب الأول: عودة جزيرة العرب جنات وأنهارًا</span>\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩٥\n_________\n(١) رواه مسلم (١٥٧).","vol":"4","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1164>المطلب الثاني: انتفاخ الأهلة</span>\nمن الأدلة على اقتراب الساعة أن يرى الهلال عند بدو ظهوره كبيرا حتى يقال ساعة خروجه إنه لليلتين أو ثلاثة فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩٦\n_________\n(١) رواه الطبراني (١٠/ ١٩٨). وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٥٨٩٨): صحيح. وانظر كلامه في «السلسلة الصحيحة» (٢٢٩٢).","vol":"4","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1165>المطلب الثالث: تكليم السباع والجماد الإنس</span>\nعن أبي سعيد الخدري قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه قال: ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي. فقال: يا عجبي ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس. فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك محمد ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصلاة جامعة ثم خرج فقال للراعي: «أخبرهم». فأخبرهم فقال رسول الله ﷺ: «صدق والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩٧\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٨٣) (١١٨٠٩). وروى الترمذي - طرف من آخره - (٢١٨١)، والحاكم (٤/ ٤١٤). قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدي. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٩١): عند الترمذي طرف من آخره - ثم قال: رواه أحمد والبزار بنحوه باختصار ورجال أحد إسنادي أحمد رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٢٢): وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير القاسم هذا وهو ثقة اتفاقًا، وأخرج له مسلم في (المقدمة).","vol":"4","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1166>المطلب الرابع: انحسار الفرات عن جبل من ذهب</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب. يقتتل الناس عليه. فيقتل من كل مائة، تسعة وتسعون. ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو» (١).\nوليس المقصود بهذا الجبل من ذهب (النفط) (البترول الأسود) كما يرى ذلك أبو عبية في تعليقه على النهاية في الفتن لابن كثير (٢) وذلك من وجوه:\n١ - أن النص جاء فيه (جبل من ذهب) والبترول ليس بذهب على الحقيقة فإن الذهب هو المعدن المعروف.\n٢ - أن النبي ﷺ أخبر أن ماء النهر ينحسر عن جبل من ذهب فيراه الناس، والنفط أو (البترول) يستخرج من باطن الأرض بالآلات من مسافات بعيدة.\n٣ - أن النبي ﷺ خص الفرات بهذا دون غيره من البحار والأنهار، والنفط نراه يستخرج من البحار كما يستخرج من الأرض وفي أماكن كثيرة متعددة.\n٤ - أن النبي ﷺ أخبر أن الناس سيقتتلون عند هذا الكنز ولم يحصل أنهم اقتتلوا عند خروج النفط من الفرات أو غيره، بل أن النبي ﷺ نهى من حضر هذا الكنز أن يأخذ منه شيئًا كما في الرواية الأخرى عن أبي بن كعب ﵁ قال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا .. إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا» (٣).\nومن حمله على النفط فإنه يلزمه على قوله هذا النهي عن الأخذ من النفط ولم يقل به أحد (٤).\nوقد رجح الحافظ ابن حجر أن سبب المنع من الأخذ من هذا الذهب لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه (٥). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٥٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٩٤).\n(٢) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ٢٠٨) تحقيق محمد فهيم أبو عبية.\n(٣) رواه البخاري (٧١١٩)، ومسلم (٢٨٩٤).\n(٤) «اتحاف الجماعة» (١/ ٤٨٩).\n(٥) «فتح الباري» (١٣/ ٨١).","vol":"4","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1167>المطلب الخامس: إخراج الأرض كنوزها المخبوءة</span>\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي. ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا» (١). وهذه آية من آيات الله حيث يأمر الحق الأرض أن تخرج كنوزها المخبوءة في جوفها. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠١\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠١٣).","vol":"4","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1168>المطلب السادس: محاصرة المسلمين إلى المدينة</span>\nمن أشراط الساعة أن يهزم المسلمون وينحسر ظلهم ويحيط بهم أعداؤهم ويحاصرونهم في المدينة المنورة. عن ابن عمر: ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٢\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٢٥٠)، وابن حبان (١٥/ ١٧٤)، والطبراني في «الأوسط» (٦/ ٢٨٦)، والحاكم (٤/ ٥٥٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط محقق «صحيح ابن حبان»: قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري.","vol":"4","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1169>المطلب السابع: إحراز الجهجاه الملك</span>\nالجهجاه رجل من قحطان سيصير إليه الملك وهو شديد القوة والبطش، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه» (١) وفي رواية: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: الجهجاه» (٢). ويحتمل أن يكون هذا الذي في الرواية الأخيرة غير الأول فقد صح في سنن الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يذهب الليل والنهار حتى يملك رجل من الموالي يقال له جهجاه» (٣) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٥١٧)، ومسلم (٢٩١٠).\n(٢) رواه مسلم (٢٩١١).\n(٣) رواه الترمذي (٢٢٢٨)، وأحمد (٢/ ٣٢٩) (٨٣٤٦). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٦/ ١٥٦): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"4","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1170>المطلب الثامن: فتح القسطنطينية</span>\nومنها فتح مدينة القسطنطينية – قبل خروج الدجال - على يدي المسلمين، والذي تدل عليه الأحاديث أن هذا الفتح العظيم يكون بعد قتال الروم في الملحمة الكبرى وانتصار المسلمين عليهم، فعندئذ يتوجون إلى مدينة القسطنطينية فيفتحها الله للمسلمين بدون قتال، وسلاحهم التكبير والتهليل.\nففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق. فإذا جاؤوها نزلوا. فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم. قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط أحد جانبيها. قال ثور (أحد رواة الحديث): لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر. ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط جانبها الآخر. ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر. فيفرج لهم. فيدخلوها فيغنموا. فبينما هم يقتسمون الغنائم، إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج. فيتركون كل شيء ويرجعون» (١).\nوقد أشكل قوله في هذا الحديث: «يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق» والروم من بني إسحاق، لأنهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵉، فكيف يكون فتح القسطنطينية على أيديهم؟\nقال القاضي عياض: (كذا هو في جميع أصول صحيح مسلم من بني إسحاق، ثم قال: قال بعضهم: المعروف المحفوظ من بني إسماعيل، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه لأنه إنما أراد العرب) (٢).\nوذهب الحافظ ابن كثير: إلى أن هذا الحديث (يدل على أن الروم يسلمون في آخر الزمان، ولعل فتح القسطنطينية يكون على أيدي طائفة منهم كما نطق به الحديث المتقدم أنه يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق) واستشهد على ذلك بأنهم مدحوا في حديث المستورد القرشي فقد قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ. قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة. وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة. وأوشكهم كرة بعد فرة. وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف. وخامسة حسنة وجميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك» (٣).\n... ويدل أيضًا على أن الروم يسلمون في آخر الزمان حديث أبي هريرة السابق في قتال الروم وفيه: أن الروم يقولون للمسلمين «خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا» (٤) فالروم يطلبون من المسلمين أن يتركوهم يقاتلون من سبي منهم لأنهم أسلموا فيرفض المسلمون ذلك، ويبينون للروم أن من أسلم منهم فهو من إخواننا لا نسلمه لأحد، وكون غالب جيش المسلمين ممن سبي من الكفار ليس بمستغرب.\nقال النووي: (وهذا موجود في زماننا، بل معظم عساكر الإسلام في بلاد الشام ومصر سبوا ثم هم اليوم بحمد الله يسبون الكفار وقد سبوهم في زماننا مرارًا كثيرة، يسبون في المرة الواحدة من الكفار ألوفًا ولله الحمد على إظهار الإسلام وإعزازه) (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٢٠).\n(٢) «إكمال المعلم شرح صحيح مسلم» (٨/ ٢٣٢)، و«شرح صحيح مسلم» للنووي (١٨/ ٤٣ - ٤٤).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٩٨).\n(٤) رواه مسلم (٢٨٩٧).\n(٥) «شرح صحيح مسلم» (١٨/ ٢١).","vol":"4","page":220},{"text":"ويؤيد كون هذا الجيش الذي يفتح القسطنطينية من بني إسحاق أن جيش الروم يبلغ عددهم قريبًا من ألف ألف، فيقتل بعضهم ويسلم بعضهم ويكون من أسلم مع جيش المسلمين الذي يفتح القسطنطينية والله أعلم. وفتح القسطنطينية بدون قتال لم يقع إلى الآن وقد روى الترمذي عن أنس بن مالك أنه قال: «فتح القسطنطينية مع قيام الساعة» (١).\nثم قال الترمذي: قال محمد أي ابن غيلان شيخ الترمذي: هذا حديث غريب، والقسطنطينية هي مدينة الروم تفتح عند خروج الدجال، والقسطنطينية قد فتحت في زمان بعض أصحاب النبي ﷺ (٢)، والصحيح أن القسطنطينية لم تفتح في عصر الصحابة فإن معاوية ﵁ بعث إليها ابنه يزيد في جيش فيهم أبو أيوب الأنصاري، ولم يتم لهم فتحها ثم حاصرها مسلمة بن عبد الملك ولم تفتح أيضًا، ولكنه صالح أهلها على بناء مسجد بها (٣).\nوفتح الترك أيضًا للقسطنطينية كان بقتال، ... وستفتح فتحا أخيرًا كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ.\nقال أحمد شاكر: (فتح القسطنطينية المبشر به في الحديث سيكون في مستقبل قريب أو بعيد يعلمه الله ﷿، وهو الفتح الصحيح لها حين يعود المسلمون إلى دينهم الذي أعرضوا عنه، وأما فتح الترك الذي كان قبل عصرنا هذا فإنه كان تمهيدا للفتح الأعظم، ثم هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين منذ أعلنت حكومتهم هناك أنها حكومة غير إسلامية وغير دينية وعاهدت الكفار أعداء الإسلام، وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإسلامي لها إن شاء الله كما بشر به رسول الله ﷺ) (٤). أشراط الساعة ليوسف الوابل- بتصرف- ص: ١٦٤\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٢٣٩). وقال: هذا حديث غريب، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: إسناده صحيح موقوف.\n(٢) «جامع الترمذي» (٤/ ٥١٠).\n(٣) «النهاية –الفتن والملاحم-» (١/ ٦٢) تحقيق د. طه الزيني.\n(٤) «حاشية عمدة التفسير عن ابن كثير» (٢/ ٢٥٦) اختصار وتحقيق الشيخ أحمد شاكر.","vol":"4","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1171>المطلب التاسع: فتنة الأحلاس وفتنة الدهيماء</span>\nعن عبدالله بن عمر قال: كنا عند رسول الله ﷺ قعودا فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس فقال قائل: يا رسول الله وما فتنة الأحلاس؟ قال: «هي فتنة هَرَب وحَرَب ثم فتنة السراء دخلها أو دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني إنما وليّي المتقون ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة فإذا قيل: انقطعت تمادت يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسى كافرا حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه إذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من اليوم أو غد» (١) والأحلاس: جمع حلس وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب شبهت به الفتنة لملازمتها للناس حين تنزل بهم كما يلازم الحلس ظهر البعير وقال الخطابي: يحتمل أن تكون هذه الفتنة شبهت بالأحلاس لسواد لونها وظلمتها. والحرب: ذهاب المال والأهل، والدهيماء: الداهية التي تدهم الناس بشرها. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٤\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٢٤٢)، وأحمد (٢/ ١٣٣) (٦١٦٨)، والحاكم (٤/ ٥١٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٩/ ٢٤): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"4","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1172>المطلب العاشر: خروج المهدي</span>\n• الفرع الأول: اسمه وصفته.\n• الفرع الثاني: مكان خروجه.\n• الفرع الثالث: الأدلة من السنة على ظهوره.\n• الفرع الرابع: العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي وصححوها.\n• الفرع الخامس: في نقل كلام أهل العلم في إثبات حقيقة المهدي.\n• الفرع السادس: عقائد الفرق الإسلامية في المهدي.","vol":"4","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1173>الفرع الأول: اسمه وصفته</span>\nوهذا الرجل اسمه كاسم رسول الله ﷺ، واسم أبيه كاسم أبي النبي ﷺ فيكون اسمه محمد أو أحمد بن عبد الله، وهو من ذرية فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ثم من ولد الحسن بن علي ﵃.\nقال ابن كثير ﵀ في المهدي: (وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني ﵁) (١).\nوصفته الواردة: أنه أجلى الجبهة، أقنى الأنف. أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص ١٩٣\n_________\n(١) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ٢٩) تحقيق د. طه زيني.","vol":"4","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1174>الفرع الثاني: مكان خروجه</span>\nيكون ظهور المهدي من قبل المشرق، فقد جاء في الحديث عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقتتل عند كنزكم هذا ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصل إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم - ثم ذكر شيئًا – لا أحفظه فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي» (١).\nقال ابن كثير ﵀: (والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتتل عنده ليأخذوه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق لا من سرداب سامرا، كما يزعمه جهلة الرافضة من أنه موجود فيه الآن، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، شديد من الشيطان، إذ لا دليل على ذلك ولا برهان، لا من كتاب ولا سنة، ولا معقول صحيح ولا استحسان)، وقال أيضًا: (ويؤيد بناس من أهل المشرق ينصرونه، ويقيمون سلطانه، ويشيدون أركانه، وتكون راياتهم سود أيضًا، وهو زي عليه الوقار لأن راية رسول الله ﷺ كانت سوداء يقال لها العقاب) إلى أن قال: (والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت كما دل على ذلك بعض الأحاديث) (٢). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص ١٩٤\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤١٨)، والحاكم (٤/ ٥١٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٤/ ٢٠٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.\n(٢) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ٢٩).","vol":"4","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1175>الفرع الثالث: الأدلة من السنة على ظهوره</span>\nجاءت الأحاديث الصحيحة الدالة على ظهور المهدي، وهذه الأحاديث منها ما جاء فيه النص على المهدي ومنها ما جاء فيه ذكر صفته فقط، وسأذكر هنا بعض هذه الأحاديث وهي كافية في إثبات ظهوره في آخر الزمان علامة من علامات الساعة.\n١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا، أو ثمانيًا، يعني حججًا» (١).\n٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أبشركم بالمهدي يبعث على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحًا. فقال له رجل: ما صحاحًا؟ قال: بالسوية بين الناس، قال: ويملأ الله قلوب أمة محمد ﷺ غنى، ويسعهم عدله، حتى يأمر مناديًا فينادي، فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السدان يعني الخازن فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالًا، فيقول له: أحث، حتى إذا جعله في حجرة وأبرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفسًا، أو عجز عني ما وسعهم، قال: فيرده، فلا يقبل منه، فيقال له: إنا لا نأخذ شيئًا أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثم لا خير في العيش بعده، أوقال: لا خير في الحياة بعده» (٢).\nوفي هذا دليل على أنه بعد موت المهدي، يظهر الشر والفتن العظيمة.\n٣ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة» (٣).\nقال ابن كثير: (أي يتوب عليه ويوفقه، ويلهمه ويرشده بعد أن لم يكن كذلك) (٤).\n٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «المهدي مني؛ أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين» (٥).\n١ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» (٦).\n_________\n(١) رواه الحاكم (٤/ ٦٠١). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧١١): إسناده صحيح رجاله ثقات.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٧) (١١٣٤٤). قال عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الشرعية الكبرى» (٤/ ٥٣٢): له متابعة، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣١٦): رجاله ثقات.\n(٣) رواه ابن ماجه (٣٣١٦)، وأحمد (١/ ٨٤) (٦٤٥). قال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٢/ ٥٨): إسناده صحيح، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٤) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ٢٩) تحقيق د. طه زيني.\n(٥) رواه أبو داود (٤٢٨٥)، والحاكم (٤/ ٦٠٠). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال الذهبي في «تلخيص العلل المتناهية» (٣١٩): إسناده صالح، وجوّد إسناده ابن القيم في «المنار المنيف» (ص: ١٠٩)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١٢٠) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٦) رواه أبو داود (٤٢٨٤)، وابن ماجه (٣٣١٧)، والحاكم (٤/ ٦٠١). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه ابن تيمية في «منهاج السنة» (٨/ ٢٥٥)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١١٩).","vol":"4","page":226},{"text":"٢ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة» (١).\n٣ - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه» (٢).\n٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، ويواطئ اسمه اسمي» (٣).\nوفي رواية: «يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي» (٤).\nبعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث فيما يتعلق بالمهدي:\n١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم» (٥).\n٢ - وعن جابر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال، فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا. إن بعضكم على بعض أمراء. تكرمة الله هذه الأمة» (٦).\n٣ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا لا يعده عدد».\nقال الجريري – أحد رواة الحديث – قلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا\" (٧).\nفهذه الأحاديث التي وردت في الصحيحين تدل على أمرين:\nأحدهما: أنه عند نزول عيسى بن مريم – ﵊ – من السماء يكون المتولي لأمرة المسلمين رجلا منهم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣٤٥) (١٤٧٦٢)، وأبو يعلى (٤/ ٥٩) (٢٠٧٨)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٩/ ٣٩) (٩٠٧٨). قال ابن القيم في «المنار المنيف» (١١٤): إسناده جيد، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٢٣٦): إسناده جيد رواته ثقات.\n(٢) رواه أبو نعيم في «الأربعون في المهدي» (٦٤). وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٢٩٣).\n(٣) رواه أبو داود (٤٢٨٢)، والترمذي (٢٢٣١)، وأحمد (١/ ٣٧٦) (٣٥٧٢). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٦/ ٩٢): لا ينحط عن درجة الحسن وله شواهد كثيرة من بين حسان وضعاف [وهو] مع شواهده وتوابعه صالح للاحتجاج، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٦/ ١٣٩).\n(٤) رواه أبو داود (٤٢٨٢)، والطبراني (١٠/ ١٣٥) (١٠٢٤٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه ابن تيمية في «منهاج السنة» (٨/ ٢٥٥)، وابن القيم في «المنار المنيف» (١٠٨)، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٥) رواه البخاري (٣٤٤٩)، ومسلم (١٥٥).\n(٦) رواه مسلم (١٥٦).\n(٧) رواه مسلم (٢٩١٣).","vol":"4","page":227},{"text":"والثاني: أن حضور أميرهم للصلاة، وصلاته بالمسلمين وطلبه من عيسى ﵇ عند نزوله أن يتقدم ليصلي لهم يدل على صلاح في هذا الأمير وهدى، وهي وإن لم يكن فيها التصريح بلفظ المهدي إلا أنها تدل على صفات رجل صالح يؤم المسلمين في ذلك الوقت، وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسرة لهذه الأحاديث التي في الصحيحين ودالة على أن ذلك الرجل الصالح يسمى محمد بن عبد الله ويقال له المهدي، والسنة يفسر بعضها بعضًا، ومن الأحاديث الدالة على ذلك الحديث الذي رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي» (١) فهو دال على أن ذلك الأمير المذكور في صحيح مسلم الذي طلب من عيسى بن مريم ﵊ أن يتقدم للصلاة يقال له المهدي.\nوقد أورد الشيخ صديق حسن في كتابه الإذاعة جملة كبيرة من أحاديث المهدي جعل آخرها حديث جابر المذكور عند مسلم، ثم قال عقبه: (وليس فيه ذكر المهدي ولكن لا محمل له ولأمثاله من الأحاديث إلا المهدي المنتظر كما دلت على ذلك الأخبار المتقدمة والآثار الكثيرة) (٢). أشراط الساعة ليوسف الوابل - ص ١٩٥\n٤ - عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» (٣). وفي رواية: قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا» (٤). قال فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز: أمر المهدي معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، وتواترها تواتر معنوي، لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها، فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت وخروجه حق، وهو محمد بن عبدالله العلوي الحسني من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، وهذا الإمام من رحمة الله ﷿ بالأمة في آخر الزمان، يخرج فيقيم العدل والحق، ويمنع الظلم والجور، وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلا وهداية وتوفيقا وإرشادا للناس. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٦\n_________\n(١) رواه الحارث بن أبي أسامة كما ذكره ابن القيم في (المنار المنيف) (ص: ١١٤) وقال: إسناده جيد، قال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٢٣٦): وهو كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى، فإن رجاله كلهم ثقات.\n(٢) «عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر» (ص ١٧٥ - ١٧٦) عبد المحسن العباد.\n(٣) رواه أبو داود (٤٢٨٢) بزيادة (أو لا تنقضي)، والترمذي (٢٢٣٠) واللفظ له، وأحمد (١/ ٣٧٧) (٣٥٧٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ووافقه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) رواه أبو داود (٤٢٨٢) واللفظ له، والطبراني (١٠/ ١٣٥) بلفظ: (ليلة) بدلا من (يوم). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن القيم في «المنار المنيف» (١٠٨): صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.","vol":"4","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1176>الفرع الرابع: العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي وصححوها</span>\nأخرج أحاديث المهدي الإمام أحمد بن حنبل، والطبراني، وأبو يعلى، والبزار وعبد الرازق الصنعاني، وابن أبي شيبة، وأبو نعيم بن حماد، وابن ماجة، والترمذي، والحاكم، وأبو داود، وفي أحاديثهم: الصحيح والحسن والضعيف.\nوممن صحح أحاديث المهدي من علماء السلف والخلف: العقيلي، وأبو الحسن الآبري، والقرطبي، وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والذهبي، والمنذري، والهيثمي، وابن حجر العسقلاني، والمباركفوري، وشمس الحق آبادي، وعلي بن سلطان محمد القاري، والشعراني، والكشميري، والخطابي، والشوكاني، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، والبوصيري، ومحمد بن أحمد السفاريني، ومحمد بن جعفر الكناني، وأبو العلاء السيد إدريس العراقي، وأبو الطيب صديق حسن خان، والسيد محمد الشهروزي، وأبو عبد الله محمد جسوس، ومحمد العربي الفاسي.\n- ومن العلماء المعاصرين العلامة الفاضل الشيخ عبد العزيز بن باز، ومحدث الشام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ محمد بن عثيمين وغيرهم كثيرون.\n- وإذا كان الحق لا يعرف بالرجال، فلا شك أن الرجال هم الواسطة في معرفة هذا الحق، ولابد أن يراعى قدرهم وجلالتهم وإمامتهم خاصة إذا انضم إلى ذلك كثرة عددهم في جانب مخالفيهم، وقلة علم مخالفيهم بالنسبة إليهم، وقبل ذلك كله صحة الأحاديث الواردة في ذلك، بل وحكم الكثير منهم عليها بالتواتر المعنوي، والحق أنه لم يعرف أنه خالف في هذه العقيدة من الغابرين سوى ابن خلدون، وليس من أهل التحقيق كما قال العلماء. الرسالة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة لماهر بن صالح آل مبارك– ص: ٨٧","vol":"4","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1177>الفرع الخامس: في نقل كلام أهل العلم في إثبات حقيقة المهدي</span>\nقال العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي (١):\n(اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على مر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى ﵇ ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته.\nوخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم: أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبزار، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل: علي، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وأم حبيبة، وأم سلمة، وثوبان، وقرة بن إياس، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء ﵃.\nوإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح، وحسن، وضعيف. وقد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها فلم يصب بل أخطأ).\nقال القاضي الشوكاني في الفتح الرباني:\n(الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثا وثمانية وعشرون أثرًا. ثم سردهم مع الكلام عليها) ثم قال: (وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى من له فضل اطلاع). اهـ.\nوقال الإمام أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري في كتاب (مناقب الشافعي):\n(وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم بذكر المهدي وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلًا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه). اهـ.\nقال المحدث الناقد أبو العلاء السيد إدريس بن محمد بن إدريس العراقي الحسيني في تأليف له في المهدي ما نصه:\n(أحاديث المهدي متواترة – أو كادت – وجزم بالأول غير واحد من الحفاظ النقاد). اهـ.\nقال الشوكاني في تأليف له سماه (التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح) (٢):\n(والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا فيها الصحيح، والحسن، والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضًا لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك). اهـ.\nقال المحدث أبو الطيب صديق حسن الحسيني البخاري في كتاب (الإذاعة):\n(والأحاديث الواردة في المهدي – على اختلاف رواياتها كثيرة جدًا تبلغ حد التواتر، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد) وقال أيضًا بعد كلام له ما نصه:\n(وأحاديث المهدي بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار). اهـ.\nوقال العلامة أبو عبد الله محمد جسوس في شرح رسالة أبي زيد ما نصه:\n(ورد خبر المهدي في أحاديث ذكر السخاوي أنها وصلت إلى حد التواتر). اهـ.\nوقال الحافظ ابن كثير في (نهاية البداية والنهاية) (١/ ٣٧):\n_________\n(١) راجع كتاب «عون المعبود شرح سنن أبي داود» (١١/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(٢) راجع كتاب «الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة» (ص: ١٢٤).","vol":"4","page":230},{"text":"(فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان وهو أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين وليس بالمنتظر الذي تزعم الروافض، وترتجي ظهوره من سرداب في سامرا، فإن ذاك مالا حقيقة له ولا عين ولا أثر .. وأما ما سنذكره فقد نطقت به الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ أنه في آخر الدهر، وأظن ظهوره يكون قبل نزول عيسى بن مريم كما دلت على ذلك الأحاديث ثم ذكر الحافظ ابن كثير بعض ما ورد في ظهور المهدي من الآثار). اهـ.\nوقال السفاريني في عقيدته المسماة (بالدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية):\n(وما أتى في النص من أشراط ... فكله حق بلا شطاط\nمنها الإمام الخاتم الفصيح ... محمد المهدي والمسيح)\nوقال أيضًا في شرحها: (كثرت أقوال في المهدي حتى قيل: (لا مهدي إلا عيسى)، والصواب الذي عليه أهل الحق: أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم .. ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة فيه من طريق جماعة من الصحابة ثم قال: وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، مما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة). اهـ.\nوقال صاحب كتاب (الإذاعة) (ص: ١٢٤).\n(وقد جمع السيد العلامة بدر الملة المنير محمد بن إسماعيل الأمير اليماني الأحاديث القاضية بخروج المهدي، وأنه من آل محمد ﷺ، وأنه يظهر في آخر الزمان) ثم قال: (ولم يأت تعيين زمنه إلا أنه يخرج قبل الدجال). اهـ.\nوقال أيضًا:\n(ونقل العلامة الشيخ مرعي في كتابه (فوائد الفكر) عن محمد بن الحسين أنه قال: قد تواترت الأحاديث واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ بمجيء المهدي، وأنه من أهل بيته ﷺ). اهـ.\nوقال الحافظ في فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٣/ ٨٢).\nأثناء شرحه لحديث: «تصدقوا فسيأتي على الناس زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها» (١). فذكر الحافظ احتمالات تعلق هذا الحديث بالباب الذي قبله وهو باب خروج النار فقال ﵀: (وتعلقه به من جهة الاحتمال الذي تقدم، وهو أن ذلك يقع في الزمان الذي يستغني فيه الناس عن المال، إما لاشتغال كل منهم بنفسه عن طروق الفتنة، فلا يلوي على الأهل فضلًا عن المال، وذلك في زمن الدجال، وإما بحصول الأمن المفرط، والعدل البالغ بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما في يد غيره، وذلك في زمن المهدي وعيسى بن مريم، وإما عند ظهور النار التي تسوقهم إلى المحشر). اهـ.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (منهاج السنة النبوية ٤/ ٢١١):\n(الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة رواها أبو داود، والترمذي، وأحمد، وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره.\nثم ذكر شيخ الإسلام روايات ابن مسعود، وأم سلمة، وأبي سعيد، وعلي ﵃ جميعًا.\nوقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز (﵀) (٢):\n(أما إنكار المهدي المنتظر بالكلية كما زعم ذلك بعض المتأخرين فهو قول باطل، لأن أحاديث خروجه في آخر الزمان، وأنه يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت جورًا، قد تواترت تواترًا معنويًا، وكثرت جدًا واستفاضت كما صرح بذلك جماعة من العلماء بينهم: أبو الحسن الآبري السجستاني من علماء القرن الرابع، والعلامة السفاريني، والعلامة الشوكاني وغيرهم، وهو كالإجماع من أهل العلم، ولكن لا يجوز الجزم بأن فلانًا هو المهدي إلا بعد توافر العلامات التي بينها النبي ﷺ في الأحاديث الثابتة، وأعظمها وأوضحها كونه يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا). اهـ. الرسالة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة لماهر بن صالح آل مبارك– ص: ٨٩\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤١١)، ومسلم (١٠١١). من حديث حارثة بن وهب ﵁.\n(٢) «جريدة عكاظ» (١٨ محرم ١٤٠٠هـ).","vol":"4","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1179>١ - عقيدة أهل السنة والجماعة</span>\nعقيدة أهل السنة والجماعة موافقة ... للأحاديث الصحيحة وأن المهدي حاكم صالح راشد يبعثه الله مجددا لهذا الدين ويعلي الله هذا الدين على يديه. يقول ابن خلدون: اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في (الصحيح) على إثره، وأن عيسى ﵇ ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر -بتصرف - ص ٢٠٦","vol":"4","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1180>٢– عقيدة الشيعة الإمامية</span>\nالذين يعتقدون أن المهدي هو آخر أئمتهم وهو الإمام الثاني عشر المدعو محمد بن الحسن العسكري وهو عندهم من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن وهم يعتقدون أنه دخل سرداب سامراء منذ أكثر من ألف ومائة سنة وعمره خمس سنوات ويعتقدون أنه حاضر في الأمصار غائب عن الأبصار وهو المهدي الذي ينتظرون عودته وكلامهم هذا لم يقم عليه دليل ولا برهان من عقل أو نقل وهو مخالف لسنة الله في البشر. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٦","vol":"4","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1181>٣ - المكذبون بوجود المهدي</span>\nوهؤلاء أفراد من الذين ينسبون لأهل السنة ليس لهم باع طويل في تحقيق النصوص والكشف عن الأسانيد وقد دحض شبهاتهم كثير من أهل العلم في مؤلفات مستقلة وآخرها فيما اطلعنا عليه ما كتبه فضيلة الشيخ العلامة عبد المحسن العباد في كتابه: (الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي)، وما كتبه فضيلة الشيخ حمود بن عبدالله بن حمد التويجري كتب مجلدًا بعنوان (الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٦","vol":"4","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1182>٤ - رجال من الحكام الماضين ادّعوا المهدية أو ادعاها لهم أقوام</span>\nوبعض هؤلاء رجال صالحون لقب الواحد منهم بالمهدي لا على أنه ذلك المهدي الذي أخبر عنه الرسول ﷺ بل تفاؤلا بأن يكون من الأئمة المهديين الذين يقولون بالحق وبه يحكمون ومن هؤلاء المهدي الخليفة العباسي. وبعض الذين ادعوا المهدية من الحكام أو ادعيت لهم أقوام فجرة مثل الملحد عبيد الله بن ميمون القداح المتوفى ٣٢٢هـ، ومهدي المغاربة محمد بن تومرت، ومهدي الفرقة المدعوة بالكيسانية وهم يزعمون أنه محمد بن الحنفية. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٦\n- مهدي القرامطة الباطنية:\nهو الملحد عبيد الله بن ميمون القداح وكان جده يهوديًا من بيت مجوسي، فانتسب بالكذب والزور إلى أهل البيت، وادعى أنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ وملك تغلب، واستفحل أمره إلى أن استولت ذريته الملاحدة المنافقون الذين كانوا أعظم الناس عداوة لله ولرسوله على بلاد المغرب، ومصر، والحجاز، والشام، واستشرت غربة الإسلام ومحنته ومصيبته بهم، وكانوا يدعون الإلهية، ويدعون أن للشريعة باطنًا يخالف ظاهرها، وهم ملوك القرامطة الباطنية أعداء الدين، فتستروا بالرفض والانتساب كذبًا إلى أهل البيت، ودانوا بدين أهل الإلحاد وروجوه، ولم يزل أمرهم ظاهرًا إلى أن أنقذ الله الملة الإسلامية منهم وأبادهم، وعادت مصر دار إسلام بعد أن كانت دار نفاق وإلحاد في زمنهم.\n- مهدي المغاربة:\nهو محمد بن تومرت، فإنه رجل كذاب ظالم متغلب بالباطل، ملك بالظلم والتغلب والتخيل، فقتل النفوس، وأباح حريم المسلمين، وسبى ذراريهم، وأخذ أموالهم.\nوكان يودع بطن الأرض في القبور جماعة من أصحابه أحياء، يأمرهم أن يقولوا للناس: إنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ ثم يردم عليهم ليلا لئلا يكذبوه بعد ذلك. الرسالة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة لماهر بن صالح آل مبارك– ص: ٩٤\nولهذا لما كان الحديث المعروف عند السلف والخلف أن النبي ﷺ قال في المهدي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي صار يطمع كثير من الناس في أن يكون هو المهدي حتى سمى المنصور ابنه محمد ولقبه بالمهدي مواطأة لاسمه باسمه واسم أبيه باسم أبيه ولكن لم يكن هو الموعود به وأبو عبدالله محمد بن التومرت الملقب بالمهدي الذي ظهر بالمغرب ولقب طائفته بالموحدين وأحواله معروفة كان يقول إنه المهدي المبشر به وكان أصحابه يخطبون له على منابرهم فيقولون في خطبتهم الإمام المعصوم المهدي المعلوم الذي بشرت به في صريح وحيك الذي اكتنفته بالنور الواضح والعدل اللائح الذي ملأ البرية قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا وهذا الملقب بالمهدي ظهر سنة بضع وخمسمائة وتوفى سنة أربع وعشرين وخمسمائة وكان ينتسب إلى أنه من ولد الحسن لأنه كان أعلم بالحديث فادعى أنه هو المبشر به ولم يكن الأمر كذلك ولا ملأ الأرض كلها قسطا ولا عدلا بل دخل في أمور منكرة منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٤/ ٤٠","vol":"4","page":235},{"text":"قال الجونبوري وهو من مدعي المهدية في الهند: (كثر الخلاف في الحديث ويصعب تمييز الصحيح من السقيم، فالذي يوافق كتاب الله تعالى: ويوافق أحوالي فاقبلوه). فهل يقول مثل هذا عاقل؟ وهل يقر به متجرد عن الهوى؟ اللهم لا، ولما سأل علماء هرات الجونبوري: على أي أساس تدعي المهدية لنفسك؟ قال: أنا لا أدعيها من عند نفسي، بل أدعيها بأمر من الله ﷾، وسئل مرة: إن اسم أبي المهدي عبدالله، وأنت ابن سيدخان، فأجاب قائلا: أليس الله بقادر على أن يبعث مهديا ابن سيدخان؟! وأجاب مرة ثانية: اسألوا الله لماذا بعث ابن سيدخان مهديا؟! وقال مرة ثالثة: اذهبوا فقاتلوا الله تعالى: لماذا بعث ابن سيدخان، فتأمل كيف يسيطر الهوى على أمثال أولئك ويردون النصوص ويحرفونها لتسلم لهم دعاويهم الفارغة. أما أتباع بعض دعاة المهدية فحالهم كذلك عجيب خذ مثلا ما نشر في (العروة الوثقى) (١): لقد أخذ الاعتقاد بمحمد أحمد سبيلا في قلوب الهنديين، حتى كتب إلينا أحد أصدقائنا في لاهور أن محمد أحمد لو كان دجالا لأوجبت علينا الضرورة أن نعتقده مهديا، وأن لا نفرط في شيء مما يؤيده. نعم و(لو كان دجالا لأوجبت علينا الضرورة أن نعتقده مهديا) هل يقول هذا عاقل متجرد لنصرة الحق؟ أم هو من أقوال من غلبتهم أهواؤهم فأعمتهم وأصمتهم؟ نسأل الله الهداية، ولذا فإن كثيرا من تلكم الدعوات القائمة على دعوى المهدوية تستمر ولو مات المهدي المزعوم أو قتل، ولا يكون في مثل ذلك عبرة وعظة للأتباع لمعرفة حجم الضلال والانحراف الذي وقع بهم ومنهم، ويصعب عليهم العود إلى الحق، فيلوون عنق الواقع، كما لووا عنق النصوص، فلان ما مات، فلان حي وسيعود، فلان في دور الستر وسيخرج، فلان قد رئي العام عند الكعبة وهكذا، ومثال هذا ما ذكره البرزنجي قال: وقد ذكر الشيخ علي المتقي في رسالة له في أمر المهدي: أن في زمانه خرج رجل بالهند ادعى أنه المهدي المنتظر واتبعه خلق كثير، وظهر أمره وطار صيته، ثم إنه مات بعد مدة، وأن أتباعه لم يرجعوا عن اعتقادهم، ... وأن أولئك القوم إلى الآن على ذلك الاعتقاد الخبيث، وأنهم يعرفون بالمهدوية، وربما سموا بالقتالية، لأن كل من قال لهم: إن اعتقادكم باطل، قتلوه، حتى إن الرجل الواحد منهم يكون بين الجمع الكثير من المسلمين، فإذا قيل له: إن اعتقادك باطل، قتل القائل، ولا يبالي أيقتل أم يسلم، وهم خلق كثير، وقد ضموا إلى ذلك الاعتقاد بدعا أخر خرجوا بها عن سواء الصراط)، قال صديق حسن خان: (قلت: وهذا هو السيد محمد الجونفوري).\nوالمقصود أن من أراد أن يلج هذا الباب - ... باب تنزيل النصوص على الواقع- فيجب عليه أن يلقي على عتبته أهواءه ليسلم له دينه أولًا، ويصح له تنزيله ثانيا، أما أن يبقى على هواه ويريد أن يصح التنزيل فلا، وليعلم أنه سيكون ساعتئذ منزلا لهواه على الواقع لا لنصوص مولاه وأقوال نبيه ﷺ. منارات وعلامات في تنزيل أحاديث الفتن على الوقائع والحوادث لعبد الله بن صالح العجيري - بتصرف- ص١٢٣\n_________\n(١) «العروة الوثقى» (ص٢٠٨ - ٢٠٩).","vol":"4","page":236},{"text":"يقول الشيخ محمد إسماعيل المقدم: (ومن العبث بأشراط الساعة: تكلف بعضهم اصطناع هذه الأشراط، وإيجادها في الواقع عنوة، حتى إن من مدعي المهدية من يغير اسمه واسم أبيه، أو يدعي الانتساب إلى آل البيت الشريف، متناسين أن المنتظر تصنعه المهدية، لكنه لا يصنعها ولا يصطنعها) ... ومن الأمثلة على هذا ما وقع من محمد بن عبدالله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية ﵀، حين تلقب بالمهدي، قال ابن كثير: (تلقب بالمهدي طمعا أن يكون هو المذكور في الأحاديث، فلم يكن به، ولا تم له ما رجاه، ولا ما تمناه، فإنا لله). ومن الأمثلة كذلك ما وقع للخليفة العباسي المهدي، قال ابن كثير: (وإنما لقب بالمهدي رجاء أن يكون الموعود به في الأحاديث فلم يكن به وإن اشتركا في الاسم فقد افترقا في الفعل ذاك يأتي آخر الزمان عند فساد الدنيا فيملأ الأرض عدلا كما ملئت فجورا وظلما وقد قيل: إنّ في أيامه ينزل عيسى بن مريم بدمشق). ومن الأمثلة كذلك ما ذكره البرزنجي قال: (وظهر قبل تأليفي لهذا الكتاب بقليل، رجل بجبال عقر أو العمادية من الأكراد يسمى عبدالله، ويدعي أنه شريف حسيني، وله ولد صغير ابن اثنتي عشرة سنة أو أقل أو أكثر، قد سماه محمدا ولقبه المهدي، فادعى أنّ ابنه هو المهدي الموعود، وتبعه جماعة كثيرة من القبائل، واستولى على بعض القلاع، ثم ركب عليه والي الموصل ووقع بينهم قتال وسفك دماء، وقد انهزم المدعي وأخذ هو وابنه إلى استنبول، ثم إن السلطان عفى عنهما ومنعهما من الرجوع إلى بلادهما وماتا جميعا. وأعجب منه صنيع الجنبوري، (قال أبو رجاء محمد الشاه جهانبوري في (الهدية المهدية): إن الجنبوري -واسمه محمد بن يوسف الحسيني- لم يمنع أصحابه من ذلك، (أي من نسبة المهدوية إليه)، وبدل اسم أبيه بعبدالله، واسم أمه بآمنة، وأشاعهما في الناس. ومن النماذج المضحكة على هذا الافتعال ما صنعه ميرزا غلام أحمد القادياني والذي ادعى الإصلاح ثم التجديد ثم المهدوية ثم كونه المسيح المنتظر فقام ببناء منارة بقاديان سماها منارة المسيح وذلك بعد دعواه المسيحية بـ١٢ سنة، وذلك ليكمل دعواه أنه المسيح ابن مريم الذي ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق!!. منارات وعلامات في تنزيل أحاديث الفتن على الوقائع والحوادث لعبد الله بن صالح العجيري - ص١٣٠","vol":"4","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1184>تمهيد</span>\nهناك علامات كبرى تدل على قرب قيام الساعة فإذا ظهرت كانت الساعة على إثرها ففي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي ﷺ إلينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات». فذكر «الدخان والدجال والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تطرد الناس إلى محشرهم» (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢١٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٠١).","vol":"4","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1185>المبحث الأول: الدخان</span>\nقال الله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ.\nقال ابن كثير في (النهاية): (وقد نقل البخاري عن ابن مسعود ﵁: أنه فسر ذلك بما كان يحصل لقريش من شدة الجوع بسبب القحط الذي دعا عليهم به رسول الله ﷺ، فكان أحدهم يرى فيما بينه وبين السماء دخانًا من شدة الجوع، وهذا تفسير غريب جدًا، لم ينقل مثله عن أحد من الصحابة غيره، وقد حاول بعض العلماء المتأخرين رد ذلك ومعارضته؛ لما ثبت في حديث أبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵁: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات -فذكر فيهن الدجال والدخان والدابة» (١)، والحديثان في (صحيح مسلم) مرفوعان، والمرفوع مقدم على كل موقوف.\nوفي ظاهر القرآن ما يدل على وجود دخان من السماء يغشى الناس، وهذا أمر محقق عام، وليس كما روي عن ابن مسعود: أنه خيال عن أعين قريش من شدة الجوع.\nوقال الله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ؛ أي: ظاهر واضح جلي، ليس خيالًا من شدة الجوع، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ؛ أي: ينادي أهل ذلك الزمان ربهم بهذا الدعاء، يسألون كشف هذه الشدة عنهم؛ فإنهم قد آمنوا وأيقنوا بما وعدوا به من الأمور الغيبية الكائنة بعد ذلك يوم القيامة، وهذا دليل على أنه يكون قبل يوم القيامة، حيث يمكن رفعه، ويمكن استدراك التوبة والإنابة، والله أعلم). انتهى.\nوعن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ... -فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها-» (٢) الحديث.\nرواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) ...\nوعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات –وذكر منها الدخان-» (٣).\nرواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه هو والذهبي، ...\nوعن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ربكم أنذركم ثلاثًا: الدخان؛ يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال» (٤).\nرواه: ابن جرير، والطبراني. قال ابن كثير في (تفسيره): (وإسناده جيد).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن؛ فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر؛ فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه» (٥) رواه ابن أبي حاتم.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٠١).\n(٢) رواه مسلم (٢٩٠١).\n(٣) رواه الطبراني (٢٢/ ٧٩) (١٩٥)، والحاكم (٤/ ٤٧٤). وقال: صحيح الإسناد.\n(٤) رواه الطبراني (٣/ ٢٩٢) (٣٤٤٠).\n(٥) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ٣٢٣٢).","vol":"4","page":239},{"text":"وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «أول الآيات الدجال، ونزول عيسى بن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر؛ تقيل معهم إذا قالوا، والدخان. قال حذيفة: يا رسول الله! وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن؛ فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر؛ فيكون بمنزلة السكران؛ يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» (١).\nرواه: ابن جرير، والبغوي؛ بإسناد ضعيف، وله شاهد مما تقدم عن أبي مالك الأشعري ﵁.\nوعن علي ﵁؛ قال: «لم تمض آية الدخان بعد؛ يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ الكافر حتى ينفذ» (٢).رواه ابن أبي حاتم.\nوعن ابن عمر ﵄؛ قال: «يبيت الناس يسيرون إلى جمع، وتبيت دابة الأرض؛ تسري إليهم، فيصبحون وقد جعلتهم بين رأسها وذنبها؛ فما مؤمن إلا تمسحه، ولا منافق ولا كافر إلا تخطمه، وإن التوبة لمفتوحة، ثم يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن منه كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون كالشيء الحنيذ، وإن التوبة لمفتوحة، ثم تطلع الشمس من مغربها» (٣). رواه الحاكم في (مستدركه) وصححه، وإسناده ضعيف،. .... وقد رواه ابن جرير مختصرًا، ولفظه: قال: «يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ويدخل مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون الرأس الحنيذ» (٤).\nوعن عبد الله بن أبي مليكة؛ قال: (غدوت على ابن عباس ﵄ ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب؛ فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت) (٥).\nرواه: ابن جرير، وابن أبي حاتم. قال ابن كثير في (تفسيره): (إسناده صحيح إلى ابن عباس ﵄). إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة لحمود بن عبد الله التويجري - بتصرف– ٣/ ١٨٨\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٧ - ١٨).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ٣٢٢٣).\n(٣) رواه الحاكم (٤/ ٥٣١). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٩/ ٤٩٨).\n(٥) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٧)، والحاكم (٤/ ٥٠٦). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1187>المطلب الأول: معنى المسيح</span>\nذكر أبو عبد الله القرطبي ثلاثة وعشرين قولًا في اشتقاق هذا اللفظ (١)، وأوصلها صاحب (القاموس) إلى خمسين قولًا.\nوهذه اللفظة تطلق على الصديق، وعلى الضليل الكذاب. فالمسيح عيسى بن مريم ﵇ الصديق.\nوالمسيح الدجال الضليل الكذاب، فخلق الله المسيحين أحدهما ضد الآخر.\nفعيسى ﵇ مسيح الهدى، يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله.\nوالدجال – لعنه الله – مسيح الضلالة يفتن الناس بما يعطاه من الآيات كإنزال المطر، وإحياء الأرض بالنبات وغيرهما من الخوارق. وسمي الدجال مسيحًا: لأن إحدى عينيه ممسوحة، أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يومًا.\nوالقول الأول هو الراجح لما جاء في الحديث: «إن الدجال ممسوح العين» (٢). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٢١٣\n_________\n(١) «التذكرة» (٢/ ٣٥٨).\n(٢) رواه مسلم (٢٩٣٤). من حديث حذيفة بن أسيد ﵁.","vol":"4","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1188>المطلب الثاني: معنى الدجال</span>\nأما لفظ الدجال فهو مأخوذ من قولهم: دجل البعير إذا طلاه بالقطران وغطاه به.\nوأصل الدجل: معناه الخلط، يقال: دجل إذا لبس وموه، والدجال: المموه الكذاب الممخرق وهو من أبنية المبالغة على وزن فعال، أي يكثر منه الكذب والتلبيس.\nوجمعه: دجالون، وجمعه الإمام مالك على دجاجلة وهو جمع تكسير، وذكر القرطبي أن الدجال في اللغة يطلق على عشرة وجوه.\nولفظة الدجال: أصبحت علمًا على المسيح الأعور الكذاب، فإذا قيل: (الدجال) فلا يتبادر إلى الذهن غيره.\nوسمي الدجال دجالًا: لأنه يغطي الحق بالباطل، أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم.\nوقيل: لأنه يغطي الأرض بكثرة جموعه. والله أعلم (١). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٢١٤\n_________\n(١) «التذكرة» (٢/ ٣٣٠).","vol":"4","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1189>المطلب الثالث: فتنة الدجال من أعظم الفتن</span>\nوفتنته من أعظم الفتن التي تمر على البشرية عبر تاريخها، ففي (صحيح مسلم) عن أبي الدهماء وأبي قتادة قالوا: كنا نمر على هشام بن عامر نأتي عمران بن حصين فقال ذات يوم إنكم لتجاوزوني إلى رجال ما كانوا بأحضر لرسول الله ﷺ مني ولا أعلم بحديثه مني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال» (١). وفي رواية: «أمر أكبر من الدجال» (٢). من أجل ذلك فإن جميع الأنبياء حذروا أقوامهم من فتنته ولكن رسولنا ﷺ كان أكثر تحذيرا لأمته منه. ففي (صحيح البخاري) عن عبدالله بن عمر ﵄ قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: «إني لأنذركموه، وما من نبي إلا أنذره قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور» (٣). وفي (الصحيحين) عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «ما بعث نبي إلا وأنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور وإن بين عينيه مكتوب كافر» (٤).\nويقول ابن الأثير: سمي الدجال مسيحًا لأن عينه الواحدة ممسوحة، والمسيح: الذي أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب فهو فعيل بمعنى مفعول بخلاف المسيح عيسى بن مريم فإنه فعيل بمعنى فاعل سمي به لأنه كان يمسح المريض فيبرأ بإذن الله والدجال الكذاب. وسمي دجالا كما يقول ابن حجر: لأنه يغطي الحق بباطله ويقال: دجل البعير بالقطران والإناء بالذهب إذا طلاه .. وقال ابن دريد: سمي الدجال لأنه يغطي الحق بالكذب وقيل: لضربه نواحي الأرض وقيل بل قيل ذلك لأنه يغطي الأرض. ومن صفاته كما أخبر عنها النبي ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر ينطف - أو يهراق - رأسه ماء قلت من هذا قالوا ابن مريم. ثم ذهبت ألتفت، فإذا رجل جسيم أحمر جعد الرأس أعور العين، كأن عينه عنبة طافية قالوا هذا الدجال. أقرب الناس به شبها ابن قطن» (٥). وعن عبادة بن الصامت أنه قال إن رسول الله ﷺ قال: «إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا إن مسيح الدجال رجل قصير أفحج جعد أعور مطموس العين ليس بناتئة ولا حجراء فإن ألبس عليكم - قال يزيد - ربكم فاعلموا أن ربكم ﵎ ليس بأعور وإنكم لن ترون ربكم ﵎ حتى تموتوا» قال يزيد «تروا ربكم حتى تموتوا» (٦)\nويكون خروجه من المشرق من بلاد فارسية يقال لها خراسان. عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ: «إن الدجال يخرج من أرض بالشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة» (٧). ولكن ظهور أمره عندما يصل إلى مكان بين العراق والشام، عن النواس مرفوعا: «إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا». وسأل الصحابة النبي ﷺ عن المدة التي يمكثها في الأرض فقالوا: وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قلنا يا رسول الله فذاك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قالوا: لا اقدروا له قدره» (٨). وإجابة النبي ﷺ تدل على أن اليوم يطول حقيقةً لا مجازًا. ولن يستطيع دخول مكة والمدينة فعن أبي هريرة مرفوعًا: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» (٩). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٢٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٤٦) (١٢٦).\n(٢) رواه مسلم (٢٩٤٦) (١٢٧).\n(٣) رواه البخاري (٣٠٥٧).\n(٤) رواه البخاري (٧١٣١) واللفظ له، ومسلم (٢٩٣٣) بلفظ: (ك ف ر) بدلا من (كافر).\n(٥) رواه البخاري (٣٤٤١)، ومسلم (١٧١). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٦) رواه أبو داود (٤٣٢٠)، وأحمد (٥/ ٣٢٤) (٢٢٨١٦) واللفظ له. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٤/ ١٩١): من أصح أسانيد الشاميين. وقال في «الاستذكار» (٧/ ٣٣٨): ثابت صحيح من جهة الإسناد والنقل. وحسّنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ١٣٧) – كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٧) رواه الترمذي (٢٢٣٧)، وابن ماجه (٤٠٧٢)، والحاكم (٤/ ٥٧٣). قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب وقد رواه عبدالله بن شوذب وغير واحد عن أبي التياح ولا نعرفه إلا من حديث أبي التياح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٨) رواه مسلم (٢٩٣٧).\n(٩) رواه البخاري (١٨٨٠)، ومسلم (١٣٧٩).","vol":"4","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1191>الفرع الأول: سرعة انتقاله في الأرض</span>\nففي حديث النواس بن سمعان في (صحيح مسلم): أن النبي ﷺ سئل عن إسراع الدجال في الأرض فقال: «كالغيث استدبرته الريح» (١) وقد أخبر الرسول ﷺ أنه سيجول في أقطار الأرض ولا يترك بلدا إلا دخله إلا مكة والمدينة ففي حديث أنس في (الصحيحين): «ليس من بلدٍ إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة» (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٣٧\n_________\n(١) وهو جزء من حديث رواه مسلم (٢٩٣٧).\n(٢) رواه البخاري (١٨٨١)، ومسلم (٢٩٤٣).","vol":"4","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1192>الفرع الثاني: جنته وناره</span>\nومما يفتن الدجال به الخلق أن معه ما يشبه الجنة والنار أو معه ما يشبه نهرا من ماء ونهرا من نار وواقع الأمر ليس كما يبدو للناس فإن الذي يرونه نارا إنما هو ماء بارد وحقيقة الذي يرونه ماء باردا نار. ففي (صحيح مسلم) عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «معه (أي: الدجال) جنة ونار فناره جنة وجنته نار» (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٣٨\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٣٤).","vol":"4","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1193>الفرع الثالث: استجابة الجماد والحيوان لأمره</span>\nففي حديث النواس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ «فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرًا وأسبغه ضروعا وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك. فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل» (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٣٧).","vol":"4","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1194>الفرع الرابع: قتله ذلك الشاب ثم إحياؤه إياه</span>\nعن أبي سعيد الخدري قال حدثنا رسول الله ﷺ يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما حدثنا قال: «يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خير الناس - فيقول له أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر فيقولون لا. قال فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن - قال - فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٧١٣٢)، ومسلم (٢٩٣٨).","vol":"4","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1195>الفرع الخامس: عقيدة أهل السنة والجماعة في المسيح الدجال</span>\nقال النووي في (شرحه لمسلم): قال القاضي: هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى: من إحياء الميت الذي يقتله ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه وجنته وناره ونهريه واتباع كنوز الأرض له وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى: ومشيئته ثم يعجزه الله تعالى: بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويبطل أمره ويقتله عيسى ﷺ ويثبت الله الذين آمنوا هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وخلافا للبخاري المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود ولكن الذي يدعي مخارف وخيالات لا حقائق لها وزعموا أنه لو كان حقا لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفا من أذاه لأن فتنته عظيمة جدا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأمر فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص فيصدقه من صدقه في هذه الحالة. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥٠","vol":"4","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1197>المطلب الأول: هل ابن صياد هو الدجال الأكبر</span>؟\nابن صياد: اسمه: هو صافي وقيل عبد الله بن صياد أو صائد (١).\nكان من يهود المدينة، وقيل من الأنصار، وكان صغيرًا عند قدوم النبي ﷺ إلى المدينة.\nوذكر ابن كثير أنه أسلم، وكان ابنه عمارة من سادات التابعين روى عنه الإمام مالك وغيره (٢).\nوترجم له الذهبي في كتابه (تجريد أسماء الصحابة) فقال: (عبد الله بن صياد أورده ابن شاهين، وقال: هو ابن صائد كان أبوه يهوديا فولد عبد الله أعور مختونًا، وهو الذي قيل إنه الدجال ثم أسلم فهو تابعي له رؤية) وترجم له الحافظ ابن حجر في (الإصابة) فذكر ما قاله الذهبي ثم قال: (ومن ولده عمارة بن عبد الله بن صياد وكان من خيار المسلمين من أصحاب سعيد بن المسيب روى عنه مالك وغيره) (٣).\nثم ذكر جملة من الأحاديث في شأن ابن صياد ... – ثم قال: (وفي الجملة لا معنى لذكر ابن صياد في الصحابة لأنه إن كان الدجال فليس بصحابي قطعًا لأنه يموت كافرًا، وإن كان غيره فهو حال لقيه النبي ﷺ لم يكن مسلمًا.\nلكن إن أسلم بعد ذلك فهو تابعي له رؤية) (٤) كما قال الذهبي.\nوترجم ابن حجر في كتابه: (تهذيب التهذيب) لعمارة بن صياد فقال: (عمارة بن عبد الله بن صياد الأنصاري أبو أيوب المدني، روى عن جابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب وعطاء بن يسار، وعنه الضحاك بن عثمان الخزامي ومالك بن أنس وغيرهما.\nقال ابن معين والنسائي: ثقة.\nوقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وكان مالك بن أنس لا يقدم عليه في الفضل أحدًا.\nوكانوا يقولون: (نحن بنو أشيهب بن النجار، فدفعهم بنو النجار فهم اليوم حلفاء بني مالك بن النجار، ولا يدري ممن هم) (٥).\nأحواله: كان ابن صياد دجالًا، وكان يتكهن أحيانًا فيصدق ويكذب، فانتشر خبره بين الناس، وشاع أنه الدجال كما سيأتي في ذكر امتحان النبي ﷺ له.\nامتحان النبي ﷺ له:\nلما شاع بين الناس أمر ابن صياد وأنه هو الدجال، أراد النبي ﷺ أن يطلع على أمره ويتبين حاله، فكان يذهب إليه مختفيًا حتى لا يشعر به ابن صياد، رجاء أن يسمع منه شيئًا، وكان يوجه إليه بعض الأسئلة التي تكشف عن حقيقته.\nففي الحديث عن ابن عمر ﵄: «أن عمر انطلق مع النبي ﷺ في رهط قبل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان، عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن الصياد الحلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي ﷺ بيده، ثم قال لابن الصياد: تشهد أني رسول الله. فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد للنبي ﷺ: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه وقال: آمنت بالله وبرسله. فقال له: ما ترى. قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال النبي ﷺ: خلط عليك الأمر. ثم قال له النبي ﷺ: إني خبأت لك خبيئًا. فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال: اخسأ، فلن تعدو قدرك. فقال عمر ﵁: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النبي ﷺ: إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله» (٦).\n_________\n(١) «فتح الباري» (٣/ ٢٢٠، ٦/ ١٦٤) و«عمدة القاري» (٨/ ١٧٠، ١٤/ ٢٧٨ - ٣٠٣) و«النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ١٢٨) و«شرح صحيح مسلم» للنووي (١٨/ ٤٦) و«عون المعبود» (١١/ ٤٧٨).\n(٢) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ٨٨).\n(٣) «الإصابة» (٥/ ١٩٢).\n(٤) «الإصابة» (٥/ ١٩٤).\n(٥) «تهذيب التهذيب» (٧/ ٣٦٦).\n(٦) رواه البخاري (١٣٥٤)، ومسلم (٢٩٣٠).","vol":"4","page":249},{"text":"وفي رواية أن النبي ﷺ قال له: «ما ترى؟ قال: أرى عرشًا على الماء فقال رسول الله ﷺ: ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟ قال: أرى صادقين وكذابًا أو كاذبين وصادقًا. فقال رسول الله ﷺ: لبس عليه، دعوه» (١).\nوقال ابن عمر ﵄ يقول: «انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب، إلى النخل التي فيها ابن صياد، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا، قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النبي ﷺ وهو مضطجع، يعني في قطيفة، له فيها رمزة أوزمرة، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ، وهو يتقي بجذوع النخل.\nفقالت لابن صياد: يا صاف، وهو اسم ابن صياد، هذا محمد ﷺ، فثار ابن صياد، فقال النبي ﷺ: لو تركته بين» (٢).\nوقال أبو ذر ﵁: «كان رسول الله ﷺ قد بعثني إلى أمه، قال سلها كم حملت به، فأتيتها فسألتها فقالت حملت به اثني عشر شهرًا. قال ثم أرسلني إليها: فقال سلها عن صيحته حين وقع، قال: فرجعت إليها فسألتها، فقالت: صاح صياح الصبي ابن شهر. ثم قال له رسول الله ﷺ: إني قد خبأت لك خبأ. قال: خبأت لي خطم شاة عفراء والدخان قال: فأراد أن يقول: الدخان فلم يستطع فقال: الدخ» (٣).\nفامتحان النبي ﷺ له (بالدخان) ليتعرف على حقيقة أمره.\nوالمراد بالدخان هنا قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ [الدخان: ١٠].\nفقد وقع في رواية ابن عمر عند الإمام أحمد «أني قد خبأت لك خبيئًا، وخبأ له يوم تأتي السماء بدخان مبين» (٤).\nقال ابن كثير: (إن ابن صياد كاشف على طريقة الكهان بلسان الجان وهم يقرطون – أي يقطعون – العبارة ولهذا قال: هو الدخ، يعني الدخان، فعندها عرف رسول الله ﷺ مادته وأنها شيطانية، فقال له اخسأ فلن تعدو قدرك) (٥).\nوفاته:\nعن جابر ﵁ قال: (فقدنا ابن صياد يوم الحرة) (٦).\nوقد صحح ابن حجر هذه الرواية، وضعف قول من ذهب إلى أنه مات في المدينة، وأنهم كشفوا عن وجهه وصلوا عليه (٧).\nهل ابن صياد هو الدجال الأكبر؟\nمضى في الكلام على أحوال ابن صياد وامتحان النبي ﷺ له ما يدل على أن النبي ﷺ كان متوقفًا في أمر ابن صياد، لأنه لم يوح إليه أنه الدجال ولا غيره.\nوكان عمر ﵁ يحلف عند النبي ﷺ أن ابن صياد هو الدجال ولم ينكر عليه ذلك رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٢٥).\n(٢) رواه البخاري (١٣٥٤)، ومسلم (٢٩٣١).\n(٣) رواه أحمد (٥/ ١٤٨) (٢١٣٥٧)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨/ ٢٤٢) (٨٥٢٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٥): رواه أحمد والبزار والطبراني في «الأوسط»، ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وهو ثقة.\n(٤) رواه أحمد (٢/ ١٤٨) (٦٣٦٠)، ورواه أبو داود (٤٣٢٩)، والترمذي (٢٢٤٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح، وقال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٥) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٢٣٤).\n(٦) رواه أبو داود (٤٣٣٢)، وابن أبي شيبة (٧/ ٤٩٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٨/ ٤٧)، ومحمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٤/ ٥٣٤)، وابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١٤٥).\n(٧) «فتح الباري» (١٣/ ٣٢٩).","vol":"4","page":250},{"text":"وكان بعض الصحابة ﵃ يرى رأي عمر ويحلف أن ابن صياد هو الدجال كما ثبت ذلك عن جابر، وابن عمر، وأبي ذر.\nففي الحديث عن محمد بن المنكدر قال: (رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد هو الدجال. قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ) (١).\nوعن نافع قال: كان ابن عمر يقول: (والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد) (٢).\nوعن زيد بن وهب قال: قال أبو ذر ﵁: (لأن أحلف عشر مرات أن ابن صائد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به) (٣).\nوعن نافع قال: «لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله ما أردت من ابن صائد أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: إنما يخرج من غضبة يغضبها» (٤).\nوفي رواية عن نافع قال: «قال ابن عمر: لقيته مرتين قال: فلقيته فقلت لبعضهم هل تحدثون أنه هو؟ قال: لا والله. قال: قلت كذبتني، والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالًا وولدًا، فكذلك هو زعموا اليوم.\nقال فتحدثنا ثم فارقته، قال: فلقيته مرة أخرى، وقد نفرت عينه، قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري.\nقلت: لا تدري وهي في رأسك؟\nقال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه، قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت.\nقال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت وأما أنا فوالله ما شعرت.\nقال: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين فحدثها، فقالت: ما تريد إليه ألم تعلم أنه قد قال: إن أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه» (٥).\nوكان ابن صياد يسمع ما يقوله الناس فيه فيتأذى من ذلك كثيرًا، ويدافع عن نفسه بأنه ليس الدجال، ويحتج على ذلك بأن ما أخبر به النبي ﷺ من صفات الدجال لا تنطبق عليه.\nففي الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «خرجنا حجاجًا أو عمارًا ومعنا ابن صائد. قال: فنزلنا منزلًا. فتفرق الناس وبقيت أنا وهو. فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه. قال وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي. فقلت: إن الحر شديد. فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال: ففعل. قال: فرفعت لنا غنم. فانطلق فجاء بعس. فقال: اشرب. أبا سعيد. فقلت: إن الحر شديد واللبن حار. ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده - أو قال آخذ عن يده -.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣٥٥)، ومسلم (٢٩٢٩).\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٣٠). وسكت عنه، وصحح إسناده النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٨/ ٤٧)، ومحمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٤/ ٥٣٤)، وابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١٤٥).\n(٣) رواه أحمد (٥/ ١٤٨) (٢١٣٥٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٥): رواه أحمد والبزار والطبراني في «الأوسط»، ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وهو ثقة.\n(٤) رواه مسلم (٢٩٣٢).\n(٥) رواه مسلم (٢٩٣٢).","vol":"4","page":251},{"text":"فقال: أبا سعيد! لقد هممت أن آخذ حبلًا فأعلقه بشجرة ثم أختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد! من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ ما خفي عليكم معشر الأنصار! ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ؟ أليس قد قال رسول الله ﷺ: هو كافر. وأنا مسلم؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ: هو عقيم لا يولد له، وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ لا يدخل المدينة ولا مكة. وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة؟ قال أبو سعيد الخدري: حتى كدت أن أعذره. ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن. قال: قلت له: تبًا لك سائر اليوم» (١).\nوقال ابن صياد في رواية: «أما والله أني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه. قال: وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ فقال: لو عرض عليَّ ما كرهت» (٢).\nوهناك بعض الروايات التي جاءت في شأن ابن صياد تركت ذكرها هنا خشية الإطالة، ولأن بعض المحققين كابن كثير وابن حجر وغيرهما ردوها لضعف أسانيدها (٣).\nوقد التبس على العلماء ما جاء في ابن صياد وأشكل عليهم أمره، فمن قائل أنه الدجال ويحتج على ذلك بما سبق ذكره من حلف بعض الصحابة ﵃ على أنه الدجال، وبما كان من أمره مع ابن عمر وأبي سعيد ﵃.\nوذهب بعض العلماء إلى أن ابن صياد ليس هو الدجال، ويحتج على ذلك بحديث تميم الداري ﵁، وقبل أن أسوق أقوال الفريقين أذكر حديث تميم بطوله.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٢٧).\n(٢) رواه مسلم (٢٩٢٧).\n(٣) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ١٢٧)، «فتح الباري» (١٣/ ٣٢٦).","vol":"4","page":252},{"text":"روى الإمام مسلم بسنده إلى عامر بن شراحيل الشعبي شعب همدان أنه «سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس – وكانت من المهاجرات الأول – فقال: حدثيني حديثًا سمعتيه من رسول الله ﷺ لا تسنديه إلى أحد غيره فقالت: لئن شئت لأفعلن. فقال لها: أجل حدثيني. فذكرت قصة تأيمها من زوجها واعتدادها عند ابن أم مكتوم. ثم قالت: فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاة جامعة. فخرجت إلى المسجد. فصليت مع رسول الله ﷺ. فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك. فقال: ليلزم كل إنسان مصلاه. ثم قال: أتدرون لما جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة. ولكن جمعتكم لأن تميمًا الداري، كان رجلًا نصرانيًا، فجاء فبايع وأسلم. وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال. حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام. فلعب بهم الموج شهرًا في البحر. ثم أرفؤا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس. فجلسوا في أقرب السفينة. فدخلوا الجزيرة. فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر. لا يدرون ما قبله من دبره. من كثرة الشعر. فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير. فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلًا فرقنا منها أن تكون شيطانة. قال فانطلقنا سراعًا. حتى دخلنا الدير. فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد. قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري. فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب. ركبنا في سفينة بحرية. فصادفنا البحر حين اغتلم. فلعب بنا الموج شهرًا. ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر، لا يدري ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير. فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. فقال: أخبروني عن نخل بيسان؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل يثمر؟ قلنا له: نعم، قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر؟ قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم. هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة، ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه. وإني مخبركم عني. إني أنا المسيح. وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج. فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة. غير مكة وطيبة. فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة، أو واحدًا منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلتا، يصدني عنها. وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها. قالت: قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر: هذه طيبة. هذه طيبة. هذه طيبة يعني المدينة ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم. فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة. ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن. لا بل من قبل المشرق، ما هو. من قبل المشرق، ما هو. من قبل المشرق، ما هو وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ» (١).\nقال ابن حجر: وقد توهم بعضهم أنه – أي حديث فاطمة بنت قيس – غريب فرد وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس، أبو هريرة وعائشة وجابر (٢) ﵃. أشراط الساعة ليوسف الوابل- بتصرف - ص: ٢١٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٤٢).\n(٢) «فتح الباري» (١٣/ ٣٢٨).","vol":"4","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1198>المطلب الثاني: أقوال العلماء في ابن صياد</span>\nقال أبو عبد الله القرطبي: (الصحيح أن ابن صياد هو الدجال بدلالة ما تقدم، وما يبعد أن يكون بالجزيرة في ذلك الوقت، ويكون بين أظهر الصحابة في وقت آخر) (١).\nوقال النووي: (قال العلماء: وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره، ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة.\nقال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر ﵁: إن يكن هو فلن تستطيع قتله. وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال، وقد ولد له هو، وأن لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة فلا دلالة له فيه لأن النبي ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض، ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكذابين قوله للنبي ﷺ، أتشهد أني رسول الله؟ ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشًا فوق الماء، وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه، وأعرف مولده، وأين هو الآن، وانتفاخه حتى ملأ السكة، وأما إظهاره الإسلام، وحجه، وجهاده، وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال) (٢).\nوكلام النووي هذا يفهم منه أنه يرجح كون ابن صياد هو الدجال.\nوقال الشوكاني: (اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافًا شديدًا، وأشكل أمره حتى قيل فيه كل قول، وظاهر الحديث المذكور أن النبي ﷺ كان مترددًا في كونه الدجال أم لا؟ .. وقد أجيب عن التردد منه ﷺ بجوابين:\nالأول: أنه تردد ﷺ قبل أن يعلمه الله بأنه هو الدجال، فلما أعلمه لم ينكر على عمر حلفه.\nوالثاني: أن العرب قد تخرج الكلام مخرج الشك، وإن لم يكن في الخبر شك، ومما يدل على أنه هو الدجال ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: لقيت ابن صياد يومًا – ومعه رجل من اليهود – فإذا عينه قد طفت وهي خارجة مثل عين الحمار، فلما رأيتها قلت: أنشدك الله يا ابن صياد متى طفت عينك؟\nقال: لا أدري والرحمن.\nقلت: كذبت وهي في رأسك.\nقال: فمسحها ونخر ثلاثا) (٣) (٤) ...\nوالذي يظهر لي من كلام الشوكاني أنه مع القائلين بأن ابن صياد هو الدجال الأكبر.\n_________\n(١) «التذكرة» (ص: ٧٠٢).\n(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٨/ ٤٦).\n(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/ ٣٩٦). وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٧/ ٢٣٠): إسناده صحيح.\n(٤) «نيل الأوطار» للشوكاني (٧/ ٢٣٠).","vol":"4","page":254},{"text":"وقال البيهقي في سياق كلامه على حديث تميم: (فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر ﷺ بخروجهم، وقد خرج أكثرهم وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمع بينهما بعيد جدًا إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه محتلم، ويجتمع به النبي ﷺ ويسأله أن يكون في آخرها شيخًا كبيرًا مسجونًا في جزائر البحر موثقًا بالحديد يستفهم عن خبر النبي ﷺ هل خرج أو لا؟ فالأولى أن يحمل على عدم الإطلاع أما عمر فيحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم ثم لما سمعها لم يعد إلى الحلف المذكور، وأما جابر فشهد حلفه عند النبي ﷺ فاستصحب ما كان اطلع عليه من عمر بحضرة النبي ﷺ) (١).\nقلت: لكن جابر ﵁ كان من رواة حديث تميم كما جاء في رواية أبي داود حيث ذكر قصة الجساسة والدجال بنحو قصة تميم، ثم قال ابن أبي سلمة: إن في هذا الحديث شيئًا ما حفظته، قال: شهد جابر أنه هو ابن صائد.\nقلت: فإنه قد مات.\nقال: وإن مات.\nقلت: فإنه قد أسلم.\nقال: وإن أسلم.\nقلت: فإنه قد دخل المدينة.\nقال: وإن دخل المدينة (٢).\nفجابر ﵁ مُصِرٌّ على أن ابن صياد هو الدجال وإن قيل أنه أسلم ودخل المدينة ومات.\nوقد تقدم أنه صح عن جابر ﵁ أنه قال: (فقدنا ابن صياد يوم الحرة) (٣).\nوقال ابن حجر: (أخرج أبو نعيم الأصبهاني في (تاريخ أصبهان) ما يؤيد كون ابن صياد هو الدجال، فساق من طريق شبيل بن عرزة عن حسان بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما افتتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها فنختار منها، فأتيتها يومًا فإذا اليهود يزفنون ويضربون فسألت صديقًا لي منهم، فقال: ملكنا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبت عنده على سطح فصليت الغداة، فلما طلعت الشمس إذا الرهج من قبل العسكر فنظرت، فإذا رجل عليه قبة من ريحان، واليهود يزفنون ويضربون، فنظرت فإذا هو ابن صياد فدخل المدينة فلم يعد حتى الساعة) (٤) (٥).\nقال ابن حجر: (ولا يلتئم خبر جابر هذا (أي فقدهم لابن صياد يوم الحرة) مع خبر حسان بن عبد الرحمن لأن فتح أصبهان كان في خلافة عمر كما أخرجه أبو نعيم في تاريخها، وبين قتل عمر ووقعة الحرة نحو أربعين سنة ويمكن الحمل على أن القصة إنما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان بهذه المدة، ويكون جواب (لما) في قوله: (لما افتتحنا أصبهان) محذوفًا تقديره: صرت أتعاهدها وأتردد إليها فجرت قصة ابن صياد، فلا يتحد زمان فتحها وزمان دخولها ابن صياد) (٦).\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (أن أمر ابن صياد قد أشكل على بعض الصحابة فظنوه الدجال، وتوقف فيه النبي ﷺ حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، وإنما هو من جنس الكهان أصحاب الأحوال الشيطانية ولذلك كان يذهب ليختبره) (٧).\nوقال ابن كثير: (والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعًا، لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية، وهو فيصل في هذا المقام) (٨).\nهذه هي طائفة من أقوال العلماء في ابن صياد وهي كما ترى متضاربة في شأن ابن صياد، ومع كل دليله، ولهذا فقد اجتهد الحافظ ابن حجر في التوفيق بين الأحاديث والأقوال المختلفة فقال: (أقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال، أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها، ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح، فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم) (٩). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٢٣٢\n_________\n(١) «فتح الباري» (١٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧).\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٢٨). وسكت عنه.\n(٣) رواه أبو داود (٤٣٣٢). وسكت عنه، وصحح إسناده النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٨/ ٤٧)، والمناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٤/ ٥٣٤)، وابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١٤٥).\n(٤) رواه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (١/ ٤٣).\n(٥) «فتح الباري» (٣/ ٣٢٧).\n(٦) «فتح الباري» (١٣/ ٣٢٨).\n(٧) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص: ٧٧).\n(٨) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ٧٠).\n(٩) «فتح الباري» (١٣/ ٣٢٨).","vol":"4","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1199>المبحث الرابع: نزول عيسى بن مريم ﵇</span>\nأخبرنا الحق ﵎ أن اليهود لم يقتلوا رسوله عيسى بن مريم، قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إليه وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:١٥٧ - ١٥٨]. وأشار الحق في كتابه أن عيسى سينزل في آخر الزمان وأن نزوله سيكون علامة دالة على قرب وقوع الساعة قال تعالى: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ [الزخرف:٦١] كما أخبر أن أهل الكتاب سيؤمنون به قال تعالى: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:١٥٩]، كما أخبرنا رسول الله ﷺ بنزوله فقال: «ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق» (١). وقد وصف لنا الرسول ﷺ حاله عند نزوله فقال: «ليس بيني وبين عيسى نبي وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع على الحمرة والبياض ينزل بين ممصرتين كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل» (٢). ويكون نزوله في وقت اصطف فيه المقاتلون المسلمون لصلاة الفجر، عن جابر بن عبدالله قال سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة - قال - فينزل عيسى ابن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا. إن بعضكم على بعض أمراء. تكرمة الله هذه الأمة» (٣). ويحكم بعد نزوله بكتاب الله ﵎، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمَّكم منكم؟». وقد قال أحد رواة الحديث وهو ابن أبي ذئب للوليد بن مسلم: تدري ما أمكم منكم؟ قال تخبرني، قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ (٤). ويقتل الدجال وهو أول عمل يقوم به بعد نزوله ... ويبقى عيسى في الأرض أربعين عاما كما ثبت ذلك عن أبي هريرة: «فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» (٥) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥٩\nأخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم، حكما عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية» (٦) الحديث وفي رواية لمسلم عنه «والله لينزلن ابن مريم حكمًا عادلًا فليكسرن الصليب» (٧) بنحوه.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣٢١). من حديث النواس بن سمعان الكلابي. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح. والحديث أصله في (الصحيح).\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٢٤)، وأحمد (٢/ ٤٣٧) (٩٦٣٠)، وابن حبان (١٥/ ٢٣٣)، والحاكم (٢/ ٦٥١). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٣) رواه مسلم (١٥٦).\n(٤) رواه مسلم (١٥٥).\n(٥) رواه أبو داود (٤٣٢٤)، وأحمد (٢/ ٤٠٦) (٩٢٥٩)، وابن حبان (١٥/ ٢٣٣) والحاكم (٢/ ٦٥١). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٦) رواه البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥).\n(٧) رواه مسلم (١٥٥).","vol":"4","page":256},{"text":"وأخرج مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة قال: فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة» (١).\nوقال العلامة في (البهجة) (٢): (هو - أي نزول عيسى - ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة أما الكتاب فقوله تعالى وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء: ١٥٩] أي: ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك عند نزوله من السماء آخر الزمان، حتى تكون الملة واحدة، ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا، ونوزع في الاستدلال بهذه الآية: وإن الضمير في قوله (قبل موته) لليهود ويؤيده قراءة أبي قبل موتهم (٣).\nوأما السنة فلا نزاع فيها.\nوأما الإجماع فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه متبع لهذه الشريعة المحمدية، وليس بصاحب شريعة مستقلة، عند نزوله من السماء، وإن كانت النبوة قائمة به، ويتسلم الأمر من المهدي، ويكون المهدي مع أصحاب الكهف الذين هم من أتباع المهدي، كما مر من جملة أتباعه ويصلي عيسى وراء المهدي صلاة الصبح كما تقدم، وذلك لا يقدح في نبوته ويسلم المهدي الأمر لعيسى ﵇، وكل ما معه من تابوت بني إسرائيل، ويقتل الدجال). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني– ٢/ ٦١٣\n_________\n(١) رواه مسلم (١٥٦).\n(٢) «البهجة» (ص: ٢٠٢ - ٢٠٣).\n(٣) انظر «الكشاف» (١/ ٣١٣).","vol":"4","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1200>المبحث الخامس: خروج يأجوج ومأجوج</span>\n• المطلب الأول: أصل تسميتهما ونسبهما.\n• المطلب الثاني: هلاك يأجوج ومأجوج وطيب العيش وبركته بعد موتهم.","vol":"4","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1201>المطلب الأول: أصل تسميتهما ونسبهما</span>\nاختلف العلماء في اشتقاق الكلمتين فقيل: هما اسمان أعجميان منعا من الصرف للعلمية والعجمة، وعلى هذا فليس لهما اشتقاق؛ لأن الأعجمية لا تشتق من العربية. وقيل: بل هما عربيان، واختلف في اشتقاقهما، فقيل: من أجيج النار وهو التهابها، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: من الأج وهو سرعة العدو، وقيل: من الأجّة بالتشديد وهي الاختلاط والاضطراب. وعند جمهور القراء: ياجوج وماجوج بدون همز، وأما قراءة عاصم فهي بالهمزة الساكنة فيهما. والخلاصة من هذا: أن جميع ما ذكر في اشتقاقهما مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق من ماج قوله تعالى: وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف:٩٩] وذلك حين يخرجون من السد. وقد اختلف في نسبهم، فقيل: إنهم من ذرية آدم. والذي رجحه الحافظ ابن حجر ﵀ أنهم قبيلتان من ولد يافث بن نوح. فهما من ولد آدم وحواء، ويؤيد ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول ﷺ: «يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف (أراه قال) تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:٢]. فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي ﷺ: «من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد ...» (١) الحديث. أشراط الساعة لعبد الله بن سليمان الغفيلي - ص ١٧٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٧٤١).","vol":"4","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1202>المطلب الثاني: هلاك يأجوج ومأجوج وطيب العيش وبركته بعد موتهم</span>\nففي حديث النواس بن سمعان ﵁ الطويل أن الرسول ﷺ قال فيه: «ويحاصر عيسى ابن مريم وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفسٍ واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم، ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٧١\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٣٧).","vol":"4","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1203>المبحث السادس: دروس الإسلام ورفع القرآن وفناء الأخيار</span>\nعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب لا يدري ما صيام ولا صدقة ولا نسك ويسري على كتاب الله ﷿ في ليلةٍ فلا يبقى في الأرض منه آية ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها» (١). وهذه البقية التي لا تعرف من الإسلام إلا كلمة التوحيد تفنى وتبيد: عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق» (٢). ومن دروس الإسلام أن تنقطع عبادة الحج فلا حج ولا عمرة: عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت» (٣) وذلك بعد انبعاث الريح الطيبة وقبضها الصالحين أما قبل ذلك فإن عبادة البيت مستمرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج» (٤). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٧٧\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤٠٤٩) بزيادة لفظة: (صلاة)، وبدون لفظة: (الكبيرة). والحاكم (٤/ ٥٢٠، ٥٨٧). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٤/ ١٩٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقاث. وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ١٩): إسناده قوي. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) رواه مسلم (٢٩٤٩) بلفظة: (الناس) بدلا من (الخلق). والحديث بلفظة (الخلق): رواه مسلم (١٩٢٤) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(٣) رواه أبو يعلى (٢/ ٢٧٧)، وابن حبان (١٥/ ١٥١)، والحاكم (٤/ ٥٠٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أوقفه أبو داود عن شعبة. ووافقه الذهبي وقال: على شرط البخاري ومسلم. وروى البخاري من طريق قتادة عن عبدالله بن أبي عتبة عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ: «ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج» حديث (١٥٩٣) وقال عبدالرحمن عن شعبة قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت». والأول أكثر، سمع قتادة عبدالله وعبد الله أبا سعيد. وقال ابن حجر في «تغليق التعليق» (٣/ ٦٨): وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة فوافق الجماعة ووقع لي حديثه عاليا جدًا ... «إن الناس ليحجون ويعتمرون ويغرسون النخل بعد خروج يأجوج ومأجوج». ومن الجائز أن يكون الحديثان جميعًا - أي: الحديث السابق وحديث «لا تقوم الساعة ...» - صحيحين لقوة إسنادهما وأن يكون المراد بقوله: لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت وقتا قبل قيامها وبعد خروج يأجوج ومأجوج جمعا بين الحديثين والله أعلم. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٤٣٠): وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(٤) رواه البخاري (١٥٩٣).","vol":"4","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1204>المبحث السابع: عودة البشرية إلى الجاهلية وعبادة الأوثان</span>\nوهو ما يترتب على دروس الإسلام ورفع القرآن وفناء الأخيار، فتطيع البشرية الشيطان وتعبد الأوثان. ففي حديث عبدالله بن عمرو: «ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه» قال سمعتها من رسول الله - ﷺ – قال: «فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان فيقول ألا تستجيبون فيقولون: فما تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم ثم ينفخ في الصور ...» (١) ومن الأوثان التي تعبد ذو الخلصة طاغية دوس واللات والعزى، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة» (٢). وذو الخلصة: طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية. وعن عائشة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى». فقلت يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:٣٣] أن ذلك تامًا قال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله ريحا طيبة فيتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم» (٣) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٨٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٤٠).\n(٢) رواه البخاري (٧١١٦)، ومسلم (٢٩٤٠).\n(٣) رواه مسلم (٢٩٠٧).","vol":"4","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1205>المبحث الثامن: هدم الكعبة على يد ذي السويقتين</span>\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يبايع لرجل ما بين الركن والمقام ولن يستحل البيت إلا أهله فإذا استحلوه فلا يسأل عن هلكة العرب ثم تأتي الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمر بعده أبدا وهم الذين يستخرجون كنزه» (١). وعن عبدالله بن عمرو قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ويسلبها حليتها ويجردها من كسوتها ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله» (٢). وقد يقال كيف يهدمها وقد جعل الله مكة حرما آمنا؟ الجواب: أن معناه آمنا إلى قرب يوم القيامة وخراب الدنيا. هكذا قال النووي، وهذا صحيح إذا كان الهدم في ذلك الوقت، وإلا فإن الأمر حكم شرعي ألزم الله به عباده فإذا تمرد متمرد وانتهك حرمة الحرم فقد يمنعه الله كما فعل بأبرهة وقد لا يمنعه لحكمة يعلمها كما فعل القرامطة. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٨٣\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٩١) (٧٨٩٧)، وابن حبان (١٥/ ٢٣٩)، والحاكم (٤/ ٤٩٩). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الذهبي في «التلخيص»: ما خرجا لابن سمعان شيئًا. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٩٨): في (الصحيح) بعضه رواه أحمد ورجاله ثقات. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥٧٩): وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن سمعان وهو ثقة.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٢٠) (٧٠٥٣). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٩٨): رواه أحمد والطبراني وفيه ابن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس. وقال ابن كثير في «نهاية البداية والنهاية» (ص١٨٧): وهذا إسناد جيد قوي. وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ١٨٤) - كما أشار إلى ذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦/ ٢٤٢): فيه عنعنة ابن إسحاق، فلعل تقويته إياه بالنظر لشواهده. والحديث أوله في (الصحيحين) عن أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1206>المبحث التاسع: الخسوفات الثلاثة</span>\nمعنى الخسف: يقال خسف المكان يخسف خسوفًا إذا ذهب في الأرض وغاب فيها ومنه قوله تعالى: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ [القصص: ٨١].\nوالخسوفات الثلاثة التي هي من أشراط الساعة جاء ذكرها في الأحاديث ضمن العلامات الكبرى.\nالأدلة من السنة المطهرة على ظهور الخسوفات:\n١ - عن حذيفة بن أسيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: فذكر منها ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب» (١).\n٢ - وعن أم سلمة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون بعدي خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب» (٢).\nهل وقعت هذه الخسوفات؟\nوهذه الخسوفات الثلاثة لم تقع بعد كغيرها من الأشراط الكبرى التي لم يظهر شيء منها، وإن كان بعض العلماء يرى أنها قد وقعت كما ذهب إلى ذلك الشريف البرزنجي (٣)، ولكن الصحيح أنه لم يحدث شيء منها إلى الآن، وإنما وقع بعض الخسوفات في أماكن متفرقة، وفي أزمان متباعدة، وذلك من أشراط الساعة الصغرى.\nأما هذه الخسوفات الثلاثة فتكون عظيمة وعامة لأماكن كثيرة من الأرض في مشارقها، ومغاربها، وفي جزيرة العرب.\nقال ابن حجر: (وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرًا زائدًا على ما وجد كأن يكون أعظم منه مكانًا أو قدرًا) (٤).\nويؤيد هذا ما جاء في الحديث أنها إنما تقع إذا كثر الخبث في الناس وفشت فيهم المعاصي. والله أعلم. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٢٩٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٠١).\n(٢) رواه الطبراني (٢٣/ ٢٧١) (٥٨٠). قال الهيثمي (٨/ ١٤): فيه حكيم بن نافع، وثقه ابن معين، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات.\n(٣) «الإشاعة» (٤٩).\n(٤) «فتح الباري» (١٣/ ٨٤).","vol":"4","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1208>المطلب الأول: طلوع الشمس من مغربها</span>\nطلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى وهو ثابت بالكتاب والسنة.\nالأدلة على وقوع ذلك:\n(أ) الأدلة من القرآن الكريم:\nقال الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ [الأنعام: ١٥٨].\nفقد دلت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية هو طلوع الشمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين (١).\nقال الطبري بعد ذكره لأقوال المفسرين في هذه الآية: (وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: ذلك حين تطلع الشمس من مغربها) (٢).\nوقال الشوكاني: (فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه فهو واجب التقديم له محتم الأخذ به) (٣).\nالأحاديث الدالة على طلوع الشمس من مغربها كثيرة، وإليك جملة منها:\n١ - روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذاك حين لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨]» (٤).\n٢ - وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان» فذكر الحديث وفيه «وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذاك حين لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨]» (٥).\n٣ - وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها» (٦).\n٤ - وتقدم حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط الساعة الكبرى فذكر منها: «طلوع الشمس من مغربها» (٧).\n٥ - وروى الإمام أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: \" حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها» (٨).\n٦ - وعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال يومًا: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم» (٩). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٣٠٥\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٨/ ٩٦) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٦٦) «تفسير القرطبي» (٧/ ١٤٥)، «اتحاف الجماعة» (٢/ ٣١٥).\n(٢) «تفسير الطبري» (٨/ ١٠٣).\n(٣) «تفسير الشوكاني» (٢/ ١٨٢).\n(٤) رواه البخاري (٦٥٠٦)، ومسلم (١٥٧).\n(٥) رواه البخاري (٧١٢١).\n(٦) رواه مسلم (٢٩٤٧).\n(٧) رواه مسلم (٢٩٠١).\n(٨) رواه أحمد (٢/ ٢٠١) (٦٨٨١)، ومسلم (٢٩٤١).\n(٩) رواه مسلم (١٥٩).","vol":"4","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1209>المطلب الثاني: غلق باب التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها</span>\nإذا طلعت الشمس من مغربها فإنه لا يقبل الإيمان ممن لم يكن قبل ذلك مؤمنًا، كما لا تقبل توبة العاصي، وذلك لأن طلوع الشمس من مغربها آية عظيمة يراها كل من كان في ذلك الزمان، فتنكشف لهم الحقائق، ويشاهدون من الأهوال ما يلوي أعناقهم إلى الإقرار والتصديق بالله وآياته، وحكمهم في ذلك حكم من عاين بأس الله تعالى كما قال ﷿: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر: ٨٤ - ٨٥].\nقال القرطبي: (قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسًا إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة، في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت) (١).\nوقال ابن كثير: (إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك فإن كان مصلحًا في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخلطًا فأحدث توبة حينئذٍ لم تقبل منه توبة) (٢).\nوهذا هو الذي جاء به القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة فإن الله تعالى: قال: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ [الأنعام: ١٥٨].\nوقال ﷺ: «لا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفى الناس العمل» (٣).\nوقال ﵊: «إن الله ﷿ جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله ﵎: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا» الآية» (٤).\nويرى بعض العلماء أن الذين لا يقبل إيمانهم هم الكفار الذين عاينوا طلوع الشمس من مغربها، أما إذا امتد الزمان ونسي الناس ذلك فإنه يقبل إيمان الكفار وتوبة العصاة (٥).\n_________\n(١) «التذكرة» (ص: ٧٠٦)، و«تفسير القرطبي» (٧/ ١٤٦).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٧١).\n(٣) رواه أحمد (١/ ١٩٢) (١٦٧١)، والطبراني (١٩/ ٣٨١) (٨٩٥). من حديث ابن السعدي ﵁. قال ابن كثير في «تفسير القرآن» (٣/ ٣٧١): إسناده حسن، وقال الهيثمي (٥/ ٢٥٣): رجال أحمد ثقات، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ١٣٣).\n(٤) رواه الترمذي (٣٥٣٦)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ١١٨). من حديث صفوان بن عسال ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح، وصحح إسناده المنذري، وقال ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٤٥٠) حسن، كما قال ذلك في المقدمة.\n(٥) «التذكرة للقرطبي» (ص: ٧٠٦) و«تفسير الألوسي» (٨/ ٦٣).","vol":"4","page":266},{"text":"قال القرطبي: قال ﷺ: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (١) أي تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة ومقعده من النار، فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله، وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك، أو كان كالشاهد له مردودة ما عاش لأن علمه بالله تعالى وبنبيه ﷺ وبوعده قد صار ضرورة، فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان ولا يتحدثون عنه إلا قليلًا، فيصير الخبر عنه خاصًا وينقطع التواتر عنه، فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قبل منه والله أعلم (٢).\nوأيد ذلك بما روي (أن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على الناس ويغربان) (٣).\nوبما روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ: «يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة» (٤).\nوروي عن عمران بن حصين أنه قال: «إنما لم تقبل وقت الطلوع حتى تكون صيحة فيهلك فيها كثير من الناس فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت ثم هلك لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته» (٥).\nوالجواب على هذا: أن النصوص دلت على أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها وأن الكافر لا يقبل منه الإسلام، ولم تفرق النصوص بين من شاهد هذه الآية وبين من لم يشاهدها.\nوالذي يؤيد هذا ما رواه الطبري عن عائشة ﵂ قالت: «إذا خرج أول الآيات: طرحت الأقلام، وحبست الحفظة وشهدت الأجسام على الأعمال» (٦).\nوالمراد بأول الآيات هنا هو طلوع الشمس من مغربها، أما ما كان قبل طلوعها من الآيات فإن الأحاديث تدل على قبول التوبة والإيمان في ذلك الوقت.\nوروى ابن جرير الطبري أيضًا عن عبد الله (بن مسعود) ﵁ قال: «التوبة مبسوطة ما لم تطلع الشمس من مغربها» (٧).\nوروى الإمام مسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يبسط يده بالليل، ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار، ليتوب مسيء الليل. حتى تطلع الشمس من مغربها» (٨) فجعل ﷺ غاية قبول التوبة هو طلوع الشمس من مغربها.\nوقد ذكر ابن حجر أحاديث وآثار كثيرة تدل على استمرار قفل باب التوبة إلى يوم القيامة. ثم قال: (فهذه آثار يشد بعضها بعضًا متفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب أغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع بل يمتد إلى يوم القيامة) (٩).\nوأما ما استدل به القرطبي فالجواب عنه أن حديث عبد الله بن عمرو قال فيه الحافظ ابن حجر: (رفع هذا لا يثبت)، وحديث عمران بن حصين (لا أصل له) (١٠).\nوأما حديث (أن الشمس والقمر يكسيان الضوء والنور ..) إلخ فلم يذكر له القرطبي سندًا. وعلى فرض ثبوته فإن عودتهما إلى ما كانا عليه ليس فيه دليل على أن باب التوبة قد فتح مرة أخرى، وذكر الحافظ أنه وقف على نص فاصل في هذا النزاع وهو حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكر فيه طلوع الشمس من المغرب وفيه يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ [الأنعام: ١٥٨] (١١) أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٣١٠\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٥٣٧)، وابن ماجه (٤٢٥٣)، وأحمد (٢/ ١٥٣) (٦٤٠٨)، وابن حبان (٢/ ٣٩٤) (٦٢٨)، والحاكم (٤/ ٢٨٦). من حديث ابن عمر ﵄. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٤٤٩).\n(٢) «تفسير القرطبي» (٧/ ١٤٦)، «التذكرة للقرطبي» (ص: ٧٠٦).\n(٣) «الكشف والبيان» للثعلبي (٤/ ٢٠٩).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٥٠٦)، ونعيم بن حماد في «الفتن» (٢/ ٦٥٦، ٧٠٢). عن عبد الله بن عمرو موقوفًا. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٣٦١): رفعه لا يثبت، وقد أخرجه عبد بن حُميد في تفسيره بسند جيد، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا.\n(٥) «بحر العلوم» للسمرقندي (١/ ٥١٥)، و«التذكرة» للقرطبي (ص: ٧٠٥). قال ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٣٦١): لا أصل له.\n(٦) رواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٦٥)، وابن أبي شيبة (٨/ ٦٧٠). قال ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٣٦٣): إسناده صحيح وهو إن كان موقوفًا فحكمه الرفع.\n(٧) رواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٦٢).\n(٨) رواه مسلم (٢٧٥٩).\n(٩) «فتح الباري» (١١/ ٣٦١).\n(١٠) «فتح الباري» (١١/ ٣٦١).\n(١١) «فتح الباري» (١٣/ ٨٨).","vol":"4","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1210>المبحث الحادي عشر: خروج الدابة</span>\nوهي التي ذكرها تعالى: في قوله: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:٨٢]\nوعن أبي أمامة يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ثم يغمرون فيكم حتى يشتري الرجل البعير فيقول ممن اشتريته فيقول اشتريته من أحد المخطمين» (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٨٦\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٦٨)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٦): رجاله رجال (الصحيح) غير عمر بن عبدالرحمن بن عطية وهو ثقة. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٢٢): وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون غير عمر ... ولكن رواية مالك عنه تعديل له.","vol":"4","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1211>المبحث الثاني عشر: النار التي تحشر الناس</span>\n• المطلب الأول: كيفية حشرها للناس.\n• المطلب الثاني: أرض المحشر.\n• المطلب الثالث: هذا الحشر في الدنيا.","vol":"4","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1212>المطلب الأول: كيفية حشرها للناس</span>\nعند ظهور هذه النار العظيمة من اليمن تنتشر في الأرض، وتسوق الناس إلى أرض المحشر، والذين يحشرون على ثلاثة أفواج:\nالأول: فوج راغبون طاعمون كاسون راكبون.\nوالثاني: وفوج يمشون تارة ويركبون أخرى يعتقبون على البعير الواحد كما سيأتي في الحديث اثنان على بعير وثلاثة على بعير إلى أن قال: وعشرة على بعير يعتقبونه وذلك من قلة الظهر يومئذ.\nوالفوج الثالث: تحشرهم النار فتحيط بهم من ورائهم، وتسوقهم من كل جانب إلى أرض المحشر، ومن تخلف منهم أكلته النار (١).\nومما جاء من الأحاديث في بيان كيفية حشر هذه النار للناس:\n١ - روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير. وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» (٢).\n٢ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم وتخلف، وتسوقهم سوق الجمل الكسير» (٣).\n٣ - وعن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: قام أبو ذر ﵁ فقال: يا بني غفار قولوا ولا تختلفوا فإن الصادق المصدوق حدثني «أن الناس يحشرون ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار. فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: يلقي الله الآفة على الظهر فلا يبقى ظهر، حتى أن الرجل ليكون له الحديقة المعجبة فيعطيها بالشارف ذات القتب فلا يقدر عليها» (٤). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٣٢٩\n_________\n(١) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ٢٣٠).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٢٢)، ومسلم (٢٨٦١). من حديث سهل بن سعد ﵁.\n(٣) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٨/ ٩٩) (٨٠٩٢)، والحاكم (٤/ ٥٩١) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٥): رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات.\n(٤) رواه أحمد (٥/ ١٦٤) (٢١٤٩٤)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨/ ٢١٤) (٨٤٣٧)، والحاكم (٤/ ٦٠٨). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد إلى الوليد بن جميع ولم يخرجاه. وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٩/ ١٧١).","vol":"4","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1213>المطلب الثاني: أرض المحشر</span>\nيحشر الناس إلى الشام في آخر الزمان وهي أرض المحشر كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة:\nمنها ما روي عن ابن عمر ﵄ في ذكر خروج النار وفيه «قال: قلنا يا رسول الله فماذا تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام» (١).\nوروى الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية البهزي عن أبيه فذكر الحديث وفيه قوله ﷺ: «هاهنا تحشرون، هاهنا تحشرون، هاهنا تحشرون - ثلاثًا - ركبانًا، ومشاة، وعلى وجوهكم» قال ابن أبي بكير: فأشار بيده إلى الشام فقال: إلى هاهنا تحشرون (٢).\nوفي رواية الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت: يا رسول الله أين تأمرني؟ قال: «هاهنا ونحا بيده نحو الشام» (٣).\nوروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تنذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف» (٤).\nقال ابن حجر: (وفي تفسير ابن عيينة عن ابن عباس: من شك أن المحشر هاهنا يعني الشام فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول الله ﷺ يومئذ: اخرجوا، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر) (٥).\nوالسبب في كون أرض الشام هي أرض المحشر أن الأمن والإيمان حين تقع الفتن في آخر الزمان يكون بالشام. وقد جاء في فضله والترغيب في سكناه أحاديث صحيحة منها ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي؛ فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام» (٦).\nوأخرج الطبراني عن عبد الله بن حوالة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت ليلة أسري بي عمودًا أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة. قلت: ما تحملون؟ فقالوا: عمود الكتاب أمرنا أن نضعه بالشام» (٧).\nوروى أبو داود بسنده إلى عبد الله بن حوالة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودًا مجندة، جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق، قال ابن حوالة: خر لي يا رسول الله إن أدركت ذلك، فقال: عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم، فإن الله توكل لي بالشام وأهله» (٨).\nوقد دعا رسول الله ﷺ للشام بالبركة كما ثبت في الصحيح عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا» (٩).\nوقد تقدم أن نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان يكون بالشام، وبه يكون اجتماع المؤمنين لقتال الدجال. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٣٣١\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٢١٧)، وأحمد (٢/ ٨) (٤٥٣٦)، وابن حبان (١٦/ ٢٩٤) (٧٣٠٥). قال الترمذي: حسن صحيح غريب، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٦/ ٢٤٦)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٤٤٦) (٢٠٠٢٥). قال الوادعي في «الصحيح المسند» (١١٢٩): صحيح.\n(٣) رواه الترمذي (٢١٩٢)، وأحمد (٥/ ٣) (٢٠٠٤٣)، والحاكم (٤/ ٦٠٨). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقوى إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٣٨٧).\n(٤) رواه أبو داود (٢٤٨٢)، وأحمد (٢/ ٨٤) (٥٥٦٢). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٤٩٧)، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١١/ ١٥٣): إسناده صحيح.\n(٥) «فتح الباري» (١١/ ٣٨٠) «تفسير ابن كثير» (٨/ ٨٤).\n(٦) رواه أحمد (٥/ ١٩٨) (٢١٧٨١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٦٠): رجال أحمد رجال الصحيح، وصحح إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (١٢/ ٤٢٠).\n(٧) رواه الطبراني في «مسند الشاميين» (١/ ٣٤٥) (٦٠١). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٦١): رجاله رجال الصحيح غير صالح بن رستم وهو ثقة، وحسن إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (١٢/ ٤٢٠).\n(٨) رواه أبو داود (٢٤٨٣). وسكت عنه، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٤٩٨)، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٩) رواه البخاري (٧٠٩٤).","vol":"4","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1214>المطلب الثالث: هذا الحشر في الدنيا</span>\nهذا الحشر المذكور في الأحاديث يكون في الدنيا، وليس المراد به حشر الناس بعد البعث من القبور، وقد ذكر القرطبي أن الحشر معناه الجمع وهو على أربعة أوجه:\nحشران في الدنيا وحشران في الآخرة:\nأما حشران الدنيا: فالأول: إجلاء بني النضير إلى الشام.\nوالثاني: حشر الناس قبل القيامة إلى الشام وهي النار المذكورة هنا في الأحاديث (١).\nوكون هذا الحشر في الدنيا هو الذي أجمع عليه جمهور العلماء كما ذكر ذلك القرطبي، وابن كثير، وابن حجر، وهو الذي تدل عليه النصوص كما تقدم بسطها.\nوذهب بعض العلماء كالغزالي (٢) والحليمي إلى أن هذا الحشر ليس في الدنيا (٣) وإنما هو في الآخرة.\nوذكر ابن حجر أن بعض شراح (المصابيح) حمله على الحشر من القبور، واحتجوا على ذلك بعدة أمور:\nأن الحشر إذا أطلق في عرف الشرع إنما يراد به الحشر من القبور ما لم يخصه دليل.\nأن هذا التقسيم في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى الشام، لأن المهاجر لا بد أن يكون راغبًا، أو راهبًا، أو جامعًا بين الصفتين.\nأن حشر البقية على ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى لا تفارقهم قول لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا على أهل الشقوة من غير توقيف.\nأن الحديث يفسر بعضه بعضًا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة، وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن علي بن زيد عن أوس بن أبي أوس عن أبي هريرة بلفظ: «ثلاثًا على الدواب، وثلاثًا ينسلون على أقدامهم، وثلاثًا على وجوههم» وهذا التقسيم الذي في هذا الخبر موافق لما جاء في سورة الواقعة في قوله تعالى: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] (٤).\nوالإجابة عما احتجوا به يتخلص فيما يأتي:\nأن الدليل قد جاء بأن هذا الحشر في الدنيا كما سبق ذكر الأحاديث في ذلك.\nأن التقسيم المذكور في آيات سورة الواقعة لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث، فإن الذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة، فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر، ويسرة من الزاد، راغبًا فيما يستقبله، راهبًا فيما يستدبره، وهم الصنف الأول في الحديث. ومن توانى حتى قلَّ الظهر اشتركوا فيه وهم الصنف الثاني. والصنف الثالث هم الذين تحشرهم النار وتسحبهم الملائكة.\nأنه تبين من شواهد الأحاديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنما هي نار تخرج في الدنيا أنذر النبي ﷺ بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة.\nأن الحديث الذي احتجوا به من رواية علي بن زيد وهو مختلف في توثيقه لا يخالف الأحاديث التي بينت أن هذا الحشر في الدنيا، وقد وقع في حديث علي بن زيد المذكور عند الإمام أحمد أنهم «يتقون بوجوههم كل حدب وشوك» (٥)، وأرض الموقف يوم القيامة أرض مستوية لا عوج فيها، ولا أكمة، ولا حدب، ولا شوك (٦).\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (١٨/ ٢) و«التذكرة» (ص: ١٩٨).\n(٢) «فتح الباري» (١١/ ٣٧٩) و«التذكرة» (ص: ١٩٩).\n(٣) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٤٤٢).\n(٤) «فتح الباري» (١١/ ٣٨٠).\n(٥) رواه أحمد (٢/ ٣٥٤) (٨٦٣٢). من حديث أبي هريرة ﵁. وحسن إسناده ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١٦٧)، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١٦/ ٢٦٥): إسناده حسن.\n(٦) «فتح الباري» (١١/ ٣٨٠).","vol":"4","page":272},{"text":"قال النووي: قال العلماء: وهذا الحشر في آخر الدنيا قبيل القيامة وقبيل النفخ في الصور بدليل قوله ﷺ: «تحشر بقيتهم النار تبيت معهم وتقيل، وتصبح وتمسي» (١) (٢).\nوقال الحافظ ابن كثير بعد ذكر للأحاديث الواردة في خروج النار مبينًا أن هذا الحشر في الدنيا: (فهذه السياقات تدل على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدنيا من أقطار الأرض إلى محلة المحشر، وهي أرض الشام .. وهذا كله مما يدل على أن هذا في آخر الزمان حيث الأكل والشرب، والركوب على الظهر المشترى وغيره، وحيث تهلك المتخلفين منهم النار، ولو كان هذا بعد نفخة البعث لم يبق موت، ولا ظهر يشترى، ولا أكل ولا شرب، ولا لبس في العرصات) (٣).\nوأما حشر الآخرة فإنه قد جاء في الأحاديث أن الناس مؤمنهم وكافرهم يحشرون حفاة عراة غرلًا بهمًا، ففي الصحيح عن ابن عباس قال: قام فينا النبي ﷺ فقال: «إنكم تحشرون حفاة عراة غرلًا كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: ١٠٤]» (٤).\nقال ابن حجر: (ومن أين للذين يبعثون بعد الموت عراة حفاة حدائق حتى يدفعونها في الشوارف؟) (٥).\nفدل هذا على أن هذا الحشر يكون في الدنيا قبل يوم القيامة، ومن ذهب إلى خلاف ذلك فقد جانب الحق والله تعالى أعلم. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٣٣٤\n_________\n(١) الحديث رواه مسلم (٢٨٦١) بلفظ: «... وتحشر بقيتهم النار. تبيت معهم حيث باتوا. وتقيل معهم حيث قالوا: وتصبح معهم حيث أصبحوا. وتمسي معهم حيث أمسوا» من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٧/ ١٩٤).\n(٣) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ١٨٦) تحقيق د. طه زيني.\n(٤) رواه البخاري (٦٥٢٦).\n(٥) «فتح الباري» (١١/ ٣٨٢).","vol":"4","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1215>الفصل الرابع: ثمرات الإيمان بأشراط الساعة</span>\nإن قيام الساعة الذي يعني نهاية هذا العالم، هو من أعظم الأحداث بعد خلق العالم، بل إن تغيير النظام الكوني وإيجاد نظام آخر حدث يعدل خلق العالم أول مرة؛ ولذلك تسبقه أحداث كبرى خارقة للعادة، تكون كالمقدمة له. ولهذا الإيمان ثمرات وفوائد نحاول أن نجملها فيما يلي:\nأولًا: تحقيق ركن من أركان الإيمان الستة، وهو الإيمان باليوم الآخر، باعتبار أن أشراط الساعة من مقدماته، كما أنها من الإيمان بالغيب الذي قال فيه - ﷿-: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣]، وقال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (١) ...\nثانيًا: إشباع الرغبة الفطرية في الإنسان التي تتطلع لاستكشاف ما غاب عنه، واستطلاع ما يحدث في المستقبل من وقائع وكائنات، وإذا كان الإسلام سد طرق الدجالين الذين يدعون الاطلاع عليها؛ كالمنجمين، والعرّافين، والكهان، ونحوهم إلا أنه - استجابة لأشواق الفطرة - أطلعنا - من خلال نافذة الوحي- على كثير من هذه الأحداث (٢).\nثالثًا: أن الإخبار عن الغيوب المستقبلة - باعتبار ما فيها من خرقٍ للعادة - من أهم دلائل النبوة؛ حيث إنها تتضمن تحديًا لعقول البشر أجمعين، فهذه أمور غيبية لا تدرك بالعقل، ولا يمكن معرفة كنهها على الحقيقة إلا من خلال الوحي الصادق من الله تعالى، إلى رسوله ﷺ، وقد صدرت منه لا على أنها توقعات تعتمد على مقدمات تؤدي إلى نتائجها، وإنما هي حديث دقيق قاطع عن تفاصيل المستقبل المجهول، حديثًا لا يحرمه المستقبل، ولا في جزء من أجزائه، وحينئذ فلا شك أنها النبوة، وأن صاحبها متصل بالله- تعالى- عالم الغيب والشهادة؛ كما قال - ﷿-: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ [الجن:٢٦ - ٢٧]، ومن ثمرات وقوع تلك المغيبات - على كثرتها - مطابقة لخبر الصادق المصدوق ﷺ أن يثبت إيمان المؤمن، ويطمئن قلبه، ويزداد يقينه، ويقول كما قص الله عن المؤمنين: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢] ومن ثمرات ذلك أيضًا إقامة الحجة على الكافرين، وإقناعهم بصدق نبوة ورسالة محمد ﷺ إلى العالمين.\nرابعًا: تعلم الكيفية الصحيحة التي دلنا عليها رسول الله ﷺ، كي نتعامل بها مع بعض الأحداث المقبلة التي قد يلتبس علينا وجه الحق فيها.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٢) انظر: «مقدمة ابن خلدون» (ص: ٥٨٧ - ٥٨٨).","vol":"4","page":274},{"text":"قال تعالى: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ١٢٨]، وعن عبد الله بن عمرو - ﵄- قال: «كنا مع رسول الله صلى عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلًا» ... الحديث وفيه: «إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ، فقال: إنه لم يكن نبي قبلي، إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجئ فتنة، فيرفق بعضها بعضًا، وتجئ الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجئ الفتنة، فيقول المؤمن: هذه، هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» ... الحديث (١).\nلقد نصح رسول الله ﷺ أصحابه الذين عاصروه نصائح انتفعوا بها كثيرًا:\n- فقد بشر عثمان ﵁ بالجنة على بلوى تصيبه (٢).\n- وأخبر عمارًا ﵁ أنه تقتله الفئة الباغية (٣).\n- وأمر أبا ذر ﵁ بأن يعتزل الفتنة، وأن لا يقاتل ولو قتل (٤).\n- وكان حذيفة ﵁ يسأله عن الشر، مخافة أن يدركه، ودلَّه ﷺ كيف يفعل في الفتن (٥).\n- ونهى المسلمين عن أخذ شيء من جبل الذهب الذي سوف ينحسر عنه الفرات (٦).\n- وبصر أمته بفتنة الدجال، وأفاض في وصفها، وبين لهم ما يعصمهم منها؛ ومن ثم قال عبد الرحمن المحاربي: (ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب)، وقال السفاريني - ﵀ -: (مما ينبغي لكل عالم أن يبث أحاديث الدجال بين الأولاد، والنساء والرجال، ولا سيما في زماننا هذا الذي اشرأبت فيه الفتن، وكثرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنن) (٧).اهـ.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٨٤٤).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٧٤)، ومسلم (٢٤٠٣). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٤٤٧) من حديث ابن مسعود ﵁. ورواه مسلم (٢٩١٦) من حديث أم سلمة ﵂.\n(٤) رواه أبو داود (٤٢٦١)، وابن ماجه (٣٩٥٨)، وأحمد (٥/ ١٤٩) (٢١٣٦٣)، وابن حبان (١٥/ ٧٨) (٦٦٨٥)، والحاكم (٢/ ١٦٩)، والبيهقي (٨/ ١٩١) (١٦٥٧٥). قال أبو داود: لم يذكر المشعث في هذا الحديث إلا حماد بن زيد، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود»، والوادعي في «الصحيح المسند» (٢٧٩)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٥) رواه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧).\n(٦) رواه البخاري (٧١١٩)، ومسلم (٢٨٩٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ١٠٦ – ١٠٧).","vol":"4","page":275},{"text":"وامتدت شفقته ﷺ؛ لتشمل إخوانه الذين يأتون من بعده، ولم يروه؛ فبذل لهم النصح، ودلهم على ما فيه نجاتهم، وحسن عاقبتهم. فمن ذلك قوله ﷺ: «اتركوا الترك ما تركوكم» (١) ... الحديث. فمن ثم أمسك المسلمون عن استفزاز واستثارة الترك، فسلموا من غائلتهم، إلى أن خالفوا التوجيه النبوي، قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى-: (وقد قتل جنكيزخان من الخلائق ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، ولكن كان البداءة من (خوارزم شاه)، فإنه لما أرسل جنكيز خان تجارًا من جهته معهم بضائع كثيرة من بلاده، فانتهوا إلى إيران، فقتلهم نائبها من جهة خوارزم شاه، وأخذ جميع ما كان معهم، فأرسل جنكيزخان إلى خوارزم شاه يستعلمه: هل وقع هذا الأمر عن رضى منه، أو أنه لا يعلم به فأنكره؟ وقال فيما أرسل إليه: (من المعهود من الملوك أن التجار لا يقتلون؛ لأنهم عمارة الأقاليم، وهم الذين يحملون إلى الملوك ما فيه التحف والأشياء النفيسة، ثم إن هؤلاء التجار كانوا على دينك، فقتلهم نائبك، فإن كان أمرًا أمرت به، طلبنا بدمائهم، وإلا فأنت تنكره، وتقتص من نائبك)، فلما سمع خوارزم شاه ذلك من رسول جنكيز خان، لم يكن له جواب سوى أنه أمر بضرب عنقه، فأساء التدبير، وقد كان خرف وكبرت سنه، وقد ورد الحديث: «اتركوا الترك ما تركوكم» (٢)، فلما بلغ ذلك جنكيز خان، تجهز لقتاله، وأخذ بلاده، فكان بقدر الله - تعالى- ما كان من الأمور التي لم يسمع بأغرب منها، ولا أبشع) (٣)، فهنا نرى أن المسلمين لما خالفوا أمر النبي ﷺ بترك الترك جاءت العاقبة عنيفة مريرة؛ حيث اجتاح التتار ديار الإسلام في كارثة لم يسبق لها مثيل في التاريخ (٤)، وفي أكثر من موضع ذكر الحافظ ابن كثير وقائع القتال بين المسلمين والتتار، وبيَّن أن المسلمين لم يكونوا يتعقبون التتار إذا فروا هاربين أمامهم، ولو كانت الرماح تنالهم؛ ومثال ذلك ما ذكره في حوادث سنة ثلاث وأربعين وست مئة: (وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين جيش الخليفة وبين التتار - لعنهم الله - فكسرهم المسلمون كسرة عظيمة، وفرقوا شملهم، وهزموا من بين أيديهم، فلم يلحقوهم؛ ولم يتبعوهم، خوفًا من غائلة مكرهم، وعملًا بقوله ﷺ: «اتركوا الترك ما تركوكم» (٥) (٦).\nخامسًا: فتح باب الأمل، والاستبشار بحسن العاقبة لأهل الإيمان، إذا ادلهمت الخطوب، وضاقت الصدور، مما يعطي المسلمين طاقة يصارعون بها ما يسميه المتخاذلون (الأمر الواقع)، ليصبح عزهم ومجدهم هو الأمر الواقع؛ وذلك بناء على البشارات النبوية بالتمكين للدين، وظهوره على الدين كله، ولوكره الكافرون.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣٠٢)، والنسائي (٦/ ٤٣)، والبيهقي (٩/ ١٧٦) (١٨٣٧٨). عن رجل من الصحابة. والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١١٠)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٠٢)، والنسائي (٦/ ٤٣)، والبيهقي (٩/ ١٧٦) (١٨٣٧٨). عن رجل من الصحابة. والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١١٠)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٣) «البداية والنهاية» (١٣/ ١١٩)\n(٤) «البداية والنهاية» (١٣/ ٨٦ - ٩١)\n(٥) رواه أبو داود (٤٣٠٢)، والنسائي (٦/ ٤٣)، والبيهقي (٩/ ١٧٦) (١٨٣٧٨). عن رجل من الصحابة. والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١١٠)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٦) «البداية والنهاية» (١٣/ ١٦٨)","vol":"4","page":276},{"text":"سادسًا: قد تمر بالمسلمين وقائع في مقبل الأيام تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، ولو ترك المسلمون إلى اجتهادهم؛ فإنهم قد يختلفون، وربما يكون نقصًا تنزه الشريعة عنه. فمن ذلك: أن رسول الله ﷺ أخبر أن الدجال يمكث في الأرض أربعين يومًا، يوم من أيامه كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وبقية أيامه كأيامنا، وقد سأل الصحابة - ﵃- رسول الله ﷺ عن تلك الأيام الطويلة: أتكفي في الواحد منها صلاة يوم؟ فقال ﷺ: «لا، اقدروا له قدره» (١)، ولو وكل العباد إلى اجتهادهم، لاقتصروا على الصلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غير هذه الأيام.\nوأخبر الرسول ﷺ أن عيسى﵇ - بعد نزوله لا يقبل الجزية من اليهود والنصارى، ولا يقبل منهم إلا الإيمان (٢)، وهذا البيان من الرسول ﷺ ضروري؛ لأن عيسى يحكم بهذا الشرع، وهذا الشرع فيه قبول الجزية ممن بذلها إلى حين نزول عيسى ابن مريم، وحين ذاك توضع الجزية، ويقتل كل من رفض الإيمان، ولو بذل الجزية (٣).\nكما أن نص رسول الله ﷺ على صفات معينة لأشخاص معينين؛ كالمهدي - مثلًا - يمدنا بالمعيار اللازم للحكم على الدجالين المدعين المهدية، حتى لا نتورط في فتنهم.\nلا يعلم متى الساعة إلا الله وحده:\nقال- تعالى -: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٧]\nفقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي، وقوله ﷿: إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا [النازعات: ٤٤] (فيه إيذان بأن ما هو من شأن الرب لا يكون للعبد، فهو تعالى قد رباه ليكون منذرًا ومبشرًا، لا للإخبار عن الغيوب بأعيانها وأوقاتها، والإنذار إنما يناط بالإعلام بالساعة وأهوالها، وسلاسلها وأغلالها، ولا تتم الفائدة منه إلا بإبهام وقتها؛ ليخشى أهل كل زمن إتيانها فيه، والإعلام بوقت إتيانها، وتحديد تاريخها، ينافي هذه الفائدة، بل فيه مفاسد أخرى، فلو قال الرسول ﷺ للناس: إن الساعة تأتي بعد ألفي سنة من يومنا هذا - مثلًا -، وألفا سنة في تاريخ العالم، وآلاف السنين تعد أجلًا قريبًا، لرأى المكذبين يستهزئون بهذا الخبر، ويلحون في تكذيبه، والمرتابين يزدادون ارتيابًا، حتى إذا ما قرب الأجل وقع المؤمنون في رعب عظيم ينغص عليهم حياتهم، ويوقع الشلل في أعضائهم، والتشنج في أعصابهم، حتى لا يستطيعون عملًا، ولا يسيغون طعامًا ولا شرابًا، ومنهم من يخرج من ماله وما يملكه، في حين يكون الكافرون آمنين، يسخرون من المؤمنين ...\nفالحكمة البالغة - إذًا - في إبهام أمر الساعة للعالم، وكذا الساعة الخاصة بأفراد الناس، أو بالأمم والأجيال، أو جعلها من الغيب الذي استأثر الله - تعالى - به) (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٣٧). من حديث النواس بن سمعانا لكلابي ﵁.\n(٢) حديث نزول عيسى رواه البخاري (٣٤٤٨)، ومسلم (١٥٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) انظر: «القيامة الصغرى» د. عمر الأشقر (ص: ١٣٢).\n(٤) «تفسير المنار» (٩/ ٣٨٩ – ٣٩٠).","vol":"4","page":277},{"text":"وقوله تعالى: لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ [الأعراف:١٨٧]، معناه: لا يكشف حجاب الخفاء عنها، ولا يظهرها فيوقتها المحدود عن الرب تعالى إلا هو، فلا وساطة بينه وبين عباده في إظهارها، ولا في الإعلام بميقاتها، وإنما وساطة الرسل، ﵈، في الإنذار بها) (١).\nونقل الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ عن الآلوسي، ﵀ وله: (وإنما أخفى سبحانه، أمر الساعة لاقتضاء الحكمة التشريعية ذلك، فإنه أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك، ولو قيل بأن الحكمة التكوينية تقتضي ذلك أيضًا لم يبعد، وتدل الآيات على أنه ﷺ لم يعلم وقت قيامها، نعم علم ﷺ قربها على الإجمال وأخبر ﷺ به) (٢) (٣).\nوقال صاحب المنار، ﵀، تعالى - أيضًا -:\n(فيجب على المؤمنين أن يخافوا ذلك اليوم، وأن يحملهم الخوف على مراقبة الله تعالى، في أعمالهم؛ فيلتزموا فيها الحق، ويتحروا الخير، ويتقوا الشرور والمعاصي، ولا يجعلوا حظهم من أمر الساعة الجدال، والقيل والقال، وإننا نرى بعض المتأخرين قد شغلوا المسلمين عن ذلك ببحث افتجره بعض الغلاة، وهو أن النبي ﷺ لم يبق طول عمره لا يعلم متى تقوم الساعة، كما تدل عليه آيات القرآن الكثيرة، بل أعلمه الله تعالى به، بل زعم أنه أطلعه على كل ما في علمه، فصار علمه كعلم ربه (٤)، أي صار ندًا وشريكًا لله تعالى، في صفة العلم المحيط بالغيوب التي لا نهاية لها، ومن أصول التوحيد أنه تعالى، لا شريك له في ذاته، ولا في صفة من صفاته، والرسول ﷺ عبد الله، لا يعلم من الغيب إلا ما أوحاه الله تعالى إليه، لأداء وظيفة التبليغ، ولكن الغلاة يرون من التقصير في مدح النبي ﷺ وتعظيمه أن تكون صفاته دون صفات ربه وإلهه، وخالق الخلق أجمعين، فكذبوا كلام الله تعالى، وشبهوا به بعض عبيده، إرضاء لغلوهم، ومثل هذا الغلو لم يعرف عن أحد من سلف هذه الأمة، ولو أراد الله تعالى أن يعلم رسوله ﷺ بوقت قيام الساعة بعد كل ما أنزله عليه في إخفائها واستئثاره بعلمه لما أكده كل هذا التأكيد في هذه السورة وغيرها، كقوله ﷿: يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا [الأعراف:١٨٧] ا. هـ.\nالحكمة في تقديم أشراط الساعة ودلالة الناس عليها:\nثبت في حديث جبريل المشهور أنه قال لرسول الله ﷺ: «فأخبرني عن الساعة» فقال ﷺ: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، قال: «فأخبرني عن أمارتها» (٥) وفي رواية قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها ...» الحديث (٦).\nقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (والحكمة في تقدم الأشراط إيقاظ الغافلين، وحثهم على التوبة والاستعداد) (٧).\nونقل القرطبي - ﵀ - عن العلماء قولهم: (والحكمة في تقديم الأشراط ودلالة الناس عليها، تنبيه الناس عن رقدتهم، وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة، كي لا يباغتوا بالحول بينهم وبين تدارك العوارض منهم، فينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم، وانقطعوا عن الدنيا، واستعدوا للساعة الموعود بها، والله أعلم، وتلك الأشراط علامة لانتهاء الدنيا وانقضائها) (٨) المهدي وفقه أشراط الساعة لمحمد أحمد المقدم - ص:٥٨٩ - ٥٩٧\n_________\n(١) «تفسير المنار» (٩/ ٣٩٠).\n(٢) حديث السؤال عن الساعة رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «تفسير المنار» (٩/ ٣٩٣).\n(٤) «تفسير المنار» (٢٨٢ - ٢٨٣).\n(٥) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) رواه البخاري (٤٧٧٧)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) «فتح الباري» (١١/ ٣٥٠).\n(٨) «التذكرة» (ص: ٦٢٤).","vol":"4","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1218>تمهيد في سر تعدد أسماء يوم القيامة:</span>\nقد سمى الله هذا اليوم بعدة أسماء؛ تنويها بشأنه وتنبيها للعباد ليخافوا منه؛ فسماه اليوم الآخر؛ لأنه بعد الدنيا وليس بعده يوم غيره. وسماه يوم القيامة؛ لقيام الناس فيه لربهم. وسماه الواقعة والحاقة والقارعة والراجفة والصاخة والآزفة والفزع الأكبر ويوم الحساب ويوم الدين والوعد الحق ... وكلها أسماء تدل على عظم شأنه وشدة هوله وما يلقاه الناس فيه من الشدائد والأهوال؛ فهو يوم تشخص فيه الأبصار، وتطير القلوب عن أماكنها حتى تبلغ الحناجر ...... وسمي باليوم الآخر لتأخره عن الدنيا، وله أسماء كثيرة في القرآن الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد لصالح بن فوزان الفوزان - بتصرف","vol":"4","page":279},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1220> يوم القيامة:</span>\nلأن فيه قيام الناس للحساب. وسمي يوم القيامة، لقيام أمور ثلاثة فيه:\nالأول: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، كما قال تعالى: لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٥ - ٦].\nالثاني: قيام الأشهاد الذين يشهدون للرسل وعلى الأمم، لقوله تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر: ٥١].\nالثالث: قيام العدل، لقوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:٤٧]. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٢/ ٢٥٧","vol":"4","page":280},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1221> اليوم الآخر:</span>\nقال تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية الكريمة.\n- الآخرة:\nقال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦ - ١٧].\nقال ابن حجر ﵀ في سبب تسميته باليوم الآخر: (وأما اليوم الآخر فقيل له ذلك لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة) (١).\nوعلى هذا فالمراد باليوم الآخر أمران:\nالأول: فناء هذه العوالم كلها وانتهاء هذه الحياة بكاملها.\nالثاني: إقبال الحياة الآخرة وابتداؤها.\nفدل لفظ اليوم الآخر على آخر يوم من أيام هذه الحياة وعلى اليوم الأول والأخير من الحياة الثانية، إذ هو يوم واحد لا ثاني له فيها البتة (٢).\n_________\n(١) «فتح الباري» (١/ ١١٨).\n(٢) «عقيدة المؤمن» (ص: ٣١١).","vol":"4","page":281},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1222> يوم الآزفة:</span>\nقال تعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨]، والمراد بالآزفة (يوم القيامة، سميت بذلك لقربها؛ إذ كل آت قريب) (١).\n_________\n(١) «التفسير الواضح» (٢٤/ ٢٧).","vol":"4","page":282},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1223> يوم البعث:</span>\nقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم: ٥٦].\nوسمي يوم البعث لما يقع فيه من إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم.","vol":"4","page":283},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1224> يوم التغابن:</span>\nيَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن: ٩].\n(وسمي يوم القيامة يوم التغابن لأنه غبن فيه أهل الجنة أهل النار، أي أن أهل الجنة أخذوا الجنة وأخذ أهل النار النار على طريق المبادلة، فوقع الغبن لأجل مبادلتهم الخير بالشر، والجيد بالرديء) (١).\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (١٨/ ١٣٦).","vol":"4","page":284},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1225> يوم التلاق:</span>\nرَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٥ - ١٦]. سمي يوم التلاق: قال ابن عباس وقتادة: (يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض) (١).\nوقال قتادة أيضًا، وأبو العالية، ومقاتل: (يلتقي فيه الخلق والخالق) (٢)، وقيل: (العابدون والمعبودون) (٣)، وقيل: (الظالم والمظلوم) (٤)، وقيل: (يلقى كل إنسان جزاء عمله) (٥)، وقيل: (يلتقي الأولون والآخرون على صعيد واحد) (٦). قال القرطبي: وكله صحيح (٧).\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (١٩/ ٢٦١)، والثعلبي في «الكشف والبيان» (٨/ ٢٧٠)، و«تفسير البغوي» (٧/ ١٤٣).\n(٢) «الكشف والبيان» للثعلبي (٨/ ٢٧٠)، و«تفسير السمعاني» (٥/ ١١).\n(٣) «الكشف والبيان» للثعلبي (٨/ ٢٧٠)، و«تفسير البغوي» (٧/ ١٤٣).\n(٤) «الكشف والبيان» للثعلبي (٨/ ٢٧٠)، و«تفسير البغوي» (٧/ ١٤٣).\n(٥) «تفسير القرطبي» (١٥/ ٣٠٠).\n(٦) «تفسير القرطبي» (١٥/ ٣٠٠).\n(٧) «تفسير القرطبي» (١٥/ ٣٠٠).","vol":"4","page":285},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1226> يوم التناد:</span>\nوَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ [غافر: ٣٢]. سمي بذلك: لمناداة الناس بعضهم بعضًا، فينادي أصحاب الأعراف رجالًا يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار: أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء، وينادي المنادي أيضًا بالشقوة والسعادة: ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وهذا عند وزن الأعمال، وتنادي الملائكة أصحاب الجنة: أن تلكموا الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، وينادى حين يذبح الموت: «يا أهل الجنة، خلود لا موت، ويا أهل النار، خلود لا موت» (١)، وينادى كل قوم بإمامهم، إلى غير ذلك من النداء (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٤٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٥/ ٣١١).","vol":"4","page":286},{"text":"–<span data-type=\"title\" id=toc-1227> يوم الجمع:</span>\nلِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ [الشورى: ٧]. وسمي يوم الجمع لأنه (يوم يجمع الله الأولين والآخرين، والإنس والجن، وأهل السماء وأهل الأرض، وقيل: هو يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله، وقيل: لأنه يجمع فيه بين الظالم والمظلوم، قيل: لأنه يجمع فيه بين كل نبي وأمته، وقيل: لأنه يجمع فيه بين ثواب أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي) (١).\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (١٨/ ١٣٦)، «تفسير اللباب» لابن عادل (ص: ٤٩٤٢)، و«تفسير السراج» للشربيني الخطيب (٤/ ٢١٨).","vol":"4","page":287},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1228> يوم الحساب:</span>\nوَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [غافر: ٢٧]. وسمي يوم الحساب: لأن الباري سبحانه يعدد على الخلق أعمالهم، من إحسان وإساءة، يعدد عليهم نعمه ثم يقابل البعض بالبعض (١).\nأو هو: (توقيف الله عباده قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم، خيرًا كانت أو شرًا) (٢).\n_________\n(١) «التذكرة» (ص: ٢٧١).\n(٢) «الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية» (ص: ٢٢٣).","vol":"4","page":288},{"text":"–<span data-type=\"title\" id=toc-1229> الحاقة:</span>\nالْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ١ - ٣]. وسميت بذلك: لأنها (تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال)، وقيل: لأنها أحقت لكل عامل عمله، وقيل: لأنها أحقت لكل قوم أعمالهم (١)، وقيل: سميت حاقة لأنها كانت من غير شك، وقيل: سميت بذلك لأنها أحقت لأقوام النار (٢).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢٩/ ٤٧).\n(٢) «التذكرة» (ص: ٢٧٥).","vol":"4","page":289},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1230> يوم الحسرة:</span>\nوَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [مريم: ٣٩]. وسمي يوم الحسرة لأنه: يتحسر فيه الكافر على كفره، والظالم على ظلمه، والمسيء على إساءته (١).\nويتحسر الكافر كذلك حينما ييأس من دخول الجنة ويرى ما فاته من النعيم (٢).\n_________\n(١) «أوضح التفاسير» (ص: ٣٧١).\n(٢) «تفسير الطبري» (١٦/ ٨٨).","vol":"4","page":290},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1231> يوم الخلود:</span>\nادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق: ٣٤]. سماه يوم الخلود لأنه لا انتهاء له بل هو دائم أبدًا (١).\n_________\n(١) «فتح القدير» (٥/ ٧٨).","vol":"4","page":291},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1232> يوم الخروج:</span>\nيَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق: ٤٢]. وسمي يوم الخروج: لخروج الناس فيه من قبورهم للبعث (١).\n_________\n(١) «فتح القدير» (٥/ ٨١)، «تفسير الطبري» (٢٦/ ١٨٣).","vol":"4","page":292},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1233> يوم الدين:</span>\nمَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤].\nالدين هنا بمعنى الجزاء، وعن ابن عباس أنه قال: (يوم الدين: يوم الحساب للخلائق وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه) (١).\nقال ابن كثير – ﵀ -: (وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف وهو ظاهر) (٢).\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (١/ ١٥٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٩٨).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ٢٥).","vol":"4","page":293},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1234> الساعة:</span>\nإِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه: ١٥].\nوقد اختلف الناس في معنى كلمة الساعة إلى أقوال عديدة: فقال البرديسي: الساعة لغة: اسم لطائفة من الزمن مبهمة، وأقل ما يطلق عليه اسم الساعة طرفة عين أو أخذ نفس ورده، وهي نكرة، وكل نكرة تقبل التعريف والتنكير إلا هذه؛ فإن الألف واللام قد لزمتها على وجه التغليب كالثريا ونحوها، والمراد يوم القيامة.\nوقال بعضهم: الساعة من أصل الوضع مقدار من الزمان غير معين كقوله: كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ [يونس: ٤٥].\nوفي لسان أهل الشرع: القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعات الدنيا، أو أنها تقع بغتة، وصارت علمًا بالغلبة كالكوكب للزهرة، والساعة في عرف الفلكيين جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار.\nوقال بعضهم: سميت بذلك لأنها بالنسبة إلى كمال قدرته وجلاله كساعة واحدة، أو من باب تسمية الكل بلفظ البعض، ويجوز أن يراد بالساعة أول ساعة من الآخرة، وقيل: هي عبارة عن آخر ساعات الدنيا، وقيل: الساعة عبارة عن انقراض الدنيا (١).\n_________\n(١) «كتاب تكملة شرح الصدور» (ص: ١، ٢).","vol":"4","page":294},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1235> الصاخة:</span>\nفَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:٣٣ - ٣٧].\nوالصاخة هي: صيحة القيامة لأنها تصخ الآذان أي تصمها (١).\nوالصاخة: لفظ ذو جرس عنيف نافذ يكاد يخرق صماخ الأذن وهو يشق الهواء شقًا حتى يصل إلى الآذان صاخًا ملحًا (٢).\n_________\n(١) «تفسير النسفي» (٤/ ٣٣٤)، «تفسير اللباب» لابن عادل (ص: ٥٢١٠)، «تفسير أبي السعود» (٩/ ١١٢).\n(٢) «في ظلال القرآن» لسيد قطب (٢٠/ ٥٦).","vol":"4","page":295},{"text":"–<span data-type=\"title\" id=toc-1236> الطامة:</span>\nفَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى [النازعات: ٣٤ - ٣٥]. قال القرطبي: (معناها الغالبة، من قولك: طم الشيء إذا علا وغلب، ولما كانت تغلب كل شيء كان لها هذا الاسم حقيقة دون كل شيء) (١).\n_________\n(١) «التذكرة» (ص: ٢٧٥).","vol":"4","page":296},{"text":"–<span data-type=\"title\" id=toc-1237> الغاشية:</span>\nهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: ١]. سميت غاشية لأنها تغشى كل شيء بأهوالها (١).\n_________\n(١) «تفسير الخازن» (٧/ ٢٣٧)، و«تفسير الخازن» (٤/ ٣٣٣).","vol":"4","page":297},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1238> يوم الفصل:</span>\nإِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا [النبأ: ١٧]. وسمي يوم الفصل: لأنه يوم عظمه الله، يفصل الله فيه بين الأولين والآخرين بأعمالهم (١).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢٤/ ١٥٧).","vol":"4","page":298},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1239> يوم الفتح:</span>\nقُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [السجدة: ٢٩]. قال في (الفتوحات الإلهية): (يوم الفتح المراد به يوم القيامة الذي هو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم) (١).\nوقال الآلوسي: أخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: (يوم الفتح يوم القيامة) (٢). ثم قال: هذا وتفسير يوم الفتح بيوم القيامة ظاهر على القول بأن المراد بالفتح الفصل للخصومة. ثم ذكر ما قيل من تفسير يوم الفتح بأنه يوم بدر، أو يوم فتح مكة، وما إلى ذلك من أقوال علماء التفسير وهي مرجوحة، والراجح هو ما تقدم من تفسيره بيوم القيامة (٣) ...\n_________\n(١) «الفتوحات الإلهية» (٣/ ٤٢٠).\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ١٩٩).\n(٣) «روح المعاني» (٢١/ ١٤٠).","vol":"4","page":299},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1240> القارعة:</span>\nالْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ [القارعة: ١ - ٣]. (سميت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها) (١).\n_________\n(١) «التذكرة» (ص: ٢٦٣).","vol":"4","page":300},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1241> الواقعة:</span>\nإِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ [الواقعة: ١ - ٢]. قال الألوسي بعد أن بين أن الواقعة هي القيامة – قال: (صرح ابن عباس بأنها من أسمائها (١) وسميت بذلك للإيذان بتحقق وقوعها لا محالة) (٢).\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٨٧)، وانظر: «تفسير الماوردي» (٥/ ٤٤٥)، و«تفسير الثعالبي» (٤/ ٢٤٩).\n(٢) «روح المعاني» (٢٨/ ١٢٩).","vol":"4","page":301},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1242> يوم الوعيد:</span>\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق: ٢٠]. وسمي يوم الوعيد لأن الله (أوعد به الكفار، قال مقاتل: يعني بالوعيد العذاب في الآخرة، وخصص الوعيد مع كون اليوم هو يوم الوعد والوعيد جميعًا لتهويله) (١). الحياة الآخرة لغالب عواجي – ١/ ٤٥\nوقد جمع الغزالي ثم القرطبي – أسماء يوم القيامة - فبلغت نحو الثمانين اسما فمنها يوم الجمع، ويوم الفزع الأكبر، ويوم التناد، ويوم الوعيد، ويوم الحسرة، ويوم التلاق، ويوم المآب، ويوم الفصل، ويوم العرض على الله، ويوم الخروج، ويوم الخلود، ومنها: يوم عظيم، ويوم عسير، ويوم مشهود، ويوم عبوس قمطرير، ومنها: يوم تبلى السرائر، ومنها: يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، ويوم يدعون إلى نار جهنم، ويوم تشخص فيه الأبصار، ويوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ويوم لا ينطقون، ويوم لا ينفع مال ولا بنون، ويوم لا يكتمون الله حديثا، ويوم لا مردّ له من الله، ويوم لا بيع فيه ولا خلال، ويوم لا ريب فيه، فإذا ضمت هذه إلى ما ذكر في الأصل كانت أكثر من ثلاثين اسما معظمها ورد في القرآن بلفظه وسائر الأسماء المشار إليها أخذت بطريق الاشتقاق بما ورد منصوصًا كيوم الصدر من قوله: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا [الزلزلة:٦] ويوم الجدال من قوله: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا [النحل:١١١]، ولو تتبع مثل هذا من القرآن زاد على ما ذكر والله أعلم فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني - بتصرف- ١١/ ٣٩٥\nوبعد أن ذكر القرطبي كثيرًا من أسماء يوم القيامة – التي هي على صيغة جمل – ذكر أن أسماء يوم القيامة قد تتبعها بعض العلماء، منهم ابن نجاح في (سبل الخيرات)، وأبو حامد الغزالي في غير موضع من كتبه كـ (الإحياء) (٢) وغيره، والقتبي في كتاب (عيون الأخبار)، ثم قال: (ولا يمتنع أن تسمى بأسماء غير ما ذكرنا حسب الأحوال الكائنة فيه، من الازدحام، والتضايق، واختلاف الأقدام، والخزي، والهوان، والذل، والافتقار، والصغار، والانكسار، ويوم الميقات، والمرصاد، إلى غير ذلك من الأسماء) (٣). الحياة الآخرة لغالب عواجي – ١/ ٤٥\n_________\n(١) «فتح القدير» (٥/ ٧٦).\n(٢) «إحياء علوم الدين» (٤/ ٥١٦).\n(٣) «التذكرة» (ص: ٢٣٢)، «كتاب تكملة شرح الصدور» (ص: ٩).","vol":"4","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1243>الفصل الثاني: البعث والنشور</span>\n• المبحث الأول: تعريف البعث والنشور.\n• المبحث الثاني: حكم الإيمان بالبعث وأدلته.\n• المبحث الثالث: أصناف منكري البعث.","vol":"4","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1244>المبحث الأول: تعريف البعث والنشور</span>\n• المطلب الأول: البعث في اللغة.\n• المطلب الثاني: البعث في الشرع.\n• المطلب الثالث: النشور في اللغة.\n• المطلب الرابع: النشور في الاصطلاح.\n• المطلب الخامس: المعاد في اللغة.\n• المطلب السادس: المعاد في الاصطلاح.","vol":"4","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1245>المطلب الأول: البعث في اللغة</span>\nيختلف تعريف البعث في اللغة باختلاف ما علق به، فقد يطلق ويراد به:\n١ - الإرسال: يقال بعثت فلانًا أو ابتعثته أي أرسلته.\n٢ - البعث من النوم: يقال: بعثه من منامه إذا أيقظه.\n٣ - الإثارة: وهو أصل البعث، ومنه قيل للناقة: بعثتها إذا أثرتها وكانت قبل باركة.\nوفي هذا يقول الأزهري (١):\n(قال الليث: بعثت البعير فانبعث إذا حللت عقاله وأرسلته، لو كان باركًا فأثرته).\nوقال أيضًا: (والبعث في كلام العرب على وجهين: أحدهما: الإرسال كقول الله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ [الأعراف: ١٠٣]، معناه أرسلنا.\nوالبعث أيضًا الإحياء من الله للموتى، ومنه قوله جل وعز: ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: ٥٦]، أي أحييناكم.\nوقال أبو هلال: (بعث الخلق: اسم لإخراجهم من قبورهم إلى الموقف، ومنه قوله تعالى: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس: ٥٢]) (٢).\nويقول الفيروز آبادي (٣):\n(بعثه كمنعه: أرسله كابتعثه فانبعث، والناقة أثارها، وفلانًا من منامه: أهبه ... وتبعث مني الشعر انبعث كأنه سال) (٤).\nوقال الراغب: (أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بعثته فانبعث، ويختلف البعث بحسب ما علق به.\nفبعثت البعير: أثرته وسيرته، وقوله ﷿: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [الأنعام: ٣٦]. أي يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة.\nفالبعث ضربان: بشري كبعث البعير وبعث الإنسان في حاجة. وإلهي وذلك ضربان:\nأحدهما: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع عن ليس، وذلك يختص به الباري تعالى، ولم يقدر عليه أحدًا.\nوالثاني: إحياء الموتى، وقد خص بذلك بعض أوليائه كعيسى ﷺ والثاني، ومنه قوله ﷿: فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم: ٥٦]، يعني الحشر.\nوقوله ﷿: فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ [المائدة: ٣١]. أي قيضه.\nوقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف: ١٢]، وذلك إثارة بلا توجيه إلى مكان) (٥). الحياة الآخرة لغالب العواجي -١/ ٥٩\n_________\n(١) «تهذيب اللغة» (٢/ ٣٣٤) مادة: (بعث).\n(٢) «الفروق» (٢٨٤).\n(٣) «القاموس المحيط» (١/ ١٦٨) مادة: (بعث).\n(٤) «القاموس المحيط» (١/ ١٦٨).\n(٥) «المفردات» (ص: ٥٢).","vol":"4","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1246>المطلب الثاني: البعث في الشرع</span>\nالبعث في الشرع يراد به: إحياء الله للموتى وإخراجهم من قبورهم أحياء للحساب والجزاء.\nقال الإمام ابن كثير – ﵀ -: (البعث: وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة) (١).\nوقال السفاريني: (أما البعث فالمراد به المعاد الجسماني؛ فإنه المتبادر عند الإطلاق؛ إذ هو الذي يجب اعتقاده ويكفر منكره) (٢).\nوقال البيجوري: (البعث عبارة عن إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم) (٣).\nوقال السيد سابق عن البعث: (هو إعادة الإنسان روحا وجسدًا كما كان في الدنيا) (٤).\nوهكذا يكون حينما تتعلق إرادة الله ﵎ بذلك؛ فيخرجون من القبور حفاة عراة غرلًا بهمًا، ويساقون ويجمعون إلى الموقف لمحاسبتهم ونيل كل مخلوق ما يستحقه من الجزاء العادل.\nوهذا ما تشير إليه كثير من الآيات الواردة في كتاب الله ﷿، كما قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [الحج: ٦ - ٧] وقوله تعالى: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الإنفطار: ٤]، وقوله تعالى: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [الأنعام: ٣٦].\nوبالمقارنة بين المعنى الشرعي لكلمة (البعث) والمعنى اللغوي لها؛ نجد ترابطًا ظاهرًا، وذلك أن من معاني البعث في اللغة الإثارة لما كان ساكنًا من قبل، وكذا الإرسال كما في قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ [النحل: ٣٦]، وهذا ما جاء في كلمة البعث مرادًا بها معناها الشرعي الذي هو إرسال الحياة إلى الأموات وإثارتها من جديد، لتتهيأ لما يراد منها من الانطلاقة إلى الموقف للحساب. الحياة الآخرة لغالب العواجي -١/ ٦١\nفالبعث هو: المعاد الجسماني فإنه المتبادر عند الإطلاق إذ هو الذي يجب اعتقاده ويكفر منكره، قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه (الروح) كشيخه وغيرهما: معاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين، واليهود، والنصارى. وقال الجلال الدواني هو بإجماع أهل الملل وبشهادة نصوص القرآن بحيث لا يقبل التأويل كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:٧٨]. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو حاتم، والإسماعيلي في (معجمه)، والحافظ الضياء في (المختارة)، وابن مردويه، والبيهقي في (البعث) عن ابن عباس ﵄، قال: «جاء العاص بن وائل إلى رسول الله ﷺ بعظم حائل ففته بيده فقال يا محمد، يحيي الله هذا بعد ما أرم؟ قال: نعم يبعث الله هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم» فنزلت الآيات من آخر يس أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ [يس:٧٧] إلى آخر السورة» (٥). وهذا نص صريح في الحشر الجسماني يقلع عرق التأويل بالكلية. ولهذا قال الإمام الرازي: الإنصاف أنه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي ﷺ وبين نفي الحشر الجسماني، فإنه قد ورد في عدة مواضع من القرآن المجيد التصريح به بحيث لا يقبل التأويل أصلا. انتهى. وكذلك لا يمكن الجمع بين القول بقدم العالم على ما يقول الفلاسفة وبين الحشر الجسماني لأن النفوس الناطقة على هذا التقدير غير متناهية فتستدعي جميعا أبدانا غير متناهية وأمكنة غير متناهية، وقد ثبت تناهي الأبعاد بالبرهان وباعترافهم، والله تعالى أعلم ...\nوأما النشور فهو يرادف البعث في المعنى، يقال: نشر الميت ينشر نشورا إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أي: أحياه، ومنه قولهم: يوم البعث والنشور. لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لمحمد بن أحمد السفاريني ٢/ ١٥٧\n_________\n(١) «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٢٠٦).\n(٢) «مختصر اللوامع» (ص: ٣٨٧).\n(٣) «شرح جوهرة التوحيد» (ص: ١٧٠).\n(٤) «العقائد الإسلامية» (ص: ٢٦٩).\n(٥) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٠/ ٥٥٤)، والحاكم (٢/ ٤٦٦)، والضياء في «الأحاديث المختارة» (٤/ ١٠٨). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1247>المطلب الثالث: النشور في اللغة</span>\nالنشر في اللغة يأتي بمعنى البسط، والانتشار، وتقلب الإنسان في حوائجه، ويأتي بمعنى التفرق.\nأما مجيئه بمعنى البسط فمثل قوله تعالى: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ [التكوير: ١٠] ومنه قوله تعالى: وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا [المرسلات: ٣] أي الملائكة التي تنشر الرياح أو الرياح التي تنشر السحاب.\nوأما مجيئه بمعنى الانتشار فمثل قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان: ٤٧] أي جعل فيه الانتشار وابتغاء الرزق.\nوعن تقلب الإنسان في حوائجه قوله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [الجمعة: ١٠] أي تفرقوا فيها (١).\nقال الأزهري في باب (نشر): (قال الليث: النشر: نشر الريح الطيبة، وعن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: النشر: الحياة، والنشر: الريح الطيبة).\nقال الأزهري: يقال: أنشر الله الموتى فنشروا: إذا حيوا، كما قال الأعشى:\nحتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبًا للميت الناشر\nوقال الزجاج: يقال: نشرهم الله أي بعثهم، كما قال الله تعالى: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: ١٥]) (٢).\nوقال أبو هلال العسكري: (والنشور: اسم لظهور المبعوثين، وظهور أعمالهم للخلائق، ومنه قولك: نشرت اسمك ونشرت قضية فلان، إلا أنه قيل: أنشر الله الموتى - بالألف -، ونشرت الفضيلة الثوب، للفرق بين المعنيين) (٣).\nوذكر الزمخشري في (أساس البلاغة): أن من معانيه أيضًا: إذاعة الخير ونشره في الناس (٤). الحياة الآخرة لغالب العواجي – ١/ ٦٣\n_________\n(١) «المفردات للراغب» (ص: ٤٩٢).\n(٢) «تهذيب اللغة» (١١/ ٣٣٨).\n(٣) «الفروق في اللغة» (ص: ٢٨٤).\n(٤) «أساس البلاغة» (ص: ٤٥٦).","vol":"4","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1248>المطلب الرابع: النشور في الاصطلاح</span>\nيطلق ويراد به معنى البعث، وهو انتشار الناس من قبورهم إلى الموقف للحساب والجزاء.\nوإذا كان المعنى اللغوي يراد به الانتشار والتفرق والانبساط والبعث، فهي معان عامة يدخل فيها المعنى الاصطلاحي وهو نشر الله للأموات وإحياؤهم من قبورهم، فالنشور يراد به سريان الحياة في الأموات، كما رأيناه في تعريفات العلماء السابقة من أنه يراد به البعث في اليوم الآخر وخروج الناس من قبورهم أحياء.\nوهذا ما فسر به قوله تعالى: ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ [عبس: ٢٢].\nقال ابن كثير: (أي بعثه بعد موته)، قال: (ومنه يقال: البعث والنشور) (١).\nوجاء في الحديث عن حذيفة بن اليمان ﵄: «أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام قال: اللهم باسمك أموت وأحيا. وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيا نفسي بعد أن أماتها وإليه النشور» (٢). قال ابن الأثير: (يقال: نشر الميت ينشر نشورًا: إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أي أحياه) (٣).\nوعرفه البرديسي بأنه: (قيام الناس من قبورهم) (٤).\nوقال السفاريني: (وأما النشور فهو يرادف البعث في المعنى، نشر الميت ينشر نشورًا: إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أي أحياه) (٥). الحياة الآخرة لغالب العواجي – ١/ ٦٤\n_________\n(١) «تفسير القرآن العظيم» (٤/ ٤٧٢).\n(٢) رواه البخاري (٦٣١٤).\n(٣) «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير (٥/ ٥٤).\n(٤) «تكملة شرح الصدور» (ص: ١٦).\n(٥) «مختصر لوامع الأنوار» (٣٨٨).","vol":"4","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1249>المطلب الخامس: المعاد في اللغة</span>\nقال الفيروز أبادي: (والمعاد: الآخرة، والحج، ومكة، والجنة – وبكليهما فسر قوله تعالى: لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص: ٨٥]، والمرجع، والمصير.\nوقال: وأعاده إلى مكانه: رجعه، والكلام: كرره، وتعاودوا في الحرب: عاد كل فريق إلى صاحبه) (١).\nوقال الراغب: (والمعاد يقال للعود وللزمان الذي يعود فيه، وقد يكون للمكان الذي يعود إليه) (٢).\nوتدل تلك التعريفات للمعاد على أنه مصدر ميمي مأخوذ من العود، وهو رجوع الشيء إلى ما كان عليه أولًا. الحياة الآخرة لغالب العواجي – ١/ ٦٥\n_________\n(١) «القاموس المحيط» (١/ ٣٣٠).\n(٢) «المفردات» (٣٥٢).","vol":"4","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1250>المطلب السادس: المعاد في الاصطلاح</span>\nوفي الاصطلاح: يطلق لفظ المعاد على الرجوع إلى الله تعالى في يوم القيامة، ورجوع أجزاء البدن المتفرقة إلى الاجتماع كما كانت في الدنيا، وحلول الروح فيه.\nقال ابن الأثير: (وفي أسماء الله تعالى \"المعيد\" هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا، وبعد الممات إلى الحياة يوم القيامة) (١).\nومنه الحديث: «وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي» (٢) أي ما يعود إليه يوم القيامة، ومنه حديث علي: (والحكم الله والمعود إليه يوم القيامة) أي: المعاد (٣).\nوقال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ﵀: (المعاد: وهو المرد إلى الله ﷿ والإياب إليه) (٤).\nوقد فسر قوله تعالى: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] بعد تفسيرات كلها تدل على الإعادة والرجوع إلى الله تعالى.\nعن مجاهد: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩]: يحييكم بعد موتكم) (٥).\nوقال الحسن البصري: (كما بدأكم في الدنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء) (٦) (٧).\nوقال قتادة: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئًا ثم ذهبوا ثم يعيدهم) (٨).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (كما بدأكم أولًا كذلك يعيدكم آخرًا) (٩). الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ٦٦\n_________\n(١) «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير (٣/ ٣١٦).\n(٢) رواه مسلم (٢٧٢٠). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) ذكره ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٣/ ٣١٦).\n(٤) «ابن الأثير في النهاية» (٣/ ٣١٦).\n(٥) رواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٨٥).\n(٦) رواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٨٥).\n(٧) «معارج القبول» (٢/ ١٠١).\n(٨) رواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٨٥).\n(٩) «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٢٠٨).","vol":"4","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1251>المبحث الثاني: حكم الإيمان بالبعث وأدلته</span>\n• - الإقسام على وقوع البعث:.\n• - التنبيه بالنشأة الأولى على النشأة الثانية:.\n• - التنبيه بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى:.\n• - التنبيه بخلق السموات والأرض على إحياء الموتى:.\n• - إخبار الله تعالى بما وقع من البعث الحسي المشاهد في الحياة الدنيا.","vol":"4","page":311},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1253> الإقسام على وقوع البعث:</span>\nكما نرى في الآيات الآتية:\nقال الله تعالى آمرا نبيه أن يقسم بربه ﷾ على أن البعث حق لا ريب فيه، وأنه لابد من وقوعه، ومحاسبة أولئك المكذبين الجاحدين له، وأن ذلك لا يعجز الله تعالى؛ بل هو عليه يسير، فقال ﷿: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن: ٧].\nوَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سبأ: ٣].\nوَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس: ٥٣].\nففي هذه الآيات البينات يأمر الله تعالى نبيه - وهو الصادق المصدوق - أن يقسم على وقوع البعث والجزاء وأنه كائن لا محالة، ومعلوم أنه ولو لم يقسم ﷺ على وقوع البعث؛ لتلقى المؤمنون خبره بالتصديق التام وعدم وجود أدنى شك في ذلك، ولكان ذلك الإخبار كافيًا لصحة ثبوته. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٧٨","vol":"4","page":312},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1254> التنبيه بالنشأة الأولى على النشأة الثانية:</span>\n١ - قال تعالى: وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا [الإسراء: ٤٩ - ٥٢].\n٢ - وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ [يس: ٧٧ - ٨٠].\n٣ - أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة: ٣٦ - ٤٠].\n٤ - وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ [الواقعة: ٦٢].\n٥ - وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم: ٢٧].\n٦ - يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: ١٠٤].\n٧ - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥].\n٨ – وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [مريم: ٦٦ - ٦٧].\n٩ - وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٣ - ١٦].\n١٠ - فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٥ - ٩].\nوفي هذه الآيات المباركة يوضح تعالى لعباده أنه يعيد المخلوقات بعد أن يموتوا ويبلوا في الأرض، فكما أنه أنشأهم أول مرة وأوجدهم من العدم لا يعجزه أن ينشئهم مرة أخرى، ومعلوم أن النشأة الأخرى تكون أهون من النشأة الأولى. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٧٩","vol":"4","page":313},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1255> التنبيه بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى:</span>\n١ - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [الحج: ٥ - ٧].\n٢ - فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الروم: ٥٠].\n٣ - وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف: ١١].\n٤ - وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩].\n٥ - وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٥٧].\n٦ - وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق: ٩ - ١١].\n٧ - يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم: ١٩].\n٨ - وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ [فاطر: ٩].\n٩ - وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس: ٣٣].\nووجه الدلالة من هذه الآيات البينات واضح تمام الوضوح؛ بل هو من الأمور المشاهدة، أرض أصابها الجدب فإذا بأشجارها تيبس بعد نضارتها، وإذا بتلك الأرض هامدة خاشعة مستكينة قد مات منها كل شيء يدل على حياتها، فيريد الله إحياءها، فتنزل عليها الأمطار، فإذا بها قد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وكأنها لم تكن هي التي كانت ميتة بالأمس قبل أن تمطر، فإذا بثمراتها تؤتي أكلها من كل نوع، وإذا بها تكسى حلة خضراء، وإذا بالزهور على أشكال شتى. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٨٤","vol":"4","page":314},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1256> التنبيه بخلق السموات والأرض على إحياء الموتى:</span>\n١ - قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف: ٣٣].\n٢ - وقال تعالى: أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا [النازعات: ٢٧].\n٣ - وقال تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ [يس: ٨١].\n٤ - وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا [الإسراء: ٩٩].\n٥ - وقال تعالى: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧].\nوفي هذه الآيات الكريمات يخبر تعالى عن وقوع البعث بالتنبيه على أمر مشاهد أمام الأنظار وهو خلق السموات والأرض، ألم ير هؤلاء المكذبون أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى؟ بلى إنه على كل شيء قدير، فالذي يصنع الأمر العظيم لا يعسر عليه أن يصنع الأمر الصغير، فالذي يستطيع أن يبني قصرًا عظيمًا لا يعسر عليه أن يعيد بناء غرفة من غرفه. الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ٨٧","vol":"4","page":315},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-1257> إخبار الله تعالى بما وقع من البعث الحسي المشاهد في الحياة الدنيا</span>\nليكون إحياء الله للموتى في الدنيا دليلًا على البعث في يوم القيامة كما في الآيات الآتية:\n١ - قصة العزير – أو غيره ممن ذكرهم علماء التفسير من الخلاف في تعيين المار على تلك القرية (١):\nقال تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٥٩].\n٢ - طلب إبراهيم من ربه مشاهدة إحياء الموتى:\nقال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٦٠].\n٣ - موت بني إسرائيل الذين تنطعوا في إيمانهم واشترطوا لذلك أن يروا ربهم، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله ليريهم قدرته:\nقال تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة: ٥٥].\n٤ - إخبار الله عن قتيل بني إسرائيل الذي أعاد الله إليه الحياة بعد ما قتل وأخبر عن قاتله معجزة لنبي الله موسى ﵊:\nفقال تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٧٣].\n٥ - إخبار الله تعالى عن إماتة آلاف الناس خرجوا من ديارهم حذر الموت، فأماتهم الله ثم أحياهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ [البقرة: ٢٤٣].\n٦ - إخبار الله تعالى عن أهل الكهف، وهم فتية آمنوا بربهم وتحابوا فيه، فآواهم ذلك الكهف الذي كان قبرًا لهم إلى حين أراد الله إظهارهم:\nكما قال تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبً إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف: ٩ - ١٢].\nوفي هذه الآيات البينات دلالات واضحات على قدرة الله تعالى على إحياء الأموات. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٨٨\n_________\n(١) انظر: «تفسير البغوي» (١/ ٣١٧)، و«تفسير القرطبي» (٣/ ٢٨٩)، و«تفسير اللباب» لابن عادل (ص: ٨٦٦)، و«تفسير البحر المحيط» (٢/ ٢١٧).","vol":"4","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1258>المطلب الثاني: أدلة البعث من السنة</span>\nوأما الأحاديث في هذا الباب فكثيرة جدًا، ... وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبه إيَّاي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوَّل الخلق بأهون عليَّ من إعادته. وأما شتمه إيَّاي فقوله: اتَّخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحدا» (١). وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في (مسنده): حدثنا أبو المغيرة حدثنا حريز حدثني عبدالرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير عن بسر بن جحاش قال: «إنَّ رسول الله ﷺ بَصَقَ يومًا في كفِّه فوضع عليها إصبعه، قال رسول الله ﷺ: قال الله تعالى: بني آدم أنَّى تعجزني وقد خلقتك مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد، فجمعتَ ومنعتَ، حتى إذا بلغت التَّراقي قلت أتصدَّق، وأنَّى أوان الصدقة» ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن حريز بن عثمان به (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عليُّ بن الحسين بن الجنيد حدثنا محمد بن العلاء حدثنا عثمان بن سعيد الزيات عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: «إنَّ العاص بن وائل أخذ عظمًا من البطحاءِ ففتَّه بيده ثم قال لرسول الله ﷺ: أيحيي الله هذا بعد ما أرم؟ فقال رسولُ الله ﷺ: نعم، يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم» قال: ونزلت الآيات من آخر يس (٣). وروى مسلم من طريق معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول ﷺ، فذكر أحاديث، منها: وقال رسولُ الله ﷺ: «إنَّ في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرضُ أبدًا فيه يركب يوم القيامة. قالوا: أيُّ عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجب الذنب» (٤) وفيه من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كلُّ ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يُركب» (٥) وقال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدَّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بين النفختين أربعون – قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت – ثمَّ ينْزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل قال وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة» (٦). ورواه البخاري عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش بمعناه، دون قوله: «ثم يُنْزِلُ الله تعالى: مِنَ السماء ماء» (٧) وحديث عبدالله بن عمرو وفيه: «ثُم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحدٌ إلاّ أصغى ليتا ورفع ليتا.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٨٢).\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٢١٠) (١٧٨٧٦)، وابن ماجه (٢٧٠٧) مختصرا، والحاكم (٢/ ٥٤٥). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة»: إسناد حديثه صحيح رجاله ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٠/ ٥٥٤)، والحاكم (٢/ ٤٦٦)، والضياء في «الأحاديث المختارة» (٤/ ١٠٨). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\n(٤) رواه مسلم (٢٩٥٥) (١٤٣).\n(٥) رواه مسلم (٢٩٥٥) (١٤٢).\n(٦) رواه مسلم (٢٩٥٥) (١٤١).\n(٧) رواه البخاري (٤٩٣٥).","vol":"4","page":317},{"text":"قال: وأول من يسمعه رجلٌ يلوط حوض إبله قال فصعق ويصعق الناس، ثم يرسلُ الله – أو قال يُنْزل الله – مطرًا كأنه الطلُّ – أو الظل، نعمان الشاك – فتنبت منه أجساد الناس، ثمَّ ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون. ثم يقال: يا أيها الناس، هلمُّوا إلى ربِّكم، وقفوهم إنهم مسؤولون. قال ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقول: مِنْ كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال: فذلك يومٌ يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عَنْ ساق» (١). وفي (الصحيح) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنِّي أول من يَرْفعُ رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا أنا بموسى متعلِّقٌ بالعرش، فلا أدري كذلك كان أم بعد النفخة» (٢). وفي حديث الصور ... «ثم ينْزل اللهُ عليهم ماءً من تحت العرش، ثم يأمر اللهُ السماء أن تمطر، فتمطر أربعين يومًا حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات الطَّراثيت – أو كنبات البقل – حتى إذا تكاملت أجسادهم، فكانت كما كانت قال الله ﷿: ليحيى حملة العرش، فيحيون. ويأمر الله ﷿ إسرافيلَ فيأخذ الصُّور فيضعه على فيه ثم يقول: ليحيى جبريل وميكائيل، فيحييان. ثم يدعو الله بالأرواح ليؤتى بها، تتوهج أرواح المسلمين نورًا وأرواح الكافرين ظلمة فيقبضها جميعًا ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر الله تعالى: إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنَّها النَّحْلُ قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كلُّ روحٍ إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السُّمُّ في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنهم، وأنا أوَّل من تنشق الأرض عنه فتخرجون سراعًا إلى ربِّكم تنسلون» (٣) الحديث. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- بتصرف – ٢/ ٩٢٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٤٠).\n(٢) رواه البخاري (٤٨١٣).\n(٣) رواه الطبري مختصرًا ومطولًا (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١، و٣٠/ ١٨٦ - ١٨٨) وفي (١٧/ ١١٠ - ١١١) وفي (٢٤/ ٣٠)، والطبراني في الأحاديث الطوال (نهاية المعجم الكبير ٢٥/ ٢٢٦) وغيرهم. قال أبو موسى المديني: الحديث وإن كان فيه نكارة وفي إسناده من تكلم فيه فعامة ما يروى مفرقًا في أسانيد ثابتة. وقال ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٢٧٦): هذا حديث مشهور وهو غريب جدا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض ألفاظه نكارة. تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفَلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء. قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة. وأما سياقه، فغريب جدًا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقا واحدا، فأنكر عليه بسبب ذلك. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمع فيه كل الشواهد لبعض مفردات هذا الحديث، فالله أعلم.","vol":"4","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1260>المطلب الأول: الصنف الأول أنكروا المبدأ والمعاد</span>\nوزعموا أنَّ الأكوان تتصرف بطبيعتها فتوجد وتعدم بأنفسها، ليس لها رب يتصرف فيها، إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، وهؤلاء هم جمهور الفلاسفة الدَّهرية والطبائعية. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٩٣٩","vol":"4","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1261>المطلب الثاني: الصنف الثاني من الدهرية طائفة يقال لهم الدوريَّة</span>\nوهم منكرون للخالق أيضًا، ويعتقدون أنَّ في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه. وزعموا أنَّ هذا قد تكرَّر مرات لا تتناهى فكابروا في المعقول وكذَّبوا المنقول، قبحهم الله تعالى. وهاتان الطائفتان يعمهم قوله ﷿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ [الجاثية:٢٤] ولهذا عن السلف الصالح فيها تفسيران: الأول معنى قولهم نَمُوتُ وَنَحْيَا أي يموت الآباء ويحيا الأبناء هكذا أبدًا، وهو قول الطائفة الأولى. والمعنى الثاني أنَّهم عَنَوْا كونهم يموتون ويحيون هم أنفسهم ويتكرر ذلك منهم أبدًا ولا حساب ولا جزاء، بل ولا موجد ولا معدم ولا محاسب ولا مجازي، وهذا قول الدورية. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٩٣٩","vol":"4","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1262>المطلب الثالث: الصنف الثالث الدهرية من مشركي العرب ومن وافقهم</span>\nوهم مقرون بالبداءة، وأنَّ الله تعالى: ربّهم وخالقهم وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:٨٧] ومع هذا قالوا: إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ [الدخان:٣٥] فأقروا بالبداءة والمبدئ، وأنكروا البعثَ والمعاد، وهم المذكورون في حديث أبي هريرة الصحيح: «وأما تكذيبه إيَّاي فقوله لَنْ يعيدني كما بدأني، وليس أوَّلَ الخلقِ بأهون عليَّ مِنْ إعادته» (١). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٩٣٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٧٤).","vol":"4","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1263>المطلب الرابع: الصنف الرابع ملاحدة الجهمية ومن وافقهم</span>\nأقروا بمعاد ليس على ما في القرآن ولا فيما أخبَرَتْ به الرسل عن الله ﷿، بل زعموا أنَّ هذا العالم يعدم عدمًا محضًا، وليس المعاد هو بل عالم آخر غيره، فحينئذٍ تكون الأرض التي تحدّث أخبارها وتخبر بما عمل عليها من خير وشر ليست هي هذه، وتكون الأجساد التي تعذب وتجازى وتشهد على من عمل بها المعاصي ليست هي التي أعيدت بل هي غيرها، والأبدان التي تنعم في الجنة وتثاب ليست هي التي عملت الطاعة ولا أنَّها تحولت من حال إلى حال، بل هي غيرها تُبتدأ ابتداءً محضًا، فأنكروا معاد الأبدان وزعموا أنَّ المعادَ بداءة أخرى! معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٩٤٠","vol":"4","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1264>المطلب الخامس: الرد على منكري البعث</span>\nالإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة، والعقل والفطرة السليمة. فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على منكريه في غالب سور القرآن. وذلك: أن الأنبياء ﵈ كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بالرب، إلا من عاند، كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون، ومحمد ﷺ لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفى - بين تفضيل الآخرة بيانًا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء. ولهذا ظنت طائفة من المتفلسفة ونحوهم، أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا محمد ﷺ، وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري. والقرآن بين معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع. وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد ﷺ على طريق التخييل! وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء، من آدم إلى نوح، إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ﵈، وقد أخبر الله بها من حين أهبط آدم، فقال تعالى: قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف: ٢٤] ولما قال إبليس اللعين: رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر:٣٦ - ٣٨]. وأما نوح ﵇ فقال: وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [نوح:١٧ - ١٨]. وقال إبراهيم ﵇: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:٨٢]. إلى آخر القصة. وقال: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:٤١]. وقال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [البقرة:٢٦٠] الآية، وأما موسى ﵇، فقال الله تعالى: لما ناجاه: إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه:١٥ - ١٦]. بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد، وإنما آمن بموسى، قال تعالى: حكاية عنه: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر:٣٢ - ٣٣]، إلى قوله تعالى:: يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:٣٩]، إلى قوله: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:٤٦]. وقال موسى: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف:١٥٦]. وقد أخبر الله في قصة البقرة: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:٧٣].","vol":"4","page":323},{"text":"وقد أخبر الله أنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، في آيات (من) القرآن، وأخبر عن أهل النار أنهم إذا قال لهم خزنتها: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر:٧١]. وهذا اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم هذا. فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم، من عقوبات المذنبين في الدنيا والآخرة. فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد والوعيد، يذكر ذلك فيها: في الدنيا والآخرة. وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد، فقال: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ [سبأ:٣] الآيات. وقال تعالى:: وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس:٥٣]. وقال تعالى:: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:٧]. وأخبر عن اقترابها، فقال: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:١]. اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ [الأنبياء:١]، سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إليه فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج:١ - ٧]. وذم المكذبين بالمعاد، فقال: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الأنعام:٣١]. أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [الشورى:١٨]. بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ [النمل:٦٦]. وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا إلى أن قال: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ [النمل:٣٨ - ٣٩]. إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [غافر:٥٩]. وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا [الإسراء:٩٧ - ٩٩].","vol":"4","page":324},{"text":"وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا [الإسراء:٤٩ - ٥٢]. فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل: فإنهم قالوا أولا: وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء: ٤٩]، فقيل لهم في جواب هذا السؤال: إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب لكم، فهلا كنتم خلقًا لا يفنيه الموت، كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك؟! فإن قلتم: كنا خلقًا على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقًا جديدًا؟! وللحجة تقدير آخر، وهو: لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما، (فإنه) قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم، وينقلها من حال إلى حال، ومن يقدر على التصرف في هذه الأجسام، مع شدتها وصلابتها، بالإفناء والإحالة - فما الذي يعجزه فيما دونها؟ ثم أخبر أنهم يسألون آخرًا بقولهم: من يعيدنا إذا استحالت جسومنا وفنيت؟ فأجابهم بقوله: قل الذي فطركم أول مرة. فلما أخذتهم الحجة، ولزمهم حكمها، انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به بعلل المنقطع، وهو قولهم: متى هو؟ فأجيبوا بقوله: عسى أن يكون قريبا. ومن هذا قوله: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٣٦]، إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان، أن يأتي بأحسن من هذه الحجة، أو بمثلها بألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز ووضح الأدلة وصحة البرهان لما قدر. فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد، اقتضى جوابًا، فكان في قوله: وَنَسِيَ خَلْقَهُ ما وفّى بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لما أراد سبحانه من تأكيد الحجة وزيادة تقريرها فقال: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٩]، فاحتج بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى. إذ كل عاقل يعلم ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه، وأنه لو كان عاجزًا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق، وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ فهو عليم بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته، ومواده وصورته، فكذلك الثاني. فإذا كان تام العلم، كامل القدرة، كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم؟ ثم أكد الأمر بحجة قاهرة، وبرهان ظاهر، يتضمن جوابًا عن سؤال ملحد آخر يقول: العظام إذا صارت رميمًا عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعة حارة رطبة بما يدل على أمر البعث، ففيه الدليل والجواب معا، فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ [يس:٨٠].","vol":"4","page":325},{"text":"فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر، الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة، من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده، وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه، من إحياء العظام وهي رميم ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم، على الأيسر الأصغر، فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر، فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا، فقال: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم [يس:٨١] فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض، على جلالتهما، وعظم شأنهما، وكبر أجسامها، وسعتهما، وعجيب خلقهما، أقدر على أن يحيي عظامًا قد صارت رميمًا، فيردها إلى حالتها الأولى. كما قال في موضع آخر: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر:٥٧]. وقال: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ [يس:٨١]. ثم أكد سبحانه ذلك وبينه ببيان آخر، وهو أنه ليس فعله بمنزلة غيره، الذي يفعل بالآلات والكلفة، والنصب والمشقة، ولا يمكنه الاستقلال بالفعل، بل لا بد معه من آلة ومعين، بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته، وقوله للمكون: كن، فإذا هو كائن كما شاءه وأراده. ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله وقوله: وإليه ترجعون. ومن هذا قوله سبحانه: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:٣٦ - ٤٠]. فاحتج سبحانه على أنه لا يتركه مهملًا عن الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك أشد الإباء، كما قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:١١٥]، إلى آخر السورة. فإن من نقله من النطفة إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم شق سمعه وبصره، وركب فيه الحواس والقوى، والعظام والمنافع، والأعصاب والرباطات التي هي أشده، وأحكم خلقه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة، التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية؟ أم كيف تقتضي حكمته وعنايته أن يتركه سدى؟ فلا يليق ذلك بحكمته، ولا تعجز عنه قدرته. فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب، بالقول الوجيز، الذي لا يكون أوجز منه، والبيان الجليل، الذي لا يتوهم أوضح منه، ومأخذه لقريب، الذي لا تقع الظنون على أقرب منه. وكم في القرآن (من) مثل هذا الاحتجاج، كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ إلى أن قال: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [الحج:٥ - ٧]. وقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ إلى أن قال: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون:١٢ - ١٦]. وذكر قصة أصحاب الكهف، وكيف أبقاهم موتى ثلاثماثة سنة شمسية، وهي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية، وقال فيها: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا [الكهف:٢١].","vol":"4","page":326},{"text":"والقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، لهم في المعاد خبط واضطراب. وهم فيه على قولين: منهم من يقول: تعدم الجواهر ثم تعاد. ومنهم من يقول: تفرق الأجزاء ثم تجمع. فأورد عليهم: الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تعد من هذا؟ وأورد عليهم: أن الإنسان يتحلل دائمًا، فماذا الذي يعاد؟ أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك، لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك، فليس بعض الأبدان بأولى من بعض! فادعى بعضهم أن في الإنسان أجزاء أصلية لا تتحلل، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني! والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل، ليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه في المعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان. والقول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء: أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، فتستحيل ترابًا، ثم ينشئها الله نشأة أخرى، كما استحال في النشأة الأولى: فإنه كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظامًا ولحمًا، ثم أنشأه خلقًا سويًا. كذلك الإعادة: يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب، كما ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ، أنه قال: «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم، ومنه يركب» (١) فالنشأتان نوعان تحت جنس، يتفقان ويتماثلان من وجه، ويفترقان ويتنوعان من وجه. والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة ولوازم البداءة فرق، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره فيستحيل، فيعاد من المادة التي استحال إليها. ومعلوم أن من رأى شخصًا وهو صغير، ثم رآه وقد صار شيخًا، علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائمًا في تحلل واستحالة. وكذلك سائر الحيوان والنبات، فمن رأى شجرة وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك. وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال إن الصفات هي المغيرة، لا سيما أهل الجنة إذا دخلوها فإنهم يدخلونها على صورة آدم، طوله ستون ذراعًا، كما ثبت في (الصحيحين) (٢) وغيرهما، وروي: أن عرضه سبعة أذرع (٣). وتلك نشأة باقية غير معرضة للآفات، وهذه النشأة فانية معرضة للآفات. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ٢/ ٥٨٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٥٥).\n(٢) رواه البخاري (٣٣٢٦)، ومسلم (٢٨٤١).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٣٤٣) (٨٥٠٥)، والطبراني (١٩/ ٧٩)، والبيهقي في «البعث والنشور» (١/ ٤٢١)، من حديث أبي هريرة ﵁، قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٦/ ٣٨٣): [فيه] علي بن زيد بن جدعان كان يغالي في التشيع ومع ضعفه يكتب حديثه، وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٢٩): [فيه] علي بن زيد بن جدعان اختلفوا فيه، وقال ابن حجر في «تحفة النبلاء» (١٣٢): [فيه] علي بن زيد وهو ضعيف، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٩٩)، وأحمد شاكر في «مسند أحمد»: إسناده حسن.","vol":"4","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1267>المطلب الأول: معنى النفخ في اللغة</span>\nقال الراغب: (النفخ؛ نفخ الريح في الشيء، قال تعالى: يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس: ٥١] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨].\nوذلك نحو قوله: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر: ٨] ومنه نفخ الروح في النشأة الأولى) (١).\nوذكر الزمخشري بعض الإطلاقات التي تقال على النفخ، ومنه (انفخ في النار، ونفخ النار بالمنفاخ: وهو الكير، ونصبوا على النار المنافيخ، ونفخت في الزق فانتفخ، ونفخت فيه فتنفخ، وهو يجد نفخة في بطنه، ونفخه انتفاخًا من طعام وغيره) (٢).\nوهذه المعاني اللغوية كلها تدور حول النفخ المعروف، هو دفع الهواء. الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ١٨٣\n_________\n(١) «المفردات» (ص: ٥٠٠).\n(٢) «أساس البلاغة» (ص: ٤٦٦).","vol":"4","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1268>المطلب الثاني: معنى النفخ اصطلاحًا</span>\nأما معناه الاصطلاحي: فهو النفخ المخصوص، في الوقت المخصوص، من الملك المخصوص، لإيجاد ما أراد الله تعالى، كما جاء في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﷺ من أن نافخًا ينفخ في صور عظيم لإرادة الله تعالى تغيير ما يريد تغييره في خلقه لأمر القيامة. الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ١٨٤","vol":"4","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1269>المطلب الثالث: معنى الصور</span>\nوأما ما هو الصور؟ فمن أقوال العلماء في ذلك:\nما قاله ابن جرير الطبري – ﵀ – من أن الناس قد اختلفوا فيه (فقال بعضهم: هو قرن ينفخ فيه نفختان، إحداهما لفناء من كان حيًا على الأرض، والثانية لنشر كل ميت.\nوقال آخرون: الصور في هذا الموضع: جمع صورة، ينفخ فيها روحها فتحيا) (١).\nولكنه وهو يذكر هذين القولين يرجح أن الصور قرن ينفخ فيه؛ لقوة الأدلة على هذا، فقال: (والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ) (٢)، وأنه قال: (الصور قرن ينفخ فيه) (٣).\nوقال الإمام الرازي: (المسألة الثالث: قوله: يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ [طه: ١٠٢].\nولا شبهة أن المراد منه يوم الحشر، ولا شبهة عند أهل الإسلام أن الله سبحانه خلق قرنًا ينفخ فيه ملك من الملائكة، وذلك القرن يسمى بالصور، على ما ذكر الله تعالى هذا المعنى في مواضع من الكتاب الكريم.\nولكنهم اختلفوا في المراد بالصور في هذه الآية على قولين:\nالقول الأول: أن المراد منه ذلك القرن الذي ينفخ فيه، وصفته مذكورة في سائر السور.\nوالقول الثاني: أن الصور جمع صورة، والنفخ في الصور عبارة عن النفخ في صور الموتى) (٤).\nثم أبطل الرازي هذا القول الأخير واعتبره خطأ فاحشًا من قائله، كما نقل ذلك عن أهل العلم.\nوقد أيد الإمام ابن كثير ما قاله الإمام الرازي، حيث قال فيمن ذهب إلى أن الصور هنا جمع صورة، وأن معناه: أي يوم ينفخ فيها فتحيا، قال: (والصحيح أن المراد بالصور: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇) (٥).\nوكذلك ذهب الآلوسي حيث قال عن قوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى [الزمر: ٦٨]: (ظاهر في أن الصور ليس جمع صورة، وإلا لقال سبحانه (فيها) بدل (فيه)، وارتكاب التأويل يجعل الكلام من باب التمثيل ظاهر في إنكار أن يكون هناك صور حقيقة، وهو خلاف ما نطقت به الأحاديث الصحاح).\nثم قال الآلوسي: (وقد قال أبو الهيثم - على ما نقل عنه القرطبي في تفسيره: من أنكر أن يكون الصور قرنًا، فهو كمن أنكر العرش والصراط والميزان، وطلب لها تأويلات) (٦).\nوعلى هذا؛ فإن الصور هو قرن ينفخ فيه، وقد ورد أن الذي ينفخ فيه على التعيين هو إسرافيل ﵇. الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ١٨٤\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٧/ ٢٤١).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٢٦) (٣٠١٠)، والحاكم (٤/ ٦٠٣). بلفظ: «صاحب القرن قد التقم القرن» بدلًا من: «إسرافيل قد التقم الصور». من حديث ابن عباس ﵄. قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٤٨)، والشوكاني في «فتح القدير» (١/ ٥٩٨): جيد، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٤٤١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: حسن لغيره.\n(٣) رواه أبو داود (٤٧٤٢)، والترمذي (٢٤٣٠)، وأحمد (٢/ ١٦٢) (٦٥٠٧)، والدارمي (٢/ ٤١٨) (٢٧٩٨)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٩٢) (١١٣١٢)، والحاكم (٢/ ٥٥٠). من حديث ابن عمرو ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١٦٠) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٤) «تفسير الرازي» (١٣/ ٣٤).\n(٥) «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٤٦).\n(٦) «روح المعاني» (٢٠/ ٣٠).","vol":"4","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1270>المبحث الثاني: صفة النفخ في الصور</span>\nوكما يدخل في الإيمان باليوم الآخر الموت وما بعده من فتنة القبر ونعيمه أو عذابه وباللقاء والبعث والنشور والقيام من القبور كذلك يدخل في ذلك الإيمان بالصور والنفخ فيه الذي جعله الله سبب الفزع والصعق والقيام من القبور، وهو القرن الذي وكل الله تعالى: به إسرافيل كما تقدم في ذكر الملائكة. وقد ذكر الله ﷿ النفخ فيه في مواضع من كتابه، كقوله ﷿: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:٦٨] الآيات، وقال تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل:٨٧] الآيات، وقال تعالى: قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:٧٣]. ولنسق ههنا حديث الصور بطوله لما فيه من المناسبة لهذه الآيات ولما اجتمع فيه مما تفرق في غيره من الأحاديث وبالله التوفيق. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: عند هذه الآية الأخرى: وقد روينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني في كتابه (المطولات) قال: حدثنا أحمد بن الحسن المصري الأيلي حدثنا أبو عاصم النبيل حدثنا إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو في طائفة من أصحابه فقال: «إنَّ الله تعالى: لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخصًا بصره في العرش ينتظر متى يؤمر قلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال القرن قلت: كيف هو؟ قال عظيم، والذي بعثني بالحق إِنَّ عِظَم دارة فيه كعرض السموات والأرض، ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخةُ الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة القيام لربِّ العالمين، يأمر الله تعالى: إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ، فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض إِلاّ من شاء الله، ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر وهو كقول الله تعالى: وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ [ص:١٥]، فيسير الله الجبال فتمر مرَّ السحاب فتكون سرابًا، ثم ترتج الأرض بأهلها رجًّا فتكون كالسفينة المرمية في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق في العرش ترجرجه الرياح، وهو الذي يقول يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ. قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ [النازعات:٦ – ٨]، فيميدُ الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل وتشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار، فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع، ويولّي الناس مدبرين مالهم من أمر الله من عاصم ينادي بعضهم بعضًا، وهو الذي يقول الله تعالى: فيه يَوْمَ التَّنَادِ فبينما هم على ذلك إذ تصدَّعت الأرض من قطر إلى قطر فرأوْا أمرًا عظيمًا لم يروا مثله، وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم.","vol":"4","page":331},{"text":"ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت السماء فانتثرت نجومها وانْخَسَفَتْ شمسُها وقمرها، قال رسول الله ﷺ: الأمواتُ لا يعلمون بشيءٍ من ذلك قال أبو هريرة: يا رسول الله مَنِ استثنى اللهُ ﷿ حين يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [النمل:٨٧]؟ قال: أولئك الشهداءُ وإِنَّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه قال: وهو الذي يقول الله ﷿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:١ – ٢] فيقومون في ذلك العذاب ما شاء الله تعالى: إلا أَنَّه يطول، ثم يأمرُ اللهُ إسرافيل بنفخَة الصَّعْقِ، فينفخ نفخةَ الصَّعْق فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا وجاء ملك الموت إلى الجبار ﷿ فيقول: يا ربِّ قد مات أهل السموات والأرض إلاّ من شئت، فيقول الله تعالى: وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا ربِّ بقيتَ أنتَ الحي الذي لا تموت وبقيتْ حملة العرش وبقي جبريل وميكائيل، وبقيت أنا، فيقول الله ﷿: ليمت جبريل وميكائيل، فينطق الله تعالى: العرش: فيقول: يا ربِّ يموت جبريل وميكائيل؟ فيقول: اسكت فإِنِّي كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي، فيموتان. ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات جبريل وميكائيل، فيقول الله ﷿ وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك وبقيت أنا. فيقول الله تعالى: لتمتْ حملةُ العرش. فتموت، ويأمر الله تعالى العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا ربِّ قد مات حملة عرشك. فيقولُ الله وهو أعلمُ بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا ربِّ، بقيتَ أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا. فيقول الله تعالى: أنت خلقٌ من خلقي، خلقتك لما رأيت، فمت. فيموت. فإذا لم يبق إلا اللهُ الواحد القهار الأحد الصَّمدُ الذي لم يلد ولم يولد كان آخرًا كما كان أولًا، طوى السموات والأرض طيَّ السِجِلِّ للكتب ثم دحاهما ثم يلقفهما ثلاث مرات ثم يقول: أنا الجبار أنا الجبار (ثلاثًا) ثم هتف بصوته: لمن الملك اليوم (ثلاث مرات) فلا يجيبه أحد. ثم يقول لنفسه: للهِ الواحدِ القهارِ. يقول الله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ [إبراهيم:٤٨]، فيبسطهما ويسطحهما ثم يمدهما مَدَّ الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه الأرض المبدلة مثل ما كانوا فيها من الأولى: مَنْ كان في بطنها كان في بطنها، ومَنْ كان على ظهرها كان على ظهرها.","vol":"4","page":332},{"text":"ثم يُنْزِلُ الله تعالى: عليهم ماءً من تحت العرش، ثم يأمرُ اللهُ السماء أَنْ تمطر، فتمطر أربعين يومًا حتَّى يكون الماءُ فوقهم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمر اللهُ الأجساد أن تنبت فتنبت كنبات الطراثيث أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت، قال الله ﷿: ليحيى حملةُ عرشي، فيحيون، ويأمر اللهُ إسرافيل فيأخذ الصُّورَ فيضعه على فيه ثم يقول: ليحيى جبريل وميكائيل، فيحييان، ثم يدعو اللهَ بالأرواح فيؤتى بها تتوهَّجُ أرواحُ المؤمنين نورًا وأرواح الكافرين ظلمةً، فيقبضها جميعًا ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر اللهُ إسرافيل أَنْ ينفخ نفخة البعث فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواحُ كأَنَّها النَّحْلُ قد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعنَّ كلُّ روحٍ إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجسادِ فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السُّمُّ في اللديغ، ثم تنشقُّ الأرض عنهم، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فتخرجون سراعًا إلى ربكم تنسلون مُهْطِعِينَ إلى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:٨] حفاة عراة غرلًا، فتقفون موقفًا واحدًا مقداره سبعون عامًا لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكونَ حتى تنقطع الدُّموع، ثم تدمعون دمًا وتعرقون حتى يلجمكم العرق أو يبلغ الأذقان، وتقولون من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فتقولون مَن أَحَقُّ بذلك من أبيكم آدم، خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قُبُلًا، فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه فيأبى ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، فيستقرئون الأنبياء نبيًّا نبيًّا كُلَّما جاءوا نبيًّا أبى عليهم. قال رسولُ اللهِ ﷺ: حتى يأتوني فأنطلق إلى الفحص فأخرّ ساجدًا. قال أبو هريرة: يا رسولَ الله وما الفحص؟ قال: قدام العرش، حتَّى يبعث الله إليّ ملكًا فيأخذ بعضدي ويرفعني فيقول لي: يا محمَّدُ. فأقول: نعم يا رب، فيقول ﷿: ما شأنك؟ وهو أعلم، فأقول: يا ربِّ وعدتني الشَّفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال الله: قد شفعتك، أنا آتيكم أقضي بينكم. قال رسول الله ﷺ: فأَرجع فأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف إذ سمعنا من السماء حسًا شديدًا فهالنا، فينْزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافَّهم وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا وهو آت. ثم ينْزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثلي من فيها من الجنِّ والإنس، حتَّى إذا دنوا مِن الأرض أشرقت الأرضُ بنورهم وأخذوا مصافَّهم، وقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ فيقولون: لا وهو آت، ثم ينْزلون على قدر ذلك من التضعيف، حتى ينْزل الجبارُ ﷿ في ظللٍ من الغمام والملائكة فيحمل عرشه يومئذٍ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم في تخوم الأرض السُّفلى والأرض والسموات إلى حجزهم والعرش على مناكبهم، لهم زجلٌ في تسبيحهم يقولون: سبحانَ ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحيِّ الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت. فيضع الله كرسيَّهُ حيث يشاء من أرضه، ثم يهتف بصوته فيقول: يا مَعْشَرَ الجنِّ والإِنْسِ إِنِّي قد أنْصَتُّ لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع قولكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليّ، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه.","vol":"4","page":333},{"text":"ثم يأمر الله جهنَّم فيخرج منها عنق ساطعٌ مظلم، ثم يقول أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ. هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [يس:٦٠ – ٦٣]، أو بِهَا تُكَذِّبُونَ شك أبو عاصم وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس:٥٩]، فيميز الله الناس وتجثو الأمم، يقول الله تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إلى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:٢٨]، فيقضي الله ﷿ بين خلقه إلا الثقلين الجن والإنس فيقضي بين الوحوش والبهائم حتى إِنَّه ليقضي للجمَّاءِ من ذات القرن. فإذا فرغ من ذلك فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى قال الله لها: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا، ثم يقضي اللهُ تعالى: بين العباد: فكان أول ما يقضي فيه الدماء، ويأتي كل قتيل في سبيل الله، ويأمر الله ﷿ كل من قتل فيحمل رأسه تشخب أوداجه فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول – وهو أعلم –: فيم قتلتهم؟ فيقول: قتلتهُم لتكون العزة لك، فيقول اللهُ له: صدقت، فيجعل الله وجهه مثل نورِ الشمس، ثم تمر به الملائكة إلى الجنة، ثم يأتي كل من قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشْخَبُ أوداجه فيقول: يا رب قتلني هذا؟ فيقول تعالى: وهو أعلم: لم قتلتهم؟ فيقول: يا رب قتلتهم لتكون العزة لي، فيقول: تَعِسْتَ، ثم لا تبقى نفسٌ قتلها إلا قتل بها ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها وكان في مشيئة الله إِنْ شاء عذبه وإن شاء رحمه. ثم يقضي الله تعالى: بين من بقي من خلقه حتى لا تبقى مظلمةٌ لأحَدٍ عند أحدٍ إلاّ أخذها اللهُ للمظلوم مِنَ الظَّالم حتى إِنَّه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء. فإذا فرغ الله تعالى: من ذلك نادى مناد يسمع الخلائق: ألا ليلحق كلُّ قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحدٌ عُبِدَ من دون الله إِلاَّ مثلت له آلهتُهُ بين يديه، ويجعل يومئذٍ ملك من الملائكةِ على صورة عُزير ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى بن مريم ثم يتبع هذا اليهود وهذا النَّصارى ثم قادتهم آلهتهم إلى النار، وهو الذي يقول لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء:٩٩]، فإذا لم يبق إلا المؤمنون فيهم المنافقون جاءَهُمُ اللهُ فيما شاء من هيئته فقال: يا أَيُّها الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون: واللهِ واللهِ ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبدُ غيره، فيكشف لهم عن ساقه ويتجلَّى لهم من عظمته ما يعرفون أَنَّه رَبَّهم، فيخرُّون للأذقان سُجّدًا على وجوههم ويخرُّ كلُّ منافقٌ على قفاه، ويجعل اللهُ ﷿ أصلابهم كصياصيِّ البقر. ثم يأذَنُ اللهُ لهم فيرفعون ويضربُ اللهُ الصِّراط بين ظهراني جهنَّم كحدِّ الشفرةِ أو كحدِّ السيفِ عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسكِ السَّعْدَان دونه جسر دحض مزلة، فيمرُّون كطرف العين أو كلمح البرق أو كمرِّ الريح أو كجياد الخيل أو كجياد الرِّكاب أو كجياد الرِّجال، فناج سالم، وناج مخدوش، ومكدوس على وجهه في جهنم. فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة قالوا: من يشفع لنا إلى ربِّنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أَحقُّ بذلك من أبيكم آدم ﵇؟ خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا. فيأتون آدم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بنوح فإِنَّه أَوَّل رُسُلِ اللهِ.","vol":"4","page":334},{"text":"فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول عليكم بإبراهيم فإِنَّ الله تخيَّره خليلًا، فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ويقول عليكم بموسى فإِنَّ الله قرَّبه نجيًّا وكلَّمه وأَنزل عليه التوراة. فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبًا ويقول: لستُ بصاحب ذلك ولكنْ عليكم بروحِ الله وكلمته عيسى بن مريم. فيؤتى عيسى بن مريم فيطلب ذلك إليه فيقول: ما أنا بصاحبكم ولكنْ عليكم بمحمد. قال رسول الله ﷺ: فيأتوني ولي عند ربِّي ثلاث شفاعات وعدنيهن، فأنطلق فآتي الجنة فآخذ بحلقةِ الباب فأستفتح فيفتح لي فأُحيّا ويرحب بي، فإذا دخلتُ الجنة فنظرتُ إلى ربّي خررت له ساجدًا فيأذن اللهُ لي من تحميده وتمجيده بشيءٍ ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع وسلْ تعط، فإذا رفعتُ رأسي يقول الله تعالى: وهو أعلم: ما شأنُكَ؟ فأقول: يا ربِّ وعدتني الشفاعة فشفِّعني في أهل الجنة فيدخلون الجنة، فيقول الله: قد شفعتك، وقد أذنت لهم في دخول الجنة وكان رسول الله ﷺ يقول: والذي نفسي بيده ما أَنْتُمْ في الدنيا بأَعْرَف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم فيدخل كلُّ رجلٍ منهم على اثنتين وسبعين زوجة، سبعين مما ينشئ الله ﷿ وثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهم الله تعالى: في الدنيا، فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة على سريرٍ مكلَّلٍ باللؤلؤ عليها سبعون زوجًا من سندس وإستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها وإِنَّه لينظر إلى مُخِّ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت. كبدها له مرآة وكبده لها مرآة، فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء ما يفترُ ذكره وما تشتكي قبلها. فبينا هو كذلك إذ نودي: إِنَّا قد عرفنا أَنِّك لا تَملَّ ولا تُمَلّ، إلاّ أَنَّه لا مَني ولا منيَّة، إلا أَنَّ لك أزواجًا غيرها. فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما أتى واحدة قالت له: والله ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك ولا في الجنة شيء أَحبَّ إليَّ منك. وإذا وقع أهل النار في النار وقع فيها خلق من خلق ربِّكَ أوبقتهم أعمالُهم، فمنهم من تأخذ النار قدميه ولا تجاوز ذلك ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حقويه ومنهم من تأخذ جسده كلَّه إلا وجهه حرَّم اللهُ صورته عليها، قال رسولُ اللهِ ﷺ: فأقولُ يا ربِّ شفِّعني فيمن وقع في النارِ مِنْ أُمَّتِي، فيقول: أَخْرِجُوا من عرفتم فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد. ثم يأذن الله تعالى: في الشفاعة فلا يبقى نبيٌّ ولا شهيد إلاّ شُفِّع، فيقول الله تعالى: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار إيمانًا، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ، ثم يشفع الله تعالى: فيقول: أخرجوا من وجدتم في قلبه إيمانًا ثلثي دينار، ثم يقول: ثلث دينار، ثم يقول: ربع دينار، ثم يقول: قيراط، ثم يقول: حبة من خردل، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرًا قط ولا يبقى أحدٌ له شفاعة إلا شفع، حتى إِنَّ إبليس يتطاول مما يرى من رحمة الله تعالى: رجاءَ أَنْ يُشفَعَ له.","vol":"4","page":335},{"text":"ثم يقول: بقيت وأنا أرحم الراحمين فيدخل يده في جهنم فيخرج منها ما لا يحصيه غيره كأَنَّهم حمم فيلقون على نهر يقال له نهر الحيوان فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فما يلي الشمس منها أخيضر وما يلي الظل منها أصيفر، فينبتون كنباتِ الطراثيث حتى يكونوا أمثال الذرِّ، مكتوبٌ في رقابهم: الجهنميون عتقاء الرحمن، يعرفهم أهل الجنَّةِ بذلك الكتاب ما عملوا خيرًا لله قط: فيمكثون في الجنةِ ما شاء اللهُ وذلك الكتابُ في رقابهم، ثم يقولون: ربنا امح عنا هذا الكتاب، فيمحوه الله ﷿ عنهم» (١). قال ابن كثير: هذا حديث مشهور وهو غريب جدًا ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة، وقد اختلف فيه: فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه وهو متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء. قال رحمه الله تعالى: قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جدًا ويقال إنه جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقًا واحدًا فأنكر عليه بسبب ذلك. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفًا قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث، فالله أعلم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٢).\nوروى الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: «جاءَ أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ فقال: ما الصُّور؟ فقال قرن ينفخ فيه» (٣) وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: «كيف أنعمُ وصاحبُ الصُّور قد التقمه وأصْغى سمعه وحنى جبهته ينتظرُ متى يؤمر، فقالوا: يا رسول الله وما تأمُرُنا؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل» (٤) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ٩٦٩\n_________\n(١) رواه الطبراني في الأحاديث الطوال (نهاية المعجم الكبير ٢٥/ ٢٢٦)، ورواه الطبري مختصرًا ومطولًا (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١، و٣٠/ ١٨٦ - ١٨٨) وفي (١٧/ ١١٠ - ١١١) وفي (٢٤/ ٣٠)، وغيرهم. قال أبو موسى المديني: الحديث وإن كان فيه نكارة وفي إسناده من تكلم فيه فعامة ما يروى مفرقًا في أسانيد ثابتة.\n(٢) «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٢٧٦)\n(٣) رواه أحمد (٢/ ١٦٢) (٦٥٠٧)، والحديث رواه أبو داود (٤٧٤٢)، والترمذي (٢٤٣٠)، والحاكم (٢/ ٥٥٠). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ١٦٠) - كما أشار لذلك في المقدمة.- وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٠/ ٩): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٤) رواه الترمذي (٢٤٣١)، وأحمد (٣/ ٧) (١١٠٥٣) بلفظ: (صاحب القرن)، وابن حبان (٣/ ١٠٥). قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"4","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1272>المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم على إثبات النفخ في الصور</span>\nذكر الله ﷾ عدة آيات في إثبات أن النفخ في الصور العظيم يحصل حينما يأمر الله بذلك، حسب ما يريد سبحانه من تغيير، وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم هذا النفخ في أكثر من آية، مما يدل على أهميته ومدى خطورته.\nلكي يدرك أولئك الهاربون عن ربهم – وهم لا يعجزونه – أن هذه الحياة التي قد غرتهم ليست بشيء، فهي تنتهي بنفخة واحدة، فإذا بها كأن لم تكن بالأمس.\nنفخة واحدة فإذا بالفزع قد بلغ من كل نفس منتهاه، ونفخة أخرى فإذا هم أجساد بلا أرواح، ثم نفخة ثالثة فإذا هم قيام ينظرون، فأي قدرة هذه، وأي جهل أعظم من جهل من أعرض عن ربه واغتر بقوته، ونسي أنه يموت بنفخة، ويحيا بنفخة، رغم هذا التعالي الذي قد ملأ رأسه وجميع مشاعره.\nوسنذكر فيما يلي مصداق ما قدمنا من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه ﷺ.\nوالواقع أن الله تعالى قد ذكر النفخ في الصور فيما يقارب اثنى عشر موضعًا في كتابه الكريم، ونذكر من تلك الآيات:\n١ - قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل: ٨٧].\n٢ - وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨].\n٣ - فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً [الحاقة: ١٣].\n٤ - وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس: ٥١].\n٥ - وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا [الكهف: ٩٩].\n٦ - يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢].\n٧ - يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا [النبأ: ١٨].\n٨ - فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ [المؤمنون: ١٠١].\n٩ - وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق: ٢٠].\n١٠ - قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ٧٣].\nوهذه الآيات وغيرها تدل دلالة واضحة ليس بعدها خفاء على حتمية وقوع النفخ في الصور. الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ١٩٨","vol":"4","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1273>المطلب الثاني: الأدلة من السنة على إثبات النفخ في الصور</span>\nرأينا كيف اهتم القرآن الكريم بذكر النفخ في الصور، وكيف كرره – لتقريره وتثبيته في النفوس - في أكثر من آية، وبين ﷾ نتيجة كل نفخة وما يحصل بسببها من التغيير الهائل.\nوبعد ذكر تلك الآيات التي تدلنا على مدى أهمية تلك النفخات ومدى عناية القرآن الكريم بذكرها، يجب معرفة أنه قد جاءت السنة النبوية فبينت كذلك هذا الأمر العظيم، واعتنت بذكره عناية شديدة، فتكرر ذكره في أكثر من حديث، كما نتبين ذلك من عرض الأحاديث الآتية:\nعن أبي هريرة ﵁ قال: «بينما يهودي يعرض سلعته، أعطي بها شيئًا كرهه، فقال: لا، والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار، فقام فلطم وجهه، وقال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ بين أظهرنا؟\nفذهب إليه فقال: أبا القاسم، إن لي ذمة وعهدًا، فما بال فلان لطم وجهي، فقال: لم لطمت وجهه؟ فذكره، فغضب النبي ﷺ حتى رئي في وجهه، ثم قال: (لا تفضلوا بين أولياء الله، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور، أم بعث قبلي» (١).\nوفي رواية لمسلم عن أبي هريرة: «لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون في أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان موسى فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله» (٢).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة» (٣). الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ١٩٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤١٤)، ومسلم (٢٣٧٣).\n(٢) رواه مسلم (٢٣٧٣).\n(٣) «البخاري» (٤٨١٣).","vol":"4","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1274>المبحث الرابع: النفخات الثلاث الثابتة</span>\nقال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ [الزمر: ٦٨] وقال تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ [النازعات: ١٣].\nوقال فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ [المؤمنون: ١٠١].\nوقال فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ [الحاقة: ١٣].\nوقال يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا [النبأ: ١٨].\nعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «قال أعرابي يا رسول الله ما الصور؟ قال: قرن ينفخ فيه». رواه أحمد (١).\nوعن عطية عن ابن عباس في قوله تعالى: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر: ٨]، قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ فقال أصحاب رسول الله ﷺ: كيف نقول؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا». رواه أحمد (٢).\nوعن أبي سعيد قال: قال: رسول الله ﷺ: «إن صاحبي الصور بأيديهما أو في أيديهما قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران». رواه ابن ماجه (٣).\nوعن أبي سعيد الخدري قال ذكر رسول الله ﷺ صاحب الصور فقال: «عن يمينه جبريل وعن يساره ميكائيل ﵈» رواه أحمد (٤).\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في الصور إنه قرن قال: كيف هو؟ قال: عظيم. قال: والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه لعرض السموات والأرض ينفخ فيه ثلاث نفخات (الأولى) نفخة الفزع (والثانية) نفخة الصعق (والثالثة) نفخة القيام لرب العالمين يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويأمره تعالى فيمدها ويطيلها ولا يفتر وهي التي يقول الله وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ [ص: ١٥] فتسير الجبال سير السحاب فتكون سرابا وترتج الأرض بأهلها رجًا فتكون كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق، يقول الله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ [النازعات: ٦ - ١٠]. فيميد الناس على وجهها وتذهل المراضع وتضع الحوامل. ويشيب الولدان. وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة تضرب وجوهها فترجع فيولون مدبرين مالهم من الله من عاصم ينادي بعضهم بعضًا وهو الذي يقول الله يوم القيامة: يَوْمَ التَّنَادِ إلى أن قال: وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم ثم تطوى السماء فإذا هي كالمهل. ثم انشقت السماء فانتشرت نجومها وخسف شمسها وقمرها قال رسول الله ﷺ: الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك الحديث». رواه الحافظ أبو يعلى (٥).\n(قلت): نفخة الفزع أول مبادئ يوم القيامة كما ورد ولذا فإن الناس يشاهدون أمورًا عظامًا وأهوالًا وتضع الحوامل وذلك ما بين نفخة الفزع هذه ونفخة الصعق انتهى. خلاصة معتقد أهل السنة لعبد الله بن سليمان المشعلي – ص: ٩١\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ١٦٢) (٦٥٠٧). ورواه أبو داود (٤٧٤٢)، والترمذي (٣٢٤٤)، والحاكم (٢/ ٥٥٠). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه الترمذي، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٢٦) (٣٠١٠)، والحاكم (٤/ ٦٠٣). قال ابن كثير في «تفسير القرآن» (٢/ ١٤٨)، والشوكاني في «فتح القدير» (١/ ٥٩٨): جيد، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٤٤١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٣) رواه ابن ماجه (٤٩٨٤). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٤/ ٢٥٣): هذا إسناد ضعيف، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢٧٠): [فيه] الحجاج بن أرطأة، مختلف فيه، وقال الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه»: منكر والمحفوظ بلفظ «صاحب القرن».\n(٤) رواه أحمد (٣/ ٩) (١١٠٨٤)، والحاكم (٢/ ٢٩١). قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده ضعيف.\n(٥) لم أقف عليه من رواية أبي يعلى. والحديث رواه الطبراني في «الأحاديث الطوال» (٣٦)، وأبو الشيخ الأصبهاني في «العظمة» (٣٨٧)، والبيهقي في «البعث والنشور» (٦٦٩). قال ابن كثير في «تفسير القرآن» (٣/ ٢٧٦): غريب جدًا.","vol":"4","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1275>المبحث الخامس: النفخة الثانية نفخة الصعق</span>\nقال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨].\nوفي نفخة الصعق الثانية هذه يموت جميع أهل السموات وأهل الأرض من الإنس والجن والملائكة. وقيل الذين استثنى الله هم حملة العرش وقيل جبريل وميكائيل وقيل غير ذلك والله أعلم.\nوفي حديث أبي هريرة المتقدم بعضه فيما يختص بنفخة الفزع أن النبي ﷺ قال: «ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فيصعق أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خمدوا: وجاء ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب مات أهل السموات وأهل الأرض إلا من شئت فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل وبقيت. فيقول الله ﷿: ليمت جبريل وميكائيل! فينطق الله العرش فيقول: يموت جبريل وميكائيل! فيقول: أسكت فإني كتبت الموت على كل من تحت عرشي فيموتان ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار ﷿ فيقول: يا رب قد مات جبريل وميكائيل فيقول: وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقي حملة عرشك وبقيت أنا: فيقول الله تعالى: فليمت حملة عرشي فيموتون: ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار ﷿ فيقول قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا فيقول الله له: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد كان آخرًا كما كان أولًا طوى السموات والأرض كطي السجل ثم دحاها ثم تلقفها ثلاث مرات وقال: أنا الجبار ثلاثًا ثم يهتف بصوته: لمن الملك اليوم ثلاث مرات فلا يجيبه أحد ثم يقول لنفسه لله الواحد القهار ويبدل الله الأرض غير الأرض والسموات فيبسطها ويسطحها ويمدها مد الأديم العكاظي لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه: ١٠٧]». الحديث رواه الحافظ في المسند (١).\nوعن الحسن قال سمعت أبا موسى الأشعري يقول: قال رسول الله ﷺ: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فعرضتان جدال ومعاذير وعرضة تطاير الصحف فمن أوتي كتابه بيمينه وحوسب حسابًا يسيرًا دخل الجنة ومن أوتي كتابه بشماله دخل النار». رواه ابن أبي الدنيا وأحمد (٢). خلاصة معتقد أهل السنة لعبد الله بن سليمان المشعلي – ص: ٩٣\n_________\n(١) لم أقف عليه من رواية أبي يعلى. والحديث رواه الطبراني في «الأحاديث الطوال» (٣٦)، وأبو الشيخ الأصبهاني في «العظمة» (٣٨٧)، والبيهقي في «البعث والنشور» (٦٦٩). قال ابن كثير في «تفسير القرآن» (٣/ ٢٧٦): غريب جدًا.\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٤١٤) (١٩٧٣٠). قال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: إسناده ضعيف لانقطاعه.","vol":"4","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1276>المبحث السادس: النفخة الثالثة نفخة البعث والنشور</span>\nقال تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨] وقال فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣ - ١٤] وقال وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس: ٥١].\nوفي حديث الصور قال بعد نفخة الصعق: «ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في مثل ما كانوا فيه من الأولى من كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها ثم ينزل الله ماء من تحت العرش ثم يأمر الله السماء أن تمطر فتمطر أربعين يومًا حتى يكون الماء فوقهم اثنا عشر ذراعًا ثم يأمر الله الأجسام أن تنبت كنبات الطراثيث أو كنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت قال الله: ليحي حملة عرشي فيحيون ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه ثم يقول: ليحي جبريل وميكائيل فيحييان. ثم يدعو الله الأرواح فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نورًا والأخرى ظلمة فيقبضها جميعًا ثم يلقيها في الصور ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول الله: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنكم إلى أن قال ﷺ: وأنا أول من تنشق الأرض عنه فتخرجون منها سراعًا إلى ربكم تنسلون مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر: ٨]». رواه الحافظ أبو يعلى من حديث أبي هريرة (١).\nأول الخلق حياة بعد الصعقة:\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع». رواه مسلم (٢).\nوعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم وأول من تنشق عنه الأرض وأنا أول شافع ومشفع بيدي لواء الحمد تحتي آدم فمن دونه». رواه البيهقي (٣).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أفاق قبلي أم حوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي». رواه أبو بكر بن أبي الدنيا (٤). (قلت): قال ابن كثير: وهو في الصحيح قريب من هذا السياق. خلاصة معتقد أهل السنة لعبد الله بن سليمان المشعلي– ص: ٩٥\n_________\n(١) لم أقف عليه من رواية أبي يعلى. والحديث رواه الطبراني في «الأحاديث الطوال» (٣٦)، وأبو الشيخ الأصبهاني في «العظمة» (٣٨٧)، والبيهقي في «البعث والنشور» (٦٦٩). قال ابن كثير في «تفسير القرآن» (٣/ ٢٧٦): غريب جدًا.\n(٢) رواه مسلم (٢٢٧٨).\n(٣) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٨٠) (١٤٨٨). قال ابن كثير في «نهاية البداية والنهاية» (١/ ٢٨١): إسناده لا بأس به، وقال الألباني في «بداية السول» (ص: ٣٤): إسناده صحيح وله شاهد.\n(٤) لم أقف عليه من رواية ابن أبي الدنيا. والحديث رواه البخاري (٣٤١٤)، ومسلم (٢٣٧٣).","vol":"4","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1277>الفصل الرابع: حشر الخلائق وصفته</span>\n• المبحث الأول: معنى الحشر في اللغة.\n• المبحث الثاني: معنى الحشر في الاصطلاح.\n• المبحث الثالث: صفة الحشر.\n• المبحث الرابع: صفة حشر الخلق وأنهم على صور شتى.\n• المبحث الخامس: أول من يحشر من الخلق.\n• المبحث السادس: التفاضل في المحشر.","vol":"4","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1278>المبحث الأول: معنى الحشر في اللغة</span>\nقال الراغب الأصفهاني: (الحشر: إخراج الجماعة من مقرهم، وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها.\nويطلق على الإزالة يقال: حشرت السنة مال بني فلان أي: أزالته عنهم، ولا يقال الحشر إلا في الجماعة) (١).\nقال تعالى: قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء: ٣٦]، وقوله تعالى: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٩]، وقوله تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٥].\nإلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى، وهي كثيرة تدل على إطلاق لفظة الحشر على الكثرة والجماعة، مرادًا بها جمع الناس في مكان.\nوعرفه القرطبي بأنه الجمع (٢)، وهو ما عرفه به كذلك البرديسي (٣)، والسفاريني (٤).\nوقال الأزهري نقلًا عن الليث: (الحشر: حشر يوم القيامة. ثم ذكر أن من معانيه وروده بمعنى الجمع الذي يحشر إليه القوم، وكذلك إذا حشروا إلى بلد أو معسكر ونحوه) (٥).\nويقول أبو هلال العسكري: (الحشر: هو الجمع مع السوق، والشاهد قوله تعالى: قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء: ٣٦]، أي ابعث من يجمع السحرة ويسوقهم إليك، ومنه يوم الحشر لأن الخلق يجمعون فيه ويساقون إلى الموقف) (٦).\nوهو ما ذكره الزمخشري في (أساس البلاغة) (٧).\nقال البرديسي: (وأما المحشر بفتح الشين فهو المصدر، وبكسرها اسم للموضع، وبعضهم يذهب إلى أن الكل بمعنى واحد، ونقل عن الجوهري أنه قال: المحشر بالكسر موضع الحشر. قال: وذكر صاحب العين أن المحشر بالكسر والفتح الموضع الذي يحشر الناس إليه) (٨). الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ٦٧\n_________\n(١) «المفردات» (ص: ١٩٩).\n(٢) «التذكرة» (ص: ٢٤٢).\n(٣) «تكملة شرح الصدور» (ص: ١٦)، «مختصر اللوامع» (ص: ٣٨٨).\n(٤) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ١٥٨).\n(٥) «تهذيب اللغة» (٤/ ١٧٧).\n(٦) «الفروق في اللغة» (ص: ١٣٦).\n(٧) «أساس البلاغة» (ص: ٨٤).\n(٨) «تكملة شرح الصدور» (ص: ١٦).","vol":"4","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1279>المبحث الثاني: معنى الحشر في الاصطلاح</span>\nويطلق الحشر على يوم القيامة (١)، وهو سوق الناس وجمعهم إلى المحشر لحسابهم، كما ظهر في التعريفات السابقة.\nوقال ابن حجر في بيان معنى الحشر: أنه (حشر الأموات من قبورهم وغيرها بعد البعث جميعًا إلى الموقف. قال الله ﷿: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف: ٤٧]) (٢).\nوقال البيجوري: (الحشر عبارة عن سوقهم – أي الناس – جميعًا إلى الموقف وهو الموضع الذي يقفون فيه) (٣). الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ٦٨\n_________\n(١) «المفردات» (ص: ١٢٠) «أساس البلاغة» (ص: ٨٤).\n(٢) «فتح الباري» (٤/ ٣٧٩).\n(٣) «شرح جوهرة التوحيد» (ص: ١٧٠).","vol":"4","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1280>المبحث الثالث: صفة الحشر</span>\nيحشر الله الناس في الموقف وتدنو منهم الشمس قدر ميل في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فيشق على الناس هذا اليوم العظيم ويبلغ فيهم العرق مبلغًا عظيمًا فيلجمهم، أي يصل إلى أفواههم كما أشار بذلك النبي ﷺ إلى فيه. وبعضهم يصل إلى حقويه، وبعضهم إلى ركبتيه .. وإلى كعبيه، وذلك بحسب أعمالهم ولا ينجو من هذا العرق إلا من كتب الله له النجاة من ذلك، ومن هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظله فيكونون تحت ظل الله الذي يخلقه يوم لا ظل إلا ظله.\nنص كلام شيخ الإسلام في المسالة: قال –﵀-: (... وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق) (١).\nذكر من نقل الإجماع من أهل العلم أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: لم أقف فيه على من نقل الإجماع من أهل العلم .. ولكن الحديث فيه صحيح صريح.\nذكر مستند الإجماع على دنو الشمس من الناس يوم القيامة ولجومهم بالعرق: روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى يكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه) (٢). المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٨٧٣\n_________\n(١) «الواسطية» «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٤٥).\n(٢) رواه مسلم (٢٨٦٤).","vol":"4","page":345},{"text":"وعن سهلِ بن سعد ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «يحشرُ النَّاسُ يومَ القيامة على أرضٍ بيضاء عفراء كقرصةِ النَّقى ليس فيها معلم لأحد» (١). وفي (صحيح البخاري) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «تكونُ الأرضُ يَوْمَ القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبارُ بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة» (٢). وفي (صحيح مسلم) عن عائشة ﵂ أَنَّها قالت: «أنا أَوَّل الناس سأل رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآية يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم:٤٨] قالت قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على الصراط» (٣). وفيه من حديث «اليهودي الذي سأل رسول الله ﷺ: أين يكون الناس يوم تُبدَّلُ الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: هم في الظلمة دون الجسر» (٤) الحديث. ولابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ «أَنَّ حبرًا من اليهود سأل النبي ﷺ فقال: أرأيتَ إذ يقول اللهُ تعالى: في كتابه يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم:٤٨] فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: أضياف الله، فلن يعجزهم ما لديه»، ورواه ابن أبي حاتم أيضًا (٥). وفي حديث الصور الطويل عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أَنَّه قال: «يبدل الله الأَرْض غير الأَرْضِ والسَّموات فيبسطها ويمدها مدَّ الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا. ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة» (٦) وهذا هو الذي أشار رحمه الله تعالى: إليه بقوله: وتمد أيضًا مثل مد أديمنا الخ البيت.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٢١)، ومسلم (٢٧٩٠).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٢٠)، ومسلم (٢٧٩٢).\n(٣) رواه مسلم (٢٧٩١) بلفظ: (سألت) بدلًا من (أنا أول الناس).\n(٤) رواه مسلم (٣١٥).\n(٥) رواه الطبري (١٧/ ٥٢)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٥٣).\n(٦) رواه الطبري مختصرًا ومطولًا (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١، و٣٠/ ١٨٦ - ١٨٨) وفي (١٧/ ١١٠ - ١١١) وفي (٢٤/ ٣٠)، والطبراني في الأحاديث الطوال (نهاية المعجم الكبير ٢٥/ ٢٢٦) وغيرهم. قال أبو موسى المديني: الحديث وإن كان فيه نكارة وفي إسناده من تكلم فيه فعامة ما يروى مفرقًا في أسانيد ثابتة. وقال ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٢٧٦): هذا حديث مشهور وهو غريب جدا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض ألفاظه نكارة. تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفَلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء. قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة. وأما سياقه، فغريب جدًا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقا واحدا، فأنكر عليه بسبب ذلك. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمع فيه كل الشواهد لبعض مفردات هذا الحديث، فالله أعلم.","vol":"4","page":346},{"text":"وقوله: وهما كتبديل الجلود لساكني النيران إلى آخر، يشير إلى قول الله تعالى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ [النساء:٥٦] ووجْهُ المشابهة بين التبديلين أَنَّ جلودَ الكفار كلما احترقت قيل لها عودي فعادت كما كانت، ومعنى قوله (غيرها) أي صارت غيرها لعودها بعدما نضجت واحترقت، وإلاّ فهي هي التي عملت المعاصي في الدنيا وبها تجازى في الآخرة. وقال ابن عباس ﵄ يبدِّلون جلودًا بيضًا أمثال القراطيس، يعني تجدد لهم الجلود التي نضجت كذلك ليتجدد لهم العذاب أبدًا والعياذ بالله، وكذلك تبديل الأرض والسموات هو تغييرها من حال إلى حال وإلا فهي هي. والله أعلم. وقوله ﵀: وكذلك يقبض أرضه وسماءه بيديه الخ. يشير إلى قول الله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:١٠٤] وقوله ﷿: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:٦٧]. وفي (الصحيحين) عن ابن مسعود ﵁ قال: «جاء رجلٌ مِنَ الأحبار إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا محمَّد إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ ﷿ يجعل السَّمَوَاتِ على إصبع، والأرضينَ على إصبع، والشجر على إصبع، والماءَ والثَّرى على إصبع، وسائرَ الخلق على إصبع فيقول أنا الملك. فضحك رسولُ اللهِ ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسولُ اللهِ ﷺ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:٦٧] الآية» (١). وفي (الصحيحين) أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «يَقبِضُ الله تعالى: الأرض ويطوي السماءَ بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوكُ الأرضِ» (٢) وفيهما عن ابن عمر ﵄ عن رسولِ الله ﷺ قال: «إِنَّ الله ﵎ يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع وتكون السَّمَواتُ بيمينه ثم يقول أنا الملك» (٣). وفي لفظ لمسلم «يأخذ الله ﵎ سماواته وأرضه بيده ويقول أنا الله – ويقبض أصابعه ويبسطها – أنا الملك – حتى نظرتُ إلى المنبر يتحرَّك من أسفل شيءٍ منه حتى إِنِّي لأقول أساقطٌ هو برسولِ اللهِ ﷺ» (٤)، ولفظ أحمد رحمه الله تعالى: عن ابن عمر ﵄ قال: «إِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:٦٧] ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر: يمجد الرَبُّ نفسه، أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملكُ أنا العزيزُ أنا الكريمُ، فرجف برسولِ الله ﷺ المنبرُ حتى قلنا ليخرنَّ به» (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨١١).\n(٢) رواه البخاري (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧).\n(٣) رواه البخاري (٧٤١٢)، ومسلم (٢٧٨٧).\n(٤) رواه مسلم (٢٧٨٨).\n(٥) رواه أحمد (٢/ ٧٢) (٥٤١٤)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٤/ ٤٠٢)، وابن حبان (١٦/ ٣٢٢)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٥٤٦). قال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لـ «مسند أحمد»: إسناده صحيح على شرط مسلم رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم .. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٥٤٦): صحيح.","vol":"4","page":347},{"text":"ولابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: (يطوي اللهُ السَّمَواتِ السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السَّبع بما فيها من الخليقة، يطوي ذلك كله بيمينه يكونُ ذلك كله في يده بمنْزلة خردلةٍ) (١). وقوله رحمه الله تعالى: (وتحدِّثُ الأرْضُ التي كنا بها، أخبارها الخ) يشير إلى قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة:٤ – ٥] وقال البخاري رحمه الله تعالى: أوحى لها وأوحى إليها، ووحى لها ووحى إليها واحد. وكذا قال ابن عباس. وعنه ﵁ قال: قال لها ربها: قولي فقالت وقال مجاهد: أوحى لها أي أمرها. وقوله رحمه الله تعالى:\nوتقيء يوم العَرض من أكبادها ... كالأسطوانِ نفائس الأثمانِ\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٥٦).","vol":"4","page":348},{"text":"يشير إلى قول الله ﷿: وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا [الزلزلة:٢] وإلى ما رواه مسلم رحمه الله تعالى: في (صحيحه) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تُلقي الأرضُ أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيءُ القاتل فيقول في هذا قُتِلت، ويجيءُ القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارقُ فيقول في هذا قُطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا» (١). وقوله (وكذا الجبال تفت فتًا محكمًا) يشير إلى قول الله ﷿: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًًا [طه:١٠٥ – ١٠٧] وقوله ﷿: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:٨٨] الآية، وقوله ﷿: وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا [الواقعة:٥ – ٦] وقوله ﷿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ [المعارج:٩] وفي سورة القارعة: كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:٥] وقوله ﷿: يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا [المزمل:١٤] وقوله ﷿: وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ [المرسلات:١٠] وقوله ﷿: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:٣] وقوله ﷿: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا [النبأ:٢٠] وقوله ﷿: وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً [الحاقة:١٤] وقوله ﷿: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة [الكهف:٤٧] وما في معانيها من الآيات. قال ابن عباس ﵄: (سأل رجل من ثقيف رسول الله ﷺ: كيف تكونُ الجبال يومَ القيامة؟ فأنزل اللهُ تعالى: هذه الآية وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ) أي هل تبقى يوم القيامة أو تزول فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [طه:١٠٥] أي يذهبها عن أماكنها ويسيِّرها تسييرًا فيذرها أي الأرض قاعًا صفصفًا أي بسطًا واحدًا، والقاع هو المنبسط المستوي من الأرض والصفصف الأملس لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًًا [طه:١٠٧] أي لا ترى في الأرض يومئذٍ واديًا ولا رابية ولا صدعًا ولا أكمة ولا مكانًا منخفضًا ولا مرتفعًا. كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف رحمهم الله تعالى. وقوله تعالى: تَحْسَبُهَا جَامِدَة [النمل:٨٨] أي قائمة واقفة وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:٨٨] أي تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض، قال البغوي رحمه الله تعالى: وذلك أنَّ كلَّ شيء عظيم وكُلَّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وبعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو سائر، كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمها، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه وهو سائر. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم في قوله تعالى: وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا [الواقعة:٥]: أي فتت فتًا. وقال عطاء ومجاهد ومقاتل: فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول. قال سعيد بن المسيب والسدِّي: كسرت كسرًا. وقال الكلبي: سُيِّرَتْ على وجه الأرض تسييرًا. وقال الحسن: قلعت من أصلها فذهبت. ونظيرُها فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [طه:١٠٥] وقال ابن كيسان: جعلت كثيبًا مهيلًا بعد أن كانت شامخة طويلة فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا [الواقعة:٦]: غبارًا متفرقًا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل الكوة وهو الهباء. وقال أبو إسحاق: عن الحارث عن علي ﵁ هَبَاء مُّنبَثًّا: كوهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠١٣).","vol":"4","page":349},{"text":"وقال العوفي عن ابن عباس: (الهباء يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئًا) (١). وقال عكرمة: المنبث الذي قد ذرته الريح وبثَّته. وقال قتادة: هباءً منبثًا، كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح، وقال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك والسدّي: العهن الصوف، وقال البغوي: كالصوف المصبوغ، ولا يقال عِهن إلا للمصبوغ. وقال الحسن: كالصوف الأحمر وهو أضعف الصوف. وقال: المنفوش المندوف. وقال ابن كثير: المنفوش الذي قد شرع في الذهاب والتمزق. وقال في قوله كَثِيبًا مَّهِيلًا: أي تصير ككثبان الرمل بعدما كانت حجارة صماء. وقال البغوي: رملًا سائلًا. قال الكلبي: هو الرمل الذي إذا أخذت منه شيئًا تبعك ما بعده، يقال أهلت الرمل أهيله هيلًا إذا حركت أسفله حتى انهال من أعلاه. وقال نُسِفَتْ قلعت من أماكنها. وقال ابن كثير: ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر. وقال في فَكَانَتْ سَرَابًا: أي يخيل إلى النَّاظر أَنَّها شيء، وليس بشيء، وبعد هذا تذهب بالكلية فلا عين ولا أثر. وقال في وَتَسِيرُ الْجِبَالُ: تذهب عن أماكنها وتزول. وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة [الكهف:٤٧] أي بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحدًا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية. قال مجاهد وقتادة: وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة لا حجر فيها ولا غيابة. وقال قتادة أيضًا: لا بناء ولا شجر. وقال البغوي: فَدُكَّتَا كسرتا دَكَّةً كسرة وَاحِدَةً. قال: وأول ما تتغير الجبال تصير رملًا مهيلًا، ثم عِهنًا منفوشًا، ثم تصير هباءً منثورًا. وقوله رحمه الله تعالى: وكذا البحار فإنها مسجورة، قد فجرت إلخ، يشير إلى قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير:٦] وقوله ﷿: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار:٣] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (فجر الله تعالى: بعضها في بعض) (٢). وقال الحسن: فجر الله تعالى: بعضها في بعض فذهب ماؤها. وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها. وقال الكلبي: ملئت. وقوله تعالى: سُجِّرَتْ قال ابن عباس: (أوقدت فصارت نارًا تضطرم) (٣). وقال مجاهد ومقاتل: يعني فجر بعضها في بعض، العذب والملح، فصارت كلها بحرًا واحدًا. وقال الكلبي: ملئت. وقيل: صارت مياهها بحرًا واحدًا من الحميم لأهل النار. وقال الحسن: يبست. وهو قول قتادة، قال: ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة. والمعنى المتحصل من أقوالهم ﵏ أنها يفجر بعضها في بعض فتمتلئ ثم تسجر نارًا فيذهب ماؤها، ولهذا جمع ابن القيم رحمه الله تعالى: بينهما فقال (مسجورة قد فجرت) والله تعالى: أعلم. وقوله رحمه الله تعالى: (وكذلك القمران يأذَنُ ربُّنا لهما فيجتمعان) إلخ، يشير إلى قول الله ﷿ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [القيامة:٨ – ٩] وقوله إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:١] خسف: أظلم وذهب نوره وضوؤه. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [القيامة:٩] أي صارا أسودين مكوَّرين كأنهما ثوران عقيران. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:١]: أظلمت (٤). وقال العوفي عنه: ذهبت. وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت. وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: ذهب ضوؤها. وقال سعيد بن جبير: كوّرت غورت. وقال ربيع بن خيثم: رمي بها. وقال أبو صالح: ألقيت. وعنه أيضًا: نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض.\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٣/ ٩٤).\n(٢) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٤/ ٢٦٧).\n(٣) انظر: «تفسير البغوي» (٨/ ٣٤٦).\n(٤) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٤/ ٢٣٧)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣٤٠٢).","vol":"4","page":350},{"text":"وقال ابن جرير: والصواب عندنا من القول في ذلك أَنَّ التكويرَ جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة، وجمع الثياب بعضها على بعض، فمعنى قوله تعالى: كُوِّرَتْ جمع بعضها إلى بعض ثم لفَّت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها. ولابن أبي حاتم (عن ابن عباس إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:١] قال: يكور الله تعالى: الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله تعالى: ريحًا دبورًا فيضرمها نارًا) (١). وكذا قال عامر الشعبي. ولابن أبي حاتم عن ابن يزيد بن أبي مريم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال في قول الله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:١] قال: «كوِّرَتْ في جَهَنَّم» (٢) وللبخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «الشَّمس والقمر يُكوَّران يَوْمَ القيامة» (٣). وقوله رحمه الله تعالى: (وكواكب الأفلاك تنثر كلها إلخ) يشير إلى قول الله ﷿ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ [التكوير:٢] وقوله تعالى: وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ [الانفطار:٢]، وقوله تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ [المرسلات:٨] أي محي نورها وذهب ضوؤها. وانكدرت: تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض. يقال انكدَرَ الطائر إذا سقط عن عشه. قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجومًا فلا يبقى نجم إلا وقع.\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣٤٠٢).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم «تفسيره» (١٠/ ٣٤٠٢).\n(٣) رواه البخاري (٣٢٠٠) بلفظ: (مكوران) بدلا من (يكوران).","vol":"4","page":351},{"text":"وقوله رحمه الله تعالى: (وكذا السماء تشق شقًا ظاهرًا وتمور) إلخ، يشير إلى قوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:١] وقوله تعالى: وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة:١٦] وقوله وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ [الفرقان:٢٥] وقوله ﷿: السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ [المزمل:١٨] وقوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:١] وقوله تعالى: وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ [التكوير:١١] وقوله ﷿ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ [المرسلات:٩] وقوله تعالى: وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا [النبأ:١٩] وقوله تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا [الطور:٩] وقوله ﷿ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ [المعارج:٨] وقوله فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن:٣٧] وقوله انشَقَّتِ أي: صارت أبوابًا لنُزول الملائكة فَكَانَتْ وَرْدَةً عن ابن عباس: (تغير لونها، وعنه قال كالفرس الورد) (١). وقال أبو صالح: كالبرذون الورد. وحكى البغوي وغيره أَنَّ الفرس الورد تكون في الربيع صفراء وفي الشتاء حمراء فإذا اشتد البرد اغبرَّ لونها، فشبَّه السَّمَاءَ في تلونها عند انشقاقها بهذا الفرس في تلونه. كَالدِّهَانِ قال الضحاك ومجاهد وقتادة والربيع: هو جمع دهن، شبّه السماء في تلونها بلون الورد من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن، وقال عطاء بن أبي رباح: كالدهان كعصير الزيت يتلون في الساعة ألوانًا، وقال مقاتل: كدهن الورد الصافي، وقال ابن جريج: تصير السماء كالدهن الذائب. وذلك حين يصيبها حر جهنم. وقال ابن عباس والكلبي: كالدهان أي كالأديم الأحمر وجمعه دهنة ودهن. وقال عطاء الخراساني: كلون الدهن في الصفرة، وقال قتادة: هي اليوم خضراء ويومئذٍ لونها إلى الحمرة يوم ذو ألوان، وقال ابن كثير ﵀: تذوبُ كما يذوب الدرديُّ والفضّةُ في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شِدَّةِ الأمر وهو يوم القيامة العظيم. وللإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «يبعث الناس يوم القيامة والسماء تطش عليهم» (٢) قال الجوهري: الطش المطر الضعيف. وقوله تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا [الطور:٩]. قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكًا، وعنه: هو تشققها. وقال مجاهد: تدور دورًا، وقال الضحاك: استدارتها وتحركها لأمر الله وموج بعضها في بعض، وهذا اختيار ابن جرير أَنَّه التحرك في استدارة. وقال عطاء الخراساني: تختلف أجزاؤها بعضها في بعض، وقيل تضطرب، وقال البغوي: تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة. قال: والمور يجمع هذه المعاني كلها: فهو في اللغة الذهاب والمجيء، والتردد والدوران، والاضطراب. وقال تعالى: وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا [الحاقة:١٦ – ١٧] عن علي قال: (تنشق السماء من المجرة) رواه ابن أبي حاتم (٣)،\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٣/ ٤٩).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٢٦٦) (١٣٨٤١)، وأبو يعلى (٧/ ٩٩). قال ابن كثير في «نهاية البداية والنهاية» (١/ ٣٠٨): إسناده لا بأس به. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٣٤): رواه أحمد، وأبو يعلى، وفيه عبدالرحمن بن أبى الصهباء ذكره ابن أبى حاتم ولم يذكر فيه جرحا، وبقية رجاله ثقات. وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لـ «مسند أحمد»: صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن.\n(٣) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣٤١١) ..","vol":"4","page":352},{"text":"والملك اسم جنس – أي الملائكة – على أرجاء السماء، قال ابن عباس: (على ما لم ير منها) (١) أي حافاتها. وكذلك قال سعيد بن جبير والأوزاعي، وقال الضحاك: أي أطرافها، وقال الحسن البصري: أبوابها، وقال الربيع بن أنس: على ما استرق من السماء ينظرون إلى أهل الأرض. وقوله تعالى: السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ [المزمل:١٨]: متشقق. قال الحسن وقتادة أي بسببه من شدته وهوله، وفُرِجَتْ قال ابن كثير: أي انفطرت وانشقت وتدلت أرجاؤها ووهت أطرافها ...\nوقوله:\nوإذا أرادَ اللهُ إخراجَ الورى ... بعد الممات إلى معادٍ ثانِ\nألقى على الأرض التي هم تحتها ... ... ... ... إلخ\nيشير إلى حديث عبدالله بن عمرو ﵄ بطوله وفيه: «ثم يرسل الله – أو قال يُنْزل الله – تعالى مطرًا كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس» (٢) الحديث. وفي حديث الصور الطويل: «ثم يُنْزِلُ الله عليهم ماءً مِنْ تحت العرش، ثم يأمر اللهُ السماء أن تمطر أربعين يومًا حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمر الأجساد أن تنبت فتنبت كنباتِ الطراثيث أو كنبات البقل» (٣) وهو الذي عناه بقوله: (عشرًا وعشرًا بعدها عشران). وقوله: (أوحى لها ربُّ السماء فتشقَّقت إلخ) يشير إلى قول الله ﷿ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار:٤]، وقوله أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ [العاديات:٩] قال ابن عباس: بحثت (٤)، وقال السدي: تبعثر تحرك فيخرج من فيها، وقال البغوي: بحثت وقلب ترابها وبعث من فيها من الموتى أحياء، يقال بعثرت الحوض وبحثرته إذا قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وقال في الآية الأخرى إِذَا بُعْثِرَ: أثير وأخرج مَا فِي الْقُبُورِ أي من الأموات. وقوله: (وتخلت الأمُ الولودُ إلخ) يشير إلى قوله تعالى: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [الانشقاق:٤] قال مجاهد وسعيد وقتادة: ألقتْ ما في بطنها مِنَ الأموات وتخلَّت منهم. اهـ.\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٣/ ٥٨٢) بلفظ: (لم يَهِ) بدلًا من (لم ير).\n(٢) رواه مسلم (٢٩٤٠).\n(٣) رواه الطبري مختصرًا ومطولًا (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١، و٣٠/ ١٨٦ - ١٨٨) وفي (١٧/ ١١٠ - ١١١) وفي (٢٤/ ٣٠)، والطبراني في الأحاديث الطوال (نهاية المعجم الكبير ٢٥/ ٢٢٦) وغيرهم. قال أبو موسى المديني: الحديث وإن كان فيه نكارة وفي إسناده من تكلم فيه فعامة ما يروى مفرقًا في أسانيد ثابتة. وقال ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٢٧٦): هذا حديث مشهور وهو غريب جدا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض ألفاظه نكارة. تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفَلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء. قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة. وأما سياقه، فغريب جدًا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقا واحدا، فأنكر عليه بسبب ذلك. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمع فيه كل الشواهد لبعض مفردات هذا الحديث، فالله أعلم.\n(٤) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٤/ ٢٦٨).","vol":"4","page":353},{"text":"وقوله: (وأخرجت أثقالها إلخ) يشير إلى قوله ﷿ وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا – إلى قوله - بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة:٢ – ٥]. قال ابن كثير ﵀: يعني ألقت ما فيها من الموتى، قاله غير واحد من السلف: وقد تقدم تفسيرها بإلقائها أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان. وقال البغوي ﵀: أثقالها موتاها وكنوزها فتلقيها على ظهرها. وقوله ﵀: (والله ينشي خلقه) أي هم أنفسهم لا غيرهم بعد موتهم (في نشأة أخرى إلخ) يشير إلى قول الله ﷿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى [النجم:٤٥ – ٤٦] فهذه هي النشأة الأولى. قال تعالى: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى [النجم:٤٧] وهو البعث بعد الموت. قال تعالى: نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ [الواقعة:٦٠ – ٦٢] وما في معنى ذلك من الآيات والأحاديث. والمقصود أنَّ الله ﷾ يبعث الموتى أنفسهم ويجمعهم بعد ما فرقهم وينشرهم بعد ما مزقهم، ويعيدهم كما خلقهم، قد علم الله ما تنقص الأرض منهم وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر:٤٤]. وقوله: (ما قال إنَّ الله يعدم خلقه إلخ) أي لم يقل الله تعالى: ولا رسوله ﷺ إنه يعدمهم العدم المحض ويأتي بغيرهم، ولا إنَّ المثاب غير من عمل الطاعات في الدنيا، ولا إنَ المعذب غير من مرد على المعاصي إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:٤٠] وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت:٤٦] وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ [غافر:٣١]، بل قال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:٥٥]، فالذين خلقهم من الأرض هم الذين أعادهم فيها، وهم الذين يخرجهم منها، ليسوا غيرهم كما يقوله الزنادقة قبحهم الله تعالى. والكلام في هذا الباب يطول جدًا، والنصوص فيه لا تحصى كثيرة، وإنَّما أشرنا إلى بعض من كل ودق من جل وقطرة من بحر والله المستعان. إلى آخر ما ذكرنا من التعليق على الأبيات التي سقنا من (نونية ابن القيم) رحمه الله تعالى: مع غاية الاختصار، والإيجاز ولله الحمد والمنة. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - بتصرف – ٢/ ٩٤٥","vol":"4","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1281>المبحث الرابع: صفة حشر الخلق وأنهم على صور شتى</span>\nحينما يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين يساقون إلى المحشر (١) لفصل القضاء، ولتجزى كل نفس بما تسعى؛ فيجزى كل عامل ما يستحق من الجزاء، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\nولكن كيف يكون مجيئهم للحشر؟\nوالجواب:\nقد بينت السنة النبوية الهيئات التي يأتي بها الخلائق، وهي هيئات وحالات مختلفة؛ إما حسنة، وإما قبيحة، بحسب ما قدموا من خير، وشر، وإيمان، وكفر، وطاعة، ومعصية، فتزود لها بالعمل الصالح.\nومن تلك الهيئات الأمثلة الآتية:\n١ - ما أخبر به النبي ﷺ عن حالة الناس عند حشرهم لفصل القضاء – مؤمنهم وكافرهم – من أنهم يكونون في هيئة واحدة، لا عهد لهم بها في الدنيا، ولا يتصورون حدوثها، ولهذا فقد كثر التساؤل والاستغراب لتلك الحالة حينما أخبر بها الرسول ﷺ.\nكما في الحديث الذي ترويه أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «تحشرون حفاة عراة غرلًا» (٢).\nومعنى حفاة: أي تمشون على أرجلكم دون نعل أو خف.\nوالعاري: هو من لا ثوب له على جسده، والأغرل: هو الذي لم يختتن، أي إن البشر يرجعون كهيئتهم يوم ولدوا، حتى إن الغرلة ترجع وإن كان قد اختتن صاحبها في الدنيا؛ تحقيقًا لقوله تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤].\nوقد ورد هذا المعنى في حديث ابن عباس ﵄ قال: قام فينا النبي ﷺ يخطب فقال: «إنكم محشورون حفاة عراة» كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤] (٣).\n٢ - يحشر بعض الناس (وهم الكافرون) وهم يسحبون في المحشر على وجوههم، وكم يستغرب كثير من الناس هذه الحال؛ لأنهم في الدنيا لم يعرفوا تلك الحال، ولم يتصوروا وقوعها، ومع أنها حالة غريبة لكنها غير منفية لا عقلا ولا نقلا.\nفأما العقل فإنه لا ينفي وقوعها، وذلك إذا علمنا أن قدرة الله على كل شيء أمر هين، فإن الذي أمشى هؤلاء على الرجلين له القدرة على أن يمشيهم على وجوههم، بل لو أراد الله ذلك لحصل في الدنيا فضلا عن الآخرة.\nومصداق ما قدمنا ما جاء عن أنس بن مالك ﵁ كما في الصحيحين – «أن رجلا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» قال قتادة: بلى وعزة ربنا (٤).\n(قال ابن حجر في بيان معنى المشي المذكور في الحديث قوله: «أليس الذي أمشاه ...» ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته؛ فلذلك استغربوا حتى سألوا عن كيفيته) (٥)\nثم رد على الذين يزعمون أن هذا هو مثل ضربه النبي ﷺ بأن (الجواب الصادر عن النبي ﷺ ظاهر في تقرير المشي على حقيقته) أي فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره.\nومعلوم أن أمر الآخرة وأحوالها غير أمر الدنيا وأحوالها، فكل شيء في الآخرة جديد ولا عهد للناس به، فهي حياة أخرى لها مميزات وكيفيات لا توجد في الدنيا، وليس على الله بعزيز في أن يمشي الكافر على وجهه، إذ لو أراد الله ذلك في الدنيا لكان حاصلا فيها، ولكان أمرا مألوفا كما هو الحال في المشي على الرجلين.\n_________\n(١) «تكملة شرح الصدور» (ص: ١٦).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩).\n(٣) رواه البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠).\n(٤) رواه البخاري (٦١٥٨)، ومسلم (٧٢٦٥).\n(٥) «فتح الباري» (١١/ ٣٨٢).","vol":"4","page":355},{"text":"ولله تعالى فوق هذا كله حكم قد ندركها، وقد لا ندركها، فإن الكافر في الدنيا كان ذا عتو واستكبار، يمشي على رجليه متبخترا معتزا بنفسه، لا يحني رأسه لشيء غير هواه، فلا يعرف التواضع لله في شيء، بل كان يستنكف من السجود لربه والخضوع له.\nوهذا ما ذهب إليه ابن حجر في بيان حكمة هذا المشي حين قال: (والحكمة في حشر الكافر على وجهه: أنه عوقب على عدم السجود لله في الدنيا، بأن يسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارا لهوانه، بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات» (١)\nوكثرة النصوص في هذا الموضوع تمنع كونه من باب التمثيل، فهو إذا على حقيقته فلا ينبغي تأويله، بالإضافة إلى أنه من الأمور الممكنة عقلا، وليست من قبيل المستحيلات على الله تعالى .....\n٣ - حشر المتكبرين\nومن الأوصاف الأخرى التي وردت في السنة لحشر فئات من الناس، صنف من الناس يحشرون في أحقر صفة وأذلها، وهؤلاء هم المتكبرون.\nفلأنهم في الدنيا يمشون في كبرهم وتبخترهم على الناس، عالية رؤوسهم عن التواضع لله أو لخلقه، هؤلاء المستكبرون ورد في صفة حشرهم عن رسول الله ﷺ ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان» (٢) الحديث.\nوفي رواية عن جابر ﵁: عن النبي ﷺ قال: «يبعث الله يوم القيامة ناسًا في صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، فيقال: ما هؤلاء في صور الذر؟ فيقال: هؤلاء المتكبرون في الدنيا» (٣).\nوهذه الحالة المخزية تناسب ما كانوا فيه في الدنيا من تعاظم وغرور بأنفسهم، لأنهم كانوا في الدنيا يتصورون أنفسهم أعظم وأجل المخلوقات؛ فجعلهم الله في دار الجزاء أحقر المخلوقات وأصغرها.\n٤ - حشر السائلين:\nومن الصور الأخرى التي تشاهد في يوم القيامة صور أولئك السائلين الذين يسألون الناس وعندهم ما يغنيهم، يأتون يوم القيامة وفي وجوههم خموش أو كدوح، أو يأتون وليس في وجوههم مزعة لحم، يعرفهم الناس كلهم.\nوهذا ما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ: «ما يزال الرجل يسأل الناس؛ حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم» (٤).\nوعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من سأل وله ما يغنيه؛ جاءت خموشًا أو كدوحًا في وجهه يوم القيامة» (٥) والجزاء من جنس العمل.\n_________\n(١) «فتح الباري» (١١/ ٣٨٢).\n(٢) رواه الترمذي (٢٤٩٢)، وأحمد (٢/ ١٧٩) (٦٦٧٧)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٥٥٧). قال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (٦/ ٥٣٧)، وصححه ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٥٢١)، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٤١٥): إسناده حسن، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٧٤) كما قال في المقدمة.\n(٣) رواه البزار كما في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٣٧)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٩٣). وقال: [لا يتطرق إليه احتمال التحسين]، وقال الهيثمي: فيه القاسم بن عبد الله العمري وهو متروك، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (٥٠١٠): موضوع.\n(٤) رواه البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠).\n(٥) رواه أبو داود (١٦٢٦)، والترمذي (٦٥٠)، والنسائي (٥/ ٩٧)، وابن ماجه (١٥٠٢)، وأحمد (١/ ٣٨٨) (٣٦٧٥)، والحاكم (١/ ٥٦٥)، والبيهقي (٧/ ٢٤) (١٣٥٨٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٢/ ١٠٨)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٢٧٣) كما قال في المقدمة.","vol":"4","page":356},{"text":"والمزعة هي: (بضم الميم – وحكى كسرها – وسكون الزاي بعدها مهملة: أي قطعة\"، \" وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي).\nقال ابن حجر: (والذي أحفظه عن المحدثين الضم).\nومعنى الحديث: (قال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطًا لا قدر له ولا جاه، أو يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه، لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء، لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عظم كله؛ فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به).\nوالمعنى الأول الذي ذكره الخطابي تأويل للحديث بغير معناه، ولهذا قال ابن حجر: (والأول صرف للحديث عن ظاهره).\nوإن كان قد ورد ما يؤيده، وهو ما أخرجه الطبراني والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعًا: «لا يزال العبد يسأل وهو غني؛ حتى يخلق وجهه، فلا يكون له عند الله وجه» (١).\n(وقال ابن أبي جمرة: معناه: أنه ليس في وجهه من الحسن شيء، لأن حسن الوجه هو بما فيه من اللحم، ومالَ المهلَّبُ إلى حمله على ظاهره).\nثم ذكر أن السر في ذلك هو (أن الشمس تدنو يوم القيامة، فإذا جاء لا لحم بوجهه؛ كانت أذية الشمس له أكثر من غيره) قال – يعني المهلَّب: (والمراد به: من سأل تكثرًا وهو غني لا تحل له الصدقة، وأما من سأل وهو مضطر فذلك مباح له فلا يعاقب عليه) (٢).\n٥ - حشر أصحاب الغلول (٣):\nومن المشاهد كذلك: مشهد أقوام يأتون حاملين أثقالًا على ظهورهم، كالبعير والشاة وغيرهما، وهؤلاء هم أهل الغلول، فإنهم يحشرون في هيئة تشهد عليهم بالخيانة والغلول أمام الخلق أجمعين، فمن غل شيئًا في حياته الدنيا ولم يظهره؛ فسيظهره الله عليه يوم يبعث، يكون علامة له، وزيادة في النكاية وتشهيرًا بجريمته يحمل ما غل على ظهره.\nومصداق هذا ما جاء في كتاب الله ﷿ حيث قال: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [آل عمران: ١٦١].\nقال قتادة في معنى الآية: (كان النبي ﷺ إذا غنم مغنمًا؛ بعث مناديًا: ألا لا يغلن رجل مخيطًا فما دونه، ألا لا يغلن رجل بعيرًا، فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلن رجل فرسًا، فيأتي به على ظهره يوم القيامة له حمحمة) (٤).\nوما جاء في السنة النبوية كما في حديث أبي مسعود الأنصاري قال: «بعثني النبي ﷺ ساعيًا، ثم قال: انطلق أبا مسعود لا ألفينك يوم القيامة تجيء وعلى ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء، قد أغللته قال: إذًا لا أنطلق، قال: إذا لا أكرهك» (٥) ...........\nوالخلاصة: أن من مات على عمل بعث عليه.\nقال البرديسي في شرح حديث جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يبعث كل عبد على ما مات عليه» (٦).\n_________\n(١) رواه الطبراني (٢٠/ ٣٣٣) (١٧٥٤٦)، والبزار كما في «مجمع الزوائد» (٣/ ٩٩)، والمنذري (٢/ ٣١). وقال: في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الكبير وفيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام، وضعف إسناده ابن حجر في «مختصر البزار» (١/ ٣٨٣).\n(٢) «فتح الباري» (٣/ ٣٣٩).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (١/ ٤٢٠).\n(٤) روه الطبري في تفسيره (٧/ ٣٦٤).\n(٥) رواه أبو داود (٢٩٤٧)، والطبراني (١٧/ ٢٤٧) (١٤٣٧٧)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٢٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٣٦١)، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود».\n(٦) رواه مسلم (٢٨٧٨).","vol":"4","page":357},{"text":"قال: (أي على الحالة التي مات عليها من خير أو شر، فالزامر يأتي يوم القيامة بمزماره، والسكران بقدحه، والمؤذن يؤذن، ونحو ذلك) (١).\n٦ - حشر أهل الوضوء، أهل الغرة والتحجيل:\nوإذا كان من قدمنا ذكرهم كانوا أمثلة سيئة لمن يعمل أعمالهم، فإنه في الجانب الآخر نجد من يتسم بالصفات الحميدة، ولهذا فإنه يبعث حميدًا عليه سيما أهل الصلاح والتقوى، سيما أمة محمد ﷺ، من الغرة والتحجيل بسبب آثار الوضوء.\nوهي كرامة من الله تعالى لأوليائه وأحبائه، كما قال ﷺ في حديث أبي هريرة: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» (٢).\nوكما قال ﷺ في الحديث الذي رواه عبد الله بن بسر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أمتي يوم القيامة غر من السجود، محجلون من الوضوء» (٣).\n٧ - حشر الشهداء:\nومن المشاهد الأخرى: مشهد لأقوام يحشرون ودماؤهم تسيل عليهم، وهم الشهداء، فإنهم يحشرون ودماؤهم تسيل كهيئتها يوم جرحت في الدنيا، تفجر دمًا، كما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله ثم تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجر دمًا. اللون لون دم والعرف عرف المسك» إلى آخر الحديث (٤).\nوهذا إكرام لهم وبيان لمزاياهم، وتشهيرًا بمواقفهم وعلو مقامهم عند الله تعالى، لأن الجزاء من جنس العمل.\nقال النووي: (وأما الكلم – بفتح الكاف وإسكان اللام – فهو الجرح، ويكلم – بإسكان الكاف – أي يجرح) قال: (وفيه دليل على أن الشهيد لا يزول عنه الدم بغسل ولا غيره، والحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى) (٥).\nويلخص البرديسي أحوال البشر في مجيئهم إلى الموقف فيقول: (واعلم أن الناس يحشرون يومئذ على ثلاثة أصناف: ركبانًا، ومشاة، وعلى وجوههم. قال تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم: ٨٥ - ٨٦].\nثم قال: الوفد في اللغة: القوم المكرمون، يفدون من بلادهم في جماعتهم إلى ملكهم، فينزلون ويكرمهم، والورد: العطاش، يساقون كما تساق الإبل وغيرها من الأنعام، فتسوقهم الملائكة بأسياط النار إلى النار، وقوم يمشون على وجوههم.\nوقال بعضهم: إذا قام الناس من قبورهم لفصل القضاء؛ حضروا على أحوال مختلفة: فمنهم من يكسى، ومنهم من يحشر عريانًا، ومنهم راكبًا، ومنهم ماش، ومسحوب على وجهه، ومنهم من يذهب إلى الموقف راغبًا، ومنهم من يذهب خائفًا، ومنهم من تسوقه النار سوقًا) (٦).\nوقوله: (ومنهم راكبا)، هذه المسألة مما أكثر فيه المؤلف الكلام عنها، وإن كان القول بأن الناس يأتون ركبانًا يخالف ما ثبت في الصحيح من أنهم يأتون «حفاة عراة غرلًا»، إلا أن المؤلف جمع بين أقوال من ذهب إلى أنهم يأتون ركبانًا، وبين هذا النص وما جاء في معناه بقوله:\n(ثم إن الروايات التي فيها الركوب في المحشر تخالف حديث الصحيحين أن الناس يحشرون حفاة عراة، ولا يبعد أن يكون الركوب في المحشر لبعض السعداء، فيكون حديث الصحيحين محمولًا على بعض الصور) (٧). الحياة الآخرة لغالب عواجي - بتصرف- ١/ ٢٠٧\n_________\n(١) «تكملة شرح الصدور» (ص: ١٢).\n(٢) رواه البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦).\n(٣) رواه الترمذي (٦٠٧)، وأحمد (٤/ ١٨٩) (١٧٧٢٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ١٧)، والضياء (٩/ ١٠٦) (٩٤). قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث ابن بسر، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح، وصحح إسناده على شرط الشيخين شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند.\n(٤) رواه مسلم (١٨٧٦).\n(٥) «شرح صحيح مسلم» (٤/ ٥٤١).\n(٦) «تكملة شرح الصدور» (ص: ١٨).\n(٧) «تكملة شرح الصدور» (ص: ١٨).","vol":"4","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1282>المبحث الخامس: أول من يحشر من الخلق</span>\nاختلف العلماء في أول من يحشر من الخلق، هل هو نبينا محمد ﷺ أو غيره من الأنبياء مثل موسى ﵇؟\nوالصحيح في ذلك: أن نبينا ﷺ هو أول من يحشر؛ حيث تنشق عنه الأرض قبل كل مخلوق؛ لقوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر» (١).\nفهو أول الناس يحشر، وأول الخلق تنشق عنه الأرض، لا غيره من البشر.\nقال البرديسي: (وأما أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة فنبينا محمد ﷺ).\nونقل عن شارح (الجوهرة) قوله: (وأول من يحيا ويحشر نبينا ﷺ، لا موسى على الأصح) (٢).\n٢ - وأما أول من يكسى من الخلق: فقد ورد في حديث ابن عباس أن إبراهيم – عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- هو أول من يكسى يوم القيامة، وذلك في قوله ﷺ: «وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم» (٣).\nوهذا يدل على أن الخلائق يخرجون من القبور دون كسوة كلهم، ثم يكسى بعد ذلك من أراد الله كسوته من أصفيائه، وهذا يعارض ما ورد في حديث أبي سعيد (٤)، وما جاء أيضًا عن معاذ بن جبل (٥)، من أن الأموات يبعثون في ثيابهم التي كفنوا فيها.\nوقد جمع الإمام ابن حجر بين هذه الأحاديث بأن بعضهم يحشر عاريًا، وبعضهم كاسيًا، أو يحشرون كلهم عراة، ثم يكون أول من يكسى الأنبياء، فأول من يكسى إبراهيم ﵊، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عراة، ثم يكون أول من يكسى إبراهيم.\nوحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم الذين أمر أن يزملوا في ثيابهم ويدفنوا فيها، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد فحمله على العموم.\nوممن حمله على عمومه معاذ بن جبل؛ فأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن عن عمرو بن الأسود قال: دفنا أم معاذ بن جبل، فأمر بها فكفنت في ثياب جدد وقال: أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يحشرون فيها (٦)، قال: وحمله بعض أهل العلم على العمل إلخ ما أورده ابن حجر (٧). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٣٤\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٢٧٨).\n(٢) «تكملة شرح الصدور» (ص: ١٢).\n(٣) رواه البخاري (٤٦٢٥)، ومسلم (٢٨٦٠).\n(٤) الحديث رواه أبو داود (٣١١٤)، وابن حبان (١٦/ ٣٠٧) (٧٣١٦)، والحاكم (١/ ٤٩٠)، والبيهقي (٣/ ٣٨٤) (٦٣٩٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصحح إسناده النووي في «المجموع» (٥/ ٣٢١)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ١٩٨) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٥) رواه ابن أبي الدنيا في «الأهوال» (٢١٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٥٣) موقوفًا على معاذ بن جبل بلفظ: «أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يحشرون فيها».\n(٦) رواه ابن أبي الدنيا في «الأهوال» (٢١٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٥٣) موقوفًا على معاذ بن جبل.\n(٧) «فتح الباري» (١١/ ٣٨٣).","vol":"4","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1283>المبحث السادس: التفاضل في المحشر</span>\nأخبر النبي ﷺ أن المؤمنين يحشرون حفاة عراة غرلًا (١)، وأخبر سبحانه أنه يحشر الكافرين على وجوههم، قال سبحانه: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا [الإسراء: ٩٧]. وقال: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ [الفرقان: ٣٤]. وسئل ﷺ: كيف يحشر الكافر على وجهه؟ فقال ﷺ: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» (٢).\nوقد قال ﷺ: «يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير وعشرة على بعير. ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» (٣). أخرجه البخاري في باب الحشر وذكره مع الحديثين السابقين في حشر المؤمنين وحشر الكافرين.\nوقد نقل ابن حجر عن الخطابي – قال: (وصوب عياض ما ذهب إليه الخطابي وقواه) - أن الحشر في هذا الحديث يكون في الدنيا قبل قيام الساعة يحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف فهو خلاف هذه الصورة من الركوب على الإبل والتعاقب عليها وإنما هو ما ورد في الحديث حفاة عراة مشاة (٤).\nونقل ﵀ عن بعض أهل العلم الجزم بأنه الحشر بعد الخروج من القبور، وهو ظاهر صنيع البخاري من إيراده الحديث على الوجه المذكور.\nونقل ﵀ عن بعض أهل العلم أن حمله على الحشر من القبور أقوى من أوجه، وذكر أربعة أوجه، منها: أن الحشر إذا أطلق في عرف الشارع إنما يراد به الحشر من القبور ما لم يخصه بدليل (٥). وذكر ابن حجر أنه قد جمع بين الحديث، وحديث حشر الناس عراة حفاة مشاة بأنهم يخرجون من قبورهم على هذا الوصف ثم يفترق حالهم من ثم إلى الموقف على ما في هذا الحديث (٦). ومعلوم أن القيامة أحوال متعددة، إلا أن ابن حجر رجح أن الحشر الوارد في الحديث إنما يكون قبل المبعث (٧). والحديث دال على التفاضل في الحشر، وقد نقل ابن حجر عن بعض أهل العلم قوله: (نرى أن هذا التقسيم الذي وقع في هذا الحديث نظير التقسيم الذي وقع في تفسير الواقعة في قوله تعالى: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً [الواقعة: ٧]. الآيات، فقوله في الحديث: «راغبين راهبين» يريد به عوام المؤمنين، وهم من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فيترددون بين الخوف والرجاء، يخافون عاقبة سيئاتهم، ويرجون رحمة الله بإيمانهم، وهؤلاء أصحاب الميمنة، وقوله «واثنان على بعير .. الخ» السابقين وهم أفاضل المؤمنين يحشرون ركبانًا، وقوله: «وتحشر بقيتهم النار» يريد به أصحاب المشأمة) (٨).\nوقد ذكر ابن القيم أن المراد بالطبقات المذكورة في آخر سورة الواقعة – طبقة المقربين وطبقة أصحاب اليمين، وطبقة المكذبين – الطبقات عند الحشر الأول (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) رواه البخاري (٤٧٦٠). من حديث أنس ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٦٥٢٢)، ومسلم (٢٨٦١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) «فتح الباري» (١١/ ٣٧٩).\n(٥) «فتح الباري» (١١/ ٣٨٠).\n(٦) «فتح الباري» (١١/ ٣٧٩).\n(٧) «فتح الباري» (١١/ ٣٨٢).\n(٨) «فتح الباري» (١١/ ٣٨٠).\n(٩) «التبيان في أقسام القرآن» (١٥١).","vol":"4","page":360},{"text":"ولعل في قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا [مريم: ٨٥]. شاهد للطائفة الثانية وهم الركبان، لأن الوفد لا يكون إلا راكبًا كما روي عن علي ﵁ (١) وقد نقل المفسرون عن أئمة التفسير أن الحشر المذكور في هذه الآية إنما يكون عند المنصرف من بين يدي الله في طريقهم إلى الجنة (٢)، فهم لا يركبون إلا من الموقف، أما إذا خرجوا من القبور فحفاة عراة مشاة إلى المواقف كما يقول القرطبي (٣).\nومن الأحوال الفاضلة في الحشر، حال الشهيد فقد قال ﷺ: «لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب اللون لون دم، والريح ريح مسك» (٤).\nومن الأحوال الفاضلة في المحشر، حال الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم السبعة الذين ذكرهم النبي ﷺ في قوله: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه» (٥).\nوقال ﷺ: «تدني الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار الميل. قال الراوي: فلا أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين؟ قال ﷺ: «فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. فمنهم من يكون إلى كعبيه. ومنهم من يكون إلى ركبتيه. ومنهم من يكون إلى حقويه. ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا» وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه» (٦).\nفهذا دليل على تفاضل الخلق في وقوفهم بالمحشر قبل فصل القضاء.\nومن الأحوال المفضولة في الحشر، حال المتكبرين كما في الحديث: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان» (٧).\nوأفضل أمم المؤمنين في المحشر أمة محمد ﷺ، فقد اختصها الله ﷿ فيه بما تمتاز به عن غيرها، ومن هذه الخصائص:\n- اختصاصها بأنها أكثر أتباع الأنبياء عددًا، كما في حديث صحيح مسلم الذي تقدم ذكره: «أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة».\n- وتميزها بعلامة تعرف بها وهي أنهم يأتون غرًا محجلين من آثار الوضوء كما في الحديث: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء» (٨).\nوقال ﷺ: «لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون عليّ غرًا محجلين من آثار الوضوء» (٩).\nوأفضل أحوال أهل المحشر وأكملهم حال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا ريب، وأفضل أحوال الأنبياء حال آدم وأولي العزم من الرسل الخمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم كما دل عليه صراحة حديث الشفاعة المخرج في الصحيحين (١٠) وقد سبق ذكره. فأهل المحشر يقصدونهم خاصة من بين سائر الأنبياء والمرسلين لكي يشفعوا عند الله لإراحتهم من هول الموقف، ومحمد ﷺ هو أفضل أهل المحشر، وحاله أفضل أحوالهم، فهو صاحب الشفاعة العظمى التي يتدافعها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص٣٩٣\n_________\n(١) «المسند» (٢/ ٣٧٧) و«تفسير القرطبي» (١١/ ١٥٢) و«الدر المنثور» (٥/ ٢٨٥).\n(٢) «تفسير البغوي» (٣/ ٢٠٩) و«تفسير ابن كثير» (٣/ ١٣٨) و«تفسير القرطبي» (١١/ ١٥٢) و«الدر المنثور» (٤/ ٢٨٤).\n(٣) «التفسير» (١١/ ١٥٣).\n(٤) رواه البخاري (٥٥٣٣)، ومسلم (١٨٧٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٦٦٠)، مسلم (١٠٣١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) رواه مسلم (٢٨٦٤). من حديث المقداد بن الأسود ﵁.\n(٧) رواه الترمذي (٢٤٩٢)، وأحمد (٢/ ١٧٩) (٦٦٧٧). قال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (٦/ ٥٣٧)، وابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٧٤) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٨) رواه البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٩) رواه مسلم (٢٤٧).\n(١٠) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤).","vol":"4","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1285>تمهيد:</span>\nإذا انتهى الناس إلى الموقف الذي أعده الله ﵎ مكانًا لاجتماع خلقه فيه، وشرفه جل وعلا بنزوله فيه لفصل القضاء بين عباده؛ فإن الخلق يكونون فيه على ما لا يتصور ولا يدرك كنهه من القلق والخوف العظيم، وقد جاء في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة أوصافًا كثيرة لهذا الموقف العظيم.\nفالشمس فوق رؤوسهم، والعرق قد بلغ من كل واحد قدر عمله، حتى إن منهم من يلجمه إلجامًا، وهم وقوف حفاة عراة غرلًا، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء، لا ينظر أحد إلى أحد، يفر الحميم من حميمه، والقريب من قريبه، قد ملئت قلوبهم بما يشغلها، وكيف لا تملأ وهم ينتظرون إما نارًا حامية، وإما جنة عالية.\nكل واحد يتذكر ما سعى وما قدم لهذا الموقف العظيم؛ لا شغل له إلا ذلك، حتى يفصل الله بينهم، ويتبين مصير كل واحد منهم الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٤٣","vol":"4","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1286>المبحث الأول: تعريف الموقف لغةً واصطلاحًا</span>\nالموقف في اللغة: المكان الذي يقف فيه الإنسان. قال الراغب: (وموقف الإنسان حيث يقف) (١).\nوقال الفيروزآبادي: (وقف يقف وقوفًا: دام قائمًا). وقال أيضًا: (والموقف محل الوقوف) (٢).\nأما معناه في الاصطلاح:\nفهو المكان الخاص الذي أعده الله ﵎ لحشر الناس لحسابهم وفصل القضاء بينهم. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٤١\n_________\n(١) «مفردات القرآن» (ص: ٥٣٠).\n(٢) «القاموس المحيط» (ص: ١١١٢).","vol":"4","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1287>المبحث الثاني: صفته في القرآن الكريم</span>\nأما ما جاء في صفته من القرآن الكريم: فهو ما تتحدث عنه الآيات الآتية:\nقال الله تعالى في وصف خوف وامتلاء الخلائق بالغم، ووقوف قلوبهم في حناجرهم:\n١ - وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨].\nقال قتادة: (وقفت القلوب في الحناجر من الخوف؛ فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها)، وكذا قال عكرمة، والسدي، وغير واحد (١).\n٢ - وقال تعالى مبينًا حال الكفار وما يصيبهم من الفزع الشديد لهول ما يرون وذلتهم وفراغ قلوبهم عن كل شيء: وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣].\n(يقول تعالى ذكره: إنما يؤخر ربك يا محمد هؤلاء الظالمين – الذين يكذبونك، ويجحدون نبوتك – ليوم تشخص فيه أبصار الخلق، وذلك يوم القيامة) (٢).\nوقال تعالى في بيان حال المؤمنين والكافرين، وما امتاز به كل فريق من علامات الشقاء أو السعادة:\nيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧].\nفقد جعل الله جميع أهل الآخرة فريقين:\n(أحدهما: سوداء وجوهه، والآخر: بيضاء وجوهه) (٣).\nوقال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٨].\n(قال الليث: الجثو: الجلوس على الركب كما يجثى بين يدي الحاكم).\nوقال ابن عباس: (جاثية: مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها، وإِلَى كِتَابِهَا أي إلى صحائف أعمالها) (٤).\nوقال ابن كثير: (جاثية: أي على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال إن هذا إذا جيء بجهنم، فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه) (٥).\nوقال تعالى: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا [المزمل: ١٨].\nيقول تعالى: كيف تقون أنفسكم إن كفرتم، أي إن بقيتم على كفركم، يَوْمًا: أي عذاب يوم يجعل الولدان شيبًا، لشدة هوله، أي يصير الولدان شيوخًا، والشيب: جمع أشيب، وهذا يجوز أن يكون حقيقة وأنهم يصيرون كذلك، أو تمثيلًا، لأن من شاهد الهول العظيم تقاصرت، قواه وضعفت أعضاؤه، وصار كالشيخ في الضعف وسقوط القوة السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ أي متشققة به لشدته وعظيم هوله) (٦).\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٧٥).\n(٢) «تفسير الطبري» (١٣/ ٢٣٦).\n(٣) «تفسير الطبري» (٤/ ٤٠).\n(٤) «تفسير الرازي» (٢٧/ ٢٧٢).\n(٥) «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٥١).\n(٦) «فتح القدير» (٥/ ٣١٩).","vol":"4","page":364},{"text":"وقال تعالى: إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ: ٤٠]، أخرج ابن جرير ﵀ عدة روايات عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن ذكوان، وسفيان: أن الكافر يقول ذلك حينما يشاهد البهائم وقد أمر الله بها فصارت ترابًا، فعند ذلك يتمنى أنه صار ترابًا مثلها ولم يقف بين يدي الله تعالى (١). يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢].\nوقال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ [عبس:٣٤ - ٤١].\nأي يفر عن أخيه، وصاحبته: أي زوجته التي كانت زوجته في الدنيا، وبنيه حذرًا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التبعات والمظالم.\nوغَبَرَةٌ ذكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابًا يومئذٍ - بعد القضاء بينها - يحول ذلك التراب غبرة في وجوه أهل الكفر، والقترة بمعنى الغبرة (٢).\nوما هذا الفرار من الأخ، والأم، والأب، والزوجة، والأبناء إلا لما يتوقع الإنسان من الأمور العظام التي هو في انتظارها بين لحظة وأخرى لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ.\nوقال تعالى: في بيان حال المشركين الذين كذبوا على الله بنسبة الشريك والولد إليه جل وعلا ومبينًا علامتهم التي يتصفون بها وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٠].\nأي يوم القيامة ترى يا محمد الذين كذبوا على الله من قومك، فزعموا أن له ولدًا وأن له شريكًا، وعبدوا آلهة من دونه – وجوههم مسودة (٣).\nإلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الواردة في وصف هذا الموقف العظيم وما يقع فيه من الثواب والعقاب، وما يقع فيه كذلك للخلق من الكرب الشديد، والفزع العظيم، وما يكونون عليه من صفات شتى بينها القرآن الكريم تمام البيان، حتى إنها لتكاد أن تصل إلى أن يتخيلها الإنسان وكأنها قد وقعت، لظهورها وكثرة العناية بإبرازها واضحة جلية في أساليب متعددة مؤثرة. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٤٣\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٢٦).\n(٢) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٦٢).\n(٣) «تفسير الطبري جامع البيان» (٢٤/ ٢٢).","vol":"4","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1288>المبحث الثالث: صفته في السنة النبوية</span>\nوأما في السنة النبوية فقد جاء أن العرق يبلغ من الإنسان على مقدار عمله، فمن الناس من يبلغ العرق إلى أنصاف أذنيه، ومنهم من يلجمهم إلجامًا، ومنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، فهم على حالات شتى، ومصداق هذا:\n١ - ما جاء عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ قال: «يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» (١).\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم» (٢).\nوفي رواية مسلم: «سبعين عامًا، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس» (٣).\nولهذا فإن الإنسان ليتمنى من شدة الهول والعرق أن يذهب به ولو إلى النار ويستريح منه، كما ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة، فيقول: يا رب أرحني ولو إلى النار» (٤).\nوفي الصحيح من حديث عدي بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال: «ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله، ليس بينه وبينه حجاب، ولا ترجمان يترجم له، ثم ليقولن له: ألم أوتك مالًا؟ فليقولن: بلى. ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولًا؟ فليقولن: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة» (٥).\nوفي هذا الموقف الرهيب يكون للشمس وقع شديد على الناس، فهي تدنو من رؤوس البشر – رغم حرارتها الهائلة – حتى تكون كمقدار ميل، وللإنسان أن يتصور مدى ما يلحق أهل الموقف من ألم حرارتها.\nوهذا ما رواه المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تدني الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل. قال سليم بن عامر – أحد رواة الحديث: فوالله ما أدري ما يعني بالميل؛ أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين؟ قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. فمنهم من يكون إلى كعبيه. ومنهم من يكون إلى ركبتيه. ومنهم من يكون إلى حقويه. ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا. قال: وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه» (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٤٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٣٨)، ومسلم (٢٨٦٢).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٣٢).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٦٣).\n(٤) رواه الطبراني (١٠/ ١٠٧) (١٠١٣٢)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٩٥). وقال: إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٣٩): رجاله رجال الصحيح.\n(٥) رواه البخاري (١٤١٣).\n(٦) رواه مسلم (٢٨٦٤).","vol":"4","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1289>المبحث الرابع: صفة الأرض التي يقف الخلق عليها</span>\nعن سهل بن سعد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي» قال سهل – أو غيره -: ليس فيها معلم لأحد (١).\nويتبين من معاني تلك الكلمات الواردة في الحديث: أن تلك الأرض التي يقف عليها الخلق غير هذه الأرض، وليس بينهما تشابه، فتلك أرض لها صفات وهذه أرض لها صفات أخرى، وأن هذه الأرض المعهودة قد انتهت وحلت محلها أرض أخرى هي أكبر منها وأشرف.\nأما معنى كونها عفراء، فقال الخطابي: (العفر: بياض ليس بالناصع).\nوقال عياض: (العفر: بياض يضرب إلى حمرة قليلًا، ومنه سمي عفر الأرض وهو وجهها) (٢).\nوقال ابن فارس: (معنى عفراء: خالصة البياض).\nوقال الداودي: (شديدة البياض)، قال ابن حجر: (كذا قال، والأول هو المعتمد).\nومعنى (كقرصة النقي: بفتح النون وكسر القاف: أي الدقيق النقي من الغش والنخالة، قاله الخطابي).\nومعنى (ليس فيها معلم لأحد) أو (علم) كما في رواية مسلم – وهما بمعنى واحد، قال الخطابي: (يريد أنها مستوية، والمعلم – بفتح الميم واللام بينهما مهملة ساكنة – هو الشيء الذي يستدل به على الطريق).\nوقال عياض: (المراد أنها ليس فيها علامة سكن، ولا بناء، ولا أثر، ولا شيء من العلامات التي يهتدى بها في الطرقات كالجبل، والصخرة البارزة).\nقال ابن حجر: (وفيه تعريض بأرض الدنيا وأنها ذهبت وانقطعت العلاقة منها)، وقال الداودي: (المراد أنه لا يحوز أحد منها شيئا، إلا ما أدرك منها).\nويذكر ابن حجر – نقلًا عن أبي جمرة – أن في الحديث إشارة إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة جدًا.\nوأن الحكمة في نقاء وصفاء تلك الأرض المبدلة وانبساطها: أن ذلك اليوم يوم عدل وظهور حق؛ فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرًا عن عمل المعصية والظلم، وليكون تجليه سبحانه على عباده المؤمنين على أرض طاهرة لعظمته، ولأن الحكم فيه إنما يكون لله وحده؛ فناسب أن يكون المحل خالصًا له وحده (٣).\nوقال ﷺ: «يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر» (٤).\nقال البرديسي: (يريد ﵊ أرضًا مستوية، لا جبل فيها، ولا أكمة، ولا ربوة، ولا وهدة، أرض بيضاء نقية، لم يسفك عليها دم، ولا عمل عليها خطيئة، ولا ارتكب فيها محرم) (٥).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٥١\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٩٠).\n(٢) «إكمال المعلم» (٦/ ١٢٣).\n(٣) «فتح الباري» (١١/ ٣٧٥)، و«تكملة شرح الصدور» (ص: ١٧).\n(٤) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) «تكملة شرح الصدور» (ص: ١٧).\n(٦) رواه البخاري (٦٥١٩)، ومسلم (٢٧٨٧).","vol":"4","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1291>المبحث الأول: أحوال الناس يوم القيامة</span>\n(براءة الناس يومئذ بعضهم من بعض) (وانقطعت علائق الأنساب) كما قال تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ [المؤمنون:١٠١]، وقال تعالى: وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا [المعارج:١٠] الآيات، وقال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ [عبس:٣٤] الآيات، وقال تعالى عن الكافرين: فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]، قال ابن مسعود ﵁: (إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد: ألا من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه، قال فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرًا. ومصداق ذلك في كتاب الله فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ [المؤمنون:١٠١]. رواه ابن أبي حاتم (١). وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبدالله ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الرجل ليقول في الجنّةِ: ما فعل بصديقي فلان؟ وصديقه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم» (٢). قال الحسن رحمه الله تعالى: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن لهم شفاعة يوم القيامة. وعن قتادة في قول الله ﷿: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:٣٤ – ٣٦] قال: يفر هابيل من قابيل ويفر النبي ﷺ من أمه، وإبراهيم ﵇ من أبيه، ولوط ﵇ من صاحبته، ونوح ﵇ من ابنه لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:٣٧] يشغله عن شأن غيره. (٣) وفي الحديث (الصحيح) في أمر الشفاعة «أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق يقول: نفسي نفسي لا أسألك إلاّ نفسي، حتى إن عيسى بن مريم يقول: لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني» (٤).\nوَارْتَكَمَتْ سَحَائِبُ الأَهْوَالِ ... وَانْعَجَمَ الْبَلِيغُ فِي الْمَقَالِ\nوَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْقَيُّومِ ... وَاقْتُصَّ مِنْ ذِي الظُّلْمِ لِلْمَظْلُومِ\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» بنحوه (٣/ ٩٥٤)، ورواه الطبري في «تفسيره» (٨/ ٣٦٢ - ٣٦٣).\n(٢) رواه البغوي في «تفسيره» (٦/ ١٢٠) وفيه الوليد بن مسلم وحدّث عن رجل مبهم.\n(٣) انظر «تفسير البغوي» (٨/ ٣٤٠).\n(٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (٨/ ٣٢٥). وحديث الشفاعة في (الصحيحين) ولكن بلفظٍ مختلف.","vol":"4","page":368},{"text":"(وارتكمت) اجتمعت (سحائب الأهوال) جمع هول وهو الأمر الشديد الهائل المفظع (وانعجم) أسكت فلم يتكلم. (البليغ) الذي كان في الدنيا مقتدرًا على البلاغة والفصاحة (في المقال) قال الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [هود:١٠٥]، وقال تعالى: وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا [طه:١٠٨] وقال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ:٣٨] قال ابن عباس: وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ [طه:١٠٨]: سكنت فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا [طه:١٠٨] قال: تحريك الشفاه من غير منطق، وعنه: الهمس الصوت الخفي، وعنه هو وعكرمة ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد وغيرهم: الهمس نَقْلُ الأقدام إلى المحشر كأخفاف الإبل، وقال سعيد بن جبير: همسًا سر الحديث ووطء الأقدام فجمع بين القولين، وفي حديث الشفاعة «ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل» (١) الحديث. وَعَنَتِ الْوُجُوهُ ذلت وخضعت، ومنه قيل للأسير: عان. الْقَيُّومِ تضمين لمعنى قوله ﷿: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:١١١] وقال ابنُ عباس وغير واحد: خضعت وذلَّت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت القيوم الذي لا ينام وهو قيِّم على كل شيء يديره ويحفظه فهو الكامل في نفسه الذي كل شيء فقير إليه لا قوام له إلا به وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:١١١] قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله (٢)، والظلم هو الشِّرك. وقيل المراد بالظلم هنا العموم فيتناول الشرك وغيره من ظلم العبد نفسه وظلم العباد بعضهم بعضًا، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. وفي (الصحيحين): «إيَّاكم والظُّلم فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة» (٣) فعلى هذا المعنى ظلم دون ظلم وخيبة دون خيبة، والخيبة كل الخيبة لمن لقي الله وهو به مشرك، فإن الله تعالى: يقول إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:١٣] (واقتص من ذي الظلم) أي اقتص من الظالم (للمظلوم)، وقال تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:٤٠] وقال تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ – إلى قوله – وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ [غافر:١٧ – ٢٠] وقال تعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الزمر:٦٩] وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:٧٥] وقال تعالى: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر:٧٠] وغيرها من الآيات. وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب القصاص يوم القيامة، وهي الحاقَّة لأن فيها الثواب وحواقّ الأمور الحقة والحاقة واحد، والقارعة والغاشية والصارخة والتغابن غبن أهل الجنة أهل النار) ثم ساق بسنده حديث ابن مسعود قال النبي ﷺ: «أوَّل ما يقضى بين الناس بالدِّماء» (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٨٠٦) ومسلم (١٨٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) انظر: «تفسير البغوي» (٥/ ٢٩٦).\n(٣) رواه البخاري (٢٤٤٧)، ومسلم (٢٥٧٩) بدون قوله: (إياكم والظلم). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٤) رواه البخاري (٦٥٣٣)، ومسلم (١٦٧٨).","vol":"4","page":369},{"text":"وحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ كانت عنده مظلمةٌ لأخيه فليتحلله منها فإنَّه ليس ثمَّ دينارٌ ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإنْ لم يكن له حسنات أُخِذَ من سيئات أخيه فطرحت عليه» (١). وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخلص المؤمنون من النار، فيُحبسون على قنطرةٍ بين الجنة والنار، فيُقصُّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا. حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفسُ محمدٍ بيده لأحدهم أهدى بمنْزله في الجنة منه بمنْزله كان في الدنيا» (٢). وللترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلسُ فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع. قال رسولُ اللهِ ﷺ: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيقعد فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناتُهُ قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أُخِذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طُرح في النار» (٣) هذا حديث حسن صحيح. وله عنه ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لتؤدنَّ الحقوق إلى أهلها حتى تقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء» قال وفي الباب عن أبي ذر وعبد الله بن أنيس حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح (٤)، وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: «بلغني حديث عن رجل سمعه من النبي ﷺ، فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلًا فسرتُ عليه شهرًا حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبدالله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب. فقال: ابن عبدالله؟ قلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثٌ بلغني عنك أنَّك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص فخشيتُ أنْ تموت وأموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول ﷺ يقول: يحشر الله ﷿ الناس يوم القيامة – أو قال العباد – عراةً غرلًا بهما. قلت: وما بهمًا؟ قال: ليس معهم شيء. ثم يناديهم بصوتٍ يسمعه مَنْ بعُد كما يسمعه من قرُب: أنا الملك، أنا الديّان، لا ينبغي لأحَد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحدٍ من أهل الجنة حقٌ حتى أقضيه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حقٌ حتى أقضيه منه حتى اللطمة. قال: قلنا: كيف وإنَّما نأتي الله ﷿ حفاةً عراةُ غرلًا بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات» (٥) وقد أشار البخاري إلى هذا الحديث في مواضع من (صحيحه) تعليقًا ووصله في كتاب (خلق أفعال العباد). وروى عبدالله بن الإمام أحمد عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الجماء لتقتصُّ من القرناء يوم القيامة» (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٣٤).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٣٥).\n(٣) رواه الترمذي (٢٤١٨). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. والحديث رواه مسلم (٢٥٨١).\n(٤) رواه الترمذي (٢٤٢٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحديث رواه مسلم (٢٥٨٢).\n(٥) رواه أحمد (٣/ ٤٩٥) (١٦٠٨٥). وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن، وحسنه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٩٧٠). والحديث في (الصحيحين) عن عائشة وابن عباس ﵃.\n(٦) رواه أحمد (١/ ٧٢) (٥٢٠). وقال شعيب الأرناؤوط حسن لغيره .. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٥٢): رواه الطبراني في «الكبير» والبزار وعبد الله بن أحمد وفيه الحجاج بن نصير وقد وثق على ضعفه، وبقية رجال البزار رجال (الصحيح) غير العوام بن مزاحم وهو ثقة. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٥٨٨): الحديث صحيح.","vol":"4","page":370},{"text":"وروى ﵀ عن أبي هريرة ﵁ قال: «رأى رسولُ الله ﷺ شاتين ينتطحان فقال: أتدري ما ينتطحان يا أبا هريرة؟ قلت: لا. قال: لكنَّ الله يدري وسيحكم بينهما» (١).\nوَسَاوَتِ الْمُلُوكُ لِلأَجْنَادِ ... وَجِيءَ بِالْكِتَابِ وَالأَشْهَادِ\nوَشَهِدَتِ الأَعْضَاءُ وَالْجَوَارِحُ ... وَبَدَتِ السَّوْءَاتُ وَالْفَضَائِحُ\nوَابْتُلِيَتْ هُنَالِكَ السَّرَائِرْ ... وَانْكَشَفَ الْمَخْفِيُّ فِي الضَّمَائِرْ\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١٦٢) (٢١٤٧٦). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٥٢): رواه كله أحمد والبزار بالرواية الأولى وكذلك الطبراني في «المعجم الأوسط»، وفيها ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجال أحمد رجال (الصحيح) غير شيخه ابن عائشة وهو ثقة، ورجال الرواية الثانية رجال (الصحيح) وفيها راو لم يسم. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٤٦٦): وهذا إسناد صحيح عندي، فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الأشياخ الذين لم يسموا وهم جمع من التابعين، يغتفر الجهل بحالهم لاجتماعهم على رواية هذا الحديث، ولا يخدج في ذلك قوله في الرواية الأولى: أشياخ له فإنه لا منافاة بين الروايتين لأن الأقل يدخل في الأكثر، وزيادة الثقة مقبولة.","vol":"4","page":371},{"text":"(وساوت الملوك) العظماء الرؤساء الكبراء (للأجناد) الرعايا، أي صاروا سواء في ذلك الموقف مشتركين في هوله الفظيع وكربه الشديد إلا من ﵀، وليس لأحد منهم مقال، ولا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا، ولا ضرًا، كل امرئٍ بما كسب رهين، قال الله تعالى: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:٤]، وقال تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ [الحج:٥٦]، وقال تعالى: يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:١٦]، وقال تعالى: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار:١٩] وغير ذلك من الآيات. قال ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:٤] يقول لا يملك أحدٌ معه في ذلك اليوم حكمًا كملكهم في الدنيا. قال ويوم الدين يوم الحساب للخلائق وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم. إنْ خيرًا فخيرًا وإنْ شرًا فشر، إلاّ من عفا عنه وقال البغوي في قوله ﷿: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان:٢٦]: أي الملك الذي هو الملك الحق ملك الرحمن يوم القيامة. وقال ابن عباس ﵁: يريد أن يوم القيامة لا ملك يقضي غيره، وفي الحديث (الصحيح) «يقبض الله تعالى: الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض» (١) وفي لفظ «أين الجبارون أين المتكبرون» (٢). وقال قتادة يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار:١٩] والأمر والله اليوم لله، ولكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد. وقال البغوي: يوم لا يُمَلّك الله في ذلك اليوم أحدًا من خلقه شيئًا كما ملكهم في الدنيا. (وجيءَ بالكتاب والأشهاد) قال الله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [الكهف:٤٩]، وقال تعالى: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء [الزمر:٦٩]، وقال تعالى: لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:١٤٣]، وقال تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا [النساء:٤١]، وقال تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [النحل:٨٤]، إلى قوله: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء [النحل:٨٩]، وقال تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ [القصص:٧٤ – ٧٥] الآية، وقال تعالى: وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:٢١] وغير ذلك من الآيات. وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا يوسفُ بنُ راشدٍ حدثنا جريرُ وأبو أسامة – واللفظ لجرير – عن الأعمش عن أبي صالح. وقال أبو أسامة: حدثنا أبو صالح عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «يُدعى نوحٌ يوم القيامة فيقول: لبيَّكَ وسعديْكَ يا رب، فيقول: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧).\n(٢) رواه مسلم (٢٧٨٨).","vol":"4","page":372},{"text":"فيقال لأمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: مَنْ يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ ﷺ وأمته. فتشهدون أنَّه قد بلَّغ، ويكون الرسولُ عليكم شهيدًا، فذلك قوله جل ذكره وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:١٤٣]». والوسط: العدل (١). ورواه أحمدٌ وأصحاب (السنن). ورواه الإمام أحمد أيضًا بلفظ «يجيء النبيُّ يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرَّجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلَّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلَّغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال: مَنْ يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد ﷺ وأمته فيقال لهم: هل بلَّغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما عِلْمُكم؟ فيقولون جاءنا نبينا ﷺ فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا. فذلك قوله ﷿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا قال عدلًا: لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:١٤٣] (٢»). وفي (الصحيحين) عن ابن مسعود ﵁ قال: «قال لي رسولُ اللهِ ﷺ: اقرأ عليَّ. فقلتُ: يا رسولَ الله أقرأ عليك وعليك أُنزِل؟ قال: نعم، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أسمعه من غيري. فقرأتُ سورةَ النِّساء حتى أتيت هذه الآية فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا [النساء:٤١] فقال: حَسْبُك الآن. فإذا عيناه تذرفان» (٣). قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والفتيل والقطمير والصغير والكبير فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [الكهف:٤٩] أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمالنا، مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا [الكهف:٤٩] أي: لا يترك ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا ولا عملًا وإن صغر إلا أحصاها أي ضبطها وحفظها. وروى البغوي بإسناده عن سهل بن سعد قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إِيَّاكُم ومُحقِّرات الذُّنوب، فإِنَّما مثل محقِّرات الذنوب مثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء هذا بعودٍ وجاء هذا بعودٍ وجاء هذا بعودٍ فأنضجوا خبزتهم، وإِنَّ محقِّرات الذنوب لموبقات» (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٨٧).\n(٢) رواه ابن ماجه (٤٢٨٤)، وأحمد (٣/ ٥٨) (١١٥٧٥) واللفظ له. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٤٤٨)، وشعيب الأرناؤوط في تحقيقه لـ «مسند أحمد»: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.\n(٣) رواه البخاري (٥٠٥٠)، ومسلم (٨٠٠).\n(٤) رواه البغوي في «تفسيره» (٥/ ١٧٧). والحديث رواه أحمد (٥/ ٣٣١) (٢٢٨٦٠)، والطبراني (٦/ ١٦٥) بلفظ: (متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) بدلًا من (لموبقات). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٩٠): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الثلاثة من طريقين ورجال إحداهما رجال (الصحيح) غير عبد الوهاب بن عبد الحكم وهو ثقة. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٨٩): وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وهو عند أحمد ثلاثي.","vol":"4","page":373},{"text":"وقوله وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [الكهف:٤٩] كقوله ﷿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ [آل عمران:٣٠]، وقوله ﷿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ [التكوير:١٤]، وقوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:٥]، وقوله تعالى: يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة:١٣] وغيرها من الآيات. وقوله تعالى: وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [القصص:٧٥] قال البغوي: يعني رسولهم الذي أرسل إليهم وهو قول مجاهد، وروى ابن جرير عن عثمان بن عفان أنه خطب فقرأ هذه الآية وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:٢١] فقال: سائق يسوقُها إلى اللهِ تعالى: وشاهِدٌ يشهد عليها بما عملت، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: السائِقُ الملك والشهيد العمل (٢) وكذا قال الضحاك والسدّي، وقال ابن عباس ﵄: السائق من الملائكة والشهيد الإنسان نفسه يشهد على نفسه (٣). وقوله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ أضاءت بِنُورِ رَبِّهَا بنور خالقها، ذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، فما يتضارون في نوره كما لا يتضارون في الشمس في اليوم الصحو، قاله البغوي (٤). والحديث «لا يتضارون في رؤيته» (٥). وَوُضِعَ الْكِتَابُ قال قتادة: كتاب الأعمال. وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ قال ابن عباس ﵄: (يشهدون على الأمم أنهم بلغوهم رسالات الله إليهم) (٦). وَالشُّهَدَاءِ أي من الملائكة الحفظة على أعمال العباد قال ذلك عطاء، ويدل عليه قوله تعالى: وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:٢١] قال ابن عباس: «يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وهم أمة محمد ﷺ» (٧). ويدل على ذلك قوله تعالى: لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ [البقرة:١٤٣] وقال مجاهد في قوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:٥١] يعني: الملائكة، قال البغوي: يشهدون للرُّسلِ بالتبليغ وعلى الكفار بالتَّكْذيب. (وشهدت) على كل جاحد (الأعضاء) أعضاؤه (والجوارح) عطف تفسير، قال تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:٦٥] الآيات، وقال تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ [فصلت:١٩ – ٢٣] الآيات وغيرها.\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» (٢٢/ ٣٤٨).\n(٢) انظر: «تفسير ابن أبي حاتم» (١٠/ ٣٣٠٨).\n(٣) انظر: «تفسير الطبري» (٢٢/ ٣٤٨).\n(٤) انظر: «تفسير البغوي» (٧/ ١٣٢).\n(٥) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (٢٩٦٨). بلفظ: (لا تضارون في رؤية ربكم). من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄.\n(٦) انظر: «تفسير البغوي» (٨/ ٣٩)، و«تفسير ابن كثير» (٧/ ١١٨).\n(٧) انظر: «تفسير البغوي» (٧/ ١٣٢).","vol":"4","page":374},{"text":"وروى مسلم والنسائي وابن أبي حاتم عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كُنَّا عند النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال رسولُ الله ﷺ: أتدرون مِمَّ أضحك؟ قلنا: اللهُ ورسوله أعلم. قال ﷺ: مِنْ مجادلة العبد ربَّه يوم القيامة، يقول: ربِّ ألم تُجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: لا أجيزُ على نفسي إلاّ شاهدًا مني. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا، وبالكرام الكتاب شهودًا، فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعدًا وسحقًا فعنكنَّ كنت أناضِلُ» (١). وروى عبدالرزاق أخبرنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «إِنَّكم تدعون مفدمًا على أفواهكم بالفدام، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفه» ورواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبدالرزاق به. (٢) وله هو ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ في حديث القيامة الطويل قال فيه: «ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول ههنا إذا، قال ثم يقال له الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه» (٣).وهذا والله أعلم يتضمن بيان قول الله تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة:١٨] الآية، وروى ابن جرير وابنُ أبي حاتم وأحمد رحمهم الله تعالى: عن عقبة بن عامر ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقولُ: «إنَّ أوَّل عظم من الإنسان يتكلم يوم يُختم على الأفواهِ فخذه من الرجل اليسرى» وفي رواية أحمد: «مِنَ الرَّجْل الشمال» (٤). وروى ابن جرير عن حميد بن هلال قال: قال أبو بردة قال أبو موسى الأشعري ﵁: (يُدعى المؤمنُ للحساب يوم القيامة فيعرض عليه ربُّه عمله فيما بينه وبينه فيعترفُ فيقول: نعم. أي ربِّ عملت عملت عملت قال فيغفر الله له ذنوبه ويستره منها قال: فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئًا، وتبدو حسناته فودَّ أن الناس كلهم يرونها. ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرضُ عليه ربُّه عمله فيجحد ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب عليَّ هذا الملكُ ما لم أعمل. فيقولُ له الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك أي رب ما عملتُهُ. فإذا فعل ذلك ختم الله تعالى: على فيه.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٦٩)، وابن أبي حاتم (١٠/ ٨١).\n(٢) رواه عبدالرزاق في المصنف (١١/ ١٣٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٥١).\n(٣) رواه مسلم (٢٩٦٨).\n(٤) رواه أحمد (٤/ ١٥١) (١٧٤١٢)، والطبري في «تفسيره» (٢٠/ ٥٤٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣١٩٨). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٥١): رواه أحمد والطبراني وإسنادهما جيد. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» بعد حديث (٢٧١٣): أخرجه أحمد ... وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، فهو صحيح لولا شيخ الحضرمي، فإنه لم يسم. وعلّق على كلام الهيثمي قائلًا: فهو غير جيد. ثم قال على إسناد الطبري: فهذا إسناد صحيح إن كان شريح سمعه من عقبة، فقد اختلفوا في سماعه من أحد من الصحابة.","vol":"4","page":375},{"text":"قال أبو موسى الأشعري ﵁: فأنا أحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى ثم تلا الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:٦٥]) (١). وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ أنه قال لابن الأزرق: «إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين، لا ينطقون، ولا يعتذرون، ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم، ثم يؤذن لهم فيختصمون فيجحد الجاحد بشركهِ بالله تعالى: فيحلفون له كما يحلفون لكم فيبعث الله تعالى: عليهم حين يجحدون شهداءَ من أنفسهم جلودَهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم ويختم على أفواههم ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح فتقول أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت:٢١] فتقر الألسنة بعد الجحود» (٢)، وروي أيضًا عن رافع أبي الحسن قال: وصف رجلًا قال فيشير اللهُ تعالى: إلى لسانه فيربو في فمه حتى يملأه فلا يستطيعَ أن ينطِقَ بكلمةٍ، ثم يقول لآرابِهِ تكلمي واشهدي عليه فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده وفرجه ويداه ورجلاه: صنعنا عملنا فعلنا (٣) وله أيضًا عن جابر بن عبدالله ﵄. قال: لما رَجَعْت إلى رسول الله ﷺ مهاجرةُ البحر قال: «ألا تحدِّثون بأعاجيب ما رأيتم بأرضِ الحبشة فقال فتيةٌ منهم: بلى يا رسول الله، بينما نحنُ جلوس إذ مرت علينا عجوزٌ من عجائز رهابينهم تحمل على رأسِها قُلَّة من ماءٍ، فمرَّت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرَّت على ركبتيها فانكسرت قُلَّتُها، فلمَّا ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسيَّ وجمع الأولين والآخرين وتكلَّمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا. قال يقولُ رسول الله ﷺ: صَدَقَتْ صدقت كيف يقدِّسُ اللهُ تعالى: قومًا لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم» (٤)، ورواه ابن أبي الدنيا (٥). وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا الصلت بن محمد حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن منصور عن مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ [فصلت:٢٢] الآية: كان رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش في بيتٍ، فقال بعضهم لبعضٍ: أترون أنَّ الله يسمع حديثنا؟ قال بعضُهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله. فأنزلت وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ [فصلت:٢٢]» (٦) الحديث. (وابتليت) أي اختبرت (هنالك) الإشارة إلى موقف القيامة العظيم، وهَوْله الجسيم (السرائر) جمع سريرة وهي ضد العلانية (وانكشف المخفي) المستور (في الضمائر) إشارة إلى قول الله ﷿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:٩] قال البغوي رحمه الله تعالى: وذلك يوم القيامة تبلى السرائر تظهر الخفايا. قال قتادة ومقاتل: تختبر. قال عطاء بن أبي رباح: السرائرُ فرائض الأعمال كالصوم والصلاة والوضوء والاغتسال من الجنابة فإنها سرائر بين الله تعالى وبين العبد، فلو شاءَ العبد لقال: صمت ولم يصم، وصليت ولم يصل، واغتسلت ولم يغتسل، فيختبر حتى يظهر من أداها ممن ضيعها، قال ابن عمر ﵄: (يُبدي الله ﷿ يوم القيامة كُلَّ سر، فيكون زينًا في وجوه وشينًا في وجوه، يعني من أدَّاها كان وجهه مشرقًا ومن ضيعها كان وجهه أغبر) (٧) وفي (الصحيح) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يُرْفع لكلِّ غادر لواء عند استه يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان» (٨) عياذًا بالله من ذلك. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ٩٩٨\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٠/ ٥٤٤). ورواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣١٩٩).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣٢٧٢).\n(٣) رواه ابن المبارك في «الزهد» (١/ ١٢٥).\n(٤) رواه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٧٢). والحديث رواه ابن ماجه (٤٠١٠). قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٤/ ١٨٣): هذا إسناد حسن سويد مختلف فيه. وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٤٢): جميع رجاله احتج بهم مسلم في (صحيحه). وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٤١٧): له شاهد. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن.\n(٥) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «الأهوال» (٢٣٥).\n(٦) رواه البخاري (٤٨١٦). والحديث رواه مسلم (٢٧٧٥).\n(٧) انظر: «تفسير البغوي» (٨/ ٣٩٤ - ٣٩٥).\n(٨) غير موجود في (الصحيح) بتمام هذا اللفظ، وانظر البخاري (٦١٧٧) ومسلم (١٧٣٥). من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"4","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1293>المطلب الأول: قبض الأرض وطي السماء</span>\nيقبض الحق تبارك الأرض بيده في يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه كما قال ﵎: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:٦٧]، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض» (١). وهذا القبض للأرض والطي للسموات يقع بعد أن يفني الله خلقه. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٠٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧).","vol":"4","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1294>المطلب الثاني: دك الأرض ونسف الجبال</span>\nيخبرنا ربنا ﵎ أن أرضنا الثابتة وما عليها من جبال صم راسية تحمل في يوم القيامة عندما ينفخ في الصور فتدك دكة واحدة: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [الحاقة: ١٣ - ١٥]، كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١]، وعند ذلك تتحول هذه الجبال الصلبة القاسية إلى رمل ناعم، كما قال تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا [المزمل:١٤]، أي: تصبح ككثبان الرمل بعد أن كانت حجارة صماء، والرمل المهيل: هو الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده، يقال: أهلت الرمل أهيله هيلًا، إذا حركت أسفله حتى انهال من أعلاه. وأخبر في موضع آخر أن الجبال تصبح كالعهن وهو الصوف كما قال تعالى: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ [القارعة:٥]، وفي نص آخر: مثلها بالصوف المنفوش: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:٥]. ثم إن الله ﵎ يزيل هذه الجبال وعبر القرآن عن إزالتها مرة بتسييرها ومرة بنسفها: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:٣]، وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ [المرسلات:١٠].ثم بين الحق حال الأرض بعد تسيير الجبال ونسفها: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً [الكهف:٤٧]، أي: ظاهرة لا ارتفاع فيها ولا انخفاض، كما قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:١٠٥ - ١٠٧]. القيامة الكبرى لعمر الأشقر - ص١٠٢","vol":"4","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1295>المطلب الثالث: تفجير البحار وتسجيرها</span>\nأما هذه البحار ... فإنها تفجر في ذلك اليوم ... وتشتعل نارًا، قال تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار:٣]، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير:٦]. القيامة الكبرى لعمر الأشقر ص١٠٤","vol":"4","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1296>المطلب الرابع: موران السماء وانفطارها</span>\nأما سماؤنا فإنها تمور مورانًا وتضطرب اضطرابًا عظيمًا قال تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا [الطور: ٩]، ثم إنها تنفطر وتتشقق إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار: ١]، إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ١ - ٢] وعند ذلك تصبح واهية وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة:١٦]. القيامة الكبرى لعمر الأشقر - ص١٠٤","vol":"4","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1297>المطلب الخامس: تكوير الشمس وخسوف القمر وتناثر النجوم</span>\nفإن الشمس تكور ويذهب ضوؤها كما قال تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير: ١] والتكوير عند العرب جمع الشيء بعضه على بعض ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها على بعض وإذا جمع بعض الشمس على بعض ذهب ضوؤها ورمى بها. أما القمر فإنه يخسف ويذهب ضوؤه فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ [القيامة: ٧ - ٨] أما تلك النجوم المتناثرة فإن عقدها ينفرط فتتناثر وتنكدر وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ [الانفطار:٢]، وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ [التكوير:٢]. القيامة الكبرى لعمر الأشقر - ص١٠٥","vol":"4","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1299>تمهيد:</span>\nالشفاعة من الأمور التي ثبتت بالكتاب والسنة، وأحاديثها متواترة؛ قال تعالى:\nمَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [البقرة:٢٥٥] فنفي الشفاعة بلا إذن إثباتٌ للشفاعة من بعد الإذن.\nقال تعالى: عن الملائكة: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى [النجم:٢٦]. فبيَّن الله الشفاعة الصحيحة، وهي التي تكون بإذنه، ولمن يرتضي قوله وعمله. شرح العقيدة الواسطية للهراس - ص ٢١٥","vol":"4","page":382},{"text":"وقد أنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثمَّ إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب. وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة وغيرهم فيقرّون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أن الله يخرج من النار قومًا بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم، يخرجهم بشفاعة محمد ﷺ ويخرج آخرين بشفاعة غيره، ويخرج قومًا بلا شفاعة. واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:٤٨] وبقوله: وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:١٢٣] وبقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:٢٥٤] وبقوله: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:١٨] وبقوله: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:٤٨]. وجواب أهل السنّة أن هذا لعله يراد به شيئان: أحدهما: أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى في نعتهم: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:٤٢ - ٤٨] فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارًا. والثاني: أنه يراد بذلك نفي الشفاعة التي أثبتها أهل الشرك، ومن شابههم من أهل البدع، من أهل الكتاب والمسلمين، الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل المشفوع إليه شفاعة الشافع لحاجته إليه رغبة ورهبة، كما يعامل المخلوقُ المخلوق بالمعاوضة. فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها ويقولون: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يُتوَسل إلى الملوك بخواصِّهم لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم، فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة.","vol":"4","page":383},{"text":"فأنكر الله هذه الشفاعة فقال تعالى: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [البقرة:٢٥٥]، وقال: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى [النجم:٢٦] وقال عن الملائكة: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:٢٦ - ٢٨] وقال: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:٢٢ - ٢٣] وقال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:١٨] وقال تعالى: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام:٥١] وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة:٤] وقال تعالى: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] وقال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:٩٤] وقال تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:٤٣ - ٤٥] وقال تعالى: وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه:١٠٨ - ١٠٩] وقال صاحب يس: وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [يس:٢٢ - ٢٥]. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ص ١٢","vol":"4","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1301>المطلب الأول: معنى الشفاعة في اللغة</span>\nالشفاعة في لغة العرب مشتقة من الشفع الذي هو غير الوتر، أي أن الشفع هو الزوج الذي هو عكس الوتر عند الإطلاق، تقول: أعطيتك كتابًا ثم شفعته بآخر، أي صار ما معك زوجًا بعد أن كان وترًا، قال ابن منظور: (شفع الوتر من العدد شفعًا: صيره زوجًا) (١).\nوالمشفع – بكسر الفاء – هو الذي يقبل الشفاعة.\nوالمشفع – بفتح الفاء – هو الذي يقبل شفاعته.\nقال ابن الأثير في (النهاية): (قد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم، يقال: شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع، والمشفع الذي يقبل الشفاعة والمشفع الذي تقبل شفاعته) (٢).\nوعرفها اللقاني بأنها في اللغة هي: (الوسيلة والطلب) (٣).\nومن المشفع أخذت تسمية الشفعة التي هي الزيادة: لأن من حقت له الشفعة زاد في ماله ذلك المشفوع؛ فيصير ما معه شفعًا، وكأن ما حصل معه من الملك قبل الشفعة وترًا، وبعد أخذ المشفوع صار شفعًا.\nوفي هذا يقول ابن الأثير: (الشفعة في الملك معروفة، وهي مشتقة من الزيادة، لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه) (٤).\nوقال الراغب: (الشفع ضم الشيء إلى مثله)، قال: (والشفعة: هو طلب مبيع في شركته بما بيع به ليضمه إلى ملكه، وهو من الشفع) (٥). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٨٠\n_________\n(١) «لسان العرب» (٨/ ١٨٣).\n(٢) «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٢/ ٤٨٥).\n(٣) «شرح جوهرة التوحيد» (١٨٦).\n(٤) «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير (٢/ ٤٨٥).\n(٥) «المفردات» (ص: ٢٦٣).","vol":"4","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1302>المطلب الثاني: معنى الشفاعة في الشرع</span>\nمعاني الشفاعة الشرعية متقاربة مع معانيها اللغوية، وذلك لأن الشفاعة في اللغة يراد بها معانيها اللغوية من انضمام شيء إلى شيء آخر، وزيادته في شيء مخصوص، وأما في الشرع فهي التي يراد بها معناها الواضح الذي ورد به الشرع، مخبرًا عنه ومبينًا أمره، مما يحصل في الدار الآخرة، وهي: طلب الرسول محمد ﷺ – أو غيره – من الله في الدار الآخرة حصول منفعة لأحد من الخلق.\nويدخل تحت هذا التعريف جميع أنواع الشفاعات الخاصة بنبينا محمد ﷺ وغيره، كالشفاعة العظمى وهي طلب الرسول محمد ﷺ من ربه إراحة الناس من الموقف بمجيئه لفصل القضاء، ويدخل كذلك شفاعته ﷺ في دخول أهل الجنة الجنة، وشفاعته في تخفيف العذاب عن أبي طالب، وشفاعة الشفعاء في رفع الدرجات في الجنة، وكذا الشفاعة في إخراج قوم من النار، وإدخالهم الجنة. الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ٢٨٣","vol":"4","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1303>المبحث الثاني: شروط الشفاعة</span>\nوأما الشفاعة والدعاء، فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا، فلا شفيع أعظم من محمد ﷺ، ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:٤١]. وقد كان ﷺ أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداءً بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:١١٣] ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ [التوبة:١١٤ - ١١٥]. وثبت في (صحيح البخاري) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب أنت وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله ﷿: إني حرّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: انظر ما تحت رجليك فينظر، فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار» (١). فهذا لما مات مشركًا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره، وقد قال تعالى للمؤمنين: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الممتحنة:٤ - ٥] فقد أمر الله تعالى: المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه، إلا في قول إبراهيم لأبيه: لأستغفرنَّ لك فإن الله لا يغفر أن يشرك به. وكذلك سيد الشفعاء محمد ﷺ، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» (٢). وفي رواية أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» (٣). وثبت عن أنس في (الصحيح) «أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار. فلما قفّى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار» (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٥٠).\n(٢) رواه مسلم (٩٧٦).\n(٣) رواه مسلم (٩٧٦).\n(٤) رواه مسلم (٢٠٣).","vol":"4","page":387},{"text":"وثبت أيضًا في (الصحيح) عن أبي هريرة: لما أنزلت هذه الآية: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:٢١٤] دعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا فعم وخص فقال: «يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عَبْد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحما سأبُلُّها ببلالها» (١). وفي رواية عنه: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية - عمة رسول الله - لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا» (٢). وعن عائشة لما نزلت: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم» (٣). وعن أبي هريرة قال: «قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء يقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك» (٤). أخرجاه في (الصحيحين). وزاد مسلم «لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك» (٥). وفي (البخاري) عنه أن النبي ﷺ قال: «ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يُعار فيقول يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولا يأتي أحدكم ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغت» (٦). وقوله هنا ﷺ لا أملك لك من الله شيئًا كقول إبراهيم لأبيه: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ [الممتحنة:٤]. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ص ٧\nللشفاعة شرطان، هما:\n١ - الإذن من الله، لقوله: أَن يَأْذَنَ اللَّهُ.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٠٤).\n(٢) رواه البخاري (٤٧٧١)، ومسلم (٣٥١).\n(٣) رواه مسلم (٢٠٥).\n(٤) رواه البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١).\n(٥) رواه مسلم (١٨٣١).\n(٦) رواه البخاري (١٤٠٢).","vol":"4","page":388},{"text":"٢ - رضاه عن الشافع والمشفوع له، لقوله: وَيَرْضَى، وكما قال تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]، فلا بد من إذنه تعالى: ورضاه عن الشافع والمشفوع له، إلا في التخفيف عن أبي طالب، وقد سبق ذلك. وهذه الآية في سياق بيان بطلان ألوهية اللات والعزى، قال تعالى: بعد ذكر المعراج وما حصل للنبي ﷺ فيه: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: ١٨]، أي: العلامات الدالة عليه ﷿، فكيف به سبحانه؟! فهو أكبر وأعظم. ثم قال: أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم: ١٩، ٢٠]، وهذا استفهام للتحقير، فبعد أن ذكر الله هذه العظمة قال: أخبروني عن هذه اللات والعزى ما عظمتها؟ وهذا غاية في التحقير، ثم قال: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى وَكَم مِّن مَّلَكٍ .... الآية [النجم: ٢١ - ٢٦]. فإذا كانت الملائكة وهي في السماوات في العلو لا تغني شفاعتهم إلا بعد إذنه تعالى: ورضاه، فكيف باللات والعزى وهي في الأرض؟! ولهذا قال: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ [النجم:٢٦]، مع أن الملائكة تكون في السماوات وفي الأرض، ولكن أراد الملائكة التي في السماوات العلى، وهي عند الله - سبحانه -، فحتى الملائكة المقربون حملة العرش لا تغني شفاعتهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٤٢٢\nقال الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في شرح هذين البيتين من منظومته (سلم الوصول):\nكَذَا لَهُ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى كَمَا ... قَدْ خَصَّهُ اللهُ بِهَا تَكَرُّمَا\nمِنْ بَعْدِ إِذْنِ اللهِ لاَ كَمَا يَرَى ... كُلُّ قُبُورِيٍّ عَلَى اللهِ افْتَرَى","vol":"4","page":389},{"text":"قال: (كذا له) لنبينا ﷺ (الشفاعة العظمى) يوم القيامة، وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا [الإسراء: ٧٩] ولذا قلنا (قد خصه الله بها) بالشفاعة (تكرمًا) منه ﷿ عليه ﷺ وعلى أمته به كما في (الصحيح) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النَّبيّ ﷺ قال «أُعطيتُ خمسًا لم يُعْطَهنَّ أَحَدٌ قبلي: نُصِرْتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجعلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأَيَّما رجلٍ من أُمَّتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلّ لأحدٍ قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبيُّ يُبْعَثُ إلى قومه خاصَّةً وبعثت إلى الناس عامة» (١) وفيه عنه ﵁ عن النَّبيّ ﷺ «لكلِّ نبيٍّ دعوة قد دعا بها في أُمَّته، وخبأت دعوتي شفاعة لأُمَّتي يوم القيامة» (٢)، وفيه عن أنسٍ ﵁ أَنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ قال «لكلِّ نبي دعوةٌ دعاها لأُمَّته، وإِنِّي اختبأت دعوتي شفاعةً لأُمَّتي يوم القيامة» (٣). وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ «لكلِّ نبيّ دعوةٌ مستجابة، فتعجَّل كل نبيٍّ دعوته، وإِنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعة لأُمَّتي يوم القيامة فهي نائلةٌ إِنْ شاء الله تعالى من مات من أُمَّتي لا يشرك بالله شيئًا» (٤).\nوفيه عن عبد الله بن عمرو ﵁ أَنَّ النَّبيّ ﷺ تلا قول الله ﷿ في إبراهيم رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦] وقال عيسى ﵇: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فرفع يديه وقال: اللهم أُمَّتي، وبكى، فقال الله ﷿: يا جبريل اذهب إلى محمد – وربك أعلم – فسلْه: ما يبكيك. فأتاه جبريلُ ﵇ فسأله، فأخبره رسولُ اللهِ ﷺ بما قال – وهو أعلم – فقال اللهُ تعالى: يا جبريلُ اذهب إلى محمد فقل: إِنَّا سنرضيك في أُمَّتك ولا نسوؤك» (٥). وفيه عنه ﵁ أَنَّه سمع النَّبيّ ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ فإِنّه من صلى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإِنَّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سألَ الله لي الوسيلة حلَّت له الشَّفاعة» (٦).\nوفيه عن جابر بن عبد الله ﵄ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال «من قال حين يسمع النداء: اللَّهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة» (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٥) ومسلم (٥٢١).\n(٢) رواه مسلم (٢٠١).\n(٣) رواه مسلم (٢٠٠).\n(٤) رواه مسلم (١٩٩).\n(٥) رواه مسلم (٢٠٢).\n(٦) رواه مسلم (٣٨٤).\n(٧) رواه البخاري (٦١٤).","vol":"4","page":390},{"text":"وتلك الشفاعة لا تكون إلا من بعد إذن الله ﷿، سواء في ذلك شفاعة نبينا ﷺ وشفاعة من دونه، وذلك الإذن يتعلق بالشافع والمشفوع فيه، وبوقت الشفاعة، فليس يشفع إلا من أذن الله له في الشفاعة، وليس له أن يشفع إلا بعد أن يأذن الله له، وليس له أن يشفع إلا فيمن أذن الله تعالى له أن يشفع فيه، كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] مَا مِنْ شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: ٣] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣] وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦] قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: ٤٤] وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦] لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم: ٨٧] لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ: ٣٨] يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه: ١٠٩] وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى في الكفار: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨] مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨]، وقال عنهم: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: ١٠٠]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]. وسيأتي في ذكر الأحاديث مراجعة الرسل الشفاعة بينهم حتى تنتهي إلى نبينا ﷺ وأنه يأتي فيستأذن ربه ﷿، ثم يسجد ويحمده بمحامد يعلمه تعالى إياها، ولم يزل كذلك حتى يؤذن له ويقال: ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع، وأنه يحد له حدًا فيدخلهم الجنة ثم يرجع كذلك، وفي كل مرة يستأذن ويدعو حتى يؤذن له ويحد له حدًا حتى ينجو جميع الموحدين، وهكذا كل شافع بعده يسأل الشفاعة من مالكها حتى يؤذن له، إلى أن يقول الشفعاء لم يبق إلا من حبسه القرآن وحق عليه الخلود. والمقصود أن الشفاعة ملك لله ﷿ ولا تسأل إلا منه، كما لا تكون إلا بإذنه للشافع في المشفوع حين يأذن في الشفاعة.\n(لا كما يرى كل قُبُوري) نسبة إلى القبور لعبادته أهلها (على الله افترى) في ما ينسبه إلى أهل القبور ويضيفه إليهم من التصرفات التي هي ملك لله ﷿ لا يقدر عليها غيره تعالى ولا شريك له فيها، ورتبوا على ذلك صرف العبادات إلى الأموات ودعاءهم إياهم والذبح والنذر لهم دون جبار الأرض والسموات، وسؤالهم منهم قضاء الحاجات ودفع الملمات، وكشف الكربات والمكروهات معتقدين فيهم أنهم يسمعون دعاءهم ويستطيعون إجابتهم. وقد تقدم كشف عوارهم وهتك أستارهم بما يشفي ويكفي ولله الحمد والمنة. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ١٠٦٢","vol":"4","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1304>المبحث الثالث: أنواع الشفاعة: (الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية)</span>\nأقسام الشفاعة الثابتة\n١ - الشفاعة العظمى.\n٢ - الشفاعة في دخول المؤمنين الجنة.\n٣ - الشفاعة لرفع درجات أهل الجنة.\n٤ - الشفاعة لقوم استحقوا النار أن لا يدخلوها.\n٥ - الشفاعة في أهل الكبائر.\n٦ - شفاعة الرسول ﷺ لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه.\n٧ - الشفاعة لأقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب.\n٨ - شفاعة الرسول ﷺ لأهل المدينة المنورة.\nومن هذه الشفاعات ما هو خاص بالرسول ﷺ، ومنها ما يكون له وللأنبياء الآخرين عليهم الصلاة والسلام، ومنها ما يكون لخواص الخلق. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٢٩٩\nأقوال الناس في الشفاعة والقول الحق في ذلك، والحديث المفصل عن الشفاعة","vol":"4","page":392},{"text":"وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق: طرفان، ووسط. فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب، كالنصارى، ومبتدعة هذه الأمة: أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن. والخوارج والمعتزلة: أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر من أمته. بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه. وأنكروا الشفاعة بقوله تعالى: من قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ [البقرة:٢٥٤] وبقوله تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:١٨] ونحو ذلك. وأما سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي ﷺ، من شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وغير ذلك من أنواع شفاعاته، وشفاعة غيره من النبيين والملائكة. وقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، وأقروا بما جاءت به السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، والصدقة عنه، بل والصوم عنه في أصح قولي العلماء. كما ثبتت به السنة الصحيحة الصريحة، وما كان في معنى الصوم. وقالوا: إن الشفيع يطلب من الله ويسأل، ولا تنفع الشفاعة إلا بإذنه، قال تعالى: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [البقرة:٢٥٥] وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:٢٨] وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى [النجم:٢٦]. وقد ثبت في (الصحيح)، أن سيد الشفعاء ﷺ إذا طلبت الشفاعة منه بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فيردونها إلى محمد ﷺ، العبد الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- قال: «فأذهب إلى ربي، فإذا رأيته خررت له ساجدا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي، لا أحسنها الآن فيقول لي: أي محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع وسل تعطه، واشفع تشفع، قال: فأقول: رب أمتي أمتي، فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة» (١). وقال تعالى: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:٥٦ - ٥٧]. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون العزير والمسيح والملائكة فأنزل الله هذه الآية، وقد أخبر فيها أن هؤلاء المسؤولين يتقربون إلى الله ويردون رحمته، ويخافون عذابه. وقد ثبت في (الصحيح) أن أبا هريرة قال: «يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة قال: يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك، لما رأيته من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله» (٢). فكلما كان الرجل أتم إخلاصا لله، كان أحق بالشفاعة، وأما من علق قلبه بأحد من المخلوقين، يرجوه ويخافه، فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة. فشفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بإعانة الشافع للمشفوع له، بغير إذن المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه، وإما لخوفه منه، فيحتاج إلى أن يقبل شفاعته. والله تعالى: غني عن العالمين وهو وحده سبحانه يدير العالمين كلهم، فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع في الشفاعة.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٥١٠). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٩٩).","vol":"4","page":393},{"text":"وهو يقبل شفاعته، كما يلهم الداعي الدعاء، ثم يجيب دعاءه فالأمر كله له. فإذا كان العبد يرجو شفيعا من المخلوقين، فقد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة، ولا يقبل شفاعته. وأفضل الخلق: محمد ﷺ، ثم إبراهيم ﵉. وقد امتنع النبي ﷺ، أن يستغفر لعمه أبي طالب، بعد أن قال: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» (١). وقد صلى على المنافقين ودعا لهم فقيل له: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ [التوبة:٨٤] وقيل له أولا: إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ [التوبة:٨٠] فقال: «لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر لهم لزدت» (٢) فأنزل الله: سَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون:٦]. وإبراهيم: قال الله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ [هود:٧٤ - ٧٦]. ولما استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه، بعد وعده بقوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:٤١] قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [الممتحنة:٤] وقال تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة:١١٣ - ١١٤]. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية٢/ ٨٣٠\nقال الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في شرح منظومته:\nيَشْفَعُ أَوَّلًا إِلَى الرَّحْمَنِ فِي ... فَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ\nمِنْ بَعْدِ أَنْ يَطْلُبَهَا النَّاسُ إلَى ... كُلِّ أُولِي الْعَزْمِ الْهُدَاةِ الْفُضَلاَ\nهذه الشفاعة الأولى لنبينا محمد ﷺ، وهي أعظم الشفاعات، وهي المقام المحمود الذي ذكر الله ﷿ له ووعده إياه وأمرنا رسول الله ﷺ أن نسأل الله إياه له ﷺ بعد كل أذان. وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب قوله تعالى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء: ٧٩] حدثنا إسماعيل بن أبَّان حدَّثنا أبو الأحوص عن آدم بن علي قال سمعت ابن عمر ﵄ يقول «إنَّ الناس يصيرون يوم القيامة جثًا كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعةُ إلى النبيّ ﷺ، فذلك يومٌ يبعثه الله المقام المحمود» (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤).\n(٢) رواه البخاري (١٣٦٦).\n(٣) رواه البخاري (٤٧١٨).","vol":"4","page":394},{"text":"وقال مسلم رحمه الله تعالى حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير واتفقا في سياق الحديث إلا ما يزيد أحدهما من الحرف بعد الحرف، قالا حدَّثنا محمد بنُ بِشرٍ حدَّثنا أبو حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ قال: «أُتي رسولُ الله ﷺ يومًا بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال: أنا سيِّد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بِمَ ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ فيُسْمعهم الداعي، وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغمِّ والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه، ألا ترون ما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربِّكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إنَّ ربِّي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحًا ﵇ فيقولون: يا نوح أنت أول الرُّسُل إلى الأرض وسمّاك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه قد كانت دعوةٌ دعوتُ بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ. فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبيُّ الله وخليلُه من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم ﷺ: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى ﵇ فيقولون: يا موسى أنت رسولُ الله فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى ﵇: إِنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإِنِّي قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى ﵇. فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسولُ اللهِ وكلَّمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، فاشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى ﵇: إِنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبًا، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ. فيأتوني فيقولون: يا محمد أَنت رسولُ اللهِ وخاتم الأنبياء وغفر اللهُ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، اشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فأَنْطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربِّي، ثم يفتح الله عليَّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي. ثم قال: يا محمد ارفعْ رأسك سلْ تُعْطه اشفع تشفَّعْ فأَرفع رأسي فأقول: يا ربِّ أُمَّتي أُمَّتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أُمَّتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إِنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبُصرى» (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٩٤).","vol":"4","page":395},{"text":"قال وحدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: «وُضِعَتْ بين يدي رسولِ اللهِ ﷺ قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذِّراع وكانت أحبَّ الشاة إليه، فنهس نهسةً فقال: أنا سيِّد الناس يوم القيامة، ثم نهس أخرى فقال: أنا سيِّدُ الناس يوم القيامة. فلمَّا رأى أصحابه لا يسألونه قال: ألا تقولون كيف؟ قالوا: كيف يا رسولَ اللهِ؟ قال: يقوم الناس لربِّ العالمين» وساق الحديث بمعنى حديث أبي حيان عن أبي زرعة، وزاد في قصة إبراهيم فقال: وذكر قوله في الكوكب: هذا ربِّي، وقوله لآلهتهم: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إِنِّي سقيم. قال: والذي نفس محمَّدٍ بيده إِنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنة إلى عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر، أو هجر ومكة، قال لا أدري أيُّ ذلك قال (١).\nوروى الإمام أحمد عن كعب بن مالك أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال «يُبْعَثُ الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمّتي على تل، ويكسوني ربِّي ﷿ حُلَّةً خضراء، ثُمَّ يُؤْذَنُ لي فأقول ما شاءَ اللهُ تعالى أَنْ أقول، فذلك المقام المحمود» (٢).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٤).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤٥٦) (١٥٨٢١) والطبراني (١٩/ ٧٢) وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وصححه ابن جرير في «التفسير» (٩/ ١/١٨١) وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٢٨٤): إسناده صالح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٥٤): رجاله رجال الصحيح، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٤٣٤): أصله في مسلم.","vol":"4","page":396},{"text":"وسيأتي إن شاء الله تعالى في حديث أنس ﵁ قوله ﷺ «يجمع اللهُ الناس يوم القيامة فيهتمُّون لذلك – وفي لفظة فيلهمون لذلك – فيقولون لو استشفعنا إلى ربِّنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال فيأتون آدم» (١) الحديث، وتقدم في حديث الصور قوله ﷺ «فتقفون موقفًا واحدًا مقدارُهُ سبعون عامًا لا يُنْظَرُ إليكم ولا يُقْضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دمًا. وتعرقون حتى يلجمكم العرق ويبلغ الأذقان، وتقولون مَنْ يشفع لنا إلى ربِّنا فيقضي بيننا؟ فتقولون من أَحقُّ بذلك من أبيكم آدم، خلقه الله تعالى بيده، ونفخ فيه من روحه وكلَّمه قبلًا. فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه، فيأتي ويقول: ما أَنا بصاحب ذلك. فيستقرئون الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا كلما جاؤوا نبيًّا أبى عليهم. قال رسول الله ﷺ: حتى يأتوني فأنطلق إلى الفحص فأخرُّ ساجدًا. قال أبو هريرة: يا رسولَ الله وما الفحص؟ قال قدام العرش، حتى يبعث الله إليّ ملكًا فيأخذ بعضدي ويرفعني فيقول لي: يا محمد. فأقول: نعم يا ربِّ فيقول اللهُ ﷿: ما شأنُكَ؟ وهو أعلم. فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفِّعني في خلقك فاقض بينهم. قال الله تعالى: قد شفعتك، أنا آتيكم أقضي بينكم» (٢) الحديث.\nوروى الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: حدَّثني نبيُّ اللهِ ﷺ قال «إِنِّي لقائمٌ أنتظر أُمَّتي تعبر على الصراط، إذ جاءني عيسى ﵇ فقال: هذه الأنبياء قد جاءَتْكَ يا محمد يسألون أو قال يجتمعون إليك – ويدعون الله أَنْ يفرق بين جميع الأمم إلى حيث يشاء الله لغمٍّ جاءهم فيه، فالخلق ملجمون بالعرق، فأَمَّا المؤمن فهو عليه كالزكمة وأما الكافر فيغشاهُ الموت، فقال: انتظر حتى أرجع إليك، فذهب نبيُّ اللهِ ﷺ فقام تحت العرش فلقي ما لم يلق ملكٌ مصطفى، ولا نبيٌّ مرسل، فأَوْحى اللهُ ﷿ إلى جبريل أن اذهب إلى محمد وقل له: ارفع رأْسك سل تُعْطَ واشْفَعْ تُشفع» (٣) الحديث.\nوعند مسلم وغيره من حديث نزول القرآن على سبعة أحرف «فلَك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهمَّ اغفر لأمتي، اللهمَّ اغفر لأمَّتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليَّ الخلق كلُّهم حتى إبراهيم ﷺ» (٤).\nوَثَانِيًا يَشْفَعُ فِي اسْتِفْتَاحِ ... دَارِ النَّعِيمِ لأُولِي الْفَلاحِ\nهَذَا وَهَاتَانِ الشَّفَاعَتَانِ ... قَدْ خُصَّتَا بِهِ بِلاَ نُكْرَانِ\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٣) (٣٢٢) من حديث أنس ﵁.\n(٢) رواه الطبراني في «الأحاديث الطوال» (١/ ٢٦٦) وابن أبي حاتم في «التفسير» (١١/ ٢١٢) والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٢٨٣)، وابو الشيخ في «العظمة» (١/ ٣٩٤) واسحاق بن راهويه في «مسنده» (١/ ١٠): من حديث أبي هريرة ﵁، قال البخاري في «تهذيب التهذيب» (٩/ ٥٢٤): لم يصح، وقال ابن حبان في «تهذيب التهذيب» (٩/ ٥٢٤): لست أعتمد على إسناده، وقال الدارقطني في «تهذيب التهذيب» (٩/ ٥٢٤): إسناده لا يثبت، وقال ابن كثير في «التفسير» (٣/ ٢٧٦): غريب جدا، وقال العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٨/ ١٤٨): وقد رويت قصة الصور بأحاديث من غير هذا الوجه بأسانيد جياد وألفاظ مختلفة وليس بطول هذا الحديث، وقال أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٧٨٨): ظاهر النكارة.\n(٣) رواه أحمد (٣/ ١٧٨) (١٢٨٤٧) قال السيوطي في «البدور السافرة» (١١٨): إسناده صحيح، وقال مقبل الوادعي في «الشفاعة» (١١٤): حسن لأن حرب بن ميمون صدوق وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(٤) رواه مسلم (٨٢٠).","vol":"4","page":397},{"text":"هذه الشفاعة الثانية في استفتاح باب الجنة، وقد جاء في الأحاديث أنها أيضًا من المقام المحمود، وقال مسلم رحمه الله تعالى: حدَّثنا قتيبة بنُ سعيدٍ وإسحاقُ بنُ إبراهيم. قال قتيبةُ حدَّثنا جرير عن المختار بن فلفل عن أَنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ «أَنا أَوَّل الناس يشفع في الجنة، وأَنا أكثر الأنبياء تبعًا» (١).\nوحدَّثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدَّثنا معاويةُ بنُ هشام عن سفيان عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «أَنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأَنا أَوَّل من يقرع باب الجنة» (٢).\nوحدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن المختار بن فلفل قال: قال أنسُ بنُ مالكٍ قال النَّبيّ ﷺ «أَنا أَوَّل شفيع في الجنة، لم يصَدَّق نبي من الأنبياء ما صُدِّقت، وإِنَّ من الأنبياء نبيًّا ما يصدقه من أمته إلاّ رجلٌ واحد» (٣).\nوحدَّثني عمرو الناقد وزهير بن حرب قالا حدَّثنا هاشم بن القاسم حدَّثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «آتي باب الجنة يومَ القيامةِ فأستفتح، فيقول الخازن، مَنْ أَنْتَ؟ فأقول محمد، فيقول بك أمرت لا أفتح لأَحَدٍ قبلك» (٤).\nقال حدَّثنا محمد بن طريف بن خليفة البجلي حدَّثنا محمد بن فضيل حدَّثنا أبو مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة، وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ «يَجْمَعُ اللهُ ﵎ النَّاسَ، فيقوم المؤمنون حتى تزلفُ لهم الجنَّة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئةُ أبيكم آدم؟ لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله ﷿. قال فيقول إبراهيم: لستُ بصاحب ذلك إنما كنت خليلًا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تعالى تكليمًا. فيأتون موسى ﵇ فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله تعالى وروحه، فيقول عيسى ﵇: لست بصاحب ذلك. فيأتون محمدًا ﷺ فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط فيمُرُّ أولكم كالبرق» (٥) وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا يحيى بنُ بكير حدَّثنا الليثُ عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: سمعتُ حمزة بن عبد الله بن عمر قال سمعت عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يومَ القيامةِ ليس في وجهه مُزْعةُ لحم» (٦) وقال: «إنَّ الشمس تدنو يومَ القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأُذن. فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ﷺ». وزاد عبد الله حدثني الليث قال حدثني ابن أبي جعفر «فيشفع ليقضي بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذٍ يبعثه الله مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلُّهم» (٧).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٦) (٣٣٠).\n(٢) رواه مسلم (١٩٦) (٣٣١).\n(٣) رواه مسلم (١٩٦) (٣٢).\n(٤) رواه مسلم (١٩٧).\n(٥) رواه مسلم (١٩٥).\n(٦) رواه البخاري (١٤٧٤).\n(٧) رواه البخاري (١٤٧٥).","vol":"4","page":398},{"text":"ففي هذا الحديث الجمع بين ذكر الشفاعتين: الأولى في فصل القضاء، والثانية في استفتاح باب الجنة، وسمى ذلك كله المقام المحمود (هذا) أي ما ذكر (وهاتان الشفاعتان) المذكورتان اللتان هما المقام المحمود (قد خصتا) أي جعلهما الله تعالى خاصتين (به) أي بنبينا محمد ﷺ وليستا لأحد غيره (بلا نكران) بين أهل السنة والجماعة، بل ولم ينكرهما المعتزلة الذين أنكروا الشفاعة الثالثة في إخراج عصاة الموحدين من النار، وهي المشار إليها بقولنا:\nوَثَالِثًا يَشْفَعُ فِي أَقْوَامِ ... مَاتُوا عَلَى دِينِ الْهُدَى الإِسْلاَمِ\nوَأَوْبَقَتْهُمْ كَثْرَةُ الآثَامِ ... فَأُدْخِلُوا النَّارَ بِذَا الإِجْرَامِ\nأَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا إِلَى الْجِنَانِ ... بِفَضْلِ رَبِّ الْعَرْشِ ذِي الإِحْسَانِ\nفهذه الشفاعة حقٌ يؤمن بها أهل السنة والجماعة كما آمن بها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ودرج على الإيمان بذلك التابعون لهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأنكرها في آخر عصر الصحابة الخوارج، وأنكرها في عصر التابعين المعتزلة وقالوا بخلود من دخل النار من عصاة الموحدين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ويشهدون أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجون البيت الحرام ويسألون الله الجنة ويستعيذون به من النار في كلّ صلاة ودعاء، غير أنهم ماتوا مصرّين على معصية عملية عالمين بتحريمها معتقدين مؤمنين بما جاء فيه الوعيد الشديد فقضوا بتخليدهم في جهنم مع فرعون وهامان وقارون، فجحدوا قول الله ﷿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: ٢٨] وقوله ﷿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية: ٢١] وقوله تعالى أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم: ٣٥ – ٣٦] وغيرها من الآيات وسائر الأحاديث الواردة.","vol":"4","page":399},{"text":"وقال البخاري رحمه الله تعالى: وقال حجَّاجُ بنُ منهال حدَّثنا همامُ بنُ يحيى حدَّثنا قتادةُ عن أنسٍ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «يُحبس المؤمنون يومَ القيامةِ حتى يهموا بذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلّمك أسماء كل شيءٍ لتشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال فيقول: لست هناكم. قال ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحًا أوَّل نبي بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض فيأتون نوحًا فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله ربَّه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن. قال فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كلمات كذبهنَّ، ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلَّمه وقرَّبه نجيًا. قال فيأتون موسى فيقول: إنِّي لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب قتله النفس، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله تعالى وكلمته، قال: فيأتون عيسى فيقول: لستُ هناكم، ولكن ائتوا محمدًا ﷺ عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله تعالى أن يدعني فيقول: ارفع محمد وقل يسمع واشفع تُشفّع وسل تُعط. قال: فأرفع رأسي فأثني على ربِّي بثناءٍ وتحميدٍ يُعلمنيه، ثم أشفع فيحدُّ لي حدًّا فأخرج فأدخلهم الجنة». قال قتادة: وقد سمعته يقول «فأخرج فأخرِجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأستأذن على ربِّي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت له ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفعْ محمد وقل يسمع واشفع تشفع وسلْ تُعْطَ. قال: فأرفع رأسي فأثني على ربِّي بثناءٍ وتحميدٍ يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأخرج فأدخلهم الجنة» قال قتادة: وسمعته يقول «فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربِّي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفعْ محمد وقل يسمع واشفع تشفع وسلْ تُعْطَ. قال: فأرفع رأسي فأثني على ربِّي بثناءٍ وتحميدٍ يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأخرج فأدخلهم الجنة». قال قتادة: وقد سمعته يقول «فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن» أي وجب عليه الخلود. قال؛ ثم تلا هذه الآية عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء: ٧٩] قال: وهذا المقام المحمود الذي وُعِدَهُ نبيكم ﷺ» (١).\nوقال أيضًا: حدَّثنا مسدد حدَّثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ «يجمع الله الناس يومَ القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربِّنا حتى يريحنا من مكاننا – وذكره مختصرًا وقال في الثالثة أو الرابعة – حتى ما بقي في النار إلاّ من حبسه القرآن» وكان قتادة يقول عند هذا: أي وجب عليه الخلود (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٤٠).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٦٥).","vol":"4","page":400},{"text":"ورواه مسلم من طرق بنحوه، وقال رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو الربيع العتكيُّ حدَّثنا حماد بن زيد حدَّثنا معبدُ بنُ هلالٍ العنزيُّ. ح. وحدَّثنا سعيد بن منصور – واللفظ له، حدَّثنا حماد بن زيد حدَّثنا معبدُ بن هلال العنزي قال: انطلقنا إلى أنسٍ بن مالك، وتشفعنا بثابتٍ، فانتهينا إليه وهو يصلي الضحى، فاستأذن لنا ثابتٌ فدخلنا عليه وأجلس ثابت معه على سريره فقال: يا أبا حمزة إنَّ إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة. قال: حدَّثنا محمدٌ ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم فيقولون له: اشفع لذُرِّيتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم ﵇ فإنَّه خليلُ الله، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى ﵇ فإنَّه كليم الله، فيؤتى موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى ﵇ فإنَّه روح الله وكلمته، فيؤتى عيسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد ﷺ فأوتى فأقول: أنا لها فأنطلق فأستأذن على ربِّي فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن، يُلهمنيه الله، ثم أَخرُّ له ساجدًا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول: ربِّ أُمَّتِي أُمَّتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبةٍ من بُرَّةٍ أو شعيرة من إيمان فأخْرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أَخِرُّ له ساجدًا له، فيقال لي يا محمَّدُ ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول، أُمَّتي أُمَّتي، فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه مثقالُ حبّةٍ من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي ﷿ فأحمده تلك المحامد، ثم أَخِرُّ له ساجدًا، فيقال لي يا محمَّدُ ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول يا رب أُمَّتي، فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى من مثقال حبةٍ من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل» هذا حديث أنس الذي أنبأنا به، فخرجنا من عنده، فلما كنّا بظهر الجبَّان: قلنا لو ملنا إلى الحسن فسلَّمنا عليه وهو مستخفٍ في دار أبي خليفة. قال فدخلنا عليه فسلَّمنا عليه فقلنا: يا أبا سعيد جئنا من عند أخيك أبي حمزة فلم نسمع مثل حديث حدَّثناه في الشفاعة. قال: هيه. فحدَّثناه الحديث. فقال هيه. قلنا ما زادنا. قال: قد حدَّثنا به منذ عشرين سنةٍ وهو يومئذٍ جميعٌ، ولقد ترك شيئًا ما أدري أَنَسِيَ الشيخ أو كره أن يحدِّثكم فتتكلوا، قلنا له: حدَّثنا. فضحك وقال: خُلِقَ الإنسان من عَجَل، ما ذكرت لكُم هذا إلا وأنا أريدُ أن أحدثكموه «ثم أرجع إلى ربِّي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، فيقال لي يا محمَّدُ ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذاك لك – أو قال ليس ذاك إليك – ولكن وعِزَّتِي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأُخرجَنَّ من قال لا إله إلا الله» قال: فأشهد على الحسن أنَّه حدَّثنا به أنَّه سمع أنس بن مالك ﵁ أراه قال: قبل عشرين سنة وهو يومئذٍ جميع (١).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٣) (٣٢٦).","vol":"4","page":401},{"text":"وقال أيضًا: حدثنا محمد بنُ منهال الضَّرير حدَّثنا يزيد بن زُريع حدَّثنا سعيدُ بن أبي عروبة وهشامٌ صاحب الدَّسْتَوَائي عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ. ح. وحدَّثني أبو غسّان المِسْمَعيُّ ومحمد بن المثنى قالا حدثنا معاذ وهو ابن هشام قال حدَّثني أبي عن قتادة حدَّثنا أنس بنُ مالكٍ أنَّ النبي ﷺ قال «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرةً، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذَرَّة» زاد ابن منهال في روايته. قال يزيدُ: فلقيتُ شعبة فحدَّثته بالحديث فقال شعبة حدَّثنا به قتادةُ عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ بالحديث، إلا أنَّ شعبة جعل مكان الذرة ذُرَة، قال يزيد: صحَّف فيها أبو بسطام (١).\nوقال رحمه الله تعالى: حدَّثنا حجاج بن الشاعر حدَّثنا الفضل بنُ دكين حدَّثنا أبو عاصم يعني محمد بن أبي أيوب قال حدَّثني يزيد الفقير قال كنت قد شغفني رأيٌ من رأي الخوارج فخرجنا في عصابةٍ ذوي عددٍ نريد أن نَحُجّ، ثم نخرج على الناس، قال فمررنا على المدينة، فإذا جابرُ بن عبد الله ﵄ يحدِّث القوم، جالسٌ إلى سارية عن رسول الله ﷺ قال فإذا هو قد ذكر الجهنَّميين قال فقلت له: يا صاحب رسولِ اللهِ ﷺ ما هذا الذي تحدِّثون والله تعالى يقول رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [آل عمران: ١٩٢] وكُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا [الحج: ٢٢] فما هذا الذي تقولون؟ قال فقال: أتقرأُ القرآن؟ قلت نعم. قال فهل سمعت بمقامِ محمدٍ ﷺ يعني الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم. قال فإنَّه مقام محمدٍ ﷺ المحمودُ الذي يخرج الله به من يخرج. قال ثم نعت وضع الصراط ومرَّ الناس عليه، قال وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك، قال غير أَنَّه قد زعم أنَّ قومًا يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. قال يعني فيخرجون كأنَّهم عيدان السَّماسم، قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا قلنا: ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسولِ الله ﷺ، فرجعنا فلا والله ما خرج منّا غير رجلٍ واحدٍ، أو كما قال أبو نعيم (٢).\nوقال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدَّثنا سفيانُ بن عيينة عن عمرو، سمع جابرًا ﵁ يقول: سمعه من النَّبيّ ﷺ بأُذنه يقول «إنَّ الله يخرج ناسًا من النار فيدخلهم الجنة». (٣)\nوفي رواية له عن حمَّاد بن زيد قال: قلت لعمرو بن دينار «أسمعت جابر بن عبد الله ﵄ يحدِّث عن رسولِ الله ﷺ أنَّ الله يُخرج قومًا من النار بالشفاعة؟ قال نعم» (٤)، ورواه البخاري (٥).\nوفي رواية له أنَّ النبي ﷺ قال: «يخرج قومٌ من النار بالشفاعة كأنَّهم الثَّعارير» قلت ما الثعارير قال الضَّغابيس وكان قد سقط فمه (٦).\nوقال حدَّثنا: هدبة بن خالدٍ حدثنا همَّام عن قتادة حدَّثنا أنسُ بن مالك عن النبي ﷺ قال «يخرج قومٌ من النار بعد ما مسَّهم منها سفعٌ. فيدخلون الجنة، فيسمِّيهم أهل الجنة الجهنميين» (٧).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٣) (٣٢٥)، والبخاري (٧٤١٠) مطولًا.\n(٢) رواه مسلم (١٩١) (٣٢٠).\n(٣) رواه مسلم (١٩١) (٣١٧).\n(٤) رواه مسلم (١٩١) (٣١٨).\n(٥) رواه البخاري (٦٥٥٨).\n(٦) رواه البخاري (٦٥٥٨)\n(٧) رواه البخاري (٦٥٥٩)","vol":"4","page":402},{"text":"وقال رحمه الله تعالى حدَّثنا قتيبة بن سعيد حدَّثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يومَ القيامة؟ فقال «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أوَّل منك، لما رأيتُ من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يومَ القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» (١).\nوهذه الشفاعة الثالثة قد فسّر بها المقام المحمود أيضًا كما في حديث أنس وحديث جابر ﵄ فيكون المقام المحمود عامًّا لجميع الشفاعات التي أوتيها نبينا محمد ﷺ، لكن جمهور المفسرين فسروه بالشَّفاعتين الأوليين لاختصاصه ﷺ بهما دون غيره من عباد الله المكرمين، وأمَّا هذه الشفاعة الثالثة فهي وإن كانت من المقام المحمود الذي وعده فليست خاصة به ﷺ بل يؤتاها كثيرٌ من عباد الله المخلصين ولكن هو ﷺ المقدم فيها، ولم يشفع أحد من خلق الله تعالى في مثل ما يشفع فيه رسول الله ﷺ ولا يدانيه في ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، ثم بعده يشفع من أذن اللهُ تعالى له من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين وسائر أولياء الله تعالى من المؤمنين المتقين، ويشفع الأفراطُ كل منهم يكرمه الله تعالى على قدر ما هو له أهل، ثم يخرج الله تعالى من النار برحمته أقوامًا بدون شفاعة الشافعين، ولذا قلنا في ذلك:\nوَبَعْدَهُ يَشْفَعُ كُلُّ مُرْسَلِ ... وَكُلُّ عَبْدٍ ذِي صَلاَحٍ وَوَلِي\nوَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ النِّيْرَانِ ... جَمِيْعَ مَنْ مَاتَ عَلَى الإِيْمَانِ\nفِي نَهَرِ الْحَيَاةِ يُطْرحُونَا ... فَحْمًا فَيَحْيَونَ وَيَنْبُتُونَا\nكَأَنَّمَا يَنْبُتُ فِي هَيْئَاتِهِ ... حَبُّ حَمِيْلِ السَّيْلِ فِي حَافَاتِهِ\nتقدم في حديث أبي هريرة المتفق عليه في طريق الرؤية قول النَّبيّ ﷺ «حتَّى إذا فرغ الله تعالى من فصل القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يُخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممَّن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد ويبقى رجلٌ مقبلٌ بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولًا الجنة» (٢). الحديث تقدم بطوله.\n_________\n(١) رواه البخاري (٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁ بزيادة «أو نفسه».\n(٢) رواه البخاري (٧٤٣٧) ومسلم (١٨٢).","vol":"4","page":403},{"text":"وتقدم حديث أبي سعيد المتفق عليه أيضًا بطوله – وفيه في نعت المرور على الصراط: «حتى يمر آخرهم يُسحب سحبًا، فما أنتم بأشدَّ لي مناشدة في الحق، قد تبيَّن لكم من المؤمن يومئذٍ للجبار إذا رأوا أنَّهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربَّنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ويحرم الله تعالى صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم قد غار في النار إلى قدميه وإلى أنصاف ساقيه فيُخرجون من عرفوا. ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيُخرجون من عرفوا. ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيُخرجون من عرفوا – قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء: ٤٠] فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبّار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقوامًا قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبَّةُ في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خيرٍ قدَّموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه» (١). وفي لفظ مسلم «حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحدٍ بأشد مناشدة لله في استقصاء الحقِّ من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربَّنا كانوا يصومون معنا ويصلون معنا ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون ربَّنا ما بقي فيها أحَدٌ ممَّن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدَّتُم في قلبه مثقال دينار من خيرٍ فأخرجوه، فيُخرجون خلقًا كثيرًا. ثم يقولون: ربَّنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا بهم. يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينارٍ من خيرٍ فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا. ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرةٍ من خير فأخرجوه، فيُخرجون كثيرًا. ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا، وكان أبو سعيد الخدري ﵁ يقول: إنْ لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٤٠]، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حممًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نَهْر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبَّة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض. فقالوا يا رسول الله كأنَّك ترعى بالبادية، قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء اللهِ الذين أدخلهم الله الجنة بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قدّموه. ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموهُ فهو لكم، فيقولون ربَّنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين. فيقول: لكم عندي أفضل من هذا. فيقولون: ربَّنا أيُّ شيءٍ أفضل من هذا؟ فيقول رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٣٩).\n(٢) رواه مسلم (١٨٣).","vol":"4","page":404},{"text":"وفيهما من حديثه أيضًا أنَّ رسول الله ﷺ قال «يُدخل الله أهل الجنةِ الجنةَ يدخل من يشاء في رحمته ويدخل أهل النارِ النارَ. ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبَّةٍ من خردل من إيمان فأخرجوهُ، فيُخرجون منها حممًا قد امتحشوا فيُلْقَوْنَ في نهر الحياة أو الحيا فينبتون فيه كما تنبت الحبَّةُ إلى جانب السيل ألم تروها كيف تخرج صفراء ملتويةً» (١) – وفي رواية لمسلم: «كما تنبت الغثاءة في جانب السيل» (٢).\nوله عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أمَّا أهل النار الَّذِين هم أهلها فإنَّهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناسٌ أصابتهم النار بذنوبهم – أو قال بخطاياهم – فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أُذِنَ بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبُثُّوا على أنهار الجنة، ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل. فقال رجلٌ من القوم: كأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد كان بالبادية» (٣).\nوللترمذي عن أبي أمامة ﵁ يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «وعَدَنِي ربِّي أن يدخل الجنة من أُمَّتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب. مع كلُّ ألفٍ سبعون ألفًا وثلاث حثياتٍ من حثيات ربِّي» هذا حديث حسن غريب (٤).\nوله عن عبد الله بن شقيق قال: كنت مع رهطٍ بإيليا فقال رجلٌ منهم: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول «يدخل الجنة بشفاعةِ رجل من أُمَّتي أكثر من بني تميم. قيل: يا رسول الله سواك؟ قال: سواي» فلما قام قلت: مَنْ هذا؟ قالوا هذا ابن أبي الجدعاء. (٥) هذا حديث حسن صحيح غريب، وابن أبي الجدعاء هو عبد الله، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد ورواه ابن ماجه.\nوللترمذي أيضًا عن أبي سعيد ﵁ أنَّ رسول اللهِ ﷺ قال: «إنَّ مِنْ أُمَّتي من يشفع للفئام من الناس، منهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للرجل. حتى يدخلوا الجنة». هذا حديث حسن (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٦٠)، ومسلم (١٨٤).\n(٢) رواه مسلم (١٨٤) (٣٠٥).\n(٣) رواه مسلم (١٨٥).\n(٤) رواه الترمذي (٢٤٣٧)، وابن ماجه (٤٢٨٦)، وأحمد (٥/ ٢٦٨)، والطبراني (٨/ ١١٠)، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٤٦٠): إسناده قوي، وقال ابن كثير في «التفسير» (٢/ ٨٢): إسناده جيد، وصححه الألباني في «السلسة الصحيحة» (٤/ ٥٤١).\n(٥) رواه الترمذي (٢٤٣٨)، وابن ماجه (٤٣١٦)، وأحمد (٣/ ٤٦٩) (١٥٨٩٥)، وابن حبان (١٦/ ٣٧٦)، والحاكم (١/ ١٤٢)، والدارمي (٢/ ٤٢٣)، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب، وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٦) رواه الترمذي (٢٤٤٠)، وأحمد (٣/ ٦٣) (١١٦٢٣)، قال الترمذي هذا حديث حسن، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي».","vol":"4","page":405},{"text":"وروى أبو داود عن عمران بن حصين ﵄ عن النَّبيّ ﷺ قال: يخرجُ قومٌ من النار بشفاعة محمد فيدخلون الجنة ويُسمَّون الجهنميين» (١) ورواه ابن ماجه. وله عن أبي موسى الأشعريّ ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ «خُيِّرتُ بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أُمَّتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، ترونها للمتَّقين، لا ولكنها للمذنبين الخطَّائين المتلوَّثين» (٢).\nوله عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ «أتدرون ما خيَّرني ربِّي الليلة؟ قلنا: اللهُ ورسوله ﷺ أعلم، قال: فإنَّه خيَّرني بين أن يُدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترتُ الشفاعة. قلنا: يا رسول الله ادع الله أنْ يجعلنا من أهلها. قال: هي لكلِّ مسلم». (٣) ورواه الترمذي بلفظ «فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا» (٤) والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًا مشهورة مستفيضة بل متواترة، وقد ذكرنا منها ما فيه كفاية، وتقدم في أحاديث الرؤية جملة منها عن جماعة من الصحابة، وبقي من النصوص في هذا الباب كثير، وبالله التوفيق. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- ص ١٠٦٢\nومن الشفاعات الثابتة التي أكرم الله بها نبيه ﷺ شفاعته لمن سكن في المدينة المنورة ومات بها\nوهذه الشفاعة فيها كذلك إكرام للمدينة المنورة ولمن سكن بها صابرًا على لأوائها مفضلًا لها على غيرها، وقد شرفها الله بميزات عديدة ليس هنا موضع ذكرها ومن ذلك أن جعلها مهاجر رسول الله ﷺ وعاصمة الإسلام الأولى، وأنه يأرز إليها الإيمان كما تأرز الحية إلى جحرها (٥).\nثم ميزها الله تعالى عن سائر البقاع بثبوت شفاعة نبيه ﷺ لأهلها اعتناء خاصًا بهم ومزيد تشريف لها.\nومن الأدلة على ذلك ما جاء عن عامر بن سعيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها»، وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعًا، أو شهيدًا، يوم القيامة» (٦).\nوعن أبي سعيد مولى المهدي أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحرة فاستشاره في الجلاء عن المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره ألَّا صبر له على جهد المدينة ولأوائها. فقال له: ويحك لا آمرك بذلك: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة إذا كان مسلمًا» (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٦٦).\n(٢) رواه ابن ماجه (٤٣١١)، قال الألباني في «ضعيف ابن ماجه»: ضعيف بهذا التمام وصحيح دون قوله: «لأنها». وقال مقبل الوادعي في «الصحيح المسند» (٨٣٠): رجاله رجال الصحيح إلا إسماعيل بن أسيد. ورواه أحمد (٢/ ٧٥) (٥٤٥٢) من حديث عبد الله بن عمر ﵄، قال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٧/ ٢٢٧) والألباني في «كتاب السنة» (٧٩١): إسناده ضعيف،\n(٣) رواه ابن ماجه (٤٣١٧)، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»، وقال مقبل الوادعي في «أحاديث معلة» (٣٤١): سنده رجال الصحيح ولكن قال ابن خزيمة: قول سليم سمعت عوفا أخاف أن يكون وهما وقال أبو حاتم: لم يسمع سليم بن عامر من عوف بن مالك.\n(٤) رواه الترمذي (٢٤٤١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) رواه البخاري (١٨٧٦)، ومسلم (١٤٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) رواه مسلم (١٣٦٣).\n(٧) رواه مسلم (١٣٧٤).","vol":"4","page":406},{"text":"وعن يُحنس مولى الزبير أخبره أنه كان جالسًا عند عبد الله بن عمر في الفتنة فأتته مولاة له تسلم عليه، فقالت: إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن، اشتد علينا الزمان، فقال لها عبد الله: اقعدي لكاع؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد فيموت إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة إذا كان مسلمًا» (١).\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شهيدًا يوم القيامة أو شفيعًا» (٢).\nومن تلك النصوص السابقة يتبين ثبوت شفاعة الرسول ﷺ لأهل المدينة، وأنه يكون شهيدًا وشفيعًا لهم.\nوقد ورد الحديث بإثبات (أو)، وفي هذا إشكال؛ هل (أو) هنا جاءت لشك من الرواة، أم إنها صحيحة ثابتة عن الرسول ﷺ، ويكون إيرادها هكذا للتقسيم؛ بمعنى أن الرسول ﷺ يكون شهيدًا لبعض أهل المدينة وشفيعًا لبقيتهم، أو يكون شفيعًا للعاصين، وشهيدًا للمطيعين، أو شهيدًا لمن مات في حياته، وشفيعًا لمن مات بعده، أو تكون (أو) هنا بمعنى الواو، ويكون المعنى أنه يكون شفيعًا وشهيدًا لهم.\nوقد أجيب عن هذا الاستشكال بجواب امتدحه القاضي عياض كما نقله عنه النووي بأنه جواب مقنع يعترف بصوابه كل من وقف عليه، فقال: (سألت قديمًا عن معنى هذا الحديث، ولم خص ساكن المدينة بالشفاعة هنا، مع عموم شفاعته وادخاره إياها لأمته؟ قال: وأجيب عنه بجواب شافٍ - مقنع في أوراق – اعترف بصوابه كل واقف عليه.\nقال: وأذكر منه هنا لمعًا تليق بهذا الموضع؛ قال بعض شيوخنا: (أو) هنا للشك، والأظهر عندنا أنها ليست للشك، لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأسماء بنت عميس، وصفية بنت أبي عبيد، عن النبي ﷺ بهذا اللفظ، ويبعد اتفاقهم جميعًا، أو رواتهم على الشك، وتطابقهم فيه على صيغة واحدة.\nبل الأظهر أنه قاله ﷺ هكذا؛ فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة هكذا، وإما أن يكون (أو) للتقسيم، ويكون شهيدًا لبعض أهل المدينة وشفيعًا لبقيتهم: إما شفيعًا للعاصين وشهيدًا للمطيعين، وإما شهيدًا لمن مات في حياته وشفيعًا لمن مات بعده، أو غير ذلك.\nقال القاضي: وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين في القيمة وعلى شهادته على جميع الأمة، وقد قال ﷺ في شهداء أحد: «أنا شهيد على هؤلاء» (٣)، فيكون لتخصيصهم بهذا كله مزية أو زيادة منزلة وحظوة.\nقال: وقد يكون (أو) بمعنى الواو؛ فيكون لأهل المدينة شفيعًا وشهيدًا. قال: وقد روى: «إلا كنت له شهيدًا وله شفيعًا» (٤).\nقال: وإذا جعلنا (أو) للشك كما قاله المشايخ؛ فإن كانت اللفظة الصحيحة (شهيدا) اندفع الاعتراض؛ لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة المجردة لغيره، وإن كانت اللفظة الصحيحة (شفيعًا) فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التي هي لإخراج أمته من النار، ومعافاة بعضهم منها بشفاعته ﷺ في القيامة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، أو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة كإيوائهم إلى ظل العرش، أو كونهم في روح وعلى منابر، أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض) (٥).\nوذكر هذه الشفاعة لساكني المدينة لا شك أنها مزية عظيمة لهم، ولكن ليس معنى هذا أن الشفاعة تعم كل من سكن المدينة على ما كان من العمل، كما قد يركن إليه بعض أهل الأماني، بل هذه المزية خاصة بمن سكن المدينة مؤمنًا بالله ورسوله، عاملًا بما أوجبه الله عليه، صابرًا على ما يصيبه فيها من آلام ومشاق؛ حبًا فيها وتقديمًا لها على غيرها؛ فهذا هو الذي يستحق مزية الاعتناء به والاهتمام بالشفاعة فيه كما أشار إليه الحديث.\nأما من سكن فيها، ولم يشكر تلك النعمة؛ فأفسد فيها بما يتنافى مع حرمتها؛ فقد توعده الرسول ﷺ باللعن، كما في قوله ﵊ في حديث أبي هريرة، قال: «المدينة حرم، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف» (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٤٠٧\n_________\n(١) رواه مسلم (١٣٧٧).\n(٢) رواه مسلم (١٣٧٨).\n(٣) رواه البخاري (١٣٤٧).\n(٤) رواه مسلم (١٣٧٧). بلفظ: «أو شفيعًا» بدلًا من: «وله شفيعًا».\n(٥) «شرح النووي لمسلم» (٣/ ٥١٣).\n(٦) رواه مسلم (١٣٧١).","vol":"4","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1305>المبحث الرابع: الشفاعات التي لم يثبت بها نص صحيح</span>\n١ - اعتقاد شفاعة الرسول ﷺ لمن زار قبره من الناس بعد موته.\nومن الآثار التي يستدل بها من يثبت تلك الشفاعة؛ الأحاديث الآتية:\n١ - عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من زار قبري، أو قال: من زارني كنت له شفيعًا أو شهيدًا، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة» (١).\n٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من زارني بالمدينة محتسبًا كنت له شهيدًا، أو شفيعًا يوم القيامة» (٢).\n٣ - «من زارني حتى ينتهي إلى قبري، كنت له يوم القيامة شهيدًا» (٣).\n٤ - «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (٤).\n٥ - «من جاءني زائرًا، لا تعمله حاجة إلا زيارتي، كان حقًا علي أن أكون له شفيعًا يوم القيامة» (٥).\n٦ - «من زار قبري حلت له شفاعتي» (٦).\n٧ - «من زارني متعمدًا كان في جواري يوم القيامة» (٧).\n٨ - «من أتى المدينة زائرًا لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعث آمنًا» (٨).\n_________\n(١) رواه الطيالسي (ص ١٢) (٦٥)، والبيهقي (٥/ ٢٤٥) (١٠٠٥٣)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٢١٢). قال البيهقي: هذا إسناد مجهول، وقال المنذري: [فيه] رجل من آل عمر لم يسم، وقال ابن عبدالهادي في «الصارم المنكي» (١٧١): ليس بصحيح لانقطاعه وجهالة إسناده واضطرابه، ولأجل اختلاف الرواة في إسناده واضطرابهم فيه.\n(٢) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٨٩)، والجرجاني في «التاريخ» (١/ ٤٣٣). من حديث أنس ﵁ وليس عبد الله بن عمر ﵁. قال ابن عبدالهادي في «الصارم المنكي» (٢٨٧): ليس بصحيح ولا ثابت، وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٣/ ٩٠٤): [فيه] سليمان ضعفه ابن حبان والدارقطني، وطرق هذا الحديث كلها ضعيفة.\n(٣) ذكره ابن عبدالهادي في «الصارم المنكي» (٢٩٥) من حديث ابن عباس ﵄. وقال: موضوع وقد وقع تصحيف في متنه وفي إسناده.\n(٤) رواه الدارقطني (٢/ ٢٧٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٩٠) (٤١٥٩). من حديث ابن عمر ﵄. والحديث صحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٤٦٧) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وجوّد إسناده ابن الملقن في «البدر المنير» (٦/ ٢٩٦).\n(٥) رواه الطبراني (١٢/ ٢٩١) (١٣١٤٩). من حديث ابن عمر ﵄. قال ابن عبد الهادي في «الصارم المنكي» (ص: ٩٣): ضعيف الإسناد منكر المتن، قال الهيثمي (٤/ ٥): فيه مسلمة بن سالم وهو ضعيف.\n(٦) رواه الدارقطني (٢/ ٢٧٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٩٠) (٤١٥٩). بلفظ: (وجبت» بدلا من «حلت». من حديث ابن عمر ﵄. والحديث صحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (ص: ٤٦٧) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وجوّد إسناده ابن الملقن في «البدر المنير» (٦/ ٢٩٦).\n(٧) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٨٨)، والعقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٣٦١). من حديث رجل من آل الخطاب. قال ابن عبدالهادي في «الصارم المنكي» (ص: ١٧٣): مداره على هارون وهو شيخ مجهول ذكره أبو الفتح الأزدي وقال: هو متروك الحديث لا يحتج به، وقال الذهبي «ميزان الاعتدال» (٤/ ٢٨٥): [فيه] هارون بن قزعة قال البخاري: لا يتابع عليه.\n(٨) ذكره ابن عبدالهادي في «الصارم المنكي» (ص: ٣٠٢) من حديث بكير بن عبدالله ﵁. وقال: باطل لا أصل له.","vol":"4","page":408},{"text":"وتلك الأحاديث كلها لم يثبت منها شيء عن الرسول ﷺ بسند صحيح، وآفتها في رواتها؛ فهم ما بين ضعيف، أو كذاب، أو مجهول، أو وضاع، لا يعتمد على روايتهم، ولا يركن إليها، ولم يروها كذلك إلا من لم يشترط الصحة في نقل الحديث.\nكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ - في رده على القائلين لمشروعية زيارة القبر الشريف:\n(فإن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة، لا يعتمد على شيء فيها في الدين؛ ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئًا منها، وإنما يرويها من يروي الضعاف؛ كالدارقطني والبزار وغيرهما) (١).\nأما الحديث الأول: فإن إسناده فيه جهالة، وفيه اضطراب، وقد أخرجه البيهقي في سننه، وحكم عليه بجهالة إسناده (٢).\nويقول ابن عبد الهادي: (هذا الحديث ليس بصحيح؛ لانقطاعه، وجهالة إسناده، واضطرابه) (٣).\nأما الحديث الثاني: «من زارني بالمدينة محتسبًا»، فقد أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)، وأورده السيوطي في (الجامع الصغير) (٤) ورمز لحسنه، لكن المناوي رد عليه هذا التحسين، وقال بأنه (ليس بحسن، ففيه ضعفاء، منهم أبو المثنى سليمان بن يزيد الكعبي. قال الذهبي: ترك. وقال أبو حاتم: منكر الحديث) (٥).\nويقول ابن عبد الهادي في الحكم على هذا الحديث: (هذا الحديث ليس بصحيح ولا ثابت، بل هو حديث ضعيف الإسناد منقطع، ولو كان ثابتًا لم يكن فيه دليل على محل النزاع، ومداره على أبي المثنى سليمان بن يزيد الكعبي الخزاعي المديني، وهو شيخ غير محتج بحديثه، وهو بكنيته أشهر منه باسمه، ولم يدرك أنس بن مالك؛ فروايته عنه منقطعة غير متصلة، وإنما يروي عن التابعين وأتباعهم، وقد ذكره ابن حبان في كتاب (الثقات في أتباع التابعين)، وذكره أيضًا في كتاب (المجروحين) (٦).\nثم ذكر ما قاله ابن حبان فيه في كتاب (الثقات)، وما قاله فيه كتاب (المجروحين) من تضعيف.\nويقول فيه ابن حجر: (أبو المثنى الخزاعي اسمه سليمان بن يزيد: ضعيف) (٧).\nوأما الحديث الثالث وهو: «من زارني حتى ينتهي إلى قبري» إلخ؛ فقد ذكره السبكي في كتاب (شفاء السقام)، وقال: (ذكره الحافظ أبو جعفر العقيلي في كتاب (الضعفاء) في ترجمة فضالة بن سعيد بن زميل المازني .. إلى أن يقول: وذكره الحافظ ابن عساكر من جهته أيضًا .. وفضالة بن سعيد قال العقيلي في ترجمته: حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به. . هكذا رأيته في كتاب العقيلي.\nوذكر الحافظ ابن عساكر عنه أنه قال: لا يتابع على حديثه من جهة تثبت، ولا يعرف إلا به) (٨).\n(وقد بين العلامة ابن عبد الهادي أن هذا الحديث (حديث منكر جدًا، ليس بصحيح ولا ثابت؛ بل هو حديث موضوع على ابن جريج).\nويذكر كذلك أنه وقع تصحيف في متنه وفي إسناده أيضًا أما التصحيف في متنه؛ فقوله: «من زارني» من الزيارة، وإنما هو «من رآني في المنام كان كمن زارني في حياتي».\nهكذا روايته في كتاب العقيلي. وفي نسخة ابن عساكر: «من رآني» من الرؤية، وعلى هذا يكون معناه معنى الحديث الصحيح: «من رآني في المنام فقد رآني، لأن الشيطان لا يتمثل بي» (٩).\n_________\n(١) «القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة» (ص: ٧٢).\n(٢) «السنن الكبرى» (٥/ ٢٤٥).\n(٣) «الصارم المنكي في الرد على السبكي» (ص: ٨٦).\n(٤) «الجامع الصغير» (٢/ ١٧٢).\n(٥) «فيض القدير» (٦/ ١٤٠).\n(٦) «الصارم المنكي في الرد على السبكي» (ص: ١٦٢).\n(٧) «تقريب التهذيب» (٢/ ٤٦٩).\n(٨) «شفاء السقام» (ص: ٣٨).\n(٩) رواه البخاري (١١٠)، ومسلم (٢٢٦٦). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":409},{"text":"أما التصحيف في إسناده فقوله: سعيد بن محمد الحضرمي، والصواب: شعيب بن محمد، كما في رواية ابن عساكر، والحديث ليس بثابت على كل حال سواء كان بلفظ الزيارة أو الرؤية، وراويه فضالة بن سعيد بن زميل المازني شيخ مجهول، لا يعرف له ذكر إلا في هذا الخبر الذي تفرد به، ولم يتابع عليه) (١).\nوأما الحديث الرابع وهو: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» فقد أورده السيوطي (٢)، ورواه البزار (٣)، والدارقطني (٤).\nوقد رمز السيوطي لضعف الحديث، وفي إسناده كذلك راو ضعيف، وهو عبد الله بن إبراهيم الغفاري؛ قال الهيثمي: (وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري، وهو ضعيف) (٥).\nويقول ابن حجر عن هذا الراوي: (عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري، أبو محمد المدني: متروك، نسبه ابن حبان إلى الوضع) (٦).\nوقال ابن عبد الهادي عن الحديث: (وهو حديث منكر ضعيف الإسناد واه الطريق لا يصلح للاحتجاج بمثله، ولم يصححه أحد من الحفاظ المشهورين، ولا اعتمد عليه أحد من الأئمة المحققين) (٧).\nوفيه كذلك من جهة الإسناد راو تكلم فيه العلماء وضعفوه؛ وهو عبد الله بن عمر العمري؛ يقول ابن عبد الهادي: (وقد تكلم في عبد الله العمري جماعة من أئمة الجرح والتعديل، ونسبوه إلى سوء الحفظ، والمخالفة للثقات في الروايات).\nثم نقل كلام العلماء في تجريحه (٨)، وأن هذا الحديث لا يثبت به شيء، ولا يعتمد عليه محقق.\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث: (وأما قوله: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» وأمثال هذا الحديث – مما روي في زيارة قبره ﷺ – فليس منها شيئًا صحيحًا، ولم يرو أحد من أهل الكتب المعتمدة منها شيء؛ لا أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم، ولا أصحاب السنن كأبي داود والنسائي، ولا الأئمة من أهل المسانيد كالإمام أحمد وأمثاله، ولا اعتمد على ذلك أحد من أئمة الفقه كمالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأمثالهم؛ بل عامة هذه الأحاديث مما يعلم أنها كذب موضوعة).\nإلى أن يقول عن سند الحديث: (ومداره على عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف) (٩) إلخ.\nأما الحديث الخامس وهو: «من جاءني زائرًا لا تعمله حاجة إلا زيارتي ...» إلخ وفي رواية ذكرها الذهبي: «لا تنزعه حاجة إلا زيارتي» فقد أخرج هذا الحديث الطبراني (١٠) والدارقطني (١١)، وهو من الأحاديث التي أوردها السبكي في كتابه (شفاء السقام) (١٢) وانتصر لها.\nوهذا الحديث غير ثابت بسند صحيح؛ قال فيه ابن عبد الهادي: (ليس فيه ذكر الزيارة للقبر، ولا ذكر الزيارة بعد الموت، مع أنه حديث ضعيف الإسناد، منكر المتن، لا يصلح الاحتجاج به، ولا يجوز الاعتماد على مثله، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا رواه الإمام أحمد في مسنده، ولا أحد من الأئمة المعتمد على ما أطلقوه في رواياتهم، ولا صححه إمام يعتمد على تصحيحه.\n_________\n(١) «الصارم المنكي» (ص: ١٦٧).\n(٢) «الجامع الصغير» (٢/ ١٧٢)، ورمز لضعفه.\n(٣) رواه البزار كما في «مجمع الزوائد» (٤/ ٥) للهيثمي.\n(٤) رواه الدارقطني (٢/ ٢٧٨).\n(٥) «مجمع الزوائد» (٤/ ٥).\n(٦) «تقريب التهذيب» (١/ ٤٠٠).\n(٧) «الصارم المنكي» (ص: ١٣٠).\n(٨) «الصارم المنكي» (١١ - ٢٨).\n(٩) «كتاب الزيارة ضمن الجامع الفريد» (ص: ٣٨٢)، «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٢٢١).\n(١٠) «مجمع الزوائد» (٤/ ٢).\n(١١) لم أقف عليه من رواية الدارقطني.\n(١٢) «شفاء السقام» (ص: ١٦).","vol":"4","page":410},{"text":"ثم ذكر ابن عبد الهادي علة أخرى لضعف الحديث؛ وهو أنه ضعيف الإسناد، لأنه تفرد به شيخ لم يعرف بنقل العلم، ولم يشتهر بحمله، ولم يعرف من حاله ما يوجب قبول خبره، وهو مسلمة بن سالم الجهني الذي لم يشتهر إلا برواية هذا الحديث المنكر) (١).\nويقول فيه ابن حجر (٢): (مسلم بن سالم الجهني بصري، كان يكون بمكة، ضعيف، ويقال فيه: مسلمة بزيادة هاء).\nوأما الحديث السادس وهو: «من زار قبري حلت له شفاعتي»، فقد أخرجه البزار في مسنده (٣)، وقد عزاه عبد الحق إلى الدارقطني أيضًا فيما يذكر السبكي (٤)، وفيه راويان ضعيفان، تكلم فيهما العلماء بالتجريح، وهما عبد الله بن إبراهيم الغفاري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nويقول ابن عبد الهادي في رده على السبكي: (واعلم أن هذا الحديث الذي ذكره من رواية البزار، حديث ضعيف منكر ساقط الإسناد، لا يجوز الاحتجاج بمثله عند أحد من أئمة الحديث وحفاظ الأثر ... وأما عبد الله بن إبراهيم، فهو ابن أبي عمرو الغفاري، أبو محمد المدني يقال: إنه من ولد أبي ذر الغفاري، وهو شيخ ضعيف الحديث جدًا منكر الحديث، وقد نسبه بعض الأئمة إلى الكذب ووضع الحديث).\nثم ذكر ما قاله العلماء في تجريحه إلى أن قال: (وأما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ فضعيف غير محتج به عند أهل الحديث).\nثم ذكر كذلك ما قاله العلماء في تجريحه من أوصاف ترد روايته (٥).\nوأما الحديث السابع وهو: «من زارني متعمدًا» إلخ الحديث. فقد أخرجه أبو جعفر العقيلي كما ذكر السبكي (٦).\nيقول ابن عبد الهادي: (إن هذا الحديث ضعيف مضطرب مجهول الإسناد، من أوهى المراسيل وأضعفها) (٧).\nوأما الحديث الأخير وهو الثامن: «من أتى المدينة زائرًا ..» إلخ الحديث. فإن السبكي (٨) عزاه إلى يحيى الحسيني في أخبار المدينة، ثم ساق الحديث دون أن يبين السبكي درجة الحديث عنده ولا الرجل المبهم في السند.\nقال ابن عبد الهادي عن هذا الحديث: (حديث باطل لا أصل له، وخبر معضل لا يعتمد على مثله، وهو من أضعف المراسيل وأوهى المنقطعات، ولو فرض أنه من الأحاديث الثابتة؛ لم يكن فيه دليل على محل النزاع) (٩).\nوبعرض ما تقدم: يتضح أنه لم يثبت شيء عن النبي ﷺ في استحقاق الشفاعة لزائر قبره الشريف ﷺ.\n٢ - الشفاعة للأقرب فالأقرب منه ﷺ:\nورد في ذلك حديث ضعيف يدل على ترتيب شفاعة الرسول ﷺ، وأنه يبتدئ بالأقرب فالذي يليه، إلى أن ينتهي بالعجم، وهذا ما يفيده حديث ابن عمر الذي أخرجه الطبراني والدارقطني أن رسول الله ﷺ قال: «أول من أشفع له من أمتي أهل بيتي، ثم الأقرب فالأقرب، ثم الأنصار، ثم من آمن بي من أهل اليمن، ثم سائر العرب، ثم سائر الأعاجم، ومن أشفع له أولًا أفضل» (١٠).\n_________\n(١) «الصارم المنكى» (٣٨).\n(٢) «تقريب التهذيب» (٢/ ٢٤٥).\n(٣) رواه البزار كما في «مجمع الزوائد» (٤/ ٥) للهيثمي.\n(٤) «شفاء السقام» (١٤).\n(٥) «الصارم المنكى» (ص: ٣٠).\n(٦) «شفاء السقام» (ص: ٣١).\n(٧) «الصارم المنكى» (ص: ٩٢).\n(٨) «الصارم المنكى» (ص: ٤٠).\n(٩) «الصارم المنكى» (ص: ١٧١).\n(١٠) أخرجه الطبراني (١٢/ ٤٢١) (١٣٥٥٠)، والدارقطني في «أوهام الجمع والتفريق» (٢/ ٤٨). وقال: غريب من حديث ليث عن مجاهد تفرد به حفص بن أبي داود عنه، وقال الذهبي في «ترتيب الموضوعات» (٣١١): رواه حفص بن أبي داود متروك، وقال الهيثمى في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨٣): فيه من لم أعرفهم.","vol":"4","page":411},{"text":"وقد قال الدارقطني بعد أن أخرجه: (تفرد به حفص عن ليث، وقد ضعف الحديث بسبب هذين الراويين؛ لأن ليثًا ضعيف، وحفص كذاب وهو المتهم به كما يذكر السيوطي (١)، فالحديث من رواية كذاب عن ضعيف.\nويقول ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات) في باب ذكر الشفاعة بعد أن أخرج الحديث قوله: (قال المصنف: قلت: أما ليث فغاية في الضعف عندهم، إلا أن المتهم هذا حفص. قال أحمد ومسلم والنسائي: هو متروك) (٢).\nويقول ابن حجر: (ليث بن أبي سليم بن زنيم – بالزاي والنون مصغرًا – واسم أبيه أيمن. وقيل غير ذلك، صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثه فترك) (٣).\nويقول عن حفص: (حفص بن أبي داود القارئ، صاحب عاصم، ويقال له: حفيص، متروك الحديث مع إمامته في القراءة) (٤).\nوبهذا نعلم أن تلك الرواية ضعيفة وغير مقبولة، وأن الوارد والثابت من أحاديث الشفاعة أنه يشفع لكل مؤمن عندما يأذن له الله بالشفاعة فيه دون نظر إلى جنسه أو نسبه.\n٣ - ومن الشفاعات غير الثابتة أيضًا: القول بأن الرسول ﷺ خص بشفاعته أهل مدن بعينها؛ كمكة والمدينة والطائف وغيرها من المدن:\nفإن هذا لم يثبت عنه ﷺ أنه حدد الشفاعة لأهل مدن معينة، أو ذكر أهل بلدان يخصهم بالشفاعة، غير ما ورد عن أهل المدينة فيمن فضلها على غيرها، وسكن بها صابرًا على لأوائها وشدتها، ومات بها.\nأما الحديث الذي يروى هنا في شفاعة الرسول ﷺ لأهل مدن بعينها؛ فهو عن عبد الملك بن عباد بن جعفر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الطائف» (٥)، وهذا الحديث في إسناده مجاهيل، كما قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٦).\n٤ - ومن الشفاعات التي لم تثبت كذلك عن رسول الله ﷺ:\nما ذكر من شفاعته ﵊ لأكثر مما على وجه الأرض من شجر ومدر: كما جاء عن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني أشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من شجر ومدر» (٧).\nقال السفاريني: وأخرجه الطبراني في «الأوسط» عن أنيس الأنصاري، ولفظه: «أكثر مما على وجه الأرض من شجر ومدر» (٨) (٩).\n_________\n(١) «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» (٢/ ٤٥٠).\n(٢) «الموضوعات لابن الجوزي» (٣/ ٢٥٠).\n(٣) «تقريب التهذيب» (٢/ ١٣٨).\n(٤) «تقريب التهذيب» (١/ ١٨٦).\n(٥) رواه الطبراني كما في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨٤) وقال: فيه جماعة لم أعرفهم.\n(٦) «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨٤) وقال: فيه جماعة لم أعرفهم.\n(٧) رواه بنحوه أحمد (٥/ ٣٤٧) (٢٢٩٩٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/ ٣٢٩)، والديلمي (١/ ٦٠) (١٧١). قال العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢٨٨): إسناده حسن.\n(٨) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٥/ ٢٩٥) (٥٣٦٠)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» من طريق الطبراني (١/ ٢٥٠) (٨٥٧). قال الهيثمي (١٠/ ٣٨٢): فيه أحمد بن عمرو صاحب علي بن المديني ويعرف بالقلوري ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم.\n(٩) «لوامع الأنوار البهية» (ص: ٢٠٥)، «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير (٤/ ٣٠٩).","vol":"4","page":412},{"text":"وروى الإمام أحمد عن بريدة قال: «دخلت على معاوية، فإذا رجل يتكلم، فقال بريدة: يا معاوية، أتأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم، وهو يرى أنه سيتكلم بمثل ما قال الآخر، فقال بريدة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة أو مدرة قال: أفترجوها أنت يا معاوية ولا يرجوها علي بن أبي طالب ﵁» (١).\nولكن في سند الحديث أبو إسرائيل الملائي، وهو ضعيف، قال الهيثمي بعد أن أورد الحديث عن أحمد، قال: (ورجاله وثقوا على ضعف كثير في أبي إسرائيل الملائي) (٢).\nوأورد الهيثمي حديثًا عن بريدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كثير الحجر والشجر، ثلاث مرات. قلنا: نعم. قال: والذي نفسي بيده، لشفاعتي أكثر من الحجر والشجر» (٣)، قال الهيثمي: وفيه سهل بن عبد الله بن بريدة وهو ضعيف (٤).\n٥ - الشفاعة لمن مات في أحد الحرمين:\nوهذه الشفاعة لم أجد فيها حديثا صحيحا، ويستدل من يقول بها بما روي عن سلمان عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي، وكان يوم القيامة من الآمنين» (٥).\nوهذا الحديث لا يتم الاستدلال به كذلك على ثبوت هذه الشفاعة؛ لأن في سنده عبد الغفور بن سعيد، وهو متروك كما يذكر الهيثمي (٦).\nأما من مات بالمدينة فقد تقدم الكلام فيه.\n٦ - ومن الأسباب الأخرى في الشفاعات غير الثابتة:\nما جاء عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا شفيع لكل رجلين تآخيا في الله من مبعثي إلى يوم القيامة» (٧).\nوالحديث ضعيف، لأن في سنده عمرو بن خالد الكوفي، وهو أبو خالد الواسطي، وهو كذاب كما قال عنه وكيع، وقال ابن حجر: إنه متروك (٨).\nوالتآخي في الله أمر مطلوب، وقد حث عليه الشرع ورغب فيه، والمؤمنون يشفع بعضهم في بعض، كما صرحت بذلك النصوص النبوية، لكن القول بأن التآخي مما يوجب الشفاعة؛ هو الذي يتوقف القول به على ثبوت صحته.\n٧ - ومنها كذلك ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «ثلاثة أنا شفيع لهم يوم القيامة: الضارب بسيفه أمام ذريتي، والقاضي لهم حوائجهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه» (٩).\nومن تأمل القصد من وراء هذا الحديث، يرى أن وضع الشيعة ظاهر عليه.\nوالحديث غير ثابت، لأن في سنده داود بن سليمان الجرجاني، وهو مجهول.\nقال فيه ابن أبي حاتم: (داود بن سليمان الجرجاني. سمعت أبي يقول: هو مجهول) (١٠).\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٤٧) (٢٢٩٩٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/ ٣٢٩)، والديلمي (١/ ٦٠) (١٧١). قال العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢٨٨): إسناده حسن.\n(٢) «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨١).\n(٣) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٤/ ٢٤٦) (٤١٠٠).\n(٤) «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨١).\n(٥) رواه الطبراني (٦/ ٢٤٠) (٦١٠٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٩٦). قال ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٦٠٠): لا يصح والمتهم به عبد العزيز الواسطي، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٣٢٢): فيه عبد الغفور بن سعيد وهو متروك.\n(٦) «مجمع الزوائد» (٢/ ٣٢٢).\n(٧) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٣٦٨)، والديلمي (١/ ٤٩) (١٢٧). قال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (١٧٢٣): موضوع.\n(٨) «تقريب التهذيب» (٢/ ٦٩).\n(٩) «عزاه في الشفاعة» (ص: ٢٥٣) إلى أبي طالب في «الأمالي».\n(١٠) «الجرح والتعديل» (٣/ ٤١٣).","vol":"4","page":413},{"text":"وقال الذهبي: (داود بن سليمان الجرجاني الغازي عن علي بن موسى الرضا وغيره، كذبه يحيى بن معين، ولم يعرفه أبو حاتم، وبكل حال فهو شيخ كذاب، له نسخة موضوعة على الرضا) (١).\nوقال الشوكاني عن الحديث: إنه موضوع، وقد أورده بلفظ: «أربعة أنا شفيع لهم يوم القيامة: المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم مما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه» (٢) (٣).\nومثل الحديث السابق ما روى الطبراني عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له» (٤). وفي سنده مجاهيل.\nقال الهيثمي عن سنده: (وفيه جماعة لم أعرفهم) (٥).\nومثله الحديث الآخر: «من أحبني فليحب عليًا، ومن أحب عليًا فليحب فاطمة، ومن أحب فاطمة فليحب الحسن والحسين، وإن أهل الجنة ليباشرون ويسارعون إلى رؤيتهم ينظرون إليهم، محبتهم إيمان، وبغضهم نفاق، ومن أبغض أحدًا من أهل بيتي فقد حرم شفاعتي، فإنني نبي مكرم، بعثني الله بالصدق، فحبوا أهل بيتي، وحبوا عليًّا» (٦) (٧).\nوهذا الحديث موضوع وباطل، والذي وضعه عبد الله بن حفص.\n٨ - ومنها كذلك:\nما يروى من الأحاديث التي تدل على استحقاق الشفاعة بحفظ أربعين حديثًا من السنة؛ مثل ما يروى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يحفظ على أمتي أربعين حديثًا يعلمهم بها أمر دينهم إلا جيء به يوم القيامة فقيل له: اشفع لمن شئت» (٨).\nوفي سند هذا الحديث يزيد بن أبان الرقاشي، وهو راو متروك، كما ذكر النسائي وغيره (٩).\nوفيه كذلك عمرو بن الأزهر، وكان يضع الحديث، كما ذكر الإمام أحمد، وقال البخاري: (يرمى بالكذب)، وقال النسائي وغيره: (متروك) (١٠).\nوهذا الحديث هو أحد الأحاديث التي ذكرها ابن عبد البر في إثبات الشفاعة لمن حفظ أربعين حديثًا، وقد ذكر ابن الجوزي عدة أحاديث في ثبوت الشفاعة لمن حفظ أربعين حديثًا، ثم عقب عليها بالتضعيف (١١).\n٩ - ومنها كذلك:\nما يروى عن استحقاق الشفاعة لمن قضى حوائج الناس؛ مثل ما يروى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من قضى لأخيه حاجة كنت واقفًا عند ميزانه، فإن رجع وإلا شفعت له» (١٢).\n_________\n(١) «ميزان الاعتدال» (٢/ ٨).\n(٢) أورده الحافظ في «لسان الميزان» (٢/ ٤١٧) في ترجمة داود بن سليمان الجرجانى الغازي) وقال: هو شيخ كذاب له نسخة موضوعة عن علي بن موسى الرضا.\n(٣) «الفوائد المجموعة» (ص: ٣٩٧).\n(٤) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٦/ ٨٥) (٥٨٧٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٧١): فيه جماعة لم أعرفهم.\n(٥) «مجمع الزوائد» (٩/ ١٧١).\n(٦) رواه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٥/ ٤٣٤). من حديث أنس ﵁. وقال: موضوع، وأورده ابن الجوزي في كتاب «الموضوعات» (٢/ ٢٣٢).\n(٧) «الفوائد المجموعة» (ص: ٣٩٥).\n(٨) رواه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٥/ ٥٦)، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص: ٢٠)، وابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ٩٥). قال الذهبي في «تلخيص العلل المتناهية» (١٣٥): فيه موسى الطويل كذاب، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٣٧٩).\n(٩) انظر: «الضعفاء والمتروكين» (٦٤٢)، و«ميزان الاعتدال» (٣/ ٢٤٥).\n(١٠) انظر: «الضعفاء» للعقيلي (١٢٦٢)، و«الضعفاء والمتروكين» للنسائي (٤٥٤)، «ميزان الاعتدال» (٣/ ٢٤٥).\n(١١) «العلل المتناهية» (١/ ١١١ - ١٢١).\n(١٢) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ٣٥٣). وقال: غريب من حديث مالك تفرد به الغفاري.","vol":"4","page":414},{"text":"وهذا الحديث لا يتم به الاستدلال على ثبوت تلك الشفاعة؛ لأن في سنده راويًا وضاعًا، وهو عبد الله بن إبراهيم الغفاري، يقول عنه الذهبي: (نسبه ابن حبان إلى أنه يضع الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وقال الدارقطني: حديثه منكر) (١).\nومثله كذلك ما عزاه الإمام ابن كثير إلى ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: ٣٠] قال: أُجُورَهُمْ: يدخلهم الجنة وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ: الشفاعة لمن صنع إليهم المعروف في الدنيا (٢).\nوهذا الحديث لا يتم به الاستدلال، لأن في سنده إسماعيل بن عبد الله الكندي، ذكر الهيثمي في (مجمع الزوائد) أنه ضعفه الذهبي من عند نفسه فقال: (أتى بخبر منكر، وبقية رجاله وثقوا) (٣).\nوقال ابن كثير: (هذا إسناد لا يثبت) (٤).\nوأورده السيوطي من حديث طويل عن أبي هريرة وابن عباس عن النبي ﷺ جاء فيه: «ومن بنى على ظهر طريق يهوي إليه عابروا السبيل بعثه الله يوم القيامة على نجيبة من در، ووجهه يضيء لأهل الجمع حتى يقول أهل الجمع: هذا ملك من الملائكة لم ير مثله، حتى يزاحم إبراهيم في قبته، ويدخل في الجنة بشفاعته أربعون ألف رجل».\nوفيه كذلك: «ومن احتفر بئرًا حتى يبسط ماؤها فيبذلها للمسلمين كان له أجر من توضأ منها وصلى، وله بعدد شعر كل من شرب منها حسنات: إنس، أو جن، أو بهيمة، أو سبع، أو طائر، أو غير ذلك، وله بكل شعرة من ذلك عتق رقبة، ويرد في شفاعته يوم القيامة حوض القدس عدد نجوم السماء. قيل: يا رسول الله، وما حوض القدس؟ قال: حوضي، حوضي، حوضي» (٥).\nقال ابن حجر: (هذا الحديث بطوله موضوع على رسول الله ﷺ، والمتهم به ميسرة بن عبد ربه، لا بورك فيه) (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٤٣٣\n_________\n(١) «المجروحين» (٢/ ٣٦ - ٣٧)، و«ميزان الاعتدال» (٢/ ٣٨٨).\n(٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ٥٩١).\n(٣) «مجمع الزوائد» (٧/ ١٣).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (١/ ٥٩٢).\n(٥) «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» (٢/ ٣٧٠).\n(٦) «المطالب العالية» (٣/ ١٣٤).","vol":"4","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1307>المطلب الأول: شفاعة نبينا محمد ﷺ</span>\nأما ثبوت شفاعة نبينا محمد ﷺ، فقد قدمنا في ذكر أقسام الشافاعات الثابتة له ﷺ، ما يدل على منزلته العظمى، بإكرام الله له بكثرة شفاعاته، الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٤٦٩","vol":"4","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1308>المطلب الثاني: شفاعة الأنبياء الآخرين غير نبينا محمد ﷺ:</span>\nومن إكرام الله تعالى لأنبيائه وأصفيائه قبول شفاعتهم فيمن يشفعون له ممن سبقت لهم الرحمة، فيتقدمون بطلب شفاعتهم إلى ربهم في إخراج أقوام من النار دخولها بذنوبهم ليخرجوا منها.\nوقد ثبتت هذه الشفاعة بما جاء في الصحيحين من حديث طويل عن أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه قوله ﷺ: «فيقول الله ﷿: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون. ولم يبق إلا أرحم الراحمين. فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حممًا» (١).\nوليس معنى هذا أن الله يخرجهم من النار وهم كفار؛ بل المعنى أنهم لم يعملوا خيرًا سوى الشهادتين ولولاهما لما خرجوا؛ شأنهم شأن غيرهم من الكفار.\nوعن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار. قال: فينجي الله تعالى برحمته من يشاء، قال: ثم يؤذن للملائكة، والنبيين، والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون، فيشفعون ويخرجون، فيشفعون ويخرجون» وزاد عفان مرة فقال أيضًا: «ويشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان» (٢).\nوقد بوب الهيثمي في كتابه (موارد الظمآن)، لإثبات شفاعة الأنبياء والملائكة بقوله: (باب في شفاعة الملائكة والنبيين) ثم أورد الحديث الآتي:\nعن صالح بن أبي طريف قال: قلت لأبي سعيد الخدري: أسمعت رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ [الحجر: ٢]؟ فقال: نعم، سمعته يقول: «يخرج الله أناسًا من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم». قال: «لما أدخلهم الله النار مع المشركين، قال المشركون: أليس كنتم تزعمون في الدنيا أنكم أولياؤه، فما لكم معنا في النار؟ فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة، فتشفع لهم الملائكة والنبيون، حتى يخرجوا بإذن الله، فلما أخرجوا قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة، فنخرج من النار. فذلك قول الله: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ قال: فيسمون الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: ربنا أذهب عنا هذا الاسم، فيغتسلون في نهر في الجنة فيذهب ذلك منهم» (٣).\nوقد أورده أيضًا الآجري (٤)، ويذكر الرازي أن أكثر المفسرين على هذا القول (٥).\nوروى مجاهد عن ابن عباس – ﵄ – قال: «ما يزال الله يرحم المؤمنين، ويخرجهم من النار، ويدخلهم الجنة بشفاعة الأنبياء والملائكة، حتى إنه تعالى في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة، قال: فهنالك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين» (٦).\nوهذا المعنى هو الذي يوافق مذهب السلف لا المعتزلة، ولهذا فإن القاضي فيما ذكره عن الرازي يقول: (إن هذه الروايات مبنية على أنه تعالى يخرج أصحاب الكبائر من النار، وعلى أن شفاعة الرسول ﷺ مقبولة في إسقاط العقاب، وهذان الأصلان عنده مردودان).\nقال الرازي: (فعند هذا حمل هذا الخبر على وجه يطابق قوله ويوافق مذهبه؛ وهو أنه تعالى يؤخر إدخال طائفة من المؤمنين الجنة بحيث يغلب على ظن الكفرة أنه تعالى لا يدخلهم الجنة، ثم إنه تعالى يدخلهم الجنة فيزداد غمُّ الكفرة وحسرتهم، وهناك يودون لو كانوا مسلمين) (٧).\nوهذا تكلف من القاضي ظاهر سببه عدم الإيمان بوقوع الشفاعة في أهل النار.\nومن أين له الدليل على أن الله يؤخرهم وقتًا لأجل غمِّ الكفرة ثم يسمح لهم بدخول الجنة؟!\nوقد ذكر الإمام ابن كثير وغيره من المفسرين عند شرح هذه الآية: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ [الحجر: ٢] كثيرًا من النصوص التي تدل على أن الله يخرج من النار أقوامًا بفضل رحمته وشفاعة الشافعين لهم (٨)، من الأنبياء وغيرهم. الحياة الآخرة لغالب عواجي- بتصرف - ١/ ٤٦٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٤٣) (٢٠٤٥٧)، والطبراني في «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٢) (٩٢٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٣٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٢): رجاله رجال الصحيح، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (٢٥١): إسناده صحيح.\n(٣) «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان» (٢٥٩٩).\n(٤) «الشريعة» (٣٣٧).\n(٥) «تفسير الرازي» (١٩/ ١٥٤).\n(٦) رواه الطبري (١٧/ ٦٢)، والحاكم (٢/ ٣٨٤). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٧) «تفسير الرازي» (١٩/ ١٥٤).\n(٨) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٤٦).","vol":"4","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1309>المطلب الثالث: شفاعة الملائكة</span>\nومن الشفعاء كذلك الملائكة ﵈، ولا خلاف في ذلك بين الفرق الإسلامية، فقد ثبتت شفاعتهم بالأدلة الصحيحة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، ثبت أنهم يشفعون إذا أذن الله لهم ورضي .............\nأما الأدلة على إثبات شفاعتهم من القرآن الكريم فهي:\n١ - قوله ﷿ مبينًا درجتهم في الشفاعة: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦].\n٢ - وقوله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: ٢٨].\nوفي هذه الآيات يثبت الله ﷾ أن الملائكة يشفعون في المذنبين، وأن شفاعتهم تقبل بعد إذنه ورضاه في يوم القيامة.\nوقد حصل خلاف في ثبوت شفاعة الملائكة لأهل الكبائر، أيشفعون لهم أم لا؟ بعد اتفاق الجميع على ثبوت شفاعتهم في الجملة.\n١ - فذهب الكعبي من المعتزلة إلى عدم ثبوت شفاعة الملائكة في أهل الكبائر.\n٢ - وذهب أهل القول الحق إلى أنها تقع.\nوخلافهم يدور حول معنى قول الله تعالى مخبرًا عن دعاء الملائكة للمؤمنين بالجنة: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [غافر: ٧ - ٨].\nحيث أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن دعائهم واستشفاعهم للمؤمنين ولأولاد المؤمنين وزوجاتهم أن يدخلهم الله جنات عدن، وهذا الدعاء لهم بظهر الغيب، استشفاع منهم إلى الله تعالى، في أن يرحم المؤمنين ويغفر لهم ما صدر منهم من الذنوب.\nقال ابن كثير عن معنى قول الله تعالى عن وصف الملائكة: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: ٧]: (أي من أهل الأرض ممن آمن بالغيب، فقيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب، ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم الصلاة والسلام، كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم: «من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل» (١) (٢)، وهذا من تمام محبتهم الخير للبشر، وعطفهم عليهم، ورغبتهم في ثوابهم.\nأما اعتراض الكعبي الذي استنبطه من هذه الآية بزعمه؛ ليرد به على من يقول من أهل السنة بحصول الشفاعة في المذنبين بحجة أن الشفاعة – كما هو رأي المعتزلة – لا تكون إلا في وقوع زيادة الثواب للمؤمنين لا في إسقاط العقاب عن المذنبين – قال: وذلك لأن الملائكة قالوا: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ. قال: (وليس المراد: فاغفر للذين تابوا من الكفر. سواء أكان مصرًا على الفسق أم لم يكن كذلك؛ لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعًا سبيل ربه ولا يطلق ذلك فيه).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٣٢). من حديث أبي الدرداء ﵁.\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٧/ ١٣٠).","vol":"4","page":418},{"text":"ثم ذكر اعتراضًا آخر فقال: وأيضًا إن الملائكة يقولون: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم، وهذا لا يليق بالفاسقين، لأن خصومنا – يعني القائلين بالشفاعة في المذنبين – لا يقطعون على أن الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يجوز ذلك، فثبت – كما يقول -: (إن شفاعة الملائكة لا تتناول إلا أهل الطاعة) (١).\nهذا ما يتعلق باعتراضه واحتجاجه بهذه الآية على نفي شفاعة الملائكة للمذنبين.\nوقد أجاب الرازي عن تلك الشبهة فقال: (إن هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين)، ثم ذكر الوجوه التي تدل على هذا بقوله:\nالأول: قوله وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا، والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفارًا.\nالثاني: قوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وهذا يدل على أنهم يستغفرون لكل أهل الإيمان، فإذا دللنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن، وجب دخوله تحت هذه الشفاعة.\nالثالث: قوله تعالى: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، طلب المغفرة للذين تابوا، ولا يجوز أن يكون المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة، لأن ذلك واجب على الله عند الخصم، وما كان فعله واجبًا كان طلبه بالدعاء قبيحًا، ولا يجوز أيضًا أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر، لأن ذلك واجب فلا يحسن طلبه بالدعاء، ولا يجوز أن المراد طلب زيادة منفعة على الثواب، لأن ذلك لا يسمى مغفرة، فثبت أنه لا يمكن حمل قوله: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ إلا على إسقاط عقاب الكبيرة قبل التوبة، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على أنه لا فرق.\nثم قال الرازي متابعًا رده على الكعبي: (أما الذي يتمسك به الكعبي وهو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا، فنقول: يجب أن يكون المراد منه، الذين تابوا عن الكفر واتبعوا سبيل الإيمان.\nوقوله: إن التائب عن الكفر المصر على الفسق لا يسمى تائبًا، ولا متبعًا سبيل الله.\nقلنا: لا نسلم قوله؛ بل يقال: إنه تائب عن الكفر، وتابع سبيل الله في الدين والشريعة، وإذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب؛ ألا ترى أنه يكفي في صدق وصفه بكونه ضاربًا وضاحكًا، صدور الضرب والضحك عنه مرة واحدة، ولا يتوقف ذلك على صدور كل أنواع الضرب والضحك عنه؟ فكذا هاهنا) (٢).\nوإذا ثبتت شفاعة الملائكة للذين آمنوا وثبت كذلك اهتمامهم بالدعاء لهم، فيحسن أن يعرف السر في هذا الاهتمام والاستشفاع إلى الله في طلب العفو والمغفرة للبشر.\nوقد أجاب الرازي عن السر في هذا الاهتمام فيما ينقله عن أهل التحقيق بقوله: (إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن ذلة سبقت؛ وذلك لأنهم قالوا في أول تخليق البشر: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء [البقرة: ٣٠]، فلما سبق منهم هذا الكلام تداركوا في آخر الأمر بأن قالوا: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر: ٧]. وهذا كالتنبيه على أن من آذى غيره، فالأولى أن يجبر ذلك الإيذاء بإيصال نفع عليه) (٣).\nهذا فيما يتعلق بالاستدلال من القرآن الكريم على ثبوت شفاعة الملائكة.\nأما فيما يتعلق بورود ذلك في السنة، فقد قدمنا في بحث شفاعة الأنبياء بعض الأحاديث التي تثبت شفاعة الأنبياء والملائكة في مساق واحد، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في الصحيحين (٤)، وكذا حديث أبي بكرة الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥)، وكذا حديث صالح بن أبي طريف عن أبي سعيد الخدري (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي – بتصرف – ١/ ٤٧٥\n_________\n(١) «تفسير الرازي» (٢٧/ ٣٤).\n(٢) «تفسير الرازي» (٢٧/ ٣٤).\n(٣) «تفسير الرازي» (٢٧/ ٣٤).\n(٤) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).\n(٥) رواه أحمد (٥/ ٤٣) (٢٠٤٥٧)، والطبراني في «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٢) (٩٢٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٣٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٢): رجاله رجال الصحيح، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (٢٥١): إسناده صحيح.\n(٦) «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان» (ص: ٢٥٩٩)، و«الشريعة» (ص: ٣٧٧).","vol":"4","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1310>المطلب الرابع: شفاعة الشهداء</span>\nومن الشفعاء الذين أكرمهم الله تعالى بقبول شفاعتهم: الشهداء ........\nأما الأدلة على ثبوت شفاعة الشهداء:\nفمنها ما جاء في حديث الوليد بن رباح الذماري عن نمران بن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام، فقالت: أبشروا، فإني سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ: «يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته» (١).\nوقد بوب الإمام أبو داود على هذا الحديث بقوله: (باب في الشهيد يشفع)، ثم أشار إلى السند بأن الصواب في اسم الوليد بن رباح أنه (رباح بن الوليد).\nوعن المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه» (٢).\nوعن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ: «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء» (٣).\nوذكر الآجري حديثًا عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله ﷺ قال: «للشهيد عند الله تسع خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه» (٤). ومثله ما جاء عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ (٥).\nوفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي بكر الصديق ﵁: «ثم يقال: ادعوا الصديقين، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الأنبياء، قال: فيجيء النبي ومعه العصابة، والنبي ومعه الخمسة والستة، والنبي ليس معه أحد، ثم يقال: ادعوا الشهداء، فيشفعون لمن أرادوا» وقال: «فإذا فعلت الشهداء ذلك، قال: يقول الله ﷿: أنا أرحم الراحمين، أدخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئًا» الحديث (٦).\nوعن أبي بكرة عن النبي ﷺ، قال: «يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار». قال: «فينجي الله تعالى برحمته من يشاء». قال: «ثم يؤذن للملائكة، والنبيين، والشهداء أن يشفعوا، فيشفعون ويخرجون، فيشفعون ويخرجون، فيشفعون ويخرجون» - وزاد عفان مرة فقال أيضًا: «ويشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان» (٧). الحياة الآخرة لغالب عواجي – بتصرف- ١/ ٤٨٠\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٥٢٢)، وابن حبان (١٠/ ٥١٧) (٤٦٦٠)، والبيهقي (٩/ ١٦٤) (١٨٣٠٨). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) رواه الترمذي (١٦٦٣)، وابن ماجه (٢٢٧٤)، وأحمد (٤/ ١٣١) (١٧٢٢١)، والبيهقى فى «شعب الإيمان» (٤/ ٢٥). قال الترمذي: حسن صحيح غريب، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ١٦) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) رواه ابن ماجه (٤٩٩٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٢٦٥). قال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٢١): إسناده ضعيف، وقال الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه»: موضوع.\n(٤) رواه الآجري في «الشريعة» (ص: ٣٤٩).\n(٥) رواه الآجري في «الشريعة» (ص: ٣٤٩).\n(٦) رواه أحمد (١/ ٤) (١٥)، والبزار (١/ ١٤٩) (٧٦)، وابن أبى عاصم (٨١٢)، وأبو يعلى (١/ ٥٦) (٥٦)، وابن حبان (١٤/ ٣٩٣) (٦٤٧٦). قال ابن القيم في «حادي الأرواح» (٢٥٥): متواتر، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٧٧): رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار ورجالهم ثقات، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٢٩).\n(٧) رواه أحمد (٥/ ٤٣) (٢٠٤٥٧)، والطبراني في «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٢) (٩٢٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٣٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٢): رجاله رجال الصحيح، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (٢٥١): إسناده صحيح.","vol":"4","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1311>المطلب الخامس: شفاعة الولدان</span>\nومن الشفاعات الثابتة ما جاء في شفاعة الولدان في آبائهم وأمهاتهم إذا احتسبوهم عند الله تعالى بنية صادقة، رحمة من الله تعالى وكرمًا منه، ليجبر قلوب الآباء والأمهات بما لحقهم من فقد أولادهم.\nومن الأدلة على ذلك ما قاله ﷺ فيما يرويه عنه أبي هريرة ﵁: «لا يموت لمسلم ثلاث من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم» (١).\nوعنه أيضًا أن رسول الله ﷺ قال لنسوة من الأنصار: «لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: أو اثنين» (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النساء قلن للنبي ﷺ: «اجعل لنا يومًا، فوعظهن، وقال: أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا له حجابًا من النار. قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان وفي رواية: لم يبلغوا الحنث» (٣).\nوعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» (٤).\nوعن أبي هريرة قال: «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ بابن لها فقالت: يا رسول الله، إنه يشتكي، وإني أخاف عليه؛ قد دفنت ثلاثة. قال: لقد احتظرت بحظار شديد من النار» (٥).\nوأورد مسلم أيضًا رواية أخرى عن أبي هريرة بمعنى ما تقدم (٦).\nوعن أبي حسان قال: «قلت لأبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله ﷺ بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: قال: نعم صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه – أو قال أبويه – فيأخذ بثوبه – أو قال: بيده – كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا فلا يتناهى – أو قال: فلا ينتهي – حتى يدخله الله وأباه الجنة» (٧).\nوعن شرحبيل بن شفعة عن بعض أصحاب النبي ﷺ يقول: «يقال للولدان يوم القيامة: أدخلوا الجنة قال: فيقولون: يا ربنا حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا. قال: فيأبون. قال: فيقول الله ﷿: ما لي أراهم محبنطئين، ادخلوا الجنة. قال: فيقولون: يا رب آباؤنا وأمهاتنا. قال: فيقول: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم» (٨).\nوقد أخرج هذا الحديث الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح سوى شرحبيل وهو ثقة (٩).\nوهذا الموقف من الأبناء لوالديهم هو كرد الجميل إليهم حيث كانوا في الدنيا يولونهم العطف والشفقة.\nولهذا جاء في الحديث أن امرأة أعتقت من النار وأدخلت الجنة بمجرد حصول عطف منها على ابنتين لها؛ حيث أطعمتهما وصبرت هي على الجوع، كما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: «جَاءَتْنِى مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتُهَا ثَلاَثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِى كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِى شَأْنُهَا فَذَكَرْتُ الَّذِى صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ» (١٠).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٥١)، ومسلم (٢٦٣٢).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٣٢).\n(٣) رواه البخاري (١٢٤٩)، ومسلم (٢٦٣٣).\n(٤) رواه البخاري (١٣٨١).\n(٥) رواه مسلم (٢٦٣٦).\n(٦) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٦/ ٤٨٦).\n(٧) رواه مسلم (٢٦٣٥).\n(٨) رواه أحمد (٤/ ١٠٥) (١٧٠١٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨٦): رجاله رجال الصحيح غير شرحبيل وهو ثقة.\n(٩) «مجمع الزوائد» للهيثمي (١٠/ ٣٨٦).\n(١٠) رواه مسلم (٢٦٣٠).","vol":"4","page":421},{"text":"وقد بوب الهيثمي لإثبات شفاعة الولدان هذه بقوله: (باب شفاعة الولدان) (١).\nوقد جعل الله قبول لهذه الشفاعة من الأبناء لآبائهم تفضلًا منه؛ لزيادة أسباب ثوابهم ورفع درجاتهم، حيث عوضهم الله من فقد ثمرة أكبادهم صغارًا بقبول شفاعتهم فيهم.\nفمن مات له ثلاثة من الأولاد، أو اثنان فليبشر ببشارة رسول الله ﷺ له بأنه لا تمسه النار إلا تحلة القسم، وأنهم يكونون له حجابًا من النار، وأن الله يدخله الجنة بفضل رحمته إياهم.\nوقوله ﷺ: «إلا تحلة القسم» هذه إشارة إلى القسم المقدر في قوله تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا أي النار، بحيث لا يدخل المسلم الذي مات له ثلاثة من الولد النار إلا تحلة لقسم الله تعالى بأن كل شخص يردها.\nوقد ذكر الله في كتابه الكريم أنه يجمع بين الآباء وأبنائهم إذا اختلفت درجاتهم في الجنة إكرامًا للآباء لتقر أعينهم بذلك.\nقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور: ٢١].\nوهذه البشارة للمؤمنين تشير إلى سعة فضل الله، وكرمه، وامتنانه، ولطفه، وكمال إحسانه إليهم.\nقال ابن كثير: (فإذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه وبين ذاك) (٢). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٤٩٤\n_________\n(١) «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨٣).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٤٣٢).","vol":"4","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1312>المطلب السادس: شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض</span>\nوثبت كذلك أن الصالحين من المؤمنين يشفعون في إخوانهم الذين في النار وهم الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فدخلوا النار تطهيرًا لهم.\nومن الأدلة على ذلك:\nما جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: «قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوًا؟ قلنا: لا، قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما. ثم قال: ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر، وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون، حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما انتظرنا ربنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا، ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم. قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد، يقال لها: السعدان، المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق - قد تبين لكم- من المؤمنين يومئذ للجبار- وإذا رأوا أنهم قد نجوا- في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا، كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا. قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا: إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا. فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقوامًا قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة؛ فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه» (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).","vol":"4","page":423},{"text":"وقد اشتمل هذا الحديث على مسائل منها: إثبات رؤية الله تعالى، وإثبات الصراط، وصفته، وكيفية مرور الناس عليه، وكذلك إثبات شفاعة الملائكة والأنبياء.\nوبعض تلك المسائل قد سبق ذكرها وبعضها سيأتي، والقصد من إيراد هذا الحديث هنا هو إثبات شفاعة الصالحين من المؤمنين، وإلحاحهم في طلب الشفاعة إلى الله تعالى لإخراج إخوانهم من أهل الكبائر من النار.\nوقوله ﷺ في رواية البخاري للحديث: «فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق - قد تبين لكم- من المؤمنين يومئذ للجبار».\nوقعت هذه الجملة في صحيح مسلم من رواية أبي سعيد هكذا: «حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار».\nوقد اختلف العلماء في ضبط كلمة (استقصاء)، ذكر النووي أن بعضهم يرويها (استيضاء)، وبعضهم (استضاء)، وبعضهم (استيفاء)، وبعضهم (استقصاء).\nوالمعنى ما أنتم بأشد مناشدة في استقصاء الحق في الدنيا من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم.\nوهذا جواب القاضي عياض فيما ينقله عنه النووي، وخطأ القاضي عياض الروايات الأخرى، وقال بأن معنى تلك الرواية (استقصاء) بها يتم الكلام ويتوجه.\nورد عليه النووي بأنه: (ليس الأمر على ما قاله، بل جميع الروايات التي ذكرناها صحيحة لكل منها معنى حسن).\nثم قال: (وقد جاء في رواية يحيى بن بكير عن الليث: فما أنتم بأشد مناشدة في الحق – قد تبين لكم – من المؤمنين يومئذ للجبار – تعالى وتقدس – إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم، وهذه الرواية التي ذكرها الليث توضح المعنى.\nفمعنى الرواية الأولى والثانية: أنكم إذا عرض لكم في الدنيا أمر مهم، والتبس الحال فيه، وسألتم الله تعالى بيانه، وناشدتموه في استيضائه، وبالغتم فيها؛ لا تكون مناشدة أحدكم مناشدة بأشد من مناشدة المؤمنين لله تعالى في الشفاعة لإخوانهم.\nوأما الرواية الثالثة والرابعة فمعناهما أيضًا: ما منكم من أحد يناشد الله تعالى في الدنيا في استيفاء حقه، أو استقصائه وتحصيله من خصمه والمتعدي عليه؛ بأشد من مناشدة المؤمنين الله تعالى في الشفاعة لإخوانهم يوم القيامة) (١).\nوقوله ﷺ عن الله تعالى: «اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه».\nهذا الخطاب للمؤمنين الذين طلبوا الشفاعة إلى الله تعالى.\nوفي رواية أبي هريرة عند البخاري أن الخطاب للملائكة لقوله: «أمر الملائكة أن يخرجوهم» (٢).\nوفي حديث أنس عنده: أن الذي يخرجهم هو الرسول ﷺ لقوله: «ثم اشفع، فيحد لي حدًا، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة» (٣).\nولا منافاة بين تلك الروايات، بل يجمع بينهما بأن الله حينما شفع المؤمنين والرسل، يأمر تعالى الملائكة بمباشرة إخراج أولئك من النار ممن أمرتهم الرسل بإخراجه منها (٤).\nوعن الصنابحي عن عبادة بن الصامت أنه قال: «دخلت عليه وهو في الموت فبكيت، فقال: مهلًا، لم تبكي؟ فوالله لئن شهدت لأشهدن لك، ولئن شفعت لأشفعن لك، ولئن استطعت لأنفعنك. ثم قال: والله ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثًا واحدًا وسوف أحدثكموه اليوم وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار» (٥).\n_________\n(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ٤٣٨).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٧٣).\n(٣) رواه البخاري (٦٥٦٥)، ومسلم (١٩٣).\n(٤) «فتح الباري» (١١/ ٤٥٦).\n(٥) رواه مسلم (٢٩).","vol":"4","page":424},{"text":"وأخرج الإمام أحمد من مسند أبي بكر الصديق في إثبات شفاعة الصالحين والمؤمنين قوله ﷺ: «ثم يقال: ادعوا الأنبياء، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الصديقين، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون» (١).\nوكذا حديث أبي بكرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يحمل الناس على الصراط، فينجي الله من شاء برحمته ثم يؤذن للملائكة، والنبيين، والشهداء، والصديقين فيشفعون» الحديث (٢).\nكما ثبت أيضًا حصول شفاعة المؤمنين لإخوانهم قبل يوم القيامة، وذلك في الدنيا، وهي استشفاعهم إلى الله تعالى في الصلاة على من مات منهم بالرحمة والغفران والتجاوز، فقد أخرج الإمام مسلم ﵀ عن عائشة عن النبي ﷺ: «ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه» (٣).\nوأخرج كذلك عن عبد الله بن عباس «أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له الناس، قال: فخرجت، فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول: هم أربعون؟ قال: نعم، قال: فأخرجوه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم فيه» (٤).\nوتمام الحديث عن ابن ماجه: «ما من أربعين من مؤمن يشفعون لمؤمن إلا شفعهم الله فيه» (٥).\nوأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له» (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ١/ ٥٠٨\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٤) (١٥)، والبزار (١/ ١٤٩) (٧٦)، وابن أبى عاصم (٨١٢)، وأبو يعلى (١/ ٥٦) (٥٦)، وابن حبان (١٤/ ٣٩٣) (٦٤٧٦). قال ابن القيم في «حادي الأرواح» (٢٥٥): متواتر، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٧٧): رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار ورجالهم ثقات، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٢٩).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٤٣) (٢٠٤٥٧)، والطبراني في «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٢) (٩٢٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (ص: ٨٣٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٢): رجاله رجال الصحيح، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (٢٥١): إسناده صحيح.\n(٣) رواه مسلم (٩٤٧).\n(٤) رواه مسلم (٩٤٨).\n(٥) رواه ابن ماجه (١٢١٩). وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٦) رواه ابن ماجه (١٢١٨). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٢٢٨): هذا إسناد صحيح رجاله رجال الصحيحين، وقال العيني في «عمدة القاري» (٨/ ١٦٧): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»، وقال الوادعي في «الشفاعة» (ص: ٢٨٥): رجاله رجال الصحيح وهو على شرط الشيخين.","vol":"4","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1313>المطلب السابع: شفاعة القرآن الكريم</span>\nوكذلك فإن من مظاهر رحمة الله تعالى وكرمه على عباده أن جعل القرآن الكريم أيضًا من الشفعاء المقبول شفاعتهم، وليس ذلك فقط بل أيضًا يطلب المزيد من الإكرام لصاحبه.\nوكيف لا يكون كذلك وهو كلام الله – تعالى وتقدس- وهو حبله المتين وصراطه المستقيم، أنزله على أفضل خلقه نبينا محمد ﷺ، وجعل تلاوته ثوابًا في الدنيا، لكل حرف حسنة وشفاعة في يوم القيامة، ولما كان القرآن الكريم كذلك فلابد لنا من إيضاح بعض النقاط الآتية:\n١ - بيان الفضل العظيم الذي ورد في القرآن عمومًا.\n٢ - وبيان ما جاء في أفضلية بعض سور القرآن وكلها فاضلة.\n٣ - وبيان ما ورد من نصوص كذلك تحث على قراءة القرآن والمواظبة على ذلك.\nفقد قال ﷺ – محرضًا على قراءة القرآن -: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب، وريحها طيب. والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر. ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها» (١).\nوقال ﷺ: «لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالًا فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار» (٢).\nوقد أخبر ﷺ في أحاديث كثيرة عن فضل بعض الآيات والسور، مثل سورة البقرة (٣)، والكهف (٤)، والفتح، وقل هو الله أحد (٥)، والمعوذتين (٦)، وآية الكرسي (٧)، وغير ذلك مما لا نطيل بالاستدلال عليه.\nفينبغي على كل مسلم أن يكثر من قراءة القرآن بتدبر وعناية، وأن يحتسب ذلك عند الله تعالى، ليأخذ جزاءه في يوم القيامة، وأن يحذر أن يتصف بأنه من الذين اتخذوه مهجورًا، وفيما يلي نعرض بعض النصوص التي يتعلق بها غرض البحث.\nفمما ورد في شفاعة القرآن عمومًا ما جاء عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اعملوا بالقرآن، وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، واقتدوا به، ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي، كيما يخبرونكم، وآمنوا بالتوراة، والإنجيل، والزبور، وما أوتي النبيون من ربهم، وليسعكم القرآن وما فيه من البيان، فإنه شافع مشفع، وماحل مصدق، ألا ولكل آية منه نور يوم القيامة، وإني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه وطواسين وحواميم من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش» (٨).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠٢٠). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٥٠٢٥)، ومسلم (٨١٥). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) رواه البخاري (٤٠٠٨)، ومسلم (٨٠٧). من حديث أبي مسعود ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٨٠٩). من حديث أبي الدرداء ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٦٦٤٣). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٦) رواه مسلم (٨١٤). من حديث عقبة بن عامر ﵁.\n(٧) رواه البخاري (٢٣١١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٨) رواه الطبراني (٢٠/ ٢٢٥) (٥٢٥) وأخرجه الحاكم (١/ ٧٥٧)، والبيهقي (١٠/ ٩) (١٩٤٩٠). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي (١/ ١٧٤): له إسنادان في أحدهما عبيد الله بن أبى حميد وقد أجمعوا على ضعفه، وفى الآخر عمران القطان ذكره ابن حبان في الثقات وضعفه الباقون.","vol":"4","page":426},{"text":"وعن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار» (١).\nوعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان» (٢).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب أرض عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة» (٣). الحياة الآخرة لغالب عواجي-١/ ٥٢٠\n_________\n(١) رواه الطبراني (٩/ ١٣٢) (٨٦٥٥)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ١٠٨)، وابن أبي شيبة (٦/ ١٣١) (٣٠٠٥٤)، وابن عدي (٣/ ١٢٧). قال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش تفرد به عنه الربيع، وقال ابن عدي: ربيع بن بدر بن عمرو بن جراد السعدي .. عامة حديثه ورواياته عمن يروي عنهم مما لا يتابعه أحد عليه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٦٤): فيه الربيع بن بدر وهو متروك.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ١٧٤) (٦٦٢٦)، والطبراني كما في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٨٤)، والحاكم (١/ ٧٤٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ١٦١)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ١٠٧). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال المنذري: رجاله محتج بهم في الصحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٨٤): رجال الطبراني رجال الصحيح، وقال في (١٠/ ٣٨٤): رواه أحمد وإسناده حسن على ضعف في ابن لهيعة وقد وثق.\n(٣) رواه الترمذي (٢٩١٥)، والحاكم (١/ ٧٣٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٣٤٧). قال الترمذي: حسن صحيح، وصحح إسناده الحاكم، وعبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.","vol":"4","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1316>المطلب الأول: معنى العرض في اللغة</span>\nمن معاني العرض: الإبراز والظهور، ويقال: عرض الجند: جعلهم يمرون عليه واحدًا واحدًا، وعرض له من حقه شيئًا: أعطاه إياه مكان حقه، وعرض القوم على النار: أحرقهم بها (١). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨١٥\n_________\n(١) انظر كتب اللغة مادة عرض، «المفردات للراغب» (ص: ٣٣٠)، «أساس البلاغة» (ص: ٢٩٨)، و«معجم الألفاظ والأعلام القرآنية» (ص: ٣٣٧).","vol":"4","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1317>المطلب الثاني: معنى العرض في الاصطلاح</span>\nفإن المراد بالعرض على الله عند الإطلاق: هو بروز الخلائق وعرضهم على ربهم ﷾ في الموقف، عندما يتجلى ﵎ لهم لحسابهم وفصل القضاء بينهم، وهو كذلك عرض أعمال العباد عليهم، وعرض بعض الأشخاص عليه عرضًا خاصًا بعد خروجهم من النار، وهذا المعنى الخاص للعرض الاصطلاحي هو أخص من العرض اللغوي العام كما أفادته النصوص الشريفة من كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ، وقد قسم الشيخ حافظ الحكمي ﵀ معاني العرض إلى معنيين، فقال: العرض له معنيان: معنى عام، وهو عرض الخلائق كلهم على ربهم ﷿، بادية له صفحاتهم، لا تخفى عليه منهم خافية، وهذا يدخل فيه من يناقش الحساب ومن لا يحاسب، والمعنى الثاني: عرض معاصي المؤمنين عليهم، وتقريرهم بها، وسترها عليهم، ومغفرتها لهم (١).\nوالمقصود هنا هو ذكر عرض الخلائق جميعهم على ربهم، أما العرض الثاني وهو عرض الحساب والمناقشة. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨١٥\n_________\n(١) «معارج القبول» (٢/ ٢٤٧)","vol":"4","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1319>المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم</span>\nوالعرض على الله تعالى هو ما عبرت عنه الآيات الكريمة، التي تبين حالة عرض الخلائق على ربهم للحساب والجزاء وهي:\n١ - قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة: ١٨]\n٢ - وقوله تعالى: وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا [الكهف:٤٨]\n٣ - وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨]\n٤ - وقوله تعالى: وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءُ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ [إبراهيم: ٢١]\n٥ - وقوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: ٤٨]\n٦ - وقوله تعالى: يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ اليوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦]\n٧ - وقوله تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف: ٤٧]\nولا شك أن هذا العرض إنما يكون لأجل الحساب والجزاء. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨١٩","vol":"4","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1320>المطلب الثاني: الأدلة من السنة</span>\nمن تلك الأدلة ما أخرج مسلم عن جرير بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: «أما إنكم تعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر» (١).\nوأخرج الترمذي في جامعه، في باب ما جاء في العرض، وابن ماجه والإمام أحمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرض الثالثة: فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله». (٢)\nوقد أخرج بن جرير هذا الحديث عن مجاهد بن موسى قال: ثنا يزيد قال: ثنا سليمان بن حيان عن مروان الأصفر عن أبي وائل عن عبد الله قال: (يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي) (٣). وأخرجه كذلك عن قتادة بلفظ: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: سعيد عن قتادة: قوله: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ذكر لنا النبي ﷺ كان يقول: «يعرض الناس ثلاث عرضات يوم القيامة، فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير وجدال، وأما العرضة الثالثة فتطير الصحف في الأيدي» (٤).\nقال ابن كثير: (إن الحديث مرسل) (٥).\nوأخرج الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: «أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه أن لا آتيك، أرانا عفان وطبق كفيه، فبالذي بعثك بالحق، ما الذي بعثك به؟ قال: الإسلام، قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله تعالى، وأن توجه وجهك إلى الله تعالى، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، أخوان نصيران، لا يقبل الله ﷿ من أحد توبة أشرك بعد إسلامه، قلت: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت. قال: تحشرون ها هنا – وأوما بيده نحو الشام – مشاة وركبانًا وعلى وجوهكم، تعرضون على الله تعالى، وعلى أفواهكم الفدام، (٦) وأول ما يعرب عن أحدكم فخذه، وقال: ما من مولى له، فيسأله من فضل عنده، فيمنعه، إلا جعل الله تعالى عليه شجاعًا ينهشه قبل القضاء» (٧).\nوهذه الأحاديث تدل على حصول عرض العباد على ربهم، وقد جاء في عرض أعمال العباد: أن المؤمن تعرض أعماله بكل يسر وسهولة دون مناقشة واستقصاء، كما جاء في حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «من نوقش الحساب عذب، قالت: قلت: أليس يقول الله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨]؟ قال: ذلك العرض» (٨).\n_________\n(١) رواه مسلم (٦٣٣).\n(٢) رواه الترمذي (٢٤٢٥). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال: لا يصح. وقال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٦/ ٢٩٦): منقطع.\n(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٨٤).\n(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٨٤).\n(٥) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٤١٤).\n(٦) الفدام: هو ما يشد على فم الإبريق والكوز من خرقة لتصفية الشراب الذي فيه، أي أنهم يمنعون الكلام بأفواههم حتى تتكلم جوارحهم فشبه ذلك بالفدام. «النهاية» لابن الأثير (٣/ ٤٢١).\n(٧) رواه أبو داود (٢١٤٢)، وابن ماجه (١٨٥٠)، وأحمد (٤/ ٤٤٧) (٢٠٠٢٧)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣٧٣) (٩١٧١). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه النووي في «رياض الصالحين» (١٤٩) وابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٣٠١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصحح إسناده أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٢٧٧)، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.\n(٨) رواه البخاري (١٠٣). من حديث عائشة ﵂.","vol":"4","page":431},{"text":"وجاء عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل، قال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعته يقول: «إن الله ﷿ يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» (١) [هود: ١٨] وهذا دليل كذلك على ثبوت عرض الخلائق على ربهم للحساب (٢).\nومما جاء في العرض الخاص أن أناسًا يخرجون من النار فيعرضون على ربهم كما أخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج من النار أربعة فيعرضون على الله، فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب إذا خرجتني منها فلا تعدني فيها، فينجيه الله منها» (٣). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨٢٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٤١)، «فتح القدير» (٢/ ٤٩٠).\n(٣) رواه مسلم (١٩٢).","vol":"4","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1321>الفصل التاسع: الصحف</span>\n• المبحث الأول: الأدلة على كتابة الملائكة لكل ما يصدر عن العباد.\n• المبحث الثاني: إثبات أن كل إنسان يقرأ كتابه في يوم القيامة والأدلة على ذلك.","vol":"4","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1322>المبحث الأول: الأدلة على كتابة الملائكة لكل ما يصدر عن العباد</span>\n• المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم.\n• المطلب الثاني: الأدلة من السنة.","vol":"4","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1323>المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم</span>\nأما ثبوت إحصاء الكرام الكاتبين لكل ما يصدر عن العبد فهو ما تحدث عنه القرآن الكريم في آيات كثيرة.\nوقد نوع الله تعالى في كتابه الكريم الأخبار عن كتابة الملائكة لأعمال البشر إلى أنواع كثيرة:\nفتارة يسند الكتابة إلى الكرام الكاتبين، وتارة يسند الكتابة إليه جل وعلا، تعظيمًا لذلك واهتمامًا بذكره، وتارة يخبر تعالى عن كتابة أعمال العباد بإسنادها للمجهول، تهويلًا لذكره أو تعظيمًا له، وكل ذلك هو ما تحدثت عنه الآيات الآتية:\nقال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٠ - ١١]\nوقال تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٧ - ١٨]\nوقال تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ [يونس:٢١]\nوقال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:٨٠]\nوقال تعالى في إسناد كتابة بعض الأمور إليه جل وعلا - ومعلوم أن الذي يتولى كتابتها هم الملائكة، ولكنه أسند ﷿ ذلك إليه مبالغة في الاهتمام بذلك - فقال تعالى: لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران:١٨١]\nوفي هذا التعبير من التهديد والوعيد ما لا يخفى (١).\nوسبب نزول هذه الآية كان في شأن اليهود، حينما قال قائلهم - وهو فنحاص - لأبي بكر: \"والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة فقر، وإنه إلينا لفقير\" تعالى الله عن قوله ذلك (٢).\nقال الشوكاني عن معنى التعبير بقوله تعالى: سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ [آل عمران:١٨١] أي: (سنكتبه في صحف الملائكة أو سنحفظه، والمراد الوعيد لهم، وأن ذلك لا يفوت على الله، بل هو معد لهم ليوم الجزاء) (٣).\nوقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا [مريم: ٧٧ - ٧٩]\nوقال تعالى عن المنافقين: وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا [النساء: ٨١]\nوقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس: ١٢]\nوقال تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا [النبأ:٢٩]\nوقال تعالى مسندًا الكتابة إلى المجهول، تهويلًا لشأن المكتوب: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [سورة الزخرف: ١٩]\nوقال تعالى ترغيبًا وتعظيمًا لشأن المكتوب: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١]\nوهذه الآيات دلالتها واضحة على أن كل ما يقوله أو يفعله الشخص يكون مسجلًا ومكتوبًا لا يضيع منه شيء.\nوبعد أن عرضنا تلك الآيات التي تثبت تسجيل الملائكة لأعمال العباد في الدنيا، وأنهم موكلون بذلك، أمناء على ما يكتبون، لا يغيب عنهم من أعمال العباد شيء، وأننا نؤمن بذلك إيمانًا كاملًا لا ارتياب فيه- بعد عرض ذلك نذكر ما جاء في السنة النبوية من أحاديث تثبت كتابة وتسجيل الملائكة على الإنسان ما يعمله في الدنيا من خير أو شر. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨٤٣\n_________\n(١) «انظر تفسير ابن كثير» (١/ ٤٣٤).\n(٢) «انظر جامع البيان» (٤/ ١٩٥).\n(٣) «فتح القدير» (١/ ٤٠٦).","vol":"4","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1324>المطلب الثاني: الأدلة من السنة</span>\nأخرج الشيخان وغيرهما في فضل الجمعة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشًا، ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر» (١).\nوعن رفاعة بن رافع الزرقي قال: «كنا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها، أيهم يكتبها أولًا» (٢).\nوأخبر رسول الله ﷺ عن فضل الله وكرمه: أن العبد إذا هم بحسنة فعملها تكتب له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بها ولم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وبالعكس السيئة: فإن العبد إذا هم بها فعملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإن هم بها ولم يعملها كتب له حسنة كاملة.\nومصداق هذا ما جاء عن ابن عباس ﵄: عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: «قال الله: إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة» (٣)\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ: قال الله ﷿ إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها، فإذا عملها، فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها» (٤)\nوقال رسول الله ﷺ: «قالت الملائكة: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة، وهو أبصر به، فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي» (٥)\nوقال رسول الله ﷺ: «إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله ﷿» (٦)\nوقد أرشد ﷺ أمته إلى أمور إذا فعلها العبد كتب الله له بسببها الأجر العظيم، كما في حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر» (٧)\nوعن مصعب بن سعد قال: حدثني أبي قال: كنا عند رسول الله ﷺ قال: «أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة» (٨).\n_________\n(١) رواه البخاري (٩٢٩)، ومسلم (٨٥٠).\n(٢) رواه البخاري (٧٩٩)، وأبو داود (٧٧٠).\n(٣) رواه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١). من حديث ابن عباس ﵁.\n(٤) رواه مسلم (١٢٩).\n(٥) رواه مسلم (١٢٩).\n(٦) رواه البخاري (٤٢)، ومسلم (١٢٩).\n(٧) رواه البخاري (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩١).\n(٨) رواه مسلم (٢٦٩٨).","vol":"4","page":436},{"text":"وفي الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد أحاديث كثيرة، كلها تدل على كتابة الملائكة الحسنة بعشر أمثالها إلى ما يشاء الله من التضعيف، والسيئة بمثلها. وهذا ما قرره القرآن الكريم:\nقال تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الأنعام:١٦٠]\nوغيرها من الآيات: كالآيات التي ذكرها الله في مضاعفة ثواب الصدقات، وهي كثيرة في القرآن الكريم.\nبل تكرم الله بما هو فوق هذا كله، حيث أنه يأمر باستمرار الكتابة في صحيفة حسنات العبد المؤمن الذي يشغله عن عبادته التي كان يعتادها سفر أو مرض أو أي شاغل آخر.\nكما جاء في حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اشتكى العبد المسلم، قيل للكاتب الذي يكتب عمله، اكتب له مثل عمله إذا كان طليقًا، حتى أقبضه أو أطلقه» (١)\nوفي هذه الأحاديث التي عرضناها دلالة صريحة على كتابة كل ما يصدر عن العبد، وتسجيله في سجله الخاص خيرًا كان أم شرًا، فإذا جاء يوم القيامة ورأى ما لم يسره في كتابه، أخذ يجادل، ويجحد، وينكر ما كتبه الحفظة رادًّا شهادتهم عليهم.\nكما جاء عن أنس بن مالك قال: «كنا عند رسول الله ﷺ فضحك وقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يارب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعدًا لكن وسحقًا فعنكن كنت أناضل» (٢). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨٤٧\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٠٥) (٦٩١٦). وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١١/ ١٣١)، وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٣٤٣): صحيح.\n(٢) رواه مسلم (٢٩٦٩).","vol":"4","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1326>تمهيد</span>\nوبعد عرض ما تقدم من إثبات تسجيل الملائكة لكل ما يصدر عن الشخص من أقوال وأفعال، نورد هنا إثبات قراءة كتاب الأعمال في يوم القيامة، كما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨٥٩","vol":"4","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1327>المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم على ذلك</span>\n- قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:١٣ - ١٤]\nيخبر ﷾ في هذه الآية الكريمة أنه ما من إنسان إلا وسيجد كتاب أعماله ملازمًا له، ينشر عليه في يوم القيامة، ويقال له: اقرأ كتابك وأنت حسيب نفسك، بعد أن تقف على كل أعمالك التي عملتها في الدنيا، وهذا هو العدل التام، والإنصاف الكامل.\n(عن أنس ﵁ في قوله: طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء:١٣] قال: كتابه) (١).\nوعن السدي ﵁ في الآية قال: الكافر يخرج له يوم القيامة كتاب، فيقول: رب إنك قد قضيت أنك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أحاسب نفسي، فيقال: اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:١٤]\nوفي قراءة أبي بن كعب ﵁: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه يقرؤه يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا).\nوعن مجاهد ﵁ أنه قرأ: (ويخرج له يوم القيامة كتابًا. بفتح الياء: يعني يخرج الطائر كتابًا).\nوعن قتادة في قوله تعالى: اقْرَأْ كَتَابَكَ [الإسراء:١٤] قال:) يقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا في الدنيا).\nوقد عبر الله عن كتاب الأعمال بالطائر: أي عمله الذي طار عنه من خير وشر (٢).\n٢ـ وقال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيه فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة فِي جَنَّةٍ عَاليةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَاليةِ وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَاليهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ [الحاقة:١٩ - ٢٩]\nوهذا وصف من الله جل وعلا، وتقسيم كذلك لحال الناس بالنسبة لإيتائهم كتبهم: قسم يأخذه بيمينه، ثم يعبر عن سروره وغبطته، وما يصير إليه حاله من النعيم العظيم، والفوز الكبير.\nوقسم آخر يأخذه بشماله، ثم يعبر عن حسرته وندامته وتمنيه أنه لم يكلف بقراءة كتاب ولم يوقف لحساب، أو تمنيه كذلك لأن تكون موتته التي ماتها هي القاضية فلا يبعث ولا يحاسب، ثم يتذكر بعض الأسباب التي كانت تحول بينه وبين السعادة في الآخرة، والتي منها اغتراره بالمال والسلطان، وهما آفة الكثير ممن يقع عليهم شدة الحساب ووقوع العذاب.\nقال ابن جرير ﵀ في معنى الآية:\n(يقول تعالى ذكره: فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه فيقول: تعالوا اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ [الحاقة: ١٩]، وأخرج عن ابن زيد في قول الله: هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ [الحاقة: ١٩] قال: تعالوا، وأخرج عن قتادة أنه قال: (كان بعض أهل العلم يقول: وجدت أكيس الناس من قال: هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ. [الحاقة: ١٩])\nومعنى قوله: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ [الحاقة: ٢٠] يقول: إني علمت أني ملاق حسابيه إذا وردت يوم القيامة على ربي.\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في «العلل» (٣/ ٧٤). من حديث عريف بن درهم عن أنس. قال أبو حاتم: عريف كوفي، ولم يسمع من أنس شيئا.\n(٢) «المفردات» (ص ٣١٠).","vol":"4","page":439},{"text":"قال ابن عباس في معنى الظن المذكور في الآية: (أي أيقنت)، وقال قتادة: (ظن ظنًا يقينًا فنفعه الله بظنه)، وقال ابن زيد: (إن الظن من المؤمن يقين)، وعن مجاهد قال: (كل ظن في القرآن إِنِّي ظَنَنتُ [الحاقة: ٢٠] يقول: أي علمت).\nوأما الكافر الذي أعطي كتابه بشماله فقال: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ [الحاقة: ٢٥ - ٢٦] يقول: ولم أدر أي شيء حسابيه.\nيَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة: ٢٧] يقول: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث.\nقال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره عنده من الموت. (١)\n- وقال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:٤٩]\nوهذا تصوير بديع لحالة وقوف الناس على كتبهم خائفين وجلين، وكأنهم قد اطلعوا على ما فيها من تسجيل كامل لجرائمهم التي كانوا يتفننون في ارتكابها، ومع هذا الخوف الشديد، والرهبة الكاملة فهم لا يخفون انزعاجهم من دقة هذا الكتاب، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووضحها تمام الوضوح، ولكن هذا صنع من يريد العدل – ﷾بعباده، فليس هناك خوف من الظلم، فليطمئن كل مخلوق إلى أنه سوف لا يقع عليه إلا ما قدم لنفسه.\nقال ابن كثير عن معنى الآية: وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الكهف:٤٩] أي كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ [الكهف:٤٩] أي من أعمالهم السيئة، وأفعالهم القبيحة، لأن هذا الكتاب لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.\nقال سعد بن جنادة ﵁: «لما فرغ رسول الله ﷺ من غزوة حنين، نزلنا قفرًا من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي ﷺ: اجمعوا من وجد عودًا فليأت به، ومن وجد حطبًا أو شيئًا فليأت به، قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركامًا، فقال النبي ﷺ: أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل، ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه» (٢). (٣)\nوكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول: (يا وليتنا: ضجوا إلى الله من الصغائر قبل الكبائر) (٤).\n- وقال تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [الإسراء: ٧١]\nيخبر ﷾ أنه في يوم القيامة، في موقف فصل القضاء، يدعو كل أمة بإمامهم، ثم يعطون كتب أعمالهم، على ما سبق وصفه، إما باليمين أو بالشمال، وأخبر سبحانه أنه لا يقع على أي مخلوق ظلم أو نقص من عمل، حتى وإن كان شيئًا تافهًا لا يسترعي الانتباه، كالفتيل ومثقال الذرة وما إلى ذلك.\nوفي قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء: ٧١] خلاف بين العلماء في المراد بالإمام المذكور وهل هو:\nأ- كتاب الأعمال.\nب_ أو هو النبي في كل أمة.\nج - أو هو الكتاب الذي أنزل على كل أمة تشريعًا لهم.\nد- أو المراد به من كان إمامًا لكل قوم.\nهـ-أو المراد به الأمهات، أي ندعو كل إنسان بأمه، فيقال: يا فلان ابن فلانة.\nأقوال لأهل العلم، أما القول الأول فهو لابن عباس واختاره ابن كثير، وأما الأقوال الأخرى: فإن أضعفها القول بأن الإمام المذكور الأمهات، وقد قال الشنقيطي عنه بأنه: (باطل بلا شك) (٥).\n(٥) وقال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا [الانشقاق: ٧ - ١٢] الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨٥٩\n_________\n(١) انظر «جامع البيان» (٢٩/ ٦٢).\n(٢) رواه الطبراني (٦/ ٥٢) (٥٤٨٥)، والمنذري (٣/ ٢٨٩). وقال: [لا يتطرق إليه احتمال التحسين]، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٩٣): فيه نفيع أبو داود وهو ضعيف، وضعفه الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٦٨٧٩).\n(٣) «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٨٧ – ٨٨).\n(٤) «التذكرة» (ص ٢٥٩).\n(٥) انظر «أضواء البيان» (٣/ ٦١٦ – ٦١٧).","vol":"4","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1328>المطلب الثاني: الأدلة من السنة النبوية</span>\nأما ما جاء في السنة النبوية في إثبات ذلك، فقد تقدم حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين حينما سئل عن النجوى وتقرير الله لعبده بذنوبه، وفيه:\n«فيقول سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته». كما في لفظ البخاري (١)، وفي لفظ مسلم «فيعطى صحيفة حسناته» الحديث (٢).\nوكذلك الحديث المروي عن أبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وقتادة وابن مسعود في باب العرض وفيه:\n«وأما العرضة الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» (٣)\nوكذلك ... حديث البطاقة، وفيه: «فينشر عليه تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل مد البصر». الحديث (٤) وغيره من الأحاديث.\nوعن أبي داود عن عائشة ﵂: «أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله ﷺ ما يبكيك؟ قلت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل، وعند الكتاب حين يقال: هاؤم اقرءوا كتابيه [الحاقة: ١٩] حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه، أم في شماله، أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم» (٥)\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة، فيوضع ما أحصى عليه، فتمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا لا تعجلوا، فإنه قد بقي له. فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان». وهذه رواية الإمام أحمد (٦)\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٦٨٥).\n(٢) رواه مسلم (٢٧٦٨).\n(٣) رواه الترمذي (٢٤٢٥). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال: لا يصح. وقال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٦/ ٢٩٦): منقطع.\n(٤) رواه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٣٤٨٨)، وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والحاكم (١/ ٤٦). من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. قال الترمذي، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٤٩٠): حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين وهو صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وابن الملقن في «شرح صحيح البخاري» (٣٣/ ٥٩٥)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١٧٣) كما أشار لذلك في المقدمة، وصححه السفاريني الحنبلي في «لوائح الأنوار السنية» (٢/ ١٩٧)، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٥/ ٢٢): رجاله موثقون، وقال الشوكاني في «فتح القدير» (٢/ ٢٧٣): حسن، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١١/ ١٧٦)، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٥) رواه أبو داود (٤٧٥٥)، والحاكم (٤/ ٦٢٢). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة على أنه قد صحت الروايات أن الحسن كان يدخل وهو صبي منزل عائشة ﵂ وأم سلمة، ووافقه الذهبي. وجود إسناده العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢٨٠).\n(٦) رواه أحمد (٢/ ٢٢١) (٧٠٦٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨٢): رواه الترمذي باختصار، رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٢/ ٢٤): إسناده صحيح.","vol":"4","page":441},{"text":"وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحضر الناس يوم القيامة عراة حفاة، فقالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، واسوأتاه ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: شغل الناس، قلت: ما شغلهم؟ قال: نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل» (١).\nوعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين، ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله عليه، فيقول ﷿ لأصغر نعمة، أحسبه قال: في ديوان النعم، خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح، ثم تنحى وتقول: وعزتك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبدًا قال: يا عبدي، قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت عن سيئاتك، أحسبه قال: ووهبت لك نعمي» (٢).\nوروى الإمام أحمد والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «الدواوين عند الله ﷿ ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله.\nفأما الديوان الذي لا يغفره الله: فالشرك بالله، قال الله ﷿: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ [المائدة: ٧٢]\nوأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله ﷿ يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء.\nوأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا: فظلم العباد بعضهم بعضًا، القصاص لا محالة» (٣).\nوعن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ: «في قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء: ٧١] قال: يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعًا، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، وينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم آتنا بهذا، وبارك لنا في هذا، حتى يأتيهم فيقول: أبشروا، لكل رجل منكم مثل هذا. قال: وأما الكافر، فيسود وجهه، ويمد له في جسمه ستون ذراعًا على صورة آدم، فيلبس تاجًا فيراه أصحابه، فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا، اللهم لا تأتنا بهذا، قال: فيأتيهم، فيقولون: اللهم أخزه، فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا» (٤).\n_________\n(١) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (١/ ٢٥٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٣٥): رجاله رجال الصحيح غير محمد بن موسى بن أبي عياش وهو ثقة، وصحح إسناده السيوطي في «البدور السافرة» (٥٦)، والسفاريني الحنبلي في «لوائح الأنوار السنية» (٢/ ٢٢٣).\n(٢) رواه البزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (١٠/ ٣٦٠)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٩٩). وقال: [لا يتطرق إليه احتمال التحسين]، وقال الهيثمي: فيه صالح المري وهو ضعيف.\n(٣) رواه أحمد (٦/ ٢٤٠) (٢٦٠٧٣)، والحاكم (٤/ ٦١٩). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في «التلخيص»: صدقة ضعفوه وابن بابنوس فيه جهالة. وقال أحمد شاكر في «المسند» (١/ ٥٢٠): إسناده صحيح. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٠٢٢): ضعيف.\n(٤) رواه الترمذي (٣١٣٦)، وأبو يعلى (١١/ ٣) ٦١٤٤)، وابن حبان (١٦/ ٣٤٦) (٧٣٤٩)، وأبو نعيم فى «حلية الأولياء» (٩/ ١٥)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣١٠). قال الترمذي: حسن غريب، وقال المنذري: [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما].","vol":"4","page":442},{"text":"وأخرج الإمام ابن ماجه بسنده إلى عبد الله بن بسر أنه قال: قال النبي صلى الله عليه سلم: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا» (١).\nوعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى يوم القيامة بصحف مختمة، فتنصب بين يدي الله ﵎، فيقول ﵎، ألقوا هذه واقبلوا هذه، فتقول الملائكة، وعزتك ما رأينا إلا خيرًا، فيقول الله ﷿ إن هذا كان لغير وجهي، وإني لا أقبل اليوم إلا ما ابتغي به وجهي» وفي رواية: «فتقول الملائكة: وعزتك ما كتبنا إلا ما عمل، قال: صدقتم إن عمله كان لغير وجهي» (٢).\nوثبت في صحيح مسلم – بمعنى هذا الحديث – عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٣)\nوأخرج العقيلي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الكتب كلها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة يبعث الله ريحًا فتطيرها بالأيمان والشمائل، أول خط فيها: اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٤]» (٤).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «قلت: يا رسول الله، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: يا عائشة، أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب فإما أن يعطى بيمينه، أو يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار، فينطوي عليهم، ويتغيظ عليهم، ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بمن ادعى مع الله إلهًا آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد، قال: فينطوي عليهم، ويرمي بهم في غمرات جهنم، ولجهنم جسر، أدق من الشعرة، وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك، يأخذون من شاء الله، والناس عليه كالطراف» إلخ الحديث (٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى عن إسماعيل ثنا عامر، وحدثنا محمد بن عبيد ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن رجل عن الشعبي قال: مر عمر بطلحة (فذكر معناه) قال: مر عمر بطلحة فرآه مهتمًا، قال: لعلك ساءك إمارة ابن عمك – قال يعني أبا بكر ﵁ - فقال: لا، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأعلم كلمة لا يقولها الرجل عند موته إلا كانت نورًا في صحيفته، أو وجد لها روحًا عند الموت، قال عمر: أنا أخبرك بها، هي الكلمة التي أراد بها عمه: شهادة أن لا إله إلا الله، قال: فكأنما كشف عني غطاء، قال: لو علم كلمة هي أفضل منها لأمره بها» (٦).\nوذكر ابن كثير – وعزاه إلى ابن أبي الدنيا – عن أبي هريرة ﵁ قال: (يدني الله العبد يوم القيامة، فيضع كنفه ليستره من الخلائق كلها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر، فيقول: اقرأ يا ابن آدم كتابك، فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه، ويسر بها قلبه، قال: فيقول الله تعالى: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: يا رب أعرف، فيقول: إني قد تقبلتها منك، فيخر ساجدًا، فيقول: ارفع رأسك، وخذ في كتابك، فيمر بالسيئة فيسود لها وجهه، ويوجل منها قلبه، وترعد منها فرائصه، ويأخذه من الحياء من ربه ما لا يعلمه غيره، فيقول الله: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم يارب أعرف، فيقول: فإني قد غفرتها لك.\nفلا يزال بين حسنة تقبل وسيئة تغفر فيسجد، لا يرى الخلائق منه إلا ذلك السجود، حتى ينادي الخلائق بعضها بعضا: طوبى لهذا العبد الذي لم يعص الله قط، ولا يدرون ما لقي فيما بينه وبين الله تعالى مما قد وقفه عليه) (٧) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٨٦٥\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٣٠٩٣)، والبزار (٨/ ٤٣٣) (٣٥٠٨)، والنسائى في «السنن الكبرى» (٦/ ١١٨) (١٠٢٨٩)، والبيهقي فى «شعب الإيمان» (١/ ٤٤٠) (٦٤٧)، والضياء (٩/ ٩٥) (٧٩)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٣٨٤). وقال: إسناده صحيح، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٢٤٧): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (٢٤٩): حسن وله شاهد.\n(٢) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/ ٩٧) (٢٦٠٣)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٥٧). وقال: [روي] بإسنادين رواة أحدهما رواة الصحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٥٣): [روي] بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح.\n(٣) رواه مسلم (٢٩٨٥).\n(٤) رواه العقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٤٦٦) وقال: منكر.\n(٥) رواه أحمد (٦/ ١١٠) (٢٤٨٣٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦١): فيه ابن لهيعة وهو ضعيف وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(٦) رواه أحمد (١/ ٣٧) (٢٥٢). قال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه: صحيح بطرقه.\n(٧) ذكره ابن كثير في «النهاية» (٢/ ١٣٥) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا.","vol":"4","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1331>المطلب الأول: تعريف الحساب في اللغة</span>\nجاءت في كتب اللغة عدة إطلاقات للفظة الحساب.\nومن بين تلك الإطلاقات: أن الحساب يطلق ويراد به: العدد، والمعدود، والإحصاء بالدقة التامة دون زيادة ولا نقصان، وقد ذكر أهل اللغة في مادة حسب كثيرًا من المعاني التي جاءت لهذه الكلمة.\nوفي هذا يقول الأزهري: (وإنما سمي الحساب في المعاملات حسابًا لأنه يعلم به ما فيه كفاية ليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان).\nوقال الليث: (والحساب والحسابة عدك الشيء، تقول: حسبت الشيء أحسب حسابًا وحسابة وحسبته).\nويأتي الحساب كذلك بمعنى الكثرة، قال أبو عبيد عن أبي يزيد) أحسبت الرجل أي أعطيته ما يرضى، وقال: غيره معناه أعطيته حتى قال: حسبي، قال الله ﷿: عَطَاء حِسَابًا [النبأ: ٣٦] أي كثيرًا.\nويقال: أتاني حساب من الناس أي جماعة كثيرة وهي لغة هذيل) (١).\nوتأتي لفظة حسبان مرادفة لكلمة الحساب والكل بمعنى واحد، نقل الأزهري عن أبي العباس أنه قال: (حسابنا مصدر كما تقول: حسبته أحسبه حسبانًا وحسابًا، وقال الأخفش: إن حسبانا جمع حساب، وقال أبو الهيثم: الحسبان جمع حساب وكذلك أحسبة، مثل شهاب وأشهبة وشهبان) (٢).\nوقال أيضًا: (وأخبرني المنذري عن ثعلب أنه قال: قال الأخفش في قوله ﷿: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا [الأنعام: ٩٦] فمعناه: بحساب فحذف الباء) (٣).\nويقول الفيروزآبادي: (حسبه حسبًا وحسبانًا بالضم، وحسبانًا وحسابًا وحسبة وحسابة بكسرهن: عده، والمعدود محسوب) (٤).\nويقول الهوريني: (حسبته أحسبه بالضم حسبًا وحسابًا وحسبانًا وحسابة إذا عددته، والمعدود محسوب) (٥).\nوذكر أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا أن حسب لها معان فقال: (الأول: العدد، تقول: حسبت الشيء أحسبة وحسبانًا، قال الله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [الرحمن: ٥]) (٦)\nوقال الراغب: (الحساب: استعمال العدد، يقال: حسبت أحسب حسابا وحسبانا، قال تعالى: لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [يونس: ٥] وقال تعالى: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا [الأنعام: ٩٦]) (٧)\nوالحسبان ما يحاسب عليه فيجازى بحسبه، وكذا لفظة الحسيب والمحاسب فإنها تطلق مرادًا بها الحساب قال الراغب: (والحسيب والمحاسب: من يحاسبك ثم يعبر عن المكافئ بالحساب) (٨).\nوقد ورد في القرآن الكريم كذلك إطلاق لفظة الحساب مرادا بها الجزاء كما قال تعالى:\n١ـ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: ١١٧] قال الطبري: (فإنما حساب عمله السيئ عند ربه وهو موفيه جزاءه إذا قدم عليه) (٩).\n٢ـ وقال تعالى: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ [الشعراء: ١١١ - ١١٣] (قال ابن جريج: أي هو أعلم بما في أنفسهم) (١٠).\n٣ـ قال تعالى: إِنَّ إلينَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦] قال ابن كثير: (أي نحن نحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر) (١١).\nويطلق أيضًا على محاسبة النفس: قال تعالى: كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٤] أي كفى بك لنفسك محاسبًا، ويطلق على التوسعة في الرزق كما قال تعالى: يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٨]، أي بغير تقتير وتضييق، كقولك: فلان ينفق بغير حساب، أي يوسع النفقة ولا يحسبها.\nوالحاصل أن أقوال أهل اللغة في المراد بالحساب، تشير إلى أنه يرد بمعنى الكثرة في الشيء، والزيادة فيه، والعدد، والإحصاء، والدقة في العدد دون زيادة ولا نقصان. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩٠٥\n_________\n(١) انظر كتب اللغة مادة حسب، «تهذيب اللغة» (٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣) وانظر «تاج العروس» (١/ ٢١٠ - ٢١٣)، وانظر كذلك «القاموس المحيط» (١/ ٥٦) و«الصحاح» للجوهري (١/ ١١٠).\n(٢) «تهذيب اللغة» (٤/ ٣٣١ – ٣٣٢).\n(٣) «تهذيب اللغة» (٤/ ٣٣١ – ٣٣٢).\n(٤) «القاموس المحيط» (١/ ٥٦).\n(٥) «فوائد في اللغة والصحاح» (ص: ٤٢).\n(٦) «معجم مقاييس اللغة» (٢/ ٥٨) ط (٢) (١٣٩٠هـ/١٩٧٠م) مطبعة الحلبي.\n(٧) «المفردات» (ص: ١٦٦ - ١١٧).\n(٨) «المفردات» (ص: ١١٦ - ١١٧).\n(٩) «جامع البيان» (١٨/ ٦٤) وانظر «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٥٩).\n(١٠) «الدر المنثور» (١٩/ ٣١١).\n(١١) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٥٠٤).","vol":"4","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1332>المطلب الثاني: تعريف الحساب في الشرع</span>\nأما المراد بالحساب في الشرع فإنه يراد به: (توقيف الله عباده قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم، خيرًا كانت أو شرًا، تفصيلًا لا بالوزن، إلا من استثنى منهم) (١).\nوقوله: (لا بالوزن) يحتمل أنه يريد أن الله يحاسبهم ثم يزن أعمالهم، لا أنه يكتفي بالمحاسبة عن الوزن (إلا من استثنى منهم) فإنه لا يحاسبهم ولا يزن أعمالهم.\nويحتمل أيضا أن يكون المعنى: أن الله يوقفهم على أعمالهم تفصيلًا، ولا يكتفي بالمعرفة الإجمالية التي تتأتى من طريق الوزن.\nونقل السفاريني عن الثعلبي تعريفه للحساب قائلًا: (الحساب تعريف الله – عزوجل – الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم ما قد نسوه من ذلك، يدل على هذا قوله تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة: ٦]) (٢)\nوالظاهر: أن تعريف الثعلبي أشمل من تعريف السفاريني، لأنه يتضمن تعريف الله عباده بأعمالهم تفصيلًا على مقدار ما يستحقونه من الجزاء، خيرًا أو شرًا، وتعريف السفاريني ينفرد بأن هذه المحاسبة لا يغني عنها الميزان، ولا تغني عن الميزان.\nوقال القرطبي ﵀ في تعريف الحساب: (ومعناه أن البارئ – سبحانه- يعدد على الخلق أعمالهم من إحسان وإساءة، يعدد عليهم نعمه ثم يقابل البعض بالبعض) (٣).\nومعنى هذه العبارة: أن نتيجة مقابلة بعضها ببعض أي السيئات بالحسنات – لإظهار أيهما أرجح، وعليه يحكم على الشخص، إن كان من أهل الخير أو أهل الشر. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩٠٨\nويراد بالحساب والجزاء أن يوقف الحق ﵎ عباده بين يديه ويعرفهم بأعمالهم التي عملوها وأقوالهم التي قالوها وما كانوا عليه في حياتهم الدنيا من إيمان وكفر واستقامة وانحراف وطاعة وعصيان وما يستحقونه على ما قدموه من إثابة وعقوبة، وإيتاء العباد كتبهم بأيمانهم إن كانوا صالحين وبشمالهم إن كانوا طالحين. ويشمل الحساب ما يقوله الله لعباده وما يقولونه له وما يقيمه عليهم من حجج وبراهين وشهادة الشهود ووزن للأعمال. والحساب منه اليسير ومنه العسير ومنه التكريم ومنه التوبيخ والتبكيت ومنه الفضل والصفح ومتولي ذلك أكرم الأكرمين. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ١٩٣\n_________\n(١) «لوامع الأنوار» (٢/ ١٦٥)، وانظر: «الكواشف الجلية» (ص: ٣٤٣).\n(٢) «لوامع الأنوار» (٢/ ١٦٥).\n(٣) «التذكرة» (ص: ٢٧١).","vol":"4","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1334>تمهيد</span>\nلقد حظي ذكر الحساب بنصوص كثيرة في كتاب الله – ﷿ – وفي سنة نبيه ﷺ، وأجمع عليه جميع أهل الإسلام، إذ هو من المسائل الأخروية المعلومة من الدين بالضرورة.\nوقد أكثر الله من ذكره في القرآن الكريم، في مواضع كثيرة، بعبارات متنوعة، ودلالات مختلفة مصورًا هول ذلك، أو مخبرًا عنه ومبشرًا به، كل ذلك لزيادة العناية وللفت أنظار الناس إليه ليكونوا على بينة من أمرهم فيستعدوا له بالعمل الصالح إذ أنه من أهم الأمور التي تحدث في يوم القيامة، بل هو المراد ببعث الناس (١) وقيامهم من قبورهم وفي الموقف (٢).\nوبه يتميز الناس فيسعد من يسعد، ويشقى من يشقى، حينما يفصل الله بين خلقه في أكمل صور العدل وأجلها، ونعرض فيما يلي أدلة إثباته من كتاب الله ﷿ ومن سنة نبيه ﷺ. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩١٣\n_________\n(١) لأن ما يقع بعده من عذاب أو نعيم إنما هو نتيجة للحساب\n(٢) أي: وقيامهم في الموقف.","vol":"4","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1335>المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم</span>\nالأدلة في القرآن الكريم على وقوع الحساب كثيرة لا يتسع المقام لذكرها كلها غير أننا سنقتصر على إبراز أهم الجوانب التي جاءت في أمر الحساب، فمن ذلك:\n١ـ ما جاء في إخباره ﷿ عن سرعة وقوع الحساب، فقال تعالى: وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [المائدة:٤]\nوقال تعالى في بيان أن سرعة ذلك الحساب يكون مع تمام العدل: لِيَجْزِي اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [إبراهيم: ٥١]\nاليوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ اليوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر: ١٧]\nوَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧]\n٢ـ والحساب تارة يكون يسيرًا على أهل الإيمان والطاعات، وتارة يكون عسيرًا على أهل الكفر والمعاصي. فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق: ٧ - ٩].\nفَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ [الحاقة: ١٩ - ٢٠]\nوَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ [الحاقة: ٢٥ - ٢٦]\nلِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [الرعد: ١٨]\nيَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: ٢٦]\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: ٣٩]\n٣ـ وقال تعالى في بيان إحاطة علمه بكل ما يصدر عن العباد ظاهرًا أو باطنًا: لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٨٤]\nوقد عفا الله عما يضمره الإنسان في قلبه فلا يحاسبه عليه.\n٤ـ وقال تعالى في مدح المؤمنين وخوفهم من هول الحساب: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ [الرعد: ٢١]\n٥ـ وقال تعالى في مدح الصابرين وبيان أجرهم: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠]\n٦ـ وقال تعالى في ذم المكذبين بالحساب: إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا [النبأ: ٢٧].\nوَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [غافر: ٢٧].\nوأما ما ورد من قولهم: رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص: ١٦]، فإنما هو قول على سبيل الاستهزاء (١) أو التحدي للرسول ﷺ أن يريهم صكاكهم (٢) بحظوظهم من الخير أو الشر الذي وعد الله عباده أن يؤتيهموها في الآخرة قبل يوم القيامة في الدنيا استهزاء بوعيد الله (٣).\nونكتفي بما تقدم ذكره من الآيات التي تدل على وقوع الحساب في يوم القيامة، وبها يتبين مدى عناية القرآن الكريم بذكره وعظيم شأنه. ونضيف إلى ما تقدم من الأدلة الواردة في القرآن الكريم أدلة أخرى من السنة النبوية فيما يأتي: الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩١٣\n_________\n(١) انظر: «تفسير القرآن العظيم» (٤/ ٢٩).\n(٢) أي كتب أعمالهم.\n(٣) انظر: «جامع البيان» (٢٣/ ١٣٥).","vol":"4","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1336>المطلب الثاني: الأدلة من السنة النبوية</span>\nوكما حظي ذكر الحساب في القرآن الكريم بكثرة العناية بذكره وإيراده في أكثر من موضع كما رأينا فيما سبق عرضه، فقد حظي كذلك بالذكر والعناية والاهتمام على لسان المصطفى ﷺ، فقد وردت أحاديث كثيرة بشأنه وسنذكر منها ما يتبين به صدق ما قدمناه وذلك فيما يلي:\nقال ﷺ في الحث على الاستعداد بالعمل الصالح، ومحاسبة النفس، وعدم تركها ترتع كيف شاءت، وهو ما ورد عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ أنه قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني» (١). قال الترمذي: (ومعنى قوله ﷺ: «دان نفسه» يقول: حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة) (٢).\nفإذا لم يستعد العبد بالعمل الصالح، ولم يسلك ما أمره الله به، ولم ينته عما نهاه عنه بل كفر بربه ولقائه، فإنه سيندم يوم القيامة، ويتمنى أن لو كان له ملء الأرض ذهبًا ويفتدي به لو نفعه حين يحاسب بين يدي الله ﵎.\nكما جاء في حديث أنس ﵁ أن نبي الله ﷺ كان يقول: «يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك» (٣).\nوقدجاء عن النبي ﷺ في سهولة الحساب ويسره وتجاوز الله تعالى: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٧ - ٩]. فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب» (٤). وفي بعض روايات هذا الحديث: «من حوسب عذب» إلخ الحديث (٥).\nوقال ﷺ في تجاوز الله تعالى عمن يتجاوز عن الناس في الحساب، وييسر عليهم، وتخفيف الله عن عباده، عن أبي مسعود البدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرًا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال: قال الله ﷿: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه» (٦).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا، فلما انصرف قلت: يا نبي الله ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر الله في كتابه فيتجاوز عنه، من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك، وكل ما يصيب المؤمن يكفر الله ﷿ به عنه حتى الشوكة تشوكه» (٧).\n_________\n(١) رواه الترمذى (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٩٨٣)، وأحمد (٤/ ١٢٤) (١٧١٦٤)،، وأبو نعيم فى «الحلية» (١/ ٢٦٧)، والطبراني (٧/ ٢٨١) (٧١٤١)، والحاكم (١/ ١٢٥)، والبيهقي (٣/ ٣٦٩) (٦٣٠٦). قال الترمذي: حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخارى. وحسنه البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٣٣).\n(٢) «سنن الترمذي» (٥/ ٤٤٩).\n(٣) رواه البخاري (٦٥٣٨)، ومسلم (٢٨٠٥).\n(٤) رواه البخاري (١٠٣).\n(٥) رواه البخاري (٦٥٣٨)، ومسلم (٢٨٠٥).\n(٦) رواه مسلم (١٥٦١).\n(٧) رواه أحمد (٦/ ٤٨) (٢٤٢٦١)، وابن خزيمة (٢/ ٣٠) (٨٤٩)، وابن حبان (١٦/ ٣٧٢) (٧٣٧٢)، والحاكم (١/ ٣٨٥) وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال الألباني في «أصل صفة الصلاة» (٣/ ١٠٠٧): إسناده جيد.","vol":"4","page":448},{"text":"وعن محمود بن لبيد أن النبي ﷺ قال: «اثنان يكرههما ابن آدم: الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب» (١).\nوعن السدي قال: حدثني من سمع عليًّا يقول: لما نزلت هذه الآية: وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء [البقرة: ٢٨٤] أحزنتنا، قال: قلنا: يحدث أحدنا نفسه فيحاسب به، لا ندري ما يغفر منه وما لا يغفر، فنزلت هذه الآية بعدها فنسختها: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦].\nوعن العدل في القصاص يوم القيامة وتبادل الحسنات والسيئات يقول ﷺ: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثمَّ دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه» (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا» (٣)\nوقد أخبر ﷺ أن ناسًا لا يحاسبون، وهم سبعون ألفًا إكرامًا لهم كما جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: «عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومنهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: وما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه، فقال: هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة» (٤)\nوفي بيان أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة قال رسول الله ﷺ: «أول ما يقضى بين الناس بالدماء» (٥)\nعن حريث بن قبيصة قال: قدمنا المدينة فقلت: اللهم يسر لي جليسًا صالحًا، قال فجلست إلى أبي هريرة فقلت: إني سألت الله أن يرزقني جليسًا صالحًا، فحدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ، لعل الله أن ينفعني به، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب ﷿: انظروا هل لعبدي من تطوع، فيكمل بها ما نتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك» (٦)\nوعن أول الخلق حسابًا يقول ﷺ فيما يرويه ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «نحن آخر الأمم وأول من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون» (٧). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩١٦\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٤٢٧) (٢٣٦٧٤، ٢٣٦٧٥)، وأبو نعيم فى «معرفة الصحابة» (٥/ ٢٥٢٥)، والمنذري (٤/ ١٤٧). وقال: رواه أحمد بإسنادين، رواة أحدهما محتج بهم فى الصحيح، ومحمود له رؤية، ولم يصح له سماع فيما أرى. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٦٠): رواه أحمد بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح. وقال أيضًا (٢/ ٣٢٤): رجاله رجال الصحيح، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٣٦) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٢) رواه البخاري (٦٥٣٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٦٥٣٥).\n(٤) رواه البخاري (٦٥٤١).\n(٥) رواه البخاري (٦٥٣٣)، ومسلم (١٦٧٨). من حديث عبدالله بن مسعود ﵁.\n(٦) رواه أبو داود (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣)، والنسائي (١/ ٢٣٢)، وابن ماجه (١٤٢٥)، وأحمد (٢/ ٤٢٥) (٩٤٩٠). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال النووي في «المجموع»: إسناده صحيح بمعناه. وقال ابن الملقن في «تحفة المحتاج» (١/ ٣٣٣): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٧) رواه ابن ماجه (٣٤٨٢). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٣٣٧): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"4","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1338>المطلب الأول: العدل التام الخالي من الظلم</span>\nيوفي الحق ﷿ عباده في يوم القيامة أجورهم كاملة غير منقوصة ولا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة:٢٨١]. وقال لقمان في وصيته لابنه معرفا إياه بعدل الله: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:١٦]، وقال تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:٧ - ٨]، فقد أخبر الحق ﵎ في هذه النصوص أنه يوفي كل عبد عمله وأنه لا يضيع منه ولا ينقص منه مقدار الذرة. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ٢٠٣","vol":"4","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1339>المطلب الثاني: لا يؤخذ أحد بجريرة غيره</span>\nقاعدة الحساب والجزاء التي تمثل قمة العدل ومنتهاه أن الله يجازي العباد بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ولا يحمل أحدا وزر غيره قال تعالى: مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:١٥]. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ٢٠٤","vol":"4","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1340>المطلب الثالث: اطلاع العباد على سجلات أعمالهم</span>\nحتى يحكموا على أنفسهم فلا يكون لهم بعد ذلك عذر قال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا [آل عمران:٣٠]، وقال: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:٤٩] القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ٢٠٦","vol":"4","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1341>المطلب الرابع: مضاعفة الحسنات دون السيئات</span>\nومن رحمته أن يضاعف أجر الأعمال الصالحة إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [التغابن:١٧] وأقل ما تضاعف به الحسنة عشرة أضعاف: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:١٦٠] أما السيئة فلا تجزى إلا مثلها وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا [الأنعام:١٦٠]. وهذا مقتضى عدله ﵎. ومن الأعمال التي أخبر الرسول ﷺ أنها تضاعف عشرة أضعاف قراءة القرآن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» (١)، وغير ذلك كالصلاة، والصوم. ومن فضل الله أن المسلم الذي يهم بفعل الحسنة ولكنه لا يفعلها تكتب له حسنة تامة، وأن المسلم الذي يهم بفعل السيئة ثم تدركه مخافة الله فيتركها تكتب له حسنة تامة. عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة» (٢). وتبلغ رحمة الله بعباده وفضله عليهم أن يبدل سيئاتهم حسنات عن أبى ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها. فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا. فيقول: نعم. لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه. فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة. فيقول: رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا». فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه (٣). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ٢٠٧\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٩١٠). وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠١) كما أشار لذلك في مقدمته. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١). من حديث ابن عباس ﵁.\n(٣) رواه مسلم (١٩٠).","vol":"4","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1342>المطلب الخامس: إقامة الشهود</span>\nوقد أشارت أكثر من آية إلى الشهداء الذين يشهدون على العباد كقوله تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:٥١]، وقوله تعالى: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء [الزمر:٦٩]. وأول من يشهد على الأمم رسلها فيشهد كل رسول على أمته بالبلاغ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا [النساء:٤١]، وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء [النحل:٨٩]، وقوله: شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ هم الرسل لأن كل أمة رسولها منها، كما قال تعالى: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة:١٢٨]. وكما يشهدون على أممهم بالبلاغ يشهدون عليهم بالتكذيب، ومن الأشهاد الأرض والأيام والليالي تشهد بما عمل فيها وعليها ويشهد المال على صاحبه، كما تشهد الملائكة: وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ [هود:١٨]. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ٢١٢","vol":"4","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1343>المبحث الرابع: متى يكون الحساب؟ وأين يكون المحاسبون</span>؟\nحينما يبعث الله العباد من قبورهم يخرجون وهم لا يذكرون شيئًا من أعمالهم التي قدموها في حياتهم الدنيا، كما ذكر الله ذلك عنهم في كتابه العزيز في قوله ﷿: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة: ٦]\nوما أسرع نسيان الإنسان لأعماله التي يعملها هو غافل لا يدري أن هناك من يراقبه مراقبة دقيقة يسجل عليه كل ما يصدر عنه من قول أو فعل.\nقال الطبري عن معنى الآية: (يقول تعالى ذكره أحصى الله ما عملوا، فعده عليهم، وأثبته، وحفظه، ونسيه عاملوه، والله على كل شيء شهيد) (١).\nفإذا جمعهم الله في الموقف، وأذن بفصل القضاء فيهم أعطاهم الله تلك الكتب ليقفوا على ما فيها، ثم بعد ذلك تبدأ المحاسبة: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ٧ - ١٠]\nوفي تقديم الله تعالى ذكر الكتاب- أو صحف الأعمال – على ذكر الحساب دلالة على تقديم أخذ الصحف على الحساب، وفي هذا يقول القرطبى: (فإذا وقف الناس على أعمالهم، من الصحف التي يؤثرها بعد البعث حوسبوا عليها) (٢).\nوقبل حسابهم يمتاز كل فريق عن الأخر، المؤمنون في مكان، وغيرهم من الكفار كل فرقة في مكان، قال الحافظ ابن كثير: (فإذا نصب كرسي فصل القضاء، انماز الكافرون عن المؤمنين في الموقف إلى ناحية الشمال وبقي المؤمنون عن يمين العرض، ومنهم من يكون بين يديه، قال تعالى: وَامْتَازُوا اليوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: ٥٩]) (٣)\nقال الطبري في معناها: (أي تميزوا) (٤).\nوقال ابن كثير في معناها: (يقول الله تعالى مخبرًا عما يؤول إليه حال الكفار يوم القيامة، من أمره لهم أن يمتازوا، بمعنى يميزون عن المؤمنين في موقفهم، كقوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ [يونس: ٢٨]. وقال ﷿: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [الروم: ١٤] أي يصيرون صدعين فرقتين) (٥)\nويقول مقاتل: (معناه: اعتزلوا اليوم – بمعنى في الآخرة – من الصالحين)، وقال السدي: (كونوا على حدة)، وقال الزجاج: (انفردوا عن المؤمنين)، وقال الضحاك: (يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصاري فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة)، وقال داود بن الجراح: (يمتاز المسلمون عن المجرمين، إلا أصحاب الأهواء فإنهم يكونون مع المجرمين) (٦).\nوقد أخرج الطبري بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة، أمر الله جهنم، فيخرج منها عنق ساطع مظلم، ثم يقول: أَلَمْ أَعْهَدْ إليكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ... [يس: ٦٠] الآية إلى قوله: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. .. [يس: ٦٣] وَامْتَازُوا اليوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: ٥٩] فيتميز الناس ويجثون وهي قوله تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً. [الجاثية: ٢٨]» (٧).\n_________\n(١) «جامع البيان» (٢٨/ ١٢).\n(٢) «التذكرة» (ص: ٢٥٥).\n(٣) «النهاية» (٢/ ١١٠).\n(٤) «جامع البيان» (٢٣/ ٢٢).\n(٥) «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٥٧٦).\n(٦) انظر: «فتح القدير» (٤/ ٣٣٧) هكذا في الكتاب: (فإنهم يكونون مع المجرمين).\n(٧) «جامع البيان» (٢٣/ ٢٢).","vol":"4","page":455},{"text":"فالثابت هنا هو تميز كل فريق عن الفريق الآخر، دون تحديد للجهات التي ذكرها الحافظ ابن كثير ﵀، كما في الآية السابقة، وكذا في قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ [يونس: ٢٨].\nقال ابن كثير في معني الآية: ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ [يونس: ٢٨]: (الزموا أنتم وهم مكانا معينا، امتازوا فيه عن مقام المؤمنين). (٤)\nوقال تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ. [الروم: ١٤]\nوفسر الرازي هذا التفرق بأنه: (يجعل فريق في الجنة، وفريق في السعير) (٥).\nوقال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [الروم: ٤٣] أي يصيرون فرقتين\nوبمثل ما فسر الرازي هذا التفرق فسره كذلك الشوكاني حيث قال: (والمراد بتفرقهم هاهنا: أن أهل الجنة يصيرون إلى الجنة وأهل النار يصيرون إلى النار) (١).\nوقال تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إلى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٢٢ - ٢٣]\nوهذه الآية فسرها بعضهم بأن كل صنف يتميز مع مثله، فقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ في قول الله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢]، قال: (أمثالهم، الذين هم مثلهم، يجيء أصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر، أزواج في الجنة، وأزواج في النار).\nوفي رواية عن ابن عباس: قال: (أشباههم)، وفي لفظ: (نظراءهم)، وفي رواية عن عكرمة مثله.\nوعن مجاهد قال: (أمثالهم، القتلة مع القتلة، والزناة مع الزناة، وأكلة الربا مع أكلة الربا) (٢).\nوخلاصة ما قيل عن تميز المؤمنين عن غيرهم، وتميز كل فرقة بمفردها: أن الله تعالى أمر بأن يتميز أهل محبته ورضوانه عن أهل عداوته وعصيانه، إلى حيث يشاء ﷾، كما أمر أن ينفرد أهل عصيانه عن أهل طاعته، ليكون لكل فرقة من الفرق موضع يليق بها، وليعرف كل فريق حاله. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩٢٥\n_________\n(١) «فتح القدير» (٤/ ٢٢٩).\n(٢) انظر: «الدر المنثور» (٧ – ٨٤).","vol":"4","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1344>المبحث الخامس: من يشملهم الحساب</span>\nالناس في يوم القيامة يردون فصل القضاء طوائف متفرقة، وأصنافًا شتى، منهم من يستحق غاية الإكرام، ومنهم من يستحق غاية التعذيب، ومنهم من هو بين ذلك.\nفهناك الأنبياء، وهناك المؤمنون – السابقون منهم والمقتصدون -، وهناك من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وهناك كفارهم أعداء الله ومحل سخطه وبغضه.\nإنهم يردون أصنافًا شتى لا يعلمهم إلا الله تعالى، فمن من هؤلاء يحاسب؟ ومن من هؤلاء لا يحاسب، بل يكرمهم الله فلا يحاسبهم؟\nقد أجمل القرطبي ﵀ الجواب عن هذه الأصناف بالنسبة للحساب، فقسمهم إلى ثلاثة فرق فقال:\n(فرقة: لايحاسبون أصلًا، وفرقة: تحاسب حسابًا يسيرًا – وهما من المؤمنين - وفرقة: تحاسب حسابًا شديدًا، يكون منها مسلم وكافر، وإذا كان من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة الله، فلا يبعد أن يكون من الكفار من هو أدنى إلى غضب الله، فيدخله النار بغير حساب) (١).\nوالواقع أن الإجابة تحتاج إلى تفصيل أكثر لطوائف الناس، وسنذكر فيما يلي تفصيل ما قيل عن كل طائفة:\n١ - أما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:\nففي محاسبة الله تعالى لهم خلاف بين العلماء، وسبب الخلاف فيهم هو ما جاء فى قوله تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إليهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦]\nفإن هذه الآية تدل على أن الله يحاسب جميع البشر؛ الرسل والمرسل إليهم، وهذا هو ما يذهب إليه بعض العلماء.\nقال الرازي في إثبات أن السؤال يقع على الأنبياء والأمم أيضًا:\n(المسألة الثانية: الذين أرسل إليهم هم الأمة، والمرسلون هم الرسل، فبين تعالى أنه يسأل هذين الفريقين. قال: ونظير هذه الآية قوله: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢، ٩٣]) (٢)\nوقال أيضًا في معرض عده للمسائل التي اشتملت عليها الآية:\n(المسألة الرابعة: الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده؛ لأنهم لا يخرجون عن أن يكون رسلًا أو مرسلًا إليهم، ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار) (٣).\nويذكر ابن كثير أن الله تعالى يسأل الأنبياء عن تبيلغ أقوامهم رسالة الله تعالى، فقال: (فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضًا عن إبلاغ رسالاته. ثم نقل عن ابن عباس في تفسير الآية: أن الله يسأل الرسل عما بلغوا) (٤)\nويذكر الشوكاني في معنى الآية: وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦] (أن السؤال للأنبياء الذين بعثهم الله: أي نسألهم عما أجاب به أمهم عليهم، ومن أطاع منهم ومن عصى، وقيل: المعنى فلنسألن الذين أرسل إليهم يعني الأنبياء، ولنسألن المرسلين يعني الملائكة) (١).\nوقال السفاريني عن مسألة حسابهم: (والجواب أنه لاحساب على الأنبياء ﵈ على سبيل المناقشة والتقريع). (٢)\nويقول النسفي فيما ينقله عنه السفاريني: (الأنبياء لاحساب عليهم، وكذلك أطفال المؤمنين، وكذلك العشرة المبشرة بالجنة، هذا فى حساب المناقشة، وعمومًا الآيات الكريمة مخصوص بأحاديث من يدخل الجنة بغير حساب، ولهذا قال علماؤنا في عقائدهم: ويحاسب المسلمون المكلفون، إلا من شاء الله أن يدخل الجنة بغير حساب وكل مكلف مسؤول، ويسأل من شاء من الرسل عن تبليغ الرسالة، ومن شاء من الكفار عن تكذيب الرسل) (٣).\nوعلى القول بأنهم يسألون – ومعلوم أنه لا ذنوب لهم ليحاسبوا عليها – فما المقصود من وقوع السؤال عليهم؟\n_________\n(١) «التذكرة» (ص ٣٤٣).\n(٢) «التفسير الكبير» (١٤ – ٢٢).\n(٣) «التفسير الكبير» (١٤/ ٢٤).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٠٠).","vol":"4","page":457},{"text":"أجاب الرازي عن ذلك بقوله: (فإن قيل: فما الفائدة فى سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟ قلنا لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؛ التحق التقصير بكليته بالأمة؛ فيضاعف إكرام الله فى حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة فى حق الكفار لما ثبت أن كل التقصير كان منهم) (٤).\nفالذي يظهر أن إطلاق القول بأن الأنبياء يسألون؛ أن المقصود به مساءلتهم عن تبليغهم الدعوة إلى أقوامهم، وهو مجرد مساءلة لزيادة إقامة الحجة على العصاة، وليس مساءلة مناقشة وتقريع، كما ظهر مما سبق.\nوأما إطلاق القول بأنهم لا يسألون، فالمراد به ما تقدم من أنهم لا يسألون سؤال مناقشة واستظهار.\nوإذا كان قد ثبت أن طائفة من أتباع الأنبياء يدخلون الجنة بغير حساب، فكيف بالأنبياء الذين لهم المزية الأولى في كل تكريم؟\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ عن مساءلة الأنبياء: (وسؤال الله للرسل مَاذَا أُجِبْتُمْ [المائدة: ١٠٩] لتوبيخ الذين كذبوهم، كسؤال الموءودة بأي ذنب قتلت لتوبيخ قاتلها) (٥).\n٢ - وأما بقية المؤمنين بصورة عامة:\nفلا ريب أن الله تعالى يحاسبهم محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، وبالحساب يمتاز بعضهم على بعض بالدرجات؛ نتيجة لثقل موازينهم وخفتها فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧ - ٨]\nوقد قدمنا ذكر للنصوص التي تدل على محاسبة الله تعالى عباده المؤمنين.\nوأما أولئك السبعون الألف الذين ورد النص بأنهم لا يحاسبون، فهو إكرام من الله تعالى لنبينا محمد صلي الله عليه وسلم لأمته.\nقال النووي فى تعليقه على هذا الحديث: (إن فيه عظم ما أكرم الله ﷾ به النبي صلي الله عليه وسلم وأمته، زادها الله فضلًا وشرفًا) (١)\nوقال السفاريني: (ثبت فى عدة أخبار عن النبى المختار ﷺ – ما كر الليل على النهار – أن طائفة من هذه الأمة بلا ارتياب يدخلون الجنة بغير حساب، فيدخلون جنات النعيم قبل وضع الموازين، وأخذ الصحف بالشمال واليمين). (٢)\nومصداق هذا ما جاء عن ابن عباس ﵄ عن النبي صلي الله عليه وسلم فى السواد الذي رفع له كما مر، وعن أبي أمامة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألف بغير حساب، فقال يزيد الأخنس: والله ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذبان، فقال رسول الله: فإن ربي ﷿ قد وعدني سبعين ألفًا مع كل ألف سبعين ألفًا، وزادني ثلاث حثيات، قال فما حوضك؟ قال: ما بين عدن إلى عمان، وأوسع وأوسع – يشير بيده – قال: فيه مثعبان من ذهب وفضة. قال: فما حوضك يا نبي الله؟ قال: أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا، ولم يسود وجهه أبدًا» (١).\nوعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: «سألت الله تعالى الشفاعة لأمتي، فقال لك سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قلت ربي زدني، فحثا لي بيديه مرتين، وعن يمينه، وعن شماله» (١). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ٩٤٥","vol":"4","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1346>المطلب الأول: الكفر والشرك</span>\nفيسألهم عن الشركاء والأنداد الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، قال تعالى: وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ [الشعراء:٩٣]، ويسألون عن عبادتهم لغير الله من تقديم القرابين للآلهة التي كانوا يعبدونها. قال تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ [النحل:٥٦]، ويسألون عن تكذيبهم للرسل: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءلُونَ [القصص:٦٦]. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢١٦","vol":"4","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1347>المطلب الثاني: ما عمله في دنياه</span>\nيسأل المرء في يوم القيامة عن جميع أعماله التي عملها في الحياة الدنيا كما قال تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:٩٢ - ٩٣] وعن أبى برزة الأسلمى قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه» (١). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢١٧\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٤١٧)، والدارمي (١/ ١٤٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصحح إسناده الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٧١) كما أشار إلى ذلك في مقدمته. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"4","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1348>المطلب الثالث: النعيم الذي يتمتع به</span>\nيسأل الله عباده في يوم القيامة عن النعيم الذي خولهم إياه في الدنيا، كما قال: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: ٨]. يعني بالنعيم شبع البطون، وبارد الماء، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم، وقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل. وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا. وقال الحسن البصري: من النعيم الغذاء والعشاء. وقال أبو قلابة: من النعيم أكل السمن والعسل بالخبز النقي. وعن ابن عباس: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار (١) وهذا الذي فسروها به من باب التنوع في التفسير، فإن أصناف النعيم كثيرة لا تعد ولا تحصى وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [النحل:١٨]، وبعض أنواع النعيم من الضروريات وبعضها من الكماليات، والناس يتفاوتون في ذلك فيما بينهم، ويوجد في عصر ما لا يجده أهل عصور أخرى، وفي بلد ما لا يجده أهل بلاد أخرى، وكل ذلك يسأل عنه العباد. روى الترمذي بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك؟ ونرويك من الماء البارد» (٢). وبعض الناس لا يستشعر النعم العظيمة التي وهبه الله إياها، فلا يدرك النعمة التي في شربة الماء، ولقمة الطعام، وفيما وهبه الله من مسكن وزوجة وأولاد، ويظن أن النعم تتمثل في القصور والبساتين والمراكب فحسب، فقد سأل رجل عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبدالله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. فأنت من الأغنياء. قال فإن لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك. (٣) وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (٤)، ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون. وفي (مسند أحمد) أن رسول الله ﷺ قال: «لا بأس بالغنى لمن اتقى الله ﷿، والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى، وطيب النفس من النعم» (٥). وفي بعض الأحاديث النبوية بيان من الرسول ﷺ عن صورة من صور السؤال عن النعيم الذي يواجه الله به عباده في ذلك اليوم، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يلقى (الرب) العبد فيقول: أي فُل، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ قال: فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فُل، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. أي رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع. فيقول: ههنا اذن. قال: ثم يقال له: الآن نبعث عليك شاهدًا عليك، ويتفكر في نفسه، من ذا يشهد علي؟ فيختم الله على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه. وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه». (٦) والسؤال عن النعيم سؤال عن شكر العبد لما أنعم الله به عليه، فإذا شكر فقد أدى حق النعمة، وإن أبى وكفر، أغضب عليه الله، ففي (صحيح مسلم) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (٧). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢١٨\n_________\n(١) انظر: «تفسير ابن أبي حاتم» (١٠/ ٣٤٦٠).\n(٢) رواه الترمذي (٣٣٥٨). وقال: هذا حديث غريب. وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٦/ ٤٠٦)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) رواه مسلم (٢٩٧٩).\n(٤) رواه البخاري (٦٤١٢).\n(٥) رواه ابن ماجه (٢١٤١)، وأحمد (٥/ ٣٧٢) (٢٣٢٠٦)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٢٣١). من حديث معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه عن عمه. قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٣/ ٦): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٦) رواه مسلم (٢٩٦٨).\n(٧) رواه مسلم (٢٧٣٤).","vol":"4","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1349>المطلب الرابع: العهود والمواثيق</span>\nيسأل الله عباده عما عاهدوه عليه وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا [الأحزاب: ١٥]، وكل عهد مشروع بين العباد فإن الله سائل العبد عن الوفاء به: وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا [الإسراء: ٣٤] القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٢١","vol":"4","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1350>المطلب الخامس: السمع والبصر والفؤاد</span>\nيسأل الله العباد عن جميع ما يقولونه، ولذلك حذرهم من القول بلا علم وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء: ٣٦]، قال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله. قال ابن كثير: ومضمون ما ذكروه في الآية: أن الله نهى عن القول بغير علم، بل بالظن، الذي هو التوهم والخيال. كما قال تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:١٢]، وفي الحديث: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» (١)، وفي (سنن أبي داود): «بئس مطية الرجل زعموا» (٢)، وفي الحديث الآخر: «إن أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا» (٣) وفي (الصحيح): «من تحلم حلمًا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل» (٤). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٢١\n_________\n(١) رواه البخاري (٥١٤٣)، ومسلم (٢٥٦٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه أبو داود (٤٩٧٢). من حديث أبو قلابة عبدالله بن زيد الجرمي عن أبي قلابة قال: قال أبو مسعود لأبي عبدالله أو قال أبو عبدالله لأبي مسعود ثم ذكر الحديث. والحديث سكت عنه أبو داود. قال النووي في «الأذكار» (٤٧٠): إسناده صحيح. وقال ابن حجر في «الإصابة» (٤/ ١٢٦): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٧٠٤٣).\n(٤) رواه البخاري (٧٠٤٢) بلفظٍ مقاربٍ. من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"4","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1351>المبحث السابع: أول من يحاسب من الناس</span>\nيحاسب الله ﷾ البشر في أسرع وقت كما ذكر، سبحانه لا يشغله شأن عن شأن، وقد اختلفت أقوال العلماء في ذكر أول من يحاسب في يوم القيامة من الجماعات أو الأفراد، هل هم الملائكة؟ أم هو اللوح المحفوظ؟ أم هم الأنبياء والرسل؟ أم أرباب الأموال والسعة؟ أم أنهم أول من تبارزوا في يوم بدر؛ علي بن أبي طالب، وحمزة، وعبيدة، وأقرانهم من المشركين؟ أم أن أول المحاسبين جاران من أمة محمد ﷺ؟ أم الزوج وزوجته؟.\nكل ذلك قد قيل، ونوضح فيما يلي أدلة تلك الأقوال والجمع بينها:\n- أما ما جاء من أنهم الملائكة: فهو ما روى ابن أنعم عن حبان بن أبي جيلة فيما يعزوه البرديسي قال: (أول من يدعى يوم القيامة إسرافيل، فيقول الله ﷿ ثناؤه: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم يا رب، فيخلى عن إسرافيل، ويقول لجبريل: ما صنعت بعهدي؟ فيقول: بلغت الرسل، فتدعى الرسل فيقول: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم فيخلى جبريل. ويقال للرسل: هل بلغتم عهدي؟ فيقولون: نعم قد بلغناه الأمم، فتدعى الأمم فيقال: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمكذب، ومصدق، فتقول الرسل: لنا عليكم شهداء، فيقول الله ﵎ وهو أعلم: من؟ فيقولون: أمة محمد ﷺ، فيقال لهم: أتشهدون أن الرسل قد بلغت الأمم؟ فتقول الأمم: يا رب، كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟ فيقول الله ﷿: تشهدوا عليهم ولم تدركوهم؟ فيقولون: يا ربنا أرسلت إلينا رسولًا، وأنزلت علينا كتابًا، فقصصت علينا فيه أن قد بلغوا قولك) (١).\n- وأما ما جاء من أول المحاسبين اللوح المحفوظ: فهو ماجاء عن سنان أنه قال: (اللوح المحفوظ معلق بالعرش، فإذا أراد الله أن يوحي بشئ كتب في اللوح المحفوظ، فيجيء اللوح حتى يقرع جبهة إسرافيل، فينظر فيه، فإن كان لأهل السماء دفعه إلى ميكائيل، وإن كان لأهل الأرض دفعه إلى جبريل.\nفأول ما يحاسب يوم القيامة اللوح المحفوظ، يدعى به ترعد فرائصه، فيقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: إسرافيل، فيجاء بإسرافيل ترعد فرائصه، فيقال: هل بلغك اللوح؟ فإذا قال: نعم؛ قال اللوح: الحمد لله الذى نجاني من سوء الحساب، ثم كذلك).\nوفى حديث وهب بن الورد أن «إسرافيل ﵇ يقول: بلغت جبريل، فيدعى جبريل ﵇ ترعد فرائصه، فيقال: ما صنعت فيما بلغك إسرافيل؟ فيقول: بلغت الرسل، فيؤتى بالرسل فيقال: ما صنعتم فيما أدى إليكم جبريل؟ فيقولون: بلغنا الناس، فهو قوله تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إليهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِين [الأعراف: ٦]» (٢).\nوأما ما جاء من أن أول المحاسبين الأنبياء والرسل فقد قال البرديسي: (فيبدأ بالأنبياء عليهم الصلاة السلام، فيقول: ماذا أجبتم؟ قيل في تفسيرها: كانوا قد علموا ولكن ذهبت عقولهم، وغربت أفهامهم ونسوا من شدة الهول، وعظيم الخطب، وصعوبة الأمر، فقالوا: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب، ثم يقويهم الله ﷿ فيدعى بنوح ﵊) (١)","vol":"4","page":464},{"text":"ثم استدل بما أخرج البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدعى بنوح ﵇ يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليهم شهيدًا، وذلك في قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]. والوسط: العدل، أى عدولًا خيارًا، وخير الأمور الوسط» (٢).\n- وأما ما جاء من أنهم العلماء، أو المغازون، أو أرباب المال والسعة: فهو ما ذكره السفاريني إلا أنه لم يسنده إلى أحد (٣).\n- أما ما جاء من أنهم الذين تبارزوا فى يوم بدر: فهو ما أخرج البخاري بسنده إلى علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة» (١).\nوروى كذلك عن قيس بن عباد وعن أبي ذر عن علي بن أبي طالب أن الآية من قوله تعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩]. أنها نزلت في شأن الذين تبارزوا يوم بدر، وهم حمزة، وعلي، وعبيدة – أبو عبيدة – ابن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة، والوليد بن عتبة (٤).\n- وأما ما جاء من أنهم جاران: فهو ما روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «أول خصمين يوم القيامة جاران» (١).\nويجمع بين تلك الأقوال:\nأن ما صح من تلك الأقوال والروايات فإنه يحمل على أولية مقيدة فى بابها، على أن هذه الروايات التي تقدمت تحتاج إلى نصوص تؤيدها ... وأما بالنسبة للأمم، فقد جاء في السنة أن أول الأمم يقضي الله بينهم هم أمة محمد ﷺ، وهذه مزية ومفخرة لهم؛ ليكونوا شهداء على الناس.\nومما ورد في هذا ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون» (١).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «يجئ النبي ومعه الرجلان. ويجئ النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك وأقل، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، فيقال: من شهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتدعى أمة محمد، فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون: نعم، فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون أخبرنا نبينا بذلك؛ أن الرسل قد بلغوا فصدقناه قال فذلكم قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]» (١).\nوورد عن رفاعة الجهني قال: «صدرنا مع رسول الله ﷺ فقال: والذي نفس محمد بيده ما من عبد يؤمن ثم يسدد إلا سلك به في الجنة، وأرجو ألا يدخلوها حتى تبوؤا أنتم ومن صلح من ذراريكم مساكن في الجنة، ولقد وعدني ربي ﷿ أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب» (١).\nوعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنكم وفيتم سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله» (١).\nفثبت بهذه النصوص أن أمة محمد ﷺ هم أول الأمم تحاسب، وأول الأمم تدخل الجنة، وفي هذا يقول الحافظ ابن كثير: (ويكون أو الأمم يقضى بينهم هذه الأمة، لشرف نبيها ﷺ، كما أنهم أول من يدخل على الصراط، وأول من يدخل الجنة). (١) الحياة الآخرة لغالب عواجي- بتصرف- ٢/ ٩٦٩\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٠٠١)، وابن ماجه (٣٤٨٠)، وأحمد (٥/ ٣) (٢٠٠٤١)، والحاكم (٤/ ٩٤)، والبيهقي (٩/ ٥) (١٨١٧٢). قال الترمذي: حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٦/ ١١٢)، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ٧٣): حسن صحيح، وله شاهد مرسل رجاله ثقات، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"4","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1353>المطلب الأول: أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله</span>\nأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله ﵎ الصلاة، فإن صلحت أفلح ونجح وإلا خاب وخسر، ففي (سنن الترمذي) و(النسائي) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئًا. قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك» (١). وفي (سنن أبي داود) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا – ﷿ – لملائكته: انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا، قال: انظروا، هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع، قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال بعد ذلك» (٢). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٢٣\n_________\n(١) رواه الترمذي (٤١٣)، والنسائي (١/ ٢٣٢). وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال النووي في «المجموع» (٤/ ٥٥): إسناده صحيح بمعناه. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) رواه أبو داود (٨٦٤). وسكت عنه. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"4","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1354>المطلب الثاني: أنواع الحساب</span>\nيتفاوت حساب العباد، فبعض العباد يكون حسابهم عسيرًا وهؤلاء هم الكفرة المجرمون الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، وتمردوا على شرع الله، وكذبوا بالرسل، وبعض عصاة الموحدين قد يطول حسابهم ويعسر بسبب كثرة الذنوب وعظمها. وبعض العباد يدخلون الجنة بغير حساب، وهم فئة قليلة لا يجاوزون السبعين ألفًا، وهم الصفوة من هذه الأمة، والقمم الشامخة في الإيمان والتقى والصلاح والجهاد، وسيأتي ذكرهم وصفتهم عند الحديث عن أهل الجنة وبعض العباد يحاسبون حسابًا يسيرًا، وهؤلاء لا يناقشون الحساب، أي لا يدقق، ولا يحقق معهم، وإنما تعرض عليهم ذنوبهم ثم يتجاوز لهم عنها. وهذا معنى قوله ﵎: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٧ - ٨]، ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٧ - ٨]، فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب» (١). قال النووي في شرحه للحديث: معنى نوقش الحساب: استقصي عليه. قال القاضي: وقوله: (عذب) له معنيان: أحدهما: أن نفس المناقشة وعرض الذنوب والتوقيف عليها هو التعذيب لما فيه من التوبيخ. والثاني: أنه مفض إلى العذاب بالنار ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: (هلك) مكان (عذب) هذا كلام القاضي. قال النووي: وهذا الثاني هو (الصحيح)، ومعناه أن التقصير غالب في العباد فمن استقصي عليه، ولم يسامح هلك، ودخل النار، ولكن الله تعالى: يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء. ونقل ابن حجر عن القرطبي في معنى قوله: إنما ذلك العرض، قال: إن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منَّة الله عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة. والمراد بالعرض - كما هو ظاهر من هذه الأحاديث - عرض ذنوب المؤمنين عليهم، كي يدركوا مدى نعمة الله عليهم في غفرانها لهم. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٢٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٣٩)، ومسلم (٢٨٧٦).","vol":"4","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1355>المطلب الثالث: أمثلة من السنة للمناقشة والعرض والمعاتبة</span>\nورد في السنة النبوية مشاهد للمناقشة والعرض والمعاتبة التي تكون من الله لعباده، وسنسوق لكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة مشهدًا مما صح في السنة.\n- مناقشة المرائين\nروى مسلم والترمذي والنسائي عن شفي بن ماتع الأصبحي ﵀ أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه، وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلت له: أسألك بحق وحق، لما حدثتني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ عقلته وعلمته، فقال أبو هريرة: «أفعل، لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ، عقلته وعلمته، ثم نشغ أبو هريرة نشغة، فمكثنا قليلًا، ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى، ثم أفاق ومسح عن وجهه، وقال: أفعل، لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ، أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خارًا على وجهه، فأسندته طويلًا، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله ﷺ: أن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، وقد قيل ذلك. ويؤتى بصحاب المال فيقول الله: ألم أوسع عليك، حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقيل ذلك. ثم يؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة». قال الوليد أبو عثمان المدائني: فأخبرني عقبة بن مسلم: أن شفيًا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا. قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم: أنه كان سيافًا لمعاوية، فدخل عليه رجل، فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هكذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديدًا، حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاء هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود: ١٥ - ١٦]. أخرجه الترمذي. (١)\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٣٨٢). وقال: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح ..","vol":"4","page":468},{"text":"وفي رواية مسلم والنسائي عن سليمان بن يسار: قال: «تفرق الناس عن أبي هريرة، فقال له ناتل أخو أهل الشام: أيها الشيخ حدثني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه: رجل استشهد، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، فقال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأوتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالمٌ، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه بنعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار» (١).\n- عرض الرب ذنوب عبده عليه\nعن عبدالله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب. حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد: هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨]» (٢). قال القرطبي في قوله: فيضع عليه كنفه أي: ستره ولطفه وإكرامه، فيخاطب خطاب ملاطفة، ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة، فيقول له: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، فيقول الله ممتنًا عليه، ومظهرًا فضله لديه: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، أي لم أفضحك بها فيها، وأنا أغفرها لك اليوم.\n- معاتبة الرب عبده فيما وقع منه من تقصير\nوقد حدثنا الرسول ﷺ عن معاتبة الرب لعبده يوم القيامة، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى: يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني؟ قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم، استسقتيك فلم تسقني؟ قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه؟ أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي؟» (٣). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٢٦\n- إيتاء العباد كتبهم\nفي ختام مشهد الحساب يعطى كل عبد كتابه المشتمل على سجل كامل لأعماله التي عملها في الحياة الدنيا وتختلف الطريقة التي يؤتى بها العباد كتبهم، فأما المؤمن فإنه يؤتى كتابه بيمينه من أمامه، فيحاسب حسابًا يسيرًا، وينقلب إلى أهله في الجنة مسرورًا فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق: ٧ - ٩]، وإذا اطلع المؤمن على ما تحويه صحيفته من التوحيد وصالح الأعمال سر واستبشر، وأعلن هذا السرور، ورفع به صوته، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة: ١٩ - ٢٤]. وأما الكافر والمنافق وأهل الضلال فإنهم يؤتون كتبهم بشمالهم من وراء ظهورهم، وعند ذلك يدعو الكافر بالويل والثبور، وعظائم الأمور: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا [الانشقاق: ١٠ - ١٢]. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٢٥ - ٣١]. وعندما يعطى العباد كتبهم يقال لهم: هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩]. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٣٠\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٠٥)، والنسائي (٦/ ٢٣).\n(٢) رواه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨).\n(٣) رواه مسلم (٢٥٦٩).","vol":"4","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1356>المبحث التاسع: التفاضل في الحساب</span>\nقسم الله عباده في الحساب قسمين:\nالأول: من يكون حسابه يسيرًا وهم أهل اليمين، قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٧ - ٨].\nالثاني: من يلقى سوء الحساب وهم أهل جهنم، قال تعالى: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [الرعد: ١٨]. وفي نصوص السنة دلالة على أن المؤمنين في الحساب ثلاثة أصناف:\nفصنف لا يحاسب، وهؤلاء طائفة من أمة محمد ﷺ أخبر عنهم ﷺ، وعدتهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب، ففي الحديث: «عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سوادًا سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل: انظر، فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب» (١).\nوفي رواية: «هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفًا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب» (٢).\nفهذه زيادة فضيلة لهؤلاء أنهم يتقدمون الأمة، وجاء في وصفهم أنهم يدخلون الجنة: «متماسكين آخذ بعضهم ببعض، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر» (٣).\nوفي حديث آخر أنهم يدخلون زمرة واحدة (٤).\nوفي رواية في الصحيحين: «سبعون ألفًا، أو سبعمائة ألف» شك من الراوي (٥).\nووقع في أحاديث أخرى في غير الصحيحين أن مع السبعين ألفًا زيادة عليهم (٦).\nوالصنف الثاني: لا يناقشون الحساب، وإنما تعرض أعمالهم ثم يتجاوز لهم عنها، ففي الحديث أن النبي ﷺ قال: «من نوقش الحساب عذب» فقالت عائشة: «أو ليس يقول الله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا – فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك» (٧).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «سمعت النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا، فلما انصرف قلت: يا نبي الله ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه – (وفي رواية قال: الرجل تعرض عليه ذنوبه ثم يتجاوز له عنها) – أن من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك» (٨).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) رواه البخاري (٦٥٤١)، ومسلم (٢١٦). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٣) رواه البخاري (٦٥٥٤)، ومسلم (٢١٩). من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٢١٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٦٥٤٣)، ومسلم (٢١٩). من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.\n(٦) «فتح الباري» (١١/ ٤١٠).\n(٧) رواه البخاري (١٠٣). من حديث عائشة ﵂.\n(٨) رواه أحمد (٦/ ٤٨) (٢٤٢٦١)، والحاكم (١/ ١٢٥). هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١٧٥): أصله في الصحيح، وجود إسناده الألباني في «أصل صفة الصلاة» (٣/ ١٠٠٧).","vol":"4","page":470},{"text":"والصنف الثالث: يناقشون الحساب ويسألون فيه عن أعمالهم، يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته (١). ومن أمثلة هذا الصنف الذي يناقش الحساب وتوزن حسناته وسيئاته صاحب البطاقة الذي قال فيه ﷺ: «إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فبهت الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضروه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء» (٢).\nفهذه دلائل على تفاضل المؤمنين في الحساب.\nوفي هذا الباب تظهر فضيلة خص الله بها أمة محمد ﷺ وهي اختصاصها بشهادتها للأنبياء على أممهم، وبشهادة رسولهم ﷺ عليها، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]. وقال ﷿: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ [الحج: ٧٨]. وتكون شهادة هذه الأمة على نحو ما قال ﷺ: «يجيء نوح وأمته، فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول محمد ﷺ وأمته، فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله جل ذكره: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ والوسط: العدل» (٣). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي –ص: ٣٩٨\n_________\n(١) «الفتاوى» (٣/ ١٤٦).\n(٢) رواه الترمذي (٢٨٥٠)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والحاكم (١/ ٤٦، ٥٢٩). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين وهو صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ١٧٣) - كما أشار إلى ذلك في مقدمته -. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١١/ ١٧٦): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٣٣٣٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"4","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1358>تمهيد</span>\nيقتص الحكم العدل في يوم القيامة للمظلوم من ظالمه، حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، حتى الحيوان يقتص لبعضه من بعض، فإذا انططحت شاتان إحداهما جلحاء لا قرون لها، والأخرى ذات قرون، فإنه يقتص لتلك من هذه، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (١). والذي يعتدي على غيره بالضرب، يقتص منه بالضرب في يوم القيامة، ففي الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري في (الأدب المفرد) والبيهقي في (السنن)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من ضرب بسوط ظلمًا، اقتص منه يوم القيامة». وفي (معجم الطبراني الكبير) عن عمار، قال: قال رسول الله ﷺ: «من ضرب مملوكه ظالمًا، أقيد منه يوم القيامة» (٢). وإسناده صحيح والذي يقذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد في يوم القيامة، إن كان كذابًا فيما رماه به، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ: «من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال» (٣). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٣٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٨٢).\n(٢) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (١٨٥)، والبيهقي (٨/ ٤٥). وقال الألباني في «صحيح الأدب المفرد»: صحيح.\n(٣) رواه مسلم (١٦٦٠).","vol":"4","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1359>المبحث الأول: كيف يكون الاقتصاص في يوم القيامة</span>\nإذا كان يوم القيامة كانت ثروة الإنسان ورأس ماله حسناته، فإذا كانت عليه مظالم للعباد فإنهم يأخذون من حسناته بقدر ما ظلمهم، فإن لم يكن له حسنات أو فنيت حسناته، فإنه يؤخذ من سيئاتهم فيطرح فوق ظهره. ففي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» (١). وهذا الذي يأخذ الناس حسناته، ثم يقذفون فوق ظهره بسيئاتهم هو المفلس، كما سماه الرسول ﷺ، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي، من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» (٢). والمدين الذي مات، وللناس في ذمته أموال يأخذ أصحاب الأموال من حسناته بمقدار ما لهم عنده، ففي (سنن ابن ماجه) بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات وعليه دينار أو درهم، قضى من حسناته، ليس ثم دينار ولا درهم» (٣). وإذا كانت بين العباد مظالم متبادلة اقتص لبعضهم من بعض، فإن تساوى ظلم كل واحد منهما للآخر كان كفافًا لا له ولا عليه، وإن بقي لبعضهم حقوق عند الآخرين أخذها. ففي (سنن الترمذي) عن عائشة، قالت: «جاء رجل فقعد بين يدي الرسول ﷺ، فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يكذبونني، ويخونني، ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله ﷺ: إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافًا لا لك، ولا عليك. وإن كان عقابك إياهم دون ذنبهم كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتص لهم منك الفضل فتنحى الرجل، وجعل يهتف ويبكى. فقال له رسول الله ﷺ: أما تقرأ قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:٤٧]» (٤). ولما كان هذا شأن الظلم فحريٌّ بالعباد الذين يخافون ذلك اليوم أن يتركوه ويجتنبوه وقد أخبر الرسول ﷺ أن الظلم يكون ظلمات في يوم القيامة، ففي (صحيح البخاري) و(مسلم) عن عبدالله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «الظلم ظلمات يوم القيامة» (٥). وفي (صحيح مسلم) عن جابر بن عبدالله أن رسول الله ﷺ: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» (٦). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٣٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٣٤) بلفظ: (طرحت) بدلًا من (حمل).\n(٢) رواه مسلم (٢٥٨١).\n(٣) رواه ابن ماجه (٢٤١٤). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٤٦): إسناده حسن. قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٣/ ٦٥): هذا إسناد فيه مقال مطر الوراق مختلف فيه، ومحمد بن ثعلبة بن سوَّاء قال فيه ابن أبي حاتم: أدركته ولم أكتب عنه. اهـ. ولم أر لغيره من الأئمة فيه كلامًا. وباقي رجال الإسناد ثقات على شرط مسلم. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٤) رواه الترمذي (٣١٦٥). وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبدالرحمن بن غزوان. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٢٢٣): عبدالرحمن بن غزوان ثقة احتج به البخاري بقية رجال أحمد احتج بهم البخاري ومسلم. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح الإسناد.\n(٥) رواه البخاري (٢٤٤٧)، ومسلم (٢٥٧٩).\n(٦) رواه مسلم (٢٥٧٨).","vol":"4","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1360>المبحث الثاني: عظم شأن الدماء</span>\nمن أعظم الأمور عند الله أن يسفك العباد بعضهم دم بعض في غير الطريق الذي شرعه الله ﵎، ففي الحديث الصحيح الذي يرويه الترمذي عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «يجيء الرجل آخذًا بيد الرجل، فيقول: يا رب، هذا قتلني: فيقول: لم قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العزة لك. فيقول: فإنها لي. ويجيء الرجل آخذًا بيد الرجل، فيقول: إي رب، إن هذا قتلني. فيقول الله: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان. فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوء بإثمه» (١) وفي (السنن) للترمذي، وأبي داود، وابن ماجه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دمًا، فيقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ حتى يدنيه من العرش». (٢) ولعظم أمر الدماء فإنها تكون أول شيء يقضى فيه بين العباد. فقد روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبدالله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» (٣). قال ابن حجر في شرحه للحديث: وفي الحديث عظم أمر الدم، فإن البداءة إنما تكون بالأهم، والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة، وإعلام البنية الإنسانية غاية في ذلك. ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث أن أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، قال ابن حجر العسقلاني: ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة رفعه: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته» (٤) الحديث أخرجه أصحاب (السنن)، لأن الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق. والثاني: فيما يتعلق بعبادة الخالق. وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين، ولفظه: «أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء» (٥). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٠\n_________\n(١) الحديث لم يروه الترمذي. ورواه النسائي (٧/ ٨٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٣٤١). وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.\n(٢) رواه الترمذي (٣٠٢٩)، والنسائي (٧/ ٨٧)، وابن ماجه (٢٦٢١). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (٢/ ٣٣٤): صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٦٥٣٣)، ومسلم (١٦٧٨)، والترمذي (١٣٩٧)، والنسائي (٧/ ٨٣)، وابن ماجه (٢٦١٥).\n(٤) رواه أبو داود (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣)، والنسائي (١/ ٢٣٢)، وابن ماجه (١٤٢٥)، وأحمد (٢/ ٤٢٥) (٩٤٩٠). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال النووي في «المجموع»: إسناده صحيح بمعناه. وقال ابن الملقن في «تحفة المحتاج» (١/ ٣٣٣): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٥) رواه النسائي (٧/ ٨٣). وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.","vol":"4","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1361>المبحث الثالث: الاقتصاص للبهائم بعضها من بعض</span>\nيقضي الله بين خلقه: الجن والإنس والبهائم، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال الله: كونوا ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ: ٤٠]. هذا حديث أخرجه ابن جرير في (تفسيره) بإسناده إلى أبي هريرة يرفعه (١)، وفي رواية أخرى أخرجها ابن جرير أيضًا عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يحشر الخلق كلهم، كل دابة وطائر وإنسان، يقول للبهائم والطير: كونوا ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ: ٤٠]» (٢). وعن ابن جرير أيضًا عن عبدالله بن عمرو قال: إذا كان يوم القيامة مد الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يحصل القصاص بين الدواب، يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب، قال لها: كوني ترابًا، قال فعند ذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ: ٤٠] (٣) وأخرج مسلم في (صحيحه) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٤) وأخرج أحمد في (مسنده) بإسناد رجاله رجال (الصحيح) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء، وحتى الذَّرة من الذَّرة» (٥) وفي (المسند) أيضًا عن أبي هريرة يرفعه: «ألا والذي نفسي بيده ليختصمن كل شيء يوم القيامة، حتى الشاتان فيما انتطحتا». (٦)\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٤/ ١٨٠). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٦٦): وهذا إسنادٌ ضعيفٌ ولكنه قد توبع فأخرجه ابن جرير من طريق جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة وهذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات رجال مسلم غير ابن ثور وهو محمد الصنعاني وهو وإن كان موقوفا فإنه شاهد قوي للمرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي. ويشهد له ما عند ابن جرير أيضا من طريق عوف عن أبي المغيرة عن عبدالله بن عمرو قال: إذا كان يوم القيامة مد الأديم وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يحصل القصاص بين الدواب، يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب قال لها: كوني ترابًا، قال: فعند ذلك يقول الكافر: (يا ليتني كنت ترابا) قلت: وإسناده جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي المغيرة هذا وهو القواس لا يسمى، قال الذهبي في «الميزان»: لينه سليمان التميمي، وقال ابن المديني: لا أعلم أحدا روى عنه غير عوف. قلت: لكن قال ابن معين: إنه ثقة كما في «الجرح والتعديل» وذكره ابن حبان في «الثقات»، فثبت الإسناد.\n(٢) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٤/ ١٨٠). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» بعد حديث (١٩٦٦):وهذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات رجال مسلم غير ابن ثور.\n(٣) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٤/ ١٨٠). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» بعد حديث (١٩٦٦): إسناده جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي المغيرة هذا وهو القواس لا يسمى، قال الذهبي في «الميزان»: لينه سليمان التميمي، وقال ابن المديني: لا أعلم أحدا روى عنه غير عوف. قلت: لكن قال ابن معين: إنه ثقة كما في «الجرح والتعديل» وذكره ابن حبان في «الثقات»، فثبت الإسناد.\n(٤) رواه مسلم (٢٥٨٢).\n(٥) رواه أحمد (٢/ ٣٦٣) (٨٧٤١). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٦٧): إسناده صحيح رجاله ثقات رجال مسلم.\n(٦) رواه أحمد (٢/ ٣٩٠) (٨٧٤١). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٠٢) والهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٥٢): إسناده حسن .. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» بعد حديث (١٥٨٨): وإسناده حسن في المتابعات.","vol":"4","page":475},{"text":"وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي ذر «أن رسول الله ﷺ رأى شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر، هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا. قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما». (١) كيف يقتص من البهائم وهي غير مكلفة؟ أشكل على كثير من أهل العلم هذا الذي ذكره الرسول ﷺ من حشر البهائم والاقتصاص لبعضها من بعض، وقد وضح هذا النووي في شرحه على صحيح مسلم فقال: هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة، وإعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين، وكما يعاد الأطفال والمجانين، ومن لم تبلغه دعوة. وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة، قال الله تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٥] وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع، وجب حمله على ظاهره. قال العلماء: وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب. وأما القصاص من القرناء الجلحاء فليس هو من قصاص التكليف، إذ لا تكليف عليها، بل هو قصاص مقابلة، و(الجلحاء) بالمد هي الجماء التي لا قرن لها. والله أعلم. قال الشيخ ناصر الدين الألباني بعد إيراده هذه الفقرة من كلام النووي: وذكر نحوه ابن مالك (٢). ونقل عنه العلامة الشيخ علي القاري في (المرقاة) (٣) أنه قال: فإن قيل: الشاة غير مكلفة، فكيف يقتص منها؟ قلنا: إن الله تعالى: فعال لما يريد، ولا يُسأل عما يفعله، والغرض منه إعلام أن الحقوق لا تضيع، بل يقتص حق المظلوم من الظالم. قال القاري: وهو وجه حسن، وتوجيه مستحسن، إلا أن التعبير عن الحكمة بـ (الغرض) وقع في غير موضعه. وجملة الأمر أن القضية دالة بطريق المبالغة على كمال العدالة بين كافة المكلفين، فإنه إذا كان هذا حال الحيوانات الخارجة عن التكليف، فكيف بذوي العقول من الوضيع والشريف، والقوي والضعيف؟. وعقب على هذا الشيخ ناصر قائلًا: ومن المؤسف أن ترد كل هذه الأحاديث من بعض علماء الكلام بمجرد الرأي، وأعجب منه أن يجنح إليه العلامة الألوسي! فقال بعد أن ساق الحديث عن أبي هريرة من رواية مسلم ومن رواية أحمد بلفظ الترجمة عند تفسيره آية: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٥] في تفسيره: (روح المعاني) (٤): ومال حجة الإسلام الغزالي وجماعة إلى أنه لا يحشر غير الثقلين لعدم كونه مكلفًا، ولا أهلًا لكرامة بوجه، وليس في هذا الباب نص من كتاب أو سنة معول عليها يدل على حشر غيرهما من الوحوش، وخبر مسلم والترمذي وإن كان صحيحًا، لكنه لم يخرج مخرج التفسير للآية، ويجوز أن يكون كناية عن العدل التام. وإلى هذا القول أميل، ولا أجزم بخطأ القائلين بالأول، لأن لهم ما يصلح مستندًا في الجملة. والله تعالى أعلم. قلت (الشيخ ناصر): كذا قال - عفا الله عنا وعنه - وهو منه غريب جدًا لأنه على خلاف ما نعرفه عنه في كتابه المذكور، من سلوك الجادة في تفسير آيات الكتاب على نهج السلف، دون تأويل أو تعطيل، فما الذي حمله هنا على أن يفسر الحديث على خلاف ما يدل عليه ظاهره، وأن يحمله على أنه كناية عن العدل التام، أليس هذا تكذيبًا للحديث المصرح بأنه يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء، فيقول هو تبعًا لعلماء الكلام: إنه كناية! أي لا يقاد للشاة الجماء. وهذا كله يقال لو وقفنا بالنظر عند رواية مسلم المذكورة، أما إذا انتقلنا به إلى الروايات الآخرى كحديث الترجمة، وحديث أبي ذر وغيره، فإنها قاطعة في أن القصاص المذكور هو حقيقة وليس كناية، ورحم الله الإمام النووي، فقد أشار بقوله السابق: وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع وجب حمله على ظاهره. قلت: أشار بهذا إلى رد التأويل المذكور، وبمثل هذا التأويل أنكر الفلاسفة وكثير من علماء الكلام كالمعتزلة وغيرهم رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وعلوه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة، ومجيئه تعالى يوم القيامة، وغير ذلك من آيات الصفات وأحاديثها.\nوبالجملة: فالقول بحشر البهائم والاقتصاص لبعضها من بعض هو الصواب الذي لا يجوز غيره، فلا جرم أن ذهب إليه الجمهور كما ذكر الألوسي نفسه في مكان آخر من (تفسيره) (٥)، وبه جزم الشوكاني في تفسير آية (التكوير) من تفسيره (فتح القدير) (٦) فقال: الوحوش ما توحش من دواب البر، ومعنى حُشِرَتْ بعثت، حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٢\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١٦٢) (٢١٤٧٦). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» بعد حديث (١٩٦٧): وهذا إسناد صحيح عندي، فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الأشياخ الذين لم يسموا وهم جمع من التابعين، يغتفر الجهل بحالهم لاجتماعهم على رواية هذا الحديث.\n(٢) انظر: «مبارق الأزهار» (٢/ ٢٩٣) مختصرًا.\n(٣) «المرقاة» (٤/ ٧٦١).\n(٤) انظر: «روح المعاني» (٩/ ٣٠٠٦).\n(٥) انظر: «روح المعاني» (٩/ ٢٨١).\n(٦) انظر: «فتح القدير» (٥/ ٣٧٧).","vol":"4","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1362>المبحث الرابع: متى يقتص للمؤمنين بعضهم من بعض</span>\nفي (صحيح البخاري) عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إذا خلص المؤمنون من النار، حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نقوا وهذِّبوا، أذن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله كان في الدنيا» (١). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٤٠).","vol":"4","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1363>الفصل الثاني عشر: الميزان</span>\n• المبحث الأول: تعريف الميزان لغة واصطلاحًا.\n• المبحث الثاني: أدلة إثبات الميزان.\n• المبحث الثالث: وجوب الإيمان بالميزان، وإجماع الأمة على ذلك.\n• المبحث الرابع: حقيقة الميزان عند أهل السنة.\n• المبحث الخامس: صفات الميزان.\n• المبحث السادس: الأقوال في الموزون.\n• المبحث السابع: حكمة الله تعالى في وزن أعمال العباد والرد على من ينكره.","vol":"4","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1364>المبحث الأول: تعريف الميزان لغة واصطلاحًا</span>\n• المطلب الأول: تعريف الميزان في اللغة.\n• المطلب الثاني: الميزان في الاصطلاح.","vol":"4","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1365>المطلب الأول: تعريف الميزان في اللغة</span>\nقال الليث: (الوزن ثقل شيء بشيء مثله).\nوقد أطلقت لفظة الوزن والميزان على عدة معان، فهو يطلق ويراد به بيان قدر الشيء وقيمته، أوخسة الشيء وسقوطه، كما قال تعالى: فلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥].\nقال أبو العباس: قال ابن الأعرابي: العرب تقول: (ما لفلان عندنا وزن أي قدر؛ لخسته، ويقال: وزن الشئ إذا قدره، وزن ثمر النخيل إذا خرصه).\nوذكر الأزهري - بعدما تقدم من تلك المعاني اللغوية: أن الميزان يأتي في باب اللغة مرادًا به الميزان ذي الكفات، ويأتي مرادًا به العدل أيضًا، كما يأتي ويراد به الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. ثم قال: وهذا كله في باب اللغة والاحتجاج سائغ (١).\nوقال الراغب: الوزن معرفة قدر الشيء ... والمتعارف في الوزن عند العامة ما يقدر بالقسط والقبان.\nثم ذكر بعض الآيات التي تدل على أنه يأتي مرادًا به المعدلة في جميع ما يتحراه الإنسان من الأفعال والأقوال، مثل قوله تعالى: وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ. [الشعراء: ١٨٢]، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ [الرحمن: ٩].\nوأنه يأتي بمعنى العدل في محاسبة الناس، كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] (٢)\nأما الميزان؛ فهو: (الآلة التي يوزن بها الأشياء) ويجمع على: موازين.\n(وجائز أن يقال للميزان الواحد - بأوزانه وجميع آلته - الموازين، قال الله ﷿: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] يريد نضع الميزان ذا القسط. وسيأتي تفصيل هذا.\nوجاء إطلاق الموازين على الأعمال:\nكما قال تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨]\nقال الأزهري: (أراد والله أعلم -: فمن ثقلت أعماله التي هي حسناته). (٣)\nوذكر الراغب: (أن مجيء الميزان على صيغة الجمع تارة، ومجيئه تارة أخرى بالإفراد فإنما هو باعتبار المحاسب والمحاسبين، فمجيئه بلفظ الواحد اعتبارًا بالمحاسب، ومجيئه بالجمع اعتبارًا بالمحاسبين) (١). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٠٨٣","vol":"4","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1366>المطلب الثاني: الميزان في الاصطلاح</span>\nأما المراد بالميزان في الاصطلاح الشرعي فهو الميزان الذي أخبر الله تعالى عنه في كثير من آيات القرآن الكريم.\nوأخبر عنه رسول الله ﷺ في الأحاديث الشريفة في أكثر من مناسبة، تنويها بعظم شأنه وخطورة أمره.\nوهو ميزان حقيقي، له لسان وكفتان توزن به أعمال العباد، خيرها وشرها، وقد أخبر الله تعالى عنه في القرآن الكريم إخبارًا مجملًا من غير تفصيل لحقيقته، وجاءت السنة النبوية فبينته. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٠٨٥","vol":"4","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1368>تمهيد</span>\nثبت ميزان الأعمال الذي ينصبه المولى جلت قدرته لإظهار مقادير أعمال الخلق الذين يحاسبهم\nفي موقف فصل القضاء ثبوتًا واضحًا، وقد جاء ذكره في كتاب الله تعالى في أكثر من موضع. وجاء ذكره كذلك في سنة المصطفى ﷺ في أكثر من مناسبة، وأجمع على القول به واعتقاده جميع السلف الصالح من أهل الإسلام ممن يعتد بقولهم في باب العقائد.\nوسنعرض فيما أدلة إثباته:\nأ – من كتاب الله تعالى\nب – ومن سنة نبيه ﷺ الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٠٨٣","vol":"4","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1369>المطلب الأول: أدلة إثبات الميزان من القرآن الكريم</span>\n١ – قال تعالى في كتابه الكريم: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ [الأعراف: ٨ - ٩].\n٢ – وقال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧].\n٣ – وقال تعالى: فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣].\n٤ – وقال تعالى: فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة: ٦ - ٩]\n٥ – وقال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥]\nودلالة تلك الآيات على إثبات الميزان أمر ظاهر، وقد وصف الله فيها الموازين بالثقل والخفة.\nووصفها كذلك بأنها موازين عدل، وأن من ثقل ميزانه فقد أفلح وعاش عيشة راضية، ومن خف ميزانه فقد خسر وهوى إلى جهنم، وإذا كان الأمر كذلك؛ فليستكثر العبد الصالح إذا أراد ثقل موازينه، وليطمئن إلى أنه لا يفوته مما قدم من أعمال الخير شيء. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٠٨٩","vol":"4","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1370>المطلب الثاني: أدلة إثبات الميزان من السنه النبوية</span>\nوأما أدلة إثبات الميزان من السنة وهي كثيرة – فمنها:\nإخباره ﷺ بالأمور التي تكون ثقيلة في ميزان العبد إذا فعلها مخلصًا من قلبه، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (١)\nوفي قوله: «كلمتان» إطلاق كلمة على الكلام، وهو مثل كلمة الإخلاص وكلمة الشهادة و(المعنى: محبوب قائلهما)، (وخص لفظ الرحمن بالذكر لأن المقصود من الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى على عباده؛ حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الكثير).\nومعنى وصفهما بالخفة والثقل هو (لبيان قلة العمل وكثرة الثواب).\nومعنى وصفهما بالخفة (إشارة إلى قلة كلامهما وأحرفهما ورشقاتهما)\nقال الطيبي: (الخفة مستعارة للسهولة، وشبه سهولة جريانها على اللسان بما خف من بعض الأمتعة، فلا تتعبه كالشئ الثقيل، وفيه إشارة إلى أن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفس ثقيلة، وهذه سهلة عليها مع أنها تثقل الميزان كثقل الشاق من التكاليف.\nوقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة وخفة السيئة فقال: (لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها؛ فثقلت؛ فلا يحملنك ثقلها على تركها، والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها؛ فلذلك خفت؛ فلا يحملنك خفتها على ارتكابها). (١)\nوعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السموات والأرض والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (٢).\nقال النووي عن مزية هذا الحديث: هذا حديث عظيم، وأصل من أصول الإسلام، وقد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام.\nأما معنى (الطهور شطر الإيمان) فإن الشطر معناه النصف، وإذا كان الشطر هو النصف فكيف كان الطهور – الذى أصله النظافة والتنزه – نصف الإيمان؟ اختلف العلماء في ذلك.\nفقيل معناه:\n١ - إن الأجر ينتهي تضعيفه إلى النصف أجر الإيمان.\n٢ - وقيل: معناه: إن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء لأن الوضوء لايصح إلا مع الإيمان؛ فصار – لتوقفه على الإيمان – في معنى الشطر.\n٣ - وقيل: المراد بالإيمان هنا: الصلاة، كما قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: ١٤٣]، والطهارة شرط في صحة الصلاة؛ فصارت كالشطر، وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفًا حقيقيًا.\n.. وقد رجح النووي القول الأخير من تلك الأقوال.\nوزاد فذكر أنه (يحتمل أن يكون معناه أن الإيمان تصديق بالقلب، وانقياد بالظاهر، وهما شطران للإيمان، والطهارة متضمنة الصلاة، فهي انقياد في الظاهر). (٣).\nولا يستبعد أن يكون القول الأول هو الراجح أيضًا؛ لأن الرسول ﷺ أخبر عن هذه الفضائل في معرض الترغيب في الأجر.\nوهذه الألفاظ التي ذكرها الرسول ﷺ من أن «الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد الله تملأ ما بين السموات والأرض». تفضل عظيم من الله تعالى على عباده، حيث جعل جزاء هذه الكلمات اليسيرة ذلك الأجر العظيم حينما يتقبل الله قولها من العبد، إذ أن ذلك شرط لابد منه.\nفليس كل من قالها يحصل له هذا الفضل العظيم بمجرد القول وإن لم تتحقق فيه أهلية قبولها. والله تعالى كما أخبر في كتابه الكريم أنه لايقبل إلا من المتقين لا سواهم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤).\n(٢) انظر: «شرح النووي بصحيح مسلم» (١/ ٥٠١).\n(٣) رواه مسلم (٢٢٣).","vol":"4","page":484},{"text":"وأخرج النسائي عن أبي مالك الأشعري أن رسول ﷺ قال: «إسباغ الوضوء شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان .. والتسبيح والتكبير يملأ السموات والأرض والصلاة نور، والزكاة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك» (١).\nوهذا الحديث دلالته كدلالة الحديث السابق، ومعنى إسباغ الوضوء: أن يتمه كاملًا.\nوالزكاة برهان على إيمان صاحبها، والصبر ضياء له يمشي مستضيئًا به في طريق الصواب.\nوأخرج الترمذي بسند حسن عن جرير النهدي عن رجل من بني سليم قال: «عدهن رسول ﷺ في يدي أو في يده: التسبيح نصف الميزان والحمد يملأه، والتكبير يملأ ما بين السموات والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان» (٢).\nقال أبو عيسي: هذا حديث حسن، وقد رواه شعبة وسفيان الثوري عن أبي اسحاق وفي رواية لأحمد: «والطهور نصف الميزان» (٣). وعن مولى لرسول ﷺ أن رسول ﷺ قال: «بخ بخ، خمس ما أثقلهن في الميزان: لاإله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده» الحديث (٤).\nوهذا الحديث ظاهر في فضائل تلك الأمور التي ذكرت فيه.\nوقوله ﷺ: «بخ بخ» (هي كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وتكرر للمبالغة) (٥).\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول ﷺ: «خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل: يسبح الله في دبر كل صلاة عشرًا، ويحمده عشرًا، ويكبره عشرًا، قال: فأنا رأيت رسول ﷺ يعقدهما بيده قال: فتلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وإذا أخذت مضجعك تسبحه وتكبره، وتحمده مائة، فتلك مائة باللسان وألف في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟ قالوا: وكيف لا يحصيهما؟ قال: يأتي أحدكم الشيطان وهو في صلاته، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا؛ حتي ينتقل فلعله لا يفعل، ويأتيه وهو في مضجعه، فلا يزال ينومه حتى ينام» (٦).\nوما دامت الحسنة بعشر أمثالها، فإن الحسنات ستكون كثيرة جدًا أكثر من السيئات، إذ إن الشخص لا يمكن أن يفعل في اليوم ألفين وخمسمائة سيئة، كما أشار الحديث.\nوأخبر رسول ﷺ عن بعض الأعمال، وأنها تكون ثابتة في ميزان العبد؛ ثوابًا على ما عمل من الأعمال التى يوضحها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من احتبس فرسًا في سبيل الله، إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده؛ فإن شبعه، وريه، وروثه، وبوله، في ميزانه يوم القيامة» (٧).\nوفي هذا الحديث بيان فضل من احتبس فرسًا في سبيل الله تعالى.\nقال ابن حجر في معني كون روثه في ميزان العبد: (يريد ثواب ذلك، لا أن الأرواث بعينها توزن.\n_________\n(١) رواه النسائي (٥/ ٥)، وابن ماجه (٢٢٩)، وأحمد (٥/ ٣٤٣) (٢٢٩٥٩). وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٢) رواه الترمذي (٣٥١٩)، وأحمد (٥/ ٣٦٣) (٢٣١٢٣). قال الترمذي: حسن، وصححه لغيره شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند.\n(٣) رواه أحمد (٥/ ٣٧٠) (٢٣١٨٨). وصححه لغيره شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند.\n(٤) رواه أحمد (٤/ ٢٣٧) (١٨١٠١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٥٤): رواه أحمد ورجاله ثقات.\n(٥) «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (١/ ١٠١).\n(٦) رواه الترمذي (٣٤١٠)، والنسائي (٣/ ٤٩٢). قال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٤٧٦) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٧) رواه البخاري (٢٨٥٣).","vol":"4","page":485},{"text":"وعن فائدة تنصيص رسول الله ﷺ على ذكر هذه الأمور، وأنها تكون في ميزان العبد؛ يقول ابن أبي جمرة: يستفاد من هذا الحديث أن هذه الحسنات تقبل من صاحبها؛ لتنصيص الشارع على أنها في ميزانه، بخلاف غيرها، فقد لا تقبل فلا تدخل الميزان) (١).\nومثل الحديث السابق أيضًا ما وراه معاذ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده: ما شحب وجه، واغبرت قدم في عمل تبتغي فيه درجات الجنة – بعد الصلاة المفروضة – كجهاد في سبيل الله، ولا ثقل ميزان عبد كدابة تنفق له في سبيل الله، أو يحمل عليها في سبيل الله» (٢).\nوأخبر عن ذلك الميزان العظيم، وأنه لا يؤثر فيه الثقل المادي، كما جاء عن أبي هريرة ﵁ عن الرسول الله ﷺ أنه قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرأوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥]» (٣)\nوأخرج الترمذي والإمام أحمد، عن أبي الدرداء، أن النبي ﷺ قال: «ما من شئ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء» (٤).\nوفي هذين الحديثين إثبات وزن العامل وعمله أيضًا.\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع فى كفة، فيوضع ما أحصي عليه؛ فتمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن يقول: لاتعجلوا لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة حتي يميل به الميزان» (٥).\nوهذا الحديث - كذلك دليل على وزن العامل، ووزن صحف الأعمال.\nومسألة وزن الله للإنسان وعمله وصحف الأعمال، وما قيل حول ذلك، سيأتي الكلام عنها إن شاء الله فيما بعد مفصلة بأدلتها.\nوعندما ينصب الميزان يبلغ الخوف والهلع بالناس إلى أقصى حدوده، بحيث ينسي الحبيب حبيبه، ويذهل فيه كل ذي لب عن أهله وعن كل شئ إلا فكره في الميزان وماذا ستكون نتيجة وزن عمله.\n_________\n(١) «فتح الباري» (٦/ ٥٧).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٢٤٦) (٢٢١٧٥)، والطبراني (٢٠/ ٦٣) (١١٥). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٢٥٤): رواه أحمد، والبزار من رواية شهر بن حوشب عن معاذ، ولا أراه سمع منه. وقال الهيثمى (٥/ ٢٧٥): فيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف وقد يحسن حديثه.\n(٣) رواه البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥).\n(٤) رواه الترمذي (٢٠٠٢)، وأحمد (٦/ ٤٤٦) (٢٧٥٥٧). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ٣٥٧): معنى صحيح جدا وإن لم يصححه تعضده الأحاديث والأصول، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٥٢) كما أشار إلى ذلك في المقدمة\n(٥) رواه أحمد (٢/ ٢٢١) (٧٠٦٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨٥): رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح، وحسن إسناده السيوطي في «البدور السافرة» (٢٣٥)، والسفاريني في «لوائح الأنوار السنية» (٢/ ١٩٨).","vol":"4","page":486},{"text":"قال أبو داود في (باب ذكر الميزان): عن عائشة ﵂ أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله ﷺ: «ما يبكيك؟ قالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل؟ وعند الكتاب حين يقال: هاؤم اقرءوا كتابيه، حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه، أم في شماله، أم من وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم» (١) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٠٩٠\nروي (أن داود ﵇ سأل ربه أن يريه الميزان فلما رآه غشي عليه، فلما أفاق قال: إلهي من ذا الذي يقدر يملأ كفة حسنته فقال: إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة واحدة). ذكره الفخر (٢)، والثعلبي. وقال عبد الله (٣) بن سلام ﵁: (إن ميزان رب العالمين ينصب للجن والإنس، يستقبل به العرش، إحدى كفتيه على الجنة، والأخرى على جهنم لو وضعت السماوات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه).\nقال العلامة (٤): (في كلام ابن سلام إن أعمال الجن توزن كما توزن أعمال الإنس، وهو كذلك ارتضاه الأئمة) انتهى.\nقال القرطبي: (المتقون توضع حسناتهم في الكفة النيرة، وصغائرهم في الكفة الأخرى، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنًا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا ترتفع، وترفع المظلمة ارتفاع الفارغة الخالية). قال: (وأما الكفار فيوضع كفرهم، وأوزارهم في الكفة المظلمة، وإن كان لهم أعمال بر وضعت في الكفة الأخرى فلا يقاومها إظهار لفضل المتقين، وذل الكافرين) (٥). قلت: الحق أن الكفار لا يقيم الله لهم وزنًا والله أعلم.\nوأخرج الحاكم وصححه عن سلمان ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعهن، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول: لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك» (٦).\nوأخرج البزار، والبيهقي عن أنس ﵁: (أن ملكًا من ملائكة الله ﷿ موكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، فيؤتى به حتى يوقف بين كفتي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمعه الخلائق باسم الرجل: ألا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خفت ميزانه نادى الملك: ألا شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا) (٧).\nوذكر الثعلبي، وغيره، وابن جرير في (تفسيره)، وابن أبي الدنيا عن حذيفة ﵁ أنه قال: (صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇) (٨). وقال الحسن (٩): (هو ميزان له كفتان، ولسان، وهو بيد جبريل ﵇). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٢/ ٨٥١\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٥٥)، والحاكم (٤/ ٦٢٢). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة على أنه قد صحت الروايات أن الحسن كان يدخل وهو صبي منزل عائشة ﵂ وأم سلمة، ووافقه الذهبي. وجود إسناده العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢٨٠).\n(٢) ذكره الرازي في «التفسير الكبير» (٢٢/ ١٧٦). و«البغوي في تفسيره» (٥/ ٣٢١).\n(٣) انظر «تفسير الرازي» (١٤/ ٢٨).\n(٤) «تحقيق البرهان» (ص: ٦٤).\n(٥) ذكره في «التذكرة» (ص: ٣٦٥).\n(٦) رواه الحاكم (٤/ ٦٢٩). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٧) رواه البزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (١٠/ ٣٥٣) وقال: فيه صالح المري وهو مجمع على ضعفه، وقال ابن كثير في «تفسير القرآن» (٥/ ٤٩٠): إسناده ضعيف [فيه] داود بن المحبر متروك.\n(٨) رواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣١٠).\n(٩) ذكره في «زاد المسير» (٣/ ١٧١) «فتح الباري» (١٣/ ٥٣٩) اللالكائي (٢٢١٠).","vol":"4","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1371>المبحث الثالث: وجوب الإيمان بالميزان، وإجماع الأمة على ذلك</span>\nبعد أن ثبت ذكر الميزان في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه ﷺ؛ لم يبق مجال لوجود أدنى شك في إنكاره.\nوقد تلقى المسلمون الإيمان بوقوعه، ولم يخالف فيه أحد ممن يعتد بقوله في الإسلام وقد جعله الرسول ﷺ من الأمور التى تعد من ضروريات الإيمان بالله كما في حديث جبريل ﵇ في رواية الإمام أحمد، حينما قال له:\n» يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين والموت، والحياة بعد الموت، والجنة، والنار، والحساب والميزان، والقدر كله، خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك آمنت؟ قال: نعم» (١).\nقال ابن بطة في الإبانة:\nوقد اتفق أهل العلم بالأخبار والعلماء الزهاد العباد في جميع الأمصار: أن الإيمان بذلك - يعنى الميزان - واجب لازم. (٢).\nويقول السفاريني: والحاصل: أن الإيمان بالميزان - كأخذ الصحف - ثابت بالكتاب والسنة والإجماع (٣).\nوقد ترجم البرديسي لثبوته بقوله:\nباب: في الموازين والكتب. ثم قال: اعلم أن الموازين حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة (٤).\nوقد بوب البخاري على إثبات الميزان وما يوزن فيه بقوله:\nباب: قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن (٥).\nومعلوم أن المراد بالميزان - فيما تقدم - هو الميزان الحقيقي المعلوم بلسان العرب، الذى توزن به الأشياء، لا الميزان بمعنى العدل أو غيره، كما ذهب إليه من شذ قوله.\nوقال سفيان بن عيينة: (السنة عشرة، فمن كن فيه فقد استكمل السنة، ومن ترك منها شيئًا فقد ترك السنة: إثبات القدر، وتقديم أبي بكر وعمر، والحوض، والشفاعة، والميزان، والصراط) (٦).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم. إلى أن يقول: والإيمان بالميزان (٧).\nوهو ما قاله أيضًا شيخه علي بن المديني.\nوهناك أقوال كثيرة لأهل العلم في إثبات ميزان الأعمال إثباتًا حقيقيًا كما أثبته الله تعالى ورسوله ﷺ. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١١٠١\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٢٩) (١٧٢٠٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٤٤): في إسناده شهر بن حوشب.\n(٢) «الإبانة» (ص ٩٧) تحقيق رضا.\n(٣) «لوامع الأنوار» (٢/ ١٨٤).\n(٤) «تكملة شرح الصدور» (ص ١٥).\n(٥) «صحيح البخاري» (٩/ ٣٤).\n(٦) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ١٥٥).\n(٧) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ١٥٨).","vol":"4","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1372>المبحث الرابع: حقيقة الميزان عند أهل السنة</span>\nالميزان عند أهل السنة ميزان حقيقي توزن به أعمال العباد وخالف في هذا المعتزلة، وقلة قليلة من أهل السنة. قال ابن حجر: قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل فخالفوا الكتاب والسنة، لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال، ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين. وقال ابن فورك: أنكرت المعتزلة الميزان، بناءً منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها. قال: وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس أن الله تعالى: يقلب الأعراض أجسامًا فيزنها. انتهى. وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء، وعزا الطبري القول بذلك إلى مجاهد. والراجح ما ذهب إليه الجمهور. وذكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان (١). وعزا القرطبي تفسير الميزان بالعدل إلى مجاهد والضحاك والأعمش. ولعل هؤلاء العلماء فسروا الميزان بالعدل في مثل قوله تعالى: وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن: ٧ - ٩]، فالميزان في هذه الآية العدل، أمر الله عباده أن يتعاملوا به فيما بينهم، أما الميزان الذي ينصب في يوم القيامة فقد تواترت بذكره الأحاديث، وأنه ميزان حقيقي، وهو ظاهر القرآن. وقد رد الإمام أحمد على من أنكر الميزان بأن الله تعالى: ذكر الميزان في قوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧]. والنبي ﷺ ذكر الميزان يوم القيامة، فمن رد على النبي ﷺ فقد رد على الله ﷿. وقد استدل شيخ الإسلام على أن الميزان غير العدل، وأنه ميزان حقيقي توزن به الأعمال بالكتاب والسنة، فقال: الميزان: هو ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى:: فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف: ٨]، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف:٩]، وقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧]. وفي (الصحيحين) عن النبي ﷺ أنه قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (٢). وقال عن ساقي عبدالله بن مسعود: «لهما في الميزان أثقل من أحد» (٣). وفي الترمذي وغيره حديث البطاقة، وصححه الترمذي والحاكم وغيرهما في الرجل الذي يؤتى به، فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مد البصر، فيوضع في كفة، ويؤتى ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله. قال النبي ﷺ: «فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» (٤). وهذا وأمثاله مما يبين أن الأعمال توزن بموازين تبين بها رجحان الحسنات على السيئات وبالعكس، فهو ما به تبين العدل، والمقصود بالوزن العدل، كموازين الدنيا. وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب. وقد رد القرطبي على الذين أنكروا الميزان وأولوا النصوص الواردة فيه وحملوها على غير محملها قائلًا: قال علماؤنا: ولو جاز حمل الميزان على ما ذكروه، لجاز حمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وهذا كله فاسد، لأنه رد لما جاء به الصادق، وفي (الصحيحين): «فيعطى صحيفة حسناته» (٥)، وقوله: فيخرج له بطاقة، وذلك يدل على الميزان الحقيقي، وأن الموزون صحف الأعمال كما بينا وبالله التوفيق. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٤٨\n_________\n(١) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٦/ ١١٧٣).\n(٢) رواه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٤٢٠) (٣٩٩١)، وابن حبان (١٥/ ٥٤٦). قال أحمد شاكر في «المسند» (٦/ ٣٩): إسناده صحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٧٥٠): إسناده حسن وهو صحيح بطرقه الكثيرة.\n(٤) رواه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والحاكم (١/ ٤٦). من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في (الصحيحين) وهو صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٣٥): وهو كما قالا.\n(٥) رواه البخاري (٤٦٨٥)، ومسلم (٢٧٦٨). من حديث عبدالله بن عمر ﵁.","vol":"4","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1373>المبحث الخامس: صفات الميزان</span>\nالواقع أن العلماء لم يتفقوا على إثبات أوصاف الميزان - وقد تقدمت الإشارة إلى بعض الجوانب في وجوب الإيمان بالميزان، ومواقف الناس في ذلك - وأما خلافهم في ثبوت صفاته فقد انقسموا إلى فريقين:\n١ - أما الفريق الأول: فهم المثبتون لصفات الميزان الحسية، من أن له كفتين. .. إلى آخر أوصافه، وهؤلاء وإن أثبتوا هذا لكنهم يرجعون صفة تلك الكفات واللسان إلى علم الله تعالى.\n٢ - أما الفريق الآخر: فهم النافون لتلك الصفات.\nوسنذكر رأي الفريقين فيما يلي: -\n(١) المثبتون لصفات الميزان:\nيثبت هؤلاء - وهم جمهور العلماء - أن الميزان له كفتان حسيتان مشاهدتان، وله لسان كذلك.\nيقررون هذه الحقيقة غير ملتفتين إلى من تشمئز قلوبهم من سماعها، لعدم قبول عقولهم لها، وعدم تفهم ما ورد عن المصطفى ﷺ في ذلك. ذلك أن الحق ضالة المؤمن، وما ورد به الشرع هو الذى ينبغي أن يقدم على هوى النفس وحكم العقل.\nوسنذكر فيما يلي بعض أقوال هؤلاء كأمثلة على ثبوت ما ذكرنا.\nقال القرطبي - ردًّا على من ينكر الميزان، ويؤول الوزن بأنه من ضرب المثل، وأن الوزن يراد به العدل والقضاء – قال: (وهذا مجاز. وليس بشيء، وإن كان شائعًا في اللغة – للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي، ووصفه بكفتين ولسان، وأن كل كفة منها طباق السموات والأرض) (١).\nويعزو القرطبي إلى ابن عباس أنه قال: (توزن الحسنات والسيئات في ميزان له كفتان ولسان) (٢).\nوأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أنه قال: (الميزان له لسان وكفتان، يوزن فيه الحسنات والسيئات، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان، فتثقل على السيئات؛ فتؤخذ فتوضع في الجنة ... ويؤتى بالسيئات في أقبح صورة فتوضع في كفة الميزان فتخف ...) (٣).\nويقول ابن قدامة: (والميزان له كفتان ولسان، توزن به الأعمال، فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣]) (٤).\nويقول أبو الحسن الأشعري في معرض بيانه لاختلاف الناس في الميزان ومبينًا رأي أهل السنة: فقال أهل الحق: (له لسان وكفتان، توزن في إحدى كفتيه الحسنات وفي الأخرى السيئات، فمن رجحت حسناته؛ دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته دخل النار، ومن تساوت حسناته وسيئاته، تفضل الله عليه فأدخله الجنة) (٥).\nويثبت ابن كثير أن للميزان كفتين حسيتين، ويستدل على هذا من السنة بحديث صاحب البطاقة المشهور وغيره من الأحاديث (٦).\nوأخرج الطبري عن ابن جريج قال: قال لي عمرو بن دينار: (قوله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] قال: إنا نرى ميزانًا وكفتين، سمعت عبيد بن عمير يقول: يجعل الرجل العظيم الطويل في الميزان، ثم لا يقوم بجناح ذباب) (٧). وهو القول الذى رجحه الطبري أيضًا.\nويقول ابن أبي العز: (والذى دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان) (٨).\nوقال أبو إسحاق الزجاج – كما نقل عنه الحافظ ابن حجر: (أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال) (٩).\n_________\n(١) «التذكرة» (ص ٣٧٨).\n(٢) «التذكرة» (ص ٣٧٨).\n(٣) «الدر المنثور» (٣/ ٧٠).\n(٤) ابن قدامة في «لمعة الإعتقاد» (ص ٣٣).\n(٥) «المقالات» (٢/ ١٦٤).\n(٦) «النهاية» (٢/ ٢٤).\n(٧) «جامع البيان» (٨/ ١٢٣).\n(٨) «الطحاوية» (ص ٤٧٢).\n(٩) نقله عنه الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٥٣٨).","vol":"4","page":490},{"text":"ويقول السفاريني: (فقد دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي ذو كفتين ولسان، كما قال ابن عباس، والحسن البصري، وصرح بذلك علماؤنا، والأشعرية وغيرهم، وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه) (١).\nويقول البرديسي:\n(وانعقد الإجماع على أنه ميزان حسي له كفتان ولسان يوضع فيه صحف أعمال العباد ليظهر الرابح والخاسر) (٢).\nويروى من طريق عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: (ذكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان) (٣).\nوعن سليمان قال: (يوضع الميزان وله كفتان، لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعته) (٤).\nويقول الهراس: (وهناك تنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد، وهي موازين حقيقية كل ميزان منها له لسان وكفتان، ويقلب الله أعمال العباد – وهي أعراض – أجسامًا لها ثقل، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة) (٥).\nونقتصر في إثبات أن الميزان له لسان وكفتان على ما قدمناه من ذكر أقوال العلماء.\nوبهذا يتبين أن أهل الحق – أهل السنة والجماعة – يثبتون حقيقة الميزان على ضوء ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، لا يتأولون معناه، ولا يردون ما جاء في وصفه، ويقولون: الله وحده هو الذي يعلم قدرهما وكيفيتهما.\nإذ لو لم يكن له لسان وكفتان؛ بل هو بمعنى العدل والقضاء كما ذهب إليه بعض العلماء، لو لم يكن كذلك لما وصف في السنة النبوية بأن له لسانا وكفتين، وأنه يخف ويثقل؛ إذ العدل لا يقال فيه تلك الصفات، فصح أنه ميزان حقيقي يزن الله فيه أعمال العباد، فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار، على ما علم من مذهب السلف.\nوإذ كنا نثبت صفات الميزان على ضوء ما جاء به الشرع فإنه لا ينبغي أن نتكلف فنثبت له أوصافًا تحتاج إلى إثبات من الشارع، أو نستند إلى أخبار لم تثبت، فإن الغلو في هذا مذموم.\nوكمثال على هذا: ما يذهب إليه بعض الناس من أن كفتي الميزان من ذهب (٦).\nأو القول بأن كفة الحسنات من نور، وكفة السيئات من ظلام (٧).\nأو أن كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة، وكفة السيئات عن يسار العرش مقابل النار (٨).\nأو ما يقال إن صاحب الميزان يوم القيامة هو جبريل ﵇ (٩).\nفتلك المسائل كلها تحتاج لإثباتها – فضلًا عن اعتقادها – إلى نص صحيح، فإن بعض العلماء يتساهل فيما يقرره من هذه المسائل، مثل ما يرويه السفاريني بصيغة التضعيف – يروى – (أن داود ﵇ سأل ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه، فلما أفاق قال: إلهي من ذا الذي يقدر يملأ كفة حسناته؟ فقال: إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة) (١٠).\nأو ما يذكره عن عبد الله بن سلام ﵁ – غير معزو إلى أحد – أنه قال: (ميزان رب العالمين ينصب للجن والإنس، يستقبل به العرش، إحدى كفتيه على الجنة، والأخرى على جهنم، لو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعمود ينظر إلى لسانه) (١١).\n_________\n(١) «لوامع الأنوار» (٢/ ١٨٥).\n(٢) «تكملة شرح الصدور» (ص ١٤).\n(٣) «تفسير المنار» (٨/ ٣٢٢).\n(٤) «فتح الباري» (١٣/ ٥٣٩).\n(٥) «شرح العقيدة الواسطية» (ص ١٢٣).\n(٦) «الفصل لابن حزم» (٤/ ٦٥).\n(٧) «التذكرة» (ص ٣١٣).\n(٨) «التذكرة» (ص ٣١٤)، وعزاه إلى الترمذي الحكيم.\n(٩) أخرجه الطبري في «جامع البيان» (٨/ ١٢٣) عن الحارث، قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا يوسف بن صهيب، عن موسي، عن بلال ابن يحى، عن حذيفة.\n(١٠) ذكره السفاريني في «لوامع الأنوار» (٢/ ١٨٤)، وعزاه إلى الرازي والثعلبي.\n(١١) «لوامع الأنوار» (٢/ ١٨٤) ولم يعزه إلى أحد.","vol":"4","page":491},{"text":"وكذا ما يروى عن عمر مرفوعًا: «من كبر تكبيرة في سبيل الله، كانت صخرة في ميزانه أثقل من السموات السبع وما فيهن وما تحتهن، وأعطاه الله بها رضوانه الأكبر، وجمع بينه وبين محمد وإبراهيم والمرسلين في دار الجلال: ينظر إلى الله بكرة وعشيًا» (١).\nوفي رواية أخرى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من كبر تكبيرة على ساحل البحر، كان في ميزانه صخرة، قيل: يا رسول الله، وما قدرها؟ قال: تملأ ما بين السموات والأرض» (٢).\nويقول السفاريني: (ظواهر الآثار وأقوال العلماء: أن كيفية الوزن في الآخرة – خفة وثقلًا – مثل كيفيته في الدنيا، ما ثقل نزل إلى أسفل ثم يرفع إلى عليين، وما خف طاش إلى أعلى ثم نزل إلى سجين، وبه صرح جموع، منهم القرطبي).\nوقال بعض المتأخرين بل الصفة مختلفة، وأن عمل المؤمن إذا رجح صعد وسفلت سيئته، والكافر تسفل كفته لخلو الأخرى عن الحسنات، ثم تلا قوله تعالى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠].\nوذكر بعضهم في صفة الوزن: أن تجعل جميع أعمال العباد في الميزان في مرة واحدة، كل الحسنات في كفة النور، وهي يمين العرش جهة الجنة، والسيئات في كفة الظلمة، وهي عن يسار جهة النار، ويخلق الله لكل إنسان علمًا ضروريًا يدرك به خفة أعماله وثقلها.\nوقيل: بل علامة الرجحان عمود نور يقوم في كفة الحسنات حتى يكسو كفة السيئات، وعلامة الخفة عمود ظلمة يقوم من كفة السيئات حتى يكسو كفة الحسنات، لكل أحد (٣).\nوالظاهر أن هذه الكيفيات كلها تحتاج إلى إثبات، فهي مسألة غيبية، والله تعالى له القدرة على ما يشاء.\n٢ – النافون لصفات الميزان:\nوهؤلاء قالوا بعكس ما قاله الفريق الأول، حيث أحجموا عن وصف الميزان بالأوصاف التي تقدمت، واكتفوا بإثبات أن هناك ميزانًا فقط.\n١ - يقول محمد رشيد رضا – في نفي تلك الصفات وفي رده على الزجاج: (وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنة المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان، ولا في أن له كفتين ولسانًا، فلا تغتر بقول الزجاج أن هذا مما أجمع عليه أهل السنة، فإن كثيرًا من المصنفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع ولاسيما غير الحفاظ المتقنين، والزجاج ليس منهم، ويتساهلون في عزو كل ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم، وإن لم يعرف له أصل من السلف، ولا اتفق عليه الخلف منهم، وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف والخلف كما علمت) (٤).\nوقال أيضًا: (والأصل الذي عليه سلف الأمة في الإيمان بعالم الغيب: أن كل ما ثبت من أخباره في الكتاب والسنة فهو حق لا ريب فيه، نؤمن به، ولا نحكم رأينا في صفته وكيفيته، فنؤمن إذا بأن في الأخرة وزنًا للأعمال قطعًا، وونرجع أنه بميزان يليق بذلك العالم، ويوزن به الإيمان، والأخلاق، والأعمال، ولا نبحث عن صورته وكيفيته، ولا عن كفتيه – إن صح الحديث فيهما – كما صوره الشعراني في ميزانه) (٥).\n_________\n(١) قال السيوطي في «اللآلئ المصنوعة»: (قال ابن حبان لا أصل له، إسحاق يأتي بالموضعات عن الثقات. قلت – وكذا قال الدارقطني في «غرائب مالك» إنه موضوع) (٢/ ١٣٧).\n(٢) قال ابن عدي: (هذا ما وضعه النخعي، وزيد ليس بشئ). «اللآلئ المصنوعة» (٢/ ١٣٧)\n(٣) «لوامع الأنوار» (٢/ ١٨٨ – ١٨٩).\n(٤) «تفسير المنار» (٨/ ٣٢٢).\n(٥) «تفسير المنار» (٨/ ٣٢٣).","vol":"4","page":492},{"text":"والواقع أن ما قاله محمد رشيد رضا – من إنكار أن يكون هناك أي إشارة إلى أن الميزان له كفتان من السنة – غير مسلم فقد جاء في السنة بعض الأحاديث التى تدل على وزن العمل ووزن العامل وكما أخرج البخاري: «يؤتي بالرجل فيوضع في كفة» (١) وكقوله أيضًا: «فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» (٢). وغيرها من الأحاديث التي قدمنا ذكرها، وفيها إشارة إلى إثبات أن ميزان الأعمال له كفتان.\nثم إن إثبات أن الميزان له كفتان لم يقل به الزجاج وحده، بل هو ما عليه الأئمة الذين قدمنا ذكر أقوالهم.\n٢ - ما علقه الدكتور طه محمد الزيني على ترجمة ابن كثير في إثبات أن للميزان كفتين حسيتين بقوله: (لا يوجد دليل قاطع في القرآن ولا في الحديث على أن كفتي ميزان الحساب يوم القيامة حسيتان – أي يدركان بإحدى الحواس الخمس، وأقرب الحواس إلى إدراك الكفتين اللمس باليد – بل كل ما في القرآن والحديث يحتمل أن يكون الوزن معنويًا، بل هو الأرجح؛ لأن الأعمال يوم القيامة أكثرها معنوي يقرب إلى الأذهان بتشبيهه بالحسيات) (٣).\nوهذا القول من الدكتور طه الزيني يعتبر بعيدًا عما قرره العلماء، ومخالفًا لما جاءت به السنة في وزن الأعمال، وليس ما يذكره من أعمال يوم القيامة من الأشياء المتخيلة التي يشبه فيها المعنوي بالحسي. فإن القول بهذا يفتح بابًا خطيرًا من التشكيك في أمورالآخرة، وينبغي على من يقول بهذا أن يعيد النظر فيه. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١١١٩\n_________\n(١) الحديث رواه أحمد (٢/ ٢٢١) (٧٠٦٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨٢): رواه الترمذي باختصار، رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٢/ ٢٤): إسناده صحيح.\n(٢) الحديث رواه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٣٤٨٨)، وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والحاكم (١/ ٤٦). من حديث ابن عمرو ﵄. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين، وهو على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٤٩٠): حسن غريب.\n(٣) «النهاية» (٢/ ٩١).","vol":"4","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1375>المطلب الأول: ما الذي يوزن في الميزان</span>\nاختلف أهل العلم في الموزون في ذلك اليوم على أقوال:\nالأول: أن الذي يوزن في ذلك اليوم الأعمال نفسها، وأنها تجسم فتوضع في الميزان، ويدل لذلك حديث أبي هريرة ﵁ في (الصحيح) قال: قال رسول الله ﷺ: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (١). وقد دلت نصوص كثيرة على أن الأعمال تأتي في يوم القيامة في صورةٍ الله أعلم بها، فمن ذلك مجيء القرآن شافعًا لأصحابه في يوم القيامة، وأن البقرة وآل عمران تأتيان كأنهما غمامتان أو غيابتان، أو فرقان من طير صواف تحاجّان عن أصحابهما. ففي (صحيح مسلم) عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه. اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما». (٢) وروى مسلم أيضًا عن النواس بن سمعان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان، أو ظلتان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما». (٣) وهذا القول رجَّحه ابن حجر العسقلاني ونصره، فقال: والصحيح أن الأعمال هي التي توزن، وقد أخرج أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من حسن الخلق» (٤).\nالثاني: أن الذي يوزن هو العامل نفسه، فقد دلَّت النصوص على أن العباد يوزنون في يوم القيامة، فيثقلون في الميزان أو يخفون بمقدار إيمانهم، لا بضخامة أجسامهم، وكثرة ما عليهم من لحم ودهن، ففي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥]» (٥). ويؤتى بالرجل النحيف الضعيف دقيق الساقين فإذا به يزن الجبال، روى أحمد في (مسنده)، عن زر بن حبيش عن ابن مسعود، «أنه كان رقيق الساقين، فجعلت الريح تلقيه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله من رقة ساقيه. قال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد» (٦).\nوما أحسن ما قال الشاعر:\nترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هرير\nويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤).\n(٢) رواه مسلم (٨٠٤).\n(٣) رواه مسلم (٨٠٥).\n(٤) رواه أبو داود (٤٧٩٩)، والترمذي (٢٠٠٣)، وابن حبان (٢/ ٢٣٠). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٥) رواه البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥).\n(٦) رواه أحمد (١/ ٤٢٠) (٣٩٩١). قال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٦/ ٣٩): إسناده صحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٧٥٠): إسناده حسن وهو صحيح بطرقه الكثيرة.","vol":"4","page":494},{"text":"الثالث: أن الذي يوزن إنما هو صحائف الأعمال. فقد روى الترمذي في (سننه) عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاَ؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: ألك عذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول الله تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم اليوم، فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء» (١). وقد مال القرطبي إلى هذا القول، فقال: والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب فيها الأعمال مكتوبة، وبها تخف،. . قال ابن عمر: توزن صحائف الأعمال، وإذا ثبت هذا فالصحف أجسام، فيجعل الله تعالى: رجحان إحدى الكفتين على الأخرى دليلًا على كثرة أعماله بإدخاله الجنة أو النار. وقال السفارييني: والحق أن الموزون صحائف الأعمال، وصححه ابن عبد البر والقرطبي وغيرهما، وصوبه الشيخ مرعي في (بهجته)، وذهب إليه جمهور من المفسرين، وحكاه ابن عطية عن أبي المعالي. ولعل الحق أن الذي يوزن هو العامل وعمله وصحف أعماله، فقد دلت النصوص التي سقناها على أن كل واحد من هذه الثلاثة يوزن، ولم تنف النصوص المثبتة لوزن الواحد منها أن غيره لا يوزن، فيكون مقتضى الجمع بين النصوص إثبات الوزن للثلاثة المذكورة جميعها. وهذا ما رجحه الشيخ حافظ الحكمي فقال: والذي استظهر من النصوص – والله أعلم – أن العامل وعمله وصحيفة عمله – كل ذلك يوزن، لأن الأحاديث التي في بيان القرآن، قد وردت بكل ذلك، ولا منافاة بينها، ويدل كذلك ما رواه أحمد – رحمه الله تعالى: – عن عبدالله بن عمرو في قصة صاحب البطاقة بلفظ: قال: قال رسول الله: «توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصي عليه، فيمايل به الميزان. قال: فيبعث به إلى النار. قال: فإذا أدبر، إذ صائح من عند الرحمن - ﷿ - يقول: لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة، حتى يميل به الميزان» (٢) فهذا يدل على أن العبد يوضع هو وحسناته وصحيفتها في كفة وسيئاته مع صحيفتها في الكفة الأخرى، وهذا غاية الجمع بين ما تفرق ذكره في سائر أحاديث الوزن، ولله الحمد والمنة القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥١\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٦٣٩). والحديث رواه ابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والحاكم (١/ ٤٦). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في (الصحيحين) وهو صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٣٥): وهو كما قالا.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٢١) (٧٠٦٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨٢): رواه الترمذي باختصار، رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٢/ ٢٤): إسناده صحيح.","vol":"4","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1376>المطلب الثاني: الأعمال التي تثقل في الميزان</span>\nأثقل ما يوضع في ميزان العبد حسن الخلق، فعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «إن أثقل شيء يوضع في ميزان العبد يوم القيامة خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء». رواه الترمذي، وروى أبو داود الشطر الأول (١) وفي (صحيحي البخاري ومسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (٢). وفي (صحيح مسلم) عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ). ما بين السماء والأرض» (٣). وروى البخاري والنسائي وأحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من احتبس فرسًا في سبيل الله، إيمانًا بالله، وتصديقًا بوعده، كان شبعه وريه، وروثه، وبوله، حسنات في ميزانه يوم القيامة» (٤). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥٥\n_________\n(١) روى أبو داود شطره الأول (٤٧٩٩)، والترمذي (٢٠٠٢). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وحسن إسناده البزار في «البحر الزخار» (١٠/ ٣٦). وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٥٢) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤).\n(٣) رواه مسلم (٢٢٣).\n(٤) رواه البخاري (٢٨٥٣)، والنسائي (٦/ ٢٢٥)، وأحمد (٢/ ٣٧٤) (٨٨٥٣).","vol":"4","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1377>المبحث السابع: حكمة الله تعالى في وزن أعمال العباد والرد على من ينكره</span>\nكل مسلم يعلم أن الله تعالى حكيم عليم، يفعل ما يشاء لحكمة، وقد يعرف الناس بعض الجوانب من الحكم، وقد تخفى عليهم، وإذا كان الناس ينزهون العقلاء من بني آدم عن إتيانهم أعمالًا لاحكمة فيها ولا فائدة من ورائها، فكيف بالله ﷾؟!\nوليس من صفات المسلم الحق أن يرد ما أخبر الله به، أو يتأوله بما يبطل المراد منه.\nومن ذلك أمر الميزان، فقد أخبر الله به، وأخبر به رسول ﷺ فيجب الإيمان بذلك، وأن لله حكمة عظيمة في نصبه يوم القيامة، من أعظمها وأجلها: إظهار أقصى كمال عدله جل وعلا بين عباده، حتى لايساوى المحسن والمسيء، وليظهر التفاوت بين البشر جليًا واضحًا، يقتنع كل مخلوق بذلك كما يقتنعون بما يرجحه الميزان في الدنيا، ولو شاء الله أن لا يقيم ميزان ويأخذ العباد بما يعلمه سبحانه من أعمالهم الطيبة أوالخبيثة؛ لما كان في ذلك أي نقص على العباد ولا هضم لحق أي مخلوق: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].\nلكن الله تعالى لم يشأ ذلك، بل أراد أن يعلم العباد بأعمالهم بما يقتنعون به هم أنفسهم، وحتى لا يبقي حجة ولا اعتراض لمعترض، ولله الحجة البالغة.\nوفي بيان حكمة الله في إقامة الميزان يقول الثعلبي بأن الحكمة في ذلك: تعريف الله عباده عدد مالهم عنده من الجزاء من خير أوشر (١).\nوقال الشيخ مرعي – فيما ينسبه إليه السفاريني -: بل الحكمة فيه: إظهار العدل وبيان الفضل، حيث إنه يزن مثاقيل الذر من خير أو شر إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٤٠] (٢).\nويقول البرديسي: وحكمة الوزن ليبين ما يستحقه من العذاب وما يكون فيه من درجات الجنة (٣).\nويقول القاضي عبد الجبار – من كبار المعتزلة – عن فائدة وضع الموازين: وأما فائدته: فهو تعجيل مسرة المؤمن وغم الكافر، هذا في القيامة، وفيه فائدة أخرى تتعلق بالتكليف: وهي أن المرء مع علمه أن أعماله توزن على الملأ؛ كان عند ذلك أقرب إلى أداء الواجبات واجتناب المقبحات، وهذه فائدة عظيمة (٤).\nويقول الطبري في رده على من ينكر الميزان والحكمة منه: فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى (٥). خبر الله عن الميزان وخبر رسوله ﷺ عنه وجهته (٦). وقال أوبالله حاجة إلى وزن الأشياء وهو العالم بمقدار كل شيء قبل خلقه إياه، وبعده، وفي كل حال؟ أو قال: وكيف توزن الأعمال والأعمال ليس بأجسام توصف بالثقل والخفة؟ وإنما توزن الأشياء ليعرف ثقلها من خفتها، وكثرتها من قلتها، وذلك لا يجوز إلا على الأشياء التي توصف بالثقل والخفة والكثرة والقلة، قيل له في قوله: وما وجه وزن الله الأعمال وهو العالم بمقاديرها قبل كونها: وزن نظير إثباته إياه في أم الكتاب واستنساخه ذلك في الكتاب من غير حاجة إليه ومن غير نسيانه، ليكون ذلك حجة على خلقه كما قال جل ثناؤه في تنزيله: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إلى كِتَابِهَا اليوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ [الجاثية: ٢٨ - ٢٩].\n_________\n(١) «لوامع الأنوار» (٢/ ١٨٨).\n(٢) «لوامع الأنوار» (٢/ ١٨٨).\n(٣) «تكملة شرح الصدور» (ص ٢٩).\n(٤) «شرح الأصول الخمسة» (ص ٧٣٦).\n(٥) هكذا العبارة في الكتاب المشار إليه ولعل معناها فإن أنكر ذلك جاهل بالمراد من معنى خبر الله عن الميزان.\n(٦) هكذا العبارة في الكتاب.","vol":"4","page":497},{"text":"فكذلك وزنه تعالى خلقه بالميزان: حجة عليهم ولهم إما بالتقصير في طاعته وإما بالتكميل والتتميم (١).\nويقول ابن أبي العز – في رده على الذين ينفون الميزان، لخفاء الحكمة عليهم، وقولهم: إنه لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال ومدى خطورة هذا الكلام – يقول (فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق ﷺ، من غير زيادة ولا نقصان، ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع – لخفاء الحكمة عليه – ويقدح في النصوص بقوله: لايحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزنا ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه) (٢).\nثم إن الذين يحاولون التشكيك في الميزان، وإنكار حقيقته، لا يستندون على أي دليل يصح الاحتجاج به، بل غاية ما تشبثوا به، مجرد الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة على أحد، فهذا إذا لم تقبله عقولهم فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، حتى جاءت البدع كالليل المظلم، وقال كل ما شاء، وتركوا الشرع خلف ظهورهم، وليتهم جاؤوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها ويتحذ قبولهم لها، بل كل فريق يدعي على العقل ما يطابق هواه، ويوافق ما يذهب إليه هواه، ومن هو تابع له. فتتناقض عقولهم على حسب ما تناقضت مذاهبهم، يعرف هذا كل منصف، ومن أنكره فليصمت فهمه وعقله عن شوائب التعصب والتمذهب، فإنه إن فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه (٣).\nوذكر محمد رشيد رضا: (أن حكمة وزن الأعمال بعد الحساب: أنه يكون أعظم مظهر لعدل الرب ﵎، أي ولعلمه وحكمته وعظمته في ذلك اليوم العظيم، إذ يرى فيه عباده – أفرادا وشعوبا وأمما – ذلك بأعينهم، ويعرفونه معرفة إدراك ووجدان في أنفسهم، فإن أعمالهم تتجلى لهم فيها أولا، ثم تتجلى لهم ولسائر الخلق في خارجها ثانيا، فياله من منظر مهيب، وياله من مظهر رهيب، وما أشد غفلة من قال: إنه لا حاجة إليه للاستغناء بعلم الله عنه (٤).\nومهما قيل في الحكمة فإن الأمر لا يزال يتطلب الإيمان الكامل بأن وزن الأعمال هو عين الحكمة، وأن هذه مجرد استنباطات للعلماء، وتبقى حقيقة علم ذلك إلى الله وحده. الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار لغالب بن علي عواجي- ٢/ ١١٥٣\n_________\n(١) «جامع البيان» (٨/ ١٢٤).\n(٢) «شرح الطحاوية» (ص ٤٧٥).\n(٣) «فتح القدير» (٢/ ١٩٠).\n(٤) «تفسير المنار» (٨/ ٣٢٥).","vol":"4","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1379>المبحث الأول: كل أمة تتبع الإله الذي كانت تعبده</span>\nفي ختام هذا اليوم يحشر العباد إما إلى الجنة وإما إلى النار، وهما المقرّ الأخير الذي يصير إليه العباد جميعًا، وقد أخبرنا الرسول ﷺ أنه يطلب من كل أمة في آخر ذلك اليوم أن تتبع الإله الذي كانت تعبده، فالذي كان يعبد الشمس يتبع الشمس، والذي كان يعبد القمر يتبع القمر، والذي كان يعبد الأصنام تصور لهم آلهتهم ثم تسير أمامهم ويتبعونها، والذين كانوا يعبدون فرعون يتبعونه، ثم إن هذه الآلهة الباطلة تتساقط في النار، ويتساقط عبادها وراءها في السعير، كما قال تعالى: في فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود:٩٨].\nولا يبقى بعد ذلك إلا المؤمنون وبقايا أهل الكتاب، وفي المؤمنين المنافقون الذين كانوا معهم في الدنيا، فيأتيهم ربهم، فيقول لهم: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيعرفونه بساقه عندما يكشفها لهم، وعند ذلك يخرون له سجودًا، إلا المنافقون فلا يستطيعون يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢]، ثم يتبع المؤمنون ربهم، وينصب الصراط ويعطى المؤمنون أنوارهم، ويسيرون على الصراط، ويطفأ نور المنافقين، ويقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، ثم يضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، ويمر العباد على الصراط مسرعين بقدر إيمانهم وأعمالهم الصالحة. روى مسلم في (صحيحه) عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغبر أهل الكتاب. فيدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا، فاسقنا. فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ما تبغون؟ فيقولون: عطشنا، يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنهم سراب، يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار. حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين ﷾ في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فماذا تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئًا (مرتين أو ثلاثًا) حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب. فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم، وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم.","vol":"4","page":499},{"text":"قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم» (١). وروى مسلم أيضًا عن أبي هريرة في وصف المرور على الصراط، قال: قال رسول الله ﷺ: «وترسل الأمانة والرحم، فتقومان على جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمي، أي شيء كالبرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمرُّ ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمرّ الريح، ثم كمرِّ الطير وشدِّ الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب، سلم سلم. حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا، قال: وعلى حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به. فمخدوش ناج، ومكدوس في النار» (٢). وروى مسلم في (صحيحه) عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبدالله يسأل عن الورود، فقال: نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر إلى ذلك فوق الناس، قال: فتدعى الأمم بأوثانها، وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك. قال: فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم، منافق أو مؤمن نورًا، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء .. (٣). وروى البخاري ومسلم في (صحيحيهما) عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ قال في إجابته للصحابة عندما سألوه عن رؤيتهم الله: «هل تُضارُّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه، ويضرب جسر جهنم، قال رسول الله ﷺ: فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله، ومنهم المخردلُ، ثم ينجوا» (٤). وقد دلت هذه النصوص الصحيحة الصريحة الواضحة على عدة أمور مهمة، فقد ذكرت حشر الكفار إلى النار، ومسير المؤمنين إلى الجنة على الصراط، وخلاص المؤمنين من المنافقين، كما أشارت في جملتها إلى معنى الورود على النار الذي نص الله عليه في قوله: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم:٧١] القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٦٣\n_________\n(١) رواه مسلم (١٨٣).\n(٢) رواه مسلم (١٩٥).\n(٣) رواه مسلم (١٩١).\n(٤) رواه البخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢).","vol":"4","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1380>المبحث الثاني: حشر الكفار إلى النَّار</span>\nجاءت نصوص كثيرة تصور لنا كيف يكون حشر الكفار إلى النار هم وآلهتهم التي كانوا يعبدونها:\n١ - فمن ذلك أنهم يحشرون كقطعان الماشية جماعات جماعات، ينهرون نهرًا غليظًا، ويصاح بهم من هنا وهناك، كما يفعل الراعي ببقره أو غنمه وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر: ٧١]، يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣]، وقال: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: ١٩]. ومعنى يوزعون أي: يجمعون، تجمعهم الزبانية على آخرهم، كما يفعل البشر بالبهائم.\n٢ - وأفادت النصوص أنهم يحشرون إلى النار على وجوههم، لا كما كانوا يمشون في الدنيا على أرجلهم، قال تعالى: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٣٤].\nروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: «أن رجلًا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة قال قتادة: بلى وعزة ربنا» (١).\nومع حشرهم على هذه الصورة المنكرة على وجوههم فإنهم يحشرون عميًا لا يرون، وبكمًا لا يتكلمون، وصمًا لا يسمعون وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء: ٩٧].\n٣ - ويزيد بلاءهم أنهم يحشرون مع آلهتهم الباطلة وأعوانهم وأتباعهم احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٢٢ - ٢٣].\n٤ - وهم في هذا مغلوبون مقهورون أذلاء صاغرون قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران: ١٢].\n٥ - وقبل أن يصلوا إلى النار تصك مسامعهم أصواتها التي تملأ قلوبهم رعبًا وهلعًا إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان: ١٢].\n٦ - وعندما يبلغون النار ويعاينون أهوالها يندمون ويتمنون العودة إلى الدنيا كي يؤمنوا وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: ٢٧]، ولكنهم لا يجدون من النار مفرًا: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف: ٥٣].\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦).","vol":"4","page":501},{"text":"٧ - وعند ذلك يؤمرون بالدخول في النار وغضب الجبار أذلاء خاسرين فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [النحل: ٢٩]، ولا ينجو من النار من الجن والإنس إلا الأتقياء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: ٦٨ - ٧٢]. يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: في تفسير هذه الآيات: يقسم الله بنفسه وهو أعظم قسم وأجله أنهم سيحشرون بعد الموت، فهذا أمر مفروغ منه فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ [مريم: ٦٨]، ولن يكونوا وحدهم لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ [مريم: ٦٨] فهم والشياطين سواء، والشياطين هم الذين يوسوسون بالإنكار، وبينهما صلة التابع والمتبوع، والقائد والمقود، وهنا يرسم صورة حسية وهم جاثون حول جهنم جثو الخزي والمهانة، ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [مريم: ٦٨]، وهي صورة رهيبة، وهذه الجموع التي لا يحصيها العد محشورة محضرة إلى جهنم جاثية حولها، تشهد هولها، ويلفحها حرها، وتنتظر في كل لحظة أن تؤخذ فتلقى فيها، وهم جاثون على ركبهم في ذلة وفزع، وهو مشهد ذليل للمتجبرين المتكبرين، يليه مشهد النزع والجذب لمن كانوا أشد عتوًا وتجبرًا: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا [مريم: ٦٩]، وفي اللفظ تشديد، ليرسم بظله وجرسه صورة لهذا الانتزاع، تتبعها صورة القذف في النار، وهي الحركة التي يكملها الخيال. وإن الله ليعلم من هم أولى بأن يصلوها، فلا يؤخذ أحد جزافًا من هذه الجموع التي لا تحصى، والتي أحصاها الله فردًا فردًا: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا [مريم:٧٠]، فهم المختارون ليكونوا طليعة المقذوفين. وقد غيرت هذه الآية: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] أحوال الصالحين، فأسهرت ليلهم، وعكرت عليهم صفو العيش، وحرمتهم الضحك، والتمتع بالشهوات، فقد ذكر ابن كثير أن أبا ميسرة كان إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا الله أنا واردوها، ولم نخبر أنا صادرون عنها. وقال عبدالله بن المبارك عن الحسن البصري، قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رئي ضاحكًا حتى لحق بالله، وقال ابن عباس لرجل يحاوره: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟ (١). القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٦٨\n_________\n(١) رواه الطبري (١٨/ ٢٣٣). وانظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٢٥٣).","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1381>الفصل الرابع عشر: الصراط</span>\n• المبحث الأول: تعريف الصراط.\n• المبحث الثاني: صفة الصراط.\n• المبحث الثالث: معتقد أهل السنة في الصراط.\n• المبحث الرابع: مرور المؤمنين على الصّراط وخلاص المؤمنين من المنافقين.\n• المبحث الخامس: الذين يمرُّون على الصّراط هم المؤمنون دون المشركين.\n• المبحث السادس: أول من يجيز الصراط.\n• المبحث السابع: الناجون والهالكون.\n• المبحث الثامن: التفاضل في المرور على الصراط.\n• المبحث التاسع: القنطرة.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1382>المبحث الأول: تعريف الصراط</span>\nقال ابن منظور في (اللسان) (٢/ ٤٣٠): (الصراط، والسراط، والزراط، الطريق، قال الشاعر:\nأكر على الحروريين مهرى ... واحملهم على وضح الصراط)\nوقال الزبيدي في (تاج العروس) (١٩/ ٣٤٥): (السراط بالكسر: السبيل الواضح، وبه فسر قوله تعالى: اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ [الفاتحة: ٦]. أي ثبتنا على المنهاج الواضح كما قاله الأزهري).\nوقال الفيروز أبادي في (ترتيب القاموس المحيط) (٢/ ٨١٤): (الصراط بالكسر: الطريق، وجسر ممدود على متن جهنم. وبالضم السيف الطويل).\nوقال يحيى بن سلام في (التصاريف) رقم (١٠٤/ ٣٣٠): (الصراط على وجهين:\n١ - الطريق، وذلك في قوله: وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ [الأعراف: ٨٦]. يعني بكل طريق.\n٢ - الدين وذلك في قوله: اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ [الفاتحة: ٦] يعني الدين المستقيم.\nوقال في وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا [الأنعام: ١٥٣]: يعني دينًا مستقيمًا).\nوقال القرطبي: (في (الجامع لأحكام القرآن) (١/ ١٤٧) أصل الصراط في كلام العرب الطريق.\nقال عامر بن الطفيل:\nشحنَّا أرضهم بالخيل حتى ... تركناهم أذل من الصراط)\nوقرئ السراط من الاستراط بمعنى الابتلاع، كأن الطريق يسترط من يسلكه. وقال الراغب في (المفردات في غريب القرآن) (ص٣٣٧): (السراط: الطريق المستسهل. أصله من: سرطت الطعام وزردته: ابتلعته). صفة الصراط لحاي الحاي - ص ١١","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1383>المبحث الثاني: صفة الصراط</span>\nوردت في السنة أحاديث صحيحة في صفة الصراط، ووصفته وصفًا جليًا فينبغي على المسلم أن يعرف هذه الصفات ويستشعرها في فؤاده حتى ينجو من عذاب الجبار ﷾ وذلك بالوقوف عند أوامره، واجتناب سخطه وغضبه، وهذه الصفات هي:\n١ - الصراط زلق: وذلك من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: قلنا ما الجسر يا رسول الله قال: «مدحضة مزلة» (١) (٢).\nقال أبو إسحاق الحربي: الجِسَر والجِسر: ما عبر عليه من قنطرة ونحوها.\n(غريب الحديث لأبي إسحاق إبراهيم الحربي ١/ ٣ باب جسر).\nوقال العيني: (مدحضة من دحضت رجله دحضًا زلقت، ودحضت الشمس عند كبد السماء: زالت، ودحضت حجته بطلت.\nمزلة: من زلت الأقدام سقطت، وقال الكرماني: بكسر الزاي وفتحها (٣)، قال ابن الجوزي، دحض: زلق (٤)، وقال الفيومي: دحض الرجل: زلق (٥».\n٢ - وله جنبتان أو حافتان: كما في حديث أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: «يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار» (٦).\nقال ابن الأثير في (النهاية) (٤/ ٢٤): (قوله: «فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار» أي تسقطهم فيها بعضهم فوق بعض. وتقادع القوم: إذا مات بعضهم إثر بعض). اهـ.\n٣ - ولحافتي الصراط كلاليب: وذلك من حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄ عند مسلم عن النبي ﷺ: «وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به» (٧)\nومن حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «قلنا يا رسول الله ما الجسر؟ قال: مدخضة مزلة، عليه خطاطيف، وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان» (٨)\nومن حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ: «وبه كلاليب مثل شوك السعدان أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أن لا يعلم قدر عظمها إلا الله» (٩).\nقال العيني في (عمدة القاري) (٢٠/ ٣١٦): (كلاليب جمع كلوب بفتح الكاف وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم. وقيل: الكلوب الذي يتناول به الحداد الحديد من النار. كذا في كتاب ابن بطال). اهـ.\nوقال أيضًا ﵀: (خطاطيف: جمع خطاف بالضم وهو الحديدة المعوجة كالكلوب يختطف بها الشيء.\nوقوله: حسكة: بفتحات وهي شوكة صلبة معروفة وقال صاحب التهذيب. الحسك نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم، وربما اتخذ مثله من حديد وهو من آلات الحرب.\nمفلطحة: أي عريضة.\nعقيفاء: معوجة) (١٠).\nوقوله شوك السعدان: قال الحافظ: (جمع سعدانة وهو نبات ذو شوك يضرب به المثل في طيب مرعاه قالوا: مرعى ولا كالسعدان. وقوله: أما رأيتم شوك السعدان: هو استفهام تقرير لاستحضار الصورة المذكورة) (١١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٣٩) واللفظ له، ومسلم (١٨٣).\n(٢) «فتح الباري» (١٣/ ٤٢١).\n(٣) «عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني أبي محمد بن محمود بن أحمد العيني» (٢٠/ ٣٢٠).\n(٤) «غريب الحديث لابن الجوزي» (١/ ٣٢٦).\n(٥) «المصباح المنير» (١٩٠).\n(٦) رواه أحمد (٥/ ٤٣) (٢٠٤٥٧)، والطبراني في «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٢) (٩٢٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٣٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٢): رجاله رجال الصحيح، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (٢٥١): إسناده صحيح.\n(٧) رواه مسلم (١٩٥).\n(٨) رواه البخاري (٧٤٣٩) واللفظ له، ومسلم (١٨٣).\n(٩) رواه البخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢).\n(١٠) «عمدة القاري» (٢٠/ ٣٢٠).\n(١١) «فتح الباري كتاب الرقاق» (١١/ ٤٥٣).","vol":"5","page":4},{"text":"قال الزين بن المنير: (تشبيه الكلاليب بشوك السعدان خاص بسرعة اختطافها وكثرة الانتشاب فيها مع التحرز والتصون تمثيلًا لهم بما عرفوه في الدنيا وألفوه بالمباشرة.) اهـ. ذكره الحافظ في (الفتح) (١١/ ٤٥٣).\nوقوله: (لا يعلم قدر عظمها إلا الله) في رواية مسلم: (لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله).\nقال الجوهري، عظم الشيء عظمًا: أي كبر فتقديره لا يعلم قدر كبرها إلا الله وعظم الشيء أكثره (١).\n٤ - والصراط مثل حد الموسى أو حد السيف: قلت: كما في حديث سلمان ﵁ عن النبي ﷺ:\n«ويوضح الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من يجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي: فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك» (٢)\nوحديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي ﷺ: «والصراط كحد السيف، دحض مزلة» (٣). صفة الصراط لحاي الحاي – ص ١٤\n_________\n(١) «عمدة القاري» (١٩/ ٩٨). كتاب الرقاق باب الصراط جسر جهنم (١١/ ٤٥٣).\n(٢) رواه الحاكم (٤/ ٦٢٩). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن رجب في «التخويف من النار» (ص: ٢٢٤): المعروف أنه موقوف على سلمان الفارسي من قوله، وأورده الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٩٤١) وإسناده صحيح موقوفا وله حكم الرفع.\n(٣) رواه الحاكم (٢/ ٤٠٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الذهبي، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (١٥٨): طريقه صحيحة متصلة رجالها ثقات، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٢٩).","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1384>المبحث الثالث: معتقد أهل السنة في الصراط</span>\nونؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة ﵂: «إن رسول الله ﷺ سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر» (١). وقد بيّن السفاريني رحمه الله تعالى: – موقف الفرق من الصراط، وهل هو صراط مجازي أم حقيقي؟ ثم قرر مذهب أهل الحق الذي دلت عليه النصوص فيه، فقال: اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره من كونه جسرًا ممدودًا على متن جهنم، أحدّ من السيف وأدق من الشعر، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي، وكثير من أتباعه زعمًا منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما المراد طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [محمد: ٥]، وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات:٢٣]، ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة والمباحات والأعمال الرديئة التي يسأل عنها ويؤاخذ بها، وكل هذا باطل وخرافات لوجوب حمل النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء أو الطيران في الهواء، أو الوقوف فيه، وقد أجاب ﷺ عن سؤال حشر الكافر على وجهه بأن القدرة صالحة لذلك. وأنكر العلامة القرافي كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف، وسبقه إلى ذلك شيخه العز بن عبد السلام، والحق أن الصراط وردت به الأخبار الصحيحة وهو محمول على ظاهره بغير تأويل كما ثبت في (الصحيحين) و(المسانيد) و(السنن الصحاح) مما لا يحصى إلا بكلفة من أنه جسر مضروب على متن جهنم يمر عليه جميع الخلائق، وهم في جوازه متفاوتون. وذكر القرطبي مذهب القائلين بمجازية الصراط، المأوّلين للنصوص المصرحة به، فقال: ذهب بعض من تكلم على أحاديث وصف الصراط بأنه أدق من الشعر، وأحدُّ من السيف أن ذلك راجع إلى يسره وعسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله تعالى: لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيق، فضرب المثل بدقة الشعر، فهذا من هذا الباب، ومعنى قوله: أحدّ من السيف أن الأمر الدقيق الذي يصعد من عند الله تعالى: إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حد السيف ومضيه إسراعًا منهم إلى طاعته وامتثاله، ولا يكون له مرد كما أن السيف إذا نفذ بحده وقوة ضاربه في شيء لم يكن له بعد ذلك مرد، وإما أن يقال: إن الصراط نفسه أحد من السيف وأدق من الشعر فذلك مدفوع بما وصف من أن الملائكة يقومون بجنبيه، وأن فيه كلاليب وحسكًا، أي أن من يمر عليه يقطع على بطنه، ومنهم من يزل ثم يقوم، وفيه أن من الذين يمرون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه، وفي ذلك إشارة إلى أن للمارين عليه مواطئ الأقدام، ومعلوم أن دقة الشعر لا يحتمل هذا كله. ثم رد عليهم مقالتهم، فقال: ما ذكره هذا القائل مردود بما ذكرنا من الأخبار وأن الإيمان يجب بذلك، وأن القادر على إمساك الطير في الهواء قادر على أن يمسك عليه المؤمن، فيجريه أو يمشيه، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند الاستحالة، ولا استحالة في ذلك للآثار المروية في ذلك، وبيانها بنقل الأئمة العدول، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٧٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٣١٥).","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1385>المبحث الرابع: مرور المؤمنين على الصّراط وخلاص المؤمنين من المنافقين</span>\nعندما يذهب بالكفرة الملحدين، والمشركين الضالين إلى دار البوار: جهنم يصلونها، وبئس القرار، يبقى في عرصات القيامة أتباع الرسل الموحدون، وفيهم أهل الذنوب والمعاصي، وفيهم أهل النفاق، وتلقى عليهم الظلمة قبل الجسر كما في الحديث الذي يرويه مسلم في (صحيحه) عن عائشة قالت: «سئل الرسول ﷺ: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر» (١). يقول شارح (الطحاوية): وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم. روى البيهقي بسنده عن مسروق، عن عبدالله، قال: يجمع الله الناس يوم القيامة إلى أن قال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره في إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا أطفأ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحض مزلة، ويقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملًا على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد، وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا، قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك، بعد أن أراناك، لقد أعطانا ما لم يعط أحد (٢). وقد حدثنا ﵎ عن مشهد مرور المؤمنين على الصراط، فقال: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد: ١٢ - ١٥].\n_________\n(١) رواه مسلم (٣١٥). من حديث ثوبان ﵁.\n(٢) رواه البيهقي في «البعث والنشور» (٤١٩). والحديث رواه الطبراني (٩/ ٣٥٧)، والحاكم (٢/ ٤٠٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ. وقال الألباني في «شرح العقيدة الطحاوية» (ص٤٦٩): صحيح.","vol":"5","page":7},{"text":"فالحق يخبر أن المؤمنين والمؤمنات الذين استناروا بهذا الدين العظيم في الدنيا، وعاشوا في ضوئه، يعطون في يوم القيامة نورًا يكشف لهم الطريق الموصلة إلى جنات النعيم، ويجنبهم العثرات والمزالق في طريق دحض مزلة، وهناك يبشرون بجنات النعيم، ويحرم المنافقون الذين كانوا يزعمون في الدنيا أنهم مع المؤمنين، وأنهم منهم، لكنهم في الحقيقة مفارقون لهم لا يهتدون بهداهم، ولا يسلكون سبيلهم من النور، كما حرموا أنفسهم في الدنيا من نور القرآن العظيم، فيطلب المنافقون من أهل الإيمان أن ينتظروهم ليستضيئوا بنورهم، وهناك يخدعون، كما كانوا يخدعون المؤمنين في الدنيا، ويقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، وبذلك يعود المنافقون إلى الوراء، ويتقدم المؤمنون إلى الأمام، فإذا تمايز الفريقان، ضرب الله بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويكون مصير المؤمنين والمؤمنات الجنة، ومصير المنافقين والمنافقات النار. وقد أخبر الحق أن دعاء المؤمنين عندما يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم هو رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم:٨]، قال تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم: ٨]. قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم: هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طُفئ. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٧٢\nويتفاوت الناس في المرور على الصراط تفاوتًا عظيمًا وذلك لأن المرور عليه إنما يكون بقدر الأعمال الصالحة التي قدمها المرء المسلم لربه في الحياة الدنيا، ويمكن أن نلخص كيفية المرور بما يلي:\n١ - يعطي الله كل إنسان نورًا على قدر عمله يتبعه على الصراط:\nكما في حديث جابر عند مسلم (١) عن النبي ﷺ: «ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورًا. ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله».\nوكما في حديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي ﷺ: «فيعطون نورهم على قدر أعمالهم وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطي نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة، ويطفأ مرة إذا أضاء قدم قدمه، وإذا أطفئ قام» (٢)\n٢ - انطفاء نور المنافقين: في هذا الموقف الرهيب حيث تجد أن الذعر والخوف قد استحوذ على الناس، كلهم يريد النجاة بحشاشة نفسه من الكلاليب، والخطاطيف، فإذا نور المنافقين يطفأ كما في حديث جابر عند مسلم (٣) «ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورًا. ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين. ثم ينجو المؤمنون».\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩١).\n(٢) رواه الحاكم (٢/ ٤٠٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الذهبي، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (١٥٨): طريقه صحيحة متصلة رجالها ثقات، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٢٩).\n(٣) رواه مسلم (١٩١).","vol":"5","page":8},{"text":"٣ - اختلاف سرعة الناس في المرور على الصراط: تختلف سرعة الناس في المرور على الصراط وذلك باختلاف قوة النور الذي يعطى لهم على قدر أعمالهم كما بينا في الفقرة السابقة، ويدل عليه حديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي ﷺ: «ويمرون على الصراط والصراط كحد السيف، دحض مزلة، فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملًا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخرُّ يد، وتعلق يد، وتخر رجل، وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون، فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد» (١).\nقلت: وفي رواية أخرى عن ابن مسعود تبين أن الناس يردون النار كلهم ثم يخرجون منها بأعمالهم مع اختلاف في سرعتهم، كما قال السدي: «سألت مرة الهمداني عن قول الله ﷿: وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا [مريم: ٧١].\nفحدثني أن عبد الله بن مسعود حدثهم عن رسول الله ﷺ قال: يرد الناس كلهم النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فأولهم كلمع البرق، ثم كمر الريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب، ثم كشد الرجال، ثم كمشيهم» (٢).\nوكذلك في رواية أبي سعيد الخدري ﵁ بعد أن وصف النبي ﷺ صفة الصراط، وذكر الشوكة العقيفاء، قال: «المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب» (٣).\nشرح الألفاظ: قال العيني: (كالطرف): بكسر الطاء وهو الكريم من الخيل وبالفتح البصر».\nقلت: المعنى الثاني هو المراد بدليل أن النبي ﷺ ذكر بعد ذلك البرق، والريح، ومرور الخيل على الترتيب في السرعة.\nأجاويد الخيل: جمع الأجود وهو جمع الجواد وهو فرس بيَّنٌ الجودة.\n(الركاب: الإبل واحدتها الراحلة من غير لفظها). (عمدة القاري) (٢٠/ ٣٢٠).\nقلت: وهناك من يزحف على الصراط زحفًا كما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم. حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا» (٤).\nأما آخر الناس مرورًا على الصراط فهو المسحوب كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ وفيه يقول النبي ﷺ: «حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا» (٥).\n_________\n(١) رواه الحاكم (٢/ ٤٠٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الذهبي، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (١٥٨): طريقه صحيحة متصلة رجالها ثقات، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٢٩).\n(٢) رواه الحاكم (٢/ ٤٠٧). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣١١): إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٣) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).\n(٤) رواه مسلم (١٩٥).\n(٥) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).","vol":"5","page":9},{"text":"أثر ابن مسعود: قال عبد الله بن مسعود ﵁: (يأمر الله ﵎ بالصراط فيضرب على جهنم قال: فيمر الناس زمرًا على قدر أعمالهم، أوائلهم كلمح البرق (الخاطف)، ثم كمر الريح، ثم كمر الطائر، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك ثم يمر الرجل سعيًا، ثم يمر الرجل ماشيًا، ثم يكون آخرهم رجلًا يتلبط على بطنه يقول: يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول: إنما أبطأ بك عملك!) (١). قلت: هذا الأثر له حكم الرفع لأنه مما لا يقال بالرأي فهو من الأمور الغيبية.\nالأمانة والرحم على الصراط: يدل على ذلك حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄ عن النبي ﷺ عندما ذكر ذهاب الناس إلى آدم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمد، قال ﷺ: «وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا» (٢)\nقلت: وذلك يدل على عظم شأنهما والظاهر والراجح أنهما تقومان كشيئين، ولا يعلم حقيقتهما إلا الله ﷿.\nقال الحافظ (٣): (والمعنى أن الأمانة والرحم لعظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما يوقفان هناك للأمين والخائن، والمواصل والقاطع، فيحاجان عن المحق، ويشهدان على المبطل). اهـ.\nقال الطيبي (٤): (ويمكن أن يكون المراد بالأمانة ما في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ [الأحزاب: ٧٢]. (٢) وصلة الرحم ما في قوله تعالى: وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء: ١]. فيدخل فيه معنى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فكأنهما اكتنفتا جنبتي الإسلام الذي هو الصراط المستقيم وفطرتي الإيمان والدين القويم). اهـ. صفة الصراط لحاي الحاي – ص ١٩\n_________\n(١) رواه الحاكم (٤/ ٦٤١). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال ابن كثير في «نهاية البداية والنهاية» (٢/ ٩٢): روي مرفوعًا وموقوفًا والموقوف أصح.\n(٢) رواه مسلم (١٩٥).\n(٣) «فتح الباري» (١١/ ٤٥٣) و«مسلم» (١/ ١٦٤).\n(٤) «فتح الباري» (١١/ ٤٥٣).","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1386>المبحث الخامس: الذين يمرُّون على الصّراط هم المؤمنون دون المشركين</span>\nدلت الأحاديث التي سقناها على أن الأمم الكافرة تتبع ما كانت تعبد من آلهة باطلة، فتسير تلك الآلهة بالعابدين، حتى تهوي بهم في النار، ثم يبقى بعد ذلك المؤمنون وفيهم المنافقون، وعصاة المؤمنين، وهؤلاء هم الذين ينصب لهم الصراط. ولم أر في كتب أهل العلم من تنبه إلى ما قررناه من أن الصراط إنما يكون للمؤمنين دون غيرهم من الكفرة المشركين والملحدين غير ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى، فإنه قال: في كتابه (التخويف من النار): واعلم أن الناس منقسمون إلى مؤمن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، ومشرك يعبد مع الله غيره، فأما المشركون، فإنهم لا يمرون على الصراط، وإنما يقعون في النار قبل وضع الصراط. وقد ساق بعض الأحاديث التي سقناها، ومنها حديث أبي سعيد الخدري الذي في (الصحيحين)، ثم قال: فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله كالمسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط، إلا أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك من المشركين تتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدنيا، فترد النار مع معبودها أولًا، وقد دل القرآن على هذا المعنى في قوله تعالى: في شأن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨] وأما من عبد المسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنهم يتخلفون مع أهل الملل المنتسبين إلى الأنبياء، ثم يردون النار بعد ذلك. وقد ورد في حديث آخر أن من كان يعبد المسيح يمثل له شيطان المسيح فيتبعونه، وكذلك من كان يعبد العزير، وفي حديث الصور أنه يمثل لهم ملك على صورة المسيح، وملك على صورة العزير، ولا يبقى بعد ذلك إلا من كان يعبد الله وحده في الظاهر سواء كان صادقًا أو منافقًا من هذه الأمة وغيرها، ثم يتميز المنافقون عن المؤمنين بامتناعهم عن السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الذي يقسم للمؤمنين. وهذا نظر سديد من قائله ﵀. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٧٥","vol":"5","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1387>المبحث السادس: أول من يجيز الصراط</span>\nالرسول ﷺ ثم أمته أول من يجيز الصراط: يدل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه الذي فيه يقول النبي ﷺ: «ويضرب السراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها» (١). (وهذا لفظ البخاري).\nوكذلك رواية أبي هريرة ﵁ في كتاب الآذان من صحيح البخاري وفيها يقول النبي ﷺ: «فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم» (٢).\nقلت: ورواية أبي هريرة ﵁ عند مسلم توضح مكان النبي ﷺ إلى أن تمر أمته كلها – وهو على الصراط ﷺ وذلك لقوله ﷺ فيها بعد أن ذكر صفات الذين يمرون على الصراط: «ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم» (٣).\nوكذلك الأنبياء ﵈ كما في رواية أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والأنبياء بجنبتي الصراط وأكثر قولهم: اللهم سلم سلم» (٤). صفة الصراط لحاي الحاي – ص ٢٤\n_________\n(١) «فتح الباري» (١٣/ ٤١٩) و«مسلم» (١/ ١٦٤).\n(٢) «فتح الباري» (٢/ ٢٩٢).\n(٣) رواه مسلم (١٩٥).\n(٤) رواه مسلم (١٨٣).","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1388>المبحث السابع: الناجون والهالكون</span>\nبين الرسول ﷺ مصير الناس بعد المرور على الصراط في أحاديث كثيرة، فقال في حديث رواه ابن أبي عاصم من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ بعد أن ذكر كيف يمر الناس على الصراط: «فناج مسلم، ومخدوش مكلم، ومكردس في النار» (١).\nوقال ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري أيضًا عند ابن ماجة وغيره: «فناج مسلم، ومخدوش به، ثم ناج ومحتبس به ومنكوس فيها» (٢). وفي رواية أبي سعيد عند البخاري قال ﷺ: «فناج مسلم، ومخدوش، ومكدوس في نار جهنم» (٣)\nقال ابن أبي جمرة معلقًا على حديث البخاري: (يؤخذ منه أن المارين على الصراط ثلاثة أصناف: ١ - ناج بلا خدش. ٢ - وهالك من أول وهلة. ٣ - ومتوسط بينهما يصاب ثم ينجو. وكل قسم منها ينقسم أقسامًا تعرف بقوله: (بقدر أعمالهم» اهـ (٤).\nقلت: وهناك قسم رابع وهو المحتبس به كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي تقدم. والله أعلم.\nأما الصنف الأول الذي ذكره ابن أبي جمرة وهو:\n١ - الناج بلا خدش: فقد ذكره ﷺ في أحاديث كثيرة بلفظ (ناج مسلم) كما في الأحاديث السابقة، والناس من هذا الصنف هم الذين يعطون نورًا عظيمًا على الصراط على قدر أعمالهم، فينطلقون عليه بسرعة عظيمة كما بيَّنا في فصل (كيف يمر الناس على الصراط) (ص١٩).\nوقد ذكر رسول الله ﷺ في حديث جابر صفتهم بقوله: «ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء» (٥)\nوالصنف الثاني وهو: ٢ - الهالك من أول وهلة: ذكره النبي ﷺ بألفاظ مختلفة كقوله في الأحاديث السابقة: «مكردس في النار» و«منكوس فيها» و«مكدوس في نار جهنم» وقوله في رواية أبي هريرة عند البخاري: «الموبق بقي بعمله» (٦).\nوالناس في هذا الصنف هم المنافقون الذين يعطيهم الله تعالى نورًا فينطلقون على الصراط ثم يطفأ نورهم فيسقطون في النار والعياذ بالله ...\nوكذلك العصاة والفسقة من الموحدين والله أعلم.\nوقوله: «منكوس فيها» قال الراغب في كتابه (المفردات في غريب القرآن) (ص٥٠٥): (النكس قلب الشيء على رأسه). اهـ وقال الفيومي في (المصباح) (ص ٦٢٥): (ومنه قيل ولد (منكوس) إذا خرج رجلاه قبل رأسه لأنه مخالف للعادة). اهـ.\nقلت: مما سبق يتبين لنا أن قوله ﷺ: «منكوس فيها». أي مقلوب فيها على رأسه والله أعلم. وقوله: «مكدوس في نار جهنم». قال ابن الأثير في (النهاية) (٤/ ١٥٥): (أي مدفوع، وتكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط، ويروى بالشين المعجمة، من الكدش، وهو السوق الشديد. اهـ. وقوله: (الموبق بقي بعمله) قال العيني: الموبق: من وبق: أي هلك، أوبقته ذنوبه: أهلكته). اهـ (٧).\nقلت: كما في حديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» أي المهلكات.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).\n(٢) رواه ابن ماجه (٣٤٧٢)، وأحمد (٣/ ١١) (١١٠٩٦)، وابن حبان (١٦/ ٣٧٧) (٧٣٧٧)، والحاكم (٤/ ٦٢٨). وقال: صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) رواه البخاري (٧٤٤٩).\n(٤) «فتح الباري» (١١/ ٤٥٤).\n(٥) رواه مسلم (١٩١).\n(٦) «فتح الباري» (١٣/ ٤٢٠).\n(٧) «عمدة القاري» (٢٠/ ٣١٦).","vol":"5","page":13},{"text":"أما الصنف الثالث وهو: ٣ - المتوسط بينهما يصاب ثم ينجو: فقد ذكره النبي ﷺ بألفاظ مختلفة كقوله في الأحاديث السابقة: «مخدوش مكلم» و«مخدوج به» وكقوله في رواية أبي هريرة عند البخاري «ومنهم المخردل ثم ينجو» (١). وقوله في رواية أبي هريرة عند مسلم: «ومنهم المجازى حتى يُنجَّى» (٢).\nوالناس من هذا الصنف هم الذين اجترحوا السيئات واكتسبوا الخطايا، فتخطفهم الكلاليب، فتجرح أجسادهم، ثم ينجون بفضل رحمة الله ثم بما قدموه من طاعات في الحياة الدنيا، والله أعلم.\nوقوله: «مخدوش مكلم» قال ابن الأثير في (النهاية) (٢/ ١٤): (خدش الجلد: قشره بعود أو نحوه). اهـ. وقال الكرماني: (مخدوش: أي مخموش ممزوق. وهو من الخمش وهو تمزيق الوجه بالأظافير) (٣). وقوله «مكلم» من الكلم وهو الجرح. وقوله «مخدوج به» من الخداج وهو النقصان كما قال ابن الأثير في (النهاية) (٢/ ١٢). قلت: والمعنى أن كلاليب الصراط تجرحه فتنقص من جسده، والله أعلم.\nوقوله: «ومنهم المخردل ثم ينجو» قال ابن الأثير في (النهاية) (٣/ ٢٠): (هو المرمي المصروع، وقيل: المقطع، تقطعه كلاليب الصراط، يقال: خردلت اللحم: أي فصلت أعضاءه وقطعته ومنها قصيدة كعب بن زهير:\nيغدو فيلحم ضرغامين عيشهما ... لحم من القوم معفور خراديل\nأي مقطع قطعًا). اهـ.\nقلت: والمعنى الثاني أنسب لسياق الخبر، والله أعلم. وقوله: «المجازي حتى ينجى» المجازى: من الجزاء. والمعنى والله أعلم أن ما يحدث له على الصراط من تقطيع وترويع عظيمين إنما هو جزاء له على أعماله الفاسدة، وعلى تقصيره في حق ربه في حياته الدنيا.\nكلام الناجين بعد المرور على الصراط: بين لنا النبي ﷺ في حديث ابن مسعود الطويل الذي تقدم ماذا يقول الناجون بعد الانتهاء من المرور على الصراط ونجاتهم من السقوط في النار بقوله بعد أن ذكر مرور الناس على الصراط: «فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد» (٤).\nنسأل الله تعالى الرحمن الرحيم، أن نكون من الناجين في ذلك اليوم العظيم العصيب، فالنجاة في ذلك اليوم لا تكون إلا بفضل مشيئة الله تعالى ورحمته ثم بما قدمه المرء من أعمال صالحة في هذه الحياة الفانية، كما قال النبي ﷺ: «ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من يجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك» (٥). صفة الصراط لحاي الحاي - بتصرف – ص ٢٥\n_________\n(١) «فتح الباري» (١١/ ٣١٦).\n(٢) «رواه في كتاب الإيمان» (١/ ١٦٥).\n(٣) «عمدة القاري» (٢٠/ ٣٢٠).\n(٤) رواه الحاكم (٢/ ٤٠٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الذهبي، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (١٥٨): طريقه صحيحة متصلة رجالها ثقات، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٢٩).\n(٥) رواه الحاكم (٤/ ٦٢٩). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن رجب في «التخويف من النار» (ص: ٢٢٤): المعروف أنه موقوف على سلمان الفارسي من قوله، وأورده الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٩٤١) وإسناده صحيح موقوفا وله حكم الرفع.","vol":"5","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1389>المبحث الثامن: التفاضل في المرور على الصراط</span>\nوالمؤمنون يتفاضلون في المرور على الصراط، وهم في ذلك ثلاثة أصناف كما أخبر النبي ﷺ: «فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم» (١).\nفهم في الجملة صنفان:\n١ - ناجون سالمون من السقوط في جهنم يجوزون الصراط.\n٢ - مطروحون ساقطون في جهنم لا يتمون المرور على الصراط، فإذا عوقبوا على معاصيهم أخرجوا من النار إلى الجنة، وقد ورد إجمالهم في هذين الصنفين عن النبي ﷺ في رواية إذ قال: «فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو» (٢).\nثم الناجون في الجملة صنفان: سالمون من خدش الكلاليب التي على الصراط، ومخدوشون قد نالت منهم الكلاليب شيئًا بحسب أعمالهم.\nثم الناجون متفاضلون في صفة مرورهم على الصراط، فمنهم من يمر عليه كالطرف، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا، أخبر بذلك النبي ﷺ (٣).\nوأفضل المارين على الصراط وأكملهم مرورًا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقد قال ﷺ: «ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم» (٤)\nوأفضل أتباع الأنبياء مرورًا أمة محمد ﷺ، فهم أول من يجوز الصراط من الأمم، قال ﷺ: «فأكون أول من يجوز من الرسل بأمتي» (٥).\nوقد سئل ﷺ: «من أول الناس إجازة؟ قال: فقراء المهاجرين» (٦) وهذه فضيلة لفقراء المهاجرين. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص٤٠٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٨٠٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٨٠٦) بلفظ: «فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته».\n(٦) رواه مسلم (٣١٥). من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ.","vol":"5","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1391>تمهيد</span>\nهذه القنطرة ثبتت في السنة النبوية، وهي خاصة لمسلك المؤمنين إلى الجنة، حيث يقفون عليها ليقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا؛ أذن لهم بدخول الجنة،كما ورد بذلك الحديث، وهي أشبه ماتكون بتصفية الذهب لجعله نقيا خالصا من كل شائبة مهما دقت.\nوقد اختلف العلماء فيها: هل هي صراط مستقل وله ميزات خاصة به؟ أم إنها من تتمة الصراط العظيم المنصوب على متن جهنم؟ ... والخلاف المشار إليه إنما هو في موضعها لا في ثبوتها، فهي ثابتة لا شك فيه، كما يتضح من أدلتها الآتية. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٢١","vol":"5","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1392>المطلب الأول: أدلة إثبات القنطرة</span>\nحديث القنطرة: وهو حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقص لبعضه من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة بمنزله كان في الدنيا» (١).\nقلت: وعند البخاري في (المظالم) (٥/ ٩٦): «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار». قال الحافظ: «واختلف في القنطرة المذكورة فقيل: هي من تتمة الصراط وهي طرفه الذي يلي الجنة وقيل أنهما صراطان وبهذا الثاني جزم القرطبي» اهـ (٢). قلت: وفي كتاب (المظالم) رجح الحافظ الأول فقال: (الذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن تكون من غيره بين الصراط والجنة). اهـ (٣). قلت: ذكر القرطبي أن الصراط صراطان في كتابه التذكرة فقال: (اعلم رحمك الله أن في الآخرة صراطين: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم إلا من دخل الجنة بغير حساب، أو من يلتقطه عنق النار فإذا خلص من هذا الصراط الأكبر الذي ذكرناه ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم الله منهم أن القصاص لا يستنفذ حسناتهم حبسوا على صراط آخر خاص لهم ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء الله لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه، وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه). اهـ (٤).\n(٣) قلت: وذكر العيني نحو ذلك فقال عند ذكر القنطرة: (قيل هذا يشعر بأن في القيامة جسرين، هذا والذي على متن جهنم المشهور بالصراط. واجب بأنه لا محذور فيه، ولئن ثبت بالدليل أنه واحد فتأويله أن هذه القنطرة من تتمة الأول) اهـ (٥).\nقلت: الذي ثبت عن النبي ﷺ أن الصراط واحد، ولم يذكر ﷺ أن الصراط صراطان (مجاز أو خاص) كما ذكر القرطبي ﵀.\nوالذي يقتضي الدليل رجحانه أن القنطرة جسر بين الجنة والنار لا علاقة له بالصراط كما هو ظاهر حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وظاهره يدل أيضًا على أن المؤمنين خلصوا أي فرغوا وانتهوا من المرور على الصراط كما قال الحافظ: (قوله: «إذا خلص المؤمنون من النار»: أي نجوا من السقوط فيها بعد ما جازوا على الصراط) اهـ (٦).\nوكما قال القرطبي ﵀: (معنى يخلص المؤمنون من النار أن يخلصوا من الصراط المضروب على النار) (٧). قلت: ويشهد لذلك حديث ابن مسعود الطويل الذي تقدم والذي يصف فيه النبي ﷺ مرور الناس على الصراط حتى قال فيه: «حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخر يد، وتعلق يد وتخر رجل، وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد» (٨).\nقلت: فهذا الحديث نص صريح في أن معنى خلصوا هو انتهاء الناس من المرور على الصراط، وبذلك نعلم أن القنطرة ليست تتمة للصراط، والعلم عند الله تعالى. صفة الصراط لحاي الحاي – ص ٣٢\n_________\n(١) «فتح الباري» (١١/ ٣٩٥).\n(٢) «فتح الباري» (١١/ ٣٩٩).\n(٣) «فتح الباري كتاب المظالم» (٥/ ٩٦).\n(٤) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (٣٣٨).\n(٥) «عمدة القاري» (١٩/ ٧٥).\n(٦) «فتح الباري» (١١/ ٣٩٩).\n(٧) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (ص: ٣٣٨).\n(٨) رواه الحاكم (٢/ ٤٠٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الذهبي، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (١٥٨): طريقه صحيحة متصلة رجالها ثقات، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٢٩).","vol":"5","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1393>المطلب الثاني: موضع تلك القنطرة</span>\nأما موضع تلك القنطرة؛ فقد اختلف العلماء كما أشرنا سابقا – في موضعها، وحاصل الخلاف يرجع إلى أمرين: -\nالأمر الأول: أن تلك القنطرة هي جزء من الصراط وتتمة له.\nالأمر الثاني: أنها صراط مستقل بين الصراط الأول والجنة، خاصة بمن كتبت لهم السعادة.\nوبعض العلماء لم يترجح لديه أحد الأمرين.\nقال ابن حجر: واختلف في القنطرة المذكورة، فقيل: هي من تتمة الصراط، وهي طرفه الذي يلي الجنة، وقيل: إنهما صراطان.\nوذهب القرطبي إلى القول بأن القنطرة ليست من الصراط الأول العظيم المنصوب على متن جهنم، وإنما هي صراط ثان وقد بوب على هذا بقوله: باب: ذكر الصراط الثاني، وهو القنطرة التي بين الجنة والنار، وذكر أن المؤمنين إذا خلصوا من صراط جهنم حبسوا على صراط آخر خاص لهم. قال: ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد - إن شاء الله - لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم، الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه، وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه. (١)\nونقل القرطبي – عن مقاتل أيضا – ما يفيد أنه يرى أن القنطرة صراط آخر، وذلك في قوله: قال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم؛ حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار؛ فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا وطيبوا؛ قال لهم رضوان وأصحابه: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ [الزمر: ٧٣] بمعني التحية طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣]. (٢)\nوينقل السفاريني عن السيوطي ترجيحه لكون القنطرة طرف من الصراط الذي يلي الجنة؛ أي أنه يرى أنها جزء من الصراط وتتمة له؛ حسب نقل السفاريني الآتي: قال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه (البدور السافرة في علوم الآخرة): والأول – يعني أنه طرف الصراط الذي يلي الجنة – هو المختار الذي دلت عليه أحاديث القناطر والحساب على الصراط. (٣)\nأما الإمام ابن كثير فإنه يجعلها بعد نهاية النار، وكأنه يجعلها صراطا مستقلا منصوبا على هول لانعلمه، فهو بعد ذكر كلام القرطبي ورأيه في هذه القنطرة من إنها صراط ثان؛ قال معلقا عليه: قلت: هذه بعد مجاوزة النار فقد تكون القنطرة منصوبة على هول آخر، مما يعلمه الله ولا نعلمه نحن، وهو أعلم. (٤)\nفهو لم يترجح لديه – حسبما يظهر من كلامه – هل هي صراط آخر أو هي متصلة بالصراط العظيم الذي هو على متن جهنم؟\nوكذلك ابن حجر، فإنه لم يرجح أيا من القولين حيث قال: والذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن يكون من غيره بين الصراط والجنة. (٥) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٢٩","vol":"5","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1395>المبحث الأول: لفظة الورود في القرآن الكريم</span>\nقال الله تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: ٧١ - ٧٢].\nوقد جاءت لفظة الورود في القرآن الكريم - مرادا به الدخول في النار - في ستة مواضع، في قوله تعالى في الآيات الآتية:\n١ - وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١].\n٢ - يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود: ٩٨]\n٣ - وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨].\n٤ - لَوْ كَانَ هَؤُلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوها [الأنبياء: ٩٩]\n٥ - وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم: ٨٦]\n٦ - حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨]\nوكان ابن عباس يستند إلى هذه الآيات في تفسيره للورود بالدخول في النار فهل الورود المذكور في الآيات يراد به الدخول في النار؟ أو مجرد المرور من غير إحساس بها؟ الواقع أن هذه المسألة هي من المسائل التي فيها خلاف بين العلماء في زمن الصحابة ومن بعدهم. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٤٧","vol":"5","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1396>المبحث الثاني: أقوال العلماء في معني الورود</span>\nاختلف العلماء في المراد بهذا الورود إلى أقوال كثيرة، يمكن إيجازها فيما يلي:\n١ - الورود المذكور في الآية: يراد به الدخول في النار\n٢ - يراد به المرور عليها؛ أي فوق الصراط\n٣ - يراد به الدخول، ولكن عني به الكفار دون المؤمنين\n٤ - أنه عام لكل مؤمن وكافر، غير أن ورود المؤمن المرور، وورود الكافر الدخول\n٥ - ورود المؤمن ما يصيبه في الدنيا من حمى ومرض\n٦ - أنه يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم\nوتلك أشهر الأقوال.\nوهناك أقوال أخرى ذكرها بعض أهل العلم منها:\n٧ - القول بالتوقف في معنى الورود\n٨ - ومنها القول بأن المراد بالورود هنا هو الإشراف والاطلاع والقرب منها، حيث يكونون وهم في الموقف يشاهدون النار؛ فينجيهم الله مما شاهدوه.\nونبدأ الآن بذكر عزو تلك الأقوال إلى أهلها ثم الترجيح فيما يأتي:\nأما الذين فسروه بالدخول، من السلف: فمنهم ابن عباس، وابن مسعود وعبد الله بن رواحه، وجابر بن عبد الله، وأبو ميسرة، وابن جريج، وخالد ابن معدان.\nأما ابن عباس، فقد اشتهر رأيه هذا، في جوابه لنافع بن الأزرق في مساءلات نافع لابن عباس المشهورة، فقد جاء نافع يسأل ابن عباس عن معنى الآية فقال ابن عباس: الورود: الدخول، وقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] أورود هو أم لا؟ وقال: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨]، أورود هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل تخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، قال: فضحك نافع. (١)\nوفي رواية أخرى لعطاء بن أبي رباح قال: قال أبو راشد الحروري – يعنى نافع بن الأزرق -: ذكروا هذا؛ فقال الحروري: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا [الأنبياء: ١٠٢]، قال ابن عباس: ويلك، أمجنون أنت؟ أين قوله تعالى: يقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨]، وقوله: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم: ٨٦]، وقوله وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]، والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالما وأدخلني الجنة غانما. (٢)\nوالروايات عن ابن عباس في هذا كثيرة وبطرق متعددة، يرى أن الورود المذكور في الآية يراد به الدخول لكل أحد؛ مسلما كان أم كافرا، وهو المشهور عنه. (٣)\nقال الجمل: وهذا هو تفسير ابن عباس الصحيح عند أهل السنة. (١)\nوأما جابر بن عبد الله ﵁؛ فقد جاء عن أبي سمية أنه قال: اختلفنا هاهنا في الورود؛ فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا؛ ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت: إنا اختلفنا ها هنا في ذلك، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا، فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال: «صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الورود: الدخول» لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار – أو قال لجهنم – ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين» (٢). وأخرج الطبري بسنده إلى خالد بن معدان قال: (قال أهل الجنة بعدما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة).","vol":"5","page":20},{"text":"وأخرج كذلك عن غنيم بن قيس قال: (ذكروا ورود النار، فقال كعب: تمسك النار للناس كأنها متن إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق، برهم وفاجرهم ثم يناديهم مناد: أن أمسكي أصحابك ودعي أصحابي، قال: فيخسف بكل ولي لها، ولهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية أبدانهم، قال: وقال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود له شعبتان، يدفع به الدفعة فيصرع به في النار سبعمائة ألف). (٤)\nوأخرج عن أبي إسحاق، قال: (كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي فقيل: وما يبكيك يا أبا ميسرة؟ قال: أخبرنا أنا واردوها، ولم يخبرنا أنا صادرون عنها). (٥)\nوعن قيس بن أبي حازم قال: (بكى عبد الله بن رواحة في مرضه فبكيت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال ابن رواحة: إني قد علمت أني وارد النار فما أدري أناج منها أنا أم لا؟) (٦)\nوقال أبو عمرو داود بن الزبرقان: سمعت السدي يذكر عن مرة الهمداني عن أبي مسعود: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]، قال: داخلها. (١)\nوأخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه سئل عن قوله: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]، قال: وإن منكم إلا داخلها (٢)\nوالروايات عن ابن مسعود كثيرة يفسر الورود في النار بالدخول فيها. (٣)\nومما يدل على أن الورود المراد به الدخول: ما جاء عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذه سلطانه بحرس، لم ير النار بعينه، إلا تحلة القسم، فإن الله تعالى يقول: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]» (٤)\nوكذا ماجاء عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلة القسم» يعنى الورود. (٥)\nهذا ما يتعلق بالرأي الأول وهو تفسير الورود بالدخول في النار، وهل ذلك يشمل الأنبياء والرسل وخاصة المؤمنين أو لا؟ سيأتي جوابه في مسألة خاصة به بعد عرض آراء العلماء في الورود.\n٢ - أما الرأي الثاني وهو تفسير الورود بالمرور عليها:\nفهو رأي قتادة وغيره من علماء السلف وفي هذا يقول الطبري: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة:\nوَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] يعنى: جهنم، مر الناس عليها. وفي رواية أخرى عن معمر عن قتادة بما سبق. (٦)\nوفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: «لا يدخل النار – إن شاء الله – من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] فقال النبي ﷺ: قد قال الله ﷿: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: ٧٢]» (١).\nقال النووي عن معنى الحديث «لايدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة. .....» إلخ.\nقال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعا – كما صرح به في الحديث الذي قبله – وإنما قال: إن شاء الله؛ للتبرك لا للشك (٢)\nوحديث حاطب الذى أشار إليه النووي هو ما رواه جابر ﵁: «أن عبدا لحاطب جاء الرسول ﷺ يشكو حاطبا فقال يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله ﷺ: كذبت، لا يدخلها؛ فإنه شهد بدرا والحديبية» (٢)\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٤٩٦).\n(٢) رواه مسلم (٢٤٩٥).","vol":"5","page":21},{"text":"وأما قول حفصة: بلى، وانتهار النبي ﷺ لها؛ فقالت: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]، فقال النبي ﷺ: وقد قال: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا [مريم: ٧٢] – فيه دليل للمناظرة والاعتراض والجواب، على وجه الاسترشاد؛ وهو مقصود حفصة؛ لا أنها أرادت رد مقالته ﷺ، والصحيح أن المراد بالورود في الآية: المرور على الصراط؛ وهو جسر منصوب على جهنم) (٤)\nويقول ابن أبي العز: واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] ماهو؟ والأظهر والأقوى: أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: ٧٢].\nثم قال في تعليقه على حديث حفصة المتقدم: (أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تسلتزم حصوله؛ بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم، ولهذا قال تعالى: وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا [هود: ٥٨].\nفَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا [هود: ٦٦]. وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا [هود: ٩٥] ولم يكن العذاب أصابهم ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك، وكذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذي اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا). (١)\nأما الرأي الثالث: وهو القول بأن الورود هو الدخول، لكنه عنى الكفار دون المؤمنين، فإن هذا الرأي يعزى إلى ابن عباس أيضا وقد ذكر هذا عنه الطبري دون تعيين اسم الراوي عن ابن عباس؛ بل قال بسنده عن شعبة قال: أخبرني عبد الله بن السائب عن رجل سمع ابن عباس يقرؤها: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]؛ يعنى الكفار، قال: لا يردها مؤمن (٢). ويعزى كذلك إلى عكرمة: أن المراد بالورود هنا ورود الكفار. (٣)\nويذكر ابن كثير عنهما أنهما كانا يقرآن الآية وَإِن مِّنهمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] يعنى الكفار. (٤)\nقال الجمل: لمناسبة الآيات التي قبل هذه، فإنها في الكفار وهي قوله: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ، ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ، أَيُّهُمْ أَشَدُّ، ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا، وَإِن مِّنكمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٦٨ - ٧١] وكذلك قرأ عكرمة وجماعة، لكن الأكثرون على أن المخاطب العالم كلهم كما تقدم. (٥)\nأما الرأي الرابع: وهو أن الورود عام لكل مؤمن وكافر، غير أن ورود المؤمن: المرور، وورود الكافر: الدخول؛ فهذا رأي ابن زيد، وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nقال الطبري: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١]: ورود المسلمين: المرور على الجسر بين ظهريها، وورود المشركين أن يدخلوها، قال النبي الله ﷺ: «الزالون والزالات يومئذ كثير ووقد أحاط الجسر سماطان من الملائكة ودعواهم يومئذ: يا الله، سلم سلم» (١)\nأما الرأي الخامس: وهو أن ورود المؤمن ما يصيبه في الدنيا من حمى ومرض: فإنه يعزى هذا القول إلى مجاهد أنه قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] ويستدل له بما أسنده الطبري إلى أبي هريرة قال: «خرج رسول الله ﷺ يعود رجلا من أصحابه وبه وعك، وأنا معه، ثم قال: إن الله يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة» (١).","vol":"5","page":22},{"text":"أما الرأى السادس: وهو أن معنى الورود: هو أن يردها الجميع، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم؛ فهذا القول يعزى أيضا إلى عبد الله بن مسعود (٢)، وقد سبق أن أشرنا إلى أنه يفسر الورود بالدخول.\nومن الأدلة لهذا القول: ما أخرجه الترمذي والإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود أن الرسول ﷺ قال: «يرد الناس النار، ثم يصدرون منها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثم كشد الرجل، ثم كمشيه». قال الترمذي بعد أن أخرجه: هذا حديث حسن. (٤) وهو مرفوع من رواية السدي عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود، ورواه شعبة عن السدي فلم يرفعه، وقال عبد الرحمن بن مهدي – أحد رواة الحديث –: قلت لشعبة: وقد سمعته من السدي مرفوعا ولكني عمدا أدعه. والحاصل أن الحديث مرفوع\nأما بالنسبة للقول السابع؛ وهو القول بالتوقف:\nفهو ما ذكره الشوكاني بعد أن نسبه إلى كثير من العلماء، وذلك في قوله: (وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود، وحمله على ظاهره لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١]، قالوا فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده عنها). (٦)\nفسبب توقفهم عن تحقيق القول في الورود: أن الله أخبر أن من سبقت لهم الحسنى لا يردون النار، وأخبر في سورة مريم أنه ما من أحد إلا وسيرد النار؛ فصاروا إلى التوقف.\nلكن الآية - إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى [الأنبياء: ١٠١] إلى آخرها – تقوي قول من ذهب إلى أن الورود يراد به المرور العادي وعدم الدخول؛ وهو ما يذهب إليه بعض العلماء.\nوفي هذا يقول الشوكاني: (ومما يدل على أن الورود لا يستلزم الدخول: قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ [القصص: ٢٣] فإن المراد أشرف عليه لا أنه دخل فيه، وقول زهير:\nفلما وردن الماء زرقا جمامة ... وضعن عصي الحاضر المتخيم). (١)\nأما القول الثامن – وهو ما ذكره العلامة الجمل عن بعض الفرق بقوله: (وقالت فرقة: الورود هو الإشراف والاطلاع والقرب، وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم؛ فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه، ويصار بهم إلى الجنة، ويذر الظالمين؛ أي يأمر بهم إلى النار) (٢)،– فهو بعيد عن معنى الآية والمراد بها.\nالقول الراجح في معنى الورود:\nبعد عرض ما سبق؛ اتضح أن معنى الورود الذي ذكره الله يحتمل معاني كثيرة، ولهذا فقد اختلف كلمة العلماء في تعريفه، والمراد منه، إلى الأقوال التي ذكرناها، والواقع أن تلك الأقوال منها ما هو قريب، ومنها ما هو بعيد إلا أنه يقال: إن القول السادس منها – وهو أنه يردها الجميع، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم – وهو الراجح؛ لتصريح الآية به وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: ٧٢] بالإضافة إلى ما ثبت عن رسول الله ﷺ في وصف الصراط ومرور الناس عليه بحسب أعمالهم.\nولهذا يقول الطبري في ترجيحه:\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون؛ فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار وورودهموها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناج مسلم ومكدس فيها. (٣)\nوقال الشوكاني: (ولا يخفى أن القول بأن الورود: هو المرور على الصراط أو الورود على جهنم وهي خامدة، فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة؛ فينبغي حمل هذه الآية على ذلك؛ لأنه قد حصل الجمع بحمل الورود على دخول النار؛ مع كون الداخل من المؤمنين مبعدا من عذابها، أو يحمله على المضي فوق الجسر المنصوب عليها؛ وهو الصراط. (١)\nوقد رجح ابن أبي العز أيضا القول بأن الورود يراد به المرور على الصراط كما سبق. (٢) الحياة الآخرة لغالب بن علي عواجي- ٢/ ١٣٤٧","vol":"5","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1399>المطلب الأول: معنى الأعراف لغة</span>\nالأعراف – حسب ما يظهر من أقوال العلماء – هو حاجز مرتفع بين أهل الجنة وأهل النار، وهو في اللغة كما قال الأزهري ﵀: (جمع عرف وهو كل عال مرتفع). (٤)\nوقال الطبري: (الأعراف جمع واحدها عرف، وكل مرتفع من الأرض عند العرب فهو عرف، وإنما قيل لعرف الديك عرف، لارتفاعه على ما سواه من جسده). (١)\nوقال الشوكاني: (الأعراف جمع عرف، وهي شرفات السور المضروب بينهم، ومنه عرف الفرس، وعرف الديك، والأعراف في اللغة: المكان المرتفع). (٢)\nوفي تعليل تسمية المكان المرتفع عرفا يقول الرازي: لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه. (٣) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٧١","vol":"5","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1400>المطلب الثاني: معنى الأعراف شرعا</span>\nاختلف العلماء في معنى الأعراف إلى أقوال كثيرة، وحاصلها ما يأتي:\n١ - الأعراف: هو مكان مرتفع يشرف على أهل الجنة والنار.\n٢ - الأعراف: هو السور الذي ذكره الله تعالى فاصلا بين الجنة والنار. (٤)\n٣ - هو جبل بين الجنة والنار، أو تل مرتفع، ويروى عن ابن عباس أنه تل بين الجنة والنار حبس عليه ناس من أهل الذنوب، وقال سعيد بن جبير: الأعراف جبال بين الجنة والنار، فهم على أعرافها، يقول على ذراها. (٥)\n٤ - الأعراف: هو الصراط، قال ابن جريج: زعموا أنه الصراط.\n٥ - هو حجاب بين فريقي أهل الجنة وأهل النار، وهو قول مجاهد.\n٦ - وقال القرطبي: وقيل إنه سور بين الجنة والنار، قيل: هو جبل أحد يوضع هناك. (٦)\nومن الذين ذهبوا إلى أن الأعراف هو السور المذكور في سورة الحديد في قوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد: ١٣].\nومن الذين ذهبوا إلى ذلك: السدي حيث قال: هو السور، وهو الأعراف، قال: وإنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس.\nوقال حذيفة: الأعراف سور بين الجنة والنار، وعن ابن عباس - في رواية عنه - قال: الأعراف هو السور الذي ذكره الله في القرآن، بين أهل الجنة وأهل النار. (١)\nوقد روى البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل في قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ [الحديد: ١٣] قال: يعنى بالسور حائطا بين أهل الجنة وأهل النار، له باب، باطنه - يعني باطن السور- فيه الرحمة مما يلي الجنة، وظاهره من قبله العذاب - يعنى جهنم، وهو الحجاب الذي ضرب بين أهل الجنة وأهل النار. (٢)\nوهناك أقوال أخرى ذكرها بعض العلماء، غير إنها لا تخرج في مفهومها عما سبق.\nوعلى أي احتمال كان؛ فإن جميع الأقوال في الأعراف – وهو: إما حجاب أو سور أو تل مشرف، أو جبال بين الجنة والنار أو أي حاجز آخر – كلها تهدف إلى إثبات أن حاجزا مرتفعا يجعله الله في يوم القيامة بين الجنة والنار، يشرف منه أصحاب الأعراف على فريقي الجنة والنار، يعرفون كلا بسيماهم، وأن أصحابه لم يتقرر مصيرهم بعد، ولكن مآلهم إلى الجنة. (٣) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٧٢","vol":"5","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1401>المطلب الثالث: ما ورد في القرآن الكريم بشأن أصحاب الأعراف</span>\nيقول تعالى: وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف: ٤٦].\nويقول تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف: ٤٨ - ٤٩].\nوقال تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد: ١٣]. (٣) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٦٧","vol":"5","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1402>المبحث الثاني: الخلاف في تعيين أصحاب الأعراف</span>\nاختلف العلماء في تعيين أصحاب الأعراف، وفي السبب الذي صاروا به موقوفين على الأعراف، كما أخبر الله عنهم؛ اختلف العلماء في ذلك إلى آراء مختلفة وأقوال متباينة، وفيما يلي: نذكر ما قيل في تعيينهم ثم الترجيح: فمما قيل في تعيينهم:\n١ - أنهم مساكين أهل الجنة، وينسب هذا القول إلى ابن مسعود وكعب الأحبار وابن عباس (١).\nوأخرج الطبري عن ابن عباس أنه قال: (الأعراف سور بين الجنة والنار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بدا لله – هكذا بالأصل – أن يعافيهم؛ انطلق بهم إلى نهر يقال له: الحياة، حافتاه قصب الذهب، مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك؛ فألقوا فيه، حتى تصلح ألوانهم ويبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، حتى إذا صلحت ألوانهم، أتى بهم الرحمن، فقال: تمنوا ما شئتم، قال: فيتمنون، حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعين مرة، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمون مساكين الجنة) (٢).\nوهو رأى عبد الله بن الحارث –أيضا- كما أخرج الطبري عن مجاهد عن عبد الله بن الحارث قال: (أصحاب الأعراف ينتهى بهم إلى نهر يقال له: الحياة، حافتاه قصب من ذهب، قال سفيان: أراه قال: مكلل باللؤلؤ، قال: فيغتسلون فيزدادون، فكلما اغتسلوا ازدادت بياضًا، فيقال لهم: تمنوا ما شئتم، فيتمنون ما شاءوا، فيقال لهم: لكم ماتمنيتم وسبعون ضعفًا، قال: فهم مساكين أهل الجنة) (٣).\n٢ - أنهم قوم صالحون، فقهاء، علماء، وينسب هذا القول إلى مجاهد (٤)؛ وهذه صفة مدح لهم، غير أنه جاء في التفسير المنسوب إلى ابن عباس أن هؤلاء كانوا شاكين في الرزق (٥)؛ وهذه صفة ذم، وقد وصف ابن كثير هذا القول بأن فيه غرابة (٦).\n٣ - أنهم الشهداء، ذكره المهدوي (٧)، وعزاه الشوكاني إلى القشيري وشرحبيل بن سعد (٨).\n٤ - هم فضلاء المؤمنين والشهداء، فرغوا من شغل أنفسهم وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس، ذكره أبو نصر عبد الرحمن بن عبد الكريم القشيري (٩)، وعزاه الشوكاني إلى مجاهد (١٠).\n٥ - هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم، ويعزى هذا القول إلى شرحبيل بن سعد أيضًا (١١).\nوأخرج الطبري حديثين في هذا:\nالأول منهما قال فيه: حدثني المثنى، وساق السند إلى يحيى بن شبل، أو رجلًا من بني النضير أخبره عن رجل من بني هلال، أن أباه أخبره، أنه سأل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف، فقال: «هم قوم غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم، فقتلوا فاعتقهم الله من النار بقتلهم في سبيله، وحبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم، فهم آخر من يدخل الجنة» (١٢).\nوأما الحديث الثاني، فقد أخرجه عن يحيى بن شبل، مولى بني هاشم، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف فقال: «قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار، ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة» (١٣)، وهذا الحديث قد ضعفه بعض العلماء (١٤).\n_________\n(١) «التذكرة» (ص: ٣٨٦). ويرد على هذا أن الجنة ليس فيها مساكين، وليس هناك دليل على ثبوت هذا القول، ولعل القصد أنهم أقل درجات أهل الجنة.\n(٢) «جامع البيان» (٨/ ١٩١).\n(٣) «جامع البيان» (٨/ ١٩١ - ١٩٢).\n(٤) «التذكرة» (ص: ٣٨٦).\n(٥) «تنوير المقباس» (٢/ ١٧) مع «الدر المنثور».\n(٦) «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ٢١٧).\n(٧) «التذكرة» (ص: ٣٨٦).\n(٨) «فتح القدير» (٢/ ١٩٨).\n(٩) «التذكرة» (ص: ٣٨٦).\n(١٠) «فتح القدير» (٢/ ١٩٨).\n(١١) «التذكرة» (ص: ٣٨٦).\n(١٢) «جامع البيان» (٨/ ١٩٢).\n(١٣) «جامع البيان» (٨/ ١٩٢).\n(١٤) انظر: «تفسير المنار» (٨/ ٤٣١).","vol":"5","page":27},{"text":"ويروى عن أبي سعيد أنه قال: سئل النبي ﷺ عن أصحاب الأعراف فقال: «هم رجال قتلوا في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم، فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار، ومنعتهم المعصية أن يدخلوا الجنة، وهم على سور بين الجنة والنار، حتى تذبل لحومهم وشحومهم، حتى يفرغ الله من حساب الخلائق، فإذا فرغ من حساب خلقه فلم يبق غيرهم، تغمدهم منه برحمة فأدخلهم الجنة برحمته» (١).\nوقد ذكر الرازي، أن القول الذي يجعل الأعراف، عبارة عن الرجال الذين يعرفون أهل الجنة وأهل النار، يعود أيضًا إلى قول من يجعل الأعراف، عبارة عن الأمكنة العالية، على السور المضروب بين الجنة وبين النار، لأن هؤلاء الأقوام لابد لهم من مكان عال يشرفون منه على أهل الجنة وأهل النار (٢).\n٦ - هم: العباس، وحمزة، وعلي بن أبي طالب، وجعفر ذو الجناحين، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضهم بسواد الوجوه، ذكره الثعلبي عن ابن عباس (٣).\nوبعد هذا القول لا يخفى؛ لأن هذا التخصيص لا معنى له، ولعله من أقوال الشيعة: بل قد ذكر محمد رشيد رضا أنه من أقوالهم، وهو كذلك لم يوجد في كتب التفسير المعتمدة عن السلف؛ قال:\n(وهذا القول: ذكر الآلوسي أن الضحاك رواه عن ابن عباس: ولم نره في شيء من كتب التفسير المأثورة، والظاهر أنه نقله عن تفاسير الشيعة، وفيه أن أصحاب الأعراف يعرفون كلًا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم؛ أي فيميزون بينهم أو يشهدون عليهم، وأي فائدة في تمييز هؤلاء السادة – على الصراط- لمن كان يبغضهم من الأمويين، ومن يبغضون عليًا خاصة، من المنافقين والنواصب؟ وأين الأعراف من الصراط؟ هذا بعيد عن نظم الكلام وسياقه جدًا) (٤).\n٧ - هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة، ذكره الزهراوي، واختاره النحاس (٥).\nقال العلامة محمد رشيد رضا: (فكما ثبت أن كل رسول يشهد على أمته أن أمة محمد ﷺ شهداء على جملة من الأمم بعده؛ ثبت أيضًا أن في الأمم شهداء غير الأنبياء ﵈، قال الله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء: ٤١].\nوقال في خطاب هذه الأمة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]، وقال في صفة يوم القيامة: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الزُّمر: ٦٩].\nوهؤلاء الشهداء هم حجة الله على الناس في كل زمان بفضائلهم واستقامتهم على الحق والتزامهم للخير وأعمال البر) (٦).\n٨ - هم قوم أنبياء، قاله الزجاج (٧).\n(أي يجعلهم الله تعالى على أعالي ذلك السور، تمييزًا لهم على الناس، ولأنهم شهداؤه على الأمم، ورجح هذا القول الرازي) (٨). هذا كلام محمد رشيد رضا عنه.\nوقد أورد الرازي في تفسيره -بعد ذكر هذا القول- أن هذا الوجه لا يتفق مع معنى الآية: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ، أي لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء والملائكة والشهداء.\n_________\n(١) «جمع الفوائد» (٢/ ٢٠٨)، ثم عزاه إلى «الأسوط والصغير» بضعف، وفيه محمد بن مخلد الرعيني وهو ضعيف، كذا في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٣).\n(٢) انظر: «التفسير الكبير» (١٤/ ٨٩).\n(٣) «التذكرة» (ص: ٣٨٦).\n(٤) «تفسير المنار» (٣/ ٤٣٣).\n(٥) «التذكرة» (ص: ٣٨٦).\n(٦) «تفسير المنار» (٨/ ٤٣٢).\n(٧) انظر: «التذكرة» (ص: ٣٨٦).\n(٨) «تفسير المنار» (٨/ ٤٣٢).","vol":"5","page":28},{"text":"لكنه قال في الإجابة عن هذا: (أجاب الذاهبون إلى هذه الوجه بأن قالوا: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى بين من صفات أصحاب الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر؛ والسبب فيه أنه تعالى ميزهم عن أهل الجنة وأهل النار، وأجلسهم على تلك الشرفات العالية والأمكنة المرتفعة، ليشاهدوا أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، فيلحقهم السرور العظيم بمشاهدة تلك الأحوال، ثم استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، فحينئذ ينقلهم الله تعالى إلى أمكنتهم العالية في الجنة، فثبت أن كونهم غير داخلين في الجنة، لا يمنع من كمال شرفهم وعلو درجتهم.\nوأما الطمع المذكور في الآية، فهو على ما ذكر هؤلاء، يكون معناه: اليقين، لا الطمع الذي لا يثق صاحبه بحصول المراد، وعلى هذا قوله تعالى عن إبراهيم: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: ٨٢] فهذا الطمع طمع يقين (١).\n٩ - هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا فوقفوا، وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم، فيقع في مقابلة صغائرهم. حكاه ابن عطية القاضي أبو محمد في تفسيره (٢).\n١٠ - ذكره ابن وهب عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف الذين ذكر الله في القرآن، أصحاب الذنوب العظام من أهل القبلة، وذكره ابن المبارك؛ قال: أخبرنا جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان جسيم أمرهم لله، فأقيموا ذلك المقام، إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم بسواد الوجوه، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض وجوههم.\nوفي رواية سعيد بن جبير عن عبد الله بن مسعود: (وكانوا آخر أهل الجنة دخولًا الجنة) (٣).\n١١ - أنهم أولاد الزنا، ذكره أبو نصر القشيري عن ابن عباس (٤).\n١٢ - أنهم ملائكة موكلون بهذا السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار. قاله أبو مجلز لاحق بن حميد، فقيل له: لا يقال للملائكة رجال، فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم كما وضع على الجن في قوله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الجِنِّ [الجنّ: ٦] (٥).\nوذكر الطبري روايات عن أبي مجلز في تقوية هذا القول الذي يتزعمه، ويجادل في أن أهل الأعراف هم رجال من الملائكة.\nوهناك روايات كثيرة عن أبي مجلز لا حاجة إلى التطويل بذكرها، فهي لا تخلو – سواء أصحت نسبتها إليه أم لم تصح – عن كونها قولًا من الأقوال يحتاج لصحة إثباته إلى نص عن رسول الله ﷺ.\nعلى أن ابن كثير قد ذكر بعد إيراد الرواية عنه صحة نسبة هذا القول إلى أبي مجلز، ولكن حكم عليها بالغرابة، وعدم الانسياق مع الظاهر من وصف الملائكة، فقال: (وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد – أحد التابعين – وهو غريب من قوله، وخلاف الظهر من السياق) (٦).\nوقال محمد رشيد رضا في سبب حكم ابن كثير على قول أبي مجلز بالغرابة: (وإنما عده غريبًا عنه لمخالفته لقول الجمهور، ولتسميته الملائكة رجالًا وهم لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة) (٧).\n١٣ - أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم (فجعلوا هناك إلى أن يقضي الله فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم) (٨).\n_________\n(١) انظر: «التفسير الكبير» (١٤/ ٨٨).\n(٢) «التذكرة» (ص: ٣٨٧).\n(٣) «التذكرة» (ص: ٣٨٧).\n(٤) «التذكرة» (ص: ٣٨٧).\n(٥) «جامع البيان» (٨/ ١٩٣).\n(٦) «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ٢١٧).\n(٧) «تفسير المنار» (٨/ ٤٣٢).\n(٨) «جامع البيان» (٨/ ١٩٠)، «فتح القدير» (٢/ ١٩٨).","vol":"5","page":29},{"text":"ويعزى هذا القول إلى ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، والشعبي، والضحاك، وسعيد بن جبير، فمما يعزى إلى حذيفة بالسند، ما أخرجه الطبري عن الشعبي أنه قال: أرسل إلي عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعنده أبو الزناد، وعبد الله بن ذكوان مولى قريش، وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرًا ليس كما ذكر.\nفقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة، فقالا: هات، فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فبيانهم كذلك اطلع إليهم ربك ﵎ فقال: اذهبوا وادخلوا الجنة؛ فإني قد غفرت لكم.\nوفي رواية أخرى للشعبي عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف، قال: فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم عن النار، قال: فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم.\nوعن عامر عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف قوم كانت لهم ذنوب وحسنات، فقصرت ذنوبهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فهم كذلك حتى يقضي الله بين خلقه فينفذ فيهم أمره، وفيه روايات أخرى عن حذيفة وهي بمعنى ما سبق.\nومما يعزى إلى ابن مسعود، ما أخرجه الطبري عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود، قال: (يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول الله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم [الأعراف: ٨ - ٩].\nثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح، قال: فمن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم ونظروا إلى أصحاب النار، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فيتعوذون بالله من منازلهم.\nقال فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نورًا، وكل أمة نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم: ٨]، وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم، فهنالك يقول الله: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ، فكان الطمع دخولًا، قال: فقال ابن مسعود: على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشرًا، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة، ثم يقول: هلك من غلب وحداته أعشاره) (١).\nوينسب هذا الرأي أيضًا إلى ابن عباس، فإنه كان يقول: إن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهذا ما ينص عليه الطبري بسنده إلى ابن عباس أنه قال: (أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم) (٢).\nويذكر قتادة عن ابن عباس أنه كان يقول: (الأعراف بين الجنة والنار، حبس عليه أقوام بأعمالهم)، وكان يقول: (قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم) (٣).\n١٤ - هم مؤمنو الجن.\n١٥ - هم قوم كانت عليهم ديون.\n_________\n(١) «جامع البيان» (٨/ ١٩١)، وانظر: (فتح القدير» (٢/ ١٩٨).\n(٢) «جامع البيان» (٨/ ١٩١).\n(٣) «جامع البيان» (٨/ ١٩٢).","vol":"5","page":30},{"text":"ويذكر السيوطي حديثًا يعزوه إلى البيهقي في رفع القول الأول إلى النبي ﷺ؛ فإن السيوطي بعد أن ذكر تلك الأقوال السابقة أورد الحديث الآتي:\nعن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «إن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب فسألناه عن ثوابهم فقال: على الأعراف وليسوا في الجنة مع أمة محمد، فسألناه: وما الأعراف؟ قال: حائط الجنة تجري فيه الأنهار، وتنبت فيه الأشجار والثمار» (١) ..\nوفي هذا القول – أي بأنهم مؤمنو الجن – يقول محمد رشيد رضا:\n(وروي ابن عساكر فيه حديثًا مرفوعًا عن أنس بن مالك من طريق الوليد بن موسى الدمشقي، وهو منكر الحديث في أعدل الأقوال، ورماه بعضهم بالوضع) (٢).\nأما القول بأنهم قوم عليهم ديون فهو ما يعزى إلى مسلم بن يسار، قال قتادة: (وقال مسلم بن يسار: قوم كان عليهم دين) (٣).\nومنها القول بأن أصحاب الأعراف هم:\n١٦ - أهل الفترة.\n١٧ - هم أولاد المشركين الذين ماتوا قبل سن التكليف.\n١٨ - هم أهل العجب بأنفسهم، ويعزى هذا القول إلى الحسن (٤).\n١٩ - هم آخر من يفصل الله بينهم، وهم عتقاؤه من النار) (٥).\nوإذا علمنا ذلك الاختلاف الكثير والمتباين في بعض الأقوال، فإن قول الإمام الحافظ ابن كثير ﵀، في اختلاف عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف وتعيينهم: (وكلها – كما يقول – قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم) (٦) – فيه نظر: فإن هذا المعنى الذي ذكره إنما هو قول من تلك الأقوال المتقدمة التي بينها غاية التباعد والتباين. الحياة الآخرة لغالب عواجي–٢/ ١٣٧٧\n_________\n(١) رواه البيهقي في «البعث والنشور» (١٠٠). قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٨): منكر جدا. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٦١١٣): موضوع.\n(٢) «تفسير المنار» (٨/ ٤٣٢).\n(٣) «تفسير ابن أبي حاتم» (٨٥٣١).\n(٤) «الدر المنثور» (٣/ ٨٩).\n(٥) «تفسير المنار» (٨/ ٤٣٢).\n(٦) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢١٦).","vol":"5","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1403>المبحث الثالث: الراجح في أهل الأعراف</span>\nذكر الله ﷾ في كتابه الكريم أصحاب الأعراف، وذكر بعض أوصافهم على سبيل الإجمال.\nواختلف العلماء في تعينهم اختلافا كثيرا، فتعددت أقوالهم وتضاربت آراؤهم كما تقدم تفصيل ذلك.\nوبهذا ندرك أن ترجيح قول من الأقوال، في تعيين أصحاب الأعراف، أمر من الصعوبة بمكان؛ ذلك أن القرآن الكريم لم يبين من هم بالتحديد. وما ورد في السنة من أخبار، فإنها كلها لا تخلو عن مقال، ولم يثبت منها شيء بسند صحيح يكون قاطعا للنزاع والخلاف.\nوأما استنباطات العلماء فهي كما قدمنا تفتقر إلى دليل صحيح، بغض النظر عن كون تلك الأقوال المنسوبة إلى قائليها تصح نسبتها إليهم أم لا.\nوإذا علم هذا فإنه لم يبق لنا من مستند إلا ما جاء في القرآن الكريم فنثبت ما أثبته في حقهم ولا نتعداه، فإن هذه المسألة من الأمور الغيبية التي لامجال للجزم برأي فيها دون نص ثابت عن رسول الله ﷺ، وقد أخبر القرآن الكريم عنهم بأنهم: رجال يعرفون أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، اختصهم الله بتلك المزية من بين خلقه.\nوقد قال ابن جرير في الترجيح بين تلك الأقوال، وفي الرد على أبي مجلز: (والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يقال – كما قال الله جل ثناؤه فيهم: - هم رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ [الأعراف: ٤٦] من أهل الجنة وأهل النار بِسِيمَاهُمْ [الأعراف: ٤٦] ولا خبر عن رسول الله ﷺ يصح سنده، ولا أنه متفق على تأويلها، وإجماع من الأمة على أنهم ملائكة.\nفإذا كان ذلك كذلك، وكان لا يدرك قياسا، وكان المتعارف بين أهل لسان العرب أن الرجال اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم، ودون سائر الخلق غيرهم؛ كان بينا أن ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة: قول لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك، ما قاله سائر أهل التأويل غيره، هذا مع أن من قال بخلافه من أصحاب الرسول ﷺ، ومع ما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها). (٢)\nولعل هذا هو الذي يتعين القول به من بين تلك الأقوال، وإن كان القول بأنهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم هو ما ذهب إليه كثير من العلماء؛ إلا أن تلك الروايات لم تصف من الشوائب؛ بل هي كما قال الحافظ ابن كثير: (الله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة، وقصاراها أن تكون موقوفة). غير أن الجمهور تمسك بها.\nوعن رأيهم هذا يقول محمد رشيد رضا:\nورجح الجمهور بكثرة الروايات أنهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم. (١)\nوقال – مستنبطا من دعاء أهل الأعراف: رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤٧]: (والإنصاف أن هذا الدعاء أليق بحال من استوت حسناتهم وسيئاتهم، وكانوا موقوفين مجهولا مصيرهم). (٢)\nومما تقدم يظهر لنا مدى تفاوت أقوال العلماء في تعينهم لأهل الأعراف. على أن في بعض هذه الأقوال تناقضا ظاهرا، والمثال على ذلك: أن بعضهم قال: إن أهل الأعراف هم من الأنبياء، وكانوا على الأعراف لعلو منزلتهم وعظيم مكانتهم. وعلى نقيض هذا القول من قال: أن أهل الأعراف هم أولاد الزنا أو مساكين أهل الجنة، وهذان القولان بينهما من البعد ما لا يخفى.\nعلى أن هذه الأقوال جميعها ليس لها سند صحيح من كتاب الله تعالى، ولا من سنة رسوله ﷺ. ولما كان هذا الموضوع من الغيبيات؛ فلابد للقول بإثباته – على هيئة خاصة أو اعتقاده – من وجود سند صحيح؛ فالأولى أن يقال بتفويض العلم بحقيقتهم إلى الله ﷿. والله أعلم. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٣٩١","vol":"5","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1405>تمهيد</span>\nيؤمن أهل السنة والجماعة بنهر الكوثر الذي أعطاه الله ﷿ نبيه ﷺ وهو الحوض المورود طوله مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبدًا.\nنص كلام شيخ الإسلام في المسألة: قال – ﵀ -: (الجنة والنار والبعث ... والحوض ... فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة) (١) ...... قال الإمام أبو الحسن الأشعري – ﵀ -: (وأجمعوا ... على أن لرسول الله ﷺ حوضًا يوم القيامة ترده أمته لا يظمأ من شرب منه) (٢).\nوقال الإمام ابن بطة العكبري - ﵀ -: (ونحن الآن ذاكرون شرح السنة ... مما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام وسائر الأمة – (فذكر جملة من معتقد أهل السنة) ثم قال -: ثم الإيمان بالحوض) (٣).\nوقال الإمام سفيان بن عيينة - ﵀ -: (السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك شيئًا فقد ترك السنة، إثبات القدر ... والحوض) (٤).\nوقال الإمام أحمد - ﵀ -: (ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها ... والإيمان بالحوض وأن لرسول الله ﷺ حوضًا يوم القيامة ترد عليه أمته ...) (٥).\nوانظر أيضًا ما قاله أبو محمد البربهاري في (شرح السنة) (٦)، وأبو الحسن الأشعري في (الإبانة عن أصول الديانة) (٧)، وابن أبي زيد القيرواني في (القيروانية) (٨)، وابن حزم في (المحلى) (٩).\nذكر مستند الإجماع على الحوض: قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١].\nوالكوثر هو الحوض الذي أعطاه الله ﷿ لنبيه محمد ﷺ، قالت عائشة ﵂ – لمن سألها عن الكوثر -: (هو نهر أعطيه نبيكم ﷺ، شاطئاه عليه در مجوف آنيته كعدد النجوم) (١٠) ..\nوقال ابن عباس ﵄ في نهر الكوثر: (هو الخير الذي أعطاه الله إياه) (١).\nوعن أنس ﵁ قال: «لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف، فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر». (١١).\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال النبي ﷺ: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدًا». (١٢) المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٨٧٨\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٨٦).\n(٢) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص: ٢٨٩).\n(٣) «الشرح والإبانة» (ص: ٢٠٣).\n(٤) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي (١/ ١٧٥).\n(٥) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي (١/ ١٧٥).\n(٦) (ص: ٧٢).\n(٧) (ص: ٢٣، ١٧٩).\n(٨) «شرح القيروانية» (ص: ٦٠).\n(٩) (١/ ١٦).\n(١٠) رواه البخاري (٤٩٦٥).\n(١١) رواه البخاري (٤٩٦٤).\n(١٢) رواه البخاري (٦٥٧٩).","vol":"5","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1407>المطلب الأول: الحوض في اللغة</span>\nالحوض في اللغة يطلق ويراد به: مجمع الماء، وجمعه: حياض وأحواض، قال الليث: الحوض معروف، والجمع: الحياض والأحواض، والفعل: التحويض، واستحوض الماء: أي اتخذ لنفسه حوضا. (١)\nقال الجوهري: الحوض: واحد الحياض والأحواض، وحضت أحوض: اتخذت حوضا، واستحوض الماء: اجتمع، والمحوض (٢) – بالتشديد -: شئ كالحوض ويجعل للنخلة تشرب منه، ومنه قولهم: أنا أحوض ذلك الأمر، أي أدور حوله، مثل: أحوط. (٣) الحياة الآخرة لغالب عواجي - ٢/ ١٤٠٥","vol":"5","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1408>المطلب الثاني: الحوض في الاصطلاح</span>\nأما المراد بالحوض في الشرع: فهو ما جاء به الخبر، من أن لنبينا محمد حوضا، ترد عليه أمته يوم القيامة، جعله الله غياثا لهم، وإكراما لنبينا محمد ﷺ. الحياة الآخرة لغالب عواجي - ٢/ ١٤٠٥","vol":"5","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1409>المطلب الثالث: الأحاديث الواردة في الحوض</span>\nالأحاديث الواردة في الحوض متواترة، لا شك في تواترها عند أهل العلم بأحاديث الرسول ﷺ، وقد رواها عن الرسول ﷺ أكثر من خمسين صحابيًا، وقد ذكر ابن حجر أسماء رواة أحاديثه من الصحابة القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥٨\nونحن نسوق هنا بعض هذه الأحاديث:\nقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا آدم حدَّثنا شيبانُ حدثنا قتادة عن أنس ﵁ قال: «لما عُرِجَ بالنبيِّ ﷺ إلى السَّماء قال: أتيت على نهرٍ حافَّتاهُ قبابُ اللؤلؤ المجوَّف فقلتُ ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثر» (١).\nوقال رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو الوليد حدَّثنا همام عن قتادة عن أنسٍ عن النَّبيِّ ﷺ. وحدَّثنا هدبة بن خالد حدثنا همامُ حدثنا قتادة حدثنا أنسُ بن مالك عن النبي ﷺ قال «بينما أنا أسيرُ في الجنَّةِ إِذ أنا بنهر حافَّتاهُ قِبابُ الدرِّ المجوَّف، قلت ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربُّكَ، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر» شك هُدْبَة (٢).\nوقال رحمه الله تعالى: حدثنا سعيدُ بن عفير قال حدثني ابنُ وهب عن يونس قال ابن شهاب: حدثني أنس بن مالك ﵁ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال «إِنَّ قدر حوضي كما بين أَيْلَه وصنعاء من اليمن، وإِنَّ فيه مِنَ الأباريقِ بعدد نجوم السماءِ» ووافقه على إخراجه مسلم بهذا اللفظ (٣)، وبلفظ: «ما بين ناحيتي حوْضي كما بين صنعاءَ والمدينة» وبلفظ «ترى فيه أباريق الذَّهب والفضة كعدد نجوم السماء» (٤).\nوقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا مسلم بنُ إبراهيم حدثنا وهيبٌ حدثنا عبد العزيز عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال «لَيَرِدَنَّ عليَّ ناسٌ من أصحابي الحوضَ حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقولُ أصحابي، فيقولُ لا تدري ما أحْدثوا بعدك» (٥). ورواه مسلم بلفظ «إِنَّ النبي ﷺ قال ليردن علي الحوض رجالٌ ممن صاحَبني حتى إذا رأيتهم وُرفعوا إليَّ اختلجوا دوني، فلأقولن أي ربِّ أصيحابي أصيحابي، فليقالنَّ لي إِنَّك لا تدري ما أَحْدَثوا بعدك» (٦)\nوأما عن ابن عمر فقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا مسدَّدُ حدثنا يحيى عن عبيد الله حدثني نافعُ عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «أمامكم حوضٌ كما بين جرباءَ وأذرُح» (٧) ورواه مسلم بلفظ «ما بين ناحيتيهِ كما بين جَرْباءَ وأذرُح» (٨) وزاد في رواية «فيه أباريق كنجوم السماءِ، مَنْ ورده فشرب منه لا يظمأ بعدها أبدًا» (٩) زاد في أخرى: قال عبيد الله «فسألته فقال: قريتين بالشَّامِ بينهما مسيرةُ ثلاث ليال» (١٠).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٦٤).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٨١).\n(٣) رواه البخاري (٦٥٨٥)، ومسلم (٢٣٠٣) (٣٩).\n(٤) رواه مسلم (٢٣٠٣) (٤١).\n(٥) رواه البخاري (٦٥٨٢).\n(٦) رواه مسلم (٢٣٠٤).\n(٧) رواه البخاري (٦٥٧٧).\n(٨) رواه مسلم (٢٢٩٩) (٣٤).\n(٩) رواه مسلم (٢٢٩٩) (٣٥).\n(١٠) رواه مسلم (٢٢٩٩) (٣٤).","vol":"5","page":36},{"text":"وأما عن حارثة بن وهب فقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عليُّ بنُ عبدالله حدثنا حرمي بنُ عمارة حدثنا شعبة عن معبد بن خالد أِنِّه سمع حرثة بن وهب ﵁ يقول: «سمعتُ النبي ﷺ وذكر الحوض فقال: كما بين المدينةِ وصنعاءَ» (١). وزاد ابن أبي عدي عن شعبة عن معبد بن خالد عن حارثه سمع النبي ﷺ قوله: «حَوْضه ما بين صنعاءَ والمدينة» فقال له المستورد: «ألم تسمعْهُ قال الأواني؟ قال لا. قال المستورد: تُرى فيه الآنيةُ مثل الكواكب» (٢). ورواه مسلم بهذا اللفظ (٣).\nوأما عن جندب بن عبدالله فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا عبدان أخبرني أبي عن شُعبة عن عبد الملك قال: سمعتُ جنْدَبًا قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول «أَنَا فَرَطُكُمْ على الحوض» (٤). ورواه مسلم هكذا. (٥).\nوأما عن سهل بن سعد فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريم حدثنا محمد بن مطوف حدثني أبو حازم عن حازم عن سهل بن سعد قال: قال النبي ﷺ «إنِّي فرطُكُم على الحوض، من مَرَّ عليَّ شرب، ومَنْ شربَ لم يظمأ أبدًا. لَيَرِدَنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفونني ثمَّ يحالُ بيني وبينهم» (٦) قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عيَّاش فقال: هكذا سمعت مِنْ سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهَدُ على أبي سعيد الخدري لسمعتُهُ هو يزيدُ فيها «فأقول إنَّهم مِنِّي، فيقالُ: إنَّك لا تدري ما أحْدَثُوا بعدك، فأقول سُحْقًا سُحقاُ لمن غير بعدي» (٧) ورواه مسلم وفيه: «لمن بدل بعدي» (٨)\nوأما عن عائشة فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا خالدُ بن يزيد الكاهليَ حدثنا إسرائيلُ عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عَنْ عائشة ﵂ قال: سألتُها عن قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] قالت: «نهْرٌ أعطيهِ نبيّكُم ﷺ شاطئاهُ عليه دُرٌّ مجوَّفٌ آنيته كعدد النجوم» (٩)\nوقال مسلم رحمه الله تعالى: حدَّثنا ابن أبي عمر حدثنا يحيى بن سليم عن ابن خُثيم عن عبدالله بن عبيد الله بن أبي مُليكة أنَّه سمع عائشة ﵂ تقول: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول وهو بين ظهراني أصحابه «إنِّي على الحوض أنتظرُ مَنْ يردُ عليَّ منكم، فوالله ليقتطعنَّ دوني رجالٌ فلأقولنَّ أي ربِّ منِّي ومن أُمَّتِي، فيقول: إنَّك لا تدري ما عملوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم» (١٠)\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٩١).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٩٢).\n(٣) رواه مسلم (٢٢٩٨).\n(٤) رواه البخاري (٦٥٧٥).\n(٥) رواه مسلم (٢٢٩٧).\n(٦) رواه البخاري (٦٥٨٣).\n(٧) رواه البخاري (٦٥٨٤).\n(٨) رواه مسلم (٢٢٩١).\n(٩) رواه البخاري (٤٩٦٥).\n(١٠) رواه مسلم (٢٢٩٤).","vol":"5","page":37},{"text":"وأما عن عقبة بن عامر فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا عمرو بن خالد حدثنا الليثُ عن يزيد عن أبي الخير عن عقبة ﵁ أنَّ النبي ﷺ خرج يومًا فصلَّى على أهل أُحُدٍ صلاته على الميِّتِ، ثم انصرف على المنبر فقال: «إنّي فرطٌ لكم وأنا شهيدٌ عليكم، وإنِّي والله لأنظُرُ إلى حوضي الآن وإنِّي أعطيت مفاتيح خزائن الأرض – أو مفاتيح الأرض – وإنِّي والله ما أخاف أن تُشْرِكُوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أنْ تنافسوا فيها» (١) ورواه مسلم بهذا اللفظ (٢)، وبلفظ وصلَّى رسولُ اللهِ ﷺ على قتلى أُحُدٍ، ثم صعد المنبر كالمودِّع للأحياء والأموات فقال: «إنِّي فرطُكُم على الحوض، وإنَّ عرضه كما بين أيلة إلى الجُحفة. إنِّي لستُ أخشى عليكم أنْ تشركوا بعدي، ولكنِّي أخشى عليكم الدنيا أنْ تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم». قال عقبة: وكانت آخر ما رأيت رسولَ الله ﷺ على المنبر (٣).\nوأمَّا عن عبدالله بن مسعود فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا يحيى بن حمَّاد حدَّثنا أبو عوانة عن سليمان عن شقيق عن عبدالله ﵁ عَنِ النبي ﷺ «أنا فرطُكُمْ على الحوضِ» (٤).\nوحدثني عمرو بن علي حدَّثنا محمدُ بن جعفر حدَّثنا شُعبةُ عن المغيرة قال سمعتُ أبا وائل عن عبدالله ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال «أنا فرطُكُم على الحوض، وليُرْفَعَنَّ رجالٌ منكم ثم لَيُختلَجُنَّ دوني فأقول يا ربِّ: أصحابي، فيقال إنَّك لا تدري ما أحْدثوا بعدك» تابعه عاصم عن أبي وائل، وقال حصين عن أبي وائل عن حذيفة عن النبي ﷺ (٥). وروى مسلم حديث ابن مسعود بلفظ قال: قال رسول الله ﷺ «أنا فَرَطُكُم على الحوض ولأُنازعنَّ أقوامًا ثم لأُغلبَنَّ عليهم فأقولُ: يا ربِّ أصحابي أصحابي فيقالُ: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (٦). وأشار إلى حديث حذيفة بنحو رواية الأعمش ومغيرة.\nوأما عن أبي هريرة فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذر الحزامي حدَّثنا محمدُ بن فليح حدثنا أبي قال حدثنا هلال عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «بينا أنا قائمٌ فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرجَ رجلٌ من بيني وبينهم فقال هلمَّ، فقلت إلى أين؟ قال إلى النَّار واللهِ، قلت وما شأنهم، قال إنهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرجَ رجلٌ من بيني وبينهم قال هلمَّ، قلت إلى أين؟ قال إلى النَّار واللهِ، قلت ما شأنهم، قال إنهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقري فلا أراهُ يخلصُ منهم إلا مثل همل النِّعم» (٧).\nوله عنه أنه كان يحدِّث أنَّ رسول الله ﷺ قال «يردُ عليَّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي فيحلأون عن الحوض فأقولُ يا ربِّ أصحابي، فيقولُ إنَّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنَّهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقري» (٨).\nوله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» (٩)\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٤٤).\n(٢) رواه مسلم (٢٢٩٦) (٣٠).\n(٣) رواه مسلم (٢٢٩٦) (٣١).\n(٤) رواه البخاري (٦٥٧٥).\n(٥) رواه البخاري (٦٥٧٦).\n(٦) رواه مسلم (٢٢٩٧).\n(٧) رواه البخاري (٦٥٨٧).\n(٨) رواه البخاري (٦٥٨٦).\n(٩) رواه البخاري (١١٩٦).","vol":"5","page":38},{"text":"وقال مسلمٌ رحمه الله تعالى: حدَّثنا عبدالرحمن بن سلامٍ الجمحي حدَّثنا الربيع يعني ابن مسلم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيّ ﷺ قال «لأذودنَّ عن حوضي رجالًا كما تذادُ الغريبة من الإبل» (١)\nوله عن أبي حاتم عنه ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال «إِنَّ حوضي أبعد من أيلة من عدنٍ، لهو أشدُّ بياضًا من الثلج وأحلى من العسل باللَّبن، ولآنيتُهُ أكثر من عدد النجوم، وإنِّي لأصدُّ الناس عنه كما يصدُّ الرجل إبل الناس عن حوضه، قالوا يا رسولَ اللهِ أتعرفنا يومئذٍ. قال: نعم، لكم سيما ليست لأحدٍ من الأمم، تردون عليَّ غُرًَّا محجَّلين من أثر الوضوء» (٢)\nوأما عن عبدالله بن عمرو بن العاص فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا سعيد بن أبي مريم حدَّثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال: قال عبدالله بن عمرو قال النبي ﷺ «حَوْضي مسيرةُ شهرٍ ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء من شرب منها فلا يظمأ أبدًا» (٣)، ورواه مسلم بلفظ: «حوضي مسيرة شهرٍ وزواياه سواء وماؤُه أبيض من الورِقِ وريحُهُ أطيبُ من المسك وكيزانه كنجوم السماءِ، فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدًا» (٤).\nوأما عن ابن عباس فهو ما تقدم في أول الباب، وروى ابنُ جرير عن سعيد بن جبير عنه ﵁ قال: الكوثرُ نهرٌ في الجنَّة حافَّتاه من ذهبٍ وفضةٍ يجري على الياقوت والدُرَّ ماؤُه أبيض من الثلج وأحلى من العسل (٥).\nوله عن عطاء بن السائب قال قال لي محارب بن دثار: ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت: حدَّثنا عن ابن عباس: أنه الخير الكثير، فقال صدق والله إنه للخير الكثير، ولكن حدَّثنا ابن عمر قال: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] قال رسول الله ﷺ: «الكوثر نهرٌ في الجنَّة حافَّتاه من ذهبٍ يجري على الدر والياقوت» (٦).\nوأما عن أسماء فقال البخاريُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريم عن نافع بن عمر، قال حدثني بن أبي مليكة عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قال رسولُ الله ﷺ: «إنِّي على الحوض حتى أنظر من يردُ عليَّ منكم، وسيؤْخذ ناسٌ دوني فأقول: يا ربِّ مِنِّي ومن أُمَّتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك واللهِ ما برحوا يرجعون على أعقابهم». وكان ابن أبي مليكة يقول «اللَّهُمَّ إنَّا نعوذ بك أَنْ نرجع على أعقابنا أو نُفتن عن ديننا» (٧) ورواه مسلم بسند حديث عبدالله بن عمرو متصلا بمتنه ولفظه كلفظ البخاري (٨).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٣٠٢).\n(٢) رواه مسلم (٢٤٦).\n(٣) رواه البخاري (٦٥٧٩).\n(٤) رواه مسلم (٢٢٩٢).\n(٥) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٦٤٥).\n(٦) رواه الترمذي (٣٣٦١)، وابن ماجه (٤٣٣٤)، والحاكم (٣/ ٦٢٥). وقال الترمذي: قال هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٧) رواه البخاري (٦٥٩٣).\n(٨) رواه مسلم (٢٢٩٣).","vol":"5","page":39},{"text":"وأما عن ثوبان فقال مسلمٌ رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو غسان المسمعيُّ ومحمد بن المثنى وابنُ بشار وألفاظهم متقاربة قالوا: حدَّثنا معاذُ وهو ابنُ هشام حدَّثني أبي عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة اليعمريُّ عن ثوبان ﵁ أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: «إِنِّي لَبِعُقْرِ حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم، فسئل عن عرضه فقال: من مقامي إلى عمّان، وسُئل عن شرابه فقال: أشدُّ بياضًا من اللبن وأحلى من العسل يغت فيه ميزابان يمدَّانه من الجنة أحدهما من ذهبٍ والآخر من ورق» (١).\nوقال الترمذي رحمه الله تعالى: حدَّثنا محمد بن إسماعيل أنبأنا يحيى بن صالح أنبأنا محمدُ بن مهاجر عن العباس عن أبي سلام الحبشي قال: بعث إليّ عمر بن عبد العزيز فحملت على البريد فلمَّا دخل عليه قال: يا أميرَ المؤمنين لقد شقَّ عليَّ مركبي البريد. فقال: يا أبا سلاّم ما أردت أن أشق عليك، ولكن بلغني عنك حديث تحدِّثه عن ثوبان عن النَّبيّ ﷺ في الحوض فأحببت أن تشافهني به، قال أبو سلام: حدَّثني ثوبانُ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «حوضي من عدن إلى عمَّان البلقاءِ، ماؤُه أشدُّ بياضًا من اللبن وأَحْلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا، أوَّل الناس ورودًا عليه فقراء المهاجرين، الشُّعث رؤوسًا الدُّنس ثيابًا، الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم السدد» قال عمر: لكنِّي نكحت المتنعمات وفتحت لي السدد، ونكحت فاطمة بنت عبد الملك، لا جرم إِنِّي لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا أغسل ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ (٢). ورواه ابن ماجه بلفظ «إنَّ حوضي ما بين عدنٍ إلى أيلة أشدُّ بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، أكاويبه كعدد نجوم السماء، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبدًا» الحديث وفيه قال: فبكى عمر حتى اخضلت لحيته. وفيه «ولا أدهن رأسي حتى يشعث» (٣).\nوأما عن أبي ذر فقال مسلمٌ رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لابن أبي شيبة، قال إسحاق أخبرنا - وقال الآخران حدثنا - عبد العزيز بن عبد الصمد العميّ عن أبي عمران الجوني عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذر قال: «قلتُ يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: والذي نفس محمدٍ بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصحية. آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه يشخُب فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ. عرضه مثل طوله ما بين عمَّان إلى أيْلة ماؤُه أشدُّ بياضًا من اللبن وأحلى من العسل» (٤) رواه الترمذي بهذا اللفظ وقال: حسن صحيح غريب (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٣٠١).\n(٢) رواه الترمذي (٢٤٤٤). وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال البزار في «البحر الزخار» (١٠/ ١٠٣): إسناده حسن. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ١٣٦): رواته رواة الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح المرفوع منه.\n(٣) رواه ابن ماجه (٤٣٠٣). وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٤) رواه مسلم (٢٣٠٠).\n(٥) رواه الترمذي (٢٤٤٥). وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"5","page":40},{"text":"وأمَّا عن أم سلمة ﵂ فقال مسلمُ بن الحجاج: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفيُّ أخبرني عبدالله بن وهب أخبرني عمرو وهو ابن الحارث أنَّ بكيرًا حدَّثه عن القاسم بن عباس الهاشمي عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة عن أُمِّ سلمة زوج النبي ﷺ أنَّها قالت: «كُنت أسمع الناس يذكرون الحوض ولم أسمع ذلك من رسول الله ﷺ، فلما كان يومًا من ذلك والجارية تمشُطني فسمعت رسول الله ﷺ يقول: أيُّها الناس. فقلت للجارية: استأخري عني. قالت: إنَّما دعا الرجال ولم يدع النساء. فقلت: إنِّي من الناس. فقال رسولُ الله ﷺ: إِنِّي لكم فرطٌ على الحوض، فإيَّاي لا يأْتينَّ أحدكم فيذبُّ عني كما يذبُّ البعير الضال، فأقول فيم هذا؟ فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقًا» (١).\nوأما عن جابر بن سمرة فقال مسلم رحمه الله تعالى: حدَّثني الوليد بن شجاع بن الوليد السَّكوني حدثني أبي رحمه الله تعالى: حدَّثني زياد بن خيثمة عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة عن رسولِ الله ﷺ قال: «ألا إِنِّي فرطٌ لكم على الحوض، وإِنَّ بُعْدَ ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأَيلة، كأَنَّ الأباريق فيه النجوم» (٢).\nوأَمَّا عن زيد بن أرقم فقال أبو داود رحمه الله تعالى: حدَّثنا حفص بن عمر النمري حدَّثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال: «كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ فنزلنا منزلًا فقال: ما أنتم بجزءٍ من مائة ألف جزءٍ ممَّن يرد عليَّ الحوض. قال قلت: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: سبعمائة أو ثمانمائة» (٣).\nوأما عن سمرة بن جندب فقال الترمذيُّ رحمه الله تعالى: حدَّثنا أحمد بنُ نيزك البغداديُّ أنبأنا محمد بكَّار الدمشقي أنبأنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن بن سمرة قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا وإِنَّهم يتباهون أَيُّهم أكثر وارده، وإِنِّي أرجو أن أكون أكثرهم وارده» (٤).\nوقال ابن ماجه رحمه الله تعالى: حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن أبي مالك سعدِ بن طارق عن ربعيِّ عن حذيفة قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ «إِنَّ حوضي لأبعد من أيلة إلى عدنٍ، والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم، ولهو أشدُّ بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، والذي نفسي بيده إِنِّي لأذود عنه الرجال كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه. قيل: يا رسول الله أتعرفنا؟ قال: نعم تردون عليَّ غُرًّا محجَّلين من أَثر الوضوء، ليست لأحدٍ غيركم» (٥). ورواه مسلم في الطهارة بهذا اللفظ وبهذا السند (٦).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٢٩٥).\n(٢) رواه مسلم (٢٣٠٥).\n(٣) رواه أبو داود (٤٧٤٦). وسكت عنه. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ١٩٢) - كما ذكر في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٤) رواه الترمذي (٢٤٤٣). وقال: هذا حديث غريب وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح. قال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٥) رواه ابن ماجه (٤٣٠٢). وقال الشيخ الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٦) رواه مسلم (٢٤٨).","vol":"5","page":41},{"text":"وأما عن أبي برزة فقال أبو داود رحمه الله تعالى: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم حدَّثنا عبد السلام بن أبي حازم أبو طالوت قال: شهدتُ أبا برزة دخل على عبيدِ الله بن زيادٍ فحدَّثني فلانٌ سماه مسلم وكان في السِّماط فلما رآه عبيدُ اللهِ قال إِنَّ محمديكم هذا لدحداح، ففهمها الشيخ فقال: ما كنت أحسب أَنِّي أبقى في قومٍ يعيروني بصحبةِ محمَّدٍ ﷺ، فقال له عبيد الله: إِنَّ صحبة محمدٍ ﷺ لك زين غير شين، ثم قال: إِنَّما بعثت إليك لأسألك عن الحوض، سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يذكر فيه شيئًا؟ فقال أبو برزة: نعم لا مرَّة ولا اثنتين ولا ثلاثًا ولا أربعًا ولا خمسًا، فمن كذب به فلا سقاهُ الله منه، ثم خرج مغضبًا (١).\nوأما حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ فقال ابن ماجه رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدَّثنا محمد بنُ بشرٍ حدَّثنا زكريا حدَّثنا عطية عن أبي سعيد الخدري أَن النَّبيّ ﷺ قال: «إِنَّ لي حوضًا ما بين الكعبة وبيت المقدس أبيض من اللبن آنيته عدد النجوم، وإِنِّي لأكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة» (٢).\nوأما عن عبدالله بن زيد فرواه البخاري ومسلم عنه مطولًا في قصة قسم غنائم حنين، وفي آخره قوله ﷺ للأنصار ﵃: «إنَّكم ستلقوْنَ بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلْقَوْنِي على الحوض» (٣)\nوأما عن أسامة بن زيد فقال ابن جرير رحمه الله تعالى: حدَّثني البرني حدَّثنا ابن أبي مريم حدَّثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير أخبرني حرامُ بنُ عثمان عن عبدالرحمن الأعرج عن أسامة بن زيد: «أنَّ رسولَ الله ﷺ أتى حمزة بن عبد المطلب فلم يجده فسأل عنه امرأته وكانت من بني النجار فقالت: خرج يا نبيَّ الله عامدًا نحوك، فأظنُّه أخطأك في بعض أزقة بني النجار. أوَلا تدخل يا رسول الله؟ فدخل، فقدمت إليه حيسًا فأكل منه، فقالت: يا رسولَ الله هنيئًا لك ومريئًا، لقد جئت وأنا أريد أن آتيك لأهنيك وأمريك، أخبرني أبو عمارة أنَّك أعطيت نهرًا في الجنة يدعى الكوثر. فقال: أجل وعرضه – يعني أرضه – ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ» (٤). قال ابن كثير رحمه الله تعالى: حرام بنُ عثمان ضعيف، ولكن هذا سياق حسن، وقد صحّ أصل هذا بل قد تواتر من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث (٥).اهـ. قلت: وقد ذكرنا منها ما تيسر. وفي الباب عدة أحاديث غير ما ذكرنا، ولمن ذكرنا من الصحابة أحاديث أخر لم نذكرها، ولهم روايات في الأصول التي عزونا إليها غير ما سقناه، وإنما أشرنا إشارة إلى بعضها لتعرف شهرة هذا الباب واستفاضته وتواتره مع الإيجاز والاختصار. ولله الحمد والمنة. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص ١٠٤٧\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٤٩). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه ابن ماجه (٤٣٠١). قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٤/ ٢٥٩): هذا إسنادٌ فيه عطية العوفي وهو ضعيف. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١). من حديث عبدالله بن زيد بن عاصم ﵁.\n(٤) رواه الطبري (٢٤/ ٦٥١). قال ابن كثير في «تفسير القرآن» (٨/ ٥٠٢): فيه حرام بن عثمان ضعيف؛ ولكن هذا سياق حسن، وقد صحّ أصل هذا، بل قد تواتر من طريق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٦): فيه حرام بن عثمان وهو متروك.\n(٥) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٨/ ٥٠٢).","vol":"5","page":42},{"text":"وقد أورد القرطبي في (التذكرة) بعض الأحاديث التي سقناها ثم قال: قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون. وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع. ثم البعد قد يكون في حال، ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في العقائد، وعلى هذا يكون نور الوضوء يعرفون به، ثم يقال لهم: سحقًا، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يُظهرون الإيمان ويسرون الكفر فيأخذهم بالظاهر، ثم يكشف لهم الغطاء فيقال لهم: سحقًا سحقًا، ولا يخلد في النار إلا كل جاحد مبطل، ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٦٢\nوقال الجلال السيوطي في كتابه (البدور السافرة) (١): (قد ورد ذكر الحوض من رواية بضع وخمسين صحابيًا منهم الخلفاء الأربعة، وأبي بن كعب، وأنس، والبراء بن عازب، وجابر، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة). وذكر بقيتهم.\nقال في (التذكرة) (٢): (ذهب صاحب (القوت) إلى أن الحوض بعد الصراط والصحيح أنه قبله). وهكذا قال الغزالي: (ذهب بعض السلف إلى أن الحوض يورد بعد الصراط وهو غلط من قائله). قال القرطبي: (والمعنى يقتضي تقديم الحوض على الصراط، فإن الناس يخرجون عطاشًا من قبورهم كما تقدم فناسب تقديمه).\nقال ابن عباس ﵄: «سئل رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي رب العالمين: هل فيه ماء؟ قال: إي والذي نفسي بيده إن فيه لماء، وإن أولياء الله ليردون إلى حياض الأنبياء ﵈» (٣).\nوأخرج الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبدًا» (٤) وفي رواية: «حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق» (٥). وهي عندهما أيضًا.\n_________\n(١) «البدور السافرة» (ص: ٢١٥).\n(٢) (١/ ٤٥٧).\n(٣) أورده ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٣٨) وعزاه لابن مردويه، وقال: هذا حديث غريب، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ١١٩) بعد أن عزاه لابن أبي الدنيا: [فيه] الزبير بن شبيب ومحصن بن عقبة لم أجد من ترجمهما.\n(٤) رواه البخاري (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢).\n(٥) رواه مسلم (٢٢٩٢).","vol":"5","page":43},{"text":"وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح، وابن حبان في صحيحه واللفظ للإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وعدني أن يدخل من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب» فقال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب. فقال رسول الله ﷺ: «قد وعدني سبعين ألفًا مع كل ألف سبعون ألفًا، وزادني ثلاث حثيات». قال: فما سعة حوضك يا رسول الله؟ قال: «كما بين عدن إلى عُمَان، وأوسع وأوسع» يشير بيده قال: «فيه مثعبان» بضم الميم والعين المهملة بينهما مثلثة وآخره موحدة هو مسيل الماء قاله الحافظ المنذري: «من ذهب» أي ذلك المثعبان من ذهب: «وفضة» قال: فما حوضك يا نبي الله؟ قال: «أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب رائحة من المسك، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، ولم يسود وجهه أبدًا» (١).\nوأخرج مسلم عن ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «إني لبعقر حوضي» أي: مؤخره وهو بضم العين إسكان القاف «أذود الناس لأهل اليمن» أي: أطردهم وأدفعهم ليرد أهل اليمن قاله ابن المنذر «أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم» فسئل عن عرضه؟ فقال: «من مقامي إلى عمان». وسئل عن شرابه؟ فقال: «أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل يغت» أي: بغين معجمة مضمومة ثم مثناة فوق أي: يجريان «فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ورق» (٢).\nوروى الترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه عن أبي سلام الحبشي قال: بعث إلي عمر بن عبد العزيز، فحملت على البريد فلما دخلت إليه قلت: يا أمير المؤمنين لقد شق علي مركبي البريد فقال: يا أبا سلام ما أردت أن أشق عليك، ولكن بلغني عنك حديث تحدثه عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ في الحوض فأحببت أن تشافهني به فقلت: حدثني ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: «حوضي مثل ما بين عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، أول الناس ورودًا عليه فقراء المهاجرين الشعث رءوسًا» أي: البعيد عهدًا بدهن رأسه، وغسله، وتسريح شعره. «الدنس ثيابا» أي: الوسخ ثيابًا وهو بضم الدال والنون جمع دنس. «الذين لا ينكحون المنعمات، ولا تفتح لهم الأبواب السدد». فقال عمر: قد نكحت المنعمات فاطمة بنت عبد الملك، وفتحت لي الأبواب السدد، ولا جرم لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ (٣).\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٥٠) (٢٢٢١٠)، وابن حبان (١٤/ ٣٦٩) (٦٤٥٧). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣١١): رواته محتج بهم في الصحيح، وحسن إسناده ابن كثير في «تفسير القرآن» (٢/ ٨٢)، وصحح إسناده ابن حجر في «الإصابة» (٣/ ٦٥١).\n(٢) رواه مسلم (٢٣٠١).\n(٣) رواه الترمذي (٢٤٤٤)، وابن ماجه (٤٣٠٣)، وأحمد (٥/ ٢٧٥) (٢٢٤٢١)، والبزار (١٠/ ١٠٣)، والطبراني (٢/ ٩٩) (١٤٣٧)، والحاكم (٤/ ٢٠٤). قال البزار: إسناده حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح المرفوع منه.","vol":"5","page":44},{"text":"وأخرج الإمام أحمد بإسناد حسن عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «حوضي كما بين عدن وعمان، أبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحًا من المسك، أكوابه مثل نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، أول الناس عليه ورودًا صعاليك المهاجرين». قال قائل: من هم يا رسول الله؟ قال: «الشعثة رؤوسهم الشحبة» أي: بفتح الشين المعجمة وكسر المهملة بعدها موحدة: المتغيرة «وجوههم» وذلك من جوع، أو هزال، أو تعب «الدنسة ثيابهم» أي: الوسخة ثيابهم «لا تفتح لهم السدد» أي: الأبواب المغلقة وذلك لإهانتهم عند الناس، وعدم اكتراثهم بهم «ولا ينكحون المنعمات، الذين يعطون كل الذي عليهم، ولا يأخذون كل الذي لهم» (١).\nوعند الطبراني بإسناد حسن في المتابعات عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «حوضي كما بين عدن وعمان فيه أكاويب» جمع كوب وهو كوز لا عروة له، وقيل: لا خرطوم له. فإذا كان له خرطوم فهو إبريق. «عدد نجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ بعده أبدا» (٢) الحديث.\nوعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة» وفي رواية: «مثل المدينة وعمان». وفي رواية «فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء». زاد في رواية: «وأكثر من عدد نجوم السماء» رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما (٣).\nوفي صحيح البخاري من حديث همام عن قتادة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك. قال: فضرب الملك فإذا طينه مسك أذفر» (٤)\nوفي صحيح مسلم عنه مرفوعًا: «الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي ﷿» (٥).\nوفي (حادي الأرواح) للإمام المحقق ابن القيم قدس الله روحه: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «دخلت الجنة فإذا بنهر يجري، حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه من الماء، فإذا أنا بمسك أذفر فقلت: لمن هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله ﷿» (٦).\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ١٣٢) (٦١٦٢)، والطبراني كما في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٨)، والمنذري (٤/ ٣١٣). وقال: إسناده حسن، وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني من رواية عمرو بن عمر الأحموشي عن المخارق بن أبي المخارق واسم أبيه عبد الله بن جابر وقد ذكرهما ابن حبان في الثقات وشيخ أحمد أبو المغيرة من رجال الصحيح.\n(٢) رواه الطبراني (٨/ ١١٩) (٧٥٤٦). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣١٣): إسناده حسن في المتابعات، وقال الهيثمي (١٠/ ٣٦٩): رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم.\n(٣) رواه مسلم (٢٣٠٣).\n(٤) رواه البخاري (٤٩٦٤).\n(٥) رواه مسلم (٤٠٠).\n(٦) رواه الترمذي (٣٣٦٠)، وأحمد (٣/ ١٠٣) (١٢٠٢٧)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٥٢٣) (١١٧٠٦)، وابن حبان (١٤/ ٣٩٠) (٦٤٧٢)، والحاكم (١/ ١٥٢). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الذهبي، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٣٠٧): لم أجده هكذا بتمامه، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٤٩٠): أصله عند البخاري بنحوه.","vol":"5","page":45},{"text":"وفي سنن الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج» قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١).\nتنبيه: قال في (التذكرة) (٢): (الصحيح أن للنبي ﷺ حوضين أحدهما: في الموقف قبل الصراط والثاني في الجنة وكلاهما يسمى كوثرًا والكوثر في كلام العرب الخير الكثير).\nقال الجلال السيوطي (٣): (وقد ورد التصريح في حديث صحيح عند الحاكم وغيره بأن الحوض بعد الصراط، ورجحه القاضي عياض) قال السيوطي: (فإن قيل: إذا خلصوا من الموقف دخلوا الجنة فلم يحتج إلى الشرب منه. قلت: كلا بل هم محبوسون هناك لأجل المظالم فكان الشرب في موقف القصاص. ويحتمل الجمع بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقوم وتأخيره بعده لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب حتى يهذبوا منها على الصراط ولعل هذا أقوى.) انتهى.\nقال العلامة في (البهجة): (هذا كلام في غاية التحقيق جامع للقولين وهو دقيق). انتهى.\nقال القرطبي في (التذكرة) (٤): (ولا يخطر ببالك أو يذهب وهمك إلى أن هذا الحوض يكون على وجه هذه الأرض، وإنما يكون وجوده على الأرض المبدلة على مسافات هذه الأقطار، وفي المواضع التي تكون بدلًا من هذه المواضع في هذه الأرض، وهي أرض بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد قط كما تقدم).\nلطيفة: أخرج ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود ﵁: (يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا قط، فمن كسا لله كساه الله، ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقا لله أسقاه الله، ومن عمل لله أغناه الله، ومن عفا لله أعفاه الله) (٥).\nوأخرج ابن خزيمة، والبيهقي عن سلمان مرفوعًا: «من يسقي صائمًا لله سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة» (٦).\nوأخرج الحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا: «من أتاه أخوه منتصلًا-أي: معتذرًا- فليقبل ذلك منه محقًا كان ذلك أو مبطلًا، فإن لم يفعل لم يرد الحوض».\nوأخرج الطبراني عن أم المؤمنين عائشة ﵂ مرفوعا: «من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل عذره لم يرد على الحوض» (٧).\nتنبيه: قال القرطبي: (ظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراب واختلاف). قال: (وليس كذلك وإنما تحدث النبي ﷺ بحديث الحوض مرات عديدة وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة مخاطبًا لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها فيقول لأهل الشام: ما بين أدرج وحرباء، ولأهل اليمن: من صنعاء إلى عدن. وتارة يقدر بالزمان فيقول: مسيرة شهر والمقصود أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا وكان ذلك التحديد بحسب من (حضره) ممن يعرف تلك الجهات فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها) انتهى. وسيأتي للكلام على الحوض تتمة في صفات الجنة إن شاء الله تعالى.\nتتمة: اعلم أن لكل نبي حوضًا كما ورد ذلك في الأخبار، والأحاديث، والآثار، فقد أخرج الترمذي عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لكل نبي حوضًا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردًا، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردًا» (٨) قال الترمذي: حديث حسن غريب ...... وفي حديث ابن عباس ﵄: (وإن أولياء الله ليردون إلى حياض الأنبياء) (٩) (١٠). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني - بتصرف– ٢/ ٨٨٧\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٣٦١)، وابن ماجه (٤٣٣٤)، والحاكم (٣/ ٦٢٥). وقال الترمذي: قال هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) «التذكرة» (١/ ٣٦٨).\n(٣) «البدور السافرة» (ص: ٢٤٠).\n(٤) «التذكرة» (١/ ٣٧١).\n(٥) رواه ابن أبي الدنيا في «قضاء الحوائج» (٣٠).\n(٦) رواه ابن خزيمة (٣/ ١٩١) (١٨٨٧)، والبيهقي (٣/ ٣٠٥) (٣٦٠٨). قال الضياء المقدسي في «السنن والأحكام» (٣/ ٤٠٠): [فيه] على بن زيد بن جدعان تكلم فيه جماعة من العلماء.\n(٧) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٦/ ٢٤١) (٦٢٩٥). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٨٤): فيه خالد بن زيد العمري وهو كذاب، وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٧١٤): موضوع.\n(٨) رواه الترمذي (٢٤٤٣). وقال: هذا حديث غريب وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح. قال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٩) أورده ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٣٨) وعزاه لابن مردويه، وقال: هذا حديث غريب، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ١١٩) بعد أن عزاه لابن أبي الدنيا: [فيه] الزبير بن شبيب ومحصن بن عقبة لم أجد من ترجمهما.\n(١٠) «الحلية» (٧/ ٣٢٥).","vol":"5","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1410>المبحث الثاني: الإيمان بالحوض</span>\nقال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:٢ - ٣]، فالإيمان بالغيب هو أول صفة وصف الله بها عباده المؤمنين في كتابه الكريم.\nولذلك كان الإيمان بالغيب من أسس العقيدة الإسلامية، ومن ركائزها المتينة، التي عليها تقوم وعلى أساسها ترتكز.\nوالغيب كل ما غاب عنا، وأخبرنا به الله ﷿ أو رسوله ﷺ، ومن ذلك الغيب الذي يجب أن نؤمن به الجنة والنار، والحساب والعقاب، والصراط والميزان، والشفاعة والحوض .... وغير ذلك من الأمور الغيبية.\nفالإيمان بحوض النبي ﷺ واجب، فقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن جمع من الصحابة بلغت حد التواتر.\nقال القاضي عياض رحمه الله تعالى:\n(أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول ولا يختلف فيه.\nقال: (وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة.) أ. هـ (١)\nقال الحافظ رحمه الله تعالى: بعد ما ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض:\n(فجميع من ذكرهم عياض خمسة وعشرون نفسًا، وزاد عليه النووي ثلاثة، وزدت عليهم أجمعين قدر ما ذكروه سواء فزادت العدة على الخمسين).\nقال: (ولكثير من هؤلاء الصحابة في ذلك زيادة على الحديث الواحد، كأبي هريرة، وأنس، وابن عباس، وأبي سعيد، وعبدالله بن عمرو.\nقال: (وأحاديثهم بعضها في مطلق ذكر الحوض، وفي صفته بعضها، وفيمن يرد عليه بعضها، وفيمن يدفع عنه بعضها)\nقال: (وبلغني أن بعض المتأخرين وصلها إلى رواية ثمانين صحابيًا) أهـ (٢) تيسير الكريم العلي في وصف حوض النبي لوحيد عبدالسلام بالي – ص ٥\n_________\n(١) «شرح النووي» (١٥/ ٥٣)\n(٢) «فتح الباري» (١١/ ٤٦٩)","vol":"5","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1411>المبحث الثالث: أقوال علماء الإسلام في إثبات الحوض</span>\nقال السفاريني: (والحوض والكوثر ثابت بالنص وإجماع أهل السنة والجماعة حتى عده أهل السنة في العقائد الدينية لأجل الرد على أهل البدع والضلال) (١).\nوقد ذكر ابن كثير – ﵀ – عددا من الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض، فقال: ذكر ما ورد في الحوض النبوي المحمدي – سقانا الله منه يوم القيامة – من الأحاديث المتواترة المتعددة من الطرق الكثيرة المتضافرة؛ وإن رغمت أنوف كثيرة من المبتدعة المعاندة المكابرة، القائلين بجحوده، المنكرين لوجوده، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده، كما قال بعض السلف: «من كذب بكرامة لم ينلها» ثم شرع في ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض، ونذكر هنا أسماءهم إجمالا: «أبي بن كعب، وأنس بن مالك، والحسن بن علي، وحمزة بن عبد المطلب، والبراء بن عازب، ويزيد بن حبيب، وثوبان مولى رسول الله ﷺ، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، وجرير بن عبد الله البجلي، وحارثة ابن وهب، وحذيفة بن أسيد، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وعتبة بن عبد الله السلمي، وعثمان بن مظعون، والمستورد، وعقبة بن عامر الجهني، والنواس بن سمعان، وأبو أمامة الباهلي، وأبو برزة الأسلمي، وأبو بكرة، وأبو ذر الغفاري، وأبو سعيد الخدري، وخولة بنت قيس، وأبو هريرة الدوسي، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة، وأم سلمة، ﵃ أجمعين، امرأة حمزة عم الرسول ﷺ،وهي من بني النجار راوية أبي كعب الأنصاري ﵁) (٢).\nويقول ابن حجر ﵀: وقال القرطبي في (المفهم) – تبعا للقاضي عياض في غالبه؛ أي أغلب الكلام الآتي: - مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله ﷾ قد خص نبيه محمدا ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي؛ إذ روى ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين منهم؛ في الصحيحين ما ينيف على العشرين، وفي غيرهما بقية ذلك مما صح نقله واشتهرت رواته، ثم رواه عن الصحابة المذكورين من التابعين وأمثالهم ومن بعدهم أضعاف أضعافهم، وهلم جرا، وأجمع على إثبات السلف وأهل السنة من الخلف. (٣).\nوقال القاضي عياض – ﵀ – فيما ينقله النووي: أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا يتأول ولا يختلف فيه وقال القاضي: وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة، ثم شرع في ذكر أسمائهم، قال النووي: وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه البعث والنشور بأسانيده وطرقه المتكاثرات (٤).\nوكل تلك الروايات المتكاثرة تجعل المسلم يجزم دون أي تردد في إثبات الحوض، بل إن في بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترا (٥). كما قال عياض – ﵀ -.\nوقد ذكر ابن حجر جميع من روى أحاديث الحوض وأماكن تلك الروايات ثم قال: فجميع من ذكرهم عياض خمسة وعشرون نفسا وزاد عليه النووي ثلاثة، وزدت عليهم أجمعين قدر ما ذكروه سواء، فزادت العدة على الخمسين، ولكثير من هؤلاء الصحابة في ذلك زيادة على الحديث الواحد كأبي هريرة وأنس وابن عباس وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو، وأحاديثهم بعضها في مطلق ذكر الحوض، وفي صفته بعضها، وفيمن يرد عليه بعضها، وفيمن يدفع عنه بعضها، وكذلك في الأحاديث التي أوردها المصنف – يعني البخاري – في هذا الباب، وجملة طرقها تسعة عشر طريقا، وبلغنى أن بعض المتأخرين أوصلها إلى رواية ثمانين صحابيا (٦). الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٤٢٧\n_________\n(١) «شرح ثلاثيات المسند» (١/ ٥٣٧).\n(٢) «النهاية» (٢/ ٢٩).\n(٣) «فتح الباري» (١١/ ٤٦٧).\n(٤) «شرح النووي لمسلم» (٥/ ١٥٠).\n(٥) «شرح النووي لمسلم» (٥/ ١٥٠).\n(٦) «فتح الباري» (١١/ ٤٦٩).","vol":"5","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1413>المطلب الأول: سعة حوض النبي ﷺ</span>\nحوض النبي ﷺ مسيرة شهر بالراكب المسرع كما بين أيلة في الشام وصنعاء في اليمن، وعرضه كطوله يعنى مربعًا.\n١ - فعن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ وذكر الحوض فقال: «كما بين المدينة وصنعاء» (١)\nقلت: يعني طول الحوض كما بين المدينة المنورة وصنعاء التي في اليمن.\n٢ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «أمامكم حوض كما بين جرباء وأذرح» (٢)\nقلت: وجرباء وأذرح قريتان بالشام.\n٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الإباريق كعدد نجوم السماء» (٣).\nقلت: وأيلة مدينة كانت بجوار العقبة المعروفة الآن في الأردن.\n٤ - وعن عبدالله بن عمرو ﵄ قال النبي ﷺ: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء من شرب منها فلا يظمأ أبدًا» (٤).\nقلت: مسيرة شهر يعني للجواد المسرع.\nوفي رواية لمسلم: «حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك» (٥).\nقلت: ومعنى زواياه سواء يعني عرضه كطوله (مربعًا)، وماؤه أبيض من الورق: يعني الفضة.\n٥ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: «صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال: إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه لما بين أيلة إلى الجحفة، إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم» (٦).\nقال عقبة: (فكانت آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر). تيسير الكريم العلي في وصف حوض النبي لوحيد عبدالسلام بالي – ص: ٨ - ١٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٩١)، ومسلم (٢٢٩٨).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٧٧)، ومسلم (٢٢٩٩).\n(٣) رواه البخاري (٦٥٨٠)، ومسلم (٢٣٠٣).\n(٤) رواه البخاري (٦٥٧٩).\n(٥) رواه مسلم (٢٢٩٢).\n(٦) رواه البخاري (٤٠٤٢)، ومسلم (٢٢٩٦).","vol":"5","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1414>المطلب الثاني: لون ماء الحوض وريحه</span>\n١ - فعن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك» (١) ما أجمل ماءه، وما أطيب ريحه، وكيف لا؟ وقد أعده الله ﵎ لحبيبه محمد ﷺ.\nولكن ما طعم هذا الماء الذي أعده الله لنبيه ﷺ؟\n٢ - فعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل» (٢).\n٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن حوضي أبعد من أيلة إلى عدن، لهو أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم» (٣).\nولكن من أين يأتي هذا الماء؟ وهل يمكن أن ينتهي؟\n٤ - فعن ثوبان ﵁: «أن النبي ﷺ سئل عن شراب الحوض فقال: أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، يغث فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق» (٤).\nكيف ينتهي ماؤه والنهران يصبان فيه من الجنة؟\nبل كيف ينتهي والذي أعده هو الله رب العالمين؟\nلا والله لن ينتهي أبدًا، سيظل مكرمة للنبي ﷺ.\nولكن هل هذا الماء بارد أم ساخن؟\n٥ - فعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «حوض كما بين عدن وعمّان، أبرد من الثلج، وأحلى من العسل وأطيب ريحًا من المسك» (٥). تيسير الكريم العلي في وصف حوض النبي لوحيد عبدالسلام بالي - بتصرف - ص١١ - ١٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢).\n(٢) رواه مسلم (٢٣٠٠).\n(٣) رواه مسلم (٢٤٧).\n(٤) رواه مسلم (٢٣٠١).\n(٥) رواه أحمد (٢/ ١٣٢) (٦١٦٢)، والطبراني كما في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٨)، والمنذري (٤/ ٣١٣). وقال: إسناده حسن، وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني من رواية عمرو بن عمر الأحموشي عن المخارق بن أبي المخارق واسم أبيه عبد الله بن جابر وقد ذكرهما ابن حبان في الثقات وشيخ أحمد أبو المغيرة من رجال الصحيح.","vol":"5","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1415>المطلب الثالث: أباريق الحوض</span>\n١ - عن عبدالله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدًا» (١).\nكيزانه كنجوم السماء: يعني في الكثرة وقيل في اللون يعني تضئ وتلمع كنجوم السماء.\n٢ - عن حارثة بن وهب ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قال: «حوضه ما بين صنعاء والمدينة» فقال له المستورد: ألم تسمعه قال: الأواني! قال: لا، قال المستورد: (ترى فيه الآنية مثل الكوكب) (٢).\n٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن قدر حوضي كما بين أيله وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء» (٣).\n٤ - وعن عبدالله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن أمامكم حوضًا كما بين جرباء وأذرح، فيه أباريق كنجوم السماء، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا» (٤).\n٥ - وعن أبي ذر ﵁ قال: «قلت يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله ما بين عمّان إلى أيله، ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل» (٥).\nقوله: الليلة المظلمة يعني التي لا قمر فيها، لأن وجود القمر يستر كثيرًا من النجوم، ورغم ذلك فإن السماء صافية، ونجومها ظاهرة، يشخب فيه ميزابان من الجنة: يصب فيه نهران من الجنة.\n٦ - وعن جابر بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني فرط لكم على الحوض، وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيلة، كأن الأباريق فيه النجوم» (٦).\n٧ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن لي حوضًا ما بين الكعبة وبيت المقدس، أبيض مثل اللبن، آنيته عدد النجوم، وإني لأكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة» (٧).\n٨ - وعن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن حوضي من عدن إلى عمّان البلقاء، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، أكاويبه عدد النجوم، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا» (٨).\nومن مجموع تلك الأحاديث يتبين لنا أن الحوض فيه كيزان كنجوم السماء، وفيه آنية كنجوم السماء، وفيه أباريق كعدد نجوم السماء، وفيه أكواب كنجوم السماء، كل هذا في حوض نبينا ﷺ، أعطاه الله إياه فضلًا منه ونعمة وشرفًا له وكرامة تيسير الكريم العلي في وصف حوض النبي لوحيد عبدالسلام بالي – ص: ١٤ - ١٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٩١)، ومسلم (٢٢٩٨).\n(٣) رواه البخاري (٦٥٨٠)، ومسلم (٢٣٠٣).\n(٤) رواه البخاري (٦٥٧٧)، ومسلم (٢٢٩٩).\n(٥) رواه مسلم (٢٣٠٠).\n(٦) رواه مسلم (٢٣٠٥).\n(٧) رواه ابن ماجه (٣٤٨٩). وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٨) رواه الترمذي (٢٤٤٤)، وابن ماجه (٤٣٠٣)، وأحمد (٥/ ٢٧٥) (٢٢٤٢١)، والبزار (١٠/ ١٠٣)، والطبراني (٢/ ٩٩) (١٤٣٧)، والحاكم (٤/ ٢٠٤). قال البزار: إسناده حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح المرفوع منه.","vol":"5","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1416>المبحث الخامس: التفاضل في ورود الحوض</span>\nوأما الحوض: فإن لكل نبي حوض كما في الحديث: «إن لكل نبي حوضًا، وأنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة» (١).\nوأحواض الأنبياء متفاضلة، وأفضلها حوض النبي ﷺ فهو أكثرهم واردًا، وقد جاء في صفته أنه مسيرة شهر، وأن زواياه سواء، وأن ماءه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم الماء من شرب منه لم يظمأ أبدًا (٢). وماء حوض نبيًا ﷺ «يشخب فيه ميزابان من الجنة» (٣) كما قال ﷺ.\nوقد خص ﷺ عن الأنبياء بالكوثر كما قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١]. والكوثر نهر في الجنة، قال ﷺ: «بينما أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه – أو طينه - مسك أذفر» (٤). شك من الراوي. وهذا من فضائله ﷺ.\nوالمؤمنون يتفاضلون في ورود الحوض، فمنهم من يرده، ومنهم من يذاد عنه. قال ﷺ: «إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم» (٥).\nوقال ﷺ: «إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم» (٦).\nوهذه فضيلة لأهل اليمن، وكرامة أن يدفع النبي ﷺ الناس عن حوضه حتى يشربوا هم ويتقدموا في الشرب (٧). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص٤٠٢\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٤٤٣)، والطبراني (٧/ ٢١٢) (٦٨٨١). من حديث سمرة ﵁. قال الترمذي: غريب [روي] مرسلا وهو أصح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢٩٢): [روي] عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا، ولم يذكر فيه عن سمرة، وهو أصح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه البخاري (٦٥٧٩). من حديث ابن عمرو ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٢٣٠٠). من أبي ذر الغفاري ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٦٥٨١). من حديث أنس ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٦٥٩٣)، ومسلم (٢٢٩٣). من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄.\n(٦) رواه البخاري (٢٣٠١). من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ.\n(٧) انظر «شرح النووي لمسلم» (١٥/ ٦٢).","vol":"5","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1419>المطلب الأول: تعريف الكوثر لغة</span>\nيطلق الكوثر في اللغة على عدة معان دائرة حول الكثرة والاتساع، ومن تعريفات أهل اللغة له ما قاله الأزهري: الكوثر فوعل من الكثرة، ومعناه الخير الكثير (١).\nوقال الفيروز آبادي: والكوثر: الكثير من كل شئ، والكثير الملتف من الغبار، والإسلام، والنبوة، والرجل الخير المعطاء، والسيد والنهر، ونهر في الجنة تتفجر منه جميع أنهارها (٢).\nوعرفه الراغب بقوله: قيل: هو نهر في الجنة يتشعب عنه الأنهار، وقيل: بل هو الخير العظيم الذي أعطاه النبي ﷺ، وقد يقال للرجل السخي: كوثر، ويقال: تكوثر الشئ: كثر كثرة متناهية، قال الشاعر: وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا (٣).\nوكل تعريفات أهل اللغة في مادة: كثر تدور حول معنى الكثرة والاتساع. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٤٩٣\n_________\n(١) «تهذيب اللغة» (١٠/ ١٧٨).\n(٢) «القاموس المحيط» (٢/ ١٢٩).\n(٣) «المفردات» (ص ٤٢٦)، وانظر: «أساس البلاغة» (ص ٣٨٧).","vol":"5","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1420>المطلب الثاني: تعريف الكوثر اصطلاحا</span>\nأما تعريفه في الاصطلاح، فهو حسب مفهوم تعريفات العلماء له – على ضوء ما عرفه رسول الله ﷺ من أنه: نهر في الجنة، أعطاه الله نبيه محمد ﷺ زيادة في إكرامه ولطفه به وبأمته. وهو متصل بالحوض الذي هو في الموقف – كما أشرنا إلى ذلك في مبحث الحوض، وكما سيأتي إيضاحه أيضا.\nوقد فسر الكوثر بأنه نهر في الجنة، كما جاء في حديث أبي عبيدة عن عائشة ﵂ أنه قال: «سألتها عن قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١] قالت: هو نهر أعطيه نبيكم ﷺ، شاطئاه عليه در مجوف آنيته كعدد النجوم» (١).\nفهذا الحديث نص في تفسير الكوثر بأنه النهر الذي أعطيه الرسول ﷺ، على أنه قد جاء في رواية ابن عباس أنه فسر الكوثر تفسيرا عاما يندرج تحته الكوثر الذي هو النهر في الجنة وغيره، وذلك فيما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر: (هو الخير الذي أعطاه الله إياه)، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه (٢)، وهذا جمع من سعيد بن جبير بين ابن عباس وعائشة وما في معناهما مما يدل على تفسير الكوثر بالنهر.\nقال ابن حجر: هذا تأويل من سعيد بن جبير بين حديثي عائشة وابن عباس، وكأن الناس الذين عناهم أبو بشر وأبو اسحاق وقتادة ونحوهما ممن روى ذلك صريحا أن الكوثر هو النهر (٣)، على أنه لا تعارض بين تفسير ابن عباس وتفسير عائشة للكوثر – كما ذكر ابن حجر العسقلاني – إذ إن حاصل ما قاله سعيد بن جبير أن قول غيره أن المراد به نهر في الجنة؛ لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير.\nولعل سعيدا أومأ إلى أن تأويل ابن عباس أولى لعمومه؛ لأنه يشمل كل خير كثير مفرط؛ من علم وعمل وشرف الدارين، وهذا – وإن كان تأويلا حسنا – لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي ﷺ من عدة طرق عن عدد من الصحابة، فلا معدل عنه؛ لثبوت ذلك وصحته عن الذي أنزل عليه الوحي (٤) .... وهناك أقوال لأهل العلم في بيان معنى الكوثر، هي في الواقع لا تخرج عن مضمون ما سبق، قال الشوكاني: (وذهب أكثر المفسرين – كما حكاه الواحدي – إلى أن الكوثر نهر في الجنة، وقيل: هو حوض النبي ﷺ في الموقف، قاله عطاء، وقال عكرمة،: الكوثر النبوة، وقال الحسن: هو القرآن، وقال الحسن بن الفضل: هو تفسير القرآن وتخفيف الشرائع، وقال أبوبكر بن عياش: هو كثرة الأصحاب والأمة، وقال ابن كيسان: هو الإيثار، وقيل: هو الإسلام، وقيل: رفعة الذكر، وقيل: نور القلب، وقيل: الشفاعة، وقيل: المعجزات، وقيل: إجابة الدعوة، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: الصلوات الخمس) (٥).\nوذكر السيوطي عن مجاهد ﵁ قال: الكوثر خير الدنيا والآخرة (٦)، فهذا الأقوال لا ينافي بعضها بعضا؛ إذ أنها تشترك في إثبات أن خيرا خص الله نبيه محمدا ﷺ إكراما وتشريفا له، وهذا يصدق على كل ما قيل في ذلك، أما القول الأول؛ وهو أن الكوثر نهر في الجنة، فهذا هو الراجح في بيان معناه والذي تشهد له النصوص كما أشرنا إليه.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٦٥).\n(٢) رواه البخاري (٤٩٦٦).\n(٣) «فتح الباري» (٨/ ٧٣٢).\n(٤) «شرح ثلاثيات المسند» (١/ ٥٣٥)، و«فتح الباري» (٨/ ٧٣٢).\n(٥) «فتح القدير» (٥/ ٥٠٢ - ٥٠٣)، «فتح الباري» (٨/ ٧٣٢).\n(٦) «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٢ – ٥٠٣)، وعزاه إلى ابن جرير وابن عساكر.","vol":"5","page":54},{"text":"وأما القول الثاني: وهو أن الكوثر هو نفس الحوض الذي وعد به نبينا محمد ﷺ فهو من باب تغليب التسمية باعتبار ما يصب فيه من الكوثر الذي هو داخل الجنة – كما سيأتي في وجه الاتصال بينهما، وأما الأقوال الأخرى فإنها كلها تهدف إلى إثبات خير أوتيه نبينا ﷺ، وكلها تدخل في تعريف من عرف الكوثر بأنه الخير الكثير، وإن كان في تلك الصفات ما يختص به وحده ومنها ما يشركه فيها من الأنبياء والرسل وأتباعهم كالشفاعة مثلا.\nوفي هذا يقول الخازن في تفسيره: فجميع ما جاء في تفسير الكوثر فقد أعطيه النبي ﷺ؛ أعطي النبوة، والكتاب، والحكمة، والعلم، والشفاعة والحوض المورود، والمقام المحمود، وكثرة الأتباع، والإسلام وإظهاره على الأديان كلها والنصر على الأعداء، وكثرة الفتوح في زمنه وبعده إلى يوم القيامة. وأولى الأقاويل في الكوثر الذي عليه جمهور العلماء أنه نهر في الجنة (١).\nوقال النيسابوري: قال أهل المعنى: ولعله إنما سمي كوثرا لأنه أكثر أنهار الجنة ماء أو خيرا، ولأن أنهار الجنة تتفجر منه (٢).\nويقول ابن حجر: والكوثر فوعل من الكثرة، سمي بها لكثرة مائه وآنيته وعظم قدره وخيره (٣).\nوقد ذكر النيسابوري إضافة إلى ما سبق من الأقوال قولين يبدو عليهما أثر التكلف؛ مثل القول بأن المراد بالكوثر هم أولاد الرسول ﷺ، أي أولاد ابنته فاطمة، أو هم علماء أمته (٤). وهما وإن كانا داخلين في عموم لفظ الكوثر بمعناه اللغوي إلا أنهما لا دليل عليهما. الحياة الآخرة لغالب عواجي - بتصرف- ٢/ ١٤٩٦\n_________\n(١) «تفسير الخازن» (٤/ ٤١٤).\n(٢) «غرائب القرآن» (٣٠/ ١٩٤).\n(٣) «فتح الباري» (٨/ ٨٣١).\n(٤) «غرائب القرآن ورغائب الفرقان» (٣٠/ ١٩٥).","vol":"5","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1422>المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم:</span>\nجاء في كتاب الله ﷿ الامتنان على نبي الله محمد ﷺ بما حباه به ربه من إعطائه الكوثر، فقال ﷿ مبشرا له: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر: ١ - ٣].\nفهذه الآية الكريمة صريحة في ثبوت الكوثر، لكنها لم تحدد موقعه.\nولكن جاءت السنة النبوية فوضحت ذلك، وأنه نهر في الجنة. وهذا ما نتبينه في الأدلة الآتية من السنة النبوية.","vol":"5","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1423>المطلب الثاني: الأدلة من السنة:</span>\nأخرج عن أبي عبيدة عن عائشة ﵂ قال سألتها عن قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١]، فقالت: «هو نهر أعطيه نبيكم ﷺ وشاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم» (١).\nوعن أنس ﵁ قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: «أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر» (٢)\nوفي رواية أخرى للبخاري عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «بينما أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا - طينه – أو طيبه – مسك أذفر» (٣).\nوهذه الرؤية حصلت ليلة الإسراء.\nوعن أنس ﵁ قال: «بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة (٤). ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليَّ آنفا (٥). سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر: ١ - ٣] (٦).\nثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ (٧) فقلنا: الله ورسوله أعلم قال: فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿، عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج (٨) العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ماتدري ما أحدثت بعدك»، زاد ابن حجر في حديثه «بين أظهرنا في المسجد ... وقال: ما أحدث بعدك» (٩) والقائل له هذا القول: يحتمل أن يكون من الملائكة ويحتمل أن يكون الله تعالى (١٠).\nولعل هذا الحديث إنما يتوجه إلى الحوض الذي هو خارج الجنة، بدليل ما يقع فيه من اختلاج أقوام ومنعهم من الشرب منه؛ إذ لو كان المراد النهر الذي هو داخل الجنة لما حصل المنع والاختلاج، وأما تسميته بالكوثر؛ فإن ذلك يرجع على ملاحظة أن ماء الحوض إنما هو من الكوثر حيث يمد بواسطة ميزابين.\nولهذا فإن الداودي استشكل ما جاء من أخبار الرسول ﷺ بأن نهر الكوثر داخل الجنة بقوله ﵊: «بينما أنا أسير في الجنة إذ بنهر ...» إلخ. الحديث (١١) وبين ما جاء في طرد أناس واختلاجهم عنه بعدما يراهم ويناديهم ومعلوم أن تلك الرؤية له ﷺ حصلت في الإسراء، فظن الداودي – كما يذكر ابن حجر – أن هذا يكون في يوم القيامة لأنه قال: إن كان هذا محفوظا دل على أن الحوض الذي يدفع عنه أقوام غير النهر الذي في الجنة، ويكون يراهم وهو داخل الجنة وهم من خارجها، فيناديهم فيصرفون عنه.\nقال ابن حجر معلقا على هذا القول:\n(وهو تكلف عجيب يغني عنه أن الحوض الذي هو خارج الجنة يمد من النهر الذي هو داخل الجنة فلا إشكال أصلا) (١٢).\nوقد جاء التصريح كذلك بأنه نهر في الجنة في رواية الإمام أحمد، وقد ذكرها بما تقدم عند مسلم بزيادة قال: «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة» الحديث (١٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٦٥).\n(٢) رواه البخاري (٤٩٦٤).\n(٣) رواه البخاري (٦٥٨١)، ومسلم (١٦٢).\n(٤) أغفى إغفاءة: أي نام\n(٥) آنفا: أي قريبا\n(٦) شانئك: أي مبغضك، الأبتر: هو المنقطع العقب.\n(٧) الكوثر: نهر في الجنة كما فسرة الرسول ﷺ هنا ووفي بعض الأحاديث أنه الخير الكثير\n(٨) يختلج أي ينتزع ويقطع\n(٩) رواه مسلم (٤٠٠).\n(١٠) «شرح ثلاثيات المسند» (١/ ٥٣٦).\n(١١) رواه البخاري (٦٥٨١)، ومسلم (١٦٢).\n(١٢) «فتح الباري» (١١/ ٤٧٣).\n(١٣) رواه مسلم (٤٠٠)، وأحمد (٣/ ١٠٢) (١٢٠١٥).","vol":"5","page":57},{"text":"وقد قال النووي في شرحه للحديث: والكوثر هنا نهر في الجنة – كما فسره النبي ﷺ، وهو في موضع آخر عبارة عن الخير الكثير (١).\nوعن المختار بن فلفل قال: سمعت أنس بن مالك يقول: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة بنحو حديث ابن مسهر – أي السابق – غير إنه قال: «نهر وعدنيه ربي ﷿ في الجنة وعليه الحوض»، ولم يذكر آنيته عدد النجوم (٢).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «الكوثر نهر من الجنة حافتاه من ذهب، مجراه على الياقوت والدر، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأشد بياضا من الثلج» (٣).\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال سئل رسول الله ﷺ ما الكوثر؟ فقال: ذاك نهر أعطانيه الله» – يعنى في الجنة – «أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر (٤). قال عمر: إن هذه لناعمة، قال رسول الله ﷺ: أكلتها أنعم منها» (٥).\nوأخرج الطبري عن أنس أن القائل «إنها لناعمة» هو أبو بكر ﵁ (٦).، وأخرج أيضا رواية أخرى أن القائل هو عمر (٧). ولا منافاة في هذا فيمكن أن يكون كل منهما قد قال هذا القول، ولامانع من حصول هذا والله أعلم. وفي رواية الإمام أحمد: «أكلتها أنعم منها» (٨)\nوعند الطبري: «آكلها أنعم منها» (٩). ففي الأولى جاء الوصف لبيان لذة أكلها، وفي الثانية جاء الوصف لبيان نعومة آكلها، وفي كلتا الحالتين فالأمر لا يختلف؛ فإن أكلها ناعم ولذيذ وآكلها كذلك ناعم. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب ريحا من المسك، أكوابه مثل نجوم السماء، من شرب شربة لم يظمأ بعدها، أول الناس ورودا علي صعاليك المهاجرين. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الشعثة رؤوسهم والنحيفة وجوهم والدنسة ثيابهم، لا تفتح لهم السدد ولا ينكحون المنعمات والذين يعطون كل الذي عليهم، ولا يأخذون كل الذي لهم» (١٠) الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٥٠١\n_________\n(١) «شرح النووي لمسلم» (٢/ ٣٧).\n(٢) رواه مسلم (٤٠٠).\n(٣) رواه الترمذي (٣٣٦١)، وابن ماجه (٣٥١٤)، وأحمد (٢/ ٦٧) (٥٣٥٥). قال الترمذي: حسن صحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٧/ ١٩١)، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٤) الجزر: جمع جزور، وهو البعير ذكرا كان أو أنثى، إلا أن اللفظة مؤنثة» «جامع الأصول» (١٠/ ٤٦٧).\n(٥) رواه الترمذي (٢٥٤٢)، وأحمد (٣/ ٢٣٦) (١٣٥٠٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٥٢٣) (١١٧٠٣)، والحاكم (٢/ ٥٨٥). قال الترمذي: حسن غريب، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٥/ ٦٩): رجاله رجال مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٢١٠) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٦) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٦٥٠).\n(٧) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٦٥٠)\n(٨) رواه الترمذي (٢٥٤٢)، وأحمد (٣/ ٢٢٠) (١٣٣٣٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.\n(٩) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٦٥٠).\n(١٠) روى أوله الترمذي (٣٣٦١)، وابن ماجه (٤٣٣٤)، ورواه أحمد (٢/ ١٣٢) (٦١٦٢) بلفظ: «حوضي كما بين عدن وعمان أبرد من الثلج» بدلًا من «الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضا من اللبن»، والحاكم (٣/ ٦٢٥). وقال الترمذي: قال هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٦٨): رواه أحمد والطبراني من رواية عمرو بن عمر الأحموشي عن المخارق بن أبي المخارق واسم أبيه عبد الله بن جابر وقد ذكرهما ابن حبان في الثقات وشيخ أحمد أبو المغيرة من رجال الصحيح، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.","vol":"5","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1424>المبحث الثالث: تسمية الكوثر بالحوض والحوض بالكوثر وبيان وجه الاتصال بينهما</span>\nفسر الرسول ﷺ الكوثر بأنه: نهر في الجنة من أنهارها، وأخبر عن الحوض بما يدل على أنه في الموقف في عرصات القيامة، وأخبر عن وجه الاتصال بينهما بأن ذلك يتم بواسطة ميزابين يجريان من الكوثر إلى الحوض، ولكن وقع خلاف بين العلماء في إطلاق بعض العلماء التسمية على الحوض أنه الكوثر؟ واستدل لإثباته من القرآن الكريم بسورة الكوثر.\nوالجواب عن ذلك: أن تفسير الكوثر بأنه نهر في الجنة هو ما أخبر به الرسول ﷺ كما تقدمت أدلة ذلك، وعلى هذا الرأي كثير من العلماء، ومنهم: الإمام الطبري، حيث قال – بعد أن ذكر أقوال العلماء في معنى الكوثر: أولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال: هو اسم النهر الذي أعطيه رسول الله ﷺ في الجنة؛ وصفه الله بالكثرة لعظم قدره (١).ومنهم الشوكاني، فهو بعد أن أورد بعض الأحاديث التي تثبت الكوثر بأنه نهر في الجنة قال: فهذه الأحاديث تدل على أن الكوثر هو النهر الذي في الجنة فيتعين المصير إليها وعدم التعويل على غيرها (٢).\nوليس معنى هذا أن يغفل اتصال الكوثر بالحوض، فإن اتصالهما أمر معلوم كما ورد.\nوأما الذين أطلقوا تسمية الكوثر على الحوض فهو من باب تغليب الأصل على الفرع ووقد أصبح معلوما أن موقع الحوض غير موقع الكوثر، وتسمية الحوض – بغض النظر عن اتصاله بالكوثر – غير الكوثر، ولكن الإيراد يأتي على من فسر الكوثر بالحوض وحيث غلب الفرع على الأصل، مثلما كان يفسر عطاء الكوثر لمن يسأله عنه بالحوض الذي يكثر الناس عليه، أي حوض نبينا ﷺ (٣).\nوكذلك ما يذكره صاحب النشر الطيب أن الكوثر هو الحوض، وأن هذا هو قول الجمهور، وذلك في قوله: اختلف في تفسير الكوثر على أقوال: الأول أنه الحوض، وصححه ابن جزي وعليه الجمهور، لظاهر هذا الحديث – يعني به حديث أنس في وصف الكوثر والطير التي ترد عليه، ولما في الصحيحين عن أنس عنه ﷺ حين أنزلت عليه سورة الكوثر: «أتدرون ما الكوثر؟» (٤). إلخ الحديث\nومثله ما ذكره عاشور في كتابه: نعيم الجنة من أن الكوثر هو حوض النبي ﷺ، وهو رأي الجمهور (٥).\nوأما حجتهم في تسمية الحوض بالكوثر فهو ما أشار إليه ابن حجر من أنهم تمسكوا بحديث المختار بن فلفل.\nقال ابن حجر: وجاء إطلاق الكوثر على الحوض في حديث المختار بن فلفل (٦).\nوقد قدمنا ذكر هذا الحديث وهو واضح في إطلاق الكوثر على الحوض لما فيه من الصفات التي تليق بالحوض، ولكن الرسول ﷺ حينما قال هذا لعله غلب تسمية الكوثر على الحوض مع مراعاة الفوارق بينهما.\nأما من ناحية وجه الاتصال بينهما حقيقة فهو ما أخبر به الرسول ﷺ من أنه يشخب فيه ميزابان من الكوثر يمدانه.\nوقد صرح رسول الله ﷺ – كما في حديث ثوبان الذي قدمناه ذكره في باب الحوض – بالرابطة التي تربط بين الحوض والكوثر، وهو قوله ﷺ: «يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ورق» (٧) .. ومثل حديث ثوبان حديث آخر عن ابن مسعود، وفيه التصريح ببيان وجه الاتصال بين الحوض والكوثر أيضا، وهو حديث طويل نأخذ منه قوله ﷺ: «ويفتح نهر من الكوثر إلى الحوض» (٨) الحديث. الحياة الآخرة لغالب عواجي- ٢/ ١٥٠٩\n_________\n(١) «جامع البيان» (٣٠/ ٣٢٣).\n(٢) «فتح القدير» (٥/ ٥٠٣).\n(٣) انظر: «زاد المسير في علم التفسير» (٩/ ٢٤٩)، و«جامع البيان» (٣٠/ ٣٢٣).\n(٤) «النشر الطيب» (٢/ ٣٩١).\n(٥) «نعيم الجنة» (ص ٤٨).\n(٦) «فتح الباري» (١١/ ٤٦٧).\n(٧) رواه مسلم (٢٣٠١).\n(٨) رواه أحمد (١/ ٣٩٨) (٣٧٨٧)، والبزار (٤/ ٣٣٩) (١٥٣٤)، والطبراني (١٠/ ٨٠) (١٠٠١٧)، والحاكم (٢/ ٣٩٦). وقال: صحيح الإسناد وعثمان بن عمير هو ابن اليقظان. وقال الذهبى: لا والله فعثمان ضعفه الدارقطنى والباقون ثقات.","vol":"5","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1427>المبحث الأول: تعريف الجنة</span>\nالجنة هي الجزاء العظيم، والثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كدر، وما حدثنا الله به عنها، وما أخبرنا به الرسول - ﷺ - يحير العقل ويذهله، لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه واستيعابه. استمع إلى قوله ﵎ في الحديث القدسي «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» ثم قال الرسول - ﷺ -: «اقرؤوا إن شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:١٧]» (١) وتظهر عظمة النعيم بمقارنته بمتاع الدنيا، فإن متاع الدنيا بجانب نعيم الآخرة تافه حقير، لا يساوي شيئًا. ففي (صحيح البخاري) عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (٢) ولذا كان دخول الجنة والنجاة من النار في حكم الله وتقديره هو الفلاح العظيم، والفوز الكبير، والنجاة العظمى قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:١٨٥]، وقال: وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَناتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَناتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:٧٢]، وقال أيضا: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَناتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء:١٣] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١١٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٥٠).","vol":"5","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1429>تمهيد:</span>\nلا شك أن سعادة المؤمنين لا تعادلها سعادة عندما يساقون معززين مكرمين زمرًا إلى جنات النعيم، حتى إذا ما وصلوا إليها فتحت أبوابها، واستقبلتهم الملائكة الكرام يهنئونهم بسلامة الوصول، بعدما عانوه من الكربات، وشاهدوه من الأهوال وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:٧٣]، أي طابت أعمالكم وأقوالكم وعقائدكم، فأصبحت نفوسكم زاكية، وقلوبكم طاهرة، فبذلك استحققتم الجنات. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص: ١١٩","vol":"5","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1430>المطلب الأول: الشفاعة في دخول الجنة</span>\nثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين عندما يطول عليهم الموقف في يوم الجزاء يطلبون من الأنبياء أن يستفتحوا لهم باب الجنة، فكلهم يمتنع ويتأبى، ويقول: لست لها حتى يبلغ الأمر نبينا محمد - ﷺ - فيشفع في ذلك، فيُشفّع، ففي (صحيح مسلم) عن حذيفة بن اليمان وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون، حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، لست بصاحب ذلك ..». الحديث (١)\nوذكر فيه تدافع الأنبياء لها، حتى يأتون محمدًا - ﷺ -، فيؤذن لهم. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٢٠\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٥).","vol":"5","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1431>المطلب الثاني: تهذيب المؤمنين وتنقيتهم قبل الدخول</span>\nبعد أن يجتاز المؤمنون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، ثم يهذبون وينقون، وذلك بأن يقتص لبعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا، حتى إذا دخلوا الجنة كانوا أطهارًا أبرارًا، ليس لأحد عند الآخر مظلمة، ولا يطلب بعضهم بعضًا بشيء. روى البخاري في (صحيحه) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا» (١) ورسولنا - ﷺ - هو أول من يستفتح الجنة بعد أن يأبى أبو البشر آدم وأولوا العزم من الرسل التعرض لهذه المهمة. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٢١\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٣٥).","vol":"5","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1432>المطلب الثالث: الأوائل في دخول الجنة</span>\nأن أول من يقرع باب الجنة رسول الله ﷺ وأول من يدخلها من الأمم أمته.\nوأخرج الطبراني عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ: «آتي باب الجنة فأستفتح فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحد قبلك، ولا أقوم لأحد بعدك» (١) وذلك أن قيامه إليه ﷺ خاصة إظهار المرتبة ومرتبته، ولا يقوم في خدمة أحد بعده، بل خزنة الجنة دونه يقومون في خدمته، وهو كالملك عليهم، وقد أقامه الله في خدمة عبده ورسوله، حتى مشى إليه وفتح الباب.\nوأخرجه مسلم في صحيحه عنه بلفظ: «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك» (٢).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا أول من يفتح له باب الجنة، إلا أن امرأة تبادرني فأقول لها: ما لك أو ما أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتامي» (٣).\nوفي الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ قال: «جلس ناس من أصحاب النبي ﷺ ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجبًا إن لله من خلقه خليلًا اتخذ الله إبراهيم خليلًا، وقال آخر: ماذا بأعجب من كلامه موسى كلمه تكليمًا، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم وقال: سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجي الله وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر» (٤). قوله ﷺ: (ولا فخر) (٥) أي: ولا فخر أعظم من هذا الفخر.\nوقال بعضهم: وعندي أن معناه أني لا أقول ذلك افتخارًا واستكبارًا بل على سبيل التنويه والتعريف والتذكر بنعم الله تعالى:\nقال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١].\nفما قاله ﷺ من باب التحدث بالنعم.\nنكتة: لا بأس للعالم أن يذكر ما لديه من العلوم على سبيل التنويه ليقصد ويؤخذ عنه ذلك لا على سبيل الافتخار، فإن ذلك مزلة إلى النار، وبم يعجب العاقل وما لديه من العلم ليس من وسعه وقوته، وإنما هو من فضل مولاه ومنته والله أعلم.\nوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وقائدهم إذا وفدوا، وشافعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا يئسوا، لواء الحمد بيدي، ومفاتح الجنة يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربي ولا فخر، يطوف علي ألف خادم كأنهم اللؤلؤ المكنون». رواه الترمذي، والبيهقي واللفظ له (٦).\n_________\n(١) الحديث رواه مسلم (١٩٧)، وأحمد (٣/ ١٣٦) (١٢٤٢٠) ولم أقف عليه من رواية الطبراني. قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) رواه مسلم (١٩٧).\n(٣) رواه أبو يعلى (١٢/ ٧) (٦٦٥١)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٣١٥). وقال: إسناده حسن إن شاء الله.\n(٤) رواه الترمذي (٣٦١٦) وقال: غريب، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٥/ ١٢٧): [فيه] سلمة بن وهرام ضعفه أبو داود وفيه زمعة بن صالح ضعفه أحمد، وضعفه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) «حادي الأرواح» (ص: ١٥٩ - ١٦٠).\n(٦) رواه الترمذي (٣٦١٠)، والدارمي (١/ ٣٩) (٤٨). ولم أقف على الحديث عند البيهقي. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.","vol":"5","page":64},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أكثر الناس تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة» (١).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «نحن السابقون الأولون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم» (٢) أي: لم يسبقونا إلا بهذا القدر.\nقال في (حادي الأرواح): (معنى (بيد) معنى سوى، وغير، وإلا ونحوها أي من أدوات الاستثناء فمعنى بيد أنهم أي: غير أنهم والله أعلم).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه» (٣).\nوفي الصحيحين عنه مرفوعًا: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم» (٤).\nوعند الدارقطني عن عمر بن الخطاب ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي» (٥).\nوالحديث غريب كما نبه عليه الدارقطني، والحاصل أن هذه الأمة المشرفة أسبق الأمم خروجًا من الأرض، وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف، وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم، وإلى الجواز على الصراط، وإلى دخول الجنة، فالجنة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد ﷺ، ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\nوأخرج أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي، فقال أبو بكر: يا رسول الله وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال رسول الله ﷺ: أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي» (٦).\nوقوله ﵁: (وددت أني كنت معك) حرص منه على زيادة اليقين، وأن يصير الخبر عيانًا لا أنه ﵁ عنده شك في ذلك – معاذ الله – نظيره قول سيدنا إبراهيم ﷺ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].\nومن المعلوم أنه ليس الخبر كالعيان، وإن جزم بأن المخبر به واقع لا محالة. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١٠١٦\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٦).\n(٢) رواه البخاري (٨٩٦)، ومسلم (٨٥٥).\n(٣) رواه مسلم (٨٥٥).\n(٤) رواه البخاري (٨٩٦)، ومسلم (٨٥٥).\n(٥) رواه ابن عدي في «الكامل» (٥/ ٢٠٩) وابن أبي حاتم في «العلل» (٢١٦٧).\n(٦) رواه أبو داود (٤٦٥٢)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/ ٩٣) (٢٥٩٤)، والحاكم (٣/ ٧٧). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٣٩٦) كما قال ذلك في المقدمة.","vol":"5","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1433>المطلب الرابع: الذين يدخلون الجنة بغير حساب</span>\nأول زمرة تدخل من هذه الأمة الجنة هي القمم الشامخة في الإيمان والتقى والعمل الصالح والاستقامة على الدين الحق، يدخلون الجنة صفًا واحدًا، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، صورهم على صورة القمر ليلة البدر.\nروى البخاري في (صحيحه) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الأَلُوَّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا» (١)\nوروى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا أو سبعمائة ألف لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر». (٢)\nوقد صح أن الله أعطى رسوله - ﷺ - مع كل واحد من السبعين هؤلاء سبعين ألفًا، ففي (مسند أحمد) بإسناد صحيح عن أبي بكر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «أعطيت سبعين ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي ﷿، فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا» (٣)\nوفي (مسند أحمد) و(سنن الترمذي) و(صحيح ابن حبان) عن أبي أمامة بإسناد صحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بلا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون، وثلاث حثيات من حثيات ربي» (٤) فذكر هذا الحديث زياد ثلاث حثيات.\nوقد وصف الرسول ﷺ السبعين ألفًا الأوائل وبيَّن علاماتهم، ففي (صحيح البخاري) عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: «عُرضت عليّ الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير. قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفًا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: اللهم اجعله منهم. ثم قام إليه رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة» (٥)\nولعل هؤلاء هم الذين سماهم الحق بالمقربين، وهم السابقون، وَالسابِقُونَ السابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُون [الواقعة:١٠ - ١٢]، وهؤلاء ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ [الواقعة:١٣ - ١٤] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٢٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٤٥).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٤٧).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٦) (٢٢). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٤٨٤): صحيح بشواهده.\n(٤) رواه الترمذي (٢٤٣٧)، وأحمد (٥/ ٢٦٨) (٢٢٣٥٧)، وابن حبان (١٦/ ٢٣١). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٥) رواه البخاري (٦٥٤١).","vol":"5","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1434>المطلب الخامس: الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة</span>\nروى مسلم في (صحيحه) عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا». (١)\nوروى الترمذي عن أبي سعيد (٢)، وأحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة» (٣)\nوقد بيّن الرسول - ﷺ - في موضع آخر أن هؤلاء لم يكن عندهم شيء يحاسبون عليه، هذا مع جهادهم وفضلهم، أخرج الحاكم في (مستدركه) عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم، فيقيلون فيه أربعين عامًا قبل أن يدخلها الناس» (٤) وفي (صحيح البخاري) عن أسامة بن زيد عن النبي - ﷺ - قال: «قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار» (٥). وأصحاب الجد هم الأغنياء من المسلمين. وقد وقع في الأحاديث السابقة أن الفقراء يسبقون الأغنياء بأربعين خريفًا، وجاء في حديث آخر بخمسمائة عام، ووجه التوفيق بين الحديثين أن الفقراء مختلفو الحال، وكذلك الأغنياء – كما يقول القرطبي-. فالفقراء متفاوتون في قوة إيمانهم وتقدمهم، والأغنياء كذلك، فإذا كان الحساب باعتبار أول الفقراء دخولًا الجنة وآخر الأغنياء دخولًا الجنة فتكون المدة خمسمائة عام، أما إذا نظرت إلى آخر الفقراء دخولًا الجنة وأول الأغنياء دخولًا الجنة فتكون المدة أربعين خريفًا، باعتبار أول الفقراء وآخر الأغنياء والله أعلم\". الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٢٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٧٩).\n(٢) رواه الترمذي (٢٣٥١). وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال ابن القيم في «عدة الصابرين» (١/ ٣١١): حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) رواه الترمذي (٢٣٥٤) بلفظ: (المسلمين) بدلًا من (المهاجرين)، وأحمد (٢/ ٢٩٦) (٧٩٣٣) بلفظ: (المؤمنين) بدلًا من (المهاجرين)، وابن حبان (٢/ ٤٥١) بلفظ: (المؤمنين) بدلًا من (المهاجرين). قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.\n(٤) رواه الحاكم (٢/ ٨٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٨٥٣): إنما هو على شرط مسلم فقط.\n(٥) رواه البخاري (٥١٩٦).","vol":"5","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1435>المطلب السادس: دخول عصاة المؤمنين الجنة</span>\nإخراجهم من النار وإدخالهم الجنة بالشفاعة\nروى مسلم في (صحيحه) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا، أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» (١).\nولمسلم من حديث جابر بن عبدالله يرفعه إلى رسول الله ﷺ: «إن أقوامًا يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم، حتى يدخلون الجنة» (٢).\nوهؤلاء الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة يسميهم أهل الجنة بالجهنميين، ففي (صحيح البخاري) عن عمران بن حصين ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد - ﷺ -، فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين» (٣).\nوفي (الصحيح) أيضًا عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «يخرج من النار بالشفاعة كأنهم الثعارير، قلت: وما الثعارير؟ قال: الضغابيس» (٤)\nوروى البخاري عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: «يخرج قوم من النار بعدما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة الجهنميين» (٥)\nوفي (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة الطويل في وصف الآخرة: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا (احترقوا)، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه، كما تنبت الحبة في حميل السيل» (٦)\nوقد ورد في أكثر من حديث أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار أو نصف دينار أو مثقال ذرة من إيمان، بل يخرج أقوامًا لم يعملوا خيرا ً قط، ففي حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «يدخل الله أهل الجنة الجنة، يدخل من يشاء برحمته، ويدخل أهل النار النار، ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه حبة من خردل من إيمان فأخرجوه» (٧)\nوفي حديث جابر بن عبدالله في ورود النار: «ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير مثقال شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء، حتى ينبتوا نبات الشيء في حميل السيل. ويذهب حراقه ثم يسأل حتى يجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها» (٨).\nوفي حديث أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - قال: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن الذرة» (٩) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ١٢٩\n_________\n(١) رواه مسلم (١٨٥).\n(٢) رواه مسلم (١٩١).\n(٣) رواه البخاري (٦٥٦٦).\n(٤) رواه البخاري (٦٥٥٨).\n(٥) رواه البخاري (٦٥٥٩).\n(٦) رواه البخاري (٦٥٧٣).\n(٧) رواه البخاري (٦٥٦٠).\n(٨) رواه مسلم (١٩١).\n(٩) رواه البخاري (٤٤)، ومسلم (١٩٣).","vol":"5","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1436>المطلب السابع: آخر من يدخل الجنة</span>\nحدثنا الرسول - ﷺ - قصة آخر رجل يخرج من النار ويدخل الجنة، وما جرى من حوار بينه وبين ربه، وما أعطاه الله من الكرامة العظيمة التي لم يُصدّق أن الله أكرمه بها لعظمها، وقد جمع ابن الأثير روايات هذا الحديث في (جامع الأصول)، ومنه نقلنا هذه الأحاديث:\n١ - عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ – «إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة: رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى، فيقول الله ﷿: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا، وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر بي – أو أتضحك بي – وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة» أخرجه البخاري ومسلم (١).\nولمسلم قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار: رجل يخرج منها زحفا، فيقال له: انطلق فادخل الجنة، قال: فيذهب فيدخل الجنة، فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقال له: تمنَّ، فيتمنى فيقال له: لك الذي تمنيت، وعشرة أضعاف الدنيا، فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - يضحك حتى بدت نواجذه» (٢). وفي رواية الترمذي مثل هذه التي لمسلم (٣).\n٢ - عن عبدالله بن مسعود رضي الله أن رسول الله - ﷺ - قال: «آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة، فيقول: يا رب، أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله ﷿: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا، يا رب ويعاهده أن لا يسأله غيرها، قال: وربه ﷿ يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب، أدنني من الشجرة لأشرب من مائها وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه تعالى يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة، وهي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى، يا رب لا أسألك غيرها – وربه ﷿ يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة فيقول: أي رب أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم، ما يصريني منك، أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب، أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله - ﷺ - فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: من ضحك رب العالمين، حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر» أخرجه مسلم (٤)\nوهذا الحديث هكذا أخرجه الحميدي وحده في أفراد مسلم، والذي قبله في المتفق عليه، وقال: إنما أفردناه للزيادة التي فيه.\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة: رجل صرف الله وجهه عن النار قِبل الجنة، ومثل له شجرة ذات ظل، فقال: أي رب، قدمني إلى هذه الشجرة لأكون في ظلها وساق الحديث بنحو حديث ابن مسعود، ولم يذكر: فيقول: يا ابن آدم، ما يصريني منك؟. . إلى آخر الحديث». وزاد فيه: «ويذكره الله، سل كذا وكذا، فإذا انقطعت به الأماني، قال الله: هو لك وعشرة أمثاله، قال: ثم يدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين، فيقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك، قال: فيقول: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت» أخرجه مسلم هكذا عقيب حديث ابن مسعود. (٥) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٣٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٧١)، ومسلم (١٨٦).\n(٢) رواه مسلم (١٨٦). من حديث عبدالله بن مسعود ﵁.\n(٣) رواه الترمذي (٢٥٩٥). من حديث عبدالله بن مسعود ﵁. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٤) رواه مسلم (١٨٧).\n(٥) رواه مسلم (١٨٨).","vol":"5","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1437>المطلب الثامن: الذين دخلوا الجنة قبل يوم القيامة</span>\nأول من دخل الجنة من البشر هو أبو البشر آدم وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظالِمِينَ [البقرة:٣٥]، وقال: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظالِمِينَ [الأعراف: ١٩]، ولكن آدم عصى ربه بأكله من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها فأهبطه الله من الجنة إلى دار الشقاء: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [طه: ١١٥ - ١٢٣].\nوقد رأى الرسول - ﷺ - الجنة ففي (صحيح البخاري) عن عمران بن حصين عن النبي - ﷺ - قال: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء». (١)\nومن الذين يدخلون الجنة قبل يوم القيامة الشهداء، ففي (صحيح مسلم) عن مسروق قال: سألنا عبدالله بن مسعود عن هذه الآية: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:١٦٩]. قال: «إنا قد سألنا عن ذلك فقال:\" أرواحهم في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعه، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا: قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا». (٢)\nومن مات عرض عليه مقعده من الجنة والنار بالغداة والعشي، ففي (صحيح مسلم) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٣٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٤١).\n(٢) رواه مسلم (١٨٨٧).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٦٦). والحديث رواه البخاري (١٣٧٩).","vol":"5","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1438>المبحث الثالث: أسماء الجنة</span>\nقال في (حادي الأرواح): لها عدة أسماء باعتبار صفاتها، ومسماها واحد باعتبار الذات، فهي مترادفة من هذا الوجه، وهكذا أسماء الرب تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء رسوله، وأسماء اليوم الآخر، وأسماء النار.\nالاسم الأول: الجنة، وهو العام المتناول لتلك الدار جملة، وما اشتملت عليه في أنواع النعيم، وأصل اشتقاقه من الستر والتغطية، ومنه الجنين لاستتاره في البطن، والجان لاستتاره عن عيون الإنس، والمجن، السترة ووقاية الوجه، والمجنون لاستتار عقله، وتواره عنه. والجان وهي الحية الصغيرة الدقيقة، ومنه سمي البستان جنة؛ لأنه يستر ما داخله من الأشجار، ولا يطلق هذا الاسم إلا على موضع كثير الشجر مختلف الأنواع، والجنة بالضم ما يستجن أي: يوقى به من نحو ترس، وبالكسر الجن كما في قوله تعالى مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: ٦].\nالثاني: دار السلام وقد سماه الله بهذا الاسم في قوله تعالى: لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ [الأنعام: ١٢٧] وقوله: وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ [يونس: ٢٥]، وهي جديرة بهذا الاسم؛ لسلامتها من كل بلية وآفة، فإن الله هو السلام، وهي داره، فمن أسمائه الحسنى السلام. فالله سبحانه سلم هذه الدار، وسلم أهلها من كل نكبة وداهية، وتحيتهم فيها سلام، والرب تعالى سلم عليهم من فوقهم، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم، وكلامهم كله فيها سلام، ولا يسمعون فيها لغوا إلا سلامًا.\nوأما قوله تعالى: وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة: ٩٠ - ٩١] فحقق في (حادي الأرواح) أن المعنى: سلام لك أيها الراحل في الدنيا، سلموا من الدنيا وأنكادها، والنار وعذابها، فبشر بالسلامة عند ارتحاله من الدنيا وقدومه على الله تعالى، كما يبشر الملك روحه عند أخذها بقوله: «أبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان» (١). وهذا أول البشرى التي للمؤمنين في الآخرة.\nالثالث: دار الخلد، وسميت بذلك لأن أهلها لا يظعنون عنها، واشتقاقه من الخلد وهو دوام البقاء. تقول: خلد الرجل يخلد خلودًا وأخلده الله ﷾ إخلادًا. وخلده تخليدًا أبقاه. وأخلدت إلى فلان: ركنت إليه.\nوأخلد بالمكان أقام به، وأما الخلد بالتحريك: فالبال.\nيقال: سنح في خلدي أي: خطر في روعي وبالي وقلبي، والخلد أيضًا: ضرب من الجرادين أعمى. والله أعلم.\nالرابع: دار المقامة: قال تعالى حكاية عن أهلها: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ [فاطر: ٣٤ - ٣٥] قال مقاتل: أنزلنا دار الخلود أقاموا فيها أبدًا لا يموتون ولا يتحولون. قال أهل اللغة: المقامة والإقامة بمعنى.\nالخامس: جنة المأوى، وهو مفعل من آوى يأوي أي انضم إلى المكان. قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: ٤٠ - ٤١] وقال في النار: فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: ٣٩] وقال تعالى: عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: ١٤ - ١٥].\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٣٤٥٦)، وأحمد (٢/ ٣٦٤) (٨٧٥٤). من حديث أبي هريرة ﵁. قال ابن جرير في «مسند عمر» (٢/ ٥٠٣): إسناده صحيح، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٣٣٣): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال ابن الملقن في «شرح صحيح البخاري» (٢٩/ ٦٠٤): إسناده جيد.","vol":"5","page":71},{"text":"قال عطاء عن ابن عباس ﵄: (هي الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة). وقال مقاتل: (هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء). وقال كعب: (جنة المأوى جنة فيها طير خضر ترعى فيها أرواح الشهداء).\nوقالت عائشة ﵂: (هي جنة من الجنات).\nقال المحقق: (والصحيح أنه اسم من أسماء الجنة).\nالسادس: جنات عدن قيل: هو اسم لجنة من جملة الجنات.\nقال المحقق: (والصحيح أنه اسم لجملة الجنات، فكلها جنات عدن).\nقال تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ [مريم: ٦١] وقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا [فاطر: ٣٣] وقال تعالى: وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ [الصف: ١٢].\nوالاشتقاق يدل على أن جميعها جنات عدن، فإنه من الإقامة والدوام. يقال عدن بالمكان: إذا أقام به، وعدنت البلد: توطنته، وعدنت الإبل بمكان كذا: لزمته فلم تبرح منه.\nقال الجوهري: (ومنه جنات عدن أي: جنات إقامة. وثم قول بأن جنة عدن اسم لموضع من الجنة مخصوص) (١).\nوهو جنة من جملة الجنان، ... ولا مانع من كونه اسم لموضع مخصوص، ويطلق على الكل أنه عدن أي: أقام، وخلد، واستمر، وأما أنه جنة مخصوصة من جملة الجنان فهذا أظهر من الشمس الصابحة لورود الأحاديث الثابتة بذلك، ...\nما أخرج الطبراني في المعجم عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل الله تعالى في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل، فينظر الله في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت، ثم ينظر في الثانية في جنة عدن وهي مسكنه الذي يسكن لا يكون معه فيها أحد إلا الأنبياء، والشهداء، والصديقون، وفيها ما لم يره أحد، ولا خطر على قلب بشر، ثم يهبط آخر ساعة من الليل فيقول: ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له؟ ألا سائل يسألني فأعطيه؟ ألا داع يدعوني فأستجيب له؟ حتى يطلع الفجر» (٢). قال تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: ٧٨] فيشهده الله.\nوأخرج الدارمي عن ابن عمر موقوفًا: (خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وعدن، وآدم ثم قال لسائر الخلق: كن فكان) (٣).\nوأخرج الدارمي عن ميسرة: (إن الله لم يمس شيئًا من خلقه بيده غير ثلاث: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده) (٤).\nوأخرج عن كعب قال: (لم يخلق الله بيده غير ثلاث: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال لها: تكلمي. قالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١]) (٥).\nوذكر الحاكم عن مجاهد: (أن الله تعالى غرس جنات عدن بيده فلما تكاملت أغلقت فهي تفتح كل سحر، فينظر الله إليها فيقول: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (٦).\n_________\n(١) «حادي الأرواح» (ص: ١٣٨ - ١٤٣).\n(٢) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٨/ ٢٧٩) (٨٦٣٥). قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ٩٨): ألفاظ منكرة لم يأت بها غير زيادة بن محمد الأنصاري. وقد انفرد بحديث الرقية: ربنا الله الذي في السماء، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٥٧): فيه زيادة بن محمد الأنصاري وهو منكر الحديث.\n(٣) رواه الدارمي في «نقضه على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله ﷿ من التوحيد» (١/ ٢٦١)، والذهبي في «العلو» (٨٢) وقال: إسناده جيد، وقال الألباني في «مختصر العلو» (٥٣): إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٤) رواه الدارمي في نقضه (١/ ٢٦٣).\n(٥) رواه الدارمي في نقضه (١/ ٢٦٥).\n(٦) أبو نعيم في «صفة الجنة» (١٨).","vol":"5","page":72},{"text":"وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس ﵁ مرفوعًا: «خلق الله جنة عدن بيده لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران. ثم قال لها: انطقي. قالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. فقال الله ﷿: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل. ثم تلا رسول الله ﷺ: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩]» (١) فهذه الجنة من الجنان كآدم في نوع الحيوان بجامع أن كلًا منها خلقه الله بيده جل شأنه وتعالى سلطانه.\nقال في (حادي الأرواح): (تأمل هذه العناية كيف خص الجنة التي غرسها بيديه لمن خلقه، ولأفضل ذريته اعتناء، وتشريفًا، وإظهارًا لفضل ما خلقه بيده على غيره. فهذا كله يدل على أن جنة عدن اسم لموضع من الجنان مخصوص، ويطلق على جملة الجنات، إما حقيقة لوجود الحقيقة وهي الإقامة والدوام والاستمرار، وإما مجازًا من باب إطلاق البعض على الكل. هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم) (٢).\nالسابع من أسماء الجنة: دار الحيوان قال تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت: ٦٤] والمراد الجنة.\nقال أهل التفسير: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ يعني: الجنة لَهِيَ الْحَيَوَانُ هي: دار الحياة التي لا موت فيها).\nقال أهل اللغة: (الحيوان بمعنى: الحياة).\nقال أبو عبيدة وابن قتيبة: (الحياة: الحيوان)، ...\nقال أبو علي: (يعني: إنها مصادر، فالحياة فعلة كالجبلة، والحيوان كالنزوان والغليان، والحي كالعي).\nوقال أبو زيد: (الحيوان ما فيه روح، والموتان والموات ما لا روح فيه، والصواب: أن الحيوان يقع على ضربين: أحدهما: مصدر كما حكاه أبو عبيدة، والثاني: وصف كما حكاه أبو زيد).\nفعلى قول أبي زيد يكون المعنى أنها الدار التي لا تفنى، ولا تنقطع، ولا تبيد كما تفنى الأحياء في هذه الدار، فهي أحق بهذا الاسم من الحيوان الذي يفنى ويموت والأول أظهر والله أعلم.\nالثامن: الفردوس.\nقال تعالى: أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠ - ١١] وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف: ١٠٧]، ...\nقال كعب: (هو البستان الذي فيه الأعناب). وقال الليث: (الفردوس جنة ذات كروم يقال: كرم مفردس أي: معرش). وقال الضحاك: (واختاره المبرد أنها الجنة الملتفة بالأشجار). وقيل: (إنه ليس بعربي، وإنما هو رومي ومعناه بالعربية: البستان) قاله الزجاج وقال: (حقيقته البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين).\nقال حسان بن ثابت ﵁:\nوإن ثواب الله لكل مخلد ... جنان من الفردوس فيها يخلد\nالتاسع: جنات النعيم\nقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ [لقمان: ٨] وهو اسم جامع لجميع الجنات لما اشتملت عليه من النعيم المقيم.\nالعاشر: المقام الأمين.\nقال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] فالمقام موضع الإقامة والأمين الأمن من كل سوء ومكروه.\nالحادي عشر والثاني عشر: مقعد الصدق وقدم الصدق\n_________\n(١) رواه ابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (١٨)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٨٣). وقال الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٢١٩٢): ضعيف جدا.\n(٢) «حادي الأرواح» (ص: ٧٥).","vol":"5","page":73},{"text":"قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ [القمر: ٥٤ - ٥٥] فسمى الجنة مقعد صدق لحصول ما يراد من المقعد الحسن كما يقال: مودة صادقة إذا كانت ثابتة وموضوع هذه اللفظة في كلامهم الصحة والكمال، ومنه قوله ﷺ: «الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة» (١). ومنه الصدق في الحديث، والصدق في العمل، والصديق الذي يصدق قوله بالعمل.\nوفسر قدم الصدق بالجنة، وفسر بالأعمال التي تنال بها الجنة، وفسر بالسابقة التي سبقت لهم من الله، وفسر بالرسول الذي على يده وهدايته نالوا ذلك. قال المحقق: (والتحقيق أن الجميع حق، فإنهم سبقت لهم من الله السابقة بالأسباب التي قدرها لهم على يد رسوله، وادخر لهم جزاءها يوم القيامة، ولسان الصدق هو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال، وجميل الطرائق، وفي كونه لسان صدق إشارة إلى مطابقته للواقع، وأنه ثناء بحق لا بباطل.\nومدخل الصدق، ومخرج الصدق هو المدخل والمخرج الذي يكون صاحبه فيه ضامنًا على الله وهو دخوله وخروجه بالله ولله، وهذه الدعوة من أنفع الدعاء للعبد، فإنه لا يزال داخلًا في أمر وخارجًا من آخر، فمتى كان دخوله لله وبالله وخروجه كذلك كان قد أدخل مدخل صدق وأخرج مخرج صدق. والله أعلم) (٢). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني - بتصرف – ٣/ ٩٩٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٢) «حادي الأرواح» (١٤٣ - ١٤٧).","vol":"5","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1440>المطلب الأول: نعيم الجنة</span>\nقال الله ﷿: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٥] وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا [النساء: ٥٧]، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: ٤٥ - ٤٨]، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر: ٣٤ - ٣٥]، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الدخان: ٥٢ - ٥٧]، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة: ١٠ - ٢٤]، وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ وَمَاء مَّسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة: ٢٧ - ٣٨]، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [الغاشية: ٨ - ١١].","vol":"5","page":75},{"text":"أخرج أبو بكر البزار من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «خلق الله ﵎ الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك، وقال لها: تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك» (١) وهذا يروى موقوفًا عن أبي سعيد قال: (خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرسها وقال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فدخلتها الملائكة فقالت: طوبى لك منزل الملوك) (٢).\nومن حديث مسلم عن أبي سعيد الخدري: «أن ابن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة فقال (درمكة) بيضاء مسك خالص» (٣).\nوعن أنس بن مالك عن النبي ﵇ قال: «أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك» (٤)\nالجنابذ: القباب واحدها جنبذة.\nوذكر مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قال الله ﷿ أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مصداق ذلك في كتاب الله ﷿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]» (٥).\nوذكر مسلم أيضًا من حديث سهل بن (سعد) عن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» (٦) قال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش (الرزقي) فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب ذو الجواد المضمر السريع مائة عام لا يقطعها» (٧).\nوذكر الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرؤا إن شئتم: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرؤوا إن شئتم: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة: ٣٠] ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرؤوا إن شئتم: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥]» (٨).\nوأما ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يستظل الراكب في ظلها مائة سنة واقرؤوا إن شئتم: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب» (٩).\n_________\n(١) رواه البزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (١٠/ ٧٣٢) وقال: رواه البزار مرفوعا وموقوفا. . ورجال الموقوف رجال الصحيح وأبو سعيد لا يقول هذا إلا بتوقيف.\n(٢) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٤/ ٩٩). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٧٣٢): رواه البزار مرفوعا وموقوفا والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق جنة عدن بيده لبنة من ذهب ولبنة من فضة» والباقي بنحوه ورجال الموقوف رجال الصحيح وأبو سعيد لا يقول هذا إلا بتوقيف.\n(٣) رواه مسلم (٢٩٢٨)\n(٤) رواه البخاري (٣٣٤٢)، ومسلم (١٦٣).\n(٥) رواه مسلم (٢٨٢٤).\n(٦) رواه مسلم (٢٨٢٧).\n(٧) رواه مسلم (٢٨٢٨).\n(٨) «سنن الترمذي» (٣١٩٧) وقال: حسن صحيح، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. وروى البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٢٨٢٤)، الجزء الأول من الحديث.\n(٩) رواه البخاري (٣٢٥٢، ٣٢٥٣).","vol":"5","page":76},{"text":"وذكر الترمذي من حديث أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ: «ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب» (١) .... وذكر ابن المبارك عن سليم بن عامر قال: «كان أصحاب النبي ﷺ يقولون: إنه لينفعنا الله بالأعراب ومسائلهم أقبل أعرابي يومًا فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله في الجنة شجرة مؤذية، وما كنت أدري في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال رسول الله ﷺ: وما هي؟ قال: السدر فإن له شوكًا مؤذيًا، فقال رسول الله ﷺ: أو ليس يقول: سِدْرٍ مَّخْضُودٍ خضد الله شوكه، فجعل مكان كل ذي شوكة ثمرة، فإنها لتنبت تمرًا تفتق التمرة منها عن اثنين وسبعين لونًا من طعام، ما فيها لون يشبه الآخر» (٢) ويروى ثمرًا بالثاء المثلثة فيها كلها.\nوقال ﵇: وذكر سدرة المنتهى «وإذا ثمرها كالقلال» (٣) ذكره مسلم بن الحجاج ﵀.\nوذكر مسلم أيضًا عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» (٤).\nوذكر مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون (أهل الغرف) من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغائر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» (٥).\nوذكر مسلم أيضًا عن محمد بن سيرين قال: (أما تفاخروا وأما تذاكروا، الرجال أكثر في الجنة أم النساء) فقال أبو هريرة ألم يقل أبو القاسم ﷺ: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي بعدها على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقها من وراء اللحم وما في الجنة أعزب» (٦).\nوذكر الترمذي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ: «إن أول زمرة يدخلون الجنة يوم القيامة ضوء وجوههم على مثل ضوء القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على مثل أحسن كوكب في السماء، لكل واحد منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من ورائها» (٧).\nوذكر مسلم بن الحجاج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الأَلُوَّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء» (٨).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥٢٥)، وابن حبان (١٦/ ٤٢٥). وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي سعيد ﵁. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) رواه ابن المبارك في «الزهد» (٢٦٣).\n(٣) رواه مسلم (١٦٢).\n(٤) رواه مسلم (٢٨٢٩).\n(٥) رواه مسلم (٢٨٣١).\n(٦) رواه مسلم (٢٧٣٤).\n(٧) «سنن الترمذي» (٢٥٢٢) وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي». كما رواه مسلم (٢٨٣٤) بلفظ آخر.\n(٨) رواه مسلم (٢٨٣٤).","vol":"5","page":77},{"text":"وذكر مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل لا يتغوطون، ولا يبولون، ولا يتمخطون، ولا يبصقون، أمشاطهم الذهب، ومجامرهم الأَلُوَّة، ورشحهم المسك، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على طول أبيهم آدم ﵇ ستون ذراعًا في السماء» (١) ويروى: على خلق.\nوذكر أيضًا من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يتمخطون فيها، ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم من الأَلُوَّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا» (٢).\nوذكر من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذلك (جشاء) كرشح المسك، يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس» (٣).\nوذكر النسائي من حديث زيد بن أرقم قال: «جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم أتزعمون أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ فقال: إي والذي نفسي بيده إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل، والشرب، والجماع، والشهوة. قال الرجل: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى، فقال النبي ﷺ: حاجة أحد منهم رشح يفيض من جلده فإذا بطنه قد ضمر» (٤).\nوذكر الترمذي من حديث أنس بن مالك قال: «سئل رسول الله ﷺ: ما الكوثر؟ قال: ذلك نهر أعطانيه الله، يعني في الجنة، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر، قال عمر: إن هذه لناعمة. قال رسول الله ﷺ: آكلها أنعم منها» (٥) .... وذكر الترمذي أيضًا عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبدًا، وكذلك أهل النار» (٦).\nكذا قال ثلاثين، والأول أحسن إسنادًا.\nوذكر مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» (٧).\nوذكر مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، فذلك قوله ﷿: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (٨). العاقبة أو الموت والحشر والنشور لعبد الحق الأشبيلي الآذى– ص: ٣١١\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٣٤).\n(٢) رواه مسلم (٢٨٣٤).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٣٥).\n(٤) رواه أحمد (٤/ ٣٧١) (١٩٣٣٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٥٤) (١١٤٧٨). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٨١): رواته محتج بهم ي الصحيح، وصحح إسناده العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٣٠٥).\n(٥) رواه الترمذي (٢٥٤٢)، وأحمد (٣/ ٢٣٦) (١٣٥٠٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٥٢٣) (١١٧٠٣)، والحاكم (٢/ ٥٨٥). قال الترمذي: حسن غريب، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٥/ ٦٩): رجاله رجال مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٢١٠) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٦) رواه الترمذي (٢٥٦٢) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين. وقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٥٤٣): غريب. وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٥/ ٧٤): [فيه] رشدين سيئ الحفظ.\n(٧) رواه مسلم (٢٨٣٦).\n(٨) رواه مسلم (٢٨٣٧).","vol":"5","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1441>المطلب الثاني: مفتاح الجنة</span>\nواعلم أن الباب لابد له من مفتاح، وأن مفتاح الجنة هي كلمة الإخلاص، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا ﷺ عبده ورسوله.\nأخرج الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا: «مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله» (١). قال الحافظ ابن رجب في كتابه (التوحيد): إسناده منقطع وسنده صحيح.\nالبخاري عن وهب بن منبه: (أنه قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى ولكن ليس من مفتاح إلا له أسنان فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح) (٢).\n......... وفي المسند عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ قلت: بلى. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» (٣).\nقال في حادي الأرواح: (ولقد جعل الله لكل مطلوب مفتاحًا يفتح به، فجعل مفتاح الصلاة الطهارة، كما قال ﷺ: «مفتاح الصلاة الطهور» (٤)، ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدق، ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حسن السؤال، وحسن الإصغاء، ومفتاح النصر والظفر الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الولاية المحبة، ومفتاح المحبة الذكر، ومفتاح الفلاح التقوى، ومفتاح التوفيق الرغبة والرهبة، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله عباده إلى التفكر فيه، ومفتاح الدخول على الله سلامة القلب، وسلامته له والإخلاص له في الحب والبغض والفعل والترك، ومفتاح حياة القلب تدبر القرآن، والتضرع بالأسحار، وترك الذنوب والأوزار، ومفتاح حصول الرحمة الإحساس في عبادة الخالق والسعي في نفع عبيده، ومفتاح حصول الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى، ومفتاح العز طاعة الله ورسوله، ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل، وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم لمعرفة مفاتيح الخير والشر، فإن الله جعل للخير وللشر مفتاحًا وبابًا يدخل فيه إليه، كما جعل الشرك والكبر والإعراض عما بعث الله به رسوله والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحًا للنار، والخمر مفتاح كل إثم، والغناء مفتاح الزنا، وإطلاق النظرة في الصور مفتاح الطلب، والعشق والكسل والراحة مفتاح الخيبة والحرمان، والمعاصي مفتاح الكفر، والكذب مفتاح النفاق، والشح والحرص مفتاح البخل، وقطيعة الرحم وأخذ المال من غير حله والإعراض عما جاء به الرسول مفتاح كل بدعة وضلالة، فسبحان مسبب الأسباب والله الموفق) وإلى المفتاح أشار في النونية بقوله (٥):\nهذا وفتح الباب ليس بممكن ... إلا بمفتاح على أسنان\nمفتاحه بشهادة الإخلاص والتوحيد ... تلك شهادة الإيمان\nأسنانه الأعمال وهي شرائع الإسلام ... والمفتاح بالأسنان\nلا تلغين هذا المثال فكم به ... من حل إشكال لذي العرفان\n@ البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – بتصرف – ٣/ ٩٦٢\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٤٢) (٢٢١٥٥). بلفظ: «مفاتيح» بدلًا من: «مفتاح». قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢١): فيه انقطاع بين شهر ومعاذ وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل الحجاز ضعيفة وهذا منها، وقال في (١٠/ ٨٥): رواه أحمد ورجاله وثقوا إلا أن شهرا لم يسمع من معاذ، وقال محمد جار الله الصعدي في «النوافح العطرة» (٣٣٥): رجاله موثقون.\n(٢) رواه البخاري معلقًا قبل حديث (١٢٣٧)، ووصله أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٦٦). وانظر: «تغليق التعليق» لابن حجر (٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤).\n(٣) رواه أحمد (٥/ ٢٢٨) (٢٢٠٤٩)، ورواه النسائي (٦/ ٩٧)، والطبراني (٢٠/ ١٧٤) (١٧١٢٨) بلفظ: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة»، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٣٦٦). وقال: إسناده صحيح إن شاء الله، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٠٠): رواه أحمد والطبراني ... رجالهما رجال الصحيح غير عطاء بن السائب وقد حدث عنه حماد بن سلمة قبل الاختلاط، وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٥٨١): صحيح لغيره.\n(٤) رواه أبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وأحمد (١/ ١٢٣) (١٠٠٦). من حديث علي ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (٢/ ١٨٤)، وقال ابن العربي في (عارضة الأحوذي» (١/ ٣٦): رواه أبو داود بسند صحيح.\n(٥) «شرح ابن عيسى» (٢/ ٤٧٤).","vol":"5","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1442>المطلب الثالث: أبواب الجنة</span>\nقال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣]، وقال في صفة النار: حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: ٧١]، بغير واو، فزعمت طائفة أن هذه الواو واو الثمانية دخلت في أبواب الجنة لكونها ثمانية بخلاف أبواب النار فإنها سبعة، وذكره الإمام ناصر السنة ابن الجوزي في (التبصرة) وانتصر له.\n... الواو عاطفة على قوله تعالى: جَاؤُوهَا وأن الجواب محذوف.\n... (وهو اختيار أبي عبيدة، والمبرد، والزجاج، وغيرهم، قال المبرد: (وحذف الجواب أبلغ عند أهل العلم). قال أبو الفتح ابن جني: (وأصحابنا يدفعون زيادة الواو، ولا يجيزونه، ويرون أن الجواب محذوف للعلم به). فإن قيل: ما السر في حذف الجواب في آية أهل الجنة، وذكره في آية أهل النار؟ فالجواب: إن هذا أبلغ في الموضعين، فإن الملائكة تسوق أهل النار إليها وأبوابها مغلقة، حتى إذا جاءوها فتحت في وجوههم ففجئهم العذاب بغتة، فحين انتهوا إليها فتحت أبوابها بلا مهلة، فإن هذا أن الجزاء المرتب على الشرط أن يكون عقيبه، فإنها دار الإهانة والخزي، فلم يستأذن لهم في دخولها، وأما الجنة فدار كرامته تعالى، ومحل خواصه وأوليائه، فإذا انتهوا إليها صادفوها مغلقة فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتحها لهم، ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله فكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع الدلالة على خاتمهم، وسيدهم، وأفضلهم فيقول: «أنا لها» (١). فيأتي تحت العرش، ويخر ساجدًا لربه فيدعه ما شاء أن يدعه، ثم يأذن له في رفع رأسه، وأن يسأل حاجته فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها فيشفعه، ويفتحها تعظيمًا لخطرها، وإظهارًا لمنزلة رسوله وكرامته عليه وإن مثل هذه الدار التي هي دار ملك الملوك إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن ينتهي إليها وما ركبه من الأطباق طبقًا فوق طبق) (٢).\nقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩]: (يعني الشدائد والأهوال والموت، ثم البعث، ثم العرض).\nوقال عكرمة (٣): (حالًا بعد حال رضيعًا، ثم فطيمًا، ثم غلامًا، ثم شابًا، ثم شيخًا هذا معنى الآية الكريمة).\nوقيل غير ذلك من الشدائد، والمصائب شدة بعد أخرى حتى يأذن الله سبحانه لنبيه وخاتم رسله أن يشفع إليه في فتحها لهم، وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة، وحصول الفرح والسرور لئلا يتوهم الجاهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء فجنة الله غالية، ومنزلة عالية بين الناس، وبينها من العقاب، والمفاوز، والأخطار ما لا تنال إلا به، فما لمن أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني ولهذه الدار، فليعد عنها إلى ما هو أولى به وقد خلق لها وهي له ...\n_________\n(١) جزء من حديث رواه مسلم (١٩٣). من حديث أنس ﵁.\n(٢) انظر: «حادي الأرواح» (ص: ٨٢ - ٨٣).\n(٣) ذكره البغوي في «تفسيره» (٨/ ٣٧٦).","vol":"5","page":80},{"text":"تدبر قوله تعالى: زُمَرًا وتأمل قول خزنة الجنة لأهلها: طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا أي: سلامتكم ودخولها يطيبكم، فإن الله حرمها إلا على الطيبين فيبشرونهم بالسلامة، والطيب، والدخول، والخلود، وأما أهل النار فإنهم لما انتهوا إليها على تلك الحالة من الهم، والغم، والخزي، والحزن فتحت لهم أبوابها، فوقفوا عليها وزيدوا على ما هم عليه من الخزي والنكال توبيخ خزنتها وتبكيتهم بقولهم: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا فاعترفوا وقَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر: ٧١].\nوكلمة العذاب قوله تعالى: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣].\nوحقت بمعنى وجبت، فيبشرونهم حينئذ بدخولها والخلود فيها، وأنها بئس المأوى لهم، وتأمل قول خزنة الجنة لأهليها: ادخلوها وقول خزنة النار لأهلها: ادخلو أبواب جهنم تجد تحته سرًا لطيفًا، ومعنى بديعًا ظريفًا، وهو أنها لما كانت دار العقوبة فأبوابها أفظع كل شيء، وأشده حرًا، وأعظمه غمًا، يستقبل الداخل في العذاب ما هو أشد منها، ويدنو من الغم والخزي بدخول الأبواب فقيل: ادخلوا أبوابها صغارًا لهم، وإذلالًا وخزيًا ثم قيل لهم: لا يقتصر بكم على مجرد ذلك، ولكن وراء ذلك الخلود في النار.\nوأما الجنة فهي دار الكرامة، والمنزل الذي أعد الله لأوليائه، فيبشرون من أول وهلة بالدخول إلى المقاعد والمنازل والخلود فيها، وتأمل قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ [ص: ٥٠ - ٥١] كيف تجد تحته معنى بديعًا، وهو أنهم إذا دخلوا لم تغلق أبوابها عليهم، بل تبقى مفتحة كما هي خلاف النار، فإذا دخلوها أغلقت عليهم، كما قال تعالى: إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ [الهمزة: ٨] أي: مطبقة، ومنه سمي الباب وصيدًا، وهي مؤصدة في عمد ممدة، قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب.\nقال مقاتل: (يعني أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا (يدخل فيها روح) ولا يدخل فيها نسيم آخر الأبد، وأيضًا فإن في فتح الأبواب حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم من كل باب في كل وقت، بالتحف والألطاف من ربهم، وأيضًا إشارة إلى أنها دار من لا يحتاج إلى غلق الأبواب كما في الدنيا ...\nوأخرج الشيخان عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في الجنة ثمانية أبواب: باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون» (١)\nوفيهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان. فقال أبو بكر ﵁: والله يا رسول الله ما على أحد من ضرورة من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وإني لأرجو أن تكون منهم» (٢) قال القرطبي: (قيل الدعاء من جميعها دعاء تنويه وإكرام ثم يدخل من الباب الذي غلب عليه العمل) (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٨٩٦)، ومسلم (١١٥٢).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٦٦)، ومسلم (١٠٢٧).\n(٣) انظر: «التذكرة» (ص: ٥٣٦).","vol":"5","page":81},{"text":"وأخرج مسلم عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ – أو فيسبغ – الوضوء ثم يقول: أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين. إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» (١). زاد الترمذي: «واجعلني من المتطهرين» (٢). زاد الإمام أحمد وأبو داود: «ثم رفع نظره إلى السماء فقال: اللهم اجعلني ...» (٣) الحديث.\nوعند الإمام أحمد عن أنس ﵁ يرفعه: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. إلا فتح له ثمانية أبواب الجنة من أيها شاء دخل» (٤).\nوأخرج عبد الله بن الإمام أحمد، وابن ماجه عن عتبة بن عبد الله السلمي مرفوعًا: «ما من مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل» (٥). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – بتصرف – ٣/ ٩٤٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٣٤).\n(٢) رواه الترمذي (٥٥). وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (١٢٣) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال أحمد شاكر في «شرح سنن الترمذي» (١/ ٧٨): إسناده صحيح مستقيم، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) رواه أبو داود (١٧٠)، وأحمد (١/ ١٩) (١٢١). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٢٤٠): حسن من هذا الوجه، ولولا الرجل المبهم لكان على شرط البخاري.\n(٤) رواه أحمد (٣/ ٢٦٥) (١٣٨١٨). قال النووي في «المجموع» (١/ ٤٥٧): إسناده ضعيف، وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٢٤٢): غريب.\n(٥) رواه ابن ماجه (١٣١٣)، وأحمد (٤/ ١٨٤) (١٧٦٨١). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ١١٨): إسناده حسن، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"5","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1443>المطلب الرابع: درجات الجنة</span>\nقال الله تعالى: وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: ٩٥ - ٩٦].\nقال ابن محيريز: (هي سبعون درجة ما بين الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين عامًا). وأخرج ابن المبارك عن الضحاك في قوله تعالى: لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ [الأنفال: ٤] وقال بعضهم: أفضل من بعض فيرى الذي عقد فضل به فضله، ولا يرى الذي أسفل منه أنه فضل عليه أحد من الناس قلت: وهذا من تمام نعم الله على عبده لأن الأنفس مطبوعة على التألم بمشاهدة من هو فوقها إلا من وفقه الله، وهنا نكتة عنَّ لي أن أنبه عليها وهي: أن العاقل ينبغي له أن يتألم بسبق غيره له في الطاعات ووجوه الخير فيبادر إلى فعل مثل ما فعل ذلك المبادر\nإذا أعجبتك خلالًا منه ... فكنه تكن مثل من يعجبك\nفليس على الجود والمكرمات ... إذا جئتها حاجب يحجبك\nوالله الموفق\n... قوله تعالى: فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ الآيتين أوقع التفضل أولًا بدرجة ثم أوقعه ثانيًا بدرجات فقيل: الأول بين القاعد، المعذور، والمجاهد. والثاني: بين القاعد بلا عذر والمجاهد. وقال تعالى: هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللهِ واللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٦٣] وقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ إلى قوله: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٣ - ٤].\nوفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» (١).\nولفظ البخاري في «الأفق» وهو أبين قال في «حادي الأرواح»: (الغابر هو: الذاهب الماضي الذي قد تدلى للغروب وفي التمثيل به دون الكوكب – المسامت للرأس وهو أعلى فائدتان أحدهما: بعده عن العيون. والثانية: أن الجنة درجات بعضها فوق بعض وأعلى من بعض وإن لم تسامت العليا السفلى كالبساتين الممتدة من رأس الجبل إلى ذيله) (٢). انتهى.\nوأخرج الشيخان عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة كما تراءون الكوكب في أفق السماء» (٣) وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ: «أن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون أو ترون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع في تفاضل الدرجات. قالوا: يا رسول الله أولئك النبيون قال: بلى، والذي نفسي بيده وأقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» (٤).\nقال في (حادي الأرواح): ورجال هذا الإسناد احتج بهم البخاري في صحيحه. وفي هذا الحديث: (الغارب) وفي حديث أبي سعيد: (الغابر) وقوله: (الطالع) صفة للكوكب وصفة بكونه غاربًا وبكونه طالعًا.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣١).\n(٢) «حادي الأرواح» (ص: ٥٤).\n(٣) رواه البخاري (٦٥٥٥)، ومسلم (٢٨٣٠).\n(٤) رواه أحمد (٢/ ٣٣٩) (٨٤٥٢)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٧٠). وقال: رواته محتج بهم في الصحيح، وصححه لغيره الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٧٠٨).","vol":"5","page":83},{"text":"وقد خرج هذا المعنى في الحديث الذي رواه ابن المبارك عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «إن أهل الجنة ليتراءون في الغرف كما يرى الكوكب الشرقي والكوكب الغربي في الأفق في تفاضل الدرجات. قالوا: يا رسول الله أولئك النبيون قال: بلى والذي نفسي بيده وأقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» (١). قال: وهذا على شرط البخاري أيضًا.\nوفي المسند عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المتحابين لترى غرفهم في الجنة كالكوكب الطالع الشرقي والغربي فيقال: من هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابون في الله ﷿» (٢).\nوفي المسند من حديث أبي سعيد أيضًا عن النبي ﷺ قال: «إن الجنة مائة درجة ولو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن وسعتهم» وفيه عنه أيضًا عن النبي ﷺ قال: «يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد. فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه» (٣).\nقال المحقق: وهذا صريح في أن درج الجنة تزيد على مائة.\nوأما حديث البخاري عن أبي هريرة مرفوعًا: «أن الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» (٤).\nفالجواب عنه: أنه يحتمل أن تكون هذه المائة درجة من جملة الدرج أو تكون نهايتها هذه المائة، وفي ضمن كل درجة درج دونها.\n... والثاني أوجه؛ لأن لفظ حديث البخاري معرفة الطرفين فيفيد الحصر على رأي البيانيين، وإن استوجه المحقق الأول، واستدل له بما خرجه الترمذي عن معاذ ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: «من صلى هؤلاء الصلوات الخمس، وصام شهر رمضان كان حقًا على الله أن يغفر له هاجر أو قعد حيث ولدته أمه. قلت: يا رسول الله ألا أخرج فأؤذن الناس؟ قال: ذر الناس يعملون، فإن في الجنة مائة درجة بين كل درجتين منهما مثل ما بين السماء والأرض، وأعلى درجة منها الفردوس، وعليها يكون العرش، وهي أوسط شيء في الجنة، ومنها تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» (٥) فرواه بلفظة (في).\n_________\n(١) رواه ابن المبارك في مسنده (١١٦).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٨٧) (١١٨٤٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤٢٥): رجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده السيوطي في «البدور السافرة» (٤٠٤).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٢٩) (١١٢٥٤). ورواه الترمذي (٢٥٣٢)، وأبو يعلى (٢/ ٥٣٠) (١٣٩٨). قال الترمذي: غريب، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي».\n(٤) رواه البخاري (٧٤٢٣).\n(٥) رواه الترمذي (٢٥٣٠)، وابن ماجه (٣٥١٢)، وأحمد (٥/ ٢٤٠) (٢٢١٤٠). والحديث صححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي»، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: حديث صحيح وهذا إسناد رجاله رجال الصحيح غير أنه منقطع.","vol":"5","page":84},{"text":"وأخرج أيضًا عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: «في الجنة مائة درجة» (١) فذكر نحوه وعنده أيضًا عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «في الجنة مائة درجة» (٢) وذكر نحوه وقال حديث حسن غريب، وفيه عن أبي سعيد مرفوعًا: «إن في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم» (٣) ورواه الإمام أحمد بدون لفظة (في) كما تقدم فرويت هذه الأحاديث بلفظة في وبدونها. فإن كان المحفوظ ثبوتها فهي من جملة درجتها، وإن كان المحفوظ سقوطها فهي الدرج الكبار المتضمنة للدرج الصغار، ولا تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمسمائة لاختلاف السير في السرعة والبطء، والنبي ﷺ ذكر هذا تقريبًا للإفهام يدل له حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: «مائة درجة في الجنة ما بين الدرجتين ما بين السماء والأرض، وأبعدهما بين السماء والأرض. قلت: يا رسول الله: لمن؟ قال: لمجاهدين في سبيل الله» (٤). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ٩٦٢\nوهذه الجنات متفاضلة، ففيها جنات عُلَى كما قال سبحانه: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى [طه: ٧٥]. وفيها درجات دون التي فوقها كما قال سبحانه: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ إلى أن قال: وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦ - ٦٢]. والجنات بعضها فوق بعض كما دل عليه قوله ﷺ: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم» (٥).\nفقوله: «من فوقهم» يدل على ما ذكر، وهذه الجنات متباعدات كما دل عليه قوله ﷺ: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» (٦).\nفهذا تباعد ما بين درجات هذه المائة التي أعدت للمجاهدين، ودرجات الجنة كثيرة لم يرد حصرها في عدد، فهذه مائة أعدت للمجاهدين، وقال ﷺ: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها» (٧) وهذا يدل على أن درج الجنة لا حصر لها.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥٣١)، وأحمد (٥/ ٣١٦) (٢٢٧٤٧)، والحاكم (١/ ١٥٣)، والضياء (٨/ ٣٢٨). قال الضياء: إسناده صحيح، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٥/ ٥٥): إسناده صحيح لا غبار عليه، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه الترمذي (٢٥٢٩). وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) رواه الترمذي (٢٥٣٢)، وأحمد (٣/ ٢٩) (١١٢٥٤). قال الترمذي: حديث غريب، وصححه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٢٥).\n(٤) رواه مسلم (١٨٨٤)، والنسائي (٦/ ١٩)، وأحمد (٣/ ١٤) (١١١١٧).\n(٥) رواه البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣١). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٦) رواه البخاري (٧٤٢٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) رواه أبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٢٩١٤)، وأحمد (٢/ ١٩٢) (٦٧٩٩)، وابن حبان (٣/ ٤٣) (٧٦٦)، والحاكم (١/ ٧٣٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٣٧٢) كما قال ذلك في المقدمة.","vol":"5","page":85},{"text":"والجنات على كثرتها وعدم إحصائها إلا أنها ترجع إلى نوعين: جنتان ذهبيتان بكل ما اشتملتا عليه، وهما المخصوصتان بالمقربين، وجنتان فضيتان بكل ما اشتملتا عليه وهما لأصحاب اليمين (١) قال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ إلى أن قال: وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦ - ٦٢].\nقال ﷺ: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما» (٢).\nوالمؤمنون متفاضلون بتفاضل درجاتها، وأعلاهم وأكملهم درجة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كما في الحديث المذكور قريبًا، قال ﷺ: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» (٣).\nأي: نعم هي منازل الأنبياء بإيجاب الله تعالى لهم ذلك، ولكن قد يتفضل الله تعالى على غيرهم بالوصول إلى تلك الدرجة (٤).\nوأفضل الأنبياء درجة محمد ﷺ فقد قال ﷺ: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول. ثم صلوا عليّ. فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا. ثم سلوا الله لي الوسيلة. فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون أنا هو» (٥).\nفهذه منزلة في الجنة خاصة به ﷺ، وهو ﷺ أول من يقرع باب الجنة فقد قال: «أنا أول من يقرع باب الجنة» (٦)\nفيكون أول من يفتح له، قال ﷺ: «آتي باب الجنة يوم القيامة. فأستفتح. فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك» (٧).\n_________\n(١) انظر: «حادي الأرواح» (ص ٧٧)، و«شرح النونية للهراس» (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٨).\n(٢) رواه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣١). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٤) انظر: «فتح الباري» (٦/ ٣٢٨).\n(٥) رواه مسلم (٣٨٤). من حديث ابن عمرو ﵄.\n(٦) رواه مسلم (١٩٦). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٧) رواه مسلم (١٩٧). من حديث أنس ﵁.","vol":"5","page":86},{"text":"ثم يتفاضل المؤمنون بعد الأنبياء في الجنات، قال ﷺ: «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة» (١). ولعل المراد بأول زمرة السبعون ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب من أمة محمد ﷺ كما تقدم في الأحاديث المذكورة فيهم أنهم يتقدمون الأمة، وأن من صفاتهم أنهم زمرة واحدة على صورة القمر. وأقل أهل الجنة منزلة المخرجون من النار بعد العقوبة، قال ﷺ: «يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين» (٢). وهؤلاء يتفاضلون في خروجهم من النار، يخرج بعضهم قبل بعض على منازلهم في الإيمان كما في حديث الرؤية الطويل الذي فيه «أن المجاوزين الصراط إذا رأوا أنهم قد نجو وبقي إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا» (٣).\nوآخر أهل النار خروجًا منها ما جاء فيه: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا، رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا ربي وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها» وجاء في آخر الرواية: «فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة» (٤).\nوهذا هو أدنى أهل الجنة منزلة كما في حديث: «سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله، ومثله، ومثله، ومثله. فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله. ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك. فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها. فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر. قال ومصداقه في كتاب الله ﷿: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]» (٥).\nوحظ الرجال من الجنة أعظم من حظ النساء ففي الحديث: «أريت النار فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء» (٦).\nوقال ﷺ للنساء: «تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم» (٧).\nوأمة محمد ﷺ أفضل أهل الجنة، فهم أول من يدخل الجنة، قال ﷺ: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة. ونحن أول من يدخل الجنة» (٨). وهم أكثر أهل الجنة، إذ هم نصف أهل الجنة. ففي الحديث أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟. قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: نعم، فقال: «والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر» (٩). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ٤٠٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٥٤)، ومسلم (٢٨٣٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٦٥٥٩). من حديث أنس ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٧٤٣٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٦٥٧١)، ومسلم (١٨٦). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٥) رواه مسلم (١٨٩). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(٦) رواه البخاري (١٠٥٢). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٧) رواه مسلم (٨٨٥). من حديث جابر بن عبدالله ﵁.\n(٨) رواه مسلم (٨٥٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٩) رواه البخاري (٦٥٢٨)، ومسلم (٢٢١). من حديث ابن مسعود ﵁.","vol":"5","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1444>المطلب الخامس: تربة الجنة</span>\nأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: «قلنا: يا رسول الله إذا رأيناك رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد قال: لو تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم. قال: قلنا: يا رسول الله، حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السموات، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» (١).\nقوله: «وملاطها المسك» قال في النهاية: (الملاط الطين الذي يجعل بين ساقي البناء يملط به الحائط أي: يخلط. ...\nوفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر ﵁ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك» (٢) وهو قطعة من حديث المعراج. قوله: «جنابذ اللؤلؤ» بالجيم والنون المفتوحين، ثم ألف، ثم ذال معجمة القباب، وفي (مشارق الأنوار) للقاضي عياض ما نصه: وفي الحديث: «وإذا فيها جنابذ اللؤلؤ» كذا في كتاب مسلم، وفي البخاري في كتاب الأنبياء (٣) من رواية غير المروزي فسروه بالقباب، واحدتها جنبذة بالضم، والجنبذة ما ارتفع من البناء وجاء في البخاري في الصلاة «حبائل اللؤلؤ»، وزعم قوم أنه تصحيف من جنابذ وقال: في حرف الجاء مع الباء «فيها حبائل اللؤلؤ» كذا لجميعهم في البخاري وفي مسلم «جنابذ اللؤلؤ» وهو الصواب وقد جاء في حديث آخر «حافاته قباب اللؤلؤ» والجنابذ جمع جنبذة وهي القبة وقال من ذهب إلى صحة الرواية: إن الحبائل القلائد العقود، أو يكون من حبال الرمل أي: فيها اللؤلؤ كحبال الرمل أي: وهو ما طال منه وضخم، قال: أو من الحبلة وهو ضرب من الحلي معروف.\nقال ابن قرقول في (استدراكاته) على القاضي عياض: وهذا كله تخييل ضعيف، بل هو لا شك تصحيف من الكاتب، والحبائل إنما تكون جمع حبالة، أو حبيلة. انتهى.\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد ﵁: «أن رسول الله ﷺ سأل ابن صياد عن تربة الجنة فقال: درمكة بيضاء مسك خالص، فقال ﷺ: صدق» (٤).\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٠٤) (٨٠٣٠). وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١٥/ ١٨٩)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: صحيح بطرقه وشواهده.\n(٢) رواه البخاري (٣٣٤٢)، ومسلم (١٦٣).\n(٣) «البخاري» (٣٣٤٢).\n(٤) رواه مسلم (٢٩٢٨).","vol":"5","page":88},{"text":"قال سفيان بن عيينة، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد قد غلب أصحابك. قال: وبأي شيء غلبوا؟ قال: سألهم اليهود: كم عدد خزنة النار؟ فقالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا، فقال رسول الله ﷺ: أيغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون فقالوا: حتى نسأل نبينا، ولكن هم أعداء الله سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة، علي بأعداء الله فإني سائلهم عن تربة الجنة، وإنها درمكة. فلما أن جاءوا قالوا: يا أبا القاسم، كم عدة خزنة أهل النار؟ فقال رسول الله ﷺ بيديه كلتيهما: هكذا وهكذا وقبض واحدة أي: تسعة عشر فقال لهم رسول الله ﷺ: ما تربة الجنة؟ فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: خبزة يا أبا القاسم فقال ﷺ: الخبزة من الدرمك» (١).\nفحصل من هذه الأحاديث ثلاث صفات في تربتها: قيل: زعفران، أو مسك، أو خبزة.\nقال في (حادي الأرواح): لا تعارض بينها لإمكان الجمع قال: ذهبت طائفة من السلف إلى أن تربتها متضمنة للنوعين: المسك، والزعفران. قال: ويحتمل معنين آخرين أحدهما: أن يكون التراب من: زعفران فإذا عجن بالماء صار مسكًا، والطين يسمى ترابًا ويدل على هذا قوله (ملاطها المسك) والملاط الطين. وفي بعض الروايات: «ترابها الزعفران وطينها المسك» (٢) فلما كانت تربتها طيبة وماؤها طيب وانضم أحدهما إلى الآخر حدث لهما طيب آخر فصار مسكًا.\nالثاني: أن يكون زعفرانًا باعتبار لونه، مسكًا باعتبار رائحته، وهذا من أحسن شيء يكون البهجة والإشراق لون الزعفران ورائحة المسك. قال: وكذلك تشبيهها بالدرمك، وهو الخبز الصافي الذي يضرب لونه إلى صفرة مع لينها ونعومتها، قال: وهذا معنى ما ذكره سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (أرض الجنة من فضة، وترابها مسك، فاللون في البياض لون الفضة، والرائحة رائحة المسك) (٣).\nوأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أرض الجنة بيضاء عرصتها صخور الكافور، وقد أحاط به المسك مثل كثبات الرمل، فيها أنهار مطردة، فيجتمع فيها أهل الجنة أدناهم وآخرهم فيتعارفون، فيبعث الله ريح الرحمة، فتهيج عليهم ريح المسك» الحديث (٤).\nوأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قلت ليلة أسري بي: يا جبريل إنهم سيسألوني عن الجنة؟ قال: فأخبرهم: أنها من درة بيضاء، وأن أرضها عقيان» (٥).\nقال في (حادي الأرواح): (العقيان من الذهب فإن كان (ابن علاثة حفظه) فهي أرض الجنتين الذهبيتين، ويكون جبريل أخبره بأعلى الجنتين والله أعلم) (٦). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١٠٣٦\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣٦١) (١٤٩٢٦). قال الهيثمى (١٠/ ٤١٢): إسناده حسن، وحسنه لغيره شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند.\n(٢) رواه أبو نعيم في «صفة الجنة» (١٥٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه أبو نعيم في «صفة الجنة» (١٥٥).\n(٤) رواه ابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٢٦)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٧٣). وقال: [لا يتطرق إليه احتمال التحسين]، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (٦٩٠٢): ضعيف جدا أو موضوع.\n(٥) رواه أبو نعيم في «صفة الجنة» (١٤٥). ولم أقف عليه من رواية أبو الشيخ.\n(٦) «حادي الأرواح» (ص: ١٩٩).","vol":"5","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1445>المطلب السادس: أنهار الجنة</span>\nأخبرنا الله ﵎ بأن الجنة تجري من تحتها الأنهار، وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَناتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:٢٥] وأحيانا يقول: تجري تحتهم الأنهار: أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَناتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:٣١]. وقد حدثنا الرسول ﷺ عن أنهار الجنة حديثا واضحًا بينا، ففي إسرائه صلوات الله وسلامه عليه: «رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان: فنهران في الجنة وأما الظاهران: فالنيل والفرات» (١)\nوفي (صحيح البخاري) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رفعت لي السدرة، فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران: فالنيل والفرات، وأما الباطنان: فنهران في الجنة». (٢)\nوفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة». (٣) (ولعل المراد من كون هذه الأنهار من الجنة أن أصلها منها كما أن أصل الإنسان من الجنة، فلا ينافي الحديث ما هو معلوم مشاهد من أن هذه الأنهار تنبع من منابعها المعروفة في الأرض، فإذا لم يكن هذا هو المعنى أو ما يشبهه، فالحديث من أمور الغيب التي يجب الإيمان بها، والتسليم للمخبر عنها).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٦٤).\n(٢) رواه البخاري (٣٨٨٧).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٣٩).","vol":"5","page":90},{"text":"وقال القاري: \" إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها \". ومن أنهار الجنة الكوثر الذي أعطاه الله لرسوله - ﷺ -: إِنا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١]، وقد رآه الرسول - ﷺ - وحدثنا عنه، ففي (صحيح البخاري) عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: «بينما أنا أسير في الجنة، إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه- أو طينه – مسك أذفر» شك هُدْبة. (١) وقد فسر ابن عباس الكوثر بالخير الكثير الذي أعطاه الله لرسوله - ﷺ -، فقال أبو بشر لسعيد بن جبير راوي هذا التفسير عن ابن عباس: إن أناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه (٢) وقد جمع الحافظ بن كثير الأحاديث التي أخبر الرسول - ﷺ - فيها عن الكوثر، فمن هذه الأحاديث ما رواه مسلم في (صحيحه) عن أنس، أن الرسول - ﷺ - حين أنزلت عليه إِنا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] قال: «أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هو نهر وعدنيه الله ﷿، عليه خير كثير». (٣) وساق حديث أنس عند أحمد في (مسنده) عن الرسول - ﷺ - قال: «أعطيت الكوثر، فإذا نهر يجري على ظهر الأرض، حافتاه قباب اللؤلؤ، ليس مسقوفًا، فضربت بيدي إلى تربته، فإذا تربته مسك أذفر، وحصباؤه اللؤلؤ». (٤) وفي رواية أخرى في (المسند) عن أنس يرفعه: «هو نهر أعطانيه الله في الجنة، ترابه مسك، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، ترده طيور أعناقها مثل أعناق الجزور». (٥) وقد ساق الحافظ ابن كثير روايات أخرى كثيرة في الموضوع فارجع إليه إن شئت المزيد. (٦)\nوأنهار الجنة ليست ماء فحسب، بل منها الماء، ومنها اللبن، ومنها الخمر، ومنها العسل المصفى.\nقال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن ماء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ [محمد:١٥]. وفي (سنن الترمذي) بإسناد صحيح عن حكيم بن معاوية (وهو جد بهز بن حكيم) أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن في الجنة بحر العسل، وبحر الخمر، وبحر اللبن، وبحر الماء، ثم تنشق الأنهار بعد» (٧) فأنهار الجنة تنشق من تلك البحار التي ذكرها الرسول - ﷺ -، وأخبرنا الرسول - ﷺ - عن نهر يسمى بارق يكون على باب الجنة، ويكون الشهداء في البرزخ عند هذا النهر، ففي (مسند أحمد)، و(معجم الطبراني)، و(مستدرك الحاكم) عن ابن عباس بإسناد حسن أن رسول الله - ﷺ - قال: «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا». (٨) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٦٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٨١).\n(٢) رواه البخاري (٤٩٦٦).\n(٣) رواه مسلم (٤٠٠).\n(٤) رواه أحمد (٣/ ١٥٢) (١٢٥٦٤). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٥١٣) وشعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٥) رواه أحمد (٣/ ٢٣٦) (١٣٥٠٠). وقال شعيب الأرناؤوط محققه: حديث صحيح وهذا إسناد حسن محمد بن عبدالله بن مسلم الزهري -وإن روى له الشيخان- فيه كلام ينزله عن رتبة الصحيح وباقي رجال الإسناد ثقات.\n(٦) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٨/ ٤٩٩ - ٥٠٠).\n(٧) رواه الترمذي (٢٥٧١)، وأحمد (٥/ ٥) (٢٠٠٦٤)، وابن حبان (١٦/ ٤٢٤)، والطبراني (١٩/ ٤٢٤)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٢/ ٢٥٣): [فيه] بهز بن حكيم أرجو أنه لا بأس به، وقال أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٢١): غريب عن الجريري تفرد به عن حكيم، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٨) رواه أحمد (١/ ٢٦٦) (٢٣٩٠)، والطبراني في «الأوسط» (١/ ٤٥)، والحاكم (٢/ ٨٤). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٤٢): إسناده جيد. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٩٧): إسناده رجاله ثقات. وقال ابن حجر في «أسئلة وأجوبة» (٣٢): إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٣٧٤٢): حسن.","vol":"5","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1446>المطلب السابع: عيون الجنة</span>\nفي الجنة عيون كثيرة مختلفة الطعوم والمشارب إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَناتٍ وَعُيُونٍ [الحجر:٤٥]، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [المرسلات:٤١]، وقال في وصف الجنتين اللتين أعدهما لمن خاف ربه فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ [الرحمن:٥٠]. وقال في وصف الجنتين اللتين دونهما فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضاخَتَانِ [الرحمن: ٦٦].\nوفي الجنة عينان يشرب المقربون ماءها صرفًا غير مخلوط، ويشرب منهما الأبرار الشراب مخلوطًا ممزوجًا بغيره.\nالعين الأولى: عين الكافور قال تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان: ٥ - ٦]. فقد أخبر أن الأبرار يشربون شرابهم ممزوجًا من عين الكافور، بينما عباد الله يشربونها خالصًا.\nالعين الثانية: عين التسنيم، قال تعالىٍ: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:٢٢ - ٢٨].\nومن عيون الجنة عين تسمى السلسبيل، قال تعالى: وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا [الإنسان:١٧ - ١٨]. ولعل هذه هي العين الأولى نفسها. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٦٩","vol":"5","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1447>المطلب الثامن: قصور الجنة وخيامها</span>\nيبني الله لأهل الجنة في الجنة مساكن طيبة حسنة كما قال تعالى: وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَناتِ عَدْنٍ [التوبة:٧٢]. وقد سمى الله في مواضع من كتابه هذه المساكن بالغرفات، قال تعالى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ:٣٧]، وقال في جزاء عباد الرحمن: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا [الفرقان:٧٥]، وقال تعالى واصفًا هذه الغرفات: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ [الزمر:٢٠]. قال ابن كثير: أخبر ﷿ عن عباده السعداء أن لهم غرفًا في الجنة وهي القصور أي الشاهقة، مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ [الزمر: ٢٠]، طباق فوق طباق مبنيات محكمات مزخرفات عاليات.\nوقد وصف لنا الرسول - ﷺ - هذه القصور، ففي الحديث الذي يرويه أحمد في (مسنده) وابن حبان في (صحيحه) عن أبي مالك الأشعري والترمذي عن عليٍّ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (١) وقد أخبرنا الحق ﵎ أن في الجنة خيامًا، قال تعالى: حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:٧٢]. وهذه الخيام خيام عجيبة، فهي من لؤلؤ، بل هي من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلًا، وفي بعض الروايات عرضها ستون ميلًا ففي (صحيح البخاري) عن عبدالله بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ: «الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ثلاثون ميلًا، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون»، قال أبو عبد الصمد والحارث عن أبي عمران: «ستون ميلًا» (٢)\nورواه مسلم عن عبدالله بن قيس عن النبي - ﷺ - قال: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا ٍ، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضًا». (٣)\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥٢٧). من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وقال: هذا حديث غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن. ورواه أحمد (٥/ ٣٤٣) (٢٢٩٥٦)، وابن حبان (٢/ ٢٦٢). من حديث أبي مالك الأشعري ﵁. وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٢١٢٣).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٤٣).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٣٨).","vol":"5","page":93},{"text":"وفي رواية عند مسلم: «في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلًا في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن» (١) وقد أخبرنا الرسول - ﷺ - عن صفات قصور بعض أزواجه وبعض أصحابه، ففي (صحيحي البخاري ومسلم) عن أبي هريرة، قال: أتى جبريل النبي - ﷺ - فقال: «يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام وطعام، فإذا أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» (٢) وفي (صحيح البخاري) ومسلم عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصرًا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك، فقال عمر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله: أعليك أغار؟» (٣) وقد أخبر الرسول - ﷺ - بالطريق الذي يحصل به المؤمن على مزيد من البيوت في الجنة، فالذي يبني لله مسجدًا يبني الله له بيتًا في الجنة، ففي (مسند أحمد) عن ابن عباس بإسناد صحيح أن الرسول - ﷺ - قال: «من بني لله مسجدًا، ولو كمفحص قطاة لبيضها بني الله له بيتًا في الجنة». (٤) وفي (مسند أحمد) و(صحيحي البخاري ومسلم) و(سنن الترمذي) و(سنن ابن ماجه) عن عثمان أن رسول الله - ﷺ - قال: «من بني مسجدًا، يبتغي به وجه الله، بني الله له مثله في الجنة». (٥) وفي (صحيح مسلم) و(مسند أحمد) و(سنن أبي داود)، و(سنن النسائي)، و(سنن ابن ماجه) عن أم حبيبة أن رسول الله - ﷺ - قال: «من صلى في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة تطوعًا، بني الله له بيتًا في الجنة» (٦) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٧١\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٣٨).\n(٢) رواه البخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (٢٤٣٢).\n(٣) رواه البخاري (٣٦٧٩)، ومسلم (٢٣٩٤).\n(٤) رواه أحمد (١/ ٢٤١) (٢١٥٧). وقال محققه شعيب الأرناؤوط: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦١٢٨).\n(٥) رواه البخاري (٤٥٠)، ومسلم (٥٣٣)، والترمذي (٣١٨)، وابن ماجه (٧٣٦)، وأحمد (١/ ٦١) (٤٣٤).\n(٦) رواه مسلم (٧٢٨)، وأبو داود (١٢٥٠)، والنسائي (٣/ ٢٦١)، وابن ماجه (١١٤١)، وأحمد (٦/ ٣٢٦) (٢٦٨١١).","vol":"5","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1448>المطلب التاسع: الثامن: عيم الجنةنور الجنة</span>\nقال القرطبي: (قال العلماء: ليس في الجنة ليل ونهار، وإنما هم في نور دائم أبدًا، وإنما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، ذكره أبو الفرج بن الجوزي. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا [مريم:٦٢ - ٦٣] \" أي في مثل وقت البكرات ووقت العشيات، لا أن هناك ليلًا ونهارًا، ولكنهم في ٍأوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار). ويقول ابن تيمية في هذا الموضوع: (والجنة ليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار، لكن تعرف البكرة والعشية بنور يظهر من قِبل العرش). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٧٤","vol":"5","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1449>المطلب العاشر: ريح الجنة</span>\nأما ريحها فأخرج الطبراني عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «من قتل قتيلًا من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد في مسيرة مائة عام» (١). وأخرجه البخاري في صحيحه بلفظ: «ليوجد من مسيرة أربعين عامًا» (٢).\nوأخرج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ألا من قتل نفسًا معاهدًا له ذمة الله، وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا» (٣). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقال في (حادي الأرواح): (قال محمد بن عبد الواحد: وإسناده عندي على شرط الصحيح) (٤).\n... وقد رواه الطبراني عنه مرفوعًا «من قتل نفسًا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام» (٥) وأخرج عن أبي بكرة ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام» (٦).\nقال في (حادي الأرواح): (وهذه الألفاظ لا تعارض بينها بوجه، وقد أخرجا في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: «لم يشهد عمي مع رسول الله ﷺ بدرا قال: فشق عليه قال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، فإن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع قال: فهاب أن يقول غيرها. قال: فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد قال: فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أين؟ فقال: واها لريح الجنة أجده دون أحد قال: فقاتلهم حتى قتل قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة، وطعنة، ورمية فقالت أخته: عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣] قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه، وفي أصحابه» (٧) (٨).\nقال في (حادي الأرواح) (٩): (وريح الجنة نوعان: ريح يوجد في الدنيا تشمه الأرواح أحيانًا لا يدركه العباد، وريح يدرك بحاسة الشم للأبدان كما تشم روائح الأزهار، وغيرها، وهذا يشترك أهل الجنة في إدراكه في الآخرة من قرب وبعد، وأما في الدنيا فقد يدركه من شاء الله من أنبيائه، ورسله، وهذا الذي وجده أنس بن النضر ﵁ يجوز أن يكون من هذا، وأن يكون من الأول). انتهى.\n... الظاهر أنه من الثاني؛ لأنه قوله: (لريح الجنة أجده دون أحد، يشير إلى هذا)، فتأمل.\n_________\n(١) رواه النسائي (٨/ ٢٥) بلفظ: «أربعين عاما» بدلًا من «مائة عام»، والحاكم (٢/ ١٣٧)، والبيهقي (٨/ ١٣٣) (١٦٢٦٠) بلفظ «ليوجد من كذا وكذا» بدلًا من «ليوجد في مسيرة مائة عام». قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٢) رواه البخاري (٦٩١٤).\n(٣) رواه الترمذي (١٤٠٣). وقال: حسن صحيح، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٥٩٨) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) «حادي الأرواح» (ص: ١٠٨).\n(٥) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (١/ ٢٠٦) (٦٦٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٩٧): رواه الطبراني في «الأوسط» عن شيخه أحمد بن القاسم ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح غير معلل بن نفيل وهو ثقة، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٣٥٦): إسناده على شرط الصحيح.\n(٦) رواه الطبراني كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (٦/ ٢٩٦) وقال: فيه محمد بن عبد الرحمن العلاف ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.\n(٧) رواه البخاري (٢٨٠٥)، ومسلم (١٩٠٣).\n(٨) «حادي الأرواح» (ص: ١٠٩).\n(٩) «حادي الأرواح» (ص: ٢٣٠).","vol":"5","page":96},{"text":"وأخرج (أبو نعيم) عن أبي هريرة مرفوعًا: «رائحة الجنة توجد من مسيرة خمسمائة عام» (١).\nوأخرج الطبراني عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام والله لا يجدها عاق، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء» (٢).\nوأخرج أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو ﵄: «من ادعى إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام» (٣).\nأخرج الطبراني، وأبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا قال: «تراح رائحة الجنة من مسيرة خمسمائة عام، ولا يجد ريحها منان بعمله، ولا عاق، ولا مدمن خمر» (٤).\nوأخرج أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه عن أبي هريرة مرفوعًا: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (٥).\n... والجمع بين هذه الأحاديث أنه يختلف ذلك باختلاف الشام، وهذا الذي أومأ إليه المحقق في (حادي الأرواح) (٦) حيث قال: (وهذه الألفاظ لا تعارض بينها والله الموفق).\nقال في (حادي الأرواح) (٧): (وأشهد الله سبحانه عباده في هذه الدار آثارًا من آثار الجنة، وأنموذجًا منها من الرائحة الطيبة، واللذات المشتهاه، والمناظر البهية، والفاكهة الحسنة، والنعيم والسرور، وقرة العين).\nوأخرج أبو نعيم عن جابر ﵁ مرفوعًا: «يقول الله ﷿ للجنة: طيبي لأهلك فتزداد طيبًا. فذلك البرد الذي يجده الناس بالسحر من ذلك» (٨)، كما جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وأحزانها مذكرة بنار الآخرة قال تعالى في هذه النار: نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا [الواقعة: ٧٣].\nوأخبر الصادق ﷺ أن: «شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم» (٩). فلابد أن يشهد عباده أنفاس جنته، وما يذكرهم بها، والله المستعان. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١٠٧٥\n_________\n(١) رواه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٠٧) وفي «صفة الجنة» (٢/ ٤٢)، والحديث أصله في مسلم (٢١٢٨).\n(٢) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٦/ ١٨) (٥٦٦٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٢٨): فيه محمد بن كثير الكوفي وهو ضعيف جدا، وقال في (٨/ ١٥١): [فيه] محمد بن كثير عن جابر الجعفي وكلاهما ضعيف جدا.\n(٣) رواه ابن ماجه (٥١٧). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٧٢): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه»: ضعيف والمحفوظ في هذا الحديث سبعين عاما، وقال الوادعي في «الصحيح المسند» (٧٨٧): جيد.\n(٤) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٥/ ١٥٩) (٤٩٣٨)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٣٠٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٥١): فيه الربيع بن بدر وهو متروك.\n(٥) رواه أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٠٦)، وأحمد (٢/ ٣٣٨) (٨٤٣٨)، والحاكم (١/ ١٦٠). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح سنده ثقات على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده النووي في «المجموع» (١/ ٢٣).\n(٦) «حادي الأرواح» (ص: ٢٢٩).\n(٧) «حادي الأرواح» (ص: ٢٣١).\n(٨) رواه أبو نعيم في «صفة الجنة» (٢٠).\n(٩) رواه البخاري (٥٣٣ - ٥٣٤)، من حديث أبي هريرة وابن عمر. ومسلم (٦١٥)، (٦١٧).","vol":"5","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1451>الفرع الأول: كثرة أشجار الجنة وثمارها</span>\nأشجار الجنة كثيرة طيبة متنوعة، وقد أخبرنا الحق أن في الجنة أشجار العنب والنخل والرمان، كما فيها أشجار السدر والطلح، إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا [النبأ:٣١ - ٣٢]، فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمانٌ [الرحمن:٦٨]، وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ وَمَاء مَّسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ [الواقعة:٢٧ - ٣٢]، والسدر هو شجر النبق الشائك، ولكنه في الجنة مخضود شوكه، أي منزوع. والطلح: شجر من شجر الحجاز من نوع العضاه فيه شوك، ولكنه في الجنة منضود معد للتناول بلا كد ولا مشقة.\nوهذا الذي ذكره القرآن من أشجار الجنان شيء قليل مما تحويه تلك الجنان، ولذا قال الحق: فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن: ٥٢] ولكثرتها فإن أهلها يدعون منها بما يريدون، ويتخيرون منها ما يشتهون مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ [ص:٥١] وَفَاكِهَةٍ مِّما يَتَخَيَّرُونَ [الواقعة:٢٠] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِما يَشْتَهُونَ [المرسلات:٤١ - ٤٢]، وبالجملة فإن في الجنة من أنواع الثمار والنعيم كل ما تشتهيه النفوس وتلذه العيون يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:٧١].\nوقال ابن كثير كلامًا لطيفًا دلل فيه على عظيم ثمار الجنة، إذ استنتج أن الله نبه بالقليل على الكثير، والهين على العظيم عندما ذكر السدر والطلح، قال: (وإذا كان السدر الذي في الدنيا لا يثمر إلا ثمرة ضعيفة وهو النبق، وشوكه كثير، والطلح الذي لا يراد منه في الدنيا إلا الظل، يكونان في الجنة في غاية من كثرة الثمار وحسنها، حتى إن الثمرة الواحدة منها تتفتق عن سبعين نوعًا من الطعوم، والألوان، التي يشبه بعضها بعضًا، فما ظنك بثمار الأشجار، التي تكون في الدنيا حسنة الثمار، كالتفاح، والنخل، والعنب، وغير ذلك؟ وما ظنك بأنواع الرياحين، والأزاهير؟ وبالجملة فإن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله منها من فضله).\nوأشجار الجنة دائمة العطاء، فهي ليست كأشجار الدنيا تعطي في وقت دون وقت، وفصل دون فصل، بل هي دائمة الإثمار والظلال مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النارُ [الرعد: ٣٥] وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة:٣٢ - ٣٣] أي دائمة مستمرة، وهي مع دوامها لا يمنع عنها أهل الجنة. ومن لطائف ما يجده أهل الجنة عندما تأتيهم ثمارها أنهم يجدونها تتشابه في المظهر، ولكنها تختلف في المخبر، كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:٢٥].\nوأشجار الجنة ذات فروع وأغصان باسقة نامية وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ [الرحمن:٤٦ - ٤٨]، وهي شديدة الخضرة: وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن:٦٢ - ٦٤]، ولا توصف الجنة بأنها مدهامة إلا إذا كانت أشجارها مائلة إلى السواد من شدة خضرتها، واشتباك أشجارها. أما ثمار تلك الأشجار فإنها قريبة دانية مذللة ينالها أهل الجنة بيسر وسهولة، مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن:٥٤]، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا [الإنسان:١٤]. أما ظلها فكما قال تعالى: وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًاّ ظَلِيلًا [النساء:٥٧]، ووَظِلٍّ مَّمْدُودٍ [الواقعة:٣٠]، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [المرسلات:٤١] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٧٦","vol":"5","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1452>الفرع الثاني: وصف بعض شجر الجنة</span>\nحدثنا الرسول - ﷺ - عن بعض شجر الجنة حديثًا عجبًا ينبيك عن خلق بديع هائل يسبح الخيال في تقديره والتعرف عليه طويلًا، ونحن نسوق لك بعض ما حدثنا به الرسول ﷺ. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٧٩\n- الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مائة عام\nهذه شجرة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقها، وقد بين الرسول - ﷺ - عظم هذه الشجرة بأن أخبر أن الراكب لفرس من الخيل التي تعد للسباق يحتاج إلى مائة عام حتى يقطعها إذا سار بأقصى ما يمكنه، ففي (الصحيحين) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام وما يقطعها» (١)\nوفي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ – قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، واقرؤوا إن شئتم: (وظل ممدود) [الواقعة:٣٠]». (٢)\nورواه مسلم عن أبي هريرة وسهل بن سعد عن رسول الله - ﷺ – قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها» (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٧٩\n- سدرة المنتهى\nوهذه الشجرة ذكرها الحق في محكم التنزيل، وأخبر الحق أن رسولنا محمدًا - ﷺ - رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها عندها، وأن هذه الشجرة عند جنة المأوى، كما أعلمنا أنه قد غشيها ما غشيها مما لا يعلمه إلا الله عندما رآها الرسول - ﷺ -: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:١٣ - ١٧].\nوقد أخبرنا الرسول - ﷺ - عن هذه الشجرة بشيء مما رآه: «ثم رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. قال: (أي جبريل) هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان، ونهران ظاهران، قلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات». رواه البخاري ومسلم. (٤) وفي (الصحيحين) أيضًا: «ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، ونبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، تكاد الورقة تغطي هذه الأمة، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك». (٥). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٠\n- شجرة طوبى\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٥٣)، ومسلم (٢٨٢٨).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٥٢)، ومسلم (٢٨٢٦).\n(٣) رواه البخاري (٣٢٥١)، ومسلم (٢٨٢٦).\n(٤) رواه البخاري (٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤).\n(٥) رواه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤).","vol":"5","page":99},{"text":"وهذه شجرة عظيمة كبيرة تصنع ثياب أهل الجنة، ففي (مسند أحمد)، و(تفسير ابن جرير)، و(صحيح ابن حبان) عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله - ﷺ - قال: «طوبى شجرة في الجنة، مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» (١) وقد دل على أن ثياب أهل الجنة تشقق عنها ثمار الجنة – الحديث الذي يرويه أحمد في (مسنده) عن عبدالله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن ثياب أهل الجنة خلقًا تخلق، أمن نسجًا تنسج؟ فضحك بعض القوم، فقال رسول الله ﷺ: «ومم تضحكون، من جاهل سأل عالمًا؟ ثم أكب رسول الله - ﷺ - ثم قال: أين السائل؟ قال: هو ذا أنا يا رسول الله، قال: لا بل تشقق عنها ثمر الجنة، ثلاث مرات». (٢) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٠\n- سيد ريحان الجنة\nأخبرنا الله أن في الجنة ريحانًا فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ [الواقعة: ٨٨ - ٨٩]، وأخبرنا الرسول - ﷺ - أن سيد ريحان أهل الجنة الحناء، ففي (معجم الطبراني الكبير) بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبدالله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: «سيد ريحان الجنة الحناء» (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨١\n- سيقان أشجار الجنة من ذهب\nومن عجب ما أخبرنا به الرسول - ﷺ - أن سيقان أشجار الجنة من ذهب، ففي (سنن الترمذي)، و(صحيح ابن حبان)، و(سنن البيهقي)، بإسناد صحيح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب» (٤) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٢\n- كيف يكثر المؤمن حظه من أشجار الجنة؟\nطلب خليل الرحمن أبو الأنبياء إبراهيم ﵇ من نبينا محمد - ﷺ - في ليلة الإسراء أن يبلغ أمته السلام وأن يخبرهم بالطريقة التي يستطيعون بها تكثير حظهم من أشجار الجنة، فقد روى الترمذي بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ: «لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك أن الجنة أرض طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» (٥) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٢\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٧١)، والطبري في «تفسيره» (١٣/ ١٠١)، وابن حبان (٢٦٢٥). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٨٥): سنده لا بأس به في الشواهد.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٢٤) (٧٠٩٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٣/ ٤٤١) (٥٨٧٢)، قال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وانظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (١٩٨٥).\n(٣) لم أجده في المطبوع من الطبراني ولعله في المفقود منه. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٥٧): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح خلا عبدالله بن أحمد بن حنبل وهو ثقة مأمون. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٤٢٠): سنده صحيح على شرط الشيخين.\n(٤) رواه الترمذي (٢٥٢٥)، وابن حبان (١٦/ ٤٢٥). وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي سعيد ﵁. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٥) رواه الترمذي (٣٤٦٢)، والطبراني (١٠/ ١٧٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود، وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٤٣٩) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن.","vol":"5","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1453>المطلب الثاني عشر: دواب الجنة وطيورها</span>\nفي الجنة من الطيور والدواب مالا يعلمه إلا الله تعالى، قال تعالى فيما يناله أهل الجنة من النعيم وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّما يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة: ٢١ - ٢٢]، وفي (سنن الترمذي) عن أنس قال: سئل رسول الله - ﷺ - ما الكوثر؟ قال: «ذاك نهر أعطانيه الله – يعني في الجنة – أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر». قال عمر: إن هذه لناعمة، قال رسول الله - ﷺ: «أكلتها أنعم منها». (١) وأخرج أبو نعيم في (الحلية)، والحاكم في (مستدركه) عن ابن مسعود قال: «جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله هذه الناقة في سبيل الله. فقال: لك بها سبعمائة ناقة مخطومة في الجنة». (٢). ورواه مسلم في (صحيحه) عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة». (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٣\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥٤٢)، وأحمد (٣/ ٢٢٠) (١٣٣٣٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.\n(٢) رواه الحاكم (٢/ ٩٩)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ١١٦). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجه البخاري. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦٣٤): وهو كما قالا.\n(٣) رواه مسلم (١٨٩٢).","vol":"5","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1455>المطلب الأول: بعض الأعمال التي استحقوا بها الجنة</span>\nأصحاب الجنة هم المؤمنون الموحدون، فكل من أشرك بالله أو كفر به، أو كذب بأصل من أصول الإيمان فإنه يحرم من الجنان، ويكون في النيران.\nوالقرآن يذكر كثيرًا أن أصحاب الجنة هم المؤمنون الذين يعملون الصالحات، وفي بعض الأحيان يفصل الأعمال الصالحة التي يستحق بها صاحبها الجنة. ومن المواضع التي نص القرآن على استحقاق أهل الجنة الجنة بالإيمان والأعمال الصالحة قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَناتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٥]. وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَناتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًاّ ظَلِيلًا [النساء: ٥٧]، وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الأعراف: ٤٢]، وقوله: وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَناتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَناتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ٧٢]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَناتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: ٩ - ١٠]. وقوله تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَناتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: ٣١]. وقوله تعالى: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَناتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى [طه: ٧٥ - ٨٦]. وفي بعض الأحيان يذكر أنهم استحقوا الجنة لتحقيقهم أمرًا من أمور الإيمان أو عملًا صالحًا، وقد يفصل في الأعمال الصالحة، ويطيل في ذلك. ففي بعض الأحيان يذكر أنهم استحقوا الجنة بالإيمان والإسلام يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف:٦٨ - ٧٠]. وأحيانًا يذكر أنهم استحقوها لأنهم أخلصوا دينهم لله: إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ فِي جَناتِ النَّعِيمِ [الصافات: ٤٠ - ٤٣].","vol":"5","page":102},{"text":"وأحيانًا يذكر استحقاقهم لها لقوة ارتباطهم بالله ورغبتهم إليه وعبادتهم له إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِما رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٥ - ١٨]. ومن الأعمال الصبر والتوكل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [العنكبوت: ٥٨ - ٥٩]. ومنها الاستقامة على الإيمان: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأحقاف: ١٣ - ١٤]، ومنها الإخبات إلى الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [هود: ٢٣]، ومن ذلك الخوف من الله: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦]. ومن ذلك بغض الكفرة المشركين، وعدم موادتهم لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَناتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢]. وفي بعض الأحيان تفصل الآيات في ذكر الأعمال الصالحة التي يستحق بها أصحابها الجنة تفصيلًا كثيرًا، فذكر في سورة الرعد أنهم استحقوها باعتقادهم أن ما أنزل على الرسول - ﷺ - هو الحق، وبوفائهم بالعهود، وعدم نقضهم الميثاق، ووصلهم ما أمر الله بوصله، وخشيتهم لله، وخوفهم من سوء الحساب، وصبرهم لله، وإقام الصلاة، والإنفاق سرًا وعلانية، ودرئهم بالحسنة السيئة أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِما رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدار [الرعد: ١٩ - ٢٤] وفي مطلع سورة المؤمنون حكم أن الفلاح إنما هو للمؤمنين، ثم بين الأعمال التي تؤهلهم للفلاح، وأعلمنا أن فلاحهم إنما يكون بإدخالهم الفردوس خالدين فيها أبدًا. قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: ١ – ١١]. وقد حدثنا الرسول - ﷺ - عن ثلاثة أعمال عظيمة يستحق بها أصحابها الجنة، فقد روى مسلم في (صحيحه) عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله - ﷺ - قال ذات يوم في خطبته: «... وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال». (١) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٥\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٦٥).","vol":"5","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1456>المطلب الثاني: طريق الجنة شاق</span>\nالجنة درجة عالية، والصعود إلى العلياء يحتاج إلى جهد كبير، وطريق الجنة فيه مخالفة لأهواء النفوس ومحبوباتها، وهذا يحتاج إلى عزيمة ماضية، وإرادة قوية، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره» ولمسلم حفت بدل حجبت (١) وفي (سنن النسائي) و(الترمذي) و(أبي داود) عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فحفها بالمكاره، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد» (٢) وقد علق النووي في (شرحه على مسلم) على الحديث الأول قائلًا: هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها - ﷺ - من التمثيل الحسن، ومعناه لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات، فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادة، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات، ونحو ذلك \" (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٩٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٨٧)، ومسلم (٢٨٢٢) بلفظ: (حفت) بدلا من (حجبت).\n(٢) رواه أبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠)، والنسائي (٧/ ٣)، وأحمد (٢/ ٣٣٢) (٨٣٧٩)، والحاكم (١/ ٧٩). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.\n(٣) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٧/ ١٦٥).","vol":"5","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1457>المطلب الثالث: أهل الجنة يرثون نصيب أهل النار في الجنة</span>\nجعل الله لكل واحد من بني آدم منزلين: منزلًا في الجنة، ومنزلًا في النار، ثم إن من كتب له الشقاوة من أهل الكفر والشرك يرثون منازل أهل الجنة التي كانت لهم في النار، والذين كتب لهم السعادة من أهل الجنة يرثون منازل أهل النار التي كانت لهم في الجنة، قال تعالى في حق المؤمنين المفلحين بعد أن ذكر أعمالهم التي تدخلهم الجنة: أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠ - ١١].\nقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: \" قال ابن أبي حاتم – وساق الإسناد إلى أبي هريرة ﵁ – قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار وَرثَ أهل الجنة منزله، فذلك قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ [المؤمنون: ١٠]» (١). وقال ابن جُرَيْج، عن لَيْث، عن مجاهد: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ قال: «ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني بيته الذي في الجنة، ويهدم بيته الذي في النار» (٢). وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك، فالمؤمنون يرثون منازل الكفار، لأنهم خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له، فلما قام هؤلاء بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له، أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم ﷿، بل أبلغ من هذا أيضًا، وهو ما ثبت في (صحيح مسلم) عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: «يجيء ناس يوم القيامة من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى» (٣) وفي لفظ له: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقال: هذا فكاكك من النار» (٤). وهذا الحديث كقوله تعالى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم:٦٣] وقوله: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف: ٧٢] (٥) فهم يرثون نصيب الكفار في الجنان. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٩٢\n_________\n(١) انظر: «تفسير ابن أبي حاتم» (١٢/ ٢١٣)، و«تفسير ابن كثير» (٥/ ٤٦٤). والحديث رواه ابن ماجه (٤٣٤١). وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧): هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) رواه الطبري في «تفسيره» (١٩/ ١٣).\n(٣) رواه مسلم (٢٧٦٧) (٥١).\n(٤) رواه مسلم (٢٧٦٧) (٤٩).\n(٥) انظر: «تفسير ابن كثير» (٥/ ٤٦٤ - ٤٦٥).","vol":"5","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1458>المطلب الرابع: الضعفاء أكثر أهل الجنة</span>\nأكثر من يدخل الجنة الضعفاء الذين لا يأبه الناس لهم، ولكنهم عند الله عظماء، لإخباتهم لربهم، وتذللهم له، وقيامهم بحق العبودية لله، روى البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ قالوا: بلى، قال: كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره» (١). قال النووي في شرحه للحديث: ومعناه يستضعفه الناس، ويحتقرونه، ويتجبرون عليه، لضعف حاله في الدنيا، والمراد أن أغلب أهل الجنة هؤلاء ... وليس المراد الاستيعاب (٢) وفي (الصحيحين) و(مسند أحمد) عن أسامة بن زيد، قال: رسول الله - ﷺ -: «قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء». (٣) وفي (الصحيحين) عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» (٤) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٩٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩١٨)، ومسلم (٢٨٥٣).\n(٢) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٧/ ١٨٧).\n(٣) رواه البخاري (٥١٩٦)، ومسلم (٢٧٣٦).\n(٤) رواه البخاري (٦٤٤٩)، ومسلم (٢٧٣٧).","vol":"5","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1459>المطلب الخامس: هل الرجال أكثر في الجنة أم النساء</span>؟\nتخاصم الرجال والنساء في هذا والصحابة أحياء، ففي (صحيح مسلم) عن ابن سيرين قال: اختصم الرجال والنساء: أيهم أكثر في الجنة؟ وفي رواية: إما تفاخروا، وإما تذاكروا: الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فسألوا أبا هريرة، فاحتج أبو هريرة على أن النساء في الجنة أكثر بقول الرسول - ﷺ -: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرئٍ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب». (١) والحديث واضح الدلالة على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال، وقد احتج بعضهم على أن الرجال أكثر بحديث: «رأيتكن أكثر أهل النار» (٢). والجواب أنه لا يلزم من كونهن أكثر أهل النار أن يكن أقل ساكني الجنة كما يقول ابن حجر العسقلاني (٣)، فيكون الجمع بين الحديثين أن النساء أكثر أهل النار وأكثر أهل الجنة، وبذلك يكن أكثر من الرجال وجودًا في الخلق. ويمكن أن يقال: إن حديث أبي هريرة يدل على أن نوع النساء في الجنة أكثر سواء كن من نساء الدنيا أو من الحور العين، والسؤال هو: أيهما أكثر في الجنة: رجال أهل الدنيا أم نساؤها؟ وقد وفق القرطبي بين النصين بأن النساء يكن أكثر أهل النار قبل الشفاعة وخروج عصاة الموحدين من النار، فإذا خرجوا منها بشفاعة الشافعين ورحمة أرحم الراحمين كن أكثر أهل الجنة.\nويدل على قلة النساء في الجنة ما رواه أحمد وأبو يعلى عن عمرو بن العاص قال: «بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - في هذا الشعب إذ قال: انظروا هل ترون شيئا؟ فقلنا: نرى غربانًا فيها غراب أعصم، أحمر المنقار والرجلين، فقال رسول الله - ﷺ -: لا يدخل الجنة من النساء إلا من كان منهن مثل هذا الغراب في الغربان». (٤) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٩٥\nقال في (حادي الأرواح) (٥): فإن كن من نساء الدنيا فالنساء في الدنيا أكثر من الرجال، وإن كن من الحور العين لم يلزم أن يكن في الدنيا أكثر، والظاهر أنهن من الحور العين لما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: «للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب» (٦).\nفإن قيل: كيف هذا مع حديث جابر المتفق عليه: «شهدت مع رسول الله ﷺ العيد صلى قبل أن يخطب بغير أذان ولا إقامة، ثم خطب بعدما صلى فوعظ الناس وذكرهم، ثم أتى النساء فوعظهن ومعه بلال فذكرهن، وأمرهن بالصدقة قال: فجعلت المرأة تلقي خاتمها، وخرصها، والشيء كذلك، فأمر النبي ﷺ بلالًا فجمع ما هناك. قال: إن منكن في الجنة ليسير، فقالت امرأة: يا رسول الله لم؟ قال: إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير» (٧) وفي الحديث الآخر: «إن أقل ساكني الجنة النساء» (٨).\nفالجواب كما في (حادي الأرواح): (إن هذا يدل على أنهن إنما كن في الجنة أكثر بالحور العين اللاتي خلقن في الجنة، وأقل ساكنيها باعتبار نساء الدنيا، فنساء الدنيا أقل أهل الجنة، وأكثر أهل النار) (٩). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١٠٣٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٣٤).\n(٢) رواه البخاري (١٤٦٢)، ومسلم (٨٠).\n(٣) انظر: «فتح الباري» (٦/ ٣٢٥).\n(٤) رواه أحمد (٤/ ١٩٧) (١٧٨٠٥)، وأبو يعلى (١٣/ ٢٧١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٧٤): ورجال أحمد ثقات. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٨٥٠): هذا سند صحيح.\n(٥) «حادي الأرواح» (ص: ١٨٠).\n(٦) رواه أحمد (٢/ ٣٤٥) (٨٥٢٣). قال شعيب الأرناؤوط محقق المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٧) رواه البخاري (٩٧٨)، ومسلم (٨٨٥).\n(٨) رواه مسلم (٢٧٣٨).\n(٩) «حادي الأرواح» (ص: ١٨٠ - ١٨١).","vol":"5","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1460>المطلب السادس: مقدار ما يدخل الجنة من هذه الأمة</span>\nيدخل من هذه الأمة الجنة جموع كثيرة الله أعلم بعددهم، ففي (صحيح البخاري) عن سعيد بن جبير قال: حدثني ابن عباس، قال: قال النبي - ﷺ -: «عرضت علي الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفًا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب» (١) والسواد الأول الذي ظنه الرسول - ﷺ - أمته هم بنو إسرائيل، كما في بعض الروايات في (الصحيح) «فرجوت أن تكون أمتي فقيل: هذا موسى وقومه». (٢) ولا شك أن أمة محمد - ﷺ - أكثر من بني إسرائيل، ففي الحديث: «فإذا سواد كثير» قال ابن حجر في رواية سعيد بن منصور «عظيم» وزاد «فقيل لي: انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر مثله»، وفي رواية ابن فضيل: «فإذا سواد قد ملأ الأفق، فقيل لي: انظر هاهنا، وهاهنا في آفاق السماء» (٣) وفي حديث ابن مسعود: «فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال» (٤)، وفي لفظ لأحمد: «فرأيت أمتي قد ملؤوا السهل والجبل، فأعجبني كثرتهم وهيئتهم، فقيل: أرضيت يا محمد؟ قلت: نعم يا رب» (٥) وقد ورد في بعض الأحاديث أن مع كل ألف من السبعين ألفًا سبعين ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات الله، ففي (مسند أحمد)، و(سنن الترمذي) و(ابن ماجه) عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم، ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات ربي» (٦)، ولا شك أن الثلاث حثيات تدخل الجنة خلقًا كثيرًا. وقد كان رسولنا - ﷺ - يرجو أن تكون هذه الأمة نصف أهل الجنة، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري عن الرسول - ﷺ - في ذكر بعث النار، قال صلوات الله وسلامه عليه في آخره: «والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة \" فكبرنا. فقال: \" أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة \"، فكبرنا. فقال: \" أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة \" فكبرنا. قال: \" ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود» (٧)\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٤١).\n(٢) رواه البخاري (٥٧٠٥).\n(٣) رواه البخاري (٥٧٠٥).\n(٤) رواه أحمد (١/ ٤٠١) (٣٨٠٦)، وابن حبان (١٦/ ٣٤١)، والطبراني (١٠/ ٦)، والطيالسي (١/ ٥٣)، قال ابن كثير في «التفسير» (٢/ ٧٩): إسناده صحيح من هذا الوجه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤٠٨): [روي] بأسانيد وأحد أسانيده رجاله رجال الصحيح، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد»: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الموارد» (٢٢٣٥).\n(٥) رواه أحمد (١/ ٤٥٤) (٤٣٣٩)، والحاكم (٤/ ٤٦٠)، وأبو يعلى (٩/ ٢٣٣)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد من أوجه ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٦) رواه الترمذي (٢٤٣٧)، وأحمد (٥/ ٢٦٨) (٢٢٣٥٧)، وابن ماجه (٤٢٨٦). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ١٧٢) - كما ذكر ذلك في المقدمة - وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٧) رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢) ..","vol":"5","page":108},{"text":"بل ورد في بعض الأحاديث أن هذه الأمة تبلغ ثلثي أهل الجنة، ففي (سنن الترمذي) بإسناد حسن، و(سنن الدارمي)، و(البعث والنشور) للبيهقي عن بريدة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم» (١) وفي (صحيح مسلم) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا أول شفيع في الجنة لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيًا ما صدقه من أمته إلا رجل واحد» (٢) والسر في كثرة من آمن من هذه الأمة أن معجزة الرسول - ﷺ - الكبرى كانت وحيًا متلوًا يخاطب العقول والقلوب، وهي معجزة باقية محفوظة إلى قيام الساعة، ففي (الصحيحين) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلي، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٠٦\nوأخرج عبد الله ولد الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: «لما نزلت ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ قال رسول الله ﷺ: أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة» (٤) قال الطبراني: تفرد به ابن المبارك عن الثوري.\nواعلم أنه لا تنافي بين هذه الروايات، وبين حديث الشطر؛ لأنه ﷺ رجا أن يكونوا شطر أهل الجنة فأعطاه الله رجاءه، وزاده عليه شيئًا آخر قاله في (حادي الأرواح). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١٠٣٥\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥٤٦)، وابن ماجه (٤٢٨٩)، والدارمي (٢/ ٤٣٤)، وابن حبان (١٦/ ٤٩٩)، وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٢١١) - كما ذكر ذلك في المقدمة – وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٢) رواه مسلم (١٩٦).\n(٣) رواه البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢).\n(٤) رواه أحمد (٢/ ٣٩١) (٩٠٦٩)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ١١١). وقال: تفرد برفعه ابن مبارك عن الثوري فيما قاله سليمان، وقال شعيب الأرناؤوط محقق المسند: حسن لغيره.","vol":"5","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1461>المطلب السابع: أعلى أهل الجنة منزلة</span>\nوأما أعلى أهل الجنة منزلة فهو نبينا محمد ﷺ. قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ [البقرة: ٢٥٣] قال مجاهد وغيره: (منهم من كلم الله موسى، ورفع بعضهم درجات هو محمد ﷺ)، وفي حديث الإسراء المتفق عليه أنه ﷺ لما جاوز موسى قال: «رب لم أظن أن يرفع علي أحد» (١) ثم علا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى.\nوفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٢).\nوفي صحيح مسلم أيضًا عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا: «إن موسى ﵇ سأل ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال: (يعني الله ﷾) رجل (أي: هو رجل) يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله. فقال في الخامسة: رضيت رب. قال: رب فأعلاهم منزلة. قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر» (٣).\nوأخرج الترمذي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى خيامه، وأزواجه، ونعمه، وخدمه، وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم قرأ رسول الله ﷺ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]» (٤). ولهذا الحديث طرق، وروي موقوفًا على ابن عمر، ومرفوعًا كما هنا والله ﷾ أعلم. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١٠٦٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٥١٧)، ومسلم (١٦٢). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٣٨٤).\n(٣) رواه مسلم (١٨٩).\n(٤) رواه الترمذي (٣٣٣٠)، وأحمد (٢/ ٦٤) (٥٣١٧). قال الترمذي: غريب، وصححه الشوكاني في «الفتح الرباني» (٢/ ٧٦٦).","vol":"5","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1463>المطلب الأول: سيدا كهول أهل الجنة</span>\nروى جمع من الصحابة منهم علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وأبو جحيفة، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري أن الرسول - ﷺ - قال: «أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين» (١) ... الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٥\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٦٦٥)، وابن ماجه (٩٥)، وأحمد (١/ ٨٠) (٦٠٢). من حديث علي بن أبي طالب ﵁. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح. والحديث روي من طرق عن أنس بن مالك، وأبي جحيفة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري ﵃.","vol":"5","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1464>المطلب الثاني: سيدا شباب أهل الجنة</span>\nالحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثبت ذلك من طرق كثيرة تبلغ درجة التواتر ... فقد رواه الترمذي والحاكم والطبراني وأحمد وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» (١). ورواه الترمذي وابن حبان وأحمد والطبراني وغيرهم عن حذيفة ﵁ قال: «أتيت النبي - ﷺ -، فصليت معه المغرب، ثم قام يصلي حتى العشاء، ثم خرج، فاتبعته، فقال: \" عرض لي ملك استأذن ربه أن يسلم عليّ ويبشرني في أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» (٢) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - بتصرف - ص١٨٥\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٦٨)، وأحمد (٣/ ٣) (١١٠١٢)، والحاكم (٣/ ١٨٢)، والطبراني (٣/ ٣٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث قد صح من أوجه كثيرة وأنا أتعجب أنهما لم يخرجاه. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٠٤): رواه أحمد وأبويعلى ورجالهما رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) رواه الترمذي (٣٧٨١)، وأحمد (٥/ ٣٩١) (٢٣٣٧٧)، وابن حبان (١٥/ ٤١٣)، والطبراني (٣/ ٣٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٤٥٧) – كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"5","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1465>المطلب الثالث: سيدات نساء أهل الجنة</span>\nالسيد الحق هو الذي يثني عليه ربه ويشهد له، والسيدة الفاضلة هي التي يرضى عنها ربها، ويتقبلها بقبول حسن، وأفضل النساء هن اللواتي يحزن جنات النعيم، ونساء أهل الجنة يتفاضلن، وسيدات نساء أهل الجنة: خديجة، وفاطمة، ومريم وآسية، ففي (مسند أحمد)، و(مشكل الآثار) للطحاوي، و(مستدرك الحاكم)، بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: «خط رسول الله - ﷺ - في الأرض أربعة أخطط، ثم قال: تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون». (١) ومريم وخديجة أفضل الأربع، ففي (صحيح البخاري) عن علي بن أبي طالب عن النبي - ﷺ - قال: «خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة» (٢) ومريم هي سيدة النساء الأولى وأفضل النساء على الإطلاق، فقد روى الطبراني بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ – «سيدات نساء أهل الجنة بعد مريم ابنة عمران، فاطمة، وخديجة، وآسية امرأة فرعون» (٣). وكونها أفضل النساء على الإطلاق صرح به القرآن: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٤٢]، وكيف لا تكون كذلك وقد صرح الحق بأنه تقبلها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا [آل عمران: ٣٧].\nوهؤلاء الأربع نماذج رائعة للنساء الكاملات الصالحات، فمريم ابنة عمران أثنى عليها ربها في قوله: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم:١٢]. وخديجة الصديقة التي آمنت بالرسول - ﷺ - من غير تردد، وثبتته، وواسته بنفسها ومالها، وقد بشرها ربها في حياتها بقصر في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، فقد روى البخاري في (صحيحه) عن أبي هريرة ﵁ قال: «أتى جبريل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب». (٤)\nوآسية امرأة فرعون هان عليها ملك الدنيا ونعيمها، فكفرت بفرعون وألوهيته، فعذبها زوجها فصبرت حتى خرجت روحها إلى بارئها وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظالِمِينَ [التحريم: ١١]. وفاطمة الزهراء ابنة الرسول - ﷺ - الصابرة المحتسبة التقية الورعة فرع الشجرة الطاهرة، وتربية معلم البشرية. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٥\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣١٦) (٢٩٠٣)، والحاكم (٢/ ٥٣٩)، والطحاوي في «المشكل» (١٢٨). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا اللفظ. ووافقه الذهبي. وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (٢/ ٣٤١): إسناده حسن. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٢٦): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم رجال الصحيح. وصحح إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٥٤٣). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٥٠٨): ورجاله ثقات رجال البخاري غير علباء بن أحمد، فهو من رجال مسلم.\n(٢) رواه البخاري (٣٨١٥).\n(٣) رواه الطبراني (١١/ ٤١٥). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٠٣): ورجال الكبير رجال الصحيح غير محمد بن مروان الذهلي وثقه ابن حبان. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» بعد حديث (١٥٠٨): إسناده صحيح.\n(٤) رواه البخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (٢٤٣٢).","vol":"5","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1466>المطلب الرابع: العشرة المبشرون بالجنة</span>\nنص الرسول - ﷺ - نصًا صريحًا على أن عشرة من أصحابه من أهل الجنة، ففي (مسند أحمد)، و(سنن الترمذي) عن عبدالرحمن بن عوف عن النبي - ﷺ - قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة».وإسناده صحيح (١)\nوروى الحديث الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والضياء في المختارة عن سعيد بن زيد بلفظ فيه شيء من الاختلاف عن سابقه، ولفظه: «عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة» وإسناده صحيح. (٢) وتذكر لنا كتب السنة أن الرسول - ﷺ - كان يومًا جالسًا على بئر أريس وأبو موسى الأشعري بواب له، فجاء أبو بكر الصديق فاستأذن، فقال له الرسول - ﷺ -: «ائذن له وبشره بالجنة ثم جاء عمر فقال: ائذن له، وبشره بالجنة ثم جاء عثمان، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه» (٣) وروى ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: «القائم بعدي في الجنة، والذي يقوم بعده في الجنة، والثالث والرابع في الجنة» (٤). ومراده بالقائم بعده: الذي يلي الحكم بعد موته، وهؤلاء الأربعة هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ جميعًا. وروى الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ «أن الرسول - ﷺ - قال لأبي بكر: \" أنت عتيق من النار» (٥) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٥\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٤٧)، وأحمد (١/ ١٩٣) (١٦٧٥). وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٤٣٦) - كما ذكر في مقدمته -. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ١٣٦): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) رواه أبو داود (٤٦٤٩)، وابن ماجه (١٣٣)، وأحمد (١/ ١٨٨) (١٦٣١). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١/ ١١٠): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٣٦٧٤)، والترمذي (٣٧١٠)، وأحمد (٤/ ٤٠٦) (١٩٦٦٠).\n(٤) رواه ابن عساكر (٣٩/ ١٠٨). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٣١٩): الحديث صحيح.\n(٥) رواه الترمذي (٣٦٧٩)، والحاكم (٣/ ٦٤). وقال الترمذي: هذا حديث غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"5","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1467>المطلب الخامس: بعض من نص على أنهم في الجنة غير من ذكر</span>\n١ - ٢ - جعفر بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب:\nمن الذين أخبر الرسول - ﷺ - أنهم في الجنة جعفر وحمزة، ففي (سنن الترمذي)، و(مسند أبي يعلى)، و(مستدرك الحاكم) وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «رأيت جعفر بن أبي طالب ملكًا يطير في الجنة بجناحين» (١)\nوروى الطبراني، وابن عدي، والحاكم عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: «دخلت الجنة البارحة، فنظرت فيها، فإذا جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة متكئ على سرير». وإسناده صحيح. (٢)\nوقد صح أن الرسول قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب» (٣)\n٣ - عبدالله بن سلام:\nروى أحمد والطبراني والحاكم بإسناد صحيح عن معاذ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عبدالله بن سلام عاشر عشرة في الجنة» (٤).\n٤ - زيد بن حارثة:\nروى الروياني والضياء عن بريدة أن النبي - ﷺ - قال: «دخلت الجنة، فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت؟ قالت: لزيد بن حارثة» (٥)\n٥ - زيد بن عمرو بن نفيل:\nروى ابن عساكر بإسناد حسن عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «دخلت الجنة، فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل درجتين» (٦)\nوزيد هذا كان يدعو إلى التوحيد في الجاهلية، وكان على الحنيفية ملة إبراهيم.\n٦ - حارثة بن النعمان:\nوروى الترمذي والحاكم عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: «دخلت الجنة، فسمعت فيها قراءة، فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، كذلكم البر، كذلكم البر» (٧)\n٧ - بلال بن رباح:\nروى الطبراني وابن عدي بإسناد صحيح عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: «دخلت الجنة، فسمعت خَشفة بين يدي، قلت: ما هذه الخشفة؟ فقيل: هذا بلال يمشي أمامك». (٨)\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٦٣)، وأبو يعلى (١١/ ٣٥٠). وقال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من حديث عبدالله ابن جعفر وقد ضعفه يحيى بن معين وغيره وعبد الله بن جعفر هو والد علي بن المديني وفي الباب عن ابن عباس. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) رواه الطبراني (٢/ ١٠٧)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ٢٣٠) والحاكم (٣/ ٢١٧). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٣٣٦٣): صحيح.\n(٣) رواه الحاكم (٢/ ١٣٠). من حديث جابر بن عبدالله ﵄. وقال: صحيح الإسناد. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٧٤): حديث ثابت.\n(٤) رواه أحمد (٥/ ٢٤٢) (٢٢١٥٧)، والطبراني (٢٠/ ١١٩)، والحاكم (١/ ١٧٧). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وقال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٣/ ٥٤): حسن الإسناد صحيح. وقال ابن حجر في «الإصابة» (٢/ ٣٢١): إسناده جيد. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٣٩٧٥): صحيح.\n(٥) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٩/ ٣٧١). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٨٥٩): وهذا سند صحيح على شرط مسلم، والحديث عزاه في «الجامع» للروياني والضياء في «المختارة» عن بريدة.\n(٦) رواه ابن عساكر (١٩/ ٥١٢). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٤٠٦): وهذا سند حسن.\n(٧) رواه أحمد (٦/ ٣٦) (٢٤١٢٦)، وابن وهب في «الجامع» (١٤٦)، والحاكم (٣/ ٢٢٩). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٩١٣).\n(٨) رواه الطبراني (٨/ ٢٣٦)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢١٣). قال الألباني في «صحيح الجامع» (٣٣٦٩): صحيح.","vol":"5","page":115},{"text":"وفي (المسند) بإسناد صحيح عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: «دخلت الجنة ليلة أسري بي، فسمعت من جانبها وجسًا، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: بلال المؤذن». (١)\n٨ – أبو الدحداح:\nروى مسلم في (صحيحه) وأبو داود والترمذي وأحمد عن جابر بن سمرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «كم من عذق معلق لأبي الدحداح في الجنة» (٢)\nوأبو الدحداح هذا هو الذي تصدق ببستانه: بيرحاء، أفضل بساتين المدينة عندما سمع الله يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٤٥].\n٩ - ورقة بن نوفل:\nروى الحاكم بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تسبوا ورقة بن نوفل، فإني قد رأيت له جنة أو جنتين» (٣)\nوورقة آمن بالرسول - ﷺ - عندما جاءته خديجة بالرسول - ﷺ - في أول مرة، وتمنى على الله أن يدرك ظهور أمر الرسول - ﷺ - لينصره. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٥\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٥٧) (٢٣٢٤). قال ابن كثير في تفسيره: إسناد صحيح ولم يخرجوه. وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: إسناده ضعيف وصحح ابن كثير إسناده في التفسير!. قلنا (الأرناؤوط): ولجله شواهد.\n(٢) رواه مسلم (٩٦٥)، وأبو داود (٣١٧٨)، والترمذي (١٠١٣)، وأحمد (٥/ ٩٠) (٢٠٨٦٦).\n(٣) رواه الحاكم (٢/ ٦٦٦). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٠٥): وهو كما قالا.","vol":"5","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1468>المطلب السادس: الجنة ليست ثمنًا للعمل</span>\nالجنة شيء عظيم، لا يمكن أن يناله المرء بأعماله التي عملها، وإنما تنال برحمة الله وفضله، روى مسلم في (صحيحه) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لن يدخل أحد منكم عمله الجنة قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة». (١) وقد يشكل على هذا النصوص التي تشعر بأن الجنة ثمن للعمل، كقوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، وقوله: تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف: ٤٣]. ولا تعارض بين الآيات وما دل عليه الحديث، فإن الآيات تدل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة، وليست ثمنًا لها. والحديث نفى أن تكون الأعمال ثمنًا للجنة. وقد ضل في هذا فرقتان: الجبرية التي استدلت بالحديث على أن الجزاء غير مرتب على الأعمال، لأنه لا صنع للعبد في عمله، والقدرية استدلوا بالآيات، وقالوا: إنها تدل على أن الجنة ثمن للعمل، وأن العبد مستحق دخول الجنة على ربه بعمله.\nيقول شارح الطحاوية في هذه المسالة: (وأما ترتب الجزاء على الأعمال، فقد ضل فيه الجبرية والقدرية، وهدى الله أهل السنة، وله الحمد والمنة، فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات. فالمنفي في قوله - ﷺ -: «لن يدخل أحد منكم عمله الجنة» – باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله، بل ذلك برحمه الله وفضله. والباء التي في قوله: جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧] وغيرها باء السبب، أي بسبب عملكم، والله تعالى هو خلق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٨٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦).","vol":"5","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1469>المبحث السابع: صفة أهل الجنة ونعيمهم فيها</span>\n• المطلب الأول: نعيم أهل الجنة.\n• المطلب الثاني: طعام أهل الجنة وشرابهم.\n• المطلب الثالث: خمر أهل الجنة.\n• المطلب الرابع: أول طعام أهل الجنة.\n• المطلب الخامس: طعام أهل الجنة وشرابهم لا دنس معه.\n• المطلب السادس: لماذا يأكل أهل الجنة ويشربون ويمتشطون؟.\n• المطلب السابع: آنية طعام أهل الجنة وشرابهم.\n• المطلب الثامن: لباس أهل الجنة وحليهم ومباخرهم.\n• المطلب التاسع: فرش أهل الجنة.\n• المطلب العاشر: خدم أهل الجنة.\n• المطلب الحادي عشر: سوق أهل الجنة.\n• المطلب الثاني عشر: زيارة أهل الجنة ربهم.\n• المطلب الثالث عشر: اجتماع أهل الجنة وأحاديثهم.\n• المطلب الرابع عشر: أماني أهل الجنة.\n• المطلب الخامس عشر: نساء أهل الجنة.\n• المطلب السادس عشر: المرأة لآخر أزواجها.\n• المطلب السابع عشر: الحور العين.\n• المطلب الثامن عشر: غناء الحور العين.\n• المطلب التاسع عشر: غيرة الحور العين على أزواجهنّ في الدنيا.\n• المطلب العشرون: يُعطى المؤمن في الجنة قوة مائة رجل.\n• المطلب الحادي والعشرون: ضحك أهل الجنة من أهل النار.\n• المطلب الثاني والعشرون: التسبيح والتكبير من نعيم أهل الجنة.\n• المطلب الثالث والعشرون: رؤية الله ورضاه أفضل ما يُعطاه أهل الجنة.","vol":"5","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1470>المطلب الأول: نعيم أهل الجنة</span>\nفضل نعيم الجنة على متاع الدنيا\nمتاع الدنيا واقع مشهود، ونعيم الجنة غيب موعود، والناس يتأثرون بما يرون ويشاهدون، ويثقل على قلوبهم ترك ما بين أيديهم إلى شيء ينالونه في الزمن الآتي، فكيف إذا كان الموعود ينال بعد الموت؟ من أجل ذلك قارن الحق ﵎ بين متاع الدنيا ونعيم الجنة، وبين أن نعيم الجنة خير من الدنيا وأفضل، وأطال في ذم الدنيا وبيان فضل الآخرة، وما ذلك إلا ليجتهد العباد في طلب الآخرة ونيل نعيمها. وتجد ذم الدنيا ومدح نعيم الآخرة، وتفضيل ما عند الله على متاع الدنيا القريب العاجل في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ [آل عمران: ١٩٨]، وقوله: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: ١٣١]. وقال في موضع ثالث: زُيِّنَ لِلناسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَناتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد [آل عمران: ١٤ - ١٥]. ولو ذهبنا نبحث في سر أفضلية نعيم الآخرة على متاع الدنيا لوجدناه من وجوه متعددة:\nأولًا: متاع الدنيا قليل، قال تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى [النساء: ٧٧].\nوقد صور لنا الرسول - ﷺ - قلة متاع الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة بمثال ضربه فقال: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار بالسبابة - في اليم، فلينظر بم ترجع» (١). ما الذي تأخذه الإصبع إذا غمست في البحر الخضم، إنها لا تأخذ منه قطرة. هذا هو نسبة الدنيا إلى الآخرة. ولما كان متاع الدنيا قليلًا، فقد عاتب الله المؤثرين لمتاع الدنيا على نعيم الآخرة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ [التوبة: ٣٨].\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٥٨).","vol":"5","page":119},{"text":"الثاني: هو أفضل من حيث النوع، فثياب أهل الجنة وطعامهم وشرابهم وحليهم وقصورهم - أفضل مما في الدنيا، بل لا وجه للمقارنة، فإن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ففي (صحيح البخاري) و(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (١). وفي الحديث الآخر الذي يرويه البخاري ومسلم أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير مما طلعت عليه الشمس» (٢). وقارن نساء أهل الجنة بنساء الدنيا لتعلم فضل ما في الجنة على ما في الدنيا، ففي (صحيح البخاري) عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها» (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٥٠). من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ وليس من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث لم يروه مسلم.\n(٢) رواه البخاري (٢٧٩٣). والحديث لم يروه مسلم.\n(٣) رواه البخاري (٦٥٦٨).","vol":"5","page":120},{"text":"الثالث: الجنة خالية من شوائب الدنيا وكدرها، فطعام أهل الدنيا وشرابهم يلزم منه الغائط والبول، والروائح الكريهة، وإذا شرب المرء خمر الدنيا فقد عقله، ونساء الدنيا يحضن ويلدن، والمحيض أذى، والجنة خالية من ذلك كله، فأهلها لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يبصقون ولا يتفلون، وخمر الجنة كما وصفها خالقها بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشارِبِينَ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٦ - ٤٧] وماء الجنة لا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه أَنْهَارٌ مِّن ماء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد: ١٥]، ونساء أهل الجنة مطهرات من الحيض والنفاس وكل قاذورات نساء الدنيا، كما قال تعالى: وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٥]. وقلوب أهل الجنة صافية، وأقوالهم طيبة، وأعمالهم صالحة، فلا تسمع في الجنة كلمة نابية تكدر الخاطر، وتعكر المزاج، وتستثير الأعصاب، فالجنة خالية من باطل الأقوال والأعمال، (لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ [الطور: ٢٣]، ولا يطرق المسامع إلا الكلمة الصادقة الطيبة السالمة من عيوب كلام أهل الدنيا لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذابًا [النبأ: ٣٥]، لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا [مريم: ٦٢]، لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [الغاشية: ١١]، إنها دار الطهر والنقاء والصفاء الخالية من الأشواب والأكدار، إنها دار السلام والتسليم لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا [الواقعة: ٢٥ - ٢٦]. ولذلك فإن أهل الجنة إذا خلصوا من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، ثم يهذبون وينقون بأن يقتص لبعضهم من بعض، فيدخلون الجنة وقد صفت منهم القلوب، وزال ما في نفوسهم من تباغض وحسد ونحو ذلك مما كان في الدنيا، وفي (الصحيحين) في صفة أهل الجنة عند دخول الجنة «لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا» (١). وصدق الله إذ يقول: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: ٤٧]. والغل: الحقد، وقد نقل عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب أن أهل الجنة عندما يدخلون الجنة يشربون من عين فيذهب الله ما في قلوبهم من غل، ويشربون من عين أخرى فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم. ولعلهم استفادوا هذا من قوله تعالى: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان: ٢١]. الرابع: نعيم الدنيا زائل، ونعيم الآخرة باق دائم، ولذلك سمى الحق ﵎ ما زين للناس من زهرة الدنيا متاعًا، لأنه يتمتع به ثم يزول، أما نعيم الآخرة فهو باق، ليس له نفاد، مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ [النحل: ٩٦]، إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص: ٥٤]، أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا [الرعد: ٣٥]، وقد ضرب الله الأمثال لسرعة زوال الدنيا وانقضائها وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: ٤٥ - ٤٦]. فقد ضرب الله مثلًا لسرعة زوال الدنيا وانقضائها بالماء النازل من السماء الذي يخالط نبات الأرض فيخضر ويزهر ويثمر، وما هي إلا فترة وجيزة حتى تزول بهجته، فيذوي ويصفر، ثم تعصف به الرياح في كل مكان، وكذلك زينة الدنيا من الشباب والمال والأبناء الحرث والزرع ... كلها تتلاشى وتنقضي، فالشباب يذوي ويذهب، والصحة والعافية تبدل هرمًا ومرضًا، والأموال والأولاد قد يذهبون، وقد ينتزع الإنسان من أهله وماله، أما الآخرة فلا رحيل، ولا فناء، ولا زوال وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [النحل: ٣٠ - ٣١].\nالخامس: العمل لمتاع الدنيا ونسيان الآخرة يعقبه الحسرة والندامة ودخول النيران، كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٢٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٤٥)، ومسلم (٢٨٣٤). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1471>المطلب الثاني: طعام أهل الجنة وشرابهم</span>\nوأما طعام أهل الجنة، وشرابهم ومصرفه فقد قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [المرسلات: ٤١ - ٤٢]. وقال تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة: ٢٤]. وقال تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ [الزخرف: ٧٢ - ٧٣]. وقال: مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا [الرعد: ٣٥] وقال تعالى: يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٥ - ٢٦].\nوأخرج مسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يأكل أهل الجنة، ويشربون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون، ولا يبولون، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس» وفيه أيضًا عنه أنهم قالوا للنبي ﷺ: فما بال الطعام؟ قال: «جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والحمد» (١)\nقوله: فما بال الطعام؟ قال: «جشاء» كذا في جميع نسخ مسلم. قال الوقشي ولعله (فمال)؛ لأنه جاء في رواية الزبيدي (أن يهوديًا) يعني حديث ابن أرقم الذي أخرجه الإمام أحمد: قال في (مشارق الأنوار) والبال: يأتي بمعنى الحال كقوله ما بال هذه؟ أي: ما حالها وشأنها؟ فمعناه: ما بال عقبا الطعام؟ وما شأن عقباه؟ وأخرج الإمام أحمد، والنسائي بإسناد صحيح عن زيد بن أرقم قال: «جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون، قال: نعم. والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل، والشرب، والجماع، والشهوة. قال: فإن الذي يأكل، ويشرب يكون له حاجة، وليس في الجنة أذى، قال تكون حاجة أحدهم رشحًا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه» (٢). ورواه الحاكم في صحيحه بنحوه.\nوفي (حادي الأرواح) (٣) عن ابن مسعود ﵁ قال: «قال لي رسول الله ﷺ إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فتشتهيه، فيخر بين يديك مشويًا» (٤).\nوأخرج الحاكم عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن في الجنة طيرًا مثل البخاتي، فقال أبو بكر ﵁: إنها لناعمة يا رسول الله قال: أنعم منها من يأكلها يا أبا بكر». (٥)\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٣٥).\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٣٧١) (١٩٣٣٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٥٤) (١١٤٧٨). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٨١): رواته محتج بهم ي الصحيح، وصحح إسناده العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٣٠٥).\n(٣) «حادي الأرواح» (ص: ٢٦٩).\n(٤) رواه البيهقي في «البعث والنشور» (٣٠٧)، وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (١٠٠)، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٣/ ٧٥). وقال: ليس بمستقيم ولا يتابع عليه.\n(٥) رواه البيهقي في «البعث والنشور» (٣٠٨)، وابن عدي في «الكامل» (٧/ ١٢٢). وقال: [فيه] الفضل بن مختار لا يتابع عليه إما إسنادا وإما متنا.","vol":"5","page":122},{"text":"وفي (حادي الأرواح) (١) عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الواقعة: ١٨] يقول: الخمر لَا فِيهَا غَوْلٌ ولا صداع، وفي قوله: وَلَا يُنزِفُونَ [الواقعة: ١٩] لا تذهب عقولهم، وفي قوله: وَكَأْسًا دِهَاقًا [النبأ: ٣٤] ممتلئة، وفي قوله: رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ [المطففين: ٢٥] يقول: الخمر ختم بالمسك. وقال علقمة عن ابن مسعود ﵁: (ختامه مسك: قال: خلطه وليس بخاتم يختم). قال المحقق: (قلت يريد – والله أعلم – أن آخره مسك، فيخالطه، فهو من الخاتمة ليس من الخاتم). وعن مسروق: (الرحيق: الخمر، والمختوم: يجدون عاقبتها طعم المسك). وقال عبد الله في قوله تعالى: وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] قال: (يمزج لأصحاب اليمين ويشربها المقربون صرفًا) وكذلك قال ابن عباس: (يشرب منها المقربون صرفًا، وتمزج لمن دونهم). وقال عطاء: (التسنيم: اسم العين التي يمزج منها الخمر).\nوقال في (حادي الأرواح) (٢) في قوله تعالى: عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا [الإنسان: ١٨] (قال بعضهم إنها جملة مركبة من فعل وفاعل، وسلسبيلًا: منصوب على المفعول أي: سلسبيلًا إليها قال: وليس هذا بشيء، وإنما السلسبيل كلمة مفردة وهي اسم للعين نفسها باعتبار صفتها).\nوقال قتادة في اشتقاقها: (سلسلة لهم يصرفونها حيث شاؤا)، وهو من الاشتقاق الأكبر. وقال مجاهد: (سلسلة السبيل حديدة الجرية).\nوقال أبو العالية: (تسيل عليهم في الطرق، وفي منازلهم، وهذا من سلاستها، وحدة جريتها). وقال آخرون: معناها طيب الطعم والمذاق. وقال أبو إسحاق: سلسبيل: صفة لما كان في غاية السلاسة فسميت العين بذلك، وصوب ابن الأنباري أن سلسبيل صفة للماء وليس باسم العين، واحتج بأن سلسبيل مصروف، ولو كان اسمًا للعين لمنع من الصرف، وأيضًا فإن ابن عباس ﵄ قال: (معناه أنها تسيل في حلوقهم انسلال) البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١١١٢\n_________\n(١) «حادي الأرواح» (ص: ٢٧٠ - ٢٧١).\n(٢) «حادي الأرواح» (ص: ٢٧٣).","vol":"5","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1472>المطلب الثالث: خمر أهل الجنة</span>\nمن الشراب الذي يتفضل الله على أهل الجنة الخمر، وخمر الجنة خالي من العيوب والآفات التي تتصف بها خمر الدنيا، فخمر الدنيا تذهب العقول، وتصدع الرؤوس، وتوجع البطون، وتمرض الأبدان، وتجلب الأسقام، وقد تكون معيبة في صنعها أو لونها أو غير ذلك، أما خمر الجنة فإنها خالية من ذلك كله، جميلة صافية رائقة، يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشارِبِينَ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٥ - ٤٧]. لقد وصف الله جمال لونها بَيْضَاء ثم بين أنها تلذ شاربها من غير اغتيال لعقله، كما قال: وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشارِبِينَ [محمد:١٨]، ثم إن شاربها لا يمل من شربها لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧]، وقال في موضع آخر يصف خمر الجنة: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ [الواقعة: ١٧ - ١٩]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: (لا تصدع رؤوسهم، ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة، وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، فذكر الله خمر الجنة، ونزهها عن هذه الخصال). (١) وقال الحق في موضع ثالث: يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٥ - ٢٦]، والرحيق الخمر، ووصف هذا الخمر بوصفين: الأول أنه مختوم، أي موضوع عليه خاتم. الأمر الثاني: أنهم إذا شربوه وجدوا في ختام شربهم له رائحة المسك. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٣٠\n_________\n(١) انظر: «تفسير القرآن العظيم» (٧/ ٥٢٠).","vol":"5","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1473>المطلب الرابع: أول طعام أهل الجنة</span>\nأول طعام يُتحِف الله به أهل الجنة زيادة كبد الحوت، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة \" فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي - ﷺ - فنظر النبي - ﷺ - إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال إدامهم بالام ونون. قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا». (١) قال النووي في شرح الحديث ما ملخصه: النزل: ما يعد للضيف عند نزوله، (ويتكفأها بيده)، أي: يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي، لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها، ومعنى الحديث: أن الله تعالى يجعل الأرض كالرغيف العظيم، ويكون طعامًا ونزلًا لأهل الجنة، والنون: الثور، والـ (بالام): لفظة عبرانية، معناها: ثور، وزائدة كبد الحوت: هي القطعة المنفردة المتعلقة في الكبد، وهي أطيبها. (٢) وفي (صحيح البخاري) أن عبدالله بن سلام سأل النبي ﷺ أول قدومه المدينة أسئلة منها: «ما أول شيء يأكله أهل الجنة؟ فقال: زيادة كبد الحوت». (٣) وفي (صحيح مسلم) عن ثوبان أن يهوديًا سأل الرسول - ﷺ - قال: «فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد الحوت. قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين تسمى سلسبيلا» قال: صدقت. (٤) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٣١\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٢٠)، ومسلم (٢٧٩٢).\n(٢) «شرح صحيح مسلم للنووي» (١٧/ ١٣٥).\n(٣) رواه البخاري (٣٩٣٨).\n(٤) رواه مسلم (٣١٥).","vol":"5","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1474>المطلب الخامس: طعام أهل الجنة وشرابهم لا دنس معه</span>\nقد يتبادر إلى الذهن أن الطعام والشراب في الجنة ينتج عنه ما ينتج عن طعام أهل الدنيا وشرابهم من البول والغائط والمخاط والبزاق ونحو ذلك، والأمر ليس كذلك، فالجنة دار خالصة من الأذى، وأهلها مطهرون من أوشاب أهل الدنيا، ففي الحديث الذي يرويه صاحبا (الصحيحين) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال نافيًا هذا الظن: «أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها» (١) وليس هذا خاص بأول زمرة تدخل الجنة، وإنما هو عام في كل من يدخل الجنة، ففي رواية عند مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل، لا يتغوطون، ولا يتبولون، ولا يبزقون». (٢) فالذي يتفاوت فيه أهل الجنة مما نص عليه في الحديث قوة نور كل منهم، أما خلوصهم من الأذى فإنهم يشتركون فيه جميعًا، فهم لا يتغوطون ولا يتبولون، ولا يتفلون، ولا يبزقون، ولا يمتخطون. وقد يقال: فأين تذهب فضلات الطعام والشراب، وقد وجه هذا السؤال إلى الرسول - ﷺ - من قبل أصحابه، فأفاد أن بقايا الطعام والشراب تتحول إلى رشح كرشح المسك يفيض من أجسادهم، كما يتحول بعض منه أيضًا إلى جشاء، ولكنه جشاء تنبعث منه روائح طيبة عبقة عطرة، ففي (صحيح مسلم) عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: يقول: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون، ولا يتبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون\"، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء كجشاء المسك» (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٣٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٤٥)، ومسلم (٢٨٣٤).\n(٢) رواه مسلم (٢٨٣٤).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٣٥).","vol":"5","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1475>المطلب السادس: لماذا يأكل أهل الجنة ويشربون ويمتشطون</span>؟\nإذا كان أهل الجنة فيها خالدون، وكانت خالية من الآلام والأوجاع والأمراض، لا جوع فيها ولا عطش، ولا قاذورات ولا أوساخ، فلماذا يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولماذا يتطيبون ويمتشطون؟\nأجاب القرطبي في التذكرة عن هذا السؤال قائلًا: (نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع، ولا شربهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذّات متوالية، ونعم متتابعة، ألا ترى قوله تعالى لآدم: إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى [طه: ١١٨ - ١١٩]. وحكمة ذلك أن الله تعالى عرفهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله ﷿). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٣٤","vol":"5","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1476>المطلب السابع: آنية طعام أهل الجنة وشرابهم</span>\nوأما آنيتهم فقال تعالى: يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ [الزخرف: ٧١] والصحاف جمع صحفة، وهي القصاع قاله الكلبي، وقال الليث: (الصحفة: قصعة مسلنطحة عريضة، والجمع: صحاف) (١)، والأكواب: جمع كوب هو المستدير الرأس الذي لا أذن له، ومرت الإشارة إليها.\nوقال تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الإنسان: ١٧ - ١٨] فالأباريق هي: الأكواب غير أن لها خراطيم، فإن لم يكن لها خراطيم، ولا عرى فهي أكواب، وأباريق الجنة من الفضة في صفاء القوارير يرى من ظاهرها ما في باطنها، والعرب تسمي السيف إبريقًا لبريق لونه.\nقال تعالى: وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [الإنسان: ١٥ - ١٦] فالقوارير: هو الزجاج، وشفافته، وهذا من أحسن الأشياء وأعجبها، وقطع توهم كون تلك القوارير من زجاج بقوله: مِن فِضَّةٍ [الإنسان: ١٥].\nوأخرج البخاري، ومسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (٢).\nوأخرج أبو يعلى الموصلي عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا فربما رأى الرجل الرؤيا فيسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أثني عليه معروفًا كان أعجب لرؤياه إليه، فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة ارتجت لها الجنة، فنظرت فإذا فلان بن فلان، وفلان بن فلان فسمت اثني عشر رجلًا. كان رسول الله ﷺ قد بعث سرية قبل ذلك، فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيدي، فغمسوا فيه، فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصحفة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من بسره ما شاؤوا، فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم». فجاء البشير من تلك السرية فقال: أصيب فلان، وفلان حتى عدَّ اثني عشر رجلًا فدعا رسول الله ﷺ المرأة فقال: «قصي رؤياك» قصتها وجعلت تقول: جيء بفلان وفلان كما قال» (٣). ورواه الإمام أحمد في مسنده بنحوه. قال في (حادي الأرواح) (٤): (وإسناده على شرط مسلم). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١١٢٠\n_________\n(١) (حادي الأرواح) (ص: ٢٧٧)، «لسان العرب» (مادة: ص ح ف).\n(٢) رواه البخاري (٥٤٢٦).\n(٣) رواه أبو يعلى (٦/ ٤٤) (٣٢٨٩). قال ابن القيم في «حادي الأرواح» (ص: ١٧٦): [روى] بنحوه وإسناده على شرط مسلم، وصححه الألباني في «صحيح الموارد» (١٥١٣).\n(٤) «حادي الأرواح» (ص: ٢٨١).","vol":"5","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1477>المطلب الثامن: لباس أهل الجنة وحليهم ومباخرهم</span>\nأهل الجنة يلبسون فيها الفاخر من اللباس، ويتزينون فيها بأنواع الحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ، فمن لباسهم الحرير، ومن حلاهم أساور الذهب والفضة واللؤلؤ: قال تعالى: وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا [الإنسان: ١٢]، يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج: ٢٣]، جَناتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر: ٣٣]، وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:٢١]. وملابسهم ذات ألوان، ومن ألوان الثياب التي يلبسون الخضر من السندس والإستبرق يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: ٣١]، عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان: ٢١]. ولباسهم أرقى من أي ثياب صنعها الإنسان، فقد روى البخاري في (صحيحه) عن البراء بن عازب ﵄ قال: «أتى الرسول - ﷺ - بثوب من حرير، فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه، فقال رسول الله - ﷺ -: لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا» (١) وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن لأهل الجنة أمشاطًا من الذهب والفضة، وأنهم يتبخرون بعود الطيب، مع أن روائح المسك تفوح من أبدانهم الزاكية، ففي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة عن الرسول ﷺ في صفة الذين يدخلون الجنة: «آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الأَلُوَّة – قال أبو اليمان: عود الطيب – ورشحهم المسك» (٢) ومن حليهم التيجان، ففي (سنن الترمذي) و(ابن ماجه) عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله - ﷺ - في ذكر الخصال التي يُعطاها الشهيد: «ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها» (٣). وثياب أهل الجنة وحليهم لا تبلى ولا تفنى، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ – قال: «من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» (٤). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٣٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٤٩) واللفظ له، ومسلم (٢٤٦٨).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤).\n(٣) رواه الترمذي (١٦٦٣) واللفظ له، وابن ماجه (٢٧٩٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٤) رواه مسلم (٢٨٣٦).","vol":"5","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1478>المطلب التاسع: فرش أهل الجنة</span>\nأعدت قصور الجنة، وأماكن الجلوس في حدائقها وبساتينها بألوان فاخرة رائعة من الفرش للجلوس والاتكاء ونحو ذلك، فالسرر كثيرة راقية والفرش عظيمة القدر بطائنها من الإستبرق، فما بالك بظاهرها، وهناك ترى النمارق مصفوفة على نحو يسر الخاطر، ويبهج النفس، والزرابي مبثوثة على شكل منسق متكامل، قال تعالى: فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية: ١٣ - ١٦]، مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن: ٥٤]، مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الطور: ٢٠]، ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [الواقعة: ١٣ - ١٦]. واتكاؤهم عليها على هذا النحو نوع من النعيم الذي يتمتع به أهل الجنة حين يجتمعون كما أخبر الله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: ٤٧] وقال: مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [الرحمن: ٧٦]، مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ [الكهف: ٣١]. والمراد بالنمارق: المخاد، والوسائد: المساند، والزرابي: البسط، والعبقري: البسط الجياد. والرفرف: رياض الجنة. وقيل: نوع من الثياب، والأرائك: السرر. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٣٨","vol":"5","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1479>المطلب العاشر: خدم أهل الجنة</span>\nيخدم أهل الجنة ولدان ينشئهم الله لخدمتهم، يكونون في غاية الجمال والكمال، كما قال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الواقعة: ١٧ - ١٨]، وقال في موضع آخر: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا [الإنسان: ١٩]. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان أهل الجنة مُّخَلَّدُونَ أي: على حالة واحدة مخلدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، ومن فسرهم بأنهم مخرصون، في آذانهم الأقرطة، فإنما عبر عن المعنى، لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير. وقوله تعالى: إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا [الإنسان: ١٩]، أي إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلوًا منثورًا، ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن). (١) وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هؤلاء الولدان هم الذين يموتون صغارًا من أبناء المؤمنين أو المشركين، وقد رد العلامة ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا القول، وبين أن الولدان المخلدون هم خلق من خلق الجنة قال: (والولدان الذين يطوفون على أهل الجنة: خلق من خلق الجنة ليسوا من أبناء الدنيا، بل أبناء أهل الدنيا إذا دخلوا الجنة كمل خلقهم كأهل الجنة، على صورة أبيهم آدم). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٣٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٣٦).","vol":"5","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1480>المطلب الحادي عشر: سوق أهل الجنة</span>\nأخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم حسنًا وجمالًا.» (١). الإمام أحمد في المسند، وقال: «فيها كثبان المسك فإذا أخرجوا إليها هبت الريح» (٢).\nوأخرج ابن أبي عاصم في كتاب (السنة) أن سعيد بن المسيب لقي أبا هريرة ﵁ فقال أبو هريرة ﵁: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة. فقال سعيد أوفيها سوق؟ قال: نعم. «أخبرني رسول الله ﷺ: إن أهل الجنة إذا دخلوها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله ﵎، فيبرز لهم عرشه، ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة، فيوضع لهم منابر من نور، ومنابر من مسك، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ياقوت، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم (وما فيهم دني) على كثبان المسك والكافور ما يرون أن أصحاب الكرسي بأفضل منهم مجلسًا.\nقال أبو هريرة ﵁: وهل نرى ربنا ﷿؟ قال: نعم هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: لا. قال: فكذلك لا تمارون في رؤية ربكم، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة حتى يقول: يا فلان ابن فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا. فيذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول: بلى أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى فبمغفرتي بلغت منزلتك هذه قال: فبيناهم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبًا لم يجدوا مثل ريحه شيئًا قط قال: ثم يقول ربنا ﵎: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما شئتم. قال: فيأتون سوقًا قد حفت به الملائكة فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على القلوب فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيه، ولا يشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضًا.\nقال: فيقبل ذو البزة المرتفعة، فيلقى من هو دونه (وما فيهم دني) فيروعه ما يرى عليه من اللباس، والهيئة فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها. قال: ثم ننصرف إلى منازلنا: فيلقانا أزواجنا فيقلن: مرحبًا وأهلًا لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه. فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ﷿ وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا» (٣).\nورواه الترمذي في صفة الجنة، وابن ماجه. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١١٢٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٣٣).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٢٨٤) (١٤٠٦٧). وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢١٢٤)، وقال شعيب الأرناؤوط محقق المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٣) رواه ابن أبي عاصم (٥٨٥). قال الهيتمي في «الزواجر» (٢/ ٢٦١): رواته ثقات.","vol":"5","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1481>المطلب الثاني عشر: زيارة أهل الجنة ربهم</span>\nذكر الترمذي عن سعيد بن المسيب أنه لقى أبا هريرة فقال أبو هريرة: «أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، فقال سعيد أفيها سوق؟ قال: نعم، أخبرني رسول الله ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم، ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون ربهم، ويبرز لهم عرشه، ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة، فتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من اللؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم وما فيهم من دني على كثبان المسك والكافور، ما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسًا، قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله وهل نرى ربنا؟ قال: نعم، هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: لا، قال: كذلك لا تتمارون في رؤية ربكم، ولا يبقى في ذلك المجلس رجل (إلا) حاضره الله محاضرة، حتى يقول للرجل فيهم: يا فلان بن فلان أتذكر يوم قلت كذا وكذا، فيذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول: يا رب أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى فبسعة مغفرتي بلغت بك منزلتك هذه. (فبينا) هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيبًا لم يجدوا مثل ريحه شيئًا قط، ويقول ربنا: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما (اشتهيتم)، فنأتي سوقًا قد حفت به الملائكة، (فيه) ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على القلوب، فيحمل لنا ما اشتهينا، ليس يباع فيها ولا يشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضًا قال: فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقى من هو دونه وما فيهم دني فيروعه ما يرى عليه من اللباس (فما) ينقضي آخر حديثه (حتى) يتخيل (عليه) ما هو أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها، ثم ننصرف إلى منازلنا، فتتلقانا أزواجنا فيقلن: مرحبًا وأهلًا لقد جئت وإن (لك) من الجمال أفضل مما فارقتنا عليه، فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ﷻ (ويحق لنا) أن ننقلب ما انقلبنا» (١).\n٥٤١ - وذكر الترمذي من حديث صهيب عن النبي ﷺ في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، قالوا: ألم يبيض وجوهنا؟ ألم ينجنا من النار؟! ألم يدخلنا الجنة؟! قالوا: بلى، فيكشف الحجاب، فوالله ما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه». (٢) العاقبة أو الموت والحشر والنشور لعبد الحق الأشبيلي الآذى– ص: ٣٢٥\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥٤٩). وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٩٣): [فيه] عبد الحميد هو كاتب الأوزاعي مختلف فيه وبقية رواة الإسناد ثقات. وضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي» (٢٥٤٩)، و«ضعيف سنن ابن ماجه» (٥٠٠١)، و«السلسلة الضعيفة» (١٧٢٢).\n(٢) رواه الترمذي (٢٥٥٢). وصححه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٦/ ١١) وابن رجب في «سير الدلجة» (٤/ ٤٣٢). والألباني في صحيح الترمذي (٣١٠٥).","vol":"5","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1482>المطلب الثالث عشر: اجتماع أهل الجنة وأحاديثهم</span>\nأهل الجنة يزور بعضهم بعضًا، ويجتمعون في مجالس طيبة يتحدثون، ويذكرون ما كان منهم في الدنيا، وما من الله به عليهم من دخول الجنان، قال تعالى في وصف اجتماع أهل الجنة: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: ٤٧]، وأخبرنا الله بلون من ألوان الأحاديث التي يتحدثون بها في مجتمعاتهم وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنا كُنا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنا كُنا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيم [الطور: ٢٥ - ٢٧]. ومن ذلك تذكرهم أهل الشر الذين كانوا يشككون أهل الإيمان، ويدعونهم إلى الكفران، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ [الصافات: ٥٠ - ٦١] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٤٢","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1483>المطلب الرابع عشر: أماني أهل الجنة</span>\nيتمنى بعض أهل الجنة فيها أماني تتحقق على نحو عجيب، لا تشبه حال ما يحدث في الدنيا، وقد حدثنا الرسول - ﷺ - عن بعض هذه الأماني وكيفية تحققها.\nفهذا واحد من أهل الجنة يستأذن ربه في الزرع، فيأذن له، فما يكاد يلقي البذر، حتى يضرب بجذوره في الأرض، ثم ينمو، ويكتمل، وينضج في نفس الوقت، ففي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يتحدث – وعنده رجل من أهل البادية -: «إن رجلًا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟. قال: بلى، ولكن أحب الزرع، فبذر، فبادر الطرف نباته. واستواؤه، واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشيًا أو أنصاريًا، فإنهم أصحاب الزرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله - ﷺ –». (١)\nوهذا آخر يتمنى الولد، فيحقق الله له أمنيته في ساعة واحدة، حيث تحمل وتضع في ساعة واحدة.\nوروى الترمذي في (سننه)، وأحمد في (مسنده)، وابن حبان في (صحيحه) بإسناد صحيح عن أبي سعيد أن النبي - ﷺ - قال: «المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة، كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة كما يشتهي» (٢) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٤٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٣٤٨).\n(٢) رواه الترمذي (٢٥٦٣)، وأحمد (٣/ ٩) (١١٠٧٨)، وابن حبان (١٦/ ٤١٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"5","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1484>المطلب الخامس عشر: نساء أهل الجنة</span>\nزوجة المؤمن في الدنيا زوجته في الآخرة إذا كانت مؤمنة\nإذا دخل المؤمن الجنة، فإن كانت زوجته صالحة، فإنها تكون زوجته في الجنة أيضًا: جَناتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّياتِهِمْ [الرعد: ٢٣]، وهم في الجنات منعمون مع الأزواج، يتكئون في ظلال الجنة مسرورين فرحين هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ [يس: ٥٦]، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف: ٧٠]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٤٥","vol":"5","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1485>المطلب السادس عشر: المرأة لآخر أزواجها</span>\nروى أبو علي الحراني في (تاريخ الرقة) عن ميمون بن مهران قال: خطب معاوية بن أبي سفيان ﵁ أم الدرداء، فأبت أن تتزوجه، وقالت: سمعت أن أبا الدرداء يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «المرأة في آخر أزواجها، أو قال: لآخر أزواجها» (١) ورجال هذا الإسناد موثقون غير العباس بن صالح فليس له ترجمة، ورواه أبو الشيخ في (التاريخ) بإسناد صحيح مقتصرًا منه على المرفوع، ورواه الطبراني في (معجمه الأوسط) بإسناد ضعيف، ولكنه بمجموع الطريقين قوي، والمرفوع منه صحيح، وله شاهدان موقوفان: الأول يرويه ابن عساكر عن عكرمة «إن أسماء بنت أبي بكر كانت تحت الزبير بن العوام، وكان شديدًا عليها، فأتت أباها، فشكت ذلك إليه، فقال: يا بنية اصبري، فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح، ثم مات عنها، فلم تزوج بعده جمع بينهما في الجنة» (٢). ورجاله ثقات إلا أن فيه إرسالًا لأن عكرمة لم يدرك أبا بكر إلا أن يكون تلقاه عن أسماء. والآخر أخرجه البيهقي في (السنن) أن حذيفة قال لزوجته: «إن شئت أن تكوني زوجتي في الجنة، فلا تزوجي بعدي، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا» (٣). فلذلك حرم الله على أزواج النبي - ﷺ - أن ينكحن من بعده، لأنهن أزواجه في الآخرة. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٤٥\n_________\n(١) رواه أبو علي الحراني في «تاريخ الرقة» (٣/ ٣٩)، ورواه الطبراني في «الأوسط» (٣/ ٢٧٥)، وأبو الشيخ في «طبقات المحدثين» (١١٢٠). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٢٨١): قوي بالطرق.\n(٢) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٩/ ١٦). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» بعد حديث (١٢٨١). ورجاله ثقات إلا أن فيه إرسالا لأن عكرمة لم يدرك أبا بكر إلا أن يكون تلقاه عن أسماء بنت أبي بكر.\n(٣) رواه البيهقي (٧/ ٦٩). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» بعد حديث (١٢٨١): ورجاله ثقات لولا عنعنة أبي إسحاق - وهو السبيعي - واختلاطه. وله شاهد مرفوع أخرجه الخطيب في «التاريخ» (٩/ ٣٢٨) من طريق حمزة النصيبي عن ابن أبي مليكة عن عائشة مرفوعا به. لكن حمزة هذا متروك متهم فلا يستشهد به.","vol":"5","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1486>المطلب السابع عشر: الحور العين</span>\nيزوج الله المؤمنين في الجنة بزوجات جميلات غير زوجاتهم اللواتي في الدنيا، كما قال تعالى: كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤]. والحور: جمع حوراء، وهي التي يكون بياض عينها شديد البياض، وسواده شديد السواد. والعين: جمع عيناء، والعيناء هي واسعة العين. وقد وصف القرآن الحور العين بأنهن كواعب أتراب، قال تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حدائق وأعنابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا [النبأ: ٣١ - ٣٣]. والكاعب: المرأة الجميلة التي برز ثدياها، والأتراب المتقاربات في السن. والحور العين من خلق الله في الجنة، أنشأهن الله إنشاءً فجعلهنّ أبكارًا، عربًا أترابًا إِنا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة: ٣٥ - ٣٧] وكونهن أبكارًا يقضي أنه لم ينكحهن قبلهم أحد، كما قال تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٥٦]، وهذا ينفي قول من قال: إن المراد بالزوجات اللواتي ينشئهن الله في الجنة زوجاتهم في الدنيا إذ يعيدهن شبابًا بعد الكهولة والهرم، وهذا المعنى صحيح، فالله يدخل المؤمنات الجنة في سن الشباب، ولكنهن لسن الحور العين اللواتي ينشئهن الله إنشاء. والمراد بالعُرُب: الغنجات المتحببات لأزواجهنّ. وقد حدثنا القرآن عن جمال نساء الجنة فقال: وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة: ٢٢ – ٢٣] والمراد بالمكنون: المخفي المصان، الذي لم يغير صفاء لونه ضوء الشمس، ولا عبث الأيدي، وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٥٦ - ٥٨]، والياقوت والمرجان حجران كريمان فيهما جمال، ولهما منظر حسن بديع، وقد وصف الحور العين بأنهن قاصرات الطرف، وهن اللواتي قصرن بصرهن على أزواجهن، فلم تطمح أنظارهن لغير أزواجهن، وقد شهد الله لحور الجنة بالحسن والجمال، وحسبك أن الله شهد بهذا ليكون قد بلغ غاية الحسن والجمال فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن: ٧٠ - ٧٢]. ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا، فإنهن مطهرات من الحيض والنفاس، والبصاق والمخاط والبول والغائط، وهذا مقتضى قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٥]. وقد حدثنا الرسول - ﷺ - عن جمال نساء أهل الجنة، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون، ولا يمتخطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن». (١) وانظر إلى هذا الجمال الذي يحدث عنه الرسول - ﷺ - هل تجد له نظيرًا مما تعرف؟ «ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحًا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها» رواه البخاري. (٢)\nوتحديد عدد زوجات كل شخص في الجنة باثنين يبدو أنه أقل عدد، فقد ورد أن الشهيد يزوج باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ففي (سنن الترمذي) و(سنن ابن ماجه). بإسناد صحيح عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «للشهيد عند الله ثلاث خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه» (٣). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٤٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٤٥)، ومسلم (٢٨٣٤).\n(٢) رواه البخاري (٢٧٩٦).\n(٣) رواه الترمذي (١٦٦٣)، وابن ماجه (٢٧٩٩)، وأحمد (٤/ ١٣١) (١٧٢٢١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٤/ ١٦) – كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.","vol":"5","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1487>المطلب الثامن عشر: غناء الحور العين</span>\nوقد أخبرنا الرسول - ﷺ - أن الحور العين في الجنان يغنين بأصوات جميلة عذبة، ففي (معجم الطبراني الأوسط) بإسناد صحيح عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: «إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط. إن مما يغنين: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان. وإن مما يغنين به: نحن الخالدات فلا يمتنه، نحن الآمنات فلا يخفنه، نحن المقيمات فلا يظعنّه» (١)\nوروى سمويه في (فوائده) عن أنس، عن رسول الله - ﷺ -: «إن الحور العين لتغنين في الجنة، يقلن: نحن الحور الحسان، خبئنا لأزواج كرام». (٢) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٤٩\n_________\n(١) رواه الطبراني في «الأوسط» (٥/ ١٤٩). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤١٩): رواه الطبراني في «الصغير» و«الأوسط» ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (١٥٦١): صحيح.\n(٢) رواه سمويه كما ذكر السيوطي في «الجامع الصغير». وقال الألباني في «صحيح الجامع» (١٦٠٢): صحيح.","vol":"5","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1488>المطلب التاسع عشر: غيرة الحور العين على أزواجهنّ في الدنيا</span>\nأخبرنا الرسول - ﷺ - أن الحور العين يغرن على أزواجهن في الدنيا إذا آذى الواحد زوجته في الدنيا، ففي (مسند أحمد)، و(سنن الترمذي) بإسناد صحيح عن معاذ عن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا، إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو دخيل عندك، يوشك أن يفارقك إلينا» (١) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٥٠\n_________\n(١) رواه الترمذي (١١٧٤)، وأحمد (٥/ ٢٤٢) (٢٢١٥٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ورواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين أصلح وله عن أهل الحجاز وأهل العراق مناكير. قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٤٧): إسناده صحيح متصل. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٣/ ٣٠١) - كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"5","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1489>المطلب العشرون: يُعطى المؤمن في الجنة قوة مائة رجل</span>\nعن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: «يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا من الجماع». قيل: يا رسول الله، أو يطيق ذلك؟ قال: «يعطى قوة مائة رجل» رواه الترمذي (١) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٥٠\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥٣٦). وقال: هذا حديث صحيح غريب لا نعرفه من حديث قتادة عن أنس إلا من حديث عمران القطان. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.","vol":"5","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1490>المطلب الحادي والعشرون: ضحك أهل الجنة من أهل النار</span>\nبعد أن يدخل الله أهل الجنة الجنة ينادون خصومهم من الكفار أهل النار مبكتين ومؤنبين (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظالِمِينَ [الأعراف:٤٤]. لقد كان الكفار في الدنيا يخاصمون المؤمنين، ويسخرون منهم، ويهزؤون بهم، وفي ذلك اليوم ينتصر المؤمنون، فإذا بهم وهم في النعيم المقيم، ينظرون إلى المجرمين، فيسخرون منهم، ويهزؤون بهم، إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٢٢ - ٣٦]. نعم، والله لقد جوزي الكفار بمثل ما كانوا يفعلون، والجزاء من جنس العمل، ويتذكر المؤمن في جنات النعيم ذلك القرين أو الصديق الذي كان يزين له الكفر في الدنيا، وكان يدعوه إلى تلك المبادئ الضالة التي تجعله في صف الكافرين أعداء الله، فيحدّث إخوانه عن ذلك القرين، ويدعوهم للنظر إليه في مقره الذي يعذب فيه، فعندما يرى ما يعاينه من العذاب – يعلم مدى نعمة الله عليه، وكيف خلصه من حاله، ثم يتوجه إليه باللوم والتأنيب فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الصافات: ٥٠ - ٦٠] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٥١","vol":"5","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1491>المطلب الثاني والعشرون: التسبيح والتكبير من نعيم أهل الجنة</span>\nالجنة دار جزاء وإنعام، لا دار تكليف واختبار، وقد يشكل على هذا ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة عن الرسول - ﷺ - في صفة أول زمرة تدخل الجنة، قال في آخره: «يسبحون الله بكرة وعشيًا» (١). ولا إشكال في ذلك إن شاء الله تعالى، لأن هذا ليس من باب التكليف، قال ابن حجر في شرحه للحديث: قال القرطبي: (هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام!، وقد فسره جابر في حديثه عند مسلم بقوله: «يُلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس» (٢) ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا كلفة عليه فيه، ولا بد منه، فجعل تنفسهم تسبيحًا، وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه، وامتلأت بحبه، ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره). وقد قرر شيخ الإسلام أن هذا التسبيح والتكبير لون من ألوان النعيم الذي يتمتع به أهل الجنة، قال: (هذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب له ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل من النعيم الذي تتنعم به الأنفس وتتلذذ به) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٥٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٤٥)، ومسلم (٢٨٣٤).\n(٢) رواه مسلم (٢٨٣٥).","vol":"5","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1492>المطلب الثالث والعشرون: رؤية الله ورضاه أفضل ما يُعطاه أهل الجنة</span>\nعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» متفق عليه (١) وأعظم النعيم النظر إلى وجه الله الكريم في جنات النعيم، يقول ابن الأثير: (رؤية الله هي الغاية القصوى في نعيم الآخرة، والدرجة العليا من عطايا الله الفاخرة، بلغنا الله منها ما نرجو). وقد صرح الحق ﵎ برؤية العباد لربهم في جنات النعيم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، والكفار والمشركون يحرمون من هذا النعيم العظيم، والتكرمة الباهرة: كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين:١٥]، وقد روى مسلم في (صحيحه) والترمذي في (سننه) عن صهيب الرومي – ﵁ – أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا دخل أهل الجنة، يقول ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﵎»، زاد في رواية: «ثم تلا هذه الآية: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]». (٢) وفي (صحيحي البخاري ومسلم) عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها – وفي رواية طولها – ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن». (٣)\nوالنظر إلى وجه الله تعالى هو من المزيد الذي وعد الله به المحسنين لَهُم ما يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥]، لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]، وقد فسرت الحسنى بالجنة، والزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، يشير إلى هذا الحديث الذي رواه مسلم ... ورؤية الله رؤية حقيقية، لا كما تزعم بعض الفرق التي نفت رؤية الله تعالى بمقاييس عقلية باطلة، وتحريفات لفظية جائرة، وقد سئل الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة عن قوله تعالى: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣]، فقيل: إن قومًا يقولون: إلى ثوابه. فقال مالك: كذبوا، فأين هم عن قوله تعالى: إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥]؟ قال مالك: الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم، وقال: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة، لم يعبر الله عن الكفار بالحجاب، فقال: كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين:١٥]، رواه في (شرح السنة) ومن الذين نصوا على رؤية المؤمنين ربهم في الجنات الطحاوي في العقيدة المشهورة باسم (العقيدة الطحاوية)، قال: (والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك الحديث الصحيح عن رسول الله - ﷺ - فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلّم لله ﷿ ولرسوله - ﷺ -. وردّ علم ما اشتبه عليه إلى عالمه). وقال شارح (الطحاوية) مبينًا مذاهب الفرق الضالة في هذه المسألة ومذهب أهل الحق: (المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية. وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة، وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة). ثم بين أهمية هذه المسألة فقال: (وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مردودن). ثم بين أن قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٥٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).\n(٢) رواه مسلم (١٨١)، والترمذي (٣١٠٥).\n(٣) النصف الأول من الحديث رواه البخاري (٤٨٧٩)، ومسلم (٢٨٣٨). والنصف الثاني: رواه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠). كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"5","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1493>المبحث الثامن: المحاجة بين الجنة والنار</span>\nأخبرنا رسولنا - ﷺ - أن الجنة والنار تحاجتا عند ربهما، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ - زاد في رواية: وغرتهم – فقال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار: فلا تمتلئ حتى يضع رجله – وفي رواية: حتى يضع الله ﵎ رجله – فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ، ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا» أخرجه البخاري ومسلم. (١). وللبخاري قال: «اختصمت الجنة والنار إلى ربهما فقالت الجنة يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم. وقالت النار - يعنى - أوثرت بالمتكبرين. فقال الله تعالى للجنة أنت رحمتي. وقال للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها - قال - فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا، وإنه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها فتقول هل من مزيد. ثلاثا، حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ ويرد بعضها إلى بعض وتقول قط قط قط». (٢) وله في أخرى: - وكان كثيرًا ما يقفه أبو سفيان الحميري، أحد رواته، قال: «يقال لجهنم، هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب قدمه عليها، فتقول: قط قط». (٣) ولمسلم بنحو الأولى، وانتهى عند قوله: «ولكل واحدة منهما ملؤها» (٤). وقال في رواية: «فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم؟» وفي آخره: «فأما النار، فلا تمتلئ حتى يضع قدمه عليها، فهنالك تمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض» (٥) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٦٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٧٤٤٩).\n(٣) رواه البخاري (٤٨٤٩).\n(٤) رواه مسلم (٢٨٤٦) بلفظ: (منكما) بدلًا من (منهما).\n(٥) رواه مسلم (٢٨٤٦).","vol":"5","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1494>المبحث التاسع: الجنة خالدة وأهلها خالدون</span>\n• المطلب الأول: عدم فناء الجنة.\n• المطلب الثاني: النصوص الدالة على أن الجنة خالدة وأهلها خالدون.\n• المطلب الثالث: القائلون بفناء الجنة.","vol":"5","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1495>المطلب الأول: عدم فناء الجنة</span>\nيؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله ﷿ أعد لعباده المؤمنين جنة عرضها السموات والأرض يدخلها المؤمن فينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت وأنها دار باقية لا تفنى ولا نهاية لها عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٨] .....\n-قال شيخ الإسلام ابن تيمية﵀ -: (وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة ...) (١).\n........ قال الإمامان الحافظان، أبو حاتم وأبو زرعة - رحمهما الله-: (أدركنا العلماء في جميع الأمصار - حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا - فكان من مذهبهم ... الجنة حق والنار حق، وهما مخلوقان لا يفنيان أبدًا) (٢).\nوقال الإمام أبو إسماعيل الصابوني - ﵀ - (ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان وإنهما باقيتان لا يفنيان أبدًا) (٣).\nوقال الإمام الحافظ ابن حزم - ﵀ -: (الجنة حق، والنار حق، وأنهما مخلوقتان مخلدتان هما ومن فهيما بلا نهاية ... كل هذا إجماع من جميع أهل الإسلام، ومن خرج عنه خرج عن الإسلام) (٤).\nوغير هؤلاء كثير، ممن نقل الإجماع على أبدية الجنة وعدم فنائها.\nذكر مستند الإجماع على عدم فناء الجنة:\nأخبر الله تعالى بأن أهل الجنة خالدون فيها خلودًا مؤبدًا، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [البينة: ٧ - ٨]. وقال تعالى: وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التغابن: ٩] وقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢].\nووصفهم بعدم الخروج من الجنة، فقال تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: ٤٧ - ٤٨].\nووصف نعيمهم بعدم الانقطاع، فقال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٨].\nوقال تعالى: وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣].\nوفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، قال فيؤمر به فيذبح. قال ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [مريم: ٣٩] وأشار بيده إلى الدنيا» (٥). المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين - بتصرف- ص: ٨٨٤\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٣٠٧)؛ «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٥٨١).\n(٢) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي (١/ ١٩٩).\n(٣) «عقيدة السلف وأصحاب الحديث» (ص: ٢٦٤).\n(٤) «الدرة فيما يجب اعتقاده» (ص: ٢٧).\n(٥) رواه مسلم (٢٨٤٩).","vol":"5","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1496>المطلب الثاني: النصوص الدالة على أن الجنة خالدة وأهلها خالدون</span>\nالجنة خالدة لا تفنى ولا تبيد، وأهلها فيها خالدون، لا يرحلون عنها ولا يظعنون، ولا يبيدون ولا يموتون، لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [الدخان:٥٦]، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَناتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:١٠٧ - ١٠٨]. وقد سقنا عند الحديث عن خلود النار – الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ذبح الموت بين الجنة والنار، ثم يقال لأهل الجنة ولأهل النار: «يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» (١). إن مقتضى النصوص الدالة أن الجنة تخلق خلقًا غير قابل للفناء، وكذلك أهلها، ففي الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من يدخل الجنة ينعم، لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه». (٢) واستمع إلى النداء العلوي الرباني الذي ينادي به أهل الجنة بعد دخولهم الجنة: «إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا، فلا تبتئسوا أبدا، فذلك قوله ﷿: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:٤٣].» (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٤١\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٢٨٣٦).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٣٧).","vol":"5","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1497>المطلب الثالث: القائلون بفناء الجنة</span>\nقال بفناء الجنة كما قال بفناء النار الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط، لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة.\nوأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة قال بفناء حركات أهل الجنة والنار، بحيث يصيرون إلى سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة. وكل هذا باطل، قال شارح الطحاوية: (فأما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول - ﷺ - أخبر به، قال تعالى: وَأَما الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:١٠٨]، أي غير مقطوع، ولا ينافي ذلك قوله: إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ [هود:١٠٨]) وقد ذكر شارح الطحاوية اختلاف السلف في هذا الاستثناء فقال: (واختلف السلف في هذا الاستثناء: فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها، لا لكلهم. وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف. وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. وقيل: هو استثناء الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. وقيل: (إلا) بمعنى الواو، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف. وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن، فيكون الاستثناء منقطعًا ورجحه ابن جرير وقال: إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:١٠٨]، قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولًا إلا ما شئت، أي سوى ما شئت، ولكن ما شئت من الزيادة عليه. وقيل: الاستثناء لإعلامهم بأنهم – مع خلودهم – في مشيئة الله، لأنهم لا يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، كما في قوله تعالى: وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا [الإسراء:٨٦]، وقوله تعالى: (فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ [الشورى:٢٤]، وقوله: قُل لَّوْ شَاء اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يونس:١٦]، ونظائره كثيرة، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.\nوقيل: إن (ما) بمعنى (من) أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء. وقيل غير ذلك.\nوعلى كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:١٠٨]. وكذلك قوله تعالى: إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص:٥٤]. وقوله: أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا [الرعد:٣٥].وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنهم لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى [الدخان:٥٦].وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ [هود:١٠٨]، - تبين أن المراد من الآيتين استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٤٣","vol":"5","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1499>المبحث الأول: تعريف النار</span>\nالنار هي الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسحن فيه المجرمين. وهي الخزي الأكبر، والخسران العظيم، الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه، رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [آل عمران: ١٩٢]، أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [التوبة: ٦٣]، وقال: إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٥]. وكيف لا تكون النار كما وصفنا وفيها من العذاب والآلام والأحزان ما تعجز عن تسطيره أقلامنا، وعن وصفه ألسنتنا، وهي مع ذلك خالدة وأهلها فيها خالدون، ولذلك فإن الحق أطال في ذم مقام أهل النار في النار إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: ٦٦]، هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ [ص: ٥٥ – ٥٦]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١١","vol":"5","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1500>المبحث الثاني: الجنة والنار مخلوقتان</span>\nقال الطحاوي في العقيدة السلفية التي تنسب إليه المعروفة بالعقيدة (الطحاوية): والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، فإن الله تعالى: خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد. وقال ابن أبي العز الحنفي شارح (الطحاوية) في شرحه لهذا النص: أما قوله: إن الجنة والنار مخلوقتان، فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة. وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا. وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة. وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث، لأنها تصير معطلة مددًا متطاولة. فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم. ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة التي تدل على أنهما مخلوقتان، فمن نصوص الكتاب: قوله تعالى: عن الجنة: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣]، أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد: ٢١]، وعن النار أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١]، إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلْطَّاغِينَ مَآبًا [النبأ: ٢١ – ٢٢]. وقال تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: ١٣– ١٥]. وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى. كما في (الصحيحين)، من حديث أنس ﵁، في قصة الإسراء، وفي آخره: «ثم انطلق بي جبرائيل، حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك» (١). وفي (الصحيحين) من حديث عبدالله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (٢) وحديث البراء بن عازب وفيه: «ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها». (٣) وفي (صحيح مسلم)، عن عائشة ﵂، قالت: «خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ، فذكرت الحديث، وفيه: وقال رسول الله ﷺ: رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني جعلت أقدم. ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت». (٤)\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٤٢)، ومسلم (١٦٣).\n(٢) رواه البخاري (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦).\n(٣) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٠٠). والحدبث سكت عنه أبو داود. وقال البيهقي: هذا حديث صحيح الإسناد. وحسنه المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٨٠)، وابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١١٦) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٤) رواه البخاري (١٢١٢)، ومسلم (٩٠١) ..","vol":"5","page":151},{"text":"وفي (الصحيحين) واللفظ للبخاري، عن عبدالله بن عباس، قال: «انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ، فذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك كعكعت؟ فقال: إني رأيت الجنة، فتناولت عنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم، يا رسول الله؟ قال: بكفرهن قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت خيرًا قط» (١) وفي (صحيح مسلم) من حديث عائشة السابق أن الرسول ﷺ قال في خطبته بعد الصلاة: «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا، ولضحكتم قليلًا». (٢) وفي (الموطأ) و(السنن)، من حديث كعب بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ «إنما نسمة المؤمن طيرٌ تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة» (٣) وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة. وفي (صحيح مسلم) و(السنن) و(المسند)، من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبرائيل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة، فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فنظر إليها، ثم رجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضًا، ثم رجع فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها» (٤) ونظائر ذلك في السنة كثيرة وقد عقد البخاري في (صحيحه) بابًا قال فيه: باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة وساق في هذا الباب أحاديث كثيرة تدل على أن الجنة مخلوقة، منها الحديث الذي ينص على أن الله يُري الميت عندما يوضع في قبره مقعده من الجنة والنار (٥)، وحديث اطلاع الرسول ﷺ على الجنة والنار (٦)، وحديث رؤية الرسول ﷺ لقصر عمر بن الخطاب في الجنة (٧)، وغير ذلك من الأحاديث، وقد كان ابن حجر مصيبًا عندما قال: وأصرح مما ذكره البخاري في ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الجنة، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها» (٨) (٩) شرح العقيدة الصحاوية لابن أبي العز٢/ ٦١٤\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧).\n(٢) رواه مسلم (٩٠١). والحديث رواه البخاري (٦٦٣١).\n(٣) رواه النسائي (٤/ ١٠٨)، وابن ماجه (٤٢٧١)، ومالك (١/ ٢٤٠). قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢/ ٦١٤)، وابن حجر في «توالي التأسيس» (ص٢٠٣)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٤) رواه مسلم مختصرا (٢٨٢٢)، وأبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠)، والنسائي (٧/ ٣)، وأحمد (٢/ ٣٣٢) (٨٣٧٩)، والحاكم (١/ ٧٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.\n(٥) الحديث رواه البخاري (٣٢٤٠) من حديث عبدالله بن عمر ﵄.\n(٦) الحديث رواه البخاري (٣٢٤١). من حديث عمران بن حصين ﵁.\n(٧) الحديث رواه البخاري (٣٢٤٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٨) رواه أبو داود (٤٧٤٤)، وأحمد (٢/ ٣٣٢) (٨٣٧٩). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح. والحديث رواه مسلم مختصرا (٢٨٢٢)، ورواه الترمذي (٢٥٦٠)، والنسائي (٧/ ٣)، والحاكم (١/ ٧٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n(٩) انظر: «فتح الباري» (٦/ ٣٦٩).","vol":"5","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1501>المبحث الثالث: في بيان وجود النار الآن</span>\nأعلم أنه لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون، وأهل السنة، والحديث قاطبة. وفقهاء الإسلام، وأهل التصوف والزهد، على اعتقاد ذلك وإثباته، مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، ....، فإنهم دعوا الأمم إليها، وأخبروا بها، إلى أن نبغت نابغة من أهل البدع والأهواء فأنكرت أن تكون الآن مخلوقة موجودة، وقالت بل الله ينشئها يوم المعاد.\nوأن خلق النار قبل الجزاء عبث فإنها تصير معطلة مددًا متطاولة ليس فيها سكانها؛ فردوا من النصوص الأصول والفروع، وضللوا كل من خالف بدعتهم هذه بما لا يسمن ولا يغني من جوع. ولهذا صار السلف الصالح ومن نحا نحوهم يذكرون في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان الآن موجودتان في الحال، ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث كافة لا يختلفون فيها، منهم أبو الحسن الأشعري إمام الأشاعرة في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين).\nوقد ذكر الله تعالى النار في كتابه في مواضع كثيرة يتعسر حدها ويفوت عدها ووصفها. وأخبر بها على لسان نبيه ﷺ ونعتها فقال عز من قال فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٤] وقال إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف: ٢٩].\nوقال إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا [الكهف: ١٠٢] وقال بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا [الفرقان: ١١] وقال تعالى أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نوح: ٢٥] وقال وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [الفتح: ٦] وقال وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ [الملك: ٥] وقال النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: ٤٦] إلى غير ذلك من الأدلة القطعية التي كلها صيغ موضوعة للمعنى حقيقة فلا وجه للعدول عنها إلى المجازات إلا بصريح آية أو صحيح دلالة وأنى لهم ذلك؟\nوفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» (١). وفيهما أيضًا أن النبي ﷺ: «رأى في صلاة الكسوف النار فلم ير منظر أفظع من ذلك» (٢) وفي البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: «اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» (٣) وفيه دلالة على وجودها حال اطلاعه، ورواه الترمذي والنسائي أيضًا.\nوفي الصحيح (باب صفة النار وأنها مخلوقة الآن) وعن أبي ذر عن النبي ﷺ «أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم» وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير» (٤) رواه البخاري أي من ذلك التنفس.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦).\n(٢) حديث الكسوف رواه البخاري (٥١٠٩٧)، ومسلم (٩٠٧). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٣) رواه البخاري (٥١٩٨).\n(٤) رواه البخاري (٣٢٥٨).","vol":"5","page":153},{"text":"وعن ابن عباس وابن عمر ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ: «الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء» (١) رواه البخاري وفي رواية «من فور جهنم» (٢) رواه عن رافع بن خديج. وكل ذلك يفيد وجود النار الآن، وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي من حديث ابن عمرو ﵄: «ولقد أدنيت النار مني حتى لقد جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم» (٣) الحديث وفي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ أنه ﷺ: قال «لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال رأيت الجنة والنار» (٤).\nوفي مسند أحمد ومسلم والسنن من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه وقال: فوعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها. قال فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، قال اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فإذا هي يركب بعضها بعضًا، فرجع إليه: فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع إليها فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها» (٥). قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.\nوفي الصحيحين من حديثه أيضًا يرفعه: «حجبت الجنة بالمكاره، وحجبت النار بالشهوات» (٦) وفي الباب أحاديث كثيرة، وقال الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي في عقائده: (الجنة والنار حق، وهما مخلوقتان اليوم، باقيتان إلى يوم القيامة) انتهى، ونحوه ومثله في الكتب الأخرى المؤلفة في أصول الدين. يقظة أولى الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار لصديق حسن خان - بتصرف– ص: ١٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٦١) من حديث ابن عباس ﵄، ورواه البخاري (٣٢٦٤)، ومسلم (٢٢٠٩). من حديث ابن عمر ﵄\n(٢) رواه البخاري (٣٢٦٢)، ومسلم (٢٢١٢).\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٨) (٦٧٦٣)، والنسائي (٣/ ١٣٧) (١٤٨٢). قال أحمد شاكر في «مسند أحمد»: (٩/ ١٩٧): إسناده حسن.\n(٤) رواه مسلم (٤٢٦).\n(٥) رواه مسلم (٨٢٢٣)، أبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠)، والنسائي (٧/ ٣)، وأحمد (٢/ ٣٣٢) (٨٣٧٩)، والحاكم (١/ ٧٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.\n(٦) رواه البخاري (٦٤٨٧)، ومسلم (٢٨٢٣). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1502>المبحث الرابع: شبهة من قال النار لم تخلق بعد</span>\nوقد ناقش شارح (الطحاوية) شبهة الذين قالوا: لم تخلق النار بعد، ورد عليها فقال: وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد، وهي: أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطرارًا أن تفنى يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ويموت، لقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، وكُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:١٨٥]، وقد روى الترمذي في (جامعه)، من حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر» (١). وفيه أيضًا: من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ، أنه قال: «من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة» (٢). قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغًا منها لم تكن قيعانًا، ولم يكن لهذا الغراس معنى. قالوا: وكذا قوله تعالى: عن امرأة فرعون أنها قالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [التحريم: ١١]. فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يُحدث فيها شيئًا بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث فيها عند دخولهم أمورًا أخر - فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر. وأما احتجاجكم بقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، فأتيتم من سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن – نظير احتجاج إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما!! فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام. فمن كلامهم: أن المراد كُلُّ شَيْء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هَالِكٌ، والجنة والنار خُلِقتا للبقاء لا للفناء، وكذلك العرش، فإنه سقف الجنة. وقيل: المراد إلا مُلْكَه. وقيل: إلا ما أريد به وجهه. وقيل: إن الله تعالى: أنزل: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦]، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء، فأخبر تعالى: عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون، فقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت. وإنما قالوا ذلك توفيقًا بينها وبين النصوص المحكمة، الدالة على بقاء الجنة، وعلى بقاء النار أيضًا. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٣\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٤٦٢). وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٤٣٩) – كما أشار لذلك في مقدمته - والألباني في «صحيح سنن الترمذي». انظر: «فتح الباري» (٦/ ٣٦٩).\n(٢) رواه الترمذي (٣٤٦٤)، والحاكم (١/ ٦٨٠). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لانعرفه إلا من حديث أبي الزبير عن جابر. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"5","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1503>المبحث الخامس: خزنة النار</span>\nيقوم على النار ملائكة، خلقهم عظيم، وبأسهم شديد، لا يعصون الله الذي خلقهم، ويفعلون ما يؤمرون، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦]. وعدتهم تسعة عشر ملكًا، كما قال تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: ٢٦ - ٣٠] وقد فتن الكفار بهذا العدد، فقد ظنوا أنه يمكن التغلب على هذا العدد القليل، وغاب عنهم أن الواحد من هؤلاء يملك من القوة ما يواجه به البشر جميعًا، ولذلك عقب الحق على ما سبق بقوله: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا [المدثر: ٣١]. قال ابن رجب: والمشهور بين السلف والخلف أن الفتنة إنما جاءت من حيث ذكر عدد الملائكة الذين اغتر الكفار بقلتهم، وظنوا أنهم يمكنهم مدافعتهم وممانعتهم، ولم يعلموا أن كل واحد من الملائكة لا يمكن البشر كلهم مقاومته. وهؤلاء الملائكة هم الذين سماهم الله بخزنة جهنم في قوله: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ [غافر: ٤٩]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩","vol":"5","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1505>المطلب الأول: مكان النار</span>\nأما مكانها فقد قال ابن عباس ﵄: (جهنم في الأرض السابعة). رواه أبو نعيم (١).\nوخرج ابن منده عن مجاهد قال: (قلت لابن عباس ﵄: أين النار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة) ......\nوخرج ابن خزيمة، وابن أبي الدنيا عن عبد الله بن سلام ﵁: (إن الجنة في السماء، وإن النار في الأرض) (٢). وابن أبي الدنيا عن قتادة: (كانوا يقولون: الجنة في السموات السبع، وإن جهنم في الأرضين السبع) (٣). وفي حديث البراء في حق الكافر: «يقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا» (٤) خرجه الإمام أحمد، وغيره وتقدم أول الكتاب بطوله.\nوأخرج الإمام أحمد بسند فيه نظر عن يعلى بن أمية، عن النبي ﷺ قال: «البحر هو جهنم» فقالوا ليعلى: ألا تركبها. يعني: البحور. قال: ألا ترون أن الله يقول: نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف: ٢٩]. لا والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها أبدًا حتى أعرض على الله ﷿ ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله ﷿. (٥)\nقال الحافظ ابن رجب (٦): (وهذا إن شئت فالمراد به أن البحار تفجر يوم القيامة فتصير بحرًا واحدًا، ثم يسجر ويوقد عليها فتصير نارًا، وتزاد في نار جهنم. وقد فسر قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير: ٦] بنحو هذا). وقال ابن عباس: تسجر تصير نارًا. وفي رواية عنه: (تكون الشمس والقمر والنجوم في البحر، فيبعث الله عليها ريحًا دبورا فتنفخه حتى يرجع نارًا) رواه ابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وأخرجا عنه أيضًا في قوله: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [العنكبوت: ٥٤]. قال: (هو هذا البحر فتنشر الكواكب فيه، وتكور الشمس والقمر فيه فيكون هو جهنم). وقال سيدنا علي ﵁ ليهودي: (أين جهنم؟ قال: تحت البحر قال علي: صدق، ثم قرأ: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) [التكوير: ٦] رواه ابن أبي إياس.\nوخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب ﵁ في قوله: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ. قال: (قالت الجن للإنس: نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج) (٧).\n_________\n(١) رواه أبو نعيم في «صفة الجنة» (١٢٧).\n(٢) رواه ابن أبي الدنيا في «صفة النار» (١٧٧).\n(٣) رواه ابن أبي الدنيا في «صفة النار» (١٨٣).\n(٤) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، وابن خزيمة في «التوحيد» (ص ١١٩) وابن منده في «الإيمان» (٣٩٨)، والحاكم (١/ ٩٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٥٥) (٣٩٥). قال ابن منده: هذا إسناد متصل مشهور رواه جماعة عن البراء وهو ثابت على رسم الجماعة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال البيهقي: صحيح الإسناد، وقال الهيثمي (٣/ ٥٠): رجاله رجال الصحيح.\n(٥) رواه أحمد (٤/ ٢٢٣) (١٧٩٨٩). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨٩): رواه أحمد ورجاله ثقات، وقال السيوطي في «البدور السافرة» (٣٠٩): رجاله ثقات.\n(٦) «التخويف من النار» (ص: ٤٧).\n(٧) رواه ابن أبي الدنيا في «الأهوال» (٢٣).","vol":"5","page":157},{"text":"وفي سنن أبي داود عن ابن عمرو مرفوعًا: «لا يركب البحر إلا حاجًا، أو معتمرًا، أو غازيًا في سبيل الله فإن تحت البحر نارًا، وتحت النار بحرًا» (١). وروي عن ابن عمر مرفوعًا: «إن جهنم محيطة بالدنيا، وإن الجنة من ورائها فلذلك كان الصراط على جهنم طريقا إلى الجنة» (٢). قال الحافظ ابن رجب: (هذا حديث غريب منكر) (٣).\nوقيل: إن النار في السماء. وخرج الإمام أحمد عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أتيت بالبراق فلم نزايل طرفه أنا وجبريل حتى أتيت بيت المقدس، وفتح لنا أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار» (٤).\nوخرج عنه أيضًا، عن النبي ﷺ: «رأيت ليلة أسري بي الجنة والنار في السماء فقرأت هذه الآية: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات: ٢٢] فكأني لم أقرأها قط» (٥).\nولا حجة في هذا ونحوه على أن النار في السماء لجواز أن يراها في الأرض وهو في السماء، وهذا الميت يرى وهو في قبره الجنة والنار وليست الجنة في الأرض، وقد ثبت أنه ﷺ رآهما وهو في صلاة الكسوف وهو في الأرض، وفي بعض طريق حديث الإسراء عن أبي هريرة أنه مر على أرض الجنة والنار في مسيره إلى بيت المقدس (٦). ولم يدل شيء من ذلك على أن الجنة في الأرض، فحديث حذيفة إن ثبت فيه أنه رأى الجنة والنار في السماء، فالسماء ظرف للرؤية لا للمرئي أي: رأيت الجنة والنار حال كوني في السماء، يعني: صدرت الرؤيا مني وأنا في السماء، ولا تعرض في الحديث للمرئي فتأمل. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني - بتصرف – ٣/ ١٣١٣\nوعن عبد الله ابن سلام قال: (إن أكرم خليفة لله أبو القاسم ﷺ، وإن الجنة في السماء) (٧) أخرجه أبو نعيم، وعنده أيضًا عن ابن عباس «أن الجنة في السماء السابعة» ويجعلها الله تعالى حيث شاء يوم القيامة، «وجهنم في الأرض السابعة» (٨) وعن ابن مسعود ﵁: «الجنة في السماء الرابعة، فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء، والنار في الأرض السابعة فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء» (٩) أخرجه ابن مندة (١٠).\nوقال مجاهد: قلت لابن عباس: (أين الجنة؟ قال: فوق سبع سموات، قلت: فأين النار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة) (١١) رواه ابن منده، قال الشوكاني في فتح القدير: والأولى الحمل على ما هو الأعم من هذه الأقوال، فإن جزاء الأعمال مكتوب في السماء، والقدر، والقضاء ينزل منها، والجنة والنار فيها. انتهى.\n...\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٤٨٩). وسكت عنه، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ١٨).\n(٢) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٩١). قال ابن رجب في «التخويف من النار» (٧٦): غريب منكر، وقال ابن حجر في «لسان الميزان» (٢/ ٣٥٩): هذا منكر جدًا محمد بن حمزة واه.\n(٣) «التخويف من النار» (ص: ٤٨).\n(٤) رواه الترمذي (٣١٤٧)، وأحمد (٥/ ٣٩٢) (٢٣٣٨٠)، وابن حبان (١/ ٢٣٣) (٤٥)، والحاكم (٢/ ٣٩١). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وحسن إسناده الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٨٧٤).\n(٥) روي ذلك من قول مجاهد والضحاك وسفيان كما في «تفسير الطبري» (٢٦/ ٢٠٦) والعظمة لأبي الشيخ (٤/ ١٢٦١).\n(٦) «التخويف من النار» (ص: ٤٩).\n(٧) رواه أبو نعيم في «صفة الجنة» (١٢٦).\n(٨) رواه أبو نعيم في «صفة الجنة» (١٢٧).\n(٩) رواه أبو نعيم في «صفة الجنة» (١٢٩).\n(١٠) ذكره ابن القيم بإسناده عنه (٤٤) و«لوامع الأنوار البهية» (ص: ٢٣٧).\n(١١) ذكره ابن القيم بإسناده (٤٤) و«لوامع الأنوار» (ص: ٢٣٧).","vol":"5","page":158},{"text":"والحاصل أن الجنة فوق السماء السابعة، وسقفها العرش، وأن النار في الأرض السابعة على الصحيح المعتمد وبالله التوفيق) انتهى (١).\n... قال السيوطي في (إتمام الدراية شرح النقاية): (ونقف عن النار، أي نقول فيها بالوقف، أي محلها حيث لا يعلمه إلا الله، فلم يثبت عندي حديث أعتمده في ذلك، وقيل: تحت الأرض لما روى ابن عبد البر وضعفه من حديث ابن عمر مرفوعًا «لا يركب البحر إلا غاز أو حاج، أو معتمر، فإن تحت البحر نارًا» (٢) ...... وقيل: هي على وجه الأرض لما روى وهب أيضًا قال: (قال: أشرف ذو القرنين على جبل قاف فرأى تحته جبالًا صغارًا – إلى أن قال – يا قاف، أخبرني عن عظمة الله، فقال: إن شأن ربنا لعظيم. إن ورائي أرضًا مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام، من جبال ثلج، يحطم بعضها بعضًا ولولا هي لاحترقت من جهنم).\nوروى الحارث بن أسامة في مسنده عن عبد الله بن سلام قال: (الجنة في السماء والنار في الأرض) وقيل: محلها في السماء). انتهى كلام السيوطي ومثله في التذكرة للقرطبي قال: (فهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض والله أعلم بموضعها، وأين هي من الأرض). انتهى.\nوقال الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي في عقيدته: (ولم يصرح نص بتعيين مكانهما بل حيث شاء الله تعالى إذ لا إحاطة لنا بخلق الله وعوالمه)، انتهى.\nأقول وهذا القول أرجح الأقوال وأحوطها إن شاء الله تعالى. يقظة أولى الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار لصديق حسن خان- بتصرف– ص: ٢٣\n_________\n(١) «لوامع الأنوار البهية» (ص: ٢٣٩).\n(٢) «التمهيد» (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠).","vol":"5","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1506>المطلب الثاني: سعة النار وبعد قعرها</span>\nوأما قعرها وعمقها فعن خالد بن عمير قال: «خطب عتبة بن غزوان فقال: إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا لا يدرك لها قعرًا والله لَتُملأَن أفعجبتم.» (١) رواه مسلم موقوفًا هكذا، وكذا خرجه الإمام أحمد موقوفًا، وخرجه أيضًا مرفوعًا. قال الحافظ: والموقوف أصح (٢).\nوخرج الترمذي عن عتبة بن غزوان أنه قال على منبر البصرة عن النبي ﷺ قال: «إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين وما تقض إلى قرارها».\nقال: وكان عمر ﵁ يقول: (أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها من حديد) (٣).\nقال الترمذي: (رواه الحسن عن عتبة ولا نعرف للحسن سماعًا من عتبة بن غزوان).\nوفي مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: «كنا عند رسول الله ﷺ يومًا فسمعنا وجبة، فقال النبي ﷺ: أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفًا» (٤).\nوخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لو أن حجرًا قذف به في نار جهنم لهوى فيها سبعين خريفًا قبل أن يبلغ قعرها» (٥) (٦).\nوأخرج ابن المبارك عن أبي أمامة ﵁ قال: (إن ما بين شفير جهنم مسيرة سبعين خريفًا من حجر يهوي أو صخرة تهوي عظمها كعشر عشراوات أي: نوق عشارية عظام سمان فقال له رجل تحت ذلك شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم غي وآثام) (٧).\nقال الحافظ في التخويف (٨): (وقد روي هذا مرفوعًا بإسناد فيه ضعف وزاد فيه: «قيل وما غي وما آثام قال: بئران يسيل فيهما صديد أهل النار وهما اللتان ذكرهما الله في كتابه فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: ٥٩] وفي الفرقان يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان: ٦٨].» (٩).\nقال الحافظ: (والموقوف أصح) (١٠).\nوأخرج الإمام أحمد عن عبد الله عنه ﷺ قال: «ما من حكم يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقفه على شفير جهنم، ثم يرفع رأسه إلى الله ﷿ فإذا قال: ألقه، ألقاه في مهوي أربعين خريفًا» (١١).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٦٧) موقوفًا.\n(٢) «التخويف من النار» لابن رجب (ص: ٧٢).\n(٣) رواه الترمذي (٢٥٧٥) وقال: لا نعرف للحسن سماعا من عتبة بن غزوان وإنما قدم عتبة بن غزوان البصرة في زمن عمر وولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) رواه مسلم (٢٨٤٤).\n(٥) رواه ابن حبان (١٦/ ٥٠٩) (٢٥٧٥). وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢١٦٥): رجاله ثقات.\n(٦) «التخويف من النار» (ص: ٧٢ - ٧٣).\n(٧) رواه ابن المبارك في «الزهد» (٣٠٢).\n(٨) «التخويف من النار» لابن رجب (ص: ٧٤).\n(٩) رواه الطبراني (٨/ ١٧٥) (٧٧٤٧)، المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٥٥). وقال: [روي] موقوفا على أبي أمامة، وهو أصح.\n(١٠) «التخويف من النار» لابن رجب (ص: ٧٤).\n(١١) رواه أحمد (١/ ٤٣٠) (٤٠٩٧). قال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٩/ ١٦٢): في إسناده مجالد بن سعيد وثقه النسائي وضعفه جماعة، وحسن إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٦/ ٧٤).","vol":"5","page":160},{"text":"وفي التخويف للحافظ (١) بسند فيه عبد الله بن الوليد الرصافي لا يحفظ الحديث – وكان شيخًا صالحًا – أن أبا ذر ﵁ قال لعمر ﵁ «سمعت رسول الله ﷺ يقول: يجاء بالوالي يوم القيامة فينبذ على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجة لا يبقي منه مفصل إلا زال عن مكانه، فإن كان مطيعًا لله في عمله مضى به، وإن كان عاصيًا لله في عمله انخرق به الجسر فهوى في جهنم مقدار خمسين عامًا. فقال له عمر ﵁: من يطلب العمل بعد هذا؟ قال أبو ذر ﵁: من سلت الله أنفه، وألصق خده بالتراب، فجاء أبو الدرداء فقال له عمر: يا أبا الدرداء هل سمعت رسول الله ﷺ؟ حدثنا بحديث حدثني به أبو ذر، قال: فأخبره أن مع الخمسين خمسين عاما يهوي أو نحو هذا» (٢).\n........ وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله قال: قال النبي ﷺ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار» (٣) وفي لفظ «يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» (٤).\nوأخرج الإمام أحمد والترمذي عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا» (٥).\nوخرجه ابن ماجه وكذا البزار بنحوه عن ابن مسعود ﵁. هذا عمقها.\nوأما سعتها فروى مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: «أتدرون ما سعة جهنم؟ قلنا: لا، قال: قال: أجل والله ما تدرون، ما بين شحمة أذن أحدهم وعاتقه مسيرة سبعين خريفًا، تجري فيه أودية القيح والصديد والدم، قلنا: أنهار؟ قال: لا بل أودية، ثم قال: أتدرون ما سعة جهنم؟ قلنا: لا، قال: حدثتني عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] فأين الناس يومئذ؟ قال: على جسر جهنم» روه الإمام أحمد. (٦)\nوخرج النسائي والترمذي منه المرفوع وصححه الترمذي وخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني - بتصرف– ٣/ ١٣٢٣\n_________\n(١) «التخويف من النار» لابن رجب (ص: ٧٤).\n(٢) رواه الطبراني (٢/ ٣٩) (١٢٢٠)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ١١٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٠٨): فيه سويد بن عبد العزيز وهو متروك، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (١٨١٠).\n(٣) رواه البخاري (٦٤٧٧)، مسلم (٢٩٨٨).\n(٤) رواه مسلم (٢٩٨٨).\n(٥) رواه الترمذي (٢٣١٤)، وأحمد (٢/ ٢٣٦) (٧٢١٤). قال ابن حجر في «الكافي الشاف» (٣٢٣): أصله في البخاري، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١٥/ ١٠٧)، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.\n(٦) رواه أحمد (٦/ ١١٦) (٢٤٩٠٠)، والحاكم (٢/ ٤٧٣). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٥٦١).","vol":"5","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1507>المطلب الثالث: دركات النار</span>\nالنار متفاوتة في شدة حرها، وما أعده الله من العذاب لأهلها، فليست درجة واحدة، وقد قال الحق ﵎: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٥]. والعرب تطلق: الدرك على كل ما تسافل، كما تطلق: الدرج على كل ما تعالى: فيقال: للجنة درجات وللنار دركات، وكلما ذهبت النار سفلًا كلما علا حرها واشتد لهيبها، والمنافقون لهم النصيب الأوفر من العذاب، ولذلك كانوا في الدرك الأسفل من النار. وقد تسمى النار درجات أيضًا، ففي سورة الأنعام ذكر الله أهل الجنة والنار، ثم قال: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ [الأنعام: ١٣٢]، وقال: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]، قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: (درجات الجنة تذهب علوًا، ودرجات النار تذهب سفلًا) (١). وقد ورد عن بعض السلف أن عصاة الموحدين ممن يدخلون النار يكونون في الدرك الأعلى، ويكون في الدرك الثاني اليهود، وفي الدرك الثالث النصارى، وفي الدرك الرابع الصابئون، وفي الخامس المجوس، وفي السادس مشركو العرب، وفي السابع المنافقون. ووقع في بعض الكتب تسمية هذه الدركات: فالأول جهنم، والثاني لظى، والثالث الحطمة، والرابع السعير، والخامس سقر، والسادس الجحيم، والسابع الهاوية. ولم يصح تقسيم الناس في النار وفق هذا التقسيم، كما لم يصح تسمية دركات النار على النحو الذي ذكروه، والصحيح أن كل واحد من هذه الأسماء التي ذكروها: جهنم، لظى، الحطمة ... إلخ اسم علم للنار كلها، وليس لجزء من النار دون جزء الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥\nفعذاب جهنم متفاوت بعضه أشد من بعض، وعلى هذا فمنازل أهل النار متفاوتة بتفاوت دركاتها، وقد أخبر سبحانه أن المنافقين أسفل أهل النار إذ هم في الدرك الأسفل منها.\nوأخبر ﷺ عن أهون أهل النار عذابًا فقال: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه» (٢). وصرح ﷺ أنه أبو طالب فقال: «أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو متنعل بنعلين يغلي منهما دماغه» (٣).\nولا شك أن عصاة المؤمنين الذين يدخلون النار فيعذبون فيها على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها .... لا شك أنهم أهون أهل النار عذابًا لأن عذابهم فيها مؤقت، أما بقية أهل النار من الكفار والمنافقين فكما قال الله ﷿ فيهم: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا [فاطر: ٣٦].\nومقصود النبي ﷺ بقوله: «أهون أهل النار عذابًا» في هذا الحديث أهلها المقيمين فيها الذين لا يخرجون منها كما قال ﷺ: «أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون. ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) فأماتهم إماتة. حتى إذا كانوا فحمًا، أذن بالشفاعة. فجيء بهم ضبائر ضبائر. فبثوا على أنهار الجنة. ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» (٤). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد عبدالرحمن الشظيفي - بتصرف – ص ٤١٣\n_________\n(١) انظر: «تفسير البغوي» (٧/ ٢٥٩).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٦١). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٢١٢). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٤) رواه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1508>المطلب الرابع: سجر جهنم وتسعرها</span>\nروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله النار أرسل إليها جبريل قال له: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها، قال: فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضًا، فرجع فقال: وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال له: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها ورجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها» خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي (١).\nوفي حديث سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ: «إن ملكين أتياه في المنام فذكر رؤيا طويلة وفيها: قال: انطلقت، فأتينا على رجل كريه المرآة، كأكره ما أنت راء، فإذا هو عند نار يحشها ويسعى حولها قال: قلت: ما هذا؟ قالا لي: انطلق» وفي آخر الحديث: «قالا: فأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم» وقد خرجه البخاري بتمامه، وخرج مسلم أوله ولم يتمه (٢).\nوقوله: «كريه المرآة» أي المنظر، وقوله: «يحشها» أي يوقدها.\nوروى هذا الحديث أبو خلدة عن أبي رجاء عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ فذكر الحديث بطوله، وفي حديثه قال: «فرأيت شجرة لو اجتمع تحتها خلق كثير لأظلتهم، وتحتها رجلان أحدهما يوقد نارًا والآخر يحتطب الحطب» وفي آخر الحديث: «قلت: فالرجلان اللذان رأيت تحت الشجرة، قال: ذلك ملكان من جهنم يحمون جهنم لأعداء الله إلى يوم القيامة» (٣) ...\nوجهنم تسجر كل يوم نصف النهار، وفي (صحيح مسلم) عن عمرو بن عبسة عن النبي ﷺ قال: «صلِّ صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع، فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة (محظورة) حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل» (٤) وذكر بقية الحديث.\nوقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من غير وجه من حديث أبي أمامة وغيره (٥).\nوفي حديث صفوان بن المعطل عن النبي ﷺ: «إذا طلعت الشمس فصل حتى تعتدل على رأسك مثل المرح، فإذا اعتدلت على رأسك فإن تلك الساعة تسخر فيها جهنم وتفتح فيها أبوابها، حتى تزول عن حاجبك الأيمن» خرجه عبدالله بن الإمام أحمد (٦).\nوفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: «فإذا انتصف النهار فأقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس، فإنها حيئنذ تسعر جهنم، وشدة الحر من فيح جهنم» (٧).\nوروى أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبدالله بن مسعود قال: (أن الشمس تطلع بين قرني شيطان، أو في قرني شيطان، فما ترتفع قصمة في السماء إلا فتح لها باب من أبواب النار، فإذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها، فكنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، ونصف النهار) (٨) خرجه يعقوب بن شيبة ورواه الإمام أحمد عن أبي بكر بن عياش أيضًا.\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (٩) وفي رواية خرجها أبو نعيم: «من فيح جهنم» أو «من فيح أبواب جهنم» (١٠) التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار لا بن رجب - ص: ٩٨ – ١٠١\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠)، والنسائي (٧/ ٣)، وأحمد (٢/ ٣٣٢) (٨٣٧٩)، والحاكم (١/ ٧٩). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح. والحديث رواه مسلم مختصرا (٢٨٢٢).\n(٢) رواه البخاري (٧٠٤٧)، ومسلم (٢٢٧٥).\n(٣) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٧/ ٤).\n(٤) رواه مسلم (٨٣٢).\n(٥) الحديث رواه الطبراني (٨/ ٢٨٨) (٨١٠٦)، والبيهقي (٢/ ٤٥٤) (٤٥٥٩). وقال: له شاهد،\n(٦) رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٥/ ٣١٢) (٢٢٧١٣)، ورواه ابن ماجه (١٠٤٢)، والحاكم (٣/ ٥٩٤). وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وقال البوصيري (١/ ٢٢٩): هذا إسناد حسن، وقال الهيثمي (٢/ ٢٢٧): رواه عبد الله في زياداته في المسند، ورجاله رجال الصحيح، إلا أني لا أدري سمع سعيد المقبري منه أم لا؟\n(٧) رواه ابن حبان (٤/ ٤١٨) (١٥٥٠)، وأبو يعلى (١١/ ٤٥٧) (٦٥٨١)، والبيهقي (٣/ ٣٠٢) (٦٠٢٣). قال ابن رجب في «فتح الباري» (٣/ ٢٨٨): منقطع، وضعف إسناده الألباني في «صحيح ابن خزيمة» (١٢٧٥).\n(٨) رواه أبو يعلى (٨/ ٣٩٠) (٤٩٧٧)، والبزار كما في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٣٧) وقال: رواه أبو يعلى والبزار ورجالهما ثقات، وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند» (٨٧٧).\n(٩) رواه البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦١٥).\n(١٠) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ٢٧٤).","vol":"5","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1509>المطلب الخامس: أبواب النار</span>\nأخبر الحق أن للنار سبعة أبواب كما قال تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ [الحجر: ٤٣ - ٤٤]. قال ابن كثير في تفسير الآية: أي قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه، أجارنا الله منها، وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بحسب عمله ونُقِلَ عن علي بن أبي طالب قوله وهو يخطب: إن أبواب جهنم هكذا - قال أبو هارون - أطباقًا بعضها فوق بعض ونُقل عنه أيضًا قوله: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تمتلئ كلها (١). وعندما يردُ الكفار النار تفتح أبوابها، ثم يدخلونها خالدين وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر: ٧١]، وبعد هذا الإقرار يقال لهم: ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٧٢]، وهذه الأبواب تغلق على المجرمين، فلا مطمع لهم في الخروج منها بعد ذلك، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ [البلد: ١٩ - ٢٠]. قال ابن عباس: مُّؤْصَدَةٌ مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب بلغة قريش، أي أغلقه. (٢) وقال الحق في سورة الهمزة: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ [الهمزة: ١ - ٩]. فأخبر الحق أن أبوابها مغلقة عليهم، وقال ابن عباس: فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ يعني الأبواب هي الممددة، وقال قتادة في قراءة ابن مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة، وقال عطية العوفي: هي عمد من حديد، وقال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدت بأوتاد من حديد، حتى يرجع عليهم غمها وحرها، وعلى هذا فقوله: مُّمَدَّدَةٍ صفة للعمد، يعني أن العمد التي أوثقت بها الأبواب ممددة مطولة، والممدود الطويل أرسخ وأثبت من القصير. وقد تفتح أبواب النار وتغلق قبل يوم القيامة، فقد أخبر المصطفى أن أبواب النار تغلق في شهر رمضان، فعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين ومردة الجن» (٣). وخرّج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب» (٤) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٧\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (١٧/ ١٠٦).\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٤٠٩).\n(٣) رواه مسلم (١٠٧٩).\n(٤) رواه الترمذي (٦٨٢)، والنسائي (٤/ ١٢٦)، وابن ماجه (١٦٤٢). قال الترمذي: غريب. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٣١٢) - كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.","vol":"5","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1510>المطلب السادس: بُعد أبواب جهنم بعضها من بعض وما أعد الله تعالى فيها من العذاب</span>\nقال بعض أهل العلم في قوله تعالى: لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر: ٤٤] قال: (من الكفار، والمنافقين، والشياطين، بين الباب والباب خمسمائة عام، فالباب الأول: يسمى جهنم لأنه يتجهم في وجوه الرجال والنساء، فيأكل لحومهم، وهو أهون عذابًا من غيره، والباب الثاني: يقال له: لظى نزاعة للشوى، ويقول آكلة لليدين والرجلين، تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ عن التوحيد وتولى عما جاء به محمد ﷺ، والباب الثالث: يقال: له سقر، وإنما سمي سقر لأنه يأكل لحوم الرجال والنساء لا يبقى لهم لحمًا على عظم، والباب الرابع يقال له: الحطمة. فقد قال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحُطَمَةُ الآية تحطم العظام، وتحرق الأفئدة: قال تعالى: الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ، تأخذه النار من قدميه، وتطلع على فؤاده، وترمي بشرر كالقصر، كما قال تعالى: تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ الآية، يعني سودًا فتطلع الشرر إلى السماء، ثم تنزل فتحرق وجوههم، وأيديهم، وأبدانهم، فيبكون الدمع حتى ينفذ، ثم يبكون الدماء، ثم يبكون القيح حتى تنفذ، حتى أن السفن لو أرسلت تجري فيما خرج من أعينهم لجرت، والباب الخامس يقال: له الجحيم، وإنما سمي الجحيم لأنه عظيم، الجمرة الواحدة منه أعظم من الدنيا.\nوالباب السادس: يقال له: السعير وإنما سمي السعير لأن يسعر منذ خلق؛ فيه ثلاثمائة قصر في كل قصر ثلاثمائة بيت في كل بيت ثلاثمائة لون من العذاب، وفيه الحيات، والعقارب، والقيود، والسلاسل، والأغلال، والأنكال، وفيه جب الحزن، ليس في النار عذاب أشد منه، إذا فتح باب الجب حزن أهل النار حزنًا شديدًا. الباب السابع: يقال له الهاوية من وقع فيه لم يخرج منه أبدًا. وفيه بئر الهباب إذا فتح تخرج منه نار تستعيذ منه النار، وفيه الذي قال الله ﷿: سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا أو جبل من نار تصعده أعداء الله على وجوههم، مغلولة أيديهم إلى أعناقهم، مجموعة أعناقهم إلى أقدامهم، والزبانية وقوف على رءوسهم، بأيديهم مقامع من حديد، إذا ضرب أحدهم بالمقمعة ضربة سمع صوتها الثقلان، وأبواب النار حديد، فرشها الشوك، غشاوتها الظلمة، أرضها نحاس، ورصاص، وزجاج، النار من فوقهم، والنار من تحتهم، لهم من فوقهم ظلل من النار. ومن تحتهم ظلل، أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مدلهمة مظلمة، قد مزجت بغضب الله).\nذكره القتيبي في كتاب (عيون الأخبار).\nوذكر عن ابن عباس: (أن جهنم سوداء مظلمة لا ضوء لها ولا لهب، وهي كما قال تعالى: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ على كل باب سبعون ألف جبل، على كل جبل سبعون ألف شعب من النار، في كل شعب سبعون ألف شق من نار، في كل شق سبعون ألف واد من نار، في كل واد سبعون ألف قصر من النار، في كل قصر سبعون ألف حية، وسبعون ألف عقرب، لكل عقرب سبعون ألف ذنب، لكل ذنب سبعون ألف نقار، لكل نقار سبعون ألف قلة من سم، فإذا كان يوم القيامة كشف عنها الغطاء، فتطير منها سرادق عن يمين الثقلين، وآخر عن شمالهم، وسرادق أمامهم، وسرادق من فوقهم، وآخر من ورائهم، فإذا نظر الثقلان إلى ذلك جثوا على ركبهم وكل ينادي رب سلم سلم).\nقال القرطبي (١): (ومثله لا يقال من جهة الرأي، فهو توقيف لأنه أخبار عن مغيب). انتهى.\nثم نقل عن وهب بن منبه نحوه. وأقول: وهب يحدث عن الإسرائيليين كثيرًا، ولا يقبل مثل ذلك عنه، ولا عن أمثاله ونظرائه إلا أن يرد به دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، وما ورد في ذلك من القرآن والحديث يكفي، ويشفي ويغني عن غيره. يقظة أولى الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار لصديق حسن خان– ص: ١١٣\n_________\n(١) «التذكرة» (ص: ٣٨٦).","vol":"5","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1511>المطلب السابع: وقود النار</span>\nوقود النار الأحجار والفجرة الكفار، كما قال الحق: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: ٦]، وقال: فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٤]. والمراد بالناس الذين توقد النار بهم الكفرة المشركون، وأما نوع الحجارة التي تكون للنار وقودًا فالله أعلم بحقيقتها، وقد ذهب بعض السلف إلى أن هذه الحجارة من كبريت، قال عبدالله بن مسعود: هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين، رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم في المستدرك. وقال بهذا القول ابن عباس ومجاهد وابن جريج. (١) وإذا كان القول هذا مأخوذًا من الرسول ﷺ فنأخذ به، ولا نجادل فيه، وإن كان أمرًا اجتهاديًا مبنيًا على العلم بطبائع الحجارة وخصائصها فهذا قول غير مسلّم، فإن من الحجارة ما يفوق حجارة الكبريت قوة واشتعالًا. والأوائل رأوا أن حجارة الكبريت لها خصائص ليست لغيرها من الحجارة فقالوا إنها مادة وقود النار، يقول ابن رجب: وأكثر المفسرين على أن المراد بالحجارة حجارة الكبريت توقد بها النار. ويقال: إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، قوة حرها إذا حميت. وقد يوجد الله من أنواع الحجارة ما يفوق ما في الكبريت من خصائص، ونحن نجزم أن ما في الآخرة مغاير لما في الدنيا. ومما توقد به النار الآلهة التي كانت تعبد من دون الله إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء: ٩٨ – ٩٩] وحصبها: وقودها وحطبها، وقال الجوهري: كل ما أوقدت به النار أو هيجتها فقد حصبتها، وقال أبو عبيدة: كل ما قذفته في النار فقد حصبتها به الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٣٠\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٣٨١)، وابن أبي حاتم (١/ ٦٤)، والحاكم (٢/ ٢٨٧). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٧٥): صحيح.","vol":"5","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1512>المطلب الثامن: شدة حرها وعظم دخانها وشرارها، وزمهريرها</span>\nقال الله تعالى: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [الواقعة:٤١ - ٤٤]\nقال ابن عباس: (من دخان) وكذا قال مجاهد وعكرمة وغير واحد (١)، وعن مجاهد قال: (ظل من دخان جهنم وهو السموم) (٢) وقال أبو مالك: (اليحموم ظل من دخان جهنم) (٣) قال الحسن وقتادة في قوله: لاَّ بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ: (لا بارد المدخل ولا كريم المنظر) (٤)، والسموم: هو الريح الحارة، قاله قتادة وغيره (٥).\nوهذا الآية تضمنت ذكر ما يتبرد به في الدنيا من الكرب والحر، وهو ثلاثة، الماء، والهواء، والظل، فهواء جهنم، السموم وهو الريح الحارة الشديدة الحر، وماؤها الحميم الذي قد اشتد حره، وظلها اليحموم، وهو قطع دخانها أجارنا الله من ذلك كله بكرمه ومنه.\nوقال تعالى: انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات:٣٠]، قال مجاهد: (هو دخان جهنم: اللهب الأخضر، والأسود، والأصفر الذي يعلو النار إذا أوقدت).\nقال السدي: في قوله: إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [المرسلات:٣٢] قال: (زعموا أن شررها ترمي به كأصول الشجر ثم يرتفع فيمتد).\nوقال القرظي: (على جهنم سور، فما خرج من وراء سورها يخرج منها في عظم القصور، ولون القار) (٦).\nوقال الحسن والضحاك في قوله: كَالْقَصْرِ: (هو كأصول الشجر العظام) (٧).\nوقال مجاهد: (قطع الشجر والجبل) (٨).\nوصح عن ابن مسعود قال: (شرر كالقصور والمدائن) (٩). وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ يقول: كالقصر العظيم) (١٠).\nوفي (صحيح البخاري) عن ابن عباس قال: (كنا نرفع من الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل، نرفعه للشتاء نسميه القصر) (١١).\nوقوله: كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ قال ابن عباس: (حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض تكون كأوساط الرجال) (١٢) وقال مجاهد: (هي حبال الجسور) (١٣). وقالت طائفة: (هي الإبل) منهم الحسن وقتادة والضحاك (١٤) وقالوا: (الصفر هي السود). وروي عن مجاهد أيضًا (١٥).\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: جِمَالَتٌ صُفْرٌ قال: (يقول قطع النحاس) (١٦).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢٣/ ١٢٩ - ١٣٠).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٧/ ٢١٣).\n(٣) «المحرر الوجيز» لابن عطية (٥/ ٢٢٢)، «تفسير البحر المحيط» لأبي حيان الأندلسي (٨/ ١٥٧).\n(٤) «زاد المسير» لابن الجوزي (٨/ ١٤٤) عن ابن عباس ﵁.\n(٥) «تفسير البحر المحيط» لأبي حيان (٥/ ٤٤٠).\n(٦) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ١٣٧).\n(٧) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ١٣٨).\n(٨) «تفسير الطبري» (٢٤/ ١٣٧)، «تفسير السمعاني» (٦/ ١٣١).\n(٩) «الكشف والبيان» للثعلبي (١٠/ ١١٠).\n(١٠) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ١٣٧).\n(١١) رواه البخاري (٤٩٣٢).\n(١٢) رواه البخاري (٤٩٣٣).\n(١٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ١٤٠ - ١٤١).\n(١٤) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ١٤٠).\n(١٥) «تفسير الطبري» (٢٤/ ١٣٩ - ١٤٠).\n(١٦) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ١٤١).","vol":"5","page":167},{"text":"قال الله ﷿: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ [الرحمن:٣٥] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ ويقول: لهب النار وَنُحَاسٌ يقول: دخان النار) (١)، وكذا قال سعيد بن جبير وأبو صالح وغيرهما: أن النحاس دخان النار (٢)، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ قال: (دخان) (٣)، وقال أبو صالح: (الشواظ: اللهب الذي فوق النار ودون الدخان) (٤)، قال منصور عن مجاهد: (الشواظ، هو اللهب الأخضر المتقطع) وعنه قال: (الشواظ قطعة من النار فيها خضرة) (٥).\nقال الحسين بن منصور: أخرج الفضيل بن عياض رأسه من خوخة، فقال منصور عن مجاهد: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ [الرحمن:٣٥] ثم أدخل رأسه فانتحب ثم أخرج رأسه، فقال: هو اللهب المنقطع، ولم يستطع أن يجيز الحديث (٦).\nوخرج النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف امرئ أبدًا» (٧) التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار لابن رجب - ص: ١١٠ – ١١٢\nأما حرها فقال تعالى: وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: ٨١] وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا فنفسني، فأذن لها في نفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من سمومها، وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها» (٨).\nوفيهما عن أبي هريرة ﵁ أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه ما يوقد ابن آدم جزء واحد من سبعين جزءًا من نار جهنم» قالوا: والله إن كانت لكافية قال: «إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلهن مثل حرها» (٩).\nوخرجه الإمام أحمد وزاد فيه: «وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» (١٠) وتقدم.\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٤٧).\n(٢) «تفسير الطبري» (٢٣/ ٤٧).\n(٣) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ٣٢٧٠).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٤٩٧).\n(٥) «تفسير الطبري» (٢٣/ ٤٦)، و«تفسير ابن كثير» (٧/ ٤٩٧).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) رواه الترمذي (١٦٣٣)، والنسائي (٦/ ١٢)، وأحمد (٢/ ٥٠٥) (١٠٥٦٧)، والحاكم (٤/ ٢٨٨). قال الترمذي: حسن صحيح، والحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١١٧).\n(٨) رواه البخاري (٥٣٧)، ومسلم (٦١٧).\n(٩) رواه البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣).\n(١٠) رواه أحمد (٢/ ٢٤٤) (٧٣٢٣). قال ابن كثير في «تفسير القرآن» (٤/ ١٢٩): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٦٦).","vol":"5","page":168},{"text":"وخرج الإمام عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إن النار هذه جزء من مائة جزء من جهنم» (١) وروى الطبراني: «أن جبريل ﵇ قال لرسول الله ﷺ: والذي بعثك بالحق لو أن قدر ثقب إبرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعًا من حره» (٢).\nقال الحافظ (٣): (وروي عن الحسن مرسلًا من وجه ضعيف، والحديث تكلم فيه والله تعالى أعلم).\nوقال كعب الأحبار ﵀ لعمر بن الخطاب ﵁: (لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها.)\nوقال عبد الملك بن عمير: (لو أن أهل النار كانوا في نار الدنيا لقالوا فيها).\nوقال بشير بن منصور: قلت لعطاء السلمي ﵀: (لو أن إنسانًا أوقدت له نار وقيل له: من دخل هذه النار نجا من النار، فقال عطاء: لو قيل لي ذلك لخشيت أن تخرج نفسي فرحًا قبل أن أقع فيها) (٤).\nفإن قلت قد ذكرت عن المصطفى ﷺ: «أن هذه النار جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم» (٥) وفي حديث آخر «من مائة جزء» (٦) وكلا الحديثين ثابت عنه ﷺ.\nقلت: لفظة سبعين وسبعمائة وسبعة آلاف ونحوها كثيرًا ما يراد به التكثير كقوله تعالى: إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] وهذا كثير جدًا في كلام العرب أو يقال: إن هذين الحديثين وردا بحسب اختلاف النارين اللتين من نار الدنيا، وكل أحد يشاهد أن بعض نار الدنيا أقوى وأشد حر من بعض، هذا معلوم بالحس لا ينكره أحد والله تعالى أعلم.\nوأما زمهريرها\nفروي أن بيتًا في جهنم يتميز فيه الكافر من برده يعني يتقطع ويتمزع وقال مجاهد: (إن في النار لزمهريرًا يقيلون فيه، يهربون إلى ذلك الزمهرير فإذا وقعوا حطم عظامهم حتى يسمع لها نقيض).\nوقال ابن عباس ﵄: (يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر) (٧).\nوعن عبد الملك بن عمير أنه قال: (بلغني أن أهل النار يسألون خازنها أن يخرجهم إلى حَبَّانها فأخرجهم فقتلهم البرد حتى رجعوا إليها فدخلوها مما وجدوا من البرد) (٨).\nوأخرج أبو نعيم عن ابن عباس ﵄: أن كعبًا ﵁ قال: (إن في جهنم بردًا هو الزمهرير يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحر جهنم) (٩). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١٣٤٣\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٧٩) (٨٩١٠)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٣٧). وقال: رواته رواة الصحيح، وقال ابن كثير في «نهاية البداية والنهاية» (٢/ ١٢٣): إسناده على شرط مسلم، وفي لفظه غرابة، وصحح إسناده السيوطي في «البدور السافرة» (٣٢٣).\n(٢) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/ ٨٩) (٢٥٨٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨٩): فيه سلام الطويل وهو مجمع على ضعفه، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (٥٤٠١): موضوع.\n(٣) «التخويف من النار» (ص: ٩٤).\n(٤) «التخويف من النار» (ص: ٩٣ - ٩٥).\n(٥) رواه البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣).\n(٦) رواه أحمد (٢/ ٣٧٩) (٨٩١٠)، والمنذري (٤/ ٣٣٧). وقال: رواته رواة الصحيح، وقال ابن كثير في «نهاية البداية والنهاية» (٢/ ١٢٣): إسناده على شرط مسلم، وفي لفظه غرابة، وصحح إسناده السيوطي في «البدور السافرة» (٣٢٣).\n(٧) رواه ابن أبي الدنيا في «صفة النار» (١٥٢).\n(٨) رواه ابن أبي الدنيا في «صفة النار» (١٥١).\n(٩) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٥/ ٣٧٠).","vol":"5","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1513>المطلب التاسع: النار تتكلم وتبصر</span>\nالذي يقرأ النصوص من الكتاب والسنة التي تصف النار يجدها مخلوقًا يبصر، ويتكلم، ويشتكي، ففي الكتاب العزيز أن النار ترى أهلها وهم قادمون إليها من بعيد، فعند ذلك تطلق الأصوات المرعبة الدالة على مدى حنقها وغيظها على هؤلاء المجرمين، قال تعالى: إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان: ١٢]. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: «إن الرجل ليجر إلى النار، فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: مالك؟ فتقول: إنه يستجير مني، فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك، فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل إلى النار، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف» (١). وقد خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «يخرج يوم القيامة عنق من النار، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، تقول: إني وُكّلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين» (٢). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٣٥\n_________\n(١) رواه الطبري (١٩/ ٢٤٤).قال ابن كثير في «تفسيره» (٦/ ٩٧): وهذا إسناد صحيح.\n(٢) رواه الترمذي (٢٥٧٤)، وأحمد (٢/ ٣٣٦) (٨٤١١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٦/ ١٨٤): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"5","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1514>المطلب العاشر: رؤيا ابن عمر للنار</span>\nوفي (الصحيحين) واللفظ للبخاري عن ابن عمر: «أنه رأى في المنام أنه جاءه ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد، يقبلا بي إلى جهنم ثم لقيه ملك في يده مقمعة من حديد، قالوا: لن تُرع. نعم الرجل أنت، لو كنت تكثر الصلاة، قال: فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، له قرون كقرن البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالًا معلقين بالسلاسل، رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالًا من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله - ﷺ - فقال: إن عبدالله رجل صالح» (١). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٣٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٠٢٨).","vol":"5","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1515>المطلب الحادي عشر: هل يرى أحد النار قبل يوم القيامة عيانًا</span>؟\nالذي نعلمه أن رسولنا صلوات الله وسلامه عليه قد رأى النار كما رأى الجنة في حياته، ففي (الصحيحين) عن عبدالله بن عباس في صلاة الخسوف أن الرسول - ﷺ - قال: «إني رأيت الجنة، فتناولت عنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأريت النار فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء» (١) وفي (صحيح البخاري) عن أسماء أن الرسول ﷺ قال: «قد دنت مني الجنة، حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها، ودنت مني النار حتى قلت: أي رب وأنا معهم؟ فإذا امرأة - حسبت أنه قال – تخدشها هرة. قلت: ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعًا، لا هي أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل – قال نافع: حسبت أنه قال: - من خشيش أو خشاش الأرض» (٢) وفي (مسند أحمد) عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله - ﷺ – «إن النار أدنيت مني حتى نفخت حرها عن وجهي، فرأيت فيها صاحب المحجن، والذي بحر البحيرة، وصاحب حمير، وصاحبة الهرة» (٣) وفي (صحيح مسلم) عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «عرضت عليّ الجنة، حتى لو تناولت منها قطفًا أخذته، (أو قال: تناولت منها قطفًا، فقَصُرت يدي عنه)، وعرضت عليّ النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها، ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ورأيت عمرو بن مالك يجرُّه قصبه في النار» (٤)، وبعد أن يموت العباد تعرض عليهم في البرزخ مقاعدهم في الجنة إن كانوا مؤمنين، ومقاعدهم في النار إن كانوا كافرين. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٣٧\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧).\n(٢) رواه البخاري (٧٤٥).\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٢٤٥) (١٨١٦٧). وقال الألباني في «صحيح الجامع» (١٩٧٢): صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط في «المسند»: مرفوعه صحيح وهذا إسناد ضعيف لضعف مجالد.\n(٤) رواه مسلم (٩٠٤).","vol":"5","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1516>المطلب الثاني عشر: تأثير النار على الدنيا وأهلها</span>\nروى البخاري في (صحيحه) عن أبي هريرة ﵁ قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لنا بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشدُّ ما تجدون من الزمهرير» (١). وروى البخاري أيضًا عن أبي سعيد ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: «أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (٢). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٣٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٣٧)، ومسلم (٦١٧).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٥٩).","vol":"5","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1518>المطلب الأول: أهل النار المخلدون فيها</span>\nالتعريف بهم:\nأهل النار الخالدون فيها الذين لا يرحلون ولا يبيدون - هم الكفرة والمشركون. قال تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الأعراف: ٣٦]، وقال: لَوْ كَانَ هَؤُلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء: ٩٩]، وقال: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [الزخرف: ٧٤]، وقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا [فاطر: ٣٦]. وقال: وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٣٩]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ [البقرة:١٦١ - ١٦٢]. وقال: أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [التوبة: ٦٣] وقال: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ [التوبة: ١٧] ولما كانوا خالدين فيها فقد وصف الحق عذاب النار بأنه مقيم، أي لا ينقطع، كما أضافه إلى الخلد، قال تعالى: يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [النجم:٣٧] وقال: ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [يونس: ٥٢]. وفي (صحيح البخاري) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، خلود» (١). وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود لا موت، ولأهل النار، يا أهل النار خلود لا موت» (٢) وهذا يقال بعد ذبح الموت كما في حديث ابن عمر عند البخاري، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادي: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم» (٣).\nوفي (صحيح مسلم) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت. قال: ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ثم قال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [مريم: ٣٩]» (٤). وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري يرفعه قال: «إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحدًا مات فرحًا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدًا مات حزنًا لمات أهل النار» (٥) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٤٤)، ومسلم (٢٨٥٠).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٤٥).\n(٣) رواه البخاري (٦٥٤٨)، ومسلم (٢٨٥٠).\n(٤) رواه مسلم (٢٨٤٩).\n(٥) رواه الترمذي (٢٥٥٨). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح دون قوله: (فلو أن أحدا).","vol":"5","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1519>المطلب الثاني: النار مسكن الكفرة المشركين</span>\nلما كان الكفرة المشركون خالدين في النار فإن النار تعتبر بالنسبة لهم سكنًا ومأوى، كما أن الجنة مسكن المؤمنين، وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ [آل عمران: ١٥١]، أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يونس: ٨]، أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ [العنكبوت: ٦٨]. وهي مأواهم تتولى أمرهم مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ [الحديد: ١٥]. وهي بئس المسكن والمثوى، فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة: ٢٠٦]، هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ [ص:٥٥ - ٥٦]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٢","vol":"5","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1520>المطلب الثالث: الدعاة إلى النار</span>\nأصحاب المبادئ الضالة، والمذاهب الباطلة المخالفون لشرع الله، الدعاة المؤمنون بباطلهم هم دعاة النار، أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [البقرة: ٢٢١]، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص:٤١]، ومن هؤلاء الشيطان أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان: ٢١]، إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: ٦]. وهؤلاء الذين يدعون إلى النار في الدنيا يقودون أقوامهم وأتباعهم إلى النار في الآخرة، ففرعون مثلًا: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود:٩٨]. وكل قادة الشر الذين يدعون إلى عقائد ومبادئ مخالفة للإسلام هم دعاة إلى النار، لأن الطريق الوحيد الذي ينجي من النار ويدخل الجنة هو طريق الإيمان وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر: ٤١]، كانوا يدعونه إلى فرعون وكفره وشركه، وهو يدعوهم إلى الله وتوحيده والإيمان به. ولما كان الكفار دعاة إلى النار حرم الله على المؤمنين الزواج من المشركات، كما حرم على المؤمنات الزواج من المشركين وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [البقرة: ٢٢١]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٢","vol":"5","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1521>المطلب الرابع: أعظم جرائم الخالدين في النار</span>\nلقد أطال القرآن في تبيان جرائم الخالدين الذين استحقوا بها الخلود في النيران، ونحن نذكر هنا أهمها:\n١ - الكفر والشرك\nفقد أخبرنا الحق ﵎ أن الذين كفروا يُنادَون عندما يكونون في النار. فيقال لهم: إن مقت الله لكم أعظم من مقتكم أنفسكم بسبب كفركم بالإيمان، ثم بين أن خلودهم في النار إنما هو بسبب كفرهم وشركهم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر: ١٠]. وحدثنا الحق ﵎ أن خزنة النار يسألون الكفار عند ورودهم النار قائلين: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ [غافر: ٥٠]، فيكون الجواب: أنهم استحقوا النار بسبب تكذيبهم المرسلين، وما جاؤوا به قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ [الملك: ٩]. وقال في المكذبين بالكتاب: وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا [طه:٩٩ - ١٠١]. وقال في المكذبين بالكتاب المشركين بالله: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [غافر: ٧٠ - ٧٦]. وقال في الكفرة المشركين المسوين آلهتم برب العالمين: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٩٤ - ٩٨]. وقال في حق المكذبين بيوم الدين: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا [الفرقان:١١]، وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ [الرعد: ٥]. وقال: مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء: ٩٧ - ٩٨]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٥٤\n٢ - عدم القيام بالتكاليف الشرعية مع التكذيب بيوم الدين وترك الالتزام بالضوابط الشرعية","vol":"5","page":177},{"text":"فقد أخبرنا الحق ﵎ أن أهل الجنة يسألون أهل النار قائلين: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر:٤٢] فيجيبون قائلين: قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر: ٤٣ - ٤٧]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٥\n٣ - طاعة رؤساء الضلال وزعماء الكفر فيما قرروه من مبادئ الضلال وخطوات الكفر التي تصد عن دين الله ومتابعة المرسلين.\nقال تعالى: في هؤلاء: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت: ٢٥ - ٢٨]. وعندما يحل الكفار في النار، وتقلب وجوههم فيها يتندمون لعدم طاعتهم الله ورسوله، وطاعتهم السادة الكبراء: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَّ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب: ٦٤ - ٦٧]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٥\n٤ - النفاق: وعد الله المنافقين النار، وهو وعد قطعه على نفسه لا يخلفه\nوَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [التوبة: ٦٨]، وأخبرنا أن موقع المنافقين في النار هو دركاتها السفلى، وهي أشدها حرًا، وأكثرها إيلامًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٥]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٦\n٥ - الكبر\nوهذه صفة يتصف بها عامة أهل النار، قال تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الأعراف: ٣٦]. وقد عقد مسلم في (صحيحه) بابًا عنون له بقوله: باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء وذكر فيه احتجاج الجنة والنار وما قالتا وما قال الله لهما، وساق فيه حديث أبي هريرة يرفعه إلى الرسول ﷺ، وفيه أن النار قالت: «يدخلني الجبارون والمتكبرون» (١) وفي رواية قالت: «أوثرت بالمتكبرين والجبارين. وقال الله لها: أنت عذابي أعذب بك من أشاء» (٢). وفي (صحيحي البخاري ومسلم) و(سنن الترمذي) عن حارثة بن وهب، قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جواظ مستكبر» (٣)، وفي رواية لمسلم: «كل جواظ زنيم متكبر» (٤) ومصداق هذا في كتاب الله ﵎: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:٦٠]، وقوله: فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأحقاف: ٢٠]، وقوله: فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:٣٧ - ٣٩]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٤٦) (٣٤).\n(٢) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦) (٣٥).\n(٣) رواه البخاري (٤٩١٨)، ومسلم (٢٨٥٣) (٤٦).\n(٤) رواه مسلم (٢٨٥٣) (٤٧).","vol":"5","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1522>المطلب الخامس: جملة الجرائم التي تدخل النار</span>\nسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ما عمل أهل النار، وما عمل أهل الجنة؟ فأجاب: عمل أهل النار: الإشراك بالله تعالى، والتكذيب للرسل، والكفر، والحسد، والكذب، والخيانة، والظلم، والفواحش، والغدر، وقطيعة الرحم، والجبن عن الجهاد، والبخل، واختلاف السر والعلانية، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والجزع عند المصائب، والفخر والبطر عند النعم، وترك فرائض الله، واعتداء حدوده، وانتهاك حرماته، وخوف المخلوق دون الخالق، والعمل رياءً وسمعة، ومخالفة الكتاب والسنة؛ أي: اعتقادًا وعملًا، وطاعة المخلوق في معصية الخالق، والتعصب للباطل، والاستهزاء بآيات الله، وجحد الحق، والكتمان لما يجب إظهاره من علم وشهادة، والسحر، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والربا، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. وقد ذكر الرسول ﷺ جماع الذنوب التي تدخل النار، ففي صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ قال في خطبة له طويلة: «وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له، الذين هم فيكم تبعًا لا يبتغون أهلا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع، وإن دقّ إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسى إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك. وذكر البخل، والكذب، والشنظير، الفحاش» (١). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٦٥).","vol":"5","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1523>المطلب السادس: أشخاص بأعيانهم في النار</span>\nالكفار المشركون في النار لا شك في ذلك، وقد أخبرنا القرآن الكريم، كما أخبرنا الرسول ﷺ أن أشخاصًا بأعيانهم في النار، فمن هؤلاء فرعون موسى، يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود: ٩٨]. ومنهم: امرأة نوح وامرأة لوط، ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم: ١٠].\nومنهم: أبو لهب وامرأته تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ [المسد]. ومنهم: عمرو بن عامر الخزاعي، فقد رآه الرسول يجر أمعاءه في النار، ومنهم الذي قتل عمار وسلبه، ففي (معجم الطبراني) بإسناد صحيح عن عمرو بن العاص وعن ابنه عن النبي ﷺ قال: «قاتل عمار وسالبه في النار» (١). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٩\n_________\n(١) لم أجده في «معجم الطبراني الكبير» ولعله في المفقود منه. ورواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٩/ ١٠٣). وأحمد (٤/ ١٩٨) (١٧٨١١)، والحاكم (٣/ ٤٣٧). وقال: وتفرد به عبدالرحمن بن المبارك وهو ثقة مأمون عن معتمر عن أبيه فإن كان محفوظا فإنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وإنما رواه الناس عن معتمر عن ليث عن مجاهد. ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٤٤): رواه أحمد والطبراني بنحوه .. ورجال أحمد ثقات. وقال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده قوي.","vol":"5","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1524>المطلب السابع: كفرة الجن في النار</span>\nكفرة الجن يدخلون النار كما يدخلها كفرة الإنس، فالجن مكلفون كالإنس: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]. وفي يوم القيامة يحشر الجن والإنس على حد سواء: وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ [الأنعام: ١٢٨]، فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا [مريم: ٦٨ - ٧٠] ثم يقال للكفرة منهم: ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ [الأعراف: ٣٨]، وعند ذلك يكبكبون في النار: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥]، وبذلك تتم كلمة الله القاضية بملء النار من كفرة الجن والإنس وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:١١٩] وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ [فصلت: ٢٥]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦٠","vol":"5","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1525>المطلب الثامن: الذين لا يخلدون في النار</span>\nالتعريف بهم: الذين يدخلون النار، ثم يخرجون منها هم أهل التوحيد الذين لم يشركوا بالله شيئًا، ولكن لهم ذنوب كثيرة فاقت حسناتهم، فخفت موازينهم، فهؤلاء يدخلون النار مددًا يعلمها الله ﵎، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، ويخرج الله برحمته أقوامًا لم يعملوا خيرًا قط. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦١","vol":"5","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1526>المطلب التاسع: صفات أهل النار</span>\nعن حارثة بن وهب عن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل، جواظ، مستكبر» (١).\nو(العتل) قال مجاهد وعكرمة: (هو القوي) (٢)، وقال أبو رزين: (هو الصحيح) (٣).\nوقال عطاء بن يسار: عن وهب الذماري قال: (تبكي السماء والأرض من رجل أتم الله خلقه، وأرحب جوفه، وأعطاه معظمًا من الدنيا، ثم يكون ظلومًا غشومًا للناس، لذلك العتل الزنيم) (٤).\nوقال إبراهيم النخعي: (العتل: الفاجر، والزنيم: اللئيم في أخلاق الناس).\nوروى شهر بن حوشب عن عبدالرحمن بن غنم أن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل الجنة جواظ، ولا جعظري، ولا العتل الزنيم، فقال رجل من المسلمين: ما الجواظ، الجعظري، والعتل الزنيم؟ فقال رسول الله ﷺ: الجواظ الذي جمع ومنع، وأما الجعظري فالفظ الغليظ قال الله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:١٥٩] وأما العتل الزنيم فشديد الخلق، رحيب الجوف، مصحح، أكول، شروب، واجد للطعام، ظلوم للأنام» (٥).\nوروى معاوية بن صالح عن كثير بن الحارث عن القاسم مولى معاوية قال: سئل رسول الله ﷺ عن العتل الزنيم قال: «هو الفاحش اللئيم» (٦) وقال معاوية: وحدثني عياض بن عبدالله الفهري عن موسى بن عقبة عن النبي ﷺ بذلك خرجه كله ابن أبي حاتم (٧).\nوأما المستكبر فهو الذي يتعاطى الكبر على الناس والتعاظم عليهم، وقد قال الله تعالى: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:٦٠] وقد ذكرنا فيما سبق حديث: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، يساقون إلى سجن في النار يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يغشاهم الذل من كل مكان» (٨) فإن عقوبة التكبر الهوان والذل كما قال الله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:٢٠]\nوفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه ﷿ قال: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته بناري» يعني: ألقيته في جهنم (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩١٨)، ومسلم (٢٨٥٣).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٨/ ١٩٣).\n(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٣٦)،\n(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٣٦).\n(٥) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ٣٣٠٩).\n(٦) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٣٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ٣٣١٠).\n(٧) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ٣٣١٠).\n(٨) رواه الترمذي (٢٤٩٢)، أحمد (٢/ ١٧٩) (٦٦٧٧). من حديث جد عمرو بن شعيب. قال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (٦/ ٥٣٧)، وابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٧٤) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٩) رواه مسلم (٢٦٢٠) بلفظ «العز إزاره»، ورواه أبو داود (٤٠٩٠)، وأحمد (٢/ ٤١٤) (٩٣٤٨) كلاهما بلفظ «قذفته»، وابن ماجه (٣٣٨٣)، وابن حبان (١٢/ ٤٨٦) كلاهما بلفظ: «ألقيته». من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":183},{"text":"وفي (الصحيحين) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين، والمتجبرين، وقالت الجنة: (فما لي) لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم (وغرتهم)، قال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي فلا تمتلئ حتى يضع عليها رجله، فتقول: قط قط. فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا» (١)\nوفي رواية خرجها ابن أبي حاتم: «فقالت النار مالي لا يدخلني إلا الجبارون، والمتكبرون، والأشراف، وأصحاب الأموال» (٢).\nوخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «افتخرت الجنة والنار فقالت النار: يا رب يدخلني الجبابرة، والمتكبرون، والملوك، والأشراف، وقالت الجنة: أي رب يدخلني الضعفاء، والفقراء، والمساكين» (٣) ذكر الحديث بمعنى ما تقدم.\nوسبب هذا أن الله ﷿ حف الجنة بالمكاره، وحف النار بالشهوات كما قال تعالى: فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:٣٧ - ٤١]\nوفي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «حجبت الجنة بالمكاره، وحجبت النار بالشهوات» (٤)، وخرجه مسلم ولفظه: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (٥) وخرجه أيضًا من حديث أنس عن النبي ﷺ (٦).\nوخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها فنظر إليها وإلى ما أعد لأهلها فيها، قال: فرجع إليه فقال: فوعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها، قال: فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد. قال: فاذهب إلى النار فانظر إلى ما أعددت لأهلها، فإذا هي يركب بعضها بعضًا، فرجع إليه فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع إليها فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها» (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ٢٠٩٦).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ١٣) (١١١١٤)، وابن خريمة في «التوحيد» (١/ ٢١٥). وقد أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١١٥): رواه أحمد ورجاله ثقات لأن حماد بن سلمة روى عن عطاء بن السائب قبل الاختلاط.\n(٤) رواه البخاري (٦٤٨٧).\n(٥) رواه مسلم (٢٨٢٣).\n(٦) رواه مسلم (٢٨٢٢).\n(٧) رواه أبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠)، والنسائي (٧/ ٣)، وأحمد (٢/ ٣٣٢) (٨٣٧٩)، والحاكم (١/ ٧٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.","vol":"5","page":184},{"text":"فتبين بهذا أن صحة الجسد وقوته، وكثرة المال، والتنعم بشهوات الدنيا، والتكبر والتعاظم على الخلق وهي صفات أهل النار التي ذكرت في حديث حارثة بن وهب، هي جماع الطغيان والبغي كما قال تعالى: كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى [العلق:٦ - ٧] والطغيان وإيثار الحياة الدنيا وشهواتها من موجبات النار كما قال تعالى: فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:٣٧ - ٣٩].\nوأما الضعيف في البدن، والاستضعاف في الدنيا من قلة المال والسلطان، مع الإيمان فهو جماع كل خير، ولهذا يقال: من العصمة أن لا تجد، فهذه صفة أهل الجنة التي ذكرت في حديث حارثة.\nوقد روي نحو حديث حارثة من وجوه متعددة وفي بعضها زيادات ... ومن حديث سراقة بن مالك بن جعشم أن النبي ﷺ قال له: «يا سراقة، ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: أما أهل النار فكل جعظري، جواظ، مستكبر. وأما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون» (١)\nومن حديث عبدالله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة وأهل النار، أما أهل الجنة فكل ضعيف متضعف، أشعث ذو طمرين، لو أقسم على الله لأبره، وأما أهل النار فكل جعظري، جواظ، جماع، مناع، ذي تبع» (٢) ...\nوخرج الطبراني من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بصفة أهل الجنة؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: كل ضعيف متضاعف، ذو طمرين، لو أقسم على الله لأبره، ألا أنبئكم بأهل النار؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: كل جظٍ، جعظرٍ، مستكبر، قال: فسألته: ما الجظ؟ قال: الضخم، وما الجعظر؟ قال: العظيم في نفسه» (٣) ...\nوروى سليم بن عمر عن فرات البهراني عن أبي عامر الأشعري أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن أهل النار فقال: لقد سألت عن عظيم، كل شديد قعبري، فقال: وما القعبري يا رسول الله؟ قال: الشديد على العشيرة، الشديد على الأهل، الشديد على الصاحب، قال: فمن أهل الجنة يا رسول الله؟ فقال: سبحان الله، لقد سألت عن عظيم، كل ضعيف مزهد» (٤).\nوفي المعنى أحاديث أخر، وفي (صحيح مسلم) عن عياض بن حمار أن النبي ﷺ قال في خطبته: «وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعًا لا يبغون أهلًا، ولا مالًا. والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» وذكر البخل، والكذب، والشنظير الفحاش (٥).\nففي هذا الحديث جعل النبي ﷺ أهل الجنة ثلاث أصناف.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٧٥) (١٧٦٢١)، والطبراني (٧/ ١٢٩) (٦٦٠٥)، والحاكم (٣/ ٧١٧)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٨). وقال إسناده حسن، وهو أيضًا ما قاله الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٦٨).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢١٤) (٧٠١٠)، والحاكم (٢/ ٥٤١). وقال: صحيح على شرط مسلم، وصحح إسناده ابن القيم في «حادي الأرواح» (١١٢)، وقال الهيثمي (١٠/ ٣٩٦): رجاله رجال الصحيح.\n(٣) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٤/ ٣٠١ - ٣٠٢) (٤٢٦٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٦٨): رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه عبد الله بن محمد بن أبي مريم وهو ضعيف.\n(٤) ذكره السيوطي في «جمع الجوامع» (٧٨٩٢) وقال: [رواه] الشيرازي في «الألقاب»، والديلمي عن أبى عامر الأشعري.\n(٥) رواه مسلم (٢٨٦٥).","vol":"5","page":185},{"text":"أحدهما- ذو السلطان المقسط المتصدق، وهو من كان له سلطان على الناس، فسار في سلطانه بالعدل، ثم ارتقى درجة الفضل.\nوالثاني- الرحيم الرقيق القلب، الذي لا يخص برحمته قرابته، بل يرحم المسلمين عمومًا، فتبين أن القسمين أهل الفضل والإحسان.\nوالثالث: العفيف المتعفف، ذو العيال، وهو من يحتاج إلى ما عند الناس فيتعفف عنهم، وهذا أحد نوعي الجود أعني العفة عما في أيدي الناس لا سيما مع الحاجة.\nوقد وصف الله في كتابه أهل الجنة ببذل الندى، وكف الأذى ولو كان الأذى بحق، فقال: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤]، فهذا حال معاملتهم للخلق ثم وصف قيامهم بحق الحق فقال: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦] فوصفهم الله عند الذنوب بالاستغفار، وعدم الإصرار، وهو حقيقة التوبة النصوح.\nوقريب من هذه الآية قوله تعالى: فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد:١١ - ١٨]، والعقبة قد فسرها ابن عباس بالنار، وفسرها ابن عمر بعقبة في النار ... فأخبر سبحانه أن اقتحامها، وهو قطعها ومجاوزتها يحصل بالإحسان إلى الخلق، إما بعتق الرقبة، وإما بالإطعام في المجاعة، والمطعم إما يتيم من ذوي القربى، أو مسكين قد لصق بالتراب فلم يبق له شيء. ولا بد مع هذا الإحسان أن يكون من أهل الإيمان، والآمر لغيره بالعدل والإحسان، وهو التواصي بالصبر، والتواصي بالمرحمة، وأخبر سبحانه أن هذه الأوصاف أوصاف أصحاب الميمنة.\nوأما أهل النار فقد قسمهم النبي ﷺ في هذا الحديث خمسة أصناف.\nالصنف الأول: الضعيف، الذي لا زبر له، ويعني بالزبر القوة والحرص على ما ينتفع به صاحبه في الآخرة من التقوى والعمل الصالح، وخرج العقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إن الله يبغض المؤمن الذي لا زبر له» (١) قال بعض رواة الحديث: يعني الشدة في الحق، ولما حدث مطرف بن عبدالله بحديث عياض بن حمار هذا وبلغ قوله: «الضعيف الذي لا زبر له» فقيل له: أو يكون هذا؟ قال: نعم والله، لقد أدركتهم في الجاهلية وإن الرجل ليرعى على الحي ماله إلا وليدتهم يطؤها (٢) ........ وهذا القسم شر أقسام الناس، ونفوسهم ساقطة، لأنهم ليس لهم همم في طلب الدنيا ولا الآخرة، وإنما همه شهوة بطنه وفرجه كيف اتفق له، وهو تبع للناس خادم لهم أو طواف عليهم سائل لهم.\n_________\n(١) رواه العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٤/ ٢٤٦)، ترجمة (١٨٤١) مسمع بن محمد الأشعري. وقال: لا يتابع ولا يعرف بالنقل. ولا يتابع عليه بهذا الإسناد، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (١٦٩١).\n(٢) رواه مسلم (٢٨٦٥).","vol":"5","page":186},{"text":"والصنف الثاني: الخائن: لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه أي يعني لا يقدر على خيانة ولو كانت حقيرة يسيرة إلا بادر إليها واغتنمها، ويدخل في ذلك التطفيف في المكيال والميزان، وكذلك الخيانة في الأمانات القليلة كالودائع، وأموال اليتامى، وغير ذلك، وهو خصلة من خصال النفاق، وربما يدخل الخيانة من خان الله ورسوله في ارتكاب المحارم سرًا مع إظهار اجتنابها.\nقال بعض السلف: كنا نتحدث أن صاحب النار من لا تمنعه خشية الله من شيء خفي له.\nالصنف الثالث: المخادع، الذي دأبه صباحًا ومساء مخادعة الناس على أهليهم وأموالهم والخداع من أوصاف المنافقين كما وصفهم الله تعالى بذلك، والخداع معناه إظهار الخير، وإضمار الشر لقصد التوصل إلى أموال الناس وأهليهم والانتفاع بذلك، وهو من جملة المكر والحيل المحرمة، وفي حديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ: «من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار» (١)\nالصنف الرابع: الكذب والبخل ...\nالصنف الخامس: الشنظير وقد فسر بالسيء الخلق، والفاحش هو الفاحش المتفحش.\nوفي (الصحيحين) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه».\nوفي الترمذي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ: «إن الله يبغض الفاحش الفاحش البذيء» والبذيء الذي يجري لسانه بالسفه ونحوه من لغو الكلام.\nوفي (المسند) عن النبي ﷺ قال: «بحسب امرئٍ من الشر أن يكون فاحشًا بذيئًا بخيلًا جبانًا» فالفاحش هو الذي يفحش في منطقه ويستقبل الرجال بقبيح الكلام من السب ونحوه، ويأتي في كلامه بالسخف وما يفحش ذكره. التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار لابن رجب – بتصرف - ص: ٢٧٠ – ٢٧٩\n_________\n(١) رواه الطبراني (١٠/ ١٣٨) (١٠٢٣٤)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٢١٠)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٣٢). وقال: إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٨٢): رجاله ثقات، وفي عاصم بن بهدلة كلام لسوء حفظه، وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب»: حسن صحيح.","vol":"5","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1527>المبحث الثامن: الذنوب المتوعد عليها بالنار</span>\n• المطلب الأول: الفرق المخالفة للسنة.\n• المطلب الثاني: الممتنعون من الهجرة.\n• المطلب الثالث: الجائرون في الحكم.\n• المطلب الرابع: الكذب على الرسول ﷺ.\n• المطلب الخامس: الكبر.\n• المطلب السادس: قاتل النفس بغير حق.\n• المطلب السابع: أكلة الربا.\n• المطلب الثامن: أكلة أموال الناس بالباطل.\n• المطلب التاسع: المصورون.\n• المطلب العاشر: الركون إلى الظالمين.\n• المطلب الحادي عشر: الكاسيات العاريات والذين يجلدون ظهور الناس.\n• المطلب الثاني عشر: الذين يعذبون الحيوان.\n• المطلب الثالث عشر: عدم الإخلاص في طلب العلم.\n• المطلب الرابع عشر: الذين يشربون في آنية الذهب والفضة.\n• المطلب الخامس عشر: الذي يقطع السدر الذي يظل الناس.\n• المطلب السادس عشر: جزاء الانتحار.","vol":"5","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1528>المطلب الأول: الفرق المخالفة للسنة</span>\nروى أبو داود والدارمي وأحمد والحاكم وغيرهم عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: ألا إن رسول الله - ﷺ - قام فينا فقال: «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة» (١).\nوهذا حديث صحيح. قال فيه الحاكم بعد سياقه لأسانيده: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح الحديث. ووافقه الذهبي. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية فيه: هو حديث صحيح مشهور. وصححه الشاطبي في (الاعتصام)، وقد جمع الشيخ ناصر الدين الألباني طرقه وتكلم على أسانيده، وبين أنه حديث صحيح لا شك في صحته.\nوقد ذهب صديق حسن خان إلى أن الزيادة التي في الحديث وهي: كلها هالكة إلا واحدة ومثلها: ثنتان وسبعون في النار زيادة ضعيفة. ونقل تضعيف ذلك عن شيخه الشوكاني ومن قبله عن ابن الوزير ومن قبله عن ابن حزم. وقد استحسن قول من قال: إن هذه الزيادة من دسيس الملاحدة، فإن فيها التنفير عن الإسلام والتخويف من الدخول فيه. وقد رد الشيخ ناصر الدين الألباني على من ضعّف هذه الزيادة من وجهين:\nالأول: أن النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة هذه الزيادة، فلا عبرة بقول من ضعفها.\nالثاني: أن الذين صححوها أكثر وأعلم من ابن حزم، لا سيما وهو معروف عند أهل العلم بتشدده بالنقد، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم المخالفة، فكيف إذا خالف.\nوأما ابن الوزير فإنه يرد الزيادة من جهة المعنى لا من جهة الإسناد، وقد تكلم على هذا صديق حسن خان في (يقظة أولي الاعتبار) مبينًا أن مقتضى الزيادة أن الذي يدخل الجنة من هذه الأمة قليل، والنصوص الصحيحة الثابتة تدل على أن الداخلين من هذه الأمة الجنة كثير كثير، يبلغون نصف أهل الجنة.\nوالرد على هذا من عدة وجوه:\nالأول: ليس معنى انقسام الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة أن يكون أكثر الأمة في النار، لأن أكثر الأمة عوام لم يدخلوا في تلك الفرق، والذين افترقوا وقعّدوا وأصّلوا مخالفين السنة قليل بالنسبة للذين جانبوا ذلك كله.\nالثاني: ليس كل من خالف أهل السنة في مسألة من مسائل يعد من الفرق المخالفة للسنة، بل المراد بهم الذين تبنوا أصولًا تصيرهم فرقة مستقلة بنفسها، تركوا من أجلها كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة، كالخوارج والمعتزلة والرافضة. أما الذين يتبنون الكتاب والسنة ولا يحيدون عنهما، فإنهم إذا خالفوا في مسألة من المسائل لا يعدون فرقة من الفرق.\nالثالث: الزيادة دلت على أن الفرق في النار، ولكنها لم توجب لهم الخلود في النار.\nومن المعلوم أن بعض أهل هذه الفرق كفرة خالدون في النار، كغلاة الباطنية الذين يُظِهرون الإيمان ويُبطنون الكفر كالإسماعيلية والدروز والنصيرية ونحوهم. ومنهم الذين خالفوا أهل السنة في مسائل كبيرة عظيمة، ولكنها لا تصل إلى الكفر، فهؤلاء ليس لهم وعد مطلق بدخول الجنة، ولكنهم تحت المشيئة إن شاء الله غفر لهم وإن شاء عذبهم، وقد تكون لهم أعمال صالحة عظيمة تنجيهم من النار، وقد ينجون من النار بشفاعة الشافعين، وقد يدخلون النار، ويمكثون فيها ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يخرجون منها بشفاعة الشافعين ورحمة أرحم الراحمين. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦١\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٥٩٧)، وأحمد (٤/ ١٠٢) (١٦٩٧٩)، والدارمي (٢/ ٣١٤)، والحاكم (١/ ٢١٨). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث. ووافقه الذهبي. وصحح إسناده أبو الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٦) - كما أشار لهذا في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن. وانظر كلامه في «السلسلة الصحيحة» (٢٠٤).","vol":"5","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1529>المطلب الثاني: الممتنعون من الهجرة</span>\nلا يجوز للمسلم أن يقيم في ديار الكفر إذا وجدت ديار الإسلام خاصة إذا كان مكثه في ديار الكفر يعرضه للفتنة، ولم يقبل الله الذين تخلفوا عن الهجرة، فقد أخبرنا الحق أن الملائكة تُبَكّت هذا الصنف من الناس حال الموت، ولا تعذرهم عندما يدعون أنهم كانوا مستضعفين في الأرض: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء: ٩٧ - ٩٨]، فلم يعذر الله من هؤلاء إلا المستضعفين الذين لا يجدون حيلة للخروج، ولا يهتدون إلى الطريق الذي يوصلهم إلى ديار الإسلام. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦٤","vol":"5","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1530>المطلب الثالث: الجائرون في الحكم</span>\nأنزل الله الشريعة ليقوم الناس بالقسط، وأمر الله عباده بالعدل إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل: ٩٠]، وفرض على الحكام والقضاة الحكم بالعدل وعدم الجور إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ [النساء: ٥٨]، وقد تهدد الحق الذين لا يحكمون بالحق بالنار، فقد روى بريدة بن الحصيب أن رسول الله ﷺ، قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار» أخرجه أبو داود (١). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦٤\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٥٧٣). وقال: هذا أصح شيء فيه. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٣/ ٤٧٨) - كما أشار لهذا في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"5","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1531>المطلب الرابع: الكذب على الرسول ﷺ</span>\nعقد ابن الأثير في كتابه الكبير (جامع الأصول) فصلًا ساق فيه كثيرًا من الأحاديث التي تحذر من الكذب على الرسول ﷺ، فمنها ما رواه البخاري ومسلم والترمذي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكذبوا عليَّ، فإنه من كذب عليَّ يلج النار» (١).\nومنها ما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تقوّل عليَّ ما لم أقل، فليتبوأ مقعده في النار» (٢). ومنها ما رواه البخاري في (صحيحه)، وأبو داود في (سننه) عن عبدالله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٣). ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٤) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦٥\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠٦)، ومسلم (١)، والترمذي (٢٦٦٠).\n(٢) رواه البخاري (١٠٩).\n(٣) رواه البخاري (١٠٧) بدون لفظة: (متعمدًا)، وأبو داود (٣٦٥١).\n(٤) رواه البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤).","vol":"5","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1532>المطلب الخامس: الكبر</span>\nمن الذنوب الكبار الكبر، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما أدخلته النار (وفي رواية) أذقته النار» رواه مسلم (١).\nوعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا، قال: إن الله جميل يحب الجمال. الكبر: بطر الحق، وغمط الناس» رواه مسلم (٢). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٢٠) بلفظ «العز إزاره»، ورواه أبو داود (٤٠٩٠)، وأحمد (٢/ ٤١٤) (٩٣٤٨) كلاهما بلفظ: «قذفته»، وابن ماجه (٤١٧٥)، وابن حبان (١٢/ ٤٨٦) كلاهما بلفظ: «ألقيته». من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٩١).","vol":"5","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1533>المطلب السادس: قاتل النفس بغير حق</span>\nقال تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]. فلا يجوز في دين الله قتل النفس المسلمة إلا بإحدى ثلاث كما في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين، التارك للجماعة» (١) وفي (صحيح البخاري) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا» (٢). قال ابن عمر: إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله (٣). وقد حذر الرسول ﷺ المسلمين أن يقاتل بعضهم بعضًا، وأخبر أن القاتل والمقتول في النار، فعن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار قال: فقلت، أو قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (٤). ولذا فإن العبد الصالح أبى أن يقاتل أخاه، خشية أن يكون من أهل النار، فباء القاتل بإثمه وإثم أخيه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ [المائدة: ٢٧ - ٢٩]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦).\n(٢) رواه البخاري (٦٨٦٢).\n(٣) رواه البخاري (٦٨٦٣).\n(٤) رواه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨).","vol":"5","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1534>المطلب السابع: أكلة الربا</span>\nمن الذنوب التي توبق صاحبها الربا، وقد قال الحق في الذين يأكلونه بعد أن بلغهم تحريم الله له: وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٧٥]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣١].\nوقد عده الرسول ﷺ في الحديث المتفق عليه واحدًا من سبعة ذنوب توبق صاحبها، ففي (الصحيحين) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (١) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩).","vol":"5","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1535>المطلب الثامن: أكلة أموال الناس بالباطل</span>\nمن الظلم العظيم الذي يستحق به صاحبه النار أكل أموال الناس بالباطل، كما قال تعالى:: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا [النساء: ٢٩ - ٣٠].\nومن أكل أموال الناس بالباطل أكل أموال اليتامى ظلمًا، وقد خص الحق أموالهم بالذكر لضعفهم وسهولة أكل أموالهم، ولشناعة هذه الجريمة إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:١٠] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦٨","vol":"5","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1536>المطلب التاسع: المصورون</span>\nأشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون الذين يضاهئون خلق الله، ففي (الصحيحين) عن عبدالله بن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أشدّ الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون» (١).\nوعن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا، فتعذبه في جهنم» متفق عليه (٢)\nوعن عائشة أن الرسول ﷺ: «قال في النمرقة التي فيها تصاوير: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» متفق عليه (٣).\nوعن عائشة أيضًا، عن النبي ﷺ قال: «أشدّ الناس عذابًا الذين يضاهون بخلق الله» متفق عليه. (٤)\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال ﷿: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» متفق عليه (٥) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩).\n(٢) رواه مسلم (٢١١٠).\n(٣) رواه البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧).\n(٤) رواه البخاري (٥٩٥٤)، ومسلم (٢١٠٧).\n(٥) رواه البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١).","vol":"5","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1537>المطلب العاشر: الركون إلى الظالمين</span>\nمن الأسباب التي تدخل النار الركون إلى الظالمين أعداء الله وموالاتهم: وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:١١٣]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦٩","vol":"5","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1538>المطلب الحادي عشر: الكاسيات العاريات والذين يجلدون ظهور الناس</span>\nمن الأصناف التي تصلى النار الفاسقات المتبرجات اللواتي يفتن عباد الله، ولا يستقمن على طاعة الله، فقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا» أخرجه مسلم، والبيهقي، وأحمد (١).\nقال القرطبي في الذين معهم سياط كأذناب البقر: وهذه الصفة للسياط مشاهدة عندنا بالمغرب إلى الآن قال صديق حسن خان معقبًا على قول القرطبي: بل هو مشاهد في كل مكان وزمان، ويزداد يومًا فيومًا عند الأمراء والأعيان، فنعوذ بالله من جميع ما كرهه الله. أقول: ولا زلنا نرى هذا الصنف من الناس في كثير من الديار يجلدون أبشار الناس، فتبًّا لهؤلاء وأمثالهم. والكاسيات العاريات كثيرات في زماننا، ولعله لم يسبق أن انتشرت فتنتهن كما انتشرت في زماننا، وهن على النعت الذي وصفه الرسول ﷺ: كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٧٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٢١٢٨)، وأحمد (٢/ ٣٥٥) (٨٦٥٠)، والبيهقي (٢/ ٢٣٤).","vol":"5","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1539>المطلب الثاني عشر: الذين يعذبون الحيوان</span>\nروى مسلم في (صحيحه) عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «عُرضَت عليّ النار، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تُعذّب في هرة لها، ربطتها فلم تُطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت جوعًا» (١) إذا كان هذا حال من يعذب هرة، فكيف من يتفنن في تعذيب العباد؟ فكيف إذا كان التعذيب للصالحين منهم بسبب إيمانهم وإسلامهم؟ الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٧٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٩٠٤).","vol":"5","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1540>المطلب الثالث عشر: عدم الإخلاص في طلب العلم</span>\nساق الحافظ المنذري كثيرًا من الأحاديث التي ترهب من تعلّم العلم لغير الله، منها: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلم علمًا مما يُبتغى به وجه الله ﷿، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» يعنى ريحها. رواه أبو داود وابن ماجه، وابن حبان في (صحيحه)، والحاكم (١). وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، من فعل ذلك فالنار النار» رواه ابن ماجة، وابن حبان في (صحيحه)، والبيهقي (٢) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٧١\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢)، وابن حبان (١/ ٢٧٩)، والحاكم (١/ ١٦٠). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح سنده ثقات على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد أسنده ووصله عن فليح جماعة غير ابن وهب. ووافقه الذهبي. وقال النووي في «المجموع» (١/ ٢٣): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) رواه ابن ماجه (٢٥٤)، وابن حبان (٧٧). قال العراقي في «المغني» (١/ ٨٦): إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.","vol":"5","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1541>المطلب الرابع عشر: الذين يشربون في آنية الذهب والفضة</span>\nروى البخاري ومسلم عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجر في بطنه نار جهنم» (١). وفي رواية لمسلم: «إن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب». (٢) وعن حذيفة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة» متفق عليه (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٧٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥).\n(٢) رواه مسلم (٢٠٦٥).\n(٣) رواه البخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (٢٠٦٧).","vol":"5","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1542>المطلب الخامس عشر: الذي يقطع السدر الذي يظل الناس</span>\nعن عبدالله بن حبيش قال: قال رسول الله ﷺ: «من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار» رواه أبو داود (١). وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال: «إن الذين يقطعون السدر يصبون في النار على رؤوسهم صبًا» (٢) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٧٣\n_________\n(١) رواه أبو داود (٥٢٣٩). وسكت عنه. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٣/ ٢٠١) – كما أشار لهذا في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه البيهقي (٦/ ١٤٠). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» تحت حديث رقم (٦١٤): إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن شريك وهو ثقة.","vol":"5","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1543>المطلب السادس عشر: جزاء الانتحار</span>\nثبت في (الصحيحين) عن أبي هريرة رضي الله عن النبي ﷺ قال: «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجّأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًّا فقتل نفسه، فهو في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا» (١). وفي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار» (٢) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٧٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩).\n(٢) رواه البخاري (١٣٦٥).","vol":"5","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1545>المطلب الأول: النصوص الدالة على كثرة أهل النار</span>\nجاءت النصوص كثيرة وافرة دالة على كثرة من يدخل النار من بني آدم، وقلة من يدخل الجنة منهم.\nقال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣]، وقال: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠]. وقال الحق ﵎ لإبليس: لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٥] فكل من كفر فهو من أهل النار على كثرة من كفر من بني آدم.\nويدلك على كثرة الكفرة المشركين الذين رفضوا دعوة الرسل أنّ النبي يأتي في يوم القيامة ومعه الرهط، وهم جماعة دون العشرة، والنبي ومعه الرجل والرجلان، بل إن بعض الأنبياء يأتي وحيدًا لم يؤمن به أحد، ففي (صحيح مسلم) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد» (١)\nوجاءت نصوص كثيرة تدل على أنه يدخل في النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون من كل ألف، وواحد فقط هو الذي يدخل الجنة. فقد روى البخاري في (صحيحه) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، ثم يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد. فاشتد ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الرجل؟ قال: أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم رجل. ثم قال: والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة. قال: فحمدنا الله وكبرنا. ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إنّ مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار» (٢).\nوروى عمران بن حصين «أن رسول الله - ﷺ - قال وهو في بعض أسفاره، وقد تفاوت بين أصحابه السير، رفع بهاتين الآيتين صوته: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: ١ - ٢]، فلما سمع أصحابه ذلك حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما دنوا حوله قال: أتدرون أي يوم ذاك؟ قال: ذاك يوم يُنادى آدم ﵇، فيناديه ربه ﷿، فيقول: يا آدم ابعث بعثًا إلى النار. فيقول: يا رب، وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد في الجنة. قال: فأبلس أصحابه، حتى ما أوضحوا بضاحكة. فلما رأى ذلك قال: أبشروا واعملوا، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس قال: فسري عنهم، ثم قال: اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو الرقمة في ذراع الدابة» رواه أحمد والترمذي والنسائي في كتاب التفسير في (سننهما)، وقال الترمذي: حسن صحيح (٣)\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٢٠).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٣٠)، ومسلم (٢٢٢).\n(٣) رواه الترمذي (٣١٦٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤١٠)، وأحمد (٤/ ٤٣٥) (١٩٩١٥). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الطبري في «تفسيره» (١٠/ ١/١٤٤): صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"5","page":205},{"text":"وقد يقال كيف تجمع بين هذه الأحاديث وبين ما ثبت في (صحيح البخاري) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «أول من يدعى يوم القيامة آدم، فتراءى ذريته، فيقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول: يا رب، كم أخرج؟ فيقول: أخرج من كل مائة تسعة وتسعين فقالوا: يا رسول الله، إذا أخذ منا من كل مائه تسعة وتسعون، فما يبقى منا؟ قال: إن أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود» (١)\nوالظاهر أن هذه الرواية لا تخالف الروايات الأخرى الصحيحة ... فإن ذلك العدد باعتبار معين، وهذا العدد باعتبار آخر. فالأحاديث التي تجعل النسبة تسعمائة وتسعة وتسعين يمكن تحمل على جميع ذرية أدم، وحديث البخاري الذي يجعلها تسعة وتسعين تحمل على جميع ذريته ما عدا يأجوج ومأجوج، ويقرب هذا الجمع كما يقول ابن حجر أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة، ويمكن أن يقال: إن الأحاديث الأولى تتعلق بالخلق أجمعين، فإذا جعلت نسبة من يدخل النار إلى من يدخل الجنة باعتبار الأمم جميعًا تكون النسبة، ويكون حديث البخاري الأخير مبينًا نسبة من يدخل النار من هذه الأمة دون سواها، قال ابن حجر: ويُقربه أي هذا القول قولهم في حديث أبى هريرة إذا أخذ منا، ثم قال: ويحتمل أن تقع القسمة مرتين مرة من جميع الأمم قبل هذه الأمة، فيكون من كل ألف واحد إلى الجنة، ومرة من هذه الأمة، فيكون من كل ألف عشرة. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٧٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٢٩).","vol":"5","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1546>المطلب الثاني: السر في كثرة أهل النار</span>\nليس السبب في كثرة أهل النار هو عدم بلوغ الحق إلى البشر على اختلاف أزمانهم وأمكنتهم، فإن الله لا يؤاخذ العباد إذا لم تبلغهم دعوته، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، ولذلك فإن الله أرسل في كل أمة نذيرًا، وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:٢٤]. ولكن السبب وراء ذلك يعود إلى قلة الذين استجابوا للرسل وكثرة الذين كفروا بهم، وكثير من الذين استجابوا لم يكن إيمانهم خالصًا نقيًا. وقد تعرض ابن رجب في كتابه (التخويف من النار) إلى السبب في قلة أهل الجنة، وكثرة أهل النار فقال: فهذه الأحاديث وما في معناها تدل على أن أكثر بني آدم من أهل النار، وتدل أيضًا على أن أتباع الرسل قليل بالنسبة إلى غيرهم، وغير أتباع الرسل كلهم في النار إلا من لم تبلغه الدعوة أو لم يتمكن من فهمها على ما جاء فيه من الاختلاف، والمنتسبون إلى أتباع الرسل كثير منهم من تمسك بدين منسوخ، وكتاب مبدل، وهم أيضًا من أهل النار كما قال تعالى: وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود: ١٧]. وأما المنتسبون إلى الكتاب المحكم والشريعة المؤيدة والدين الحق فكثير منهم من أهل النار أيضًا، وهم المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وأما المنتسبون إليه ظاهرًا وباطنًا فكثير منهم فتن بالشبهات، وهم أهل البدع والضلال، وقد وردت الأحاديث على أن هذه الأمة ستفترق على بضع وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة، وكثير منها أيضًا فتن بالشهوات المحرمة المتوعد عليها بالنار وإن لم يقتض ذلك الخلود فيها فلم ينج من الوعيد بالنار، ولم يستحق الوعد المطلق بالجنة من هذه الأمة إلا فرقة واحدة، وهو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ظاهرًا وباطنًا، وسلم من فتنة الشهوات والشبهات، وهؤلاء قليل جدًا لاسيما في الأزمان المتأخرة ولعل السبب الأعظم هو اتباع الشهوات، ذلك أن حب الشهوات مغروس في أعماق النفس الإنسانية زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [آل عمران: ١٤]. وكثير من الناس يريد الوصول إلى هذه الشهوات عن الطريق التي تهواها نفسه ويحبها قلبه، ولا يراعي في ذلك شرع الله المنزل، أضف إلى هذا تمسك الأبناء بميراث الآباء المناقض لشرع الله وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤]. وإلف ما كان عليه الآباء وتقديسه داء ابتليت به الأمم، لا يقل أثره عن الشهوات المغروسة في أعماق الإنسان، إن لم يكن هو شهوة في ذاته. وقد روى الترمذي وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لما خلق الله النار، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فلما رجع، قال: وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها». أخرجه الترمذي وأبو داود، وزاد النسائي: بعد قوله: «اذهب فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها» (١) وفي (صحيحي البخاري ومسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره». أخرجه البخاري ومسلم، ولمسلم «حفت» (٢) بدل: حجبت. قال صديق حسن خان: والمراد بالشهوات مرادات النفوس ومستلذاتها وأهويتها، وقال القرطبي: الشهوات كل ما يوافق النفس ويلائمها، وتدعو إليه، ويوافقها، وأصل الحفاف الدائر بالشيء المحيط به، الذي لا يتوصل إليه بعد أن يتخطى الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٨٠\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠)، والنسائي (٧/ ٣)، وأحمد (٢/ ٣٣٢) (٨٣٧٩)، والحاكم (١/ ٧٩). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح. والحديث رواه مسلم مختصرا (٢٨٢٢)،\n(٢) رواه البخاري (٦٤٨٧)، ومسلم (٢٨٢٢).","vol":"5","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1547>المطلب الثالث: أكثر من يدخل النار النساء</span>\nوأما أكثر أهل النار أجارنا الله تعالى منها بمنه وكرمه فالنساء كما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال في خطبة الكسوف: «رأيت النار، ورأيت أكثر أهلها النساء لكفرهن قيل: أيكفرن بالله قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط» (١).\nوفي صحيح مسلم: «اطَّلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» (٢) ...\nفالحاصل أنه يدخل النار من ذرية آدم خلق أكثر من الجنة، والذين يدخلون النار من أمة محمد أكثر من الذين يدخلون الجنة منهم باعتبار الدخول الأول، وأكثر من يدخل النار من أمة محمد النساء، والله أعلم. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني - بتصرف – ٣/ ١٤٧٨\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٥٠)، ومسلم (٩٠٧).\n(٢) رواه مسلم (٢٧٣٧).","vol":"5","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1548>المبحث العاشر: عظم خلق أهل النار</span>\nيدخل أهل الجحيم النار على صورة ضخمة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقهم، ففي الحديث الذي يرفعه أبو هريرة إلى رسول الله ﷺ قال: «ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع» رواه مسلم (١). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ضرس الكافر، أو ناب الكافر، مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث» (٢) وقال زيد بن أرقم: «إن الرجل من أهل النار ليعظم للنار، حتى يكون الضرس من أضراسه كأحد». رواه أحمد وهو مرفوع، ولكن زيدًا لم يصرح برفعه (٣) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة» رواه الترمذي (٤) وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وعرض جلده سبعون ذراعًا، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل ورقان، ومقعده من النار ما بيني وبين الربذة» أخرجه الحاكم وأحمد. (٥) وهذا التعظيم لجسد الكافر ليزداد عذابه وآلامه، يقول النووي في شرحه لأحاديث مسلم في هذا الباب: هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه، وكل هذا مقدور لله تعالى: يجب الإيمان به لإخبار الصادق به. وقال ابن كثير معلقًا على ما أورده من هذه الأحاديث: ليكون ذلك أنكى في تعذيبهم، وأعظم في تعبهم ولهيبهم، كما قال شديد العقاب: لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ [النساء: ٥٦] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٨٥\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٥٢). والحديث رواه البخاري (٦٥٥١).\n(٢) رواه مسلم (٢٨٥١).\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٣٦٦) (١٩٢٨٥). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٦٠١): وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا نحوه. وقال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط مسلم يزيد بن حيان التيمي من رجاله وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين.\n(٤) رواه الترمذي (٢٥٧٧). وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث الأعمش. وقال ابن العربي في «العواصم من القواصم» (٢٣٠): صحيح في إسناده. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٥) رواه أحمد (٢/ ٣٢٨) (٨٣٢٧)، والحاكم (٤/ ٦٣٧). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة إنما اتفقا على ذكر ضرس الكافر فقط. ووافقه الذهبي. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٥٢)، والهيتمي في «الزواجر» (٢/ ٢٥٤): إسناده جيد. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١١٠٥): صحيح.","vol":"5","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1549>المبحث الحادي عشر: طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم</span>\nإن طعام أهل النار هوالضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين والغساق، قال تعالى: لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ [الغاشية: ٦ - ٧]، والضريع شوك بأرض الحجاز يقال له الشبرق. وعن ابن عباس: الشبرق: نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، فإذا هاج سمي ضريعًا. وقال قتادة: من أضرع الطعام وأبشعه. وهذا الطعام الذي يأكله أهل النار لا يفيدهم، فلا يجدون لذة، ولا تنتفع به أجسادهم، فأكلهم له نوع من أنواع العذاب. وقال تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان: ٤٣ - ٤٦] وقد وصف شجرة الزقوم في آية أخرى فقال: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإٍلَى الْجَحِيمِ [الصافات: ٦٢ - ٦٨]. وقال في موضع آخر: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [الواقعة: ٥١ - ٥٦]. ويؤخذ من هذه الآيات أن هذه الشجرة شجرة خبيثة، جذورها تضرب في قعر النار، وفروعها تمتد في أرجائها، وثمر هذه الشجرة قبيح المنظر ولذلك شبهه برؤوس الشياطين، وقد استقر في النفوس قبح رؤوسهم وإن كانوا لا يرونهم، ومع خبث هذه الشجرة وخبث طلعها، إلا أن أهل النار يلقى عليهم الجوع بحيث لا يجدون مفرًا من الأكل منها إلى درجة ملء البطون، فإذا امتلأت بطونهم أخذت تغلي في أجوافهم كما يغلي دردي الزيت، فيجدون لذلك آلامًا مبرحة، فإذا بلغت الحال بهم هذا المبلغ اندفعوا إلى الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهى حره، فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب وتشرب ولا تروى لمرض أصابها، وعند ذلك يقطع الحميم أمعاءهم وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ [محمد: ١٥]. هذه هي ضيافتهم في ذلك اليوم العظيم، أعاذنا الله من حال أهل النار بمنه وكرمه. وإذا أكل أهل النار هذا الطعام الخبيث من الضريع والزقوم غصوا به لقبحه وخبثه وفساده إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا [المزمل: ١٢ - ١٣]، والطعام ذو الغصة هو الذي يغص به آكله، إذ يقف في حلقه. ومن طعام أهل النار الغسلين، قال تعالى: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِؤُونَ [الحاقة: ٣٥ - ٣٧]، وقال تعالى: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَساقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٧ - ٥٨]. والغسلين والغساق بمعنى واحد، وهو ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد، وقيل: ما يسيل من فروج النساء الزواني ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم، وقال القرطبي: هو عصارة أهل النار. وقد أخبر الحق أن الغسلين واحد من أنواع كثيرة تشبه هذا النوع في فظاعته وشناعته.","vol":"5","page":210},{"text":"أما شرابهم فهو الحميم، قال تعالى: وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ [محمد: ١٥]، وقال: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنا أَعْتَدْنَا لِلظالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: ٢٩]، وقال: وَيُسْقَى مِن ماء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم:١٦ - ١٧]، وقال: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَساقٌ [ص: ٥٧].\nوقد ذكرت هذه الآيات أربعة أنواع من شراب أهل النار:\nالأول: الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهي حره، كما قال تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: ٤٤]، والـ (آن): هو الذي انتهى حره، وقال: تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [الغاشية:٥]، وهي التي انتهى حرها فليس بعدها حر.\nالنوع الثاني: الغساق ...\nالنوع الثالث: الصديد، وهو ما يسيل من لحم الكافر وجلده، وفي (صحيح مسلم) عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: «إن على الله عهدًا لمن شرب المسكرات ليسقيه طينة الخبال. قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار» (١).\nالرابع: المهل وقال ابن عباس: في تفسير المهل: «غليظ كدردي الزيت» (٢). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص٨٧\nوأما لباس أهل النار فقد أخبرنا الحق ﵎ أنه يُفصّل لأهل النار حلل من النار، كما قال تعالى: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج: ١٩]. وكان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول: سبحان من خلق من النار ثيابًا. وقال تعالى: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النارُ [إبراهيم: ٤٨ - ٤٩]. والقطران: هو النحاس المذاب. وفي (صحيح مسلم) عن أبي مالك الأشعري عن النبي - ﷺ - قال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». (٣) وخرجه ابن ماجه ولفظه: «النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابًا من قطران ودرعًا من جرب» (٤). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص٩١\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٠٠٢).\n(٢) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٢/ ٤٤).\n(٣) رواه مسلم (٩٣٤).\n(٤) رواه ابن ماجه (١٥٨١). بلفظ: (ودرعًا من لهب) بدلًا من (ودرعا من جرب). قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٢/ ٤٥): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.","vol":"5","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1551>المطلب الأول: شدة ما يكابده أهل النار من عذاب</span>\nالنار عذابها شديد، وفيها من الأهوال وألوان العذاب ما يجعل الإنسان يبذل في سبيل الخلاص منها نفائس الأموال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن ناصِرِينَ [آل عمران: ٩١]، وقال الحق في هذا المعنى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم ما فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [سورة المائدة:٣٦]\nوفي (صحيح مسلم) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب». (١) إنها لحظات قليلة تُنسي أكثر الكفار نعيمًا كلّ أوقات السعادة والهناء.\nوفي (الصحيحين) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله ﵎ لأهون أهل النار عذابًا لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم فيقول أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم أن لا تشرك (أحسبه قال:) ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك» (٢)\nإن شدة النار وهولها تفقد الإنسان صوابه، وتجعله يجود بكل أحبابه لينجو من النار، وأنى له النجاة: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى [المعارج: ١١ - ١٦]. وهذا العذاب الهائل المتواصل يجعل حياة هؤلاء المجرمين في تنغيص دائم، وألم مستمر. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص٩٣\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٠٧).\n(٢) رواه البخاري (٣٣٣٤)، ومسلم (٢٨٠٥).","vol":"5","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1552>المطلب الثاني: صور من عذابهم</span>\nتفاوت عذاب أهل النار\nلما كانت النار دركات بعضها أشد عذابًا وهولًا من بعض كان أهلها متفاوتون في العذاب، ففي الحديث الذي يرويه مسلم وأحمد عن سمرة، عن النبي ﷺ قال في أهل النار: «إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته (وفي رواية) إلى عنقه» (١).\nوقد حدثنا الرسول ﷺ عن أخف أهل النار عذابًا، ففي (صحيح البخاري) عن النعمان بن بشير قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه» (٢). وفي رواية أخرى في (صحيح البخاري) أيضًا عن النعمان بن بشير: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل في القمقم». (٣)\nوفي رواية النعمان بن بشير عن مسلم: «إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا» (٤)\nوفي (صحيح مسلم) عن أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: «إن أدنى أهل النار عذابا ينتعل نعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه» (٥)\nوروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ انه سمع رسول الله ﷺ وذُكر عنده عمه أبو طالب، فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه أم دماغه» (٦)\nوقد جاءت النصوص القرآنية مصدقة لتفاوت أصحاب النار في العذاب كقوله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:١٤٥]، وقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:٤٦]، وقوله: الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ [النحل: ٨٨].\nيقول القرطبي في هذا الموضوع: هذا الباب يدلك على أن كفر من كفر فقط، ليس ككفر من طغى وكفر وتمرد وعصى، ولا شك أن الكفار في عذاب جهنم متفاوتون كما قد علم من الكتاب والسنة، ولأنا نعلم على القطع والثبات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء والمسلمين وفتك فيهم وأفسد في الأرض وكفر، مساويًا لعذاب من كفر فقط وأحسن للأنبياء والمسلمين، ألا ترى أبا طالب كيف أخرجه النبي ﷺ إلى ضحضاح لنصرته إياه، وذبّه عنه وإحسانه إليه؟ وحديث مسلم عن سمرة يصح أن يكون في الكفار بدليل حديث أبي طالب، ويصح أن يكون فيمن يعذب من الموحدين.\nوقال ابن رجب: واعلم أن تفاوت أهل النار في العذاب هو بحسب تفاوت أعمالهم التي أدخلوا بها النار، ثم ساق الأدلة الدالة على ذلك، وساق قول ابن عباس: ليس عقاب من تغلظ كفره وأفسد في الأرض ودعا إلى الكفر كمن ليس كذلك. ثم قال ابن رجب: وكذلك تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار بحسب أعمالهم، فليس عقوبة أهل الكبائر كعقوبة أهل الصغائر، وقد يخفف عن بعضهم بحسنات أخرى له أو بما شاء الله من الأسباب، ولهذا يموت بعضهم في النار. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص٩٥\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٤٥).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٦١).\n(٣) رواه البخاري (٦٥٦٢).\n(٤) رواه مسلم (٢١٣).\n(٥) رواه مسلم (٢١١).\n(٦) رواه البخاري (٣٨٨٥)، ومسلم (٢١٠).","vol":"5","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1553>المطلب الثالث: إنضاج الجلود</span>\nإن نار الجبار تحرق جلود أهل النار، والجلد موضع الإحساس بألم الاحتراق، ولذلك فإن الله يبدل لهم جلودًا أخرى غير تلك التي احترقت، لتحترق من جديد، وهكذا دواليك، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ٥٦] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص٩٧","vol":"5","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1554>المطلب الرابع: الصهر</span>\nمن ألوان العذاب صب الحميم فوق رؤوسهم، والحميم هو ذلك الماء الذي انتهى حره، فلشدة حره تذوب أمعاؤهم وما حوته بطونهم فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُود [الحج:١٩ - ٢٠].\nأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الحميم ليصب على رؤوسهم، فينفذ حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه، حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعود كما كان»، وقال: حسن غريب صحيح (١) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص٩٨\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥٨٢)، وأحمد (٢/ ٣٧٤) (٨٨٥١)، والحاكم (٢/ ٤١٩). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وحسنه ابن القطان في الوهم والإيهام (٤/ ٣٧٥)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٤٧٠).","vol":"5","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1555>المطلب الخامس: اللفح</span>\nأكرم ما في الإنسان وجهه، ولذلك نهانا الرسول - ﷺ - عن ضرب الوجه، ومن إهانة الله لأهل النار أنهم يحشرون في يوم القيامة على وجوههم عميًا وصما وبكمًا وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مأواهم جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:٩٧]، ويلقون في النار على وجوههم وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:٩٠]. وتلفح النار وجوههم وتغشاها أبدًا لا يجدون حائلا يحول بينهم وبينها لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النارَ وَلا عَن ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [الأنبياء:٣٩]، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [المؤمنون:١٠٤]، سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النارُ [إبراهيم:٥٠]، أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ [الزمر:٢٤]، وانظر إلى هذا المنظر الذي تقشعر لهوله الأبدان: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا [الأحزاب: ٦٦]، أرأيت كيف يقلب اللحم على النار، والسمك في المقلي، كذلك تقلب وجوههم في النار، نعوذ بالله من عذاب أهل النار. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص٩٨","vol":"5","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1556>المطلب السادس: السحب</span>\nومن أنواع العذاب الأليم سحب الكفار في النار على وجوههم إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر:٤٧ - ٤٨]، ويزيد من آلامهم حال سحبهم في النار أنهم مقيدون بالقيود والأغلال والسلاسل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النارِ يُسْجَرُونَ [غافر:٧٠ - ٧٢]، قال قتادة: يسحبون مرة في النار وفي الحميم مرة. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص٩٩","vol":"5","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1557>المطلب السابع: تسويد الوجوه</span>\nيسود الله في الدار الآخرة وجوه أهل النار يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَما الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران:١٠٦]، وهو سواد شديد، كأنما حلت ظلمة الليل في وجوههم وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس: ٢٧] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٠٠","vol":"5","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1558>المطلب الثامن: إحاطة النار بالكفار</span>\nأهل النار هم الكفار الذين أحاطت بهم ذنوبهم ومعاصيهم، فلم تبق لهم حسنة، كما قال تعالى في الرد على اليهود الذين قالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:٨١]، ولا يكون المرء كذلك إلا إذا كان كافرًا مشركًا، يقول صديق حسن خان: \" المراد بالسيئة هنا الجنس، ولابد أن يكون سببها محيطًا بها من جميع جوانبه، فلا تبقى له حسنة، وسدت عليها مسالك النجاة، والخلود في النار هو للكفار والمشركين، فيتعين تفسير السيئة والخطيئة في هذه الآية بالكفر والشرك، وبهذا يبطل تشبث المعتزلة والخوارج لما ثبت في السنة متواترًا من خروج عصاة الموحدين من النار \".\nولما كانت الخطايا والذنوب تحيط بالكافر إحاطة السوار بالمعصم، فإن الجزاء من جنس العمل، ولذا فإن النار تحيط بالكفار من كل جهة، كما قال تعالى: لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ [الأعراف:٤١]. والمهاد ما يكون من تحتهم، والغواش جمع غاشية، وهي التي تغشاهم من فوقهم، والمراد أن النيران تحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم، كما قال تعالى: يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت:٥٥]، وقال في موضع آخر: لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:١٦]، وقد صرح بالإحاطة في موضع آخر: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:٤٩]. وقد فسر بعض السلف المهاد بالفرش، والغواش باللحف.\nوتأتي الإحاطة من ناحية أخرى، ذلك أن للنار سورًا يحيط بالكفار، فلا يستطيع الكفار مغادرتها أو الخروج منها، كما قال تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنا أَعْتَدْنَا لِلظالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:٢٩]. وسرادق النار سورها وحائطها الذي يحيط بها. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٠٠","vol":"5","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1559>المطلب التاسع: إطلاع النار على الأفئدة</span>\nذكرنا أن أهل النار يضخم خلقهم في النار شيئًا عظيمًا، ومع ذلك فإن النار تدخل في أجسادهم حتى تصل إلى أعمق شيء فيهم سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَواحَةٌ لِّلْبَشَرِ [المدثر:٢٦ - ٢٩]، قال بعض السلف في قوله: (لا تبقي ولا تذر)، قال: (تأكل العظم واللحم والمخ ولا تذره على ذلك). وقال الحق ﵎: كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَة [الهمزة:٤ - ٧]. قال محمد بن كعب القرظي: (تأكله النار إلى فؤاده، فإذا بلغت فؤاده أنشئ خلقه). وعن ثابت البناني أنه قرأ هذه الآية، ثم قال: (تحرقهم النار إلى الأفئدة وهم أحياء، لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٠٢","vol":"5","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1560>المطلب العاشر: اندلاق الأمعاء في النار</span>\nفي (الصحيحين) عن أسامة بن زيد عن النبي - ﷺ - قال: «يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان، ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» (١) ومن الذين يجرون أمعاءهم في النار عمرو بن لحي، وهو أول من غير دين العرب، وقد رآه الرسول - ﷺ - يجر قصبه في النار، ففي (الصحيحين) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب» (٢). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٠٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩).\n(٢) رواه البخاري (٣٥٢١)، ومسلم (٢٨٥٦).","vol":"5","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1561>المطلب الحادي عشر: قيود أهل النار وأغلالهم وسلاسلهم ومطارقهم</span>\nأعد الله لأهل النار في النار سلاسل وأغلالًا وقيودًا ومطارق إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا [الإنسان:٤] إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا [المزمل:١٢ - ١٣]، والأغلال توضع في الأعناق وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ:٣٣]، إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ [غافر:٧١]، والأنكال: القيود، سميت أنكالًا لأن الله يعذبهم وينكل بهم إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا [المزمل:١٢]، والسلاسل نوع آخر من ألوان العذاب التي يقيد بها المجرمون كما يقيد المجرمون في الدنيا، وانظر إلى هذه الصورة التي أخبرنا بها الكتاب الكريم خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:٣٠ - ٣٢]. وأعد الله لأهل النار مقامع من حديد، وهي المطارق التي تهوي على المجرمين وهم يحاولون الخروج من النار، فإذا بها تطوح بهم مرة أخرى إلى سواء الجحيم، وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:٢١ - ٢٢] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٠٣","vol":"5","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1562>المطلب الثاني عشر: قرن معبوداتهم وشياطينهم بهم في النار</span>\nكان الكفار والمشركون يعظمون الآلهة التي يبعدونها من دون الله، ويدافعون عنها، ويبذلون في سبيل ذلك النفس والمال، وفي يوم القيامة يدخل الحق تلك الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله النار إهانة لعابديها وإذلالًا لهم، ليعلموا أنهم كانوا ضالين، يعبدون ما لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلاء آلِهَةً ما وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء:٩٨ - ٩٩].\nيقول ابن رجب: (لما عبد الكفار الآلهة من دون الله، واعتقدوا أنها تشفع لهم عند الله، وتقربهم إليه، عوقبوا بأن جعلت معهم في النار إهانة لهم وإذلالًا، ونكاية لهم وإبلاغًا في حسرتهم وندامتهم، فإن الإنسان إذا قرن في العذاب بمن كان سبب عذابه كان أشد في ألمه وحسرته).\nومن أجل ذلك يقذف في يوم القيامة بالشمس والقمر في النار، ليكونا مما توقد به النار، تبكيتًا للظالمين الذين كانوا يعبدونها من دون الله، ففي الحديث: «الشمس والقمر مكوران في النار» (١).\nيقول القرطبي: (وإنما يجمعان في جهنم، لأنهما قد عُبدا من دون الله لا تكون النار عذابًا لهم، لأنهما جماد، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم، هكذا قال بعض أهل العلم).\nولهذا المعنى يقرن الكفار بشياطينهم ليكون أشدًا لعذابهم: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُون [الزخرف:٣٦ - ٣٩] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٠٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٠٠). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1563>المطلب الثالث عشر: حسرتهم وندمهم ودعاؤهم</span>\nعندما يرى الكفار النار يندمون أشد الندم، ولات ساعة مندم وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَما رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [يونس:٥٤].، وعندما يطلع الكافر على صحيفة أعماله، فيرى كفره وشركه الذي يؤهله للخلود في النار، فإنه يدعو بالثبور والهلاك وَأَما مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا [الانشقاق: ١٠ - ١٢]. ويتكرر دعاؤهم بالويل والهلاك عندما يلقون في النار، ويصلون حرها وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [الفرقان:١٣ - ١٤]. وهناك يعلو صراخهم ويشتد عويلهم، ويدعون ربهم آملين أن يخرجهم من النار، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ [فاطر:٣٧]، وهم يعترفون في ذلك الوقت بضلالهم وكفرهم وقلة عقولهم وَقَالُوا لَوْ كُنا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:١٠]، قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ [غافر:١١]. ولكن طلبهم يرفض بشدة، ويجابون بما تستحق أن تجاب به الأنعام قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٨]. لقد حق عليهم القول، وصاروا إلى المصير الذي لا ينفع معه دعاء ولا يقبل فيه رجاء وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنا مُوقِنُونَ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالناسِ أَجْمَعِينَ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [السجدة:١٢ - ١٤]. ويتوجه أهل النار بعد ذلك بالنداء إلى خزنة النار، يطلبون منهم أن يشفعوا لهم كي يخفف الله عنهم شيئًا مما يعانونه وَقَالَ الَّذِينَ فِي النارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ [غافر:٤٩ - ٥٠]. عند ذلك يسألون الشفاعة كي يهلكهم ربهم وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم ماكِثُونَ [الزخرف:٧٧]. إنه الرفض لكل ما يطلبون، لا خروج من النار، ولا تخفيف من عذابها، ولا إهلاك، بل هو العذاب الأبدي السرمدي الدائم، ويقال لهم آن ذاك: اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:١٦].","vol":"5","page":224},{"text":"هناك يشتد نحيبهم، وتفيض دموعهم، ويطول بكاؤهم فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [التوبة:٨٢]، إنهم يبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون دمًا، وتؤثر دموعهم في وجوههم كما يؤثر السيل في الصخر، ففي مستدرك الحاكم عن عبدالله بن قيس أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن أهل النار ليبكون، حتى لو أجريت السفن في دموعهم، لجرت وإنهم ليبكون الدم – يعني – مكان الدمع» (١). وعن أنس بن مالك مرفوعًا بلفظ: «يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى تصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت» (٢). لقد خسر هؤلاء الظالمون أنفسهم وأهليهم عندما استحبوا الكفر على الإيمان، واستمع إلى عويلهم وهم يرددون حال العذاب يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب:٦٦ - ٦٨]. وتأمل قوله تعالى يصف حالهم، ونعوذ بالله من حالهم فَأَما الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ [هود:١٠٦]، قال الزجاج: الزفير من شدة الأنين وهو المرتفع جدًا. وقيل: الزفير: ترديد النفس في الصدر من شدة الخوف حتى تنتفخ منه الأضلاع، والشهيق النفس الطويل الممتد، أو رد النفس إلى الصدر، والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه روحه. وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ويخرجه، والشهيق أن يخرج ذلك النفس (١١) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٠٦\n_________\n(١) رواه الحاكم (٤/ ٦٤٨). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٦٧٩): وحقه –أي: الحاكم - أن يزيد قوله: (على شرط الشيخين)، فإن رجاله كلهم من رجالهما.\n(٢) رواه ابن ماجه (٤٣٢٤). وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: ضعيف، وصح مختصرًا دون ذكر قوله: (ثم يبكون الدم) إلى (كهيئة الأخدود).","vol":"5","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1564>المبحث الثالث عشر: كيف يتقي الإنسان نار الله</span>؟\nلما كان الكفر هو السبب في الخلود في النار فإن النجاة من النار تكون بالإيمان والعمل الصالح، ولذا فإن المسلمين يتوسلون إلى ربهم بإيمانهم كي يخلصهم من النار، الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النارِ [آل عمران:١٦]، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران:١٩١ - ١٩٤]. وقد فصلت النصوص هذا الموضوع فبينت الأعمال التي تقي النار فمن ذلك محبة الله، ففي (مستدرك الحاكم) و(مسند أحمد) عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «والله لا يلقي الله حبيبه في النار» (١) والصيام جنة من النار، ففي (مسند أحمد)، والبيهقي في (شعب الإيمان) بإسناد حسن عن جابر بن عبدالله عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: الصيام جنة يستجن بها من النار». (٢) وعند البيهقي في (الشعب) من حديث عثمان بن أبي العاص عن النبي - ﷺ -: «الصوم جنة من عذاب الله» ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وإسناده صحيح (٣). أما إذا كان الصوم في حال جهاد الأعداء فذاك الفوز العظيم، فعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قال: «من صام يومًا في سبيل الله بعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» (٤). رواه أحمد، والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي. ومما ينجي من النار مخافة الله، والجهاد في سبيل الله وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:٤٦]، وروى الترمذي والنسائي في (سننهما) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم». (٥)\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٠٤) (١٢٠٣٧)، والحاكم (١/ ١٢٦). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في «تفسيره» (٦٦/ ١٤٢): إسناده على شرط الصحيحين. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢١٦): رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥/ ٥٣١): صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٩٦) (١٥٢٩٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٢٩٤). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ١٠٧) والهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٨٣): إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٤٣٠٨): حسن.\n(٣) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٢٩٤). والحديث رواه النسائي (٤/ ١٦٧)، وابن ماجه (١٦٣٩)، وأحمد (٤/ ٢١٧) (١٧٩٣٩)، وابن خزيمة (٣/ ٣٠١). بلفظ: (الصوم جنة من النار كجنة أحدكم من القتال). قال الألباني في «صحيح الجامع» و«صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٤) رواه البخاري (٢٨٤٠) ومسلم (١١٥٣)، والترمذي (١٦٢٣)، والنسائي (٤/ ١٧٢) (٢٢٤٥)، وأحمد (٣/ ٨٣) (١١٨٠٧).\n(٥) رواه الترمذي (١٦٣٣)، والنسائي (٦/ ١٢). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح ..","vol":"5","page":226},{"text":"وفي (صحيح البخاري) عن ابن عبس وهو عبدالرحمن بن جبر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله، فتمسه النار» (١)، وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا» (٢) ومما يقي العبد من النار استجارة العبد بالله من النار، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان:٦٥ - ٦٦]، وفي (مسند أحمد) و(سنن ابن ماجه) و(صحيح ابن حبان) و(مستدرك الحاكم) بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما سأل أحد الله الجنة ثلاثًا، إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ولا استجار رجل مسلم الله من النار ثلاثًا، إلا قالت النار: اللهم أجره مني» (٣) وفي (الصحيحين) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر وفيه: «أن الله ﷿ يسألهم وهو أعلم بهم، فيقول: فمم يتعوذون؟ فيقولون: من النار، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد مخافة، فأشهدكم أني قد غفرت لهم» (٤) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١١١\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٨١١).\n(٢) رواه مسلم (١٨٩١).\n(٣) رواه ابن ماجه (٤٣٤٠)، وأحمد (٣/ ١٥٥) (١٢٦٠٧)، وابن حبان (٣/ ٢٩٣)، والحاكم (١/ ٧١٧). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٣/ ٢٥) - كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح. والحديث رواه الترمذي والنسائي في (سننيهما).\n(٤) رواه البخاري (٦٤٠٨).","vol":"5","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1566>المطلب الأول: النار خالدة لا تبيد</span>\nقال تعالى أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [النساء: ٢٥٧] وهذه الآية في مواضع من القرآن الكريم وقال تعالى يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا [النساء: ١٤] وقال تعالى فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء: ٩٣] وقال تعالى: أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ [التوبة: ١٧] وقال تعالى: فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا [التوبة: ٦٣] وقال فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا [النحل: ٢٩] وهذه في غير موضع من القرآن، وقال لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء: ٩٩] وقال فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ المؤمنون: ١٠٣ - ١٠٤ وقال إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [الزخرف: ٧٤] وقال: فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا [الحشر: ١٧] وقال: فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا [البينة: ٦] وقال: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: ١٦٧].\nوعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يدخل الله أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما هو فيه» (١) أخرجه الشيخان وفي رواية عنه عندهما «فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم» (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «يجاء بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال يا أهل الجنة فيطلعون مشفقين، ويقال: يا أهل النار فيطلعون فرحين، فقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت فيها، ويا أهل النار خلود ولا موت فيها» (٣) أخرجه البخاري ومسلم.\nوفي هذا عدة أحاديث عن أبي هريرة عن الترمذي وصححه، والحاكم، وابن ماجة، وعن أنس عن أبي يعلى، والبزار، والطبراني وفيه: «فيذبح كما تذبح الشاة، فيأمن هؤلاء، وينقطع رجاء هؤلاء»، فثبت بما ذكر من الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة خلود أهل الدارين خلودًا مؤبدًا كل بما هو فيه من نعيم وعذاب أليم.\nوعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة، فأجمعوا على أن عذاب الكفار لا ينقطع، كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع، ودليل ذلك الكتاب والسنة. يقظة أولى الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار لصديق حسن خان– ص: ١٧\nويعتقد أهل السنة والجماعة أن النار مخلوقة وأعدها الله ﷿ لمن يستحقها من عباده .. وأن الكفار والمشركين خالدون فيها أبدًا، وأنها دار باقية لا تفنى ولا ينقطع عذابها.\n-قال شيخ الإسلام ﵀ -: (وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا ينفى بالكلية، كالجنة والنار والعرش) (٤).\n....... نقل الإجماع على عدم فناء النار كثير من أهل العلم مؤكدين أن عدم فناء النار هو اعتقاد أهل السنة والجماعة.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٤٤)، ومسلم (٢٨٥٠).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٤٨)، ومسلم (٢٨٥٠).\n(٣) رواه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٣٠٧)؛ «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٥٨١).","vol":"5","page":228},{"text":"فقال الإمامان الحافظان الرازيان – رحمهما الله – أبو حاتم وأبو زرعة: (أدركنا العلماء في جميع الأمصار – حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا – فكان من مذهبهم ... الجنة حق والنار حق، وهما مخلوقان لا يفنيان أبدًا) (١).\nوقال الإمام ابن بطة العكبري - ﵀ - بعد قوله: (ونحن الآن ذاكرون شرح السنة ووصفها وما هي في نفسها، وما الذي إذا تمسك به العبد ودان الله به سمي بها واستحق الدخول في جملة أهلها وما إن خالفه أو شيئًا منه دخل في جملة من عبناه وذكرناه، وحذر منه من أهل البدع والزيغ مما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام وسائر الأمة مذ بعث الله نبيه ﷺ إلى وقتنا هذا ... (فذكر جملة من معتقد أهل السنة إلى أن قال) .. وأما عذاب النار فدائم أبدًا بدوام الله، وأهلها فيها مخلدون خالدون) (٢).\nونقل ذلك عن أهل السنة أيضًا الإمام أبو إسماعيل عثمان الصابوني – ﵀ – فقال: (ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما باقيتان لا يفنيان أبدًا، وأن ... أهل النار – الذين هم أهلها خلقوا لها – لا يخرجون منها أبدًا) (٣).\nوقال الإمام الحافظ ابن حزم - ﵀ -: (الجنة حق، والنار حق داران مخلوقتان مخلدتان هما ومن فهيما بلا نهاية ... كل هذا إجماع من جميع أهل الإسلام، ومن خرج عنه خرج عن الإسلام) (٤).\nويقرر ذلك الإمام العلامة حافظ المغرب ابن عبد البر – ﵀ – بقوله: (قال أهل السنة: إن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما لا تبيدان) (٥).\nويؤكد ذلك أيضًا الإمام الحافظ قوام السنة أبو القاسم إسماعيل التيمي الأصبهاني – ﵀ – بقوله: (أهل السنة يعتقدون أن الجنة والنار خلقتا للبقاء ولا يفنيان أبدًا) (٦).\nوانظر أيضًا ما قاله الإمام أحمد في (الرد على الجهمية) (٧)؛ وابن خزيمة في كتاب (التوحيد) (٨)؛ وأبو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة بـ (الطحاوية) (٩)؛ وأبو الحسن البربهاري في (شرح السنة) (١٠)؛ والآجري في (الشريعة) (١١)، وابن أبي زيد في (القيروانية) (١٢)، وابن حزم في (المحلى) (١٣).\nذكر مستند الإجماع على عدم فناء النار: أخبر الله تعالى بأن أهل النار خالدون فيها خلودًا مؤبدًا، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].\nوقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [الأحزاب: ٦٤].\nووصفهم بعدم الخروج من النار، فقال تعالى: وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: ١٦٧]، وقال تعالى: يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [المائدة: ٣٧].\nوقضى عليهم بعدم الموت وعدم تخفيف العذاب، فقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر: ٣٦].\n_________\n(١) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ١٩٩).\n(٢) «الشرح والإبانة» (ص: ٢٠٨).\n(٣) «عقيدة السلف وأصحاب الحديث»\n(٤) «الدرة فيما يجب اعتقاده» (ص: ٢٧).\n(٥) «فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر» (٢/ ١١٦).\n(٦) «الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة» (٢/ ٤٣٤).\n(٧) (ص: ٥٨).\n(٨) (٢/ ٨٧٥)\n(٩) (ص: ٢٦٤).\n(١٠) (ص: ٧٤).\n(١١) (٣/ ١٣٤٣، ١٣٧١).\n(١٢) «شرح القيروانية» (ص: ٥١).\n(١٣) (١/ ١١).","vol":"5","page":229},{"text":"وحرم عليهم دخول الجنة، فقال تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: ٧٢].\nوفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحييون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم – أو قال خطاياهم – فأماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة ...» الحديث. (١).\nمن هذه النقولات والأدلة يتبين لنا أن أهل السنة والجماعة مجمعون على أبدية النار وعدم فنائها .. وقد صرح شيخ الإسلام بنقل الاتفاق عن سلف الأمة وأئمتها على ذلك، ولهذا لم يعقب على الأشعري عندما نقل كلامه في (درء تعارض العقل والنقل) فقال – ﵀ –: (قال الأشعري: قال أهل الإسلام جميعًا: ليس للجنة والنار آخر، وأنهما لا تزالان باقيتين) (٢)، وكذلك في كتاب نقد مراتب الإجماع فقد نقل ابن حزم – ﵀ - الاتفاق على: (أن النار حق، وأنها دار عذاب أبدًا لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدًا بلا نهاية) (٣). فلم يعقب شيخ الإسلام على ذلك ولم ينقد نقله لهذا الاتفاق، مع نقده لمسائل كثيرة نقل ابن حزم فيها الإجماع.\nوقد اشتهر عن شيخ الإسلام القول بفناء النار .. !!\nوالجواب عن ذلك من وجوه:\nأولًا: أن هذا الذي اشتهر، لو سلمنا بصحته عن شيخ الإسلام – ولم ينقل نص صريح بذلك عنه – فإن غاية ما فيه رأي رآه في أول حياته ثم تبين له خلافه، وذلك جمعًا بين ما ثبت عنه من نقل الاتفاق على عدم فناء النار وما ينسب له من القول بفنائها، ولا يمكن أن ينقل الاتفاق على ذلك ثم يقول بخلافه .. !! وقد قال شيخ الإسلام بحياة الخضر (٤) ثم تبين له بعد ذلك الصواب في خلافه فقال – ﵀ -: (والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت) (٥) .. ولهذا قال الألباني – ﵀ – في مسألة فناء النار واعتماد شيخ الإسلام على بعض الآثار الضعيفة: (ولعل ذلك كان منه إبان طلبه للعلم، وقبل توسعه في دراسة الكتاب والسنة، وتضلعه بمعرفة الأدلة الشرعية) (٦).\nثانيًا: لو قال قائل إننا لا ندري أي القولين قبل الآخر .. !!، فلا يقال إن هذا رأي رآه في أول حياته ثم تبين له خلافه .. !!\n... هب أن الأمر كذلك .. فلقد رسم الله ﷿ لنا قاعدة عظيمة محكمة وذلك بقوله: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران: ٧]، فإذا ورد نصان أحدهما محكم لا يحتمل إلا معنى واحدًا، والآخر متشابه يحتمل أكثر من معنى فإن حال الراسخين في العلم يردون المتشابه إلى المحكم فيصبح الكل محكمًا، قال محمد بن جرير الطبري – ﵀ -: (وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منها: ما احتمل من التأويل أوجها) (٧).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٨٥).\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٥٨).\n(٣) «مراتب الإجماع» (ص: ٢٦٨).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٣٩).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ١٠٠).\n(٦) «مقدمة رفع الأستار» (ص: ٢٥).\n(٧) «تفسير الطبري» (٣/ ١٧٤).","vol":"5","page":230},{"text":"وإذا طبقنا هذه القاعدة العظيمة على مسألتنا، نجد أن نقل الاتفاق على عدم فناء النار نص محكم جلي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا؛ وهو الاتفاق على عدم فناء النار .. وقول البعض إن كلام شيخ الإسلام محمول على القول بعدم فناء الجنة والنار معًا .. قول مردود وذلك أن عبارته صريحة في نقل الاتفاق على الجميع باعتبار كل واحدة منفصلة فهو يضرب أمثلة على مخلوقات لا تفنى ولا تعدم بالكلية فيقول – ﵀ -: (وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرش وغير ذلك) (١).\nفهو نص محكم لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا وهو الاتفاق على عدم فناء النار، وأما ما ينسب إليه من القول بفناء النار فهو قول متشابه، ولهذا اختلفت آراء العلماء في توجيهه، فإذا رددنا المتشابه من قوله إلى المحكم أصبح الكل محكمًا، ويكون قول شيخ الإسلام كسائر أقوال أهل السنة.\nثالثًا: أنه لو سلم أن هذا رأي لشيخ الإسلام وثابت عنه ولم يكن رأيًا متقدمًا في الزمن – أي في أول حياته – ولم يكن متشابهًا بل كلام محكم، فإنه يكون رأيًا له – ﵀ - .. والحق أحق وأولى بالاتباع .. فهو العلم الذي لا يجارى والبحر المتلاطم أمواجه .. ولكنه بشر غير معصوم .. !! وهو مأجور على اجتهاده.\nبقي أن يقال هل يوجد مخالف من السلف قبل شيخ الإسلام لهذا الإجماع؟!\nلم أقف على مخالف لهذا الإجماع .. والإجماع فيها قائم وسالم لا معارض له .. ويدل لذلك أمور:\nأولًا: النصوص الكثيرة التي نقلها سلف الأمة وأئمة هذا الدين من الإجماع على عدم فناء النار وخلود الكفار فيها خلودًا مؤبدًا، وقد أشرنا إلى بعضها آنفًا، مع اختلاف أزمانهم وبلدانهم ولن يتتابع هؤلاء الأئمة في نقل الإجماع على مسألة وفيها من يخالف هذا الإجماع من العلماء فضلًا عن أن يكون المخالف من الصحابة!!.\nثانيًا: الذين ذكروا بعض المخالفين لفناء النار .. فقد نقلوا الإجماع على خلود الكفار فيها خلودًا مؤبدًا.\nفيقول ابن القيم – ﵀ -: (الذي يدل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل النار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يفتر عنهم وأنهم خالدون فيها) (٢).\nويقول – ﵀ -: (الذي دل عليه القرآن أن الكفار خالدون في النار أبدًا، وأنهم غير خارجين منها وهذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين) (٣).\nثالثًا: الآثار التي استدل بها من يقول بفناء النار .. فقد بين العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني – ﵀ – في كتابه الموسوم (رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار) ومحقق الكتاب العلامة الألباني – ﵀ – بينا أنها آثار لا تصح والصحيح منها غير صريح، فهي إما غير صحيحة أو غير صريحة! فكيف يخالف بها الإجماع المنقول عن سلف الأمة وأئمتها!! المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين - بتصرف – ص: ٨٨٧\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٣٠٧).\n(٢) «حادي الأرواح» (ص: ٣١٤).\n(٣) «حادي الأرواح» (ص: ٣١٤).","vol":"5","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1567>المطلب الثاني: القائلون بفناء النار</span>\nالمخالفون لمذهب أهل الحق في هذه المسألة ...:\n١ - الجهمية: القائلون بفناء النار وفناء الجنة أيضًا، وقد حكى الإمام أحمد في آخر كتاب (الرد على الزنادقة) مذهب الجهمية بأن النار والجنة تفنيان، ورد عليهم ذاكرًا النصوص الدالة على عدم فنائهما.\n٢ - الخوارج والمعتزلة: يقولون بخلود كل من يدخل النار، ولو كانوا من أهل التوحيد، وسر هذا القول أن الخوارج يكفرون المسلمين بالذنوب، فكل من ارتكب ذنبًا، فإنه كافر خالد مخلد في نار جهنم، والمعتزلة يرون أن من ارتكب ذنبًا في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا كافر، ويجرون عليه أحكام الإسلام في الدنيا، ولكنه في الآخرة مخلد في نار جهنم، وقد سقنا كثيرًا من النصوص الدالة على أن أهل التوحيد يخرجون من النار.\n٣ - اليهود: الذين يزعمون أنهم يعذبون في النار وقتًا محدودًا، ثم يخلفهم غيرهم فيها، وقد أكذبهم الله في زعمهم، ورد عليهم مقالتهم وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٨٠ - ٨١]. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ [آل عمران: ٢٣ - ٢٤].\nونقل ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس أنه قال في تفسير آية البقرة: (قال أعداء الله اليهود: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم، الأيام التي أصبنا فيها العجل: أربعين يوما، فإذا انقضت عنا تلك الأيام، انقطع عنا العذاب).\nوذكر ابن جرير عن السدي قوله: (قالت اليهود: إن الله يدخلنا النار أربعين ليلة، حتى إذا أكلت النار خطايانا، نادى مناد: أخرجوا كل مختون من ولد بني إسرائيل، فلذلك أمرنا أن نختن، قالوا: فلا يدعون منا في النار أحدًا إلا أخرجوه). (١)\nوذكر أيضًا ابن عباس قال: (ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوبًا: إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهي إلى شجرة الزقوم ثابتة في أصل الجحيم، وكان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر، وفيها شجرة الزقوم، فزعم أعداء الله أنه خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أيامًا معدودة).\nقال ابن جرير: (وإنما يعني بذلك يعني بذلك المسير الذي ينتهي في أصل الجحيم، فقالوا: إذا خلا العدد انتهى الأجل، فلا عذاب وتذهب جهنم وتهلك، فذلك قوله: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ [البقرة:٨٠]. يعنون بذلك الأجل، فقال ابن عباس: (لما اقتحموا من باب جهنم ساروا في العذاب، حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة، قال لهم خزان سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أيامًا معدودة، فقد خلا العدد، وأنتم في الأبد، فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون). (٢)\n٤ - قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي، فإنه زعم أن أهلها يعذبون فيها مدة، ثم تنقلب طبائعهم نارية يتلذذون بالنار لموافقتها لطبائعهم، قال ابن حجر في الفتح: (وهذا قول بعض من ينسب إلى التصوف من الزنادقة). (٣)\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١/ ٣٨١).\n(٢) «تفسير الطبري» (١/ ٣٨١).\n(٣) «فتح الباري» (١١/ ٤٢١).","vol":"5","page":232},{"text":"٥ - قول من زعم أن أهلها يخرجون منها، وتبقى على حالها خالدة لا تبيد. ٦ - قول أبي هذيل العلاف من أئمة المعتزلة الذاهب إلى أن حياة أهل النار تفنى، ويصيرون جمادًا لا يتحركون، ولا يحسون بألم، قال بذلك لأنه يقول بامتناع حوادث لا نهاية لها، فخالف الأدلة الصريحة القطيعة الثبوت بمقاييس عقلية باطلة. ... وقد تتابع العلماء في التأليف لبيان خطأ هذا المذهب، يقول ابن حجر العسقلاني بعد حكايته لهذا القول: (وقد مال بعض المتأخرين إلى هذا القول، ونصره بعدة أوجه من جهة النظر، وهو مذهب رديء مردود على قائله، وقد أطنب السبكي الكبير في بيان وهائه فأجاد) (١)، وهذا الكتاب الذي أشار إليه هو (الاعتبار ببقاء الجنة والنار) لتقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي المتوفى سنة ٧٥٦. وقال صديق حسن خان: (وقد ألف العلامة الشيخ مرعي الكرمي الحنبلي رسالة سماها: (توفيق الفريقين على خلود أهل الدارين)، وفي الباب رسالة للسيد الإمام محمد بن إسماعيل الأمير، ورسالة للقاضي العلامة المجتهد محمد بن علي الشوكاني، حاصلهما بقاء الجنة والنار وخلود أهلهما فيهما). (٢) ... ومن الذين تعرضوا لهذه المسألة القرطبي في (التذكرة)، فقد ساق النصوص الدالة على خلود الجنة والنار، والمخبرة بأن الموت يذبح بين الجنة والنار ثم يقال: (يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت) ثم قال: (هذه الأحاديث مع صحتها في خلود أهل الدارين فيها، لا إلى غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة). (٣)\nورد القرطبي على الذين قالوا بفناء النار، وبين أن الذي يفنى إنما هو النار التي يدخلها عصاة الموحدين، قال: (فمن قال: إنهم يخرجون منها، وأن النار تبقى خالية بجملتها خاوية على عروشها، وأنها تفنى وتزول، فهو خارج عن مقتضى المعقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول. وإنما تخلى جهنم وهي الطبقة العلية التي فيها العصاة من أهل التوحيد، وهي التي ينبت على شفيرها الجرجير). (٤)\nونقل القرطبي عن فضل بن صالح المعافري قال: (كنا عند مالك بن أنس ذات يوم، فقال لنا: انصرفوا، فلما كان العشية رجعنا إليه، فقال: إنما قلت لكم انصرفوا، لأنه جاءني رجل يستأذن علي زعم أنه قدم من الشام في مسألة فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في أكل الجرجير، فإنه يتحدث عنه أنه ينبت على شفير جهنم؟ فقلت له: لا بأس به (٥). فقال: أستودعك الله، وأقرأ عليك السلام، ذكره الخطيب أبو بكر أحمد ﵀، وذكر أبو بكر البزار، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «يأتي على النار زمان تخفق الرياح أبوابها، ليس فيها أحد، يعني من الموحدين» (٦) هكذا رواه موقوفًا عن عبد الله بن عمرو، وليس فيه ذكر النبي - ﷺ -، ومثله لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوع). (٧) الجنة والنار لعمر سليمان الأشقر – ص ٤٢\n_________\n(١) «فتح الباري» (١١/ ٤٢٢).\n(٢) «يقظة أولي الاعتبار»، لصديق حسن خان (ص: ٤٢)، ورسالة الصنعاني طبعها المكتب الإسلامي بيروت، وقد حققها وكتب لها مقدمة ضافية الشيخ ناصر الدين الألباني فأجاد.\n(٣) «التذكرة» للقرطبي (ص: ٤٣٦).\n(٤) هذا القول لا يصح فيه خبر ثابت، وكأن قائله أراد منه خمود النار التي يكون فيها عصاة الموحدين حتى ينبت النبات على حوافها.\n(٥) هذه القصة إن كانت صحيحة فقد تكلف هذا السائل في سفره لتبين أمر هو في غاية الوضوح.\n(٦) رواه البزار في «المسند» (٦/ ٤٤٢). قال العيني في «عمدة القاري» (١٩/ ٥٢): وهذا وإن كان موقوفا فإن مثله لا يقال بالرأي.\n(٧) «التذكرة للقرطبي» (ص: ٤٣٧).","vol":"5","page":233},{"text":"قال القرطبي: أجمع علماء أهل السنة على أن أهل النار مخلدون فيها غير خارجين منها، كإبليس وفرعون، وهامان، وقارون، وكل من كفر وتكبر، وطغى وتجبر، فإن له نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيى، وقد وعدهم الله عذابًا أليمًا فقال ﷿: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ وأجمع أهل السنة أيضًا على أنه لا يبقى فيها مؤمن، ولا يخلد فيها إلا كافر جاحد. فاعلمه.\nوقد زل هنا بعض من ينتمي إلى العلم والعلماء: فقال إنه يخرج من النار كل كافر، ومبطل، وشيطان، وجاحد ويدخل الجنة، وإنه جائز في العقل أن تنقطع صفة الغضب، فيعكس عليه فيقال: وكذلك جائز في العقل: أن تنقطع صفة الرحمة، فيلزم عليه أن تدخل الأنبياء والأولياء النار يعذبون فيها، وهذا فاسد مردود بوعده الحق وقوله الصدق قال تعالى في حق أهل الجنان عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٨] أي غير مقطوع وقال: وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: ٤٨] وقال: لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٢٥] وقال: لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [التوبة: ٢١ - ٢٢] وقال في حق الكافرين: لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ [الأعراف: ٤٠] وقال فَاليَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الجاثية: ٣٥] وهذا واضح.\nوبالجملة فلا مدخل للعقول فيمن اقتطع أصله بالإجماع والنقول. ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، انتهى. يقظة أولى الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار لصديق حسن خان– ص: ١٧","vol":"5","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1572>المطلب الأول: القضاء لغة</span>\nهو بالمد، ويقصر، أصله، قضاي، فلما جاءت الياء بعد ألف زائدة متطرفة همزت وجمعه أقضية (١).\nقال ابن فارس: (القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته) (٢). وقال في (النهاية): (القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه) (٣).\nويتبين مما تقدم أن معنى القضاء في اللغة هو إحكام الشيء وإتمام الأمر، وهذا هو أصل معنى القضاء، وإليه ترجع جميع معاني القضاء الواردة في اللغة، وقد يأتي بمعنى القدر (٤).\nوقد ورد لفظ القضاء ومشتقاته كثيرًا في القرآن الكريم، وكل معانيه، التي قد تأتي متداخلة أحيانًا، ترجع إلى الأصل السابق، فمن المعاني التي ورد بها:\n١ - معنى الأمر، ومنه قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣]، أي: أمر ﷾ بعبادته وحده لا شريك له (٥).\n٢ - معنى الأداء والإنهاء، وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ [الحجر: ٦٦]، أي: تقدمنا إليه وأنهينا (٦).\n٣ - معنى الحكم، ومنه قوله تعالى: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ [طه: ٧٢] اصنع، واحكم، وافعل ما شئت وما وصلت إليه يدك (٧).\n٤ - ومعنى الفراغ، ومنه قوله تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: ١٢] أي: فرغ من تسويتهن سبع سموات في يومين، ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ [القصص: ٢٩] أي: فرغ من الأجل الأوفى والأتم (٨).\n٥ - ومعنى الأداء، ومنه قوله تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ [البقرة: ٢٠٠] أديتموها وفرغتم منها (٩) وهذا داخل في المعنى السابق.\n٦ - ومعنى الإعلام، ومنه قوله تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء: ٤] أي: تقدمنا وأخبرنا بني إسرائيل في الكتاب الذي أنزل إليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين (١٠).\n٧ - وبمعنى الموت، يقال: ضربه فقضى عليه، أي: قتله (١١) قال تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص: ١٥]، أي قتله.\nهذه هي أهم معاني (القضاء) في اللغة، وهناك اشتقاقات أخرى ذكرتها كتب اللغة (١٢) ومن خلال عرض هذه المعاني يتبين ما بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي من رابط قوي، فتقدير الله للأمور، وكتابته لذلك، وكونها تجري بحكمة ودقة على حسب ما أرادها سبحانه وقضاها، كل هذه المعاني يوحي بها المعنى اللغوي. القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - ص: ٢٥\n_________\n(١) انظر: «الصحاح» للجوهري (٦/ ٢٤٦٣)، وانظر: «لسان العرب» (١٥/ ١٨٦)، و«تاج العروس» (١٠/ ٢٩٦).\n(٢) «معجم مقاييس اللغة»: (٥/ ٩٩).\n(٣) «النهاية في غريب الحديث والأثر»: لابن الأثير (٤/ ٧٨)، وانظر: «لسان العرب» (١٥/ ١٨٦)، و«تاج العروس» (١٠/ ٢٩٦).\n(٤) انظر: «مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الأصفهاني (ص: ٤٢٢).\n(٥) انظر: «تفسير الطبري» (١٥/ ٦٢)، وانظر: «لسان العرب» (١٥/ ١٨٦)، و«تاج العروس» (١٠/ ٢٩٦)، «مفردات القرآن» للراغب الأصفهاني (ص: ٤٢١) مادة (قضى).\n(٦) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٤٦٠)، وانظر: «زاد المسير» لابن الجوزي (٤/ ٤٠٧)، وانظر: «الصحاح» للجوهري (٦/ ٢٤٦٣)، و«لسان العرب» (١٥/ ١٨٧) مادة (قضى).\n(٧) انظر: «تفسير الطبري» (١٦/ ١٨٩)، و«تفسير ابن كثير» (٥/ ٢٩٨).\n(٨) انظر: «تفسير الطبري» (٢٤/ ٩٩)، وابن كثير (٧/ ١٥٦)، «تفسير البغوي» (٥/ ١٧٢)، وانظر: «مفردات القرآن» (ص: ٤٢١)، و«الصحاح» للجوهري (٦/ ٢٤٦٣)، و«لسان العرب» (١٥/ ١٨٦، ١٨٧) مادة قضى.\n(٩) انظر: «تفسير الطبري» (٢/ ٢٩٥)، و«تفسير ابن كثير» (١/ ٣٥٥)، وانظر: «الصحاح» للجوهري (٦/ ٢٦٦٤)، و«ترتيب القاموس المحيط» (٣/ ٦٤١).\n(١٠) انظر: «تفسير الطبري» (١٥/ ٢٠، ٢١)، و«تفسير ابن كثير» (٥/ ٤٣)، وانظر: «لسان العرب» (١٥/ ١٨٧).\n(١١) انظر: «الصحاح» (٦/ ٢٤٦٣)، و«لسان العرب» (١٥/ ١٨٧)، وانظر: «تهذيب الصحاح» (٣/ ١٠٥١).\n(١٢) انظر: «الصحاح» للجوهري (٦/ ٢٤٦٣)، و«تهذيب الصحاح» (٣/ ١٠٥١)، و«لسان العرب» (١٥/ ١٨٦)، و«تاج العروس» (١٠/ ٢٩٦) مادة (قضى)، وانظر: «أساس البلاغة» للزمخشري (ص: ٥١٣).","vol":"5","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1573>المطلب الثاني: القدر لغة</span>\nقدر: (القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته)\nوهو بتسكين الدال وفتحها مع فتح القاف، وقد نقل الصغاني عن الفراء أنه قد يأتي بضم القاف (قدر) ولما كان لفظ القدر يأتي بسكون الدال وفتحها قال اللحياني: إن القدر – بالفتح - الاسم، والقدر- بالسكون - المصدر ويطلق القدر على الحكم والقضاء، ومن ذلك حديث الاستخارة وفيه: «فاقدره لي ويسره لي».\nوالقدر، بتحريك الدال وإسكانها، الطاقة ومن ذلك قوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ [البقرة:٢٣٦] بفتح الدال، وقرئ بإسكانها.\nويأتي القدر بمعنى التضييق، ومنه قوله تعالى: وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر:١٦] وعليه فسر قوله –تعالى- عن يونس﵇-: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ الأنبياء: ٨٧ [أي: لن نضيق عليه.]\nوقدرت الشيء أقدره من التقدير، ومنه الحديث: «فإن غم عليكم فاقدروا له» (١) أي: قدروا له عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يوميًا، وقيل: قدروا له منازل القمر، فإنه يدلكم على أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون (٢).\nوقدر كل شيء ومقداره: مقياسه، يقال قدره به قدرًا إذا قاسه، والقدر من الرحال والسروج: والوسط، وقدرت الشيء قدارة، أي: هيأت ووقت، ومنه قول الأعشى:\nفأقدر بذرعِك بيننا ... إن كنت بوَّأْتَ القدارة\nوالقدرة، اليسار، والغنى، والقوة (٣).\nهذه هي أهم المعاني لـ (القدر) في اللغة. وهناك معان أخرى جانبية تعرضت لها كتب اللغة (٤).\nويتبين مما سبق ما بين المعنى اللغوي لكل من القضاء والقدر والمعنى الشرعي - كما سيأتي - من رابط قوي، فكل منهما يأتي بمعنى الآخر، ومن معاني القضاء ترجع إلى إحكام الأمر وإتقانه وإنفاذه، ومن معانيه الأمر، والحكم، والإعلام، كما أن معاني القدر ترجع إلى التقدير، والله ﷾ قدر مقادير الخلق، فعلمها وكتبها وشاءها وخلقها، وهي مقضية ومقدرة فتقع حسب أقدارها، ويتبين من خلال ذلك ما بين معنى القضاء والقدر في اللغة والشرع من ترابط. القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - ص: ٢٧\n_________\n(١) رواه البخاري (١٩٠٠)، ومسلم (١٠٨٠). من حديث عبد الله بن عمر ﵁.\n(٢) «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير (٤/ ٤١).\n(٣) انظر: «الصحاح» للجوهري (٢/ ١٦١، ٧٨٦)، و«معجم مقاييس اللغة» (٥/ ٦٢، ٧٤)، وانظر: «تاج العروس» (٣/ ٤٨١، ٤٨٢)، و«ترتيب القاموس المحيط» (٣/ ٥٧٠)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (٥/ ٣٦١).\n(٤) انظر في مادة (قدر) «الصحاح» للجوهري (٢/ ٧٨٦) وما بعدها، و«التكملة والذيل والصلة» (٣/ ١٥٩) وما بعدها، و«معجم مقاييس اللغة» لابن فارس (٥/ ٦٢ – ٦٣)، و«لسان العرب» (٥/ ٧٤) وما بعدها، و«تاج العروس» (٣/ ٤٨١) وما بعدها، و«أساس البلاغة» للزمخشري (ص: ٤٩٥).","vol":"5","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1575>المطلب الأول: معنى القضاء والقدر شرعًا</span>\nهو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها وخلقه لها (١). القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - ص: ٣٠\n_________\n(١) انظر: «العقيدة الواسطية» لابن تيمية (ص: ٢١)، وانظر أيضًا: «شفاء العليل» لابن القيم (ص: ٢٩).","vol":"5","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1576>المطلب الثاني: الفرق بين القضاء والقدر</span>\nانقسم العلماء في ذلك إلى فريقين:\nالفريق الأول: قالوا بأنه لا فرق بين القضاء والقدر، فكل واحد منهما في معنى الآخر، فإذا أطلق التعريف على أحدهما شمل الآخر، ولذلك إذا أطلق القضاء وحده فسر بالقدر، وكذلك القدر، فلا فرق بينهما في اللغة، كما أنه لا دليل على التفريق بينهما في الشرع.\nالفريق الثاني: قالوا بالفرق بينهما، ولكن هؤلاء اختلفوا في التمييز بينهما على أقوال:\nالقول الأول: رأي أبي حامد الغزالي، أن هناك - بالنسبة لتدبير الله وخلقه - ثلاثة أمور:\n١ - الحكم: وهو التدبير الأول الكلي، والأمر الأزلي.\n٢ - القدر: وهو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة، بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص (١).\nالقول الثاني: من فرق بينهما بأن القضاء: هو الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزيئات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل (٢).\nالقول الثالث: أن القدر هو التقدير والقضاء هو التفصيل والتقطيع فالقضاء أخص من القدر الذي هو كالأساس (٣).\nالقول الرابع: ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، وهذا كما قال أبو عبيدة لعمر ﵁ لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: (أتفر من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله) (٤) تنبيهًا على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفعه الله، فإذا قضي فلا مدفع له (٥)\nوالاستشهاد بالحادثة ضعيف لأنها لم ترد بهذا اللفظ\nالقول الخامس: قول الماتريدية وقد فرقوا بينهما: بأن القضاء هو الخلق الراجع إلى التكوين، أي: الإيمان على وفق القدر السابق، والقدر هو ما يتعلق بعلم الله الأزلي، وذلك بجعل الشيء بالإرادة على مقدار محدد قبل وجوده (٦).\nالقول السادس: قول الأشاعرة وجمهور أهل السنة:\nأ- أن القضاء هو إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه في وجودها الحادث.\nب- والقدر إيجاد الله الأشياء على مقاديرها المحددة في كل ما يتعلق بها (٧)\nهذه هي أهم الأقوال في الفرق بين القضاء والقدر، ونلخص منها إلى ما يلي:\n١ - الذين فرقوا بينهما ليس لهم دليل واضح من الكتاب والسنة يفصل في القضية.\n٢ - عند إطلاق أحدهما يشمل الآخر (٨)، وهذا يوحي بأنه لا فرق بينهما في الاصطلاح ولذا فالراجح أنه لا فرق بينهما.\n٣ - ولا فائدة من هذا الخلاف، وعلى هذا فيكون التعريف السابق للقضاء والقدر شرعًا هو الراجح. القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - ص: ٣٠\n_________\n(١) انظر: كتاب «الأربعين في أصول الدين» للغزالي (ص: ٢٤)، وانظر: «الدين الخالص» (٣/ ١٥٤).\n(٢) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ١٤٩، ٤٧٧)، وانظر: «عمدة القاري» لبدر الدين العيني (٢٣/ ١٤٥).\n(٣) انظر: «مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الأصفهاني (ص: ٤٢٢)، وانظر: «إرشاد الساري» للقسطلاني (٩/ ٣٤٣).\n(٤) رواه البخاري (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩) بلفظ: (أفرارًا من قدر الله؟ ... قال عمر: نفر من قدر إلى الله إلى قدر الله). من حديث ابن عباس ﵁.\n(٥) «مفردات ألفاظ القرآن» (ص: ٤٢٢).\n(٦) انظر: «العقائد النسفية مع شرحها» (ص: ١١٢ - ١١٣)، و«العقيدة الإسلامية وأسسها» لعبدالرحمن حبنكة الميداني (٢/ ٤١٤)، و«لمحات في وسائل التربية الإسلامية وغاياتها» لمحمد أمين المصري (ص: ١٩٨)، و«أركان الإيمان» لوهبي الألباني (ص: ٣٠٣).\n(٧) انظر: «العقيدة الإسلامية وأسسها» (٢/ ٤١٤)، و«الدرر السنية» (١/ ٢٥٥)، و«الدين الخالص» لمحمد صديق خان (٣/ ١٥٤).\n(٨) انظر: «تفسير فتح البيان في مقاصد القرآن» لمحمد صديق خان (٧/ ٣٧٥).","vol":"5","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1577>المبحث الثالث: نشأة القول بالقدر (القدرية الأولى)</span>\nالإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان، وقد بيَّن هذا الكتاب والسنة مفهوم القدر، وبين الرسول ﷺ أن العمل والأخذ بالأسباب هو من القدر ولا ينافيه ولا يناقضه، وحذر أمته من الذين يكذبون بالقدر، أو يعارضون به الشرع. وغضب الرسول ﷺ غضبًا شديدًا عندما خرج على أصحابه يومًا وهم يتنازعون في القدر، حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فُقئ في وجنتيه الرمان، فقال: «أبهذا أمرتم، أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه» (١). واستجاب الصحابة رضوان الله عليهم لعزيمة نبيهم وتوجيهه، فلم يُعرف عن أحد منهم أنه نازع في القدر في حياة الرسول ﷺ أو بعد وفاته.\nولم يَردْ إلينا أن واحدًا من المسلمين نازع في القدر في عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان، وكل ما ورد إلينا أن أبا عبيدة عامر بن الجراح اعترض على رجوع عمر بالناس عن دخول الشام عندما انتشر بها الطاعون، وقال لعمر بن الخطاب: (يا أمير المؤمنين أفرارًا من قدر الله؟) فقال عمر: (لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت إن كان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان: إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدرة الله) (٢). وروى اللالكائي أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية (من أرض الشام فقال في خطبته: من يضلل الله فلا هادي له، وكان الجثاليق بين يديه، فقال: إن الله لا يضل أحدًا، وعندما كررها عمر بن الخطاب نفض الجثاليق ثوبه ينكر قول عمر. فقال له عمر بعد أن تُرجم له كلامه: كذبت يا عدو الله خلقك الله، والله يضلك، ثم يميتك، فيدخلك النار إن شاء الله ... إن الله خلق الخلق، وقال: حين خلق آدم نثر ذريته في يده، وكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون، ثم قال: هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه فتفرق الناس وما يختلف في القدر اثنان) (٣). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٥\nوقد اختلفت الآراء حول نشأة القول بالقدر في الإسلام، وعلى يد من نشأ القول به، وأهم الأقوال التي قيلت في ذلك هي:\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٣٣). وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث صالح المري وصالح المري له غرائب ينفرد بها لا يتابع عليها. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن.\n(٢) رواه البخاري (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩).\n(٣) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٤/ ٦٥٩).","vol":"5","page":239},{"text":"القول الأول: تكاد تجمع المصادر على أن أول من قال بالقدر (معبد الجهني)، وأن ذلك كان بالبصرة في أواخر عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وكل من ترجم لمعبد الجهني هذا قال عنه: إنه أول من تكلم بالقدر (١)، أو ابتدع القول بالقدر، ومعلوم أن المقصود إنما هو نفي القدر، ودليل هذا القول: رواية مسلم في صحيحه في الحديث المشهور فقد روى عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبدالرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الأمر إلي، فقلت: أبا عبدالرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم (وذكر من شأنهم) وأنهم يزعمون ألا قدر، وأن الأمر أنف ...) الحديث (٢)، وهذا يفيد أن معبدًا هو أول من قال بالقدر.\nوهناك من يقول: إن أول من ابتدع القول بالقدر رجل من أهل البصرة من المجوس اسمه (سيسويه) (٣) وقال محمد بن شعيب الأوزاعي: (أول من نطق بالقدر رجل من أهل العراق يقال له: (سوسن)، وكان نصرانيًا فأسلم ثم تنصر) وهؤلاء يقولون: إن معبدًا الجهني أخذ عن (سوسن) القول بالقدر (٤).\nوقد يكون من المحتمل أن الفكرة من أساسها كانت عند هذا الرجل النصراني الذي تظاهر بالإسلام، أو عند هذا المجوسي سيسويه، ولكنه لم يستطع بشخصه أن يجاهر بها ويذيعها بين الناس لعدم ثقة الناس به، فتأثر به معبد الجهني الذي نطق بها علانية ونشرها، فاشتهرت عنه.\nويلاحظ أن اسم (سيسويه) و(سوسن) متقاربان، فلعلهما شخص واحد.\nوهناك من المعاصرين من ينكر أي أثر للنصارى أو لرجل نصراني على معبد الجهني حول فكرة القول بالقدر، مدعيًا (أن محاولة ربط عقائد أصحاب مذهب الإرادة الحرة بنصراني أسلم ثم تنصر محاولة غير صحيحة، سار عليها أصحاب الفرق المختلفة) (٥).\nوهذه دعوة لا يعتمد عليها في القضية، إذ المعتمد في النفي أو الإثبات إنما هو الروايات التاريخية في صحتها أو عدم صحتها، والكتاب نفسه ذكر في كتابه الذي قال فيه هذا الكلام فصلًا طويلًا عن أثر (المسيحية) في نشأة علم الكلام والفرق (٦).\nهذا هو القول الأول، وقد أخذ عن معبد الجهني قوله بنفي القدر شخص آخر اسمه غيلان الدمشقي ويعد ثاني من تكلم بالقدر.\n_________\n(١) وهو ما ذكره البخاري في «التاريخ الأوسط» (١/ ٢٣٦)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٤/ ١٨٥).\n(٢) رواه مسلم (٨). من حديث عمر ﵁.\n(٣) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي (٣/ ٥٣٦)، و«الإبانة» لابن بطة (٢/ ٢٩٨).\n(٤) رواه الآجري في «الشريعة» (ص: ٢٣٢)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٤/ ٧٥٠)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٢٩٨).\n(٥) «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» لعلي سامي النشار (١/ ٣١٩).\n(٦) «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» لعلي سامي النشار (١/ ٩٠) وما بعدها.","vol":"5","page":240},{"text":"وهؤلاء هم القدرية الأوائل الذين أنكروا القدر، وأنكروا علم الله السابق بالأمور، وهذا معنى ما في حديث مسلم أنهم: يزعمون ألا قدر، وأن الأمر أنف، أي: مستأنف لم يسبق لله - تعالى - فيه علم، وهؤلاء هم الذين تبرأ منهم من سمع بهم من الصحابة كعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وابن العباس، وأنس بن مالك، وعبدالله بن أبي أوفى، وعقبة بن عامر الجهني، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم (١)، وهؤلاء أيضًا هم الذين قال فيهم الأئمة كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم: إن المنكرين لعلم الله، القدرية يكفرون (٢).\nالقول الثاني: أن أول ما حدث القول بالقدر في الحجاز، قبل معبد الجهني، وأن ذلك وقع لما احترقت الكعبة وعبدالله بن الزبير ﵁ محصورا بمكة فقال أناس: احترقت بقدر الله تعالى، وقال: أناس لم تحترق بقدر الله (٣).\nالقول الثالث: أن أول من نادى بالقدر في الشام هو (عمرو المقصوص)، وكان عمرو هذا معلمًا لمعاوية الثاني، وأثر عليه كثيرًا، فاعتنق أقواله في القدر، حتى إنه لما أن تولى الخلافة كان عمرو هذا هو الذي أثر عليه فاعتزلها حتى مات، ووثب بنو أمية على عمرو المقصوص وقالوا: أنت أفسدته وعلمته، ثم دفنوه حيًا حتى مات، وهذا القول ضعيف، لأن معاوية بن يزيد كان رجلًا صالحًا، وعمرو المقصوص لم أجد من ذكر قصته من المؤرخين غير ابن العبري.\nهذه هي أهم الأقوال في أول من قال بالقدر، ولا شك أن القول الأول هو أشهرها وأرجحها، ولا مانع أن تكون هناك أقوال مفردة قبل ذلك، ويكون كل قول هو الأول باعتبار البلد الذي ابتدئ القول بالقدر فيه، لكن الذي نشأ به القول الأول بالقدر وكان له رجال كانوا سببًا في نشره فيما بعد، هو ما بدأه معبد الجهني، وغيلان الدمشقي. القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - ص ١٧٧ - ١٢٠\nثم أخذ هذا المذهب عن معبد رؤوس الاعتزال وأئمته كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وغيلان الدمشقي. فأما واصل بن عطاء رأس الاعتزال، فقد زعم أن الشر لا يجوز إضافته إلى الله، لأن الله حكيم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئًا، ثم يجازيهم عليه. وقرر في مقالته: أن العبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازى على فعله، والربُّ تعالى أقدره على ذلك كله. وذهب النظام من المعتزلة إلى أن الله لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة لله.\n_________\n(١) انظر: «الفرق بين الفرق» (ص: ١٩)، وانظر: «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٣٦٨).\n(٢) انظر: «حاشية كتاب التوحيد» لعبدالرحمن بن قاسم، (ص: ٣٦٥).\n(٣) انظر: «إكمال المعلم» و«مكمل الإكمال» وهما شرحان لـ «صحيح مسلم» (١/ ٥١)، وانظر: «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٣٦٨).","vol":"5","page":241},{"text":"وهذه الفرقة هي التي أطلق عليها علماؤنا: اسم القدرية. وسموا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه، وهؤلاء مع ضلالتهم يضيفون هذا الاسم إلى مخالفيهم من أهل الهدى، فيقولون: أنتم القدرية حين تجعلون الأشياء جارية بقدر من الله، وإنكم أولى بهذا الاسم منا (١١). وقد ذكر النووي في شرحه على (صحيح مسلم): (أن بعض القدرية قال: لسنا بقدرية، بل أنتم القدرية، لاعتقادكم إثبات القدر). (١) قال ابن قتيبة والإمام (يريد الإمام الجويني): (هذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهتة وتواقح، فإن أهل الحق يفوضون أمورهم إلى الله ﷾، ويضيفون القدر والأفعال إلى الله ﷾، وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم، ومُدَّعي الشيء لنفسه، ومضيفه إليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره، وينفيه عن نفسه) (٢). وقد صح أن الرسول ﷺ سمى القدرية مجوس هذه الأمة، والحديث أخرجه أبو داود في (سننه) والحاكم في (مستدركه على الصحيحين)، وقال: صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر (٣). والسبب في تسمية هذه الفرقة بمجوس هذه الأمة (مضاهاة مذهبهم المجوس في قولهم بالأصلين: النور والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثَنَوِيَّة، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى، والشر إلى غيره، والله – ﷾ – خالق الخير والشر جميعًا، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إليه – ﷾ – خلقًا وإيجادًا، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلًا واكتسابًا). ونشأ في آخر عهد بني أمية أقوام يزعمون أن العبد مجبور على فعله، ليس له خيار فيما يأخذ أو يدع، وبعضهم يثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، وأول من ظهر عنه هذا القول هو الجهم بن صفوان، وتفرع عن هذه البدعة أقوال شنيعة، وضلال كبير. وقد انتشر هذا القول في الأمة الإسلامية وتقلده كثير من العباد والزهاد والمتصوفة، وإذا كان الفريق الأول أشبه المجوس فإن هذا الفريق أشبه المشركين الذين قالوا: لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ. [الأنعام:١٤٨]. وهذا الفريق شرٌّ من الفريق الأول، لأن الأولين عظموا الأمر والنهي، وأخرجوا أفعال العباد عن تكون خلقًا لله، وهذا الفريق أثبت القدر، واحتج به على إبطال الأمر والنهي. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر – ص٢١\n_________\n(١) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ١٥٤).\n(٢) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ١٥٤).\n(٣) رواه أبو داود (٤٦٩١)، والحاكم (٢٨٦). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين: إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن.","vol":"5","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1580>المطلب الأول: حكم الإيمان بالقضاء والقدر</span>\nالإيمان بالقدر من أصول الإيمان التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، ففي (صحيح مسلم) من حديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل ﵇ الرسول ﷺ عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال (أي جبريل ﵇): صدقت» (١). والنصوص المخبرة عن قدرة الله أو الآمرة بالإيمان بالقدر كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى: إِنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:٤٩]. وقوله: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب: ٣٨]، وقوله: وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال:٤٢]. وقال: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:٢]. وقال: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى: ١ - ٣]. وروى مسلم في (صحيحه) عن طاووس قال: «أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر حتى العجزُ والكَيْس، أو الكَيْس والعَجْز» (٢). وروى مسلم أيضًا عن أبي هريرة قال: «جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر، فنزلت: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٨: ٤٩]» (٣). والنصوص في ذلك كثيرة جدًا فإن النصوص الدالة على علم الله وقدرته ومشيئته وخلقه تدل على قدره ﵎، فالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله ومشيئته وخلقه، ... وذكر النصوص الواردة في ذلك. والقدر يدل بوضعه – كما يقول الراغب الأصفهاني فيما نقله عنه ابن حجر العسقلاني – على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم.\nفلله تعالى القدرة المطلقة، وقدرته لا يعجزها شيء، ومن أسمائه – ﵎ – القادر والقدير والمقتدر، والقدرة صفة من صفاته. فالقادر اسم فاعل من قدر يقدر. والقدير فعيل منه، وهو للمبالغة، ومعنى (القدير) الفاعل لما يشاء، على قدر ما تقتضيه الحكمة لا زائدًا عليه، ولا ناقصًا عنه، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله ﷿. قال تعالى: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف:٣٣]. و(المقتدر) مفتعل من اقتدر، وهو أبلغ من (قدير) ومنه قوله: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر: ٥٥]. وقد سئل الإمام أحمد – رحمة الله تعالى – عن القدر: فقال: (القدر قدرة الله). قال ابن القيم: (وقال الإمام أحمد: القدرُ قدرة الله. واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًا، وقال: هذا يدل على دقة أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين، وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكاره إنكار لقدرة الرب على خلق أفعال العباد وكتابتها وتقديرها) وقد صاغ ابن القيم لهذا المعنى شعرًا فقال:\nواستحسن ابن عقيل ذا من أحمد ... لما حكاه عن الرضا الربان\nفحقيقة القدر الذي حار الورى ... في شأنه هو قدرة الرحمن\n_________\n(١) رواه مسلم (٨).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٥٥).\n(٣) رواه مسلم (٢٦٥٦).","vol":"5","page":243},{"text":"ولذا فإن الذين يكذبون بالقدر لا يثبتون قدرة الله تعالى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (مَنْ لم يقل بقول السلف فإنه لا يُثبِت لله قدرة، ولا يثبته قادرًا كالجهمية ومن اتبعهم، والمعتزلة المجبرة والنافية: حقيقة قولهم أنه ليس قادرًا، وليس له الملك، فإن المُلك إما أن يكون هو القدرة، أو المقدور، أو كلاهما، وعلى كل تقدير فلا بدَّ من القدرة، فمن لم يثبت له قدرة حقيقية لم يثبت له ملكًا) (١). والذين كذبوا بالقدر لم يوحدوا الله ﷿، فإن نفاة القدر يقولون: خالق الخير غير خالق الشر، ويقول من كان منهم في ملتنا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وربما قالوا: ولا يعلمها أيضًا، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقعة بغير قدرته ولا صنعه، فيجحدون مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة. وقد تقاطر أهل العلم على تقرير القدر والنصِّ على وجوب الإيمان به، وما من عالم من علماء أهل السنة الذين هم أعلام الهدى وأنوار الدجا إلا وقد نصَّ على وجوب الإيمان به، وبدَّع وسفَّه من أنكره وردَّه. يقول النووي رحمه الله تعالى في شرحه لأحاديث القدر من (صحيح مسلم): (وفي هذه الأحاديث كلها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة في إثبات القدر، وأن جميع الواقعات بقضاء الله وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها) (٢). وقال في موضع آخر: (تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله ﷾) (٣). ويقول ابن حجر رحمه الله تعالى: (مذهب السلف قاطبة أن الأمور كلَّها بتقدير الله تعالى، كما قال تعالى: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: ٢١]) (٤). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص١١\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٠).\n(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ١٩٥).\n(٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ١٥٥).\n(٤) «فتح الباري» (١١/ ٤٧٨).","vol":"5","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1581>المطلب الثاني: الأدلة على وجوب الإيمان بالقدر</span>\nالفرع الأول: الأدلة العامة من القرآن الكريم على وجوب الإيمان بالقدر\nالأدلة العامة من القرآن الكريم على وجوب الإيمان بالقدر: وردت في كتاب الله تعالى آيات تدل على أن الأمور تجري بقدر الله تعالى وعلى أن الله تعالى علم الأشياء وقدرها في الأزل، وأنها ستقع على وفق ما قدرها الله ﷾ ومن هذه الآيات:\nقوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩] ...\n٢ - وقوله تعالى سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب:٣٨] (أي قضاء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا، وهو كظل ظليل، وليل أليل، وروض أريض في قصد التأكيد) (١).\n٣ - وقوله تعالى عن موسى ﵇: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى [طه: ٤٠] أي أنه جاء موافقًا لقدر الله تعالى وإرادته على غير ميعاد (٢).\n٤ - وقوله تعالى: فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ [المرسلات: ٢١ - ٢٣]. أي: جعلنا الماء في مقر يتمكن فيه وهو الرحم مؤجلًا إلى قدر معلوم قد علمه الله سبحانه وحكم به، فقدرنا على ذلك فنعم القادرون نحن، أو: فقدرنا ذلك تقديرًا فنعم المقدرون له نحن – على قراءتين- (٣) والقراءة الثانية (قدّرنا) بالتشديد توافق قوله تعالى: مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ [عبس:١٩].\nفهذه الآيات تفيد الإخبار عن قدر الله الشامل لكل شيء، وأخبار القرآن مقطوع بها. القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود -بتصرف- ص: ٣٩\nالفرع الثاني: الأدلة العامة من السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر\nدلت نصوص السنة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدًا، ولكن نعرض لبعضها، ... فمنها:\n١ - حديث جبريل المشهور – برواياته المختلفة (٤).\n٢ - حديث جابر بن عبدالله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه» (٥)، فنفى الإيمان حتى يؤمن العبد بالقدر وأن ما يجري عليه إنما هو بقدر من الله لا يتغير أبدًا، ونفي الإيمان عمن لم يؤمن بالقدر يدل على وجوبه.\n_________\n(١) «فتح البيان في مقاصد القرآن» تفسير صديق حسن خان (٧/ ٣٧٥).\n(٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٥/ ٢٨٧).\n(٣) انظر: «تفسير القرآن الجليل» للنسفي (٥/ ٣٠٨)، و«فتح البيان» (١٠/ ١٩٠ - ١٩١)، وانظر بالنسبة للقراءات وتوجيهها في الآية: «حجة القراءات» لأبي زرعة عبدالرحمن بن نجلة (ص: ٧٤٣ - ٧٤٤) تحقيق سعيد الأفعاني.\n(٤) الحديث رواه مسلم (٨)، ورواه أبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠)، وابن ماجه (٦٣)، وأحمد (١/ ٥١) (٣٦٧)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٥٢٨) (١١٧٢١)، وابن خزيمة (٤/ ١٢٧) (٢٥٠٤)، وابن حبان (١/ ٣٨٩) (١٦٨)، والبيهقي (١٠/ ٢٠٣) (٢٠٦٦٠). من حديث عمر ﵁.\n(٥) رواه الترمذي (٢١٤٤). وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن ميمون، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"5","page":245},{"text":"٣ - حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر» (١)\nفالمراد بالحديث نفي أصل الإيمان عن من لم يؤمن بهذه الأربع: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله، ويؤمن بالموت: أي فناء الدنيا، أو المراد: اعتقاد أن الموت يحصل بأمر الله لا بفساد المزاج كما يقول الطبائعيون، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر، وأن كل ما يجري بقدر الله تعالى وقضائه، ونفي أصل الإيمان عمن لم يؤمن بهذه الأمور يدل على وجوب الإيمان بها.\n٤ - حديث طاوس قال: أدركت أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز» (٢)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:٤٨ - ٤٩]» (٣) وهذان الحديثان يدلان على التصريح بإثبات القدر وأنه عام في كل شيء، حتى أن العاجز قد قدر عجزه، والكيس قد قدر كيسه، فكل ذلك مقدر في الأزل، معلوم لله مراد له، وهذا يدل على وجوب الإيمان بالقدر.\n٥ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار» (٤) فإذا كان الإيمان بالأقدار من أصل الإيمان فيجب الإيمان به.\n٦ - وقد ورد عن النبي ﷺ التحذير من التكذيب بالقدر، وذلك في الحديث الذي رواه أبو الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر» (٥) ولا شك أن هذه الأمور المنفي دخول الجنة بسببها متفاوتة وأعظمها التكذيب بالقدر، فالتصديق بالقدر واجب وسبب لدخول الجنة. القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - بتصرف- ص: ٤٠\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٤٥)، وابن ماجه (٨١)، وأحمد (١/ ٩٧) (٧٥٨)، والحاكم (١/ ٨٧). وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١٠٠) كما قال ذلك في المقدمة، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٢/ ١١١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٥٥) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا.\n(٣) رواه مسلم (٢٦٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه أبو داود (٢٥٣٢)، والبيهقي (٩/ ١٥٦) (١٨٢٦١)، وسعيد بن منصور (٢/ ١٧٦) (٢٣٦٧)، وأبو يعلى (٧/ ٢٨٧) (٤٣١١)، والديلمي (٢/ ٨٦) (٢٤٦٥). قال البيهقي في «الاعتقاد» (٢٢٠): له شواهد، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ٨٣) كما قال في المقدمة.\n(٥) رواه أحمد (٦/ ٤٤١) (٢٧٥٢٤)، والبزار (١٠/ ٤٥)، وابن أبى عاصم (١/ ١٤١) (٣٢١)، والطبراني كما في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٠٣). قال البزار: إسناده حسن، وقال الهيثمي: فيه سليمان بن عتبة الدمشقي وثقه أبو حاتم وغيره وضعفه ابن معين وغيره، وصحح إسناده أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٣٢٠)، وحسنه الألباني في «كتاب السنة» (٣٢١)، والوادعي في «الصحيح المسند» (١٠٤٨).","vol":"5","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1583>تمهيد</span>\nالإيمان بالقدر يقوم على أربعة مراتب، من أقرَّ بها جميعًا فإن إيمانه بالقدر يكون مكتملًا، ومن انتقص واحدًا منها أو أكثر فقد اختل إيمانه بالقدر، وهذه المراتب هي:\nالأول: الإيمان بعلم الله الشامل المحيط.\nالثاني: الإيمان بكتابة الله في اللوح المحفوظ لكل ما هو كائن إلى يوم القيامة.\nالثالث: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته التامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\nالرابع: خلقه ﵎ لكل موجود، لا شريك له في خلقه.\nوسنتناول هذه المراتب الأربعة بشيء من التفصيل. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٦","vol":"5","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1584>المطلب الأول: المرتبة الأولى، الإيمان بعلم الله الشامل</span>\nوقد كثر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تقرير هذا الأصل العظيم، فعلم الله محيط بكل شيء، يعلم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الموجود والمعدوم، والممكن والمستحيل.\nوهو عالم بالعباد وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم وحركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم، ومن منهم من أهل الجنة، ومن منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم، ويخلق السماوات والأرض.","vol":"5","page":248},{"text":"وكل ذلك مقتضى اتصافه – ﵎ – بالعلم، ومقتضى كونه – ﵎ – هو العليم الخبير السميع البصير. قال تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الحشر:٢٢] وقال: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:١٢]. وقال: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا الساعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سبأ: ٣]. وقال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل:١٢٥]. وقال: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣٢]. وقال الحق مقررًا علمه بما لم يكن لو كان كيف سيكون وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ [الأنعام:٢٨]، فالله يعلم أن هؤلاء المكذبين الذين يتمنون في يوم القيامة الرجعة إلى الدنيا أنهم لو عادوا إليها لرجعوا إلى تكذيبهم وضلالهم. وقال في الكفار الذين لا يطيقون سماع الهدى: وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ [الأنفال:٢٣]. ومن علمه ﵎ بما هو كائن علمه بما كان الأطفال الذين توفوا صغارًا عاملين لو أنهم كبروا قبل مماتهم. روى البخاري في (صحيحه) عن ابن عباس قال: «سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» (١). وروى مسلم عن عائشة أم المؤمنين قالت: توفي صبي، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فقال رسول الله ﷺ: «أولا تدرين أن الله خلق الجنة والنار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا» (٢). وفي رواية عند مسلم أيضًا عن عائشة قالت: «دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. قال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» (٣). وهذه الأحاديث تتحدث عن علم الله في من مات صغيرًا، لا أنّ هؤلاء يدخلهم الله النار بعلمه فيهم من غير أن يعملوا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في قوله ﷺ في أبناء المشركين: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (أي يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر لو بلغوا، ثم إنه جاء في حديث إسناده مقارب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة فإن الله يمتحنهم، ويبعث إليهم رسولًا في عرصة القيامة، فمن أجابه أدخله الجنة، ومن عصاه أدخله النار» فهنالك يظهر فيهم ما علمه الله سبحانه، ويجزيهم على ما ظهر من العلم، وهو إيمانهم وكفرهم، لا على مجرد العلم). (٤)\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٩٧).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٦٢).\n(٣) رواه مسلم (٢٦٦٢).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٤٦).","vol":"5","page":249},{"text":"الأدلة العقلية على أن الله علم مقادير الخلائق قبل خلقهم: والحق أن وجود هذا الكون، ووجود كل مخلوق فيه يدل دلالة واضحة على أن الله علم به قبل خلقه، (فإنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل، لأن إيجاده الأشياء بإرادته، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد هو العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزمًا للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم، فالإيجاد مستلزم للعلم). وأيضًا فإن (المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها، لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم). واستدل العلماء على علمه ﵎ بقياس الأولى: (فالمخلوقات فيها ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالمًا).\nوالاستدلال بهذا الدليل له صيغتان:\nأحدهما: أن يقال: نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق، وأن الواجب أكمل من الممكن، ونعلم ضرورة أنا لو فرضنا شيئين:\nأحدهما عالم والآخر غير عالم، كان العالم أكمل، فلو لم يكن الخالق عالمًا لزم أن يكون الممكن أكمل منه، وهو ممتنع.\nالثاني: كل علم في المخلوقات فهو من الله ﵎، ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عاريًا منه، بل هو أحق به، ذلك أن كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق أحق به، وكلَ نقص تنزه عنه مخلوق ما، فتنزه الخالق عنه أولى. وكل هذه الأدلة يمكنك أن تلمحها في قوله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤]. ويستدل على علمه – ﵎ – بإخباره بالأشياء والأحداث قبل وقوعها وحدوثها، فقد أخبر الحق في كتبه السابقة عن بعثة رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وصفاته وأخلاقه وعلاماته، كما أخبر عن الكثير من صفات أمته، وأخبر في محكم كتابه أن الروم سينتصرون في بضع سنين على الفُرس المجوس، ووقع الأمر كما أخبر، والإخبار عن المغيبات المستقبلة كثير في الكتاب والسنة. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٦","vol":"5","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1585>المطلب الثاني: المرتبة الثانية، الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء</span>\n• الفرع الأول: مرتبة الكتابة.\n• الفرع الثاني: أدلة مرتبة الكتابة.","vol":"5","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1586>الفرع الأول: مرتبة الكتابة</span>\nدلت النصوص من الكتاب والسنة على أن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، ففي الحديث الذي يرويه مسلم في (صحيحه) عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» (١). ورواه الترمذي بلفظ: «قدرَّ الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» (٢). وفي (سنن الترمذي) أيضًا عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان، وما هو كائن إلى الأبد» (٣). واللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الخلائق سماه القرآن بالكتاب، وبالكتاب المبين، وبالإمام المبين وبأم الكتاب، والكتاب المسطور. قال تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ [البروج: ٢١ - ٢٢]. وقال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ [الحج:٧٠] وقال: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس: ١٢]. وقال: وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ [الطور: ١ - ٣]. وقال: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف:٤] الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٣٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٥٣).\n(٢) رواه الترمذي (٢١٥٦)، وأحمد (٢/ ١٦٩) (٦٥٧٩). قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وصححه الزرقاني في «مختصر المقاصد» (٧٠٦)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) رواه الترمذي (٢١٥٥). وقال: وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"5","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1587>الفرع الثاني: أدلة مرتبة الكتابة</span>\nوهي أن الله تعالى كتب مقادير المخلوقات، والمقصود بهذه الكتابة، الكتابة في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه الله من شيء، فكل ما جرى ويجري فهو مكتوب عند الله، وأدلة هذه المرتبة كثيرة نذكر منها:\nأ- الأدلة من القرآن الكريم:\n١ - قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] على أحد الوجهين، وهو أن المقصود بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، فالله أثبت فيه جميع الحوادث (١)، فكل ما يجري مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ.\n٢ - وقال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥]\n(فأخبر تعالى أن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية والقدرية فهو كائن لا محالة) (٢) والآية دالة على مرتبة الكتابة عند من فسر الزبور بالكتب بعد الذكر، والذكر أم الكتاب عند الله وهو اللوح المحفوظ (٣).\n٣ - وقال تعالى في قصة أسرى بدر: لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٦٨] أي: لولا كتاب سبق به القضاء والقدر عند الله أنه قد أحل لكم الغنائم، وأن الله رفع عن أمة محمد ﷺ العذاب، لمسكم العذاب (٤) فالآية دليل على الكتاب السابق.\n٤ - وقال تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠] وهذه الآية من أوضح الأدلة الدالة على علمه المحيط بكل شيء، وأنه علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب الله ذلك في كتابه اللوح المحفوظ (٥) فالآية جمعت بن المرتبتين.\n٥ - وقال تعالى: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [النمل:٧٥]. أي: خفية، أو سر من أسرار العالم العلوي والسفلي إلا في كتاب مبين قد أحاط ذلك الكتاب بجميع ما كان ويكون إلى أن تقوم الساعة، فما من حادث جلي أو خفي إلا وهو مطابق لما كتب في اللوح المحفوظ (٦)، فالآية دليل على الكتابة السابقة لكل ما سيقع.\n٦ - وقال تعالى في آية جمعت بين مرتبتي العلم والكتابة: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس: ٦١] فما يعزب عن ربك، أي: ما يغيب عن علمه، وبصره، وسمعه ومشاهدته أي شيء حتى مثاقيل الذر، بل ما هو أصغر منها، وهذه مرتبة العلم، وقوله: إِلاَّ فِي كِتَابٍ مرتبة الكتابة، وكثيرًا ما يقرن الله ﷾ بين هاتين المرتبتين (٧).\nهذه بعض أدلة مرتبة الكتابة من القرآن، وننتقل إلى بيان بعض أدلتها من السنة.\nب- الأدلة من السنة:\n_________\n(١) انظر: «فتح البيان في مقاصد القرآن» (٣/ ١٥٧). وانظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٤٨). والوجه الثاني: أن المقصود بالكتاب القرآن، انظر: «شفاء العليل» (ص: ٤٠).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٥/ ٣٧٩).\n(٣) انظر: «تفسير النسفي» (٣/ ٢٥٧)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (٥/ ٣٧٨).\n(٤) انظر: «تفسير ابن سعدي» (٣/ ١٩١) تحقيق: محمد زهري النجار.\n(٥) انظر: «تفسير ابن كثير» (٥/ ٤٤٨)، وانظر أيضًا: «تفسير النسفي» (٣/ ٣٨٩).\n(٦) انظر: «تفسير ابن سعدي» (٥/ ٥٩٨).\n(٧) انظر: «تفسير ابن سعدي» (٣/ ٣٦٦).","vol":"5","page":253},{"text":"١ - من أوضح أدلة هذه المرتبة ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء» (١) فالدليل من الحديث قوله: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض».\n٢ - وفي الحديث الطويل الذي رواه علي ﵁ بيان أن كل نفس قد كتب مكانها من الجنة والنار، وقد كتبت شقية أو سعيدة ونصه: قال: «كنا في جنازة في بقيع الغرقد، ومعه مخصرة فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا وكتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة قال: فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير عمل أهل الشقاوة، فقال: اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ: فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ٥ - ١٠]» (٢) وهذا دليل واضح على الكتابة السابقة ومنها كتابة أهل الجنة وأهل النار.\n٣ - وقد ورد عن النبي ﷺ ما يبين أن ما مضت به المقادير، وسبق علم الله به، قد تمت كتابته في اللوح المحفوظ، وجف القلم الذي كتب به، وامتنعت فيه الزيادة والنقصان، فعن جابر ﵁ قال: «جاء سراقة بن مالك بن جعشم -﵁- قال: يا رسول الله، بيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت ما قال؟ فقال: اعملوا فكل ميسر» (٣).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٥٣).\n(٢) رواه البخاري (١٣٦٢)، ومسلم (٢٦٤٧).\n(٣) رواه مسلم (٢٦٤٨).","vol":"5","page":254},{"text":"٤ - ومن الأحاديث المشهورة حديث: أول ما خلق الله القلم، وفيه أن الله أمره بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة، فعن أبي حفصة قال: «قال عبادة بن الصامت لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب قال: رب وماذا أكتب؟ قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مات على غير هذا فليس مني» (١)، وفي رواية أخرى عن عبدالواحد بن سليم قال: «قدمت مكة فلقيت عطاء بن أبي رباح، فقلت له: يا أبا محمد: إن أهل البصرة يقولون في القدر، قال: يا بني أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فاقرأ الزخرف. قال: فقرأت: حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ فقال: أتدري ما أم الكتاب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السموات، وقبل أن يخلق الأرض، فيه أن فرعون من أهل النار، وفيه تبت يد أبي لهب وتب، قال عطاء: فلقيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول ﷺ فسألته: ما كانت وصية أبيك عند الموت؟ قال: دعاني أبي فقال لي: يا بني، اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله، وتؤمن بالقدر خيره وشره، فإن مت على غير هذا دخلت النار. وإني سمعت رسول ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب. فقال: ما أكتب؟ قال اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد» (٢) فقوله للقلم بعد خلقه: «اكتب مقادير كل شيء»، جمع مقدار وهو الشيء الذي يعرف به قدر الشيء، وكميته، كالمكيال والميزان، وقد يستعمل بمعنى القدر نفسه وهو الكمية والكيفية، وفي الرواية الأخرى: «اكتب القدر»، والمقصود بأم الكتاب في الآية التي استشهد بها عطاء: اللوح المحفوظ، فالروايتان فيهما دليل على مرتبة الكتابة، حيث أمر الله القلم بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٠٠)، وابن أبي عاصم (١٠٢)، والطبراني في «مسند الشاميين» (١/ ٥٨) (٥٩)، والبيهقي (١٠/ ٢٠٤) (٢٠٦٦٤)، والضياء (٨/ ٢٧٤) (٣٣٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود»، وحسنه ابن عثيمين في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٠٥).\n(٢) رواه الترمذي (٢١٥٥)، والطيالسي (ص: ٧٩)، والضياء (٨/ ٣٥١) (٤٢٩). قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ٩٥) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"5","page":255},{"text":"٥ - وعن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان فقلنا: لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا، فقال: للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا، ثم قال للذي في شماله: وهذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا ... الحديث» (١)، فقوله: «وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟». الظاهر من الإشارة أنهما حسيان، وقيل: تمثيل واستحضار للمعنى الدقيق الخفي في مشاهدة السامع حتى كأنه ينظر إليه رأي العين ... ولا يستبعد إجراؤه على الحقيقة، فإن الله قادر على كل شيء، والدليل من الحديث قوله: هذا كتاب من رب العالمين لكل من أهل الجنة وأهل النار، مكتوبة فيه أسماؤهم وقبائلهم، ففي ذلك إثبات الكتابة لما قضاه الله وقدره وعلمه.\nوبعد الكلام على أدلة هاتين المرتبتين: مرتبة العلم، ومرتبة الكتابة، يحسن أن نذكر هنا أنه يتعلق بهاتين المرتبتين عدة تقادير وهي بإيجاز:\nأ- التقدير الأول: كتابة ذلك قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة عندما خلق الله القلم. ودليل هذا التقدير الحديث الأول من أدلة مرتبة الكتابة والذي تقدم قبل قليل، وأيضًا قول النبي ﷺ لأبي هريرة: «جف القلم بما أنت لاق» (٢).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٤١)، وأحمد (٢/ ١٦٧) (٦٥٦٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٥٢) (١١٤٧٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٥/ ١٦٨). قال الترمذي: حسن غريب صحيح، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ١٢): [رواته] كلهم عدول، وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ١٧١): روي هذا الحديث عن النبي – ﷺ- من وجوه متعددة.\n(٢) رواه البخاري (٥٠٧٦).","vol":"5","page":256},{"text":"ب- التقدير حين أخذ الميثاق على بني آدم وهم على ظهر أبيهم آدم، ودليله حديث عمر بن الخطاب ﵁ حين سئل عن هذه الآية: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى [الأعراف: ١٧٢] الآية فقال: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها فقال: «إن الله خلق آدم ﵇ ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريته، قال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال رسول الله ﷺ: إن الله ﷿ إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار» (١) وهناك روايات أخرى ذكرها ابن كثير، والسيوطي وليس هذا موضع مناقشة مسألة الميثاق والخلاف فيه، وإنما المقصود هنا أن من رجح أن المقصود بالآية الفطرة قالوا: إن الروايات الواردة في ذلك ترجع إلى القدر السابق.\nج- التقدير العمري عند أول تخليق النطفة، وهذا دليله حديث عبدالله بن مسعود – ﵁ – قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (٢)\nد- التقدير الحولي في ليلة القدر، ودليله قوله تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: ٤] أي: (يقضى فيها أمر السنة كلها من معايش الناس ومصائبهم، وموتهم وحياتهم، إلى مثلها من السنة الأخرى).\nهـ - التقدير اليومي، ودليله قوله - تعالى -: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩] قال ﷺ في هذه الآية: «من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا ويخفض آخرين» (٣) القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - ص: ٤٥ - ٥١\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، وأحمد (١/ ٤٤) (٣١١)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٤٧) (١١١٩٠)، وابن حبان (١٤/ ٣٧) (٦١٦٦)، والحاكم (١/ ٨٠). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر وذكر بعضهم بينهما رجلًا مجهولًا، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وقال ابن عبدالبر في «التمهيد» (٢/ ٦): منقطع بهذا الإسناد ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي ﷺ من وجوه ثابتة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ٩٧) كما قال في المقدمة.\n(٢) رواه مسلم (٢٦٤٣).\n(٣) رواه ابن ماجه (١٦٨)، والبزار (١/ ٣٩)، وابن حبان (٢/ ٤٦٤) (٦٨٩)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/ ٢٧٨) (٣١٤٠). من حديث أبي الدرداء ﵁. وحسن إسناده البزار والبوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٢٩)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"5","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1588>المطلب الثالث: المرتبة الثالثة، الإيمان بمشيئة الله الشاملة وقدرته النافذة</span>\n• الفرع الأول: مرتبة المشيئة.\n• الفرع الثاني: أدلة مرتبة المشيئة.","vol":"5","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1589>الفرع الأول: مرتبة المشيئة</span>\nوهذا الأصل يقضي بالإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حركة ولا سكون في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئته، فلا يكون في ملكه إلا ما يريد. والنصوص المصرحة بهذا الأصل المقررة له كثيرة وافرة، قال تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٩]، وقال: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ [الأنعام: ١١١]، وقال: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:١١٢]، وقال: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٣٦]، وقال: وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأنعام: ٣٩]. ومشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة يجتمعان فيما كان وما سيكون، ويفترقان فيما لم يكن ولا هو كائن. فما شاء الله تعالى كونه فهو كائن بقدرته لا محالة، وما لم يشأ الله تعالى إياه لا يكن لعدم مشيئة الله تعالى ليس لعدم قدرته عليه، قال تعالى: وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: ٢٥٣]، وقال: وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المائدة:٤٨]، وقال: وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام: ٣٥]، وقال: وَلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكُواْ [الأنعام: ١٠٧]، وقال: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [يونس:٩٩]، وقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان: ٤٥]، والآيات في هذا كثيرة تدل على عدم وجود ما لم يشأ وجوده لعدم مشيئته ذلك، لا لعدم قدرته عليه، فإنه على كل شيء قدير ﵎. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٣٢","vol":"5","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1590>الفرع الثاني: أدلة مرتبة المشيئة</span>\nأي: أن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله ﷾ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته شيء، وقد وردت أدلة كثيرة جدًا لهذه المرتبة من الكتاب والسنة:\nفمن أدلتها من الكتاب:\n١ - قوله تعالى في معرض الحديث عن أهل الكتاب ونهي النبي ﷺ عن أن يتبع أهواءهم وأمره أن يلتزم الحكم بما أنزل الله مبينًا أن لكل من الأمم الثلاث: اليهود والنصارى وأمة محمد، شريعة ومنهاجًا في كل من التوراة والإنجيل والقرآن (وقد نسخ القرآن ما قبله) وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم [المائدة:٤٨] أي: لجعلكم على شريعة واحدة، وكتاب واحد، ورسول واحد، لكن لما لم يشأ الله ذلك بل شاء الابتلاء والاختبار فكنتم على الحالة التي أنتم عليها (١) فمشيئة الله مطلقة والنافذ هو ما يشاؤه ﷾ فهذا دليل على مرتبة المشيئة.\n٢ - وقد ورد في القرآن الكريم - في الحديث عن بعض الأنبياء وغيرهم - تعليقهم كل أمر بمشيئة الله ﷾، فنوح ﵊ لما قال له قومه: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الأعراف:٧٠]، قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ [هود: ٣٣]. وشعيب ﵇ بعد ما طلب منه قومه أن يعود إلى ملتهم بيَّن أنه لا يمكن له أن يعود إلى ملتهم بعد أن نجاه الله منها هو والمؤمنون معه، ولا ينبغي لهم ذلك إلا إذا شاء الله ذلك فقال: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [الأعراف: ٨٩]، فعلق أعظم شيء وهو الإيمان والكفر على مشيئة الله. ويوسف ﵇ قال لأهله بعد أن التقى بهم: ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ [يوسف:٩٩]. وقال موسى ﵇ للخضر: قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف:٦٩]، والله ﷾ وجه نبيه قائلًا: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا [الكهف:٢٣ - ٢٤]، فهذه الآيات تدل على استقرار عقيدة المسلمين ويقينهم بهذه المرتبة من مراتب القدر.\n٣ - وفي القرآن آيات كثيرة تدل على أن حوادث الدنيا إنما تجري وفق مشيئته ﷾، فهو الذي يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وهو الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء، فتدول الدول، ويعز الذليل، ويذل العزيز كل ذلك بمشيئة الله قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:٢٦]، وهو الذي يصور الخلق في الأرحام كيف يشاء ذكورًا، وإناثًا، أشقياء، وسعداء، مختلفين في صفاتهم وأشكالهم حسنًا وقبحًا، قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:٦]\n_________\n(١) انظر: «روح البيان في مقاصد القرآن» لصديق حسن خان (٣/ ٤٤).","vol":"5","page":260},{"text":"٤ - وفي إثبات أن الله مريد لكل ما يخلقه جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم، فحين يبين سبحانه أن الذين شقوا في النار، وأنهم خالدون في النار مادامت السموات والأرض، يعقب على ذلك بقوله: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [هود:١٠٧] فلا يرده أحد عن مراده سبحانه، وبعد أن بين - تعالى - أنه يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، عقب على ذلك بقوله: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ، وفي آية أخرى يبين الله تعالى أنه هو الذي يريد الهداية والإضلال قال تعالى: فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء [الأنعام:١٢٥].\nأدلة هذه المرتبة من السنة:\nعقد البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التوحيد بابًا عرض فيه لبعض النصوص الواردة في أثبات المشيئة والإرادة، فقال: (باب في المشيئة والإرادة)، ثم أورد بعض الآيات والأحاديث الواردة، ونحن نذكر شيئًا منها مما أورده البخاري وغيره:\n١ - فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول ﷺ إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء» (١)، فأوصى بالشفاعة وذلك فيما ليس بمحرم، وضابطها ما أذن فيه الشرع دون ما لم يأذن فيه، ثم بين أن الله يقضي على لسان رسوله ما شاء أي: يظهر على لسان رسوله بالوحي أو الإلهام ما قدره في علمه بأنه سيقع، فهذا يدل على مرتبة المشيئة.\n٢ - وقد «أقر النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ حين أجابه بعد سؤاله له هو وفاطمة بقوله: ألا تصليان؟ فأجابه بقوله: أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. قال علي: فانصرف حيث قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئًا، ثم سمعته وهو مولٍّ يضرب فخذه وهو يقول: وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:٥٤]» (٢)؛ ففي هذا الحديث إثبات المشيئة لله تعالى وأن العبد لا يفعل شيئًا إلا بإرادة الله، أما انصراف النبي ﷺ وضربه فخذه واستشهاده بالآية، فمعناه: أنه تعجب من سرعة جوابه وعدم موافقته له على الاعتذار بهذا، ولهذا ضرب فخذه وقيل: قال تسليمًا لعذرهما، وأنه لا عتب عليهما، وقيل غير ذلك (٣).\n٣ - وعن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء، ثم قال رسول الله ﷺ: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» (٤) والشاهد قوله: «كقلب واحد يصرفه حيث يشاء»؛ فمعناه أنه ﷾ متصرف في قلوب عباده كلهم، فيهدي ويضل كما يشاء، ففيه دلالة على مرتبة المشيئة، والحديث من أحاديث الصفات الثابتة والتي يجب الإيمان بها وبما دلت عليه من الصفات من غير تأويل أو تعطيل، وقد أخطأ النووي ﵀ حيث ذكر في معنى الحديث قولين باطلين: أحدهما: أنه من أحاديث الصفات وينبغي الإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة، بل يؤمن بأنها حق، وأن ظاهرها غير مراد، والثاني: أن يتأول بحسب ما يليق بها، فعلى هذا المراد المجاز، وكلا القولين خطأ، إذ ذهب أهل السنة إلى إثباتها كما جاءت، والإيمان بها وبما دلت عليه على ما يليق بجلال الله وعظمته.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٣٢).\n(٢) رواه البخاري (١١٢٧). من حديث علي ﵁.\n(٣) انظر: «فتح الباري» (٣/ ١١).\n(٤) رواه مسلم (٢٦٥٤).","vol":"5","page":261},{"text":"٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته إنه يفعل ما يشاء لا مكره له» (١)، ففيه إثبات المشيئة لله تعالى فهو الغفور الرحيم، والرزاق إذا شاء، وهو سبحانه يفعل ما يشاء لا مكره له، والحديث فيه الحث على العزم في المسألة والجزم فيها، دون ضعف أو تعليق على المشيئة، وإنما نهى عن التعليق على المشيئة لأنه لا يتحقق استعمال المشيئة إلا في حق من يتوجه عليه الإكراه، والله ﷾ لا مكره له كما نص عليه الرسول ﷺ هنا (٢).\n٥ - وعن ابن عباس ﵄ «أن رجلًا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت فقال النبي ﷺ: أجعلتني والله عدلًا، بل ما شاء الله وحده» (٣) والحديث واضح الدلالة على إثبات مرتبة المشيئة، وأن الله تعالى له المشيئة المطلقة، وأن للعباد مشيئة خاضعة لمشيئة الله تعالى، والنهي في الحديث إنما هو عن قرن مشيئة الله بمشيئة الرسول ﷺ، حيث عطفها بالواو التي هي لمطلق الجمع من غير ترتيب ولا تعقيب، والرسول مثل غيره من العباد، فالكل خاضعون لمشيئة الله، ومشيئتهم تابعة لمشيئة الله.\n٦ - ومن الأحاديث الدالة على الإرادة والمشيئة: الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» (٤) فقوله: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» فيه إثبات مرتبة الإرادة، وأن الأمور كلها تجري بمشيئة الله تعالى ولهذا قال ﷺ: «وإنما أنا قاسم والله معطي» أي: إنما أنا أقسم ما أمرني الله بقسمته، والمعطي حقيقة هو الله تعالى، فالأمور كلها بتقدير الله تعالى والإنسان مصرف مربوب، ومن الأحاديث الدالة على الإرادة حديث حذيفة بن أسيد الغفاري صاحب رسول الله ﷺ، رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ «إن ملكًا موكلًا بالرحم، إذا أراد الله أن يخلق شيئًا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة ..» الحديث (٥) فالله هو المريد لخلق الآدمي، والأحاديث الدالة على مرتبة المشيئة والإرادة كثيرة جدًا. (٦) القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - ص: ٥٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٧٧).\n(٢) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٧/ ٦، ٧)، وانظر أيضا: «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ١٤٠).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٢١٤) (١٨٣٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٤٥) (١٠٨٢٥)، والبيهقي (٣/ ٢١٧) (٥٦٠٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ١٠٤). والحديث حسن إسناده العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٠٠)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ٢٥٣).\n(٤) رواه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧).\n(٥) رواه مسلم (٢٦٤٥).\n(٦) انظر: «شفاء العليل» لابن القيم (ص: ٤٤، ٤٧).","vol":"5","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1592>الفرع الأول: مرتبة الخلق</span>\nقررت النصوص أن الله خالق كل شيء، فهو الذي خلق الخلق وكوَّنهم وأوجدهم، فهو الخالق وما سواه مربوب مخلوق اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر: ٦٢]، بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ [يسن:٨١]، الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:١]، يَا أَيُّهَا الناسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء [النساء: ١]، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: ٣٣]، والنصوص في هذا كثيرة طيبة. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٣٣","vol":"5","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1593>الفرع الثاني: أدلة مرتبة الخلق</span>\nأي: أن الله تعالى خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، فلا يقع في هذا الكون شيء إلا وهو خالقه ...\nأدلة هذه المرتبة من القرآن الكريم:\n١ - قال تعالى في قصة إبراهيم الخليل ﵇ حيث كسر أصنامهم ثم جاء إليه قومه يناقشونه مسرعين فقال لهم كما حكى الله عنه: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:٩٥ - ٩٦]، أي خلقكم وعملكم فتكون (ما) مصدرية، وقيل: إنها بمعنى الذي، فيكون المعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيدكم وهو الأصنام (١) وقد ذكر ابن كثير القولين ثم قال: (وكلا القولين متلازم، والأول أظهر) (٢) وقد علل ذلك بما يؤيده من رواية البخاري في أفعال العباد عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» (٣)، وتلا بعضهم عند ذلك وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:٩٦]، فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة فالله تعالى خالق الخلق وأفعالهم كما دلت على ذلك الآية والحديث.\n٢ - وقد وردت آيات كثيرة تدل دلالة واضحة على أن كل شيء مما في هذا الكون مخلوق لله ﷾، وقد وردت هذه الآيات بلفظ العموم فقال تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:١٦]، وفي آية أخرى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر:٦٢]، وهذه نصوص واضحة في الدلالة على مرتبة الخلق، وقد جاءت الآية الأولى في معرض إنكار أن يكون للشركاء خلق كخلقه، ﷾ فنفى ذلك سبحانه آمرًا رسوله أن يقرر هذه الحقيقة التي تفصل في الأمر وتدل على وحدانية الله تعالى وانفراده بالخلق والرزق: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ وفي موضع آخر جاءت هذه الآية لبيان قدرة الله تعالى وكماله ودلائل وحدانيته: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:٦٢]، أما الآية الثانية فقد جاءت أيضًا لبيان قدرة الله التامة حيث جعل لعبادة الليل والنهار ثم بين سبحانه أنه خالق كل شيء.\n٣ - وقال تعالى ممتنًا على الصحابة رضوان الله عليهم بعد أن أمرهم بالتثبت في خبر الفاسق. وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:٧]، والشاهد قوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ .. وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ ... فهو سبحانه هو الذي جعل الإيمان محبوبًا أو أحب الأشياء إليكم، وهو الذي حسنه بتوفيقه وقربه منكم، وهو الذي جعل ما يضاد الإيمان من الكفر والفسوق والعصيان مكروها عندكم، وذلك بما أودع في قلوبكم من كراهة الشر وعدم إرادة فعله، فالفاعل في كل ذلك هو الله تعالى (٤).\n_________\n(١) انظر: «زاد المسير في علم التفسير» لابن الجوزي (٧/ ٧٠).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٢٢).\n(٣) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (١٠٢). وصححه ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٥٠٧)، والألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٦٣٦) وقال: على شرط مسلم.\n(٤) انظر: «فتح البيان في مقاصد القرآن» لصديق خان (٩/ ٧٤)، وانظر: «تفسير ابن السعدي» (٧/ ١٣١)، وانظر: «شفاء العليل» لابن القيم (ص: ٥٧).","vol":"5","page":264},{"text":"وهناك آيات أخرى كثيرة تدل على أن الله تعالى هو المضل، والهادي، والمؤيد لعباده المؤمنين، والهازم لأعدائهم، وأنه المضحك، والمبكي، والمميت، والمحيي، وكل ذلك دليل على مرتبة الخلق، وقد أورد ابن كثير عند تفسيره لآية الحجرات السابقة، حديثًا يدل على هذه المرتبة عن ابن رفاعة الزرقي قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ: «استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما بعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك، ورحمتك، وفضلك، ورزقك، اللهم إني أسالك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسالك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، وشر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق» (١) فترى في هذا الحديث بأن الله تعالى هو الفاعل لهذه الأمور، وهذا دليل على مرتبة الخلق.\nأدلة هذه المرتبة من السنة:\n١ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله ﷺ يقول: كان يقول: «اللهم أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب، القبر اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ...» الحديث (٢) والشاهد قوله: «اللهم آت نفسي تقواها وزكها ...»، فالفاعل هو الله تعالى، فهو الذي يطلب منه ذلك ولفظ «خير» ليس للتفضيل بل لا مزكي للنفس إلا الله، ولهذا قال بعد ذلك: أنت وليها ومولاها (٣). فهو سبحانه الملهم للنفس الخير والشر، قال تعالى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:٨]، قال سعيد بن جبير في تفسير هذه الآية: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:٨]، أي: فالخلق والإنسان قادر على سلوك أيهما شاء ومخير فيه، وقال ابن زيد في معنى الآية: (جعل ذلك فيها بتوفيقه إياها للتقوى) (٤).\n٢ - وعن وراد مولى المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إلي ما سمعت النبي ﷺ يقول خلف الصلاة، فأملى عليّ المغيرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: خلف الصلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (٥). والشاهد قوله:\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤٢٤) (١٥٥٣١)، والبزار (٩/ ١٧٥)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٥٣٨). وقال: [فيه] عبد الواحد بن أيمن مشهور ليس به بأس في الحديث، روى عنه أهل العلم، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ١٢٤): رجاله رجال الصحيح، وصححه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ١٦٣) والألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٥٣٨).\n(٢) رواه مسلم (٢٧٢٢).\n(٣) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٧/ ٤١).\n(٤) «الكشف والبيان» للثعلبي (١٠/ ٢١٣)، و«زاد المسير» (٩/ ١٤٠)، و«تفسير البغوي» (٨/ ٤٣٨).\n(٥) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣).","vol":"5","page":265},{"text":"«اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت»، فالمعطي والمانع هو الله تعالى فهو الفاعل لهما، وهذا يدل على أن الخالق هو الله ﷾ وقوله: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد» أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه، أو لا ينجيه حظه منك، بل ينفعه عمله الصالح.\n٣ - وقد قال ﷺ لأبي موسى الأشعري ﵁: «يا عبدالله بن قيس، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ فقلت بلى يا رسول الله، قال: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله» (١) والشاهد قوله: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ففيها الاعتراف بأنه لا صانع غير الله، ولا راد لأمره، وأن العبد لا يملك من أمره شيئًا، فمعناها: لا حركة، ولا استطاعة، ولا حيلة إلا بمشيئة الله تعالى (٢) وقيل: معناه لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: «لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونته» (٣)، وحكي هذا عن ابن مسعود ﵁، وكله متقارب، والكنز هنا: معناه ثواب مدخر في الجنة عند الله وهو ثواب نفيس (٤).\n٤ - وعن البراء بن عازب ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يوم الخندق ينقل معنا التراب، وهو يقول:\nوالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا صمنا ولا صلينا\nفأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\nالمشركون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا (٥).\nوفي رواية أخرى للبخاري: «ولا تصدقنا ولا صلينا» (٦) بدل: «ولا صمنا ولا صلينا» وبهذه الرواية يستقيم الوزن، قال ابن حجر: (وهو المحفوظ) (٧)، ودليل هذه المرتبة قوله: «لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا»، فإنها دليل على أن الله هو خالق العباد وأفعالهم، ومنها الهداية، والصدقة، والصلاة. القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود بتصرف - ص: ٥٧ - ٦١\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٠٢٥) بلفظ: «ألا أدلك على كلمة» بدلًا من «ألا أدلك على كنز»، ومسلم (٢٧٠٤).\n(٢) انظر: «تهذيب اللغة» للأزهري (٥/ ٢٤٣)، «لسان العرب» (١١/ ١٨٤) مادة: (حول).\n(٣) رواه البزار (٥/ ٣٧٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤٤٦) (٦٦٤)، والديلمي (٥/ ٣٧٥) (٨٤٧٨). بلفظ: «إلا بعون الله» بدلًا من «إلا بمعونته». قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٠٢): رواه البزار بإسنادين أحدهما: منقطع وفيه عبد الله بن خراش، والغالب عليه الضعف، والآخر: متصل حسن، وقال الحسيني في «البيان والتعريف» (٢/ ٢٨٩): سنده لا بأس به.\n(٤) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٧/ ٢٦ - ٢٧)، وانظر: «عمدة القاري» للعيني (٢٣/ ١٥٤).\n(٥) رواه البخاري (٦٦٢٠).\n(٦) رواه البخاري (٧٢٣٦)، ومسلم (١٨٠٣).\n(٧) «فتح الباري» (١١/ ٥١٦).","vol":"5","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1596>المبحث الأول: أفعال الله كلها عدل ورحمة وحكمة</span>\nوقد نزه نفسه في غير موضع من القرآن أن يظلم أحدا من خلقه فلا يؤتيه أجره أو يحمل عليه ذنب غيره فقال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [سورة طه: ١١٢] وقال تعالى: قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: ٢٨ - ٢٩]:، وقال تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لِّما جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [سورة هود:١٠١] وفي الحديث الصحيح الإلهي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» (١) ذلك أمر محمود منه ولا يقول أحد إن الظالم معذور لأجل القدر فرب العالمين إذا أنصف بعض عباده من بعض وأخذ للمظلومين حقهم من الظالمين كيف يكون ذلك ظلما منه لأجل القدر وكذلك الواحد من العباد إذا وضع كل شيء موضعه فجعل الطيب مع الطيب في المكان المناسب له وجعل الخبيث مع الخبيث في المكان المناسب له كان ذلك عدلا منه وحكمة فرب العالمين إذا وضع كل شيء موضعه لم يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ولم يجعل المتقين كالفجار ولا المسلمين كالمجرمين والجنة طيبة لا يصلح أن يدخلها إلا طيب ولهذا لا يدخلها أحد إلا بعد القصاص الذي ينظفهم من الخبث كما ثبت في (الصحيح) عن أبي سعيد عن النبي ﷺ «أن المؤمنين إذا عبروا الجسر وهو الصراط المنصوب على متن جهنم فإنهم يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة» (٢)\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٧٧).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٣٥) بلفظٍ مقاربٍ ..","vol":"5","page":267},{"text":"وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع والمقصود هنا أن ما يقوله القدرية من الظلم والعدل الذي يقيسون به الرب على عباده من بدعهم التي ضلوا بها وخالفوا بها الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وكذلك من قابلهم فنفى حكمة الرب الثابتة في خلقه وأمره وما كتبه على نفسه من الرحمة وما حرمه على نفسه من الظلم وما جعله للمخلوقات والمشروعات من الأسباب التي شهد بها النص مع العقل والحس واتفق عليها سلف الأمة وأئمة الدين كقوله تعالى: وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن ماء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة:١٦٤] وقوله تعالى: فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ (٥٧) [الأعراف:٥٧] ونحو ذلك فإن هذه الأقاويل أصلها مأخوذ من الجهم بن صفوان إمام غلاة المجبرة وكان ينكر رحمة الرب ويخرج إلى الجذمي فيقول: أرحم الراحمين يفعل مثل هذا يريد بذلك أنه ما ثم إلا إرادة رجح بها أحد المتماثلين بلا مرجح لا لحكمة ولا رحمة ولهذا كان الذين وافقوه على قوله من المنتسبين إلى مذهب أهل السنة والجماعة يتناقضون لأنهم إذا خاضوا في الشرع احتاجوا أن يسلكوا مسالك أئمة الدين في إثبات محاسن الشريعة وما فيها من الأمر بمصالح العباد وما ينفعهم من النهي عن مفاسدهم وما يضرهم وأن الرسول الذي بعث بها بعث رحمة كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:١٠٧]، وقد وصفه الله تعالى بقوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧] ولو كان المعروف لا معنى له إلا المأمور به والمنكر لا معنى له إلا ما حرم لكان هذا كقول القائل يأمرهم بما يأمرهم عما ينهاهم ويحل لهم ما أحل لهم ويحرم عليهم ما حرم عليهم وهذا كلام لا فائدة فيه فضلا عن أن يكون فيه تفضيل له على غيره» مجموع الفتاوى لابن تيمية -١٧/ ١٧٥\nوالظلم ممتنع منه باتفاق المسلمين، لكن تنازعوا في الظلم الذي لا يقع. فقيل هو الممتنع وكل ممكن يمكن أن يفعله لا يكون ظلمًا، لأن الظلم إما التصرف في ملك الغير، وإما مخالفة الأمر الذي يجب عليه طاعته، وكلاهما ممتنع منه.\nوقيل: بل ما كان ظلمًا من العباد فهو ظلم منه. وقيل: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فهو سبحانه لا يظلم الناس شيئًا، قال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:١١٢]. قال المفسرون: هو أن يحمل عليه سيئات غيره ويعاقب بغير ذنبه، والهضم أن يهضم من حسناته. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:٤٠]، وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ [هود:١٠٢]. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية- ص١٠٨","vol":"5","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1597>المبحث الثاني: تقسيم القدر إلى خير وشر وبيان عدم جواز نسبة الشر على الله</span>\nقال ابن القيم ﵀: معنى قول السلف من أصول الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره ...\nأن القدر لا شر فيه بوجه من الوجوه فإنه علم الله وقدرته وكتابه ومشيئته وذلك خير محض وكمال من كل وجه فالشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر ويكون شرا بالنسبة إلى محل وخيرا بالنسبة إلى محل آخر وقد يكون خيرا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه كما هو شر له من وجه بل هذا هو الغالب.\nوهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض وكذلك الآلام والأمراض وإن كانت شرورا من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة ...\nفالخير والشر من جنس اللذة والألم والنفع والضرر وذلك في المقضي المقدر لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار له وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل خير وحكمة ومصلحة ... فإن قيل فما الفرق بين كون القدر خيرا شرا وكونه حلوا ومرا قيل الحلاوة والمرارة تعود إلى مباشرة الأسباب في العاجل والخير والشر يرجع إلى حسن العاقبة وسوءها فهو حلو ومر في مبدأه وأوله وخير وشر في منتهاه وعاقبته وقد أجرى الله سبحانه سنته وعادته أن حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارة في الآجل ومرارتها تعقب الحلاوة فحلو الدنيا مر الآخرة ومر الدنيا حلو الآخرة وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل اللذات تثمر الآلام والآلام تثمر اللذات والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظاما لا يخرج عنه شيء البتة والشر مرجعه إلى الآلام وأسبابها، والخير مرجعه إلى اللذات وأسبابها والخير المطلوب هو اللذات الدائمة والشر المرهوب هو الآلام الدائمة فأسباب هذه الشرور وإن اشتملت على لذة ما وأسباب تلك الخيرات وإن اشتملت على ألم ما، فألم تعقبه اللذة الدائمة أولى بالإيثار والتحمل من لذة يعقبها الألم الدائم، فلذة ساعة في جنب ألم طويل كلا لذة وألم ساعة في جنب لذة طويلة كلا ألم.\nفي امتناع إطلاق القول نفيا وإثباتا أن الرب تعالى مريد للشر وفاعل له\nهذا موضع خلاف اختلف فيه مثبتوا القدر ونفاته فقال النفاة لا يجوز أن يقال أن الله سبحانه مريد للشر أو فاعل له قالوا لا يريد الشر وفاعله شرير هذا هو المعروف لغة وعقلا وشرعا كما أن الظالم فاعل الظلم والفاجر فاعل الفجور ومريده والرب يتعالى ويتنزه عن ثبوت معاني أسماء السوء له فإن أسمائه كلها حسنى وأفعاله كلها خير فيستحيل أن يريد الشر فالشر ليس بإرادته ولا بفعله قالوا وقد قام الدليل على أن فعله سبحانه غير مفعوله والشر ليس بفعل له فلا يكون مفعولا له وقابلهم الجبرية فقالوا بل الرب سبحانه يريد الشر ويفعله قالوا لأن الشر موجود فلا بد له من خالق ولا خالق إلا الله وهو سبحانه إنما يخلق بإرادته فكل مخلوق فهو مراد له وهو فعله ووافقوا إخوانهم على أن الفعل عين المفعول والخلق نفس المخلوق ثم قالوا والشر مخلوق له ومفعول فهو فعله وخلقه وواقع بإرادته قالوا وإنما لم يطلق القول أنه يريد الشر ويفعل الشر أدبا لفظيا فقط كما لا يطلق القول بأنه رب الكلاب والخنازير ويطلق القول بأنه رب كل شيء وخالقه قالوا وأما قولكم أن الشرير مريد الشر وفاعله فجوابه من وجهين:\nأحدهما: إنما يمنع ذلك بأن الشرير من قام به الشر وفعل الشر لم يقم بذات الرب فإن أفعاله.","vol":"5","page":269},{"text":"لا تقوم به إذ هي نفس مفعولاته وإنما هي قائمة بالخلق وكذلك اشتقت لهم منها الأسماء كالفاجر والفاسق والمصلي والحاج والصائم ونحوها\nالجواب الثاني: أن أسماء الله تعالى توقيفية ولم يسم نفسه إلا بأحسن الأسماء قالوا والرب تعالى أعظم من أن يكون في ملكه مالا يريده ولا يخلقه فإنه الغالب غير المغلوب.","vol":"5","page":270},{"text":"وتحقيق القول في ذلك أنه يمتنع اطلاق إرادة الشر عليه وفعله نفيا وإثباتا في إطلاق لفظ الإرادة والفعل من إبهام المعنى الباطل ونفي المعنى الصحيح فإن الإرادة تطلق بمعنى المشيئة وبمعنى المحبة والرضا فالأول كقوله إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ وقوله: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ وقوله: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً والثاني كقوله: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وقوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ فالإرادة بالمعنى الأول تستلزم وقوع المراد ولا تستلزم محبته والرضا به وبالمعنى الثاني لا تستلزم وقوع المراد وتستلزم محبته فإنها لا تنقسم بل كل ما أراده من أفعاله فهو محبوب مرضي له ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته فإن أفعاله خير كلها وعدل ومصلحة وحكمة لا شر فيها بوجه من الوجوه وأما مفعولاته فهي مورد الانقسام وهذا إنما يتحقق على قول أهل السنة أن الفعل غير المفعول والخلق غير المخلوق كما هو الموافق للعقول والفطر واللغة ودلالة القرآن والحديث وإجماع أهل السنة كما حكاه البغوي في شرح السنة عنهم وعلى هذا فهاهنا إرادتان ومرادان إرادة أن يفعل ومرادها فعله القائم به وإرادة أن يفعل عبده ومرادها مفعوله المنفصل عنه وليسا بمتلازمين فقد يريد من عبده أن يفعل ولا يريد من نفسه إعانته على الفعل وتوفيقه له وصرف موانعه عنه كما أراد من إبليس أن يسجد لآدم ولم يرد من نفسه أن يعينه على السجود ويوفقه له ويثبت قلبه عليه ويصرفه إليه ولو أراد ذلك منه لسجد له لا محالة وقوله فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ إخباره عن إرادته لفعله لا لأفعال عبيده وهذا الفعل والإرادة لا ينقسم إلى خير وشر كما تقدم وعلى هذا فإذا قيل هو مريد للشر أوهم أنه محب له راض به وإذا قيل أنه لم يرده أوهم أنه لم يخلقه ولا كونه وكلاهما باطل ولذلك إذا قيل أن الشر فعله أو أنه يفعل الشر أوهم أن الشر فعله القائم به وهذا محال وإذا قيل لم يفعله أو ليس بفعل له أوهم أنه لم يخلقه ولم يكونه وهذا محال فأنظر ما في إطلاق هذه الألفاظ في النفي والإثبات من الحق والباطل الذي يتبين بالاستفصال والتفصيل وأن الصواب في هذا الباب ما دل عليه القرآن والسنة من أن الشر لا يضاف إلى الرب تعالى لا وصفا ولا فعلا ولا يتسمى باسمه بوجه من الوجوه وإنما يدخل في مفعولاته بطريق العموم كقوله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق: ١ - ٢] فما هاهنا موصولة أو مصدرية والمصدر بمعنى المفعول أي من شر الذي خلقه أو من شر مخلوقه وقد يحذف فاعله كقوله حكاية عن مؤمني الجن وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠] وقد يسند إلى محله القائم به كقول إبراهيم الخليل الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: ٧٨ - ٨٠]، وقول الخضر أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: ٧٩]، وقال في بلوغ الغلامين فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف: ٨٢] وقد جمع الأنواع الثلاثة في الفاتحة في قوله اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٦ - ٧] والله تعالى إنما نسب إلى نفسه الخير دون الشر فقال تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦] وأخطأ من قال المعنى بيدك الخير والشر لثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف بل ترك ذكره قصدا أو بيانا أنه ليس بمراد.\nالثاني: أن الذي بيد الله تعالى نوعان فضل وعدل كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع» (١) فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى وكلاهما خير لا شر فيه بوجه\nالثالث: أن قول النبي ﷺ: «لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك» (٢) كالتفسير للآية ففرق بين الخير والشر وجعل أحدهما في يدي الرب سبحانه وقطع إضافة الآخر إليه مع إثبات عموم خلقه لكل شيء. شفاء العليل لابن القيم – ٢/ ٧٣٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤١١)، ومسلم (١٩٣).\n(٢) رواه مسلم (٧٧١).","vol":"5","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1598>المبحث الثالث: قدره سبحانه ليس فيه ظلم لأحد</span>\nوالله – ﷾ – منزه عن الظلم، ومتصف بالعدل؛ فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة، وكل أفعاله عدل ورحمة. قال الله تعالى: وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ق:٢٩]. وقال: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:٤٩] وقال: إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:٤٠]. والله تعالى لا يسأل عما يفعل وعما يشاء لقوله تعالى: لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣].فالله تعالى خلق الإنسان وأفعاله، وجعل له إرادة، وقدرة، واختيارًا، ومشيئة، وهبها الله له لتكون أفعاله منه حقيقة لا مجازا، ثم جعل له عقلًا يميز به بين الخير والشر، ولم يحاسبه إلا على أعماله التي هي بإرادته واختياره؛ فالإنسان غير مجبر بل له مشيئة واختيار؛ فهو يختار أفعاله وعقائده؛ إلا أنه تابع في مشيئته لمشيئة الله، وكل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالله تعالى هو الخالق لأفعال العباد، وهم الفاعلون لها؛ فهي من الله خلقًا وإيجادًا وتقديرًا، ومن العبد فعلًا وكسبا، قال تعالى: لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:٢٨]. ولقد رد الله تعالى على المشركين حين احتجوا بالقدر، وقالوا: لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ. فرد الله عليهم كذبهم، بقوله: قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ [الأنعام:١٤٨]. وأهل السنة والجماعة: يعتقدون أن القدر سر الله في خلقه، لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ضلالة؛ لأن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، قال تعالى: لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وأهل السنة والجماعة: يسلمون تسليمًا مطلقًا لقول الله ﵎: قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:٧٨]. ويحاجون به من خالفهم من الفرق الضالة والمنحرفة. وهذا هو الذي آمن به السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان؛ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري - ص١٥٩","vol":"5","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1599>المبحث الرابع: مشيئة الله ﷿ نافذة</span>\nومن ذلك قوله تعالى إخبارا عن نبيه شعيب أنه قال لقومه قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ رَبُّنَا [الأعراف: ٨٩] وهذا يبطل تأويل القدرية: المشيئة في مثل ذلك بمعنى الأمر فقد علمت أنه من الممتنع على الله أن يأمر بالدخول في ملة الكفر والشرك به ولكن استثنوا بمشيئته التي يضل بها من يشاء ويهدي من يشاء ثم قال شعيب: وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [الأعراف: ٨٩] فرد الأمر إلى مشيئته وعلمه فإن له سبحانه في خلقه علم محيط ومشيئته نافذة وراء ما يعلمه الخلائق فامتناعنا من العود فيها هو مبلغ علومنا ومشيئتنا ولله علم آخر ومشيئة أخرى وراء علومنا ومشيئتنا فلذلك رد الأمر إليه ومثله قول إبراهيم: وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ [الأنعام: ٨٠] فأعادت الرسل بكمال معرفتها بالله أمورها إلى مشيئة الرب وعلمه ولهذا أمر الله رسوله أن لا يقول لشيءٍ أنه فاعله حتى يستثني بمشيئة الله فإنه إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله ... وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد. شفاء العليل لابن القيم -بتصرف- ص٦٤","vol":"5","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1600>المبحث الخامس: الفرق بين المشيئة والإرادة (الإرادة الكونية والإرادة الشرعية)</span>\nوالمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان:\nإرادة قدرية خلقية، وإرادة دينية شرعية.\nفالإرادة الشرعية هي المتضمنة المحبة والرضا، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات.\nفالإرادة الشرعية كقوله تعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:١٨٥]، وقوله: مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: ٦] يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٦ - ٢٨] وقوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:٣٣].\nفهذا النوع من الإرادة لا تستلزم وقوع المراد، إلا إذا تعلق به النوع الثاني من الإرادة، وهذه الإرادة تدل دلالة واضحة على أنه لا يحب الذنوب والمعاصي والضلال والكفر، ولا يأمر بها ولا يرضاها، وإن كان شاءَها خلقًا وإيجادًا.\nوأنه يحب ما يتعلق بالأمور الدينية ويرضاها ويثيب عليها أصحابها، ويدخلهم الجنة، وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وينصر بها العباد من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين.\nوهذه الإرادة تتناول جميع الطاعات حدثت أو لم تحدث.\nوالإرادة الكونية القدرية هي الإرادة الشاملة لجميع الموجودات، التي يقال فيها: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذه الإرادة مثل قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام:١٢٥]. وقوله: وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ [هود:٣٤]. وقوله: وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:٢٥٣]. وقوله: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا [الكهف:٣٩]. وهذه الإرادة إرادة شاملة لا يخرج عنها أحد من الكائنات، فكل الحوادث الكونية داخلة في مراد الله ومشيئته هذه، وهذه يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر، وأهل الجنة وأهل النار، وأولياء الله وأعداؤه، وأهل طاعته الذين يحبهم ويحبونه، ويصلي عليهم هو وملائكته، وأهل معصيته الذين يبغضهم ويمقتهم ويلعنهم اللاعنون. وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي دون ما لم يحدث منها. والمخلوقات مع كل من الإرادتين أربعة أقسام:\nالأول: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع، فأمره وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك ما كان.\nوالثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين، وهو يحبها ويرضاها وقعت أم لم تقع.\nوالثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي، فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\nوالرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي.\nوالسعيد من عباد الله من أراد الله منه تقديرًا ما أراد الله به تشريعًا، والعبد الشقي من أراد الله به تقديرًا ما لم يرد به تشريعًا، وأهل السنة والجماعة الذين فقهوا دين الله حق الفقه، ولم يضربوا كتاب الله بعضه ببعض، علموا أنَّ أحكام الله في خلقه تجري على وفق هاتين الإرادتين، فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيرًا، ومن نظر إلى الشرع دون القدر، أو نظر إلى القدر دون الشرع كان أعور، مثل قريش الذين قالوا: لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ [الأنعام:١٤٨]. قال الله تعالى: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ [الأنعام:١٤٨]. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٠٤","vol":"5","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1602>المبحث الأول: الاعتماد في معرفة القدر وحدوده وأبعاده على الكتاب والسنة</span>\nيقول أبو المُظَفَّر السمْعَاني فيما حكاه عنه ابن حجر العسقلاني: (سبيل المعرفة في هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف فيه ضلَّ وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء العين، ولا ما يطمئن به القلب، لأن القدر سِرٌّ من أسرار الله تعالى، اختص العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب). ويقول الطحاوي رحمه الله تعالى: وأصل القدر سرّ الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة، فإن الله طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣].\nوقال الآجُرِّيُّ: (لا يحسن بالمسلمين التنقير والبحث في القدر، لأن القدر سر من أسرار الله ﷿، بل الإيمان بما جرت به المقادير من خير أو شر واجب على العباد أن يؤمنوا به، ثم لا يأمن العبد أن يبحث عن القدر فيكذب بمقادير الله الجارية على العباد، فيضل عن طريق الحق). وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (من السنة اللازمة: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها، لا يقال: لِمَ؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها. ومن لم يعرف تفسير الحديث، ولم يبلغه عقله، فقد كفى ذلك، وأحكم له، فعليه الإيمان به، والتسليم له، مثل حديث الصادق المصدوق، وما كان مثله في القدر). وقال علي بن المديني مثل قول الإمام أحمد في القدر.\nوهذا الذي قرره أهل العلم في القدر يضع لنا عدَّة قواعد في غاية الأهمية:\nالأولى: وجوب الإيمان بالقدر.\nالثانية: الاعتماد في معرفة القدر وحدوده وأبعاده على الكتاب والسنة، وترك الاعتماد في ذلك على نظر العقول ومحض القياس. فالعقل الإنساني لا يستطيع بنفسه أن يضع المعالم والركائز التي تنقذه في هذا الباب من الانحراف والضلال، والذين خاضوا في هذه المسألة بعقولهم ضلوا وتاهوا فمنهم من كذَّب بالقدر، ومنهم من ظن أن الإيمان بالقدر يُلزم القول بالجبر، ومنهم من ناقض الشرع بالقدر، وكل انحراف من هذه الانحرافات سبب مشكلات في واقع البشر وحياتهم ومجتمعاتهم، فالانحراف العقائدي يسبب انحرافًا في السلوك وواقع الحياة.\nالثالثة: ترك التعمق في البحث في القدر، فبعض جوانبه لا يمكن للعقل الإنساني مهما كان نبوغه أن يستوعبها، وبعضها الآخر لا يستوعبها إلا بصعوبة كبيرة.\nقد يقال: أليس في هذا المنهج حجر عل العقل الإنساني؟ والجواب أن هذا ليس بحجر على الفكر الإنساني، بل هو صيانة لهذا العقل من أن تتبدد قواه في غير المجال الذي تحسن التفكير فيه، إنه صيانة للعقل الإنساني من العمل في غير المجال الذي يحسنه ويبدع فيه.\nإن الإسلام وضع بين يدي الإنسان معالم الإيمان بالقدر، فالإيمان بالقدر يقوم على أن الله علم كلَّ ما هو كائن وكتبه وشاءَه وخلقه، واستيعاب العقل الإنساني لهذه الحقائق سهل ميسور، ليس فيه صعوبة، ولا غموض وتعقيد.","vol":"5","page":275},{"text":"أما البحث في سر القدر والغوص في أعماقه فإنه يبدد الطاقة العقلية ويهدرها، إنّ البحث في كيفية العلم والكتابة والمشيئة والخلق، بحث في كيفية صفات الله، وكيف تعمل هذه الصفات، وهذا أمر محجوب علمه عن البشر، وهو غيب يجب الإيمان به، ولا يجوز السؤال عن كنهه، والباحث فيه كالباحث عن كيفية استواء الله على عرشه، يقال له: هذه الصفات التي يقوم عليها القدر معناها معلوم، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عن كيفيتها بدعة. إن السؤال عن الكيفية هو الذي أتعب الباحثين في القدر، وجعل البحث فيه من أعقد الأمور وأصعبها، وأظهر أن الإيمان به صعب المنال، وهو سبب الحيرة التي وقع فيها كثير من الباحثين. ولذا فقد نصَّ جمع من أهل العلم على المساحة المحذورة التي لا يجوز دخولها في باب القدر، وقد سقنا قريبًا مقالة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى التي يقول فيها: (من السَّنة اللازمة الإيمان بالقدر خيره وشره والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها، لا يقال: لِمَ؟ ولا كيف؟). لقد خاض الباحثون في القدر في كيفية خلق الله لأفعال العباد مع كون هذه الأفعال صادرة عن الإنسان حقيقة، وبحثوا عن كيفية علم الله بما العباد عاملون، وكيف يكلف عباده بالعمل مع أنه يعلم ما سيعملون، ويعلم مصيرهم إلى الجنة أو النار. وضرب الباحثون في هذا كتاب الله بعضه ببعض، وتاهوا وحاروا ولم يصلوا إلى شاطئ السلامة، وقد حذر الرسول ﷺ أمته من أن تسلك هذا المسار وتضرب في هذه البيداء، ففي (سنن الترمذي) بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان، فقال: أبهذا أمرتم، أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه» (١). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٤٥\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٣٣). وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث صالح المري وصالح المري له غرائب ينفرد بها لا يتابع عليها. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن.","vol":"5","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1603>المبحث الثاني: مدى إدراك العقل للعلل والأوامر والأفعال وما فيها من حسن وقبح</span>\nذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف إلى أن لأوامر الله ومخلوقاته عللًا وحِكمًا، فإنه لا يأمر إلا لحكمة، ولا يخلق إلا لحكمة. وبعض هذه الحِكم تعود إلى العباد، وبعضها يعود إلى الله تعالى، فما يعود إلى العباد هو ما فيه خيرهم وصلاحهم في العاجل والآجل، وما يعود إلى الله تعالى هو محبته أن يُعبد ويطاع ويتاب إليه ويُرجى ويُخاف منه ويتوكل عليه ويُجاهد في سبيله، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، وقال: أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: ٣٦] وقال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥]. والنصوص الدالة على أن لله حِكَمًا في خلقه وأمره كثيرة وافرة، يصعب حصرها، والعقول البشرية تستطيع أن تدرك شيئًا من هذه الحكم. وذهب جمهور أهل العلم أيضًا إلى أن العقل يستطيع أن يدرك ما في الأفعال من حسن وقبح، فالعقول تدرك أن الظلم والكذب والسرقة وقتل النفوس قبيح، وأن العدل والصدق وإصلاح ذات البين وإنقاذ الغرقى حسن وجميل.) الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٤٩","vol":"5","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1604>المبحث الثالث: الحكم الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع</span>\nالأول: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يَرِدْ الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع حسن وقبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع حسن ذلك وقبحه، لكن لا يلزم في العقول أن الإنسان معاقب على فعل القبيح من هذا النوع في الآخرة إن لم يرد الشرع بذلك، ومن ادعى أن الله يمكن أن يعاقب العباد على أفعالهم القبيحة من الشرك والكفر ونحو ذلك من غير إرسال رسول فقد أخطأ.\nالثاني: إذا أمر الشارع بشيء صار حسنًا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشرع.\nالثالث: أن يأمر الشارع بشيء امتحانًا واختبارًا كما أمر الله إبراهيم بأن يذبح ولده إسماعيل. فالشارع ليس له قصد في ذبح الابن، ولكنه الابتلاء والاختبار. والمعتزلة أقرت بالنوع الأول دون الثاني والثالث. والأشعرية ذهبت إلى أن جميع الأوامر والنواهي الشرعية هي من قسم الامتحان، والأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع، وأما الحكماء وجمهور أهل العلم فأثبتوا الأقسام الثلاثة. وهذا الذي عليه جمهور أهل السنة من أفعال الله معللة وأن العقل بإمكانه أن يدرك ما في الأفعال من حسن وقبح، يفتح الباب أما العقول الإنسانية لتبحث في الحِكَم الباهرة التي خلق الله من أجلها المخلوقات، وشرع من أجلها ما شرعه من أحكام، وهو باب كبير، يحصل العباد منه على علم عظيم، يثبت الإيمان، ويزيد اليقين، ويُعِّرف العباد بإبداع الخالق العظيم الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة: ٧]، وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد وعد الحق ﵎ أن يُري عباده من آياته العظيمة ما يظهر صدق ما جاء به الرسول، وأنزله في الكتاب سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:٥٣].\nوقد جاءت النصوص آمرة بالتدبر والتأمل والنظر في آياته المنزلة، وآياته المخلوقة المبدعة أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [محمد: ٢٤] قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [يونس:١٠١] أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا [عبس: ٢٤ – ٢٦] الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٤٩","vol":"5","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1607>تمهيد</span>\nلا يخرج العباد وأفعالهم عن غيرها من المخلوقات، فقد علم الله ما سيخلقه من عباده، وعلم ما هم فاعلون، وكتب كل ذلك في اللوح المحفوظ، وخلقهم الله كما شاء، ومضى قدر الله فيهم، فعملوا على النحو الذي شاءه فيهم، وهدى مَن كتب الله له السعادة، وأضل مَن كتب عليه الشقاوة، وعلم أهل الجنة ويسرهم لعمل أهلها، وعلم أهل النار ويسرهم لعمل أهلها، ... قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:٩٦]، وقال: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ [الصافات:٥٢]، وقال: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر:١١]. وقال: مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:١٧٨]، وقال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل: ١٢٥]. وجاءت أحاديث كثيرة تواتر معناها على أن رب العباد علم ما العباد عاملون، وقدّر ذلك وقضاه وفرغ منه، وعلم ما سيصير إليه العباد من السعادة والشقاء، وأخبرت مع ذلك كله أن القدر لا يمنع من العمل، «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (١). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٣٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٥٥١)، ومسلم (٢٦٤٩). من حدبث: عمران بن حصين.","vol":"5","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1608>المبحث الأول: النصوص الدالة على تقدير الله أفعال العباد</span>\n١ - الأحاديث الدالة على أن أعمال العباد جفَّت بها الأقلام وجرت بها المقادير\nروى مسلم في (صحيحه) عن جابر قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله، بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ أفيما جَفَّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفَّت به الأقلام وجرت بها المقادير». قال: ففيم العمل؟ فقال: «اعملوا فكلٌّ ميسر» وفي رواية: «كل عامل ميسَّر لعمله» (١). وروى الترمذي في (سننه) أن عمر بن الخطاب قال للرسول ﷺ: يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه، أمر مبتدع أو مبتدأ، أو فيما فرغ منه؟ فقال: «فيما فرغ منه يا ابن الخطاب، وكلٌّ ميسَّر، أمّا من كان من أهل السعادة فإنّه يعمل للسعادة، وأمّا من كان من أهل الشقاء فإنّه يعمل للشقاء» (٢). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٣٥\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٤٨).\n(٢) رواه الترمذي (٢١٣٥). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٦)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"5","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1609>المبحث الثاني: علم الله بأهل الجنة وأهل النار</span>\nوروى البخاري عن عمران بن حصين قال: قال رجل: يا رسول الله، «أَيُعْرف أهل الجنة من أهل النار؟ فقال: نعم. قال: فلم يعملون؟ قال: كلٌّ يعمل لما خلق له، أو يسر له» (١). وروى مسلم في (صحيحه) عن علي قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد. فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مِخْصَرةٌ. فنكّس. فجعل ينكث بمخصرته، ثم قال: «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، وإلا قد كتبت شقيّه أو سعيدة». قال: فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا، وندع العمل؟ فقال: «من كان من أهل السعادة، فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة». فقال: «اعملوا فكل ميسر، أمّا أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأمّا أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ: فَأَما مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَما مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ٥ - ١٠] (٢). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٣٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٩٦).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٤٧). والحديث رواه البخاري (٤٩٤٨).","vol":"5","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1610>المبحث الثالث: استخراج ذرية آدم من ظهره بعد خلقه وقسمهم إلى فريقين: أهل الجنة وأهل النار</span>\nوأخبرنا رسولنا ﷺ أن الله مسح ظهر آدم بعد خلقه له، واستخرج ذريته من ظهره أمثال الذر، واستخرج منهم أهل الجنة وأهل النار. روى مالك والترمذي وأبو داود عن مسلم بن يسار قال: سئل عمر بن الخطاب ﵁ عن هذه الآية: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنا كُنا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف: ١٧٢]. قال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عنها فقال: «إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون». فقال رجل: ففيم العمل يا رسول الله؟\nفقال رسول الله ﷺ: «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله الله الجنة. وإذا خلق الله العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله الله النار» (١). وروى الإمام أحمد في (مسنده) بإسناد صحيح إلى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفه - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قُبُلًا قال: أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنا كُنا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]» (٢). وروى أحمد في (مسنده) بإسناد صحيح عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى، فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كَفِّه اليسرى: إلى النار ولا أبالي» (٣) وبيَّن الرسول ﷺ في حديث آخر: «أنَّ الله - ﷿ - خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل» فلذلك أقول جفَّ القلم على علم الله. رواه الترمذي عن عبدالله بن عمرو (٤). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٣٧\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، ومالك (٢/ ٨٩٨). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلًا مجهولًا. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ٩٧) - كما أشار لذلك في مقدمته - وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢٧٢) (٢٤٥٥). والحديث رواه الحاكم (١/ ٨٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر. ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١/ ٨٣): إسناده جيد قوي على شرط مسلم. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٨): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٦٢٣) بعد ذكره لكلام الحاكم والذهبي: وحقهما أن يقيداه بأنه على شرط مسلم، فإن كلثوم بن جبر من رجاله وسائرهم من رجال الشيخين. وقال محققه شعيب الأرناؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين غير كلثوم بن جبر من رجال مسلم وثقه أحمد وابن معين وذكره ابن حبان في الثقات وقال النسائي ليس بالقوي.\n(٣) رواه أحمد (٦/ ٤٤١) (٢٧٥٢٨). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٨٨): رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٩): صحيح.\n(٤) رواه الترمذي (٢٦٤٢). وقال: هذا حديث حسن. ووافقه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٣١٦). وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"5","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1611>المبحث الرابع: كتابة الله لأهل الجنة وأهل النار</span>\nوروى الترمذي في (سننه) عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان: فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» فقلنا: لا يا رسول الله، إلا أن تخبرنا.\nفقال للذي في يده اليمنى: «هذا الكتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثمَّ أُجمل آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا. ثمَّ قال للذي في شماله: هذا كتاب من ربِّ العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثمَّ أُجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا».\nفقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان الأمر قد فرغ منه؟ فقال: «سدِّدوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل. وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل».\nثم قال رسول الله ﷺ بيديه فنبذهما. ثم قال: «فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير» (١). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٣٩\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٤١). وقال: حسن غريب صحيح. وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٣٣٦): إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن.","vol":"5","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1612>المبحث الخامس: التقدير في ليلة القدر والتقدير اليومي</span>\nأن الله قدَّر مقادير عباده قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ودلّ الكتاب والسنة على أن هناك تقديرين تقدير حولي وتقدير يومي، فأما التقدير الحولي ففي ليلة القدر، ففيها يكتب من أم الكتاب ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر، وما يقوم به العباد من أعمال ونحو ذلك، قال تعالى: إِنا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنا كُنا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنا كُنا مُرْسِلِينَ [الدخان: ٣ - ٥].\nأما التقدير اليومي فهو سوق المقادير إلى المواقيت التي قدرت لها فيما سبق، قال تعالى: يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩] روى ابن جرير عن منيب بن عبدالله عن أبيه قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية، فقلنا: يا رسول الله، وما ذاك الشأن؟ قال: «أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين» (١). وجملة أقوال المفسرين في الآية: أن الله من شأنه في كل يوم أن يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ويعز قومًا ويذل قومًا، ويشفي مريضًا، ويفك عانيًا، ويفرج مكروبًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويغفر ذنبًا، إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٤٠\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٣/ ٤٠).","vol":"5","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1613>المبحث السادس: كتابة ما قدر للإنسان وهو جنين في رحم أمه</span>\nورد في الأحاديث أن الله يرسل ملكًا للجنين في رحم أمه فيكتب رزقه وأجله وشقاءَه وسعادته، ففي (صحيحي البخاري ومسلم) عن عبدالله هو ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: «إن أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها» (١). وفي (صحيح البخاري) عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «وكل الله بالرحم ملكًا، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة. فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب ذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل، فيكتب كل ذلك في بطن أمه» (٢). وروى الترمذي في (سننه) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله». فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح قبل أن يموت» (٣). وروى مسلم في (صحيحه) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له بعمل أهل الجنة» (٤). وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» (٥). ومما يحسن أن يساق في هذا الباب لما فيه من العبرة، قصة الذي أخبر الرسول ﷺ أنه من أهل النار، ففي (صحيح البخاري) عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن رجلًا من أعظم المسلمين غناءً في غزوة غزاها مع النبي ﷺ، فنظر النبي ﷺ فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار، فلينظر إلى هذا. فاتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشدِّ الناس على المشركين، حتى جُرح فاستعجل الموت، فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه، حتى خرج من بين كتفيه. فأقبل الرجل إلى الرسول مسرعًا: فقال: أشهد أنك رسول الله. فقال: وما ذاك؟ قال: قلت لفلان من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه، وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين، فعرفت أنه لا يموت على ذلك، فلما جرح استعجل الموت فقتل نفسه. فقال النبي ﷺ عند ذلك: «إن العبد ليعمل عمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة. ويعمل عمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم» (٦). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٣٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٩٥).\n(٣) رواه الترمذي (٢١٤٢). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٤) رواه مسلم (٢٦٥١).\n(٥) رواه مسلم (١١٢).\n(٦) رواه البخاري (٦٦٠٧).","vol":"5","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1615>تمهيد</span>\nإن عقيدة القدر التي جاء بها الإسلام مبرأة من التخاذل والكسل والخمول الذي أصاب قطاعًا كبيرًا من الأمة الإسلامية عبر العصور باسم الإيمان بالقدر، والمسؤول عن ذلك هو انحراف المسلمين في باب القدر حيث لم يفقهوه على وجهه.\nومن تأمل في عقيدة القدر التي جاء بها الإسلام وجد لها ثمارًا كبيرة طيبة، كانت ولازالت سببًا في صلاح الفرد والأمة الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٠٩","vol":"5","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1616>المبحث الأول: الإيمان بالقدر يدعو إلى العمل والنشاط والسعي بما يرضي الله</span>\nفالإيمان بالقدر مع أنه عقيدة يجب الإيمان بها، وركن من أركان الإيمان يكفر منكره، وليس له في الإسلام نصيب، وهذا وحده كاف في بيان أهميته، ووجوب الاعتناء به، إلا أن له آثارًا محسوسة ملموسة في حياة الناس، ومن ثم تميز هذا الركن عن بعض أركان الإيمان لامتزاجه في حياة الناس وأعمالهم وتصرفاتهم في كل لحظة.\n١ - القدر من أكبر الدواعي التي تدعو إلى العمل والنشاط والسعي بما يرضي الله في هذه الحياة، والإيمان بالقدر من أقوى الحوافز للمؤمن لكي يعمل ويقدم على عظائم الأمور بثبات وعزم ويقين.\nأما دعوى أن الإيمان بالقدر يدعو إلى الكسل والتواكل في حياة المسلمين فهذا مما روجه ويروجه الملحدون فهم يقولون: إن عقيدة القدر تدعو الإنسان إلى التعلل بالمكتوب، فيكسل ولا يقوم بالواجب الملقى عليه، ويضربون مثلًا لذلك بواقع الأمة الإسلامية المتخلف، والحقيقة أن واقع الأمة الإسلامية المتردي إنما نشأ ووجد لأسباب عديدة داخلية وخارجية، ومن الأسباب الداخلية: جهل المسلمين بحقيقة الإسلام، وعدم تفاعلهم معه التفاعل الجهادي الصادق الذي غير واقع الأرض أول مرة، ومن جوانب الجهل بحقيقة الإيمان والإسلام، الجهل بعقيدة القضاء والقدر، وذلك حين فهموا أن معنى القدر التسليم لما يقدره الله بالقعود عن تغيير ما أصاب الإنسان من فقر، أو مرض، أو جهل، لأن كل ذلك مقدر من عند الله فلا ينبغي مقاومته، وإنما يجب الاستسلام له وفقط، وكذلك حين فهموا أنه لا حاجة إلى الكد والعمل في طلب الرزق، لأن الرزق سيأتي صاحبه ولا ضرورة للنشاط والحركة.\nفإذا وجد في المسلمين من يفهم هذا الفهم المنحرف في باب القدر والأخذ بالأسباب فليس عيبًا في الإسلام وإنما هو عيب المسلمين الذين يفهمون هذا الفهم، لأن الكتاب والسنة مملوءان بالأوامر والتوجيهات للإنسان أن يعمل الصالحات، ويطلب الرزق، ويعمر الكون، وقد طبق هذه التوجيهات صحابة رسول الله ﷺ، فعلموا وكدوا، وأتعبوا أنفسهم في ابتغاء مرضاة الله، فجاهدوا، وصبروا، وفتحوا البلاد والعباد، وأقاموا حكم الله تعالى في الأرض، وما وجد فيهم من يقعد به إيمانه بالقدر عن ذلك، بل كان القدر أكبر داع وأكبر عامل لهم ليقوموا بما قاموا به رضوان الله عليهم.\nفالمؤمنون مأمورون بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، والإيمان بأن الأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله، لأن الله هو الذي خلق الأسباب، وهو الذي خلق النتائج، ويحرم على المسلم ترك الأخذ بالأسباب، ولو ترك إنسان السعي في طلب الرزق كان آثمًا مع أن الأرزاق بيد الله تعالى، والرسول ﷺ لما سئل: أرأيت رقى نسترقي بها، وتقى نتقي بها، وأدوية نتداوى بها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: «هي من قدر الله» (١) فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع، فعلى العبد أن يكن قلبه معتمدًا على الله لا على سبب من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له وهو مأمور بها فعلها مع التوكل على الله كما يؤدي الفرائض، وكما يجاهد العدو، ويحمل السلاح، ويلبس جنة الحرب، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أمر به الجهاد.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٠٦٥). من حديث يعمر العذري والد أبي خزامة ﵁. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصحح إسناده الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٤١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.","vol":"5","page":287},{"text":"ومن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط مذموم (١)، وقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (٢)\nقال شارح الطحاوية: (وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب، وهذا فاسد، فإن الاكتساب: منه فرض، ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام ... وقد كان النبي ﷺ أفضل المتوكلين، يلبس لامة الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب) (٣). وقد قال عمر ﵁ لأبي عبيدة لما جاء الخبر بانتشار الوباء في الشام، ورأى عمر الرجوع فقال له أبو عبيدة: «أفرارًا من قدر الله فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان: إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله» (٤).\nهكذا فهم الصحابة رضوان الله عليهم العلاقة بين الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب، وأن الأخذ بالأسباب داخل في معنى الإيمان بالقدر ولا ينافيه.\nوحين أراد المسلمون تغيير الواقع بالجهاد أخذوا بأسباب الجهاد كلها، ثم توكلوا على الله تعالى ولم يقولوا: إن الله قدر نصر المؤمنين وهزيمة الكافرين، واكتفوا بذلك عن الاستعداد والجهاد، والصبر، وخوض المعارك، بل فعلوا كل هذه الأمور، فنصرهم الله، وأعز الله بهم الإسلام.\nواليوم إذا وجد من يقعد عن تغيير الواقع المؤسف للمسلمين بحجة أنه واقع بقدر من الله فهذا منه جهالة عظيمة بحقيقة هذا الدين، وبحقيقة القدر الذي هو ركن من أركان الإيمان، وإننا لنسمع كثيرًا من اليائسين الذين يكررون دائمًا عبارات التيئيس للدعاة والمصلحين، مثل قولهم: إن الزمان هو الذي فسد، وإن الإصلاح صعب، وهذا آخر الزمان، وهو زمان غربة الإسلام، إلى آخر العبارات التي تنم عن جهل كبير، ويأس قاتل، وما أدري لو عايش هؤلاء غربة الإسلام الأولى حين كانت الدنيا كلها مطبقة على حرب رسول الله ﷺ وأصحابه حين كانوا قلة مستضعفين ما أدري لو عايش هؤلاء تلك الغربة ماذا سيقلون وماذا سيفعلون؟ (٥) القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - ص ٢٩٣\n_________\n(١) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٨/ ٥٢٨ - ٥٢٩).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٦٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٣٠١).\n(٤) رواه البخاري (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٥) «العقائد الإسلامية» لسيد سابق (ص: ٩٨ - ٩٩)، وانظر: «الإيمان: أركانه، حقيقته، نواقضه» للدكتور محمد نعيم ياسين (ص: ١١٢–١١٤)، و«علم التوحيد» لمحمد قطب (ص٢٠٦ - ٢٠٨)، و«الدعائم الخلقية للقوانين الشرعية» لصبحي محمصاني (ص: ٥٨ - ٦٢)، و«العقيدة الإسلامية سفينة النجاة» لكمال عيسى (ص: ٤٢٨ - ٤٢٩).","vol":"5","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1617>المبحث الثاني: من آثار الإيمان بالقدر أن يعرف الإنسان قدر نفسه</span>\nومن آثار الإيمان بالقدر أن يعرف الإنسان قدر نفسه. فلا يتكبر ولا يبطر ولا يتعالى أبدًا لأنه عاجز عن معرفة المقدور، ومستقبل ما هو حادث، ومن ثم يقر الإنسان بعجزه وحاجته إلى ربه تعالى دائمًا، وهذا من أسرار خفاء المقدور (١). القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود – ص: ٢٩٦\n_________\n(١) انظر: «لمحات في وسائل التربية الإسلامية وغايتها» د. محمد أمين المصري (ص: ١٨٦)، و«مجموعة بحوث فقهية» (ص: ٢٤١).","vol":"5","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1618>المبحث الثالث: الإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تعصف بالمجتمعات</span>\nالإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تعصف بالمجتمعات، وتزرع الأحقاد بين المؤمنين، وذلك مثل رذيلة الحسد، فالمؤمن لا يحسد الناس على ما أتاهم الله من فضله، لأنه هو الذي رزقهم وقدر لهم ذلك، وهو يعلم أنه حين يحسد غيره إنما يعترض على المقدور، وهكذا فالمؤمن يسعى لعمل الخير، ويحب للناس ما يحب لنفسه، فإن وصل إلى ما يصبوا إليه حمد الله وشكره على نعمه، وإن لم يصل إلى شيء من ذلك صبر ولم يجزع، ولم يحقد على غيره ممن نال من الفضل مالم ينله، لأن الله هو الذي يقسم الأرزاق فيعطي ويمنع، وكل ذلك ابتلاء وامتحان منه ﷾ لخلقه (١). القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - ص ٢٩٧\n_________\n(١) انظر: «لمحات وسائل التربية الإسلامية» لمحمد أمين المصري (ص: ١٧٨)، و«الإيمان باليوم الآخر وبالقضاء والقدر» للشيخ أحمد عز الدين البيانوني (ص: ١٤٤–١٤٥).","vol":"5","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1619>المبحث الرابع: الإيمان بالقدر من أكبر العوامل التي تكون سببًا في استقامة المسلم</span>\nالإيمان بالقدر من أكبر العوامل التي تكون سببًا في استقامة المسلم، وخاصة في معاملته للآخرين، فحين يقصر في حقه أحد أو يسيء إليه، أو يرد إحسانه بالإساءة، أو ينال من عرضه بغير حق، تجده يعفو ويصفح لأنه يعلم أن ذلك مقدر، وهذا إنما يحسن إذا كان في حق نفسه، أما في حق الله فلا يجوز العفو، ولا التعلل بالقدر، لأن القدر إنما يحتج به في المصائب لا في المعائب (١). القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود – ص: ٢٩٣ - ٣٠٠\n_________\n(١) انظر: «مجموعة بحوث فقهية» بحث «الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في سلوك الإنسان» للدكتور عبدالكريم زيدان (ص: ٢٣٦).","vol":"5","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1620>المبحث الخامس: الإيمان بالقدر يغرس في نفس المؤمن حقائق الإيمان المتعددة</span>\nالإيمان بالقدر يغرس في نفس المؤمن حقائق الإيمان المتعددة، فهو دائم الاستعانة بالله، يعتمد على الله، ويتوكل عليه مع فعل الأسباب، وهو أيضًا دائم الافتقار إلى ربه تعالى، يستمد منه العون على الثبات، ويطلب منه المزيد، وهو أيضًا كريم يحب الإحسان إلى الآخرين، فتجده يعطف عليهم.\nوالإيمان بالقدر يغرس في نفس المؤمن أيضًا الانكسار والاعتراف لله تعالى، حيث يقع منه الذنب، ومن ثم يطلب من الله العفو والمغفرة، ولا يحتج بالقدر على ذنوبه، وإن كانت مقدرة عليه؛ لأنه يعلم أن الاحتجاج باطل، ومنهي عنه، ومخالف لمقتضى الشرع (١). القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - ص ٢٩٩\n_________\n(١) انظر: «مجموعة بحوث فقهية»: بحث «الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في سلوك الإنسان» للدكتور عبدالكريم زيدان (ص٢٤٠ - ٢٤٤).","vol":"5","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1621>المبحث السادس: من آثار الإيمان بالقدر أن الداعي إلى الله يصدع بدعوته</span>\nمن آثار الإيمان بالقدر أن الداعي إلى الله يصدع بدعوته، ويجهر بها أمام الكافرين والظالمين، لا يخاف في الله لومة لائم، يبين للناس حقيقة الإيمان، ويوضح لهم مقتضياته، وواجباتهم تجاه ربهم ﵎، كما يبين لهم حقائق الكفر، والشرك، والنفاق ويحذرهم منها، ويكشف الباطل، وزيفه، ودعاته، وحماته، ويقول كلمة الحق أمام الظالمين، ويفضح ما هم فيه من كفر وظلم وما يقومون به من إفساد وتضليل، يفعل المؤمن كل ذلك وهو راسخ الإيمان واثق بالله، متوكل عليه، صابر على كل ما يحصل له في سبيله، لأنه موقن أن الآجال بيد الله وحده، وأن الأرزاق عنده وحده، وأن العبيد لا يملكون من ذلك شيئًا مهما وجد لهم من قوة وأعوان.\nإن المؤمن الصادق لا يذل إلا لله، ولا يخضع إلا له، ولا يخاف إلا منه، وحين يكون كذلك تجده يسلك الطريق المستقيم، ويثبت عليه، ويدعو إليه، ويصر على ما يلقاه في سبيل الدعوة من عداء المعتدين، وحرب الظالمين، ومكر الماكرين، ولا يصده شيء من ذلك، لأن هؤلاء لا يملكون من أمر الحياة ولا أمر الأرزاق شيئًا، وإذا كان الأمر هكذا فكيف يبقى في نفس المؤمن الداعية ذرة من خوف وهو يؤمن بقضاء الله وقدره، فما قدر سيكون، وما لم يقدر لن يكون، وهذا كله مرجعه إلى الله، والعباد لا يملكون من ذلك شيئا (١). القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - ص ٢٩٩\n_________\n(١) انظر: «الإيمان: أثره في حياة الإنسان» للدكتور حسن الترابي (ص: ٤٨).","vol":"5","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1622>المبحث السابع: الإيمان بالقدر طريق الخلاص من الشرك</span>\nلقد زعم كثير من الفلاسفة أن الخير من الله، والشر من صنع آلهة من دونه، وإنما قالوا هذا القول فرارًا من نسبة الشر إلى الله تعالى. والمجوس زعموا أن النور خالق الخير، والظلمة خالقة الشر. والذين زعموا من هذه الأمة أن الله لم يخلق أفعال العباد، أو لم يخلق الضال منها أثبتوا خالقين من دون الله. ولا يتم توحيد الله إلا لمن أقرَّ أن الله وحده الخالق لكل شيء في الكون، وأن إرادته ماضية في خلقه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فكل المكذبين بالقدر لم يوحدوا ربهم، ولم يعرفوه حق معرفته، والإيمان بالقدر مفرق طريق بين التوحيد والشرك. فالمؤمن بالقدر يُقرُّ بأن هذا الكون وما فيه صادر عن إله واحد ومعبود واحد، ومن لم يؤمن هذا الإيمان فإنه يجعل من الله آلهة وأربابًا. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر – ص: ١٠٩","vol":"5","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1623>المبحث الثامن: الاستقامة على منهج سواء في السراء والضراء</span>\nالعباد بما فيهم من قصور وضعف لا يستقيمون على منهج سواء، قال تعالى: إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وإذا مسه الخير منوعًا إِلا الْمُصَلِّينَ [المعارج: ١٩ - ٢٢]. والإيمان بالقدر يجعل الإنسان يمضي في حياته على منهج سواء، لا تبطره النعمة، ولا تيئسه المصيبة، فهو يعلم أن كل ما أصابه من نعم وحسنات من الله، لا بذكائه وحسن تدبيره وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ [النحل: ٥٣]. ولا يكون حاله حال قارون الذي بغى على قومه، واستطال عليهم بما أعطاه الله من كنوز وأموال: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص: ٧٦ - ٧٨]. فإذا أصاب العبد الضراء والبلاء علم أن هذا بتقدير الله ابتلاء منه، فلا يجزع ولا ييأس، بل يحتسب ويصبر، فيكسب هذا الإيمان في قلب العبد المؤمن الرضا والطمأنينة مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. وقد امتدح الله عباده: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنا لِلّهِ وَإِنا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧]. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص١١٠\nوالإنسان قد خلق محبًا للحياة، راغبًا في متاعها، حريصًا على نفع نفسه، كارهًا للآلام والمصائب التي تحل به، وهو أيضًا يحب الخير لنفسه ويمنعه غيره، ويكره الشر لنفسه ويجزع منه كما قال تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [نوح: ١٩ - ٢١].\nفإن أصابه الخير بطر واغتر به، وإن أصابه الشر والمصيبة جزع، وحزن، ولا يعصم الإنسان من البطر والطغيان إذا أصابه الخير، والحزن إذا أصابه الشر إلا الإيمان بالقدر، وأن ما وقع فقد جرت به المقادير، وسبق به علم الله، يقول الإمام الشوكاني: (ومن فوائد رسوخ الإيمان بهذه الخصلة أي: الإيمان بالقدر أنه يعلم أنه ما وصل إليه من الخير على أي صفة كان، وبيد من اتفق فهو منه ﷿، فيحصل له بذلك من الحبور والسرور ما لا يقدر قدره، لما له سبحانه من العصمة التي تضيق أذهان العباد عن تصورها، وتقصر عقولهم عن إدراك أدنى منازلها ... وما أحسن ما قال الحربي – ﵀ -: من لم يؤمن بالقدر لم يتهن بعيشه) (١) وهذا صحيح فما تعاظمت القلوب بالمصائب، وضاقت بها الأنفس، وحرجت بها الصدور إلا من ضعف الإيمان. القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود- ص ٢٩٦\n_________\n(١) «قطر الولي على حديث الولي للشوكاني» (ص: ٣٩٦).","vol":"5","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1624>المبحث التاسع: المؤمن بالقدر دائمًا على حذر</span>\nالمؤمنون بالقدر دائمًا على حذر فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩] فقلوب العباد دائمة التقلب والتغير، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والفتن التي توجه سهامها إلى القلوب كثيرة، والمؤمن يحذر دائمًا أن يأتيه ما يضله كما يخشى أن يختم له بخاتمة سيئة، وهذا لا يدفعه إلى التكاسل والخمول، بل يدفعه إلى المجاهدة الدائبة للاستقامة، والإكثار من الصالحات، ومجانبة المعاصي والموبقات. كما يبقى قلب العبد معلقًا بخالقه، يدعوه ويرجوه ويستعينه، ويسأله الثبات على الحق، كما يسأله الرشد والسداد. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص١١١","vol":"5","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1625>المبحث العاشر: مواجهة الصعاب والأخطار بقلب ثابت</span>\nإذا آمن العبد بأنَّ كل ما يصيبه مكتوب، وآمن أن الأرزاق والآجال بيد الله، فإنه يقتحم الصعاب والأهوال بقلب ثابت وهامة مرفوعة، وقد كان هذا الإيمان من أعظم ما دفع المجاهدين إلى الإقدام في ميدان النزال غير هيابين ولا وجلين، وكان الواحد منهم يطلب الموت في مظانه، ويرمى بنفسه في مضائق يظن فيها هلكته، ثم تراه يموت على فراشه، فيبكي إن لم يسقط في ميدان النزال شهيدًا، وهو الذي كان يقتحم الأخطار والأهوال. وكان هذا الإيمان من أعظم ما ثبَّت قلوب الصالحين في مواجهة الظلمة والطغاة، ولا يخافون في الله لومة لائم، لأنهم يعلمون أن الأمر بيد الله، وما قدر لهم سيأتيهم. وكانوا لا يخافون من قول كلمة الحق خشية انقطاع الرزق، فالرزق بيد الله، وما كتبه الله من رزق لا يستطيع أحد منعه، وما منعه الله لعبد من عبيده لا يستطيع أحد إيصاله إليه. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص١١١\nوالإيمان بالقدر يبعث في القلوب الشجاعة على مواجهة الشدائد، ويقوي فيها العزائم، فتثبت في ساحات الجهاد ولا تخاف الموت، لأنها توقن أن الآجال محددة لا تتقدم ولا تتأخر لحظة واحدة.\nولما كانت هذه العقيدة راسخة في قلوب المؤمنين ثبتوا في القتال، وعزموا على مواصلة الجهاد، فجاءت ملاحم الجهاد تحمل أروع الأمثلة على الثبات والصمود أمام الأعداء مهما كانت قوتهم، ومهما كان عددهم، لقد أيقنوا أنه لن يصيب الإنسان إلا ما كتب له، سواء كان قاعدًا في بيته، أو يتقلب في ساحات القتال من معركة إلى معركة، فكيف يجبن، وكيف يفر من القتال خوفًا من الموت، والموت إذا جاء سيأتيه على آية حال هو.\nهكذا كان الأمر في حس المؤمنين فأقبلوا على القتال والجهاد في سبيل الله في ثبات وعزم ويقين، وكانت لهم بطولات ما عرفت في أمة من الأمم غيرهم.\nوإذا قد وجد من المثبطين من المنافقين وغيرهم من يتخلف عن الجهاد مع رسول الله ﷺ مدعيًا أن السلامة في تخلفه، ومتربصًا بالمؤمنين الدوائر كان الرد عليهم يأتي من الله تعالى مبينًا أن المؤمنين يقومون بما أوجبه الله عليهم طاعة لله ورسوله، وهم يعتقدون أن كل ما يصيبهم قد جرت به المقادير، قال تعالى: إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ [التوبة: ٥١ - ٥٢]، وحين قال المنافقون: هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ [آل عمران:١٥٤]، جاء الجواب: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا جاء الرد عليهم: قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:١٥٤].\nوهكذا وعى المؤمنون هذه الحقيقة فأيقنوا أنه لا يموت إلا من كتب عليه الموت، ولو كان في مضجعه في بيته، وأيقنوا أيضًا أنهم لا يرتقبون إلا إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة ومنهم من نصره الله نصرًا مبينًا.","vol":"5","page":297},{"text":"ولقد كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه ويربيهم على عقيدة القدر، لأنها هي العدة التي تجعل المؤمن شجاعًا لا يخاف إلا الله، وهي التي تجعله يلاقي المصائب والصعاب راضيًا مطمئنًا، فعن عبدالله بن عباس ﵄ قال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (١) وفي رواية أخرى: «احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» (٢) وهذا الحديث يدل على أن الإيمان بالقدر يبعث على الشجاعة والاتجاه إلى الله وحده في وقت الشدائد فيبقى المؤمن عزيزًا لا يذل إلا لله وحده (٣). القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود - ص ٢٩٣ - ٣٠٠\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والحاكم (٣/ ٦٢٤). قال الترمذي: صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٠٧) (٢٨٠٤)، والطبراني (١١/ ١٢٣) (١١٢٤٣)، والحاكم (٣/ ٦٢٣) والبيهقي في «الاعتقاد» (١٤٧). قال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا، وقال البيهقي: له شواهد عن ابن عباس، وصححه عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الشرعية الكبرى» (٣/ ٣٣٣).\n(٣) انظر: «لمحات في وسائل التربية الإسلامية» (٢/ ١٧٨ - ١٨١)، و«الإيمان كما يصوره الكتاب والسنة» للدكتور: علي عبدالمنعم عبدالحميد (ص: ١٧٠) – و«تبسيط العقائد الإسلامية» لحسن أيوب (ص: ١٠٥).","vol":"5","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1628>المبحث الأول: مذهب المكذبين بالقدر</span>\nذهب بعض الضالين في هذا الباب إلى نفي القدر، وزعموا أن الله – تعالى عما يقولون – لا يعلم بالأشياء قبل حصولها، ولم يتقدم علمه بها، وقالوا: إنما يعلم الله بالموجودات بعد خلقها وإيجادها. وزعم هؤلاء كذبًا وزورًا أن الله إذا أمر العباد ونهاهم لا يعلم من يطيعه منهم ممن يعصيه، ولا يعلم من يدخل الجنة ممن يدخل النار، حتى إذا استجاب العباد لشرعه أو رفضوا – علم السعداء منهم والأشقياء، ويرفض هؤلاء الضلال الإيمان بعلم الله المتقدم، كما يكذبون بأن الله كتب مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض، كما ثبت في الكتاب والسنة. وقد نشأ القول بهذا في آخر عهد الصحابة، فأول من قال به معبد الجهني، ثم تقلد عنه هذا المذهب الفاسد رؤوس المعتزلة وأئمتهم كواصل بن عطاء الغزال، وعمرو بين عبيد، ورويت عنهم في هذا أقوال شنيعة فيها تكذيب لله ولرسوله في أن الله علم الأشياء وكتبها قبل خلقها. وقد خشي الرسول ﷺ على أمته هذا الضلال الذي وقعت فيه هذه الفرقة، ففي الحديث الصحيح الذي يرويه ابن عساكر عن أبي محجن وابن عبد البر في (الجامع) أن رسول الله ﷺ قال: «أخاف على أمتي من بعدي ثلاثًا: حيف الأئمة، وإيمانًا بالنجوم، وتكذيبًا بالقدر» (١).\nوروى أبو يعلى في (مسنده) والخطيب في (التاريخ) وابن عَدِيّ في (الكامل) بإسناد صحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أخاف على أمتي من بعدي خصلتين: تكذيبًا بالقدر، وتصديقًا بالنجوم» (٢)\nوحذر الرسول ﷺ أمته من هذا الضلال، ففي الحديث الذي يرويه الطبراني في (معجمه الأوسط)، والحاكم في (مستدركه) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه قال: «أُخِّر الكلام في القدر لشرار أمتي» (٣)\n_________\n(١) رواه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٩٤٠)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٨/ ٤٠١). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١١٢٧): الحديث له شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة.\n(٢) رواه أبو يعلى (٧/ ١٦٢)، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٤/ ٣٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٠٣): رواه أبو يعلى مقتصرًا على اثنتين من الخمس، وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف ووثقه ابن عدى. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٢١٥): صحيح.\n(٣) رواه الطبراني (٦/ ٩٦)، والحاكم (٢/ ٥١٤). وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (١١٢٤): حسن.","vol":"5","page":299},{"text":"وروى الطبراني في (معجمه الكبير) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أمر هذه الأمة لا يزال مقاربًا حتى يتكلموا في الولدان وفي القدر» (١). وسمى الرسول ﷺ هذا الفريق بمجوس هذه الأمة، لأن المجوس يقولون بوجود خالقين اثنين: النور والظلمة، وهذا الفريق يقولون بوجود خَالِقين، بل يزعمون أن كلَّ واحد خالق من دون الله، وقد أمر الرسول صلى الله وسلم بهجران هذا الفريق، فلا يزارون ولا يعادون، ففي الحديث الذي يرويه أحمد وأبو داود عن ابن عمر أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» (٢). وقد صاح الصحابة بأصحاب هذه الضلالة من كل ناحية، وأنكروا عليهم ما جاؤوا به من الضلال والباطل، ونهوا الناس عن مخالطة هؤلاء ومجالستهم، وأوردوا عليهم النصوص الفاضحة لباطلهم، المقررة للحق في باب القدر. ففي (سنن الترمذي) عن نافع أنَّ ابن عمر جاءَه رجل فقال: إنَّ فلانًا يَقرأ عليك السلام، فقال له: بلغني أنّه قد أحدث، فإن كان قد أحدث فلا تقرئه مني السلام، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون في هذه الأمة أو في أمتي خسف أو مسخ أو قذف في أهل القدر» (٣). وفي الترمذي عن ابن عمر أيضًا يرفعه: «يكون في أمتي خسف ومسخ وذلك في المكذبين في القدر» (٤).\nوفي (سنن الترمذي) أيضًا عن عبد الواحد بن سليم قال: قدمت مكة فلقيت عطاء بن أبي رباح فقلت له: يا أبا محمد، إن أهل البصرة يقولون: لا قدر. قال يا بني، أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فاقرأ الزخرف. قال: فقرأت: حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ١ - ٤]. قال: أتدري ما أم الكتاب؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه كتاب كتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض، فيه أن فرعون من أهل النار، وفيه تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:١].\n_________\n(١) رواه الطبراني (١٢/ ١٦٢)، والحاكم. من حديث ابن عباس وليس من حديث أبي أمامة ﵃. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا نعلم له علة ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٦٧٥): وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم رجال البخاري.\n(٢) رواه أبو داود (٤٦٩١) واللفظ له، وأحمد (٢/ ١٢٥) (٦٠٧٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٥/ ٤٤٥): صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن.\n(٣) رواه الترمذي (٢١٥٢). وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن.\n(٤) رواه الترمذي (٢١٥٣). وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١٠٢) – كما أشار لذلك في المقدمة -.","vol":"5","page":300},{"text":"قال عطاء: فلقيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول الله ﷺ فسألته ما كانت وصية أبيك عند الموت؟ قال: دعاني أبي فقال لي: يا بني، اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره، فإن مت على غير هذا أدخلت النار، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم قال: اكتب. فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما كان، وما هو كائن إلى الأبد» (١). وقد نص الأئمة على كفر هذه الطائفة التي لم تقر بعلم الله، وممن نص على كفرهم الأئمة مالك والشافعي وأحمد. وقد تلاشت هذه الطائفة التي تكذب بعلم الله السابق أو كادت، يقول السفاريني: قال العلماء: المنكرون لهذا انقرضوا، وهم الذين كفرهم الإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد وغيرهم من الأئمة. وقال القرطبي: قد انقرض هذا المذهب، فلا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: القدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على وجه الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف من المذهب الأول. قال: والمتأخرون منهم أنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارًا من تعلق القديم بالمحدث. وقال النووي: قال أصحاب المقالات من المتكلمين: انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل، ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه، وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر، ولكن يقولون: الخير من الله، والشر من غيره تعالى الله عن قولهم (٢). والقدرية يعترفون بأن الله خلق الإنسان مريدًا، لكن يجعلونه مريدًا بالقوة والقبول، أي قابلًا لأن يريد هذا ويريد هذا، وأمّا كونه مريدًا لهذا المُعَيَّنِ، وهذا المُعَيَّنِ، فهذا عندهم ليس مخلوقًا. فهؤلاء في الحقيقة مجوس ثَنَوِيَّة، بل أعظم منهم، فإن الثَنويّةَ أثبتوا خالِقَين للكون كله، وهؤلاء أثبتوا خالقين لكل فرد من الأفراد، ولكل فعل من الأفعال، بل جعلوا المخلوقين كلهم خالقين، ولولا تناقضهم لكانوا أكفر من المجوس. وطرد قولهم ولازمه وحاصلة هو إخراج أفعال العباد عن خلق الله - ﷿ - وملكه، وأنها ليست داخلة في ربوبيته ﷿، وأنه يكون في ملكه ما لا يريد، ويريد مالا يكون، وأنهم أغنياء عن الله ﷿، فلا يستعينون على طاعته ولا ترك معصيته، ولا يعوذون بالله من شرور أنفسهم ولا سيئات أعمالهم ولا يستهدونه الصراط المستقيم. والقدرية بزعمهم أرادوا تنزيه الله وتقديسه عندما زعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكنَّ الكافر هو الذي شاء الكفر، وحجتهم في ذلك أن هذا يؤدي إلى الظلم، إذ كيف يشاء الله الكفر من الكافر ثم يعذبه عليه. ولكنهم -كما يقول شارح الطحاوية - صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فإنهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شرٌّ منه فإنه يلزم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه - على قولهم - والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى، وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه، بل هو مخالف للدليل. ومشيئة الله الكفر من الكافر ليس ظلمًا له كما يدعي أهل الظلم من القدرية؛ فلله الحجة البالغة، وله في عباده من الحِكَمِ مالا يعلمه إلا هو ﵎.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٥٥). وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ٩٥) - كما أشار لذلك في المقدمة - وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ١٥٤).","vol":"5","page":301},{"text":"ففي (صحيح مسلم) عن أبي الأسود الدِّيلي، قال: قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق؟ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجّة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم. قال: فقال: أفلا يكون ظلمًا؟ قال: ففزعت فزعًا شديدًا. وقلت: كل شيء خَلْق الله ومِلْك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال لي: يرحمك الله، إني لم أرد بما سألتك إلا لأحرز عقلك. إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟\nفقال: «لا، بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: ٧ - ٨]» (١). وفي (سنن أبي داود) عن ابن الديلمي قال: أتيت أُبي بن كعب، فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي، قال: لو أن الله عذَّب أهل سمواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا في سبيل الله، ما تقبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار. قال: ثم أتيت عبدالله بن مسعود، فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فقال مثل ذلك (٢). والقدرية بمسلكهم هذا جعلوا لأهل الضلال سبيلًا عليهم، فقد ذكر عمر بن الهيثم قال: خرجنا في سفينة، وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فقال القدري للمجوسي: أسلم. فقال المجوسي: حتى يريد الله. فقال القدري: إن الله يريد، ولكن الشيطان لا يريد. قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان، هذا شيطان قوي. وفي رواية أنه قال: فأنا مع أقواهما. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٥٣\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٥٠).\n(٢) رواه أبو داود (٤٦٩٩)، والبيهقي (١٠/ ٢٠٤). والحديث سكت عنه. قال الذهبي في «المهذب» (٨/ ٤٢١٢): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"5","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1629>المبحث الثاني: محاورة أهل السنة للقدرية</span>\nولم يستطع منطق المعتزلة أن يقف في مجال الحجاج مع عوام أهل السنة فضلًا عن علمائهم وأهل الرأي فيهم. يذكر أهل العلم أن أعرابيًا أتى عمرو بن عبيد، فقال له: إن ناقتي سُرقت، فادع الله أن يردها عليَّ.\nقال عمرو بن عبيد: اللهم إن ناقة هذا الفقير سُرقت، ولم تُرِدْ سرقتها، اللهمّ ارددها عليه. فقال الأعرابي: الآن ذهبت ناقتي، وأيست منها. قال: كيف؟ قال: لأنه إذا أراد أن لا تُسرق فسرِقت، لم آمن أن يريد رجوعها فلا ترجع، ونهض من عنده منصرفًا (١). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٦٠\nإجابة أبو عصام القسطلاني لقدري\nوقال رجل لأبي عصام القسطلاني: أرأيت إن منعني الهدى، وأوردني الضلال ثم عذبني أيكون منصفًا؟\nفقال له أبو عصام: إن يكن الهدى شيئًا هو له، فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء (٢). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٦١\nمحاورة عبد الجبار الهمداني وأبي إسحاق الإسفراييني\nودخل عبد الجبار الهمداني أحد شيوخ المعتزلة - على الصاحب ابن عباد، وعنده أبو إسحاق الإسفراييني أحد أئمة السنة، فلما رأى الأستاذ قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء. فقال الأستاذ فورًا: سبحان من لا يقع في ملكه إلا من يشاء. فقال القاضي: أيشاء ربنا أن يُعْصَى؟ فقال الأستاذ: أيُعْصَى ربنا قهرًا؟ فقال القاضي: أرأيت إن منعني الهدى، وقضى عَليَّ بالردى، أحسن إليّ أم أساء؟ فقال الأستاذ: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فهو يختص برحمته من يشاء فبهت القاضي. وفي (تاريخ الطبري) أن غيلان قال لميمون بن مهران بحضرة هشام بن عبد الملك الذي أتي به ليناقشه: أشاء الله أن يُعصى؟ فقال له ميمون: أفَعُصيَ كارهًا؟ (٣). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٦١\nبيْنَ عمر بن عبد العزيز وغَيْلان الدمشقي\n_________\n(١) انظر: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٤/ ٧٤٠).\n(٢) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (١٦٦).\n(٣) انظر: «تاريخ الطبري» (٥/ ٥١٦).","vol":"5","page":303},{"text":"وحاور عمر بن عبد العزيز غيلان الدمشقي أحد رؤوس الاعتزال، فقال له عمر: يا غيلان بلغني أنك تتكلم في القدر. فقال: يَكْذِبون عليَّ يا أمير المؤمنين. قال: اقرأ عليَّ سورة (يس). قال: فقرأ عليه: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَوْمًا ما أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [يس:١ - ٩]. قال غيلان: لا والله لكأني يا أمير المؤمنين لم أقرأها قط إلا اليوم. أشهد يا أمير المؤمنين أني تائب من قولي بالقدر. فقال عمر: اللهم إن كان صادقًا فتب عليه، وإن كان كاذبًا فاجعله آية للمؤمنين (١). قال معاذ بن معاذ: حدثني صاحب لي قال: مرَّ التيمي بمنزل ابن عون فحدثه بهذا الحديث، قال ابن عون: أنا رأيته مصلوبًا بدمشق (٢). وقال أبو جعفر الخطمي: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له: ويحك يا غيلان ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: يُكْذَبُ عليَّ يا أمير المؤمنين، يقال عليَّ ما لا أقول. قال: ما تقول في العلم؟ قال: نفذ العلم. قال: أنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت. يا غيلان، إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت، وإنك إن تقر به فتخصم، خير لك من أن تجحد فتكفر. ثم قال له: أتقرأ (يس)؟ فقال: نعم. قال: اقرأ. قال: فقرأ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إلى قوله: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس: ١ - ٧]. قال: قف كيف ترى؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين. قال: زد. فقرأ: إِنا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [يس: ٨ - ٩]. فقال له عمر: قل وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [يس:٩ - ١٠]. قال: كيف ترى؟. قال: كأني لم أقرأ هذه الآيات قط، وإني أعاهد الله أن لا أتكلم في شيء مما كنت أتكلم فيه أبدًا. قال: اذهب. فلما ولىَّ قال: اللهم إن كان كاذبًا بما قال فأذقه حر السلاح. قال: فلم يتكلم زمن عمر، فلما كان يزيد بن عبد الملك كان رجلًا لا يهتم بهذا ولا ينظر فيه. قال: فتكلم غيلان. فلما ولي هشام أرسل إليه فقال له: أليس قد كنت عاهدت الله لعمر لا تتكلم في شيء من هذا أبدًا؟ قال: أقلني، فوالله لا أعود. قال: لا أقالني الله إن أقلتك، هل تقرأ فاتحة الكتاب؟ قال: نعم. قال: اقرأ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فقرأ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِياكَ نَعْبُدُ وإِياكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٢ - ٥]. قال: قف. على ما استعنته؟ على أمر بيده لا تستطيعه، أو على أمر في يدك أو بيدك؟ اذهبا فاقطعا يديه ورجليه واضربا عنقه واصلباه. والقدرية النفاة حُرموا الاستعانة بالله الواحد الأحد، لأنهم زعموا أن الله لا يقدر على أفعال العباد، وأن العبد هو الخالق لفعله، فكيف يستعينون بالله على مالا يقدر عليه.\n_________\n(١) انظر: «الشريعة» للآجري (ص١٣٨).\n(٢) رواه الهيثمي في «غاية المقصد» (٢/ ٧٧٤).","vol":"5","page":304},{"text":"وهؤلاء يعتمدون فيما يفعلون على حولهم وقوتهم وعملهم، وهم يطلبون الجزاء والأجر من الله كما يطلب الأجير أجره من مستأجره، والله ليس محتاجًا إلى العباد وأعمالهم، بل نفع ذلك عائد إلى العباد أنفسهم، ومع كون العباد هم المحتاجين إلى الأعمال، فلا غنى لهم عن الاستعانة بالله إِياكَ نَعْبُدُ وإِياكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]. فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣] الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٦٢\nبين هشام بن عبد الملك ورجلا يقول بالقدر\nبلغ هشام بن عبد الملك أن رجلًا قد ظهر يقول بالقدر، وقد أغوى خلقًا كثيرًا، فبعث إليه هشام فأحضره، فقال: ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: وما هو؟ قال: تقول: إن الله لم يقدر على خلق الشرّ؟ قال: بذلك أقول، فأحضِر من شئت يحاجني فيه، فإن غلبته بالحجة والبيان علمتُ أني على الحق، وإن غلبني بالحجة فاضرب عنقي. قال: فبعث هشام إلى الأوزاعي فأحضره لمناظرته، فقال له الأوزاعي: إن شئتَ سألتك عن واحدة، وإن شئتَ عن ثلاث، وإن شئتَ عن أربع؟ فقال: سل عما بدا لك، قال الأوزاعي: أخبرني عن الله ﷿ هل تعلم أنه قضى على ما نهى؟ قال: ليس عندي في هذا شيء، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه واحدة. ثم قلت له: أخبرني هل تعلم أن الله حال دون ما أمر؟ قال: هذه أشدّ من الأولى، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه اثنتان. ثم قلت له: هل تعلم أن الله أعان على ما حرّم؟ قال: هذه أشدّ من الأولى والثانية، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه ثلاث قد حلّ بها ضرب عنقه. فأمر به هشام فضربت عنقه. ثم قال للأوزاعي: يا أبا عمرو، فسّر لنا هذه المسائل، قال: نعم يا أمير المؤمنين. سألته: هل يعلم أن الله قضى على ما نهى؟ نهى آدم عن أكل الشجرة ثم قضى عليه بأكلها. وسألته: هل يعلم أن الله حال دون ما أمر؟ أمر إبليس بالسجود لآدم، ثم حال بينه وبين السجود. وسألته: هل يعلم أن الله أعان على ما حرّم؟ حرّم الميتة والدم، ثم أعاننا على أكله في وقت الاضطرار إليه. قال هشام: والرابعة ما هي يا أبا عمرو؟ قال: كنت أقول: مشيئتك مع الله أم دون الله؟ فإن قال: مع الله فقد اتخذ مع الله شريكًا، أو قال: دون الله، فقد انفرد بالربوبية، فأيهما أجابني فقد حلّ ضرب عنقه بها، قال هشام: حياة الخلق وقوام الدين بالعلماء. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة لهبة الله بن الحسن اللالكائي - ٤/ ٧٩٥","vol":"5","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1631>المبحث الأول: معنى المحو والإثبات في الصحف، وزيادة الأجل ونقصانه</span>\nقد يشكل على بعض الناس مواضع في كتاب الله وأحاديث رسول الله صلى الله وسلم، فيقول بعضهم: إذا كان الله علم ما هو كائن، وكتب ذلك كله عنده في كتاب فما معنى قوله: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩].\nوإذا كانت الأرزاق والأعمال والآجال مكتوبة لا تزيد ولا تنقص فما توجيهكم لقوله ﷺ: «من سرَّه أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه» (١). وكيف تفسرون قول نوح لقومه: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [نوح: ٣ - ٤]. وما قولكم في الحديث الذي فيه أن الله جعل عمر داود ﵇ مائة سنة بعد أن كان أربعين سنة (٢). والجواب أن الأرزاق والأعمار نوعان: نوع جرى به القدر وكتب في أم الكتاب، فهذا لا يتغير ولا يتبدل، ونوع أعلم الله به ملائكته فهذا هو الذي يزيد وينقص، ولذلك قال الله تعالى: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩]. وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ الذي قدر الله فيه الأمور على ما هي عليه. ففي كتب الملائكة يزيد العمر وينقص، وكذلك الرزق بحسب الأسباب، فإن الملائكة يكتبون له رزقًا وأجلًا، فإذا وصل رحمه زيد له في الرزق والأجل، وإلا فإنه ينقص له منهما. والأجل أجلان: أجل مطلق يعلمه الله، وأجل مقيد، فإن الله يأمر الملك أن يكتب لعبده أجلًا، فإن وصل رحمه، فيأمره بأن يزيد في أجله ورزقه. والملك لا يعلم أيزاد له في ذلك أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء الأجل لم يتقدم ولم يتأخر. يقول ابن حجر العسقلاني: الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، والذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات والعلم عند الله (٣). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٦٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧). من حديث أنس ﵁.\n(٢) رواه الترمذي (٣٠٧٦). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) «فتح الباري» (١١/ ٤٨٨).","vol":"5","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1632>المبحث الثاني: التوفيق بين الأقدار وبين كل مولود يولد على الفطرة</span>\nوقد يقول بعض الناس كيف يكون الله قدر كل شيء مع أنه صح عن رسولنا أن كل مولود يولد على الفطرة؟\nفالجواب أنه لا تناقض ولا تعارض بين النصوص المبينة أن كل شيء بقدر، والنصوص المخبرة بأن كل مولود يولد على الفطرة. فالله فطر عباده على السلامة من الاعتقادات الباطلة كما فطرهم على قبول العقائد الصحيحة، ثم إذا ولدوا أحاطت بهم شياطين الإنس والجن، فأفسدت فطرهم وغيَّرتها، وثبَّت الله من شاء الله هدايته على الحق. والله يعلم من يثبت على الفطرة السويّة السليمة، ومن تتغير فطرته، علم ذلك في الأزل وكتبه، فلا منافاة بين هذه النصوص ولا تعارض بينهما، ففي الحديث الذي يرويه مسلم في (صحيحه) عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن الله: «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» (١). والله يعلم من الذي تجتالهُ الشياطين وتغرر به، ويعلم من يثبت على الحق، ويهدى للصواب. وإذا عرفت هذا الذي بيناه علمت كيف تُوَجِّه قوله صلى لله عليه وسلم: «خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنًا، وخلق فرعون في بطن أمه كافرًا». رواه ابن عدي في (الكامل)، والطبراني في (الأوسط) (٢). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٦٨\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٦٥).\n(٢) رواه ابن عدي في «الكامل» (١/ ٣٥٠)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٠/ ٢٢٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٩٣): رواه الطبراني وإسناده جيد. وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٢٣٧).","vol":"5","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1633>المبحث الثالث: معنى قوله: وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ</span>\nوقد يحتج بعض الناس للقدرية النفاة بقوله تعالى: ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلناسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا [النساء:٧٩]، ويظنون أن المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية الطاعات والمعاصي. وهؤلاء أخطؤوا الفهم، فالمراد بالحسنات هنا النعم، والمراد بالسيئات المصائب، يدلنا على صحة هذا الفهم سياق النص. قال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء: ٧٨ - ٧٩]. فالله يحكي عن المنافقين أنهم كانوا إذا أصابتهم حسنة مثل الرزق والنصر والعافية، قالوا: هذه من الله، وإذا أصابتهم سيئة مثل ضَرْبٍ ومرضٍ وخوفٍ من عدو قالوا: هذه من عندك يا محمد. أنت الذي جئت بهذا الدين الذي عادانا الناس لأجله، وابتلينا لأجله بهذه المصائب. فالحسنات هنا النعم، والسيئات المصائب، وهذه كقوله تعالى: إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران: ١٢٠]، وقوله: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: ١٨٦]. ثم قرر الحق أن المصائب والنعم لا تخرج عن قدر الله ومشيئته قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء: ٧٨]. ثم بين الحق ﵎ أن السيئات التي هي المصائب ليس لها سبب إذا أذنب العبد إلا من نفسه، وأما ما يصيب العبد من الخير فلا تنحصر أسبابه، لأنه من فضل الله، يحصل بعمل العبد وبغير عمله من إنعام الله عليه، فالواجب على العباد أن يشكروا ربهم ويحمدوه على ما أنعم به عليهم، كما يجب أن يكثروا من التوبة والأوبة والاستغفار مما اقترفوه من ذنوب سببت لهم المصائب والبلايا. وإذا أنت تأملت في قوله: ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلناسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا علمت أن الحسنة والسيئة هي فعل الله بالعباد التي هي المصائب والنعم، أما قوله فَمِن نَّفْسِكَ أي بسبب ذنوب العبد وخطاياه، وهذا وإن كان مقدرًا إلا أن الله قدر أن تكون المصيبة بسبب الذنب. أما الحسنات والسيئات التي هي أفعال العباد فلا يقال فيها: فَمِن نَّفْسِكَ وإنما يقول: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [القصص: ٨٤]. وإنما قال هنا: جاء لأن الحسنة فعل الجائي، ولذلك صرح بهذا في جانب الذنوب والمعاصي: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [القصص:٨٤]. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٦٩","vol":"5","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1634>المبحث الرابع: كيف يخلق الله الشر ويقدره</span>؟\nوقد يشاغب بعض القدرية فيقولون: إنَّ الله مقدس عن فعل الشر، وإن الواجب على العباد أن ينزهوا ربهم عن الشر وفعله، وهؤلاء خلطوا حقًا بباطل فالتبست عليهم الأمور وجواب هذه الشبهة أن الله تعالى لا يخلق الشرَّ المحض الذي لا خير فيه، ولا منفعة فيه لأحد، وليس فيه حِكْمَة ولا رحمة، ولا يعذب الناس بلا ذنب، وقد بين العلماء أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما ما في خلق إبليس والحشرات والكواسر من الحكمة والرحمة. فالشيء الواحد يكون خلقه باعتبار خيرًا، وباعتبار آخر شرًا، فالله خلق إبليس يبتلي به عباده، فمنهم من يمقته، ويحاربه ويحارب منهجه، ويعاديه ويعادي أولياءَه، ويوالي الرحمن ويخضع له، ومنهم من يواليه ويتبع خطواته. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٧٠","vol":"5","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1635>الفصل الثالث: التاركون للعمل اتكالًا على القدر</span>\nضل فريق آخر في باب القدر فقالوا: إذا كان الله عالمًا بكل شيء نفعله، وعالمًا بمصيرنا إلى الجنة أو النار، وكان هو الخالق لأفعالنا، فلماذا نعمل وننصب؟ ولماذا لا نترك الأقدار تجري في أَعِنَّتِهَا، وسيأتينا ما قدر لنا شئنا أم أبينا.\nوقد تَعمَّقَتْ هذه الضلالة عند طوائف من العُباد والزهاد وأهل التصوف، ولم تقله طائفة واحدة بعينها من طوائف أهل المقالات، وكان ولا يزال هذا القول على ألسنة كثير من جهال المسلمين وأهل الزيغ والزندقة. وهذا الفريق يؤمن بالقدر، وأن الله عالم بكل شيء، وخالق لكل شيء، ومريد لجميع الكائنات، ولكنهم زعموا أن كل ما خلقه الله وشاءه فقد رضيه وأحبه، وزعموا أنه لا حاجة بالعباد إلى العمل والأخذ بالأسباب، فما قُدِّر لهم سيأتيهم، وزعموا أن العباد مجبورون على أفعالهم، فالإنسان عندهم ليس له قدرة تؤثر في الفعل، بل هو مع القدر كالريشة في مهب الريح، وكالساقط من قمة جبل شامخ إلى واد بعيد غورهُ، سحيق قَعُره، لا يملك وهو يتردى فيه من أمره شيئًا. لقد ترك هؤلاء العمل احتجاجًا بالقدر قبل وقوعه، واحتجوا بالقدر على ما يقع منهم من أعمال مخالفة للشرع، ووصل بهم الحال إلى عدم التفريق بين الكفر والإيمان، وأهل الهدى والضلال، لأن جميع ذلك خلق الله، فلم التفريق؟ إن هذه العقيدة المنحرفة أضلت عقولًا كثيرة وانحرف مسارها عن جادة الحق والصواب، فاضطربت عندها موازين العدل والحق، وعطلت هذه العقيدة المنحرفة طاقات هائلة في العالم الإسلامي، أقعدتها عن العمل، بل جيَّرت أعمالها لمصلحة أعداء الإسلام في بعض الأحيان. لقد كان من آثار هذه العقيدة الزعم بأن الله أحب الكفر والشرك والقتل والزنا والسرقة وعقوق الوالدين وغير ذلك من الذنوب والمعاصي، لأنهم يزعمون أن كل شيء خلقه الله وأوجده فهو يحبه ويرضاه. ومن آثارها أن أصحابها تركوا الأعمال الصالحة الخيرة التي توصلهم إلى الجنة وتنجيهم من النار، وارتكبوا كثيرًا من الموبقات بدعوى أن القدر آت آت، وكل ما قدر للعبد سيصيبه، فلماذا العمل والتعب والنصب.","vol":"5","page":310},{"text":"لقد ترك هؤلاء الأخذ بالأسباب، فتركوا الصلاة والصيام، كما تركوا الدعاء والاستعانة بالله والتوكل عليه، لأنه لا فائدة منها، فالذي يريده الله ماض قادم لا ينفع معه دعاء ولا عمل. ورضي كثير من هؤلاء بظلم الظالمين وإفساد المفسدين، لأن ما يفعلوه قدر الله وإرادته. وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يهتموا بإقامة الحدود والقصاص، لأن ما وقع من المفاسد والجرائم مقدر لا بدَّ منه. وقد عرض شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – لهذا الفريق ومعتقده وحاله في مواضع من كتبه، فقال: الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق، وأنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهذا هو الذي يُبتلى به كثيرًا - إمّا اعتقادًا وإما حالًا - طوائف من الصوفية والفقراء حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات، وإسقاط الواجبات، ورفع العقوبات. وقال أيضًا فيهم: \" هؤلاء رأوا أن الله خالق المخلوقات كلها، فهو خالق أفعال العباد، ومريد الكائنات، ولم يميزوا بعد ذلك بين إيمان وكفر، ولا عرفان ولا نكر، ولا حق ولا باطل، ولا مهتدي ولا ضال، ولا راشد ولا غوي، ولا نبي ولا متنبيء، ولا ولي لله ولا عدو، ولا مرضي لله ولا مسخوط، ولا محبوب لله ولا ممقوت، ولا بين العدل والظلم، ولا بين البر والعقوق، ولا بين أعمال أهل الجنة وأعمال أهل والنار، ولا بين الأبرار والفجار، حيث شهدوا ما تجتمع فيه الكائنات من القضاء السابق والمشيئة النافذة والقدرة الشاملة والخلق العام، فشهدوا المشترك بين المخلوقات، وعموا عن الفارق بينهما. وقد يغلو أصحاب هذا الطريق حتى يجعلوا عين الموجودات هي الله، ويمسكون بموافقة الإرادة القدرية في السيئات الواقعة منهم، كقول الحريري: أنا كافر برب يعصى، وقول بني إسرائيل:\nأصبحت منفعلًا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات\nوقد يسمون هذا حقيقة باعتبار أنه حقيقة الربوبية. وعرض ابن القيم لهذه الفرقة وضلالاتها في كتابه القيم (شفاء العليل) فقال: ثم نبغت طائفة أخرى زعمت أن حركة الإنسان الاختيارية - ولا اختيار - كحركة الأشجار عند هبوب الرياح، وكحركات الأمواج، وأنه على الطاعة مجبور، وأنه غير ميسر لما خلق له، بل هو عليه مجبور ومقصور. ثم تلاهم أتباعهم على آثارهم مقتدين، ولمنهاجهم مقتفين، فقرروا هذا المذهب وانتموا إليه، وحققوه، وزادوا عليه أن تكاليف الرب تعالى لعباده كلها تكليف مالا يطاق، وأنها في الحقيقة كتكليف المقعد أن يرقى إلى السبع الطباق، فالتكليف بالإيمان وشرائعه تكليف بما ليس من فعل العبد، ولا هو بمقدوره، وإنما هو تكليف بفعل من هو منفرد بالخلق، وهو على كل شيء قدير، فكلف عباده بأفعاله، وليسوا عليها قادرين، ثم عاقبهم عليها، وليسوا في الحقيقة لها فاعلين. ثم تلاهم على آثارهم محققوهم من العُباد، فقالوا: ليس في الكون معصية البتَّة، إذ الفاعل مطيع للإرادة موافق للمراد، كما قيل:\nأصبحت منفعلًا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات\nولاموا بعض هؤلاء على فعله فقال: إن كنت عصيت أمره، فقد أطعت إرادته، ومطيع الإرادة غير ملوم، وهو في الحقيقة غير مذموم، وقرر محققوهم من المتكلمين في هذا المذهب بأن الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي واحدة، فمحبته هي نفس مشيئته، وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه، وكل ما شاءه فقد أحبه.","vol":"5","page":311},{"text":"ولقد ظنت هذه الفرقة بالله أسوأ الظنون، ونسبته إلى أقبح الظلم، وقالوا: إن أوامر الرب ونواهيه كتكليف العبد أن يرقى فوق السماوات، وكتكليف الميت إحياء الأموات، والله يعذب عباده أشدَّ التعذيب على فعل مالا يقدرون على تركه، وعلى ترك مالا يقدرون على فعله، بل يعاقبهم على نفس فعله الذي هو لهم غير مقدور، وليس أحد ميسر له، بل هو عليه مقهور، ونرى العارف منهم ينشد مترنمًا، ومن ربه متشكيًا ومتظلمًا:\nألقاه في اليم مكتوفًا وقال له: ... إياك إياك أن تبتل بالماء\nوقد تنبه ابن القيم إلى أن هذا الصنف من البشر قصدوا تحميل ذنوبهم على الأقدار، وتبريئها من الذنوب والأوزار، وقالوا إنها في الحقيقة فعل الخلاق العليم. وتنبه المقدم لكتاب (الشفاء) إلى أن هذا السبب هو الذي جعل الاتجاه السائد في كل العصور هو الجبر فقال: عقيدة الجبر تحمل عن الإنسان تبعاته، وتضع عنه أوزار ما اقترف من الإثم، وتلقي التبعة على القوة التي حركت الإنسان، ودفعت رغبته وقادته في تصرفاته، فكاد السواد الأعظم من الناس يدين بالجبر، فمن كان وثنيًا اعتقد بأن أمره بيد الآلهة التي يعبدها، يلقي التبعة على الدهر، ويعتقد أن المرء طوع تقلب الحدثان. ومن يقول أنه مؤمن بالله يعتقد أن الأقدار تُسيرِّه كيف تشاء، وأنه مسلوب الإرادة عديم الاختيار، حتى اتخذ هذا البحث مظهرًا جديدًا في العصور الحديثة، حيث قال المجبرة منهم: إن إرادة الإنسان مقيدة بالغرائز والوراثة والبيئة، وليس للإنسان يد في إحداث هذه الأمور، وإذن فليس له اختيار فيما يقترف من ذنب وإثم، لأن الإرادة لا أثر لها في البواعث النفسية، بل هي ثمرة هذه البواعث، وهي خاضعة لمؤثرات نفسية أو خارجية خضوعًا لا محيص عنه. ولما انتشرت فكرة الجبر بين المسلمين في العصور المتأخرة عن طريق الطرق الزائغة والمتصوفة أضرَّت ضررًا عظيمًا، سيما مع ترك الأسباب.\nقال بعضهم:\nجرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون\nجنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غيابته الجنين\nومقالة هذا الفريق تؤدي إلى الكفر بالله، والتكذيب بما جاء في كتبه، وأخبرت به رسله، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: فمن أثبت القدر واحتج به على إبطال الأمر والنهي فهو شر ممن أثبت الأمر والنهي، ولم يثبت القدر، وهذا متفق عليه بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل بين جميع الخلق، فإن من احتج بالقدر وشهود الربوبية العامة لجميع المخلوقات، ولم يفرق بين المأمور والمحظور والمؤمنين والكفار، وأهل الطاعة وأهل المعصية لم يؤمن بأحد من الرسل، ولا بشيءٍ من الكتب، وكان عنده آدم وإبليس سواء، ونوح وقومه سواء، وموسى وفرعون سواء، والسابقون الأولون والكفار سواء. وقال فيهم أيضًا: من يقر بتقدم علم الله وكتابه، ولكن يزعم أن ذلك يغني عن الأمر والنهي والعمل، وأنه لا يحتاج إلى العمل، بل من قضى بالسعادة دخل الجنة، بلا عمل أصلًا، ومن قضى بالشقاوة شقي بلا عمل، فهؤلاء أكفر من أولئك (يعني المكذبين بالقدر) وأضل سبيلًا، ومضمون قول هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بكثير. وقال أيضًا: هؤلاء القوم إذا أصروا على هذا الاعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى، فإن اليهود والنصارى يؤمنون بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، لكن حرفوا وبدلوا وآمنوا ببعض وكفروا ببعض. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٧٢","vol":"5","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1636>الفصل الرابع: الرد على القدرية الجبرية</span>\n• المبحث الأول: الوجه الأول خطؤهم في إطلاق اسم الجبر على ما يؤديه الإنسان من أفعال.\n• المبحث الثاني: الوجه الثاني إنكار الاختيار في أفعال العباد نقص في العقل.\n• المبحث الثالث: الوجه الثالث زعمهم أن كل شيء قدره الله وخلقه فقد رضيه وأحبه.\n• المبحث الرابع: الوجه الرابع زعمهم أن الإيمان بالقدر يقضي بترك الأعمال وإهمال الأسباب.\n• المبحث الخامس: الوجه الخامس احتجاجهم بالقدر.\n• المبحث السادس: هل الرضا بالمقدور واجب؟.\n• المبحث السابع: الوجه السادس الزعم بأن تكليف العباد غير ما فعلوا هو من باب التكليف بما لا يطاق.\n• المبحث الثامن: الوجه السابع يلزم من قوله التسوية بين المُخْتَلِفَيْن.","vol":"5","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1637>المبحث الأول: الوجه الأول خطؤهم في إطلاق اسم الجبر على ما يؤديه الإنسان من أفعال</span>\nاستعمل هؤلاء لفظًا لم يرد به الكتاب والسنة، والواجب على العباد أن يستخدموا الألفاظ التي جاءت بها النصوص، روى اللالكائي بإسناده إلى بقية قال: سألت الأوزاعي والزبيدي عن الجبر؟\nفقال الزبيدي: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر ويقهر، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله ﷺ (١).\nوورد مثل هذه الأقوال عن جمع من علماء السلف مثل سفيان الثوري وأبي إسحاق الفزاري وغيرهم.\nوإنما أنكروا إطلاق القول بأن الإنسان مجبر على فعله، لأن لفظ (الجبر) مجمل، فقد يراد بالإجبار معنى الإكراه كقولك: أجبر الأب ابنته على النكاح وجبر الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه ومعنى الإجبار هنا الإكراه، فيكون معنى قولهم: أجبر الله العباد، أي: أكرههم، لا أنه جعلهم مريدين لأفعالهم مختارين لها عن حبٍّ ورضا.\nوإطلاق هذا على الله ﵎ خطأ بين، فإن الله أعلى وأجل من أن يجبر أحدًا، وإنما يجبر غيره العاجز عن أن يجعله مريدًا للفعل مختارًا له محبًا له راضيًا به، والله سبحانه قادر على ذلك، فهو الذي جعل المريد للفعل المحب له الراضي به مريدًا له محبًا له راضيًا به، فكيف يقال أجبره وأكرهه، كما يجبر المخلوق المخلوق.\nوأما إطلاق الجبر مرادًا به أن الله جعل العباد مريدين لما يشاء منهم مختارين له من غير إكراه فهذا صحيح، وقال بعض السلف في معنى الجبار: هو الذي جبر العباد على ما أراد. ولما كان لفظ الجبر لفظ مجمل يطلق على هذا وهذا منع السلف من إطلاقه نفيًا أو إثباتًا. ذكر شيخ الإسلام عن أبي بكر الخلال في كتابه (السنة) أن المروزي قال للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، رجل يقول إن الله أجبر العباد، فقال: هكذا لا نقول، وأنكر ذلك وقال: يُضلُّ الله من يشاء ويهدي من يشاء. وذكر عن المروذي أن رجلًا قال: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي، فرد عليه آخر، فقال: إن الله جبر العباد، أراد بذلك إثبات القدر، فسألوا عن ذلك أحمد بن حنبل، فأنكر عليهما جميعًا على الذي قال جَبَر، وعلى الذي قال لم يجبر حتى تاب، وأمره أن يقول: يضل من يشاء ويهدي من يشاء. وذكر عن إسحاق الفزاري قال: جاءني الأوزاعي فقال: أتاني رجلان فسألاني عن القدر، فأجبت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما. قلت: رحمك الله، أنت أولى بالجواب. قال: فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان، فقال: تكلما. فقالا: قدم علينا ناس من أهل القدر، فنازعونا في القدر ونازعناهم فيه، حتى بلغ بنا وبهم إلى أن قلنا: إن الله جبرنا على ما نهانا عنه، وحال بيننا وبين ما أمرنا به، ورزقنا ما حرَّم علينا. فقلت: يا هؤلاء، إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة، وأحدثوا حدثًا، وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه. فقال الأوزاعي: أصبت وأحسنت يا أبا إسحاق. (٢). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٧٨\n_________\n(١) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٤/ ٧٠٠).\n(٢) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٥٤).","vol":"5","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1638>المبحث الثاني: الوجه الثاني إنكار الاختيار في أفعال العباد نقص في العقل</span>\nالذين يزعمون أن الإنسان ليس له إرادة يفعل بها ألغوا عقولهم، فضلوا وأضلوا، وإلا فإننا نعلم من أنفسنا أن حركتنا ليست كحركة الجماد، الذي لا يملك شيئًا لذاته في تحركه وسكونه. بل إننا نفرق بين الحركات غير الإرادية التي تجري في أجسادنا وبين الحركات الإرادية، فحركة القلب، وحركة الرئتين، وجريان الدم في دورته في عروق الإنسان، وآلاف العمليات المعقدة التي تجري في أجسادنا - من غير أن نعرفها ونعلم بها - ليس لنا فيها خيار، بل هي حركات اضطرارية ليس للإنسان إرادة في إيجادها وتحقيقها، ومثل ذلك حركة المرعوش الذي لا يملك إيقاف اهتزاز يده. أما أكل الإنسان وشربه وركوبه، وبيعه وشراؤه، وقعوده وقيامه، وزواجه وطلاقه، ونحو ذلك فهو يتم بإرادة وقدرة ومشيئة، والذين يسلبون الإنسان هذه القدرة ضلت عقولهم، واختلفت عندهم الموازين. والقرآن مليء بإسناد الأفعال إلى من قاموا بها كقوله تعالى: وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى (٢٠) سورة [يس:٢٠] فَلَما أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:١٠٣] فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص:١٥] فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ [القصص:٧٩] والنصوص في هذا كثيرة يصعب إحصاؤها التي تسند الأفعال إلى من قاموا بها. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٨١","vol":"5","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1639>المبحث الثالث: الوجه الثالث زعمهم أن كل شيء قدره الله وخلقه فقد رضيه وأحبه</span>\nوهذا زعم باطل، فالله شاء وجود الكفر والشرك والذنوب والمعاصي من الزنا والسرقة وعقوق الوالدين والكذب وقول الزور، وأكل مال الناس بالباطل، ولكنه كرهها وأبغضها ونهى عباده عنها. قال ابن القيم: أخبرني شيخ الإسلام قدس الله روحه أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغض الله ورسوله. فقال له الملوم: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وجميع ما في الكون مراده، فأي شيء أبُغضُ منه؟ فقال له الشيخ: إذا كان الله قد سخط على أقوام ولعنهم وغضب عليهم وذمهم، فواليتهم أنت وأحببت أفعالهم ورضيتها، تكون مواليًا له أو معاديًا له؟ قال: فبهت الجبري ولم ينطق بكلمة (١). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٨٢\n_________\n(١) انظر: «شفاء العليل» (ص٤).","vol":"5","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1640>المبحث الرابع: الوجه الرابع زعمهم أن الإيمان بالقدر يقضي بترك الأعمال وإهمال الأسباب</span>\nلقد أخطأ هذا الفريق في دعواه أن الإيمان بالقدر لا يحتاج العبد معه إلى العمل، وذهل هؤلاء عن حقيقة القدر، فالله قدرَّ النتائج وأسبابها، ولم يقدر المسببات من غير أسباب، فمن زعم أن الله قدر النتائج والمسببات من غير مقدمتها وأسبابها فقد أعظم على الله الفرية. فالله إذا قدرَّ أن يرزق فلانًا رزقًا جعل لذلك الرزق أسبابًا ينال بها، فمن ادعى أن لا حاجة به إلى السعي في طلب الرزق وأنَّ ما قدر له من رزق سوف يأتيه سعي أو لم يسع لم يفقه قدر الله في عباده.\nوإذا قدر الله أن يرزق فلانًا ولدًا، فإنه يكون قدر له أن يتزوج ويعاشر زوجه، فالأسباب هي من الأقدار. والله يقدر أن فلانًا يدخل الجنة، ويقدر مع ذلك أن هذا الإنسان يؤمن ويعمل الصالحات، ويستقيم على أمر الله، ويقدر أن فلانًا يكون من أهل النار، ويقدر أسباب ذلك من تركه الإيمان والأعمال الصالحة. ويقدر أن فلانًا يمرض فيتناول الدواء فيشفى، فالله قدر المرض، وقدر السبب الذي يزيل المرض ويحقق الشفاء. والله يقدر أن فلانًا يدعوه ويستغيث به، فيجيب دعاءَه ويقبل رجاءَه، ويقدر أن فلانًا لا يدعوه ولا يرجوه، فيكله إلى نفسه، ويبقيه في تعسه، فالله قدر المسببات وقدر أسبابها، ومن زعم أن المسبب يقع من غير سبب فإنه لم يفقه دين الله، ولم يعرف قدر الله، وهو كمن يزعم أن الولد يأتي من غير سبب، وأن الزرع يحصل من غير ماء ولا تراب، وأن الشبع يحدث من غير طعام، والري يكون من غير تناول شراب. والنصوص الدالة على هذا الذي شرحناه وبيناه كثيرة وافرة.","vol":"5","page":317},{"text":"ونصوص الكتاب والسنة حافلة بالأمر باتخاذ الأسباب المشروعة في مختلف شؤون الحياة، فقد أمرت بالعمل والسعي في طلب الرزق، واتخاذ العدة لمواجهة الأعداء، والتزود للأسفار. قال تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:١٠] وقال: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:١٥] وقال: وَأَعِدُّواْ لَهُم ما اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [الأنفال:٦٠] وأمر المسافرين للحج بالتزود وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزادِ التَّقْوَى [البقرة: ١٩٧] وأمر بالدعاء والاستعانة وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:٦٠] قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُواْ [الأعراف:١٢٨]. وأمر باتخاذ الأسباب الشرعية التي تؤدي إلى رضوانه وجنته كالصلاة والصيام والزكاة والحج. وحياة الرسول ﷺ وأصحابه، بل حياة المرسلين جميعًا والسائرين على نهجهم كلها شاهدة على أخذهم بالأسباب، والجد والاجتهاد في الأعمال. إن الأخذ بالأسباب هو من قدر الله ﵎، وليس مناقضًا للقدر ولا منافيًا له. وقد فقَّه الرسول صلى الله عليه سلم بمعنى القدر، وأنه لا يُوجبُ ترك العمل، بل يوجب الجد والاجتهاد فيه لبلوغه ما يطمح الإنسان في نيله وتحقيقه، فقد سأل الصحابة الرسول ﷺ عن فائدة العمل إذا كانت الأعمال مقدرة مقضية جفَّ بها القلم، وفرغ منها رب العالمين، فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (١) وقرأ ﵇: فَأَما مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَما مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥ - ١٠]. وقال بعض الصحابة الذين فقهوا عن الله ورسوله مراده لما سمع أحاديث القدر: ما كنت بأشدّ اجتهادًا مني الآن. إن الذي يفقه عن الله مراده في القدر يعلم أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال، بل يدفع إلى الجد والاجتهاد والحرص على تحصيل ما ينفعه في الدنيا والآخرة. إلا أنه يجب التنبه إلى أن العبد وإن أخَذَ بالأسباب فإنه لا يجوز أن يعتمد عليها، ويتوكل عليها، بل يجب أن يتوكل على خالقها ومنشئها. وقد قال علماؤنا: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع. وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا، لأنه ليس مستقلًا، ولا بدَّ له من شركاء وأضداد، ومع هذا كله فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر، وهذا مما يبين أن الله ربُّ كل شيء ومليكه، وأن السماوات والأرض وما بينهما والأفلاك وما حوته لها خالق مدبر غيرها، وذلك أن كل ما يصدر عن فلك أو كوكب أو ملك أو غير ذلك، فإنك تجده ليس مستقلًا بإحداث شيء من الحوادث، بل لا بدَّ له من مشارك ومعاون، وهو مع ذلك له معارضات وممانعات.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.","vol":"5","page":318},{"text":"فكل سبب له شريك وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه، ولم يُصرف عنه ضده لم يحصل سببه، فالمطر وحده لا ينبت إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتمُّ حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى ومجموع ذلك لا يفيد إن تصرف المفسدات. والعقلاء من البشر يعلمون أنهم لا يستقلون بفعل ما يريدون، فكثير منهم تتهيأ له الأسباب، ثم يحال بينه وبين ما يشتهي وما يريد حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس:٢٤]. يذكر اللالكائي أن رجلًا طلب من جاريته أن تسقيه، فجاءته بقدح من زجاج، فصبت له ماء، فوضعه على راحته، ثم رفعه إلى فيه، ثم قال: يزعم ناس أني لا أستطيع أن أشرب هذا، ثم قال: هي حرة إن لم أشربه (يعني جاريته التي صبت الماء) فما كان من الجارية إلا ضربت القدح بِردن قميصه، فوقع القدح وانكسر وأهرق الماء (١).\nوهكذا أثبتت الجارية لهذا المسكين أنه لا يقدر على كل ما يريد ما لم يقدره الله، فلقنته درسًا، وحررت نفسها من رق العبودية. وكم من ثري أو قوي أو مُقدّم قوم ظن أن الدنيا خضعت له وأعطته زمامها، وجد نفسه عاجزًا لا يستطيع أن يفعل شيئًا، قد يقعده عن فعل ما يشتهي عدو طاغ، أو مرضٌ مُقْعِدٌ، أو خيانة صديق. أو طمع محب وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سبأ: ٥٤]. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٨٣\n_________\n(١) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٤/ ٤٢٦).","vol":"5","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1641>المبحث الخامس: الوجه الخامس احتجاجهم بالقدر</span>\nوهؤلاء يحتجون بالقدر على ترك العمل، فتجد الواحد عندما يدعى إلى الصلاة والصيام وقراءة القرآن يقول: لو شاء الله لي أن أعمل هذا عملته، كما يحتجون به على ما يوقعونه بالناس من الظلم والفساد، أو ما يقع من ظلم وفساد، فيقولون في المظالم والمناكر والمفاسد التي تقع: هذه إرادة الله ومشيئته وليس لنا حيلة في ذلك، وقد أدى هذا بهم إلى ترك الباطل يستشري في ديار الإسلام. وترى هذا الصنف من البشر خاضعين للظلمة، بل إن بعضًا منهم يصبح أعوانًا للظلمة، وتراهم يخاطبون الناس قائلين: ليس لكم إلا أن تصبروا على مشيئة الله وقدره فيكم. وترى بعض هؤلاء يفعلون الموبقات ويرتكبون المنكرات من الزنا والفسوق والعصيان ويحتجون لأفعالهم بالقدر. وهؤلاء إن اعتقدوا أن كل شيء واقع فهو حجة أضحكوا العقلاء منهم، وأوقعوا أنفسهم في مأزق لا يجدون منه خلاصًا، وابن القيم يذكر وقائع من هؤلاء تزري بأصحاب العقول، وتجعل أصحابها في مرتبة أقل من البهائم، يذكر عن واحد من هؤلاء أنه رأى غلامه يفجر بجاريته، فلما أراد معاقبتهما، وكان غلامه يعرف مذهبه في القدر، فقال له: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك. فقال له ذلك الجاهل: لَعِلْمُكَ بالقضاء والقدر أحب إليَّ من كل شيء، أنت حرّ لوجه الله.","vol":"5","page":320},{"text":"ورأى آخر رجلًا يفجر بزوجته، فأقبل يضربها وهي تقول: القضاء والقدر، فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا؟ فقالت: أوَّه تركت السنة، وأخذت بمذهب ابن عباس. فتنبه، ورمى بالسوط من يده، واعتذر إليها، وقال: لولا أنت لضللت. ورأى آخر رجلًا يفجر بامرأته، فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاء الله وقدره. فقال: الخيرة فيما قضى الله. فلقب بالخيرة فيما قضى الله. ولو كان الاحتجاج بالقدر صحيحًا لأمكن لكل واحد أن يقتل ويفسد ويأخذ الأموال ويظلم العباد، فإذا سئل عن أفعاله احتج بالقدر، وكل العقلاء يعلمون بأن هذه الحجة مرفوضة غير مرضية، وإلا فإن الحياة تفسد. وكثير من الذين يحتجون بالقدر لظلمهم وفسقهم وضلالهم يثورون إذا ما وقع عليهم الظلم، ولا يرضون من غيرهم أن يحتج على ظلمه لهم بالقدر. إن المنهج الذي فقهه علماؤنا عن ربنا ونبينا أنه يجب علينا أن نؤمن بالقدر، ولكن لا يجوز لنا أن نحتج به على ترك العمل، كما لا يجوز لنا أن نحتج به على مخالفتنا للشرع، وإنما يحتج بالقدر على المصائب دون المعايب. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (١): العبد له في المقدور حالان: حال قبل القدر وحال بعد القدر. فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه، فإذا قدر المقدور بغير فعله فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به، وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله على ذلك، وإن كان ذنبًا استغفر إليه من ذلك. وله في المأمور حالان: حال قبل الفعل، وهو العزم على الامتثال والاستعانة بالله على ذلك، وحال بعد الفعل وهو الاستغفار من التقصير وشكر الله على ما أنعم به من الخير. قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [غافر:٥٥] أمره أن يصبر على المصائب المقدرة، ويستغفر من الذنب. وقال تعالى: وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران:١٨٦]. وقال يوسف: إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:٩٠]. فذكر الصبر على المصائب والتقوى بترك المعايب، وقال النبي ﷺ: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (٢). إن العبد المؤمن الحصيف لا يترك العمل بدعوى أنَّ قدر الله ماض فيه، بل الواجب عليه أن يأخذ الأمر بقوة، يعلم ما يطلبه الله، ويفكر فيما يفيده وينفعه، ثم يبذل قصارى جهده في القيام بأمر الله، وبالأخذ بالأسباب للأمور التي يظن أن فيها نفعه وصلاحه، فإذا لم يوفق فلا يقضي وقته بالتحسر والتأسف، وإنما يقول في هذا الموضع قدر الله وما شاء فعل. إن الإيمان بالقدر والاحتجاج به يأتي لمعالجة المشكل النفسي الذي يذهب الطاقة الإنسانية ويبددها في حال الفشل والإخفاق، ولا يكون مانعًا من العمل والإبداع في مقبل الزمان.\nاستدلالهم بحديث احتجاج آدم بالقدر:\nوقد يستدل من قلَّ عمله بحديث احتجاج آدم وموسى على الاحتجاج بالقدر في المعايب، وهو حديث صحيح روته كتب (الصحاح)، و(السنن).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٧٦).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٦٤). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":321},{"text":"روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «احتج آدم وموسى ﵉ عند ربهما، فحج آدم موسى. قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أُهبط الناس بخطيئتك إلى الأرض؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيًا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله فحج آدم موسى» (١).\nوليس في هذا الحديث حجة للذين يحتجون بالقدر على القبائح والمعايب، فآدم ﵇ لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وموسى ﵇ لم يلم أباه آدم على ذنب تاب منه، وتاب الله عليه منه واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم من موسى على المصيبة التي أخرجت آدم وأولاده من الجنة.\nفاحتج آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعايب.\nفعلى العبد أن يستسلم للقدر إذا أصابته مصيبة الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنا لِلّهِ وَإِنا إِلَيْهِ رَاجِعونَ [البقرة:١٥٦]، أما المذنبون فليس لهم الاحتجاج بالقدر، بل الواجب عليهم أن يتوبوا ويستغفروا فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [غافر:٥٥] فأرشد إلى الصبر في المصائب والاستغفار من الذنوب والمعايب.\nوالله ذم إبليس لا لاعترافه بالمقدر في قوله: قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي [الحجر:٣٩]، وإنما على احتجاجه بالقدر.\nوأجاب ابن القيم عن الإشكال الذي وقع في حديث احتجاج آدم بالقدر بجواب آخر فقال: الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمرًا ولا نهيًا، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءَة من الحول والقوة. يوضحه أن آدم قال لموسى: أتلومني على أن عملت عملًا كان مكتوبًا عليَّ قبل أن أخلق؟ فإذا أذنب الرجل ذنبًا ثم تاب منه توبة، وزال أمره حتى كأن لم يكن، فأنَّبهُ عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول: هذا أمر كان قد قدر علي قبل أن أخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقًا، ولا ذكره حجة له على باطل ولا محظور في الاحتجاج به. وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به، ففي حال المستقبل بأن يرتكب فعلًا محرمًا أو يترك واجبًا، فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته عليه، وإصراره، فيبطل به حقًا، ويرتكب به باطلًا، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله. (٢) الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٨٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤٠٩)، ومسلم (٢٦٥٢).\n(٢) انظر: «شفاء العليل» (ص١٨).","vol":"5","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1642>المبحث السادس: هل الرضا بالمقدور واجب</span>؟\nإذا كانت المعاصي بقضاء الله فكيف لنا أن نكره قضاءَه ونبغضه، والجواب: أنه لا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ آية ولا حديث يأمر العباد بأن يرضوا بكل مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها، ولكن الواجب على الناس أن يرضوا بما أمر الله به، فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به. قال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّما قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:٦٥].\nوينبغي للعبد أن يرضى بما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوبًا، مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له، فإن الصبر على المصائب واجب، وأما الرضا بها فهو مشروع، ولكن هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين لأصحاب أحمد وغيرهم: أصحهما أنه مستحب ليس بواجب. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٩٣","vol":"5","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1643>المبحث السابع: الوجه السادس الزعم بأن تكليف العباد غير ما فعلوا هو من باب التكليف بما لا يطاق</span>\nوزعم من ذهب هذا المذهب أن فاعلي المعاصي والذنوب لا يستطيعون غير ما فعلوا، وتكليفهم بخلاف ما فعلوا تكليف بما لا يطاق، وتكليف مالا يطاق جاءت الشريعة بنفيه في قوله: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:٢٨٦]. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا [الطلاق:٧]، واحتجوا بمثل قوله تعالى: الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [الكهف:١٠١]، وقوله: يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ [هود:٢٠]، وقوله: وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [يس:٩]. قالوا: فهذه الآيات مصرحة بأنهم لم يكونوا يستطيعون الفعل، وهؤلاء ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وزعموا أنه متناقض، وحاشاه أن يكون كذلك. والجواب عما شغبوا به أن الاستطاعة المنفية في الآيات التي احتجوا بها ليست هي الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي، فإن تلك إذا انتفت انتفى الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحمد والذم، والثواب والعقاب. ومعلوم أن العباد في هذه الحال مأمورون منهيون موعودون متوعدون، فعلم أن المنفية ليست هي المشروطة في الأمر والنهي. فالاستطاعة المنفية في الآيات التي احتجوا بها ليست بسبب استحالة الفعل أو عجزهم عنه، وإنما هي بسبب تركهم له والاشتغال بضده، كالكافر كلفه الله الإيمان في حال كفره، لأنه غير عاجز عنه ولا مستحيل فعله، فهو كالذي لا يقدر على العلم لاشتغاله بالمعيشة. أما الاستطاعة التي هي مناط التكليف، فهي المذكورة في مثل قوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى الناسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:٩٧]، وقوله: فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة:٤]، ومثل قوله ﷺ: «صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (١). ومعلوم أن الله لا يكلف مالا يطاق لوجود ضده من العجز، فلا يكلف المقعد بأن يصلي قائمًا، ولا يكلف المريض بالصيام، ولا يكلف الأعمى بالجهاد والقتال، لخروج ذلك عن المقدور. وقد اتفق أهل العلم أن العبد إذا عجز عن بعض الواجبات سقط عنه ما عجز عنه، فمن قطعت منه رجله سقط عنه غسلها، ومن لم يستطع اغتسال الجنابة أو القيام أو الركوع ونحو ذلك سقط عنه ما عجز عنه. وبذلك يظهر لك أن عدم الاستطاعة المذكورة في الآيات التي احتج بها هذا الفريق غير مشروطة في شيء من الأمر والنهي والتكليف باتفاق المسلمين، والاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي في الآيات التي سقناها هي التي لم يكلف الله أحدًا شيئًا بدونها. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٩٣\n_________\n(١) رواه البخاري (١١١٧) من حديث عمران بن حصين ﵁.","vol":"5","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1644>المبحث الثامن: الوجه السابع يلزم من قوله التسوية بين المُخْتَلِفَيْن</span>\nلقد أدى هذا المذهب بأصحابه والقائلين به إلى التسوية بين الأخيار والفجار، والأبرار والأشرار، وأهل الجنة وأهل النار، وقد فرق بينهم العليم الخبير أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجارِ [ص:٢٧ - ٢٨]، وقال: أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:٢١]، وقال: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:٣٥ - ٣٦]. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٩٥","vol":"5","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1645>الفصل الخامس: مذهب أهل السنة والجماعة في القدر</span>\nبيان المذهب الحق في القدر ونقصد بذلك مذهب السلف، وأهل السنة والجماعة، من الصحابة والتابعين، وتابعيهم إلى يوم القيامة، وهم الذين كانوا على الحق سائرين وهم الذين ثبتوا على طريق الهدى والرشاد حين بدأت بذور الفتن والفرقة تدب بين المسلمين، فنشأت هذه النحل والمقالات الفاسدة وصار لها دعاتها ومؤيدوها ومناصروها، وأصبحت كل فرقة تدعي أنها على الحق، وتستدل لأقوالها بأدلة من الكتاب والسنة، تزعم أنها تؤيد ما ذهبت إليه، بل قد تنسب أقوالها ومذاهبها إلى بعض الصحابة وكبار التابعين، وكان من آثار ذلك أن اختلطت المفاهيم، وضل فئام من الناس عن منهج الله المستقيم بكامله، أو في جانب من جوانب العقيدة.\nأما أهل الحق فقد ثبتوا عليه، رغم المحن والشدائد وهب العلماء من السلف يبينون للناس العقيدة الصحيحة، ودلائلها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ويردون على أهل الأهواء مذاهبهم وعقائدهم الفاسدة، ويدحضونها بالعلة وبالرهان، ويبينون ما هي عليه من زيف وباطل، وجاهد علماء السلف في ذلك، حتى نصرهم الله وأيدهم، فبقي مذهبهم هو مذهب عامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وبقيت عقيدة السلف متميزة واضحة تمام الوضوح، يتلقاها الخلف عن السلف، أما النحل والأهواء الفاسدة، فإنها وإن بقيت، وبقي لها مؤيدوها إلا أن ما فيها من باطل قد وضح للناس والحمد لله رب العالمين.\nوعقيدة أهل الحق من السلف في القدر واضحة صحيحة مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، قد جلاها ووضحها علماء السلف رضوان الله عليهم ... وأنهم يؤمنون بالقدر خيره وشره، حلوه ومره من الله تعالى.\n١ - وهو يشمل أربع مراتب في درجتين:\nالدرجة الأولى:\nأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف.\nوهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله وشقي أو سعيد.\nفهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى: العلم، والثانية: الكتابة.\nالدرجة الثانية: مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله ﷾، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه فلا خالق غيره، ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين، والمحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد.\nفهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى الإرادة والمشيئة والثانية: الخلق والتكوين.\n٢ - أما أفعال العباد فهي داخلة في المرتبة الرابعة، ومذهب السلف فيها: أن الله خالق أفعال العباد، والعباد فاعلون حقيقة، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم. القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود – بتصرف – ص: ٢٤٧ - ٢٤٨","vol":"5","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1646>الفصل السادس: من أقوال السلف في القدر</span>\n- يقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في عقيدته التي نقلها ابن الجوزي:\n(ونؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره من الله) ويقول أيضًا: (أجمع سبعون رجلًا من التابعين، وأئمة المسلمين، وأئمة السلف، وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله ﷺ: أولها الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والصبر تحت حكمه، والأخذ بما أمر الله به، والنهي عما نهى عنه، وإخلاص العمل لله، والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين) (١).\nوفي مسائل الإمام أحمد: (أخبرنا أبو بكر قال: حدثنا أبو داود قال: سمعت أحمد قال له رجل: تلجئني القدرية إلى أن أقول: الزنا بقدر، والسرقة بقدر، قال: الخير والشر من الله) (٢).\n- وقد نقل الإمام البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) عدة روايات تدل على أن الله خالق أفعال العباد، ثم قال: (قال ابن عباس ﵄: كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك. قال أبو عبدالله محمد بن إسماعيل: سمعت عبدالله بن سعيد يقول: مازلت أسمع من أصحابنا يقولون إن أفعال العباد مخلوقة، قال أبو عبدالله: حركاتهم وأصواتهم، واكتسابهم، وكتابتهم، مخلوقة) (٣) وقال: (فالله في ذاته هو الخالق، وحظك واكتسابك من فعلك خلق، لأن كل شيء دون الله يصنعه وهو خلق) (٤).\n- ويقول شيخ المالكية في المغرب ابن أبي زيد القيرواني: (والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا، ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه، فجرى على قدره، لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤]، يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من عمله، وقدره من شقي أو سعيد، تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحد عنه غنى، خالقًا لكل شيء، ألا هو رب العباد، ورب أعمالهم، والمقدر لحركاتهم وآجالهم) (٥).\n- ويذكر الإمام البيهقي في كتابه: (الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة) روايات عديدة تبين مذهب السلف، وأن الله خالق أفعال العباد، وقال معقبًا على بعضها: (فثبت أن الأفعال كلها خيرها وشرها صادرة عن خلقه وإحداثه إياها، ولأنه قال: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى [الأنفال:١٧]، وقال: أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة:٦٤]، فسلب عنهم فعل القتل والرمي والزرع مع مباشرتهم إياه، وأثبت فعلها لنفسه، ليدل بذلك على أن المعنى المؤثر في وجودها بعد عدمها هو إيجاده وخلقه، وإنما وجدت من عباده مباشرة تلك الأفعال بقدرة حادثة أحدثها خالقنا - ﷿ - على ما أراد فهي من الله - ﷾ - خلق، على معنى أنه هو الذي اخترعها بقدرته القديمة، وهي من عبادة كسب، على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي أكسابهم) (٦).\nثم قال: (أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، قال: نا الزبير بن عبدالواحد الحافظ، قال حدثني حمزة بن علي العطار، قال: نا الربيع بن سليمان، قال سئل الشافعي ﵁ عن القدر فأنشأ يقول:\n_________\n(١) «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي (ص: ٢٢٨)، وانظر: «المدرسة السلفية» لمحمد عبد الستار نصار (٢/ ٥٢٥).\n(٢) انظر: «السنة» للخلال (٣/ ٥٤٣).\n(٣) «خلق أفعال العباد» للبخاري (١٠٦).\n(٤) «خلق أفعال العباد» للبخاري (١٠٨).\n(٥) «مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني» (ص: ٦ - ٧).\n(٦) «الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد» (ص: ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"5","page":327},{"text":"(فـ) ما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن\nخلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسن\nعلى ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن\nفمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن\nوعلى نحو قول الشافعي ﵁ في إثبات القدر لله، ووقوع أعمال العباد بمشيئته، درج أعلام الصحابة والتابعين وإلى مثل ذلك ذهب فقهاء الأمصار: الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم ﵃، وحكينا عن أبي حنيفة ﵀ مثل ذلك، وهو فيما أخبرنا أبو عبدالله الحافظ قال: سمعت أبا بكر محمد بن جعفر المزكي يقول: نا أبو العباس أحمد بن سعيد بن مسعود المري قال: نا سعد بن معاذ قال: ثنا إبراهيم بن رستم قال: سمعت أبا عصمة يقول: سألت أبا حنيفة من أهل الجماعة قال: من فضل أبا بكر وعمر، وأحب عليًّا وعثمان، وآمن بالقدر خيره وشره من الله ...) (١).\n- ويقول الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني في رسالته (عقيدة السلف أصحاب الحديث): (ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه، ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه .. ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره لا مرد لهما، ولا محيص ولا محيد عنهما، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه .. ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله، وبقضائه لا يضاف إلى الله ما يتوهم منه نقص على الانفراد فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه .. ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله ﷿ مريد لجميع أعمال العباد، خيرها وشرها، لم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء ألا يعصى ما خلق إبليس، فكفر الكافرين، وإيمان المؤمنين، بقضائه ﷾ وقدره، وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية) (٢).\n- ويقول الإمام ابن قتيبة ﵀: (وعدل القول في القدر أن تعلم أن الله عدل لا يجور، كيف خلق، وكيف قدر، وكيف أعطى، وكيف منع، وأنه لا يخرج من قدرته شيء، ولا يكون في ملكوته من السموات والأرض إلا ما أراد، وأنه لا دين لأحد عليه، ولا حق لأحد قبله، فإن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل، وإن العباد يستطيعون ويعملون، ويجزون بما يكسبون، وإن لله لطيفة يبتدئ بها من أراد، ويتفضل بها على من أحب، يوقعها في القلوب فيعود بها إلى طاعته، ويمنعها من حقت عليه كلمته، فهذه جملة ما ينتهي إليه علم ابن آدم من قدر الله ﷿، وما سوى ذلك مخزون عنه) (٣) القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود – ص: ٢٤٩ - ٢٥٤\n_________\n(١) «الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد» (ص: ١٦٢ - ١٦٣).\n(٢) «عقيدة السلف أصحاب الحديث» (ص: ٢٩ - ٣١).\n(٣) «الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمُشبِّهة» (ص: ٢٢).","vol":"5","page":328},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان: وهو أنَّ الله خالق كلّ شيء ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد. وأنه سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءَه، بل هو القادر على كل شيء ولا يشاء شيئًا إلا وهو قادر عليه. وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم: قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة. فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها، وكتابته إياها قبل أن تكون مجموع فتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية - ٨/ ٤٤٩\nوقال: وسلف الأمة وأئمتها متفقون على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به، منهيون عما نهاهم الله عنه، ومتفقون على الإيمان بوعده ووعيده الذي نطق به الكتاب والسنة. ومتفقون على أنه لا حجّة لأحد على الله في واجب تركه، ولا محرّم فعله، بل لله الحجة البالغة على عباده. مجموع فتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية - ٨/ ٤٥٢\nوقال: ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن العباد لهم مشيئة وقدرة، يفعلون بقدرتهم ومشيئتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم: إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله. مجموع فتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية - ٨/ ٤٥٩\n- عقيدة الإمام أبي بكر محمد الحسين الآجُرِّي في القدر\nقال ﵀: مذهبنا في القدر أن نقول: إن الله ﷿ خلق الجنة وخلق النار، ولكل واحدة منهما أهل، وأقسم بعزته أنه يملأ جهنم من الجِنَّة والناس أجمعين. ثم خلق آدم ﵇، واستخرج من ظهره كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة. ثم جعلهم فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير. وخلق إبليس، وأمره بالسجود لآدم ﵇، وقد علم أنه لا يسجد للمقدور، الذي قد جرى عليه من الشقوة التي سبقت في العلم من الله ﷿، لا معارض لله الكريم في حكمه، يفعل في خلقه ما يريد، عدلًا من ربنا قضاؤه وقدره. وخلق آدم وحواء ﵉، للأرض خلقهما، وأسكنهما الجنة، وأمرهما أن يأكلا منها رغدًا ما شاءا، ونهاهما عن شجرة واحدة أن لا يقرباها، وقد جرى مقدوره أنهما سيعصيانه بأكلهما من الشجرة. فهو ﵎ في الظاهر ينهاهما، وفي الباطن من علمه: قد قدر عليهما أنهما يأكلان منها: لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣]. لم يكن لهما بُدُّ من أكلهما، سببًا للمعصية، وسببًا لخروجهما من الجنة، إذ كانا للأرض خلقًا، وأنه سيغفر لهما بعد المعصية، كل ذلك سابق في علمه، لا يجوز أن يكون شيء يحدث في جميع خلقه، إلا وقد جرى مقدوره به، وأحاط به علمًا قبل كونه أنه سيكون.\nخلق الخلق، كما شاء لما شاء، فجعلهم شقيًا وسعيدًا قبل أن يخرجهم إلى الدنيا، وهم في بطون أمهاتهم، وكتب آجالهم، وكتب أرزاقهم، وكتب أعمالهم، ثم أخرجهم إلى الدنيا، وكل إنسان يسعى فيما كُتِبَ له وعليه.","vol":"5","page":329},{"text":"ثم بعث رسله، وأنزل عليهم وحيه، وأمرهم بالبلاغ لخلقه، فبلغوا رسالات ربهم، ونصحوا قومهم، فمن جرى في مقدور الله ﷿ أن يؤمن آمن، ومن جرى في مقدوره أن يكفر كفر، قال الله ﷿: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن:٢] أحب من أراد من عباده، فشرح صدره للإيمان والإسلام، ومقت آخرين، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلن يهتدوا أبدًا، يضل من يشاء ويهدي من يشاء لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣]. الخلق كلهم له، يفعل في خلقه ما يريد، غير ظالم لهم، جل ذكره عن أن ينسب ربنا إلى الظلم، إنما يظلم من يأخذ ما ليس له بملك، وأما ربنا ﷿ فله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وما تحت الثرَّى، وله الدنيا والآخرة، جل ذكره، وتقدست أسماؤه، أحب الطاعة من عباده، وأمر بها، فجرت ممن أطاعه بتوفيقه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كونها من غير محبته منه لها، ولا للأمر بها، تعالى الله ﷿ أن يأمر بالفحشاء، أو يحبها، وجل ربنا وعز أن يجري في ملكه ما لم يرد أن يجري، أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه، قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وبعد أن يخلقهم، قبل أن يعملوا قضاء وقدرًا. قد جرى القلم بأمره ﷿ في اللوح المحفوظ بما يكون، من برّ أو فجور، يثني على من عمل بطاعته من عبيده، ويضيف العمل إلى العباد، ويعدهم عليه الجزاء العظيم، لولا توفيقه لهم ما عملوا ما استوجبوا به منه الجزاء سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢١] وكذا ذم قومًا عملوا بمعصيته، وتوعدهم على العمل بها، وأضاف العمل إليهم بما عملوا، وذلك بمقدور جرى عليهم، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى: هذا مذهبنا في القدر (١). الشريعة للآجري -١/ ٣١٩\nويقول الطحاوي ﵀ في القدر: خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارًا وضرب لهم آجالًا، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته.\nوكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد، إلا ما شاء الله لهم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلًا. وكلهم متقلبون في مشيئته بين فضله وعدله. وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره. آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلًّا من عنده. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز – ١/ ١٢٥\n_________\n(١) انظر: «الشريعة» (ص١٤٤).","vol":"5","page":330},{"text":"وقال: وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، لا يزاد في ذلك العدد، ولا ينقص منه. وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له ... والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله ... وأصل القدر سرّ الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى: لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]. فمن سأل: لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين. فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منوّرٌ قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم، لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك العلم المفقود. ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد قدر، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى في أنه كائن، ليجعلوه غير كائن، لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنًا لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه. وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا، ليس فيه ناقض، ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:٢]. وقال تعالى: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب:٣٨]، فويل لمن صار في القدر لله خصيمًا، وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرًا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفاكًا أثيمًا. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز-١/ ٣١٧","vol":"5","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1648>المبحث الأول: أسباب الضلال في القدر</span>\nوالسبب في ضلال كل من القدرية النفاة والقدرية المجبرة في هذا الباب أن كل واحد من الفريقين رأى جزءًا من الحقيقة وعمي عن جزء منها، فكان مثله مثل الأعور الذي يرى أحد جانبي الشيء، ولا يرى الجانب الآخر، فالقدرية النفاة الذين نفوا القدر قالوا: إن الله لا يريد الكفر والذنوب والمعاصي ولا يحبها ولا يرضاها، فكيف نقول إنه خلق أفعال العباد وفيها الكفر والذنوب والمعاصي. والقدرية المجبرة آمنوا بأن الله خالق كل شيء، وزعموا أن كل شيء خلقه وأوجده فقد أحبّه ورضيه. وأهل السنة والجماعة أبصروا الحقيقة كلها، فآمنوا بالحق الذي عند كل واحد من الفرقين، ونفوا الباطل الذي تلبس كل واحد منها. فهم يقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا، فهو لا يحبها، ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها وينهى عنها. وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله لم يحنث إذا لم يفعله، وإن كان واجبًا أو مستحبًا. ولو قال: إن أحب الله، حنث إن كان واجبًا أو مستحبًا. والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية خلقية، وإرادة دينية شرعية الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٠٥","vol":"5","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1649>المبحث الثاني: حكم الاحتجاج بالقدر</span>\nعقيدة الإيمان بالقدر لقيت كما لقي غيرها من أركان الإيمان كثيرًا من الاعتراضات، وأثيرت حولها كثير من الشبهات، وليس هذا بمستغرب ما دام الصراع بين الحق والباطل موجودًا منذ أن استكبر إبليس على ربه، وأبى السجود لآدم ﵇، وإلى أن تقوم الساعة.\nولم يكن هناك داع لطرق هذا الموضوع ... لولا أن القدر قد اشتهر عنه بصفة خاصة: في بطون الكتب، وعلى ألسنة الناس في كل زمان ومكان هذا الموضوع الذي هو موضوع الاحتجاج به، فكل من عرض له موضوع القدر، أو تحدث عنه، أو كتب فيه تجده يناقش هذه المسألة.\nومن المعلوم أن كثرًا من الكافرين والمشركين والضالين، والمقصرين في عبادة الله والمنحرفين عن منهج الله قد وجدوا في القدر مجالًا للاحتجاج به على كفرهم، وفسادهم، وتقصيرهم. ولذلك ورد في الكتاب والسنة، وأقوال العلماء ما يرد على هؤلاء جميعًا ويدحض حججهم كلها.\nلهذا كله كان من تمام الكلام في القدر أن نناقش أهم هذه الأسئلة التي تثار حوله، والمقصود: الأسئلة التي تثار حول القدر على وفق عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، وإلا فالأسئلة التي أثيرت وتثار على مذاهب المنحرفين في القدر كثيرة وكثيرة جدًا، ومن ثم فسنقصر الحديث على الأسئلة التي أثيرت حول عقيدة السلف في القدر فقط. وستكون طريقتنا أن نذكر كل حجة على شكل سؤال، ثم نعقبه مباشرة بالمناقشة والبيان، وهكذا في الحجة الثانية وإلى آخر الحجج.\nالسؤال الأول:\nوهو سؤال عام يجمع حججًا عديدة، ولذلك كان من أشهر الحجج وأكثرها شيوعًا عند كل من انحرف عن الطريق المستقيم في باب القدر، وملخصه:\nأن كل من أذنب ذنبًا، أو ارتكب معصية فإنه يحتج بأنه مقدر عليه، وأنه أمر مقدور، حاصل لا محالة، ومن ثم فما ذنب العاصي في معصيته، ما دامت مكتوبة عليه، وهؤلاء يستدلون بأن آدم ﵇ قد احتج بالقدر، وأن رسول الله ﷺ قد قال: حج آدم موسى، وذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، ثلاثًا» (١).\nجواب هذا السؤال ومناقشته من وجوه:\n١ - أنه قد علم بالاضطرار أن الاحتجاج بالقدر حجة باطلة وداحضة باتفاق كل ذي عقل، ودين من جميع العالمين، ويوضح هذا أن الواحد من هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد، وإما أن لا يراه حجة للعبد، فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس، فإنهم كلهم مشتركون في القدر، فحينئذ يلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه، ويأخذ ماله، ويفسد حريمه، ويضرب عنقه، ويهلك الحرث والنسل، وهؤلاء جميعًا كذابون متناقضون، فإن أحدهم لا يزال يذم هذا، ويبغض هذا، ويخالف هذا، حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ويعادونه، وينكرون عليه، فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات، وترك الواجبات، لزمهم ألا يذموا أحدًا، ولا يبغضوا أحدًا، ولا يقولوا في أحد: إنه ظالم ولو فعل ما فعل، ومعلوم أن هذا لا يمكن أحدًا فعله، ولو فعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين أن قولهم فاسد في العقل كما أنه كفر في الشرع.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢).","vol":"5","page":333},{"text":"وهذا يدل على ما يختلج في النفوس من شهوات وشبهات، ولذلك تراهم يحتجون بالقدر على أفعالهم ومعاصيهم، وفي نفس الوقت ينتقمون ممن اعتدى عليهم أو ظلمهم، ولو احتج عليهم بالقدر لما قبلوا، بل لو كان الاعتداء بما يحسن الاحتجاج بالقدر عليه كالمصائب التي يقدرها الله ﷾ لاعترضوا ولم يقبلوا أن يحتج بالقدر من كانت على يديه هذه المصائب دون عمد منه أو تفريط، وعند الاستقراء تجد أن هؤلاء يحتجون بالقدر في ترك حق ربهم، ومخالفة أمره، لا في ترك ما يرونه حقًا لهم، ولا مخالفة أمرهم، ويقول ابن تيمية عن هؤلاء: (ولهذا تجد المحتجين والمستندين إليه من النساك، والصوفية، والفقراء، والعامة، والجند، والفقهاء وغيرهم يفرون إليه عند اتباع الظن وما تهوى الأنفس، فلو كان معهم علم وهدى لم يحتجوا بالقدر أصلًا، بل يعتمدون عليه لعدم الهدى والعلم، وهذا أصل شريف من اعتنى به علم منشأ الضلال والغي لكثير من الناس) (١)، ومعلوم أن الصوفية هم شر من ابتلي في هذا الباب حيث اعتقدوا أن ما وقع فالله يحبه ويرضاه، وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه، والواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته، فالمقدور هو محبوب لله تعالى مهما كان.\n٢ - أنه يلزم على الاحتجاج بالقدر لازم باطل ألا وهو تعطيل الشرائع، وحين تعطل الشرائع يلزم عليها أن يكون إبليس، وفرعون، وقوم نوح، وعاد وكل من عذبه الله بسبب مخالفته أمره معذورًا، ويلزم أيضًا ألا يفرق بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الله وأولياء الشيطان، وهذه كلها لوازم معلوم بطلانها بالضرورة.\nوالقدرية ثلاثة أصناف:\nالأولى: القدرية المشركية، وهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي فقالوا: لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ [الأنعام:١٤٨]، وهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع وإن كانوا معترفين بربوبية الله العامة لكل مخلوق.\nالثانية: القدرية الإبليسية: وهم الذين يصدقون بالشرع والقدر، ولكن عندهم أن هذا تناقض، وهؤلاء كثير في سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة.\nالثالثة: القدرية المجوسية، وهم الذين يجعلون لله شركاء في خلقه، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشر، ويقولون إن الذنوب ليست واقعة بمشيئة الله ولا قدرته، وهؤلاء هم المعتزلة الذين يعظمون الأمر والنهي، ولكنهم يشركون معه في باب القدر، ولهذا سموا بالقدرية المجوسية، فهؤلاء لا ينظرون إلى القدر في المصائب ولا في المعائب، في حيث أن الأولين يحتجون بالقدر في المصائب والمعائب، وكل منهم ضال في هذا الباب، وهو مقصر إما في جانب الشرع، أو في جانب القدر.\nولو كان القدر حجة للعباد لم يعذب أحد من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولم تقطع يد سارق، ولا أقيم حد على زان، ولا جوهد في سبيل الله.\n٣ - أن الله ﷾ خلق الإنسان وهو متمكن من الإيمان قادر عليه، وكما هو معلوم فإن القدرة التي هي شرط في الأمر تكون موجودة قبل الفعل لكل مكلف، ومن ثم فالإنسان قادر متمكن، وقد خلق الله فيه القدرة على الإيمان، وحينئذ فحين لا يؤمن يكون هو الذي لا يريد الإيمان، ومادام الأمر كذلك فليس لأحد أن يقول: لماذا لم يجعلني الله مريدًا للإيمان، لأنه لو أراد الإيمان لقدر عليه، ومادام الإنسان مريدًا قادرًا فاحتجاجه بالقدر باطل.\nوينبغي أن يعلم أن الاحتجاج بالقدر إنما يرد على من لا يقر للإنسان بإرادة ولا قدرة كالجهمية والأشاعرة، أما على مذهب أهل السنة الحقيقي فلا يرد، لأنهم يقولون إن الإنسان مريد وفاعل حقيقة، وله قدرة يقع بها الفعل.\n_________\n(١) «منهاج السنة النبوية» (٣/ ٥٨ - ٥٩).","vol":"5","page":334},{"text":"٤ - وأقرب مثال على بطلان الاحتجاج بالقدر أن يقال: إذا كان معلومًا أن الله قد علم وكتب أن فلانًا يتزوج امرأة ويطؤها ويولد له، وأن فلانًا يبذر البذر فينبت الزرع ... إلخ ولا يمكن لأحد أن يحتج بالقدر هنا فيقول: أنا لا أتزوج أو أطأ امرأة، فإن كان قدر الله أن يولد لي ولد فسيولد، أو يقول: أن لا أبذر البذر، فإن كان قدر الله أن تنبت أرضي زرعًا فستنبت، لأن من قال هذا عد من أجهل الجاهلين، إذا وضح هذا المثال فنقول: إن الله تعالى علم وكتب أن فلانًا يؤمن ويعمل صالحًا فيدخل الجنة، وفلانًا يعصي ويفسق فيدخل النار، وحينئذ فمن قال: إن كنت من أهل الجنة فأنا سأدخلها بلا عمل صالح، كان قوله قولًا باطلًا متناقضًا، لأنه علم أنه يدخل الجنة بعمله الصالح، فلو دخلها بلا عمل كان هذا مناقضًا لما علمه الله وقدره، وهذا شبيه بمن قال: أنا لا أطأ امرأة، وإن كان قد قدر أن يأتيني منها ولد فسيأتيني (١).\nومعلوم أن جميع الأسباب قد تقدم علم الله بها، وكتابته لها، وتقديره إياها، وقضاؤه بها، كما تقدم ربط ذلك بالمسببات، ومنها الأسباب التي بها يخلق الله النبات من المطر وغيره، فمن ظن أن الشيء إذا علم وكتب أنه يكفي ذلك في وجوده، ولا يحتاج إلى ما به يكون من الفاعل الذي يفعله وسائر الأسباب فهو ضال جاهل من وجهين:\nأحدهما: (من جهة كونه جعل العلم جهلًا: فإن العلم يطابق المعلوم، ويتعلق به على ما هو عليه، وهو سبحانه قد علم أن المكونات تكون بما يخلقه من الأسباب، لأن ذلك هو الواقع فمن قال: إنه يعلم شيئًا بدون الأسباب، فقد قال على الله الباطل، وهو بمنزلة من قال: إن الله يعلم أن هذا الولد ولد بلا أبوين، وأن هذا النبات نبت بلا ماء، فإن تعلق العلم بالماضي والمستقبل سواء) (٢)، فالله أخبر أن الأعمال هي سبب في الثواب والعقاب، فلو قال قائل: إن الله قد أخرج آدم بلا ذنب، وأنه قد قدر عليه، أو قال: إن الله قد غفر لآدم بلا توبة، وأنه قد علم ذلك، كان هذا كذبًا وبهتانًا، بخلاف ما إذا أقر بأن آدم قد أذنب، وأنه قد تاب فتاب الله عليه، وكل ذلك مقدر، فإنه يكون صادقًا، ويقاس على ذلك ما ذكره الله ﷾ من أن السعادة والشقاوة تكون بالأعمال المأمور بها والمنهي عنها (٣).\n_________\n(١) انظر: «القدر» لابن تيمية (ص: ٢٦٥–٢٦٦)، وانظر: «رسالة في تحقيق التوكل» لابن تيمية (ص: ٩٣) ضمن «جامع الرسائل» لابن تيمية.\n(٢) «القدر» لابن تيمية (ص: ٢٧٧).\n(٣) «القدر» لابن تيمية (ص: ٢٧٨ - ٢٧٩).","vol":"5","page":335},{"text":"والثاني: (أن العلم بأن الشيء سيكون، والخبر عنه بذلك، وكتابة ذلك لا يوجب استغناء ذلك عما به يكون من الأسباب التي لا يتم إلا بها، كالفاعل، وقدرته، ومشيئته، فإن اعتقاد هذا غاية في الجهل، إذ هذا العلم ليس موجبًا بنفسه لوجود المعلوم باتفاق العلماء بل هو مطابق له على ما هو عليه، لا يكسبه صفة، ولا يكتسب منه صفة، بمنزلة علمنا بالأمور التي قبلنا، كالموجودات التي كانت قبل وجودنا، مثل علمنا بالله وأسمائه وصفاته، فإن هذا العلم ليس مؤثرًا في وجود المعلوم باتفاق العلماء، وإن كان من علومنا ما يكون له تأثير في وجود المعلوم، كعلمنا بما يدعونا إلى الفعل، ويعرفنا صفته وقدره، فإن الأفعال الاختيارية لا تصدر إلا ممن له شعور وعلم، إذ الإرادة مشروطة بوجود العلم، وهذا التفصيل الموجود في علمنا بحيث ينقسم إلى علم فعلي له تأثير في المعلوم، وعلم انفعالي لا تأثير له في وجود المعلوم هو فصل الخطاب في العلم) (١)، وهكذا علم الله ﵎ فعلمه بنفسه - سبحانه - لا تأثير له في وجود المعلوم، أما علمه بمخلوقاته التي خلقها بمشيئته وإراداته فهو مما له تأثير في وجود معلوماته، ولهذا كان الخلق مستلزمًا للعمل ودليلًا عليه، (وأما إذا أخبر بما سيكون قبل أن يكون، فعلمه وخبره حينئذ ليس هو المؤثر في وجوده، لعلمه وخبره، به بعد وجوده، لثلاثة أوجه:\nأحدهما: أن العلم والخبر عن المستقبل كالعلم والخبر عن الماضي.\nالثاني: أن العلم المؤثر هو المستلزم للإرادة المستلزمة للخلق، ليس هو ما يستلزم الخبر ...\nالثالث: أنه لو قدر أن العلم والخبر بما سيكون له تأثير في وجود المعلوم المخبر به، فلا ريب أنه لا بد مع ذلك من القدرة والمشيئة فلا يكون مجرد العلم موجبًا له بدون القدرة والإرادة، فتبين أن العلم والخبر والكتاب لا يوجب الاكتفاء بذلك عن الفاعل القادر المريد، ومما يدل على ذلك، أن الله ﷾ يعلم ويخبر بما يكون من مفعولات الرب، كما يعلم أنه سيقيم القيامة ويخبر بذلك، ومع ذلك فمعلوم أن هذا العلم والخبر لا يوجب وقوع المعلوم المخبر به بدون الأسباب التي جعلها الله أسبابًا له) (٢).\nومن ثم فالاحتجاج بعلم الله السابق باطل، وبهذا تبطل كثير من الشبه التي تثار حول القدر.\n٥ - أما حديث احتجاج آدم وموسى، فقد تكلم فيه العلماء وأطالوا الإجابة عنه، وغالب أجوبتهم بعيدة عن الصواب، ومن الأجوبة:\nأ- أن آدم حج موسى لأنه أبوه، فحجه كما يحج الرجل ابنه، وهذا فاسد؛ لأن الحجة يجب المصير إليها سواء كانت مع الأب أو الابن، أو العبد أو السيد.\nب – وقيل: إن آدم حج موسى لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في شريعة، وهذا كالذي قبله، لأن أمة محمد ﷺ تلوم الأمم التي قبلها المخالفة لرسلها.\nج- وقيل: حجه لأنه لامه في غير دار التكليف، ولو لامه في دار التكليف لكانت حجة لموسى عليه، وهذا فاسد، كما ذكر ابن القيم، لوجهين:\nأحدهما: أن آدم لم يقل له لمتني في غير دار التكليف، وإنما قال: أتلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق، فلم يتعرض للدار، وإنما احتج بالقدر السابق.\nوالثاني: أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف، فيلومهم بعد الموت، ويلومهم يوم القيامة.\n_________\n(١) «القدر» لابن تيمية (ص: ٢٨٠)\n(٢) «القدر» لابن تيمية (ص: ٢٨١).","vol":"5","page":336},{"text":"د- وقيل: إنه حجه لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة، وتفرد الرب - ﷾- بربوبيته، وقالوا: إن مشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة؛ لأنه شهد نفسه عدمًا محضًا، قالوا ومن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم، وهذا قول بعض الصوفية، ويقول عنه ابن القيم: (وهذا المسلك أبطل مسلك سلك في علم الحديث ... ولو صح لبطلت الديانات جملة، وكان القدر حجة لكل مشرك، وكافر، وظالم، ولم يبق للحدود معنى، ولا يلام جانٍ على جنايته، ولا ظالم على ظلمه، ولا ينكر منكر أبدًا) (١)\nهـ - وقيل: إنما حجه لأنه كان قد تاب من الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لومه، وهذا لا يصح أيضًا لوجوه منها:\n- أن آدم لم يذكر ذلك في جوابه، ولا جعله حجة على موسى، ومنها: أن موسى ﵊، أعرف بالله من أن يلومه على ذنب قد تاب منه (٢).\nوإذا تبين فساد هذه الأقوال فما هو الجواب الصحيح في معنى هذا الحديث؟\nالجواب الصحيح: (أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى ﵇، كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه، واجتباه، وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعائب) (٣).\nوقد ذكر هذا الجواب ابن القيم – ﵀ – وحكاه عن ابن تيمية، ثم قال: (وقد يتوجه جواب آخر، وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد، ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمرًا ولا نهيًا، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة، يوضحه: أن آدم قال لموسى، أتلومني على أن عملت عملًا كان مكتوبًا عليَّ قبل أن أخلق، فإذا أذنب الرجل ذنبًا ثم تاب منه توبة، وزال أمره حتى كأن لم يكن، ثم أنبه مؤنب عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول: هذا أمر كان قد قدر عليَّ قبل أن أخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقًا، ولا ذكره حجة له على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل، بأن يرتكب فعلًا محرمًا، أو يترك واجبًا، فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيبطل بالاحتجاج به حقًا، ويرتكب باطلًا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله) (٤).\nوهذا الذي ذكره ابن القيم جواب جيد، وإن كان ظاهره أنه يرجع إلى الجواب الأول، لأن من أذنب ذنبًا ثم تاب منه، وجاء الخبر من الله أنه تاب عليه من هذا الذنب، فإذا كان قد ترتب على هذا الذنب عقوبة معجلة فهي من قبيل المصائب، والله أعلم.\nهذا هو ملخص الرد على سؤال الاحتجاج بالقدر، وربما يدخل فيها بعض الأسئلة التي سترد فيما بعد، فلعل في هذه الإجابة ما يغني عن كثير من الأمور التي تحتاج إلى جواب.\n_________\n(١) «شفاء العليل» (ص: ١٤).\n(٢) «شفاء العليل» (ص: ١٤).\n(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ١٥٤ - ١٥٥)، وانظر: «القدر» لابن تيمية (ص: ١٠٨، ١٧٨)، و«مجموعة الرسائل والمسائل» (١/ ٨٩)، و«منهاج السنة» (٢/ ١٠)، و«رسالة الاحتجاج بالقدر» لابن تيمية (ص: ٢٦)، و«شفاء العليل» (ص: ١٨)، و«الكواشف الجليلة» (ص: ٥٢٥).\n(٤) «شفاء العليل» (ص: ١٨).","vol":"5","page":337},{"text":"السؤال الثاني: وملخصه: لماذا منّ الله ﷾ بالهداية على المؤمنين، دون الكافرين، وإذا كان – تعالى- قد بين طرق الهدى للناس، فلماذا أعان المؤمن حتى أصبح مؤمنًا طائعًا، ولم يعن الكافر فأصبح عاصيًا كافرًا؟\nوجواب ذلك كما يلي:\n١ - أن الزعم بأن منة الله بالهداية على المؤمنين دون الكافرين ظلم منه، باطل لأمرين:\nأحدهما: أن هذا تفضل من الله، كما قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:١٧] وكما قالت الأنبياء: إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم:١١]، فتخصيص هذا بالإيمان كتخصيص هذا بمزيد قوة وعلم، وصحة، وجمال، ومال، والله – ﷾- قد تفضل على جميع عباده بنعم جليلة لا تحصى، ولو عبدوا الله بأنواع العبادات والقربات طوال أعمارهم ليلًا ونهارًا لما جاءت إلا في مقابل جزء صغير من نعم الله وأفضاله عليهم، ولذلك فالله – تعالى- يدخل عباده الجنة برحمته لا بأعمالهم، وأعمالهم سبب لدخول الجنة لا بدل لها، فإذا تفضل على بعض عباده بالهداية كان ذلك له سبحانه، ولا يعد ظلمًا.\nوالثاني: أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والله ﷾ إنما يضع العقوبة في محلها، فإذا بين سبحانه الهدى للناس جميعًا، وأقام الحجة عليهم، أقدرهم على الإيمان وعدمه، كان كل ذلك محض العدل منه، فحين يمن على بعض عباده بالإيمان ولا يمن على بعضهم لا يكون ذلك ظلمًا منه ﷾ (١).\n٢ - أن الله – ﷾ – قد قامت حجته على من منعهم الهدى، وذلك بتخليته بينهم وبين الهدى، فالله تعالى قد أرسل لهم الرسل ليردوهم إلى الصراط المستقيم، ويدلهوهم عليه، كما أقام لهم أسباب الهداية ظاهرًا وباطنًا، ولم يحل ﷾ بينهم وبين تلك الأسباب التي توصلهم إلى الهداية، فلم يكلف سبحانه الصغير والمجنون، فالله لم يمنعهم من الهدى، ولم يحل بينهم وبينه، وحين تكون الحجة قائمة عليهم لا يبقى لمعترض اعتراض على توفيق الله ومنته لبعض عباده بالهدى والتوفيق (٢)، وكم لله ﷾ من النعم على الكفار (٣).\n٣ - أما قول من يقول: لماذا أعان المؤمن دون الكافر؟ فهذا باطل لوجوه:\nأحدها: أن حقيقة هذا القول: لماذا لم يهد الله جميع الناس، وهذا فاسد لأن لله تعالى، حكمًا عظيمة وجليلة في خلق الناس متفاوتين، ولو شاء ﷾ أن يجمعهم على الهدى لجمعهم، ولكنه، تعالى لم يفعل لحكم عظيمة، ظهر بعضها للعباد، وبعضها لم ظهر (٤).\n_________\n(١) انظر: «منهاج السنة» (١/ ٩٢ - ٩٣).\n(٢) انظر: «شفاء العليل» (ص: ٨٠).\n(٣) انظر: «الفصل» لابن حزم (٣/ ١٨٧).\n(٤) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٨٤)","vol":"5","page":338},{"text":"الثاني: أن الإعانة من أفعاله تعالى، ومن ثم فما فعله ﷾ فلحكمة، وما لم يفعله فلانتفاء الحكمة، أما الطاعة فهي من فعل الإنسان، وتعود مصلحتها له، فإذا أعان الله عبدًا من عباده كان فضلًا منه، وإذا خذله كان ذلك عدلًا منه، ولما كان من المعلوم أن الله تعالى قد بين الهدى للناس وأقام الحجة عليهم، فحينئذ من أقبل على الله مؤمنًا به مصدقًا برسوله، فالله تعالى يعينه على الهدى ويمكنه منه، أما من كذب رسله وأعرض عن هداه فإن الله تعالى يخذله ولا يمكنه من الهدى كما قال تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:١٧]، فهم الذين استحبوا العمى على الهدى فعاقبهم الله بالخذلان، وسد أبواب الهداية عنهم عقوبة لهم (١)، (فإنه إذا دعا عبده إلى معرفته ومحبته، وذكره وشكره، فأبى العبد إلا إعراضًا وكفرًا، قضى عليه بأن أغفل قلبه عن ذكره، وصده عن الإيمان، وحال بين قلبه وبين قبول الهدى، وذلك عدل منه فيه) (٢).\nالثالث: أن التكليف إرشاد وهدى، وتعريف للعباد بما ينفعهم في الدنيا والآخرة، فمن عرف أن هذا الفعل يضره وهذا ينفعه، فعليه أن يذل لله ويخضع له حتى يعينه على فعل ما ينفعه، ولا يقول: أنا لا أفعل حتى يخلق الله فيَّ الفعل، كما أنه لو هجم عليه عدو أو سبع فإنه يهرب ويفر ولا يقول: سأنتظر حتى يخلق الله في الهرب (٣).\nالرابع: أن إعانة الله تعالى للكفار قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له، وقد يكون وقوع تلك الطاعة يتضمن مفسدة أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة، ومثال ذلك، أن الجهاد في سبيل الله لا شك أنه طاعة، ولكن حين يفضي إلى بعض المفاسد التي ترتب على خروج المنافقين مع رسول الله ﷺ نجد أن الله تعالى ثبط المنافقين لأنه كرهه منهم، قال تعالى: وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:٤٦] فأهم المفاسد المترتبة على خروج هؤلاء مع المؤمنين: زيادة المؤمنين خبالًا أي: فسادًا وشرا، وإيضاعهم خلالهم بالسعي بينهم بالفساد والشر، وإرادتهم الفتنة، وفي المؤمنين سماعون لهم قابلون منهم، مستجيبون لهم، فينتج من سعي هؤلاء وقبول هؤلاء من الشرور والمفاسد ما هو أعظم من مصلحة خروجهم (٤).\nومن هذا المثال يتضح أن لله حكمًا حين يرضى لعبده شيئًا ولا يعينه عليه.\nالخامس: أن الله خلق الإنسان وهو متمكن من الإيمان، قادر عليه، فلو أراده لفعله، فإذا لم يؤمن كان ذلك دليلًا على أنه لم يرده، لا بعجزه وعدم قدرته، لأنها موجودة، وحينئذ: (فمن أراد الطاعة وعلم أنها تنفعه، أطاع قطعًا إذا لم يكن عاجزًا، فإن نفس الإرادة الجازمة للطاعة مع القدرة توجب الطاعة، فإنها مع وجود القدرة والداعي التام توجب وجود المقدور) (٥) ومن لم يرد الطاعة فإنه لا يفعلها، ولا يطلب أن يخلقها الله تعالى فيه ويعينه عليها، لأنه لو أرادها لفعلها (٦).\n_________\n(١) انظر: «القضاء والقدر» لمحمد متولي الشعراوي (ص: ٤٩ - ٥٠).\n(٢) «شفاء العليل» (ص: ٨٦).\n(٣) انظر: «منهاج السنة النبوية» (٢/ ٧).\n(٤) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٨٥)، وانظر: «منهاج السنة» (٢/ ٣٨).\n(٥) «منهاج السنة» (٢/ ٧).\n(٦) «منهاج السنة» (٢/ ٧).","vol":"5","page":339},{"text":"السادس: ننبه إلى خطأ المعتزلة في هذا الباب، فإنهم قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وقالوا: إن الله إذا أمر العباد فيلزمه أن يعينهم، فلما رأوا أن بعض العباد لم يعن ومات كافرًا، قالوا: لا يجوز أن يكون الله خالقًا لأفعال العباد، لأن من أمر غيره بأمر فلا بد أن يفعل ما يكون المأمور أقرب إلى فعله، كالبشر والطلاقة وتهيئة المقاعد والمساند ونحو ذلك، وقد أجاب عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فبين أن قول المعتزلة هذا يكون على وجهين:\nأحدهما: أن يكون الآمر أمر غيره لمصلحة تعود إليه، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه، وأمر السيد عبده بما يصلح ماله، فهذا تلزم إعانته، والثاني: أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له، كالآمر بالمعروف إذا أعان المأمور على البر والتقوى، فإنه قد علم أن الله يثيبه على إعانته على الطاعة، فهذا أيضًا تلزم إعانته، ولكن تبقى حالة وهي:\nما إذا كان الآمر إنما أمر المأمور لمصلحة المأمور، لا نفع يعود إليه من فعله، كالناصح فإنه قد يأمر غيره وينهاه مريدًا للنصيحة، وإن كان مع ذلك لا يريد أن يعينه على ذلك الفعل، إذ ليس كل ما يكون من مصلحته أن يأمر غيره وينصحه، يكون من مصلحته أن يعينه عليه، بل قد تكون مصلحته إرادة ما يضاده، كالرجل الذي يستثير غيره في خطبة امرأة، فإنه يأمره أن يتزوجها لأن ذلك مصلحة المأمور، وإن كان يرى أن مصلحته في أن يتزوجها هو دونه، فإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين ففي حق الله تعالى أولى - ولله المثل الأعلى - فالله أمر خلقه على ألسنة رسله بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، فمنهم من استجاب وأعانه الله ومنهم من لم يعنه، ولا يلزمه سبحانه إذا أمرهم أن يعينهم، بل قد يكون في خلقه ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه مفسدة، فتبين أن الله إذا أمر العباد بما يصلحهم بالأمر لم يلزم من ذلك أن يعينهم، وهذا ما غلط فيه المعتزلة (١).\n٤ - إذا تبين ما سبق، وأن الاعتراض مردود، وحجة الله قد قامت على عباده، فتبقى مسألة: وهي: أصل القدر، وهو كونه - تعالى - قدر المقادير فأوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وأمات وأحيا، وأضل وهدى، مع كونه – تعالى- غنيًا عن خلقه الغنى التام، فما أصل القدر؟ الجواب ما قاله الطحاوي: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين) (٢) وعلم القدر قال عنه علي ﵁: (القدر سر الله فلا تكشفه) (٣) وسماه الطحاوي بالعلم المفقود، لأن الله طواه عن الخلق (٤)، ونحن نؤمن بأن له تعالى في خلقه حكمًا عظيمة، وإذا كان هناك من الحكم ما هون خاف فلا يلزم من خفاء حكمة الله علينا عدمها، ولا من جهلنا انتفاء حكمته ﵎ (٥).\nالسؤال الثالث: يقول مورد هذا السؤال: إذا كانت المعاصي مقدرة من الله، فلماذا يعاقب عليها؟\nوالجواب عليه من وجوه:\n١ - هذا السؤال ليس بعيدًا عن السؤال السابق، وفيما سبق من جوابه ما يغني عن جواب هذا السؤال، ولكن نزيد الأمر بيانًا وتمحيصًا بإضافة الوجوه التالية:\n_________\n(١) انظر: «منهاج السنة» (٢/ ٣٨٣٩).\n(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٧٦).\n(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٧٧)\n(٤) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٩٢)\n(٥) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٩٢)","vol":"5","page":340},{"text":"٢ - أن الله ﷾ قد أنعم على جميع عباده - وفيهم العصاة - بنعم عظيمة، ومنها أمران عظيمان هما أصل السعادة:\nأحدهما: أن الله خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة، فكل مولود يولد على الفطرة، كما قال ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ...» (١) وحينئذ فإذا تركت النفس وفطرتها لم تؤثر على محبة باريها وفاطرها وعبادته شيئًا، ولم تشرك به، ولم تجحد ربوبيته، ولكن إذا اقترن بها شيطان من شياطين الإنس أو الجن فقد يزين لها الإغواء، فتنحرف عن الهدى.\nالثاني: أنه ﷾ هدى الناس هداية عامة، وذلك بما أودعه فيهم من المعرفة، وبما أرسل من الرسل، وبما أنزل من الكتب، وقد هدى الله جميع العباد إلى معرفته والإيمان، حتى قامت الحجة عليهم، فإذا ما أعرض الإنسان عن الهدى كان هو المريد لذلك المختار له، ومن ثم فهو الذي يتحمل عاقبة إعراضه وكفره (٢).\n٣ - أن الأعمال والأقوال من الطاعات والمعاصي من العبد، بمعنى أنها قائمة به، وحاصلة بمشيئته وقدرته، وهو المتصف بها المتحرك، الذي يعود حكمها عليه، وهي مع ذلك مخلوقة لله - ﷾- وهذا لا يعارض كونها فعلًا للعبد، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وبناء على ذلك: فمن فعل المعاصي، فقد فعلها باختياره فهو الذي أعرض وتولى عن الهدى، وهو الذي توجه إلى المعصية وفضلها على الطاعة، فإذا اعترض العاصي هنا وقال: إن المعصية كانت مكتوبة عليَّ. فيقال له: قبل أن تقترف المعصية، ما يدريك عن علم الله تعالى؟ فما دمت لا تعلم، ومعك الاختيار والقدرة، وقد وضحت لك طرق الخير والشر، فحينئذ إذا عصيت فأنت مختار للمعصية، المفضل لها على الطاعة، المعرض عن الهدى، وإذا كان الأمر كذلك فتتحمل عقوبة معصيتك، ولا حجة لك مطلقًا (٣).\n٤ - ومما يوضح الوجه السابق أن يقال: إذا كانت المعصية مقدرة من عند الله فكيف يعاقب عليها، نقول له: إذا كان الله قد علم وكتب أن فلانًا سيعصي وقدر الله سيقع لا محالة، كما علمه سبحانه، فهل يقال: إنه مستحق للعقوبة بذلك، أم أن الله أخبر أنه لا يعاقب إلا بعد وقوع المعصية منه؟ أم أن الأمر سيان؟ فإذا كان من المقطوع به أن العقاب لا يقع إلا بعد وقوع المعاصي من العباد، دل ذلك على أن القدر السابق لا حجة فيه للعاصي، فالله سبحانه قد علم قبل أن يوجد عباده أحوالهم، وما هم عاملون، وما هم إليه صائرون، ثم أخرجهم إلى هذه الدار ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه، وابتلاهم من الأمر والنهي، والخير والشر، بما أظهر معلومه، فاستحقوا المدح والذم، والثواب والعقاب، بما قام بهم من الأفعال والصفات المطابقة للعلم السابق، ولم يكونوا يستحقون ذلك وهي في علمه قبل أن يعملوها، فأرسل رسله وأنزل كتبه، وشرع شرائعه، إعذارًا إليهم، وإقامة للحجة عليهم، لئلا يقولوا: كيف تعاقبنا على علمك فينا، وهذا لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا؟ إذا فقول القائل: كيف يعاقب العاصي وقد قدر عليه المعصية؟ باطل ومردود.\n٥ - والسؤال بصيغته يدل على أن المقصود من إيراده من جانب المنحرفين إثارة الشبهة والإفساد، ولذلك تجدهم يركزون على ناحية المعاصي فقط، فيقولون: كيف يقدر الله المعاصي، ثم يعاقب عليها، ولكنهم يتجاهلون الشق الثاني من السؤال الذي يجب أن يرد مع الشق الأول، وهو: إذا كانت الطاعات بقدر الله فلماذا يثيب الله عليها؟\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٩٩)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) انظر: «شفاء العليل» (ص: ١٧٣).\n(٣) «شفاء العليل» (ص: ٣٥)، وانظر: «القضاء والقدر» للشعراوي (ص: ٥٦).","vol":"5","page":341},{"text":"إذن لماذا يوردون الشق الأول دون الثاني؟ ولماذا يفرقون بين السؤالين؟ إن الهوى ومحاولة إيجاد مبررات الانحراف والعصيان هو الداعي لذلك (١) كما قال بعض العلماء: (أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وفق هواك تمذهبت به) (٢).\n٦ - وأخيرًا يقال: إن العقاب على المعاصي يقع لأن الإنسان يفعلها بإرادته واختياره، ولذلك لا يعاقب ما ليس من اختياره، فلو كان في جسم الإنسان برص أو عيب خلق فيه، فإنه لا يستحسن ذمه ولا عقابه على ذلك، فعلم أن الفرق بين تعذيب الإنسان على فعله الاختياري وغير فعله الاختياري مستقر في فطر العقول (٣).\nالسؤال الرابع: وملخصه: كيف يأمر الله الكافر بالإيمان، ولا يريده منه؟ ويقول يلزم أن يكون الكافر مطيعًا لأنه فعل ما هو مراد الله تعالى.\nوالجواب من وجوه:\n١ - أن منشأ الضلال في هذا السؤال هو التسوية بين الإرادة والمشيئة وبين المحبة والرضا، ... والقول الحق الذي تعضده أدلة الكتاب والسنة، وأدلة العقول، وملخص القول الحق: أن هناك فرقًا بين الإرادة والمحبة والرضى، إذ إن النصوص دالة على أن كل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وإرادته، وهذا يشمل الطاعات والمعاصي، ثم إن النصوص دلت على أن الله لا يحب الكفر ولا المعاصي ولا الفساد، وقد اتفقت الأمة على أن الله يكره المنهيات دون المأمورات، ويحب المأمورات دون المنهيات، فالطاعات يريدها الله من العباد الإرادة المتضمنة لمحبته لها، ورضاه بها، إذا وقعت وإن لم يفعلها، والمعاصي يبغضها ويكره من يفعلها من العباد وإن شاء أن يخلقها هو لحكمة اقتضت ذلك، ولا يلزم إذا كرهها للعبد لكونها تضر بالعبد أن يكره أن يخلقها هو لما له فيه من الحكمة، وكون الإرادة لا تستلزم المحبة مما هو مستقر في فطر العقول وفي واقع الناس، كإرادة المريض للدواء الذي يبغضه، وكمحبة المريض للطعام الذي يضره، ومحبة الصائم للطعام والشراب الذي لا يريد أن يأكله ولا يريد أن يشربه، ومحبة الإنسان للشهوات التي لا يريدها والتي يكرهها بعقله ودينه، فإذا عقل ثبوت أحدهما دون الآخر، وأن أحدهما لا يستلزم الآخر، فكيف لا يمكن ثبوت ذلك في حق الخالق تعالى ولله المثل الأعلى (٤).\nإن هذا كاف في الإجابة على هذا السؤال ولكن نزيد الأمر وضوحًا بإضافة الوجوه التالية:\n٢ - أن يقال: المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لله، مرضي له، فما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد، والمراد لغيره: هو المراد بالعرض، وهذا قد لا يكون مقصودًا لما يريد، ولا فيه مصلحة بالنظر إلى ذاته، ولكنه وسيلة إلى مقصوده فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث قضاؤه وإيصاله إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما (٥).\n_________\n(١) انظر: «القضاء والقدر» للشعراوي (ص: ٥٤).\n(٢) «منهاج السنة» (١/ ٣٦٢).\n(٣) انظر: «منهاج السنة» (١/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(٤) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٧٩–٢٨٠)، و«منهاج السنة» (٢/ ٣٥ - ٣٦).\n(٥) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٨٠–٢٨١)، و«منهاج السنة» (٢/ ٣٦).","vol":"5","page":342},{"text":"ومما يوضح ما سبق ما عقب عليه شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه المسألة فقد قال: (وعلى هذا ينبني مسألة محبة الرب – ﷿ – نفسه، ومحبته لعباده، فإن الذين جعلوا المحبة والرضا هو المشيئة العامة قالوا: إن الرب لا يحب في الحقيقة ولا يحب، وتأولوا محبته – تعالى – لعباده بإرادة ثوابهم، ومحبتهم له بإرادة طاعتهم له والتقرب إليه، ومنهم طائفة كثيرة قالوا: هو محبوب يستحق أن يحب، ولكن محبته لغيره بغيره بمعنى مشيئته، وأما السلف، والأئمة، وأئمة الحديث، وأئمة التصوف وكثير من أهل الكلام والنظر .. فأقروا بأنه محبوب لذاته، بل لا يستحق أن يحب لذاته إلا هو، وهذا حقيقة الألوهية، وهو حقيقة ملة إبراهيم ومن لم يقر بذلك لم يفرق بين الربوبية والإلهية، ولم يجعل الله معبودًا لذاته، ولا أثبت التلذذ بالنظر إليه ... وأما الذين أثبتوا أنه محبوب، وأن محبته لغيره بمعنى مشيئته، فهؤلاء ظنوا أن كل ما خلقه فقد أحبه وهؤلاء قد يخرجون إلى مذاهب الإباحة فيقولون: إنه يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى ذلك، وأن العارف إذا شهد المقام لم يستحسن حسنة، ولم يستقبح سيئة، لشهوده القيومية العامة وخلق الرب لكل شيء) (١) ومن هذا يتبين أن الانحراف في هذه المسألة، مسألة هل الإرادة مستلزمة للمحبة؟ قد لا يقف عند حد، بل قد يوصل إلى الكفر وإبطال الشرائع.\n٣ - أن الإرادة نوعان: إرادة تتعلق بالأمر، وإرادة تتعلق بالخلق، فالإرادة المتعلقة بالأمر: أن يريد من العبد فعل ما أمره، وهذه الإرادة متضمنة للمحبة والرضا، وهي الإرادة الدينية الشرعية، وأما إرادة الخلق، فأن يريد ما يفعله هو، وهي المشيئة، وهي الإرادة الكونية القدرية، وحينئذ فالطاعة موافقة للأمر المستلزم لتلك الإرادة، فتكون طاعة محبوبة مرضيًا عنها، أما المعصية فليست مرادة لله تعالى، بالاعتبار الأول، أي الإرادة الدينية، وحين تكون موافقة للنوع الثاني أي الإرادة الكونية لا تكون طاعة بمجرد ذلك (٢) وبهذا التفصيل في باب الإرادة تزول كل الإشكالات.\nومما يوضح هذا الأمر أن يقال: الإرادة نوعان: أحدهما: بمعنى المشيئة وهو: أن يريد الفاعل أن يفعل فعلًا فهذه الإرادة المتعلقة بفعله، والثاني: أن يريد من غيره أن يفعل فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين مفعول في الناس وكل من الجهمية والقدرية قال بنوع واحد فقط، فالجبرية قالوا بالنوع الأول فقط لأن الأمر عندهم يتضمن الإرادة، والقدرية قالوا بالنوع الثاني لأن الله عندهم لا يخلق أفعال العباد، ولكن القول الصحيح إثبات النوعين من الإرادة كما أثبت ذلك السلف والأئمة لأن الله تعالى أمر الخلق بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم، ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله فأراد هو - سبحانه - أن يخلق ذلك الفعل ويجعله فاعلًا له، ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله، فتبين أن جهة خلقه - سبحانه - لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات غير جهة أمره للعبد على وجه بيان ظاهر، مصلحة للعبد أو مفسدة (٣).\n٥ - بالوجوه السابقة يتضح جواب هذا السؤال، فالله - تعالى - أمر الكافر بالإيمان وحين أمره هيأ له أسبابه، ففطره على الفطرة السليمة، وبين له طرق الهدى، وأعطاه الإرادة والقدرة على الفعل، ولكن كونه سبحانه لم يرد الإيمان منه كونًا، لا يعارض هذا ولا يتناقض معه، وليس فيه حجة لأحد، إذ إن الطاعة هي في موافقة الأمر لا موافقة الإرادة، فتبين بذلك أن الله قد يأمر الكافر بالإيمان شرعًا ولا يريده منه كونًا.\n_________\n(١) «منهاج السنة» (٢/ ٣٧).\n(٢) انظر: «منهاج السنة» (٢/ ٣٨).\n(٣) انظر: «منهاج السنة» (٢/ ٣٥).","vol":"5","page":343},{"text":"وكذلك فإن الكافر لا يكون مطيعًا لأنه فعل ما هو مراد لله كونًا، لأن الكفر قد نهى الله عنه، ولا يلزم من كونه - تعالى - أراد أمرًا أن يكون محبوبًا له، وهذا كما أنه تعالى خلق كثيرًا من الشرور وهي مبغضة له غير محبوبة، ولكن خلقها لأنها تفضي إلى محبوبات له كثيرة، وأقرب مثال إلى ذلك خلق الله لإبليس لعنه الله الذي هو مادة الفساد في الأديان والأعمال والاعتقادات، وهو سبب لشقاوة كثير من العباد، ومع ذلك فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه، ووجودها أحب إليه من عدمها منها: ظهور أسمائه القهرية مثل: القهار، والعدل، والضار، والشديد العقاب. ومنها ظهور أسمائه المتضمنة لحلمة وعفوه ومغفرته. ومنها: حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس ما وجدت، كعبودية الجهاد، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر ومخالفة الهوى ... إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن تعدادها وحصرها (١).\nالسؤال الخامس:\nوخلاصة هذا السؤال: إذا كان الكفر بقضاء الله، فيلزم عدم الرضا بقضاء الله وقدره.\nوجوابه كما يلي:\n١ - أن يقال: إننا لا نسلم بأن الرضا واجب لكل المقتضيات، ولا دليل على وجوب ذلك من كتاب ولا سنة، ولا قاله أحد من السلف والله – تعالى – أخبر بأنه لا يرضى بأمور مع أنها مخلوقة له، فهو – سبحانه – يكره أمورًا كثيرة ويبغضها ويمقتها، وقد أمرنا الله أن نكرهها ونبغضها، وذلك كالكفر والمعاصي وغيرها (٢).\nوقد تنازع الناس في الفقر والمرض والذل، هل يجب الرضا به أم يستحب على قولين، والراجح أنه لا يجب بل هو مستحب وإنما أوجب تعالى الصبر على ذلك (٣)\n٢ - ويقال أيضًا: المسألة تحتاج إلى تفصيل.\nأ- فالقضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه، وكتابه، وتقديره، ومشيئته، فالرضا به واجب لأنه من تمام الرضا بالله ربًا، وإلهًا، ومالكًا، ومدبرًا.\nب – أما الرضا بالقضاء الذي هو المقضي، ففيه تفصيل، لأن القضاء نوعان: ديني وكوني. فالديني: يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام، أما الكوني: فمنه ما يجب الرضا به كالنعم التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله، وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب (٤).\n٣ - وقد قيل في الإجابة: إن المقدورات لها وجهان: وجه يرضى بها منه وهو إضافتها إلى الله خلقًا ومشيئة، ووجه فيه تفصيل وهو تعليقها بالعبد، فمنه ما يرضى به كالطاعات، ومنه مالا يرضى به كالكفر غير المفعول (٥).\nوهذان الجوابان فيهما ضعف، فيحتاجان إلى إيضاح، فنقول: من المعلوم أن لله في خلقه حكمًا عظيمة، وقد خلق تعالى الشرور والمفاسد لكونها تفضي إلى محبوبات لله كثيرة، فيقال: العبد يجب عليه أن يكره الذنوب ويبغضها لأن الله تعالى يبغضها ويمقتها، ويجب عليه أن يرضى بالحكمة التي خلقها الله لأجلها فهي من جهة فعل العبد لها مكروهة مسخوطة، ومن جهة خلق الرب لها محبوبة مرضية، لأن الله خلقها لما له في ذلك من الحكمة فنرضى بقضاء الله وقدره (٦).\nالسؤال السادس: وخلاصته: ما الفائدة من التكليف مع سبق الأقدار؟\nوجوابه من وجوه:\n_________\n(١) انظر: «شفاء العليل» (ص: ٢٣٦) وما بعدها.\n(٢) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٨٧)، وانظر: «منهاج السنة» (٢/ ٤٩).\n(٣) انظر: «منهاج السنة» (٢/ ٤٩).\n(٤) انظر: «شفاء العليل» (ص: ٢٧٨).\n(٥) انظر: «شفاء العليل» (ص: ٢٧٨)، وانظر: «منهاج السنة» (٢/ ٥١).\n(٦) انظر: «منهاج السنة» (٢/ ٥٠).","vol":"5","page":344},{"text":"١ - أن هذا سؤال فاسد، لأن معناه إنكار أن يكون لله تعالى أية حكمة في خلق السموات والأرض، وخلق البشر، لأن العلم السابق كاف في ثبوت هذه الحكم، وهذا من أبطل الباطل.\nوظهور ما لله تعالى من الحكم في خلقه وفي تعريض عباده للابتلاء والامتحان هي حكم عظيمة جليلة لا تحصى، إنما يتم ذلك بوقوعه كما قدره الله، ولا يمكن أن يقال إنها حاصلة بدون ذلك.\n٢ - وإقامة الحجة على العباد لا يمكن أن تتم إلا بعد إيجادهم، وتمكينهم وتبيين طرق الهدى لهم، بإرسال الرسل وإنزال الكتب، حتى يعرفوا طريق الهدى وطريق الشر، فيختاروا أحد الطريقين، وبعد ذلك ينالوا جزاءهم في الدار الآخرة إما النعيم وإما العذاب ولو لم يقع الابتلاء والامتحان في الدنيا ثم عوقبوا في الآخرة على مقتضى القدر لاحتجوا على الله.\nوالقول بأن العلم السابق كاف في وقوع المقدور قد بينا بطلانه في الرد على السؤال الثاني.\n٣ - والله ﷾ (أبرز خلقه من العدم إلى الوجود ليجري عليهم أحكام أسمائه وصفاته، فيظهر كماله المقدس وإن كان لم يزل كاملًا فمن كماله ظهور آثار كماله في: خلقه، وأمره، وقدره، ووعده، ووعيده، ومنعه، وإعطائه، وإكرامه، وإهانته ...) (١).\nهذه هي أهم الأسئلة التي وردت وترد في باب القدر، ناقشناها وبينا وجه الحق فيها، وإن كانت هناك أسئلة أخرى فهي إما راجعة إلى أحد الأسئلة التي ذكرناها، أو أنها ضعيفة لا تستحق الرد، أو أنها جاءت اعتراضًا على المذاهب المنحرفة في القدر، ولا تأتي على مذهب السلف أهل السنة والجماعة.\n\nالقضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود -بتصرف - ص ٢٧١ - ٢٩٠\n_________\n(١) انظر: «شفاء العليل» (ص: ٢٤٣).","vol":"5","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1653>المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة</span>\nالإيمان لغة: مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن (١)، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية (٢)، وهو من الأمن ضد الخوف (٣).\nقال الراغب: (أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف) (٤).\nوقال شيخ الإسلام: (فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد) (٥) وقد عرف الإيمان بعدة تعريفات: فقيل: هو التصديق، وقيل: هو الثقة، وقيل: هو الطمأنينة، وقيل: هو الإقرار. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص١٧\nوله في لغة العرب استعمالان:\n١ - فتارة يتعدى بنفسه فيكون معناه التأمين أي إعطاء الأمان، وآمنته ضد أخفته، وفي الكتاب العزيز: الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: ٤] فالأمن ضد الخوف وفي الحديث الشريف: «النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم، أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى الأمة ما توعد» (٦)\nقال ابن الأثير الأمنة في هذا الحديث جمع أمين، وهو الحافظ وقوله ﷿: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة: ١٢٥] قال أبو إسحاق: أراد ذا أمن فهو آمن وأمن وأمين وفي الكتاب العزيز: وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] أي الآمن يعني مكة.\nوقوله ﷿: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] أي قد أمنوا فيه الغير واستأمن إليه: دخل في أمانة، وقد أمنه وآمنه وقرئ في سورة براءة: (إنهم لا إيمان لهم) [التوبة: ١٢] (٧) أي أنهم إن أجاروا وأمنوا المسلمين لم يفوا وغدروا، والإيمان هاهنا الإجارة\nوالأمنة والأمانة نقيض الخيانة\nوفي الحديث: «المؤذن مؤتمن» (٨) مؤتمن القوم: الذي يثقون فيه ويتخذونه أمينًا حافظًا، تقول: اؤتمن الرجل فهو مؤتمن، يعني أن المؤذن أمين الناس على صلاتهم وصيامهم\nوالمؤمن من أسماء الله تعالى. قيل: في صفة الله الذي أمن الخلق من ظلمه وقيل: المؤمن الذي آمن أولياءه عذابه وقيل: المؤمن الذي يصدق عباده ما وعدهم قال ابن الأثير: (في أسماء الله تعالى المؤمن وهو الذي يصدق عباده وعده فهو من الإيمان التصديق، أو يؤمنهم في القيامة عذابه، فهو من الأمان ضد الخوف).\n٢ - وتارة يتعدى بالباء أو الكلام فيكون معناه التصديق.\nوفى التنزيل: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: ١٧] أي بمصدق، آمنت بكذا، أي صدقت. والمؤمن مبطن من التصديق مثل ما يظهر.\nوالأصل في الإيمان الدخول في صدق الأمانة التي ائتمنه الله عليها، فإذا اعتقد التصديق بقلبه كما صدق بلسانه فقد أدى الأمانة، وهو مؤمن، ومن لم يعتقد التصديق بقلبه فهو غير مؤد للأمانة التي ائتمنه الله عليها، وهو منافق.\n_________\n(١) «تهذيب اللغة» للأزهري (١٥/ ٥١٣).\n(٢) «الصحاح» للجوهري (٥/ ٢٠٧١).\n(٣) «الصحاح» للجوهري (٥/ ٢٠٧١)، و«القاموس المحيط» للفيروزآبادي (ص١٥١٨).\n(٤) «المفردات» (ص٣٥).\n(٥) «الصارم المسلول» (ص٥١٩).\n(٦) رواه مسلم (٢٥٣١). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٧) انظر: «تفسير الطبري» ٦/ ٣٢٩.\n(٨) رواه أبو داود (٥١٧)، والترمذي (٢٠٧)، وأحمد (٢/ ٢٣٢) (٧١٦٩). من حديث أبي هريرة ﵁. قال أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٨٧): صحيح متفق عليه - أي: اتفق العلماء على صحته -. وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (٨٠٩): هذا حديث حسن صحيح من حديث أبي صالح. وقال الألباني في «إرواء الغليل» (١/ ٢٣٢) (٢١٧): صحيح.","vol":"5","page":346},{"text":"قال الزجاج: أما قوله ﷿: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا [الأحزاب: ٧٢] والذي عندي فيه أن الأمانة ههنا النية التي يعتقدها الإنسان فيما يظهره باللسان من الإيمان، ويؤديه من جميع الفرائض في الظاهر، لأن الله ﷿ ائتمنه عليها ولم يظهر عليها أحدًا من خلقه، فمن أضمر التوحيد والتصديق مثل ما أظهر فقد أدى الأمانة، ومن أضمر التكذيب، وهو مصدق باللسان في الظاهر فقد حمل الأمانة ولم يؤدها.\nوقوله ﷿: يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦١]، وقال ثعلب: يصدق الله ويصدق المؤمنين. ومنه قوله ﷿: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ [البقرة: ١٣٦]، وأَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ [البقرة: ٧٥]، ويفهم من الكلام السابق، أن التصديق كما يكون بالقلب واللسان يكون بالجوارح أيضًا، ومنه قوله ﷺ: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» (١).\nقال الجوهري: (والصديق بوزن السكيت: الدائم التصديق، ويكون الذي يصدق قوله بالعمل). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي - ١/ ٣١\nولكن لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى رأي آخر في معنى الإيمان اللغوي، وهو من آرائه السديدة، واختياراته الموفقة؛ حيث اختار معنى (الإقرار) للإيمان. لأنه رأى أن لفظة (أقر) أصدق في الدلالة والبيان على معنى الإيمان الشرعي من غيرها؛ لأمور وأسباب ذكرها ثم ناقشها بالمعقول، ورد بتحقيق علمي رصين قول من ادعى: أن الإيمان مرادف للتصديق، وذكر فروقًا بينهما؛ تمنع دعوى الترادف.\nقال ﵀: (فكان تفسيره أي الإيمان بلفظ الإقرار؛ أقرب من تفسيره بلفظ التصديق، مع أن بينهما فرقا) (٢).\nوقال أيضًا: (ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار؛ لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد) (٣).\nوقال ﵀ في رده على من ادعى الترادف بين الإيمان والتصديق: (إنه -أي الإيمان- ليس مرادفًا للتصديق في المعنى؛ فإن كل مخبر عن مشاهدة، أو غيب، يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت؛ فمن قال: السماء فوقنا، قيل له: صدق، كما يقال: كذب.\nوأما لفظ الإيمان؛ فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهدة، كقول: طلعت الشمس وغربت، أنه يقال: آمناه، كما يقال: صدقناه.\nولهذا؛ المحدثون والشهود ونحوهم، يقال: صدقناهم، وما يقال: آمنا لهم؛ فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر؛ كالأمر الغائب الذي يؤمن عليه المخبر، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ: آمن له؛ إلا في هذا النوع) (٤).\nوقال أيضًا: (إن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب؛ كلفظ التصديق؛ فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت، أو كذبت، ويقال: صدقناه، أو كذبناه، ولا يقال: لكل مخبر: آمنا له، أو كذبناه.\n_________\n(١) وهو جزء من حديث أوله: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة ...» رواه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٢٩١).\n(٣) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٦٣٨).\n(٤) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٢٩١).","vol":"5","page":347},{"text":"ولا يقال: أنت مؤمن له، أو مكذب له؛ بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب) (١). والمعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت، أو كذبت، ويقال: صدقناه، أو كذبناه،\nوقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: (أكثر أهل العلم يقولون: إن الإيمان في اللغة: التصديق، ولكن في هذا نظر! لأن الكلمة إذا كانت بمعنى الكلمة؛ فإنها تتعدى بتعديها، ومعلوم أن التصديق يتعدى بنفسه، والإيمان لا يتعدى بنفسه؛ فنقول مثلًا: صدقته، ولا تقول آمنته! بل تقول: آمنت به، أو آمنت له. فلا يمكن أن نفسر فعلًا لازمًا لا يتعدى إلا بحرف الجر بفعل متعد ينصب المفعول به بنفسه، ثم إن كلمة (صدقت) لا تعطي معنى كلمة (آمنت) فإن (آمنت) تدل على طمأنينة بخبره أكثر من (صدقت).\nولهذا؛ لو فسر (الإيمان) بـ (الإقرار) لكان أجود؛ فنقول: الإيمان: الإقرار، ولا إقرار إلا بتصديق، فتقول أقر به، كما تقول: آمن به، وأقر له كما تقول: آمن له) (٢).\nواعلم أخي المسلم علمنا الله وإياك طريقة السلف الصالح: أن الحقائق قد تعرف بالشرع كالإيمان، وقد تعرف باللغة كالشمس، وقد تعرف بالعرف كالقبض.\nوأن التعريف الشرعي قد يتفق مع التعريف اللغوي، وقد يختلف؛ بحيث يكون بالمعنى الشرعي أشمل من اللغوي، ولكن العبرة بالمعنى الشرعي الذي نتعبد الله تعالى به.\nوهكذا في مسمى الإيمان؛ إذ التصديق أحد أجزاء المعنى الشرعي على الصحيح المشهور عند أئمة أهل السنة والجماعة، وعلى ذلك دلت نصوص الكتاب والسنة.\nفالمعنى المختار للإيمان لغة: هو الإقرار القلبي: ويكون الإقرار: باعتقاد القلب: أي تصديقه بالأخبار. عمل القلب: أي إذعانه وانقياده للأوامر. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري - ص٨\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٢٩١).\n(٢) انظر «شرح العقيدة الواسطية» (٢/ ٢٢٩).","vol":"5","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1654>المبحث الثاني: تعريف الإيمان شرعا</span>\nهو التصديق الجازم، والإقرار الكامل، والاعتراف التام؛ بوجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، واستحقاقه وحده العبادة، واطمئنان القلب بذلك اطمئنانًا تُرى آثاره في سلوك الإنسان، والتزامه بأوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه.\nوأن محمد بن عبد الله ﷺ رسول الله، وخاتم النبيين، وقبول جميع ما أخبر به ﷺ عن ربه جل وعلا وعن دين الإسلام؛ من الأمور الغيبية، والأحكام الشرعية، وبجميع مفردات الدين، والانقياد له ﷺ بالطاعة المطلقة فيما أمر به، والكف عما نهى عنه ﷺ وزجر؛ ظاهرًا وباطنًا، وإظهار الخضوع والطمأنينة لكل ذلك.\nوملخصه: (هو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة).\nالباطنة: كأعمال القلب، وهي تصديق القلب وإقراره.\nالظاهرة: أفعال البدن من الواجبات والمندوبات.\nويجب أن يتبع ذلك كله: قول اللسان، وعمل الجوارح والأركان، ولا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر؛ لأن أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان، وجزء منه.\nفمسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة؛ كما أجمع عليه أئمتهم وعلماؤهم، هو: (تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية). الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري – ص١٣\nوقد ذهب عامة أهل السنة إلى أن الإيمان الشرعي هو اعتقاد وقول وعمل.\nقال الإمام محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني: (والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب، والعمل بالأركان).\nوقال الإمام البغوي: (اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان .. وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة).\nوقال الحافظ ابن عبد البر: (أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية ... إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانًا ...).\n(قال الإمام الشافعي في (كتاب الأم) .. وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر).\nوروى الإمام اللالكائي عن الإمام البخاري قوله: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (١)\nوالنصوص عن الأئمة كثيرة جدًا في قولهم: إن الإيمان قول وعمل، نقل كثيرًا منها المصنفون في عقيدة أهل السنة من الأئمة المتقدمين كالإمام اللالكائي وابن بطه وابن أبي عاصم وغيرهم.\nولا فرق بين قولهم: إن الإيمان قول وعمل، أو قول وعمل ونية، أو قول وعمل واعتقاد. فكل ذلك من باب اختلاف التنوع، فمن قال من السلف: إن الإيمان قول وعمل أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح.\nومن زاد الاعتقاد رأى لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك، فزاد الاعتقاد بالقلب.\nومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد (قول القلب)، وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية (عمل القلب)، فزاد ذلك.\nخلاصة ما سبق من حقيقة الإيمان الشرعي أنها (مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام.\nوالعمل قسمان: عمل القلب: وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سرًا وجهرًا، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به) نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – ١/ ٣٣\n_________\n(١) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ١٧٣ - ١٧٤).","vol":"5","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1655>المبحث الثالث: العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي</span>\nالعلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي: عرفنا أن من معاني الإيمان لغة: التصديق، وأن التصديق يكون بالقلب واللسان والجوارح، وهكذا الإيمان الشرعي، عبارة عن تصديق مخصوص، وهو ما يسمى عند السلف، بقول القلب، وهذا التصديق لا ينفع وحده، بل لابد معه من الانقياد والاستسلام، وهو ما يسمى بعمل القلب ويلزم من ذلك قول اللسان، وعمل الجوارح، وهذه الأجزاء مترابطة، لا غنى لواحدة منها عن الأخرى ومن آمن بالله ﷿، فقد أمن من عذابه نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – ١/ ٣١\nفالمنهج الصحيح إذن لفهم الألفاظ الشرعية هو أن نتلقى تفسيرهم وفهم السلف لمعاني هذه الألفاظ أولًا، ثم نضبط بهذا الفهم ألفاظ النصوص، وليس العكس، أي ليس استخراج المعاني من النظر المباشر إلى الدلالات اللغوية لألفاظ النصوص، كما ذهب إلى ذلك من ذهب من أهل الأهواء والبدع ......\nولكن قومًا خرجوا على هذا المنهج، وعدلوا عن معرفة كلام الله ورسوله، وأخذوا يتكلمون في المسميات الشرعية بطرق مبتدعة ومقدمات لغوية وعقلية مظنونة، فقالوا: إن الإيمان لا تدخل فيه الأعمال وإنما هو التصديق المجرد؛ فخالفوا بذلك كلام الله ورسوله ﷺ وإجماع السلف.\nوقد بنوا قولهم هذا على مقدمتين مظنونتين (١):\nالمقدمة الأولى: قولهم إن الإيمان في اللغة هو التصديق، والرسول إنما خاطب الناس بلغة العرب لم يغيرها، فيكون مراده بالإيمان التصديق.\nالمقدمة الثانية: قولهم إن التصديق إنما يكون بالقلب واللسان، أو بالقلب، فالأعمال ليست من الإيمان.\nوقد تصدى علماء السنة والجماعة لهؤلاء القوم، فردوا عليهم قولهم، ودحضوا شبهاتهم، وكشفوا زيغهم وضلالهم. ويتلخص الرد على أصحاب هذا الاتجاه من خلال استعراض أصول ثلاثة ....\nالأصل الأول: إن أهل اللغة لم يثبت عنهم أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق:\nأما عن الأصل الأول فنقول: إن أهل اللغة، إما يقصد بهم المتكلمون باللغة قبل الإسلام، فهؤلاء لم نشهدهم ولا نقل لنا أحد عنهم أن الإيمان عندهم قبل نزول القرآن هو التصديق (٢)، فمن يزعم أنهم لم يعرفوا في اللغة إيمانًا غير ذلك من أين لهم هذا النفي الذي لا تمكن الإحاطة به؟ بل هو قول بلا علم (٣).\nوإما يقصد بأهل اللغة نقلتها، كأبي عمرو والأصمعي والخليل ونحوهم، فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، وما سمعوه في دواوين الشعر وكلام العرب وغير ذلك بالإسناد، ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان، فضلًا عن أن يكونوا أجمعوا عليه، بل نسأل: من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟ (٤).\nبل إن بعضهم يذهب إلى أن الإيمان في اللغة مأخوذ من الأمن الذي هو ضد الخوف (٥)، والبعض الآخر يذهب إلى أنه بمعنى الإقرار وغيره (٦).\n_________\n(١) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٢٧٤).\n(٢) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ١١٨).\n(٣) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ١٢١).\n(٤) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ١١٧).\n(٥) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٢٧٨).\n(٦) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ١١٧).","vol":"5","page":350},{"text":"ولو قدر أن بعضهم نقل كلامًا عن العرب يُفهم منه أن الإيمان هو التصديق، فهم آحاد لا يثبت بنقلهم تواتر، بل نقلهم ذلك ليس بأبلغ من نقل المسلمين كافة لمعاني القرآن عن النبي ﷺ (١) إذ ينبغي للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله، بل ليس لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عرف أنه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كل أحد (٢).\nفنحن لا حاجة بنا مع بيان الرسول لما بعثه الله به من القرآن أن نعرف اللغة قبل نزول القرآن، والقرآن نزل بلغة قريش، والذين خوطبوا به كانوا عربًا، وقد فهموا ما أريد به، وهم الصحابة، ثم الصحابة بلغوا لفظ القرآن ومعناه إلى التابعين حتى انتهى إلينا، فلم يبق بنا حاجة إلى أن تتواتر عندنا تلك اللغة من غير طريق تواتر القرآن (٣).\nإن الألفاظ لا ينطق بها ولا تستعمل إلا مقيدة، إذ لا يوجد في الكلام حال إطلاق محض للألفاظ، بل الذهن يفهم من اللفظ في كل موضع ما يدل عليه اللفظ في ذلك الموضع (٤).\nوالشارع قد استعمل الألفاظ أيضًا مقيدة لا مطلقة، كقوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] وكذلك قوله: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ [البقرة: ١٥٨]. فذكر حجًا خاصًا وهو حج البيت، فلم يكن لفظ الحج متناولًا لكل قصد، بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسه من غير تغيير. فالحج المخصوص الذي أمر الله به دلت عليه الإضافة أو التعريف باللام، فإذا قيل: الحج فرض عليك، كانت لام العهد تبين أنه حج البيت (٥).\nوكذلك لفظ الزكاة، بيّن النبي ﷺ مقدار الواجب، وسماها الزكاة المفروضة، فصار لفظ الزكاة إذا عرف باللام ينصرف إليها لأجل العهد، ولفظ الإيمان أمر به مقيدًا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وكذلك لفظ الإسلام بالاستسلام لله رب العالمين، وكذلك لفظ الكفر مقيدًا، فخطاب الله ورسوله للناس بهذه الأسماء، كخطاب الناس بغيرها، وهو خطاب مقيد خاص لا مطلق يحتمل أنواعًا (٦).\nوقد بين الرسول تلك الخصائص، والاسم دل عليها، فلا يقال إنها منقولة، ولا إنه زيد في الحكم دون الاسم، بل الاسم إنما استعمل على وجه يختص بمراد الشارع، لم يستعمل مطلقًا، وهو إنما قال: (أقيموا الصلاة) بعد أن عرفهم الصلاة المأمور بها، فكان التعريف منصرفًا إلى الصلاة التي يعرفونها، لم ينزل لفظ الصلاة وهم لا يعرفون معناه، وكذلك الإيمان والإسلام وقد كان معنى ذلك عندهم من أظهر الأمور (٧).\nفالواجب أن يعرف اللغة والعادة والعرف الذي نزل في القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله (٨).\nالأصل الثاني: أن لفظ الإيمان ليس مرادفًا للفظ التصديق معنى واستخدامًا:\nوأما عن الأصل الثاني، فإن لفظ الإيمان يباين لفظ التصديق، سواء من حيث مواقع الاستخدام في اللغة أو من حيث المعنى. فأما من حيث الاستخدام فإن الإيمان يختلف عن التصديق من عدة وجوه:\n_________\n(١) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ١١٨).\n(٢) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٣٣).\n(٣) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ١١٩).\n(٤) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ١٠١).\n(٥) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٣٨٣).\n(٦) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٢٨٤، ٢٨٥).\n(٧) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٢٨٥، ٢٨٦).\n(٨) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ١٠١).","vol":"5","page":351},{"text":"أحدها: أن يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه، ولا يقال: آمنه وآمن به، بل يقال: آمن له، كما قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: ٢٦]. وقال: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ [يونس: ٨٣] (١).\nفإن قيل: فقد يقال: ما أنت بمصدق لنا؟ قيل: اللام تدخل على ما يتعدى بنفسه إذا ضعف عمله، إما بتأخيره، أو بكونه اسم فاعل أو مصدرًا، أو باجتماعهما فيقال: فلان يعبد الله ويخافه ويتقيه، ثم إذا ذكر باسم الفاعل قيل: هو عابد لربه، متق لربه، خائف لربه (٢) فقول القائل: ما أنت بمصدق لنا، أدخل فيه اللام كونه اسم فاعل، وإلا فإنما يقال: صدقته، لا يقال: صدقت له، ولو ذكروا الفعل لقالوا: ما صدقتنا، وهذا بخلاف لفظ الإيمان، فإنه يتعدى إلى الضمير باللام دائمًا، لا يقال: آمنته قط، وإنما يقال: آمنت له، كما يقال: أقررت له، فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقرب من تفسيره بلفظ التصديق، مع أن بينهما فرقًا (٣).\nالثاني: أن الإيمان لا يستعمل في جميع الإخبار، بل في الإخبار عن الأمور الغائبة ونحوها مما يدخلها الريب، فإذا أقر بها المستمع قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الإخبار (٤) فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت، فمن قال: السماء فوقنا، قيل له: صدق، كما يقال كذب. وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب (٥)، فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر، كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ، آمن له، إلا في هذا النوع (٦)، فاللفظ متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة، كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قالوا: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: ١٧]. أي لا تقر بخبرنا، ولا تثق به، ولا تطمئن إليه، ولو كنا صادقين؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم (٧).\nالثالث: أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب، كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت وكذبت، ويقال: صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيبًا، ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعًا، بلا تكذيب، فلا بد أن يكون الإيمان تصديقًا مع موافقة وموالاة وانقياد، لا يكفي مجرد التصديق (٨).\n_________\n(١) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٢٧٥)، و«الإيمان الأوسط» (ص: ٧١).\n(٢) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٢٧٥)، و«الأوسط» (ص: ٧٢).\n(٣) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٢٧٦)، و«الإيمان الأوسط» (ص: ٧٢).\n(٤) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٢٧٦)، و«الإيمان الأوسط» (ص: ٧١).\n(٥) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٢٧٦).\n(٦) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٢٧٦).\n(٧) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٢٧٧).\n(٨) «الإيمان»، لابن تيمية (ص: ٢٧٧).","vol":"5","page":352},{"text":"الرابع: أن الحقائق الثابتة في نفسها التي قد تعلم بدون خبر، أو الذوات التي تحب أو تبغض، وتوالي أو تعادي، وتطاع أو تعصى، ويذل لها أو يستكبر عنها، تختص كل هذه المعاني بلفظ الإيمان والكفر ونحو ذلك، لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب؛ لأن التصديق إخبار عن صدق المخبر، والتكذيب إخبار عن كذب المخبر، فهما نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر، لذا فهما يستخدمان في إثبات أو نفي الخبر المتعلق بالحقائق دون الحقائق ابتداء (١).\nويشهد لهذا الدعاء المأثور المشهور عند استلام الحجر: (اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ) (٢) فقال: إيمانًا بك، ولم يقل: تصديقًا بك، كما قال: تصديقًا بكتابك. وقال تعالى عن مريم: وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا [التحريم: ١٢] فجعل التصديق بالكلمات والكتب (٣).\nولا يوجد في كلام السلف: صدقت بالله، أو فلان صدق بالله، أو صدق بالله، ونحو ذلك، بل القرآن والحديث وكلام الخاصة والعامة مملوء من لفظ الإيمان بالله، وآمن بالله، ونؤمن بالله (٤).\nوالرسول ﷺ يجب أن يؤمن به ويؤمن له، يؤمن به من جهة أن رسالته مما أخبر بها، فالإيمان به من حيث نبوته غيب عنا أخبرنا به، ويؤمن له من جهة أنه مخبر علينا أن نطيعه، وليس كل غيب آمنا به علينا أن نطيعه (٥).\nوأما عن مخالفة الإيمان للتصديق في المعنى، فهو أن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، فكان تفسيره بالإقرار أقرب – وإن كان بينهما فرق – فالإقرار مأخوذ من قرّ يُقرّ، وهو قريب من آمن يأمن، فالمؤمن من دخل في الأمن، كما أن المقرّ دخل في الإقرار (٦). ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين (٧):\nأحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق، والشهادة، ونحوهما، وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.\nوالثاني: إنشاء الالتزام، كما في قوله تعالى: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١].\nوليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد، فإنه سبحانه قال: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: ٨١] فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول.\n_________\n(١) «الإيمان الأوسط» لابن تيمية (ص: ٧٣، ٧٤).\n(٢) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (١/ ١٥٧) (٤٩٢)، والبيهقي (٥/ ٧٩) (٩٠٣٤) بدون لفظة: «ووفاء بعهدك». من حديث علي ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٤٣): فيه الحارث وهو ضعيف وقد وثق. وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٠٤٩).\n(٣) «الإيمان الأوسط» (ص: ٧٤، ٧٥).\n(٤) «الإيمان الأوسط» (ص: ٧٥).\n(٥) «الإيمان الأوسط» (ص: ٧٥، ٧٦). و«الإيمان» (ص: ٧٨).\n(٦) «الإيمان الأوسط» (ص: ٧٢).\n(٧) «الإيمان الأوسط» (ص: ٧٣).","vol":"5","page":353},{"text":"وكذلك لفظ (الإيمان) فيه إخبار وإنشاء التزام، بخلاف لفظ (التصديق) المجرد، فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر، لا يقال فيه: آمن له، بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمنًا للمخبر إلا بالتزام طاعته مع تصديقه، بل قد استعمل لفظ الكفر - المقابل للإيمان - في نفي الامتناع عن الطاعة والانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان كما استعمل لفظ الإقرار في نفي التزام الطاعة والانقياد، فإن الله أمر إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين (١).\nالأصل الثالث: أن التصديق لا يكون بالقلب فقط ولا بالقلب واللسان فقط:\nوأما عن الأصل الثالث فنقول: هب أن الإيمان قد رادف التصديق في بعض النقول، فما هو المقصود بالتصديق في هذه النقول؟\nإذا كان تصديق القلب داخلًا في المراد، فليس المراد ذلك وحده، بل المراد التصديق بالقلب واللسان، فإن مجرد تصديق القلب دون اللسان لا يعلم حتى يخبر به عنه (٢)! ولا يوجد قط في كلام العرب أن من علم وجود شيء مما يخاف ويرجى، ويجب حبه وتعظيمه، وهو مع ذلك لا يحبه ولا يعظمه، ولا يخافه ولا يرجوه، بل يجحد به ويكذب به بلسانه، لم يقولوا: هو مصدق به، ولو صدق به مع العمل بخلاف مقتضاه، لم يقولوا: هو مؤمن به (٣).\nوأما الاستدلال بقوله تعالى: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: ١٧] فليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر، فلو قلت: ما أنت بمسلم لنا، ما أنت بمؤمن لنا صح المعنى، لكن لما قلت: إن هذا هو المراد بلفظ مؤمن؟ وإذا قال الله: وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ، ولو قال القائل: أتموا الصلاة، ولازموا الصلاة، والتزموا الصلاة، وافعلوا الصلاة، كان المعنى صحيحًا، لكن لا يدل هذا على معنى: أقيموا. فكون اللفظ يرادف اللفظ، يراد دلالته على ذلك (٤).\nولو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق، فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء، بل بشيء مخصوص وهو ما أخبر به الرسول ﷺ، وحينئذ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة (٥).\nوالقرآن ليس فيه ذكر إيمان مطلق غير مفسر، بل لفظ الإيمان فيه إما مقيد وإما مطلق مفسر، فالمقيد كقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣] وقوله: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ [يونس: ٨٣]. والمطلق المفسر كقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢] ونحو ذلك. وكل إيمان مطلق في القرآن فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنًا إلا بالعمل مع التصديق (٦).\nوقد جرى عرف اللغة عند العرب على أن الاسم يكون مطلقًا وعامًا، ثم يدخل فيه قيد أخص من معناه، فبتقدير أن يكون في لغتهم التصديق، فإنه قد بين الشارع لهم أنه لا يكتفي بتصديق القلب واللسان، فضلًا عن تصديق القلب وحده، بل لابد أن يعمل بموجب ذلك التصديق، فبين لهم أن التصديق الذي لا يكون الرجل مؤمنًا إلا به، هو أن يكون تصديقًا على هذا الوجه، وهذا بين في القرآن والسنة من غير تغيير للغة ولا نقل لها (٧).\n_________\n(١) «الإيمان الأوسط» (ص: ٧٣).\n(٢) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ١١٩ - ١٢٠).\n(٣) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ١٢٠).\n(٤) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ١٢٠، ٢٧٥).\n(٥) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ١٢١).\n(٦) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ١٢١ - ١٢٢).\n(٧) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ١٢٢، ١٢٣).","vol":"5","page":354},{"text":"وأخيرًا نقول: إن الأفعال نفسها تسمى تصديقًا، كما ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ أنه قال: «العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» (١). وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف (٢).\nقال الجوهري: (والصديق مثال الفسيق: الدائم التصديق، ويكون الذي يصدق قوله بالعمل) (٣).\nوقال الحسن البصري: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال) (٤).\nوقال سعيد بن جبير: (والتصديق أن يعمل العبد بما صدق به من القرآن، وما ضعف عن شيء منه وفرط فيه، عرف أنه ذنب، واستغفر الله وتاب منه ولم يصر عليه، فذلك هو التصديق) (٥).\nوقال الأوزاعي: (والإيمان بالله باللسان، والتصديق به العمل) (٦).\nوهكذا نرى أن الإيمان - وإن كان أصله التصديق - فهو تصديق مخصوص، كما أن الصلاة دعاء مخصوص، والحج قصد مخصوص، والصيام إمساك مخصوص، وهذا التصديق له لوازم صارت لوازمه داخلة في مسماه عند الإطلاق، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، ويبقى النزاع لفظيًا: هل الإيمان دال على العمل بالتضمن أو باللزوم؟ (٧). حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لمحمد عبدالهادي المصري - بتصرف – ص: ٢٣\nذهب كثير من المتكلمين وغيرهم؛ بل هو العُمدة عند جماهير المرجئة أن الإيمان في مفهوم اللغة العربية هو مجرد التصديق، استدلالًا بقوله تعالى في أول سورة يوسف: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: ١٧].\nالصواب: أن معنى الإيمان في اللغة ليس مرادفًا للتصديق، بل التصديق وزيادة، من الإقرار والإذعان والتسليم ونحوها، لعدة اعتبارات.\nأن معنى الآية في الحقيقة: ما أنت بمُقر لنا ولا تطمئن إلى قولنا ولا تثق به ولا تتأكد منه ولو كناَّ صادقين، فإنهم لو كانوا كذلك فصدقهم، لكنه لم يتأكد ولم يطمئن إلى قولهم. وهذه بلاغة في اللغة.\nأن لفظة الإيمان يقابلها الكفر، وهو ليس التكذيب فقط بل قدر زائد عليه، وإنما الكذب يقابل لفظة التصديق.\nفلما كان الكفر في اللغة ليس مقصورًا على التكذيب، فكذلك ما يقابل الكفر وهو الإيمان لا يقابل التصديق، وليس مقصورًا عليه.\nأن لفظ الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار المشاهدة وغيرها، وإنما يُستعمل في الأمور الغائبة مما يدخلها الريب والشك، فإذا أقر بها المستمع قيل آمن، بخلاف التصديق، فإنه يتناول الإخبار عن الغائب والشاهد، وإخوة يوسف أخبروا أباهم عن غائب غير مشاهد فصح أن الإيمان أخص من التصديق.\nأن لفظ الإيمان تكرر في الكتاب والسنة كثيرًا جدًا، وهو أصل الدين الذي لا بد لكل مسلم من معرفته، فلابد أن يؤخذ معناه من جميع موارده التي ورد فيها في الوحيين لا من آية واحدة؛ الاحتمالُ مُتطرق إلى دلالتها!\nأن الإيمان مخالف للتصديق في الاستعمال اللغوي وفي المعنى:\nفأما اللغة فقد مضت في الجواب الثالث؛ فالاستعمال اللغوي للإيمان يُتعدى فيه إلى المُخبِر باللام وإلى المُخبَر عنه بالباء كقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الأعراف: ١٥٨].\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٨٨٩)، ومسلم (٦٩٢٤)، وأحمد (٢/ ٣٤٣) (٨٥٠٧) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٢٧٨).\n(٣) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٢٧٨).\n(٤) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٢٧٨).\n(٥) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٢٧٩).\n(٦) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٢٨٠).\n(٧) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٢٨١).","vol":"5","page":355},{"text":"أما المعنى: فإن الإيمان مأخوذ من الأمن وهو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قرَّ يَقُر، وهو قريب من آمن يأمن.\nوأما الصدق فهو عدم الكذب، ولا يلزم أن يوافقه طمأنينة إلا إذا كان المُخبر الصادق يُطمئن إلى خبره وحاله.\nأن لفظ الإيمان يتعدى إلى غيره باللام دائمًا نحو قوله تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: ٢٦]، وقول فرعون في الشعراء: آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [الشعراء: ٤٩]، وقوله تعالى في يونس: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ [يونس: ٨٣]، وقوله: فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون: ٤٧]. وقوله: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ [الشعراء: ١١١]، وآيات عديدة. أما لفظ التصديق وصدق ليصدق فإنه يتعدى بنفسه نحو: قوله تعالى في الصافات: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِناَّ كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٠٥]. وفي أولها: بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ٣٧]. وفي سورة الزمر: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ [الزمر: ٧٤] فكلها بمقابل الكذب.\nلو فرضنا أن معنى الإيمان لغة التصديق، لوجب أن لا يختص بالقلب فقط بل يكون تصديقًا باللسان، وتصديقًا بالجوارح كما في حديث أبي هريرة ﵁ .. «العينان تزنيان ..» (١) الحديث.\nكذلك لو قلنا: إن الإيمان أصله التصديق، فإنه تصديق مخصوص، كما أن الصلاة دعاء مخصوص، والصوم إمساك مخصوص يتبيَّن بالمعنى الشرعي حيث يكون للتصديق لوازم شرعية دخلت في مسماه (٢) مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل - ص٢٠\nويمكن أن نجمل الأمور التي ذكرها شيخ الإسلام في دفع دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق في النقاط التالية:\n١ - أن لفظة آمن تختلف عن لفظة صدق من جهة التعدي، حيث إن آمن لا تتعدى إلا بحرف إما الباء أو اللام كما في قوله تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦]، وقوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥].\nفيقال: آمن به وآمن له، ولا يقال: آمنه، بخلاف لفظة صدق فإنه يصح تعديتها بنفسها فيقال: صدقه.\n٢ - أنه ليس بينهما ترادف في المعنى، فإن الإيمان لا يستخدم إلا في الأمور التي يؤتمن فيها المخبر مثل الأمور الغيبية، لأنه مشتق من الأمن، أما الأمور المشاهدة المحسوسة فهذه لا يصلح أن يقال فيها: آمن وإنما يقال: صدق، لأن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت كما يقال: كذبت، أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب.\n_________\n(١) رواه أحمد ٢/ ٣٤٤ (٨٥٠٧). والحديث رواه البخاري بنحوه (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) هذه الأوجه وغيرها بسطها ابن تيمية في مواضع من كتبه: «شرك الأصفهانية» (١٤٢ - ١٤٣)، و«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٦٩ - ٢٧٦)، وغيرهم.","vol":"5","page":356},{"text":"٢ - أن لفظة إيمان في اللغة لا تقابل بالتكذيب، فإذا لم يصدق المخبر في خبره يقال: كذبت، وإذا صدق يقال: صدقت فيقال: صدقناه: أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط.\n٤ - أن الإيمان في اللغة مشتق من الأمن الذي هو ضد الخوف، فآمن أي: صار داخلا في الأمن، فهو متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قال إخوة يوسف لأبيهم: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: ١٧] أي لا تقر بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم. أما التصديق فلا يتضمن شيئا من ذلك.\nفهذه الأمور تدفع دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق، كما يظنه طائفة من الناس، وبناء عليها فالإيمان ليس هو التصديق فحسب، وإنما هو تصديق وأمن أو تصديق وطمأنينة، وهو متضمن للالتزام بالمؤمن به سواء كان خبرًا أو إنشاءً، بخلاف لفظ التصديق المجرد، فمن أخبر غيره بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر، والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمنًا للمخبر إلا بالتزام طاعته مع تصديقه، فإن صدقه دون التزام بطاعته، فهذا يسمى تصديقًا ولا يسمى إيمانًا (١).\nولهذا فإن اللفظ المطابق لآمن من جهة اللغة هو لفظ أقر، لتوافقه مع لفظ آمن في الأمور المتقدمة، فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قر يقر، وهو قريب من آمن يؤمن، لكن الصادق يطمئن إلى خبره والكاذب بخلاف ذلك كما يقال الصدق طمأنينة، والكذب ريبة، فالمؤمن دخل في الأمن كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام ثم إنه يكون على وجهين:\nأحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما، وهذا الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.\nوالثاني: إنشاء الالتزام كما في قوله تعالى: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد فإنه سبحانه قال: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام بخلاف لفظ التصديق المجرد (٢).\nولذا فالإيمان لغة هو الإقرار، لأن التصديق إنما يطابق الخبر فقط، وأما الإقرار فيطابق الخبر والأمر ولأن قر وآمن متقاربان، فالإيمان دخول في الأمن، والإقرار دخول في القرار (٣). زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص١٨\n_________\n(١) انظر «الفتاوى» (٧/ ٢٩٠) و(٧/ ٥٣٤).\n(٢) انظر «الفتاوى» (٧/ ٥٣٠).\n(٣) انظر «الفتاوى» (٧/ ٦٣٨).","vol":"5","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1657>تمهيد: أهمية مسألة الإيمان</span>\nمسألة الإيمان من مسائل العقيدة الجليلة التي وقع الاختلاف فيها، والافتراق عليها قديمًا في المسلمين؛ بل لا يبعد إذا قيل إنها أول مسائل الاختلاف في هذه الأمة التي وقع النزاع فيها بين طوائفها، فخالف فيها المبتدعة الأمة الإسلامية!\nومن ثم ترتب عليها اختلافات أخر في مسائل وثيقة الصلة بمسألة الإيمان.\nومسائل الإيمان يعبر عنها العلماء بمسألة (الأسماء والأحكام) بمعنى: اسم العبد في الدنيا هو هل مؤمن أو كافر أو ناقص الإيمان ...؟ وحكمه في الآخرة أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار، أم ممن يدخل النار ثم يخرج منها ويخلد في الجنة؟\nولأهمية هذه المسائل ضمنها أهل السنة والجماعة في مباحث العقيدة الكبار، وقال الحافظ ابن رجب مبينًا أهمية هذه المسألة: (وهذه المسائل، أعني مسائل الإسلام والإيمان، والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًا.\nفإن الله ﷿ علّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار.\nوالاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين.\nثم حدث خلاف المرجئة وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان.\nوقد صنّف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة، وممن صنّف في الإيمان من أئمة السلف: الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي، -رحمهم الله تعالى- وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف) اهـ (١).\nوهكذا شأن الابتداع في الدين، فما يبتدع أحد بدعة - ولا سيما في أصول الدين وباب السنة - إلا اتسعت اتساعًا كبيرًا شبرًا فباعًا فميلًا .. وحسبك أن تعلم ما يقابل هذا الاتساع من خفاء السنن واندراسها.\nولا يبتدع مبتدع من أهل الأهواء بدعة في هذا الباب إلا ويأتي عقبه من يبتدع بدعة تضاد بدعته وتقابلها، حتى يكون الحق عند من يجده وسطًا بين البدعتين، وهذا تلاحظه في:\nبدعة الخوارج الوعيدية ومن تبعهم في مسائل الإيمان، ومقابلة المرجئة بطوائفها لهم ببدعتهم، والحق وسط بينهما!\nوفي باب الصفات ببدعة الممثلة المشبهة، ومقابلة المعطلة لهم.\nوفي باب القدر والإرادة بين بدعة القدرية نفاة القدر، وما قابلها من بدعة الجبرية الغلاة في إثباته.\nوفي باب الصحابة والإمامة بين بدعة الخوارج النواصب وما قابلهم من بدعة الروافض.\nوالحق في كل هو الوسط بين تلك البدع! مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – ص: ١٢\n_________\n(١) «جامع العلوم والحكم» (ص: ٣٠).","vol":"5","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1658>المبحث الأول: الإيمان عند أهل السنة والجماعة</span>\nالإيمان اعتقاد وقول وعمل الإيمان أصله في القلب: قال ﷿: وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ٨]، وقال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحشر: ٧]، وقال أيضًا: أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ [المجادلة: ٢٢]\nوقال أيضًا: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل: ١٠٦]\nوقال ﷺ: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان إلى قلبه» (١).\nإلى غير ذلك من الأدلة الصريحة في أن إيمان القلب شرط في الإيمان، ولا يصح الإيمان بدونه، وأنه إذا وجد سرى ذلك إلى الجوارح ولابد.\nوإيمان القلب ليس مجرد العلم والمعرفة والتصديق بالله ﷿، وخبر الرسول ﷺ - بل لابد مع ذلك من الانقياد والاستسلام، والخضوع والإخلاص، مما يدخل تحت عمل القلب.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب، ولابد فيه من شيئين:\nتصديق القلب وإقراره ومعرفته، ويقال لهذا: قول القلب، قال الجنيد بن محمد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب \" فلا بد فيه من قول القلب وعمله، ثم قول البدن وعمله، ولا بد فيه من عمل القلب، مثل حب الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها جزءًا من الإيمان ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن ضرورة لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» (٢).\nفإذا كان القلب صالحا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق ...\nويقول أيضًا: الإيمان أصله معرفة القلب وتصديقه وقوله، والعمل تابع لهذا العلم والتصديق ملازم له، ولا يكون العبد مؤمنًا إلا بها.\nويقول ﵀ مبينًا شدة الترابط بين الأصل والفرع: (إذا قام بالقلب التصديق به، والمحبة له (قول القلب، وعمله) لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه، ودليله ومعلوله، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضًا تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه).\nويقول الإمام المروزي ﵀: أصل الإيمان التصديق بالله، وبما جاء من عنده، وعنه يكون الخضوع لله لأنه إذا صدق بالله خضع له، وإذا خضع أطاع .. ومعنى التصديق هو المعرفة بالله، والاعتراف له بالربوبية، بوعده، ووعيده، وواجب حقه، وتحقيق ما صدق به من القول والعمل .. ومن التصديق بالله يكون الخضوع لله، وعن الخضوع تكون الطاعات، فأول ما يكون عن خضوع القلب لله الذي أوجبه التصديق من عمل الجوارح والإقرار باللسان (٣).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٨٨٠)، والترمذي (٢٠٣٢)، وأحمد (٤/ ٤٢٠) (١٩٧٩١). من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁. والحديث سكت عنه أبي داود. وقال الحافظ العراقي في «المغني» (٢/ ٢٥٠): إسناده جيد. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٣) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٦٩٥ - ٦٩٦).","vol":"5","page":359},{"text":"ويقول أيضًا: (وإنما المعرفة التي هي إيمان، هي معرفة تعظيم الله، وجلاله، وهيبته، فإذا كان كذلك، فهو المصدق الذي لا يجد محيصًا عن الإجلال، والخضوع لله بالربوبية، فبذلك ثبت أن الإيمان يوجب الإجلال لله، والتعظيم له، والخوف منه، والتسارع إليه بالطاعة على قدر ما وجب في القلب من عظيم المعرفة) (١).\nويقول: (أصل الإيمان هو التصديق، وعنه يكون الخضوع، فلا يكون مصدقًا إلا خاضعًا، ولا خاضعًا إلا مصدقًا، وعنهما تكون الأعمال) (٢).\nيتضح لنا من النقل السابق أن العلم والمعرفة والتصديق (أي قول القلب)، إن لم يصحبها الانقياد والاستسلام والخضوع، (أي عمل القلب والجوارح) لم يكن المرء مؤمنًا، بل تصديق هذا شر من عدمه لأنه ترك الانقياد مع علمه ومعرفته.\nوالدليل على أن التصديق والمعرفة فقط لا تنفع صاحبها وصف الله به إبليس بقوله: خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ [الأعراف: ١٢] وقوله: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢]، فأخبر أنه قد عرف أن الله خلقه، ولم يخضع لأمره فيسجد لآدم كما أمره، فلم ينفعه معرفته إذ زايله الخضوع.\nوالدليل على ذلك أيضًا شهادة الله على قلوب بعض اليهود أنهم يعرفون النبي ﷺ وما أنزل إليهم كما يعرفون أبناءهم، فلا أحد أصدق شهادة على ما في قلوبهم من الله، إذ يقول لنبيه: فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ [البقرة: ٨٩]، وقال: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ [البقرة: ١٤٦]، وقال: لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦] فشهد على قلوبهم بأنها عارفة عالمة بالنبي ﷺ ولم يوجب لهم اسم الإيمان بمعرفتهم وعلمهم بالحق إذ لم يقارن معرفتهم التصديق والخضوع لله ولرسوله بالتصديق له والطاعة (٣).\nومما يجدر ذكره أن بعض السلف يطلق التصديق أو اعتقاد القلب ويقصد به قول القلب وعمله جميعًا، أو عمل القلب وحده.\n_________\n(١) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٧٧٥ - ٧٧٦) ويلاحظ من هذا النقل، والذي قبله أنه لا فرق بين مفهومي التصديق، والمعرفة عند الإمام المروزي وكلاهما داخل تحت قول القلب.\n(٢) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٧١٥ - ٧١٦).\n(٣) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٦٩٦، ٦٩٨).","vol":"5","page":360},{"text":"يقول الإمام أحمد ﵀: وأما من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقًا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار، فقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرا ومصدقا بما عرف، فهو من ثلاثة أشياء، وإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق فقد قال قولًا عظيمًا (١) فالملاحظ من كلام الإمام أحمد أنه يعني بالتصديق عمل القلب ويعني بالمعرفة قول القلب، أما الإقرار فقول اللسان (٢) وقال الإمام أبو ثور لما سئل عن الإيمان ما هو؟: (فاعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان تصديق بالقلب والقول باللسان وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله ﷿ واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق، وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به أنه ليس بمسلم ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، قال لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن، فلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنًا ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمنًا، حتى يكون مصدقًا بقلبه مقرًا بلسانه فإذا كان تصديق بالقلب وإقرار باللسان كان عندهم مؤمنًا وعند بعضهم لا يكون حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت مؤمنًا ...) (٣).\nثم رد على من أخرج العمل من الإيمان فالغالب أنه يقصد بالتصديق هنا (قول القلب وعمله) والله أعلم.\nيقول ابن تيمية: وكذلك قول من قال: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان وعمل بالجوارح، جعل القول والعمل اسمًا لما يظهر، فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب، ولا بد أن يدخل في قوله: اعتقاد القلب، أعمال القلب المقارنة لتصديقه، مثل حب الله، وخشية الله والتوكل عليه، ونحو ذلك، فإن دخول أعمال القلب في الإيمان أولى من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها (٤).\nويقول الإمام ابن القيم موضحًا ذلك: ونحن نقول: الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانًا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمدًا رسول الله ﷺ - كما يعرفون أبناءهم مؤمنين صادقين (٥).\nونختم هذا البحث بالتأكيد على أهمية الخضوع والاستسلام والانقياد (عمل القلب والجوارح) وأنه أساس دعوة الأنبياء والرسل، وأن قضيتهم مع أقوامهم دائمًا ليست قضية المعرفة والعلم المجرد (أي قول القلب).\nقال تعالى: فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] وقال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل: ١٤].\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٩٣).\n(٢) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٩٧): (فأراد أحمد بالتصديق أنه مع المعرفة به صار القلب مصدقا له، تابعًا له، محبًا له، معظمًا له .. وهذا أشبه بأن يحمل عليه كلام الإمام أحمد).\n(٣) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٤/ ٨٤٩ - ٨٥٠).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٠٦).\n(٥) «الصلاة وحكم تاركها» (ص٤٤ - ٤٥).","vol":"5","page":361},{"text":"فالكفار والمنافقون غالبًا ما يقرون بالربوبية والرسالة ولكن الكبر والبغض وحب الرياسة والشهوات ونحوها تصدهم عن الطاعة والإخلاص والمتابعة (أي توحيد الألوهية) ومن ثم فلا ينفعهم ذلك، ولا ينجيهم من عذاب الله ﷿ في الآخرة ولا من سيف المؤمنين في الدنيا، فيجب على الدعاة إلى الله أن ترتكز دعوتهم على ذلك، وأن لا يقتصروا بالاهتمام بتوحيد الربوبية دون الدعوة إلى توحيد الألوهية، وإنما يكون اهتمامهم بالربوبية طريقًا ومنطلقًا لترسيخ وتثبيت توحيد الألوهية وعبادة الله وحده لا شريك له.\nقول اللسان (الإقرار باللسان) قول اللسان جزء من مسمى الإيمان، والمقصود بقول اللسان: الأعمال التي تؤدى باللسان: كالشهادتين والذكر وتلاوة القرآن والصدق والنصيحة والدعاء وغير ذلك مما لا يؤدى إلا باللسان وهذه الأعمال منها ما هو مستحب ومنها ما هو واجب ومنها ما هو شرط لصحة الإيمان ولنبدأ أولًا بالنصوص الدالة على أن قول اللسان يدخل في مسمى الإيمان ومنها:\n١ - قوله ﷿: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٦]، ثم قال ﷿: فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ [البقرة: ١٣٧].\nقال الحليمي: فأمر المؤمنين أن يقولوا آمَنَّا ثم أخبر بقوله تعالى: فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ أن ذلك القول منهم إيمان، وسمي قولهم مثل ذلك إيمانا، إذ لا معنى لقوله: فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ.\nإلا فإن آمنوا بأن قالوا: مثل ما قلتم فكانوا مؤمنين كما آمنتم فصح أن القول إيمان) (١).\n٢ - وقال ﷿ في آية أخرى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٤ - ٨٥] هذا الإيمان منهم لما رأوا البأس لم ينقلهم من الكفر ولم ينفعهم فثبت أنه لو كان قبلها لنفعهم بأن ينقلهم من الكفر إلى الإيمان وبذلك يكون هذا القول منهم لو كان قبل رؤية البأس لكان إيمانا (٢).\n٣ - ومن الأحاديث الشريفة في ذلك قوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (٣) فقد أخبر ﷺ في هذا الحديث الشريف أن العصمة المزايلة للكفر تثبت بالقول فبذلك يثبت أن القول إيمان لأن الإيمان هو العاصم من السيف (٤).\n٤ - ومن الأحاديث أيضًا قوله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (٥).\nفهذا الحديث أصل في دخول الأعمال والأقوال في مسمى الإيمان ...\nنكتفي بهذه الأدلة الصريحة على دخول قول اللسان في مسمى الإيمان ونأتي إلى مسألة مهمة وهي:\nالشهادتان أصل قول اللسان وهما شرط في صحة الإيمان:\n_________\n(١) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٢٦).\n(٢) انظر: «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٢٦).\n(٣) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٤) انظر: «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٢٧).\n(٥) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":362},{"text":"اتفق أهل السنة على أن النطق بالشهادتين شرط لصحة الإيمان قال الإمام النووي تعليقًا على حديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (١) (وفيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به النبي ﷺ (٢) وقال أيضًا: واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين، على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا. (٣).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر. (٤)\nوقال أيضًا (فأما الشهادتان) إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير علمائها) (٥) وقال أيضًا (إن الذي عليه الجماعة أن من لم يتكلم بالإيمان بلسانه من غير عذر لم ينفعه ما في قلبه من المعرفة، وأن القول من القادر عليه شرط في صحة الإيمان) (٦) وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي عند كلامه على حديث شعب الإيمان (وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعًا، كترك إماطة الأذى عن الطريق ..\nوقال الإمام ابن رجب الحنبلي: (ومن ترك الشهادتين خرج من الإسلام) (٧)\nويقول الحافظ ابن حجر تعليقًا على حديث «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير ..» الحديث (٨) (فيه دليل على اشتراط النطق بالتوحيد ..) (٩)\nوالمقصود بالشهادتين كما لا يخفى ليس مجرد النطق بهما، بل التصديق بمعانيهما وإخلاص العبادة لله، والتصديق بنبوة محمد ﷺ والإقرار ظاهرًا وباطنًا بما جاء به فهذه الشهادة هي التي تنفع صاحبها عند الله ﷿، ولذلك ثبت في الأحاديث الصحيحة قوله ﷺ: «من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه» (١٠) وفي رواية «صدقًا» (١١) وفي رواية «غير شاك» (١٢) «مستيقنًا» (١٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵁.\n(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ٢١٢).\n(٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ١٤٩).\n(٤) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٣٠٢)\n(٥) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٦٠٩).\n(٦) «الصارم المسلول» (ص٥٢٥) والمقصود بالقول هنا: شهادة ألا إله إلا الله. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١/ ٤٦): (فأما القول المراد به النطق بالشهادتين).اهـ. وهذا ليس حصرًا لقول اللسان بالشهادتين وإنما الكلام عن القول الذي هو شرط في الإيمان.\n(٧) انظر: «جامع العلوم والحكم» (ص٢٣).\n(٨) رواه البخاري (٤٤)، ومسلم (١٩٣). من حديث أنس بن مالك.\n(٩) «فتح الباري» (١/ ١٠٤).\n(١٠) رواه أحمد (٥/ ٢٣٦) (٢٢١١٣)، وابن حبان (١/ ٤٢٩) (٢٠٠). من حديث معاذ بن جبل ﵁. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٣٥٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين.\n(١١) رواه البخاري (١٢٨). من حديث معاذ بن جبل ﵁.\n(١٢) رواه مسلم (٢٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(١٣) رواه مسلم (٣١). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":363},{"text":"قال الإمام المروزي: ثم قال ﷺ في حديث ابن عباس لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان، ثم قال أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله» (١) فبدأ بأصله والشاهد بلا إله إلا الله هو المصدق المقر بقلبه يشهد بها لله بقلبه، ولسانه يبتدئ بشهادة قلبه والإقرار به ثم يثني بالشهادة بلسانه والإقرار به ليس كما شهد المنافقون إذ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون: ١] والله يشهد إنهم لكاذبون، فلم يكذب قلوبهم أنه حق في عينه، ولكن كذبهم من قولهم، فقال وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [المنافقون: ١] أي كما قالوا، ثم قال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١] فكذبهم من قولهم، لا أنهم قالوا بألسنتهم باطلًا ولا كذبًا، وكذلك حين أجاب النبي ﷺ جبريل بقوله: «الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله» (٢) لم يرد شهادة باللسان كشهادة المنافقين ولكن أراد شهادة بدؤها من القلب بالتصديق بالله بأنه واحد) (٣).\nقال القرطبي ردا على من زعم أن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان: بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح وهو باطل قطعًا (٤) وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب تعليقًا على قوله ﷺ: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دونه حرم ماله ودمه، وحسابه على الله» (٥) قال: (وهذا من أعظم ما يبين معنى (لا إله إلا الله) فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها بل ولا الإقرار بذلك بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها، ويا له من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع) (٦) والمقصود من النقل السابق التأكيد على أن التلفظ بالشهادتين وحده لا يفي لصحة الإيمان والنجاة في الآخرة ما لم يقترن ذلك بخضوع وانقياد وتصديق وإخلاص على حسب ما جاء في النصوص الأخرى وأجمل عبارة مختصرة يمكن أن تقال بهذه المناسبة ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (وتواترت النصوص بأنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال) (٧) نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – ١/ ٣٨\nومن أصول أهل السنة والجماعة التي اتفقوا عليها في مسمى الإيمان على اختلاف عباراتهم في التعبير – إجمالًا وتفصيلًا – وذلك خوفًا من الاشتباه، أو الالتباس؛ أن الإيمان مركب من:\n(قول، وعمل). أو (قول، وعمل، ونية). أو (قول، وعمل، ونية، واتباع السنة).\nأي: أن مسمى الإيمان يطلق عند أهل السنة والجماعة على ثلاث خصال مجتمعة، لا يجزئ أحدهما عن الآخر، وهذه الأمور الثلاثة جامعة لدين الإسلام:\n(اعتقاد القلب، إقرار اللسان، عمل الجوارح).\nوبعبارة أخرى عندهم:\nقول القلب، وقول اللسان.\nعمل القلب، وعمل الجوارح.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) رواه مسلم (٨). من حديث عمر بن الخطاب ﵁.\n(٣) «تعظيم قدرة الصلاة» (٢/ ٧٠٧، ٧٠٨)\n(٤) «المفهم على صحيح مسلم» نقلًا من «فتح المجيد» (ص٣٢).\n(٥) رواه مسلم (٢٣). من حديث طارق بن أشيم الأشجعي ﵁.\n(٦) «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ص٨١).\n(٧) نقلًا عن «فتح المجيد» لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ص٣٨).","vol":"5","page":364},{"text":"ويمكن توضيح ذلك؛ بالتفصيل التالي:\nأولًا - قول القلب: هو معرفته للحق، واعتقاده، وتصديقه، وإقراره، وإيقانه به؛ وهو ما عقد عليه القلب، وتمسك به، ولم يتردد فيه، قال الله ﵎:\nوَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ [الزمر: ٣٣ - ٣٤].\nوقال تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٥٧].\nوقال النبي ﷺ: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير» (١).\nقول اللسان: إقراره والتزامه.\nأي: النطق بالشهادتين، والإقرار بلوازمها.\nقال تعالى: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٦].\nوقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف: ١٣].\nوقال النبي ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ...» (٢).\nثانيًا: عمل القلب: نيته، وتسليمه، وإخلاصه، وإذعانه، وخضوعه، وانقياده، والتزامه، وإقباله إلى الله تعالى، وتوكله عليه – سبحانه – ورجاؤه، وخشيته، وتعظيمه، وحبه وإرادته.\nقال الله تعالى: وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: ٥٢].\nوقال تعالى: وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ١٩ - ٢١].\nوقال النبي ﵌: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه» (٣).\nعمل الجوارح:\nأي فعل المأمورات والواجبات، وترك المنهيات والمحرمات.\nفعمل اللسان: ما لا يؤدى إلا به؛ كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار؛ من التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والدعاء، والاستغفار، والدعوة إلى الله تعالى، وتعليم الناس الخير، وغير ذلك من الأعمال التي تؤدى باللسان؛ فهذا كله من الإيمان.\nقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ [فاطر: ٢٩]. وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب: ٤١].\nوعمل الجوارح: مثل الصلاة، والقيام، والركوع، والسجود، والصيام، والصدقات، والمشي في مرضاة الله تعالى؛ كنقل الخطا إلى المساجد، والحج، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من أعمال شعب الإيمان.\nقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ [الحج: ٧٧ - ٧٨].\nوقال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].\nفهذه الخصال الثلاث:\n(اعتقاد القلب، إقرار اللسان، عمل الجوارح).\nاشتمل عليها مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة؛ فمن أتى بجميعها؛ فقد اكتمل إيمانه. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري – ص١٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵁.\n(٣) رواه أبو داود (٤٨٨٠)، والترمذي (٢٠٣٢)، وأحمد (٤/ ٤٢٠) (١٩٧٩١). من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁. والحديث سكت عنه أبي داود. وقال الحافظ العراقي في «المغني» (٢/ ٢٥٠): إسناده جيد. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.","vol":"5","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1660>تمهيد</span>\nاستقرأ الشيخ أبو العباس ابن تيمية هذا الأصل الجامع للنزاع في الإيمان من خلال سبره لأقوال الطوائف في الإيمان وتمحيصه لحقائقها، وهو المطلع على أقوال أهل المقالات اطلاعًا لم يُعرف له نظير.\nوهذه الأصول هي في الواقع قواعد قعَّدها – ﵀- في مواقف تلك الطوائف من دلائل الوحي في مسألة الإيمان، وأجوبتهم عليها. وهي: مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – ص١٧","vol":"5","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1661>الأصل الأول</span>\nقال ﵀ في الإيمان الأوسط: وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه. فلم يقولوا بذهاب بعض وبقاء بعض، كما قال النبي ﷺ: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان». (١). مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – ص١٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣). من حديث أنس ﵁.","vol":"5","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1662>الأصل الثاني</span>\nما ضمَّنه شرحه للأصفهانية حيث قال: وأصل هؤلاء أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مُستحقًا للثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والحمد والذم. بل إما لهذا وإما لهذا، فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها ... اهـ (١).\nوهذا هو معنى أن يجتمع في العبد: إيمان وكفر، وإسلام ونفاق، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية .. وهو الحق الذي دلت عليه نصوص الإيمان من الكتاب والسنة. مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – ص١٧\n_________\n(١) في «شرح الأصفهانية» (١٣٧ - ١٣٨)، وانظر: «الفرقان بين الحق والباطل» (١٣ - ٤٨).","vol":"5","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1663>الأصل الثالث</span>\nما ذكره العلماء﵏- من طريقة أهل البدع في تلقي النصوص والسنة الشريفة (الوحي) سواء كانوا من الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، أو من المرجئة على تنوع مراتبهم وأصنافهم، فهم لا يجمعون بين نصوص الوعد والوعيد؛ بل إنهم – في استدلالهم، ينفردون فيهما بما يؤيد مذاهبهم.\nأ- فالوعيدية يستدلون بنصوص الوعيد، ويهملون نصوص الوعد، أو لا يجمعونها مع نصوص الوعيد في التلقي والاستدلال.\nب- وكذلك المرجئة يعوِّلون على نصوص الوعد، دون اعتبار للنصوص الواردة في الوعيد، وجمعها في التلقي والاستدلال مع نصوص الوعد. فكلاهما آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض.\nأما أهل السنة والجماعة فآمنوا بالكتاب كله، وعولَّوا على النصوص جميعها، فنظروا إلى نصوص الوعيد مع نصوص الوعد، فلم يضطربوا ولم يفرقوا بين المتماثلات وإنما كانوا الأمة الوسط، وأسعد الفريقين بالمذهب الحق. مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – ص١٨","vol":"5","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1664>الأصل الرابع</span>\nأن الإيمان وكذا الكفر، لكل منهما خصالٌ وشعبٌ عديدة، ومراتب متعددة، فمن الإيمان شعب إذا زالت زال الإيمان كله كالصدق في الحديث والحياء. وكذلك الكفر منه شعب إذا وقعت وقع الكفر الأكبر كالاستهزاء والسب لله ولدينه ولرسوله، ومنه شعب إذا وقعت لم يقع الكفر الأكبر المخرج عن الملة، كسب المسلم وقتاله والنياحة وغير ذلك، وإنما يكون مقترفها واقعًا في الكفر الأصغر، وهو الكفر العملي، وهو لا يخرج من الملة (١). مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – ص١٩\n_________\n(١) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٢٣٧)، و«تعظيم قدر الصلاة» للمروزي (٢/ ٥١٦ - ٥٢٠)، وكتاب «الصلاة» لابن القيم (٥٤ - ٦١)، و«الرسائل المفيدة» للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (٢٧/ ٢٩)، و«أعلام السنة المنشورة» للحافظ الحكمي (٧٣ - ٧٥) وغيرها كثير!","vol":"5","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1665>المبحث الثالث: معنى الإقرار والتصديق في كلام السلف</span>\nأن إيمان القلب يشتمل على أصلين:\nالأول: قول القلب.\nالثاني: عمل القلب.\nوقد ورد عن بعض السلف تفسير إيمان القلب: بالتصديق، أو الإقرار، أو الاعتقاد. ويوصف قول القلب بالعلم أو المعرفة إضافة إلى عمل القلب. فهذه سبعة معان مضافة للقلب وردت في عبارات السلف. وبمعرفة حقيقة هذه المعاني يتضح الفرق بين أقوال القلوب وأعمالها، والعلاقة بينها. حيث إن بعض الناس قد يخلط بين أقوال القلوب وأعمالها، فتخفى عليهم بعض أحكام أعمال القلوب. ولذا سوف أوضح – إن شاء الله – هذه المعاني، وبيان مراد السلف بها، من خلال المسائل الثلاث التالية:\nالمسألة الأولى: المراد بتصديق القلب\nيطلق تصديق القلب على شيئين:\nالأول: التصديق الخبري العلمي الذهني، بمعنى أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى المخبر والخبر ذاته مجردا عما سوى ذلك من أعمال القلوب. وهذا هو قول القلب.\nالثاني: التصديق العملي، أي تصديق الخبر بالامتثال والانقياد. وهذا هو الذي قصده السلف عند إطلاق التصديق. فمن قال من السلف بأن الإيمان هو: التصديق، فإنه يقصد بذلك المعنيين؛ قول القلب وعمله. أو عمل القلب المتضمن لتصديقه.\nقال الإمام الآجري ﵀: (اعلموا – رحمنا الله وإياكم – أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح) (١).\nوقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة ولغة العرب وأقوال السلف على أن التصديق ليس محصورا في التصديق الخبري. بل ورد كذلك في التصديق العملي، فمن شواهد ذلك:\n١) قوله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، أي قد امتثلت الأمر وحققته فكأنه قد ذبح ابنه. لأن المقصود هو عمل القلب.\n٢) قوله تعالى: وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣]. فقد فسرها ابن عباس ﵄ – أن الصدق هو شهادة أن لا إله إلا الله. فمن جاء مصدقا بها من المؤمنين ومصدقا بمحمد ﷺ فهو المتقي (٢).\n٣) قوله تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: ١٧٧].\nقال ابن كثير ﵀: قوله أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، أي هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال) (٣).\nوبهذا يتضح معنى تصديق القلب عند السلف إذا أفرد، وأنهم يريدون بذلك التصديق الخبري المستلزم لعمل القلب، أو عمل القلب المتضمن لقوله، أو هما جميعا.\nومن الخطأ أن يظن أن مرادهم بالتصديق عند الإطلاق هو مجرد نسبة الصدق إلى الخبر، أو ما أشبهه كالمعرفة المجردة، أو العلم المجرد.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب، ولا بد فيه من شيئين:\n_________\n(١) «الشريعة» (٢/ ٦١١) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٤/ ٨٤٩).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٧٠).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (١/ ٢٨٤).","vol":"5","page":371},{"text":"تصديق القلب، وإقراره ومعرفته، ويقال لهذا قول القلب.\nولابد فيه من عمل القلب، مثل حب الله ورسوله ﷺ. وغير ذلك من أعمال القلوب، التي أوجبها الله ورسوله ﷺ، وجعلها من الإيمان) (١).\nوقال أيضًا: (الإيمان وإن كان يتضمن التصديق، فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار والطمأنينة، وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط، فأما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر، وكلام الله خبر وأمر، فالخبر يستوجب تصديق المخبر، والأمر يستوجب الانقياد له والاستلام، وهو عمل في القلب جماعة الخضوع والانقياد للأمر فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب، وهو الطمأنينة والإقرار، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد) (٢).\nوقال ابن القيم ﵀: (ونحن نقول: الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانا، لكن إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين .. فالتصديق إنما يتم بأمرين: أحدهما: اعتقاد الصدق.\nوالثاني: محبة القلب، وانقياده) (٣).\nوقال الشيخ حافظ الحكمي ﵀: (ومن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في الإيمان هو: التصديق على ظاهر اللغة؛ أنهم إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرا وباطنا بلا شك، لم يعنوا مجرد التصديق) (٤).\nفالحاصل أن لفظ تصديق القلب عند السلف له أربعة معان:\n١) أن يراد به قول القلب فقط، وهذا فيما إذا قرن بعمل القلب.\n٢) أن يراد به عمل القلب المتضمن لقوله.\n٣) أن يراد به قول القلب المستلزم لعمل القلب.\n٤) أن يراد به قول القلب وعمله جميعا.\nوأما أن يفرد ويراد به قول القلب فقط فهذا لم يرد عن السلف، بل هو من اصطلاحات أهل البدع.\nثم ليعلم أن التصديق بمعناه الخبري، الذي هو مجرد أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى المخبر والخبر من غير إذعان وقبول؛ يساوي تماما عند السلف والأئمة معنى العلم أو المعرفة، إذ لا يوجد فرق بين العلم والمعرفة والتصديق.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد والذي يجعل قول القلب، أمر دقيق. وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما. وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون: إن ما قاله ابن كلاب والأشعري من الفرق كلام باطل لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق – إلى أن قال ﵀ والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول ﷺ صادق، وبين تصديق قلبه تصديقا مجردا عن الانقياد وغيره من أعمال القلوب بأنه صادق) (٥).\nوالمتتبع لبعض تعاريف السلف للإيمان يجد أنهم يعبرون عن التصديق بالمعرفة، وعن المعرفة بالتصديق، بل ويعرفون المعرفة بأنها التصديق، والتصديق بأنه المعرفة.\nقال الإمام المروزي ﵀: (وإنما المعرفة التي هي إيمان: هي معرفة تعظيم الله وجلاله وهيبته، فإذا كان كذلك فهو المصدق الذي لا يجد محيصا عن الإجلال لله بالربوبية) (٦).\n_________\n(١) «الإيمان» (١٧٦).\n(٢) «الصارم المسلول» (٣/ ٩٦٦) وانظر «الإيمان» (ص: ١٢٠).\n(٣) «الصلاة» (ص:٢٨).\n(٤) «معارج القبول» (٢/ ١٧).\n(٥) «الإيمان» (٣٨١).\n(٦) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٧٧٥).","vol":"5","page":372},{"text":"وقال أيضًا: (ومعنى التصديق: هو المعرفة بالله، والاعتراف له بالربوبية، وبوعده، ووعيده، وواجب حقه، وتحقيق ما صدق به من القول والعمل) (١).\nوقال ابن القيم ﵀: (ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ﷺ بالرسالة؛ وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام، علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة والإقرار، والانقياد، والتزام طاعته ودينه ظاهرا وباطنا) (٢).\nفتبين من خلال هذه النقول أنه لا فرق بين المعرفة والتصديق المجرد.\nالمسألة الثانية: المراد باعتقاد القلب\nالاعتقاد في اللغة مصدر عقد يعقد عقدا، مأخوذ من العقد، والربط، والشد بقوة (٣).\nوأما اعتقاد القلب عند السلف الصالح فهو يتضمن ركنين قلبيين:\nالأول: المعرفة والعلم والتصديق. ويطلق عليه قول القلب، وهذا المعنى عندما يقترن الاعتقاد بعمل القلب (٤).\nالثاني: الالتزام والانقياد والتسليم. ويطلق عليه عمل القلب، وهذا المعنى للاعتقاد عند السلف إذا جاء مفردا.\nوبهذا يتبين أن من قال من السلف بأن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح. فمراده بالاعتقاد هنا قول القلب وعمله.\nولهذا بوّب الإمام ابن منده ﵀ في كتابه الإيمان بابا بعنوان: (ذكر خبر يدل على أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالأركان، يزيد وينقص) (٥).\nوكذا بوّب الإمام اللالكائي ﵀ بقوله: (سياق ما روي عن النبي ﷺ أن الإيمان تلفظ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح) (٦). ثم ذكر الأدلة الدالة على أنه اعتقاد بالقلب.\nوتقدم أن من أقوال السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان، أنهم تارة يقولون: قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح (٧).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكذلك قول من قال: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح. جعل القول والعمل اسما لما ظهر، فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب. ولابد أن يدخل في قوله: اعتقاد القلب؛ أعمال القلب المقارنة لتصديقه مثل حب الله، وخشية الله، والتوكل عليه، ونحو ذلك) (٨).\nوأما إذا ذكر الاعتقاد مع عمل القلب، فإنه يراد به عند السلف قول القلب.\nالمسألة الثالثة: المراد بإقرار القلب:\nإقرار القلب يطلق على شيئين:\nالأول: على قول القلب. وهذا عند ذكره مع عمل القلب.\n_________\n(١) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٦٩٥).\n(٢) «زاد المعاد» (٣/ ٦٣٨).\n(٣) «معجم مقاييس اللغة» (٤/ ٨٦) «الصحاح» (٢/ ٥١٠) «لسان العرب» (٣/ ٢٩٦) «القاموس المحيط» (٣٨٣).\n(٤) ذكر ابن القيم ﵀ في «إغاثة اللهفان» (١/ ١٣) أن أقوال القلب هي العقائد. وأعمال القلب هي الإرادة والمحبة والكراهية وتوابعها.\n(٥) «الإيمان» (ب١/ ٣٤١).\n(٦) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٤/ ٨٣٠)، وانظر «التمهيد» (٩/ ٢٤٣). وعرف الشيخ محمد بن صالح العثيمين في كتابه «شرح ثلاثة الأصول» (ص: ٧٦) – الإيمان بأنه: (اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح).\n(٧) «الإيمان لابن تيمية» (ص: ١٦٢).\n(٨) «الإيمان الأوسط المطبوع ضمن مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٠٦).","vol":"5","page":373},{"text":"الثاني: على عمل القلب. ويكون المراد به الالتزام، وهذا عند الإطلاق، كما في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١]. فالإقرار هنا ليس معناه الخبر المجرد، بل معناه الالتزام للإيمان والنصرة للرسول ﷺ وهذا هو الإيمان بما فيه عمل القلب.\nويقابل الإقرار بالمعنى الأول الإنكار والجحود. وبالمعنى الثاني يقابله الإباء والامتناع. كما أن الكفر منه كفر إنكار وجحود. ومنه كفر إباء وامتناع ككفر إبليس.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولفظ الإقرار: يتناول الالتزام والتصديق، ولابد منهما، وقد يراد بالإقرار مجرد التصديق بدون التزام الطاعة) (١).\nوقد تقدم كلام شيخ الإسلام أن قول القلب: هو تصديقه وإقراره ومعرفته (٢). وعليه فيقال في الإقرار كما قيل في التصديق والاعتقاد.\nوخلاصة هذا المبحث: أن التصديق والاعتقاد والإقرار يتناول عند السلف:\n١) قول القلب فقط، وذلك عند اقترانها بعمل القلب.\n٢) قول القلب المستلزم لعمل القلب.\n٣) عمل القلب، المتضمن لقول القلب.\n٤) قول القلب وعمله جميعا.\nوكل ذلك بحسب التقييد والإطلاق. فيتبين بذلك مراد السلف في عباراتهم، وأنه لا اختلاف بينها.\nوأما معرفة القلب وعلمه فلا إشكال في أن المراد بها قول القلب فقط. أعمال القلوب حقيقتها وأحكامها عند أهل السنة والجماعة وعند مخالفيهم للعتيبي-١٤١\n_________\n(١) «الإيمان» (ص: ٣٨٠).\n(٢) «الإيمان» (ص: ١٧٦).","vol":"5","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1666>المبحث الرابع: معنى قول السلف الإيمان قول وعمل</span>\nمن الواضح لكل ذي عقل سليم أن معنى قول السلف: الإيمان قول وعمل هو: أنه التزام وتنفيذ وإقرار واعتقاد وطاعة -بالقلب واللسان والجوارح- ولكن المرجئة باستخدامهم المتكلف لمنطق اليونان والفلسفة الأعجمية العجماء- فهموا أن هذه العبارة حد منطقي غير جامع ولا مانع، إذ لم يفهموا إلا أن القول هو ألفاظ اللسان والعمل حركات الجوارح، فاعترضوا على قول السلف -من هذا الوجه- بأنهم أهملوا إيمان القلب! وتبعهم في هذا بعض المتأخرين ممن تأثر بمنطق هؤلاء ومنهجهم في التفكير.\nوبعضهم ذهب به الخبث إلى التحايل على العبارة نفسها، فقالوا: صحيح أن الإيمان قول وعمل، ولكن من قال بلسانه: لا إله إلا الله- فقد عمل أما عمل الجوارح فليس من الإيمان فأخرجوا عبارة السلف عن معناها البدهي الفطري إلى هذا المعنى السقيم الساقط.\nولهذا اقتضى الأمر إيضاح معنى كلام السلف بشيء من التفصيل، فنقول:\nإن الإيمان عند السلف حقيقة شرعية في غاية الوضوح، فهي ترادف وتساوي كلمة الدين، حتى إن كثيرًا منهم كان نص عبارته: الدين قول وعمل، وليس في معنى الدين خفاء يحتاج معه أي مسلم إلى تكلفات منطقية وسفسطة كلامية، بل لم يكن هنالك حاجة إلى تعريفه أو بيان معناه أصلًا، وكيف يعرفون أمرًا يعيشونه ويعملونه ويقرءون حقائقه كل حين.\nفلما ابتدعت المرجئة قولها: إن الإيمان قول فقط -متأثرة بالمنطق الغريب عن الإسلام والفطرة واللغة- أكذبَهم السلف وردوا دعواهم قائلين: بل هو قول وعمل، فمن ها هنا نشأت العبارة. فلا المرجئة الذين ابتدعوا ذلك -أول مرة- أرادوا ألفاظ اللسان المجردة عن إيمان القلب، ولا السلف الذين ردوا عليهم أرادوا ألفاظ اللسان وحركات الجوارح مجردة عن عمل إيمان القلب أيضًا.\nولكن المعركة الجدلية المستمرة ودافع الهوى والشبهة وترك منطق الفطرة والبديهة إلى منطق اليونان؛ كل ذلك جعل المرجئة يتحايلون على الألفاظ، ويماحكون في المعاني لتصحيح نظريتهم.\nوالحاصل: أن أعمال القلوب لم تكن موضع نزاع بين السلف وأصناف المرجئة المتقدمين، إلا فرقة شاذة هي فرقة الجهم بن صفوان ومن وافقه كالصالحي، وهي فرقة كفرها السلف بهذا، وبمقالاتها الأخرى في الصفات والقدر، ......\nوإنما أصبحت أعمال القلوب محل نزاع كبير بعد أن تبنى الأشاعرة مذهب جهم في الإيمان، وحصروه في عمل قلبي واحد وهو التصديق، ومال إليهم الماتريدية الذين كان أصل مذهبهم على إرجاء المتقدمين الحنفية، فحينئذٍ بعدت الشقة وعظمت الظاهرة حتى آل الأمر إلى أن تصبح عقيدة الإرجاء الجهمي هي عقيدة عامة الأمة في القرون الأخرى، .....\nوهذا ما استدعى علماء السنة في عصر انتشار الظاهرة إلى إيضاح معنى قول السلف وبسط القول في أعمال القلوب وأهميتها، وهذا ما نفعله هنا نقلًا عنهم وإيضاحًا لكلامهم:\nيقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية: (أجمع السلف أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ومعنى ذلك: أنه قول القلب وعمل القلب، ثم قول اللسان وعمل الجوارح.\nفأما قول القلب: فهو التصديق الجازم بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويدخل فيه الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ.\nثم الناس في هذا على أقسام:\nأ- منهم من صدق به جملةً ولم يعرف التفصيل.\nب- ومنهم من صدق جملةً وتفصيلًا.\nثم منهم من يدوم استحضاره وذكره لهذا التصديق -مجملًا أو مفصلًا- ومنهم من يغفل عنه ويذهل، ومنهم من استبصر فيه بما قذف الله في قلبه من النور والإيمان، ومنهم من جزم به لدليل قد تعترض فيه شبهة، أو تقليد جازم.","vol":"5","page":375},{"text":"قال: وهذا التصديق يتبعه عمل القلب، وهو حب الله ورسوله ﷺ وتعظيم الله ورسوله وتعزير الله ورسوله وتوقيره، وخشية الله والإنابة إليه والإخلاص له والتوكل عليه، إلى غير ذلك من الأحوال.\nفهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان، وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب العلة المعلول.\nويتبع الاعتقاد قول اللسان، ويتبع عمل القلب عمل الجوارح من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك (١».\nوقال بعد أن نقل عبارات السلف المذكورة ....: (وليس بين هذه العبارات اختلاف معنوي، ولكن القول المطلق والعمل المطلق في كلام السلف يتناول قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، فقول اللسان بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين، وهذا لا يسمى قولًا إلا بالتقييد، كقوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: ١١].\nوكذلك عمل الجوارح بدون أعمال القلوب هي من أعمال المنافقين التي لا يتقبلها الله.\nفقول السلف يتضمن القول والعمل الباطن والظاهر «٢).\nقال: (وكذلك قول من قال: اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، جعل القول والعمل اسمًا لما يظهر، فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب، ولا بد أن يدخل في قوله: اعتقاد القلب أعمال القلب المقارنة لتصديقه، مثل: حب الله وخشية الله، والتوكل على الله ونحو ذلك.\nفإن دخول أعمال القلب في الإيمان أولى من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها «٣).\nوقد سبق ضمن كلامه الشبيه بهذا ..... قوله: (إن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح «٤).\nوقوله: (فإذا قالوا: قول وعمل، فإنه يدخل في القول قول القلب واللسان جميعًا) (٥) وعند هذه العبارة علق المحقق بقوله: وعلى هامش النسخة الهندية: وقول القلب هو إقراره ومعرفته وتصديقه، وعمله هو انقياده لما صدق به.\nويقول الإمام ابن القيم: (إن الإيمان قول وعمل، والقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب والجوارح، وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنًا كما قال عن قوم فرعون: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:١٤].\nوكما قال عن قوم عاد وقوم صالح: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [العنكبوت:٣٨].\nوقال موسى لفرعون: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء:١٠٢].\nفهؤلاء حصلوا قول القلب -وهو المعرفة والعلم- ولم يكونوا بذلك مؤمنين، وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمنًا، بل كان من المنافقين.\nوكذلك: من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمنًا حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة، فيحب الله ورسوله ﷺ ويوالي أولياء الله ويعادي أعداءه، ويستسلم بقلبه لله وحده، وينقاد لمتابعة رسوله ﷺ وطاعته والتزام شريعته ظاهرًا وباطنًا. وإذا فعل ذلك لم يكف في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به، فهذه الأركان الأربعة هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه) (٦)\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٧٢).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٠٥ - ٥٠٦).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٠٦).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٧١).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٧٠).\n(٦) «عدة الصابرين» (ص: ٨٨ - ٨٩).","vol":"5","page":376},{"text":"والحاصل أن السلف وعلماء أهل السنة والجماعة في كل عصر إنما يستخدمون في منهج التفكير المنطق الفطري البدهي الذي يقسم عمل الإنسان بحسبه قسمين: ظاهر وباطن.\nفالباطن: قول القلب وعمله، والظاهر: قول اللسان وعمل الجوارح.\nفعلى هذا قالوا: الإيمان قول وعمل، أي: شامل للظاهر والباطن، لا سيما إذا ضممنا إلى ذلك ما هو معروف -بداهةً وفطرةً- من أن حقيقة الإنسان قسمان: قلب وأعضاء، وأعماله قسمان: أقوال وأفعال، فيكون أشمل عبارة أن يقال: قول وعمل بالقلب والأعضاء، وهذا هو مراد السلف قطعًا، وإنما اكتفوا عن آخر الجملة بأولها؛ لأن منهجهم الفطري في التفكير ومنهجهم البليغ في التعبير هو القصد إلى المطلوب بإيجاز دون العروج على ما هو معلوم بداهة.\nوبهذا يظهر أن عبارة قول وعمل على إيجازها جامعة مانعة، لا من جهة أنها حد منطقي -أي تعريف للماهية- ولكن من جهة أنها كشف عن الحقيقة وبيان لها.\nولذلك فإنني -بعد طول تأمل- أختار هذه العبارة وأفضلها على عبارة: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان ونحوها، على أن تشرح بما أوضحنا آنفًا، ومن أسباب الاختيار:\nأنها المنقولة عن متقدمي السلف، مع إيجازها وشمولها.\nأن العبارة الأخرى لا تسلم أيضًا من الفهم الخطأ.\nفإن فهم بعض الناس -المرجئة وغيرهم- أن: (قول وعمل) تعني قول اللسان وعمل الجوارح دون قول القلب وعمله أمر تنكره البديهة وترده، ولكن العبارة الأخرى توقع في لبس قلَّ من يفطن له ولا يستطيع كل أحد رده، وهو أن هذه الثلاثة- أي الاعتقاد والقول والعمل- منفصلة بعضها عن بعض، بمعنى أن الطاعات -التي هي فروع الإيمان وشعبه- على ثلاثة أقسام: قسم قلبي، وقسم لساني، وقسم عملي وعلى هذا قد يفهم أنه يمكن أن يتحقق في الإنسان ركنان من ثلاثة بأن يتحقق لديه الاعتقاد والقول مع عدم العمل بالكلية، وهذا الذي جزم السلف باستحالة وقوعه.\nوبيان ذلك يتضح من خلال تأمل كلام أحد علماء السنة المحققين- وهو الحافظ ابن حجر -﵀- وهو من هو علمًا وفهمًا وإحاطة بأقوال السلف، فانظر إليه حين يقول- شرحًا لترجمة البخاري، وهو قول وفعل يزيد وينقص: (فأما القول فالمراد به النطق بالشهادتين، وأما العمل فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح ليدخل الاعتقادات والعبادات. ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى.\nفالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص .....\nوالمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط.\nوالكرامية قالوا: هو نطق فقط.\nوالمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد، والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلف جعلوها شرطًا في كماله.\nوهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى، أما بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم بكفره إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم ..) (١) إلخ\nفقارئ كلامه يفهم منه التناقض بين تعريفي السلف في موضوع العمل، فإنه في التعريف الأول: قول وعمل يعتبر ركنًا، في حين أنه حسب التعريف الأخير: اعتقاد وقول وعمل ليس إلا شرط كمال فقط.\nويفهم منه -كذلك- أن الفرق بين المرجئة والسلف، أن السلف: زادوا على تعريف المرجئة العمل وجعلوه شرط كمال، وعليه فمن ترك العمل بالكلية فهو عند المرجئة مؤمن كامل الإيمان، وعند السلف مؤمن تارك لشرط الكمال فحسب.\n_________\n(١) «فتح الباري» (١/ ٤٦).","vol":"5","page":377},{"text":"ويمكن أن نفهم منه أيضًا أن تعريف المرجئة والمعتزلة أوجه من تعريف السلف، لأن المرجئة عرفوه بركنين والمعتزلة بثلاثة والسلف عرفوه -حسب فهمه- بركنين وشرط كمال، والتعريفات إنما تذكر الأركان لا الشروط ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي - بتصرف – ١/ ٢٢١\nومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح (١).\nفهذه خمسة أمور اشتمل عليها مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول القلب، وعمله، وقول اللسان، وعمله، وعمل الجوارح. والأدلة على دخول هذه الأمور في مسمى الإيمان كثيرة وفيرة وفيما يلي ذكر بعضها:\nأولا: قول القلب، وهو تصديقه وإيقانه، قال الله تعالى: وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ [الزمر: ٣٣ - ٣٤] وقال تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥] وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥] وقال تعالى في المرتابين الشاكين: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧].\nوفي حديث الشفاعة «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة» (٢)، وغير ذلك من الأدلة.\nثانيا: قول اللسان وهو النطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والإقرار بلوازمهما، قال الله تعالى: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٦]، وقال تعالى: وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص: ٥٣] وقال تعالى: وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ [الشورى: ١٥] وقال تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف: ١٣] وقال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله ..» (٣) وما في معنى هذا من النصوص.\n_________\n(١) «العقيدة الواسطية» لابن تيمية (ص: ١٦١) بشرح الهراس.\n(٢) رواه البخاري (١٣/ ٤٧٣) ومسلم (١/ ١٧٧).\n(٣) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (١٣٨). من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"5","page":378},{"text":"ثالثا: عمل القلب، وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد، والإقبال على الله ﷿، والتوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه، قال الله تعالى: وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٥٢] وقال: وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل: ٢٠] وقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢]، وقال: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠] وغير ذلك من النصوص الدالة على وجوب التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع والإنابة وغير ذلك من أعمال القلوب، وهي كثيرة جدا في الكتاب والسنة.\nرابعا: عمل اللسان، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا به كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك من الأعمال التي تؤدى باللسان، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ [فاطر: ٢٩]، وقال: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الكهف: ٢٧]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المزمل: ٢٠]. وغير ذلك من نصوص الشرع الدالة على أعمال اللسان والطاعات التي تؤدى به.\nخامسا: عمل الجوارح، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا بها مثل القيام والركوع والسجود والمشي في مرضاة الله، كمثل الخطا إلى المساجد وإلى الحج وإلى الجهاد في سبيل الله، وغير ذلك من الأعمال التي تؤدى بالجوارح، قال الله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ [الحج: ٧٧ - ٧٨] وقال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان: ٦٣ - ٦٤]، والنصوص في هذا كثيرة جدا (١).\nقال محمد بن حسين الآجري في باب (القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنًا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث) قال: (اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.\n_________\n(١) «معارج القبول» للحكمي (٢/ ١٧).","vol":"5","page":379},{"text":"ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنًا، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين ..) (١).\nثم ساق من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية ما يدل على ذلك ويؤيده. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص:٢١ - ٢٥\nقال حافظ الحكمي رحمه الله تعالى في شرح قوله في منظومة سلم الوصول\nاعْلَمْ بِأَنَّ الدينَ قوْلٌ وعَمَلْ ... فَاحْفَظْهُ وَافْهَمْ مَا عَلَيْهِ ذَا اشْتَمَلْ\nقال: (اعلم) يا أخي وفقني الله وإياك والمسلمين (بأن الدين) الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ورضيه لأهل سماواته وأرضه وأمر أن لا يعبد إلا به ولا يقبل من أحد سواه ولا يرغب عنه إلا من سفه نفسه ولا أحسن دينا ممن التزمه واتبعه هو (قول) أي بالقلب واللسان (وعمل) أي بالقلب واللسان والجوارح فهذه أربعة أشياء جامعة لأمور دين الإسلام.\nالأول قول القلب وهو تصديقه وإيقانه قال الله تعالى: وَالذِّي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ المحُسْنِين [الزمر: ٣٣ - ٣٤] وقال الله تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥] وقال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥] صدقوا ثم لم يشكوا وفي حديث الدرجات العلى: «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» (٢) وقال الله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣] وقال الله تعالى: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٦] الآيات وقال الله تعالى: وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ [الشورى: ١٥] وغير ذلك من الآيات.\nوفي حديث الشفاعة: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة» (٣) الحديث.\nوفي حديث الآخرة: «فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان» (٤).\n_________\n(١) «الشريعة» للآجري (١٩) وانظر «شرح اعتقاد أهل السنة» للالكائي (٤/ ٨٣٢).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣١). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٧٤١٠)، ومسلم (١٩٣). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣). من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"5","page":380},{"text":"وقال الله تعالى في المكذبين: أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [يس: ١٠] وقال الله تعالى في المرتابين الشاكين: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧] وقال فيهم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ [المائدة: ٤١] وقال الله تعالى فيهم: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١] أي: في قولهم نشهد أي كذبوا إنهم لا يشهدون بذلك بقلوبهم إنما هو بألسنتهم تقية ونفاقا ومخادعة.\nالثاني: قول اللسان وهو النطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والإقرار بلوازمها قال الله تعالى: وَقُولُوا آمَنَّا [البقرة: ١٣٦] وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص: ٥٣]، وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ [الشورى: ١٥] وقال الله تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ [الزخرف: ٨٦] إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف: ١٣] وقال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وإني رسول الله» (١) وما في معناه مما سنذكر وما لا نذكر.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"5","page":381},{"text":"والثالث عمل القلب وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد والإقبال على الله ﷿ والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه قال الله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الذِّينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه [الأنعام: ٥٢] إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله [الإنسان: ٩] الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال: ٢] وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠] اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: ٢٣] الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] وقال الله تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: ٣]، وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين [البينة: ٥]، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي [الزمر: ١٤]، وقال الله تعالى: وَالذِّينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًا لله [البقرة: ١٦٥]، يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: ٣١]، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات: ٧]، وقال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء: ١٢٥] وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان: ٢٢]، فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج: ٣٤] فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥]. وقال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١).\nوقال ﷺ: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (٢).\nو... قال ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» (٣) الحديث وقال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (١) واللفظ له، ومسلم (١٩٠٧). من حديث عمر بن الخطاب ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٢٩٨٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٤) رواه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤). من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"5","page":382},{"text":"وكان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل صالح يقربني إلى حبك» (١).\nوقال ﷺ: «اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين» (٢) ...\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٣) (٢٢١٦٢). من حديث معاذ بن جبل ﵁. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤٢٤) (١٥٥٣١)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ١٥٦)، والبزار في «البحر الزخار» (٩/ ٦٣) (٣١٤٧). من حديث رفاعة بن رافع الزرقي. قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه رواه عنه رفاعة بن رافع وحده، ولا نعلم رواه عبيد إلا عبد الواحد بن أيمن وهو رجل مشهور ليس به بأس في الحديث روى عنه أهل العلم. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ١٧٦): رواه أحمد والبزار واقتصر على عبيد بن رفاعة عن أبيه وهو الصحيح ... ورجال أحمد رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٢٦١): صحيح.","vol":"5","page":383},{"text":"الرابع عمل اللسان والجوارح فعمل اللسان ما لا يؤدى إلا به كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك وعمل الجوارح ما لا يؤدى إلا بها مثل القيام والركوع والسجود والمشي في مرضاة الله كنقل الخطا إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله ﷿ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما يشمله حديث شعب الإيمان قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ [فاطر:٢٩] الآيات وقال الله تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الكهف: ٢٧] وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: ٤١] وقال الله تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف: ٢٠٥] الآيات وقال الله تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [الإسراء: ١١١] وقال الله تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا [الكهف: ٤٦] وهي «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (١)\n_________\n(١) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢١٢)، والحاكم (١/ ٧٢٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤٢٥) (٦٠٦). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٣٢١٤): صحيح ..","vol":"5","page":384},{"text":"وقال الله تعالى: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥] الآيات، وقال الله تعالى: وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المزمل: ٢٠] وقال الله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١٩١] الآيات وقال الله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ [الحج: ٧٧ - ٧٨] الآيات وقال الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان: ٦٣ - ٦٤] الآيات وقال الله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر: ٩] وقال الله تعالى: إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١١١ - ١١٢].\nوالآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما المقصود تقرير هذه الأمور من أصول الدين فإذا حققت هذه الأمور الأربعة تحقيقًا بالغًا وعرفت ما يراد بها معرفة تامة وفهمت فهما واضحا ثم أمعنت النظر في أضدادها ونواقضها تبين لك أن أنواع الكفر لا تخرج عن أربعة:\nكفر جهل وتكذيب، وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار، وكفر نفاق\nفأحدها يخرج من الملة بالكلية وإن اجتمعت في شخص فظلمات بعضها فوق بعض والعياذ بالله من ذلك لأنها إما أن تنتفي هذه الأمور كلها قول القلب وعمله وقول اللسان وعمل الجوارح أو ينتفي بعضها فإن انتفت كلها اجتمع أنواع الكفر غير النفاق إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ [البقرة: ٦ - ٧].","vol":"5","page":385},{"text":"وإن انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق فكفر الجهل والتكذيب قال الله تعالى: بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [يونس: ٣٩] وقال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل: ٨٤]. وإن كتم الحق مع العلم بصدقه فكفر الجحود والكتمان قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل: ١٤] وقال الله تعالى: وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة: ٨٩] وقال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة: ١٤٦ - ١٤٧].\nوإن انتفى عمل القلب من النية والإخلاص والمحبة والإذعان مع انقياد الجوارح الظاهرة فكفر نفاق سواء وجد التصديق المطلق أو انتفى وسواء انتفى بتكذيب أو شك قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ - إلى قوله - وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٨ - ٢٠] وإن انتفى عمل القلب وعمل الجوارح مع معرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار ككفر إبليس وكفر غالب اليهود شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه أمثال حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهم وكفر من ترك الصلاة عنادا واستكبارا ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب قال النبي ﷺ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (١). ومن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرا وباطنا بلا شك لم يعنوا مجرد التصديق فإن إبليس لم يكذب في أمر الله تعالى له بالسجود وإنما أبى عن الانقياد كفرا واستكبارا واليهود كانوا يعتقدون صدق رسول الله ﷺ ولم يتبعوه وفرعون كان يعتقد صدق موسى ولم ينقد بل جحد بآيات الله ظلما وعلوا فأين هذا من تصديق من قال الله تعالى فيه: وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣] الآيات وأين تصديق من قال الله فيهم: قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [البقرة: ٩٣] وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٧٦] من تصديق من قالوا وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥] والله الموفق معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٧٣٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩). من حديث النعمان بن بشير ﵁.","vol":"5","page":386},{"text":"وأقوال السلف الصالح في هذه المسألة متفقة على أن الإيمان قول وعمل، وسنذكر بعض أقوالهم على النحو التالي: يقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (١)\nوعقد الإمام الآجري ﵀ بابًا في كتابه (الشريعة) قائلًا: باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، ولا يكون مؤمنًا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث (٢).\nوقال الإمام ابن بطة ﵀ في تعريف الإيمان: معناه التصديق بما قاله، وأمر به وافترضه، ونهى عنه من كل ما جاءت به الرسل من عنده، ونزلت فيه الكتب، وبذلك أرسل المرسلين، فقال ﷿: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] والتصديق بذلك قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان. (٣) ... تنوعت عبارات السلف الصالح في تعريف الإيمان، فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة وكل هذا صحيح، فليس بين هذا العبارات اختلاف معنوي، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قائلًا: إذا قالوا: قول وعمل فإنه يدخل في القول قول القلب واللسان جميعًا، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام، ونحو ذلك إذا أطلق فإن القول المطلق، والعمل المطلق في كلام السلف يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فقول باللسان بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين، وهذا لا يسمى قولًا إلا بالتقييد (كقوله تعالى يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: ١١] وكذلك عمل الجوارح بدون أعمال القلوب، هي من أعمال المنافقين، التي لا يتقبلها الله، فقول السلف يتضمن القول والعمل الباطن والظاهر.\n_________\n(١) انظر: «السنة» للإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (١/ ٣٠٧)، وله عدة روايات في تعريف الإيمان.\n(٢) «الشريعة» للإمام الآجري (ص١١٩).\n(٣) «الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة» (ص١٧٦).","vol":"5","page":387},{"text":"ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك، فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبًا لله إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعًا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولًا فقط. فقالوا: بل هو قول وعمل، والذين جعلوه (أربعة أقسام) فسروا مرادهم، كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة، لأن الإيمان إذا كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة (١) ... يقول ابن تيمية في هذا الشأن: إن الإيمان قول وعمل، فمن اعتقد الوحدانية في الألوهية لله ﷾ والرسالة لعبده ورسوله، ثم لم يتبع هذا الاعتقاد موجبه من الإجلال والإكرام الذي هو حال في القلب يظهر أثره على الجوارح، بل قارنه الاستخفاف والتسفيه والازدراء بالقول أو الفعل، كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه، وكان ذلك موجبًا لفساد ذلك الاعتقاد، ومزيلًا لما فيه من المنفعة والصلاح، إذ الاعتقادات الإيمانية تزكي النفوس وتصلحها، فمتى لم توجب زكاء النفس، ولا صلاحها، فما ذاك إلا لأنها لم ترسخ في القلب. (٢» نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف – ص١٧\nقال الإمام محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني: (والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب، والعمل بالأركان). (٣).\nوقال الإمام البغوي: (اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان .. وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة). (٤)\nوقال الحافظ ابن عبد البر: (أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية ... إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانًا (٥) ...).\n(قال الإمام الشافعي في (كتاب الأم) .. وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر) (٦).\nوروى الإمام اللالكائي عن الإمام البخاري قوله: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص (٧).\nوالنصوص عن الأئمة كثيرة جدًا في قولهم: إن الإيمان قول وعمل، نقل كثيرًا منها المصنفون في عقيدة أهل السنة من الأئمة المتقدمين كالإمام اللالكائي وابن بطه وابن أبي عاصم وغيرهم.\nولا فرق بين قولهم: إن الإيمان قول وعمل، أو قول وعمل ونية، أو قول وعمل واعتقاد. فكل ذلك من باب اختلاف التنوع، فمن قال من السلف: إن الإيمان قول وعمل أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح.\nومن زاد الاعتقاد رأى لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك، فزاد الاعتقاد بالقلب.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ١٧٠ - ١٧١) بتصرف يسير، وانظر: (٧/ ٥٠٥ - ٥٠٦).\n(٢) «الصارم المسلول» (ص ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ١٤٦).\n(٤) «شرح السنة» (١/ ٣٨ - ٣٩).\n(٥) «التمهيد» (٩/ ٢٣٨) وانظر (٩/ ٢٤٣) منه.\n(٦) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٥/ ٨٨٧).\n(٧) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٥/ ٨٨٦)، وذكره الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١/ ٤٧).","vol":"5","page":388},{"text":"ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد (قول القلب)، وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية (عمل القلب)، فزاد ذلك (١).\nخلاصة ما سبق من حقيقة الإيمان الشرعي أنها (مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام.\nوالعمل قسمان: عمل القلب: وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سرًا وجهرًا، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به) (٢). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – ١/ ٣١\nأجمع السلف ... (أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ومعنى ذلك أنه قول القلب، وعمل القلب، ثم قول اللسان، وعمل الجوارح) (٣).\nفقول القلب هو: الـ (تصديق بالقلب، وإقراره، ومعرفته) (٤).\nويراد به: (التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويدخل فيه الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ) (٥).\n(وهذا أصل القول) (٦).\nوأما عمل القلب فـ (هو حب الله ورسوله، وتعظيم الله ورسوله، وتعزير الرسول وتوقيره، وخشية الله والإنابة إليه، والإخلاص له، والتوكل عليه، إلى غير ذلك من الأحوال، فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان، وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد، إيجاب العلة المعلول) (٧).\n(وهذا أصل العمل) (٨).\n(والفرق بين أقوال القلب وأعماله؛ أن أقواله هي العقائد التي يعترف بها ويعتقدها، وأما أعمال القلب فهي حركته التي يحبها الله ورسوله، وهي محبة الخير وإرادته الجازمة، وكراهية الشر والعزم على تركه) (٩).\nوأما قول اللسان فهو (الإقرار بالله وبما جاء من عنده والشهادة لله بالتوحيد، ولرسوله بالرسالة، ولجميع الأنبياء والرسل، ثم التسبيح والتكبير، والتحميد، والتهليل، والثناء على الله، والصلاة على رسوله، والدعاء، وسائر الذكر) (١٠).\nوأما عمل الجوارح فهو (أفعال سائر الجوارح من الطاعات والواجبات التي بني عليها الإسلام، أولها إتمام الطهارات كما أمر الله ﷿، ثم الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والزكاة على ما بينه الرسول ﷺ، ثم حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، وترك الصلاة كفر، وكذلك جحود الصوم والزكاة والحج، والجهاد فرض على كفاية مع البر والفاجر، وسائر (الأعمال) التطوع التي يستحق بفعلها اسم زيادة الإيمان، والأفعال المنهي عنها التي بفعلها يستحق نقصان الإيمان) (١١).\nفأعمال الجوارح تنشأ عن أعمال القلوب وهي أصله، وقول اللسان ينشأ عن قول القلب وهو أصله.\nقال شيخ الإسلام: (فالإيمان لا بد فيه من هذين الأصلين:\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٧١).\n(٢) «الصلاة وحكم تاركها» لابن القيم (ص: ٥٤).\n(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦٧٢).\n(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ١٨٦).\n(٥) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦٧٢).\n(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٥٤٠).\n(٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦٧٢).\n(٨) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٥٤٠).\n(٩) «شرح العقيدة الواسطية» لصالح الفوزان (ص: ١٧٩).\n(١٠) «الإيمان» لابن منده (١/ ٣٦٢).\n(١١) «الإيمان» لابن منده (١/ ٣٦٢)","vol":"5","page":389},{"text":"التصديق بالحق، والمحبة له، فهذا أصل القول، وهذا أصل العمل.\nثم الحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والعمل الظاهر ضرورة ...\nوإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة ...) (١).\nفلهذا كانت هذه الأربعة أجزاء في الإيمان وأركانه التي قام عليها بناؤه.\nقال ابن القيم: (إن الإيمان قول وعمل؛ والقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب والجوارح.\nوبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنًا، كما قال عن قوم فرعون: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ [النمل: ١٤].\nوكما قال عن قوم عاد وقوم صالح: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [العنكبوت: ٣٨].\nوقال موسى لفرعون: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ [الإسراء: ١٠٢].\nفهؤلاء حصلوا قول القلب، وهو المعرفة والعلم، ولم يكونوا بذلك مؤمنين.\nوكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمنًا، بل كان من المنافقين.\nوكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمنًا حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة، فيحب الله ورسوله ﷺ، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداءه، ويستسلم بقلبه لله وحده، وينقاد لمتابعة رسوله ﷺ وطاعته والتزام شريعته ظاهرًا وباطنًا.\nوإذا فعل ذلك لم يكف في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به، فهذه الأركان الأربعة هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه) (٢).\n(فإن انتفت كلها اجتمع أنواع الكفر غير النفاق ...\nوإن انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق فكفر الجهل والتكذيب ...\nوإن كتم الحق مع العلم بصدقه فكفر الجحود والكتمان ...\nوإن انتفى عمل القلب من النية والإخلاص والمحبة والإذعان مع انقياد الجوارح الظاهرة فكفر نفاق، سواء وجد التصديق المطلق أو انتفى، وسواء انتفى بتكذيب أو شك ...\nوإن انتفى عمل القلب وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار ...\nومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب، قال النبي ﷺ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٣» (٤). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٥٧\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٥٤٠).\n(٢) «عدة الصابرين» لابن القيم (ص: ١٢٩).\n(٣) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (٤١٧٨). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٤) «معارج القبول» لحافظ حكمي (٢/ ٢٢ - ٢٣).","vol":"5","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1668>الأصل الأول: لا يكون إسلام إلا بإيمان، ولا يكون إيمان إلا بإسلام</span>.\nفمثل الإسلام من الإيمان، كمثل البدن من الروح (فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح، فإنه قائم بالروح ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيًا إلا مع الروح، بمعنى أنهما متلازمان لا أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر) (١).\nومثلهما –أيضًا- (كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى، فشهادة الرسالة غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيء واحد، كذلك الإسلام والإيمان، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له؛ إذ لا يخلو المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه) (٢).\nومثلهما - أيضًا – (كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر وأطناب، وله عمود في باطنه، فالفسطاط مثل الإسلام، له أركان من أعمال العلانية والجوارح، وهي الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط، والعمود الذي في وسط الفسطاط، مثله كالإيمان، لا قوام للفسطاط إلا به، فقد احتاج الفسطاط إليها، إذ لا قوام له ولا قوة إلا بها، كذلك الإسلام في أعمال الجوارح، لا قوام له إلا بالإيمان، والإيمان من أعمال القلوب، لا نفع له إلا بالإسلام، وهو صالح الأعمال) (٣). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٣\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٣٦٧).\n(٢) «شرح الطحاوية» لعلي بن علي بن أبي العز الدمشقي (٢/ ٤٩٠).\n(٣) من كلام أبي طالب المكي، انظر: «كتاب الإيمان» لابن تيمية (ص: ٣١٨).","vol":"5","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1669>الأصل الثاني: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بالإيمان</span>\nوهذا قول أئمة الإسلام: الأوزاعي ومالك وسعيد بن عبدالعزيز التنوخي، كانوا (ينكرون قول من يقول: إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بالإيمان) (١).\nوقال عطاء: (فألزم الاسم العمل، وألزم العمل الاسم).\nويزيد في إيضاح ما تقدم – مع وضوحه – قول عبدالله بن عبيد بن عمير الليثي: (الإيمان بالله مع العمل، والعمل مع الإيمان، ولا يصلح هذا إلا مع هذا حتى يقدمان على الخير إن شاء الله) (٢).\nوأما أهل البدع فقد فرقوا بين الإيمان والعمل، قال الإمام القدوة الثبت أبو علي الفضيل بن عياض التميمي: (فميز أهل البدع العمل من الإيمان، وقالوا: إن فرائض الله ليس من الإيمان، ومن قال ذلك فقد أعظم الفرية، أخاف أن يكون جاحدًا للفرائض رادًا على الله ﷿ أمره.\nويقول أهل السنة: إن الله – ﷿ – قرن العمل بالإيمان، وأن فرائض الله - ﷿ - من الإيمان، قالوا: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٨٢] فهذا موصول العمل بالإيمان.\nويقول أهل الإرجاء: إنه مقطوع غير موصول.\nوقال أهل السنة: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء: ١٢٤] فهذا موصول.\nوأهل الإرجاء، يقولون: بل هو مقطوع.\nوقال أهل السنة: ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن [الإسراء: ١٩] فهذا موصول، وكل شيء في القرآن من أشباه ذلك، فأهل السنة يقولون: هو موصول مجتمع.\nوأهل الإرجاء يقولون: هو مقطوع متفرق. ولو كان الأمر كما يقولون لكان من عصى وارتكب المعاصي والمحارم لم يكن عليه سبيل، وكان إقراره يكفيه من العمل، فما أسوأ هذا من قول وأقبحه، فإنا لله وإنا إليه راجعون) (٣).\nفانظر إلى هذا الإلزام الذي ألزمته أهل السنة المرجئة، وهو يدل على أن المرجئة الذين أنكر السلف قولهم لا ينكرون الوعيد في حق العصاة، ولا ينكرون بأن من لم يأت بالعمل أنه تارك للفرائض، وأنه معرض للوعيد، لكنهم يرفضون دخول العمل في الإيمان، وأن من لم يأت به ليس مؤمنًا، وهذا هو مرادهم من فصل العمل عن الإيمان.\n(وقد جاء عن الإمام الشافعي في مناظرته أحد المرجئة الذين قالوا: إن الإيمان قول.\nقال الإمام الشافعي: ومن أين قلت؟\nقال: من قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧]. فصار الواو فصلًا بين الإيمان والعمل؛ فالإيمان قول، والأعمال شرائع.\nفقال الشافعي: وعندك الواو فصل؟ قال: نعم.\nقال: فإذا كنت تعبد إلهين: إلهًا في المشرق، وإلهًا في المغرب؛ لأن الله تعالى يقول: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧] فغضب الرجل، وقال: سبحان الله! أجعلتني وثنيًا.\nفقال الشافعي: بل أنت جعلت نفسك كذلك.\nقال: كيف؟\nقال: بزعمك أن الواو فصل.\nفقال الرجل: فإني أستغفر الله مما قلت، بل لا أعبد إلا ربًا واحدًا، ولا أقول بعد اليوم: إن الواو فصل، بل أقول: إن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص) (٤).\nفقول المرجئ (والأعمال شرائع) يدل على أن الأعمال عندهم مطلوبة، وهذا محل اتفاق عندهم، قال عبدالقاهر البغدادي – عند كلامه على الأصول التي اجتمع عليها أهل السنة يعني الأشاعرة -: (قالوا في الركن الثالث عشر: المضاف إلى الإيمان والإسلام: إن أصل الإيمان المعرفة والتصدق بالقلب، وإنما اختلفوا في تسمية الإقرار وطاعات الأعضاء إيمانًا مع اتفاقهم على وجوب الطاعات المفروضة، وعلى استحباب النوافل المشروعة ...).\nوجمهورهم على أن تارك الطاعات المفروضة معرض للوعيد، لكنهم يختلفون مع السلف في إدخالها في الإيمان، أي في ترتيب الإيمان على وجودها، والكفر على انتفائها، وهذا ما تدل عليه مقولة السلف: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان. براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٤\n_________\n(١) «صريح السنة» (ص: ٢٥)، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة» لللالكائي (٤/ ٩٣٠).\n(٢) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» لللالكائي (٤/ ٩٣٠).\n(٣) «السنة» عبدالله بن أحمد بن حنبل الشيباني (١/ ٣٧٦).\n(٤) أخرج هذه المناظرة أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١١٠).","vol":"5","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1670>الأصل الثالث: لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول</span>\nلا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول قالها سعيد بن جبير، وتتابع أئمة أهل السنة عليها:\nفمن قائل: لا يجوز القول إلا بالعمل.\nومن قائل: لا يكون قول إلا بعمل.\nومن قائل: لا يستقيم قول إلا بعمل.\nومن قائل: لا يصلح قول إلا بعمل.\nومن قائل: لا ينفع قول إلا بعمل.\nوهي متواردة على معنى واحد، وهو (أن من يتكلم بالإيمان ولا يعمل به، لا يكون قلبه مؤمنًا) (١). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٧\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٢٠).","vol":"5","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1671>الأصل الرابع: الإيمان قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر</span>\nالإيمان: قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر. قاله الزهري وقد جاء نحو هذا القول في حديث مرسل، عن محمد بن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بالله والعمل قرينان، لا يصلح واحد منهما إلا مع صاحبه» (١).\nوبوب عليه الحافظ المسند شيخ الحرم في زمانه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني في كتابه (الإيمان): باب ملازمة العمل للإيمان.\nونص على مضمونه عدد من أئمة أهل السنة في عقائدهم:\n- الإمام المزني – ﵀: قال: (والإيمان قول وعمل مع اعتقاده بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، وهما سيان ونظامان وقرينان لا نفرق بينهما، لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان) (٢).\n- وقال أبو طالب المكي: (الإيمان والعمل قرينان، لا ينفع أحدهما بدون صاحبه).\n- وقال ابن أبي زمنين: (والإيمان بالله هو باللسان والقلب، وتصديق ذلك العمل.\nفالقول والعمل قرينان لا يقوم أحدهما إلا بصاحبه) (٣). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٨\n_________\n(١) رواه العدني في «الإيمان» (ص: ٧٩). قال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٢٢٤٥):هذا إسناد ضعيف لإرساله.\n(٢) «شرح السنة» للمزني (ص: ٧٨).\n(٣) «رياض الجنة بتخريج أصول السنة» لابن أبي زمنين (ص: ٢٠٧)","vol":"5","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1672>الأصل الخامس: أن ترك الفرائض ليس بمنزلة ركوب المحارم</span>\nأن ترك الفرائض ليس بمنزلة ركوب المحارم وقد ذكر هذا الإمام الثقة الحافظ الفقيه أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي، قال ﵀: (والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرًا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر هو كفر) (١). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٩\n_________\n(١) «السنة» لعبدالله بن أحمد (١/ ٣٤٧ - ٣٤٨).","vol":"5","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1673>الأصل السادس: قول أهل السنة إنا لا نكفر بالذنب، إنما يراد به المعاصي لا المباني</span>\nقال شيخ الإسلام: (نحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي: كالزنا والشرب.\nوأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور، وعن أحمد في ذلك نزاع، وإحدى الروايات عنه: أنه يكفر من ترك واحدة منها، وهو اختيار أبي بكر وطائفة من أصحاب مالك، كابن حبيب.\nوعنه رواية ثانية: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة فقط.\nورواية ثالثة: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها.\nورابعة: لا يكفر إلا بترك الصلاة.\nوخامسة: لا يكفر بترك شيء منهن.\nوهذه أقوال معروفة للسلف.\nقال الحكم بن عتيبة: (من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر، ومن ترك الزكاة متعمدًا فقد كفر، ومن ترك الحج متعمدًا فقد كفر، ومن ترك صوم رمضان متعمدًا فقد كفر).\nوقال سعيد بن جبير: (من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر بالله، ومن ترك الزكاة متعمدًا فقد كفر بالله، ومن ترك صوم رمضان متعمدًا فقد كفر بالله).\nوقال الضحاك: (لا ترفع الصلاة إلا بالزكاة) (١).\nوقال عبدالله بن مسعود: (من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له)، رواه أسد بن موسى (٢).\nوقال عبدالله بن عمرو: (من شرب الخمر ممسيًا أصبح مشركًا، ومن شربه مصبحًا أمسى مشركًا، فقيل لإبراهيم النخعي: كيف ذلك؟ قال: لأنه يترك الصلاة) (٣).\nوبهذا يعلم أن من قال بكفر تارك أحد المباني الأربعة لم يخرج من أقوال أهل السنة، وإن كنا نرى أن قوله قول مرجوح في غير الصلاة، والله أعلم. براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٩\n_________\n(١) «الأموال» لابن زنجويه (١٠٦٤).\n(٢) رواه الطبراني (٩/ ١٩٩) (٨٩٧٤).\n(٣) انظر هذه الآثار الحديثية والروايات الفقهية في «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٢٨٧ - ٢٨٨).","vol":"5","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1674>الأصل السابع: في بيان الفرق بين ترك الصلاة وترك العمل</span>\nيخلط بعض من يتكلم في موضوعنا بين مسألة ترك الصلاة، ومسألة ترك العمل، ولم يميز بينهما؛ إما لدخول الشبهة عليه، وإما للتشغيب على مخالفه، حتى تمنطق بعضهم مناقشًا مخالفه في محاورة من نسج خياله هذى بها أمام أصحابه قائلًا: نقول لهم: ما تقولون في رجل ترك الزكاة والصيام والحج لكنه يصلي، أيكفر؟ قال: فإن قالوا لا يكفر، قيل لهم: فما تقولون في رجل فعل جميع الأركان: الزكاة والصوم والحج إلا الصلاة، أيكفر؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: إذًا المسألة مسألة ترك الصلاة، وهي مسألة خلافية، خالف فيها كثير من العلماء، فلماذا تنكرون على العلماء، وترمونهم بالإرجاء!!\nوقد طار فرحًا هذا المتمنطق بهذا الخيال الذي ظن أنه مفحم لخصمه وناقض لمذهبه. فلقطع الطريق أمام كل مشغب، ولتجلية الموضوع لكل من اشتبه عليه الأمر أقول:\n١ - (شعار المسلمين الصلاة؛ ولهذا يعبر عنها بها، فيقال: اختلف أهل الصلاة، واختلف أهل القبلة.\nوالمصنفون لمقالات المسلمين يقولون: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين.\nوفي الصحيح: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم له ما لنا، وعليه ما علينا» (١).\nوأمثال هذه النصوص كثيرة في الكتاب والسنة) (٢).\n٢ - توافرت النصوص عن الصحابة في إكفار تارك الصلاة ولم ينقل عن أحدهم خلاف ذلك.\nفعن أبي المليح الهذلي، قال: سمعت عمر ﵁ على المنبر يقول: (لا إسلام لمن لم يصل) (٣).\nوقال أيضًا ﵁: (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) (٤) بعد إفاقته لما طعن بمحضر من الصحابة، ولم ينكروه عليه.\nوقال ابن مسعود ﵁: (من ترك الصلاة فلا دين له) (٥).\nوقال أبو الدرداء ﵁: (لا إيمان لمن لا صلاة له) (٦).\n٣ - حكى جماعة من أهل العلم إجماع الصحابة على إكفار تارك الصلاة، فمن ذلك:\nأ) قال مجاهد بن جبر: (قلت لجابر بن عبدالله ﵄: ما كان يفرق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال في عهد رسول الله ﷺ؟ قال: الصلاة (٧).\nوقوله (عندكم) أي عند الصحابة ﵃.\nب) وقال عبدالله بن شقيق: (لم يكن أصحاب النبي ﷺ يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) (٨).\nوعبدالله بن شقيق روى (عن عمر وأبي ذر والكبار) قاله الذهبي في الكاشف (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٨٤) بلفظ: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تحقروا الله في ذمته». من حديث أنس ﵁.\n(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٣).\n(٣) رواه ابن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» رقم (٩٣٠)، وابن سعد في «الطبقات» (٦/ ١٥٧).\n(٤) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٥٤)، وابن أبي شيبة في «الإيمان» برقم (١٠٣)، وابن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» رقم (٩٢٥، ٩٢٧).\n(٥) رواه ابن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» برقم (٩٣٥).\n(٦) رواه ابن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» برقم (٩٤٥)، واللالكائي برقم (١٥٣٦). قال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب»: صحيح موقوف. والحديث روي مرفوعًا عن غير واحد: فرواه العدني مرفوعًا في كتاب «الإيمان» (ص: ١٢٦)، من حديث أبي بكر بن حويطب. ورواه الربيع مرفوعًا في مسنده (ص: ٥٤)، من حديث ابن عباس ﵄.\n(٧) رواه ابن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» برقم (٨٩٢)، واللالكائي برقم (١٥٣٨)، والخلال في «السنة» (١٣٧٩).\n(٨) رواه ابن أبي شيبة في «الإيمان» (١٣٧)، واللالكائي (١٥٣٨)، والخلال في «السنة» (١٣٧٩).\n(٩) «٢/ ٨٦).","vol":"5","page":397},{"text":"ج) وقال الحسن البصري ﵀: (بلغني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر؛ أن يدع الصلاة من غير عذر) (١).\nوالحسن تابعي كبير، قد أدرك كبار الصحابة، فقوله المذكور إن لم يكن سماعًا من كثير من الصحابة، فلا أقل من أن يكون حكاية عالم فقيه مطلع على الخلاف والإجماع، والعلماء يعتدون بمن هو أقل من الحسن في مثل هذا، والله أعلم.\nد) وقال أيوب السختياني ﵀: (ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه) (٢).\nقلت: أيوب سيد الفقهاء والعلماء في زمانه، وهو إمام حافظ ثبت قد نقل الاتفاق على أن ترك الصلاة كفر، وهذا يدل على أن الخلاف في المسألة حادث بعد وفاته أو قبله بقليل، وقد كانت وفاته سنة (١٣١هـ) وسيأتي في كلام ابن نصر ما يشهد لهذا.\nهـ) الإمام محمد بن نصر المروزي، قال ﵀: (... ثم ذكرنا الأخبار المروية عن النبي ﷺ في إكفار تاركها، وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتل من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عن الصحابة ﵃ مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك، ثم اختلف أهل العلم بعد ذلك في تأويل ما روي عن النبي ﷺ ثم عن الصحابة ﵃ في إكفار تاركها، وإيجاب القتل على من امتنع من إقامتها) (٣).\n٤ - ظهر خلاف بعد الصحابة احتج له أصحابه بأدلة قيّمها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كلمة جامعة، قال فيها: (وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد، كان جوابًا لهم عن التارك، مع أن النصوص علقت الكفر بالتوالي، - كما تقدم - وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة؛ كقوله: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ... أدخله الله الجنة» (٤) ونحو ذلك من النصوص) (٥).\n٥ - لا خلاف بين أهل السنة في أن الإيمان: اعتقاد وقول وعمل، وأن من لم يأت بهذه الثلاثة فليس مؤمنًا: قال الإمام الشافعي – وهو في المشهور عنه لا يرى كفر تارك الصلاة -: (وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم، يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر).\nوقال إسحاق بن راهويه: (غلت المرجئة حتى صار من قولهم أن قومًا يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات، وصوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض، من غير جحود لها إنا لا نكفره يرجأ أمره إلى الله بعد؛ إذا هو مقر، فهؤلاء الذين لا شك فيهم، يعني في أنهم مرجئة) (٦).\nوقال – في تارك الصلاة -: (من ترك الصلاة متعمدًا حتى ذهب وقتها، الظهر إلى المغرب، والمغرب إلى نصف الليل، فإنه كافر بالله العظيم، يستتاب ثلاثة أيام، فإن لم يرجع، وقال: تركها لا يكون كفرًا ضربت عنقه - يعني: تاركها وقائل ذلك -، وأما إذا صلى وقال ذلك، فهذه مسألة اجتهاد) (٧). ا. هـ.\nففرق إسحاق – ﵀ – بين المسألتين وجعل مسألة تكفير تارك الصلاة إذا كان يصلي مسألة اجتهادية مع قوله بكفره، بخلاف مسألة تارك العمل فقد جعل المخالف في تكفيره مرجئًا.\nومما تقدم يعلم أمران:\n_________\n(١) رواه الخلال في «السنة» (١٣٧٢)، وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (٨٧٧)،\n(٢) رواه ابن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٩٧٨).\n(٣) «تعظيم قدر الصلاة» لابن نصر (٢/ ٩٢٥).\n(٤) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨). من حديث عبادة بن الصامت ﵁.\n(٥) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٣ - ٦١٤).\n(٦) «فتح الباري» لابن رجب (١/ ٢١).\n(٧) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٢٩٣).","vol":"5","page":398},{"text":"الأول: أن القولين متفقان على تكفير تارك جنس العمل؛ لأن هذا الأمر مبني على تعريف أهل السنة والجماعة للإيمان وأنه قول وعمل.\nالثاني: أنهما يفترقان في تحديد العمل الذي يكفر به تاركه، فأصحاب القول الأول يرون أنه عمل مخصوص، وهو الصلاة؛ وبالتالي فتارك الصلاة عندهم كافر ولو أتى بسائر الأعمال.\nوأما أصحاب القول الثاني فلا يكفر عندهم تارك الصلاة ما دام يقوم ببعض الأعمال.\nوهذا الأمر - وهو تحديد العمل الذي يكفر به تاركه - مبناه على النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة وعدمه، وهو محل خلاف، كما تقدم بيانه.\nومن هنا نقول: إن المحاورة المذكورة إنما نسجت على أحد قولي أهل السنة في ترك الصلاة، وليس على قولهم في ترك العمل الذي هو جزء من الإيمان وركن فيه.\nقال شيخ الإسلام - مبينًا ما بين الأمرين من ارتباط -: (فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول وعمل، كما دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف، وعلى ما هو مقرر في موضعه.\nفالقول: تصديق الرسول.\nوالعمل: تصديق القول، فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنًا.\nوالقول الذي يصير به مؤمنًا قول مخصوص؛ فكذلك العمل هو الصلاة) (١).\nفقد بنى – ﵀ – القول بكفر تارك الصلاة على مقدمات مسلم بها عند أهل السنة، وهي:\n١ - أن الإيمان لا بد فيه من قول وعمل.\n٢ - أن القول تصديق الرسول ﷺ.\n٣ - أن القول الذي لا بد منه، هو قول مخصوص.\n٤ - أن العمل هو تصديق القول، أي: (إذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنًا).\nوهذه المقدمات محل اتفاق بين أهل السنة، ولذا قدمها ليبني عليها القول بكفر تارك الصلاة حيث قال: (والقول الذي يصير به مؤمنًا، قول مخصوص، فكذلك العمل هو الصلاة) أي بما أن الإيمان لا بد فيه من عمل، وهو تصديق القول، وقد صار القول عندهم قولًا مخصوصًا وهو كلمة التوحيد، فكذلك ينبغي أن يكون العمل الذي لا بد منه عمل مخصوص، وهو الصلاة.\nففرق - ﵀ - بين المسألتين إذ جعل الأولى - مسألة تارك العمل - مقدمة مسلمًا بها عند أهل السنة، والثانية - مسألة تارك الصلاة - محل خلاف، ثم بنى الثانية على الأولى.\nوقوله هذا يتفق مع قوله: (ومن قال: بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات – سواء جعل فعل تلك الواجبات لازمًا له أو جزءًا منه، فهذا نزاع لفظي – كان مخطئًا خطئًا بينًا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف، والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها) (٢) ا. هـ.\n٦ - عد بعض السلف تكفير تارك الصلاة مما يميز أهل السنة عن المرجئة.\nقال ابن معين: (قيل لعبدالله بن المبارك: إن هؤلاء يقولون: من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان.\nقال عبدالله: لا نقول نحن كما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة متعمدًا من غير علة، حتى أدخل وقتًا في وقت فهو كافر) (٣).\nقلت: جعل ابن المبارك مما يميزه عن المرجئة تكفير تارك الصلاة، وهذا – والله أعلم – لا لعدم تكفيرهم تارك الصلاة، فإنه قول جماعة من الأئمة، وإنما لقولهم: هو مؤمن كامل الإيمان.\nوقد يكون كلامه من المنطوق الذي لا مفهوم له، فمن قال بكفر تارك الصلاة فقد باين المرجئة وخالفهم، ولا يعني هذا أن من لم يكفره لم يباينهم.\n_________\n(١) «شرح العمدة – كتاب الصلاة» لابن تيمية (ص: ٨٦).\n(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦٢١).\n(٣) رواه محمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٢٦).","vol":"5","page":399},{"text":"وأما من قال إن من لم يكفر تارك الصلاة كسلًا فقد تأثر بالإرجاء شعر أم لم يشعر فقد أخطأ، كما أن قول من قال إن من كفر تارك الصلاة (فقد التقى مع الخوارج في بعض قولهم). خطأ لا ينبغي.\nإذا تبين ما تقدم، فليعلم أن بعضهم قد اعترض علينا بما جاء في فتاوى اللجنة الدائمة، وهذا نصه:\n(س: يقول رجل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا يقوم بالأركان الأربعة الصلاة والزكاة والصيام والحج، ولا يقوم بالأعمال الأخرى المطلوبة في الشريعة الإسلامية، هل يستحق هذا الرجل شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة بحيث لا يدخل النار، ولو لوقت محدود؟\nج: من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وترك الصلاة والزكاة والحج جاحدًا لوجوب هذه الأركان الأربعة أو لواحد منها بعد البلاغ، فهو مرتد عن الإسلام يستتاب، فإن تاب قبلت توبته، وكان أهلًا للشفاعة يوم القيامة إن مات على الإيمان، وإن أصر على إنكاره قتله ولي الأمر لكفره وردته، ولا حظّ له في شفاعة النبي ﷺ ولا غيره، وإن ترك الصلاة وحدها كسلًا وفتورًا فهو كافر كفرًا يخرج به من ملة الإسلام في أصح قولي العلماء، فكيف إذا جمع إلى تركها ترك الزكاة والصيام وحج بيت الله الحرام؟! وعلى هذا لا يكون أهلًا لشفاعة النبي ﷺ ولا غيره إن مات على ذلك.\nومن قال من العلماء: إنه كافر كفرًا عمليًا لا يخرجه عن حظيرة الإسلام بتركة لهذه الأركان، يرى أنه أهل للشفاعة فيه، وإن كان مرتكبًا لما هو من الكبائر إن مات مؤمنًا. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم) (١).\nفيقال: إن هذه الفتوى تحتمل أحد وجهين:\nالأول: أن يقال: إن الفتوى في حق رجل ترك الأركان الأربعة، لكنه لا زال يقوم ببعض الأعمال المطلوبة شرعًا، وإن وقع في السؤال ما يدل على نفي ذلك، فليس في الجواب سوى الاقتصار على ترك الأركان وهي الأربعة.\nالوجه الثاني: أن يقال: إن الفتوى في حق من ترك جنس العمل، لكن تحقيق ترك الجنس في حق الشخص المعين لا يعرف في الظاهر إلا بالإصرار على الترك، وهو أن يعيش فترة من الزمن بعد تركه للعمل مع القدرة عليه وعدم المانع، وهذا ما لم تتحقق اللجنة من توفره.\nويدل على هذا قول اللجنة في آخر الفتوى – تعقيبًا على القول الثاني-: (إن من مات مؤمنًا) فهذا قيد احترزت به اللجنة من هذه الصورة، والله أعلم.\nوالقول بأحد هذين الوجهين لا بد منه، لأن اللجنة التي أصدرت هذه الفتوى، هي اللجنة التي أصدرت البيان التحذيري من كتاب (ضبط الضوابط) ووصفته بأنه كتاب (يدعو إلى مذهب الإرجاء المذموم) ومما جاء فيه قول كاتبه: (وللأسف فقد تأثر بعض الناس بهذا الفكر، وزعموا أن من نطق بالشهادتين ولم يأت بناقض، ولم يقم بشيء من أركان الإسلام الخمسة سواها فليس بمسلم، بل هو من أهل الخلود في النار، ثم نسبوا ذلك إلى مذهب أهل السنة، ونسبوا من خالفهم في ذلك إلى الإرجاء) (٢).\nهذا نقوله من باب الجمع بين كلام علمائنا، ولا نصنع كما صنع من انحرف في هذا الباب من ضرب كلامهم بعضه ببعض هروبًا وحيدة عن الحق الواضح إلى ما اشتبه، وهذه سمة من سمات أهل الأهواء، نعوذ بالله من سماتهم. براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ١٠١\n_________\n(١) «فتاوى اللجنة الدائمة» جمع الشيخ أحمد الدويش (٢/ ٢٣ - ٢٤).\n(٢) «ضبط الضوابط في الإيمان ونواقضه» لأحمد بن صالح الزهراني (ص: ٤٠).","vol":"5","page":400},{"text":"الأصل الثامن: الإيمان ثلاث درجات (١).\nالمؤمنون متفاوتون في مراتب إيمانهم، فمنهم من معه أصل الإيمان - الحد الأدنى - دون حقيقته الواجبة، ومنهم من بلغ درجات الكمال الواجب، ومنهم من بلغ درجات الكمال المستحب، وفي قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: ٣٢] إشارة إلى المراتب الثلاث. براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٣\n_________\n(١) انظر: «حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة» محمد عبدالهادي المصري (ص: ٥٥)، و«نواقض الإيمان الاعتقادية» د. محمد بن عبدالله بن علي الوهيبي (١/ ٩٤).","vol":"5","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1676>الأصل التاسع: في بيان الأعمال الظاهرة الدالة على حقيقة إيمان القلب</span>\nتقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأنه (لا إسلام إلا بإيمان، ولا إيمان إلا بإسلام) يعني كما أنه لا بد في الإسلام من إيمان يصححه، فكذلك لا بد في الإيمان من إسلام يصححه، أي عمل ظاهر يدل على أن في القلب إيمانًا صحيحًا.\nفإذا أتى إنسان بالشهادتين حكمنا بإسلامه في الظاهر لكن الحكم بالإسلام لا يستلزم ثبوت الإيمان الباطن. فالإسلام يحكم به في الظاهر لكل من جاء بالشهادتين مع جواز أن يكون في الباطن كافرًا منافقًا، وعليه فلا منافاة بين الحكم بالإسلام لمن جاء بالشهادتين، وبين القول بأن الإيمان الباطن يستلزم العمل الظاهر.\nوهذا ما عليه أهل السنة والجماعة، ومن زعم خلاف ذلك، فقال بوجود إيمان صحيح في القلب دون أن يظهر أثره على الجوارح، قال بقول المرجئة الذي قالوا: الإيمان قول بلا عمل.\nوهؤلاء كان السلف يردون عليهم بذلك أدلة دخول العمل في الإيمان، دون الخوض في ماهية الأعمال المطلوبة، إذ هي فرع من الأصل المتنازع فيه، ولا حاجة للخوض في الفرع حتى يقر المنازع بالأصل. براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ١٢١","vol":"5","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1677>الأصل العاشر: أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب ولازمة لها</span>\nقال ابن القيم عن أعمال القلوب -: (هي الأصل المراد المقصود، وأعمال الجوارح تبع ومكملة ومتممة، وأن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء، الذي إذا فارق الروح فموات، وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية فحركة عابث. فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هي أصلها، وأحكام الجوارح متفرعة عليها) (١).\nوقال شيخ الإسلام: (ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت، فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» (٢).\nوقال أبو هريرة: القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده.\nفإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد) (٣).\nوقال – أيضا -: (... وشرح حديث جبريل الذي فيه بيان أن الإيمان أصله في القلب، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، كما في المسند عن النبي ﷺ أنه قال: «الإسلام علانية، والإيمان في القلب» (٤)، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» (٥). فإذا كان الإيمان في القلب، فقد صلح القلب، فيجب أن يصلح سائر الجسد، فلذلك هو ثمرة ما في القلب؛ فلهذا قال بعضهم: الأعمال ثمرة الإيمان.\nوصحته – أي الجسد – لما كانت لازمة لصلاح القلب دخلت في الاسم، كما نطق بذلك الكتاب والسنة في غير موضع) (٦).\nوقال – أيضًا -: (وفصل الخطاب في هذا الباب: أن اسم الإيمان قد يذكر مجردًا، ويذكر مقرونًا بالعمل أو بالإسلام) (٧).\n_________\n(١) «بدائع الفوائد» (٣/ ٢٢٤).\n(٢) رواه البزار في مسنده (١/ ٤٨٨) (٣٢٦٧)، والطبراني في «المعجم الصغير» (١/ ٢٣٥) (٣٨٢). والحديث في الصحيحين بلفظ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (٤١٧٨). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ١٨٧).\n(٤) رواه أحمد (٣/ ١٣٤) (١٢٤٠٤)، وأبو يعلى في مسنده (٥/ ٣٠١) (٢٩٢٣)، وابن أبي شيبة (١١/ ١١) (٣٠٩٥٥). من حديث أنس ﵁. قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٦/ ٣٥٣): غير محفوظ. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٥٧): رواه أحمد وأبو يعلى بتمامه، والبزار باختصار، ورجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة، وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين وضعفه آخرون. والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٢٨٠).\n(٥) رواه البزار في مسنده (١/ ٤٨٨) (٣٢٦٧)، والطبراني في «المعجم الصغير» (١/ ٢٣٥) (٣٨٢). والحديث في الصحيحين بلفظ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (٤١٧٨). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٣/ ٣٩).\n(٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٨/ ٢٧١).","vol":"5","page":403},{"text":"فإذا ذكر مجردًا تناول الأعمال؛ كما في الصحيحين: «... الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (١)، وفيهما أنه قال لوفد عبدالقيس: «آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم» (٢).\nوإذا ذكر مع الإسلام – كما في حديث جبريل أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان – فرق بينهما، فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ...» إلى آخره (٣).\nوفي المسند عن النبي ﷺ: «الإسلام علانية، والإيمان في القلب» (٤) فلما ذكرهما جميعًا، ذكر أن الإيمان في القلب، والإسلام ما يظهر من الأعمال.\nوإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة، لأنها لوازم ما في القلب؛ لأنه متى ثبت الإيمان في القلب والتصديق بما أخبر به الرسول وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة، فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه ألبتة، فلا تستقر معرفة تامة ومحبة صحيحة، ولا يكون لها أثر في الظاهر.\nولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، كقوله تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء [المائدة: ٨١].\nوقوله: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢] ونحوها.\n_________\n(١) رواه البخاري (٩)، ومسلم (١٦٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (١٣٣٤)، ومسلم (١٢٤). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٣) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (١٠٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه أحمد (٣/ ١٣٤) (١٢٤٠٤)، وأبو يعلى في مسنده (٥/ ٣٠١) (٢٩٢٣)، وابن أبي شيبة (١١/ ١١) (٣٠٩٥٥). من حديث أنس ﵁. قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٦/ ٣٥٣): غير محفوظ. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٥٧): رواه أحمد وأبو يعلى بتمامه، والبزار باختصار، ورجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة، وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين وضعفه آخرون. والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٢٨٠).","vol":"5","page":404},{"text":"فالظاهر والباطن متلازمان، لا يكون الظاهر مستقيمًا إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» (١)، وقال عمر لمن رآه يعبث في صلاته: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) (٢).\nوفي الحديث: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه» (٣).\nولهذا كان الظاهر لازمًا للباطن من وجه، وملزومًا له من وجه، وهو دليل عليه من جهة كونه ملزومًا لا من جهة كونه لازمًا، فإن الدليل ملزوم المدلول، يلزم من وجود الدليل وجود المدلول، ولا يلزم من وجود الشيء وجود ما يدل عليه، والدليل يطرد ولا ينعكس بخلاف الحد فإنه يطرد وينعكس) (٤). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ١٢٦\n_________\n(١) رواه البزار في مسنده (١/ ٤٨٨) (٣٢٦٧)، والطبراني في «المعجم الصغير» (١/ ٢٣٥) (٣٨٢). والحديث في الصحيحين بلفظ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (٤١٧٨). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٢) لم أقف عليه من قول عمر ﵁، ولكن وقفت عليه من قول سعيد المسيب؛ رواه ابن المبارك في «الزهد» (ص: ٤١٩)، وعبدالرزاق (٢/ ٢٦٦) (٣٣٠٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٨٩) (٦٨٥٤)، والبيهقي معلقًا (٢/ ٢٨٥) (٣٣٦٥). والحديث روي مرفوعًا؛ حيث رواه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٣/ ٢١٠) من حديث أبي هريرة ﵁. قال العراقي في «المغني» (١/ ١٠٥): سنده ضعيف، والمعروف أنه من قول سعيد بن المسيب. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٩١٠): فالحديث موضوع مرفوعا، ضعيف موقوفا بل مقطوعا، ثم وجدت للموقوف طريقا آخر؛ فقال أحمد في «مسائل ابنه صالح» (ص: ٨٣): حدثنا سعيد بن خثيم قال حدثنا محمد بن خالد عن سعيد بن جبير قال: نظر سعيد إلى رجل وهو قائم يصلي ... إلخ. قلت: وهذا إسناد جيد، يشهد لما تقدم عن العراقي أن الحديث معروف عن ابن المسيب. اهـ.\n(٣) رواه أحمد (٣/ ١٩٨) (١٣٠٧١)، وابن أبي الدنيا في «الصمت» (٩)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (٤٤٢). من حديث أنس ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢١٣): رواه أحمد وفي إسناده علي بن مسعدة وثقه جماعة وضعفه آخرون. وقال العراقي في «المغني» (٢/ ٧٦٧): رواه ابن أبي الدنيا في «الصمت» والخرائطي في «مكارم الأخلاق» بسند فيه ضعف. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٨٤١): رجاله ثقات رجال مسلم غير الباهلي وهو حسن الحديث.\n(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٨/ ٢٧٢ - ٢٧٣).","vol":"5","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1678>الأصل الحادي عشر: جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب</span>\nقال شيخ الإسلام: (والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه، كقوله تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور: ٤٧ – ٥١].\nفنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا، فبين أن هذا من لوازم الإيمان) (١).\nوقال - ﵀ -: (لكنهم – أي مرجئة الفقهاء – إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضًا، فإنها لازمة لها) (٢).\nوقال -﵀ -: (وأيضًا فإخراجهم – أي مرجئة الفقهاء – العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضًا، وهذا باطل قطعًا، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعًا بالضرورة، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضًا؛ لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن.\nوليس المقصود هنا ذكر عمل معين، بل من كان مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه هل يتصور إذا رأى الرسول وأعداءه يقاتلونه، وهو قادر على أن ينظر إليهم ويخص على نصر الرسول بما لا يضره، هل يمكن مثل هذا في العادة إلا أن يكون منه حركة ما إلى نصر الرسول؟! فمن المعلوم أن هذا ممتنع؛ فلهذا كان الجهاد المتعين بحسب الإمكان من الإيمان، وكان عدمه دليلًا على انتفاء حقيقة الإيمان ...) (٣).\nوقال - أيضًا -: (والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضًا وجعلها هي التصديق، فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن) (٤).\nوقال - ﵀ -: (... وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم الإقرار الظاهر بل وغيره) (٥).\nوقال - عندما تحدث عن أغلاط المرجئة -: (ظن الظان أن ما في القلب من الإيمان المقبول يمكن تخلف القول الظاهر والعمل الظاهر عنه) (٦).\nوقال: (... فالعمل يصدق أن في القلب إيمانًا، وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيمانًا؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم) (٧). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ١٢٩\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٢٢١).\n(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ١٩٤).\n(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٥٥٦).\n(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٥٥٤).\n(٥) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦٠٩).\n(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٥٥٤).\n(٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٢٩٤).","vol":"5","page":406},{"text":"الأصل الثاني عشر: (الإرادة الجازمة للفعل مع القدرة التامة (توجب وقوع المقدور) أو (لا يتخلف عنها العمل) أو (توجب فعل المراد) (١).\nقال شيخ الإسلام: (فالإيمان لا بد فيه من هذين الأصلين: التصديق بالحق، والمحبة له، فهذا أصل القول، وهذا أصل العمل.\nثم الحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والعمل الظاهر ضرورة كما تقدم ...\nوإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه ودليله ومعلوله، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضًا تأثير فيما في القلب.\nفكل منهما يؤثر في الآخر لكن القلب هو الأصل، والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه) (٢).\nوقال - ﵀ -: (والإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم وجود المراد ووجود المقدور عليه منه، فالعبد إذا كان مريدًا للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها صلى، فإذا لم يصل مع القدرة دل ذلك على ضعف الإرادة.\nوبهذا يزول الاشتباه في هذا المقام، فإن الناس تنازعوا في الإرادة بلا عمل، هل يحصل بها عقاب؟ وكثر النزاع في ذلك ...\nوالفصل في ذلك أن يقال: فرق بين الهم والإرادة، فالهم قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة، فهذا لا عقوبة فيه بحال ...\nوأما الإرادة الجازمة فلا بد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور، ولو بنظرة أو حركة رأس أو لفظة أو خطوة أو تحريك بدن ...) (٣).\nوقال - ﵀ -: (وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام، فإن الإيمان في القلب، والإسلام ظاهر، كما في المسند عند النبي ﷺ أنه قال: «الإسلام علانية والإيمان في القلب» (٤) و«الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٥)، ومتى حصل له هذا الإيمان وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لأن إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الاستسلام لله والانقياد له، وإلا فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطنًا، ولا يحصل ذلك في الظاهر مع القدرة عليه، كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد) (٦).\n_________\n(١) «الجواب الصحيح» لابن تيمية (٦/ ٤٨٩).\n(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٥٤٠ - ٥٤١).\n(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٥٢٥ - ٥٢٧).\n(٤) رواه أحمد (٣/ ١٣٤) (١٢٤٠٤)، وأبو يعلى في مسنده (٥/ ٣٠١) (٢٩٢٣)، وابن أبي شيبة (١١/ ١١) (٣٠٩٥٥). من حديث أنس ﵁. قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٦/ ٣٥٣): غير محفوظ. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٥٧): رواه أحمد وأبو يعلى بتمامه، والبزار باختصار، ورجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة، وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين وضعفه آخرون. والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٢٨٠).\n(٥) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (١٠٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٥٥٣).","vol":"5","page":407},{"text":"وذكر - ﵀ - في ثنايا كلام له، أن من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، قال – ﵀ -: (فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب - أي وجوب الصلاة - وامتنع عن الفعل لا يقتل أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل) (١).\nوهذه الأصول الثلاثة الأخيرة تتفق في دلالتها على أمر واحد، وهو (ارتباط الظاهر بالباطن) وشيخ الإسلام يبني عليها القول بكفر تارك الفرائض الأربع، قال - ﵀ -: (وأما الفرائض الأربع، فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة، فهو كافر ...\nوأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئًا من هذه الأركان الأربعة ففي التكفير أقوال للعلماء، هي روايات عن أحمد ...\nوهذه المسألة لها طرفان:\nأحدهما: في إثبات الكفر الظاهر.\nوالثاني: في إثبات الكفر الباطن.\nفأما الطرف الثاني: فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولًا وعملًا - كما تقدم -، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٢) [القلم: ٤٢ - ٤٣]) (٢). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ١٣١\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٦).\n(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١١).","vol":"5","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1681>المبحث الأول: الإيمان حقيقة مركبة</span>\nإن أصل الخلاف بين أهل السنة والمرجئة في موضوع العمل هو أن المرجئة لا يقرون بهذه التركيبية، بل يعتقدون أن الإيمان شيء واحد؛ هو تصديق القلب دون سائر أعمال القلب والجوارح ... وهم يوافقون على أن من أتى بجميع أعمال الجوارح الواجبة والمستحبة ظاهرًا، لكن قلبه مع ذلك خال من الإيمان إنه لا يكون مؤمنا – وذلك باستثناء الخلاف اللفظي الذي شذت به الكرامية، حيث يطلق عليه اسم الإيمان – مع إقرارها أنه كافر مخلد في النار، فخالفوا في الاسم لا في الحكم – ولكنهم يخالفون في عكس هذه القضية وهى أن أحدًا لم يعمل عملًا من الأعمال الواجبة والظاهرة قط، حتى أنه لم ينطق بكلمة الشهادة وهو مع ذلك مؤمن كامل الإيمان.\nوهي القضية التي ينفي أهل السنة وجودها في الواقع أصلا – كما سنرى -، والفرق بينهما وبين القضية الأولى والتي يقر بها المرجئة من حيث الوجود والعدم يرجع إلى الفرق بين مفهوم الإيمان المفترض وجوده عند الطائفتين، فلما كان الإيمان عند المرجئة هو التصديق على النحو الذي فسروه به – لم يصعب عليهم تصور وجوده مع فقد كل الأعمال الواجبة، لكنه لما كان عند أهل السنة له معنى آخر مركب، لم يتصوروا أن يوجد باطن الإيمان ولا يوجد شيء من ظاهره؛ لأن ذلك من قبيل افتراض وجود الأصل اللازم والعلة التامة، مع انتفاء المجزوم والمعلوم، فهو نفى لتلك العلامة التركيبية المزجية.\nوهذا ما قرره السلف كثيرًا؛ كقول أبى ثور في إلزام المرجئة: (أرأيتم أن رجلًا قال: أعمل ما أمر الله به ولا أقر به، أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئا أيكون مؤمنًا؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: ما الفرق وقد زعمتم أن الله ﷿ أراد الأمرين جميعًا، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر جاز أن يكون الآخر مؤمنًا – إذا عمل ولم يقر – لا فرق بين ذلك ....) (١)، ويمكن تحرير ذلك باستخدام السبر والتقسيم فيقال:\nإن تعلق العمل بالإيمان منحصر في أربع حالات لا خامس لها (٢):\nأن يجتمعا معًا – أي إيمان القلب وعمل الجوارح.\nأن ينتفيا معا.\nأن توجد أعمال الجوارح مع انتفاء إيمان القلب.\nأن يوجد إيمان القلب مع انتفاء عمل الجوارح.\nفأما القضية الأولى فمتفق عليها (مؤمن).\nفأما القضية الثانية فمتفق عليها (كافر).\nأما القضية الثالثة فمتفق عليها (منافق)\nوأما القضية الرابعة فمختلف فيها.\nفالمرجئة يلحقون حكمها بحكم الأولى، بل يقولون: إن إيمان من تنطبق عليه القضية الأولى كإيمان من تنطبق عليه القضية الرابعة سواء بسواء؛ إذ الأعمال عندهم خارجة عن الإيمان، والإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل الناس فيه –كما سبق بيانه، فهو لدى الاثنين سواء، بل قالوا ما هو أسوء من ذلك؛ وهو إن ارتكاب جميع المحرمات وترك جميع الطاعات لا يذهب شيئًا من الإيمان؛ إذ لو ذهب منه شيء لم يبق منه شيء (٣).\nوهذا القدر المشترك بينهم كاف في الرد عليهم جميعا ردًا واحدًا –أي من يعتبر النطق ومن لا يعتبره-.\nوأما أهل السنة والجماعة فينفون وجود الحالة الرابعة في الواقع أصلًا؛ بناء على مفهومهم الخاص للإيمان.\nفتبين إن فساد تصور المرجئة للإيمان أدى إلى تصور هذه الحالة، وعليه: فبيان خطأ قولهم هذا يستلزم فساد تصورهم للإيمان بلا ريب، وإن الإيمان الذي يتكلمون عنه ويصفونه ليس الإيمان الشرعي بحال.\n_________\n(١) «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»، اللالكائي (٣/ ٨٥١)\n(٢) وهي قسمة نظرية فقط، وإلا فعلى الحقيقة لا وجود للقسم الرابع.\n(٣) وهذا ما اتفقت عليه فرقهم، كلها كما سبق بيانه في فصل «أصول مذاهب المرجئة» السابق.","vol":"5","page":409},{"text":"كما إنه يدل على تناقض من وافقهم من الفقهاء المنتسبين إلى السنة والأئمة في بعض الأحكام الظاهرة –كالقول بأن تارك الصلاة المصر على تركها حتى ضربت عنقه بالسيف إنما قتل حدا؛ إذ إن مذهب المرجئة في حكم تارك الصلاة يتفق ومفهوم الإيمان عندهم، لكن من يعتقد أن الإيمان قول وعمل – ويكون ذلك مذهب إمامه –كيف يوافقهم على إن تارك جميع العمل لا يكفر، إلا إذا انتفى منهم تصديق القلب أي كان مستحلًا أو غير مقر بالوجوب ويوافقهم على أن شاتم الرسول ﷺ ومهين المصحف عمدًا وقاتل النبي كافر ظاهرًا، ويجوز أن يكون مؤمنًا في الباطن؟! (١)\nوأهل السنة حين يقرون أن ترك العمل ترك لركن الإيمان الذي لا يكون إلا به، لا يعتمدون على تفلسف أو نظريات ذهنية، وإنما ينطلقون من منطلق واقعي وعلمي في غاية الوضوح؛ وهو أن هذه الحالة الرابعة لا وجود لها في واقع الجيل الأول، ولا في تصوره، وكذا لا وجود لها في الواقع النفسي المحسوس، كما لا يمكن أن تتفق مع حقيقة الإيمان الشرعية التي تشهد النصوص بأنها مركبة من القول والعمل معًا، كما لا تتفق مع النصوص الأخرى الكثيرة في حكم التولي عن طاعة الله ورسوله ﷺ، وترك الامتثال لأوامره، والتخاذل عن القيام بفرائضه.\nوهو كذلك مناقض لما ورد عن السلف الأخيار، والأئمة الأعلام في هذا الأمر ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي – ٢/ ٦٣٦\n_________\n(١) انظر عن هذه الأخيرة: «الإيمان»، (ص: ٣٨٤ – ٣٨٦)، ولهذا تجد كلام أحدهم باعتباره فقيها – كما إذا كتب في الردة من المصنفات الفقهية – يغاير كلامه إذا كتب باعتباره متكلما!!","vol":"5","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1682>المبحث الثاني: أدلة أهل السنة على إدخال الأعمال في مسمى الإيمان</span>\nأدلة أهل السنة على إدخال الأعمال في مسمى الإيمان منها: قول الله ﷿: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة: ١٤٣] ثبت في سبب نزول هذه الآية كما في حديث البراء الطويل وغيره وفي آخره «أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ» (١) ووضع البخاري هذا الحديث في مواضع ومنها (باب: الصلاة من الإيمان) (٢) قال الحليمي: أجمع المفسرون على أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فثبت أن الصلاة إيمان، وإذا ثبت ذلك، فكل طاعة إيمان إذ لم أعلم فارقًا في هذه التسمية بين الصلاة وسائر العبادات (٣) كذلك قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ١ - ٤] ومثله جميع الآيات المشابهة كقوله ﷿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور: ٦٢] ففي هذه الآيات إشارة إلى أن جميع الأعمال المذكورة من واجبات الإيمان فلهذا نفي الإيمان عمن لم يأت بها، فإن حرف إنما يدل على إثبات المذكور ونفي غيره (٤).\nومن الأدلة الصريحة في ذلك حديث وفد عبد القيس وفيه قوله ﷺ: «آمركم بالإيمان بالله وحده» وقال: «هل تدرون ما الإيمان بالله وحده»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا من الغنائم الخمس» الحديث (٥). ففي هذا الحديث فسر الرسول ﷺ للوفد الإيمان هنا بقول اللسان، وأعمال الجوارح\n(ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانًا بالله بدون إيمان القلب، لما قد أخبر في مواضع أنه لابد من إيمان القلب، فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان، وأي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسر الإيمان بالأعمال ولم يذكر التصديق مع العلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود) (٦)\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٠).\n(٢) «فتح الباري» (١/ ٩٥).\n(٣) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٣٧)، وانظر: «الإيمان» لابن منده (١/ ٣٢٩) و«الجامع لشعب الإيمان» للبيهقي (١/ ١٢١).\n(٤) انظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ١٨).\n(٥) رواه البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٦) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص٣٨٩).","vol":"5","page":411},{"text":"ومن الأدلة أيضًا قوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» الحديث (١) وما في معناه من الأحاديث في نفي الإيمان عمن ارتكب الكبائر وترك الواجبات كقوله ﷺ: «لا إيمان لمن لا أمانة له» (٢) يقول ابن رجب تعليقًا على ذلك: فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها لأن الاسم لا ينتفي إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته. (٣) ويقول ابن تيمية: ثم إن نفي الإيمان عند عدمها دال على أنها واجبة فالله ورسوله لا ينفيان اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته كقوله ﷺ: «لا صلاة إلا بأم القرآن» (٤).\nوقوله ﷺ: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» (٥) (٦).\nومن الأحاديث أيضًا قوله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان» (٧) ومثله: «حسن العهد من الإيمان» (٨) وغيرها كثير.\nومنها قوله ﷺ: «من أعطى لله ومنع لله، وأحب لله وأبغض لله، وأنكح لله فقد استكمل إيمانه» (٩).\nوهذا يدل على أن هذه الأعمال جزء من مسمى الإيمان يكمل بوجودها وينقص بنقصها، ومثل ذلك جميع الآيات والأحاديث الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه كما سيأتي (لأن الأعمال إذا كانت إيمانا كان بكمالها تكامل الإيمان، وبتناقصها تناقص الإيمان وكان المؤمنون متفاضلين في إيمانهم كما هم متفاضلون في أعمالهم، وحرم أن يقول قائل (إيماني وإيمان الملائكة والنبيين واحد) لأن الطاعات كلها إذا كانت إيمانًا فمن كان أكثر طاعة كان أكثر إيمانًا ومن خلط الطاعات بالمعاصي كان أنقص إيمانًا ممن أخلص الطاعات) (١٠). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي - ١/ ٥٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ١٣٥) (١٢٤٠٦)، وابن حبان (١/ ٤٢٢) (١٩٤). من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الذهبي في «المهذب»: سنده قوي، وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٧١٧٩): صحيح.\n(٣) «جامع العلوم والحكم» (ص٢٥).\n(٤) رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤). من حديث عبادة بن الصامت ﵁.\n(٥) رواه أحمد (٣/ ١٣٥) (١٢٤٠٦)، وابن حبان (١/ ٤٢٢) (١٩٤). من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الذهبي في «المهذب»: سنده قوي، وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٧١٧٩): صحيح.\n(٦) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ١٤).\n(٧) رواه مسلم (٢٢٣). من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.\n(٨) رواه أبو عبيد (ص٢٨)، والحاكم (١/ ٦٢). من حديث عائشة ﵂. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد اتفقا على الاحتجاج برواته في أحاديث كثيرة وليس له علة، ووافقه الذهبي في «التلخيص»، وحسنه الألباني في «الإيمان» (ص٢٨)، وفي «صحيح الجامع» (٢٠٥٦).\n(٩) رواه أبو داود (٤٦٨١). من حديث أبي أمامة ﵁. ورواه الترمذي (٢٥٢١)، وأحمد (٣/ ٤٣٨) (١٥٦٥٥). من حديث معاذ الجهني ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وحسَّن الألباني كلا الطريقين في «السلسلة الصحيحة» (٣٨٠) ثم قال: والحديث بمجموع الطريقين صحيح.\n(١٠) «المنهاج في شعب الإيمان» للحليمي (١/ ٥١).","vol":"5","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1684>تمهيد:</span>\nيطلق لفظ (الإيمان) عند السلف على ثلاثة عناصر مجتمعة، وهذه العناصر هي:\nالعنصر الأول: الاعتقاد بالقلب.\nالعنصر الثاني: الإقرار باللسان.\nالعنصر الثالث: العمل بالجوارح.\nوحول هذه العناصر (مجتمعة) تدور تعريفات السلف المتنوعة للإيمان، إجمالًا وتفصيلًا وشرحًا وتوضيحًا. ولمزيد بيان نعرض لكل عنصر من هذه العناصر على حدة بالتعريف والتحليل، مدعمين ذلك ببعض النقول عن سلف الأمة وأئمتها. حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لمحمد عبد الهادي المصري – ص ٢٥","vol":"5","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1686>المسألة الأولى: الاعتقاد بالقلب</span>\nالاعتقاد عند السلف يتضمن ركنين قلبيين لا يغني أحدهما عن الآخر، ويلزم تحقيقهما مجتمعين في القلب ليدخل صاحبه في مسمى الإيمان:\nالركن الأول: المعرفة والعلم والتصديق. ويطلق عليه (قول القلب).\nالركن الثاني: الالتزام والانقياد والتسليم. ويطلق عليه (عمل القلب).\nأما عن الركن الأول وهو قول القلب، أو معرفة القلب للحق وتصديقه به، فلا نحسب أن أحدًا من العقلاء يدفعه أو يجادل فيه فيقول مثلًا: إن الإيمان لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق.\nيقول الإمام أحمد بن حنبل – ﵀ -: (من جحد المعرفة والتصديق فقد قال قولًا عظيمًا، فإن فساد هذا القول معلوم من دين الإسلام) اهـ (١).\nوقد أورد صاحب (معارج القبول) سبعة شروط لمن ينطق بكلمة التوحيد قيد بها انتفاعه بالشهادتين في الدنيا والآخرة من الدخول في الإسلام والفوز بالجنة والنجاة من النار، فوضع بداهة على رأس هذه الشروط شرط المعرفة لحقيقة معناها فقال:\n(العلم بمعناها المراد منها نفيًا وإثباتًا، المنافي للجهل بذلك، قال الله – ﷿ -: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: ١٩]. وقال تعالى: إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ [الزخرف: ٨٦] أي: بلا إله إلا الله وَهُمْ يَعْلَمُونَ بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم) اهـ (٢).\nويقول البيضاوي في تفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ [البقرة: ٢١] في سورة البقرة: (فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها – أي العبادة – بعد الإتيان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع، فإن من لوازم وجوب الشيء وجوب ما لا يتم إلا به) اهـ (٣).\nوأما عن الركن الآخر، وهو الالتزام والانقياد والتسليم والخضوع ولوازم ذلك كله من عمل القلب كالمحبة والتعظيم والتوكل والخشية والرجاء، فإن سلف الأمة وأئمتها متفقون على أنه للركن الأول وملازم له ولا يكون العبد مؤمنًا إلا بهما.\nوإلا فإن مجرد التصديق بالله ورسوله دون المحبة والتعظيم والانقياد لهما ليس إيمانًا باتفاق هؤلاء الأئمة، بل هذا ظاهر ثابت بدلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل ذلك معلوم بالاضطرار من دين الإسلام (٤). والتصديق الذي لا يكون معه شيء من ذلك ليس إيمانًا ألبتة، بل هو كتصديق فرعون واليهود وإبليس (٥).\nيقول الإمام ابن تيمية: (فإن الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب، ولا بد فيه من شيئين:\n- تصديق بالقلب، وإقراره ومعرفته، ويقال لهذا قول القلب. قال الجنيد بن محمد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب، فلا بد فيه من قول القلب وعمله، ثم قول البدن وعمله.\nولا بد فيه من عمل القلب، مثل حب الله ورسوله، وخشية الله، وحب ما يحبه الله ورسوله، وبغض ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان) اهـ (٦).\nويشرح الإمام محمد بن نصر المروزي في كتابه (الصلاة) حديث جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان فيقول: (أما قوله: الإيمان أن تؤمن بالله:\nفأن توحده وتصدق به بالقلب واللسان.\nوتخضع له ولأمره بإعطاء العزم للأداء لما أمر، مجانبًا للاستنكاف والاستكبار والمعاندة، فإذا فعلت ذلك لزمت محآبه ﷺ، واجتنبت مساخطه) اهـ (٧).\n_________\n(١) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٣٧٦، ٣٧٧).\n(٢) «معارج القبول» (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(٣) «تفسير البيضاوي» (ص: ١٦).\n(٤) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٣٨١).\n(٥) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٢٩١، ٢٩٢).\n(٦) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ١٧٦).\n(٧) «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣)","vol":"5","page":414},{"text":"ويعلق الإمام ابن القيم على قصة وفد نجران فيقول في الفقه المستفاد من هذه القصة: (ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ﷺ بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام، علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل: المعرفة، والإقرار، والانقياد، والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا) اهـ (١).\nإن معرفة القلب وتصديقه بالحق إذا صادفت قلبًا سليمًا خاليًا من الحسد والكبر والانشغال بالشهوات والأهواء وما إلى ذلك، فإن هذا القلب سيخضع للحق حتمًا وينقاد له، لأن القلوب مفطورة على حب الحق وإرادته، ولا شيء أحب إلى هذه القلوب السليمة من الله ﷿ (٢).\nولكن قد يعرض للقلوب ما يفسدها، إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن أتباعه. فالنصارى مثلًا رغم عبادتهم لا علم لهم، واليهود رغم أنهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، لا يتبعونه لما فيهم من الكبر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته. ولهذا قال النبي ﷺ: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» (٣)؛ لأن هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح، وهؤلاء لهم قصد في الخير بلا معرفة له، فلا يبقى في الحقيقة معرفة نافعة ولا قصد نافع (٤).\nإن أهم عناصر الإيمان التي يجب بحثها وعرضها وتركيز انتباه الناس إليها هو عنصر عمل القلب، فهو صلب قضية الإيمان في كل وقت وحين، وحجر زاوية الدين الذي بعث الله به الأنبياء والمرسلين.\nإن قضية الرسل مع أقوامهم كانت دائمًا قضية الخضوع والانقياد والتسليم لله ورسله، ولم تكن أبدًا قضية المعرفة والتصديق، مهما حاولوا طمس هذه الحقيقة والتشويش عليها تحت زعم تكذيب الأنبياء والرسل، وصدق الله حيث يقول: فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣].\nويقول ﷾: بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون: ٧٠].\nويقول ﷿: لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: ٧٨].\nالقضية إذن هي: محبة الحق وابتغاؤه والخضوع له، أو كراهيته والصد عنه والإباء والاستكبار والاستنكاف عن التسليم له والانقياد لحكمه.\nإن الكبر والحسد والتطلع إلى الزعامة والرياسة وحب الشهوات والاستغراق فيها وأمثال ذلك من المكاسب الدنيوية العاجلة، هي التي تصد القلوب ابتداء عن التسليم للحق وإرادته والخضوع له وتعظيمه، بل وربما ران الهوى على القلب تمامًا فطمس بصيرته وأعماه، حتى إن القلب ليتعلق تمامًا بما دون الله من الأغيار فيستغرقه حبها وإرادتها والاعتقاد بها تمامًا، بل وقد يدخله الشك والريبة، بل والتكذيب للحق نفسه.\nإن الحق دائمًا واضح أبلج لكل ذي عينين – إلا من شذ ممن أعمى الله بصيرته قبل بصره – ولم تكن قضية المعرفة إلا مقدمة يبدأ بها الرسول لتذكير قومه بالحق، ثم لا يلبث أن يعرض عليهم صلب رسالته وجوهر دعوته: اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩] أي أطيعوه، وابتغوا محبته، وعظموه، وانقادوا لشرعه، واستسلموا لرسله، إلى آخر لوازم ذلك كله.\n_________\n(١) «زاد المعاد» (٣/ ٤٢).\n(٢) «الإيمان الأوسط» (ص: ٧٩).\n(٣) رواه الترمذي (٢٩٥٣)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٣٨١) بلفظ: «ضلاّل» بدلًا من «ضالون». من حديث عدي بن حاتم ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) «الإيمان الأوسط» (ص: ٧٠، ٧١).","vol":"5","page":415},{"text":"إن اختلاط هذه القضية في أذهان كثير من المنتسبين لدين الله، وعدم وضوحها يؤدي إلى عدة أمور كلها خطير:\nالأمر الأول: هو إسقاط قيمة عمل القلب - بدرجات متفاوتة - باعتباره ركنًا أصليًا لا يتم إلا به، وذلك على المستوى الذهني أو النظري للشخص، مما يبعد به عن إدراك حقيقة دين الله، ويسقط به في دركات متفاوتة من البدع، بعيدًا عن منهج السلف، وذلك بقدر ما تبهت في ذهنه قيمة هذا الركن الأصلي للإيمان.\nالأمر الثاني: هو اختلال الموازين التي يزن بها المرء واقعه هو تجاه ربه ودينه ورسوله، مما يؤدي به إلى الإخلال الفعلي بهذا الركن الإيماني من قلبه، فتحت زعم أنه يصدق بالله ورسوله، وطالما أن الإيمان عنده هو مجرد التصديق فقط، يفقد المرء تدريجيًا دون أن يدري – وتحت ضغط الشهوات – المحبة الواجبة لله ورسوله، والتعظيم الواجب لهما، والانقياد الواجب لحكمهما، ويمتلئ قلبه بحب الأغيار وتعظيمها والانقياد لها، وينمو النفاق في قلبه ويترعرع حتى يكون في الحال التي قال الله تعالى فيها: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ [عمران: ١٦٧]، وقد يفقد إيمانه تمامًا – والعياذ بالله – دون أن يشعر، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢].\nالأمر الثالث: هو اختلال الموازين التي يزن بها المرء واقع الآخرين من حوله، والتي يجب أن تتفق مع منهاج الله وأحكامه، فيخطئ المرء نتيجة لذلك في التعامل مع هذا الواقع وفق منهاج الله ولا يطبق أحكام الله على مناطها الصحيح. فطالما أن هذا الواقع المحيط لم يعلن تكذيبه لله والرسول (بصريح اللفظ)، وطالما أن الإيمان عنده هو التصديق فقط، فإن هذا الواقع عنده واقع مؤمن بالله ورسوله، حتى وإن سب الله ورسوله!. وهذا الواقع عنده مؤمن بالله ورسوله، حتى وإن فسق عن حكم الله ورسوله!. وهذا الواقع عنده مؤمن بالله ورسوله، حتى وإن هزأ بدين الله وسخر من سنة رسوله! ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوقبل أن ننتقل من الكلام في عنصر الاعتقاد القلبي نورد ثلاث ملاحظات هامة:\n(١) الملاحظة الأولى: أن التصديق المقصود هنا هو التصديق الخبري أو العلمي، بمعنى أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى المخبر والخبر ذاته، مجردًا عما سوى هذا من جنس عمل القلب من الانقياد والطاعة والمحبة وأمثالها، وإلا فمن أطلق لفظ (التصديق) على التصديق الخبري العلمي وعلى لوازمه وتوابعه من عمل القلب، وقال إن الاعتقاد المطلوب هو التصديق، فإن الخلاف معه خلاف لفظي فقط.\nوقد استخدم كثير من السلف والأئمة لفظ التصديق بهذا المعنى الأخير، ولذلك يقول صاحب (معارج القبول): (ومن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في الإيمان هو: التصديق على ظاهر اللغة، أنهم إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرًا وباطنًا بلا شك، لم يعنوا مجرد التصديق) اهـ (١).\nوالإمام القسطلاني عندما يعرّف الإيمان بأنه التصديق سرعان ما يعقب على ذلك بقوله: (فليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة التصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول لذلك بحيث يقع عليه اسم التسليم) (٢).\n_________\n(١) «معارج القبول» (٢/ ١٩، ٢٠).\n(٢) «إرشاد الساري» (١/ ٨٢).","vol":"5","page":416},{"text":"ويقول الإمام ابن القيم في مجال شرح عمل القلب: (ونحن نقول: الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له، ... فالتصديق إنما يتم بأمرين: أحدهما: اعتقاد الصدق، والثاني: محبة القلب وانقياده) (١).\nويقول ابن القيم: (فإن الإيمان ليس مجرد التصديق – كما تقدم بيانه – وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد) اهـ (٢).\n(٢) الملاحظة الثانية: أن (التصديق) بمعناه الخبري - وهو مجرد أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى المخبر والخبر من غير إذعان وقبول - يساوي تمامًا عند السلف والأئمة معنى (العلم) أو (المعرفة): إذ لم يتصور هؤلاء الأئمة بل وجمهور العقلاء فرقًا واحدًا معقولًا بين العلم والمعرفة، وبين التصديق.\nيقول ابن تيمية: (فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد الذي يجعل قول القلب، أمرًا دقيقًا، وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما، وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون إن ما قاله ابن كلاب والأشعري من الفرق كلام باطل لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق ... والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق، وبين تصديق قلبه تصديقًا مجردًا عن انقياد وغيره من أعمال القلب بأنه صادق) اهـ (٣).\n(٣) والملاحظة الثالثة: أن (المعرفة) أو قول القلب التي اشترطها السلف كركن أصلى للإيمان غير (المعرفة) التي اشترطها المعتزلة وغيرهم من المتكلمين، فالمعرفة التي اشترطها السلف هي تحقق العلم المنافي للجهل، أي: أن يعرف المرء حقيقة ما يؤمن به، سواء تحققت هذه المعرفة عن طريق التقليد أو عن طريق النظر والاستدلال.\nوأما المعرفة التي اشترطها المعتزلة وأمثالهم فهي أن يعرف المرء أصول دينه عن طريق النظر والدليل العقلي وحده، لا عن طريق التقليد أو السماع.\nيقول البدر العيني: (قال أهل السنة: من اعتقد أركان الدين من التوحيد والنبوة والصلاة والزكاة والصوم والحج، تقليدًا، فإن اعتقد مع ذلك جواز ورود شبهة عليها وقال: لا آمن ورود شبهة تفسدها، فهو كافر. وإن لم يعتقد جواز ذلك بل جزم على ذلك الاعتقاد، فقد اختلفوا فيه ...\nوقال عامة المعتزلة: إنه ليس بمؤمن ولا كافر. وقال أبو هاشم: إنه كافر. فعندهم إنما يحكم بإيمانه إذا عرف ما يجب الإيمان به من أصول الدين، بالدليل العقلي على وجه يمكنه مجادلة الخصوم وحل جميع ما يورد عليه من الشبه، حتى إذا عجز عن شيء من ذلك لم يحكم بإسلامه) (٤). حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لمحمد عبد الهادي المصري – ص ٢٥\n_________\n(١) «كتاب الصلاة» لابن القيم (ص: ١٩، ٢٠).\n(٢) «كتاب الصلاة» لابن القيم (ص: ٢٥).\n(٣) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٣٨١ - ٣٨٣).\n(٤) «عمدة القاري» (١/ ١٠٦، ١٠٧).","vol":"5","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1687>المسألة الثانية: أهمية عمل القلب</span>\nالقلب هو موضع الإيمان الأصلي، وإيمانه أهم أجزاء الإيمان، ومن هنا كان قوله وعمله هو أصل الإيمان الذي لا يوجد بدونه مهما عملت الجوارح من الإيمان، ولا خلاف بين عقلاء بني آدم في أن كل حركة بالجارحة لا تكون إلا بإرادة قلبية، وإلا فهي من تصرفات المجانين أو حركات المضطرين فاقدي الإرادة.\nفالقلب ليس ملك الأعضاء فحسب، بل هو أعظم من ذلك، إذ هو مصدر توجيهها ومنبع عملها وأساس خيرها وشرها، فإذا كانت إرادته إيمانية كانت الأفعال العضوية إيمانا، وإذا كانت إرادته إرادة كفر ونفاق أو عصيان كانت تلك مثلها.\nوالنصوص في ذلك كثيرة. منها:\n١ - يقول الله تعالى في حق من حققوا الولاء والبراء: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة:٢٢]\n٢ - ويقول: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:٧]\n٣ - ويقول في حق الأعراب: وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤]\n٤ - ويقول: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [آل عمران:١٥٤]\nوغير ذلك كالآيات الدالة على الطبع والختم على قلوب الكافرين أو كونها في أكنه أو مغلقة – ونحوها.\nوكل آية ورد فيها قوله: بِذَاتِ الصُّدُورِ (١).\nومن السنة يقول النبي ﷺ: «التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ثلاث مرات» (٢).\nويقول: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (٣).\nويقول - كما روى الإمام أحمد في المسند -: «الإسلام علانية، والإيمان في القلب، وأشار إلى صدره ثلاث مرات قائلا: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا» (٤).\nويقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (٥).\nفهذه النصوص تدل على أن القلب هو الأصل، وأن إيمانه هو جزء الإيمان الأساس الذي يقوم عليه الجزء الظاهر ويتفرع منه، ويرتبط به ارتباط العلة بالمعلول، بل ارتباط أجزاء الحقيقة الواحدة الجامعة، ومن هنا لم يسم المنافق مؤمنا قط وإن كثر عمل جوارحه بالجهاد والصلاة.\nبل المؤمن المجاهد إذا نوى بجهاده طلب الدنيا أو الرياء حبط عمله وتبدلت المثوبة في حقه عقوبة وعذابا، وهذا ما يدل على أهمية عمل القلب، وقد سبق تفصيل لذلك في فصل حقيقة النفس الإنسانية.\n_________\n(١) وهي كثيرة، وتدل على ارتباط أعمال القلب بأعمال الجوارح، لأنها كثيرا ما ترد في أعمال الجوارح.\n(٢) رواه مسلم (٢٥٦٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٤) رواه أحمد (٣/ ١٣٤) (١٢٤٠٤). من حديث أنس ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٥٧): رواه أحمد وأبو يعلى بتمامه، والبزار باختصار ورجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين وضعّفه آخرون، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٦٩٠٦): منكر.\n(٥) رواه الترمذي (٢١٤٠)، وابن ماجه (٣١٠٧)، وأحمد (٣/ ١١٢) (١٢١٢٨)، والحاكم (١/ ٧٠٧). من حديث أنس ﵁. قال الترمذي: حسن، وحسنه أيضًا ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ٩٩) كما أشار لذلك في المقدمة، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١١٢): رجاله رجال مسلم في الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"5","page":418},{"text":"ومن العجيب أن المرجئة استدلت ببعض الأدلة السابقة على إن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، وأن أعمال الجوارح - بل بقية أعمال القلب - ليست من الإيمان، فهذا هو ذا (الإيجي) في (المواقف) يذكر مذهب أصحابه الأشاعرة: وهو أنه التصديق، ومذهب الماتريدية، وهو أنه التصديق مع الكلمتين، ويذكر (مذهب السلف وأصحاب الأثر: أنه مجموع هذه الثلاثة، فهو تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان) (١).\nثم يقول في الانتصار لمذهبه: (لنا وجوه (٢):\nالأول: الآيات الدالة على محلية القلب للإيمان نحو: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ [المجادلة: ٢٢]، وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤]، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ [النحل: ١٠٦].\nومنه الآيات الدالة على الختم على القلوب، ويؤيده دعاء النبي ﷺ: «اللهم ثبت قلبي على دينك» (٣) وقوله لأسامة - وقد قتل من قال لا إله إلا الله - «هلا شققت عن قلبه» (٤).) (٥).\nوالرد عليهم واضح، فإن النصوص الدالة على الجزء الباطن من الإيمان لا تنفي وجود الجزء الظاهر - لا سيما ولهذا الجزء نصوص مماثلة - وغاية ما فيها بيان أن إيمان القلب هو الأصل والأساس لإيمان الجوارح كما تقدم.\nثانيا: من جهة ثانية هذه النصوص لا تدل على التصديق بل على أمر زائد عنه، فما كتبه الله في قلوب المعادين لأعدائه وما زينه في قلوب المؤمنين وما نفى دخوله في قلوب الأعراب وهكذا، ليس هو التصديق المجرد كما يحسبون وإنما هو أعمال قلبية كالمحبة والرضا واليقين ونحوها.\nثالثا: ومن جهة ثالثة يرد عليهم بأن من تأمل هذه النصوص التي أوردها صاحب المواقف يجد أنها تدل على إيمان الجوارح بنوع من أنواع الدلالة، وأن الإيمان المذكور في بعضها ليس هو الإيمان العام المقابل لكلمة (الكفر) والمرادف لكلمة (الدين)، بل هو الإيمان الخاص المقابل لكلمة (الإسلام) إذا اجتمعا، أي على النحو الذي دل عليه الحديث السابق: «الإسلام علانية والإيمان في القلب» (٦) ولا مجال للبسط أكثر من هذا.\n_________\n(١) «المواقف» (٣/ ٥٢٧، ٥٢٨).\n(٢) انظر إلى تصريحه بمذهب السلف وأصحاب الأثر ثم تصريحه بمخالفة أصحابه، ومع هذا يزعم معاصروهم أنهم أهل السنة والجماعة أو منهم!!\n(٣) رواه الترمذي (٢١٤٠)، وابن ماجه (٣١٠٧)، وأحمد (٣/ ١١٢) (١٢١٢٨)، والحاكم (١/ ٧٠٧). من حديث أنس ﵁. قال الترمذي: حسن، وحسنه أيضًا ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ٩٩) كما أشار لذلك في المقدمة، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١١٢): رجاله رجال مسلم في الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) رواه مسلم (٩٦). من حديث أسامة بن زيد ﵄.\n(٥) «المواقف» (٣/ ٥٢٨)، ثم ذكر وجهين آخرين الرد عليهما واضح ....\n(٦) رواه أحمد (٣/ ١٣٤) (١٢٤٠٤). من حديث أنس ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٥٧): رواه أحمد وأبو يعلى بتمامه، والبزار باختصار ورجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين وضعّفه آخرون، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٦٩٠٦): منكر.","vol":"5","page":419},{"text":"ومن أفسد الأصول التي بناها المرجئة على هذا الاعتقاد - أي انحصار الإيمان في التصديق القلبي وحده - أنهم حصروا الكفر في التكذيب القلبي أيضا، حتى أنهم لم يعتبروا الأعمال الكفرية الصريحة كالسجود للصنم، وإهانة المصحف، وسب الرسول ﷺ إلا دلالات على انتفاء التصديق القلبي، وليست مكفرة بذاتها (١).\nوكذلك لهذه العقيدة آثار عميقة المدى على الأمة، بل هي في عصرنا هذا أساس للضلال والتخبط الواقع في مسألة التكفير، ومنها نشأ التوسع في استخدام (شرط الاستحلال) حتى اشترطوا في أعمال الكفر الصريحة، كإهانة المصحف، وسب الرسول ﷺ، وإلغاء شريعة الله، فقالوا: لا يكفر فاعلها إلا إذا كان مستحلا بقلبه!! واشترط بعضهم مساءلة المرتد قبل الحكم عليه، فإن أقر أنه يعتقد أن فعله كفر، وإن قال أنه مصدق بقلبه ويعتقد أن الإسلام أفضل مما هو عليه من الردة لم يكفروه (٢)!! ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي – ٢/ ٥٣٤\n_________\n(١) وهذا من الأصول الثابتة في مذاهب الأشاعرة قديما وحديثا، انظر مثلا: «المواقف» (٣/ ٥٣٦)، وبراءة الأشعريين (١/ ١٤٩)، ومن أعظم الرد عليهم أن الأشعري نفسه في «المقالات» (١/ ١٣٢،١٣٣،١٤١) ذكر هذه الأقوال نفسها عن فرق المرجئة: كالجهمية والصالحية والمريسية وهذا يدل على صحة ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيميه مرارا، وما استنتجناه من بحثنا هذا، وهو أن الأشاعرة على مذهب جهم والصالحى وإن غيروا قليلا.\n(٢) وغرضهم هو التثبيت في إطلاق الكفر – بزعمهم – وهذا إلى أفعال الحمقى أقرب منه إلى أفعال المثبتين، وإلا فهل يذهب عاقل إلى طاغوت محارب للشريعة أو إلى زعيم حزب شيوعي فيسأله هل يعتقد أن الإسلام أفضل؟؟!!","vol":"5","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1688>المسألة الثالثة: إثبات عمل القلب</span>\nلما كان إيمان القلب من الأهمية .... كان لا بد أن يكون حظ الحديث عنه من الذكر الحكيم الذي أنزله الله لإصلاح حياة العالمين وتزكيتها هو الحظ الأوفر، وهكذا جاء في القرآن آيات كثيرة تبين أعمال القلب وأهميتها في الإيمان أصلا أو وجوبا، ولو ذهبنا في جمعها واستقصائها لطال المقام جدا.\nوحسبنا أن نورد ما يتجلى به صحة مذهب أهل السنة والجماعة وشذوذ المرجئة المنكرين لدخول أعمال القلب في الإيمان عدا التصديق القلبي، ويتضح أن مصدر القوم في التلقي لم يكن الكتاب والسنة، وإلا فكيف يضربون صفحا عن هذه الآيات المحكمات، ويعتمدون أكثر ما يعتمدون على آية واحدة ليست في مورد الإيمان الشرعي، بل حكاها الله تعالى عن قوم قالوها في التصديق الخبري المجرد، وهو قوله تعالى على لسان إخوة يوسف: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف: ١٧]!!\nوهذه بعض أعمال القلب مقرونة بما تدل عليها من الآيات، منها ما هو في حق المؤمنين، ومنها ما هو في حق الكفار دالا على أمور سوى التكذيب الذي لم يقر المرجئة بغيره، ونظرا لكثرتها اكتفيت بما ورد فيها العمل مسندا إلى القلب - أو الصدر - بالمنطوق الصريح.\n١ - الوجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:٢]\n٢ - الإخبات: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج:٥٤]\n٣ - السلامة من الشرك دقيقه وجليله: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إلا من أتى الله بقلب سليم [الشعراء ٨٨، ٨٩]\n٤ - الإنابة: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ [ق: ٣٣].\n٥ - الطمأنينة: وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] .. أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨]\nالَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ [الرعد: ٢٨]\nواشترطها في المكره إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل: ١٠٦] فكيف بغيره.\n٦ - التقوى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: ٣٢] .. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى [الحجرات:٣]\n٧ - الانشراح: فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ [الأنعام:١٢٥] أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ [الزمر: ٢٢].\n٨ - السكينة: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ [الفتح: ٤]\n٩ - اللين: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٣] وقد أسنده للقلب والجوارح هنا.\n١٠ - الخشوع: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [الحديد: ١٦]\n١١ - الطهارة: ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣] وهي في آية الحجاب، فدلت على التلازم بين عمل القلب وعمل الجوارح.\n١٢ - الهداية وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:١١] وهى مما يدل على تلازم أعمال القلب.\nمَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن: ١١]\n١٣ - العقل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا [الحج: ٤٦]\n١٤ - التدبر: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤]\n١٥ - الفقه: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا [الأعراف: ١٧٩]","vol":"5","page":421},{"text":"١٦ - الإيمان: مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ [المائدة: ٤١].\nوفى الإيمان الخاص: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] ولهذا كان فيهم الصنف الذي سماه الله: وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [التوبة:٦٠].\n١٧ - السلامة من الغل للمؤمنين وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:١٠]\n١٨ - الرضا والتسليم فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥].\nويلاحظ أن الإسناد فيها للنفس لا للقلب أو الصدر، لحكمة دقيقة هي أن النفس مكمن الهوى والاعتراض.\nومما ورد مسندًا إلى القلب غير المؤمن:\n١ - الإنكار: فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ [النحل: ٢٢].\n٢ - الكبر: إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ [غافر: ٥٦]، كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر: ٣٥].\n٣ - الإعراض واللهو: (مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء: ٢ - ٣]\n٤ - الاشمئزاز وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الزمر: ٤٥].\n٥ - الزيغ: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:٥] .. فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:٧].\n٦ - العمى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]\n٧ - القفل، وعدم الفقه، وعدم العقل: وقد تقدم ما يدل عليها.\n٨ - المرض: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا [البقرة:١٠]\n٩ - القسوة: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: ٧٤]\n١٠ - الغمرة: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا [المؤمنون: ٦٣]\n١١ - الران: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:١٤]\n١٢ - العداوة للحق وأهله: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: ١١٨].\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) سورة آل عمران\nوالآيات في ذلك وعلاقته بأعمال الجوارح كثيرة أيضا. وأكثر مما ذكرنا الآيات الواردة في أعمال القلوب، ولكن لم يذكر فيها لفظه، كآيات الخوف والرجاء والتوكل والاستعانة والرضا وغيرها.\nوإنما المقصود إثبات هذا الجزء العظيم من الإيمان الذي أهمله أكثر المسلمين وليس المرجئة خاصة، وقد حصل المقصود إن شاء الله ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي - بتصرف – ٢/ ٥٤٧","vol":"5","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1689>العنصر الثاني الإقرار باللسان</span>\nالإقرار باللسان عند السلف عنصر أصلي من عناصر الإيمان، فلا يتصور تحقق الإيمان القلبي التام من قول القلب وعمله دون تحقق الإقرار باللسان، فهو على هذا الأساس يكون من جهة، عبارة عن (إنشاء) عقد جديد يتضمن الالتزام والانقياد، ومن جهة أخرى يكون عبارة عن (إخبار) عما في النفس من اعتقاد.\nفمن استخدم لفظ (الإقرار) بمعناه العام هذا من الإخبار والالتزام وقال إن الإيمان هو الإقرار، فالخلاف معه خلاف لفظي، ومن استخدم اللفظ في المعنى الأخير وحده وهو الإخبار لزمه في تعريف الإيمان أن يضيف إليه الاعتقاد بالقلب.\nيقول ابن تيمية: (ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين:\nأحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق، والشهادة، ونحوهما. وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.\nوالثاني: إنشاء الالتزام، كما في قوله تعالى: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد ... فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول – وكذلك لفظ الإيمان – فيه إخبار وإنشاء التزام) اهـ (١).\nفالإقرار باللسان إذن نتيجة تلقائية للتعبير عن تحقق الإيمان القلبي من تصديق بالحق وانقياد له. (ولذلك فإن العرب لا تعرف في لغتها التصديق والتكذيب إلا ما كان معنى ولفظًا أو لفظًا يدل على معنى، فلا يوجد في كلام العرب أن يقال: فلا صدق فلانًا أو كذبه إذا كان يعلم بقلبه أنه صادق أو كاذب ولم يتكلم بذلك. فمن لم يصدق بلسانه مع القدرة لا يسمى في لغة القوم مؤمنًا، كما اتفق على ذلك سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فمن صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه فإنه لا يعلق به شيء من أحكام الإيمان لا في الدنيا ولا في الآخرة، إذ لم يجعل الله أحدًا مصدقًا للرسل بمجرد العلم والتصديق الذي في قلوبهم، حتى يصدقوهم بألسنتهم. ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين، حيث اتفق المسلمون على أن من لم يأت بالشهادتين مع القدرة على ذلك فهو كافر، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وأئمتها) (٢).\nيقول البدر العيني: (اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على ما قاله النووي: إن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار، لا يكون من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق مع ذلك بالشهادتين.\nقال: فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلًا، بل يخلد في النار إلا أن يعجز عن النطق لخلل في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية، أو لتغير ذلك، فإنه حينئذ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظ) اهـ (٣).\nولا بد أن نقرر هنا – وبناء على كل ما سبق - أن التلفظ بالشهادتين إذن ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود هو الإعلان عن تحقيق مدلولهما من:\nالإقرار بالتوحيد (ولوازمه من النبوة والبعث).\nترك الشرك والتبرئ منه.\nالتزام شرائع الإسلام.\nفإذا لم تعبر الشهادة عن نفس هذه المعاني لم تقبل من قائلها، حتى تكون تعبيرًا واقعيًا عن مدلولها. وإذا عبر عن نفس هذه المعاني بكلمات أخرى قبلت من قائلها، حتى يلقن الشهادتين أو يتعلمهما أو يحسن التكلم بهما.\n_________\n(١) «الإيمان الأوسط» (ص: ٧٢، ٧٣).\n(٢) راجع: «الإيمان» لابن تيمية (ص: ١٢٦، ١٣١، ١٣٥، ٢٠٧، ٢٨٧). وراجع «الإيمان الأوسط» (ص: ٩٥، ١٥١).\n(٣) «عمدة القاري» (١/ ١١٠).","vol":"5","page":423},{"text":"والمتتبع لأقوال الأئمة في هذا الأمر يلاحظ مدى تعدد اجتهاداتهم في اعتبار أو رفض الدلالات المختلفة التي تعبر عن تحقق مدلول الشهادتين، وذلك حسب حال القائل، والظروف والملابسات المختلفة التي تحيط به مما يؤكد على هذه الحقيقة وهي أن العبرة دائمًا بالحقائق والمعاني والدلالات وليس بالألفاظ المجردة.\nيقول الإمام ابن القيم: (وقد اختلف أئمة الإسلام في الكافر إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله ولم يزد، هل يحكم بإسلامه بذلك؟ على ثلاثة أقوال وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد. أحدها يحكم بإسلامه بذلك، والثانية لا يحكم بإسلامه حتى يأتي بشهادة أن لا إله إلا الله، والثالثة أنه إذا كان مقرا بالتوحيد حكم بإسلامه، وإن لم يكن مقرا لم يحكم بإسلامه حتى يأتي به) اهـ (١).\nويقول البدر العيني: (وإذا نطق بهما لم يشترط معهما أن يقول: أنا بريء من كل دين خالف دين الإسلام على الأصح، إلا أن يكون من كفار يعتقدون اختصاص الرسالة بالعرب، ولا يحكم بإسلامه حتى يتبرأ. ومن أصحابنا من اشترط التبرؤ مطلقًا، وهو غلط لقوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» (٢). ومنهم من استحبه مطلقًا كالاعتراف بالبعث.\nأما إذا اقتصر الكافر على قوله لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد رسول الله، فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يكون مسلمًا. ومن أصحابنا من قال: يصير مسلمًا ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبى جعل مرتدًا. وحجة الجمهور الرواية السالفة، وهي مقدمة على هذه، لأنها زيادة من ثقة، وليس فيها نفي للشهادة الثانية، وإنما فيها تنبيه على الأخرى.\nوأغرب القاضي حسين فشرط في ارتفاع السيف عنه أن يقر بأحكامها مع النطق بها، فأما مجرد قولها فلا، وهو عجيب منه.\nوقال النووي: اشترط القاضي أبو الطيب من أصحابنا الترتيب بين كلمتي الشهادة في صحة الإسلام، فيقدم الإقرار بالله على الإقرار برسوله، ولم أر من وافقه ولا من خالفه.\nوذكر الحليمي في منهاجه ألفاظًا تقوم مقام لا إله إلا الله، في بعضها نظر لانتفاء ترادفها حقيقة، فقال: ويحصل الإسلام بقوله: لا إله غير الله، ولا إله سوى الله أم ما عدا الله، ولا إله إلا الرحمن أو البارئ، أو لا رحمن أو لا بارئ إلا الله، أو لا ملك أو لا رزاق إلا الله، وكذا لو قال: لا إله إلا العزيز أو العظيم أو الحكيم أو الكريم. وبالعكس قال: لو قال: أحمد أبو القاسم رسول الله فهو كقوله: محمد) اهـ (٣).\nويقول الشوكاني: (وعن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا أصبح أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقال: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فقال: «اللهم إني أبرأ مما صنع خالد، ومرتين» رواه أحمد والبخاري (٤). وهو دليل على أن الكناية مع النية كصريح لفظ الإسلام.\nقوله: صبأنا صبأنا، أي دخلنا في دين الصابئة، وكان أهل الجاهلية يسمون من أسلم صابئًا، وكأنهم قالوا: أسلمنا أسلمنا ... وقد استدل المصنف بأحاديث الباب على أنه يصير الكافر مسلمًا بالتكلم بالشهادتين ولو كان ذلك على طريق الكناية بدون تصريح ...\n_________\n(١) «زاد المعاد» (٢/ ٤٢).\n(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (١٣٨). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) «عمدة القاري» (١/ ١١٠، ١١١).\n(٤) رواه أحمد (٢/ ١٥٠) (٦٣٨٢)، والبخاري (٤٠٨٤). من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"5","page":424},{"text":"قال الحافظ في (الفتح) عند الكلام على حديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (١) في باب قتل من أبى من قبول الفرائض من كتاب استتابة المرتدين والمعاندين ما لفظه: وفيه منع قتل من قال لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها، وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلمًا؟ الراجح لا، بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر، فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: إلا بحق الإسلام.\nقال البغوي: الكافر إذا كان وثنيًا أو ثنويًا لا يقر بالوحدانية، فإذا قال: لا إله إلا الله حكم بإسلامه، ثم يجبر على قبول جميع الأحكام، ويبرأ من كل دين خالف الإسلام. وأما من كان مقرًا بالوحدانية منكرًا للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول: محمد رسول الله. فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة، فلا بد أن يقول: إلى جميع الخلق، فإن كان كفره بجحود واجب أو استباحة محرم فيحتاج إلى أن يرجع عن اعتقاده.\nقال الحافظ: ومقتضى قوله يجبر، أنه إذا لم يلتزم يجرى عليه حكم المرتد، وبه صرح القفّال، واستدل بحديث الباب وادعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهي غفلة عظيمة، فإن ذلك ثابت في الصحيحين في كتاب الإيمان منهما (٢) كما قدمنا الإشارة إلى ذلك. اهـ.) (٣).\nفالقضية إذن هي قضية تحقق أصل الإيمان في القلب، ثم التعبير عن تحقق هذا الأصل باللسان. فالشهادة إذن ليست حجابًا من الكلمات التي يتمتم بها قائلها فترفع عنه السيف في الدنيا ثم تستره من العذاب في الآخرة، دون أن يكون لها أية حقيقة في قلبه وفي ظاهر أمره، من العلم والمعرفة والتصديق بالحق على ما هو عليه فعلًا، ثم الخضوع والانقياد والاستسلام له، ومحبته والالتزام به وتعظيمه ولوازم ذلك كله، من كراهية الباطل والانخلاع عنه والتبرئ منه، والالتزام بشريعة الرسول والدخول في طاعته ومحبته وتوقيره ﷺ. حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لمحمد عبد الهادي المصري – ص ٣٣\nمسألة: علاقة قول اللسان بقول القلب وعمله\nإن قول القلب: هو متعلق التوحيد الخبري الاعتقادي.\nوعمل القلب: وهو متعلق التوحيد الطلبي الإرادي.\nفإن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر يتضمن توحيد الأسماء والصفات، وتصديق الرسول ﷺ في كل ما أخبر عن ربه من الكتب وما فيها، والملائكة وأعمالهم وصفاتهم، والنبيين ودعوتهم وأخبارهم، وأحوال البرزخ والآخرة، والمقادير وسائر المغيبات.\nفالإقرار بهذا والتصديق به مجملا أو مفصلا هو قول القلب، وهو التوحيد الخبري الاعتقادي.\nوعمل القلب ... يتضمن توحيد الله ﷿ بعبادته وحده حبا وخوفا ورجاء ورغبة ورهبة وإنابة وتوكلا وخشوعا واستعانة ودعاء وإجلالا وتعظيما وانقيادا، وتسليما لأمره الكوني وأمره الشرعي، ورضا بحكمه القدري والشرعي، وسائر أنواع العبادة التي صرفها لغير الله شرك (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (١٣٨). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (١٣٨). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) «نيل الأوطار» للشوكاني (٨/ ٩، ١٠) باب ما يصير به الكافر مسلمًا.\n(٤) كما يتضمن عمل القلب أعمالا دون ذلك مما افترضها الله وجعلها من واجبات الإيمان، كمحبة المؤمنين والنصح لهم، والتواضع، والشفقة، واجتناب الكبر والحسد، ونحو ذلك.","vol":"5","page":425},{"text":"وهذان هما نوعا التوحيد الذي جاءت به الرسل وأنزل الله به الكتب، وشهادة أن لا إله إلا الله - التي هي رأس الأعمال وأول واجب على العبد - إنما هي إنشاء للالتزام بهذين النوعين ومن ثم سميت كلمة التوحيد، ومن هنا كان أجهل الناس بالتوحيد من ظن أن المطلوب بقول: لا إله إلا الله هو التلفظ بها باللسان فقط.\n... أن كل عمل من أعمال الإنسان الظاهرة - على اللسان أو الجوارح - لا بد أن يكون تعبيرا عما في القلب وتحقيقا له ومظهرا لإرادته وإلا كان صاحبه منافقا النفاق الشرعي أو العرفي وأخص من ذلك العبادات، فكل عبادة قولية وفعلية لا بد أن يقترن بها من عمل القلب وما يفرق بينها وبين أفعال الجمادات أو الحركات اللاإرادية أو أفعال المنافقين.\nفما بالك برأس العبادات وأعظمها، بل أعظم شيء في الوجود، الذي يرجح بالسموات والأرض وعامرهن غير الله تعالى: وهي شهادة أن لا إله إلا الله؟!\nولهذا يتفاوت قائلوا هذه الكلمة تفاوتا عظيما بحسب تفاوت ما في قلوبهم من التوحيد.\nفلولا تفاوت أقوال القلوب وأعمالها - ولو أن المراد من كلمة الشهادة هو نطقها- لما كان لموحد فضل على موحد ولما كان لصاحب البطاقة- الآتي حديثه - فضل على سواه من قائليها، ولما كان لقائلها باللسان فضل عن قائلها بالقلب واللسان، ولما كان لمن قالها من خيار الصحابة السابقين فضل عن من قالها يتعوذ بها من السيف في المعركة.\nوانظر إلى هذا الحوار بين العزيز الحكيم وبين عبده موسى الكليم، حيث قال موسى: «يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، قال كل عبادك يقولون هذا!!! – زاد في رواية: إنما أريد أن تخصني به – قال: يا موسى، لو أن السموات السبع – وعامرهن غيري – والأرضون السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفه مالت بهن لا إله إلا الله» (١).\nفكل المسلمين يقولون (لا إله إلا الله)، ولكن ما قائل كقائل، لأن ما في القلوب يتفاوت مثل تفاوت السماوات والأرض، والذرة التي لا تكاد ترى.\nيقول الإمام ابن القيم ﵀: (اعلم أن أشعة (لا إله إلا الله) تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدرة قوة الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفا لا يحصيه إلا الله تعالى، فمن الناس: نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس، ومنهم: من نورها في قلبه كالكوكب الدري، ومنهم: من نورها في قلبه كالمشعل العظيم، وآخر: كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف.\nولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة، علما وعملا، ومعرفة وحالا.\nوكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ولا ذنبا إلا أحرقه، وهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك بالله شيئا فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته فلا ينال منها السارق إلا على غرة وغفلة لا بد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنفذه من سارقه، أو حصل أضعافه بكسبه، فهو هكذا أبدا من لصوص الجن والإنس، ليس كمن فتح لهم خزانته وولى الباب ظهره) (٢).\n_________\n(١) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٠٩) (١٠٦٧٠)، وأبو يعلى في «المسند» (٢/ ٥٢٨) (١٣٩٣)، وابن حبان (١٤/ ١٠٢) (٦٢١٨)، والحاكم (١/ ٧١٠)،. من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨٥): رواه أبو يعلى ورجاله وثقوا وفيهم ضعف، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٩٢٣).\n(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠).","vol":"5","page":426},{"text":"(وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه - كما كان عباد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون، بل التوحيد يتضمن من محبة الله، والخضوع له، والذل له وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال، والمنع، والعطاء، والحب، والبغض - ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها، ومن عرف هذا عرف قول النبي ﷺ: «إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله» (١) وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم الدخول بالخلود وقال: المعنى لا يدخلها خالدا، ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة) (٢).\n(والشارع - صلوات الله وسلامه عليه - لم يجعل ذلك حاصلا بمجرد قول اللسان فقط، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار، فلا بد من قول القلب وقول اللسان.\nوقول القلب: يتضمن معرفتها، والتصديق بها، ومعرفة حقيقة ما تضمنته من النفي والإثبات، ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله، المختصة به، التي يستحيل ثبوتها لغيره، وقيام هذا المعنى بالقلب، علما ومعرفة ويقينا وحالا - ما يوجب تحريم قائلها على النار، وكل قول رتب الشارع ما رتب عليه من الثواب، فإنما هو القول التام - كقوله ﷺ: «من قال في يوم: سبحان الله وبحمده مائه مرة حطت عنه خطاياه – أو غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر» (٣) وليس هذا مرتبا على مجرد اللسان. نعم من قالها بلسانه، غافلا عن معناها، معرضا عن تدبرها، ولم يواطئ قلبه لسانه، ولا عرف قدرها وحقيقتها، راجيا من ذلك ثوابها حطت من خطاياه بحسب ما في قلبه، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض.\nوتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات، فلا يعذب (٤).\nومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه، ولكن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل، وطاشت لأجله السجلات، لما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات انفردت بطاقته بالثقل والرزانة.\nوإذا أردت زيادة الإيضاح لهذا المعنى فانظر إلى ذكر من قلبه ملآن بمحبتك، وذكر من هو معرض عنك غافل ساه، مشغول بغيرك، قد انجذبت دواعي قلبه إلى محبه غيرك وإيثاره عليك، وهل يكون ذكرهما واحدا؟ أم هل يكون ولداك اللذان هما بهذه المثابة، أو عبداك، أو زوجتاك، عندك سواء؟\nوتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن السير إلى القرية، وحملته – وهو في تلك الحال – على أن جعل ينوء بصدره ويعالج سكرات الموت. فهذا أمر آخر، وإيمان آخر. ولا جرم أن ألحق بالقرية الصالحة وجعل من أهلها.\nوقريب من هذا: ما قام بقلب البغي التي رأت ذلك الكلب وقد اشتد به العطش يأكل الثرى، فقام بقلبها ذلك الوقت – مع عدم الآلة، وعدم المعين، وعدم من ترائيه بعملها – ما حملها على أن غررت بنفسها في نزول البئر، وملء الماء في خفها، ولم تعبأ بتعرضها للتلف، وحملها خفها بفيها وهو ملآن، وحتى أمكنها الرقى من البئر، ثم تواضعها لهذا المخلوق الذي جرت عادة الناس بضربه، فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب، ومن غير أن ترجو منه جزاء ولا شكورا، فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء، فغفر لها.\nفهكذا الأعمال والعمال عند الله، والغافل في غفلة من هذا الإكسير الكيماوي، الذي إذا وضع منه مثقال ذرة على قناطير من نحاس الأعمال قلبها ذهبا والله المستعان) (٥) ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي – ٢/ ٥٣٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣). من حديث عتبان بن مالك السالمي ﵁.\n(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٠).\n(٣) رواه البخاري (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) حديث البطاقة رواه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٣٤٨٨)، وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والحاكم (١/ ٤٦). من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. قال الترمذي، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٤٩٠): حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين وهو صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وابن الملقن في «شرح صحيح البخاري» (٣٣/ ٥٩٥)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١٧٣) كما أشار لذلك في المقدمة، وصححه السفاريني الحنبلي في «لوائح الأنوار السنية» (٢/ ١٩٧)، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٥/ ٢٢): رجاله موثقون، وقال الشوكاني في «فتح القدير» (٢/ ٢٧٣): حسن.\n(٥) «مدارج السالكين» (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).","vol":"5","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1690>العنصر الثالث العمل بالجوارح</span>\n• المسألة الأولى: العلاقة بين إيمان القلب وعمل الجوارح.\n• المسألة الثانية: دقة عبارات السلف في تقرير التلازم بين الإيمان والعمل.","vol":"5","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1691>المسألة الأولى: العلاقة بين إيمان القلب وعمل الجوارح</span>\nإن العلاقة بين إيمان القلب وعمل الجوارح لمن أهم قضايا الإيمان، ومن عدم فهمها دخل الضلال على المرجئة بل على أكثر المسلمين، حين ظنوا أنه يمكن أن يكون إنسان كامل الإيمان في القلب مع عدم عمل الجوارح مطلقا. كما ظنوا أن تماثل الناس في أعمال الجوارح يقتضى تماثل إيمانهم وأجورهم، ولم يدركوا أنه بحسب علاقة عمل الجارحة بعمل القلب يكون الحكم على العمل والثواب عليه، فقد يتفق العملان في المظهر والأداء، وبينهما مثل ما بين السماء والأرض في الدرجة والأجر.\nوأساس فهم هذه القضية أن نعلم حقيقة الترابط بين أجزاء الإيمان على ضوء مذهب السلف.\nفقد قررنا أن الإيمان قول وعمل وأن ذلك يشمل القلب والجوارح معا ......،\nفهذان الركنان - القول والعمل - أو الأربعة الأجزاء - قول القلب وعمله وقول اللسان وعمل الجوارح - يتركب منهما هيئة مجتمعة أو حقيقة جامعة لأمور، هذه الهيئة والحقيقة هي (الإيمان الشرعي) كما أن حقيقة الإنسان مركبة من الجسد والروح أو العقل والوجدان، وكما أن الشجرة تتركب من الجذور الضاربة في الأرض والساق والأغصان الظاهرة.\nومما يوضح ذلك تشبيه تركيب الإيمان بالتركيب الكيميائي: مثلما يتركب الملح مثلا من الكلور والصوديوم أو يتركب جزيء الماء من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين بحيث لو انتفى التركيب لانتفت الحقيقة مطلقا وتحولت الأجزاء إلى أشياء مختلفة تماما.\nولكن لا يقف التركيب عند هذا الحد، بل يجب أن نضيف إليه أن هذه الأجزاء أو الهيئة المركبة تتكون تفصيلا من بضع وسبعين شعبة، وكل شعبة منها قابلة للتفاوت بين أعلى درجات الكمال وأدنى درجات النقص أو الاضمحلال والعدم.\nوبهذا نفهم اندراج كل الأعمال والطاعات فرضا أو نفلا في مسمى الإيمان المطلق ودخولها في حقيقته الجامعة، كما يظهر تفاوت الناس في الإيمان ودرجاته، ومن أظهر الأدلة على هذا التركيب والامتزاج أنه قد وردت النصوص بتسمية الإيمان عملا وتسمية العمل إيمانا:\nفأما تسمية الأعمال إيمانا فنصوص كثيرة جدا، حتى إن البخاري ﵀ عقد في كتاب الإيمان من الصحيح تراجم كثيرة لذلك: مثل (باب الجهاد من الإيمان، باب تطوع قيام رمضان من الإيمان، باب صوم رمضان من الإيمان، باب الصلاة من الإيمان، باب اتباع الجنائز من الإيمان) ونحو ذلك، وأورد في ذلك الأحاديث الصحيحة التي شاركه في إخراجها كتب السنة الأخرى.\nوأما تسمية الإيمان عملا فقد عقد أيضا له (باب من قال إن الإيمان هو العمل، لقوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف: ٧٢]. وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]: عن قول لا إله إلا الله. وقال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ [الصافات: ٦١]).\nثم روى البخاري بسنده عن أبى هريرة أن النبي ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ فقال «إيمان بالله ورسوله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦)، ورواه مسلم (٨٣).","vol":"5","page":429},{"text":"وهذا الحديث رواه الإمام أحمد عن عبيدالله بن أسلم مولى رسول الله ﷺ (١)، وعن عبدالله بن حبشي الخثعمي (٢)، ورواه أبو داود الطيالسي عن أبي هريرة (٣) أيضًا ورواه غيرهم عن أبي ذر (٤).\nومن ذلك قوله تعالى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ: ٣٧].\nفقوله: بما عملوا يشمل إيمانهم بقلوبهم وأعمالهم الصالحة بجوارحهم المذكورين قبل.\nوهذا ما فهمه السلف الصالح وأجمعوا على معناه - كما سبق في فصل حقيقة الإيمان الشرعية -، قال الوليد بن مسلم: (سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبدالعزيز ينكرون قول من يقول: إن الإيمان قول بلا عمل. ويقولون: لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان) (٥).\nوقد سبق إيراد قول الإمام الأوزاعي ﵀: (كان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل)، وقول الشافعي ﵀: (وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ أحد الثلاثة إلا بالآخر) (٦).\nولنوضح ذلك بمثالين: أحدهما من أعمال الجوارح والآخر من أعمال القلوب، يظهر في كل منها حقيقة العلاقة التلازمية وحقيقة التفاوت:\n١ - الصلاة:\nوهي من أعمال الجوارح، وقد ورد تسميتها إيمانًا في القرآن، قال تعالي: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ أي صلاتكم إلى بيت المقدس (٧)، وهي بلا ريب أعظم شعب الإيمان العملية الظاهرة بعد الشهادتين، فلو تأملنا لوجدنا أنها تشمل أجزاء الإيمان الأربعة، وهي قول القلب: وهو إقراره وتصديقه بوجوبها، وعمل القلب: وهو الانقياد والإذعان بالإرادة الجازمة وتحريك الجوارح لفعلها والنية حال أدائها، وعمل اللسان: وهو القراءة والأذكار الواردة فيها، وعمل الجوارح: وهو القيام والركوع والسجود وغيرها.\n٢ - الحياء:\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٣٤٢) (١٩٠٣٢). من حديث ماعز وليس عبيدالله بن أسلم ﵄. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ١٦٦): رواه أحمد إلى ماعز رواة الصحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢١٠): رجال أحمد رجال الصحيح، وقال ابن حجر في «الإصابة» (٣/ ٣٣٧): رواته ثقات، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٠٩١).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤١١) (١٥٤٣٧)، ورواه النسائي (٨/ ٤٦٩). والحديث حسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ١٦) كما أشار لذلك في المقدمة، وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.\n(٣) رواه الطيالسي (ص: ٣٢٩) (٢٥١٨). والحديث رواه البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣).\n(٤) رواه البخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤).\n(٥) رواه الطبري في «صريح السنة» (ص: ٢٥)، واللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» (٤/ ٩٣٠) (١٥٨٦).\n(٦) انظر: «جامع العلوم والحكم» (١/ ٥٧) و«الإيمان» لابن تيمية (ص: ٢٨٠).\n(٧) انظر الفتح (١/ ٩٥) كما ورد تسميتها إيمانا في حديث وفد عبد الفيس السابق وغيره، ومع ذلك أخرج المرجئة الصلاة من الإيمان وأولو الآية بأن المراد ليس صلاتكم بل التصديق بها، انظر المواقف ص ٣٨٦","vol":"5","page":430},{"text":"وهو عمل قلبي، وقد صح تسميته إيمانا في حديث الشعب وغيره، ومع ذلك فلا يمكن تصور وجوده في القلب إلا بظهور أثره على اللسان والجوارح، وبمقدار حياء الجوارح يقاس حياء القلب. وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة، منها في الأفعال قصة الثلاثة الذين دخلوا علي النبي صلي الله عليه وسلم وهو في الحلقة، فدخل أحدهم فيها وأعرض الثالث، وأما الأوسط فتردد ثم جلس خلفهم، فقال عنه النبي صلي الله عليه وسلم «وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه» (١)، أي إنما منعه من الذهاب حياؤه، فشهد له الرسول ﷺ بالحياء بناء على فعله، فلو ذهب لقال فيه ما قال فيمن ذهب.\nوأما الحياء في القول، فمنه قول علي ﵁: «كنت رجلا مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله» (٢)، فما في قلب علي ﵁ من الحياء منعه من السؤال بنفسه، وهذا مما يعلمه كل إنسان في نفسه، أي متى يستحي وممن يستحي بحسب ما في قلبه.\nثم يأتي بعد هذا مسألة التفاوت في الصلاة والتفاوت في الحياء، فصلاة يقترن بها الخشوع وحضور القلب وحسن الأداء لا تكون كأخرى منقورة نقر الغراب، وكذلك حياء مقرون به زيادة التقوى وحسن السمت وورع اللسان لا يكون كحياء رجل ليس لديه إلا ما يمسكه عما يفعله أو يقوله من لا حياء له.\nومثل هذا التفاوت هو الواقع في الإيمان كله بحسب كمال الشعب جميعها أو كمال بعضها دون بعض أو فقدان بعضها بالكلية.\nهذا في الأفعال، والحال في التروك كذلك، فلنمثل لها أيضا بمثالين:\n١ - ترك الزنا:\nوهو عمل الجارحة، وهو من الإيمان بدليل نفي الشارع الإيمان عمن فعله، وهو يشمل قول القلب، أي الإقرار بحرمته وتصديق الشارع في ذلك؛ وعمل القلب، وهو الانقياد والإذعان بالكره والنفور والإرادة الجازمة لإمساك الجوارح عنه؛ وعمل الجوارح، وهو الكف عن فعله ومقدماته.\nفمن ارتكب هذه الفاحشة بجوارحه فإن عمل قلبه مفقود بلا شك - خاصة حين الفعل -، لأن الإرادة الجازمة على الترك يستحيل معها وقوع الفعل، فمن هنا نفى الشارع عنه الإيمان تلك اللحظة «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٣)، لكن وجود قول القلب عنده منع من الحكم بخروجه من الإيمان كله خلافا للخوارج، فلو أظهر ما يدل على انتفاء إيمان القلب واستحلاله له لكان خارجا من الملة عند أهل السنة والجماعة، أما مجرد الفعل فإنما يدل على انتفاء عمل القلب لا قوله.\n٢ - ترك الحسد:\nوهو من أعمال القلب، وقد أخبر النبي ﷺ أنه لا يجتمع والإيمان في قلب (٤)، فلا يتصور خلو القلب من الحسد مع وجود آثاره ودلائله على الجوارح، كما لا يستطيع أحد أن يدعي أن فلانا حسود مع عجزه عن الإتيان بدليل ظاهر من عمله.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٦)، ومسلم (٢١٧٦). من حديث أبي واقد الليثي ﵁.\n(٢) رواه البخاري (١٧٨)، ومسلم (٣٠٣). من حديث علي ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه النسائي (٦/ ١٢) بلفظ: «ولا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد»، وأحمد (٢/ ٣٤٠) (٨٤٦٠) بلفظ: «ولا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والشح»، وابن حبان (١٠/ ٤٦٦) (٤٦٠٦)، والحاكم (٢/ ٨٢)، والبيهقي (٩/ ١٦١) (١٨٢٨٩)، وفي «شعب الإيمان» (٥/ ٢٦٦) (٦٦٠٩). من حديث أبي هريرة ﵁. قال الطبري في «مسند عمر» (١/ ١٠٢): إسناده صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٣٠٣)، وابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٢٨٠) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، والألباني في «صحيح سنن النسائي».","vol":"5","page":431},{"text":"وقد أخبرنا الله تعالى عن إخوة يوسف وما صنعوا بأخيهم حسدا له على مكانته من أبيه، ومن المحال أن يصدر منهم هذا مع خلو قلوبهم من الحسد، إذ أن أعمال الجوارح إنما هي تنفيذ وتحقيق لإرادة القلب الجازمة، فوجودها في الحالة السوية - أي حالة عدم الإكراه ونحوه - يقطع بوجود أصلها القلبي.\nوهذا بخلاف اتهام المنافقين للصحابة ﵃، الذي أخبر الله عنه بقوله فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا [الفتح: ١٥]، لأن المنافقين ادعوا أن مانع المؤمنين من استصحابهم إياهم إلى المغانم هو الحسد، وهي تهمة لم يأتوا عليها بدليل إلا المنع نفسه، والله تعالى أمر المؤمنين أن يقولوا لهم: لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ [الفتح: ١٥].\nفهذا سبب المنع، فإذا اتهمهم أولئك بعد هذا بالحسد لم يكن لهذا الاتهام موقع.\nوالمقصود أنه مع عدم حصول أي دليل أو إشارة للحسد في أعمال أي إنسان لا يصح ولا يقبل من أحد أن يدعي أن قلبه مملوء حسدا، وهذا يعرفه الناس جميعا - المرجئة وغيرهم - في سائر أعمال القلوب، لكن المرجئة تناقض هذا فيما هو أعظم وأهم، فتزعم أنه يمكن أن يكون القلب مملوءا بالإيمان ولا يظهر من ذلك على الجوارح شيء ! بل تزعم وجوده في القلب مع أن أعمال الجوارح كلها بخلافه، في حين أنها لا تصدق أن إنسانا سليم القلب من الحسد إذا كانت أعماله كلها دالة عليه.\nنعم، أعمال القلوب هي الأصل وكما قال النبي ﷺ: «التقوى هاهنا» (١)، وقال: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٢). ونحو ذلك مما سبق أو سيأتي من النصوص.\nولهذا تحصل حالة شاذة خفية، وهي أن يضعف إيمان القلب ضعفا لا يبقى معه قدرة على تحريك الجوارح لعمل خير، مثله مثل المريض الفاقد الحركة والإحساس، إلا أن في قلبه نبضًا لا يستطيع الأطباء معه الحكم بوفاته مع أنه ميئوس من شفائه، فهو ظاهرا في حكم الميت وباطنا لديه هذا القدر الضئيل من الحياة الذي لا حركة معه، وهذه هي حالة الجهنميين الذين يخرجهم الله من النار مع أنهم لم يعملوا خيرا قط، وسيأتي تفصيل الحديث عن هذه الحالة (٣)، وإنما أشرت إليها هنا ليسلم لنا تصور الأصل، حتى إذا تم إيضاحه عرجنا على الحالات الشاذة.\nولقد وصل الشذوذ بالمرجئة الغالية - كالأشاعرة ومن حذا حذوهم - إلى حد القول بأن لا إله إلا الله باللسان ليس شرطًا في الإيمان عندهم، بل قالوا: يكفي حصول الإيمان في القلب لنجاة صاحبه عند الله، وأما أحكام الدنيا فإنما جعلت الشهادتان أمارة على ما في القلب لنحكم على قائلها بالإيمان، وهذا هو الغاية من الشهادتين عندهم، وليس لهم على هذا من شبهة إلا شبهة أن الإيمان محله كله القلب، وأن ما يظهر على الجوارح مجرد أمارات وثمرات - على ما سبق تفصيله في بابه - وافترضوا تبعا لذلك من المسائل التي تحيلها العقول الشيء الكثير.\nفالقوم لما خفيت عليهم حقيقة الإيمان الجامعة وترابط أجزائه المحكم وقعوا في هذه الغلطة الكبرى، التي كان لانتشارها من الآثار المدمرة في الأمة الإسلامية ما تنوء بشرحه المجلدات، وحسبك ما وقعت فيه الأمة من شرك أكبر - قديما وحديثا - وهي تحسب أنها في ذروة الإيمان، لأن القلب مصدق للرسول واللسان ناطق بأن لا إله إلا الله!!\nومن هنا كان لزاما علينا إيضاح الدلائل القاطعة لأهل السنة والجماعة على أن للقلب أعمالا سوى التصديق ينخرم الإيمان بانخرامها، وقبل ذلك نبين أهمية قول: لا إله إلا الله، وعلاقة سائر الأقوال المتعبد بها بإيمان القلب، تلك العلاقة التي هي علاقة امتزاج وتركيب، ولهذا لم يوجد في مذهب أهل السنة أبدا استخدام عبارة (مؤمن باطنا، كافر ظاهرا)، ولا إمكان وجود ذلك. ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي - ٢/ ٥٢١\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٦٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٣) في مبحث الشبهات النقلية من الباب الأخير.","vol":"5","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1692>المسألة الثانية: دقة عبارات السلف في تقرير التلازم بين الإيمان والعمل</span>\nلقد قرر السلف ﵏ هذه القاعدة التي هي أهم قاعدة من قواعد الإيمان والدين على الإطلاق أيما تقرير وحرروها أيما تحرير وذلك لعلمهم بأن الخطأ في هذه القاعدة أو الجهل بها وبما يترتب عليها ليس كالجهل بغيرها من القواعد العقدية (فإن الخطأ في اسم الإيمان ليس كالخطأ في اسم محدث، ولا كالخطأ في غيره من الأسماء، إذ كانت أحكام الدنيا والآخرة باسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق) (١) ولذلك فإن السلف رحمة الله عليهم قد صرحوا في أوضح عبارة وأبين دلالة بأن فاقد العمل ليس بمؤمن وقد عبروا بجميع عبارات النفي بعدم صحة الإيمان بلا عمل إطلاقا، فلم تبق عبارة لنفي الإيمان عمن لم يجمع بين القول والعمل إلا وعبروا بها كي لا يبقى مجال للشك في معنى هذه القاعدة وتقعيدها بإجماع السلف بأدق الكلمات وأوضح العبارات.\nوفيما يلي نص عباراتهم وصريح كلماتهم على تأصيل هذه القاعدة:\n١ - فمن تعبيرات السلف النفي المطلق للإيمان الذي ليس معه عمل (والمقصود بالعمل هو العمل الظاهر مع عمل القلب لا عمل القلب وحده كما يزعم البعض) (٢) وهذا ما سيأتي بيانه من كلامهم ﵏ وفي مبحث خاص إن شاء الله.\n١ - قال سفيان بن عيينة ﵀ (الإيمان قول وعمل ولا يكون قول إلا بعمل) (٣).\n٢ - وقال الحسن ﵀ (الإيمان قول، ولا قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا بنية ولا قول وعمل، ونية إلا بسنة) (٤).\n٣ - وقال الإمام الآجري ﵀ (باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح لا يكون مؤمنا إلا بأن يجتمع فيه الخصال الثلاث) (٥).\nوقال ﵀ (وقد قال تعالى في كتابه وبين في غير موضع أن الإيمان لا يكون إلا بعمل وبينه النبي ﷺ خلاف ما قالت المرجئة الذين لعب بهم الشيطان) (٦).\nوقال أيضًا: (فالأعمال – رحمكم الله – بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان، فمن لم يصدق الإيمان بعمل جوارحه، مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج وأشباه لهذه، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمنا، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيبا لإيمانه وكان العمل بما ذكرناه تصديقا لإيمانه، وبالله التوفيق) (٧).\nوفي كلام الإمام الآجري هذا بيان واضح بأن الإيمان الحقيقي المقبول عند الله المانع من الخلود في النار الموجب لدخول الجنة لا يمكن إلا بعمل الجوارح الظاهرة بعد عمل القلب واللسان وأنه يستحيل أن يدعي الإنسان الإيمان بلسانه ولم يأت بالعمل فإن ذلك كما قال ﵀ تكذيب لإيمانه كما أن العمل تصديق لصحة إيمانه وما أقر به على لسانه (٨).\n٤ - وبمثله قال تلميذه ابن بطة ﵀ (باب بيان الإيمان وفرضه وأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات لا يكون العبد مؤمنا إلا بهذه الثلاث (٩).\n_________\n(١) «الإيمان» (٣٠٩).\n(٢) وعلى هذا الأساس بنى مرجئة العصر منهجهم في الإيمان.\n(٣) «الشريعة» للآجري (٢/ ٦٠٤).\n(٤) «أصول السنة» لابن أبي زمنين (١٠٩)، «الشريعة» للآجري (٣/ ٦٣٩).\n(٥) «الشريعة» للآجري (٢/ ٦١١).\n(٦) «الشريعة» للآجري (٢/ ٦١٤).\n(٧) «الشريعة» للآجري (٢/ ٦١٤).\n(٨) فهل بعد هذا البيان يأتي من يقرر خلاف ذلك وينسبها إلى السلف زورا وبهتانا.\n(٩) «الإبانة/الإيمان» (٢/ ٧٦٠).","vol":"5","page":433},{"text":"وقال أيضًا (في مواضع كثيرة من القرآن، أمر الله فيها بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، والجهاد في سبيل الله، وإنفاق الأموال، وبذل النفس في ذلك، والحج بحركة الأبدان، ونفقة الأموال فهذا كله من الإيمان والعمل به فرض لا يكون المؤمن إلا بتأديته) (١).\n٢ - ومن تعبيرات السلف ﵏ قولهم (لا يصلح قول إلا بعمل) روى ذلك عبدالله بن الإمام أحمد رحمهما الله بسنده في كتاب السنة عن الأئمة: محمد بن مسلم الطائفي وفضيل بن عياض والثوري، رحم الله الجميع (٢).\nوقال محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ﵏: (لا يصلح قول إلا بعمل) (٣).\n٣ - ومن تعبيراتهم أيضًا قولهم ﵏ (لا يستقيم الإيمان إلا بالعمل).\n١ - قال الإمام الأوزاعي ﵀: لا يستقيم الإيمان إلا بالقول ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بموافقة للسنة (٤).\n٢ - وقال داود بن أبي هند ﵀ (لا يستقيم قول إلا بعمل ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة) (٥).\n٣ - وقال الثوري ﵀ (كان الفقهاء يقولون لا يستقيم قول إلا بعمل ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة) (٦).\n٤ - ومن تعبيراتهم أيضًا: أنه لا ينفع الإيمان إلا بعمل: قال الحسن ﵀ (الإيمان كلام وحقيقته العمل فإن لم يحقق القول بالعمل لم ينفعه القول) (٧).\n١ - وروى معمر عن الزهري رحمهما الله: (والإيمان قول وعمل قرينان لا ينفع أحدهما إلا بالآخر) (٨).\n٢ - وقال الحميدي ﵀: (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل وقول إلا بنية ولا قول وعمل إلا بسنة) (٩).\n٣ - وقال الإمام محمد بن نصر المروزي ﵀: (وأن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بدون صاحبه) (١٠).\n٤ - وقال الإمام ابن بطة ﵀ (واعلموا رحمكم الله أن الله ﷿ لم يثن على المؤمنين ولم يصف ما أعد لهم من النعيم المقيم والنجاة من العذاب الأليم، ولم يخبرهم برضاهم عنهم إلا بالعمل الصالح والسعي الرابح وقرن القول بالعمل والنية بالإخلاص، وحتى صار اسم الإيمان مشتملا على المعاني الثلاثة لا ينفصل بعضها من بعض ولا ينفع بعضها دون بعض حتى صار الإيمان قولا باللسان وعملا بالجوارح ومعرفة القلب خلافا لقول المرجئة الضالة الذين زاغت قلوبهم وتلاعبت الشياطين بعقولهم وذكر الله ﷿ ذلك في كتابه والرسول ﷺ في سنته) (١١).\n٥ - وعبروا أيضًا بقولهم أن الإيمان لا يجزئ إلا بالعمل:\nوقد ذكرنا قول الإمام الشافعي ﵀ حيث قال: (وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركناهم أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) (١٢).\n١ - وقال الإمام الآجري ﵀: (الإيمان معرفة بالقلب تصديقا يقينا، وقول باللسان وعمل بالجوارح لا يكون مؤمنا إلا بهذه الثلاثة لا يجزئ بعضها عن بعض) (١٣).\n_________\n(١) «الإبانة/الإيمان» (٢/ ٧١٣).\n(٢) «السنة» لعبد الله (١/ ٣٣٧).\n(٣) «تقريب التهذيب» (٢/ ٣٤٠).\n(٤) «شرح الاعتقاد» لللالكائي (٥/ ٨٨٦) و«الإبانة/الإيمان» (٢/ ٨٠٧).\n(٥) «أصول السنة» لابن أبي زمنين (٢٠٩).\n(٦) «الإبانة/الإيمان» (٢/ ٨٠٧).\n(٧) «الشريعة» للآجري (٢/ ٦٣٤).\n(٨) «الإيمان» لابن تيمية (٢٣١).\n(٩) «أصول السنة آخر مسند الحميدي» (٢/ ٥٤٦).\n(١٠) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٣٥).\n(١١) «الإبانة/الإيمان» (٢/ ٧٧٩).\n(١٢) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي» (٥/ ٩٥٦).\n(١٣) «الشريعة» (٢/ ٦٨٦).","vol":"5","page":434},{"text":"وقال أيضًا (اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق اللسان حتى يكون عمل الجوارح، فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمنا دل على ذلك القرآن والسنة وقول علماء المسلمين) (١).\n٢ - وقال تلميذه ابن بطة ﵀ (اعلموا رحمكم الله أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فرض على القلب المعرفة به والتصديق له ولكنه وبكل ما جاءت به السنة وعلى الألسن النطق بذلك والإقرار به قولا وعلى الأبدان والجوارح العمل بكل ما أمر به وفرض من الأعمال لا تجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها ولا يكون العبد مؤمنا إلا بأن يجمعها كلها حتى يكون مؤمنا بقلبه مقرا بلسانه عاملا مجتهدا بجوارحه، ثم لا يكون أيضًا مع ذلك مؤمنا حتى يكون موافقا للسنة في كل ما يقوله ويعمله متبعا للكتاب والعلم في جميع أقواله وأعماله وبكل ما شرحته لكم نزل به القرآن ومضت به السنة وأجمع عليه علماء الأمة) (٢).\n٦ - ومن عبارات السلف ﵏: أنه لا يقبل الإيمان إلا بعمل: قال الإمام الأوزاعي ﵀: (وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع هذه الأديان اسمها ويصدقها العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه ولم يصدق بعمله لم يقبل منه وكان في الآخرة من الخاسرين).\nوقال ابن بطة ﵀ (... وأن الله لا يقبل قولا إلا بعمل ولا عملا إلا بقول) (٣).\n٧ - وعبروا أيضًا بنفي صحة الإيمان بلا عمل:\n١ - قال الإمام الآجري ﵀ (لا يصح الدين إلا بالتصديق بالقلب والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وما أشبه ذلك) (٤). قواعد في بيان حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لعادل الشيخاني- ص٢١٠\n_________\n(١) «الشريعة» (٢/ ٦١١).\n(٢) «الإبانة/الإيمان» (٢/ ٦١٠ - ٧٦١).\n(٣) «الإبانة/الإيمان» (٢/ ٧٩٥).\n(٤) «الشريعة» (٢/ ٥٦٣).","vol":"5","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1694>المبحث الأول: تعريف الكفر</span>\nالكفر لغة: الستر والتغطية قال أبو عبيد: وأما الكافر فيقال والله أعلم: إنما سمي كافرا لأنه متكفِّر به كالمتكفِّر بالسلاح وهو الذي قد ألبسه السلاح حتى غطّى كل شيء منه، وكذلك غطى الكفر قلب الكافر، ولهذا قيل لليل: كافر؛ لأنه ألبس كل شيء. قال لبيد يذكر الشمس:\nحتى إذا ألقت يدا في كافر وأجنَّ عورات الثغور ظلامُها\nوقال أيضًا: في ليلة كفر النجومَ غمامُها ...\nويقال: الكافر سمي بذلك للجحود، كما يقال: كافرني فلان حقي إذا جحده حقه) (١).\nوقال ابن قتيبة: أمَّا الكافر، فهو من قولك: كفَرْت الشيء إذا غطَّيْته، ومنه يقال: تكفَّر فلان في السِّلاح إذا لَبِسَه. وقال بعضهم: ومنه كافور النَّخْل وهو قشر الطَّلْعة تقديره فاعُول لأنَّه يغطّي الكُفُرَّى. ومنه قيل: ليلٌ كافر لأنَّه يسْتُر كل شيء. قال لبيد وذكر الشمس:\nحتى إذا ألقت يدًا في كافِر وأجنَّ عَوْراتِ الثّغور ظَلامُها\nقوله: ألقت يدًا في كافر، أي دخل أولها في الغور، وهو مثل قول الآخر يصف ظليما أو نعامة: فتذكَّرا ثَقَلًا رشيدًا بعدما ... ألقَتْ ذُكاء يمينها في كافر وذُكاء: هي الشمس، ومنه يقال للصُّبْح: ابن ذُكاء؛ لأنَّ ضوءه من الشمس، فكأن الأصل في قولهم: كافر، أي ساتر لِنِعَم الله عليه. وكان بعض المُحَدِّثين يذهب في قول رسول الله ﷺ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (٢) إلى التكفُّر في السلاح، يريد: ترجعوا بعد الولاية أعداء يتكفَّر بعضكم لبعض في الحرب) (٣).\nوقال الأزهري: وقال الليث: يقال: إنه سُمِّيَ الكافر كافرًا لأن الكُفر غطَّى قلبه كلَّه ... ومعنى قول الليث: قيل له كافر لأن الكفر غطَّى قلبه، يحتاج إلى بيان يدلُّ عليه، وإيضاحه أن الكفر في اللغة معناه التَّغطية، والكافر ذو كفر أي ذو تغطية لقلبه بكفره، كما يقال للابس السِّلاح: كافر وهو الذي غطاه السلاح.\nومثله رجل كاسٍ: ذو كسوة، وماء دافق: ذو دَفق.\nوفيه قول آخر: وهو أحسن مما ذهب إليه الليث. وذلك أن الكافر لما دعاه الله جل وعز إلى توحيده فقد دعاه إلى نعمة يُنعم بها عليه إذا قبلها، فلما ردَّ ما دعاه إليه من توحيده كان كافرًا نعمة الله أي مغطيًا لها بإبائه حاجبًا لها عنه.\nوأخبرني المنذري عن الحراني عن ابن السكيت أنه قال: إذا لبس الرجل فوق درعه ثوبا فهو كافرٌ، وقد كفر فوق درعه. قال: وكل ما غطى شيئًا فقد كفره، ومنه قيل لليل: كافر لأنه ستر بظلمته كل شيء وغطَّاه ... قال: ومنه سُمِّي الكافر كافرًا لأنه ستر نعم الله.\nقلت: ونعم الله جل وعز: آياته الدالة على توحيده ... والعرب تقول للزارع: كافر لأنه يكفر البذر المبذور في الأرض بتراب الأرض التي أثارها ثم أمرَّ عليها مالَقَه، ومنه قول الله جل وعزَّ: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:٢٠] أي أعجب الزُّرَّاع نباته مع علمهم به فهو غاية ما يستحسن، والغيث هاهنا: المطر، والله أعلم) (٤).\nوالكفر شرعا: ضد الإيمان، فيكون قولا وعملا واعتقادا وتركا، كما أن الإيمان قول وعمل واعتقاد.\nوهذا مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة، خلافا لمن حصر الكفر في التكذيب أو الجحود بالقلب أو بالقلب واللسان، ونفى أن يكون بالعمل أو بالترك.\n_________\n(١) «غريب الحديث» لأبي عبيد (٣/ ١٣).\n(٢) رواه البخاري (١٢)، ومسلم (٦٥).\n(٣) «غريب الحديث» لابن قتيبة (١/ ٢٤٧).\n(٤) «تهذيب اللغة» للأزهري (١٠/ ١٩٤)، و«لسان العرب» (٥/ ١٤٥) مادة: كفر.","vol":"5","page":436},{"text":"قال شيخ الإسلام: الكفر عدم الإيمان بالله ورسوله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب أو إعراض عن هذا حسدا أو كبرا أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة (١).\nوقال ابن حزم: وهو في الدين صفة من جحد شيئا مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه، ببلوغ الحق إليه، بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معا، أو عمل عملا جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان (٢).\nوقال الإمام إسحاق بن راهويه: ومما أجمعوا على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد، فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى ومما جاء من عنده ثم قتل نبيا أو أعان على قتله، ويقول: قتل الأنبياء محرم، فهو كافر (٣).\nوقال البربهاري: ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله، أو يرد شيئا من آثار رسول الله ﷺ، أو يذبح لغير الله، أو يصلي لغير الله، وإذا فعل شيئا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام (٤).\nوقال شيخ الإسلام: فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجةٍ عامدًا لها عالمًا بأنها كلمة الكفر، فإنه يكفر بذلك ظاهرا وباطنا، ولا يجوز أن يقال إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام (٥).\nوقال: إن سب الله أو سب رسوله: كفر ظاهرا وباطنا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، وهذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل (٦).\nوقال أيضا: فمن صدق الرسول، وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه، فهو كافر قطعا بالضرورة (٧).\nوقال ابن القيم: وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارا، وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، فهذا أصل (٨). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ١٢٧\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣٣٥).\n(٢) «الإحكام في أصول الأحكام» (١/ ٤٩).\n(٣) نقله في «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٣٠).\n(٤) «شرح السنة للبربهاري» (ص٨١).\n(٥) «الصارم المسلول» (٣/ ٩٧٥).\n(٦) «الصارم المسلول» (٣/ ٩٥٥).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٦).\n(٨) «الصلاة وحكم تاركها» (ص٤٥).","vol":"5","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1695>المبحث الثاني: الخوارج والمعتزلة وقولهم في أصحاب الذنوب</span>\nذهب الخوارج والمعتزلة إلى أن الإيمان قول وعمل، لكنه لا يزيد ولا ينقص ولا يستثنى فيه، وهو شيء واحد إن ذهب بعضه ذهب كله. وهذا ما دعاهم إلى القول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، لكنهم اختلفوا في حكمه في الدنيا، فقالت الخوارج بكفره، وقالت المعتزلة إنه في منزلة بين المنزلتين.\nقال الإمام ابن منده في معرض بيانه لاختلاف الناس في الإيمان ما هو: وقالت الخوارج: الإيمان فعل الطاعات المفترضة كلها بالقلب واللسان وسائر الجوارح (١).\nوقال القاضي أبو يعلى: وأن الإيمان الشرعي جميع الطاعات الباطنة والظاهرة، الواجبة والمندوبة، وهذا قول أكثر المعتزلة. وقال منهم أبو هاشم والجبائي: إن ذلك مختص بالواجبات دون التطوع (٢).\nوقال شيخ الإسلام: (ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعة كلها من الإيمان فإذا ذهب بعض الإيمان، فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان) (٣).\nوقال: وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه كما قال النبي ﷺ: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان» (٤) (٥).\nهذا ويرى الخوارج والمعتزلة أن الإسلام والإيمان شيء واحد (٦).\nقولهم في أصحاب الذنوب:\nسبق تقرير أن أهل السنة لا يكفرون أصحاب المعاصي ولا يسلبونهم اسم الإيمان بالكلية.\nأما الخوارج فقد ذهبوا إلى كفر مرتكب الكبيرة وخلوده في النار وأنه يعذب فيها عذاب الكفار.\nقال أبو الحسن الأشعري في بيان معتقدهم: (وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر، إلا النجدات فإنها لا تقول بذلك. وأجمعوا على أن الله سبحانه يعذب أصحاب الكبائر عذابا دائما إلا النجدات أصحاب نجدة) (٧).\nوأما النجدات فقالوا: (لا ندري لعل الله يعذب المؤمنين بذنوبهم، فإن فعل فإنما يعذبهم في غير النار، بقدر ذنوبهم، ولا يخلدهم في العذاب، ثم يدخلهم الجنة، وزعموا أن من نظر نظرة صغيرة أو كذب كذبة صغيرة، ثم أصر عليها فهو مشرك، وأن من زنى وسرق وشرب الخمر غير مصر فهو مسلم) (٨).\nوقال الشهرستاني: (وكبار فرق الخوارج ستة: الأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والإباضية، والثعالبة، والباقون فروعهم، ويجمعهم القول بالتبرؤ من عثمان وعلي، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك، ويكفرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقا واجبا) (٩).\nوذكر الدكتور غالب العواجي حفظه الله أن أكثر الخوارج على تكفير العصاة كفر ملة، وأنهم خارجون عن الإسلام مخلدون في النار مع سائر الكفار. بينما ذهبت الإباضية إلى أنهم كفار كفر نعمة، ومع هذا فإنهم يحكمون على صاحب المعصية بالنار إذا مات عليها، ويحكمون عليه في الدنيا بأنه منافق، ويجعلون النفاق مرادفا لكفر النعمة (١٠).\nوأما المعتزلة فمشهور قولهم في أصحاب الكبائر أنهم ليسوا مؤمنين ولا كفارا، بل هم بمنزلة بين المنزلتين، لكنهم مخلدون في النار، كما تقول الخوارج، غير أنهم قالوا: إن عذابهم ليس كعذاب الكفار.\n_________\n(١) «الإيمان» لابن منده (١/ ٣٣١)، وانظر: «الفصل» لابن حزم (٣/ ٢٢٧).\n(٢) «مسائل الإيمان» (ص١٥٦).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥١٠).\n(٤) رواه البخاري (٢٢)، مسلم (٨٤) كلاهما بلفظٍ مقاربٍ.\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥١٠).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤١٤).\n(٧) «مقالات الإسلاميين» (١/ ١٦٨).\n(٨) «مقالات الإسلاميين» (١/ ١٧٥).\n(٩) «الملل والنحل» (١/ ١٠٧).\n(١٠) «فرق معاصرة» (١/ ١٠٩).","vol":"5","page":438},{"text":"قال الأشعري في المقالات: (وكانت المعتزلة بأسرها قبله - أي قبل الجبائي - إلا الأصم، تنكر أن يكون الفاسق مؤمنا، وتقول: إن الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر، وتسميه منزلة بين المنزلتين، وتقول: في الفاسق إيمان لا نسميه به مؤمنا، وفي اليهودي إيمان لا نسميه به مؤمنا) (١).\nوقال: (وأما الوعيد: فقول المعتزلة فيه وقول الخوارج قول واحد؛ لأنهم يقولون: إن أهل الكبائر الذين يموتون على كبائرهم في النار خالدين فيها مخلدين، غير أن الخوارج يقولون: إن مرتكبي الكبائر ممن ينتحل الإسلام يعذبون عذاب الكافرين، والمعتزلة يقولون: إن عذابهم ليس كعذاب الكافرين) (٢).\nوحكَى عنهم اختلافا كثيرا في تحديد الصغيرة والكبيرة، وفي غفران الصغائر باجتناب الكبائر، وغير ذلك مما لا حاجة لذكره.\nولا شك أن قول الخوارج والمعتزلة من البدع المشهورة المخالفة للكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة.\nقال شيخ الإسلام: (ينبغي أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار، فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا أيضا على أن نبينا ﷺ يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته، ففي الصحيحين عنه أنه قال ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣)، (٤). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير – ١/ ١٨٩\n_________\n(١) «مقالات الإسلاميين» (١/ ٣٣١).\n(٢) «مقالات الإسلاميين» (١/ ٢٤٠).\n(٣) رواه البخاري (٧٤٧٤)، ومسلم (١٩٩) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٢٢).","vol":"5","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1697>المطلب الأول: قولهم في الإيمان</span>\nذهب جهم ومن وافقه إلى أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، وأن قول اللسان وعمل القلب والجوارح ليس من الإيمان، وأن الإيمان شيء واحد لا يتفاضل ولا يستثنى منه.\nوهذا أفسد قول قيل في الإيمان، ولهذا كفر أحمد ووكيع وغيرهما من قال بذلك.\nقال الأشعري في المقالات: اختلفت المرجئة في الإيمان ما هو؟ وهم اثنتا عشرة فرقة: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف منهما والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به، وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان (١).\nوقال الشهرستاني في بيان أقوال جهم: ومنها قوله: من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده؛ لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد، فهو مؤمن. قال: والإيمان لا يتبعض، أي لا ينقسم إلى عقد وقول وعمل. قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد؛ إذ المعارف لا تتفاضل. وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه، ونسبته إلى التعطيل المحض (٢).\nوقال شيخ الإسلام بعد نقل كلام الأشعري عن فرق المرجئة: (فهذه الأقوال التي ذكرها الأشعري عن المرجئة يتضمن أكثرها أنه لابد في الإيمان من بعض أعمال القلوب عندهم، وإنما نازع في ذلك فرقة يسيرة كجهم والصالحي) (٣).\nوقال: (ولابد أن يكون مع التصديق شيء من حب الله وخشية الله، وإلا فالتصديق الذي لا يكون معه شيء من ذلك ليس إيمانا البتة، بل هو كتصديق فرعون واليهود وإبليس، وهذا هو الذي أنكره السلف على الجهمية. قال الحميدى: سمعت وكيعا يقول: أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة يقولون: الإيمان قول، والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة. وفى رواية أخرى عنه: وهذا كفر. قال محمد بن عمر الكلابي: سمعت وكيعا يقول: الجهمية شر من القدرية. قال: وقال وكيع: المرجئة الذين يقولون الإقرار يجزئ عن العمل، ومن قال هذا فقد هلك، ومن قال: النية تجزئ عن العمل فهو كفر، وهو قول جهم، وكذلك قال أحمد بن حنبل) (٤).\nوقال: (بل قد كفر أحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم في الإيمان) (٥).\nوقال: (وأما جهم فكان يقول: إن الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم به، وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها، بل أحمد ووكيع وغيرهما كفروا من قال بهذا القول، ولكن هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه، ولكن قالوا مع ذلك: إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره واستدللنا بتكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة) (٦).\n_________\n(١) «مقالات الإسلاميين» (١/ ٢١٤).\n(٢) «الملل والنحل» (١/ ٧٤)، وانظر: «الفصل» لابن حزم (٣/ ٢٢٧).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٤٩).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٠٧).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٢٠)، وانظر (١٤/ ١٢١)، (٧/ ٤٠٥)، (١٠/ ٢٧٢).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٤٧)، وسيأتي بيان مذهب الأشعري وأصحابه.","vol":"5","page":440},{"text":"ويلاحظ هنا أن شيخ الإسلام يسوي بين القول بأن الإيمان هو المعرفة، والقول بأنه مجرد التصديق، وقد قال في بيان ذلك: (وأيضا فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد الذي يُجعل قول القلب، أمرٌ دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه. وبتقدير صحته، لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما، وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون: إن ما قاله ابن كلاب والأشعري من الفرق كلام باطل لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق) (١)، إلى أن قال: (والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسُر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق، وبين تصديق قلبه تصديقا مجردا عن انقياد وغيره من أعمال القلب بأنه صادق) (٢) ...\nوالحاصل أن جهما ومن وافقه يرون أن الإيمان هو مجرد المعرفة أو التصديق، وأن ذلك ينفع صاحبه ولو لم يتكلم قط بالإسلام، ولا فعل شيئا من واجباته. ومع ذلك فقد التزم جهم بتكفير من كفره الشرع كإبليس وفرعون، زاعما أنه لم يكن في قلبيهما شيء من المعرفة بالله.\nولاشك أن إلزام الجهمية بالقول بإيمان إبليس وفرعون لوجود التصديق منهما- كما سيأتي- إلزام لا محيد لهم عنه، ولهذا اضطربوا في الجواب عنه.\nقال ابن القيم: (ومن قال إن الإيمان هو مجرد اعتقاد صدق الرسول فيما جاء به وإن لم يلتزم متابعته، وعاداه وأبغضه، وقاتله، لزمه أن يكون هؤلاء كلهم مؤمنين، وهذا إلزام لا محيد عنه، ولهذا اضطرب هؤلاء في الجواب عن ذلك لما وَرد عليهم، وأجابوا بما يستحي العاقل من قوله، كقول بعضهم: إن إبليس كان مستهزئا ولم يكن يقر بوجود الله ولا بأن الله ربه وخالقه، ولم يكن يعرف ذلك، وكذلك فرعون وقومه لم يكونوا يعرفون صحة نبوة موسى، ولا يعتقدون وجود الصانع.\nوهذه فضائح نعوذ بالله من الوقوع في أمثالها، ونصرة المقالات وتقليد أربابها تحمل على أكثر من هذا، ونعوذ بالله من الخذلان) (٣).\nوقد دلت الأدلة على أن إبليس كان عارفا بالله، مصدقا بربوبيته، وكذلك كان فرعون، كما قال سبحانه عن إبليس: قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:٣٩]، وقال: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:٨٢].\nوقال عن فرعون وقومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:١٤]، وقال حاكيًا قول موسى ﷺ لفرعون: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا [الإسراء:١٠٢]، فدل هذا على أن إبليس وفرعون كانا مصدقين، وأن الكفر لا يختص بالتكذيب، أو الجهل، كما زعم جهم ومن وافقه. الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير – ١/ ١٩٩.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٩٨).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٠٠).\n(٣) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٩٤).","vol":"5","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1698>المطلب الثاني: مفهوم الكفر عند الجهمية</span>\nسبق أن الكفر عند جهم هو الجهل بالله فقط، على ما حكاه الأشعري، ونقله شيخ الإسلام عنه.\nفجهم حصر الإيمان في معرفة القلب، وجعل الكفر ما ضاد ذلك، أي ذهاب المعرفة أو التصديق، فلم ير الكفر غير ذلك.\nقال شيخ الإسلام ناقلا عن الأشعري: وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به، وهذا قول يحكى عن الجهم بن صفوان. قال: وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون الجوارح) (١).\nوقال الشهرستاني: (ومنها قوله (أي جهم): من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده، لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد فهو مؤمن) (٢).\nوجهمٌ وإن حصر الكفر في جهل القلب وتكذيبه، إلا أنه التزم تكفيرَ من أتى المكفرات الظاهرة في الدنيا، والحكم بأنه مؤمن في الباطن من أهل الجنة! إلا من جاء النص على أنه كافر معذب في الآخرة.\nقال شيخ الإسلام: (ولهذا لما عرف متكلمهم مثل جهم ومن وافقه أنه لازم التزموه، وقالوا: لو فعل ما فعل من الأفعال الظاهرة لم يكن بذلك كافرا في الباطن، لكن يكون دليلا على الكفر في أحكام الدنيا. فإذا احتج عليهم بنصوص تقتضي أنه يكون كافرا في الآخرة. قالوا: فهذه النصوص تدل على أنه في الباطن ليس معه من معرفة الله شيء فإنها عندهم شيء واحد فخالفوا صريح المعقول وصريح الشرع) (٣).\nوحصر الكفر في القلب مما ذهب إليه كثير من أهل الإرجاء- من غير الجهمية- أيضا، لكن منهم من لا يقصره على التكذيب والجهل، بل يضيف إليه ما يناقض عمل القلب كالعداوة والاستخفاف.\nوهؤلاء جميعا يوافقون أهل السنة في تكفير من أتى الكفر الظاهر كسبِّ الله أو التكلم بالتثليث، أو السجود للصنم، لكنهم لا يرون ذلك كفرا في ذاته، بل هو علامة على الكفر.\nومن هؤلاء أبو الحسين الصالحي، حيث وافق جهما في أن الكفر هو الجهل بالله فقط، وأن قول القائل: إن الله ثالث ثلاثة ليس كفرا، ولكنه لا يظهر إلا من كافر؛ لأن الله كفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر (٤).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٤٣). وانظر زيادة بيان حول مفهوم الكفر عند جهم، والفرق بينه وبين الأشعري، في (٢/ ٢٩٠) من هذا البحث.\n(٢) «الملل والنحل» (١/ ٧٤).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٠١).\n(٤) «مقالات الإسلاميين» (١/ ٢١٤)، و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٤٤)،و«الملل والنحل» (١/ ١٤٢)، و«الفرق بين الفرق» (ص١٩٥).","vol":"5","page":442},{"text":"وهذا ما اختاره الأشعري في أحد قوليه، قال شيخ الإسلام: (وقد ذكر الأشعري في كتابه الموجز قول الصالحي هذا وغيره، ثم قال: والذي أختاره في الأسماء قول الصالحي) (١).\nومن هؤلاء: بشر المريسي، وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر، ولا السجود لغير الله كفر، ولكنه عَلَم على الكفر؛ لأن الله بين أنه لا يسجد للشمس إلا كافر (٢).\nومنهم: أبو معاذ التومني وأصحابه، وكان يقول: من قتل نبيا أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة كفر، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له (٣).\nقال ابن حزم في بيان مذهب الجهمية ومن وافقهم: (وقال هؤلاء: إن شتم الله وشتم رسول الله ليس كفرا، لكنه دليل على أن في قلبه كفرا) (٤).\nوقال: (وأما سب الله تعالى فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد إلا أن الجهمية والأشعرية وهما طائفتان لا يعتد بهما يصرحون بأن سب الله تعالى وإعلان الكفر ليس كفرا. قال بعضهم: ولكنه دليل على أنه يعتقد الكفر، لا أنه كافر بيقين بسبه الله تعالى. وأصلهم في هذا أصل سوء خارج عن إجماع أهل الإسلام، وهو أنهم يقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط وإن أعلن بالكفر وعبادة الأوثان بغير تقية ولا حكاية، لكن مختارا ذلك في الإسلام.\nقال أبو محمد: وهذا كفر مجرد؛ لأنه خلاف لإجماع الأمة ولحكم الله تعالى ورسوله ﷺ وجميع الصحابة ومن بعدهم، لأنه لا يختلف أحد لا كافر ولا مؤمن في أن هذا القرآن هو الذي جاء به محمد ﷺ، وذكر أنه وحي من الله تعالى- وإن كان قوم كفار من الروافض ادعوا أنه نقص منه وحرف-، فلم يختلفوا أن جملته كما ذكرنا، ولم يختلفوا في أن فيه التسمية بالكفر، والحكم بالكفر قطعا على من نطق بأقوال معروفة، كقوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:٧٢]، وقوله تعالى: وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ [التوبة:٧٤]، فصح أن الكفر يكون كلاما.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٤٤)، وانظر: (٧/ ٥٠٩). وكثيرا ما يقرن شيخ الإسلام بين جهم والصالحي، ويجعل الأشاعرة ممن نصروا قولهما في الإيمان. ولاشك أن جهما والصالحي متفقان على أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، كما حكاه الأشعري عنهما في المقالات، ونقله شيخ الإسلام /، لكن عند التحقيق يتبين أن الصالحي يخالف جهما في مسألتين: الأولى: أنه زعم أن (معرفة الله هي المحبة له، وهي الخضوع لله) «المقالات» (١/ ٢١٤) و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٤٤) فأثبت عمل القلب، لكن جعله نفس المعرفة. وأما جهم فلا يثبت عمل القلب، كما تقدم. لكن مذهب الصالحي باطل أيضا؛ ويلزم منه القول بأن إبليس وفرعون لم يكونا مصدقين، لذهاب عمل القلب منهما، ولعل شيخ الإسلام كان يشير إلى الصالحي ومن تبعه حين قال: والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضا، وجعلها هي التصديق، فهذا ضلال بين) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٤). وانظر ما سبق (ص٧٠ - ٧٧) عن العلاقة بين التصديق وعمل القلب، وما سيأتي عند الكلام على الفرق بين \"معرفة\" جهم و\"تصديق\" الأشاعرة، (ص٢٤٧). الثانية: أن ظاهر ما نقل عن الصالحي أنه يحكم بالكفر باطنا، لمن أتى المكفرات الظاهرة، وأما جهم فقد التزم أن من قال الكفر أو فعله، فهو كافر في الظاهر مؤمن في الباطن، والأشعري تبع قول الصالحي، وخالف جهما في هذا،.\n(٢) «المقالات» (١/ ١٤٠)، و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٤٨)، و«الفرق بين الفرق» (ص١٩٣).\n(٣) «الملل والنحل» للشهرستاني (١/ ١٤١).\n(٤) «الفصل» لابن حزم (٣/ ٢٣٩).","vol":"5","page":443},{"text":"وقد حكم الله تعالى بالكفر على إبليس، وهو عالم بأن الله خلقه من نار، وخلق آدم من طين، وأمره بالسجود لآدم وكرمه عليه، وسأل الله تعالى النظرة إلى يوم يبعثون.\nثم يقال لهم: إذْ ليس شتم الله تعالى كفرا عندكم فمن أين قلتم إنه دليل على الكفر؟\nفإن قالوا: لأنه محكوم على قائله بحكم الكفر.\nقيل لهم: محكوم عليه بنفس قوله لا بمغيب ضميره الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فإنما حكم له بالكفر بقوله فقط، فقوله هو الكفر، ومن قطع على أنه في ضميره؟ وقد أخبر الله تعالى عن قوم يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح:١١] فكانوا بذلك كفارًا، كاليهود الذين عرفوا صحة نبوة رسول الله ﷺ كما يعرفون أبناءهم، وهم مع ذلك كفار بالله تعالى قطعا بيقين، إذ أعلنوا كلمة الكفر) (١).\nوالحاصل أن الجهمية ومن وافقهم يحصرون الكفر في جهل القلب أو تكذيبه، ومع ذلك يكفرون من أتى المكفرات المجمع عليها، كسبِّ الله، والسجود للصنم، ويقولون: إن الشارع جعل ذلك أمارة على الكفر، وقد يكون صاحبه مؤمنا في الباطن.\nهذا هو مسلكهم العام في هذه القضية، ينفون التلازم بين الظاهر والباطن، ويزعمون أن الإيمان يكون تاما صحيحا في القلب مع وجود كلمات الكفر الأكبر وأعماله في الظاهر، وأنه إن حكم لفاعل ذلك بالكفر ظاهرا، فلا يمنع أن يكون مؤمنا باطنا، سعيدا في الدار الآخرة.\nلكن إذا أورد عليهم نص أو إجماع أن شخصا ما كافر ظاهرا وباطنا، معذب في الآخرة عذاب الكفر، كإبليس وفرعون، قالوا: هذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قبله!\nقال شيخ الإسلام: (فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفرا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا السابُّ الشاتم في الباطن عارفا بالله موحدا له مؤمنا به، فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافر باطنا وظاهرا، قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك) (٢).\nوقال: (ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، ولم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاصٍ لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن. قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار؛ لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وبخلاف ما شهد به الشهود، فإذا أُورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه. فالكفر عندهم شيء واحد، وهو الجهل، والإيمان شيء واحد، وهو العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه، فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو؟\n_________\n(١) «مختصر الإيصال» ملحق بـ «المحلى» (١٢/ ٤٣٥) وما بعدها.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٧)، وانظر: (٧/ ٥٨٣).","vol":"5","page":444},{"text":"وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة، وقد كفر السلف كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم من يقول بهذا القول، وقالوا: إبليس كافر بنص القرآن، وإنما كفره باستكباره وامتناعه عن السجود لآدم، لا لكونه كذّب خبرا. وكذلك فرعون وقومه، قال الله تعالى فيهم: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:١٤]، وقال موسى ﷺ لفرعون: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا [الإسراء:١٠٢] بعد قوله: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا [الإسراء:١٠٠ - ١٠١]\nفموسى وهو الصادق المصدوق يقول: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر، فدل على أن فرعون كان عالما بأن الله أنزل الآيات وهو من أكبر خلق الله عنادا وبغيا، لفساد إرادته وقصده، لا لعدم علمه. قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص:٤]، وقال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:١٤]، وكذلك اليهود الذين قال الله فيهم: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ [البقرة:١٤٦] وكذلك كثير من المشركين الذين قال الله تعالى فيهم: فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:٣٣] (١).\nوقال بعد ذكر ما ألزم به الإمام أحمد هؤلاء من القول بإيمان من شد الزنار في وسطه، وصلى للصليب، وأتى الكنائس والبيع، لأنه مقر بالله، قال: (قلت: هذا الذي ذكره الإمام أحمد من أحسن ما احتج الناس به عليهم، جمع في ذلك جُملا يقول غيره بعضها. وهذا الإلزام لا محيد لهم عنه، ولهذا لما عرف متكلمهم مثل جهم ومن وافقه أنه لازمٌ التزموه وقالوا: لو فعل ما فعل من الأفعال الظاهرة لم يكن بذلك كافرا في الباطن، لكن يكون دليلا على الكفر في أحكام الدنيا، فإذا احتج عليهم بنصوص تقتضي أنه يكون كافرا في الآخرة قالوا: فهذه النصوص تدل على أنه في الباطن ليس معه من معرفة الله شيء، فإنها عندهم شيء واحد. فخالفوا صريح المعقول وصريح الشرع) (٢)، بل خالفوا (ما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار؛ فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره، ومع هذا يجحد ذلك، لحسده إياه أو لطلب علوه عليه أو لهوى النفس، ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدي عليه، ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه.\nوعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم، وإما لإرادتهم العلو والرياسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض، كأموال ورياسة وصداقة أقوام وغير ذلك، فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم، أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهم، فيكونون من أكفر الناس، كإبليس وفرعون، مع علمهم بأنهم على الباطل، والرسل على الحق) (٣). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير – ١/ ٢٠٤.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٨٨) وما بعدها. وانظر: (٧/ ١٤٦) وما بعدها.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٠١) وما بعدها.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٩١).","vol":"5","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1699>المطلب الثالث: أغلاط جهم</span>\nذكر شيخ الإسلام ما وقع فيه جهم من الانحراف، في مواضع من كتبه، وذلك لعظم خطرها وضررها وفسادها، ولكونه قد تابعه عليها جماعة كبيرة من المنتسبين إلى أهل السنة، قال: (وأصل جهم في الإيمان تضمن غلطا من وجوه:\nمنها: ظنه أنه مجرد تصديق القلب ومعرفته، بدون أعمال القلب كحب الله وخشيته ونحو ذلك.\nومنها: ظنه أن من حكم الشرع بكفره وخلوده في النار، فإنه يمتنع أن يكون في قلبه شيء من التصديق، وجزموا بأن إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن في قلوبهم شيء من ذلك) (١).\nوقال: (وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم غلطوا في ثلاثة أوجه:\nأحدها: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الذي في القلب، تصديق بلا عملٍ للقلب كمحبة الله وخشيته وخوفه والتوكل عليه والشوق إلى لقائه.\nوالثاني: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الظاهر، وهذا يقول به جميع المرجئة.\nوالثالث: قولهم: كل من كفَّره الشارع فإنما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب ﵎.\nوكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم، ممن هو في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظِّم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف) (٢).\nوقال: (ومن كان موافقا لقول جهم في الإيمان بسبب انتصار أبي الحسن لقوله في الإيمان، يبقى تارة يقول بقول السلف والأئمة، وتارة يقول بقول المتكلمين الموافقين لجهم، حتى في مسألة سب الله ورسوله، رأيت طائفة من الحنبليين والشافعيين والمالكيين إذا تكلموا بكلام الأئمة قالوا: إن هذا كفر باطنا وظاهرا. وإذا تكلموا بكلام أولئك قالوا: هذا كفر في الظاهر وهو في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا تام الإيمان، فإن الإيمان عندهم لا يتبعض) (٣). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير – ١/ ٢١٤.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٧٤٩)، وانظر: (٧/ ٥٨٢ - ٥٨٤)، فقد ذكر فيها ستة أغلاط من أغلاطهم، وانظر: (٧/ ١٩٠) واكتفى فيها بذكر أصلين مما غلطت فيه الجهمية.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٦٣) وما بعدها.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٠٣)","vol":"5","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1700>المبحث الرابع: مذهب الكرامية</span>\nوقد ذهبت الكرامية إلى أن الإيمان قول باللسان فقط، وأنه شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يستثنى فيه.\nقال الأشعري في المقالات: (والفرقة الثانية عشرة من المرجئة: الكرامية، أصحاب محمد بن كرَّام، يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب، وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيء غير التصديق باللسان إيمانا، وزعموا أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله كانوا مؤمنين على الحقيقة، وزعموا أن الكفر بالله هو الجحود والإنكار له باللسان) (١).\n... الكرامية تسمي المنافق مؤمنا، ولكنهم يحكمون بأنه مخلد في النار ...\nوقال ابن منده: (وقالت طائفة منهم - أي المرجئة -: الإيمان فعل اللسان دون القلب، وهم أهل الغلو في الإرجاء) (٢).\nوقال ابن حزم: (وذهب قوم إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان بالله تعالى، وإن اعتقد الكفر بقلبه، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن من أهل الجنة، وهذا قول محمد بن كرام السجستاني وأصحابه) (٣).\n... وما ذكره ابن حزم هنا خطأ على الكرامية، فإنهم لا يحكمون بنجاة المنافق، بل يقولون إنه مخلد في النار.\nقال شيخ الإسلام: (والكرامية توافق المرجئة والجهمية في أن إيمان الناس كلهم سواء، ولا يستثنون في الإيمان، بل يقولون: هو مؤمن حقا، لمن أظهر الإيمان، وإذا كان منافقا فهو مخلد في النار عندهم، فإنه إنما يدخل الجنة من آمن باطنا وظاهرا. ومن حكى عنهم أنهم يقولون: المنافق يدخل الجنة، فقد كذب عليهم، بل يقولون: المنافق مؤمن؛ لأن الإيمان هو القول الظاهر، كما يسميه غيرهم مسلما؛ إذ الإسلام هو الاستسلام الظاهر.\nولا ريب أن قول الجهمية أفسد من قولهم من وجوه متعددة شرعا ولغة وعقلا.\nوإذا قيل: قول الكرامية قول خارج عن إجماع المسلمين، قيل: وقول جهم في الإيمان قول خارج عن إجماع المسلمين قبله، بل السلف كفروا من يقول بقول جهم في الإيمان) (٤).\nوقال: (فالمؤمن المستحق للجنة لابد أن يكون مؤمنا في الباطن، باتفاق جميع أهل القبلة حتى الكرامية الذين يسمون المنافق مؤمنا، ويقولون: الإيمان هو الكلمة، يقولون: إنه لا ينفع في الآخرة إلا الإيمان الباطن.\nوقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، إنما نازعوا في الاسم لا في الحكم، بسبب شبهة المرجئة في أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل) (٥).\nويشير شيخ الإسلام بكلامه عن شبهة المرجئة، إلى أن الكرامية جعلوا الإيمان شيئا واحدا هو القول، ولم يضيفوا إليه الاعتقاد فرارا من القول بتبعيضه وتجزئته.\nقال شيخ الإسلام: (مع أن الكرامية لا تنكر وجوب المعرفة والتصديق، ولكن تقول: لا يدخل في اسم الإيمان، حذرا من تبعضه وتعدده؛ لأنهم رأوا أنه لا يمكن أن يذهب بعضه ويبقى بعضه، بل ذلك يقتضي أن يجتمع في القلب إيمان وكبر (٦)، واعتقدوا الإجماع على نفي ذلك، كما ذكر هذا الإجماع الأشعري وغيره.\n_________\n(١) «مقالات الإسلاميين» (١/ ٢٣٣).\n(٢) «الإيمان» لابن منده (١/ ٣٣١).\n(٣) «الفصل» (٣/ ٢٢٧).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٤١).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢١٥) وما بعدها، وانظر: «التدمرية» (ص١٩٣).\n(٦) لعل الصواب: وكفر.","vol":"5","page":447},{"text":"وهذه الشبهة التي أوقعتهم مع علم كثير منهم وعبادته وحسن إسلامه وإيمانه، ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب. فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لاسيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء) (١).\nشذوذ قول الكرامية:\nوقد تبين مما سبق أن الكرامية جمعوا بين بدعة الإرجاء وإخراج العمل من الإيمان، وبين الشذوذ اللفظي في تسميتهم المنافق مؤمنا.\nقال شيخ الإسلام مقارنا بين قول جهم في إخراج أعمال القلوب من الإيمان، وبين قول الكرامية: (وهذا القول شاذ - أي قول جهم - كما أن قول الكرامية الذين يقولون هو مجرد قول اللسان شاذ أيضا). إلى أن قال: (وقول ابن كرام فيه مخالفة في الاسم دون الحكم، فإنه وإن سمى المنافقين مؤمنين، يقول: إنهم مخلدون في النار، فيخالف الجماعة في الاسم دون الحكم. وأتباع جهم يخالفون في الاسم والحكم جميعا) (٢). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٢١٧\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٩٤).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٠). وقد حكى ابن حزم عن ابن كرام وأصحابه أنهم يقولون: من اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن عند الله ﷿، ولي له ﷿، من أهل الجنة، ثم ذكر أن بعض الكرامية تقول ذلك، وسمى منهم محمد بن عيسى الصوفي الألبيري، ثم قال: (وقالت طائفة من الكرامية: المنافقون مؤمنون مشركون من أهل النار) انتهى من الفصل (٥/ ٧٣، ٧٤). وقد ذكر شيخ الإسلام في مواضع من كتبه أن نسبة القول بإيمان المنافق عند الله ونجاته في الآخرة إلى الكرامية، غلط عليهم. انظر ما سيأتي في الجزء الثاني ص٢٨٨","vol":"5","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1702>المطلب الأول: قولهم في الإيمان</span>\nأما أبو الحسن الأشعري - إمام الطائفة - فقد اشتهر عنه القولان: موافقة السلف، وموافقة جهم. فقد نصر قول السلف في كتابيه: مقالات الإسلاميين، والإبانة. قال في حكاية ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة: (ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق، ولا غير مخلوق ... ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين حتى يكون الله سبحانه ينزلهم حيث شاء. ويقولون: أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم. ويؤمنون بأن الله سبحانه يخرج قوما من الموحدين من النار، على ما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ) (١).\nثم قال: (هذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه. وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبه نستعين، وعليه نتوكل، وإليه المصير) (٢).\nوقال في (الإبانة): فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا وبسنة نبينا محمد ﷺ وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم، وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءوا به من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا نرد من ذلك شيئا) ثم سرد جملة من الاعتقاد، ثم قال: (وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلّم الروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله ﷺ، التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله ﷺ) (٣).\nوقال: ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا (٤).\nفهذا قوله الموافق لأهل السنة، وأما قوله الآخر، فقد سبقت حكايته في قول شيخ الإسلام: (وقد ذكر الأشعري في كتابه الموجز قول الصالحي هذا وغيره ثم قال: والذي أختاره في الأسماء قول الصالحي) (٥).\nوقول الصالحي -على ما حكاه الأشعري في المقالات- (أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلا المعرفة به، ولا كفر بالله إلا الجهل به، وأن قول القائل: إن الله ثالث ثلاثة ليس بكفر، ولكنه لا يظهر إلا من كافر، وذلك أن الله سبحانه أكفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر. وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له وهي الخضوع لله ... والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وهو خصلة واحدة، وكذلك الكفر. والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي) (٦).\n_________\n(١) «مقالات الإسلاميين» (١/ ٣٤٧).\n(٢) «مقالات الإسلاميين» (١/ ٣٥٠).\n(٣) «الإبانة» (ص٥٢، ٥٩).\n(٤) «الإبانة» (ص٥٧).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٤٤). وقال أبو المعين النسفي بعد نقل مذهب الصالحي: وقد قال الأشعري في بعض كتبه: إن الذي أختاره في الإيمان هو ما ذهب إليه الصالحي. «تبصرة الأدلة» (٢/ ٧٩٩).\n(٦) «المقالات» (١/ ٢١٤).","vol":"5","page":449},{"text":"وقد نص شيخ الإسلام في مواضع من كتبه على أن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان، ومن ذلك قوله: وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في الإيمان كالأشعري في أشهر قوليه، وأكثر أصحابه، وطائفة من متأخري أصحاب أبى حنيفة، كالماتريدي ونحوه، حيث جعلوه مجرد تصديق في القلب، يتساوى فيه العباد، وأنه إما أن يُعدم وإما أن يوجد، لا يتبعض، وأنه يمكن وجود الإيمان تاما في القلب مع وجود التكلم بالكفر والسب لله ورسوله طوعا من غير إكراه، وأن ما عُلم من الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر فلأن ذلك مستلزم عدم ذلك التصديق الذي في القلب (١) وأن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن الذي في القلب، بل يوجد إيمان القلب تاما بدونها، فإن هذا القول فيه خطأ من وجوه ... (٢).\nوقوله: (والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب. ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم. ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه (٣).\nوالقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.\nوالثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم) (٤).\nوقال شيخ الإسلام: (وأبو الحسن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان، مع أنه نصر المشهور عن أهل السنة من أنه يُستثنى في الإيمان، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأنه نصر مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، ولا يخلدون في النار، وتقبل فيهم الشفاعة ونحو ذلك.\nوهو دائما ينصر في المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم قولَ أهل الحديث، لكنه لم يكن خبيرا بمآخذهم، فينصره على ما يراه هو من الأصول التي تلقاها عن غيرهم، فيقع في ذلك من التناقض ما ينكره هؤلاء وهؤلاء، كما فعل في مسألة الإيمان، ونصر فيها قول جهم مع نصرِه للاستثناء، ولهذا خالفه كثير من أصحابه في الاستثناء، كما سنذكر مأخذه في ذلك، واتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم في ذلك.\nومن لم يقف إلا على كتب الكلام ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة في هذا الباب، فيظن أن ما ذكروه هو قول أهل السنة، وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة، بل قد كفر أحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم في الإيمان الذي نصره أبو الحسن، وهو عندهم شر من قول المرجئة) (٥).\nوقال أيضا: (وقال أبو عبدالله الصالحي: إن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، لكن له لوازم، فإذا ذهبت دل ذلك على عدم تصديق القلب، وإن كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر، كان ذلك لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته، وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة، وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة.\nوهذا أشهر قولي أبى الحسن الأشعري، وعليه أصحابه كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي\nوأمثالهما، ولهذا عدَّهم أهل المقالات من المرجئة.\nوالقول الآخر عنه كقول السلف وأهل الحديث: إن الإيمان قول وعمل، وهو اختيار طائفة من أصحابه، ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان. والإيمان المطلق عنده ما يحصل به الموافاة، والاستثناء عنده يعود إلى ذلك، لا إلى الكمال والنقصان والحال) (٦).\nقلت: وممن عد الأشاعرة من المرجئة: ابن حزم (٧).\nونقل الشهرستاني عن الأشعري قوله: (الإيمان هو التصديق بالجنان. وأما القول باللسان والعمل بالأركان ففروعه، فمن صدق بالقلب، أي أقر بوحدانية الله تعالى، واعترف بالرسل تصديقا لهم فيما جاءوا به من عند الله تعالى بالقلب، صح إيمانه، حتى لو مات عليه في الحال كان مؤمنا ناجيا، ولا يخرج من الإيمان إلا بإنكار شيء من ذلك) (٨). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير – ١/ ٢٢٥\n_________\n(١) في نسخة «مجموع الفتاوى» وردت هنا كلمة: الأفعال، وكتب في الهامش: بياض في الأصل، وقد رأى محقق «الإيمان الأوسط» حذفها. انظر: شرح حديث جبريل أو «الإيمان الأوسط»، تحقيق الدكتور علي بن بخيت الزهراني (ص٤٩٣).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٨٢).\n(٣) وسيأتي تحقيق مذهب الأشاعرة، وبيان أن متأخريهم يدخلون أعمال القلوب في الإيمان.\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٩٥).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٩٥).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٠٩).\n(٧) «الفصل» (٣/ ٢٢٧).\n(٨) «الملل والنحل» (١/ ٨٨).","vol":"5","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1703>المطلب الثاني: أشاعرة وافقوا السلف</span>\nثمة طائفة من الأشاعرة وافقت السلف في الإيمان، كأبي علي الثقفي، وأبي العباس القلانسي. قال شيخ الإسلام: (فأما أبو العباس القلانسي وأبو على الثقفي وأبو عبد الله بن مجاهد شيخ القاضي أبي بكر وصاحب أبي الحسن، فإنهم نصروا مذهب السلف.\nوابن كلاب نفسه، والحسين بن الفضل البجلي ونحوهما، كانوا يقولون: هو التصديق والقول جميعًا، موافقة لمن قاله من فقهاء الكوفيين، كحماد بن أبى سليمان ومن اتبعه مثل أبى حنيفة وغيره) (١).\nوقال: (قال أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني في شرح الإرشاد لأبي المعالي، بعد أن ذكر قول أصحابه، قال: وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات، فرضها ونفلها، وعبروا عنه بأنه إتيان ما أمر الله به فرضا ونفلا، والانتهاء عما نهى عنه تحريما وأدبا، قال: وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي من متقدمي أصحابنا، وأبو العباس القلانسي، وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبد الله بن مجاهد. قال: وهذا قول مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومعظم أئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين) (٢).\nوقال ابن السبكي: (وإلى مذهب السلف ذهب الإمام الشافعي ومالك وأحمد والبخاري وطوائف من أئمة المتقدمين والمتأخرين. ومن الأشاعرة: الشيخ أبو العباس القلانسي، ومن محققيهم الأستاذ أبو منصور البغدادي، والأستاذ أبو القاسم القشيري، وهؤلاء يصرحون بزيادة الإيمان ونقصانه ...) (٣).\nالقول المعتمد عند الأشاعرة:\nوأعني بذلك ما استقر عليه المذهب الأشعري، ودوَّنه المتأخرون في كتبهم، مما أصبح يدرَّس في كثير من الجامعات والمعاهد، بغض النظر عن رأي الأشعري، أو المتقدمين من أصحابه.\nوحاصل ما ذهبوا إليه: أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وأن قول اللسان شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، وأن عمل الجوارح شرط كمال في الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص.\nوهذه بعض النقولات التي توضح مذهبهم:\nقال الجرجاني في شرح المواقف: (المقصد الأول في حقيقة الإيمان: اعلم أن الإيمان في اللغة) هو (التصديق) مطلقا (قال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف:١٧] أي بمصدق فيما حدثناك به، وقال ﵊: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ» أي تصدق)، ويقال: فلان يؤمن بكذا، أي يصدقه ويعترف به. (وأما في الشرع وهو متعلق ما ذكرنا من الأحكام) يعني الثواب على التفاصيل المذكورة (فهو عندنا) يعني أتباع الشيخ أبي الحسن (وعليه أكثر الأئمة كالقاضي والأستاذ) ووافقهم على ذلك الصالحي وابن الراوندي من المعتزلة (التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، تفصيلا فيما علم تفصيلا وإجمالا فيما علم إجمالا) فهو في الشرع تصديق خاص (وقيل:) الإيمان (هو المعرفة تقوم بالله) وهو مذهب جهم بن صفوان) انتهى (٤).\nوقال الشيخ إبراهيم اللقاني في جوهرة التوحيد:\nوفُسِّر الإيمان بالتصديقِ ... والنطقُ فيه الخُلْفُ بالتحقيقِ\nفقيل شرط كالعملْ وقيل بلْ ... شطرٌ والإسلام اشرحنَّ بالعملْ\nمثال هذا الحج والصلاةُ ... كذا الصيام فادْرِ والزكاةُ\nورُجِّحت زيادةُ الإيمانِ ... بما تزيدُ طاعةُ الإنسانِ\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١١٩).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٤٣) وما بعدها، وقد نقله شيخ الإسلام في «التسعينية» أيضا (٢/ ٦٥٩) وعقب عليه بقوله: (فإنه ليس الغرض هنا ذكر أقوال السلف والأئمة، واعتراف هؤلاء بما اجترءوا عليه من مخالفة السلف والأئمة وأهل الحديث في الإيمان، مع علمهم بذلك، لما عنت لهم من شبهة الجهمية والمرجئة).\n(٣) «طبقات الشافعية الكبرى» (١/ ١٣٠).\n(٤) «شرح المواقف» (٨/ ٣٥١)، وانظر: «المواقف» للإيجي (ص٣٨٤).","vol":"5","page":451},{"text":"ونقصُه بنقصهِ وقيلَ لا ... وقِيل لا خُلْفَ كذا قَد نُقِلا\nوقال ابنه الشيخ عبد السلام في شرحه المسمى بإتحاف المريد: (وفُسِّر الإيمان) أي حدَّه جمهور الأشاعرة والماتريدية وغيرهم (بالتصديق) المعهود شرعا، وهو تصديق نبينا محمد ﷺ في كل ما علم مجيئه به من الدين بالضرورة، أي فيما اشتهر بين أهل الإسلام وصار العلم به يشابه العلم الحاصل بالضرورة، بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال، وإن كان في أصله نظريا، كوحدة الصانع، ووجوب الصلاة ونحوها، ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالا كالإيمان بغالب الأنبياء والملائكة، ولابد من التفصيل فيما يلاحظ كذلك، وهو أكمل من الأول، كالإيمان بجمع من الأنبياء والملائكة كآدم ومحمد وجبريل عليهم الصلاة والسلام، فلو لم يصدق بوجوب الصلاة ونحوها عند السؤال عنه يكون كافرا) (١).\nوبيَّنَ أن الخلاف في النطق بالشهادتين هو في حق المتمكن القادر، أما العاجز كالأخرس ومن اخترمته المنية قبل النطق من غير تراخ، فهو مؤمن ناج. ثم قال: (فقال محققو الأشاعرة والماتريدية وغيرهم: النطق من القادر (شرط) في إجراء أحكام المؤمنين الدنيوية عليه لتناط به تلك الأحكام، هذا فهم الجمهور، وعليه فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه لا لعذر منعه ولا لإباء، بل اتفق له ذلك فهو مؤمن عند الله غير مؤمن في أحكام الشرع الدنيوية. ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق، فبالعكس، حتى نطّلع على باطنه فنحكم بكفره.\nأما الآبي فكافر في الدارين، والمعذور مؤمن فيهما.\nوقيل إنه شرط في صحة الإيمان، وهو فهْمُ الأقل، والنصوص معاضدة لهذا المذهب كقوله تعالى: أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ [المجادلة:٢٢] وقوله ﵊: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (٢).) (٣).\nوالمعتمد عندهم هو القول الأول، أي أن قول اللسان شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، كما صرح بذلك الصاوي والبيجوري وابن الأمير (٤).\nقال الصاوي: (وقيل شرط في صحة الإيمان. المعتمد الأول).\nوقال البيجوري عن القول بأن النطق شرط صحة: (وهو قول ضعيف كالقول بأنها شطر منه، والراجح أنها شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، فهي شرط كمال في الإيمان على التحقيق) (٥).\n_________\n(١) «إتحاف المريد» مطبوع مع «حاشية ابن الأمير» (ص٨٩) وما بعدها.\n(٢) رواه الترمذي (٢١٤٠)، وابن ماجه (٣٨٣٤) واللفظ له، وأحمد (٣/ ١١٢) (١٢١٢٨)، والحاكم (١/ ٧٠٧). من حديث أنس ﵁. قال الترمذي: حديث حسن. ووافقه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ٩٩) - كما أشار لذلك في مقدمته – وقال الحاكم: إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) «إتحاف المريد» (ص٩٢).\n(٤) «شرح الصاوي على الجوهرة» (ص١٣٢)، و«شرح البيجوري» (ص٤٥)، و«حاشية ابن الأمير على إتحاف المريد» (ص٩٢)، و«شرح أم البراهين» لأحمد عيسى الأنصاري (ص٨٣).\n(٥) «حاشية البيجوري على متن السنوسية الصغرى» (ص٥٧)، وانظر: «حاشية الشرقاوي على شرح الهدهدي على السنوسية» (ص١٣٦).","vol":"5","page":452},{"text":"تنبيه: قول الأشاعرة السابق عن الآبي، وكفره في الدارين، يدل على خطأ من ألزمهم القول بإيمان أبي طالب؛ لأنه مصدق. قال البيجوري: (وأما الآبي بأن طُلب منه النطق بالشهادتين، فأبى، فهو كافر فيهما، ولو أذعن في قلبه، فلا ينفعه ذلك ولو في الآخرة) (١).\nوقد سبق – عن أهل السنة- أن من لم ينطق بالشهادتين مع القدرة وعدم المانع فهو كافر ظاهرا وباطنا. فقول اللسان ركن في حقيقة الإيمان- وليس شرطا لإجراء الأحكام في الدنيا فقط- بل لا يُتصور وجود الإيمان بدونه إلا في حال العذر كالخرس، فتقوم الإشارة مكانه. وأما الخوف فليس مانعا من النطق به؛ إذ لا يشق النطق به سرا.\nوبالجملة فحيث قام الإيمان بالقلب امتنع ألا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، ولا عبرة في هذا بقول جهم ولا من وافقه.\nوأما عمل الجوارح: فهو شرط كمال الإيمان عندهم.\nقال في إتحاف المريد: (وقوله: (كالعمل): تشبيه في مطلق الشرطية، يعني أن المختار عند أهل السنة في الأعمال الصالحة أنها شرط كمال للإيمان، فالتارك لها أو لبعضها من غير استحلال ولا عناد ولا شك في مشروعيتها مؤمن فوَّت على نفسه الكمال، والآتي بها ممتثلا محصل لأكمل الخصال) (٢).\nوقال الصاوي: (لأن المختار عند أهل السنة أن الأعمال الصالحة شرط كمال للإيمان) (٣). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير – ١/ ٢٣١\n_________\n(١) «شرح البيجوري على الجوهرة المسمى بتحفة المريد» (ص٤٥). وسيأتي تصريح الصاوي بأن أبا طالب كان يشهد للنبي ﷺ بالصدق، من غير إذعان، فكان كافرا. انظر: هامش (ص٢٤٨) وقد ذهب بعض المتكلمين والمتصوفة إلى القول بإيمان أبي طالب، واعتمدوا في ذلك على حجج واهية، زاعمين أن امتناع أبي طالب عن النطق بالشهادة لم يكن إباء، وهو مخالف لما جاء في الصحيحين: «... حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وأبى أَنْ يَقُولَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ» رواه البخاري (٤٧٧٢) ومسلم (٢٤). وروى مسلم (٢٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّهِ: «قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالَ: لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ. فأنزل الله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. قال النووي: (وأما قوله ﷿): إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبى طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاج وغيره) انتهى من «شرح صحيح مسلم» (١/ ٢١٥). وإذا انتفت عنه الهداية في هذا الموطن، ومات على ذلك، فكيف يقال بنجاته!\n(٢) «إتحاف المريد» (ص٩٢) وما بعدها، وانظر: «شرح البيجوري» (ص٤٥، ٤٩، ٥١). وقوله: (المختار عند أهل السنة ...) يعني الأشاعرة. ولا شك أن قولهم بأن العمل شرط كمال، هو من جملة ما خالفوا فيه أهل السنة، بل العمل ركن وجزء في الإيمان، لا يصح بدونه، كما سيأتي إيضاحه مفصلا في الباب الثالث إن شاء الله.\n(٣) «شرح الصاوي على الجوهرة» (ص١٣٢). وسيأتي في الفصل الثاني من الباب الرابع، ذكر نقولات أخرى عن الأشاعرة في أن العمل شرط كمال للإيمان، وذلك في جواب الشبهة الخامسة من الشبهات العقلية.","vol":"5","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1704>المطلب الثالث: قولهم في الزيادة والنقصان</span>\nوالمرجح عندهم إثبات الزيادة والنقصان في الإيمان.\nقال الصاوي: (تقدم أن أعمال الجوارح من كمال الإيمان، فمن صدق بقلبه، ونطق بلسانه ولم يعمل بجوارحه فهو مؤمن ناقص الإيمان، فلما كان له مدخلية في كمال الإيمان، شَرع - أي صاحب الجوهرة - يتكلم على زيادته بالعمل، ونقصه بنقصه، فقال: (ورُجحت ... الخ) وهذا الترجيح لجمهور الأشاعرة والماتريدية، ومالك والشافعي وأحمد. وحجتهم العقل والنقل، أما العقل: فلأنه يلزم عليه مساواة إيمان المنهمكين في الفسق والمعاصي لإيمان الأنبياء والملائكة، واللازم باطل فكذا الملزوم. وأما النقل: فقوله تعالى: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:٣]، وقال ابن عمر ﵄: «قلت يا رسول الله: إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعم، يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار» (١). وقال رسول الله ﷺ: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح» (٢)، وقال عمر في حق أبي بكر: ليت عملي مدى عمري كيوم وليلة لأبي بكر، إنما أنا حسنة من حسناته. (٣). ومراد عمر باليوم والليلة يوم وفاته ﵊، وليلة الغار، فإنه رافقه في الغار، وثبت الناس حين دهشوا يوم الوفاة.\nوأيضا: فإن المشاهَد للشخص في نفسه أنه عند كثرة عبادته وذكره وإقباله على الله يجد في نفسه رقة ونورا، لم يوجد عند عدم الطاعة) (٤).\nوقال في (إتحاف المريد): (ورُجحتْ زيادة الإيمان) أي ورجح جماعة من العلماء القول بقبول الإيمان الزيادة ووقوعها فيه، (بما تزيد طاعة) أي بسبب زيادة طاعة (الإنسان) وهي فعله المأمور به، واجتناب المنهي عنه (ونقصه) أي الإيمان من حيث هو لا بقيد محل مخصوص، فلا يرد الأنبياء والملائكة إذ لا يجوز على إيمانهم أن ينقص (بنقصها) يعني الطاعة إجماعا (٥)، هذا مذهب جمهور الأشاعرة ... (وقيل) أي وقال جماعة من العلماء أعظمهم الإمام أبو حنيفة وأصحابه وكثير من المتكلمين: الإيمان (لا) يزيد ولا ينقص؛ لأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان، وهذا لا يتصور فيه ما ذكر) (٦).\nوادعى الرازي أن الخلاف لفظيٌ، فرعُ تفسير الإيمان، فإن قلنا: هو التصديق فلا يقبل الزيادة والنقصان، وإن قلنا: هو الأعمال قبل ذلك (٧).\nوالمرجح عند الأشاعرة أن الخلاف حقيقي، وأن التصديق نفسه يزيد وينقص.\nقال في شرح المواقف: (والحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان) (٨).\nوقال في إتحاف المريد: (لأن الأصح أن التصديق القلبي يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة وعدم ذلك، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا منه في بعضها، فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها) (٩).\nهذا ما عليه متأخرو الأشاعرة، وهو الذي استقر عليه مذهبهم. وقد ذهب إلى القول بالزيادة والنقصان جماعة من متقدميهم أيضا، كالبيهقي، وأبي منصور عبد القاهر البغدادي، وأبي القاسم القشيري، والآمدي، ثم النووي وصفي الدين الهندي وتقي الدين السبكي، على ما ذكره التاج السبكي في الطبقات (١٠). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٢٣٨\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) عزاه في المقاصد الحسنة، ص (٥٥٥) إلى (إسحاق بن راهويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن عمر من قوله). وقال في الفوائد المجموعة، ص (٣٣٥): (وسنده موقوفا على عمر صحيح ومرفوعا ضعيف).\n(٣) رواه الحاكم (٣/ ٦)، عن محمد بن سيرين قال: ذكر رجال على عهد عمر فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر قال فبلغ ذلك عمر فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر وليوم من أبي بكر خير من آل عمر. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين لولا إرسال فيه ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في «التلخيص». وانظر: «البداية والنهاية» لابن كثير (٣/ ١٨٠)، و«كنز العمال» (١٢/ ٧٣٣).\n(٤) «شرح الصاوي» (ص١٣٤ - ١٣٦).\n(٥) قوله: (إجماعا) راجع إلى إيمان الأنبياء والملائكة، كما بينه ابن الأمير في حاشيته.\n(٦) «إتحاف المريد» (ص٩٩ - ١٠٢).\n(٧) «محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين» (ص٥٧١).\n(٨) «شرح المواقف» (٨/ ٣٦٠).\n(٩) «إتحاف المريد» (ص١٠٥)، وانظر: «شرح البيجوري على الجوهرة» (ص٥١)، و«شرح الصاوي» (ص١٣٨)\n(١٠) «طبقات الشافعية الكبرى» (١/ ١٣٠ - ١٣٣)، وانظر: «الاعتقاد» للبيهقي (ص١٩١)، و«شرح النووي على مسلم» (١/ ١٤٨).","vol":"5","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1705>المطلب الرابع: قولهم في الاستثناء في الإيمان</span>\nاختلف الأشاعرة في الاستثناء، ومن جوَّزه منهم فباعتبار الموافاة، ومرادهم أن الإيمان هو ما مات عليه العبد، ويوافي به ربه، وهذا مجهول للعبد فيستثني لذلك.\nقال البغدادي: (والقائلون بأن الإيمان هو التصديق من أصحاب الحديث مختلفون في الاستثناء فيه، فمنهم من يقول به، وهو اختيار شيخنا أبي سهل محمد بن سليمان الصعلوكي وأبي بكر محمد بن الحسين بن فورك. ومنهم من ينكره، وهذا اختيار جماعة من شيوخ عصرنا، منهم أبو عبد الله ابن مجاهد، والقاضي أبو بكر محمد بن الطيب الأشعري، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرائيني. وكل من قال من أهل الحديث بأن جملة الطاعات من الإيمان، قال بالموافاة (١)، وقال: كل من وافى ربه على الإيمان فهو المؤمن، ومن وافاه بغير الإيمان الذي أظهره في الدنيا عُلم في عاقبته أنه لم يكن قط مؤمنا. والواحد من هؤلاء يقول: أعلم أن إيماني حق، وضده باطل، وإن وافيت ربي عليه كنت مؤمنا حقا، فيستثني في كونه مؤمنا، ولا يستثني في صحة إيمانه) (٢).\nوقال الجويني بعد تقرير أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص: (فإن قيل: قد أُثر عن سلفكم ربط الإيمان بالمشيئة وكان إذا سئل الواحد منهم عن إيمانه قال: إنه مؤمن إن شاء الله، فما محصول ذلك؟\nقلنا: الإيمان ثابت في الحال قطعا لا شك فيه، ولكن الإيمان الذي هو عَلم على الفوز وآية النجاة، إيمان الموافاة، فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة، ولم يقصدوا التشكيك في الإيمان الناجز) (٣).\nومن كلام الأشاعرة في مسألة الموافاة، قول القرطبي: (قال علماؤنا رحمة الله عليهم: المؤمن ضربان: مؤمن يحبه الله ويواليه، ومؤمن لا يحبه الله ولا يواليه، بل يبغضه ويعاديه، فكل من علم الله أنه يوافي بالإيمان، فالله محب له، موال له، راض عنه. وكل من علم الله أنه يوافي بالكفر، فالله مبغض له، ساخط عليه، معادٍ له، لا لأجل إيمانه، ولكن لكفره وضلاله الذي يوافي به. والكافر ضربان: كافر يعاقب لا محالة، وكافر لا يعاقب. فالذي يعاقب هو الذي يوافي بالكفر، فالله ساخط عيه معادٍ له. والذي لا يعاقب هو الموافي بالإيمان، فالله غير ساخط على هذا ولا مبغض له، بل محب له موال، لا لكفره لكن لإيمانه الموافي به. فلا يجوز أن يطلق القول وهي:\nبأن المؤمن يستحق الثواب، والكافر يستحق العقاب، بل يجب تقييده بالموافاة. ولأجل هذا قلنا: إن الله راضٍ عن عمر في الوقت الذي كان يعبد الأصنام، ومريد لثوابه ودخوله الجنة، لا لعبادته الصنم، لكن لإيمانه الموافي به. وإن الله تعالى ساخط على إبليس في حال عبادته، لكفره الموافي به.\nوخالفت القدرية في هذا وقالت: إن الله لم يكن ساخطًا على إبليس وقت عبادته، ولا راضيًا عن عمر وقت عبادته للصنم. وهذا فاسد، لما ثبت أن الله سبحانه عالم بما يوافى به إبليس لعنه الله، وبما يوافى به عمر فيما لم يزل، فثبت أنه كان ساخطًا على إبليس محبًا لعمر ...) (٤).\n_________\n(١) القول بالموافاة ليس قولا لأحد من السلف، كما سيأتي.\n(٢) «أصول الدين» (ص٢٥٣).\n(٣) «الإرشاد» للجويني (ص٣٣٦).\n(٤) «تفسير القرطبي» (١/ ٢٣٩) لقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ *البقرة:٨*","vol":"5","page":455},{"text":"والقول بالموافاة نسبه شيخ الإسلام إلى الأشعري وابن فورك، وبسط الكلام في ذلك في كتابه الإيمان الكبير، ومما قاله: (والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان: أحدهما: أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنا وكافرا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون عليه. وما قبل ذلك لا عبرة به. قالوا: والإيمان الذي يتعقبه الكفر، فيموت صاحبه كافرا، ليس بإيمان، كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وصاحب هذا هو عند الله كافر؛ لعلمه بما يموت عليه. وكذلك قالوا في الكفر، وهذا المأخذ مأخذ كثير من المتأخرين من الكلابية وغيرهم، ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه، وإنما يشك في المستقبل، وانضم إلى ذلك أنهم يقولون: محبة الله ورضاه وسخطه وبغضه قديم، ثم هل ذلك هو الإرادة أم صفات أخر؟ لهم في ذلك قولان ...\nقالوا: والله يحب في أزله من كان كافرا، إذا علم أنه يموت مؤمنا. فالصحابة ما زالوا محبوبين لله وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر، وإبليس ما زال الله يبغضه، وإن كان لم يكفر بعد. وهذا على أحد القولين لهم، فالرضى والسخط يرجع إلى الإرادة، والإرادة تطابق العلم، فالمعنى: ما زال الله يريد أن يثيب هؤلاء بعد إيمانهم، ويعاقب إبليس بعد كفره، وهذا معنى صحيح؛ فإن الله يريد أن يخلق كل ما علم أنه سيخلقه. وعلى قول من يثبتها صفات أخر، يقول: هو أيضا حبه تابع لمن يريد أن يثيبه، فكل من أراد إثابته فهو يحبه، وكل من أراد عقوبته فإنه يبغضه، وهذا تابع للعلم. وهؤلاء عندهم: لا يرضى عن أحد بعد أن كان ساخطا عليه، ولا يفرح بتوبة عبد بعد أن تاب عليه، بل ما زال يفرح بتوبته، والفرح عندهم إما الإرادة، وإما الرضى، والمعنى: ما زال يريد إثابته، أو يرضى عما يريد إثابته. وكذلك لا يغضب عندهم يوم القيامة دون ما قبله، بل غضبه قديم، إما بمعنى الإرادة وإما بمعنى آخر.\nفهؤلاء يقولون: إذا علم أن الإنسان يموت كافرا، لم يزل مريدا لعقوبته، فذاك الإيمان الذي كان معه باطل لا فائدة فيه، بل وجوده كعدمه، فليس هذا بمؤمن أصلا. وإذا علم أنه يموت مؤمنا، لم يزل مريدا لإثابته، وذاك الكفر الذي فعله، وجوده كعدمه، فلم يكن هذا كافرا عندهم أصلا.\nفهؤلاء يستثنون في الإيمان بناء على هذا المأخذ، وكذلك بعض محققيهم يستثنون في الكفر، مثل أبي منصور الماتريدي، فإن ما ذكروه مطرد فيهما، ولكن جماهير الأئمة على أنه لا يُستثنى في الكفر، والاستثناء فيه بدعة لم يعرف عن أحد من السلف، ولكن هو لازم لهم ...).\nإلى أن قال: (وهذا القول قاله كثير من أهل الكلام أصحاب ابن كُلاب، ووافقهم على ذلك كثير من أتباع الأئمة، لكن ليس هذا قول أحد من السلف، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا كان أحد من السلف الذين يستثنون في الإيمان يعللون بهذا، لا أحمد ولا من قبله) (١).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٢٩ - ٤٣٢).","vol":"5","page":456},{"text":"وقال: (وكثير من أهل الكلام في كثير مما ينصره، لا يكون عارفا بحقيقة دين الإسلام في ذلك، ولا ما جاءت به السنة، ولا ما كان عليه السلف، فينصر ما ظهر من قولهم بغير المآخذ التي كانت مآخذهم في الحقيقة، بل بمآخذ أخر، قد تلقوها عن غيرهم من أهل البدع، فيقع في كلام هؤلاء من التناقض والاضطراب والخطأ ما ذم به السلف مثل هذا الكلام وأهله، فإن كلامهم في ذم مثل هذا الكلام كثير. والكلام المذموم هو المخالف للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل وكذب، فهو مخالف للشرع والعقل وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [الأنعام:١١٥].\nفهؤلاء لما اشتهر عندهم عن أهل السنة أنهم يستثنون في الإيمان، ورأوا أن هذا لا يمكن إلا إذا جُعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه، وهو ما يوافي به العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا، فصاروا يحكون هذا عن السلف. وهذا القول لم يقل به أحد من السلف، ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم، لمّا رأوا أن قولهم لا يتوجه إلا على هذا الأصل، وهم يدَّعون أن ما نصروه من أصل جهم في الإيمان هو قول المحققين والنظار من أصحاب الحديث) (١).\nونقل شيخ الإسلام عن أبي القاسم الأنصاري شارح \"الإرشاد\" فيما حكاه عن أبي إسحاق الإسفرائيني، لما ذكر قول أبي الحسن الأشعري وأصحابه في الإيمان، وصحح أنه تصديق القلب، قال: ومن أصحابنا من قال بالموافاة وشرط في الإيمان الحقيقي أن يوافي ربه به ويختم عليه، ومنهم من لم يجعل ذلك شرطا فيه في الحال.\n(ثم قال - أي الأنصاري -: والذي اختاره المحققون أن الإيمان هو التصديق، وقد ذكرنا اختلاف أقوالهم في الموافاة، وأن ذلك هل هو شرط في صحة الإيمان وحقيقته في الحال، وكونه معتدا عند الله به، وفى حكمه. فمن قال: إن ذلك شرط فيه، يستثنون في الإطلاق في الحال، لا أنهم يشكون في حقيقة التوحيد والمعرفة، لكنهم يقولون: لا يدرى أي الإيمان الذي نحن موصوفون به في الحال، هل هو معتد به عند الله؟ على معنى أنا ننتفع به في العاقبة، ونجتني من ثماره) (٢).\nقال شيخ الإسلام: (وأما الموافاة فما علمت أحدا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثير من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث، من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري، وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث) (٣).\nوقال: (وهؤلاء يقولون إن حب الله وبغضه ورضاه وسخطه وولايته وعداوته إنما يتعلق بالموافاة فقط، فالله يحب من علم أنه يموت مؤمنا، ويرضى عنه ويواليه بحب قديم وموالاة قديمة، ويقولون: إن عمر حال كفره كان وليا لله، وهذا القول معروف عن ابن كلاب ومن تبعه كالأشعري وغيره.\nوأكثر الطوائف يخالفونه في هذا، فيقولون بل قد يكون الرجل عدوا لله ثم يصير وليا لله، ويكون الله يبغضه ثم يحبه، وهذا مذهب الفقهاء والعامة، وهو قول المعتزلة والكرامية والحنفية قاطبة وقدماء المالكية والشافعية والحنبلية.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٣٥) وما بعدها.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٣٧).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٣٩).","vol":"5","page":457},{"text":"وعلى هذا يدل القرآن، كقوله: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران:٣١]، ووَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:٧]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ [النساء:١٣٧]، فوصفهم بكفر بعد إيمان، وإيمان بعد كفر، وأخبر عن الذين كفروا أنهم كفار، وأنهم إن انتهوا يُغفر لهم ما قد سلف، وقال: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف:٥٥]، وقال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:٢٨].\nوفي الصحيحين في حديث الشفاعة، تقول الأنبياء: «إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ» (١) (٢).\nوقال ابن حزم: (وأما قولهم: إن الله تعالى لا يسخط ما رضي، ولا يرضى ما سخط، فباطل وكذب، بل قد أمر الله تعالى اليهود بصيانة السبت وتحريم الشحوم، ورضي لهم ذلك، وسخط منهم خلافه، وكذلك أحل لنا الخمر، ولم يلزمنا الصلاة ولا الصوم برهة من زمن الإسلام، ورضي لنا شرب الخمر وأكل رمضان والبقاء بلا صلاة، وسخط تعالى بلا شك المبادرة بتحريم ذلك، كما قال تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:١١٤]، ثم فرض علينا الصلاة والصوم، وحرم علينا الخمر، فسخط لنا ترك الصلاة وأكل رمضان وشرب الخمر، ورضي لنا خلاف ذلك، وهذا لا ينكره مسلم. ولم يزل الله تعالى عليما أنه سيحل ما كان أحل من ذلك مدة كذا، وأنه سيرضى منه، ثم أنه سيحرمه ويسخطه، وأنه سيحرم ما حرم من ذلك ويسخطه مدة، ثم أنه يحله ويرضاه، كما علم أنه سيحيي من أحياه مدة كذا، وأنه يعز من أعزه مدة، ثم يذله، وهكذا جميع ما في العالم من آثار صنعته لا يخفى ذلك على من له أدنى حس، وهكذا المؤمن يموت مرتدا، والكافر يموت مسلما؛ فإن الله تعالى لم يزل يعلم أنه سيسخطه فعل الكافر ما دام كافرا، ثم أنه يرضى عنه إذا أسلم، وأن الله تعالى لم يزل يعلم أنه يرضى عن أفعال المسلم وأفعال البر، ثم أنه يسخط أفعاله إذا ارتد أو فسق، ونص القرآن يشهد بذلك، قال تعالى: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:٧٨] فصح يقينا أن الله تعالى يرضى الشكر ممن شكره فيما شكره، ولا يرضى الكفر ممن كفر إذا كفر متى كفر كيف كان انتقال هذه الأحوال من الإنسان الواحد) (٣).\nوبهذا يظهر الفرق بين من استثنى من السلف لأجل خوف العاقبة وتغيَّر الحال (٤)، وبين القول بالموافاة، الذي ذهب إليه الأشاعرة، وتضمَّن القولَ بأن الإيمان هو ما مات عليه العبد، وأن الإنسان إنما يكون عند الله مؤمنا وكافرا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به، وتضمن أيضا: أن حب الله وبغضه، ورضاه وسخطه وولايته وعداوته إنما يتعلق بالموافاة فقط.\nوسر المسألة كما بين شيخ الإسلام أن الأشاعرة ينفون الأفعال الاختيارية، ويثبتون رضا ومحبة قديمة بمعنى الإرادة، وعندهم أن الله لا يرضى عن أحد بعد أن كان ساخطا عليه، ولا يفرح بتوبة عبد بعد أن تاب عليه، وأما أهل السنة فقد أخذوا بما دلت عليه النصوص من أن الله تعالى، يحب من شاء إذا شاء، ويرضى عمن شاء متى شاء، ويسخط عمن شاء، وقت ما يشاء، سبحانه، فمحبته ورضاه وسخطه صفات تتعلق بمشيئته.\nوالحاصل: أن القول بأن الإيمان هو ما وافى به العبد ربه، وتعليل الاستثناء بذلك، قول محدث، لا دليل عليه. وقد مضى ذكر الاعتبارات التي بنى عليها السلف قولهم في الاستثناء. الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٢٤١\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٥٨٢) وما بعدها، وانظر: (١١/ ٦٢) وما بعدها.\n(٣) «الفصل» لابن حزم (٤/ ٤٨) وما بعدها، وفيه رد قوي على الأشاعرة في هذه المسألة.\n(٤) وهو أحد أوجه الاستثناء عند أهل السنة، كما سبق. انظر: (ص٩٣) من هذا البحث.","vol":"5","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1706>المطلب الخامس: الفرق بين تصديق الأشاعرة ومعرفة جهم</span>\nسبق أن شيخ الإسلام ينسب إلى جهم أن الإيمان هو المعرفة، أو التصديق، ويقرر أن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد التصديق الخالي من الانقياد، أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه.\nكما أنه نسب إلى الأشعري في أحد قوليه، وإلى أكثر أصحابه أنهم نصروا قول جهم في الإيمان، وسمى من هؤلاء: الباقلاني، والجويني، والرازي.\nلكن هل ينطبق هذا على متأخري الأشاعرة؟ وهل يثبتون تصديقا مجردا من أعمال القلوب؟\nوالحق أن الناظر في كتب هؤلاء المتأخرين يتبين له أنهم لا يثبتون تصديقا مجردا عن أعمال القلوب، بل يدخلون في التصديق: الإذعان والانقياد والقبول والرضى، ويفرقون بينه وبين المعرفة التي أثبتها جهم، كما أنهم يقررون كفر كثير من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يعرفون الحق ولا ينقادون له.\nومن أقوالهم في تعريف التصديق:\nقال في (إتحاف المريد): (وهو تصديق نبينا محمد ﷺ في كل ما علم مجيئه به من الدين بالضرورة ... والمراد من تصديقه ﷺ: قبول ما جاء به مع الرضا بترك التكبر والعناد، وبناء الأعمال عليه، لا مجرد وقوع نسبة الصدق إليه في القلب من غير إذعان وقبول له، حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا عالمين بحقيقة نبوته ﵊ وما جاء به، لأنهم لم يكونوا أذعنوا لذلك ولا قبلوه ولا بنوا الأعمال الصالحة عليه، بحيث صار يطلق عليه اسم التسليم كما هو مدلوله الوضعي) (١).\nوقال البيجوري: (والمراد بتصديق النبي في ذلك: الإذعان لما جاء به والقبول له، وليس المراد وقوع نسبة الصدق إليه في القلب من غير إذعان وقبول له حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا يعرفون حقيقة نبوته ورسالته ﷺ، مصداق ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ [البقرة:١٤٦] قال عبد الله بن سلام: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد أشد) (٢).\n_________\n(١) «إتحاف المريد» (ص٨٧ - ٩١)، وعلق ابن الأمير في حاشيته على قوله: (وبناء الأعمال عليه) فقال: (فيه أن هذا لا يتوقف عليه أصل الحقيقة، فإن حمل على اعتقاد البناء لم يكن زائدا على ما قبله) انتهى.\n(٢) «شرح البيجوري» (ص٤٣).","vol":"5","page":459},{"text":"وقال الدردير في شرحه على (الخريدة): (والمراد من تصديقه ﵊: الإذعان والقبول لما جاء به بحيث يقع عليه اسم التسليم من غير تكبر وعناد، لا مجرد وقوع نسبة الصدق إليه في القلب من غير إذعان وقبول حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار (١) الذين كانوا عالمين بحقيقة نبوته ﵊ وما جاء به؛ لأنهم لم يكونوا أذعنوا لذلك ولا قبلوه بحيث يطلق عليه اسم التسليم. وعلى هذا فالإيمان الشرعي هو حديث النفس التابع للمعرفة، أي الإدراك الجازم، بناء على الصحيح من أن إيمان المقلد صحيح. فالإذعان والقبول والتصديق والتسليم عبارات عن شيء واحد، وهو حديث النفس المذكور، فيكون الإيمان فعلا من أفعال النفس، وليس من قبيل العلوم والمعارف، ويظهر من كلام بعضهم أنه الراجح) ثم ذكر ما ذهب إليه التفتازاني وكثير من المحققين من أن التصديق هو نفس الإدراك، فيكون من قبيل العلوم والمعارف (٢).\nوفي (حاشية السيالكوتي على شرح المواقف)، بعد أن ذكر أن التصديق كسبي اختياري، قال: (والإيمان الشرعي يجب أن يكون من الأول، فإن النبي ﷺ إذا ادعى النبوة وأظهر المعجزة فوقع صدقه في قلب أحد ضرورة من غير أن ينسب إليه اختيار، لا يقال في اللغة: إنه صدقه، فلا يكون إيمانا شرعيا، كذا في شرح المقاصد. وفيه بحث، فإن من حصل له تصديق بلا اختيار إذا التزم العمل بموجبه يكون إيمانا اتفاقا، ولو صدق النبي ﷺ بالنظر في معجزاته اختيارا، ولم يلتزم عمل بموجبه، بل عانده فهو كافر اتفاقا. فعلم أن المعتبر في الإيمان الشرعي هو اختيار في التزام موجب التصديق لا في نفسه، وهذا هو التسليم الذي اعتبره بعض الفضلاء أمرا زائدا على التصديق فليتأمل) (٣).\nوالحاصل أن الأشاعرة يشترطون في الإيمان: الإذعان والانقياد والقبول وترك العناد والتكبر، لكنهم يجعلون ذلك نفس (التصديق)، ثم يتكلفون في إيجاد الفرق بين (المعرفة) و(التصديق) ولو قالوا: إن التصديق يجب أن يصحبه إذعان وانقياد وقبول، لسهل الأمر، لكنهم يعلمون أن ذلك مبطل لأصلهم الذي بنوا عليه إخراج العمل من الإيمان، وهو الزعم بأن الإيمان لُغوي، وأن الشرع لم يغير معناه الذي هو التصديق، ولم يتصرف فيه، وأن الإيمان شيء واحد.\nولهذا لما نقل شيخ الإسلام عن بعضهم القول بأنهم: (اختلفوا في إضافة ما لا يدخل في جملة التصديق إليه لصحة الاسم، فمنها ترك قتل الرسول، وترك إيذائه، وترك تعظيم الأصنام، فهذا من التروك. ومن الأفعال: نصرة الرسول، والذب عنه، وقالوا: إن جميعه يضاف إلى التصديق شرعا. وقال آخرون: إنه من الكبائر، لا يخرج المرء بالمخالفة فيه عن الإيمان).\n_________\n(١) قال الصاوي في حاشيته: (أي كأبي طالب، فإنه كان يشهد له بالصدق من غير إذعان) انتهى من «حاشية الصاوي على شرح الخريدة» (ص٧٢).\n(٢) «شرح الخريدة البهية للدردير» (ص٧٢) وما بعدها. وانظر ما قاله التفتازاني في الفرق بين المعرفة والتصديق في «شرح العقائد النسفية» (ص٨٢) وحاصله أن التصديق المعتبر أمر كسبي يثبت باختيار المصدق، بخلاف المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر.\n(٣) «حاشية السيالكوتي على شرح المواقف» (٨/ ٣٥٢)، وانظر: «شرح الخريدة» لحسين عبد الرحيم مكي (ص٦٤).","vol":"5","page":460},{"text":"علق شيخ الإسلام بقوله: (قلت: وهذان القولان ليسا قول جهم، لكن من قال ذلك فقد اعترف بأنه ليس مجرد تصديق القلب، وليس هو شيئا واحدا، وقال: إن الشرع تصرف فيه. وهذا يهدم أصلهم، ولهذا كان حذاق هؤلاء كجهم والصالحي وأبي الحسن والقاضي أبي بكر على أنه لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بزوال العلم من قلبه) (١).\nثم نقل عن أبي المعالي الجويني وأبي القاسم الأنصاري شارح الإرشاد ما يفيد أن الإيمان هو التصديق بالقلب، إلا أن الشرع أوجب ترك العناد، وعليه فكفر اليهود العالمين بنبوة محمد ﷺ هو من هذا الباب، أي كفروا عنادا وبغيا وحسدا.\nقال شيخ الإسلام: والحذاق في هذا المذهب كأبي الحسن والقاضي ومن قبلهم من أتباع جهم عرفوا أن هذا تناقض يفسد الأصل، فقالوا: لا يكون أحد كافرا إلا إذا ذهب ما في قلبه من التصديق، والتزموا أن كل من حكم الشرع بكفره فإنه ليس في قلبه شيء من معرفة الله ولا معرفة رسوله، ولهذا أنكر هذا عليهم جماهير العقلاء وقالوا: هذا مكابرة وسفسطة (٢).\nبطلان مذهب من جعل عملَ القلب نفسَ التصديق:\nقد تبين مما سبق أن متأخري الأشاعرة أثبتوا عمل القلب، من القبول والانقياد والإذعان، لكنهم جعلوا ذلك نفس التصديق، كما في قول الدردير: (فالإذعان والقبول والتصديق والتسليم عبارات عن شيء واحد)، وسبقت الإشارة إلى أن هذا مذهب أبي الحسين الصالحي، وأن شيخ الإسلام جزم بفساد هذا القول، واعتبره ضلالا بينا، قال: (والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان؛ فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضا، وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بيِّن) (٣). وإدخال عمل القلب في التصديق، باطل لأمور كثيرة أظهرها ما يترتب على ذلك من القول بأنَّ من كان كفره من جهة انتفاء عمل القلب، كإبليس وفرعون واليهود العالمين بنبوة محمد ﷺ، فليس في قلبه شيء من التصديق، لأنه إذا كان عملُ القلب هو نفس التصديق، كان انتفاؤه يعني انتفاء التصديق، ويلزم على ذلك أنَّ هؤلاء المذكورين ليسوا مصدقين، وأنه لا يزول اسم الإيمان عن أحد إلا بزوال العلم والتصديق من قلبه. وهذا الذي اعتمده الحذاق في هذا المذهب كأبي الحسن والقاضي أبي بكر، كما سبق.\nوأما المتأخرون فقد وقعوا في التناقض الذي أشار إليه شيخ الإسلام، فأثبتوا العلم والتصديق لكثير من المشركين وأهل الكتاب، ونفوا عنهم الإذعان والانقياد، مع قولهم: إن التصديق هو نفس الإذعان والانقياد!\nوهؤلاء يلزمهم أن يقولوا: إنَّ الإيمان الواجب في القلب أمران: التصديق، والعمل، وأنه قد يوجد التصديق من غير العمل، لكنَّ هذا يفسد الأصل الذي بنوا عليه مذهبهم، وهو أن الإيمان مجرد التصديق، وأنه شيء واحد، وأن الشرع لم يتصرف فيه!\nوهذا الاضطراب جزاء من أعرض عن نصوص الكتاب والسنة، والتمس الهدى في غيرهما من الآراء الكلامية، والقواعد المنطقية.\nوهذا ما سيظهر أيضا من خلال عرض مفهوم الكفر عندهم. الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٢٥١\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٤٥).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٤٦) وما بعدها.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٤)، وانظر: (ص٢٠٢) من هذا البحث.","vol":"5","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1707>المطلب السادس: مفهوم الكفر عند الأشاعرة</span>\nيرى الأشاعرة أن الكفر هو التكذيب، أو الجهل بالله تعالى، وأن ما كان من أمور الكفر المجمع عليها كالسجود للصنم وعبادة الأفلاك ليس كفرا في نفسه، لكنه علامة على الكفر، ويجوز أن يكون فاعل ذلك في الباطن مؤمنا. ومنهم من يقول: هذه الأمور جعلها الشارع علامة على التكذيب، فيحكم على فاعلها بوجود التكذيب في قلبه وانتفاء التصديق منه.\nقال الباقلاني: (باب القول في معنى الكفر: إن قال قائل: وما الكفر عندكم؟\nقيل له: ضد الإيمان، وهو الجهل بالله ﷿، والتكذيب به، الساتر لقلب الإنسان عن العلم به، فهو كالمغطي للقلب عن معرفة الحق ... وقد يكون الكفر بمعنى التكذيب والجحد والإنكار، ومنه قولهم: كفرني حقي أي جحدني.\nوليس في المعاصي كفر غير ما ذكرناه، وإن جاز أن يسمى أحيانا ما جُعل علَما على الكفر كفرا، نحو عبادة الأفلاك والنيران، واستحلال المحرمات، وقتل الأنبياء، وما جرى مجرى ذلك مما ورد التوقيف به وصح الإجماع على أنه لا يقع إلا من كافر بالله ومكذب له وجاحد به) (١).\nوقال البغدادي: (فقال أبو الحسن الأشعري: إن الإيمان هو التصديق لله ولرسله صلى الله عليهم وسلم في أخبارهم، ولا يكون هذا التصديق إلا بمعرفته. والكفر عنده هو التكذيب، وإلى هذا القول ذهب ابن الراوندي والحسين بن الفضل البجلي) (٢).\nوقال: (المسألة العاشرة من هذا الأصل في بيان الأفعال الدالة على الكفر: قال أصحابنا: إن أكل الخنزير من غير ضرورة ولا خوف، وإظهار زي الكفرة في بلاد المسلمين من غير إكراه عليه، والسجود للشمس أو الصنم، وما جرى مجرى ذلك من علامات الكفر وإن لم يكن في نفسه كفرا، إذا لم يضامَّه عقد القلب على الكفر. ومن فعل شيئا من ذلك أجرينا عليه حكم الكفر وإن لم نعلم كفره باطنا) (٣).\nوقال الإيجي: (المقصد الثالث: في الكفر: وهو خلاف الإيمان، فهو عندنا عدم تصديق الرسول في بعض ما علم مجيئه به ضرورة. فإن قيل: فشادُّ الزنار ولابس الغيار بالاختيار لا يكون كافرا؟ قلنا: جعلنا الشيء علامة للتكذيب، فحكمنا عليه بذلك) (٤).\nوالحاصل أن الأشاعرة لا يرون الكفر إلا تكذيب القلب أو جهله، ولا يرون عملا أو قولا هو كفر بذاته، وأنَّ من حُكم بكفره، فلذهاب التصديق من قلبه، أو يقال: هو كافر ظاهرا، وقد يكون مؤمنا باطنا. وهم يلتقون مع جهم في هذا التأصيل.\nقال شيخ الإسلام: (ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن. قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار؛ لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وبخلاف ما شهد به الشهود، فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه. فالكفر عندهم شيء واحد، وهو الجهل، والإيمان شيء واحد، وهو العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه، فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو.\n_________\n(١) «تمهيد الأوائل» (ص٣٩٢ - ٣٩٤).\n(٢) «أصول الدين» للبغدادي (ص٢٤٧).\n(٣) «أصول الدين» (ص٢٦٦).\n(٤) «المواقف» (ص٣٨٨).","vol":"5","page":462},{"text":"وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة) (١).\nوقال: (فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفرا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفا بالله موحدا مؤمنا به) (٢).\nولابن حزم كلام قوي في الرد على الأشاعرة في هذه المسألة، ومن ذلك قوله:\n(ونقول للجهمية والأشعرية في قولهم: إن جحد الله تعالى وشتمه وجحد الرسول ﷺ إذا كان كل ذلك باللسان فإنه ليس كفرا لكنه دليل على أن في القلب كفرا: أخبرونا عن هذا الدليل الذي ذكرتم، أتقطعون به فتثبتونه يقينا ولا تشكون في أن في قلبه جحدا للربوبية وللنبوة، أم هو دليل يجوز ويدخله الشك ويمكن أن لا يكون في قلبه كفر؟ ولا بد من أحدهما، فإن قالوا: إنه دليل لا نقطع به قطعا ولا نثبته يقينا، قلنا لهم: فما بالكم تحتجون بالظن الذي قال تعالى فيه: إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم:٢٨]) (٣).\nوقال أيضا: (وأما قولهم: إن شتم الله تعالى ليس كفرا، وكذلك شتم رسول الله ﷺ، فهو دعوى؛ لأن الله تعالى قال: يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ [التوبة:٧٤] فنص تعالى على أن من الكلام ما هو كفر. وقال تعالى: أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ [النساء:١٤٠] فنص تعالى أن من الكلام في آيات الله تعالى ما هو كفر بعينه مسموع. وقال تعالى: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فنص تعالى على أن الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسول من رسله كفر مخرج عن الإيمان، ولم يقل تعالى في ذلك: إني علمت أن في قلوبكم كفرا، بل جعلهم كفارا بنفس الاستهزاء، ومن ادعى غير هذا فقد قوَّل الله تعالى ما لم يقل، وكذب على الله تعالى) (٤).\nوقال: (وأما الأشعرية فقالوا: إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم، وإعلان التكذيب بهما باللسان بلا تقية ولا حكاية، والإقرار بأنه يدين بذلك، ليس شيء من ذلك كفرا، ثم خشوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا: لكنه دليل على أن في قلبه كفرا. فقلنا لهم: وتقطعون بصحة ما دل عليه هذا الدليل؟ فقالوا: لا) (٥).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٨٨) وما بعدها.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٧).\n(٣) «الفصل» (٣/ ٢٥٩).\n(٤) «الفصل» (٣/ ٢٤٤).\n(٥) «الفصل» (٥/ ٧٥).","vol":"5","page":463},{"text":"وقال: (وأما سب الله تعالى، فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد إلا أن الجهمية والأشعرية، وهما طائفتان لا يعتد بهما، يصرحون بأن سب الله تعالى، وإعلان الكفر ليس كفرا، قال بعضهم: ولكنه دليل على أنه يعتقد الكفر، لا أنه كافر بيقين بسبه الله تعالى. وأصلهم في هذا أصل سوء خارج عن إجماع أهل الإسلام، وهو أنهم يقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط وإن أعلن بالكفر وعبادة الأوثان بغير تقية ولا حكاية لكن مختارا في ذلك الإسلام. قال أبو محمد: وهذا كفر مجرد؛ لأنه خلاف لإجماع الأمة، ولحكم الله تعالى ورسوله ﷺ وجميع الصحابة ومن بعدهم؛ لأنه لا يختلف أحد- لا كافر ولا مؤمن - في أن هذا القرآن هو الذي جاء به محمد ﷺ وذكر أنه وحي من الله تعالى- وإن كان قوم من الروافض ادعوا أنه نقص منه، وحُرِّف- فلم يختلفوا أن جملته كما ذكرنا. ولم يختلفوا في أن فيه التسمية بالكفر، والحكم بالكفر قطعا على من نطق بأقوال معروفة، كقوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:٧٢]، وقوله تعالى: وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ [التوبة:٧٤]، فصح أن الكفر يكون كلاما.\nوقد حكم الله تعالى بالكفر على إبليس، وهو عالم بأن الله خلقه من نار وخلق آدم من طين، وأمره بالسجود لآدم وكرمه عليه، وسأل الله تعالى النظرة إلى يوم يبعثون.\nثم يقال لهم: إذ ليس شتم الله تعالى كفرا عندكم، فمن أين قلتم: إنه دليل على الكفر؟ فإن قالوا: لأنه محكوم على قائله بحكم الكفر؟ قيل لهم: نعم، محكوم عليه بنفس قوله، لا بمغيب ضميره الذي لا يعلمه إلا الله تعالى؛ فإنما حكم له بالكفر بقوله فقط، فقوله هو الكفر، ومن قطع على أنه في ضميره وقد أخبر الله تعالى عن قوم: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [آل عمران:١٦٧]، فكانوا بذلك كفارا، كاليهود الذين عرفوا صحة نبوة رسول الله ﷺ كما يعرفون أبناءهم، وهم مع ذلك كفار بالله تعالى قطعا بيقين، إذ أعلنوا كلمة الكفر) (١). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٢٥٧\n_________\n(١) «مختصر الإيصال» ملحق بالمحلى (١٢/ ٤٣٥).","vol":"5","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1709>المطلب الأول: قولهم في الإيمان</span>\nأما أبو منصور الماتريدي - شيخ الطائفة - فقد ذهب إلى أن الإيمان هو التصديق، وأن قول اللسان شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا يستثنى فيه.\nقال الماتريدي: (ثم قد ثبت بأدلة القرآن وما عليه أهل الإيمان، والذي جرى به من اللسان أن الإيمان هو التصديق) (١).\nوقال: (الأصل عندنا قطع القول بالإيمان وبالتسمي به بالإطلاق، وترك الاستثناء فيه؛ لأن كل معنى مما باجتماع وجوده تمام الإيمان عنده، مما إذا استثني فيه لم يصح ذلك المعنى) (٢).\nوقال شيخ الإسلام: (وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة كأبي منصور الماتريدي وأمثاله إلى نظير هذا القول في الأصل، وقالوا: إن الإيمان هو ما في القلب، وأن القول الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا) (٣).\nوقال ملا علي القاري: (وذهب جمهور المحققين إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وإنما الإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا ... وهذا هو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي) (٤).\nوقد سار الماتريدية على ما أصَّله شيخهم إلا أن منهم من جعل قول اللسان ركنا في الإيمان، ومنهم من أثبت الزيادة والنقصان، بل نُسب ذلك إلى جمهورهم- وليس كذلك- كما اشترطوا اشتمال التصديق على الإذعان والقبول، ومنهم من جوز الاستثناء.\nقال التفتازاني: وليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول لذلك بحيث يقع عليه اسم التسليم (٥).\nوقال النسفي: والإيمان هو التصديق بما جاء به من عند الله تعالى والإقرار به) قال شارحه: (وهذا الذي ذكره من أن الإيمان هو التصديق والإقرار مذهب بعض العلماء، وهو اختيار الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام رحمهما الله) (٦).\nفالنسفي– وهو ماتريدي- اختار هنا قول مرجئة الفقهاء، وجعل الإقرار جزءا من الإيمان.\nوأما عمل الجوارح، فقد أخرجوه من الإيمان، ومنهم من صرح بأنه من كمال الإيمان.\nقال الملا علي القاري: (وأما العمل بالأركان فهو من كمال الإيمان، وجمال الإحسان) (٧).\nقولهم في الزيادة والنقصان:\nنسب الصاوي في (شرح الجوهرة) إلى جمهور الماتريدية، القولَ بزيادة الإيمان ونقصانه (٨).\nوالذي يظهر أن جمهورهم على خلاف ذلك، قال في العقائد النسفية: (والإيمان لا يزيد ولا ينقص) (٩).\nوقال أبو المعين النسفي: (وإذا ثبت أن الإيمان هو التصديق، وهو لا يتزايد في نفسه، دل أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فلا زيادة له بانضمام الطاعات إليه، ولا نقصان له بارتكاب المعاصي؛ إذ التصديق في الحالين على ما كان قبلهما) (١٠).\nقولهم في الاستثناء:\nذهب بعض الماتريدية إلى جواز الاستثناء، لكن جعلوه خلاف الأولى، وخالفوا الأشعرية فيما ذهبوا إليه من القول بالموافاة.\n_________\n(١) «التوحيد» للماتريدي (ص٣٣٢). وانظر: «المسامرة على المسايرة» (ص٢٧٤).\n(٢) «التوحيد» (ص٣٨٨).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥١٠).\n(٤) «شرح الفقه الأكبر» (ص١٢٥) وما بعدها. ومثله في «شرح العقائد النسفية» للتفتازاني (ص٧٩).\n(٥) «شرح العقائد النسفية» (ص٧٨).\n(٦) «شرح العقائد النسفية» (ص٧٨) وما بعدها.\n(٧) «شرح الفقه الأكبر» (ص١٠٣) وانظر: (ص: ١٣٠).\n(٨) «شرح جوهرة التوحيد» (ص١٣٤) وقد سبق نقل كلامه.\n(٩) «العقائد النسفية» لأبي حفص النسفي، مع شرحها للتفتازاني (ص٨٠).\n(١٠) «التمهيد» للنسفي (ص١٠٢)، نقلا عن: الماتريدية دراسة وتقويما، د. أحمد بن عوض الله الحربي ص (٤٦٣)، وانظر: «تبصرة الأدلة» لأبي المعين النسفي (٢/ ٨٠٩)، «حاشية القاسم بن قطلوبغا الحنفي على المسامرة» (ص: ٣٠٨، ٣١٠).","vol":"5","page":465},{"text":"قال التفتازاني شارحا قول أبي حفص النسفي: (ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله): (لأنه إن كان للشك فهو كفر لا محالة، وإن كان للتأدب وإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى، أو للشك في العاقبة والمآل، لا في الآن والحال، أو للتبرك بذكر الله تعالى، أو للتبرؤ عن تزكية نفسه والإعجاب بحاله، فالأولى تركه؛ لما أنه يوهم الشك، ولهذا قال: ولا ينبغي، دون أن يقول: لا يجوز؛ لأنه إذا لم يكن للشك فلا معنى لنفي الجواز، كيف وقد ذهب إليه كثير من السلف حتى الصحابة والتابعين) إلى أن قال: (ولمَّا نقل عن بعض الأشاعرة أنه يصح أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله بناء على أن العبرة في الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة بالخاتمة، حتى أن المؤمن السعيد من مات على الإيمان وإن كان طول عمره على الكفر والعصيان، وأن الكافر الشقي من مات على الكفر- نعوذ بالله- وإن كان طول عمره على التصديق والطاعة ... أشار إلى إبطال ذلك بقوله: (والسعيد قد يشقى) بأن يرتد بعد الإيمان نعوذ بالله (والشقي قد يسعد) بأن يؤمن بعد الكفر) (١). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٢٦٧\n_________\n(١) «شرح العقائد النسفية» (ص٨٤). وأبو حفص النسفي هو عمر بن محمد النسفي السمرقندي المتوفى سنة ٥٣٧هـ، وهو غير أبي المعين النسفي ميمون بن محمد المتوفى سنة ٥٠٨هـ، ونسف مدينة كبيرة بين جيحون وسمرقند.","vol":"5","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1710>المطلب الثاني: مفهوم الكفر عند الماتريدية</span>\nلا يختلف الماتريدية عن الأشاعرة في تعريفهم للكفر وأنه التكذيب، وأن من الأعمال والأقوال ما جعله الشارع علامة على التكذيب، فيُحكم بكفر مرتكبها.\nقال النسفي: (الكفر هو التكذيب والجحود، وهما يكونان بالقلب) (١).\nوقال التفتازاني: (فإن قيل: من استخف بالشرع أو الشارع أو ألقى المصحف في القاذورات أو شد الزنار بالاختيار كافر إجماعا، وإن كان مصدقا للنبي ﷺ في جميع ما جاء به ... قلنا: لو سلم اجتماع التصديق المعتبر في الإيمان مع تلك الأمور التي هي كفر وفاقا، فيجوز أن يجعل الشارع بعض محظورات الشرع علامة على التكذيب، فيحكم بكفر من ارتكبه، وبوجود التكذيب فيه، وانتفاء التصديق عنه) (٢). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٢٧١\n_________\n(١) «التمهيد» (ص١٠٠)، نقلًا عن: «الماتريدية دراسةً وتقويمًا» (ص٤٥٤). وانظر: «تبصرة الأدلة» (٢/ ٢٠٨).\n(٢) «شرح المقاصد» (٥/ ٢٢٥) نقلًا عن: «نواقض الإيمان الاعتقادية» د. محمد بن عبد الله الوهيبي (١/ ١٨٥).","vol":"5","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1712>المطلب الأول: قولهم في الإيمان</span>\nوالمقصود بمرجئة الفقهاء: من نسب إليه الإرجاء من الفقهاء، كحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة رحمهما الله ومن تبعهما.\nوقد ذهبوا إلى أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وأخرجوا العمل من مسماه، وزعموا أنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يستثنى منه، مع قولهم إن مرتكب الكبيرة معرض للوعيد، وهو تحت المشيئة، كما هو القول عند أهل السنة والجماعة.\nقال أبو حنيفة في كتاب الوصية المنسوب إليه: (الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان، والإقرار وحده لا يكون إيمانا؛ لأنه لو كان إيمانا لكان المنافقون كلهم مؤمنين، وكذلك المعرفة وحدها أي مجرد التصديق لا يكون إيمانا؛ لأنها لو كانت إيمانا لكان أهل الكتاب كلهم مؤمنين. قال الله تعالى في حق المنافقين: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:١]، أي في دعواهم الإيمان حيث لا تصديق لهم. وقال الله تعالى في حق أهل الكتاب: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ [البقرة:١٤٦]) (١).\nوقال في الفقه الأكبر المنسوب إليه أيضا: (ولا نكفر مسلما بذنب من الذنوب وإن كانت كبيرة، إذا لم يستحلها، ولا نزيل عنه اسم الإيمان. ونسميه مؤمنا حقيقة، ويجوز أن يكون مؤمنا فاسقا غير كافر).\nثم قال: (ولا نقول: إن المؤمن لا تضره الذنوب، ولا نقول: إنه لا يدخل النار، ولا نقول: إنه يخلد فيها وإن كان فاسقا بعد أن يخرج من الدنيا مؤمنا، ولا نقول: إن حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة كقول المرجئة، ولكن نقول: من عمل حسنة بجميع شرائطها خالية عن العيوب المفسدة والمعاني المبطلة، ولم يبطلها بالكفر والردة حتى خرج من الدنيا مؤمنا، فإن الله تعالى لا يضيعها بل يقبلها منه ويثيبه عليها. وما كان من السيئات دون الشرك والكفر ولم يتب عنها صاحبها حتى مات مؤمنا، فإنه في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه بالنار، وإن شاء عفا عنه ولم يعذبه بالنار أصلا).\nإلى أن قال: (وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن به، ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق. والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد، متفاضلون في الأعمال) (٢).\nوقال في الوصية: (ثم الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه لا يتصور زيادة الإيمان إلا بنقصان الكفر، ولا يتصور نقصان الإيمان إلا بزيادة الكفر، فكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حالة واحدة مؤمنا وكافرا، والمؤمن لا مؤمن حقا. وليس في إيمان المؤمن شك، كما أنه ليس في كفر الكافر شك ...) (٣).\n_________\n(١) «الوصية» لأبي حنيفة، نقلا عن «شرح الفقه الأكبر» لملا علي القاري (ص١٢٤). وفي ثبوت هذا الكتاب إلى أبي حنيفة نظر؛ إذ سند الكتاب إليه مسلسل بالمجاهيل، مع اشتماله على مسائل كثيرة مخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة. وانظر تحقيق ذلك في: «براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين المبتدعة» للدكتور عبد العزيز بن أحمد الحميدي حفظه الله، (ص٧٦ - ٧٩).\n(٢) «الفقه الأكبر» مع شرحه لملا علي القاري (ص١٠٢ - ١٢٩). ونسبة كتاب الفقه الأكبر هذا إلى أبي حنيفة لا تصح، كما بينه الدكتور عبد العزيز ابن أحمد الحميدي في «براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين المبتدعة» (ص٤٦ - ٧١) لكن القول بالإرجاء ثابت عن أبي حنيفة، أثبته معاصروه، ومن جاء بعده، انظر المصدر السابق (ص٢٠٧ - ٢١٢).\n(٣) «الوصية» لأبي حنيفة، نقلًا عن «شرح الفقه الأكبر» (ص١٢٧) وما بعدها.","vol":"5","page":468},{"text":"وقال أيضا: (ثم العمل غير الإيمان، والإيمان غير العمل، بدليل أن كثيرا من الأوقات يرتفع العمل من المؤمن، ولا يجوز أن يقال: يرتفع عنه الإيمان، فإن الحائض ترتفع عنها الصلاة ولا يجوز أن يقال: يرتفع عنها الإيمان، أو أمر لها بترك الإيمان ...) (١).\nوقال الطحاوي في عقيدته المشهورة التي ذكر أنها عقيدة أبي حنيفة وصاحبيه ﵏: (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله من الشرع والبيان كله حق. والإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى) (٢).\nوقد عد أصحاب المقالات أبا حنيفة وأصحابه من المرجئة لإخراجهم العمل من مسمى الإيمان ونفيهم الزيادة والنقصان، واشتد إنكار السلف عليهم لذلك.\nقال الأشعري في المقالات في عد فرق المرجئة: (والفرقة التاسعة من المرجئة: أبو حنيفة وأصحابه، يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير) (٣).\nوقال شيخ الإسلام: (والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، والأعمال ليست منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول جهم. فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه، وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم. لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا؛ فإنها لازمة لها. ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم) (٤).\nوقال: (وأنكر حماد بن أبى سليمان ومن اتبعه تفاضل الإيمان ودخول الأعمال فيه والاستثناء فيه، وهؤلاء من مرجئة الفقهاء. وأما إبراهيم النخعي إمام أهل الكوفة شيخ حماد بن أبى سليمان وأمثاله، ومن قَبله من أصحاب ابن مسعود، كعلقمة والأسود، فكانوا من أشد الناس مخالفة للمرجئة، وكانوا يستثنون في الإيمان، لكن حماد بن أبى سليمان خالف سلفه، واتبعه من اتبعه، ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة ومن بعدهم. ثم إن السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء، وتبديعهم وتغليظ القول فيهم، ولم أعلم أحدا منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون في ذلك. وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة. ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرا لهؤلاء، أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم فقد غلط غلطا عظيما).\nإلى أن قال: (وهؤلاء المعروفون مثل حماد بن أبى سليمان وأبي حنيفة وغيرهما من فقهاء الكوفة، كانوا يجعلون قول اللسان واعتقاد القلب من الإيمان، وهو قول أبى محمد بن كلاب وأمثاله، لم يختلف قولهم في ذلك، ولا نقل عنهم أنهم قالوا: الإيمان مجرد تصديق القلب) (٥).\n_________\n(١) «الوصية» لأبي حنيفة، نقلًا عن «شرح الفقه الأكبر» (ص١٣٠).\n(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (٣٣١).\n(٣) «مقالات الإسلاميين» (١/ ٢١٩)، وانظر: «الفصل» لابن حزم (٣/ ٢٢٧)، «الملل والنحل» للشهرستاني (١/ ١٤٤)، «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٤٧).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٩٤).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٠٧) وما بعدها.","vol":"5","page":469},{"text":"وقال: (والحزب الثاني (١) وافقوا أهل السنة على أنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان؛ لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض، فقالوا: كل فاسق فهو كامل الإيمان، وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل، وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال. وقالوا: الأعمال ليست من الإيمان؛ لأن الله فرق بين الإيمان والأعمال في كتابه. ثم قال الفقهاء المعتبرون من أهل هذا القول: إن الإيمان هو تصديق القلب وقول اللسان، وهذا المنقول عن حماد بن أبى سليمان ومن وافقه كأبي حنيفة وغيره) (٢).\nوحاصل ما عليه مرجئة الفقهاء هو ما يلي:\n١ - أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان.\n٢ - إخراج العمل الظاهر من مسمى الإيمان.\n٣ - أن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص.\n٤ - أن أهله متساوون في أصله، وأن التفاضل إنما يقع في غير الإيمان.\n٥ - أنه لا يستثنى فيه.\n٦ - أما أعمال القلوب، فظاهر كلامهم أنها ليست من الإيمان. وهو ظاهر ما نقله أصحاب المقالات عنهم أيضا. وقد سبق قول شيخ الإسلام عنهم: (لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا؛ فإنها لازمة لها).\nوقال: (والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم. ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه.\nوالقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.\nوالثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم. وهؤلاء غلطوا من وجوه: أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص) (٣).\nإلى أن قال -بعد استطراد-: (الوجه الثاني من غلط المرجئة: ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط دون أعمال القلوب كما تقدم عن جهمية المرجئة.\nالثالث: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون شيء من الأعمال، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبب، ولا يجعلونها لازمة له، والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر) (٤).\nفصرح بأن الجهمية يخرجون أعمال القلوب من الإيمان، وهذا يذكره في مواضع، أما مرجئة الفقهاء فتراه لا يجزم هنا بقولهم في هذه المسألة، لكنه قال في موضع آخر: (وعند الجهمية الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، هذا قول جهم والصالحي والأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه. وعند فقهاء المرجئة: هو قول اللسان مع تصديق القلب، وعلى القولين أعمال القلوب ليست من الإيمان عندهم كأعمال الجوارح، فيمكن أن يكون الرجل مصدقا بلسانه وقلبه مع كراهة ما نَّزل الله) (٥).\nوقال أيضا: (ومن هنا غلطت الجهمية والمرجئة، فإنهم جعلوا الإيمان من باب القول: إما قول القلب الذي هو علمه، أو معنى غير العلم عند من يقول ذلك، وهذا قول الجهمية ومن تبعهم كأكثر الأشعرية، وبعض متأخري الحنفية. وإما قول القلب واللسان، كالقول المشهور عن المرجئة، ولم يجعلوا عمل القلب مثل حب الله ورسوله ومثل خوف الله من الإيمان، فغلطوا في هذا الأصل) (٦).\nومما يرجح أنهم لا يدخلون أعمال القلوب في الإيمان، ما قاله الطحاوي– وسبق نقله- أن الإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى. ولا شك أن الخشية والتقى من أعمال القلوب، وقد دخلها التفاضل لأنها ليست من الإيمان.\nوسبق أيضا قول شيخ الإسلام عنهم: (وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل، وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال. وقالوا: الأعمال ليست من الإيمان).\nفحيث أثبتوا التفاضل في أعمال القلوب، دل ذلك على أنها خارجة عن مسمى الإيمان عندهم. الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٢٧١\n_________\n(١) أي: من القائلين بأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل. والحزب الأول هم الخوارج والمعتزلة.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٢٧١).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٩٥) وما بعدها.\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٠٤).\n(٥) «منهاج السنة النبوية» (٥/ ٢٨٨).\n(٦) «جامع المسائل» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥/ ٢٤٦).","vol":"5","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1713>المطلب الثاني: هل الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء حقيقي أم لفظي</span>؟\nومنشأ النزاع في ذلك أن هؤلاء المرجئة، مع قولهم بإخراج العمل من الإيمان، ونفي الزيادة والنقصان عنه، ومنع الاستثناء فيه، إلا أنهم كانوا (مع سائر أهل السنة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم بالشفاعة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك. وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة، وتاركها مستحق للذم والعقاب) (١).\nولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الخلاف بينهم وبين أهل السنة خلاف في الاسم واللفظ دون الحكم، وذهب آخرون إلى أنه خلاف حقيقي في الاسم واللفظ والحكم.\nتحقيق قول شيخ الإسلام في هذه المسألة:\nعزا بعض الباحثين إلى شيخ الإسلام أنه ممن يرى النزاع بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء نزاعا لفظيا، على ما هو المتبادر من بعض كلامه.\nوالتحقيق في ذلك أن شيخ الإسلام له عبارات متنوعة في تناول هذه المسألة:\n١ - فتارة يقول عن الخلاف في الأعمال هل هي من الإيمان وفي الاستثناء ونحو ذلك: إن عامته نزاع لفظي.\n٢ - وتارة يقول: هذه البدعة أخف البدع فإن كثيرا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم (٢).\n٣ - وتارة يشير إلى أن ذلك من بدع الأقوال والأفعال لا العقائد. قال: (ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدا من (مرجئة الفقهاء) بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد؛ فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب. فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لاسيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء حتى قال إبراهيم النخعي: لفتنتهم يعنى المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة) وذكر آثارا في ذم المرجئة (٣).\nوهذه المواضع الثلاثة لا تعارض بينها، فإنَّ فيها إقرارا بأن هذا النزاع منه ما هو حقيقي، ومنه ما هو لفظي وهو الغالب والأكثر (٤).\n٤ - وتارة يبين شيخ الإسلام أن الخلاف إنما يكون لفظيًا مع من أقرَّ بأن أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، بحيث إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم.\nوهذا يذكره في مواضع، ومع هذا فقد غفل كثير من الباحثين عن الإشارة إليه.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٣٨) وما بعدها.\n(٢) انظر هذين الموضعين في: «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٣٨) وما بعدها.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٩٤).\n(٤) لكنه صرح في موضعٍ بأن هذا النزاع كثير منه معنوي، قال: (ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعا كثيرا، منه لفظي، وكثير منه معنوي، فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من الأحكام، وان كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض، ولكن تنازعوا في الأسماء، كتنازعهم في الإيمان هل يزيد وينقص، وهل يستثنى فيه أم لا، وهل الأعمال من الإيمان أم لا، وهل الفاسق الملي مؤمن كامل الإيمان أم لا؟). «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٠٤) وما بعدها. وهذا يمكن حمله على عموم النزاع الواقع بين (الناس) في مسألة الإيمان، فيدخل في ذلك خلاف الجهمية والخوارج والمعتزلة، ولاشك أن النزاع حينئذ يكون أكثره معنويا.","vol":"5","page":471},{"text":"ومن هذه المواضع قوله: (وقيل لمن قال دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز: نزاعك لفظي، فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيا. وإن قلت ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه، من أنه يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر وترك جميع الواجبات الظاهرة، قيل لك: فهذا يناقض قولك أن الظاهر لازم له وموجب له، بل قيل: حقيقة قولك أن الظاهر يقارن الباطن تارة، ويفارقه أخرى، فليس بلازم له ولا موجب ومعلول له، ولكنه دليل إذا وجد دل على وجود الباطن، وإذا عدم لم يدل عدمه على العدم، وهذا حقيقة قولك) (١).\nوقال: (وهذا يلزم كل من لم يقل إن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن. فإذا قال: إنها من لوازمه وأن الإيمان الباطن يستلزم عملا صالحا ظاهرا، كان بعد ذلك قوله: إن تلك الأعمال لازمة لمسمى الإيمان أو جزءا منه نزاعا لفظيا كما تقدم) (٢).\nوقال: (وللجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن في كتاب (الموجز)، وهو أن القرآن نفى الإيمان عن غير هؤلاء كقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:٢]، ولم يقل إن هذه الأعمال من الإيمان. قالوا: فنحن نقول: من لم يعمل هذه الأعمال لم يكن مؤمنا؛ لأن انتفاءها دليل على انتفاء العلم من قلبه. والجواب عن هذا من وجوه:\nأحدها: أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب فإذا انتفت لم يبق في القلب إيمان، وهذا هو المطلوب، وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءا نزاع لفظي.\nالثاني: أن نصوصا صرحت بأنها جزء كقوله: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» (٣).) (٤).\nوقال: (والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضا وجعلها هي التصديق، فهذا ضلال بين. ومن قصد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن أو لازم لمسمى الإيمان؟\nوالتحقيق أنه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون لازما للمسمى، بحسب إفراد الاسم واقترانه ..) (٥).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٧٧).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٨٤).\n(٣) رواه البخاري (٩) ومسلم (٣٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٠٢).\n(٥) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٥٤) وما بعدها.","vol":"5","page":472},{"text":"وقال: (ولما كان إيمان القلب له موجبات في الظاهر، كان الظاهر دليلا على إيمان القلب ثبوتا وانتفاء، كقوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:٢٢]، وقوله ﷿: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:٨١] وأمثال ذلك. وبعد هذا فنزاع المنازع في أن الإيمان في اللغة هل هو اسم لمجرد التصديق دون مقتضاه، أو اسم للأمرين يؤول إلى نزاع لفظي. وقد يقال: إن الدلالة تختلف بالإفراد والاقتران. والناس منهم من يقول: إن أصل الإيمان في اللغة التصديق، ثم يقول: والتصديق يكون باللسان ويكون بالجوارح، والقول يسمى تصديقا، والعمل يسمى تصديقا، كقول النبي ﷺ: «العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا السَّمْعُ وَالْيَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْمَشْيُ وَالْقَلْبُ يَتَمَنَّى وَيَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» (١)، وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن بما وقر في القلب وصدقه العمل (٢).\nومنهم من يقول: بل الإيمان هو الإقرار وليس هو مرادفا للتصديق ... وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه لفظي، ولم يعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا، فإن ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان وصاحبه أبي حنيفة وأصحاب أبي حنيفة) (٣).\nوقال: (وهذا التصديق له لوازم داخلة في مسماه عند الإطلاق، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، ويبقى النزاع لفظيا: هل الإيمان دال على العمل بالتضمن أو باللزوم؟\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٥٧) من حديث أبي هريرة، ولفظه: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنْ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». ورواه البخاري (٦٢٤٣) بأخصر من هذا.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٠٣٥١، و٣٥٢١١).\n(٣) «شرح الأصفهانية» (ص١٨١).","vol":"5","page":473},{"text":"ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء، كحماد بن أبى سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل (١)، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب كما تقوله الجماعة. ويقولون أيضا بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة. والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار، فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها ولا يخلد منهم فيها أحد ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء) (٢).\nومن خلال هذه النقولات يتضح أن شيخ الإسلام يرى الخلاف لفظيا مع من أقر بالتلازم بين الظاهر والباطن، وأن العمل الظاهر لازم للإيمان الباطن لا ينفك عنه، بحيث إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم. وأما من يرى العمل ثمرة تقارن الباطن تارة وتفارقه أخرى، فهذا قائل بقول جهم، والنزاع معه حقيقي بلا ريب.\n_________\n(١) نقل بعض الحنفية عن أبي حنيفة قوله: إيماني كإيمان جبريل، ولا أقول: مثل إيمان جبريل؛ وعللوا ذلك بأن إيمان جبريل يزيد في الصفة من كونه عن مشاهدة، فيحصل به زيادة الاطمئنان، وبه يحصل زيادة القرب ورفع المنزلة. ونقل بعضهم عنه كراهة ذلك، قال ابن عابدين: (لكن ما نقل عن الإمام هنا يخالفه ما في الخلاصة من قوله: قال أبو حنيفة: أكره أن يقول الرجل إيماني كإيمان جبريل، ولكن يقول: آمنت بما آمن به جبريل اهـ. وكذا ما قاله أبو حنيفة في كتاب العالم والمتعلم: إن إيماننا مثل إيمان الملائكة لأنا آمنا بوحدانية الله تعالى وربوبيته وقدرته، وما جاء من عند الله ﷿ بمثل ما أقرت به الملائكة وصدقت به الأنبياء والرسل، فمن ها هنا إيماننا مثل إيمانهم، لأنا آمنا بكل شيء آمنت به الملائكة مما عاينته من عجائب الله تعالى ولم نعاينه نحن، ولهم بعد ذلك علينا فضائل في الثواب على الإيمان وجميع العبادات الخ) حاشية ابن عابدين (٣/ ٢٧٤)، البحر الرائق (٣/ ٣١٠). قلت: وقد روى ابن عدي في الكامل (٧/ ٩) بإسناده إلى غسان بن الفضل قال: ثنا حماد بن زيد قال: قلت لأبي حنيفة إن جابرا - أي الجعفي - روى عنك وأنك تقول: إيماني كإيمان جبريل وميكائيل. قال: ما قلت هذا، ومن قال هذا فهو مبتدع، قال: فذكرت ذلك لمحمد بن الحسن صاحب الرأي قول حماد بن زيد، فقال: صدق حماد إن أبا حنيفة كان يكره أن يقول ذلك). وروى عن علي بن الجعد قال: سمعت أبا يوسف يقول: من قال: إيماني كإيمان جبريل فهو صاحب بدعة) الكامل (٧/ ١٤٥). وقال شيخ الإسلام: (وقد ذكر بعض من صنف في هذا الباب من أصحاب أبى حنيفة، قال: وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد كرهوا أن يقول الرجل: إيماني كإيمان جبريل وميكائيل- قال محمد: لأنهم أفضل يقينا- أو إيماني كإيمان جبريل، أو إيماني كإيمان أبى بكر، أو كإيمان هذا، ولكن يقول: آمنت بما آمن به جبريل وأبو بكر) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٤١).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٩٧)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٧٥)، (١٨/ ٢٧١).","vol":"5","page":474},{"text":"وقول شيخ الإسلام: (خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه لفظي)، وقوله: (أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي) ونحو هذا من كلامه، يدل على أن الخلاف مع مرجئة الفقهاء- وإن قالوا بالتلازم- حقيقي في بعض المسائل، ولعله يشير إلى قولهم في الاستثناء، أو تجويزهم أن يقول أفسق الناس: إن إيمانه كإيمان جبريل ﵇!\nوقد ترتب على قولهم في الاستثناء مذهب شنيع، وهو تكفير المستثني، بحجة أنه شاك في إيمانه، ولهذا منع بعض الحنفية من تزويج القائل بالاستثناء؛ لكن المحققين منهم على خلافه.\nقال ابن نجيم: (وقال الرستغفني: لا تجوز المناكحة بين أهل السنة والاعتزال. وقال الفضل: لا يجوز بين من قال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى؛ لأنه كافر. ومقتضاه منع مناكحة الشافعية، واختلف فيها هكذا، قيل: يجوز، وقيل: يتزوج بنتهم ولا يزوجهم بنته، وعلله في البزازية بقوله: تنزيلا لهم منزلة أهل الكتاب. وقد قدمنا في باب الوتر والنوافل إيضاح هذه المسألة، وأن القول بتكفير من قال: أنا مؤمن إن شاء الله غلط، ويجب حمل كلامهم على من يقول ذلك شاكا في إيمانه، والشافعية لا يقولون به، فتجوز المناكحة بين الحنفية والشافعية بلا شبهة. وأما المعتزلة فمقتضى الوجه حل مناكحتهم؛ لأن الحق عدم تكفير أهل القبلة، كما قدمنا نقله عن الأئمة في باب الإمامة) (١).\nوالحاصل أن إرجاء الفقهاء يحتمل أمرين:\nالأول: عدم إثبات التلازم بين الظاهر والباطن، والقائل بهذا خلافه مع أهل السنة خلاف حقيقي جوهري.\nوالثاني: إثبات التلازم بين الظاهر والباطن، والتسليم بأن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، والقائل بهذا خلافه مع أهل السنة أكثره لفظي، وبدعته في إخراج العمل من مسمى الإيمان، من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد.\nهذا تحرير مذهب شيخ الإسلام، في هذه المسألة، حسبما ظهر لي من تتبع كلامه في مواطن كثيرة من كتبه.\nوممن ذهب إلى أن الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء خلاف صوري:\nابن أبي العز الحنفي في شرحه على الطحاوية، حيث قال: (والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة خلاف صوري؛ فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، أو جزءا من الإيمان، مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه: نزاع لفظي لا يترتب عليه فساد اعتقاد) (٢).\nوهذا موافق لما قرره شيخ الإسلام، من جعل الخلاف مع هؤلاء المرجئة لفظيًا، إذا أقروا بأن أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب.\nومنهم: الحافظ الذهبي، فقد قال: (قال معمر: قلت لحماد: كنت رأسا وكنت إماما في أصحابك، فخالفتهم فصرت تابعا. قال: إني أن أكون تابعا في الحق، خير من أن أكون رأسا في الباطل.\nقلت: يشير معمر إلى أنه تحول مرجئا إرجاء الفقهاء، وهو أنهم لا يعدّون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان إقرار باللسان، ويقين في القلب، والنزاع على هذا لفظي إن شاء الله، وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض. نسأل الله العافية) (٣).\nوصرح بعض أهل العلم بأن الخلاف حقيقي جوهري، بإطلاق:\n_________\n(١) «البحر الرائق شرح كنز الدقائق» (٣/ ١١٠)، وينظر: «فتح القدير» لابن الهمام (٣/ ٢٣١)، «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٤٦). وينبغي التنبه لاختلاط كلام الحنفية، بكلام الماتريدية، بعد انتشار مذهب الماتريدي، مما يصعب معه الجزم بأن الفروع التي يذكرونها في باب الإيمان والكفر مما تقول به المرجئة الأوائل.\n(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٥٠٨).\n(٣) «سير أعلام النبلاء» (٥/ ٢٣٣).","vol":"5","page":475},{"text":"قال الشيخ ابن باز معلقا على قول الطحاوي في عقيدته المشهورة: (والإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان): (هذا التعريف فيه نظر وقصور، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جملة منها فراجعها إن شئت. وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة، وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظيًا، بل هو لفظي ومعنوي، ويترتب عليه أحكام كثيرة، يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة، والله المستعان) (١).\nوقال الشيخ الألباني معلقا على كلام الطحاوي أيضا: (هذا مذهب الحنفية والماتريدية، خلافًا للسلف وجماهير الأئمة كمالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم، فإن هؤلاء زادوا على الإقرار والتصديق: العمل بالأركان.\nوليس الخلاف بين المذهبين اختلافًا صوريًا كما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى، بحجة أنهم جميعًا اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان، وأنه في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. فإن هذا الاتفاق وإن كان صحيحًا، فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان، لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص وأن زيادته بالطاعة، ونقصه بالمعصية، مع تضافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك، وقد ذكر الشارح طائفة طيبة منها (ص٣٤٢ - ٣٤٤) ولكن الحنفية أصروا على القول بخلاف تلك الأدلة الصريحة في الزيادة والنقصان، وتكلفوا في تأويلها تكلفًا ظاهرًا، بل باطلًا، ذكر الشارح (ص٣٤٢) نموذجًا منها، بل حكى عن أبي المعين النسفي أنه طعن في صحة حديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة ..» مع احتجاج كل أئمة الحديث به، ومنهم البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهو مخرج في (الصحيحة) (١٧٦٩) وما ذلك إلا لأنه صريح في مخالفة مذهبهم!\nثم كيف يصح أن يكون الخلاف المذكور صوريًا، وهم يجيزون لأفجر واحد منهم أن يقول: إيماني كإيمان أبي بكر الصديق! بل كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبريل وميكائيل ﵊! كيف وهم بناء على مذهبهم هذا لا يجيزون لأحدهم - مهما كان فاجرًا فاسقًا - أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، بل يقول: أنا مؤمن حقًا! والله ﷿ يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:٢ - ٤]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا [النساء:١٢٢] وبناء على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم، فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر! وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالمرأة الشافعية! وتسامح بعضهم– زعموا – فأجاز ذلك دون العكس، وعلل ذلك بقوله: تنزيلًا لها منزلة أهل الكتاب! وأعرف شخصًا من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية، فأبى قائلًا: لولا أنك شافعي! فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقي؟ ومن شاء التوسع في هذه المسألة فليرجع إلى كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: (الإيمان) فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع) (٢). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٢٨٣\n_________\n(١) «التعليق على الطحاوية» ضمن «مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز» (١/ ٢٦٥).\n(٢) «العقيدة الطحاوية» شرح وتعليق (ص٤٢) وما بعدها.","vol":"5","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1715>المطلب الأول: حول ما ينسب إلى المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب</span>\nاشتهر على ألسنة كثير من الناس أن المرجئة هي الفرقة التي تقول: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهذا القول وإن نسب إلى بعض المرجئة، كاليونسية (١)، إلا أنه لا يُعلم قائل من أهل العلم قد ذهب إليه، ونسبته إلى مقاتل بن سليمان كذب عليه.\nقال شيخ الإسلام: (وأما ما يذكر عن غلاة المرجئة أنهم قالوا: لن يدخل النار من أهل التوحيد أحد، فلا نعرف قائلا مشهورا من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه هذا القول) (٢).\nوقال: (وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، لكن ما علمت معينًا أحكي عنه هذا القول، وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يعيِّنون قائله، وقد يكون قول من لا خلاق له، فإن كثيرا من الفساق والمنافقين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب أو مع التوحيد، وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا) (٣).\nوالخطر الذي يكمن من شيوع هذه المقالة، هو ظن كثير من الناس أن من برئ من هذا فقد برئ من الإرجاء، وظنهم أن الإرجاء قول متهافت ظاهر البطلان، لا يمكن أن يقول به أحد قرأ القرآن، ونظر في السنة، وعرف شيئا من نصوص الوعيد؛ فإنَّ كون المسلم الموحد قد يدخل النار بذنبه، تواتر تواترا يفيد العلم الضروري.\nولو كان الإرجاء منحصرا في هذه المقالة المتهافتة، لما ذهب إليه جمع من العباد والزهاد، والفقهاء والنظار، من أمثال طلق بن حبيب، وذر بن عبد الله، وحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، وأبي الحسن الأشعري في أحد قوليه، وأبي منصور الماتريدي، ومن تبعهما من الأشاعرة والماتريدية، وفيهم خلق كثير من الحنفية والمالكية والشافعية، وبعض الحنابلة.\nوهذا الجهل بحقيقة الإرجاء، ومقالات المرجئة، أدى إلى شيوعه وانتشاره، وتبني كثير من المتأخرين له، حتى دخل على بعض المنتسبين للحديث والسنة في هذه الأزمنة، كما دخل على من قبلهم ممن يصرح بالبراءة من قول المرجئة، مع نصره لشيء من مقالاتهم.\nوأنا أسوق إليك شواهد، تدل على ما ذكرت:\n١ - قال الملا علي القاري في الدفاع عن أبي حنيفة: (ثم المرجئة المذممة من المبتدعة ليسوا من القدرية، بل هم طائفة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. فزعموا أن أحدا من المسلمين لا يعاقب على شيء من الكبائر، فأين هذا الإرجاء؟! ثم قول أبي حنيفة مطابق لنص القرآن، وهو قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء:٤٨] (٤)، بخلاف المرجئة حيث لا يجعلون الذنوب مما عدا الكفر تحت المشيئة ... ثم اعلم أن مذهب المرجئة أن أهل النار إذا دخلوا النار فإنهم يكونون في النار بلا عذاب، كالحوت في الماء، إلا أن الفرق بين الكافر والمؤمن أن للمؤمن استمتاعا في الجنة، يأكل ويشرب، وأهل النار في النار ليس لهم استمتاع أكل وشرب، وهذا القول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة من أهل السنة والجماعة وسائر المبتدعة) (٥).\n_________\n(١) انظر: «شرح المواقف» للجرجاني (٤/ ٤٢٨).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٨٦).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٨١)، و«شرح الأصفهانية» (ص١٨٢).\n(٤) ومقصود المؤلف أن أبا حنيفة سمي مرجئا لتأخيره أمر صاحب الكبيرة إلى المشيئة، كما نقل ذلك عن القونوي، قبل أسطر من كلامه هذا.\n(٥) «شرح الفقه الأكبر» (ص١٠٤) وما بعدها.","vol":"5","page":477},{"text":"٢ - وقال أبو البقاء الكفوي: (المرجئة: هم الذين يحكمون بأن صاحب الكبيرة لا يعذب أصلا، وإنما العذاب للكفار. والمعتزلة جعلوا عدم القطع بالعقاب وتفويض الأمر إلى الله تعالى، يغفر إن شاء- على ما ذهب إليه أهل الحق- إرجاء، بمعنى أنه تأخير للأمر، وعدم الجزم بالثواب والعقاب، وبهذا الاعتبار، جعل أبو حنيفة من المرجئة) (١).\nقلت: فهذا الظنُّ - مع الاعتقاد المخالف للسنَّة-، حمل هؤلاء على تبرئة أبي حنيفة من الإرجاء، ولو كان مصرحا بأن الإيمان هو الإقرار والتصديق فقط، وأنه لا يزيد ولا ينقص!\n٣ - وقال شيخ الإسلام معلقا على قول ابن الصلاح: (ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ومقويات ومتممات وحافظات له):\n(وقول القائل: (الطاعات ثمرات التصديق الباطن) يراد به شيئان:\nيراد به أنها لوازم له، فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت. وهذا مذهب السلف وأهل السنة.\nويراد به أن الإيمان الباطن قد يكون سببا، وقد يكون الإيمان الباطن تاما كاملا وهي لم توجد، وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم. وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم غلطوا في ثلاثة أوجه ...).\nإلى أن قال: (وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية؛ لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ممن هو في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف) (٢).\nفهذا يبين أهمية الوقوف على مقالات المرجئة، وتمييزها عن مقالات أهل السنة، حتى لا يقع الخلط بينها. الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٢٩٩\n_________\n(١) «الكليات» (ص٣٥٠).\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٦١ - ٣٦٤).","vol":"5","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1716>المطلب الثاني: حول قول بعض السلف: من قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد برئ من الإرجاء</span>\nهذه المقولة السلفية النافعة، نُقلت عن غير واحد من الأئمة، منهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل، فقد روى الخلال بإسناده إلى إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد عمَّن قال: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: هذا بريء من الإرجاء (١).\nوقال البربهاري: (من قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقد خرج من الإرجاء كله، أوله وآخره) (٢).\nوهذه المقولة اغتر بها بعض المتعالمين، ممن خلط بين قول السلف، وقول المرجئة في باب الإيمان والكفر، فزعم أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ثم قال: لا يكفر بقولٍ أو عمل! ولا يكفر بترك العمل! وهذا من أعظم المخالفة لكلام السلف.\nفهذه المقولة (حق ولا شك، لكن على فهم قائليها، وهو أن العمل والقول والاعتقاد أركان في الإيمان، لا يجزئ أحدها عن الآخر، وإلا فمن قال ذلك وهو لا يرى أعمال الجوارح ركنا في الإيمان، أو قال ذلك وهو يحصر الكفر في التكذيب والاستحلال، فإنه قد نطق بما قاله السلف في تعريف الإيمان، لكن لا على الوجه الذي أرادوه ... ولهذا حذر أهل العلم من بعض الكتب وأنها تدعو إلى مذهب الإرجاء، مع تبنيها أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٣).\nو... من المرجئة من قال بالزيادة والنقصان، وبأن العمل شرط كمال للإيمان، كما هو مذهب متأخري الأشاعرة، مع حصرهم للكفر في الجحود والتكذيب، فهل يحتج أحد بقول أحمد - السابق - على أن هؤلاء قد برئوا من الإرجاء! (٤)\nوأبلغ من ذلك أن يقال: قد وجد من المرجئة من يقول: الإيمان قول وعمل!\nقال الإمام حرب الكرماني: (وسمعت إسحاق يقول: أول من تكلم بالإرجاء زعموا أن الحسن بن محمد بن الحنفية، ثم غلت المرجئة حتى صار من قولهم: أن قوما يقولون: من ترك المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وعامة الفرائض، من غير جحود بها أنا لا نكفِّره، يرجى أمره إلى الله بعد؛ إذ هو مقر. فهؤلاء المرجئة الذين لاشك فيهم. ثم هم أصناف:\nمنهم من يقول: نحن مؤمنون البتة، ولا يقول: عند الله، ويرون الإيمان قولا وعملا، وهؤلاء أمثلهم.\nوقوم يقولون: الإيمان قول، ويصدقه العمل، وليس العمل من الإيمان، ولكن العمل فريضة، والإيمان هو القول، ويقولون: حسناتنا متقبلة، ونحن مؤمنون عند الله، وإيماننا وإيمان جبريل واحد، فهؤلاء الذين جاء فيهم الحديث أنهم المرجئة التي لعنت على لسان الأنبياء) (٥).\nفهذه طائفة من المرجئة، كانت تقول: الإيمان قول وعمل، ولم تخرج بذلك من الإرجاء.\nإن القول بأن الإيمان قول وعمل، يعني إثبات أمرين لا نزاع فيهما بين أهل السنة:\nالأول: أنه لا يجزئ القول ولا يصح من دون العمل، وهذا مُصرح به من أئمة السلف، وعليه إجماعهم، .......\nالثاني: أن الكفر يكون بالقول، والعمل، كما يكون بالاعتقاد والترك، على ما سبق بيانه بأدلته.\nفالمخالف في هذا، أو في بعضه، مخالف لأهل السنة، موافق للمرجئة، ولو ادعى غير ذلك.\n_________\n(١) السنة للخلال (٣/ ٥٨٢) رقم ١٠٠٩\n(٢) شرح السنة، للبربهاري، ص (١٢٣).\n(٣) «ملحق الواسطية» لعلوي بن عبد القادر السقاف، (ص٢٦٥) مطبوع مع «شرح الواسطية» للهراس، وانظر: تحذير أهل العلم من الكتب الداعية للإرجاء، في ملاحق البحث.\n(٤) ومن المرجئة من قال: (الإيمان يتبعض ويتفاضل أهله) وهذا مذهب أصحاب محمد بن شبيب، انظر: «مقالات الإسلاميين» (١/ ٢١٨)، و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٤٦).\n(٥) «مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رواية حرب الكرماني» (ص٣٧٧).","vol":"5","page":479},{"text":"ومثل هذا يقال فيمن قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ثم هو يكفِّر أهل الإسلام، ويستحل الدماء والأموال، فهو موافق للخوارج، مخالف لأهل السنة، ولو ادعى غير ذلك، فالعبرة بالحقائق والمعاني، لا بالألفاظ والمباني، وإن كان اللفظ السني واجب الاتّباع في هذا الباب.\nوما ذكره إسحاق من غلو المرجئة، وزعمها إسلام تارك عامة الفرائض، هو ما يدندن حوله اليوم بعض المعاصرين، ويزعمون أنه قول السلف!\nوالمقصود أنه يقع الخلط بين كلام أهل السنة، وكلام غيرهم، عند بعض الناس، فيأخذون من هذا ومن هذا، وقد يجمعون بين المتناقضات، ويخلطون بين المقالات، على غير بصيرة، فيكون من أقوالهم:\n١ - الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، لكن الكفر لا يكون إلا بالقلب، دون البدن.\n٢ - الإيمان قول وعمل، وتارك العمل بالكلية - مع القدرة والتمكن - مسلم موحد.\n٣ - الإيمان قول وعمل، والكفر يكون بالقول والعمل، لكن لا يكفر المعين إلا إذا اعتقد الكفر، أو قصده، أو استحله، إلى غير ذلك من مقولات الجهل والتعالم، المخالفة لما عليه أهل العلم والسنة.\nقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله مشيرا إلى هذا التلفيق بين كلام أهل السنة، وكلام غيرهم: (وهناك فرقةٌ خامسة ظهرت الآن، وهُم الذين يقُولون إن الأعمال شرطٌ في كمال الإيمان الواجب، أو الكمال المُستحب) (١).\nوقال حفظه الله: (وهذا يدل على بطلان قول من يقول: إن من قال كلمة الكفر، أو عمل الكفر، لا يكفر حتى يعتقد بقلبه ما يقول ويفعل. ومن يقول: إن الجاهل يعذر مطلقا، ولو كان بإمكانه أن يسأل ويتعلم، وهي مقالة ظهرت ممن ينتسبون إلى العلم والحديث في هذا الزمان) (٢).\nوسئل حفظه الله: (هل تصح هذه المقولة: أن من قال الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص، فقد برئ من الإرجاء كله حتى لو قال: لا كفر إلا باعتقاد وجحود؟\nفأجاب: هذا تناقض لأنه إذا قال: لا كفر إلا باعتقاد أو جحود، فهذا يناقض قوله: إن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح.\nلأنه إذا كان الإيمان قولًا باللسان، واعتقادًا بالجنان، وعملا بالجوارح، وأنه يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، فمعناه أن من تخلى عن الأعمال نهائيًا فإنه لا يكون مؤمنًا؛ لأن الإيمان مجموع هذه الأشياء ولا يكفي بعضها. والكفر ليس مقصورًا على الجحود، وإنما الجحود نوع من أنواعه، فالكفر يكون بالقول، وبالفعل، وبالاعتقاد، وبالشك، كما ذكر العلماء ذلك. وانظر باب: أحكام المرتد من كتب الفقه) (٣). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٣٠٣\n_________\n(١) «التعليق المختصر على القصيدة النونية» (٢/ ٦٤٧) وما بعدها، وقد سبق بتمامه، (ص: ١٤)\n(٢) «شرح كشف الشبهات» (ص: ٥٥).\n(٣) «مسائل في الإيمان» أجاب عنها الشيخ صالح الفوزان، اعتنى بإخراجها الأخ عبد الرحمن بن محمد الهرفي (ص: ٢٣).","vol":"5","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1717>المطلب الثالث: مقالات المرجئة المعاصرة</span>\nتأكيدًا لما سبق من أن البدع تتطور، وتتخذ أشكالا وألوانا جديدة من الانحراف، ورغبةً في تحذير أهل الإيمان، من مقالات المرجئة الذين تلاعب بهم الشيطان، فقد رأيت أن أسرد من مقالاتهم ما هو موجود في هذه الأزمنة، مما جزم أهل العلم بأنه من كلام المرجئة، الذي خالفت به أهل السنة:\n١ - الإيمان هو التصديق والإقرار، وهذا مذهب مرجئة الفقهاء، وإليه ذهب جماعة من الماتريدية والأشاعرة، وهو مقرر في كثير من المعاهد والجامعات.\n٢ - الإيمان هو التصديق فقط، وقول اللسان شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، فمن صدق بقلبه، ولم يأت به- من غير إباء- فهو مؤمن ناج عند الله، وهذا معتمد الأشاعرة والماتريدية، وهو أسوأ من قول مرجئة الفقهاء، كما لا يخفى، بل هو مذهب جهم على التحقيق، إلا أن متأخريهم يثبتون عمل القلب من الإذعان والانقياد، ويجعلونه نفس التصديق، كما سبق.\n٣ - الإيمان تصديق بالقلب، وعمل بالقلب، دون الجوارح، وهو قول عامة المرجئة، إلا جهما ومن وافقه، كما بين شيخ الإسلام.\n٤ - الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وهو قول المرجئة الأوائل، وبه يقول أكثر الماتريدية اليوم.\n٥ - الكفر هو التكذيب، والجحود، وليس شيء من الأقوال أو الأعمال كفرا بذاته، لكن من الأقوال والأعمال ما جعله الشرع علامة على الكفر. وهذا مذهب أبي الحسين الصالحي، وابن الراوندي، وبشر المريسي، وهو قول الأشاعرة والماتريدية، كما سبق (١). وأسوأ منه ما ذهب إليه بعض المعاصرين، من أنه لا يكفر من قال الكفر أو عمله، (لأن أولئك قالوا: بأن الفعل والقول يكون علامة على الكفر، بحيث يحكم عليه بالكفر لفعله أو قوله، في أحكام الدنيا دون أحكام الآخرة، وأما المتأخرون فلم يحكموا عليه بالكفر فيهما، مما يعني إبطال حد الردة. لكن قول هؤلاء المتأخرين أخف من قول المرجئة المتقدمين من وجه آخر، وهو إدخال العمل في مسمى الإيمان المطلق، فإن المرجئة الأوائل لا يدخلون العمل في مسمى الإيمان المطلق، وهؤلاء يدخلونه) (٢).\n٦ - الكفر لا يكون إلا في القلب، لكنه لا ينحصر في التكذيب، بل يدخل فيه ما يناقض عمل القلب، كالاستكبار وعدم الخضوع، والاستخفاف والعداوة والبغض، وهذا قول بعض المرجئة، كأتباع يونس السمري، وأبي معاذ التومني (٣).\n٧ - الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد، ويريدون بالاعتقاد: التكذيب، أو الاستحلال، فيرجع إلى قول الأشاعرة والماتريدية السابق. وهو من مقولات غلاة المتصوفة-أيضا- وينسجم مع قولهم: إن دعاء الأموات والذبح والنذر لهم لا يكون كفرا، إلا مع اعتقاد النفع والضر فيهم، استقلالا!\n٨ - الكفر يكون بالقول وبالفعل، لكن لا يكفر المعين إلا إذا اعتقد الكفر، وهذه حيلة ظاهرة على اشتراط الاعتقاد في التكفير، فلا فرق بين هذا وبين قولهم: الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد، وهو مذهب المرجئة، كما سبق؛ لأن اعتقاد الكفر كفرٌ في حد ذاته، ولو كان القول أو الفعل كفرا-عند هذا المخالف- لم يحتج إلى وجود مكفِّر آخر، وإلا كان ذكره عبثا، وهو قد جعله شرطا!\n_________\n(١) انظر: «مقالات الإسلاميين» (١/ ٢١٤، ٢٢٢).\n(٢) «حقيقة الإيمان وبدع الإرجاء في القديم والحديث» د. سعد بن ناصر الشثري، (ص٢٣).\n(٣) «مقالات الإسلاميين» (١/ ٢١٤، ٢٢٢).","vol":"5","page":481},{"text":"٩ - من سب الله تعالى، أو سب نبيه ﷺ لا يكفر إلا إذا استحل ذلك. وإليه ذهب بعض الفقهاء كالقاضي أبي يعلى، (وإنما أوقع من وقع في هذه المهواة ما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين، وهم الجهمية الإناث، الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى، في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب وإن لم يقترن به قول اللسان، ولم يقتض عملا في القلب ولا في الجوارح) (١).\n١٠ - اشتراط الاستحلال للتكفير بالمكفرات القولية والعملية، كسب الله، والسجود للصنم، ودعاء الأموات، وحقيقته حصر الكفر في الاعتقاد، وبيان ذلك، أن من قال هذا فقد جعل الأقوال والأعمال الكفرية، بمنزلة المعاصي، كالزنا وشرب الخمر، وجعل وجودها غير مؤثر في التكفير، بل المؤثر هو اعتقاد حلها، فآل الأمر إلى حصر الكفر في الاعتقاد.\n١١ - لا يكفر أحد إلا أن يقصد الكفر، ويريده، وينشرح صدره به، وهذا قول مخالف للكتاب والسنة والإجماع، كما سبق، ومؤداه حصر الكفر في القلب، وهو مذهب المرجئة.\nوقد يقول بعضهم:\n١٢ - الكفر يكون بالقول وبالفعل، لكن من شروط التكفير: قصد الكفر، فيرجع إلى ما قبله، من غير شك؛ لأنه إن كان القول كفرا، في ذاته، لم يحتج إلى مكفِّر ثان، وهو قصد الكفر، أو إرادته.\n١٣ - الكفر يكون بالقول أو الفعل، لكن من فعل ذلك لشهوة، أو لعرض من الدنيا: لم يكفر، وهذا كسابقه؛ لأن حقيقته اشتراط اعتقاد الكفر، أو قصده، وجعل ذلك هو الموجب للتكفير، وقد مضى بيان بطلان هذا القول.\n١٤ - ترك العمل الظاهر بالكلية ليس كفرا، وهذا قول المرجئة- كما صرح سفيان، وإسحاق- وهو مبني على قولهم في نفي التلازم بين الظاهر والباطن وظنهم أن الإيمان يستقر في القلب، من غير أن يظهر أثره على الجوارح ...، وقد حذرت اللجنة الدائمة للإفتاء من بعض الكتب التي ذهبت إلى الحكم بإسلام من ترك جميع العمل الظاهر، واعتبرت ذلك إخراجا للعمل من حقيقة الإيمان الشرعي، وأنه مذهب المرجئة. ومثله قولهم:\n١٥ - عمل الجوارح شرط كمال للإيمان، وليس ركنا أو جزءا أو شرط صحة لإيمان القلب، وهذا مذهب الأشاعرة.\n١٦ - عمل الجوارح ركن في الإيمان، لكن تاركه بالكلية- من غير عذر- مسلم تحت المشيئة. ولا فرق بين هذا وبين الذي قبله إلا في اللفظ، وقد حذرت اللجنة الدائمة من أحد الكتب التي تبنت ذلك، واعتبرته داعيا إلى مذهب المرجئة المذموم.\n١٧ - ترك الصلاة ليس كفرا؛ لأن الكفر عمل قلب، وليس عمل بدن، أو لأن الكفر لا يكون إلا بالقلب، وهذا هو قول المرجئة، وأما من لم يكفر تارك الصلاة، اعتمادا على النظر في الأدلة، مع التسليم بأن الكفر يكون بالقول والفعل، فليس بمرجئ (٢).\nتنبيه:\nما سبق من أقوال المرجئة، قد يخفى أمره على بعض الناس، أو يوجد في زلات بعض المنسوبين إلى العلم، فيقلده فيه غيره، مع كراهته للإرجاء، وذمه للمرجئة، فلا يقال: إنَّ كلَّ من دان بشيء من هذا، فهو مرجئ بإطلاق، ولكن يقال: هذا القول قول المرجئة، والقائل به وافق المرجئة في كذا، أو دخلت عليه شبهة الإرجاء، وهو إن كان معذورا باجتهاد أو تأويل فالله يغفر له، وإن كان جاهلا لم تقم عليه الحجة، فلا يبدَّع ولا يفسَّق، بل يدعى إلى الحق، ويبين له الصواب، وهذا من الإنصاف والعدل الذي أمرنا به، ولذلك لم يقل أحد من أهل العلم- فيما بلغنا- إن القاضي أبا يعلى الحنبلي مرجئ، لموافقته المرجئة- في أحد قوليه- في اشتراط الاستحلال في كفر الساب، بل عُد ذلك منه زلة منكرة، وهفوة عظيمة (٣)، غفر الله له.\nومعلوم أن الفاضل لا تهدر حسناته لأجل خطأ وقع فيه، واعتبر في ذلك بما ذكره الذهبي عن أبي زرعة قال: (كنت عند أحمد بن حنبل، فذكر إبراهيم بن طهمان وكان متكئًا فجلس، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فيتكأ، وقال أحمد: كان مرجئًا شديدًا على الجهمية) (٤). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٣٠٨\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (٣/ ٩٦٠).\n(٢) انظر: «ملحق الواسطية» لعلوي السقاف (ص٢٦٣) فقد ذكر ثلاث عشرة جملة، من قال بها، فقد قال بالإرجاء، أو دخلت عليه شبهته. وانظر أيضا: «حقيقة الإيمان وبدع الإرجاء في القديم والحديث» (ص٦١).\n(٣) «الصارم المسلول» (٣/ ٩٦٠).\n(٤) «سير أعلام النبلاء» (٧/ ٣٨١).","vol":"5","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1718>المطلب الرابع: رد شبهات المرجئة قديمًا، ومن وقع في الإرجاء حديثًا</span>\nالشبهة الأولى: استشهادهم بحديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة. ويسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها. فقال له صلة: \"ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار ثلاثًا» (١).\nلقد فهم بعضهم من قول حذيفة ﵁ لصلة بن زفر: (تنجيهم من النار) أن تارك العمل الظاهر كلية من غير عذر مؤمن ناقص الإيمان، وإن عاش حياته كلها لا يسجد لله سجدة، ولا يركع لله ركعة، ولا يؤدي زكاة، ولا صومًا، ولا حجا، ولا أي عمل من أعمال الجوارح، طالما وأنه يقول: (لا إله إلا الله)!!\nإنه لمن العجب العجاب أن يصدر ذلك ممن يتصدر لتدريس العقيدة والتوحيد، ويربي الشباب على منهج السلف – زعم - فنتج عن قوله التفلت من التكاليف الشرعية، وعدم أخذ الكتاب بقوة وجدية. وإنا لله وإنا إليه راجعون.\nفهذا الحديث لا يصلح دليلًا لمن استشهد به على نجاة تارك العمل الظاهر كلية، ولو فهم هذا المستشهد الحديث وتأمله، وراجع كلام أهل العلم فيه لاتضح له ذلك جليًا.\nفإن الحديث في حالة خاصة يعذر صاحبها إذا ترك العمل الظاهر؛ ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: كثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر؛ ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول.\nولهذا جاء في الحديث: «يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صومًا ولا حجا، إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، يقولون لا إله إلا الله، وهم لا يدرون صلاة ولا زكاة ولا حجا. فقال: ولا صوم ينجيهم من النار». اهـ (٢).\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤٠٤٩) والحاكم (٤/ ٥٢٠) (٨٤٦٠) من حديث حذيفة بن اليمان ﵁، قال ابن حجر «فتح الباري» (١٣/ ١٩): إسناده قوي، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٨٧): صحيح على شرط مسلم، وقال الوادعي في «الصحيح المسند» (٣٠٣): صحيح.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٧، ٤٠٨). والحديث رواه ابن ماجه (٤٠٤٩) بلفظ: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب .....» من حديث حذيفة بن اليمان. قال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ١٩): إسناده قوي. وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٣٢٨٩)، والوادعي في «الصحيح المسند» (٣٠٣).","vol":"5","page":483},{"text":"وقال ﵀ أيضًا: (وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك. وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف: «يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة، ولا صيامًا، ولا حجًا، ولا عمرة، إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا وهم يقولون: \"لا إله إلا الله\"». فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم (لا إله إلا الله)؟ فقال: \"تنجيهم من النار\"). اهـ (١).\nوقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀:\n(القسم الخامس: ما ورد مقيدًا بحال يعذر فيها بترك الصلاة، كالحديث الذي رواه ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ...» (٢) الحديث. وفيه: «وتبقى طوائف الناس».\nفإن هؤلاء الذين أنجتهم الكلمة من النار كانوا معذورين بترك شرائع الإسلام، لأنهم لا يدرون عنها، فما قاموا به هو غاية ما يقدرون عليه، وحالهم تشبه من ماتوا قبل فرض الشرائع، أو قبل أن يتمكنوا من فعلها، كمن مات عقيب شهادته قبل أن يتمكن من فعل الشرائع، أو أسلم قبل العلم بالشرائع) (٣).\nالشبهة الثانية: استشهادهم على ما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، والذي اشتهر بحديث البطاقة، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «يصاح برجل من أمتي يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل مد البصر، ثم يقول الله ﷿ هل تنكر من هذا شيئًا فيقول: لا يا رب فيقول أظلمك كتبتي الحافظون ثم يقول ألك عندنا حسنة فيهاب الرجل فيقول لا فيقول بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول إنك لا تظلم.\nفتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السلجات وثقلت البطاقة» (٤).\nقال محمد بن يحيى – شيخ ابن ماجه – (البطاقة: الرقعة. وأهل مصر يقولون للرقعة: بطاقة).\nاحتج بعضهم بهذا الحديث على أن النجاة من النار يوم القيامة تكون باعتقاد القلب، ونطق اللسان، وإن خلا العبد من أي عمل من أعمال الجوارح.\nوالجواب عن ذلك من خمسة أوجه:\nالوجه الأول: لابد من حمل هذا الحديث على من قالها مع النجاة من الشرك، وإلا فإنه لو قالها مع الشرك بالله تعالى لم تنفعه، - وهم متفقون مع أهل السنة في ذلك -. قال الله تعالى لخير خلقه وصفوة أنبيائه ورسله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥].\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٦٥).\n(٢) رواه ابن ماجه (٤٠٤٩) والحاكم (٤/ ٥٢٠) (٨٤٦٠) من حديث حذيفة بن اليمان ﵁، قال ابن حجر «فتح الباري»: إسناده قوي (١٣/ ١٩)، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٨٧): صحيح على شرط مسلم، وقال الوادعي في «الصحيح المسند» (٣٠٣): صحيح.\n(٣) «حكم تارك الصلاة» (ص: ٢٥، ٢٦).\n(٤) رواه الترمذي (٢٦٣٩) وابن ماجه واللفظ له (٤٣٠٠) وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤) والحاكم (١/ ٤٦) (٩) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄، قال الترمذي: حسن غريب، وكذا قال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٤٩٠)، وحسنه الشوكاني في «فتح القدير» (٢/ ٢٧٣)، وقال الألباني «مشكاة المصابيح» (٥٤٩٢): إسناده صحيح.","vol":"5","page":484},{"text":"وهذا فهم من النصوص الأخرى غير حديث البطاقة، ومثله يقال في أعمال الجوارح، علمًا بأن بعضها ركن في الإيمان، وبعضها من كماله الواجب وبعضها من تمامه المستحب.\nفلابد من جمع النصوص وضم بعضها إلى بعض ...\nالوجه الثاني: يقال لهم: أنتم توافقونا في أنه لابد من تصديق القلب الذي لا يصح إيمان قائل (لا إله إلا الله) إلا به، وهذا لم يذكر في حديث البطاقة أيضًا، ولكنه مأخوذ من الأدلة الأخرى، فلابد من حمل الحديث على حالة خاصة.\nالوجه الثالث: قولكم: (يكفي الاعتقاد والتلفظ للنجاة من الخلود في النار) لازمه أن تخرجوا عما أجمع عليه أهل السنة من أن الإيمان (قول وعمل واعتقاد)، إلى القول بأنه: (قول واعتقاد) فقط، أو القول بأنه: (قول وعمل واعتقاد، ولكن الأعمال شرط في كماله). وهل الأول إلا قول المرجئة، وهل الثاني إلا قول الأشاعرة والذين كم حذر السلف من بدعتهم؟!! (١).\nالوجه الرابع: لابد لمن أتى بـ (لا إله إلا الله) أن يقولها عن صدق ويقين وإخلاص، وكذا باقي الشروط المعروفة. وهذا أيضا لم يرد في الحديث، ولكنه فهم من النصوص الأخرى.\n_________\n(١) نقل بعضهم قول الاشاعرة في الإيمان، والبعض الآخر نقل قول المرجئة، والكل ينسبه إلى السلف!! وهذا ناشئ إما عن الجهل أو عن التلبيس.","vol":"5","page":485},{"text":"الوجه الخامس: ليس في الحديث أن صاحب البطاقة المذكورة لم يأت بصلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج، بل فيه ما يدل على خلافه وأن الرجل المذكور له حسنات (١)، ففي الحديث يقول الله ﷿: «بلى، إن لك عندنا حسنات» (٢)، أما المحو بهذه البطاقة فإنه للكبائر (٣).\n_________\n(١) تنبيه: ورد عند الإمام أحمد في «المسند» (٦٩٩٤) رواية: «إن لك عندنا حسنة واحدة». وليس في ذلك دليل لمن قال بنجاة تارك العمل الظاهر كلية بلا عذر – على فرض صحة الرواية -؛ وذلك لما سبق من الوجوه المذكورة، وما سيأتي إن شاء الله تعالى. بيد أنها رواية تفرد بها إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال عنه الحافظ ابن حجر ﵀ في «التقريب» (١٠٤): صدوق يغرب.\n(٢) رواه الترمذي (٢٦٣٩) وابن ماجه واللفظ له (٤٣٠٠) وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤) والحاكم (١/ ٤٦) (٩) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄، قال الترمذي: حسن غريب، وكذا قال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٤٩٠)، وحسنه الشوكاني في «فتح القدير» (٢/ ٢٧٣)، وقال الألباني في «مشكاة المصابيح» (٥٤٩٢): إسناده صحيح.\n(٣) مسألة: ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه تشترط التوبة لتكفير الكبائر، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنها تغفر بالأعمال والحسنات، وإن لم تقع التوبة، قال ﵀ وهو يتحدث عن أسباب زوال عقوبة الذنوب عن العبد: وسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا: الحسنات إنما تكفر الصغائر فقط، فأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة، كما قد جاء في بعض الأحاديث: (ما اجتنبت الكبائر). فيجاب عن هذا بوجوه: أحدها: أن هذا الشرط جاء في الفرائض: كالصلوات الخمس، والجمعة، وصيام رمضان، وذلك أن الله تعالى يقول: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ *النساء: ٣١*، فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضية لتكفير السيئات، وأما الأعمال الزائدة من التطوعات فلابد أن يكون لها ثواب آخر، فإن الله سبحانه يقول: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *الزلزلة: ٧ - ٨*. الثاني: أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بأن المغفرة قد تكون مع الكبائر كما في قوله: (غفر له وإن كان فر من الزحف)، وفي «السنن»: (أتينا رسول الله في صاحب لنا قد أوجب فقال اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار)، وفي «الصحيحين» في حديث أبي ذر: (وإن زنا وإن سرق). الثالث: أن قوله لأهل بدر ونحوهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). إن حمل على الصغائر أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد علم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة، لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر. وساق ﵀ وجهين آخرين، وأطال النفس في ذلك، فليرجع إليه في «مجموع الفتاوى» (١/ ٤٨٩ - ٤٩٨).","vol":"5","page":486},{"text":"قال شيخ الإسلام ﵀: (فالمحو والتكفير يقع بما يتقبل من الأعمال، وأكثر الناس يقصرون في الحسنات حتى في نفس صلاتهم. فالسعيد منهم من يكتب له نصفها، وهم يفعلون السيئات كثيرًا؛ فلهذا يكفر بما يقبل من الصلوات الخمس شيء، والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله فيغفر الله له به كبائر، كما في الترمذي وابن ماجه وغيرهما، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: «يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مد البصر، فيقال هل تنكر من هذا شيئًا فيقول لا يا رب، فيقول: لا ظلم عليك، فتخرج له بطاقة قدر الكف، فيها شهادة أن لا إله إلا الله، فيقول: أين تقع هذه البطاقة مع هذه السجلات فتوضع هذه البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فثقلت البطاقة وطاشت السجلات» (١).\nفهذه حال من قالها بإخلاص وصدق كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون لا إله إلا الله، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم كما ترجح قول صاحب البطاقة). اهـ (٢).\nالشبهة الثالثة: استشهادهم بالنصوص المطلقة في دخول من شهد أن (لا إله إلا الله) الجنة:\nومما استشهد به المرجئة قديمًا، ومن وقع في الإرجاء حديثًا:\n١ - قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٨].\n٢ - عن عثمان رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٣).\n٣ - وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: «كنا مع النبي ﷺ في مسير فنفدت أزواد القوم حتى هم بنحر بعض حمائلهم، فقال عمر: يا رسول الله! لو جمعت ما بقي من أزواد القوم، فدعوت الله عليها. ففعل، فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره، - قال مجاهد: ذو النواة بنواه – قلت – أبو صالح: الراوي عن أبي هريرة ﵁ -: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء، فدعا عليها، حتى ملأ القوم أزودتهم، فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد، غير شاك فيهما، إلا دخل الجنة» (٤).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٦٣٩) وابن ماجه واللفظ له (٤٣٠٠) وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤) والحاكم (١/ ٤٦) (٩) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄، قال الترمذي: حسن غريب، وكذا قال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٤٩٠)، وحسنه الشوكاني في «فتح القدير» (٢/ ٢٧٣)، وقال الألباني «مشكاة المصابيح» (٥٤٩٢): إسناده صحيح.\n(٢) «منهاج السنة النبوية» (٦/ ٢١٨ - ٢٢٠).\n(٣) رواه مسلم (٢٦) من حديث عثمان بن عفان ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":487},{"text":"٤ - وعن أبي هريرة أو عن أبي سعيد ﵄ – شك الأعمش – قال: «لما كان غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله! لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله ﷺ: افعلوا. قال: فجاء عمر فقال: يا رسول الله! إن فعلت قل الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله ﷺ: نعم. قال: فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، قال: يجيء الآخر بكف تمر، قال: ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول الله عليه بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» (١).\n٥ - وعن عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء» (٢).\n٦ - وعن الصنابحي، أنه قال: دخلت على عبادة بن الصامت ﵁ وهو في الموت، فبكيت، فقال: مهلًا، لم تبكي؟ فوالله! لئن استشهدت لأشهدن لك، ولئن شفعت لأشفعن لك، ولئن استطعت لأنفعنك، ثم قال: والله! ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه، إلا حديثًا واحدًا، وسوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، حرم الله عليه النار» (٣).\n٧ - عن معاذ بن جبل ﵁، قال: كنت ردف النبي ﷺ، ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال: «يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق الله على العباد قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ثم سار ساعة، قال: يا معاذ بن جبل قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم» (٤).\n٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «قيل يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه» (٥).\n٩ - وعن عتبان بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «... فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» (٦).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧) من حديث أبي هريرة أو أبي سعيد ﵄.\n(٢) رواه البخاري (٣٤٣٥) ومسلم واللفظ له (٢٨) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٢٩) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٦٥٠٠) ومسلم (٣٠) من حديث معاذ بن جبل ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣) من حديث عتبان بن مالك ﵁.","vol":"5","page":488},{"text":"ووجه الدلالة عند هؤلاء من هذه النصوص، - ونحوها من النصوص العامة – أن عمومها يدل على أنه لا يخلد في النار إلا المشرك، ولم يذكر في هذه النصوص أن تارك العمل من المخلدين في النار، وأن بعض هذه الأدلة علق السعادة والشفاعة لأهل كلمة (لا إله إلا الله)، ولم يذكر فيها العمل، وأن العصمة تكون لأهل كلمة التوحيد دون تعرض للعمل، وأن بعض الأحاديث فرق بين شهادة لا إله إلا الله والعمل، مما يدل على المغايرة ... وغير ذلك من أقوالهم.\nالجواب عن استشهادهم بهذه الأدلة:\n١ - (قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابًا لهم عن التارك، مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم، وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة كقوله: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، أدخله الله الجنة). ونحو ذلك من النصوص) (١).\n٢ - قال الشيخ العلامة حمد بن علي بن محمد بن عتيق ﵀ معلقًا على حديث عبادة بن الصامت ﵁ السابق: «من شهد أن لا إله إلا الله» أي من شهد أن لا معبود بحق إلا الله، وقام بوظائف هذه الكلمة من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله، وتبرأ من كل المعبودات سواه، سواء كان ذلك المعبود نبيًا أو غيره، وأن محمدًا عبده ورسوله الصادق المصدوق، أفضل الرسل، فهو عبد الله ورسوله، أوجب الله تعالى على الخلق طاعته، ونهى عن عبادته، وأمر بإخلاص العبادة لله بجميع أنواعها، كما قال: وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦]. وليس المراد أن الإنسان إذا شهد بهذا من غير عمل بمقتضاه يحصل له دخول الجنة، بل المراد به الشهادة لله بالتوحيد، والعمل بما تقتضيه شهادة أن لا إله إلا الله، من الإخلاص، وما تقتضيه شهادة أن محمدًا عبده ورسوله، من الإيمان به، وتصديقه، وأتباعه) (٢).\nوقال ﵀ أيضًا عند تعليقه على حديث عتبان بن مالك ﵁ السابق: (قوله: «يبتغي بذلك وجه الله» كقوله: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، حرم الله عليه النار» (٣)، ونحوه، وكالأحاديث التي فيها أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة. قال شيخ الإسلام وغيره: هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها مخلصًا من قلبه، مستيقنًا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين. فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد: أن لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه دخل الجنة؛ لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله أن يتوب من الذنوب توبة نصوحًا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك. وقال الحسن: معنى هذه الأحاديث: من قال هذه الكلمة، وأدى حقها وفريضتها. وقيل إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك، وهذا قول البخاري. وقال ابن المسيب: كان هذا قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهي.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١٣، ٦١٤).\n(٢) «إبطال التنديد باختصار كتاب التوحيد» (ص: ٢١).\n(٣) رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣) من حديث عتبان بن مالك ﵁.","vol":"5","page":489},{"text":"قال بعض المحققين: قد يتخذ أمثال هذه الأحاديث البطلة والمباحية ذريعة إلى طرح التكاليف، ورفع الأحكام، وإبطال الأعمال، معتقدين أن الشهادة وعدم الإشراك كاف، وربما يتمسك بها المرجئة، وهذا الاعتقاد يستلزم طيَّ بساط الشريعة، وإبطال الحدود والزواجر السمعية. ويوجب أن يكون التكليف بالترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي والجنايات غير متضمن طائلًا، بل يقتضي الانخلاع عن ربقة الدين والملة، والانسلال عن قيد الشريعة والحكمة والسنة، والولوج في الخبط والخروج عن الضبط). اهـ (١).\nوقال: النطق بالشهادتين دليل على العصمة لا أنه عصمة، أو يقال: هو العصمة لكن بشرط العمل. اهـ (٢).\n_________\n(١) «إبطال التنديد باختصار كتاب التوحيد» (ص: ٢٣، ٢٤).\n(٢) «إبطال التنديد باختصار كتاب التوحيد» (ص: ٢٤).","vol":"5","page":490},{"text":"٣ - قال فضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله تعالى: (ليس المقصود قول: (لا إله إلا الله) باللسان فقط من غير فهم لمعناها، لابد أن تتعلم ما معنى (لا إله إلا الله)، أما إذا قلت وأنت لا تعرف معناها، فإنك لا تعتقد ما دلت عليه، فكيف تعتقد شيئًا تجهله، فلابد أن تعرف معناها حتى تعتقده، تعتقد بقلبك ما يلفظ به بلسانك، فلازم أن تتعلم معنى (لا إله إلا الله). أما مجرد نطق اللسان من غير فهم لمعناها فهذا لا يفيد شيئًا. أيضًا لا يكفي الاعتقاد بالقلب ونطق اللسان، بل لابد من العمل بمقتضاها، وذلك بإخلاص العبادة لله، وترك عبادة من سواه ﷾، فـ (لا إله إلا الله) كلمة نطق وعلم وعمل، ليست كلمة لفظ فقط. أما المرجئة فهم يقولون: يكفي التلفظ بـ (لا إله إلا الله)، أو يكفي التلفظ بها مع اعتقاد معناها، والعمل ليس بلازم، من قالها ولو لم يعمل شيئًا من لوازمها من أهل الجنة، ولو لم يصل، ولم يزك، ولم يحج، ولم يصم، ولو فعل الفواحش والكبائر والزنا والسرقة وشرب الخمر، وفعل ما يريد من المعاصي، وترك الطاعات كلها؛ لأنه تكفيه (لا إله إلا الله) عندهم، هذا مذهب المرجئة، الذين يخرجون العمل من حقيقة الإيمان ويعتبرون العمل إذا جاء فبها ونعمت، وإن لم يجئ فإنها تكفي (لا إله إلا الله) عندهم، ويستدلون بأحاديث تفيد أن من قال: (لا إله إلا الله)، دخل الجنة، ولكن الرسول ﷺ ما اقتصر على هذه الأحاديث، فالرسول ﷺ له أحاديث أخرى تقيد هذه الأحاديث، ولابد من أن تجمع بين كلام الرسول ﷺ بعضه إلى بعض لا أن تأخذ منه طرفا وتترك طرفا لأن كلام الرسول ﷺ يفسر بعضه بعضا، أما الذي يأخذ طرفًا ويترك، طرفًا فإنه من أهل الزيغ الذين يتبعون: مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٧]. الرسول ﷺ قال: من قال: «لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله» (١). وهذا حديث صحيح، فلماذا غفلتم عنه، وقال ﷺ: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» (٢)، أما الذي يقول (لا إله إلا الله)، ولا يكفر بما يعبد من دون الله، ويدعو الأولياء والصالحين، فإن هذا لا تنفعه (لا إله إلا الله)؛ لأن كلام الرسول ﷺ يفسر بعضه بعضًا، ويقيد بعضه بعضًا فلا تأخذ بعضه وتترك بعضه، والله ﷾ يقول: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧] يأخذون الذي يصلح لهم، ويتركون الذي لا يصلح لهم، ويقولون: استدللنا بالقرآن. نقول: ما استدللتم بالقرآن، فالقرآن إذا قال كذا فقد قال كذا، فلماذا تأخذون بعضه وتتركون بعضًا؟ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]، المحكم والمتشابه، فيردون المتشابه إلى المحكم، ويفسرونه به ويقيدونه به، ويفضلونه، أما إنهم يأخذون المتشابه ويتركون المحكم فهذه طريقة أهل الزيغ. فالذين يأخذون بحديث أن من قال: «لا إله إلا الله دخل الجنة»، ويقتصرون على هذا، ولا يوردون الأحاديث الواضحة التي فيها القيود، وفيها التفصيل، فهؤلاء أهل زيغ.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٣) من حديث طارق بن أشيم ﵁.\n(٢) أخرجه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣) من حديث عتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه.","vol":"5","page":491},{"text":"فيجب على طالب العلم أن يعرف هذه القاعدة العظيمة؛ لأنها هي جماع الدين وأساس الملة. ليس المقصود أنك تأخذ آية أو حديثًا وتترك غيره، بل المقصود أنك تأخذ القرآن كله، وتأخذ السنة كلها، وكذلك كلام أهل العلم. العالم إذا قال كلامًا لا تأخذه وحده حتى ترده إلى كلامه الكامل، وتتبع كلامه في مؤلفاته؛ لأنه يقيد بعضه بعضًا؛ لأنهم على سنن كتاب الله وسنة رسوله، فترد المطلق إلى المقيد من كلامهم، فطالب العلم يجب عليه أن يأخذ هذه القاعدة معه دائمًا، ويحذر من طريقة أهل الزيغ الذين يأخذون الذي يصلح لهم من الكتاب، ومن السنة، ومن كلام أهل العلم، ويبترون النقول، ويتركون باقي الكلام، أو يتركون الكلام الثاني الذي يوضحه، ويأخذون الكلام المشتبه ويتركون الكلام البين، كثير من الذين يدعون العلم غفلوا عن هذا الشيء، إما عن قصد التضليل، وإما عن جهل، فيجب معرفة هذه الأمور، وأن تكون أصولًا وقواعد عند طالب العلم). اهـ (١).\n٤ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإن قيل: فقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (٢). متفق عليه.\n_________\n(١) «سلسلة شرح الرسائل» «تفسير كلمة التوحيد» (ص: ١٣٥ - ١٣٩).\n(٢) رواه البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.","vol":"5","page":492},{"text":"قلنا: هذا الخبر قد روي فيه «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرم دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله». رواه ابن ماجه وابن خزيمة في (صحيحة) (١). فهذا المقيد يقضي على ذلك المطلق، ثم لو كان قد قيل مفردًا، فإن الصلاة والزكاة من حقها، كما قال الصديق لعمر ووافقه عمر وسائر الصحابة على ذلك، ويكون ﷺ قد قال كلا من الحديثين في وقت، فقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (٢)؛ ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها وجب الكف عنه، وصار دمه وماله معصومًا، ثم بين في الحديث الآخر أن القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين؛ ليعلم أن تمام العصمة وكمالها إنما تحصل لذلك، ولئلا تقع الشبهة؛ فإن مجرد الإقرار لا يعصم على الدوام، كما وقعت لبعض الصحابة حتى طلاها الصديق ثم وافقه، وتكون فائدة ذلك أنه إذا قال (لا إله إلا الله) كان قد شرع في العاصم لدمه، فيجب الكف عنه، فإن تمم ذلك تحققت العصمة وإلا بطلت، وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار «أن رجلًا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي ﷺ وهو في مجلس فساره فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فجهر رسول الله ﷺ فقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، فقال: أليس يشهد أن محمدًا رسول الله قال: بلى ولا شهادة له، قال: أليس يصلي قال: بلى ولا صلاة له، قال: أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم» (٣). رواه الشافعي، وأحمد في (مسنديهما). ولو كانت الشهادتان موجبة للعصمة مع ترك الصلاة لم يسأل عنها، ولم يسقها مع الشهادتين مساقًا واحدًا. وقوله بعد ذلك: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم». يوجب حصر الذين نهي عن قتلهم في هذا الصنف. وعن أبي سعيد في حديث الخوارج، فقال ذو الخويصرة التميمي للنبي ﷺ: «يا رسول الله، اتق الله. فقال: ويلك، ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه فقال: لا، لعله أن يكون يصلي. قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال رسول الله ﷺ: لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم» رواه مسلم (٤)، فلما نهى عن قتله وعلل ذلك باحتمال صلاته علم أن ذلك هو الذي حقن دمه لا مجرد الإقرار بالشهادتين؛ فإنه قد قال: يا رسول الله، ومع هذا لم يجعل النبي ﷺ ذلك وحده موجبا لحقن الدم. وعن أم سلمة عن النبي ﷺ قال: «يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، فقالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم فقال لا، ما صلوا» رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي. ولأن الصلاة أحد مباني الإسلام الخمسة فيقتل تاركها كالشهادتين.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٣٩٢٧) وابن خزيمة (٢٢٤٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.\n(٢) رواه البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.\n(٣) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٧١) (٤١٣) وأحمد (٥/ ٤٣٢) (٢٣٧٢٠) والشافعي في مسنده (١/ ٣٢٠) (١٤٩٦) وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٣٠٩) (٥٩٧١) من حديث عبدالله بن عدي بن الحمراء رضي الله تعالى عنه. قال الذهبي (المهذب) (٣/ ١٢٩٥): جيد الإسناد من أمالي عبد الرزاق ولم يخرجوه في الستة وقال العراقي (طرح التثريب) (٢/ ١٤٥): إسناده صحيح وقال الهيثمي (مجمع الزوائد) (١/ ٢٩): رجاله رجال الصحيح.\n(٤) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"5","page":493},{"text":"اهـ (١).\nوقال ﵀ أيضا: (وهذه المسألة (٢) لها طرفان:\nأحدهما: في إثبات الكفر الظاهر.\nوالثاني: في إثبات الكفر الباطن.\nفأما الطرف الثاني فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولًا وعملًا كما تقدم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢] (٣).\nالشبهة الرابعة: قولهم: الإيمان لغة هو التصديق، وهو باق على معناه اللغوي لم ينقل عنه، فوجب أن يكون كذلك في الشرع.\nقال العلامة محمد بن نصر المروزي ﵀ مبينا أن هذا من حجج المرجئة: (ومن أعظم حجج المرجئة التي يقولون بها عند أنفسهم: اللغة، وذلك أنهم زعموا أن الإيمان لا يعرف في اللغة إلا بالتصديق، وزعم بعضهم أن التصديق لا يكون إلا بالقلب، وقال بعضهم: لا يكون إلا بالقلب واللسان، وقد وجدنا العرب في لغتنا تسمي كل عمل حققت به عمل القلب واللسان: تصديقًا). اهـ (٤).\nالجواب عن هذه الشبهة من أربعة أوجه، كلها لفارس الميدان، وبطل المضمار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.\n١ - رده ﵀ على من يرى أن لفظ الإيمان مرادف للفظ التصديق بما يشفي صدور المؤمنين، ويزيل شبهة المبتدعين والمغرورين، وسوف أنقل كلامه بطوله لأهميته:\nقال ﵀: (وليس لفظ الإيمان مرادفًا للفظ التصديق كما يظنه طائفة من الناس، فإن التصديق يستعمل في كل خبر، فيقال: لمن أخبر بالأمور المشهورة مثل: الواحد نصف الاثنين، والسماء فوق الأرض، مجيبا: صدقت، وصدقنا بذلك، ولا يقال: آمنا لك، ولا آمنا بهذا، حتى يكون المخبر به من الأمور الغائبة، فيقال للمخبر: آمنا له، وللمخبر به: آمنا به، كما قال إخوة يوسف: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: ١٧]، أي: بمقر لنا، ومصدق لنا؛ لأنهم أخبروه عن غائب، ومنه قوله تعالى: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء: ١١١]، وقوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦١]، وقوله: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون: ٤٧]، وقوله تعالى: وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [الدخان: ٢١]، وقوله تعالى: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ [يونس: ٨٣]، أي أقر له.\nوذلك أن الإيمان يفارق التصديق، أي: لفظا ومعنى، فإنه أيضا يقال: صدقته، فيتعدى بنفسه إلى المصدق، ولا يقال: أمنته إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة، بل آمنت له، وإذا ساغ أن يقال: ما أنت بمصدق لفلان، كما يقال: هل أنت مصدق له؛ لأن الفعل المتعدي بنفسه إذا قدم مفعوله عليه، أو كان العامل اسم فاعل ونحوه مما يضعف عن الفعل، فقد يعدونه باللام تقوية له، كما يقال: عرفت هذا، وأنا به عارف، وضربت هذا، وأنا له ضارب، وسمعت هذا ورأيته، وأنا له سامع وراء، كذلك يقال: صدقته، وأنا له مصدق، ولا يقال صدقت له به، وهذا خلاف آمن، فإنه لا يقال إذا أردت التصديق: آمنته كما يقال: أقررت له، ومنه قوله: آمنت له، كما يقال: أقررت له، فهذا فرق في اللفظ.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٨٥٤) من حديث أم سلمة ﵂.\n(٢) المراد: مسالة حكم تارك الأركان الأربعة.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١١).\n(٤) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٧١٦).","vol":"5","page":494},{"text":"الفرق الثاني: ما تقدم من أن الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار، بل في الإخبار عن الأمور الغائبة، ونحوها مما يدخلها الريب. فإذا أقر بها المستمع قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الأخبار.\nوأما المعنى: فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من: قر، يقر، وهو قريب من آمن، يأمن، لكن الصادق يطمئن إلى خبره والكاذب بخلاف ذلك، كما يقال: الصدق طمأنينة، والكذب ريبة، فالمؤمن دخل في الأمن كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين:\nأحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما، وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.\nوالثاني: إنشاء الالتزام، كما في قوله تعالى: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١]، وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد؛ فإنه سبحانه قال: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١]، فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول، وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ التصديق المجرد، فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر لا يقال فيه: آمن له، بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر. والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له، وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمنا للمخبر إلا بالتزام طاعته مع تصديقه، بل قد استعمل لفظ الكفر المقابل للإيمان في نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان كما استعمل لفظ الإقرار في نفس التزام الطاعة والانقياد؛ فإن الله أمر إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين.\nوأيضا: فلفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الإخبار، فإن التصديق إخبار بصدق المخبر، والتكذيب إخبار بكذب المخبر، فقد يصدق الرجل الكاذب تارة، وقد يكذب الرجل الصادق أخرى، فالتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر. فالحقائق الثابتة في نفسها التي قد تعلم بدون خبر لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب إن لم يقدر يخبر عنها، بخلاف الإيمان، والإقرار، والإنكار، والجحود ونحو ذلك، فإنه يتناول الحقائق والإخبار عن الحقائق أيضا). اهـ (١) (٢).\n٢ - رد شيخ الإسلام على من ادعى الإجماع على أن الإيمان لغة هو التصديق:\nقال ﵀: وللجمهور من أهل السنة وغيرهم عن هذا أجوبة:\nأحدها: (قول من ينازعه في أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق، ويقول: هو بمعنى الإقرار وغيره.\nوالثاني: قول من يقول: وإن كان في اللغة هو التصديق، فالتصديق يكون بالقلب، واللسان، وسائر الجوارح، كما قال النبي: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» (٣).\n_________\n(١) هذا تأصيل نفيس، وقياس بديع، يسطر بماء العيون، فرحم الله أبا العباس، ولله دره من إمام، نصر الله به الملة، وقمع به البدعة، فهل سيفقه كلامه من تخبط في بدعة الإرجاء؟!!\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٢٩ – ٥٣٢).\n(٣) رواه البخاري (٦٦١٢) ومسلم (٢٦٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":495},{"text":"والثالث: أن يقال: ليس هو مطلق التصديق، بل هو تصديق خاص، مقيد بقيود اتصل اللفظ بها، وليس هذا نقلًا للفظ ولا تغييرًا له، فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص وصفه وبينه.\nوالرابع: أن يقال: وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإن هذه لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم. ونقول: إن هذه اللوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة، وتخرج عنه أخرى.\nالخامس: قول من يقول: أن اللفظ باق على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكامًا.\nالسادس: قول من يقول: أن الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية مجاز لغوي.\nالسابع: قول من يقول: أنه منقول.\nفهذه سبعة أقوال:\nالأول: قول من ينازع في أن معناه في اللغة التصديق، ويقول: ليس هو التصديق بل بمعنى الإقرار وغيره.\nقوله: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق.\nفيقال له: من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟\nالثاني: أن يقال: أتعني بأهل اللغة نقلتها، كأبي عمرو، والأصمعي، والخليل ونحوهم، أو المتكلمين بها؟ فإن عنيت الأول، فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، وما سمعوه في دواوين الشعر وكلام العرب وغير ذلك بالإسناد، ولا نعلم فيما نقوله لفظ الإيمان، فضلًا عن أن يكونوا أجمعوا عليه، وإن عنيت المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام، فهؤلاء لم نشهدهم، ولا نقل لنا أحد عنهم ذلك.\nالثالث: أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم، وإن قدر أنه قاله واحد أو اثنان فليس هذا إجماعًا.\nالرابع: أن يقال هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا عنى هذا اللفظ كذا وكذا، وإنما ينقلون الكلام المسموع من العرب، وأنه يفهم منه كذا وكذا، وحينئذ فلو قدر أنهم نقلوا كلامًا عن العرب يفهم منه أن الإيمان هو التصديق، لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي، وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى ولم يدره، فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه عن العرب أولى.\nالخامس: أنه لو قدر أنهم قالوا: هذا فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر، والتواتر من شرطه استواء الطرفين والواسطة، وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن أنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق؟ فإن قيل: هذا يقدح في العلم باللغة قبل نزول القرآن، قيل: فليكن، ونحن لا حاجة بنا مع بيان الرسول لما بعثه الله به من القرآن أن نعرف اللغة قبل نزول القرآن، والقرآن نزل بلغة قريش، والذين خوطبوا به كانوا عربًا، وقد فهموا ما أريد به، وهم الصحابة، ثم الصحابة بلغوا لفظ القرآن ومعناه إلى التابعين، حتى انتهى إلينا فلم يبق بنا حاجة إلى أن تتواتر عندنا تلك اللغة من غير طريق تواتر القرآن، لكن لما تواتر القرآن لفظًا ومعنى، وعرفنا أنه نزل بلغتهم، عرفنا أنه كان في لغتهم لفظ السماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر ونحو ذلك، على ما هو معناها في القرآن، وإلا فلو كلفنا نقلًا متواترًا لآحاد هذه الألفاظ من غير القرآن لتعذر علينا ذلك في جميع الألفاظ، لاسيما إذا كان المطلوب أن جميع العرب كانت تريد باللفظ هذا المعنى، فإن هذا يتعذر العلم به، والعلم بمعاني القرآن ليس موقوفًا على شيء من ذلك، بل الصحابة بلغوا معاني القرآن كما بلغوا لفظه، ولو قدرنا أن قومًا سمعوا كلامًا أعجميًا وترجموه لنا بلغتهم، لم نحتج إلى معرفة اللغة التي خوطبوا بها أولًا.","vol":"5","page":496},{"text":"السادس: أنه لم يذكر شاهدًا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم، وإنما استدل من غير القرآن بقول الناس: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان يؤمن بالجنة والنار، وفلان يؤمن بعذاب القبر، وفلان لا يؤمن بذلك، ومعلوم أن هذا ليس من ألفاظ العرب قبل نزول القرآن، بل هو مما تكلم الناس به بعد عصر الصحابة، لما صار من الناس أهل البدع يكذبون بالشفاعة وعذاب القبر، ومرادهم بذلك هو مرادهم بقوله: فلان يؤمن بالجنة والنار، وفلان لا يؤمن بذلك، والقائل لذلك وإن كان تصديق القلب داخلًا في مراده فليس مراده ذلك وحده، بل مراده التصديق بالقلب واللسان، فإن مجرد تصديق القلب بدون اللسان لا يعلم حتى يخبر به عنه.\nالسابع: أن يقال: من قال ذلك فليس مراده التصديق بما يرجى ويخاف بدون خوف ولا رجاء، بل يصدق بعذاب القبر ويخافه، ويصدق بالشفاعة ويرجوها، وإلا فلو صدق بأنه يعذب في قبره ولم يكن في قلبه خوف من ذلك أصلا لم يسموه مؤمنًا به، كما أنهم لا يسمون مؤمنًا بالجنة والنار إلا من رجا الجنة وخاف النار، دون المعرض عن ذلك بالكلية مع علمه بأنه حق، كما لا يسمون إبليس مؤمنًا بالله وإن كان مصدقا بوجوده وربوبيته، ولا يسمون فرعون مؤمنًا وإن كان عالما بأن الله بعث موسى، وأنه هو الذي أنزل الآيات وقد استيقنت بها أنفسهم مع جحدهم لها بألسنتهم، ولا يسمون اليهود مؤمنين بالقرآن والرسول وإن كانوا يعرفون أنه حق كما يعرفون أبناءهم. فلا يوجد قط في كلام العرب أن من علم وجود شيء مما يخاف ويرجى، ويجب حبه وتعظيمه، وهو مع ذلك لا يحبه، ولا يعظمه، ولا يخافه، ولا يرجوه، بل يجحد به ويكذب به بلسانه، أنهم يقولون هو مؤمن، بل ولو عرفه بقلبه وكذب به بلسانه لم يقولوا: هو مصدق به، ولو صدق به مع العمل بخلاف مقتضاه لم يقولوا: هو مؤمن به، فلا يوجد في كلام العرب شاهد واحد يدل على ما ادعوه، وقوله: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: ١٧] قد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع، فإن هذا استدلال بالقرآن وليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر كما بسطناه في موضعه.\nالوجه الثامن: قوله: لا يعرفون في اللغة إيمانًا غير ذلك، من أين له هذا النفي الذي لا تمكن الإحاطة به؟! بل هو قول بلا علم.\nالتاسع: قول من يقول: أصل الإيمان مأخوذ من الأمن كما ستأتي أقوالهم إن شاء الله، وقد نقلوا في اللغة الإيمان بغير هذا المعنى، كما قاله الشيخ أبو البيان في قول.\nالوجه العاشر: أنه لو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق، فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء، بل بشيء مخصوص، وهو ما أخبر به الرسول، وحينئذ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة، ومعلوم أن الخاص ينضم إليه قيود لا توجد في جميع العام، كالحيوان إذا أخذ بعض أنواعه وهو الإنسان، كان فيه المعنى العام ومعنى اختص به، وذلك المجموع ليس هو المعنى العام. فالتصديق الذي هو الإيمان أدنى أحواله أن يكون نوعًا من التصديق العام، فلا يكون مطابقًا له في العموم والخصوص من غير تغيير اللسان ولا قلبه، بل يكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفًا من العام والخاص، كالإنسان الموصوف بأنه حيوان وأنه ناطق.","vol":"5","page":497},{"text":"الوجه الحادي عشر: أن القرآن ليس فيه ذكر مطلق غير مفسر. بل لفظ الإيمان فيه إما مقيد وإما مطلق مفسر، فالمقيد كقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣]، وقوله: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ [يونس: ٨٣] والمطلق المفسر كقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢]، وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥] ونحو ذلك، وقوله: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥]، وأمثال هذه الآيات. وكل إيمان مطلق في القرآن فقد يبين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنًا إلا بالعمل مع التصديق، فقد بين في القرآن أن الإيمان لابد فيه من عمل مع التصديق كما ذكر مثل ذلك في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج.\nفإن قيل: تلك الأسماء باقية، ولكن ضم على المسمى أعمالًا في الحكم لا في الاسم، كما يقوله القاضي أبو يعلى وغيره، قيل: إن كان هذا صحيحًا قيل مثله في الإيمان، وقد أورد هذا السؤال لبعضهم ثم لم يجب عنه بجواب صحيح، بل زعم أن القرآن لم يذكر فيه ذلك، وليس كذلك، بل القرآن والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق، وهذا في القرآن أكثر بكثير من معنى الصلاة والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها السنة، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة وإجماع السلف.","vol":"5","page":498},{"text":"الثاني عشر: أنه إذا قيل: أن الشارع خاطب الناس بلغة العرب، فإنما خاطبهم بلغتهم المعروفة، وقد جرى عرفهم أن الاسم يكون مطلقًا وعامًا، ثم يدخل فيه قيد أخص من معناه، كما يقولون: ذهب إلى القاضي والوالي والأمير يريدون شخصا معينا يعرفونه، دلت عليه اللام مع معرفتهم به، وهذا الاسم في اللغة اسم جنس لا يدل على خصوص شخص، وأمثال ذلك. فكذلك الإيمان والصلاة والزكاة، إنما خاطبهم بهذه الأسماء بلام التعريف، وقد عرفهم قبل ذلك أن المراد الإيمان الذي صفته كذا وكذا، والدعاء الذي صفته كذا وكذا، فبتقدير أن يكون في لغتهم التصديق، فإنه قد بين أنه لا يكتفي بتصديق القلب واللسان، فضلًا عن تصديق القلب وحده، بل لابد أن يعمل بموجب ذلك التصديق، كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات: ١٥]، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢]، وفي قوله ﷺ: «لا تؤمنون حتى تكونوا كذا» وفي قوله تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢]، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء [المائدة: ٨١]، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة، كقوله ﵇: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١)، وقوله: «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» (٢) وأمثال ذلك. فقد بيَّن لهم أن التصديق الذي لا يكون الرجل مؤمنا إلا به هو أن يكون تصديقا على هذا الوجه، وهذا بيِّنٌ في القرآن والسنة من غير تغيير للغة، ولا نقل لها.\nالثالثة عشر: أن يقال: بل نقل وغُيِّرَ، قوله: لو نقل لتواتر، قيل: نعم، وقد تواتر أنه أراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج معانيها المعروفة، وأراد بالإيمان ما بينه بكتابه وسنة رسوله، من أن العبد لا يكون مؤمنا إلا به، كقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ وهذا متواتر في القرآن والسنن، ومتواتر أيضًا أنه لم يكن يحكم لأحد بحكم الإيمان إلا أن يؤدي الفرائض، ومتواتر عنه أنه أخبر أنه من مات مؤمنا دخل الجنة ولم يعذب، وأن الفساق لا يستحقون ذلك بل هم معرضون للعذاب، فقد تواتر عنه من معاني اسم الإيمان وأحكامه ما لم يتواتر عنه في غيره، فأي تواتر أبلغ من هذا؟ وقد توفرت الدواعي على نقل ذلك وإظهاره ولله الحمد. ولا يقدر أحد أن ينقل عن النبي ﷺ نقلًا يناقض هذا، لكن أخبر أنه يخرج منها من كان معه شيء من الإيمان، ولم يقل: إن المؤمن يدخلها، ولا قال: إن الفساق مؤمنون، لكن أدخلهم في مسمى الإيمان في مواضع، كما أدخل المنافقين في اسم الإيمان في مواضع مع القيود، وأما الاسم المطلق الذي وعد أهله بالجنة فلم يدخل فيه لا هؤلاء ولا هؤلاء.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه مسلم بلفظ (لا يدخل الجنة) (٤٦) ورواه أحمد (٢/ ٢٨٨) (٧٨٦٥) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":499},{"text":"الوجه الرابع عشر: قوله: ولا وجه للعدول بالآيات التي تدل على أنه عربي عن ظاهرها، فيقال له: الآيات التي فسرت المؤمن، وسلبت الإيمان عمن لم يعمل أصرح وأبين وأكثر من هذه الآيات، ثم إذا دلت على أنه عربي فما ذكر لا يخرجه عن كونه عربيا؛ ولهذا لما خاطبهم بلفظ الصلاة والحج وغير ذلك لم يقولوا: هذا ليس بعربي، بل خاطبهم باسم المنافقين، وقد ذكر أهل اللغة أن هذا الاسم لم يكن يعرف في الجاهلية، ولم يقولوا: أنه ليس بعربي؛ لأن المنافق مشتق من نفق إذا خرج، فإذا كان اللفظ مشتقًا من لغتهم وقد تصرف فيه المتكلم به كما جرت عادتهم في لغتهم، لم يخرج ذلك عن كونه عربيا.\nالوجه الخامس عشر: أنه لو فرض أن هذه الألفاظ ليست عربية، فليس تخصيص عموم هذه الألفاظ بأعظم من إخراج لفظ الإيمان عما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، فإن النصوص التي تنفي الإيمان عمن لا يحب الله ورسوله، ولا يخاف الله ولا يتقيه، ولا يعمل شيئًا من الواجب، ولا يترك شيئا من المحرم، كثيرة صريحة، فإذا قدر أنه عارضها آية، كان تخصيص اللفظ القليل العام أولى من رد النصوص الكثيرة الصريحة.\nالسادس عشر: أن هؤلاء واقفة في ألفاظ العموم، لا يقولون بعمومها، والسلف يقولون: الرسول وقفنا على معاني الإيمان، وبيَّنه لنا، وعلمنا مراده منه بالاضطرار، وعلمنا من مراده علما ضروريًا أن من قيل: أنه صدق ولم يتكلم بلسانه بالإيمان مع قدرته على ذلك، ولا صلى، ولا صام، ولا أحب الله ورسوله، ولا خاف الله، بل كان مبغضًا للرسول، معاديًا له، يقاتله، أن هذا ليس بمؤمن). اهـ (١).\n٣ - وقال ﵀ أيضا: (وأما المقدمة الثانية فيقال: إنه إذا فرض أنه مرادف للتصديق، فقولهم أن التصديق لا يكون إلا بالقلب أو اللسان عنه جوابان:\nأحدهما: المنع، بل الأفعال تسمى تصديقًا، كما ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ أنه قال: «العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني، وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» (٢)، وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف. قال الجوهري: والصِّدِّيقُ مثال الفِّسِّيقِ، الدائم التصديق، ويكون الذي يصدق قوله بالعمل. وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، وهذا مشهور عن الحسن، يروى عنه من غير وجه، كما رواه عباس الدوري: حدثنا حجاج، حدثنا أبو عبيدة الناجي، عن الحسن قال: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال)، من قال حسنا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله، ومن قال حسنا وعمل صالحًا رفعه العمل، ذلك بأن الله يقول: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ [فاطر: ١٠]. ورواه ابن بطة من الوجهين: وقوله: ليس الإيمان بالتمني، يعني الكلام، وقوله: بالتحلي، يعني أن يصير حلية ظاهرة له، فيظهره من غير حقيقة من قلبه، ومعناه ليس هو ما يظهر من القول ولا من الحلية الظاهرة، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، فالعمل يصدق أن في القلب إيمانًا، وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيمانًا؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم). اهـ (٣).\n_________\n(١) «الإيمان» (ص: ١١٦ - ١٢٥).\n(٢) رواه البخاري (٦٦١٢) ومسلم (٢٦٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٩٣، ٢٩٤).","vol":"5","page":500},{"text":"٤ - وقال ﵀ أيضًا: (فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته. وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره، فيصدق القلب أخباره تصديقًا يوجب حالًا في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول. وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو نوع من الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين.\nفمن ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا، فالكفر أعم من التكذيب. يكون تكذيبًا وجهلًا، ويكون استكبارًا وظلمًا، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب.\nولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالًا وهو الجهل، ألا ترى أن نفرًا من اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ وسألوه عن أشياء، فأخبرهم، فقالوا: نشهد أنك نبي ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره، فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق، ألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله، وقد تضمنت خبرا وأمرا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان، وهو تصديقه خبر الله وانقياده لأمر الله.\nفإذا قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره، فإذا قال: (وأشهد أن محمدًا رسول الله) تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله، فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار.\nفلما كان التصديق لابد منه في كلا الشهادتين – وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول – ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان، وغفل عن أن الأصل الآخر لابد منه وهو الانقياد، وإلا فقد يصدق الرسول ظاهرًا وباطنًا ثم يمتنع من الانقياد للأمر، إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله ﷾ – كإبليس -.\nوهذا مما يبين لك أن الاستهزاء بالله ورسوله ينافي الانقياد له، والطاعة منفاة ذاتية، وينافي التصديق بطريق الاستلزام؛ لأنه ينافي موجب التصديق ومقتضاه، ويمنعه عن حصول ثمرته مقصوده. لكن الإيمان بالرسول إنما يعود أصله إلى التصديق فقط؛ لأنه مبلغ لخبر الله وأمره، لكن يستلزم الانقياد له؛ لأنه قد بلغ عن الله أنه أمر بطاعته، فصار الانقياد له من تصديقه في خبره، فمن لم ينقد لأمره فهو إما مكذب له أو ممتنع عن الانقياد لربه، وكلاهما كفر صريح). اهـ (١).\nفهذا واضح جلي في أن الإقرار والانقياد لازم للتصديق القلبي، فهل سيعقل ذلك من نقل عن شيخ الإسلام ﵀ خلافه؟!!\nالشبهة الخامسة: قالوا: إن الله تعالى خاطب المؤمنين باسم الإيمان قبل وجود الأعمال، فدل ذلك على تحقيق الإيمان بدونها.\nالجواب عن هذه الشبهة: قد أجاب عن هذه الشبهة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: الجواب عن قولهم: خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال، فنقول: يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين، ولهذا قال تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧] ولهذا لم يجيء ذكر الحج في أكثر الأحاديث التي فيها ذكر الإسلام والإيمان، كحديث وفد عبد القيس، وحديث الرجل النجدي الذي يقال له: ضمام بن ثعلبة وغيرهما، وإنما جاء ذكر الحج في حديث ابن عمر وجبريل؛ وذلك لأن الحج آخر ما فرض من الخمس، فكان قبل فرضه لا يدخل في الإيمان والإسلام، فلما فرض أدخله النبي ﷺ في الإيمان إذا أفرد، وأدخله في الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد، وسنذكر إن شاء الله متى فرض الحج.\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (٣/ ٩٦٧ – ٩٦٩).","vol":"5","page":501},{"text":"وكذلك قولهم: من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنًا فصحيح؛ لأنه أتى بالإيمان الواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد). اهـ (١).\nوقال ﵀ أيضًا: (وإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة؛ لأنها لوازم ما في القلب، لأنه متى ثبت الإيمان في القلب، والتصديق بما أخبر به الرسول، وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة، فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه البتة، فلا تستقر معرفة تامة ومحبة صحيحة ولا يكون لها أثر في الظاهر، ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، كقوله تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء [المائدة: ٨١]، وقوله: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢] الآية ونحوها. فالظاهر والباطن متلازمان. لا يكون الظاهر مستقيمًا إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلابد أن يستقيم الظاهر؛ ولهذا قال النبي: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» (٢). اهـ) (٣).\nوقال ﵀ أيضًا: (فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان، علمًا وعملًا قلبيا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، وإذا فسد فسد، ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلي العابث: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). فلابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة: ١٦٥]. فوصف الذين آمنوا بأنهم أشد حبا لله من المشركين لأندادهم. اهـ) (٤).\nالشبهة السادسة: استشهادهم بقول بعض السلف: \"الإسلام الكلمة، والإيمان العمل\".\nوهذا القول مروي عن الزهري، وابن أبي ذئب، ورواية عن أحمد، ﵏ جميعًا.\nقال الإمام أبو داود السجستاني ﵀ (٥): قال الزهري – يعني على قوله تعالى -: قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤] قال: نرى الإسلام الكلمة والإيمان العمل (٦).\nوقال اللالكائي ﵀: (أخبرنا محمد أخبرنا عثمان قال: ثنا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله – يعني أحمد بن حنبل – وسئل عن الإيمان والإسلام قال: قال ابن أبي ذئب: الإسلام الكلمة والإيمان العمل (٧). وساق الخلال بسنده إلى أحمد بن القاسم قال:\nسمعت أبا عبد الله يقول: ... قال الزهري: فنرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل. فاستحسنه أبو عبد الله (٨).\nوالذين استشهدوا بذلك قالوا: فإن ترك العمل خرج من الإيمان إلى الإسلام.\nالجواب عن استشهادهم من ثلاثة أوجه:\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٩٦، ١٩٧)\n(٢) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٢٧٢).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٨٧، ١٨٨).\n(٥) لقد كان من فقه الإمام أبي داود ﵀ أن ساق حديث: (بين العبد والكفر ترك الصلاة) في (باب في رد الإرجاء).\n(٦) رواه أبو داود (٤٦٨٤).\n(٧) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٤/ ٨٩٥) (١٥٠٠).\n(٨) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤١٥).","vol":"6","page":1},{"text":"١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قال الزهري: الإسلام الكلمة. وعلى ذلك وافقه أحمد وغيره، وحين وافقه لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها؛ فإن الزهري أجل من أن يخفى عليه ذلك، ولهذا أحمد لم يجب بهذا في جوابه الثاني، خوفًا من أن يظن أن الإسلام ليس هو إلا الكلمة (١).\n٢ - وقال ﵀: وأحمد بن حنبل وإن كان قد قال في هذا الموضع: إن الإسلام هو الكلمة، فقد قال في موضع آخر: إن الأعمال من الإسلام، وهو اتبع هنا الزهري ﵀، فإن كان مراد من قال ذلك أنه بالكلمة يدخل في الإسلام وإن لم يعمل فهذا غلط قطعا، بل قد أنكر أحمد هذا الجواب، وهو قول من قال: يطلق عليه الإسلام وإن لم يعمل متابعة لحديث جبريل، فكان ينبغي أن يذكر قول أحمد جميعه. قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الإسلام والإيمان، فقال: الإيمان قول وعمل، والإسلام الإقرار. وقال: وسألت أحمد عمن قال في الذي قال جبريل للنبي ﷺ إذ سأله عن الإسلام: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ فقال: نعم. فقال قائل: وإن لم يفعل الذي قال جبريل للنبي فهو مسلم أيضا؟ فقال: هذا معاند للحديث. فقد جعل أحمد من جعله مسلمًا إذا لم يأت بالخمس معاندًا للحديث، مع قوله أن الإسلام الإقرار، فدل ذلك على أن ذاك أول الدخول في الإسلام، وأنه لا يكون قائمًا بالإسلام الواجب حتى يأتي بالخمس. وإطلاق الاسم مشروط بها، فإنه ذم من لم يتبع حديث جبريل، وأيضًا فهو في أكثر أجوبته يكفر من لم يأت بالصلاة، بل وبغيرها من المباني. والكافر لا يكون مسلمًا باتفاق المسلمين، فعلم أنه لم يرد أن الإسلام هو مجرد القول بلا عمل، وإن قدر أنه أراد ذلك، فهذا يكون أنه لا يكفر بترك شيء من المباني الأربعة، وأكثر الروايات عنه بخلاف ذلك، والذين لا يكفرون من ترك هذه المباني يجعلونها من الإسلام، كالشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم، فكيف لا يجعلها أحمد من الإسلام، وقوله في دخولها في الإسلام أقوى من قول غيره. اهـ) (٢).\n٣ - الإمام الزهري ﵀ يرى أن الأحاديث التي فيها (من قال: لا إله إلا الله. دخل الجنة) كانت قبل نزول الفرائض والحدود، كما نقله عنه الحافظ ابن رجب ﵀ (٣).\nفلابد من جمع كلام الأئمة، وضم بعضه إلى بعض، كما هي طريقة أهل السنة، والتي تميزوا بها عن المبتدعة، ولئن كان ذلك مطلوبًا في كلام الأئمة، ففي النصوص الشرعية أولى وأحرى.\nالشبهة السابعة: استشهادهم بقوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، والذي يعرف بحديث الشفاعة، أو حديث الجهنميين، وفيه: «أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه» (٤). ويعد من قال بنجاة تارك أعمال الجوارح كلية حديث الشفاعة نصًا في ذلك زَعَمَ.\nأولًا: بعض طرق الحديث التي لها علاقة بالمسألة:\n١ - حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه:\n_________\n(١) «السنة» للخلال: (ق ١٦٠/ أ).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٧٠).\n(٣) انظر تفضلًا «كتاب التوحيد» لابن رجب ﵀ (ص: ٤٥).\n(٤) رواه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣).","vol":"6","page":2},{"text":"أ) من طريق الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ ... فساق الحديث، وذكر أتباع كل أمة ما كانت تعبد، ومرور المؤمنين على الصراط، وأن آخرهم يمر وهو يسحب سحبًا، قال: «فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوا فاقرؤوا: إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء: ٤٠]، قال رسول الله ﷺ: فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي. فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقوامًا قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة، يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنب الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها على جانب الصخرة، إلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم، ومثله معه» (١).\nب) رواية مسلم من طريق سويد بن سعيد قال: حدثني حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، وفيه: «فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا! كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا، قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا، ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا ... إلى أن قال: فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة ... إلى أن قال: فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله، الذين أدخلهم الله الجنة، بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه ...» الحديث (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣).","vol":"6","page":3},{"text":"٢ - حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:\nمن طريق الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، «أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة ... فذكر الحديث»، وفيه: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يشهد أن لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون تحته كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل ....» الحديث (١).\n٣ - حديث أنس رضي الله تعالى عنه:\nمن طريق حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال العنزي عن أنس ﵁ مرفوعًا ... وفيه ذكر إتيان الناس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام طلبًا للشفاعة، ثم قال النبي ﷺ: «فأقول: أنا لها. فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها، لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان. فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: يا رب، أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى (أدنى) مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجه من النار، من النار، من النار، فأنطلق فأفعل فلما خرجنا من عند أنس قلت لبعض أصحابنا: لو مررنا بالحسن- وهو متوار في منزل أبي خليفة- فحدثنا بما حدثنا أنس بن مالك، فأتيناه فسلمنا عليه، فأذن لنا، فقلنا له: يا أبا سعيد، جئناك من عند أخيك أنس بن مالك، فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة، فقال: هيه. فحدثناه بالحديث، فانتهى إلى هذا الموضع، فقال: هيه، فقلنا: لم يزد لنا على هذا، فقال: لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة، فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلموا (٢)، فقلنا: يا أبا سعيد، فحدثناه، فضحك وقال: خلق الإنسان عجولًا، ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم. حدثني كما حدثكم به، قال: ثم أعود الرابعة، فأحمد بتلك، ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقول: وعزتي، وجلالي، وكبريائي، وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله» (٣).\n٤ - حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه:\nمن طريق الحسن بن ذكوان حدثنا أبو رجاء حدثنا عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ، فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين» (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري واللفظ له (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة ﵂.\n(٢) عند الإمام مسلم ﵀: (تتكلوا).\n(٣) رواه البخاري واللفظ له (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٦٥٦٦).","vol":"6","page":4},{"text":"تنبيه مهم: قال إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀: فأصحاب النبي ﷺ ربما اختصروا أخبار النبي ﷺ إذا حدثوا بها، وربما اقتصوا الحديث بتمامه، وربما كان اختصار بعض الأخبار أن بعض السامعين يحفظ بعض الخبر ولا يحفظ جميع الخبر، وربما نسي بعد الحفظ بعض المتن. فإذا جمعت الأخبار كلها علم حينئذ جميع المتن والسند، (و) دل بعض المتن على بعض، كذكرنا أخبار النبي ﷺ في كتبنا، نذكر المختصر منها، والمتقصى منها، والمجمل والمفسر، فمن لم يفهم هذا الباب لم يحل له تعاطي علم الأخبار ولا ادعاؤها). اهـ (١).\nوقال ﵀ أيضًا: (والناظر في أحاديث الشفاعة يجد هذا بجلاء، بل لا تكاد ترى حديثًا في هذا الباب إلا وفيه إجمال أو إبهام، والموفق من وفقه الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢).\nثانيًا: كلام أهل العلم حول الحديث، وبيان خطأ من استشهد به على نجاة تارك العمل الظاهر كلية دون عذر، وذلك من عدة أوجه:\nالوجه الأول: أن هذا الحديث لا يمكن الأخذ بظاهره والاكتفاء به دون تقييده بالأدلة الأخرى. وبيان ذلك: أن التدرج المذكور في الحديث:\n«فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه».\n«فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه».\n«فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه».\n«ثم قول الملائكة بعد ذلك: ربنا لم نذر فيها خيرا».\nثم قول الله ﷿: «شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط».\nهذا التدرج يدل بظاهره على أن هؤلاء ليسوا من أهل التوحيد، فليس معهم شيء من إيمان القلب، ولا مثقال ذرة من خير، ولم يعملوا خيرًا قط، لا من أعمال الجوارح ولا من أعمال القلوب، كما يفيده هذا النفي.\nولم يذكر في الحديث أنهم قالوا: (لا إله إلا الله)؛ ولهذا احتج به بعض أهل البدع على إخراج غير المؤمنين من النار. قال الحافظ ابن حجر ﵀: تنبيه، قرأت في (تنقيح الزركشي): وقع هنا في حديث أبي سعيد بعد شفاعة الأنبياء، فيقول الله: «بقيت شفاعتي فيخرج من النار من لم يعمل خيرًا».\nوتمسك به بعضهم في تجويز إخراج غير المؤمنين من النار.\nورد بوجهين:\nأحدهما: أن هذه الزيادة ضعيفة؛ لأنها غير متصلة كما قال عبد الحق في (الجمع) (٣).\nوالثاني: أن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين، كما تدل عليه بقية الأحاديث.\nهكذا قال، والوجه الأول غلط منه، فإن الرواية متصلة هنا، وأما نسبة ذلك لعبد الحق فغلط على غلط؛ لأنه لم يقله إلا في طريق أخرى وقع فيها: «أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير ...» قال: هذه متصلة. اهـ (٤).\nوقد نسب الشيخ الألباني ﵀ (٥) هذا الوجه الثاني إلى الحافظ ابن حجر، ولم ينبه على أنه كلام الزركشي وارتضى هذا الجواب، ومثل للأحاديث المشار إليها في كلام الزركشي بحديث أنس ﵁ الطويل في الشفاعة.\n_________\n(١) «كتاب التوحيد» للإمام ابن خزيمة ﵀ (٢/ ٦٠٢).\n(٢) «كتاب التوحيد» للإمام ابن خزيمة ﵀ (٢/ ٧٠٧).\n(٣) «الجمع بين الصحيحين» لعبد الحق الإشبيلي (١/ ١٥٦).\n(٤) «فتح الباري» (١٣/ ٤٢٣).\n(٥) «حكم تارك الصلاة» (ص: ٣٢، ٣٣).","vol":"6","page":5},{"text":"وقولهم: إن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين. قد يفهم منه اشتراط التصديق وعمل القلب، وقد ينازع في هذا الفهم؛ ولهذا كان أجود منه قول الطيبي: هذا يؤذن بأن كل ما قدر قبل ذلك بمقدار شعيرة، ثم حبة، ثم خردلة، ثم ذرة، غير الإيمان الذي يعبر به عن التصديق والإقرار، بل هو ما يوجد في قلوب المؤمنين من ثمرة الإيمان، وهو على وجهين:\nأحدهما: ازدياد اليقين وطمأنينة النفس، لأن تضافر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لعدمه.\nوالثاني: أن يراد العمل، وأن الإيمان يزيد وينقص بالعمل، وينصر هذا الوجه قوله في حديث أبي سعيد: «لم يعملوا خيرًا قط». اهـ (١).\nوالحاصل أن ظاهر الحديث مشكل، وأنه لا يمكن القول به إلا مع مراعاة الأدلة الأخرى.\nالوجه الثاني: أن المخالف إن قال: بل هؤلاء الذين لم يعملوا خيرا قط، إلا الإقرار والتصديق وعمل القلب.\nقيل له: من أين لك هذا، ولا وجود له في الحديث، لاسيما مع \"التدرج\" الذي تحتج به؟\nفإن قال: جاء هذا من النصوص الأخرى التي تشترط للنجاة قول (لا إله إلا الله) بصدق ويقين وإخلاص.\nقيل له: ونحن نثبت وجود عمل الجوارح لاسيما الصلاة.\nالوجه الثالث: قوله ﷺ: (لم يعملوا خيرا قط) ليس المراد منه نفي جميع العمل، بل جاء إطلاق هذه العبارة في النصوص مع إثبات العمل، وقد وقع هذا في حديث الشفاعة وفي غيره وهناك طرفًا من ذلك، مع كلام السلف:\n١ - في رواية حذيفة ﵁ عن أبي بكر الصديق ﵁ لحديث الرؤية والشفاعة: «ثم يقال ادعوا الصديقين فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الأنبياء. قال: فيجيء النبي ومعه العصابة، والنبي معه الخمسة والستة، والنبي ليس معه أحد، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون لمن أرادوا، قال: فإذا فعلت الشهداء ذلك قال: فيقول الله ﷿: أنا أرحم الراحمين، ادخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئًا، قال: فيدخلون الجنة. قال: ثم يقول الله ﷿: انظروا في أهل النار هل تلقون من أحد عمل خيرًا قط؟\nقال: فيجدون في النار رجلًا، فيقولون له: هل عملت خيرًا قط؟ فيقول: لا، غير أني كنت أسامح الناس في البيع.\nفيقول الله ﷿: اسمحوا لعبدي بسماحته إلى عبيدي. ثم يخرجون من النار رجلًا يقول له: هل عملت خيرًا قط؟\nفيقول: لا، غير أني أمرت ولدي إذا مت فأحرقوني في النار ثم اطحنوني حتى إذا كنت مثل الكحل فاذهبوا بي إلى البحر فاذروني في الريح، فوالله لا يقدر علي رب العالمين أبدًا.\nفقال الله ﷿ له: لم فعلت ذلك؟ قال: من مخافتك. قال: فيقول الله ﷿: انظر إلى ملك، أعظم ملك، فإن له مثله وعشرة أمثاله. قال: فيقول: أتسخر بي وأنت الملك» (٢).\n_________\n(١) «فتح الباري» للحافظ ابن حجر ﵀ (١٣/ ٤٣٨).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٤) (١٥) وابن حبان (١٤/ ٣٩٣) (٦٤٧٦) وأبو يعلى في مسنده (١/ ٥٦) (٥٦) من حديث أبي بكر الصديق ﵁، قال البزار «البحر الزخار» (١/ ١٤٩): إسناده مع ما فيه، إلا أنه قد رواه جماعة من جلة أهل العلم بالنقل واحتملوه وقال الألباني «صحيح الترغيب» (٣٦٤١): حسن.","vol":"6","page":6},{"text":"٢ - وفي رواية أنس رضي الله تعالى عنه، عند أحمد وابن منده أن هؤلاء الجهنميين كانوا يعبدون الله ولا يشركون به شيئًا في الدنيا. قال الإمام أحمد: حدثنا يونس حدثنا ليث عن يزيد – يعني ابن الهاد – عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأول الناس تنشق الأرض عن جمجمتي يوم القيامة ولا فخر، وأعطى لواء الحمد ولا فخر، وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة يوم القيامة ولا فخر، وإني آتي باب الجنة فآخذ بحلقتها، فيقولون: من هذا؟ فأقول: أنا محمد، فيفتحون لي فأدخل، فإذا الجبار ﷿ مستقبلي فأسجد له، فيقول: ارفع رأسك يا محمد، وتكلم يسمع منك، وقل يقبل منك، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي أمتي يا رب. فيقول: اذهب إلى أمتك فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من شعير من الإيمان فأدخله الجنة. فأقبل فمن وجدت في قلبه ذلك فأدخله الجنة، فإذا الجبار ﷿ مستقبلي فأسجد له، فيقول: ارفع رأسك يا محمد، وتكلم يسمع منك، وقل يقبل منك، واشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: أمتي أمتي أي رب. فيقول: اذهب إلى أمتك فمن وجدت في قلبه نصف حبة من شعير من الإيمان فأدخلهم الجنة. فأذهب فمن وجدت في قلبه مثقال ذلك أدخلهم الجنة، فإذا الجبار ﷿ مستقبلي فأسجد له، فيقول: ارفع رأسك يا محمد، وتكلم يسمع منك، وقل يقبل منك، واشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: أمتي أمتي، فيقول: اذهب إلى أمتك فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان فأدخله الجنة، فأذهب فمن وجدت في قلبه مثقال ذلك أدخلتهم الجنة.\nوفرغ الله من حساب الناس وأدخل من بقي من أمتي النار مع أهل النار. فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله ﷿ لا تشركون به شيئًا. فيقول الجبار ﷿: فبعزتي لأعتقنهم من النار. فيرسل إليهم فيخرجون وقد امتحشوا فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في غثاء السيل، ويكتب بين أعينهم: هؤلاء عتقاء الله ﷿، فيذهب بهم فيدخلون الجنة، فيقول لهم أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون. فيقول الجبار: بل هؤلاء عتقاء الجبار ﷿» (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: (ووقع في رواية عمرو بن أبي عمرو عن أنس عند النسائي ذكر سبب آخر لإخراج الموحدين من النار ولفظه: «وفرغ من حساب الناس وأدخل من بقي من أمتي النار مع أهل النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون به شيئًا. فيقول الجبار: فبعزتي لأعتقنهم من النار فيرسل إليهم فيخرجون». وفي حديث أبي موسى عند ابن أبي عاصم والبزار رفعه: «وإذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة يقول لهم الكفار: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا بلى. قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٤٤) (١٢٤٩١) والدارمي في سننه (١/ ٤١) (٥٢) وابن منده في «الإيمان» (٢/ ٨٤٦) من حديث أنس بن مالك ﵁. قال ابن منده: هذا حديث صحيح مشهور، وقال الألباني «السلسلة الصحيحة» (٤/ ١٠٠): إسناده جيد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"6","page":7},{"text":"فقالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها. فيأمر الله من كان من أهل القبلة فأخرجوا. فقال الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين» (١). وفي الباب عن جابر، وقد تقدم في الباب الذي قبله، وعن أبي سعيد الخدري عند ابن مردويه.) اهـ (٢).\nفهؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن: يعبدون الله، وهم من أهل القبلة، فكيف يظن أنهم لم يعملوا شيئًا من أعمال الجوارح؟!\n٣ - حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا في (الصحيحين): وقد جاء فيه عند مسلم: «أن ملائكة العذاب تقول: إنه لم يعمل خيرًا قط، وأن ملائكة الرحمة تقول: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله» (٣).\nوالملائكة جميعهم صادقون في وصفهم للرجل.\nفعلم بهذا أنه قد يقال عن رجل: لم يعمل خيرًا قط، مع تلبسه ببعض الأعمال الصالحة. ويكون المراد بالنفي أنه لم يأت بكمال العمل الواجب.\nوفي الحديث: «ومن يحول بينه وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمن وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوه، فوجوده أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة» (٤).\nقال قتادة: فقال الحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره.\nفهذا السير والانطلاق، ثم النأي بالصدر، أليس عملًا صالحًا من أعمال الجوارح؟!\nوهذا فهم السلف ومن على دربهم من أهل العلم المعاصرين لهذه اللفظة «لم يعملوا خيرًا قط».\nقال الإمام ابن خزيمة ﵀: (هذه اللفظة: «لم يعملوا خيرًا قط»: من الجنس الذي تقول العرب: ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرًا قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي.) اهـ (٥).\nوقالت اللجنة الدائمة للبحوث والعلمية والإفتاء بالسعودية، زادها الله عزا وتمكينا: (وأما ما جاء في الحديث: «إن قومًا يدخلون الجنة لم يعملوا خيرًا قط»: فليس هو عاما لكل من ترك العمل وهو يقدر عليه، وإنما هو خاص بأولئك لعذر منعهم من العمل، أو لغير ذلك من المعاني التي تتفق مع مقاصد الشريعة) (٦).\nوقد سئل فضيلة الشيخ العلامة: محمد بن صالح العثيمين ﵀: (هل هناك تعارض بن أدلة تكفير تارك الصلاة، وحديث «لم يعملوا خيرًا قط»؟\nفأجاب ﵀: لا تعارض بينهما، فهذا عام يخصص بأدلة تكفير تارك الصلاة.) اهـ (٧).\nفإن قيل: إنه لا يليق أن يطلق على من معه هذه الشعيرة العظيمة \"الصلاة\" لم يعمل خيرًا قط.\nفجوابه: وهل يليق أن يطلق على من معه عمل القلب (من الإخلاص واليقين والصدق والخشية)، وكذا من يقول أعظم كلمة – (لا إله إلا الله) – لم يعمل خيرًا قط؟!\nفإن كان الجواب: لا – ولا يصح غيره - فهذا يحملكم على أنه لابد من الجمع بين النصوص حتى لا يقع الزلل الذي ضلت به الفرق من قبل.\nهذا ما يسر الله تعالى جمعه من جواب أهل العلم الأثبات عما استشهد به المرجئة وكذا من وقع في الإرجاء، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لتعظيم الكتاب والسنة، ويوفقنا للعمل بهما، والدعوة إليهما والذب عنهما، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. إتحاف النبلاء برد شبهات من وقع في الإرجاء لعلي بن عبد العزيز موسى – ص ٩٧\n_________\n(١) «الفتح» (١١/ ٤٦٣، ٤٦٤).\n(٢) رواه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٦٥) (٢٩٥٤) وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٤٣) من حديث أبي موسى ﵁، قال الهيثمي «مجمع الزوائد» (٧/ ٤٨): فيه خالد بن نافع الأشعري قال أبو داود متروك قال الذهبي لا يستحق الترك وبقية رجاله ثقات وصححه الشيخ الألباني في تحقيقه لـ «السنة» لابن أبي عاصم (٨٤٣).\n(٣) رواه البخاري (٣٤٧٠) ورواه مسلم واللفظ له (٢٧٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٣٤٧٠) ورواه مسلم واللفظ له (٢٧٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٥) «كتاب التوحيد» (٢/ ٧٣٢).\n(٦) «فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء» المجموعة الثانية – فتوى رقم: (٢١٤٣٦ - ٢/ ١٣٢).\n(٧) «حكم تارك الصلاة» (ص: ٩ - ١١).","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1721>المبحث الأول: الأدلة من القرآن الكريم</span>\nقوله تعالى في أول الأنفال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢].\nوقوله سبحانه في أواخر آل عمران: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣].\nوفي آخر التوبة: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].\nفالمؤمنون يزدادون إيمانًا بنزول القرآن والمنافقون يزدادون كفرًا ورجسًا وينقص إيمانهم إن كان بقي منه شيء قبل نزوله!\nوفي سورة الأحزاب: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢].\nوفي أول الفتح: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: ٤].\nوفي سورة المدثر: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١].\nوكما يزيد الإيمان ... فإنه يزيد بزيادة أفراده كالخشوع كما في آية السجدة من الإسراء: وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [] الإسراء: ١٠٩ [.]\nوزيادة الهدى والهداية كما في قوله في سورة مريم: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم: ٧٦].\nوفي سورة محمد: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد: ١٧].\nوقوله عن الفتية أصحاب الكهفِ: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣].\nفما زاد شيء إلا نقص، بدليل كونه قبل الزيادة أنقص منه بعدها.\nوكما أن الكفر يزيد كما في قوله تعالى في آيتي المائدة: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا [المائدة: ٦٤]. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [المائدة: ٦٨].\nوقوله في الإسراء: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:٦٠].\nوفي آل عمران: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ [آل عمران: ٩٠].\nوفي النساء: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [النساء: ١٣٧].\nفكذلك الإيمان يزيد حتى يبلغ أعلى درجاته، والكفر يزيد حتى يسفل إلى أدنى دركاته.\nأيضًا مما يدل على زيادة الإيمان عند أهله تفاضلهم فيه، بكون بعضهم أفضل من بعض.","vol":"6","page":9},{"text":"كما قال سبحانه عن الأنبياء: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [الإسراء: ٥٥].\nوفي البقرة: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة: ٢٥٣].\nوفي الإسراء: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء: ٢١].\nوفاضل سبحانه بين الصحابة في آية الحديد: وَمَا لَكُمْ أَلا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد: ١٠].\nوفاضل بين المجاهدين وغيرهم في سورة النساء: لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًاّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: ٩٥ - ٩٦].\nومن ذلك قوله: الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [التوبة: ٢٠].\nوفاضل بين درجات العلماء أهل الإيمان بقوله في سورة المجادلة: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: ١١].\nومايز سبحانه بين أهل الطاعة والمعصية بقوله في سورة الجاثية: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية: ٢١]، وفي سورة الواقعة ذكر أصحاب اليمين، ثم أصحاب الشمال، ثم السابقين. وكل هذه المفاضلات للتمايز في زيادة الإيمان مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – بتصرف- ص٢٨","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1722>المبحث الثاني: الأدلة من السنة المطهرة</span>\nمنها:\n- ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينهب نُهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها بأبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» (١).\nفنفى عنه كمال الإيمان الواجب بفعل هذه الكبائر، مما دل على نقص الإيمان بفعلها.\nوهكذا كل ما ورد من نفي كمال الإيمان الواجب أو المستحب تدل على زيادته، ومن ثمَّ نقصانه!\n- ومنها ما عقده البخاري في صحيحه من كتاب الإيمان بابًا في تفاضل أهل الإيمان بالأعمال وذكر فيه:\nحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: «يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول ﷿: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ..» (٢).\nمما يدل على أنه أنقص المؤمنين إيمانًا، ولو كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص لاستحق أهله كلهم الجنة، وبدرجات متساوية!\n- وحديث أبي سعيد ﵁ أيضًا أن النبي ﷺ قال: «بينا أنا نائم، رأيت الناس يُعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين» (٣).\nورؤيا الأنبياء حق، فدل على زيادة الإيمان في أقوام، ونقصانه في آخرين.\n- حديث أبي سعيد الخدري وابن عمر وأبي هريرة ﵃، أن النبي ﷺ قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكن، قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل، قلن: بلى؟ قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم، قلن: بلى قال: فذلك من نقصان دينها» (٤).\nفهو وإن كان النقص ليس من فعلهن، لكن من صلى وصام كان أكمل إيمانًا منهن بهذا الاعتبار لصلاته وصيامه ...\n-حديث ابن مسعود ﵁ وفيه: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (٥). ويفسره ويبين مدلوله حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٦).\nفدل على أن الإيمان لا يزال يضعف بتخلف تلك المراتب وهو النقصان، وتحصيلها هو زيادته.\n-ومثله حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٧٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٢٣)، ومسلم (٢٣٩٠). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٣٠٤) واللفظ له، ومسلم (٧٩، ٨٠). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁،\n(٥) رواه مسلم (٥٠). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٦) رواه مسلم (٤٩).\n(٧) رواه أبو داود (٤٦٨١). من حديث أبي أمامة ﵁. ورواه الترمذي (٢٥٢١)، وأحمد (٣/ ٤٣٨) (١٥٦٥٥). من حديث معاذ الجهني ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وحسَّن الألباني كلا الطريقين في «السلسلة الصحيحة» (٣٨٠) ثم قال: والحديث بمجموع الطريقين صحيح.","vol":"6","page":11},{"text":"- ومثله حديث أبي هريرة وغيره ﵃ مرفوعًا: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا» (١) مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – بتصرف - ص٣٠\n- قوله ﷺ: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير».\nوقال البخاري: وقال أبان حدثنا قتادة حدثنا أنس عن النبي ﷺ من «إيمان» مكان من «خير» (٢).\nوقد وضع الإمام البخاري هذا الحديث تحت باب (زيادة الإيمان ونقصانه) وهو ظاهر الدلالة على تفاوت الناس بما في قلوبهم من الإيمان (والمراد بحبة الخردل ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد (٣) مثل ذلك قوله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا ... إلى قوله وذلك أضعف الإيمان» (٤).\nوفي حديث الأمانة: «.. وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان .. الحديث» (٥)\n- الأحاديث التي فيها نفي الإيمان كقوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٦).\nوقوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... الحديث» (٧).\nوقوله: «لا إيمان لمن لا أمانة له .. الخ» (٨).\nقال النووي: (فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة) (٩).\nفالذي يترك هذه المعاصي أكمل إيمانًا ممن يقترفها.\n- قوله ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» (١٠).\nقال الحليمي ﵀: (فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان، وأن عدمه نقصان إيمان، وأن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم، فبعضهم أكمل إيمانًا من بعض) (١١) ...\nقال الإمام البغوي: وقالوا (أي أهل السنة): إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء الحديث بالنقصان في وصف النساء) (١٢).\nوقال الحليمي: (فإذا كانت المرأة لنقصان صلاتها عن صلاة الرجال تكون أنقص دينًا منهم، مع أنها غير جانية بترك ما تترك من الصلاة، أفلا يكون الجاني بترك الصلوات أنقص دينًا من المقيم بها المواظب؟) (١٣). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – بتصرف - ١/ ٨٢\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٨٢)، والترمذي (١١٦٢)، وأحمد (٢/ ٢٥٠) (٧٣٩٦). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال أبوعيسى: حديث أبي هريرة هذا حديث حسن صحيح. وهو ما ذهب إليه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه البخاري (٤٤). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٣) فتح الباري ١/ ٧٣.\n(٤) رواه مسلم (٤٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٥) رواه مسلم (١٤٣). من حديث حذيفة بن اليمان ﵁.\n(٦) رواه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٧) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٨) رواه أحمد (٣/ ١٣٥) (١٢٤٠٦)، وابن حبان (١/ ٤٢٢) (١٩٤). من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الذهبي في «المهذب»: سنده قوي، وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٧١٧٩): صحيح.\n(٩) «شرح مسلم للنووي» (٢/ ٤١).\n(١٠) رواه أبو داود (٤٦٨١). من حديث أبي أمامة ﵁. ورواه الترمذي (٢٥٢١)، وأحمد (٣/ ٤٣٨) (١٥٦٥٥). من حديث معاذ الجهني ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وحسَّن الألباني كلا الطريقين في «السلسلة الصحيحة» (٣٨٠) ثم قال: والحديث بمجموع الطريقين صحيح.\n(١١) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٦١).\n(١٢) «شرح السنة» (١/ ٣٩).\n(١٣) «المنهاج» (١/ ٦٣).","vol":"6","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1723>الفصل الثاني: أقوال أهل السنة في مسمى الإيمان، وما يدخل في مسمى الإيمان من الأوامر والنواهي</span>\n• المبحث الأول: أقوال أئمة أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان وزيادته ونقصانه.\n• المبحث الثاني: ما يدخل في مسمى الإيمان من الأوامر والنواهي.\n• المبحث الثالث: ما روي عن الإمام مالك في زيادة الإيمان ونقصانه.","vol":"6","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1724>المبحث الأول: أقوال أئمة أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان وزيادته ونقصانه</span>\n• تمهيد.\n• المطلب الأول: نقل الإجماع على أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص.\n• المطلب الثاني: أقوال السلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.","vol":"6","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1725>تمهيد</span>\nاتفق أئمة أهل السنة والجماعة - سلفًا وخلفًا - على أن الإيمان: قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح؛ يزيد بالطاعة وكثرة العبادة، وينقص بالمعصية والغفلة، وقد حكى الإجماع على ذلك أكثر أهل العلم - ﵏ - بل أصبح هذا القول من مميزات أهل السنة والجماعة، والفارقة بينهم وبين أهل البدع والأهواء ....\nوعلى هذه العقيدة توفي الرسول ﷺ وعلى هذا المنهج كان جميع الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان: من المحدثين، والفقهاء، وجميع أئمة الدين، ولم يخالفهم أحد من السلف والخلف؛ إلا الذين مالوا عن الحق في هذا الأمر، وجانبوا الصواب.\nوالآثار عن السلف في مسمى الإيمان وحقيقته كثيرة جدًا، ولا يمكن حصرها هنا، وقد قال بهذا القول خلق كثير - غيرهم - من أهل السنة والجماعة ... نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي - بتصرف - ص٥٧","vol":"6","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1726>المطلب الأول: نقل الإجماع على أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص</span>\nقال يحيى بن سعيد القطان: (ما أدركت أحدًا من أصحابنا، إلا على سنتنا في الإيمان، ويقولون: الإيمان يزيد وينقص) (١).\nوقال الإمام أبو عبدالرازق الصنعاني ﵀: (لقيت اثنين وستين شيخا .. فذكر عددا منهم ثم قال: كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٢).\nوقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: (هلم تسمية من كان يقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ... فسمى أكثر من مائة وثلاثين رجلا من أهل العلم من الصحابة وغيرهم .. ثم قال: هؤلاء كلهم يقولون الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة، والمعمول به عندنا) (٣).\nوقال إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ﵀: (أجمع سبعون رجلا من التابعين وأئمة المسلمين وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله ﷺ ... فذكر أمورًا منها: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية) (٤).\nوقال أمير المؤمنين في الحديث أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀: (لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص) (٥).\nوقال أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي: (الإيمان عندنا أهل السنة الإخلاص لله بالقلوب والألسنة، والجوارح، وهو قول وعمل، يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة، ثم ذكر منهم بضعًا وثلاثين) (٦).\nوقال سهل بن المتوكل الشيباني: (أدركت ألف أستاذ وأكثر كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ..) (٧).\nوقال ابن جرير الطبري: (وأما القول في الإيمان هل قول وعمل يزيد وينقص، أم لا زيادة فيه ولا نقصان؟ فإن الصواب فيه قول من قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ، وعليه مضى أهل الدين والفضل) (٨).\nوقال أبو عمر بن عبدالبر: (أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) (٩).\nوقال أبو الحسن الأشعري ﵀: (وأجمعوا على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وليس نقصانه عندنا شك فيما أمرنا بالتصديق به، ولا جهل به، لأن ذلك كفر، وإنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان كما يختلف وزن طاعتنا وطاعة النبي ﷺ وإن كنا جميعا مؤديين للواجب علينا) (١٠).\n_________\n(١) رواه ابن هانئ في مسائل الإمام أحمد (٢/ ١٦٢)، وذكر نحوه الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٩/ ١٧٩) في ترجمة يحيى بن سعيد.\n(٢) رواه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٥/ ٩٥٨) (١٧٣٧).\n(٣) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨١٤) (١١١٧) وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب «الإيمان» (ص: ٢٩٣).\n(٤) رواه ابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد» (ص: ٢٢٨) وابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» (١/ ١٣٠) بلفظ أجمع تسعون ... إلخ.\n(٥) ذكره الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١/ ٤٧)، والزبيدي في «إتحاف السادة المتقين» (٢/ ٢٥٦) وعزواه للالكائي في «اعتقاد أهل السنة»، وصححا إسناده.\n(٦) رواه اللالكائي في «شرح اعتقاد أهل السنة» (٥/ ٩٦٣) (١٧٥٣).\n(٧) رواه اللالكائي في «شرح اعتقاد أهل السنة» (٥/ ٩٦٤) (١٧٥٤).\n(٨) «صريح السنة» (٢٥).\n(٩) «التمهيد» (٩/ ٢٣٨)، ونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية انظر: «الفتاوى» (٧/ ٣٣٠).\n(١٠) «رسالة إلى أهل الثغر» (٢٧٢).","vol":"6","page":16},{"text":"وقال ابن أبي زيد القيرواني في كتابه (المفرد في السنة): (فصل فيما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة .. فذكر أمورًا منها: أن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد ذلك بالطاعة وينقص بالمعصية نقصًا عن حقائق الكمال لا محبط للإيمان، ولا قول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة) (١).\nوقال ابن بطال المالكي: (مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٢).\nوقال الحافظ عبدالغني المقدسي في عقيدته:\n(اعلم وفقنا الله وإياك .. أن صالح السلف وخيار الخلف وسادات الأئمة وعلماء الأمة اتفقت أقوالهم وتطابقت آراؤهم فذكر أمورًا ثم قال: والإيمان بأن الإيمان قول وعمل ونية يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) ثم أورد بعض النصوص الدالة على ذلك (٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٤).\nوقال ابن القيم: (.. فإنه بإجماع السلف: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية) (٥). و... قول ابن كثير ﵀: (وهذا مذهب جمهور الأمة، بل حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد) (٦).\nوقال السفاريني: (والذي اعتمده أئمة الأثر وعلماء السلف: أن الإيمان: تصديق بالجنان وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان) (٧). زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- بتصرف- ص ١٠٦\n_________\n(١) نقله عنه ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (١٥٠).\n(٢) نقله عنه النووي في شرحه لـ «صحيح مسلم» (١/ ١٤٦) والكرماني في شرحه لـ «صحيح البخاري» (١/ ٧٦).\n(٣) «عقيدة الحافظ عبدالغني المقدسي ضمن \"المجموعة العلمية السعودية\"» جمع عبدالله بن حميد (ص٣٠ - ٤٩).\n(٤) «الفتاوى» (٧/ ٦٧٢).\n(٥) «مدارج السالكين» (١/ ٤٢١).\n(٦) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٨٥).\n(٧) «شرح ثلاثيات المسند» (٢/ ٢١٨).","vol":"6","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1727>المطلب الثاني: أقوال السلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص</span>\nوبعد هذه النقول السابقة المبينة لإجماع أهل السنة والجماعة على زيادة الإيمان ونقصانه، وأنهم متضافرون على قول واحد فيه، أذكر جملة من النقول عن بعض الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن نقل عنه ذلك، ذاكرًا أقوال الصحابة أولًا، فالتابعين، فمن بعدهم، مرتبًا لهم حسب وفياتهم عدا الصحابة فلم أراع في ترتيبهم ذلك:\n١ - كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه: (هلموا نزداد إيمانا) وفي لفظ: (تعالوا نزداد إيمانا) (١).\n٢ - وقال عبدالله بن مسعود ﵁: (اجلسوا بنا نزداد إيمانا) (٢). وكان يقول في دعائه: (اللهم زدني إيمانا ويقينا وفقها) (٣).\n٣ - وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه كان يقول: (اجلسوا بنا نؤمن ساعة) (٤).\nقال ابن حجر مبينا وجه دلالته على زيادة الإيمان ونقصانه: (ووجه الدلالة منه ظاهرة، لأنه لا يحمل على أصل الإيمان لكونه كان مؤمنًا وأي مؤمن، وإنما يحمل على إرادة أنه يزداد إيمانا بذكر الله تعالى) (٥).\nأما قول ابن العربي عنه: (لا تعلق فيه للزيادة معللًا ذلك: أن معاذًا إنما أراد تجديد الإيمان، لأن العبد يؤمن في أول مرة فرضًا، ثم يكون أبدا مجددا كلما نظر أو فكر) (٦).\nفغير صحيح، لأن الإيمان الذي ينجم عن النظر والتفكر بعد تحقق أصل الإيمان، يعد في الحقيقة زيادة إيمان، فما سماه ابن العربي هنا تجدد إيمان هو في واقع أمره زيادة إيمان وإن سمي بغير اسمه.\nولذا تعقبه الحافظ بقوله: (وما نفاه أولًا أثبته آخرا، لأن تجدد الإيمان إيمان) (٧).\n٤ - (وكان عبدالله بن رواحة ﵁ يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: تعالوا نؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ونزدد إيمانا بطاعته، لعله يذكرنا بمغفرته) (٨).\n٥ - وعن أبي الدرداء عويمر الأنصاري ﵁ أنه قال: (الإيمان يزداد وينقص) (٩).\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة (١١/ ٢٦) وفي «الإيمان» (ص: ٣٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٦٩) (٣٧)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٠٨) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٤٧) (١١٣٤) واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٤١) (١٧٠٠).\n(٢) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٧٣) (٤٥).\n(٣) رواه الطبراني (٩/ ١٠٥) (٨٥٤٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٧٣) (٤٦)، وعبدالله في «السنة» (١/ ٣٦٨) (٧٩٧)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٠٨) وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٤٦) (١١٣٢) واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٤٢) (١٧٠٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٨٨): إسناده جيد.\n(٤) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث رقم (٧)، ووصله ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٢٥، ٢٦) وفي «الإيمان» (١٠٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٣٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٧٣) (٤٤)، وعبدالله في «السنة» (١/ ٣٦٨) (٧٩٦)، (١/ ٣٧٨) (٨٢٣)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٤٧) (١١٣٥) واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٤٣) (١٧٠٦، ١٧٠٧). قال ابن حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٢١): موقوف صحيح. وصحح العيني إسناده في «عمدة القاري» (١/ ١٩٠)، وقال الألباني في «الإيمان لابن أبي شيبة» (١٠٥) إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٥) «فتح الباري» (١/ ٤٨).\n(٦) نقله عنه الحافظ في «فتح الباري» (١/ ٤٨).\n(٧) «فتح الباري» (١/ ٤٨).\n(٨) رواه ابن أبي شيبة (١١/ ٤٣) وفي «الإيمان لابن أبي شيبة» (١١٦)، وبنحوه البيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٧٥) (٥٠). وقال الألباني في «الإيمان»: إسناده ضعيف.\n(٩) رواه ابن ماجه بعد حديث رقم (٧٢)، والبيهقي في الشعب (١/ ٧٦) (٥٤). وقال الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه»: ضعيف.","vol":"6","page":18},{"text":"وروي عنه ﵁ أنه قال: (من فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أو منتقص، وإن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه) (١).\n٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: (الإيمان يزداد وينقص) (٢).\nوروي عنه وعن ابن عباس ﵄ أنهما قالا: (الإيمان يزيد وينقص) (٣).\n٧ - وعن جندب بن عبدالله البجلي ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ فتيانا حزاورة فتعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا) (٤).\n٨ - وعن عمير بن حبيب الخطمي ﵁ قال: (الإيمان يزيد وينقص، فقيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله ﷿ وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا، فذلك نقصانه) (٥).\nقال ابن القيم ﵀: (وأقدم من روي عنه زيادة الإيمان ونقصانه من الصحابة عمير بن حبيب الخطمي) (٦).\nولم يتبين لي وجه هذه الأقدمية، ولم أقف على تاريخ وفاة عمير ﵁، وإنما عد ممن أسلم قبل الفتح، وفي الذين نقل عنهم من الصحابة ذلك عبدالله بن رواحة وكان قد استشهد في غزوة مؤتة في حياة رسول الله ﷺ (٧).\nوعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: (إن الرجل ليتفضل بالإيمان كما يتفضل ثوب المرأة) (٨).\nولعل التشبيه بثوب المرأة هو لكونه ضافيا وافيا، وقد تقدم معنا الرؤيا التي رآها رسول الله ﷺ حيث قال: «بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضوه عليَّ وعليهم قمص ..» (٩) الحديث، ثم فسر القمص بالدين.\n١٠ - وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: (ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من النفس، وبذل السلام للعالم) (١٠).\n_________\n(١) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٤٩) (١١٤٠)، وذكره شيخ الإسلام في كتاب «الإيمان» (ص: ٢١١). وإسناده ضعيف لإبهام شيخ حريز.\n(٢) رواه البيهقي في «الشعب» (١/ ٧٧) (٥٥)، وعبدالله في «السنة» (١/ ٣١٤ (٦٢٢) والآجري في الشريعة (١/ ١٠٨) وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٤٤) (١١٢٧، ١١٢٨) واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٤٥) (١١٧١).\n(٣) رواه ابن ماجه (٧٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٧٦) (٥٣). والأثر ضعفه البوصيري في «زوائد ابن ماجه»، وقال الألباني: في «ضعيف ابن ماجه»: ضعيف جدا.\n(٤) رواه ابن ماجه (٦١)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٦٥) (١٦٧٨)، والبيهقي (٣/ ١٢٠) (٥٠٧٥). وصحح إسناده البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ١٢)، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٥) رواه عبدالله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٣٠) (٦٨٠)، والآجري في «الشريعة) (ص: ١٠٨)، والخطابي في «الغنية» (ص: ٤٥)، وأبو أحمد الحاكم في «شعار أصحاب الحديث» (٨).\n(٦) «تهذيب السنن» (٧/ ٥٦).\n(٧) «السيرة النبوية» لابن هشام (٣/ ١٢٠٠) و«عيون الأثر» لابن سيد الناس (٢/ ١٦٥).\n(٨) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٣٤) (٦٩٤) وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٧١٦) (٩٦٩) واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٤٧ ح١٧١٦).\n(٩) رواه البخاري (٢٣)، ومسلم (٦٣٤٠). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(١٠) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٢٨)، ووصله عبدالرزاق (١٠/ ٣٨٦)، وابن أبي شيبة في «الإيمان» (ص ٤٤)، وابن حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٣٨). قال الألباني في «الإيمان لأبي عبيد» (٢٦): روي مرفوعًا وموقوفًا والراجح الموقوف على أن في سنده من كان اختلط.","vol":"6","page":19},{"text":"١١ - وعن علقمة بن قيس النخعي ﵀ أنه كان يقول لأصحابه: (امشوا بنا نزدد إيمانا) (١).\n١٢ - وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عدي بن عدي أحد عماله على الجزيرة: (أما بعد: فإن للإيمان حدودا وشرائع وفرائض، من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان).\nعلقه البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه (٢)، وقال ابن حجر مبينا سبب ذكر البخاري له: (والغرض من هذا الأثر أن عمر بن عبدالعزيز كان ممن يقول بأن الإيمان يزيد وينقص، حيث قال: استكمل ولم يستكمل) (٣).\n١٣ - وعن مجاهد بن جبر قال: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٤).\n١٤ - وقال عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص فمن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فاحذروه فإنه مبتدع) (٥).\n(وسئل ﵀ عن الإيمان أيزيد؟ قال: نعم حتى يكون كالجبال قيل: فينقص؟ قال: نعم حتى لا يبقى منه شيء) (٦).\n١٥ - وقال سفيان الثوري: (الإيمان يزيد وينقص) (٧).\n١٦ - وكتب حماد بن زيد إلى جرير بن عبدالحميد: (بلغني أنك تقول في الإيمان بالزيادة، وأهل الكوفة يقولون بغير ذلك، أثبت على ذلك ثبتك الله) (٨).\n١٧ - وثبت عن الإمام مالك ﵀ القول بزيادة الإيمان ونقصانه من طرق متعددة يأتي ذكرها في مبحث مستقل.\n١٨ - وقال عبدالله بن المبارك: (الإيمان قول وعمل، والإيمان يتفاضل) (٩).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وبعضهم أي: السلف عدل عن لفظ الزيادة والنقصان إلى لفظ التفاضل. فقال أقول: الإيمان يتفاضل ويتفاوت، ويروى هذا عن ابن المبارك، وكان مقصوده الإعراض عن لفظ وقع فيه النزاع إلى معنى لا ريب في ثبوته) (١٠).\nولا ريب كذلك في ثبوت لفظ الزيادة والنقصان عند السلف؛ فالزيادة مصرح بها في القرآن، والنقصان مصرح به في السنة كما تقدم بيانه، ولعل سبب عدول ابن المبارك ﵀ عن لفظ الزيادة والنقصان هو استحسانه لكلمة (التفاضل) لا لسبب آخر، كما أنه روي ذلك عن بعض السلف، فقد ساق الخلال بسنده إلى محمد بن أبان قال قلت لعبدالرحمن بن مهدي: الإيمان قول وعمل؟ قال: نعم. قلت: يزيد وينقص؟ قال يتفاضل كلمة أحسن من كلمة (١١). فهذا هو وجه عدول ابن مهدي عن كلمة الزيادة والنقصان كما هو منصوصه على ذلك، فلعل ذلك أيضًا هو سبب عدول ابن المبارك عن هذه الكلمة، والله أعلم.\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة (١١/ ٢٥) وفي «الإيمان» (ص: ٣٤) وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٩٩) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٧٧) (٥٧). وحسن الألباني إسناده في «الإيمان لابن أبي شيبة».\n(٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٨)، ووصله ابن أبي شيبة (١١/ ٤٨)، وفي «الإيمان» (ص: ٤٥) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ١٩٧) والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٤٠). قال ابن الملقن في «شرح البخاري» (٢/ ٤٤٠): إسناده صحيح.\n(٣) «فتح الباري» (١/ ٤٧).\n(٤) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٧٨) (٦٠)، وعبدالله في «السنة» (١/ ٣١١) (٦١١) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٥٩) (١١٦٧) واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٥٢) (١٧٢٨).\n(٥) رواه الآجري في «الشريعة» (ص١١٤) واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٥٨) (١٧٣٩).\n(٦) رواه اللالكائي في السنة (٥/ ٩٥٩) (١٣٤٠).\n(٧) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣١٠) (٦٠٤)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٥٢) (١١٤٩).\n(٨) رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (١/ ١٧٧)، ومن طريقه اللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٦١) (١٧٤٦).\n(٩) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣١٦) (٦٣١)، واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٦١) (١٧٤٦).\n(١٠) «الفتاوى» (٧/ ٥٠٦).\n(١١) «السنة» (٣/ ٥٨٠) (١٠٠٥).","vol":"6","page":20},{"text":"وقد كان من السلف من ينكر على من عدل عن لفظة الزيادة والنقصان لثبوتها كما قد روى ذلك عبدالرحمن بن مهدي نفسه ﵀ قال: (أنا أقول الإيمان يتفاضل، وكان الأوزاعي يقول: ليس هذا زمان تعلم، هذا زمان تمسك) (١).\nثم وقفت على أثر عن الإمام أحمد ﵀ قد يفهم منه سبب اختيار ابن المبارك للفظة (يتفاضل) فقد قال ابن هانئ في مسائله: (سمعت أبا عبدالله ابن أبي رزمة ما كان أبوك يقول عن عبدالله بن المبارك في الإيمان؟ قال: كان يقول: الإيمان يتفاضل.\nقال أبو عبدالله: يا عجباه، إن قال لكم يزيد وينقص رجمتموه، وإن قال يتفاضل تركتموه، وهل شيء يتفاضل إلا وفيه الزيادة والنقصان) (٢).\nوعلى كلٍّ فابن المبارك عدل عن ذلك، وصار يصرح بزيادة الإيمان، لكونها منصوصًا عليها في القرآن، قال ﵀: (لم أجد بدا من الإقرار بزيادة الإيمان إزاء كتاب الله).\nذكر ذلك لما قال له المستملي: يا أبا عبدالرحمن: إن ها هنا قومًا يقولون: الإيمان لا يزيد، فسكت عبدالله، حتى سأله ثلاثا. فأجابه، فقال: لا تعجبني هذه الكلمة منكم أن ها هنا قوما، ينبغي أن يكون أمركم جمعا، ثم ساق ابن المبارك بسنده قول عمر بن الخطاب: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجحهم) ثم قال: بلى إن الإيمان يزيد، بلى إن الإيمان يزيد ثلاثا، وقال: (لم أجد بدا من الإقرار بزيادة الإيمان إزاء كتاب الله) (٣).\n(وقال له شيبان بن فروخ: ما تقول فيمن يزني ويشرب الخمر ونو هذا أمؤمن هو؟ قال ابن المبارك: لا أخرجه من الإيمان: فقال شيبان: على كبر السن صرت مرجئا؟ فقال له ابن المبارك: يا أبا عبدالله إن المرجئة لا تقبلني أنا أقول الإيمان يزيد والمرجئة لا تقول بذلك، والمرجئة تقول: حسناتنا متقبلة، وأنا لا أعلم تقبلت مني حسنة) (٤).\nبل قد وجد في كلامه ﵀ التصريح بنقصان الإيمان. كما روى ذلك النجاد عن علي بن الحسن بن شقيق قال سمعت عبدالله بن المبارك يقول: (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) (٥).\nوروى إسحاق بن راهويه في مسنده محمد بن أعين قال: (قال ابن المبارك وذكر له الإيمان فقال: قوم يقولون إيمانا مثل جبريل وميكائيل. أما فيه زيادة أما فيه نقصان، هو مثله سواء، وجبريل ربما صار مثل الوضع من خوف الله تعالى. وذكر أشباه ذلك) (٦).\nقلت: أي ذكر أشباه ذلك من أساليب الإنكار على المرجئة القائلين بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، وأن أهله فيه سواء، وبهذا يعلم أن ابن المبارك ﵀ كان يقول بزيادة الإيمان ونقصانه كغيره من أئمة أهل السنة والجماعة، رحم الله الجميع.\n١٩ – وقال خالد بن الحارث: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٧).\n٢٠ - وقال جرير بن عبدالحميد: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٨).\n_________\n(١) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٣٣) (٦٨٨)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٤٨) (١١٣٧).\n(٢) «مسائل الإمام أحمد» برواية ابن هانئ (٢/ ١٢٧).\n(٣) رواه إسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ ٦٧١).\n(٤) رواه إسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ ٦٧٠).\n(٥) «الرد على من يقول القرآن مخلوق» للنجاد (٥٤).\n(٦) «مسند إسحاق» (٣/ ٦٧٠).\n(٧) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٣٦) (٦٩٩).\n(٨) رواه أبو داود في مسائل الإمام أحمد (ص: ٢٧٣) وعبدالله في «السنة» (١/ ٣١٥) (٦٢٦) والخلال في السنة ق١١٠/ ١، ح١١٦٣) والآجري في «الشريعة» (ص: ١٢٦)، واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٦١) (١٧٤٧).","vol":"6","page":21},{"text":"٢١ - وقال وكيع بن الجراح: (الإيمان يزيد وينقص) (١).\n٢٢ - وحسّن يحيى بن سعيد القطان: (الزيادة والنقصان ورآه) قاله الإمام أحمد (٢).\nونقدم في صدر هذا المبحث قول يحيى: (ما أدركت أحدا من أصحابنا إلا على سنتنا في الإيمان ويقولون: الإيمان يزيد وينقص) (٣).\n٢٣ - وقال ابن عيينة: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد لا تقولن يزيد وينقص؛ فغضب وقال: اسكت يا صبي بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء) (٤).\n(وقيل له: هل الإيمان يزيد وينقص؟ قال: فأي شيء إذن) (٥).\nوسئل أيضًا عن الإيمان فقال: (قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى ما يبقى منه يعني مثل هذه وأشار بيده) (٦).\n٢٤ - وقال النضر بن شميل: (الإيمان قول وعمل، والإيمان يتفاضل) (٧).\n٢٥ - وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) (٨).\nوروي أن اثنين تناظرا عند الشافعي في هذه المسألة فذهب أحدهما إلى القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، فحمي الشافعي وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص (٩).\n٢٦ - وقال عبدالرزاق الصنعاني: (سمعت معمرا وسفيان الثوري ومالك بن أنس، وابن جريج، وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) (١٠).\nوفي رواية أن عبدالرزاق قال: (وأنا أقول ذلك، الإيمان قول وعمل والإيمان يزيد وينقص، فإن خالفتهم فقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين).\n٢٧ - وقال عبدالله بن الزبير الحميدي: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل ولا قول إلا بنية، ولا قول وعمل بنية إلا بسنة) (١١).\n_________\n(١) رواه أبو داود في مسائل الإمام أحمد (ص:٢٧٢) وعبدالله في «السنة» (١/ ٣١٠» ٦٠٦)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٥١) (١١٤٦)، واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٦٢» ١٧٤٩) كلهم من طريق أحمد رحمه الله تعالى.\n(٢) رواه أبو داود في مسائل الإمام أحمد (ص٢٧٢) وعبدالله في «السنة» (١/ ٣١٠) (٦٠٥) والخلال في) «السنة» (٢/ ٦٨٢) (١٠١٥).\n(٣) رواه ابن هانئ في مسائل الإمام أحمد (٢/ ١٦٢)، وذكر نحوه الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٩/ ١٧٩) في ترجمة يحيى بن سعيد.\n(٤) رواه الحميدي في رسالته «أصول السنة» - في آخر مسنده - (٢/ ٥٤٦) ومن طريقه العدني في «الإيمان» (ص: ٩٤)، والآجري في «الشريعة» (ص١١٤)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٥٥) (١١٥٥)، واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٦٠) (١٧٤٥)، وابن عبدالبر في «التمهيد» (٩/ ٢٥٤).\n(٥) رواه الآجري في «الشريعة» (ص: ١١٣)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٥٥) (١١٥٧).\n(٦) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٥٥) (ح١١٥٦)، ورواه بنحوه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٢٩٠).\n(٧) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣١٦) (٦٣٢).\n(٨) رواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١١٥)، والحاكم في «مناقب الشافعي» (كما في الفتح ١/ ٤٧) وابن عبدالبر في «الانتقاء» (ص: ٨١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٨١) وفي «الاعتقاد» (ص١٢٠) وفي «مناقب الشافعي» (١/ ٣٨٥). وذكره النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (١/ ٦٦)، والذهبي في «السير» (١٠/ ٣٢)، وابن حجر في «الفتح» (١/ ٤٧).\n(٩) روى ذلك ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي» (١١٩) وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١١٥)، واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٦٢) (١٧٥١)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٣٨٧).\n(١٠) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٤٢)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٢٩)، واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٥٧) (١٧٣٥)، وابن عبدالبر في «التمهيد» (٩/ ٢٥٢)، وذكره الذهبي في «السير» (٨/ ١٠٨).\n(١١) «أصول السنة» - في آخر مسنده - (٢/ ٥٤٦).","vol":"6","page":22},{"text":"٢٨ – وقال إسحاق بن راهويه: (الإيمان يزيد وينقص حتى لا يبقى منه شيء) (١).\n٢٩ - وأما قول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في زيادة الإيمان ونقصانه فكثيرة جدا.\nقال ﵀: (الإيمان بعضه أفضل من بعض، يزيد وينقص، وزيادته في العمل، ونقصانه في ترك العمل، لأن القول هو مقر به) (٢).\nوقال: (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، إذا عملت الخير زاد، وإذا ضيعت نقص) (٣).\nوسُئل ﵀ عن زيادة الإيمان ونقصانه فقال: (يزيد حتى يبلغ أعلى السموات السبع، وينقص حتى يصير إلى أسفل السافلين السبع) (٤)\nوأقواله غير ما ذكرت كثيرة يطول ذكرها (٥).\n٣٠ - وقال أبو زرعة الرازي: (الإيمان عندنا قول وعمل، يزيد وينقص، ومن قال غير ذلك فهو مبتدع مرجئ) (٦).\n٣١ - وقال أبو حاتم الرازي: (مذهبنا واختيارنا وما نعتقده وندين الله به ونسأله السلامة في الدين والدنيا: أن الإيمان قول وعمل .. يزيد وينقص) (٧).\nهذه بعض أقوال السلف الصالح أهل السنة والجماعة في زيادة الإيمان ونقصانه، والأمر كما قال شيخ الإسلام: (والآثار في هذا كثيرة، رواها المصنفون في هذا الباب عن الصحابة والتابعين في كتب كثيرة معروفة) (٨) زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص ١١٠\n_________\n(١) رواه الخلال في «السنة» (٢/ ٦٨٠) (١٠١١) و(٢/ ٦٩٤) (١٠٤٨).\n(٢) رواه الخلال في «السنة» (٢/ ٦٧٨) (ح١٠٠٨).\n(٣) رواه الخلال في «السنة» (٢/ ٦٨٠) (١٠١٣).\n(٤) رواه ابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٥٩).\n(٥) انظرها في «السنة» للخلال (٢/ ٦٥٥ (٩٥٧) و(٢/ ٦٧٦ (١٠٠٤) و(٢/ ٦٨٠) (١٠١٠)، و(٢/ ٦٨٣) (١٠٢٠) و(٢/ ٦٨٩) (١٠٣٢) ومسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص: ٢٧٢)، ومسائل الإمام أحمد لابن هانئ (٢/ ١٥٦، ١٦٢، ١٦٤) و«الشريعة» للآجري (ص١١٤، ١٢٩)، و«الإبانة» لابن بطة (٢/ ٨٥١) (١١٤٦)، (٢/ ٨٧٥) (١١٩٩)، و«طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (١/ ٢٤، ٢٥، ١٣٠، ١٣١، ٢٩٥، ٣١٣، ٣٤٣)، و«مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي (ص: ٢٠١)، وغيرها مما يطول ذكره.\n(٦) رواه ابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٠٣).\n(٧) رواه ابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٨٦).\n(٨) «الفتاوى» (٧/ ٢٢٥).","vol":"6","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1728>المبحث الثاني: ما يدخل في مسمى الإيمان من الأوامر والنواهي</span>\nقال الله تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦] الآيات.\nوقال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: ٥٢ - ٥٥]\nوقال الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: ٦٣ - ٧٦].","vol":"6","page":24},{"text":"وقال تعالى: إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْنَا حَقًا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الذِّي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيم التَّائِبُونَ العَابِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ الله وَبَشِّر المُؤْمِنِين [التوبة: ١١١ - ١١٢].\nوقال الله تعالى: إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا إِلا المُصَلِّين الذِّينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُون وَالذِّينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُوم للسَّائِلِ وَالمَحْرُوم وَالذِّينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّين وَالذِّينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُون إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُون وَالذِّينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُون وَالذِّينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون وَالذِّينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ وَالذِّينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُون أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُون [المعارج: ١٩ - ٣٥]\nوقال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُون - إلى قوله - الوَارِثُون [المؤمنون: ١ - ١٠] الآيات.\nوقال الله تعالى: إِنَّ الذِّينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُون وَالذِّينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُون وَالذِّينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُون وَالذِّينَ يُؤْتُونَ مَا آتُوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ رَاجِعُون أُولَئِكَ يُسَارِعُون فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُون وَلا نُكَلِفُّ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [المؤمنون: ٥٧ - ٦٢]\nوقال الله تعالى: إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُون آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِين كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌ للسَّائِلِ وَالمَحْرُوم [الذاريات: ١٥ - ١٩].\nوقال الله تعالى: وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَبِيِّينَ وَآتَى المَال َعَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبِى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالمُوفُونَ بِعَهُدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الذِّينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقَون [البقرة: ١٧٧]\nوقال الله تعالى: إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَاكِرِينَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ الله لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيما [الأحزاب:٣٥].","vol":"6","page":25},{"text":"وقال الله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق – إلى قوله – وَلله عَاقِبَةُ الأُمُور [التوبة: ٣]\nوقال الله تعالى: للفُقَرَآءِ المُهَاجِرِينَ الذِّينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ الله وَرُضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالذِّينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون وَالذِّينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذِّينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا للذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيم [الحشر: ٩ - ١٠].\nوقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد [الحشر: ١٨] الآيات\nوقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء [الممتحنة: ١] إلى آخر السورة\nوقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِه [الحجرات: ١] إلى آخر السورة\nوقال الله تعالى: وَاعْبُدُوا الله وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبُ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ الله لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورا [النساء: ٣٦]\nوقال الله تعالى: وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الذِّينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُون [الأنعام: ١٢٠].\nوقال الله تعالى: قُلْ تَعَالُوا اتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التِي حَرَّمَ الله إِلا بِالحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلا بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفَوا الكَيْلَ وَالمِيزَانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ الله أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣].","vol":"6","page":26},{"text":"وقال الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا [الإسراء: ٢٣ - ٣٩].\nوقال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣]\nوقال الله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل:٩٠ - ٩١] الآيات\nوقال الله تعالى: اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء [الأعراف: ٣]\nوقال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيم [آل عمران: ٣١] الآيتين.","vol":"6","page":27},{"text":"وقال الله تعالى: إِنَّ الذِّينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَاموا تَتَنْزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا [فصلت: ٣٠] الآيات\nوقال الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا [الكهف: ١١].\nوآيات القرآن في هذا الباب كثيرة وشهيرة لا تخفى بل القرآن كله في تقرير الدين من فاتحته إلى خاتمته دعوة وبشارة ونذارة وأمرا ونهيا وخبرا كله لا يخرج عن شأن الدين إما دعوة إليه أو بشارة لمن اتبعه برضاء الله والجنة أو نذارة لمن أبى عنه من خزي الدنيا وعذاب الآخرة أو أمرا بشرائعه أصولها وفروعها وآدابه وأحكام كل منها أو نهيا عن نواقضه جميعه أو نواقض شيء منها أو ما يوجب أدنى خلل فيه أو في شيء من شرائعه أو خبرا عن نصر من جاء به وصدق به وحفظه وتأييده في الدنيا أو خبرا عما أعد الله لهم في الآخرة من الفوز والنعيم والنجاة من عذاب الجحيم أو خبرا عن إهلاك من استكبر عنه في الدنيا وما أحله الله بهم من غضبه عاجلا من الخسف والمسخ والقذف وغير ذلك وما أعده لهم في الآخرة من العذاب والعقاب وما فاتهم وحرموه من الثواب وغير ذلك. وأما الأحاديث فمنها قوله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» (١). وقوله ﷺ: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ولا تأتوا ببهتان تقترفونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه قال عبادة بن الصامت: فبايعناه على ذلك» (٢) ...\nوقوله ﷺ لمعاوية بن حيدة لما قال له: «ما الذي بعثك الله به؟ قال الإسلام قلت وما الإسلام؟ قال أن تسلم قلبك لله تعالى وأن توجه وجهك لله وأن تصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة» (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩). من حديث عبادة بن الصامت ﵁.\n(٣) رواه النسائي (٥/ ٤)، وأحمد (٤/ ٤٤٦) (٢٠٠٢٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٦٠)، وابن حبان (١/ ٣٧٦). وقال الألباني في «الإيمان»: حسن، وقال الوادعي في «الصحيح المسند» (١١٢٧): صحيح.","vol":"6","page":28},{"text":"وفي رواية قال: «وما آية الإسلام؟ قال أن تقول أسلمت وجهي لله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وكل المسلم على المسلم حرام» (١). وقوله ﷺ: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» (٢) وقوله ﷺ في جواب أي المسلمين أفضل: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٣). وقوله ﷺ: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى هاهنا – وأشار إلى صدره ثلاثا – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» (٤). وقوله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (٥). وقوله ﷺ في جواب من قال أي الإسلام خير: قال: «أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٦). وقوله ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٧). وقوله ﷺ في جواب من سأله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك: قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» (٨). وقوله ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا» (٩). وقوله ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (١٠).\n_________\n(١) رواه النسائي (٥/ ٤)، وابن ماجه (٢٥٣٦)، وأحمد (٥/ ٤)، والحاكم (٤/ ٦٣٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والحديث حسنه الألباني في «صحيح سنن النسائي»، وفي «السلسلة الصحيحة» (٣٦٩).\n(٢) رواه ابن ماجه (٢٣٠)، وأحمد (٥/ ١٨٣) (٢١٦٣٠). من حديث زيد بن ثابت ﵁. قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢١/ ٢٧٥): ثابت. وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه». ورواه الترمذي (٢٦٥٨). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. قال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر»: صحيح. وقال الألباني في «مشكاة المصابيح» (٢٢٣): إسناده صحيح.\n(٣) رواه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(٤) رواه مسلم (٢٥٦٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(٦) رواه البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩). من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٧) رواه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٦٧). من حديث أبي هريرة ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٩١١).\n(٨) رواه مسلم (٣٨). من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁.\n(٩) رواه مسلم (٣٤). من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁.\n(١٠) رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣). من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"6","page":29},{"text":"وقوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (١) وفي رواية «من أهله وماله» (٢). وقوله ﷺ: «من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن» (٣) ...\n_________\n(١) رواه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٤٤). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٣) رواه الترمذي (٢١٦٥)، وأحمد (١/ ١٨) (١٤)، والحاكم (١/ ١٩٧). من حديث عمر بن الخطاب ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٦/ ٢١٥): وهو كما قالا.","vol":"6","page":30},{"text":"وقوله ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» (١). وقوله ﷺ: «ثلاث من فعلهن فقد طعم الإيمان: من عبد الله وحده بأنه لا إله إلا هو وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام» الحديث وفي آخره «فقال رجل فما تزكية المرء نفسه يا رسول الله قال: أن يعلم أن الله معه حيثما كان» (٢). وقوله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٣) وفي رواية: «المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله» (٤). وقوله ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه» (٥). وقوله ﷺ: «المؤمن في أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس» (٦) وقوله ﷺ: «المؤمن مرآة المؤمن أخو المؤمن يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه» (٧) وقوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٨) وقوله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (٩) وقوله ﷺ: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن» قالوا من ذلك يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه» (١٠)\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٨٢)، والترمذي (١١٦٢)، وأحمد (٢/ ٢٥٠) (٧٣٩٦)، والحاكم (١/ ٤٣). من حديث أبي هريرة ﵁. قال أبوعيسى: حديث أبي هريرة هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين وهو صحيح على شرط مسلم بن الحجاج. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٨٤): صحيح.\n(٢) رواه أبو داود (١٥٨٢)، والطبراني في «المعجم الصغير» (١/ ٣٣٤) (٥٥٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٩٥). من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري ﵁. قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن معاوية إلا بهذا الإسناد ولا نعرف لعبد الله بن معاوية الغاضري حديثا مسندا غير هذا. وقال الزيلعي في «نصب الراية» (٢/ ٢٥٦): ولم يصل أبو داود به سنده ووصله الطبراني والبزار. وقال ابن حجر في «تلخيص الحبير» (٢/ ١٥٤ - ١٥٥): ورواه الطبراني ووجوه إسناده وسياقه أتم سندا ومتنًا. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٠٤٦): صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٢٥٨٦). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٤٨١)، ومسلم (٢٥٨٥). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٦) رواه أحمد (٥/ ٣٤٠) (٢٢٩٢٨)، والطبراني (٦/ ١٣١). من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٦٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن مصعب بن ثابت وهو ثقة، ورواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله رجال الصحيح غير سوار بن عمارة الرملي وهو ثقة. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ١٢٩): صحيح يشهد له حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٧) رواه أبو داود (٤٩١٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٤). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن.\n(٨) رواه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٩) رواه البخاري (٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(١٠) رواه البخاري (٦٠١٦). من حديث أبي شريح ﵁ ..","vol":"6","page":31},{"text":"وقوله ﷺ: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع» (١). وقوله ﷺ: «من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل إيمانه» (٢) ... وقوله ﷺ: «أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله» (٣). وقوله ﷺ لمعاذ بعد ما أخبره بأركان الإسلام: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون [السجدة: ١٦] ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ثم قال له: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فأخذ بلسان نفسه وقال كف عليك هذا» (٤). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٧٩٤\n_________\n(١) رواه الطبراني (١٢/ ١٥٤)، وأبو يعلى (٥/ ٩٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ٣). من حديث ابن عباس ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٦٧): رواه الطبراني وأبو يعلي ورجاله ثقات. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٤٩): صحيح.\n(٢) رواه أبو داود (٤٦٨١). من حديث أبي أمامة ﵁. ورواه الترمذي (٢٥٢١)، وأحمد (٣/ ٤٣٨) (١٥٦٥٥). من حديث معاذ الجهني ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وحسَّن الألباني كلا الطريقين في «السلسلة الصحيحة» (٣٨٠) ثم قال: والحديث بمجموع الطريقين صحيح.\n(٣) رواه الطبراني (١١/ ٢١٥). من حديث ابن عباس ﵄. وقال الهيثمي في «المجمع» (١/ ٩٠) فيه ليث بن ابي سليم وضعفه الأكثر وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (١/ ١٢) ومدار طرقهم عن ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقال الألباني في «الصحيحة» (١٧٢٨) الحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن على الأقل.\n(٤) رواه الترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، وأحمد (٥/ ٢٣١) (٢٢٠٦٩)، والحاكم (٢/ ٤٤٧). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.","vol":"6","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1729>المبحث الثالث: ما روي عن الإمام مالك في زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nلقد جاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه روايتان، قال في إحداهما: إن الإيمان يزيد أما النقصان فتوقف فيه وطلب من السائل أن يكف عن السؤال عنه، لأنه لم يجد عليه دليلا من كتاب الله.\nأما الرواية الأخرى: فقد جاءت عنه من طرق متعددة صحيحة، قال فيها: إن الإيمان يزيد وينقص، كقول أهل السنة والجماعة سواء.\nولهذا خصصت هذا الفصل لدراسة الرواية الواردة عنه ﵀ في أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان، وذكر ما قاله أهل العلم من تعليلات لقوله هذا، وبيان الصواب منها، مع ذكر الروايات الأخرى الثابتة عنه في أن الإيمان يزيد وينقص.\nولنبدأ أولًا بالرواية الأولى التي فيها قوله أن الإيمان يزيد وتوقف في النقصان، فهذه الرواية جاءت عنه من ثلاث طرق:\nالأولى- من طريق عبدالله بن وهب:\nقال: سئل مالك بن أنس عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل، قلت أيزيد وينقص؟ قال: قد ذكر الله سبحانه في غير آي من القرآن أن الإيمان يزيد، فقلت له: أينقص؟ قال: دع الكلام في نقصانه وكف عنه. فقلت بعضه أفضل من بعض؟ قال: نعم (١).\nالثانية – من طريق ابن القاسم:\nقال ابن عبدالبر: (وقد روى ابن القاسم عن مالك أن الإيمان يزيد، ووقف في نقصانه) (٢).\nونقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).\nوقال القاضي عياض: (قال ابن القاسم: كان مالك يقول: الإيمان يزيد، وتوقف عن النقصان، وقال: ذكر الله زيادته في غير موضع فدع الكلام في نقصانه وكف عنه) (٤).\nونقله عنه الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (٥).\nالثالثة – من طريق إسماعيل بن أبي أويس:\nقال: سئل مالك عن الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: يزيد (وينقص) وذلك في كتاب الله، فقيل له: وينقص يا أبا عبدالله؟ قال: ولا أريد أن أبلغ هذا (٦).\nفهذا ما وقفت عليه مما نقل عنه ﵀ في أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان، ولم أقف فيما اطلعت عليه من روايات عن الإمام أنه جزم بعدم نقص الإيمان، وإنما الذي ورد عنه في بعض الروايات التوقف في القول بنقص الإيمان، وفرّق بين الجزم بنفي الشيء، وبين التوقف فيه. وبهذا يتبين خطأ قول الزبيدي عندما أورد قول مالك هذا (أي: توقفه في النقصان) ثم أورد بعده ما روي عن أبي حنيفة من طريق غسان وجماعة من أصحابه أنه قال: (الإيمان يزيد ولا ينقص). ثم قال الزبيدي: (وهو بعينه قول مالك) (٧).\nفهذا خطأ بيِّن إذ أن مالكًا ﵀ إنما جاء عنه التوقف بالنقصان لا الجزم بعدمه، والفرق بين الأمرين ظاهر.\nفهو ﵀ كان متوقفا في القول بنقص الإيمان لعدم بلوغ النص إليه، ثم لما بلغه ذلك جزم بنقص الإيمان، كما هو ثابت عنه من طرق متعددة.\nأما توقفه في النقصان في هذه الرواية فقد ذكر له أهل بعض التعليلات:\n١ - فقيل إنه توقف في بعض الروايات عن القول بالنقصان، لأن التصديق بالله تعالى ورسوله ﷺ لا ينقص؟ إذ لا يجوز نقصان التصديق، لأنه إذا نقص صار شكا وخرج عن اسم الإيمان، قاله ابن بطال (٨).\n_________\n(١) رواه ابن عبدالبر في «الانتقاء» (ص: ٣٣).\n(٢) «التمهيد» (٩/ ٢٥٢).\n(٣) «الفتاوى» (٧/ ٣٣١).\n(٤) «ترتيب المدارك» (٢/ ٤٣).\n(٥) «السير» (٨/ ١٠٢).\n(٦) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى \"القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم\"» (ص: ٤٣٨). تحقيق: زياد محمد منصور.\n(٧) «إتحاف السادة المتقين» (٢/ ٢٥٦).\n(٨) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (١/ ٥٧).","vol":"6","page":33},{"text":"٢ - وقال بعض أهل العلم: إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب (١).\n٣ - وقيل: إنه توقف في ذلك لأنه وجد ذكر الزيادة في القرآن ولم يجد ذكر النقص.\nقال شيخ الإسلام: (وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه. لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذه إحدى الروايتين عن مالك) (٢).\nفهذا جملة ما وقفت عليه من تعليلات لهذه الرواية، والذي أراه صوابا من هذه التعليلات الثالث منها، وهو أنه توقف عن القول بالنقص لعدم وقوفه على النص، لأمور:\nأولًا: إن هذا هو اللائق به ﵀ والأنسب لمقامه، فما وجده في الكتاب والسنة قال به، وما لم يجده لم يقل به، وهذا هو شأن العلماء المحققين من أهل السنة والجماعة لا يصدرون في أقوالهم وأعمالهم إلا عن كتاب أو سنة، وكثيرا ما كان يتمثل ﵀ بقول الشاعر:\nوخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع (٣)\nثانيًا: أن هذا هو منصوصه ﵀، فقد نص في جميع الروايات المتقدمة أنه إنما قال بالزيادة لوجودها في القرآن، ولما لم يجد للنقص ذكرا توقف عنه. ففي رواية ابن وهب قال: (قد ذكر الله سبحانه في غير آي من القرآن أن الإيمان يزيد).\nوفي رواية ابن القاسم قال: (قد ذكر الله زيادته في غير موضع، فدع الكلام في نقصانه وكفّ عنه).\nوفي رواية ابن أبي أويس قال: (وذلك في كتاب الله).\nفظاهر من هذه الروايات أنه إنما قال بالزيادة لورود النص فيها، أما النقص فتوقف عن القول به لعدم وقوفه على النبي ﷺ فيه.\nثالثًا: يؤكد ذلك أنه ورد عنه روايات متعددة صحيحة ... فيها القول بزيادة الإيمان ونقصانه، فلعل هذا بعد أن تبين له النص في النقص كحديث: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين» (٤) أو وقف على بعض الآثار الكثيرة عن الصحابة والتابعين، والتي فيها التصريح بالزيادة والنقصان، أو غير ذلك، فصار يقول به لوقوفه على النص فيه.\nرابعًا: أن هذا ما رآه شيخ الإسلام ابن تيمية ذو الفهم الثاقب، والاطلاع الواسع والعناية الفائقة بأقوال السلف، فهو من أعلم الناس بأقوالهم وأفهمهم لها، وإن النفس لتطمئن كثيرًا وغالبًا لما يختاره ويراه لدقة فهمه وشدة تحريه، وقد تقدم من قوله ﵀ تعليل رواية مالك هذه بأنه توقف لأنه لم يجد التنصيص على النقصان في القرآن.\nأما التعليل الأول والثاني فـ ... غير سديدين.\nأما الأول: وهو أنه توقف في النقص لأن التصديق لا ينقص فغير صحيح بل باطل، لأن التصديق يعتريه النقص كما تعتريه الزيادة ...\nفقول: أن نقصان التصديق شك ليس من قول أهل السنة والجماعة في شيء، فغير لائق أن يتأول قول مالك ﵀ على هذا القول الباطل، ويترك السبب الذي جاء عنه هو في تعليل تركه للقول بنقصان الإيمان.\nأما الثاني: وهو أنه توقف حتى لا يفهم منه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب، فبعيد جدا.\nلأن القول بنقص الإيمان لا يفهم منه ألبتة كفر من نقص إيمانه إلا على مذهب الخوارج وغيرهم من القائلين بأن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وهو قول باطل بلا ريب ترده نصوص الكتاب والسنة.\n_________\n(١) «شرح صحيح مسلم للنووي» (١/ ١٤٦) وانظر: «الجامع» لابن أبي زيد القيرواني (ص: ١٢٢).\n(٢) «الفتاوى» (٧/ ٥٠٦).\n(٣) «الانتقاء» لابن عبدالبر (ص: ٣٧).\n(٤) رواه البخاري (٢٩٨)، ومسلم (٢٥٢). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"6","page":34},{"text":"أما أهل السنة والجماعة فالإيمان عندهم له أجزاء وأبعاض وشعب والناس متفاوتون في القيام بها، فهو يزيد بزيادتها وينقص بنقصها، فإماطة الأذى عن الطريق إيمان كما في حديث الشعب (١)، وترك إماطته نقص في كمال الإيمان المستحب ولا يقال إن فعله هذا كفر لتركه شيئًا من أمور الإيمان، ولا يفهم هذا منه.\nثم لو فهم هذا ممن انحرفت فطرهم وسادت فيهم البدع والخرافات، فلا يليق أن ينسب إليه ﵀ أنه ترك ما جاء الدليل مصرحًا به حتى لا يفهم كلامه على غير مراده، فلو كان ذلك كذلك وطرد هذا الأمر على بقية أمور الاعتقاد لضاع الدين.\nفهل يترك القول بأن الله سميع بصير عليم خبير وأنه مستو على عرشه وأن له يدا وقدما وغير ذلك من أوصاف كماله ﷾ حتى لا يقال مجسمة؟!\nأو يترك العناية بالأحاديث وتتبع الآثار والتنقيب عنها وفهمها حتى لا يقال حشوية؟!\nأو يترك الاستثناء في الإيمان بأن يقال: أنا مؤمن أو أنا مؤمن حقًا حتى لا يقال شكاكا؟! وغير ذلك مما يطول ذكره.\nوهل لا نروي قول النبي ﷺ: لا يؤمن أحدكم كذا في أحاديث كثيرة حتى لا يفهم من ذلك أنا نرى ما يراه الخوارج وغيرهم من خروج مرتكب الكبيرة من الإيمان؟!\nولقد فهم المبتدعة من كلام الله في كتابه وكلام رسوله ﷺ في الثابت عنه ما يوافق مذاهبهم، وليس العيب في النص تنزه كلام الله ورسوله عن ذلك، بل العيب في فهمهم على حد قول الشاعر:\nوكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم\nولم يمنع فهمهم من نص شرعي موافقة مذهبهم أن يتلى النص ويبلغ ويتداول.\nوعليه فـ ... ليس من اللائق أبدًا أن يؤول قول الإمام على ذلك وأن يفهم من قوله هذا الفهم الفاسد، ولو كان ﵀ يخشى ما فهمه هؤلاء لقال بما جاء به النص: (الإيمان يزيد وينقص) ثم بين للسائل أنه لا يلزم من القول بنقصه أنه يكفر، إذ لا تلازم بينهما، أو نحو هذا مما يبين السبيل ويزيل الإشكال إن وجد. والله أعلم.\nوعلى كلٍّ فالإمام ﵀ نص على أنه من ترك القول بالنقص لعدم ورود النص، فلا حاجة بنا بعد إلى مثل هذه التعليلات.\nوأيضًا فالإمام ثبت عنه القول بزيادة الإيمان ونقصانه وترك قوله الأول، بل إن قوله الأخير هو المعروف عنه عند أهل العلم كما قال أحمد بن القاسم: تذاكرنا من قال: الإيمان يزيد وينقص فعدّ الإمام أحمد غير واحد ثم قال: ومالك بن أنس يقول: يزيد وينقص، فقلت له إن مالكا يحكون عنه أنه قال: يزيد ولا ينقص. فقال: بلى قد روي عنه يزيد وينقص كان ابن نافع يحكيه عن مالك، فقلت له: ابن نافع يحكيه عن مالك؟ قال: نعم (٢).\nوالروايات الواردة عنه ﵀ في أن الإيمان يزيد وينقص كثيرة، ... منها:\nأولًا – رواية عبدالرزاق:\nقال عبدالرزاق: (سمعت معمرًا وسفيان الثوري ومالك بن أنس، وابن جريج وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٣).\nوقال: (لقيت اثنين وستين شيخا منهم معمر ... ومالك بن أنس ... كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) (٤).\nثانيا – رواية إسحاق بن محمد الفروي:\nقال: (كنت عند مالك بن أنس فسمعت حماد بن أبي حنيفة يقول لمالك يا أبا عبدالله إن لنا رأيا نعرضه عليك فإن رأيته غير ذلك كففنا عنه، قال: وما هو؟ قال: يا أبا عبدالله لا نكفر أحدا بذنب، الناس كلهم مسلمون عندنا.\n_________\n(١) رواه البخاري (٩)، ومسلم (١٦٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٩١) (١٠٤٣) بتصرف.\n(٣) رواه الآجري في «الشريعة» (ص: ١١٣)، وابن عبدالبر في «الانتقاء» (ص: ٣٤).\n(٤) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٥/ ١٠٢٩).","vol":"6","page":35},{"text":"قال: ما أحسن هذا، ما بهذا بأس. فقام إليه داود بن أبي زنبر وإبراهيم بن حبيب وأصحاب له فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عبدالله إن هذا يقول بالإرجاء، قال: ديني مثل دين جبريل وميكائيل والملائكة المقربين، قال: لا والله: الإيمان يزيد وينقص هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [الفتح: ٤]، وقال إبراهيم أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] فطمأنينة قلبه زيادة في إيمانه) (١).\nثالثًا – رواية ابن نافع:\nقال: كان مالك بن أنس يقول: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٢).\nرابعًا – رواية معن بن عيسى:\nأشار إليها ابن عبدالبر في (التمهيد) (٣) ونقلها عنه شيخ الإسلام (٤)، ولم أقف عليها مسندة.\nخامسًا – رواية أبي عثمان سعيد بن داود بن أبي زنبر الزنيري:\nقال كان مالك يقول: (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) (٥).\nسادسًا – رواية سويد بن سعيد بن سهل الهروي:\nقال: (سمعت مالك بن أنس وحماد بن زيد .. وجميع من حملت عنهم العلم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ..) (٦).\nفالقول بأن الإيمان يزيد وينقص ثابت عنه ﵀ من طرق متعددة، ولذا قال ابن عبدالبر في (التمهيد) بعد أن أشار إلى رواية ابن القاسم عنه في أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان، قال: (وروى عنه عبدالرزاق، ومعمر بن عيسى، وابن نافع، وابن وهب أنه يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وعلى هذا مذهب الجماعة من أهل الحديث والحمد لله) (٧).\nوقال القاضي عياض: (قال غير واحد: سمعت مالكا يقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض) (٨).\nوخلاصة الكلام في هذا الفصل أن مالكا ﵀ كان يقول إن الإيمان يزيد ولا يقول ينقص متوقفًا في ذلك لا منكرًا له، ثم بان له بعد ذلك وظهر من خلال تأمله للنصوص وإعادة النظر فيها أنه ينقص، مستدلًا على ذلك بنصوص القرآن المصرحة بالزيادة نفسها، إذ إن ما دل على الزيادة تصريحًا يدل على النقصان لزومًا.\nقال ابن رشد: (وقد روي عن مالك ﵀ أنه كان يطلق القول بزيادة الإيمان وكف عن إطلاق نقصانه، إذ لم ينص الله تعالى إلا على زيادته، فروي عنه أنه قال عند موته لابن نافع وقد سأله عن ذلك: قد أبرمتموني إني تدبرت هذا الأمر فما من شيء يزيد إلا وينقص، وهو الصحيح والله ﷾ أعلم) (٩).\n_________\n(١) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٥/ ٩٦٠) (١٧٤٣).\n(٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣١٧) (٦٣٦) والخلال في «السنة» (٣/ ٦٠٨) (١٠٨٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٢٧)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١١٤) واللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» (٥/ ٩٥٩) (١٧٤٢)، وابن عبدالبر في «الانتقاء» (ص: ٣٦).\n(٣) (٩/ ٢٥٢) وتصحف فيه معن إلى معمر وهو خطأ.\n(٤) «الفتاوى» (٧/ ٣٣١).\n(٥) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٨٢) (١٠١٤).\n(٦) رواه البيهقي (١٠/ ٢٠٦)، وفي «الأسماء والصفات» (١/ ٦٠٥) (٥٤٢).\n(٧) «التمهيد» (٩/ ٢٥٢).\n(٨) «ترتيب المدارك» (٢/ ٤٣).\n(٩) «المقدمات» (١/ ٣٧).","vol":"6","page":36},{"text":"وقول ابن رشد هذا فيه تحرير جيد لموقف مالك من هذه المسألة، ألا أن قوله عنه أنه قال ذلك عند موته فيه نظر ...، إذ إن الروايات المتقدمة عنه ﵀ في أن الإيمان يزيد وينقص من طريق غير واحد من أصحابه لا تفيد ذلك وليس فيها تصريح به، سيما رواية ابن نافع المعينة هنا وقد تقدمت معنًا ولفظها: (كان مالك يقول الإيمان يزيد وينقص) (١) فليس فيها ما يفيد أن ذلك إنما كان عند موته ﵀، ثم إن تعدد الروايات عنه في ذلك من طريق عبدالرزاق ومعمر وابن نافع وغيرهم من أصحابه تفيد أن قوله إن الإيمان يزيد وينقص لم يكن قال به عند موته فقط بل قبل ذلك، فلست أدري على ماذا استند ابن رشد في قوله هذا؟ والذي أراه أنه لا مستند له، فجميع الذين رووه من طريق نافع ممن تقدم ذكرهم في التخريج لم يذكر أحد منهم ما أشار إليه ابن رشد، ثم إن الروايات الأخرى عنه في أن الإيمان يزيد وينقص تدل على عدم صحة هذا كما هو ظاهر مما تقدم، والله أعلم.\nوعلى كل فهذا القول أعني قول مالك ﵀: (الإيمان يزيد وينقص) هو الأخير من أقواله وهو المشهور عنه عند أصحابه وغيرهم لا الأول، أما قول الزبيدي: (وتوقف مالك عن القول بنقصانه، هذا هو المشهور من مذهبه) (٢). فغير صحيح، إلا إن كان يعني بالشهرة شهرته عند أهل البدع فنعم، فهم يتتبعون ما وافق أهواءهم من النصوص وأقوال أهل العلم ويأخذون به ويعدونه صحيحا مشهورا ويدعون ما سواه.\nفالمشهور عن مالك هو القول بأن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا لما عدد الإمام أحمد من قال الإيمان يزيد وينقص من أهل العلم عدّ منهم مالكًا ﵀ مع علمه أنه روي عنه القول بأن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان.\nولما عدد عبدالرزاق ﵀ القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص عدّ منهم مالكًا ﵀، وهكذا صنع أبو عبيد وغيرهم من أهل العلم، وما ذاك إلا لأنه المشهور عن مالك ﵀.\nولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن أشار إلى توقف مالك في النقصان: (والرواية الأخرى عنه، وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرهم إنه يزيد وينقص) (٣).\nرواية غريبة:\nوقد ذكر القاضي عياض في (ترتيب المدارك) رواية غريبة عن مالك في ذلك فقال: (قال زهير بن عباد: قلت لمالك ما قولك في صنفين عندنا بالشام اختلفوا في الإيمان فقالوا: يزيد وينقص؟\nقال بئس ما قالوا ...) إلى آخر سياق هذه الرواية وهو طويل (٤).\nوهذا غريب جدًا، بل لا يثبت عن مالك ﵀ لا سيما أن القاضي عياض ذكره مرسلًا هكذا. ولم يذكر من خرجه ولم يذكر له سندًا، فعلى هذا لا يكون صحيحًا، ولا تصح نسبته إليه، كيف وهو مخالف للصحيح الثابت عنه ﵀، اللهم إلا أن يكون في الرواية تحريف أو سقط، والله أعلم .. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر - بتصرف- ص٢٧٧\n_________\n(١) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣١٧) (٦٣٦) والخلال في «السنة» (٣/ ٦٠٨) (١٠٨٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٢٧)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١١٤) واللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» (٥/ ٩٥٩) (١٧٤٢)، وابن عبدالبر في «الانتقاء» (ص: ٣٦).\n(٢) «إتحاف السادة المتقين» (٢/ ٢٥٦).\n(٣) «الفتاوى» (٧/ ٥٠٦).\n(٤) «ترتيب المدارك» (٢/ ٤٢).","vol":"6","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1731>المبحث الأول: أوجه زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nالوجه الأول: الإجمال والتفصيل فيما أمروا به، فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان بالله ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمرهم به رسولهم، فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله وإتمام الشرع، ولا يجب على كل عبد أن يؤمن إيمانًا مفصلًا بكل ما أخبر به الرسول إن لم يبلغه تفاصيل ذلك، فمن بلغه وجب عليه أن يؤمن به إيمانًا مفصلًا، فإن من عرف القرآن والسنن ومعانيها لزمه من الإيمان المفصل بذلك ما لا يلزم غيره. فلو آمن رجل بالله وبالرسول باطنًا وظاهرًا، ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين، مات مؤمنًا بما وجب عليه الإيمان، وليس ما وجب عليه ولا ما وقع منه مثل إيمان من عرف الشرائع بتفاصيلها فآمن بها وعمل بها، بل إيمان هذا الأخير أكمل وجوبا ووقوعًا، لأن ما وجب عليه من الإيمان أكمل وكذلك ما وقع منه أكمل، وبهذا يعلم أنه ليس من التزم طاعة الرسول مجملًا، ومات قبل أن يعرف تفصيل ما أمره به، كمن عاش حتى عرف ذلك مفصلًا وأطاعه فيه، فليس إيمان من آمن بالرسول مجملًا من غير معرفة منه بتفاصيل أخباره، كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته، والجنة والنار والأمم، وآمن به في ذلك كله، فشتان ما بين هذا وذاك.\nوقول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] المراد به إكمال التشريع بالأمر والنهي، وليس المراد به أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة، وأنه فعل ذلك، بل لقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه وصف النساء بأنهن «ناقصات عقل ودين» (١)، وجعل نقصان عقلها أن شهادة امرأتين شهادة رجل واحد، ونقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، وهذا النقصان ليس هو نقصًا مما أمرت به، فلهذا لا تعاقب عليه لأنها لم تؤمر به، لكن من أمر بالصلاة والصوم ففعله كان دينه كاملًا بالنسبة إلى هذه الناقصة الدين، والتي تترك الصلاة والصوم حال حيضها، وإن كانت مأمورة بهذا الترك، فذاك إيمانه أكمل من هذه للتفاوت بينهما في المأمور به. فهذا وجه من أوجه الزيادة والنقصان في الإيمان.\nوذكر شيخ الإسلام نحو ما تقدم في شرحه للعقيدة الأصفهانية ثم قال: (فصار النقص في الدين والإيمان نوعين نوعا لا يذم العبد عليه لكونه لم يجب عليه لعجزه عنه حسًا أو شرعًا، وإما لكونه مستحبًا ليس بواجب، ونوعا يذم عليه وهو ترك الواجبات) (٢) ... أي دون عذر.\nالوجه الثاني:\nالإجمالي والتفصيل فيما وقع منهم، فإن الناس وإن تساووا في وجوب الإيمان عليهم جميعا، فهم متفاوتون في القيام به:\n١ - فمنهم من يطلب علم ما أمر به وما وجب عليه فيتعلمه ويعمل به، فيجمع بين العلم والعمل.\n٢ - ومنهم من يطلب علم ما أمر به فيتعلمه ويؤمن به ويصدق، ولكن لا يعمل به.\n٣ - ومنهم من يؤمن بما جاء به رسول الله ﷺ مطلقًا ولا يكذبه قط، لكنه يعرض عن معرفة أمره ونهيه ويعرض عن طلب العلم الواجب عليه بل يتبع هواه فلا يتعلم الواجب عليه ولا يعمل به.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٩٨)، ومسلم (٢٥٢). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) «شرح العقيدة الأصفهانية» (١٣٩)، «الفتاوى» (٧/ ١٩٦)، «فتح رب البرية» لابن عثيمين (٦٦).","vol":"6","page":38},{"text":"فهؤلاء الثلاثة وإن اشتركوا في الوجوب، فإنهم متفاوتون في الإيمان تفاوتًا عظيمًا فالأول منهم وهو الذي طلب علم التفصيل وعمل به إيمانه أكمل من إيمان الثاني الذي عرف ما يجب عليه والتزمه وأقرّ به، لكنه لم يعمل به وهو خائف من عقوبة ربه على ترك العمل معترف بذنبه، وهذا الثاني إيمانه أكمل من إيمان الثالث الذي لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ﷺ ولا عمل بذلك ولا هو خائف أن يعاقب، بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به رسول الله ﷺ، مع أنه مقر بنبوته باطنًا وظاهرًا.\nوهذا التفاوت بينهم في الإيمان إنما هو فيما وقع منهم، لا في ما أمروا به لأنهم متساوون في وجوبه عليهم جميعًا، وبهذا يتبين أن الإيمان يزيد وينقص من جهة قيام المؤمنين به ووقوعه منهم، فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه، وما أمر به فالتزمه، كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه التزام عام وإقرار عام، وكذلك من عرف أسماء الله ومعانيها، فآمن بها، كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف تلك الأسماء بل آمن بها إيمانًا مجملًا، أو عرف بعضها، وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله وصفاته وآياته، كان إيمانه بها أكمل.\nوبالجملة فإنه كلما ازداد المسلم قيامًا بأوامر هذا الدين والتزامًا لأحكامه، زاد إيمانه بذلك، وكان أكمل من غيره ممن لم يقم بذلك، وهذه الزيادة في الإيمان إنما وقعت من جهة قيام المؤمنين به ووقوعه منهم.\nالوجه الثالث:\nإن العلم والتصديق نفسه يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن الشك والريب، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه، فإن الإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه، كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعه، ورؤيته لمرئيه، وحبه لمحبوبه، وكراهيته لمكروهه، ورضاه بمرضيه، وبغضه لبغيضه، ولا ينكر التفاضل في هذه أحد، بل من أنكر التفاضل فيها كان مسفسطا مكذبا للأمور المسلمات.\nفالعلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك، فإذا كانت القدرة على الشيء تتفاوت فكذلك الإخبار عنه يتفاوت، وإذا قال القائل العلم بالشيء الواحد لا يتفاضل كان بمنزلة قوله القدرة على المقدور الواحد لا تتفاضل، وقوله ورؤية الشيء الواحد لا تتفاضل.\nومن المعلوم أن الهلال المرئي يتفاضل الناس في رؤيته، فهم وإن اشتركوا فيها، فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض، وكذلك سمع الصوت الواحد يتفاضلون في إدراكه، وكذلك الكلمة الواحدة يتكلم بها الشخصان ويتفاضلان في النطق بها، وكذلك شمّ الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من الطعام يتفاضل الشخصان فيه، فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته، بل وغير صفات الحي، إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر، وهذا مما لا يختلف فيه اثنان.\nفإذا كان ذلك كذلك فإن علم القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من هذا بكثير، فالمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه، يتفاضل الناس في معرفتها، أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها، وهكذا سائر أمور الإيمان.\nومما يوضح هذا الوجه في التفاضل في تصديق القلب، أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، فمن آمن وصدق بأن الله حق، ورسوله حق، والجنة حق، والنار حق، وأوجب له هذا التصديق محبة الله وخشيته والرغبة في الجنة، والهرب من النار، فإيمان هذا أكمل ممن آمن وصدق بهذه الأمور إلا أن إيمانه لم يوجب له ذلك.","vol":"6","page":39},{"text":"قال النووي بعد أن ذكر قول من قال إن التصديق لا يزيد ولا ينقص وإنه متى قبل الزيادة كان شكًا وكفرًا، قال: (والأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيّرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره ..) (١).\nوقال النووي أيضًا: (والناس يتفاضلون في تصديق القلب على قدر علمهم ومعاينتهم فمن زيادته بالعلم قوله تعالى: أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا ومن المعاينة قوله تعالى: ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ فجعل له مزية على علم اليقين والله أعلم) (٢).\nونقله عنه الحافظ في (الفتح) ثم قال: (ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها) (٣).\nوقال شيخ الإسلام: (إن التصديق نفسه يتفاضل كنهه، فليس ما أثنى عليه البرهان بل تشهد له الأعيان، وأميط عنه كل أذى وحسبان، حتى بلغ أعلى درجات الإيقان، كتصديق زعزعته الشبهات، وصدقته الشهوات، ولعب به التقليد، ويضعف لشبه المعاند العنيد، وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد) (٤).\nوقال ابن رجب: (والتصديق القائم بالقلوب يتفاضل، وهذا هو الصحيح، وهو أصح الروايتين عن أبي عبدالله أحمد بن حنبل، فإن إيمان الصديقين الذي يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخله الشك ...) (٥).\nلم أقف على نقل للإمام أحمد رأى فيه أن التصديق لا يتفاضل، وإنما الذي نقل عن الإمام فيه روايتان فيما اطلعت عليه هو: (المعرفة القلبية) كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكما سيأتي في الوجه التالي، فعلّ الحافظ ابن رجب قصد بالروايتين عنه في التصديق ما جاء عنه في المعرفة والله أعلم.\nوقال الكرخي: (إن نفس التصديق يقبل القوة، وهي التي عبر عنها بالزيادة للفرق المميز بين يقين الأنبياء ويقين آحاد الأمة وكذا من قام عليه دليل واحد ومن قامت عليه أدلة كثيرة، لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه) (٦).\nفبهذا البيان والنقول يتضح بما لا مجال للشك فيه أن التصديق نفسه يقبل الزيادة والنقصان، فتأمل هذا الوجه جيدا فقد اشتمل على أوضح رد وأجلى بيان لبطلان قول من قال إن التصديق لا يزيد ولا ينقص، وإن نقصانه يقتضي الشك والكفر ...\nالوجه الرابع:\n_________\n(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ١٤٨)، «المسائل المنثورة» (١٩٤).\n(٢) «شرح البخاري» (١/ ٢٢٦).\n(٣) «فتح الباري» (١/ ٤٦).\n(٤) «الفتاوى» (٦/ ٤٨٠) «تهذيب السنن» لابن القيم (٧/ ٥٦).\n(٥) «جامع العلوم والحكم» (٢٨) بتصرف يسير.\n(٦) نقله عنه أبو السعود في تفسيره (٣/ ٤) وصديق حسن خان في كتابه «فتح البيان» (٤/ ٦). والنقل بتصرف.","vol":"6","page":40},{"text":"إن المعرفة القلبية – وهي دون التصديق (١) – يتفاضل الناس فيها، فهي تختلف من حيث الإجمال والتفصيل، والقوة والضعف، ودوام الحضور والغفلة؛ فليست المعرفة المستحضرة الثابتة التي يثبت الله صاحبها كالمجملة التي غفل عنها صاحبها، وإذا حصل له ما يريبه فيها ارتاب ثم رغب إلى الله في كشف الريب.\nقال شيخ الإسلام: (وكذلك المعرفة التي في القلوب تقبل التفاضل على الصحيح عند أهل السنة، وفي هذا نزاع، فطائفة من المنتسبين إلى السنة تنكر التفاضل في هذا كله كما يختار ذلك القاضي أبو بكر وابن عقيل وغيرهما، وقد حكي عن أحمد في التفاضل في المعرفة روايتان) (٢).\nوقال شيخ الإسلام: (وقد ذكر القاضي أبو يعلى في ذلك عن أحمد روايتين) (٣).\nوكلتا الروايتين ثابتتان عن الإمام ﵀ بسند صحيح، أما الرواية الأولى فقد خرجها الخلال في «السنة» من طريق أبي بكر محمد بن علي أن يعقوب بن بختان حدثهم قال: سألت أبا عبدالله عن المعرفة والقول تزيد وتنقص؟ قال: لا، قد جئنا بالقول والمعرفة وبقي العمل (٤).\nوأما الرواية الثانية فخرجها أيضًا الخلال في «السنة» من طريق المروذي قال: قلت لأبي عبدالله في معرفة الله ﷿ في القلب يتفاضل فيه؟ قال: نعم، قلت: ويزيد؟ قال: نعم (٥) ...\nولا تعارض ... بين هاتين الروايتين عن الإمام، فهو ﵀ جزم في الرواية الأولى بالإتيان بالمعرفة والقول، وهذا مما لا يجوز لمسلم أن يرتاب فيه إذ إن من شك في إتيانه بالمعرفة والقول يكفر، لكن المعرفة تختلف من شخص لآخر قوةً وضعفًا بحسب قوة الأدلة وكثرة النظر، وهذا ما بينه ﵀ في الرواية الثانية، حيث بيّن أن الناس يتفاضلون في المعرفة وأنها تزيد، وهذا لا يتنافى مع الجزم بالإتيان بالمعرفة، لأن القدر الواجب من المعرفة يجزم به المسلم، ولا يمكن أن يجزم بأنه بلغ أعلى درجات المعرفة، لأن المعرفة درجات والناس متفاضلون فيها، والله أعلم.\nثم ... وقفت على كلام نحوه للقاضي أبي يعلى في التوفيق بينهما، حيث قال ﵀ بعد أن أشار إلى هاتين الروايتين: (وعندي أن المسألة ليست على روايتين وإنما هي على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال لا تزيد ولا تنقص يعني به نفس المعرفة، لأن المعرفة هي: معرفة المعلوم على ما هو به، وذلك لا يختلف بحال ... والموضع الذي قال: تزيد وتنقص يعني بالزيادة في معرفة الأدلة، وذلك قد يزيد وينقص، فمنهم من يعرف الشيء من جهة واحدة، ومنهم من يعرفه من جهات كثيرة) (٦).\nثم إن مما يوضح لنا هذا الوجه. أعني التفاضل في المعرفة ويبينه أن معرفة الإنسان بالشيء إن عاينه تختلف عن معرفته به إن لم يعاينه وإن كان جازمًا بصدق من أخبره.\n_________\n(١) لمعرفة الفرق بين المعرفة والتصديق انظر: رسالة الإمام أحمد للجوزجاني ضمن «السنة» للخلال، وانظرها وشرح شيخ الإسلام لها في «الفتاوى» (٧/ ٣٩٠، وما بعدها)، قال شيخ الإسلام في شرحها (٧/ ٣٩٥): \"وأحمد فرق بين المعرفة التي في القلب وبين التصديق الذي في القلب ... \".\n(٢) «الفتاوى» (٧/ ٤٠٨) و(١٠/ ٧٢٢) «شرح الكوكب المنير» لابن النجار (١٨).\n(٣) «درء التعارض» (٧/ ٤٥١) قلت: ذكر القاضي أبو يعلى هاتين الروايتين عن الإمام في كتابه «الروايتين والوجهين».\n(٤) «السنة» للخلال (٢/ ٦٧٧).\n(٥) «السنة» للخلال (٢/ ٦٧٦).\n(٦) «الروايتين والوجهين» (القرآن ٢٥١/ب).","vol":"6","page":41},{"text":"ولهذا قال النبي ﷺ: «ليس الخبر كالمعاينة» (١) فإن موسى لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل، لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها، وليس ذلك لشك موسى في خبر الله، لكن المخبر وإن جزم بصدق المخبر، فقد لا يتصور المخبر به في نفسه كما يتصوره إذا عاينه، بل يكون قلبه مشغولًا عن تصور المخبر به، وإن كان مصدقًا به، ومعلوم أنه عند المعاينة يحل له من تصور المخبر به ما لم يكن عند الخبر (٢).\nفالزيادة والنقصان في الإيمان شاملة لمعرفة القلوب لتفاضل الناس فيها، من جهة الإجمال والتفصيل، والقوة والضعف، والذكر والغفلة، فمعرفة الله وأسمائه وصفاته، وأنه بكل شيءٍ عليم، وعلى كل شيءٍ قدير، وأنه غفور رحيم، عزيز حكيم، شديد العقاب، إلى غير ذلك من صفاته، كل ذلك داخل في الإيمان، إذ لا يمكن لمسلم أن يقول إنه ليس من الإيمان، ومعلوم أن الناس متفاوتون في معرفتها وغير متماثلين، بل لا يمكن لأحد أن يدعي تماثل الناس في ذلك (٣).\nثم من المعلوم أيضًا أن الناس يتفاضلون في معرفة الملائكة وصفاتهم، ويتفاضلون في معرفة الروح وصفاتها، وفي معرفة الجن وصفاتهم، وفي معرفة الآخرة وما بها من نعيم وعذاب، بل ويتفاضلون في معرفة أبدانهم وصفاتها وصحتها ومرضها وما يتبع ذلك، فإن كانوا متفاضلين في ذلك كله، فتفاضلهم في معرفة الله أعظم وأعظم (٤).\nقال شيخ الإسلام: (ولا ريب أن المؤمنين يعرفون ربهم في الدنيا، ويتفاوتون في درجات العرفان، والنبي ﷺ أعلمنا بالله وقد قال: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٥) وهذا يتعلق بمعرفة زيادة المعرفة ونقصها المتعلقة بمسألة زيادة الإيمان ونقصه) (٦).\nوقال ابن قاضي الجبل في أصوله: (الأصح التفاوت، فإنا نجد بالضرورة الفرق بين كون الواحد نصف الاثنين، وبين ما علمناه من جهة التواتر مع كون اليقين حاصل فيهما) (٧).\nقال السبكي في رسالة له ألفها في الاستثناء نقل أكثرها الزبيدي في (الإتحاف): (والمعرفة يتفاوت الناس فيها تفاوتًا كثيرًا .. وأعلى الخلق معرفة النبي ﷺ ثم الأنبياء والملائكة على مراتبهم وأدنى المراتب الواجب الذي لا بد منه في النجاة من النار وفي عصمة الدم، وبين ذلك وسائط كثيرة منها واجب ومنها ما ليس بواجب وكل ذلك داخل في اسم الإيمان) (٨).\nوبهذا يتبين أن المعرفة القلبية تقبل الزيادة والنقصان وبالله التوفيق.\nفائدة جليلة: تنازع الناس في المعرفة القلبية هل حصلت بالشرع أو بالعقل؟\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٧١) (٢٤٤٧)، وابن حبان (١٤/ ٩٦) (٦٢١٣)، والحاكم (٢/ ٣٥١). من حديث ابن عباس ﵁. وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الزركشي في «اللآلئ المنثورة» (٧٨): إسناده صحيح، وحسنه ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (٢/ ١٣٨)، وقال محمد الغزي في «إتقان ما يحسن» (٢/ ٤٧٥): إسناده جيد، وقال الزرقاني في «مختصر المقاصد» (٨٤٦)، والألباني في «صحيح الجامع» (٥٣٧٤): صحيح.\n(٢) «الفتاوى» (٧/ ٢٤٣).\n(٣) «الفتاوى» (٧/ ٤١٤).\n(٤) «الفتاوى» (٧/ ٥٦٩).\n(٥) جزء من حديث رواه مسلم (١١١٨). من حديث عائشة ﵂.\n(٦) «الفتاوى» (٦/ ٤٧٩).\n(٧) نقله عنه ابن النجار في شرح «الكوكب المنير» (١٨).\n(٨) «إتحاف السادة المتقين» (٢/ ٢٨٠).","vol":"6","page":42},{"text":"قال شيخ الإسلام بعد أن نقل الخلاف في ذلك «وحقيقة المسألة: أن المعرفة منها ما يحصل بالعقل، ومنها ما لا يعرف إلا بالشرع، فالإقرار الفطري: كالإقرار الذي أخبر الله به عن الكفار، قد يحصل بالعقل كقوله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [لقمان: ٢٥].\nوأما ما في القلوب من الإيمان المشار إليه في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] فلا يحصل إلا بالوحي ..» (١).\nالوجه الخامس:\nإن أعمال القلوب كالمحبة والخشية والخشوع والذل والإنابة والتوكل والحياة والرغبة والرهبة والخوف والرجاء وغيرها. يتفاضل الناس فيها تفاضلًا عظيمًا. وهي جميعها من أعمال الإيمان كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق سلف هذه الأمة.\nفالمحبة مثلًا الناس متفاوتون فيها، ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام وهما خليلا الله وأشد الناس محبة له، إلى أدنى الناس درجة في الإيمان كمن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وبين هذين الحدين من الدرجات ما يحصيه إلا رب الأرض والسماوات، فإنه ليس في أجناس المخلوقات ما يتفاضل بعضه على البعض كبني آدم.\nبل إن التفاضل في المحبة يعلمه كل إنسان من نفسه بحسب الحب الذي قام في قلبه لأي محبوب كان، سواء كان حبًا لولده أو لامرأته أو لرياسته أو لصديقه أو غير ذلك، فإن حبه لهذه الأشياء على درجات، فالحب أوله علاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم صبابة لانصباب القلب نحوه، ثم غرام للزومه القلب كما يلزم الغريم غريمه، إلى غير ذلك من درجات الحب وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، فإذا علم تفاضل الناس في حب هذه الأشياء من محبوباتهم، فتفاضلهم في حب الله أعظم.\nوقد دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على تفاضل الناس فيه قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة: ١٦٥].\nوقال تعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: ٢٤].\nفهاتان الآيتان فيهما دلالة على تفاضل الناس في المحبة، ففي قوله أَشَدُّ حُبًّا في الآية الأولى وقوله: أَحَبَّ في الآية الثانية أعظم دلالة على ذلك، لاستخدام أفعل التفضيل فيهما الدال صراحة على التفاضل.\nوفي الصحيحين: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٢).\n_________\n(١) «درء التعارض» (٧/ ٤٥٨).\n(٢) رواه البخاري (٢١)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس ﵁.","vol":"6","page":43},{"text":"وفيهما عنه ﵁ قال: قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (١).\nوفي صحيح البخاري: عن عبدالله بن هشام ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي. فقال النبي ﷺ: الآن يا عمر» (٢).\nفهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ، فيها أوضح دلالة على تفاضل الناس في المحبة. فقد ذكر فيه كلمة (أحب) الدالة على التفاضل تصريحًا.\nفمن أنكر ذلك وقال بخلافه، فقد خالف الكتاب والسنة، بل وخالف اللغة والعقل والحس.\nوكما أن الناس يتفاضلون في المحبة ... وهي عمل قلبي، فهم كذلك يتفاضلون في سائر أعمال القلوب من خشية وإنابة وتوكل ورجاء وخوف وحياء وغير ذلك، فهذه كلها يتفاضل الناس فيها تفاضلًا عظيمًا، وهذا من الأمور المعلومة الظاهرة، والأدلة في الكتاب والسنة كثيرة منها:\nقول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٨].\nوقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢].\nوقوله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ١٦].\nوقوله: الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨].\nوقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: ٥٧]\nوقوله: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣٢].\nوقوله: يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال: ٢٩].\nوقوله: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠].\nحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير» الحديث (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٥) ومسلم (٤٤) واللفظ له، من حديث أنس ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٦٦٣٢) من حديث عبدالله بن هشام ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٤٤)، ومسلم (٤٩٩).","vol":"6","page":44},{"text":"وحديث أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (١).\nوحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «والحياء شعبة من الإيمان» (٢).\nوحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» (٣).\nوغيرها من الأحاديث ففي هذه النصوص أوضح دلالة على تفاضل الناس في أعمال القلوب وتفاوتهم فيها.\nثم إن النصوص الواردة في ذلك كثيرة، ولو تتبعتها وذكرت كل عمل من الأعمال القلبية بأدلته ... لطال المقام، والأمر لا يحتاج إلى ذلك، لأن كل إنسان يحس ذلك ويلمسه في نفسه، فإن الإنسان يجد نفسه في وقت أشد حياء منه في الوقت الآخر، وفي وقت أشد خوفًا منه في الوقت الآخر، وهكذا سائر أعمال القلب، فإن الإنسان يحس في نفسه تفاوته من وقت لآخر فيها.\nقال شيخ الإسلام: (فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن، أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق والنصح لهم .. ثم ذكر بعض نصوص الكتاب والسنة الدالة على ذلك، ثم قال: وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة) (٤).\nوبيّن في موضع آخر أن هذا هو قول أهل السنة والجماعة، فقال: (والذي مضى عليه سلف الأمة وأئمتها أن نفس الإيمان الذي في القلوب يتفاضل ..) (٥).\nوقال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ﵀: (وأما كون الذي في القلب والذي في الجوارح يزيد وينقص فذاك شيء معلوم، والسلف كانوا يخافون على الإنسان إذا كان ضعيف الإيمان النفاقَ أو سلبَ الإيمان كله) (٦).\nالوجه السادس:\nإن الأعمال الظاهرة يتفاضل الناس فيها وتزيد وتنقص وهذا شامل لأعمال اللسان، كالتسبيح والتكبير والاستغفار والذكر وقراءة القرآن وغيرها، وشامل لأعمال الجوارح، كالصلاة والحج والجهاد والصدقة وغيرها. فهذه الأعمال الظاهرة هي من الإيمان، وداخله في مسماه، والتفاضل يقع فيها كما يقع في الأعمال الباطنة.\nقال شيخ الإسلام: (وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان ...) (٧).\nوقال: (وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه وإن كان في دخوله في مطلق الإيمان نزاع، والذي عليه أهل السنة والحديث أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) (٨).\nأما الأدلة على تفاضل الناس في الأعمال الظاهرة: أعمال اللسان، وأعمال الجوارح فكثيرةٌ جدًا.\nفمن أدلة تفاضل الناس في أعمال اللسان:\nقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا [الأحزاب: ٤٢].\nوقول الله تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران: ٤١].\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٨١)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٧/ ١٦٨). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ٧١) كما أشار لهذا في المقدمة، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٩)، ومسلم (١٦١).\n(٣) رواه البخاري (٢٠).\n(٤) «الفتاوى» (٧/ ٥٦٣).\n(٥) «الفتاوى» (٦/ ٤٧٩).\n(٦) «الدرر السنية» (١/ ١٠٦) ومجموع مؤلفات الشيخ «قسم الفتاوى» (ص: ٥١).\n(٧) «الفتاوى» (٧/ ٥٦٢).\n(٨) «الفتاوى» (٦/ ٤٧٩) باختصار.","vol":"6","page":45},{"text":"وقوله: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: ١٩١].\nوقوله: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٣٥].\nوقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ [فاطر: ٢٩].\nوقوله: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم: ٥٨].\nوفي الصحيحين: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» (١).\nوفي الترمذي: وغيره عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها» (٢).\nفهذه النصوص فيها أوضح دلالة على تفاضل الناس في أعمال اللسان، إذ هم ليسوا سواء في القيام بأعماله، بل متفاوتون.\nومن أدلة تفاضل الناس في أعمال الجوارح:\nقول الله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨].\nوقوله: قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ [إبراهيم: ٣١].\nوقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: ١ - ١١].\nو... حديث الشعب، .. فيه جعل النبي ﷺ إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان (٣)، و... قوله ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ..» الحديث (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٠٤٤) واللفظ له، ومسلم (١٨٥٩).\n(٢) رواه الترمذي (٢٩١٤). ورواه أبو داود (١٤٦٤) وأحمد (٢/ ١٩٢) (٦٧٩٩)، وابن حبان (٣/ ٤٣) (٧٦٦) والحاكم (١/ ٥٥٣) والبغوي (٤/ ٤٣٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠١) كما أشار لذلك في مقدمته، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٣٧٢) كما أشار لذلك في مقدمته، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٩)، ومسلم (١٦٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه مسلم (١٨٦). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"6","page":46},{"text":"فهذه النصوص فيها ذكر جملة من الأعمال الإيمانية كالصلاة والزكاة، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وتغيير المنكر باليد على حسب الاستطاعة، وإماطة الأذى عن الطريق فهذه كلها من الأعمال الإيمانية التي تكون بالجوارح، وما من شك في أن الناس متفاضلون في هذه الأعمال أداء لها ومحافظة عليها وقيامًا بها، فهم ليسوا في ذلك على درجة واحدة، بل بينهم فيها تفاوت عظيم.\nالوجه السابع:\nإن الإيمان يتفاضل ويزيد وينقص من جهة استحضار الإنسان بقلبه لأمور الإيمان، وذكره لها، ودوامه وثباته عليها، بحيث لا يكون غافلًا عنها، فإن من كان كذلك أكمل إيمانًا ممن صدق بالمأمور به وغفل عنه.\nوذلك لأن الغفلة تضاد كمال العلم والتصديق والذكر، وأما دوام الاستحضار وعدم الغفلة فإنه يكمل العلم واليقين ويقوي الإيمان، فالعالم بالشيء في حالة غفلته عنه دون العالم بالشيء حال ذكره له، والعلم وإن كان في القلب فالغفلة تنافي تحققه.\nفالغفلة وعدم استحضار الأوامر، لها أثر في نقص كمال الإيمان وضعفه ولهذا قال عمير بن حبيب الخطمي ﵁: (إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه) (١). وكان معاذ بن جبل يقول لأصحابه (اجلسوا بنا نؤمن ساعة) (٢). وهذا يدلنا على أن الحذر من الغفلة، واستحضار الإيمان سبب لزيادة الإيمان، وعدم ذلك سبب لنقصه. ولهذا فإن الله الكريم نبه في مواضع كثيرة من كتابه على أهمية الذكرى وعظم شأنها، وخطر الغفلة وشدة ضررها، ومن ذلك قوله: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: ٥٥]\nوقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧] ومعنى شهيد أي: حاضر القلب وليس بغافل.\nوقوله: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى: ١١].\nوقوله: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: ٢٨].\nوقوله: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف: ٢٠٥] وغيرها من الآيات.\nالوجه الثامن:\nإن الإنسان قد يكون مكذبًا ومنكرًا لأمور لا يعلم أنها من الإيمان، ولو كان عالمًا بأنها منه لم يكذب ولم ينكر، فإذا تبين له بعد أنها من الإيمان، وظهر له ذلك بوجه من الوجوه، فإنه يصدق بما كان مكذبًا به، ويعرف ما كان منكرًا له، وهذا تصديق جديد، وإيمان جديد، ازداد به إيمانه، وهو لم يكن قبل ذلك كافرًا بل جاهلًا.\n_________\n(١) رواه عبدالله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٣٠) (٦٨٠)، والآجري في «الشريعة) (ص: ١٠٨)، والخطابي في «الغنية» (ص: ٤٥)، وأبو أحمد الحاكم في «شعار أصحاب الحديث» (٨).\n(٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث رقم (٧)، ووصله ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٢٥، ٢٦) وفي «الإيمان» (١٠٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٣٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٧٣) (٤٤)، وعبدالله في «السنة» (١/ ٣٦٨) (٧٩٦)، (١/ ٣٧٨) (٨٢٣)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٤٧) (١١٣٥) واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٤٣) (١٧٠٦، ١٧٠٧). قال ابن حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٢١): موقوف صحيح. وصحح العيني إسناده في «عمدة القاري» (١/ ١٩٠)، وقال الألباني في «الإيمان لابن أبي شيبة» (١٠٥) إسناده صحيح على شرط الشيخين.","vol":"6","page":47},{"text":"وهذا يحصل لكثير من الناس ولا سيما أهل العلوم والعبادات، فإنه يقوم بقلوبهم من التفصيل أمور كثيرة تخالف ما جاء به الرسول ﷺ وهم لا يعرفون أنها تخالف، فإذا عرفوا رجعوا.\nوكل من ابتدع في الدين قولًا أخطأ فيه، أو عمل عملا أخطأ فيه، وهو مؤمن بالرسول ﷺ مصدق بما جاء به ثم عرف ما قاله وآمن به وترك ما كان عليه من خطأ، فهو من هذا الباب، وكل مبتدع قصده متابعة الرسول فهو من هذا الباب، فمن علم ما جاء به الرسول وعمل به، أكمل ممن أخطأ ذلك، ومن علم الصواب بعد الخطأ وعمل به أكمل ممن لم يكن كذلك.\nفهذا أحد أوجه زيادة الإيمان ونقصانه، وهو وإن أشبه الوجه الأول وهو المجمل والمفصل من جهة أنه تجدد عند هذا وهذا شيء من معارف الإيمان وعلومه مما لم يكن قبل عندهما، إلا أنهما مختلفان من جهة أن صاحب الوجه الأول كان قلبه خاليًا من تكذيب وتصديق لشيءٍ من التفاصيل وعن معرفة وإنكار لشيء من ذلك، أما صاحب هذا الوجه فهو مكذب بشيء من التفاصيل منكر لها لجهله أنها من الإيمان وبهذا يظهر الفرق بين الوجهين.\nالوجه التاسع:\nإن التفاضل يحصل من هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها، فمن كان مستندًا في تصديقه ومحبته على أدلة توجب اليقين ولا تدع مجالًا للشبه العارضة، بل تدحضها وتبين فسادها، فهو ليس بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك، فإن تصديقه قد يتزعزع ويداخله الشك والريب لضعف أسباب التصديق عنده وكذلك من جعل له علومًا ضرورية قوي تمكنها في نفسه بحيث لا يمكنه دفعها عن نفسه، لم يكن بمنزلة من تعارضه الشبه ويريد إزالتها بالنظر والبحث وقد لا يستطيع.\nولا يستريب عاقل أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبه المعارضة لذلك وبطلانها ليس كالعلم الذي هو مستند على دليل واحد أو دليلين من غير معرفة بالشبه المعارضة له، وفسادها.\nفالشيء كلما قويت أسبابه، وتعددت وانقطعت موانعه واضمحلت كان أوجب لكماله وقوته وتمامه، والعكس بالعكس.\nفهذه الأوجه التسعة تبين تفاضل الناس فيما يقوم بالقلب واللسان والجوارح، وبالتأمل قد يظهر غيرها.\nثم إن هذه الأوجه التسعة تتلخص في وجهين اثنين هما:\n١ - إن الإيمان يتفاضل من جهة أمر الرب.\n٢ - إن الإيمان يتفاضل من جهة فعل العبد.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وذلك أن أصل أهل السنة أن الإيمان يتفاضل من وجهين: من جهة أمر الرب، ومن جهة فعل العبد.\nأما الأول فإنه ليس الإيمان الذي أمر به شخص من المؤمنين هو الإيمان الذي أمر به كل شخص، فإن المسلمين في أول الأمر كانوا مأمورين بمقدار من الإيمان، ثم بعد ذلك أمروا بغير ذلك، وأمروا بترك ما كانوا مأمورين به كالقبلة، فكان الإيمان في أول الأمر الإيمان بوجوب استقبال الكعبة، فقد تنوع الإيمان في الشريعة الواحدة. وأيضًا فمن وجب عليه الحج والزكاة أو الجهاد يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمر به ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره إلا مجملا، وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل، وكذلك الرجل أول ما يسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها، فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان.\nوالنوع الثاني: هو تفاضل الناس في الإتيان به مع استهوائهم في الواجب، وهذا الذي يظن أنه محل النزاع وكلاهما محل النزاع.\nوهذا أيضًا يتفاضلون فيه فليس إيمان السارق والزاني والشارب كإيمان غيرهم، ولا إيمان من أدى الواجبات كإيمان من أخل ببعضها، كما أنه ليس دين هذا وبره وتقواه مثل دين هذا وبره وتقواه، بل هذا أفضل دينًا وبرًا وتقوى فهو كذلك أفضل إيمانًا ..) (١) زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبدالرزاق البدر- بتصرف- ص١٣٦\n_________\n(١) «الفتاوى» (١٣/ ٥١، ١٨/ ٢٧٧).","vol":"6","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1733>تمهيد</span>\nلقد جعل الله سبحانه لكل مرغوب ومطلوب سببًا وطريقًا يوصل إليه، وإن أهم وأعظم المطالب وأعمها نفعًا هو الإيمان، وقد جعل الله له مواد كثيرة تجلبه وتقويه، وأسبابًا عديدة تزيده وتنميه، إذا فعلها العباد قوي يقينهم وزاد إيمانهم، بيّنها الله في كتابه وبيّنها رسوله ﷺ في سنته.\nولعل أهم هذه الأسباب ما يلي: زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص١٦٧","vol":"6","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1734>المطلب الأول: تعلم العلم النافع</span>\nإن أهم وأنفع أسباب زيادة الإيمان تعلم العلم النافع علم الشريعة المستمد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ (١).\nقال ابن رجب معرّفا بهذا العلم: (فالعلم النافع هو ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك، والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل ..) (٢).\nوقال ابن حجر: (والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد ما يجب على المكلف من أمر دينه في عبادته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه) (٣).\n... فمن وفق لهذا العلم، فقد وفق لأعظم أسباب زيادة الإيمان، ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة علم ذلك:\nقال الله تعالى: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨].\nوقال تعالى: لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١٦٢].\nوقال تعالى: قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء: ١٠٨].\nوقال تعالى: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الحج: ٥٤].\nوقال تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سبأ: ٦]\nوقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٨]\nوقال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: ١١]\nوفي الصحيحين من حديث معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (٤).\n_________\n(١) «الفتاوى» (٢٨/ ٨٠).\n(٢) «فضل علم السلف على علم الخلف» (ص: ٤٥).\n(٣) «فتح الباري» (١/ ١٤١).\n(٤) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧).","vol":"6","page":50},{"text":"وفي المسند وغيره من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (١).\nوفي الترمذي وغيره من حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله ﷿ وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» (٢).\nفهذه النصوص المذكورة فيها بيان منزلة العلم ومكانته، وعظم شأنه وأهميته، وما يترتب عليه من آثار حميدة وخصال كريمة في الدنيا والآخرة، وما ينتج عنه من خضوع وانقياد لشرع الله، وإذعان وامتثال لأمره، فالعالم عرف ربه، وعرف نبيه، وعرف أوامر الله وحدوده، وميز بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يكرهه ويأباه، فهو يعمل بأمر الله فيما يأتي ويذر، هذا إن وفق للعمل بما علم وإلا فعلمه وبال عليه.\nقال الآجري في مقدمة كتابه (أخلاق العلماء): (إن الله ﷿ وتقدست أسماؤه اختص من خلقه من أحب فهداهم للإيمان، ثم اختص من سائر المؤمنين من أحب فتفضل عليهم فعلمهم الكتاب والحكمة وفقههم في الدين وعلمهم التأويل، وفضلهم على سائر المؤمنين، وذلك في كل زمان وأوان، رفعهم بالعلم وزينهم بالحلم، بهم يعرف الحلال من الحرام، والحق من الباطل، والضار من النافع، والحسن من القبيح، فضلهم عظيم وخطرهم جزيل، ورثة الأنبياء، وقرة عين الأولياء، الحيتان في البحار لهم تستغفر، والملائكة بأجنحتها لهم تخضع، والعلماء في القيامة بعد الأنبياء تشفع، مجالسهم تقيد الحكمة، وبأعمالهم ينزجر أهل الغفلة، هم أفضل من العباد، وأعلى درجة من الزهاد، حياتهم غنيمة، وموتهم مصيبة، يذكرون الغافل، ويعلمون الجاهل، لا يتوقع لهم بائقة، ولا يخاف منهم غائلة، بحسن تأديبهم يتنازع المطيعون، وبجميل موعظتهم يرجع المقصرون، جميع الخلق إلى علمهم محتاج .. إلى أن قال: فهم سراج العباد، ومنار البلاد، وقوام الأمة، وينابيع الحكمة، هم غيظ الشيطان، بهم تحيا قلوب أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزيغ، مثلهم في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، إذا انطمست النجوم تحيروا، وإذا أسفر عنها الظلام أبصروا) (٣).\nثم ساق من نصوص الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم ما يؤيد ما ذكره.\nفالعلم له منزلة عالية، ومكانة سامقة، ومن أعظم ما يبين لنا فضله وعظم شأنه، قول الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: ١١].\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١٩٦) (٢١٧٦٣). ورواه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، وابن حبان (١/ ٢٨٩) (٨٨). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: ليس هو عندي بمتصل، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١٠٦): لا يصح، وقال ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٥/ ٢٤٧): له طرق كثيرة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١٥١) كما أشار لذلك في المقدمة، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه الترمذي (٢٦٨٥). وقال: غريب، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) «أخلاق العلماء» (ص: ١٣).","vol":"6","page":51},{"text":"قيل في تفسيرها: يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم، ورفعة الدرجات تدل على الفضل، إذ المراد به كثرة الثواب وبها ترتفع الدرجات، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة (١).\nوكذلك قول الله تعالى: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: ١١٤]. ودلالة هذه الآية على فضل العلم ظاهرة، لأن الله لم يأمر نبيه ﷺ بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، لما يترتب عليه من زيادة الإيمان والثبات عليه، قال تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران: ٧]\nوقال تعالى: لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ [النساء: ١٦٢].\nوقال تعالى: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨].\nوهذه الآية الأخيرة كتب فيها ابن القيم ﵀ بحثًا حافلًا بين فيه دلالتها على فضل العلم من وجوه كثيرة جدا، تربو على مائة وخمسين وجهًا، في كتابه القيم (مفتاح دار السعادة) (٢).\nوقول النبي: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (٣) من أعظم ما يبين فضل العلم وأهله، وأن من وفق له فقد وفق للخير كله، يدلنا على ذلك تنكير لفظة (خير) في الحديث ليعم الخير كله ويشمل القليل منه والكثير، وهذا كله من فضل الله وكرمه وعظيم إحسانه على من وفق للعلم، وعلى العكس من ذلك من حرم العلم فقد حرم الخير، بدلالة الحديث نفسه.\nقال ابن القيم: (وهذا يدل على أن من لم يفقهه في دينه لم يرد به خيرًا، كما أن من أراد به خيرًا فقهه في دينه، ومن فقهه في دينه فقد أراد به خيرًا، إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للعمل، وأما إن أريد به مجرد العلم فلا يدل على أن من فقه في الدين فقد أريد به خيرًا، فإن الفقه حينئذ يكون شرطًا لإرادة الخير وعلى الأول يكون موجبًا والله أعلم) (٤).\nوقال ابن حجر: (ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي: لم يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير ... لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا ولا طالب فقه فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم) (٥).\nوإنما نال العلم هذه المكانة العظيمة، لأنه وسيلة لأعظم الغايات وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له والقيام بتوحيده على الوجه المطلوب.\nفالعلم ليس مقصورًا لذاته وإنما هو مقصود لغيره وهو العمل، فكل علم شرعي فطلب الشرع له إنما يكون حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى، لا من جهة أخرى، ويدل على ذلك أمور:\nأحدها: أن الشرع إنما جاء بالتعبد، وهو المقصود من بعثة الأنبياء ﵈، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١].\n_________\n(١) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ١٤١).\n(٢) انظر (ص٥٢ وما بعدها).\n(٣) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧).\n(٤) «مفتاح دار السعادة» (ص: ٦٥)، وانظر: «الفتاوى» (٢٨/ ٨٠).\n(٥) «فتح الباري» (١/ ١٦٥).","vol":"6","page":52},{"text":"وقوله: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ [هود: ١]. وقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]\nوقوله: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: ٣].\nوما أشبه ذلك من الآيات التي لا تكاد تحصى إلا بكلفة كلها دالة على أن المقصود من العلم هو التعبد لله ﷿، وصرف جميع أنواع العبادات والطاعات له.\nالثاني: ما جاء به من الأدلة على أن روح العلم هو العمل، وإلا فالعلم عارية وغير منتفع به.\nفقد قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٨].\nوقال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر: ٩].\nفهذه الأدلة وغيرها تدل على أن العلم وسيلة من الوسائل، ليس مقصودًا لنفسه من حيث النظر الشرعي، وإنما هو وسيلة إلى العمل، وكل ما ورد في فضل العلم إنما هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكلف بالعمل به.\nومن المعلوم أن أفضل العلوم هو العلم بالله ﷿، ومع هذا لا تصح به فضيلة لصاحبه حتى يصدق بمقتضاه وهو الإيمان بالله (١).\nالثالث: ما ثبت في نصوص الشرع من التهديد الشديد، والتغليظ والوعيد لمن لم يعمل بعلمه، وأن العالم يسأل عن علمه ماذا عمل به، وأن من لم يعمل بعلمه يكون علمه وبالا عليه وحسرة وندامة. قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤].\nوقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف: ٣].\nوقال تعالى حكاية عن شعيب ﵇ أنه قال لقومه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: ٨٨].\nوغيرها من النصوص، وقد جاء عن السلف في هذا آثار كثيرة، عظيمة النفع، جليلة القدر تناقلها العلماء في مؤلفاتهم.\nوقال شيخ الإسلام: (.. ولهذا يقال: العلم علمان: علم في القلب، وعلم على اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان هو حجة الله على عباده (٢) .. فالفقيه الذي تفقه قلبه، غير الخطيب الذي يخطب بلسانه، وقد يحصل للقلب من الفقه والعلم أمور عظيمة، ولا يكون صاحبه مخاطبًا بذلك لغيره، وقد يخاطب غيره بأمور كثيرة من معارف القلوب وأحوالها، وهو عار عن ذلك، فارغ منه) (٣).\n_________\n(١) «الموافقات» للشاطبي (١/ ٦٠).\n(٢) هذا من كلام الحسن البصري ﵀، أخرجه الدارمي (١/ ١٠٢) وغيره وذكره شيخ الإسلام في «الفتاوى» وعزاه للحسن انظر: (٧/ ٢٣).\n(٣) «درء التعارض» (٧/ ٤٥٣).","vol":"6","page":53},{"text":"وبما تقدم يعرف قدر العلم ومكانته، وعظم منافعه وعوائده، وقوة أثره على قوة الإيمان وثباته، وأنه أعظم أسباب زيادته ونمائه وقوته، وذلك لمن عمل به. بل إن الأعمال إنما تتفاوت في زيادتها ونقصها، وقبولها وردها من جهة موافقتها للعلم ومطابقتها له، كما قال ابن القيم ﵀: (والأعمال إنما تتفاوت في القبول والرد بحسب موافقتها للعلم ومخالفتها له، فالعمل الموافق للعلم هو المقبول، والمخالف له هو المردود؛ فالعلم هو الميزان، وهو المحك) (١).\nوقال: (وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان قوة فمدخول ..) (٢).\nوزيادة الإيمان الحاصلة من جهة العلم تكون من وجوه متعددة: من جهة خروج أهله في طلب العلم، وجلوسهم في حلق الذكر، ومذاكرة بعضهم بعضًا في مسائل العلم، وزيادة معرفتهم بالله وشرعه، وتطبيقهم لما تعلموه، وفيمن تعلم منهم العلم لهم فيه أجر، فهذه جوانب متعددة يزداد به الإيمان بسبب العلم وتحصيله.\nقال ابن رجب: (فمتى كان العلم نافعًا ووقر في القلب فقد خشع القلب لله وانكسر له وذل هيبةً وإجلالًا وخشيةً ومحبةً وتعظيمًا، ومتى خشع القلب لله وذل وانكسر له قنعت النفس بيسير الحلال في الدنيا وشبعت به فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا .. وأوجب له علمه المسارعة إلى ما فيه محبة الله ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه) (٣) وهذا زيادة إيمان. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- بتصرف- ص١٦٧\nأبواب العلم الشرعي التي يحصل بها زيادة الإيمان كثيرة جدًا منها:\nالمسألة الأولى: قراءة القرآن الكريم وتدبره\nفإن هذا من أعظم أبواب العلم المؤدية إلى زيادة الإيمان وثباته وقوته، فقد أنزل الله كتابه المبين على عباده هدىً ورحمةً وضياءً ونورًا وبشرى وذكرى للذاكرين.\nقال الله تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ [الأنعام: ٩٢]\nوقال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام: ١٥٥]\nوقال تعالى: وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٥٢]\nوقال تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ٨٩].\nوقال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص: ٢٩].\nوقال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء: ٩].\nوقال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا [الإسراء: ٨٢].\nوقال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧].\n_________\n(١) «مفتاح دار السعادة» (ص: ٨٩).\n(٢) «الفوائد» (ص: ١٦٢).\n(٣) «فضل علم السلف على علم الخلف» (ص: ٤٦) بتقديم وتأخير في النقل.","vol":"6","page":54},{"text":"فهذه الآيات الكريمات فيها فضل القرآن الكريم كتاب رب العالمين، وأن الله جعله مباركًا وهدى للعالمين، وجعل فيه شفاء من الأسقام سيما أسقام القلوب وأمراضها من شبهات وشهوات، وجعله بشرى ورحمة للعالمين وذكرى للذاكرين، وجعله يهدي للتي هي أقوم، وصرف فيه من الآيات والوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرى.\nفالذي يقرأ كتاب الله ويتدبر آياته ويتأملها، يجد فيه من العلوم والمعارف ما يقوي إيمانه ويزيده وينميه، ذلك أنه يجد في خطاب القرآن ملكا له الملك كله، وله الحمد كله، أزمة الأمور كلها بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه، مستويًا على عرشه، لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته، عالما بما في نفوس عبيده، مطلعا على أسرارهم وعلانيتهم، منفردا بتدبير المملكة، يسمع ويرى، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين، ويخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويقدر ويقضي ويدبر. ويدعو عباده، ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم، ويرغبهم فيه، ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها، ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما أعدّ لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعدّ لهم من العقوبة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه، وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء.\nويثني على أوليائه بصالح أعمالهم، وأحسن أوصافهم، ويذم أعداءه بسيئ أعمالهم، وقبيح صفاتهم، ويضرب الأمثال، وينوع الأدلة والبراهين، ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة، ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويقول الحق، ويهدي السبيل، ويدعو إلى دار السلام، ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها، ويحذر من دار البوار، ويذكر عذابها وقبحها وآلامها، ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه، وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين، ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات، وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه بنفسه، وإنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته، ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته.\nويشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب، وأنه مع ذلك مقبل عثراتهم، وغافر زلاتهم، ومقيم أعذارهم، ومصلح فاسدهم، والدافع عنهم، والمحامي عنهم، والناصر لهم، والكفيل بمصالحهم، والمنجي لهم من كل كرب، والموفي لهم بوعده وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه، فهو مولاهم الحق، ونصيرهم على عدوهم، فنعم المولى ونعم النصير.\nفلا يزال العبد يستفيد من هذا التدبر لكتاب الله، ويشهد قلبه فيه من العلوم ما يزيد في إيمانه ويقويه، وكيف لا؟ وهو يجد في القرآن ملكًا عظيمًا رحيمًا جوادًا جميلًا هذا شأنه، فكيف لا يحبه وينافس في القرب منه، وينفق أنفاسه في التودد إليه، وكيف لا يكون أحب إليه مما سواه، وكيف لا يؤثر رضاه عن رضا كل من سواه، وكيف لا يلهج بذكره، ويصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤه وقوته ودواؤه، بحيث إن فقد ذلك فسد وهلك، ولم ينتفع بحياته (١).\nقال الآجري ﵀ (ومن تدبر كلامه عرف الرب ﷿، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تفضله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فرض عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذره مولاه الكريم، فرغب فيما رغبه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن وعند استماعه من غيره كان القرآن له شفاء فاستغنى بلا مال، وعز بلا عشيرة، وأنس مما يستوحش منه غيره، وكان همه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها متى أتعظ بما أتلو؟ ولم يكن مراده متى أختم السورة؟ وإنما مراده متى أعقل عن الله الخطاب؟ متى أزدجر؟ متى أعتبر؟ لأن تلاوة القرآن عبادة، لا تكون بغفلة، والله الموفق لذلك) (٢).\n_________\n(١) انظر: «الفوائد» لابن القيم (ص: ٥٨).\n(٢) «أخلاق حملة القرآن» للآجري (ص: ١٠).","vol":"6","page":55},{"text":"ولهذا فإن الله الكريم أمر عباده وحثهم على تدبر القرآن فقال سبحانه: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].\nوقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤].\nوأخبر سبحانه أنه إنما أنزله لتدبر آياته، فقال: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص: ٢٩].\nوبين سبحانه أن سبب عدم هداية من ضل عن الصراط المستقيم، هو تركه لتدبر القرآن واستكباره عن سماعه، فقال: قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الأَوَّلِينَ [المؤمنون: ٦٧ - ٦٨]\nوأخبر سبحانه عن القرآن أنه يزيد المؤمنين إيمانا إذا قرأوه وتدبروا آياته، فقال سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢].\nوأخبر عن صالح أهل الكتاب أن القرآن إذا تلي عليهم يخرون للأذقان سجدًا يبكون ويزيدهم خشوعًا وإيمانًا وتسليمًا، فقال سبحانه: قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].\nوأخبر سبحانه أنه لو أنزل القرآن الكريم على جبل لخشع وتصدع من خشية الله ﷿، وجعل هذا مثلًا للناس يبين لهم عظمة القرآن، فقال: لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١].\nووصفه بأنه أحسن الحديث، وأنه ثنى فيه من الآيات وردد القول فيه ليفهم، وأن جلود الأبرار عند سماعه تقشعر خشية وخوفًا، فقال: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: ٢٣].\nوعاتب سبحانه المؤمنين على عدم خشوعهم عند سماع القرآن، وحذرهم من مشابهة الكفار في ذلك، فقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ١٦].\nفهذه الآيات المتقدمة فيها أوضح دلالة على أهمية القرآن ولزوم العناية به وعلى قوة أثره على القلوب، وأنه أعظم شيء يزيد الإيمان، سيما إذا كانت القراءة بتدبر وتأمل ومحاولة لفهم معانيه.","vol":"6","page":56},{"text":"قال ابن القيم ﵀: (وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه.\nفلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه يتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن ..) (١).\nوقال محمد رشيد رضا: (واعلم أن قوة الدين وكماله الإيمان واليقين لا يحصلان إلا بكثرة قراءة القرآن واستماعه مع التدبر بنية الاهتداء به والعمل بأمره ونهيه. فالإيمان الإذعاني الصحيح يزداد ويقوى وينمي وتترتب عليه آثاره من الأعمال الصالحة وترك المعاصي والفساد بقدر تدبر القرآن، وينقص ويضعف على هذه النسبة من ترك تدبره وما آمن أكثر العرب إلا بسماعه وفهمه، ولا فتحوا الأقطار ومصروا الأمصار، واتسع عمرانهم، وعظم سلطانهم، إلا بتأثير هدايته، وما كان الجاحدون المعاندون من زعماء مكة يجاهدون النبي ويصدونه عن تبليغ دعوة ربه إلا بمنعه من قراءة القرآن على الناس وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦].\nوما ضعف الإسلام منذ القرون الوسطى حتى زال أكثر ملكه إلا بهجر تدبر القرآن وتلاوته والعمل به) (٢).\nفالقرآن الكريم هو من أعظم مقويات الإيمان، وأنفع دواعي زيادته، وهو يزيد إيمان العبد من وجوه متعددة.\nقال ابن سعدي: (ويقويه من وجوه كثيرة، فالمؤمن بمجرد ما يتلو آيات الله، ويعرف ما ركب عليه من الأخبار الصادقة والأحكام الحسنة يحصل له من أمور الإيمان خير كبير، فكيف إذا أحسن تأمله، وفهم مقاصده وأسراره) (٣).\nلكن ينبغي أن يعلم أن زيادة الإيمان التي تكون بقراءة القرآن لا تكون إلا لمن اعتنى بفهم القرآن وتطبيقه والعمل به، لا أن يقرأه قراءة مجردة دون فهم أو تدبر وإلا فكم قارئ للقرآن حجيجه وخصيمه يوم القيامة.\nفقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع آخرين) (٤).\nوثبت عنه ﷺ أنه قال: (.. والقرآن حجة لك أو عليك) (٥).\nفهو حجة لك ويزيد في إيمانك إن عملت به، وحجة عليك وينقص إيمانك إن فرطت به وأهملت حدوده.\nقال قتادة: (لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان) (٦).\n_________\n(١) «مفتاح دار السعادة» (ص: ٢٠٤).\n(٢) «مختصر تفسير المنار» (٣/ ١٧٠).\n(٣) «التوضيح والبيان لشجرة الإيمان» (ص: ٢٧).\n(٤) رواه مسلم (١٩٣٤). من حديث عمر ﵁.\n(٥) رواه مسلم (٥٥٦). من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.\n(٦) رواه ابن المبارك في «الزهد» (ص: ٢٧٢)، والآجري في «أخلاق حملة القرآن» (ص: ٧٣)، والمروزي في «قيام الليل» (ص: ٧٧)، وذكره البغوي في تفسيره (٣/ ١٣٣).","vol":"6","page":57},{"text":"وقال الحسن البصري مبينا معنى تدبر القرآن (.. أما والله ما هو يحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفا، وقد والله أسقطه كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نفس والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة، متى كانت القراء مثل هذا لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء) (١).\nقلت: يرحم الله الحسن، وما عساه قائل لو رأى قراء زماننا هذا، الذين فتنوا بالألحان وإقامة الحروف وتزويقها، مع إهمال الحدود وتضييعها، بل وانصرفت أسماع الناس معهم عند سماع القرآن إلى إقامة الحروف وتلحينها، مع إهمال الاتصالات والتدبر لكلام الله، وبكل حال لا اعتراض على تجويد القرآن وترتيله والتغني به وتحسين أدائه، وإنما الاعتراض على التكلف في إقامة الحروف والتنطع في ذلك، دون اهتمام أو مبالاة بإقامة الأوامر التي أنزل من أجلها القرآن، حتى إنك لا ترى في كثير من هؤلاء الورع القائم بحدود الله، بل ولا ترى فيهم القيام بالقرآن لا في خلق ولا في عمل.\nفتجد القارئ منهم الحافظ للقرآن المحسن في إقامة حروفه يحلق لحيته أو يطيل مئزره، بل ويهمل الصلاة إما كلية أو مع الجماعة، إلى غير ذلك من المنكرات حتى إن أحد هؤلاء والله المستعان افتتح بآيات من القرآن الكريم حفلا غنائيا لمرأة فاجرة، فقرأ بين يدي أغنيتها آيات من القرآن الكريم، جل كلام ربنا أن يدنسه مثل هؤلاء، وحسبي أن أقول مثل ما قاله الحسن ﵀: متى كانت القراء مثل هذا لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء.\nوقال ابن العربي واصفًا قراء زمانه بانشغالهم بإقامة حروف القرآن مع إهمال حدوده، واتخاذهم لهذا العمل صناعة مع أن القرآن إنما أنزل ليعمل به قال: (.. ولكن لما صارت هذه القراءة صناعة، رفرفوا عليها وناضلوا عنها، وأفنوا أعمارهم - من غير حاجة إليهم - فيها، فيموت أحدهم وقد أقام القرآن كما يقام القدح لفظًا، وكسر معانيه كسر الإناء، فلم يلتئم عليه منها معنى) (٢).\nفينبغي للمسلم قبل أن يقرأ القرآن أن يتعلم كيفية الاستفادة منه حتى يتم له الانتفاع به وقد ذكر ابن القيم ﵀ في هذا قاعدة جليلة القدر عظيمة النفع وهي: (إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق سمعك واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه) (٣).\nقلت: فمن طبق هذه القاعدة وسار على هذا المنهج عند تلاوته للقرآن أو سماعه إياه ظفر بالعلم والعمل معا، وزاد إيمانه وثبت ثبوت الجبال الشوامخ والله المسؤول أن يوفقنا لذلك، ولكل خير.\nثم إن التفكر والتدبر في آيات الله على نوعين: (تفكر فيه ليقع على مراد الرب منه، وتفكر في معاني ما دعا عباده إلى التفكر فيه، فالأول تفكر في الدليل القرآني، والثاني تفكر في الدليل العياني، الأول تفكر في آياته المسموعة، والثاني تفكر في آياته المشهودة) (٤) قاله ابن القيم.\n_________\n(١) رواه عبدالرزاق في مصنفه (٣/ ٣٦٣)، وابن المبارك في «الزهد» (ص: ٢٧٤)، والآجري في «أخلاق حملة القرآن» (ص: ٤١) والمروزي في «قيام الليل» (ص: ٧٦).\n(٢) «العواصم من القواصم» (٢/ ٤٨٦) ضمن كتاب «آراء أبي بكر بن العربي الكلامية» لعمار الطالبي. وانظر: ما كتبه الذهبي عن أمثال هؤلاء القراء في كتابه «زغل العلم» (ص: ٢٥).\n(٣) «الفوائد» (ص: ٥) وانظر: «الفتاوى» لابن تيمية (١٦/ ٤٨) و(٧/ ٢٣٦).\n(٤) «مفتاح دار السعادة» (ص: ٢٠٤).","vol":"6","page":58},{"text":"قلت: والكلام الذي ذكرته هنا هو عن التفكر في آيات الله المسموعة، أما التفكر في آياته المرئية المشهودة فسيأتي الكلام عليه قريبًا إن شاء الله. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص١٧٧\nالمسألة الثانية: معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى\nفإن معرفة أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، والتي تدل على كمال الله المطلق من كافة الوجوه، لمن أعظم أبواب العلم التي يحصل بها زيادة الإيمان، والاشتغال بمعرفتها وفهمها والبحث التام عنها مشتمل على فوائد كثيرة وعظيمة، منها:\n١ - أن علم توحيد الأسماء والصفات أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق، فالاشتغال بفهمه والبحث عنه اشتغال بأعلى المطالب، وحصوله للعبد من أشرف المواهب.\n٢ - أن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له، وهذا عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه في فهم معانيها.\n٣ - أن الله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه، وهذا هو الغاية المطلوبة منهم، فالاشتغال بذلك اشتغال بما خُلق له العبد، وتركه وتضييعه إهمال لما خُلق له، وقبيح بعبد لم تزل نعم الله عليه متواترة، وفضله عليه عظيم من كل وجه أن يكون جاهلًا بربه معرضًا عن معرفته.\n٤ - أن أحد أركان الإيمان، بل أفضلها وأصلها الإيمان بالله، وليس الإيمان مجرد قوله: آمنت بالله من غير معرفته بربه، بل حقيقة الإيمان أن يعرف الذي يؤمن به ويبذل جهده في معرفة أسمائه وصفاته حتى يبلغ درجة اليقين، وبحسب معرفته بربه يكون إيمانه، فكلما ازداد معرفةً بربه، ازداد إيمانه، وكلما نقص نقص، وأقرب طريق يوصله إلى ذلك تدبر صفاته وأسمائه ﷾.\n٥ - أن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها، حتى إن العارف به حقيقة المعرفة، يستدل بما عرف من صفاته وأفعاله على ما يفعله وعلى ما يشرعه من الأحكام، لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله دائرة بين العدل والفضل والحكمة، ولذلك لا يشرع ما يشرعه من الأحكام إلا على حسب ما اقتضاه حمده وحكمته وفضله وعدله، فأخباره كلها حق وصدق، وأوامره ونواهيه عدل وحكمة (١).\nومن هذه الفوائد أن معرفة الأسماء الحسنى والصفات العلى مقتضية لآثارها من العبودية والخضوع، فلكل صفة عبودية خاصة هي من مقتضياتها، وموجبات العلم بها، والتحقق بمعرفتها، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح.\nوبيان ذلك أن العبد إذا علم بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة فإن ذلك يُثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.\nوإذا علم بأن الله سميع بصير عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإن هذا يثمر له حفظ اللسان والجوارح وخطرات القلب عن كل ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلقات هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه.\nوإذا علم بأن الله غني كريم بر رحيم واسع الإحسان فإن هذا يوجب له قوة الرجاء، والرجاء يثمر أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه.\nوإذا علم بكمال الله وجماله أوجب له هذا محبة خاصة وشوقًا عظيمًا إلى لقاء الله، وهذا يثمر أنواعًا كثيرة من العبادة.\nوبهذا يعلم أن العبودية كلها راجعة إلى مقتضيات الأسماء والصفات (٢).\n_________\n(١) انظر: «تفسير ابن سعدي» (١/ ٢٤) وخلاصة تفسيره (ص: ١٥).\n(٢) «مفتاح دار السعادة» لابن القيم (ص: ٤٢٤) وانظر نحوه بأوسع منه في «الفوائد» له (ص: ١٢٨).","vol":"6","page":59},{"text":"فإذا عرف العبد ربه المعرفة الحقيقة المطلوبة السالمة من طرق أهل الزيغ في معرفة الله والتي تبنى على تحريف الأسماء والصفات أو تعطيلها أو تكييفها أو تشبيهها، فمن سلم من هذه المناهج الكلامية الباطلة، التي هي في الحقيقة أعظم ما يحول بين العبد وبين معرفة ربه وأعظم ما ينقص الإيمان ويضعفه، وعرف ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى التي تعرف بها إلى خلقه والتي وردت في الكتاب والسنة وفهمها على منهج السلف الصالح، فقد وفق لأعظم أسباب زيادة الإيمان.\nوقد صح عن النبي ﷺ الخبر أن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها كانت سببًا في دخوله الجنة.\nففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة» (١).\n(وليس المراد بالإحصاء عدّها فقط، لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها) (٢).\nفلا بد من فهم الأسماء والصفات ومعرفة ما تدل عليه من معاني حتى يتسنى الاستفادة التامة بها.\nقال أبو عمر الطلمنكي: (من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قاله رسول الله ﷺ، المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمن من الفوائد وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالمًا لمعاني الأسماء ولا مستفيدًا بذكرها ما تدل عليه من المعاني) (٣).\nوقد ذكر ابن القيم ﵀ لإحصائها ثلاث مراتب:\nالمرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها.\nالمرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولاتها.\nالمرتبة الثالثة: دعاء الله بها، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة (٤).\nوقال ابن سعدي مبينًا معنى (أحصاها) الواردة في حديث أبي هريرة المتقدم: (أي: من حفظها وفهم معانيها واعتقدها وتعبّد الله بها دخل الجنة، والجنة لا يدخلها إلا المؤمنون فعلم أن ذلك أعظم ينبوع ومادة لحصول الإيمان وقوته وثباته، ومعرفة الأسماء الحسنى هي أصل الإيمان والإيمان يرجع إليها) (٥). فمن عرف الله هذه المعرفة كان من أقوى الناس إيمانًا وأشدهم طاعةً وتعبد لله، وأعظمهم خوفًا ومراقبة له سبحانه.\nقال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٨].\nقال ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية: (يقول تعالى ذكره: إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء بقدرته على ما يشاء من شيء وأنه يفعل ما يريد، لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه) (٦).\nوقال ابن كثير: (أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر) (٧).\nوقد جمع هذا المعنى أحد السلف في عبارة مختصرة، فقال: (من كان بالله أعرف كان له أخوف) (٨).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٥٨٥)، ومسلم (٦٩٨٦).\n(٢) «فتح الباري» (١١/ ٢٢٦) وهو من كلام الأصيلي.\n(٣) «فتح الباري» (١١/ ٢٢٦).\n(٤) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٤).\n(٥) «التوضيح والبيان» (ص: ٢٦).\n(٦) «تفسير الطبري» (١٢/ ١٣٢).\n(٧) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٥٥٣).\n(٨) «الرسالة القشيرية» لأبي القاسم القشيري (ص: ١٤١) والقائل هو أبو عبدالله أحمد بن عاصم الأنطاكي، انظر ترجمته في «السير» (١١/ ٤٠٩).","vol":"6","page":60},{"text":"وقال ابن القيم ﵀: (وليست حاجة الأرواح قط إلى شيءٍ أعظم منها إلى معرفة باريها وفاطرها، ومحبته وذكره والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه والزلفى عنده ولا سبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب وإليه أقرب، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل وإليه أكره ومنه أبعد، والله ينزل العبد من نفسه حيث ينزله العبد من نفسه ..) (١).\nفمعرفة الله ﷿ تقوي جانب الخوف والمراقبة، وتعظم الرجاء في القلب، وتزيد في إيمان العبد، وتثمر أنواعًا كثيرة من العبادة، ولا سبيل إلى هذه المعرفة ولا طريق إليها إلا تدبر كتاب الله وما تعرف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نزه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه وتدبر أيامه وأفعاله في أوليائه وأعدائه التي قصها على عباده وأشهدهم إياها ليستدلوا بها على أنه إلههم الحق المبين الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ويستدلوا بها على أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، وأنه شديد العقاب وأنه غفور رحيم وأنه العزيز الحكيم، وأنه الفعال لما يريد وأنه الذي وسع كل شيءٍ رحمة وعلمًا وأن أفعاله كلها دائرة بين الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة لا يخرج شيء منها عن ذلك، وهذه الثمرة لا سبيل إلى تحصيلها إلا بتدبر كلامه والنظر في آثار أفعاله (٢).\nأما من خالف هذه الجادة، وتنكب هذا الصراط، وسلك طرق أهل الزيغ في معرفة الله، فما أبعده عن معرفة ربه وخالقه، بل إنه يكون أضعف الناس معرفة بالله، وأقلهم خوفًا وخشية منه.\nقال ابن القيم ﵀ بعد أن بيّن أن تفاوت الناس في معرفة الله يرجع إلى تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها، والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها، قال: (وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف، لجهلهم بالنصوص ومعانيها، وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم).\nثم بيّن أن العوام أحسن حالًا من هؤلاء وأقوى معرفةً بربهم منهم فقال:\n(وإذا تأملت حال العامة – الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم – رأيتهم أتم بصيرة منهم، وأقوى إيمانًا، وأعظم تسليمًا للوحي، وانقيادًا للحق) (٣).\nوقد كان ﵀ نبه قبل هذا على أهمية البصيرة في توحيد الأسماء والصفات وفقهها، وفهمها على نهج السلف الصالح، وعلى أهمية الحذر من شبه أهل الكلام الباطل المفسد لهذا التوحيد.\n_________\n(١) «الكافية الشافية» (ص: ٣).\n(٢) «مفتاح دار السعادة» (ص: ٢٠٢).\n(٣) «مدارج السالكين» (١/ ١٢٥).","vol":"6","page":61},{"text":"ثم ذكر كلامًا نافعًا جامعًا مؤديًا إلى هذه البصيرة، فقال: (وعقد هذا: أن يشهد قلبك الرب ﵎ مستويًا على عرشه، متكلمًا بأمره ونهيه، بصيرًا بحركات العالم علوية وسفلية، وأشخاصه، وذواته، سميعًا لأصواتهم، رقيبًا على ضمائرهم وأسرارهم، وأمر الممالك تحت تدبيره، نازل من عنده وصاعد إليه، وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك، موصوفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الجلال، منزها عن العيوب والنقائص والمثال، هو كما وصف نفسه في كتابه، وفوق ما يصف به خلقه، حي لا يموت، قيوم لا ينام، عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، بصير يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، سميع يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، تمت كلماته صدقًا وعدلًا، وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبهًا ومثلًا، وتعالت ذاته أن تشبه شيئًا من الذوات أصلًا، ووسعت الخليقة أفعاله عدلًا، وحكمة ورحمة وإحسانًا وفضلًا، له الخلق والأمر، وله النعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد، أول ليس قبله شيء، أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد، ولذلك كانت حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل، كل شيء من مخلوقاته دال عليه، ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه، لم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلًا، ولا ترك الإنسان سدى عاطلًا، بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته، تعرّف إلى عباده بأنواع التعرفات، وصرف لهم الآيات، ونوّع لهم الدلالات، ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب، ومدّ بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب، فأتم عليهم نعمه السابغة، وأقام عليهم حجته البالغة، أفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه) (١).\nفمن كانت معرفته لله كذلك، وتفقه في هذه البصيرة، كان من أقوى الناس إيمانًا، وأحسنهم إجلالًا وتعظيمًا ومراقبة لله ﷿، وأكثرهم طاعة وتقربًا إليه، والناس في ذلك متفاوتون فمقل ومستكثر. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص١٨٧\nالمسألة الثالث: تأمل سيرة النبي الكريم ﷺ\nفإن من أسباب زيادة الإيمان النظر في سيرة النبي ﷺ ودراستها وتأمل ما ذكر فيها من نعوته الطيبة، وخصاله الكريمة، وشمائله الحميدة، فهو أمين الله على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين، أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته وتعزيره، وتوقيره ومحبته، والقيام بحقوقه، وسد دون الجنة الطرق فلن تفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره بل ولا سبيل لأحد جاء بعده في نيل السعادة في الدنيا والآخرة إلا باتباعه وطاعته والسير على نهجه.\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ١٢٤)، (٣/ ٢٥٢) «الوابل الصيب لابن القيم» (ص: ١٢٥).","vol":"6","page":62},{"text":"قال ابن القيم ﵀: (ومن ها هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله ألبتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير.\nوما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين، فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي، وما لجرح بميت إيلام.\nوإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي ﷺ فيجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقبل، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (١).\nولهذا فإن من درس السنة وتأمل في نعوت وصفات النبي ﷺ التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة وكتب السير، فقد استكثر لنفسه من الخير، وازداد حبه للنبي ﷺ، وأورثته هذه المحبة المتابعة له في القول والعمل، (وأصل الأصول العلم، وأنفع العلوم النظر في سيرة الرسول وأصحابه) (٢).\nفمن تأمل مثلا قول الله تعالى في وصف نبيه ﷺ:\nلَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ١٢٨].\nوَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤].\nفَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩] الآية وغيرها من الآيات.\nوتأمل في السنة ما جاء عن الصحابة ﵃ في نعت النبي ﷺ مثل:\nحديث عائشة ﵂ قالت: «ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين، إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم لله بها» (٣).\nوحديث أنس بن مالك ﵁ قال: «خدمته ﷺ عشر سنين، فوالله ما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله، ألا فعلت كذا» (٤).\nوقال ﵁: «كان ﷺ أجود الناس، وأجمل الناس، وأشجع الناس» (٥).\nوقال ﵁: «كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا» (٦).\n_________\n(١) «زاد المعاد» (١/ ٦٩).\n(٢) «صيد الخاطر» لابن الجوزي (ص: ٦٦).\n(٣) رواه البخاري (٣٣٦٧) ومسلم (٦١٩٠).\n(٤) رواه البخاري (٥٦٩١) ومسلم (٦١٥١).\n(٥) رواه البخاري (٢٦٦٥)، ومسلم (٦١٦٤). بلفظة: «أحسن» بدلًا من «أجمل».\n(٦) رواه البخاري (٥٨٥٠)، ومسلم (٥٧٤٧).","vol":"6","page":63},{"text":"وحديث عبدالله بن عمرو ﵁: «أن رسول الله ﷺ لم يكن فاحشا ولا متفحشا، وأنه كان يقول: خياركم أحسنكم أخلاقا» (١).\nوحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه» (٢). وغيرها مما يطول ذكره.\nفإن من تأمل ذلك انتفع به غاية الانتفاع، ثم إن هذا من أعظم ما يقوي المحبة في قلب المسلم لنبيه ﷺ، وزيادة المحبة له ﷺ زيادة في الإيمان، تورث المتابعة والعمل الصالح، وهذا من أعظم أبواب وسبل الهداية.\nوقد ذكر ابن القيم ﵀، أن للهداية أسبابًا متعددة، وطرقًا متنوعة، وهذا من لطف الله بعباده، لتفاوت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم، وذكر من هذه الأسباب تأمل حال وأوصاف النبي ﷺ، وأن هذا سبب لهداية بعض الناس.\nقال ﵀: (ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله ﷺ وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأن عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصاف والأفعال، لعلمه بالله ومعرفته به، وأنه لا يخزي من كان بهذه المثابة، كما قالت أم المؤمنين خديجة ﵂ له ﷺ: «أبشر فوالله لن يخزين الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق» (٣).) (٤).\nوقال ابن سعدي ﵀: (ومن طرق موجبات الإيمان وأسبابه معرفة النبي ﷺ، ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة، فإن من عرفه حق المعرفة لم يرتب في صدقه وصدق ما جاء به من الكتاب والسنة، والدين الحق، كما قال تعالى: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [المؤمنون: ٦٩]. أي: فمعرفته ﷺ توجب للعبد المبادرة للإيمان ممن لم يؤمن، وزيادة الإيمان ممن آمن به. وقال تعالى حاثًا لهم على تدبر أحوال الرسول الداعية للإيمان: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ: ٤٦].\nوأقسم تعالى بكمال هذا الرسول وعظمة أخلاقه، وأنه أكمل مخلوق بقوله: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ١ - ٤].\nفهو ﷺ أكبر داع للإيمان في أوصافه الحميدة، وشمائله الجميلة، وأقواله الصادقة، وأفعاله الرشيدة، فهو الإمام الأعظم والقدوة الأكمل لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١] وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: ٧].\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٦٦) ومسلم (٦١٧٧).\n(٢) رواه البخاري (٣٣٦٩) ومسلم (٦١٧٦).\n(٣) رواه البخاري (٤٦٧٠) ومسلم (٤٢٢) وهو جزء من حديث طويل.\n(٤) «مفتاح دار السعادة» (ص: ٣٤٠) وانظره أيضًا: (ص: ٣٢٣).","vol":"6","page":64},{"text":"وقد ذكر الله عن أولي الألباب الذين هم خواص الخلق أنهم قالوا: رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ [آل عمران: ١٩٣] وهو هذا الرسول الكريم يُنَادِي لِلإِيمَانِ بقوله وخلقه، وعمله ودينه، وجميع أحواله فَآمَنَّا أي: إيمانا لا يدخله ريب ...)\nإلى أن قال: (ولهذا كان الرجل المنصف الذي ليس له إرادة إلا اتباع الحق، بمجرد ما يراه ويسمع كلامه يبادر إلى الإيمان به ﷺ، ولا يرتاب في رسالته، بل كثير منهم بمجرد ما يرى وجهه الكريم يعرف أنه ليس بوجه كذاب ...) (١). زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص١٩٥\nالمسألة الرابعة: تأمل محاسن الدين الإسلامي\nفإن الدين الإسلامي كله محاسن، عقائده أصح العقائد وأصدقها وأنفعها، وأخلاقه أحمد الأخلاق وأجملها، وأعماله وأحكامه أحسن الأحكام وأعدلها.\nوبهذا النظر الجليل، والتأمل الجميل في محاسن هذا الدين، يزين الله الإيمان في قلب العبد، ويحببه إليه كما امتن به على خيار خلقه بقوله وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات: ٧] فيكون الإيمان في القلب أعظم المحبوبات، وأجمل الأشياء، وبهذا يذوق العبد حلاوة الإيمان، ويجدها في قلبه، فيتجمل الباطن بأصول الإيمان وحقائقه، وتتجمل الجوارح بأعمال الإيمان (٢).\nقال ابن القيم ﵀: (وإذا تأملت الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم والملة الحنيفية والشريعة المحمدية التي لا تنال العبارة كمالها ولا يدرك الوصف حسنها ولا تقترح عقول العقلاء ولو اجتمعت وكانت على أكمل عقل رجل منهم فوقها، وحسب العقول الكاملة الفاضلة أن أدركت حسنها وشهدت بفضلها، وأنه ما طرق العالم شريعة أكمل ولا أجل ولا أعظم منها، فهي نفسها الشاهد والمشهود له، والحجة والمحتج له، والدعوى والبرهان ولو لم يأت الرسول ببرهان عليها لكفى بها برهانًا وآيةً وشاهدًا على أنها من عند الله) (٣).\nولهذا فإن تأمل محاسن هذا الدين، والنظر فيما جاء فيه من أوامر ونواه، وشرائع وأحكام، وأخلاق وآداب، لمن أعظم الدواعي والدوافع للدخول فيه لمن لم يؤمن، وللازدياد منه لمن آمن، بل إن من قوي تأمله لمحاسن هذا الدين، ورسخت قدمه في معرفته ومعرفة حسنه وكماله، وقبح ما خالفه، كان من أقوى الناس إيمانًا وأحسنهم ثباتًا عليه، وتمسكًا به.\nولهذا يقول ابن القيم ﵀: (والمقصود أن خواص الأمة، ولبابها، لما شهدت عقولهم حسن هذا الدين وجلالته وكماله، وشهدت قبح ما خالفه ونقصه ورداءته خالط الإيمان به ومحبته بشاشة القلوب، فلو خير بين أن يلقى في النار وبين أن يختار دينًا غيره، لاختار أن يقذف في النار وتقطع أعضاؤه ولا يختار دينًا غيره، وهذا الضرب من الناس هم الذين استقرت أقدامهم في الإيمان، وهم أبعد الناس عن الارتداد عنه وأحقهم بالثبات عليه إلى يوم لقاء الله) (٤).\n_________\n(١) «التوضيح والبيان» (ص: ٢٩).\n(٢) «التوضيح والبيان» (ص: ٣٢).\n(٣) «مفتاح دار السعادة» (ص: ٣٢٤، ٣٢٨ وما بعدها).\n(٤) «مفتاح دار السعادة» (٣٤٠).","vol":"6","page":65},{"text":"قلت: ويشهد لما قاله ابن القيم هنا، حديث أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (١).\nفهذا الذي ذاق حلاوة الإيمان وخالطت بشاشته سويداء قلبه، وأضاء نورًا به، واطمأن بذلك أشد الاطمئنان، لا يكاد بعد ذلك يرجع إلى الكفر والضلال، واتباع الأهواء والظنون الكاذبة بل إنه يكون من أرسخ الناس إيمانًا وأشدهم تمسكًا وثباتًا، وأقواهم تعلقًا بربه وخالقه، لأنه دخل الإسلام عن علم وقناعة ومعرفة، فعرف حسن الإسلام وبهاءه، وجودته ونقاءه، وتميزه عن غيره من الأديان، فرضيه دينًا لنفسه، وأنس به أشد الأنس، فكيف يبغي بعد ذلك غيره بدلًا، أو يطلب عنه مصرفًا، أو يروم عنه انتقالًا أو تحويلًا.\nولهذا فإن من الفوائد الجليلة المستنبطة من هذا الحديث أنه يعد دليلًا من أدلة أهل السنة والجماعة الكثيرة على زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل أهله فيه. كما قال الوالد حفظه الله: (ومن فقه الحديث وما يستنبط منه ... فذكر أمورًا منها: أن في الحديث دليلًا على تفاضل الناس في الإيمان، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وذلك أن من وجدت فيه الخصال الثلاث وجد حلاوة الإيمان بخلاف غيره) (٢). زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص٢٠٠\nالمسألةالخامسة: قراءة سيرة سلف هذه الأمة\nفإن سلف هذه الأمة أصحاب النبي ﷺ وتابعيهم بإحسان، أهل الصدر الأول من الإسلام، هم خير القرون، وحماة الإسلام، وهداة الأنام، وليوث الصدام، وأهل المشاهد والمواقف العظام، وهم حملة هذا الدين ونقلته لمن جاء بعدهم من العالمين، أقوى الناس إيمانًا وأرسخهم علمًا وأبرهم قلوبًا وأزكاهم نفوسًا، وخص منهم أصحاب النبي ﷺ الذين خصهم الله برؤية نبيه ﷺ ومتعهم بالنظر إلى طلعته، وأكرمهم بسماع صوته والأنس بحديثه، فأخذوا الدين منه غضًا طريًا، فاستحكمت به قلوبهم، واطمأنت به نفوسهم، وثبتوا عليه ثبوت الجبال.\nويكفي في بيان فضلهم أن الله خاطبهم بقوله: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠]. والمعنى: أنهم خير الأمم، وأنفع الناس للناس.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «خير أمتي القرن الذين بعثت فيه ثم الذين يلونهم ...» (٣).\nفمن تأمل حال هؤلاء الأخيار، وقرأ سيرهم، وعرف محاسنهم، وتأمل ما كانوا عليه من خلق عظيم، وتأس بالرسول الكريم ﷺ، وتعهد للإيمان، وخوف من الذنوب والمعاصي، وحذر من الرياء والنفاق، وإقبال على الطاعة، وتنافس في فعل الخير، وتبصر في حالهم وقوة إيمانهم، وشدة تعبدهم لله، وحرصهم على طاعته، وإعراضهم عن الدنيا الفانية، وإقبالهم على الآخرة الباقية، فإنه سيقف من خلال هذا التأمل والنظر على جمل من المكاسب وكثير من النعوت والخلال ما يدعوه إلى صدق التأسي بهم، ومحبة التحلي بنعوتهم، فذكرهم يذكر بالله، وتأمل أحوالهم يقوي الإيمان ويجلو الفؤاد، وما أحسن ما قيل:\nكرر علي حديثهم يا حادي ... فحديثهم يجلي الفؤاد الصادي\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٦) ومسلم (١٧٤).\n(٢) «عشرون حديثًا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها» للوالد الكريم الشيخ عبدالمحسن العباد (ص: ١٦٨).\n(٣) رواه «مسلم» (٦٦٣٦).","vol":"6","page":66},{"text":"وموضع التأمل والبحث في سير وأخبار هؤلاء الأخيار: كتب التاريخ، والسير والزهد، والرقائق، والورع، وغيرها، والاستفادة مما صح منها، فهذا التأمل والنظر يورث صاحبه حسن التشبه بهؤلاء، وكما يقول شيخ الإسلام: (ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل) (١)، ومن تشبه بقوم فهو منهم.\nفهذه الأمور المتقدمة جميعها تزيد في الإيمان وتقويه، وهي مندرجة تحت العلم الشرعي المستمد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وما كان عليه سلف هذه الأمة.\nثم إن العلوم الأخرى غير العلم الشرعي كعلم الطب والهندسة وعلم الفلك والحساب وعلم النبات، وغيرها من العلوم التي توسع الناس فيها حديثا وأعطيت من العناية والاهتمام أكثر من حقها، حتى شغلت الكثير ممن اعتنى بها عن تعلم بدائيات الدين، والأمور المعلومة منه بالضرورة فهذه العلوم أيضًا لها أثر بالغ في زيادة إيمان من اشتغل بها واعتنى بتحصيلها، إن أخلص القصد، وأراد الحق، وتجرد من الهوى.\nوكم من رجل آمن وازداد إيمانه بسبب اشتغاله بالطب، ووقوفه على إعجاز الله ودقة صنعه في خلق الإنسان، وما ركبه فيه من عجائب الخلق ودقة الصنع ما يبهر العقول ويحير الألباب.\nقال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤].\nوقال: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر: ٦٤].\nوقال: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١].\nوكذلك الاشتغال بباقي العلوم الأخرى يزيد في إيمان الإنسان بحسب تفكره وتأمله وتحريه لنيل الحق، والأمر أولًا وأخيرًا بيد الله سبحانه فهو يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nثم إن هذه العلوم لا تؤدي إلى زيادة الإيمان، إلا إذا صحبها تفكر وتأمل في آيات الله الباهرة وحججه الظاهرة، فإن عدمت ذلك عدمت هذه الفائدة الجليلة والثمرة العظيمة ولم تنفع صاحبها هذا النفع العائد على إيمانه بالزيادة والقوة والثبات.\nوهذا يبين أهمية التفكر والتأمل في آيات الله ومخلوقاته، وهو السبب الثاني من أسباب زيادة الإيمان، وهو موضوع البحث التالي. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص٢٠٣\n_________\n(١) «العبودية» (ص: ٩٤).","vol":"6","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1735>المطلب الثاني: التأمل في آيات الله الكونية</span>\nفإن التأمل فيها، والنظر في مخلوقات الله المتنوعة العجيبة، من سماء وأرض، وشمس وقمر، وكواكب ونجوم، وليل ونهار، وجبال وأشجار، وبحار وأنهار، وغير ذلك من مخلوقات الله التي لا تعد ولا تحصى، لمن أعظم دواعي الإيمان، وأنفع أسباب تقويته.\nفتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها، وسعتها وقرارها بحيث لا تصعد علوا كالنار ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة، ولا عمد تحتها، ولا علاقة فوقها، بل هي ممسوكة بقدرة الله، ثم تأمل استواءها واعتدالها، فلا صدع فيها ولا فطر ولا شق، ولا أمت ولا عوج.\nثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن الألوان، وأشدها موافقة للبصر وتقوية له.\nوتأمل خلق الأرض وكيف أبدعت، تراها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشًا ومهادًا، وذللها لعباده، وجعل فيها أرزاقهم، وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم، وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال فجعلها أوتادًا تحفظها لئلا تميد بهم، ووسع أكنافها ودحاها، فمدها وبسطها وطحاها فوسعها من جوانبها، وجعلها كفاتًا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتًا للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا، فظهرا وطن للأحياء وبطنها وطن للأموات.\nثم انظر إليها وهي ميتة هامدة خاشعة فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النبات في المنظر والمخبر، بهيج للناظرين كريم للمتناولين.\nثم تأمل كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وكيف نصبها فأحسن نصبها. وكيف رفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض، لئلا تضمحل على تطاول السنين، وترادف الأمطار والرياح، بل أتقن صنعها وأحكم وضعها، وأودعها من المنافع والمعادن والعيون ما أودعها.\nثم تأمل هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والأرض يدرك بحس اللمس عند هبوبه، يدرك جسمه ولا يرى شخصه فهو يجري بين السماء والأرض والطير محلّقة فيه سابحة بأجنحتها كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه، وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب أمواج البحار.\nثم تأمل كيف يُنشئ سبحانه بهذا الريح السحاب المسخر بين السماء والأرض فتثيره كسفا ثم يؤلف بينه ويضم بعضه إلى بعض ثم تلقحه الريح وهي التي سمّاها سبحانه لواقح ثم يسوقه على متونها إلى الأرض المحتاجة إليه، فإذا علاها واستوى عليها اهراق ماءه عليها فيرسل سبحانه عليه الريح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لئلا يؤذي ويهدم ما ينزل عليه بجملته حتى إذا رويت وأخذت حاجتها منه أقلع عنها وفارقها فهي روايا الأرض محمولة على ظهور الرياح.\nثم تأمل البحار المكتنفة للأقطار التي هي خلجان من البحر المحيط الأعظم بجميع الأرض حتى أن المكشوف من الأرض والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء، ولولا إمساك الرب ﵎ له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء لطفح على الأرض وعلاها كلها.\nوتأمل الليل والنهار وهما من أعجب آيات الله كيف جعل الليل سكنًا ولباسًا يغشي العالم فتسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم النفوس وتستريح من كدّ السعي والتعب حتى إذا أخذت منها النفوس راحتها وسباتها وتطلعت إلى معايشها وتصرفها جاء فالق الإصباح ﷾ بالنهار يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون، فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه، وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من معاد ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر.","vol":"6","page":68},{"text":"وتأمل حال الشمس والقمر في طلوعهما وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعهما لبطل أمر العالم، وكيف كان الناس يسعون في معاشهم، ويتصرفون في أمورهم، والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانوا يتهنون بالعيش مع فقد النور فـ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: ٦١ - ٦٢].\nوتأمل خلق الحيوانات على اختلاف صفاته وأجناسه وأشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودعة فيه، فمنه الماشي على بطنه ومنه الماشي على رجليه، ومنه الماشي على أربع، ومنه ما جعل سلاحه في رجليه وهو ذو المخالب، ومنه ما جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب، ومنه ما جعل سلاحه الأسنان، ومنه ما جعل سلاحه القرون يدافع عن نفسه.\nوتأمل وخذ العبرة عمومًا من وضع هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على أحسن نظام وأدلة على كمال قدرة خالقه وكمال علمه، وكمال حكمته وكمال لطفه، فإنك إذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع آلاته ومصالحه وكل ما يحتاج إليه، فالسماء سقفه المرفوع عليه، والأرض مهاده بساط وفراش ومستقر للساكن، والشمس والقمر سراجان يزهران فيه، والنجوم مصابيح له وزينة وأدلة للمتنقل في طرق هذه الدار والجواهر والمعادن مخزونة فيه، كالذخائر والحواصل المعدة المهيأة كل شيء منها لشأنه الذي يصلح له وضروب النبات مهيأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه فمنها الركوب ومنها الحلوب ومنها الغذاء ومنها اللباس والأمتعة والآلات، ومنها الحرس، وجعل الإنسان كالملك المخول في ذلك المحكم فيه، المتصرف بفعله وأمره ففي هذا أعظم دلالة وأقوى برهان على الخالق العليم الحكيم الخبير، الذي قدر خلقه أحسن تقدير، ونظمه أحسن تنظيم.\nبل وتأمل وخذ العبرة على وجه الخصوص من خلق الله لك أيها الإنسان وتأمل في مبدأ خلقك ووسطه وآخره، فانظر بعين البصيرة، إلى أول خلقك من نطفة من ماء مهين مستقذر كيف استخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب منقادة لقدرته، على ضيق طرقها واختلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها، وكيف جمع سبحانه بين الذكر والأنثى، وألقى المحبة بينهما، وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة إلى الاجتماع الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه، وتكيف قدر اجتماع ذينك الماءين مع بُعد كل منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء، وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قرارًا مكينًا لا يناله هواء يفسده ولا برد يجمده ولا عارض يصل إليه، ثم قلّب تلك النطفة البيضاء المشربة علقة حمراء تضرب إلى سواد، ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها، ثم جعلها عظامًا مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة في شكلها وهيئتها وقدرها وملمسها ولونها، وهكذا تندرج أطوار خلق الإنسان إلى أن يخرج بهذه الصور التي صوره الله عليها فشقّ له السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ ومد اليدين والرجلين وبسطهما وقسم رؤوسهما بالأصابع، ثم قسّم الأصابع بالأنامل، وركّب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه (١) فسبحان الذي خلق فسوى والذي قدّر فهدى القائل: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١].\n_________\n(١) «مفتاح دار السعادة» (ص: ٢٠٥ - ٢٢٦) «التبيان في أقسام القرآن» (ص: ٢٩٥) «شفاء العليل» (ص: ٦٦) «العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني» (١/ ٢٠٩).","vol":"6","page":69},{"text":"(فجميع المخلوقات من الذرة إلى العرش سبل متصلة إلى معرفته – تعالى – وحجج بالغة على أزليته، والكون جميعه ألسن ناطقة بوحدانيته، والعالم كله كتاب يقرأ حروف أشخاصه المتبصرون على قدر بصائرهم) (١).\nفتأمل هذه الآيات وغيرها مما خلق الله في السموات والأرض وتدبرها وإمعان النظر وإجالة الفكر فيها من أعظم ما يعود على الإنسان بالنفع في تقوية إيمانه وتثبيته، لأنه يعرف من خلالها وحدانية خالقه ومليكه، وكماله ﷾، فيزداد حبه وتعظيمه وإجلاله له، وتزداد طاعته وانقياده وخضوعه له، وهذه من أعظم ثمرات هذا النظر.\nقال ابن القيم ﵀: (وإذا تأملت ما دعى الله سبحانه في كتابه عباده إلى التفكر فيه، أوقعك على العلم به ﷾، وبوحدانيته، وصفات كماله، ونعوت جلاله، من عموم قدرته وعلمه، وكمال حكمته ورحمته، وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه وثوابه وعقابه؛ فبهذا تعرّف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته) (٢).\nوقال ابن سعدي ﵀: (ومن أسباب الإيمان ودواعيه، التفكر في الكون في خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في نفس الإنسان وما هو عليه من الصفات فإن ذلك داعٍ قويٍ للإيمان، لما في هذه الموجودات من عظمة الخلق الدال على قدرة خالقها وعظمته، وما فيها من الحسن والانتظام والإحكام الذي يحير الألباب، الدال على سعة علم الله وشمول حكمته وما فيها من أصناف المنافع والنعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، الدالة على سعة رحمة الله وجوده وبره، وذلك كله يدعو إلى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره واللهج بذكره وإخلاص الدين له وهذا هو روح الإيمان وسره) (٣).\nولهذا فإن الله الكريم سبحانه ندب عباده في كتابه إلى تأمل هذه الآيات والدلالات، وإلى النظر والتفكر في مواضع كثيرة منه، وذلك لكثرة منافعها للعباد وعظم عوائدها عليهم.\nقال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٦٤]\nوقال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩].\nوقال تعالى: أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ١٧ - ٢٠].\nوغيرها من الآيات، وهي كثيرة في القرآن، يدعو فيها عباده إلى النظر في آياته ومفعولاته التي هي أعظم دليل على توحده وتفرده وعلى قدرته ومشيئته وعلمه ﷾، وعلى بره ولطفه وكرمه، وهذا أعظم داع للعباد إلى محبة الله وشكره وتعظيمه وطاعته وملازمة ذكره، وبهذا يتبين أن النظر في الكون والتأمل فيه من أعظم أسباب الإيمان وأنفع دواعيه. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص٢٠٦\n_________\n(١) «ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب» (١/ ٣٠٧).\n(٢) «مفتاح دار السعادة» (ص: ٢٠٤).\n(٣) «التوضيح والبيان» (ص: ٣١) وانظر: «الرياض الناضرة» (ص: ٢٥٨ - ٢٨٠).","vol":"6","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1736>المطلب الثالث: الاجتهاد في القيام بالأعمال الصالحة</span>\nأن يجتهد المسلم في القيام بالأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى وأن يكثر منها، ويداوم عليها.\nفإن كل عمل يقوم به المسلم مما شرعه الله ويخلص نيته فيه يزيد في إيمانه، لأن الإيمان يزيد بزيادة الطاعات وكثرة العبادات.\nثم إن العبودية التي شرعها الله لعباده وطلب منهم القيام بها، فرضها ونفلها منقسمة على القلب واللسان والجوارح وعلى كل منها عبودية تخصه.\nفمن عبودية القلب التي تخصه: الإخلاص والمحبة والتوكل والإنابة والرجاء والخوف والخشية والرهبة والرضى والصبر وغيرها من الأعمال القلبية.\nومن عبودية اللسان التي تخصه: قراءة القرآن، والتكبير والتسبيح والتهليل والاستغفار، وحمد الله والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسوله وغيرها من الأعمال التي لا تكون إلا باللسان.\nومن عبودية الجوارح التي تخصها: الصدقة، والحج، والصلاة، والوضوء، والخطى إلى المسجد ونحوها من الأعمال التي تكون بالجوارح.\nفهذه الأعمال القلبية والتي باللسان والتي بالجوارح كلها من الإيمان وداخلة في مسماه فالقيام بها والإكثار منها زيادة في الإيمان وإهمالها وإنقاصها نقص في الإيمان. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص٢١٣\nومنها:\n-التقرب إلى الله والتعرف إليه بتحقيق التوحيد بألوهيته وربوبيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى.\nفإنه ولا شك كلما ازداد بها تحقيقًا ازداد إيمانًا.\n-فعل الفرائض والنوافل والإحسان فيها، والإصابة في صفاتها، والمكاثرة والمسارعة والمداومة في ذلك.\n-ترك المعاصي والمنهيات تقربًا إلى الله وابتغاء وجهه سبحانه.\n-النظر والاعتبار في آيات الله الشرعية، ومنها العلم، وآياته الكونية المورث للعلم والعمل، ولين القلب.\n-الإقبال على الدار الآخرة والسعي لها، والزهد في الدنيا والإعراض عن زخرفها بملاحظة ما أعده الله لعباده الصالحين المستكملين للإيمان، وما أعده لإرضائهم.\n-التزام السنة النبوية والعض عليها بالنواجذ، ولو مع قلة المعاون علمًا وفهمًا وعملًا ودعوة.\n-كثرة سؤال الله والتضرع إليه بالثبات على دينه، وحسن العاقبة وسؤاله الهداية وحسن العمل وقبوله والاستزادة من الخير، والانطراح بين يديه لاسيما في الأوقات الفاضلة المستجابة. مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – ص٢٦","vol":"6","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1737>المبحث الثالث: أسباب نقصان الإيمان</span>\nوهي عدة عوامل:\nأولًا- الجهل وهو ضد العلم:\nفهذا من أعظم أسباب نقص الإيمان، كما أن العلم من أعظم أسباب زيادته، فالمسلم العالم لا يؤثر محبة وفعل ما يضره ويشقى به ويتألم به على ما فيه نفعه وفلاحه وصلاحه، أما الجاهل فإنه لفرط جهله وقلة علمه فإنه قد يؤثر مثل هذه الأشياء على ما فيه فلاحه وصلاحه، وذلك لانقلاب الموازين عنده ولضعف التصور فيه، فالعلم أصل لكل خير، والجهل أصل لكل شر.\nومحبة الظلم والعدوان وارتكاب الفواحش واقتراف المناهي سببه الأول هو الجهل وفساد العلم، أو فساد القصد، وفساد القصد من فساد العلم، فالجهل وفساد العلم هو السبب الرئيس والأول في فساد الأعمال ونقص الإيمان.\nقال ابن القيم: (وقد قيل: إن فساد القصد من فساد العلم وإلا فلو علم ما في الضار من المضرة ولوازمها حقيقة العلم لما آثره، ولهذا من علم من طعام شهي لذيذ أنه مسموم فإنه لا يقدم عليه، فضعف علمه بما في الضار من وجوه المضرة، وضعف عزمه عن اجتناب ما يوقعه في ارتكابه، ولهذا كان الإيمان بحسب ذلك، فإن المؤمن بالنار حقيقة الإيمان حتى كأنه يراها، لا يسلك طريقها الموصلة إليها، فضلًا عن أن يسعى فيها بجهده، والمؤمن بالجنة حقيقة الإيمان لا تطاوعه نفسه أن يقعد عن طلبها، وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه فيما يسعى فيه في الدنيا من المنافع، أو التخلص منه من المضار) (١).\nفالنفس تهوى ما يضرها ولا ينفعها لجهلها بمضرته ولهذا فإن من يتأمل القرآن الكريم، يجد فيه أعظم إشارة إلى أن الجهل هو سبب الذنوب والمعاصي.\nقال تعالى: قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: ١٣٨].\nوقال تعالى: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل: ٥٤ - ٥٥].\nوقال تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ [الزمر: ٦٤].\nوقال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: ٣٣].\nوغيرها من النصوص الدالة على أن ما وقع فيه الناس من شرك وكفر وفجور وارتكاب للمعاصي أعظم أسبابه الجهل بالله وبأسمائه وصفاته وبثوابه وعقابه.\nولهذا فإن كل من عصى الله واقترف شيئا من الذنوب فهو جاهل، كما جاء ذلك عن السلف الصالح في تفسير قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١٧]، وقوله: وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام: ٥٤]، وقوله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: ١١٩].\n_________\n(١) «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٣٣).","vol":"6","page":72},{"text":"ومعنى قوله بجهالة في الآيات أي جهالة من فاعلها بعاقبتها وإيجابها لسخط الله وعقابه وجهله منه لنظر الله ومراقبته له، وجهل منه بما تأول منه من نقص الإيمان أو عدمه، فكل عاص لله فهو جاهل بهذا الاعتبار، وإن كان عالما بالتحريم، بل العلم بالتحريم شرط لكونها معصية معاقبًا عليها (١).\nوبنحو هذا التفسير للآية قال جماعة من السلف، وروى جملة منها الطبري في تفسيره:\nفروى عن أبي العالية أنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله ﷺ، كانوا يقولون: (كل ذنب أصابه عبد فهو بجهالة).\nوعن قتادة قال: (اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة، عمدا كان أو غيره).\nوعن مجاهد قال: (كل من عصى ربه فهو جاهل، حتى ينزع عن معصيته) وقال أيضًا: (كل من عمل بمعصية الله فذاك منه بجهل حتى يرجع عنه).\nوقال السدي: (ما دام يعصي الله فهو جاهل).\nوقال ابن زيد: (كل امرئ عمل شيئًا من معاصي الله فهو جاهل أبدًا حتى ينزع عنها) (٢).\nقال شيخ الإسلام: (وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول أو فعل فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه أو ضعف القلب عن مقاومة ما يعارضه، وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم فيصير جهلًا بهذا الاعتبار.) (٣).\nفالجهل بالله داء خطير، ومرض فتاك، يجر على صاحبه من الويلات والعواقب الوخيمة الشيء الكثير، فمن تمكن منه هذا الداء وسيطر عليه، فلا تسأل عن هلكته، فهو هاو في ظلمة المعاصي والذنوب، متنكب عن صراط الله المستقيم، مستسلم لدواعي الشبهات والشهوات، إلا أن تتداركه رحمة الله بغياث القلوب ونور الأبصار ومفتاح الخير العلم النافع المثمر للعمل الصالح، إذ ليس هناك دواء لهذا الداء غير العلم، ولا ينفك هذا الداء عن صاحبه إلا بأن يعلمه الله ما ينفعه، ويلهمه رشده، فمن أراد الله به الخير علمه ما ينفعه، وفقهه في دينه وبصره بما فيه فلاحه وسعادته، فخرج به عن الجهل ومتى لم يرد به خيرا أبقاه على جهله، والله المسؤول أن يغيث قلوبنا بالعلم والإيمان، ويعيذنا من الجهل والعدوان.\nثانيًا – الغفلة والإعراض والنسيان:\nفإن هذه الأمور الثلاثة سبب عظيم من أسباب نقص الإيمان، فمن اعترته الغفلة، وشغله النسيان، وحصل منه الإعراض، نقص إيمانه وضعف بحسب توافر هذه الأمور الثلاثة فيه أو بعضها، وأوجبت له مرض القلب أو موته باستيلاء الشهوات والشبهات عليه.\nأما الغفلة فقد ذمها الله في كتابه وأخبر أنها خلق ذميم من أخلاق الكافرين والمنافقين، وحذر منها سبحانه أشد التحذير:\nقال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: ١٧٩].\nوقال تعالى: إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ [يونس: ٧].\nوقال تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ [يونس: ٩٢].\n_________\n(١) «تفسير ابن سعدي» (٢/ ٣٩).\n(٢) انظر هذه الآثار: في «تفسير الطبري» (٣/ ٢٩٩، ٥/ ٢٠٩) «تفسير البغوي» (١/ ٤٠٧) «الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٢٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ٤٦٣).\n(٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص: ٧٨).","vol":"6","page":73},{"text":"وقال تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم: ٧].\nوقال لرسوله ﷺ: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف: ٢٠٥].\nفالغفلة - وهي: سهو يعتري من قلة التحفظ والتيقظ (١) - داء خطير إذا اعترى الإنسان وتمكن منه لم يشتغل بطاعة الله وذكره وعبادته، بل يشتغل بالأمور الملهية المبعدة عن ذكر الله، وإن عمل أعمالا في طاعته تأتي منه على حال سيئة ووضع غير حسن فتكون أعماله عارية من الخشوع والخضوع والإنابة والخشية والطمأنينة والصدق والإخلاص، فهذه بعض آثار الغفلة السيئة على الإيمان.\nأما الإعراض، فقد أخبر الله في القرآن الكريم أن له آثارا سيئة كثيرة وعواقب ونتائج وخيمة:\nمنها: أن الله وصف المعرض بأنه لا أحد أظلم منه، ووصفه بأنه من المجرمين كما في قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢].\nومنها: إخبار الله أن المعرض يجعل الله على قلبه أكنةً وأقفالًا فلا يفقه ولا يهتدي أبدًا كما في قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف: ٥٧].\nومنها: أن إعراضه يسبب له عيشة الضنك والضيق دنيا وآخرة، كما في قوله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: ١٢٤].\nومنها: أن المعرض عن ذكر الله يقيض له القرناء من الشياطين فيفسدون عليه دينه، كما في قوله: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦].\nومنها: إخبار الله بأن المعرض يحمل يوم القيامة وزرًا، وأنه يسلك العذاب الصعد كما في قوله: كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا [طه: ٩٩ - ١٠٠].\nوقوله: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن: ١٧].\nوغيرها من الآيات التي يخبر فيها ﷾ عن أخطار الإعراض وأضراره، والتي من أخطرها وأشنعها أنه مانع من الإيمان وحائل دونه لمن لم يؤمن، وموهن ومضعف لإيمان من آمن، وبحسب إعراض الإنسان يكن له نصيب من هذه النتائج والأخطار.\nوأما النسيان - وهو: ترك الإنسان ضبط ما استودع، إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصد حتى يرتفع عن القلب ذكره (٢) - فله أثر بالغ في الإيمان، فهو سبب من أسباب ضعفه، وبوجوده تقل الطاعات، وتكثر المعاصي.\nوالنسيان الذي جاء ذكره في القرآن الكريم على نوعين: نوع: لا يعذر فيه الإنسان وهو ما كان أصله عن تعمد منه، مثل قوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر: ١٩].\n_________\n(١) «بصائر ذوي التمييز» للفيروزآبادي (٤/ ١٤٠).\n(٢) «بصائر ذوي التمييز» للفيروزآبادي (٥/ ٤٩).","vol":"6","page":74},{"text":"ونوع: يعذر فيه وهو ما لم يكن سببه منه كما في قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] وقد جاء في الحديث أن الله تعالى قال: (فعلت) (١).\nوالمسلم مطالب بمجاهدة نفسه وإبعادها عن الوقوع فيه، حتى لا يتضرر في دينه وإيمانه.\nثالثًا – فعل المعاصي وارتكاب الذنوب:\nفإن هذا لا يخفى ما به من الضرر وسوء الأثر على الإيمان، فالإيمان كما قال غير واحد من السلف: (يزيد بالطاعة، وينقص بالمعاصي)، فكما أن فعل ما أمر الله به من واجب ومندوب يزيد في الإيمان، فكذلك فعل ما نهى الله عنه من محرم ومكروه ينقص الإيمان، إلا أن الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها وشدة ضررها تفاوتًا عظيمًا، كما قال ابن القيم ﵀: (ولا ريب أن الكفر والفسوق والمعاصي درجات، كما أن الإيمان والعمل الصالح درجات، كما قال تعالى: هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللهِ واللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٦٣]، وقال: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٣٢]، وقال: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: ٣٧]، وقال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، ونظائره في القرآن كثير) (٢).\nوقد دلّ القرآن والسنة على أن من الذنوب كبائر وصغائر، قال تعالى: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: ٣١]، وقال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ [النجم: ٣٢].\nوفي صحيح مسلم: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (٣).\nوفي الصحيحين: عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور» (٤).\nوفيهما عنه ﷺ أنه سئل: أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله ندا وهو خلقك، قيل ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قيل ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك» (٥) ........\nرابعا – النفس الأمارة بالسوء:\n_________\n(١) رواه مسلم (٣٤٥) من حديث ابن عباس ﵁.\n(٢) «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٤٢).\n(٣) رواه مسلم (٥٧٤).\n(٤) رواه البخاري (٢٥١١)، ومسلم (٢٦٩).\n(٥) رواه البخاري (٦٤٦٨)، ومسلم (٢٦٨). من حديث ابن مسعود ﵁.","vol":"6","page":75},{"text":"وهي نفس مذمومة جعلها الله في الإنسان، تأمره بكل سوء، وتدعوه إلى المهالك، وتهديه إلى كل قبيح، هذا طبعها، وتلك سجيتها، إلا ما وفقها الله وثبتها وأعانها، فما تخلص أحد من شر نفسه إلا بتوفيق الله، كما قال تعالى حاكيا عن امرأة العزيز: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ [يوسف: ٥٣]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور: ٢١]، وقال تعالى لأكرم خلقه عليه وأحبهم إليه: وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء: ٧٤]، وكان النبي ﷺ يعلمهم خطبة الحاجة: «الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له» (١) فالشر كامن في النفس وهو يوجب سيئات الأعمال، فإن خلى الله بين العبد وبين نفسه هلك بين شرها وما تقتضيه من سيئات الأعمال، وإن وفقه وأعانه نجاه من ذلك كله (٢).\nوقد جعل الله سبحانه للإنسان في مقابلة هذه النفس، نفسا مطمئنة، فإذا أمرته النفس الأمارة بالسوء، نهته عنه النفس المطمئنة، فهو يطيع هذه مرة، وهذه مرة، وهو للغالب عليه منهما (٣).\nقال ابن القيم ﵀: (وقد ركب الله سبحانه في الإنسان نفسين: نفسًا أمارة، ونفسًا مطمئنة، وهما متعاديتان، فكل ما خف على هذه ثقل على هذه، وكل ما التذت به هذه تألمت به الأخرى، فليس على النفس الأمارة أشق من العمل لله، وإيثار رضاه على هواها، وليس لها أنفع منه. وليس على النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله وما جاء به داعي الهوى، وليس عليها شيء أضر منه ... والحروب مستمرة لا تضع أوزارها إلا أن يستوفى أجلها من الدنيا) (٤).\nفلا أضر على إيمان الشخص ودينه من نفسه الأمارة بالسوء، التي هذا شأنها، وهذا وصفها، فهي سبب رئيس، وعضو فعال في إضعاف الإيمان وزعزعته وتوهينه.\nومن هنا لزم من أراد الحفاظ على إيمانه من النقص والضعف، أن يعنى بمحاسبة هذه النفس ومعاتبتها، وأن يكثر من لومها، حتى يسلم من مغبتها وعواقبها الوخيمة المردية ... زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر-بتصرف- ص٢٣٥\nوكذلك أيضا إن من أهم أسباب نقصان الإيمان في قلب العبد هو عدم تعاهد أسباب زيادة الإيمان، وإهمال تقويته، وترك العناية به؛ فكما أن المحافظة على هذه الأسباب سبب في زيادة الإيمان فإهمالها سبب في نقصه. ومن أهم أسباب نقص الإيمان: الجهل بأمور الدين، وعلوم الشرع. الغفلة، والإعراض، والنسيان. فعل المعاصي، وارتكاب الذنوب. طاعة النفس الأمارة بالسوء. الركون إلى الدنيا، وفتنتها، وزينتها. مجالس اللهو، وقرناء السوء. اتباع خطوات الشيطان. إلى غير ذلك من الأسباب. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري – ص٤٨\n_________\n(١) أخرج هذه الخطبة أبو داود (١٠٩٧) والنسائي (٣/ ١٠٥)، وابن ماجه (١٥٣٥)، وأحمد (١/ ٣٩٢) (٣٧٢٠) من حديث عبدالله بن مسعود ﵁. والحديث سكت عنه أبي داود، وقال النووي في «الأذكار» (٣٥٥): إسناده صحيح، وصححه ابن دقيق العيد في «الإلمام» (٢/ ٦٢٢) كما اشترط على نفسه في المقدمة، والذهبي في «المهذب» (٣/ ١١٤٢)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٧/ ٥٣٠)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٢٦٤) كما أشار لذلك في المقدمة، وقال العيني في «العلم الهيب» (٩٤٦): أسانيده صحيحة، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه». وراجع رسالته «خطبة الحاجة» فقد جمع فيها طرق وألفاظ هذه الخطبة.\n(٢) «الروح لابن القيم» (٢٢٦).\n(٣) «الوابل الصيب» (٢٧).\n(٤) «الجواب الكافي» (١٨٤).","vol":"6","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1739>المبحث الأول: شعب الإيمان</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (١) وقد اعتنى الأئمة بهذا الحديث واعتبروه أصلًا لإدخال الطاعات في الإيمان وعدوها من شعبه وألفوا في ذلك بعض المصنفات، ومن أغزرها (المنهاج في شعب الإيمان) للإمام أبي عبد الله الحليمي واختصره الإمام البيهقي في كتاب (الجامع لشعب الإيمان) مع عنايته بالأسانيد خلافًا للحليمي، واختصر كتاب البيهقي الإمام القزويني وجميعهم عدوا سبعًا وسبعين شعبة من شعب الإيمان مع شرحها\nوممن اعتنى بحصر شعب الإيمان الإمام اللالكائي فقد ذكر في كتابه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اثنتين وسبعين خصلة من خصال الإيمان وذكر تحت كل خصلة ما يناسبها من الأحاديث (٢).\nوعد الإمام ابن بطه في الإيمان سبعين شعبة سردًا دون ذكر أدلتها (٣).\nوقال أبو حاتم بن حبان: تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على العدد شيئا كثيرًا فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول الله ﷺ من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين فرجعت إلى كتاب الله فقرأته بالتدبر وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنن وأسقطت المعاد فإذا هي كل شيء عده الله تعالى ونبيه ﷺ من الإيمان تسع وسبعين شعبة لا يزيد عليها ولا تنقص فعلمت أن مراد النبي ﷺ في الكتاب والسنن) (٤).\nوعدها أيضًا الحافظ ابن حجر فقال: (هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن، فأعمال القلب فيه المعتقدات والنيات وتشتمل على أربع وعشرين خصلة ثم ذكرها وأعمال اللسان وتشتمل على سبع خصال ثم ذكرها وأعمال البدن وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة ثم ذكرها، إلى أن قال: فهذه تسع وستون خصلة ويمكن عدها تسعًا وسبعين خصلة باعتبار أفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر. والله أعلم) (٥) وأخيرًا ننقل كلامًا للقاضي عياض قال فيه: (وبقي بين هذين الطرفين - أي الشهادتان وإماطة الأذى - أعداد لو تكلف المجتهد تحصيلها بغلبة الظن وشدة التتبع لأمكنه وقد فعل ذلك بعض من تقدم، وفي الحكم بأن ذلك مراد النبي ﷺ صعوبة، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها، ولا يقدح جهل ذلك في الإيمان، إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة والإيمان بأنها هذا العدد واجب في الجملة) (٦).\nالإيمان شعب، والكفر شعب:\nقال الإمام الخطابي: وفي هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء له أدنى وأعلى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبها وتستوفي جملة أجزائها، كالصلاة الشرعية، لها شعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها. (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) انظر «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٥/ ٩١١ - ٩٤٠).\n(٣) انظر: «الإبانة» لابن بطة (٢/ ٦٥٠ - ٦٥٣)\n(٤) ذكر ذلك في كتاب «وصف الإيمان وشعبه» نقلًا عن «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٥٠٤).\n(٥) «فتح الباري» (١/ ٥٢ - ٥٣).\n(٦) نقلًا عن «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٤).\n(٧) «معالم السنن» بحاشية سنن أبي داود (٥/ ٥٦).","vol":"6","page":77},{"text":"ويقول الإمام ابن القيم: الإيمان أصل له شعب متعددة، وكل شعبة تسمى إيمانًا، فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والحج والصوم، والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل .. وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، منها ما يلحق بشعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى، ويكون إليها أقرب، وكذلك الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر، والحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر ... والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان. (١) نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – ١/ ٥٠\n(وشعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية، وكذلك شعب الكفر نوعان: قولية وفعلية. ومن شعب الإيمان القولية شعب يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان، وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية. فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارًا – وهي شعبة من شعب الكفر – فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، فهذا أصل) كتاب الصلاة لابن قيم الجوزية – ص٧٠\nإن الإيمان عند جمهور أهل السنة له شعب متعددة، كما أخبر بذلك أعلم الخلق ﷺ في حديث شعب الإيمان، وكل شعبة منه تسمى إيمانًا، فالصلاة وسائر أعمال الجوارح من الإيمان، والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والرجاء من الإيمان، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيمًا، منها ما يلحق بشعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى، ويكون إليها أقرب (٢).\nوإذا كان الإيمان مشتملًا على شعب متعددة، ومتفاوتة، فإنه يتضمن بناء على تفاوت شعبه أركانًا، وواجبات، ومستحبات، وكما يقول ابن تيمية: الإيمان: مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصًا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة، فالناس فيه ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق، كالحج وكالبدن والمسجد وغيرها من الأعيان والصفات، فمن أجزائه ما إذا ذهب، نقص عن الأكمل، ومنه ما نقص عن الكمال (٣) وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات، ومنه ما نقص ركنه وهو ترك الاعتقاد والقول (٤).\nفالإيمان كالحج - مثلًا- في اشتمالهما على أركان، وواجبات، ومستحبات، ففي الحج أركان متى تركت، لم يصح الحج كالوقوف بعرفة، ومشتمل على واجبات من فعل أو ترك، يأثم بتركها أو فعلها عمدًا، ويجب مع تركها الجبران بدم، كالإحرام من المواقيت المكانية، ورمي الجمار ونحو ذلك، ومشتمل على مستحبات من فعل وترك يكمل الحج بها، فلا يأثم بتركها، ولا يجب دم، مثل: رفع الصوت بالإهلال والإكثار منه، ودعائه في الطواف وغيرهما (٥)، فكذا الإيمان كما سبق ذكره ومن ثم فإن الناس متفاوتون في الإيمان، فمنهم الظالم لنفسه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات بإذن ربه، ولقد تواترت النصوص الدالة على أن الإيمان يقبل التبعيض والتجزئة.\nكقوله ﷺ: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان» (٦) خلافًا للمبتدعة القائلين أن الإيمان لا يقبل التبعيض والتجزئة، وأنه شيء واحد. نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف – ص٣٢\n_________\n(١) كتاب «الصلاة» (ص٥٣).\n(٢) كتاب «الصلاة» لابن القيم (ص٥٣) بتصرف.\n(٣) أي الكمال الواجب، فالشارع لا ينفي الإيمان عن شيء، إلا لانتفاء ما هو واجب، لا لانتفاء ما هو مستحب. انظر: «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٢٦٨) و«منهاج السنة» (٥/ ٢٠٨).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٣٧)، وانظر: «تعظيم قدر الصلاة» للمروزي (٢/ ٨٠٦).\n(٥) انظر: «مجموع الفتاوى لابن تيمية» (١٢/ ٤٧٢، ٤٧٣، ٧/ ٥١٤، ١٩/ ٢٩٠، ٢٩١).\n(٦) رواه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣). من حديث أنس ﵁.","vol":"6","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1740>المبحث الثاني: الأدلة على أن الإيمان مركب من شعب</span>\nفإنه من القواعد المقررة والأصول المعتبرة، في عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان مركب من شعب وأجزاء. وهذه الشعب والأجزاء التي يتكون منها الإيمان تتفاوت وتتفاضل. وأهل الإيمان يتفاضلون أيضا بما قام لديهم من إيمان ويقين، وبما يقومون به من البر والتقوى وموافقة الأولى، وترك ما نهى عنه الله تعالى من المنهيات المحرمات منها والمكروهات وما يتردد بينهما من المتشابهات؛ استبراء للدين والعرض ونيلا للدرجات العلى.\nوالتفاضل عند أهل السنة والجماعة يشمل الإيمان والأعمال أيضا، فيتفاضل الإيمان الذي قام بالقلب ويتفاضل ما يقام به بالجوارح والإيمان يتفاضل ما يقام به بالجوارح والإيمان يتفاضل بحسب ما يقوم به صاحبه من واجباته. وهذه الواجبات يتنوع بتنوع الناس فيه؛ ثم إن قدرهم في أداء الواجب متفاوتة بين مقل فيه ومكثر. ومعرفة أهل الإيمان بهذه الواجبات تختلف بالإجمال والتفصيل في المعرفة بها. وقوة تلك المعرفة وضعفه ودوام الحضور والغفلة، فليست المعرفة المفصلة المستحضرة الثابتة التي يثبت الله صاحبها بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. كالمجملة التي غفل عنها؛ وكذلك بحسب ما تقوم بالقلب من أحوال وأعمال ومقامات من محبة الله ورسوله وخشية الله، والتوكل عليه والصبر على حكمه، والشكر له والإنابة إليه، وإخلاص العمل له لما يتفاضل الناس فيها تفاضلا لا يعرف قدره إلا الله ﷿، ومن أنكر تفاضل أهل الإيمان في الإيمان والأعمال فهو إما جاهل لم يتصوره وإما معاند (١).\nوالأدلة من الكتاب والسنة على ذلك كثيرة:\nأ- فمن أدلة الكتاب ما ذكره الإمام البخاري في صحيحه بقوله: \"باب أمور الإيمان وقول الله تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: ١٧٧].\nوهذه الآية من أجمع الآيات في ذكر شعب الإيمان فقد ذكر الله تعالى فيها من شعب الإيمان: ١ - الإيمان بالله. ٢ - الإيمان باليوم الآخر. ٣ - الإيمان بالملائكة. ٤ - الإيمان بالكتب. ٥ - الإيمان بالنبيين. ٦ - صرف المال في الصدقات بطيب النفس وحبا في حصول الأجر والثواب على الأصناف الستة المذكورة في الآية. ٧ - إقامة الصلاة. ٨ - إيتاء الزكاة. ٩ - الوفاء بالعهد. ١٠ - الصبر في البأساء والضراء وحين البأس.\nوقد شهد الله تعالى لمن أتى بهذه الشعب بالصدق والتقوى فقال ﷻ: أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: ١٧٧].\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى/الإيمان» (٧/ ٤٠٨).","vol":"6","page":79},{"text":"ب- قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: ١ - ١١]. وفي هذه الآية ذكر الله تعالى مجموعة من شعب الإيمان القولية والفعلية وهي: ١ - الخشوع في الصلاة. ٢ - الإعراض عن اللغو. ٣ - إيتاء الزكاة. ٣ - حفظ الفروج. ٤ - رعاية الأمانة وحفظها. ٥ - الوفاء بالعهد. المحافظة على الصلوات.\nج- قوله تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج: ١٩ - ٣٤].\nوالشعب المذكورة في هذه الآية هي:\n١ - المواظبة على أداء الصلاة.\n٢ - إخراج الصدقة.\n٣ - الإيمان بيوم القيامة.\n٤ - الخوف من عذاب الله.\n٥ - حفظ الفروج عما حرمه الله.\n٦ - حفظ الأمانة.\n٧ - الصدق في الشهادة.\n٨ - المحافظة على إقامة الصلاة.\nد – قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١١٢] ذكر الله تعالى في هذه الآية ثمان صفات من صفات المؤمنين وكلها من شعب الإيمان. وقد اقتصرنا على ذكر هذه الأمثلة الأربعة لاحتواء هذه الآيات على أكبر عدد من شعب الإيمان وإلا فإن نصوص الكتاب في ذلك كثيرة جدا. وأما أدلة السنة: فأشهرها قول النبي ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأما أدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» (١).\nوأحاديث شعب الإيمان كثيرة جدا يصعب حصرها والإحاطة بها؛ فإن جميع ما جاء عن النبي ﷺ وثبت عنه من الأوامر واجبها ومستحبها، ومن النواهي محرمها ومكروهها، تعد من شعب الإيمان. وقد صنفت في ذلك مصنفات عظيمة أودع فيها أصحابها معظم هذه الأحاديث ... وأكثر المصنفات ذكرا لأدلة السنة في شعب الإيمان كتاب (شعب الإيمان) للحافظ البيهقي ﵀ نظرا لكون الحافظ من أعلام أهل الحديث والعارفين به رواية ودراية. قواعد في بيان حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لعادل الشيخاني- بتصرف- ٣٥٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٩) ومسلم (٣٥) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1741>الفصل الخامس: الاستثناء في الإيمان</span>\n• تمهيد:.\n• المبحث الأول: بيان قول أهل السنة في الاستثناء ومأخذهم فيه وأدلتهم عليه.\n• المبحث الثاني: نقل أقوال السلف في الاستثناء مع التوفيق بينها.\n• المبحث الثالث: ما ورد عنهم من تبديع السؤال بـ (أمؤمن أنت).","vol":"6","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1742>تمهيد:</span>\nمن كان مذهبه أن الإيمان يزيد وينقص وأن أهله يتفاضلون فيه، يرى الاستثناء في الإيمان على اعتبار أنه لا يقطع بتكميل الإيمان وبالإتيان به على الدرجة العالية المطلوبة، بخلاف من يرى أن الإيمان شيء واحد لا يتجزأ ولا يزيد ولا ينقص، وأن أهله فيه سواء؛ فصاحب هذا القول يرى عدم جواز الاستثناء في الإيمان ويقطع بإيمانه، بل ويعد من استثنى في إيمانه شاكًا.\nوبهذا يعلم مدى صلة هذه المسألة بمسألة زيادة الإيمان ونقصانه، وإن كان الجميع يعد من مسائل الإيمان ومباحثه المهمة.\nومما يوضح قوة صلة هذه المسألة بسابقتها؛ أن هذه المسألة تبحث دائمًا في كتب العقيدة تلو مسألة زيادة الإيمان ونقصانه للارتباط بين المسألتين ولتعلق نتائج كلٍّ بنتائج الأخرى، وهذا يعلم بمطالعة كتب العقيدة.\nثم بين المسألتين ارتباط من جهة أخرى؛ وهي أن كلتا المسألتين حدث الخوض فيهما بسبب الإرجاء الذي نشأ في الأمة بفعل أهل الأهواء، ولهذا ذمّ سلف الأمة الإرجاء وما يشتمل عليه من عقائد منحرفة، منها عدم القول بزيادة الإيمان ونقصانه، ومنها القطع بالإيمان عند الله وبكمال الإيمان.\nيقول محمد بن الحسين الآجري ﵀: (احذروا رحمكم الله قول من يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، ومن يقول: أنا مؤمن عند الله، وأنا مؤمن مستكمل الإيمان، هذا كله مذهب أهل الإرجاء) (١).\nثم ساق بسنده إلى الأوزاعي أنه قال: (ثلاث هن بدعة: أنا مؤمن مستكمل الإيمان، وأنا مؤمن حقًا، وأنا مؤمن عند الله تعالى) (٢).\nوأول الخوض في مسألة الاستثناء هذه وسببه هم المرجئة، بل إن أصل الإرجاء وأُس نشأته هو ترك الاستثناء في الإيمان، كما قال عبدالرحمن بن مهدي ﵀: (إذا ترك الاستثناء فهو أصل الإرجاء) (٣)، وفي لفظ آخر له (أول الإرجاء ترك الاستثناء) (٤)، وفي لفظ ثالث له: (أصل الإرجاء من قال إني مؤمن) (٥).\nولهذا كان أئمة السلف كالإمام أحمد وغيره يكرهون سؤال الرجل لغيره أمؤمن أنت؟ ويكرهون الجواب عن ذلك؛ لأن هذه بدعة أحدثها المرجئة ليحتجوا بها لقولهم، فإن الرجل يعلم من نفسه أنه ليس بكافر، بل يجد قلبه مصدقًا بما جاء به الرسول، فيقول: أنا مؤمن، فيثبت أن الإيمان هو التصديق، لأنه يجزم بأنه مؤمن، ولا يجزم بأنه فعل كما أمر به.\n_________\n(١) «الشريعة» للآجري (ص: ١٤٦).\n(٢) «الشريعة للآجري» (ص: ١٤٦)، وذكره يحيى بن أبي الخير العمراني في كتابه: «الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار» (٣/ ٧٩٥).\n(٣) رواه الآجري في «الشريعة» (ص: ١٣٦)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧١).\n(٤) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٩٨).\n(٥) رواه الطبري في «تهذيب الآثار» برقم (١٠٢٣).","vol":"6","page":82},{"text":"فلما علم السلف مقصدهم ذلك صاروا يكرهون الجواب أو يفصلون فيه (١) بل ويعدون السؤال هذا بدعة محدثة، وما أروع ما قاله الأوزاعي في هذا، وذلك حينما سُئل عن الرجل يسأل الرجل أمؤمن أنت؟ فأجاب ﵀: (إن المسألة عما تسأل عنه بدعة والشهادة به تعمق لم نكلفه في ديننا، ولم يشرعه نبينا، ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، القول به جدل والمنازعة فيه حدث، ولعمري ما شهادتك لنفسك بالتي توجب لك تلك الحقيقة إن لم تكن كذلك، وما تركك الشهادة لنفسك بها بالتي تخرجك من الإيمان إن كنت كذلك، وإن الذي يسألك عن إيمانك ليس بشك في ذلك منك، ولكنه يريد أن ينازع الله ﵎ علمه في ذلك حتى تزعم أن علمه وعلم الله في ذلك سواء فاصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا وكف عما كفوا واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم، وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة بعدما رد عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم فأشربهم قلوب طوائف منهم واستحلتها ألسنتهم وأصابهم ما أصاب غيرهم من الاختلاف.\nولست بآيس أن يدفع الله ﷿ شر هذه البدعة إلى أن يصيروا إخوانًا في دينهم ولا قوة إلا بالله.\nثم قال: لو كان هذا خيرًا ما خصصتم به دون أسلافكم فإنه لم يدخر عنهم شيء خبيء لكم دونهم لفضل عندكم، وهم أصحاب نبينا ﷺ الذين اختارهم الله له وبعثه فيهم ووصفه بهم فقال: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا ... [الفتح: ٢٦]، إلى آخر السورة) (٢)، اهـ.\nيرحمه الله ما أروع بيانه، وما أجود نصحه وتبيانه، ولا والله لا خير فيمن لم يسعه ما وسعهم فإنهم عن علم ثاقب وقفوا، وعن بصيرة نيرة كفوا، والخير كل الخير في اتباعهم.\nثم إن الآثار المروية عن السلف يرحمهم الله في ذم الإرجاء بعامة، وفي ذم ترك الاستثناء وذم سؤال الناس عن إيمانهم بخاصة كثيرة جدًا، وكذلك النصوص عنهم في تبديع أهل هذه المسائل كثيرة ...\nثم إنه لما خاض هؤلاء في هذه المسألة بباطل، وقلبوا فيها الأمور، وناقضوا الحقائق، لزم أهل الحق أن يتصدوا لهذا التيار وأن يجابهوا هذا الباطل بدحضه ورده وإحقاق الحق مكانه، لهذا كثر كلام أهل السنة في هذه المسألة وطال نقاشهم وردهم لهذا الباطل في كتبهم المفيدة ورسائلهم العديدة فنفع الله بها من شاء من خلقه.\nزيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبدالرزاق البدر - بتصرف - ص ٤٥٥\n_________\n(١) «الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٤٤٨ - ٤٤٩).\n(٢) «الشريعة للآجري» (ص: ١٣٩). وانظر: «الحجة في بيان المحجة» لأبي القاسم التيمي (١/ ١١٢).","vol":"6","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1743>المبحث الأول: بيان قول أهل السنة في الاستثناء ومأخذهم فيه وأدلتهم عليه</span>\nإن مجمل قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة هو أن الاستثناء في الإيمان جائز مشروع؛ لأن الإيمان عندهم شامل للاعتقادات والأقوال والأعمال، فإذا سئل أحدهم هذا السؤال استثنى في إيمانه مخافة عدم تكميل الأعمال التي بكمالها يكمل الإيمان؛ فيقول أحدهم إذا أجاب: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو نحو ذلك.\nوليس هذا منهم شكًا في أصل الإيمان معاذ الله. فهم أعلى وأرفع من ذلك، وإنما هو ترك لتزكية النفس والشهادة لها بتكميل الأعمال، لهذا وقع منهم الاستثناء في الإيمان.\nولهم على ذلك دلائل وشواهد كثيرة من الكتاب والسنة ... وعلى هذا مضى مذهبهم واتفقت كلمتهم.\nوقال الوليد بن مسلم: (سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبدالعزيز ينكرون أن يقول: أنا مؤمن، ويأذنون في الاستثناء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله) (١).\nوقال البيهقي: (وقد روينا هذا - يعني الاستثناء في الإيمان - عن جماعة من الصحابة والتابعين والسلف الصالح ﵃ أجمعين) (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما مذهب سلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه، والثوري، وابن عيينة، وأكثر علماء الكوفة، ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة، وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة؛ فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم ...) (٣).\nوقال: (والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة؛ أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه) (٤).\nوقال: (الاستثناء في الإيمان سنة عند أصحابنا وأكثر أهل السنة) (٥)، ومعنى قوله الاستثناء سنة أي: جائز، ردًا على من نهى عنه وحرمه ...\nوأما مأخذ السلف في الاستثناء، ووجه استثنائهم في الإيمان، فالمتأمل لأقوالهم الواردة في ذلك يجد أنهم عندما كانوا يستثنون يلحظون أمورًا أربعة - وإن كان في بعضها نوع تداخل ... وهي:\n١ - أن الإيمان المطلق الشامل لكل ما أمر الله به والبعد عن كل ما ينهى عنه، ولا يدعي أحد إنه جاء بذلك كله على التمام والكمال.\n٢ - أن الإيمان النافع هو المتقبل عند الله.\n٣ - البعد عن تزكية النفس، وليس هناك تزكية لها أعظم من التزكية بالإيمان.\n٤ - أن الاستثناء يكون في الأمور المتيقنة غير المشكوك فيها كما جاءت بذلك السنة.\nفهذا مجمل الأمور التي كان يستثني من أجلها السلف في إيمانهم، وتفصيل هذه الأمور كما يلي:\n١ - فالمأخذ الأول:\nللسلف في استثنائهم في الإيمان هو اعتبارهم أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن، بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله (٦). ولا يدعي مسلم عاقل هذا لنفسه.\nلهذا كان السلف يستثنون مخافة واحتياطًا أن لا يكونوا كملوا الأعمال وأتوا بها على وجهها المطلوب، فقول أنا مؤمن عندهم كقول أنا وليّ أو أنا تقيّ، ولا يجزم أحد أنه كمل مراتب التقوى، وأتم مراتب الولاية إلا من خسف عقله وقلّ خوفه، فكذلك لا يجزم أنه كمل مراتب الإيمان وأتم درجاته، فعندئذ لزمه الاستثناء في إيمانه مخافة واحتياطًا.\n_________\n(١) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٤٧)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٣).\n(٢) «شعب الإيمان» للبيهقي (١/ ٢١٢).\n(٣) «الفتاوى» (٧/ ٤٣٨، ٤٣٩).\n(٤) «الفتاوى» (٧/ ٥٠٥).\n(٥) «الفتاوى» (٧/ ٦٦٦).\n(٦) انظر: «الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٤٤٦).","vol":"6","page":84},{"text":"فهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون في الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم قول وعمل، والقول كل يجزم أنه أتى به، وأما العمل فلا، إذ الناس متفاوتون في القيام به تفاوتًا عظيمًا، وأقوال السلف في هذا كثيرة.\nقال الإمام أحمد: (أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان، لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول ونخشى أن نكون قد فرطنا في العمل، فيعجبني أن نستثني في الإيمان بقول: أنا مؤمن إن شاء الله) (١).\nوقال: (لو كان القول كما تقول المرجئة أن الإيمان قول ثم استثنى بعد على القول لكان هذا قبيحًا أن تقول لا إله إلا الله إن شاء الله ولكن الاستثناء على العمل) (٢).\nوقال: (لا نجد بدًا من الاستثناء؛ لأنه إذا قال: أنا مؤمن، فقد جاء بالقول، فإنما الاستثناء بالعمل لا بالقول) (٣).\nوقال له رجل: قيل لي أمؤمن أنت؟ قلت: نعم. هل علي في ذلك شيء هل الناس إلا مؤمن وكافر؟ فغضب أحمد وقال: هذا كلام الإرجاء، قال الله ﷿: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ [التوبة: ١٠٦] من هؤلاء؟ ثم قال أحمد: أليس الإيمان قولًا وعملًا؟ فقال الرجل: بلى، قال فجئنا بالعمل؟ قال: لا. قال: كيف تعيب أن تقول إن شاء الله وتستثني (٤)؟\nوعن الميموني أنه سأل أبا عبدالله عن قوله ورأيه في مؤمن إن شاء الله. قال: (أقول مؤمن إن شاء الله ومؤمن أرجو؛ لأنه لا يدري كيف أداؤه للأعمال على ما افترضت عليه أم لا) (٥).\nوقال الإمام أحمد: (إنما نصير الاستثناء على العمل؛ لأن القول قد جئنا به) (٦).\nقال شيخ الإسلام بعد أن ذكر طائفة من هذه النقول: (ومثل هذا كثير في كلام أحمد وأمثاله) (٧).\nوقال محمد بن حسين الآجري: (.. هذا طريق الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان، عندهم أن الاستثناء في الأعمال، لا يكون في القول، والتصديق بالقلب، وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، والناس عندهم على الظاهر مؤمنون، به يتوارثون، وبه يتناكحون، وبه تجري أحكام ملة الإسلام، ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه لك، وبينه العلماء من قبلنا. روي في هذا سنن كثيرة) (٨).\n٢ - وأما المأخذ الثاني:\nفهو الاستثناء بالنظر إلى تقبل الأعمال من الله تعالى، إذ إن من قام بالعمل وأتى به لا يدري هل تقبل منه عمله أو لا؟\nقال تعالى في وصف المؤمنين: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠].\nوقد سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن هؤلاء فقالت: يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر، ويخاف أن يعذب؟ قال: «لا، يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه» (٩).\n_________\n(١) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٦٠٠)، و«ابن هانئ في مسائله» (٢/ ١٦٢)، وذكره شيخ الإسلام، وانظر: «الفتاوى» (٧/ ٤٤٧).\n(٢) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٦٠١).\n(٣) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٩٧).\n(٤) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٩٧)، و«أبو داود في مسائله» (ص: ٢٧٣)، وبنحوه الآجري في «الشريعة» (ص: ١٣٧).\n(٥) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٦٠١) وذكره شيخ الإسلام «الفتاوى» (٧/ ٤٤٨)، وانظر تعليق شيخ الإسلام عليه.\n(٦) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٠٨).\n(٧) «الفتاوى» (٧/ ٤٤٨).\n(٨) «الشريعة» للآجري (ص: ١٣٦).\n(٩) رواه الترمذي (٣١٧٥)، وابن ماجه (٣٤٠٣)، وأحمد (٦/ ٢٠٥) (٢٥٧٤٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤٧٧). قال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٦/ ٢٥٨)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"6","page":85},{"text":"وهكذا كان دأب السلف الصالح من صحابة وتابعين، يقومون بالأعمال الكثيرة الجليلة، ثم يخافون أن لا تكون قد تقبلت منهم.\nقال ابن بطة العكبري: (فهذه سبيل المؤمنين وطريق العقلاء من العلماء لزوم الاستثناء والخوف والرجاء لا يدرون كيف أحوالهم عند الله ولا كيف أعمالهم أمقبولة هي أم مردودة؟ قال الله ﷿: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧] وأخبر عن عبده الصالح سليمان ﵇ في مسألته إياه وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ [النمل: ١٩].\nأفلا تراه كيف يسأل الله الرضا منه بالعمل الصالح لأنه قد علم أن الأعمال ليست بنافعة وإن كانت في منظر العين صالحة إلا أن يكون الله ﷿ قد رضيها وقبلها، فهل يجوز لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجزم أن أعماله الصالحة من أفعال الخير وأعمال البر كلها مرضية وعنده زكية ولديه مقبولة، هذا لا يقدر على حتمه وجزمه إلا جاهل مغتر بالله، نعوذ بالله من الغرة بالله والإصرار على معصية الله.\nأما ترون رحمكم الله إلى الرجل من المسلمين قد صلى الصلاة فأتمها وأكملها وربما كانت في جماعة وفي وقتها وعلى تمام طهارتها فيقال له: صليت؟ فيقول: قد صليت إن قبلها الله، وكذلك القوم يصومون شهر رمضان؛ فيقولون في آخره: صمنا إن كان الله قد تقبله منا، وكذلك يقول من قدم من حجه بعد فراغه من حجه وعمرته، وقضاء جميع مناسكه إذا سئل عن حجه إنما يقول: قد حججنا ما بقي غير القبول، وكذلك دعاء الناس لأنفسهم ودعاء بعضهم لبعض: اللهم تقبل صومنا وصلاتنا وزكاتنا، وبذلك يلقى الحاج فيقال له: قبل الله حجك وزكى عملك، وكذا يتلاقى الناس عند انقضاء شهر رمضان فيقول بعضهم لبعض: قبل الله منا ومنك.\nبهذا مضت سنة المسلمين وعليه جرت عادتهم وأخذه خلفهم عن سلفهم، فليس يخالف الاستثناء في الإيمان ويأبى قبوله إلا رجل خبيث مرجئ ضال قد استحوذ الشيطان على قلبه نعوذ بالله منه) (١).\nوقال شيخ الإسلام: (وخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه، لخوفه أن لا يكون أتى بالعمل على وجهه المأمور، وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في الإيمان وفي أعمال الإيمان كقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله، لخوف أن لا يكون أتى بالواجب على الوجه المأمور به، لا على جهة الشك فيما بقلبه من التصديق) (٢).\n(وسُئل ابن المبارك فقيل له: إن قومًا يقولون: إن سفيان الثوري حين كان يقول إن شاء الله كان ذاك منه شك، فقال ابن المبارك: أترى سفيان كان يستثني في وحدانية الرب أو في محمد ﷺ، إنما كان استثناؤه في قبول إيمانه وما هو عند الله) (٣).\nوقد نقل الإمام أحمد عن سليمان بن حرب أنه كان يستثني ويحمل هذا على التقبل يقول: (نحن نعمل، ولا ندري يتقبل منا أو لا؟) (٤)\nفهذا وجه من أوجه الاستثناء عند السلف الصالح وهو النظر إلى التقبل، وهو في الحقيقة عند التأمل يعود إلى الوجه الأول، وهو النظر إلى الأعمال وتكميلها؛ لأن القبول متعلق بالإتيان بالأعمال على الوجه المطلوب، فمن كان عمله كذلك قبل منه.\n_________\n(١) «الإبانة» لابن بطة (٢/ ٨٧٢، ٨٧٣).\n(٢) «الفتاوى» (٧/ ٤٩٦)، وانظر «السلسلة الصحيحة» للألباني (١/ ٢٥٧).\n(٣) رواه إسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ ٦٧٠).\n(٤) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٩٧)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٣).","vol":"6","page":86},{"text":"لذا يقول شيخ الإسلام عقب ذكره لأثر سليمان بن حرب المتقدم: (والقبول متعلق بفعله كما أمر. فكل من اتقى الله في عمله، ففعله كما أمر فقد تقبل منه لكن هو لا يجزم بالقبول، لعدم جزمه بكمال الفعل) (١) ثم ذكر حديث عائشة المتقدم.\n٣ - المأخذ الثالث:\nفي الاستثناء عند السلف، هو البعد عن تزكية النفس (٢)، وليس هناك تزكية للنفس وراء الشهادة لها بالإيمان، الذي قال الله في وصف أهله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٢ - ٤].\nفمن قال عن نفسه إنه مؤمن فقد زكاها بأعظم تزكية ونعتها بأكمل الصفات وأجملها، والله قد نهى عن ذلك في محكم تنزيله، قال تعالى: فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣].\nقال الحسن في معنى الآية: (علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم فلا تبرئوها عن الآثام ولا تمدحوها بحسن أعمالها) (٣).\nفإذا علم أن الله قد نهى عباده عن الثناء على أنفسهم وتزكيتها، فأي وصف وثناء أبلغ من الثناء عليها بالإيمان وأي تزكية أعظم من هذا، يقول الخليل النحوي: (إذا قلت إني مؤمن فأي شيء بقي) (٤).\nومن لطيف ما روي في هذا (أن أعرابيًا سئل أمؤمن أنت؟ فقال: أزكي نفسي) (٥). وتأمل كيف وفق هذا الأعرابي بفطرته السليمة إلى هذا الفقه المسدد، الذي لا يتهيأ مثله لمن شغل أوقاته بالفلسفات الكلامية والآراء المنطقية، التي هي أشد ما يكون خطرًا على الإيمان والفطر.\nفينبغي للعقلاء أهل الإيمان أن يتجنبوا قول ما فيه تزكية نفوسهم، كما قال ابن بطة ﵀ في ذكر بعض أوصاف أهل الإيمان: (اعلموا رحمنا الله وإياكم أن من شأن المؤمنين وصفاتهم وجود الإيمان فيهم، ودوام الإشفاق على إيمانهم، وشدة الحذر على أديانهم، فقلوبهم وجلة من خوف السلب، قد أحاط بهم الوجل، لا يدرون ما الله صانع بهم في بقية أعمارهم، حذرين من التزكية، متبعين لما أمرهم به مولاهم الكريم حين يقول: فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣٢] ...) (٦).\nفهذا مأخذ ثالث للسلف في الاستثناء، يستثنون مخافة تزكية النفس، فكلمة مؤمن تعدل عندهم كلمة بر وتقي ومن أهل الجنة.\nقال شيخ الإسلام: (فإذا قال الرجل: أنا مؤمن، بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة لكان ينبغي له أن يشهد لنفسه بالجنة؛ فشهادته لنفسه بالإيمان كشهادته لنفسه بالجنة إذا مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون) (٧).\n٤ - المأخذ الرابع:\nهو أن الاستثناء يجوز في الأمور المتيقنة التي لا شك فيها، وقد جاءت السنة بمثل هذا لما فيه من الحكمة (٨).\n_________\n(١) «الفتاوى» (٧/ ٤٤٧).\n(٢) انظر: «الفتاوى» (٧/ ٦٦٨).\n(٣) «تفسير البغوي» (٤/ ٢٥٣).\n(٤) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٦٨) وعبدالله في «السنة» (١/ ٣١٦)، واللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ٩٦١).\n(٥) رواه اللالكائي في «شرح الاعتقاد» (٥/ ١٠٠٧).\n(٦) «الإبانة» لابن بطة (٢/ ٨٦٢).\n(٧) «الفتاوى» (٧/ ٤٤٦).\n(٨) انظر: «الفتاوى» (٧/ ٤٥٠).","vol":"6","page":87},{"text":"قال الإمام أحمد: قول النبي ﷺ حين وقف على المقابر فقال: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (١)، وقد نعيت إليه نفسه أنه صائر إلى الموت، وفي قصة صاحب القبر «عليه حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله» (٢)، وفي قول النبي ﷺ: «إني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا» (٣)، وفي مسألة الرجل للنبي ﷺ أحدنا يصبح جنبًا يصوم فقال: «إني لأفعل ذلك ثم أصوم» فقال: إنك لست مثلنا أنت قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله» (٤)، وهذا كثير وأشباهه على اليقين.\n(ودخل عليه شيخ فسأله عن الإيمان فقال: قول وعمل، فقال له: يزيد، قال: يزيد وينقص. فقال له: أقول مؤمن إن شاء الله؟ قال نعم، فقال له: إنهم يقولون لي: إنك شاك. قال: بئس ما قالوا. ثم خرج فقال: ردوه، فقال: أليس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال: نعم. قال هؤلاء مستثنون، قال له: كيف يا أبا عبدالله؟ قال: قل لهم: زعمتم أن الإيمان قول وعمل، فالقول قد أتيتم به، والعمل فلم تأتوا به، فهذا الاستثناء لهذا العمل، فقيل له: فيستثنى في الإيمان؟ قال: نعم، أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، استثني على اليقين لا على الشك، ثم قال: قال الله ﷿: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧] فقد علم ﵎ أنهم داخلون المسجد الحرام) (٥).\nقال شيخ الإسلام - معلقًا على كلام أحمد هذا منبهًا على ما فيه من فوائد -: (فقد بين أحمد في كلامه أنه يستثني مع تيقنه بما هو الآن موجود فيه، يقوله بلسانه وقلبه لا يشك في ذلك، ويستثني لكون العمل من الإيمان وهو لا يتيقن أنه أكمله بل يشك في ذلك، فنفى الشك وأثبت اليقين فيما يتيقنه من نفسه وأثبت الشك فيما لا يعلم وجوده، وبيّن أن الاستثناء مستحب لهذا الثاني الذي لا يعلم هل أتى به أم لا، وهو جائز أيضًا لما يتيقنه، فلو استثنى لنفس الموجود في قلبه جاز كقول النبي ﷺ: «والله لأرجو أن أكون أخشاكم لله» (٦) وهذا أمر موجود في الحال ليس بمستقبل وهو أخشانا، فإنه لا يرجو أن يصير أخشانا لله، بل هو يرجو أن يكون حين هذا القول أخشانا لله، كما يرجو المؤمن إذا عمل عملًا أن يكون الله تقبله منه ويخاف أن لا يكون تقبله منه) (٧).\n_________\n(١) جزء من حديث رواه أحمد (٢/ ٣٠٠) (٧٩٨٠). والحديث رواه مسلم في صحيحه (٦٠٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) جزء من حديث رواه أحمد (٦/ ١٣٩) (٢٥١٣٣). من حديث عائشة ﵂. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٧٨)، والسيوطي في «شرح الصدور» (١٩٣): إسناده صحيح، والحديث حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (١٩٦٨).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٤٢٦) (٩٥٠٠). والحديث رواه مسلم (٥١٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه أحمد (٦/ ٦٧) (٢٤٤٣٠). والحديث رواه مسلم (٢٦٤٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٩٥، ٥٩٦).\n(٦) رواه أحمد (٦/ ٦٧) (٢٤٤٣٠). والحديث رواه مسلم (٢٦٤٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) «الفتاوى» (٧/ ٤٥٢).","vol":"6","page":88},{"text":"وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: (سألت أبا عبدالله عن الاستثناء في الإيمان؟ فقال: نعم الاستثناء على غير معنى شك مخافةً واحتياطًا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره وهو مذهب الثوري، قال الله ﷿ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧]، وقال النبي ﷺ لأصحابه: «إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله» (١) وقال في البقيع: «عليه تبعث إن شاء الله» (٢).) (٣).\nقال شيخ الإسلام موضحًا كلام الإمام أحمد هذا: (فقد بين أحمد أنه يستثني مخافة واحتياطًا للعمل، فإنه يخاف أن لا يكون قد كمل المأمور به، فيحتاط بالاستثناء وقال على غير معنى شك يعني من غير شك مما يعلمه الإنسان من نفسه، وإلا فهو يشك في تكميل العمل الذي خاف أن لا يكون كمله، فيخاف من نقصه ولا يشك في أصله) (٤).\nوقال الفضل بن زياد سمعت أبا عبدالله يقول: إذا قال أني مؤمن إن شاء الله ليس هو بشاك، قيل له: إن شاء الله ليس هو شكًا؟ قال: معاذ الله أليس قد قال الله ﷿: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧] وفي علمه أنهم يدخلون، وصاحب القبر إذ قال: «عليه تبعث إن شاء الله» (٥) فأي شك هاهنا وقال النبي ﷺ: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (٦) (٧).\nوقال حرب بن إسماعيل سمعت أحمد يقول في التسليم على أهل القبور أنه قال: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (٨) قال: هذا حجة في الاستثناء في الإيمان؛ لأنه لا بدّ من لحوقهم ليس فيه شك، وقال الله ﷿: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ [الفتح: ٢٧] وهذه حجة أيضًا لأنه لابد داخلوه (٩).\nوقال أبو بكر الأثرم: (سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل سُئل عن الاستثناء في الإيمان ما تقول فيه؟ قال: أما أنا فلا أعيبه، قال أبو عبدالله: إذا كان تقول أن الإيمان قول وعمل فاستثني مخافة واحتياطًا، ليس كما يقولون على الشك، إنما يستثنى للعمل، قال الله ﷿: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧] فهذا استثناء بغير شك، وقال النبي ﷺ: «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ﷿» (١٠) قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان) (١١).\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٦٧) (٢٤٤٣٠). والحديث رواه مسلم (٢٦٤٩). من حديث أبي هريرة ﵁. بلفظ: «أخشاكم» بدلًا من «أتقاكم».\n(٢) جزء من حديث رواه أحمد (٦/ ١٣٩) (٢٥١٣٣). من حديث عائشة ﵂. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٧٨)، والسيوطي في «شرح الصدور» (١٩٣): إسناده صحيح، والحديث حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (١٩٦٨).\n(٣) «السنة» للخلال (٣/ ٥٩٣ - ٥٩٤)\n(٤) «الفتاوى» (٧/ ٤٥٠).\n(٥) جزء من حديث رواه أحمد (٦/ ١٣٩) (٢٥١٣٣). من حديث عائشة ﵂. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٧٨)، والسيوطي في «شرح الصدور» (١٩٣): إسناده صحيح، والحديث حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (١٩٦٨).\n(٦) جزء من حديث رواه أحمد (٢/ ٣٠٠) (٧٩٨٠). والحديث رواه مسلم في صحيحه (٦٠٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) رواه الآجري في «الشريعة» (ص: ١٣٢)\n(٨) جزء من حديث رواه أحمد (٢/ ٣٠٠) (٧٩٨٠). والحديث رواه مسلم في صحيحه (٦٠٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٩) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٩٥).\n(١٠) رواه أحمد (٦/ ٦٧) (٢٤٤٣٠). والحديث رواه مسلم (٢٦٤٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(١١) رواه الآجري في «الشريعة» (ص: ١٣٧)، وذكره شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٧/ ٢٥٤).","vol":"6","page":89},{"text":"وقال المروذي: (قيل لأبي عبدالله إن استثنيت في إيماني أكن شاكًا؟ قال: لا) (١).\nوقال حماد بن زيد: (يسموننا الشكاك، والله ما شككنا في ديننا قط، ولكن جاءت أشياء، أليس ذكر أن اليسير من الرياء شرك، فأينا لم يراء؟) (٢).\nفبهذه النقول الجليلة والأقوال الجميلة، يندفع عن أهل السنة والجماعة شناعة المشنعين من أهل البدع والأهواء بأنهم شكّاك، وحاشاهم ﵏، بل هم أهل دين وورع وعلم ويقين.\nوبعد، فهذه وجوه أربعة من أجلها استثنى من استثنى من السلف في إيمانه، وملخص هذه الوجوه ما ذكره شيخ الإسلام بقوله: (فإذا كان مقصوده - أي المستثني في إيمانه - إني لا أعلم أني قائم بكل ما أوجب الله علي، وأنه يقبل أعمالي، ليس مقصوده الشك فيما في قلبه فهذا استثناؤه حسن، وقصده أن لا يزكي نفسه، وأن لا يقطع بأنه عمل عملًا كما أمر فقبل منه، والذنوب كثيرة والنفاق مخوف على عامة الناس) (٣). فجمع ﵀ في كلمته هذه الجامعة الوجوه الأربعة التي كان يلحظها السلف عند استثنائهم في الإيمان.\nوعلى كل فهذا ما كان يستثنى السلف لأجله في إيمانهم ولم يكن أحد من السلف يستثني في إيمانه بحسب الموافاة كما يظنه بعض أهل الأهواء بل هذا من الغلط عليهم، وفي بيان سبب هذا الغلط يقول شيخ الإسلام: (فهؤلاء لما اشتهر عندهم عن السلف أنهم يستثنون في الإيمان، ورأوا أن هذا لا يمكن إلا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه، وهو ما يوافي به العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا، فصاروا يحكون هذا عن السلف، وهذا القول لم يقل به أحد من السلف، ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم، لما رأوا أن قولهم لا يتوجه إلا على هذا الأصل ..) (٤). زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبدالرزاق البدر - ص ٤٦٣\n_________\n(١) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٩٠٥).\n(٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٤٧).\n(٣) «الفتاوى» (١٣/ ٤١).\n(٤) «الفتاوى» (٧/ ٤٣٦).","vol":"6","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1744>المبحث الثاني: نقل أقوال السلف في الاستثناء مع التوفيق بينها</span>\nالسلف لهم في الاستثناء صيغ متعددة، فمنهم من يستثني بقول: إن شاء الله، أو أرجو، أو آمنت بالله ...، أو لا إله إلا الله أو نحو ذلك من الصيغ، وجميع هذه الصيغ مؤداها واحد، وهو عدم القطع بالإيمان المطلق الكامل، وتفويض ذلك إلى الله سبحانه.\nوفيما يلي أنقل بعض ما ورد عن السلف في ذلك، مصنفًا أقوالهم حسب الصيغ الواردة عنهم في الاستثناء.\n١ - استثناؤهم بقول: (إن شاء الله):\n(أ) عن عبدالرحمن بن عصمة قال: (كنت عند عائشة ﵂ فأتاها رسول معاوية ﵁ بهدية فقال: أرسل بها إليك أمير المؤمنين، فقالت: أنتم المؤمنون إن شاء الله تعالى، وهو أميركم وقد قبلت هديته) (١).\n(ب) وعن أحمد بن حنبل قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: (إذا سئل أمؤمن أنت إن شاء الله لم يجبه، وسؤالك إياي بدعة، ولا أشك في إيماني، وقال: إن شاء الله ليس يكره، وليس بداخل في الشك) (٢).\n(ج) وقال جرير بن عبدالحميد: (كان الأعمش ومنصور ومغيرة وليث وعطاء بن السائب وإسماعيل بن خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسيب وابن شبرمة وسفيان الثوري وأبو يحيى - صاحب الحسن - وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون من لم يستثن) (٣).\n(د) (وسئل أحمد ما تقول في الاستثناء في الإيمان؟ قال: نحن نذهب إليه.\nقيل: الرجل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؟ قال: نعم) (٤).\n(وسُئل عن الرجل يقال له: أمؤمن أنت؟ قال: سؤاله إياك بدعة، يقول: إن شاء الله) (٥).\n(وسئل عن الرجل يسألني: مؤمن أنت؟ قال: تقول: نعم إن شاء الله) (٦).\n٢ - استثناؤهم بقول: (أرجو):\n(أ) عن سعيد بن جبير قال: (سألت ابن عمر، قال: قلت: أغتسل من غسل الميت؟ قال: مؤمن هو؟ قلت: أرجو، قال: فتمسح بالمؤمن ولا تغتسل منه) (٧).\n(ب) عن إبراهيم النخعي قال: (قال رجل لعلقمة: أمؤمن أنت؟ قال: أرجو) (٨).\n(ج) وعن إبراهيم النخعي (عن علقمة – وتكلم عنده رجل من الخوارج بكلام كرهه – فقال علقمة: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: ٥٨] فقال له الخارجي: أَوَمنهم أنت؟ فقال: أرجو) (٩).\n(د) وعن الحسن بن عبيدالله قال: (قال إبراهيم النخعي: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: أرجو) (١٠).\n(هـ) (وسُئل أحمد بن حنبل عمن يقال له أنت مؤمن؟ فقال: سؤاله إياك بدعة، وقل: أنا مؤمن أرجو) (١١).\n٣ - استثناؤهم بقول: (آمنت بالله وملائكته ..):\n_________\n(١) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٤٩).\n(٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣١٠).\n(٣) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٣٥)، والآجري في الشريعة (ص: ١٣٩)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٧١).\n(٤) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٩٤).\n(٥) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٦٠٢).\n(٦) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٦٠٢).\n(٧) رواه «ابن أبي شيبة في مصنفه» (٣/ ٢٦٧)، وعبدالله في «السنة» (١/ ٣٢١).\n(٨) رواه أبو عبيد في «الإيمان» (ص: ٦٨)، وابن أبي شيبة في «الإيمان» (ص: ٩)، وفي «المصنف» (١١/ ١٥)، وعبدالله في «السنة» (١/ ٣٤٠)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٣٦).\n(٩) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٢٢)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٤١)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٠).\n(١٠) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٤٠)، والطبري في «تهذيب الآثار» (برقم ١٠٠٠)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٤١)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٩).\n(١١) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٦٠٢).","vol":"6","page":91},{"text":"(أ) عن علقمة بن الأسود قال: (قال رجل عند عبدالله: إني مؤمن. قال: قل: إني في الجنة، ولكنا نقول: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله) (١).\n(ب) وعن ابن طاووس عن أبيه (أنه كان إذا قيل له: أمؤمن أنت؟ قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولا يزيد على هذا) (٢).\n(ج) وعن سفيان بن محل قال: قال لي إبراهيم: (إذا قيل لك: أمؤمن أنت فقل: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله) (٣).\n(د) وعن عبدالرحمن بن بكير السلمي قال: (كنت عند محمد بن سيرين وعنده أيوب فقلت له: يا أبا بكر يقول لي: أمؤمن أنت؟ أقول: مؤمن، فانتهرني أيوب، فقال محمد: وما عليك أن تقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله) (٤).\n(هـ) وعن حبيب بن الشهيد قال: قال محمد بن سيرين: (إذا قيل لك: أنت مؤمن؟ فقل: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) (٥).\n(و) (وعن أحمد بن أصرم المزني أن أبا عبدالله قيل له: إذا سألني الرجل أمؤمن أنت؟ فقال: سؤاله إياك بدعة، لا شك في إيماننا. قال المزني: وحفظي أن أبا عبدالله قال: أقول كما قال طاووس: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله) (٦).\n٤ - استثناؤهم بقول (لا إله إلا الله):\n(أ) عن سوار بن شبيب قال (جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إن هاهنا قومًا يشهدون علي بالكفر، قال: ألا تقول لا إله إلا الله فتكذبهم) (٧).\n(ب) وعن الحسن بن عمرو عن إبراهيم النخعي قال: (إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: لا إله إلا الله) (٨).\nفجميع هذه النقول تدل بوضوح على أن الاستثناء في الإيمان سنة ماضية عند السلف الصالح بصيغ مختلفة، مدارها على البعد عن تزكية النفس والشهادة لها بتكميل الأعمال وإتمام الإيمان.\nولا يشكل على هذا ما نقل عن بعض السلف أنه أجاب بأنه مؤمن دون استثناء مثل:\n١ - ما نقل عن معاذ بن جبل ﵁ أنه خطبهم فقال: (أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة، والله إني لأطمع أن يكون عامة من تصيبون بفارس والروم في الجنة، فإن أحدهم يعمل الخير فيقول: أحسنت بارك الله فيك أحسنت رحمك الله، والله يقول: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ [الشورى: ٢٦]) (٩).\nفهذا الأثر خوطب فيه الجماعة ولم يعين به شخص، وفي آخره رجع إلى الاستثناء في دخول الجنة فقال: (إني لأطمع) (١٠).\n٢ - وعن ابن أبي كثير عن رجل لم يسمه عن أبيه قال: (سمعت ابن مسعود يقول: أنا مؤمن) (١١).\nوإسناد هذا الأثر ضعيف فالرجل الذي لم يسم وأبوه مجهولان.\n_________\n(١) رواه أبو عبيد في «الإيمان» (ص: ٦٧)، وابن أبي شيبة في «الإيمان» (ص: ٩)، وعبدالله في «السنة» (١/ ٣٢٢).\n(٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٢٣)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٤٢)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٨).\n(٣) رواه أبو عبيد في «الإيمان» (ص: ٦٨)، وعبدالله في «السنة» (١/ ٣٢٠)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٤١)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٨).\n(٤) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٢٠) وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٨).\n(٥) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٢٠)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٤١)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٩).\n(٦) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٦٠١).\n(٧) رواه ابن أبي شيبة في «الإيمان» (ص: ١٠)، وفي «المصنف» (١١/ ٣٠).\n(٨) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٢١)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٤١)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٨).\n(٩) رواه الحاكم (٢/ ٤٤٤)، والبيهقي في «الشعب» (١/ ٢١٣)، وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(١٠) انظر: «شعب الإيمان» للبيهقي (١/ ٢١٤).\n(١١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» «١١/ ٢٩)، وفي كتاب «الإيمان» (ص: ١٠).","vol":"6","page":92},{"text":"٣ - وعن عبدالله بن يزيد الأنصاري قال: (تسموا باسمكم الذي سماكم الله بالحنيفية والإسلام والإيمان) (١).\n٤ - وعن أبي عبدالرحمن الشيباني قال: (لقيت عبدالله بن معقل فقلت له: إن أناسًا من أهل الصلاح يعيبون علي أن أقول: أنا مؤمن، فقال عبدالله: لقد خبت وخسرت إن لم تكن مؤمنًا) (٢).\n٥ - وعن إبراهيم التميمي قال: (وما على أحدكم أن يقول: أنا مؤمن، فوالله لئن كان صادقًا لا يعذبه الله على صدقه، وإن كان كاذبًا لما دخل عليه من الكفر أشد عليه من الكذب) (٣).\nومراده بـ (أنا مؤمن) أصل الإيمان كما يدل على ذلك آخر كلامه قوله: (لما دخل عليه من الكفر ...).\n٦ - وعن أبي عبدالرحمن السلمي قال: (إذا سئل أحدكم: أمؤمن أنت؟ فلا يشك في إيمانه) (٤).\n٧ - وعن سيف بن ميمون قال: قلت لعطاء: (إن قبلنا قومًا نعدهم من أهل الصلاح إن قلنا: نحن مؤمنون عابوا ذلك علينا، قال: فقال عطاء: نحن المسلمون المؤمنون، وكذلك أدركنا أصحاب رسول الله ﷺ يقولون) (٥).\nفهذه الآثار لا تشكل على ما ذكرته آنفًا من أن مذهب السلف هو جواز الاستثناء في الإيمان، لأنها لا تخلو من أحد أمور:\n١ - إما أن تكون ضعيفة الإسناد غير ثابتة عن الصحابي أو التابعي المروية عنه كما في بعض الآثار المتقدمة.\n٢ - أو أن يكون قاله على سبيل التعميم كما في الأثر الأول، وهذا لا إشكال فيه إذ أهل القبلة كلهم مؤمنون باعتبار الظاهر منهم، وبذلك يتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بالأخوة الإيمانية.\n٣ - أو أن يكون قصد بذلك أصل الإيمان لإتمامه وكماله، بل هذا هو مقصودهم عند إطلاق القول (أنا مؤمن) أو (أنت مؤمن)، لأن اسم الإيمان عند السلف على ضربين: مطلق ومقيد.\nفإذا استعمل مطلقًا شمل جميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الظاهرة والباطنة.\nوإذا استعمل مقيدًا يكون متناولًا لأصل الإيمان وأساسه، وهو الإيمان الباطن بأركانه الستة الواردة في حديث جبريل المشهور (٦).\nوللإيمان عندهم أصل وفرع؛ فأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله، وفرعه الأعمال الظاهرة بأنواعها (٧).\nوعلى هذا فإن من استثنى من السلف في إيمانه قصد به الإيمان التام الكامل المقبول عند الله، ومن لم يستثن قصد الإيمان الباطن الذي هو أصل الإيمان وأساسه وهذا لا استثناء فيه.\nوعلى هذا ينبغي لمن سئل هل هو مؤمن أو لا؟ أن يستفصل من السائل ماذا يريد بالإيمان؟ هل يريد بذلك الإيمان الكامل التام المقبول عند الله الذي أهله يقينًا في الجنة؟ أو يريد الإيمان المقيد الذي هو أصل الإيمان وأساسه؟\nفإن أراد الأول فلا بد من الاستثناء، وإن أراد الثاني فلا استثناء ...\nوتأكيدًا لما ذكرت أنقل بعض أقوال السلف المؤكدة لذلك والمؤيدة له، والمبينة أن مقصودهم بترك الاستثناء في الإيمان أصله، وبالاستثناء فيه تمامه وكماله.\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١١/ ٣٠)، وفي كتاب «الإيمان» (ص: ١٠).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١١/ ٢٩)، وفي كتاب «الإيمان» (ص: ١٠).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١١/ ١٥)، وفي كتاب «الإيمان» (ص: ٢٣).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١١/ ٢٩)، وفي كتاب «الإيمان» (ص: ٩).\n(٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١١/ ٣٥)، وفي كتاب «الإيمان» (ص: ١٦).\n(٦) الحديث في الصحيحين؛ رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (١٠٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) انظر: «الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦٤٢ وما بعدها).","vol":"6","page":93},{"text":"فعن تمام بن نجيح قال سأل رجل الحسن البصري عن الإيمان فقال: (الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله ﷿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤] فوالله ما أدري أنا منهم أم لا) (١).\nقال البيهقي معلقًا: (فلم يتوقف الحسن في أصل إيمانه في الحال، وإنما توقف في كماله الذي وعد الله ﷿ لأهله الجنة بقوله: لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٤]) (٢).\nوقال سفيان الثوري: (الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث ونرجو أن يكونوا كذلك، ولا ندري ما حالنا عند الله ﷿) (٣).\nوعن وكيع قال: (كان سفيان الثوري يقول أنا مؤمن وأهل القبلة كلهم مؤمنون في النكاح والدية والمواريث، ولا يقول مؤمن عند الله ﷿) (٤).\nوعن قتيبة بن سعيد قال: (هذا قول الأئمة المأخوذ في الإسلام والسنة بقولهم ... ونقول: الناس عندنا مؤمنون بالاسم الذي سماهم الله في الإقرار والحدود والمواريث، ولا نقول: حقًا، ولا نقول: عند الله ولا نقول: كإيمان جبريل وميكائيل؛ لأن إيمانهم متقبل) (٥).\nوعن إسماعيل بن سعيد قال: (سألت أحمد من قال: أنا مؤمن عند نفسي من طريق الأحكام والمواريث ولا أعلم ما أنا عند الله ﷿، قال: ليس هذا بمرجئ) (٦).\nفبهذه النقول يعلم ما سبق ذكره عن مذهب السلف أنهم يجوزون الاستثناء باعتبار، ويمنعونه باعتبار، حسب مراد القائل بكلمة الإيمان.\nولهذا كان من السلف من يرى أن الاستثناء وتركه سواء على المعنى الذي أشرت إليه.\nقال الأوزاعي: (من قال أنا مؤمن فحسن، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله فحسن، لقول الله ﷿: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧]. وقد علم أنهم داخلون) (٧).\nولا يتنافى هذا مع ما جاء عن بعضهم من كراهة ترك الاستثناء كما روي ذلك عن سفيان الثوري أنه ينكر ويكره أن يقول: (أنا مؤمن) (٨)، و... عن جمع من السلف أنهم كانوا يعيبون من لا يستثني.\nقال أبو عبيد: (وإنما كراهتهم عندنا أن يثبتوا الشهادة بالإيمان مخافة ما أعلمتكم في الباب الأول من التزكية والاستكمال عند الله، وأما على أحكام الدنيا فإنهم يسمون أهل الملة جميعًا مؤمنين؛ لأن ولايتهم وذبائحهم وشهاداتهم ومناكحتهم وجميع سنتهم إنما هي على الإيمان، ولهذا كان الأوزاعي يرى الاستثناء وتركه جميعًا واسعين) (٩).\nولكن لما كان ترك الاستثناء شعارًا للمرجئة، ومتضمنًا لتزكية النفس والثناء عليها وهذا منهي عنه شرعًا، فإني أرى أن لزوم الاستثناء أولى وأكمل، وأن لا يترك الاستثناء إلا إذا بين المقصود والمراد.\nولهذا كان الإمام أحمد لا يعجبه ترك الاستثناء (١٠)، بل قال مرة لحسين بن منصور: من قال من العلماء: أنا مؤمن؟ قلت: ما أعلم رجلًا أثق به. قال: لم تقل شيئًا لم يقله أحد من أهل العلم قبلنا (١١).\nقال شيخ الإسلام: (... ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقول: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك – أي أصل الإيمان – لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق، ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه) (١٢).\nولم يكن أحمد ﵀ ينكر على من ترك الاستثناء إذا لم يكن قصده قصد المرجئة أن الإيمان مجرد القول، قال الأثرم: (قلت لأبي عبدالله: فكأنك لا ترى بأسًا أن لا يستثني، فقال: إذا كان ممن يقول: الإيمان قول وعمل فهو أسهل عندي، ثم قال أبو عبدالله: إن قومًا تضعف قلوبهم عن الاستثناء، فتعجب منهم) (١٣). زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه -لعبدالرزاق البدر – بتصرف - ص ٤٧٩\n_________\n(١) رواه البيهقي في «الاعتقاد» (ص: ١٢٠)، وفي «الشعب» (١/ ٢١٨).\n(٢) «الاعتقاد» (ص: ١٢٠).\n(٣) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣١١)، وأبو داود في «مسائل الإمام أحمد» (ص: ٢٧٤)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٣٨)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٢).\n(٤) رواه البيهقي في «الشعب» (١/ ٢١٩).\n(٥) رواه البيهقي في «الشعب» (١/ ٢١٩).\n(٦) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٧٤).\n(٧) رواه أبو عبيد في «الإيمان» (ص: ٦٩)، وبنحوه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٩٨).\n(٨) رواه الآجري في «الشريعة» (ص: ١٣٨)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧١).\n(٩) «الإيمان» (ص: ٦٨).\n(١٠) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٩٨).\n(١١) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٦٦).\n(١٢) «الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٤٤٩).\n(١٣) ذكره شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٧/ ٢٢٥، ٦٦٩)، وانظر أيضًا (٧/ ٤٤٩).","vol":"6","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1745>المبحث الثالث: ما ورد عنهم من تبديع السؤال بـ (أمؤمن أنت)</span>\nلما كان المرجئة هم أول من أثار مسألة الاستثناء في الإيمان؛ لحاجة في نفوسهم ولمقصد سيء في صدورهم، وهو دعم قولهم في الإيمان وأنه التصديق وحده وأن العمل خارج من مسماه، ولما أكثروا من طرح هذه المسألة بين الناس بغية تحقيق ذاك المقصد، أنكر عليهم السلف ذلك أشد الإنكار وحاربوا مقالتهم أقوى محاربة، ولهذا كثرت أقوالهم ﵏ المبينة للجواب الشرعي على هذه المسألة البدعية، ونصوا ﵏ على كراهة هذه المسألة وأنها من بدع المرجئة السيئة.\nوأقوالهم ﵏ في ذم هذه المسألة وتبديع قائلها كثيرة جدًا، حتى إن بعض من صنف في العقيدة على رسم السنة أفرد بابًا في مصنفه في هذا الموضوع على الخصوص كالآجري في (الشريعة)، فقد أفرد بابًا (فيمن كره من العلماء لمن سأل غيره فيقول له: أنت مؤمن هذا عندهم مبتدع رجل سوء) (١) وكذلك فعل ابن بطة في (الإبانة) فقد أفرد بابًا بعنوان: (سؤال الرجل لغيره أمؤمن أنت؟ وكيف الجواب له؟ وكراهية العلماء هذا السؤال وتبديع السائل عن ذلك) (٢).\nوقد أوردا رحمهما الله في هذين البابين نصوصًا كثيرة عن السلف ﵏ في ذم المرجئة وتبديعهم في مقالتهم هذه، صيانة منهم للمعتقد وحفاظًا على الديانة.\nقال ابن بطة ﵀ في نهاية الباب المذكور: (فقد ذكرت في هذا الباب من كلام أئمة المسلمين وقول الفقهاء والتابعين ما إن عمل به المؤمن أراح به نفسه من خصومة المرجئ الضال، وأزاح به علته، وكان لدينه بذلك صيانة ووقاية والله أعلم) (٣).\nولما كان الأمر بهذه المثابة خصصت هذا الموضوع بهذا المبحث لأنقل فيه بعض ما ورد عن السلف في ذلك تحذيرًا من هذه المقالة السيئة المبتدعة، وتبصيرًا بالحق والسنة.\n١ - (سأل رجل ميمون بن مهران قال: فقال لي: أمؤمن أنت؟ قال: قل: آمنت بالله وملائكته وكتبه، قال: لا يرضى مني بذلك، قال: فردها، فقال: لا يرضى، فردها عليه ثم ذره في غيظه يتردد) (٤).\n٢ - وعن إبراهيم النخعي قال: (سؤال الرجل الرجل أمؤمن أنت؟ بدعة) (٥). وسأله رجل: أمؤمن أنت؟ فقال: (ما أشك في إيماني، وسؤالك إياي عن هذا بدعة) (٦).\n٣ - وقال الإمام أحمد سمعت سفيان بن عيينة يقول: (إذا سئل أمؤمن أنت؟ إن شاء لم يجبه، أو يقول: سؤالك إياي بدعة، ولا أشك في إيماني) (٧).\n٤ - وقيل له الرجل يقول: مؤمن أنت؟ فقال: (فقل: ما أشك في إيماني وسؤالك إياي بدعة، وتقول ما أدري أنا عند الله ﷿ شقي أم سعيد، مقبول العمل أم لا؟) (٨).\n٥ - وسئل الإمام أحمد عن الرجل يقال له: (أمؤمن أنت؟ قال: سؤاله إياك بدعة، ويقول: إن شاء الله) (٩).\n٦ - وقال الإمام محمد بن حسين الآجري: (إذا قال لك رجل: أنت مؤمن؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والموت والبعث من بعد الموت والجنة والنار، وإن أحببت أن لا تجيبه تقول له: سؤالك إياي بدعة، فلا أجيبك، وإن أجبته، فقلت: أنا مؤمن إن شاء الله على النعت الذي ذكرناه فلا بأس به، واحذر مناظرة مثل هذا، فإن هذا عند العلماء مذموم، واتبع من مضى من أئمة المسلمين تسلم إن شاء الله تعالى) (١٠).\nوبهذه النقول الطيبة عن سلف الأمة يعلم أن من البدع الحوادث ومن الأقوال المبتدعة سؤال الرجل أخاه أمؤمن أنت؟ فالواجب على المسلم العاقل أن يحبس نفسه على السنة، وأن يحذر من البدعة، وأن يقف حيث وقف القوم، ويقول فيما قالوا، ويكف عما كفوا، ويسلك سبيل السلف الصالح رحمهم الله تعالى. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبدالرزاق البدر – ص ٤٩١\n_________\n(١) «الشريعة» (ص: ١٤٠).\n(٢) (الإبانة» (٢/ ٨٧٧).\n(٣) «الإبانة» (٢/ ٨٨٣).\n(٤) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٧).\n(٥) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٢١)، والآجري في «الشريعة» (ص: ٧٦٥)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٨٠).\n(٦) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٣٩).\n(٧) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣١٠)، والخلال في «السنة» (٣/ ٦٠٢)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٣٨)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٨١).\n(٨) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٣٨)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٤٠).\n(٩) رواه الخلال في السنة (٣/ ٦٠١).\n(١٠) «الشريعة» (ص: ١٤٠).","vol":"6","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1748>تمهيد</span>\nقال الشيخ حافظ حكمي:\nفَقَدْ أَتَى الإِسْلاَمُ مَبْنِيٌّ عَلَى ... خَمْسٍ فَحَقِّقْ وَادْرِ مَا قَدْ نُقِلاَ\nأَوَّلُهَا الرُّكْنُ الأَسَاسُ الأَعْظَمُ ... وَهْوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الأَقْوَمُ\nرُكْنُ الشَّهَادَتَيْنِ فَاثْبُتْ وَاعْتَصِمْ ... بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الَّتِي لاَ تَنْفَصِمْ\nوَثَانِيًَا إِقَامَةُ الصَّلاةِ ... وَثَالِثًَا تَأْدِيَةُ الزَّكَاةِ\nوَالرَّابِعُ الصِّيَامُ فَاسْمَعْ وَاتَّبِعْ ... وَالْخَامِسُ الْحَجُّ عَلَى مَنْ يَسْتَطِعْ\nوهذه أركان المرتبة الأولى مرتبة الإسلام وهي على قسمين قولية وعملية\nفالقولية: الشهادتان والعملية الباقي وهي ثلاثة أقسام:\nبدنية وهي الصوم والصلاة ومالية وهي الزكاة وبدنية مالية وهو الحج وقول القلب وعمله شرط في ذلك كله مما تقدم.\nوالنصوص في هذه الأمور الخمسة كثيرة جدا وهي على نوعين قسم شامل لجميعها وقسم يخص كل خصلة منها.\nفلنبدأ بالقسم الأول ما تيسر منه على حدته ... فمن ذلك حديث جبريل ... عن الجم الغفير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ومنها حديث وفد عبد القيس ... ومنها حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين وغيرهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان فقال له رجل والجهاد في سبيل الله فقال ابن عمر: الجهاد حسن هكذا حدثنا رسول الله ﷺ» (١).\nومنها حديث جرير بن عبد الله ﵁ عند أحمد وغيره قال: قال رسول الله ﷺ: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان» (٢) وإسناده صحيح.\n_________\n(١) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٣٦٣) (١٩٢٤٠)، وأبو يعلى في مسنده (١٣/ ٤١٧)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٢/ ٣٢٦)، وفي «المعجم الصغير» (٢/ ٦٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٥٢) رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والصغير وإسناد أحمد صحيح. وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٧٨١): وأما حديث جرير فيرويه الشعبي عنه مرفوعا به رواه أحمد والطبراني من طريق جابر عن الشعبي به. قلت –أي: الألباني-: ورجاله ثقات غير جابر هذا وهو الجعفي وقد ضعف بل اتهم. لكن تابعه داود بن يزيد الأودي وهو ضعيف أيضا. وأخرجه الطبراني في «الكبير» وتابعه عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت أيضا. أخرجه في «الكبير» عن سورة بن الحكم. وفي «الصغير» عن أشعب بن عطاف كلاهما عن عبد الله به. وهذا سند حسن سورة بن الحكم ترجم له ابن أبي حاتم والخطيب ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا وقد روى عنه جماعة. وأشعث بن عطاف قال ابن عدي: لا بأس به. وأما عبد الله بن حبيب فثقة احتج به مسلم ... و[الحديث] صحيح. وقد ورد من حديث عبد الله بن عمر وجرير بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عباس.","vol":"6","page":96},{"text":"ومن ذلك حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله تعالى أرسلك؟ فقال ﷺ: صدق قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال ﷺ: نعم قال: فزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال ﷺ: صدق قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان من سنتنا؟ قال ﷺ: نعم وصدق قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال ﷺ: نعم قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا؟ قال ﷺ: صدق قال: ثم ولى فقال: والذي بعثك بالحق نبيا لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن شيئا فقال النبي ﷺ: لئن صدق ليدخلن الجنة» (١). وفي رواية قال: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي إلى قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعيد بن بكر (٢).\nوفي الصحيحين ... عن طلحة بن عبيد الله: «أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: خمس صلوات إلا أن تطوع شيئا فقال: أخبرني ما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ قال: فأخبره الرسول ﷺ بشرائع الإسلام قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا فقال رسول الله ﷺ: أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق». (٣) وله عن أبي أيوب ﵁ «أن رجلا قال للنبي ﷺ: أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ فقال: ماله ماله. فقال رسول الله ﷺ أرب ماله تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم» (٤)\nولهما عن أبي هريرة ﵁ «أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصوم رمضان قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا فلما ولى قال النبي ﷺ: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢).\n(٢) رواه البخاري (٦٣).\n(٣) رواه البخاري (١٨٩١) واللفظ له، ومسلم (١١).\n(٤) رواه البخاري (٥٩٨٣) واللفظ له، ومسلم (١٣).\n(٥) رواه البخاري (١٣٩٧)، ومسلم (١٤).","vol":"6","page":97},{"text":"وفي حديث ابن المنتفق ﵁ في وفادته على رسول الله ﷺ قال: «قلت ثنتان أسألك عنهما: ما ينجيني من النار وما يدخلني الجنة؟ قال: فنظر رسول الله ﷺ إلى السماء ثم نكس رأسه ثم أقبل علي بوجهه قال: لئن كنت أوجزت في المسألة لقد أعظمت وأطولت فاعقل عني إذًا اعبد الله لا تشرك به شيئا وأقم الصلاة وأد الزكاة وصم رمضان وما تحب أن يفعله بك الناس فافعل بهم وما تكره أن يأتي إليك الناس فذر منه» رواه أحمد (١) ...\nولعل ابن المنتفق هذا هو الرجل المبهم في رواية أبي أيوب المتقدمة في الصحيح فإن في مسلم «أن ذلك الرجل أخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ أو بزمامها وفي آخرها قول النبي ﷺ: دع الناقة» بعد أن علمه وابن المنتفق قال: «فأخذت بخطام راحلة رسول الله ﷺ أو قال: بزمامها وفي آخره قال ﷺ: خل سبيل الراحلة» وفي الرواية الأخرى «خل سبيل الركاب» فيشبه أن يكون هو صاحب القصة وقد حفظ الصوم والحج زيادة على ما في حديث أبي أيوب ورجاله رجال الصحيح، وهو السائل أعلم بجواب النبي ﷺ وأوعى له وأحفظ له وأضبط من غيره والله أعلم.\nوعن ربعي بن خراش عن رجل من بني عامر ﵁ «أنه استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج فقال النبي ﷺ لخادمة: اخرجي إليه فإنه لا يحسن الاستئذان فقولي له: فليقل السلام عليكم أأدخل قال: فأذن لي أو قال: فدخلت فقلت: بم أتيتنا به قال: لم آتكم إلا بخير؛ أتيتكم أن تعبدوا الله وحده لا شريك له قال شعبة: وأحسبه قال: وحده لا شريك له وأن تَدَعُوا اللات والعزى وأن تصلوا بالليل والنهار خمس صلوات وأن تصوموا من السنة شهرا وأن تحجوا البيت وأن تأخذوا من مال أغنيائكم فتردوها على فقرائكم قال: فقال: فهل بقي من العلم شيء لا تعلمته؟ قال: قد علمني الله ﷿ خيرا وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله ﷿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤]» (٢) رواه أحمد ورجاله ثقات أئمة وروى أبو داود طرفا منه ...\nوالأحاديث في هذا المعنى كثيرة يطول استقصاؤها وفيما ذكرنا كفاية. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص٧٦٣\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٣٨٣) (٢٧١٩٧). قال البيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٣٥٥٦): إسناده أولى بالصحة. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٤٨): رواه أحمد والطبراني في الكبير وفي إسناده عبد الله بن أبي عقيل اليشكري ولم أر أحدا روى عنه غير ابنه المغيرة بن عبد الله. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٤٧٧):إسناد رجاله ثقات رجال مسلم غير عبد الله اليشكري قال الحافظ: ليس بالمشهور.\n(٢) روى أبو داود أوله (٥١٧٧)، وأحمد (٥/ ٣٦٨) واللفظ له، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٠٨٤). قال ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٣٥٧): إسناده صحيح. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١١٧٠): وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير الرجل العامري فإنه لم يسم ولا يضر ذلك لأنه صحابي والصحابة كلهم عدول.","vol":"6","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1749>المبحث الأول: الشهادتان</span>\n(أولها) أو أول هذه الأركان (الركن الأساس الأعظم)\nالركن في اللغة الجانب الأقوى وهو بحسب ما يطلق فيه كركن البناء وركن القوم ونحو ذلك فمن الأركان ما لا يتم البناء إلا به ومنها ما يقوم بالكلية إلا به وإنما قيل لهذه الخمسة الأمور أركان ودعائم لقوله ﷺ: «بني الإسلام على خمس» (١) فشبهه بالبنيان المركب على خمس دعائم وهذا الركن هو أصل الأركان الباقية ولهذا قلنا (الأساس) الذي لا يقوم البناء إلا عليه ولا يمكن إلا به ولا يحصل بدونه (الأعظم) هذه الصيغة مشعرة بتعظيم بقية الأركان وإنما هذا أعظمها فإنها كلها تابعة له ولا يدخل العبد في شيء من الشريعة إلا به.\n(وهو الصراط) الطريق الواضح (المستقيم) الذي لا اعوجاج فيه ولا غبار عليه بل هو معتدل نير (الأقوم) أي الأعدل من سلكه أوصله إلى جنات النعيم ومن انحرف عنه هوى في قعر الجحيم فإن من لم يثبت عليه في الدنيا لم يثبت على جسر جهنم يوم القيامة وذلك الركن المشار إليه هو (ركن الشهادتين) هذا إضافة الشيء إلى نفسه أي الركن الذي هو الشهادتين وهما شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فلا يدخل العبد الإسلام إلا بهما ولا يخرج منه إلا بمناقضتهما إما جحودا لما دلتا عليه أو باستكبار عما استلزمتاه ولهذا لم يدع الرسول ﷺ إلى شيء قبلهما ولم يقبل الله تعالى ولا رسول الله ﷺ من أحد شيئا دونهما فبالشهادة الأولى يعرف المعبود وما يجب له وبالثانية يعرف كيف يعبده وبأي طريق يصل إليه وكيف يؤمن بالعبادة أحد قبل تعريفه بالمعبود وكيف يؤديها من لم يعرف كيف أمر الله أن يعبد\nففي الشهادة الأولى توحيد المعبود الذي ما خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له وفي الشهادة الثانية توحيد الطريق الذي لا يوصل إلى الله تعالى إلا منه ولا يقبل دينا ممن ابتغى غيره ورغب عنه فإن عبادة الله تعالى التي خلق الخلق لها وقضى عليهم إفراده بها هي أمر جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه اعتقادا وقولا وعملا ومعرفة محابه تعالى ومرضاته لا تحصل إلا من طريق الشرع الذي أرسل به رسوله وأنزل به كتابه قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: ٣١] ...\n(فاثبت) أيها العبد المريد نجاة نفسه من النار والفوز بالجنة على هذا الصراط المستقيم النير الواضح الجلي ولا تستوحش من قلة السالكين وإياك أن تنحرف عنه فتهلك مع الهالكين «فإن الله ﷿ ينادي يوم القيامة يا آدم فيقول: لبيك وسعديك فيقول: أخرج بعث النار فيقول: من كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين» (٢) فالناجي حينئذ واحد من ألف فاغتنم أن تكون من تلك الآحاد واحذر أن تغتر بجموع الضلالة فتكون من حطب جهنم وبئس المهاد.\n(واعتصم) أي استمسك (بالعروة) أي العقد الأوثق في الدين والسبب الموصل إلى رب العالمين (الوثقى) تأنيث الأوثق (التي لا تنفصم) أي لا تنقطع. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي -بتصرف – ص٧٦٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٢) رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"6","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1750>المبحث الثاني: الصلاة</span>\nتمهيد\n(وثانيا) من الأركان الخمسة (إقامة الصلاة) بجميع حقوقها ولوازمها (وثالثا تأدية الزكاة) إعطاؤها على الوجه المشروع وقد تقرر اقتران هذين الركنين بالتوحيد وتقديمهما بعده على غيرهما في غير موضع من القرآن أمرا وخبرا قال تعالى ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة: ٢ - ٣] قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٢٧٧] وقال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور: ٥٦] وقال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥] وقال الله تعالى: فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ٥] وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن قال له «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (١) وفي رواية «فليكن ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿ فإذا عرفوا الله تعالى فأخبرهم» (٢) الحديث. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص٧٧٠\nالمطلب الأول: فضل الصلاة\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩) (٢٩).\n(٢) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩) (٣١).","vol":"6","page":100},{"text":"اعلم هدانا الله وإياك أن الصلاة قد اشتملت على جل أنواع العبادة من الاعتقاد بالقلب والانقياد والإخلاص والمحبة والخشوع والخضوع والمشاهدة والمراقبة والإقبال على الله ﷿ وإسلام الوجه له والصمود والاطراح بين يديه وعلى أقوال اللسان وأعماله من الشهادتين وتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتقديس والتمجيد والتهليل والتكبير والأدعية والتعوذ والاستغفار والاستغاثة والافتقار إلى الله تعالى والثناء عليه والاعتذار من الذنب إليه والإقرار بالنعم له وسائر أنواع الذكر وعلى عمل الجوارح من الركوع والسجود والقيام والاعتدال والخفض والرفع وغير ذلك هذا مع تضمنته من الشرائط والفضائل منها الطهارة الحسية من الأحداث والأنجاس الحسية والمعنوية من الإشراك والفحشاء والمنكر وسائر الأرجاس وإسباغ الوضوء على المكاره ونقل الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة وغير ذلك مما لم يجتمع في غيرها من العبادات ولهذا قال النبي ﷺ: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (١) ولاشتمالها على معاني الإيمان سماها الله إيمانا في قوله تعالى وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: ١٤٣].\nوهي ثانية أركان الإسلام في الفرضية فإنها فرضت في ليلة المعراج بعد عشر من البعثة لم يدع رسول الله ﷺ قبلها إلى شيء غير التوحيد الذي هو الركن الأول ففرضت خمسين ثم خففها الله ﷿ إلى خمس كما تواترت النصوص بذلك في الصحيحين وغيرهما وهي ثانية في الذكر فما ذكرت شرائع الإسلام في آية من الآيات أو حديث من السنة إلا وبدئ بها بعد التوحيد قبل غيرها كما في الآيات السابقة وكما في حديث جبريل (٢) وحديث «بني الإسلام» (٣) وحديث وفد عبد القيس (٤) وحديث معاذ بن جبل (٥) وحديث «أمرت أن أقاتل الناس» (٦) وغيرها مما لا يحصى.\nوهي ثانية في آيات الأمر بالجهاد وفي آيات وعيد الكفار كما في قوله تعالى: فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ [التوبة: ٥] وقال الله تعالى: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات: ٤٦ - ٤٩].\nوهي ثانية في مدح المؤمنين كما قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: ١ - ٢] وفي ذم الكفار بتركها كما في قوله تعالى: فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢٠ - ٢١] وقوله: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة: ٣١ - ٣٢] وكذا في ذم المنافقين بعدم اهتمامهم لها كما في قوله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء: ١٤٢].\n_________\n(١) رواه النسائي (٧/ ٦١)، وأحمد (٣/ ١٢٨) (١٢٣١٥)، والحاكم (٢/ ١٧٤)، والبيهقي (٧/ ٧٨). من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (١/ ٥٠١): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: حسن صحيح.\n(٢) رواه مسلم (٨).\n(٣) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).\n(٤) رواه البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٥) رواه البخاري (١٢٨). من حديث معاذ بن جبل ﵁.\n(٦) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"6","page":101},{"text":"وهي ثانية في حساب العبد يوم القيامة كما في قوله ﷺ: «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة صلاته فإن قبلت منه تقبل منه سائر عمله وإن ردت عليه رد عليه سائر عمله» (١). ومعنى قوله «أول ما يسأل عنه العبد» أي بعد التوحيد.\nوهي ثانية فيما يذكر المجرمون أنهم عوقبوا به كما في قوله تعالى فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر: ٤٠ - ٤٣] الآيات والنصوص في شأنها كثيرة لا تحصى وهي متنوعة فمنها ما فيه الأمر بها حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] وقوله اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت: ٤٥] وقوله: أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: ٧٨] وما في معناها.\nومنها ما فيه بيان محلها من الدين كالنصوص السابقة وكقوله ﷺ لمعاذ «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» (٢).\nومنها في ثواب أهلها كقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: ٩ - ١١].\nومنها ما فيه نجاتهم من النار كقوله ﷺ في عصاة الموحدين «فيعرفونهم بآثار السجود تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود» (٣).\nومنها ما في عقاب تاركها كقوله تعالى فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: ٤ - ٥] وقوله تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلاَّ مَن تَابَ [مريم: ٥٩ - ٦٠] الآية، وقوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم: ٤٢ - ٤٣].\n_________\n(١) «المصنف» (٢/ ١٧١) (٧٧٧٢) لابن أبي شيبة وروي بألفاظ مقاربة، قال الهيثمي في «المجمع» (١/ ٢٩٢) رواه الطبراني في الاوسط وفيه القسم بن عثمان قال البخاري له أحاديت لا يتابع عليها وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٣٥٨)\n(٢) رواه الترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، وأحمد (٥/ ٢٣١) (٢٢٠٦٩)، والحاكم (٢/ ٤٤٧). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":102},{"text":"ومنها ما فيه تكفير تاركها ونفي الإيمان عنه وإلحاقه بإبليس كقوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [مريم: ٥٩ - ٦٠] فإنه لو كان مضيع الصلاة مؤمنا لم يشترط في توبته الإيمان. وقوله: فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [التوبة: ١١] فعلق أخوتهم للمؤمنين بفعل الصلاة فإذا لم يفعلوا لم يكونوا أخوة للمؤمنين فلا يكونون مؤمنين وقال الله تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ [] السجدة: ١٥ [وقال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ] البقرة: ٣٤ [.]\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله – وفي رواية يا ويلي – أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» (١).\nوفيه عن جابر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٢)، ورواه الترمذي وقال حسن صحيح (٣) وله عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (٤) ...\nوروى الإمام أحمد والنسائي عن محجن بن الأدرع الأسلمي: «أنه كان في مجلس النبي ﷺ فأذن بالصلاة فقام النبي ﷺ ثم رجع ومحجن في مجلسه فقال له: ما منعك أن تصلي ألست برجل مسلم قال: بلى ولكني صليت في أهلي فقال له: إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت» (٥) فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة ولفظ الحديث يتضمن أنك لو كنت مسلما لصليت.\nوفي المسند والأربع السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ «عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوما فقال له: من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور وبرهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف» (٦) .... معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص٧٧١\nالمطلب الثاني: حكم تارك الصلاة\n_________\n(١) رواه مسلم (٨١).\n(٢) رواه مسلم (٨٢).\n(٣) سنن الترمذي (٢٦٢٠). قال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٤) رواه الترمذي (٢٦٢١) وقال: حسن صحيح غريب. وقال الحاكم (١/ ٤٨): هذا حديث صحيح الإسناد لا تعرف له علة بوجه من الوجوه فقد احتجا جميعا بعبد الله بن بريدة عن أبيه واحتج مسلم بالحسين بن واقد ولم يخرجاه بهذا اللفظ ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعا. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٥) رواه النسائي (٢/ ١١٢)، وأحمد (٤/ ٣٤) (١٦٤٤٠). قال الحاكم (١/ ٣٧١): حديث صحيح. وقال النووي في «الخلاصة» (٢/ ٦٦٦): صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.\n(٦) رواه أحمد (٢/ ١٦٩) (٦٥٧٦)، والدارمي (٢/ ٣٩٠) (٢٧٢١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٦). قال الذهبي في «تنقيح التحقيق» (١/ ٣٠٠): إسناده جيد. وقال العراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٧): صحيح. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٩٧): رجال أحمد ثقات. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٠/ ٨٣): إسناده صحيح. وقال الألباني في «الثمر المستطاب» (ص٥٣): سنده حسن.","vol":"6","page":103},{"text":"قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا قتيبة أخبرنا بشر بن المفضل عن الجريري عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (١).\nومنها ما فيه التصريح بوجوب قتله كقوله تعالى: فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ [التوبة: ٥] الآية وقوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» (٢) الحديث وغير ذلك من الآيات والأحاديث.\nوأما الآثار في شأنها عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم فأكثر من أن تحصر وقد أجمعوا على قتله كفرا إذا كان تركه للصلاة عن جحود لفرضيتها أو استكبار عنها وإن قال لا إله إلا الله لما تقدم من الآيات والأحاديث السابقة ولدخوله في التارك لدينه المفارق للجماعة وفي قوله ﷺ «من بدل دينه فاقتلوه» (٣) فإنه بذلك يكون مرتدا مبدلا لدينه وأما إن كان تركه لها لا لجحود ولا استكبار بل لنوع تكاسل وتهاون كما هو حال كثير من الناس فقال النووي رحمه الله تعالى والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب فإن تاب وإلا قتلناه حدا كالزاني المحصن ولكنه يقتل بالسيف.\nوذهب جماعة من السلف وهو مروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهي إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وبه قال عبد الله بن مبارك وإسحاق بن راهويه وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي رضوان الله عليه وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي رحمهم الله تعالى إلى أنه لا يكفر ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي قال رحمه الله تعالى: واحتج من قال بكفره بظاهر حديث جابر «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٤) وبالقياس على كلمة التوحيد.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٦٢٢). قال النووي في «الخلاصة» (١/ ٢٤٥) والعراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٦)، والسخاوي في «الأجوبة المرضية» (٢/ ٨١٩) والألباني في «مشكاة المصابيح» (٥٥١): إسناده صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٣) رواه البخاري (٦٩٢٢). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٤) رواه مسلم (٨٢).","vol":"6","page":104},{"text":"واحتج من قال لا يقتل بحديث «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» (١) وليس فيه الصلاة واحتج الجمهور على أنه لا يكفر بقوله تعالى: إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء [النساء: ٤٨] وبقوله ﷺ: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ومن مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ولا يلقى الله عبد بهما غير شاك فيحجب عن الجنة وحرم الله على النار من قال لا إله إلا الله» (٢) وغير ذلك واحتجوا على قتله بقوله تعالى: فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ٥] وقوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم» (٣) وتأولوا قوله ﷺ: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» (٤) على معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهي القتل أو أنه محمول على المستحل أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر أو أن فعله فعل الكفار والله أعلم انتهى كلامه. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص٧٧٧\nالمطلب الثالث: حكم ترك الصلاة تهاونا وكسلًا\nمن تعمد ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا، هل هو كافر أو مسلم؟ فيه قولان، وهذه المسألة محل خلاف طويل بين أهل العلم، وسنورد أقوالهم وأدلتهم ومناقشتها على النحو التالي:-\nالقول الأول:- قال بتكفير تارك الصلاة جمع من الصحابة ﵃، والتابعين وكثير من أئمة العلم وأهله.\nيقول محمد بن نصر المروزي عن هذا القول: - وهذا مذهب جمهور أصحاب الحديث. (٥)\nويقول ابن حزم: - (فروينا عن عمر بن الخطاب – ﵁ – ومعاذ بن جبل وابن مسعود وجماعة من الصحابة – ﵃ – وعن ابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه رحمة الله عليهم، وعن تمام سبعة عشر رجلًا من الصحابة، والتابعين ﵃، أن من ترك صلاة فرض عامدًا ذاكرًا حتى يخرج وقتها، فإنه كافر ومرتد، وبهذا يقول عبد الله بن الماجشون صاحب مالك، وبه يقول عبد الملك بن حبيب الأندلسي وغيره) (٦).\nوقال ابن قدامة: - واختلفت الرواية هل يقتل لكفره أو حدًا؟ فروي أنه يقتل لكفره كالمرتد، فلا يغسل ولا يكفن ولا يدفن بين المسلمين، ولا يرثه أحد، ولا يرث أحدًا، اختارها أبو إسحاق بن شاقلا، وابن حامد، وهو مذهب الحسن، والنخعي، والشعبي، وأيوب السختياني، والأوزاعي، وابن المبارك، وحماد بن زيد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن ... (٧)\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٢٧).\n(٣) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٤) رواه أبو داود (٤٦٧٨)، والترمذي (٢٦٢٠)، والنسائي (١/ ٢٣٢)، وابن ماجه (١٠٧٨)، وأحمد (٣/ ٣٧٠) (١٥٠٢١). من حديث جابر بن عبد الله ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال أبو عيسى: حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٥) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٦٣٦).\n(٦) «الفصل» (٣/ ٢٧٤)، وانظر: «المحلى» (٢/ ٣٢٦، ٣٢٧)، و«الشريعة» للآجري (ص١٣٣ - ١٣٥) و«الإبانة الكبرى» لابن بطة (٢/ ٦٦٩ - ٦٨٤)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٤/ ٢٢٥).\n(٧) «المغني» (٣/ ٣٥٤)، وانظر: «الإنصاف» للمرداوي (١/ ٤٠٤، ٤٠٥).","vol":"6","page":105},{"text":"وقال النووي: - (من تركها بلا عذر تكاسلًا وتهاونًا فيأثم بلا شك، ويجب قتله إذا أصر، وهل يكفر؟ فيه وجهان، حكاهما المصنف الشيرازي وغيره، أحدهما يكفر، قال العبدري: وهو قول منصور الفقيه من أصحابنا وحكاه المصنف في كتابه في الخلاف عن أبي الطيب بن سلمة من أصحابنا) (١).\nوقال ابن تيمية: (وإن كان التارك للصلاة واحدًا فقد قيل إنه يعاقب بالضرب والحبس حتى يصلي، وجمهور العلماء على أنه يجب قتله إذا امتنع من الصلاة بعد أن يستتاب، فإن تاب وصلى، وإلا قتل، وهل يقتل كافرًا أو مسلمًا فاسقًا؟ فيه قولان، وأكثر السلف على أنه يقتل كافرًا، وهذا كله مع الإقرار بوجوبها) (٢).\nوأما القائلون بعدم تكفير تارك الصلاة فكثير من الفقهاء.\nقال ابن قدامة: - (والرواية الثانية: يقتل حدًا، مع الحكم بإسلامه، كالزاني المحصن، وهذا اختيار أبي عبد الله ابن بطة، وأنكر قول من قال إنه يكفر ... وهذا قول أكثر الفقهاء، وقول أبي حنيفة ومالك، والشافعي) (٣).\nوقال النووي – عن هذا القول: (وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور) (٤).\n(أ) أدلة الفريق الأول:-\nاستدل القائلون بتكفير تارك الصلاة بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب:-\n١ - فقوله تعالى: - أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَتَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ– إلى قوله – يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم: ٣٥ - ٤٣].\nيقول ابن تيمية: - (إنما يصف سبحانه بالامتناع عن السجود الكفار، كقوله يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [القلم:٤٢]) (٥)\nويقول ابن القيم: - (فوجه الدلالة من الآية: - أنه سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين، وأن هذا الأمر لا يليق بحكمته، ولا بحكمه، ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين، فقال: - (يوم يكشف عن ساق) وأنهم يدعون إلى السجود لربهم – ﵎ – فيحال بينهم وبينه، فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم على ترك السجود له مع المصلين في دار الدنيا، وهذا يدل على أنهم مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كصياصي البقر (٦)، ولو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين) (٧).\n_________\n(١) «المجموع» (٣/ ١٧).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٠٨)، وانظر: (٢٨/ ٣٥٩، ٣٦٠)، وكتاب «الصلاة» لابن القيم (ص٣٣)، و«جامع العلوم والحكم» لابن رجب (١/ ١٤٧).\n(٣) «المغني» (٣/ ٣٥٥)، وانظر: «الإنصاف» للمرداوي (١/ ٤٠٤، ٤٠٥).\n(٤) «المجموع» (٣/ ١٧)، وانظر: «طرح التثريب شرح التقريب» للعراقي (٢/ ١٤٧)، و«مقدمات ابن رشد» (ص١٠١)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٤/ ٢٣٠).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١١).\n(٦) صياصي البقر: أي قرونها. انظر: «لسان العرب» لابن منظور (٧/ ٥٢)، و«مفردات ألفاظ القرآن» للأصفهاني (ص٤٢٩).\n(٧) كتاب «الصلاة» (ص٣٧، ٣٨).","vol":"6","page":106},{"text":"٢ - قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر: ٣٨ - ٤٧]\nيقول محمد بن نصر المروزي: - أولا تراه أبان أن أهل المعاد إلى الجنة المصلين، وأن المستوجبين للإياس من الجنة المستحقين للتخليد في النار من لم يكن من أهل الصلاة بإخباره تعالى عن المخلدين في النار حين سئلوا مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر: ٤٢]. (١)\nوقال ابن القيم: - (قد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين، وتارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر، وقد قال: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر: ٤٧، ٤٨]\nوقال تعالى: - إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [المطففين: ٢٩]، فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين) (٢).\n٣ - قوله تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلاَّ مَن تَابَ [مريم: ٥٩].\nومعنى أضاعوا الصلاة أي تركوها، كما اختاره ابن جرير وغيره (٣)، وأما المقصود بغي، فقد ساق الإمام محمد بن نصر بسنده عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: - سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أن صخرة زنة عشر عشروات (٤) قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفًا، ثم تنتهي إلى غي وأثام، فقلت: وما غي وأثام؟ قال: بئران في أسفل جهنم، يسيل فيها صديد أهل جهنم». (٥)\nيقول ابن القيم: (فوجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع الصلاة، واتبع الشهوات، ولو كان مع عصاة المسلمين، لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار، ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو في أسفلها، فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام، بل من أمكنه الكفار، ومن الآية دليل آخر وهو قوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فلو كان مضيع الصلاة مؤمنًا، لم يشترط في توبته الإيمان، وأنه يكون تحصيلًا للحاصل) (٦).\n٤ - قوله ﷿: - فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [التوبة: ١١].\n_________\n(١) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ١٠٠٧).\n(٢) كتاب «الصلاة» (ص٣٨).\n(٣) انظر: «تفسير الطبري» (١٦/ ٦٦)، و«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٣/ ١٢٥)، و«فتح القدير» للشوكاني (٣/ ٣٣٩).\n(٤) عشروات: جمع عشراء: وهي الناقة التي أتى عليها من وقت الحمل عشرة أشهر. انظر: «لسان العرب» (٤/ ٥٧٢)، و«مختار الصحاح» (ص٤٣٤).\n(٥) «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ١١٩، ١٢٠)، ورواه الطبري (١٨/ ٢١٧)، والطبراني (٨/ ١٧٥). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٣١): رواه الطبراني والبيهقي مرفوعًا، ورواه غيرهما موقوفًا على أبي أمامة وهو أصح. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨٩): \" رواه الطبراني وفيه ضعفاء قد وثقهم ابن حبان وقال: يخطئون. وقال الألباني في «ضعيف الترغيب» (٢١٤٧): ضعيف.\n(٦) «كتاب الصلاة» (ص٤١).","vol":"6","page":107},{"text":"فمفهوم هذه الآية أنهم إن لم يقيموا الصلاة لم يكونوا من إخوان المؤمنين، ومن انتفت عنهم أخوة المؤمنين، فهم من الكافرين؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: ١٠]، فالأخوة الدينية لا تنتفي بالمعاصي وإن عظمت، ولكن تنتفي بالخروج عن الإسلام. (١)\n٥ - قوله ﷾: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة: ٣١ - ٣٢].\nيقول محمد بن نصر المروزي: - (فالكذب ضد التصديق، والتولي ترك الصلاة وغيرها من الفرائض، ثم أوعده وعيدًا بعد وعيد فقال: - أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى [القيامة: ٣٤ - ٣٥]) (٢).\nويقول ابن القيم – عن هذه الآيات: (فلما كان الإسلام تصديق الخبر، والانقياد للأمر، جعل سبحانه له ضدين: عدم التصديق، وعدم الصلاة، وقابل التصديق بالتكذيب، والصلاة بالتولي فقال: وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى. فكما أن المكذب كافر، فالمتولي عن الصلاة كافر، فكما يزول الإسلام بالتكذيب يزول بالتولي عن الصلاة) (٣).\n٦ - قوله ﵎: - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون: ٩].\nقال عطاء بن أبي رباح: (هي الصلاة المكتوبة) (٤).\nيقول ابن القيم: - (ووجه الاستدلال بالآية أن الله حكم بالخسران المطلق لمن أَلْهَاه ماله وولده عن الصلاة، والخسران المطلق لا يحصل إلا للكفار، فإن المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه، فآخر أمره إلى الربح، يوضحه أنه ﷾ – أكد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد:\nالأول: إتيانه به بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه دون الفعل الدال على التجدد والحدوث.\nالثاني: - تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى لهم فإنك إذا قلت: زيد العالم الصالح، أفاد ذلك إثبات كمال ذلك، بخلاف قولك عالم صالح.\nالثالث: - إتيانه – سبحانه – بالمبتدأ والخبر معرفتين، وذلك من علامات انحصار الخبر في المبتدأ كما في قوله تعالى: - وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥]، وقوله تعالى - وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤].\nالرابع: - إدخال ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر، وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريين: قوة الإسناد، واختصاص المسند إليه بالمسند، كقوله تعالى:-\nوَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحج: ٦٤] وقوله: - وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة: ٧٦]) (٥).\n٧ - قوله تعالى: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات: ٤٦ - ٤٩].\nيقول ابن القيم: (توعدهم على ترك الركوع، وهو الصلاة إذا دعوا إليها، ولا يقال إنما توعدهم على التكذيب، فإنه ﷾ إنما أخبرهم عن تركهم لها، وعليه وقع الوعيد.\n...\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٣)، وكتاب «الصلاة» لابن القيم (ص٤١، ٤٢)، و«أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٣١١)، و«رسالة الطهارة والصلاة» لابن عثيميين (ص٥٨).\n(٢) «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ١٢٩).\n(٣) كتاب «الصلاة» (ص٤٢)، وانظر: «فتاوى ابن تيمية» (٧/ ٦١٢، ٦١٣).\n(٤) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٧)، ومحمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ١٢٩)، وانظر: «الدر المنثور» للسيوطي (٨/ ١٨٠).\n(٥) كتاب «الصلاة» (ص٤٢، ٤٣).","vol":"6","page":108},{"text":"لا يصر على ترك الصلاة إصرارًا مستمرًا من يصدق بأن الله سبحانه أمر بها أصلًا، فإنه يستحيل – في العادة والطبيعة – أن يكون الرجل مصدقًا تصديقًا جازمًا أن الله فرض عليه كل يوم وليلة خمس صلوات، وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب، وهو مع ذلك مصر على تركها، هذا من المستحيل قطعًا، فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبدًا، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمره بها، فليس في قلبه شيء من الإيمان.\nولا تصغ إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها، وتأمل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد، والجنة والنار، وأن الله فرض عليه الصلاة، وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها، وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته، وعدم الموانع المانعة له من الفعل، وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق، وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم، وهذا من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة، ولا ترك معصية) (١).\n٨ - قوله تعالى: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الروم:٣١].\nفبين ﷿ أن علامة أن يكون من المشركين ترك إقامة الصلاة. (٢)\nوأما أدلتهم من السنة فنوردها كما يأتي:-\n١ - ساق الإمام مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: - سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٣)\nفجعل النبي ﷺ الحد بين الإسلام والكفر ترك الصلاة، فمن أدى الصلاة فهو مسلم، ومن تركها فهو كافر.\nيقول البيهقي: ليس من العبادات بعد الإيمان الرافع للكفر عبادة سماها الله ﷿ إيمانًا، وسمى رسول الله ﷺ تركها كفرًا إلا الصلاة. (٤)\nوقد جاء الكفر – في هذا الحديث – معرفًا، فدل على التخصيص والعهد، وكما قال ابن تيمية:-\n(ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافرًا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنًا، حتى يقوم به أصل الإيمان، وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله ﷺ: «ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة» (٥) وبين كفر منكر في الإثبات. (٦)\nويقول الشوكاني - في بيان حكم تارك الصلاة –: والحق أنه كافر يقتل، أما كفره فلأن الأحاديث قد صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم، وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها مقتض لجواز الإطلاق. (٧)\nويقول الشنقيطي عن هذا الحديث: وهو واضح في أن تارك الصلاة كافر؛ لأن عطف الشرك على الكفر فيه تأكيد قوي لكونه كافرًا. (٨)\n_________\n(١) كتاب «الصلاة» (ص٤٣، ٤٤).\n(٢) انظر: «تعظيم قدر الصلاة» للمروزي (٢/ ١٠٠٥، ١٠٠٦)، و«فتح الباري» (٢/ ٧).\n(٣) رواه مسلم (٨٢).\n(٤) «شعب الإيمان» للبيهقي (٣/ ٣٣).\n(٥) رواه أبو داود (٤٦٧٨)، والترمذي (٢٦٢٠)، والنسائي (١/ ٢٣٢) واللفظ له، وابن ماجه (١٠٧٨)، وأحمد (٣/ ٣٧٠) (١٥٠٢١). من حديث جابر بن عبد الله ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال أبو عيسى: حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٦) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٠٨)\n(٧) «نيل الأوطار» (٢/ ١٣).\n(٨) «أضواء البيان» (٤/ ٣١١).","vol":"6","page":109},{"text":"٢ - وعن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (١)\nيقول العراقي في شرح هذا الحديث: - (الضمير في قوله «وبينهم» يعود على الكفار أو المنافقين، معناه بين المسلمين والكافرين والمنافقين ترك الصلاة ... والمراد أنهم ما داموا يصلون فالعهد الذي بينهم وبين المسلمين من حقن الدم باق ...) (٢).\nومما قاله المباركفوري في شرح هذا الحديث: - (والمعنى أن العمدة في إجراء أحكام الإسلام عليهم تشبههم بالمسلمين في حضور صلاتهم، ولزوم جماعتهم، وانقيادهم للأحكام الظاهرة، فإذا تركوا ذلك كانوا هم والكفار سواء) (٣).\nفجعل رسول الله ﷺ الصلاة حدًا يميز المسلمين عن غيرهم من الكفار، ويشهد لهذا ما جاء في الحديث الآخر عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ مرفوعًا قال: «بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك» (٤)\n٣ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم تكن له نورًا، ولا برهانًا، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف» (٥)\nقال ابن القيم: وإنما خص هؤلاء الأربعة بالذكر لأنهم من رؤوس الكفرة، وفيه نكتة بديعة، وهو أن تارك المحافظة على الصلاة ... إما أن يشغله ماله، أو ملكه، أو رئاسته، أو تجارته، فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رئاسة وزارة فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته مع أبي بن خلف. (٦)\nوقال الشنقيطي: (وهذا الحديث أوضح دلالة على كفر تارك الصلاة؛ لأن انتفاء النور والبرهان والنجاة، والكينونة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف يوم القيامة أوضح دليل على الكفر كما ترى) (٧).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٦٢١)، والنسائي (١/ ٢٣١)، وابن ماجه (١٠٧٩)، وأحمد (٥/ ٣٤٦) (٢٢٩٨٧)، والحاكم (١/ ٤٨). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد لا تعرف له علة بوجه من الوجوه فقد احتجا جميعا بعبد الله بن بريدة عن أبيه واحتج مسلم بالحسين بن واقد ولم يخرجاه بهذا اللفظ ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعا ووافقه الذهبي. وقال ابن العربي في «العواصم» (٢٦٢): صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) «طرح التثريب شرح التقريب» (٢/ ١٤٥).\n(٣) «تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي» (٧/ ٣٦٩).\n(٤) رواه اللالكائي في «أصول اعتقاد أهل السنة» (٤/ ٨٢٢). قال اللالكائي: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٢١٤): رواه هبة الله الطبري بإسنادٍ صحيح. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ٢٢٧).\n(٥) رواه أحمد (٢/ ١٦٩) (٦٥٧٦)، والدارمي (٢/ ٣٩٠) (٢٧٢١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٦). قال الذهبي في «تنقيح التحقيق» (١/ ٣٠٠): إسناده جيد. وقال العراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٧): صحيح. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٩٧): رجال أحمد ثقات. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٠/ ٨٣): إسناده صحيح.\n(٦) كتاب «الصلاة» (ص٤٦،٤٧).\n(٧) «أضواء البيان» (٤/ ٣١٣).","vol":"6","page":110},{"text":"٤ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ بسبع: «لا تشرك بالله شيئًا، وإن قطعت أو حرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا، فمن تركها عمدًا فقد برئت منه الذمة ...» (١)\nيقول ابن القيم: - (ولو كان باقيًا على إسلامه، لكانت له ذمة الإسلام) (٢).\n٥ - وجاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ الطويل، قوله ﷺ: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» (٣)\nيقول الإمام أحمد بن حنبل -﵀ -: ألست تعلم أن الفسطاط إذا سقط عموده، سقط الفسطاط، ولم تنتفع بالطنب ولا بالأوتاد، وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنب والأوتاد؟ (٤)\n٦ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا» (٥)\nفهذا دليل على أن من لم يصل صلاتنا، ويستقبل قبلتنا فليس بمسلم. (٦)\nوقال ابن القيم – عن هذا الحديث -: - ووجه الدلالة فيه من وجهين:-\nأحدهما: أنه إنما جعله مسلمًا بهذه الثلاثة، فلا يكون مسلمًا بدونها.\nالثاني:- أنه إذا صلى إلى الشرق، لم يكن مسلمًا حتى يصلي إلى قبلة المسلمين، فكيف إذا ترك الصلاة بالكلية. (٧)\n٧ - وعن محجن الديلي ﵁: «أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ، فأذن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ، فصلى، ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال رسول الله ﷺ: ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى يا رسول الله، ولكني قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ: إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت» (٨)\nيقول ابن عبد البر: - في هذا الحديث وجوه من الفقه: أحدهما قوله ﷺ لمحجن الديلي: ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟ وفي هذا – والله أعلم – دليل على أن من لا يصلي ليس بمسلم، وإن كان موحدًا، وهذا موضع اختلاف بين أهل العلم، وتقرير هذا الخطاب في هذا الحديث: أن أحدًا لا يكون مسلمًا إلا أن يصلي، فمن لم يصل فليس بمسلم (٩)\nويقول ابن القيم: \" فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة، وأنت تجد تحت ألفاظ الحديث أنك لو كنت مسلمًا لصليت، وهذا كما تقول: مالك لا تتكلم ألست بناطق؟ ومالك؛ لا تتحرك ألست بحي؟ ولو كان الإسلام يثبت مع عدم الصلاة، لما قال لمن رآه لا يصلي: ألست برجل مسلم. (١٠)\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤٠٣٤) قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٤/ ١٩٠): هذا إسناد حسن، شهر مختلف فيه. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن. لشواهده في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٢٢٧ – ٢٢٩.\n(٢) كتاب «الصلاة» (ص٤٨٧).\n(٣) رواه الترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، وأحمد (٥/ ٢٣١) (٢٢٠٦٩)، والحاكم (٢/ ٤٤٧). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٤) «رسالة الصلاة» (ص١٦)، وانظر: كتاب «الصلاة» لابن القيم (ص٤٨)، و«جامع العلوم والحكم» (١/ ١٤٦، ٢/ ١٤٦).\n(٥) رواه البخاري (٣٩١).\n(٦) انظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٤/ ١٢٢٨).\n(٧) كتاب «الصلاة» (ص٤٨، ٤٩).\n(٨) رواه النسائي (٢/ ١١٢)، وأحمد (٤/ ٣٤) (١٦٤٤٠). قال الحاكم (١/ ٣٧١): حديث صحيح. وقال النووي في «الخلاصة» (٢/ ٦٦٦): صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.\n(٩) «التمهيد» (٤/ ٢٢٤).\n(١٠) كتاب «الصلاة» (ص٥٠).","vol":"6","page":111},{"text":"٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء» (١)\nوفي رواية لمسلم: «قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: أرأيت لو أن رجلًا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض» (٢)\nيقول ابن تيمية: - فدل ذلك على أن من لم يكن غرًا محجلًا، لم يعرفه النبي ﷺ فلا يكون من أمته (٣)\n٩ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها وقال فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، وعلقمة بن علاثة، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله، فقال: ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله قال: ثم ولّى الرجل، فقال خالد بن الوليد: - يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا لعله أن يكون يصلي» (٤)\nوفي الحديث الآخر قال ﷺ: «إني نهيت عن قتل المصلين» (٥)\nفجعل النبي ﷺ إقامة الصلاة مانعًا من قتل من همَّ الصحابة بقتلهم لما رأوا فيهم من احتمال كفرهم، ولو لم يكونوا مقيمين للصلاة لم يمنع الصحابة من ذلك، كما هو ظاهر الحديثين، ولكان قتلهم إياهم لأجل أنهم كفار ليس لدمائهم عصمة، ولا يقال هنا أن تارك الصلاة يقتل حدًا لا كفرًا، بدلالة هذين الحديثين السابقين، فإنهما لا يدلان على ذلك، وإنما يدلان على خلافه، والذي يبين ذلك أن الرسول ﷺ قال: «لا يحل دم امرىءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٦)\nوليس تارك الصلاة من أصحاب الحدود من المسلمين، بل لا يكون ذلك إلا في الزاني المحصن وليس قاتل نفس، فلم يبق إلا أن يكون إباحة دم تارك الصلاة من أجل ردته. (٧)\n١٠ - عن عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» (٨)\nوعن أم سلمة ﵂ «أن النبي ﷺ أنه قال: إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا» (٩)\nو(ما) في قوله: «ما صلوا» مصدرية ظرفية، أي لا تقاتلوهم مدة كونهم يصلون، ويفهم منه أنهم إن لم يصلوا قوتلوا. (١٠)\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦).\n(٢) «صحيح مسلم» (٢٤٩).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١٢).\n(٤) رواه البخاري (٤٣٥١) ومسلم (١٠٦٤).\n(٥) رواه أبو داود (٤٩٢٨). وسكت عنه. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (١/ ٩١): إسناده رجاله كلهم ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٦) رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦).\n(٧) انظر: «ضوابط التكفير» لعبدالله القرني (ص٢٠٦، ٢٠٧).\n(٨) رواه مسلم (١٨٥٥).\n(٩) رواه مسلم (١٨٥٤).\n(١٠) انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٣١٥).","vol":"6","page":112},{"text":"وجاء في حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال: فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان. (١)\nفدل مجموع هذه الأحاديث أن ترك الصلاة كفر بواح عليه من الله برهان؛ لأنه إذا لم يجز الخروج على الأئمة إلا إذا كفروا كفرًا بواحًا، ثم جاز الخروج عليهم إذا تركوا الصلاة، دل ذلك على أن ترك الصلاة من ذاك الكفر. (٢)\n١١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» (٣)\nقال إسحاق بن راهويه: واجتمع أهل العلم على أن إبليس إنما ترك السجود لآدم ﵊؛ لأنه كان في نفسه خيرًا من آدم ﵇، فاستكبر عن السجود لآدم فقال: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف: ١٢].\nفالنار أقوى من الطين، فلم يشك إبليس في أن الله قد أمره، ولا جحد السجود، فصار كافرًا بتركه أمر الله تعالى، واستنكافه أن يذل لآدم بالسجود له، ولم يكن تركه استنكافًا عن الله تعالى، ولا جحودًا منه لأمره، فاقتاس قوم ترك الصلاة على هذا.\nقالوا: تارك السجود لله تعالى، وقد افترضه عليه عمدًا، وإن كان مقرًا بوجوبه، أعظم معصية من إبليس في تركه السجود لآدم؛ لأن الله افترض الصلوات على عباده، اختصها لنفسه، فأمرهم بالخضوع لهم بها دون خلقه، فتارك الصلاة أعظم معصية، واستهانة من إبليس حين ترك السجود لآدم ﵇، فكما وقعت استهانة إبليس، وتكبره عن السجود لآدم موقع الحجة، فصار بذلك كافرًا، فكذلك تارك الصلاة، عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. (٤)\nوأما دلالة الإجماع على كفر تارك الصلاة، فإجماع الصحابة ﵃، فعن سليمان بن يسار قال: أن المسور بن مخرمة أخبره أن عمر بن الخطاب ﵁ إذ طعن، دخل عليه هو وابن عباس ﵃، فلما أصبح من غد، فزعوه، فقالوا: الصلاة، ففزع، فقال: نعم، لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة فصلى والجرح يثعب دمًا. (٥)\nيقول ابن القيم: - فقال هذا بمحضر من الصحابة، ولم ينكروه عليه. (٦)\nوقال محمد بن نصر المروزي: - ذكرنا الأخبار المروية عن النبي ﷺ في إكفار تاركها، وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتل من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عن الصحابة ﵃ مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك. (٧)\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٠٥٥، ٧٠٥٦)، ومسلم (١٧٠٩).\n(٢) انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٣١١، ٣١٥)، و«ضوابط التكفير» للقرني (ص٢٠٨).\n(٣) رواه مسلم (٨١).\n(٤) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٣٤).\n(٥) رواه مالك في الموطأ (١/ ٤٠)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١/ ١٥٠)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ١٦٤)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨/ ١٣٠)، والبيهقي (١/ ٣٥٧) وقال الألباني في «الإيمان» لابن أبي شيبة (ص٣٤)، و«إرواء الغليل» (٢٠٩): صحيح.\n(٦) كتاب «الصلاة» (ص٥٠). ويقول الشيخ ابن عثيمين في رسالته عن الطهارة والصلاة (ص٥٩): والحظ النصيب وهو هنا نكرة في سياق النفي، فيكون عامًا لا نصيب لا قليل ولا كثير.\n(٧) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٢٥).","vol":"6","page":113},{"text":"وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. (١)\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. (٢)\nقال الشوكاني معلقًا على أثر عبد الله بن شقيق (والظاهر من الصيغة أن هذه المقالة اجتمع عليها الصحابة؛ لأن قوله: (كان أصحاب رسول الله) جمع مضاف، وهو من المشعرات بذلك) (٣).\nوقال إسحاق بن راهويه: (قد صح عن رسول الله ﷺ أن تارك الصلاة عمدًا كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر) (٤).\n(ب) أدلة الفريق الآخر:-\nواستدل القائلون بعدم تكفير تارك الصلاة بجملة من الأدلة، نذكرها على النحو التالي:-\n١ - قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨].\n٢ - وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: - سمعت رسول الله ﷺ يقول: - «خمس صلوات افترضهن الله، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه». وفي رواية: «فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن ..» الحديث (٥)\nوهذا الدليل أجود ما اعتمدوا – كما يقول ابن تيمية (٦).\nقال الطحاوي: دل أنه لم يخرج بذلك عن الإسلام فيجعله مرتدًا مشركًا؛ لأن الله تعالى لا يدخل الجنة من أشرك به لقوله تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة، آية ٧٣]، ولا يغفر له لقوله تعالى إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء، آية ٤٨]. (٧)\nوقال ابن عبد البر عن هذا الحديث: - (وفيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله، إذا كان موحدًا مؤمنًا بما جاء به محمد ﷺ مقرًا، وإن لم يعمل) (٨).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٦٢٢). قال النووي في «الخلاصة» (١/ ٢٤٥) والعراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٦)، والسخاوي في «الأجوبة المرضية» (٢/ ٨١٩) والألباني في «مشكاة المصابيح» (٥٥١): إسناده صحيح.\n(٢) رواه الحاكم (١/ ٤٨). قال الذهبي في «التلخيص»: لم يتكلم عليه - أي: الحاكم - وإسناده صالح.\n(٣) «نيل الأوطار» (٢/ ١٦).\n(٤) «تعظيم قدر الصلاة» لمحمد بن نصر (٢/ ٩٣٠)، وانظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٤/ ٢٢٦).\n(٥) رواه أبو داود (٤٢٥)، (١٤٢٠)، والنسائي (١/ ٢٣٠)، وأحمد (٥/ ٣١٩) (٢٢٧٤٥)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٣/ ٢٨٨): صحيح ثابت. وقال ابن العربي في «عارضة الحوذي» (١/ ٤٧٧) والنووي في «المجموع» (٣/ ١٧)، (٤/ ٢٠) وابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ٣٨٩)، والسخاوي في «الأجوبة المرضية» (٢/ ٨١٩): صحيح. وقال الذهبي في «المهذب» (٨/ ٤٢٢٩): إسناده صالح. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (١/ ٩١)، والعراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٨): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح. وقال في «السلسلة الصحيحة» (٨٤٢): صحيح بمجموع طرقه.\n(٦) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٤).\n(٧) «مشكل الآثار» (٤/ ٢٢٦).\n(٨) «التمهيد» (٢٣/ ٢٩٠).","vol":"6","page":114},{"text":"وقال الزرقاني: (وفيه - يعني حديث عبادة المذكور - أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يتمتم عذابه، بل هو تحت المشيئة بنص الحديث) (١). ولو كان كافرًا لم يدخله تحت المشيئة (٢)\nوعن حذيفة بن اليمان ﵁ مرفوعًا:- يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله، فنحن نقولها. قال صلة بن زفر لحذيفة: - ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفه، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة! تنجيهم من النار ثلاثًا. (٣)\n٤ - وعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: - قام النبي ﷺ ليلة من الليالي من صلاة العشاء، فصلى بالقوم، ثم تخلف أصحاب له يصلون فلما رأى قيامهم وتخلفهم، انصرف إلى رحله، فلما رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه، فصلى فجئت خلفه، فأومأ إلي بيمينه، فقمت عن يمينه، ثم جاء ابن مسعود، فقام خلفي وخلفه، فأومأ إليه بشماله، فقام عن شماله، فقمنا ثلاثتنا يصلي كل رجل منا بنفسه، ويتلو من القرآن ما شاء الله أن يتلو، فقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة، فبعد أن أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة، فقال ابن مسعود: - لا أسأله عن شيء حتى يحدث إليَّ، فقلت بأبي أنت وأمي، قمت بآية من القرآن ومعك القرآن، لو فعل هذا بعضنا وجدنا عليه، قال دعوت لأمتي، قال: فماذا أجبت؟ قال: أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة الحديث (٤)\n٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: - قال رسول الله ﷺ: «الدواوين عند الله ثلاث: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله ﷿: - إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ [المائدة: ٧٣] وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله – ﷿ – يغفر ذلك، ويتجاوز عنه إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا، فظلم العباد بعضهم بعضًا القصاص لا محالة» (٥)\n_________\n(١) «شرح الموطأ» (١/ ٢٥٥).\n(٢) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ٣٥٧)، و«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٤)، و«أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٣١٨).\n(٣) رواه ابن ماجه (٤٠٤٩) والحاكم (٤/ ٥٢٠، ٥٨٧). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٤/ ١٩٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقاث. وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ١٩): إسناده قوي. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٤) رواه أحمد (٥/ ١٧٠) (٢١٥٣٣)، وروى جزء منه النسائي (٢/ ١٣٨)، وابن ماجه (١٣٥٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٧٣): رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات. قال الألباني في «أصل صفة الصلاة» (٢/ ٥٣٦): إسناده قوي. وقال في «السلسلة الضعيفة» (٦٠٣٧): منكر.\n(٥) رواه أحمد (٦/ ٢٤٠) (٢٦٠٧٣)، والحاكم (٤/ ٦١٩). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في «التلخيص»: صدقة ضعفوه وابن بابنوس فيه جهالة. وقال أحمد شاكر في «المسند» (١/ ٥٢٠): إسناده صحيح. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٠٢٢): ضعيف.","vol":"6","page":115},{"text":"٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: - قال رسول الله ﷺ: «أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما يقضي بين الناس في الدماء» (١)\nوجاء من حديث أبي هريرة قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن أتمها، وإلا نظر هل له من تطوع، فإن كان له تطوع، أكملت الفريضة من تطوعه، ثم ترفع سائر الأعمال على ذلك» (٢)\nيقول الشوكاني: - أثناء شرحه لهذا الحديث – (والحديث يدل على أن ما لحق الفرائض من النقص كملته النوافل، وأورده المصنف – يعني المجد ابن تيمية - في حجج من قال بعدم الكفر؛ لأن نقصان الفرائض أعم من أن يكون نقصًا في الذات، وهو ترك بعضها، أو في الصفة وهو عدم استيفاء أذكارها، أو أركانها وجبرانها بالنوافل، شعر بأنها مقبولة مثاب عليها، والكفر ينافي ذلك). (٣)\nويقول الشنقيطي:- (وجه الاستدلال بالحديث المذكور على عدم كفر تارك الصلاة أن نقصان الصلوات المكتوبة وإتمامها من النوافل يتناول بعمومه ترك بعضها عمدًا، كما يقتضيه ظاهر عموم اللفظ كما ترى). (٤)\n٥ - وعن أبي ذر ﵁ قال: - قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر! إنه سيكون بعدي أمراء، يميتون الصلاة، فصل الصلاة لوقتها، فإن صليت لوقتها كانت لك نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك» (٥) فهذا دليل على أن تارك الصلاة حتى يخرج وقتها غير كافر.\n٦ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجلد جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه نارًا، فلما ارتفع عنه أفاق، قال: علام جلدتموني؟ إنك صليت صلاة واحدة بغير طهور، ومررت، على مظلوم فلم تنصره» (٦)\nقال الطحاوي: (في هذا الحديث ما قد دل أن تارك الصلاة لم يكن بذلك كافرًا؛ لأنه لو كان كافرًا، لكان دعاؤه باطلًا، لقوله تعالى: وَمَا دُعَآء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ [غافر: ٥٠]) (٧)\n_________\n(١) رواه النسائي (٧/ ٧٧)، والطبراني (١٠/ ١٩١)، وأبو يعلى في «المسند» (٩/ ٢٨٥). وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح، وشطره الثاني في الصحيحين.\n(٢) رواه أبو داود (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣)، والنسائي (١/ ٢٣٢، ٢٣٣)، وابن ماجه (١٤٢٥). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال النووي في «الخلاصة» (١/ ٥٢٩): إسناده صحيح بمعناه. وقال ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٥/ ٢٢٩): إسناده صحيح. وقال ابن الملقن في «تحفة المحتاج» (١/ ٣٣٣): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.\n(٣) «نيل الأوطار» (٢/ ١٨، ١٩).\n(٤) «أضواء البيان» (٤/ ٣١٩).\n(٥) رواه مسلم (٦٤٨).\n(٦) رواه الطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ٢٣١)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٢٠١). وقال: رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب «التوبيخ». قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٧٧٤): وهذا إسناد جيد ... والحديث أورده المنذري وأشار إلى تضعيفه ففاته هذا المصدر العزيز بالسند الجيد.\n(٧) «مشكل الآثار» (٤/ ٢٣١).","vol":"6","page":116},{"text":"٧ - وعن أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إن للإسلام صوى، ومنارًا كمنار الطريق، منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئًا، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئًا، فقد ترك سهمًا من الإسلام، ومن تركهن كلهن فقد ولى الإسلام ظهره» (١)\n٨ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا، فوالذي نفسي بيده ما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار. قال: يقولون: ربنا! إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، ويجاهدون معنا فأدخلتهم النار. قال: فيقول اذهبوا، فأخرجوا من عرفتم منهم. فيأتونهم، فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم فيخرجون منها بشرًا كثيرًا، فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا. قال: ثم يعودون فيتكلمون، فيقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان فيخرجون خلقًا كثيرًا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا. ثم يقول: ارجعوا فمن كان في قلبه وزن نصف دينار، فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا حتى يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة، فيخرجون خلقًا كثيرًا. قال: فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا، فلم يبق في النار أحد فيه خير، قال ثم يقول الله: شفعت الملائكة، وشفعت الأنبياء، وشفع المؤمنون، وبقي أرحم الراحمين. قال: فيقبض قبضة من النار – أو قال قبضتين – ناسًا لم يعملوا لله خيرًا قط، قد احترقوا حتى صاروا حممًا. قال: فيؤتى بهم إلى ماء يقال له: الحياة، فيصب عليهم - إلى أن قال ﷺ -: فيقال لهم: ادخلوا الجنة ...» الحديث (٢)\nقال الشيخ ناصر الدين الألباني عن هذا الحديث: - (فالحديث دليل قاطع على أن تارك الصلاة إذا مات مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله، أنه لا يخلد في النار مع المشركين، ففيه دليل قوي جدًا أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله: - إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨]) (٣)\n٩ - واحتجوا بجملة من عمومات الأحاديث: كقوله ﷺ: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». (٤)\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» (٥) وما جاء في معناهما (٦)\n_________\n(١) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب «الإيمان» (٣)، والحاكم (١/ ٧٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٣٣): صحيح.\n(٢) رواه النسائي (٨/ ١١٢)، وابن ماجه (٦٠)، وأحمد (٣/ ٩٤) (١١٩١٧). وقال الألباني في «حكم تارك الصلاة» (٢٧): إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٣) «حكم تارك الصلاة» للألباني (ص٣٥).\n(٤) رواه البخاري (٣٤٣٥) ومسلم (٢٨).\n(٥) رواه البخاري (٩٩).\n(٦) انظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٢٣/ ٢٩٦ - ٢٩٩)، و«المغني» لابن قدامة (٣/ ٣٥٦)، و«المجموع» للنووي (٣/ ٢٠)، و«طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٤٨)، و«نيل الأوطار» للشوكاني (٢/ ١٩).","vol":"6","page":117},{"text":"١٠ - واحتجوا بالإجماع قائلين:- (لا نعلم في عصر من الأعصار أحدا من تاركي الصلاة ترك تغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع ورثته ميراثه، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فرق بين زوجين لترك صلاة من أحدهما، مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافرًا لثبتت هذه الأحكام كلها، ولا نعلم بين المسلمين خلافًا في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها، ولو كان مرتدًا لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام). (١)\nوأجاب هذا الفريق عن أدلة مكفري تارك الصلاة بأجوبة منها:-\n١ - قالوا: تحمل أحاديث تكفير تارك الصلاة على كفر النعمة، كقوله ﷺ: «من تعلم الرمي، ثم تركه، فهي نعمة كفرها» (٢)\nوقوله: - «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٣)\nوقوله: - «من حلف بغير الله فقد كفر» (٤)\nوبعضهم يقول – كالشوكاني – إن كفر تارك الصلاة إنما هو كفر دون كفر، فلا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة. (٥)\n٢ - إن الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة كحديث جابر وبريدة ﵄ إنما هي على سبيل التغليظ والزجر الشديد لا على الحقيقة، فظاهرها غير مرادها (٦)\n٣ - إن مثل هذه النصوص محمولة على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب القتل. قال النووي: - وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده. (٧)\n٤ - المراد من هذه الأحاديث من استحل ترك الصلاة، أو تركها جحودًا بلا عذر. (٨)\n(ج) أجوبة المكفرين عن أدلة الآخرين:-\nوقد أجاب القائلون بتكفير تارك الصلاة عن أدلة الآخرين بما يلي:-\n_________\n(١) «المغني» (٣/ ٣٥٧، ٣٥٨)، وانظر: «تعظيم قدر الصلاة» للمروزي (٢/ ٩٥٦)، و«المجموع» للنووي (٣/ ٢٠).\n(٢) رواه أبو داود (٢٥١٣)، والنسائي (٦/ ١٨٥)، والطبراني (١٧/ ٣٤٢). من حديث عقبة بن عامر ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال في «صحيح الجامع الصغير» (٦١٤٢): صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٤) رواه أبو داود (٣٢٥١) بلفظة (أشرك) بدلا من (كفر)، والترمذي (١٥٣٥)، وأحمد (٢/ ١٢٥) (٦٠٧٢)، والحاكم (١/ ٦٥). من حديث عبد الله بن عمر ﵄. والحديث سكت عنه. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث على شرط الشيخين فقد احتجا بمثل هذا الإسناد وخرجاه في الكتاب وليس له علة ولم يخرجاه. وله شاهد على شرط مسلم فقد احتج بشريك بن عبد الله النخعي. قال الذهبي في «التلخيص»: على شرطهما رواه ابن راهويه عنه هكذا. وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٤٥٨): صحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد»: إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٥) انظر هذا الجواب: «مشكل الآثار» للطحاوي (٤/ ٢٢٧)، وكتاب «الصلاة» لابن القيم (ص٥١ - ٥٣)، و«العواصم» لابن الوزير (٩/ ٧٩)، و«نيل الأوطار» (٢/ ٢٠).\n(٦) انظر هذا الجواب: «المغني» لابن قدامة (٣/ ٣٥٨)، «فتح الباري» (٢/ ٣٢)، و«أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٤١).\n(٧) «المجموع» (٣/ ٢٠)، وانظر هذا الجواب: بـ «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٧١)، و«أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٤١)، و«طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٤٧).\n(٨) انظر هذا الجواب: «التمهيد» لابن عبد البر (٤/ ٢٣٦)، و«شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٧١)، و«طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٤٧).","vol":"6","page":118},{"text":"١ - أما حديث عبادة بن الصامت: - «خمس صلوات ..» الحديث فهذا الوعد الكريم إنما هو بالمحافظة عليها، والمحافظة: فعلها في أوقاتها كما أمر، قال تعالى: - حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخر النبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها وعلى غيرها من الصلوات.\nوقد دل الكتاب والسنة، واتفاق السلف على الفرق بين من يضيع الصلاة فيصليها بعد الوقت، والفرق بين من يتركها. ولو كانت بعد الوقت لا تصح بحال، لكان الجميع سواء،\nفالنبي ﷺ إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك، ونفي المحافظة يقتضي أنهم صلوا، ولم يحافظوا عليها (١)، وقوله ﷺ: - «ومن لم يفعل فليس له على الله عهد ..» معناه: أنه لم يأت بهن على الكمال، وإنما أتى بهن ناقصات من حقوقهن، كما جاء مفسرًا في بعض الروايات: «ومن جاء بهن، وقد انتقص من حقهن شيئًا، جاء وليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه» (٢)\nقال محمد بن نصر المزوري: - (فمن أتى بذلك كله كاملًا على ما أمر به، فهو الذي له العهد عند الله تعالى بأن يدخله الجنة، ومن أتى بهن، لم يتركهن، وقد انتقص من حقوقهن شيئًا، فهو الذي لا عهد له عند الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فهذا بعيد الشبه من الذي يتركها أصلًا لا يصليها). (٣)\n٢ - وأما حديث حذيفة – والذي جاء فيه -: «تنجيهم لا إله إلا الله» فهو محمول على زمن الفترات، حيث تضمن هذا الحديث الإخبار عما يحصل في آخر الزمان من محو الإسلام، ورفع القرآن حتى لا يبقى منه آية، حتى لا يُدْرَى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، فيغفر الله لهؤلاء مالا يغفر لغيرهم ممن قامت عليهم الحجة، وظهرت آثار الرسالة في وقتهم، وقد أشار ابن تيمية إلى زمانه، وما كان عليه الكثير من الناس من الوقوع في أنواع الكفر فقال عنهم -: وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك، وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات، يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه، ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف: (يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة، ولا صيامًا ولا حجًا .. الحديث» (٤).\nفإذا كان هؤلاء معذورين مع وجود أهل العلم، ووجود القرآن والسنة بين أظهرهم ... فكيف لا يعذر بترك الصلاة ونحوها من كان في زمان يمحى فيه الإسلام، ويرفع فيه القرآن فلا يبقى منه في الأرض آية؟\nفينبغي مراعاة أحوال الأزمنة والأمكنة والأشخاص، ولعل مما يؤكد ما ذكرناه أن راوي الحديث السابق حذيفة بن اليمان ﵁ لما رأى رجلًا لا يتم الركوع والسجود، قال: (ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا ﷺ) (٥).\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٤، ٦١٥، ٢٢/ ١٩).\n(٢) رواه محمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٦٨)، وانظر: «التمهيد» لابن عبدالبر (٢٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(٣) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٧١).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٦٥).\n(٥) رواه البخاري (٧٩١).","vol":"6","page":119},{"text":"يقول ابن حجر: - (واستدل به على تكفير تارك الصلاة؛ لأن ظاهره أن حذيفة نفى الإسلام عمن أخل ببعض أركانها، فيكون نفيه عمن أخل بها كلها أولى) (١)\nفتأمل تنوع الجوابين لاختلاف الزمان والحال والله أعلم\n٣ - وأما استدلالهم بحديث أبي ذر مرفوعًا: «إنه سيكون بعدي أمراء يميتون الصلاة ..» الحديث، فقد أجاب محمد بن نصر عن استدلالهم بما يلي: (ليس في هذه الأخبار التي احتججتم بها دليل على أن تارك الصلاة عمدًا، حتى يخرج وقتها لا يكفر، متعمدين لتركها حتى يذهب وقتها. إنما قال في حديث عبادة يكون عليكم أمراء يشغلهم أشياء عن الصلاة، فإنما أخروها عن الوقت الذي كانت تصلى فيه على عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين ... فكانوا يؤخرونها عن وقت الاختيار إلى وقت أصحاب العذر .. ولا يؤخرونها حتى يخرجوا من وقت أصحاب العذر كله، فلم يكونوا يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت كله، إنما كانوا يؤخرونها عن وقت الاختيار، ويصلون في آخر وقت العذر، فلذلك لم يثبت عليهم الكفر). (٢)\nوأجاب ابن تيمية قائلًا: (وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، «صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة» (٣). وهم إنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر، والعصر إلى وقت الاصفرار، وذلك مما هو مذمومون عليه، ولكن ليسوا كمن تركها أو فوتها حتى غابت الشمس، فإن هؤلاء أمر النبي ﷺ بقتالهم، ونهى عن قتال أولئك، فإنه لما ذكر أنه سيكون أمراء يفعلون ويفعلون، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: - (لا، ما صلوا) وقد أخبر عن هذه الصلاة التي يؤخرونها، وأمر أن نصلي في الوقت، وتعاد معم ناقلة، فدل على صحة صلاتهم، ولو كانوا لم يصلوا لأمر بقتالهم) (٤).\n- واستكمالًا لأجوبة القائلين بتكفير تارك الصلاة، نضيف ما يلي: -\n٤ - أما استدلالهم بقوله تعالى: - إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ الآية [النساء: ٤٨]، فقد تقرر بالأدلة أن ترك الصلاة كفر وشرك، كما جاء في حديث جابر مرفوعًا: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٥)، فيكون ترك الصلاة داخلًا في عموم الآية من جهة الدلالة على أن ذلك مما لا يغفره الله تعالى، وبهذا نصدق بجميع تلك النصوص، ويتحقق إعمالها دون إهمالها.\nوأما احتجاجهم بحديث أبي ذر مرفوعًا: «لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة» ففي سنده قدامة بن عبدالله بن عبدة البكري، قال عنه ابن حجر: - (مقبول) (٦)، وفي سنده جسرة بنت دجاجة، قال البيهقي: فيها نظر، وقال البخاري في تاريخه: - وعند جسرة عجائب (٧).\nوقد أورد ابن خزيمة هذا الحديث بصيغة تشعر بعدم صحته، فعقد بابًا بعنوان: - (باب إباحة ترديد الآية الواحدة في الصلاة مرارًا عند التدبر والتفكر في القرآن إن صح الخبر)، ثم ساق الحديث المذكور (٨)\nويمكن أن يقال: أن الحديث علق ترك الصلاة بأمر ممتنع لا يمكن الاطلاع عليه، فمن المعلوم أن (لو) حرف امتناع لامتناع، وبهذا نعلم أن هذه الرواية قد قيدت بوصف يمتنع معه ترك الصلاة.\n_________\n(١) «فتح الباري» (٢/ ٢٧٥)، ويجب التنبيه هاهنا أن قول الصحابي: سنة محمد أو فطرته له حكم الرفع - على القول الراجح كما ذكر الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٢/ ٢٧٥).\n(٢) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٥٧ - ٩٦٣) بتصرف.\n(٣) رواه مسلم (٦٤٨).\n(٤) «منهاج السنة النبوية» (٥/ ٢١٠، ٢١١)، وانظر: كتاب «الصلاة» لابن القيم (ص٢٦).\n(٥) رواه مسلم (٨٢).\n(٦) «تقريب التهذيب» (٢/ ١٢٤).\n(٧) انظر: «ميزان الاعتدال» للذهبي (١/ ٣٩٩).\n(٨) انظر: «صحيح ابن خزيمة» (٢/ ١٢٤).","vol":"6","page":120},{"text":"٦. وأما احتجاجهم بحديث عائشة: «الدواوين ثلاثة ...» ففيه صدقة بن موسى وقد ضعفه الجمهور (١). قال يحيى بن معين: (ليس حديثه بشيء). وقال أبو حاتم: (لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس بالقوي) (٢).\nوفيه يزيد بن بابنوس، قال عنه الذهبي: (فيه جهالة) (٣).\nوضعف الألباني هذا الحديث. (٤)\nولو صح الحديث فيحمل على من يقع أحيانًا في ترك صلوات، دون أن يتركها بالكلية، ويشهد لذلك لفظ الحديث حيث جاء فيه: «من صوم يوم تركه أو صلاة تركها»\n٧ - وكذا يقال بالنسبة لحديث عبدالله بن مسعود: «أول ما يحاسب به العبد الصلاة ...» الحديث فإن مناط التكفير لتارك الصلاة إنما هو الترك المطلق، بحيث يترك الصلاة جملة، وأما ترك بعض الصلوات فلا يكون كفرًا، كما يدل عليه ظاهر الحديث، .....\nبل إن بعض مرويات هذا الحديث تكاد تشهد بكفر تارك الصلاة، فعن أنس مرفوعًا: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» (٥)\nفجعل صلاح الصلاة وصحتها شرطًا في صلاح سائر الأعمال وصحته، وأن فسادها شرط في فساد باقي الأعمال.\nولذا قال الإمام أحمد بن حنبل: - (وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة» (٦) ... فصلاتنا آخر ديننا، وهي أول ما نسأل عنه غدًا من أعمالنا، فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين، فإذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام، فكل شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعه ... (٧».\n٨ - وأما حديث: «أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة ..» الحديث (٨) ففي سنده عاصم بن بهدلة تكلموا في حفظه ... (٩) وقال ابن حجر: - (صدوق، وله أوهام) (١٠) وفيه: جعفر بن سليمان الضبعي، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع. (١١)\n_________\n(١) انظر: «مجمع الزوائد» للهيثمي (١٠/ ٣٤٨).\n(٢) «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٤/ ٤٣٢).\n(٣) انظر: «المستدرك» للحاكم مع «التلخيص» (٤/ ٥٧٥، ٥٧٦)، وانظر: «التهذيب» (١١/ ٣١٦).\n(٤) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص٣٦٧).\n(٥) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٢/ ٥١٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (١/ ٢٩١، ٢٩٢): رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه القسم بن عثمان قال البخاري: له أحاديت لا يتابع عليها، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: ربما أخطأ. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٣٥٨): وأخرجه الضياء في المختارة (٢/ ٢٠٩) ... وهو حديث صحيح بمجموعة طرقه.\n(٦) رواه الخرائطي في «مكارم الأخلاق» (ص٢٨)، و«الضياء في المختارة» (١/ ٤٩٥)، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٧٣٩): صحيح بشواهده.\n(٧) «رسالة الصلاة» (ص١٧)، وانظر: كتاب «الصلاة» لابن القيم (ص٣٢).\n(٨) هذا الحديث أورده المنذري في الترغيب (٣/ ١٩٠) بصيغة التمريض، وكذا الذهبي في الكبائر ص ١٤٧\n(٩) انظر: «التهذيب» (٥/ ٣٨ - ٤٩).\n(١٠) «تقريب التهذيب» (١/ ٣٨٣).\n(١١) انظر: «تهذيب التهذيب» (٢/ ٩٥ - ٩٨)، و«تقريب التهذيب» (١/ ١٣١).","vol":"6","page":121},{"text":"إضافة إلى ذلك، فقد جاء في رواية هذا الحديث: - صليت صلاة واحدة بغير طهور فهو إذًا ليس تاركًا للصلاة بالكلية بتركه الوضوء، وإنما هي صلاة واحدة ... وهناك فرق ظاهر بين من تركها بالكلية ... ومن ترك صلاة واحدة وقد يفعل بعض المسلمين ذلك، فيصلي بغير وضوء، فيكون مستحقًا للذم والعقاب، وقد يفعله مع اعترافه بالذنب فلا يكفر، كما ظن بعض الأحناف عندما أطلقوا كفر من صلى بغير طهارة (١)، ولكن لو فعله على سبيل الاستهانة والاستخفاف فهو كافر (٢) فكيف بحال هذا الرجل الذي كان مداومًا على الوضوء والصلاة .. لكنه صلى صلاة واحدة بغير وضوء؟ وأما قوله: - إن دعاء الكافرين داخل في قوله تعالى: - وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ [غافر: ٥٠] فلا يستجاب لهم، فهذا كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل، فقد يدعو الكافر ربه فيستجاب له، كما جاء ذلك في آيات كثيرة من القرآن.\nقال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٤٠ - ٤١].\nوقال سبحانه: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: ٦٥]\nوأما دعاء الكافرين لغير الله تعالى فهو ضلال، كما هو ظاهر الآية التالية: - لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ [الرعد: ١٤].\nكما ينبغي مراعاة الفرق بين حياة البرزخ كما جاء في الحديث الذي استدلوا به، ودخول دار الجزاء (الجنة أو النار) كما في الآية: - وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ [غافر: ٥٠] ففي البرزخ قد يقع التكليف كما في سؤال الملكين، وكذا في عرصات القيامة يدعون إلى السجود، وأما بدخول دار الجزاء فينقطع التكليف، كما في الآية. (٣)\nإضافة إلى ذلك فهذا الحديث – المتكلم على سنده ومتنه – معارض لحديث صحيح صريح وهو قوله ﷺ: - «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده» (٤)\n٩ - وأما الحديث الذي أخرجه الخلال وفيه أن مولى للأنصار مات وكان يصلي ويدع، ومع ذلك أمر النبي ﷺ بغسله والصلاة عليه ودفنه .. فهذا الحديث في سنده مقال .. فأبو شميلة مختلف في صحبته ...\nوقد ذكر الذهبي وابن حجر وغيرهما قصة تدل على صحبته، لكن في سندها محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. (٥)\nوفيه عبدالوهاب بن عطاء، قال عنه ابن حجر: - صدوق، ربما أخطأ (٦)\nوضعف الألباني هذا الحديث في (الضعيفة). (٧)\n_________\n(١) انظر: «رسالة البدر الرشيد الحنفي في الألفاظ المكفرات» (ص٢٩)\n(٢) انظر: «منهاج السنة النبوية» (٥/ ٢٠٤)، وانظر: حكم تارك الوضوء في كتاب «الصلاة» لابن القيم (ص٢٧، ٢٨).\n(٣) انظر: «مختصر الفتاوى المصرية» لابن تيمية (ص٦٤٥، ٦٤٦).\n(٤) رواه مسلم (١٦٣١).\n(٥) انظر: «الإصابة» (٧/ ٢٠٨)، و«تجريد الصحابة» للذهبي (٢/ ١٧٨).\n(٦) انظر: «تهذيب التهذيب» (٦/ ٤٥١ - ٤٥٣)، و«تقريب التهذيب» (١/ ٥٢٨).\n(٧) انظر: «حكم تارك الصلاة» (ص٦٤)، حيث ذكر أنه ضعيف، وانظر أيضًا: «السلسلة الضعيفة» (٦٠٣٦).","vol":"6","page":122},{"text":"ولو صح الحديث فلا دلالة فيه على أن الترك المطلق للصلاة لا يعد كفرًا، وهذا المولى كان يصلي ويدع، فلم يكن تاركًا للصلاة بالكلية، وفرق بين من يحافظ على تركها، ومن يصلي ويدع فهو غير محافظ على فعلها والله أعلم.\n١٠ - وأما حديث: «إن للإسلام صوى ومنارًا كمنار الطريق ...» الحديث. فليس فيه دلالة ظاهرة على عدم كفر تارك الصلاة ... ولقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أن من ترك من ذلك شيئًا فقد ترك سهمًا من الإسلام، ومن المعلوم أن تلك) المنارات (متفاوتة، فمنها ما تركه يناقض الملة كالإيمان بالله تعالى، ومنها ما تركه ينافي كمال الإيمان الواجب كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها ما تركه يعد تفويتًا لكمال الإيمان المستحب كالسلام.\n١١ – وأما استدلالهم بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الشفاعة، وكذا عمومات الأحاديث الأخرى .. فهذه من نصوص الوعد، التي لابد من الإيمان بها، وضمها إلى ما يقابلها من نصوص الوعيد، فالذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بالوعد والوعيد، فكما أن ما توعد الله به العبد من العقاب، قد تبين سبحانه أنه مشروط بأن لا يتوب، فإن تاب، تاب الله عليه، وبأن لا يكون له حسنات تمحو ذنوبه، فهكذا الوعد له تفسير وبيان فمن قال بلسانه: لا إله إلا الله وكذب الرسول فهو كافر باتفاق المسلمين، وكذلك إن جحد شيئًا مما أنزل الله ... (١)\nفاستدلالهم بعموم الأحاديث التي فيها من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وما جاء في معناها، ولم يشترط إقامة الصلاة لذلك ... لا دلاله فيها على أن تارك الصلاة لا يكفر؛ لأن المراد بقول لا إله إلا الله تحقيق شروطها وترك نواقضها، وقد تقرر بالأدلة أن ترك الصلاة كفر، فلا اعتبار بمجرد الإقرار بالشهادتين مع عدم أداء الصلاة. (٢)\nومثل هذه الأحاديث التي قد يكون فهمها مشكلًا أو مشتبهًا على البعض، فإنه يجب ردها إلى الأحاديث الواضحة المحكمة، فنصوص الكتاب والسنة يصدق بعضها بعضًا.\nويقال – أيضًا – إن هذه العمومات يمكن تخصيصها بأحاديث كفر تارك الصلاة. (٣)\nيقول ابن الوزير: - (ولا شك في ترجيح النص الخاص على العموم وتقديمه، وعليه عمل علماء الإسلام في أدلة الشريعة، ومن لم يقدمه في بعض المواضع لم يمكنه الوفاء بذلك في كل موضع، واضطر إلى التحكم والتلون من غير حجة بينة). (٤)\nوقد عقد إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ في كتاب التوحيد بابًا بعنوان: - (باب ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي ﷺ في إخراج أهل التوحيد من النار إنما هي ألفاظ عامة مرادها خاص). ثم أورد أدلته على ذلك (٥)\nبل إن في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وغيره من أحاديث الشفاعة لعصاة الموحدين ما يدل على أن تارك الصلاة كافر ... فقد قال ﷺ: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود» (٦)\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ٢٧٠، ٢٧١) بتصرف يسير، وانظر: كتاب «التوحيد» لابن خزيمة (٢/ ٨٦٩).\n(٢) انظر تفصيلًا: «نيل الأوطار» (٢/ ٢٠)، و«ضوابط التكفير» للقرني (ص٢٠٩، ٢١٠).\n(٣) انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٣٢٠)، و«رسالة في الطهور والصلاة» لابن عثيمين (ص٦٠).\n(٤) «إيثار الحق على الخلق» (ص٣٨٣).\n(٥) انظر: كتاب «التوحيد» (٢/ ٧٢٧ - ٧٣٤).\n(٦) رواه البخاري (٨٠٦).","vol":"6","page":123},{"text":"فعلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله. (١)\nوقد استنبط ابن أبي جمرة من هذا أن من كان مسلمًا، ولكنه كان لا يصلي لا يخرج إذ لا علامة له. (٢)\nوإن كانوا يحتجون برواية «لم يعملوا خير قط» على عدم كفر تارك الصلاة، في نفس الوقت يدفعون توهم من زعم أن المراد بالخير المنفي تجويز إخراج غير الموحدين من النار، كما قال ابن حجر: - (ورد ذلك بأن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين، كما تدل عليه بقية الأحاديث) (٣)\nفكذا يقال أيضًا أن هذا الخير المنفي ما زاد على فعل الصلاة كما جاءت بذلك النصوص.\nوقال ابن خزيمة: - (هذه اللفظة «لم يعملوا خيرًا قط» من الجنس الذي يقول العرب: ينفي الاسم عن الشيء لنقصه على الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل، لم يعملوا خيرًا قط، على التمام والكمال ..) (٤).\n١٢ - وأما دعواهم الإجماع – على فرض صحتها – فهي منقوضة ومردودة بإجماع الصحابة ﵃ كما نقله أبو هريرة ﵁، وعبد الله بن شقيق العقيلي ﵀، فالإجماع على مراتب، وأقواها إجماع الصحابة ﵃. (٥).\nوقولهم لا نعلم بين المسلمين خلافًا لا يعد إجماعًا (٦)، ونفي العلم ليس علمًا بالنفي.\nإضافة إلى ذلك فإنه قد يصعب القطع بأن فلانًا لا يصلي تمامًا، خاصة أن من ادعى أنه صلى في أهله وبيته، قبل منه، كما دل عليه حديث محجن – وقد تقدم – وفيه قوله ﷺ لمحجن: «ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟» قال محجن: بلى يا رسول الله، ولكني صليت في أهلي وقد استنبط ابن عبدالبر من هذا الحديث أن من أقر بالصلاة وإقامتها أنه يوكل إلى ذلك إذا قال إني أصلي؛ لأن محجنًا قال لرسول الله ﷺ قد صليت في أهلي، فقبل منه. (٧)\nوقال الإمام الشافعي ﵀: - (من قيل أنه لا يصلي فكذبهم صدق). (٨)\nوقال النووي: - (إذا أراد السلطان قتله، فقال: صليت في بيتي ترك). (٩)\nإن الترك للصلاة – والذي يعد ناقضًا من نواقض الإيمان – لا يتحقق في المعين إلا بالإصرار على تركها، والأصل في المسلم فعل الصلاة حتى يثبت ما يناقض ذلك، فمن أظهر أداء الصلاة فهو المسلم حكمًا وظاهرًا، وقد يكون مؤمنًا عند الله، وقد يكون منافقًا كافرًا، فليس كل من قيل عنه أنه كافر، تجرى عليه أحكام الكفر. (١٠)\nيقول ابن تيمية: - (إن كثيرًا من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا، ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام). (١١)\nوأما قولهم: إن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها، ولو كان مرتدًا لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام ..\nفقد أجاب عنه محمد بن نصر المروزي بقوله: -\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٢).\n(٢) انظر: «فتح الباري» (١١/ ٤٥٧).\n(٣) انظر: «فتح الباري» «١٣/ ٤٢٩).\n(٤) كتاب «التوحيد» (٢/ ٧٣٢).\n(٥) انظر: «المغني في أصول الفقه» للخبازي (ص٢٨٢)، و«فتح الغفار بشرح المنار» لابن نجيم (٣/ ٧).\n(٦) انظر: «أعلام الموقعين» لابن القيم (١/ ٣٠)، و«إرشاد الفحول» للشوكاني (ص٩٠).\n(٧) انظر: «التمهيد» (٤/ ٢٢٤).\n(٨) «الأم» (١/ ٣٩٠).\n(٩) «روضة الطالبين» (٢/ ١٤٧).\n(١٠) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٧).\n(١١) «مجموع الفتاوي» (٧/ ٧١٦).","vol":"6","page":124},{"text":"(إن الكافر الذي أجمعوا على أنه لا يؤمر بقضاء ما ترك من الصلاة هو الكافر الذي لم يسلم قط، ثم أسلم، فإنهم أجمعوا على أنه ليس عليه قضاء ما ترك من الصلاة في حال كفره ... فأما من أسلم ثم ارتد عن الإسلام، ثم رجع فإنهم قد اختلفوا فيما ضيع في ارتداده من صلاة وصيام وزكاة وغير ذلك، فكان الشافعي يوجب عليه قضاء جميع ذلك). (١)\nثم قال: - (فإذا ترك الرجل صلاة متعمدًا حتى يذهب وقتها فعليه قضاؤها، لا نعلم في ذلك اختلافًا، إلا ما يروى عن الحسن، فمن أكفره بتركها استتابه، وجعل توبته، وقضاءه إياها رجوعًا منه إلى الإسلام، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية، وأوجب عليه قضاءها). (٢)\nوقال أبو الوفاء ابن عقيل:- (من كان كفره بترك الصلاة، لا بترك كلمة الإسلام، فهو إذا عاود فعل الصلاة صارت معاودته للصلاة إسلامًا). (٣)\nوقال ابن تيمية: - (من كفر بترك الصلاة: الأصوب أن يصير مسلمًا بفعلها، من غير إعادة الشهادتين؛ لأن كفره بالامتناع كإبليس). (٤)\nوالآن ننتقل إلى مناقشة أجوبة القائلين بعدم التكفير لأدلة الفريق الأول.\n١ - فأما حملهم أحاديث تكفير تارك الصلاة على كفر النعمة، فهذا غير مستقيم، ولا يخفى ما فيه من تكلف .. فهل يسوغ أن يكون معنى حديث جابر بين الرجل وبين كفر النعمة ترك الصلاة؟ لقد بين الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ فساد هذا القول عند أهل اللغة، ثم علل ذلك قائلًا: - (وذلك أنهم (أي العرب) لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لأنعام الله وآلائه، وهو كالمخبر عن نفسه بالعدم، وقد وهب الله له الثروة، أو بالسقم وقد منَّ الله عليه بالسلامة وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب فهذا الذي تسميه العرب كفرانًا إن كان ذلك فيما بينهم وبين الله، أو كان من بعضهم لبعض إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه، ينبئك عن ذلك مقالة النبي ﷺ للنساء: - «إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير – يعني الزوج – وذلك أن تغضب إحداكن فتقول: - ما رأيت منك خيرًا قط» (٥)\nفهذا ما في كفر النعمة) (٦).\nوأما قولهم إنه كفر دون كفر، فقد سبق بيان أن الكفر جاء معرفًا كما في حديث جابر مما أفاد التخصيص والعهد، وفرق بين هذا وبين كفر منكر ...\nإضافة إلى ذلك فإن حديث بريدة مرفوعًا: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» قد جعل الصلاة حدًا فاصلًا بين المسلمين عن غيرهم، ولا يتصور أن يكون كفرًا دون كفر؛ لأنه لا يكون حدًا فاصلًا بين المسلمين والكافرين، فهناك من المسلمين من يقع في مثل هذا الكفر، وإن لم يكن مؤمنًا بإطلاق. (٧)\n٢ - وأما قولهم إن الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة إنما هي على سبيل التغليظ والزجر الشديد لا على الحقيقة فظاهرها غير مراد.\nفالجواب أن يقال: هذا كلام فيه إجمال وإيهام، فلا شك أن هذه الأحاديث فيها تغليظ وتخويف، وهي على الحقيقة، نؤمن بذلك ولا نكذب، ونمرها كما جاءت ونأخذ بظاهرها المفهوم منها، وإذا كان عامة السلف الصالح يقرون أحاديث الوعيد – فيما دون الكفر – ويمرونها كما جاءت، ويكرهون أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود قائلها ﷺ (٨)، فكيف ساغ لهؤلاء صرف نصوص تكفير تارك الصلاة عن ظاهرها، وجعله وعيدًا لا حقيقة له!\n_________\n(١) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٨٠).\n(٢) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٩٦).\n(٣) «بدائع الفوائد» لابن القيم (٣/ ٢١٢).\n(٤) «الاختيارات الفقهية» (ص٣٢).\n(٥) رواه البخاري (٢٩)، ومسلم (٧٩).\n(٦) «الإيمان» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص٨٨).\n(٧) انظر: «رسالة ضوابط التكفير» (ص٢٠٣).\n(٨) انظر: «مجموع الفتاوى» ابن تيمية (٧/ ٦٧٤).","vol":"6","page":125},{"text":"إن الإيمان بالنصوص الشرعية – ومنها نصوص الوعيد – يوجب التسليم لها والانقياد، كما يقتضي إجلالها وتعظيمها، وقد التزم سلف الأمة هذا النهج،\n(فقد قال الرجل للزهري: يا أبا بكر حديث رسول الله ﷺ: «ليس منا من لطم الخدود» (١)، «وليس منا من لم يوقر كبيرنا» (٢) وما أشبه هذا الحديث؟ فأطرق الزهري ساعة، ثم رفع رأسه فقال: - من الله ﷿ العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم). (٣)\n\" ولما ذكر عبدالله بن المبارك – ﵀ – حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ...» (٤)، فقال فيه قائل: ما هذا! على معنى الإنكار، فغضب ابن المبارك وقال: يمنعنا هؤلاء الأنان أن نحدث بحديث رسول الله ﷺ، أكلما جهلنا معنى حديث تركناه! لا بل نرويه كما سمعنا، ونلزم الجهل أنفسنا. (٥)\nومما يحسن إيراده في هذا الموضع ما قاله ابن تيمية: \" ينبغي للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله .. فجميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس، فإذا كان النص الذي وافقه يعتقد أنه اتبع فيه مراد الرسول، فكذلك النص الآخر الذي تأوله، فيكون أصل مقصوده معرفة ما أراده الرسول بكلامه. (٦)\nوعلى كل فإن الاسترسال مع قول من قال إن هذا وعيد للتغليظ ولا حقيقة له، قد يؤول إلى تعطيل الشريعة وإبطال العقاب ... (٧)\nوقد نبه جمع من أهل العلم لخطورة ذلك.\nفقال أبو عبيد القاسم بن سلام – جوابًا عمن حمل نصوص الوعيد على التغليظ: - (وأما القول المحمول عل التغليظ فمن أفظع ما تأول على رسول الله ﷺ وأصحابه، أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيدًا لا حقيقة له، وهذا يؤول إلى إبطال العقاب؛ لأنه إن أمكن ذلك في واحد منها، كان ممكنًا في العقوبات كلها). (٨)\nوقال الفضيل بن عياض – ﵀ -: - (المرجئة كلما سمعوا حديثًا فيه تخويف قالوا: هذا تهديد، وإن المؤمن من يخاف تهديد الله وتحذيره وتخويفه ووعيده، ويرجو وعده. وإن المنافق لا يخاف تهديد الله ولا تحذيره ولا تخويفه ولا وعيده، ولا يرجو وعده). (٩)\nوقال ابن حزم: - (وأما من استجاز أن يكون ورود الوعيد على معنى التهديد لا على معنى الحقيقة، فقد اضمحلت الشريعة بين يديه، ولعل وعيد الكفار أيضًا كذلك، ومن بلغ هذا المبلغ فقد سقط الكلام معه؛ لأنه يلزمه تجويز ترك الشريعة كلها إذ لعلها ندب، ولعل كل وعيد ورد إنما هو تهديد، وهذا مع فراقه المعقول خروج عن الإسلام؛ لأنه تكذيب لله ﷿). (١٠)\nوقال القاسمي – معلقًا على ما قاله الزمخشري عن حديث: «آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى ..» (١١): للتغليظ: -\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٩٧)، ومسلم (١٦٥).\n(٢) رواه الترمذي (١٩١٩). من حديث أنس بن مالك. وقال فيه: هذا حديث غريب، ورواه أحمد (٢/ ٢٠٧) (٦٩٣٥). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢١٩٦).\n(٣) «السنة» للخلال (٣/ ٥٧٩)، وانظر: «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٤٨٧).\n(٤) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (١٠٠)\n(٥) «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٥٠٤، ٥٠٥).\n(٦) «مجموع الفتاوي» (٧/ ٣٦، ٣٧) بتصرف.\n(٧) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ١٥٠).\n(٨) «الإيمان» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص٨٨).\n(٩) «السنة» لعبدالله بن أحمد بن حنبل (١/ ٣٧٧).\n(١٠) «الإحكام» لابن حزم (١/ ٢٨٣).\n(١١) رواه البخاري (٣٣)، ومسلم (١٠٧) واللفظ له.","vol":"6","page":126},{"text":"(قول الزمخشري (فللتغليظ) يوجد مثله لثلة من شراح الحديث وغيرهم وقد بحث فيه بعض محققي مشايخنا بقوله: - هذا الجواب لا يرتضيه من عرف قدر النبي ﷺ، وكأنهم غفلوا عما يستلزمه هذا الجواب مما لا يرتضيه أدنى عالم أن ينسب إليه، وهو الإخبار بخلاف الواقع لأجل الزجر. انتهى، وقال بعض المحققين: عليك أن تقر الأحاديث كما وردت، لتنجو من معرة الخطر). (١)\n٣ - وأما قولهم: إن مثل هذه النصوص محمولة على أن شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب القتل ... فالجواب أن يقال: - ما المسوغ لاستحلال دم تارك الصلاة وهو ليس بكافر عندكم؟\nلقد تقرر – شرعًا – أن قتل المسلم لا يستباح إلا بإحدى ثلاث:- ترك دين، وإراقة الدم المحرم، وانتهاك الفرج المحرم.\nفعن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: - «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: - الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٢)\nفتارك الصلاة ليس قاتلًا، ولا زانيًا محصنًا، فلم يبق إلا أن يكون إباحة دمه من أجل ردته.\nيقول ابن حزم – وهو ممن يرى عدم كفر تارك الصلاة – جوابًا عن القائلين بقتل تارك الصلاة دون كفره:- (أما مالك والشافعى فإنهما يريان تارك الصلاة مسلمًا؛ لأنهما يورثان ماله، وولده، ويصليان عليه، ويدفنانه مع المسلمين ... فإذا ذلك كذلك فقد سقط قولهما في قتله؛ لأنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو نفس بنفس، وتارك الصلاة متعمدًا لا يخلو أن يكون كافرًا. أو يكون غير كافر، فإن كان كافرًا فهم لا يقولون بذلك ... فإذا ليس كافرًا، ولا قاتلًا، ولا زانيًا محصنًا .. فدمه حرام بالنص). (٣)\n٤ - أما قولهم إن المراد بهذه الأحاديث من استحل ترك الصلاة، أو تركها جحودًا ... فجوابه أن يقال:- إن هذه الأحاديث – كحديث جابر وبريدة ونحوهما ... قد علقت الكفر بترك الصلاة، فمناط الحكم بالكفر فيها ترك الصلاة، وقد يكون هذا الترك جحودًا، أو تهاونًا وكسلًا.\nفمن قال إن تارك الصلاة لا يكفر إلا إذا كان جاحدًا لوجوبها، فقد جعل مناط الحكم في هذه المسألة غير ما حدده الرسول ﷺ، ثم إنه على هذا التأويل لا فرق بين الصلاة وغيرها، فلا تكون إقامتها عهدًا وحدًا يعرف به المسلم من الكافر؛ لأن من ترك شيئًا من شعائر الإسلام وفرائضه الظاهرة جحودًا لوجوبها فهو كافر بالإجماع، فجحد الوجوب لا يختص بالصلاة وحدها، مع أن الصحابة ﵃ قد جعلوا ترك الصلاة هو مناط الكفر دون بقية الأعمال، كما حكى ذلك عنهم أبو هريرة ﵁ وعبد الله بن شقيق العقيلي ﵀. (٤)\nومن المناسب – في خاتمة هذه المناقشة – أن نشير إلى أن بعض القائلين بعدم تكفير تارك الصلاة، قد سلكوا في بعض استدلالهم مسلك الإرجاء.\nفهم يقولون – مثلًا – إن الكفر جحود التوحيد، وإنكار الرسالة والمعاد وجحد ما جاء به الرسول، وهذا يقر بالوحدانية شاهدًا أن محمد رسول الله، مؤمنًا بأن الله يبعث من في القبور، فكيف يحكم بكفره؟ والإيمان هو التصديق، وضده التكذيب، لا ترك العمل، فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد؟ (٥)\n_________\n(١) «تفسير القاسمي» (٣/ ٥٣٦، ٥٣٧).\n(٢) رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦).\n(٣) «المحلى» (١٣/ ٤٣٨) بتصرف.\n(٤) انظر: تفصيل هذا الجواب: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٤)، و«الدرر السنية» (٤/ ١٠٢)، ورسالة «ضوابط التكفير» للقرني (ص٢٠٥).\n(٥) انظر: كتاب «الصلاة» لابن القيم (ص٣٧).","vol":"6","page":127},{"text":"وجوابًا عن ذلك نقول: قد تقرر عند أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، فليس تصديقًا فحسب، ومن ثم فإن مقابله هو الكفر قول وعمل، فقد يكون الكفر قولًا قلبيًا، وقد يكون عملًا قلبيًا، وتارة قولًا باللسان، وتارة عملًا بالجوارح ...\nويقول أيضًا: - يلزم من تكفير تارك الصلاة أن يكفر القاتل والشاتم للمسلم، وأن يكفر الزاني، وشارب الخمر ... (١)\nوالجواب: - أن هذا اللازم يلزم المبتدعة عمومًا ... سواء كانوا وعيدية أو مرجئة والذين جعلوا الكفر خصلة واحدةً، بناء على ظنهم الفاسد أن الإيمان شيء واحد يزول كله بزوال بعضه، وقد دلت النصوص أن الكفر مراتب وشعب متفاوتة، كالإيمان، فمن شعب الكفر ما يخرج من الملة، ومنها مالا يخرج من الملة.\nالترجيح\nبعد هذا العرض التفصيلي لأدلة الفريقين واستدلالاتهم ومناقشتها، يظهر أن أدلة القائلين بتكفير تارك الصلاة أصح وأقوى. (٢)\nإلا أن الراجح ... ولعله القول الوسط بين الطرفين، وبه تجتمع الكثير من أدلة الفريقين، وهو أن يقال: إن ضابط ترك الصلاة الذي يعد كفرًا – ها هنا – هو الترك المطلق الذي هو بمعنى ترك الصلاة من حيث الجملة الذي يتحقق بترك الصلاة بالكلية، أو بالإصرار على عدم إقامتها، أو بتركها في الأعم الأغلب، وليس مناط التكفير – ها هنا – مطلق الترك للصلاة بحيث يلزم أن نكفر كل من ترك صلاة واحدة أو بعض صلوات (٣).\nويشهد لذلك جملة من الأدلة، منها ما يلي: -\n١ - قوله تعالى: - فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: ٥٩]\nفالمراد من تضييع الصلاة – هاهنا – تركها بالكلية كما قاله محمد بن كعب القرظي وزيد بن أسلم والسدي واختاره ابن جرير. (٤)\n٢ - وقوله ﷺ ... «خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة» فهذا الحديث صريح في الفرق بين الترك المطلق، وبين مطلق الترك .. يقول ابن تيمية ﵀: - (فالنبي ﷺ إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك، ونفي المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها ...) (٥)\nثم قال: (فإن كثيرًا من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجرى عليهم أحكام الإسلام الظاهرة ...) (٦)\nويقول في موضع آخر: - _فأما من كان مصرًا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك فهذا لا يكون مسلمًا، لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن حديث عبادة بن الصامت – ثم ساق الحديث المذكور -) (٧)\n٣ - قوله ﷺ: «إن أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن أتمها، وإلا نظر هل له من تطوع، فإن كان له تطوع، أكملت الفريضة من تطوعه» (٨)\nوالانتقاص هنا عام يتناول ترك الأداء لبعض الصلوات ... وهذا من مطلق الترك الذي لا يعد كفرًا، ومن ثم صارت مقبولة، وأكملت بالتطوع، والله أعلم. نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف - بتصرف – ص٤٥٧\n_________\n(١) انظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٤/ ٢٣٦).\n(٢) انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٣٢٢).\n(٣) انظر: رسالة «ضوابط التكفير» (ص٢١١)\n(٤) انظر: «تفسير الطبري» (١٦/ ٦٦)، و«تفسير القرآن العظيم» ابن كثير (٣/ ١٢٥).\n(٥) «مجموع الفتاوي» (٧/ ٦١٥).\n(٦) «مجموع الفتاوي» (٧/ ٦١٦).\n(٧) «مجموع الفتاوي» (٢٢/ ٤٩).\n(٨) رواه أبو داود (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣)، والنسائي (١/ ٢٣٢، ٢٣٣)، وابن ماجه (١٤٢٥). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال النووي في «الخلاصة» (١/ ٥٢٩): إسناده صحيح بمعناه. وقال ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٥/ ٢٢٩): إسناده صحيح. وقال ابن الملقن في «تحفة المحتاج» (١/ ٣٣٣): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.","vol":"6","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1751>المبحث الثالث: الزكاة</span>\nالمطلب الأول: تشريع الزكاة\nوأما الزكاة فقد تقدم ذكرها في نصوص الصلاة وغيرها ومما يتعلق بها على انفرادها قوله ﷿: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهُمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَالله سَمِيعٌ عَلِيم [التوبة: ١٠٣] وقوله في صفات عباده المؤمنين وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ [المؤمنون: ٤] وقوله تعالى في ذم الكفار ووعيدهم وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت: ٦ - ٧] وإن كانت هذه الآية في زكاة النفوس فهي عامة لزكاة الأموال أيضا وقد فسرت بها وقوله تعالى في وعيد مانعيها مطلقا وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٤ - ٣٥] ... وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها من نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار قيل: يا رسول الله فالإبل قال: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطأه بأخفافها وتعضه فأفواهها كلما مر عليه أولاها أعيد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار قيل يا رسول الله فالبقر والغنم قال ولا صاحب بقر وغنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عفصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطأه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (١) الحديث بطوله.\nوفيه عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد يوم القيامة بقاع قرقر تطأه ذات الظلف بظلفها وتنطحه ذات القرن بقرنها ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن الحديث وفيه ولا من صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا تحول يوم القيامة شجاعا أقرع يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه ويقال: هذا مالك الذي كنت تبخل به فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه فجعل يقضمها كما يقضم الفحل» (٢).\nوفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار فيقول: يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت ولا يأتي أحدكم ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت» (٣). وفيه عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الآية [آل عمران:١٨٠]» (٤)\n_________\n(١) رواه مسلم (٩٨٧).\n(٢) رواه مسلم (٩٨٨).\n(٣) رواه البخاري (١٤٠٢).\n(٤) رواه البخاري (١٤٠٣).","vol":"6","page":129},{"text":"وفيه عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر ﵄ فقال أعرابي أخبرني عن قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة: ٣٤] قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له إنما كان هذه قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله تعالى طهرة للأموال (١).\nوقد ثبتت البيعة عليها بعد الصلاة كما قال البخاري رحمه الله تعالى (باب البيعة على إيتاء الزكاة) فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [التوبة: ١١] حدثنا ابن نمير قال حدثني أبي قال حدثنا إسماعيل عن قيس قال: قال جرير بن عبد الله ﵁: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (٢) والنصوص فيها كثيرة وفي ما تقدم كفاية. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص٧٧٩\nالمطلب الثاني: حكم مانع الزكاة\nأما حكم تاركها فإن كان منعه إنكارا لوجوبها فكافر بالإجماع بعد نصوص الكتاب والسنة وإن كان مقرا بوجوبها وكانوا جماعة ولهم شوكة قاتلهم الإمام لما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر ﵁ وكفر من كفر من العرب فقال عمر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله ﷿» فقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ولو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها قال عمر ﵁ فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر ﵁ فعرفت أنه الحق – وفي رواية – فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق (٣).\nوهذا الذي استنبطه أبو بكر ﵁ مصرح به في منطوق الأحاديث الصحيحة المرفوعة كحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿» (٤) وغيره من الأحاديث.\n_________\n(١) رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم (١٤٠٤)، وابن ماجه (١٧٨٧). وانظر: «تغليق التعليق» لابن حجر (٣/ ٤ - ٦). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٥٨): إسناده صحيح وهو وإن كان موقوفا فهو في حكم المرفوع لأنه في أسباب النزول وذلك لا يكون إلا بتوقيف من الرسول ﷺ.\n(٢) رواه البخاري (٢٧١٥)، ومسلم (٥٦).\n(٣) رواه البخاري - متفرقا في عدة أحاديث - (١٣٩٩، ١٤٠٠، ١٤٥٦، ١٤٥٧)، ومسلم (٢٠) واللفظ له.\n(٤) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).","vol":"6","page":130},{"text":"وقد جهز النبي ﷺ خالد بن الوليد لغزو بني المصطلق حين بلغه أنهم منعوا الزكاة ولم يكن ما بلغه عنهم حقا فروى الإمام أحمد قال: حدثنا محمد بن سابق حدثنا عيسى بن دينار حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي ﵁ يقول: «قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل إلي يا رسول الله رسولا إبان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول ولم يأته وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله ﷺ فدعا بسروات قومه وقال لهم إن رسول الله ﷺ كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله ﷺ الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة فانطلقوا نأتي رسول الله ﷺ وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق- أي خاف – فرجع حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي فغضب رسول الله ﷺ وبعث البعث إلى الحارث ﵁ وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم إلى من بعثتم قالوا إليك قال ولم قالوا إن رسول الله ﷺ بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله قال ﵁: لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي قال ﵁: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني ولا أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله ﷺ خشيت أن يكون كانت سخطة من الله تعالى ورسوله ﷺ قال فنزلت الحجرات يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: ٦]» (١) ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار عن محمد بن سابق به ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق به.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٢٧٩) (١٨٤٨٢) وابن أبي حاتم في تفسيره (١٨/ ٣٨٧)، والطبراني (٣/ ٢٧٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١١١): رجاله ثقات. وقال السيوطي في «لباب النقول» (٢٧٥): إسناده جيد. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٢٣٢): إسناده صحيح.","vol":"6","page":131},{"text":"وقال ابن جرير رحمه الله تعالى حدثنا أبو كريب حدثنا جعفر بن عون عن موسى بن عبيدة عن ثابت مولى أم سلمة عن أم سلمة ﵂ قالت: «بعث رسول الله ﷺ رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول الله ﷺ قالت فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله قالت فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال إن بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم فغضب رسول الله ﷺ والمسلمون قالت فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله ﷺ فصفوا له حين صلى الظهر فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله بعثت إلينا رجلا مصدقا فسررنا بذلك وقررت به أعيننا ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله تعالى ومن رسوله ﷺ فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن لصلاة العصر قالت ونزلت أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: ٦]» (١).\nوروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: «كان رسول الله ﷺ بعث الوليد بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات وأنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقونه رجع الوليد إلى رسول الله ﷺ فقال: إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة فغضب رسول الله ﷺ من ذلك غضبا شديدا فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا: يا رسول الله إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق وإنا خشينا أنما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله وأن النبي ﷺ استغشهم وهم بهم فأنزل الله ﵎ عذرهم في الكتاب فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] إلى آخر الآية» (٢)\nوقال مجاهد وقتادة: «أرسل رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليصدقهم فتلقوه بالصدقة فرجع فقال إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك زاد قتادة وأنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد ﵁ إليهم وأمره أن يتثبت ولا يعجل فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه فلما جاؤوا أخبروا خالدا ﵁ أنهم مستمسكون بالإسلام وسمعوا أذانهم وصلاتهم فلما أصبحوا أتاهم خالد ﵁ فرأى الذي يعجبه فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فأنزل الله تعالى هذه الآية» (٣)\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٢٨٦).\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٢٨٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٥٤). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٠٨٨): ذكر له شواهد.\n(٣) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٧/ ٣٧٢).","vol":"6","page":132},{"text":"وذكر البغوي رحمه الله تعالى نحو حديث ابن عباس وفيه «فغضب رسول الله ﷺ وهم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلناه من حق الله تعالى فبدا له في الرجوع فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله فاتهمهم رسول الله ﷺ وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدوم قومه وقال له انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم وأن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير فانصرف إلى رسول الله ﷺ وأخبره الخبر فأنزل الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] الآية» (١)\nوأما إن كان الممتنع عن أداء الزكاة فردا من الأفراد فأجمعوا على أنها تؤخذ منه قهرا واختلفوا من ذلك في مسائل:\nإحداها هل يكفر أم لا؟\nفقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر إلا الصلاة (٢)\nوقال أيوب السختياني: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق وحكى إسحاق عليها إجماع أهل العلم وقال محمد بن نصر المروزي هو قول جمهور أهل الحديث وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمس عمدا أنه كافر وروى ذلك سعيد بن جبير ونافع والحكم وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه وهو قول ابن حبيب من المالكية ... وقال ابن عيينة المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم وليس سواء لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال معصية وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر كفر وبيان ذلك في أمر إبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي ﷺ بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه.\nالمسألة الثانية هي يقتل أم لا؟\nالأول هو المشهور عن أحمد رحمه الله تعالى ويستدل له بحديث ابن عمر ﵄ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» (٣) الحديث\nوالثاني لا يقتل وهو قول مالك والشافعي ورواية عن أحمد رحمهم الله تعالى وروى اللالكائي من طريق مؤمل قال: حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ولا أحسبه إلا رفعه قال: عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة وصوم رمضان من ترك منهن واحدة فهو بها كافر ويحل دمه وتجده كثير المال ولا يزكي فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل دمه ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد مرفوعا مختصرا ورواه سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد عن عمرو بن مالك بهذا الإسناد مرفوعا وقال من ترك منهن واحدة – يعني الثلاث الأول – فهو بالله كافر ولا يقبل منه صرف ولا عدل وقد حل دمه وماله ولم يذكر ما بعده (٤).\nالمسألة الثالثة لمن لم ير قتله هل ينكل بأخذ شيء من ماله مع الزكاة؟\nوقد روى في خصوص المسألة حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون لا تفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا بها فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء» رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الحاكم (٥) وعلق الشافعي القول به على ثبوته فإنه قال: لا يثبته أهل العلم بالحديث ولو ثبت لقلنا به (٥٥٢). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص٧٨٣\n_________\n(١) «تفسير البغوي» (ص: ٣٣٨).\n(٢) رواه الترمذي (٢٦٢٢). قال النووي في «الخلاصة» (١/ ٢٤٥) والعراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٦)، والسخاوي في «الأجوبة المرضية» (٢/ ٨١٩) والألباني في «مشكاة المصابيح» (٥٥١): إسناده صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).\n(٤) رواه اللالكائي في «اعتقاد اهل السنة والجماعة» (٤/ ٨٤٥).\n(٥) رواه أبو داود (١٥٧٥)، والنسائي (٥/ ١٥)، وأحمد (٥/ ٢) (٢٠٠٣٠)، والحاكم (١/ ٥٥٤). والحديث سكت عنه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على ما قدمنا ذكره في تصحيح هذه الصحيفة ولم يخرجاه. وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ٤٨٠): إسناده صحيح إلى بهز. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن.","vol":"6","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1752>المبحث الرابع: الصوم</span>\nالركن الرابع من أركان الإسلام الصيام وهو في اللغة الإمساك وفي الشرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة.\nوكان فرض صوم شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة هو والزكاة قبل بدر قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥] إلى آخر الآيات معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي -بتصرف – ص٧٩٠","vol":"6","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1753>المبحث الخامس: الحج</span>\nالركن الخامس الحج وهو (على من يستطع) أي استطاع إليه سبيلا قال الله تعالى: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧] قد ذكر الله تعالى تفصيله في سورة البقرة من قوله تعالى: وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ -إلى قوله- إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة: ١٩٦].\nواشتراط الاستطاعة فيه مصرح به في الآية وفي حديث جبريل وفي حديث معاذ وغيرها وفسره النبي ﷺ بالزاد والراحلة.\nولا خلاف في كفر من جحد فرضيته وتقدم الخلاف في كفر تاركه مع الإقرار بفرضيته.\nوروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «تعجلوا الحج – يعني الفريضة – فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» (١) (٥٥٤) ورواه أبو داود بلفظ: «من أراد الحج فليتعجل» (٢) ...\nوروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: «خطبنا رسول الله ﷺ قال: أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (٣) ورواه مسلم (٤) بنحو هذا والله أعلم.\nوروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس إن الله تعالى كتب عليكم الحج فقام الأقرع بن حابس فقال: يا رسول الله أفي كل عام فقال لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم يعملوا بها ولن تستطيعوا أن تعملوا بها الحج مرة فمن زاد فهو تطوع» (٥). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص٧٩١\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣١٣) (٢٨٦٩). وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٢٩٥٧): صحيح.\n(٢) رواه أبو داود (١٧٣٢). وسكت عنه. قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٤٥٦) (٩٨٨٨). وقال البيهقي في «السنن الصغير» (٢/ ١٣٨): ثابت. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٣/ ٢٤٤): إسناده صحيح. وقال الألباني: في «صحيح الجامع» (٣٤٣٠): صحيح.\n(٤) رواه مسلم (١٣٣٧).\n(٥) رواه أبو داود (١٧١٢)، والنسائي (٥/ ١١١)، وابن ماجه (٢٨٨٦)، وأحمد (١/ ٢٥٥) (٢٣٠٤)، والحاكم (٢/ ٣٢١). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في «التلخيص». وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٦/ ٨): صحيح. وقال أحمد شاكر في «المسند» (٤/ ٨٤): إسناده صحيح. وقال الألباني في «مشكاة المصابيح» (٢٤٥٤):إسناده صحيح وله شاهد.","vol":"6","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1754>المبحث السادس: حكم تارك الأركان الأربعة</span>\nالأركان الأربعة - يعني سوى الشهادتين - في تكفير تاركها أو بعضها مع الإقرار بالوجوب، خلاف معروف، وقد ذكر شيخ الإسلام الخلاف في ذلك، وعرض الأقوال- ذاكرًا ما كان منها رواية عن الإمام أحمد- فقال:\n(... أحدهما: أنه يكفر بترك واحدة من الأربعة حتى الحج، وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء، فمتى عزم على تركه بالكلية كفر، وهذا قول طائفة من السلف، وهي إحدى الروايات عن أحمد اختارها أبو بكر.\nالثاني: أنه يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهو إحدى الروايات عن أحمد اختارها ابن بطة وغيره.\nالثالث: لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد، وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك، والشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد.\nالرابع: يكفر بتركها (أي الصلاة)، وترك الزكاة فقط.\nالخامس: بتركها، وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ترك الصيام والحج ...).\nوليس مقصودنا في هذا المبحث، ذكر الأدلة أو الترجيح بينها، وإنما المقصود أن نبين أن قول السلف ترك جنس العمل يختلف عن قولهم في مسألة ترك الأركان، فالأول أمر لم يخالف فيه منهم أحمد لأنه مقتضى إجماعهم على حقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل، أما الثاني فهو من مسائل الاجتهاد، وإن كان بين الأمرين علاقة، لكن ينبغي أن نعلم: أن الخلاف الأهم والأقوى هو خلافهم في مسألة ترك الصلاة كسلًا وهو ما سنشير إليه، أما غير الصلاة فالأقرب وهو قول الأكثرين عدم تكفير تاركها- ما لم يقاتل الإمام عليها- فالزكاة بالإضافة إلى أخذها من الفرد بالقوة في حديث: «إنا آخذوها وشطر ماله» (١)، فقد ورد حديث صريح في عدم تكفير من لا يؤديها، فعن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فيكوى بها جنباه وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ..» الحديث (٢). قال الإمام المروزي﵀- في تعليقه على هذا الحديث: (... فدل ما ذكرنا أن مانع الزكاة ليس بكافر، ولا مشرك، إذ أطمعه دخول الجنة لقول الله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨] ..) (٣)، أما الصوم فيكاد يكون إجماعًا القول بعدم تكفير تاركه، قال الإمام محمد بن نصر﵀-: (وقد اتفق أهل الفتوى، وعلماء أهل الأمصار على أن من أفطر في رمضان متعمدًا أنه لا يكفر بذلك، واختلفوا فيما يجب عليه عند ذلك ... فإن أفطر رمضان كله متعمدًا، فمنهم من أوجب عليه لكل يوم كفارة مع القضاء، ... ولم يقل أحد من العلماء أنه قد كفر) (٤).\nأما الحج فحيث أنه يجب في العمر مرة واحدة، ومختلف في وجوبه هل هو على الفور أم التراخي؟ فبذلك يصعب الجزم بأنه تارك للحج بالكلية والله أعلم. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – ٢/ ١١٨\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٥٧٥)، والنسائي (٥/ ١٥)، وأحمد (٥/ ٢) (٢٠٠٣٠)، والحاكم (١/ ٥٥٤). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على ما قدمنا ذكره في تصحيح هذه الصحيفة ولم يخرجاه. وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ٤٨٠): إسناده صحيح إلى بهز. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن.\n(٢) رواه مسلم (٩٨٧).\n(٣) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ١٠١٥).\n(٤) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ١٠١٦).","vol":"6","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1755>الفصل الثاني: هل الإسلام يزيد وينقص</span>؟\nهل الإسلام مثل الإيمان يدخله الزيادة، والنقصان ويدخله الاستثناء أم لا؟ خلاف مشهور. قال في شرح مختصر التحرير: وأما الإسلام فلا يجوز الاستثناء فيه بأن يقول المسلم: إن شاء الله بل يجزم به - قال ابن حمدان في (نهاية المبتدئين): وقيل يجوز إن شرطنا فيه العمل. انتهى. واعلم أن الناس في الإسلام والإيمان على ثلاثة أقوال، فالمرجئة يقولون الإسلام أفضل من الإيمان قالوا: فإنه يدخل فيه الإيمان، وآخرون يقولون الإيمان والإسلام سواء وهم المعتزلة، والخوارج، وطائفة من أهل الحديث والسنة بل حكاه محمد بن نصر عن جمهورهم، والقول الثالث أن الإيمان أكمل وأفضل وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة في غير موضع، وهو المأثور عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كما في شرح الإيمان والإسلام لشيخ الإسلام، وقال: الصحيح أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة كلها.\nقال: والإمام أحمد ﵁ إنما منع الاستثناء فيه على قول الزهري هو الكلمة، هكذا نقل الأثرم والميموني وغيرهما عنه، وأما على جوابه الآخر الذي لم يختر فيه قول من قال الإسلام الكلمة فيستثني في الإسلام كما يستثني في الإيمان، فإن الإسلام لا يجزم بأنه قد فعل كل ما أمر به من الإسلام ولذا قال النبي ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (١) و«بني الإسلام على خمس» (٢) فجزمه بأنه فعل الخمس بلا نقص كما أمر كجزمه بإيمانه فقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً أي في الإسلام كافة أي في جميع شرائع الإسلام. قال شيخ الإسلام قدس الله روحه: وتعليل الإمام أحمد وغيره من السلف في اسم الإيمان يجيء في اسم الإسلام، فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه كما نص عليه الإمام أحمد وغيره، وإذا أريد به فعل الواجبات الظاهرة فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان. قال شيخ الإسلام: ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلما متميزا عن اليهود، والنصارى تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين كان هذا مما يجزم به بلا استثناء فيه، ... والزيادة والنقصان يترتبان على ذلك وبالله التوفيق. وقد علمت ما عليه السلف وأئمة الدين وهو اعتقاد الطائفة الأثرية من أهل الفرقة الناجية بلا مين لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لمحمد بن أحمد السفاريني – ١/ ٤٣٧\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٢) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"6","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1756>الفصل الثالث: الاستثناء في الإسلام</span>\nأي: قول الإنسان (أنا مسلم إن شاء الله).\nفجمهور أهل السنة والجماعة؛ لا يرون الاستثناء في الإسلام كما يرونه في الإيمان؛ لأن الإسلام غير الإيمان كما علمنا سابقًا.\nفالإيمان درجات، والناس فيه طبقات: منهم المحسن، ومنهم المؤمن، ومنهم المسلم؛ فالإسلام هو أقل هذه الدرجات، وليس وراءه إلا الكفر؛ فمن لم يكن مسلمًا كان كافرًا، وأما من لم يكن مؤمنًا فقد يكون مسلمًا، لأن من نطق بالشهادتين أصبح مسلمًا، وتميز عن غيره من الكفار، فتجري عليه أحكام الإسلام.\nفقد دلت النصوص الشرعية على جواز القول: (أنا مسلم) بدون استثناء؛ كما في قول الله تعالى:\nوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣٣].\nوقوله: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: ١٤].\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – عن هذه الآية: (وهذه الآية مما احتج بها أحمد بن حنبل وغيره على أنه يُستثنى في الإيمان دون الإسلام، وأن أصحاب الكبائر يخرجون من الإيمان إلى الإسلام. قال الميموني: سألت أحمد بن حنبل عن رأيه في أنا مؤمن إن شاء الله؟ فقال: أقول: مؤمن إن شاء الله، وأقول: مسلم ولا أستثني. (١) قال: قلت لأحمد: تفرق بين الإسلام والإيمان؟ فقال لي: نعم. فقلت له: بأي شيء تحتج؟ قال لي: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤]) (٢). الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري - ص١٠٩\nفمن دخل في هذا الدين ونطق بالشهادتين فهو المسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، فمثل هذا يقال عنه مسلم، وكل أحد يصح أن يعبر عن نفسه بذلك بدون أن يستثني كما أرشد لذلك النبي ﷺ في حديث سعد، وكما أرشد إلى ذلك الأعراب ...\nوبهذا يعلم أن الصحيح في مسألة حكم الاستثناء في الإسلام أن يقال: مسلم بدون استثناء، وهذا هو المشهور عن سلف الأمة في هذه المسألة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى في الإسلام، وهو المشهور عن أحمد ﵁، وقد روي عنه في الاستثناء) (٣).\n... وإنما كان السلف لا يستثنون في الإسلام لأسباب أهمها أمران:\nالأول: ورد ما يرشد إلى ذلك في نصوص الشرع المطهر، كما في آية الحجرات، وحديث سعد وقد تقدما، وكما في قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣٣].\nفهذه النصوص فيها إشارة إلى جواز قول: مسلم بدون استثناء، وآية الحجرات واضحة صريحة في الدلالة على ذلك، ولهذا احتج بها على ذلك غير واحد من أهل العلم ...\nالأمر الثاني: أن كل من نطق بالشهادتين صار بذلك مسلمًا له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ويكون متميزًا عن اليهود والنصارى تجري عليه أحكام الشرع الجارية على المسلمين، وهذا القدر كل أحد يجزم به بلا استثناء في ذلك.\n_________\n(١) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٦٠٤).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٥٣)، وانظر: «تعظيم قدر الصلاة» للمروزي (٢/ ٥٢٨).\n(٣) «الفتاوى» (٧/ ٤٣).","vol":"6","page":138},{"text":"قال شيخ الإسلام: (ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين، كان هذا مما يجزم به بلا استثناء فيه) (١).\nلهذا كان المشهور عن السلف الصالح عدم الاستثناء في الإسلام كما ذكر ذلك شيخ الإسلام فيما تقدم، ومما ورد عنهم في ذلك:\nما رواه هشام الأزدي عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين: (أنهما كان يقولان: مسلم، ويهابان مؤمن) (٢).\nوقال أبو بكر المروزي: (قيل لأبي عبدالله: نقول: نحن المؤمنون؟ قال: نقول: نحن المسلمون) (٣).\nوقال الأثرم: (قلت لأبي عبدالله: فأما إذا قال أنا مسلم فلا يستثني؟ فقال: لا يستثني إذا قال: أنا مسلم) (٤).\nأما ما ذكره شيخ الإسلام عن أحمد بن حنبل أن له روايتين في المسألة: إحداهما: بتجويز الاستثناء في الإسلام، فسببه عائد إلى أن للإمام أيضًا روايتين في تعريف الإسلام: إحداهما: أن الإسلام هو الكلمة، والأخرى: أنه أعمال الإسلام الظاهرة كاملة. فإن أريد به الكلمة فلا استثناء، وإن أريد به الأعمال الظاهرة كلها فلا بد من الاستثناء؛ لأن الجزم بفعلها وإتمامها كالجزم بالإيمان سواء.\nقال شيخ الإسلام: (وأحمد إنما منع الاستثناء فيه – أي: الإسلام – على قول الزهري هو: الكلمة، هكذا نقل الأثرم والميموني وغيرهما عنه. وأما على جوابه الآخر الذي لم يختر فيه قول من قال: الإسلام الكلمة؛ فيستثني في الإسلام كما يستثني في الإيمان، فإن الإنسان لا يجزم بأنه فعل كل ما أمر به من الإسلام ... فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه، كما نص عليه أحمد وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها، فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان. ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين، كان هذا مما يجزم به ...) (٥).\nوقال: (.. لكن الإسلام الذي هو أداء الخمس كما أمر به يقبل الاستثناء، فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنهما لا تزيد ولا تنقص فلا استثناء فيها) (٦). زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبدالرزاق البدر -بتصرف – ص ٤٩٥\n_________\n(١) «الفتاوى» (٧/ ٤١٥).\n(٢) رواه عبدالله في «السنة» (١/ ٣٢٢) والخلال في السنة (٣/ ٦٠٣) (١٠٧٥) والآجري في «الشريعة» (ص: ١٣٩) وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٤) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٤/ ٨١٥).\n(٣) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٦٠٢) (١٠٧٣)، والآجري في «الشريعة» (ص: ١٣٩).\n(٤) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٧٦).\n(٥) «الفتاوى» (٧/ ٤١٥).\n(٦) «الفتاوى» (٧/ ٤١٥).","vol":"6","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1758>المبحث الأول: هل الإسلام هو الإيمان</span>؟\nهل الإسلام هو الإيمان؟ وهل الإيمان هو الإسلام؟ أو غيره. فهذا مما افترقت فيه الطوائف، كافتراقهم في مسمى الإيمان.\nفقالت الوعيدية: إن الإسلام هو الإيمان والعكس صحيح (١).\nوقيل: الإسلام هو الكلمة أي كلمة التوحيد بالشهادتين. والإيمان هو العمل.\nوهذان القولان لهما وجه صحيح يتضح عند التحقيق في معناهما.\nوذهب الأشاعرة إلى أن الإيمان خصلة من خصال الإسلام، بأن كل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا (٢).\nوهذا القول فيه حق وباطل .....\nوالقول الصواب الذي عليه أهل التحقيق القول بالتفصيل، وهو إجمالًا: الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا. وإذا افترقا اجتمعا. ومعناه: أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا في نص واحد من كتاب أو سنة فإن لكل واحد منهما معنى يختص به. فالإسلام: الأعمال الظاهرة ومنها الشهادتان والصلاة .. والإيمان: الأعمال الباطنة من الاعتقادات كالتوكل والخوف والمحبة والرغبة والرهبة وغيرها. وقد دل على هذا دلائل كثيرة منها اكتفاءً واختصارًا:\nقوله تعالى في سورة الحجرات: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] فاجتمعا في نص واحد، ونفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الإسلام؛ فدل على افتراقهما أنهم مسلمون لكن لم يبلغوا أن يكونوا مؤمنين.\nوحديث جبريل ﵇ المشهور وفيه ذكر الإسلام: بالأركان الخمسة، والإيمان: بالأصول الستة.\nفإنهما اجتمعا في نص واحد، أجاب النبي ﷺ لكلٍ بمعنى غير الآخر؛ فدل على افتراقهما.\nوأركان الإسلام الخمسة أعمال ظاهرة، وأصول الإيمان الستة أعمال باطنة، ولا بد منهما جميعًا.\nوحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «أعطى رسول الله ﷺ رهطًا وسعد جالسٌ، فترك رجلًا هو أعجبهم إليَّ، فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا. فقال: أو مسلمًا مالك عن فلان، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، فقلت: مثل ذلك وأجابني بمثله، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد ﷺ ثم قال: يا سعد إني لأُعطي الرجل، وغيره أحب إليَّ منه، خشية أن يكبه الله في النار» (٣)\nووجه الدلالة كما في دلالة آية الحجرات، بتفريقه ﷺ بين المؤمن والمسلم في نص واحد، مما يدل أن لكل منهما معنى يختص به ...\nومن هنا قال الحافظ بن رجب في جامع العلوم والحكم: قال المحققون من العلماء: كل مؤمن مسلم، فإن من حقَّق الإيمان، ورسخ في قلبه، قام بأعمال الإسلام، كما قال ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٤) فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح بالأعمال.\nوليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب به تحقيقًا تامًا، مع عمل جوارحه أعمال الإسلام فيكون مسلمًا، وليس بمؤمن الإيمان التام. اهـ. (٥).\n_________\n(١) كما في «جامع العلوم والحكم» لابن رجب (ص٢٦).\n(٢) وهو قول أبي بكر الباقلاني نقله عنه بلفظه شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٥٤) وما بعدها وقال قبله: «فصل: قال الذين نصروا مذهب جهم في الإيمان من المتأخرين كالقاضي أبي بكر وهذا لفظه ..».اهـ. فذكره.\n(٣) رواه البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠). من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٥) «جامع العلوم والحكم» شرح الحديث الثاني: حديث جبريل المشهور (ص٢٨)، وانظر: «منهج الحافظ ابن رجب» ص (٤٢٨) وما بعدها.","vol":"6","page":140},{"text":"ومعنى افتراقهما: أن يأتي أحدهما في نص دون الآخر، فعندئذٍ يكون أحدهما بمعنى الآخر، فالإسلام هو الإيمان والعكس صحيح.\nولهذا أدلة كثيرة في الوحيين: منها قوله تعالى في سورة آل عمران: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥].\nوفي أولها قوله سبحانه: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ [آل عمران: ١٩]. فاقتضينا أن الدين عند الله الإيمان، ومن يبتغ غير الإيمان دينًا فلن يقبل منه.\nومنه قوله تعالى في خطابه للمؤمنين في آيات كثيرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ فإن الخطاب أيضًا متوجه للذين أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، مما يدل على تناول أحدهما الآخر عند الانفراد.\nوحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان» (١) وفي لفظ آخر: «الإيمان بضع وسبعون» (٢).\nفإن الإيمان هنا متناول للإسلام لاشتماله على الصلاة والصيام والحج والزكاة.\nولما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه إليه ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (٣).\nوعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (٤).\nففي كلا الحديثين المسلم يشمل المؤمن، مما يدل على أنهما بمعنى واحد عند الاجتماع.\nومن أصرح الأدلة من السنة على كون افتراقهما يُصِّيرُ معناهما واحدًا حديث وفد عبد القيس، المتفق على صحته من حديث أبي هريرة ﵁، أنهم جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من مضر ولا نستطيع أن نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة؟ فقال ﷺ: «آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس» الحديث (٥).\nفإن النبي ﷺ أخبرهم في الحديث – في هذا الحال المهم، والسؤال الأهم – عن الإيمان بأركان الإسلام، فدل على أنهما بمعنى واحد، مما يفيد أن أحدهما يغني عن الآخر عند الافتراق. مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – بتصرف – ص: ٢٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥).\n(٢) رواه مسلم (٣٥).\n(٣) رواه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠).\n(٤) رواه البخاري (١٩).\n(٥) رواه البخاري (٥٣) وهذا لفظه، ومسلم (١٧). من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"6","page":141},{"text":"واعلم أن (الإيمان والإسلام) يجتمع فيهما الدين كله وقد كثر كلام الناس في (حقيقة الإيمان والإسلام) ونزاعهم واضطرابهم; وقد صنفت في ذلك مجلدات؛ والنزاع في ذلك من حين خرجت الخوارج بين عامة الطوائف. ونحن نذكر ما يستفاد من كلام النبي ﷺ مع ما يستفاد من كلام الله تعالى فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله ورسوله فإن هذا هو المقصود. فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء؛ بل نذكر من ذلك - في ضمن بيان ما يستفاد من كلام الله ورسوله - ما يبين أن رد موارد النزاع إلى الله وإلى الرسول خير وأحسن تأويلا وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة. فنقول: قد فرق النبي ﷺ في حديث جبريل ﵇ بين مسمى (الإسلام) ومسمى (الإيمان) ومسمى (الإحسان). فقال: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. وقال: الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». و(الفرق) مذكور في حديث عمر الذي انفرد به مسلم (١) وفي حديث أبي هريرة الذي اتفق البخاري ومسلم عليه (٢) وكلاهما فيه: أن جبرائيل جاءه في صورة إنسان أعرابي فسأله. وفي حديث عمر: أنه جاءه في صورة أعرابي. وكذلك فسر (الإسلام) في حديث ابن عمر المشهور قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان» (٣). وحديث جبرائيل يبين أن (الإسلام المبني على خمس) هو الإسلام نفسه ليس المبني غير المبني عليه؛ بل جعل النبي ﷺ الدين ثلاث درجات: أعلاها (الإحسان) وأوسطها (الإيمان) ويليه (الإسلام) فكل محسن مؤمن وكل مؤمن مسلم وليس كل مؤمن محسنا ولا كل مسلم مؤمنا كما سيأتي بيانه - إن شاء الله - في سائر الأحاديث كالحديث الذي رواه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من أهل الشام عن أبيه عن النبي ﷺ قال له: «أسلم تسلم. قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان. قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت. قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة. قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء. قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد. قال: وما الجهاد؟ قال: أن تجاهد أو تقاتل الكفار إذا لقيتهم ولا تغلل ولا تجبن. ثم قال رسول الله ﷺ: عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما - قالها ثلاثا - حجة مبرورة أو عمرة» (٤) ولهذا يذكر هذه المراتب الأربعة فيقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم والمهاجر من هجر السيئات والمجاهد من جاهد نفسه لله» (٥). وقد ثبت عنه من غير وجه أنه قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» (٦).\n_________\n(١) رواه مسلم (٨).\n(٢) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩، ١٠).\n(٣) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).\n(٤) رواه أحمد (٤/ ١١٤) (١٧٠٦٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٥٥). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٤٧٦): رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في «الإيمان» لابن تيمية (ص٥): صحيح بشواهده.\n(٥) رواه عبد بن حميد في مسنده (٣٣٦). وقال الألباني في «الإيمان» لابن تيمية (ص٦): صحيح. والحديث روى بعضه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠). من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٦) رواه الترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي (٨/ ١٠٤)، وأحمد (٢/ ٣٧٩) (٨٩١٨) .. من حديث أبي هريرة ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو ما قاله الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"6","page":142},{"text":"ومعلوم أن من كان مأمونا على الدماء والأموال؛ كان المسلمون يسلمون من لسانه ويده ولولا سلامتهم منه لما ائتمنوه. وفي حديث عبد الله بن عبيد بن عمير أيضا عن أبيه عن جده أنه «قيل لرسول الله ﷺ: ما الإسلام؟ قال: إطعام الطعام وطيب الكلام. قيل: فما الإيمان؟ قال: السماحة والصبر. قيل: فمن أفضل المسلمين إسلاما؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. قيل: فمن أفضل المؤمنين إيمانا؟ قال: أحسنهم خلقا. قيل فما أفضل الهجرة؟ قال: من هجر ما حرم الله عليه. قال: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت. قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد مقل. قال: أي الجهاد أفضل؟ قال: أن تجاهد بمالك ونفسك؛ فيعقر جوادك ويراق دمك. قال أي الساعات أفضل؟ قال: جوف الليل الغابر» (١). ومعلوم أن هذا كله مراتب بعضها فوق بعض؛ وإلا فالمهاجر لابد أن يكون مؤمنا وكذلك المجاهد ولهذا قال: «الإيمان: السماحة والصبر». وقال في الإسلام: «إطعام الطعام وطيب الكلام». والأول مستلزم للثاني؛ فإن من كان خلقه السماحة فعل هذا بخلاف الأول؛ فإن الإنسان قد يفعل ذلك تخلقا ولا يكون في خلقه سماحة وصبر. وكذلك قال: (أفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده. وقال: أفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا. ومعلوم أن هذا يتضمن الأول؛ فمن كان حَسِن الخلق فعل ذلك. قيل للحسن البصري: ما حسن الخلق؟ قال: بذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه. فكف الأذى جزء من حسن الخلق. وستأتي الأحاديث الصحيحة بأنه جعل الأعمال الظاهرة من الإيمان كقوله: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (٢). وقوله لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم» (٣). ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب؛ لما قد أخبر في غير موضع أنه لا بد من إيمان القلب فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان ... وقال ﷺ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب» (٤). فمن صلح قلبه صلح جسده قطعًا بخلاف العكس ... فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان؛ صلح الجسد بالإسلام وهو من الإيمان؛ يدل على ذلك أنه قال في حديث جبرائيل: «هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم» (٥) فجعل (الدين) هو الإسلام والإيمان والإحسان. فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة لكن هو درجات ثلاث: (مسلم) ثم (مؤمن) ثم (محسن) كما قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: ٣٢] والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة بخلاف الظالم لنفسه. وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب؛ لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن؛ فإنه معرض للوعيد ... وأما (الإحسان) فهو أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإيمان. (والإيمان) أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإسلام.\n_________\n(١) ذكره ابن تيمية في «الإيمان» (ص٧) وقال الألباني: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٥٣) وهذا لفظه، ومسلم (١٧). من حديث ابن عباس ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).","vol":"6","page":143},{"text":"فالإحسان يدخل فيه الإيمان والإيمان يدخل فيه الإسلام والمحسنون أخص من المؤمنين والمؤمنون أخص من المسلمين؛ وهذا كما يقال: في (الرسالة والنبوة) فالنبوة داخلة في الرسالة والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها؛ فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا؛ فالأنبياء أعم والنبوة نفسها جزء من الرسالة فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة؛ فإنها لا تتناول الرسالة. والنبي ﷺ فسر (الإسلام والإيمان) بما أجاب به؛ كما يجاب عن المحدود بالحد إذا قيل ما كذا؟ قيل: كذا وكذا مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - بتصرف- ٧/ ٥\nكذلك أيضا مما يتعلق بالإيمان مسألة الإسلام ... والخلاف في مسماه، ... على ثلاثة أقوال:\nطائفة قالت: الإسلام هو الكلمة، أي الشهادتان، وهذا مروي عن الزهري (١)، وبعض أهل السنة قالوا: الإسلام هو الكلمة، والإيمان هو العمل، المذهب الثاني: طائفة قالوا الإسلام والإيمان مترادفان، وهذا مروي عن بعض أهل السنة، ويتزعمهم البخاري، وهو أيضا ذهب إليه الخوارج والمعتزلة.\nالمذهب الثالث: أن الإسلام هو العمل والإيمان هو التصديق والإقرار، جعلوا الإسلام هو الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة، واستدلوا بحديث جبريل (٢)، والصواب في المسألة أن الإيمان والإسلام تختلف دلالتهما بحسب الإفراد والاقتران، فإذا أطلق الإسلام وحده دخل فيه الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، وإذا أطلق الإيمان وحده دخل فيه الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، وإذا اجتمعتا، فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة كما في حديث جبريل، فإن جبريل لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام فسره بالأعمال الظاهرة، ولما سأله عن الإيمان فسره بالأعمال الباطنة.\nهذا هو الصواب أن الإسلام إذا أطلق وحده دخل فيه الإيمان، والإيمان إذا أطلق وحده دخل فيه الإسلام، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال الباطنة، أما الأدلة والمناقشات يأتي الكلام عليها إن شاء الله.\nقلنا إن الناس في مسمى الإسلام لهم أقوال: القول الأول: من يقول: إن الإسلام هو الكلمة والإيمان هو العمل، يقول: مسمى الإسلام هو الكلمة، يعني الشهادتين، وهذا مروي عن الزهري وبعض أهل السنة، قالوا الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج هؤلاء بقول الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: ٣٢] قالوا فالمسلم الذي لم يقم بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه والمقتصد، هو المؤمن المطلق الذي أدى الواجب وترك المحرم.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٨٤)، وابن حبان (١/ ٣٨٠)، والحميدي في «المسند» (١/ ٣٧)، وعبد بن حميد في «المسند» (١/ ٧٧). قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح الإسناد مقطوع.\n(٢) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩، ١٠).","vol":"6","page":144},{"text":"والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه، ولكن وجهة نظر الزهري هي أن من أتى بالشهادتين صار مسلما، يتميز عن اليهود والنصارى، تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين. والزهري لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها؛ فإن الزهري أجل من أن يخضع لذلك، ولهذا فإن أحمد ﵀ في أحد أجوبته لم يجب بهذا، خوفا من أن يظن أن الإسلام ليس هو إلا الكلمة، وقد رد محمد بن نصر على من قال بهذا القول، فقال من زعم أن الإسلام هو الإقرار، وأن العمل ليس منه فقد خالف الكتاب والسنة، فإن النصوص كلها تدل على أن الأعمال من الإسلام كحديث جبريل، وفيه بني الإسلام على خمس، وذكر الأعمال الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج شرح العقيدة الطحاوية لعبد العزيز بن عبد الله الراجحي - ١/ ٢٤٦\nويمكن أن نجمل ما سبق في قاعدتين: القاعدة الأولى: لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له.\nوالمقصود هنا الإيمان والإسلام المقبولان عند الله ﷿.\nقال أبو طالب المكي: (.. فمثل الإسلام من الإيمان، كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى في المعنى والحكم، فشهادة الرسول، غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيء واحد، كذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر، فهما كشيء واحد، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه، ولا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه، من حيث اشترط الله للأعمال الصالحة الإيمان، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة، فقال في تحقيق ذلك: فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [الأنبياء: ٩٤]\nوقال في تحقيق الإيمان بالعمل: وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى [طه: ٧٥] (١). ويقول ابن أبي شيبة: لا يكون الإسلام إلا بإيمان، ولا إيمان إلا بإسلام ... (٢).وقال الإمام البغوي في تعليقه على حديث جبريل ﵇: جعل النبي ﷺ في هذا الحديث الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام (٣)، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين ولذلك قال: «ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم» (٤) والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعًا ...) (٥).\nإذًا يمكن تلخيص هذه القاعدة بما يلي:\nإن بين الإسلام والإيمان تلازمًا فلا يمكن أن يوجد أحدهما بدون الآخر، فلا يصح الإسلام ولا يوجد بدون أصل الإيمان، فإذا انتفى أصل الإيمان بطل الإسلام، كذلك لا يصح ولا يوجد إيمان بدون إسلام (أي عمل الجوارح، وعمل القلب) فلو انتفى العمل لدل ذلك على بطلان الإيمان وفساده.\nالقاعدة الثانية: أن الاسم الواحد ينفي ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به، فلا يجب إذا أثبت أو نفى في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام ... كذلك كل ما يكون له مبتدأ وكمال، ينفي تارة باعتبار انتفاء كماله، ويثبت تارة باعتبار ثبوت مبدئه (٦).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٣٣٣).\n(٢) «تعظيم قدر الصلاة» للمروزي (٢/ ٥٢٨).\n(٣) لو قال: ليس شرطًا في الإسلام لكان أولى لأنه لم يرد في النصوص إطلاق الإسلام على التصديق (أي قول القلب).\n(٤) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩، ١٠). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) «شرح السنة للبغوي» (١/ ١٠).\n(٦) انظر هذه القاعدة وشرحها وأمثلة لها في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٤٢١ - ٤٢٢).","vol":"6","page":145},{"text":"ذكر هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا من دقته - ﵀ - وسعة بحثه واستقرائه، وقبل أن نطبقها على مسألة الإيمان نذكر مثالًا من الأمثلة التي ذكرها لتتضح القاعدة أكثر.\nقال: (ولفظ النكاح وغيره في الأمر، يتناول الكامل، وهو العقد والوطء، كما في قوله: فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء [النساء: ٣] وقوله: حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] وفي النهي يعم الناقص والكامل، فينهى عن العقد مفردًا، وإن لم يكن وطء، كقوله: وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء [النساء: ٢١]، وهذا لأن الآمر مقصوده تحصيل المصلحة، وتحصيل المصلحة إنما يكون بالدخول كما لو قال: اشتر لي طعامًا، فالمقصود ما يحصل إلا بالشراء والقبض، والناهي مقصوده دفع المفسدة، فيدخل كل جزء منه، لأن وجوده مفسدة، وكذلك النسب والميراث معلق بالكامل منه، والتحريم معلق بأدنى سبب حتى الرضاع) (١).\nقال: (وكذلك الإيمان له مبدأ وكمال، وظاهر وباطن، فإذا علقت به الأحكام الدنيوية من الحقوق والحدود كحقن الدم، والمال، والمواريث، والعقوبات الدنيوية، الدنيوية من الحقوق والحدود كحقن الدم، والمال، والمواريث، والعقوبات الدنيوية، علقت بظاهره، لا يمكن غير ذلك، إذ تعليق ذلك بالباطن متعذر، وإن قدر أحيانًا، فهو متعسر علمًا وقدرة، فلا يعلم ذلك علمًا يثبت به في الظاهر، ولا يمكن عقوبة من يعلم ذلك منه في الباطن ... وأما مبدؤه فيتعلق به خطاب الأمر والنهي، فإذا قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: ٦] ونحو ذلك، فهو أمر في الظاهر لكل من أظهره، وهو خطاب في الباطن لكل من عرف من نفسه أنه مصدق للرسول، وإن كان عاصيًا، وإن كان لم يقم بالواجبات الباطنة والظاهرة، ... وأما كماله فيتعلق به خطاب الوعد بالجنة، والنصرة والسلامة من النار، فإن هذا الوعد إنما هو لمن فعل المأمور وترك المحظور، ومن فعل بعضًا وترك بعضًا فيثاب على ما فعله، ويعاقب على ما تركه، فلا يدخل في اسم المؤمن المستحق للحمد والثناء دون الذم والعقاب ومن نفى عنه الرسول الإيمان، فنفي الإيمان في هذا الحكم (٢)، لأنه ذكر ذلك على سبيل الوعيد، إنما يكون بنفي ما يقتضي الثواب ويدفع العقاب، ولهذا ما في الكتاب والسنة من نفي الإيمان عن أصحاب الذنوب، فإنما هو في خطاب الوعيد والذم، لا في خطاب الأمر والنهي، ولا في أحكام الدنيا) (٣).\nوكلام المروزي .. يتفق مع هذه القاعدة حيث قال: (إن اسم المؤمن قد يطلق على وجهين: اسم بالخروج من ملل الكفر، والدخول في الإسلام، وبه تجب الفرائض .... ويجري عليه الأحكام والحدود. واسم يلزم بكمال الإيمان وهو اسم ثناء وتزكية، يجب به دخول الجنة والفوز من النار .. إلخ كلامه ...) (٤) نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – ١/ ٥٧\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٢١ - ٤٢٢).\n(٢) أي: حكم الآخرة.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٢٣ - ٤٢٤)\n(٤) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٥٣٦ - ٥٤٠).","vol":"6","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1759>المبحث الثاني: حالات ورود لفظ الإيمان والإسلام في كلام الله ورسوله</span>\n(الحالة الأولى) أن يطلق على الأفراد غير مقترن بذكر الإسلام فحينئذ يراد به الدين كله كقوله ﷿: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: ٢٥٧] وقوله: وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨] وقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [الحديد: ١٦] وقوله: وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١] وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣] وقوله ﷺ: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة» (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٦٠)، ومسلم (١١١). من حديث أبي هريرة ﵁. بلفظة «مسلمة» بدلًا من «مؤمنة». ورواه بلفظه: الترمذي (٣٠٩٢)، والنسائي (٥/ ٢٣٤)، وأحمد (١/ ٧٩). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.","vol":"6","page":147},{"text":"ولهذا حصر الله الإيمان فيمن التزم الدين كله باطنا وظاهر في قوله ﷿: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٢ - ٤] وقوله ﷿: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥] وقوله تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٥ - ١٧] وفسرهم بمن اتصف بذلك كله في قوله ﷿: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ١ - ٥] وقال الله تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦] وفي قوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] وقال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ","vol":"6","page":148},{"text":"هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: ١ - ١١] وقال الله تعالى: طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [النمل: ١ - ٣] وغيرها من الآيات وقد فسر الله تعالى الإيمان بذلك كله في قوله تعالى لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: ١٧٧] ... وفسره النبي ﷺ بذلك كله في حديث وفد عبد القيس في الصحيحين وغيرهما فقال: «آمركم بالإيمان بالله وحده قال أتدرون ما الإيمان بالله وحده قالوا الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تؤدوا من المغنم الخمس» (١) وقد جعل ﷺ صيام رمضان إيمانا واحتسابا من الإيمان وكذا قيام ليلة القدر وكذا أداء الأمانة وكذا الجهاد والحج واتباع الجنائز وغير ذلك وفي الصحيحين: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (٢). وهذه الشعب المذكورة قد جاءت في القرآن والسنة في مواضع متفرقة منها ما هو من قول القلب وعمله ومنها ما هو من قول اللسان ومنها ما هو من عمل الجوارح.\nولما كانت الصلاة جامعة لقول القلب وعمله وقول اللسان وعمله وعمل الجوارح سماها الله تعالى إيمانا في قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: ١٤٣] يعني صلاتكم كما يعلم من سبب نزول هذه الآية ... والآيات والأحاديث في هذا الباب يطول ذكرها وإنما أشرنا إلى طرف منها يدل على ما وراءه وبالله التوفيق .........\n(الحالة الثانية) أي يطلق الإيمان مقرونا بالإسلام وحينئذ يفسر بالاعتقادات الباطنة كما في حديث جبريل هذا وما في معناه وكما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [النساء: ٥٧] في غير موضع من كتابه وكما قال النبي ﷺ في دعاء الجنازة: «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» (٣) وذلك أن الأعمال بالجوارح وإنما يتمكن معها في الحياة فأما عند الموت فلا يبقى غير قول القلب وعمله ... والحاصل أنه إذا أفرد الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ بل كل منهما على انفراده يشمل الدين كله وإن فرق بين الاسمين كان الفرق بينهما بما في هذا الحديث الجليل والمجموع مع الإحسان هو الدين كما سمى النبي ﷺ ذلك كله دينا وبهذا يحصل الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث التي فيها تفسير الإيمان بالإسلام والإسلام بالإيمان وبذلك جمع بينه وبينها أهل العلم. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - بتصرف - ص٧٤٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه أبو داود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤)، وابن ماجه (١٤٩٨)، وأحمد (٢/ ٣٦٨) (٨٧٩٥)، والحاكم (١/ ٥١١). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وله شاهد صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي في «التلخيص». وقال الألباني في «أحكام الجنائز» (ص١٢٤): وهو كما قالا. وصححه أيضًا في «صحيح سنن أبي داود».","vol":"6","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1760>المبحث الثالث: التلازم بين الإيمان والإسلام</span>\nإنه مع القول بالفرق بين الإيمان والإسلام، فإنه لا إسلام لمن لا إيمان له، ولا إيمان لمن لا إسلام له؛ إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصحُّ إسلامه، ولا يخلو المؤمن من إسلام به يُحققُ إيمانه؛ لما بين الباطن والظاهر من ارتباط وتلازم على ما سيأتي بسطه إن شاء الله.\nوالمقصود هنا أن نبين أنه حيث وجد الإيمان الباطن، لزم وجود الإسلام الظاهر الذي هو القول والعمل.\nقال شيخ الإسلام: (وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام، فإن الإيمان في القلب، والإسلام ظاهر كما في المسند عن النبي ﷺ أنه قال: «الإسْلامُ عَلانِيَةٌ وَالإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١).\nومتى حصل له هذا الإيمان وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لأن إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الاستسلام لله، والانقياد له، وإلا فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطنا ولا يحصل ذلك في الظاهر مع القدرة عليه، كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد.\nوبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانا جازما، امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة. فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام، وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان بدون الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة؛ فإن هذا ممتنع، إذ لا يحصل الإيمان التام في القلب إلا ويحصل في الظاهر موجبه بحسب القدرة، فإن من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حبا جازما وهو قادر على مواصلته، ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ذلك) (٢).\nوقال: (فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الإسلام خارجا عنه، كما في حديث جبريل، وإن كان لازما له) (٣).\nوقال أيضا: (وقد ذكر الخطابي في شرح البخاري كلاما يقتضي تلازمهما، مع افتراق اسميهما، وذكره البغوي في شرح السنة فقال: قد جعل النبي الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس كذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل الجملة (٤)، هي كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك قال النبي ﷺ: «هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم» (٥).\n_________\n(١) رواه أحمد (١٢٤٠٤) من حديث أنس، وليس فيه: (والإيمان أن تؤمن بالله ...). والحديث ضعفه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند، والألباني في ضعيف الجامع الصغير (٢٢٨٠).\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٥٣).\n(٣) السابق (٧/ ٥٥٥).\n(٤) كذا، والصواب: (تفصيل لجملةٍ هي كلها شيء واحد)، كما عند البغوي.\n(٥) السابق (٧/ ٣٥٩) وما بعدها. وكلام البغوي في شرح السنة (١/ ١٠)، وفي تفسيره لقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *البقرة: ٣*.","vol":"6","page":150},{"text":"ونَقل عن أبي طالب المكي قوله: (فمثل الإسلام من الإيمان، كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى في المعنى والحكم. فشهادة الرسول غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم، كشيء واحد. كذلك الإيمان والإسلام: أحدهما مرتبط بالآخر، فهما كشيء واحد، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له؛ إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه، ولا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه من حيث اشترط الله للأعمال الصالحة الإيمان، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة، فقال في تحقيق ذلك: فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [الأنبياء:٩٤] وقال في تحقيق الإيمان بالعمل: وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى طه:٧٥ [. فمن كان ظاهره أعمال الإسلام، ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة. ومن كان عقده الإيمان بالغيب، ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام، فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد) (١).]\nوقال أبو طالب المكي أيضا: (ومثل الإيمان في الأعمال، كمثل القلب في الجسم، لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا يكون ذو جسم حي لا قلب له، ولا ذو قلب بغير جسم، فهما شيئان منفردان، وهما في الحكم والمعنى منفصلان.\nومثلهما أيضا مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي واحدة. لا يقال: حبتان لتفاوت صفتهما. فكذلك أعمال الإسلام من الإسلام هو ظاهر الإيمان، وهو من أعمال الجوارح، والإيمان باطن الإسلام وهو من أعمال القلوب).\nوقد سبق النقل عن شيخ الإسلام في إثبات أن الإيمان يستلزم الإسلام باتفاق، حيث قال: (فإن الإيمان مستلزم للإسلام باتفاقهم، وليس إذا كان الإسلام داخلا فيه يلزم أن يكون هو إياه، وأما الإسلام فليس معه دليل على أنه يستلزم الإيمان عند الإطلاق ... ولو قُدّر أن الإسلام يستلزم الإيمان الواجب فغاية ما يقال: إنهما متلازمان فكل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم، وهذا صحيح إذا أريد أن كل مسلم يدخل الجنة معه الإيمان الواجب. وهو متفق عليه إذا أريد أن كل مسلم يثاب على عبادته فلا بد أن يكون معه أصل الإيمان).\nوقال: (فإذا قيل: إن الإسلام والإيمان التام متلازمان لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر كالروح والبدن، فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح وليس أحدهما الآخر. فالإيمان كالروح، فإنه قائم بالروح ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيا إلا مع الروح، بمعنى أنهما متلازمان، لا أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر، وإسلام المنافقين كبدن الميت، جسد بلا روح. وما من بدن حي إلا وفيه روح) (٢). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ١٢٠\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٣٣)، وكلام أبي طالب في \"قوت القلوب\" (٢/ ٢٥٠).\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٦٧).","vol":"6","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1761>المبحث الرابع: ثمرة التفريق بين الإسلام والإيمان</span>\nإن للقول بالتفريق بين الإيمان والإسلام ثمرات هي:\n١ - بيان أن الإيمان مراتب كما حددها النبي ﷺ.\n٢ - وأن الإيمان أفضل من الإسلام كما أن الإحسان أفضل من الإيمان.\n٣ - وأن الجنة معلقة بالإيمان والإسلام.\n٤ - وأن الإيمان أعم من الإسلام من جهة الشمول فكل مؤمن مسلم وليس العكس إلا إذا أتى بالإسلام الواجب فحينئذ يعتبر مسلما مؤمنا وهذا معنى قول السلف: (لا إسلام إلا بإيمان ولا إيمان إلا بإسلام) والإسلام الواجب يدخل فيه أصل الإيمان على أقل تقدير وهو المعبر عنه بالإسلام الحقيقي ... وأما من جهة الإفراد فلا يطلق إلا على من أتى بالإيمان الواجب وبهذا الاعتبار ... أن الإسلام أعم وأشمل فيشمل المسلم الحقيقي والمنافق والفاسق الملي بإطلاق.\n٥ - ومن ثمراته أيضا: تقرير الزيادة والنقصان في الإيمان بحسب الأعمال فالمرء يرتقي إلى مرتبة الإيمان والإحسان بأعماله الصالحة وطاعة الله تعالى بامتثال أوامره وترك نواهيه. ولهذا فرت المرجئة من هذا الأصل الأصيل لأنه يأتي على بنيانهم من القواعد!\n٦ - ومن ثمراته أيضا: التفريق بين الإسلام الحكمي من أنه يطلق على كل من أظهر الإسلام صادقا أو كاذبا ولكن لا يطلق عليهم اسم الإيمان أو الإسلام الحقيقي الذي يوافق الإيمان الواجب.\n٧ – وكذلك من ثمراته: أنه يحكم على المرء بالإسلام الحكمي بمجرد إقراره لا يعطى اسم المؤمن إلا لمن جمع بين القول والعمل.\nوكذا اسم الإيمان ينزع من مرتكب الكبيرة ولكن لا ينزع منه اسم الإسلام على قول من يرى أن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان إلى الإسلام. قواعد في بيان حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لعادل الشيخاني - بتصرف- ص: ٢٩٦","vol":"6","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1764>تمهيد</span>\nفي هذا المبحث سنبين مراتب الإيمان وطبقات الناس فيه، وماهو الحد الأدنى الذي من أخل به ذهب إيمانه، وما هو الحد الأعلى الذي يبلغ بصاحبه درجة الصديقين.\nاسم الإيمان وحقيقته:\nقال الإمام الخطابي (إن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء، له أدنى وأعلى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها والحقيقة تقتضي جميع شعبها وتستوفي جميع أجزائها ...) (١).\nإذًا حقيقة الإيمان واستكماله لا تكون إلا بأداء الفرائض واجتناب المحارم، وأما اسم الإيمان وحكمه فيشمل كل من دخل الإيمان وإن لم يستكمله وهكذا (الأمور كلها يستحق الناس بها أسماءها مع ابتدائها والدخول فيها، ثم يفضل فيها بعضهم بعضًا وقد شملهم فيها اسم واحد، من ذلك أنك تجد القوم صفوفًا بين مستفتح للصلاة، وراكع وساجد، وقائم وجالس، فكلهم يلزمه اسم المصلي، فيقال لهم مصلون، وهم مع هذا فيها متفاضلون وكذلك صناعات الناس، لو أن قومًا ابتنوا حائطًا وكان بعضهم في تأسيسه، وآخر قد نصفه، وثالث قد قارب الفراغ منه، قيل لهم جميعًا بناة وهم متباينون في بنائهم وكذلك لو أن قومًا أمروا بدخول دار، فدخلها أحدهم فلما تعتب الباب أقام مكانه، وجاوزه الآخر بخطوات، ومضى الثالث إلى وسطها، قيل لهم جميعًا داخلون وبعضهم فيها أكثر مدخلًا من بعض فكذلك المذهب في الإيمان .. هو درجات ومنازل وإن سمي أهله اسمًا واحدًا) (٢).\nأيضًا مما ينبغي تأكيده في هذا المجال أن ما ورد من نفي الإيمان عمن ارتكب بعض الكبائر هو داخل في هذا المعنى ... أي أن المنفي ليس اسم الإيمان والدخول فيه إنما المنفي هو حقيقة الإيمان وكماله، يقول الإمام أبو عبيد: (فإن قال قائل كيف يجوز أن يقال ليس بمؤمن واسم الإيمان غير زائل عنه؟ قيل هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله ما صنعت شيئًا ولا عملت عملًا وإنما وقع معناه هاهنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالاسم، وغير عامل في الإتقان، حتى تكملوا به فيما هو أكثر من هذا، وذلك كرجل يعق أباه ويبلغ منه الأذى فيقال ما هو بولده، وهم يعلمون أنه ابن صلبه، ثم يقال مثله في الأخ والزوجة والمملوك وإنما مذهبهم في هذا المزايلة من الأعمال الواجبة عليهم من الطاعة البر، وأما النكاح والرق والأنساب، فعلى ما كانت عليه أحكامها وأسماؤها فكذلك هذه الذنوب التي ينفي بها الإيمان إنما أحبطت الحقائق منه الشرائع التي هي من صفاته، فأما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك ولا يقال لهم مؤمنون وبه الحكم عليهم) (٣) ثم ذكر شواهد شرعية على ذلك.\nيتبين لنا من النقل السابق أن هناك أمرين أحدهما عام والآخر خاص، فأما العام فهو استحقاق اسم الإيمان لكل من دخل الإيمان، سواء استكمله أم كان معه الحد الأدنى منه، وأما الخاص، فهو إطلاق الإيمان على معنى الكمال لمن عمل حقائق الإيمان.\nفالمؤمنون متفاوتون في مراتب إيمانهم فمنهم من معه أصل الإيمان (الحد الأدنى منه) دون حقيقته الواجبة، ومنهم من بلغ درجات الكمال الواجب أو المستحب. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – ١/ ٩٤\n_________\n(١) «معالم السنن» بحاشية سنن أبي داود (٥/ ٥٦)، وانظر: «أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري» (١/ ٢٤٢، ٢٤٣).\n(٢) «الإيمان» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص: ٧٥، ٧٦).\n(٣) «الإيمان» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص: ٩٠، ٩١).","vol":"6","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1765>المبحث الأول: أصل الإيمان، أو الإيمان المجمل، أو مطلق الإيمان</span>\nأصل الإيمان: وهي الحد الأدنى من الإيمان ولا يوجد الإيمان بدونه وبه ينجو صاحبه من الكفران، ويدخل في زمرة الإيمان، وبه خلاصه من الخلود في النار إن مات عليه. ويطلق عليه أيضا الإيمان المجمل ومطلق الإيمان.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك) (١).\nويسمى بمطلق الإيمان لأن صاحبه داخل في مسمى الإيمان لأنه قد ثبت له أصل الإيمان فيعد من أهله ولكن لا يعطى له اسم الإيمان مطلقا لأن الإيمان إذا أطلق يراد به جميع الشرائع الواجبة والمستحبة واسم المؤمن إذا أطلق فيراد به من أتى بالإيمان الواجب ولكنه يعطى له مطلق الاسم، لصحة نسبة صاحبه إليه، ولو لم يأت بكماله الواجب؛ فهو مؤمن ناقص الإيمان بسبب تقصيره وتفريطه في الواجبات وركوبه المحارم، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بتفريطه وارتكابه الكبائر ...\nوهذه المرتبة أعني أصل الإيمان يقابلها الكفر فلا يقبل النقصان فإن المخل بها لا تثبت له قدم الإسلام فكل من لم يأت بأصل الإيمان فهو كافر، ولما كان أصل الإيمان يقابل الكفر والكفر يضاده فإن كل ذنب مكفر من قول أو فعل أو اعتقاد يهدم أصل الإيمان ويشمل أصل الإيمان على أقوال ... والاحتراز عن كل ما تخل به من المكفرات أو ما يسمى بنواقض الإيمان.\nومن أتى بأصل الإيمان فإنه يثبت له في الدنيا جميع الأحكام الشرعية المترتبة على الإيمان\nوإن مات عليه فإنه ناج من الخلود في النار، ودخل الجنة لا محالة، عاجلا آم آجلا وإن ارتكب المعاصي وقصر وفرط فهو في مشيئة الله إن شاء عفى عنه؛ فدخل الجنة ابتداء لشرف ما قام بقلبه من توحيد وإخلاص وأدركته شفاعة الشافعين، وإن شاء عذبه ثم دخل الجنة بعد ذلك، فلا شك أن مآله إلى الجنة والحمد لله. لقول النبي ﷺ: «من لقي الله لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» (٢).\nوكل من نفى عنه الشارع اسم الإيمان من أهل المعاصي ... فإنهم من أهل هذه المرتبة فإن نفي الشارع يدل على تقصيره في الإيمان الواجب، فإن الشارع كما ذكرنا لا ينفي اسم الإيمان إلا لترك واجب أو فعل محرم ينافي الإيمان الواجب، ولا يخرج المرء من هذه المرتبة إلا بالكفر والخروج عن الملة والعياذ بالله.\nقال الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي ﵀: (الكفر ضد أصل الإيمان، لأن للإيمان أصلًا وفروعًا فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر) (٣).\nوالحاصل: أن للإيمان أصل، لا يتم ولا يصح الإسلام والإيمان إلا به إجماعا (٤).\nوقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن معلقا على كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله: (الشيخ ﵀ يوضح ذلك أن أصل الإسلام وقاعدته شهادة أن لا إله إلا الله، وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان، وهذا الأصل لا الإبداع فيه من العلم والعمل والإقرار بإجماع المسلمين .. ومدلوله: وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة سواه، كائنا من كان، هذه هي الحكمة التي خلقت لها الجن والإنس وأرسلت لها الرسل، وأنزلت بها الكتب، وهي تتضمن كمال الذل والحب وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا سواه لا من الأولين ولا من الآخرين) (٥) .. قواعد في بيان حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لعادل الشيخاني-٣٩٧\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٧١).\n(٢) رواه البخاري (١٢٩)، ومسلم (٩٣). من حديث أنس ﵁.\n(٣) «تعظيم قدر الصلاة» (٣٣٤) ط/المصرية.\n(٤) «فتاوى الأئمة النجدية» جمعه وأعده أبو يوسف مدحت بن الحسن آل فراج (١/ ٢٨٩) ط١/ ١٤٢١هـ دار ابن خزيمة - الرياض.\n(٥) «الدرر السنية في الفتاوى النجدية» جمع عبد الرحمن قاسم (١/ ٥١٨) ط/بدون دار نشر.","vol":"6","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1766>المبحث الثاني: الإيمان الواجب، أو الإيمان المفصل، أو الإيمان المطلق، أو حقيقة الإيمان</span>\nالإيمان الواجب (الكمال الواجب): وهو ما زاد على أصل الإيمان من فعل الواجبات وترك المحرمات، وهذا الإيمان هو ما أوجبه الله تعالى على عباده وهو فعل جميع الطاعات واجتناب جميع المحرمات. وقد رتب الله تعالى على الإيمان الواجب الثواب والوعد بالجنة والعتق من النار، والوعيد لمن قصر فيه بترك واجب أو فعل محرم. وفي هذا تقع الزيادة والنقصان والفوز والخسران فلا يعطى لأحد اسم المؤمن المطلق إلا لمن كمل إيمانه بفعل جميع الطاعات وترك جميع المحرمات فإذا قصر في الواجبات أو ارتكب الموبقات فلا يستحق اسم المؤمن على الإطلاق بل يعتبر من أهل الوعيد وإيمانه ناقص.\nولهذا قال الإمام أبو عمرو ابن الصلاح الشهرزوري ﵀: (ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة لأن اسم الشيء مطلقا يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بقيد) (١).\nوالمقصود بإطلاق الاسم على ناقص الإيمان بقيد قول أهل السنة، المعروف (مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته).\nوعلق الله دخول الجنة بالإيمان الواجب فأهله هم المستحقون لدخوله ابتداء بلا عذاب قال الإمام المروزي ﵀: (والمؤمنون الذين زكاهم وأثنى عليهم، ووعدهم بالجنة هم الذين أكملوا إيمانهم باجتناب كل المعاصي، واجتناب الكبائر) (٢).\nوقال الحافظ ابن منده ﵀: (ولا يكون مستكملا له حتى يأتي بفرعه، وفرعه المفترض عليه، أو الفرائض واجتناب المحارم) (٣).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: (والمرتبة الثانية من مراتب الدين: مرتبة أهل الإيمان المطلق، الذين كمل إسلامهم وإيمانهم بإتيانهم ما وجب عليهم وتركهم ما حرم الله عليهم، وعدم إصرارهم على الذنوب فهذه هي المرتبة الثانية، التي وعد الله أهلها بدخول الجنة والنجاة من النار لقوله تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢١] فهؤلاء اجتمعت لهم الأعمال الظاهرة والباطنة ففعلوا ما أوجبه الله عليهم وتركوا ما حرمه الله عليهم وهم السعداء أهل الجنة) (٤).\nوالناس في الإيمان الواجب على قسمين:\n_________\n(١) «شرح مسلم» للنووي (١/ ١٠٥).\n(٢) «تعظيم قدر الصلاة» (٣٧١).\n(٣) «الإيمان» لابن منده (١/ ٣٣١).\n(٤) «الدرر السنية» (١/ ٣٣٣).","vol":"6","page":155},{"text":"القسم الأول: الذين أتوا بالإيمان الواجب بتمامه ولم ينقصوا منه ولم يزيدوا عليه إضافة إلى الإتيان بأصل الإيمان لأنه الأساس للإيمان الواجب والمستحب ولذا سمي بأصل الإيمان فهو أساس البناء، فهؤلاء هم المؤمنون حقا، المستحقون لوعد الله السالمون من وعيده والفائزون بدخول الجنة ابتداء بلا عذاب بفضل الله وكرمه، وهؤلاء هم المقتصدون كما قال تعالى: وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وقد بشر النبي ﷺ بالجنة من أتى بالإيمان الواجب بحيث أدى ما عليه من الواجبات دون الإتيان بالمستحبات كما في حديث النجدي الذي قال لما أخبره النبي ﷺ بما يجب عليه: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله ﷺ: «أفلح إن صدق» (١) وكذا قوله للأعرابي لما قال: (والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا أبدا، ولا أنقص منه): «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا» (٢).\nالقسم الثاني: الذين زادوا على أصل الإيمان ودخلوا في الإيمان الواجب بفعل ما يجب وترك ما يحرم عليهم، ولكنهم لم يكملوه بل قصروا فيه إما بترك واجب أو بفعل محرم فهؤلاء يشملهم الوعيد وهم ممن قال الله فيهم فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ كأصحاب أصل الإيمان، وهم الذين يطلق عليهم أصحاب الكبائر أو عصاة الموحدين فهؤلاء في مشيئة الله الذين إن ماتوا بلا توبة إن شاء عفى الله عنهم وأدخلهم الجنة ابتداء وإن شاء عذبهم على ذنوبهم ثم يدخلهم الجنة على ما عندهم من إيمان وعمل صالح وهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وهم المرجون لأمر الله والدليل على أنهم في المشيئة قوله تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: ١٠٦] وقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٨] وقوله ﷺ كما في حديث المبايعة: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ..» (٣).\nبقي أن نعرف حكم مرتكب الصغائر هل ينقص من مرتبة الإيمان الواجب أم لا؟ قال شيخ الإسلام ﵀ في الجواب على هذا التساؤل: (والرسول ﷺ لم ينفه إلا عن صاحب كبيرة، وإلا فالمؤمن الذي يفعل الصغيرة، وهي مكفرة عنه بفعله الحسنات، واجتناب الكبائر، لكنه ناقص الإيمان عمن اجتنب الصغائر، فمن أتى بالإيمان الواجب ولكنه خلطه بسيئات كفرت عنه بغيرها، ونقص بذلك درجة عمن لم يأت بذلك) (٤) .. قواعد في بيان حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لعادل الشيخاني-٣٩٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١). من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁.\n(٢) رواه البخاري (١٣٩٧)، ومسلم (١٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩). من حديث عبادة بن الصامت ﵁.\n(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٣٥٣).","vol":"6","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1767>المبحث الثالث: الإيمان المستحب، أو الإيمان الكامل بالمستحبات</span>\nالإيمان المستحب: وهو إيمان السابق بالخيرات وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: ٣٢] الزائد على الإيمان الواجب بفعل المندوبات والمستحبات وترك المكروهات والمشتبهات والسابق إلى فعل الخيرات والاجتهاد في الطاعات والقربات والترقي في مقامات الإحسان فهو دائم المراقبة لله والمشاهدة لآلائه وعظمته وجلاله ﷾ يعبد الله كأنما يرى الله ﷾ خوفا وتعظيما ومهابة وتوكلا عليه وإخلاصا له مع كمال الحب والذل والخضوع والإنابة والمسكنة. وهذا إيمان الصديقين والمقربين الأبرار فازوا بالمراتب العلية والمقامات السامية برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.\nقال الإمام ابن القيم ﵀: (وأما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولا من وصف حالهم وعدم الاتصاف به، بل ما شممنا له رائحة. ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم) (١).\nوأصحاب هذه المرتبة يستحقون دخول الجنة ابتداء في أعلى الدرجات بفضل الله وتوفيقه والنقص في هذه المرتبة لا يترتب عليه فسق أو وعيد بعقاب أو نفي لكمال الإيمان الواجب ولكن صاحبه يفوته علو الدرجة وسمو المنزلة عند الله تعالى كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وهو مركب – أي الإيمان – من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة) (٢).\nوفي ختام التعريف بالمراتب الثلاث تجدر الإشارة إلى تنبيهين مهمين:\nالتنبيه الأول: كان الأولى لشيخ الإسلام أن يقول في تعريف أصل الإيمان (وهو مركب بأصل لا يوجد بدونه) بدل قوله: (ومن أصل لا يتم بدونه) لأن الإيمان لا يتم بأصل الإيمان وليس هذا مقصود شيخ الإسلام ﵀، لأنه بين في أكثر من موضع أن الإيمان التام هو فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات وذكر أيضا أن الإيمان إذا أطلق والمقصود به الإيمان الكامل، هو جميع ما أمر الله به من الواجبات والمستحبات وما نهى عنه من المحرمات والمكروهات فقال ﵀: (وهو جميع ما أمر الله به، فهذا هو الإيمان الكامل التام) (٣) فالإيمان الكامل التام لا يتم إلا بمجموع مراتبه الثلاث .. قواعد في بيان حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لعادل الشيخاني-ص: ٤٠٢\n_________\n(١) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٣٤٥) للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية. ضبط نصه وخرج أحاديثه وعلق عليه عمر بن محمود أبو عمر دار ابن القيم/الدمام/ط١/ ١٤٠٩هـ.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٣٧).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٢٩٣) وانظر «الإيمان» (ص: ٢٢) فما بعدها لتعلم أن مقصود شيخ الإسلام بالتام الصحيح النافع وبغير التام الفاسد فتأمل؟!.","vol":"6","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1768>المبحث الرابع: الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان</span>\nأما المؤمن الإيمان المطلق الذي لا يتقيَّد بمعصية ولا بفسوق وبنحو ذلك، فهو الذي أتى بما يستطيعه من الواجبات مع تركه لجميع المحرمات، فهذا هو الذي يطلق عليه اسم الإيمان من غير تقييد، فهذا هو الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق؛ والثاني هو الذي لا يصر صاحبه على ذنب، والأول هو المصر على بعض الذنوب. وهذا الذي ذكرته هنا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة في الفرق بين الإسلام والإيمان، وهو الفرق بين مطلق الإيمان. والإيمان المطلق فمطلق الإيمان هو وصف المسلم الذي معه أصل الإيمان الذي لا يتم إسلامه إلا به، بل لا يصح إلا به؛ فهذا في أدنى مراتب الدين، إذا كان مصرا على ذنب أو تاركا لما وجب عليه مع القدرة عليه. الإيمان والرد على أهل البدع (مطبوع ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية لبعض علماء نجد الأعلام- ٢/ ٤) - عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب\nفالخلاصة أن مطلق الإيمان يعني أصل الإيمان والإيمان المطلق كمال الإيمان، فالعاصي يعطى مطلق الإيمان ولا يعطى الإيمان المطلق، العاصي يقال مؤمن بتقييد ناقص الإيمان، ولا يعطى الإيمان المطلق فيقال مؤمن بإطلاق فمطلق الإيمان أصل الإيمان، والإيمان المطلق كمال الإيمان. شرح رسالة كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام - عبد العزيز بن عبد الله الراجحي","vol":"6","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1769>المبحث الخامس: دخول الأعمال في هذه المراتب الثلاثة</span>\nفكما سبق إجماع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل، وهذا يشتمل مراتب الإيمان الثلاثة وسبق أيضا أن الإيمان إذا أطلق فالمراد به الدين كله وهو يشمل على شعب وهذه الشعب جامعة لكل أمور الإيمان الواجبات والمنهيات فصار الإيمان بهذه الشعب مشتملا على جميع الطاعات فرضها ونفلها، مما يجب على القلب واللسان والجوارح، على ترك المحظورات المحرمة منها والمكروهة ولكن هذه الشعب تتفاوت، فمنها ما يدخل في أصل الإيمان فلا يصح الإيمان إلا به ومنها ما يدخل في الإيمان الواجب ومنها ما يدخل في الإيمان المستحب ...\nأما أصل الإيمان فإنه يشتمل على شعب ولا يصح إلا باكتمالها وهي:\nعلى القلب: معرفة ما جاء به الرسول ﷺ إجمالا والتصديق والانقياد له وتواطؤ القلب مع اللسان في الإقرار بوحدانية الله والخضوع والمحبة مع الرضا والتسليم والتصديق بنبوة محمد ﷺ والانقياد لطاعته وعدم معاندته به.\nوعلى اللسان: الإقرار بالشهادتين وما يتوقف على اللسان من الأعمال الداخلة في أصل الإيمان كأذكار الصلاة مثلا.\nوعلى الجوارح: ما يكفر تاركها كالصلاة أو مانعها كالزكاة بإجماع الصحابة وما سواهما محل خلاف بين العلماء. إضافة إلى البراءة من الشرك وأهله والتجرد من المكفرات وكل ما يناقض الإيمان من قول أو فعل أو اعتقاد مكفر.\nوضابط دخول الأعمال في أصل الإيمان: (أن كل طاعة يكفر تاركها ففعلها من أصل الإيمان كالتصديق والإقرار والانقياد القلبي والصلاة، وكل محرم يكفر فاعله فتركه من أصل الإيمان؛ كالاستهزاء بالدين والدعاء والاستغاثة بغير الله والحكم بغير شرع الله والتحاكم إلى الطاغوت وغيره) ... وأن ضد أصل الإيمان الكفر، فلا يجتمع أصل الإيمان، مع ما يناقضه من الأمور المكفرة.\nوأما الإيمان الواجب: فكل الشعب الواجبة داخلة فيه إضافة إلى شعب أصل الإيمان وضابط ما يدخل في الإيمان الواجب من الأعمال سواء كان فعلا أو تركا: أن كل عمل ورد في تركه وعيد ولم يكفر تاركه ففعله من الإيمان الواجب.\nوكل عمل ورد في فعله وعيد ولم يبلغ حد الكفر فتركه من الإيمان الواجب (كترك الفواحش والموبقات من الزنا والربا والسرقة وشرب الخمر والكذب والغيبة والنميمة والقذف وأكل أموال الناس بالباطل وإيذاء الجار .. وغير ذلك).\nومما يدخل في حكم الواجب، ما يتعين تعلمه من العلم بالواجبات والنواهي التي تدخل في أصل الإيمان والإيمان الواجب وكذا وجوب تعلم كل واجب آن أوان الشروع فيه؛ كقاصد الحج عند حلول موسمه، والنكاح عند إرادته وهكذا جميع الواجبات يجب على المرء العلم بشروطها وأركانها ومفسداتها قبل الشروع فيها، وهذا يدخل ضمن الفرض العيني على عوام المسلمين لا ينبغي التفريط فيه فإن التقصير في تعلم ذلك قد يوجب الكفر والعياذ بالله إذا كان يسبب جهلا بأصل الإيمان ونواقضه، ومفسقا إذا كان بسبب جهلا بالمحرمات والمنهيات، وفسادا لصحة العبادات إذا كان جهلا بنواقضها ومفسداتها.\nوأما الإيمان المستحب: فيشمل على جميع شعب الإيمان المستحبة من نوافل العبادات والطاعات مما لم يوجبها الله تعالى ورسوله ﷺ فكل ما سوى الواجبات فهو من الإيمان المستحب.\nوضابط دخول الأعمال فعلا كانت أو تركا – أن كل عمل رغب فيه الله تعالى ورسوله ﷺ ورتب عليه الثواب الجزيل ولم يرد وعد في تركه بعقوبة فهو من الإيمان المستحب.\nوكذلك كل فعل نهى عنه الله ورسوله ﷺ نهيا لم يصل إلى حد التحريم كالمكروهات فتركها من الإيمان المستحب ودليل على ورع تاركه وشدة التزامه بأوامر الشرع وعلو إيمانه.\nإضافة إلى أن ترك الأمور المشتبهة التي يشتبه فيها الحلال والحرام من الإيمان المستحب، فالذين يريدون المراتب العلية وبلوغ مرتبة الكمال المستحب يبتعدون عن كل شيء يشم منه رائحة الحرام من قريب أو بعيد ويدعون ما لا بأس به خشية ما فيه بأس ورعا في نفوسهم وزهدا في الدنيا وملذاتها وشهواتها، فهؤلاء هم أصحاب النفس المطمئنة الذين اطمأنت نفوسهم لما عند الله وصرفوا عينهم عن متاع الدنيا فقد شغلتهم الآخرة عن الدنيا، فلا هم لهم إلا نيل رضا الله وجزيل ثوابه وهم مع ذلك يتركون ما ينافي الكمال المستحب من أمور الاعتقاد والسلوك كطلب التداوي لما فيه من منافاة التوكل وكلية الاعتماد على الله والسؤال عند الحاجة وعدم إظهار الشكوى والضجر لما فيه من الإخلال بالصبر الجميل، ومن نظر إلى سير هؤلاء الصالحين وعباد الله الصادقين رأى العجب العجاب من أخبار القوم نسأل الله أن يجمعنا بهم وأن يحشرنا في زمرتهم وأن يوفقنا للاقتداء بهم إنه ولي ذلك والقادر على كل شيء .. قواعد في بيان حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لعادل الشيخاني- بتصرف- ٤٠٥","vol":"6","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1770>المبحث السادس: حكم التقصير في كل مرتبة من المراتب الثلاث</span>\nاعلم أن التقصير في هذه المراتب يكون بترك واجب أو فعل محرم وهذا تعريف الذنوب على الإطلاق مع وجود تفاوت بين مراتب الذنوب فمن الذنوب ما هو كفر مخرج من الملة ينافي أصل الإيمان ومنها ما هو كفر أصغر وكبيرة وفسق ينافي كمال الواجب ويتفاوت حكم التقصير في كل مرتبة من مراتب الإيمان.\nفمن قصر في أصل الإيمان بترك واجب من الواجبات الداخلة في أصل الإيمان كترك الإقرار بالشهادتين وترك الصلاة وانتفاء التصديق وغيرهما مما تدخل في واجبات أصل الإيمان سواء كانت من أعمال القلب أو اللسان أو الجوارح. ... وأن كل أمر وردت الشريعة بكفر تاركه فهو من واجبات أصل الإيمان. هذا بالنسبة لترك واجب من واجبات أصل الإيمان. وكذلك فإن أصل الإيمان ينهدم بفعل محرم يضاده وهو: كل أمر نهى عنه الشارع وكفر فاعله ... وأن كل محرم كفر الشارع فاعله فتركه من أصل الإيمان وفعله ينافي أصل الإيمان ويخرج صاحبه من الملة، ومن هذه الأمور: سب الله والرسول، والاستهزاء بالدين، وبغض الدين والرسول ﷺ، ومحاربة الإسلام، ودعاء غير الله والذبح له والتحاكم إلى الطاغوت وكل أمر مكفر حكم الشرع بكفر فاعله، وقائله ومعتقده.\nوأما بالنسبة للإيمان الواجب: فإن التقصير فيه يكون بترك واجب من الواجبات أو انتهاك محرم من المحرمات مما لا تصل إلى حد الكفر كما هو الحال في أصل الإيمان. فمن ترك واجبا أو فعل محرما استحق الوعيد وصار من فساق الملة ولا يعد من أصحاب الإيمان الكامل الواجب لأن إيمانه نقص لما ارتكبه من تقصير في واجب أو انتهاك في محرم من كبائر الذنوب فلا يعطى له اسم الإيمان على الإطلاق ... وأن اسم المؤمن المطلق لا يعطى إلا لمن أدى جميع الواجبات وترك جميع المحرمات بل يعطى مطلق الاسم فقال مؤمن ناقص الإيمان مع بيان صفة إيمانه بأنه ناقص أو يعطى له اسم الإيمان على التقييد فيقال مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. كما هو صريح النصوص الشرعية مثل قول النبي ﷺ «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ..» (١) أي وهو كامل الإيمان وقد روى عن بعض السلف أنهم قالوا يخرج من الإيمان إلى الإسلام وهذا القول مع أن فيه سلب اسم الإيمان بالكلية فإنه ليس المشهور الوارد عن السلف بل المشهور إبقاء اسم الإيمان عليه مع التقييد أي سلب الاسم المطلق عنه لا مطلق الاسم وهو المعروف بالفاسق الملي لبقائه في دائرة الملة الإسلامية تميزا ولو وجه هذا القول في حق مرتكب الكفر والشرك والنفاق الأصغر لكان متوجها لإطلاق اسم الكفر عليه من قبل الشرع مع أن المقصود به غير المخرج من الملة كقول النبي ﷺ «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٢) وقوله ﷺ «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣) وغيرها من النصوص الواردة عن المصطفى ﷺ.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٤٤٠٢)، ومسلم (٦٦). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"6","page":160},{"text":"فلو قيل في مثل هذه الذنوب: إن صاحبها يخرج من الإيمان إلى الإسلام، لكان له وجه من الدليل. لأن الأصغر من الكفر والشرك والنفاق أكبر من الكبائر، لما فيه من منافاة كمال التوحيد الواجب والعياذ بالله والله تعالى أعلم. ... وأن صاحب الكبيرة من أهل الوعيد مع كونه في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ومآله إلى الجنة لا محالة بما معه من الإيمان والتوحيد. وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبائر خلافا للوعيدية (الخوارج والمعتزلة) فإن أهل السنة والجماعة لا يكفرون أحدا بذنب غير مكفر إلا إذا استحل ذلك الذنب فعندئذ يحكم بكفره بسبب استحلاله لا بسبب ذنبه وسيأتي إيضاح مسألة الاستحلال كفر محض إذا أضيف إلى أي ذنب مهما كان درجته يصير كفرا .. وهذا من الأصول المقررة في معتقد أهل السنة والجماعة وقد عبر عنه الإمام الطحاوي بقوله (ولا نكفر مسلما بذنب إلا إذا استحله) (١) وقال الحافظ الحكمي ﵀ في منظومته الشهيرة (سلم الوصول إلى علم الأصول) (٢).\nولا نكفر بالمعاصي مؤمنا إلا مع استحلال له لما جنى\nوأما الإيمان المستحب: فلا يعتبر التقصير فيه إثما، فإن الله تعالى لم يوجبه على عباده ولكن رغبهم فيه ليصلوا إلى أعلى درجات الكمال في الإيمان ويفوزوا بالدرجات العلى وينالوا الرحمة والرضوان والفردوس والجنان ويحوزوا ولاية الرحمن فقد ثبت في الحديث القدسي قال ﷺ: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: فكنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» (٣) .. قواعد في بيان حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لعادل الشيخاني- بتصرف- ص: ٤٠٨\n_________\n(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ١٠٧).\n(٢) «معارج القبول شرح سلم الوصول» للحافظ الحكمي (٣/ ١٠٣٩) تحقيق: عمر محمود أبو عمر ط١/ ١٤١٨هـ دار ابن القيم - الدمام.\n(٣) رواه البخاري (٦٥٠٢). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1771>الفصل الثاني: التلازم بين الظاهر والباطن</span>\nوهي أصل آخر إليه يرجع الاختلاف في هذه المسألة، أعني مسألة الإيمان. فإن من لم يفرق بين الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان لم يتصور اجتماع الثواب والعقاب، والطاعة والمعصية، والحسنة والسيئة، والسنة والبدعة في الشخص الواحد. وفي هذا يقول الشيخ ابن تيمية في (العقيدة الواسطية) عن أهل السنة والجماعة: (ولا يسلبون الفاسق الملِّي اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى: وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مَّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كاَنَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مَّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢]. وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢]. وقوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» (١). ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرة. فلا يُعطى الاسم المطلق، ولا يُسلب مطلق الاسم) اهـ. فإن الإيمان المطلق هو الإيمان الكامل، الذي تناول فعل المأمور واجتناب المحذور والمحظور. أما مطلق الإيمان، فهذا يشمل الإيمان الكامل، والإيمان الناقص الذي صاحَبَه ذنبٌ كَبُرَ أو صَغُر دون الكفر أو الشرك النافي لأصل الإيمان، فهو الحد الأدنى من الإيمان، وهو القدر الذي يخلص به من الكفر.\nفمطلق الإيمان، هو ما بقى فيه أصل الإيمان، وثبت لصاحبه اسم الإيمان، وصح نسبة الإيمان إليه ولو لم يكمله. مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – ص: ٢٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":162},{"text":"وإن ظاهر العبد – عند أهل السنة والجماعة – هو الوجه الآخر لقلبه وباطنه، وأنه انعكاس مباشر له لا يتخلف عنه ولا يغايره، وإذا كان الباطن صالحًا كان الظاهر كذلك، وإذا كان الباطن فاسدًا كان الظاهر كذلك فاسدًا بحسبه؛ لأن الإيمان أصله في القلب، وهو: قول القلب من المعرفة والعلم والتصديق. عمل القلب من الإذعان والانقياد والاستسلام. ولكن من لوازم هذا الإيمان – إذا تحقق في القلب – تحقيقها في الظاهر، فالظاهر لا يتخلف عن الباطن ولا يضاده؛ لأنه ترجمان الباطن، ومرتبط به ارتباطًا وثيقًا. فالظاهر والباطن متلازمان لا يكون الظاهر مستقيمًا إلا باستقامة الباطن، وكذلك العكس. والإيمان المطلوب شرعًا هو الإيمان الظاهر والباطن، وتلازم عمل القلب بعمل الجوارح؛ لأنه لا يصح إيمان العبد بواحدة دون الأخرى؛ فمن زعم وجود العمل في قلبه دون جوارحه؛ لا يثبت له اسم الإيمان؛ لأن الأعمال والأقوال الظاهرة من لوازم الإيمان التي لا تنفك عنه، قال الله ﵎: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة: ٨١]. وقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال النبي ﷺ: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل رجل الجنة لا يأمن جاره بوائقه» (١). وقال ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح هذا الحديث: (فبين أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد؛ فإذا كان الجسد غير صالح، دل على أن القلب غير صالح، والقلب المؤمن صالح؛ فعلم أن من يتكلم بالإيمان، ولا يعمل به، لا يكون قلبه مؤمنًا، حتى أن المكره إذا كان في إظهار الإيمان؛ فلابد أن يتكلم مع نفسه، وفي السر مع من يأمن إليه، ولابد أن يظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه؛ كما قال عثمان. وأما إذا لم يظهر أثر ذلك إلا بقوله، ولا بفعله قط؛ فإنه يدل على أنه ليس في القلب إيمان، وذلك أن الجسد تابع للقلب؛ فلا يستقر شيء في القلب إلا ظهر موجبه ومقتضاه على البدن، ولو بوجه من الوجوه) (٣).\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٩٨) (١٣٠٧١). من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٢٠): رواه أحمد وفيه علي بن مسعدة وثقه يحيى بن معين وغيره وضعفه النسائي وغيره. والحديث حسنه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (٢٨٤١).\n(٢) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩). من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٢١).","vol":"6","page":163},{"text":"وقال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي – ﵀ – في شرحه لهذا الحديث أيضًا: (إن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه.\nفإن كان قلبه سليمًا، ليس فيه إلا محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله، وخشية الوقوع فيما يكرهه؛ صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقي الشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات.\nوإن كان القلب فاسدًا، قد استولى عليه اتباع هواه، وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب.\nولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له، مبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك؛ فإن كان الملك صالحًا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المثابة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم ...\nفإن أعمال الجوارح لا تستقيم إلا باستقامة القلب، ومعنى استقامة القلب أن يكون ممتلئًا من محبة الله، ومحبة طاعته، وكراهية معصيته ... وحركات الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده؛ فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله، وإن كانت حركة القلب وإرادته لغير الله تعالى، فسد، وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب ... ومعنى هذا أن حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله؛ فقد كمل إيمان العبد بذلك ظاهرًا وباطنًا، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح الجوارح؛ فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلا إرادة الله، وإرادة الله ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده الله) (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فأصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد، وما كان في القلب، فلا بد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه، وهي التصديق لما في القلب، ودليل عليه وشاهد له، وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق وبعض له؛ لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح؛ كما قال أبو هريرة – ﵁ – إن القلب ملك، والأعضاء جنوده؛ فإن طاب الملك، طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده) (٢).\nوقال أيضًا: (فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء إنه إذا أقر بالواجب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه؛ فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان، ... وأن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع؛ سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزء من الإيمان) (٣).\n_________\n(١) انظر: «جامع العلوم والحكم» لابن رجب (١/ ٢١٠) في شرح (الحديث السادس) من الأربعين النووية.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٤٤).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١٦).","vol":"6","page":164},{"text":"وقال في موضع آخر: (وهنا أصول تنازع الناس فيها: منها أن القلب هل يقوم به تصديق، أو تكذيب، ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح، وإنما يظهر نقيضه من غير خوف؟ فالذي عليه السلف والأئمة وجمهور الناس؛ أنه لابد من ظهور موجب ذلك على الجوارح، فمن قال: إنه يصدق الرسول ويحبه ويعظمه بقلبه، ولم يتكلم قط بالإسلام، ولا فعل شيئًا من واجباته بلا خوف؛ فهذا لا يكون مؤمنًا في الباطن، وإنما هو كافر) (١).\nوقال كذلك: (وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا، ولا صلاة ولا زكاة ولا صيامًا، ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها؛ مثل أن يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه؛ من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر؛ فإن المشركين، وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد ﷺ) (٢).\nوقال - أيضًا﵀: (إذا نقصت الأعمال الظاهرة الواجبة؛ كان ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان؛ فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم الأعمال الظاهرة الواجبة، بل يلزم من وجود هذا كاملًا، وجود هذا كاملًا؛ كما يلزم من نقص هذا، نقص هذا؛ إذ تقدير إيمان تام في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجب تام بلا موجبه، وعلة تامة بلا معلولها، وهذا ممتنع) (٣).\nوقال الإمام الحافظ ابن القيم ﵀: (وها هنا أصل آخر: وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد. وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب، وهو نيته وإخلاصه. وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكماله. وإذا زال تصديق القلب، لم ينفع بقية الأجزاء؛ فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة.\nوإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق؛ فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة؛ فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده؛ كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه، واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول؛ بل ويرون به سرًا وجهرًا، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه، ولا نؤمن به.\nوإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب؛ فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولاسيما إذا كان ملزومًا لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم ... فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلب وانقاد؛ أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، وهو حقيقة الإيمان.\nفإن الإيمان ليس مجرد التصديق ... وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبيينه؛ بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه، والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى؛ فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء؛ كما أن اعتقاد التصديق، وإن سمي تصديقًا؛ فليس هو التصديق المستلزم للإيمان، فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته) (٤).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٢٠).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٢١).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٨٢).\n(٤) «كتاب الصلاة وحكم تاركها» لابن قيم الجوزية (ص٥٤).","vol":"6","page":165},{"text":"وقال العلامة المحقق أبو إسحاق الشاطبي ﵀: (ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع دليلًا على ما في الباطن؛ فإن كان الظاهر منخرمًا؛ حكم على الباطن بذلك، أو مستقيمًا؛ حكم على الباطن بذلك أيضًا، وهو أصل عام في الفقه وسائر الأحكام العاديات والتجريبيات؛ بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جدًا، والأدلة على صحته كثيرة جدًا، وكفى بذلك عمدة أنه الحاكم بإيمان المؤمن، وكفر الكافر، وطاعة المطيع، وعصيان العاصي، وعدالة العدل، وجرحة المجرح، وبذلك تنعقد العقود وترتبط المواثيق، إلى غير ذلك من الأمور؛ بل هو كلية التشريع، وعمدة التكليف بالنسبة إلى إقامة حدود الشعائر الإسلامية الخاصة والعامة) (١). الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري -بتصرف – ص٩١\nويتحقق الالتزام الباطن بقبول الشريعة، والرضى بها، والتسليم بأحكامها مع تحقيق الالتزام بالعمل الظاهر، الذي هو أيضًا شرط في أصل الدين من حيث الجملة.\nومن هنا يفترق حكم المؤمن عن المنافق في أحكام الآخرة، من جهة النظر إلى عدم تحقيق الالتزام الباطن بالنسبة للمنافق، ولو كان قد حقق الالتزام الظاهر.\nكما أنه يتفق حكم المسلم والمنافق في أحكام الدنيا، من جهة النظر إلى تحقيق الالتزام الظاهر بالنسبة للمنافق أيضًا، مع أنه لم يحقق الالتزام الباطن.\nفلابد في أحكام الآخرة من تحقيق الالتزام الباطن والظاهر. وأما أحكام الدنيا فيكفي فيها تحقيق الالتزام الظاهر، لأنه لا سلطان لأحد غير الله على البواطن.\nوكلامنا هنا في حقيقة أصل الدين هو فيما يتعلق بالإيمان المنجي في أحكام الآخرة، لا مجرد الإسلام الحكمي في الدنيا، وعلى هذا فلابد من تحقيق الالتزام بالشريعة باطنًا وظاهرًا.\n١ - الالتزام الباطن: وهو الفارق بين المؤمن والمنافق ... فإن المؤمن مع التزامه الظاهر بالشرع ملتزم به باطنًا أيضًا. أما المنافق فإنه ولو التزم في الظاهر بالشريعة لكنه في الباطن والحقيقة غير ملتزم بها.\nولهذا كان معظم سياق الآيات الواردة في بيان اشتراط هذا الالتزام فيما يختص بالمنافقين، أو أهل الكتاب الذين يزعمون أنهم ملتزمون بحكم الله، مع أنهم في الحقيقة على غير ذلك.\nمن ذلك قول الله تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥]. ففي هذه الآية نفي للإيمان عمن لم يتحاكم إلى شرع الله، فيقبله ويرضى به، بحيث لا يجد في نفسه اعتراضًا أو حرجًا من ذلك، بل يسلم له تسليمًا.\nيقول الإمام ابن القيم: الرضى بالقضاء الديني الشرعي واجب. وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان. فيجب على العبد أن يكون راضيًا به، بلا حرج ولا منازعة ولا معارضة ولا اعتراض، قال الله تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥]. فأقسم أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله، وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه، وحتى يسلموا لحكمه تسليمًا وهذا حقيقة الرضى بحكمه (٢).\n_________\n(١) «الموافقات» للشاطبي (١/ ٣٦٧).\n(٢) «مدارج السالكين» لابن قيم الجوزية (٢/ ١٩٢).","vol":"6","page":166},{"text":"ويقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء: ٦٠]. وهذه الآية كالتي قبلها، فيها نفي الإيمان عمن يريد التحاكم إلى غير شريعة الله، وأن ادعاءهم الإيمان مع تحاكمهم إلى غير الشريعة زعم باطل وادعاء متناقض، إذ كيف يتحاكمون إلى الطاغوت وهو كل ما عدا شرع الله، ثم يزعمون مع ذلك أنهم مؤمنون بشرع الله.\nيقول الإمام ابن كثير: هذا إنكار من الله ﷿ على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد. وذاك يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا. (١).\nومما جاء أيضًا في بيان حقيقة المنافقين قول الله تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور: ٤٧ - ٥١].\nوهذه الآيات أيضًا دعوى من المنافقين أنهم مؤمنون، مع أنهم إذا دعوا إلى حكم الله أعرضوا عنه، فأي إيمان لمن لم يقبل حكم الله ويسلم به.\nوالآيات لا تدل على أن إعراضهم عن حكم الله كان معلنًا ظاهرًا لكل أحد، وإلا كانوا كافرين كفرًا ظاهرًا، كما أنهم كافرون كفرًا باطنًا. لكنهم قد يستخفون بذلك، مع إظهارهم قبول حكم الله، لئلا يطبق عليهم حكم المرتدين عن دين الله. لأن المؤمن لا يمكن أن يرضى بحكم غير حكم الله على الحقيقة، ولو حصل منه مخالفة له في الظاهر، لشهوة أو نحوها. ولهذا قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦]. فالرضى بدين الله والتحاكم إليه شرط في تحقيق أصل الدين الذي لا نجاة بدونه.\nوهذا الرضى لا يكفي فيه مجرد التصديق، بل لابد مع التصديق من الانقياد والتسليم. بل قد يكون الكافر مصدقًا بالرسالة ولا يحكم بإيمانه حتى يرضى بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولًا. بل الكافر المعاند لابد أن تقوم عليه الحجة بصدق الرسالة ويعلم ذلك، كما كان أبو طالب مصدقًا برسالة الرسول ﷺ وكان يقول:\nولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينًا\n_________\n(١) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (١/ ٥٢٠).","vol":"6","page":167},{"text":"لكن كان كافرًا لعدم التزامه وتسليمه بما علم أنه حق وصدق. (١)\nومن زعم أن الإيمان هو مجرد التصديق فلابد أن يتناقض في مثل حال أبي طالب، ممن عرف الحق وأيقن به. وإن زعم الفرق بين التصديق بالشيء والعلم بأنه حق تناقض أيضًا، لأن هذا مما لا يمكن تصوره عند جميع الخلائق. (٢)\nوقد صدق كثيرون رسول الله ﷺ وشهدوا بذلك وأقروا، ومع ذلك لم يحكم بإسلامهم، لعدم رضاهم بالشريعة وانقيادهم لها واتباعهم للرسول ﷺ.\nمن ذلك ... ما ورد من قصة أبي حارثة، وقدومه على النبي ﷺ في وفد نصارى نجران.\nقال ابن القيم عنه: (وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما وجهوا إلى رسول الله ﷺ من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له موجها إلى رسول الله ﷺ، والى جنبه أخ له يقال: كرز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال له كرز تعس الأبعد يريد رسول الله ﷺ، فقال له أبو حارثة بل أنت تعست، فقال ولم يا أخي؟ فقال والله إنه النبي الأمي الذي كنا ننتظره، فقال له كرز فما يمنعك من اتباعه وأنت تعلم هذا؟ فقال ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى، فأضمر عليها منه أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك).\nقال الإمام ابن القيم ﵀ في فقه هذه القصة: (وفيها أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله ﷺ بأنه نبي لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته، فإذا تمسك بدينه بعد هذه الإقرار لا يكون ردة منه ونظير هذا قول الحبرين له وقد سألاه عن ثلاث مسائل فلما أجابهما قالا نشهد أنك نبي قال: (فما يمنعكما من اتباعي؟) قالا: نخاف أن تقتلنا اليهود، ولم يلزمهما بذلك الإسلام، ونظير ذلك شهادة عمه أبي طالب بأنه صادق، وأن دينه من خير أديان البرية دينًا، ولم تدخله هذه الشهادة في الإسلام.\nومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ﷺ بالرسالة، وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط. بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ظاهرًا وباطنًا) (٣).\nويقول الإمام ابن حجر في فوائد قصة قدوم وفد نجران: (وفي قصة أهل نجران من الفوائد أن إقرار الكافر بالنبوة لا يدخله في الإسلام حتى يلتزم أحكام الإسلام) (٤).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان حقيقة الإيمان، وأنه لا يكفي فيه مجرد التصديق، بل لابد من الالتزام بشرع الله والتحاكم إليه: (لفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين:\nأحدهما: الإخبار. وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما. وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.\n_________\n(١) انظر: «البداية والنهاية» لابن كثير (٣/ ٤١ - ٤٣).\n(٢) انظر كلامًا نفيسًا عن هذه المسألة في «التسعينية» لشيخ الإسلام ابن تيمية من الوجه الثامن عشر إلى الوجه الثاني والعشرين.\n(٣) «زاد المعاد» لابن قيم الجوزية (٣/ ٦٢٩ - ٦٣٠)، (٣/ ٦٣٨ - ٦٣٩). وانظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (١/ ٣٦٨)، و«السيرة النبوية الصحيحة» لأكرم العمري (ص٥٤٢)، وأصل القصة في الصحيحين. وانظر: البخاري (٤٣٨٠)، ومسلم (٢٤٢٠). من حديث حذيفة بن اليمان ﵁.\n(٤) «فتح الباري» (٨/ ٩٥).","vol":"6","page":168},{"text":"والثاني: إنشاء الالتزام. كما في قوله تعالى: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد فإنه سبحانه قال: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١]. فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول، وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ التصديق المجرد، فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر لا يقال فيه آمن له، بخلال الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر، والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمنًا للمخبر إلا بالتزام طاعته مع تصديقه، بل قد استعمل لفظ الكفر المقابل للإيمان في نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان كما استعمل لفظ الإقرار في نفس التزام الطاعة والانقياد فإن الله أمر إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين) (١).\n٢ - الالتزام الظاهر:\nلابد من التنبيه هنا إلى أن الغاية من الكلام عن الالتزام الظاهر وكونه من أصل الدين هي بيان الحكم الشرعي لهذه المسألة، كما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، عند الكلام عن حقيقة الإيمان، واشتراط تلازم الظاهر والباطن.\nلكن دون الخوض في أحكام المعينين وتبين أحوالهم. حيث إن بعض الطوائف قد رتبوا على هذه القضية الحكم على الناس بالكفر ابتداء، وأن كل من لم يتحققوا من إسلامه بشروط وحدود ابتدعوها فالأصل فيه الكفر، كما ذهب آخرون إلى القول بالتوقف في الحكم بكفرهم أو إسلامهم، حتى يتبينوا تحقيق المعين لأمور جعلوها حدًا للإسلام، مع أنه لا تلازم بين الحكم بثبوت وصف الإسلام للمعين وبين ما تسميه تلك الطوائف الحد الأدنى للإسلام.\nإن قضية الالتزام الظاهر وكونه من أصل الدين غير قضية الحكم على المعينين. ويتبين ذلك بأمرين:\nالأول: إن الالتزام الظاهر في حقيقته التزام تفصيلي، وإنما هو داخل في أصل الدين من حيث الجملة، بخلاف الالتزام الباطن، فإنه التزام إجمالي يكفي في تحقيقه مجرد إرادته إرادة إجمالية، بالرضى بدين الإسلام والعزم على الالتزام به.\nولهذا لا يعذر أحد – ممن بلغته الدعوة – بجهل أو تأول أو إكراه فيما يتعلق بالالتزام الإجمالي، بخلاف الالتزام التفصيلي، فإنه يشترط في الالتزام به على التفصيل قيام الحجة التفصيلية على المعين وقدرته على التزامه. ومعنى ذلك أن الناس يختلفون فيه بحسب بلوغ الحجة الرسالية وبحسب قدراتهم بعد ذلك، سواء في ذلك ما يتعلق بمعرفة جميع المأمورات، أو ما يتعلق بمعرفة المنهيات، ومنها أعمال الشرك الظاهر التي قد تخفى على بعض الناس، وقد يفعلونها بغير قصد ما يكون به الشرك.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٣٠ - ٥٣١).","vol":"6","page":169},{"text":"وعليه فلا يمكن اشتراط حد أدنى للإسلام. لأنه لا يمكن معرفة حال المعين وكونه لم يحقق الالتزام الظاهر إلا من جهة تلبسه بناقض، لأن الأصل المفترض فيمن أقر بالشهادتين أنه ملتزم بمقتضاهما. فإن كان نقضه للالتزام من جهة تلبسه ببعض أعمال الشرك مثلًا فلابد من إقامة الحجة عليه، والتبين عن حاله، وتعريضه للتوبة أولًا، فإن أبى وأصر كان كافرًا، وإن رجع فهو مسلم. ولا إشكال في معاملته قبل ذلك بمقتضى الإسلام، لأن ذلك ظاهر حاله، إلا من كان من حاله على يقين.\nالثاني: إن هناك فرقًا بين الحكم المطلق وحكم المعين. فالحكم المطلق يتعلق بالوصف الشرعي وبيان مناط الحكم فيه. وأما حكم المعين فلابد فيه من توفر شروط وانتفاء موانع.\nوهذه القاعدة هي أصل قواعد أهل السنة فيما يتعلق بتكفير المعين ولهذا كان الإمام أحمد﵀ – مع تكفيره للجهمية الذين يقولون إن القرآن مخلوق من حيث الحكم المطلق لا يكفر كل معين منهم بذلك. بل كان ﵀ يدعو للخليفة وغيره ممن حبسه ويستغفر لهم، وقد حللهم من كل ما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر ولو كانوا مرتدين لم يجز الاستغفار لهم (١).\nولأجل عدم التفريق بين الحكم الشرعي المطلق وحكم المعين ضل فريقان فيما يتعلق بالالتزام الظاهر وعلاقته بالحكم على المعين، فذهب فريق إلى أنه لابد للحكم للمعين بالإسلام من تبين الالتزام الظاهر، ثم اختلفوا في حده، فمنهم من قال هو ترك النواقض، ومنهم من تجاوز فاشترط أعمالًا محددة جعلها الحد الأدنى لثبوت وصف الإسلام.\nوذهب المرجئة إلى نقيض هذا الاتجاه فألغوا اعتبار الالتزام الظاهر من جهة الالتزام بجنس العمل بالكلية من أصل الدين لنفس الشبهة، وهي أن الالتزام الظاهر لو كان داخلًا في أصل الدين لكان شرطًا في إجراء الأحكام على المعينين.\nوالحقيقة أنه ... لا تلازم بين الأمرين من هذه الجهة. وهكذا نرى أن شبهة المرجئة والخوارج واحدة من حيث الأصل وهي قولهم إن العمل إذا كان من الإيمان فيلزم أن ينتفي الإيمان بانتفاء بعضه، وإلى هذا ذهب الخوارج، أو لا ينتفي الإيمان بذلك فلا يكون العمل من الإيمان، وإلى هذا ذهب المرجئة. إذ عندهم أن الإيمان شيء واحد يذهب كله أو يبقى كله، لا يزيد ولا ينقص، وهم في هذا لم يفرقوا بين جنس العمل الذي اشترطه أهل السنة لتحقيق الإيمان والنجاة في الآخرة وبين جزء العمل الذي يكون تخلفه لممًا أو كبيرة تنقص الإيمان لكنها لا تهدمه. وإنما ينتفي الإيمان بالنواقض. ونعود الآن إلى بيان حقيقة الالتزام الظاهر المشروط في أصل الدين فنجد أنه يتضمن أمرين:\nالأول: ترك النواقض. ولا خلاف في اشتراطه لتحقيق الالتزام الظاهر وبقاء وصف الإسلام، وأن من تلبس بناقض، وتوفرت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه فهو كافر، لكنهم قد يختلفون في حقيقة الكفر، بناء على الاختلاف في حقيقة الإيمان.\nفمن لا يعتبر العمل من الإيمان لا يكفر بتركه، لأن تركه عنده ليس كفرًا. ومن يسوغ دعاء الأموات فيما لا يقدر عليه إلا الله لا يكفر من يفعل ذلك، لأن ذلك عنده ليس كفرًا، وإنما هو من المجاز العقلي. ونحو ذلك.\nالثاني: الالتزام بجنس العمل، وهو إجماع أهل السنة والجماعة، ومعنى قولهم: (الإيمان قول وعمل) أي أن مجرد الإقرار لا يكفي لثبوت وصف الإسلام وبقائه للمعين دون الالتزام بالعمل.\n_________\n(١) انظر للتفصيل في ذلك «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٨٤ - ٥٠١) وهذا اقتباس منه.","vol":"6","page":170},{"text":"وهذا هو مناط النزاع بين أهل السنة والمرجئة، الذين بنوا قولهم على أصول فلسفية نظرية تجريدية، وانتهوا إلى أن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان وحقيقته، كما أنه ليس لازمًا له. بل يكون الإيمان عندهم كاملًا متحققًا في الباطن ولو لم يعمل الإنسان أي طاعة ولم يترك أي معصية كما صرحوا بذلك. وأصل خطئهم في مسمى الإيمان أنهم أرادوا أن يجعلوا للإيمان حدًا تعرف به حقيقته وماهيته التي لابد أن يستوي فيها جميع أفراد المعينين من المؤمنين، بحيث لا يقبل النقص ولا الزيادة (١).\nولا يكون ذلك عندهم إلا بمعرفة المقومات الذاتية التي لا يمكن تحققه إلا بها، وبتخلف بعضها تنتفي حقيقة الإيمان وماهيته بالكلية. بخلاف الخواص العرضية - كما يقولون- التي ليست شرطًا في تحقيقه وإنما هي ثمرة من ثمراته.\nيقول الرازي مستشكلًا كلام الإمام الشافعي في أن الفاسق لا يخرج من الإيمان، مع قوله إن العمل من الإيمان: قال الشافعي ﵁: الفاسق لا يخرج عن الإيمان، وهذا في غاية الصعوبة، لأنه لو كان الإيمان اسمًا لمجموع أمور فعند فوات بعضها فقد فات ذلك المجموع فوجب أن لا يبقى الإيمان (٢).\nثم نظروا بحسب هذه القاعدة إلى العمل، فوجدوا أن من نحكم بإسلامهم يختلفون في الالتزام به، وأن من ترك بعض الأعمال لا يحكم بكفره، ولم يجدوا حدًّا أدنى من الأعمال مشروطة لثبوت وصف الإسلام، ولم يفرقوا بين ما يشترط لتحقيق الإيمان وما يشترط لثبوت وصف الإسلام للمعين، فنفوا أن يكون الالتزام بالعمل داخلًا في أصل الدين بالكلية.\nيقول أحدهم في ذلك: (الدرجة الثالثة: أن يوجد التصديق بالقلب والشهادة باللسان دون الأعمال بالجوارح، وقد اختلفوا في حكمه. فقال أبو طالب المكي: العمل من الإيمان ولا يتم دونه. وادعى الإجماع فيه. واستدل بأدلة تشعر بنقيض غرضه، كقوله تعالى: الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إذ يدل على أن العمل وراء الإيمان، لا من نفس الإيمان، وإلا فيكون العمل في حكم المعاد. والعجيب أنه قد ادعى الإجماع في هذا ... وينكر على المعتزلة قولهم بالتخليد في النار بسبب الكبائر، والقائل بهذا قائل بعين مذهب المعتزلة (٣)، إذ يقال له من صدق بقلبه وشهد بلسانه، ومات في الحال فهل هو في الجنة؟ فلابد وأن يقول نعم، وفيه حكم بوجود الإيمان دون العمل (٤)، فنزيد ونقول لو بقي حيًا ودخل عليه وقت صلاة فتركها ثم مات أو زنى ثم مات فهل يخلد في النار؟ (٥).\n_________\n(١) بل وأصل ضلال كل من خالف أهل السنة في مسمى الإيمان كما سبق بيانه.\n(٢) «أصول الدين» للرازي (ص١٢٨).\n(٣) هذا مما يدل على جهل هؤلاء بحقيقة قول السلف في مسمى الإيمان، فإن أهل السنة لا يلتزمون بقول المعتزلة ولا يلزمهم، وقد دخل سوء الفهم على هؤلاء من عدم تفريقهم بين جزء العمل وجنس العمل، وما هو المشروط في تحقيق أصل الدين عند أهل السنة منهما.\n(٤) وهل يكلف المؤمن بالعمل قبل أن يجب عليه؟ بل يعكس عليه السؤال ويقال لو بقي حيًا وامتنع عن العمل فهل يكفي مجرد إقراره، وهذا مناط النزاع.\n(٥) بدأ الآن في إبطال أن يكون للإيمان حد أدنى من الأعمال، وإذا ثبت ذلك عنده فليست الأعمال كلها شرطًا في أصل الدين، بناء على قاعدتهم في أن حقيقة الإيمان ثابتة، يستوي فيها جميع أفراد المعينين.","vol":"6","page":171},{"text":"فإن قال نعم فهذا مراد المعتزلة. وإن قال لا فهو تصريح بأن العمل ليس ركنًا من نفس الإيمان، ولا شرطًا في وجوده، ولا في استحقاق الجنة (١)، وإن قال أردت به أن يعيش مدة طويلة ولا يصلي ولا يقدم على شيء من الأعمال الشرعية فما ضابط تلك المدة، وما عدد تلك الطاعات التي بتركها يبطل الإيمان، وما عدد الكبائر التي بارتكابها يبطل الإيمان، وهذا لا يمكن التحكم بتقديره، ولم يصر إليه صائر أصلًا) (٢).\nويقول شارح (العقائد النسفية) في بيان حقيقة الإيمان وماهيته، ونتيجة ذلك فيما يتعلق بالالتزام بالعمل: (إن حقيقة الإيمان لا تزيد ولا تنقص، لما مر من أنه التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان، وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، حتى إن من حصل له حقيقة التصديق فسواء أتى بالطاعات أو ارتكب المعاصي فتصديقه باق على حاله، لا تغير فيه أصلًا) (٣).\nبل إنهم تجاوزوا مجرد إخراج العمل من مسمى الإيمان فاختلفوا في الإقرار، وهل هو شرط للإيمان داخل في حقيقته أم أنه شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط. وذلك بناء على التزامهم بأصلهم في تصور ماهية الإيمان، وقولهم في أن جزء الماهية لا يمكن تخلفه، وإلا تخلفت الماهية بالكلية.\nيقول صاحب (شرح المسايرة): لا وجود للشيء إلا بوجود ركنه والإنسان مؤمن على التحقيق من حين آمن بالله تعالى إلى أن مات، بل إلى الأبد، وإنما يكون مؤمنًا بوجود الإيمان وقيامه به حقيقة، ولا وجود للإقرار في كل لحظة.\nفدل على أنه مؤمن بما معه من التصديق القائم بقلبه، الدائم بتجدد أمثاله، لكن الله أوجب الإقرار ليكون شرطًا لإجراء أحكام الدنيا، إذ لا وقوف للعباد على ما في الضمائر، فتجري أحكام الآخرة على التصديق بدون الإقرار، حتى إن من أقر ولم يصدق فهو مؤمن عندنا، وعند الله تعالى هو من أهل النار. ومن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو كافر عندنا وعند الله مؤمن من أهل الجنة (٤).\n... يكفي في بيان عدم اعتبارهم العمل من الإيمان، وعدم اشتراطهم الالتزام به كلية للنجاة في الآخرة، ولا مجال للتوسع في النقول عنهم في ذلك، فكلهم على ذلك وهو مقتضى وصفهم بالإرجاء.\nلكن الذي نريد بيانه هنا هو ما استندوا عليه لبيان مذهبهم أن الإيمان حقيقة واحدة هي التصديق، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وأن الأعمال، بل والإقرار عند بعضهم ليست شرطًا في تحقيق الإيمان والنجاة في الآخرة. ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني - بتصرف – ص٦١\n_________\n(١) لأن ركن الماهية لا يمكن تخلفه كما يقولون. ونعود إلى التنبيه إلى أن هذا الإشكال مبني على عدم فهم قول أهل السنة في العمل المشروط في أصل الدين، وأنه جنس العمل لا آحاد العمل، وإنما يعرف تركه في الظاهر من جهة الإصرار على ذلك.\n(٢) «سفينة الراغب ودفينة المطالب» محمد راغب باشا (ص١٩٩).\n(٣) «شرح العقائد النسفية» لسعد الدين التفتازاني (ص٤٤٤ - ٤٤٥).\n(٤) «المسامرة بشرح المسايرة» للكمال بن الهمام (ص٢٩٢ - ٢٩٣).","vol":"6","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1773>المبحث الأول: مرتبة الإسلام</span>\nالإسلام لغة: هو الانقياد والخضوع والذل. يقال: أسلم واستسلم، أي انقاد (١).\nالإسلام شرعا: له معنيان:\nالأول: الانقياد والاستسلام لأمر الله الكوني القدري طوعا وكرها.\nوهذا لا ثواب فيه. قال تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران: ٨٣]. أي خضع وانقاد (٢).\nالثاني: إخلاص العبادة لله – ﷿ – وحده لا شريك له.\nوهذا الإسلام هو الذي يحمد عليه العبد ويثاب (٣).\nوقد عرفه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – بقوله: (هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله) (٤).\nوالإسلام بالمعنى الثاني ينقسم إلى عام وخاص:\nالعام: هو الدين الذي جاء به الأنبياء جميعا. وهو عبادة الله وحده لا شريك له.\nوالخاص: هو ما جاء به نبينا محمد ﷺ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (لفظ الإسلام يجمع معنيين: أحدهما: الانقياد والاستسلام. والثاني: إخلاص ذلك، وإفراده .. وعنوانه قول: لا إله إلا الله. وله معنيان: أحدهما: الدين المشترك وهو عبادة الله وحده لا شريك له، الذي بعث به جميع الأنبياء، كما دل على اتحاد دينهم نصوص الكتاب والسنة.\nوالثاني: ما اختص به محمد ﷺ من الدين، والشرعة، والمنهاج .. وله مرتبتان:\nإحداهما: الظاهر من القول والعمل. وهي المباني الخمسة.\nوالثانية: أن يكون ذلك الظاهر مطابقا للباطن (٥).\nفالحاصل أن الإسلام في شريعتنا لإطلاقه حالتان:\nالحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان. فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله، كقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران: ١٩] وقوله: وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣].\nوقوله: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥]. ونحو ذلك من الآيات.\nومنه قوله ﷺ: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء» (٦).\n_________\n(١) «الصحاح» (٥/ ١٩٥٢). و«معجم مقاييس اللغة» (٣/ ٩٠). و«لسان العرب» (١٢/ ٢٩٣). و«القاموس المحيط» (١٤٤٨).\n(٢) «تفسير البغوي» (١/ ٣٢٣) و«تفسير ابن كثير» (١/ ٥٠٣).\n(٣) «لسان العرب» (١٢/ ٩٣٢). و«معجم مفردات ألفاظ القرآن» (٢٤٦). و«الإيمان الأوسط لابن تيمية، المطبوع ضمن مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٣٥). و«شرح الأصول الثلاثة لابن عثيمين» (ص: ٦٤).\n(٤) «ثلاثة الأصول» (ص: ٦٤) مع شرحها لابن عثيمين. «أعلام السنة المنشورة» (ص: ٣٣).\n(٥) «الإيمان الأوسط المطبوع ضمن مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٣٥). و«مجموع الفتاوى» (١/ ١٤) و(١٩/ ١١٧).\n(٦) رواه مسلم (١٤٥). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":173},{"text":"وفي مسند الإمام أحمد من حديث عمرو بن عبسة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان. قلت: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قلت: فأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة. قلت: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء. قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد» (١).\nففي هذا الحديث فسر النبي ﷺ الإسلام بما فسر به الإيمان، وجعل الإيمان من الإسلام وهو أفضله.\nالحالة الثانية: أن يكون مقترنا بالإيمان. فيراد به حينئذ الأعمال والأقوال الظاهرة. كقوله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: ١٤].\nوكقوله ﷺ لما قال له سعد بن أبي وقاص ﵁: يا رسول الله، مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا. فقال ﷺ: «أو مسلما» ثلاث مرات (٢).\nوكحديث عمر بن الخطاب ﵁ السابق، حيث جعل الإسلام الأقوال والأعمال الظاهرة. والإيمان أقوال وأعمال القلوب الباطنة.\nوغير ذلك من الآيات والأحاديث (٣).\nوإنما سمى الله ﷾ الأعمال الظاهرة إسلاما؛ لما فيها من الاستسلام لله والخضوع والانقياد لأمره ونهيه، والالتزام بطاعته، والوقوف عند حدوده (٤).\nأركان الإسلام:\nجاء في حديث جبريل ... أن النبي ﷺ فسر الإسلام بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل. وأول ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهو عمل اللسان، ثم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، وهي منقسمة إلى عمل بدني: كالصلاة، والصوم، وإلى عمل مالي: وهو إيتاء الزكاة، وإلى ما هو مركب منهما: كالحج (٥).\nوإنما ذكر هاهنا أصول أعمال الإسلام التي ينبني عليها، كما دل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج وصوم رمضان» (٦).\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١١٤) (١٧٠٦٨). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٦٤): رجاله ثقات، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢/ ٩٢): رجال إسناده ثقات رجال الشيخين فهو صحيح إن كان أبو قلابة سمعه من عمرو فإنه مدلس.\n(٢) رواه البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠).\n(٣) «معارج القبول للحكمي» (٢/ ١٨).\n(٤) «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀» (٣/ ١٧) و(٥/ ٢١).\n(٥) «جامع العلوم والحكم» (١/ ٩٨).\n(٦) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦). والأحاديث في بيان هذه الأركان الخمسة كثيرة جدا وهي على نوعين، نوع شامل لجميعها، ونوع يختص كل ركن منها. انظر: معارج القبول (٢/ ٢٩ - ٣٢).","vol":"6","page":174},{"text":"قال الحافظ ابن رجب ﵀: (والمراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس كالأركان والدعائم لبنيانه .. والمقصود تمثيل الإسلام بنيانه، ودعائم البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان، فإذا فقد منها شيء، نقص البنيان وهو قائم لا ينقض بنقص ذلك، بخلاف نقض هذه الدعائم الخمس؛ فإن الإسلام يزول بفقدها جميعها بغير إشكال، وكذلك يزول بفقد الشهادتين، والمراد بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله. وقد جاء في رواية البخاري تعليقا: «بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله» (١) وذكر بقية الحديث. وفي رواية لمسلم: «على خمس: على أن يوحد الله» وفي رواية له: «على أن يعبد الله ويكفر بما دونه» (٢).\nوبهذا يعلم أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام.\nوأما إقام الصلاة، فقد وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها فقد خرج من الإسلام، ففي صحيح مسلم عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٣).\nوذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف وذهبت طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمسة عمدا أنه كافر بذلك) (٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قوله ﷺ: «الإسلام هو الخمس» (٥) يريد أن هذا كله واجب داخل في الإسلام، فليس للإنسان أن يكتفي بالإقرار بالشهادتين، وكذلك الإيمان يجب أن يكون على هذا الوجه المفصل، لا يكتفي فيه بالإيمان المجمل، ولهذا وصف الإسلام بهذا.\nوقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر، وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها، ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب. وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور. وعن أحمد في ذلك نزاع، وإحدى الروايات عنه أنه يكفر من ترك واحدة منها وعنه رواية ثانية: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة فقط. ورواية ثالثة: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها. ورابعة: لا يكفر إلا بترك الصلاة. وخامسة: لا يكفر بترك شيء منهن. وهذه أقوال معروفة للسلف.\nومما يوضح ذلك أن جبريل لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان كان في آخر الأمر بعد فرض الحج، والحج فرض سنة تسع أو عشر (٦).\nسبب اختصاص هذه الأركان الخمسة بكونها أركان الإسلام دون غيرها من الواجبات:\nإذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من هذه الخمس؛ فلما خصت هذه الخمس بكونها هي الإسلام، وعليها بني، دون غيرها من الواجبات؟\nوالجواب: لأن هذه الأركان الخمسة هي أظهر شعائر الإسلام، وبقيام العبد بها يتم استسلامه، ولهذا كانت واجبة على الأعيان دون سواها.\nقال الإمام ابن الصلاح ﵀: (وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم، لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله) (٧).\nوقد بسط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الجواب على هذا السؤال حيث عقد له فصلا في كتابه الإيمان. قال فيه:\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٧٥٣٣). قال ابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ٣٧٠): وأما حديث أبي هريرة في قصة بلال فأسنده المؤلف في كتاب صلاة الليل من طريق أبي زرعة عنه.\n(٢) رواه مسلم (١٦). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) رواه مسلم (٨٢).\n(٤) «جامع العلوم والحكم» (١/ ١٤٥ - ١٤٧).\n(٥) لا أصل له.\n(٦) «الإيمان» (٢٨٦)، و«شرح العمدة» (ص: ٨٦ - ٨٧).\n(٧) «صيانة صحيح مسلم» (ص: ١٣٤).","vol":"6","page":175},{"text":"(قد أجاب بعض الناس أن هذه أظهر شعائر الإسلام وأعظمها. وبقيام العبد بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد القيادة.\nوالتحقيق أن النبي ﷺ ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لربه مطلقا، الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان، فيجب على كل من كان قادرا عليه أن يعبد الله بها مخلصا له الدين، وهذه هي الخمس. وما سوى ذلك فإنما يجب بأسباب المصالح، فلا يعم وجوبها جميع الناس، بل إما:\n١) أن يكون فرضا على الكفاية كالجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما يتبع ذلك من إمارة، وحكم وفتيا، وإقراء وتحديث، وغير ذلك.\n٢) وإما أن يجب بسبب حق للآدميين. يختص به من وجب له وعليه، وقد يسقط بإسقاطه، وإذا حصلت المصلحة، أو الإبراء، إما بإبرائه، وإما بحصول المصلحة. فحقوق العباد مثل قضاء الديون، ورد المغصوب، والعواري، والودائع، والإنصاف من المظالم من الدماء والأموال والأعراض، إنما هي حقوق الآدميين، وإذا أبرئوا منها سقطت، وتجب على شخص دون شخص، في حال دون حال. لم تجب عبادة محضة لله على كل عبد قادر، ولهذا يشترك فيها المسلمون واليهود والنصارى، بخلاف الخمسة فإنها من خصائص المسلمين.\nوكذلك ما يجب من صلة الأرحام، وحقوق الزوجة، والأولاد، والجيران، والشركاء، والفقراء، وما يجب من أداء الشهادة، والفتيا، والإمارة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد كل ذلك يجب بأسباب عارضة على بعض الناس دون بعض لجلب منافع ودفع مضار، لو حصلت بدون فعل الإنسان لم تجب. فما كان مشتركا فهو واجب على الكفاية، وما كان مختصا فإنما يجب على زيد دون عمرو. لا يشترك الناس في وجوب عمل بعينه على كل أحد قادر سوى الخمس. فإن زوجة زيد وأقاربه ليست زوجة عمرو وأقاربه. فليس الواجب على هذا، مثل الواجب على هذا، بخلاف صوم رمضان، وحج البيت، والصلوات الخمس، والزكاة، فإن الزكاة وإن كانت حقا ماليا فإنها واجبة لله. ولهذا وجب فيها النية. ولم يجز أن يفعلها الغير عنه بلا إذنه. ولم تطلب من الكفار. وحقوق العباد لا يشترط لها النية، ولو أداها غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته. ويطالب بها الكفار) (١). أعمال القلوب حقيقتها وأحكامها عند أهل السنة والجماعة وعند مخالفيهم لسهل بن رفاع العتيبي-١/ ٥٣\n_________\n(١) «الإيمان» (٢٩٧) «شرح العقيدة الطحاوية» (٣٦٣) ذكره مختصرا.","vol":"6","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1774>المبحث الثاني: مرتبة الإيمان</span>\n(والإيمان) هي المرتبة الثانية في الحديث المذكور والإيمان لغة التصديق قال إخوة يوسف لأبيهم وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: ١٧] يقول بمصدق وأما في الشريعة فلإطلاقه حالتان:\n(الحالة الأولى) أن يطلق على الأفراد غير مقترن بذكر الإسلام فحينئذ يراد به الدين كله كقوله ﷿: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: ٢٥٧] وقوله: وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨] وقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ َ [الحديد: ١٦] وقوله: وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١] وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣] وقوله ﷺ: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة» (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٦٠)، ومسلم (١١١). من حديث أبي هريرة ﵁. بلفظة «مسلمة» بدلًا من «مؤمنة». ورواه بلفظه: الترمذي (٣٠٩٢)، والنسائي (٥/ ٢٣٤)، وأحمد (١/ ٧٩). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.","vol":"6","page":177},{"text":"ولهذا حصر الله الإيمان فيمن التزم الدين كله باطنا وظاهر في قوله ﷿: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٢ - ٤] وقوله ﷿: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥] وقوله تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٥ - ١٧] وفسرهم بمن اتصف بذلك كله في قوله ﷿: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ١ - ٥] وقال الله تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦] وفي قوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]، وقال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ","vol":"6","page":178},{"text":"هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: ١ - ١١] وقال الله تعالى: طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [النمل: ١ - ٣] وغيرها من الآيات وقد فسر الله تعالى الإيمان بذلك كله في قوله تعالى لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: ١٧٧].\nوفسره النبي ﷺ بذلك كله في حديث وفد عبد القيس في الصحيحين وغيرهما فقال: «آمركم بالإيمان بالله وحده قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده قالوا: الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تؤدوا من المغنم الخمس» (١)\nوقد جعل ﷺ صيام رمضان إيمانا واحتسابا من الإيمان وكذا قيام ليلة القدر وكذا أداء الأمانة وكذا الجهاد والحج واتباع الجنائز وغير ذلك وفي الصحيحين: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (٢). وهذه الشعب المذكورة قد جاءت في القرآن والسنة في مواضع متفرقة منها ما هو من قول القلب وعمله ومنها ما هو من قول اللسان ومنها ما هو من عمل الجوارح.\nولما كانت الصلاة جامعة لقول القلب وعمله وقول اللسان وعمله وعمل الجوارح سماها الله تعالى إيمانا في قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة: ١٤٣] يعني صلاتكم كما يعلم من سبب نزول هذه الآية ... والآيات والأحاديث في هذا الباب يطول ذكرها وإنما أشرنا إلى طرف منها يدل على ما وراءه وبالله التوفيق.\nوهذا المعنى هو الذي قصده السلف الصالح بقولهم ﵏: إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل وإن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٣) وهذا لفظه، ومسلم (١٧). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":179},{"text":"وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارا شديدا وممن أنكر ذلك على قائله وجعله محدثا ممن سمى لنا سعيد بن جرير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السختياني والنخعي والزهري وإبراهيم ويحيى بن أبي كثير والثوري والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. قال الثوري: هو رأي محدث أدركنا الناس على غيره (١) وقال الأوزاعي: كان من مضى من السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار أما بعد: فإن الإيمان فرائض وشرائع فمن استكملها استكمل الإيمان. (٢) ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان وهذا المعنى هو الذي أراد البخاري إثباته في كتاب الإيمان وعليه بوب أبوابه كلها فقال: (باب أمور الإيمان) و(باب الصلاة من الإيمان)، و(باب الزكاة من الإيمان) و(باب الجهاد من الإيمان) و(باب حب رسول الله ﷺ من الإيمان) و(باب الحياء من الإيمان) و(باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان) و(باب اتباع الجنائز من الإيمان) (وباب أداء الصلوات الخمس من الإيمان) وسائر أبوابه. وكذلك صنع النسائي في (المجتبى) وبوب الترمذي على حديث: وفد عبد القيس (باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان) وكلام أئمة الحديث وتراجمهم في كتبهم يطول ذكره وهو معلوم مشهور ومما قصدوه بذلك الرد على أهل البدع ممن قال هو مجرد التصديق فقط كابن الراوندي ومن وافقه من المعتزلة وغيرهم إذ على هذا القول يكون اليهود أقروا برسالة رسول الله ﷺ واستيقنوها ولم يتبعوه مؤمنين بذلك وقد نفى الله الإيمان عنهم\nوقال جهم بن صفوان وأتباعه: هو المعرفة بالله فقط وعلى هذا القول ليس على وجه الأرض كافر بالكلية إذ لا يجعل الخالق سبحانه أحد وما أحسن ما قاله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته الكافية الشافية\nقالوا وإقرار العباد بأنه ... خالقهم هو منتهى الإيمان\nوالناس في الإيمان شيء واحد ... كالمشط عند تماثل الأسنان\nفاسأل أبا جهل وشيعته ومن ... والاهمو من عابدي الأوثان\nوسل اليهود وكل أقلف مشرك ... عبد المسيح مقبل الصلبان\nواسأل ثمود وعاد بل سل قبلهم ... أعداء نوح أمة الطوفان\nواسأل أبا الجن اللعين أتعرف ... الخلاق أم أصبحت ذا نكران ... واسأل شرار الخلق أقبح أمة ... لوطية هم ناكحوا الذكران ... واسأل كذاك إمام كل معطل ... فرعون مع قارون مع هامان ... هل كان فيهم منكر للخالق ... الرب العظيم مكون الأكوان ... فليبشروا ما فيهموا من كافر ... هم عند جهم كاملو الإيمان ... وقالت المرجئة والكرامية الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب فيكون المنافقون على هذا مؤمنين وقد قال الله تعالى: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ٨٤ - ٨٥] وغير ذلك من الآيات وهم قد نطقوا بالشهادتين بألسنتهم فقط وكذبهم الله ﷿ في دعواهم في غير موضع من القرآن.\n_________\n(١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣١١)، والآجري في «الشريعة» (ص١٥١).\n(٢) رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم في كتاب: الإيمان، باب: الإيمان وقول النبي ﷺ «بني الإسلام على خمس». ووصله ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ١٧٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٧٨، وقال ابن حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٢٠): وهو إسناد صحيح ورجاله ثقات.","vol":"6","page":180},{"text":"وقال آخرون التصديق بالجنان والإقرار باللسان وهذا قول مخرج لأركان الإسلام الظاهرة المذكورة في حديث جبريل وهو ظاهر البطلان.\nوذهب الخوارج والعلاف ومن وافقهم إلى أنه الطاعة بأسرها فرضا كانت أو نفلا وهذا القول مصادم لتعليم النبي ﷺ لوفود العرب السائلين عن الإسلام والإيمان وكل ما يقول له السائل في فريضة هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع شيئا. (١) وذهب الجبائي وأكثر المعتزلة البصرية إلى أنه الطاعات المفروضة من الأفعال والتروك دون النوافل وهذا أيضا يدخل المنافقين في الإيمان وقد نفاه الله تعالى عنهم وقال الباقون منهم العمل والنطق والاعتقاد والفرق بين هذا وبين قول السلف الصالح أن السلف لم يجعلوا كل الأعمال شرطا في الصحة بل جعلوا كثيرا منها شرطا في الكمال كما قال عمر بن عبد العزيز فيها من استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان والمعتزلة جعلوها كلها شرطا في الصحة والله أعلم.\n(الحالة الثانية) أن يطلق الإيمان مقرونا بالإسلام وحينئذ يفسر بالاعتقادات الباطنة كما في حديث جبريل هذا وما في معناه وكما في قوله تعالى وَالذِّينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات [النساء: ٥٧] في غير موضع من كتابه وكما قال النبي ﷺ في دعاء الجنازة: «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» (٢) وذلك أن الأعمال بالجوارح وإنما يتمكن منها في الحياة فأما عند الموت فلا يبقى غير قول القلب وعمله ... والحاصل أنه إذا أفرد الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ بل كل منهما على انفراده يشمل الدين كله وإن فرق بين الاسمين كان الفرق بينهما بما في هذا الحديث الجليل والمجموع مع الإحسان هو الدين كما سمى النبي ﷺ ذلك كله دينا وبهذا يحصل الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث التي فيها تفسير الإيمان بالإسلام والإسلام بالإيمان وبذلك جمع بينه وبينها أهل العلم. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص٧٤٥\n(ينظر تفصيل ذلك، في الكتاب الثامن من هذه الموسوعة)\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١). من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁.\n(٢) رواه أبو داود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤)، وابن ماجه (١٤٩٨)، وأحمد (٢/ ٣٦٨)، والحاكم (١/ ٥١١). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وله شاهد صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي في «التلخيص». وقال الألباني في «أحكام الجنائز» (ص١٢٤): وهو كما قالا. وقال في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"6","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1775>المبحث الثالث: مرتبة الإحسان</span>\nحقيقة الإحسان لغة وشرعا، وبيان ركنه العظيم:\nأ- الإحسان لغة: مصدر أحسن يحسن إحسانا، وهو ضد الإساءة، وهو إجادة العمل وإتقانه وإخلاصه. ويطلق على معنيين:\nالأول: متعد بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، وفي كذا، إذا حسنته وكملته.\nالثاني: متعد بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى كذا، أي: أوصلت إليه ما ينتفع به (١).\nب- الإحسان شرعا: يطلق على نوعين:\nالنوع الأول: إحسان إلى عباد الله. وهو على قسمين (٢):\nالقسم الأول: واجب، وهو أن تقوم بحقوقهم الواجبة على أكمل وجه. مثل بر الوالدين، وصلة الأرحام، والإنصاف في جميع المعاملات. ويدخل في هذا القسم: الإحسان للبهائم، والإحسان في القتل، لما في صحيح مسلم من حديث شداد بن أوس ﵁ قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته» (٣).\nقال الحافظ ابن رجب ﵀: (وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب.\nوالإحسان في ترك المحرمات: الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ [الأنعام: ١٢٠].فهذا القدر من الإحسان فيها واجب.\nوأما الإحسان في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسخط ولا جزع.\nوالإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله، والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كلها، والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب.\nوالإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه. وهذا النوع هو الذي ذكره النبي ﷺ في الحديث، ولعله ذكره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال).\nالقسم الثاني: الإحسان المستحب: وهو ما زاد على الواجب من بذل نفع بدني، أو مالي، أو علمي، فيساعد من احتاج إلى مساعدته ببدنه، أو بماله، أو بعلمه، فهذا كله داخل في باب الإحسان، وأجل أنواع الإحسان: الإحسان إلى من أساء إليك، كما قال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].\nالنوع الثاني: الإحسان في عبادة الله ﷿. وهو المراد هنا.\n_________\n(١) «الصحاح» (٥/ ٢٠٩٩). و«معجم مقاييس اللغة» (٢/ ٥٧). و«لسان العرب» (١٣/ ١١٧). و«القاموس المحيط» (١٥٣٥). و«المفهم» (١/ ١٤٢). و«فتح الباري» (١/ ١٢٠).\n(٢) «بهجة قلوب الأبرار للشيخ عبد الرحمن السعدي» (١٥٦). و«شرح الأصول الثلاثة لابن عثيمين» (١١٦). و«حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول» (١٣٨).\n(٣) رواه مسلم (١٩٥٥).","vol":"6","page":182},{"text":"قال الحافظ ابن حجر – ﵀ - في شرح حديث جبريل: قوله (الإحسان): (هو مصدر، تقول أحسن يحسن إحسانا. ويتعدى بنفسه وبغيره تقول أحسنت كذا إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد لأن المقصود إتقان العبادة. وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلا محسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسان العبادة: الإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود) (١).\nوقد عرفه النبي ﷺ بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٢).\nوالإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها. وأهله هم المستكملون لها السابقون للخيرات، المقربون في علو الدرجات.\nوإذا كان الإسلام هو الأركان الظاهرة عند التفصيل واقترانه بالإيمان. والإيمان إذ ذاك هو الأركان الباطنة، فإن الإحسان هو تحسين الظاهر والباطن. وأما عند الإطلاق فإنه يشمل الدين كله.\nوقد جاء الإحسان في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، تارة مقرونا بالإسلام، وتارة مقرونا بالإيمان، وتارة مقرونا بالتقوى، أو بهما جميعا، وتارة بالجهاد، وتارة بالعمل الصالح مطلقا، وتارة بالإنفاق في سبيل الله وهو الجهاد (٣).\nقال الله تعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ١١٢]. وقال تعالى: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان: ٢٢]. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا [الكهف: ٣٠]. وقال تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ٩٣]. وقال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩]. وقال تعالى: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥].\nقال الحافظ ابن رجب ﵀ بعد ذكره لهذه الآيات: (وقد يذكر مفردا كقوله تعالى: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس: ٢٦]. وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله ﷿ في الجنة (٤)، وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان، لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى الله عيانا في الآخرة.\n_________\n(١) «فتح الباري» (١/ ١٢٠).\n(٢) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «جامع العلوم والحكم» (١/ ١٢٥) و«معارج القبول» (٢/ ٢٧٣ – ٢٧٤).\n(٤) الحديث رواه مسلم (١٨١). من حديث صهيب ﵁.","vol":"6","page":183},{"text":"وعكس هذا ما أخبر الله به عن جزاء الكفار في الآخرة: كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥]. وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الران على قلوبهم، حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة (١).\nوقال أبو العباس القرطبي ﵀: (ولما تكرر الإحسان في القرآن، وترتب عليه هذا الثواب العظيم، سأل عنه جبريل النبي ﷺ. فأجابه ببيانه، ليعمل الناس عليه، فيحصل لهم هذا الحظ العظيم) (٢).\nج- للإحسان ركن واحد (٣) بينه النبي ﷺ بقوله. «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٤). فأخبر ﷺ أن مرتبة الإحسان على درجتين، وأن المحسنين في الإحسان على درجتين متفاوتتين:\nالدرجة الأولى: وهي أعلاهما. وهي (أن تعبد الله كأنك تراه). يشير إلى أن العبد يعبد الله على هذه الصفة، وهي استحضار قربه، وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية، والخوف، والهيبة، والتعظيم، ولذا جاء في رواية أبي هريرة عند مسلم بلفظ: «أن تخشى الله كأنك تراه» (٥).\nويوجب أيضًا: النصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها. وهذه العبادة – أي عبادة الإنسان ربه كأنه يراه – عبادة طلب وشوق؛ وعبادة الطلب والشوق يجد الإنسان من نفسه حاثا عليها، لأن هذا هو الذي يحبه، فهو يعبده كأنه يراه، فيقصده وينيب إليه ويتقرب إليه ﷾.\nالدرجة الثانية: أن تعبد الله كأنه يراك، والمعنى إذا لم تستطع أن تعبد الله كأنك تراه وتشاهده رأي العين، فانزل إلى المرتبة الثانية، وهي أن تعبد الله كأنه يراك.\nفالأولى: عبادة رغبة وطمع، والثانية: عبادة خوف ورهب.\nوكلاهما. مرتبتان عظيمتان. لكن الأولى أكمل وأفضل، فعبادة الله على وجه المراقبة والطلب أكمل من عبادته على وجه الخوف والرهب (٦).\nقال الحافظ ابن رجب ﵀: (قوله ﷺ: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٧).\nقيل: إنه تعليل للأول، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله في العبادة، واستحضار قربه من عبده، حتى كأن العبد يراه، فإنه قد يشق ذلك عليه، فيستعين على ذلك بإيمانه بان الله يراه، ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره، فإذا حقق هذا المقام، سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته، حتى كأنه يراه.\nوقيل: بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن يعبد الله كأنه يراه، فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه، فليستحي من نظره إليه).\nإلى أن قال ﵀: (وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل ﵇، ويتفاوت أهل هذا المقام بحسب قوة نفوذ البصائر) (٨).\n_________\n(١) «جامع العلوم والحكم» (١/ ١٢٥).\n(٢) «المفهم» (١/ ١٤٤).\n(٣) «ثلاثة الأصول» (١١٦).\n(٤) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه مسلم (١٠).\n(٦) «شرح ثلاثة الأصول» لابن عثيمين (١١٧).\n(٧) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٨) «جامع العلوم والحكم» (١/ ١٢٨ - ١٢٩) وانظر: «المفهم» (١/ ١٤٣). و«فتح الباري» (١/ ١٢٠) و«معارج القبول» (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥).","vol":"6","page":184},{"text":"وقال النووي ﵀: (قوله ﷺ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١) هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ، لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة الله وهو يعاين ربه – ﷾ – لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به. فقال ﷺ اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان، فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد بإطلاع الله ﷾ عليه، فلا يقدم العبد على تقصير في هذه الحال؛ للاطلاع عليه. وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه.\nفمقصود الكلام: الحث على الإخلاص في العبادة، ومراقبة العبد ربه – ﵎ - في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك) (٢).\nفالحاصل: أن الإحسان أعلى مراتب الدين، وهو يشمل تحسين الظاهر والباطن، ويوجب الخشية والهيبة والتعظيم لله سبحانه، والنصح في العبادة، والإخلاص فيها، ومحبة الله، والإنابة إليه، والخشوع والخضوع له.\nوأهل الإحسان هم الصفوة الخلص من عباد الله المؤمنين، ولهذا ورد في الثناء عليهم في القرآن الكريم ما لم يرد في غيرهم. وهم درجات متفاوتة بحسب قوة استحضار قرب الله ومراقبته ومحبته وخشيته في قلوبهم. أعمال القلوب حقيقتها وأحكامها عند أهل السنة والجماعة وعند مخالفيهم لسهل بن رفاع العتيبي-١/ ٥٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «شرح صحيح مسلم» (١/ ١٥٧ - ١٥٨) وانظر: «أعلام الحديث» (١/ ١٨١). و«معالم السنن» (٥/ ٧١).","vol":"6","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1779>تمهيد</span>\nذهب جمهور أهل السنة إلى انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، وحكى الإمام ابن القيم الإجماع على ذلك حيث قال: والذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف وبالاعتبار. (١). واستدلوا لذلك بعدة أدلة منها:\nقوله تعالى: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: ٣١].\nقال القرطبي: لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر وعد على اجتنابها التخفيف من الصغائر، دل هذا على أن في الذنوب كبائر وصغائر وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء (٢).\nوقال الإمام الشوكاني: أي إن تجتبوا كبائر الذنوب التي نهاكم الله عنها نكفر عنكم سيئاتكم أي ذنوبكم التي هي صغائر، وحمل السيئات على الصغائر هنا متعين لذكر الكبائر قبلها وجعل اجتنابها شرطًا لتكفير السيئات (٣).\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤٢)، وانظر: «الجواب الكافي» (ص١٨٦).\n(٢) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٥/ ١٥٨).\n(٣) «فتح القدير» (١/ ٤٥٧، ٤٥٨).","vol":"6","page":186},{"text":"قوله ﷿: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم: ٣٢]، هذه الآية صريحة الدلالة في تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر على خلاف بين العلماء في المقصود باللمم. فقد اختلف السلف في معنى (اللمم) على قولين مشهورين، قال الإمام ابن القيم ﵀: (فأما اللمم فقد روي عن جماعة من السلف: أنه الإلمام بالذنب مرة، ثم لا يعود إليه، وإن كان كبيرًا: قال البغوي: هذا قول أبي هريرة ومجاهد والحسن ورواية عطاء عن ابن عباس. والجمهور على أن اللمم مادون الكبائر، وهو أصح الروايتين عن ابن عباس، كما في (صحيح البخاري) من حديث طاووس عنه قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي ﷺ: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» (١) (٢) .. إلى أن قال ﵀: والصحيح: قول الجمهور: أن اللمم صغائر الذنوب، كالنظرة، والغمزة، والقبلة، ونحو ذلك. هذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم، وهو قول أبي هريرة وعبد الله بن مسعود، وابن عباس ومسروق والشعبي، ولا ينافي هذا قول أبي هريرة وابن عباس في الرواية الأخرى: «إنه يلم بالكبيرة ثم لا يعود إليها» فإن (اللمم) إما أنه يتناول هذا وهذا ويكون على وجهين، كما قال الكلبي، أو أن أباهريرة وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة – ولم يصر عليها، بل حصلت منه فلتة في عمره – باللمم، ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مرارًا عديدة، وهذا من فقه الصحابة – ﵃ – وغور علومهم، ولا ريب أن الله يسامح عبده المرة والمرتين والثلاث، وإنما يخاف العنت على من اتخذ الذنوب عادته، وتكرر منه مرارًا عديدة (٣)، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية الآيات الدالة على انقسام الذنوب (٤) ومنها قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى: ٣٧] وقوله ﷿: وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا [الكهف: ٤٩] وقوله تعالى: وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: ٥٣]\n٣ - قوله ﷺ «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (٥). قال النووي: وتنقسم -أي المعاصي- باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة أو الوضوء أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء أو فعل الحسنة أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة، وإلى ما لا يكفره ذلك كما ثبت في الصحيح ما لم يغش كبيرة فسمى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها صغائر ومالا تكفره كبائر (٦) ومثله قوله ﷺ: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله» (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٥/ ١٥٨).\n(٣) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤٣ - ٣٤٥)، وانظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٤/ ٢٥٥، ٢٥٦).\n(٤) «الفتاوى» (١١/ ٦٥٩).\n(٥) رواه مسلم (٢٣٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٨٥).\n(٧) رواه مسلم (٢٢٨). من حديث عثمان ﵁.","vol":"6","page":187},{"text":"٤ - ومن الأدلة على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر الأحاديث الكثيرة في ذكر الكبائر من مثل حديث أنس ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: «الشرك بالله وقتل النفس، وعقوق الوالدين .. الحديث» (١) (فخص الكبائر ببعض الذنوب، ولو كانت الذنوب كلها كبائر لم يسغ ذلك) (٢)\nفالنصوص السابقة كما ترى صريحة في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر ومع ذلك فقد نقل عن بعض الأشاعرة إنكارهم تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وقالوا: إن سائر المعاصي كبائر، منهم أبو إسحاق الإسفرائيني، والباقلاني، وإمام الحرمين وابن القشيري والتقي السبكي، بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة واختاره في (تفسيره) (٣)، ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية، وحكاه القاضي عياض عن المحققين (٤)\nولقد لخص الإمام ابن بطال أدلتهم تلخيصًا جيدًا فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامة الفقهاء، وخالفهم من الأشعرية أبو بكر بن الطيب وأصحابه فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال القبلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى الزنا وكلها كبائر.\nقالوا: ولا ذنب عندنا يغفر واجبًا باجتناب ذنب آخر بل كل ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة، غير الكفر لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨]، وأجابوا عن الآية التي احتج أهل القول الأول بها وهي قوله تعالى: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: ٣١]، أن المراد الشرك وقد قال الفراء: من قرأ كبائر فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع والمراد به الواحد كقوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] ولم يرسل إليهم غير نوح، قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة لجوازه على الكبيرة (٥) واستدلوا أيضًا بقول ابن عباس: (كل ما نهى الله عنه كبيرة) (٦) وأجاب الجمهور عن هذه الاستدلالات بما يلي:\n١ - قال ابن أبي العز الحنفي: (ومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة لما دونها، أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم إلى صغائر وكبائر، وهذا فاسد، لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر) (٧). فيكفي في بيان بطلان هذا القول مخالفته للنصوص الصريحة ...\n٢ - أما قولهم: لا ذنب عندنا يغفر واجبًا باجتناب ذنب آخر بل كل ذلك كبير، غير الشرك، وتأويلهم قوله تعالى: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: ٣١] أن المراد الشرك لقراءة (كبير) فيقال لهم: وماذا عن قوله ﷺ: «ما اجتنبت الكبائر» (٨)، «ما لم تغش الكبائر» (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٧٧)، ومسلم (٨٨). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٢) «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (ص٥).\n(٣) «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (ص: ٥).\n(٤) انظر: «فتح الباري» (١٠/ ٤٠٩)، و«شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٨٥).\n(٥) نقلًا عن «فتح الباري» (١٠/ ٤٠٩)، وانظر: «تفسير القرطبي» (٥/ ١٥٩).\n(٦) رواه الطبري في «تفسيره» (٨/ ٢١٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٢٧٣، قال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٤١٠) أخرجه إسماعيل القاضي والطبري بسند صحيح على شرط الشيخين إلى ابن عباس.\n(٧) «شرح الطحاوية» (ص٤١٩)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٦٥٧).\n(٨) رواه مسلم (٢٣٣).\n(٩) رواه مسلم (٢٣٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":188},{"text":"وماذا يجاب عن النصوص الصريحة في التفريق بين الصغائر والكبائر مثل قوله ﷿: وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا [الكهف: ٤٩].\n٣ - أما استدلالهم بقول ابن عباس ﵁ فيجاب عنه بأنه قد ورد أيضًا عن ابن عباس أنه قال: (كل ما توعد الله عليه بالنار كبيرة) (١) فالأولى أن يكون المراد بقوله: (نهى الله عنه) محمولًا على نهي خاص وهو الذي قرن به وعيد، فيحمل مطلق كلامه ﵁ على مقيده جمعًا بين قوليه (٢) وقال البيهقي في تعليقه على رواية ابن عباس: (كل ما نهى الله عنه كبيرة: فيحتمل أن يكون هذا في تعظيم حرمات الله والترهيب عن ارتكابها، فأما الفرق بين الصغائر والكبائر فلابد منه في أحكام الدنيا والآخرة) (٣). وطعن القرطبي في الرواية من جهة المتن. فقال: (ما أظنه يصح عن ابن عباس أن كل ما نهى الله ﷿ عنه كبيرة لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر) (ثم ذكر الآيات) إلى أن قال: (فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن؟) (٤)\nولوضوح الأدلة في الفرق بينهما اعتبر الحافظ ابن حجر القول الآخر شاذًا حيث قال: (وقد اختلف السلف، فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر وصغائر، وشذت طائفة منهم الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني فقال: ليس في الذنوب صغيرة بل كل ما نهى الله عنه كبيرة ..) (٥).\nوقال أبو حامد الغزالي في كتابه (الوسيط في المذهب): إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه وقد فهما من مدارك الشرع (٦). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ١/ ١٠٣\n_________\n(١) ذكر هذا الأثر ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٤١٠) وقال: وأخرج - ابن أبي حاتم - من وجه آخر متصل لا بأس برجاله.\n(٢) انظر: «فتح الباري» (١٠/ ٤١٠).\n(٣) «شعب الإيمان» (٢/ ٩٤).\n(٤) نقلًا عن: «فتح الباري» (١٠/ ٤١٠).\n(٥) «فتح الباري» (١/ ٤٠٩).\n(٦) نقلًا عن «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٨٥).","vol":"6","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1781>المسألة الأولى: تعريف الصغائر</span>\nالصغائر: جمع صغيرة وهي: ما ليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة. (١)\nوقال ابن تيمية ﵀: (أقل الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس، وذكره أبو عبيد، وأحمد بن حنبل وغيرهما وهو أن الصغيرة ما دون الحدين حد الدنيا وحد الآخرة، وهو معنى قول من قال ما ليس فيها حد في الدنيا وهو معنى قول القائل كل ذنب ختم بلعنة أو غضب أو نار فهو من الكبائر، ومعنى قول القائل وليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة) (٢)\nوقال ابن النجار ﵀: (والصغائر هي كل قول أو فعل محرم لا حد فيه في الدنيا ولا وعيد في الآخرة) (٣) التعريفات الاعتقادية لسعد بن محمد آل عبد اللطيف – ص ٢٢٠\n_________\n(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٥٢٦).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٦٥٠).\n(٣) «شرح الكواكب» (٢/ ٣٨٨).","vol":"6","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1782>المسألة الثانية: الإصرار على الصغائر</span>\nوالصغائر من المعاصي والذنوب؛ قد تتحول إلى الكبائر لأسباب نذكر منها:\n١ - الإصرار والمداومة عليها.\n٢ - استصغار المعصية واحتقارها.\n٣ - الفرح بفعل المعصية الصغيرة والافتخار بها.\n٤ - فعل المعصية ثم المجاهرة بها؛ لأن المجاهر غير معافى.\n٥ - أن يكون فاعل المعصية الصغيرة عالمًا يقتدى به؛ لأنه إذا ظهر أمام الناس بمعصيته كبر ذنبه.\nإن المعاصي والذنوب عند أهل السنة والجماعة: تؤثر في الإيمان من حيث نقصه بحسب قلتها وكثرتها، لا من حيث بقاؤه وذهابه؛ فافتراق المعاصي بمفردها والإصرار عليها لا يخرج من الدين إن لم يقترن بها سبب من أسباب الكفر، كاستحلال المعصية، أو الاستهانة بحكمها سواء كان بالقلب، أو اللسان، أو الجوارح. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري – ص٢٠٢","vol":"6","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1784>المسألة الأولى: تعريف الكبيرة والفرق بينها وبين الصغيرة</span>\nاختلف العلماء في تعريفها فبعضهم يعبر عن جانب منها من خلال الاستدلال ببعض النصوص دون بقيتها، وحاول البعض الآخر أن يأتي بتعريف شامل وسنستعرض بعض هذه التعريفات باختصار ثم نأتي بالقول الصحيح من خلال كلام الأئمة المحققين (١).\n١ - قال الرافعي في (الشرح الكبير): (الكبيرة هي الموجبة للحد، وقيل ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة، هذا أكثر ما يوجد للأصحاب وهم إلى ترجيح الأول أميل، ولكن الثاني أوفق لما ذكروه من تفصيل الكبائر (٢). قال الحافظ في (الفتح): وكيف يقول عالم إن الكبيرة ما ورد فيه الحد مع التصريح في (الصحيحين) بالعقوق واليمين الغموس وشهادة الزور وغير ذلك (٣).\nوقال بعدما جمع ما ورد التصريح بأنه من الكبائر: (إذا تقرر ذلك عرف فساد من عرف الكبيرة بأنها ما وجب فيها الحد، لأن أكثر المذكورات لا يجب فيها الحد (٤). أما من عرفها بأنها ما ورد فيها الوعيد فهو أقرب إلى الصحة ... قال الحافظ في (الفتح): ولا يدل عليه إخلاله بما فيه الحد، لأن كل ما ثبت فيه الحد لا يخلو من ورود الوعيد على فعله. (٥).\n٢ - ومن الأقوال في تعريفها: أنها ما اتفقت الشرائع على تحريمه، دون ما اختلفت فيه، قال شيخ الإسلام عن هذا القول: (يوجب (هذا القول) أن تكون الحبة من مال اليتيم، ومن السرقة، والخيانة والكذبة الواحدة، وبعض الإساءات الخفية، ونحو ذلك كبيرة، وأن يكون الفرار من الزحف ليس من الكبائر، إذ الجهاد لم يجب في كل شريعة ....... إلخ) (٦).\n٣ - وعرفها إمام الحرمين بقوله: (كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقاقة الديانة) (٧).\nومثله قول أبي حامد الغزالي: (كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف ووجدان ندم تهاونًا واستجراء عليها فهي كبيرة، وما يحمل على فلتات اللسان ولا ينفك عن ندم يمتزج بها وينغص التلذذ بها فليس بكبيرة) (٨).\nواعتُرض على هذا التعريف، لأنه يشمل صغائر الخسة وليست بكبائر، وكذلك يرد على هذا التعريف أن من ارتكب كبيرة من الكبائر المنصوص عليها كالزنا مثلًا لا يشمله التعريف إن صاحب فعله الخوف أو الندم (٩).\n٤ - قال ابن عبد السلام: (إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فان نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو ربت عليها فهي من الكبائر) (١٠).\nواعترض على ذلك بتعذر الإحاطة بمفاسد الكبائر كلها حتى نعلم أقلها مفسدة (١١).\n_________\n(١) ناقش هذه التعريفات عدد من الأئمة منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١١/ ٦٥٠، ٦٥٧)، وابن حجر العسقلاني في «الفتح» (١٠/ ٤١٠، ٤١١)، (١٢/ ١٨٢، ١٨٤)، وابن حجر الهيتمي في «الزواجر» (١/ ٥ - ٩)، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» (٤/ ٤٨٦، ٤٨٧).\n(٢) نقلًا عن: «فتح الباري» لابن حجر (١٢/ ١٨٤).\n(٣) «فتح الباري» (١٢/ ١٨٤).\n(٤) «فتح الباري» (١٢/ ١٨٣).\n(٥) «فتح الباري» (١٢/ ١٨٤)، وانظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦٥٧).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٦٥٦).\n(٧) نقلًا عن «فتح الباري» (١٠/ ٤١٠).\n(٨) نقلًا عن: «الزواجر» لابن حجر الهيتمي (١/ ٧).\n(٩) انظر: «الزواجر» (١/ ٧).\n(١٠) «قواعد الأحكام» (١/ ١٩).\n(١١) انظر: «الزواجر» (١/ ٨).","vol":"6","page":192},{"text":"٥ - وذهب بعض العلماء ومنهم الإمام الطبري إلى تعريفها بالعدد من غير ضبطها بحد قال ﵀: (وأولى ما قيل في تأويل (الكبائر) بالصحة، ما صح به الخبر عن رسول الله ﷺ دون ما قاله غيره) .. فالكبائر إذًا: الشرك به، وعقوق الوالدين، وقتل النفس ...) (١)\nومقصود الإمام الطبري حصر الكبائر بما نص ﵊ بأنه كبيرة دون غيره مما عليه حد أو وعيد ولم ينص على أنه كبيرة، ولازم هذا القول إخراج بعض الذنوب كالسرقة والرشوة مثلًا من أن تكون من الكبائر لعدم ورود نص يصرح بأنها من الكبائر، على الرغم من أن مفسدة هذه أكبر من بعض المنصوص عليها.\n٦ - ومن أشهر التعريفات ما نقل عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري وغيرهم: أن الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقال ابن الصلاح: (لها أمارات منها: إيجاب الحد، ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة، ومنها وصف فاعلها بالفسق نصا ومنها اللعن) (٢).\nوقال الماوردي من الشافعية: (الكبيرة ما وجبت فيه الحدود أو توجه إليها الوعيد) (٣) وورد مثل ذلك عن الإمام أحمد فيما نقله القاضي أبو يعلي (٤) ورجحه القرطبي (٥) وابن تيمية والذهبي (٦) وغيرهم.\nولعل هذا التعريف أشمل التعاريف وأقربها للصواب لعدة اعتبارات ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية من أهمها:\nأنه يشمل كل ما ثبت في النصوص أنه كبيرة كالشرك، والقتل، والزنا، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وغير ذلك من الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة، ويشمل أيضًا ما ورد فيه الوعيد كالفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة الزور، ويشمل كل ذنب توعد صاحبه بأنه لا يدخل الجنة، وما قيل فيه من فعله فليس منا، وما ورد من نفي الإيمان عن من ارتكبه كقوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ..» (٧) (٨) فكل من نفي الله عنه الإيمان والجنة أو كونه من المؤمنين فهو من أهل الكبائر، لأن هذا النفي لا يكون لترك مستحب، ولا لفعل صغيرة، بل لفعل كبيرة.\nأنه مأثور عن السلف من الصحابة والتابعين بخلاف غيره.\nأن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الصغائر والكبائر بخلاف غيره.\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» (٨/ ٢٥٣)، وانظر تعريفات تشبه ما قاله الطبري معتمدة على بعض النصوص فمنهم من عرف الكبائر بأنها سبع أو تسع أو أربع ويورد النصوص المؤيدة لقوله، انظر: (٨/ ٢٣٥–٢٥٣).\n(٢) نقلًا عن «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٨٥).\n(٣) نقلًا عن «فتح الباري» (١٠/ ٤١٠).\n(٤) نقلًا عن «فتح الباري» (١٠/ ٤١٠).\n(٥) انظر: «فتح الباري» (١٠/ ٤١١).\n(٦) نقلًا عن «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٨٥).\n(٧) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٧٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٨) انظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦٥١ - ٦٥٥) باختصار.","vol":"6","page":193},{"text":"أن الله تعالى قال: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: ٣١]، فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق الوعد الكريم، وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنته أو ما يقتضي ذلك، فإنه خارج عن هذا الوعد فلا يكون من مجتنبي الكبائر، وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد، لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر. إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يعاقب عليه، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب العقوبة عليه (١). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي - ١/ ١٠٩\nفالنصوص التي فيها نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة فالمقصود فيه نفي كمال الإيمان أو الإيمان الواجب. الأحاديث في نفي الإيمان عمن ارتكب الكبائر وترك الواجبات كقوله ﷺ: «لا إيمان لمن لا أمانة له» (٢) يقول ابن رجب تعليقًا على ذلك: فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها لأن الاسم لا ينتفي إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته. (٣) ويقول ابن تيمية: (.... ثم إن نفي الإيمان عند عدمها دال على أنها واجبة فالله ورسوله لا ينفيان اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته كقوله ﷺ: «لا صلاة إلا بأم القرآن» (٤).\nوقوله ﷺ: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» (٥). الأحاديث التي فيها نفي الإيمان كقوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٦)\nوقوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن .. الحديث () (٧).\nوقوله: «لا إيمان لمن لا أمانة له .. الخ».\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٦٥٤ - ٦٥٥).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ١٣٥) (١٢٤٠٦)، وابن حبان (١/ ٤٢٢) (١٩٤). من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الذهبي في «المهذب»: سنده قوي، وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٧١٧٩): صحيح.\n(٣) «جامع العلوم والحكم» (ص٢٥).\n(٤) رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤). من حديث عبادة بن الصامت ﵁.\n(٥) رواه أحمد (٣/ ١٣٥) (١٢٤٠٦)، وابن حبان (١/ ٤٢٢) (١٩٤). من حديث أنس ﵁. قال البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٠٠): حسن. وقال الذهبي في «المهذب» (٧/ ٣٨٠٥): إسناده قوي. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ٧٣) كما أشار لذلك في مقدمته. وقال الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٧١٧٩): صحيح.\n(٦) رواه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٧) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٧٥). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":194},{"text":"قال النووي: (فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة) (١). ما ورد من نفي الإيمان عمن ارتكب بعض الكبائر هو داخل في هذا المعنى الذي ذكرنا، أي أن المنفي ليس اسم الإيمان والدخول فيه إنما المنفي هو حقيقة الإيمان وكماله، يقول الإمام أبو عبيد: (فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقال ليس بمؤمن واسم الإيمان غير زائل عنه؟ قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله ما صنعت شيئًا ولا عملت عملًا وإنما وقع معناه هاهنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالاسم، وغير عامل في الإتقان، حتى تكملوا به فيما هو أكثر من هذا، وذلك كرجل يعق أباه ويبلغ منه الأذى فيقال ما هو بولده، وهم يعلمون أنه ابن صلبه، ثم يقال مثله في الأخ والزوجة والمملوك وإنما مذهبهم في هذا المزايلة من الأعمال الواجبة عليهم من الطاعة البر، وأما النكاح والرق والأنساب، فعلى ما كانت عليه أحكامها وأسماؤها فكذلك هذه الذنوب التي ينفي بها الإيمان إنما أحبطت الحقائق منه الشرائع التي هي من صفاته، فأما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك ولا يقال لهم مؤمنون (٢) وبه الحكم عليهم) (٣). أما أهل السنة فأجمعوا على أن المنفي هنا (يعني قوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (٤).) كمال الإيمان جمعًا بين هذا النص وغيره من النصوص، قال الإمام ابن عبد البر ﵀، تعليقًا على هذا الحديث: ... يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر – إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام – من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال، وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم، أوضح الدلائل على صحة قولنا، أن مرتكب الكبيرة ناقص الإيمان بفعله ذلك (٥). وقال النووي ﵀: (فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره كما يقال لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل ولا عيش إلا عيش الآخرة) (٦) وقال المروزي ﵀، (فالذي صح عندنا في معنى قول النبي ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٧). وما روي عنه من الأخبار مما يشبه هذا أن معنى ذلك كله أن من فعل تلك الأفعال لا يكون مؤمنًا مستكمل الإيمان، لأنه ترك بعض الإيمان، نفى عنه الإيمان، يريد به الإيمان الكامل. وإقامة الحدود عليه دليل على أن الإيمان لم يزل كله عنه، ولا اسمه، ولولا ذلك لوجب استتابته، وقتله، وسقطت الحدود) (٨).\nإذًا لا مناص من تفسير هذا الحديث وما في معناه بأن المنفي كمال الإيمان أو الإيمان الواجب وليس أصل الإيمان، لأنا لو قلنا إن المنفي أصل الإيمان لوقعنا في تناقض ولضربنا بعض النصوص ببعض، إذ يلزم من هذا القول إسقاط الحدود، ورد الأحاديث المصرحة بدخول الموحد الجنة وإن زنى وإن سرق، وخروجه من النار الخ. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ١/ ٥٠\n_________\n(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٤١).\n(٢) أي: بقاء اسم الإيمان وأصله دون حقيقته وكماله.\n(٣) «الإيمان» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص: ٩٠، ٩١).\n(٤) رواه البخاري (٥٥٧٨) ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) «التمهيد» لابن عبد البر (٩/ ٢٤٣، ٢٤٤).\n(٦) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٤١).\n(٧) رواه البخاري (٥٥٧٨) ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٨) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٥٧٦).","vol":"6","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1785>المسألة الثانية: حكم الإصرار على المعصية</span>\nوأما عن الإصرار على المعصية فنقول: إن الإصرار معناه الثبات على الأمر ولزومه (١). أو الإقامة على الشيء والمداومة عليه (٢). وهو هنا بمعنى الثبوت على المعاصي (٣). أي الإقامة على فعل الذنب أو المعصية مع العلم بأنها معصية دون الاستغفار أو التوبة (٤). وهو الاستمرار على المعصية وعدم الإقلاع عنها (٥) والعزم بالقلب عليها (٦).\nوحكم المصر على المعصية عند أهل السنة هو حكم مرتكب الكبيرة. يذكر ابن حجر الهيتمي في كتابه (الزواجر) أن من جملة الكبائر: (فرح العبد بالمعصية، والإصرار عليها، ونسيان الله تعالى والدار الآخرة، والأمن من مكر الله، والاسترسال في المعاصي) اهـ (٧). فاقتراف المعاصي بمفرده عندهم لا يخرج من دين الله، ولا توقع المعاصي فمن كبائر وذنوب صاحبها في الردة إن لم يقترن بها سبب من أسباب الكفر، ولذلك يقرر الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في عقيدته: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) (٨).\nولكن الإمام الطحاوي سرعان ما يعقب على ذلك بقوله: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) (٩) وذلك لأن أهل السنة يرون أن فعل المعاصي يترتب عليه العذاب والعقاب الأخروي الذي أخبر عنه الشارع لكثير من المحرمات والمعاصي، وتوعد الله به على فعلها في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، وأنها تؤثر على الإيمان من حيث زيادته ونقصانه، لا من حيث بقاؤه وذهابه (١٠).\nوكذلك فإن صاحب المعصية المصر عليها يُخشى عليه – عند أهل السنة – سوء العاقبة، لأن المعاصي عندهم هي بريد الكفر، والإكثار من مقارفة المعاصي قد يؤدي إلى الوقوع في الكفر والردة والعياذ بالله، فالاستغراق في المعاصي أو الإصرار عليها قد يجعلها تحيط بصاحبها وتنبت النفاق في قلبه؛ فيرون عليه ويسد منه كل منافذ الخير دونما شعور منه حتى يسقط منه إما عمل القلب فيعدو يؤول ويبرر لصاحبه كل ما يفعله حتى يوقعه في استحلال المعاصي، وإما يسقط منه قول القلب فينكر بعض ما جاء به الرسول ﷺ، لتبرير مقتضيات الهوى والشهوة (١١).\nقال الله تعالى: بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٨١].\nوقد نقل الإمام ابن كثير في تفسيره تفسير السلف رضي الله تعالى عنهم للسيئة والخطيئة هنا بأنها: (إما الكفر والشرك، وإليه ذهب ابن عباس وأبو هريرة وأبو وائل وأبو العالية ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس. وإما الموجبة أو الكبيرة من الكبائر، وإليه ذهب السدي وأبي رزين والربيع بن الخيثم ورواية أخرى عن أبي العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس).\nثم علق ابن كثير بقوله: (وكل هذه الروايات متقاربة في المعنى والله أعلم).\n_________\n(١) «المعجم الوجيز» (ص: ٣٦٣) مجمع اللغة العربية بالقاهرة.\n(٢) «مختار الصحاح» (ص: ٣٨٤).\n(٣) «تفسير الطبري» (٤/ ٩١).\n(٤) «تفسير القرطبي» (٤/ ٢١١). و«صفوة التفاسير» (٢/ ٥٢).\n(٥) «تفسير ابن كثير» (١/ ٤٠٧).\n(٦) «تفسير القرطبي» (٤/ ٢١١).\n(٧) «الزواجر» (١/ ١٤٧ وما بعدها)\n(٨) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي (١/ ٢٠٤)، وانظر: «الإيمان» لنعيم ياسين (ص: ٢٢٣) وما بعدها.\n(٩) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي (١/ ٢٠٤).\n(١٠) «الإيمان» لنعيم ياسين (ص: ١٢٣) وبعدها.\n(١١) «الإيمان» لنعيم ياسين (ص: ٢٢٣) وما بعدها.","vol":"6","page":196},{"text":"ويذكر هنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: (حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمرو بن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبدالله بن مسعود ﵁ «أن رسول الله ﷺ قال: إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وأن رسول الله ﷺ ضرب لهم مثلًا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادًا وأججوا نارًا فأنضجوا ما قذفوا فيها» (١» اهـ (٢).\nوجاء في (صفوة التفاسير): «بلى من كسب سيئة) أي بلى تمسكم النار وتخلدون فيها، كما يخلد الكافر الذي عمل الكبائر. وكذلك من اقترف السيئات (وأحاطت به خطيئته) أي غمرته من جميع جوانبه وسدّت عليه مسالك النجاة .. وهو من باب الاستعارة حيث شبه الخطايا بجيش من الأعداء نزل على قوم من كل جانب فأحاط به إحاطة السوار بالمعصم، واستعار لفظة الإحاطة لغلبة السيئات على الحسنات، فكأنها أحاطت بها من جميع الجهات) اهـ (٣).\nويقول شيخ الإسلام: (وقوله تعالى: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢] لأن ذلك قد يتضمن الكفر فيقتضي الحبوط وصاحبه لا يدري، كراهية أن يحبط أو خشية أن يحبط، فنهاهم عن ذلك لأنه يفضي إلى الكفر المقتضي للحبوط.\nولا ريب أن المعصية قد تكون سببًا للكفر، كما قال بعض السلف: (المعاصي بريد الكفر) (٤)، فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط. كما قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور: ٦٣]- وهي الكفر - أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وإبليس خالف أمر الله فصار كافرًا، وغيره أصابه عذاب أليم) اهـ (٥).\nإن مجرد فعل المعصية أو الإصرار عليها لا يدل عند أهل السنة والجماعة على نقض الشهادتين والخلود في النار مع الكفار والمرتدين إلا إذا صاحب ذلك استحلال للمعصية أو استهانة بحكمها، بالقلب أو باللسان أو بالجوارح.\nيقول ابن تيمية: (إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد، فهو إما جاحد أو معاند. ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبرًا كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيًا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفره الخوارج. فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقًا بأن الله ربه، فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق.\nوبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلًا لها فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل. والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون بخلل في الإيمان بالربوبية، والخلل في الإيمان بالرسالة، وجحدًا محضًا غير مبني على مقدمة.\n_________\n(١) الحديث رواه أحمد (١/ ٤٠٢) (٣٨١٨). قال العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢٨٣): إسناده جيد، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند: إسناده صحيح، والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٦٨٧).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ١١٩).\n(٣) «صفوة التفاسير» (١/ ٥٨، ٥٩).\n(٤) «شعب الإيمان» للبيهقي (٥/ ٤٤٧).\n(٥) «الإيمان الأوسط» (ص: ٣٦).","vol":"6","page":197},{"text":"وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرًا من قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الأمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس، وحقيقته كفر، هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقر بذلك، ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه. فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع، بل عقوبته أشد، وفي مثله قيل: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه) وهو إبليس ومن سلك سبيله.\nوبهذا يظهر الفرق بين العاصي، فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويجب أن يفعله، لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة، فقد أتى من الإيمان بالتصديق والخضوع والانقياد، وذلك قول وعمل، لكن لم يكمل العمل) اهـ (١).\nويقول شارح (الفقه الأكبر): (إن استحلال المعصية صغيرة أو كبيرة كفر – إذا ثبت كونها معصية بدلالة قطعية – وكذا الاستهانة بها كفر، بأن يعدها هينة سهلة، ويرتكبها من غير مبالاة بها، ويجريها مجرى المباحات في ارتكابها) اهـ (٢).\nويعلل صاحب (المسايرة) بأن مناط التكفير هو: (التكذيب أو الاستخفاف بالدين) اهـ (٣).\nولما كانت المعاصي عند أهل السنة بريد الكفر، فإن كثيرًا من الأئمة قد امتنعوا عن إطلاق القول بعدم تكفير أحد بذنب، خوفًا من أن يظن السامع أن الذنوب والمعاصي لا تؤثر في الإيمان بضعفه ونقضه، بل وقد تؤدي إلى سقوطه جملة بارتكاب معصية تتضمن إما الإنكار لما أمر الله به ورسوله، وإما الاستكبار عنه أو الاستخفاف والاستهانة بأمره.\nوفي ذلك يقول شارح (الطحاوية): (فطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدًا، فننفي التكفير نفيًا عامًا! مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين، الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين!\nوأيضًا فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرًا مرتدًا، والنفاق والردة مظنتها البدع والفجور ...\nولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدًا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب، كما تفعله الخوارج. وفرق بين النفي العام ونفي العموم.\nوالواجب هو نفي العموم، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب .. فإنهم يقولون: نكفر المسلم بكل ذنب، أو بكل ذنب كبير. وكذلك المعتزلة الذين يقولون: يحبط إيمانه كله بالكبيرة، فلا يبقى معه شيء من الإيمان .. وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في النار.\nإن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج .. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين، كما قالت المعتزلة) اهـ (٤).\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص: ٥٢١، ٥٢٢).\n(٢) «شرح الفقه الأكبر» لملا على القاري (ص: ١٢٦).\n(٣) «المسايرة» للكمال ابن الهمام الحنفي (ص: ٣١٨).\n(٤) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٣٥٥ - ٣٦٢).","vol":"6","page":198},{"text":"ويقول صاحب (معارج القبول): (ولا نكفر بالمعاصي التي قدمنا ذكرها وأنها لا توجب كفرًا، والمراد بها الكبائر التي ليست بشرك، ولا تستلزمه ولا تنافي اعتقاد القلب ولا عمله، (مؤمنًا) مقرًا بتحريمها معتقدًا له، مؤمنًا بالحدود المترتبة عليها، ولكن نقول: يفسق بفعلها، ويُقام عليه الحد بارتكابها، وينقص إيمانه بقدر ما تجرأ عليه منها ...\n(إلا مع استحلاله لما جنى) ... وهو أن عامل الكبيرة يكفر باستحلاله إياها، بل يكفر بمجرد اعتقاده بتحليل ما حرم الله ورسوله ولو لم يعمل به، لأنه حيئنذٍ يكون مكذبًا بالكتاب ومكذبًا بالرسول ﷺ، وذلك كفر بالكتاب والسنة والإجماع، فمن جحد أمرًا مجمعًا عليه معلومًا من الدين بالضرورة فلا شك في كفره) اهـ (١).\nوإذا علمنا أن الذنوب والمعاصي عند أهل السنة والجماعة تؤثر في الإيمان من حيث زيادته ونقصه لا من حيث بقاؤه وذهابه – إلا أن يُصاحب ذلك ما يقدح في أصله من استحلال لهذه المعاصي، وأن هذا الاستحلال قد يكون بسقوط قول القلب والتكذيب جحودًا أو عنادًا، وقد يكون بسقوط عمل القلب والاستكبار استخفافًا أو استهزاءً، أو غير ذلك من أسباب – فما هو حكم عصاة الموحدين ومآلهم في الآخرة؟ وهل كل من مات على معصية يدخل النار بها؟ وإذا دخلها فكيف يخرج منها؟ وما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في ذلك؟ حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لمحمد عبدالهادي المصري – ص: ١٤٦\n_________\n(١) «معارج القبول» (٢/ ٣٥٧، ٣٥٨).","vol":"6","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1786>المبحث الثاني: الفاسق الملي</span>\n• المطلب الأول: تعريف الفسق.\n• المطلب الثاني: المقصود بالفاسق الملي.","vol":"6","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1787>المطلب الأول: تعريف الفسق</span>\nالفسق في اللغة: هو الخروج عن الشيء أو القصد، وهو الخروج عن الطاعة.\nوالفسق: الفجور. ويقال إذا خرجت الرطبة من قشرها؛ قد فسقت الرطبة من قشرها، والفأرة عن جحرها (١).\nالفسق في الاصطلاح: العصيان وترك أمر الله تعالى، والخروج عن طاعته، وعن طريق الحق. ورجل فاسق: أي عصى وجاوز حدود الشرع. ويقال: فسق عن أمر ربه؛ أي خرج عن طاعته.\nوالفسق أعم من الكفر؛ حيث إنه يشمل الكفر وما دونه من المعاصي كبائرها وصغائرها، وإذ أطلق يراد به أحيانًا الكفر المخرج من الإسلام، وأحيانًا يراد به الذنوب والمعاصي التي هي دون الكفر؛ بحسب درجة المعصية، وحال العاصي نفسه (٢).\nوالفسق في الشرع نوعان: فسق أكبر، وفسق أصغر.\nالفسق الأكبر: هو رديف الكفر الأكبر، والشرك الأكبر؛ يخرج صاحبه من الإسلام، وينفي عنه مطلق الإيمان، ويخلده في النار، إذا مات ولم يتب منه، ولا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة، قال الله ﵎: إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة: ٨٤]\nوقال: وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: ٥٥]\nالفسق الأصغر: هو رديف الكفر الأصغر، والشرك الأصغر، هو فسق دون فسق، وهو المعصية التي لا تنفي عن صاحبها أصل الإيمان، أو مطلق الإيمان، ولا تسلبه صفة الإسلام، قال تعالى:\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦]\nوقال: وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٢]. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري - ص٢٤٠\n_________\n(١) انظر: معاجم اللغة: «لسان العرب» (١٠/ ٣٠٨)، و«معجم مقاييس اللغة» (٤/ ٥٠٢)، و«مفردات الراغب» (٧/ ٥٧٢).\n(٢) انظر: «روح المعاني» للآلوسي (١/ ٢١٠)، و«فتح القدير» للشوكاني (١/ ٧٥).","vol":"6","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1788>المطلب الثاني: المقصود بالفاسق الملي</span>\nوالمقصود به الفاسق من أهل القبلة، والنزاع في اسمه وحكمه هو أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين.\nقال شيخ الإسلام: (وبتحقق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ويعلم أن في المسلمين قسما ليس هو منافقا محضا في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصادِقُونَ [الحجرات:١٥].\nولا من الذين قيل فيهم: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:٤] فلا هم منافقون ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقا، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب. بل له طاعات ومعاص، وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار.\nوهذا القسم قد يسميه بعض الناس: الفاسق الملي وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه. والخلاف فيه أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين) (١).\nوأهل السنة لا يكفرون هذا الصنف، ولا يحكمون بخلوده في النار، بل يرون أنه تحت المشيئة،، لكنهم تنازعوا في اسمه، هل يطلق عليه مؤمن أم لا؟\nقال شيخ الإسلام: (وأما أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر طوائف المسلمين من أهل الحديث والفقهاء وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء والكرامية والكلابية والأشعرية والشيعة، مرجئهم وغير مرجئهم، فيقولون: إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة.\nوهذا الشخص الذي له سيئات عذب بها وله حسنات دخل بها الجنة، وله معصية وطاعة، باتفاق فإن هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا في حكمه، لكن تنازعوا في اسمه. فقالت المرجئة، جهميتهم وغير جهميتهم: هو مؤمن كامل الإيمان.\nوأهل السنة والجماعة على أنه مؤمن ناقص الإيمان، ولولا ذلك لما عذب، كما أنه ناقص البر والتقوى باتفاق المسلمين.\nوهل يطلق عليه اسم مؤمن؟ هذا فيه القولان، والصحيح التفصيل:\nفإذا سئل عن أحكام الدنيا كعتقه في الكفارة، قيل: هو مؤمن. وكذلك إذا سئل عن دخوله في خطاب المؤمنين.\nوأما إذا سئل عن حكمه في الآخرة، قيل: ليس هذا النوع من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار، ويدخل به الجنة بعد أن يعذب في النار، إن لم يغفر الله له ذنوبه. ولهذا قال من قال: هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان.\nوالذين لا يسمونه مؤمنًا من أهل السنة ومن المعتزلة يقولون: اسم الفسوق ينافي اسم الإيمان لقوله: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ [الحجرات:١١] وقوله: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا [السجدة:١٨] وقد قال النبي ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٢» (٣).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٧٨) وما بعدها.\n(٢) رواه البخاري (٤٨) ومسلم (٦٤) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٥٤) وما بعدها، وانظر (٧/ ٥٢٥).","vol":"6","page":202},{"text":"وقال أيضا: (ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان (١) في مثل قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:٩٢] وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:٢]، وقوله: «لا يَزْنِي الزانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَسْرِقُ السارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ الناسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (٢).\nويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم) (٣).\n(والفرق بين مطلق الشيء، والشيء المطلق، أن الشيء المطلق هو الشيء الكامل، ومطلق الشيء يعني أصل الشيء وإن كان ناقصا. فالفاسق لا يعطى الاسم المطلق في الإيمان وهو الاسم الكامل، ولا يسلب مطلق الاسم، فلا نقول: ليس بمؤمن، بل نقول: ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة وهو المذهب العدل الوسط، وخالفهم في ذلك طوائف: المرجئة يقولون: مؤمن كامل الإيمان، والخوارج يقولون: كافر. والمعتزلة في منزلة بين المنزلتين) (٤).\nالإيمان المنفي عن الزاني والسارق:\nقد تبين أن الشارع ينفي الإيمان المطلق عن أصحاب الذنوب، كالزاني والسارق وشارب الخمر، ولا ينفي عنهم مطلق الإيمان، ولهذا فهم مسلمون مصدقون، ولديهم من أعمال القلب والجوارح ما يصحح إيمانهم، ويدفع الكفر والنفاق عنهم.\n_________\n(١) في نسخ الواسطية المطبوعة: (الإيمان المطلق)، وهو مشكل، وقد حمله الشيخ ابن عثيمين على أن المراد إذا أطلق الإيمان، وليس المراد الإيمان الكامل. انظر: «شرح الواسطية» لابن عثيمين (٢/ ٦٤٨). وما أثبته هو الموافق لما في «مجموع الفتاوى»، ولما في النسخة المخطوطة للواسطية، كما قال الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف في تحقيقه لـ «شرح الواسطية» للهراس، هامش: (ص٢٦٩).\n(٢) رواه البخاري (٥٥٧٨) ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «شرح الواسطية» للشيخ الفوزان (ص١٦١) وما بعدها، وضمن «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٥١).\n(٤) «شرح الواسطية» للشيخ ابن عثيمين (٢/ ٦٥١)، وقال ابن القيم: فالإيمان المطلق لا يطلق إلا على الكامل الكمال المأمور به، ومطلق الإيمان يطلق على الناقص والكامل، ولهذا نفى النبي ﷺ الإيمان المطلق عن الزاني وشارب الخمر والسارق ولم ينف عنه مطلق الإيمان، وقال: (والمقصود الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان. فالإيمان المطلق يمنع دخول النار ومطلق الإيمان يمنع الخلود فيها).ا. هـ. من «بدائع الفوائد» (٤/ ٢٢٧).","vol":"6","page":203},{"text":"وقد دلت السنة الصحيحة على أن الإيمان يرتفع عن الزاني حين يزني، كما قال النبي ﷺ: «إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ كَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ» (١)، والمقصود بهذا الإيمان: الخشية والنور والخشوع، لا أن التصديق يذهب، أو أن عمل القلب يزول بالكلية.\nفالزاني حين يزني، لابد أن يعتقد حرمة الزنا، وأن يبغضه، ويكرهه، ويخاف من عاقبته، وهكذا السارق وشارب الخمر ونحوهما، وبهذا يبقى لهم أصل الإيمان.\nقال شيخ الإسلام: (ومن أتى الكبائر مثل الزنا أو السرقة أو شرب الخمر وغير ذلك، فلابد أن يذهب ما في قلبه من تلك الخشية والخشوع والنور، وإن بقي أصل التصديق في قلبه، وهذا من الإيمان الذي ينزع منه عند فعل الكبيرة، كما قال النبي ﷺ: «لا يَزْنِي الزانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَسْرِقُ السارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (٢). فإن المتقين كما وصفهم الله بقوله: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:٢٠١]، فإذا طاف بقلوبهم طائف من الشيطان تذكروا فيبصرون. قال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله فيكظم الغيظ. وقال ليث عن مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه. (٣).\nوالشهوة والغضب مبدأ السيئات، فإذا أبصر رجع. ثم قال: وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ [الأعراف:٢٠٢] أي وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي ثم لا يقصرون. قال ابن عباس: لا الإنس تقصر عن السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم. فإذا لم يُبصر بقي قلبه في غي والشيطان يمده في غيه، وإن كان التصديق في قلبه لم يكذّب، فذلك النور والإبصار وتلك الخشية والخوف يخرج من قلبه. وهذا كما أن الإنسان يُغمض عينيه فلا يرى شيئا وإن لم يكن أعمى، فكذلك القلب بما يغشاه من رَيْن الذنوب لا يبصر الحق وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر، وهكذا جاء في الآثار).\nوأورد آثارا عن الحسن وابن عباس وأبي هريرة، ثم قال: (وفى حديثٍ عن أبى هريرة مرفوع إلى النبي ﷺ: «إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان كان كالظلة فإذا انقطع رجع إليه الإيمان» وهذا إن شاء الله يبسط في موضع آخر) (٤).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٩٠)، والترمذي (٢٦٢٥). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٩) – كما أشار لذلك في مقدمته- وابن حجر في «فتح الباري» (١٢/ ٦٢). وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٥٥٧٨) ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) انظر «تفسير البغوي» (٣/ ٣١٨).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣١) وما بعدها.","vol":"6","page":204},{"text":"فبين أن الذي يرتفع عن الزاني هو النور والخشية والخشوع، مع بقاء التصديق في قلبه، وبين في موضع آخر اشتراط وجود عمل القلب، من بغض المعصية وكراهيتها، والخوف من الله حال ارتكابها، ليبقى عقد الإيمان، فقال: (الإنسان لا يفعل الحرام إلا لضعف إيمانه ومحبته، وإذا فعل مكروهات الحق فلضعف بعضها في قلبه أو لقوة محبتها التي تغلب بعضها، فالإنسان لا يأتي شيئا من المحرمات كالفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، والشرك بالله ما لم ينزل به سلطانا، والقول على الله بغير علم، إلا لضعف الإيمان في أصله أو كماله، أو ضعف العلم والتصديق، وإما ضعف المحبة والبغض، لكن إذا كان أصل الإيمان صحيحا وهو التصديق، فإن هذه المحرمات يفعلها المؤمن مع كراهته وبغضه لها، فهو إذا فعلها لغلبة الشهوة عليه، فلا بد أن يكون مع فعلها فيه بغض لها، وفيه خوف من عقاب الله عليها، وفيه رجاء لأن يخلص من عقابها، إما بتوبة وإما حسنات، وإما عفو، وإما دون ذلك، وإلا فإذا لم يبغضها ولم يخف الله فيها ولم يرج رحمته، فهذا لا يكون مؤمنا بحال، بل هو كافر أو منافق) (١).\nوقال: (وأيضا فقد ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (٢) وفى رواية: «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ» (٣) فهذا يبين أن القلب إذا لم يكن فيه بغضُ ما يكرهه الله من المنكرات، كان عادما للإيمان. والبغض والحب من أعمال القلوب. ومن المعلوم أن إبليس ونحوه يعلمون أن الله ﷿ حرم هذه الأمور، ولا يبغضونها، بل يدعون إلى ما حرم الله ورسوله) (٤).\nتنبيه:\nوقع في كلام بعض أهل العلم أن المراد بنفي الإيمان الوارد في بعض النصوص: هو نفي الكمال، وهذا لابد أن يقيّد بالكمال الواجب، وإلا فتارك الكمال المستحب، لا ينفى عنه الإيمان، وإلا للزم نفي الإيمان عن أكثر الناس.\nفمن الأول: قول النووي: بَاب بَيَانِ نُقْصَانِ الْإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي وَنَفْيِهِ عَنْ الْمُتَلَبِّسِ بِالْمَعْصِيَةِ عَلَى إِرَادَةِ نَفْيِ كَمَالِهِ ...\n_________\n(١) «قاعدة في المحبة» (ص١٠٤).\n(٢) رواه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٥٠) من حديث ابن مسعود ﵁. ولفظه: (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٧).","vol":"6","page":205},{"text":"فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يُذم تاركه، ويتعرض للعقوبة، فقد صدق. وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب، فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله، ولا يجوز أن يقع؛ فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص من واجبه شيئا، لم يجز أن يقال: ما فعله، لا حقيقة ولا مجازا، فإذا قال للأعرابي المسيء في صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، (١) وقال لمن صلى خلف الصف وقد أمره بالإعادة: «لا صلاة لفذ خلف الصف» (٢) كان لترك واجب ...) (٣).\nفائدة: في مراتب النفي\nقال الشيخ ابن عثيمين: (ونفي الشيء له ثلاث حالات: فالأصل أنه نفي للوجود، وذلك مثل: (لا إيمان لعابد صنم)، فإنْ منعَ مانعٌ من نفي الوجود، فهو نفي للصحة، مثل: (لا صلاة بغير وضوء)، فإن منع مانع من نفي الصحة، فهو نفيٌ للكمال، مثل: «لا صلاة بحضرة الطعام» (٤).، فقوله: «لا يؤمن أحدكم» نفي للكمال الواجب، لا المستحب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لا ينفى الشيء إلا لانتفاء واجب فيه، ما لم يمنع من ذلك مانع» (٥). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير- بتصرف- ١/ ١٧٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه ابن ماجه (١٠٠٣)، وأحمد (٤/ ٢٣) (١٦٣٤٠)، وابن حبان (٥/ ٥٧٩)، والبيهقي (٣/ ١٠٥). من حديث علي بن شيبان ﵁. مرةً بلفظ: (... لا صلاة للذي خلف الصف)، ومرة بلفظٍ: (... لا صلاة لرجل فرد خلف الصف، ومرةً بلفظ: (... لا صلاة لفرد خلف الصف). قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (١/ ١٢٢): هذا إسنادٌ صحيح رجاله ثقات. قال الذهبي في «المهذب» (٢/ ١٠٣٦): إسناده صالح. وقال في «تنقيح التحقيق» (١/ ٢٦٣): إسناده قوي. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (١/ ١٧٦): إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٤) وما بعدها.\n(٤) رواه مسلم (٥٦٠)، من حديث عائشة ﵂.\n(٥) «القول المفيد على كتاب التوحيد» (٢/ ١٦١)، وانظر: «التعليق على صحيح مسلم» له أيضا، (١/ ٢٤٨) وما بعدها، وفيه: (فإن قال قائل: وما حكم العمل إذا نفي الكمال، مع وجوده؟ قلنا: القاعدة عند العلماء: أن ما رتب عليه نفي الإيمان، فإنه يكون من كبائر الذنوب).","vol":"6","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1789>المبحث الثالث: حكم أهل الكبائر (الفاسق الملي) عند أهل السنة</span>\nتواترت النصوص الدالة على عدم كفر مرتكب الكبيرة، وعدم خلوده في النار إن دخلها، ما لم يستحل، وهذا من الأصول الاعتقادية المجمع عليها بين أهل السنة، وسنبحث في هذه الفقرة ما يلي:\nأدلة أهل السنة على حكم مرتكب الكبيرة، (الحكم الدنيوي والأخروي)\nنصوص قد يظن أنها تخالف ما سبق، وإيضاح معناها.\nنصوص عامة لعلماء أهل السنة تبين الخلاصة في الحكم على أهل الكبائر.\nأولا: أدلة أهل السنة على حكم مرتكب الكبيرة (الحكم الدنيوي والأخروي):\nاستدل أهل السنة لذلك بأدلة كثيرة جدًا، ونحن سنذكر هنا ما يمكن أن يسمى (أدلة كلية) وكل دليل يندرج تحته عدد من الأدلة التفصيلية\nالدليل الأول: نصوص تدل على أن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، وعلى أن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ومنها:\nقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨] (فحكم بأن الشرك غير مغفور للمشرك، يعني إذا مات غير تائب منه لقوله: قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] مع آيات غير هذه تدل على أن التائب من الشرك مغفور له شركه، فثبت بذلك أن الشرك الذي أخبر الله أنه لا يغفر: هو الشرك الذي لم يتب منه، وأن التائب مغفور له شركه، وأخبر أنه يغفر: ما دون الشرك لمن يشاء، يعني لمن أتى ما دون الشرك، فلقي الله غير تائب منه، لأنه لو أراد أن يغفر ما دون الشرك للتائب، دون من لم يتب لكان قد سوى بين الشرك، وما دونه، ولو كان كذلك لم يكن لفصله بين الشرك وما دونه معنى، ففصله بينهما دليل على أن الشرك لا يغفره لو مات وهو غير تائب منه، وأن يغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء ممن مات وهو غير تائب، ولا جائز أن يغفر له، ويدخله الجنة إلا وهو مؤمن) (١) (٢).\nقوله ﷺ في رواية أبي هريرة: «... أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة» (٣)\nوحديث معاذ المشهور وفيه قوله ﷺ: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» (٤)\n٤ - وروى مسلم من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ: «.. ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بقرابها مغفرة» (٥).\nقال الإمام ابن رجب (فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض، وهو ملؤها أو ما يقارب خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله ﷿، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار بل يخرج منها ثم يدخل الجنة) (٦).\nالدليل الثاني: نصوص فيها التصريح بعدم دخول الموحد النار أو خلوده فيها - إن دخل - مع تصريحها بارتكابه الكبائر ومنها:\n١ - حديث أبي ذر - ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: «أتاني جبريل ﵇ فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة قلت: وإن زنى وإن سرق قال: وإن زنى وإن سرق» (٧).\n_________\n(١) أي: معه أصل الإيمان.\n(٢) «تعظيم قدر الصلاة» للمروزي (٢/ ٦١٧).\n(٣) رواه مسلم (٢٧). من حديث أبي هريرة رضي الله عنهه.\n(٤) رواه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠). من حديث معاذ بن جبل ﵁.\n(٥) رواه مسلم (٢٦٨٧).\n(٦) «جامع العلوم والحكم» (ص٣٧٤)، وانظر أحاديث أخرى في الموضوع: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ٢١٧ - ٢٤٤)، و«فتح المجيد» (٣٩ - ٦٤).\n(٧) رواه البخاري (١٢٣٧)، ومسلم (٩٤).","vol":"6","page":207},{"text":"قال النووي ﵀: وأما قوله صلى الله عليه وإن زنى وإن سرق فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أخرجوا منها وختم لهم بالخلود بالجنة. (١)\n٢ - حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: «تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه» (٢).\nقال النووي ﵀: قوله ﷺ: «ومن أصاب شيئًا من ذلك» إلى آخره المراد به ما سوى الشرك وإلا فالشرك لا يغفر له. (٣) ثم ذكر من فوائد الحديث: الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها، بل هو بمشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه. (٤)\nوقال المروزي تعليقًا على هذا الحديث: (ففي هذا الحديث دلالتان على أن السارق، والزاني ومن ذكر في هذا الحديث غير خارجين من الإيمان بأسره إحداهما: قوله فمن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا، فهو كفارة له، والحدود لا تكون كفارات إلا للمؤمنين، ألا ترى قوله: «من ستر الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» فإذا غفر له أدخله الجنة، ولا يدخل الجنة من البالغين المكلفين إلا مؤمن، وقوله (٥): ﷺ: «إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» هو نظير قول الله ﵎ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:٤٨] وأن يغفر مادون ذلك الشرك لمن يشاء ممن مات وهو غير تائب، ولا جائز أن يغفر له ويدخله الجنة إلا وهو مؤمن) (٦).\nالدليل الثالث: نصوص فيها التصريح ببقاء الإيمان والأخوة الإيمانية مع ارتكاب الكبائر ومنها.\n١ - قوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: ٩ - ١٠].\nاستدل أهل السنة بهاتين الآيتين على أن المؤمن لا يكفر بارتكابه الكبائر، لأن الله - ﷿ - أبقى عليه اسم الإيمان مع ارتكابه لمعصية القتل (٧) ووصفهم بالأخوة وهي هنا أخوة الدين.\n٢ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة: ١٧٨].\nقال ابن الجوزي: دل قوله تعالى مِنْ أَخِيهِ على أن القاتل لم يخرج من الإسلام. (٨)\n_________\n(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٩٧).\n(٢) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩).\n(٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١١/ ٢٢٣).\n(٤) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١١/ ٢٢٤)، وانظر: «شعب الايمان» للبيهقي (٢/ ٩٨).\n(٥) هذه هي الدلالة الثانية.\n(٦) «تعظيم قدر الصلاة» للمروزي (٢/ ٦١٦ - ٦١٧).\n(٧) انظر: «فتح الباري» (١/ ٨٥).\n(٨) انظر: «فتح الباري» (١/ ٨٥)، «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٧٣).","vol":"6","page":208},{"text":"واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بهذه الآية على أن الأخوة الإيمانية ثابتة مع ارتكاب المعاصي (١).\n٣ - لعل مما يدخل تحت هذا الدليل ما رواه عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا كان على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبدالله وكان يلقب حمارًا وكان يضحك رسول الله ﷺ وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب فأتى به يومًا فأمر به فجلد فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ: «لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله». (٢)\nفالحديث صريح هنا ببقاء محبة الله ورسوله، وهي من أعظم أصول الإيمان القلبي مع تكرار شربه للخمر.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: وفيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر لثبوت النهي عن لعن، والأمر بالدعاء له وفيه أن لا تنافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب لأنه ﷺ أخبر بأن المذكور يحب الله ورسوله مع وجود ما صدر منه (٣).\nالدليل الرابع: شرع الله - ﷿ - إقامة الحدود على بعض الكبائر:\nلعل هذا من أقوى الأدلة على فساد مذهب من يكفر مرتكب الكبيرة إذ لو كان السارق والقاذف وشارب الخمر، والمرتد سواء في الحكم لما اختلف الحد في كل منها، قال الإمام أبو عبيد ﵀: ... ثم قد وجدنا الله ﵎ يكذب مقالتهم، وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد، وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا بالقتل لأن رسول الله ﷺ قال: «من بدل دينه فاقتلوه» (٤) (٥)، أفلا ترى أنهم لو كانوا كفارًا لما كانت عقوباتهم القطع والجلد، وكذلك قول الله فيمن قُتل مظلومًا: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [الإسراء: ٣٣] فلو كان القتل كفرًا ما كان للولي عفو ولا أخذ دية، ولزمه القتل (٦).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: .. بل القرآن والنقل المتواتر عنه، يبين أن هؤلاء لهم عقوبات غير عقوبة المرتد عن الإسلام، كما ذكر الله في القرآن جلد القاذف والزاني، وقطع يد السارق، وهذا متواتر عن النبي ﷺ، ولو كانوا مرتدين لقتلهم، فكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام (٧).\nوقال الإمام ابن أبي العز الحنفي: ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد (٨).\nالدليل الخامس: نصوص صريحة في خروج من دخل النار من الموحدين بالشفاعة وبغيرها:\nوهذا – أيضًا – من الأدلة الواضحة على عدم كفر مرتكب الكبائر وعدم خلوده في النار، إذ لو كان كافرًا لما خرج من النار. والأدلة في هذا بلغت مبلغ التواتر، ونقل التواتر جمع من العلماء منهم الإمام البيهقي وابن تيمية وابن أبي العز الحنفي وابن الوزير اليماني، وقال: (وأحاديث الشفاعة المصرحة بخروج الموحدين من النار قاطعة في معناها بالإجماع، وهي قاطعة في ألفاظها .. لورودها عن عشرين صحابيًا أو تزيد في (الصحاح) و(السنن) و(المسانيد)، وأما شواهدها بغير ألفاظها فقاربت خمسمائة حديث) (٩) ...\nومن هذه الأحاديث:\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوي» (٣/ ١٥١).\n(٢) رواه البخاري (٦٧٨٠).\n(٣) «فتح الباري» (١٢/ ٧٨).\n(٤) رواه البخاري (٣٠١٧). من حديث ابن عباس ﵁.\n(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٥١).\n(٦) «الإيمان» لأبي عبيد القاسم بن سلام (٨٩).\n(٧) «الفتاوى» (٧/ ٢٨٧ - ٢٨٨).\n(٨) «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٤٤٣)\n(٩) «إيثار الحق على الخلق» (ص٢٩٥).","vol":"6","page":209},{"text":"١ - حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير» وفي رواية: «من إيمان» مكان «من خير» (١).\n٢ - ومن ذلك أحاديث شفاعة الرسول ﷺ في أهل الكبائر الذين دخلوا النار أن يخرجوا منها فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله، من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» (٢) يوضح ذلك حديث الشفاعة المشهور وفيه فيقول: «أي عيسى ﵇: ائتوا محمدًا ﷺ عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي -وذكر مثله- ثم أشفع، فيحد لي حدًا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة، ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود» قال البخاري: إلا من حبسه القرآن يعني قول الله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا (٣).\n٣ - ومن الأحاديث في هذا الباب حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا -أو الحياة- (٤) شك مالك – فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية» (٥) إلى غير ذلك من الأحاديث الصريحة. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ١/ ١١٣\nوَلاَ نَقُولُ إِنَّهُ فِي النارِ ... مُخَلَّدٌ، بَلْ أَمْرُهُ لِلْبَارِي\nبِقَدْرِ ذَنْبِهِ وَإِلَى الْجِنَانِ ... يُخْرَجُ إِنْ مَاتَ عَلَى الإِيمَانِ\n(ولا نقول إنه) أي الفاسق بالمعاصي التي لا توجب كفرًا (في النار مُخلد) هذه هي المسألة الرابعة من مسائل الفصل (بل نقول أمره) مردود حكمه (للباري) في الجزاء والعفو (تحت مشيئة الإله النافذة) في خلقه (إنْ شاءَ) الله ﷿ (عفا عنه) وأدخله الجنة من أول وهلة برحمته وفضله (وَإِنْ شاءَ آخَذَهُ) أي جازاه وعاقبه (بقدر ذنبه) الذي مات مصرًّا عليه، كما في (الصحيحين) من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على أَنْ لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف. فمن وفَى منكم فأجرُهُ على اللهِ، ومن أصاب مِنْ ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب مِنْ ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارةٌ له، ومن أَصاب من ذلك شيئًا ثم ستَرهُ اللهُ عليه فهو إلى الله: إِنْ شَاءَ عفا عنه، وإن شاء عاقبه» فبايعناه على ذلك (٦). (وإلى الجنان يخرج) من النار (إن) كان (مات على الإيمان). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص١١٩٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤)، ومسلم (١٩٣).\n(٢) رواه مسلم (١٩٩).\n(٣) رواه البخاري (٤٤٧٦)، و(٦٥٦٥)، ومسلم (١٩٣). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٤) قال النووي في شرحه لـ «صحيح مسلم» (٣/ ٣٧): الحيا هنا مقصور وهو المطر سمي حيًا لأنه تحيا به الأرض ولذلك هذا الماء يحيا به هؤلاء المحترقون وتحدث فيهم النضارة كما يحدث ذلك المطر في الأرض، والله أعلم.\n(٥) رواه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤).\n(٦) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩).","vol":"6","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1791>المطلب الأول: هل عاصي أهل القبلة يوصف بالإيمان التام</span>؟\nفهذه ثلاث مسائل تتعلق بما نحن بصدد بحثه من أحكام المعاصي وعصاة الموحدين.\nالمسألة الأولى: وهي من مسائل الأسماء والأحكام التي ضلت فيها أفهام كثيرة، إلا من عصمه الله تعالى بالتزام النصوص، كما هو حال أئمة الإسلام المهتدين، وهذه المسألة هي: هل عاصي أهل القبلة يوصف بالإيمان التام، أو ينفى عنه مطلق الإيمان؟، وهل يلحقه الوعيد في الآخرة؟\nأما الشطر الأول من المسألة وهو الوصف الشرعي لمرتكب المعصية، فإنه قد تقدم الاستدلال من كتاب الله تعالى على تسمية بعض العصاة مؤمنين، لكن هذا في مقابل من يرى كفر مرتكب المعصية.\nأما عن حقيقة حالهم في مقابل أهل الإيمان الكامل، فإنه جاء في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦]، فأهل العلم بالتفسير على أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة (١)، فلم يخرج من الدين بالكلية، ولم ينف عنه الإيمان مطلقا، كما لم يوصف به مطلقا، بل وصف بالفسق.\nقال الشيخ الحكمي – ﵀ -: (فاسق أهل القبلة لا ينفى عنه مطلق الإيمان بفسوقه، ولا يوصف بالإيمان التام، ولكن هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته) (٢).\nوبهذا يتبين أن الذنوب والمعاصي لا تؤثر على أصل الإيمان من حيث بقاؤه أو ذهابه، وإنما تؤثر فيه من حيث زيادته ونقصانه. ولهذا تقرر أيضا أن المؤمنين يتفاضلون في إيمانهم، فمنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه ... ولكل درجة عند الله تعالى.\nأما مسألة لحوق الوعيد بأهل المعاصي في الآخرة، فهذا مما دلت عليه نصوص الوعيد الكثيرة، من أمثال قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: ١٠]، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور: ٢٣]، وقوله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]، وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة: ١١٤].\nإلا أن هذا مشروط بعدم التوبة؛ إذ أن التوبة من أهم الأسباب التي تسقط العقوبة عن عصاة الموحدين. فإذا عدمت التوبة، فأمرهم إلى الله ﷿، إن شاء، عذبهم، وإن شاء، عفا عنهم.\nقال محمد الطائي: أملى علي أحمد -أي: ابن حنبل-: (ومن لقيه مصرا غير تائب من الذنوب التي قد استوجب بها العقوبة، فأمره إلى الله، إن شاء، عذبه، وإن شاء، غفر له؛ إذا توفي على الإسلام والسنة) (٣).\nوالذي عليه أهل السنة هو: أن عصاة الموحدين وإن استحقوا العقوبة، فإنهم لا يخلدون في النار بفضل الله تعالى. وقد ذكر أهل العلم أن العصاة من الموحدين ثلاث طبقات يوم القيامة (٤):\nالطبقة الأولى: قوم رجحت حسناتهم بسيئاتهم، فأولئك يدخلون الجنة من أول وهلة، ولا تمسهم النار أبدا.\nالطبقة الثانية: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم وتكافأت، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، وهؤلاء أصحاب الأعراف الذين ذكر الله تعالى أنهم يوقفون بين الجنة والنار ما شاء الله يوقفوا، ثم يؤذن لهم دخول الجنة.\nالطبقة الثالثة: قوم لقوا مصرين على كبائر الإثم والفواحش، ومعهم أصل التوحيد، فرجحت سيئاتهم بحسناتهم. فهؤلاء تمسهم النار بقدر ذنوبهم، غير أنهم يخرجون منها بأحد الأسباب؛ كعفو الله تعالى أو شفاعة نبينا محمد ﷺ. وهم قبل ذلك في مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: (يؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجب به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار، بل يخرجون منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو مثقال خردلة من إيمان، وأن النبي ﷺ ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته) (٥). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ٩٣\n_________\n(١) انظر: «محاسن التأويل» للقاسمي (١٥/ ٥٤٤٧ - ٥٤٤٩).\n(٢) «معارج القبول» (٢/ ٤١٧).\n(٣) «طبقات الحنابلة» (١/ ٣١٠).\n(٤) انظر: «معارج القبول» (٢/ ٤٢٢ - ٤٢٤)، «طريق الهجرتين» (ص: ٦٢٢ - ٦٢٥).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٧٥).","vol":"6","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1792>المطلب الثاني: هل القول بعدم تكفير عصاة الموحدين على إطلاقه أم مقيد</span>؟\nإن لفظ (المعصية) من الألفاظ التي ورد بها الشرع الحنيف، فلابد إذًا من الرجوع إلى الشرع في تحديد حقيقتها ومدلولها، سواء أطلق أم قيد بمعنى معين. أما الإعراض عن هذا الأصل، والانكباب على أقوال أهل اللغة وأهل الكلام وتعريفاتهم، فإنه مطية إلى الزيغ والضلال؛ ولأن رد موارد النزاع إلى الله وإلى الرسول ﷺ خير وأحسن تأويلا، وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة.\nومن أحسن من ... اعتنى بالألفاظ الشرعية، واستقرأ معانيها في الكتاب والسنة، شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ - (١). فقد بيّن – ﵀ – معاني تلك الألفاظ عند الإطلاق وعند التقييد وفق منهج علمي ثابت، ينم على غزارة علمه بالكتاب والسنة وفق منهج السلف الصالح. ولهذا عند حديثه عند لفظ (المعصية)، قال: (إذا أطلقت المعصية لله ورسوله، دخل فيهما الكفر والفسوق، كقوله تعالى: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣] (٢).\nونقل عند قوله تعالى: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات: ٧] كلاما لمحمد بن نصر المروزي هذا نصه: (لما كانت المعاصي بعضها كفر وبعضها ليس بكفر، فرق بينها فجعلها ثلاثة أنواع: نوع منها كفر، ونوع منها فسوق وليس بكفر، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق ... ويكرهون – أي أهل السنة – جميع المعاصي، الكفر منها والفسوق، وسائر المعاصي كراهية تدين) (٣).\nومن أبرز المعاصي التي هي كفر مخرج عن الملة: الشرك بالله تعالى. فقد أخبر سبحانه في كتابه العزيز أنه لا يغفر الشرك إلا بالتوبة النصوح وتجديد الإيمان. أما من لقي الله مشركا، فإنه من أهل النار المخلدين فيها، لا ينفعه أي عمل قدمه، بل إن أعماله جميعا تحبط عند مواقعته الشرك. قال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥]. ثم إذا صاحب المعصية استحلال لها، فإنها تكون كفرا كذلك ... ويدخل تحت هذين النوعين من المعاصي صور كثيرة يصعب حصرها.\nوعلى هذا نقول إن القول بعدم تكفير عصاة الموحدين مقيد بعدم الإشراك بالله تعالى ولقائه، وكذلك بعدم استحلال المعصية. ولهذا قال الإمام الطحاوي في عقيدته: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) (٤)، وإن كانت العبارة الأدق في ما أورده الشارح لعقيدته، إذ قال: (بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب) (٥)؛ لأن من الذنوب ما يكون كفرا في ذاته. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد -بتصرف– ص: ٩٣\nومن أصول أهل السنة أنهم لا يكفرون الإنسان بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل يكلون أمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (٦).\nولهذا اشتهر قولهم: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله (٧).\nومرادهم بالذنب هنا: المعاصي التي ليست كفرا مخرجا عن الملة، ولا هي من المباني الأربعة التي بني عليها الإسلام.\n_________\n(١) انظر: «الإيمان» (١ - ١١٤)، «الرد على المنطقيين» (ص: ٥٢ - ٦٠).\n(٢) «الإيمان» (ص: ٥٥).\n(٣) «الإيمان» (ص: ٣٩).\n(٤) «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٤٣٢).\n(٥) «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٤٣٢).\n(٦) انظر: «الواسطية وشرحها» لابن عثيمين (٢/ ٦٤٤)، و«شرح الطحاوية» (ص٣٢١، ٣٦٩).\n(٧) «الطحاوية» مع شرحها لابن أبي العز الحنفي (ص٣١٦).","vol":"6","page":212},{"text":"قال شارح الطحاوية: (ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب، كما يفعله الخوارج، وفرق بين النفي العام، ونفي العموم، والواجب إنما هو نفي العموم، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب) (١).\nوقال شيخ الإسلام: (ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بذنب، فإنما نريد المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور) (٢).\nومن أدلة أهل السنة على هذا الأصل:\n١ - قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:٤٨].\nفأدخل في المشيئة كل ذنب عدا الشرك، وهذا في حق غير التائبين، وأما مع التوبة فلا فرق بين الشرك وغيره، فالله يغفر الذنوب جميعا، كما قال سبحانه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:٥٣] (٣).\n٢ - ومن أدلتهم: ما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا تَسْرِقُوا وَلا تَزْنُوا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك (٤).\nوهذا نص صريح لا يحتمل التأويل.\n٣ - ومن أظهر الأدلة على ذلك أن المسلمين مجمعون على أن الزاني والسارق والقاذف لا يُقتل واحد منهم، ولو كانت ذنوبهم موجبة للردة لقتلوا جميعا.\nقال شارح الطحاوية: (والجواب أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج؛ إذ لو كفر كفرا ينقل عن الملة لكان مرتدا يقتل على كل حال ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر. وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين، كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضا؛ إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين، قال تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:١٨٧] فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخا لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب. وقال تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:٩]. إلى أن قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:١٠].\nونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد.\n_________\n(١) «الطحاوية» مع شرحها لابن أبي العز الحنفي (ص٣١٧).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٠٢).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٣٥٨)، (٧/ ٦٨٣).\n(٤) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (٩٣٧).","vol":"6","page":213},{"text":"وقد ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ لِأَخِيهِ الْيَوْمَ مَظْلِمَةٌ مِنْ عِرْضٍ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِرْهَمٌ وَلا دِينَارٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النارِ» أخرجاه في (الصحيحين) (١)، فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي المظلوم منها حقه) (٢).\n٤ - ومن ذلك: أحاديث الشفاعة وأنه يخرج أقوام من النار بعد دخولهم إياها، كقوله ﷺ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (٣)، وقوله: «يَخْرُجُ مِنْ النارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ» (٤).\nإلى غير ذلك من الأدلة المشهورة المعلومة، التي أخذ بها أهل السنة فكانوا وسطا في النحل، كما أن أمة الإسلام وسط في الملل، وفي هذا يقول شيخ الإسلام: (وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد الوعيد، وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ، وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية. فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان، وأن النبي ﷺ ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته) (٥).\nتنبيه: لابد من نفوذ الوعيد في أقوام من العصاة:\nقال شيخ الإسلام: (بل السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص، من أنه لابد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها. وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة، فهذا لا نعرفه قولًا لأحدٍ، وبَعده قولُ من يقول: ما ثمَّ عذابٌ أصلًا، وإنما هو تخويف لا حقيقة له، وهذا من أقوال الملاحدة والكفار) (٦).\nوقال: (وهذا مذهب الصحابة والسلف والأئمة، وهو القطع بأن بعض عصاة الأمة يدخل النار، وبعضهم يغفر له) (٧).\nوقال السفاريني: (ذكر بعض المحققين انعقاد الإجماع على أنه لابد سمعًا من نفوذ الوعيد في طائفة من العصاة، أو طائفة من كل صنف منهم، كالزناة، وشربة الخمر، وقتلة الأنفس، وأكلة الربا، وأهل السرقة والغصوب، إذا ماتوا على غير توبة، فلابد من نفوذ الوعيد في كل طائفة من كل صنف، لا لفرد معين؛ لجواز العفو. وأقل ما يصدق عليه نفوذ الوعيد واحد من كل صنف. والأدلة قاضية بقصر العصاة على عصاة الموحدين.\nوقد رتب بعض الناس على ذلك امتناع سؤال العفو لجميع المسلمين؛ لمنافاته لذلك، وهذا ساقط إلا إذا قصد العفو ابتداء لكل فرد من أفراد الأمة، على أن العفو يصدُق بما بعد العذاب والتعذيب، فمن قال بمنع المنع فهو المصيب، وبالله التوفيق) (٨) الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير- ١/ ١٦٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٤٩) بلفظ قريب مما ذكر الشارح، وليس هو في مسلم. قال الحافظ في الفتح: (وهذا الحديث قد أخرج مسلم معناه من وجه آخر وهو أوضح سياقا من هذا) ثم ذكر حديث المفلس.\n(٢) «شرح الطحاوية» (ص٣٢٠) وما بعدها. وانظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٨٢).\n(٣) رواه أبو داود (٤٧٣٩) والترمذي (٢٤٣٥) وأحمد (١٣٢٤٥). من حديث أنس ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٤) رواه البخاري (٤٤) ومسلم (١٩٣) من حديث أنس ﵁.\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٧٤) وما بعدها.\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٠١) وما بعدها.\n(٧) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ١٩). وانظر: (١٦/ ١٩٦)، (٢٨/ ٥٧٨)، «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٢٢٦).\n(٨) «لوامع الأنوار البهية» (١/ ٣٨٩) وما بعدها.","vol":"6","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1793>المطلب الثالث: ما ورد من الذنوب تسميته كفرا، أو فيه نفي الإيمان عن صاحبه أو البراءة منه</span>\nوذلك أمثال قوله ﷺ: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (١)، وقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٢)، وقوله: «ثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (٣)، وقوله: «من حمل علينا السلاح، فليس منا، ومن غشنا، فليس منا» (٤)، وغيرها من النصوص الكثيرة.\nقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: (إن الآثار جاءت بالتغليظ على أربعة أنواع: فاثنان منها فيها نفي الإيمان والبراءة من النبي ﷺ، والآخران فيها تسمية الكفر وذكر الشرك، وكل نوع من هذه الأحاديث تجمع أحاديث ذوات عدة) (٥).\nلقد كان للأئمة وأهل العلم من أهل السنة عدة أقوال في توجيه هذه الآثار التي ظاهرها نفي الإيمان عن المعاصي أو التبرؤ منه. وبتتبع أقوالهم يتبين اتفاقهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية؛ وذلك لثبوت الحدود الشرعية في بعض تلك الكبائر المنصوص عليها مثلا، مما يجعلنا نقطع بعدم إرادتهم الكفر المخرج أن الزاني والسارق وشارب الخمر لا يقتل – إلا الزاني المحصن -، بل يقام عليه الحد، مما يدل على أنه ليس بمرتد.\nعن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي ﷺ في مجلسه، فقال: «تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، فمن وفّى منكم أجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستر الله عليه، فهو إلى الله ﷿ إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» (٦).\nوأهم الأقوال الواردة في توجيه هذه النصوص على مذهبين:\nأولا: مذهب من رأى التوقف عن تفسير هذه الأحاديث وإمرارها كما جاءت. وهذا مروي عن جمع من الأئمة وأهل العلم، منهم:\n١ - الإمام الزهري: فقد قال لما سئل عنها: (من الله ﷿ العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم) (٧).\n٢ - الإمام أحمد: قال في حديث: «من غشنا فليس منا»: (يروى الحديث كما جاء، وكما روى تصدقه وتقبله، وتعلم أنه كما روي ... فاتبع الأثر ولا تجاوزه) (٨)، وقال: (لا أدري إلا على ما روي) (٩).\n٣ - الإمام البغوي: قال: (القول ما قال الرسول ﷺ، والعلم عند الله ﷿) (١٠).\nثانيا: مذهب من فسر هذه الأحاديث، ورأى أن المقصود بنفي الإيمان إنما هو نفي كماله، لا أصله وحقيقته. وعلى هذا القول كثير من الأئمة والعلماء، منهم:\n١ - الإمام الطبري: حيث قال: (ينزع عنه اسم المدح الذي سمى الله به أولياءه، فلا يقال في حقه مؤمن، ويستحق اسم الذم، فيقال: سارق وزان وفاجر وفاسق). وهذا القول مروي عن الحسن البصري كذلك (١١).\n٢ - أبو عبيد القاسم بن سلام: حيث قال: (الذي عندنا في هذا الباب كله أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانًا ولا توجب كفرا، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت الله به أهله) (١٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٤٤٠٢)، ومسلم (٦٦). من حديث عبدالله بن عمر ﵄.\n(٣) رواه مسلم (٦٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه مسلم (١٠١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) «الإيمان» لأبي عبيد (ص: ٨٤).\n(٦) رواه البخاري (٦٧٨٤)، ومسلم (١٧٠٩).\n(٧) «السنة للخلال» (ص: ٥٧٩).\n(٨) «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٧).\n(٩) «السنة للخلال» (ص: ٥٧٨).\n(١٠) «شرح السنة» (١/ ٩١).\n(١١) «فتح الباري» (١٢/ ٦٠).\n(١٢) «الإيمان» (ص: ٨٩).","vol":"6","page":215},{"text":"٣ - الإمام النووي: حيث قال: (القول الصحيح الذي عليه المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان. وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره) (١).\nوقد زاد شيخ الإسلام ابن تيمية قيدا على ما ذكره هؤلاء العلماء، وهو أن المراد هو نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه. كما رد قول المرجئة بأن المراد من نفي الإيمان بأنه ليس من خيارنا، وقول الخوارج بأنه صار كافرا، وقول المعتزلة بأنه لم يبق معه من الإيمان شيء وهو مستحق للخلود في النار لا يخرج منها. ثم رد قول من تأول نفي الإيمان بأنه نفي الكمال المستحب، وقال: (ولكن يقتضي نفي الكمال الواجب. وهذا مطرد في سائر ما نفاه الله ورسوله ... فإنه لا ينفي مسمى الاسم إلا لانتفاء بعض ما يجب في ذلك، لا لانتفاء بعض مستحباته. فيفيد هذا الكلام أن من فعل ذلك، فقد ترك الواجب الذي لا يتم الإيمان الواجب إلا به، وإن كان معه بعض الإيمان) (٢).\nوبهذا تتبين خطورة ركوب المعاصي، والغفلة عن تعاهد الإيمان بما يقويه ويزيد فيه، وهذا لا يتم إلا بفعل الطاعات وترك المنهيات. ولهذا جاء التشديد على فاعلها، والتوعد على فعلها بالعذاب، بل إن وصف بعض المعاصي بالكفر لدليل على عظيم خطرها على الإيمان؛ إذ هي كما ورد عن بعض السلف قوله: (المعاصي بريد الكفر). وهذا – في رأيي – إذا أصر عليها الإنسان، فمازالت به حتى ترديه وتوقعه في الردة والكفر – والعياذ بالله -، أو أنها مع الاستحلال تكون كفرا، وهذا معلوم.\nهذا بالإضافة إلى ما في ارتكابها من التشبه بالكفار في أعمالهم، وقد نهينا نحن معشر المؤمنين عن التشبه بهم. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ٩٩\n_________\n(١) «شرح مسلم» (١/ ٢٤١).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٦٥٣ - ٦٥٤).","vol":"6","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1795>المطلب الأول: أحكام الدنيا</span>\nالمقام الأول: أحكام الدنيا، وهو الحكم بالظاهر من حيث الإسلام والكفر، باعتبارهما صفتين جاء تحديدهما، وبيان شروط تحققهما في الشرع.\nوهذا الظاهر هو الذي أمرنا بالتعامل به، وعليه تنبني جميع الأحكام المتعلقة بعصمة الدم والمال، والموالاة والمعاداة، وما يتفرع عنها من أحكام أخرى تتعلق بالأطفال والأنكحة والذبائح ...\nوفي هذا المقام نستطيع أن نقطع في جملة الأمور، ومن ذلك أنه يجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام، فهو كافر، ومصداق ذلك قوله تعالى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥]، وقول النبي ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي في أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (١).\nومما يستتبع هذا الحكم في الدنيا أن دماء الكفار وأموالهم ليست معصومة، إلا أن يكونوا معاهدين أو ليسوا من أهل القتال، أو كانت لهم ذمة، فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ... فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى» (٢).\nكما أن أطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا، ودارهم دار كفر إذا كان حكمهم هو النافذ فيها، ولا يجوز للمسلمين أن يقيموا فيها، بل تجب عليهم الهجرة منها إلى دار الإسلام. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُون سَبِيلًا فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: ٩٧ - ٩٩].\nوقال رسول الله ﷺ: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قيل: يا رسول الله ولم؟ قال: لا تراءى ناراهما» (٣).\nومن ذلك – أي مما نستطيع القطع به في الجملة – أن من أظهر الإسلام وأقر بالشهادتين، فهو مسلم، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وتجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة من المناكحة والموارثة، وتغسيله إذا مات والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين.\nكما يجب له من الولاء الذي فرضه الله لكل مسلم على كل مسلم بالقدر الذي تتحقق معه النصرة والأنس والمعاونة التي يجب أن تكون بين المسلمين، حسب التزامهم بالإسلام ظاهرًا. ويدخل في هذا جميع المسلمين، سواء كانوا صادقين في إسلامهم، أو كانوا منافقين مظهرين للإسلام مضمرين للكفر. هذا من حيث الجملة، أما التعيين، فمجاله التفصيل. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ١٢٦\n_________\n(١) رواه مسلم (١٥٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).\n(٣) رواه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤)، والبيهقي (٨/ ١٣١) (١٦٩١٢). قال البخاري وأبو حاتم الرازي في «البدر المنير» لابن الملقن (٩/ ١٦٣): الصحيح أنه مرسل، وقال البيهقي: موصول، وقال ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٣٦٩): صحيح.","vol":"6","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1796>المطلب الثاني: أحكام الآخرة من ثواب وعقاب</span>\nالمقام الثاني: مقام الحقيقة، أي أحكام الآخرة من ثواب وعقاب: من عقيدة أهل السنة فيما يتعلق بأحكام الثواب والعقاب:\nأن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين.\nوهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٦٢]، وقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٨٢]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف: ٤٠]، وقال تعالى: مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: ٧٢]. وقال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة» (١).\nأن الله لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه حجة الله تعالى بالرسل، قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]. فمما يعد من أحكام الآخرة في هذا الموضوع هو ثبوت قيام الحجة على المعينين، ومن ثمة الحكم عليهم بالكفر الحقيقي، فدخول النار والخلود فيها. وهذا مما لم نكلف الخوض فيه، بل هو موكول إلى علم الله تعالى وحكمته وعدله في خلقه.\nأما الذي يجب علينا اعتقاده في جملة الخلق أن الله تعالى وهو أعدل العادلين لا يعذب أحدًا حتى تقوم عليه حجة الله تعالى بالرسالة، ثم يعاند ويعرض عنها (٢).\nأما من انقاد للحجة، أو لم تبلغه لعارض من العوارض المعتبرة شرعا، فإن الله تعالى لا يعذبه، وهذا من تمام عدله وسعة رحمته (٣).\nالذي عليه الصحابة ومن اتبعهم بإحسان وسائر أهل السنة والجماعة أنه لا يخلد في النار من معه شيء من الإيمان، بل يخرج منها من معه مثقال حبة، أو مثقال ذرة من إيمان؛ لأنه لابد أن يدخل من أهل الكبائر من يشاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، أو بمحض رحمة أرحم الراحمين.\nلا نقول على أحد معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة أو من أهل النار، إلا من أخبر الصادق أنه من أهل الجنة أو من أهل النار.\nفعن أبي هريرة قال: «شهدنا مع رسول الله ﷺ حنينا، فقال لرجل ممن يُدعى بالإسلام: هذا من أهل النار، فلما حضرنا القتال، قاتل الرجل قتالًا شديدًا فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله الرجل الذي قلت له آنفا إنه من أهل النار، فإنه قاتل اليوم قتالًا شديدًا وقد مات، فقال النبي ﷺ: إلى النار، فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جراحًا شديدًا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه. فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله» (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٠٦٢)، ومسلم (١١١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) انظر: «طريق الهجرتين» (ص: ٤١٢).\n(٣) انظر: «تفسير السعدي» (٤/ ٢٦٦).\n(٤) رواه مسلم (١١١). ورواه البخاري (٣٠٦٢) بلفظ: «خيبر» بدلًا من «حنينا».","vol":"6","page":218},{"text":"قال الإمام أحمد – ﵀ -: (ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح ونخاف عليه، ونخاف على المسيء المذنب، ونرجو له رحمة الله) (١).\nوقال أيضًا: (ولا ننزل أحدًا من أهل القبلة جنة ولا نارًا، إلا من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة) (٢).\nوقال الإمام الطحاوي – ﵀ -: (ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا) (٣).\nثمرة البحث:\n١ - الحكم على الظاهر من أهم أصول أهل السنة: فمن أظهر الإسلام والتزم شرائعه، حكم بإسلامه واستحق جميع الحقوق التي شرعها الله للمسلمين، ووجب عليه جميع ما وجب على المسلمين، ويستوي في هذا المسلم على الحقيقة، والمسلم نفاقًا خوفًا من قتل أو طمعًا في مكسب. ولم نكلف شق صدور الناس أو امتحانهم.\nهذا إذا تكلم في أحكام الدنيا، أما إذا تكلم في أحكم الآخرة، فإن حكم المنافق حكم الكفار، بل هم إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٥].\nومن أظهر الكفر الصريح، حكمنا بكفره وعاملناه بما يقتضيه وضعه، فإن كان حربيا حاربناه، وإن كان معاهدًا أتممنا إليه عهده، وإن كان ذميا أقررناه على وضعه مع أخذ الجزية منه وهو صاغر.\nأما من كان مسلمًا وظهر منه فعل كفري، فإن الواجب الذي ينبغي أن يتبع في الحكم عليه ابتداء هو الحكم على الفعل دون الفاعل. ... وأن الحكم بالتكفير إنما يعني – عند أهل السنة – الحكم الظاهر الذي يقتضيه عمله؛ لأن هذا الفعل قد تكتنفه حالتان، كل واحدة منهما يمتنع فيها الجزم بالحكم على الفعل بأنه كفر، فضلًا عن أن يوصف الفاعل بالكفر.\nالحالة الأولى: أن يكون الفاعل محتملًا للكفر وعدمه (٤). فكون الفعل محتملًا لهذين الأمرين المتضادين يجعل القطع فيه بحكم صعبًا، لذلك فإن حكم التكفير يجب أن ينبني على فعل صريح في الكفر.\nالحالة الثانية: أن يقوم بالمعين ما هو كفر قطعًا، لكن يمنع من تكفيره الاحتمال في قصده.\nفقد يكون هذا المعين لم يقصد الكفر؛ لعارض عرض له كسوء الفهم أو الخطأ في الاجتهاد ...\n٢ - التوقف عن التعيين في مسألة التكفير والوعد والوعيد:\nوذلك حتى تتوفر شروط وتنتفي موانع، وذلك أن الحكم بالتكفير هو من اختصاص الله تعالى؛ لأنه هو الذي يعلم حقيقة كل شيء. فالتجرؤ على هذا الأمر على جانب كبير من الصعوبة والخطورة.\nفالكلام في هذه المسائل يجب أن ينبني على العلم واليقين والعدل، وإلا كان تقولًا على الله غير علم، وظلمًا لخلق الله. فالواجب في هذه الحالة هو اتباع الكتاب والسنة والقول. بموجبهما، حتى يؤمن الزلل والشطط.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمة الله عليه -: (إن نصوص الوعيد في الكتاب والسنة كثيرة جدا، والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق من غير أن يعين شخص من الأشخاص، فيقال: هذا ملعون أو مغضوب عليه أو مستحق للنار، لا سيما إن كان لذلك الشخص فضائل وحسنات، فإن غير الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام يجوز عليهم الصغائر والكبائر، مع إمكان أن يكون ذلك الشخص صديقا أو شهيدا أو صالحا؛ لما تقدم أن موجب الذنب قد يتخلف عنه بتوبة أو استغفار أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة أو بمحض مشيئة الله ورحمته) (٥).\n_________\n(١) «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٤٤).\n(٢) «طبقات الحنابلة» (١/ ٣١٢).\n(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٥٣٧).\n(٤) عن هاتين الحالتين ينظر: «رسالة ضوابط التكفير عند أهل السنة» (ص: ٢٨٠).\n(٥) «رفع الملام» (ص: ١٢٢).","vol":"6","page":219},{"text":"وهذا له ارتباط بمسألة قيام الحجة وعدمه، حيث إن الذي يجب اعتقاده في هذا الباب هو أن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسل، كما أنه ما من أحد أدخل النار إلا ويجب اعتقاد أن حجة الله قد قامت عليه، وهذا مقتضى عدل الله تعالى، قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٦]. وهذا ما يقطع به في جملة الخلق.\nأما كون زيد بعينه أو عمرو قامت عليه الحجة أو لا، فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه؛ لأن التعيين موكول إلى علم الله وحكمه (١). ولهذا فإن أهل الفترة في أحكام الدنيا كفار، أما في الآخرة، فأمرهم إلى الله وهو أعلم بحالهم.\n٣ - أن عقوبة الدنيا غير مستلزمة لعقوبة الآخرة:\nفقد تقام الحدود على أشخاص في الدنيا، إما بقتل أو جلد أو غير ذلك، من غير الحكم عليهم بالكفر، بل يصلى عليهم ويستغفر لهم.\nوقد يكون هؤلاء الأشخاص غير معذبين في الآخرة، ويدخل في هذا الباب قتال البغاة والمتأولين مع بقائهم على العدالة، ومثل إقامة الحد على من تاب بعد القدرة عليه توبة صحيحة، فقد أقام النبي ﷺ الحد على ماعز بن مالك وصلى عليه (٢)، ونهى عن شتمه. كما أقامه على الغامدية، فنهى خالد بن الوليد عن سبها، وقال: «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له. ثم صلى عليها» (٣).\nومن هذا الباب رأي من رأى من السلف قتل الدعاة إلى البدعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: (ولهذا كان أكثر السلف يأمرون بقتل الداعي إلى البدعة الذي يضل الناس؛ لأجل إفساده في الدين، سواء قالوا: هل هو كافر أو ليس بكافر) (٤). فظهر أن التوقف في أمر الآخرة لا يمنع من عقاب الدنيا.\n٤ - الفرق بين الحكم بكفر المعين والحكم بإسلامه:\nفإن إسلام المعين يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، ثم يلزم بعد ذلك بلوازمه، وهو إسلام حكمي قد يكون المعين معه منافقًا في الباطن؛ أما الكفر فليس حكمًا على الظاهر فقط، وإنما هو حكم على الظاهر والباطن معا، بحيث لا يصح لنا أن نحكم على معين بالكفر مع احتمال أن يكون غير كافر على الحقيقة (٥).\nوإذا عرف هذا، فإن تكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم – بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار – لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم الحجة الرسالية عليه التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت مقالاتهم، لا ريب أنها كفر.\n_________\n(١) انظر: «طريق الهجرتين» (ص: ٦٧٩).\n(٢) الحديث رواه البخاري (٦٨٢٠) بلفظ: «أن رجلا من أسلم ... فأمر به فرجم بالمصلى فلما أذلقته الحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات. فقال له النبي ﷺ خيرا وصلى عليه». من حديث جابر بن عبدالله ﵁. سئل أبو عبدالله هل قوله (فصلى عليه) يصح أم لا؟ قال رواه معمر، قيل له: هل رواه غير معمر؟ قال: لا. وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ٢١٨): (وصلى عليه) خطأ. وقال محمد بن عبدالهادي في «المحرر» (١٩٣): هكذا رواه البخاري من رواية معمر، عن الزهري عن أبي سلمة، عن جابر قال: ولم يقل يونس وابن جريج عن الزهري: (فصلى عليه). ورواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وقالوا: (ولم يصل عليه) وصححه الترمذي وهو الصواب. والصحيح: عن معمر كرواية غيره، عن الزهري.\n(٣) رواه مسلم (١٦٩٥). من حديث بريدة ﵁.\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٥٠٠)، وانظر: (١٢/ ٥٢٤).\n(٥) انظر: «رسالة ضوابط التكفير عند أهل السنة» (ص: ٢٨٠).","vol":"6","page":220},{"text":"وذلك أن الحكم بالكفر الحقيقي على شخص معين يتعلق بأحكام الثواب والعقاب في الآخرة أكثر من تعلقه بأحكام الدنيا، وقد عُلم أن أحكام الآخرة مما لا سبيل لنا لمعرفتها على التفصيل فيما يخص أحكام المعينين، لهذا لزم التحري الشديد والتريث والتبين بعلم.\n٥ - الشخص الذي قد يعذبه الله في النار ثم يدخله الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة؛ لكونه له سيئات عذب من أجلها، وحسنات فدخل بها الجنة، هل يطلق عليه اسم مؤمن؟\nفيه تفصيل:\n١ - بالنظر إلى أحكام الدنيا كعتقه في الكفارة، فهو مؤمن، وكذلك دخوله في خطاب المؤمنين.\n٢ - وبالنظر إلى حكمه في الآخرة، فيقال إن هذا النوع ليس من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار، ويدخل به الجنة بعد أن يعذب في النار إن لم يغفر الله له ذنوبه (١).\nمن خلال استعراض موضوع أحكام الدنيا وأحكام الثواب والعقاب في الآخرة، فإنه بات واضحًا أننا ونحن نتحدث عن أحكام عصاة الموحدين، سواء كانت معاصيهم تلك من المعاصي الاعتقادية البدعية أو العملية الفجورية.\nلقد بات واضحًا ضرورة التفريق بين هذين النوعين من الأحكام حتى يكون الحكم عدلًا وصوابًا، أي موافقًا للكتاب والسنة. وهذا من مميزات منهج أهل السنة؛ إذا التفصيل هو منهجهم غالبًا في هذه المسائل الكبيرة من الدين.\nفالفرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة هو الذي يتطابق مع حقيقة المنهج النبوي، الذي رأينا من خلال العرض السابق نماذج منه في التعامل مع الوقائع.\nومن ثمرات هذا المبحث التي عرضنا لها سابقًا، نتبين أهمية التفريق بين هذه الأحكام؛ إذ فيه من المحافظة على عصمة دم الموحدين من هذه الأمة وعدم التسرع في الحكم عليهم بالكفر، وذلك بالنظر في الوقائع بالدقة اللازمة التي تتطلبها خطورة الحكم بالكفر على شخص ما؛ لأن لذلك الحكم آثارًا تستتبعه، كسقوط عصمة الدم والمال والبراءة منه ...\nأما الذين خالفوا هذا المنهج وجعلوا أحكام الدنيا مستلزمة لأحكام الآخرة مطلقًا، فقد وقعوا في التخبط الشنيع، فاستحلوا دماء معصومة، وحكموا على أخيار من أمة محمد ﷺ بالكفر، وشهدوا عليهم بالنار في الآخرة.\nويأتي في مقدمة هؤلاء الغلاة طائفة الخوارج التي جعلت الفعل الظاهر دليلًا على القصد الباطن، وجعلت الإيمان حقيقة مركبة تزول بزوال أحد عناصرها، فكفروا بمطلق المعاصي. ثم تطاولوا على مقام الألوهية، فحكموا على الموحدين بالنيران، ومنعوا وقوع الشفاعة في عصاة أهل القبلة المعذبين، ومن ثم منعوا خروج من دخل النار من النار، وقالوا بالمكث الأبدي في النار حتى للموحدين. وهذه مخالفة صريحة للنصوص النبوية، بل هي تكذيب لها وإعراض عنها.\nولهذا سرعان ما يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وهو جزاء وفاق على غلوهم وإعراضهم عن هدي الكتاب والسنة.\nأما خيار الأمة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فقد تمسكوا بالأمر الأول، وفروا من المحدثات، بل وحاربوها حتى حفظ لنا الدين على منهاج النبوة. فقد تعاملوا مع المنافقين – وهم من هم في الخصومة والعداء – على وفق هدي النبي ﷺ، وهو اعتبار ظاهرهم، وترك سرائرهم إلى الله ﷿. ولقد كانوا أغير الناس على دين الله، تدفعهم غيرتهم إلى تجاوز حدود النصوص في التعامل مع الأحداث حتى في أشد الظروف.\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٥٤ - ٣٥٥).","vol":"6","page":221},{"text":"ولما كان يحدث منهم خروج عن هذا المنهج، فسرعان ما يندمون ويرجعون، كما فعل أسامة بن زيد – ﵄ – عندما قتل ذلك المشرك بعد أن قال لا إله إلا الله، فعنفه رسول الله ﷺ، ورد عليه تصوره أن ذاك المقتول إنما قال ذلك تعوذا وخوفًا من القتل، وقال: «إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس» (١).\nوالحاصل أن الوقائع من هذا النوع قليلة؛ وذلك لما كان للهدي النبوي من أثر في تربيتهم – رضوان الله عليهم أجمعين.\nولم يؤثر عن هؤلاء الأخيار أنهم طعنوا في نيات الأشخاص أو مقاصدهم؛ لعلمهم أنه لا سبيل لهم إلى ذلك، فتركوا عناء الحكم عليها.\nفالتزام التفريق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة عند الحديث في مسائل التكفير أو التبديع أو التفسيق، وكذا التفريق بين الفعل والفاعل وأحكام المعين وغير المعين هو منهج أهل السنة، وهو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح؛ لأن قوامه العدل الذي أمر الله به في كتابه، قال تعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ، وقال تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ [النساء: ٥٨]. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ١٣١\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠٦٤). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. بلفظ: «بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ، من اليمن، بذهبة في أديم مقروظ. لم تحصل من ترابها. قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء. قال: فقام رجل غائر العينين. مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار. فقال: يا رسول الله! اتق الله. فقال: ويلك! أو لست أحق أهل الأرض أن يتقى الله. قال: ثم ولي الرجل. فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا. لعله أن يكون يصلي. قال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله ﷺ: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس».","vol":"6","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1798>تمهيد:</span>\nمن المعلوم أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وهذا الذي عليه السلف. والزيادة إنما تحصل بالطاعة، والنقصان يحصل بالمعصية. والحديث هنا عن نقصان الإيمان وبيان أنه لا يعني انتفاءه بالكلية، وصاحبه إما أن يسمى فاسقًا أو عاصيًا أو مؤمنًا ناقص الإيمان، ولا يسلب عنه مطلق الإيمان وإن كان لا يوصف بالإيمان المطلق.\nفامتناع السلف عن وصفه بالإيمان المطلق؛ لأن هذا الوصف هو مناط دخول الجنة والنجاة من النار. ثم إن الفاسق مستحق للوعيد؛ لما اقترفه من المعاصي، أو لما ترك من الواجبات، كما أنه مستحق للوعد بما معه من إيمان.\nوخلاصة ما ذهب إليه السلف فيما يسمى (الفاسق الملي) أنه مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، هذا من حيث التسمية في أحكام الدنيا.\nأما حكمه في الآخرة، فهو تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن شاء أدخله النار، ثم أخرجه منها.\nوالذي يقطع به بالنسبة لحكمه في الدار الآخرة هو أنه إذا دخل النار، ولبث فيها ما شاء الله أن يلبث، فلابد أن يخرج منها بسبب من الأسباب ثم يدخل الجنة (١).\nوقد خالف في هذه المسائل جميعًا كثير من الفرق وعلى رأسها الخوارج والمعتزلة في طرف، والمرجئة في طرف ثان.\nوأصل مقالتهم في الإيمان أنه شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يذهب بعضه ويبقى بعضه، بل إذا زاد، فإنه يزيد جميعه، وإذا زال بعضه، زال جميعه. وقالوا: لأن الإيمان حقيقة مركبة، والحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: ١٤٤\n_________\n(١) انظر: «معارج القبول» (٢/ ٤١٧ - ٤٢٢).","vol":"6","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1799>المبحث الأول: أدلة أهل السنة على هذا الأصل</span>\nاستدل أهل السنة على كون الشخص الواحد قد يجتمع فيه الإيمان وبعض شعب الكفر أو النفاق بأدلة من الكتاب والسنة، وبما هو واقع مشاهد لا يخفى على أحد. ومنها قول الله ﷿: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ [آل عمران: ١٦٧]، فأثبت لهم إيمانًا وكفرًا، غير أنهم أقرب إلى الكفر.\nقال ابن كثير – ﵀ -: (استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان) (١).\nوقال الشيخ السعدي – ﵀ -: (في هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان. وقد يكون إحداهما أقرب من الأخرى) (٢).\nوقوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦].\nقال ابن القيم ﵀: (أثبت لهم الإيمان به مع مقارنة الشرك، فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله، لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله. وإن كان معه تصديق لرسله، وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم من الإيمان بالرسل واليوم الآخر، فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر) (٣).\nومنها قوله ﷺ: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر» (٤).\nفقوله «ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها» تدل على اجتماع إيمان هذا الشخص مع شعبة من شعب النفاق دون أن يكون منافقًا خالصًا.\nومنها أحاديث الشفاعة، وأنه يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من إيمان التي تدل على أنهم استحقوا النار بمعاصيهم – وهي من شعب الكفر – ثم استحقوا الجنة بإيمانهم.\nثم إن الواقع يؤكد على وجود مؤمنين اجتمع فيهم إيمان ونفاق، وطاعة وفجور، وسنة وبدعة، ولا ينكر هذا إلا مكابر.\nقال الإمام ابن حزم – ﵀ -: (هذا الذي أنكروه – أي أهل البدع لا نكرة فيه، بل هو أمر موجود مشاهد. فمن أحسن من وجه وأساء من وجه آخر، كمن صلى ثم زنى، فهو محسن محمود، ولي لله فيما أحسن فيه من صلاة، ومسيء مذموم عدو لله فيما أساء فيه من الزنا، قال الله ﷿: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا [التوبة: ١٠٢]. فبالضرورة ندري أن العمل الذي شهد الله ﷿ له أنه عمل صالح، فإنه عامله فيه محمود محسن مطيع لله. وأن العمل الذي شهد الله ﷿ أنه سيء، فإن عامله فيه مذموم مسيء عاص لله تعالى) (٥). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: ١٥٣\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (١/ ٤٢٥).\n(٢) «تفسير السعدي» (١/ ٤٥٤).\n(٣) «مدارج السالكين» (١/ ٢٨٢).\n(٤) رواه البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃.\n(٥) «الفصل» لابن حزم (٣/ ٢٧٧).","vol":"6","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1800>المبحث الثاني: ضوابط أهل السنة في مسألة اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد</span>\nلما قعد أهل السنة هذا الأصل، فإنهم اعتمدوا في ذلك التفصيل دون الإطلاق، ووضعوا ضوابط وشروطًا لهذه المسألة حتى تنحصر الأنواع في إطار شرعي متين. ولا تتميع المسألة حتى يخوض فيها من يشاء كيفما شاء ومن هذه الضوابط:\n١ - الحديث عن الشعب وليس عن الأصل:\nإذا قال أهل السنة إن الشخص قد يجتمع فيه إيمان وكفر، أو إيمان ونفاق، فليس مقصودهم أصل الكفر أو أصل النفاق، إنما المقصود شعبهما التي لا تضاد أصل الدين.\nلهذا فصل ابن القيم – ﵀ – معنى الشرك المذكور في قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦] أنه إن كان هذا الشرك يتضمن تكذيبًا لرسل الله – ﵈ -، فإن الإيمان الذي معهم لا ينفعهم. أما إن كان متضمنًا للتصديق برسل الله – ﵈ -، فإن الإيمان الذي معهم ينفعهم في عدم الخلود في النار دون دخولها (١).\nكما أنه لما لم يفهم أحد مبتدعة العراق هذه المسألة، حاول أن يبرر ما عليه قومه من الشرك بعبادة غير الله من المقبورين والذبح لهم، حاول أن ينفي عنهم الشرك بهذا الأصل الذي أثر عن السلف، وهو أن اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد لا يلزم منه كفر هذا الشخص.\nفرد عليه الشيخ ابن سحمان بقوله: (وأما قوله – أي العراقي – (والمسلم قد يجتمع فيه الكفر والإسلام والشرك والإيمان، ولا يكفر كفرًا ينقله عن الملة). فأقول – أي الشيخ ابن سحمان -: نعم، هذا فيما دون الشرك، والكفر الذي يخرج عن الملة) (٢). ثم سرد بعض الشعب الشركية والكفرية، وبين أنها هي التي قد تجتمع مع الإيمان في شخص واحد، ولا يخرج من الملة بذلك.\nومفهوم كلامه في الرد على العراقي أن ما كان شركًا أكبر، أو كفرًا أكبر مما يخرج عن الملة لا يمكن أن يجتمع مع الإيمان الذي ينجو به العبد من الكفر في الدنيا، وينجو به من الخلود في النار يوم القيامة، فإنهما نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان.\n٢ - قيام شعبة من الكفر أو أكثر بالعبد لا يلزم منه كفره بالضرورة:\nوذلك أن من ثبت له عقد الإسلام لا يحكم بكفره بمجرد صدور فعل كفري عنه حتى تثبت في حقه التكفير، كإثبات أن الفعل الكفري الذي صدر عنه يعتبر ناقضًا للإسلام بلا نزاع، كما أن هذا الحكم بالتكفير منوط بعدم وجود موانع في حق ذلك الشخص، سواء كانت جبلية أو مكتسبة.\nأما ما لا يعتبر من الأعمال الكفرية ناقضًا للإسلام، فالأدلة تدل على إمكان اجتماعهما بالإيمان في الشخص الواحد دون أن يكون كافرًا بذلك، وذلك ما كان من باب (كفر دون كفر).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: (قد يكون في الناس من معه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر أو النفاق، ويسمى مسلمًا كما نص عليه أحمد. وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب النفاق. وقد يكون مسلمًا وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال ابن عباس وغيره: كفر دون كفر. وهذا قول عامة السلف، وهو الذي نص عليه أحمد وغيره قال في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيه النبي ﷺ: إنه ليس بمؤمن (٣): إنهم يقال لهم مسلمون لا مؤمنون. واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان مع إثبات اسم الإسلام، وبأن الرجل قد يكون مسلمًا ومعه كفر لا ينقل عن الملة، بل كفر دون كفر) (٤).\n_________\n(١) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٢٨٢).\n(٢) «الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق» (ص: ٣٧٦).\n(٣) حديث نقص الإيمان رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٥٠).","vol":"6","page":225},{"text":"٣ - قيام شعبة من الإيمان أو أكثر بالعبد لا يلزم منه تسميته مؤمنًا:\nوهذا الضابط له صورتان:\nالصورة الأولى: من لم يستوف جميع خصال الإيمان الواجب الذي بموجبه يكون من أهل الجنة ابتداء، فهذا لا يسمى مؤمنًا وإن قامت به بعض شعب الإيمان دون بعضها الآخر. وذلك لما قد يعتريه من ضعف، فيعصي الله تعالى بفعل محرم أو بترك واجب، ولهذا قال الله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤].\nوروى البخاري بسنده إلى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ أعطى رهطًا وسعد جالس، فترك رسول الله ﷺ رجلًا هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟، فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال: «أو مسلما» .. (١) الحديث.\nالصورة الثانية: وهي تنطبق على المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر. فمن علم منه النفاق، لا يسمى مؤمنًا ولا مسلمًا وإن قام بظاهره كثير من الشعب الإيمانية كالشهادتين وأركان الإسلام الأخرى ... الخ. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: ١٥٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧). ورواه مسلم (١٥٠).","vol":"6","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1801>المبحث الثالث: اجتماع الإيمان وبعض شعب الكفر في الشخص الواحد وأثره في مسألة الولاء والبراء</span>\nإن الله عقد الأخوة والمحبة والموالاة والنصرة بين المؤمنين، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم. فكان من الأصول المتفق عليها بين المسلمين أن كل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات التي دلت عليها الشريعة بلا نزاع من أحد، فإن محبته وموالاته ونصرته واجبة.\nوكل من كان بخلاف ذلك، وجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، بل وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة والإمكان. قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة: ٧١]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة: ٧٣].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الولاية ضد العداوة. وأصل الولاية: المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد ... فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه، ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معاديًا له، كما قال تعالى: لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: ١]. فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه، فلهذا قال: «ومن عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة» (١» (٢).\nأما من لم يصف له اتباع أوامر الله تعالى بالطاعة التامة والانقياد الكامل، بل ترك بعض ما وجب عليه أو فعل بعض ما حرم عليه مع وجود الإيمان بالله والقيام ببعض ما أمر الله به، فإن هذا لا يكون وليا لله من كل وجه بما معه من إيمان وبعض العمل الصالح، كما لا يكون عدوا لله من كل وجه بسبب تقصيره في حق الله تعالى بترك الواجب وفعل المحرم.\nوالذي تقرر عند أهل السنة أن كل شخص اجتمع فيه إيمان وكفر، أو إيمان ونفاق، أو طاعة ومعصية، فإنه يكون قد اجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة، فيكون محبوبًا من وجه ومبغوضًا من وجه، والحكم العام يكون للغالب بحسب قربه من الكفر أو الإيمان أو بعده عنهما.\nقال الإمام ابن القيم – ﵀ -: (أهل السنة متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين، ويكون محبوبًا ومبغوضًا له من وجهين أيضًا، بل يكون فيه إيمان ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون إلى أحدهما أقرب منه للآخر فيكون من أهله) (٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀-: (إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر. فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، كاللص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم) (٤).\nفالموالاة والمعاداة لا دخل لحظوظ النفس فيها كالقرابة والنسب والجاه، وإنما هذه الأعراض تابعة لأصل الولاء والبراء اللذين يجب أن يتمحضا لله. فالنظر إلى أعمال الناس ومدى قربهم من مرضاة الله أو بعدهم عنه هو المناط الذي ترتكز عليه الموالاة أو المعاداة.\nأما درجات هذه الموالاة أو المعاداة، فتتحدد بما يترجح لدى الشخص من خير أو شر، فمن ترجح جانب الخير عنده، فهذا يوالى بدرجة أكبر من درجة معاداته والعكس.\nومما يعتبر كذلك في هذه المسألة جانب المصلحة والمفسدة من جهة تقدير الدعاة والمصلحين؛ حتى لا ينفر الناس من الدعوة والقائمين عليها.\nقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف: (وأما من ظاهره الإسلام منهم، ولكن ربما قد يوجد فيهم من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة وفيهم شيء من أمور الجاهلية، ومن أنواع المعاصي – صغائر كانت أو كبائر -، فلا يعاملون معاملة المرتدين، بل يعاملون برفق ولين، ويبغضون على ما معهم من هذه الأوصاف. وليعلم أن المؤمن تجب موالاته ومحبته على ما معه من الإيمان، ويبغض ويعادى على ما معه من المعاصي. وهجره مشروع إن كان فيه مصلحة وزجر وردع، وإلا فيعامل بالتأليف وعدم التنفير، والترغيب في الخير برفق ولطف ولين؛ لأن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المضار) (٥). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: ١٥٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٠٢) بلفظ: «فقد آذنته بالحرب» بدلًا من: «فقد بارزني بالمحاربة». من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١١/ ١٦٠ - ١٦١).\n(٣) «مدارج السالكين» (١/ ٢٨١ - ٢٨٢).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٠٨).\n(٥) «مجموعة الرسائل النجدية» (٢/ ١/١٣٧).","vol":"6","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1802>الفصل الثالث: أسباب ترك الإيمان والإعراض عنه</span>\nإن الإيمان الصحيح كما جاءنا من رسول الله ﷺ فيه السعادة العاجلة والآجلة.\nوأنه يصلح الظاهر والباطن، والعقائد، والأخلاق، والآداب.\nوأنه يدعو جميع العباد إلى ما فيه من كل خير وصلاح، ويهدي للتي هي أقوم.\nفإذا كان الأمر كما ذكرنا؛ فلم أكثر الناس عن الدين والإيمان معرضون، وله محاربون، ومنه ساخرون؟\nوهل كان الأمر بالعكس؛ لأن الناس لهم عقول وأذهان تختار الصالح على الطالح، والخير على الشر، والنافع على الضار؟\nنعم كان من المفروض أن يكون الأمر كذلك! واعلم أن الله تعالى قد ذكر هذا الإيراد في كتابه العزيز، وأجاب عنه بذكر الأسباب الواقعة، وبالموانع العائقة، وبذكر الأجوبة عن هذا الإيراد فلا يهول العبد ما يراه عن إعراض أكثر البشر عنه، ولا يستغرب ذلك؛ فقد ذكر الله ﷿ من أسباب عدم الإيمان بالدين؛ موانع عديدة، واقعة من جمهور البشر، منها:\n١ - الجهل بالإيمان:\nالجهل به، وعدم معرفته حقيقة، وعدم الوقوف على تعاليمه العالية، وإرشاداته السامية. والجهل بالعلوم النافعة؛ أكبر عائق، وأعظم مانع من الوصول إلى الحقائق الصحيحة، والأخلاق الحميدة، قال الله ﵎:\nبَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [يونس: ٣٩].\nوقال: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [الأنعام: ١١١].\nوقال: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الأنعام: ٣٧].\nصُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١]\nوالجهل إما أن يكون بسيطًا؛ كحال كثير من دهماء المكذبين للرسول الرادين لدعوته اتباعًا لرؤسائهم وساداتهم.\nوهم الذين يقولون إذا مسهم العذاب:\nرَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الأحزاب: ٦٧].\nوإما أن يكون الجهل مركبا؛ وهذا على نوعين:\nأحدهما: أن يكون على دين قومه وآبائه، ومن هو ناشئ معهم فيأتيه الحق فلا ينظر فيه، وإن نظر فنظر قاصر جدا لرضاه بدينه الذي نشأ عليه وتعصبه لقومه، وهؤلاء جمهور المكذبين للرسل، الرادين لدعوتهم، الذين قال الله فيهم:\nوَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٣].\nوهذا هو التقليد الأعمى؛ الذي يظن صاحبه أنه على حق، وهو على الباطل.\nويدخل في هذا النوع: أكثر الملحدين الماديين؛ فإن علومهم عند التحقيق تقليد لزعمائهم؛ إذا قالوا مقالة قبلوها كأنها وحي منزل، وإذا ابتكروا نظرية خاطئة سلكوا خلفهم في حال اتفاقهم وحال تناقضهم، وهؤلاء فتنة لكل مفتون لا بصيرة له.\nالنوع الثاني من الجهل المركب: حالة أئمة الكفر وزعماء الملحدين الذين مهروا في علوم الطبيعة والكون.\nواستجهلوا غيرهم، وحصروا المعلومات في معارفهم الضئيلة الضيقة الدائرة، واستكبروا على الرسل وأتباعهم.\nوزعموا أن العلوم محصورة فيما وصلت إليه الحواس الإنسانية، والتجارب البشرية، وما سوى ذلك أنكروه، وكذبوه مهما كان من الحق؛ فأنكروا رب العالمين، وكذبوا رسله، وكذبوا بما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب كلها.\nوهؤلاء أحق الناس بالدخول تحت قوله تعالى: فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون [غافر: ٨٣].","vol":"6","page":228},{"text":"ففرحهم بعلومهم – علوم الطبيعة – ومهارتهم فيها هو السبب الأقوى الذي أوجب لهم تمسكهم بما معهم من الباطل، وفرحهم بها يقتضي تفضيلهم لها، ومدحهم لها وتقديمها على ما جاءت به الرسل من الهدى والعلم؛ بل لم يكفهم هذه الحال؛ حتى وصلوا إلى الاستهزاء بعلوم الرسل واستهجانها، وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون.\nولقد انخدع لهؤلاء الملحدين كثير من المشتغلين بالعلوم العصرية التي لم يصحبها دين صحيح، والعهدة في ذلك على المدارس التي لم تهتم بالتعاليم الدينية العاصمة من هذا الإلحاد.\nفإن التلميذ إذا تخرج فيها ولم يمهر في العلوم الدينية، ولا تخلق بالأخلاق الشرعية، ورأى نفسه أنه يعرف ما لا يعرفه غيره؛ احتقر الدين وأهله، وسهل عليه الانقياد لهؤلاء الملحدين الماديين.\nوهذا أكبر ضرر ضرب به الدين الإسلامي.\nفالواجب قبل كل شيء على المسلمين نحو المدارس:\nأن يكون اهتمامهم بتعليم العلوم الدينية قبل كل شيء.\nأن يكون النجاح وعدمه متعلقا بها لا بغيرها؛ بل يجعل غيرها تبعًا.\nوهذا من أفرض الفرائض على من يتولاها ويباشر تدبيرها؛ فليتق الله من له ولاية، أو كلام عليها، وليحتسب الأجر عند الله.\n٢ - الحسد والبغي:\nكحال اليهود الذين يعرفون النبي ﷺ وصدقه وحقيقة ما جاء به كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم يكتمون الحق وهم يعلمون؛ تقديمًا للأغراض الدنيوية والمطالب السفلية على نعمة الإيمان.\nوقد منع هذا الداء كثيرًا من رؤساء قريش كما هو معروف من أخبارهم وسيرهم، وهذا الداء في حقيقة الأمر ناشئ عن داء آخر، وهو الكبر.\n٣ - الكبر:\nالذي هو أعظم الموانع من اتباع الحق، قال تعالى:\nسَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ [الأعراف: ١٤٦].\nفالتكبر – الذي هو رد الحق واحتقار الخلق – منع خلقًا كثيرًا من اتباع الحق والانقياد له بعد ما ظهرت آياته وبراهينه، قال تعالى:\nوَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل: ١٤].\n٤ - الإعراض عن الحق والإيمان:\nالإعراض عن الأدلة السمعية، والأدلة العقلية الصحيحة؛ من أهم موانع الإيمان، قال الله ﵎: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧].\nوقال: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: ١٠].\nفلم يكن لأمثال هؤلاء الذين اعترفوا بعدم عقلهم وسمعهم النافع رغبة في علوم الرسل، والكتب المنزلة من الله، ولا عقول صحيحة يهتدون بها إلى الصواب، وإنما لهم آراء ونظريات خاطئة يظنونها عقليات، وهي جهالات ولهم اقتداء خلف زعماء الضلال منعهم من اتباع الحق؛ حتى وردوا نار جهنم، فبئس مثوى المتكبرين.\n٥ - رد الإيمان بعد معرفته:\nرد الإيمان بعد ما تبين؛ فيعاقب العبد بانقلاب قلبه ورؤيته الحسن قبيحًا والقبيح حسنًا، قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]. لأن الجزاء من جنس العمل، وقد ولاهم الله ما قالوا لأنفسهم: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ [الأعراف: ٣٠].\n٦ - الانغماس في الترف والإسراف في التنعم:","vol":"6","page":229},{"text":"فإنه يجعل العبد تابعا لهواه، منقادًا للشهوات الضارة، كما ذكر الله هذا المانع في عدة آيات، مثل قوله: بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [الأنبياء: ٤٤].\nوقوله: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [الواقعة: ٤٥]. فلما جاءتهم الأديان الصحيحة بما يعدل ترفهم، ويوقفهم على الحد النافع، ويمنعهم من الانهماك الضار في اللذات؛ رأوا ذلك صادًا لهم عن مواداتهم.\nوصاحب الهوى الباطل ينصر هواه بكل وسيلة. لما جاءهم الدين بوجوب عبادة الله، وشكر المنعم على نعمه، وعدم الانهماك في الشهوات، ولوا على أدبارهم نفورًا.\n٧ - احتقار الحق وأهله:\nاحتقار المكذبين للرسل - ﵈ - وأتباعهم، واعتقاد نقصهم، والتهكم بهم، والتكبر عليهم؛ من الموانع الصادة عن وصول الإيمان إلى القلب؛ كما قال قوم نوح ﵇: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء: ١١١].\nوهذا الداء منشؤه من الكبر؛ فإذا تكبر وتعاظم في نفسه، واحتقر غيره اشمأز من قبول ما جاء به من الحق؛ حتى لو فرض أن هذا الذي رده جاءه من طريق من يعظمه لقبله بلا تردد.\n٨ - الفسق:\nفالفسق أكبر مانع من قبول الحق علمًا وعملًا، قال تعالى: كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [يونس: ٣٣].\nوالفسق: هو خروج العبد عن طاعة الله إلى طاعة الشيطان.\nوالله تعالى لا يزكي من كانت هذه حاله؛ بل يكله إلى نفسه الظالمة فتجول في الباطل عنادًا وضلالا، وتكون حركاته كلها شرا وفسادًا؛ فالفسق يقرنه الباطل، ويصده عن الحق؛ لأن القلب متى خرج عن الانقياد لله والخضوع؛ فلابد أن ينقاد لكل شيطان مريد:\nكُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الحج: ٤].\n٩ - حصر العلوم والحقائق في دائرة ضيقة:\nكما فعل ملاحدة الماديين في حصرهم العلوم بمدركات الحس؛ فما أدركوه بحواسهم أثبتوه، وما لم يدركوه بها نفوه، ولو ثبت بطرق وبراهين أعظم بكثير، وأوضح وأجلى من مدركات الحس، وهذه فتنة وشبهة؛ ضل بها خلق كثير.\nولكن المؤمن البصير يعرف بنور بصيرته أنهم في ضلال مبين.\n١٠ - تجرد الماديين ومن تبعهم من المغرورين:\nزعم هؤلاء الماديون: أن البشر لم يبلغوا الرشد، ونضوج العقل إلا في هذه الأوقات التي طغت فيها المادة، وعلوم الطبيعة، وأنهم قبل ذلك لم يبلغوا الرشد.\nوهذا فيه من الجراءة والإقدام على السفسطة والمكابرة للحقائق، والمباهتة ما لا يخفى على من له أدنى معقول لم تغيره الآراء الخبيثة.\nفلو قالوا: إن المادة والصناعة والاختراعات، وتطويع الأمور الطبيعية لم تنضج ولم تتم إلا في الوقت الأخير لصدقهم كل واحد.\nفإن العقول والعلوم الصحيحة؛ إنما تعرف ويستدل على كمالها، أو نقصها بآثارها وبأدلتها وغاياتها.\nانظر إلى الكمال والعلو في العقائد، والأخلاق، والدين، والدنيا، والرحمة، والحكمة التي جاء بها محمد ﷺ وأخذها عنه المسلمون وأوصلتهم وقت عملهم بها إلى كل خير ديني ودنيوي، وكل صلاح، وأخضعت لهم جميع الأمم؛ وأنهم وصلوا إلى حالة وكمال؛ يستحيل أن يصل إليه أحد، حتى يسلك طريقهم.\nثم انظر إلى ما وصلت إليه أخلاق الماديين الإباحيين الذين أطلقوا السراح لشهواتهم، ولم يقفوا عند حد؛ حتى هبطوا بذلك إلى أسفل سافلين، ولولا القوة المادية تمسكهم بعض التماسك لأردتْهم هذه الإباحية والفوضى في الهلاك العاجل: وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢].","vol":"6","page":230},{"text":"ثم لولا بقايا من آداب الأديان بقيت بعض آثارها في الشعوب الراقية صلحت بها دنياهم لم يكن لرقيهم المادي قيمة عاجلة؛ فإن الذين فقدوا الدين عجزوا كل العجز عن الحياة الطيبة، والراحة الحاضرة، والسعادة العاجلة، والمشاهدة أقوى شاهد لذلك.\nومشركو العرب ونحوهم ممن عندهم بعض الإيمان، وبعض الاعتراف بالأصول الإيمانية؛ كتوحيد الربوبية والاعتراف بالجزاء؛ خير بكثير من هؤلاء الماديين، بلا ريب ولا شك.\nثم قد علم بالضرورة أن الرسل – ﵈ – جاؤوا بالوحي، والهداية جملة وتفصيلًا، وبالنور والعلم الصحيح، والصلاح المطلق من جميع الوجوه، واعترفت العقول الصحيحة بذلك، وعلمت العقول أنها لو اجتمعت من أولها إلى آخرها لم تصل إلى درجة الكتب والحقائق النافعة التي جاءت بها الرسل، ونزلت بها الكتب، وأنه لولاها لكانت في ضلال مبين، وعمى عظيم وشقاء وهلاك مستمر، قال تعالى:\nلَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [آل عمران: ١٦٤].\nفالعقول لم تبلغ الرشد الصحيح، ولم تنضج إلا بما جاءت به الرسل، ومن ذلك انخداع أكثر الناس بالألفاظ التي يزوق بها الباطل، ويرد بها الحق من غير بصيرة، ولا علم صحيح، وذلك لتسميتهم علوم الدين، وأخلاقه العالية رجعية، وتسميتهم العلوم والأخلاق الأخرى المنافية لذلك ثقافة وتجديدًا.\nومن المعلوم لكل صاحب عقل سليم: أن كل ثقافة وتجديد لم يستند في أصوله إلى هداية الدين، وإلى توجهاته؛ فإنه شر، وضرر، عاجل وآجل.\nومن تأمل ما عليه حال من يسمون (المثقفين الماديين) من هبوط الأخلاق، والإقبال على كل ضار، وترك كل نافع؛ عرف أن الثقافة الصحيحة تثقيف العقول بهداية الرسل، وعلومهم الصحيحة.\nومن تأمل ما جاء به الدين الإسلامي من الكتاب والسنة جملة وتفصيلًا عرف أنه لا صلاح للبشر إلا بالرجوع إلى هدايته وإرشاده، وأنه كما أصلح العقائد والأخلاق والأعمال؛ فقد أصلح أمور الدنيا، وأرشد إلى كل ما يعود إلى الخير والنفع العام والخاص، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل (١). الإيمان، حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن عبد الحميد الأثري – ص: ٢٩٧\n_________\n(١) انظر في ذلك: «تعليم أصول الإيمان وبيان موانعه» للشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي (ص: ٣٣).","vol":"6","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1804>الفصل الأول: هل الإيمان مخلوق</span>\nهذه المسألة تفرعت عن مسألة خلق القرآن .. زمن محنة الجهمية والفتنة المشهورة فهي وليدة هذه الفتنة ومنها نشأ النزاع فيها هل الإيمان مخلوق أم لا؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما سئل: هل الإيمان مخلوق أم غير مخلوق؟ .. (فالجواب أن هذه المسألة نشأ النزاع فيها لما ظهرت محنة الجهمية في القرآن هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ وهي محنة الإمام أحمد وغيره من علماء المسلمين، وقد جرت بها أمور يطول وصفها هنا، لكن لما ظهر القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأطفأ الله نار الجهمية المعطلة، صارت طائفة يقولون أن كلام الله الذي أنزله مخلوق، ويعبرون عن ذلك باللفظ، فصاروا يقولون ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، أو تلاوتنا أو قراءتنا مخلوقة، وليس مقصودهم مجرد كلامهم وحركاتهم بل يدخلون فيه نفس كلام الله الذي نقرؤه بأصواتنا وحركاتنا، وعارضهم طائفة أخرى فقالوا: ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة. فرد الإمام أحمد على الطائفتين وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وتكلم الناس حينئذ بالإيمان فقالت طائفة: الإيمان مخلوق وأدرجوا في ذلك ما تكلم الله به من الإيمان مثل (قول لا إله إلا الله)، فصار مقتضى قولهم أن هذه الكلمة مخلوقة، ولم يتكلم الله بها، فبدع الإمام أحمد هؤلاء، وقال: قال النبي ﷺ «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها: قول لا إله إلا الله» (١) أفيكون قول لا إله إلا الله مخلوقا؟. ومراده أن من قال: إن ألفاظنا وتلاوتنا وقراءتنا للقرآن مخلوقة، كان مقتضى كلامه أن الله لم يتكلم بالقرآن الذي أنزله. وأن القرآن المنزل ليس هو كلام الله ..) (٢).\nوقال ﵀: (وإذا قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد (بالإيمان)؟ أتريد شيئا من صفات الله وكلامه، كقول (لا إله إلا الله) و(إيمانه) الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق. أو تريد شيئا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصور ما يقول، فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل، وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات إذا فصل فيها الخطاب، ظهر الخطأ من الصواب. والواجب على الخلق أن ما أثبته الكتاب والسنة أثبتوه، وما نفاه الكتاب والسنة نفوه، وما لم ينطق به الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات استفصلوا فيه قول القائل: فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله، فقد أصاب، ومن نفى ما نفاه الله ورسوله فقد أصاب، ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله فقد لبس دين الحق بالباطل، فيجب أن يفصل ما في كلامه من حق أو باطل، فيتبع الحق ويترك الباطل، وكل من خالف الكتاب والسنة فإنه مخالف أيضا لصريح المعقول، فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، كما أن المنقول عن الأنبياء ﵈ لا يخالف بعضه بعضا، ولكن كثيرا من الناس يظن تناقض ذلك، وهؤلاء من الذين اختلفوا في الكتاب ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: ١٧٦]، ونسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) (٣) .. قواعد في بيان حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لعادل الشيخاني-ص: ٥٧٧\nقال الإمام أحمد - ﵁ -: من قال: الإيمان مخلوق كفر، ومن قال: غير مخلوق ابتدع. فقيل: بالوقف مطلقا، وقيل: أقواله قديمة وأفعاله مخلوقة. قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: وهو أصح، ونقله عن ابن أبي موسى وغيره. ونقل الإمام الحافظ ابن رجب في طبقات الأصحاب في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي - قدس الله روحه - ما لفظه قال: روي عن إمامنا أحمد - ﵁ - أنه قال: من قال: الإيمان مخلوق فهو كافر، ومن قال: قديم فهو مبتدع. قال الحافظ عبد الغني: وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهي تشتمل على قراءة وتسبيح وذكر الله - ﷿ - ومن قال بخلق ذلك كفر، وتشتمل على قيام وقعود وحركة وسكون ومن قال بقدم ذلك ابتدع. انتهى بحروفه، والله - تعالى – الموفق لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لمحمد بن أحمد السفاريني – ١/ ٤٤٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٩) ومسلم (٣٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٥٥).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٦٤).","vol":"6","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1805>الفصل الثاني: حكم إيمان المقلدين</span>\nعقد السفاريني فصلًا في ذكر الخلاف في صحة إيمان المقلد في العقائد وعدمها وفي جوازه وعدمه شارحا قوله في منظومته:\nوكل ما يطلب فيه الجزم ... فمنع تقليد بذاك حتم\nلأنه لا يكتفى بالظن ... لذي الحجى في قول أهل الفن\nوقيل يكفي الجزم إجماعا بما ... يطلب فيه عند بعض العلما\nفالجازمون من عوام البشر ... فمسلمون عند أهل الأثر\nفقال: (وكل ما) أي حكم ومطلوب مما عنه الذكر الحكمي، وهو المعنى الذي يعبر عنه بالكلام الخبري، وهو ما أنبأ عن أمر في نفسك من إثبات أو نفي، والمراد هنا كل اعتقاد (يطلب فيه) أي ذلك الاعتقاد من معرفة الله تعالى، وما يجب له ويستحيل عليه، ويجوز (الجزم) بأن يجزم به جزما لا يحتمل متعلقه النقيض عنده لو قدره في نفسه، فإن طابق الواقع فهو اعتقاد صحيح وإلا ففاسد، فما كان من هذا الباب (فمنع تقليد) وهو لغة وضع الشيء في العنق حال كونه محيطا به، وذلك الشيء يسمى قلادة وجمعها قلائد، وعرفا أخذ مذهب الغير يعني اعتقاد صحته واتباعه عليه بلا دليل، فإن أخذه بالدليل فليس بمقلد له فيه، ولو وافقه فالرجوع إلى قوله ﷺ ليس بتقليد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - في المسودة: التقليد قبول القول بغير دليل، فليس المصير إلى الإجماع بتقليد، لأن الإجماع دليل، ولذلك يقبل قول النبي ﷺ، ولا يقال تقليد، وقد قال الإمام أحمد - ﵁ - في رواية أبي الحارث من قلد الخبر رجوت أن يسلم إن شاء الله تعالى فأطلق اسم التقليد على من صار إلى الخبر، وإن كان حجة بنفسه. انتهى ملخصا. (بذاك) أي بما يطلب فيه الجزم ولا يُكْتَفَى فيه بالظن (حتم) بفتح الحاء المهملة وسكون التاء المثناة فوق أي لازم واجب، قال علماؤنا وغيرهم يحرم التقليد في معرفة الله تعالى، وفي التوحيد والرسالة، وكذا في أركان الإسلام الخمس، ونحوها مما تواتر واشتهر، عند الإمام أحمد - ﵁ - والأكثر وذكره أبو الخطاب عن عامة العلماء، وذكر غيره أنه قول الجمهور قاله في شرح التحرير، قال: وأطلق الحلواني من أصحابنا وغيره منع التقليد في أصول الدين، واستدلوا لتحريم التقليد بأمره ﷾ بالتدبر والتفكر والنظر.\nوفي صحيح ابن حبان لما نزل في آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الآيات [آل عمران: ١٩٠] قال ﷺ: «ويل لمن قرأهن ولم يتدبرهن، ويل له، ويل له» (١)\nوالإجماع على وجوب معرفة الله تعالى، ولا تحصل بتقليد لجواز كذب المخبر، واستحالة حصولها، كمن قلد في حدوث العالم، وكمن قلد في قدمه، ولأن التقليد لو أفاد علما، فإما بالضرورة، وهو باطل، وإما بالنظر، فيستلزم الدليل والأصل عدمه، والعلم يحصل بالنظر، واحتمال الخطأ لعدم مراعاة القانون الصحيح، ولأن الله تعالى ذم التقليد بقوله تعالى إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢] ولقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [محمد: ١٩] فألزم الشارع بالعلم، ويلزمنا نحن أيضا؛ لقوله: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨].\n_________\n(١) رواه ابن حبان (٢/ ٣٨٦) بلفظ: «أفلا أكون عبدا شكورا لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الآية كلها [آل عمران: ١٩٠]». وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦٨): صحيح.","vol":"6","page":233},{"text":"فتعين طلب اليقين في الوحدانية، ويقاس عليها غيرها، والتقليد لا يفيد إلا الظن، ولهذا قال معللا للمنع عنه بقوله (لأنه) أي الشأن والأمر والقصة (لا يكتفى) في أصول الدين، ومعرفة الله رب العالمين (بالظن) الذي هو ترجيح أحد الطرفين على الآخر، فالراجح هو الظن، والمرجوح الوهم، فلا يكتفى به في أصول الدين (لذي) أي لصاحب (الحجى) كإلى أي العقل والفطنة (في قول أهل الفن) من الأئمة وعلماء المنقول والمعقول من الأصوليين والمتكلمة وغيرهم.\nقال العلامة ابن حمدان في نهاية المبتدئين: كل ما يطلب فيه الجزم يمتنع التقليد فيه، والأخذ فيه بالظن لأنه لا يفيده، وإنما يفيده دليل قطعي، قال: في شرح مختصر التحرير: وأجازه - يعني في التقليد في أصول الدين - جمع، قال بعضهم: ولو بطريق فاسد.\nقال العلامة ابن مفلح: وأجازه بعض الشافعية لإجماع السلف على قبول الشهادتين من غير أن يقال لقائلها هل نظرت؟ وسمعه الإمام ابن عقيل، عن أبي القاسم ابن التبان المعتزلي قال: وإنه يكتفى بطريق فاسد، وقال هذا المعتزلي: إذا عرف الله، وصدق رسوله، وسكن قلبه إلى ذلك، واطمأن به، فلا علينا من طريق تقليد كان أو نظرا أو استدلالا، وإلى هذا الإشارة بقوله (وقيل يكفي) في أصول الدين (الجزم) ولو تقليدا (إجماعا) (ب) كل (ما) أي حكم (يطلب) بضم أوله مبنيا لما لم يسم فاعله، ونائب الفاعل مضمر يعود على الجزم (فيه) أي فيه ذلك المطلوب من أصول الدين (عند بعض العلماء) من علماء مذهبنا والشافعية والمعتزلة وغيرهم.\nقال العنبري وغيره يجوز التقليد في أصول الدين، ولا يجب النظر اكتفاء بالعقد الجازم، لأنه ﷺ كان يكتفي في الإيمان من الأعراب وليسوا أهلا للنظر بالتلفظ بكلمتي الشهادة المنبئ عن العقد الجازم، ويقاس غير الإيمان من أصول الدين عليه.\nوقال العلامة ابن حمدان في نهاية المبتدئين: وقيل يكفي الجزم يعني بالظن إجماعا بما يطلب فيه الجزم، (فالجازمون) حينئذ بعقدهم، ولو تقليدا (من عوام البشر) الذين ليسوا بأهل للنظر والاستدلال، بما لا يتم الإسلام بدونه (ف) على الصواب هم (مسلمون عند أهل الأثر) وأكثر النظار والمحققين وإن عجزوا عن بيان ما لم يتم الإسلام إلا به.\nوقال ابن حامد من علمائنا: لا يشترط أن يجزم عن دليل - يعني بل يكفي الجزم ولو عن تقليد، وقيل الناس كلهم مؤمنون حكما في النكاح والإرث وغيرهما، ولا يدرى ما هم عند الله، انتهى.\nوقال العلامة المحقق ابن قاضي الجبل من علمائنا في أصوله: قال ابن عقيل: القياس النقلي حجة يجب العمل به، ويجب النظر والاستدلال به بعد ورود الشرع، قال: ولا يجوز التقليد، والحق الذي لا محيد عنه، ولا انفكاك لأحد منه صحة إيمان المقلد تقليدا جازما صحيحا، وأن النظر والاستدلال ليسا بواجبين، وأن التقليد الصحيح محصل للعلم والمعرفة، نعم يجب النظر على من لا يحصل له التصديق الجازم أول ما تبلغه الدعوة.\nقال بعض علماء الشافعية: اعلم أن وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لا يشترط فيه أن يكون عن نظر واستدلال، بل يكفي اعتقاد جازم بذلك، إذ المختار الذي عليه السلف وأئمة الفتوى من الخلف وعامة الفقهاء، صحة إيمان المقلد، قال: وأما ما نقل عن الإمام الشيخ أبي الحسن الأشعري من عدم صحة إيمان المقلد، فكذب عليه كما قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري.","vol":"6","page":234},{"text":"ثم قال: ومما يرد على زاعمي بطلان إيمان المقلد أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فتحوا أكثر العجم، وقبلوا إيمان عوامهم، كأجلاف العرب، وإن كان تحت السيف، أو تبعا لكبير منهم أسلم، ولم يأمروا أحدا منهم بترديد نظر، ولا سألوه عن دليل تصديقه، ولا أرجئوا أمره حتى ينظر والعقل يجزم في نحو هذا بعدم وقوع الاستدلال منهم لاستحالته حينئذ، فكان ما أطبقوا عليه دليلا أي دليل على إيمان المقلد، وقال: إن التقليد أن يسمع من نشأ بقمة جبل الناس يقولون للخلق رب خلقهم، وخلق كل شيء من غير شريك له، ويستحق العبادة عليهم، فيجزم بذلك إجلالا لهم عن الخطأ، وتحسينا للظن بهم، فإذا تم جزمه بأن لم يجز نقيض ما أخبروا به، فقد حصل واجب الإيمان، وإن فاته الاستدلال لأنه غير مقصود لذاته بل للتوصل به للجزم وقد حصل.\nوقال الإمام النووي: الآتي بالشهادتين مؤمن حقا، وإن كان مقلدا على مذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف، لأنه ﷺ اكتفى بالتصديق بما جاء به ولم يشترط المعرفة بالدليل، وقد تظاهرت بهذا الأحاديث الصحاح التي يحصل بمجموعها التواتر والعلم القطعي، انتهى.\nوبما تقرر تعلم أن النظر ليس بشرط في حصول المعرفة مطلقا، وإلا لما وجدت بدونه لوجوب انتفاء المشروط بانتفاء الشرط، لكنها قد توجد فظهر أن النظر لا يتعين على كل أحد، وإنما يتعين على من لا طريق له سواه، بأن بلغته دعوة النبي ﷺ أول ما بلغته دعوته، وصدق به تصديقا جازما بلا تردد، فمع صحة إيمانه بالاتفاق لا يأثم بترك النظر، وإن كان ظاهر ما تقدم الإثم مع حصول الإيمان، لأن المقصود الذي لأجله طلب النظر من المكلف وهو التصديق الجازم قد حصل بدون النظر فلا حاجة إليه، نعم في رتبته انحطاط، وربما كان متزلزل الإيمان فالحق أنه يأثم بترك النظر وإن حصل له الإيمان، ومن ثم نقل بعضهم الإجماع على تأثيمه لأن جزمه حينئذ لا ثقة به، إذ لو عرضت له شبهة عكرت عليه، وصار مترددا بخلاف الجزم الناشئ عن الاستدلال، فإنه لا يفوت بذلك، والله تعالى ولي التوفيق.\n(تنبيهات):\nالأول: في مسألة التقليد ثلاثة أقوال، (أولها) النظر واجب، ... رجحه الإمام الرازي، وأبو الحسن الآمدي.\n(الثاني) ليس بواجب والتقليد جائز، ...\n(الثالث) التقليد حرام ويأثم بترك النظر والاستدلال، ومع إثمه بترك النظر، فإيمانه صحيح، ...\nوثَم قول (رابع) وهو أن النظر حرام؛ لأنه مظنة الوقوع في الشبه والضلال لاختلاف الأذهان بخلاف التقليد، فيجب بأن يجزم المكلف عقده بما يأتي به الشرع من العقائد الدينية، ولكن قد علم مما مر أن الرجوع إلى الكتاب والسنة ليس بتقليد، وإن سمي تقليدا فمجاز، ومنه قول الإمام أحمد - ﵁ -: ومن قلد الخبر رجوت أن يسلم إن شاء الله تعالى.\nوقد قال أبو حامد الغزالي في كتابه (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة): من ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد، لا بل الإيمان نور يقذفه الله في قلوب عباده عطية وهدية من عنده، تارة بتنبيه في الباطن لا يمكن التعبير عنه، وتارة بسبب رؤيا في المنام، وتارة بقرينة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته، وتارة بقرينة حال ... وأمثالهم أكثر من أن تحصى، ولم يشتغل واحد منهم قط بكلام وتعلم الأدلة، بل كان يبدو نور الإيمان أولا بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ثم لا يزال يزداد وضوحا وإشراقا بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة، وبتلاوة القرآن، وتصفية القلوب - إلى أن قال: والحق الصريح أن كل من اعتقد أن كل ما جاء به الرسول واشتمل عليه القرآن حق، اعتقادا جازما، فهو مؤمن، وإن لم يعرف أدلته.","vol":"6","page":235},{"text":"قال: فالإيمان المستفاد من الأدلة الكلامية ضعيف جدا، مشرف على التزلزل بكل شبهة، انتهى فإن قيل: إن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ كانوا يعلمون أن العوام وأجلاف العرب يعلمون الأدلة إجمالا، كما أجاب به الأعرابي الأصمعي عن دليل سؤاله: بم عرفت ربك؟ فقال البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير.\nفلذلك لم يلزموهم بالنظر، ولا سألوهم عنه، ولا أرجئوا أمرهم فلما كان كذلك، لم يكن اكتفاؤهم بمجرد الإقرار دليلا على عدم وجوب النظر على الأعيان، ولا على أن تاركه غير آثم. فالجواب: ما ذكروه دعوى بلا دليل، وحكاية الأعرابي لا تدل على أن جميع الأجلاف والعوام كانوا عالمين بالأدلة إجمالا، فإن المثال الجزئي لا يصحح القواعد الكلية، والعقول مختلفة الأمزجة متفاوتة أشد تفاوت، فوجود فرد من الأعراب قوي العقل نافذ البصيرة لا يدل على أن كل الأعراب والأجلاف كذلك بلا خفاء.\nويوضحه أن من الذين أسلموا في عهدهم كانوا يكونون عجما ونساء، وقبلوا منهم الإسلام ولم يأمروهم بالنظر ولم يرجئوهم، أيضا كان أهل الشرك من قريش يجادلون ويناضلون عن آلهتهم، و: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ [الصافات: ٣٦]، وقالوا أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥]، ...\n(الثاني) ... أن التقليد الصحيح محصل للعلم، بمعنى أن المقلد تقليدا صحيحا لا يصدق بما ألقي إليه من العقائد إلا بعد انكشاف صدقها عنده من غير أن يكون له دليل عليها، وقد جاء في محكم الذكر فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ [الأنعام: ١٢٥] ...\n(الثالث) قد نقل عن أبي الحسن الأشعري أنه لا بد من انبناء الاعتقاد في كل مسألة من الأصول على دليل عقلي، لكن لا يشترط الاقتدار على التعبير عنه، وعلى مجادلة الخصوم، ودفع الشبه، قال السعد التفتازاني في (شرح المقاصد): هذا هو المشهور عن الأشعري حتى حكي عنه أن من لم يكن كذلك لم يكن مؤمنا. انتهى.\nقال في جمع الجوامع: وعن الأشعري لا يصح إيمان المقلد. قال شارحه: وشنَّع عليه أقوام بأنه يلزمه تكفير العوام، وهم غالب المؤمنين، وقال القشيري: مكذوب عليه.\nقال التاج السبكي: والتحقيق أنه إن كان التقليد أخذا لقول الغير بغير حجة مع احتمال شك أو وهم بأن لا يجزم به، فلا يكفي إيمان المقلد قطعا؛ لأنه لا إيمان مع أدنى تردد فيه، وإن كان التقليد أخذا لقول الغير بغير حجة لكن جزما فيكفي إيمان المقلد عند الأشعري وغيره خلافا لأبي هاشم المعتزلي في قوله: لا يكفي بل لا بد لصحة الإيمان من النظر.\nوقد وافق النقل عن الأشعري جماعة منهم القاضي، وإمام الحرمين وغيرهما، قالوا: قال الجمهور بعدم صحة الاكتفاء بالتقليد في العقائد الدينية حتى زعم بعضهم أنه مجمع عليه، وعزاه ابن القصار للإمام مالك - ﵁ -.\nوالمشهور نقل بعضهم عن الجمهور عدم جواز التقليد في العقائد الدينية وأنهم اختلفوا في المقلد، منهم من قال: إنه مؤمن إلا أنه عاص بترك المعرفة التي ينتجها النظر الصحيح، ومنهم من فصَّل فقال: هو مؤمن عاص، إن كان فيه أهلية لفهم النظر الصحيح، وغير عاص إن لم يكن فيه أهلية ذلك، ومنهم من نقل عن طائفة أن من قلد القرآن والسنة القطعية صح إيمانه لاتباعه القطعي، ومن قلد غير ذلك لم يصح إيمانه لعدم أمن الخطأ على غير المعصوم، ومنهم من جعل النظر والاستدلال شرطا للكمال، ومنهم من حرم النظر كما مر ذلك.","vol":"6","page":236},{"text":"قال الجلال المحلي في شرح (جمع الجوامع): وقد اتفقت الطرق الثلاث - يعنى الموجبة للنظر، والمجوزة له، والمحرمة - على صحة إيمان المقلد، انتهى.\nوعبارة الآمدي في (الأبكار) اتفق الأصحاب على انتفاء كفر المقلد، وأنه ليس للجمهور إلا القول بعصيانه بترك النظر إن قدر عليه مع اتفاقهم على صحة إيمانه وأنه لا يعرف القول بعدم صحة إيمان المقلد إلا لأبي هاشم بن أبي علي الجبائي من المعتزلة محتجا بأن من لم يعرف الله ﷾ بالدليل فهو كافر. قال الآمدي: وأصحابنا مجمعون على خلافه ...\nهذا حاصل ما أجيب به عن الأشعري حتى قال بعض الأشاعرة عن الأشعري لا يكاد يكون في العوام مقلد. وعبارة (شرح المقاصد) ذهب كثير من العلماء، وجميع الفقهاء إلى صحة إيمان المقلد، وترتيب الأحكام عليه في الدنيا والآخرة، ومنعه الشيخ أبو الحسن، والمعتزلة، وكثير من المتكلمين، احتج القائلون بالصحة بأن حقيقة الإيمان التصديق، وقد وجدت من غير اقترانه بموجب من موجبات الكفر، فإن قيل: لا يتصور التصديق بدون العلم لأنه إما ذاتي للتصديق أو شرط له، ولا علم للمقلد لأنه اعتقاد جازم مطابق مستند إلى سبب من ضرورة أو استدلال، فأجاب بأن المعتبر في التصديق هو اليقين، أعني الاعتقاد الجازم المطابق بل ربما يكتفي بالمطابقة، ويجعل الظن الغالب الذي لا يخطر معه النقيض بالبال في حكم اليقين. انتهى.\n(الرابع) قال السعد: اعلم بأن القائلين بعدم صحة إيمان المقلد أو ليس بنافع اختلفوا، فمنهم من قال: لا يشترط ابتناء الاعتقاد (على استدلال عقلي) في كل مسألة بل يكفي ابتناؤه على قول من عرفت رسالته بالمعجزة مشاهدة أو تواترا، أو على الإجماع، ومنهم من قال: لا بد من ابتناء الاعتقاد في كل مسألة من الأصول على دليل عقلي، لكن لا يشترط الاقتدار على التعبير عنه ولا على مجادلة الخصوم ...\nومنهم من قال: لا بد مع ابتناء الاعتقاد على الدليل العقلي من الاقتدار على مجادلة الخصوم، وحل ما يورد عليه من الإشكالات - قال: وإليه ذهب المعتزلة فلم يحكموا بإيمان من عجز عن شيء من ذلك بل يحكم أبو هاشم بكفره.\nوذكر عن العنبري وغيره من شيوخ المعتزلة جواز التقليد في أصول الدين، وأنه لا يجب النظر اكتفاء بالعقد الجازم. فعليه المعول. واتضح أن المرجح صحة إيمان المقلد عند محققي كل طائفة بشرط الجزم وعدم التزلزل والشك، على أنا نقول: المختار أن الراجع إلى أخبار الرسول، والكتاب المنزل، والإجماع ليس بمقلد، فمن شهد لله بالوحدانية ولمحمد ﷺ بالرسالة، ونهج سبيل المسلمين من فعل المأمور، وترك المحظور، ولم يأت بمكفر، فهو المؤمن، وبالله التوفيق.\nويؤيد هذا ما أخرجه الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه (تبيين كذب المفتري، فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري) بسنده المتصل إلى أبي حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ أنه قال: سمعت أبا علي طاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري - رحمه الله تعالى - في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهد علي أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف عبارات (١) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لمحمد بن أحمد السفاريني - بتصرف – ١/ ٢٦٧\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والذين أوجبوا النظر من الطوائف العامة نوعان: أحدهما: من يقول: إن أكثر العامة تاركوه وهؤلاء على قولين فغلاتهم يقولون: إن إيمانهم لا يصح وأكثرهم يقولون يصح إيمانهم تقليدا مع كونهم عصاة بترك النظر وهذا قول جمهورهم قد ذكر هذا طوائف من الحنفية وغيرهم كما ذكر من ذكر من الحنفية في شرح الفقه الأكبر فقالوا: قال أبو حنيفة وسفيان ومالك والأوزاعي وعامة الفقهاء وأهل الحديث بصحة إيمان المقلد ولكنه عاص بترك الاستدلال ... والنوع الثاني من موجبي النظر - وهم جمهورهم - يقولون: إنه متيسر على العامة كما يقوله القاضي أبو بكر والقاضي أبو يعلى وغيرهما ممن يقول ذلك درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٤/ ٩٣\n_________\n(١) «تبيين كذب المفتري» (ص ١٤٩).","vol":"6","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1806>الفصل الثالث: حكم من مات من أطفال المسلمين</span>\nأطفال المؤمنين الذين لم يبلغوا الحلم هم في الجنة إن شاء الله تعالى بفضل الله ورحمته. قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور: ٢١].","vol":"6","page":238},{"text":"واستدل علي بن أبي طالب بقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨]. على أن أطفال المؤمنين في الجنة، لأنهم لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم. وقد عقد البخاري في (صحيحه) بابًا عنون له بقوله: (باب فضل من مات له ولد فاحتسب). وساق فيه حديث أنس ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: «ما من الناس مسلم يتوفي له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» (١). وحديث أبي سعيد ﵁ أن النساء قلن للنبي - ﷺ -: اجعل لنا يومًا، فوعظهن، وقال: «أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا لها حجابًا من النار. قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان». (٢) وعقد بابًا آخر عنوانه: (باب ما قيل في أولاد المشركين) وساق فيه حديث أنس السابق، وحديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حجابًا من النار أو دخل الجنة». (٣) وحديث البراء ﵁ قال: لما توفى إبراهيم ﵇ قال رسول الله - ﷺ -: «إنّ له مرضعًا في الجنة». (٤) ووجه الدلالة في الأحاديث التي ساقها البخاري على أن أطفال المؤمنين في الجنة – كما يقول – ابن حجر -: (إن من يكون سببًا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يحجب هو. لأنه أصل الرحمة وسببها). (٥) وحديث أبي هريرة عند أحمد في (مسنده) مرفوعًا: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله وآبائهم بفضل رحمته الجنة». (٦) وروى مسلم في (صحيحه)، وأحمد في (مسنده) عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه أو قال: أبويه، فيأخذ بثوبه، أو قال بيده، كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، فلا يتناهى، أو قال: فلا ينتهي حتى يدخله الله وإياه الجنة». (٧) وروى الإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم ﷺ» (٨) وروى أبو نعيم في أخبار أصبهان، والديلمي، وابن عساكر عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «أطفال المؤمنين في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة، حتى يدفعوهم إلى آبائهم يوم القيامة» (٩) وقد نقل النووي إجماع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين في الجنة، ونقل عنه أنه توقف بعضهم في ذلك. (١٠)\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٤٨).\n(٢) رواه البخاري (١٢٤٩).\n(٣) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (١٣٨١). وانظر كلام ابن حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩).\n(٤) رواه البخاري (١٣٨٢).\n(٥) انظر: «فتح الباري» (٣/ ٢٤٤).\n(٦) رواه أحمد (٢/ ٥١٠) (١٠٦٣٠). قال شعيب الأرناؤوط محققه: صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين.\n(٧) رواه مسلم (٢٦٣٥).\n(٨) رواه أحمد (٢/ ٣٢٦) (٨٣٠٧)، وابن حبان (١٦/ ٤٨١)، والحاكم (٢/ ٤٠١) كلاهما بلفظ: (ذراري المؤمنين). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٤٦٧): إسناده حسن.\n(٩) رواه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٨/ ١٤٥) بلفظ: (أطفال المسلمين)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٠/ ٤١٤) بلفظ مقارب. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٤٦٧): وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير مؤمل بن إسماعيل وهو صدوق سيء الحفظ.\n(١٠) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ١٨٣) ..","vol":"6","page":239},{"text":"وحكى القرطبي التوقف عن حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وإسحاق ابن راهويه قال النووي: توقف فيه بعضهم لحديث عائشة، يعني الذي أخرجه مسلم بلفظ: «توفي صبي من الأنصار، فقلت: طوبى له لم يعمل سوءًا ولم يدركه، فقال النبي - ﷺ -: أغير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا ...». (١) قال: (والجواب عنه أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة). (٢) أقول: لعل الصواب أن الحديث يسير إلى أنه لا يجوز أن نجزم لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، وإن كنا نشهد لهم مطلقًا بالجنة. والأمر الثاني هو عدم الهجوم على ذلك كي لا يتجرأ الناس على مثل هذا كما هو حاصل في زماننا، إذ يزعم نعاة الموتى أن ميتهم في الجنة، وإن كان أفسق الناس. يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: (لا يشهد لكل معين من أطفال المؤمنين بأنه في الجنة، وإن شهد لهم مطلقًا) (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٩٧\nوقال أبو المظفر السمعاني: (وأما اعتقاد أهل السنة في أمر الأطفال فهو ما نطق به الحديث من توقيف الأمر فيهم يفعل الله بهم ما يريد) (٤).\nوالأظهر أن الله لا يعذبهم لقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، ولقوله ﷺ: «رُفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق» (٥).\nوقال النووي: (أجمع من يُعتد به من علماء المسلمين أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة لأنه ليس مكلفا، وتوقف فيهم بعض من لا يعتد به لحديث عائشة هذا وأجاب العلماء عنه بأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع) (٦). اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث لمحمد بن عبد الرحمن الخميس – ص١٧٣\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٦٢).\n(٢) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ٢٠٧).\n(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٢٨١).\n(٤) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣٩).\n(٥) رواه أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٦/ ١٥٦)، وابن ماجه (٢٠٤١)، وأحمد (٦/ ١٠٠) (٢٤٧٣٨)، والحاكم (٢/ ٦٧). من حديث عائشة ﵂. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الشيخ الألباني في «إرواء الغليل» (٢٩٧): وهو كما قالا فإن رجاله كلهم ثقات احتج بهم مسلم برواية بعضهم عن بعض. والحديث روي أيضًا من طريق علي بن أبي طالب وأبي قتادة الأنصاري ﵄.\n(٦) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ٢٠٧).","vol":"6","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1807>الفصل الرابع: حكم من مات من أطفال المشركين</span>\nومجمل القول في ذلك أن المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن أطفال المشركين في الجنة، واحتج لهذا بما احتجوا به في أطفال المسلمين.\nأولا: أنهم على الفطرة، «كل مولود يولد على الفطرة» (١).\nثانيا: أنهم لم يفعلوا ما يؤاخذون به، ولم يفعلوا ما يعذبون به، فهم إذا على الفطرة القويمة السليمة، فاللائق بعدل الله -﷾- أنهم من أصحاب الجنة.\nثالثا: احتجوا بالرواية التي وردت في حديث إبراهيم -﵇- أنه رأى ذراري المشركين مع ذراري المؤمنين، ثم اختلف هؤلاء: فقال بعضهم: إن أطفال المشركين مثل أطفال المسلمين في الجنة. وبعضهم قال: إنهم في الجنة لكن ليسوا بمنزلة أطفال المؤمنين بل هم خدم في الجنة، واحتج أصحاب القول الأول القائلين بأن أطفال المشركين في الجنة بما رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- عن النبي ﷺ أنه قال: «النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد -أي: الموؤود- في الجنة» (٢)، قالوا: جعل المولود مع الشهيد، ومع النبي، ومع الموؤود، فهذا المولود عام ذكرا كان أو أنثى من أب كافر أو مسلم فهو في الجنة.\nوالقول الثاني: ذهب إليه الخوارج وبعض أهل العلم، وقد استدل من ذهب من العلماء إلى هذا القول بأحاديث رويت عن النبي ﷺ، لكن لا يثبت ولا يصح منها شيء.\nفأما الخوارج فإن كلمة المشركين عندهم ليست الكلمة التي نستخدمها، فهم يقولون: كل من ليس من الخوارج فأطفالهم في النار؛ لأن المسلمين عندهم مشركون، بل ذهب الحال ببعض الخوارج إلى أن قالوا: كل إنسان يبلغ سن البلوغ لا بد أن يمتحن فإن أقر بالإسلام والإيمان -كما يصفونه هم- وإلا فإنه كافر، والخوارج درجات أكثرهم غلوًا الأزارقة أتباع نافع ابن الأزرق، ثم يليهم النجدات أتباع نجدة بن عامر الحنفي، ثم أخفهم الإباضية، ثم الميمونية وأشباههم وهم فرق كثيرة لا يعلمها إلا الله، كلهم ضلوا عن الحق.\nواختلف نجدة ونافع بن الأزرق في هذه المسألة، قال نجدة: نعتبر الأطفال ومن كان في دار المشركين -دار الإسلام- منافقين ولا يجرم بكفرهم، ومن حجة الأزارقة ومن اتبعهم في هذه المسألة قول الله - ﵎ في سورة نوح إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا [نوح:٢٧] فقالوا: إن الآية صريحة في أن أولاد الكفار يولدوا على الكفر.\nوالجواب عن هذا الاستدلال من عدة أوجه:\nأولًا: أن أطفال الكفار في الدنيا هم من الكفار ... ومنها أن نوحًا ﵇ قد يأس من دعوة قومه حتى أن ربه ﷿ أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فلذلك دعا عليهم عندما تيقن أو غلب ذلك على ظنه.\nثانيًا: أنه قال: وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا أي: أن أولادهم سيتربون على الكفر فيصبحون كفارًا إذا كبروا.\nوليس المراد أنه في حين ولادته يولد وهو فاجر كافر، إنما يولد على الفطرة كما ثبت ذلك في الأحاديث، ولكن هؤلاء القوم سيضلونهم، كما هو الحال فيمن ولد في بيئة شيوعية فإنه سيكون شيوعيا، فالتعبير عن الحال التي سيؤول إليه هذا الطفل إذا كبر في ظل هذه التربية وفي ظل هذا المجتمع.\nالقول الثالث وهو منسوب للإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: وبعض السلف وهو: التوقف في الحكم على أطفال المشركين، فلا نقول: إنهم من أهل الجنة، ولا من أهل النار، وذلك لما يلي:\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣١٩)، ومسلم (٦٩٢٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٥٨) (٢٠٦٠٢). من حديث حسناء ابنة معاوية الصريمية عن عمها. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٩٨٥).","vol":"6","page":241},{"text":"أولًا: لتعارض الأدلة في ذلك وعدم وضوح وبيان شيء منها في نظرهم.\nثانيًا: ما ورد وصح عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح السابق أنه قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (١) هذه هي المذاهب في ذلك.\nالقول الرابع: وهو الذي نرجحه ونختاره ونرجو أن يكون هو الصواب بإذن الله ﷿ هو: ما ذهب إليه ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وجمع من العلماء، وهو: أن أطفال المشركين يمتحنون يوم القيامة، فإن آمنوا دخلوا الجنة وإن كفروا دخلوا النار.\nوقد يتردد الإنسان في هذا الترجيح ومن أسباب هذا التردد أن حديث الامتحان لم يثبت بطريق يعتمد عليه بسند واحد صحيح، إنما هو في الحقيقة مجموع طرق يمكن أن يقال: إنها حسنة، ويشد بعضها بعضا، وحديث الامتحان رواه الإمام أحمد وأبو يعلى وغيرهما بطرق مختلفة وبألفاظ مختلفة ولكنها متقاربة، أنه يأتي يوم القيامة أربعة يحاجون الله -﷿- وهم رجل -في بعض الروايات- أصم، ورجل أبكم، ورجل أحمق، ورجل صاحب فترة، وفي بعض الروايات أنه مولود صغير والأحمق مكانه المجنون أو المعتوه والثالث أنه صاحب فترة والرابع أنه رجل هرم.\nيأتي هؤلاء فيقول الطفل الصغير: يا رب إنني صغير ولم أسمع ما جاء به النبي ﷺ.\nويقول الكبير: يا رب قد بعث النبي ﷺ وأنا لا أعقل ولم أفهم شيئا.\nويقول المجنون أو المعتوه: يا رب بعث النبي ﷺ والأطفال يقذفونني بالحجارة لا أعقل شيئا.\nوالأصم والأبكم كذلك.\nفلو تأملنا مجموع الطرق لوجدنا أن الأربعة مرجعهم إلى فقدان العقل والإحساس، وهذا يشمل المعتوه والأصم والأبكم، وأنهم ليس لديهم الحاسة التي يستطيعون بها أن يعلموا.\nوصاحب الفترة يقول: يا رب ما سمعت بنبي قط، وما وصلت إليّ رسالة رسول قط، فهؤلاء الأربعة يمتحنهم الله في عرصات القيامة، بأن يوقد النار أو يخرج لهم لسان من النار، ويقول لهم: ادخلوها، فإن دخلوها كانت بردا وسلاما عليهم، وإن عصوا وأبوا ألقوا فيها.\nوالاستدلال على هذه القضية يأتي من وجهين:\nالوجه الأول: هو هذا الذي ذكرناه من الطرق والأحاديث والروايات.\nوالوجه الثاني: أن الامتحان والابتلاء ليس خاصا بهذه الحياة الدنيا، فإن الإنسان يمتحن في البرزخ، ويدل له حديث القبر (٢). وفيه:\nفيقال له: من ربك؟\nوما دينك؟\nومن نبيك؟\nوفي يوم القيامة امتحانات، ومن ذلك أن الله -﷾- يتجلى لعباده المؤمنين في صورة غير الصورة التي يعرفون ليمتحنهم بذلك في الموقف المهيب كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، لذلك فمن جاء يوم القيامة وقال: يا رب لم تبلغن الدعوة لم يأتن الرسول.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣١٨)، ومسلم (٦٩٣٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) الحديث رواه مسلم (٧٣٩٨)، وأبو داود (٤٧٥٥)، والترمذي (٣١٢٠)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧). من حديث البراء بن عازب ﵁.","vol":"6","page":242},{"text":"وقد قال الله ﷾: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] وقال ﷺ في الحديث الصحيح «لا أحد أحب إليه العذر من الله» (١) فقد أعذر إلى الناس وأقام عليهم البينات، ولهذا أرسل الرسل، وأنزل الكتب، فإذا جاء هؤلاء واشتكوا إلى ربهم وقالوا: ما أتانا من رسول، وما جاءنا من نذير، فمن حكمة الله وعدله ورحمته التي وسعت كل شيء أنه يمتحنهم، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، فإن الذي يدخل الجنة، أو الذي يدخل النار، سواء كان امتحن في الدنيا أو امتحن في الآخرة، فإنه لن يدخل أحد الدارين إلا بما عمل بإرادته واختياره.\nالجواب على الاستدلالات السابقة\nوحديث «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٢) لا يتنافى مع القول بالامتحان، ويمكن أن نجعله دليلا على الامتحان لأن الله يعلم ما كانوا عاملين، أي: إن نجحوا وآمنوا ساعة الامتحان يوم القيامة فالله تعالى سيدخلهم الجنة.\nوإن كفروا وعصوا الله تعالى سيدخلهم النار، أما حديث الخليل - ﵇ - على رواية (أن ذراري المشركين كانوا معه) يحتمل أنهم امتحنوا فنجحوا، أو أن هؤلاء سيكونون على الصورة التي كانوا عليها، أي: أن هؤلاء الذراري الذين امتحنوا فنجحوا سموا أطفال المشركين، نسبة إلى ما كانوا عليه في الدنيا، فلهذا قال: (ذراري المشركين وأطفال المشركين) فأطفال المسلمين دخلوا الجنة لأنهم أطفال المسلمين، وأطفال المشركين كانوا مع الخليل في الجنة؛ لأنهم الذين نجحوا في الامتحان، أي أنهم أطاعوا الله ﷾.\nإذًا: لا يمنع أن يوجد منهم من هو في النار.\nهذا ما نخلص إليه في هذه المسألة وقد أطال فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وذكرها الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لقول الله -﵎-: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:١٥].\nأما أطفال أهل البدع والمعاصى، فإذا كان المراد بهم أهل البدع والمعاصي من المسلمين الذين لم يلتحقوا بالمشركين، فهؤلاء من أطفال المسلمين وحكمهم حكم أطفال المسلمين، أما البدعة التي تخرج من الملة وأصحابها مشركون، لهم الحكم السابق الذي ذكر الخلاف فيه، ولا نتبعهم بآبائهم؛ لأنهم مشركون فنقول: إنهم مشركون. شرح العقيدة الطحاوية لسفر الحوالي\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٩٨٠)، ومسلم (٣٨٣٧). من حديث سعد بن عبادة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (١٣١٨)، ومسلم (٦٩٣٣). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1808>الفصل الخامس: حكم أهل الفترة</span>\nقال الحافظ ابن كثير﵀ – في تعريف الفترة: (هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى ﵇ ومحمد ﷺ) (١).\nوقال الألوسي في تفسيره: (أجمع المفسرون بأن الفترة هي انقطاع ما بين رسولين) (٢) وأهل الفترة: (هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول، ولا أدركوا الثاني كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي ﷺ ..) (٣) ثم صار يطلق عند كثير من العلماء على كل من لم تبلغهم الدعوة، بما فيهم أطفال المشركين (٤).\nومن باب الاختصار سأكتفي بعرض لأهم الأقوال ثم بيان القول الراجح في هذه المسألة ...\nأقوال العلماء في المسألة:\nاختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال كثيرة ومن أشهرها:\nالأول: أن من مات ولم تبلغه الدعوة مات ناجيًا، قال السيوطي – ﵀-: (وقد أطبقت أئمتنا الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيًا) (٥) ونص بعض الأئمة على دخول أطفال المشركين الجنة- دون غيرهم من أهل الفترة – كالإمام ابن حزم حين قال: (وذهب جمهور الناس إلى أنهم في الجنة وبه نقول) (٦). والنووي (٧)، والحافظ ابن حجر العسقلاني وذكر أنه ترجيح البخاري (٨)، والإمام القرطبي (٩) والإمام ابن الجوزي (١٠).\nالثاني: أن من مات ولم تبلغه الدعوة فهو في النار، قال الإمام ابن القيم – ﵀- (وهو قول جماعة من المتكلمين، وأهل التفسير، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد وحكاه القاضي نصا عن أحمد، وغلطه شيخنا.) (١١) كما هو قول جماعة من أصحاب أبي حنيفة (١٢).\nالثالث: الوقف في أمرهم، وقد يعبر عنه بأنهم تحت المشيئة (١٣) (وهو منقول عن الحمادين وابن المبارك وإسحاق بن راهويه، وقال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك وليس عنده في المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة) (١٤).\n_________\n(١) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير ٢/ ٣٥.\n(٢) «روح المعاني» (٦/ ١٠٣)، وانظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ١٥٦)، «جمع الجوامع» للسبكي (١/ ٦٣).\n(٣) «الحاوي للفتاوي» للسيوطي (٢/ ٢٠٩)، والتعريف المذكور لأبي عبد الله الأبي في شرحه لمسلم.\n(٤) بعض أهل العلم يفرق بين حكم أطفال المشركين وغيرهم ممن لم تبلغهم الدعوة لورود أدلة خاصة بهم.\n(٥) «الحاوي للفتاوي» للسيوطي (٢/ ٢٠٢).\n(٦) «الفصل» لابن حزم (٤/ ٧٣)، وفيه أشار إلى أن هذا الحكم لا يشمل البالغين (٤/ ٧٤).\n(٧) انظر: (شرح صحيح مسلم) للنووي (١٦/ ٢٠٨). وقد نص على أن من لم يؤمن من أهل الفترة فهو في النار، انظر: (٣/ ٧٩) منه.\n(٨) انظر: «فتح الباري» (٣/ ٢٤٦).\n(٩) انظر: (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» للقرطبي (ص٦١٢).\n(١٠) انظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٤/ ٣٧٢)، و«العواصم والقواصم» لابن الوزير (٧/ ٢٤٨).\n(١١) «أحكام أهل الذمة» لابن قيم الجوزية (٢/ ٦٢٣)، وانظر: «طريق الهجرتين» لابن قيم الجوزية (ص٣٦٢)، وانظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧٢).\n(١٢) انظر: «الجواب الصحيح» (١/ ٣١١)، «جمع الجوامع» للسبكي (١/ ٦٢).\n(١٣) انظر: «أحكام أهل الذمة» لابن قيم الجوزية (٢/ ٦١٩).\n(١٤) «فتح الباري» (٣/ ٢٤٦)، و«التمهيد» لابن عبد البر (١٨/ ١١١، ١١٢)، وانظر: «أهل الفترة ومن في حكمهم» لموفق شكري (ص٩٨).","vol":"6","page":244},{"text":"الرابع: أنهم يمتحنون في عرصات القيامة بنار يأمرهم الله ﷾ بدخولها، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن لم يدخلها فقد عصى الله تعالى فهو من أهل النار، وهذا قول جمهور السلف، حكاه الأشعري عنهم (١)، وممن قال به محمد بن نصر المروزي (٢)، والبيهقي (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وابن كثير وغيرهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (.. ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات فهؤلاء فيهم أقوال أظهرها ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب، وإن عصوه استحقوا العذاب) (٤).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀ بعد حكايته المذاهب في أطفال المشركين وأدلتها: (المذهب الثامن: أنهم يمتحنون في عرصات القيامة، ويرسل إليهم هناك رسول وإلى كل من لم تبلغه الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه أدخله النار وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار، وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها وتتوافق الأحاديث) (٥)، ثم ساق أدلة لهذا القول، وقال: (فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري ﵀ ..) (٦)، ويقول الحافظ ابن كثير ﵀: (.. وقد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديمًا وحديثًا وهي الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوته وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه) (٧) ثم ساق عشرة أحاديث في هذه المسألة، ثم أشار إلى الأقوال في المسألة، ورجح أنهم يمتحنون يوم القيامة حيث قال: (وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضه لبعض ..) (٨).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀ – بعدما رجح هذا القول -: (إن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان ..) (٩).\nومن أهم أدلتهم على هذا القول دليلان:\nالأول: استدلوا بعموم الآيات الدالة على نفي التعذيب قبل بلوغ الحجة، من مثل قوله تعالى عن أهل النار: كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا [الملك: ٨ - ٩].\n_________\n(١) «الإبانة» للأشعري (ص٣٣)، وانظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٤/ ٣٧٣)، و«أحكام أهل الذمة» لابن قيم الجوزية (٢/ ٦٤٩).\n(٢) في كتابه \"الرد على ابن قتيبة\" نقلًا عن أحكام أهل الذمة ٢/ ٦٥٠.\n(٣) انظر: «الاعتقاد» للبيهقي (ص١٧٠).\n(٤) «الجواب الصحيح» (١/ ٣١٢)، وانظر: «درء التعارض» (٨/ ٤٠١)، «مختصر الفتاوى المصرية» (ص٦٤٣)، و(مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧١ - ٣٧٢).\n(٥) «طريق الهجرتين» (ص٣٦٩).\n(٦) «طريق الهجرتين» (ص٣٧١).\n(٧) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٣/ ٢٨)، نلاحظ في هذا النص عن ابن كثير، وفي كلام ابن تيمية وابن القيم السابق، أنهم يساوون بين أهل الفترة وأطفال المشركين في الحكم.\n(٨) «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٣٠).\n(٩) «أضواء البيان» (٣/ ٤٤٠).","vol":"6","page":245},{"text":"وقوله سبحانه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] وغيرها من الآيات الدالة على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير (١) يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – ﵀ – في تفسيره لهذه الآية: (والله تعالى أعدل العادلين، لا يعذب أحدًا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة، وأما من انقاد للحجة، أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه، استدل بهذه الآية على أن أهل الفترات، وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله، حتى يبعث إليهم رسولًا، لأنه منزه عن الظلم) (٢).\nالثاني: استدلوا بعدد من الأحاديث المصرحة بأن أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة يمتحنون يوم القيامة، ومن أشهرها ما رواه الأسود بن سريع أن النبي ﷺ قال: «يكون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا» (٣).\nوعن أبي هريرة مثل هذا غير أنه قال في آخره: «فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها سحب إليها» (٤)، والقول بموجب هذا الحديث فيه جمع للأدلة كما في النقل السابق عن الأئمة – قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀-: (وهذا التفصيل يذهب الخصومات التي كره الخوض فيه لأجلها من كرهه، فإن من قطع لهم بالنار كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنة كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله ..) (٥)، وقال الشيخ الشنقيطي – ﵀ – بعد ترجيحه لهذا القول: (وهذا ثبت عن رسول الله ﷺ وثبوته عنه نص في النزاع فلا وجه للنزاع البتة مع ذلك ..) (٦).\nوردوا على ما ذكر بعض الأئمة كالإمام ابن عبد البر، والإمام القرطبي والحليمي، وملخص قولهم: أن هذه الأحاديث لا تصح وأن (هذا مخالف لأصول المسلمين لأن الآخرة ليست بدار امتحان) (٧) وردوا على هذا القول بما يلي:\n_________\n(١) انظر مزيدًا من الأدلة في: «أضواء البيان» (٣/ ٤٢٩ - ٤٣١).\n(٢) «تفسير السعدي» (٤/ ٢٦٦).\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٢٤) (١٦٣٤٤) واللفظ له، والطبراني (٢/ ٧٩). قال ابن القيم في «أحكام أهل الذمة»: (٢/ ١١٣٩): إسناده صحيح متصل. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٤٣٦): رواه أحمد والبزار .. والطبراني بنحوه .. هذا لفظ أحمد ورجاله في طريق الأسود بن سريع وأبي هريرة رجال الصحيح وكذلك رجال البزار فيهما. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٤٣٤): إسناده صحيح.\n(٤) رواه أحمد (٤/ ٢٤) (١٦٣٤٥) واللفظ له، وابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ١٧٦)، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» (١/ ١٢٣)، والبيهقي في «الاعتقاد» (ص١٦٩)، قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح. والسيوطي في الحاوي ٢/ ٢٠٥، وابن تيمية في درء التعارض ٨/ ٣٩٩، والألباني في تعليقه على السنة لابن أبي عاصم، وفي السلسلة ٣/ ٤١٩، وقال الهيثمي: في «مجمع الزوائد» (٧/ ٤٣٦): رواه أحمد والبزار .. والطبراني بنحوه .. هذا لفظ أحمد ورجاله من طريق الأسود بن سريع وأبي هريرة رجال الصحيح وكذلك رجال البزار فيهما. وقال الألباني: في «السلسلة الصحيحة» (١٤٣٤): إسناده صحيح.\n(٥) «درء التعارض» (٨/ ٤٠١).\n(٦) «أضواء البيان» (٣/ ٤٣٨).\n(٧) انظر: «التذكرة» للقرطبي (ص٦١١، ٦١٢)، و«التمهيد» لابن عبد البر (١٨/ ١٣٠).","vol":"6","page":246},{"text":"١ - أن هذه الأحاديث صحيحة وردت من طرق مختلفة ...\n٢ - قال شيخ الإسلام -﵀-: (والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار، وأما عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ، فيقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وقال تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم: ٤٢ - ٤٣]) (١) وقال الطيبي: (لا يلزم من أن الدنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء أن لا يقع في واحده منهما ما يخص الأخرى، فإن القبر أول منازل الآخرة، وفيه الابتلاء والفتنة بالسؤال وغيره) (٢) ولخص الإمام ابن القيم ﵀ الرد على ذلك فقال: (فإن قيل: فالآخرة دار جزاء، وليست دار تكليف، فكيف يمتحنون في غير دار التكليف؟ فالجواب: أن التكليف إنما ينقطع بعد دخول دار القرار، وأما في البرزخ وعرصات القيامة فلا ينقطع، وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بمسألة الملكين في البرزخ وهي تكليف، وأما في عرصة القيامة، فقال تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ فهذا صريح في أن الله يدعو الخلائق إلى السجود يوم القيامة، وأن الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك) (٣)، وذكروا أحاديث على جواز التكليف في الآخرة ذكرها ابن القيم وابن كثير وغيرهم نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي - بتصرف – ١/ ٢٩٤\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧٣)، وانظر: «فتح الباري» (٣/ ٢٤٦)، و«تفسير ابن كثير» (٣/ ٣١).\n(٢) «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٤٥١).\n(٣) «طريق الهجرتين» (ص: ٣٧٣)، وقد ذكر قول الإمام ابن عبد البر في «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٦٥٤ - ٦٥٦)، ورد عليه من تسعة عشر وجهًا.","vol":"6","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1810>تمهيد في تعريف الناقض</span>\nالناقض في اللغة:\nالمفسد لما أبرم من عقد، أو بناء.\nفهو بمعنى ناكث الشيء، ومنشر العقد. والنقض ضد الإبرام.\nونقيضك؛ الذي يخالفك. قال تعالى:\nوَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا. [النحل: ٩١ - ٩٢]\nقال تعالى: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد: ٢٠]. (١)\nالناقض في الاصطلاح:\nهو الاعتقاد والقول والفعل المكفر؛ الذي ينتفي به إيمان العبد ويزول، ويخرجه من دائرة الإسلام والإيمان إلى حظيرة الكفر، والعياذ بالله.\nوفي المصطلح الفقهي عند الفقهاء؛ يطلق اسم المرتد على الذي ينقض إيمانه بهذه المكفرات الثلاث.\nوفي كتب الفقه باب يسمى: (باب المرتد وأحكامه). الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري- ص ٢٣١\n_________\n(١) انظر: «لسان العرب» (٧/ ٢٤٢)، و«تهذيب اللغة» (٨/ ٣٤٤).","vol":"6","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1811>الباب الأول: تعريف الكفر والردة، وضوابط إجراء الأحكام</span>\n• المبحث الأول: تعريف الكفر.\n• المبحث الثاني: أنواع الكفر.\n• المبحث الثالث: ضابط التفريق بين الكفر الأكبر والأصغر.\n• المبحث الرابع: قواعد في معرفة أنواع الكفر.\n• المبحث الخامس: الكفر يكون قولًا باللسان، واعتقادًا بالقلب، وعملًا بالجوارح.","vol":"6","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1813>المبحث الأول: تعريف الكفر</span>\nالكفر لغة: الستر والتغطية قال أبو عبيد: وأما الكافر فيقال والله أعلم: إنما سمي كافرا لأنه متكفّر به كالمتكفّر بالسلاح وهو الذي قد ألبسه السلاح حتى غطّى كل شيء منه، وكذلك غطى الكفر قلب الكافر، ولهذا قيل لليل: كافر؛ لأنه ألبس كل شيء. قال لبيد يذكر الشمس:\nحتى إذا ألقت يدا في كافر وأجنّ عورات الثغور ظلامُها\nوقال أيضًا: في ليلة كفر النجومَ غمامُها.\nويقال: الكافر سمي بذلك للجحود، كما يقال: كافرني فلان حقي إذا جحده حقه) (١).\nوقال ابن قتيبة: (أما الكافر، فهو من قولك: كفَرْت الشيء إذا غطَّيْته، ومنه يقال: تكفّر فلان في السّلاح إذا لَبِسَه. وقال بعضهم: ومنه كافور النَّخْل وهو قشر الطَّلْعة تقديره فاعُول لأنَّه يغطّي الكُفُرَّى. ومنه قيل: ليلٌ كافر لأنَّه يسْتُر كل شيء. قال لبيد وذكر الشمس:\nحتى إذا ألقت يدًا في كافِر ... وأجنَّ عَوْراتِ الثّغور ظَلامُها\nقوله: ألقت يدًا في كافر، أي دخل أولها في الغور، وهو مثل قول الآخر يصف ظليما أو نعامة:\nفتذكَّرا ثَقَلًا رشيدًا بعدما ... ألقَتْ ذُكاء يمينها في كافر\nوذُكاء: هي الشمس، ومنه يقال للصُّبْح: ابن ذُكاء؛ لأنَّ ضوءه من الشمس، فكأن الأصل في قولهم: كافر، أي ساتر لِنِعَم الله عليه. وكان بعض المُحَدِّثين يذهب في قول رسول الله ﷺ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (٢) إلى التكفُّر في السلاح، يريد: ترجعوا بعد الولاية أعداء يتكفَّر بعضكم لبعض في الحرب) (٣).\nوقال الأزهري: (وقال الليث: يقال: إنه سُمِّيَ الكافر كافرًا لأن الكُفر غطّى قلبه كلَّه.\nقلت: ومعنى قول الليث: قيل له كافر لأن الكفر غطَّى قلبه، يحتاج إلى بيان يدلُّ عليه، وإيضاحه أن الكفر في اللغة معناه التَّغطية، والكافر ذو كفر أي ذو تغطية لقلبه بكفره، كما يقال للابس السِّلاح: كافر وهو الذي غطاه السلاح.\nومثله رجل كاسٍ: ذو كسوة، وماء دافق: ذو دَفق.\nوفيه قول آخر: وهو أحسن مما ذهب إليه الليث. وذلك أن الكافر لما دعاه الله جل وعز إلى توحيده فقد دعاه إلى نعمة يُنعم بها عليه إذا قبلها، فلما ردَّ ما دعاه إليه من توحيده كان كافرًا نعمة الله أي مغطيًا لها بإبائه حاجبًا لها عنه.\nوأخبرني المنذري عن الحراني عن ابن السكيت أنه قال: إذا لبس الرجل فوق درعه ثوبا فهو كافرٌ، وقد كفر فوق درعه. قال: وكل ما غطى شيئًا فقد كفره، ومنه قيل لليل: كافر لأنه ستر بظلمته كل شيء وغطاه. قال: ومنه سُمِّي الكافر كافرًا لأنه ستر نعم الله.\nقلت: ونعم الله جل وعز: آياته الدالة على توحيده. والعرب تقول للزارع: كافر لأنه يكفر البذر المبذور في الأرض بتراب الأرض التي أثارها ثم أمرَّ عليها مالَقَه، ومنه قول الله ﷿: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفارَ نَبَاتُهُ [الحديد:٢٠] أي أعجب الزُّراع نباته مع علمهم به فهو غاية ما يستحسن، والغيث هاهنا: المطر، والله أعلم) (٤).\nوالكفر شرعا: ضد الإيمان، فيكون قولا وعملا واعتقادا وتركا، كما أن الإيمان قول وعمل واعتقاد.\nوهذا مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة، خلافا لمن حصر الكفر في التكذيب أو الجحود بالقلب أو بالقلب واللسان، ونفى أن يكون بالعمل أو بالترك.\n_________\n(١) «غريب الحديث» لأبي عبيد (٣/ ١٣).\n(٢) رواه البخاري (١٢)، ومسلم (٦٥).\n(٣) «غريب الحديث» لابن قتيبة (١/ ٢٤٧).\n(٤) «تهذيب اللغة» للأزهري (١٠/ ١٩٤)، و«لسان العرب» (٥/ ١٤٥) مادة: كفر.","vol":"6","page":250},{"text":"قال شيخ الإسلام: الكفر عدم الإيمان بالله ورسوله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب أو إعراض عن هذا حسدا أو كبرا أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة (١).\nوقال ابن حزم: وهو في الدين صفة من جحد شيئا مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه، ببلوغ الحق إليه، بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معا، أو عمل عملا جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان (٢).\nوقال الإمام إسحاق بن راهوية: ومما أجمعوا على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد، فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى ومما جاء من عنده ثم قتل نبيا أو أعان على قتله، ويقول: قتل الأنبياء محرم، فهو كافر (٣).\nوقال البربهاري: ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله، أو يرد شيئا من آثار رسول الله ﷺ، أو يذبح لغير الله، أو يصلي لغير الله، وإذا فعل شيئا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام (٤).\nوقال شيخ الإسلام: فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجةٍ عامدًا لها عالمًا بأنها كلمة الكفر، فإنه يكفر بذلك ظاهرا وباطنا، ولا يجوز أن يقال إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام (٥).\nوقال: إن سب الله أو سب رسوله: كفر ظاهرا وباطنا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، وهذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل (٦).\nوقال أيضا: فمن صدق الرسول، وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه، فهو كافر قطعا بالضرورة (٧).\nوقال ابن القيم: وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارا، وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، فهذا أصل (٨). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير- ١/ ١٢٧\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣٣٥).\n(٢) «الإحكام في أصول الأحكام» (١/ ٤٩).\n(٣) نقله في «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٣٠).\n(٤) «شرح السنة للبربهاري» (ص٨١).\n(٥) «الصارم المسلول» (٣/ ٩٧٥).\n(٦) «الصارم المسلول» (٣/ ٩٥٥).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٦).\n(٨) «الصلاة وحكم تاركها» (ص٤٥).","vol":"6","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1814>المبحث الثاني: أنواع الكفر</span>\nالمطلب الأول: الكفر الأكبر\nوهو يناقض الإيمان، ويخرج صاحبه من الإسلام، ويوجب الخلود في النار، ولا تناله شفاعة الشافعين، ويكون بالاعتقاد، وبالقول، وبالفعل، وبالشك والريب، وبالترك، وبالإعراض، وبالاستكبار.\nولهذا الكفر أنواع كثيرة؛ من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له، ولا تنفعه الشفاعة يوم القيامة الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري – ص ٢٤٥\nوهو خمسة أنواع:\nأ- كفر التكذيب، وهو اعتقاد كذب الرسل ﵈، فمن كذبهم فيما جاؤوا به ظاهرا أو باطنا فقد كفر، والدليل قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَما جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ [العنكبوت:٦٨].\n٢ – كفر الإباء والاستكبار، وذلك بأن يكون عالما بصدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، لكن لا ينقاد لحكمه ولا يذعن لأمره، استكبارا وعنادا، والدليل قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:٣٤].\n٣ - كفر الشك، وهو التردد، وعدم الجزم بصدق الرسل، ويقال له كفر الظن، وهو ضد الجزم واليقين.\nوالدليل قوله تعالى: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ الساعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَواكَ رَجُلًا لَكِنا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا [الكهف: ٣٥ - ٣٨].\n٤ - كفر الإعراض، والمراد الإعراض الكلي عن الدين، بأن يعرض بسمعه وقلبه وعلمه عما جاء به الرسول ﷺ، والدليل قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَما أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف: ٣].\n٥ - كفر النفاق، والمراد النفاق الاعتقادي بأن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، والدليل قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:٣]. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لمحمد بن عبد الوهاب ص - وزارة الشؤون الإسلامية\nالمطلب الثاني: الكفر الأصغر\nالنوع الثاني: كفر أصغر غير مخرج من الملة:\nوهو ما لا يناقض أصل الإيمان؛ بل ينقصه ويضعفه، ولا يسلب صاحبه صفة الإسلام وحصانته، وهو المشهور عند العلماء بقولهم: (كفر دون كفر) ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله - ﷿ - إذا لم يتب منه؛ وقد أطلقه الشارع على بعض المعاصي والذنوب على سبيل الزجر والتهديد؛ لأنها من خصال الكفر، وهي لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وما كان من هذا النوع فمن كبائر الذنوب.\nوهو مقتض لاستحقاق الوعيد والعذاب دون الخلود في النار، وصاحب هذا الكفر ممن تنالهم شفاعة الشافعين، ولهذا النوع من الكفر صور كثيرة، منها:\nكفر النعمة:\nوذلك بنسبتها إلى غير الله تعالى بلسانه دون اعتقاده.\nقال تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ [النحل:٨٣]\nكقول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي على سبيل إسناد النعمة إلى آبائه، أو قول أحدهم: لولا فلان لم يكن كذا وغيرها مما هو جار على ألسنة كثير من الناس، والمراد أنهم ينسبونه إلى أولئك، مع علمهم أن ذلك بتوفيق الله.","vol":"6","page":252},{"text":"ومن ذلك تسمية الأبناء بعبد الحارث، وعبد الرسول، وعبد الحسين ونحوها؛ لأنه عبده لغير الله مع أنه هو خالقه والمنعم عليه.\nكفران العشير والإحسان:\nعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال النبي ﷺ: «أريت النار؛ فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن» قيل: أيكفرن بالله. قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت خيرًا قط» (١).\nالحلف بغير الله تعالى: لقوله ﷺ:\n«من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك» (٢).\nفإجماع أهل السنة والجماعة على أن هذا الشرك والكفر هما من الأصغر الذي لا يخرج صاحبه من الإسلام، ما لم يعظم المخلوق به في قلب الحالف كعظمة الله تعالى.\nقتال المسلم: لقوله ﷺ:\n«سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٣).\nوقوله ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارًا؛ يضرب بعضكم رقاب بعض» (٤).\nفهذا النوع من الكفر غير مخرج من الملة باتفاق الأئمة؛ لأنهم لم يفقدوا صفات الإيمان، لقول الله تعالى:\nوَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:٩]\nالطعن في النسب، والنياحة على الميت:\nقال النبي ﷺ: «اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (٥).\nالانتساب إلى غير الأب:\nقال النبي ﵌:\n«لا ترغبوا عن آبائكم؛ فمن رغب عن أبيه فهو كفر» (٦).\nوقال ﷺ: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه - وهو يعلمه - إلا كفر، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم؛ فليتبوأ مقعده من النار) (٧).\nوأنواع الكفر الأصغر كثيرة يتعذر حصرها؛ فكل ما جاءت به النصوص الشرعية من تسميته كفرًا، ولم يصل إلى حد الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو الفسق الأكبر، أو الظلم الأكبر؛ فهو كفر أصغر. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري – ص ٢٤٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٩).\n(٢) رواه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥) واللفظ له، وأحمد (٢/ ١٢٥) (٦٠٧٢). من حديث ابن عمر ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث حسن. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٧٣٥) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وأحمد شاكر في «المسند» (٨/ ٢٢٢). وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤). من حديث عبدالله بن مسعود ﵁.\n(٤) رواه البخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥). من حديث جرير ﵁.\n(٥) رواه مسلم (٦٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) رواه البخاري (٦٧٦٨)، ومسلم (٦٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) رواه البخاري (٣٥٠٨)، ومسلم (٦١). من حديث أبي ذر ﵁.","vol":"6","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1815>المبحث الثالث: ضابط التفريق بين الكفر الأكبر والأصغر</span>\nالشرك والكفر الأكبر المخرج من الملة هو ما ناقض أصل الدين الذي هو توحيد الله والالتزام بالشريعة إجمالًا.\nأما الشرك والكفر الأصغر وتخلف الإيمان الواجب فيكون بما دون ذلك، بحيث لا ينقض أصل الدين، ولا يكون أيضًا من اللمم المعفو عنه كما قال تعالى: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: ٣١].\nفكل ما ثبت بنص أنه شرك، لكن دلت الدلائل على أنه ليس شركًا مخرجًا من الملة فهو شرك أصغر، وكل ما ثبت بنص أنه كفر، لكن دلت الدلائل على أنه ليس كفرًا مخرجًا من الملة فهو كفر دون كفر، وكذا ما ورد فيه الوعيد بنحو ليس منا، أو تبرأ منه الرسول ﷺ، أو نفى عنه وصف الإيمان، فكل ذلك من الكبائر.\nولهذا عمم الإمام أحمد ﵀ القول بأن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا فقال: (من أتى هذه الأربعة: الزنا والسرقة وشرب الخمر والنهبة التي يرفع الناس فيها أبصارهم إليه، أو مثلهن أو فوقهن فهو مسلم، ولا أسميه مؤمنًا، ومن أتى دون الكبائر نسميه مؤمنًا ناقص الإيمان) (١).\nيقول الإمام محمد بن نصر المروزي تعليقًا على كلام الإمام أحمد السابق: (صاحب هذا القول يقول: لما نفى عنه النبي ﷺ الإيمان نفيته عنه كما نفاه عنه الرسول ﷺ، والرسول لم ينفه إلا عن صاحب كبيرة، وإلا فالمؤمن الذي يفعل الصغيرة هي مكفرة بفعله للحسنات واجتنابه للكبائر، لكنه ناقص الإيمان عمن اجتنب الصغائر، فما أتى بالإيمان الواجب، ولكن خلطه بسيئات كفرت عنه بغيرها، ونقصت بذلك درجته عمن لم يأت بذلك) (٢).\nوالكبيرة إما أن تتعلق بالشرك على نحو لا يناقض أصل التوحيد. وإما أن تتعلق بعدم الالتزام بالشريعة، ولكن على نحو لا يتناقض أصل الالتزام بها، سواء كان ذلك من جهة المعصية أو من جهة البدعة. فإن من زنى أو سرق لم يلتزم بأمر الله له باجتناب ذلك، لكنه لم ينقض أصل التزامه بأمر الله بالكلية. وكذلك من علم الحق المخالف لبدعته فأصر عليه تغليبًا لشبهته فإنه لا يقال إنه استسلم لله بقبول خبرة استسلامًا تامًا، لكنه مع ذلك لم يرده تكذيبًا واستحلالًا، بل لشبهة عرضت له.\nفأما الشرك فنحو الرياء، كما ورد بذلك النص عن رسول الله ﷺ وذلك بأن يكون أصل العمل لله، لكن دخل عليه الشرك في تزيينه للناس.\nيقول الإمام ابن القيم ﵀: (وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق والحلف بغير الله كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٣) وقول الرجل للرجل (ما شاء الله وشئت) و(هذا من الله ومنك) و(أنا بالله وبك)، و(مالي إلا الله وأنت) و(أنا متوكل على الله وعليك) و(ولولا أنت لم يكن كذا وكذا). وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب قائله ومقصده) (٤).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٥٢ – ٣٥٣).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٥٢ – ٣٥٣).\n(٣) رواه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥) واللفظ له، وأحمد (٢/ ١٢٥) (٦٠٧٢). من حديث ابن عمر ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث حسن. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٧٣٥) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وأحمد شاكر في «المسند» (٨/ ٢٢٢). وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٤) «مدارج السالكين» لابن القيم (١/ ٣٤٤).","vol":"6","page":254},{"text":"وأما الكفر الأصغر فبنحو الحكم بغير الشريعة في قضية معينة لأجل الشهوة، وهذا هو تفسير ابن عباس ﵁ لقوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤]، أما رفض الشريعة بالكلية، وتحكيم القوانين الوضعية، فكفر أكبر ولم يظن ابن عباس ﵁ ولم يخطر على باله أن من يدعي الإسلام يمكن أن يتعمده، ودلالة الآية على الكفر الأكبر – على الصحيح – هو المعنى المقصود بها أصلًا، وقول ابن عباس ﵁ لا يناقض ذلك ولا يمنع أن يكون الحاكم في قضية معينة بغير الشرع لأجل الشهوة كافرًا كفرًا أصغر.\nوالشرك الأصغر وإن كان من الكبائر، لكنها على مراتب، وبعضها أكبر من بعض، كما في الحديث: «ألا أنبؤكم بأكبر الكبائر ... الشرك بالله وعقوق الوالدين ... الحديث» (١) وعليه يفهم قول ابن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا) (٢) فمراده: أن الشرك بالحلف بغير الله وإن كان من الكبائر لكنه أكبر من الحلف الكاذب. وعلى هذا يمكن أن يفهم قول الإمام محمد ابن عبد الوهاب ﵀ عن الشرك الأصغر إنه أكبر من الكبائر (٣)، وهو كقول الإمام ابن القيم ﵀ عن الشرك الأصغر إن رتبته فوق رتبة الكبائر (٤)، ولا يلزم من قولهما إخراج الشرك الأصغر عن مسمى الكبائر، بل كأنه أكبر من جميعها.\nومما يبين ذلك: أن الشرك الأصغر لا يختص عن الكبائر بحكم يثبت له دونها فيما يتعلق بأحكام الوعيد، وأما القول بأن الشرك الأصغر لا يغفره الله، ولا يدخل تحت المشيئة – وإن دخل تحت الموازنة – فلا يصح، ولا دليل على تخصيصه بذلك، لأن المراد بقول الله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] الشرك الأكبر، وهو كقوله تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النارُ [المائدة: ٧٢]، وكقوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥]. والذين يقولون بالموازنة كالإمامين ابن حزم وابن القيم رحمهما الله، لا يلتزمون تحديد شيء من الذنوب بأنه لا تغفر ولا تدخل تحت المشيئة، لا الشرك الأصغر ولا غيره من الكبائر، وإنما يعممون القول بأن من رجحت سيئاته بحسناته لابد أن يعذب (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧).\n(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٨/ ٤٦٩)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٧٩)، والطبراني (٩/ ١٨٣). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٥٨): رواته رواة الصحيح. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٨٠): رجاله رجال الصحيح. وقال ابن حجر الهيتمي في «الزواجر» (٢/ ١٨٤): صحيح. وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٢٥٦٢): صحيح.\n(٣) كتاب «التوحيد»؛ ضمن مجموع مؤلفات الشيخ، القسم الأول (ص: ٢٨).\n(٤) انظر: «إعلام الموقعين» (٤/ ٣٠٤).\n(٥) انظر: «الفصل لابن حزم» (٤/ ٤٧ - ٥٣)، و«طريق الهجرتين» لابن القيم (ص/٣٨٤ - ٣٨٧).","vol":"6","page":255},{"text":"ثم إن هناك دلالات تفصيلية أن المراد بالنص الشرك أو الكفر الأصغر. من ذلك صريح النص عليه – وهذه أقوى دلالة – ذلك كما في قول الرسول ﷺ: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء» (١).\nومن ذلك دلالة نصوص أخرى – وهذا باب واسع – ومنه قول الرسول ﷺ:\n«سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٢)، وقوله ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣) .. مع قوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: ٩] فالكفر المراد في الحديث ليس الكفر المخرج من الملة، وإلا لما أثبت الله لمن تقاتلوا وصف الإيمان الذي هو في الآية الإسلام الظاهر.\nومن ذلك قول الرسول ﷺ: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» (٤)، وفي روايةٍ «إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما» (٥)\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معنى هذا الحديث: (فقد سماه أخاه حين القول، وقد أخبر أن أحدهما باء بها، فلو خرج عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه) (٦).\nومن ذلك أيضًا عدم ترتب حد الردة على فاعله، وإن أقيم عليه حد العصاة، كما في الزاني والسارق مع نفي الإيمان عنهما.\nومن الدلالات على الشرك والكفر الأصغر أن يأتي منكرًا غير معرف، فإن جاء معرفًا بأل دل على أن المقصود به الكفر المخرج من الملة، لا مطلق الكفر الذي يصدق على الكفر الأصغر كما يصدق على الكفر الأكبر.\nولهذا فإن تارك الصلاة كافر كفرًا أكبر لمجيء الحديث في حكم تاركها على التعريف، فقد قال الرسول ﷺ: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» (٧).\nويؤيد ذلك دلالة أخرى وهي أن الرسول ﷺ قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (٨). فإذا كان الحد الذي بين المسلمين والكفار هي الصلاة فإن تركها كفر أكبر.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٤٢٨) (٢٣٦٨٠)، والطبراني (٤/ ٢٥٣). من حديث محمود بن لبيد ﵁. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٥٢): إسناده جيد. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٠٧): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (ص٤٤٠): إسناده حسن. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٩٥١): إسناده جيد.\n(٢) رواه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤). من حديث عبدالله بن مسعود ﵁.\n(٣) رواه البخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥). من حديث جرير ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٦١٠٣)، ومسلم (٦٠). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٥) رواه مسلم (٦٠). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (ص٧/ ٣٥٥).\n(٧) رواه مسلم (٨٢). بلفظ: (وبين الشرك والكفر) بدلا من (وبين الكفر والشرك).\n(٨) رواه الترمذي (٢٦٢١) وقال: حسن صحيح غريب. وقال الحاكم (١/ ٤٨): هذا حديث صحيح الإسناد لا تعرف له علة بوجه من الوجوه فقد احتجا جميعا بعبد الله بن بريدة عن أبيه، واحتج مسلم بالحسين بن واقد ولم يخرجاه بهذا اللفظ ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعا. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"6","page":256},{"text":"ومن الدلالات أيضًا على الشرك والكفر الأصغر ما فهمه الصحابة من النص، فإنهم أعلم الأمة بمعاني نصوص الكتاب والسنة، ومن ذلك حديث «الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» (١) فإن آخر الحديث - على الصحيح - هو من قول ابن مسعود ﵁ - وهذا مذكور عن جمع من المحدثين (٢) - ومعناه: وما منا إلا ويقع له شيء من التطير. ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني– ص ٢٦٨\nقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك، ووجوبهما بالمعاصي، فإن معناها عندنا ليست تُثبت على أهلها كفرا ولا شركا يزيلان الإيمان عن صاحبه، إنما وجوبها أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون (٣).\nوالأصل الذي اعتمده أهل السنة في هذا الباب أن (الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، وهذا من أعظم أصول أهل السنة، وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل) (٤).\nوقال الشيخ ابن عثيمين في شرح حديث «اثْنَتَانِ فِي الناسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ ...» (٥): (قوله: «كفر»: أي هاتان الخصلتان كفر، ولا يلزم من وجود خصلتين من الكفر في المؤمن أن يكون كافرا، كما لا يلزم من وجود خصلتين في الكافر من خصال الإيمان كالحياء والشجاعة والكرم أن يكون مؤمنا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بخلاف قول رسول الله ﷺ: «بَيْنَ الرَّجُلِ والشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ» (٦) فإنه أتى بأل الدالة على الحقيقة، فالمراد بالكفر هنا الكفر المخرج عن الملة، بخلاف مجيء «كفر» نكرة، فلا يدل على الخروج عن الإسلام) (٧).\nوقال في تعريف الشرك الأصغر: كل عمل قولي أو فعلي أَطلق عليه الشرع وصف الشرك، ولكنه لا يخرج من الملة، مثل الحلف بغير الله (٨).\nوليُعلم أن ... من صور الشرك الأصغر، كالحلف بغير الله، والرياء، والاستسقاء بالأنواء، قد تصير من الشرك الأكبر، في بعض الحالات، قال الشيخ ابن عثيمين: والحلف بغير الله شرك أكبر إذا اعتقد أن المحلوف به مساوٍ لله تعالى في التعظيم والعظمة، وإلا فهو شرك أصغر (٩).\nتنبيه:\nالأصل أن تحمل ألفاظ الكفر والشرك الواردة في الكتاب والسنة- وخاصة المعرف منها بأل- على حقيقتها المطلقة، ومسماها المطلق، وذلك كونها مخرجة من الملة، حتى يجيء ما يمنع ذلك، ويقتضي الحمل على الكفر الأصغر والشرك الأصغر.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٩١٠)، والترمذي (١٦١٤)، وابن ماجه (٣٥٣٨)، وأحمد (١/ ٣٨٩)، والحاكم (١/ ٦٥). والحديث سكت عنه أبو داود. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح سنده، ثقات رواته، ولم يخرجاه. وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١٠٨)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) راجع أقوالهم في كتاب «المنهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد» جاسم الدوسري (ص١٦٢).\n(٣) «الإيمان» لأبي عبيد (ص٤٣).\n(٤) «الصلاة» لابن القيم (ص٥١)، وينظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٥٣ - ٣٥٥).\n(٥) رواه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٦) رواه مسلم (٨٢). من حديث جابر بن عبدالله ﵁.\n(٧) «القول المفيد شرح كتاب التوحيد» (٢/ ٢١٦)، وانظر: «التعليق على صحيح مسلم» (١/ ٢٩١)، وكلام شيخ الإسلام هو في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٣٧).\n(٨) «مجموع فتاوى» ابن عثيمين (٢/ ٢٠٣)، و«شرح الأصول الثلاثة» ضمن «مجموع الفتاوى» له (٧/ ١١٥).\n(٩) «القول المفيد» (٢/ ٣٢٥).","vol":"6","page":257},{"text":"قال الشيخ عبد اللطيف بن عبدالرحمن بن حسن: (ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، قد يراد مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:٤]) (١).\nومما يدل على أن ذلك هو الأصل، تبادره إلى الذهن، كما في حديث ابن عباس ﵁ في قصة خسوف الشمس، وقول النبي ﷺ: «وَأُرِيتُ النارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ، قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» (٢). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير- ١/ ١٣٩\n_________\n(١) «الرسائل المفيدة» للشيخ عبد اللطيف جمع الشيخ سليمان بن سحمان (ص٢١).\n(٢) رواه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧).","vol":"6","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1816>المبحث الرابع: قواعد في معرفة أنواع الكفر</span>\n١ - الكفر اصطلاح وحكم شرعي محضٌ مرده إلى الله في كتابه، وإلى رسوله ﷺ في سنته الصحيحة الثابتة عنه، وليس مبناه على الهوى والتشهي وسوء الظن أو فاسد الفهم.\nفمن كفَّرهم الله أو كفَّرهم رسوله ﷺ عينًا أو جنسًا أو وصفًا وجب وتعَّين تكفيرهم، وما لا فلا، وليس لأحد ابتداء تكفيرهم دون\nمستند شرعي صحيح وصريح. - فممن كُفِّر في النص الشريف وحيًا على سبيل التعيين: إبليس وفرعون.\n- وممن كُفِّر جنسًا: المشركون واليهود والنصارى والمجوس ونحوهم.\n- وممن كُفِّر وصفًا: المستهزئ بالله أو بآياته أو برسوله، والمحكِّم لغير ما أنزل الله، والساحر والكاهن ومدعي علم الغيب ونحوهم.\n٢ - أن الكفر كالإيمان له شعب كثيرة، ولما كان الكفر شعبًا كثيرة، فإن هذه الشعب متفاوتة، الكفر فيها درجات، فمنها الكفر الأكبر كسب الله ورسوله ودينه، ومنها الكفر الأصغر؛ كسب المسلم وقتله والنياحة، كما أن الكفر الأكبر، شعبه متفاوتة أيضًا تفاوتًا واضحًا، وكل من نوعي الكفر الأكبر والأصغر على مراتب بعضها أشد من بعض.\n٣ - أن الكفر نوعان: كفر أكبر مخرج عن الملة، ومحبط للعمل، وموجب للخلود في النار، ولا يُغفر لصاحبه، وينفى عن صاحبه اسم الإيمان أصلًا وكمالًا، كالسحر وسب الله أو رسوله أو دينه أو كتابه أو الإعراض عن دين الله .. !!\nوكفر أصغر لا يخرج من الملة ولا يحبط العمل ولا يوجب الخلود في النار، وهو تحت مشيئة الله في مغفرته، ولا ينافي أصل الإيمان، بل ينافي كماله الواجب، وهو حكم الكبائر من الذنوب، كالنياحة على الميت، والطعن في الأنساب، وقتال المسلم .. الخ. - كما أن الشرك والظلم والفسق والنفاق نوعان أكبر وأصغر.\nوهذا الأمر مشهور معروف بين العلماء قد تواردوا عليه، ولا أظن ذا علم ينكره، أو يتطرق إليه شك فيه.\nومضى في النقل السابق عن ابن القيم في كتابه (الصلاة) ما يؤيده.\n٤ - أنه هناك علاقة بين الكفر الأكبر والشرك الأكبر، وهي علاقة عموم وخصوص، فكل شرك كفر وليس كل كفر شركًا.\nفالذبح لغير الله والنذر له والخوف منه خوف عبادة؛ شرك مع الله في تلك العبادات، وهو كفر أكبر مخرج عن الملة، ومناقض للإيمان.\nأما سب الله ورسوله ودينه أو الاستخفاف بشرعه أو بالمصحف ونحو ذلك فهو كفر مخرج عن الملة، ولا يعد شركًا في الاصطلاح.\nوكذلك الإعراض أو الاستكبار أو الشك والارتياب فهو كفر أكبر ولا يُسمى شركًا. ٥ - أن الكفر ورد في موارده المعتبرة في نصوص الوحيين الشريفين: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يرد على صورتين:\n١ - مُعرَّفًا بالألف واللام، فالمراد به الكفر المعهود أو المستغرق في الكفر، وهو المخرج من الملة.\n٢ - ويأتي منكرًا غير مُعرَّف لا بالألف واللام، ولا بالإضافة والتخصيص.\nفلا يعد بالصورة الثانية كفرًا أكبر؛ بل الأصل فيه أنه كفر أصغر لا يخرج من الملة.\n٦ - أن أهل السنة والجماعة يعظمون لفظ التكفير جدًا، ويجعلونه حقًا لله ولرسوله ﷺ فقط، فلا يجوز ولا يسوغ عندهم تكفير أحدٍ إلا من كفره الله أو كفره رسوله. ٧ - أن أهل السنة والجماعة يفرقون بين الكفر المطلق والكفر المُعيَّن بالكفر الأكبر مطلقًا على غير معنيين، ولهم شروط وضوابط وتورَّع وديانة في إيقاعه على المعينين، فإنهم يرون كفر المعين يقع عليه بنفسه، وأهم هذه الشروط في إيقاع الكفر الأكبر عليه بلوغ الحجة عليه، واندفاع الشبهة عنه، وههنا أمر مهم لابد من التفطن له وهو أن ثمة فرقًا بين مراحل ثلاث في الكفر المخرج عن الملة والموجب للردة، وهي: ١ - تعيين أن هذا الجرم من الكفر الأكبر، بالدلائل الشرعية.\n٢ - ثم مرحلة تكفير المعيَّن المواقع لهذا الجرم؛ باجتماع الشروط فيه وانتفاء الموانع عنه، وهو مناط بالقضاة الشرعيين أصالة.\n٣ - ثم مرحلة ثالثة بعدم القطع له بعد الموت بالخلود في النار، مع إجراء أحكام الكفر عليه في أحكام الدنيا، والله أعلم. مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – ص: ٤٥","vol":"6","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1817>المبحث الخامس: الكفر يكون قولًا باللسان، واعتقادًا بالقلب، وعملًا بالجوارح</span>\nمجمَل أقوالِ العلماءِ تنحصر في خمس عباراتٍ:\n١ - أنَّ الكفرَ يكون بالقول أو الفعل. فلم يقيّدوه بالاعتقادِ (١).\n٢ - أنَّ الكفرَ يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد. فغايروا بينها (٢).\n٣ - أنَّ الكفرَ يكون بالقول أو الفعل ولو لم يُعْتَقَد، فنصُّوا على عدمِ شرطيَّةِ الاعتقاد (٣).\n٤ - أنَّ الكفرَ يكون بالقول والفعل ولو لحظٍّ من حظوظِ الدُّنيا (٤).\n٥ - ردودٌ أو إنكارٌ على الجهميّة والمرجئة الذين يشترطونَ الاعتقاد أو الاستحلال (٥).\nومن تأمَّل هذه العبارات يجد أن مؤداها واحدٌ وإنْ كان بعضُها أصرح من بعضٍ في بيان المقصود. التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد لعلوي بن عبد القادر السقاف – ص: ١٦\n_________\n(١) ومن هؤلاء: نافع مولى ابن عمر، الشافعي، إسحاق بن راهويه، محمد بن سحنون، ابن جرير الطبري، أبو الحسن الأشعري، البربهاري، الجصّاص، ابن عبد البرّ، الجويني، البزدوي، إلكيا الهرَّاسي، ابن العربي، الرازي، الكاساني، الفرغان صاحب فتاوى قاضيخان، ابن الجوزي، القرطبي، القرافي، ابن القيّم، ابن مفلح، ابن رجب، البزاز صاحب الفتاوى البزازية، ابن حجر العسقلاني، المرداوي، الحموي، العدوي، الشوكاني، رشيد رضا، الحكمي، الشنقيطي.\n(٢) ومن هؤلاء: ابن شاس، ابن قدامة، ابن الحاجب، الوردي، السبكي، خليل بن إسحاق، العثماني، ابن فرحون، الطرابلسي، المحلّي، الأقفهسي، الرصَّاع، ابن قاسم الغزي، زكريّا الأنصاري، ابن النجّار، المليباري، المناوي، مرعي بن يوسف، البهوتي، محمد بن غريب، البجيرمي، الدسوقي، عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، البكري، القنوجي، أحمد بن عيسى، ابن ضويان، ابن سعدي، اللجنة الدائمة للإفتاء، بكر أبو زيد.\n(٣) ومن هؤلاء: أبو ثور، السمرقندي، ابن حزم، القاضي عياض، ابن مازه، النووي، ابن تيميّة، علاء الدين البخاري، المحبوبي، الأندربتي الدهلوي، التفتازاني، الزركشي، ابن الوزير، ابن الهمّام، المنهاجي الأسيوطي، الأقفهسي، ابن أمير الحاج، منلا خسرو، عميرة، ابن نجيم، الهيتمي، الخطيب الشربيني، القليوبي، زاده داماد، الكفوي، المقبلي، الصنعاني، الجمل، محمد بن عبد الوهّاب، الشرقاوي، الرحيباني، عبدالله بن محمد بن عبد الوهّاب، ابن عابدين، البيجوري، أبابطين، عليش، حمد بن عتيق، جمال الدين القاسمي، الألوسي، الكشميري، محمد بن إبراهيم، ابن عثيمين، ابن جبرين، الفوزان، بكر أبو زيد، الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة. ومن ألفاظهم: ولو لم يعتقد، وإن لم يعتقد، ولا معتقدٍ له، من غير اعتقادٍ له، وسواء اعتقدوه أو لم يعتقدوه، سواء (لا فرق) صدر (قاله) عن اعتقاد أو عناد أو ..، سواء كان يعتقد أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، ولا ينفعه ما في قلبه، وإن كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، جادًّا أو هازلًا (لاعبًا) (مازحًا)، الردّ على من قال أن مبنى الرّدّة على الاعتقاد، الردّ على من قال لا يكفر حتى يعتقد. إلى غير ذلك من الألفاظ.\n(٤) وممن صرَّح بذلك: ابن تيميّة، ابن كثير، محمد بن عبدالرحمن المغربي، المقبلي، محمّد بن عبد الوهّاب، سليمان بن عبدالله آل الشيخ، حمد بن عتيق، محمّد بن إبراهيم، الفوزان. ومن ألفاظهم: وإن كان سببه حبّ الدّنيا على الآخرة، بسبب إيثار الدّنيا لا بسبب العقيدة، طمعًا في الدّنيا، من أجل التّجارة، خوفًا من نقصِ مال، مدارة لأحد، أو لغير ذلك من الأغراض، سببه حظًّا من حظوظ الدّنيا، من أجل ماله أو بلده أو أهله، سببه قوة الشهوة. إلى غير ذلك من الألفاظ.\n(٥) ومن هؤلاء: ابن عيينة، الشافعي، الحميدي، أحمد بن حنبل، ابن حزم، ابن تيميّة، الفوزان.","vol":"6","page":260},{"text":"قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي: فكلُّ اعتقادٍ أو قولٍ أو عملٍ ثبت أنَّه مأمورٌ به من الشارع فصرفُه لله وحده توحيدٌ وإيمانٌ وإخلاصٌ، وصرفُه لغيره شركٌ وكفرٌ. فعليك بهذا الضابط للشِّرك الأكبر الَّذي لا يشذُّ عنه شيءٌ» (١) القول السديد في مقاصد التوحيد لعبد الرحمن بن ناصر السعدي – ص ٥٤\nجاء في فتاوى اللجنة الدائمة الفتوى رقم (٢٠٢١٢) وتاريخ ٧/ ٢/١٤١٩هـ:\n«وأنَّ الكفر يكون بالقول والفعل والتَّرك والاعتقاد والشكِّ كما قامت على ذلك الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة» (٢).\nقال الإمام سفيان بن عيينة – رحمه الله تعالى – عندما سئل عن الإرجاء:\n(يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله؛ مصرًا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر هو كفر) (٣).\nقال الإمام الشافعي - ﵀ - حين سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى: (هو كافر) واستدل بقول الله تعالى: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] (٤).\nقال الإمام عبد الله بن الزبير الحميدي ﵀:\n(أخبرت أن ناسًا يقولون: من أقر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت، أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت؛ فهو مؤمن ما لم يكن جاحدًا. إذا كان يقر بالفرائض واستقبال القبلة؛ فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفعل المسلمين، قال ﷿:\nوَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:٥] (٥).\nقال الإمام إسحاق بن راهويه ﵀:\n(ومما أجمعوا على تكفيره، وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد؛ فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى، وبما جاء من عنده، ثم قتل نبيًا، أو أعان على قتله، وإن كان مقرًا، ويقول: قتل الأنبياء محرم؛ فهو كافر، وكذلك من شتم نبيًا، أو رد عليه قوله من غير تقية ولا خوف) (٦).\nقال الإمام الفقيه أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ﵀:\n(فاعلم - يرحمنا الله وإياك - أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح. وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله - ﷿ - واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق، وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا، ولا أصدق به؛ أنه ليس بمسلم.\nولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، وقال: لم يعتقد قلبي على ذلك؛ أنه كافر بإظهار ذلك، وليس بمؤمن) (٧).\nقال الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ - عندما سأله ابنه عبدالله عن رجل قال لرجل: يا ابن كذا وكذا أنت ومن خلقك: (هذا مرتد عن الإسلام) وسأله: تضرب عنقه؟ قال: (نعم تضرب عنقه) (٨).\n_________\n(١) «القول السَّديد في مقاصد التَّوحيد» (ص: ٥٤).\n(٢) وقع على هذه الفتوى كلٌ من الشيخ: ابن باز، عبد العزيز آل الشيخ، ابن غديان، بكر أبو زيد، الفوزان.\n(٣) «كتاب السنة» الإمام عبدالله بن أحمد: (١/ ٣٤٧) (٧٤٥).\n(٤) «الصارم المسلول» ابن تيمية: (٣/ ٩٥٦).\n(٥) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» الإمام اللالكائي: (٥/ ٨٨٧).\n(٦) «تعظيم قدر الصلاة» الإمام المروزي: (٢/ ٩٣٠) (٩٩١).\n(٧) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» الإمام اللالكائي: (٤/ ٨٤٩).\n(٨) «مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه عبد الله: (٢/ ١٢٩١).","vol":"6","page":261},{"text":"قال الإمام محمد بن سحنون المالكي - ﵀ -:\n(أجمع العلماء أن شاتم النبي ﷺ المنتقص له؛ كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة: القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر) (١).\nقال الإمام البربهاري ﵀:\n(ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام، حتى يرد آية من كتاب الله ﷿، أو يرد شيئًا من آثار رسول الله ﷺ، أو يذبح لغير الله، أو يصلي لغير الله، وإن فعل شيئًا من ذلك؛ فهو مؤمن ومسلم بالاسم لا بالحقيقة) (٢).\nقال الإمام النووي - ﵀ - في تعريف الردة:\n(هي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارة بالقول الذي هو كفر، وتارة بالفعل، والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدين صريحًا؛ كالسجود للصنم أو للشمس، وإلقاء المصحف في القاذورات، والسحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها. قال الإمام: في بعض التعاليق عن شيخي إن الفعل بمجرده لا يكون كفرًا، قال: وهذا زلل عظيم من المعلق ذكرته للتنبيه على غلطه، وتحصل الردة بالقول الذي هو كفر؛ سواء صدر عن اعتقاد أو عناد أو استهزاء) (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\n(إن من سب الله، أو سب رسوله كفرا ظاهرًا وباطنًا؛ سواءً كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل) (٤).\nقال الإمام ابن كثير - ﵀ - في تفسير الآية (١٠٦ - ١٠٩) من سورة النحل:\n(أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به؛ أنه قد غضب عليه لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابًا عظيمًا في الدار الآخرة؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق؛ فطبع على قلوبهم، فهم لا يعقلون بها شيئًا ينفعهم).\nقال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀:\n(فقد يترك دينه، ويفارق الجماعة، وهو مقر بالشهادتين، ويدعي الإسلام؛ كما إذا جحد شيئًا من أركان الإسلام، أو سب الله ورسوله، أو كفر ببعض الملائكة، أو النبيين، أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك) (٥).\nوقال أيضًا - ﵀ - في شرحه لحديث «بني الإسلام على خمس ...» (٦):\n(وهذا الحديث دل على أن الإسلام مبني على خمسة أركان ... وأن الإسلام مثله كبنيان، وهذه الخمس: دعائم البنيان وأركانه التي يثبت عليها البنيان ... وأما هذه الخمس؛ فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها، وكذلك إن زال منها الركن الأعظم وهو الشهادتان، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمع معهما.\nوأما زوال الأربع البواقي: فاختلف العلماء ... وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة.\nوحكاه إسحاق بن راهويه إجماعًا منهم حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة .. وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي ﷺ بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه.\n_________\n(١) «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» للقاضي عياض (٢/ ٢١٤).\n(٢) «شرح السنة» البربهاري: (ص٧٣) (٥٠).\n(٣) «روضة الطالبين» النووي: (١٠/ ٦٤).\n(٤) «الصارم المسلول» ابن تيمية: (٣/ ٩٥٥).\n(٥) «جامع العلوم والحكم» ابن رجب: (شرح الحديث الرابع عشر من الأربعين النووية).\n(٦) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦). من حديث عبدالله بن عمر ﵄.","vol":"6","page":262},{"text":"وروي عن عطاء ونافع - مولى ابن عمر - أنهما سئلا عمن قال: الصلاة فريضة ولا أصلي، فقالا: هو كافر. وكذا قال الإمام أحمد (١).\nونقل حرب عن إسحاق قال: غلب المرجئة حتى صار من قولهم: إن قومًا يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره، يرجى أمره إلى الله بعد؛ إذ هو مقر؛ فهؤلاء الذين لا شك فيهم - يعني في أنهم مرجئة.\nوظاهر هذا: أنه يكفر بترك هذه الفرائض.\nوممن قال بذلك: ابن المبارك، وأحمد - في المشهور عنه -، وإسحاق، وحكى عليه إجماع أهل العلم - كما سبق - وقال أيوب: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه (٢).\nوقال عبدالله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. خرجه الترمذي (٣).\nوقد روي عن علي، وسعد، وابن مسعود وغيرهم قالوا: «من ترك الصلاة فقد كفر ...» (٤) (٥).\nقال الإمام العلامة مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي - ﵀ - في تعريف الردة:\nوهو من كفر بعد إسلامه، ويحصل الكفر بأحد أربعة أمور: بالقول كسب الله تعالى ورسوله، أو ملائكته، أو ادعاء النبوة، أو الشرك له تعالى، وبالفعل كالسجود للصنم ونحوه وكإلقاء المصحف في قاذورة، وبالاعتقاد كاعتقاده الشريك له تعالى، أو أن الزنا أو الخمر حلال، أو أن الخبز حرام، ونحو ذلك، ومما أجمع عليه إجماعًا قطعيًا، وبالشك في شيء من ذلك. (٦) الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري – ٣٠٥\nوشعب الإيمان قسمان: قوليّة، وفعليّة، وكذلك شُعَبُ الكفر نوعان: قوليّة وفعليّة، ومن شعَبِ الإيمان القوليَّة: شعبةٌ يوجب زوالها زوالَ الإيمان فكذلك من شعبِهِ الفعليّة ما يوجب زوالَ الإيمان. وكذلك شعبُ الكفر القوليَّة والفعليَّة، فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارًا، وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبةٍ من شُعبه كالسُّجود للصَّنم، والاستهانَة بالمصحفِ، فهذا أصل. الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر، والحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة، والحج، والصيام من شعب الإيمان، وتركها من شعب الكفر، والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان كتاب الصلاة لابن القيم – ص: ٥٣\nولإيضاح هذه المسألة المهمة أقول:\n_________\n(١) «السنة» لعبد الله بن أحمد (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣).\n(٢) رواه محمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٢٥). وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ٢٣٠).\n(٣) رواه الترمذي (٢٦٢٢) ورواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ١٧٢) ومحمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٠٤). قال النووي في «المجموع» (٣/ ١٦)، والعراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٦)، والسخاوي في «الأجوبة المرضية» (٢/ ٨١٩): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٤) رواه الطبراني (٩/ ١٩١). من حديث عبدالله بن مسعود ﵁ موقوفًا. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٩٥): و[فيه] القاسم لم يسمع من ابن مسعود.\n(٥) «فتح الباري» لابن رجب: (١/ ٢٢)، حديث رقم (٨) شرك كتاب الإيمان.\n(٦) «دليل الطالب»: (ص٣١٧).","vol":"6","page":263},{"text":"١ - مما يدل على أن الكفر يكون كلاما باللسان قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:٦٥ - ٦٦]\nقال شيخ الإسلام: فبين أنهم كفارٌ بالقول، مع أنهم لم يعتقدوا صحته (١).\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ [التوبة:٧٤]\nوقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:١٠٦]\nومعلوم أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط، لأن ذلك لا يكره الرجل عليه، وهو قد استثنى من أُكره، ولم يُرد من قال واعتقد؛ لأنه استثنى المكره، وهو لا يكره على العقد والقول، وإنما يكره على القول فقط، فعُلم أنه أراد: من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، إلا من أكره وهو مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرا من المكرهين فإنه كافر أيضا، فصار كل من تكلم بالكفر كافرا إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان) (٢).\nومن الكفر بالقول: دعاء غير الله تعالى من الأموات والغائبين؛ لقوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:١١٧].\nوقوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأعراف:٣٧]، وقوله: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:١٣ - ١٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن هذا الدعاء كفر وشرك بالله تعالى.\nوفي ذلك يقول شيخ الإسلام: (فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم، وسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين) (٣).\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (٣/ ٩٧٦).\n(٢) «الصارم المسلول» (٣/ ٩٧٧).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١/ ١٢٣).","vol":"6","page":264},{"text":"وقال: (وكذلك الغلو في بعض المشايخ: إما في الشيخ عدي ويونس القتي أو الحلاج وغيرهم، بل الغلو في علي بن أبى طالب ونحوه، بل الغلو في المسيح ونحوه. فكل من غلا في حي أو في رجل صالح كمثل علي أو عدي أو نحوه، أو فيمن يعتقد فيه الصلاح، كالحلاج أو الحاكم الذي كان بمصر، أو يونس القتي ونحوهم، وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني أو أجرني أو توكلت عليك أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال، التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى؛ فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له ولا نجعل مع الله إلها آخر. والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى - مثل: الشمس والقمر والكواكب والعزير والمسيح والملائكة واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ويغوث ويعوق ونسر أو غير ذلك - لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو أنها تنزل المطر، أو أنها تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة والكواكب والجن والتماثيل المصورة لهؤلاء، أو يعبدون قبورهم ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله فأرسل الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة) (١).\n٢ - ومن الكفر الذي هو فعل: السجود أو الذبح لغير الله تعالى، أو إلقاء مصحف في قذر، أو قتل نبي من الأنبياء\n٣ - وأما كفر الاعتقاد المناقض لقول القلب أو عمله، فكتكذيب النبي باطنا، أو بغضه ومعاداته مع اعتقاد صدقه، أو اعتقاد حل الزنا أو الخمر، أو اعتقاد أن أحدا يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ، أو غير ذلك من الاعتقادات المكفرة التي تناقض قول القلب أو عمله.\nلكن ينبغي أن يُعلم أن كفر التكذيب قليل في أعداء الرسل، قال ابن القيم ﵀: (فأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرسل، وهذا القسم قليل في الكفار؛ فإن الله تعالى أيد رسله وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:١٤]، وقال لرسوله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:٣٣] وإن سمي هذا كفر تكذيب أيضا فصحيح؛ إذ هو تكذيب باللسان) (٢).\nوقال شيخ الإسلام: وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم، وإما لإرادتهم العلو والرياسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه، وما يحصل لهم به من الأغراض، كأموال ورياسة وصداقة أقوام وغير ذلك، فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم، أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهم، فيكونون من أكفر الناس، كإبليس، وفرعون، مع علمهم بأنهم على الباطل، والرسل على الحق (٣).\n٤ - والكفر يكون بالترك، كترك الصلاة عند جمهور السلف، بل هو إجماع الصحابة ...،\nومن ذلك ترك عمل الجوارح بالكلية، كمن يعيش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يزكي ولا يصوم ولا يحج ولا يفعل شيئا من الواجبات أو المستحبات، فهذا كافر ٌكفرا لا يثبت معه توحيد، ولا يكون هذا إلا مع زوال عمل القلب، والمرجئة تنازع في كفر هذا وتأباه، جهلا منهم بحقيقة الإيمان، وإنكارا للتلازم بين الظاهر والباطن الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير- ١/ ١٣٤\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٩٥).\n(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤٦).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٩١).","vol":"6","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1818>الفصل الثاني: تعريف الردة</span>\nالردة في اللغة:\nصرف الشيء بذاته، أو بحالة من أحواله، يقال: رددته فارتد، ويقال: رده: أي صرفه. ورد الشيء عليه: لم يقبله منه.\nوالارتداد والردة:\nالرجوع في الطريق الذي جاء منه لكن الردة تخص بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره، قال الله تعالى:\nوَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ [سورة المائدة:٢١]. أي: لا ترجعوا.\nوالردة اسم من الارتداد، وهو التحول والرجوع عن الشيء إلى غيره، ومنه الرجوع عن الإسلام.\nوالمرتد أي: الراجع، وهو الذي رجع عن دينه، وكفر بعد إسلامه (١).\nالردة في الاصطلاح:\nهي الكفر بعد الإسلام طوعا؛ إما باعتقاد، أو بفعل، أو بقول، أو شك.\nو(هي قطع الإسلام بنية كفر، أو قول كفر، أو فعل مكفر؛ سواء قاله: استهزاء، أو عنادًا، أو اعتقادًا) (٢).\nقال الله تعالى: وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [سورة البقرة:٢١٧]\nوقال النبي ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه» (٣).\nواتفق أهل السنة والجماعة؛ بأن الردة لا تصح إلا من عاقل؛ فأما من لا عقل له؛ كالطفل، والمجنون، ومن زال عقله؛ بإغماء، أو نوم، أو مرض، أو شرب دواء يباح شربه؛ فلا تصح ردته، ولا حكم لكلامه بغير خلاف. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري – ص٢٣٣\n- وعرفها - محمَّد بن أحمد الخطيب الشربينيّ (الشافعيّ). ت:٩٧٧هـ - في - كتاب (الرِّدَّة): أعاذنا الله تعالى منها (هي) لغةً: الرُّجوع عن الشيء إلى غيره، وهي أفحشُ الكفر وأغلظُه حكمًا، محبطةٌ للعمل. وشرعًا (قطع) استمرار (الإسلام) ودوامه، ويحصل قطعه بأمور: (بنيَّةِ) كفرٍ (أو) قطع الإسلام بسبب (قولِ كفرٍ أو فعلٍ) مُكَفِّرٍ ثم قسم القول ثلاثة أقسام بقوله: (سواء قاله استهزاء أو عنادًا أو اعتقادًا) لقوله تعالى: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:٥٦٠ - ٦٦] وكان الأَوْلى تأخيرُ القول في كلامه عن الفعل، لأَنَّ التَّقسيم فيه وخرج بذلك من سبق لسانُه إلى الكفر، أو أُكْرِه عليه، فإنَّه لا يكون مرتدا (والفعل المكفِّر ما تعمَّده) صاحبه (استهزاء صريحًا بالدِّين أو جحودًا له كإلقاء مصحف) (وسجودٌ لصنمٍ) (٤).\nوعرفها - زين الدِّين بن عبد العزيز المليباري (الشافعي). ت:٩٨٧هـ\n(الرِّدَّة لغةً: الرُّجوع وهي أفحش أنواع الكفر ويحبط بها العمل وشرعًا (قطعُ مكلَّف) مختار فتلغو من صبي ومجنون ومكره عليها إذا كان قلبه مؤمنًا (إسلامًا بكفرٍ عزمًا) حالًا أو مآلًا فيكفر به حالًا (أو قولًا أو فعلًا، باعتقادٍ) لذلك الفعل أو القول أي معه (أو) مع (عنادٍ) من القائل أو الفاعل (أو) مع (استهزاءٍ) أي استخفافٍ، بخلاف ما لو اقترن به ما يخرِجُه عن الرِّدَّة كسبق لسانٍ أو حكاية كفرٍ أو خوف) (٥).\n- وعرفها - محمَّد عبد الرؤوف المناوي (الشافعي). ت:١٠٣١هـ\n(الرِّدَّة لغةً: الرُّجوع عن الشَّيء إلى غيره. وشرعًا قطع الإسلام بنيَّةٍ أو قولٍ أو فعلٍ مُكَفِّر) (٦). التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد لعلوي بن عبد القادر السقاف – ص٨١\n_________\n(١) انظر معاجم اللغة: «لسان العرب»: (ج ٣، ص ١٧٢) و«المفردات في غريب القرآن» (ص ١٩١). و«النهاية في غريب الحديث» (ج٢، ص ٢١٤).\n(٢) انظر «قليوبي وعميرة» «كتاب الردة» (ج ٤، ص ١٧٤) وهو حاشيتا الشيخين قليوبي وعميرة على شرح جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للنووي في فقه الشافعي.\n(٣) رواه البخاري (٣٠١٧). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٤) «مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» (٦/ ٤٢٧). دار الكتب العلمية. ط١ – ١٤١٥هـ.\n(٥) «فتح المعين بشرح قرة العين بمهمَّات الدِّين» (٤/ ١٣٢) مصطفى البابي الحلبي. ط٢ – ١٣٥٦هـ.\n(٦) «التوقيف على مهمّات التعاريف» (ص ١٧٦) عالم الكتب ط١ – ١٤١٠هـ.","vol":"6","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1820>تمهيد</span>\nيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين:\nأحدهما: دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق.\nالثاني: انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه وتنتفي الموانع. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين– ص: ٨٧","vol":"6","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1821>المبحث الأول: الحكم بالظاهر وأدلته</span>\nهذه من المسائل العظيمة في مذهب أهل السنة في الحكم على الناس، فلا تكون أحكامهم مبنية على ظنون وأوهام أو دعاوي لا يملكون عليها بينات، وهذه من رحمة الله وتيسيره على عباده ومن باب تكليفهم بما يطيقون ويستطيعون، وكل ما سبق المقصود به الحكم الدنيوي على الشخص بالإسلام أو الكفر، أما الحكم على الحقيقة فلا سبيل إليه، يقول الإمام الشاطبي - ﵀ - مبينًا أهمية هذا الأصل وخطورة إهماله: (إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصًا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عمومًا، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه. لا يقال: إنما كان ذلك من قبيل ما قال: (خوفًا من أن يقول الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) (١) فالعلة أمر آخر لا ما زعمت، فإذا عدم ما علل به فلا حرج. لأنا نقول: هذا أدل الدليل على ما تقرر، لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر، فالعذر فيه ظاهر واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر بل بمجرد أمر غيبي ربما شوش الخواطر وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ولم يستثن من ذلك أحدًا حتى إن رسول الله ﷺ احتاج في ذلك إلى البينة، فقال من يشهد لي؟ حتى شهد له خزيمة بن ثابت فجعلها الله شهادتين فما ظنك بآحاد الأمة، فلو ادعى أكذب الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي، واليمين على من أنكر وهذا من ذلك والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية) (٢).\nواستند أهل السنة في تقريرهم لهذا الأصل العظيم إلى أدلة كثيرة منها:\n١ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [سورة النساء:٩٤] قال الشوكاني ﵀: (والمراد هنا: لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمنًا فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى الإسلام: أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم: لست مؤمنًا والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذًا وتقية) (٣).\nوقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – (فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: فتبينوا ولو كان لا يقتل إذا قالها للتثبت معنى، إلى أن يقول: (وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك) (٤).\n٢ - واستدلوا بقوله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (٥)\n_________\n(١) الحديث رواه البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤). من حديث جابر بن عبدالله ﵄. بلفظ: (دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه).\n(٢) «الموافقات» للشاطبي (٢/ ٢٧١،٢٧٢).\n(٣) «فتح القدير» (١/ ٥٠١).\n(٤) «كشف الشبهات» (٤٩).\n(٥) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"6","page":268},{"text":"والشاهد من الحديث قوله (وحسابهم على الله) قال ابن رجب: (وأما في الآخرة فحسابه على الله ﷿، فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار) (١). وقال الحافظ في الفتح: (أي أمر سرائرهم .. وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر) (٢) وقال الإمام البغوي: (وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضًا إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن من أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون فيما بين قتلى غلف، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه) (٣).\n٣ - واستدلوا أيضًا بقصة أسامة ﵁ المشهورة قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة (٤) فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: أقال لا إله إلا الله وقتلته قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ» (٥).\nوالحديث فيه زجر شديد وتحذير من الإقدام على قتل من تلفظ بالتوحيد وتحذير صريح من تجاوز الظاهر والحكم على ما في القلب دون بينة، قال النووي – ﵀-: (وقوله ﷺ: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا»؟ الفاعل في قوله: «أقالها» هو القلب، ومعناه أنك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال أفلا شققت عن قلبه لتنظر، هل قالها القلب واعتقدها وكانت فيه أم لم تكن فيه بل جرت على اللسان فحسب، يعني وأنت لست بقادر على هذا فاقتصر على اللسان فحسب ولا تطلب غيره) (٦)، وقال أيضًا في تعليقه على قوله – ﷺ-: «أفلا شققت عن قلبه؟»: (وفيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام فيها بالظاهر والله يتولى السرائر) (٧).\n٤ - ومن الأحاديث العظيمة في هذا الباب حديث جارية معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله ﷺ: «أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» (٨).\n_________\n(١) «جامع العلوم والحكم» (٨٣).\n(٢) «فتح الباري» (١/ ٧٧)، وانظر «شرح النووي» (١/ ٢١٢)، و«جامع العلوم والحكم» (٨٣).\n(٣) «شرح السنة» (١/ ٧٠).\n(٤) الحرقات من جهينة: هم بطن من جهينة، وانظر في سبب تسميتهم. «الفتح» (١٢/ ١٩٥).\n(٥) رواه البخاري (٦٨٧٢)، ومسلم (٩٦) واللفظ له.\n(٦) «مسلم بشرح النووي» (٢/ ١٠٤).\n(٧) «مسلم بشرح النووي» (٢/ ١٠٧).\n(٨) رواه مسلم (٥٣٧). من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁.","vol":"6","page":269},{"text":"قال شيخ الإسلام في تعليقه على هذا الحديث (فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام الظاهرة، ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي ﷺ: «أعتقها فإنها مؤمنة» أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار) (١)، (لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة) (٢).\nولذلك كان ﷺ يعامل المنافقين على ظواهرهم مع علمه بنفاق كثير منهم ليقرر هذا الأصل العظيم (فهم في الظاهر مؤمنون يصلون مع الناس ويصومون، ويحجون ويغزون والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم .. ولم يحكم النبي ﷺ في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر، لا في مناكحتهم ولا موارثتهم ولا نحو ذلك، بل لما مات عبدالله بن أبي بن سلول وهو من أشهر الناس بالنفاق ورثه ابنه عبدالله وهو من خيار المؤمنين، وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع المسلمين .. لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة، لا على المحبة التي في القلوب، فإنه لو علق بذلك لم تمكن معرفته، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، وهو ما أظهروه من موالاة المؤمنين .. وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين) (٣) (وهكذا كان حكمه ﷺ في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم لا يستحل منها شيئًا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم) (٤) ومع ذلك (يجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة التي يحكم فيها الناس في الدنيا، وبين حكمهم في الآخرة بالثواب والعقاب، فالمؤمن المستحق للجنة لابد أن يكون مؤمنًا في الباطن باتفاق جميع أهل القبلة) (٥).\nوبعد هذا التقرير الواضح لهذا الأصل القطعي ترد بعض التساؤلات التي قد يظن أنها مخالفة لهذا الأصل ومنها:\nأ - لماذا حصل الخلاف في قبول توبة الزنديق (٦)، مع أن الأصل يقتضي أخذه على ظاهره؟\nب- ما ذكر من أدلة ينطبق على من أظهر الإسلام، أو من أقر بالإسلام ونطق بالشهادتين من الكفار لكن هل ينطبق هذا الكلام على المسلم إذا أظهر الكفر فيحكم بكفره بمجرد ذلك بناءًا على هذا الأصل؟.\nوللجواب عن ذلك يقال:\nأما الأول فقد اختلف العلماء فيه فذهب بعضهم إلى قبول توبته وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، والبغوي والنووي وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء ﵏، وذهب مالك وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه والرواية الأخرى عن أحمد وابن تيمية وتلميذه ابن القيم ﵀ إلى عدم قبول توبته (٧).\nولا نريد أن ندخل في تفاصيل أدلة الفريقين ولا في الترجيح، وإنما الذي يهمنا هنا، قول من قال بقتله بعدما يظهر التوبة، هل ينافي الحكم بالظاهر؟.\n_________\n(١) «الإيمان» (٣٩٨) وانظر (٢٠١، ٢٠٢، ٢٤٣).\n(٢) «الإيمان» (١٩٧).\n(٣) «الإيمان» لابن تيمية (ص: ١٩٨).\n(٤) «الإيمان» (ص: ٢٠١).\n(٥) «الإيمان» (ص: ٢٠٣).\n(٦) وهو المنافق إذا ظهر نفاقه، انظر: «الإيمان» (ص: ٢٠٣)، «جامع العلوم والحكم» (ص: ٨٣).\n(٧) انظر «جامع العلوم والحكم» (ص: ٨٣)، «شرح السنة» (١/ ٦٩) «أعلام الموقعين» (٣/ ١٤٤)، وانظر أقوالًا أخرى: «مسلم بشرح النووي» (١/ ٢٠٧)، و«المغني» (٨/ ١٢٦ - ١٢٨)","vol":"6","page":270},{"text":"الواقع أن (من تأمل أقوال العلماء في هذه المسألة وجد أنه لا خلاف بينهم في مناط الحكم وهو اعتبار الظاهر في الحكم على الناس، وإنما اختلفوا في تحقيق ذلك المناط، فيما يتعلق بالزنديق فمنهم من يرى ظاهره الإسلام لتظاهره بذلك (مستدلًا بالأدلة السابقة التي ذكرناها)، ومنهم من يرى أن ظاهره خداع المسلمين لا الرجوع إلى الإسلام، ولهذا لم يجزم من قال بقتله أنه لابد أن يكون كافرًا في الباطن) (١).\nقال الإمام ابن القيم ﵀ (والزنديق بالعكس (من الكافر الأصلي إذا تاب) فإنه كان مخفيًا لكفره مستترًا به، فلم نؤاخذه بما في قلبه إذا لم يظهر عليه، فإذا ظهر على لسانه وآخذناه به فإذا رجع لم يرجع عن أمر كان مظهرًا له غير خائف من إظهاره، وإنما رجع خوفًا من القتل) (٢). ثم ذكر قاعدة مهمة تنسجم مع قاعدة الحكم بالظاهر فقال: (وههنا قاعدة يجب التنبيه عليها لعموم الحاجة إليها، وهي أن الشارع إنما قبل توبة الكافر الأصلي من كفره، بالإسلام لأنه ظاهر لا يعارضه ما هو أقوى منه، فيجب العمل به، لأنه مقتض لحقن الدم والمعارض منتف، فأما الزنديق فإنه قد أظهر ما يبيح دمه، فإظهاره بعد القدرة عليه التوبة والإسلام لا يدل على زوال ذلك الكفر المبيح لدمه دلالة قطعية ولا ظنية، أما انتفاء القطع فظاهر، وأما انتفاء الظن فلأن الظاهر إنما يكون دليلًا صحيحًا إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه، فإذا قام دليل على الباطن لم يلتفت إلى ظاهر قد علم أن الباطن خلافه .. وإذا عرف هذا فهذا الزنديق قد قام الدليل على فساد عقيدته، وتكذيبه واستهانته بالدين، وقدحه فيه، فإظهاره الإقرار والتوبة بعد القدرة عليه ليس فيه أكثر مما كان يظهره قبل هذا.\nوهذا القدر قد بطلت دلالته بما أظهره من الزندقة، فلا يجوز الاعتداء عليه لتضمنه إلغاء الدليل القوي وإعمال الضعيف الذي قد ظهر بطلان دلالته) (٣)\nب- أما التساؤل الآخر: حول المسلم إذا ظهر منه الكفر:\nفيقال فيه إن هناك فرقًا بين الحكم بإسلام المعين والحكم بكفره فالحكم بإسلامه يكفي فيه الإقرار والظاهر، وهو إسلام حكمي قد يكون معه المعين منافقًا في الباطن.\nأما الكفر فليس حكمًا على الظاهر فقط، وإنما هو حكم على الظاهر والباطن بحيث لا يصح أن نحكم على معين بالكفر مع احتمال أن يكون غير كافر على الحقيقة. ولذلك لابد من النظر للعمل الذي عمله هذا المعين هل هو أمر لا يحتمل غير الكفر؟ أم أمر يحتمل الكفر وعدمه؟ أم أن الأمر كفر في ظاهره ولكن يحتمل أن يكون معذورًا بجهل أو تأول (٤). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ١/ ٢٠١\n_________\n(١) رسالة «ضوابط التكفير»، عبدالله القرني (٢٧٧)، قال ابن قدامة (وفي الجملة فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا. وأما قبول الله تعالى لها في الباطن وغفرانه لمن تاب وأقلع ظاهرًا أم باطنًا فلا خلاف فيه) «المغني» (٨/ ١٢٨).\n(٢) «أعلام الموقعين» (٣/ ١٤٢) وانظر «الإيمان» لابن تيمية (٢٠٣).\n(٣) «أعلام الموقعين» (٣/ ١٤٣) /، وانظر تفصيلًا لذلك في «الصارم المسلول» (٣٤٥ - ٣٥٨)، وقد ذكر شيخ الإسلام عددًا من الأدلة في قتل المنافق إذا تبين نفاقه فليراجع.\n(٤) انظر تفصيلًا جيدًا لهذه المسألة ولهذه الحالات في رسالة «ضوابط التكفير» لعبد الله القرني (٢٧٤ - ٢٩٦).","vol":"6","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1822>المبحث الثاني: تكفير المعين والفرق بينه وبين تكفير المطلق</span>\nالمطلب الأول: تكفير المعين\nمذهب أهل السنة وسط بين من يقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدًا، وبين من يكفر المسلم بكل ذنب دون النظر إلى توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه، ويتلخص مذهب أهل السنة في أنهم يطلقون التكفير على العموم مثل قولهم: من استحل ما هو معلوم من الدين بالضرورة كفر، ومن قال القرآن مخلوق، أو أن الله لا يرى في الآخرة كفر، ولكن تحقق التكفير على المعين لابد له من توفر شروط، وانتفاء موانع، فلا يكون جاهلًا ولا متأولًا ولا مكرهًا .. الخ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: (فقد يكون الفعل أو المقالة كفرًا، ويطلق القول بتكفير من قال تلك المقالة، أو فعل ذلك الفعل، ويقال: من قال كذا، فهو كافر، أو من فعل ذلك، فهو كافر. لكن الشخص المعين الذي قال ذلك القول أو فعل ذلك الفعل لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها. وهذا الأمر مطرد في نصوص الوعيد عند أهل السنة والجماعة، فلا يشهد على معين من أهل القبلة بأنه من أهل النار، لجواز أن لا يلحقه، لفوات شرط أو لثبوت مانع) (١)\nفإذا توفرت الشروط وانتفت الموانع حكم بردته فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، وسنبحث في هذه الفقرة:\nأ - النصوص المحذرة من إطلاق التكفير على المعين دون بينة وتطبيقات السلف لذلك.\nب- نصوص تدل على تكفير المعين إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع وتطبيقات السلف لذلك.\nأ- قال ابن أبي العز الحنفي: (وأما الشخص المعين، إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت، ولهذا ذكر أبو داود في (سننه) في كتاب: الأدب، باب: النهي عن البغي. وذكر فيه عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يومًا على ذنب، فقال له أقصر، فقال خليني وربي، أبعثت علي رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا؟ أو كنت على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده، لتكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته» (٢) وهو حديث حسن، ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدًا مخطئًا مغفورًا له، ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله) (٣).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٦٥).\n(٢) رواه أبو داود (٤٩٠١). وسكت عنه. وقال الألباني في «صحيح سنن ابي داود»: صحيح.\n(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (٣٥٧، ٣٥٨).","vol":"6","page":272},{"text":"ومن الأحاديث المحذرة من تكفير المسلم قوله ﷺ: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما» (١) قال الحافظ في الفتح (والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم وقيل معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله) (٢) وقال القرطبي ﵀: (والحاصل أن المقول له إن كان كافرًا كفرًا شرعيًا فقد صدق القائل وذهب بها المقول له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرة ذلك القول وإثمه) (٣).\nوهذا الوعيد والزجر إن لم يكن مع الكفر بينة كما ذكر القرطبي، ولم يكن متأولًا ومن فقه البخاري أن وضع هذا الحديث تحت باب (من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال) ثم ذكر بعده بابًا آخر بعنوان (باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا) ثم ذكر بعض الأحاديث (٤) الدالة على المقصود.\nومن الأدلة التي يمكن الاستدلال بها للتحذير من التكفير موقف السلف من أحاديث الوعيد لمن ارتكب الكبائر وعدم إنفاذها على الأعيان من مثل قوله – ﷺ-: «لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه» (٥) ولعنه شارب الخمر، والواصلة والمستوصلة والراشي والمرتشي وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:١٠] إلى غير ذلك من الأدلة (٦)، فهذه الأدلة القول بموجبها واجب على العموم والإطلاق من غير أن يعين شخصًا من الأشخاص فيقال: ملعون أو مستحق للنار. لإمكان التوبة، أو الحسنات الماحية أو المصائب المكفرة وغيرها من مكفرات الذنوب بل عد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القول بلحوق الوعيد لكل فرد من الأفراد بعينه، أقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب والمعتزلة وغيرهم (٧)، والتكفير هو من الوعيد (٨) بل أشد أنواع الوعيد فإذا كان هذا التحذير فيما دون الكفر، فالتحذير من إطلاق الكفر على التعيين أشد والله أعلم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠). من حديث ابن عمر رض الله عنهما.\n(٢) «فتح الباري» (١٠/ ٤٦٦).\n(٣) «فتح الباري» (١٠/ ٤٦٦).\n(٤) «فتح الباري» (١٠/ ٥١٥).\n(٥) رواه مسلم (١٥٩٨). من حديث جابر ﵁.\n(٦) انظر مزيدًا من الأدلة في «الفتاوي» (٢٠/ ٢٨٧، ٢٨٨).\n(٧) انظر «الفتاوى» (٢٠/ ٣٨٧،٣٨٨).\n(٨) انظر «الفتاوى» (٣/ ٢٣١، ١٠/ ٣٣٠، ٢٣/ ٣٤٥، ٣٤٦، ١٢/ ٤٩٨).","vol":"6","page":273},{"text":"وقد التزم أهل السنة بموجب هذه التوجيهات فعرفوا باحتياطهم في التكفير رغم أن أغلب الفرق باستثناء المرجئة تتساهل في المسألة، بل وتكفر أهل السنة أما أهل السنة فالتزموا الضوابط الشرعية، يقول شيخ الإسلام: (فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى) (١) وقال ﵀: (إني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى) (٢).\n(ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاه الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم) (٣).\nفهذا أنموذج عظيم للتطبيق العملي لهذا المبدأ وفيه رد عملي على أدعياء العلم من المبتدعة الذين يزعمون أن شيخ الإسلام يكفر المسلمين إلى آخر هذا الكلام المستند إلى الهوى والتعصب.\nوإليك أنموذجًا آخر للتطبيق العملي لهذا المنهج وهو موقف الإمام أحمد إمام أهل السنة ﵀ من أعيان الجهمية ممن آذوه، ودعوا الناس إلى بدعتهم وعاقبوا مخالفهم الجهمية: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة وغير ذلك، ويدعون الناس إلى ذلك ويمتحنونهم ويعاقبونهم، إذا لم يجيبوهم ويكفرون من لم يجبهم، حتى إنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق، وغير ذلك، ولا يولون متوليًا ولا يعطون رزقًا من بيت المال إلا لمن يقول ذلك، ومع هذا فالإمام أحمد ﵀ ترحم عليهم واستغفر لهم لعلمه بأنهم لم يبين لهم أنهم مكذبون للرسول – ﷺ- ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال لهم ذلك (٤).\nيتبين مما سبق أن أهل السنة يطلقون التكفير بالعموم، وكذلك الوعيد ولكن الحكم على المعين بالكفر والوعيد لابد فيه من الدقة والاحتياط للتأكد من توفر الشروط وانتفاء الموانع.\nلكن ظن بعض المتوهمين - بسبب قراءتهم لهذه النصوص وأمثالها - أن أهل السنة لا يكفرون المعين، هكذا بالإطلاق، وظنهم هذا شبيه بظن من اعتقد أن أهل السنة يتساهلون في مسألة التكفير ...\nب- نصوص تدل على تكفير المعين إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع، وتطبيقات السلف لذلك.\n_________\n(١) «الرد على البكري» (ص: ٢٦٠).\n(٢) «الفتاوى» (٣/ ٢٢٩)، يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب في تعليقه على هذا الكلام (وهذه صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه لا يذكر عدم تكفيره المعين إلا ويصله بما يزيل الإشكال إن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أو تفسيق أو معصية) «مفيد المستفيد» (ص: ١٠).\n(٣) «الرد على البكري» (ص: ٤٦)، ومع ذلك فشيخ الإسلام حكم بكفر من لا شبهة في كفره كالباطنية ومن قامت عليه الحجة .. الخ.\n(٤) «الفتاوى» (٢٣/ ٣٤٨، ٣٤٩) وانظر نصًا شبيهًا (١٢/ ٤٨٨، ٤٨٩).","vol":"6","page":274},{"text":"من تأمل كلام أهل السنة في هذه المسألة يتضح له تحفظهم من إطلاق التكفير إلا إذا قامت الحجة على المعين ويفهم من ذلك بداهة أنه إذا قامت الحجة على المعين وأصر على عمل الكفر فإنه يحكم بكفره ويستتاب فإن تاب وإلا قتل انظر قول شيخ الإسلام ﵀: (إذا عرف هذا فتكفير (المعين) من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار - لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية، التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر، وهكذا الكلام في تكفير جميع (المعينين) مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزال إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة) (١).\nإذًا إذا قامت الحجة وزالت الشبهة وتيقنا من إصراره وتكذيبه فلابد من تكفيره وهذا أمر معروف ومجمع عليه لدى علماء الأمة قاطبة.\nولذلك ذكر الفقهاء في كتبهم (كتاب المرتد) وذكروا فيه الأحكام المترتبة على من ارتد عن دينه من نكاح وإرث، ونحوه. وتصرفات المرتد في ردته من بيع وهبة وعتق .. وكذلك الأشياء التي يصير بها المسلم كافرًا واستتابته فإذا لم يتب قتل إجماعًا (٢).\n_________\n(١) «الفتاوى» (١٢/ ٥٠٠، ٥٠١) وانظر «الفتاوى» (٣/ ٢٢٩) وغيرها كثير.\n(٢) انظر: «المغني» لابن قدامة (ص: ١٢٣) وما بعدها.","vol":"6","page":275},{"text":"وهكذا فعل السلف مع من سب الرسول ﷺ أو من لم يرض بحكم الرسول ﷺ (١)، أو مع أعيان الجهمية كالجعد بن درهم وغيلان الدمشقي (٢) وما ورد من قتل السحرة (٣) .. الخ وأيضًا (أصحاب رسول ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويؤذنون ويصلون، فإن قال: إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي، فقل هذا هو المطلوب. إذا كان من رفع رجلًا إلى رتبة النبي ﷺ كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف (٤) أو صحابيًا أو نبيًا إلى مرتبة جبار السموات والأرض؟ ويقال أيضًا: الذين حرقهم علي ﵁ وتعلموا العلم من الصحابة، ولكنهم اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ .. ويقال أيضًا: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس، كلهم يشهدون بألسنتهم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين ويقال أيضًا: الذين قال الله فيهم: يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ [التوبة:٧٤] أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن الرسول ﷺ ويجاهدون معه ويصلون معه ويزكون ويحجون ويوحدون، وكذلك الذين قال الله فيهم: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فهؤلاء الذين صرح الله فيهم، أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزاح ..) (٥).\n_________\n(١) انظر: «الصارم المسلول» (ص: ٥٩) وما بعدها.\n(٢) انظر: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي (٢/ ٣١٩) والبخاري في «خلق أفعال العباد» (ص: ١١٨)، والدارمي في «الرد على الجهمية» (ص: ٣٥٢، ٣٥٣).\n(٣) انظر «فتح المجيد» (ص: ٢٩١، ٢٩٢).\n(٤) من الطواغيت التي كانت تعبد في نجد قديمًا، «كشف الشبهات» (ص: ٤٠).\n(٥) «كشف الشبهات» (ص: ٣٩ - ٤٤).","vol":"6","page":276},{"text":"ومن التطبيقات العملية لتكفير المعين إذا قامت عليه الحجة إجماع السلف على قتال الطائفة الممتنعة (١) عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، استنادًا لقتال الصحابة لمانعي الزكاة رغم إقرارهم بها، واعتمد شيخ الإسلام هذه القاعدة في فتواه الشهيرة عن التتار ووجوب قتالهم كحال المرتدين فقال ﵀: (كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق ﵁ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر ﵄ فاتفق الصحابة ﵃ على القتال على حقوق الإسلام عملًا بالكتاب والسنة فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام، أو الحج أو التزام تحريم الدماء والأموال، والخمر والزنا .. فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء) إلى أن يقول ﵀: (وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام) (٢) بمنزلة مانعي الزكاة، وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب ﵁ (٣)، وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب- بعدما ذكر بعض الأمثلة - (ولو ذهبنا نعدد من كفره العلماء مع ادعائه الإسلام وأفتوا بردته لطال الكلام ..) (٤)\nوبهذه الأمثلة والتطبيقات تتضح الصورة لمريد الحق إن شاء الله. والخلاصة أن من أظهر شيئًا من مظاهر الكفر لا يكفر حتى تقام عليه الحجة للتأكد من دوافعه لهذا العمل فإذا زالت الشبهة وأصر استتيب فإن تاب وإلا قتل. لكن يرد تساؤل هنا وهو ما مفهوم قيام الحجة؟ وهل كل من فعل مكفرًا ولو كان في دار علم، يقال لم تقم عليه الحجة؟ نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ١/ ٢٠٩\nوينبغي أن يُعلم أنه لا يخلو حال من التزم بغير الشريعة سواء كان مشرعًا أو حاكمًا من ثلاثة احتمالات:\nالأول: أن يكون جاهلًا بلزوم الالتزام بالشريعة، غير جاهل ولا متأول.\nالثالث: أن يكون عالمًا بلزوم الالتزام بالشرعية، لكنه يجهل أن فعله يتعارض مع أصل الالتزام بالشريعة، لعدم علمه بالحكم الشرعي في ذلك. فلا يكون فعله ردًا لها، أو متأولًا غير قاصد رد حكم الله ولو علمه.\nفمن كان جاهلًا أنه يلزمه اتباع الرسول ﷺ، والالتزام بالشريعة إجمالًا فهو كافر كفرًا أصليًا. لأن من شروط تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله العلم بمدلولها، الذي هو تصديق الرسول ﷺ والالتزام بالشريعة، تصديقًا والتزامًا إجماليًا، يقتضي التصديق والالتزام التفصيلي. وهذا الأمر لا يعذر فيه أحد بجهل أو تأول أو إكراه، فلا يتحقق الإيمان إلا به، ولا تكون النجاة في الآخرة دون تحقيقه.\n_________\n(١) لا يلزم من المقالة التكفير في كل حال، لكن قتال الطائفة الممتنعة من باب التكفير كما في كلام شيخ الإسلام.\n(٢) وهذا يدل على تكفير شيخ الإسلام للتتار.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٠٢ - ٥٠٤)، وانظر الفتوى كاملة ومفصلة (٢٨/ ٥٠١ - ٥٤٣).\n(٤) «الرسائل الشخصية» (٢٢٠).","vol":"6","page":277},{"text":"لكنا لا نعلم ذلك من حال المعين بمجرد فعله الظاهر، لأنه كما قد يكون جاهلًا بوجوب الالتزام بالشريعة لتحقيق أصل الدين، فقد يكون غير جاهل، فلا يجوز الجزم بكفر من ظهر منه ذلك إلا ما اطلعنا عليه بإخبار المعين عن نفسه بذلك، أو اعترافه به بما لا يحتمل معه إلا أن يكون جاهلًا بحقيقة اشتراط الالتزام بالشريعة في أصل الدين.\nوأما من كان غير جاهل بلزوم الالتزام بالشريعة في تحقيق أصل الدين – كما هو مفترض في كل من أقر بالإسلام – ورد الشريعة بالتزامه بغيرها تعمدًا لذلك فهو كافر، ولا ينظر لكونه مستحلًا أو غير مستحل، جاحدًا أو غير جاحد. وهذا هو مناط النزاع بين أهل السنة والمرجئة. فهو نزاع إذن في الحكم على المعين ناتج عن النزاع في حقيقة الإيمان والكفر على ما سبق بيانه.\nوأما العالم بلزوم الالتزام بالشريعة لتحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله، لكن تحققت منه المخالفة في الظاهر بالالتزام بغير الشريعة، ولكن لا على جهة رفض الشريعة وردها، بل قد يكون عن ظن بأن فعله لا يناقض حقيقة الالتزام. فهذا لا يحكم بكفره بمجرد الفعل.\nوهنا لابد من إقامة الحجة على المعين، شبهته، حتى يعلم أن ما يفعله هو رد لشريعة الله، فإن أصر على فعله كفر، لأنه حينئذ يكون قد فعل ما فعل ردًا ورضًا للشريعة، وهذا هو مناط التكفير هنا.\nوإذا تأملنا هذه الحالة والتي قبلها وجدناها من حيث الظاهر سواء، لاتفاقهما في العمل الظاهر. ونتيجة لذلك فإنه يلزم التبين عن حال المعين قبل تكفيره، وهل فعل ما فعل ردًا للشريعة أم أن له شبهات وتأولات، فإن كانت الأولى كان كافرًا، وإن كان ممن يعذر بجهل أو تأول لم يحكم بكفره حتى تقام الحجة عليه وتزال شبهته.\nوفي هذه المسألة وحكمها يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر. فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلًا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر. فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله، كسواليف البادية وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر.\nفإن كثيرًا من الناس أسلموا ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم، التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالًا) (١).\nوملخص كلام شيخ الإسلام ﵀ هو:\n١ - أنه قد يحصل ممن هو مسلم التزام بغير الشريعة في الظاهر، لكن لا على جهة رد الشريعة ورفضها، بل قد يكون ذلك عن جهل أو شبهة.\n٢ - أن من تحقق منه ذلك في الظاهر لا يكفر بمجرد فعله، وإن كان فعله كفرًا، حتى يعرف أن فعله يناقض حقيقة الالتزام بالدين الذي يفترض أنه يعلمه.\n٣ - أن من أصر على فعله بعد التعريف والبيان يكفر، ويسميه شيخ الإسلام هنا مستحلًا، وهذا ليس الاستحلال الذي يقصده المرجئة ويشترطونه في تكفير من شرع من دون الله، لأن الاستحلال عندهم لا يمكن الاطلاع عليه إلا من جهة النطق به، وأما مجرد الفعل فلا دلالة فيه عندهم على الاستحلال قبل التعريف أو بعده.\nولهذا ذكر الإمام ابن تيمية أن تحكيم غير الشريعة كفر، والمرجئة لا يقولون بذلك فيما يتعلق بالوصف الشرعي. وأن من أصر على تحكيم غير الشريعة بعد التعريف يكفر ويكون مستحلًا. والمرجئة لا يقولون بذلك في حكم المعين، والعبرة بحقائق الألفاظ لا بصورها.\n_________\n(١) «منهاج السنة النبوية» لابن تيمية (٥/ ١٣٠)","vol":"6","page":278},{"text":"ويقول الشيخ محمد رشيد رضا عن آيات المائدة وحكم المعرض عن شرع الله: (في الآية الأولى كان الكلام في التشريع وإنزال الكتاب مشتملًا على الهدى والنور، والتزام الأنبياء وحكماء العلماء العمل به، والوصية بحفظه. وختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعان له، رغبة عن هدايته ونوره، مؤثرًا لغيره عليه فهو كافر به. وهذا واضح لا يدخل فيه من لم يتفق له الحكم به، أو من ترك الحكم به عن جهالة ثم تاب إلى الله. وهذا العاصي بترك الحكم الذي يتحامى أهل السنة القول بتكفيره) (١).\nوفي بيان الفرق بين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل. واشتراط انتفاء الشبهة في تكفير من حكم بالقوانين الوضعية يقول الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله: (من وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله، وبمخالفة هذه القوانين لحكم الله فهذا قد بدل الشريعة بهذه القوانين فهو كافر، لأنه لم يرغب بهذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه خير للعباد والبلاد من شريعة الله، وعندما نقول بأنه كافر فمعنى ذلك أن هذا الفعل يوصل إلى الكفر.\nولكن قد يكون الواضع له معذورًا، مثل أن يغرر به، كأن يقال إن هذا لا يخالف الإسلام، أو هذا من المصالح المرسلة، أو هذا مما رده الإسلام إلى الناس) (٢).\nويقول الأستاذ عبد القادر عودة ﵀ في نفس القضية: (من المتفق عليه أن من يستحدث من المسلمين أحكامًا غير ما أنزل الله، ويترك الحكم بكل أو بعض ما أنزل، من غير تأويل يعتقد صحته فإنه يصدق عليهم ما وصفهم به الله تعالى من الكفر والظلم والفسق، كل بحسب حالته) (٣). ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني– ص ١٧١\nوالمقصود الإشارة إلى أمرين:\nالأول: ضرورة الاحتياط وعدم التسرع في إطلاق الحكم على المعين، الذي قد يكون معذورا بوجه من الوجوه، ولهذا قال شيخ الإسلام: (ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعيّن إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع. يبيّن هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه) (٤).\nوقال: وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع، يقال: هي كفرٌ قولًا يطلقُ، كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية؛ فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر، حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه، مثل من قال: إن الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلامًا أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول الله ﷺ (٥).\n_________\n(١) «تفسير المنار» محمد رشيد رضا (٦/ ٤٠٤)\n(٢) «القول المفيد على كتاب التوحيد» الشيخ محمد بن عثيمين (٢/ ٢٦٨ – ٢٦٩)\n(٣) «التشريع الجنائي الإسلامي» عبد القادر عودة (٢/ ٧٠٩).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٨٧).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٦٥).","vol":"6","page":279},{"text":"وقال: والتحقيق في هذا أن القول قد يكون كفرًا، كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يُرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيُطلقُ القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة، كمن جحد وجوب الصلاة والزكاة، واستحل الخمر والزنا، وتأول؛ فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأول المخطئ في تلك لا يُحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته، كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى. (١).\nوقال أيضا: ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يُحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول. (٢).\nوقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: (فإن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسائل خفية، مثل مسألة الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرّف. وأما أصول الدين التي وضحها الله، وأحكامها في كتابه، فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وفهم الحجة) (٣).\nوالأمر الثاني:\nالتنبيه على خطأ عظيم وقع فيه بعض من تكلم في ضوابط التكفير، وهو ظنهم أن الشهوة أو إرادة الدنيا، مانع من موانع التكفير، وأن الإنسان لا يكفر إلا إذا قصد الكفر واعتقده وانشرح صدره به.\nومقصودهم أن الإنسان لو قال الكفر أو عمله، عامدًا عالمًا أنه كفر، ثم زعم أنه لم يُرد الكفر، وإنما أراد تحصيل شهوة أو عرض من الدنيا، أنه لا يكفر.\nوهذا ضلال بيِّن، مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة في مواضع، فإن الله تعالى بيَّن أن من أسباب الكفر والردة إرادةَ الحياة الدنيا واستحبابَها، فكيف يأتي من يجعل ذلك مانعا من موانع التكفير.\n١ - قال الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [النحل:١٠٦ - ١٠٧]\n٢ - وقال سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:٦٥ - ٦٦]\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١٩).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٧).\n(٣) «الدرر السنية» (١٠/ ٤٣٤).","vol":"6","page":280},{"text":"قال شيخ الإسلام: (والكافر قد يعلم وجود ذلك الضرر لكنه يحمله حب العاجلة على الكفر. يبين ذلك قوله: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [النحل:١٠٦ - ١٠٧]، فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه وذكر وعيده في الآخرة ثم قال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ [النحل:١٠٧] وبين تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا. والله ﷾ جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران. واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة، وبأنه ما له في الآخرة من خلاق) (١).\nوقد اشتبه على بعضهم المراد من قوله تعالى: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:١٠٦] فظن أن هذا شرط في التكفير، وأنه يجب التحقق من قصد المتكلم هل أراد الكفر أم أراد المال والمتاع. وليس في الآية ما يدل على ما ذهبوا إليه، بل هذا قيد في تكفير المكره خاصة، فلا يكفر حال الإكراه إلا أن ينشرح صدره بالكفر. وكل من تكلم بالكفر طوعا فقد شرح صدره به.\nوقد بين شيخ الإسلام هذه المسألة بيانا شافيا في مواضع من كتبه، قال: (فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة عامدًا لها عالمًا بأنها كلمة كفر، فإنه يكفر بذلك ظاهرا وباطنا، ولا يجوز أن يُقال إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام. قال الله سبحانه: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل: ١٠٦]، ومعلوم أنه لم يُرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط؛ لأن ذلك لا يُكره الرجل عليه، وهو قد استثنى من أُكره. ولم يُرد من قال واعتقد؛ لأنه استثنى المكره، وهو لا يكره على العقد والقول، وإنما يكره على القول فقط، فعُلم أنه أراد: من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، وأنه كافر بذلك إلا من أُكره وهو مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرا من المكرهين فإنه كافر أيضا، فصار كل من تكلم بالكفر كافرا إلا من أكره، فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وقال تعالى في حق المستهزئين: لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٦]، فبيّن أنهم كفار بالقول، مع أنهم لم يعتقدوا صحته، وهذا باب واسع، والفقه فيه ما تقدم من أن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم وإرادة فعلٍ فيه استهانةٌ واستخفاف، كما أنه يوجب المحبة والتعظيم) (٢).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٩).\n(٢) «الصارم المسلول» (٣/ ٩٧٥).","vol":"6","page":281},{"text":"وقال: (فإن قيل: فقد قال تعالى: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:١٠٦] قيل: وهذا موافق لأولها؛ فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرا، وإلا ناقض أول الآية آخرها، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره وذلك يكون بلا إكراه لم يستثن المكره فقط، بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره. وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعا فقد شرح بها صدرا، وهي كفر، وقد دل على ذلك قوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:٦٤ - ٦٦] فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم، مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له بل كنا نخوض ونلعب، وبيّن أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام) (١).\nوقال: (وأيضا: فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن منه المكره؛ لأن الإكراه على ذلك ممتنع. فعُلم أن التكلم بالكفر كفر لا في حال الإكراه. وقوله تعالى: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:١٠٦] أي لاستحبابه الدنيا على الآخرة. ومنه قول النبي ﷺ: «يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا» (٢).\nوالآية نزلت في عمار بن ياسر وبلال بن رباح وأمثالهما من المؤمنين المستضعفين لما أكرههم المشركون على سب النبي ﷺ ونحو ذلك من كلمات الكفر، فمنهم من أجاب بلسانه كعمار، ومنهم من صبر على المحنة كبلال، ولم يكره أحد منهم على خلاف ما في قلبه، بل أكرهوا على التكلم، فمن تكلم بدون الإكراه لم يتكلم إلا وصدره منشرح به) (٣).\nفتبين بهذا أن انشراح الصدر بالكفر، في حق من تكلم به طائعا: وصف لازم، لا شرط أو قيد في التكفير.\nومن فقه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أنه ختم رسالته الجامعة (كشف الشبهات) بذكر آيتي النحل والتوبة، قال: (ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله:\nأولاهما: قوله تعالى: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:٦٦] فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله ﷺ كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب والمزاح، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر ويعمل به خوفًا من نقص مالٍ، أو جاهٍ أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٢٠).\n(٢) رواه مسلم (١١٨) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو بلفظ: (أو يمسي مؤمنا) والذي في الفتاوى: (ويمسي مؤمنا).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٦٠).","vol":"6","page":282},{"text":"والآية الثانية: قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [النحل:١٠٦] فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفًا أو مداراة، أو مشحةً بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعله على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض، إلا المكره.\nفالآية تدل على هذا من وجهين:\nالأول: قوله تعالى: إِلا مَنْ أُكْرِهَ فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها.\nوالثاني: قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ [النحل: ١٠٧]، فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين ومحبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين) (١).\nقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله موضحًا وشارحًا: (فالحاصل أن الذي يتكلم بكلمة الكفر لا يخلو من خمس حالات:\nالحالة الأولى: أن يكون معتقدا ذلك بقلبه، فهذا لا شك في كفره.\nالحالة الثانية: أن لا يكون معتقدا ذلك بقلبه، ولم يكره على ذلك، ولكن فعله من أجل طمع الدنيا أو مداراة الناس وموافقتهم، فهذا كافر بنص الآية: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ [النحل: ١٠٧].\nالحالة الثالثة: من فعل الكفر والشرك موافقة لأهله وهو لا يحبه ولا يعتقده بقلبه، وإنما فعله شحا ببلده أو ماله أو عشيرته.\nالحالة الرابعة: أن يفعل ذلك مازحا ولاعبا، كما حصل من النفر المذكورين. وهذا يكون كافرا بنص الآية الكريمة.\nالحالة الخامسة: أن يقول ذلك مكرها لا مختارا، وقلبه مطمئن بالإيمان، فهذا مرخص له في ذلك دفعا للإكراه.\nوأما الأحوال الأربعة الماضية فإن صاحبها يكفر كما صرحت به الآيات.\nوفي هذا رد على من يقول: إن الإنسان لا يحكم عليه بالكفر ولو قال كلمة الكفر أو فعل أفعال الكفر حتى يعلم ما في قلبه، وهذا قول باطل مخالف للنصوص، وهو قول المرجئة الضلال) (٢).\nوقال أيضا: (وهذا يدل على بطلان قول من يقول: إن من قال كلمة الكفر أو عمل الكفر لا يكفر حتى يعتقد بقلبه ما يقول ويفعل. ومن يقول: إن الجاهل يعذر مطلقا ولو كان بإمكانه أن يسأل ويتعلم، وهي مقالة ظهرت ممن ينتسبون إلى العلم والحديث في هذا الزمان) (٣).\n_________\n(١) «كشف الشبهات»، ضمن «الجامع الفريد» (ص٢٧٧) وما بعدها.\n(٢) «شرح كشف الشبهات» للشيخ صالح الفوزان، (ص: ١٢٢).\n(٣) «شرح كشف الشبهات» للشيخ صالح الفوزان، (ص: ٥٥).","vol":"6","page":283},{"text":"وقال الشيخ حمد بن علي بن عتيق: ردا على أحد المخالفين: (وأما خروجه عما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة وما عليه الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم، فقوله: (فمن شرح بالكفر صدرا أي فتحه ووسعه وارتد عن الدين وطابت نفسه بالكفر، فذلك الذي ندين الله بتكفيره). هذه عبارته، وصريحها أن من قال الكفر أو فعله، لا يكون كافرا، وأنه لا يكفر إلا من فتح صدره للكفر ووسعه، وهذا معارضة لصريح المعقول وصحيح المنقول، وسلوك سبيل غير سبيل المؤمنين؛ فإن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة قد اتفقت على أن من قال الكفر أو فعله كفر، ولا يشترط في ذلك انشراح الصدر بالكفر، ولا يستثنى من ذلك إلا المكره. وأما من شرح بالكفر صدرا، أي فتحه ووسعه وطابت نفسه به ورضي، فهذا كافر عدو لله ولرسوله وإن لم يتلفظ بذلك بلسانه ولا فعله بجوارحه، هذا هو المعلوم بدلالة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ونبين ذلك بوجوه ...) (١).\nوقد جاء في سبب نزول آية التوبة، ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبدالله بن عمر ﵁ قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء! فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق! لأخبرن رسول الله ﷺ فبلغ ذلك النبي ﷺ ونزل القرآن. قال عبدالله بن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] (٢).\nوينبغي أن يُعلم أن هؤلاء المستهزئين الذين كفروا بعد إيمانهم، لم يكونوا قبل ذلك كافرين منافقين، كما ذهب إليه البعض، بل التحقيق أنهم كانوا مسلمين معهم إيمان ضعيف، لم يمنعهم من تلك المقالة، فكفروا بها.\nوقد بيّن الله أنّ كفرهم كان بهذا القول لا بشيء آخر، ولم يكذبهم فيما ادعوه من الهزل وعدم إرادة الكفر، وفي هذا يقول شيخ الإسلام:\n_________\n(١) «الدفاع عن أهل السنة والاتباع»، (ص: ٢٠) وما بعدها، وقد رد على تلك الضلالة من عشرة أوجه.\n(٢) رواه الطبري في «تفسيره» (١٤/ ٣٣٣)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٧/ ٣١٣).","vol":"6","page":284},{"text":"(وقول من يقول عن مثل هذه الآيات: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولا بقلوبهم: لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر. وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم، وهم مع خواصهم ما زالوا هكذا، بل لما نافقوا وحذروا أن تنزل سورة تبين ما في قلوبهم من النفاق وتكلموا بالاستهزاء صاروا كافرين بعد إيمانهم، ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين، وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ [التوبة:٧٣ - ٧٤]، فهنا قال: وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ [التوبة:٧٤] فهذا الإسلام قد يكون من جنس إسلام الأعراب، فيكون قوله: بعد إيمانهم، وبعد إسلامهم سواء، وقد يكونون ما زالوا منافقين، فلم يكن لهم حال كان معهم فيها من الإيمان شيء، لكونهم أظهروا الكفر والردة، ولهذا دعاهم إلى التوبة فقال: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا [التوبة:٧٤] بعد التوبة عن التوبة يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ [التوبة:٧٤] وهذا إنما هو لمن أظهر الكفر فيجاهده الرسول بإقامة الحد والعقوبة، ولهذا ذكر هذا في سياق قول: جَاهِدِ الْكُفارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:٧٣]، ولهذا قال في تمامها: وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [التوبة:٧٤] وهؤلاء الصنف الذين كفروا بعد إسلامهم غير الذين كفروا بعد إيمانهم؛ فان هؤلاء حلفوا بالله ما قالوا، وقد قالوا كلمة الكفر التي كفروا بها بعد إسلامهم، وهموا بما لم ينالوا، وهو يدل على أنهم سعوا في ذلك فلم يصلوا إلى مقصودهم، فإنه لم يقل: هموا بما لم يفعلوا، لكن بما لم ينالوا، فصدر منهم قول وفعل. قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة: ٦٥]، فاعترفوا واعتذروا، ولهذا قيل: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة: ٦٦]، فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبيّن أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفرا، وكان كفرا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه) (١).\nوقال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀: (وأما قوله: فكما لا يكون الكافر مؤمنا إلا باختياره للإيمان، كذلك لا يكون المؤمن كافرا من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بالإجماع.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٧٢).","vol":"6","page":285},{"text":"فالجواب أن يقال: نعم لا يكون الكافر مؤمنا إلا باختياره للإيمان، وأما العكس فمعاذ الله، فإنه قياس باطل مردود، والإجماع المذكور مخالف لكتاب الله وسنة رسوله؛ لأن الذين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء، يعنون رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، لم يقولوها من حيث لم (١) يقصدوا الكفر، ولم يختاروه، وإنما قالوه على وجه المزح واللعب، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، فقال: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ... وهذا يفيد الإنسان الحذر، فإن في هذا بيان أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها، أو عمل يعمل به، وأشدها خطرا إرادات القلوب، فهي البحر الذي لا ساحل له. ويفيد الخوف من النفاق الأكبر، فإن الله تعالى أثبت لهؤلاء إيمانا قبل أن يقولوا ما قالوه) (٢).\nفتبين أن هؤلاء المستهزئين قالوا قولا لم يعتقدوا صحته، ولا جوازه، ولم يظنوه كفرا، لكن علموا أنه محرم. وهذا صريح في أنه لا يُشترط في الكفر اعتقاده أو قصده، بل من قال الكفر أو فعله عالما مختارا، فهو كافر، وإن ادعى أنه لم يقصد الكفر، أو لم يرد إلا الحياة الدنيا، بل إرادة الحياة الدنيا هي الباعث على كفر كثير ممن علموا صدق الرسول، وأيقنوا أن ما جاء به هو الحق.\nولهذا كان من المقرر عند أهل العلم أن الهازل بالكفر يكفر، مع أنه يدعي أنه لم يعتقد الكفر ولم يقصد إليه، وقد يكون صادقا في نفس الأمر، لكن الفقه في هذا ما تقدم من أن الإيمان في القلب يمنع من التكلم بكلمة الكفر (٣).\nوقد بين شيخ الإسلام أن وصف الهزل مُهدر في نظر الشرع، فتبقى الكلمة المكفرة موجبة لمقتضاها، قال: (ومما يقارب هذا أن كلمتي الكفر والإيمان إذا قَصد الإنسان بهما غير حقيقتهما: صح كفره ولم يصح إيمانه؛ فإن المنافق قصد بالإيمان مصالح دنياه من غير حقيقة لمقصود الكلمة، فلم يصح إيمانه، والرجل لو تكلم بكلمة الكفر لمصالح دنياه من غير حقيقة اعتقاد صح كفره باطنًا وظاهرًا.\nوذلك لأن العبد مأمور بأن يتكلم بكلمة الإيمان معتقدا لحقيقتها، وأن لا يتكلم بكلمة الكفر أو الكذب جادا ولا هازلا، فإذا تكلم بالكفر أو الكذب، جادا أو هازلا كان كافرا أو كاذبا حقيقة، لأن الهزل بهذه الكلمات غير مباح، فيكون وصف الهزل مُهدرا في نظر الشرع؛ لأنه محرم، فتبقى الكلمة موجبة لمقتضاها) (٤).\n_________\n(١) العبارة فيها قلق، ولا وجه لذكر (لم) هنا ولا فيما بعدها، لكن المعنى المراد بيّن.\n(٢) «الأسنة الحداد في رد شبهات علوي حداد» للشيخ سليمان بن سحمان، (ص: ١٦١) وما بعدها.\n(٣) قال القاضي أبو بكر ابن العربي ﵀: (لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا أو هزلا، وهو كيفما كان كفر؛ فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة) انتهى من «أحكام القرآن» (٢/ ٥٤٣) ونقله القرطبي (٨/ ١٨١). وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في شرح قول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره): (لا فرق في هذه النواقض العشرة بين الجاد: الذي يقصد ما يقول أو يفعل، والهازل: وهو الذي لا يقصد، وإنما يفعل هذا من باب المزح واللعب، وفي هذا رد على هؤلاء المرجئة الذين يقولون: لا يكفر حتى يعتقد بقلبه). ا. هـ. من «سلسلة شرح الرسائل»، (ص٢٨٦).\n(٤) «إقامة الدليل على بطلان التحليل»، ضمن «الفتاوى الكبرى» (٦/ ٧٥).","vol":"6","page":286},{"text":"٣ - وقد دلت السنة على ما دل عليه القرآن، قال شيخ الإسلام: (السنّة الثالثة عشرة: ما رويناه من حديث أبي القاسم عبدالله بن محمد البغوي ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ثنا علي بن مسهر عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه قال: جاء رجل إلى قوم في جانب المدينة فقال: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أحكم فيكم برأيي وفي أموالكم وفي كذا وفي كذا وكان خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه ثم ذهب حتى نزل على المرأة فبعث القوم إلى رسول الله ﷺ فقال: «كذب عدو الله» ثم أرسل رجلا فقال: «إن وجدته حيا فاقتله وإن أنت وجدته ميتا فحرقه بالنار» فانطلق فوجده قد لدغ فمات فحرقه بالنار فعند ذلك قال رسول الله ﷺ «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».\nورواه أبو أحمد بن عدي في كتابه (الكامل)، قال: ثنا الحسن بن محمد بن عنبر ثنا حجاج بن يوسف الشاعر ثنا زكريا بن عدي ثنا علي بن مسهر عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه قال: كان حي من بني ليث من المدينة على ميلين وكان رجل قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوجوه فأتاهم وعليه حلة فقال: إن رسول الله ﷺ كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبها فأرسل القوم إلى رسول الله ﷺ فقال: «كذب عدو الله» ثم أرسل رجلا فقال: «إن وجدته حيا وما أراك تجده حيا فاضرب عنقه وإن وجدته ميتا فاحرقه بالنار» قال فذلك قول رسول الله ﷺ: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (١). هذا إسناد صحيح على شرط الصحيح لا نعلم له علة) (٢).\nإلى أن قال: (ثم إن هذا الرجل لم يُذكر في الحديث أنه قصد الطعن والإزراء، وإنما قصد تحصيل شهوته بالكذب عليه، وهذا شأن كل من تعمد الكذب عليه، فإنه إنما يقصد تحصيل غرض له إن لم يقصد الاستهزاء به. والأغراض في الغالب إما مال أو شرف، كما أن المتنبي إنما يقصد- إذا لم يقصد مجرد الإضلال- إما الرياسة بنفاذ الأمر وحصول التعظيم، أو تحصيل الشهوات الظاهرة. وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر، كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرا؛ إذ لا يكاد يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله) (٣).\n٤ - وروى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُمْ مَعَ صَلاتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ» (٤).\nومعلوم أن عامة هؤلاء لا يريدون المروق من الدين، ولا يقصدون إليه، لما ذكر عنهم من العبادة العظيمة، في غير نفاق، فدل على أنه قد يمرق الإنسان من الدين من غير أن يقصد ذلك.\n_________\n(١) رواه ابن عدي في «الكامل» (٥/ ٨١). وقال: (فيه) صالح بن حيان عامة ما يرويه غير محفوظ. وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٧/ ٣٧٤): منكر. وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٤/ ١٤٦٩): حسن. وقال المعلمي في «الأنوار الكاشفة» (١٣٧): راويه عن ابن بريده صالح بن حيان وهو ضعيف له أحاديث منكرة.\n(٢) «الصارم المسلول» (٢/ ٣٢٥).\n(٣) «الصارم المسلول» (٢/ ٣٣٩).\n(٤) رواه البخاري (٥٠٥٨)، ومسلم (١٠٦٤).","vol":"6","page":287},{"text":"قال الطبري ﵀ في (تهذيب الآثار)، بعد أن سرد أحاديث الباب: (فيه الرد على قول من قال: لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما؛ فإنه مبطل لقوله في الحديث: «يقولون الحق ويقرؤون القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء» (١)، ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه) (٢).\nوقال ابن هبيرة: (وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام) (٣).\nوالحاصل أن أهل السنة لا يشترطون في التكفير بالأقوال والأفعال، اعتقادَ الكفر أو قصدَه أو انشراحَ الصدر به، ولا يجعلون إرادة الحياة الدنيا واستحبابها مانعا من تكفير من قال أو فعل ما هو كفر أكبر.\nوالقصد المشترط في باب الردة هو قصد الفعل أو القول، ليَخرج نحو النائم والساهي، ممن يغلط فيتكلم بما لا يريد، كالرجل الذي قال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (٤).\nقال شيخ الإسلام ﵀: (إنّ قصدَ اللفظ بالعقود معتبرٌ عند جميع الناس، بحيث لو جرى اللفظ في حال نوم أو جنون أو سبق اللسان بغير ما أراده القلب، لم يترتب عليه حكم في نفس الأمر) (٥).\nوقرر الشاطبي ﵀ أن الأفعال إذا عريت عن المقاصد، كانت كحركات العجماوات والجمادات، فلا يتعلق بها حكم (٦). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير- ١/ ١٤٩\nالمطلب الثاني: الفرق بين تكفير المطلق وتكفير المعين\nيفرق أهل السنة بين تكفير المطلق وتكفير المعين، ففي الأول يطلق القول بتكفير صاحبه – الذي تلبس بالكفر – فيقال: من قال كذا، أو فعل كذا، فهو كافر، ولكن الشخص المعين الذي قاله أو فعله، لا يُحكم بكفره إطلاقًا حتى تجتمع فيه الشروط، وتنتفي عنه الموانع، فعندئذ تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.\nيقول ابن تيمية:\n(وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتُبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين، لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة) (٧).\nثم يقول: (إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يبين هذا أن الأمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه) (٨).\nويسوق ابن تيمية بعضًا من الأعذار الواردة على المعين، فيقول:\n_________\n(١) أصله في صحيح البخاري\n(٢) نقله في «فتح الباري» (١٢/ ٣٠٠).\n(٣) نقله في «فتح الباري» (١٢/ ٣٠١).\n(٤) رواه البخاري (٦٣٠٩) مختصرًا، ومسلم (٢٧٤٧)، واللفظ له.\n(٥) «الفتاوى الكبرى» (٦/ ٧٥)، وقال في (٤/ ٢٠٤): (وقررتُ أن كل لفظ بغير قصدٍ من المتكلم لسهو وسبق لسان أو عدم عقل فإنه لا يترتب عليه حكم).\n(٦) «الموافقات» (١/ ١٤٩) وأجاب عن تصحيح عقود السكران بأنه (لما أدخل السكر على نفسه كان كالقاصد). وقال شيخ الإسلام: (ثم إن أكثرهم صححوا عقود السكران مع عدم قصده اللفظ. قالوا: لأنه لما كان محرما عليه أن يزيل عقله، كان في حكم من بقي عقله).ا. هـ. من «الفتاوى الكبرى» (٦/ ٧٥).\n(٧) «الكيلانية» (ص: ٩٤)، و«مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٦٦).\n(٨) «الكيلانية» (ص: ١٠٧)، و«مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٨٧، ٤٨٨).","vol":"6","page":288},{"text":"(الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده، ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطاياه كائنًا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية، أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي ﷺ، وجماهير أئمة الإسلام) (١).\nإلى أن قال: (كان الإمام أحمد – ﵀ – يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته؛ لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول ﷺ ظاهرة بينة ... لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط ... ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية، ويدعون الناس إلى ذلك ويعاقبونهم، ويكفرون من لم يجبهم، ومع هذا فالإمام أحمد ترحم عليهم، واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم يبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال لهم بذلك ..\nوكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال:- القرآن مخلوق، كفرت بالله العظيم، بين له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد، لسعى في قتله) (٢).\nولقد طبق ابن تيمية هذا المسلك، فكان يقول: (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لاني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال) (٣).\nويقول الشيخ محمد بن عبدالوهاب:- (ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة إذا قال قولًا كان القول به كفرًا، فيقال من قال بهذا القول فهو كافر، ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك، لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها) (٤).\nوبهذا يتضح لنا أن التكفير العام المطلق يجب القول بعمومه وإطلاقه، وأما الحكم على المعين بأنه كافر، فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه، وانتفاء موانعه، فالكفر من الوعيد الذي نطلق القول به، ولكن لا نحكم للمعين بدخوله في ذلك المطلق حتى يقوم فيه المقتضي الذي لا معارض له (٥).\nوإذا ظهر لنا الفرق بين التكفير المطلق، وتكفير المعين، فسندرك خطأ فريقين من الناس، فهناك فريق من الناس قد غلا، فادعى تكفير المعين بإطلاق، دون النظر إلى الشروط والموانع، وفريق آخر امتنع عن تكفير المعين بإطلاق، فأغلق باب الردة. نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف – ص٥٢\nالمطلب الثالث: الحكم لمعين بالجنة أو النار\nأهل السنة والجماعة لا يجزمون لأحد بعينه كائنًا من كان؛ بجنة ولا نار إلا من جزم له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء (٦).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٤٦).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٤٨، ٣٤٩) باختصار.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٢٦).\n(٤) «الدرر السنية» (٨/ ٢٤٤).\n(٥) انظر لمزيد من التفصيل: «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٥٤، ١٢/ ٤٩٨، ٢٨/ ٥٠٠، ٥٠١، ٣٥/ ١٦٥).\n(٦) ولهذا لا يحكم على أحد قتل أو مات بأنه شهيد؛ لأن النية مردها إلى الله تعالى. والصحيح أن يقال: نسأل الله له الشهادة نحسبه شهيدًا إن شاء الله – ولا نزكي على الله أحدًا – بصيغة الدعاء وليس بصيغة الجزم لأن الجزم قول على الله بلا علم.","vol":"6","page":289},{"text":"ويعتقدون أن الجنة لا تجب لأحد، وإن كان عمله حسنًا إلا أن يتغمده الله بفضله فيدخلها برحمته، قال الله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور: ٢١]. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما من أحد يدخله عمله الجنة» فقيل: ولا أنت؟ يا رسول الله! قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني ربي برحمة» (١). الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري – ص: ١٣١\nوقد قرر هذا الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه حيث قال: (ولا يقطعون على أحد من أهل الملة أنه من أهل الجنة أو من أهل النار لأن علم ذلك يغيب عنهم لا يدرون على ماذا الموت؟ أعلى الإسلام أم على الكفر؟ ولكن يقولون: إن من مات على الإسلام مجتنبا للكبائر والأهواء والآثام فهو من أهل الجنة لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ [البينة: ٧]، ولم يذكر عنهم ذنبا أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَناتُ عَدْنٍ [البينة: ٧ - ٨]، ومن شهد له النبي ﷺ بعينه وصح ذلك عنه فإنهم يشهدون له بذلك اتباعا لرسول الله ﷺ وتصديقا لقوله) (٢). اعتقاد أئمة أهل الحديث للإسماعيلي ص ٦٨ - ٦٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨١٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «اعتقاد أئمة أهل الحديث» (ص: ٦٨ - ٦٩).","vol":"6","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1824>المطلب الأول: التكفير والتعذيب يكون بعد قيام الحجة</span>\nاستدل أهل السنة بأدلة كثيرة على أن التكفير، والتعذيب لا يكون إلا بعد قيام الحجة ومنها قوله تعالى: وَمَا كُنا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:١٥] وقوله ﷿: رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلناسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] وقوله تعالى: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ [الملك:٨ - ٩] وقال تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ [الأنعام:١٣٠] وقوله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا [القصص:٥٩]. وقوله تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ [فاطر:٣٧].\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: (الكتاب والسنة قد دلا على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأسًا، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية) .. ثم ذكر عددًا من الأدلة ... إلى أن قال: (فمن قد آمن بالله ورسوله، ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول، فلم يؤمن به تفصيلًا، أما أنه لم يسمعه، أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها، أو اعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذي يعذر به، فهذا قد جعل فيه من الإيمان بالله ورسوله ما يوجب أن يثيبه الله عليه، وما لم يؤمن به (١) لم تقم عليه به الحجة التي يكفر مخالفها) (٢).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀ بعدما ذكر هذه الآيات: (وهذا كثير في القرآن يخبر أنه إنما يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة) (٣).\nوقال الإمام الذهبي ﵀: (فلا يأثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحجة عليه، والله لطيف رؤوف بهم، قال تعالى: وَمَا كُنا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:١٥] وقد كان سادة الصحابة بالحبشة ينزل الواجب والتحريم على النبي – ﷺ – فلا يبلغهم إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، وكذا يعذر بالجهل من لم يعلم حتى يسمع النص والله أعلم) (٤).\nلكن قد يقول قائل: إن هذه الأدلة المستدل بها تنفي العذاب في الدنيا فقط؟ فيقال أولًا: (أنه خلاف ظاهر القرآن، لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقًا، فهو أعم من كونه في الدنيا، وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه.\n_________\n(١) أي تفصيلًا.\n(٢) «مجموع الفتاوي» (١٢/ ٤٩٣، ٤٩٤)، وانظر (١٧/ ٣٠٨).\n(٣) «طريق الهجرتين» (ص: ٣٨٤)، وانظر «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٨).\n(٤) «الكبائر» للذهبي (١٢)، تحقيق محي الدين مستو.","vol":"6","page":291},{"text":"الوجه الثاني: أن القرآن دل في آيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة، كقوله: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالوا بلى [الملك:٨ - ٩] وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل) (١).\nويمكن أن يقال ثالثًا: إن هذه النصوص إذا نفت التعذيب الدنيوي فالأخروي من باب أولى والله أعلم.\nإذًا لا تقوم الحجة إلا بإرسال الرسل وإنزال الكتب وبلوغ ذلك إلى المعين (٢). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ١/ ٢١٨\nولقد أرسل الله الرسل ﵈ مبشرين ومنذرين، وأقام سبحانه للناس أسباب الهداية، ومن تمام حكمته وعدله أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: وَمَا كُنا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلناسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ [الملك: ٧ - ٨].\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (٣)\nوتوضيحًا لما سبق ذكره نختار نبذة من مقولات العلماء على النحو الآتي:\nيقول ابن حزم: قال الله تعالى لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام: ١٩]، وقال ﷿ وَمَا كُنا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥].\nفنص تعالى على أن النذارة لا تلزم إلا من بلغته، لا من لم تبلغه، وأنه تعالى لا يعذب أحدًا حتى يأتيه رسول من عند الله ﷿، فصح بذلك أنه من لم يبلغه الإسلام أصلًا فإنه لا عذاب عليه، وهكذا جاء النص عن رسول الله ﷺ، «أنه يؤتى يوم القيامة بالشيخ الخرف، والأصم، ومن كان في الفترة، والمجنون، فيقول المجنون يارب أتاني الإسلام، وأنا لا أعقل، ويقول الخرف والأصم، والذي في الفترة أشياء ذكرها، فيوقد لهم نار، ويقال لهم: أدخلوها، فمن دخلها وجدها بردًا وسلامًا» (٤)، وكذلك من لم يبلغه الباب من واجبات الدين، فإنه معذور لا ملامة عليه. (٥).\nويقول الشاطبي: - جرت سنته - سبحانه - في خلقه، أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل، فإذا قامت الحجة عليهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولكلٍ جزاء مثله.\n_________\n(١) «أضواء البيان» (٣/ ٤٣٤).\n(٢) وسيأتي بعض الإيضاح لذلك في الفصل القادم.\n(٣) رواه مسلم (٢٤٠)\n(٤) رواه أحمد (٤/ ٢٢٤) (١٦٣٤٤) ولفظه: (أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أسمع شيئًا وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة، فيقول رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن أدخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها، لكانت عليهم بردًا وسلامًا). قال محققه شعيب الأرناؤوط: حديث حسن. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٨٨١): صحيح.\n(٥) «الفصل» (٤/ ١٠٥).","vol":"6","page":292},{"text":"كما أنه تعالى أنزل القرآن برهانًا في نفسه على صحة ما فيه، وإقامة للحجة وزاد على يدي رسوله ﵊ من المعجزات ما في بعضه كفاية (١)\nويقول ابن تيمية: وهذا أصل لابد من إثباته، وهو أنه قد دلت النصوص على أن الله لا يعذب إلا من أرسل إليه رسولًا تقوم به الحجة عليه. (٢)\nثم ساق النصوص القرآنية الدالة على ذلك ... ثم قال:\nوإذا كان كذلك، فمعلوم أن الحجة إنما تقوم بالقرآن على من بلغه، كقوله تعالى: لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام: ١٩]. فمن بلغه بعض القرآن دون بعض، قامت الحجة عليه بما بلغه دون ما لم يبلغه. (٣) \"\nثم قال: (والذي عليه السلف والأئمة أن الله تعالى لا يعذب إلا من بلغته الرسالة، ولا يعذب إلا من خالف الرسل كما دل عليه الكتاب والسنة، ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال، والمجانين وأهل الفترات، فهؤلاء فيهم أقوال، أظهرها ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب، وإن عصوه استحقوا العذاب) (٤).\n... ويقرر ابن القيم أن العذاب يستحق بسببين، أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها، والثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها، فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأما الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل (٥).\nومن الفوائد التي أوردها العراقي في شرحه لحديث «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ..» قوله: ومفهومه إن لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور على ما تقرر في الأصول أن لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح (٦).\nوأورد الشنقيطي مسألة (هل يعذر المشركون بالفترة (٧) أم لا؟) ثم قال: (والتحقيق أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل) (٨).\nومن خلال ما أوردناه من نصوص ونقول، يتقرر أن العذاب والمؤاخذة لا يقع إلا بعد النذارة وقيام الحجة، وأن أهل الفترة ومن في حكمهم يمتحنون يوم القيامة، كما جاءت بذلك الأحاديث والله تعالى أعلم (٩). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف– ص٥٦\nمن بلغته الدعوة، فقد قامت عليه الحجة، كما قال ابن تيمية: (حكم الوعيد على الكفر، لا يثبت في حق الشخص المعين، حتى تقوم عليه حجة الله التي بعث بها رسله) (١٠).\n_________\n(١) «الموافقات» (٣/ ٣٧٧)، بتصرف يسير.\n(٢) «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (١/ ٣٠٩).\n(٣) «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (١/ ٣١٠).\n(٤) «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (١/ ٣١٢). باختصار، وانظر «مجموع الفتاوى» (تفسير سورة الإخلاص) (١٧/ ٣٠٨).\n(٥) «طريق الهجرتين» (ص ٤١٤)، وانظر «مدارج السالكين» (١/ ١٨٨).\n(٦) «طرح التثريب شرح التقريب» (٧/ ١٦٠).\n(٧) الفترة: هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسي ﵇ ومحمد ﷺ / انظر «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٤).\n(٨) «أضواء البيان» (٣/ ٤٨١)، وانظر التفصيل لهذه المسألة في نفس الكتاب (٣/ ٤٧٤ - ٤٨٤).\n(٩) انظر للمزيد من التفصيل في هذا المطلب: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٨ - ٣٢)، و«إيثار الحق» لابن الوزير (ص٢٠٦)، «فتح الباري» (٣/ ٢٤٦)، «تفسير المنار» (٦/ ٧٢، ٧٣)، «أهل الفترة ومن في حكمهم» لموفق أحمد شكري.\n(١٠) «بغية المرتاد» (ص: ٣١١).","vol":"6","page":293},{"text":"ويقول في موضع آخر: إن حكم الخطاب لا يثبت في حق المكلف إلا بعد البلاغ لقوله تعالى: لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام: ١٩] وقوله: وَمَا كُنا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، ولقوله: لِئَلاَّ يَكُونَ لِلناسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]، ومثل هذا في القرآن متعدد، بين الله سبحانه أنه لا يعاقب أحدًا حتى يبلغه ما جاء به الرسول (١)\nوقد يشكل على البعض: كيف تقوم الحجة على من قضى الله تعالى بخذلانه وحرمانه؟ ولكن كما قال ابن القيم ﵀:\n(فإن قيل كيف تقوم حجته عليهم، وقد منعهم من الهدى، وحال بينهم وبينه، قيل: حجته قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى، وبيان الرسل لهم، وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عيانًا، وأقام لهم أسباب الهداية باطنًا وظاهرًا، ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب، ومن حال بينه وبينها منهم بزوال عقل، أو صغر لا تمييز معه، أو كونه بناحية من الأرض لم تبلغه دعوة رسله، فإنه لا يعذبه حتى يقيم عليه حجته، فلم يمنعهم من هذا الهدى، ولم يحل بينهم وبينه، نعم قطع عنهم توفيقه، ولم يرد من نفسه إعانتهم والإقبال بقلوبهم إليه، فلم يحل بينهم وبين ما هو مقدور لهم، وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه، وهو فعله ومشيئته وتوفيقه ...) (٢).\n٢ - وأمر آخر وهو أن إقامة الحجة ليس لكل مسألة مطلقًا، ... فهناك أمور كالمسائل الظاهرة مما هو معلوم من الدين بالضرورة لا يتوقف في كفر قائلها، ولذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة، إذا قال قولًا يكون القول به كفرًا، فيقال من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس ... وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله) (٣).\nويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (إن الذين توقفوا في تكفير المعين، في الأشياء التي قد يخفى دليلها، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية من حيث الثبوت والدلالة، فإذا أوضحت له الحجة بالبيان الكافي كفر سواء فهم، أو قال: ما فهمت، أو فهم وأنكر، ليس كفر الكفار كله عن عناد وأما ما علم بالضرورة أن رسول الله جاء به وخالفه، فهذا يكفر بمجرد ذلك، ولا يحتاج إلى تعريف سواء في الأصول أو الفروع ما لم يكن حديث عهد بالإسلام) (٤).\n٣ - وإذا أردنا أن نتحدث عن الضابط في قيام الحجة على المعين، فيمكن القول بأن الأصل أنه لا تكفير للمعين إلا إذا كانت الحجة الرسالية قد بلغته، وقد يراد ببلوغ الحجة الرسالية مجرد البلوغ العام الذي تقوم به الحجة بأصل الدين الذي هو عبادة الله والتقرب إليه وحده والإتباع المجمل للشريعة، وقد يراد ببلوغ الحجة ما يتعلق بتفاصيل الحجة الرسالية، والإتباع المفصل للشريعة بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فلابد فيه لإقامة الحجة من الإبلاغ التفصيلي، فمن لم تبلغه حجة الله بشيء من تلك الأمور، لم يكن مكلفًا، فالحجة الرسالية على التفصيل شرط في التكليف.\nوأما الإقرار بأصل الدين الشهادتين علمًا وعملًا فهو كاف في قيام الحجة في استحقاق الله وحده للعبادة دون غيره، ومجمل الإتباع للشريعة (٥).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤١).\n(٢) «شفاء العليل» (ص: ١٧٣).\n(٣) «الدرر السنية» (٨/ ٢٤٤) وانظر (٨/ ٩٠).\n(٤) «فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم» (١/ ٧٤)، وانظر «فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء» (١/ ٥٢٨).\n(٥) انظر للمزيد: «رسالة ضوابط التكفير» لعبد الله القرني (ص ٢٩٨ - ٣٢٦)","vol":"6","page":294},{"text":"وأما شرط قيام الحجة على الخلق (فالحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل، فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه، كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله، كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلًا، وهذه أوقات الفترات) (١).\n٤ - ومما يجدر ذكره هاهنا أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأشخاص، كما قال ابن القيم: (إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب، ولم يحضر ترجمان يترجم له) (٢).\n٥ - كما ينبغي أن يفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (وأصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٤٤].\nوقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها نوع آخر، فإن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قول ﷺ في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم». (٣) مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها) (٤).\nويقول أيضًا: (٠من المعلوم أن قيام الحجة ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله، وخلا من شيء يعذر به فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن، مع قول تعالى: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ [الإسراء: ٤٦] وقوله: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ [الأنفال: ٢٢]) (٥).\nومقصود الشيخ الإمام من فهم الحجة ها هنا: أي الفهم الذي يقتضي الانتفاع والتوفيق والاهتداء، كما مثل له بفهم الصديق ﵁، وأما قيام الحجة فتقضي الإدراك وفهم الدلالة، والإرشاد، وإن لم يتحقق توفيق أو انتفاع، كما قال الله تعالى وَأَما ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧].\nومما يؤكد ذلك ما سطره تلميذه الشيخ حمد بن ناصر بن معمر ﵀ حيث قال: (وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهمًا جليًا كما يفهمها من هداه الله ووفقه، وانقاد لأمره، فإن الكفار قد قامت عليه حجة الله مع إخباره بأنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه) (٦). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي\nالعبد اللطيف – ص: ٧١\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ٥٩)، وانظر «مجموع الفتاوى» (١٩/ ١٧).\n(٢) «طريق الهجرتين» (ص: ٤١٤).\n(٣) رواه البخاري (٦٩٣١)، ومسلم (١٠٦٦).\n(٤) «مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب» (٣/ ١٢، ١٣).\n(٥) «الدرر السنية» (٨/ ٧٩) وانظر كلام الشيخ عبدالله أبا بطين في «الدرر السنية» (٨/ ٢١٣، ٢١٤) و«مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٤/ ٥١٥).\n(٦) «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٤/ ٦٣٨) وانظر رسالة «ضوابط التكفير» للقرني (ص: ٣٤٤، ٣٤٥).","vol":"6","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1825>المطلب الثاني: كيفية قيام الحجة على المعين</span>\nأكد العلماء على ضرورة بلوغ الحجة للمعين، وثبوتها عنده وتمكنه من معرفتها، وكل ذلك لا يتم إلا بوجود من يحسن إقامة الحجة.\nيقول شيخ الإسلام في ذلك: (وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها: قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان) (١) ويقول الإمام ابن القيم – ﵀ – (وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل) (٢) .. ويقول أيضًا: (. فإن حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكنه من العلم به، سواء علم أو جهل، فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، فقصر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة، والله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه) (٣).\nويقول الإمام ابن حزم – ﵀ -: (وكل ما قلناه فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه، معذور مأجور وإن كان مخطئا، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها وبالله التوفيق) (٤).\nوحكى الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن عن الإمام المجدد أنه (قرر أن من قامت عليه الحجة، وتأهل لمعرفتها، يكفر بعبادة القبور) (٥) ويقول العلامة سليمان بن سحمان كلامًا متينًا مهما حول من يقيم الحجة: (الذي يظهر لي والله أعلم أنها لا تقوم الحجة إلا بمن يحسن إقامتها، وأما من لا يحسن إقامتها كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه ولا ما ذكره العلماء في ذلك، فإنه لا تقوم به الحجة) (٦).\nإذًا خلاصة ما سبق أن يقال، لابد من قيام حجة صحيحة تنفي عمن تقام عليه أي شبهة أو تأويل، وبذلك ندرك عظم المسئولية الملقاة على عاتق العلماء والدعاة ممن يحسن إقامة الحجة، ليقيموا الحجة على الخلق ويزيلوا الشبه عنهم. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ١/ ٢٤٣\n_________\n(١) «مجموع الفتاوي» (٢٣/ ٣٤٦) ومثله (٣/ ٢٣١) (٢٠/ ٥٩).\n(٢) «طريق الهجرتين» (٣٨٤)، كلام الإمام ابن القيم في الحكم الأخروي، لكن الشاهد منه قوله وعدم التمكن من معرفتها).\n(٣) «مدارج السالكين» (٢/ ٢٣٩).\n(٤) «الإحكام لابن حزم» (١/ ٦٧).\n(٥) «حكم تكفير المعين» (ص: ١٨).\n(٦) «منهاج الحق والاتباع» (ص: ٦٨).","vol":"6","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1826>المطلب الثالث: قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص</span>\nأن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فالمسألة نسبية فقد تقوم الحجة على أهل هذا البلد لانتشار العلم والعلماء، ولا تقوم على بلد آخر لضعف من يدعو ويبلغ، وقد تقوم الحجة على هذا الشخص لعلمه وفهمه، ولا تقوم على آخر لعدم تمكنه من العلم لأنه حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة ونحو ذلك.\nيقول شيخ الإسلام ﵀: (وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول) (١)، وقال أيضًا: (... ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، أو لم يعلم أن الخمر يحرم لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا. بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية) (٢). وقد فصل في هذا المعنى، وزاده إيضاحًا الإمام الخطابي حيث قال: (... وهل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة، وامتنعوا عن أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغي؟.\nقلنا: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرًا بإجماع المسلمين والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ، ومنها أن القوم كانوا جهالًا بأمور الدين وكان عهدهم بالإسلام قريبًا فدخلتهم الشبهة فعذروا، فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأول يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشرًا كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الأحكام إلا أن يكون رجلًا حديث عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده فإنه إذا أنكر شيئًا منها جهلًا به لم يكفر وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه، فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وأن القاتل عمدًا لا يرث، وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة) (٣).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوي» (١١/ ٤٠٧)، وانظر (٧/ ٦١٠، ٦١٩،٣٥،١٦٥) وغيرها.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٧).\n(٣) «معالم السنن» للخطابي (٢/ ٨)، و«مسلم بشرح النووي» (١/ ١٧٣).","vol":"6","page":297},{"text":"ومثال ذلك ما قاله الإمام ابن قدامة – ﵀ – في حكم من جحد وجوب الصلاة: (ولا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحدًا لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك، فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام والناشيء بغير دار الإسلام أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم، لم يحكم بكفره، وعرف ذلك وتثبت له أدلة وجوبها فإن جحدها بعد ذلك كفر، وأما الجاحد لها ناشئا في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها، وكذلك الحكم في مباني الإسلام كلها وهي الزكاة والصيام، والحج لأنها مبادئ الإسلام وأدلة وجوبها لا تكاد تخفى إذ كان الكتاب والسنة مشحونين بأدلتها والإجماع منعقد عليها، فلا يجحدها إلا معاند للإسلام يمتنع من التزام الأحكام غير قابل لكتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ولا إجماع أمته، إلى أن يقول: وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول الشبهة ويستحله بعد ذلك) (١)\nويمكن أن نستخلص من أقوال الأئمة السابقة ما يلي:\nأ- اتفاق الأئمة على أن حديث العهد بالإسلام أو من نشأ ببادية بعيدة يعذر بجهل الأحكام الظاهرة المتواترة كوجوب الصلاة والزكاة وتحريم شرب الخمر .. الخ.\nب- أن من أنكر هذه الأمور في دار إسلام وعلم ولم يكن حديث عهد بإسلام أنه يكفر بمجرد ذلك، وبذلك ندرك خطأ من يظن أن الجاهل لا يكفر مطلقًا.\nج- أن هناك أحكامًا ظاهرة متواترة مجمع عليها ومسائل خفية غير ظاهرة ولكنها لا تعرف إلا من طريق الخاصة من أهل العلم. فهذه من أنكرها من العامة لا يكفر، ولكن من أنكرها من الخاصة يكفر (٢) إذا كان مثله لا يجهلها.\nد- أيضًا يمكن أن يقاس على حديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، من ينشأ في بلاد يكثر فيها الشرك والانحراف وتضعف بينهم دعوة التوحيد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعدما ذكر بعض أنواع الشرك: (وإن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالفه) (٣).\nوقول الإمام المجدد: (وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم ..) (٤).\nوقول الإمام عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب عن بعض من يعمل الشرك إنه لا يكفر (لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه، وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة ولا وضحت له المحجة.) (٥).\nإذًا الحجة تختلف من بلد إلى آخر ومن زمن إلى آخر، وكذلك تختلف الأنظار والاجتهادات بالنسبة لقيام الحجة على الأشخاص، فقد يرى شخص أن الحجة قائمة على فلان أو على أهل البلد الفلاني، لانتشار العلماء والدعاة وطلبة العلم والكتب والأشرطة والمذياع وما يشبه ذلك، وقد يرى آخر أنه رغم انتشار الدعاة وطلبة العلم إلا أنهم لا يعتنون بمسائل التوحيد والشرك، أو أنهم أنفسهم مصابون بهذا الداء، فمن أين يعرف أهل بلدهم حقيقة التوحيد؟\nوأعظم ما يؤدي إلى هذا الاختلاف واللبس أمران أحدهما: التقصير في الدعوة إلى الله وإقامة الحجة على الجهال والبدء بالأهم فالمهم، والثاني: عدم وجود السلطة التي تقيم الحجة وتستتيب من يصر، والتي بها يتضح للناس من قامت عليه الحجة ومن لم تقم، ولعل هذا من أبرز أسباب كثرة الكلام حول هذه المسألة بين المتأخرين والله أعلم. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ١/ ٢٣٠\n_________\n(١) «المغني» (ص: ١٣١ - ١٣٢).\n(٢) انظر «العواصم من القواصم لابن الوزير» (٤/ ١٧٤).\n(٣) انظر النص في «الرد على البكري» (ص: ٣٧٦).\n(٤) «مجموعة الشيخ، فتاوى ومسائل» (٩/ ١١).\n(٥) «الهدية السنية» (٤٦، ٤٧).","vol":"6","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1827>المبحث الرابع: عدم التكفير بكل ذنب</span>\nمن الأصول المجمع عليها عند أهل السنة: أنهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب- ما لم يستحله، ويقصدون بالذنب - الذي لا يكفر صاحبه- فعل الكبائر أو الصغائر أو ترك الواجبات، خلافًا للوعيدية، الذين يكفرون أهل الكبائر، وبعضهم يكفر أهل الصغائر، لكن قد يفهم البعض من عبارات السلف في ذلك أنهم لا يكفرون بكل ذنب، مطلقًا، فدفعًا لهذا اللبس (امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدًا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب، كما تفعله الخوارج وفرق بين النفي العام، ونفي العموم ..) (١).\nفالنفي العام قد يفهم منه عدم تكفير المعين مطلقًا مهما عمل من الذنوب، ولو عمل النواقض. أما نفي العموم، فيفهم منه أنهم يكفرون ببعض الذنوب، ولا يكفرون ببعضها فمن الذنوب التي يكفر مرتكبها نواقض الإسلام الكبرى المعلومة، ومن ذلك – أيضًا – الخلاف المشهور عند أهل السنة في التكفير بترك الأركان وخاصة الصلاة، أما الذنوب التي لا يكفرون بها ففعل الكبائر وترك الواجبات ما لم يستحل الكبائر، أو ينكر الواجبات نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ١/ ٢٢٢١\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (العقيدة الواسطية): وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج؛ بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال ﷾ في آية القصاص: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ١٧٨]، وقال: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين [الحجرات:٩]، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:١٠]\nقال الشيخ خليل الهراس﵀- في شرح كلام شيخ الإسلام المتقدم:\nومع أن الإيمان المطلق مركَّب من الأقوال والأعمال والاعتقادات؛ فهي ليست كلها بدرجة واحدة؛ بل العقائد أصلٌ في الإيمان، فمَن أنكر شيئًا مما يجب اعتقاده في الله أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر أو مما هو معلومٌ من الدين بالضرورة؛ كوجوب الصلاة، والزكاة، وحرمة الزنا والقتل إلخ؛ فهو كافرٌ، قد خرج من الإيمان بهذا الإنكار. شرح العقيدة الواسطية للهراس – ص: ٢٣٣\nوقال الشيخ ابن عثيمين –﵀في شرحه لكلام ابن تيمية المتقدم: فالمسلم عند أهل السنة والجماعة لا يكفر بمطلق المعاصي والكبائر (٢).\nوالفرق بين الشيء المطلق ومطلق الشيء: أن الشيء المطلق يعني الكمال، ومطلق الشيء؛ يعني: أصل الشيء.\nفالمؤمن الفاعل للكبيرة عنده مطلق الإيمان؛ فأصل الإيمان موجود عنده لكن كماله مفقود.\nفكلام المؤلف ﵀ دقيق جدًا.\nآية القصاص هي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:١٧٨] والمراد ب (أخيه) هو المقتول.\n_________\n(١) «شرح الطحاوية» (ص: ٣٥٦).\n(٢) وتأمل قول المؤلف: (بمطلق المعاصي)، ولم يقل: بالمعاصي والكبائر؛ لأن المعاصي منها ما يكون كفرًا، وأما مطلق المعصية؛ فلا يكون كفرًا","vol":"6","page":299},{"text":"ووجه الدلالة من هذه الآية على أن فاعل الكبيرة لا يكفر أن الله سمى المقتول أخًا للقاتل، مع أن قتل المؤمن كبيرة من كبائر الذنوب.\nوقال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩]، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:١٠] (١)\n[(اقتتلوا) جمع، و(بينهما) مثنى، و(طائفتان) مثنى؛ فكيف يكون مثنى وجمع ومثنى آخر والمرجع واحد؟!]\nنقول: لأن قوله: (طائفتان): الطائفة عدد كبير من الناس، فيصح أن أقول: اقتتلوا، وشاهد هذا قوله تعالى: وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ [النساء: ١٠٢]، ولم يقل: لم تصل. فالطائفة أمة وجماعة، ولهذا عاد الضمير إليها جمعًا فيكون الضمير في قوله (اقتتلوا) عائدًا على المعنى، وفي يقوله: (بينهما) عائدًا على اللفظ.\nفهاتان الطائفتان من المؤمنين اقتتلوا، وحمل السلاح بعضهم على بعض، وقتال المؤمن للمؤمن كفر، ومع هذا قال الله تعالى بعد أن أمر بالصلح بينهما للطائفة الثالثة التي لم تدخل القتال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩]، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات ١٠]، فجعل الله تعالى الطائفة المصلحة إخوة للطائفتين المقتتلتين.\nوعلى هذا؛ ففي الآية دليل على أن الكبائر لا تخرج من الإيمان.\nوعلى هذا؛ لو مررت بصاحب كبيرة؛ فإني أسلم عليه؛ لأن النبي ﷺ ذكر من حقوق المسلم على المسلم «إذا لقيته فسلم عليه» (٢)، وهذا الرجل ما زال مسلمًا، فأسلم عليه؛ إلا إذا كان في هجره مصلحة؛ فحينئذ أهجره للمصلحة؛ كما جرى لكعب بن مالك وصاحبيه الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فهجرهم المسلمون خمسين ليلة حتى تاب الله عليهم (٣).\nوهل نحبه على سبيل الإطلاق أو نكرهه على سبيل الإطلاق؟\nنقول: لا هذا ولا هذا؛ نحبه بما معه من الإيمان، ونكرهه بما معه من المعاصي، وهذا هو العدل. شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين– ٢/ ٢٣٧\n_________\n(١) هذا دليل آخر لقول أهل السنة: إن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان\n(٢) رواه مسلم (٢١٦٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) وقصة كعب بن مالك ﵁ في الصحيحين: رواها البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩).","vol":"6","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1828>المبحث الخامس: اعتبار المقاصد</span>\nإن مما ينبغي مراعاته في موضوع نواقض الإيمان: مسألة اعتبار المقاصد، فينظر إلى قصد ومراد من قد يكون متلبسًا بكفر، مع النظر في نفس الوقت إلى ما ظهر منه من قول أو فعل، فهناك ارتباط وتلازم بين الباطن (القصد) والظاهر\nومما أورده ابن تيمية في اعتبار المقاصد قوله:\n(ولما قال النبي ﷺ «من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي» (١) قال له سعد بن معاذ (أنا أعذرك، إن كان من الأوس ضربت عنقه ..) والقصة مشهورة فلما لم ينكر ذلك عليه، دل على أن من آذى النبي ﷺ وتنقصه يجوز ضرب عنقه، والفرق بين ابن أبيّ وغيره ممن تكلم في شأن عائشة، أنه كان يقصد بالكلام فيها عيب رسول الله ﷺ والطعن عليه، وإلحاق العار به، ويتكلم بكلام ينتقصه به، فلذلك قالوا: نقتله، بخلاف حسان ومسطح وحمنة، فإنهم لم يقصدوا ذلك، ولم يتكلموا بما يدل على ذلك، ولهذا إنما استعذر النبي ﷺ من ابن أبيّ دون غيره ...) (٢).\nويقول أيضًا:\n(فإن سب موصوفًا بوصف أو مسمى باسم، وذلك يقع على الله سبحانه، أو بعض رسله خصوصًا أو عمومًا، ولكن قد ظهر أنه لم يقصد ذلك، إما لاعتقاده أن الوصف أو الاسم لا يقع عليه، أو لأنه وإن كان يعتقد وقوعه عليه، لكن ظهر أنه لم يرده لكون الاسم في الغالب لا يقصد به ذلك بل غيره، فهذا القول وشبهه حرام في الجملة، يستتاب صاحبه منه إن لم يعلم أنه حرام، ويعزر مع العلم تعزيزًا بليغًا لكن لا يكفر بذلك ولا يقتل، وإن كان يخاف عليه الكفر) (٣).\nويقول في موضع ثالث: (إن المسلم إذا عنى معنى صحيحًا في حق الله تعالى، أو الرسول ﷺ، ولم يكن خبيرًا بدلالة الألفاظ، فأطلق لفظًا يظنه دالًا على ذلك المعنى، وكان دالًا عل غيره أنه لا يكفر ... وقد قال تعالى: لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا [البقرة: ١٠٤] وهذه العبارة كانت مما يقصد به اليهود إيذاء النبي ﷺ، والمسلمون لم يقصدوا ذلك فنهاهم الله تعالى عنها، ولم يكفرهم بها) (٤).\nولما تحدث السبكي عن مسألة إيذاء النبي ﷺ بقول أو نحوه، قال: (لكن الأذى على قسمين أحدهما: يكون فاعله قاصدًا لأذى النبي ﷺ، ولاشك أن هذا يقتضي القتل، وهذا كأذى عبدالله بن أبي في قصة الأفك، والآخر أن لا يكون فاعله قاصدًا لأذى النبي ﷺ مثل كلام مسطح وحمنة في الإفك، فهذا لا يقتضي قتلًا.\nومن الدليل على أن الأذى لابد أن يكون مقصودًا قول الله تعالى: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ [الأحزاب: ٥٣]. فهذه الآية في ناس صالحين من الصحابة، لم يقتض ذلك الأذى كفرًا، وكل معصية ففعلها مؤذي، ومع ذلك فليس بكفر، فالتفصيل في الأذى الذي ذكرناه يتعين) (٥).\nوإذا أشرنا إلى مسألة اعتبار المقاصد في موضوع نواقض الإيمان، فإن هذه المسألة لا تنفك عن مسألة الإرتباط والتلازم بين الظاهر والباطن.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٧٥٠) ومسلم (٢٧٧٠).\n(٢) «الصارم المسلول» (ص: ١٧٩، ١٨٠)، وانظر (ص: ٥٨، ٥٩).\n(٣) «الصارم المسلول» (ص: ٥٦٢) وانظر (ص: ٤٩٥).\n(٤) «الرد على البكري» (ص: ٣٤١، ٣٤٢)، وانظر «أعلام الموقعين لابن القيم» (٣/ ١١٠).\n(٥) «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٩١، ٥٩٢)، وانظر «الفروق» للقرافي (٤/ ١١٨، ١١٩).","vol":"6","page":301},{"text":"يقول ابن تيمية موضحًا هذا التلازم: (إذا نقصت الأعمال الظاهرة الواجبة، كان ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان، فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم الأعمال الظاهرة الواجبة، بل يلزم من وجود هذا كاملًا وجود هذا كاملًا، كما لزم من نقص هذا، نقص هذا، إذ تقدير إيمان تام في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجب بلا موجبه، وعلة تامة بلا معلولها، وهذا ممتنع) (١).\nويقول أيضًا: إن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وإنّ إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزءًا من الإيمان (٢)\nكما يقرر أن الإيمان القلبي لما كان له موجبات في الظاهر، فإن الظاهر دليل على إيمان القلب ثبوتًا وانتفاء، كقوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢]، وقوله ﷿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء [المائدة:٨١] (٣)\nويقول الشاطبي من هذه المسألة: (الأعمال الظاهرة في الشرع دليل على ما في الباطن، فإن كان الظاهر منخرما ً، حكم على الباطن بذلك، أو مستقيمًا حكم على الباطن بذلك أيضًا، وهو أصل عام في الفقه، وسائر الأحكام العاديات، والتجريبيات، بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جدًا) (٤).\nوهذا التلازم بين الظاهر والباطن، ليس تلازمًا بإطلاق، فقد لا يكون العمل الظاهر مستلزمًا لإيمان القلب (الباطن) حقيقة، كما هو الشأن في حال المنافقين، ومن ثم فيتعين عدم الخلط بين أحكام الدنيا، وأحكام الآخرة ... فالمنافق مثلًا في أحكام الدين تجري عليه أحكام أهل الإسلام الظاهرة، وإن كان في الحقيقة وفي الحكم الأخروي من الكافرين، وفي الدرك الأسفل من النار، وإليك أقوال أهل العلم في هذه المسألة على النحو التالي:\nيقول الإمام الشافعي: وإنما كلف العباد الحكم على الظاهر من القول والفعل، وتولى الله الثواب على السرائر دون خلقه، وقد قال الله ﷿ لنبيه ﷺ: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ [المنافقون:١ - ٢] (٥)\nثم قال: (وأحكام الله ورسوله تدل على أنه ليس لأحد أن يحكم على أحد إلا بظاهر، والظاهر ما أقر به، أو قامت به بينة تثبت عليه) (٦).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٨٢).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١٦،) وانظر: (٧/ ٦٢١).\n(٣) «شرح الأصفهانية» (ص: ١٤٢).\n(٤) «الموافقات» (١/ ٢٣٣).\n(٥) «الأم» (١/ ٢٥٩).\n(٦) «الأم» (١/ ٢٦٠).","vol":"6","page":302},{"text":"ويقول أيضًا: أخبر ﷿ عن المنافقين بالكفر، وحكم فيهم بعلمه من أسرار خلقه ما لا يعلمه غيره بأنهم في الدرك الأسفل من النار، وأنهم كاذبون بأيمانهم، وحكم فيهم جلّ ثناءه في الدنيا بأن ما أظهروا من الإيمان، وإن كانوا به كاذبين لهم جنة من القتل، وهم المسرون الكفر المظهرون الإيمان وبيّن رسول الله ﷺ – إذ حقن الله تعالى دماء من أظهر الإيمان بعد الكفر – أن لهم حكم المسلمين من الموارثة والمناكحة وغير ذلك من أحكام المسلمين، فكان بيِّنًا في حكم الله ﷿ في المنافقين، ثم حكم رسول الله صلى الله عيه وسلم أن ليس لأحد أن يحكم على أحد بخلاف ما أظهر من نفسه، وأن الله ﷿ إنما جعل للعباد الحكم على ما أظهر، لأن أحدًا لا يعرف ما غاب إلا ما علمه الله ﷿ (١).\nويقول ابن تيميه:- (إن كثيرًا من الفقهاء يظن أن من قيل هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردةً ظاهرة، فلا يرث ولا يورث، ولا يناكح ... وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا (ثلاث أصناف) مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر، وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه – كابن أبيّ وأمثاله ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات له ميت، آتوهم ميراثه، وكانت تعصم دماءهم، حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته) (٢).\nويقول أيضًا:- (وبالجملة فأصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر نوعان:-\nكفر ظاهر وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الآخرة كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين) (٣).\nولما عرض ابن تيمية مسألة الحكم على أولاد الكفار أقوال العلماء فيها قال بعد ذلك:\n(ومنشأ الاشتباه في هذه المسألة: اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة، فإن أولاد الكفار لما كانوا يجري عليهم أحكام الكفر في أمور الدنيا، مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم، وحضانة آبائهم لهم، وتمكين آبائهم من تعليمهم وتأديبهم، والموارثة بينهم وبين آبائهم، واسترقاقهم إذا كان آباؤهم محاربين. وغير ذلك، صار من يظن أنهم كفار في نفس الأمر كالذي تكلم بالكفر وعمل به فإذا عرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعًا لآبائهم في أحكام الدنيا زالت الشبهة.\nوقد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمن في الباطن يكتم إيمانه من لا يعلم المسلمون حاله، إذا قاتلوا الكفار، فيقتلونه، ولا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن مع المشركين، وهو في الآخرة من المؤمنين أهل الجنة، كما أن المنافقين تجري عليهم أحكام المسلمين، وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، فحكم الدار الآخرة غير حكم الدار الدنيا). (٤)\nويقول الشاطبي ﵀: (إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصًا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عمومًا أيضًا، فإن سيد البشر ﷺ مع إعلامه بالوحي، يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه) (٥).\nويقول الحافظ ابن حجر:\n_________\n(١) «الأم» (٦/ ١٥٧)، وانظر (٦/ ١٦٥)، وانظر «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ٥٤٠، ٩٦١)\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١٧).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٢٠، ٦٢١).\n(٤) «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٣٢، ٤٣٣).\n(٥) «الموافقات» (٢/ ٢٧١)، وانظر «لاعتصام» (٢/ ١٩٦)، و«إعلام الموقعين» لابن القيم (٣/ ١٢٨).","vol":"6","page":303},{"text":"(وقوله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه» (١) وهو عام يخص منه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر فإنه تجرى عليه أحكام الظاهر).\nثم قال: (وإظهار الإيمان يحصن من القتل، وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر، والله يتولى السرائر، وقد قال ﷺ لأسامة: «هل شققت عن قلبه». (٢) وقال للذي ساره في قتل رجل: «أليس يصلي؟: قال: نعم، قال: أولئك الذين نهيت عن قتلهم». (٣)\n٣ - وإذا تقرر ما سبق، فإن القصد (الباطن) مع الظاهر في مسألة التكفير، له أحوال متنوعة، فقد يكون القصد مكفرًا دون أن يدل عليه العمل الظاهر، ومرة يكون العمل الظاهر قاطعًا في كفر الباطن، ومرة ثالثة يتلبس المعين بما هو كفر قطعًا لكن يمنع من تكفيره الإحتمال في قصده (٤)، وحالة رابعة حيث يأتي المعين بقول مجمل، أو فعل مشكل يحصل التردد في قصده ومراده، مما يوقع ترددًا وتوقفًا وإختلافًا بين العلماء في تكفيره (٥).\nفمثال الحالة الأولى التي يكون فيها القصد مكفرًا، لكن لايدل عليه العمل الظاهر، فمثل أعمال المنافقين التي هى في الظاهر طاعات، مع أنهم كفار حقيقة، لعدم إخلاصهم لله تعالى، قال تعالى: وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨]، وإن كانوا في الظاهر تجري عليهم أحكام الإسلام كما سبق، ومثال الحالة الثانية التي يكون فيها العمل الظاهر قاطعًا في كفر الباطن فمثل سب الله تعالى، وسب رسوله ﷺ ونحوها؛ لأن هذا السب لنفس الأمر كفر بذاته؛ ولا يقع من مؤمن بالله تعالى ورسوله ﷺ؛ ولذا يقول ابن تيمية:\n(إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل) (٦).\nويقول أيضًا: (لو أخذ يلقي المصحف في الحش، ويقول أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًا من الأنبياء، ويقول أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبًا فيما أظهره من القول) (٧).\nومثال الحالة الثالثة والتي يقوم بالمعين ما هو كفر قطعًا، لكن يمنع من تكفيره الاحتمال في قصده، ما جاء في الحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: (كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فو الله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات، فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: - يارب خشيتك، فغفر له».) (٨)\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٩٢٢). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) الحديث بنحوه رواه البخاري (٦٨٧٢)، ومسلم (٩٦).\n(٣) رواه عبد بن حميد في «مسنده» (٤٩٠)، والبيهقي (٣/ ٣٦٧). من حديث عبدالله بن عدي بن الحمراء. قال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (١/ ٢٢):هذا إسناد رجاله رجال الصحيح. وقال الذهبي في «المهذب» (٣/ ١٢٩٥): هذا إسناد رجاله رجال الصحيح.\n(٤) انظر هذه الحالات الثلاث تفصيلًا في رسالة «ضوابط التكفير» (ص ٢٧٤ - ٢٩٧).\n(٥) انظر هذه الحالة تفصيلًا في «الشفا» (٢/ ٩٧٨ - ٩٨٥).\n(٦) «الصارم المسلول» (ص: ٥١٢).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١٦)، وانظر «شرح الأصفهانية» (ص ١٤٢)، و«إعلام الموقعين» لابن القيم (٣/ ١٠٧).\n(٨) رواه البخاري (٣٤٨١)، ومسلم (٢٧٥٦). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"6","page":304},{"text":"ففي هذا الحديث .. نجد أن هذا الرجل قد شك في قدرة الله تعالى، وبعث الأجساد وهذا كفر بالاتفاق، لكن الله تعالى قد غفر له حيث كان مؤمنًا بالله واليوم الآخر على سبيل الإجمال والذي حمله على فعله هو جهله، وخشيته من الله ﷿.\nومثال الحالة الرابعة حيث يتلبس المعين بقبول مجمل أو فعل مشكل يحصل التردد في قصده ومراده، ما أورده القاضي عياض حيث قال: (وقد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه غريمه، فقال له: صل على النبي محمد، فقال له الطالب: لا صلى الله على من صلى عليه، فقيل لسحنون: هل هو كمن شتم النبي ﷺ، أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه، قال: لا، إذا كان على ما وصفت من الغضب؛ لأنه لم يكن مضمرًا الشتم.\nوقال أبو إسحاق البرقي، وأصبغ بن الفرج: لا يقتل، لأنه إنما شتم الناس، وهذا نحو قول سحنون؛ لأنه لم يعذره بالغضب في شتم النبي ﷺ، ولكنه لما احتمل الكلام عنده، ولم تكن معه قرينة على شتم النبي ﷺ، أو شتم الملائكة صلوات الله عليهم، ولا مقدمة يحمل عليها كلامه، بل القرينة تدل على أن مراده الناس غير هؤلاء، لأجل قول الآخر له:\nصل على النبي، فحمل قوله وسبه لمن يصلي عليه الآن لأجل أمر الآخر له بهذا عند غضبه.\nوذهب الحارث بن مسكين القاضي وغيره في مثل هذا إلى القتل (١).) نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي\nالعبد اللطيف – ص٨٥\n_________\n(١) «الشفا» (٢/ ٩٧٩، ٩٨٠)، وانظر «إعلام الموقعين» لابن القيم (٣/ ١٠٨).","vol":"6","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1830>تمهيد</span>\nوالذي عليه علماء أهل السنة والجماعة أنَّ موانع التكفير أربعة: (الجهل، والخطأ، والتأويل أو الشبهة، والإكراه)، فمن وقع في كفرٍ عملًا أو قولًا ثم أقيمت عليه الحجة وبُيِّن له أنَّ هذا كفرٌ يخُرج من الملة فأصَرَّ على فعله طائعًا غير مُكْرَهٍ، متعمّدًا غير مخطىءٍ ولا متأوّلٍ فإنَّه يكفر ولو كان الدافع لذلك الشهوة أو أيّ غرضٍ دنيويٍّ، وهذا ما عليه أهل الحق وعليه ظاهرين إلى قيام الساعة إن شاء الله. التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد لعلوي بن عبد القادر السقاف – ص: ١٦","vol":"6","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1831>المبحث الأول: العذر بالجهل</span>\nالجهل نوعان:\nجهل يعذر فيه الإنسان، وجهل لا يعذر فيه، فما كان ناشئًا عن تفريط وإهمال مع قيام المقتضي للتعلم، فإنه لا يعذر فيه، سواء في الكفر أو في المعاصي، وما كان ناشئًا عن خلاف ذلك، أي أنه لم يهمل ولم يفرط ولم يقم المقتضي للتعلم بأن كان لم يطرأ على باله أن هذا الشيء حرام فإنه يعذر فيه فإن كان منتسبًا إلى الإسلام، لم يضره، وإن كان منتسبًا إلى الكفر، فهو كافر في الدنيا، لكن في الآخرة أمره إلى الله على القول الراجح، يمتحن، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار.\nفعلى هذا من نشأ ببادية بعيد ليس عنده علماء ولم يخطر بباله أن هذا الشيء حرام، أو أن هذا الشيء واجب، فهذا يعذر، وله أمثلة:\nمنها: رجل بلغ وهو صغير وهو في بادية ليس عنده عالم، ولم يسمع عن العلم شيئًا، ويظن أن الإنسان لا تجب عليه العبادات إلا إذا بلغ خمس عشرة سنة، فبقي بعد بلوغه حتى تم له خمس عشرة سنة وهو لا يصوم ولا يصلي ولا يتطهر من جنابه، فهذا لا نأمره بالقضاء لأنه معذور بجهله الذي لم يفرط فيه بالتعلم ولم يطرأ له على بال، وكذلك لو كانت أنثى أتاها الحيض وهي صغيرة وليس عندها من تسأل ولم يطرأ على بالها أن هذا الشيء واجب إلا إذا تم لها خمس عشرة سنة، فإنها تعذر إذا كانت لا تصوم ولا تصلي.\nوأما من كان بالعكس كالساكن في المدن يستطيع أن يسأل، لكن عنده تهاون وغفلة، فهذا لا يعذر، لأن الغالب في المدن أن هذه الأحكام لا تخفى عليه، ويوجد فيها علماء يستطيع أن يسألهم بكل سهولة، فهو مفرط، فيلزمه القضاء ولا يعذر بالجهل. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين – ١/ ٢٠٤\nإن من شروط الإيمان عند أهل السنة والجماعة وجود العلم والمعرفة عند الشخص المؤمن به؛ لذا فمن أنكر أمرًا من أمور الشرع جاهلًا به، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله؛ فإنه لا يكفر؛ حتى لو وقع في مظهر من مظاهر الشرك أو الكفر:\nلأنه لم يكن يعلم بهذا المكفر قبل إسلامه. أو يعيش في بلد فاش فيه الجهل، أو بعيد عن ديار العلم وأهله، أو نشأ في بلد انقلبت فيه موازين الشرع؛ فصار الشرك فيه هو التوحيد، والبدعة فيه هي السنة، وكثر فيه الانحراف، وزين فيه الباطل والكفر، ولبس عليهم. أو أنه وقع في المكفر وهو غير قاصد له، أو أن هذا المكفر من المسائل الخفية التي لا يطلع عليها إلا العلماء.\nفمثل هذا الشخص لا يستحق العقوبة حتى تقام عليه الحجة؛ لأن الجهل ببعض الأمور العقدية قد وقع في عهد النبي ﷺ مع بعض الصحابة ﵃ ومع ذلك لم يكفرهم ﷺ.\nوأهل السنة والجماعة؛ يراعون اختلاف أحوال الناس، وأماكنهم وزمانهم؛ من حيث انتشار العلم، أو عدم انتشاره، لأنهم لا يشتركون جميعًا في معرفة الأمور الضرورية على درجة واحدة؛ بل قد يعرف البعض ما لا يعرفه الآخرون؛ أو قد يكون بعض المسائل من المسلمات عند البعض مع أن غيرهم يجهلها.\nومع هذا فلا يعني أن الجهل عندهم عذر مقبول لكل من ادعاه؛ فالجهل عندهم درجات مختلفة، فجهل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، غير جهل ما دونه.\nوالجاهل العاجز عن السؤال والعلم؛ غير الجاهل المتمكن المفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله تعالى.\nوكون الرجل يعذر بالجهل عندهم لا يعني ذلك إبقاء منزلته كما هي؛ بل تنحط منزلته، وينقص إيمانه بقدر بعده عن الحق. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري–ص: ٢٦٥","vol":"6","page":307},{"text":"كثيرًا ما يقال: هذه من مسائل العقيدة التي لا يعذر من يجهلها، أو من مسائل الأصول، أو هذه مسألة قطعية لا عذر فيها ونحو ذلك، وهذا التعبير غير دقيق وغير منضبط فمن قال: هذه من مسائل الأصول التي لا يعذر جاهلها، يقال له: ماذا تقصد بمسائل الأصول؟ فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل العقيدة، ومسائل الفروع هي مسائل العمل، يقال له: هناك من مسائل العمل كوجوب الصلاة والزكاة وتحريم الفواحش .. الخ، ما هو أعظم من كثير من مسائل الاعتقاد وأقوى وأوضح دليلًا ولا يعذر من يجهلها في دار الإسلام وهناك من مسائل الاعتقاد، اختلف السلف فيها ولم يورث اختلافهم تضليلًا ولا تبديعًا ولا تفسيقًا، كمسألة: هل رأى محمد ﷺ ربه ليلة الإسراء والعذاب في القبر على الروح وإلا على الروح والبدن، وهل إبليس من الجن أو الملائكة الخ\nوإن قال: الأصول هي المسائل القطعية (أو ما هو معلوم من الدين بالضرورة) والفروع ليست قطعية، فيقال له: كون المسألة قطعية أو ظنية أمر نسبي إضافي، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فكون الشيء معلومًا من الدين ضرورة أمر إضافي، فحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا يعلم هذا بالكلية، فضلًا عن كونه يعلمه بالضرورة، وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبيﷺ –سجد للسهو، وقضى بالدية على العاقلة، وقضى أن الولد للفراش، وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة، وأكثر الناس لا يعلمه البتة) (١).\nولكن مما ينبغي التنبيه إليه، أن هناك أمورًا تعلم من الدين بالضرورة بلا خلاف (٢)، وأمورًا لا تعلم من الدين بالضرورة بلا خلاف، ويبقى بينهما أمور ومسائل تختلف حولها الأنظار والأفهام، ولذلك يمكن أن نقول: إن هذا التعبير غير دقيق لأننا لا نستطيع أن نضع حدًا منضبطًا لا يختلف حوله والله أعلم.\nالجهل يأتي بعدة معاني منها: خلو النفس من العلم (٣) وهو المشهور، ومنها: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه (٤)، ومنها: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا (٥)، ومنه قوله سبحانه: فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ [الحجرات:٦]، ومقصود العلماء بالجهل الذي يعذر صاحبه أو لا يعذر، أن يقول قولًا أو يفعل فعلًا بخلاف ما حقه أن يفعل، أو يعتقد اعتقادًا بخلاف ما هو عليه من الحق.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوي» (١٣/ ١١٨) وانظر (١٩/ ٢١١) «منهاج السنة» (٥/ ٨٧ - ٩٥) «مختصر الصواعق المرسلة» (ص: ٦١٣).\n(٢) كثيرًا ما يعبر عن هذه الأمور: (بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة) انظر «الفتاوى» (١٢/ ٤٩٦، ٧/ ٦١٠، ١١/ ٤٠٦)، و«جامع العلوم والحكم» (ص: ٦٤)، وغيرها إذًا لابد من شرطين أن تكون ظاهرة ومتواترة، ولذلك اعتبرت كثير من المسائل المتواترة غير الظاهرة مما يعذر بجهلها في دار الإسلام، ومن أشهر الأمثلة التي يذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب وتلامذته، مسألة الصرف والعطف رغم اعتباره السحر ومنه الصرف والعطف، من نواقض الإسلام، انظر «مجموع الشيخ» (٩/ ١٢)، و«فتاوى ومسائل» (١٢/ ٢١٣).\n(٣) انظر «المفردات» (ص: ١٠٢) و«لسان العرب» (١١/ ١٢٩).\n(٤) انظر «المفردات» (ص: ١٠٢)، و«التعريفات» (ص: ٨٤).\n(٥) انظر «المفردات» (ص: ١٠٢).","vol":"6","page":308},{"text":"والعذر بالجهل كما هو معلوم له حالات، فهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، والأشخاص يختلفون فمنهم من قامت عليه الحجة، ومنهم من لم تقم عليه باعتباره مثلًا حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، وكذلك الجهل يختلف إن كان جهلًا بما هو معلوم من الدين بالضرورة أو ما دون ذلك نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ١/ ٢٢٥\nإنَّ من أظهر الأدلة في اعتبار الجهل عذرًا، ما ثبت في (الصحيح) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن رجلًا لم يعمل خيرًا قط فقال لأهله إذا مات فأحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فلما مات الرجل، فعلوا به كما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، فإذا هو قائم بين يديه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يارب وأنت أعلم فغفر الله له» (١)\nويقول ابن قتيبة: عن هذا الحديث: (وهذا رجل مؤمن بالله، مقر به، خائف له، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أحرق وذري في الريح أنه يفوت الله تعالى، فغفر الله تعالى له بمعرفته ما بنيته، وبمخافته من عذابه جهله بهذه الصفة من صفاته) (٢).\nويقول ابن تيمية: (وكنت دائمًا أذكر هذا الحديث .. فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك) (٣).\nويفصل ابن تيمية ذلك بقوله: (فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم، بعدما أحرق وذري، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك. وهذان أصلان عظيمان، أحدهما: متعلق بالله تعالى، وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير، والثاني: متعلق باليوم الآخر، وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت، ويجزيه على أعماله، ومع هذا فلما كان مؤمنًا بالله في الجملة، ومؤمنًا باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملًا صالحًا وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه غفر الله بما كان منه من الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح) (٤). ويضيف ابن تيمية في بيان هذا الحديث قائلًا: (فإن هذا الرجل جهل قدرة الله على إعادته ورجا أن لا يعيده بجهل ما أخبر به من الإعادة، ومع هذا لما كان مؤمنًا بالله وأمره ونهيه ووعده ووعيده، خائفًا من عذابه، وكان جهله بذلك جهلًا لم تقم عليه الحجة التي توجب كفر مثله، غفر الله له، ومثل هذا كثير في المسلمين، والنبي ﷺ كان يخبر بأخبار الأوّلين، ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة) (٥).\n_________\n(١) الحديث رواه البخاري (٣٤٧٨) ومسلم (٢٧٥٦) بلفظ مقارب.\n(٢) «تأويل مختلف الحديث» (ص ١٣٦) ت: محمد الأصفر.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٢٣١)، وانظر «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٠١، ١١/ ٤٠٩، ٤١٠) وانظر «الفصل» لابن حزم (٣/ ٢٩٦).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٩١) وانظر «السبعينية» «بغية المرتاد» (ص ٣٤٢).\n(٥) «الصفدية» (١/ ٢٣٣)، وانظر: «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٨، ٣٣٩) «إيثار الحق على الخلق» لابن الوزير (ص ٤٣٦) وانظر «مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب» (٣/ ١١) «الفتاوى» «ومجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن عثيمين» (٣/ ٦٠٥).","vol":"6","page":309},{"text":"ومما يجدر ذكره هاهنا، أننا في زمان قد تهيأت فيه الأسباب لتبليغ ونشر دعوة النبي ﷺ في البلدان عن طريق الوسائل المختلفة، التي جعلت سائر أقطار العالم كالبلد الواحد (١) إلا أن العذر بالجهل لا يزال ظاهرًا في عصرنا، حيث قل أهل العلم العاملون، وكثر الأدعياء الذين يزينون الباطل والكفر للعامة، ويلبسون عليهم، وقد أشار ابن تيمية إلى أهل زمانه وهو بلا شك أقل سوء من زماننا الحاضر وما كان عليه الكثير من الوقوع في أنواع من الكفر، ومع ذلك عذرهم بهذا الجهل قائلًا:\n(وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك، وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات، يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه، ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف «يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاةً، ولا صيامًا، ولا حجًا، ولا عمرة، إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، ويقولون: أدركنا آباءنا وهم يقولون لا إله إلا الله، فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم من النار» (٢) (٣).).\nوعندما نقرر أن للعذر بالجهل اعتبارًا في مسألة التكفير، فلا يعني أن الجهل عذر مقبول لكل من ادعاه. ولذا يقول الإمام الشافعي: (إن من العلم ما لا يسع بالغًا غير مغلوب على عقله جهله، مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل، والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا) (٤).\n_________\n(١) انظر «المنتخبات من مكتوبات أحمد السر هندي» (ص ٦٨).\n(٢) رواه ابن ماجه (٤٠٤٩)، والحاكم (٤/ ٥٥٠). وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال البوصيرى في «مصباح الزجاجة» (٤/ ١٩٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) «الفتاوى» (٣٥/ ١٦٥).\n(٤) «الرسالة» (ص ٣٥٧).","vol":"6","page":310},{"text":"وكما يقول ابن قدامه: أثناء كلامه عن تارك الصلاة (فإن كان جاحدًا لوجوبها (أي الصلاة) نظر فيه، فإن كان جاهلًا به، وهو ممن يجهل ذلك كالحديث بالإسلام، والناشئ ببادية، عرف وجوبها وعلم ذلك، ولم يحكم بكفره لأنه معذور، فإن لم يكن ممن يجهل ذلك كالناشئ من المسلمين في الأمصار والقرى، لم يعذر ولم يقبل منه إدعاء الجهل، وحكم بكفره؛ لأن أدلة الوجوب ظاهرة في الكتاب والسنة، والمسلمين يفعلونها على الدوام، فلا يخفى وجوبها على من هذا حاله، ولا يجحدها إلا تكذيبًا لله تعالى، ورسوله وإجماع الأمة، وهو يصير مرتدًا عن الإسلام، ولا أعلم في هذا خلافًا) (١). ومن المهم أن يعلم أن العذر بالجهل تكتنفه وتتعلق به عدة أمور، منها نوعية المسألة المجهولة (٢)، كأن تكون من المسائل الخفية، وكذلك حال الجاهل كحديث عهد بالإسلام، أو الناشئ في البادية، ومن حيث حال البيئة، ففرق بين وجود مظنة العلم أو عدمه.\nيقول ابن تيمية: (إن الأمكنة والأزمنة التي تفتر فيها النبوة، لا يكون حكم من خفيت عليه آثار النبوة حتى أنكر ما جاءت به خطأ، كما يكون حكمه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثار النبوة) (٣).\nويقول أيضًا: (لا يكفر العلماء من استحل شيئًا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام، أو لنشأته ببادية بعيدة، فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة، وكثير من هؤلاء قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه، ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك) (٤).\nويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: (إن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف (٥) فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة) (٦).\nويقول في موضع آخر: (إن الشخص المعين إذا قال ما يوجب الكفر، فإنه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة تدفع بها في نحر من كفر البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات، بعد بلوغ الحجة ووضوح المحجة) (٧).\n_________\n(١) «المغني» (٢/ ٤٤٢).\n(٢) يقسم بعضهم تلك المسائل - بهذا الاعتبار - إلى أربعة أقسام: - الأول: ما يكفر به مطلقًا ولا يعذر بجهله وهي الأمور الظاهرة والمعلومة من الدين بالضرورة. الثاني: ما لا يكفر بجهله وهي المسائل الخفية التي اختلف فيها، ولم يجمع عليها. الثالث: ما لا يكفر به إذا فعله جاهلًا، إلا بعد إعلامه بحكم الله فيه، وهو مما أجمع عليه .. ولكن تعرض فيه شبهه وسوء فهم. الرابع: المسائل الاجتهادية التي ليس فيها نص قطعي الرواية والدلالة، فهذه يعذر فيها كل مجتهد باجتهاده. انظر: «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٤/ ٥٢٠، ٥٢١).\n(٣) «بغية المرتاد» (ص: ٣١١).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٠١) وانظر (١١/ ٤٠٧).\n(٥) الصرف والعطف من السحر، فيزعمون أنه يحبب المرأة لزوجها فلا ينصرف عنها.\n(٦) «مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب» (٣/ ١١) «الفتاوى»، وانظر «الفتاوى» (٤/ ٥٤، ١٢/ ١٨٠) لابن تيمية، وانظر تعليق الشيخ محمد رشيد رضا في «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٤/ ٥١٧) وانظر «مجموع فتاوى ابن باز» (٤/ ٢٦، ٢٧).\n(٧) «الدرر السنية» (٨/ ٢٤٤)، وانظر «فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم» (١/ ٧٣، ٧٤).","vol":"6","page":311},{"text":"وجاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: (يختلف الحكم على الإنسان بأنه يعذر بالجهل في المسائل الدينية أو لا يعذر، باختلاف البلاغ وعدمه، وباختلاف المسألة نفسها وضوحًا وخفاء، وتفاوت مدارك الناس قوة وضعفا) (١).\nكما ورد في نفس الفتوى ما يلي: (ومن عاش في بلاد يسمع فيها بالدعوة إلى الإسلام وغيره، ثم لا يؤمن ولا يطلب الحق من أهله، فهو في حكم من بلغته الدعوة الإسلامية، وأصر على الكفر) (٢).\n(أما من عاش في بلاد غير إسلامية، ولم يسمع عن النبي ﷺ، ولا عن القرآن الكريم والإسلام، فهذا على تقدير وجوده، حكمه حكم أهل الفترة، يجب على علماء المسلمين أن يبلغوه شريعة الإسلام أصولًا وفروعًا، إقامة للحجة، وإعذارًا إليه، ويوم القيامة يعامل معاملة من لم يكلف في الدنيا لجنونه، أو بلهه، أو صغره، وعدم تكليفه، وأما ما يخفى من أحكام الشريعة من جهة الدلالة، أو لتقابل الأدلة وتجاذبها، فلا يقال لمن خالف فيه آمن وكفر، ولكن يقال: أصاب وأخطأ) (٣).\nومما يحسن التنبيه عليه أن العذر بالجهل فيمن قارفوا الكفر، لا يعني نفي الكفر عنهم وقد أظهروه، كما يقتضيه الحكم الدنيوي عليهم.\nوفي هذا يقول ابن تيمية: (أخبر الله تعالى عن هود أنه قال لقومه: اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ [هود:٥٠] فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه، لكونهم جعلوا مع الله إلهًا آخر، فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة، فإنه يشرك بربه ويعدل به، ويجعل معه آلهة أخرى، ويجعل له أندادًا قبل الرسول ... وأما التعذيب فلا) (٤).\nولما ذكر ابن القيم طبقات المكلفين، ذكر منهم طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم، فكان مما قاله عن تلك الطبقة:\n(اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالًا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين، لا الصحابة ولا التابعين، ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة» (٥) وهذا المقلد ليس بمسلم، وهو عاقل مكلف، والعاقل المكلف لا يخرج عن الإسلام أو الكفر، وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف في تلك الحال، وهو بمنزلة الأطفال والمجانين.\nوالإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا) (٦).\n_________\n(١) «فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء» (٢/ ٩٧)، جمع أحمد الدويش.\n(٢) «فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء» (٢/ ٩٧)، جمع أحمد الدويش.\n(٣) «فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء» (٢/ ٩٧)، جمع أحمد الدويش.\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٧، ٣٨).\n(٥) رواه البخاري (٣٠٦٢)، ومسلم (١١١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) «طريق الهجرتين» (ص: ٤١١) باختصار","vol":"6","page":312},{"text":"ويقول أيضًا: (الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله ﷾ لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم) (١).\nويقول الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبو بطين: (قد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار، مع تصريحه بكفرهم، ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، فنعتقد كفرهم، وكفر من شك في كفرهم) (٢).\nوجاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما يلي:\n(كل من آمن برسالة نبينا محمد ﷺ وسائر ما جاء به في الشريعة، إذا سجد بعد ذلك لغير الله من ولي، وصاحب قبر، أو شيخ طريق يعتبر كافرًا مرتدًا عن الإسلام، مشركًا مع الله غيره في العبادة، ولو نطق بالشهادتين وقت سجوده، لإتيانه بما ينقض قوله من سجوده لغير الله، ولكنه قد يعذر لجهله، فلا تنزل به العقوبة حتى يعلم وتقام عليه الحجة، ويمهل ثلاثة أيام إعذارًا إليه ليراجع نفسه عسى أن يتوب، فإن أصر على سجوده لغير الله بعد البيان قتل لردته ... فالبيان وإقامة الحجة للإعذار إليه قبل إنزال العقوبة، لا ليسمى كافرًا بعد البيان، فإنه يسمى كافرًا بما حدث منه من سجود لغير الله مثلًا) (٣).\nومن خلال ما سبق ندرك خطأ إطلاق القول بأن الجهل عذر في أصل الدين وفي غيره، كما أن إطلاق القول بأن الجهل ليس عذرًا خطأ أيضًا، بل لابد من التفريق بين ما كانت المخالفة فيه بمناقضته أصل الدين ونحوه من الأمور الظاهرة والمعلومة من الدين بالضرورة، وما كانت المخالفة فيه متعلقة بأمور تحتاج إلى بيان وتفصيل، كما أنه لابد من التفريق بين أحكام الدنيا (ظاهرًا)، وأحكام الآخرة (باطنًا) (٤). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف – ص٦٠\n_________\n(١) «طريق الهجرتين» (ص: ٤١٣) وانظر «مدارج السالكين» (٣/ ٤٨٩).\n(٢) «الدرر السنية» (٨/ ٢١٣).\n(٣) «فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء» (١/ ٢٢٠) باختصار.\n(٤) انظر رسالة «ضوابط التكفير» للقرني (ص: ٢٩٨).","vol":"6","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1833>المطلب الأول: تعريف الخطأ لغة واصطلاحا</span>\n(الخطأ والخطاء: ضد الصواب، قال تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ [الأحزاب:٥] عداه بالباء لأنه في معنى عثرتم أو غلطتم، وأخطأ الطريق، عدل عنه، وأخطأ الرامي الغرض: لم يصبه .. والخطأ: ما لم يتعمد، والخطأ: ما تعمد، وقال الأموي: المخطئ: من أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطئ: من تعمد ما لا ينبغي، والخطيئة الذنب على عمد، والخطأ: الذنب في قوله تعالى: إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا [الإسراء:٣١] أي إثمًا، وقال تعالى: فيما حكاه عن أخوة يوسف: إِنا كُنا خَاطِئِينَ [يوسف:٩٧] آي آثمين ..) (١)، وقال الراغب في (المفردات): (الخطأ: العدول عن الجهة) ثم ذكر بعض صور الخطأ ومنها: (أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يريد فيقال أخطأ فهو خطيء، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، وهذا المعنى بقوله – ﷺ- «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» (٢)، وبقوله: «من اجتهد فأخطأ فله أجر» (٣)، وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء:٩٢] إلى أن يقول (وجملة الأمر أن من أراد شيئًا فاتفق منه غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده يقال: أصاب، وقد يقال: لمن فعل فعلا لا يحسن أو أراد إرادة لا تجمل إنه أخطأ) (٤).\nوالخلاصة أن معنى الخطأ في اللغة: أن يريد ويقصد أمرًا، فيقع في غير ما يريد، أما الخطء: فهو الإثم أو الذنب المتعمد والله أعلم.\nأما معنى الخطأ في الاصطلاح: فهو قريب من المعنى اللغوي، قال الحافظ ابن رحب﵀ -: (الخطأ: هو أن يقصد بفعله شيئًا فيصادف فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر فصادف قتله مسلمًا) (٥)، أو يظن أن الحق في جهته، فيصادف غير ذلك (٦)، وقال الجرجاني: (الخطأ وهو ما ليس للإنسان فيه قصد .. كما إذا رمى شخصًا ظنه صيدًا أو حربيا فإذا هو مسلم ..) (٧)، وهناك تعريفات أخرى (٨) قريبة مما ذكر وحاصلها أن الخطأ في الاصطلاح: (كل ما يصدر عن المكلف من قول أو فعل خال عن إرادته وغير مقترن بقصد منه) (٩). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– ١/ ٣٠٢\n_________\n(١) «لسان العرب» (١/ ٦٥ - ٦٨) وانظر «مختار الصحاح» (ص: ١٧٩، ١٨٠) و«النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٤٤،٤٥) «المعجم الوسيط» (١/ ٢٣٢).\n(٢) الحديث بهذا اللفظ ذكره ابن السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» (٢/ ١٨٦) وقال: وقفت على كتاب «اختلاف الفقهاء» للإمام محمد نصر قال: يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (رفع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه). إلا أنه ليس له إسناد يحتج بمثله. ا. هـ.: ثم قال: استفدت من هذا أن لهذا اللفظ إسنادا ولكنه لم يثبت ثم قال: قلت: ثم وجد رفيقنا في طلب الحديث شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي الحديث بلفظه في رواية أبي القاسم الفضل بن جعفر بن محمد التميمي المؤذن المعروف بأخي عاصم فإنه قال: حدثنا الحسين بن محمد حدثنا محمد بن المصفى حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ. والنسيان. وما استكرهوا عليه) لكن ابن ماجه روى في (سننه) الحديث بهذا الإسناد بلفظ غيره. اهـ. ثم ذكر إسناد ابن ماجه. وقال الألباني في «إرواء الغليل» (ص: ٨٢): منكر. ولفظ حديث ابن ماجه هو: (إن الله وضع ..). رواه ابن ماجه (٢٠٤٥)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦) بلفظ: (تجاوز لي). من حديث عبدالله بن عباس ﵄. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: جوّد إسناده بشر بن بكر وهو ثقة. والحديث صحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (ص: ٩٩) -كما أشار لذلك في مقدمته -. وحسنه النووي في «الأربعين النووية» (ص: ٣٩)، وقال ابن كثير في «تحفة الطالب» (ص: ٢٣٢): إسناده جيد. وحسنه ابن حجر في «التلخيص الحبير» (١/ ٢٨١). وقال الشوكاني في «فتح القدير» (١/ ٤٦١): لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٣) رواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦). من حديث عمرو بن العاص ﵁.\n(٤) «المفردات»: (١٥١)، وانظر كلامًا مفصلًا حول معنى الخطأ في الكتاب والسنة وكلام السلف: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ١٩ - ٢٤).\n(٥) «جامع العلوم والحكم» (ص: ٣٥٢).\n(٦) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٣١٩)\n(٧) «التعريفات» (ص: ١٠٤).\n(٨) انظر بعضها في «عوارض الأهلية عند الأصوليين» د. حسين الجبوري (ص: ٣٩٥ - ٣٩٦).\n(٩) «عوارض الأهلية عند الأصوليين» (ص: ٣٩٦).","vol":"6","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1834>المطلب الثاني: الفرق بين الخطأ وبين الجهل</span>\nالجهل يأتي بعدة معانى منها: خلو النفس من العلم (١) وهو المشهور، ومنها: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه (٢)، ومنها: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا (٣) ومنه قوله سبحانه: فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ [الحجرات:٦]. وقد سبق الكلام عن أدلة أهل العلم في العذر بالجهل، ومقصودهم بالجهل الذي يعذر صاحبه: أن يقول قولًا أو يعتقد اعتقادًا بخلاف (الحق)، غير عالم وغير قاصد للمخالفة، رغم اجتهاده في رفع الجهل عن نفسه، وهو بهذا المعنى يتفق مع الخطأ حيث إن الجاهل والمخطئ - حسب هذا المفهوم- غير قاصدين للمخالفة، لذلك وردت النصوص من الكتاب والسنة في إعذارهما ورفع الإثم عنهما – في الحقيقة- في حكم من لم تقم عليه الحجة والله أعلم. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– ١/ ٣٠٢\n_________\n(١) انظر «المفردات» (ص: ١٠٢) «لسان العرب» (١١/ ١٢٩).\n(٢) انظر «المفردات» (ص: ١٠٢) «لسان العرب» (ص: ٨٤).\n(٣) انظر «المفردات» (ص: ١٠٢).","vol":"6","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1835>المطلب الثالث: أدلة العذر بالخطأ</span>\nاستدل أهل السنة لذلك بأدلة كثيرة، سنأخذ أهمها ومنها:\n١ - قوله سبحانه: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب:٥]، قال الحافظ في الفتح: (.. قال ابن التين: أجرى البخاري قوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ [الأحزاب:٥]، في كل شيء، وقال غيره: هي في قصة مخصوصة وهي: ما إذا قال الرجل يا بني وليس هو ابنه ولوسلم أن الآية نزلت فيما ذكر لم يمنع ذلك من الاستدلال بعمومها، وقد أجمعوا على العمل بعمومها في سقوط الإثم) (١).\n٢ - واستدلوا بقوله تعالى وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:٩٣]، فقيد الوعيد على قاتل المؤمن بالتعمد (٢)، وفرقت النصوص بين القتل المتعمد والقتل الخطأ في أحكام الدنيا والآخرة.\n٣ - ومن الأدلة المشهورة قوله تعالى رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا [البقرة:٢٨٦] وثبت في الحديث الصحيح أن الله سبحانه استجاب لهذا الدعاء فقال: فقد فعلت (٣).\n_________\n(١) «فتح الباري» (١١/ ٥٥١).\n(٢) انظر «إيثار الحق على الخلق» (ص: ٤٣٦).\n(٣) رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"6","page":316},{"text":"٤ - ومن الأحاديث المشهورة في العذر بالخطأ قولهﷺ -: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (١)، قال الحافظ ابن رجب في شرحه لهذا الحديث (الخطأ: هو أن يقصد بفعله شيئًا فيصادف فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر فصادف قتله مسلمًا، والنسيان أن يكون ذاكرًا الشيء فينساه عند الفعل، وكلاهما معفو عنه: يعني لا إثم فيه، ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم، ولو قتل مؤمنًا خطأ فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب، وكذا لو أتلف مال غيره خطأ بظنه أنه مال نفسه ..) إلى أن يقول: (والأظهر، والله أعلم أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات، والناسي والمخطئ لا قصد لهما فلا إثم عليهما، وأما رفع الأحكام عنهما فليس مرادًا من هذه النصوص فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخر (٢). وقد استدلوا بالحديث المشهور في قصة الرجل من بني إسرائيل (٣)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في تعليقه عليها: (فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل هذين الاعتقادين كفر، يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته، فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد، من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالًا من هذا الرجل فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك، فعظيم ..) (٤).\nفهذا الحديث كثيرًا ما يستدل به شيخ الإسلام في مسائل العذر بالجهل والخطأ، والتأويل.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) واللفظ له، والحاكم (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦) بلفظ: (تجاوز لي). من حديث عبدالله بن عباس ﵄. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: جوّد إسناده بشر بن بكر وهو ثقة. والحديث صحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (ص: ٩٩) -كما أشار لذلك في مقدمته -. وحسنه النووي في «الأربعين النووية» (ص: ٣٩)، وقال ابن كثير في «تحفة الطالب» (ص: ٢٣٢): إسناده جيد. وحسنه ابن حجر في «التلخيص الحبير» (١/ ٢٨١). وقال الشوكاني في «فتح القدير» (١/ ٤٦١): لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) «جامع العلوم والحكم» (ص: ٣٥٢ - ٣٥٤).\n(٣) الحديث رواه البخاري (٣٤٨١)، ومسلم (٢٧٥٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) «الاستقامة» (١/ ١٦٤،١٦٥)،وانظر (٣/ ٢٣١،١٢/ ٤٩٠)، وغيرها.","vol":"6","page":317},{"text":"فهذا الرجل وقع في الخطأ – فتكلم بالكفر من غير قصد – بسبب جهله – فعذره الله سبحانه لعدم قيام الحجة عليه، أما الاستدلال به على مسألة العذر بالتأويل فمن باب أولى، لأن المتأول في حقيقته مجتهد مخطئ، فإذا لم يكفر المخطئ من غير اجتهاد- كما في هذه القصة – فعدم كفر من اجتهد في طلب الحق فأخطأ من باب أولى، وفي هذا المعنى يقول ابن الوزير – ﵀ -: (.. قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ والظاهر أن أهل التأويل أخطأوا، ولا سبيل إلى العلم بتعمدهم) ثم ذكر بعض أدلة الإعذار بالخطأ ومنها قصة الرجل من بني إسرائيل، ثم علق عليها قائلًا (وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد ولذلك خاف العقاب .. وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل) (١)، فذكر أنه أخطأ بسبب الجهل فعذر، ثم استدل به على الخطأ بسبب التأويل والله أعلم ..\n_________\n(١) «إيثار الحق» (ص: ٤٣٥، ٤٣٦).","vol":"6","page":318},{"text":"٥ - ونختم هذه الأدلة بحديث خاص بإعذار المجتهد المخطئ في الأحكام، وهو قوله – ﷺ-: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (١) قال الحافظ الخطيب البغدادي – ﵀ -: (فإن قيل: كيف يجوز أن يكون للمخطئ فيما أخطأ فيه أجر، وهو إلى أن يكون عليه في ذلك إثم لتوانيه وتفريطه في الاجتهاد حتى أخطأ؟ فالجواب، أن هذا غلط لأن النبي – ﷺ- لم يجعل للمخطئ أجرًا على خطئه، وإنما جعل له أجرًا على اجتهاده، وعفا عن خطئه لأنه لم يقصده، وأما المصيب فله أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته) (٢)، واستدل جمهور العلماء بهذا الحديث على تخطئة بعض المجتهدين ممن لم يصب الحق وأن الحق مع أحدهم أو بعضهم، وفيه رد على من قال: كل مجتهد مصيب، يقول الإمام ابن قدامة – ﵀-: (والحق في قول واحد من المجتهدين ومن عداه مخطئ، سواء كان في فروع الدين أو أصوله) (٣)، ثم ذكر الأدلة على ذلك ومنها هذا الحديث، وقال الإمام الزركشي: (واختلف العلماء في حكم أقوال المجتهدين، هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ ذهب الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء ﵏ إلى أن الحق في أحدهما، وإن لم يتعين لنا فهو عند الله متعين، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد في الشخص الواحد حلالًا حرامًا، ولأن الصحابة تناظروا في المسائل واحتج كل واحد على قوله: وخطأ بعضهم بعضًا، وهذا يقتضي أن كل واحد يطلب إصابة الحق، ثم اختلفوا، هل كل مجتهد مصيب أم لا؟ فعند الشافعي أن المصيب منهم واحد وإن لم يتعين، وإن جميعهم مخطئ إلا ذلك الواحد وبه قال مالك وغيره ..) (٤)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – (فإذا أريد بالخطأ الإثم، فليس المجتهد بمخطئ بل كل مجتهد مصيب مطيع لله، فاعل ما أمره الله به، وإذا أريد به عدم العلم بالحق في نفس الأمر فالمصيب واحد، وله أجران ..) (٥)، ونختم الكلام حول هذا الحديث بالإشارة إلى أن من أخطأ فحكم أو أفتى بغير علم واجتهاد فهو آثم عاص (٦)، يقول شيخ الإسلام – ﵀ – (.. فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلًا، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها، أو لاتباع هواه بغير هدى من الله، فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد، بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنًا وظاهرًا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له خطؤه ..) (٧)، لكنه لا يكفر إن فرط في الاجتهاد فوقع في الكفر خطأ، لأن الكفر يكون بعد قيام الحجة، يقول شيخ الإسلام: (..\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦). من حديث عمرو بن العاص ﵁.\n(٢) «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٩١)، وانظر «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٢٦٢)، و«الأحكام» لابن حزم (٢/ ٦٥٢) وغيرها.\n(٣) «روضة الناظر» (ص: ١٩٣).\n(٤) «البحر المحيط في أصول الفقه» للزركشي (٦/ ٢٤١).\n(٥) «مجموع الفتاوي» (١٣/ ١٢٤)، وانظر (٢٠/ ٢٤)، وانظر تفريعات وتفصيلات أخرى لهذه المسألة في «الفقيه والمتفقه» (ص: ٥٨ - ٦٤)، و«المحصول» للرازي (٢/ ٤٧ - ٩١)، و«الأحكام» لابن حزم (٢/ ٦٥٨ - ٦٦٠)، و«روضة الناظر» (ص: ١٩٣ - ٢٠٠) وغيرها.\n(٦) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٣١٩).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣١٧)، وانظر (١٢/ ٤٩٦).","vol":"6","page":319},{"text":"وأما (التكفير) فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد – ﷺ- وقصد الحق، فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقًا، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته ..) (١)، ويقول – أيضًا -: (وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة) (٢)، وخلاصة هذا المبحث ما يلي:\nقد تواترت النصوص من الكتاب والسنة في إعذار المخطئ، وأن حكمه حكم الجاهل والمتأول – فلا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه -، وأنه إن كان مجتهدًا فيما يسوغ فيه الاجتهاد – فله أجر باجتهاده – ولو أخطأ – أما إن لم يكن مجتهدًا وأخطأ فيأثم لتفريطه.\nلكن هل يفرق في ذلك بين العقائد والأحكام؟\nب- هل يفرق بين العقائد والأحكام؟\n... هذا التقسيم لا دليل عليه ولا يعرف عن السلف، والمفرقون لم يذكروا حدا منضبطًا يمكن به التفريق بين الأصول والفروع، والعذر بالخطأ من جنس العذر بالجهل، لذلك بين أئمة السلف أنه لا يأثم المجتهد المخطئ لا في الأصول ولا في الفروع، والخلاف في هذه المسألة بين أئمة السلف ومخالفيهم من المتكلمين ومن تأثر بهم، فرع عن الخلاف في أصل عام شامل، وهو: هل يمكن لكل أحد أن يعرف باجتهاده الحق في كل مسألة فيها نزاع، وإذا لم يمكنه فاجتهد واستفرغ وسعه فلم يصل إلى الحق، بل قال ما اعتقد أنه هو الحق في نفس الأمر، ولم يكن هو الحق في نفس الأمر: هل يستحق أن يعاقب أم لا؟ وهل يفرق في ذلك بين الأصول والفروع أو بين المسائل العلمية والعملية (٣)؟\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ١٨٠).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٦٦)، وانظر (١٢/ ٥٢٣، ٥٢٤).\n(٣) أطال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – في مناقشة هذا الأصل وأقوال الناس فيه، ثم بين أقوال السلف وأدلتهم، ومن باب الاختصار سنكتفي ببيان مذهب السلف في هذا الأمر، انظر «منهاج السنة»، (٥/ ٨٤ - ١٢٥)، و«مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٠٣ - ٢٢٧).","vol":"6","page":320},{"text":"نقل شيخ الإسلام الأقوال في هذه المسألة، ثم بين أن قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة، والشافعي، والثوري وداود بن علي وغيرهم أنهم (لا يؤثمون مجتهدًا مخطئًا لا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر عنهم ابن حزم وغيره، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء (١) إلا الخطابية (٢)، ويصححون الصلاة خلفهم، والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين، ولا يصلى خلفه. وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين: إنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدًا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية، قالوا: والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره، قالوا: والفرق في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعة محدثة في الإسلام، لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة، فهي باطلة عقلًا، فإن المفرقين بين ما جعلوه مسائل أصول ومسائل فروع لم يفرقوا بينهما بفرق صحيح يميز بين النوعين، بل ذكروا ثلاثة فروق أو أربعة كلها باطلة ..) (٣) ثم ذكر هذه الفروق ورد عليها، وفي مواضع أخرى، ذكر بعض الأمثلة عن السلف فقال: (... وأيضًا فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل (٤)، واتفقوا على عدم التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف، وكذلك لبعضهم في قتال بعض، ولعن بعض، وإطلاق تكفير بعض، أقوال معروفة، وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات: ١٢]، ويقول: إن الله لا يعجب فكان يقول بل عجبت فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة، وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروفًا من القرآن، مثل إنكار بعضهم قوله: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ [الرعد:٣١] وقال: إنما هي: أو لم يتبين الذين آمنوا، وإنكار الآخر قراءة قوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِياهُ [الإسراء:٢٣] (٥).\n_________\n(١) رغم أنهم مخطئون في المسائل العلمية، وإنما عذر من عذر منهم لاجتهاده وتأوله، أما من رد شهادتهم من الأئمة – كمالك وأحمد – فليس ذلك مستلزمًا لإثمهم، لكن المقصود إنكار المنكر وهجر من أظهر البدعة، انظر «الفتاوى» (١٣/ ١٢٥).\n(٢) الخطابية: أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب مقلاص الأسدي الكوفي الأجدع المقتول سنة ١٤٣هـ، من غلاة الشيعة، قال النوبختي الرافضي: (كان أبو الخطاب يدعي أن أبا عبدالله جعفر بن محمد (الصادق) ﵉ جعله قيمه ووصيه من بعده، وعلمه اسم الله الأعظم، ثم ترقى إلى أن ادعى الرسالة، ثم ادعى أنه من الملائكة وأنه رسول الله إلى أهل الأرض والحجة عليهم «فرق الشيعة» للنوبختي الرافضي ٣٧،٣٨، وانظر «مقالات الإسلاميين» (١/ ٧٥ - ٨١)، «الملل والنحل» (١/ ٣٨٠ - ٣٨٥) وغيرها.\n(٣) «منهاج السنة» (٥/ ٨٧،٨٨)، وانظر «الفتاوي» (١٩/ ٢٠٧،٢٠٨، ١٣/ ١٢٥، ١٢٦، ٢٣/ ٣٤٦) وغيرها.\n(٤) أي المسائل العلمية الخبرية أو مسائل العقيدة.\n(٥) وانظر الإشارة إلى قراءة ووصى ربك «تفسير الطبري» (١٥/ ٤٧)، و«زاد المسير» (٥/ ٢٢).","vol":"6","page":321},{"text":"وقال: إنما هي: ووصى ربك وبعضهم كان حذف المعوذتين، وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر، ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا، وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر ..) (١).\nإذًا العذر بالخطأ يعم المسائل العلمية والعملية، وليس في النصوص ما يدل على التفريق، لكن قد يقول قائل: إذا قلنا: إن المجتهد المخطئ في مسائل العقيدة يرفع عنه الإثم، فهل نقول أيضًا: إن المجتهد المخطئ يؤجر أجرًا واحدًا، كالمجتهد في أمور الأحكام والعمل؟ فيجاب عن ذلك، بأن النصوص الواردة، فيها رفع الإثم عن المجتهد المخطئ، وليس فيها ما يدل على أن كل مجتهد مخطئ يكون مأجورًا باستثناء قوله – ﷺ -: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب ..» الحديث (٢)، وهذا كما هو واضح من سياقه خاص بالحاكم أي القاضي، ومثله المفتي، وقد أشار شيخ الإسلام إلى شيء من هذا المعنى حيث قال: (.. وكذلك كل من عبد عبادة نهى عنها ولم يعلم بالنهي – لكن هي من جنس المأمور به – مثل من صلى في أوقات النهي، وبلغه الأمر العام بالصلاة ولم يبلغه النهي، أو تمسك بدليل خاص مرجوح، مثل صلاة جماعة من السلف ركعتين بعد العصر، لأن النبي – ﷺ- صلاهما بخلاف ما لم يشرع جنسه مثل الشرك، فإن هذا لا ثواب فيه، وإن كان لا يعاقب صاحبه إلا بعد بلوغ الرسالة كما قال تعالى: وَمَا كُنا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:١٥]. فالعقاب عليها مشروط بتبليغ الرسالة، وأما بطلانها في نفسها فلأنها غير مأمور بها، فكل عبادة غير مأمور بها فلابد أن ينهى عنها، ثم إن علم أنها منهي عنها استحق العقاب، فإن لم يعلم لم يستحق العقاب، وإن اعتقد أنها مأمور بها وكانت من جنس المشروع فإنه لم يعلم لم يستحق العقاب، وإن اعتقد أنها مأمور بها وكانت من جنس المشروع فإنه يثاب عليها، وإن كانت من جنس الشرك فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به، لكن قد يحسب بعض الناس في بعض أنواعه أنه مأمور به) (٣).\nفشيخ الإسلام – فيما يبدو – استند في كلامه هذا إلى القاعدة المعروفة في أن العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصًا أريد به وجه الله، صوابًا بما شرع الله، فلما لم يشرع جنسه غالبًا يكون في أمور العقيدة كصور الشرك ونحوها من البدع الحقيقية التي يكثر وجودها لدى الفرق المشهورة، أما الاجتهاد الخاطئ فيما شرع جنسه فغالبًا يكون في مسائل الاجتهاد من أمور التعبد ونحوها. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– ١/ ٣٠٤\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٩٢، ٤٩٣)، وانظر أمثلة أخرى، «الفتاوي» (٢٠/ ٣٣ - ٣٦)، (٣/ ٢٢٩،٢٣٠).\n(٢) رواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦). من حديث عمرو بن العاص ﵁.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣١ - ٣٢).","vol":"6","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1837>المطلب الأول: تعريف التأويل لغة واصطلاحا</span>\nفي اللغة\nمادة (أول) في كل استعمالاتها اللغوية تفيد معنى الرجوع، والعود، جاء في اللسان: (الأول: الرجوع: آل الشيء يؤول أولًا ومآلًا: رجع، وأول إليه الشيء: رجعه، وآلت عن الشيء: ارتددت والإيل والأيل: من الوحش، وقيل هو الوعل، قال الفارسي: سمي بذلك لمآله إلى الجبل يتحصن فيه وقال أبو عبيد في قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ [آل عمران:٧] قال: التأويل المرجع والمصير، مأخوذ من آل يؤول إلى كذا أي صار إليه، وأولته: صيرته إليه) (١) وفي تهذيب اللغة: (وأما التأويل فهو تفعيل من أول يؤول تأويلًا وثلاثيه آل يؤول: أي رجع وعاد) (٢) وقال ابن فارس: (أول الحكم إلى أهله: أي أرجعه ورده إليهم ... وآل الجسم إذا نحف، أي رجع إلى تلك الحالة، ومن هذا الباب تأويل الكلام وهو عاقبته وما يؤول إليه، وذلك قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف:٥٣]، ويقول: ما يؤول إليه في وقت بعثهم ونشورهم ...) (٣).\nإذا التأويل هو ما أول إليه أو يؤول إليه، أو تأول إليه، والكلام إنما يرجع ويعود ويستقر ويؤول إلى حقيقته التي هي عين المقصود به (٤)، وهذا هو المعنى الوارد في الكتاب والسنة.\nب- أما معنى التأويل في اصطلاح العلماء، فله ثلاثة معان:\nالأول: (أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وإن وافق ظاهره، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف:٥٣] ومنه قول عائشة – ﵂ -: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد: اللهم اغفر لي، يتأول القرآن» (٥).\nالثاني: يراد بلفظ التأويل: (التفسير) وهو اصطلاح كثير من المفسرين، ولهذا قال مجاهد – إمام أهل التفسير -: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه، وهذا مما يعلمه الراسخون.\nالثالث: أن يراد بلفظ (التأويل): صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ظاهره إلى ما يخالف ذلك، لدليل منفصل يوجب ذلك، وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفًا لما يدل عليه اللفظ ويبينه، وتسمية هذا تأويلًا لم يكن في عرف السلف، وإنما سمي هذا وحده تأويلًا طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام، وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، ورموا في آثارهم بالشهب ...) (٦)، وهذا التأويل الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في مسألة الصفات والقدر ونحوها.\nوهو من أعظم أصول الضلال والانحراف حيث صار ذريعة لغلاة الجهمية والباطنية والمتصوفة في تأويل التكاليف الشرعية على غير مقصودها أو إسقاطها أو تأويل جميع الأسماء والصفات.\nوأهل التأويل المذموم (مراتب ما بين قرامطة وباطنية يتأولون الأخبار والأوامر، وما بين صائبة فلاسفة عامة الأخبار عن الله واليوم الآخر، حتى عن أكثر أحوال الأنبياء، وما بين جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء في اليوم الآخر وفي آيات القدر ويتأولون آيات الصفات، وقد وافقهم بعض متأخري الأشعرية على ما جاء في بعض الصفات، وبعضهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر، وآخرون من أصناف الأمة وإن كان تغلب عليهم السنة، فقد يتأولون أيضًا مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه) (٧). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– ٢/ ٢٠\n_________\n(١) «لسان العرب» (١١/ ٣٢ - ٣٤).\n(٢) «تهذيب اللغة» للأزهري (١٥/ ٤٣٧).\n(٣) «مقاييس اللغة» لابن فارس (١/ ١٥٩)، وانظر في المعني اللغوي، «النهاية» (١/ ٨٠ - ٨١)، «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٩٠ - ٢٩٤)، و«الصواعق المرسلة» لابن القيم (١/ ١٧٥ –١٧٨)، وانظر مبحثًا نفيسا حول أطوار استعمالات كلمة التأويل في «الإمام ابن تيمية وموقفه من قضية التأويل» لمحمد السيد الجليند (ص: ٢٧ - ٥٠).\n(٤) نظر «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٩٣).\n(٥) رواه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٦٨ – ٧٠) وانظر (٣/ ٥٤ – ٦٨، ٥/ ٢٨ – ٣٦، ١٣/ ٢٧٧ – ٣١٣)، وانظر «الصواعق المرسلة» (١/ ١٧٥ – ٢٣٣)، و«شرح الطحاوية» (ص: ٢٣١ - ٢٣٦).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٨٧).","vol":"6","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1838>المطلب الثاني: العذر بالتأويل</span>\nوالمقصود بالتأول ها هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد لذلك، وسببه القصور في فهم الأدلة الشرعية، دون تعمد للمخالفة، بل قد يعتقد أنه على حق (١).\nيقول ابن حجر في تعريف للتأويل السائغ: (قال العلماء: كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم، إذا كان تأويله سائغًا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم) (٢).\nوالتأويل السائغ والإعذار به له اعتبار في مسألة التكفير، بل في الوعيد عمومًا ولذا يقول ابن تيمية: (إن الأحاديث المتضمنه للوعيد يجب العمل بها في مقتضاها، باعتقاد أن فاعل ذلك الفعل متوعد بذلك الوعيد، لكن لحوق الوعيد له متوقف على شروط، وله موانع.\nوهذه القاعدة تظهر بأمثلة، منها أنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه» (٣). وصح عنه من غير وجه أنه قال لمن باع صاعين بصاع يدًا بيد: «أوه عين الربا» (٤) كما قال: «البر بالبر ربا، إلا هاء وهاء.» (٥) الحديث، وهذا يوجب دخول نوعي الربا: ربا الفضل وربا النسيئة في الحديث.\nثم إن الذين بلغهم قول النبي ﷺ: «إنما الربا في النسيئة» (٦). فاستحلوا بيع الصاعين بالصاع يدًا بيد، مثل ابن عباس ﵁، وأصحابه ... الذين هم من صفوة الأمة علمًا وعملًا، لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحدًا منهم بعينه، أو من قلده بحيث يجوز تقليده تبلغهم لعنة آكل الربا؛ لأنهم فعلوا ذلك متأولين تأويلًا سائغًا في الجملة) (٧).\nويقول أيضًا: (وعمل السلف وجمهور الفقهاء بأن ما استباحه أهل البغي من دماء أهل العدل بتأويل سائغ لم يضمن بقود، ولا دية، ولا كفارة، وإن كان قتلهم وقتلهم محرما) (٨).\nويقول ابن تيمية - في موضع ثالث -:\n(والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول ﷺ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا) (٩).\nويقرر ابن حزم العذر بمثل هذا التأويل قائلًا: -\n(ومن بلغه الأمر عن رسول الله ﷺ، من طريق ثابتة، وهو مسلم، فتأول في خلافه إياه، أو ردّ ما بلغه بنص آخر، فما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك، فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة). (١٠).\nكما يقرر ذلك ابن الوزير حيث يقول: (قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل: ١٠٦]، ويؤيد أن المتأولين غير كفار؛ لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعًا، أو ظنًا، أو تجويزًا، أو احتمالًا) (١١).\n_________\n(١) انظر: رسالة «ضوابط التكفير» للقرني (ص: ٣٢٨، ٣٤٦).\n(٢) «فتح البارى» (١٢/ ٣،٤).\n(٣) رواه مسلم (١٩٥٨) بلفظ: (لعن رسول الله.). من حديث جابر بن عبدالله ﵄.\n(٤) رواه البخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤).\n(٥) رواه البخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٦) رواه مسلم (١٥٩٦) من حديث أسامة بن زيد ﵄.\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٦٣) باختصار يسير، وقد أطنب ابن تيمية في ذكر أمثلة عديدة. انظر «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٦٤ - ٢٦٨)، و«الاستقامة» (٢/ ١٨٩).\n(٨) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٥٤).\n(٩) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٢٣١) وانظر (٣/ ٢٨٣، ١٢/ ٥٢٣).\n(١٠) «الدرة» (ص: ٤١٤)، وانظر «الفصل» (٣/ ٢٩٦، ٢٩٧)\n(١١) «إيثار الحق على الخلق» (ص: ٤٣٧).","vol":"6","page":324},{"text":"ويعلق الشوكاني على عبارة صاحب كتاب (الأزهار) (١): (والمرتد بأي وجه .. كفر \" فيقول: أراد المصنف إدخال كفار التأويل اصطلاحًا في مسمى الردة، وهذه زلة قدم يقال عندها لليدين وللفم، وعثرة لا تقال، وهفوة لا تغتفر، ولو صح هذا لكان غالب من على ظهر البسيطة من المسلمين مرتدين) (٢).\nويقول الشيخ عبدالرحمن السعدي:\n(إن المتأولين من أهل القبلة الذين ضلوا وأخطأوا في فهم ما جاء في الكتاب والسنة، مع إيمانهم بالرسول واعتقادهم صدقه في كل ما قال، وأن ما قاله كان حقًا والتزموا ذلك، لكنهم أخطأوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية، فهؤلاء قد دل الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأجمع الصحابة ﵃ والتابعون ومن بعدهم من أئمة السلف على ذلك) (٣).\n٢ - إذا ظهر أن التأويل عذر في مسألة التكفير، فإن هذا لا يعني أن كل من ادعى التأويل فهو معذور بإطلاق، بل يشترط في ذلك التأويل أن لا يكون في أصل الدين الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، وقبول شريعته؛ لأن هذا الأصل (الشهادتين) لا يمكن تحقيقه مع حصول الشبهة فيه، ولهذا أجمع العلماء على كفر الباطنية مثلًا وأنهم لا يعذرون بالتأويل؛ لأن حقيقة مذهبهم الكفر بالله تعالى، وعدم عبادة الله وحده، وإسقاط شرائع الاسلام (٤).\nومن ثم فليس كل التأويل يعتبرا سائغًا أو عذرًا مقبولًا، فهناك من التأويل ما يعتبر سائغًا، ومنه ما ليس كذلك، فلابد من مراعاة ذلك، وعدم الخلط بينهما.\nيقول قوام السنة إسماعيل الأصفهاني: -\n(المتأول إذا أخطأ وكان من أهل عقد الإيمان، نظر في تأويله، فإن كان قد تعلق بأمر يفضي به إلى خلاف بعض كتاب الله أو سنة يقطع بها العذر، أو إجماع فإنه يكفر ولا يعذر؛ لأن الشبهة التي يتعلق بها من هذا ضعيفة لا يقوى قوة يعذر بها؛ لأن ما شهد له أصل من هذه الأصول، فإنه في غاية الوضوح والبيان، فلما كان صاحب هذه المقالة لا يصعب عليه درك الحق، ولا يغمض عنده بعض موضع الحجة لم يعذر في الذهاب عن الحق، بل عمل خلافه في ذلك على أنه عناد وإصرار، ومن تعمد خلاف أصل من هذه الأصول، وكان جاهلًا لم يقصد إليه من طريق العناد فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يقصد اختيار الكفر، ولا رضي به، وقد بلغ جهده، فلم يقع له غيره ذلك، وقد أعلم الله سبحانه أنه لا يؤاخذ إلا بعد البيان، ولا يعاقب إلا بعد الإنذار فقال تعالى: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم ما يَتَّقُونَ [التوبة: ١١٥]. فكل من هداه الله ﷿، ودخل في عقد الإسلام، فإنه لا يخرج إلى الكفر إلا بعد البيان) (٥).\nويقول ابن حزم: (وأما من كان من غير أهل الإسلام من نصراني أو يهودي أو مجوسي، أو سائر الملل، أو الباطنية القائلين بإلهية إنسان من الناس، أو بنوة أحد من الناس، بعد رسول الله ﷺ، فلا يعذرون بتأويل أصلًا، بل هم كفار مشركون على كل حال) (٦).\n_________\n(١) «كتاب الأزهار في فقه الزيدية»، وعنوانه كاملًا: «الأزهار في فقه الأئمة الأخيار» ومؤلفه: أحمد بن يحيي المهدي المتوفي سنة ٨٤٠ هـ، انظر «الأعلام» (١/ ٢٦٩).\n(٢) «السيل الجرار» (٤/ ٣٧٣»، وانظر أيضًا (٤/ ٥٧٦).\n(٣) «الإرشاد في معرفة الأحكام» (ص: ٢٠٧).\n(٤) انظر رسالة «ضوابط التكفير» (ص: ٣٦٩)، وانظر «فتوى شيخ الاسلام ابن تيمية في شأن الباطنية» (٣٥/ ١٦١، ١٦٢).\n(٥) «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٥١٠، ٥١١).\n(٦) «الدرة» لابن حزم (ص: ٤٤١) وانظر (ص: ٤١٤).","vol":"6","page":325},{"text":"ويذكر أبو حامد الغزالي التأويل الغير سائغ ومثاله فيقول: (ولابد من التنبيه على قاعدة وهو أن المخالف قد يخالف نصًا متواترًا، ويزعم أنه مؤول، مثاله: ما في كلام بعض الباطنية أن الله تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها، وعالم بمعنى أنه يعطى العلم لغيره ويخلقه، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره، وأما أن يكون واحدًا في نفسه، وموجودًا، وعالمًا على معنى اتصافه فلا، وهذا كفر صراح؛ لأن حمل الوحدة على اتحاد الوحدة ليس من التأويل في شيء، ولا تحتمله لغة العرب أصلًا ... فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عبر عنها بالتأويلات) (١).\nكما يورد ابن الوزير أمثلة للتأويل المردود، مما لا يمكن أن يكون عذرًا لمن تلبس به فيقول: (لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار) (٢).\nويقول السعدي موضحًا تباين أهل البدع ممن تلبس بتأويل وشبهة: (هؤلاء المبتدعة المخالفون لما ثبتت به النصوص الصريحة والصحيحة، أنهم في هذا الباب أنواع، من كان منهم عارفًا بأن بدعته مخالفة للكتاب والسنة فتبعها ونبذ الكتاب والسنة وراء ظهره، وشاق الله ورسوله من بعد ما تبين له الحق، فهذا لا شك في تكفيره، ومن كان منهم راضيًا ببدعته معرضًا عن طلب الأدلة الشرعية، وطلب ما يجب عليه من العلم الفارق بين الحق والباطل ناصرًا لها، رادًا ما جاء به الكتاب والسنة مع جهله وضلاله، واعتقاده أنه على الحق، فهذا ظالم فاسق بحسب تركه ما أوجب الله عليه، وتجرئه على ما حرم الله تعالى ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم من هو حريص على اتباع الحق واجتهد في ذلك، ولم يتيسر له من يبين له ذلك فأقام على ما هو عليه، ظانًا أنه صواب من القول، غير متجرئ على أهل الحق بقوله، ولا فعله، فهذا ربما كان مغفورًا له خطؤه والله أعلم) (٣).\nثم يكشف السعدي الفرق بين أهل التأويل السائغ وغيرهم فيقول:\n(والمقصود أنه لا بد من هذا الملحظ في هذا المقام؛ لأنه وجد بعض التفاصيل التي كفر أهل العلم فيها من اتصف بها، وثم أخر من جنسها لم يكفروه بها، والفرق بين الأمرين أن التي جزموا بكفره بها لعدم التأويل المسوغ وعدم الشبهة المقيمة لبعض العذر، والتي فصلوا فيها القول، لكثرة التأويلات الواقعة فيها) (٤).\n... أما التأويلات التي لا يعذر أصحابها، فتأويلات الباطنية والفلاسفة ونحوهم ممن حقيقة أمرهم تكذيب للدين جملة وتفصيلا، أو تكذيب لأصل لا يقوم الدين إلا به كإنكار الفلاسفة لحشر الأجساد وقولهم إن الله سبحانه لا يعلم الجزئيات، أو تأويل الفرائض والأحكام بما يخرجها عن حقيقتها وظاهرها، أو الاعتقاد بألوهية بعض البشر كتأليه علي أو الحاكم بأمره كما عند النصيرية والدروز، أو القول بتحريف القرآن، أو تأويل جميع الأسماء والصفات أو القول بسقوط التكاليف عن البعض ونحو ذلك من الاعتقادات الغالية التي لا تعتمد على أي مستند نصي أو لغوي ولو من وجه محتمل.\n_________\n(١) «فيصل التفرقة» (ص: ١٤٧).\n(٢) «إيثار الحق على الخلق» (ص: ٤١٥) وانظر (ص ١٢٩)، و«العواصم» لابن الوزير (٤/ ١٧٧).\n(٣) «الإرشاد في معرفة الأحكام» (ص: ٢٠٩)، ولمعرفة أقوال العلماء تفصيلًا. في الحكم على المتأولين انظر «الشفا» لعياض (٢/ ١٠٥١ - ١٠٦٥).\n(٤) «الإرشاد في معرفة الأحكام» (ص: ٢٠٩).","vol":"6","page":326},{"text":"يقول ابن الوزير – ﵀ -: (وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم ضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار، وإنما يقع الإشكال في تكفير من قام بأركان الإسلام الخمسة المنصوص على إسلام من قام بها إذا خالف المعلوم ضرورة للبعض أو للأكثر لا المعلوم له، وتأول وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التكذيب أو التبس ذلك علينا في حقه وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية مع الخطأ الفاحش في الاعتقاد، ومضاده الأدلة الجلية، ولكن لم يبلغ مرتبة الزنادقة المقدمة) (١).\nويقول أيضًا: (... أما من كذب اللفظ المنزل أو جحده، كفر متى كان ممن يعلم بالضرورة أنه يعلمه بالضرورة، وإنما الكلام في طوائف الإسلام الذين وافقوا على الإيمان بالتنزيل، وخالفوا في التأويل فهؤلاء لا يكفر منهم إلا من تأويله تكذيب، ولكن سماه تأويلًا مخادعة للمسلمين ومكيدة للدين كالقرامطة الذين أنكروا وصف الله تعالى بكونه موجودًا وعالمًا وقادرًا ونحو ذلك من الصفات التي علم الكافة بالضرورة أن النبي ﷺ جاء بها على ظاهرها) (٢)، وقال الملا القاري الحنفي: (وأما من يؤول النصوص الواردة في حشر الأجساد، وحدوث العالم، وعلم الباري بالجزئيات فإنه يكف لما علم قطعًا من الدين أنها على ظواهرها بخلاف ما ورد في عدم خلود أهل الكبائر في النار لتعارض الأدلة في حقهم) (٣)، وذكر الإمام ابن حزم ﵀ أمثلة كثيرة لبعض الطوائف الغالية المنسوبة إلى الإسلام، وبعض ضلالاتها فقال: (وقد تسمى باسم الإسلام من أجمع جميع فرق الإسلام على أنه ليس مسلمًا، مثل طوائف من الخوارج غلوا فقال: إن الصلاة ركعة بالغداة، وركعة بالعشي فقط، وقالوا: إن سورة يوسف ليست من القرآن، وطوائف كانوا من المعتزلة ثم غلوا فقالوا بتناسخ الأرواح، وآخرون قالوا: إن النبوة تكتسب بالعمل الصالح، وآخرون قالوا قد يكون في الصالحين من هو أفضل من الأنبياء، وأن من عرف الله حق معرفته فقد سقطت عنهم الأعمال والشرائع وقال بعضهم بحلول الباري تعالى في أجسام خلقه كالحلاج وغيره) (٤). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– ٢/ ٢٢٠\nحكم المتأول من حيث العموم هو حكم الجاهل. بل قد يكون المتأول في بعض أحواله أولى بالإعذار من الجاهل. لأن الجاهل من حيث الأصل جاهل بالحق فقط. وأما المتأول فهو مع جهله بالحق يدعي أن ما هو عليه هو الحق. فالجاهل قد تكون مخالفته في الظاهر بكفر أو ما دونه من غير قصد إلى ذلك فقط. وأما المتأول فهو مع مخالفته الظاهرة وعدم قصده إلى المخالفة يدعي أنه على الحق. وبهذا نعلم أن من كان جهله لعدم العلم يكفي في قيام الحجة عليه مجرد بلوغ الحجة، وأما من كان جهله لعدم العلم يكفي في قيام الحجة عليه مجرد بلوغ الحجة، وأما من كان جهله مع ادعاء أنه في مخالفته على حق، فإنه قد لا يكفي في قيام الحجة عليه مجرد بلوغ الحجة، بل لابد مع ذلك من إزالة شبهته.\n... وأما من كان جهله مع وجود شبهة وتأول، فإنه ولو بلغته الحجة مع تمكن الشبهة منه قد يكون معذورًا إذا لم يلتزم بمقتضى الحجة.\n_________\n(١) «إيثار الحق» (ص: ٤١٥).\n(٢) «العواصم والقواصم» (٤/ ١٧٦).\n(٣) «شرح الفقه الأكبر» (ص: ٦٩)، وانظر «فيصل التفرقة»، للغزالي (ص: ١٤٧)، و«الاقتصاد في الاعتقاد» (ص: ١٥٦ – ١٦٠).\n(٤) «الفصل» (٢/ ١١٤).","vol":"6","page":327},{"text":"وهنا قد يقول قائل: إن المناط في قيام الحجة على المعين مطلقًا هو مجرد بلوغها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون عنده شبهة أولا يكون. ومقتضى ذلك ألا يعذر أحد بالشبهة بعد بلوغ الحجة الرسالية.\nويستند من يقول هذا القول إلى أن الله قد حكم بالكفر على من وصفهم بأنهم لا يفقهون، وأنهم لا يعلمون، وأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ونحو ذلك. ومن ذلك قول الله تعالى: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الإسراء: ٤٦]. وقول الله تعالى:\nأَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٤٤].\nوقوله تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ [الأنفال: ٢٢ – ٢٣]. وقوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:١٧٩]\n[الأعراف: ١٧٩]. وقوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٣ – ١٠٥]. ونحو ذلك من الآيات مما في هذا المعنى كثيرة.\nوالجواب أن هذا بحمد الله لا يعارض إعذار المتأول، ويتبين ذلك بوجهين:\nالأول: أن هناك فرقًا بين فهم الدلالة وفهم الهداية. فليس كل من بلغته الحجة وفهمها يهتدي بها. لكن الله قد جعل فهم الدلالة شرطًا في تكليف عموم الناس، مؤمنهم وكافرهم، ولم يجعل فهم الهداية والتوفيق إلا لمن أراد لهم ذلك.\nفالفهم المشروط في قيام حجة الله على العباد غير الفهم الذي هو مقتضى هداية الله تعالى وتوفيقه. والشبهة التي تتعلق بفهم الحجة غير الشبهة التي هي لعدم الهداية ولو بلغت الحجة، وهذا فرق ظاهر.\nيبين ذلك أن الآيات التي قد يستدل بها من لا يفرق بين هذين الأمرين كلها فيما يتعلق بنفي العلم والعقل الذي هو مقتضى الهداية. ولذلك فإن الله كما نفى عمن حكم بكفرهم في تلك الآيات\nالعلم والفهم، فقد نفى عنهم أنهم يسمعون أو يبصرون. ومعلوم أن السمع والبصر المنفي هنا هو مقتضى الهداية، لا أنهم صم لا يسمعون شيئًا عمي لا يرون شيئًا. فكذلك العقل والفهم المنفي عنهم، هو مقتضى الهداية والتوفيق، لا أنهم مجانين لا يعرفون شيئًا، ولا يفهمون ما يقال لهم.\nيقول الإمام ابن القيم ﵀ في تفسير قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ [الأنفال: ٢٣]. (أخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم، وأنهم لا خير فيهم يدخل بسببه إلى قلوبهم، فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به، وإن سمعوه سماعًا تقوم به عليهم حجته) (١).\n_________\n(١) «شفاء العليل» لابن القيم (ص: ٩٧).","vol":"6","page":328},{"text":"ويقول الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ﵀: (والسمع الذي نفاه الله عنهم، سمع المعنى المؤثر في القلب. وأما سمع الحجة فقد كانت حجة الله تعالى عليهم بما سمعوه من آياته، وإنما لم يسمعهم السماع النافع، لأنه لم يعلم فيهم خيرًا يصلحون به لسماع آياته) (١).\nثم يقال أيضًا: إن الشبهة التي تحصل للكافر بل وللمبتدع الضال الذي لم يكفر ببدعته ليست ابتداءً من الله بعبده، بل لا تكون إلا جزاءً على إعراض العبد عن الحق بعد تبينه له وقيام الحجة به عليه. ومعرفة هل الشبهة لأجل عدم الفهم حقيقة أم لأجل عدم الهداية إلى الفهم مما لا يمكن الاطلاع عليه، لأنه أمر باطن لا يعلم، ونحن إنما نحكم على الظاهر، وإذا ثبت أن من حصلت له شبهة من جهة عدم الفهم فهو معذور كان هذا هو الأصل الذي يعتمد عليه في حكم الظاهر، لأنه هو الظاهر.\nالثاني: إن من القواعد الشرعية المقررة أن المؤاخذة والتأثيم لا تكون على مجرد المخالفة ما لم يتحقق القصد إليها. والمتأول في حقيقته مخطئ غير متعمد للمخالفة، بل هو يعتقد أنه على حق، وذلك هو قصده ونيته، وقد قال تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:٥]. وهذا عام في كل خطأ، لأنه يكون عن غير قصد ولا تعمد. وقد جاء في (صحيح مسلم) أنه لما نزل قول الله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] قال الله: (قد فعلت) (٢). فدل هذا على أن من أخطأ أو نسي فإنه غير مؤاخذ لوعد الله له بذلك وعفوه عن عباده. وقال الله تعالى: لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة: ٢٢٥]\nوفي آية أخرى: وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّم ُالأَيْمَانَ [المائدة: ٨٩] وهذا ليس خاصا بالخطأ في اليمين، بل هي قاعدة عامة في كل خطأ لايمكن العلم بالحق فيه إلا من جهة الحجة الرسالية. فتبين من كل ما سبق أنه لابد قبل الحكم على المعين من التحقق من قصد المعين بضوابطه الشرعية، وأن ذلك ركن مشروط في الحكم عليه مع تحقق المخالفة في الظاهر.\nثم يقال بعد تقرير هذا: إذا كان تحقق القصد إلى المخالفة شرطًا في التأثيم والمؤاخذة، فقد لا يكفي مجرد بلوغ الحجة في إزالة الشبهة، فقد يتأول من عنده شبهة تلك الحجة لتوافق شبهته، غير قاصد تكذيب الرسول ﷺ ولا رد الشريعة، ولكنه يظن أن ذلك هو مفهوم الحجة، ومثل هذا معذور إذا تأول، لأنه في الحقيقة مخطئ فكيف يقال مع هذا إن مجرد بلوغ الحجة كاف في قيامها على المعين مطلقًا، وعدم إعذاره إذا كان له شبهة؟\nوهذا الذي تقرر من الإعذار بالشبهة، ولو مع بلوغ الحجة إذا تأولها المتأول، بحيث نعلم من حاله أنه غير مكذب لها ولا مستحل مخالفتها هو منهج سلف الأمة وأئمتها، وقد يطلقون القول بكفر من قال كذا، كما أطلق الإمام أحمد ﵀ القول بكفر من قال بخلق القرآن لكنهم لا يلتزمون بذلك في الحكم على كل معين لأن الكلام في حكم القول من جهة وصفه الشرعي غير الحكم على المعين بذلك الحكم، ولو تلبس بما هو كفر في الشرع ولو لم تكن الشبهة عذرًا معتبرًا للزوم تكفير المتكلمين بتأويلهم لنصوص الصفات، وحملهم لها على المجاز، وأنها ليست ثابتة لله على الحقيقة، لظنهم أن ذلك يستلزم تشبيه الله بخلقه، فردهم لنصوص الصفات مبني على إرادة التنزيه لله عن مشابهة خلقه حسب ظنهم وعلى هذا فهم لم يريدوا رد تلك النصوص تكذيبًا بها.\n_________\n(١) «تفسير السعدي» (٣/ ١٥٥).\n(٢) رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"6","page":329},{"text":"فرد النصوص كفر، لكن من تحقق منه ذلك قد يكون مكذبا بالنص فيكون كافرًا، وقد يكون له شبهة فلا يكون مكذبًا فلابد من التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين ولذلك لم يكفر الإمام أحمد ﵀ كل من دعا إلى القول بخلق القرآن بعينه، مع قوله إن القول بخلق القرآن كفر.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية (إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه.\nفإن الإمام أحمد مثلًا قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل.\nوالعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولي الأمر إذا ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم، يكفرون كل من لم يكن جهميًا موافقًا لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر).\nإلى أن قال: (ومعلوم أن هذا من التجهم، فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب.\nثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع. وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة.\nفأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفضيل فيقال: من كفره بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه. هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم) (١)\nويقول في موضع آخر عن نفس المسألة: (فالإمام أحمد رضي الله تعالى عنه ترحم عليهم واستغفر لهم لعلمه بأنه لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطئوا وقلدوا من قال ذلك لهم) (٢).\nفهذا الإمام أحمد ﵀ لم يكفر من إطلاق القول بتكفيرهم على العموم، مع أنه قد بلغ حجة الله في ذلك وجادلهم وعرفوا ما عنده مما يبين حكم الله فيما يقولونه من الكفر.\nوكان هو في وقته علم الأمة، وإمام أهل السنة، فلم يكن المانع من تكفيرهم إلا ما عرفوه الإمام أحمد من حالهم، وأنهم لم يقصدوا التكذيب بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإنما ظنوا أن قولهم هو الحق، لما عرض لهم من الشبه في ذلك، فعذرهم ولم يكفرهم بأعيانهم، مع قيامه بحجة الله وبيان أن قولهم كفر.\n_________\n(١) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (١٢/ ٤٨٧ - ٤٨٩).\n(٢) «المسائل الماردينية» لشيخ الإسلام ابن تيمية، (ص: ١٢٦).","vol":"6","page":330},{"text":"ولهذا لم يكفر الإمام ابن تيمية الذين جادلوه من الجهمية في عصره مع أن قولهم كفر. ويحكى ذلك عن نفسه فيقول: (كنت أقول للجهمية من الحلولية (١)، والنفاة الذين نفوا أن الله فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا لأني أعلم أن قولكم كفر. وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال. وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم. وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم، في قصور من معرفة المنقول الصححيح والمعقول الصريح الموافق له) (٢).\nوما وصف به الإمام ابن تيمية هؤلاء من الجهل إنما هو ما حصل لهم من الشبهات التي اقتضت ما قالوه من الكفر، لا أنهم جهال لم تبلغهم الحجة. كيف وقد جادلهم في ذلك، وبين حكم الله فيما قالوه، وبين لهم أن قولهم كفر.\nوعلى هذا فقيام الحجة لا يكفي فيه مجرد بلوغها، بل لابد مع ذلك من فهم تلك الحجة، وألا تعرض للمعين شبهة معتبرة تمنعه من اعتقاد ما هو مقتضى تلك الحجة، وإلا كان معذورًا إذا تأولها، لا فرق في ذلك بين الشبهة في المقالات الخفية وغيرها، ولا الشبهة عند من نشأ ببادية أو كان حديث عهد بإسلام أو لم يكن كذلك.\nوذلك أن كون المقالة خفية من الأمور النسبية التي تختلف بحسب أحوال الناس، فلا بد من اعتبار تلك الأحوال، والتبين والتثبت من تحقق شروط التكفير وانتفاء موانعه قبل المعين.\nوهذا الذي تقرر هو منهج أهل السنة، الذين هم أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق، وأما غيرهم من الفرق فقد أسرفوا في تكفير مخالفيهم، بناء على ما قرروه من أن ما هم عليه أصول لا يعذر أحد بمخالفتها لشبهة أو لغير شبهة. وقد تهافتوا في ذلك من غير ضابط، حتى كفروا مخالفيهم بالجزئيات الخفية فضلًا عن الظاهرة، وبالإلزام فضلًا عن الالتزامات، بل أكثر ما يكفرون به ليس كفرا في الأصل وحكم الشرع.\nوعدم الجزم بتكفير من تأول لشبهة، ولو كان تأوله كفرا مبني على أصل، وهو أن من تحقق منه ذلك ثبت له وصف الإسلام بيقين، والحكم عليه بالكفر، مع ظهور ما يدل على أن قصده ليس تكذيب الرسول ﷺ ولا مضادة الشريعة مجازفة وتهور من غير بينة ولا برهان. وأحكامنا مبينة على الظاهر، وظاهر من كان كذلك لا قطع فيه بالكفر. ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني- ص٣٣١\n_________\n(١) ليس المقصود بالحلولية هنا أهل الحلول والاتحاد، وإنما المقصود الجهمية الذين ينفون أسماء الله وصفاته وكونه على العرش استوى.\n(٢) «الرد على البكري» لابن تيمية (ص: ٢٥٩).","vol":"6","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1839>المطلب الثالث: الموقف من أهل التأويل</span>\nالخلاف بين العلماء في حدود التأويل المقبول وغير المقبول، أدى إلى خلاف بينهم في الحكم على الفرق المتأوّلة، ونحن لن نبحث تفصيل الحكم على كل فرقة، وهل الراجح تكفيرها أو عدمه، وإنما مقصودنا الإشارة المجملة إلى إعذار الأئمة للمتأوّلين المعينين، مهما بلغ خطؤهم إذا لم تقم عليهم الحجة.","vol":"6","page":332},{"text":"يلخص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ موقف الأئمة من الفرق المشهورة فيقول: (وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير (المرجئة) و(الشيعة المفضلة) ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع – من هؤلاء وغيرهم – خلافًا عنه، أو في مذهبه، حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم وهذا غلط على مذهبه، وعلى الشريعة، ومنهم من لم يكفر أحدًا من هؤلاء إلحاقًا بأهل المعاصي، قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدًا بذنب، فكذلك لا يكفرون أحدًا ببدعة، والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير (الجهمية المحضة) الذين ينكرون الصفات، وأما الخوارج والروافض ففي تكفيرهم نزاع وتردد عن أحمد وغيره، وأما القدرية الذين ينفون الكتابة والعلم فكفروهم، ولم يكفروا من أثبت العلم ولم يثبت خلق الأفعال) (١)، ثم بين سبب التنازع، فيقول: (وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان، الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرًا، فيتعارض عندهم الدليلان، وحقيقة الأمر أنهم أصابوا في ألفاظ العموم في كلام الأئمة، ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، بين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة، الذين أطلقوا هذه العمومات (٢)، ولم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه ..) (٣)، ثم ضرب مثالًا كرره في عدة مواضع – وهو موقف الإمام أحمد من أعيان الجهمية فقال: (مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية، ولا كل من قال: إنه جهمي كفره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم، وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى الائتمام بهم في الصلاة خلفهم، والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر، وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين، وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة، وإن كانوا جهالًا مبتدعين، وظلمة فاسقين) (٤)،\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٥١، ٣٥٢)، (٢٨٢)، وانظر (٧/ ٥٠٧).\n(٢) مثل قولهم، من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر ونحو ذلك.\n(٣) «الفتاوى» (١٢/ ٤٨٧، ٤٨٨).\n(٤) «الفتاوى» (٧/ ٥٠٧، ٥٠٨»، وانظر (١٢/ ٤٨٨)، (٤٨٩، ٢٣/ ٣٤٨، ٣٤٩) ..","vol":"6","page":333},{"text":"أما تكفير الإمام أحمد لبعض أعيان الجهمية، فبين شيخ الإسلام ذلك بقوله: (وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قومًا معينين، فإما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل، فيقال: من كفر بعينه، فليقام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير، وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه، هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم) (١).\nونختم هذه النقولات عن شيخ الإسلام، بنص أشبه بالقاعدة، التي تساعدنا على فهم كلام الأئمة في التكفير أو التبديع على العموم وعلى التعيين، يقول: (فإذا رأيت إمامًا قد غلظ على قائل مقالته، أو كفره فيها فلا يعتبر هذا حكمًا عامًا في كل من قالها، إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه، والتكفير له، فإن جحد شيئًا من الشرائع الظاهرة، وكان حديث العهد بالإسلام، أو ناشئًا ببلد جهل لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية، وكذلك العكس إذا رأيت المقالة المخطئة، قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت، عدم بلوغ الحجة له، فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول) (٢).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٨٩) وانظر «الإرشاد إلى معرفة الأحكام»، للسعدي (ص: ٢٠٩).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٦١)","vol":"6","page":334},{"text":"ونختم هذه الفقرة بتفصيل جيد ذكره الشيخ ابن سعدي – ﵀ – بين فيه موقف السلف من المبتدعة ومن يعذر منهم ومن لا يعذر، قال: (أما أهل السنة والجماعة فيسلكون معهم ومع جميع أهل البدع المسلك المستقيم المبني على الأصول الشرعية والقواعد المرضية، ينصفونهم، ولا يكفرون منهم إلا من كفره الله ورسوله، ويعتقدون أن الحكم بالكفر والإيمان من أكبر حقوق الله وحقوق رسوله، فمن جحد ما جاء به الرسول أو جحد بعضه غير متأوّل من أهل البدع فهو كافر، لأنه كذب الله ورسوله واستكبر على الحق وعانده، فكل مبتدع من جهمي وقدري وخارجي ورافضي ونحوهم عرف أن بدعته مناقضة لما جاء به الكتاب والسنة ثم أصر عليها ونصرها فهو كافر بالله العظيم مشاق لله ورسوله من بعد ما تبين له الهدى، زمن كان من أهل البدع مؤمنًا بالله ورسوله ظاهرًا وباطنًا معظمًا لله ورسوله ملتزمًا ما جاء به الرسول ﷺ، ولكنه خالف الحق وأخطأ في بعض المقالات وأخطأ في تأويله، من غير كفر وجحد للهدى الذي تبين له لم يكن كافرًا، ولكنه يكون فاسقًا مبتدعًا، أو مبتدعًا ضالًا، أو معفوًا عنه لخفاء المقالة، وقوة اجتهاده في طلب الحق الذي لم يظفر به، ولهذا كان الخوارج والمعتزلة والقدرية ونحوهم من أهل البدع أقسامًا متنوعة: منهم من هو كافر بلا ريب كغلاة الجهمية (١)، الذين نفوا الأسماء والصفات وقد عرفوا أن بدعتهم مخالفة لما جاء به الرسول، فهؤلاء مكذبون للرسول عالمون بذلك، ومنهم من هو مبتدع ضال فاسق كالخوارج المتأولين والمعتزلة الذين ليس عندهم تكذيب للرسول ولكنهم ضلوا ببدعتهم، وظنوا أن ما هم عليه هو الحق، ولهذا اتفق الصحابة ﵃، في الحكم على بدعة الخوارج ومروقهم كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة فيهم، واتفقوا – أيضًا على عدم خروجهم من الإسلام (٢) مع أنهم استحلوا دماء المسلمين، وأنكروا الشفاعة في أهل الكبائر، وكثيرًا من الأصول الدينية، ولكن تأويلهم منع من تكفيرهم، ومن أهل البدع من هو دون هؤلاء ككثير من القدرية وكالكلابية والأشعرية، فهؤلاء مبتدعة ضالون في الأصول التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، وهي معروفة مشهورة، وهم في بدعهم مراتب بحسب بعدهم عن الحق وقربهم، وبحسب بغيهم على أهل الحق بالتكفير والتفسيق والتبديع، وبحسب قدرتهم على الوصول إلى الحق، واجتهادهم فيه، وضد ذلك، وتفصيل القول فيه يطول جدًا ...) (٣) وخلاصة موقف السلف من المتأوِّلين أنهم لا يحكمون على جميع الفرق المتأوّلة المنتسبة لهذه الأمة، حكمًا عامًا بالكفر أو عدمه، وإذا حكموا على بعضها بالكفر (كحكمهم على غلاة الجهمية) فيفرقون بين الحكم العام، وبين الحكم على المعين، فالمعينون متفاوتون بحسب قيام الحجة عليهم أو عدم قيامها، وبحسب اجتهادهم وتأويلهم، أو استكبارهم وجحدهم، ففيهم المنافق والزنديق، وفيهم المبتدع الضال، وفيهم الفاسق، وفيهم المجتهد المغفور له خطؤه والله أعلم. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– ٢/ ٣١\n_________\n(١) مع التفريق: بين التكفير بالعموم والتعيين.\n(٢) ذكر الإمام الطبري والخطابي الإجماع على كفر الخوارج، ونقل عن غيرهم من الأئمة خلاف ذلك، انظر «فتح الباري» (١٢/ ٢٩٩ – ٣٠١)، و«الفتاوى» (٣/ ٢٨)، «إيثار الحق» (ص: ٤٢٩)، «العواصم والقواصم» (٤/ ٣٦٩)، وغيرها.\n(٣) «توضيح الكافية الشافية» (ص: ١٥٦ – ١٥٨)، وانظر نصًا مشابهًا في «الإرشاد إلى معرفة الأحكام» (ص: ٢٠٧ – ٢٠٩)، وانظر في مسألة إكفار المتأولين، «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ١٠٥١ – ١٠٨٦)، «إيثار الحق على الخلق» (ص: ٤٢٠ – ٤٥٠)، و«القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» للشيخ محمد العثيمين (ص: ٨٧ – ٨٩) وتفصيل جيد لسعيد بن ناصر الغامدي في «حقيقة البدعة وأحكامها» (٢/ ٢٦٢ - ٣٠٠).","vol":"6","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1840>المطلب الرابع: التكفير بالمآل أو بلازم المذهب</span>\n(التكفير بالمآل)، والمقصود به أن يقول قولًا يؤديه سياقه إلى كفر، وهو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه، كحال بعض أهل البدع والمتأولين (١).\nيقول ابن رشد الحفيد: (ومعنى التكفير بالمآل: أنهم لا يصرحون بقول هو كفر، ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم) (٢).\nوقد بين أهل العلم هذه المسألة، ومن ذلك ما ذكره القاضي عياض حيث قال عند ذكره للمعطلة:\n(فأما من أثبت الوصف، ونفى الصفة فقال: أقول: عالم ولكن لا علم له، ومتكلم ولكن لا كلام له، وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة، فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قوله، ويسوقه إليه مذهبه كفر، لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم، إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم، فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قولهم. ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم، ولا ألزمهم موجب مذهبهم، لم ير إكفارهم، قال: لأنهم إذا وقفوا على هذا، قالوا: لا نقول ليس بعالم، ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر، بل نقول: إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل، وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك.\nوالصواب: ترك إكفارهم والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم، ووراثاتهم، ومناكحتهم، ودياتهم، والصلاة عليهم، ولكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب، وشديد الزجر والهجر، حتى يرجعوا عن بدعتهم) (٣).\nويبطل ابن حزم الكفر بالمآل فيقول: _\n(وأما من كفر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ؛ لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفرًا، بل قد أحسن إذ قد فر من الكفر) (٤).\nإلى أن قال (فصح أنه لا يكفر أحد إلا بنفس قوله، ونص معتقده، ولا ينفع أحد أن يعبر عن معتقده بلفظ يحسن به قبحه، لكن المحكوم به هو مقتضى قوله فقط) (٥).\nكما ينفي الشاطبي الكفر بالمآل فيقول:\n(والذي كنا نسمعه من الشيوخ أن مذهب المحققين من أهل الأصول (إن الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال) كيف والكافر ينكر ذلك المآل أشد الإنكار، ويرمي مخالفه به) (٦).\n٤ - ومما هو قريب من مسألة التكفير بالمآل ما يسمى بالتكفير بلازم القول (٧).\nومعنى اللازم: ما يمتنع إنفكاكه عن الشيء، وقد يكون هذا اللازم بينًا، وهو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزوم بينهما. وقد يكون غير بين، وهو الذي يفتقر جزم الذهن باللزوم بينهما إلى وسط (٨).\nإن التكفير بلازم القول مطلقًا قد أورث في الأمة تفرقًا واختلافًا ... وكما قال الإمام الذهبي ﵀:\n(لا ريب أن بعض علماء النظر بالغوا في النفي، والرد والتحريف والتنزيه بزعمهم حتى وقعوا في بدعة، أو نعت الباري بنعوت المعدوم.\n_________\n(١) انظر «الشفا» (٢/ ١٠٥٦).\n(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٤٩٢).\n(٣) «الشفا» (٢/ ١٠٨٤ - ١٠٨٦)\n(٤) «الفصل» (٣/ ٢٩٤).\n(٥) «الفصل» (٣/ ٢٩٤)\n(٦) «الاعتصام» (٢/ ١٩٧)\n(٧) أطلق ابن الوزير على مسألة التكفير بالمآل: التكفير بالإلزام، انظر «العواصم والقواصم» (٤/ ٣٦٧).\n(٨) انظر «التعريفات» (ص: ١٩٠) للجرجاني.","vol":"6","page":336},{"text":"كما أن جماعة من علماء الأثر، بالغوا في الإثبات (١)، وقبول الضعيف والمنكر ولهجوا بالسنة والإتباع. فحصل الشغب ووقعت البغضاء، وبدع هذا هذا، وكفر هذا هذا ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين، وأن نكفر مسلمًا موحدًا بلازم قوله، وهو يفر من ذلك اللازم، وينزه ويعظم الرب) (٢).\nوقد بين العلماء هذه المسألة وأحوالها، وسنورد جملة من كلامهم في ذلك على النحو التالي: سئل ابن تيمية: هل لازم المذهب مذهب أم لا؟ فكان من جوابه ما يلي:\n(الصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه، كانت إضافته إليه كذبًا عليه، بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال. ولو كان لازم المذهب مذهبًا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء وغيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة، فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه وصفاته حقيقة) (٣).\nويقول في موضع آخر: لازم قول الإنسان نوعان:\nأحدهما: لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق، ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب.\nوالثاني: لازم قوله الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض، وقد بينت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له، فقد يضاف إليه، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول، لو ظهر له فساده لم يلتزمه، لكونه قد قال ما يلزمه، وهو لم يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه.\nوهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب أو ليس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما، فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله (٤).\nوقال الشاطبي: (ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا؟ هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول، والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأي المحققين أيضًا أن لازم المذهب ليس بمذهب، فلذلك إذا قرر عليه، أنكره غاية الإنكار) (٥).\nوأورد السخاوي مقالة شيخه ابن حجر حيث قال: (والذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعرض عليه فالتزمه .. أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافرًا ولو كان اللازم كفرًا) (٦).\nوذكر الشيخ السعدي تحقيقه في هذه المسأله قائلًا: (والتحقيق الذي يدل عليه الدليل أن لازم المذهب الذي لم يصرح به صاحبه ولم يشر إليه، ولم يلتزمه ليس مذهبًا؛ لأن القائل غير معصوم، وعلم المخلوق مهما بلغ فإنه قاصر، فبأي برهان نلزم القائل بما لم يلتزمه. ونقوله ما لم يقله، ولكننا نستدل بفساد اللازم على فساد الملزوم، فإن لوازم الأقوال من جملة الأدلة على صحتها وضعفها وعلى فسادها، فإن الحق لازمه حق، والباطل يكون له لوازم تناسبه، فيستدل بفساد اللازم خصوصًا اللازم الذي يعترف القائل بفساده على فساد الملزوم) (٧).\nوخلاصة ما سبق أن يقال: أن لازم أقوال المذاهب والعلماء له ثلاث حالات:\n_________\n(١) عفا الله عن الإمام الذهبي، فلو سلمنا بأن بعض علماء الأثر بالغوا في الإثبات، فلا يسوى هؤلاء العلماء بأولئك المتكلمين كما يفهم من عبارة الذهبي.\n(٢) «الرد الوافر» لابن ناصر الدين (ص: ٤٨).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢١٧).\n(٤) «القواعد النورانية» (ص: ١٢٩،١٢٨)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٠٦، ٤٧٧) و«شرح نونية ابن القيم» لابن عيسى (٢/ ٣٩٤، ٣٩٥).\n(٥) «الاعتصام» (٢/ ٥٤٩).\n(٦) «فتح المغيث» (١/ ٣٣٤)، وانظر «العلم الشامخ» للمقبلي (ص: ٤١٢)\n(٧) «توضيح الكافية الشافية» (ص: ١١٣).","vol":"6","page":337},{"text":"الحالة الأولى: أن يذكر اللازم للقائل، ويلتزم به فهو يعد قولًا له.\nالحالة الثانية: أن يذكر له اللازم، ويمنع التلازم بينه وبين قوله، فهذا ليس قولًا له، بل إن إضافته إليه كذب عليه.\nالحالة الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتًا عنه؛ فلا يذكر بالتزام، ولا منع، فحكمه في هذه الحال أن لا ينسب إلى القائل، لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر فتبين له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله (١).\nوبهذا يعلم أنه لا يصح التكفير بلازم المذهب بإطلاق، خاصة إذا كان من تلبس به ينفي ذلك اللازم وينكره، أو كان يجهله، أو يغفل عنه، والله أعلم (٢). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف– ص٨٠\n_________\n(١) انظر «القواعد المثلى في صفات الله ﷾ وأسمائه الحسنى» لمحمد بن عثيمين (ص: ١٥).\n(٢) ذكر المقبلي حكايات لبعضهم، تضمنت التكفير بإلزامات متكلفة، فذكر أن بعض الناس منع أحد هؤلاء المتفقهة نعله، فقال ذاك الفقيه: كفرت؛ لأنك هونت العلماء، وهو تهوين للشريعة، ثم للرسول، ثم المرسل. وفعل بعضهم شيئًا من منكرات الدولة، فقال المظلوم: هذا ظلم وحاشا السلطان من الأمر والرضى به، فقال: أنا خادم الدولة المنتمية إلى السلطان، فقد نسبت الظلم إلى السلطان، فهونت ما عظمت الشريعة من أمر السلطان فكفرت، فأخذوه وجاؤا به إلى القاضي، وحكم عليه بالردة، ثم جدد إسلامه وفعل ما يترتب على ذلك!! انظر: «العلم الشامخ» (ص: ٤١٣).","vol":"6","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1842>المطلب الأول: تعريف الإكراه لغة واصطلاحا</span>\nجاء في اللسان: (وقد أجمع كثير من أهل اللغة أن الكَره والكُره لغتان، فبأي لغة وقع فجائز) (١).\nوقال الفراء: (الكره، بالضم، المشقة، يقال: قمت على كره: أي على مشقة، قال: ويقال أقامني فلان على كره، بالفتح، إذا أكرهك عليه، وقال ابن سيده: الكره الإباء والمشقة تحتملها من غير أن تكلفها ..) (٢).\nوجاء في المعجم: (كره الشيء كرهًا وكراهة وكراهية: خلاف أحبه فهو كريه ومكروه، وأكرهه على الأمر: قهره عليه، وكره إليه الأمر، صيره كريهًا إليه، والمكره: ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، وجمعه مكاره) (٣)، وجاء في المصباح المنير: (الكره، بالفتح، المشقة، وبالضم، القهر، وقيل: بالفتح، الإكراه، وبالضم، المشقة، وأكرهته على الأمر إكراهًا، حملته عليه قهرًا، يقال: فعلته كرهًا، بالفتح، أي إكراهًا، ومنه، قوله تعالى: طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران:٨٣] فقابل بين الضدين) (٤)\nفنلاحظ مما سبق، أن معاني الإكراه، تدور حول المشقة والقهر والإجبار، ومنافاة الرضى والمحبة والاختيار.\nب- المعنى الاصطلاحي:\nعرف الفقهاء الإكراه، بتعريفات كثيرة، بينها بعض الاختلافات اليسيرة، بحسب اختلافهم في بعض شروط الإكراه وأنواعه، وسأذكر بعض التعريفات باختصار:\nقال ابن حزم – ﵀ – في تعريف الإكراه: (والإكراه هو كل ما سمي في اللغة إكراهًا، وعرف بالحس أنه إكراه، كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به، والوعيد بالضرب كذلك) (٥). وعرفه ابن حجر – ﵀ – بقوله: (هو إلزام الغير بما لا يريده) (٦).\nوعرفه الشرقاوى من الشافعية فقال في تعريفه: (الإلجاء إلى فعل الشيء قهرًا) (٧).\nوعرفه علاء الدين البخاري، تعريفًا شاملًا، فقال: (حمل الغير على أمر يمتنع عنه، بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه، ويصير الغير خائفًا فائت الرضا بالمباشرة) (٨).\nوهذه التعريفات وإن اختلفت عباراتها، إلا أنها متفقة في معانيها من حيث الإجمال: فتتفق هذه التعريفات على: أن في الإكراه إلزامًا للغير قهرًا – بالوعيد بالقتل أو غيره – على فعل أمر لا يريده ولا يحبه، وهذه المعاني تتفق مع المعنى اللغوي. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– ٢/ ٥\n_________\n(١» [٩٦٤٩]) «لسان العرب» (١٣/ ٥٣٤) (مادة: كره).\n(٢» [٩٦٥٠]) «لسان العرب» (١٣/ ٥٣٤).\n(٣» [٩٦٥١]) «المعجم الوسيط» (٢/ ٧٩١) (مادة: كره).\n(٤» [٩٦٥٢]) «المصباح المنير» للفيومي (٢/ ٦٤٣).\n(٥» [٩٦٥٣]) «المحلى» لابن حزم (٨/ ٣٣).\n(٦» [٩٦٥٤]) «فتح الباري» (١٢/ ٣١١).\n(٧» [٩٦٥٥]) «حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب» (٢/ ٣٩٠).\n(٨» [٩٦٥٦]) «كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام» البزدوي (٤/ ٤٨٢)، وانظر «تعريفات أخرى لأئمة المذاهب في الإكراه وأثره في التصرفات»، د. عيسى شقره (٤٠،٤١)، «الإكراه في الشريعة» د. فخري أبو صفية (٢١ - ٢٤)، و«الإكراه وأثره في التصرفات»، د. محمد المعيني (٢٩ - ٣٢) وغيرها.","vol":"6","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1843>المطلب الثاني: أنواع الإكراه</span>\nقسم جمهور الأصوليين والفقهاء الإكراه إلى نوعين إكراه ملجئ وهو الإكراه التام، وإكراه غير ملجئ، وهو الإكراه الناقص.\nأ-الإكراه الملجئ (التام):\nوهو الذي يقع على نفس المكره: ولا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار: كأن يهدد الإنسان بقتله أو بقطع عضو من أعضائه كيده أو رجله، أو بضرب شديد يفضي إلى هلاكه أو بإتلاف جميع ماله، فمتى غلب على ظنه أن ما هدد به سيقع عليه، جاز له القيام بما دفع إليه بالتهديد، باعتباره في حالة ضرورة شرعية (١).\nب-الإكراه غير الملجئ (الناقص):\nوهو التهديد أو الوعيد بما دون تلف النفس أو العضو، كالتخويف بالضرب أو القيد أو الحبس أو إتلاف بعض المال، وهذا النوع يفسد الرضا، ولكنه لا يفسد الاختيار لعدم الاضطرار إلى مباشرة ما أكره عليه لتمكنه من الصبر على ما هدد به (٢).\nوقد يلحق بهذا النوع، التهديد بحبس الأب أو الابن أو الزوجة والأخت والأم والأخ، وهناك نزاع في اعتبار هذا القسم من أقسام الإكراه (٣)، فالقياس يقتضي عدم اعتباره من الإكراه لأن الضرر فيه لا يلحق بالمكره – والأصل في اعتبار المكره به (وسيلة الإكراه) – أن يلحق المكره بالتهديد به، الخوف والمشقة والضيق، أما الاستحسان فيعده من الإكراه، لأن المكره يلحقه الغم والاهتمام والحزن والحرج إذا أصاب أحدًا من محارمه مكروه، فيندفع إلى الإتيان بما أمر به كما لو وقع الضرر به أو أشد (٤).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: (وإن توعد بتعذيب ولده، فقد قيل ليس بإكراه لأن الضرر لاحق بغيره، والأولى أن يكون إكراهًا لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله، والوعيد بذلك إكراه فكذلك هذا) (٥).\nقال في (الإنصاف): (ضرب ولده وحبسه ونحوهما: إكراه لوالده، على الصحيح من المذهب، صححه في الفروع، والقواعد الأصولية، وغيرهما) (٦). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي- ٢/ ٧\nويمكن تقسيمه باعتبار آخر إلى:\n١ - الإلجاء حيث ينعدم الرضا والاختيار، وتنتفي الإرادة والقصد، وذلك بالوقوع تحت التعذيب الشديد أو نحو ذلك، وهذه الحالة هي التي نزلت فيها آية النحل: مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان (٢٦٥) [سورة النحل: ١٠٦].\n٢ - التهديد: حيث ينعدم الرضا، ولا ينعدم الاختيار تمامًا وهذه في مثل الحالة التي يختار فيها الإنسان أخف الضررين مثل حال شعيب ﵇ مع قومه إذ خيروه بين العودة إلى الكفر أو الخروج من قريتهم.\n_________\n(١» [٩٦٥٧]) انظر «الإكراه وأثره في عقود المفاوضات المالية» د. إبراهيم العروان، «البدائع» للكاساني (٧/ ١٧٥) «حاشية ابن عابدين» (٥/ ١٠٩)، وانظر في «الفرق بين الإكراه والضرورة»، التشريع الجنائي (١/ ٥٧٦،٥٧٧)، و«الإكراه وأثره في التصرفات»، د. محمد المعيني (ص: ٣٧ - ٤٤).\n(٢» [٩٦٥٨]) انظر «كشف الأسرار» للبزودي (٤/ ٣٨٣)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (٥/ ١٨١)، «حاشية ابن عابدين» (٥/ ١٠٩).\n(٣» [٩٦٥٩]) ذهب بعض الأحناف إلى اعتبار هذا القسم نوعًا ثالثًا، أما بقية الفقهاء فقد أدخلوه في النوعين السابقين، انظر «كشف الأسرار» (٤/ ٣٨٣)، «الإكراه وأثره في التصرفات» د. عيسى شقره (ص: ٦١).\n(٤» [٩٦٦٠]) انظر «الإكراه وأثره في التصرفات»، د. عيسى شقره (ص: ٦٠، ٦١)، وانظر في ترجيح ذلك المبسوط للسرخسي (٢٤/ ١٤٣، ١٤٤).\n(٥» [٩٦٦١]) «المغني» (٧/ ١٢٠)، انظر في ذلك «مغني المحتاج» للشربيني (٣/ ٢٩٠)، «أسني المطالب» (٣/ ٢٨٣)، «فتح الباري» (١٢/ ٣٢٤).\n(٦» [٩٦٦٢]) «الإنصاف» للمرداوي (٨/ ١٤١).","vol":"6","page":340},{"text":"قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [سورة الأعراف: ٨٨ - ٨٩].\nفلا تجوز الاستجابة لمثل هذا الإكراه لهذا النص ولقوله تعالى: وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنا كُنا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (٢٦٦) [العنكبوت: ١٠].\n٣ - الاستضعاف: وهنا لا تعذيب ولا تهديد ولكن المستضعف داخل تحت وضع مفروض عليه من غيره كالمقيم في مكة بعد هجرة المسلمين عنها، فإذا كان دخوله تحت هذا الوضع لعجزه عن دفعه وعن الخروج منه، ولو أمكنه ذلك لفعل مهما كانت تضحياته وتكاليفه فهذا قد عفا الله عنه (٢٦٧). ...\nقال ابن تيمية: تأملت المذاهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع، إن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب وقيد، ولا يكون الكلام إكراهًا (٢٦٨). الولاء والبراء في الإسلام لسعيد بن علي بن وهف القحطاني – ص: ٣٧٢","vol":"6","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1844>المطلب الثالث: شروط الإكراه</span>\nقال ابن حجر: شروط الإكراه أربعة:\n١ - أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار.\n٢ - أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.\n٣ - أن يكون ما هدد به فوريًا، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غدًا لا يعد مكرهًا. ويستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًا، أو جرت العادة بأنه لا يخلف.\n٤ - أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره.\nولا فرق بين الإكراه على القول والفعل عند الجمهور، ويستثنى من الفعل ما هو محرم على التأبيد كقتل النفس بغير حق (٢٥٧). قال الخازن: قال العلماء: يجب أن يكون الإكراه الذي يجوز له أن يتلفظ معه بكلمة الكفر أن يعذب بعذاب لا طاقة له به مثل التخويف بالقتل والضرب الشديد، والإيلامات القوية مثل التحريق بالنار ونحوه (٢٥٨). وأجمعوا أيضًا: على أن من أكره على الكفر لا يجوز له أن يتلفظ بكلمة الكفر تصريحًا، بل يأتي بالمعاريض وبما يوهم أنه كفر، فلو أكره على التصريح يباح له ذلك بشرط طمأنينة القلب على الإيمان، غير معتقد ما يقوله من كلمة الكفر، ولو صبر حتى قتل كان أفضل لفعل ياسر وسمية وصبر بلال على العذاب (٢٥٩).\nلقد كان بلال ﵁ تفعل به الأفاعيل حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم ويقول: أحد. أحد. ويقول – والله لو أعلم كلمة أغيظ لكم منها لقلتها (٢٦٠).\nوكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟\nقال: نعم. فيقول أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع فلم يزل يقطعه إربًا إربًا وهو ثابت على ذلك (٢٦٢).\nوكما فعل الصحابي الجليل عبدالله بن حذافة السهمي: فإنه لما أسرته الروم جاءوا به إلى ملكهم فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي، فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين ما فعلت. فقال: إذا أقتلك قال: أنت وذاك، فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر، في رواية ببقرة من نحاس فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى فطمع فيه ودعاه فقال له: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله!\nوفي بعض الروايات: أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أيامًا ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ قال: أما أنه قد حل لي ولكن لم أكن لأشمتك في، فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك، فقال: وتطلق معي أسارى المسلمين، قال: نعم فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبدالله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقام فقبل رأسه (٢٦٤) الولاء والبراء في الإسلام لسعيد بن علي بن وهف القحطاني – ص: ٣٧٢","vol":"6","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1845>المطلب الرابع: الإكراه على الكفر</span>\nالأصل في ذلك قوله سبحانه: مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن من شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:١٠٦].\nوالمشهور في سبب نزولها ما رواه أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: «أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله ﷺ، قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير قال: كيف تجد قلبك، قال: مطمئنًا بالإيمان، قال: إن عادوا فعد» (١)، قال الحافظ ابن حجر – ﵀ -: (واتفقوا على أنه (أي عمار) نزل فيه إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ [النحل:١٠٦]. (٢). قال أبو بكر الجصاص عن هذه الآية: (هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه) (٣)، بل إن هذا أصل العذر بالإكراه في الأصول والفروع، قال ابن العربي: (لما سمح الله تعالى في الكفر به، وهو أصل الشريعة، عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به) (٤).\nقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:١٠٦]: (فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهًا، لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله) (٥)، وقال الإمام ابن الجوزي – ﵀ -: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:١٠٦]. أي: ساكن إليه راض به، وَلَكِن من شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:١٠٦]. قال قتادة: (من أتاه بإيثار واختيار)، وقال ابن قتيبة: (من فتح له صدره بالقبول)، وقال أبو عبيدة: (المعنى: من تابعته نفسه، وانبسط إلى ذلك، يقال: ما ينشرح صدري بذلك، أي: ما يطيب) (٦)، وقال الإمام الشوكاني: وَلَكِن من شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:١٠٦] (أي: اعتقد وطابت به نفسه، واطمأن إليه) (٧)، إذًا لابد من طمأنينة القلب بالإيمان، وبغض وكراهية الكفر، وهذا شرط مجمع عليه (٨).\n_________\n(١) رواه الحاكم (٢/ ٣٥٧) والبيهقي (٨/ ٢٠٨، ٢٠٩). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٩٥): إسناده صحيح وزاد بعضهم وفي هذا أنزلت: من كفر بالله من بعد إيمانه .. الآية. وقال ابن حجر في «الدراية» (٢/ ١٩٧): إسناده صحيح إن كان محمد بن عمار سمعه من أبيه. وقال الألباني في «فقه السيرة» (١٠٣): في ثبوت هذا السياق نظر وعلته الإرسال.\n(٢) «الإصابة» (٢/ ٥١٢)، وانظر بعض الآثار المصرحة بذلك في «تفسير الطبري» (٢٤/ ١٢٢)، و«طبقات ابن سعد» (٣/ ٢٤٩)، و«الدر المنثور» (٥/ ١٧٠).\n(٣) «أحكام القرآن» (٣/ ١٩٢).\n(٤) «أحكام القرآن» (٣/ ١١٨٠).\n(٥) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٨٧).\n(٦) «زاد المسير» (٤/ ٤٩٦).\n(٧) «فتح القدير» (٣/ ١٩٦).\n(٨) اشترط بعض الفقهاء للنطق بكلمة الكفر، أن يكون الإكراه تامًا (ملجئا)، واشترط آخرون التعريض والتورية بالكفر حال الإكراه، ولم يسندوا كلامهم بأدلة معتبرة، انظر بعض هذه الأقوال في بدائع الصنائع (٧/ ١٧٧) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ١٣٤)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ١١٧٨)، و«أحكام الجصاص» (٣/ ١٩٢، ١٩٤)، و«الإكراه وأثره في التصرفات»، د. عيسى شقره (ص: ١١٥ – ١١٨)، و«الإكراه وأثره في الأحكام» د. عبد الفتاح الشيخ (ص: ٦٣ – ٦٦).","vol":"6","page":343},{"text":"قال ابن بطال تبعًا لابن المنذر: (أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أنه لا يحكم عليه بالكفر ولا تبين منه زوجته) (١).\nوقال ابن العربي – ﵀ -: (وأما الكفر بالله، فذلك جائز له (أي المكرَه) بغير خلاف على شرط أن يلفظ وقلبه منشرح بالإيمان، فإن ساعد قلبه في الكفر لسانه كان آثمًا كافرًا، لأن الإكراه لا سلطان له في الباطن، وإنما سلطانه على الظاهر) (٢).\nلكن ينبغي أن نعلم، أنه وإن جاز قول الكفر أو فعله بسبب الإكراه – إلا أن الصبر أفضل وأعظم أجرًا، قال ابن بطال – ﵀ -: (أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل، أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة) (٣)، ويقول الإمام ابن العربي – ﵀ -: (إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزًا عند العلماء فإن من صبر على البلاء ولم يفتتن حتى قتل فإنه شهيد، ولا خلاف في ذلك، وعليه تدل آثار الشريعة التي يطول سردها) (٤).\nوقال الحافظ ابن كثير – ﵀ -: (والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله) (٥).\nواستدلوا لذلك بأحاديث كثيرة من أشهرها حديث خباب بن الأرت – ﵁ – وفيه قوله ﷺ: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه» (٦).\nقال الإمام القرطبي – ﵀ -: (فوصفه ﷺ هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم، والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظاهر، وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم، وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة) (٧).\nويتأكد الصبر في حق من يفتدي به العوام ويتبعونه في تصرفاته وأقواله، فلو تلفظ – مثل هذا – بالكفر رخصة – مع احتمال أن الكثير من العوام لا يعرفون حقيقة الأمر، وهو أن ما أظهره خلاف ما يبطنه، فيؤدي هذا التصرف إلى فتنتهم، بل قد يصل الأمر إلى التحريم في حقه بسبب ما يسببه من فساد (٨)، وفي هذا المعنى قول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل – ﵀ – حين سئل عن العالم وهل يأخذ بالتقية قال: (إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟) (٩). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– ص ٢/ ٥\n... كما أجمعوا على أن من أكره على الكفر، فاختار القتل؛ أعظم أجرًا عند الله تعالى ممن اختار الرخصة؛ وذلك لأن الصبر والأخذ بالعزيمة له منزلة رفيعة عند الله تعالى، وأولى من الأخذ بالرخص، ولو كانت مباحة، قال النبي ﷺ:\n«سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر؛ فأمره ونهاه فقتله» (١٠).\n_________\n(١) «فتح الباري» (١٢/ ٣١٤)، وانظر «تفسير القرطبي» (١٠/ ١٨٢).\n(٢) «أحكام القرآن» (٣/ ١١٧٨).\n(٣) «فتح الباري» (١٢/ ٣١٧)، وانظر «تفسير القرطبي» (١٠/ ١٨٨).\n(٤) «أحكام القرآن» (٣/ ١١٧٩).\n(٥) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٨٨)، وانظر «المغني» (٨/ ١٤٦)، و«أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ١٩٢).\n(٦) رواه البخاري (٦٩٤٣).\n(٧) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١٨٨).\n(٨) انظر «عوارض الأهلية عند الأصوليين» (ص: ٤٩٥).\n(٩) «البحر المحيط» لأبي حيان (٢/ ٤٢٤).\n(١٠) رواه الحاكم (٣/ ٢١٥). من حديث جابر بن عبدالله ﵄. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة»: صحيح.","vol":"6","page":344},{"text":"أما من نطق بالكفر، وقال: قصدت المزاح؛ فهو كافر ظاهرًا وباطنًا، إذ حكم الكفر يلزم الجاد، والهازل، والمازح على السواء، وفي الآخرة أمرهم إلى الله تعالى.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:\n(فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة عامدًا لها عالمًا بأنها كلمة كفر؛ فإنه يكفر بذلك ظاهرًا وباطنًا، ولا يجوز أن يقال: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنًا، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام) (١). الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري – ص٢٦٥\nهل للإكراه حد يستوي فيه جميع أفراد المعينين؟\nوالجواب:\nأنه ليس للإكراه حد منضبط يحكم به على جميع المعينين، بل يختلف الحكم فيه باختلاف النظر في ثلاثة أمور هي:\n١ - حال المكره، فإن الناس يختلفون في قدراتهم ومكانتهم وتحملهم للإكراه.\n٢ - حال من وقع منه الإكراه، فإن الأمر في ذلك أيضًا مختلف.\n٣ - الأمر الذي وقع عليه الإكراه. وهذا ظاهر أيضًا، فليس الإكراه على الكفر كالإكراه على المعصية، وليس الإكراه على مجرد القول كالإكراه على القول والفعل أو مجرد الفعل وهكذا.\nفأما اختلاف الناس في قدراتهم فظاهر، فقد يكون إكراها في حق إنسان ما ليس بإكراه في حق غيره، لاختلافهما في تحمل الإكراه، حتى قال عبدالله بن مسعود ﵁: (ما من ذي سلطان يريد أن يكلفني كلاما يدرأ عني سوطًا أو سوطين إلا كنت متكلمًا به) (٢).\nثم إن إكراه العالم مثلًا ليس كإكراه غيره، فإنه قد يضل بعض الناس بتقية العالم وأخذه بالرخصة.\nولهذا شدد الإمام أحمد ﵀ في هذا الأمر حين سئل عن العالم وهل له أن يأخذ بالتقية في فتواه فقال: (إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟) (٣).\nوصدق الإمام أحمد ﵀، فإنه ما وقع اللبس والغبش في الأمة إلا بمداهنة العلماء وتجرؤ الجهال بالإفتاء بلا علم. وقد جعل ﵀ من نفسه مثلًا في ذلك، فلم يداهن ولم يلن حين فتن على القول بخلق القرآن لما علم من افتتان الناس وانطماس وجه الحق لو فعل ذلك.\nوأما اختلاف الإكراه باختلاف حال من يقع منه فظاهر وفرق بين من يعلم أنه عازم على إنفاذ وعيده وبين المهدد الذي يحتمل منه ذلك فقط وفرق أيضًا بين من كان له سلطة في تحقيق ما توعد به وبين من كان دون ذلك.\nوأما اختلاف الإكراه باختلاف الأمر المكره عليه فأمر التفاوت فيه واسع، فما كان إكراها في أمر قد لا يكون إكراها في أمر آخر.\nيقول الإمام النووي في بيان هذا التفاوت: (لا يشترط سقوط الاختيار، بل إذا أكرهه على فعل يؤثر العاقل الإقدام عليه حذرًا مما تهدده به حصل الإكراه. فعلى هذا ينظر فيما يطلبه منه، وما هددوه به، فقد يكون الشيء إكراهًا في مطلوب دون مطلوب وفي شخص دون شخص) (٤).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في نفس المسألة: (تأملت المذاهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره. فليس المعتبر في كلمات الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها. فإن الإمام أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب أو قيد ولا يكون الكلام إكراها، وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها بمسكنه فلها أن ترجع، على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء عشرتها فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها.\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص: ٥٣٢).\n(٢) «المحلى» لابن حزم (٨/ ٣٣٦).\n(٣) «البحر المحيط» لأبي حيان (٢/ ٤٢٤).\n(٤) «روضة الطالبين» للإمام النووي (٨/ ٦٠).","vol":"6","page":345},{"text":"ومثل هذا لا يكون إكراها على الكفر، فإن الأسير إذا خشي الكفار أن لا يزوجوه أو أن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر (١).\nوقد يعظم الأمر وينحسر الإعذار بالتقية حتى لا يعذر بها كما في حال المكره على الكفر مع الدوام على ذلك لا في حالة عارضة. ولهذا لما سئل الإمام أحمد ﵀ عن الرجل يؤسر فيعرض على الكفر ويكره عليه أله أن يرتد؟ فكرهه كراهة شديدة، وقال: ما يشبه هذا عندي الذي أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي ﷺ أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاؤوا، وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم) (٢).\nوبعد كل هذا:\nفإنه إذا كان الرضى بالكفر الظاهر هو مناط التكفير على الحقيقة، ولم يمكن الحكم عليه ومعرفته إلا من حيث دلالة الظاهر عليه، وكان الإكراه مانعًا من الحكم بتكفير المعين، ولم يكن الإكراه محدودًا بحد منضبط يستوي فيه جميع أفراد المكلفين، فلم يبق إذن إلا اعتبار الإكراه ما أمكن أن يكون عذرًا في درء الحكم بوصف الكفر للمعين، حتى إذا لم يمكن بحال أن يكون المعين مكرهًا ولو ادعاه كان كافرًا.\nومعلوم أن مجرد احتمال عدم الإكراه أمر نسبي يختلف من معين إلى آخر، وأنه لابد للتحقق منه من تبين حال كل معين على التفصيل، قبل الحكم عليه بأن ما ادعاه إكراهًا، محتمل أو غير محتمل.\nوهنا قد يحصل الخلاف في حكم معين، وهل هو معذور أم غير معذور، للاختلاف في أن ما اعتذر به من الإكراه محتمل أو غير محتمل\nوهذا خلاف في تحقيق مناط الحكم. لكن الذي لا يصح الخلاف فيه هو مناط الحكم لا تحقيق مناطه. ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني- ص: ٣٧٨\n_________\n(١) «مجموعة التوحيد» (ص: ٢٩٧).\n(٢) «المغني» لابن قدامة (٨/ ١٤٧).","vol":"6","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1847>المطلب الأول: تعريف التقليد لغة واصطلاحا</span>\nأ- أصل التقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق محيطًا به، وذلك الشيء يسمى قلادة، والجمع قلائد، ومنه تقليد الهدي، فكأن المقلد جعل الحكم الذي قلد فيه المجتهد كالقلادة في عنق من قلده، ويستعمل التقليد – أيضًا – في تفويض الأمر إلى الشخص كأن الأمر جعل في عنقه كالقلادة، قالت الخنساء:\nيقلده القوم ما نابهم ... وإن كان أصغرهم مولدًا (١)\nب- أما في الاصطلاح: فتكاد تنحصر تعريفات الأئمة في ثلاثة تعريفات متقاربة المعنى.\nالأول: أن التقليد: قبول قول القائل وأنت لا تعلم من أين قاله، (أي لا تعرف مأخذه) (٢).\nالثاني: قبول قول الغير بلا حجة (٣).\nالثالث: اتباع قول من ليس قوله حجة (٤)، وهو قريب من الثاني.\n(فخرج بقولنا: (من ليس قوله حجة) اتباع النبي ﷺ، واتباع أهل الإجماع، واتباع الصحابي إذا قلنا حجة فلا يسمى اتباع شيء من ذلك تقليدًا لأنه اتباع للحجة ..) (٥).\nوبذلك نلاحظ تقارب هذه التعريفات، وأن التعريف الثالث أدق، لأن من يتبع من قوله حجة لا يحتاج إلى معرفة مأخذه، أو حجته باعتباره حجة بنفسه. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– ٢/ ٣٩\n_________\n(١) انظر في التعريف اللغوي «لسان العرب» (٣/ ٣٦٧)، «مختار الصحاح» (ص: ٥٤٨)، «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٢٧٠)، «الأحكام في أصول الأحكام» للأمدي (٤/ ٢٢١)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (ص: ٢٦٥)، «مختصر حصول المأمول من علم الأصول» لصديق حسن خان، (ص: ١١٨)، «شرح الورقات» عبدالله بن صالح الفوزان (ص:١٧٠) وغيرها.\n(٢) وهذا التعريف نسب إلى القفال، انظر «البحر المحيط» (٦/ ٢٧٠)، و«إرشاد الفحول» (ص: ٢٦٥).\n(٣) ذكره ابن حزم في «الأحكام» (٢/ ٨٣٦)، وابن تيمية (٢/ ١٥، ١٦)، والجويني، والغزالي والآمدي وابن حزم في «الأحكام» (٢/ ٨٣٦)، وابن الحاجب وغيرهم انظر «الأحكام» للآمدي (٤/ ٢٢١)، «البحر المحيط» (٦/ ٢٧٠)، «شرح الورقات» للفوزان (ص: ١٧١).\n(٤) وهو ترجيح أبي عبدالله بن خويز منداد البصري المالكي، وابن الهمام في التحرير، والشوكاني وغيرهم انظر «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٧)، «إرشاد الفحول» (٢٦٥).\n(٥) «الأصول من علم الأصول» للشيخ محمد العثيمين (ص: ١٠٠)، وانظر «شرح الورقات» لعبد الله الفوزان (ص: ١٧١).","vol":"6","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1848>المطلب الثاني: أنواع التقليد</span>\n١ - التقليد المباح: يكون في حق العامي الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية، ويعجز عن معرفتها، ولا يمكنه فهم أدلتها، ولكن له طلب الدليل الشرعي من المفتي؛ لأن المسلم من حقه أن يستوثق من أمر دينه.\n٢ - التقليد المذموم: هو تقليد رجل واحد معين دون غيره من العلماء في جميع أقواله، أو أفعاله، ولا يرى الحق إلا فيه.\nذهب جمهور أئمة أهل السنة والجماعة إلى جواز التقليد في العقائد والأحكام للعامي، والذي يعجز عن فهم الحجة والنظر والاستدلال.\nويحرم التقليد على العالم، أو الذي يستطيع النظر والاستدلال؛ إذا اجتهد وبان له الحق في المسألة أن يقلد غيره، سواء كان ذلك في العقائد أو الأحكام؛ لورود الأدلة في ذم التقليد والمقلدين.\nواتفقوا على أن التقليد من موانع التكفير؛ لأن المقلد جاهل لا يفهم الدليل أو الحجة، ولا بصيرة له ولا فقه؛ فهو معذور حتى تقام عليه الحجة ويعلم. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري – ص٢٧٢\nيلخص شيخ الإسلام – ﵀ – مذهب جماهير الأمة في التقليد والاجتهاد، فيقول: (... والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، فأما القادر على الاجتهاد، فهل يجوز له التقليد؟\nهذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز الاجتهاد: إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور دليل له، فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء، وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد، فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزئ والانقسام، فالعبرة بالقدرة والعجز ...) (١)، ويقول الإمام ابن عبد البر – ﵀ – بعدما ساق من الأدلة والأقوال في إبطال التقليد وفساده -: (هذا كله لغير العامة، فإن العامة لابد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها، لأنها لا تبين موقع الحجة ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك، لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة والله أعلم، ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها) (٢). وفصل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في بيان التقليد الجائز وغير الجائز.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(٢) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٤،١١٥).","vol":"6","page":348},{"text":"فقال: (والتحقيق أن التقليد منه ما هو جائز، ومنه ما ليس بجائز، ومنه ما خالف فيه المتأخرون المتقدمين من الصحابة وغيرهم من القرون الثلاثة المفضلة، أما التقليد الجائز الذي لا يكاد يخالف فيه أحد من المسلمين فهو تقليد العامي عالمًا أهلًا للفتيا في نازلة نزلت به، وهذا النوع من التقليد كان شائعًا في زمن النبي ﷺ، ولا خلاف فيه، فقد كان العامي، يسأل من شاء من أصحاب رسول الله ﷺ عن حكم النازلة تنزل به، فيفتيه فيعمل بفتياه، وإذا نزلت به نازلة أخرى لم يرتبط بالصحابي الذي أفتاه أولًا، بل يسأل عنها من شاء من أصحاب رسول الله ﷺ ثم يعمل بفتياه، وأما ما لا يجوز من التقليد بلا خلاف، فهو تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاد، مجتهد آخر يرى خلاف ما ظهر له هو، للإجماع على أن المجتهد إذا ظهر له الحكم باجتهاده، لا يجوز له أن يقلد غيره المخالف لرأيه (١)، أما نوع التقليد الذي خالف فيه المتأخرون الصحابة وغيرهم من القرون المشهود لهم بالخير، فهو تقليد رجل واحد معين غيره من جميع العلماء، فإن هذا النوع من التقليد، لم يرد به نص من كتاب ولا سنة، ولم يقل به أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا أحد القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير، وهو مخالف لأقوال الأئمة الأربعة ﵏، فلم يقل أحد منهم بالجمود على قول رجل واحد معين دون غيره من جميع علماء المسلمين، فتقليد العالم المعين من بدع القرن الرابع، ومن يدعي خلاف ذلك فليعين لنا رجلًا واحدًا من القرون الأولى التزم مذهب رجل واحد معين ولن يستطيع ذلك أبدًا، لأنه لم يقع ألبتة ...) (٢).\nوالخلاصة مما سبق، أن التقليد يجوز العامي العاجز عن فهم الحجة، ويحرم على العالم إذا اجتهد وبان له الحق في المسألة أن يقلد مجتهدًا مثله، أما إذا لم يجتهد في المسألة مع قدرته فيجوز له التقليد في حالات معينة على الصحيح والله أعلم. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– ٢/ ٣٩\n_________\n(١) يقول شيخ الإسلام – ﵀ – في بيان حكم تقليد المجتهد لمجتهد مثله: (ولهذا نقل غير واحد الإجماع على أنه لا يجوز للعالم أن يقلد غيره إذا كان قد اجتهد واستدل وتبين له الحق الذي جاء به الرسول، فهناك لا يجوز له تقليد من قال خلاف ذلك بلا نزاع، ولكن هل يجوز مع قدرته على الاستدلال أن يقلد هذا فيه قولان.) «الفتاوى» (١٩/ ٢٦١).\n(٢) «أضواء البيان» (٧/ ٤٨٧ – ٤٨٩)، وهذا هو التقليد الذي تكلم الأئمة المحققون في بيان فساده وبطلانه.","vol":"6","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1849>المطلب الثالث: التقليد في العقيدة وهل يعتبر عذرا</span>\nاختلف الأئمة والعلماء في مسألة التقليد في العقائد، فذهب كثير من الأصوليين والمتكلمين إلى تحريم التقليد، وذهب كثير من الفقهاء من الحنابلة والظاهرية وغيرهم إلى جواز ذلك، وسنعرض إلى هذين الرأيين – باختصار -.\nالرأي الأول: قال الزركشي ﵀: (.. والعلوم نوعان: عقلي وشرعي، الأول: العقلي، وهو المسائل المتعلقة بوجود الباري وصفاته، واختلفوا فيها، والمختار أنه لا يجوز التقليد، بل يجب تحصيلها بالنظر، وجزم به الأستاذ أبو منصور (١) والشيخ أبو حامد الأسفراييني في تعليقه، وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في (شرح الترتيب) عن إجماع أهل العلم من أهل الحق وغيرهم من الطوائف، وقال أبو الحسين بن القطان في كتابه: لا نعلم خلافًا في امتناع التقليد في التوحيد ... وحكاه ابن السمعاني عن جميع المتكلمين، وطائفة من الفقهاء وقالوا: لا يجوز للعامي التقليد فيها، ولابد أن يعرف ما يعرفه بالدليل ..) (٢).\nوقال الفخر الرازي ﵀: (لا يجوز التقليد في أصول الدين، لا للمجتهد، ولا للعوام، وقال كثير من الفقهاء بجوازه) (٣) ومن أهم أدلة من يمنع ذلك ما يلي:\n١ - أن النظر واجب، وفي التقليد ترك للواجب فلا يجوز (٤) واستدلوا لذلك بالأدلة العامة الواردة في ذلك من مثل قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].\nوبعضهم وضع ذلك شرطًا في صحة الإيمان، قال الزركشي: (وجزم أبو منصور بوجوب النظر، ثم قال: فلو اعتقد من غير معرفة بالدليل، فاختلفوا فيه، فقال أكثر الأئمة: إنه مؤمن من أهل الشفاعة، وإن فسق بترك الاستدلال، وبه قال أئمة الحديث، وقال الأشعري وجمهور المعتزلة: (لا يكون مؤمنًا، حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين) (٥).\n٢ - وفرقوا بين العقائد والأحكام، وقالوا: إن المطلوب في العقائد العلم واليقين، وذلك لا يحصل من التقليد، بخلاف الفروع فإن المطلوب فيها الظن، وهو حاصل من التقليد (٦)، وقالوا: العقائد أهم الفروع والمخطئ فيها كافر (٧).\n_________\n(١) أبو منصور البغدادي.\n(٢) «البحر المحيط» (٦/ ٢٧٨).\n(٣) «المحصول» (٢/ ١٢٥)، وانظر «الأحكام» للآمدي (٤/ ٢٢٣)، و«اللمع في أصول الفقه» لأبي إسحاق الشيرازي (ص: ١٢٥)، و«المسودة» (ص: ٤٥٧)، و«إرشاد الفحول» (ص: ٢٦٦) وغيرها.\n(٤) انظر: «الأحكام» للآمدي (٤/ ٢٢٣)، و«المعتمد» (٢/ ٩٤١).\n(٥) «البحر المحيط» (٦/ ٢٧٨)، وقال الزركشي: (وقد اشتهرت هذه المقالة عن الأشعري، أن إيمان المقلد لا يصح، وقد أنكر أبو القاسم القشيري، والشيخ أبو محمد الجويني وغيرهما من المحققين صحته عنه) ٦/ ٢٧٩. وانظر في مسألة إيمان المقلد، «المنهاج في شعب الإيمان» للحليمي (١/ ١٤٥ – ١٥٠)، «وأصول الدين» للبغدادي (ص: ٢٥٤، ٢٥٥)، و«شرح الفقه الأكبر» لملا القاري (ص: ١٢١)، «فتح الباري» (١٣/ ٣٤٩).\n(٦) انظر «الأحكام» للآمدي (٤/ ٢٢٨).\n(٧) انظر «البحر المحيط» (٦/ ٢٨٣)، و«المحصول» (٢/ ١٢٧).","vol":"6","page":350},{"text":"الرأي الثاني: جواز التقليد في العقائد، ونقل عن الأئمة الأربعة، واشتهر عن الحنابلة والظاهرية وغيرهم (١) ونسبه شيخ الإسلام – ﵀ – إلى جمهور الأمة. قال ﵀: (أما في المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك، فإن ما وجب علمه إنما يجب على من يقدر على تحصيل العلم، وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق، فكيف يكلف العلم بها؟) (٢). ومن أهم أدلتهم: (أن الأصول والفروع قد استويا في التكليف بهما، وقد جاز التقليد في الفروع فكذلك في الأصول) (٣)، ولا دليل على التفريق بينهما، وردوا على ما اشترط أو أوجب النظر على الجميع، بأن ذلك يقتضي تضليل أو تكفير عوام المسلمين، وأن ذلك من تكليف ما لا يطاق، يقول المظفر بن السمعاني – ﵀ – (إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون، بعيد جدًا عن الصواب، ومتى أوجبنا ذلك، فمتى يوجد من العوام من يعرف ذلك؟ ويصدر عقيدته عنه؟ كيف وهم لو عرضت عليهم تلك الأدلة لم يفهموها، وإنما غاية العامي أن يتلقى ما يريد أن يعتقده ويلقى به ربه من العلماء، ويتبعهم في ذلك ويقلدهم) إلى أن يقول: (ونحن لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به رد الخاطر، وإنما المنكر إيجاب التوصل إلى العقائد في الأصول بالطريق الذي اعتقدوا، وساموا به الخلق، وزعموا أن من لم يفعل ذلك لم يعرف الله تعالى، ثم أدى بهم ذلك إلى تكفير العوام أجمع ..) (٤).\nويقول الحافظ صلاح الدين العلائي في بيان ذلك: (من لا أهلية له لفهم شيء من الأدلة أصلًا وحصل له اليقين التام بالمطلوب، إما بنشأته على ذلك أو لنور يقذفه الله في قلبه، فإنه يكتفي منه ذلك، ومن فيه أهليه لفهم الأدلة لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل، ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه وتكفي الأدلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت له شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه أما من غلا فقال لا يكفي إيمان المقلد فلا يلتفت إليه، لما يلزم منه القول بعدم إيمان أكثر المسلمين، وكذا من غلا أيضًا فقال: لا يجوز النظر في الأدلة، لما يلزم منه من أن أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر) (٥)، ورد الإمام الشوكاني على ما حكاه أبو منصور البغدادي عن أئمة الحديث بأنهم يفسقون تارك الاستدلال، فقال: (فيالله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم ولا يطيقونه، وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد، ولا قاربوها – الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته، وما حكاه الأستاذ أبو منصور عن أئمة الحديث من أنه مؤمن وإن من فسق فلا يصح التفسيق عنهم بوجه من الوجوه بل مذهب سابقهم ولاحقهم الاكتفاء بالإيمان الجملي، وهو الذي كان عليه خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (٦).\n_________\n(١) انظر «البحر المحيط» (٦/ ٢٧٨)، «إرشاد الفحول» (٢٦٦)، «الأحكام» للآمدي (٤/ ٢٢٣)، وغيرها.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٠٢).\n(٣) «الأحكام» للآمدي (٤/ ٢٢٥)، أما القول بأن المطلوب في العقائد اليقين وفي الفروع الظن فهذا من بدع المتكلمين المشهورة، وبسببها قالوا: لا يحتج بحديث الآحاد في أمور العقيدة، ولا يصح إيمان المقلد وغير ذلك من البدع.\n(٤) «البحر المحيط» (٦/ ٢٧٩)، وانظر «إرشاد الفحول» (ص: ٢٦٧).\n(٥) «فتح الباري» (١٣/ ٣٥٤).\n(٦) «إرشاد الفحول» (ص: ٢٦٦).","vol":"6","page":351},{"text":"أما اشتراط بعضهم النظر، واستدلالهم بالآيات الواردة في ذلك (فلا حجة فيها لأن من لم يشترط النظر لم ينكر أصل النظر، وإنما أنكر توقف الإيمان على وجود النظر بالطرق الكلامية إذا لا يلزم من الترغيب في النظر جعله شرطًا) (١).\nالخلاصة والترجيح:\nبعرض الرأيين ندرك بطلان اشتراط النظر والاستدلال، أو إيجابه على الجميع، لضعف الاستدلال على ذلك، ولقيامه على أصل فاسد، وهو التفريق بين الأصول والفروع، وقولهم: إن الأصول يجب فيها اليقين والعلم فلا يجوز فيها التقليد، والفروع يكفي فيها الظن، ... إذا يجوز التقليد في العقائد للعامي الذي لا يستطيع النظر والاستدلال، كجواز ذلك في الأحكام ولا فرق. أما من يستطيع الاستدلال فلا يجوز له التقليد في العقائد أو الأحكام، للأدلة الواردة في ذم التقليد والمقلدين (٢). لكن لا يشترط النظر والاستدلال لصحة الإيمان والله أعلم.\n... حكم من وقع في الكفر تقليدًا، هل يعذر بذلك؟\nالذي يظهر من كلام الأئمة أن العذر بالتقليد من جنس العذر بالتأول والجهل، باعتبار المقلد جاهلًا لا يفهم الدليل أو الحجة، فإذا عذر من وقع في الكفر متأوّلًا رغم علمه واجتهاده، فعذر من يقلده من العوام الجهّال من باب أولى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعدما تكلم عن كفر وضلال أهل الحلول والاتحاد من غلاة المتصوفة كابن سبعين وابن عربي وابن الفارض وأمثالهم: (فكل من كان أخبر بباطن هذا المذهب، ووافقهم عليه، كان أظهر كفرًا، وإلحادًا، وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ العارفين الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير من الناس، فهؤلاء تجد فيهم إسلامًا وإيمانًا، ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي، وتجد فيهم إقرارًا لهؤلاء وإحسانًا للظن بهم، وتسليمًا لهم بحسب جهلهم وضلالهم، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافرًا ملحد، أو جاهل ضال) (٣).\nفنلاحظ من كلام شيخ الإسلام إعذاره للجهال الذين يحسنون الظن بكلام هؤلاء الغلاة ولا يفهمونه حيث قال: إن فيهم إسلامًا وإيمانًا ومتابعة للكتاب والسنة رغم ضلالهم وجهلهم، وفي موضع آخر يشير ﵀ إلى موقف الإمام أحمد ﵀ من ولاة الأمر الذين قالوا بقول الجهمية، وامتحنوا وعاقبوا من خالفهم (ومع هذا فالإمام أحمد رحمه الله تعالى ترحم عليهم واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم (٤) يبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطئوا، وقلدوا من قال لهم ذلك ...) (٥) فالإمام أحمد ﵀ عذر هؤلاء لأنهم مقلدون لمن يظنونهم من أهل العلم، وقد استدل شيخ الإسلام بهذا الموقف من إمام أهل السنة من بعض أتباع الجهمية على العذر بالتأويل والجهل كما سبق مما قد يدل على أن العذر بالتقليد عنده من جنس العذر بالجهل والخطأ والله أعلم.\n_________\n(١) «فتح الباري» (١٣/ ٣٥٤).\n(٢) إلا إذا عجز عن الاستدلال إما لتكافؤ الأدلة، أو لضيق الوقت عن الاجتهاد ونحو ذلك، انظر «الفتاوى» (٢٠/ ٢٠٤).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٣٦٧).\n(٤) في الأصل (لمن)، والصحيح ما أثبتناه.\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٤٩).","vol":"6","page":352},{"text":"وفي موضع ثالث يشير إلى عذر بعض من يقلد الشيوخ والعلماء فيما هو من جنس الشرك، قال ﵀ بعد كلام حول هذا الموضوع: (.. وإن كانت من جنس الشرك، فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به، لكن قد يحسب بعض الناس في بعض أنواعه أنه مأمور به، وهذا لا يكون مجتهدًا، لأن المجتهد لابد أن يتبع دليلًا شرعيًا، وهذه لا يكون عليها دليل شرعي، لكن قد يفعلها باجتهاد مثله، وهو تقليده لمن فعل ذلك من الشيوخ والعلماء، والذين فعلوا ذلك قد فعلوه لأنهم رأوه ينفع، أو لحديث كذب سمعوه، فهؤلاء إذا لم تقم عليهم الحجة بالنهي لا يعذبون ..) (١).\nوقال أيضًا: (وأما المنتسبون إلى الشيخ يونس، فكثير منهم كافر بالله ورسوله، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، بل لهم من الكلام في سب الله ورسوله والقرآن والإسلام ما يعرفه من عرفهم. أما من كان فيهم من عامتهم لا يعرف أسرارهم وحقائقهم، فهذا يكون معه إسلام عامة المسلمين الذي استفاده من سائر المسلمين لا منهم) (٢).\nويفصل الإمام ابن القيم ﵀ في بيان أقسام أهل البدع فيقول: (وأما أهل البدع الموافقون أهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم، فهؤلاء أقسام: أحدهما:\nالجاهل المقلد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر ولا يفسق، ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادرًا على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: ٩٨ - ٩٩].\nالقسم الثاني: المتمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالًا بدنياه ورئاسته ولذته ومعاشه وغير ذلك، فهذا مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته، وإن غلب ما فيه من السنة والهدى قبلت شهادته.\nالقسم الثالث: أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى، ويتركه تقليدًا أو تعصبًا، أو بغضًا ومعاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقًا، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل) (٣).\nمما سبق يتبين لنا إعذار الأئمة لمن وقع في الكفر تقليدًا إن كان جاهلًا لا بصيرة له ولا فقه، أما إن كان قادرًا على فهم الحجة وفرط في طلبها فإنه يأثم، ولكنه لا يكفر إلا بعد قيام الحجة والله أعلم. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– ٢/ ٣٩\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٢، ٣٣).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٢/ ١٠٦ – ١٠٧)، وانظر (٢/ ١٣١ – ١٣٣، ٣٧٨).\n(٣) «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» لابن القيم – ﵀ – (ص: ١٧٤، ١٧٥) وانظر نفس التفصيل في «النونية شرح ابن عيسى» (٢/ ٢٤١، ٢٤٤).","vol":"6","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1850>المبحث السادس: العجز</span>\nإن الشريعة الإسلامية سهلة ميسرة، ومحكمة شاملة لجميع نواحي الحياة، ومناسبة لجميع أحوال العباد حسب طاقاتهم وقدراتهم، وأحكامها مختلفة حسب حال العبد من السعة والرخاء، والعبد لا يكلف ما لا يطيق ولا يقدر على أدائه.\nقال تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:٢٧٦] (١).\nاتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن العجز عن أداء ما شرع الله تعالى أو عن أداء بعضه؛ يعتبر من موانع التكفير؛ إذا كان سببه انتفاء الإرادة وعدم الاختيار والرضا والقصد بذلك، واتقى صاحبه الله ما استطاع؛ فإنه معذور غير مؤاخذ على ما تركه.\nكالذين بلغتهم دعوة الإسلام وهم في دار الكفر وأسلموا ولكن لم يتمكنوا من الهجرة إلى دار الإسلام، ولا الالتزام بجميع شرائعه؛ لأنهم ممنوعون من إظهار دين الإسلام، أو ليس عندهم من يعلمهم جميع شرائع الدين؛ فهؤلاء معذرون، وإن ماتوا على حالهم فهم من أهل الجنة إن شاء الله. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري – ص٢٦٥\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٠٣).","vol":"6","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1852>المطلب الأول: تعريف التقية</span>\nعرفها حبر الأمة عبدالله بن عباس ﵄ فيما روي عنه أنه قال: التقاة: التكلم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان (١)\nوقال أبو العالية: التقية باللسان وليس بالعمل (٢).\nوقال ابن حجر العسقلاني: التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير (٣). الولاء والبراء في الإسلام لسعيد بن علي بن وهف القحطاني – ص٣٧٢\nالتقية من الاتقاء، وهي الاستخفاء بالإسلام لعذر يبيح ذلك، سواء كان ذلك بكتمان الدين وعدم إظهاره، أو بإظهار ما يخالف الإيمان من كفر أو معصية. ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني- ص: ٣٧٢\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٣١٤ - ٣١٥)، والحاكم (٢/ ٣١٩)، والبيهقي (٨/ ٢٠٩). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n(٢) «تفسير الطبري»: (٦/ ٣١٥).\n(٣) «فتح الباري» (١٢/ ٣١٤).","vol":"6","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1853>المطلب الثاني: العذر بالتقية</span>\nهي حالة استثنائية لا تباح إلا لموجب، إذ الأصل في المسلم أن يتطابق ظاهره وباطنه، بحيث يكون ظاهره كباطنه، ولهذا كان التظاهر بكفر أو معصية من غير عذر نفاقًا وخداعًا لا يصح بحال في غير التقية إلا في حال واحدة هي أن يكون ذلك حيلة لمصلحة المسلمين في الحرب خاصة، دون غيرها لما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الحرب خدعة» (١).\nومثال ذلك ما فعله نعيم بن مسعود ﵁، حين أسلم أثناء حرب الأحزاب، ولم يكن أحد يعلم بإسلامه. فجاء إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله. إني أسلمت فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ: إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة». وذهب إلى اليهود ومشركي قريش، وأوهمهم بما فرق الله به بينهم، وكان مع ذلك يتظاهر لكل منهم بالنصح، وأنه لم يسلم، فكتم إسلامه لأجل هذه المصلحة (٢).\nوأما الخدعة بإظهار الكفر فمثاله ما حصل من محمد بن مسلمة وصحبه، حين قال الرسول ﷺ: «من لكعب بن الأشرف، فإنه آذى الله ورسوله. فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم. قال: فأذن لي أن أقول شيئًا. قال: قل. فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا،، وإني قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضًا والله لتملنه. قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه» الحديث (٣).\nفهذا محمد بن مسلمة ﵁ يستأذن الرسول ﷺ أن يقول شيئًا، فيأذن له ﷺ، فيتظاهر أنه منافق، وأنه لم يسلم رغبة في الإسلام، حتى يستدرج كعب بن الأشرف، وكان ذلك حين خرج له في الليل فقتله محمد بن مسلمة وأصحابه.\nوهذا مما يدخل في عموم الإعذار بمثل هذا في الحرب، ولهذا بوب الإمام البخاري ﵀ لهذه القصة بقوله: (باب الكذب في الحرب). وبوب لهم الإمام أبي داود بقوله: (باب: العدو يؤتى على غرة ويتشبه بهم).\nومن كل ما سبق يعلم أن التقية إذا لم تكن لعذر تباح له، ولم تكن في حرب فإنها لا تكون إلاّ نفاقًا. فإن كان التظاهر للكفار بما هو كفر كان كفرًا ونفاقًا أكبر، وإن كان بمعصية لم يكن ذلك من النفاق المخرج من الملة.\nبقي أن يعلم بعد ذلك أحكام التقية على التفصيل، والفرق بين التقية بكتمان الدين، والتقية بإظهار الكفر، ومناط الإعذار في ذلك.\nأولًا - التقية بكتمان الدين:\nالأصل في المسلم القيام بدينه وإظهاره وعدم الاختفاء به، وهذا واجب عليه. لكنه قد يعيش في مجتمع لا يستطيع فيه ذلك، وإلاّ أوذي وفتن عن دينه، وهنا تجب عليه الهجرة إلى بلد يستطيع فيه إظهار دينه.\nوهذا الوجوب هو مناط إيجاب الهجرة على من فتن في دينه ولم يستطع إظهاره. ولا علاقة لهذا بكون الدار كفر أو لا، فمتى تحقق الأمن للمسلم واستطاع إظهار دينه وموالاة المسلمين والبراءة من الكافرين لم تكن الهجرة واجبة عليه.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٠٣٠)، ومسلم (١٧٣٩). من حديث جابر بن عبدالله ﵄.\n(٢) انظر «زاد المعاد» لابن القيم (٣/ ٢٧٣).\n(٣) رواه البخاري (٤٠٣٧). من حديث جابر بن عبدالله ﵄.","vol":"6","page":356},{"text":"يقول الإمام الشافعي ﵀: (دلت سنة رسول الله ﷺ على أن فرض الهجرة على من أطاقها، إنما هو على من فتن عن دينه بالبلد الذي يسلم بها، لأن رسول الله ﷺ أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم، العباس بن عبد المطلب وغيره إذا لم يخافوا الفتنة، وكان يأمر جيوشه أن يقولون لمن أسلم: «إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين، وإن أقمتم فأنتم كأعراب»، وليس يخيرهم إلاّ فيما يحل لهم) (١).\nلكن ليس كل أحد يفتن في دينه يستطيع الهجرة فما الحكم؟\nإن الواجب على المسلم أن يظهر دينه بقدر استطاعته، فإن خاف الفتنة ولم يستطع الهجرة جاز له كتمان دينه وعدم إظهاره لئلا يفتن.\nلكن مع الاستمساك به في الخفاء، وعدم مشايعة الكفار على كفرهم، بل ولا على معاصيهم ابتداءً من غير إكراه يبيح ذلك.\nومن هذا يعلم أن إنكار من كان حاله كذلك لا يمكن في الظاهر باليد ولا باللسان، فيكفيه حينئذ الإنكار بالقلب الذي هو كره الكفر وأهله، وعدم الرضى عنهم وعن كفرهم، لأنه لا يمكنه إلاّ ذلك. وهذا هو معنى قول الرسول ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٢).\nوفي معنى قوله ﷺ في الحديث «فإن لم يستطع فبقلبه» يقول الإمام ابن دقيق العيد ﵀: (معناه فليكره بقلبه، وليس ذلك بإزالة وتغيير، لكنه هو الذي في وسعه وفي هذا الحديث دليل أن من خاف من القتل أو الضرب سقط عنه التغيير، وهو مذهب المحققين سلفًا وخلفًا، وذهبت طائفة من الغلاة إلى أنه لا يسقط وإن خاف ذلك) (٣).\nوأما من استطاع إنكار المنكر في الظاهر فلم يفعل فإنه يأثم لتركه الواجب عليه في ذلك. لكنه لا يكفر بمجرد عدم إنكاره مع قدرته حتى يتحقق منه ما يستوجب الكفر في الظاهر من قول أو فعل.\nوقد شذ عن هذه القاعدة من يرون أن الأصل في الناس اليوم هو الكفر. فلم يكفهم اشتراط التبين لإثبات وصف الإسلام مع وجود ما يدل عليه من الإقرار أو ما يقوم مقامه بدعوى أن الناس يجهلون مفهوم الشهادتين. حتى حكموا بأن عدم الاعتراض الظاهر على من يحكمون غير الشريعة من القوانين الوضعية دليل كاف على الرضى في الباطن. وأنهم بذلك قد شايعوا حكامهم وتابعوهم على عدم تحكيم الشريعة. وأن ذلك هو الأصل فيهم، حتى يظهر منهم ما يدل على خلافه بعد التبين. ونتيجة هذا القول أن من لم يتبين إسلامه ولم يهاجر في مثل هذه الظروف يكون كافرًا، لا ولاية بينه وبين المسلمين.\nويعتمدون في ذلك على ما يفهمونه من آيات الأنفال، في نفي الولاية بين المسلمين المهاجرين، وبين من أسلم بمكة ولم يهاجر.\nوالآيات هي قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الأنفال: ٧٢].\n_________\n(١) «الأم» (٤/ ١٦٩ - ١٧٠) للإمام الشافعي، وانظر: «السنن الكبرى» (٩/ ١٥) للبيهقي.\n(٢) رواه مسلم (٤٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) «شرح الأربعين النووية» (ص: ١٠٥) لابن دقيق العيد.","vol":"6","page":357},{"text":"إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:٧٤].\nوالملاحظ أن الله قد ذكر مع المؤمنين من المهاجرين والأنصار طائفة ثالثة، هم المؤمنون الذين لم يهاجروا.\nوقد حكم الله تعالى أن لهذه الطائفة الثالثة حق النصرة في الدين، إلاّ على قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق. لكن مع ذلك فليس لهم ولاية حتى يهاجروا. ومعلوم علمًا قطعيًا أن الولاية المنفية عنهم ليست الولاية التي هي مقتضى الأخوة الإيمانية، لتحقيق وصف الإيمان لهم، كما حكم الله به لهم.\nوليست أيضًا ولاية النصرة، مع أن الله قد أمر بنصرهم في الدين إذا لم يكن ثم ميثاق بين من استنصروا بالمسلمين عليهم وبين المسلمين.\nفما هي الولاية المنفية عنهم في الآية إذن.\nلقد حصل اللبس في فهم المقصود بفهم الولاية هنا قديمًا، كما وقع ذلك حديثًا، ونكتفي هنا ببيان الإمام أحمد ﵀ لذلك حيث يقول: (وأما قوله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:٧١]. وقال في آية أخرى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ [الأنفال: ٧٢]، وكان عند من لا يعرف معناه ينقض بعضه بعضًا.\nأما قوله: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ [الأنفال:٧٢] يعني من الميراث، وذلك أن الله حكم على المؤمنين لما هاجروا إلى المدينة أن لا يتوارثون إلاّ بالهجرة، فإن مات رجل بالمدينة مع النبي ﷺ وله أولياء بمكة لم يهاجروا كانوا لا يتوارثون. وكذا إن مات رجل بمكة وله ولي مهاجر مع النبي ﷺ كان لا يرثه المهاجر، فذلك قوله: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ [الأنفال:٧٢] من الميراث (حتى يهاجروا).\nفلما كثر المهاجرون رد ذلك الميراث إلى الأولياء، هاجروا أم لم يهاجروا، وذلك قوله: وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) [الأحزاب:٦]. وأما قوله وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:٧١] يعني في الدين، والمؤمن يتولى المؤمن في دينه. فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة) (١).\n... ولأجل ما تقدم، فإن الصحابة قد اختلفوا في شأن من أسلم بمكة وبقي فيها ولم يهاجر، مع قدرتهم على ذلك، ثم أكرهوا على القتال مع الكفار يوم بدر.\nفمن الصحابة من تأسف لقتلهم، ومنهم من رأى أنهم يقتلون لأجل تفريطهم في عدم الهجرة، حتى أكرهوا على القتال مع المشركين. ولو كانوا عندهم كفارًا لم يتأسفوا عليهم.\nيقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (إن ناسًا من المسلمين لم يهاجروا كراهة مفارقة الأهل والوطن والأقارب فلما خرجت قريش إلى بدر خرجوا معهم كرهًا، فقتل بعضهم بالرمي، فلما علم الصحابة أن فلانًا قتل وفلانًا قتل تأسفوا على ذلك، وقالوا: قتلنا إخواننا. فأنزل الله تعالى فيهم: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ إلى قوله: وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: ٩٧ - ١٠٠].\n_________\n(١) «الرد على الجهمية، ضمن عقائد السلف» (ص: ٦٢).","vol":"6","page":358},{"text":"فليتأمل الناصح لنفسه هذه القصة، وما أنزل الله فيها من الآيات، فإن أولئك لو تكلموا الكفر، وفعلوا كفرًا ظاهرًا يرضون به قومهم لم يتأسف الصحابة على قتلهم، لأن الله بين لهم وهم بمكة لما عذبوا قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل: ١٠٦].\nفلو كانوا سمعوا عنهم كلامًا أو فعلا يرضون به المشركين من غير إكراه ما كانوا يقولون: قتلنا إخواننا) (١).\nثانيًا - التقية بإظهار الكفر:\nلا يجوز بحال إظهار الكفر ابتداء من غير إكراه بدعوى التقية، بل لا يجوز ذلك بما هو معصية.\nولهذا لما فعل حاطب بن أبى بلتعة ﵁ ما فعل، من مكاتبة كفار قريش بخبر مسير الرسول ﷺ والمسلمين معه لفتح مكة لم يعذره الرسول ﷺ، حتى إن بعض الصحابة كعمر ﵁ قال: إنه قد نافق.\nلكن الرسول ﷺ تبين حاله، لاحتمال أن يكون فعله كفرًا وردة عن الإسلام، أو أن يكون معصية لا تخرجه من الملة.\nفلما تبين للرسول ﷺ حاله، وأنه إنما كاتب قريشًا مصانعة ومداهنة لهم، وتقية لأجل حفظ ماله وأهله بمكة، لا مظاهرة للمشركين ولا موالاة لهم على دينهم لم يكفره، وكانت تلك المعصية منه مغفورة بحسنته العظمى يوم بدر. فإذا كان هذا في معصية ولم يعذر حاطب ﵁، بل كان آثمًا بذلك فكيف بالكفر؟.\nفالتظاهر بكفر أو معصية من دون عذر يبيح ذلك يوجب المؤاخذة بحسب ما تحقق في الظاهر من كفر أو معصية.\nوهذا الاشتراط في التقية هو حقيقة الفرق بين منهج أهل السنة في التقية ومنهج الشيعة في ذلك فإن التقية عندهم هي الأصل، فتباح من دون إكراه موجب، بل لمجرد احتمال الضرر ولو لم يتحقق فعلا وهذا في الحقيقة نفاق وليس من التقية في شيء.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان هذه المسألة: (التقاة ليست بأن أكذب وأقول بلساني ما ليس في قلبي، فإن هذا نفاق، ولكن أفعل ما أقدر عليه كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٢).\nفالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه، لكن إن أمكنه بلسانه وإلا فبقلبه. مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، إما أن يظهر دينه وإما أن يكتمه، وهو مع هذا لا يوافقهم على دينهم كله، بل غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون وامرأة فرعون. وهو لم يكن موافقا لهم على جميع دينهم، ولا كان يكذب ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل كان يكتم إيمانه، وكتمان الدين شيء وإظهار الدين الباطل شيء آخر، فهذا لم يبحه الله إلا لمن أكره، بحيث أبيح له النطق بكلمة الكفر، والله تعالى قد فرق بين المنافق والمكره. والرافضة حالهم من جنس حال المنافقين، لا من جنس حال المكره الذي أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان) (٣).\nومن هنا نعلم الفرق بين المناط في الإعذار بكتمان الدين، وأنه العجز عن إظهاره ولو لم يكن إكراه. وأما إظهار الكفر والمعصية فلابد\nلإباحة التقية فيه الإكراه.\nوذلك لأن القيام بتحقيق المطلوب مشروط بالاستطاعة، وأما ترك المنهي فالأصل فيه الترك، وليس مما تشترط فيه الاستطاعة، وإنما يكون اشتراط الاستطاعة عند الإكراه على المخالفة بفعل المنهي عنه.\n_________\n(١) «مختصر سيرة الرسول، ضمن المجموع» (ص: ٣٣، ٣٤).\n(٢) رواه مسلم (٤٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) «منهاج السنة النبوية» شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٤٢٤).","vol":"6","page":359},{"text":"ولهذا قال الرسول ﷺ: «.. وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١) فعمم الأمر بالامتناع عن كل منهي عنه، وقيد فعل المأمور بالاستطاعة.\nوعلى هذا الأصل أعني اشتراط الإكراه في التظاهر بالكفر – أدلة كثيرة، منها وهو أوضحها وأظهرها قول الله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [النحل:١٠٦].\nفلم يعذر الله أحدًا في الكفر الظاهر بغير الإكراه. فمن تظاهر بالكفر ولم يكن مكرها فإنه لا يكون إلا كافرًا، لانشراح صدره بالكفر، لتلازم الظاهر والباطن.\nفلا عذر لأحد في ذلك بغير الإكراه مطلقا، سواء كان كفره محبة لوطنه أو لأهله وعشيرته أو توقعه أذى الكفار ونحو ذلك.\nيقول الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بيان دلالة\nهذه الآية على هذا الأصل: (لم يعذر الله إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفًا أو مداراة أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعله على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره. فالآية تدل على هذا من وجهين:\nالأول: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره عليها أحد.\nوالثانى: قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ [النحل:١٠٧]، فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو جهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين) (٢).\nولهذا فإنه لما كان بمكة قوم قد نطقوا بالشهادتين، لكنهم ظاهروا المشركين من غير إكراه، لم يعذرهم الله تعالى، بل حكم بنفاقهم وكفرهم، وبين ذلك للمسلمين فقال تعالى: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا [النساء: ٨٨ - ٨٩].\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٢٨٨). ومسلم (١٣٣٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) «كشف الشبهات» للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ضمن مجموعة مؤلفاته – «العقيدة والآداب الإسلامية» (ص: ١٨٠).","vol":"6","page":360},{"text":"يقول الإمام ابن كثير ﵀: (قال العوفي عن ابن عباس نزلت في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس. وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت طائفة: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله أو كما قالوا، أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم نستحل دماءهم وأموالهم، عن شيء فنزلت: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء: ٨٨]. رواه ابن أبي حاتم، وقد روى عن أبي سلمة بن عبدالرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا) (١).\nفهؤلاء لما ظاهروا المشركين ووالوهم على دينهم لم ينفعهم ما تظاهروا به من الإسلام لأن ما فعلوه لم يكن تقية أكرهوا عليها، وإنما كان اختيارا منهم لذلك، فلم يكن لهم عذر، وعلى هذا الأصل تفهم آية التقية، وهي قول الله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ. [آل عمران:٢٨]\nفمعنى الآية هو: أن مظاهرة المشركين وموالاتهم على دينهم كفر مطلقا، سواء كان ذلك بقول أو فعل إلا أن يكون ذلك تقية. والتقية في ذلك لا تكون بمجرد الخوف وتوقع الضرر، وإنما تكون بحصول الإكراه حقيقة.\nفهنا فرق بين التقية بكتمان الدين، والذي يكفي في الإعذار فيه مجرد خوف الضرر، لكن إظهار الكفر لابد فيه من تحقق الإكراه، لا مجرد الخوف والتوقع.\nولهذا نهى الله تعالى عن موالاة أهل الكتاب، وبين أن موالاتهم ولو مع الخوف كفر، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:٥٢]\nفلم يجعل الله مجرد الخشية من أن تكون الدائرة والغلبة للكافرين عذرا في موالاتهم، بل جعل من تولاهم معتذرا بذلك منهم، ثم بين أنه لا يفعل ذلك إلا من كان في قلبه مرض النفاق.\nومثل هؤلاء في عصرنا من يحكمون القوانين الوضعية، ويرفضون الحكم بالشريعة، ويعتذرون بالخوف من الكافرين لو التزموا بالشريعة، ويقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، ويسوفون في أمر تحكيم الشريعة، ولا يفرقون بين تحكيم الشريعة والعجز عن تطبيق بعض أحكامها.\nوالحقيقة أن ذلك لا يدخل في حكم الإكراه، بل ولا في أحكام الضرورة، فإنه لا مانع ابتداء من إعلان تحكيم الشريعة إلا الخوف وموالاة الكافرين. وإنما يكون المانع عند تطبيق بعض ما يتعلق بتنفيذ الحكم بالشريعة على التفصيل بعد إقرارها ابتداء، بحيث تكون هي أصل التشريع، وهذا مما يدخل تحت قاعدة التكليف على قدر الاستطاعة. فمن عجز عن تطبيق بعض أحكام الشريعة بعد التسليم لها ورفض ما سواها من القوانين الجاهلية كان معذورًا. ولابد من التفريق بين هاتين الحالتين.\nومما يدل على أن موالاة الكافرين خوفًا منهم أو مشحة بالوطن كفر ما لم يكن ذلك عن إكراه، ما ذكره الله عن نبيه شعيب ﵇، وتهديد قومه له بإخراجه من أرضهم إن لم يعد في ملتهم، ويوافقهم على ما هم عليه.\nولكن نبي الله شعيبا ﵇ قال كما حكى الله عنه: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [الأعراف:٨٩]. ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني- ص ٢٦٧\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (١/ ٥٣٣). وانظر في ترجيح سبب النزول المذكور: «تفسير الطبري» (٥/ ١٩٤ - ١٩٥).","vol":"6","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1854>الباب الثاني: نواقض الإيمان في باب التوحيد</span>\n• المبحث الأول: ما يناقض قول القلب.\n• المبحث الثاني: ما يناقض عمل القلب.\n• المبحث الثالث: أمثلة أخرى لنواقض الإيمان بالاعتقاد.","vol":"6","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1856>المبحث الأول: ما يناقض قول القلب</span>\n• المطلب الأول: الشرك في الربوبية.\n• المطلب الثاني: الشرك في الألوهية.\n• المطلب الثالث: إنكار اسم أو صفة لله تعالى.\n• المطلب الرابع: الإعراض عن دين الله.\n• المطلب الخامس: الشك في حكم من أحكام الله أو خبر من أخباره.","vol":"6","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1857>المطلب الأول: الشرك في الربوبية</span>\nكل اعتقاد، أو قول، أو فعل؛ فيه إنكار لخصائص ربوبية الله تعالى، أو بعضها؛ كفر وردة.\nأو ادعاء شيء من هذه الخصائص؛ كادعاء الربوبية، كما قال فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات: ٢٤.].\nأو ادعاء الملك، أو الرزق، أو التصرف من دون الله تعالى، وغيرها من الأمور التي هي من أفعال الله تعالى وخصائصه، وكذلك يكفر من يصدق بهذه الدعوى، ومن الأمثلة على ذلك:\nالاعتقاد بأن لله تعالى شريكًا في الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير.\nالاعتقاد بأن الأولياء لهم تصرف في الكون مع الله تعالى.\nاعتقاد تأثير وتصرف غير الله تعالى؛ من الأبراج والكواكب ومساراتها ومواقعها على حياة الناس.\nالاعتقاد بأن المخلوق يمكنه أن يرزق المخلوق، أو يمنع عنه الرزق، أو يمكنه أن يضر، أو ينفع من دون الله تعالى.\nالاعتقاد بأن أحدًا دون الله تعالى يعلم الغيب.\nاعتقاد حلول الله تعالى في خلقه، أو أن الله في كل مكان.\nالاعتقاد بأن الشفاء من الطبيب أو الدواء، أو اعتقاد التوفيق في حياة العبد من ذكائه، أو جهده واجتهاده.\nالاعتقاد بأن للمخلوق حقًّا في سن القوانين وتشريعها، وهي تلك النظم التي تحكم في أموال الناس وأعراضهم.\nوغيرها من الاعتقادات التي تناقض الإيمان وتبطله. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري- ص١٦٩\nومنه أيضًا أن يوصف أحد من الخلق بأي صفة من صفات الله ﷿ الذاتية أو الفعلية المختصة به كالخلق أو الرزق أو علم الغيب أو التصرف في الكون، حتى مع إثبات هذه الصفات لله ﷿. وهذا الشرك يكثر لدى بعض الفرق المنحرفة كغلاة الصوفية والرافضة والباطنية عمومًا، حيث يعتقد الرافضة- مثلًا- في أئمتهم أنهم يعلمون الغيب، وتخضع لهم ذرات الكون ونحو ذلك، وكذلك يعتقد الباطنية والصوفية في أوليائهم نحو ذلك، فعامة شرك الربوبية عند هؤلاء يقع في العلم والتصرف، أما في الخلق، والرزق فيقر به عامة الصوفية، وكذا المشركون الأوائل يعتقدون بأن الله ﷿ هو الخالق الرازق، لكنهم يدعون ويستغيثون بالأولياء من دون الله لزعمهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، لذلك اقتصر مفهومهم للشرك باعتقاد أن الأولياء يخلقون أو يرزقون من دون الله، أو باعتقاد تصرفهم في الخلق استقلالًا. وبعد تقرير هذا الأصل ولكثرة أنواع الشرك في الربوبية، فقد رأيت أن أختار مثالين منهما وهما الشرك في العلم والشرك في التصرف ومن خلال نقل بعض أقوال الفرق يتضح انحرافها في هذا الأصل، ثم نرد عليهم ونبين المنهج الحق في ذلك:\nأولًا: الشرك في العلم\nأ- نُقول عن الفرق فيها نقض لتوحيد الربوبية\nالأقوال كثيرة ومشتهرة وسأقتصر على الأقوال الصريحة منها:","vol":"6","page":364},{"text":"فالباطنية زعموا أن أئمتهم وأولياءهم يعلمون ما كان وما يكون، ومن النقولات في ذلك ما ذكره صاحب (تأويل الدعائم) من أنه (جاء عن أولياء الله من الأخبار عما كان ويكون من أمر العباد) (١) وجاء في كتاب (المجالس المؤيدية) (أن الأئمة يعلمون من أمر المبدأ والمعاد ما حجبه الله عن كافة العباد) (٢)، وروى النعمان القاضي عن المعز لدين الله أنه قال: (... أفمن أودعه الله علم ما يكون يجهل فضله ... فكيف بمن علمه الله علم ما يكون مما لم يكن بعد) (٣)، وقال المعز: (إن عندنا علم ما يطلب، كقول جده علي: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي خلق الحبة وبرأ النسمة لا تسألوني عن علم ما كان وما يكون، ومن علم ما لا تعلمون إلا أخبرتكم به ...) (٤)، فهذه النصوص- كما نلاحظ- فيها دعوى أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون من أمر العباد وأمر الجن أو المعاد.\nومثل ذلك ما نقل عن الرافضة حيث ينسب الكليني إلى جعفر الصادق قوله: (ورب الكعبة ورب البنية لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر ﵉ أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله وراثة) (٥). وينسبون إلى الحسن بن علي ﵁ قوله: (إنا نعلم المكنون والمخزون والمكتوم الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل غير محمد وذريته) (٦).\nولا حاجة للإشارة إلى كذبهم على الحسن﵁- أو جعفر الصادق﵀- وإنما المقصود أن الرافضة يعتقدون فيهم هذا، ولهذا نقلوا هذه الأقوال عنهم ونسبوها إليهم.\nوهذه الفكرة موجودة لدى المتصوفة فبينهم وبين الرافضة أوجه شبه كثيرة من أهمها تقديس الأئمة والأولياء.\nفهذا عبد الكريم الجيلي صاحب كتاب (الإنسان الكامل) يزعم أنه كشف عن حقائق الأمور على ما هي عليه من الأزل إلى الأبد وأنه رأى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة ... إلخ (٧).\nوهذا الشعراني في كتابه (الطبقات الكبرى) ينقل عن شيخه الخواص أنه كان يعلم ما في اللوح المحفوظ ساعة بساعة (٨)، ومما قاله المتصوفة: (... وينبغي على المريد أن يعتقد في شيخه أنه يرى أحواله كلها كما يرى الأشياء في الزجاجة) (٩).\nويدخل في ذلك الكهانة والعرافة ونحوها، وكذلك إتيان الكهنة والعرافين وتصديقهم بما يقولون.\nب- اعتقاد أهل السنة في ذلك وحكم من ادعى علم الغيب\nاعتقاد أهل السنة في ذلك:\n_________\n(١) «تأويل الدعائم» للقاضي النعمان (١/ ١٤٥).\n(٢) «المجالس المؤيدية» لهبة الله الشيرازي (٤٤١) نقلًا عن «الإسماعيلية»، لإحسان إلهي ظهير (٣٧٦).\n(٣) «المجالس والمسايرات» للقاضي النعمان (٤٠٤).\n(٤) «المجالس والمسايرات» للقاضي النعمان (ص: ٤٠٤)، وقد كذبوا على علي ﵁ فيما نقلوا عنه.\n(٥) «الكافي» للكليني (١/ ٢٦٠ - ٢٦١).\n(٦) «دلائل الإمامة» أبو جعفر الطبري الشيعي (ص: ٦٧).\n(٧) «الإنسان الكامل» (٢/ ٩٧).\n(٨) راجع ذلك وأمثاله في «الفكر الصوفي» (ص: ١٧٩ - ١٨١). لعبد الرحمن عبد الخالق\n(٩) «رماح حزب الرحيم في نحور حزب الرجيم» (١/ ٢٨) نقلًا عن «التيجانية» (ص: ١٨٤)، د. علي الدخيل الله، وانظر نصوصًا أخرى في نفس الموضع.","vol":"6","page":365},{"text":"يؤمن أهل السنة بأن الله وحده هو الذي يعلم الغيب، دون من سواه من ملك مقرب أو نبي مرسل، وأنه يطلع من يرتضيه من رسله على بعض الغيب متى شاء وإذا شاء وبذلك جاءت الآيات والأحاديث، قال سبحانه: وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ [هود: ١٢٣]، وقال تعالى: وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ [يونس: ٢٠]، وقال ﷿: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الكهف: ٢٦]، وقال سبحانه: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [آل عمران: ١٧٩] وقوله تعالى لنبيه محمد ﷺ: قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام: ٥٠] يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: (قل لهؤلاء المنكرين نبوتك: لست أقول لكم إني الرب الذي له خزائن السموات والأرض، فأعلم غيوب الأشياء الخفية التي لا يعلمها إلا الرب الذي لا يخفى عليه شيء، فتكذبوني فيما أقول من ذلك، لأنه لا ينبغي أن يكون ربًا إلا من له ملك كل شيء، وبيده كل شيء، ومن لا يخفى عليه خافية، وذلك لا إله غيره) (١).\nومن الآيات في هذا المعنى قوله ﷿: قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل: ٦٥].\nيقول الإمام القرطبي في تفسيرها: (فإنه لا يجوز أن ينفي الله ﷾ شيئًا عن الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك، ألا ترى إلى قوله تعالى: قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل: ٦٥]، وقوله: لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ [الأعراف: ١٨٧]، فكان هذا كله مما استأثر الله بعلمه لا يشركه فيه غيره) (٢).\nومن أصرح الآيات دلالة ما جاء في سورة الأنعام، قال تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام: ٥٩]، وتفسيرها في سورة لقمان، قال ﵎: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤]. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره آية لقمان: (هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك ومن يشاء الله من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه الله تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى أو شقيًّا أو سعيدًا علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء الله من خلقه، وكذا لا تدري نفس ماذا تكسب غدًا في دنياها وأخراها، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك، وهذه (أي الآية) شبيهة بقوله تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام:٥٩]، وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب) (٣).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١١/ ٣٧١) تحقيق أحمد شاكر.\n(٢) «تفسير القرطبي» (٤/ ١٧).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٥٣).","vol":"6","page":366},{"text":"ثم ساق الحافظ عدة أحاديث في هذا المعنى، ومنها ما رواه البخاري عن ابن عمر﵄- عن النبي ﷺ قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» (١). وحديث عائشة ﵂ قالت: (... ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب، وهو يقول: لا يعلم الغيب إلا الله) (٢).\nفالآيات والأحاديث المذكورة وغيرها مما لم نذكره قطعية الدلالة على اختصاصه ﷿ بعلم الغيب دون سواه من الأنبياء والرسل أو الملائكة أو الأولياء.\n٢ - تفسير قوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:٢٩]\nمرَّ معنا نصوص صريحة بأن الرسل وعلى رأسهم محمد ﷺ لا يعلمون الغيب مثل قوله تعالى: قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام: ٥] وسنزيد هذه المسألة إيضاحًا قبل أن نتكلم عن الاستثناء المذكور في الآية، قال تعالى: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:١٨٨]. (أي لو كنت أعلم جنس الغيب، لتعرضت لما فيه الخير، فجلبته إلى نفسي، وتوقيت ما فيه السوء، حتى لا يمسني، ولكني عبد لا أدري ما عند ربي، ولا ما قضاه في، وقدره لي، فكيف أدري غير ذلك وأتكلف علمه؟) (٣).\nوقال﷿-: وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [هود:٣١]\nوقال سبحانه: يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ [المائدة:١٠٩].\nففي هذه الآية دليل على نفي علم الأنبياء بالغيب، وإذا لم يعلم الرسل والأنبياء ذلك فمن ادعاه لنفسه أو لغيره فهو مضاد ومكذب بما جاء في القرآن.\nوقال سبحانه في حكاية المحاورة بين موسى ﵇ وفرعون: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:٥١ - ٥٢] فأضاف موسى ﵇ هذا العلم إلى الله سبحانه، ونفاه عن نفسه فدل على أن الأنبياء لا يعلمون منه شيئًا إلا ما يخبرهم به سبحانه (٤).\nوقال سبحانه: قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُّبِينٌ [الأحقاف: ٩]\nلقد قص علينا﷾- من أحوال الأنبياء والرسل وأخبارهم ما يؤكد هذا المعنى ويرسخه، فها هو إبراهيم ﵇ لم يعلم بأنه يولد له ولد من زوجته سارة إلا بعد أن جاءته الملائكة، وجاءته الملائكة في صورة بشر فلم يعرفهم فذبح لهم عجلًا وقربه إليهم، ولم يكن يعرف مقصدهم حتى أعلموه أنهم ذاهبون لتدمير قرى قوم لوط، وأما لوط فإنه ساءته رؤية الملائكة ولم يعلم حقيقة أمرهم إلا بعد أن أعلموه أنهم جاءوا لإنجائه وإنجاء أهله (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣٧٩).\n(٢) رواه البخاري (٧٣٨٠).\n(٣) «الدين الخالص» لصديق خان (١/ ٤٣٤).\n(٤) انظر «الدين الخالص» لصديق خان (١/ ٤٣٤).\n(٥) انظر «الفكر الصوفي» (ص: ١٤٤) لعبد الرحمن عبد الخالق.","vol":"6","page":367},{"text":"وها هو المصطفى ﷺ أصابه همٌّ عظيم وقلق وانشغل باله فيما قذف المنافقون عائشة ﵂، ومكث أيامًا يستشير أصحابه في الأمر، ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أنزل الله ﷿ براءتها وكذب المنافقين (١)، فكل هذه الآيات والأخبار تدل دلالة قطعية على أن الأنبياء لا يعلمون الغيب فإذا كان الأنبياء الأصفياء المقربون لا يعلمون ذلك، فغيرهم من باب أولى.\nأما الاستثناء الوارد في قوله تعالى: إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ [الجن:٢٩]، فمعناه: (أي من اصطفاه من الرسل، أو من ارتضاه منهم لإظهاره على بعض غيبه، ليكون ذلك دالًّا على نبوته) (٢).\nوقال الإمام ابن العربي المالكي: (وعند الله تعالى علم الغيب وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلا هو، فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه، ومن شاء حجبه عنها حجبه، فلا يكون ذلك من إفاضته إلا على رسله بدليل قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٧٩] وقال الطيبي: (.. فلا يظهر إظهارًا تامًّا وكشافًا جليًّا إلا لرسول يوحى إليه مع ملك وحفظة، ولذلك قال: فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدً [الجن: ٢٧]، وتعليله بقوله: لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ [الجن: ٢٨]، وأما الكرامات فهي من قبيل التلويح واللمحات، وليسوا في ذلك كالأنبياء) (٣)، وقال الحافظ ابن حجر: (وفي الآية رد على المنجمين، وعلى من يدعي أنه مطلع على ما سيكون من حياة أو موت أو غير ذلك؛ لأنه مكذب للقرآن وهم (أي المنجمين ومن في حكمهم) أبعد شيء من الارتضاء مع سلب صفة الرسولية عنهم) (٤).\nإذًا الآية صريحة الدلالة في أن الغيب مختص به ولا سبيل إلى علمه إلا من إخبار الله تعالى لمن يشاء من رسله وأنبيائه. ومن أمثلة ذلك ما ذكره الله ﷿ عن يوسف ﵇، قال تعالى: قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [يوسف: ٣٧] وقوله عن عيسى ﵇: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران: ٤٩].\n_________\n(١) انظر «الدين الخالص» (١/ ٤٢٥) «الفكر الصوفي» (ص: ١٤٥).\n(٢) «فتح القدير» (٥/ ٣١١)، وانظر «تفسير القرطبي» (١٩/ ٢٨).\n(٣) «أحكام القرآن» (٢/ ٧٣٨) لأبي بكر بن العربي.\n(٤) «فتح الباري» (١٣/ ٤٦٤).","vol":"6","page":368},{"text":"ومن ذلك أيضًا ما أخبر به ﷺ من فتوحات إسلامية، وفتن وملاحم وقعت كما أخبر بها ﷺ، وإخباره عن علامات الساعة، والشهادة لبعض الصحابة بالجنة وأحوال أهل الجنة والنار ... إلخ (١). والرسول يخبر أمته بما أعلمه الله تعالى، وقد أورد الشوكاني سؤالًا وأجاب عنه فقال: (إذا تقرر بهذا الدليل القرآني أن الله يظهر من ارتضى من رسله على ما شاء من غيبه، فهل للرسول الذي أظهره الله على ما شاء من غيبه أن يخبر به بعض أمته؟ قلت (أي الشوكاني): نعم ولا مانع من ذلك وقد ثبت عن رسول الله ﷺ من هذا ما لا يخفى على عارف بالسنة المطهرة، فمن ذلك ما صح أنه قام مقامًا أخبر فيه بما سيكون إلى يوم القيامة، وما ترك شيئًا مما يتعلق بالفتن ونحوها حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، كذلك ما ثبت من أن حذيفة بن اليمان كان قد أخبره رسول الله ﷺ بما حدث من الفتن بعده، ومنها تحدثه لعمر ﵁ عن الفتن التي تموج كموج البحر، وكذلك ما ثبت من إخباره ﷺ لأبي ذر بما يحدث له، وإخباره لعلي بن أبي طالب بخبر ذي الثدية، ونحو هذا الكلام مما يكثر تعداده ولو جمع جاء منه مصنف مستقل) (٢).\nثانيًا: الشرك في التصرف\nأ- نماذج من انحراف الفرق في ذلك\nمن المعروف عن الباطنية تأليههم لبعض الأشخاص، فالنصيرية مثلًا يؤلهون علي بن أبي طالب ﵁، والدروز يؤلهون الحاكم بأمره وهكذا، فالباطنية لديهم غلو ظاهر في هذا الجانب، ولعلنا نقتصر هنا على إبراز معتقد النصيرية في ذلك، وملخصه ما يلي: يعتقدون أن الله يحل في الأشخاص، وأن آخر حلول له كان في علي بن أبي طالب، بل ذهبوا إلى ما يشبه عقيدة التثليث عند النصارى، إذ إنهم ألفوا ثالوثًا يتكون من علي، ومحمد، وسلمان الفارسي، ويزعمون أن العلاقة بين أطراف هذا الثالوث علاقة إيجاد، فعلي خلق محمدًا، ومحمد خلق سلمان، وسلمان خلق الأيتام الخمسة ويقصدون بهم: المقداد بن الأسود، وأبا ذر الغفاري، وعثمان بن مظعون، وعبد الله بن رواحة، وقنبر بن كادان مولى علي، وأكدوا لهؤلاء مسئوليات معينة في تصريف الكون، فالمقداد موكل إليه الرعد والصواعق والزلازل، وأبو ذر موكل بالرياح وقبض أرواح البشر، وقنبر موكل بنفخ الأرواح في الأجسام (٣)، إذًا علي بن أبي طالب وسلمان والأيتام الخمسة يتفردون بتصريف أمور الكون من الخلق والموت والحياة وغيرها، وهذه من أخص صفات الربوبية، ولا غرابة في هذا الاعتقاد عند النصيرية ماداموا يؤلهون البشر، ويعتقدون بالحلول على طريقة النصارى.\n_________\n(١) انظر «عالم الغيب والشهادة في التصور الإسلامي» (ص: ٨١) لعثمان جمعة ضميرية.\n(٢) «فتح القدير» (٥/ ٣١٢)، بتصرف يسير.\n(٣) انظر «الباكورة السليمانية» (٢٩، ٣٠) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٤٧) و«دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين» (٣١٦ - ٣١٨)، د. أحمد جلي.","vol":"6","page":369},{"text":"أيضًا يعتقد الرافضة الإمامية في أئمتهم شيئًا من ذلك، فينسبون إلى علي بن أبي طالب ﵁ من رواية جعفر بن محمد قوله: (انتقل النور إلى غرائزنا ولمع في أئمتنا، فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فبنا النجاة ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج ..) (١) وينسبون إليه أيضًا قوله: (ونحن الذين بنا تمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا تمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وتنشر الرحمة ...) (٢)، ويقول أحد أئمتهم المعاصرين وهو الخميني: (فإن للإمام مقامًا محمودًا ودرجة سامية، وخلافه تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون ...) (٣). فالكون بذلك خاضع لولايتهم وسيطرتهم وتصرفهم.\nأما المتصوفة فاعتقادهم بأوليائهم وتصرفهم في الكون وشئون الخلق مشهور معلوم، (فعامتهم يجعلون الولي مساويًا لله ﷿ في جميع صفاته فهو يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويتصرف في الكون، ولهم تقسيمات للولاية فهناك الغوث المتحكم في كل شيء في العالم والأقطاب الأربعة الذين يمسكون الأركان الأربعة في العالم بأمر الغوث، والأبدال السبعة الذين يتحكم كل واحد منهم في قارة من القارات السبع بأمر الغوث والنجباء وكل واحد منهم يتصرف في ناحية تتحكم في مصائر الخلق) (٤).\nبل يزعم بعض المتصوفة أن من كرامات أوليائهم أنهم يحيون الموتى، فهذا البدوي تستغيث به امرأة ليحيي ولدها الذي مات (فمد سيدي أحمد البدوي يده إليه ودعا له فأحياه الله تعالى) (٥)، والبدوي يميت من يتعرض له من الأحياء كما فعل مع معارضيه في العراق، فقد قال لهم: موتوا. فوقعوا على الأرض قتلى، ثم قال: قوموا بإذن من يحيي ويميت الأحياء. فقاموا (٦).\nومما يدخل تحت دعوى المخلوقات بشئون الكون من دون الله ما يدعيه أهل الجاهلية ومن تبعهم من الاعتقاد بأن الأنواء والنجوم والكواكب هي التي تنشئ السحاب وتنزل المطر من دون الله ﷿.\nب- اعتقاد أهل السنة في ذلك، وحكم من أثبت لمخلوق تصرفًا في الكون من دون الله ﷿\nمن أصول اعتقاد أهل السنة ومما تواترت به النصوص من الكتاب والسنة الاعتقاد الجازم بأن النفع والضر، والخير والشر، والخلق والرزق والموت والحياة والتصرف في الكون وفي شئون العالم لا يكون إلا لله ﷿، وبقضائه وقدره وأمره لملائكته أو أحد من خلقه بفعل شيء من ذلك.\n_________\n(١) «مروج الذهب» للمسعودي (١/ ٣٣).\n(٢) انظر «نشأة الفكر الفلسفي» (النشار) (٢/ ٢٩٧).\n(٣) «الحكومة الإسلامية» (٥٢) للخميني.\n(٤) «الفكر الصوفي» (ص: ٣٨) لعبد الرحمن عبد الخالق، وانظر نصوص عن المتصوفة في ذلك في نفس الكتاب (٢٤٢،٢٤٤،٢٦٩،٢٧١).\n(٥) «الجواهر السنية» (ص: ٤٦) نقلًا عن «السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة» (ص: ٢٣٣) د. أحمد صبحي منصور\n(٦) «السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة» (ص: ٢٣٤) د. أحمد صبحي منصور.","vol":"6","page":370},{"text":"قال تعالى موجهًا نبيه ﷺ: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٨] وقال ﷿: قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن: ٢١]، وقوله: قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران: ١٥٤]، وقوله تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الأنفال: ١٠] وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [يونس: ٣]، بل إن الأمر معلوم حتى لمشركي العرب، قال تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس: ٣١] وقال﷿-: قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ اللهُ [المؤمنون: ٨٨] وقال﷿- عن الكفار: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا [النحل: ٧٣]، وقال تعالى: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦]، وقوله سبحانه: وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:١٠٧]، وقوله تعالى أيضًا: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر: ٢]، وقال ﷾: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢]، أي: ليس لهم قدرة على خير ولا شر، ولا على جلب نفع، ولا دفع ضر في أمر من الأمور وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ أي: ليس للآلهة الباطلة في السموات والأرض مشاركة لا بالخلق ولا بالملك ولا بالتصرف) (١).\n_________\n(١) «الدين الخالص» (٢/ ١٠،١١) وانظر آيات أخرى في هذا المعنى في نفس المرجع (٢/ ٥ - ١٦) وفي «توحيد الخلاق» (ص: ١٤٥، ١٤٦) و«فتح المجيد» (ص: ١٧٣ - ١٧٩) وغيرها.","vol":"6","page":371},{"text":"والأحاديث الشريفة في هذا المعنى كثيرة ومنها حديث وصية الرسول ﷺ لابن عباس حيث جاء فيها: «... واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله تعالى لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ...» الحديث (١).\nوجاء في دعائه ﷺ قوله: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (٢) فهذه كلها نصوص صريحة الدلالة في أن النفع والضر والرزق والخلق والتصرف والنصر كلها من الله ﷿، فلذلك لا يجوز أن يدعى ويطلب من غيره النفع والضر أو الرزق كما لا يجوز أن يعتقد في غيره أن له تصرفًا في الكون من خلق وغيره، فكل ذلك شرك صريح مناقض لقول القلب.\nقال الشيخ صنع الله الحنفي ﵀ في الرد على من ادعى ذلك: (هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفًا بحياتهم وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات وبهممهم تكشف المهمات، ....) قال: (وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومضادة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفة لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة)، ثم قال: فأما قولهم: إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات: فيرده قوله تعالى: أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ [النمل: ٦١]، وقوله تعالى: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الشورى: ٤٩]، ونحوها من الآيات الدالة على أنه المتفرد بالخلق والتدبير والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره في شيء ما بوجه من الوجوه فالكل تحت ملكه وقهره تصرفًا وملكًا وإماتة وخلقًا ...) (٣). وقال الشيخ صديق خان في تعليقه على قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ [النحل: ٧٣]: (ومفهوم الآية أن قول العامة: إن الأنبياء والأولياء والشهداء والأئمة لهم تصرف في العالم، وقدرة عليه، ولكنهم شاكرون لتقدير الله تعالى، راضون بقضائه، ولا يقولون شيئًا ولا يفعلون أمرًا، أدبًا منهم، ولو شاءوا لغيروا الأمور في آن، وسكوتهم إنما هو تعظيمًا للشرع الشريف غلط فاضح، وكذب واضح؛ لأنهم لا يستطيعون شيئًا لا حالًا ولا استقبالًا، ولا حول لهم على ذلك أصلًا، وهذه العقيدة فيها شرك بالله ﷾؛ لأنه ليس في الدار غيره ديار (٤).\nومن خلال هذه النقول يتبين حكم هذه المسألة، القطعية المجمع عليها. و... في ختام هذا المبحث ... أشير إلى مسألة الاستسقاء بالنجوم لأن البعض قد يغلط فيها ...:\nقال الشافعي في تعليقه على حديث زيد بن خالد: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (٥)، قال ﵀: (... ومن قال مطرنا بنوء كذا، وهو يريد أن النوء أنزل الماء، كما عني بعض أهل الشرك من الجاهلية فهو كافر، حلال دمه إن لم يتب)، وقال الإمام ابن عبد البر في معنى الحديث، قال: فمعناه على وجهين: أما أحدهما: فإن المعتقد بأن النوء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشئ للسحاب دون الله ﷿، فذلك كافر كفرًا صريحًا، يجب استتابته وقتله إن أبى، لنبذه الإسلام ورده القرآن، والوجه الثاني: أن يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء، وأنه سبب الماء على ما قدره الله وسبق في علمه، وهذا وإن كان وجهًا مباحًا، فإن فيه أيضًا كفرًا بنعمة الله ﷿ وجهلًا بلطيف حكمته ...) (٦). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي- ٢/ ٨٦\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥١٦) وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩) وأبو يعلى (٤/ ٤٣٠) والطبراني (١٢/ ٢٣٨) قال الترمذي حديث حسن صحيح، وقال ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٥٥): حسن، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٢٣٣): إسناده صحيح، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٨٤٤) ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة،\n(٣) «فتح المجيد» (ص: ١٧٣ - ١٧٥).\n(٤) «الدين الخالص» (٢/ ٨).\n(٥) رواه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١).\n(٦) انظر «تفسير القرطبي» (١٧/ ٢٢٩،٢٣) وانظر تفصيل لذلك «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٤٥٤ - ٤٥٥) «الدين الخالص»، (٢/ ١٢٨ - ١٣٤).","vol":"6","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1858>المطلب الثاني: الشرك في الألوهية</span>\nتوحيد الألوهية: هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد، أي: إفراده – جل وعلا – بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة، وأن لا يشرك به أحد كائنًا من كان، ولا يصرف شيء من العبادة لغيره تعالى.\nأي: أن الله تعالى وحده هو المعبود بحق، وأن ما سواه من المعبودات كلها باطل لا تستحق أي شيء من العبادة.\nفمن اعتقد غير هذا، أو قال قولًا، أو فعل فعلًا، ينافي هذا المعنى، أو أنكر حق الله تعالى في ألوهيته، أو انتقص شيئًا منه، أو صرف شيئًا منه لغيره؛ فقد كفر، وارتد عن الإسلام.\nفأكثر الأمم السابقة، وأكثر الناس في الإسلام وقعوا في الشرك أو الكفر في توحيد الألوهية؛ لأنهم لم يكونوا ينكرون ربوبية الله تعالى؛ بل أقروا بأن الله تعالى هو الرب والخالق والرازق والمحي والمميت، ولكنهم صرفوا شيئًا من العبادة لغيره تعالى؛ فجعلهم الله في عداد الكافرين بإشراكهم غيره في العبادة.\nوعبادة الله تعالى وحده لا شريك له؛ هي غاية الخالق – ﷻ – من خلق عباده، ولذلك هي موضوع الامتحان للعبادة في الدنيا، قال تعالى:\nوَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].\nفكل اعتقاد، أو قول، أو عمل؛ يتضمن أحد هذين الأمرين يخرج صاحبه من الإسلام.\nقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ [البقرة: ١٦٥].\nوقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١ - ٢٢].\nوقال: مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: ٤٠].\nالأمثلة من نواقض الإيمان في توحيد الألوهية والعبادة:\n- عبادة أحد مع الله، أو دون الله، أو يُدعى مع الله تعالى، وأن يستغاث بغيره سبحانه؛ في جلب خير، أو دفع ضر، أو يتوكل عليه، أو يستعاذ به، أو يخاف منه، أو يرجى، أو يخضع له، أو يتقرب إليه بأي نوع من أنواع العبادة، أو يطاع الطاعة المطلقة، أو يحب كحب الله ﵎، أو يعظم كتعظيم الله تعالى؛ سواء كان هذا المعظم أو المدعو ملكًا، أو نبيًّا، أو وليًّا، أو قبرًا، أو حجرًا، أو شجرًا.\n- الركوع، والسجود، والصوم، والطواف، والذبح، والنذر، والخشوع لغير الله تعالى.\n- الطاعة والانقياد لغير الله تعالى، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.\n- الاعتقاد بأن لشخص حق تشريع ما لم يأذن به الله تعالى؛ من التحليل والتحريم وسن القوانين.\n- الاعتقاد بأن شرع الله تعالى لا يصلح في هذا الزمان.\nيكفر من أتى شيئًا من هذه النواقض، أو رضي بها، أو عمل بعضها، وإلى غير ذلك من النواقض التي تخص توحيد العبادة. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري ص- ١٧٠","vol":"6","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1859>المطلب الثالث: إنكار اسم أو صفة لله تعالى</span>\nيقول الإمام أحمد:\n(إذا قال الرجل: العلم مخلوق. فهو كافر؛ لأنه يزعم أنه لم يكن له علم حتى خلقه). وقال أيضًا: (من قال: القرآن مخلوق. فهو عندنا كافر؛ لأن القرآن من علم الله ﷿، قال الله ﷿: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران: ٦١]) (١).\nويقول ﵀:\n(من قال إن الله ﷿ لا يرى في الآخرة فهو كافر) (٢).\nوقال هارون بن معروف (٣):\n(من زعم أن الله ﷿ لا يتكلم فهو يعبد الأصنام).\nوقال محمد بن مصعب العابد (٤):\n(من زعم أنك لا تتكلم ولا تُرى في الآخرة فهو كافر بوجهك لا يعرفك، أشهد أنك فوق العرش، فوق سبع سماوات، وليس كما يقول أعداء الله الزنادقة) (٥).\nوقال نعيم بن حماد (٦): (من شبَّه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف به نفسه ورسوله تشبيه) (٧)\nوقال ابن خزيمة (٨):\n(من لم يقر بأن الله على عرشه، استوى فوق سبع سماواته، بائن من خلقه، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة) (٩).\nوقال الآجري:\n(باب ذكر الإيمان بأن القرآن كلام الله ﷿، وأن كلامه جل وعلا ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر).\nثم قال: (اعلموا رحمنا الله وإياكم أن قول المسلمين الذين لم تزغ قلوبهم عن الحق ووفقوا للرشاد قديمًا وحديثًا؛ أن القرآن كلام الله ﷿ ليس بمخلوق، لأن القرآن من علم الله تعالى، وعلم الله لا يكون مخلوقًا تعالى الله ﷿ عن ذلك، دل على ذلك القرآن والسنة وقول الصحابة ﵃، وقول أئمة المسلمين رحمة الله تعالى عليهم، لا ينكر هذا إلا جهمي خبيث، والجهمية عند العلماء كفار) (١٠).\nوقال هارون الفروي (١١):\n_________\n(١) «السنة» للإمام عبد الله بن الإمام أحمد (١/ ١٠٢، ١٠٣)، وانظر (٢/ ٣٨٥) و«أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي» (٣/ ٤٠٥، ٤٠٦) و«الشريعة» (ص: ٨٠) للآجري.\n(٢) «مسائل الإمام أحمد» لأبي داوود «عقائد السلف» (ص: ١٠٥)، وانظر «الشريعة» (ص: ٢٥٥) للآجري.\n(٣) أبو علي هارون بن معروف المروزي البغدادي، وثقة أبو حاتم وغيره مات سنة ٢٣١ هـ.\n(٤) هو أبو جعفر، محمد بن صعب، أحد العبَّاد المشهورين، والقراء المعروفين، أثنى عليه أحمد بن حنبل ووصفه بالسنة، مات ببغداد سنة ٢٢٨هـ. انظر: «تاريخ بغداد» (٣/ ٢٧٩).\n(٥) «تاريخ بغداد» (١/ ١٧٣) وقال المحقق: إسناده صحيح، وانظر «مختصر العلو» (ص: ١٨٣) للذهبي.\n(٦) هو نعيم بن حماد الخزاعي الفرضي المروزي، الحافظ، أحد علماء الحديث، له تصانيف، نصر السنة، ومات في محنة القول بخلق القرآن سنة ٢٢٩ هـ. انظر: «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٥٩٥) و«شذرات الذهب» (٢/ ٦٧).\n(٧) «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي (٣/ ٤٠٦) وانظر «مختصر العلو» للذهبي (ص: ١٨٤).\n(٨) محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري الشافعي، إمام الأئمة، صاحب التصانيف، حافظ فقيه، نصر السنة ورد على المبتدعة، توفي سنة ٣٢١ هـ. انظر: «طبقات الشافعية» (٣/ ١٠٩) و«سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٣٦٥).\n(٩) «مختصر العلو» للذهبي (ص: ٢٢٥) وانظر «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٣٧٣).\n(١٠) «الشريعة» للآجري (ص: ٧٥).\n(١١) هارون بن موسى الفروي المدني، روى عنه الترمذي والنسائي وغيرهما، مات سنة ٢٥٣ هـ. انظر: «تهذيب التهذيب» (١١/ ١٣).","vol":"6","page":374},{"text":"(لم أسمع أحدًا من أهل العلم بالمدينة وأهل السنن إلا وهم ينكرون على من قال: القرآن مخلوق. ويكفرونه) (١).\nوقال النووي:\n(قال المتولي: لو نفى ما هو ثابت للقديم (٢) بالإجماع، ككونه عالمًا قادرًا ... كان كافرًا) (٣).\nويقول ابن تيمية:\n(والذي عليه جمهور السلف أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممن لم يبلغه العلم في ذلك، عرف ذلك، كما يعرف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر) (٤).\nويقول أيضًا:\n(القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة بعد تدبر ذلك. ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين) (٥).\nوجاء في (الفتاوى البزازية):\n(يجب إكفار القدرية في نفيهم كون الشر من خلق الله تعالى، وفي دعواهم أن كل فاعل خالق فعل نفسه) (٦).\nوقال المرداوي:\n(من أشرك بالله، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، أو صفة من صفاته كفر بلا نزاع في الجملة) (٧). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف - ص١١٨\n_________\n(١) «الشريعة» للآجري (ص: ٧٨).\n(٢) [٩٧٨٣]» لفظ (القديم) من الألفاظ المجملة، والمتعين أن يوصف ربه سبحانه بالألفاظ الشرعية.\n(٣) «روضة الطالبين» (١٠/ ٦٤).\n(٤) [٩٧٨٥]» «مجموع الفتاوى» (٦/ ٤٨٦).\n(٥) [٩٧٨٦]» «درء تعارض العقل والنقل» (٧/ ٢٦، ٢٧) باختصار، وانظر (٩/ ٣٩٦، ٣٧٠).\n(٦) [٩٧٨٧]» «الفتاوى البزازية» (٦/ ٣١٨، ٣١٩).\n(٧) [٩٧٨٨]» «الإنصاف» (١٠/ ٣٢٦) وانظر «المبدع شرح المقنع» (٩/ ١٧١) و«الفروع» (٦/ ١٦٤) و«كشاف القناع» (٦/ ١٦٨) و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٨٦).","vol":"6","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1860>المطلب الرابع: الإعراض عن دين الله</span>\nالإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به ذكر الإمام ابن القيم﵀- والإمام محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة الإعراض كناقض من نواقض الإسلام، فما المقصود بالإعراض؟ وما هو الإعراض المناقض للإسلام؟\nأ- مفهوم الإعراض:\nورد ذكر الإعراض في القرآن الكريم في أكثر من خمسين موضعًا (١)، سنستعرض بعضها، وننقل شيئًا من أقوال المفسرين حولها، وقبل ذلك نشير بإيجاز إلى كلام أهل اللغة في معنى الإعراض، ثم نذكر الخلاصة.\nقال في اللسان: (... والمعرض: الذي يستدين ممن أمكنه من الناس، .. وقال الأصمعي: قوله فادَّان معرضًا: أي أخذ الدين ولم يبال أن لا يؤديه، ولا ما يكون من التبعة، ... وقيل: إن أراد أن يعرض إذا قيل له لا تستدن فلا يقبل، من أعرض عن الشيء إذا ولاه ظهره، وقيل: أراد معرضًا عن الأداء موليًا عنه) (٢).\n(والإعراض عن الشيء: الصد عنه، وأعرض عنه: صد) (٣). (والإعراض الصدود، أعرض عنه: صد وولى) (٤).\nوقال في اللسان في معنى التولي (وتولى عنه: أعرض: وولى هاربًا: أي أدبر ... وقد ولى الشيء وتولى إذا ذهب هاربًا ومدبرًا، وتولى عنه إذا أعرض، والتولي يكون بمعنى الإعراض، ويكون بمعنى الاتباع، قال الله تعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد: ٣٨] أي: إن تعرضوا عن الإسلام ...) (٥). وقال الراغب الأصفهاني: (وقولهم: تولى) إذا عدي بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع منه، يقال: وليت سمعي، ووليت عيني كذا، ووليت وجهي كذا أقبلت به عليه، قال الله ﷿: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا [البقرة: ١٤٤] وإذا عدي بمن لفظًا أو تقديرًا اقتضى معنى الإعراض وترك قربة .. فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران: ١٤٤] إِلا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ [الغاشية: ٢٣] والتولي قد يكون بالجسم، وقد يكون بترك الإصغاء والائتمار) (٦).\nوقال أبو البقاء الكفوي في (الكليات): (الإعراض: أن تولي الشيء عرضك: أي جانبك ولا تقبل عليه، والتولي: الإعراض مطلقًا، ولا يلزمه الإدبار ... والإعراض: الانصراف عن الشيء بالقلب، قال بعضهم: المعرض والمتولي يشتركان في السلوك إلا أن المعرض أسوأ حالًا ... وغاية الذم الجمع بينهما) (٧).\nوبعد هذه الإشارة السريعة للمعنى اللغوي نستعرض بعض الآيات المتعلقة بالموضوع مع ذكر أقوال بعض المفسرين.\n١ - قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا [السجدة: ٢٢]. قال الإمام القرطبي: (ثم أعرض عنها بترك القبول) (٨) وقال الحافظ ابن كثير﵀- (أي: تناساها، وأعرض عنها، ولم يصغ لها ولا ألقى إليها بالًا) (٩).\n_________\n(١) «المعجم المفهرس» (ص: ٤٥٧، ٤٥٨).\n(٢) «لسان العرب» (٧/ ١٧٦) انظر «المفردات» (ص: ٣٣٠) للراغب الأصفهاني و«مختار الصحاح» (ص: ٤٢٥) و«النهاية» (٣/ ٢٠٩).\n(٣) «لسان العرب» (٧/ ١٨٢).\n(٤) «الإفصاح في فقه اللغة» (١/ ١٩٥).\n(٥) «لسان العرب» (١٥/ ٤١٥).\n(٦) «المفردات» (ص: ٥٣٤)، انظر «الكليات» (ص: ٢٨٠) لأبي البقاء الكفوي.\n(٧) «الكليات» (ص: ٢٨).\n(٨) «الجامع لأحكام القرآن» (١٤/ ١٠٨).\n(٩) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٩١).","vol":"6","page":376},{"text":"وقال الإمام الشوكاني﵀-: (أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه التنزيلية أو التكوينية أو مجموعهما فتهاون بها، وأعرض عن قبولها، ولم يتدبرها حق التدبر، ويتفكر فيها حق التفكر) (١)، وقال محمد الأمين الشنقيطي﵀-: (فأعرض عنها: أي تولى وصد عنها) (٢).\n٢ - قال سبحانه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ [الأنبياء: ١] قال أبو حيان﵀-: (الغفلة عن الشيء، والإعراض عنه متنافيان، لكن يجمع بينهما باختلاف حالين، أخبر عنهم، أولًا: أنهم لا يتفكرون في عاقبة بل هم غافلون عما يئول إليه أمرهم، ثم أخبر ثانيًا، أنهم إذا نبهوا من سنة الغفلة وذكروا بما يئول إليه أمر المحسن والمسيء أعرضوا عنه ولم يبالوا بذلك) (٣).\n٣ - قال ﷿: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا [طه: ١٠٠] (أي: أعرض عنه فلم يؤمن به، ولا عمل بما فيه) (٤).\n٤ - وقال تعالى: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ [الأنبياء: ٣٤]، قال أبو حيان - ﵀ -: (والظاهر أن الإعراض متسبب عن انتفاء العلم لما فقدوا التمييز بين الحق والباطل أعرضوا عن الحق، وقال ابن عطية ثم حكم عليهم تعالى بأن أكثرهم لا يعلمون الحق لإعراضهم عنه، وليس المعنى فهم معرضون؛ لأنهم لا يعلمون، بل المعنى فهم معرضون ولذلك لا يعلمون الحق) (٥).\n٥ - وقال سبحانه: وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن: ١٧].\nقال الإمام القرطبي﵀-: (يعني القرآن، قاله ابن زيد، وفي إعراضه عنه وجهان: أحدهما: عن القبول، إن قيل في أهل الكفر، الثاني عن العمل، إن قيل إنها في المؤمنين) (٦).\n٦ - وقال تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ [البقرة: ٨٣] قال ابن عباس ﵁: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ: أعرضتم عن طاعتي، إِلاَّ قَلِيلًا مِّنكُمْ قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي عمن تولي وأعرض عنها) (٧).\nوقال أيضًا: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ، أي تركتم ذلك كله (٨).\n٧ - قال سبحانه: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ [آل عمران: ٢٣] قال الإمام الطبري﵀-: (ثم يستدبر عن كتاب الله الذي دعا إلى حكمه، معرضًا عنه منصرفًا، وهو بحقيقته وحجته عالم) (٩).\nوورد في القرآن الكريم ذكر التولي بمعنى الإعراض، وترك الطاعة مثل:\n٨ - قوله سبحانه: ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ [البقرة: ٦٤]، قال ابن جرير﵀-: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُم ثم أعرضتم، وإنما هو (تفعلتم) من قولهم: ولاني فلان دبره. إذا استدبر عنه وخلفه خلف ظهره، ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة أمر بها) (١٠).\n_________\n(١) «فتح القدير» (٣/ ٢٩٦).\n(٢) «أضواء البيان» (٤/ ١٢٤).\n(٣) «البحر المحيط» (٦/ ٢٩٦).\n(٤) «فتح القدير» (٣/ ٣٨٥).\n(٥) «البحر المحيط» (٦/ ٣٠٦) انظر «فتح القدير» (٣/ ٤٠٣).\n(٦) «الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ١٩) انظر (١٤/ ١٠٨).\n(٧) «تفسير الطبري» (٢/ ٢٩٩) تحقيق أحمد شاكر،.\n(٨) «تفسير الطبري» (٢/ ٢٩٩).\n(٩) «تفسير الطبري» (٦/ ٢٩١).\n(١٠) «تفسير الطبري» (٢/ ١٦٢) انظر (٣/ ١١٥، ٦/ ٤٧٧، ٤٨٣، ٨/ ٥٦٢).","vol":"6","page":377},{"text":"٩ - وقال تعالى: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [المائدة: ٤٣] قال الإمام الطبري: (يَتَوَلَّوْنَ يقول: يتركون الحكم به، بعد العلم بحكمي فيه، جرأة علي وعصيانًا لي) (١).\nوقال﵀-: (وأصل التولي عن الشيء الانصراف عنه ...) (٢).\n١٠ - وورد لفظ التولي بمعنى التولي عن الطاعة في مواضع من القرآن، كقوله تعالى: فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرًا حسنًا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابًا أليمًا [الفتح: ١٦].\nوقوله سبحانه: لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل: ١٥ - ١٦] وقوله ﷿: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة: ٣١ - ٣٢] قال شيخ الإسلام: (فالتكذيب للخبر، والتولي عن الأمر، وإنما الإيمان تصديق الرسل فيما أخبروا، وطاعتهم فيما أمروا) (٣).\nوقال في موضع آخر تعليقًا على هذه الآيات: (فعلم أن التولي ليس هو التكذيب، بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر، ويطيعوه فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة، التولي) (٤).\nوقال﵀-: (والمتولي هو العاصي الممتنع عن الطاعة) (٥).\nالخلاصة:\nبعد هذا الإيجاز لكلام أهل اللغة والمفسرين، يمكن أن نستخلص من معاني الإعراض ما يلي:\n١ - يأتي بمعنى: عدم الاستماع لأوامر الله ﷿، وعدم المبالاة بها أو التفكر فيها وهو الغالب.\n٢ - ويأتي بمعنى: عدم القبول لها، وهذا يأتي بعد الاستماع لها والتذكير بها.\n٣ - ويأتي بمعنى الامتناع والتولي عن الطاعة، وهذا يكون بعد الاستماع والقبول.\n٤ - ويأتي بمعنى: ترك العمل.\n٥ - ويأتي بمعنى: الصدود.\n٦ - ويأتي بمعنى: ترك حكم الله، والانصراف عنه مع العلم بحقيقته.\nوحاصل ذلك يرجع إلى ثلاثة أمور:\nالأول: يتعلق بالعلم (قول القلب)، من عدم الاستماع، وعدم المبالاة.\nالثاني: يتعلق بالعمل (عمل القلب والجوارح).\nأ - عمل القلب: من عدم القبول والاستسلام.\nب- عمل الجوارح: من الامتناع وترك العمل، والتولي عن الطاعة.\nالثالث: الإعراض عن حكم الله والتحاكم إليه.\nفهذا هو مفهوم الإعراض، وهذه هي أنواعه وحالاته.\nب- الإعراض المكفر وغير المكفر\nبعد ذكر مفهوم الإعراض وحالاته، يرد علينا هذا التساؤل، ما الإعراض الذي هو ناقض من نواقض الإسلام؟ ذكر الإمام ابن القيم﵀- من أنواع الكفر الأكبر: كفر الإعراض، وعرفه قائلًا: (وأما كفر الإعراض: فإن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة) (٦)، وفصل ذلك في موضع آخر فقال: (.. إن العذاب يستحق بسببين، أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها، والثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها، فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل) (٧).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٠/ ٣٦٦) انظر (١٠/ ٣٩٢، ٥٧٥).\n(٢) «تفسير الطبري» (١٠/ ٣٧٧).\n(٣) «الإيمان» (ص: ٥٦).\n(٤) «الإيمان» (ص: ١٣٧).\n(٥) «الإيمان الأوسط» (ص: ١٥٤).\n(٦) «مدارج السالكين» (١/ ٣٦٦، ٣٦٧) انظر «مفتاح دار السعادة» (ص: ٩٤).\n(٧) «طريق الهجرتين» (ص: ٣٨٤) انظر ما قبلها، وانظر «مفتاح دار السعادة» (ص: ٤٤) و«إرشاد الطالب» (ص: ١٢، ١٣).","vol":"6","page":378},{"text":"فالإعراض المكفر على حسب ما ذكره هو نوع من اللامبالاة فلا يسمع الحجة، ولا يبحث عنها، ولا يفكر في ذلك، ولا يعني ذلك أن الإمام يحصر كفر الإعراض بما ينافي قول القلب فقط، لكنه لا يسمي في كلامه ترك العمل بعد العلم كفر إعراض، وإنما يطلق عليه كفر عناد وهو نفسه كفر الإعراض من جهة التولي وترك العمل والامتناع ....\nكذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية﵀- كفر الإعراض المنافي لقول القلب حيث قال: (والكفر أعم من التكذيب فكل من كذب الرسول كافر، وليس كل كافر مكذبًا، بل من يعلم صدقه، ويقر به وهو مع ذلك يبغضه أو يعاديه كافر، أو من أعرض فلم يعتقد لا صدقه ولا كذبه كافر وليس بمكذب) (١).\nوكذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب﵀- ذكر ضمن نواقض الإسلام (العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢] (٢)، فالإمام كما يبدو من كلامه يعتبر جهل أصول الدين والإعراض عن تعلمه مع القدرة كفر أكبر وكذلك ترك العمل بعد ما يعلم.\nأما الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ﵀- فقد أجاب إجابة شاملة وموجزة حينما سئل عن الإعراض الناقض للإسلام، فقال: (إن أحوال الناس تتفاوت تفاوتًا عظيمًا وتفاوتهم بحسب درجاتهم في الإيمان إذا كان أصل الإيمان موجودًا والتفريط والترك إنما هو فيما دون ذلك من الواجبات والمستحبات، وأما إذا عدم الأصل الذي يدخل به الإسلام وأعرض عن هذا بالكليه، فهذا كفر إعراض، فيه قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: ١٧٩]، وقوله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: ١٢٤]، ولكن عليك أن تعلم أن المدار على معرفة حقيقة الأصل وحقيقة القاعدة وإن اختلف التعبير واللفظ) (٣).\nفالشيخ عبد اللطيف - ﵀ - بين ووضح أنه إذا اختل الأصل (أي أصل الإيمان ...) بالإعراض التام عن قول القلب أو عمله، أو قول اللسان أو جنس عمل الجوارح فهذا هو الإعراض الناقض لأصل الإيمان، أما ترك الواجبات والمستحبات والإعراض عن فعلها فلا يعد ضمن الإعراض المكفر، ويلاحظ في كلام الشيخ أنه لم يذكر ترك الأركان ضمن الإعراض غير الناقض ولعل ذلك للخلاف المشهور حول حكم تارك الأركان، وخاصة الصلاة.\n_________\n(١) «التسعينية» (٥/ ١٦٦).\n(٢) «الرسائل الشخصية» (ص: ٢١٤).\n(٣) «منهاج أهل الحق والاتباع» (ص: ٦٤، ٦٥)، للشيخ سليمان بن سحمان انظر «منهاج التأسيس والتقديس» (ص: ٢٢٧، ٢٢٨)، للشيخ عبد اللطيف.","vol":"6","page":379},{"text":"كذلك من صور الإعراض المكفر، الإعراض عن حكم الله ﷿ ورسوله ﷺ، قال تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور: ٤٧ - ٥١]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀- في تعليقه على هذه الآيات: (فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين وليس بمؤمن، وإن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا، فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة فكيف بالنقض والسب ونحوه) (١)، فشيخ الإسلام يبين أن الإيمان يزول بمجرد الإعراض والترك المحض لحكم الرسول ﷺ، حتى لو لم يقترن بهذا الترك استحلال أو جحود والله أعلم.\nوقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء: ٦١]، قال الإمام ابن القيم في معنى هذه الآية: (فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه والتسليم لما حكم به رضى واختيار ومحبة فهذا حقيقة الإيمان، وذلك الإعراض حقيقة النفاق ...) (٢).\nوإذًا نستخلص من كلام الأئمة في تفسيرهم للآيات وكلامهم عن كفر الإعراض أن الإعراض الناقض للإسلام هو إعراض عن أصل الإيمان، إما أن يعرض إعراضًا تامًا عن تعلم أصول الدين مع قدرته على ذلك أو عن قبولها والانقياد القلبي لها، أو يعرض إعراضًا تامًا عن العمل بالجوارح (أن يترك جنس العمل)، أو يعرض عن حكم الله ورسوله. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي– ٢/ ١٢١\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص: ٣٩).\n(٢) «مختصر الصواعق المرسلة» (٣/ ٣٥٣) انظر «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٥٥٧).","vol":"6","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1861>المطلب الخامس: الشك في حكم من أحكام الله أو خبر من أخباره</span>\nذكر علماء السنة أن من شروط لا إله إلا الله (اليقين المنافي للشك)، واستدلوا لذلك بنصوص كثيرة منها قوله ﷺ «... أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما غير شاك فيهما إلا دخل الجنة» (١) وقوله ﷺ لأبي هريرة «اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة» (٢)، قال الشيخ حافظ حكمي – ﵀ - موضحًا هذا الشرط: (بأن يكون قائلها مستيقنًا بمدلول هذه الكلمة يقينًا جازمًا، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، فكيف إذا دخله الشك، قال الله - ﷿ -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥]، فاشترط في الصدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، (٣) أي: لم يشكوا، فأما المرتاب فهو من المنافقين- والعياذ بالله- الذين قال الله تعالى فيهم: إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [التوبة: ٤٥]، ثم ذكر الحديثين السابقين وعلق عليهما قائلًا: (فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنًا بها قلبه غير شاك فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط) (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم، (٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٣١).\n(٣) الريب والريبة: الشك والظن والتهمة قال القتيبي: الريبة والريب: الشك، لا ريب فيه: لا شك فيه، قال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ *البقرة: ٢* أي لا شك فيه، «لسان العرب» (١/ ٤٤٢)، قال ابن أبي حاتم: (لا أعلم في هذا خلافًا) «تفسير ابن كثير» (١/ ٧١) انظر «تفسير الطبري» (١/ ٢٢٨، ٢٢٩) تحقيق أحمد شاكر.\n(٤) «معارج القبول» (١/ ٣٧٨، ٣٧٩).","vol":"6","page":381},{"text":"قال الإمام ابن القيم – ﵀ – موضحًا منزلة اليقين وأهميتها، ومعارضتها لكل شك وريب: (فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصديقية، وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورًا وإشراقًا، وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط) ثم ذكر من تعريفات اليقين (المكاشفة، وهو على ثلاثة أوجه: مكاشفة في الأخبار، ومكاشفة بإظهار القدرة، ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان، ومراد القوم بالمكاشفة: ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين، فلا يبقى معه شك ولا ريب أصلًا، وهذا نهاية الإيمان، وهو مقام الإحسان) (١)، إذًا هناك ترابط بين اليقين والإحسان، فغاية اليقين، هي الإحسان، لكن الإحسان في عمل الجوارح، واليقين في عمل القلب، وكذلك هناك ترابط بين العلم واليقين، فالعلم أول اليقين (٢)، وليس مقصودنا هنا الكلام عن اليقين وأنواعه ودرجاته، وإنما المقصود الإشارة إلى اليقين الذي هو شرط في الإيمان والنجاة في الآخرة، وكذلك الكلام عن الشك الذي هو ناقض من نواقض أصل الإيمان، فأما اليقين الذي هو شرط في صحة الإيمان فهو حقيقة العلم بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومن ثم ذكر بعض العلماء (العلم) شرطا مستقلا من شروط الشهادتين مستدلين بقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [محمد: ٩١]، وقول النبي ﷺ: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٣) فمن شك في الله أو في رسوله وما جاء به عن الله فهو كافر لا شهادة له ولا إيمان (٤)، فالشك نقيض اليقين (٥)، (وهو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول ﷺ ولا بكذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه ..) (٦).\nقال الإمام ابن القيم – ﵀ – في معرض كلامه عن أنواع الكفر الأكبر: (أما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا يكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول ﷺ جملة، فلا يسمعها ولا يلتفت إليها، وأما مع التفاته إليها ونظره فيها، فإنه لا يبقى معه شك ...) (٧).\nفكفر الشك – كما يظهر من كلام الأئمة، يشبه كفر الإعراض، إلا أن كفر الإعراض يتعلق بعمل القلب فلا يلزم أن يكون صاحبه جاهلًا، أما كفر الشك فيتعلق بقول القلب بسبب اختلال شرط العلم والله أعلم.\nبعض الأمثلة التي ذكرها العلماء حول كفر الشك:\n_________\n(١) «مدراج السالكين» (٢/ ٤١٣ - ٤١٥).\n(٢) انظر إيضاح لذلك في رسالة د. سفر الحوالي «ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي» رسالة دكتوراة، مطبوع على الآلة الكاتبة، (ص: ٤٣٢، ٤٣٤).\n(٣) رواه مسلم (٢٦) من حديث عثمان ﵁.\n(٤) انظر «ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي» سفر الحوالي (ص: ٤٣١ – ٤٣٢).\n(٥) انظر «لسان العرب» (١٠/ ٤٥١).\n(٦) «الضياء الشارق» (ص: ٣٧٤) لسليمان بن سحمان.\n(٧) «مدارج السالكين» (١/ ٣٦٧).","vol":"6","page":382},{"text":"منها الشك في صدق الرسول ﷺ أو الشك في البعث، أو الشك في كفر الكافر، أو الشك في شيء من القرآن أو الشك في حكم من الأحكام، قال القاضي عياض - ﵀ - عند كلامه عن بعض المكفرات: (وكذلك من أضاف إلى نبينا الكذب فيما بلغه وأخبر به، أو شك في صدقه، أو سبه ... فهو كافر بإجماع (١). وقال أيضًا: (... ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهار ما أظهره من خلاف ذلك) (٢)، وقال: (اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه، أو سبهما، أو جحده، أو حرف منه آية، أو كذب به أو بشيء منه، أو كذب بشيء مما حرم به من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم بذلك، أو شك في شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع) (٣).\nوذكر شيخ الإسلام حكم من لم يكفر الكافر سواء كان كافرًا أصليًّا كاليهود والنصارى، أو من ثبت كفره يقينًا كالباطنية فقال – ﵀ – في رده على أهل الحلول والاتحاد: (وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى، وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال النصارى، ولهذا يقولون بالحلول تارة، وبالاتحاد أخرى، وبالوحدة تارة، فإنه مذهب متناقض في نفسه، ولهذا يلبسون على من لم يفهمه، فهذا كله كفر باطنًا وظاهرًا بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر، كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين) (٤)، وقال في بيان حكم من زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا أو أنهم فسقوا عامتهم، قال: (فهذا لا ريب – أيضا- في كفره لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفره مثل هذا فإن كفره متعين ...) (٥).\nوذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – من نواقض الإسلام: (الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إجماعًا) (٦)، وقال الإمام سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – ﵏ -: (... فإن كان شاكًا في كفرهم أو جاهلًا بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على كفرهم، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر) (٧). وقال الشيخ ابن سحمان – ﵀ -: (وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول ﷺ ولا كذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه، ونحو ذلك كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولا عدم تحريمه، وهذا كفر بإجماع العلماء) (٥).\nوفي آخر هذا المبحث نشير إلى فائدتين هامتين ... وقد ذكرهما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\nالأولى: التنبيه إلى الفرق بين الشك والوسوسة، (فالوسوسة هي مما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان، فإذا كرهه العبد ونفاه كانت كراهته صريح الإيمان) (٨)، أما الشاك فيما جاء به الرسول ﷺ، فهو تارك للإيمان الذي لا نجاة ولا سعادة إلا به.\nالثانية: مر معنا في أول هذا المبحث أن معنى الريب: الشك هذا من حيث الإجمال، ويذكر شيخ الإسلام فرقًا دقيقًا بين الريب والشك، فيقول: (والريب يكون في علم القلب وفي عمل القلب، بخلاف الشك، فإنه لا يكون إلا في العلم، ولهذا لا يوصف باليقين إلا من اطمأن قلبه علمًا وعملًا) (٩)، وبذلك يكون الشك أخص من الريب، ويكون الشاك كافرًا بسبب الإخلال بشرط العلم الذي هو أصل قول القلب، والله أعلم. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي-بتصرف- ٢/ ٦٩\n_________\n(١) «الشفا» (٢/ ١٠٦٩).\n(٢) «الشفا» (٢/ ١٠٧١).\n(٣) «الشفا» (٢/ ١١٠١).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٣٦٨).\n(٥) «الصارم المسلول» (ص: ٥٩١، ٥٩٢).\n(٦) مجموعة الشيخ «الرسائل الشخصية» (ص: ٢١٣).\n(٧) رسالة «أوثق عرى الإيمان»، «الجامع الفريد» (ص: ٣٧٠).\n(٨) «الضياء الشارق» (ص: ٣٧٤).\n(٩) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٠٨) وانظر «الإيمان» (ص: ٢٦٨).","vol":"6","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1863>المطلب الأول: كفر الإباء والاستكبار</span>\nومن الكفر المناقض لعمل القلب كفر الإباء والاستكبار والامتناع (١) ككفر إبليس، وفرعون، واليهود حيث إنهم عرفوا الحق فلم ينقادوا ويستسلموا له، قال تعالى في حكاية حال إبليس لما أمر بالسجود وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤]، فهل جحد إبليس ربه؟ وهو يقول: قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: ٣٩]، ويقول: قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر: ٣٦] إيمانًا منه بالبعث، وإيمانًا بنفاذ قدرته، في إنظاره إياه إلى يوم البعث، أو هل جحد أحدًا من أنبيائه، وأنكر شيئًا من سلطانه، وهو يحلف بعزته؟! وهل كان كفره إلا بترك سجدة واحدة، أمره بها، فأباها!! (٢).\nقال شيخ الإسلام عن هذا الكفر: (وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر، وكان من الكافرين، فكفره بالإباء والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأجل تكذيب، وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا ...) (٣).\nوقال الإمام ابن القيم – ﵀ – عند كلامه عن أنواع الكفر الأكبر (... وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباء واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل ...) (٤)، إذ وجه كون الإباء والاستكبار كفرًا، مناقضته للانقياد والاستسلام الذي هو أساس عمل القلب وأصله، قال شيخ الإسلام – ﵀ -: (وكلام الله خبر وأمر، فالخبر يستوجب تصديق المخبر، والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب جِمَاعُه الخضوع والانقياد للأمر وإن لم يفعل المأمور به، فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو الطمأنينة والإقرار ...) (٥). وقال موضحًا إيمان القلب: (إن الإيمان قول وعمل – أعني في الأصل – قولًا في القلب، وعملًا في القلب، فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره، فيصدق القلب أخباره تصديقًا يوجب حالًا في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو نوع من العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو نوع من الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين، فمتى ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا ...) (٦).\nوقال الشيخ حافظ حكمي – ﵀ – عن هذا النوع: (... وإن انتفى عمل القلب، وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار، ككفر إبليس، وكفر غالب اليهود الذين شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه أمثال حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف وغيرهم، وكفر من ترك الصلاة عنادًا واستكبارًا، ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب) (٧)، فهذا النوع لا خلاف ولا إشكال في تكفير من وقع فيه – سواء كان فردًا أو طائفة – لأن الاستكبار ينافي حقيقة الإسلام وهو الاستسلام لله بالطاعة والانقياد له بالتوحيد والخلوص من الشرك. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي-١/ ٣٨٧\n_________\n(١) لا يلزم الترابط التام بين الإباء والاستكبار والامتناع في كل الأحوال، فقد يوجد إباء وامتناع دون استكبار، ولذلك سنبحث أولا الإباء والامتناع مع الاستكبار، ثم الإباء والامتناع بدون استكبار.\n(٢) «تعظيم قدر الصلاة» للمروزي (١/ ٣٩٤، ٣٩٥).\n(٣) «الإيمان الأوسط» (ص: ٧٦)، وانظر (الفتاوى) (٢٠/ ٩٧) و(العبودية) (ص: ١١٠).\n(٤) «مدارج السالكين» (١/ ٣٦٦).\n(٥) «الصارم المسلول» (ص: ٥٢١).\n(٦) «الصارم المسلول» (ص: ٥٢٢).\n(٧) «معارج القبول» (٢/ ٢٢، ٢٣).","vol":"6","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1864>المطلب الثاني: الشرك الأكبر بعمل القلب</span>\nقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي في بيان حد الشرك الأكبر: إنَّ حدَّ الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده: (أن يصرِفَ العبد نوعًا أو فردًا من أفراد العبادة لغير الله) فكلُّ اعتقادٍ أو قولٍ أو عملٍ ثبت أنَّه مأمورٌ به من الشَّارع فصرفُه لله وحده توحيدٌ وإيمانٌ وإخلاصٌ، وصرفُه لغيره شركٌ وكفرٌ. فعليك بهذا الضَّابط للشِّرك الأكبر الَّذي لا يشذُّ عنه شيءٌ القول السديد لعبد الرحمن السعدي – ص: ٥٤\nوهذه صور لما يلحق أعمال القلب من الشرك الأكبر:\nفالإخلاص يضاده الإشراك فمن ليس مخلصًا، فهو مشرك، إلا أن الشرك درجات، وقد جرى العرف على تخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب، فإذا امتزج قصد التقرب بباعث آخر من رياء أو غيره من حظوظ النفس فقد خرج عن الإخلاص (١).\nإذ ينافي إخلاص النية والقصد لله ﷿ الشرك في النيات والإرادات، يقول الإمام ابن القيم – ﵀ -: (وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له وقل من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئًا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله تعالى بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) [آل عمران: ٨٥]) (٢).\n_________\n(١) «موعظة المؤمنين» (ص: ٤٢٧).\n(٢) «الجواب الكافي» (ص: ٢٠٠).","vol":"6","page":385},{"text":"لكن الشرك في النية والإرادة درجات، قد يكون شركًا أكبر وقد يكون دون ذلك، يقول الإمام ابن رجب – ﵀ – موضحًا ذلك: (واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضًا بحيث لا يراد سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله ﷿: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء: ١٤٢] وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه، وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة – ﵁ – عن النبي ﷺ قال: يقول الله ﵎: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (١)، وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره، فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بلا خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازي على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى (٢)، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره، فأما إذا عمل العمل لله خالصًا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير يحمده الناس عليه فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» (٣» (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٨٥).\n(٢) الخلاف والله أعلم في قبول العمل أو بطلانه، وليس في النقصان والخلل الحاصل بسبب الاسترسال في الرياء.\n(٣) رواه مسلم (٢٦٤٢).\n(٤) «جامع العلوم والحكم» (ص: ١٣ - ١٦) وانظر «معارج القبول» (١/ ٤٥٠ - ٤٥٤).","vol":"6","page":386},{"text":"ولخص ذلك الشيخ حافظ حكمي بعبارة أسهل ...، قال – ﵀ -: (ثم اعلم أن الرياء قد أطلق في كتاب الله كثيرًا، ويراد به النفاق الذي هو أعظم الكفر، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٦٤] وقال تعالى: وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا [النساء: ٣٨] والفرق بين هذا الرياء الذي هو النفاق الأكبر وبين الرياء الذي سماه النبي ﷺ شركًا أصغر خفيًّا هو حديث «الأعمال بالنيات ...» (١) فإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله والدار الآخرة وسلم من الرياء في فعله، وكان موافقًا للشرع فذلك العمل الصالح المقبول، وإن كان الباعث على العمل هو إرادة غير الله ﷿ فذلك النفاق الأكبر، سواء في ذلك من يريد به جاهًا ورئاسة وطلب دنيا، ومن يريد حقن دمه وعصمة ماله وغير ذلك، فهذان ضدان ينافي أحدهما الآخر لا محالة وإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله ﷿ والدار الآخرة، ولكن دخل عليه الرياء في تزيينه وتحسينه فذلك هو الذي سماه النبي ﷺ الشرك الأصغر، وهذا لا يخرج من الملة، ولكنه ينقص من العمل بقدره، وقد يغلب على العمل فيحبطه كله والعياذ بالله) (٢)، خلاصة ما سبق في شرك النية والإرادة والقصد: أن من أراد بعمله غير الله ﷿ فذلك شرك أكبر، وإن أراد بالعمل وجه الله ﷿ ولكن دخل عليه الرياء في أصله فقد حبط العمل وهذا هو الشرك الأصغر، أما إن طرأت عليه نية الرياء فقد نقص أجر عمله بحسب ذلك، ولنضرب لذلك مثالًا واحدًا يتضح من خلاله المقصود. عبادة النسك والذبح يجب أن تكون خالصة لله سبحانه، فمن قصد بذبحه غير الله فقد أشرك الشرك الكبر، ومن قصد الله ﷿، ولكن دخل الرياء في أصل نيته فقد بطل أجر هذا العمل، وإن طرأ الرياء عليه، فقد نقص من أجره بحسب ذلك، وهذا يرد على جميع العبادات من الأقوال والأفعال فالشرك فيها بحسب النية والقصد، وبذلك ندرك خطورة الشرك في ذلك، وضرورة توقيه.\nشرك المحبة:\nلما كانت المحبة أصل كل عمل من أعمال القلب والجوارح، كان الإشراك في المحبة، أصل كل إشراك عملي (٣)، فأصل الشرك في المشركين هو اتخاذهم أندادًا يحبونهم كحب الله (٤).\nقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة: ١٦٥].\n_________\n(١) رواه البخاري (١).\n(٢) «معارج القبول» (١/ ٤٥٣،٤٥٤).\n(٣) انظر «قاعدة في المحبة» (٦٩).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٧٥٤).","vol":"6","page":387},{"text":"يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: (يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، وما لهم في الدار الآخرة حيث جعلوا له أندادًا أي أمثالًا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه وهو الله لا إله إلا هو ولا ضد له ولا ند له ولا شريك معه، وفي (الصحيحين) عن عبدالله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» (١)، وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة: ١٦٥] ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له لا يشركون به شيئًا بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه ويلجأون في جميع أمورهم إليه) (٢). قال الإمام ابن القيم – ﵀ – في تعريف هذا الشرك: (الشرك بالله في المحبة والتعظيم بأن يحب مخلوقًا كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة: ١٦٥] وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم، وقد جمعتهم الجحيم: تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والملك، والقدرة، وإنما سووهم به في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل ...) (٣).\nوقال الإمام محمد بن عبدالوهاب – ﵀ -: (ومن الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: آية البقرة في الكفار الذين قال الله تعالى فيهم وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: ١٦٧] وذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبًّا عظيمًا، فلم يدخلوا في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده؟) (٤).\nولو طبقنا ما سبق على الشرك العملي المتعلق بعمل الجوارح من مثل دعاء الأموات والاستغاثة بهم، أو إيجاب طاعة غير الله ﷿ ورسوله ﷺ في كل ما يأمر به أو ينهى عنه، لوجدنا أن ذلك يرجع في الحقيقة إلى الإشراك في المحبة، يقول شيخ الإسلام – ﵀ – في ذلك: (فمن رغب إلى غير الله في قضاء حاجة أو تفريج كربة، لزم أن يكون محبًّا له، ومحبته هي الأصل في ذلك) (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٧٧) ومسلم (٨٦).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ٢٠٢).\n(٣) «الجواب الكافي» (ص: ١٩٥)، وانظر «مدارج السالكين» (١/ ٣٦٨، ٣/ ٢٠٠، ٢١) و«إغاثة اللهفان» (٢/ ١٩٣).\n(٤) «فتح المجيد» (ص: ١١٤).\n(٥) «فتح المجيد» (ص: ١١٤).","vol":"6","page":388},{"text":"ويقول أيضًا: (فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه، وإن خالف أمر الله ورسوله فقد جعله ندًّا، وربما صنع به كما تصنع النصارى بالمسيح، يدعوه ويستغيث به، ويوالي أولياءه، ويعادي أعداءه مع إيجابه طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه ويحلله ويحرمه، ويقيمه مقام الله ورسوله فهذا من الشرك الذي يدخل أصحابه في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة: ١٦٥]) (١).\nوقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن في بيان ذلك: (فكل من اتخذ ندًّا لله يدعوه من دون الله ويرغب إليه ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته وتفريج كرباته كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام فلابد أن يعظموهم ويحبوهم لذلك، فإنهم أحبوهم مع الله وإن كانوا يحبون الله تعالى، ويقولون لا إله إلا الله ويصلون ويصومون، فقد أشركوا في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره، فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه وكل عمل يعملونه، لأن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يصح منه، وهؤلاء وإن قالوا لا إله إلا الله فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة) (٢)، إذًا يمكن أن نستخلص مما سبق ما يلي: أن الشرك بعمل الجوارح يرجع في الحقيقة إلى عمل القلب، فكما ذكرنا في شرك النية والقصد دخول ذلك في جميع العبادات إذا قصد بها غير الله، يمكن أن نقول هنا، إن صرف أي نوع من العبادات لغير الله (كالدعاء والطاعة)، هو في الأصل بسبب المحبة لذلك الغير فلابد، من إخلاص القصد والمحبة لله وحده، ومحبة غيره تبع لمحبته. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي - بتصرف– ٢/ ١٩٥\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٦٧).\n(٢) «فتح المجيد» (ص: ١٠٦).","vol":"6","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1865>المبحث الثالث: أمثلة أخرى لنواقض الإيمان بالاعتقاد</span>\nومن نواقض الإيمان الاعتقادية أيضا والتي تكون بمجرد اعتقاد القلب، وإن لم يتكلم بها، وإن لم يفعل شيئًا منها:\n١ - الجحد، أو الشك في وجود الله ﷾، أو الاعتقاد بأن لله تعالى شريكًا في ربوبيته جل وعلا.\n٢ - التكذيب أو الشك في رسالة محمد ﷺ وجحد عموم رسالته، وختمه للنبوة، أو إنكار بعض ما أخبر به الرسول ﷺ أو الطعن فيه بعد ثبوته.\n٣ - الاعتقاد بأن الرسول ﷺ كتم شيئًا مما أوحى الله تعالى إليه وهو مأمور بتبليغه، أو بلغه لبعض المسلمين دون بعض.\n٤ - التكذيب أو الشك في شيء من أركان الإسلام الخمسة، أو أركان الإيمان الستة، أو الجنة أو النار، أو الثواب والعقاب، أو الجن أو الملائكة، أو شيء مما هو مجمع عليه؛ كالإسراء والمعراج، وغيرها.\n٥ - إنكار شيء من القرآن، أو اعتقاد زيادة فيه، أو الاعتقاد أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وأن باطنه يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن مخصوص للبعض دون بعض.\n٦ - الإيمان بشريعة غير الإسلام، واعتقاد صلاحيتها للبشر، والعمل بها، وتطبيقها.\n٧ - اعتقاد عدم كفر الكفار من الملحدين والمشركين والمرتدين، أو الشك في كفرهم، أو موالاتهم على حساب الدين.\n٨ - الاعتقاد بأن الكنائس بيوت الله – جل وعلا – وأن الله تعالى يعبد فيها، وأن ما يفعله اليهود والنصارى عبادة لله، وطاعة له - سبحانه – ولأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام.\n٩ – جحد وجوب شيء معلوم من الدين بالضرورة؛ كالصلوات الخمس، والزكاة، والصوم، والحج وغيرها.\n١٠ - اعتقاد تحريم مباح معلوم من الدين بالضرورة؛ كالبيع والنكاح، أو اعتقاد إباحة محرم معلوم من الدين بالضرورة؛ كالقتل، والزنا، والربا، أو إعطاء غير الله تعالى حق الأمر والنهي، وحق التحليل والتحريم، وحق التشريع، أو اعتقاد جواز الاحتكام إلى غيره تعالى.\n١١ - تكذيب واحد من رسل الله تعالى، في أي أمر من الأمور الثابتة عنهم.\n١٢ - ادعاء النبوة، أو تصديق من يدعيها.\n١٣ - الاعتقاد بأن البعض يسعه الخروج عن شريعة الإسلام، وأنه يجوز للشخص أن يلتزم بدين آخر غير الإسلام.\n١٤ - الاعتقاد بأن جمهور الصحابة – ﵃ – ارتدوا، أو فسقوا؛ بعد وفاة النبي ﷺ.\n١٥ - الرضا بالكفر، والعزم على الكفر، أو تعليق الكفر بأمر مستقبل.\n١٦ - من ضحك لمن تكلم بالكفر مع الرضا به.\n١٧ - من شك في كفر من عمل الأعمال المكفرة الظاهرة التي استبان دليلها واتفق أئمة أهل السنة والجماعة عليها. الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري- ص ٢٩٤","vol":"6","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1868>المطلب الأول: حكم سب الله تعالى أو الاستهزاء به:</span>\nحكى غيرُ واحدٍ الإجماع على أنَّ سبَّ اللهِ ورسولِه كفرٌ مخرج من الملة، ومن هؤلاء: الإمام إسحاق بن راهويه ومحمد بن سحنون وغيرهما. فظنَّ بعض الناس أنَّ الكفرَ العمليَّ لا يخرج صاحبه من الإسلام وأنَّ سبَّ الله ورسوله مستثنى من ذلك ... ومن فرَّق بين سبِّ الله أو رسوله وبين أي قولٍ أو عملٍ أجمع المسلمون أنه كفر كالذبح لغير الله أو السجود لصنمٍ أو نحو ذلك فعليه الدليل. فلا يظنُّ ظانٌّ أَنَّ في المسألة خلافًا يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد، إذ لا يستطيع أحدٌ أَنْ يحكي عن واحدٍ من علماء أهل السنة والجماعة خلاف ذلك البتَّةَ. التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو العمل أو الاعتقاد لعلوي بن عبد القادر السقاف-ص ١٢.\nقال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام: أجمع المسلمون على أن من سبَّ الله، أو سبَّ رسولَه - ﷺ - أو دفع شيئًا مما أنزل الله ﷿، أو قتل نبيًّا من أنبياء الله، أَنَّه كافر بذلك وإِنْ كان مُقِرًّا بكلِّ ما أنزل الله. الصارم المسلول لابن تيمية -٢/ ١٥\nوقال ابن قدامة: ومن سبَّ الله تعالى كفر، سواءً كان مازحًا أو جادًّا وكذلك من استهزأ بالله تعالى، أو بآياته أو برسله، أو كتبه، قال الله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. وينبغي أَنْ لا يُكْتَفى من الهازئ بذلك بمجرَّد الإسلام، حتى يؤدَّب أدبًا يزجره عن ذلك، فإنَّه إذا لم يُكتف مِمَّن سبَّ رسولَ الله ﷺ بالتوبة، فمِمَّن سبَّ الله تعالى أولى. المغني لابن قدامة -١٢/ ٢٩٨.\nوقال ابن تيمية: فإنَّا نعلم أَنَّ من سبَّ الله ورسولَه طوعًا بغير كَرْه، بل من تكلَّم بكلمات الكفر طائعًا غير مُكْرَهٍ، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافرٌ باطنًا وظاهرًا، وأنَّ من قال: إِنَّ مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنًا بالله وإِنَّما هو كافرٌ في الظَّاهر، فإنَّه قال قولًا معلوم الفساد بالضَّرورة من الدِّين، وقد ذكر الله كلماتِ الكفَّار في القرآن وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها ولو كانت أقوالهم الكفريَّة بمنزلة شهادةِ الشُّهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقِرُّ لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون صِدْقًا وقد تكون كَذِبًا، بل كان ينبغي أَنْ لا يعذِّبهم إلاَّ بشرط صِدْق الشَّهادة وهذا كقوله تعالى: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة: ٧٣] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: ١٧] وأمثال ذلك. مجموع الفتاوى لابن تيمية ٧/ ٧٥٧\nوقال أيضًا: (إنَّ من سبَّ الله أو سبَّ رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواءً كان السابُّ يعتقد أَنَّ ذلك محرَّم، أو كان مستحلًّا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنَّة القائلين بأنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ) الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية- ٣/ ٩٥٥","vol":"6","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1869>المطلب الثاني: هل من سب الله تقبل توبته وهل يستتاب كالمرتد</span>؟\nاعلم أن العلماء اختلفوا فيمن سب الله أو رسوله أو كتابه: هل تقبل توبته؟ على قولين:\nالقول الأول: أنها لا تقبل، وهو المشهور عن الحنابلة، بل يقتل كافرًا، ولا يصلَّى عليه، ولا يدعى له بالرحمة، ويدفن في محل بعيد عن قبور المسلمين، ولو قال: إنه تاب أو إنه أخطأ، لأنهم يقولون: إن هذه الردة أمرها عظيم وكبير لا تنفع فيها التوبة.\nوقال بعض أهل العلم: إنها تقبل إذا علمنا صدق توبته إلى الله، وأقر على نفسه بالخطأ، ووصف الله تعالى بما يستحق من صفات التعظيم، وذلك لعموم الأدلة الدالة على قبول التوبة، كقوله تعالى قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣] ومن الكفار من يسبون الله، ومع ذلك تقبل توبتهم\nوهذا هو الصحيح، إلا أن ساب الرسول ﷺ تقبل توبته ويجب قتله، بخلاف من سب الله، فإنها تقبل توبته ولا يقتل، لا لأن حق الله دون حق الرسول ﷺ، بل لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد إليه بأنه يغفر الذنوب جميعًا، أما ساب الرسول ﷺ، فإنه يتعلق به أمران:\nالأول: أمر شرعي لكونه رسول الله ﷺ، ومن هذا الوجه تقبل توبته إذا تاب.\nالثاني: أمر شخصي لكونه من المرسلين، ومن هذا الوجه يجب قتله لحقه ﷺ ويقتل بعد توبته على أنه مسلم، فإذا قتل، غسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين.\nوهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ألف كتابًا في ذلك اسمه: (الصارم المسلول في حكم قتل ساب الرسول) أو: (الصارم المسلول على شاتم الرسول)، وذلك لأنه استهان بحق الرسول ﷺ، وكذا لو قذفه، فإنه يقتل ولا يجلد.\nفإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول ﷺ وقبل منه وأطلقه؟\nأجيب: بلى، هذا صحيح لكن هذا في حياته ﷺ، وقد أسقط حقه، أما بعد موته، فلا ندري، فننفذ ما نراه واجبًا في حق من سبه ﷺ.\nفإن قيل: احتمال كونه يعفو عنه أو لا يعفو موجب للتوقف؟\nأجيب: إنه لا يوجب التوقف، لأن المفسدة حصلت بالسب، وارتفاع أثر هذا السب غير معلوم، والأصل بقاؤه.\nفإن قيل: أليس الغالب أن الرسول ﷺ عفا عمن سبه؟\nأجيب: بلى، وربما كان في حياة الرسول ﷺ إذا عفا قد تحصل المصلحة ويكون في ذلك تأليف، كما أنه ﷺ يعلم أعيان المنافقين ولم يقتلهم، لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، لكن الآن لو علمنا أحدًا بعينه من المنافقين لقتلناه، قال ابن القيم: إن عدم قتل المنافق المعلوم إنما هو في حياة الرسول ﷺ فقط. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين – ٣/ ٣٣٠\nوقال شيخ الإسلام:\nثم اختلف أصحابنا وغيرهم في قبول توبته يعني من سب الله تعالى، بمعنى أنه هل يستتاب كالمرتد ويَسقط عنه القتل إذا أظهر التوبةَ من ذلكَ بعد رفعه إلى السلطانِ وثبوت الحد عليه؟ على قولين:","vol":"6","page":392},{"text":"أحدهما: أنه بمنزلةِ سابِّ الرسول، فيه الروايتان كالروايتين في سابِّ الرسولِ، هذه طريقةُ أبي الخطاب وأكثر من احْتَذَى حَذْوَهُ من المتأخرين، وهو الذي يدلُّ عليه كلام الإمام أحمد حيث قال: (كل من ذكر شيئًا يُعَرِّض بذكر الربِّ ﵎ فعليه القتل، مسلمًا كان أو كافرًا، وهذا مذهب أهل المدينة)، فأطلق وجوب القتل عَلَيْهِ، ولم يذكر استتابته، وذكر أنه قول أهل المدينة، ومن وجب عليه القتلُ لم يسقط بالتوبةِ، وقول أهل المدينة المشهورُ أنه لا يَسقط القتلُ بتوبته، ولو لم يرد هذا لم يخصه بأهل المدينة، فإن الناس مجمعون على أن من سب الله تعالى من المسلمين يُقتل، وإنما اختلفوا في توبته، فلما أخَذ بقول أهل المدينة في المسلم كما أخذ بقولهم في الذمي عُلم أنه قَصَد محل الخلافِ بين المدنيين والكوفيين في المسألتين، وعلى هذه الطريقة فظاهر المذهب أنه لا يسقط القتلُ بإظهارِ التوبةِ بعد القدرةِ عليهِ، كما ذكرناه في ساب الرسول.\nوأما الرواية الثانية فإن عبدالله قال: سئل أبي عن رجلٍ قال (يا ابن كذا وكذا أنت ومَن خَلَقَك\" قال أبي: هذا مرتدٌّ عن الإسلام، قلت لأبي: تُضربُ عنقهُ؟ قال: نعم، نضربُ عنقه، فجعله من المرتدين).\nوالرواية الأولى قول الليث بن سعد وقولُ مالك، روى ابنُ القاسم عنه قال: (مَنْ سَبَّ الله تعالى من المسلمين قُتل ولم يُستتب، إلا أن يكون افترى على اللهِ بارتداده إلى دينٍ دان به وأظهره فيُستتابُ، وإن لم يُظهِره لم يُستتب، وهذا قول ابن القاسم، ومطرف، وعبدالملك، وجماهير المالكية).\nوالثاني: أنه يستتاب وتقبلُ توبتهُ بمنزلة المرتد المَحْضِ، وهذا قولُ القاضي أبي يعلى، والشريف أبي جعفر، وأبي علي بن البناءِ، وابن عقيلٍ، مع قولهم: إن من سب الرسولَ لا يستتابُ، وهذا قول طائفةٍ من المدنيين: منهم محمد بن مسلمة، والمخزومي، وابن أبي حازمٍ، قالوا: (لا يقتل المسلم بالسب حتى يُستتاب، وكذلك اليهودي والنصراني، فإن تابوا قُبِل منهم، وإن لم يتوبوا قُتلوا، ولا بد من الاستتابة، وذلك كلهُ كالردةِ)، وهو الذي ذكرهُ العراقيون من المالكية.\nوكذلك ذكر أصحابُ الشافعي ﵁، قالوا: سب الله ردةٌ، فإذا تاب قُبلت توبته، وفَرَّقوا بينه وبين سبِّ الرسول على أحد الوجهين: وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة أيضًا.","vol":"6","page":393},{"text":"وأما من استتاب السابَّ للهِ ولرسولهِ فمأخذهُ أن ذلك من أنواعِ الردة، ومن فَرَّق بين سب الله والرسولِ قال: سب الله تعالى كفرٌ محضٌ، وهو حقٌّ لله، وتوبةُ من لم يصدر منه إلا مجردُ الكفرِ الأصلي أو الطارئ مقبولةٌ مُسقِطةٌ للقتل بالإجماع، ويدلُّ على ذلك أن النصارى يسبون الله بقولهم: هو ثالث ثلاثةٍ، وبقولهم: إن له ولدًا، كما أخبر النبي ﷺ عن الله ﷿ أنه قال: «شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، وكذَّبَنِي ابنُ آدَمَ، ومَا ينبغي لهُ ذلكَ، فأمَّا شَتْمُهُ إيَّاي فقولُهُ: إنَّ لِيْ وَلَدًا، وَأنا الأَحَدُ الصَّمَدُ» (١) وقال سبحانه: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ إلى قوله: أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة: ٧٤ - ٧٣]، وهو سبحانه قد عُلِم منه أنه يُسقط حقه عن التائب، فإن الرجل لو أَتَى من الكفر والمعاصي بملء الأرض ثم تاب تَاب الله عليه، وهو سبحانه لا تلحقه بالسب غضاضةٌ ولا مَعَرَّةٌ، وإنما يعودُ ضرر السب على قائله، وحرمته في قلوبِ العباد أعظم من أن يهتكها جرأةُ السابِّ، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الرسول، فإن السبَّ هناك قد تعلق به حقُّ آدمي، والعقوبة الواجبة لآدمي لا تسقط بالتوبة، والرسول تلحقه المعرَّة والغَضَاضة بالسب، فلا تقومُ حرمته وتثبتُ في القلوب مكانته إلا باصطلام سابه، لما أن هَجوه وشتمه ينقص من حرمته عند كثير من الناس، ويقدح في مكانه في قلوب كثيرةٍ، فإن لم يُحفظ هذا الحمى بعقوبة المنتهك وإلا أفضى الأمر إلى فسادٍ.\nوهذا الفرق يتوجه بالنظر إلى أن حدَّ سب الرسولِ حقٌّ لآدمي، كما يذكره كثيرٌ من الأصحاب، وبالنظر إلى أنه حقٌّ لله أيضًا، فإن ما انتهكه من حرمة الله لا ينجبر إلا بإقامة الحد، فأشبه الزاني والسارق والشارب إذا تابوا بعد القدرة عليهم.\nوأيضًا، فإن سب الله ليس له داعٍ عقلي في الغالب، وأكثر ما هو سبٌّ في نفس الأمر إنما يصدرُ عن اعتقادٍ وتدينٍ يُراد به التعظيم لا السب، ولا يَقْصد الساب حقيقة الإهانة لعلمه أن ذلك لا يؤثر، بخلاف سب الرسول، فإنه في الغالب إنما يُقصد به الإهانة والاستخفاف، والدواعي إلى ذلك متوفرةٌ من كلِّ كافرٍ ومنافقٍ، فصار من جنس الجرائم التي تدعو إليها الطباعُ، فإن حدودها لا تسقطُ بالتوبةِ، بخلاف الجرائم التي لا داعي إليها.\nونكتة هذا الفرق أن خصوص سب الله تعالى ليس إليه داعٍ غالب الأَوْقَاتِ، فيندرج في عموم الكفر، بخلاف سب الرسول، فإن لخصوصه دواعي متوفرةً، فناسب أن يشرع لخصوصه حدٌّ، والحدُّ المشروع لخصوصه لا يَسقط بالتوبة كسائر الحدود، فلما اشتمل سبُّ الرسول على خصائص من جهة توفر الدواعي إليه، وحرص أعداء الله عليه، وأن الحرمةَ تنتهك به انتهاك الحرماتِ بانتهاكها، وأن فيه حقًّا لمخلوق تحتمت عقوبته، لا لأنه أغلظ إثمًا من سب الله، بل لأن مفسدته لا تنحسم إلا بتحتم القتل.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٩٣) من حديث أبي هريرة ﵁، بدون «وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد».","vol":"6","page":394},{"text":"ألا ترى أنه لا ريب أن الكفر والردة أعظم إثمًا من الزنى والسرقة وقطع الطريق وشرب الخمر، ثم الكافر والمرتد إذا تابا بعد القدرة عليهما سقطت عقوبتهما، ولو تاب أولئك الفساق بعد القدرة لم تسقط عقوبتهم، مع أن الكفر أعظم من الفسق، ولم يدل ذلك على أن الفاسق أعظم إثمًا من الكافر؟ فمن أخذ تحتم العقوبة وسقوطها من كِبَرِ الذنب وصغره فقد نَأَى عن مسالك الفقه والحكمة.\nويوضح ذلك أنا نقرُّ الكفار بالذمة على أعظم الذنوب، ولا نقرُّ واحدًا منهم ولا من غيرهم على زنىً ولا سرقةٍ ولا كبير من المعاصي الموجبة للحدود، وقد عاقب الله قوم لوطٍ من العقوبات بما لم يعاقبه بشرًا في زمنهم لأجل الفاحشة، والأرض مملوءةٌ من المشركين وهم في عافيةٍ، وقد دُفن رجلٌ قَتَلَ رَجلًا على عهد النبي ﷺ مراتٍ والأرض تَلفِظُهُ في كلِّ ذلك، فقال النبي ﷺ: «إِنَّ الأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَلكِنَّ اللهَ أَرَاكُمْ هذَا لِتَعْتَبِرُوا» (١) ولهذا يعاقب الفاسق المِلِّي من الهجر والإعراض والجلد وغير ذلك بما لا يُعاقب به الكافرُ الذميُّ، مع أن ذلك أحسن حالًا عند الله وعندنا من الكافر.\nفقد رأيتَ العقوبات المقدرة المشروعة تتحتم حيث تؤخر عقوبةُ ما هو أشد منها، وسبب ذلك أن الدنيا في الأصل ليست دار الجزاء، وإنما الجزاءُ يوم الدين، يوم يدينُ الله العباد بأعمالهم: إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، لكن ينزل الله سبحانه من العقاب ويشرع من الحدود بمقدار ما يزجر النفوس عما فيه فسادٌ عامٌّ لا يختصُّ فاعله، أو ما يطهر الفاعل من خطيئته، أو لتغلظ الجرم، أو لما يشاء سبحانه، فالخطيئة إذا خِيف أن يتعدى ضررها فاعلها لم تنحسم مادتها إلا بعقوبةِ فاعلها، فلما كان الكفر والردةُ إذا قُبلت التوبة منه بعد القدرةِ لم تترتب على ذلك مفسدةٌ تتعدى التائب وجب قبولُ التوبةِ، لأن أحدًا لا يريدُ أن يكفر أو يرتد ثم إذا (أُخِذَ) أظهر التوبة لعلمه أن ذلك لا يُحَصِّل مقصوده، بخلاف أهل الفسوق فإنه إذا أُسقطت العقوبة عنهم بالتوبة كان ذلك فتحًا لباب الفسوق، فإن الرجل يعمل ما اشتهى، ثم إذا أُخذ قال: إني تائبٌ، وقد حصل مقصوده من الشهوة التي اقتضاها، فكذلك سبُّ الله هو أعظم من سب الرسول، لكن لا يخاف أن النفوس تتسرعُ إلى ذلك إذا استُتيب فاعله وعُرِضَ على السيف، فإنه لا يصدر غالبًا إلا عن اعتقادٍ، وليس للخَلْق اعتقادٌ يبعثهم على إظهار السبِّ لله تعالى، وأكثر ما يكون ضجرًا وتبرُّمًا وسفهًا، ورَوْعه بالسيف والاستتابةُ تكفُّ عن ذلك، بخلاف إظهار سب الرسول، فإن هناك دواعي متعددة تبعث عليه، متى عُلم صاحبها أنه إذا أظهر التوبة كُفَّ عنه لم يَزَعْه ذلك عن مقصوده.\nومما يدلُّ على الفرق من جهة السنة أن المشركين كانوا يسبون الله بأنواع السب، ثم لم يتوقف النبي ﷺ في قبول إسلام أحدٍ منهم، ولا عَهِد بقتل واحدٍ منهم بعينه، وقد توقّف في قبول توبةِ من سَبَّهُ مثل أبي سفيان وابن أبي أمية، وعَهِد بقتل من كان يسبه من الرجال والنساء - مثل الحويرث بن نُقَيد، والقينتين، وجاريةٍ لبني عبدالمطلب، ومثل الرجال والنساءِ الذين أمر بقتلهم بعد الهجرة ...\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٣٩٣٠)، من حديث عمران بن حصين ﵁، بلفظ: «إن الأرض لتقبل من هو شر منه، ولكن الله أحب أن يريكم تعظيم حرمة - لا إله إلا الله). قال الألباني في «صحيح ابن ماجه»: حسن بما قبله.","vol":"6","page":395},{"text":"وأما من قال: لا تقبل توبة من سب اللهَ - ﷾ - كما لا تقبل توبة من سب الرسول. فوجهه ما تقدم عن عمر - رضي الله تعالى عنه - من التسوية بين سب الله وسب الأنبياء في إيجابِ القتل، ولم يأمر بالاستتابة، مع شهرة مذهبه في استتابة المرتد، لكن قد ذكرنا عن ابن عباس ﵄ أنه يستتاب، لأنه كَذَّب النبي ﷺ، فيحمل ذلك على السبِّ الذي يتدين به.\nوأيضًا، فإن السب ذنبٌ منفردٌ عن الكفر الذي يطابق الاعتقاد، فإن الكافر يتدين بكفره، ويقول: إنه حقٌّ، ويدعو إليه وله عليه موافقون، وليس من الكفار من يتدين بما يعتقده استخفافًا واستهزاءً وسبًّا لله، وإن كان في الحقيقة سبًّا، كما أنهم لا يقولون: إنهم ضُلالٌ جهالٌ معذَّبونَ أعداءُ الله، وإن كانوا كذلك، وأما السابُّ فإنهُ مظهِرٌ للتنقصِ والاستخفافِ والاستهانةِ باللهِ منتهكٌ لحرمته انتهاكًا يعلم من نفسه أنه منتهكٌ مستخف مستهزئٌ، ويعلم من نفسه أنه قد قال عظيمًا، وأن السمواتِ والأرضَ تكادُ تنفطرُ من مقالته وتخرُّ الجبالُ، وأن ذلك أعظمُ من كل كفرٍ، وهو يعلم أن ذلك كذلك، ولو قال بلسانه: إني كنت لا أعتقد وجود الصانع ولا عظمته، والآن فقد رجعت عن ذلك. علمنا أنه كاذبٌ، فإن فِطَر الخلائق كلها مجبولةٌ على الاعتراف بوجود الصانع وتعظيمه، فلا شبهة تدعوه إلى هذا السبِّ ولا شهوة له في ذلك، بل هو مجردُ سخريةٍ واستهزاءٍ واستهانةٍ وتمردٍ على ربِّ العالمين، تنبعثُ عن نفسٍ شيطانيةٍ ممتلئةٍ من الغضب أو من سفيه لا وقارَ للهِ عنده، كصدور قطع الطريق والزنى عن الغضب والشهوة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون للسب عقوبةٌ تخصهُ حدًّا من الحدود، وحينئذٍ فلا تسقط تلك العقوبةُ بإظهار التوبة كسائر الحدود.\nومما يبين أن السبَّ قَدْرٌ زائدٌ على الكفر قوله تعالى: وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٠٨].\nومن المعلوم أنهم كانوا مشركين مكذبين معادين لرسوله، ثم نُهِي المسلمون أن يفعلوا ما يكون ذريعةً إلى سبهم لله، فعلم أن سب الله أعظم عنده من أن يُشْرَك به ويُكَذَّب رسوله ويُعادى، فلابد له من عقوبةٍ تختصه لما انتهكه من حُرمةِ اللهِ كسائرِ الحُرماتِ التي تنتهكها بالفعل وأولى، ولا يجوز أن يُعَاقَب على ذلك بدون القتل، لأن ذلك أعظم الجرائم، فلا يقابل إلا بأبلغ العقوباتِ.\nويدل على (ذلِكَ) قولهُ ﷾: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا [الأحزاب: ٥٧] فإنها تدلُّ على قتل من يُؤذي الله كما تدلُّ على قتل من يؤذي رسوله، والأذى المطلق إنما هو باللسان ...\nوأيضًا، فإن إسقاط القتل عنه بإظهار التوبة لا يرفع مفسدة السب لله سبحانه فإنه لا يشاءُ أن يفعل ذلك ثم إذا أُخذ أَظهر التوبة إلا فَعَلَ كما في سائر الجرائم الفِعليَّة.\nوأيضًا، فإنه لم ينتقل إلى دينٍ يريد المقام عليه حتى يكون الانتقال عنه تركًا له، وإنما فَعل جريمةً لا تستدام، بل هي مثل الأفعال الموجبةِ للعقوبات، فتكون العقوبةُ على نفس تلك الجريمة الماضية، ومثل هذا لا يستتاب، وَإِنَّمَا يُسْتَتَابُ من يعاقَبُ على ذنبٍ مستمر من كفرٍ أو رِدَّةٍ.","vol":"6","page":396},{"text":"وأيضًا، فإن استتابةَ مِثْلِ هذا توجب أن لا يقام حدٌّ على ساب لله، فإنا نعلمُ أن ليس أحدٌ من الناس مصرًّا على السب لله الذي يرى أنه سبٌّ، فإن ذلك لا يدعو إليه عقلٌ ولا طبعٌ، وكلُّ ما أفضى إلى تعطيل الحدود بالكلية كان باطلًا، ولما كان استتابةُ الفساق بالأفعال يفضي إلى تعطيل الحدود لم يشرع، مع أن أحدهم قد لا يتوب من ذلك لما يدعوه إليه طبعه، وكذلك المستتاب من سب الرسول فلا يتوب لما يستحله من سبه، فاستتابةُ الساب لله الذي يسارع إلى إظهار التوبة منه كلُّ أحدٍ أولى أن لا يُشرع إذا تضمن تعطيل الحدِّ، وأوجب أن تمضمض الأفواه بهتك حرمة اسم الله والاستهزاء به.\nوهذا كلام فقيهٍ، لكن يعارضه أن ما كان بهذه المثابة لا يحتاج إلى تحقيق إقامة الحد، ويكفي تعريض قائله للقتل حتى يتوب.\nولمن ينصُر الأول أن يقول: تحقيقُ إقامة الحد على السابِّ للهِ ليس لمجرَّدِ زَجْرِ الطباع عما تهواه، بل تعظيمًا للهِ، وإجلالًا لذكره، وإعلاءً لكلمتهِ، وضبطًا للنفوس أن تتسرع إلى الاستهانة بجنابهِ، وتقييدًا للألسنِ أن تتفوه بالانتقاص لحقه.\nوأيضًا، فإن حدَّ سبِّ المخلوق وقذفه لا يسقط بإظهار التوبة، فحد سب الخالق أولى.\nوأيضًا، فحدُّ الأفعال الموجبة للعقوبة لا تسقط بإظهار التوبة، فكذلك حَدُّ الأقوال، بل شأن الأقوال وتأثيرها أعظم.\nوجماع الأمر أن كلَّ عقوبةٍ وجبت جزاء ونكالًا على فعلٍ أو قولٍ ماض فإنها لا تسقط التوبة بعد الرفع إلى السلطان، فسب الله أولى بذلك، ولا ينتقض هذا بتوبة الكافر والمرتد، لأن العقوبة هناك إنما هي على الاعتقاد الحاضر في الحال المستصحب من الماضي، فلا يصلح نقضًا لوجهين:\nأحدهما: أن عقوبة الساب لله ليست لذنب استصحبه واستدامه، فإنه بعد انقضاء السب لم يستصحبه ولم يستدمه، وعقوبة الكافر والمرتد إنما هي الكفر الذي هو مُصِرٌّ عليه مقيم على اعتقاده.\nالثاني: أن الكافر إنما يُعاقَب على اعتقاد هو الآن في قلبه، وقوله وعمله دليلٌ على ذلك الاعتقاد، حتى لو فرض أن علمنا أن كلمة الكفر التي قالها خرجت من غير اعتقادٍ لموجبها لم نكفِّره - بأن يكون جاهلًا بمعناها، أو مخطئًا قد غلط وسبق لسانه إليها مع قصد خلافها، ونحو ذلك - والسابُّ إنما يُعاقَب على انتهاكه لحرمة الله واستخفافه بحقه فيُقتل، وإن علمنا أنه لا يَسْتحسن السب لله ولا يَعتقده دينًا، إذ ليس أحدٌ من البشر يدينُ بذلك، ولا ينتقض هذا أيضًا بترك الصلاة والزكاة ونحوهما، فإنهم إنما يُعاقَبون على دوام الترك لهذه الفرائض، فإذا فعلوها زال الترك، وإن شئت أن تقول الكافر والمرتد وتاركوا الفرائض يعاقبون على عدم فعل الإيمان والفرائض، أعني على دوام هذا العدم، فإذا وُجد الإيمانُ والفرائضُ امتنعت العقوبة لانقطاع العدم، وهؤلاء يعاقَبون على وجود الأقوال والأفعال الكبيرة، لا على دوام وجودها، فإذا وُجدت مرةً لم يرتفع ذلك بالترك بعد ذلك.\nوبالجملة فهذا القول له تَوَجُّهٌ وقوةٌ ... ولا خلاف في قبول التوبة فيما بينه وبين الله سبحانه وسقوط الإثم بالتوبة النصوح.\nومن الناس من سلك في ساب الله تعالى مسلكًا آخر، وهو أنه جعله من باب الزنديق ... لأن وجود السب منه - مع إظهاره للإسلام- دليلٌ على خُبث سَرِيرته، لكن هذا ضعيفٌ، فإن الكلام هنا إنما هو في سبٍّ لا يتدين به، فأما السب الذي يُتَدَيّن به - كالتثليث، ودعوى الصاحبة والولد - فحكمه حكم أنواعِ الكفر، وكذلك المقالاتُ المكفِّرةُ - مثل مقالةِ الجهمية، والقدرية، وغيرهم من صنوف البدع.\nوإذا قبلنا توبة من سب الله سبحانه فإنه يُؤّدَّبُ أَدبًا وَجِيعًا حتى يَرْدَعه عن العود إلى مثل ذلك، هكذا ذكره بعض أصحابنا، وهو قولُ أصحاب مالك في كلِّ مرتدٍّ. الصارم المسلول لابن تيمية – بتصرف - ٣/ ١٠١٧","vol":"6","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1870>المبحث الثاني: أمثلة لنواقض الإيمان بالقول</span>\n- دعاء الأولياء والصالحين، والاستغاثة بهم عند الكرب والشدة، وسؤالهم ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وكذلك الاستعاذة بهم.\n- الاستهزاء بالله تعالى، أو بكلامه وكتابه (القرآن العظيم)، أو سائر كتبه، أو بآية من آياته، أو بالرسول ﷺ مثل: الطعن في صدقه، أو في أمانته، أو عفته، أو الاستهزاء والاستخفاف به، أو بسنته ﷺ.\nوكذلك السخرية من أسماء الله تعالى، أو تنقصه، أو بوعده بالجنة أو وعيده بالنار؛ كقول بعضهم: لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها، لو شهد عندي الأنبياء والرسل بكذا ما قبلت شهادتهم، أو ما لحقني منذ صليت، أو ما نفعتك صلاتك، وغير ذلك.\n- القول: أنا لا أخاف الله. أو أنا لا أحب الله تعالى.\n- القول: إن الرسول ﷺ لم يوجب علينا الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج ... إلخ.\n- القول: إن الدين لا صلة له بالدولة، وسائر شؤون الحياة، أو إن تعاليم الإسلام لا تتناسب مع هذا الزمن.\n- القول لمن عمل بدين الإسلام: أنت رجعي.\n- القول: إن دين الإسلام وتعاليمه؛ هو سبب تأخر المسلمين، أو بلاد المسلمين.\n- قول شخص عن عدوه: لو كان ربي ما عبدته، أو لو كان نبيًا ما آمنت به.\n- قول شخص عن ولده أو زوجته: هو أحب إلي من الله، أو من رسوله ﷺ.\n- ادعاء الوحي، وإن لم يدع معها النبوة.\n- قول الشخص: إن الله نقص من مالي، وأنا أنقص من حقه ولا أصلي.\n- قول من صلى في رمضان فقط، ثم قال: هذا أيضا كثير، أو هذا يكفي وزيادة.\n- قول الفاسق إذا قيل له صل حتى تجد حلاوة الصلاة: لا أصلي حتى أجد حلاوة الترك.\n- من طعن في عدالة الصحابة، أو جمهورهم، كأن يقول عنهم: فساق، أو ضلال.\n- من قال بألوهية علي - ﵁- أو نبوته (١).\n- ادعاء أن جبريل﵇ - خان الأمانة؛ فأنزل الوحي على محمد ﷺ بدلًا من أن ينزله على علي (٢).\n- قذف أم المؤمنين عائشة بنت الصديق – ﵄- بما برأها الله تعالى منه من فوق سبع سموات.\nإلى غير ذلك من الأقوال القبيحة المناقضة للإيمان والإسلام. الإيمان، حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة – عبد الله بن عبد الحميد الأثري – ص: ٢٩٧\n_________\n(١) أول من قال بها عبدالله بن سبأ لعنة الله عليه، ومن بعده النصيرية. انظر في ذلك: «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي ص٢٢٥ - ٢٢٨، «منهاج السنة النبوية» لابن تيمية (٢/ ٦٢٣).\n(٢) انظر: «المنية والأمل» لابن المرتضى (ص: ٣٠)، «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي (ص: ٢٢٥)، «الفصل في الملل والأهواء» لابن حزم (٥/ ٤٢).","vol":"6","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1873>المطلب الأول: الذبح والنذر الركوع والسجود والطواف</span>\nالعبادة حق لله وحده لا شريك له سواء كانت ذبحًا أو نذرًا أو سجودًا أو ركوعًا أو طوافًا ونحوها، فإن من جعل شيئًا منها لمخلوق كائنًا من كان فقد أشرك بالله تعالى في عبادته، واتخذ مع الله أندادًا.\nوبيان ذلك أن الذبح أو النذر لغير الله تعالى شرك بالله تعالى، لأنهما عبادتان يجب صرفهما لله تعالى وحده، فمن صرفهما لغيره فقد أشرك، كما أن هؤلاء الذين ينحرون أو ينذرون لغير الله تعالى سواء كان للأموات، أو للجن، أو للملائكة ﵈، أو لطلعة سلطان ونحوها، إنما يفعلون ذلك عن اعتقاد باطل، فيعتقدون أنها تجلب النفع أو تدفع الضر، ومنهم من يقدم تلك النحائر والنذور إلى هذه المعبودات من أجل أن تقربهم عند الله زلفى ...\nيقول الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة: ٣].\nيقول ابن عطية في تفسير قوله تعالى: - وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ: (يعني ما ذبح لغير الله تعالى، وقصد به صنم أو بشر من الناس كما كانت العرب تفعل، وكذلك النصارى، وعادة الذابح أن يسمي مقصوده ويصيح به، فذلك إهلاله) (١).\nويقول ابن تيمية: - (قوله تعالى: - وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ [المائدة:٣]، ظاهره أنه ما ذبح لغير الله تعالى، مثل أن يقال هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه: باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن، متقربين به إلى الله سبحانه، كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له والنسك له، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح والزهرة أو قصد به ذلك أولى، وهذا يبين لك ضعف قول من حرم ما ذبح باسم غير الله، ولم يحرم ما ذبح لغير الله، كما قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم، بل لو قيل بالعكس لكان أوجه، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربًا به إليه لحرم، وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين قد يتقربون إلى الكواكب، بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان) (٢).\nويقول ابن كثير: (وقوله تعالى: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج: - وهي ثلاثمائة وستون نصبًا ... فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب، فهو من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا) (٣).\n_________\n(١) «تفسير ابن عطية» (٥/ ٢١).\n(٢) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٥٦٣).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٢) باختصار.","vol":"6","page":399},{"text":"ويقول الشوكاني: (قوله تعالى: ذَلِكُمْ فِسْقٌ إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، أو إلى جميع المحرمات المذكورة هنا، والفسق الخروج عن الحد، وفي هذا وعيد شديد؛ لأن الفسق هو أشد الكفر، لا ما وقع عليه اصطلاح قوم من أنه منزلة متوسطة بين الإيمان والكفر) (١).\nوعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «ما كان النبي ﷺ يسر إلي شيئًا يكتمه الناس، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع، فقيل: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثاُ، ولعن الله من غير منار الأرض» (٢).\nومما يبين لك أن هؤلاء الذين ينذرون أو يذبحون لغير الله تعالى، إنما هو عن اعتقاد بأنها تجلب النفع أو تدفع الضر، ما يرى من أحوالهم وأوضاعهم، وقد بين العلماء ذلك في كتبهم، فهذا الصنعاني يوضح هذا الأمر فيقول – مناقشًا شبهات من يذبح لغير الله -: (فإن قال إنما نحرت لله، وذكرت اسم الله عليه، فقل: إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟ إن قال: نعم، فقل له: هذا النحر لغير الله تعالى، بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لم ترد تعظيمه، فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين؟ إليه أنت تعلم يقينًا أنك ما أردت ذلك أصلًا، ولا أردت إلا الأول، ولا خرجت من بيتك إلا قصدًا له) (٣).\nويقول أيضًا – مبينًا حكم هذه النذور والنحائر -: (فإن قلت هذه النذور والنحائر ما حكمها؟ قلت: قد علم كل عاقل أن الأموال عزيزة عند أهلها، يسعون في جمعها، ولو بارتكاب كل معصية، ويقطعون الفيافي من أدنى الأرض والأقاصي، فلا يبذل أحد من ماله شيئًا إلا معتقدًا لجلب نفع أكثر منه، أو دفع ضرر، فالناذر للقبر ما أخرج ماله إلا لذلك، وهذا اعتقاد باطل، ولو عرف الناذر بطلان ما أراده، ما أخرج درهمًا) (٤).\n_________\n(١) «فتح القدير» (٢/ ١٠) وانظر «فتح القدير» (١/ ٥٧) و«إيثار الحق على الخلق» لابن الوزير (ص: ٤٥١).\n(٢) رواه مسلم (١٩٧٨).\n(٣) «تطهير الاعتقاد» (ص: ٣٣).\n(٤) «تطهير الاعتقاد» (ص: ٣٣)، وانظر «سبل السلام» (٤/ ٢٢٥) للصنعاني.","vol":"6","page":400},{"text":"وكذلك الشوكاني يقرر أن هذه الأعمال الشركية صادرة عن الباطن، وأن أصحابها يعتقدون فيها النفع والضر، فيقول: (وكذلك النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتعظيم عبادة لهم، كما أن النحر للنسك وإخراج صدقة المال، والخضوع والاستكانة عبادة لله ﷿ بلا خلاف، ومن زعم أن ثم فرقًا بين الأمرين فليهده إلينا، ومن قال إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر لهم عبادتهم، فقل له: فلأي مقتضى صنعت هذا الصنع؟ فإن دعاءك للميت عند نزول أمر ربك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عرض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم، فأنت مصاب بعقلك، وهكذا إن كنت تنحر لله، وتنذر لله، فلأي معنى جعلت ذلك للميت وحملته إلى قبره، فإن الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض وفعلك وأنت عاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته، أو أمر قد أردته ..) (١). ويعلل صاحب كتاب (التوضيح عن توحيد الخلاق) (٢) كون النذر لغير الله تعالى من الشرك الاعتقادي قائلًا: (لأن الناذر لم ينذر هذا النذر الذي لغير الله إلا لاعتقاده في المنذور له أنه يضر وينفع، ويعطي ويمنع، إما بطبعه، وإما بقوة سببية فيه، ويجلب الخير والبركة ويدفع الشر والعسرة، والدليل على اعتقاد هؤلاء الناذرين وشركهم حكيهم وقولهم أنهم قد وقعوا في شدائد عظيمة، فنذروا نذرًا لفلان، وفلان، فانكشفت شدائدهم واستراحت خواطرهم، فقد قام في نفوسهم أن هذه النذور هي سبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم، ومن تأمل القرآن وسنة المبعوث به ﷺ، ونظر أحوال السلف الصالح، علم أن هذا النذر نظير ما جعلته المشركون لآلهتهم في قوله تعالى: هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا [الأنعام: ١٣٦]) (٣).\nويتحدث مبارك الميلي (٤) عن واقع أولئك الناس الذين يذبحون لغير الله تعالى، ويبين أنهم إنما يفعلون ذلك عن اعتقاد وطلب للقربى من تلك المعبودات ... فكان مما قاله: (إن كل من خالط العامة، يجزم بأن قصدهم بذبائح الزردة (٥) التقرب من صاحب المزار، ويكشف عن ذلك أشياء: أحدها: أنهم يضيفون الزردة إلى صاحب المزار، فيقولون: زردة سيدي فلان، أو طعام سيدي عبد القادر مثلًا.\nثانيها: إنهم يفعلونها عند قبره، وفي جواره، لا يرضون لها مكانًا آخر.\nثالثها: إنهم إن نزل المطر إثرها، نسبوه إلى سر المذبوح له، وقوي اعتقادهم فيه، وتعويلهم عليه.\n_________\n(١) «الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد» (ضمن الرسائل السلفية) (ص: ٢٠، ٢١).\n(٢) اشترك في تأليف هذا الكتاب كل من: الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وحمد بن معمر، ومحمد بن غريب. انظر للتحقيق في هذا التوثيق كتاب «دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب» للكاتب (٥٩، ٦٠).\n(٣) «التوضيح» (ص: ٣٨٢، ٣٨٣) = باختصار، وانظر «فتح المنان تتمة منهاج التأسيس» لمحمود الألوسي (ص: ٤١٨ – ٤٢١).\n(٤) مبارك بن محمد الميلي، من علماء الجزائر، عاش في قسنطينة، وولي أمانة سر جمعية علماء الجزائر، له مؤلفات، توفي حوالي سنة ١٣٥٧ هـ. انظر «معجم المؤلفين» (٨/ ١٧٥).\n(٥) هكذا تسمى الذبائح التي ذبحت لغير الله باسم \" الزردة\" أو \" النشرة \" في بعض جهات الجزائر، بينما يسمون ما ينذرون لغير الله بالغفارة انظر «رسالة الشرك ومظاهره» لمبارك الميلي (ص: ٢٢٥، ٢٥٦، ٢٦٩)، وفي اليمن يسمون تلك الذبائح بالجلبة، وأما النذور فيطلقون عليها \" التلم \" انظر «الدرر السنية» (٨/ ٢٨٦)، و«تطهير الاعتقاد» للصنعاني (ص: ٣٧).","vol":"6","page":401},{"text":"رابعها: - أنهم لو تركوها فأصيبوا بمصيبة، نكسوا على رؤوسهم، وقالوا: إن وليهم غضب عليهم، لتقصيرهم في جانبه) (١).\nوفي ختام مسألة الذبح أو النذر لغير الله تعالى، ننبه إلى عدم الخلط بين ما يذبح لغير الله تعالى تقربًا أو تعظيمًا فهذا من باب العبادات والقربات، وبين ما يذبح عادة بقصد الأكل أو إكرام ضيف ونحوهما.\nولما ساق النووي كلام بعض علماء الشافعية في هذا الشأن قائلًا:- (وذكر الشيخ إبراهيم المروزي من أصحابنا أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقربًا، أفتى أهل بخارى بتحريمه؛ لأنه مما أهل به لغير الله تعالى، قال الرافعي هذا إنما يذبحونه استبشارًا بقدومه كذبح العقيقة لولادة المولود، وقيل هذا لا يوجب التحريم، والله أعلم) (٢).\nفقد عقب الميلي على ما سبق إيراده فقال: (ونقله عن الرافعي غير مخالف لفتوى أهل بخارى إلا بالقصد، فهو خلاف في حال. فمن قصد التقرب إلى الأمير، صدقت عليه الفتوى، ومن قصد مجرد السرور أفتى بقول الرافعي) (٣).\nوقال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب معلقًا على هذه المسألة:- (إن كانوا يذبحونه استبشارًا كما ذكر الرافعي فلا يدخل في ذلك، وإن كانوا يذبحونه تقربًا إليه، فهو داخل في الحديث يعني حديث «لعن الله من ذبح لغير الله» (٤» (٥).\nكما يجب التفريق بين النذر الشركي المخرج من الملة، وبين نذر المعصية فيما دون ذلك، ونبين ذلك من خلال نص في كتاب (التوضيح عن توحيد الخلاق) حيث جاء فيه ما يلي:- (والنذر غير الجائز قسمان:\nأحدهما: نذر فعل معصية، كشرب الخمر، وقتل المعصوم، فيحرم الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (٦)؛ ولأن معصية الله ﵎ لا تباح في حال من الأحوال ...\nالثاني: النذر لغير الله تعالى كالنذر لإبراهيم الخليل، أو محمد النبي الأمين ﷺ، أو ابن عباس، أو عبد القادر، أو الخضر، فلا خلاف بين من يعتد به من علماء المسلمين أنه من الشرك الاعتقادي) (٧).\nومن جانب آخر، فقد لبس خصوم عقيدة التوحيد في هذه المسألة، فزعموا أن الذبح لغير الله، وكذا النذر لغيره، إنما هي من المحرمات التي دون الشرك ..، وذلك بسبب سوء فهمهم للنصوص الشرعية، وكلام أهل العلم، بل ربما نسبوا هذا التلبيس لبعض أئمة السلف) (٨).\nوقد قام الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بكشف هذا التلبيس، وبيان الحق في هذه القضية فكتب جوابًا في الرد على ابن سحيم، حين زعم الأخير أن النذر لغير الله حرام ليس بشرك، فقال الشيخ في الرد عليه:\n_________\n(١) «رسالة الشرك ومظاهره» (ص٢٥٧).\n(٢) «صحيح مسلم بشرح النووي» (١٣/ ١٤١) وانظر «روضة الطالبين» للنووي (٣/ ٢٠٥).\n(٣) «رسالة الشرك ومظاهره» (ص ٢٥٣).\n(٤) [٩٨٨٣]» رواه مسلم (١٩٧٨).\n(٥) تيسير العزيز الحميد (ص ١٩٢)، وقد أشار الشاطبي في الموافقات إلى هذا التفريق (٢/ ٢١٠).\n(٦) [٩٨٨٥]» رواه البخاري (٦٦٩٦).\n(٧) «التوضيح» (ص: ٣٨٢، ٣٨٣)\n(٨) كما فعل ذلك داود بن جرجيس النقشبندي، فزعم أن ابن تيمية وابن القيم لا يرون كفر من ذبح أو نذر لغير الله ... وحرف بعض كلامهما، وبتر البعض الآخر، وأساء الفهم والقصد في هذه المسألة، وقد قام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بالرد عليه في كتاب تحت عنوان «منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس» وأتمه محمود شكري الألوسي.","vol":"6","page":402},{"text":"(فدليلك قولهم أن النذر لغير الله حرام بالإجماع، فاستدللت بقولهم حرام على أنه ليس بشرك فإن كان هذا قدر عقلك، فكيف تدعي المعرفة؟ يا ويلك ما تصنع بقول الله تعالى: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام: ١٥١]، فهذا يدل على أن الشرك حرام ليس بكفر يا هذا الجاهل الجهل المركب، ما تصنع بقول الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف: ٣٣]، إلى قوله: وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [الأعراف: ٣٣].هل يدل هذا التحريم على أنه لا يكفر صاحبه؟ يا ويلك في أي كتاب وجدته إذا قيل لك هذا حرام، أنه ليس بكفر، فقولك أن ظاهر كلامهم أنه ليس بكفر، كذب وافتراء على أهل العلم، بل يقال ذكر أنه حرام، وأما كونه كفر فيحتاج إلى دليل آخر، والدليل عليه أنه مصرح في (الإقناع) أن النذر عبادة، ومعلوم أن لا إله إلا الله معناها لا يعبد إلا الله، فإذا كان النذر عبادة وجعلتها لغيره، كيف لا يكون شركًا؟) (١).\nويورد الشيخ محمد بن عبد الوهاب قاعدة مهمة أثناء جوابه على من ادعى أن الذبح للجن منهي عنه فهو معصية وليس ردة .. حيث قال الشيخ:\n(قوله: الذبح للجن منهي عنه، فاعرف قاعدة أهملها أهل زمانك، وهي أن لفظ التحريم والكراهة وقوله: لا ينبغي ألفاظ عامة تستعمل في المكفرات، والمحرمات التي هي دون الكفر، وفي كراهة التنزيه التي هي دون الحرام، مثل استعمالها في المكفرات قوله: لا إله إلا الذي لا تنبغي العبادة إلا له (٢)، وقوله: وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: ٩٢]، ولفظ التحريم مثل قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا [الأنعام: ١٥١]، وكلام العلماء لا ينحصر في قولهم: (يحرم كذا) لما صرحوا في مواضع أخر أنه كفر، وقولهم (يكره) كقوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء: ٢٣] إلى قوله: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: ٣٨]، وأما كلام الإمام أحمد في قوله: (أكره كذا) فهو عند أصحابه على التحريم.\nإذا فهمت هذا فهم صرحوا أن الذبح للجن ردة تخرج (٣)، وقالوا الذبيحة حرام ولو سمي عليها، قالوا: لأنها يجتمع فيها مانعان، الأول: - أنها مما أهل به لغير الله، والثاني: أنها ذبيحة مرتد والمرتد لا تحل ذبيحته، وإن ذبحها للأكل وسمى عليها) (٤).\n(ب) وإذا انتقلنا إلى حكم السجود أو الركوع لغير الله تعالى، فهذا من الشرك الظاهر، فلا ريب أن السجود والركوع عبادتان لله وحده لا شريك له، فمن سجد أو ركع لغير الله تعالى فقد أشرك.\n_________\n(١) «مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب» (٥/ ٢٢٩)\n(٢) يقول ابن القيم: - \" وإنما تجيء لا ينبغي في كلام الله ورسوله ﷺ للذي هو في غاية الامتناع شرعًا «الجواب الكافي» (ص: ١٧٩)، وانظر «تجريد التوحيد» للمقريزي (ص: ٢١).\n(٣) أي تخرج من الملة.\n(٤) «مجموعة مؤلفات الشيخ» (٣/ ٦٦، ٦٧)، وانظر «منهاج التأسيس» للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ص: ٢٣٩، ٢٤٥).","vol":"6","page":403},{"text":"يقول الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧]، أي: لا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به) (١).\n(قال بعض أهل العلم في تفسير هذه الآية: إن من أراد أن يكون عبدًا لله خالصًا، فلا يسجد إلا له سبحانه، ولا يسجد للشمس والقمر، نبه بهما على غيرهما من المخلوق العلوي، فالسفلي من الأحجار والأشجار والضرائح ونحوها بالأولى. وقد دلت هذه الآية على أن ديننا هو أن السجود حق الخالق، فلا يسجد لمخلوق أصلًا كائنًا ما كان، فإن المخلوقية يتساوى فيها الشمس والقمر، والولي والنبي، والحجر والمدر، والشجر ونحوها) (٢).\nوأيضًا فإن الله تعالى قال بعد الآية السابقة: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ [فصلت: ٣٨]، فمن سجد لله وحده، فقد خضع وانقاد لله وحده، وحقق كمال الذل والمحبة لله تعالى، وضده من استكبر عن إفراد الله بالعبادة - ومنها السجود - وقد توعد الله تعالى هؤلاء المستكبرين بالعذاب المهين، فقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠] (٣).\nويقول القرطبي: (وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم، واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه، يسجد للأقدام لجهله سواء كان للقبلة أم غيرها جهالة منه، ضل سعيهم وخاب عملهم) (٤).\nويقول ابن القيم في بيان هذا الشرك: (ومن أنواع الشرك: سجود المريد للشيخ، فإنه شرك من الساجد والمسجود له، والعجب أنهم يقولون: ليس هذا سجود، وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احترامًا وتواضعًا، فيقال لهؤلاء ولو سميتموه ما سميتموه، فحقيقة السجود: وضع الرأس لمن يسجد له، وكذلك السجود للصنم، وللشمس، وللنجم، وللحجر، كله وضع الرأس قدامه.\nومن أنواعه: ركوع المتعممين بعضهم لبعض عند الملاقاة، وهذا سجود في اللغة، وبه فسر قوله تعالى: وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة: ٥٨]، أي منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول بالجبهة على الأرض، ومنه قول العرب: سجدت الأشجار إذا أمالتها الريح) (٥).\nويقول أيضًا: (جاء شيوخ الضلال والمزاحمون للربوبية فزينوا لمريديهم حلق رؤوسهم لهم، كما زينوا لهم السجود لهم وسموه بغير اسمه، وقالوا: هو وضع الرأس بين يدي الشيخ. ولعمر الله إن السجود لله تعالى هو وضع الرأس بين يديه سبحانه، وزينوا لهم أن ينذروا لهم، ويتوبوا لهم، ويحلفوا بأسمائهم، وهذا هو اتخاذهم أربابًا وآلهة من دون الله، قال تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠].\n_________\n(١) انظر «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٠٤).\n(٢) «الدين الخالص» (٢/ ٥٣).\n(٣) أي صاغرين حقيرين.\n(٤) «تفسير القرطبي» (١/ ٢٩٤).\n(٥) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤٤، ٣٤٥)، وانظر «الجواب الكافي» لابن القيم (ص: ١٧٨)، و«تجريد التوحيد» للمقريزي (ص: ٢١)","vol":"6","page":404},{"text":"وأشرف العبودية عبودية الصلاة، وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء والجبابرة، فأخذ الشيوخ منها أشرف ما فيها، وهو السجود، وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع، فإذا لقي بعضهم بعضًا ركع له، كما يركع المصلي لربه سواء، وأخذ الجبابرة منهم القيام، فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم عبودية لهم، وهم جلوس، وقد نهى رسول الله ﷺ عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل، فتعاطيها مخالفة صريحة له، فنهى عن السجود لغير الله وقال: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد» (١). وتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة، وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله، وهو من أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر، فقد جوز العبودية لغير الله، وأيضًا فالانحناء عند التحية سجود، ومنه قوله تعالى: وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة: ٥٨]، أي منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه\nوالمقصود أن النفوس الجاهلة الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه، وأشركت فيها من تعظمه من الخلق، فسجدت لغير الله، وركعت له، وقامت بين يديه قيام الصلاة وحلفت لغيره، ونذرت لغيره، وحلقت لغيره، وذبحت لغيره، وطافت لغير بيته وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين، وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل، وهم الذين بربهم يعدلون. قال تعالى تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]) (٢).\nوإذا تقرر كون السجود لغير الله تعالى شركًا بالله تعالى، فينبغي أن نفرق بين سجود العبادة، وسجود التحية، فأما سجود العبادة فقد سبق الحديث عنه، وأما سجود التحية فقد كان سائغًا في الشرائع السابقة، ثم صار محرمًا على هذه الأمة، فهو معصية لله تعالى، فمن المعلوم أن سجود العبادة القائم على الخضوع والذل والتسليم والإجلال لله وحده هو من التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل، وإن صرف لغيره فهو شرك وتنديد، ولكن لو سجد أحدهم لأب أو عالم ونحوهما وقصده التحية والإكرام فهذه من المحرمات التي دون الشرك، أما إن قصد الخضوع والقربة والذل له فهذا من الشرك، ولكن لو سجد لشمس أو قمر أو قبر فمثل هذا السجود لا يتأتى إلا عن عبادة وخضوع وتقرب فهو سجود شركي، وإليك توضيح ذلك من خلال النصوص التالية:-\nيقول الله تعالى:- وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا [يوسف: ١٠٠].\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٥٠) قال: وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: (بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: لا ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله فأنزل الله مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ *آل عمران: ٧٩ - ٨٠*، قال المناوي في «الفتح السماوي» (١/ ٣٧٠): قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: لم أجد لَهُ إِسْنَادًا، وَنَقله الواحدي فِي «الْأَسْبَاب» عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَكَذَا أخرجه عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) عَنهُ.\n(٢) «زاد المعاد» (٤/ ١٥٩ –١٦١) باختصار، وانظر «إعلام الموقعين» (٣/ ١١٧، ١٥٥) و«شرح الشروط العمرية» (ص: ٩٤)","vol":"6","page":405},{"text":"يقول ابن عطية – في معنى السجود: (واختلف في هذا السجود، فقيل: كان كالمعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه، مما كان سيرة تحياتهم للملوك في ذلك الزمان، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود – على أي هيئة كان – فإنما كان تحية لا عبادة، قال قتادة: - هذه كانت تحية الملوك عندهم) (١).\nويقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (وقد كان سائغًا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصًّا بجناب الرب ﷾، هذا مضمون قول قتادة وغيره – إلى أن قال: - والغرض أن هذا كان جائزًا في شريعتهم؛ ولهذا خروا له سجدًا) (٢).\nويقول محمد رشيد رضا- عند تفسيره لقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [البقرة: ٣٤]-: (وهو سجود لا نعرف صفته، ولكن أصول الدين تعلمنا أنه ليس سجود عبادة إذ لا يعبد إلا الله تعالى، والسجود في اللغة التطامن والخضوع والانقياد، وأعظم مظاهره الخرور نحو الأرض للأذقان، ووضع الجبهة على التراب، وكان عند القدماء من تحية الناس للملوك والعظماء، ومنه سجود يعقوب وأولاده ليوسف ﵈) (٣).\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها» (٤).\nوعن قيس بن سعد (٥) ﵁ قال: «أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم (٦) فقلت: رسول الله ﷺ أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي ﷺ، فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك. قال: أرأيت لو مررت على قبري أكنت تسجد له، قال: لا، قال: - فلا تفعلوا، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق» (٧).\nقال الطيبي (٨):\n_________\n(١) «تفسير ابن عطية» (٩/ ٣٧٧،٣٧٨)، وانظر «تفسير القرطبي» (١/ ٢٩٣، ٩/ ٢٦٥)\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٩١) باختصار.\n(٣) «تفسير المنار» (١/ ٢٦٥).\n(٤) رواه أحمد (٣/ ١٥٨) (١٢٦٣٥) والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣٦٣)، الحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» وقال: رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح غير حفص ابن أخي أنس وهو ثقة، ووافقه الألباني في «إرواء الغليل» (٧/ ٥٥).\n(٥) هو قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي، صحابي جليل، أمير مجاهد، كان يطعم الناس، وصاحب دهاء، وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد، مات سنة ٨٥ هـ. انظر «الإصابة» (٥/ ٤٧٣)، و«سير أعلام النبلاء» (٣/ ١٠٢).\n(٦) أي الفارس الشجاع.\n(٧) رواه أبو داود (٢١٤٠) والطبراني (١٨/ ٣٥١) والحاكم (٢/ ٢٠٤) والدارمي (١/ ٤٠٦) وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٣٣٢): ساقط، وقال الذهبي في «المهذب» (٦/ ٢٨٧٢): فيه عبد الرحمن بن أبي بكر إن كان ابن شريك فهو ضعيف، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٦/ ٣٦٢): في إسناده شريك بن عبد الله القاضي وقد تكلم فيه غير واحد وأخرج له مسلم في المتابعات، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» دون جملة «القبر».\n(٨) هو الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي، من علماء الحديث والتفسير، له ردود على المبتدعة، كان كريمًا جوادًا، له مؤلفات، توفي سنة ٧٤٣ هـ. انظر «الدرر الكامنة» ٢/ ١٥٦، و«البدر الطالع» (١/ ٢٢٩).","vol":"6","page":406},{"text":"(أي: اسجدوا للحي الذي لا يموت، ولمن ملكه لا يزول، فإنك إنما تسجد لي الآن مهابة وإجلالًا، فإذا صرت رهين رمس، امتنعت عنه) (١).\nويبين ابن تيمية هذه المسألة فيقول:\n(أما تقبيل الأرض، ووضع الرأس، ونحو ذلك مما فيه السجود، مما يفعل قدام بعض الشيوخ، وبعض الملوك، فلا يجوز، بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضًا، كما قالوا للنبي ﷺ: «الرجل منا يلقى أخاه، أينحني له؟ قال لا ...» (٢).\nوأما فعل ذلك تدينًا وتقربًا فهذا أعظم المنكرات، ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينًا فهو ضال مفتر، بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة، فإن أصر على ذلك استتيب، فإن تاب وإلا قتل) (٣).\nويقول أيضًا:\n(وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم، أو تقبيل الأرض ونحو ذلك، فإنه مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهي عنه، بل مجرد الانحناء بالظهر لغير الله ﷿ منهي عنه) (٤).\nويقول في موضع ثالث: (وحجرة نبينا ﷺ، وحجرة الخليل، وغيرهما من المدافن التي فيها نبي ورجل صالح، لا يستحب تقبيلها ولا التمسح بها باتفاق الأئمة، بل منهي عن ذلك، وأما السجود لذلك فكفر) (٥).\n(ج) وإذا انتقلنا إلى الطواف، فإن المراد بالطواف الذي يكون شركًا هو الطواف بغير الكعبة مع قصد التقرب لغير الله تعالى، كالطواف بالقبور والمشاهد ونحوها، فالطواف عبادة؛ لقوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩]، وصرف العبادة أو شيء منها لغير الله شرك، وأما لو طاف بتلك القبور بقصد التقرب إلى الله تعالى فهذا محرم، وبدعة منكرة، ووسيلة لعبادة تلك القبور).\nيقول ابن تيمية في هذه المسألة:\n(وأما الرجل الذي طلب من والده الحج، فأمره أن يطوف بنفس الأب، فقال: طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين قط، فهذا كفر بإجماع المسلمين، فإن الطواف بالبيت العتيق مما أمر الله به رسوله، وأما الطواف بالأنبياء والصالحين فحرام بإجماع المسلمين، ومن اعتقد ذلك دينا فهو كافر، سواء طاف ببدنه أو بقبره) (٦).\nويقول أيضًا:\n(ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكانًا يطاف به كما يطاف بالكعبة؟ والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال ...) (٧).\n_________\n(١) «عون المعبود» (٦/ ١٨٧).\n(٢) رواه الترمذي (٢٧٢٨) وابن ماجه (٣٧٠٢) وأحمد (٣/ ١٩٨) (١٣٠٦٧) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٠٠) من حديث أنس بن مالك ﵁ واللفظ للترمذي، ونصه: (قال رجل: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال لا .....)، قال الترمذي هذا حديث حسن، وصححه ابن القيم في «زاد المعاد» (٤/ ١٤٨)، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٧/ ٥١٦): في إسناده حنظلة بن عبيد الله البصري ضعفوه ونسبوه إلى الاختلاط، وقال ابن حجر في «تلخيص الحبير» (٣/ ١١٦٤): استنكره أحمد لأنه من رواية السدوسي وقد اختلط وتركه يحيى القطان، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١/ ٣٧٢) باختصار.\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٩٢).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ١٣٦)، وانظر «تهذيب رسالة البدر الرشيد في الألفاظ المكفرات» (ص: ٥٠، ٥١).\n(٦) «تهذيب رسالة البدر الرشيد في الألفاظ المكفرات» (٢/ ٣٠٨).\n(٧) «تهذيب رسالة البدر الرشيد في الألفاظ المكفرات» (٢٧/ ١٠) باختصار.","vol":"6","page":407},{"text":"وإذا تقرر حكم هذه الأعمال ... فيمكن إيجاز أوجه كون هذه الأعمال كفر بما يلي:-\n(أ) أن هذه الأعمال شرك يناقض توحيد العبادة، فإذا كان الذبح والنذر، وكذا السجود والركوع والطواف عبادات لا يجوز صرفها إلا لله تعالى وحده، فمن أثبت لغير الله تعالى ما لا يكون إلا لله فهو كافر (١)؛ لأن الشرك الأكبر ... هو صرف نوع أو فرد من العبادة لغير الله تعالى، والعبادة الشرعية تتضمن غاية الذل لله تعالى، مع غاية المحبة له) (٢).\nوكما يقول ابن تيمية:\n(فالإله هو الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم، والإجلال والإكرام، والخوف والرجاء ونحو ذلك) (٣). ومن المعلوم أن الذبح والنذر والسجود والركوع والطواف ونحوها عبادات تجمع بين الخضوع والخوف والإجلال، والرجاء والمحبة والقرب، فإذا صرفت هذه العبادات لله وحده فهذا إيمان وتوحيد، وإذا صرفت لغيره فهذا كفر وتنديد.\nوقد غلط مرجئة المتكلمين ومن تبعهم عندما زعموا أن شرك التقرب والنسك ليس شركًا بإطلاق، ما لم يتضمن عندهم الشرك في التوحيد العلمي الخبري؛ لأنهم حصروا التوحيد في الربوبية والأسماء والصفات ومن ثم فالشرك عندهم هو الشرك في هذا التوحيد) (٤).\nومثال ذلك ما توهمه بعضهم بأن السجود لغير الله تعالى لا يكون كفرًا إلا إذا اعتقد الربوبية فيمن سجد له (٥)، والصحيح أن السجود لغير الله تعالى شرك يناقض توحيد العبادة، وإذا انضم إلى ذلك اعتقاد الربوبية فيمن سجد له، فهذا شرك في توحيد الربوبية.\nومنهم من قال: إن السجود للصنم أو الشمس ونحوهما علامة الكفر (٦) وإن لم يكن في نفسه كفر، وهذا ليس بصحيح، بل السجود للصنم أو الشمس في حد ذاته كفر وشرك بالله تعالى في العبادة، فهو خضوع ورجاء وتذلل لغير الله تعالى، ولا تقوم عبودية الله تعالى إلا بتحقيق السجود له سبحانه، كما قال تعالى: لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧].\n(ب) أن من قصد بتلك العبادات غير الله تعالى، وصرفها لغيره سبحانه، فقد شبه المخلوق الضعيف العاجز بالخالق القوي القادر.\nولذا يقول ابن القيم: (ومن خصائص الإلهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونها: غاية الحب، مع غاية الذل، هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله، فقد شبهه به في خالص حقه، وهذا من المحال أن تأتي به شريعة من الشرائع - إلى أن قال- فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، ومنها التوكل فمن توكل على غيره فقد شبهه به، ومنها التوبة فمن تاب لغيره فقد شبهه به) (٧).\nويقول- في كتاب آخر -: (ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه، وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم، والذي أبطله الله سبحانه، وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله.\n_________\n(١) انظر «الرد على البكري» لابن تيمية (ص: ٢١٤).\n(٢) انظر «العبودية» لابن تيمية (ص: ٤٤).\n(٣) «العبودية» (ص: ٥١).\n(٤) انظر: لمزيد من التفصيل رسالة «ضوابط التكفير للقرني» (ص: ١٧٣، ١٧٤) ..\n(٥) انظر: «تهذيب الفروق والقواعد السنية» لمحمد علي بن حسين المالكي (بهامش الفروق للقرافي) (١/ ١٣٧)، وانظر «السيل الجرار» للشوكاني (٤/ ٥٨٠)، وقارنه بكلامه في «الدر النضيد» (ص: ٣٤، ٣٥).\n(٦) انظر «أصول الدين» لعبد القاهر البغدادي (ص: ٢٦٦)، و«الشفا» لعياض (٢/ ١٠٧٢)\n(٧) «الجواب الكافي» (ص: ١٨٣) باختصار.","vol":"6","page":408},{"text":"فأهل الشرك غلوا فيمن يعظمونه، ويحبونه، حتى شبهوه بالخالق، وأعطوه خصائص الإلهية، بل صرحوا أنه إله، وأنكروا جعل الآلهة إلهًا واحدًا، وقالوا: اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص: ٦]، وصرحوا بأنه إله معبود يرجى ويخاف، ويعظم ويسجد له، وتقرب له القرابين، إلى غير ذلك من خصائص العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالى، فكل مشرك فهو مشبه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه، وإن لم يشبهه به من كل وجه) (١).\nويقول ابن القيم أيضًا: (وقوله سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [فصلت: ١١] إنما قصد به نفي أن يكون معه شريك، أو معبود يستحق العبادة والتعظيم، كما يفعله المشبهون والمشركون. وهذا التشبيه الذي أبطله الله سبحانه هو أصل شرك العالم، وعبادة الأصنام .. فإن المشبهة هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة، والتعظيم، والخضوع، والنذر له والسجود له وحلق الرأس له، والاستغاثة به) (٢).\nومما قاله المقريزي – في شأن هذا التشبيه: (إن المشرك شبه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، وهي التفرد بملك الضر والنفع، والعطاء والمنع، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى. وسوَّى بين التراب ورب الأرباب، فأي فجور وذنب أعظم من هذا.\nواعلم أن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة له وحده عقلًا وشرعًا وفطرة، فمن جعل ذلك لغيره فقد شبه الغير بمن لا شبيه له، ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم، أخبر من كتب على نفسه الرحمة أنه لا يغفره أبدًا ومن خصائص الإلهية للسجود، فمن سجد لغيره فقد شبهه به، ومنها الذبح له فمن ذبح لغيره قد شبهه به، ومنها حلق الرأس إلى غير ذلك) (٣).\nويتحدث أحمد الدهلوي (٤) عن هذا التشبيه قائلًا: (حقيقة الشرك أن يعتقد إنسان في بعض المعظمين من الناس أن الآثار العجيبة منه إنما صدرت لكونه متصفًا بصفة من صفات الكمال مما لم يعهد في جنس الإنسان بل يختص بالرب جل مجده، لا يوجد في غيره إلا أن يخلع هو خلعة الألوهية على غيره، فيتذلل عنده أقصى التذلل، ويعامل معه معاملة العباد مع الله تعالى) (٥).\nإضافة إلى ذلك فإن هذا التشبيه من أظلم الظلم وأشنعه، ولذا يقول إسماعيل الدهلوي:-\n(قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣] وقد هَدَت لقمان الحكمة العميقة التي أكرمه الله وخصه بها، إلى أن أفحش الظلم أن يجود الإنسان على أحد بحق غيره، فمن أعطى حق الله لأحد خلقه فقد عمد إلى حق أكبر كبير، فأعطاه أذل ذليل، وكان كرجل وضع تاج الملك على مفرق إسكاف، وأي جور أكبر من هذا الجور، وأي ظلم أفحش من هذا الظلم) (٦).\n_________\n(١) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٣٢٢،٣٢٣) باختصار.\n(٢) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٣٢٩ - ٣٤١) باختصار.\n(٣) «تجريد التوحيد» (ص ٢٧، ٢٨) باختصار، وكلام المقريزي هاهنا يكاد يطابق كلام ابن القيم في «الجواب الكافي» (ص: ١٨٢، ١٨٣).\n(٤) هو ولي الله بن أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، نشأ بدلهي في الهند، ورحل إلى الحجاز، وصار من كبار العلماء، وأتقن علومًا كثيرة، وله مؤلفات جمة وجهود إصلاحية متعددة، توفي سنة ١١٨٠ هـ انظر: «معجم المؤلفين» (٤/ ٢٩٢). ومقدمة كتابه «الفوز الكبير في أصول التفسير».\n(٥) «حجة الله البالغة» (١/ ٦١) بتصرف يسير.\n(٦) «رسالة التوحيد» (ص: ٤٨، ٤٩).","vol":"6","page":409},{"text":"(ج) أجمع العلماء على أن من صرف عبادة لغير الله تعالى فهو كافر وكما يقول ابن تيمية: (فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين) (١).\nولذا علق الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب على هذا الإجماع قائلًا: (وهو إجماع صحيح، معلوم بالضرورة من الدين، وقد نص العلماء من أهل المذاهب الأربعة، وغيرهم في باب حكم المرتد على أن من أشرك بالله فهو كافر، أي عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادة) (٢).\nكما أن حرمة مثل هذا الشرك من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، كما وضحه ابن تيمية بقوله: (فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدًا من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نهى عن كل هذه الأمور، وإن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله) (٣).\nكما يقول أيضًا: (كان من أتباع هؤلاء (المشركين) من يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويدعوها كما يدعو الله تعالى، ويصوم لها وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سببًا وواسطة لم أكن مشركًا، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك) (٤).\n٤ - وفي ختام هذا المبحث، نسرد مجموعة من أقوال العلماء في هذه المسألة:-\nيقول ابن نجيم الحنفي: (والسجود للجبابرة كفر إن أراد به العبادة، لا إن أراد به التحية على قول الأكثر) (٥).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١/ ١٢٤).\n(٢) «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٢٩).\n(٣) «الرد على البكري» (ص ٣٧٦)، وانظر «مجموعة الرسائل والمسائل» (١/ ٢٩).\n(٤) «درء التعارض» (١/ ٢٢٧، ٢٢٨).\n(٥) «البحر الرائق» (٥/ ١٣٤).","vol":"6","page":410},{"text":"وجاء في (الفتاوى البزازية): (والسجدة لهؤلاء الجبابرة كفر؛ لقوله تعالى مخاطبًا للصحابة ﵃: أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٠]، نزلت حين استأذنوا في السجود له ﵊ (١) ولا يخفى أن الاستئذان لسجود التحية بدلالة: بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ومع اعتقاد جواز سجدة العبادة لا يكون مسلمًا، فكيف يطلق عليهم بعد إذ أنتم مسلمون)، وقيل لا يكفر لقصة إخوة يوسف ﵇، والقائل الأول يدعي نسخه بتلك الآية، وبقوله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: ١٨]، وقيل: إن أراد العبادة كفر، وإن أراد التحية لا، وهذا موافق لما ذكر في فتاوى الأصل) (٢).\nوقال محمد علاء الدين الحصكفي (٣) فيمن نذر لغير الله:\n(واعلم أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام وما يؤخذ من الدراهم والشموع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام تقربًا إليهم فهو بالإجماع باطل وحرام) (٤).\nوقال ابن عابدين شارحًا لما سبق:\n(قوله باطل وحرام لوجوه: منها أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق، ومنها أن المنذور له ميت، والميت لا يملك، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى، واعتقاده ذلك كفر) (٥).\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٥٠) قال: وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: (بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: لا ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله فأنزل الله مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ *آل عمران: ٧٩ - ٨٠*، قال المناوي في «الفتح السماوي» (١/ ٣٧٠): قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: لم أجد لَهُ إِسْنَادًا، وَنَقله الواحدي فِي «الأَسْبَاب» عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَكَذَا أخرجه عبد بن حميد فِي «تَفْسِيره» عَنهُ.\n(٢) «الفتاوى البزازية بهامش الفتاوى الهندية» (٦/ ٣٤٣)، وانظر كلام صنع الله الحلبي الحنفي في «تيسير العزيز الحميد» لسليمان بن عبد الله بن محمد عبد الوهاب (ص: ٢٠٧)، وفتح المنان للألوسي (ص: ٤٢٠)، ورسالة في «تحريم اتخاذ الضرائح المصنوعة من الخشب» لمحمد الأبادي (ص: ٢٥ – ٢٨)،: - و«روح المعاني» للألوسي (١٧/ ٢١٢)، و«نصاب الاحتساب» لعمر السنامي (ص: ٣١٧).\n(٣) محمد بن علي بن محمد الحصكفي الدمشقي الحنفي، فقيه، أصولي، مفسر، نحوي، رحل إلى القدس، وتولى إفتاء الأحناف، له مؤلفات، توفي بدمشق سنة ١٠٨٨ هـ. انظر: «معجم المؤلفين» (١١/ ٥٦).\n(٤) «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٣٩)\n(٥) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٣٩).","vol":"6","page":411},{"text":"ويقول ابن عبد البر عند شرحه لحديث النبي ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١):\n(كان رسول الله ﷺ يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله، الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدًا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، فكان النبي ﷺ يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم امتثال طرقهم) (٢).\nويقول القاضي عياض: (وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر ... كالسجود للصنم، وللشمس، والقمر، والصليب، والنار) (٣).\nويقول النووي: (اعلم أن الذبح للمعبود وباسمه، نازلة منزلة السجود له، وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم والعبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة، فمن ذبح لغيره من حيوان، أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة، لم تحل ذبيحته، وكان فعله كفرًا، كمن سجد لغيره سجدة عبادة) (٤).\nويقول أيضًا: (والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدين صريح كالسجود للصنم، أو الشمس ...) (٥).\nولما أورد الرملي (٦) أنواع الردة ... كان مما قاله: (السجود لصنم أو شمس، أو مخلوق آخر؛ لأنه أثبت لله شريكًا، نعم إن دلت قرينة قوية على عدم دلالة الفعل على الاستخفاف كسجود أسير في دار الحرب بحضرة كافر خشية منه فلا كفر – إلى أن قال – وإن قصد تعظيم مخلوق بالركوع كما يعظم الله به فلا فرق بينهما في الكفر حينئذ) (٧).\nويقول البربهاري: (ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يردَّ آية من كتاب الله ﷿، أو يردَّ شيئًا من آثار رسول الله ﷺ أو يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله، وإذا فعل شيئًا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام) (٨).\n_________\n(١) رواه مالك (١/ ١٧٢) من حديث عطاء بن يسار، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ١٥٠) من حديث زيد ابن أسلم، قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢/ ٣٤٧): روي متصلا مسندًا، وقال في «التمهيد» (٥/ ٤١): مرسل غريب وهو صحيح، وقال ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ٣٤٩): مرسل، وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (١/ ١٦٥) وقال: رواه مالك مرسلا. وروى أحمد (٢/ ٢٤٦) (٧٣٥٢) والحميدي (٢/ ٤٤٥) من حديث أبي هريرة بنحوه.\n(٢) «التمهيد» (٥/ ٤٥)\n(٣) «الشفا» (٢/ ١٠٧٢)\n(٤) «روضة الطالبين» (٣/ ٢٠٥، ٢٠٦) وانظر (١/ ٣٢٦)\n(٥) «روضة الطالبين» (١٠/ ٦٤)، وانظر «مغني المحتاج» للشربيني (٤/ ١٣٦).\n(٦) محمد بن أحمد بن حمزة الرملي المصري الشافعي، تولى إفتاء الشافعية بمصر، وصنف شروحًا وحواشي كثيرة، توفي سنة ١٠٠٤ هـ انظر «الأعلام» (٦/ ٧)، و«معجم المؤلفين» (٨/ ٢٥٥).\n(٧) «نهاية المحتاج» (٧/ ٤١٧)، وانظر «قليوبي وعميرة» (٤/ ١٧٦)، و«تنبيه الغافلين» لابن النحاس (ص ٤٠٣)، و«الإعلام» لابن حجر الهيتمي (ص: ٣٤٨).\n(٨) «شرح السنة» للبربهاري (ص: ٣١).","vol":"6","page":412},{"text":"ويقول ابن تيمية في مسألة السجود لغير الله ووسائلها: (نهى النبي ﷺ عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وقال: «فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار» (١)، ونهى عن تحري الصلاة في هذا الوقت، لما فيه من مشابهة الكفار في الصورة، وإن كان المصلي يقصد السجود لله لا للشمس، لكن نهي عن المشابهة في الصورة لئلا يفضي إلى المشاركة في القصد، فإذا قصد الإنسان السجود للشمس وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، كان أحق بالنهي والذم والعقاب، ولهذا يكون كافرًا، كذلك من دعا غير الله، وحج إلى غير الله هو أيضًا شرك، والذي فعله كفر) (٢).\nويبين ابن تيمية أن السجود الشركي من الأمور المتفق على تحريمها عند الرسل ﵈، فيقول:\n(أما السجود لغير الله وعبادته فهو محرم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله، كما قال ﷾: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: ٤٥]) (٣).\nومما سطره هذا الإمام في مسألة النذر الشركي قوله ﵀: (ولا يجوز أن ينذر أحد إلا طاعة، ولا يجوز أن ينذرها إلا لله، فمن نذر لغير الله فهو مشرك. كمن صام لغير الله، وسجد لغير الله، ومن حج إلى قبر من القبور فهو مشرك) (٤).\nويقول أيضًا: (وأما النذر للموتى من الأنبياء والمشائخ وغيرهم، أو لقبورهم أو المقيمين عند قبورهم، فهو نذر شرك ومعصية لله تعالى، سواء كان النذر نفقة أو ذهبًا أو غير ذلك، وهو شبيه بمن ينذر للكنائس والرهبان وبيوت الأصنام) (٥).\nويؤكد ابن تيمية على إزالة مثل تلك النذور فيقول: وكل ما ينذر له، أو يعظمه من الأحجار أو الأشجار، ونحوها، يجب أن يزال؛ لأنه يحصل للناس به ضرر عظيم في دينهم، كما كسر الخليل ﵇ الأصنام، وكما حرق موسى ﵇ العجل، وكما كسر رسول الله ﷺ الأصنام وحرقها لما فتح مكة). (٦) إلى أن قال: (ومن قال أنه يشفى بمثل نذره لهذه الأشياء فهو كاذب، بل يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، فإنه مكذب لله ورسوله ...) (٧).\nوأورد الشاطبي مثال من ذبح لغير الله تعالى مع أمثلة أخرى على مسألة قررها بقوله: (كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل ...؛ لأن الأخذ في خلاف مقاصد الشريعة مشاقة ظاهرة، والله تعالى يقول: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥]، كما أن القاصد لخلاف الشرع مستهزئ بآيات الله وأحكامه، والله تعالى يقول: وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا [البقرة: ٢٣١]) (٨).\n_________\n(١) رواه مسلم (٨٣٢) من حديث عمرو بن عبسة السلمي.\n(٢) «الرد على الأخنائي» (ص: ٦١)، وانظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٧/ ١١، ٢٣، ١١/ ٥٠٢) و«اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٦٨).\n(٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٩٢).\n(٤) «منهاج السنة» (٢/ ٤٤٠).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥٠٤).\n(٦) رواه البخاري (٢٤٧٨) ومسلم (١٧٨١) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا فجعل يطعنها بعود كان بيده ....»\n(٧) «مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٥٥١)، وانظر «الفتاوى» (٣٣/ ١٢٣)، و«اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٦٤٤ - ٦٤٦).\n(٨) انظر: «الموافقات» (٢/ ٣٣٣ – ٣٣٥) باختصار.","vol":"6","page":413},{"text":"وذكر مرعي بن يوسف الكرمي أن السجود للحكام بقصد العبادة كفر، وبقصد التحية كبيرة (١).\nومما قاله أحمد الفاروقي السرهندي (٢) في مكتوباته: (والتبري من الكفر شرط الإسلام، والاجتناب عن شائبة الشرك توحيد، والاستمداد من الأصنام والطاغوت في دفع الأمراض والأسقام، كما هو شائع فيما بين جهلة أهل الإسلام عين الشرك والضلالة، وطلب الحوائج من الأحجار المنحوته نفس الكفر – إلى أن قال – وما يفعلونه من ذبح الحيوانات المنذورة للمشائخ عند قبور المشائخ المنذورة لهم جعله الفقهاء داخلًا في الشرك، وألحقوه بجنس ذبائح الجن الممنوع عنها شرعًا) (٣).\nويقول الشيخ محمد بن عبدالوهاب في هذا الشأن: (والعبادة أنواع كثيرة، لكني أمثلها بأنواع ظاهرة لا تنكر، من ذلك السجود فلا يجوز لعبد أن يضع وجهه على الأرض ساجدًا إلا لله وحده لا شريك له، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا لولي، ومن ذلك الذبح فلا يجوز لأحد أن يذبح إلا لله وحده، كما قرن الله بينهما في القرآن في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ١٦٢]، والنسك هو الذبح، وقال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: ٢] فتفطن لهذا، واعلم أن من ذبح لغير الله من جني أو قبر، فكما لو سجد له، وقد لعنه النبي ﷺ في الحديث الصحيح بقوله: «لعن الله من ذبح لغير الله» (٤).\nومما كتبه الشوكاني عن مفاسد البناء على القبور قوله: (ومن المفاسد البالغة إلى حد يرمي بصاحبه إلى وراء حائط الإسلام: أن كثيرًا منهم يأتي بأحسن ما يملكه من الأنعام، وأجود ما يحوزه من المواشي فينحره عند ذلك القبر، متقربًا به إليه، راجيًا ما يضمر حصوله منه، فيهل به لغير الله، ويتعبد به لوثن من الأوثان، إذ إنه لا فرق بين نحر النحائر لأحجار منصوبة يسمونها وثنًا، وبين قبر لميت يسمونه قبرًا ...)\nإلى أن قال: (ولا شك أن النحر نوع من أنواع العبادة التي تعبد الله العباد بها، كالهدايا والفدية والضحايا، فالمتقرب بها إلى القبر والناحر لها عنده لم يكن له غرض بذلك إلا تعظيمه وكرامته، واستجلاب الخير منه، واستدفاع الشر به، وهذا عبادة لا شك فيها، وكفاك من شر سماعه) (٥).\n_________\n(١) انظر: «غاية المنتهى» (٣/ ٣٣٧)، وانظر «كشاف القناع» للبهوتي (٦/ ١٣٧).\n(٢) أحمد بن عبدالأحد السرهندي، النقشبندي، من علماء الهند، دعا إلى نبذ البدع، اشتغل بالتدريس، له مؤلفات، توفي سنة ١٠٣٤ هـ. انظر «الأعلام» (١/ ١٤٢)، «جم المؤلفين) (١/ ٢٥٩).\n(٣) «منتخبات من المكتوبات) للسرهندي (ص٢٢٠)\n(٤) [٩٩٥٦]» رواه مسلم (١٩٧٨).\n(٥) «شرح الصدور بتحريم رفع القبور» (ص٢٠) باختصار","vol":"6","page":414},{"text":"ومما قاله الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبا بطين في هذا الموضوع: (فالدين كله داخل في العبادة، فإذا علم الإنسان وتحقق معنى الإله، وأنه المعبود، وعرف حقيقة العبادة، تبين له أن من جعل شيئًا من العبادة لغير الله، فقد عبده واتخذه إلهًا، وإن فر من تسميته معبودًا أو إلهًا، فتغير الاسم لا يغير حقيقة المسمى، ولا يزيل حكمه ولما سمع عدي بن حاتم (١) - وهو نصراني – قول الله تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ [التوبة: ٣١]، قال للنبي ﷺ: إنا لسنا نعبدهم. قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: بلى، قال: فذلك عبادتهم» (٢).\nفعديٌّ ما كان يحسب أن موافقتهم فيما ذكر عبادة منهم لهم، فأخبره ﷺ أن ذلك عبادة منهم لهم، مع أنهم لا يعتقدونه عبادة لهم. وكذلك ما يفعله عباد القبور من دعاء أصحابها، والتقرب إليهم بالذبائح والنذور، عبادة منهم للمقبورين، وإن كانوا لا يسمونه ولا يعتقدونه عبادة) (٣).\nويقول الشيخ عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب – في توجيهه القول بأن النذر لغير الله شرك -: (وذلك لأن الناذر لله وحده قد علق رغبته به وحده، لعلمه بأنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، فتوحيد القصد هو توحيد العبادة، ولهذا ترتب عليه وجوب الوفاء فيما نذره طاعة لله، والعبادة إذا صرفت لغير الله صار ذلك شركًا بالله لالتفاته إلى غيره تعالى فيما يرغب فيه أو يرهب، فقد جعله شريكًا لله في العبادة) (٤). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف- ص ٢٦٩\n_________\n(١) عدي بن حاتم بن عبدالله الطائي، صاحب رسول الله ﷺ، أسلم في سنة تسع، شهد فتح العراق، وكان جوادًا، مات سنة ٦٨ هـ. انظر: «الإصابة» (٤/ ٤٧٢) و«سير أعلام النبلاء» (٣/ ١٦٢).\n(٢) [٩٩٥٩]» رواه الترمذي (٣٠٩٥) والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١١٦) والطبراني (١٧/ ٩٢)، قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث، وحسنه ابن تيمية في «حقيقة الإسلام والإيمان» (ص: ١١١)، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٨٦١): علة الحديث هي جهالة غطيف ابن أعين، وحسنه في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) «الانتصار» (ص: ٣٣،٣٤) باختصار.\n(٤) «قرة عيون الموحدين» (ص: ٨٥) وانظر جواب الشيخ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ عن الذبح لغير الله تعالى في «الدرر السنية» (٨/ ٢٨٦) وجواب الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ عن الذبح لغير الله وكذا النذر لغير الله في «فتاويه» (١/ ١٠٥ – ١٠٧) وانظر «فتاوى ابن باز» (٣/ ٣٢٢) و«المجموع الثمين» لابن عثيمين (١/ ٤١)، و«فتاوى اللجنة الدائمة» (١/ ٨٩، ١١٠، ١١٢ – ١١٦، ١٢٧، ١٣٢، ٢٢٠، ٢٥٨).","vol":"6","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1874>المطلب الثاني: الاستغاثة بغير الله تعالى</span>\nلا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين، مثل أن يقول: يا سيدي فلانًا أغثني وانصرني وادفع عني، أو أنا في حسبك. ونحو ذلك. بل كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم - لما كانوا من جنس عباد الأوثان - صار الشيطان يضلهم ويغويهم، كما يضل عباد الأصنام ويغويهم فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به، وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان، وبعض ذلك صدق، لكن لابد أن يكون في ذلك ماهو كذب، بل الكذب أغلب عليه من الصدق.\n- وقد تقضي الشياطين بعض حاجاتهم، وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه، فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذي جاء من الغيب حتى فعل ذلك، أو يظن أن الله تعالى صور ملكًا على صورته فعل ذلك، ويقول أحدهم: هذا سر الشيخ وحاله! وإنما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به المستغيث به.\n- كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم، كما كان ذلك في أصنام مشركي العرب، وهو اليوم موجود في المشركين من الترك والهند وغيرهم.\n- وأعرفُ من ذلك وقائع كثيرة في أقوام استغاثوا بي وبغيري في حال غيبتنا عنهم، فرأوني أو ذاك الآخر الذي استغاثوا به قد جئنا في الهواء ورفعنا عنهم، ولما حدثوني بذلك بينتُ لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي وصورة غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين.\n- وهذا من أكبر الأسباب التي بها أشرك المشركون وعبدةُ الأوثان، وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم الذين يسمونهم العلاّس يرون أيضًا من يأتي على صورة ذلك الشيخ النصراني الذي استغاثوا به فيقضي بعض حوائجهم.\n- وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ وأهل بيت النبي ﷺ غاية أحدهم أن يجري له بعض هذه الأمور أو يحكي لهم بعض هذه الأمور فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب هذا العمل.\n- ومن هؤلاء من يأتي إلى قبر الشيخ الذي يشرك به ويستغيث به فينزل عليه من الهواء طعام أو نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة لشيخه، وإنما ذلك كله من الشياطين.\n- وهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان. وقد قال الخليل ﵇: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦]. كما قال نوح ﵇، ومعلوم أن الحجر لا يضل كثيرًا من الناس إلا بسبب اقتضى ضلالهم، ولم يكن أحد من عباد الأصنام يعتقد أنها خلقت السموات والأرض، بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب:\n- منهم من صورها على صور الأنبياء والصالحين، ومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر، ومنهم من جعلها لأجل الجن، ومنهم من جعلها لأجل الملائكة.\n- فالمعبود لهم في قصدهم إنما هو للملائكة والأنبياء والصالحين أو الشمس أو القمر وهم في نفس الأمر يعبدون الشياطين، فهي التي تقصد من الإنس أن يعبدها وتظهر لهم ما يدعوهم إلى ذلك، كما قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [سبأ:٤٠ - ٤١].","vol":"6","page":416},{"text":"- وإذا كان العابد ممن لا يستحل عبادة الشياطين أوهموه أنه إنما يدعو الأنبياء والصالحين والملائكة وغيرهم ممن يحسن العابد ظنه به. وأما إن كان ممن لا يحرم عبادة الجن عرفوه أنهم الجن.\n- وقد يطلب الشيطان الممثل له في صورة الإنسان أن يسجد له، أو أن يفعل به الفاحشة أو أن يأكل الميتة ويشرب الخمر، أو أن يقرِّب لهم الميتة، وأكثرهم لا يعرفون ذلك، بل يظنون أن من يخاطبهم إما ملائكة وإما رجال من الجن يسمونهم رجال الغيب، ويظنون أن رجال الغيب أولياء الله غائبون عن أبصار الناس.\n- وأولئك جن تمثلت بصور الإنس أو رئيت في غير صور الإنس، قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: ٦].\n- كان الإنس إذا نزل أحدهم بواد يخاف أهله قال: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، وكانت الإنس تستعيذ بالجن فصار ذلك سببًا لطغيان الجن، وقالت: الإنس تستعيذ بنا!.\n- وكذلك الرقى والعزائم الأعجمية هي تتضمن أسماء رجال من الجن يُدعون ويُستغاث بهم ويُقسم عليهم بمن يعظمونه، فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور.\n- وهذا من جنس السحر والشرك قال تعالى: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٠٢].\n- وكثير من هؤلاء يطير في الهواء وتكون الشياطين قد حملته وتذهب به إلى مكة وغيرها، ويكون مع ذلك زنديقًا يجحد الصلاة وغيرها مما فرض الله ورسوله، ويستحل المحارم التي حرمها الله ورسوله.\n- وإنما يقترن به أولئك الشياطين لما فيه من الكفر والفسوق والعصيان، حتى إذا آمن بالله ورسوله وتاب والتزم طاعة الله ورسوله، فارقته تلك الشياطين، وذهبت تلك الأحوال الشيطانية من الإخبارات والتأثيرات.\n- وأنا أعرف من هؤلاء عددًا كثيرًا بالشام ومصر والحجاز واليمن، وأما الجزيرة والعراق وخراسان والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها، وبلاد الكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم.\n- وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية التي أسبابها الكفر والفسوق والعصيان بحسب ظهور أسبابها، فحيث قوي الإيمان والتوحيد ونور الفرقان والإيمان وظهرت آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية.\n- وحيث ظهر الكفر والفسوق والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية، والشخص الواحد الذي يجتمع فيه هذا وهذا الذي تكون في مادة تمدُّه للإيمان ومادة تمدُّه للنفاق يكون فيه من هذا الحال وهذا الحال.","vol":"6","page":417},{"text":"- والمشركون الذين لم يدخلوا في الإسلام مثل البخشية والطونية والبُدَّى ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم الذين يكونون للكفار من الترك والهند والخُطا وغيرهم تكون الأحوال الشيطانية فيهم أكثر، ويصعد أحدهم في الهواء ويحدثهم بأمور غائبة، ويبقى الدف الذي يغني لهم به يمشي في الهواء، ويضرب رأس أحدهم إذا خرج عن طريقهم، ولا يرون أحدًا يضرب له، ويطوف الإناء الذي يشربون منه عليهم ولا يرون من يحمله، ويكون أحدهم في مكان فمن نزل منهم عنده ضَيَّفَه طعامًا يكفيهم، ويأتيهم بألوان مختلفة.\n- وذلك من الشياطين تأتيه من تلك المدينة القريبة منه أو من غيرها تسرقه وتأتي به.\n- وهذه الأمور كثيرة عند من يكون مشركًا أو ناقص الإيمان من الترك وغيرهم، وعند التتار من هذا أنواع كثيرة.\nوأما الداخلون في الإسلام إذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول، بل دعوا الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم، فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيهم مما يرضي الشيطان.\n- ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين مع نوع جهل. يُحمل أحدهم فيوقف بعرفات مع الحجاج من غير أن يحرم إذا حاذى المواقيت، ولا يبيت بمزدلفة، ولا يطوف طواف الإفاضة، ويظن أنه حصل له بذلك عمل صالح وكرامة عظيمة من كرامات الأولياء، ولا يعلم أن هذا من تلاعب الشيطان به، فإن مثل هذا الحج ليس مشروعًا ولا يجوز باتفاق علماء المسلمين. ومن ظن أن هذا عبادة وكرامة لأولياء الله فهو ضال جاهل.\n- ولهذا لم يكن أحد من الأنبياء والصحابة يفعل بهم مثل هذا، فإنهم أجل قدرًا من ذلك.\n- وقد جرت هذه القضية لبعض من حُمل وطائفة معه من الإسكندرية إلى عرفة، فرأى ملائكة تنزل وتكتب أسماء الحجاج فقال: هل كتبتموني؟ قالوا: أنت لم تحج كما حج الناس، أنت لم تتعب ولم تحرم ولم يحصل لك من الحج الذي يثاب الناس عليه ما حصل للحجاج.\n- وكان بعض الشيوخ قد طلب منه بعض هؤلاء أن يحج معهم في الهواء فقال لهم: هذا الحج لا يسقط به الفرض عنكم؛ لأنكم لم تحجوا كما أمر الله ورسوله. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص ٣٠٠\nويقول الشيخ ابن عثيمين في شرح قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في (كتاب التوحيد): من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره.\nيقول: قوله: \"من الشرك\"، من: للتبعيض، فيدل على أن الشرك ليس مختصًا بهذا الأمر.\nوالاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة.\nوكلام المؤلف ﵀ ليس على إطلاقه، بل يقيد بما لا يقدر عليه المستغاث به، إما لكونه ميتًا، أو غائبًا، أو يكون الشيء مما لا يقدر على إزالته إلا الله تعالى، فلو استغاث بميت ليدافع عنه أو بغائب أو بحي حاضر لينزل المطر فهذا كله من الشرك، ولو استغاث بحي حاضر فيما يقدر عليه كان جائزًا، قال الله تعالى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ [القصص: ١٥].\nوإذا طلبت من أحد الغوث وهو قادر عليه، فإنه يجب عليك تصحيحًا لتوحيدك أن تعتقد أنه مجرد سبب، وأنه لا تأثير له بذاته في إزالة الشدة، لأنك ربما تعتمد عليه وتنسى خالق السبب، وهذا قادح في كمال التوحيد. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين – ١/ ٣٣٥","vol":"6","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1875>المطلب الثالث: دعاء الموتى</span>\nإن الدعاء عبادة من أعظم العبادات، وأجل الطاعات، وإنه يجب صرفه لله تعالى وحده لا شريك له، فإن من دعا أو استغاث أو استعان أو استعاذ (١) بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، فقد كفر وخرج من الملة، سواء كان هذا الغير نبيًّا، أو وليًّا، أو ملكًا، أو جنيًّا، أو غير ذلك من المخلوقات.\nكما قال الله تعالى: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: ١٠٦ - ١٠٧].\nوقوله تعالى: فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ [العنكبوت: ١٧].\nوقال تعالى: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ [الشعراء: ٢١٣]، وقال ﷿: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨].\nوقال سبحانه: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:٥ - ٦].\nوقال ﷾: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: ١٨].\nوقال ﷺ: «من مات وهو يدعو لله ندًّا دخل النار». (٢) ولذا يقول ابن تيمية: (ومن أعظم الاعتداء والعدوان والذل والهوان، أن يدعى غير الله، فإن ذلك من الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإن الشرك لظلم عظيم، فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠]) (٣).\nويبين ابن القيم شناعة هذا الشرك فيقول:\n(ومن أنواعه (الشرك الأكبر) طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده) (٤).\nويجب أن يعلم أن من قصد غير الله بدعاء أو استعاذة أو استعانة فهو كافر، وإن لم يعتقد فيمن قصده تدبيرًا، أو تأثيرًا، أو خلقًا، فمشركو العرب الذين قاتلهم رسول الله ﷺ لم يكونوا يقولون عن معبوداتهم أنها تخلق، وترزق، وتدبر أمر من قصدها، بل كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده كما حكاه عنهم في غير موضع من كتابه بل كانوا يدعونها، ويستغيثون بها مع إقرارهم بأن الله هو المدبر الخالق الرزاق ... (٥)\n_________\n(١) يقول ابن تيمية: «الاستعاذة، والاستجارة، والاستغاثة كلها من نوع الدعاء أو الطلب، وهي ألفاظ متقاربة»، انظر «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٢٢٧).\n(٢) [٩٩٦٣]» رواه البخاري (٤٤٩٧).\n(٣) «الرد على البكري» (ص: ٩٥).\n(٤) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤٦).\n(٥) انظر في مناقشة من زعم جواز دعاء الأموات ما دام الداعي يعترف بأن الله هو الخالق: «تفسير المنار» (٢/ ٦٥)، و«الدر النضيد» للشوكاني (ص: ١٦ - ١٩) و«ضوابط التكفير» للقرني (ص: ١٣٩ - ١٤٨).","vol":"6","page":419},{"text":"ولذا يقول ابن تيمية: (كان من أتباع هؤلاء (المشركين) من يسجد للشمس والقمر، والكواكب ويدعوها كما يدعو الله تعالى يصوم لها، وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سببًا وواسطة لم أكن مشركًا. ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك) (١).\nوقد تمادى دعاة الوثنية في تجويز الاستغاثه بغير الله تعالى بحجة أن هؤلاء المستغيثين لا يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، حتى نفوا التأثير وأسقطوا الأسباب، فليس دعاء الأموات سببًا في حصول المطلوب، ولكنه مقترن (فقط) بحصول المطلوب!! (٢)\nويقول حسين بن مهدي النعمي: (لا يشترط في التنديد: أن ينتحل للسوى من الصفات والأسماء والفعال ما يختص به الحميد المجيد، بل هو أن تتكيف لذلك السوى بكيفية العابدية، وتتحقق أنت له بصفة المربوبية، وتقضي له بحالتك التي صنعتها، وصورة نعتك في عبادتك إياه فقط بأنه يربك ويربيك) (٣).\nولذا فقد غلط مرجئة المتكلمين ومن تبعهم عندما زعموا أن الشرك في الدعاء لا يكون شركًا إلا مع اعتقاد شريك مع الله سواء في ذاته أو في صفاته أو في أفعاله (٤)\nوأما وجه كون دعاء غير الله من نواقض الإيمان، وكذا الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة بغيره تعالى من نواقض الإيمان، فمن وجوه عديدة، منها ما يلي:\n(أ) من المعلوم أن الله تعالى هو الإله الحق، وأن معنى لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله تعالى وحده، فهو سبحانه وحده المستحق لجميع أنواع العبادة، والدعاء من أجل العبادات وأعظمها شأنًا، وقد سماه الله تعالى عبادة، كما قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠].\nوقال ﷾ في شأن إبراهيم ﵇: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ [مريم: ٤٨ - ٤٩].\nوقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٥ - ٦].\nوعن النعمان بن بشير ﵁ قال:\n_________\n(١) «درء التعارض» (١/ ٢٢٧، ٢٢٨).\n(٢) انظر لمعرفة أقوالهم والرد عليهم في كتاب «دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب» لعبد العزيز العبد اللطيف (ص: ٢٤٧ - ٢٥٠، ٢٧٠ - ٢٧٥).\n(٣) «معارج الألباب» (ص: ٢٤٣) وانظر (ص: ٢١٤).\n(٤) انظر لمزيد من التفصيل رسالة «ضوابط التكفير» للقرني (ص: ١٧٣).","vol":"6","page":420},{"text":"«سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠]» (١).\nفدعاء الله وحده إيمان وتوحيد، ودعاء غيره كفر وتنديد، فمن استغاث بغير الله تعالى فقد اتخذ مع الله ندًّا، وقد قال تعالى في حال من أشرك وجعل لله أندادًا ليضل عن سبيله: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار [الزمر: ٨] فكفره تعالى باتخاذ الأنداد، وهم الشركاء في العبادة (٢)\nوقد قال ﷺ: «من مات وهو يدعو لله ندًّا دخل النار» (٣).\nوإذا كان الدعاء عبادة لا يجوز صرفها إلا لله وحده، فمن أثبت لغير الله تعالى ما لا يكون إلا لله فهو كافر (٤)، وقد تقدم أن حد الشرك الأكبر هو صرف نوع أو فرد من العبادة لغير الله تعالى.\nيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب:\n(ومن أنواع العبادة الدعاء، كما كان المؤمنون يدعون الله وحده ليلًا ونهارًا في الشدة والرخاء، ولا يشك أحد أن هذا من أنواع العبادة، فتفكر رحمك الله فيما حدث في الناس اليوم من دعاء غير الله. في الشدة والرخاء، فهذا تلحقه الشدة في البر أو البحر، فيستغيث بعبد القادر أو شمسان أو نبي من الأنبياء، أو ولي من الأولياء أن ينجيه من هذه الشدة، فيقال لهذا الجاهل: إن كنت تعرف أن الإله هو المعبود، وتعرف أن الدعاء من العبادة، فكيف تدعو مخلوقًا ميتًا، وتترك الحي القيوم الحاضر الرؤوف الرحيم القدير؟) (٥).\nوجاء في كتاب (التوضيح عن توحيد الخلاق):\n(والداعي غير الله فيما لا يقدر عليه غيره ﷾ جاعل لله ندًّا من خلقه فيما يستحقه تعالى من الألوهية المقتضية للرهبة والرغبة، والاستعاذة، وذلك كفر بإجماع الأمة، لأن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته، فإنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب بالرغبة لديه، والفزع عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر بالعبودية مقهور بها، فكيف يصلح أن يكون إلهًا مرغوبًا مرهوبًا مدعوًّا؟) (٦).\n_________\n(١) [٩٩٧١]» رواه أبو داود (١٤٧٩) والترمذي (٢٩٦٩) وابن ماجه (٣٨٢٨) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٥٠) وأحمد (٤/ ٢٦٧) (١٨٣٧٨) وابن حبان (٨٩٠) والطبراني في «المعجم الصغير» (٢/ ٢٠٨) والحاكم (١/ ٦٦٧)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وقال البغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٥٨): حسن لا يعرف إلا من حديث ذر، وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١/ ٦٤): إسناده جيد، وقال الشوكاني في «فتح القدير» (١/ ٢٧٣): ثابت، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) انظر «الدرر السنية» (٢/ ٩٥، ٩٦).\n(٣) [٩٩٧٣]» رواه البخاري (٤٤٩٧).\n(٤) انظر «الرد على البكري» لابن تيمية (ص ٢١٤).\n(٥) «الدرر السنية» (٢/ ٥٤).\n(٦) «التوضيح عن توحيد الخلاق» لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب وآخرين، (ص ١٢٩)","vol":"6","page":421},{"text":"ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن (١) موضحًا أن الطلب من الأموات شرك ... (إن الاستمداد بالأموات والغائبين هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الاستمداد عبادة، والعبادة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله، وذلك أن الاستمداد نتيجته الاعتماد، والاعتماد هو معنى التوكل الذي هو من خصائص الإلهية وأجمعها لأعمال القلوب.\nكما أن مورد العبادة القلب واللسان والأركان، والمستمد لا يكون إلا داعيًا وراغبًا، وراهبًا، وخاشعًا، ومتذللًا، ومستعينًا، فإن الاستمداد طلب المدد بالقلب، واللسان، والأركان ولابد، وهذه الأعمال هي أنواع العبادة، فإذا كانت لله وحده، فقد آلهه العبد، فإذا صرف لغير الله تعالى، صار مألوها له) (٢).\nويقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين في هذا الشأن:\n(فمن صرف لغير الله شيئًا من أنواع العبادة، فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلهًا، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فر من تسمية فعله ذلك تألهًا وعبادة وشركًا، ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها ...\nفالشرك إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنًا مسبة للرب، وتنقصه وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد بتغيير اسمه، كتسميته توسلًا، وتشفعًا، وتعظيمًا للصالحين، وتوقيرًا لهم ونحو ذلك، فالمشرك مشرك شاء أم أبى ...) (٣).\n(ب) قد سمى الله تعالى دعاء غيره شركًا وكفرًا، وقد جاء هذا في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٤٠ - ٤١]\nوقوله ﷾: قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٦٣،- ٦٤].\nوقوله ﷿: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ [الأعراف: ٣٧].\nوقوله ﵎: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٣ - ٥٤].\nوقوله تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٦٥ - ٦٦].\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، ولد في الدرعية سنة ١١٩٣هـ، وتولى القضاء، وبعد سقوط الدرعية انتقل إلى مصر، ودرس على علمائها، ثم عاد إلى نجد، له مؤلفات، توفي بالرياض سنة ١٢٨٢ هـ. انظر: «مشاهير علماء نجد» (ص ٧٨)، و«علماء نجد» (١/ ٥٦).\n(٢) «الدرر السنية» (٩/ ١٥٢) بتصرف يسير\n(٣) «الدرر السنية» (٢/ ١٤٣، ١٤٤) بتصرف يسير","vol":"6","page":422},{"text":"وقوله سبحانه: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ [الروم: آية ٣٥].\nوقوله ﷿: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٣ - ١٤].\nوقوله تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: ٨].\n(جـ) إن دعاء المخلوق وقصده هو تشبيه للمخلوق الضعيف العاجز بالخالق القوي القادر، إذ الدعاء حق خالص لله وحده لا شريك له، فمن دعا غير الله فقد تنقص الرب جل وعلا، ووقع في أعظم الظلم وأشنعه كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣].\nوأيضًا فمن سأل مخلوقًا ما لا يقدر عليه إلا الله فهو من جنس مشركي العرب الذين يدعون الملائكة والأنبياء والتماثيل، ومن جنس سؤال النصارى للمسيح وأمه.\nوقد وضح ابن القيم حقيقة هذا التشبيه فقال: (حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به هذا هو التشبيه في الحقيقة، لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسول الله ﷺ، فعكس من نكس الله قلبه، وأعمى عين بصيرته وأركسه بلبسه الأمر، وجعل التوحيد تشبيهًا، والتشبيه تعظيمًا وطاعة، فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع، والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق) (١).\nإلى أن قال: (ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والتوكل والاستعانة ... كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لله وحده ويمنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله، ولشدة قبحه، وتضمنه غاية الظلم، أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة) (٢).\nويذكر ابن القيم المشبهة بقوله: (المشبهة هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة، والتعظيم والخضوع، والسجود له، والاستغاثة به ... فهؤلاء هم المشبهة حقًا) (٣).\nويقول ابن القيم أيضًا: (فأما القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء، الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه نقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن سوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر، وقبحه مستقر في الفطر السليمة فوق كل قبيح، يوضح هذا أن العابد معظم لمعبوده، متأله خاضع، ذليل له والرب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والجلال والتأله والخضوع، وهذا خالص حقه، فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره، أو يشرك بينه وبينه فيه) (٤).\nوعندما تحدث ابن تيمية عن معنى الواسطة بين الله تعالى وخلقه ... كان مما قاله:\n_________\n(١) «الجواب الكافي» (ص: ١٨٢).\n(٢) «الجواب الكافي» (ص: ١٨٢، ١٨٣).\n(٣) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٣٤٠، ٣٤١) باختصار\n(٤) «الجواب الكافي» (ص: ١٨٦).","vol":"6","page":423},{"text":"(وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه، كالحجاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون الملوك الحوائج للناس، لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادًا ...) (١)\nويقول في موضع آخر:\n(من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية، فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى) (٢).\nويقول أيضًا:\n(والعجب من ذي عقل سليم يستوحي من هو ميت، ويستغيث به، ولا يستغيث بالحي الذي لا يموت، فيقول أحدهم: إذا كانت لك حاجة إلى ملك توسلت إليه بأعوانه، فهكذا يتوسل إليه بالشيوخ. وهذا كلام أهل الشرك والضلال فإن الملك لا يعلم حوائج رعيته، ولا يقدر على قضائها وحده، ولا يريد ذلك إلا لغرض يحصل له بسبب ذلك، والله أعلم بكل شيء، يعلم السر وأخفى، وهو على كل شيء قدير، فالأسباب منه وإليه) (٣).\nويذكر ابن تيمية أن دعاء غير الله هو من جنس أفعال الكفار فيقول:\n(وأما من يأتي إلى قبر نبي أو صالح، أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك، ويسأله حاجته مثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض دوابه، أو يقضي دينه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، فهذا شرك صريح، يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل.\nوإن قال: أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع لي في هذه الأمور، لأني أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه. فهذا من أفعال المشركين والنصارى، فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء، يستشفعون بهم في مطالبهم، وكذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]) (٤).\n(د) أجمع أهل العلم على أن من دعا غير الله أو استغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فهو كافر خارج من الملة الإسلامية.\nيقول ابن تيمية:\n(فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين) (٥).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١/ ١٢٦).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١/ ١٢٦).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١/ ١٢٦).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٧٢) بتصرف يسير، وانظر (٢٧/ ٦٧، ٨١ - ٩٠، ٣/ ٢٧٥). و«قاعدة جليلة في التوسل» (ص ٤٩) و«الرد على البكري» (٥٥).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (١/ ١٢٤) وانظر «الإنصاف للمرداوي» (١٠/ ٣٢٧) و«كشاف القناع» للبهوتي (٦/ ١٦٨) و«غاية المنتهى» (٣/ ٣٣٧) والفروع (٣/ ٥٥٣)","vol":"6","page":424},{"text":"ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (١) معلقًا على هذا الإجماع: (وهو إجماع صحيح، معلوم بالضرورة من الدين، وقد نص العلماء من أهل المذاهب الأربعة، وغيرهم في باب حكم المرتد على أن من أشرك بالله فهو كافر، أي عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادة) (٢).\nويقول ابن تيمية أيضًا:\n(سؤال الميت والغائب نبيًّا كان أو غيره من المحرمات المنكرة باتفاق المسلمين، لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من أئمة المسلمين، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين أن أحدًا منهم كان يقول إذا نزلت به ترة (تبعة)، أو عرضت له حاجة لميت يا سيدي فلان، أنا في حسبك، أو اقض حاجتي كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين، ولا أحد من الصحابة ﵃ استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، لا عند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها) (٣).\nويقول في موضع ثالث: (وأما دعاء صفات الله وكلماته فكفر باتفاق المسلمين فهل يقول مسلم يا كلام الله اغفر لي وارحمني، وأغثني، أو أعني، أو يا علم الله، أو يا قدرة الله، أو يا عزة الله، أو يا عظمة الله ونحو ذلك) (٤).\nويقول ﵀:\n(إن دعاء غير الله كفر، ولهذا لم ينقل دعاء أحد من الموتى والغائبين لا الأنبياء ولا غيرهم عن أحد من السلف وأئمة العلم، وإنما ذكره بعض المتأخرين ممن ليس من أئمة العلم المجتهدين) (٥).\nويقول ابن عبد الهادي (٦): (ولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دون الله ويستغيث به، كان هذا شركًا محرمًا بإجماع المسلمين) (٧).\nوالآن نسوق جملة من كلام أهل العلم في هذا المبحث على النحو التالي:\n(قال ابن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم كفار عندي بهذه الأوضاع، مثل: تعظيم القبور وإكرامها بما نهى الشرع عنه، ومن إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالألواح، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ التراب تبركًا) (٨).\nويقول ابن تيمية:\n(فكل من غلا في حي، أو في رجل صالح ... وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول يا سيدي فلان اغفر لي، أو ارحمني، أو انصرني، أو ارزقني، أو أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال، التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له، ولا نجعل مع الله إلهًا آخر) (٩).\nويقول أيضًا:\n_________\n(١) ولد في الدرعية عام ١٢٠٠هـ اشتغل بالعلم والتدريس، وله عناية فائقة بالحديث، وتولى القضاء، وله مؤلفات، توفي مقتولًا سنة ١٢٣٣ هـ انظر: «علماء نجد» (١/ ٢٩٣) و«الأعلام» (٣/ ١٢٩)\n(٢) «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٢٩).\n(٣) «الرد على البكري» (ص: ٢٣١)\n(٤) «الرد على البكري» (ص: ٢٣١)\n(٥) «قاعدة جليلة» (ص: ٢٨٥)، وانظر «الرد على البكري» (ص: ٣١٢).\n(٦) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي، مقرئ، فقيه، أصولي محدث، له مؤلفات، توفي بدمشق سنة ٧٤٤ هـ. انظر: «الدرر الكامنة» (٣/ ٤٢١)، و«البدر الطالع» (٢/ ١٠٨).\n(٧) ([٩٩٩٥]) «الصارم المنكي) (ص ٤٣٦).\n(٨) «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (ص٤٥٥)\n(٩) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٥٩) باختصار، وانظر «قاعدة جليلة» (ص ٢٤٣، ٣٠٠)، والرد على الأخنائي (ص ٦١)، و«اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٠٣) و«مختصر الفتاوى المصرية» (ص ١٩١، ١٩٣، ١٩٥).","vol":"6","page":425},{"text":"(فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعوا أحدًا من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وإن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، ولكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، ولم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالفه، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن وقال: هذا أصل دين الإسلام) (١).\nويقول الأمير الصنعاني (٢):\n(من نادى الله ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا خوفًا وطمعًا، ثم نادى معه غيره، فقد أشرك في العبادة، فإن الدعاء من العبادة، وقد سماه الله تعالى عبادة في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر، آية ٦٠]، بعد قوله: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]) (٣).\nويقول حسين بن مهدي النعمي:\n(هذه العبادة بكيفيتها موضوعة للرب الأحد الصمد، السميع القريب المجيب، مالك الملك، والدعاء هذا مجراه، وهذه منزلته، فدعاء غير الله تعالى إخراج للدعاء عن محله وموضوعه، كقيامه بتلك الصلاة على تلك الكيفية للمقبور والحجر، سواء بسواء، والفصل بين الصلاة والدعاء فصل بين متآخيين، وإلا فليجعلوا للمقبور صلاة وصيامًا ونحوهما، يفارق الذم والتشريك، ويكون صالحًا خاليًا عن الفساد والمنكر، سبحانك ربنا، هذا بهتان عظيم.\nفما بال الدعاء الذي هو العلم المشهور في العبادة، وآيات التنزيل، بل هو في الحقيقة بداية الأمر ومشرعه، وقطب رحاه، سل من مركزه، واستنزل من شوامخ صياصيه، وهو أظهر وأشهر معنى من العبادة، وأكثر تنصيصًا وتعيينًا!) (٤).\nويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب:\n(فمن دعا غير الله طالبًا منه ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب نفع، أو دفع ضر فقد أشرك في عبادة الله، كما قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٦ - ٧].\nوقال تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٤ - ١٥]. فأخبر ﵎ أن دعاء غير الله شرك، فمن قال يا رسول الله، أو يا عبد الله بن عباس، أو يا عبد القادر، أو يا محجوب زاعمًا أنه يقضي حاجته إلى الله تعالى، أو أنه شفيعه عنده أو وسيلته إليه فهو الشرك الذي يهدر الدم، ويبيح المال إلا أن يتوب من ذلك) (٥).\nويقول الشيخ حمد بن ناصر بن معمر:\n_________\n(١) «الرد على البكري» (ص: ٣٧٦) وانظر «مجموعة الرسائل والمسائل» (١/ ٢٩).\n(٢) هو محمد بن إسماعيل الصنعاني، محدث فقيه أصولي، من أئمة اليمن، رحل إلى الحرمين له مؤلفات، توفي بصنعاء سنة ١١٨٢ هـ. انظر: «البدر الطالع» (٢/ ١٣٣) و«معجم المؤلفين» (٩/ ٥٦).\n(٣) «تطهير الاعتقاد» (ص: ٢٤)، وانظر (ص: ١٩).\n(٤) «معارج الألباب» (ص: ٢٢٥).\n(٥) «الدرر السنية» (٢/ ١٩)","vol":"6","page":426},{"text":"(لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والردة، ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله بالنهي عنه والتحذير من فعله والوعيد عليه) (١).\nوقال الشوكاني:\n(وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والنداء والاستغاثة، والرجاء، واستجلاب الخير، واستدفاع الشر له ومنه، لا لغيره ولا من غيره فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: ١٨]، لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ [الرعد: ١٤]) (٢).\nويقول أيضًا: (فإن الشرك هو دعاء غير الله الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه، ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكًا بالصنم والوثن والإله لغير الله زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد كما يفعله كثير من المسلمين، بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن، إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه، سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية، أو أطلق عليه اسمًا آخر، فلا اعتبار بالاسم قط) (٣).\nويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في هذا المقام:\n(من المستحيل شرعًا وفطرة وعقلًا أن تأتي هذه الشريعة المطهرة الكاملة بإباحة دعاء الموتى، والغائبين والاستغاثة بهم في المهمات والملمات) (٤).\nويقول أيضًا:\n(الأدلة والنصوص متواترة متظاهرة على أن طلب الحوائج من الموتى والتوجه إليهم شرك محرم، وأن فاعله من أسفه السفهاء، وأضل الخلق، وأنه ممن عدل بربه، وجعل له أندادًا وشركاء في العبادة التي لا تصلح لسواه، ولا تنبغي لغيره) (٥).\nويقول محمد رشيد رضا:\n(فمن دعا إلى عبادة نفسه، فقد دعا الناس إلى أن يكونوا عابدين له من دون الله، وإن لم ينههم عن عبادة الله ... ومن جعل بينه وبين الله واسطة في العبادة كالدعاء فقد عبد هذه الواسطة من دون الله؛ لأن هذه الواسطة تنافي الإخلاص له وحده، ومتى انتفى الإخلاص انتفت العبادة، ولذلك قال تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٢ - ٣] فلم يمنع توسطهم بالأولياء إليه تعالى أن يقول إنهم اتخذوهم من دونه) (٦).\nويقول أيضًا:\n(ومن الناس من يسمون أنفسهم موحدين، وهم يفعلون مثل ما يفعل جميع المشركين، ولكنهم يفسدون في اللغة كما يفسدون في الدين، فلا يسمون أعمالهم هذه عبادة، وقد يسمونها توسلًا وشفاعة، ولا يسمون من يدعونهم من دون الله أو مع الله شركاء، ولكن لا يأبون أن يسموهم أولياء وشفعاء وإنما الحساب والجزاء على الحقائق لا على الأسماء.\nإلى أن قال ومن تأمل تعبير الكتاب العزيز عن العبادة بالدعاء في أكثر الآيات الواردة في ذلك وهي كثيرة جدًا، يعلم كما يعلم من اختبر أحوال البشر في عباداتهم أن الدعاء هو العبادة الحقيقية الفطرية التي يثيرها الاعتقاد الراسخ من أعماق النفس ولاسيما عند الشدة) نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف- ص ١٣٩\n_________\n(١) «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٤/ ٦٠٢).\n(٢) الدر النضيد (ضمن الرسائل السلفية) (ص: ١٧).\n(٣) الدر النضيد (ضمن الرسائل السلفية) (ص: ١٨).\n(٤) «دلائل الرسوخ» (ص: ٧٩).\n(٥) «مصباح الظلام» (ص: ٢٥٢).\n(٦) «تفسير المنار» (٣/ ٣٤٧)","vol":"6","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1876>المبحث الثاني: شرك التشريع والحكم بغير ما أنزل الله</span>\nقال ابن أبي العز شارح (الطحاوية) (١): (وهنا (٢) أمر يجب أن يُتفطَّن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرًا ينقل عن الملَّة، وقد يكون معصيةً كبيرةً أو صغيرةً، ويكون كفرًا: إما مجازيًّا، وإما كفرًا أصغر، على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحكم: فإنه إن اعتقد أنَّ الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخيَّر فيه، أو استهان به، مع تيقنه أنه حكم الله؛ فهذا كفرٌ أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة (٣)، وعدل عنه، مع اعترافه بأنه مستحقٌّ للعقوبة؛ فهذا عاصٍ، ويسمى كافرًا كفرًا مجازيًّا أو كفرًا أصغر، وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطائه؛ فهذا مخطئ، له أجرٌ على اجتهاده، وخطؤه مغفور) (٤).اهـ.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الفتاوى): (ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله؛ لا بين المسلمين، ولا الكفار، ولا الفتيان، ولا رماة البندق، ولا الجيش، ولا الفقراء، ولا غير ذلك؛ إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك؛ تناوله قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:٥٠]، وقوله تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:٦٥]؛ فيجب على المسلمين أن يحكِّموا الله ورسوله في كل ما شجر بينهم ...) (٥).\nوقال أيضًا: (وولي الأمر إن عرف ما جاء به الكتاب والسنة؛ حكم بين الناس به، وإن لم يعرفه وأمكنه أن يعلم ما يقول هذا وما يقول هذا، حتى يعرف الحق؛ حكم به، وإن لم يمكنه لا هذا ولا هذا؛ ترك المسلمين على ما هم عليه، كل يعبد الله على حسب اجتهاده، وليس له أن يلزم أحدًا بقبول قول غيره، وإن كان حاكمًا.\nوإذا خرج ولاة الأمور عن هذا؛ فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم؛ قال النبي ﷺ: «ما حكم قوم بغير ما أنزل الله؛ إلا وقع بأسهم بينهم» (٦).\nوهذا من أعظم أسباب تغيُّر الدول؛ كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا.\n_________\n(١) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص٣٢٣).\n(٢) ذكر الشارح هذا الكلام عند شرحه لقول الطحاوي: «ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله». انظر: (ص٢٦٧).\n(٣) هو هنا ﵀ يتحدث عن الوقائع والقضايا الحالَّة.\n(٤) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص٣٢٣).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٤٠٧ - ٤٠٨).\n(٦) رواه ابن ماجه (٤٠١٩)، والحاكم (٤/ ٥٤٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٣٣٣). من حديث ابن عمر ﵄. ولفظ ابن ماجه: «وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيَّروا مما أنزل الله؛ إلا جعل الله بأسهم بينهم»، وأوله: «يا معشر المهاجرين ..». قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٤/ ١٨٥ - ١٨٦): هذا حديث صالح العمل به. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (رقم ١٠٦).","vol":"6","page":428},{"text":"ومن أراد الله سعادته؛ جعله يعتبر بما أصاب غيره، فيسلك مسلك من أيَّده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه؛ فإن الله يقول في كتابه: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:٤٠ - ٤١].\nفقد وعد الله بنصر من ينصره، ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله، لا نصر من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما لا يعلم؛ فإن الحاكم إذا كان ديِّنًا، لكنه حكم بغير علم؛ كان من أهل النار، وإن كان عالمًا؛ لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه؛ كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم؛ كان أولى أن يكون من أهل النار.\nوهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص، وأما إذا حكم حكمًا عامًّا في دين المسلمين (١)، فجعل الحق باطلًا والباطل حقًّا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ونهى عما أمر الله به ورسوله؛ فهذا لون آخر، يحكم فيه رب العالمين، وإله المرسلين، مالك يوم الدين، الذي لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون [القصص:٧٠]، الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا [الفتح:٢٨]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (٢).\nأقوال العلماء في التشريع العام:\n١ - قول العلامة ابن حزم الأندلسي:\n(لا خلاف بين اثنين من المسلمين ... أن من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأتِ بالنص عليه وحي في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام) (٣).\n٢ - قول شيخ الإسلام ابن تيمية:\n(نُسَخُ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما فيها، ومن عمل اليوم بشرائعها المبدَّلة والمنسوخة فهو كافر) (٤).\n٣ - قول الحافظ ابن القيم:\n(قالوا: وقد جاء القرآن وصحَّ الإجماع بأنَّ دين الإسلام نَسَخَ كل دين كان قبله، وأنَّ من التزم ما جاءت به التوراة والإنجيل ولم يتبع القرآن فإنَّه كافر، وقد أبطل الله كلَّ شريعة كانت في التوراة والإنجيل وسائر الملل، وافترض على الجن والإنس شرائع الإسلام؛ فلا حرام إلا ما حرمه الإسلام، ولا فرض إلا ما أوجبه الإسلام) (٥).\n٤ - قول الحافظ ابن كثير:\n(من ترك الشرع المحكم المنزل على محمد خاتم الأنبياء ﵊، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة؛ كفر. فكيف بمن تحاكم إلى الياسق (٦) وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين) (٧).\n_________\n(١) شيخ الإسلام هنا يفرق بين الحكم في قضية معينة والحكم العام أو التشريع العام، واعلم أن الحكم في قضية أو قضايا معينة كفر وذنب عظيم، وهو من باب كفر دون كفر، أمَّا التشريع العام فنصوص العلماء قديمًا وحديثًا - بل قد نَقَل ابن حزم وابن القيم وابن كثير الإجماع - على أنه كفر أكبر مخرج من الملة، كثيرة جدًا، ويمكن جمعها في كتاب، لكن سأكتفي هنا بنقل بعضٍ منها.\n(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٣٨٧ - ٣٨٨).\n(٣) «الإحكام في أصول الأحكام» (٥/ ١٧٣).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢٠٠)، بتصرف يسير.\n(٥) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٥٩). قال السقاف: إذا كان من اتبع التوراة أو الإنجيل عند ابن حزم وابن تيمية وابن القيم كافرًا؛ فكيف بمن اتبع القوانين الوضعية التي هي من صنع البشر وحثالة عقولهم؟!\n(٦) و(الياسق) ويقال: (الياسا): هي قوانين جنكيز خان التتاري الذي ألزم الناس بالتحاكم إليها.\n(٧) «البداية والنهاية» (١٣/ ١١٩).","vol":"6","page":429},{"text":"وقال في تفسير سورة المائدة (الآية -٥٠): (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خيرٍ، الناهي عن كل شرٍّ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال (١) بلا مستند من شريعة الله ... ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. ملحق العقيدة الواسطية لعلوي بن عبد القادر السقاف – ص: ١٨\nلقد وصف الله الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف:\nقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:٤٤].\nوقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:٤٥].\nوقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:٤٧].\nواختلف أهل العلم مع ذلك:\nفقيل: إن هذه الأوصاف لموصوف واحد، لأن الكافر ظالم، لقوله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:٢٥٤]، وفاسق، لقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ [السجدة:٢٠]، أي: كفروا.\nوقيل: إنها لموصوفين مُتعدِّدين، وإنها على حسب الحكم، وهذا هو الراجح.\nفتكون كافرًا في ثلاثة أحوال:\nأ- إذا اعتقدت جواز الحكم بغير ما أنزل الله، بدليل قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة:٥٠]، فكل ما خالف حكم الله، فهو من حكم الجاهلية، بدليل الإجماع القطعي على أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله فالمُحلُّ والمُبيح للحكم بغير ما أنزل الله مخالف لإجماع المسلمين القطعي، وهذا كافر مرتد، وذلك كمن اعتقد حلَّ الزنا أو الخمر أو تحريم الخبز أو اللبن.\nب- إذا اعتقدت أن حكم غير الله مثل حكم الله.\nجـ- إذا اعتقدت أن حكم غير الله أحسن من حكم الله.\nبدليل قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائده:٥٠]، فتضمنت الآية أن حكم الله أحسن الأحكام، بدليل قوله تعالى مقررًا ذلك: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين:٨]، فإذا كان الله أحسن الحاكمين أحكامًا وهو أحكم الحاكمين؛ فمن ادَّعى أن حكم غير الله مثل حكم الله أو أحسن فهو كافر لأنه مُكذّب للقرآن.\nويكون ظالمًا: إذا اعتقد أن الحكم بما أنزل الله أحسن الأحكام، وأنه أنفع للعباد والبلاد، وأنه الواجب تطبيقه، ولكن حمله البغض والحقد للمحكوم عليه حتى حكم بغير ما أنزل الله، فهو ظالم.\nويكون فاسقًا: إذا كان حكمه بغير ما أنزل الله لهوي في نفسه مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، لكن حكم بغيره لهوى في نفسه، أي محبة لما حكم به لا كراهية لحكم الله ولا ليضر أحدًا به، مثل: أن يحكم لشخصٍ برشوةٍ رُشِيَ إياها، أو لكونه قريبًا أو صديقًا، أو يطلب من ورائه حاجة، وما أشبه ذلك مع اعتقاده بأن حكم الله هو الأمثل والواجب اتباعه، فهذا فاسق، وإن كان أيضًا ظالمًا، لكن وصف الفسق في حقه أولي من وصف الظلم.\nأما بالنسبة لمن وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله وبمخالفة هذه القوانين لحكم الله، فهذا قد بدل الشريعة بهذه القوانين، فهو كافر لأنه لم يرغب بهذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه خير للعباد والبلاد من شريعة الله، وعندما نقول بأنه كافر، فنعني بذلك أن هذا الفعل يوصل إلى الكفر.\nولكن قد يكون الواضع له معذورًا، مثل أن يغرر به كأن يقال: إن هذا لا يخالف الإسلام، أو هذا من المصالح المرسلة، أو هذا مما رده الإسلام إلى الناس ...\nومن سَنَّ قوانين تخالف الشريعة وادَّعى أنها من المصالح المرسلة، فهو كاذب في دعواه؛ لأن المصالح المرسلة والمقيدة إن اعتبرها الشرع ودل عليها فهي حق ومن الشرع، وإن لم يعتبرها، فليست مصالح، ولا يمكن أن تكون كذلك، ولهذا كان الصواب أنه ليس هناك دليل يسمى بالمصالح المرسلة، بل ما اعتبره الشرع، فهو مصلحة، وما نفاه، فليس بمصلحة، وما سكت عنه، فهو عفو ... القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٢/ ٢٢٣\n_________\n(١) ليس هناك وصف للقوانين الوضعية أبلغ من هذا الوصف: آراء وأهواء واصطلاحات وضعها الرجال.","vol":"6","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1877>المبحث الثالث: أمثلة أخرى لنواقض الإيمان بالفعل</span>\n١ - السجود لغير الله تعالى، والنذر لغير الله سبحانه، والذبح لغيره تعالى.\n٢ - السخرية باسم من أسماء الله تعالى، أو بأمره، أو وعيده، أو ذكر اسم الله تعالى عند تعاطي الخمر والزنا والدخان؛ استخفافًا.\n٢ - الاستهانة بالمصحف الشريف، أو إلقاؤه في القاذورات، أو دوسه بالقدم متعمدًا، أو الإشارة إليه باليد أو بالقدم أو بالشفة؛ إشارة استهانة، أو قراءته على ضرب الدف على سبيل الاستخفاف، وهكذا فعل أمثال هذه الأشياء بحديث رسول الله ﷺ.\n٣ - الطواف بالأضرحة وقبور الأولياء والصالحين؛ من أجل التقرب إليهم.\n٤ - إظهار المقت والكراهية عند ذكر الله تعالى، أو عند ذكر رسوله ﷺ، أو عند ذكر الإسلام، أو عند الدعوة إليه.\n٥ - لبس شيء من شعار الكفار؛ كالصليب، أو قلنسوة المجوس، ونحوه مما هو خاص بشعائرهم الدينية؛ عالمًا، عامدًا، راضيًا بذلك.\n٦ - مشاركة أهل الكفر في عباداتهم؛ كصلاتهم ونحوها.\n٧ - هدم معالم الإسلام؛ كهدم المساجد لأجل ما يفعل فيها من العبادة.\n٨ - بناء دور العبادة للكفار، أو إعانتهم على ذلك؛ كبناء الكنائس ونحوها.\n٩ - أن يعمل فعلًا أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر.\n١٠ - تعلم السحر، وتعاطيه، وتعليمه.\n١١ - الإعراض التام عن دين الإسلام لا يتعلمه ولا يعمل به.\n١٢ - عدم تكفير الكفار من الملحدين والمشركين والمرتدين، وموالاتهم، أو إظهار موافقتهم على دينهم، والتقرب إليهم بالأقوال والأفعال والنوايا.\n١٣ - عدم إفراد الله تعالى بالحكم والتشريع، كالحكم بغير ما أنزل الله، أو التشريع المخالف لشرع الله، وتطبيقه، والإلزام به: فمن شرع حكمًا غير حكم الله تعالى، وحكمه في عباده، أو بدل شرع الله تعالى، أو عطله، ولم يحكم به، واستبدل به حكمًا طاغوتيًّا وحكم به؛ فهذا كفر أكبر؛ لأنه ناقض من نواقض الإيمان وردة عن الإسلام.\nولا يشترط فيه الاستحلال؛ لأن فعله إباء وامتناع عن الالتزام بشرع الله تعالى، وتشريع من دون الله، وكره واحتقار لما جاء به الله، ودليل على تسويغه اتباع غير شرع الله، ولو لم يصرح بلسانه؛ لأن لسان الحال أقوى من لسان المقال.\nوذلك لأن التشريع والتحليل والتحريم من خصائص الله تعالى، فهو حق خالص لله وحده لا شريك له؛ فالحلال ما أحله الله ورسوله ﷺ، والحرام ما حرمه الله ورسوله ﷺ، والدين ما شرعه الله ورسوله ﷺ؛ فمن شرع من دون الله، أو ألزم الناس بغير شرع الله؛ فقد نازع الله فيما اختص به ﷾، وتعدى على حق من حقوقه، وأعاره لنفسه، ورفض شريعة الله؛ فهذا العمل شرك بالله تعالى، وصاحبه مشرك ضال ضلالًا بعيدًا.\nوأما من تحاكم إلى الطاغوت، أو حكمه في نفسه، أو في غيره؛ ثم ادعى الإيمان؛ فهذه دعوى كاذبة لا وزن لها عند رب العالمين؛ لأن الله تعالى جعل طاعته وطاعة رسوله ﷺ من لوازم الإيمان ومقتضياته.\n١٤ - ترك الصلاة – وإن كان مقرًا بوجوبها – من الكفر الأكبر المخرج من الملة؛ لأن باعث الإعراض عن الطاعة بالكلية فقدان عمل القلب الذي هو شرط لصحة الإيمان.\nوالصلاة هي آكد الأعمال التي لا يصح إيمان العبد بدون شيء منها، وهي أعظم الواجبات وأدلها وأجلها.\nوهي كذلك أعظم قرينة دالة على إسلام المرء؛ تمنع من تكفيره، أو إساءة الظن فيه، قال النبي ﷺ.\n«من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله؛ فلا تخفروا الله في ذمته» (١). الإيمان، حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن عبد الحميد الأثري – ص: ٣٠٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٩١). من حديث أنس ﵁.","vol":"6","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1881>تمهيد</span>\nاشتهر هذا المعتقد عند غلاة الصوفية والباطنية، ويعبرون عنه بتعبيرات مختلفة مؤداها واحد.","vol":"6","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1882>المطلب الأول: رأي من يعتقد هذا الاعتقاد باختصار</span>\nيقول داعيهم الباطني سنان بن راشد الدين: إن الإنسان متى عرف الصورة الدينية فقد عرف حكم الكتاب، ورفع عنه الحساب، وسقط عنه التكليف، وسائر الأسباب (١).\nويقول الداعي الإسماعيلي طاهر بن إبراهيم الحارثي اليماني: حجج الليل هم أهل الباطن المحض، المرفوع عنهم في أدوار الستر التكاليف لعلو درجاتهم (٢)، وينسبون إلى جعفر بن محمد الباقر قوله: من عرف الباطن فقد سقط عنه عمل الظاهر ... ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر (٣)، ويقول أحد الدعاة الباطنيين: من عرف هذا الباطن فقد عمل الظاهر وإنما وضعت الأصفاد والأغلال على المقصرين، أما من بلغ وعرف هذه الدرجات التي قرأتها عليك فقد أعتقته من الرق ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر (٤).\nهذا عن الباطنية، أما المتصوفة فقد قال عنهم الإمام الأشعري ﵀: وفي النسّاك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى درجة تزول فيها عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم من الزنا وغيره مباحات لهم (٥).\n_________\n(١) كتاب «شيخ الجبل الثالث المصطفي غالب» (ص: ١٤١)، نقلًا عن «أصول الإسماعيلية» (٢/ ٨٣١)، رسالة دكتوراه، د. سليمان السلومي (مخطوط).\n(٢) «الأنوار اللطيفة» (ص: ١٠٢).\n(٣) «الهفت الشريف» للمفضل الجعفي (ص: ٤٢)، تحقيق غالب الإسماعيلي.\n(٤) «الهفت الشريف» (ص: ٦٥).\n(٥) «مقالات الإسلاميين» (ص: ٢٨٩).","vol":"6","page":433},{"text":"وقالوا: إذا وصلت إلى مقام اليقين سقطت عنك العبادة، مؤولين قول الله ﷿: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:٩٩] (١)، وقال عنهم الإمام ابن حزم: (ادعت طائفة من الصوفية أن في أولياء الله تعالى من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل، وقالوا: من بلغ من الولاية سقطت عنه الشرائع كلها من الصلاة والصيام والزكاة، وغير ذلك، وحلت له المحرمات كلها من الزنا والخمر وغير ذلك، واستباحوا بهذا نساء غيرهم، وقالوا: بأننا نرى الله، ونكلمه، وكل ما قذف في قلوبنا فهو حق ...) (٢)، وصور الإمام ابن الجوزي حال هؤلاء فقال: (إن قومًا منهم داموا على الرياضة مدة فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا: لا نبالي الآن ما عملنا وإنما الأوامر والنواهي رسوم للعوام، ولو تجوهروا لسقطت عنهم، قالوا: وحاصل النبوة ترجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام، ولسنا من العوام، فندخل في حجر التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة ...) (٣)، وأطال شيخ الإسلام في وصف حال هؤلاء فقال: (ومن هؤلاء من يستحل بعض الفواحش: كاستحلال مؤاخاة النساء الأجانب، والخلو بهن، زعمًا منه أنه يحصل لهن البركة بما يفعله معهن، وإن كان محرمًا في الشريعة، وكذلك يستحل ذلك مع المردان ويزعم أن التمتع بالنظر إليهم ومباشرتهم هو طريق لبعض السالكين حتى يترقى من محبة المخلوق إلى محبة الخالق، ويأمرون بمقدمات الفاحشة الكبرى، وقد يستحلون الفاحشة الكبرى ...) (٤)، وقال عنهم: (ومن هؤلاء من يحتج بقوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:٩٩]، ويقول معناه: اعبد ربك حتى يحصل لك العلم والمعرفة، فإذا حصل ذلك سقطت العبادة، وربما قال بعضهم: اعمل حتى يحصل لك حال، فإذا حصل لك حال تصوفي سقطت عنك العبادة، وهؤلاء فيهم من إذا ظن حصول مطلوبه من المعرفة والحال استحل ترك الفرائض، وارتكاب المحارم) (٥)، وربما احتج بعضهم: بقصة موسى والخضر فيحتجون بها على وجهين: أحدهما: أن يقولون: إن الخضر كان مشاهدًا للإرادة الربانية الشاملة، والمشيئة الإلهية العامة، وهي (الحقيقة الكونية)؛ فلذلك سقط عنه الملام فيما خالف فيه الأمر والنهي الشرعي، ... وأما الوجه الثاني: فإن من هؤلاء من يظن: أن من الأولياء من يسوغ له الخروج عن الشريعة النبوية، كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى، وأنه قد يكون للولي في المكاشفة والمخاطبة ما يستغني به عن متابعة الرسول في عموم أحواله أو في بعضها، وكثير منهم يفضل الولي في زعمه إما مطلقًا، وإما من بعض الوجوه على النبي، زاعمين أن قصة الخضر حجة لهم ... (٦).\n_________\n(١) «إتحاف السادة» للزبيدي (٨/ ٢٧٨).\n(٢) «الفصل» (٤/ ٢٢٦).\n(٣) «تلبيس إبليس» (ص: ٤٩٦).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٥).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤١٧).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٢٠ - ٤٢٢).","vol":"6","page":434},{"text":"وكثيرًا ما يحكي الصوفية قصصًا وروايات عمن يسمونهم الأولياء، تتضمن هذه القصص سقوط الفرائض، أو بعضها عنهم، بل ويحكى عنهم فعل الفواحش والمنكرات واستحلالها، وفي (طبقات الشعراني)، و(جامع كرامات الأولياء) للنبهاني من ذلك الكثير، فمنه مثلًا: ما ذكره العطار عن ذي النون المصري أنه نصح أحد مريديه بترك الصلاة، فعلق العطار قائلًا: لو سأل سائل ما الحكمة في الأمر بترك الصلاة؟ فالجواب: إن الطريقة أحيانًا تخالف ظاهر الشريعة كقتل الخضر الولد بدون سبب ظاهري، فإذًا لا إنكار في الطريقة على مثل هذه الأمور. وحكي عن العطار نفسه أنه كان تاركًا للصلاة وكان يقول: إن الله رفع عني فريضة الصلاة (١).\nوذكر الشعراني (٢) في آخر كتابه (الطبقات الكبرى) مشايخه الذين أدركهم في القرن العاشر، فقال: (وفيهم سيدي بركات الخياط رضي الله تعالى عنه: كان ﵁ من الملامتية) (٣)\nقال: (مدحته للشيخ جمال الدين الصائغ مفتي الجامع الأزهر وجماعة فقالوا: امضوا بنا نزوره وكان يوم جمعة فسلم المؤذن على المنارة، فقالوا: نصلي الجمعة، فقال: ما لي عادة بذلك، فأنكروا عليه، فقال: نصلي اليوم لأجلكم ...) (٤).\n(ومنهم: سيدي الشريف المجذوب - ﵁ ورحمه - وكان ﵁ يأكل في نهار رمضان، ويقول: أنا معتوق، أعتقني ربي ...) (٥)، (ومنهم: الشيخ شعبان المجذوب، وذكر من أحواله أنه كان يقرأ سورًا غير السور التي في القرآن على كرسي المساجد يوم الجمعة وغيرها، ... وكان يرى حلال زينة الدنيا كالحرام في الاجتناب، وكان الخلائق تعتقده اعتقادًا زائدًا لم أسمع قط أحدا ينكر عليه شيئًا من حاله، بل يعدون رؤيته عيدًا عندهم ...) (٦).\nلعل فيما ذكرنا كفاية وغنية يتبين من خلالها إتيان الصوفية للمحظور وتركهم الواجب وادعائهم أن بعض الناس، يصل إلى درجة يسقط عنه التكليف، ويستغني عن الشريعة وعن متابعة النبي ﷺ (٧). نواقض الإيمان الاعتقادية لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي - ٢/ ٧٤\n_________\n(١) «تذكرة الأولياء» لفريد الدين العطار (ص: ٧٣، ٨٦) نقلًا عن: «دراسات في التصوف» إحسان إلهي ظهير ﵀ (ص: ٩٨).\n(٢) هو: عبدالوهاب بن أحمد بن علي الشعراني، فقيه، أصولي، من أعلام الصوفية، ولد في قلقشنده بمصر سنة ٨٩٨ هـ له تصانيف كثيرة منها: «الجوهر المصون والسر المرقوم» و«لواقح الأنوار في طبقات الأخيار» توفي سنة ٩٧٣ هـ. انظر: «شذرات الذهب» لابن العماد الحنبلي (٨/ ٣٧٢)، «فهرس الفهارس» للكتاني (٢/ ٤٠٥)، «معجم المؤلفين» لعمر كحالة (٢١٨).\n(٣) الملامتية: ومقصودهم الظهور بين الناس بالمظاهر التي لا تتفق مع الشرع؛ كإتيان البهائم، وشرب الخمور، والسرقة ليستروا عن الناس ولايتهم - زعموا - وليستجلبوا ملامة الناس وتأنيبهم فيسقطوا من أعينهم، ومن أشهر رجالهم: حمدون القصار، وأبو حفص الحداد. انظر: «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (ص: ٤٨٢،٤٩١)، «دراسات في التصوف الإسلامي»، د. محمد جلال شرف، «الكشف عن حقيقة التصوف» لمحمود القاسم (ص: ٣٥٥).\n(٤) «الطبقات الكبرى» (٢/ ١٤٤).\n(٥) «الطبقات الكبرى» (٢/ ١٥٠).\n(٦) «الطبقات الكبرى» (٢/ ١٨٥، ١٨٦).\n(٧) يراجع في هذا  mm  المبحث: «التصوف المنشأ والمصادر» لإحسان إلهي ظهير - ﵀ - (٢٦٠ - ٢٧٣)، «أصول الإسماعيلية» رسالة دكتوراه (مخطوطة) د. سليمان السلومي (٢/ ٨٣٤ - ٨٤١)، ورسالة «التكفير والمكفرات» رسالة ماجستير (مخطوطة) حسن بن علي العواجي (٢/ ٤٥٥ - ٤٦٦).","vol":"6","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1883>المطلب الثاني: الرد على هذا الادعاء</span>\nالرد على هذه الفكرة بشكل مجمل:\n١ - التكاليف الشرعية مشروطة بالعلم والقدرة، فمتى ما تحققت وجب العمل، ولذلك يسقط التكليف عمن لا يمكنه العلم كالطفل والمجنون، كما يسقط عمن يعجز، كسقوط الجهاد عن الأمي والأعرج والمريض، وكما لا تجب الطهارة بالماء، والصلاة قائمًا، والصوم على من يعجز عنه (١) ... الخ، أما غير هؤلاء فلا يسقط عنهم شيء من التكاليف باتفاق المسلمين.\n٢ - أعظم الناس درجة ومنزلة ومعرفة لله ﷿ هم الأنبياء والمرسلون ومع ذلك لم يستغنوا عن الشريعة، بل كانوا أشد الناس عبادة وإقامة للشعائر، واجتنابًا للفواحش والمنكرات.\n٣ - معلوم إجماع العلماء على كفر من استحلّ محرمًا من المحرمات الظاهرة المتواترة، وكفرِ جاحدٍ أو منكرٍ واجبًا من الواجبات الظاهرة والمتواترة، فكيف بمن يستحل جميع المحرمات، وجحد جميع الواجبات؟\n٤ - من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لمن بلغته دعوة الرسول ﷺ، أن يتبع شريعة رسول غيره كموسى وعيسى - ﵈ -، فإذا لم يجز الخروج من شريعته إلى شريعة رسول، فكيف بالخروج عن شريعته، وعن الرسل جميعًا؟ (٢).\n٥ - حقيقة الولاية تُنال بتقوى الله ﷿ والتزام الأوامر والنواهي: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، وكلما ازداد المرء عبوديةً وعلمًا ازدادت واجباته وصار مطالبًا بأمور وزيادات لا يطالب بها من لم يصل إلى ذلك، لا أنه يخلع عن عنقه ربقة التكليف.\n٦ - أما استدلالهم بقوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:٩٩]، فهي عليهم لا لهم، قال الحسن البصري: إن الله لم يجعل لعمل المؤمنين أجلًا دون الموت، وقرأ قوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، وذلك أن اليقين هنا الموت وما بعده باتفاق علماء المسلمين، وذلك مثل قوله: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ إلى قوله: وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:٤٢ - ٤٧] فهذا قالوه وهم في جهنم، وأخبروا أنهم كانوا على ما هم عليه من ترك الصلاة والزكاة والتكذيب بالآخرة، والخوض مع الخائضين حتى أتاهم اليقين، ومعلوم أنهم مع هذا الحال لم يكونوا مؤمنين بذلك في الدنيا، ولم يكونوا مع الذين قال الله فيهم: وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة:٤]، وإنما أراد بذلك أنه أتاهم ما يوعدون، وهو اليقين ... (٣). ويقول الإمام ابن كثير: ويستدل بها (أي هذه الآية) على تخطئة من ذهب من الملاحدة، إلى أن المراد باليقين المعرفة فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء ﵈ كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادةً ومواظبةً على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين ههنا الموت كما قدمنا (٤).\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٤٤).\n(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٢٢).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤١٨، ٤١٩)، وانظر: (١١/ ٥٣٩، ٥٤٠).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٦٠).","vol":"6","page":436},{"text":"٧ - وأخيرًا نأتي إلى أشهر استدلالاتهم، وهو احتجاجهم بقصة الخضر مع موسى التي وردت في القرآن الكريم في سورة الكهف ووردت في (صحيح البخاري) وغيره، فقد جعلوا هذه القصة دليلًا على أن هناك ظاهرًا شرعيًا، وحقيقة صوفية تخالف الظاهر، وجعلوا إنكار علماء الشريعة على علماء الحقيقة أمرًا مستغربًا، وجعلوا الخضر مصدرًا للوحي والإلهام، ونسبوا طائفة كبيرة من علومهم التي ابتدعوها إلى الخضر، وليس منهم صغير أو كبير ممن دخل في طريقهم إلا وادعى لقيا الخضر والأخذ عنه، كما زعموا أن الخضر حي إلى أبد الدهر، وأن علمه علم لدني موهوب له من الله، بغير وحي الأنبياء، وأن هذه العلوم تنزل إلى جميع الأولياء في كل وقت قبل البعثة وبعدها (١) ... إلخ، هذه الخيالات والخزعبلات، كل هذه الأشياء لا تعنينا هنا، فهي تحتاج إلى دراسات موسعة، وقد ألف في شأن الخضر عدة كتب (٢)، وإنما الذي يهمنا في هذا المبحث دعوى: أن بعض الأولياء يسوغ له الخروج عن الشريعة، لأن الخضر وهو من أعظم الأولياء خرج عن شريعة موسى.\nيجيب على هذه الدعوى الإمام ابن تيمية﵀- في عدة مواضع من كتبه (٣)، - وستأتي إجابته في المطلب الثالث - قال ابن عباس ﵁: حدثني أُبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «موسى رسول الله ﵇ قال: ذكر الناس يومًا، حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولَّى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحدًا أعلم منك؟ قال: لا فعتب عليه إذ لم يرد العلم إلى الله، قيل: بلى. قال: أي رب فأين؟ قال: بمجمع البحرين ... إلى أن لقي الخضر، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه وقال: بأرض من سلام؟ (٤) من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدًا ... يا موسى، إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه ...» (٥) ثم ذكر باقي القصة المذكورة في القرآن.\nوالآن نأتي إلى ردّ الإمام ابن تيمية على هذه الشبهة، قال رحمه الله تعالى: الأول: موسى ﵇ لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولا كان على الخضر اتباعه، فإن موسى كان مبعوثًا إلى بني إسرائيل، وأما محمد ﷺ فرسالته عامة لجميع الثقلين الجن والإنس (٦)، ولو أدركه من هو أفضل من الخضر: كإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم اتباعه، فكيف بالخضر سواء كان نبيًا أو وليًا؟ ولهذا قال الخضر لموسى: أنا على علمٍ من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه. وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ أن يقول مثل هذا.\n_________\n(١) انظر: «الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة» د. عبدالرحمن عبد الخالق (ص: ١٢٥).\n(٢) رصد بعض الباحثين أكثر من عشرين كتابًا، أُلِّفت عن الخضر، من أشهرها: «الحذر في أمر الخضر» لملا علي القاري، و«الروض النضر في الكلام عن الخضر» لمرعي المقدسي، و«الزهر النضر في نبأ الخضر» لابن حجر العسقلاني، و«عجالة المنتظر في شرح حال الخضر» لابن الجوزي. انظر: مقدمة كتاب «الحذر في أمر الخضر» لملا القاري، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف (ص: ٤٥ - ٤٩).\n(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ٢٣٤، ٣/ ٤٢٢، ٤/ ٣١٨،١٠/ ٣٣٤، ٣٤٤، ١١/ ٤٠٢ - ٤٢٦، ٥٣٩، ٦٠٧).\n(٤) بأرض من سلام، استفهام جاء في بعض الروايات، هل بأرض من سلام؟ قال في الفتح: وهو استفهام استبعاد يدل على أن أهل تلك الأرض لم يكونوا إذ ذاك مسلمين، «فتح الباري» (٨/ ٢٧٠).\n(٥) رواه البخاري (٤٧٢٦).\n(٦) انظر: «الحذر في أمر الخضر» لملا قاري (ص: ١٤٤).","vol":"6","page":437},{"text":"الثاني: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفًا لشريعة موسى ﵇، وموسى لم يكن علم الأسباب التي تبيح ذلك فلما بينها له وافقه على ذلك، فإنَّ خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفًا من الظالم أن يأخذها إحسان إليهم وذلك جائز، وقتل الصائل جائز وإن كان صغيرًا، ومن كان تكفيره لأبويه لا يندفع إلا بقتلٍ جاز قتله، قال ابن عباس ﵄ لنجدة الحروري لما سأله عن قتل الغلمان، قال له: إن كنت علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتلهم، وإلا فلا تقتلهم (١). وأما الإحسان إلى اليتيم بلا عوض، والصبر على الجوع، فهذا من صالح الأعمال فلم يكن في ذلك شيء مخالفًا شرع الله (٢).\nالثالث: يمكن أن يقال: إن ما فعله الخضر كان عن وحي من الله تعالى وليس مجرد خيال، وهذا لا يمكن أن يكون بعد بعثة محمد ﷺ لأحد من الناس، إذ بموته ﷺ انقطع الوحي، ومن ادَّعى حصوله فقد كفر (٣). نواقض الإيمان الاعتقادية لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي - بتصرف - ٢/ ٧٨\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٢٤) (١٩٦٧)، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (١٥٣)، عن عطاء بن يسار قال: «كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان؟ وعن الخمس لمن هو؟ وعن الصبي متى ينقطع عنه اليتم؟ وعن النساء هل كان يخرج بهن أو يحضرن القتال؟ وعن العبد هل له في المغنم نصيب؟ قال: فكتب إليه ابن عباس: أما الصبيان؛ فإن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم». قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: صحيح.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٢٦٣، ٢٦٤)، ومثله: (١١/ ٤٢٥، ٤٢٦)، (١٢/ ٢٣٤)، (١٣/ ٢٦٦).\n(٣) انظر: «الفكر الصوفي» (ص: ١٣٢).","vol":"6","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1884>المطلب الثالث: حكم من اعتقد هذا الاعتقاد</span>\nهذا الاعتقاد يناقض الشريعة من وجوه كثيرة أشرنا إليها، ولذلك شدد الأئمة في كلامهم على من يعتقد مثل هذا الاعتقاد، وسأنقل بعض كلامهم فيمن يعتقد ذلك:\n١ - قال القاضي عياض ﵀: أجمع المسلمون على تكفير من قال من الخوارج: إن الصلاة طرفي النهار، ... وقول بعض المتصوفة: إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها، وإباحة كل شيءٍ لهم، ورفع عهد الشرائع عنهم (١).\n٢ - وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ومن اعتقد لأحدٍ طريقًا إلى الله غير متابعة محمد ﷺ، أو لا يجب عليه اتباعه، أو أن لغيره خروجًا عن اتباعه، أو قال: أنا محتاج إليه في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، أو قال: إن من العلماء من يسعه الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى كفر في هذا كله (٢).\n٣ - وتكلم شيخ الإسلام عن كفر هؤلاء في مواضع كثيرة نختار بعضًا منها:\nأ- قال ﵀: ... فمن لم يؤمن بأن هذا رسول الله إلى جميع العالمين، وأنه يجب على جميع الخلق متابعته، وأن الحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، فهو كافر مثل هؤلاء المنافقين ونحوهم ممن يجوز الخروج عن دينه وشريعته وطاعته، إما عمومًا وإمًا خصوصًا ... ويعتقدون مع هذا أنهم من أولياء الله، وأن الخروج عن الشريعة المحمدية سائغ لهم، وكل هذا ضلال وباطل ... (٣).\nب- وقال أيضًا: (ومن فضّل أحدًا من المشايخ على النبي ﷺ، أو اعتقد أن أحدًا يستغني عن طاعة رسول الله ﷺ، استتيب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، وكذلك من اعتقد أن أحدًا من أولياء الله يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى ﵇، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه (٤).\nجـ- وقال ﵀: (فمن كان من قوله هو أنه أو طائفة غيره قد خرجت عن كل أمر ونهي، بحيث لا يجب عليها شيء، ولا يحرم عليها شيء، فهؤلاء أكفر أهل الأرض، وهم من جنس فرعون وذويه) (٥).\nد- وأجاب حينما سُئل عمن يقول: إن غاية التحقيق، وكمال سلوك الطريق، ترك التكليف، وإن العبد يعمل حتى تحصل له المعرفة، فإذا حصلت زال عنه التكليف؟ قال: (ومن قال هذا فإنه كافر باتفاق أئمة الإسلام فإنهم متفقون على أن الأمر والنهي جارٍ على كل بالغ عاقل إلى أن يموت ...) (٦).\n٤ - قال الإمام ملا قاري: ذهب بعض أهل الإباحة إلى أن العبد إذا بلغ غاية المحبة، وصفا قلبه من الغفلة، واختار الإيمان على الكفر سقط عنه الأمر والنهي، ولا يدخله الله النار بارتكاب الكبائر، وذهب بعضهم إلى أنه سقط عنه العبادات الظاهرة، وتكون عباداته التفكر وتحسين الأخلاق الباطنة، ... وهذا كفر وزندقة وضلال وجهالة (٧).\n٥ - وعدّ الإمام محمد بن عبدالوهاب ﵀، هذا المعتقد من نواقض الإسلام، حيث قال: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه ﷺ، وأنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى ﵉ فهو كافر) (٨) نواقض الإيمان الاعتقادية لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي - ٢/ ٨٢\n_________\n(١) «الشفا» (٢/ ١٠٧٤).\n(٢) «الإقناع مع شرحه كشاف القناع» (٦/ ١٧١).\n(٣) «مجموعة الرسائل والمسائل» (ص: ٤٤، ٤٥).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٤٢٢)، وانظر كلامًا مشابهًا للقسطلاني في «الحذر في أمر الخضر» (ص: ١٤٥، ١٤٦).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٢).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥٣٩).\n(٧) «شرح الفقه الأكبر» (ص١٨٣).\n(٨) «الرسائل الشخصية» (ص٢١٤).","vol":"6","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1885>المبحث الثاني: ادعاء النبوة</span>\nقوله: «وإنه سيكون من أمتي كذابون ثلاثون» (١)، حصرهم النبي ﷺ بعدد، وكلهم يزعم أنه نبي أوحي إليه، وهم كذابون، لأن النبي ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده، فمن زعم أنه نبي بعد الرسول ﷺ، فهو كاذب كافر حلال الدم والمال، ومن صدقه في ذلك، فهو كافر حلال الدم والمال، وليس من المسلمين ولا من أمة محمد ﷺ، ومن زعم أنه أفضل من محمد، وأنه يتلقى من الله مباشرةً ومحمد ﷺ يتلقى منه بواسطة الملك، فهو كاذب كافر حلال الدم والمال. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٥٨٥\nقال السفارييني (٢):\nولا تنال رتبة النبوة ... بالكسب والتهذيب والفتوة\nلكنها فضل من المولى الأجل ... لما يشاء من خلقه إلى الأجل\n- وإذا كان الأمر كذلك، فإن ادعاء النبوة - كذبًا وزورًا - من أشنع الكذب وأقبحه، كما يقول ابن أبي العز الحنفي ﵀: إن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما، وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟ (٣).\nويتحدث ابن تيمية عن هذه المسألة قائلًا: معلوم أن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم، وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم، ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي ﷺ لما بلغهم الرسالة ودعاهم إلى الإسلام: والله لا أقول لك كلمة، إن كنت صادقًا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبًا فأنت أحقر من أن أرد عليك (٤). فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم، وما أحسن قول حسان (٥):\nلو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر\nوما من أحد ادعى النبوة من الكذابين، إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور، واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، وما من أحدٍ ادّعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز (٦).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢٢١٩)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، وأحمد (٥/ ٢٧٨) (٢٢٤٤٨)، والحاكم (٤/ ٤٩٦). من حديث ثوبان ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠٦) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وحسّنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٣/ ٤٠٦) – كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٢٦٧).\n(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (١/ ١٤٠).\n(٤) انظر: «تفسير البغوي» (٧/ ٢٦٥)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١٦/ ٢١٠).\n(٥) ونسبه ابن تيمية في «الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح» لعبدالله بن رواحة (٤/ ٣١٦)، انظر: تعليق محقق «الطحاوية» (١/ ١٤١).\n(٦) «شرح العقيدة الأصفهانية» (ص٨٩)، وانظر: «الجواب الصحيح» (١/ ٢٩، ٣٠).","vol":"6","page":440},{"text":"ويقول أيضًا: والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لابد أن يتصف الرسول بها، وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب، ولا يتبين صدق الصادق، وكذب الكاذب، من وجوهٍ كثيرة، لاسيما والعالم لا يخلو من آثار نبي من لدن آدم إلى زماننا، وقد علم جنس ما جاءت به الأنبياء والمرسلون وما كانوا يدعون إليه، ويأمرون به، ولم تزل آثار المرسلين في الأرض، ولم يزل عند الناس من آثار الرسل ما يعرفون به جنس ما جاءت به الرسل، ويفرقون بين الرسل وغير الرسل (١).\nويذكر ابن كثير الفرق الشاسع بين النبي الصادق والمتنبئ الكذاب، عند تفسيره لقوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ [يونس: ١٧].\nفيقول: يقول تعالى لا أحد أظلم، ولا أعتى، ولا أشد إجرامًا ممن افترى على الله كذبًا وتقوّل على الله، وزعم أن الله أرسله، ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرمًا، ولا أعظم ظلمًا من هذا، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء؟ فإن من قال هذه المقالة صادقًا، أو كاذبًا فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس، فإن الفرق بين محمد ﷺ، وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى، وبين نصف الليل في حندس الظلام (٢).\n- وادعاء النبوة قد يكون بأن يدعي شخص النبوة لنفسه كذبًا وافتراءً، إما استقلالًا، أو شركة مع نبيٍ آخر، وقد يكون بتصديق من ادعاها، أو القول بتجويزها بعد ختمها بمحمد ﷺ، أو زعم أنه يمكن اكتسابها، أو ادعى أنه يوحى إليه، أو ينكر ختم النبوة بمحمد ﷺ. فكل هذه الصور - وما يلحق بها من أمثالها - من نواقض الإيمان القولية في النبوات، وذلك لعدة اعتبارات منها ما يلي:\nأ- أن ادعاء النبوة من أظلم الظلم، وأعظم الافتراء والكذب على الله تعالى، فلا أحد أعظم ظلمًا، ولا أكبر جرمًا ممن افترى على الله كذبًا، فزعم أن الله أرسله، وهو ليس كذلك، ولقد قرر القرآن أن هذا الافتراء من صفات الكافرين المكذبين، الذين لا يؤمنون بآيات الله، ومن ثم فلا أحد أشد عقوبة منهم، فقد توعد الله تعالى من ادعى النبوة بالعذاب المهين. وكما قال ابن تيمية: ولم يجئ إعداد العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار ... (٣). وأيضًا: قد نُفي الفلاح عن هذا الصنف، وقد قال الشنقيطي: (الفلاح لا يُنفى بالكلية نفيًا عامًا إلا عمن لا خير فيه، وهو الكافر) (٤).\nوقد دل ... استقراء آيات القرآن الكريم، فنسوق بعضها مع كلام المفسرين في بيانها على النحو التالي:\n١ - يقول الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:٢١].\nيقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي لا أظلم ممن تقوّل على الله، فادّعى أن الله أرسله، ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (أي لا يفلح هذا ولا هذا، ولا المفتري، ولا المكذب) (٥).\n_________\n(١) «شرح العقيدة الأصفهانية» (ص٩١).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٩٢)، وانظر: (٣/ ٤٧٥).\n(٣) «الصارم المسلول» (ص٥٢).\n(٤) «أضواء البيان» (٤/ ٤٤٢).\n(٥) «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٢٠)، وانظر: «تفسير المنار» (٧/ ٣٤٣، ٣٤٤)، و«تفسير السعدي» (٢/ ٣٨٥).","vol":"6","page":441},{"text":"٢ - ويقول ﵎: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:٩٣].\nيقول ابن عطية: هذه ألفاظ عامة، فكل من واقع شيئًا مما يدخل تحت هذه الألفاظ فهو داخل في الظلم الذي قد عظمه الله بقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد أظلم ... إلى أن قال: وقد خصص المتأولون في هذه الآية ذكر قوم قد يمكن أن كانوا أسباب نزولها، ثم هي إلى يوم القيامة، تتناول من تعرض شيئًا من معانيها كطليحة الأسدي، والمختار بن أبي عبيد، وسواهما (١).\nويقول السعدي: لا أحد أعظم ظلمًا، ولا أكبر جرمًا، ممن كذب على الله، فإنه نسب إلى الله قولًا أو حكمًا، وهو تعالى بريء منه، وإنما كان هذا أظلم الخلق؛ لأن فيه من الكذب، وتغيير الأديان أصولها وفروعها، ونسبة ذلك إلى الله وهو من أكبر المفاسد، ويدخل في ذلك ادعاء النبوة، وأن الله يوحي إليه وهو كاذب في ذلك، فإنه مع كذبه على الله، وجرأته على عظمته وسلطانه، يوجب على الخلق أن يتبعوه. ويجاهدهم على ذلك، ويستحل دماء من خالفه وأموالهم.\nويدخل في هذه الآية كل من ادعى النبوة كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي والمختار وغيرهم ممن اتصف بهذا الوصف (٢).\n٣ - وقال سبحانه: وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ [الأنعام:١٢٤].\nيقول ابن كثير: هذا وعيد شديد من الله، وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله، والانقياد له فيما جاؤوا به فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله صغار، وهو الذلة الدائمة (٣).\n٤ - ويقول الحق ﵎: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ [يونس:١٧].\nيقول ابن كثير: يقول تعالى لا أحد أظلم، ولا أعتى ولا أشد إجرامًا ممن افترى على الله كذبًا، وتقوّل على الله، وزعم أن الله أرسله، ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر إجرامًا ولا أعظم ظلمًا من هذا (٤).\nومن الآيات القرآنية في هذا الشأن قوله تعالى: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النحل:١٠٥].\nوقوله سبحانه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ [العنكبوت:٦٨].\nوقوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ [الزمر:٣٢].\n_________\n(١) «تفسير ابن عطية» (٦/ ١٠٨، ١٠٩) بتصرف يسير، وانظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٤٩)، و«تفسير البيضاوي» (١/ ٣٢١)، وانظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٨٦).\n(٢) «تفسير السعدي» (٢/ ٤٣٤).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٦٥).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٩٢).","vol":"6","page":442},{"text":"ولذا يقول ابن تيمية: ومن ادعى النبوة وهو كاذب، فهو من أكفر الكفار، وأظلم الظالمين، وشر خلق الله تعالى، قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:١٤٤].\nوقال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:٦٠] (١)\nب- أن ادعاء النبوة تكذيب لصريح القرآن الكريم، حيث نص القرآن نصًا قطعيًا ظاهرًا على أن محمد ﷺ خاتم النبيين، فلا نبي بعده.\nيقول تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب:٤٠].\nيقول ابن كثير: هذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده، فلا رسول بالطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس (٢).\nوقال القرطبي: قال ابن عطية: هذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفًا وسلفًا متلقاة على العموم التام مقتضية نصًا أنه لا نبي بعده ﷺ (٣).\nوقال الشربيني: أي آخرهم الذي ختم؛ لأن رسالته عامة، ومعها إعجاز القرآن، فلا حاجة إلى استنباء ولا إرسال، فلا يأتي بعده نبي مطلقًا بشرع جديد، ولا يتجدد بعده مطلقًا استنباء، وهذه الآية مثبتة لكونه خاتمًا على أبلغ وجه وأعظمه، وذلك أنها في سياق الإنكار بأن يكون بينه وبين أحد من رجالهم بنوة حقيقية أو مجازية، ولو كانت بعده لأحد لم يكن ذلك إلا لولده (٤).\nويقول الألوسي: والمراد بكونه ﵊ خاتمهم انقطاع حدوث وصف النبوة في أحد من الثقلين بعد تحلِّيه ﵊ بها في هذه النشأة (٥).\nجـ- أن ادعاء النبوة تكذيب وإنكار لما تواتر عن رسول الله ﷺ أن النبوة ختمت بمحمد ﷺ، ومنكر هذا المتواتر كافر، فختم النبوة بمحمد ﷺ أمر معلوم من الدين بالضرورة.\nوإذا كان إسحاق بن راهويه يقول: من بلغه عن رسول الله ﷺ خبر يقر بصحته، ثم رده بغير تقية فهو كافر (٦).\nكما أن ابن الوزير يقول: إن التكذيب لحديث رسول الله ﷺ مع العلم أنه حديث كفر صحيح (٧)، فما بالك بمن أنكر أحاديث متواترة وصحيحة تقطع بأن محمدًا ﷺ خاتم النبيين، فلا نبي بعده؟ عدا أن عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية من الأمور الواجبة المعلومة من الدين بالضرورة عند المسلمين.\nيقول عبد القاهر البغدادي: كل من أقر بنبوة نبينا محمد ﷺ، أقر بأنه خاتم الأنبياء والرسل، وأقر بتأييد شريعته، ومنع من نسخها. وقد تواترت الأخبار عنه بقوله: «لا نبي بعدي» (٨) ومن رد حجة القرآن والسنة فهو الكافر (٩).\n_________\n(١) «الجواب الصحيح» (١/ ٣٠)، و(٤/ ٢٧٢) بتصرف.\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٧٤).\n(٣) «تفسير القرطبي» (١٤/ ١٩٦).\n(٤) «تفسير الشربيني» (٣/ ٢٣٧، ٢٣٨).\n(٥) «روح المعاني» (٢٢/ ٣٤).\n(٦) «الإحكام» لابن حزم (١/ ٨٩).\n(٧) «العواصم والقواصم» (٢/ ٣٧٤).\n(٨) رواه البخاري (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٩) «أصول الدين» (ص١٦٢، ١٦٣) بتصرف يسير.","vol":"6","page":443},{"text":"ويقول ابن حزم: قد صحّ عن رسول الله ﷺ بنقل الكواف التي نقلت نبوته وأعلامه وكتابه أنه أخبر أنه لا نبي بعده ... فوجب الإقرار بهذه الجملة، وصحّ أن وجود النبوة بعده ﵇ باطل لا يكون ألبتة (١).\nويقول ابن كثير: قد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل (٢).\nونسوق طرفًا من هذه الأحاديث؛ فعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول ﷺ: «وإنه سيكون في أمتي كذابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٣).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﷺ الستار والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁ فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» (٤).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي» (٥).\nوعن جابر بن عبدالله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «ومثلي ومثل الأنبياء كرجلٍ بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون، ويقولون لولا موضع اللبنة»، ثم قال رسول الله ﷺ «فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء» (٦).\nإلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة (٧).\nد- أن ادعاء النبوة يتضمن أنواعًا كثيرة من المخالفات المناقضة لدين الله تعالى وآياته ورسوله.\nفادعاء النبوة يناقض حقيقة كمال الدين وتمامه، وقد قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة:٣]\nيقول ابن كثير: هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه (٨).\nيقول ابن حزم: اتفقوا أن دين الإسلام هو الذي لا دين لله في الأرض سواه، وأنه ناسخ لجميع الأديان قبله، وأنه لا ينسخه دين بعده أبدًا، وأن من خالفه ممن بلغه كافر مخلد في النار أبدًا (٩).\n_________\n(١) «الفصل» (١/ ١٤٦).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٧٥).\n(٣) رواه أبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢٢١٩)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، وأحمد (٥/ ٢٧٨) (٢٢٤٤٨)، والحاكم (٤/ ٤٩٦). من حديث ثوبان ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (ص: ٩٠٦) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وحسّنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٣/ ٤٠٦) – كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٤) رواه مسلم (٤٧٩).\n(٥) رواه البخاري (٣٤٥٥) ومسلم (١٨٤٢).\n(٦) رواه البخاري (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧).\n(٧) انظر مثلًا كتاب «عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية» لأحمد سعد الغامدي (ص٣٠ - ٥٥)، حيث ساق في هذا الموضوع أكثر من ستين حديثًا رواها سبعة وثلاثون صحابيًا.\n(٨) «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٣).\n(٩) «مراتب الإجماع» (ص: ١٦٧، ١٧٣).","vol":"6","page":444},{"text":"وادعاء النبوة يناقض كون القرآن حجة على كل من بلغه، حيث قال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغ [الأنعام:١٩].\nفالقرآن نذير لكل من بلغه من العالمين، فمن ادَّعى النبوة فقد طعن في كون القرآن نذيرًا لكل من بلغه من الثقلين، كما أن ادعاء النبوة طعن في حفظ القرآن الكريم عن الزيادة والنقصان، يقول تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩].\nإضافة إلى ذلك، فإن ادعاء النبوة طعن في عموم الرسالة المحمدية، وقد قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:١٥٨]\nفهو ﷺ رسول إلى جميع الناس، كما جاءت بذلك الكثير من النصوص والأحاديث الصحيحة، وهو أمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة، فالثقلان مطالبون باتباع الرسول ﷺ، وعدم مخالفته، فما بالك بمن افترى على الله كذبًا، فزعم أنه نبي يوحي إليه؟\nهـ- أن ادعاء النبوة تكذيب للإجماع، فقد أجمع العلماء على أنّ محمدًا ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده، كما أجمعوا على تكفير من ادعى النبوة لأحد بعد رسول الله ﷺ، ونورد جملة من أقوال أهل العلم ممن حكى هذا الإجماع على النحو التالي:\nيقول عبد القاهر البغدادي: أجمع المسلمون وأهل الكتاب على أن أول من أرسل من الناس آدم ﵇، وآخرهم عند المسلمين محمد ﷺ (١).\nويقول ابن حزم: واتفقوا على أنه لا نبي مع محمد ﷺ ولا بعده أبدًا (٢).\nويقول في موضع آخر: وأما من قال أن بعد محمد ﷺ نبيًا غير عيسى ابن مريم، فإنه لا يختلف اثنان في تكفيره لصحة قيام الحجة بكل هذا على كل أحد (٣).\nويقول في موضع ثالث: من ادعى نبوة لأحد بعد رسول الله ﷺ - حاشا عيسى ابن مريم - فهو كافر، ولا خلاف في ذلك من أحد من أهل الإسلام، وذلك لخلافه القرآن، والثابت عن رسول الله ﷺ (٤).\nويقول القاضي أبو يعلى: ونبينا ﷺ خاتم الأنبياء، ولا يبعث الله نبيًا بعد نبينا، خلافًا لأهل التناسخ، والخرمية (٥) في قولهم: يجوز أن يبعث الله نبيًا بعد نبينا، وإن الأنبياء لا ينقطعون عن الخلق أبدًا، والدلالة عليه إجماع الأمة أن نبينا خاتم النبيين، وقد قال الله تعالى وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:٤٠].\nوروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة من زاوية، فقال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (٦) (٧).\n_________\n(١) «أصول الدين» (ص١٥٩).\n(٢) «مراتب الاجماع» (ص١٧٣).\n(٣) «الفصل» (٣/ ٢٩٣) بتصرف يسير.\n(٤) «الدرة فيما يجب اعتقاده» (ص٢٠٦)، وانظر: (ص٤١٤، ٤١٥).\n(٥) الخرمية: أتباع بابك الخرمي الذي ظهر بناحية أذربيجان، وكان يستحل المحرمات، ويظهر الإلحاد، وهم فرقة خارجة عن الإسلام كبقية فرق الباطنية. انظر: «التبصير في الدين» (ص١٣٥)، و«اعتقادات فرق المسلمين» (ص٧٩).\n(٦) رواه البخاري (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦).\n(٧) «المعتمد في أصول الدين» (ص١٦٧).","vol":"6","page":445},{"text":"ويقول القاضي عياض: وكذلك من ادّعى نبوة أحد مع نبينا ﷺ، أو بعده كالعيسوية من اليهود، القائلين بتخصيص رسالته إلى العرب، وكالخرمية القائلين بتواتر الرسل، وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة علي في الرسالة للنبي ﷺ عليه وسلم وبعده، وكذلك كل إمام عند هؤلاء يقوم مقامه في النبوة والرسالة ... أو من ادعى النبوة لنفسه، أو جوز اكتسابها، والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها.\nوكذلك من ادّعى منهم أنه يوحى إليه، وإن لم يدع النبوة .. فهؤلاء كلهم كفار مكذبون للنبي ﷺ؛ لأنه أخبر النبي ﷺ أنه خاتم النبيين لا نبي بعده، وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة للناس.\nوأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأن مفهومه المراد منه دون تأويل ولا تخصيص، فلا شك في كفر هؤلاء الطوائف كلها قطعًا إجماعًا وسمعًا (١).\nويقول ابن نجيم: إذا لم يعرف أن محمدًا ﷺ آخر الأنبياء، فليس بمسلم؛ لأنه من الضروريات (٢).\nويقول ملا علي قاري: ودعوى النبوة بعد نبينا ﷺ كفر بالإجماع (٣).\nويقول الألوسي: وكونه ﷺ خاتم النبيين مما نطق به الكتاب، وصدعت به السنة، وأجمعت عليه الأمة، فيكفر مدعي خلافه، ويقتل إن أصر (٤).\n- إذا تقرر وجه كون ادعاء النبوة ناقضًا من نواقض الإيمان القولية في موضوع النبوات، فإننا نسوق طرفًا من كلام العلماء في تقرير هذا الأمر:\nيقول أحمد الدردير المالكي: ويكفر إذا جوز اكتساب النبوة، أي تحصيلها بسبب رياضة؛ لأنه يستلزم جواز وقوعها بعد النبي (٥).\nويقول محمد عليش المالكي: ويكفر بأن ادّعى شركًا أي: شخصًا مشاركًا مع نبوة نبينا محمد ﷺ، لمخالفته قوله تعالى وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:٤٠] ويكفر إن جوّز اكتساب النبوة بتصفية القلب، وتهذيب النفس، والجدّ في العبادة، لاستلزامه جوازها بعد سيدنا محمد ﷺ، وتوهين ما جاء به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم (٦).\nوقال النووي: إذا ادّعى النبوة بعد نبينا ﷺ، أو صدّق مدعيًا لها ... فكل هذا كفر (٧).\nوقال الشربيني: من نفى الرسل، بأن قال لهم: لم يرسلهم الله، أو نفى نبوة نبي، أو ادّعى النبوة بعد نبينا محمد ﷺ، أو صدّق مدعيها، أو قال: النبوة مكتسبة، أو تنال رتبتها بصفاء القلوب، أو أوحي إليه ولم يدع النبوة ... فقد كفر (٨).\nويقول ابن قدامة: من ادّعى النبوة، أو صدّق من ادّعاها فقد ارتد؛ لأن مسيلمة لما ادّعى النبوة، فصدقه قومه، صاروا بذلك مرتدين، وكذلك طليحة الأسدي ومصدقوه، وقال النبي ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا كلهم يزعم أنه رسول الله» (٩) (١٠).\n_________\n(١) «الشفا» (٢/ ١٠٧٠، ١٠٧١).\n(٢) «الأشباه والنظائر» (ص١٩٢).\n(٣) «شرح الفقه الأكبر» (ص٢٤٤).\n(٤) «روح المعاني» (٢٢/ ٤١).\n(٥) «الشرح الصغير» (٦/ ١٤٩) بتصرف يسير.\n(٦) «شرح منح الجليل» (٤/ ٤٦٤) بتصرف، وانظر: «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٤/ ٢٦٩).\n(٧) «روضة الطالبين» (١٠/ ٦٤، ٦٥).\n(٨) «مغني المحتاج» (٤/ ١٣٥) بتصرف، وانظر: «نهاية المحتاج» للرملي (٧/ ٣٩٥)، و«قليوبي وعميرة» (٤/ ١٧٥).\n(٩) رواه البخاري (٣٦٠٩)، ومسلم (١٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبًا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله».\n(١٠) «المغني» (٨/ ١٥٠).","vol":"6","page":446},{"text":"ويقول ابن تيمية: ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه، أو أخبر عن الله خبرًا كذب فيه كمسيلمة والعنسي ونحوهما من المتنبئين، فإنه كافر حلال الدم (١).\nويقول أيضًا: أما من اقترن بسبه - أي: للصحابة - دعوى أن عليًا إله، أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبرائيل ﵇ في الرسالة، فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. (٢).\nويقول منصور البهوتي: من ادّعى النبوة، أو صدّق من ادّعاها كفر؛ لأنه مكذب لله تعالى في قوله: وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:٤٠] ولحديث: «لا نبي بعدي» (٣)، وفي الخبر: «لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا كلهم يزعم أنه رسول الله» (٤) (٥). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبداللطيف - ص١٨٤\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص١٤٨).\n(٢) «الصارم المسلول» (ص٥١٨). وأشار ابن تيمية - في عدة مواضع من كتبه - إلى ادّعاء ملاحدة الفلاسفة والصوفية اكتساب النبوة ... انظر مثلًا: «الصفدية» (١/ ٢٢٩، ٢٨٤)، و«درء التعارض» (١/ ٣١٨)، و(٥/ ٢٢)، و«الرد على المنطقيين» (ص٤٨٧)، و«الأصفهانية» (ص١٠٦).\n(٣) رواه البخاري (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٣٦٠٩)، ومسلم (١٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبًا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله».\n(٥) «شرح منتهى الإرادات» للبهوتي (٣/ ٣٨٦)، وانظر: «المبدع شرح المقنع» لابن مفلح المؤرخ (٩/ ١٧١)، و«الإقناع» للحجاوي (٤/ ٢٩٧).","vol":"6","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1886>المبحث الثالث: إنكار الكتب المنزلة أو شيء منها</span>\n١ - من المعلوم أن الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله على رسله ﵈ هو أحد أركان الإيمان قال الله تعالى: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإسماعيل وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:١٣٦].\nوقال سبحانه: قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإسماعيل وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ [آل عمران:٨٤].\nوقال ﵎: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء:١٣٦].\nوقال تعالى: وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ [الشورى:١٥].\nووجوب الإيمان بهذه الكتب، يعتبر أمرًا بدهيًا بالنسبة للمؤمن، فما دام يؤمن بالله تعالى، وقد صدّق بما نزل من عنده من الوحي، وما دام أن الله تعالى يخبره في كتابه الكريم أنه قد أنزل كتبًا سابقة على الأنبياء والرسل، فالواجب أن يؤمن بهذه الكتب المنزلة، ويعتقد يقينًا أنها منزلة من عند الله تعالى.\nومعنى الإيمان بالكتب: التصديق بأن جميع هذه الكتب منزّلة من عند الله تعالى على رسله ﵈ إلى عباده، وأنها كلام الله ﷿، وأن الإيمان بكل ما فيها من الأحكام كان واجبًا على الأمم التي نزلت إليهم تلك الكتب، وكذا الانقياد لها والحكم بما فيها، كما قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:٤٤].\nوالإيمان بكتب الله ﷿ يجب إجمالًا فيما أجمل، وتفصيلًا فيما فصّل ومما يجب الإيمان به مفصلًا: الإيمان بالقرآن الكريم بتصديقه واتباعه، وتحقيق النصيحة لهذا القرآن العظيم كما قال ﷺ: «الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله: قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١).\nيقول النووي - في بيان معنى النصيحة لكتابه -: وأما النصيحة لكتابه ﷾، فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله، ولا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذّبّ عنه لتأويل المحرفين وتعرض الطاعنين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه والدعاء إليه، وإلى ما ذكرنا من نصيحته (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا قبل حديث (٥٧)، ورواه مسلم موصولًا (٥٥). من حديث تميم الداري ﵁.\n(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٣٨)، وانظر: «التبيان في آداب حملة القرآن» للنووي (ص٩٧، ٩٨).","vol":"6","page":448},{"text":"ويقول ابن رجب - في شرح معنى النصيحة لكتابه -: وأما النصيحة لكتابه: فشدة حبه وتعظيم قدره، إذ هو كلام الخالق، وشدة الرغبة في فهمه، وشدة العناية في تدبره، والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، ويقوم به له بعد ما يفهمه وكذلك الناصح من العباد يفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه عني بفهمه ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه، فكذلك الناصح لكتاب ربه يعنى بفهمه، ليقوم لله بما أمره به، كما يحب ربنا ويرضى، ثم ينشر ما فهم في العباد ويديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه (١).\n٢ - إن الأقوال التي تناقض الإيمان بالكتب المنزلة لها صور متعددة، وأمثلة كثيرة يصعب حصرها، منها: التكذيب والإنكار لهذه الكتب أو بغضها، أو سبها والطعن فيها، أو الاستهزاء بها وانتقاصها والاستخفاف بها، أو الادعاء باختلاقها وافترائها ...\nوسيكون حديثنا في هذا المبحث قاصرًا على مثال من تلك النواقض، وهو الإنكار والاستهزاء بالكتب المنزلة، فأما معنى الإنكار فهو الجحود وعدم الاعتراف، وأما الاستهزاء فهو السخرية والاستخفاف ... ووجه كون إنكار الكتب المنزلة أو الاستهزاء بها كفرًا وناقضًا من نواقض الإيمان عدة أمور منها:\nأ- إن هذا الإنكار أو الاستهزاء تكذيب للقرآن، حيث أمر الله تعالى بالإقرار بآياته وتصديقها، وعدم اتخاذها هزوًا، وأيضًا فإن الله تعالى قد حكم بالكفر على من جحد آياته، كما توعده بالعذاب المهين (٢) وأخبر تعالى أنه لا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله تعالى، وأنهم لا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة ...\nقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:٥٦].\nوقال سبحانه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ [الأنعام:١٥٧].\nوقال ﵎: وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الأعراف:٣٦].\nوقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:٤٠].\nوقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الحج:٥٧].\nوقال تعالى: وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ [العنكبوت:٤٧].\nوقال ﷿: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت:٢٧، ٢٨].\nومن الآيات التي جاءت في شأن المستهزئين، قوله تعالى: وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الجاثية:٩].\n_________\n(١) «جامع العلوم والحكم» (ص٧٨).\n(٢) وكما قال ابن تيمية: ولم يجيء إعداد العذاب المهين إلا في حق الكافر. «الصارم المسلول» (ص: ٥٢).","vol":"6","page":449},{"text":"وقوله ﵎: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الجاثية:٣٤، ٣٥].\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون [الأحقاف:٢٦].\nوقال تعالى: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:٦٥، ٦٦].\nيقول ابن تيمية: نقل عن الشافعي أنه سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى، أنه قال كافر، واستدل بقوله تعالى: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (١).\nويقول ابن تيمية عن قوله تعالى: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر ... (٢).\nب- إن الإيمان بالكتب المنزلة يتضمن الإقرار بها وتصديقها، ولا شك أن إنكارها يناقض هذا الإقرار والتصديق، فإنكار الكتب المنزلة يناقض قول القلب وهو التصديق، كما يناقض قول اللسان وهو الإقرار.\nوالإيمان بالكتب المنزلة يتضمن أيضًا وجوب تعظيمها وإجلالها وإكرامها، وإن الاستهزاء بها لا يجتمع مع هذا التعظيم والإجلال، فهو مناقض لعمل القلب، كما أنه يناقض الإيمان الظاهر باللسان.\nجـ- إن إنكار الكتب السماوية يتضمن إنكارًا لصفة الكلام الإلهي، ونفي هذه الصفة من الإلحاد في أسماء الله تعالى، وسوء الظن بالله تعالى، وعدم قدر الله تعالى حق قدره.\nكما أن هذا الإنكار طعن في الرسل ﵈ وتنقص لهم، ... وأن الطعن في الرسل ﵈ وسبّهم من نواقض الإيمان.\nكما أن هذا الإنكار والاستهزاء هو إنكار واستهزاء بشرائع الدين وأحكامه الإلهية المتلقاة من هذا الوحي، والاستهزاء بالدين كفر (٣)؛ لأن أصل الدين قائم على التعظيم (٤).\nد- روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «المراء في القرآن كفر» (٥).\nومما قاله الخطابي في بيان هذا الحديث: اختلف الناس في تأويله. فقال بعضهم: معنى المراء هنا: الشك فيه، كقوله تعالى فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ [هود:١٧] أي: في شك، ويقال: بل المراء هو الجدال المشكك فيه.\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص٥١٣).\n(٢) «الصارم المسلول» (ص٣١)، وانظر: «المحلى» لابن حزم (١٣/ ٥٠٠).\n(٣) انظر: «تفسير الرازي» (١٦/ ١٢٤).\n(٤) انظر: «تفسير السعدي» (٣/ ٢٥٩).\n(٥) رواه أبو داود (٤٦٠٣)، وأحمد (٢/ ٣٠٠) (٧٩٧٦). والحديث سكت عنه أبو داود. وحسنه ابن القيم في «تهذيب السنن» (١٢/ ٣٥٣)، وابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١٥٩) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٥٤): رواه كله أحمد بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح. وقال أحمد شاكر في «المسند» (١٥/ ١٤٦): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.","vol":"6","page":450},{"text":"وتأوله بعضهم على المراء في قراءاته دون تأويله ومعانيه، مثل أن يقول قائل: هذا قرآن قد أنزله الله ﵎، ويقول الآخر: لم ينزله الله هكذا، فيكفر به من أنكره، وقد أنزل سبحانه كتابه على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ، فنهاهم ﷺ عن إنكار القراءة التي يسمع بعضهم بعضًا يقرؤها، وتوعدهم بالكفر عليها لينتهوا عن المراء فيه والتكذيب به (١).\nفإذا كان الشك في القرآن يعد كفرًا، فإن إنكاره أشد كفرًا.\nهـ- حكى أهل العلم الإجماع على كفر من أنكر الكتب المنزلة أو بعضها - ولو كانت آيةً واحدةً - وكذا أجمعوا على كفر المستهزئ بهذه الكتب المنزلة. فهذا ابن عبد البر يحكي الإجماع قائلًا: وأجمع العلماء أن ما في مصحف عثمان وهو الذي بأيدي المسلمين اليوم في أقطار الأرض حيث كانوا، هو القرآن المحفوظ الذي لا يجوز لأحد أن يتجاوزه، ولا تحل الصلاة لمسلم إلا بما فيه ... - إلى أن قال: - وإنما حلّ مصحف عثمان ﵁ هذا المحل، لإجماع الصحابة وسائر الأمة عليه، ولم يجمعوا على ما سواه ... ويبين لك أن من دفع شيئًا مما في مصحف عثمان كفر (٢).\nوينقل ابن عبد البر الإجماع الذي حكاه إسحاق بن راهويه، حيث قال إسحاق: قد أجمع العلماء أن من سبّ الله ﷿، أو سبّ رسوله ﷺ، أو دفع شيئًا أنزله الله، أو قتل نبيًا من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقرّ بما أنزل الله أنه كافر.\nفإذا كان دفع شيء أنزله الله كفرًا بالإجماع ولو كان مقرًا به، فما بالك بمن أنكر هذا الوحي؟.\nويقول القاضي عياض: اعلم أن من استخفّ بالقرآن، أو المصحف، أو بشيءٍ منه، أو سبّهما، أو جحده، أو حرفًا منه أو آيةً، أو كذّب به، أو بشيءٍ منه، أو كذّب بشيءٍ مما صرح به فيه من حكم، أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علمٍ منه بذلك، أو شك في شيءٍ من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماعٍ، قال الله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:٤٢].\nوكذلك إنْ جحد التوارة والإنجيل وكتب الله المنزلة، أو كفر بها، أو لعنها، أو سبها، أو استخف بها فهو كافر.\nوقال أبو عثمان الحداد: جميع من ينتحل التوحيد متفقون أن الجحد لحرف من التنزيل كفر (٣).\nويقول ابن حزم: من قال: إن القرآن نقص من بعد موت النبي ﷺ حرف أو زيد فيه حرف، أو بُدِّلَ منه حرف، أو أن هذا المسموع أو المحفوظ أو المكتوب أو المنزل ليس هو القرآن، وإنما هو حكاية القرآن، وغير القرآن، أو قال: إن القرآن لم ينزل به جبريل ﷺ على قلب محمد ﷺ، أو أنه ليس هو كلام الله تعالى فهو كافر، خارج عن دين الإسلام؛ لأنه خالف كلام الله ﷿، وسنن رسول الله ﷺ، وإجماع أهل الإسلام (٤).\nويقول ابن قدامة: ولا خلاف بين المسلمين أجمعين أن من جحد آية، أو كلمة متفقًا عليها أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر (٥).\n- وإذا تقرر أوجه كون الإنكار أو الاستهزاء بالوحي من نواقض الإيمان، فإننا نسوق طرفًا من كلام العلماء في هذه المسألة كما يلي:\n_________\n(١) «معالم السنن» مع «سنن أبي داود» (٥/ ٩)، وانظر: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (٢/ ٩١) و«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٤/ ٣٠٢).\n(٢) «التمهيد» (٤/ ٢٧٨، ٢٧٩).\n(٣) «الشفا» (٢/ ١١٠١ - ١١٠٥) باختصار.\n(٤) «الدرة فيما يجب اعتقاده» (ص٢٢٠، ٢٢١)، وانظر قريبًا من هذا الكلام في: «المحلى» (١/ ١٥، ١٦، ٣٩)، و«الفصل» (٥/ ٤٠).\n(٥) «حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدعة» (ص٣٣).","vol":"6","page":451},{"text":"قال علي بن أبي طالب ﵁: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله (١).\nوقال عبدالله بن مسعود ﵁: من كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع (٢).\nوقال عبدالله بن المبارك: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر، ومن قال: لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر (٣).\nويقول ابن بطة: وكذلك وجوب الإيمان والتصديق بجميع ما جاءت به الرسل من عند الله، وبجميع ما قاله الله ﷿ فهو حقٌّ لازمٌ، فلو أن رجلًا آمن بجميع ما جاءت به الرسل إلا شيئًا واحدًا، كان بردّ ذلك الشيء كافرًا عند جميع العلماء (٤).\nويقول أيضًا: من كذب بآيةٍ أو بحرفٍ من القرآن، أو ردّ شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ فهو كافر (٥).\nوقال القاضي عياض: وكذلك من أنكر القرآن، أو حرفًا منه، أو غيّر شيئًا منه، أو زاد فيه كفعل الباطنية والإسماعيلية، أو زعم أنه ليس بحجة للنبي ﷺ، أو ليس فيه حجة ولا معجزة، كقول هشام الغوطي، ومعمر الضمري، أنه لا يدل على الله، ولا حجة فيه لرسوله ... لا محالة في كفرهما بذلك القول.\nوكذلك من أنكر شيئًا مما نص فيه القرآن - بعد علمه - أنه من القرآن الذي في أيدي الناس ومصاحف المسلمين، ولم يكن جاهلًا، ولا قريب عهد بالإسلام ... (٦).\nوقال ابن نجيم: ويكفر إذا أنكر آيةً من القرآن، أو سخر بآيةٍ منه إلا المعوذتين، ففي إنكارهما اختلاف، والصحيح كفره ... (٧).\nوجاء في (الفتاوى البزازية): إدخال القرآن في المزاح، والدعابة كفر؛ لأنه استخفاف به (٨).\nوجمع محمد بن إسماعيل الرشيد الحنفي أقوال الأحناف في هذه المسألة، فكان مما أورده:\nوفي (الخلاصة): من قرأ القرآن على ضرب الدف والقضيب يكفر، وكذا من لم يؤمن بكتاب من كتب الله تعالى، أو جحد وعدًا أو وعيدًا مما ذكره الله تعالى في القرآن، أو كذب شيئًا منه.\nوفي (يتيمة الفتاوى): من استخف بالقرآن، أو بالمسجد، أو بنحوه مما يعظم في الشرع كفر.\nوفي (جواهر الفقه): من قيل له: ألا تقرأ القرآن، أو ألا تكثر قراءته؟ فقال: شبعت أو كرهت، أو أنكر آية من كتاب الله، أو عاب شيئًا من القرآن، أو أنكر المعوذتين من القرآن غير مؤول كفر.\nوفي (الفتاوى الظهيرية): من قرأ آيةً من القرآن على وجه الهزل يكفر (٩).\nوذكر النووي أن من جحد آيةً من القرآن على وجه الهزل يكفر (١٠).\n_________\n(١) «حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدعة» (ص٣٣).\n(٢) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (٢/ ٢٣٢).\n(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ١٨٢).\n(٤) «الإبانة الصغرى» (ص٢١١).\n(٥) «الإبانة الصغرى» (ص٢٠١).\n(٦) «الشفا» (٢/ ١٠٧٦، ١٠٧٧) باختصار.\n(٧) «البحر الرائق» (٥/ ١٣١).\n(٨) «الفتاوى البزازية» (٣/ ٣٣٨).\n(٩) «تهذيب رسالة البدر الرشيد في الألفاظ المكفرات» (ص٢٢، ٢٣) باختصار، وانظر: «شرح الفقه الأكبر» لملا علي قاري (ص٢٥٠ - ٢٥٤).\n(١٠) انظر: «روضة الطالبين» (١٠/ ٦٤)، وانظر أيضًا: «مغنى المحتاج» للشربيني (٤/ ١٣٥)، و«نهاية المحتاج» للرملي (٧/ ٣٩٥).","vol":"6","page":452},{"text":"وسُئل ابن تيمية عن رجل لعن اليهود، ولعن دينه وسبّ التوراة فهل يجوز لمسلم أن يسب كتابهم أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، ليس لأحد أن يلعن التوراة، بل من أطلق لعن التوراة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإن كان ممن يعرف أنها منزلة من عند الله، وأنه يجب الإيمان بها، فهذا يقتل بشتمه لها، ولا تقبل توبته في أظهر قولي العلماء. وأما إن لعن دين اليهود الذي هم عليه في هذا الزمان فلا بأس في ذلك، فإنهم ملعونون هم ودينهم، وكذلك إنْ سبَّ التوراة التي عندهم بما يبين أن قصده ذكر تحريفها مثل أن يقال: نسخ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما فيها، ومن عمل اليوم بشرائعها المبدلة والمنسوخة فهو كافر، فهذا الكلام ونحوه حق لا شيء على قائله، والله أعلم. (١).\nويقول في موضع آخر: من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت ... فلا خلاف في كفره. (٢).\nكما أن ابن قدامة حكم بالكفر على من استهزأ بآيات الله (٣)، كما قال تعالى: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:٦٥، ٦٦]\nويقول البهوتي: من جحد كتابًا من كتب الله أو شيئًا منه، أو استهزأ بالله تعالى، أو بكتبه أو رسله فهو كافر، لقوله تعالى: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:٦٥، ٦٦]\nوكذا إن وجد منه امتهان للقرآن أو طلب تناقضه، أو دعوى أنه مختلف أو مقدور على مثله أو إسقاط لحرمته، لقوله تعالى: لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:٢١]\nوقوله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء:٨٢].\nوقوله: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء:٨٨] (٤) نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبداللطيف -بتصرف – ص١٩٩\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢٠٠).\n(٢) «الصارم المسلول» (ص٥٨٦) باختصار.\n(٣) انظر: «المغنى» (١٠/ ١١٣).\n(٤) «كشاف القناع» (٦/ ١٦٨، ١٦٩) بتصرف. وانظر: «غاية المنتهى» (٣/ ٣٣٩)، و«المبدع» (٩/ ١٧١).","vol":"6","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1887>المبحث الرابع: بغض أو كراهية بعض ما جاء به الرسول ﷺ</span>\nالبغض والكراهة ضد المحبة، والمحبة شرط من شروط لا إله إلا الله (وأصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة، فهو أصل كل فعل ومبدؤه، كما أن البغض والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه ومادته، فهو أصل كل ترك) (١)، والمحبة المقصودة ... إخلاص المحبة لله ﷿، فلا يكون له شريك في الحب، ومحبة الله ورسوله ﷺ تستلزم محبة أوامره وفعلها، وبغض وكراهية ما نهى عنه وتركه، ومحبة أوليائه، وضد ذلك كراهية وبغض أوامره أو بعضها، ومحبة معاصيه، وبغض أوليائه ومحبة أعدائه.\nوكراهية الحق من صفات الكافرين، قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٩]، كرهوا ما أنزل الله من القرآن، فلم يقبلوه، بل أبغضوه (٢).\nوقال سبحانه: بَلْ جَاءَهُمْ بِالحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون: ٧٠]، وقد وصف سبحانه المنافقين بهذه الصفة كما في قوله تعالى: وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة: ٥٤]، وقال سبحانه: فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ... [التوبة: ٨١].\nفقد كرهوا الجهاد بسبب ما في قلوبهم من النفاق (٣)، ولذلك ذكر الأئمة ..... بغض أو كراهية ما جاء به الرسول ﷺ أو بعضه، ضمن أقسام النفاق الأكبر.\nوالبغض والكراهة ينافيان عمل القلب من وجهين:\nالأوَّل: أن فيه إخلالًا بشرط المحبة والتعظيم لله ﷿، ومحبة أوامره، وأوامر رسوله ﷺ.\nالثاني: أنَّ فيه تركًا للقبول والانقياد والتسليم لأن ذلك مقتضى المحبة، ولذلك كفّر العلماء من اتصف بهذه الصفة، (لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه، ... وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع ...) (٤)، وجاء في شرح الإقناع: (قوله: أو كان مبغضًا لما جاء به الرسول، ولم يشرك بالله، لكن أبغض السؤال عنه ودعوة الناس إليه، كما هو حال من يدعي العلم ويقرر أنه دين الله ورسوله ويبغضونه أكثر من بغض دين اليهود والنصارى، بل يعادون من التفت إليه، ويحلون دمه وماله، ويرمونه عند الحاكم ...) إلى أن يقول: (والتكفير بالاتفاق فيمن أبغض النهي عنه، وأبغض الأمر بمعاداة أهله، ولو لم يتكلم وينصر، فكيف إذا فعل ما فعل ...) (٥).\n_________\n(١) «قاعدة في المحبة» (ص: ٧).\n(٢) انظر «تفسير السعدي» (٧/ ٦٧).\n(٣) انظر: «فتح القدير» (٢/ ٣٨٨).\n(٤) «الصارم المسلول» (ص: ٥٢٤)، وانظر «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٠٨)، و«قاعدة في الحبة» (ص: ١٩٣).\n(٥) «مجموعة الشيخ القسم الثالث» (ص: ٦٢)، وانظر «الكلمات النافعة» (ص: ٧٩).","vol":"6","page":454},{"text":"لكن ينبغي التفريق بين الكره والنفور الطبعي، وبين الكره الاعتقادي، قال الراغب ﵀: (الكره المشقة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراه، والكره ما يناله من ذاته وهو يعافه، وذلك على ضربين، أحدهما: ما يعاف من حيث الطبع، والثاني: ما يعاف من حيث العقل أو الشرع، ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد إني أريده وأكرهه بمعنى إني أريده من حيث الطبع وأكرهه من حيث الشرع، أو أريده من حيث العقل أو الشرع وأكرهه من حيث الطبع، وقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة: ٢١٦] أي تكرهونه من حيث الطبع) (١)، وقال الإمام البغوي ﵀: (وهو كره لكم، أي شاق عليكم، قال بعض أهل المعاني: هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح، لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى ...) (٢)، وقال الإمام القرطبي ﵀: (وإنما كان الجهاد كرهًا لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى) (٣)، وبين الإمام ابن القيم ﵀ أن الكره لا ينافي الرضى والتسليم فقال: (وليس من شرط الرضى أن لا يحس بالألم والمكاره، بل أن لا يعترض على الحكم ولا يتسخطه، ولهذا أشكل على بعض الناس الرضى بالمكروه، وطعنوا فيه: وقالوا: هذا ممتنع على الطبيعة، وإنما هو الصبر، وإلا فكيف يجتمع الرضى والكراهة؟ وهما ضدان، والصواب: أنه لا تناقض بينهما، وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضى، كرضى المريض بشرب الدواء الكريه، ورضى الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضى المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها ...) (٤). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي –بتصرف – ٢/ ١٧٧\n_________\n(١) «المفردات» (ص: ٤٢٩).\n(٢) «تفسير البغوي» (١/ ٢٤٦).\n(٣) «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٩).\n(٤) «مدارج السالكين» (٢/ ١٨٢، ١٨٣).","vol":"6","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1888>المبحث الخامس: اعتقاد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل وأفضل</span>\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه وأن حكم غيره أحسن من حكمه كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.\nقال الشارح حفظه الله: من اعتقد أن هناك هديًا أحسن من هدي النبي ﷺ كأن يقول: الفلاسفة أو الصابئة أو الصوفية طريقتهم أحسن من طريقة محمد ﷺ فهذه الطريقة فيها الهداية أو مماثلة لهداية النبي ﷺ فهذا كافر؛ فإنه ليس هناك هدي أحسن من هدي الرسول ﷺ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى إنما هو وحي يوحى فمن قال: إن هناك هديًا أحسن من هدي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو مماثل له كأن يتدين أو يطلب الطريق إلى الله عن طريق الفلاسفة أو طريق الفلسفة أو الصبو (الصابئة) أو التصوف أو غير ذلك؛ فهذا كافر مرتد. وكذلك إذا اعتقد أن هناك حكمًا أحسن من حكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كأن يعتقد أن الحكم بالقوانين أحسن من الحكم بالشريعة فهذا مرتد بإجماع المسلمين. وكذلك إذا اعتقد أن الحكم بالقوانين مماثل لحكم الشريعة يكفر أيضًا.\nوكذلك إذا اعتقد أن الحكم بالشريعة أحسن من الحكم بالقوانين، لكن يجوز الحكم بالقوانين كأن يقول: الإنسان مخير يجوز له أن يحكم بالقوانين، ويجوز له أن يحكم بالشريعة، لكن الشريعة أحسن فهذا يكفر بإجماع المسلمين فالإنسان ليس مخيرا، وهذا أنكر معلومًا من الدين بالضرورة؛ فالحكم بالشريعة هذا أمر واجب على كل أحدٍ وهذا يقول: إنه ليس بواجب وأنه يجوز للإنسان أن يحكم بالقوانين فهذا يكفر ولو قال: إن أحكام الشريعة أحسن.\nفعلى هذا إذا حكم بالقوانين واعتقد أنها أحسن من حكم الشريعة كفر.\nوإذا حكم بالقوانين واعتقد أنها مماثلة لحكم الشريعة كفر.\nوإذا حكم بالقوانين واعتقد أن حكم الشريعة أحسن من الحكم بالقوانين لكن يجوز الحكم بالقوانين كفر أيضًا.\nففي الحالات الثلاث كلها يكفر.\nوهناك حالة رابعة إذا حكم بالقوانين أو بالقانون في مسألة من المسائل أو في قضية من القضايا وهو يعتقد أن الحكم بالشريعة هو الواجب، وأنه لا يجوز الحكم بالقوانين، وأنه لا يجوز أن يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أنه ظالم وأنه مستحق للعقوبة لكن غلبته نفسه وهواه وشيطانه فحكم بغير ما أنزل الله لشخص حتى ينفع المحكوم له أو حتى يضر المحكوم عليه، فينفع المحكوم له؛ لأنه صديق له أو قريب له، أو جار له، أو يضر المحكوم عليه لأنه عدو له، وهو يعلم أن الحكم بما أنزل الله واجب وأنه مرتكب للمعصية هذا يكفر كفرًا أصغر ولا يخرج من الملة.\nفيكون الحكم بغير ما أنزل الله أربع حالات، ثلاث حالات يكفر فيها كفرًا أكبر، والرابعة يكفر كفرًا أصغر.\nمسألة: حكم إزالة الشريعة كلها والحكم بالقوانين:\nإذا كان سنّ القوانين كلها، وأزال الشريعة كلها رأسًا على عقب هذا بدّل الدين، وهذا ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يكفر لأنه بدّل دين الله، وهذا هو الذي أفتى به سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ مفتي الديار السعودية سابقًا قال: إن هذا بدّل الدين رأسًا على عقب ليس في قضية من القضايا، إنما بدّل الأحكام كلها فأزال الشريعة كلها وأبدلها بالقوانين في كل صغيرة وكبيرة.\nوذهب سماحة شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀ إلى أنه أيضًا ولو بدّل الدين لا بد أن يعتقد أنه يجوز الحكم بالقوانين حتى تقوم عليه الحجة. إذًا هذه هي الحالة الخامسة وهي: إذا بدّل الدين. وهناك حالة سادسة وهي: أن الحاكم الشرعي إذا بذل وسعه، واستفرغ جهده في تعرّف الحكم الشرعي لكن أخطأ وحكم بغير ما أنزل الله خطأً فهذا ليس كافرًا ولا عاصيًا بل هو مجتهد له أجر واحد لقول النبي ﷺ «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (١) فهذا خطأه مغفور وله أجر على اجتهاده. وإذا بذل وسعه وأصاب الحق فله أجران أجر الاجتهاد وأجر الإصابة. تبصير الأنام بشرح نواقض الإسلام لعبد العزيز الراجحي ص ٣٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) بلفظ: (إذا حكم الحاكم). من حديث عمرو بن العاص ﵁.","vol":"6","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1889>المبحث السادس: كفر من سوغ اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ</span>\nنسخت شريعة محمد ﷺ جميع الشرائع السابقة عليها .. فيحرم بل يكفر كل من سوَّغ اتباع شريعة سابقة منسوخة فضلًا عن أن يسوغ اتباع شريعة قانونية أرضية من شرائع الناس فهذا أشد كفرًا وردة عن الإسلام.\nنص كلام شيخ الإسلام في المسألة: قال – ﵀ -: (ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر) (١).\nذكر من نقل الإجماع من أهل العلم أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: قال الإمام ابن حزم – ﵀ -: (نسخ ﷿ بملته كل ملة وألزم أهل الأرض جنهم وإنسهم اتباع شريعته التي بعثه بها ولا يقبل من أحد سواها) (٢).\nوهذا أمر مقرر ومعروف عند أهل الإسلام .. والجهل به جهل بالدين كله، ومن سوغ اتباع شريعة غير شريعة الإسلام سواء كانت من الشرائع السابقة المحرفة والمنسوخة، أو كانت من الشرائع الحادثة الأرضية، فهو كافر لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا. والعلم بذلك ضرورة من ضروريات هذا الدين .. ولهذا قدم شيخ الإسلام نقله للإجماع عليها بقوله: (ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين).\nذكر مستند الإجماع على كفر من سوَّغ اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ: حق التشريع لله وحده .. وقد بعث رسوله بشرعه وأمر الناس باتباعه .. وجعل الاتباع في طريقه ونهجه، فكل ما يخالف شرعه فهو ضلال وتيه، والإيمان بذلك أصل من أصول الدين – أن تعرف دينك – وهو ما شرعه لك ربك في محكم كتابه أو على لسان نبيك .. فمن أنكر هذا أو شك فيه أو رضي غيره أو سوَّغ اتباع غير الشريعة فهو كافر أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ٣٢]، وكل من سوَّغ اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فقد تولى عن طاعة الله ورسوله .. ومن تولى عن طاعة الله ورسوله فهو من الكافرين، بل يقسم الله ﷿ على عدم إيمان من لم يحكم النبي ﷺ فيما شجر بينه وبين الناس فيقول: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥] فكيف من يسوغ اتباع شريعة أخرى غير شريعة محمد ﷺ!!. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٨٠٥\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٢٤).\n(٢) «المحلى» (١/ ٨).","vol":"6","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1890>المبحث السابع: من استهزأ بشيءٍ جاء به النبي ﷺ</span>\nمن هزل بالله أو بآياته الكونية أو الشرعية أو برسله؛ فهو كافر، لأن منافاة الاستهزاء للإيمان منافاة عظيمة.\nكيف يسخر ويستهزئ بأمر يؤمن به؟! فالمؤمن بالشيء لابد أن يعظمه وأن يكون في قلبه من تعظيمه ما يليق به.\nوالكفر كفران: كفر إعراض، وكفر معارضة، والمستهزئ كافر كفر معارضة، فهو أعظم ممن يسجد لصنم فقط، وهذه المسألة خطيرة جدًا، ورُبّ كلمة أوقعت بصاحبها البلاء بل والهلاك وهو لا يشعر، فقد يتكلم الإنسان بالكلمة من سخط الله ﷿ لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار.\nفمن استهزأ بالصلاة ولو نافلة، أو بالزكاة، أو الصوم، أو الحج، فهو كافر بإجماع المسلمين، كذلك من استهزأ بالآيات الكونية بأن قال مثلًا: إن وجود الحر في أيام الشتاء سفه، أو قال: إن وجود البرد في أيام الصيف سفه، فهذا كفر مخرج عن الملة، لأن الرب ﷿ كل أفعاله مبنية على الحكمة وقد لا نستطيع بلوغها بل لا نستطيع بلوغها.\nثم اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن سب الله أو رسوله أو كتابه: هل تقبل توبته؟ على قولين:\nالقول الأول: أنها لا تقبل، وهو المشهور عن الحنابلة، بل يقتل كافرًا، ولا يصلى عليه، ولا يدعى له بالرحمة، ويدفن في محل بعيد عن قبور المسلمين، ولو قال: إنه تاب أو إنه أخطأ، لأنهم يقولون: إن هذه الردة أمرها عظيم وكبير لا تنفع فيها التوبة.\nوقال بعض أهل العلم: إنها تقبل إذا علمنا صدق توبته إلى الله، وأقر على نفسه بالخطأ، ووصف الله تعالى بما يستحق من صفات التعظيم، وذلك لعموم الأدلة الدالة على قبول التوبة، كقوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:٥٣]، ومن الكفار من يسبون الله، ومع ذلك تقبل توبتهم.\nوهذا هو الصحيح، إلا أن سابّ الرسول ﷺ تقبل توبته ويجب قتله، بخلاف من سب الله، فإنها تقبل توبته ولا يقتل، لا لأن حق الله دون حق الرسول ﷺ، بل لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد إليه بأنه يغفر الذنوب جميعًا، أما سابّ الرسول ﷺ، فإنه يتعلق به أمران:\nالأول: أمر شرعي لكونه رسول الله ﷺ، ومن هذا الوجه تقبل توبته إذا تاب.\nالثاني: أمر شخصي لكونه من المرسلين، ومن هذا الوجه يجب قتله لحقه ﷺ، ويقتل بعد توبته على أنه مسلم، فإذا قتل، غسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين.\nوهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ألّف كتابًا في ذلك اسمه: (الصارم المسلول في حكم قتل ساب الرسول)، أو (الصارم المسلول على شاتم الرسول)، وذلك لأنه استهان بحق الرسول ﷺ، وكذا لو قذفه، فإنه يقتل ولا يجلد.\nفإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سبّ الرسول ﷺ وقبل منه وأطلقه؟\nأجيب: بلى، هذا صحيح لكن هذا في حياته ﷺ، وقد أسقط حقه، أما بعد موته، فلا ندري، فننفذ ما نراه واجبًا في حق من سبه ﷺ.\nفإن قيل: احتمال كونه يعفو عنه أو لا يعفو موجب للتوقف؟\nأجيب: إنه لا يوجب التوقف، لأن المفسدة حصلت بالسب، وارتفاع أثر هذا السب غير معلوم، والأصل بقاؤه.\nفإن قيل: أليس الغالب أن الرسول ﷺ عفا عمن سبه؟","vol":"6","page":458},{"text":"أجيب: بلى، وربما كان في حياة الرسول ﷺ إذا عفا قد تحصل المصلحة ويكون في ذلك تأليف، كما أنه ﷺ يعلم أعيان المنافقين ولم يقتلهم، لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، لكن الآن لو علمنا أحدًا بعينه من المنافقين لقتلناه.\nقال ابن القيم: إن عدم قتل المنافق المعلوم إنما هو في حياة الرسول ﷺ فقط.\nوقول الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:٦٥ - ٦٦].\nقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ الخطاب للنبي ﷺ، أي: سألت هؤلاء الذين يخوضون ويلعبون بالاستهزاء بالله وكتابه ورسوله والصحابة.\nقوله: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ أي: ما لنا قصد، ولكننا نخوض ونلعب، واللعب يقصد به الهزء، وأما الخوض، فهو كلام عائم لا زمام له.\nهذا إذا وصف بذلك القول، وأما إذا لم يوصف به القول، فإنه يكون الخوض في الكلام، واللعب في الجوارح.\nوقوله: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ: إِنَّمَا: أداة حصر، أي: ما شأننا وحالنا إلا أننا نخوض ونعلب.\nقوله: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ الاستفهام للإنكار والتعجب، فينكر عليهم أن يستهزئوا بهذه الأمور العظيمة، ويتعجب كيف يكون أحق الحق محلًا للسخرية؟\nقوله: أَبِاللَّهِ أي: بذاته وصفاته.\nقوله: وآياته: جمع آية، ويشمل: الآيات الشرعية، كالاستهزاء بالقرآن، بأن يقال: هذا أساطير الأولين والعياذ بالله، أو يستهزئ بشيءٍ من الشرائع، كالصلاة والزكاة والصوم والحج.\nوالآيات الكونية، كأن يسخر بما قدره الله تعالى، كيف يأتي هذا في هذا الوقت؟ كيف يخرج هذا الثمر من هذا الشيء؟ كيف يخلق هذا الذي يضر الناس ويقتلهم؟ استهزاء وسخرية.\nقوله: وَرَسُولِهِ المراد هنا: محمد ﷺ.\nقوله: لَا تَعْتَذِرُوا المراد بالنهي: التيئيس، أي: انههم عن الاعتذار تيئيسًا لهم بقبول اعتذارهم.\nقوله: قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ أي: بالاستهزاء وهم لم يكونوا منافقين خالصين بل مؤمنين، ولكن إيمانهم ضعيف، ولهذا لم يمنعهم من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله.\nقوله: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ.\nنَعْفُ: ضمير الجمع للتعظيم، أي: الله ﷿.\nوقوله: عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ قال بعض أهل العلم: هؤلاء حضروا وصار عندهم كراهيةً لهذا الشيء لكنهم داهنوا فصاروا في حكمهم لجلوسهم إليه، لكنهم أخف لما في قلوبهم من الكراهة، ولهذا عفا الله عنهم وهداهم للإيمان وتابوا.\nقوله: نُعَذِّبْ طَائِفَةً هذا جواب الشرط، أي: لا يمكن أن نعفو عن الجميع، بل إن عفونا عن طائفة، فلابد أن نعذب الآخرين.\nقوله: بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ الباء للسببية، أي: بسبب كونهم مجرمين بالاستهزاء وعندهم جرم والعياذ بالله، فلا يمكن أن يوفقوا للتوبة حتى يعفي عنهم.\nويستفاد من الآيتين:\n... أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله من أعظم الكفر، بدليل الاستفهام والتوبيخ.\nأن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله أعظم استهزاء وقبحًا، لقوله: أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ وتقديم المتعلق يدل على الحصر كأنه ما بقي إلا أن تستهزئوا بهؤلاء الذين ليسوا محلًا للاستهزاء، بل أحق الحق هؤلاء الثلاثة.","vol":"6","page":459},{"text":"أن المستهزئ بالله يكفر، لقوله: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.\nاستعمال الغلظة في محلها، وإلا فالأصل أن من جاء يعتذر يرحم، لكنه هنا ليس أهلًا للرحمة.\nقبول توبة المستهزئ بالله؛ لقوله: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ، وهذا أمر قد وقع، فإن من هؤلاء من عفي عنه وهُدي للإسلام وتاب الله عليه، وهذا دليل للقول الراجح أن المستهزئ بالله تقبل توبته، لكن لابد من دليل بيّن على صدق توبته، لأن كفره من أشد الكفر أو هو أشد الكفر، فليس مثل كفر الإعراض أو الجحود.\nوهؤلاء الذين حضروا السبّ مثل الذين سبّوا، قال تعالى: وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:١٤٠] وهم يستطيعون المفارقة، والنبي ﷺ امتثل أمر الله بتبليغهم، حتى إن الرجل الذي جاء يعتذر صار يقول له: أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، ولا يزيد على هذا أبدًا مع إمكان أن يزيده توبيخًا وتقريعًا.\nعن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة، دخل حديث بعضهم في بعض: أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنًا هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عن اللقاء (يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء). فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق. قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقًا بنسعةِ ناقة رسول الله ﷺ، وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. فيقول له رسول الله ﷺ: أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة:٦٧]، ما يلتفت إليه وما يزيده عليه (١).\nقوله: (ما رأينا) تحتمل أن تكون بصرية، وتحتمل أن تكون علمية قلبية.\nقوله: (مثل قرائنا) .. والمراد بهم الرسول ﷺ وأصحابه.\nقوله: (أرغب بطونًا) .. أي: أوسع، وإنما كانت الرغبة هنا بمعنى: السعة، لأنه كلما اتسع البطن رغب الإنسان في الأكل.\nقوله: (ولا أكذب ألسنًا) الكذب: هو الإخبار بخلاف الواقع، والألسن: جمع لسان، والمراد: ولا أكذب قولًا، واللسان يطلق على القول كثيرًا في اللغة العربية، كما في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم:٤] أي: بلغتهم.\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (١٤/ ٣٣٣)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٧/ ٣١٣).","vol":"6","page":460},{"text":"قوله: (ولا أجبن عند اللقاء) الجبن: هو خور في النفس يمنع المرء من الإقدام على ما يكره، فهو خلق نفسي ذميم، ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ منه (١) لما يحصل فيه من الإحجام عما ينبغي الإقدام إليه، فلهذا كان صفة ذميمة، وهذه الأوصاف تنطبق على المنافقين لا على المؤمنين، فالمؤمن يأكل بمعيٍ واحد: ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه، والكافر يأكل بسبعة أمعاء، والمؤمن أصدق الناس لسانًا ولاسيما النبي ﷺ وأصحابه، فإن الله وصفهم بالصدق في قوله: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:٨].\nوالمنافقون أكذب الناس، كما قال الله فيهم: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر:١١]، وجعل النبي ﷺ الكذب من علامات النفاق (٢)، والمنافقون من أجبن الناس، قال تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ .. [المنافقون:٤]، فلو سمعوا أحدًا ينشد ضالته، لقالوا: عدو عدو، وهم أحب الناس للدنيا، إذ أصل نفاقهم من أجل الدنيا ومن أجل أن تحمي دماؤهم وأموالهم وأعراضهم.\nقوله: (كذبت) أي: أخبرت بخلاف الواقع، وفي ذلك دليل على تكذيب الكذب مهما كان الأمر، وأن السكوت عليه لا يجوز.\nقوله: (ولكنك منافق) لأنه لا يطلق هذه الأوصاف على رسول الله ﷺ وأصحابه رجل تسمى بالإسلام إلا منافق، وبهذا يعرف أن من يسبّ أصحاب رسول الله ﷺ أنه كافر، لأن الطعن فيهم طعن في الله ورسوله وشريعته.\nفيكون طعنًا في الله، لأنه طعن في حكمته، حيث اختار لأفضل خلقه أسوأ خلقه.\nوطعنًا في الرسول ﷺ: لأنهم أصحابه، والمرء على دين خليله، والإنسان يستدل على صلاحه أو فساده أو سوء أخلاقه أو صلاحها بالقرين.\nوطعنًا في الشريعة: لأنهم الواسطة بيننا وبين الرسول ﷺ في نقل الشريعة، وإذا كانوا بهذه المثابة، فلا يوثق بهذه الشريعة.\nقوله: (فوجد القرآن قد سبقه) أي: بالوحي من الله تعالى، والله عليمٌ بما يفعلون وبما يريدون وبما يبيتون، قال تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء:١٠٨].\nقوله: (وقد ارتحل وركب ناقته) الظاهر أن هذا من باب عطف التفسير، لأن ركوب الناقة هو الارتحال.\nقوله: (كأني أنظر إليه) كأن إذا دخلت على مشتق، فهي للتوقع، وإذا دخلت على جامد، فهي للتشبيه، وهنا دخلت على جامد، والمعنى: كأنه الآن أمامي من شدة يقيني به.\nقوله: (بنسعة) هي الحزام الذي يربط به الرحل.\nقوله: (والحجارة تنكب رجليه) أي: يمشي والحجارة تضرب رجليه وكأنه والله أعلم يمشي بسرعة، ولكنه لا يحس في تلك الحال، لأنه يريد أن يعتذر.\nقوله: (وما يزيده عليه) أي: لا يزيده على ما ذكر من توبيخ امتثالًا لأمر الله ﷿، وكُفي بالقول الذي أرشد الله إليه نكاية وتوبيخًا.\nفيه مسائل:\nالأولى: وهي العظيمة: أن من هزل بهذا كافر. أي من هزل: بالله وآياته ورسوله.\n_________\n(١) عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل، فكنت أسمعه كثيرا يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال» رواه البخاري (٢٨٩٣).\n(٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» رواه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩).","vol":"6","page":461},{"text":"الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنًا من كان. أي: سواء كان منافقًا أو غير منافق ثم استهزأ، فإنه يكفر كائنًا من كان. ا. هـ. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٣/ ٣٠\nحكم من استهزأ بالصلاة أو المصلين وسائر العبادات:\nفإذا استهزأ بالصلاة كفر، أو استهزأ بالزكاة كفر، أو استهزأ بالصوم كفر، أو استهزأ بالمصلين؛ كأن يسخر بالصلاة التي يصليها المسلم كفر، أو يستهزئ باللحية، كراهة لما جاء به الإسلام من الأمر بإعفاء اللحية، فإنه يكفر؛ لأن الله شرعها على لسان رسوله ﷺ، وشرع إعفاءها. أما إذا سخر من الشخص لذاته أو لشخصه فلا يكفر.\nحكم من استهزأ بالجنة والنار:\nوكذلك إذا استهزأ بالجنة أو النار، فالجنة ثواب للمؤمنين والنار عقاب للكافرين، فإذا استهزأ وسخر، وقال: ما الجنة؟ وما النار؟ مستهزئا فإنه يكفر والعياذ بالله.\n[حكم من استهزأ بثواب الأعمال الصالحة:]\nومن استهزأ بثواب الأعمال الصالحة؛ كمن سمع أو قرأ مثلًا حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال سبحان الله وبحمده. في يوم مائة مرة، حطت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر» (١). فاستهزأ بهذا الثواب وسخر به لا أنه لم يصح عنده، فإنه يكفر.\nفإذا استهزأ بشيء من دين الرسول ﵊، أو استهزأ بالثواب الذي أعده الله للمطيع، أو أعده الله على العمل الصالح، أو العقوبة التي أعدها الله للعاصي، أو للكافر فإنه يكفر، والدليل قول الله تعالى في سورة التوبة: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُم [التوبة: ٦٥ - ٦٦] فأثبت لهم الكفر بعد الإيمان. تبصير الأنام بشرح نواقض الإسلام لعبد العزيز الراجحي ص٤١\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٠٥).","vol":"6","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1891>المبحث الثامن: تكذيب النبي ﷺ أو الشك في رسالته</span>\nذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعض هذه الصور فقال: (فمن النفاق ما هو أكبر، ويكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبدالله بن أُبي وغيره، بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك: مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا لله ورسوله، وهذا القدر كان موجودًا في زمن رسول الله ﷺ، ومازال بعده، بل هو أكثر منه على عهده ...) (١).\nوقال في موضع آخر: (فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، فأن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ فيما أخبر به، ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر - علمًا وعملًا - وأنه يجوز تصديقه وطاعته لكنه يقول: إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدًا، ويرى أنه تحصيل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته، إما بطريق الفلسفة والصبو، أو بطريق التهود والتنصر ...) (٢)\nونقل هذه الأنواع الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀ فقال: ... فأما النفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع، تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بغض الرسول أبو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرّة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار (٣) فيتحصل مما ذكره هذان الإمامان - بعد دمج الأنواع المتشابهة أو المتقاربة- خمس صفات أو أنواع وهي:\n١ - تكذيب الرسول ﷺ، أو تكذيب بعض ما جاء به.\n٢ - بغض الرسول ﷺ، أو بغض ما جاء به.\n٣ - المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ، أو الكراهية بانتصار دين الرسول ﷺ.\n٤ - عدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر.\n٥ - عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر.\nوبالنظر إلى الآيات التي ذكرت أحوال المنافقين، وكلام المفسرين حولها، يمكن أن يضاف إلى هذه الصفات صفات أخرى وهي:\n٦ - أذى الرسول ﷺ أو عيبه ولمزه.\n٧ - مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين.\n٨ - الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله.\n٩ - التولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله ﷺ.\nفالوقوع في أي صفة من هذه الصفات يخرج من الملة، وهذه الصفات أكثرها متعلق بحق الرسول ﷺ، يقول شيخ الإسلام ﵀: ... فالنفاق يقع كثيرًا في حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته ... (٤) نواقض الإيمان الاعتقادية لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ص: ٣١٦\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٤٣٤).\n(٢) «الإيمان الأوسط» (ص١٨٠).\n(٣) «مجموعة التوحيد» (ص٧).\n(٤) «الإيمان الأوسط» (ص١٨١)، وانظر: «الإيمان» (ص٢٨٥).","vol":"6","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1892>المبحث التاسع: كفر من أقر بنبوة بعض الأنبياء دون بعض</span>\nمن المسلَّم به أن الرسل كلهم متفقون في أصل الدين، فلزم من ذلك أن من أقر بنبوة البعض دون الآخر فإنه كافر بالجميع، وذلك لاتفاقهم جميعًا في أصل رسالتهم، قال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣].\nنص كلام شيخ الإسلام في المسألة: قال – ﵀ -: (المسلمون متفقون على كفر من أقر بنبوة بعض الأنبياء دون بعض) (١).\nذكر من نقل الإجماع من أهل العلم أو نص على المسألة مما سبق شيخ الإسلام:\nالرسل والأنبياء كلهم دينهم واحد بعثوا بعبادة الله وحده وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ [النحل: ٣٦] فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بالآخرين ولهذا كان الإيمان بهم جميعًا ركنًا من أركان الإيمان الستة.\nقال الإمام ابن بطة العكبري – ﵀ -: (الإيمان والتصديق بجميع ما جاءت به الرسل من عند الله وبجميع ما قال الله ﷿ فهو حق لازم فلو أن رجلًا آمن بجميع ما جاءت به الرسل إلا شيئًا واحدًا كان برد ذلك الشيء كافرًا عند جميع العلماء) (٢). وهذا الكفر في رد شيء واحد جاء به الرسول، فكيف فيمن كفر بالرسول وكل ما جاء به .. فكفره أظهر أولى.\nذكر مستند الإجماع على كفر من أقر بنبوة بعض الأنبياء دون بعض:\nقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا [النساء: ١٥٠ - ١٥١]، قال ابن كثير – ﵀ -: (من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية، ولهذا قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله أي: وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ في الإيمان وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أي: طريقًا ومسلكًا، ثم أخبر تعالى عنهم، فقال: أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به، لأنه ليس شرعيًا، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلًا وأقوى برهانًا منه، أو نظروا حق النظر في نبوته) (٣). فبين الله ﷿ أن الذين يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض أنهم هم الكافرون حقًا.\n_________\n(١) «منهاج السنة» (٦/ ٤٣٣).\n(٢) «الشرح والإبانة» (ص: ٢١١).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٤٥).","vol":"6","page":464},{"text":"ثم ذكر وصف المؤمنين وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: ١٥٢] فالمؤمنون يؤمنون برسل الله ولا يفرقون بين أحد منهم وأنهم جميعًا يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دونه، وأنهم بلغوا رسالات الله بصدق وأمانة، وأن خاتمهم محمد بن عبد الله، نسخت شريعته جميع الشرائع السابقة، فنؤمن بجميع الأنبياء والرسل إجمالًا وندين بدين وشرعة محمد بن عبد الله إجمالًا وتفصيلًا، لا يقبل الله بعد بعثته دينًا سوى دينه.\nوقال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:٢٨٥]، فمن كذب وكفر بنبي واحد فقد كذب وكفر بسائر الأنبياء، قال تعالى عن قوم نوح: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥]، وقال تعالى: وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ [الفرقان: ٣٧] وهم إنما كذبوا وكفروا بنوح ﵇، لكن لما كان تكذيب نبي واحد والكفر به بمثابة من كذب وكفر بسائر الأنبياء، قال تعالى عنهم: كَذَّبُوا الرُّسُلَ [الفرقان: ٣٧] وكَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٢٣].\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد» (١). فيخبر النبي ﷺ أن الأنبياء دينهم واحد، متفقون في أصل دينهم ورسالتهم وهو التوحيد .. فمن كفر بواحد منهم كفر بالجميع. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٧٨٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥).","vol":"6","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1895>المطلب الأول: كفر وقتل من سب النبي ﷺ من المسلمين</span>\nمن خصائص النبي ﷺ كفر وقتل من سبه .. ولهذا عندما أغلظ رجل على أبي بكر الصديق، فقال أبو برزة الأسلمي: (ألا أضرب عنقه؟ فانتهره أبو بكر، وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله ﷺ) (١).\nنص كلام شيخ الإسلام في المسألة: قال شيخ الإسلام –﵀-: (إن الساب إن كان مسلمًا فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف) (٢).\nذكر من نقل الإجماع من أهل العلم أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام:\nقال الإمام إسحاق بن راهويه – ﵀ -: (أجمع المسلمون على أن من سب الله أو سب رسوله ﷺ .. أنه كافر بذلك وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله) (٣).\nوقال الإمام محمد بن سحنون – ﵀ -: (أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ المتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر) (٤).\nوقال ابن المنذر – ﵀ -: (وأجمعوا على أن من سب النبي ﷺ أن له القتل) (٥).\nوقال ابن حزم – ﵀-: (كل من آذى رسول الله ﷺ فهو كافر مرتد يقتل ولابد) (٦).\nوقد نقل شيخ الإسلام في (الصارم المسلول) عن غير هؤلاء حكايتهم للإجماع على قتل وتكفير شاتم الرسول ﷺ (٧).\nذكر مستند الإجماع على أن من سب النبي ﷺ من المسلمين فإنه يكفر ويقتل:\nقال تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: ٦١] إلى قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [التوبة: ٦٣]. فإيذاء رسول الله بسبه وتنقصه محادة لله ورسوله، وحكم الله ﷿ لمن يحادد الله ورسوله بأن له نار جهنم خالدًا فيها، والخلود للكافرين، قال ابن جرير الطبري في تأويل هذه الآية: (إنه من يحارب الله ورسوله، ويخالفهما فيناوئهما بالخلاف عليهما فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ في الآخرة خَالِدًا فِيهَا .. لابثًا فيها مقيمًا إلى غير نهاية) (٨)، وهذا الوصف الذي ذكره الإمام الطبري لا يتحقق إلا في الكافرين فهم الذين يقيمون في النار إلى غير نهاية.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره للآيات السابقة: (.. دل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر، لأنه أخبر أن له نار جهنم خالدًا فيها ولم يقل: وهي جزاؤه، وبين الكلامين فرق) (٩).\nوقال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] الآية، فالاستهزاء برسول الله كفر وردة بنص القرآن، فسب رسول الله أعظم من الاستهزاء لما فيه من التنقص والإيذاء العظيم له ﵊، فهو كفر من باب أولى.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥).\n(٢) «الصارم المسلول» (٢/ ١٦).\n(٣) نقلًا من كتاب «الصارم المسلول» (٢/ ١٥).\n(٤) نقلًا من كتاب «الصارم المسلول» (٢/ ١٥).\n(٥) «الإجماع» لابن المنذر (ص: ٧٦) كتاب المرتد، رقم: (٧٢٠).\n(٦) «المحلى» (١١/ ٤١٤).\n(٧) «الصارم المسلول» (٢/ ١٣ - ١٩).\n(٨) «تفسير الطبري» (٦/ ٤٠٧).\n(٩) «الصارم المسلول» (٢/ ٥٨).","vol":"6","page":466},{"text":"وقد ذكر ابن حزم في كتابه المحلى وبإسناده فقال: حدثنا صمام نا عباس ... عن عروة بن محمد عن رجل بن بلقين قال: «كان رجل يشتم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: من يكفيني عدوًا لي؟ فقال خالد بن الوليد: أنا. فبعثه النبي ﷺ فقتله». (١) المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٧٩٩\nوقد حكى أبو بكر الفارسي من أصحابِ الشافعي إجماعَ المسلمين على أنَّ حدَّ من يَسبّ النبيَّ ﷺ القتلُ كما أن حدَّ من سَبَّ غيرَه الجلدُ (٢) وهذا الإجماعُ الذي حكاه هذا محمولٌ على إجماعِ الصَّدْرِ الأول مِن الصحابة والتابعين، أو أنه أرادَ به إجماعَهم على أن سَابَّ النبيَّ ﷺ يجبُ قتلُه إذا كان مسلمًا، وكذلك قَيَّدَه القاضي عِيَاضٌ، فقال: أجمعت الأمةُ على قَتْل متنقِّصِه من المسلمين وسابِّه، ...\nتحرير القول في حكم الساب:\nوتحرير القول فيها: أنَّ السابَّ إن كان مسلمًا فإنه يَكفُرُ ويُقْتَلُ بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، ... وممن حكى الإجماع على ذلك من الأئمة ...: إسحاقُ بن رَاهُوْيَه وغيره، وإن كان ذمِّيًّا فإنه يقتل أيضًا في مذهب مالكٍ وأهْلِ المدينة، ... وهو مذهبُ أحمد وفقهاءِ الحديث ...\nنصوص الإمام أحمد:\nوقد نَصَّ أحمدُ على ذلك في مواضعَ متعددة. قال حَنْبَل: سمعت أبا عبدالله يقول: كلُّ من شتم النبي ﷺ أو تنقَّصه - مسلمًا كان أو كافرًا - فعليه القتلُ، وأرى أن يُقتل ولا يُستتاب.\nقال: وسمعت أبا عبدالله يقول: كلُّ مَن نَقَضَ العهدَ وأحدث في الإسلام حَدَثًا مثل هذا رأيتُ عليه القتل، ليس على هذا أعْطُوا العهدَ والذِّمَّة. وكذلك قال أبو الصقر: سألت أبا عبدالله عن رجل من أهل الذمَّة شتم النبيَّ ﷺ، ماذا عليه؟ قال: إذا قامت عليه البينة يقتل مَنْ شتم النبي ﷺ، مسلمًا كان أو كافرًا. رواهما الخَلاَّل.\nوقال في رواية عبدالله وأبي طالب وقد سُئل عمّن شتم النبيَّ ﷺ قال: يُقتل، قيل له: فيه أحاديث؟ قال: نعم، أحاديث منها: حديثُ الأعمى الذي قَتَلَ المرأة، قال: سمعتها تَشتمُ النبيَّ ﷺ (٣) ... وذلك أنه من شتم النبيَّ ﷺ فهو مُرْتَدٌّ عن الإسلام، ولا يشتم مسلمٌ النبيَّ ﷺ.\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/ ٢٣٧) عن عكرمة مولى ابن عباس ﵄ مرسلًا. وصححه ابن حزم في «المحلى» (١١/ ٤١٣).\n(٢) تكملة «المجموع» للمطيعي (١٩/ ٤٢٧).\n(٣) رواه أبو داود (٤٣٦١)، والنسائي (٧/ ١٠٧)، والحاكم (٤/ ٣٩٤). من حديث ابن عباس ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن دقيق العيد في «الإلمام» (٢/ ٧٤٤): صحيح على طريقة بعض أهل الحديث - كما اشترط على نفسه في المقدمة -، وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (ص: ٣٦٣): رواته ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"6","page":467},{"text":"زاد عبدُالله: سألتُ أبي عمن شتم النبيَّ ﷺ، يُستتاب؟ قال: قد وجب عليه القتلُ، ولا يُستتاب؛ خالد بن الوليد قَتَلَ رجلًا شتم النبي ﷺ ولم يَسْتَتِبْه، (رواهما) أبو بكر في (الشافي)، وفي رواية أبي طالب: سئل أحمدُ عمن شتم النبيَّ ﷺ، قال: يُقْتَلُ، قد نَقَضَ العَهْدَ. وقال حرب: سألتُ أحمد عن رجلٍ من أهل الذمة شتم النبيَّ ﷺ، قال: يقتل، إذا شتم النبيَّ ﷺ. رواهما الخَلاَّل، وقد نص على هذا في (غير) هذه الجوابات.\nفأقوالُه كلُّها نصٌّ في وجوب قتله، وفي أنه قد نقض العهد، وليس عنه في هذا اختلافٌ.\nوكذلك ذَكَرَ عامةُ أصحابه متقدمُهُمْ ومتأخرهم، لم يختلفوا في ذلك.\n.... قولُه سبحانه: أَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَنْ يُحَادِد اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلكَ الخِزْيُ العَظِيم [التوبة:٦٣]، فإنه يدلُّ على أنَّ أذى رسول الله ﷺ مُحَادَّةٌ لله ولرسوله؛ لأنه قال هذهِ الآيةَ (عَقِبَ) قوله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة:٦١]. ثم قال: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:٦٢ - ٦٣]، فلو لم يكونوا بهذا الأذى مُحَادِّين لم يحسن أن يوعَدُوا بأنَّ للمحاد نار جهنَّم؛ لأنه يمكن حينئذٍ أن يقال: قد علموا أن للمحاد نارَ جهنَّم؛ لكنهم لم يحادّوا، وإنما آذَوْا، فلا يكون في الآية وعيدٌ لهم؛ فعُلِم أنَّ هذا الفعل لابُدَّ أن يندرج في عموم المحادَّة؛ ليكون وعيدُ المحادِّ وعيدًا له ويلتئمُ الكلامُ.\nويدلُّ على ذلك أيضًا ما روى الحاكمُ (صحيحه) بإسناد صحيح عن ابن عباس أنَّ رسول اللهِ ﷺ كانَ في ظِلِّ حُجْرَةٍ من حُجرِهِ، وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنَ المسْلِمينَ، فَقَالَ: «إنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ إنْسَانٌ يَنْظُر إليكم بِعَيْنِ شَيْطَانٍ، فَإذَا أَتَاكُمْ فَلا تُكَلِّمُوهُ، فَجَاء رَجُلٌ أزْرَقُ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: عَلامَ تَشْتُمُني أنْتَ وَفُلانٌ وَفُلانٌ، فانْطَلَقَ الرَّجُلُ، فَدَعَاهُمْ فَحَلَفُوا بِاللهِ وَاعْتَذَرُوا إلَيْهِ فأنزل اللهُ تعالى: يوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [المجادلة:١٨]، ثم قال بعدَ ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:٥] فعُلم أنَّ هذا داخلٌ في المحادَّةِ» (١) ...\nوإذا كان الأذى مُحَادَّةً للهِ ولرسولِهِ فقد قالَ اللهُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:٢٠ - ٢١] والأذلُّ: أبلغُ مِن الذليلِ، ولا يكون أذلَّ حتى يخاف على نفسه وماله إنْ أظهر المحادَّة؛ لأنه (إنْ) كان دمُه ومالُه معصومًا لا يُسْتَبَاح فليس بأذلَّ، ... وأما الآيات الدَّالة على كفر الشاتم وقتله، أو على أحدهما، إذا لم يكن مُعَاهِدًا - إن كان مظهرًا للإسلام - فكثيرة، مع أن هذا مُجْمَعٌ عليه الصارم المسلول لابن تيمية - بتصرف - ٢/ ١٣\n_________\n(١) رواه الحاكم (٢/ ٥٢٤)، والحديث: رواه أحمد (١/ ٣٥٠) (٣٢٧٧). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.","vol":"6","page":468},{"text":"أذى الرسول ﷺ أو عيبه ولمزه:\nوهذا داخل في سبّه ﷺ لأن السب: هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف .... (١) والعيب، واللمز فيه انتقاص.\nقال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة:٥٨]\nنزلت هذه الآية في ذي الخويصرة التميمي حينما جاء إلى النبي ﷺ وهو يقسم غنائم حنين، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذ لم أعدل؟» قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: «دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» ... قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي ﷺ، وأشهد أن عليًا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ قال: فنزلت فيه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ (٢).\nقال الإمام الشوكاني في تفسيرها: قوله: ومنهم من يلمزك، يقال: لمزه يلمزه: إذا عابه، قال الجوهري: اللمز العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، ومعنى الآية: ومن المنافقين من يعيبك في الصدقات: أي في تفريقها وقسمتها (٣).\nوقال في آيةٍ أخرى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:٦١] إلى قوله سبحانه: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [التوبة:٦٣]\nقال شيخ الإسلام ﵀: فعلم أن إيذاء رسول الله محادة لله ولرسوله لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادة، فيجب أن يكون داخلًا فيه، ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفًا، ... ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر لأنه أخبر أن له نار جهنم خالدًا فيها ... (٤) وقال الشوكاني ﵀ في تفسير هذه الآية: قوله: ومنهم؛ هذا نوع آخر مما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ على وجه الطعن والذم هو أذن، قال الجوهري: يقال رجل أذن: إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم، أقمأهم الله، أنهم إذا آذوا النبي ﷺ وبسطوا فيه ألسنتهم، وبلغه ذلك اعتذروا له وقبل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له فيصدقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدقه أنه أذن مبالغة، لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى كأن جملته أذن سامعة، ... وإيذاؤهم له وهو قولهم هُوَ أُذُنٌ لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كل ما يقال له ولا يفرق بين الصحيح والباطل اغترارًا منهم بحلمه عنهم، وصفحه عن خباياهم كرمًا وحلمًا وتغاضيًا ... (٥).\nوهذه الآية والتي قبلها ذكرهما شيخ الإسلام ضمن الآيات الدالات على كفر شاتم الرسول وقتله.\nوذكر أن إيذاء الرسول ولمزه من الصفات الدالة على نفاق صاحبها فقال ﵀: وذلك أن الإيمان والنفاق، أصله في القلب، وإنما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه، فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه، فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي ﷺ، والذين يؤذونه من المنافقين، ثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرع له، معلوم أنه إذا حصل فرع الشيء ودليله حصل أصل المدلول عليه، فثبت أنه حيث ما وجد ذلك كان صاحبه منافقًا سواء كان منافقًا قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول (٦) وهذا السبّ من الإيذاء واللمز والاستخفاف منافٍ لعمل القلب من الانقياد والاستسلام ومحال أن يهين القلب من قد انقاد له وخضع واستسلم أو يستخف به، فإذا حصل في القلب استخفاف واستهانة امتنع أن يكون فيه انقياد واستسلام، فلا يكون فيه إيمان، وهذا هو بعينه كفر إبليس، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولًا ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له واستكبر عن الطاعة فصار كافرا (٧). نواقض الإيمان الاعتقادية لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ٢/ ١٦١\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص: ٥٦١).\n(٢) رواه البخاري (٦٩٣٣)، ومسلم (١٠٦٤). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) «فتح القدير» (٢/ ٥٤٠).\n(٤) «الصارم المسلول» (ص: ٣٨).\n(٥) «فتح القدير» (٢/ ٥٤٦).\n(٦) «الصارم المسلول» (ص: ٣٥).\n(٧) «الصارم المسلول» (ص: ٥٢١).","vol":"6","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1897>أولًا: الأدلة من القرآن على كفر ساب الرسول</span>\nالدليل الأول: من القرآن على كفر الساب:\nمنها قوله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبيَّ ويَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ إلى قوله: والذينَ يُؤْذونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ إلى قوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنْهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:٦١ - ٦٣]، فعُلم أن إيذاء رسول الله محادَّة لله ولرسوله؛ لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادّة، فيجب أن يكون داخلًا فيه، ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفًا إذا أمكن أن يقال: إنه ليس بمحاد، ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادّ َة كفر؛ لأنه أخبر أن له نار جهنم خالدًا فيها، ولم يقل: (هي جزاؤه)، وبين الكلامين فَرْق، بل المحادَّة هي المعاداة والمشاقَّة، وذلك كفر ومحاربة؛ فهو أغْلَظُ من مجرد الكفر، فيكون المؤذي لرسول الله ﷺ كافرًا، عدوًّا للهِ ورسوله، محاربًا لله ورسوله، لأن المحادَّة اشتقاقها من المباينة بأن يصير كلُّ واحد منهما في حد كما قيل: المشاقَّة: أن يصير كل منهما في شق، والمعاداة: أن يصير كل منهما في عِدْوةٍ.\nوفي الحديث أنَّ رجلًا كان يسبُّ النَّبيَّ ﷺ فقال: «مَنْ يَكْفِيني عَدُوِّي؟» (١)، وهذا ظاهر قد تقدم تقريره، وحينئذٍ فيكون كافرًا حَلال الدم؛ لقوله تعالى: إنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأَذَلِّين [المجادلة:٢٠]، ولو كان مؤمنًا معصومًا لم يكن أذلّ؛ لقوله تعالى: وَللهِ العزةُ ولرسُولهِ وللمؤمِنيْنَ [المنافقون:٨] وقوله: كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [المجادلة:٥]، والمؤمن لا يُكبت كما كُبت مكذبو الرسل قط، ولأنه قد قال تعالى: لاَ تجدُ قومًا يُؤمنونَ بِاللهِ واليوْمِ الآخرِ يُوآدُّونَ منَ حآدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:٢٢]، فإذا كان من يُوَادّ المحادَّ ليس بمؤمن فكيف بالمحاد نفسه؟ وقد قيل: إن من سبب نزولها أن أبا قُحَافَةَ شتم النبي ﷺ فأراد الصديق قتله، وأن ابن أُبَيّ تنقَّصَ النبي ﷺ، فاستأذن ابنُه النبيَّ ﷺ في قتله لذلك، فثبت أن المحادَّ كافرٌ حلالُ الدم. وأيضًا فقد قطع الله الموالاة بين المؤمنين وبين المحادِّين لله ورسوله والمعادين لله ورسوله، فقال تعالى: لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ منَ حَآدَّ اللهَ وَرَسُولَه ولوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ [المجادلة:٢٢]، وقال: يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوّي وَعَدوَّكُمْ أَوْلَيَاءَ تُلْقُونَ إليهِمْ بالْموَدَّةِ [الممتحنة:١]، فعُلم أنهم ليسوا من المؤمنين.\nوأيضًا، فإنه قال سبحانه: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذبَهُمْ في الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابُ النَّار ذَلِكَ بأَنَّهُمْ شَآقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَآقِّ اللهَ فإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ [الحشر:٣ - ٤].\nفجعل (سبب) استحقاقهم العذابَ في الدنيا ولعذاب النار في الآخرة هو مُشَاقَّةَ الله ورسوله، والمؤذي لرسول الله ﷺ مُشَاقٌ للهِ ورسوله ... والعذاب هنا هو الإهلاك بعذابٍ من عنده، أو بأيدينا، وإلا فقد أصابهم ما دون ذلك من ذَهَاب الأموال وفراق الأوطان.\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٥/ ٢٣٧) عن عكرمة مولى ابن عباس ﵄ مرسلًا.","vol":"6","page":470},{"text":"وقال سبحانه: إذْ يُوْحِي رَبُّكَ إلَى المَلاَئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ إلى قوله: سَأُلْقِي في قُلُوبِ الذينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْربُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ واضْرِبُوا مِنْهُم كَلَّ بَنَانٍ ذلكَ بأنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ ورسولهُ [الأنفال:١١ - ١٣] فجعل إلقاء الرُّعب في قلوبهم والأَمر بقتلهم لأجل مشاقَّتهم لله ورسوله، فكل من شاقَّ الله ورسوله يستوجب ذلك.\nوالمؤذي للنبي مُشَّاقٌ للهِ ورسوله كما تقدم فيستحق ذلك. وقولهم: هُوَ أُذُن قال مجاهد: هو أذُنٌ يقولون: سنقول ما شئنَا ثم نحلف له فيصدقنا (١) ...\nقال بعض أهل التفسير: كان رجال من المنافقين يؤذون رسول الله ﷺ ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا، فإنّا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا، فقال الجُلاَّسُ: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا، فإنما محمدٌ أذنٌ سامعة، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوقال ابن إسحاق: كان نَبْتَل بن الحارث الذي قال النبي ﷺ فيه: «مَن أَرَادَ أَنْ يَنْظُرْ إلَى الشَّيْطَانِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى نَبْتَل بنِ الحَارِثِ» ينمُّ حديثَ النبي ﷺ إلى المنافقين، فقيل له: لا تَفْعَلْ، فقال: إنما محمد أُذُن، مَن حدّثه شيئًا صدَّقه، نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا عليه، فأنزل الله هذه الآية (٣).\nوقولهم: أُذُن قالوه ليبينوا أن كلامهم مقبول عنده، فأخبر الله أنه لا يصدِّق إلا المؤمنين، وإنما يسمع الخبر فإذا حلفوا له فعفا عنهم كان ذلك لأنه أُذن خير، لا لأنه صدَّقهم.\nقال سفيان بن عُيَيْنَة: أُذن خير يقبل منكم ما أظهرتم من الخير ومن القول، ولا يؤاخذكم بما في قلوبكم، ويَدَعُ سرائركم إلى الله، وربما تَضَمَّنت هذه الكلمة نوع استهزاء واستخفاف.\nفإن قيل: فقد روى نُعيم بن حماد ثنا محمد بن ثور عن يونُس عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ لا تجعَلْ لفاجرٍ ولا لفاسق عندي يدًا ولا نعمةً فإني وجدت فيما أوحيتَه: لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:٢٢]». قال سفيان: يرون أنها أُنزلت فيمن يخالط السلطان، رواه أبو أحمد العسكري (٤).\nوظاهرُ هذا أن كل فاسق لا تبتغي مَودَّته فهو محادّ لله ورسوله، مع أن هؤلاء ليسوا منافقين النفاق المبيح للدَّم.\nالدليل الثاني:\nقوله سبحانه: يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُوْرَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا في قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزئُوا إنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُون ولَئِن سَألْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخوُضُ ونَلْعَبُ قُلْ أَبالله وآياتِهِ وَرَسُولهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرتُمْ بَعْدَ إيْمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرميْنَ [التوبة:٦٤ - ٦٦] وهذا نصٌّ في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، فالسبُّ المقصود بطريق الأَوْلى، وقد دلَّتْ هذه الآية على (أنَّ) كل مَنْ تنقَّصَ رسول الله ﷺ جادًّا أو هازلًا فقد كفر ...\nالدليل الثالث:\nقال سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة:٥٨] واللمز: العيبُ والطعن، قال مجاهد: يتهمك يسألك يزْراك، وقال عطاء: يَغْتَابُك.\nالعبرة بعموم اللفظ:\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (١٤/ ٤٢٦)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٧/ ٣٠٧).\n(٢) انظر: «تفسير البغوي» (٤/ ٦٧).\n(٣) انظر: «تفسير البغوي» (٤/ ٦٧).\n(٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (٨/ ٥٥).","vol":"6","page":471},{"text":"وقال تعالى: وَمِنْهُمُ الذِينَ يُؤْذُونَ النّبي [التوبة:٦١]، وذلك يدلُّ على أنَّ كلَّ من لمزه أو آذاه كان منهم؛ لأنّ الَّذِينَ ومَنْ اسمان موصولان، وهما من صيغ العموم، والآية وإن كانت نزلت بسبب لَمْزِ قَوْمٍ وأذى آخرين، فحكمها عامٌّ كسائر الآيات اللواتي نزلن على أسباب، وليس بين الناس خلافٌ نعلمه أنها تعمُّ الشخصَ الذي نزلت بسببه ومَن كان حاله كحاله، ولكن إذا كان اللفظ أعمَّ من ذلك السبب فقد قيل: إنه يُقْتَصَر على سببه، والذي عليه جماهيرُ الناس أنه يجب الأخْذُ بعموم القول، ما لم يقم دليل يوجب القصر على السبب كما هو مقرر في موضعه.\nوأيضًا، فإن كَوْنَه منهم حكم معلق بلفظ مشتق من اللمز والأذى، وهو مناسبٌ لكونه منهم؛ فيكون ما منه الاشتقاقُ هو علَّة لذلك الحكمِ، فيجب اطِّرَادُه. وإذا ثبت أن كل مَن لمز النبي ﷺ أو آذاه منهم فالضميرُ عائد على المنافقين والكافرين؛ لأنه سبحانه لما قال: انِفرُوا خِفافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بأمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمون [التوبة:٤١] قال: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكْن بَعُدَتْ عَليْهمُ الشُقّةُ وَسَيَحْلِفُونَ باللهِ [التوبة:٤٢] وهذا الضمير عائد إلى معلومٍ غير مذكورٍ، وهم الذين حلفوا: لَوِ اسْتَطَعْنَا لخَرَجْنَا مَعَكُمْ [التوبة:٤٢] وهؤلاء هم المنافقون بلا ريب ولا خلاف، ثم أعاد الضمير إليهم إلى قوله: قُلْ أَنفقُوا طَوْعًا أَو كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكم إنَّكم كُنْتُم قَوْمًا فَاسِقينَ ومَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُم إلاَّ أنَّهُمْ كَفَرُوا باللهِ وَبِرَسُولهِ [التوبة:٥٣] فثبت أن هؤلاء الذين أضمروا كفَرُوا بالله ورسوله، وقد جعل منهم مَن يلمز، و(منهم) من يؤذي. وكذلك قوله: وَمَا هُمْ مَنْكُمْ [التوبة:٥٦] إخراجٌ لهم عن الإيمان ...\nالدليل الرابع:\nقوله ﷾: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:٦٥] أقْسَمَ سبحانه بنفسهِ أنهم لا يؤمنون حتى يحكِّموه في الخصومات التي بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا من حكمه، بل يُسلِّموا لحكمه ظاهرًا وباطنًا.\nمن دُعي إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى رسوله فلم يقبل كان منافقًا:","vol":"6","page":472},{"text":"وقال قبل ذلك: أَلَم تَرَ إلى الَّذِين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمءَامَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قبْلِكَ يُريدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا وَإذَا قِيلَ لَهُمُ تَعَالَوْا إلى مَا أَنزلَ اللهُ وإلَى الرَسُولِ رَأَيتَ المنافقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء:٦٠ - ٦١] فبيّن سبحانه أن مَن دُعي إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى رسوله فصدَّ عن رسوله كان منافقًا، وقال سبحانه: وَيقُولُونَ آمنَّا باللهِ وَبالرَّسُولِ وأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ باِلمؤمِنَينَ وَإِذَا دُعُوا إلى اللهِ ورسُولهِ لِيحكُمَ بَينهُمْ إذا فَرِيقٌ مِّنْهمْ مُّعْرِضونَ وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأَتُوا إليهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَليهمْ ورسُولهُ بَلْ أُوْلَئكَ هُمُ الظَالِمُونَ إنّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤمِنينَ إذا دُعُوا إلى اللهِ وَرَسُولهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعنا وأطعْنَا [النور:٤٧ - ٥١] فبيّن سبحانه أنّ من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمنٍ، وأن المؤمن هو الذي يقول: سمعنا وأطعنا؛ فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره، مع إن هذا تركٌ محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة، فكيف بالتّنقّص والسبّ ونحوه؟\nالدليل الخامس: ما استدل به العلماء على ذلك: قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ وأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا [الأحزاب:٥٨] ودلالتها من وجوه:\nأحدها: أنه قَرَن أذاه بأذاه كما قرن طاعته بطاعته، فمن آذاه فقد آذى الله تعالى، وقد جاء ذلك منصوصًا عنه، ومن آذى الله فهو كافر حَلالُ الدَّمِ، يبين ذلك أن الله تعالى جعل محبةَ اللهِ ورسوله وإرضاءَ اللهِ ورسوله وطاعة الله ورسوله شيئًا واحدًا فقال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وأبْنَاؤكُمْ وإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيْرَتُكمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَونَ كسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أحَبَّ إلَيكم مِنَ اللهِ وَرَسُولهِ [التوبة:٢٤] وقال: وَأَطِيعُوا الله والرَّسُول في مواضع متعددة، وقال تعالى: وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ [التوبة:٦٢] فوحَّدَ الضميرَ، وقال أيضًا: إنَّ الَّذِينَ يُبَايعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ الله وقال أيضًا: يَسْأَلُوْنَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُل الأنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال:١].\nوجعل شقاق الله ورسوله ومحادَّةَ الله ورسوله وأذى الله ورسوله ومعصيةَ الله ورسوله شيئًا واحدًا، فقال: ذَلِكَ بأنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرسُولَهُ [الأنفال:١٣] وقال: إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسولَه [. وقال تعالى: ألَمْ يَعْلمُوا أنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسولَهُ] المجادلة:٥ [وقال: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسولَهُ] الجن:٢٣ [.]\nحق الله وحق رسوله متلازمان:","vol":"6","page":473},{"text":"وفي هذا وغيرِه بيانٌ لتلازم الحقّين، وأن جهةَ (حرمة) الله ورسوله جهة واحدة؛ فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله؛ لأن الأمة لا يَصِلون ما بينهم وبين ربهم إلا (بواسطة) الرسول، ليس لأحدٍ منهم طريقٌ غيرُه ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مُقَام نفسِهِ في أمره ونَهْيه وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن يُفَرَّقَ بين الله ورسوله في شيءٍ من هذه الأمور.\nوثانيها: أنه فَرَّق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجعل هذا قد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا، وجعل على ذلك لعنته في الدنيا والآخرة، وأعَدَّ له العذابَ المُهين، ومعلومٌ أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر الإثم وفيه الجَلْد، وليس فوق ذلك إلا الكفر والقتل.\nالثالث: أنه ذكر أنه لعنهم في الدنيا والآخرة وأعَدَّ لهم عذابًا مهينًا، واللَّعْنُ: الإبعاد عن الرَّحمة، ومَن طَرَده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلاَّ كافرًا، فإن المؤمن يقرب إليها بعضَ الأوقاتِ، ولا يكون مباحَ الدَّمِ؛ لأن حقْنَ الدم رحمةٌ عظيمة من الله؛ فلا يثبت في حقه.\nويؤيد ذلك قولُه: لَّئِن لَمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهمْ مَرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهمْ ثمَّ لا يُجَاورُونَكَ فِيْهَا إلاَّ قَلِيلًا [مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا] الأحزاب:٦٠ - ٦١ [، فإنّ أخْذَهم وتقتيلَهم - والله أعلم - بيانٌ لصفةِ لعنهم، وذكرٌ لحُكْمه، فلا موضع له في الإعراب، وليس بحالٍ ثانية؛ لأنهم إذا جاوروه ملعونين ولم يَظْهر أثر لعنهم في الدنيا، لم يكن في ذلك وعيد لهم.]\nبل تلك اللعنة ثابتةٌ قبل هذا الوعيد وبعده؛ فلابد أن يكون هذا الأخْذُ والتقتيل من آثار اللعنة التي وُعِدُوهَا، فثبتت في حق مَن لعنه الله في الدنيا والآخرة.\nويؤيدُه قولُ النبي ﷺ: «لَعْنُ المؤمِنِ (كَـ) ـقَتْلهِ» متفق عليه (١)، فإذا كان الله لعن هذا في الدنيا والآخرة فهو كقتله، فعلم أن قتله مُبَاحٌ.\nقيل: واللَّعْنُ إنما يستوجبه مَن هو كافر، لكن هذا ليس جيدًا على الإطلاق.\nويؤَيده أيضًا قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيقُولُونَ للَّذَينَ كفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء:٥١ - ٥٢]، ولو كان معصوم الدم يجب على المسلمين نَصْرُه لكان له نصير.\nالدليل السادس: أن الله سبحانه قال: وَمَا كانَ لَكُمْ أنْ تُؤذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أنْ تَنْكِحُوا أزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِه أبَدًا إنَّ ذَلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا [الأحزاب:٥٣]، فحرَّم على الأمة أن تنكح أزواجه من بعده؛ لأن ذلك يؤذيه، وجعله عظيمًا عند الله تعظيمًا لحرمته، وقد ذكر أن هذه الآية نزلت لما قال بعض الناس: لو قد تُوُفيّ رسول الله ﷺ تزوجت عائشة (٢)، ثم إن مَن نكح أزواجه أو سَرَاريه (فإن) عقوبته القتلُ، جزاءً له بما انتهك من حرمته، فالشاتم له أولى.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١٠٥)، ومسلم (١١٠).\n(٢) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١٤/ ٢٢٨)، «فتح القدير» للشوكاني (٤/ ٤٢٤).","vol":"6","page":474},{"text":"والدليل على ذلك ما روى مسلم في (صحيحه) عن زُهَيْر عن عَفَّان عن حماد عن ثابت عن أنس «أن رجلًا كان يُتَّهَمُ بأم ولد النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لعلي: اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَه\"، فأتاه عليّ فإذا هو في رَكيٍّ يتبرد، فقال له علي: اخرج، فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مَجْبُوبٌ ليس له ذَكَر، فكفَّ علي، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنه لمجبوبٌ ماله ذَكَر» (١)، فهذا الرجل أمر النبي ﷺ بضرب عنقه لما قد استحلَّ من حرمته، ولم يأمر بإقامة حدِّ الزنا، لأن حد الزنا ليس هو ضرب الرقبة، بل إن كان مُحصنًا رُجِمَ، وإن كان غير محصن جُلد، ولا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء أو بالإقرار المعتبر، فلما أمر النبي ﷺ بضرب عنقه من غير تفصيلٍ بَيْنَ أن يكون محصنًا أو غير محصن عُلم أن قتله لما انتهكه من حرمته، ولعله قد شهد عنده شاهدان أنهما رَأيَاه يباشر هذه المرأة، أو شهدا بنحو ذلك، فأمر بقتله، فلما تبين أنه كان مَجْبُوبًا علم أن المفسدة مأمونة منه، أو أنه بَعثَ عليًا ليَستبري القصة، فإن كان ما بلغه عنه حقًا قتله، ولهذا قال في هذه القصة أو غيرها: أكون كالسكة المحماة، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: «بَلِ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لاَ يَرَى الغَائِبُ» (٢).\nويدلُ على ذلك أن النبي ﷺ تزوَّجَ قتيلة بنت قيس بن معدي كرب أخت الأشعث، ومات قبل أن يدخل بها، وقبل أن تقدم عليه، وقيل أنه خيَّرها بين أن يضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين وبين أن يطلقها فتنكح من شاءت، فاختارت النكاح، قالوا: فلما مات النبي ﷺ تزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت، فبلغ أبا بكر، فقال: لقد هممت أن أحرق عليهما بيتهما، فقال عمر: ما هي من أمهات المؤمنين، ولا دخل بها، ولا ضرب عليها الحجاب، وقيل: إنها ارتَدَّت، فاحتجَّ عمر على أبي بكر أنها ليس من أزواج النبي ﷺ بارتدادها (٣).\nفوجه الدلالة: أن الصدِّيق ﵁ عَزَم على تحريقها وتحريق مَن تزوجها، لما رأى أنها من أزواج النبي ﷺ، حتى ناظره عمر أنها ليست من أزواجه، فكف (عنهما) لذلك، فعلم أنهم (كانوا) يَرَوْنَ قتلَ من استحل حُرمة رسول الله ﷺ.\nولا يقال: إن ذلك حد الزنا لأنها كانت تكون محرمة عليه، ومَن (تَزَوَّجَ) ذات مَحْرمٍ حُدَّ حَدَّ الزنا أو قُتل؛ لوجهين:\nأحدهما: أن حد الزنا الرجم.\nالثاني: أن ذلك الحد يفتقر إلى ثبوت الوطْءِ ببينة أو إقرار، فلما أراد تحريق البيت مع جواز ألا يكون غَشِيها عُلم أن ذلك عقوبة لما انتهكه من حرمة رسول الله ﷺ. الصارم المسلول لابن تيمية - ٢/ ٥٨\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٧١).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٨٣) (٦٢٨). من حديث علي بن أبي طالب ﵁. قال ابن حجر في «مختصر البزار» (١/ ٦٠٥): إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٣٧٢٨): صحيح.\n(٣) رواه الحاكم (٤/ ٤٠). من حديث أبي عبيدة معمر بن المثنى ﵁. قال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٣/ ١٣٩ - ١٤٠): روى أبو نعيم في «المعرفة» في ترجمة قتيلة من حديث داود عن الشعبي مرسلًا، وأخرجه البزار من وجه آخر عن داود عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ موصولًا، وصححه ابن خزيمة والضياء من طريقه في «المختارة» ... ورواه الحاكم بسنده إلى أبي عبيدة معمر بن المثنى ﵁.","vol":"6","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1898>ثانيًا: الأدلة من السنة على قتل ساب الرسول ﷺ</span>\nالحديث الأول:\nما رواه الشَّعبيُّ عن علي: «أن يهوديةً كانت تَشْتُم النبي ﷺ وتَقَع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت فأَبْطَل رسول الله ﷺ دمها»، هكذا رواه أبو داود في (سننه) .. (١) ...\nوله شاهد حديث ابن عباس (٢) الذي يأتي؛ فإن القصة إما أن تكون واحدة أو يكون المعنى واحدًا، وقد عمل به عوام أهل العلم، وجاء ما يوافقه عن أصحاب رسول الله ﷺ، ومثل هذا المرسل لم يتردَّدِ الفقهاء في الاحتجاج به.\nوهذا الحديث نَصٌّ في جواز قتلها لأجل شتم النبي ﷺ، ودليل على قتل الرجل الذمي وقتل المسلم والمسلمة إذا سبَّا بطريق الأَولى؛ لأن هذه المرأة كانت مُوادعة مُهادِنة، لأن النبي ﷺ لما قدم المدينة وَادَعَ جميع اليهود الذين كانوا بها مُوَادَعة مطلقة، ولم يضرب عليهم جِزْيَةً ...\nالحديث الثاني:\nما رَوَى إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن عثمان الشحَّام عن عِكْرِمَة عن ابن عباس ﵄ أن أعْمَى كانت له أمُّ ولدٍ تَشْتُمُ النبي ﷺ وتَقَعُ فيه؛ فَيَنْهَاها فلا تَنْتَهِي، ويزجرها فلا تنزجر فلما كان ذات ليلة جَعَلَت تقعُ في النبي ﷺ وتشتمه؛ فأخَذَ المِغْول فوضَعَه في بطنها واتَّكَأَ عليها فقتلها، فلما أصْبَحَ ذُكِرَ ذلك للنبي ﷺ، فجمع الناسَ فقال: «أنْشدُ الله رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌ إِلاَّ قَامَ»، فقام الأعْمَى يتخطَّى الناسَ وهو يتدلدل، حتى قَعَدَ بين يَدَي النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسول الله أنا صَاحِبُهَا، كانت تشتمك وتَقَعُ فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجُرُها فلا تَنزَجر، ولي منها ابْنَانِ مِثْلُ اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقعُ فيك، فأخذت المِغْول فوضعته في بطنها واتَّكَأْتُ عليه حتى قتلتُهَا، فقال النبي ﷺ: «ألا اشْهَدُوا أنَّ دَمَهَا هَدَرٌ» رواه أبو داود والنسائي (٣).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣٦٢)، والبيهقي (٧/ ٦٠). والحديث سكت عنه أبو داود. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٣/ ٤٠٩) - كما ذكر ذلك في المقدمة -، وقال الشوكاني في «نيل الوطار» (٧/ ٣٨٠): رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ٩١): إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٦١)، والنسائي (٧/ ١٠٧)، والحاكم (٤/ ٣٩٤). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٣٦٣): رواته ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» صحيح.\n(٣) رواه أبو داود (٤٣٦١)، والنسائي (٧/ ١٠٧)، والحاكم (٤/ ٣٩٤). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٣٦٣): رواته ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» صحيح.","vol":"6","page":476},{"text":"قال الخطابي: فيه بيان أن سابَّ النبي ﷺ يقتل، وذلك أن السبّ منها لرسول الله ﷺ ارتدَادٌ عن الدين، وهذا دليلٌ على أنه اعتقد أنها كانت مسلمة، وليس في الحديث دليل على ذلك، بل الظاهر أنها كانت كافرة، وكان العهد لها يملك المسلم إياها؛ فإن رقيق المسلمين ممن يجوز استرقاقه لهم حُكْمُ أهل الذمة، وهم أشَدُّ في ذلك من المعاهدين، أو بتزوج المسلم بها؛ فإن أزواج المسلمين من أهل الكتاب لهم حكم أهلِ الذمة في العصمة؛ لأن مثل هذا السبِّ الدائم لا يفعله مسلم إلا عن ردةٍ واختيار دين غير الإسلام ...\nوهذه المرأة إما أن تكون كانت زوجَةً لهذا الرجل أو مملوكة له، وعلى التقديرين فلو لم يكن قَتْلُهَا جائزًا لبيّن النبي ﷺ له أن قتلها كان محرمًا، وأن دمها كان معصومًا، ولأوْجَبَ عليه الكفَّارَةَ بقتل المعصوم والدِّيَةَ إن لم تكن مملوكة له، فلما قال: «اشْهَدُوا أنَّ دَمَهَا هَدَر» - والهدر الذي لا يضمن بقَوَد ولا ديّةٍ ولا كفَّارَة - عُلم أنه كان مباحًا مع كونها كانت ذمية، فعُلِم أن السبَّ أباح دَمَهَا، لاسيما والنبيُّ ﷺ إنما أهْدَرَ دَمَهَا عقب إخباره بأنها قُتلت لأجل السبِّ، فعُلم أنه الموجِبُ لذلك، والقصة ظاهرة الدلالة في ذلك.\nالحديث الثالث:\n... ما رواه عمرو بن دِينَارٍ عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ لِكَعْبِ بِنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى الله َوَرَسُولُهُ؟» فقام محمد بن مَسْلمة فقال: أنا يا رسول الله، أتحبُ أنَّ أقتله؟ قال: «نعم»، قال: ائْذَن لِي أن أقول شيئًا، قال: «قل»، قال: فأتاه وذكَر ما بينهم، قال: إن هذا الرجل قد أراد الصَّدَقة وعنَّانا، فلما سَمِعه، قال: وأيضًا والله لَتَمَلُنَّهُ، قال: إنا قد اتبعْنَاهُ الآن، ونكره أن نَدَعَه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، قال: وقد أردت أن تُسْلِفَنِي سَلفًا، قال: فما ترهنني؟ نساءكم، قال: أنت أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟! قال: ترْهَنُوني أولادَكم، قال: يُسَبّ ابن أحدنا فيقال: رُهِنت في وِسْقَيْن من تمَرٍ، ولكن نرهنك اللأْمَةَ - يعني السلاح - قال: نعم، ووَاعَدَه أن يأتَيهُ بالحارث، وأبي عبس بن جبر وعباد بن بشر، فجاؤوا فَدَعَوْهُ ليلًا، فنزل إليهم، قال سفيان: قال غير عمرو: قالت له امرأته: إني لأسمع صَوْتًا كأنَّه صوت دَمٍ، قال: إنما هذا محمد ورضيعُه أبو نائلة، إن الكريم لو دُعِيَ إلى طَعْنة ليلًا لأجاب، قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمُدُّ يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فَدُونكم، (قال): فلما نزل نزلَ وهو مُتَوَشِحْ، قالوا: نجد منك رِيحَ الطيب، قال: نعم، تحتي فلانة أعْطَرُ نساء العرب، قال: أفتأذن لي أن أشمَّ منه؟ قال: نعم، فشمَّ، ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن منه، ثم قال: دونكم فقتلوه» متفق عليه (١) ...\nوالاستدلالُ بقتل كعب بن الأشرف من وجهين:\nأحدهما: أنه كان مُعَاهدًا مُهَادنًا، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم بالمغازي والسير، وهو عندهم من العلم العام الذي يُستغنى فيه عن نقل الخاصة.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٠٣٧)، ومسلم (١٨٠١).","vol":"6","page":477},{"text":"ومما لا رَيْبَ فيه عند أهل العلم ما قَدَّمناه من أن النبي ﷺ عاهَد لما قدم المدينة جميعَ أصناف اليهود: بني قَيْنُقَاع والنضير وقرَيْظَة، ثم نقَضَت بنو قَيْنُقَاع عَهْدَه، فحاربهم؛ ثم نقضَ عهده كعبُ بن الأشرف، ثم نقض عهده بنو النَّضير، ثم بنو قُرَيْظَة. وكان ابن الأشرف من بني النَّضير، وأمرُهم ظاهرٌ في أنهم كانوا مصالحين للنبي ﷺ، وإنما نَقَضُوا العهدَ لما خرج إليهم يستعينهم في دِيَةِ الرجلين اللذَينِ قَتلهما عمرو بن أمَيَّة الضَّمْرِيُّ، وكان ذلك بعد مقتل كَعب بن الأشرف، وقد ذكرنا الروايَةَ الخاصة أن كعب بن الأشرف كان معاهِدًا للنبي ﷺ. ثم إن النبي ﷺ جعله ناقضًا للعهد بهجائه وأذاه بلسانه خاصة.\n... وأيضًا، فإنه جعل مطلق أذى الله ورسوله مُوجِبًا لقتل رجل معاهد، ومعلوم أن سَبَّ الله ورسوله أذَىً لله ولرسوله، وإذا رُتِّب الوَصْفُ على الحكم بحرف الفاء دل على أن الوصف علة لذلك الحكم، لاسيما إذا كان مُنَاسبًا، وذلك يدل على أن أذَى الله ورسوله عِلة لنَدْب المسلمين إلى قتل مَن يفعل ذلك من المعاهَدِين، وهذا دليل ظاهر على انتقاض عهده بأذى الله ورسوله، والسبُّ من أذى الله ورسولهِ باتفاق المسلمين، بل هو أخص أنواع الأذى.\nالحديث الرابع: قصة رجل أغلظ للصديق\nما روى عبدالله بن قُدَامة عن أبي بَرْزَة قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق ﵁ فقلت: أقتله؟ فانتهرني وقال: ليس هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ. رواه النسائي من حديث شعبة عن توبة العنبري عنه (١).\nورواه أبو داود في (سننه) بإسنادٍ صحيح عن عبدالله بن مُطَرِّف (عن أبي برزة) قال: كنتُ عند أبي بكر ﵁، فتغيَّض على رجل فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه قال: فأذهَبتْ كلمتي غضبه، فقام فدخل، فأرسل إليَّ فقال: ما الذي قُلَتَ آنفًا؟ قلت: ائذن لي أضْرِبْ عنقه، قال: أكنت فاعلًا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا، والله ما كانت لبشر بعد رسول الله ﷺ (٢).\nوقد استدل به على جواز قتل ساب النبي ﷺ جماعات من العلماء، منهم أبو داود وإسماعيل بن إسحاق القاضي وأبو بكر عبدالعزيز والقاضي أبو يعلي وغيرهم من العلماء، وذلك لأن أبا برزة لما رأى الرجل قد شتم أبا بكر وأغلظ له حتى تغيظ أبو بكر استأذنه في أن يقتله لذلك، وأخبره أنه لو أمره لَقَتَله، فقال أبو بكر: ليس هذا لأحد بعد النبي ﷺ.\nفعُلم أن النبي ﷺ كان له أن يقتل من سبّه ومن أغلظ له، وأن له أن يأمر بقتل مَنْ لا يعلم الناس منه سببًا يبيح دمه، وعلى الناس أن يطيعوه في ذلك؛ لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا يأمر بمعصية الله قط، بل من أطاعه فقد أطاع الله.\nفقد تضمن الحديث خَصِيصَتَيْنِ لرسول الله ﷺ:\nإحداهما: أنه يطاع في كل من أمر بقتله.\nوالثانية: أنَّ له أن يَقْتُلَ من شتمه وأغلظ له.\n_________\n(١) رواه النسائي (٧/ ١٠٨)، وأحمد (١/ ٩) (٥٤). قال أحمد شاكر في «المسند» (١/ ٤٤): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٦٣)، والنسائي (٧/ ١٠٩). والحديث سكت عنه أبو داود. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٧٥٥) كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.","vol":"6","page":478},{"text":"وهذا المعنى الثاني الذي كان له باقٍ في حقّه بعد موته؛ فكل من شتمه أو أغلظ في حقه كان قتله جائزًا، بل ذلك بعد موته أَوْكَدُ وأَوْكَد؛ لأن حُرْمَته بعد موته أكمل، والتساهل في عِرْضِه بعد موته غير ممكن.\nوهذا الحديث يفيد أن سبّه في الجملة يبيح القتل، ويستدل بعمومه على قتل الكافر والمسلم.\nالحديث الخامس:\nقصة ابن أبي سرح، وهي مما اتفق عليها أهل العلم، واستفاضت عندهم استفاضة يستغنى عن رواية الآحاد، وذلك أثبت وأقوى مما رواه الواحد العدل، فنذكرها مسندة مشروحة ليتبين وجه الدلالة منها:\nعن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يومُ فتحِ مكة اختبأ عبدالله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، بَايْع عبدالله، فرفع رأسه، فنظر إليه، ثلاثًا، كلُّ ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رَجُلٌ رَشِيد يقومُ إلى هذا حيث رآني كَفَفَتُ يَدِي عن بيعته فيقتله» فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أوْمَأْت إلينا بعينك، قال: «إنه لا يَنْبَغِي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأُعْيُن» رواه أبو داود بإسناد صحيح (١).\nورواه النسائي كذلك بأبسط من هذا ...\nوجه الدلالة:\nأن عبدالله بن سعد بن أبي سرح افترى على النبي ﷺ أنه كان يُتَمِّم له الوحي ويكتب له ما يريد، فيوافقه عليه، و(أنه) يُصَرَّفه حيث شاء، وبغير ما أمره به من الوحي، فيُقرُّه على ذلك، وزعم أنه سينزل مثل ما أنزل الله؛ إذ كان قد أوحي إليه في زعمه كما أوحي إلى رسول الله ﷺ، وهذا الطعن على رسول الله ﷺ وعلى كتابه، والافتراء عليه بما يوجب الريب في نبوته قدر زائد على مجرد الكفر (به) والردة في الدين، وهو من أنواع السبِّ.\nوكذلك لما افترى عليه كاتب آخر مثل هذه الفرية، قَصَمَه الله وعاقبه عقوبة خارجة عن العادة ليتبين لكل أحد افتراؤه؛ إذ كان مثل هذا يوجب في القلوب المريضة رَيْبًا بأن يقول القائل: كاتبه أعلم الناس بباطنه وبحقيقة أمره، وقد أخبر عنه بما أخبر، فمِنْ نَصْر الله لرسوله أن أظهر فيه آية يبين بها أنه مفترِ.\nقصة كاتب آخر قصمه الله لافترائه على الرسول\nفروى البخاري في (صحيحه) عن عبدالعزيز بن صهيب عن أنس قال: كان رجلًا نصرانيًا، فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي ﷺ، فعاد نصرانيًا، فكان يقول: لا يدري محمد إلا ما كتبتُ له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لَفَظَتْه الأرض، فقالوا: هذا فِعْلُ محمدٍ وأصحابه، نَبَشُوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له وأعمقوا في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس، فألقوه (٢) ...\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٦٨٣)، والحاكم (٣/ ٤٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٥٤٩) - كما أشار لذلك في مقدمته – وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٧/ ٤٥٠): صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٣٦١٧). من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"6","page":479},{"text":"فهذا الملعون الذي افترى على النبي ﷺ أنه ما كان يدري إلا ما كتب له، قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دُفن مرارًا، وهذا أمر خارج عن العادة، يدل كل أحد على أن هذا عقوبة لما قاله، وأنه كان كاذبًا؛ إذ كان عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا، وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد؛ إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا، وأن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبه، ومظهر لدينه ولكذب الكاذب؛ إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد.\nالحديث السادس:\nما استدل به بعضهم من قصة ابن خطل، ففي (الصحيحين) من حديث الزهري عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المِغْفَر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه» (١)\nوهذا مما استفاض نقله بين أهل العلم واتفقوا عليه: أن رسول الله ﷺ أهدر دم ابن خطل يوم الفتح فيمن أهدره، وأنه قتل.\nفمن احتج بقصته يقول: لم يُقتل لقتل النفس؛ لأن أكثر ما يجب على من قتل ثم ارتد أن يقتل قودًا، والمقتول من خزاعة له أولياء، فكان حكمه لو قتل قودًا أن يُسَلّم إلى أولياء المقتول، فإما أن يقتلوا أو يعفوا أو يأخذوا الدية، ولم يقتل لمجرد الردة؛ لأن المرتد يستتاب، وإذا اسْتَنْظَرَ أُنْظِرَ، وهذا ابن خطل قد فرَّ إلى البيت، عائذًا به، طالبًا للأمان، تاركًا للقتال، ملقيًا للسلاح، حتى يُنْظَر في أمره، وقد أمر النبي ﷺ بعد علمه بذلك كله أن يُقتل، وليس هذا سنة من يقتل لمجرد الردة، فثبت أن هذا التغليظ في قتله إنما كان لأجل السب والهجاء، وأن الساب وإن ارتد، فليس بمنزلة المرتد المحض يقتل قبل الاستتابة، ولا يؤخر قتله، وذلك دليل على جواز قتله بعد التوبة. الصارم المسلول لابن تيمية - بتصرف- ٢/ ١٢٥\n_________\n(١) رواه البخاري (١٨٤٦)، ومسلم (١٣٥٧).","vol":"6","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1899>المبحث الثاني: من كذب على رسول الله</span>\nوقد رَوى أبو بكر بن مردويه من حديث الوازع عن أبي سلمة عن أسامة قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن يَقُلْ عَلَيَّ مَا لم أقُلْ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١) ...\nاختلاف العلماء في حكم من كذب على الرسول:\nوللناس في هذا الحديث قولان:\nأحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ، ومن هؤلاء من قال: يكفر بذلك؛ قاله جماعة منهم أبو محمد الجُوَيْنِي حتى قال ابن عقيل عن شيخه أبي الفضل الهمداني: مبتدعة الإسلام والكذابون والواضعون للحديث أشد من الملحدين؛ لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل، فهم كأهل بلدٍ سعوا في فساد أحواله، والملحدون كالمحاصرين من خارج فالدخلاء يفتحون الحصن، فهم شرّ على الإسلام من غير الملابسين له.\nووجه هذا القول: أن الكذب عليه كذبٌ على الله، ولهذا قال: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدِكُمْ» (٢) فإن ما أمر به الرسول فقد أمر الله به يجب اتباعه كوجوب اتباع أمر الله، وما أخبر به وجب تصديقه كما يجب تصديق ما أخبر الله به.\nومن كذَّبه في خبره أو امتنع من التزام أمره (فهو كمن كذّب خبر الله وامتنع من التزام أمره)، ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه أو أخبر عن الله خبرًا كَذَبَ فيه كمسيلمة والعَنْسِي ونحوهما من المتنبئين فإنه كافر حلال الدم، فكذلك من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ.\nيبين ذلك أن الكذب عليه بمنزلة التكذيب له، ولهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لمَّا جَاءهُ [العنكبوت:٦٨]، بل ربما كان الكاذب عليه أعظم إثمًا من المكذِّب له، ولهذا بدأ الله به، كما أن الصادق عليه أعظمُ درجة من المصدِّق بخبره، فإذا كان الكاذب مثل المكذِّب أو أعظم، والكاذب على الله كالمكذب له، فالكاذب على الرسول كالمكذب له.\nيوضّح ذلك أن تكذيبه نوع من الكذب؛ فإن مضمون تكذيبه الإخبار عن خبره أنه ليس بصدق، وذلك إبطال لدين الله، ولا فرق بين تكذيبه في خبر واحد أو في جميع الأخبار، وإنما صار كافرًا لما تضمنه من إبطال رسالة الله ودينه. والكاذب عليه يُدخِل في دينه ما ليس منه عمدًا، ويزعم أنه يجب على الأمة التصديق بهذا الخبر وامتثال هذا الأمر لأنَّهُ دين الله، مع العلم بأنه ليس لله بدين.\nوالزيادة في الدين كالنقص منه، ولا فرق بين مَن يكذب بآيةٍ من القرآن أو يضيف كلامًا ويزعم أنه سورة من القرآن عامدًا لذلك.\n_________\n(١) رواه الطبراني في «طرق حديث من كذب علي متعمدًا» (٧٠)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ٨٣ - ٨٤) من طريق أبي بكر بن مردويه. وكلاهما من حديث أسامة بن زيد ﵁. قال الألباني في «مشكاة المصابيح» (٥٨٨٣): لم أقف على إسناده بهذا التمام. والحديث رواه ابن ماجه (٣٤) بلفظ: «من تقوّل عليَّ ما لم أقل ...». من حديث أبي هريرة ﵁. قال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» عن النبي ﷺ قال: «... وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» رواه البخاري (١١٠)، ومسلم (٣).\n(٢) رواه البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤). بلفظ: (أحد) بدلًا: من (أحدكم). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.","vol":"6","page":481},{"text":"وأيضًا، فإن تعمد الكذب عليه استهزاء به واستخفاف؛ لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به، بل وقد لا يجوز الأمر بها، وهذه نسبة له إلى السَّفَه، أو أنه يخبر بأشياء باطلة، وهذه نسبة له إلى الكذب، وهو كفر صريح.\nوأيضًا، فإنه لو زعم زاعم أن الله فرض صوم شهر آخر غير رمضان، أو صلاة سادسة زائدة ونحو ذلك، أو أنه حَرَّم الخبز واللحم عالمًا بكذب نفسه؛ كفر بالاتفاق.\nفمن زعم أن النبي ﷺ أوْجب شيئًا لم يوجبه أو حرم شيئًا لم يحرمه فقد كذب على الله كما كذب عليه الأول، وزاد عليه بأن صَرَّح بأن الرسول قال ذلك، وأنه - أفتى القائل - لم يَقُلْه اجتهادًا واستنباطًا.\nوبالجملة فمن تعمد الكذب الصريح على الله فهو كالمتعمد لتكذيب الله وأسوأ حالًا، ولا يخفى أن من كذب على من يجب تعظيمه؛ فإنه مستخفٌّ به مستهين بحرمته.\nوأيضًا، فإن الكاذب عليه لا بد أن يشينه بالكذب عليه وتنقصه بذلك، ومعلوم أنه لو كذب عليه كما كذب عليه ابن أبي سرح في قوله: كان يتعلم مني. أو رماه ببعض الفواحش الموبقة أو الأقوال الخبيثة؛ كفر بذلك، فكذلك الكاذب عليه؛ لأنَّهُ إما أن يَأْثُر عنه أمرًا أو خبرًا أو فعلًا، فإن أثر عنه أمرًا لم يأمر به فقد زاد في شريعته، وذلك الفعل لا يجوز أن يكون مما يأمر به، لأنه لو كان كذلك لأمر به ﷺ، لقوله: «مَا تَرَكْتُ مِن شَيءٍ يُقَرِّبُكُمْ إِلى الجَنَّةِ إِلاَّ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلاَ مِن شيءٍ يُبعدُكُمْ عَنِ النَّارِ إِلاَّ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ» (١)، فإذا لم يأمر به فالأمر به غير جائز منه، فمن روى عنه أنه قد أمر به فقد نسبه إلى الأمر بما لا يجوز له الأمر به، وذلك نسبة له إلى السفه.\nوكذلك إن يقل عنه خبرًا، فلو كان ذلك الخبر مما ينبغي له الإخبار به لأخبر به؛ لأن الله تعالى قد أكمل الدين، فإذا لم يخبر به فليس هو مما ينبغي له أن يخبر به، وكذلك الفعل الذي ينقله عنه كاذبًا فيه لو كان مما ينبغي فعله وترجح لَفَعَلَه، فإذا لم يفعله فتركه أولى.\nفحاصله أن الرسول ﷺ أكمل البشر في جميع أحواله، فما تركه من القول والفعل فتركه أولى من فعله، وما فَعَله ففِعْله أكمل من تركه، فإذا كذب الرجل عليه متعمدًا (أو) أخبر بما لم يكن (فذلك) الذي أخبر به عنه نقص بالنسبة إليه؛ إذ لو كان كمالًا لوجد منه، ومن انتقص الرسول ﷺ فقد كفر.\nواعلم أن هذا القول في غاية القوة كما تراه، لكن يتوجه أن يفرق بين الذي يكذب عليه مشافهةً وبين الذي يكذب عليه بواسطةٍ، مثل أن يقول: حدثني فلان بن فلان عنه بكذا فإن هذا إنما كذب على ذلك الرجل، ونسب إليه ذلك الحديث، فأما إن قال: هذا الحديث صحيح، أو ثبت عنه أنه قال ذلك عالمًا بأنه كذب، فهذا قد كذب عليه، وأما إذا افتراه ورواه روايةً ساذجة ففيه نظر، لاسيما والصحابة عدول بتعديل الله لهم.\nفالكذب لو وقع من أحدٍ ممن يدخل فيهم لعظم ضرره في الدين، فأراد ﷺ قَتل من كذب عليه وعَجَّل عقوبته ليكون ذلك عاصمًا من أن يدخل في العدول مَن ليس منهم من المنافقين ونحوهم.\n_________\n(١) رواه الحاكم (٢/ ٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٢٩٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٢٤٢)، وفي «تفسيره» (٦/ ٢٥٤). من حديث عبدالله بن مسعود ﵁. قال ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٥٤): فيه انقطاع. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٨٦٦): الحديث حسن على أقل الأحوال.","vol":"6","page":482},{"text":"وأما من روى حديثًا يعلم أنه كذب فهذا حرام، كما صحّ عنه أنه قال: «مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيْثًا يَعْلَم أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِين» (١)، لكن لا يكفر إلا أن ينضم إلى روايته ما يوجب الكفر؛ لأنه صادق في أن شيخه حدثه به، لكن لعلمه بأن شيخه كَذَبَ فيه لم تكن تحلُّ له الرواية، فصار بمنزلة أن يشهد على إقرارٍ أو شهادةٍ أو عقدٍ وهو يعلم أن ذلك باطل، فهذه الشهادة حرام، لكنه ليس بشاهد زور.\nوعلى هذا القول فمن سبّه فهو أولى بالقتل ممن كذب عليه، فإن الكاذب عليه قد زاد في الدين ما ليس منه، وهذا قد طعن في الدين بالكلية وحينئذ فالنبي ﷺ قد أمر بقتل الذي كذب عليه من غير استتابة، فكذلك الساب له وأولى.\nفإن قيل: الكذب عليه فيه مفسدة - وهو أن يصدق في خبره فيزاد في الدين ما ليس منه أو ينتقص منه ما هو منه - والطاعن عليه قد علم بطلان كلامه بما أظهر الله من آيات النبوة.\nقيل: والمحدث عنه لا يقبل خبره إن لم يكن عدلًا ضابطًا، فليس كل من حدث عنه قبل خبره، لكن قد يظن عدلًا وليس كذلك، والطاعن عليه قد يُؤثر طعنه في نفوس كثير من الناس، ويُسقِط حرمته من كثير من القلوب، فهو أوكد على أن الحديث عنه له دلائل يميز بها بين الكذب والصدق.\nالثاني: أن الكاذب عليه تُغلظ عقوبته، لكن لا يكفر ولا يجوز قتله؛ لأن موجبات الكفر والقتل معلومة، وليس هذا منها، فلا يجوز أن يثبت ما لا أصل له، ومن قال هذا فلا بد أن يقيد قوله بأن لم يكن الكذب عليه متضمنًا لعيبٍ ظاهرٍ، فأما إن أخبر أنه سمعه يقول كلامًا يدل على نقصه وعيبه دلالةً ظاهرةً مثل حديث عَرَق الخيل ونحوه من التُّرَّهَاتِ فهذا مستهزئ به استهزاء ظاهرًا، ولا ريب أنه كافر حلال الدم.\nوقد أجاب من ذهب إلى هذا القول عن الحديث بأن النبي ﷺ علم أنه كان منافقًا فقتله لذلك، لا للكذب.\nوهذا الجواب ليس بشيءٍ؛ لأن النبي ﷺ لم يكن من سنته أنه يقتل أحدًا من المنافقين الذين أخبر الثقة عنهم بالنفاق أو الذين نزل القرآن بنفاقهم فكيف يقتل رجلًا بمجرد علمه بنفاقه؟ ثم إنه سمى خلقًا من المنافقين لحذيفة وغيره، ولم يقتل منهم أحدًا.\nوأيضًا، فالسبب المذكور في الحديث إنما هو كذبه على النبي ﷺ كذبًا له فيه غرض، وعليه رتب القتل، فلا يجوز إضافة القتل إلى سببٍ آخر، وأيضًا، فإن الرجل إنما قصد بالكذب نيل شهوته، ومثل هذا قد يصدر من الفساق كما يصدر من الكفار.\nوأيضًا، فإما أن يكون نفاقه لهذه الكذبة أو لسببٍ ماضٍ فإن كان لهذه فقد ثبت أن الكذب عليه نفاق، والمنافق كافر، وإن كان النفاقُ متقدمًا وهو المقتضي للقتل لا غيره، فعلام تأخير الأمر بقتله إلى هذا الحين؟ وعلام لم يؤاخذه الله بذلك النفاق حتى فعل ما فعل؟\nوأيضًا، فإن القوم أخبروا رسول الله ﷺ بقوله، فقال: «كَذَبَ عَدُوُّ الله» ثم أمر بقتله إن وجد حيًا، وقال: «ما أراكَ تجده حَيًّا» (٢) لعلمه ﷺ بأن ذنبه يوجب تعجيل العقوبة. الصارم المسلول لابن تيمية - ٢/ ٣١٩\n_________\n(١) رواه مسلم في مقدمة «الصحيح»، باب: وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذّابين والتحذير من الكذب على رسول الله ﷺ، وابن ماجه (٣٩)، وأحمد (٥/ ١٤) (٢٠١٧٥). من حديث سمرة بن جندب ﵁. قال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) رواه ابن عدي في «الكامل» (٥/ ٨١). من حديث بريدة بن الحصيب ﵁. وقال: [فيه] صالح بن حيان عامة ما يرويه غير محفوظ. وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٧/ ٣٧٤): منكر. وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٤/ ١٤٦٩): حسن. وقال المعلمي في «الأنوار الكاشفة» (١٣٧): راويه عن ابن بريده صالح بن حيان وهو ضعيف له أحاديث منكرة.","vol":"6","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1900>المبحث الثالث: سب الأنبياء</span>\nيقول القاضي عياض: من استخف بمحمد ﷺ، أو بأحد من الأنبياء، أو أزرى عليهم، أو آذاهم فهو كافر بالإجماع (١).\nويقول أيضًا: وحكم من سبّ سائر أنبياء الله تعالى ... واستخفّ بهم أو كذّبهم فيما آتوا به، وأنكرهم وجحدهم حكم نبينا ﷺ.\nقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء:١٥٠، ١٥١]، وقال تعالى: كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ [البقرة:٢٨٥] (٢).\nولقد بيّن ابن تيمية حكم هذه المسألة بيانًا شافيًا حيث قال: والحكم في سب سائر الأنبياء كالحكم في سب نبينا، فمن سب نبيًا مسمى باسمه من الأنبياء المعروفين المذكورين في القرآن أو موصوفًا بالنبوة - مثل أن يذكر في حديث: أن نبيًا فعل كذا وقال كذا، فيسبّ ذلك القائل أو الفاعل، مع العلم بأنه نبي، وإن لم يعلم من هو، أو يسبّ نوع الأنبياء على الإطلاق - فالحكم في هذا كما تقدم (في مسألة حكم من سبّ النبي ﷺ)؛ لأن الإيمان بهم واجب عمومًا، وواجب الإيمان خصوصًا بمن قصّه الله علينا في كتابه، وسبّهم كفر وردة إن كان من مسلم، ومحاربة إن كان من ذمي.\nوقد تقدم في الأدلة الماضية (وهي الأدلة على أن ساب النبي ﷺ كافر) ما يدل على ذلك بعمومه لفظًا أو معنى، وما أعلم أحدًا فرّق بينهما، وما كان أكثر كلام الفقهاء إنما فيه ذكر من سبّ نبينا، فإنما ذلك لمسيس الحاجة إليه، وأنه وجب التصديق له، والطاعة له جملة وتفصيلًا، ولا ريب أن جرم سابه أعظم من جرم ساب غيره، كما أن حرمته أعظم من حرمة غيره، وإن شاركه سائر إخوانه من النبيين والمرسلين في أن سابهم كافر حلال الدم.\nفأما إن سبّ نبيًا غير معتقد لنبوته فإنه يستتاب من ذلك، إذا كان ممن علمت نبوته بالكتاب والسنة؛ لأن هذا جحد لنبوته، إن كان ممن يجهل أنه نبي، فإنه سبّ محض، فلا يقبل قوله: إني لم أعلم أنه نبي (٣).\nويحكي ابن تيمية الإجماع على كفر ساب نبي من الأنبياء فيقول: من خصائص الأنبياء أن من سب نبيًا من الأنبياء قتل باتفاق الأئمة، وكان مرتدًا، كما أن من كفر به وبما جاء به كان مرتدًا، فإن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله (٤).\nويقول أيضًا: والمسلمون آمنوا بالأنبياء كلهم ولم يفرقوا بين أحد منهم، فإن الإيمان بجميع النبيين فرض واجب، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم، ومن سبّ نبيًا من الأنبياء فهو كافر يجب قتله باتفاق العلماء (٥).\n_________\n(١) «الشفا» (٢/ ١٠٦٩).\n(٢) «الشفا» (٢/ ١٠٩٧) بتصرف.\n(٣) «الصارم المسلول» (ص: ٥٦٥).\n(٤) «الصفدية» (١/ ٢٦١).\n(٥) «الصفدية» (٢/ ٣١١).","vol":"6","page":484},{"text":"ويذكر ابن تيمية ما يوجبه الطعن في الأنبياء ﵈ من الطعن في توحيد الله تعالى وشرعه، وأن سبّ الأنبياء هو أصل جميع أنواع الكفر، فيقول: الطعن في الأنبياء طعن في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وكلامه ودينه وشرائعه وأنبيائه وثوابه وعقابه عامة الأسباب التي بينه وبين خلقه، بل يقال: إنه ليس في الأرض مملكة قائمة إلا بنبوةٍ أو أثر نبوة، وإنّ كل خيرٍ في الأرض فمن آثار النبوات وليست أمة مستمسكة بالتوحيد إلا أتباع الرسل، قال ﷾: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى:١٣]؛ فأخبر أن دينه الذي يدعو إليه المرسلون كبر على المشركين، فما الناس إلا تابع لهم أو مشرك، وهذا حق لا ريب فيه. فعلم أن سب الرسل والطعن فيهم ينبوع جميع أنواع الكفر، وجماع جميع الضلالات، وكل كفر ففرع منه، كما أن تصديق الرسل أصل جميع شعب الإيمان، وجميع مجموع أسباب الهدى (١).\nوقد أورد ابن حزم أدلة القائلين بتكفير ساب نبي من الأنبياء ﵈ ثم رجّح هذا القول ... فكان مما قاله في هذه المسألة: فقوله تعالى في المستهزئين بالله وآياته، ورسوله، أنهم كفروا بذلك بعد إيمانهم (٢)، فارتفع الإشكال، وصح يقينًا أن كل من استهزأ بشيء من آيات الله وبرسول من رسله فإنه كافر بذلك مرتد.\nوقد علمنا بضرورة المشاهدة أن كل ساب وشاتم فمستخفّ بالمشتوم مستهزئ به، فالاستخفاف والاستهزاء شيء واحد. ووجدنا الله تعالى قد جعل إبليس باستخفافه بآدم ﵇ كافرًا، لأنه إذ قال: أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ [ص:٧٦]، فحينئذ أمره تعالى بالخروج من الجنة ودحره، وسماه كافرًا بقوله: وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ [ص:٧٤] (٣).\nإلى أن قال: فصح بما ذكرنا أن كل من سبّ نبيًا من الأنبياء، أو استهزأ به ... فهو بذلك كافر مرتد، له حكم مرتد، وبهذا نقول. (٤).\n٣ - وإذا تقرر ما سبق إيراده، فإننا نذكر جملة من كلام أهل العلم في ختام هذه المسألة:\nيقول القاضي عياض: قال مالك في كتاب ابن حبيب ومحمد، وقال ابن القاسم، وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ وسحنون فيمن شتم الأنبياء، أو أحدًا منهم، أو تنقصه: قتل ولم يستتب، ومن سبهم من أهل الذمة: قتل إلا أن يسلم. وروى سحنون عن ابن القاسم: من سب الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفر، ضرب عنقه، إلا أن يسلم (٥).\nوقال ابن نجيم الحنفي: ويكفر بعيبه نبيًا بشيء ... (٦).\nويقول الدردير المالكي: من سب نبيًا مجمعًا على نبوته، أو عرّض بسب نبي، بأن قال عند ذكره: أما أنا فلست بزانٍ أو سارقٍ فقد كفر. وكذا إن ألحق بنبيٍ نقصًا، وإن ببدنه كعرج، وشلل، أو وفور علمه، إذ كل نبي أعلم أهل زمانه وسيدهم ﷺ أعلم الخلق (٧).\nويقول الشربيني الشافعي: من كذّب رسولًا أو نبيًا، أو سبّه أو استخفّ به أو باسمه .. فقد كفر (٨).\nويقول مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي: من سب رسولًا ... كفر. (٩). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبداللطيف –ص: ١٨٠\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص٢٥٠، ٢٥١) باختصار.\n(٢) يعني قوله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ *التوبة:٦٥ - ٦٦*.\n(٣) «المحلى» (١٣/ ٥٠٠، ٥٠١) باختصار.\n(٤) «المحلى» (١٣/ ٥٠١، ٥٠٢). وانظر: «الفصل» (٣/ ٢٩٩).\n(٥) «الشفا» (٢/ ١٠٩٨).\n(٦) «البحر الرائق» لابن نجيم (٥/ ١٣٠) بتصرف يسير.\n(٧) «الشرح الصغير على أقرب المسالك» للدردير (٦/ ١٤٩، ١٥٠) بتصرف. وانظر: «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٤/ ٢٧٤)، و«بلغة السالك» للصاوي (٣/ ٤٤٨)، و«منح الجليل» لعليش (٢/ ٢٧٦)، و«الفواكه الدواني» للنفراوي (ص: ٢٢٧٦).\n(٨) «مغنى المحتاج» للخطيب الشربيني (٤/ ١٣٤). وانظر: «نهاية المحتاج» للرملي (٧/ ٣٩٥)، و«حاشيتا قليوبي وعميرة» (٤/ ١٧٥).\n(٩) «غاية المنتهى» لمرعي الكرمي (٣/ ٣٣٥) باختصار. وانظر: «المبدع شرح المقنع» لابن مفلح المؤرخ (٩/ ١٧١)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٨٦)، و«كشاف القناع» للبهوتي (٦/ ١٦٨).","vol":"6","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1901>الفصل الثالث: النواقض العملية في باب النبوات (الاستهانة بالمصحف مثالًا)</span>\nأجمع أهل السنة والجماعة على كفر من استخف بالمصحف واستهان به، سواء كان ذلك بالقول أو الفعل.\nومن المعلوم بالضرورة لكل مسلم أنه يجب الإيمان بالقرآن الكريم، وتعظيمه وإجلاله، ولا شك أن الاستهانة بالمصحف تناقض هذا الإيمان بالكلية؛ لأن الإيمان خضوع وانقياد، والاستخفاف إهانة وإذلال، ومحال أن يجتمع هذان الضدان في قلب واحد.\nيقول شيخ الإسلام ﵀: (إن الانقياد إجلال وإكرام، والاستخفاف إهانة وإذلال، وهذان ضدان، فمتى حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر، فعلم أن الاستخفاف والاستهانة به ينافي الإيمان منافاة الضد للضد) (١).\nوأيضًا فإن الاستهانة بالقرآن استهانة بمن تكلم به، وهو رب العزة ﷿، فمن فعل ذلك كان كافرًا مباح الدم بإجماع المسلمين.\nنص الإجماع الذي حكاه شيخ الإسلام: نقل ﵀ إجماع المسلمين على كفر من استخف بالمصحف، بقوله: (وقد اتفق المسلمون على أن من استخف بالمصحف مثل أن يلقيه في الحش أو يركضه برجله إهانة له أنه كافر مباح الدم) (٢).\nذكر من نقل الإجماع أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: اجتمعت كلمة أهل العلم على أن ما في المصحف هو كلام الله، فيجب احترامه وإجلاله، لأن الإيمان مبني على إجلال الله وتعظيم كلامه، والاستهانة بالمصحف تناقض هذا الإيمان.\nوممن نقل هذا الإجماع القاضي عياض ﵀ حيث يقول: (واعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبهما، أو جحده أو حرفًا منه أو آية، أو كذب به، أو بشيء منه، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١ - ٤٢]) (٣).\nوقرر الإمام النووي ﵀ أن الاستخفاف بالمصحف يعتبر من الأفعال الموجبة للكفر، والتي تصدر عن تعمد واستهزاء صريح بالدين حيث قال: (والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدين صريح، كالسجود للصنم أو للشمس، وإلقاء المصحف في القاذورات) (٤).\nومن المعلوم أن الاستخفاف والاستهانة ليست محصورة في السب والتنقص فقط، بل الأمر يتعدى ذلك إلى التحريف أو التصحيف أو الزيادة أو النقص، فكل ذلك من الاستهانة (٥).\nوقد ذكر ابن حزم ﵀ اتفاق العلماء على: (أن كل ما في القرآن حق، وأن من زاد فيه حرفًا من غير القراءات المروية المحفوظة المنقولة نقل الكافة، أو نقص حرفًا، أو بدل منه حرفًا مكان حرف، وقد قامت عليه الحجة أنه من القرآن فتمادى متعمدًا لكل ذلك عالمًا بأنه بخلاف ما فعل فإنه كافر) (٦).\nومثل هذه الأمور لا يمكن أن تصدر من المسلم المنقاد لأمر الله، المعظم لكلام الله وإنما هي من فعل من قد خبثت طويته، وفسدت عقيدته.\nوقد نقل ابن قدامة ﵀ اتفاق المسلمين على تعظيم المصحف وتبجيله (٧)، ولا شك أن الاستخفاف ينافي هذا التعظيم ويناقضه.\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (٣/ ٩٦٩).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٤٢٥).\n(٣) «الشفا» (٢/ ٣٠٤).\n(٤) «روضة الطالبين» (١٠/ ٦٤).\n(٥) انظر: «نواقض الإيمان القولية والعملية» (ص: ٣٩٨).\n(٦) «مراتب الإجماع» (ص: ٢٧٠).\n(٧) «حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدع» (ص: ٤٩).","vol":"6","page":486},{"text":"مستند الإجماع في المسألة: لقد حكم الله تعالى بالكفر على من استهزأ بشيء من آياته فقال ﷿ في كتابه العزيز: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة: ٦٤ - ٦٦].\nولا ريب أن الاستهزاء بآيات الله استخفاف واستهانة.\nوقد توعد الله من اتخذ آياته هزوًا بالعذاب المهين، كما في قوله تعالى: وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الجاثية: ٩]، ولم يجئ إعداد العذاب المهين إلا في حق الكفار.\nوأيضًا فقد توعد الله ﷿ المستهزئين بآياته بالخلود في النار، ولا يخلد فيها إلا الكافر قال الله تعالى: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الجاثية: ٣٤ - ٣٥].\nوقد نهى النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو حتى لا يقع في أيديهم فيكون عرضة للاستخفاف والاستهانة.\nفعن عبد الله بن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) (١). وفي رواية مسلم: (مخافة أن يناله العدو) (٢).\nقال ابن عبد البر ﵀: (ومعلوم أن من تنزيه القرآن وتعظيمه إبعاده عن الأقذار والنجاسات، وفي كونه عند أهل الكفر تعريض له بذلك وإهانة له، وكلهم أنجاس لا يغتسلون من الجنابة، ولا يعافون ميتة) (٣). المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٧٣٢\nوالاستهانة بالمصحف تناقض هذا الإيمان، وتنافيه بالكلية، والمقصود بالاستهانة - هاهنا - الاستخفاف والاستهزاء والاحتقار (٤).\nوالاستهانة بالمصحف قد تكون أقوالًا (٥)، وقد تكون أعمالًا.\nوالاستهانة العملية بالقرآن الكريم أن يفعل عامدًا ما يتضمن احتقارًا أو استخفافًا بهذا القرآن، أو إسقاطًا لحرمته، ولهذه الاستهانة عدة أمثلة منها: أن يضع المصحف تحت قدمه، أو يلقيه في القاذورات، أو يسعى إلى تغييره وتبديله بزيادةٍ أو نقصانٍ ......\nلقد تكفّل الله تعالى بحفظ كتابه عن كل ما لا يليق من زيادة، أو نقصان، أو تصحيف أو تحريف ونحوه، ومن ثم فإن هذا القرآن لا اختلاف فيه ولا اضطراب ولا تعارض.\nولذا فإن المناسب أن نورد بعض النصوص الشرعية التي تقرر حفظ الله تعالى لكتابه العزيز، ونسوق أقوالًا مختارة لبعض الأئمة في ذلك.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٩٩٠)، ومسلم (١٨٦٩).\n(٢) رواه البخاري (١٨٦٩).\n(٣) «التمهيد» (١٥/ ٢٥٥).\n(٤) انظر: «لسان العرب» (١٣/ ٤٣٨)، و«المصباح المنير» (ص٧٩٥)، و«مختار الصحاح» للرازي (ص٢، ٧).\n(٥) انظر أمثلة على تلك الأقوال الكفرية: «شرح الفقه الأكبر» لملا علي قاري (ص٢٤٩ - ٢٥٤)، و«الفتاوى البزازية» (بهامش الفتاوى الهندية) (٣/ ٣٣٨)، و«الإعلام» للهيتمي (ص٣٥٩).","vol":"6","page":487},{"text":"يقول الله تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء:٨٢]، يقول ابن جرير في تفسير هذه الآية: يعني جل ثناؤه بقوله: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ: أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله فيعملوا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض (١).\nويقول ابن عطية: قوله: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ هذا أمر بالنظر والاستدلال ثم عرف تعالى، بمواقع الحجة، أي: لو كان من كلام البشر لدخله ما في كلام البشر من القصور وظهر فيه تناقض والتنافي الذي لا يمكن جمعه، إذ ذلك موجود في كلام البشر والقرآن منّزه عنه إذ هو كلام المحيط بكل شيءٍ علمًا.\nفإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافًا في شيءٍ من كتاب الله، فالواجب أن يتَّهم نظره ويسأل من هو أعلم منه (٢).\nويقول محمد رشيد رضا: وإن تعجب فعجب أن تمر السنون والأحقاب، وتكر القرون والأجيال، وتتسع دوائر العلوم والمعارف، وتتغير أحوال العمران ولا تنقض كلمة من كلمات القرآن، لا في أحكام الشرع، ولا في أحوال الناس وشؤون الكون، ولا في غير ذلك من فنون القول (٣).\nويقول الله ﷿: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩].\nيقول ابن جرير في تفسير هذه الآية: يقول تعالى ذكره: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وهو القرآن وإنا وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه (٤).\nويقول أبو السعود: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ من كل ما لا يليق به فيدخل فيه تكذيبهم له واستهزاؤهم به دخولًا أوليًا، فيكون وعيدًا للمستهزئين، وأما الحفظ عن مجرد التحريف والزيادة والنقص وأمثالها فليس بمقتضى المقام، فالوجهُ الحملُ على الحفظ من جميع ما يقدح فيه من الطعن فيه، والمجادلة في حقّيته، ويجوز أن يراد حفظه بالإعجاز دليلًا على التنزيل من عنده تعالى، إذ لو كان من عند غير الله لتطرّق عليه الزيادة والنقص والاختلاف (٥).\nويقول الألوسي: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، أي: من كل ما يقدح فيه كالتحريف والزيادة والنقصان وغير ذلك، حتى إن الشيخ المهيب لو غيّر نقطة يردّ عليه الصبيان ويقول له من كان: الصواب كذا.\nولم يحفظ سبحانه كتابًا من الكتب كذلك، بل استحفظها جلّ وعلا الربانيين والأحبار فوقع فيها ما وقع، وتولّى حفظ القرآن بنفسه سبحانه فلم يزل محفوظًا أولًا وآخرًا (٦).\nوعقد الإمام البخاري في (صحيحه) بابًا بعنوان: (باب من قال: لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين) وساق بسنده إلى عبدالعزيز بن رفيع حيث قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس ﵄، فقال شداد بن معقل: أترك النبي ﷺ من شيءٍ؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين؛ قال: ودخلنا على محمد بن الحنفية فسألناه، فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين (٧).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٨/ ٥٦٧).\n(٢) «تفسير ابن عطية» (٤/ ١٨٧، ١٨٨).\n(٣) «تفسير المنار» (٥/ ٢٨٩).\n(٤) «تفسير الطبري» (١٧/ ٦٨). وانظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٢٨)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١٠/ ٥).\n(٥) «تفسير أبي السعود» (٣/ ٢٩٦). وانظر: «فتح القدير» للشوكاني (٣/ ١٢٢).\n(٦) «روح المعاني» (١٤/ ١٦) باختصار.\n(٧) رواه البخاري (٥٠١٩).","vol":"6","page":488},{"text":"يقول الحافظ ابن حجر: وهذه الترجمة للرد على من زعم أن كثيرًا من القرآن ذهب لذهاب حملته، وهو شيء اختلقه الروافض لتصحيح دعواهم أن التنصيص على إمامة علي، واستحقاقه الخلافة عند موت النبي ﷺ كان ثابتًا في القرآن وأن الصحابة كتموه، وهي دعوى باطلة؛ لأنهم لم يكتموا مثل: «أنت عندي بمنزلة هارون من موسى» (١)، وغيرها من الظواهر التي قد يمسك بها من يدعي إمامته (٢).\nويقول الشاطبي: إن هذه الشريعة المباركة معصومة، كما أن صاحبها معصوم، وكما كانت أمته فيما اجتمعت عليه معصومة.\nويتبين ذلك من وجهتين:\nأحدهما: الأدلة الدالة على ذلك تصريحًا وتلويحًا، كقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩]، وقوله: أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:١]\nوالثاني: الاعتبار الوجودي الواقع من زمن رسول الله ﷺ إلى الآن، وذلك أن الله ﷿ وفّر دواعي الأمة للذّبِّ عن الشريعة، والمناضلة عنها بحسب الجملة والتفصيل.\nأما القرآن الكريم فقد قيض الله له حفظة بحيث لو زيد فيه حرف واحد لأخرجه آلاف من الأطفال الأصاغر، فضلًا عن القراء الأكابر (٣).\nوتحدث ابن حزم عما يجب اعتقاده في مسألة حفظ الله تعالى لكتابه فقال: إن القرآن المقروء المكتوب في المصاحف حق نزل به جبريل على قلب محمد ﷺ، وأنه كلام الله ﷿، حقًا لا مجازًا، وهو علم الله تعالى، وأنه محفوظ لم يُغيّر منه شيء ولا حرف، ولا زيد فيه حرف فما فوقه، ولا نقص منه حرف فما فوقه، قال الله ﷿: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤]، وقال تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:٤٩].\nوقال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:٧٧ - ٧٩].\nوقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩].\nفمن قال إن القرآن نقص منه بعد موت رسول الله ﷺ حرف، أو زيد فيه حرف، أو بُدّل منه حرف، أو أن هذا المسموع أو المحفوظ أو المكتوب أو المنزّل ليس هو القرآن، أو قال: إن القرآن لم ينزل به جبريل ﷺ على قلب محمد ﷺ، أو أنه ليس هو كلام الله تعالى؛ فهو كافر، خارج عن دين الإسلام؛ لأنه خالف كلام الله ﷿، وسنن رسول الله ﷺ وإجماع أهل الإسلام (٤).\nإن الاستهانة بالقرآن ناقض من نواقض الإيمان لجملة من الاعتبارات نذكر منها ما يلي:\nأ- أن الاستهانة بالمصحف تناقض الإيمان، فالإيمان مبني على إجلال الله تعالى وتعظيم كلامه، والاستهانة استخفاف واستهزاء، يقول الله تعالى: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، والإيمان: انقياد وخضوع، والاستهانة بالمصحف لا تجتمع مع هذا الانقياد والخضوع، فمن استهان بالمصحف، امتنع أن يكون منقادًا لأمر الله تعالى.\nيقول ابن تيمية: إن الانقياد إجلال وإكرام، والاستخفاف إهانة وإذلال، وهذان ضدّان، فمتى حصل في القلب أحدهما، انتفى الآخر فعلم أن الاستخفاف والاستهانة به ينافي الإيمان منافاة الضد للضد (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٧٠٦)، ومسلم (٢٤٠٤).\n(٢) «فتح الباري» (٩/ ٦٥).\n(٣) «الموافقات» (٢/ ٥٨، ٥٩) باختصار.\n(٤) «الدرة فيما يجب اعتقاده» (ص٢١٨ - ٢٢١) باختصار يسير.\n(٥) «الصارم المسلول» (ص٥٢١).","vol":"6","page":489},{"text":"ب- أن الله تعالى توعد من اتخذ آياته هزوًا بالعذاب المهين، ولم يجئ إعداد العذاب المهين إلا في حق الكفار (١).\nكما توعد أولئك المستهينين بآياته بالخلود في النار. فقال تعالى: وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الجاثية:٩]\nوقال سبحانه: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الجاثية:٣٤، ٣٥].\nجـ- أن الاستهانة بالمصحف تكذيب لله تعالى في خبره، ومناقضة لما أمر الله تعالى به من تعظيم كلامه ﷿، والاستهانة بالقرآن استهانة بمن تكلم به تعالى (٢).\nيقول الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩]\nويقول سبحانه: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].\nوقال تعالى: - قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:٨٨].\nوقال سبحانه: - وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ [الحج:٥٢] فأخبر تعالى أنه يحفظ آياته، ويحكمها حتى لا يخالطها غيرها ولا يداخلها التغيير ولا التبديل (٣).\nفمن استهان بالمصحف سواء كان بتحريف، أو تصحيف أو زيادة، أو نقص فهو مكذّب بمثل الآيات الكريمة التي سبق ذكرها، ولقد حكم الله تعالى - ولا معقب لحكمه - بالكفر على من جحد آياته، وأخبر تعالى بأنه لا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله تعالى، وأنهم لا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة.\nيقول الحليمي: إن الله حفظ القرآن، فقال عند ذكره إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩]، وقال: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:٤٢].\nفمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيءٍ في القرآن أو نقصانه منه، أو تحريفه أو تبديله، فقد كذب الله في خبره، وأجاز الوقوع فيه، وذلك كفر (٤).\n_________\n(١) انظر: «الصارم المسلول» (ص٥٢).\n(٢) انظر: «مغني المحتاج» للشربيني (٤/ ١٣٦).\n(٣) انظر: «الموافقات» للشاطبي (٢/ ٥٨).\n(٤) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٣٢٠).","vol":"6","page":490},{"text":"ويقول القرطبي: لا خلاف بين الأمة ولا بين الأئمة أهل السنة أن القرآن اسم لكلام الله تعالى الذي جاء به محمد ﷺ معجزة له، وأنه محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، معلومة على الاضطرار سوره وآياته، مبرأ من الزيادة والنقصان حروفه وكلماته، فلا يحتاج في تعريفه بحد، ولا في حصره بعد، فمن ادعى زيادة عليه أو نقصانًا منه فقد أبطل الإجماع، وبهت الناس، ورد ما جاء به الرسول ﷺ من القرآن المنزل عليه، ورد قوله تعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:٨٨]، وأبطل آية رسول الله ﷺ، لأنه إذا ذاك يصير القرآن مقدورًا عليه، حين شيب بالباطل، ولما قدر عليه لم يكن حجة ولا آية، وخرج عن أن يكون معجزًا. (١).\n(د) أن الاستهانة بالمصحف - تحريفًا أو تبديلًا - استهانةً بالدين، وهدم لأصول هذه الشريعة وفروعها، وهو طعن في تمام دين الإسلام وكماله.\nولذا يقول ابن حزم: والدين قد تمّ فلا يُزاد فيه ولا يُنقص منه، ولا يبدّل.\nقال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:٣]\nوقال تعالى: لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ [يونس:٦٤]، والنقص والزيادة تبديل (٢).\nويقول الشيخ محمد بن عبدالوهاب: ومن اعتقد عدم صحة حفظه (أي: المصحف) من الإسقاط، واعتقد ما ليس منه أنه منه، قد كفر، ويلزم من هذا رفع الوثوق بالقرآن كله، وهو يؤدي إلى هدم الدين، ويلزمهم عدم الاستدلال به، والتعبد بتلاوته، لاحتمال التبدل، ما أخبث قول قوم يهدم دينهم. (٣).\nوعندما تحدث محمود شكري الألوسي عن القرآن الكريم، وأنه محفوظ عن الزيادة والنقصان، ثم ذكر معتقد الاثني عشرية في القرآن ... قال بعد ذلك: والحقّ ما ذهب إليه أهل السنة وجمهور الفرق الإسلامية أنه ليس في القرآن تحريف ولا نقصان، وذلك لأن الله تعالى قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩].\nوإذا كان الله تعالى الحافظ له، فكيف يتمكن أحد من تحريفه؟! (ذلك) لأن تبليغ القرآن كان واجبًا على الرسول ﵊ إلى كافة الناس، أو بمن اتبعه ...\nولم يزل المسلمون يتعبدون بتلاوته آناء الليل، وأطراف النهار، ويرون ذلك من أفضل الطاعات والأعمال من زمن النبي ﵊ إلى زمننا هذا، وكل ما في هذا شأنه لا يمكن تغييره ولا إسقاط شيء منه، ولأنه لو كان فيه تحريف بتغيير أو نقصان لم يبق وثوق بالأحكام (٤).\nهـ- أجمع العلماء على كفر من استهان بالمصحف، وخروجه عن الملة، وقد نقل هذا الإجماع جماعة من أهل العلم ونورد هاهنا ما يلي:\nذكر ابن حزم أن العلماء اتفقوا على: أن كل ما في القرآن حق، وأن من زاد فيه حرفًا من غير القراءات المروية المحفوظة المنقولة نقل الكافة، أو نقص حرفًا، أو بدل منه حرفًا مكان حرف، وقد قامت عليه الحجة أنه من القرآن فتمادى متعمدًا لكل ذلك عالمًا بأنه بخلاف ما فعل فإنه كافر (٥).\n_________\n(١) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١/ ٨٠ - ٨١).\n(٢) «المحلى» (١/ ٣١).\n(٣) «رسالة في الرد على الرافضة» (ص١٤).\n(٤) «السيوف المشرقة مختصر الصواعق المحرقة» (مخطوط) (ق١٢٩) باختصار.\n(٥) «مراتب الإجماع» (ص١٧٤).","vol":"6","page":491},{"text":"ويقول أيضًا: إن الأمة مجمعة كلها بلا خلاف من أحدٍ منهم وهو أنَّ كلَّ من بدّل آيةً من القرآن عامدًا وهو يدري أنها في المصحف بخلاف ذلك، أو أسقط كلمة عامدًا كذلك، أو زاد فيها كلمة عامدًا فإنه كافر بإجماع الأمة كلها (١).\nويقول القاضي عياض: اعلم أن من استخف بالقرآن، أو المصحف، أو بشيءٍ منه، أو سبّهما، أو جحده، أو حرفًا منه، أو آيةً، أو كذّب به، أو بشيءٍ منه، أو كذّب بشيءٍ مما صرّح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه فهو كافر عند أهل العلم بإجماعٍ، قال تعالى: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:٤٢] (٢).\n... من كلام العلماء في هذه المسألة:-\nيقول ابن حزم - في الرد على اعتراض النصارى بأن الروافض يزعمون أن أصحاب محمد ﷺ بدلوا القرآن ...: وأما قولهم في دعوى الروافض تبديل القرآن، فإن الروافض ليسوا من المسلمين (٣).\nوقال محمد بن إسماعيل الرشيد الحنفي: من استخف بالقرآن أو بالمسجد أو بنحوه مما يعظم في الشرع كفر، ومن وضع رجله على المصحف حالفًا استخفافًا كفر (٤).\nوذكر الدردير أن من موجبات الردة: إلقاء مصحف أو بعضه ولو كلمة، وكذا حرقه استخفافًا لا صونًا، ومثل إلقائه، وتركه بمكان قذر، ولو طاهرًا كبصاق أو تلطيخه به ... ومثل المصحف: الحديث، وأسماء الله تعالى، وكتب الحديث، وكذا كتب الفقه إن كان على وجه الاستخفاف بالشريعة (٥).\nوقال النووي: الأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمّد واستهزاء بالدين صريح، كإلقاء المصحف في القاذورات (٦).\nوقال قليوبي شارحًا قول النووي: قوله: (كإلقاء مصحف بقاذورة) بالفعل أو بالعزم والتردد فيه ومسه بها كإلقائه فيها، وألحق بعضهم به وضع رجله عليه ونُوزع فيه، والمراد بالمصحف: ما فيه قرآن ومثله الحديث، وكل علم شرعي وما عليه اسم معظم، قال شيخنا الرملي: ولا بُدّ في غير القرآن من قرينةٍ تدل على الإهانة وإلا فعلًا، وشملت القاذورة الطاهرة كبصاق ومخاط ومني (٧).\nوعدّ البهوتي من نواقض الإسلام ما يلي: أو وجد منه امتهان القرآن، أو طلب تناقضه، أو دعوى أنه مختلف، أو مقدور في مثله، أو إسقاط حرمته كفر؛ لقوله تعالى: لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:٢١]، وقوله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء:٨٢]، وقوله: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:٨٨] (٨) نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبداللطيف –ص: ٣٩٣\n_________\n(١) «الفصل» (٣/ ٢٩٦)، وانظر: «المحلى» (١/ ٣٩)، و«الإحكام في أصول الأحكام» (١/ ٨٦).\n(٢) «الشفا» (٢/ ١١٠١)، وانظر: (٢/ ١٠٧٦).\n(٣) «الفصل» (٢/ ٢١٣). وانظر: «المحلى» (١/ ١٥).\n(٤) «رسالة في ألفاظ الكفر» (ص٢٢)، ويقول ملا علي قاري معلقًا على الجملة الأخيرة: ولا يخفى أن قوله حالفًا قيد واقعي فلا مفهوم له. «شرح الفقه الأكبر» (ص٢٥٠).\n(٥) «الشرح الصغير» (٦/ ١٤٥، ١٤٦). وانظر: «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٤/ ٣٠١)، و«بلغة السالك» (٢/ ٤١٦)، و«الخرشي على مختصر خليل» (٧/ ٦٢، ٦٣).\n(٦) «روضة الطالبين» (١٠/ ٦٤). وانظر: «مغني المحتاج» للشربيني الخطيب (٤/ ١٣٦)، و«نهاية المحتاج» للرملي (٧/ ٤١٦).\n(٧) «حاشيتا قليوبي وعميرة» (٤/ ١٧٦)، وانظر: (الأعلام) للهيتمي (ص٣٤٩).\n(٨) «كشاف القناع» (٦/ ١٣٧)، وانظر: «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٨٧)، و«غاية المنتهى» لمرعي الكرمي (٣/ ٣٣٩).","vol":"6","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1903>الفصل الأول: إنكار الملائكة والجن</span>\nومن الإيمان بالغيب: الإيمان بالملائكة ﵈، والإيمان بالجن، فأما الإيمان بالملائكة فهو الإقرار الجازم بوجودهم، وأنهم من خلق الله تعالى، وهم عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء:٢٦، ٢٧]، وأنهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:٦].\nوالإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، فلا يتحقق إيمان عبدٍ حتى يؤمن بوجودهم ... وعليه أن يؤمن بمن ورد ذكرهم في القرآن والسنة على وجه التفصيل، كما يجب الإيمان بصفاتهم الخلقية والخلقية، والأعمال التي يقومون بها. يقول محمد رشيد رضا في ثنايا حديثه عن أهمية الإيمان بالملائكة: إن الإيمان بالملائكة أصل للإيمان بالوحي، ولذلك قدم ذكر الملائكة على ذكر الكتاب والنبيين، قال تعالى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:١٧٧]، فالملائكة هم الذين يؤتون النبيين الكتاب، قال تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر:٤]، وقال سبحانه: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، فليلزم من إنكار الملائكة إنكار الوحي والنبوة وإنكار الأرواح، وذلك يستلزم إنكار اليوم الآخر (١).\nويقول السعدي - في نفس المسألة السابقة -: الإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان، ولا يتم الإيمان بالله وكتبه ورسله إلا بالإيمان بالملائكة (٢).\nكما يجب الإيمان بوجود الجن في العالم، وأنهم خلق من خلق الله تعالى وأنهم أحياء عقلاء، ومأمورون ومنهيون، وأن ذلك أمرٌ متواتر معلوم بالاضطرار (٣).\n٢ - وإذا تقرر وجوب الإيمان بالملائكة ﵈ والجن، فإن لهذا الإيمان ما يناقضه من الأقوال كإنكار وجود الملائكة، أو الجن، أو سب الملائكة والاستهزاء بهم، ووجه كون تلك الأقوال مناقضة لهذا الإيمان ما يلي:\nأ- أن إنكار وجود الملائكة أو الجن (٤) هو تكذيب وجحود للأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة، فقد تواترت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية في الحديث عن الملائكة والجن، ومن ثَمَّ فإن وجود الملائكة والجن أمر متواتر ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام.\n_________\n(١) «تفسير المنار» (٢/ ١١٣).\n(٢) «تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن» (ص٢٩).\n(٣) أفاض القرآن الكريم، والسنة النبوية في الحديث عن الجن وأحوالهم في مواضع كثيرة، فقد ورد ذكرهم في القرآن في مواضع متعددة تقرب من أربعين موضعًا، عدا الآي التي تحدثت عن الشيطان، وهي كثيرة. انظر: «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن» (ص:١٧٩)، و«عالم الجن» للأشقر (ص١٠).\n(٤) ومن أمثلة هذا الإنكار ما يظنه ملاحدة الفلاسفة أنها قوى النفس الصالحة، والشياطين قوى النفس الخبيثة. انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ١٢٠، ١٢١، ٣٤٦)، و«السبعينية» (ص٢٢٠)، و«أصول اللالكائي» (٧/ ١٢١٧)، و«الحجة» للأصفهاني (٢/ ٣٩٠)، و«فتح الباري» (٦/ ٣٤٣)، و«الفصل» لابن حزم (١/ ٩٠)، و«الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي (ص٢٧٩). وانظر: أمثلة لهذا الإنكار عند بعض العقلانيين المعاصرين في كتاب «عالم الجن» لعبد الكريم عبيدات (ص ١١٨ - ١٦٩).","vol":"6","page":493},{"text":"فمثلًا في شأن الملائكة ﵈ يقول الله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:٢٨٦].\nويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء:١٣٦].\nيقول الألوسي في تفسيره لقول تعالى: وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ .. الآية، أي: بشيءٍ من ذلك فإن الحكم المتعلق بالأمور المتعاطفة بالواو قد يرجع إلى كل واحدٍ، وقد يرجع إلى المجموع، والتعويل على القرائن، وهاهنا قد دلت القرينة على الأول؛ لأن الإيمان بالكل واجب، والكل ينتفي بانتفاء البعض ... (١).\nوأما الجن فقد أفاض القرآن الكريم والسنة النبوية في الحديث عن الجن وأحوالهم، وانفردت سورة كاملة في الحديث عن نفر من الجن استمعوا للقرآن من رسول الله ﷺ، كما جاء هذا مفصلًا في سورة (الجن)، قال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا [الجن:١].\nيقول ابن بطة: فمن أنكر الجن فهو كافر بالله، جاحد بآياته، مكذب بكتابه (٢).\nويقول ابن حزم: لكن لما أخبرت الرسل الذين شهد الله ﷿ بصدقهم، مما أبدى على أيديهم من المعجزات ... بنصّ الله ﷿ على وجود الجن في العالم، وجب ضرورة العلم بخلقهم ووجودهم، وقد جاء النص بذلك، وبأنهم أمة عاقلة مميزة متعبدة، موعودة متوعدة متناسلة يموتون ... فمن أنكر الجن، أو تأوّل فيهم تأويلًا يخرجهم به عن هذا الظاهر، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال (٣).\nويقول القرطبي - في هذا الشأن-: وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن، اجتراءً على الله وافتراءً، والقرآن والسنة ترد عليهم (٤).\nويقول ابن تيمية: وجود الجن ثابت بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، واتفاق سلف الأمة، وأئمتها، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أهل السنة والجماعة (٥).\nويقول في موضع آخر: إن وجود الجن قد تواترت به أخبار الأنبياء تواترًا معلومًا بالاضطرار، ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء، فاعلون بالإرادة، بل مأمورون منهيون، ليسوا صفاتًا، وأعراضًا قائمة بالإنسان أو غيره كما يزعمه بعض الملاحدة. فلما كان أمر الجن متواترًا عن الأنبياء تواترًا ظاهرًا تعرفه العامة والخاصة لم يكن لطائفة كبيرة من طوائف المؤمنين بالرسل أن تنكرهم (٦).\nويقول الألوسي: ونفي الجن كفر صريح كما لا يخفى (٧).\nكما أن إنكار الملائكة والجن مناقض للإيمان بالكتب المنزلة، فالإيمان بالكتب يتضمن الإقرار بها وتصديقها، وإنكار الملائكة والجن هو تكذيب وجحود لآيات الله تعالى، فهو يناقض هذا الإقرار والتصديق، ومن ثَمَّ فقد توعّد الله تعالى أولئك المنكرين لآياته، المكذبين بها بالعذاب المهين والخلود في نار جهنم.\n_________\n(١) «روح المعاني» للألوسي (٥/ ١٧٠).\n(٢) «الإبانة الصغرى» (ص٢١٣) باختصار.\n(٣) «الفصل» (٥/ ١١٢).\n(٤) «تفسير القرطبي» (١٩/ ٦).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٧٦)، وانظر: (٢٤/ ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ١٠)، انظر: «الرد على المنطقيين» (ص: ٤٨٩، ٤٩٠).\n(٧) «روح المعاني» (٢٩/ ٨٢).","vol":"6","page":494},{"text":"قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:٤٠].\nوقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الحج:٥٧].\nبل إن صفة الجحود لتلك الآيات لا تقوم إلا في الكفار، كما قال ﵎: وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ [العنكبوت:٤٧]\nب- أجمع العلماء على كفر من أنكر الملائكة أو الجن، أو استهزأ واستخفّ بالملائكة، أو سبّهم، فيقول القاضي عياض: وحكم من سبّ سائر أنبياء الله تعالى، وملائكته، واستخف بهم، أو كذبهم فيما أتوا به، أو أنكرهم وجحدهم، حكم نبينا ﷺ ... (١).\nقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء:١٥٠ - ١٥١] (٢).\nوإذا كان العلماء قد أجمعوا على كفر من أنكر آية من كتاب الله تعالى (٣)، فما بالك بمن أنكر آيات كثيرة جدًا تثبت وجود الملائكة والجن!\nفوجود الملائكة ﵈ كما هو ثابت بالكتاب والسنة، فهو ثابت بالإجماع، وكذلك الجن.\nيقول ابن حزم: واتفقوا أن الملائكة حق، وأن جبريل وميكائيل ملكان رسولان لله ﷿ مقربان عظيمان عند الله تعالى، وأن الملائكة كلهم مؤمنون فضلًا، وأن الجن حق (٤).\nويذكر ابن حزم أن المسلمين والنصارى والمجوس والصابئين وأكثر اليهود كلهم مجمعون على وجود الجن (٥).\nويقول ابن تيمية: والإقرار بالملائكة والجن عام في بني آدم، لم ينكر ذلك إلا شواذ من بعض الأمم، ولهذا قالت الأمة المكذبة: وَلَوْ شَاء اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً [المؤمنون:٢٤]\nحتى قوم نوح وعاد وثمود وقوم فرعون، قال قوم نوح: مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً [المؤمنون:٢٤]، وقال: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلائِكَةً [فصلت:١٣ - ١٤]، وليس في الأمم أمة تنكر ذلك إنكارًا عامًا، وإنما يوجد إنكار ذلك في بعضهم، مثل من قد يتفلسف فينكرهم لعدم العلم لا للعلم بالعدم (٦).\nويقول - في موضع آخر -: من المعلوم بالاضطرار أن الرسل أخبرت بالملائكة والجن، وأنها أحياء ناطقة قائمة بأنفسها، ليست أعراضًا قائمة بغيرها (٧).\n_________\n(١) ومن المعلوم أن سب الرسول ﷺ أو الاستهزاء به أو إنكاره من نواقض الإيمان بالإجماع.\n(٢) «الشفا» (٢/ ١٠٩٧).\n(٣) انظر: «الشفا» (٢/ ١١٠١)، و«التمهيد» (٤/ ٢٢٦)، و«حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدعة» لابن قدامة (ص٣٣)، و«الإبانة الصغرى» (ص٢١١).\n(٤) «مراتب الإجماع» (ص١٧٤).\n(٥) انظر: «الفصل» (٥/ ١١٢).\n(٦) «النبوات» (ص٢١، ٢٢) باختصار.\n(٧) «الصفدية» (١/ ١٩٢، ١٩٣) بتصرف يسير. وانظر: «الصفدية» (١/ ١٦٨)، وانظر: «المعتمد في أصول الدين» لأبي يعلي (ص١٧١، ١٧٢)، و«آكام المرجان في أحكام الجان» للشبلي (ص٣).","vol":"6","page":495},{"text":"إلى أن قال: فمن أنكر وجود الجن والشياطين وتأثيرهم ... كان مبطلًا باتفاق أهل الملل، واتفاق جمهور الفلاسفة، وكان كذبه معلومًا بالاضطرار عند من عرف هذه الأمور بالمشاهدة، أو الأخبار الصادقة (١).\nجـ- إن الإيمان بالملائكة ﵈ يوجب إجلالهم وإكرامهم، فهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولذا فإن سبّهم والاستهزاء بهم لا يجتمع مع إجلالهم وإكرامهم، وإن كان مقرًا بوجودهم، لما في هذا من عدم تقدير الله تعالى حق قدره، والاستهزاء بآيات الله تعالى، ويقول سبحانه: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:٦٥ - ٦٦].\nيقول ابن حزم: صح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى، أو بملك من الملائكة، أو نبي من الأنبياء ﵈، أو بآية من القرآن، أو بفريضة من فرائض الدين، فهي كلها آيات الله تعالى بعد بلوغ الحجة إليه فهو كافر (٢).\nويقول أيضًا: قد علمنا أن الملائكة كلهم رسل الله تعالى، قال تعالى: جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فاطر:١]، وكذلك بضرورة المشاهدة أن كل ساب وشاتم فمستخف بالمشتوم مستهزئ به، فالاستخفاف والاستهزاء شيء واحد ... فصحّ بما ذكرنا أن كل من سبّ الله تعالى، أو استهزأ به، أو سبّ ملكًا من الملائكة، أو استهزأ به، أو سبّ نبيًا من الأنبياء، أو استهزأ به، أو سبّ آيةً من آيات الله تعالى، أو استهزأ بها، والشرائع كلها، والقرآن من آيات الله تعالى فهو بذلك كافر مرتد، له حكم المرتد، وبهذا نقول، وبالله تعالى التوفيق (٣).\nد- إن الإيمان بالملائكة ﵈ يقتضي محبتهم ومودتهم، وأما سبّهم وشتمهم فهو بسبب بغضهم وعداوتهم، وهو ما يناقض الإيمان بهم، كما قال تعالى: قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة:٩٨].\nيقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: يقول تعالى من عاداني وملائكتي ورسلي؛ ورسله تشمل رسله من الملائكة، كما يقول تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:٧٥].\nوقوله تعالى: فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ فيه إيقاع المظهر مكان المضمر، حيث لم يقل فإنه عدو، بل قال: فإن الله عدو للكافرين ... وإنما أظهر الله هذا الاسم لتقرير هذا المعنى، وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى وليًا لله، فقد عادى الله، ومن عادى الله، فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة ... (٤).\nومما قاله البيضاوي في (تفسيره) لهذه الآية: وأفرد الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر، والتنبيه على أن معاداة الواحد والكلّ سواء في الكفر، واستجلاب العداوة من الله تعالى، وأن من عادى أحدهم، فكأنه عادى الجميع، إذ الموجب لعداوتهم ومحبتهم على الحقيقة واحد، ولأن المحاجة كانت فيهما، ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنه تعالى عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة والرسل كفر (٥).\n_________\n(١) «الصفدية» (١/ ١٩٢، ١٩٣) بتصرف يسير. وانظر: «الصفدية» (١/ ١٦٨)، وانظر: «المعتمد في أصول الدين» لأبي يعلي (ص١٧١، ١٧٢)، و«آكام المرجان في أحكام الجان» للشبلي (ص: ٣).\n(٢) «الفصل» (٣/ ٢٩٩).\n(٣) «المحلى» (١٣/ ٥٠٠ - ٥٠٢) باختصار.\n(٤) «تفسير ابن كثير» (١/ ١٢٦، ١٢٧) باختصار.\n(٥) «تفسير البيضاوي» (١/ ٧٢).","vol":"6","page":496},{"text":"ومما كتبه النسفي في (تفسيره) لهذه الآية قوله: قوله تعالى: فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ أي: لهم، جواب الشرط، والمعنى: من عاداهم عاداه الله، وعاقبه أشد العقاب، وإيثار الاسمية للدلالة على التحقق والثبات، ووضع الكافرين موضع المضمر للإيذان بأن عداوة المذكورين كفر، وأن ذلك بيّن لا يحتاج إلى الإخبار به، وأن مدار عداوته تعالى لهم وسخطه المستوجب لأشد العقوبة والعذاب هو كفرهم المذكور (١).\n٣ - وإذا تقرر أن إنكار وجود الملائكة ﵈ أو الجن أو سبّ الملائكة والاستهزاء بهم من نواقض الإيمان فإننا نسوق أقوالًا مختارة لأهل العلم في هذا الشأن.\nيقول ابن نجيم: ويكفر بقوله لغيره: رؤيتي إياك كرؤية ملك الموت عند البعض خلافًا للأكثر، وقيل به إن قاله لعداوته لا لكراهة الموت، وبقوله لا أسمع شهادة فلان وإن كان جبريل أو ميكائيل ﵉، وبعيبه ملكًا من الملائكة أو الاستخفاف به (٢).\nيقول القاضي عياض: وقال القاضي بقرطبة سعيد بن سليمان في بعض أجوبته: من سبّ الله وملائكته قتل.\nوقال سحنون: من شتم ملكًا من الملائكة فعليه القتل.\nوقال أبو الحسن القابسي في الذي قال لآخر: كأنه وجه مالك الغضبان، لو عرف أنه قصد ذم الملك قتل.\nثم قال القاضي عياض: وهذا كله فيمن تكلم فيهم بما قلناه على جملة الملائكة والنبيين، أو على معين ممن حققنا كونه من الملائكة والنبيين، ممن نصّ الله عليه في كتابه، أو حققنا علمه بالخبر المتواتر، والمشتهر المتفق عليه بالإجماع القاطع كجبريل وميكائيل، ومالك، وخزنة جهنم والزبانية، وحملة العرش المذكورين في القرآن من الملائكة، ومن سمي فيه من الأنبياء، وكإسرافيل، والحفظة ... فأما من لم تثبت الأخبار بتعيينه، ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة كهاروت وماروت ... فليس الحكم في سابهم والكافر بهم كالحكم فيما قدمناه (ممن اتفق على أنه ملك) ... (٣).\nوقال الدردير المالكي: ويكفر إن سبّ نبيًا مجمعًا على نبوته، أو ملكًا مجمعًا على ملكيته، أو ألحق به نقصًا وإن ببدنه كعرج، وشلل ... (٤).\nويقول ابن غنيم المالكي: ومن سبّ ملكًا مجمعًا على ملكيته، أو لعنه، أو عابه، أو قذفه، أو استخفّ بحقّه، أو غيّر صفته، أو ألحق به نقصًا في دينه، أو بدنه، أو خصلته، أو غضّ من مرتبته، أو وفور علمه، أو زهده، أو أضاف له ما لا يجوز عليه، أو نسب إليه ما لا يليق به على طريق الذم ... قتل (٥) حدًا ويستعجل بقتله (٦).\nويقول النووي: ولو قال: لو شهد عندي الأنبياء والملائكة بكذا ما صدقتهم كفر (٧).\nويقول ابن حجر الهيتمي معلقًا على هذه العبارة: وهل لو قال الملائكة فقط أو الأنبياء فقط يكفر أيضًا؟ الذي يظهر: نعم؛ لأن ملحظ الكفر كما لا يخفى نسبة الأنبياء أو الملائكة إلى الكذب، فإن قلت: جرى خلاف في العصمة؟ قلت: أجمعوا على العصمة عن الكذب ونحوه (٨).\nويقول ابن قدامة: وإن ارتدّ بجحود فرض، لم يسلم حتى يقر بما جحده، ويعيد الشهادتين؛ لأنه كذّب الله ورسوله بما اعتقده، وكذلك إن جحد ملكًا من ملائكته الذين ثبت أنهم ملائكة الله، أو استباح محرّمًا فلا بد في إسلامه من الإقرار بما جحده (٩).\nويقول مرعي بن يوسف الكرمي: من أشرك بالله تعالى، أو سبّه، أو رسوله، أو ملكًا له ... كفر (١٠).\nويذكر البهوتي أن من جحد الملائكة، أو أحدًا ممن ثبت أنه ملك، كفر لتكذيبه القرآن (١١).\nهذا طرف من أقول العلماء فيما يتعلق بالملائكة ﵈، وأما الجن فإن وجودهم ثابت بالإجماع والتواتر، فهو أمر معلوم من الدين بالضرورة، ومن ثَمَّ فإن إنكارهم هو إنكار لأمر معلوم من الدين بالضرورة. نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبداللطيف – ص: ٢٠٨\n_________\n(١) «تفسير النسفي» (١/ ٢٢١)، وانظر: «تفسير القاسمي» (١/ ٢٠٤).\n(٢) «البحر الرائق» (٥/ ١٣١).\n(٣) «الشفا» (٢/ ١٠٩٧ - ١١٠٠) بتصرف.\n(٤) «الشرح الصغير» (٦/ ١٤٩، ١٥٠) بتصرف يسير. وانظر: «بلغة السالك» للصاوي (٣/ ٤٤٨).\n(٥) قتل: هو جواب من الشرطية في أول النص.\n(٦) «الفواكه الدواني» (٢/ ٢٢٧) بتصرف يسير.\n(٧) «روضة الطالبين» (١٠/ ٦٦)، وانظر: «حاشيتا قليوبي وعميرة» (٤/ ١٧٥).\n(٨) «الإعلام» (ص٣٥٨).\n(٩) «المغني» (١٠/ ١٠٠، ١٠١) باختصار.\n(١٠) «غاية المنتهى» (٣/ ٣٣٥).\n(١١) «كشاف القناع» (٦/ ٨).","vol":"6","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1905>المبحث الأول: إنكار البعث</span>\nلا شك أن إنكار البعث مناقض للإيمان، مهما تنوعت صوره وأمثلته، فقد يكون إنكارا لبعث الأرواح والأجساد، وقد يكون إنكارا لمعاد الأجساد مع الاعتراف بمعاد الأرواح، وتارةً يكون إنكار البعث بالقول بتناسخ الأرواح، ونقلها إلى أجسام أخرى، وتارة أخرى يكون هذا الإنكار بإنكار معاد النفوس الجاهلة دون العالمة. ومن صور هذا الإنكار ما زعمه بعضهم أن البعث عبارة عن خلق أبدان جديدة مغايرة تمامًا للأبدان الفانية (١).\nوسنورد الآن بعضًا من أوجه كون إنكار البعث ناقضًا من نواقض الإيمان على النحو التالي:\nأ- أخبر الله ﷿ أن إنكار البعث كفر برب العالمين، فقال تعالى: وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ [الرعد:٢ - ٥].\nوقال المؤمن للكافر الذي قال: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا [الكهف:٣٦]، فقال له: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا [الكهف:٣٧] (٢).\nوقال تعالى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:٩٧ - ٩٨].\nوقال سبحانه: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ [السجدة:١٠].\nوقال تعالى: وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل:٣٨ - ٤٠].\nفإنكار البعث يناقض الإيمان، وينافي تصديق القلب وإقرار اللسان.\nب- تضمن إنكار البعث تعطيلًا لأسماء الله وصفاته ومقتضاها، وإنكارًا لعلم الله تعالى وقدرته وحكمته.\nقال الله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].\nيقول ابن القيم عن هذه الآيات: فجعل كمال ملكه، وكونه سبحانه الحق، وكونه لا إله إلا هو، وكونه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ما دونه، مبطلًا لذلك الظن الباطل، والحكم الكاذب.\n_________\n(١) انظر توضيحًا لهذه الأمثلة: «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ١٠٦٧)، «الدرة» لابن حزم (ص: ٢٠٦)، «الرد على المنطقيين» لابن تيمية (ص: ٤٥٨)، و«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٢٨٣، ٣١٤، ٩/ ٣٥، ٣٦) «الفوائد» لابن القيم (ص٥)، و«مفتاح دار السعادة» لابن القيم (٢/ ٣٥).\n(٢) انظر: «أعلام الموقعين» لابن القيم (١/ ١٤٧).","vol":"6","page":498},{"text":"- إلى أن قال: فإنّ ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه، وثوابه وعقابه، وكذلك يستلزم إرسال رسله، وإنزال كتبه، وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه، ولم يثبت له الملك الحق، ولذلك كان منكرًا لذلك كافرًا بربه، وإن زعم أنه يُقرّ بصانع العالم، فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال، والمستحق لنعوت الكمال (١).\nويقول في موضع آخر: وهو سبحانه يقرر المعاد بذكر كمال علمه، وكمال قدرته، وكمال حكمته، فإنّ شبه المنكرين له كلها تعود إلى ثلاثة أنواع:\nأحدهما: اختلاط أجزائهم بأجزاء الأرض على وجه لا يتميز ولا يحصل معها تميز شخص عن شخص.\nالثاني: أن القدرة لا تتعلق بذلك.\nالثالث: أن ذلك أمر لا فائدة فيه، أو إنما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الإنساني شيئًا بعد شيء، هكذا أبدًا كلما مات جيل، خلفه جيل آخر، فأما أن يميت النوع الإنساني كله، ثم يحييه بعد ذلك فلا حكمة في ذلك، فجاءت براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول:\nأحدهما: تقرير كمال علم الرب سبحانه، كما قال في جواب من قال: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:٧٨ - ٧٩]، وقال: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ [ق:٤].\nالثاني: تقرير كمال قدرته، لقوله: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم [يس:٨١] وقوله: بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ [القيامة:٤]، وقوله ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج:٦].\nالثالث: كمال حكمته، كقوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ [الدخان:٣٨]، وقوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا [ص:٢٧]، وقوله: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:١١٥].\nولهذا كان الصواب أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع، وأن كمال الرب تعالى وكمال أسمائه وصفاته تقتضيه وتوجبه، وأنه منزّه عما يقوله منكروه، كما ينزّه كماله عن سائر العيوب والنقائص (٢).\nإضافة إلى ذلك فإنكار البعث سوء ظن بالله ﷿، كما قال ابن القيم: ومن ظنّ أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دارٍ يجازي المحسن فيها بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويبيّن لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه ويظهر للعالمين كلهم صدقه، وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين، فقد ظن به ظن السوء (٣).\nوسوء الظن بالله تعالى ذنب عظيم، وعقابه شديد، حتى قال ابن القيم أيضًا: ولم يجئ في القرآن وعيد أعظم من وعيد من ظن به ظن السوء.\nقال تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [الفتح: ٦] إلخ (٤).\n_________\n(١) «التبيان في أقسام القرآن» (ص١٠١).\n(٢) «الفوائد» (ص٦ - ٧).\n(٣) «زاد المعاد» (٣/ ٢٣٠).\n(٤) «الصواعق المرسلة» (٤/ ١٣٥٦).","vol":"6","page":499},{"text":"جـ- أن إنكار البعث تكذيب ظاهر لآيات القرآن الصريحة في إثبات البعث، كما أن هذا الإنكار رد للأخبار الصحيحة في وقوع البعث، وتكذيب لما اتفقت عليه دعوة الرسل ﵈. ونزلت به الكتب السماوية، وقد قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:٥٦].\nوقال ﷿: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف٤٠].\nوقال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الحج:٥٧]\nيقول ابن أبي العز الحنفي: الإيمان بالمعاد مما دلّ عليه الكتاب والسنة، والعقل والفطرة السليمة، فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على منكريه في غالب سور القرآن (١).\nوجاء في حديث أبي هريرة مرفوعًا أن الله تعالى يقول: «يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ويكذبني وما ينبغي له، أما شتمه فقوله إن لي ولدًا، وأما تكذيبه فقوله لن يعيدني كما بدأني» (٢).\nوقد أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقسم بربه ﷿ على وقوع المعاد ووجوده في ثلاثة مواضع:\nالأول: في سورة يونس في قوله تعالى: وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس:٥٣].\nالثاني: في سورة سبأ في قوله تعالى:- وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ:٣]\nالثالث: في سورة التغابن في قوله تعالى:- زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:٧] (٣).\nوقد أقسم الله تعالى في مواضع كثيرة على وقوع البعث، كقوله تعالى: اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ [النساء:٨٦].\nوذم سبحانه المكذبين بالمعاد،؛ فقال سبحانه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ [يونس:٤٥].\nوتوعدهم بالعذاب والضلال البعيد؛ فقال ﵎: بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ [سبأ:٨].\nوقد تنوعت الأدلة، وتعددت البراهين في إثبات المعاد، وصحة وقوعه كما جاء مفصلًا في موضعه (٤).\nد- انعقد الإجماع على إثبات البعث، كما أجمع علماء هذه الأمة على تكفير منكري البعث، وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم نذكرهم فيما يلي:\nيقول ابن حزم: وأما من زعم أن الأرواح تنتقل إلى أجساد أخر فهو قول أصحاب التناسخ، وهو كفر عند جميع أهل الإسلام (٥).\nويقول أيضًا: واتفقوا أن البعث حق، وأن الناس كلهم يبعثون في وقت تنقطع فيه سكناهم في الدنيا ... (٦).\n_________\n(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٥٨٩).\n(٢) رواه البخاري (٣١٩٣).\n(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٧٥)، (٣/ ٥٠٤).\n(٤) انظر مثلًا: «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٥٨٩ - ٦٠٠)، و«القواعد الحسان» للسعدي (ص٢٤، ٢٥)، و«القيامة الكبرى» للأشقر (ص٧٣ - ٩١)، و«منهج القرآن في الدعوى للإيمان» لعلي فقيهي (ص٢٨٥ - ٣٤٠).\n(٥) «المحلى» (١/ ٣١).\n(٦) «مراتب الإجماع» (ص١٧٥).","vol":"6","page":500},{"text":"ويقول في كتاب ثالث: وأن البعث حق والحساب حق ... يجمع الله تعالى يوم القيامة بين الأرواح والأجساد، كل هذا إجماع من جميع أهل الإسلام، من خرج عنه خرج عن الإسلام (١).\nثم يقول أيضًا: فمن قال إن الأرواح أعراض فانية، أو قال إنها تنتقل إلى أجسام أخر، فهو منسلخ من إجماع أهل الإسلام، لخلافه القرآن، والسنن الثابتة عن النبي ﷺ والإجماع، وهو قول أهل التناسخ، وهو كفر بلا خلاف، وكذلك من أنكر إحياء العظام والأجساد يوم القيامة، وأنكر البعث فخارج عن دين الإسلام بلا خلاف من أحد من الأئمة (٢).\nويقول في (الفصل): اتفق جميع أهل القبلة على تنابذ فرقهم على القول بالبعث في القيامة، وعلى تكفير من أنكر ذلك (٣).\nويقول ابن عبد البر: وقد أجمع المسلمون على أن من أنكر البعث، فلا إيمان له ولا شهادة، وفي ذلك ما ينبغي ويكفي، مع ما في القرآن من تأكيد الإقرار بالبعث بعد الموت، فلا وجه للإنكار في ذلك. (٤).\nويقول القاضي عياض: وكذلك نقطع على كفر من قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص، وتعذيبها أو تنعيمها فيها، بحسب ذكائها وخبثها. وكذلك من أنكر البعث أو الحساب ... فهو كافر بإجماعٍ للنص عليه، وإجماع الأمة على صحة نقله متواترًا (٥).\nويقول ابن تيمية: وطوائف من الكفار والمشركين وغيرهم ينكرون المعاد بالكلية، فلا يقرّون لا بمعاد الأرواح، ولا الأجساد، وقد بيّن الله تعالى في كتابه على لسان رسوله أمر معاد الأرواح والأجساد، وردّ على الكافرين والمنكرين لشيءٍ من ذلك، بيانًا في غاية التمام والكمال.\nوأما المنافقون من هذه الأمة الذين لا يقرّون بألفاظ القرآن والسنة المشهورة، فإنهم يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويقولون هذه أمثال ضربت لنفهم المعاد الروحاني، وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية الذين قولهم مؤلَّف من قول المجوس والصابئة ... وهؤلاء كفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان فإن محمدًا ﷺ قد بيّن ذلك بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر ... (٦).\nويقول يحيى بن حمزة العلوي: اعلم أنه لا خلاف بين أهل القبلة وغيرهم - إلا شيئًا يحكى عن بعض الفلاسفة- في صحة المعاد (٧).\nويقول الإيجي: أجمع أهل الملل عن آخرهم على جواز حشر الأجساد ووقوعه، وأنكرهما الفلاسفة (٨).\n_________\n(١) «الدرة فيما يجب اعتقاده» (ص٢٠٦).\n(٢) «الدرة فيما يجب اعتقاده» (ص٢١١ - ٢١٥) باختصار يسير.\n(٣) «الدرة فيما يجب اعتقاده» (٤/ ١٣٧).\n(٤) «التمهيد» (٩/ ١١٦).\n(٥) «الشفا» (٢/ ١٠٦٧، ١٠٧٧) باختصار.\n(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٣١٣) باختصار. وانظر: (٤/ ٢٨٢، ٢٨٣).\n(٧) الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام ص ١٢٣.\n(٨) «المواقف في علم الكلام» (ص٣٧٢).","vol":"6","page":501},{"text":"ويقول الشوكاني: الحاصل أن هذا (أي: المعاد) أمر اتفقت عليه الشرائع، ونطقت به كتب الله ﷿ سابقها ولاحقها، وتطابقت عليه الرسل أولهم وآخرهم، ولم يخالف فيه أحد منهم، وهكذا اتفق على ذلك أتباع جميع الأنبياء من أهل الملل، ولم يسمع عن أحد منهم أنه أنكر ذلك قط، ولكنه ظهر رجل من اليهود زنديق، يقال له: موسى بن ميمون اليهودي الأندلسي؛ فوقع منه كلام في إنكار المعاد، واختلف كلامه في ذلك، فتارة يثبته، وتارة ينفيه، ثم هذا الزنديق لم ينكر مطلق المعاد، إنما أنكر بعد تسليمه للمعاد أن يكون فيه لذات حسية جسمانية، بل لذات عقلية روحانية، ثم تلقّى عنه من هو شبيه به من أهل الإسلام كابن سينا فقلّده، ونقل عنه ما يفيد أنه لم يأت في الشرائع السابقة على الشريعة الإسلامية إثبات المعاد، وتقليدًا لذلك اليهودي الملعون الزنديق، مع أن اليهود قد أنكروا عليه هذه المقالة ولعنوه وسموه كافرًا ... (١).\n٣ - وإذا تقرر ما سبق ذكره فإننا نشير لطرف من أقوال العلماء في حكم منكر البعث؛ فهذا ابن نجيم يقرر كفر من أنكر البعث (٢)، وكذلك البدر الرشيد (٣).\nوقال الدردير المالكي: ويكفر إذا قال بتناسخ الأرواح، أي: إن من قال بأنّ من يموت تنتقل روحه إلى مثله، أو لأعلى منه إن كانت في مطيع، أو لأدنى منه، أو مثله إن كانت في عاصٍ فهو كافر؛ لأن فيه إنكار البعث (٤).\nوأورد الدسوقي نفس هذا الكلام في (حاشيته) (٥)، وكذا عليش في (شرحه) (٦).\nويقول الغزالي: فيجب تكفير من يغير الظاهر بغير برهان قاطع كالذي ينكر حشر الأجساد، وينكر العقوبات الحسّيّة في الآخرة بظنون وأوهام، واستبعادات من غير برهان قاطع، فيجب تكفيره قطعيًا، إذ لا برهان على استحالة ردّ الأرواح إلى الأجساد، وذكر ذلك عظيم الضرر في الدين، فيجب تكفير كل من تعلق به ... (٧).\nويذكر الشربيني إنكار البعث ضمن أنواع الردة (٨)، وكذا ذكر ذلك قليوبي (٩)، وابن حجر الهيتمي (١٠).\nويقول البهوتي: وإذا جحد البعث كفر، لتكذيبه للكتاب والسنة وإجماع الأمة. (١١) نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبداللطيف - ٢٢٣\n_________\n(١) «إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات» (ص٣٢).\n(٢) انظر: «البحر الرائق» (٥/ ١٣٢).\n(٣) انظر: «رسالته في ألفاظ الكفر» (ص٥٣).\n(٤) «الشرح الصغير» (٦/ ١٤٧، ١٤٨) بتصرف يسير.\n(٥) انظر: «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٤/ ٢٦٩).\n(٦) انظر: «شرح منح الجليل» (٤/ ٤٦٤).\n(٧) «فيصل التفرقة» (ص١٤٢).\n(٨) انظر: «مغنى المحتاج» (٤/ ١٣٥).\n(٩) انظر: «حاشيتا قليوبي وعميرة» (٤/ ١٧٥).\n(١٠) انظر: «الإعلام» (ص٣٧٤).\n(١١) «كشاف القناع» (٦/ ١٣٦).","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1906>المبحث الثاني: إنكار الوعد أو الوعيد أو الاستهزاء به</span>\nالوعد في أصل لغة العرب يستعمل في الخير والشر، ويعدّى بنفسه وبالباء، يقال: وعدته خيرًا. ووعدته شرًا، فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: الوعد والعدة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، مع العلم أن الوعيد لا يكون إلا بالشر (١).\nوقد حوى القرآن الكريم على وعد ووعيد، فالوعد يكون بالمغفرة والرضوان، والتكريم ودخول الجنان ونحو ذلك من أنواع الثواب، والوعيد يكون إما بلعنة أو غضب أو دخول نار ... وغير ذلك من أنواع العقاب.\nقال الله تعالى: وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ [التوبة:٦٨].\nوقال سبحانه: وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التوبة:٧٢].\nوقال ﵎: إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا [التوبة:١١١].\nوقال سبحانه: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق:٤٥].\nومما أنعم الله تعالى به على عباده، أنه سبحانه قد أخبر أن من وعده على عملٍ صالحٍ فهو منجز له، فلا يخلف الله وعده تكرمًا وتفضلًا، قال الله تعالى: لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ [الروم:٦].\nوقال ﷾: وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:١٦].\nوأما الوعيد في حقّ عصاة المؤمنين فهو تحت مشيئة الله تعالى، فقد يقع هذا الوعيد جزاءً وعدلًا، وقد يختلف هذا الوعيد في حقّ بعض العصاة لانتفاء شرط أو وجود مانع ...\nكما جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من وعده الله على عمل ثوابًا، فهو منجز له، ومن وعده على عمل عقابًا فهو فيه بالخيار» (٢).\nوقد جاء عمرو بن عبيد المعتزلي إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو. ويخلف الله ما وعده؟ قال: لا، قال: أفرأيت من أوعده الله على عملٍ عقابًا، أيخلف الله وعده فيه؟ فقال أبو عمرو بن العلاء: من العجمة أتيت يا أبا عثمان، إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تعد عارًا ولا خلفًا أن تعد شرًا، ثم لا تفعله، ترى ذلك كرمًا وفضلًا، وإنما الخلف أن تعد خيرًا ثم لا تفعله. قال: فأوجدني هذا في كلام العرب؟ قال: نعم، أما سمعت إلى قول الأول (٣):\nوإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلفُ إيعادي ومنجزُ موعدي\n_________\n(١) انظر: «المفردات» للأصفهاني (ص٨٢٦)، و«لسان العرب» (٣٠/ ٤٦٣)، و«معجم مقاييس اللغة» (٦/ ١٢٥)، و«المصباح المنير» (ص٨٣٠، ٨٣١)، و«مختار الصحاح» (ص٧٢٨).\n(٢) رواه أبو يعلى (٦/ ٦٦)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨/ ٢٤٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٩٦٠)، وقوّام السنة الأصفهاني في «الحجة» (٢/ ٧١). قال البوصيري في «إتحاف المهرة» (٧/ ١٣٦): رواه أبو يعلى والبزار، ومدار إسناديهما على سهيل بن أبي حزم، وهو ضعيف. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢١٤): رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، وفيه: سهيل بن أبى حزم وقد وُثِّقَ على ضعفه، وبقيّة رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٤٦٣): والحديث مع ضعف سنده فهو ثابت المتن عندي.\n(٣) البيت لعامر بن الطفيل. انظر: «لسان العرب» (٣/ ٣٦٤).","vol":"7","page":2},{"text":"وقال يحيى بن معاذ: الوعد والوعيد حقّ، فالوعد حقّ العباد على الله، ضمن لهم إذا فعلوا كذا أن يعطيهم كذا، ومن أولى بالوفاء من الله، والوعيد حقّه على العباد، قال: لا تفعلوا كذا فأعذبكم، ففعلوا، فإن شاء عفا، وإن شاء أخذ لأنه حقه، وأولاهما بربنا ﵎ العفو والكرم إنه غفور رحيم (١).\nوعندما نتحدث عن الواجب تجاه نصوص الوعد والوعيد، فهو الإيمان بجميع تلك النصوص، والتسليم لها، وإجلالها وتعظيمها، فنؤمن بالله تعالى، وما جاء عن الله، على مراد الله تعالى، ونؤمن برسول الله، وما جاء عن الرسول، على مراد رسول الله ﷺ.\nيقول ابن تيمية: لا ريب أن الكتاب والسنة فيهما وعد ووعيد، وقد قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:١٠].\nوقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا [النساء:٢٩ - ٣٠]، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة، والعبد عليه أن يصدق بهذا وهذا ... (٢).\nويقول أيضًا: ينبغي للمسلم أن يقدر كلام الله ورسوله، فجميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب، ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس، فإذا كان النص الذي وافقه يعتقد أنه اتبع فيه مراد الرسول، فكذلك النص الآخر الذي تأوله، فيكون أصل مقصوده معرفة ما أراده الرسول بكلامه (٣).\nوقد التزم سلف الأمة بهذا التسليم والتعظيم لنصوص الوعد والوعيد؛ فهذا رجل يقول للزهري: يا أبا بكر حديث رسول الله ﷺ: «ليس منا من لطم الخدود» (٤)، «وليس منا من لم يوقر كبيرنا» (٥) وما أشبه هذا الحديث؟\nفأطرق الزهري ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: من الله ﷿ العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم (٦).\nولما ذكر عبدالله بن المبارك حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٧)؛ فقال فيه قائل: ما هذا؟ على معنى الإنكار، فغضب ابن المبارك وقال: يمنعنا هؤلاء الأنان - أي: كثيرو التشكي والكلام - أن نحدّث بحديث رسول الله ﷺ، أكلّما جهلنا معنى حديث تركناه! لا بل نرويه كما سمعنا ونلزم الجهل أنفسنا (٨).\nيقول إسماعيل الأصبهاني: أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله، وفي مسائل القدر، والرؤية، وأصل الإيمان والشفاعة، والحوض، وإخراج الموحدين المذنبين من النار، وفي صفة الجنة والنار، وفي الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد ... (٩).\n_________\n(١) انظر: «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٧٤).\n(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ٢٧٠).\n(٣) «الإيمان» (ص٣٣، ٣٤) باختصار.\n(٤) رواه البخاري (١٢٩٤). من حديث عبدالله بن مسعود ﵁.\n(٥) رواه الترمذي (١٩١٩). من حديث أنس بن مالك. وقال فيه: هذا حديث غريب، ورواه أحمد (٢/ ٢٠٧) (٦٩٣٥). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢١٩٦).\n(٦) «السنة» للخلال (٣/ ٥٧٩).\n(٧) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٨) «تعظيم قدر الصلاة» للمروزي (١/ ٥٠٤ - ٥٠٥).\n(٩) «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٢١٧).","vol":"7","page":3},{"text":"- ومما يتضمنه الإيمان بالوعد والوعيد: الإيمان بالجنة والنار، وهو التصديق بوجودهما، وأنهما مخلوقتان موجودتان، لا تفنيان ولا تبيدان، وقد تواترت الأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة في ذكرهما، وأوصافهما، وأحوالهما ... كما أجمع علماء الإسلام على ذلك وحكى الإجماع عدد كبير منهم، فنذكر طرفًا من أقوالهم فيما يلي:\nيقول أبو حنيفة النعمان: والجنة والنار مخلوقتان اليوم، لا تفنيان أبدًا، ولا تموت الحور العين أبدًا، ولا يفنى عقاب الله تعالى وثوابه سرمدًا (١).\nويقول أبو الحسن الأشعري: والجنة والنار حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور (٢).\nويقول ابن أبي حاتم الرازي: والجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان لا تفنيان أبدًا، فالجنة ثواب لأوليائه، والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم (٣).\nيقول ابن أبي زيد القيرواني: وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه، وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم ... وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به، وألحد في آياته وكتبه ورسله، وجعلهم محجوبين عن رؤيته (٤).\nويقول ابن بطة: ثم الإيمان بأن الله ﷿ خلق الجنة والنار قبل خلق الخلق، ونعيم الجنة لا يزول، دائم أبدًا في النضرة والنعيم، والأزواج من الحور العين، ولا يمتن ولا ينقصن ولا يهرمن، ولا ينقطع ثمارها ونعيمها، كما قال ﷿: أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا [الرعد:٣٥]، وأما عذاب النار فدائم أبدًا، وأهلها فيها مخلدون خالدون من خرج من الدنيا غير معتقد للتوحيد ولا متمسك بالسنة (٥).\nويقول ابن حزم: وأن كل ما في القرآن من خبرٍ عن نبيٍ، أو عن المعاد، أو عن أمةٍ من الأمم، أو عن المسخ فعلى ظاهره، لا رمز في شيء من ذلك، ولا باطن ولا سرّ، وكذلك كلّ ما فيه من أمور الجنة من أكلٍ وشربٍ، وجماعٍ، والحور العين، والولدان المخلدين، ولباسٍ، وعذابٍ في النار بالزقوم، والحميم، والأغلال. وغير ذلك، فكله حقّ (٦).\nويقول ابن تيمية: الأكل والشراب في الجنة ثابت بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، وهو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، وكذلك الطيور والقصور في الجنة بلا ريب، كما وصف ذلك في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ، وكذلك أن أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون، لم يخالف من المؤمنين بالله ورسوله أحد، وإنما المخالف في ذلك أحد رجلين: إما كافر، وإما منافق (٧).\nويقول ابن القيم - في تقرير وجود الجنة الآن -: لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته، مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة، وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، فإنهم دعوا الأمم إليها، وأخبروا بها (٨).\n_________\n(١) «الفقه الأكبر» (ص٦).\n(٢) «الإبانة» (ص٢١).\n(٣) «أصل السنة واعتقاد الدين» (ضمن روائع التراث) (ص٢١).\n(٤) «مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني» (ص٧).\n(٥) «الإبانة الصغرى» (ص٢٠٦ - ٢٠٩).\n(٦) «الدرة فيما يجب اعتقاده» (ص٢٢١).\n(٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٣١٣).\n(٨) «حادي الأرواح» (ص١٧).","vol":"7","page":4},{"text":"- وإذا تقرر وجوب الإيمان بالوعد والوعيد، ومنه الإيمان بالجنة والنار ... فإن ما يناقض هذا الإيمان له عدة صور وأمثلة؛ فمنها: إنكار الوعد والوعيد – ومنه: إنكار الجنة والنار -، والقول بأن الوعد والوعيد تخييل للحقائق لكي ينتفع به الجمهور ... كما يقول به ملاحدة الفلاسفة. ومن صور هذا الإنكار والاستهزاء، ما يدعيه ملاحدة المتصوفة أن الجنة أو النار معانٍ باطنةٍ يقصد بها نعيم الأرواح أو تألمها فقط ... أو ما يزعمه بعضهم أن أهل النار يتنعمون في النار، كما يتنعم أهل الجنة في الجنة ...، ومن صور هذا الكفر: السخرية بالوعد والوعيد والاستهزاء بهما ... إلى غير ذلك من الأمثلة (١).\nفمن أمثلة هذه النواقض: إنكار الوعد والوعيد والاستهزاء بهما، ووجه كونه ناقضًا عدة أمور منها ما يلي:\nأ- أن الإيمان بنصوص الوعد والوعيد يتضمن الإقرار بها وتصديقها، وإجلالها وإكرامها، وهذا الإنكار يناقض هذا الإيمان، فإنكار الجنة والنار - مثلًا - يناقض تصديق القلب، كما يناقض قول اللسان، والاستهزاء بنصوص الوعد الوعيد - ومنها: نصوص الجنة والنار - يناقض هذا الإجلال والتعظيم؛ لأنه يناقض عمل القلب الذي يوجب توقير وتعظيم نصوص الوعد والوعيد.\nب- أن هذا الإنكار أو الاستهزاء بنصوص الوعد والوعيد تكذيب للقرآن الكريم، حيث فرض الله تعالى الإقرار بآياته، وتصديقها، وعدم اتخاذها هزوًا، وأيضًا فإن الله تعالى قد حكم بالكفر على من جحد آياته، كما توعده بالعذاب المهين، وأخبر تعالى بأنه لا أحد أظلم ممن كذّب بآيات الله تعالى، وأنهم لا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة ...\nقال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ [الأنعام:١٥٧].\nوقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:٤٠].\nوقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الحج:٥٧].\nوقال ﷿: وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الجاثية:٩]\nوقد سمى الله تعالى الاستهزاء بآياته كفرًا فقال: قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة ٦٥ - ٦٦].\nجـ- أن إنكار نصوص الوعد والوعيد وصرفها عن ظاهرها، أو الاستهزاء بها يتضمن طعنًا في الأنبياء ﵈، وتنقّصًا لهم، وأنهم ربما كذبوا لمصلحة الجمهور كما يزعم ملاحدة الفلاسفة، مع أن الأنبياء ﵈ صادقون مصدقون، قد بلغوا البلاغ المبين، وأقاموا الحجة على الناس، فهم أفضل الخلق عند الله تعالى، وأكمل الخلق علمًا وعملًا، حيث اختصهم الله تعالى بوحيه واصطفاهم من بين سائر الناس.\nوإن الطعن في الأنبياء كفر وردة عن الإسلام بل إن الطعن فيهم ينبوع جميع أنواع الكفر، وجماع الضلالات كما قرره ابن تيمية.\n_________\n(١) انظر لتفصيل ذلك: «الشفا» لعياض (٢/ ١٠٦٨)، «فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٣١٤)، (١٣/ ٢٧٩)، (١٤/ ١٦١)، (١٦/ ٢٤٢)، و«الدرء» (١/ ٨، ٩، ١٠٤)، (٥/ ٤، ٢٤١)، (١٠/ ٢٧٠)، «الصفدية» (١/ ٢٤٥).","vol":"7","page":5},{"text":"يقول ابن تيمية عن هؤلاء الفلاسفة - في هذا الشأن -: فأهل التخييل هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه، فإنهم يقولون إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع بها الجمهور، لا أنه بيّن به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح به الحقائق.\nثم هم على قسمين، منهم من يقول: إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه، ويقولون إن من الفلاسفة من علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم الأولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة والأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين، وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة وباطنية الصوفية، ومنهم من يقول بل الرسول علمها، لكن لم يبينها، وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فهم ما يناقضها؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق.\nويقول هؤلاء يجب على الرسول أن يخبر بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون، مع أن ذلك باطل؛ لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريقة التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد ... (١).\nكما يذكر ابن تيمية أن في هذا الإنكار نسبة للرسول إلى التلبيس وعدم البيان، بل إلى كتمان الحق وإضلال الخلق، بل إلى التكلم بكلام لا يعرف حقه من باطله، ولهذا كان حقيقة أمرهم الإعراض عن الكتاب والرسول ... (٢)\nإضافة إلى ذلك، فإن هذا الإنكار أو الاستهزاء بنصوص الوعد والوعيد، هو تعطيل للشرائع وإبطال للأوامر والنواهي، وتلاعب بالنصوص الشرعية، وتشكيك فيها.\nد- أن هذا الإنكار أو الاستهزاء مخالف للإجماع، وتكذيب له، فقد أجمعوا على إثبات الوعد والوعيد والتصديق به، وأجمعوا أيضًا على تكفير منكره أو المستهزئ به، كما سنذكره الآن.\nيقول ابن عبد البر: وأما الإقرار بالجنة والنار فواجب مجتمع عليه، ألا ترى أن ذلك مما يكتب في صدور الوصايا مع الشهادة بالتوحيد، وبالنبي ﷺ (٣).\nويقول القاضي عياض: وكذلك من دان بالوحدانية وصحة النبوة، ونبوة نبينا ﷺ، ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به، ادّعى في ذلك مصلحة بزعمه أو لم يدَّعها فهو كافر بإجماعٍ، كالمتفلسفين وبعض الباطنية، وغلاة المتصوفة، وأصحاب الإباحة؛ فإن هؤلاء زعموا أن ظواهر الشرع وأكثر ما جاءت به الرسل من الإخبار عما كان ويكون من أمور الآخرة والحشر والقيامة، والجنة والنار، وليس منها شيء على مقتضى التصريح لقصور أفهامهم، فمضمن مقالاتهم إبطال الشرائع، وتعطيل الأوامر والنواهي، وتكذيب الرسل والارتياب فيما أتوا به (٤).\nويقول أيضًا:- وكذلك من أنكر الجنة، أو النار، أو البعث، أو الحساب، أو القيامة فهو كافر بإجماعٍ للنص عليه، وإجماع الأمة على صحة نقله متواترًا، وكذلك من اعترف بذلك، ولكنه قال: إن المراد بالجنة، والنار، والحشر، والنشر، والثواب، والعقاب معنى غير ظاهره، وأنها لذَّات روحانية، ومعانٍ باطنة (٥).\nويقول ابن حزم: وأن البعث حقّ، والحساب حقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ، داران مخلوقتان مخلدتان، هما ومن فيهما بلا نهاية، يجمع الله تعالى يوم القيامة بين الأرواح والأجساد، كل هذا إجماع أهل الإسلام، من خرج عنه خرج عن الإسلام (٦).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣١، ٣٢) باختصار.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٤١).\n(٣) «التمهيد» (١٢/ ١٩٠، ١٩١).\n(٤) «الشفا» (٢/ ١٠٦٨).\n(٥) «الشفا» (٢/ ١٠٧٧).\n(٦) «الدرة» (ص٢٠٧).","vol":"7","page":6},{"text":"ويقول أيضًا: وأن كل ما في القرآن من أمور الجنة من أكلٍ وشربٍ وجماعٍ، والحور العين، والولدان المخلدين، ولباسٍ وعذابٍ في النار بالزقوم والحميم، والأغلال وغير ذلك فكله حق ... فمن خالف شيئًا من هذا فقد خرج عن الإسلام، لخلافه القرآن والسنن والإجماع (١).\nويحكي ابن حزم الإجماع قائلًا: وأن الجنة حق، وأنها دار نعيم أبدًا لا تفنى، ولا يفنى أهلها بلا نهاية، وأنها أعدت للمسلمين والنبيين المتقدمين، وأتباعهم على حقيقة، كما أتوا به قبل أن ينسخ الله أديانهم بدين الإسلام.\nوأن النار حق، وأنها دار عذاب أبدًا لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدًا بلا نهاية وأنها أُعدّت لكل كافر مخالف لدين الإسلام ... (٢).\nويقول البقاعي: اعلم أنه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية وإجماع المسلمين أن قول الله حق، وخبره صدق، ذلك واجب له لذاته ﷾، ومن أنكر أن خبر الله حق، أو أن وعده ووعيده صدق فهو كافر بإجماع المسلمين (٣).\nومما قاله الشوكاني في هذه المسألة: علماء الملّة الإسلامية مجمعون على ذلك (يعني على إثبات المعاد الجسماني، وإثبات اللذات الجسمانية والنفسانية في الجنة ...)، لا يخالف منهم فيه مخالف، ونصوص القرآن من فاتحته إلى خاتمته مصرحة بإثبات المعاد الجسماني، وإثبات تنعم الأجسام فيه بالمطعم والمشرب والمنكح وغير ذلك، أو تعذيبها بما اشتمل عليه القرآن من تلك الأنواع المذكورة فيه، وهكذا النصوص النبوية المحمدية مصرحة بذلك تصريحًا يفهمه كل عاقل، بحيث لو جمع ما ورد في ذلك منها لجاء مؤلفًا بسيطًا (٤).\n- والآن نسوق جملة من أقوال أهل العلم في تكفير منكر الوعد أو الوعيد، أو المستهزئ بهما ...\nفذكر ابن نجيم كفر من أنكر الجنة أو النار أو الحساب، كما يكفر من أنكر الوعد والوعيد (٥).\nوجاء في (الفتاوى البزازية): أو أنكر وعدًا أو وعيدًا يكفر، إذا كان الجزاء ثابتًا بالقطع (٦).\nويقول محمد بن إسماعيل الرشيد: واعلم أن من أنكر القيامة، أو الجنة، أو النار، أو الصراط، أو الحساب، أو الصحائف المكتوبة فيها أعمال العباد كفر ... (٧).\nوكفّر أبو حامد الغزالي من زعم أن الجنة لذة روحية، وأن النار شقاء نفسي ... ثم قال: والذي نختاره ونقطع به أنه لا يجوز التوقف في تكفير من يعتقد شيئًا من ذلك؛ لأنه تكذيب صريح لصاحب الشرع، والجميع كلمات القرآن من أولها إلى آخرها، فوصف الجنة والنار لم يتفق ذكره مرة واحدة أو مرتين، ولا جرى بطريق كناية أو توسع وتجوّز، بل بألفاظ صريحة لا يتمارى فيها ولا يُستراب (٨).\nوقال الشربيني: ويكفر إن أنكر الجنة، أو النار، أو الحساب، أو الثواب، أو العقاب، أو أقر بها لكن قال: المراد بها غير معانيها (٩).\nويقول ابن تيمية: وقد يقول حذّاق هؤلاء من الإسماعيلية والقرامطة، وقوم يتصوفون، أو يتكلمون وهم غالية المرجئة: إن الوعيد الذي جاءت به الكتب الإلهية إنما هو تخويف للناس لتنزجر عما نهيت عنه من غير أن يكون له حقيقة ... وهؤلاء هم الكفار برسل الله وكتبه واليوم الآخر، المنكرون لأمره، ونهيه، ووعده ووعيده (١٠).\nوذكر البهوتي أن ما مما يوجب الردة: السخرية بالوعد، أو الوعيد (١١). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبداللطيف –ص: ٢٣١\n_________\n(١) «الدرة» (ص٢٢١) بتصرف يسير.\n(٢) «مراتب الإجماع» (ص١٧٣)، وانظر: (ص١٧٦).\n(٣) «تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي» (ص١٥٩).\n(٤) «إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع» (ص١٩)، مع العلم أن للشوكاني كتابًا مستقلًا بعنوان «المقالة الفاخرة في بيان اتفاق الشرائع على إثبات الدار الآخرة» وهو غير مطبوع. انظر: «الشوكاني مفسرًا» لمحمد الغماري (ص٩٥).\n(٥) انظر: «البحر الرائق» (٥/ ١٢٩، ١٣٢).\n(٦) «البحر الرائق» (٣/ ٣٢٣).\n(٧) «تهذيب ألفاظ الكفر» (ص٥٣)، وانظر: «شرح الفقه الأكبر» لملا علي قاري (ص٢٩٧).\n(٨) «فضائح الباطنية» (ص١٥٣).\n(٩) «مغنى المحتاج» (٤/ ١٣٦). وانظر: «حاشيتا قليوبي وعميرة» (٤/ ١٧٥)، و«الإعلام» لابن حجر الهيتمي (ص٣٥٧، ٣٧٤).\n(١٠) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ١٥٠).\n(١١) انظر: «كشاف القناع» (٦/ ١٧٠).","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1910>تمهيد</span>\nإن المعلوم من الدين بالضرورة منه ما هو مشترك بين جميع أفراد الأمة، علماء وعامة، ومنه ما هو مختص بالعلماء فقط، بحيث يكون معلومًا لهم بالضرورة، ولا يكون كذلك لمن هم دونهم في العلم كالعامة مثلًا. إلا أن ما درج عليه الاستعمال الاصطلاحي هو النوع الأول، وهو ما لا يسع أحدًا جهله، بحيث يعلمه العالم والعامي على حد سواء.\nولهذا وجب التفصيل في هذه المسألة عندما نريد أن نحدد مدى العذر بالجهل بهذا المعلوم من الدين بالضرورة، كما يجب تحديد الأحوال التي تكون فيها الشريعة معلومة لدى الناس بالاضطرار من دين الإسلام، والأحوال التي لا تكون فيها كذلك، وهذا يرتبط بمسألة قيام الحجة من عدمه.\nوعليه فإن إطلاق القول بأن المعلوم من الدين بالضرورة أمر قد قامت به الحجة على جميع الناس، فلا يسعهم جهله ومن ثمة مخالفته، فهذا قول غير دقيق ويحتاج إلى مراجعة وتأمل.\nكما أن مساواة المسائل المعلومة من الدين بالضرورة بغيرها من المسائل الخفية في إثبات العذر بجهلها، رغم ظهور الأولى وانتشارها وبغير النظر إلى حال الجاهل ومكانه وزمانه، فهذا أيضًا غير مستقيم. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: ٤٩١","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1911>المطلب الأول: تنوع المعلوم من الدين بالضرورة</span>\nإن المعلوم من الدين بالضرورة يتنوع بتنوع متعلقه من المسائل والأشخاص والأزمنة والأمكنة، ولذلك يختلف حكم جاحده أو جاهله باختلاف ذلك وتنوعه.\nفالمسائل الظاهرة المتواترة تكون في الجملة معلومة للناس من الدين بالضرورة، سواء كانت مسائل الوجوب أو مسائل التحريم، فلابد أن تكون ظاهرة ومتواترة حتى يمكن اعتبارها من المعلوم من الدين بالضرورة.\nومما يندرج تحت هذا النوع جميع الواجبات الظاهرة المتواترة، وجميع المحرمات تحريمًا ظاهرًا متواترًا.\nوهذا الذي عبر عنه الإمام الشافعي بقوله (علم العامة)، ثم عرفه بأنه: (مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر. وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يعقلوه ويعملوه، ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عنه ما حرم عليهم منه. وهذا الصنف كله من العلم موجود نصًا في كتاب الله، موجود عامّ عند أهل الإسلام، ينقله عوامّهم عمن مضى من عوامّهم، يحكونه عن رسول الله ﷺ، ولا يتنازعون في حكايته، ولا وجوبه عليهم.\nوهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر والتأويل، ولا يجوز فيه التنازع) (١).\nوقال شيخ الإسلام – حاكيًا اتفاق الصحابة على قتل من استحل الخمر -: (وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك، ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة كالصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق، أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة كالفواحش والظلم والخمر والميسر والزنا وغير ذلك، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة كالخبر واللحم والنكاح، فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب، وإلا قتل) (٢).\nوقد بنى أهل العلم على كون المعلوم من الدين بالضرورة – عند الإطلاق – ظاهرًا ومشتهرًا، والناس من العلم به سواء بنوا على هذا قولهم في تكفير جاحده، وفي منع التقليد فيه (٣).\nقال الإمام النووي ﵀: (وإن جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة، حكم بردته وكفره، وكذا من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يعلم تحريمها ضرورة) (٤).\nوقال الإمام الخطابي ﵀: (وكذلك الأمر – يعني في التكفير وعدم العذر – في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت عليه الأئمة من أمور الدين إذا كان علمه منتشرًا، كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر، ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الأحكام) (٥).\nوقال الإمام الزركشي ﵀ عند حديثه عما يجوز فيه التقليد وما لا يجوز: (العلوم نوعان: نوع يشترك في معرفته الخاصة والعامة، ويعلم من الدين بالضرورة كالمتواتر، فلا يجوز التقليد فيه لأحد، كعدد الركعات، وتعيين الصلاة، وتحريم الأمهات والبنات، والزنا واللواط، فإن هذا مما لا يشق على العامي معرفته ولا يشغله عن أعماله) (٦).\n_________\n(١) «الرسالة» للإمام الشافعي (ص: ٣٥٧ - ٣٥٩).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٥).\n(٣) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٢٨٣)، و«شرح اللمع» للشيرازي (٢/ ١٠٠٩)، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (٢/ ٢٣٨).\n(٤) «شرح مسلم» للنووي (١/ ١٠٠).\n(٥) «شرح مسلم» للنووي (١/ ١٧٣).\n(٦) «البحر المحيط» (٦/ ٢٨٣).","vol":"7","page":9},{"text":"كما أن المعلوم من الدين بالضرورة هو من الأمور النسبية الإضافية، حيث إنه يختلف كونه علمًا ضروريًا باختلاف الأشخاص من حيث العلم أو العامية، أو حداثة العهد بالإسلام، أو النشوء ببادية بعيدة. قال الإمام ابن الوزير ﵀: (\"النوع الثاني\" ما لا يعرف تواتره إلا الخاصة، فلا يكفر مستحله من العامة، لأنه لم يبلغه، وإنما يكفر من استحله وهو يعلم حرمته بالضرورة، مثل تحريم الصلاة على الحائض إلى أمثال لذلك كثيرة ...) (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (كون الشيء معلومًا من الدين ضرورة أمر إضافي، فحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا يعلم هذا بالكلية، فضلًا عن كونه يعلمه بالضرورة. وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبي ﷺ سجد للسهو، وقضى بالدية على العاقلة، وقضى أن الولد للفراش، وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة، وأكثر الناس لا يعلمه البتة) (٢).\nكما أن المعلوم من الدين بالضرورة يختلف كونه كذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة من حيث ظهور آثار الرسالة أو دروسها. (فالمعلوم من الدين بالضرورة في الأزمنة (والأمكنة) التي تشرق فيها شمس الشريعة، ويكثر فيها العلماء العاملون الذين يبلغون دين الله ويقيمون الحجة على عباد الله، غير المعلوم من الدين بالضرورة إذا غابت شمس الشريعة، وكان العلماء علماء سوء يلبسون على الناس دينهم، وأهل الحق قليلون، وصوتهم لا يصل إلى الناس كلهم) (٣).\nفما يجب اعتباره في هذا المقام اختلاف الديار بين دار الإسلام التي هي مظنة لظهور أحكام الإسلام، ودار الكفر التي ليست مظنة لذلك. واختلاف الأمكنة بين مكان يشيع فيه العلم، وبادية بعيدة على العلم، وأمكنة يشيع فيها العلم الصحيح، وأخرى تخيم عليها الضلالة والانحراف.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر ...) (٤). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: ٤٩٢\n_________\n(١) «العواصم والقواصم» (٤/ ١٧٤).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ١١٨).\n(٣) «العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير» لأحمد فريد (ص: ١٧).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٧).","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1912>المطلب الثاني: حكم الجهل بالمعلوم من الدين بالضرورة</span>\nإنَّ لاختلاف العلم بمسائل الدين ضرورة أثرا قويًّا في اختلاف الحكم على من خالف هذا المعلوم من الدين بالضرورة، إما بجحده، أو بمخالفته.\nوفيما يلي سأذكر أهم هذه الأحكام مدعما إياها بأقوال أهل العلم:\n١ - أن الأحكام الظاهرة والمتواترة، سواء كانت واجبات أو محرمات، إذا كانت كذلك في دار الإسلام، والعلم بها منتشر بين جميع الناس، لا فرق في ذلك بين عالم أو عامي، فإنها تكون من قبيل المعلوم من الدين بالضرورة الذي لا يسع أحدًا من المسلمين جهله. وجاحده كافر بلا نزاع بين أهل العلم، والمخالف له بالترك إن كان واجبا، فيعاقب بقدر مخالفته وإن كان حرامًا فعله، فكذلك يعاقب على ذلك الفعل.\nوعلى هذا المعنى يحمل أقوال العلماء في تكفير جاحد المعلوم من الدين بالضرورة، كقول الإمام النووي، وقول الإمام الخطابي، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد تقدمت جميعًا. ومن الأقوال في هذا المعنى ما ذكره الإمام ابن قدامة ﵀ بقوله: (وأما الجاحد لها ناشئًا في الأمصار بين أهل العلم، فإنه يكفر بمجرد جحدها. وكذلك الحكم في. مباني الإسلام كلها، وهي الزكاة والصيام والحج؛ لأنها مبادئ الإسلام وأدلة وجوبها لا تكاد تخفى؛ إذ كان الكتاب والسنة مشحونين بأدلتها، والإجماع منعقد عليها، فلا يجحدها إلا معاند للإسلام يمتنع من التزام الأحكام، غير قابل لكتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ولا إجماع أمته ...) (١).\n٢ - أن المعلوم للخاصة من الدين بالضرورة، يعذر جاهله من العامة إذا خالفه باستحلال أو جحود؛ لأنه من أخبار الخاصة التي ليست تبلغها العامة، كما قال الإمام الشافعي ﵀، ولهذا تكون مسائل هذا النوع من العلم غير معلومة بالكلية للعوام، فضلًا عن أن تكون معلومة لهم بالضرورة.\nفجاهل هذا النوع من العلم وإن كان معلومًا من الدين بالضرورة عند الإطلاق، معذور حتى يعلمه؛ لأنه خاص بالعلماء، لذلك لم يكن موسعًا لمن كان عالمًا في جهله ومخالفته إذا كان مثله لا يجهله، وقد تقدم كلام الإمام ابن الوزير على هذه المسألة. وقال الإمام الخطابي ﵀: (أما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمدًا لا يرث، وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر، بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة) (٢).\n٣ - أن من نشأ في بادية بعيدة عن حاضرة العلم والعلماء، أو كان حديث عهد بالإسلام، فإنه يعذر بجهل المعلوم من الدين بالضرورة عند غيره ممن ليسوا حديثي عهد بالإسلام، ويعيشون بين أهل العلم والدعوة؛ لأن في عدم عذره بجهله هذا النوع من العلم تكليفًا له بما لا يطيق في هذه الحالة، وهذا فيه من المشقة ما فيه. وقد علم أن القاعدة في مثل هذه الأحوال أن المشقة تجلب التيسير، ومن التيسير عليه في هذه الحالة عذره بالجهل حتى يتعلم وتقام عليه الحجة القاطعة للعذر.\nوهذا الحكم قد نقل الاتفاق عليه بين العلماء، وهذه جملة من أقوالهم:\n_________\n(١) «المغني» (٢/ ٤٦ - ٤٨).\n(٢) «شرح مسلم» للنووي (١/ ١٧٣).","vol":"7","page":11},{"text":"قال الإمام الخطابي ﵀: (هل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة وامتنعوا عن أدائها، يكون حكمهم حكم أهل البغي؟ قلنا: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان، كان كافرًا بإجماع المسلمين. والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعة التي كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ، ومنها أن القوم كانوا جهالًا بأمور الدين وكان عهدهم بالإسلام قريبًا، فدخلتهم الشبهة فعذروا. فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها. وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشرًا، كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر، ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلًا حديث عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئًا منه جهلًا به، لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه) (١).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀ عند كلامه عمن جحد وجوب الصلاة: (لا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحدًا لوجوبها، إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك. فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام والناشئ بغير دار الإسلام، أو بداية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم، لم يحكم بكفره، وعرف ذلك وتثبت له أدلة وجوبها، فإن جحدها بعد ذلك كفر ... وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك، وتزول الشبهة ويستحله بعد ذلك) (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول) (٣).\nوقال أيضًا ﵀: (ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، أو لم يعلم أن الخمر محرم، لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا، بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية) (٤).\nوالخلاصة: أن الحكم في مسألة المعلوم من الدين بالضرورة ومدى العذر بجهله ليس مطردًا، بل مجاله التفصيل على النحو الذي مر معنا؛ نظرًا لاختلاف مناط الحكم بحسب الأحوال المعلقة بالمسائل العلمية، أو بالأشخاص ما بين علماء وعامة وحديث عهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، أو بالأمكنة والأزمنة من حيث ظهور العلم وانتشاره أو دروسه وقلة حملته على الوجه الصحيح – والله تعالى أعلم. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: ٤٩٦\n_________\n(١) «شرح مسلم» للنووي (١/ ١٧٣).\n(٢) «المغني» (٢/ ٤٦ - ٤٨).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٧).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٧).","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1913>المطلب الثالث: إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة</span>\nفالإنكار بمعنى الجحود، وعدم الاعتراف وانتفاء الإقرار، والمقصود بحكم معلوم من الدين بالضرورة: ما كان ظاهرًا متواترًا من أحكام الدين معلومًا عند الخاص والعام، مما أجمع عليه العلماء إجماعًا قطعيًا مثل وجوب أحد مباني الإسلام كالصلاة والزكاة ونحوهما، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة مثل: الربا والخمر وغيرهما (١).\nومن المعلوم أن الإيمان قائم على تصديق حكم الله تعالى، وحكم رسوله ﷺ، ومن أهم هذه الأحكام وآكدها: الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة ... ولذا يقول ابن تيمية: إن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق (٢).\nويقول - في موضع آخر -: الحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، وليس لأحد أن يخرج عن شيء مما شرعه الرسول ﷺ، وهو الشرع الذي يجب على ولاة الأمر إلزام الناس به، ويجب على المجاهدين الجهاد عليه، ويجب على كل واحد اتباعه ونصره (٣).\nوهكذا الحكم المعلوم من الدين بالضرورة، والذي يعتبر منكره كافرًا، له قيود يمكن معرفتها وتحديدها من خلال ما سنورده من كلام أهل العلم فيما يلي:\nفهذا الشافعي يبيّن أن من الأحكام ما هو معلوم عند العامة فضلًا عن الخاصة فلا يسعهم جهله فيقول: العلم علمان: علم عامةٍ لا يسع بالغًا غير مغلوبٍ على عقله جهله، مثل: الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا، مما كلّف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عما حرم عليهم منه.\nوهذا الصنف كله من العلم موجودًا (٤) نصًا في كتاب الله، وموجودًا عامًا عند أهل الإسلام، ينقله عوامهم عن من مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم.\nوهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر، ولا التأويل، لا يجوز فيه التنازع (٥).\nويقول - في موضع آخر -: أما ما كان نص كتاب بيّن، أو سنة مُجتمع عليها فالعذر مقطوع، ولا يسع الشك في واحدٍ منهما، ومن امتنع من قبوله استتيب (٦).\n_________\n(١) ما يجدر التنبيه عليه أن إنكار حكم معلوم من الدين له أمثلة كثيرة - منها ما قد سبق إيراده في الفصول الماضية - سواء كانت أمثلة علمية أو عملية ... منها: توحيد الله تعالى وتنزيهه عن النقص والولد والشريك في تدبير الكون أو العبادة، وإثبات البعث، وختم النبوة بمحمد ﷺ ... ونحو ذلك. انظر: «فتاوى محمد رشيد رضا» (٦/ ٢٥٣٩)، وتعليقه على «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٤/ ٥١٧)، و«إكفار الملحدين» لمحمد الكشميري (ص٢، ٣).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٩٧)، وانظر: «الاستقامة» (٢/ ١٨٦، ١٩٤).\n(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٥/ ٣٧٢).\n(٤) موجودًا: جاءت منصوبة على أنها مفعول لفعل محذوف، تقديره: تجده، أو تراه. انظر: تعليق أحمد شاكر في «الرسالة» (ص٣٥٨).\n(٥) «الرسالة» (ص٣٥٧ - ٣٥٩) بتصرف يسير.\n(٦) «الرسالة» (ص٤٦٠)، وانظر: (ص٤٧٨).","vol":"7","page":13},{"text":"ويقرر النووي أن هذه الأحكام ثابتة بالإجماع المعلوم عند العامة فيقول: فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشرًا كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم ...\nفأما ما كان الإجماع فيه معلومًا عن طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمدًا لا يرث، وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر، بل يعذّر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة (١).\nويقول - في كتاب آخر -: أطلق الإمام الرافعي القول بتكفير جاحد المجمع عليه، وليس هو على إطلاقه، بل من جحد مجمعًا عليه فيه نص، وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة، أو الزكاة، أو الحج، أو تحريم الخمر أو الزنا ونحو ذلك فهو كافر، ومن جحد مجمعًا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب وتحريم نكاح المعتدة، وكما إذا أجمع أهل عصر على حكم حادثة فليس بكافر ... (٢).\nويؤكد ابن دقيق العيد على ما قرره النووي، وأن الإجماع الذي يكفر منكره، إنما يكفر لتعلقه بمخالفة النص الظاهر المتواتر، فيقول: فالمسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلًا، وتارة لا يصحبها التواتر، فالقسم الأول يكفر جاحده لمخالفته التواتر، لا لمخالفته الإجماع، والقسم الثاني لا يكفر به (٣).\nكما أننا نجد القرافي قد جعل منكر الإجماع كافرًا، لكن بشرط أن يكون المجمع عليه مشتهرًا في الدين فقال: ولا يعتقد أن جاحد ما أُجمع عليه يكفر على الإطلاق، بل لابد أن يكون المجمع عليه مشتهرًا في الدين حتى صار ضروريًا، فكم من المسائل المجمع عليها إجماعًا لا يعلمه إلا خواص الفقهاء، فجحْدُ مثل هذه المسائل التي يخفى الإجماع فيها ليس كفرًا ... (٤).\nولابن تيمية كلام قريب مما سبق إيراده عندما قال: وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع: هل يكفر؟ على قولين. والتحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به، وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألةٍ لا نص فيها فهذا لا يقع، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره (٥).\nوهكذا نلحظ في عبارة ابن تيمية أنه ينفي ثبوت إجماع معلوم في مسألة لا نص فيها ... ولذا يقول في موضع آخر: فلا يوجد قَطّ مسألة مجمع عليها، إلا وفيها بيان من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به (٦).\nويقيد العراقي - موافقة لمن مضى ذكرهم - كفر منكر الإجماع بقوله: والصحيح في تكفير منكر الإجماع تقييده بإنكار ما علم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس، ومنهم من عبر بإنكار ما علم وجوبه بالتواتر (٧).\n_________\n(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ٢٠٥).\n(٢) «روضة الطالبين» (٢/ ١٤٦)، وانظر: (١٠/ ٦٥)، وانظر: «المجموع» (٣/ ١٦).\n(٣) «إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام» (٤/ ٨٤).\n(٤) «الفروق» (٤/ ١١٧)، وانظر: «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٧٩٧).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٦٩، ٢٧٠)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٨، ٣٩)، وانظر: «إيثار الحق» لابن الوزير (ص٤٢٧).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ١٩٥)، وانظر: (١٩/ ٢٠٠ - ٢٠٢)، وللشافعي في «الرسالة» كلام بهذا المعنى (ص٤٧١).\n(٧) «فتح الباري» (١٢/ ٢٠٢).","vol":"7","page":14},{"text":"ويوضح ابن الوزير المقصود بالإجماع الذي يعتبر مخالفه كافرًا فيقول: اعلم أن الإجماعات نوعان: أحدهما: صحته بالضرورة من الدين بحيث يكفر مخالفه، فهذا إجماع صحيح ولكنه مستغنى عنه بالعلم الضروري من الدين، وثانيها: ما نزل عن هذه المرتبة، ولا يكون إلا ظنًا، لأنه ليس بعد التواتر إلا الظن، وليس بينهما في النقل مرتبة قطعية بالإجماع (١).\n- وإذا اتضح مفهوم إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، فإننا نشير إلى أن هذا الإنكار له عدة صور وأمثلة، فربما كان إنكارًا صريحًا ظاهرًا كأن يقول - مثلًا - بإنكار وجوب الصلاة أو الزكاة ... أو يقول بحل الربا، أو الخمر ... أو يقول بتحريم ما كان حلالًا بالإجماع كالخبز والماء ونحوهما ...، وقد يكون الإنكار عن طريق تأويلٍ فاسدٍ غير سائغٍ تأباه اللغة العربية، كتأويل الباطنية القائلين: أن الفرائض: أسماء رجال أُمروا بولايتهم، والمحرمات: أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم، فقد أجمع العلماء على كفر أصحاب تلك المقالة (٢)، وكذلك ما يزعمه ملاحدة الصوفية أن من وصل إلى درجة اليقين فقد سقطت عنه التكاليف (٣).\nومما يلحق بهذا الإنكار - في الحكم بالكفر - أن يعترف شخص ما بهذا الحكم المعلوم من الدين بالضرورة ... لكنه يعلن عدم قبوله لهذا الحكم، ويأبى أن يذعن لله تعالى، ويرفض الانقياد لهذا الحكم عنادًا واستكبارًا، وقد فصّل ابن تيمية هذه المسألة تفصيلًا شافيًا فقال: إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه، فهذا ليس بكافرٍ، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه، أو أنه حرمه، لكن امتنع من قبول هذا التحريم، وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند، ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبرًا كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيًا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفّره الخوارج، فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدّقًا بأن الله ربه، فإن معاندته له ومحادّته تنافي هذا التصديق. وبيان هذا أن من فعل المحارم مُسْتَحلًا فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارةً بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهو يكون لخللٍ في الإيمان بالربوبية، ولخللٍ في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبنيٍ على مقدمةٍ، وتارةٍ يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرًا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء، إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس؛ وحقيقته كفر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك، ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقرّ بذلك، ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع ... (٤).\n_________\n(١) «إيثار الحق على الخلق» (ص١٦٨)، وانظر: «العواصم والقواصم» لابن الوزير (٤/ ١٧١، ١٧٤، ١٧٨).\n(٢) انظر: «الشفا» لعياض (٢/ ٧٣).\n(٣) انظر: «الشفا» لعياض (٢/ ٧٣)، و«مجموع الفتاوى ابن تيمية» (٥/ ٨٢)، و(١٠/ ٤٣٤، ٤٣٥)، و«العبودية» لابن تيمية (ص٦٥)، و«أضواء البيان» للشنقيطي (٣/ ٢٠٧).\n(٤) «الصارم المسلول» (ص٥٢١، ٥٢٢)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٩٦).","vol":"7","page":15},{"text":"وبهذا يعلم أن مما يعد كفرًا ويلحق بإنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، أن لا يقبل حكم الله تعالى، مع علمه بأنه حكم الله تعالى واعترافه به، فهو يأبى ويمتنع من قبول هذا الحكم، ولذا قال إسحاق بن راهويه: وقد أجمع العلماء أن من دفع شيئًا أنزله الله ... وهو مع ذلك مُقرّ بما أنزل الله أنه كافر (١). فمناط الكفر - هاهنا - هو الترك والرد والإباء، لا عدم التصديق، ولهذا قرن الله تعالى في كتابه كفر التولي بكفر التكذيب؛ لأنه غيره كما قال سبحانه: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة:٣١ - ٣٢]. وقال تعالى: لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:١٥ - ١٦].\n-والآن نورد بعض الاعتبارات التي جعلت إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة كفرًا وناقضًا من نواقض الإيمان:\nأ- إن هذا الإنكار افتراءً على الله سبحانه، ولا أحد أعظم ظلمًا، ولا أكبر جرمًا ممن افترى على الله تعالى كذبًا، كما قال سبحانه:- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:٢١].\nويقول ﷿: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ [يونس:١٧].\nوقال ﷿: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ [يونس:٥٩ - ٦٠].\nويقول سبحانه: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النحل:١١٥ - ١١٧]\nيقول ابن كثير في تفسير تلك الآيات الأخيرة: ثم نهى الله تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم؛ فقال: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه ... ثم توعّد على ذلك فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ أي: في الدنيا ولا في الآخرة (٢)، وأما في الدنيا فمتاع قليل وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم ... (٣).\n_________\n(١) «التمهيد» (٤/ ٢٢٦) بتصرف يسير. وانظر: «فتاوى محمد رشيد رضا» (٥/ ١٧٥٢).\n(٢) وكما قال الشنقيطي: الفلاح لا يُنفى بالكلية نفيًا عامًا إلا عمن لا خير فيه وهو الكافر. «أضواء البيان» (٤/ ٢٤٢).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٧٠).","vol":"7","page":16},{"text":"كما أن إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة اعتراض على شرع الله تعالى، ومشابهة للمشركين القائلين إنما البيع مثل الربا، ولذا يقول ابن تيمية: معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر كما قال الشهرستاني في أول كتابه المعروف بـ (الملل والنحل) ما معناه: أصل كل شر هو من معارضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع (١)، وهو كما قال ... (٢).\nإضافة إلى ذلك فهذا الإنكار طعن في ربوبية الله تعالى وأسمائه وصفاته، فتصديق أحكام الله تعالى والإقرار بها من مقتضيات إثبات الربوبية لله تعالى وحده، فحقيقة الرضا بالله تعالى ربًا يتضمن الإقرار بأمره تعالى الشرعي والكوني، كما قال سبحانه أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:٥٤].\nوهذا الإنكار مناقض لأصل الرضا بربوبية الله ﷿.\nكما أنه طعن في أسماء الله تعالى وصفاته، فهذا الإنكار يناقض إثبات كمال العلم لله تعالى، وينافي كمال حكمته ﷿، ولذا قال ابن تيمية: وتارةً يعلم أن الله حرّمها، ويعلم أن الرسول إنما حرّم ما حرمه الله ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم فهذا أشد كفرًا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أنّ من لم يلتزم التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته ... (٣).\nويقول ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:٢٧٥]: وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا، ويحتمل أن يكون من تمام الكلام ردًا عليهم، أي: على ما قالوه من الاعتراض مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكمًا، وهو العليم الحكيم الذي لا معقّب لحكمه، ولا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل (٤).\nب- أن الإيمان يتضمن الإقرار والتصديق، وهذا الإنكار تكذيب وجحود، فهو يناقض الإيمان ولا يجامعه، فإن إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة تكذيب لآيات كتاب الله ﷿، وقد أمر الله تعالى بتصديق آياته، والإقرار بها، كما حكم الله تعالى بالكفر على من جحد آياته وأنكرها، وتوعدهم بالعذاب المهين (٥)، وأنهم لا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة.\nفقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:٤٠].\nوقال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الحج:٥٧].\nوقال تعالى: وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ [العنكبوت: ٤٧].\nوقال ﵎: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت:٢٧ - ٢٨]\n_________\n(١) انظر: «الملل والنحل» (١/ ١٦).\n(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٢٠٤).\n(٣) «الصارم المسلول» (ص٥٢٢).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٠٩).\n(٥) قال ابن تيمية: ولم يجئ إعداد العذاب المهين إلا في حق الكافر. «الصارم المسلول» (ص٥٢). وانظر: «العواصم» لابن الوزير (٩/ ٢٩٩، ٣٠٤).","vol":"7","page":17},{"text":"جـ- إن هذا الإنكار تكذيب ظاهر للأحاديث الصريحة الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فهو طعنٌ في مقام الرسالة، وكما قال ابن تيمية: والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارةً بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة ... (١).\nوقد قرر العلماء أن من ردّ حديثًا صحيحًا، أو كذّبه فهو كافر.\nحتى قال إسحاق بن راهويه: من بلغه عن رسول الله ﷺ خبر يقرّ بصحته، ثم رده بغير تقية فهو كافر (٢).\nويقول ابن بطة: لو أن رجلًا آمن بجميع ما جاءت به الرسل إلا شيئًا واحدًا كان برد ذلك الشيء كافرًا عند جميع العلماء (٣).\nوقال ابن الوزير: إن التكذيب لحديث رسول الله ﷺ مع العلم أنه حديثه كفر صريح (٤).\nفإذا كان هؤلاء العلماء الأجلاء قد كفّروا من كذّب بحديثٍ واحدٍ، فكيف بحال مُنْكِر الأحاديث المتواترة؟\nويدل على ما سبق حديث البراء بن عازب ﵁ حيث قال: مر بي عمي (وفي رواية: خالي) الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له رسول الله ﷺ قال، فسألته، قال: بعثني رسول الله ﷺ أن أضرب عنق رجل تزوج امرأة أبيه (٥).\nفمن المعلوم قطعًا تحريم نكاح زوجات الآباء إجماعًا، ولذا أمر الرسول ﷺ بقتل من تزوج امرأة أبيه؛ لأنه مرتد عن الإسلام، قال تعالى: وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلًا [النساء:٢٢].\nيقول ابن كثير - عن هذا النكاح -: فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل ويصير ماله فيئًا لبيت المال (٦).\nويقول ابن جرير في شرح حديث البراء: وكان الذي عرّس بزوجة أبيه متخطيًا بفعله حرمتين، وجامعًا بين كبيرتين من معاصي الله، إحداهما: عقد نكاح على من حرم الله عقد النكاح عليه بنص تنزيله بقوله: وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء [النساء:٢٢]. والثانية: إتيانه فرجًا محرمًا عليه إتيانه، وأعظم من ذلك تقدمه على ذلك بمشهد من رسول الله ﷺ وإعلانه عقد النكاح على من حرم الله عليه عقده عليه بنص كتابه الذي لا شبهة في تحريمها عليه وهو حاضره، فكان فعله ذلك من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله ﷺ فيما آتاه به عن الله تعالى، وجحوده آية محكمة في تنزيله ... فكان بذلك من فعله حكم القتل وضرب العنق، فلذلك أمر رسول الله ﷺ بقتله وضرب عنقه؛ لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام (٧).\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص٥٢١).\n(٢) «الإحكام» لابن حزم (١/ ٨٩).\n(٣) «الإبانة» (ص٢١١).\n(٤) «العواصم والقواصم» (٢/ ٣٧٤).\n(٥) رواه أبو داود (٤٤٥٧)، والترمذي (١٣٦٢)، والنسائي (٦/ ١٠٩)، وابن ماجه (٢٦٠٧)، وأحمد (٤/ ٢٩٢) (١٨٦٠٢)، والحاكم (٢/ ٢٠٨). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث البراء حديث حسن غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٧٦٢) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٧/ ٢٨٥): أسانيده كثيرة منها ما رجاله رجال الصحيح. وقال أحمد شاكر في «المسند» (١/ ٤٧٩): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٦) «تفسير ابن كثير» (١/ ٤٤٤). وانظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ٩١ - ٩٢).\n(٧) «تهذيب الآثار» (٢/ ١٤٨). وانظر: «تحفة الأحوذي» للمباركفوري (٤/ ٥٩٨).","vol":"7","page":18},{"text":"وقال الشوكاني: والحديث فيه دليل على أنه يجوز للإمام أن يأمر بقتل من خالف قطعيًا من قطعيات الشريعة كهذه المسألة، فإن الله تعالى يقول: وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء [النساء:٢٢]، ولكنه لا بد من حمل الحديث على أنّ ذلك الرجل الذي أمر ﷺ بقتله عالم بالتحريم وفعله مستحلًا، وذلك من موجبات الكفر (١).\n- أجمع العلماء على تكفير من أنكر حكمًا معلومًا من الدين بالضرورة، وقد حكى هذا الإجماع عدد كثير من أهل العلم، نذكر منهم ما يلي:\nيقول ابن عبد البر: وقد أجمعوا على أن مُستحل خمر العنب المسكر كافر رادٌّ على الله ﷿ خبره في كتابه، مرتد يستتاب، فإن تاب ورجع عن قوله، وإلا استبيح دمه كسائر الكفار (٢).\nويقول أيضًا: قال إسحاق بن راهويه: قد أجمع العلماء أن من سبّ الله ﷿، أو سبّ رسوله ﷺ، أو دفع شيئًا أنزله الله، أو قتل نبيًا من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقرٌّ بما أنزل الله، أنه كافر (٣).\nويقول القاضي عياض: وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل، أو شرب الخمر، أو الزنا مما حرم الله، بعد علمه بتحريمه، كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة الصوفية.\nوكذلك نقطع بتكفير كل من كذّب، وأنكر قاعدة من قواعد الشرع، وما عُرف يقينًا بالنقل المتواتر من فعل الرسول، ووقع الإجماع المتَّصل عليه، كمن أنكر وجوب الخمس الصلوات ... وكذلك أجمع المسلمون على تكفير من قال من الخوارج: إن الصلاة طرفي النهار (٤).\nويقول ابن حزم: واتفقوا أن من آمن بالله تعالى، وبرسوله ﷺ، وبكل ما أتى به ﵇، مما نقل عنه نقل الكافة، وشك في التوحيد، أو في النبوة، أو في محمدٍ ﷺ، أو في حرفٍ مما أتى به ﵇، أو في الشريعة التي أتى بها ﵇، مما نقل عنه نقل الكافة، فإن من جحد شيئًا مما ذكرناه، أو شك في شيءٍ منه، ومات على ذلك، فإنه كافر مشرك مخلد في النار أبدًا (٥).\nويقول أيضًا: ولا خلاف بين اثنين من الأمة كلها أن من كفر بالصلاة، أو بالزكاة، أو بالحج، أو بالعمرة، أو بشيءٍ مما أجمع المسلمون عليه على أن الله تعالى بيّنه على لسان رسوله ﷺ، ونصّ عليه من أعمال الشريعة فإنه كافر، حابط العمل (٦).\nويورد أبو يعلى هذا الإجماع بقوله: ومن اعتقد تحليل ما حرم الله بالنص الصريح من الله، أو من رسوله، أو أجمع المسلمون على تحريمه فهو كافر، كمن أباح شرب الخمر، ومنع الصلاة والصيام والزكاة، وكذلك من اعتقد تحريم شيء حلله الله وأباحه بالنص الصريح، أو أباحه رسوله، أو المسلمون مع العلم بذلك فهو كافر كمن حرم النكاح والبيع والشراء على الوجه الذي أباحه الله ﷿، والوجه فيه أن في ذلك تكذيبًا لله تعالى، ولرسوله في خبره، وتكذيبًا للمسلمين في خبرهم، ومن فعل ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين (٧).\nويحكي ابن قدامة الإجماع في هذه المسألة فيقول: ومن اعتقد حلّ شيء أُجمع على تحريمه، وظهر حكمه بين المسلمين، وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة كلحم الخنزير، والزنا وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر ... وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك (يعني يكون كافرًا) (٨).\n_________\n(١) «نيل الأوطار» (٨/ ٣٢٢).\n(٢) «التمهيد» (١/ ١٤٢ - ١٤٣).\n(٣) «التمهيد» (٤/ ٢٢٦).\n(٤) «الشفا» (٢/ ١٠٧٣).\n(٥) «مراتب الإجماع» (ص١٧٧).\n(٦) «الدرة فيما يجب اعتقاده» (ص٣٣٧).\n(٧) «المعتمد في أصول الدين» (ص٢٧١ - ٢٧٢).\n(٨) «المغني» (٨/ ١٣١).","vol":"7","page":19},{"text":"ويورد ابن تيمية إجماع الصحابة والأئمة من بعدهم على هذه المسألة فيقول: اتفق الصحابة على أنّ من استحل الخمر قتلوه ... وهذا الذي اتفق عليه الصحابة، وهو متفق عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك، ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة: كالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة كالفواحش، والظلم، والخمر، والميسر، والزنا وغير ذلك، أو جحد حلّ بعض المباحات الظاهرة المتواترة كالخبز، واللحم، والنكاح، فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل (١).\nويقول أيضًا: والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدّل الشرع - المجمع عليه - كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء (٢).\nوذكر ابن الوزير: إجماع الأمة على تكفير من خالف الدين المعلوم بالضرورة والحكم بردته (٣).\nويقول: واعلم أن أصل الكفر هو التكذيب المتعمد لشيءٍ من كتب الله تعالى المعلومة، أو لأحدٍ من رسله ﵈، أو لشيءٍ مما جاؤا به، إذا كان ذلك الأمر المكذَّب به معلومًا بالضرورة من الدين، ولا خلاف أن هذا القدر كفر، ومن صدر عنه فهو كافر إذا كان مكلفًا مختارًا غير مختلّ العقل، ولا مكره، وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد ... (٤)\nويقول ملا علي قاري: لا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، فإنه يستتاب فإن تاب منها، وإلا قتل كافرًا مرتدًا (٥).\n- ونختم هذا المبحث بإيراد طرف من أقوال العلماء في هذه المسألة:\nيقول الإمام أحمد: ولا يخرج الرجل من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم أو بردّ فريضة من فرائض الله ﷿ جاحدًا بها (٦).\nويقول البربهاري: ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يردّ آيةً من كتاب الله ﷿، أو يردّ شيئًا من آثار الرسول ﷺ .. فإذا فعل شيئًا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام (٧).\n... ويقول ابن حزم: فمن أحلّ ما حرّم الله تعالى وهو عالمٌ بأن الله تعالى حرّمه فهو كافر بذلك الفعل نفسه، وكل من حرّم ما أحلّ الله تعالى فقد أحلّ ما حرّم الله ﷿؛ لأن الله تعالى حرّم على الناس أن يحرّموا ما أحل الله (٨).\nويقول ابن نجيم الحنفي: والأصل أن من اعتقد الحرام حلالًا، فإن كان حرامًا لغيره كمالِ الغيْرِ لا يكفر، وإن كان لعينه فإن كان دليله قطعيًا كفر، وإلا فلا، وقيل التفصيل في العالم، أما الجاهل فلا يُفرّق بين الحلال والحرام لعينه ولغيره، وإنما الفرق في حقه إنما كان قطعيًا كفر به، وإلا فلا، فيكفر إذا قال: الخمر ليس بحرام، وقيده بعضهم بما إذا كان يعلم حرمتها، لا بقوله: الخمر حرام، ولكن ليست هذه التي تزعمون أنها حرام، ويكفر من قال: إن حرمة الخمر لم تثبت بالقرآن، ومن زعم أن الصغائر والكبائر حلال، وباستحلاله الجماع للحائض (٩).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١١/ ٤٠٤ - ٤٠٥) باختصار.\n(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(٣) «إيثار الحق على الخلق» (ص١١٦)، وانظر: (ص١٢١، ١٣٨).\n(٤) «إيثار الحق على الخلق» (ص٤١٥).\n(٥) «شرح الفقه الأكبر» (ص٢٤٢).\n(٦) «طبقات الحنابلة» (١/ ٣٤٤).\n(٧) «شرح السنة» للبربهاري (ص٣١).\n(٨) «الفصل» (٣/ ٢٤٥).\n(٩) «البحر الرائق» (٥/ ١٣٢). وانظر: «شرح الفقه الأكبر» (ص٢٢٦)، و«المسامرة شرح المسايرة» (ص٣٠٧).","vol":"7","page":20},{"text":"وجاء في (الفتاوى البزازية): من اعتقد الحلال حرامًا، أو على العكس يكفر (١).\nوقد ساق محمد بن إسماعيل الرشيد الحنفي ألفاظًا كثيرة من كتب الأحناف تتضمن هذا الإنكار، فمن ذلك قوله: وفي الظهيرية: ومن قيل له: كُلْ من الحلال، فقال: الحرام أحبّ إليَّ كفر، أو قال: يجوز لي الحرام كفر.\nوفي الجواهر: من قال: ليت الخمر أو الزنا، أو الظلم، أو قتل الناس كان حلالًا كفر، ومن أنكر حرمة الحرام المجمع على حرمته، أو شك فيهما كالخمر والزنا واللواطة والربا، أو زعم أن الصغائر والكبائر حلال كفر.\nوفي اليتيمية: من قال بعد استيقانه بحرمة شيء أو بحرمة أمر: هذا حلال كفر، ومن أجاز بيع الخمر كفر (٢).\nوذكر الدردير أنه يكفر إذا أنكر مجمعًا عليه كوجوب الصلاة أو تحريم الزنا، أو حلّ مجمع على عدم إباحته، مما علم من الدين ضرورة بكتاب الله تعالى، أو سنة متواترة، فلا يكفر بإنكار إعطاء السدس لبنت الابن مع البنت وإن كان مجمعًا عليه لعدم علمه بالضرورة، ولا بإنكار خلافة علي ﵁ ونحوه، أو وجود بغداد؛ لأنه ليس من الدين، ولا يتضمن تكذيب قرآن (٣).\nوقيد النووي الكلام السابق - كما مضى ذكره مفصلًا (٤) - فذكر أن من جحد مجمعًا عليه معلوم من دين الإسلام ضرورة فهو يكفر إن كان فيه نص.\nوذكر الشربيني أن من حلل محرمًا بالإجماع كفر، كمن استحل الزنا واللواط والظلم وشرب الخمر، ومن هذا لو اعتقد حقّيّة المكس، مع حرمة تسميته حقًا. ويكفر - كما قرر الشربيني - فيما لو حرم حلالًا بالإجماع كالبيع والنكاح، أو نفى وجوب مجمع عليه كوجوب ركعة من الصلوات الخمس، كما يكفر إذا اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كزيادة ركعة من الصلاة المفروضة، أو وجوب صوم يوم من شوال (٥).\nثم قال الشربيني: لو قال أو نفى مشروعية مُجْمَعٍ عليه، لشمل إنكار المجمع على ندبه، فقد صرح البغوي في تعليقه: بتكفير من أنكر مجمعًا على مشروعيته من السنن كالرواتب وصلاة العيدين، وهو لأجل تكذيب التواتر ... (٦).\nوقال عميرة: ويكفر إذا حلل محرمًا بالإجماع لحديث معاوية بن قرة عن أبيه: «أنه ﷺ بعث أباه إلى رجل عرس بامرأة أبيه فضرب عنقه، وأصفي ماله» (٧)، وحمل هذا على أنه استحلّ ذلك، ويكفر إذا نفى وجوب مجمع عليه لقوله ﷺ: «والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٨)، (٩).\nوقال قليوبي: ويكفر إذا حلل محرمًا بإجماع الأئمة الأربعة - وكذا العكس -، ولابد من كونه معلومًا بالضرورة فخرج إنكار أنّ لبنت الابن السدس مع بنت الصلب، فلا يكفر به ولو من عالم به خلافًا لبعضهم ... (١٠).\n_________\n(١) «الفتاوى البزازية» (٣/ ٣٢١).\n(٢) «تهذيب رسالة البدر الرشيد» (ص٤٥، ٤٦) باختصار.\n(٣) «الشرح الصغير» (٦/ ١٤٨ - ١٤٩). وانظر: «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٤/ ٣٠٣)، و«بلغة السالك» للصاوي (٢/ ٤١٨)، و«الخرشي على مختصر خليل» (٧/ ٦٥).\n(٤) «روضة الطالبين» (١٠/ ٦٤) بتصرف يسير.\n(٥) انظر: «روضة الطالبين» (١٠/ ٦٥).\n(٦) «مغني المحتاج» (٤/ ١٣٦). وانظر: «نهاية المحتاج» للرملي (٧/ ٤١٥، ٤١٦).\n(٧) رواه ابن ماجه (٢٦٠٨)، والبيهقي (٦/ ٢٩٥)، والطبراني (١٩/ ٢٤). قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٣/ ١١٦): هذا إسنادٌ صحيح رجاله ثقات. وقال ابن حجر في «الإصابة» (١/ ٥٧): إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٨) رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦)، واللفظ له. من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٩) «حاشيتا قليوبي وعميرة» (٤/ ١٧٥) بتصرف.\n(١٠) «حاشيتا قليوبي وعميرة» (٤/ ١٧٥) بتصرف يسير.","vol":"7","page":21},{"text":"ويقول ابن رجب: قد يترك الرجل دينه، ويفارق الجماعة، وهو مقرّ بالشهادتين، ويدعي الإسلام، كما إذا جحد شيئًا من أركان الإسلام ... (١).\nوقرر مرعي بن يوسف الكرمي كفر من جحد وجوب عبادة من الخمس، ومنها الطهارة، أو حكمًا ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا، بلا تأويل كتحريم زنى أو لحم - لا شحم - خنزير أو حشيشة أو حِلَّ خبزٍ ونحوه، أو شك فيه، ومثله لا يجهله، أو يجهله، وعرف وأصر (٢).\nوقال البهوتي: من استحلّ الحشيشة المسكرة كفر بلا نزاع، وإن جحد وجوب العبادات الخمس المذكورة في حديث: «بني الإسلام على خمس ...» (٣)، أو جحد شيئًا منها، ومنها الطهارة من الحدثين كفر، أو جحد حِلَّ الخبز واللحم والماء، أو أحل الزنا ونحوه كشهادة الزور واللواط، أو أحل ترك الصلاة، أو جحد شيئًا من المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها كلحم الخنزير والخمر وأشباه ذلك، أو شك فيه ومثله لا يجهله، كفر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله وسائر الأمة (٤).\nويعلل البهوتي - في كتاب آخر - السبب في كفر منكر حكم معلوم من الدين بالضرورة، فيقول: لمعاندته للإسلام، وامتناعه من قبول الأحكام، غير قابل لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع الأمة (٥)\nوقال إبراهيم اللقاني في (جوهرة التوحيد) (٦):\nومن لمعلوم ضرورة جحد ... من ديننا يقتل كفرًا ليس حد\nومثل هذا من نفى لمجمع ... أو استباح كالزنا فلتسمع\nوقال البيجوري شارحًا لهذين البيتين: من جحد أمرًا معلومًا من أدلة ديننا يشبه الضرورة، بحيث يعرفه خواص المسلمين وعوامهم، كوجوب الصلاة والصوم وحرمة الزنا والخمر ونحوها، يقتل لأجل كفره؛ لأن جحده لذلك مستلزم لتكذيب النبي ﷺ، أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، من نفى حكمًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا، وهو ما اتفق المعتبرون على كونه إجماعًا، بخلاف الإجماع السكوتي، فإنه ظني لا قطعي، وظاهر كلام الناظم أن من نفى مجمعًا عليه يكفر، وإن لم يكن معلومًا من الدين بالضرورة، كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وهو ضعيف وإن جزم به الناظم، والراجح أنه لا يكفر من نفى المجمع عليه إلا إذا كان معلومًا من الدين بالضرورة (٧).\nوقال الشوكاني: قد تقرر في القواعد الإسلامية: أن منكر (الإجماع) القطعي وجاحده، والعامل على خلافه تمردًا، أو عنادًا، أو استحلالًا، أو استخفافًا كافر بالله، وبالشريعة المطهرة التي اختارها الله لعباده (٨).\nوقال السعدي: ومن جحد وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة، أو الصيام، أو الحج، فهو مكذّب لله ورسوله، ولكتاب الله وسنة نبيه وإجماع المسلمين، وهو خارج من الدين بإجماع المسلمين، ومن أنكر حكمًا من أحكام الكتاب والسنة ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا كمن ينكر حِلّ الخبز والإبل والبقر والغنم ونحوها مما هو ظاهر، أو ينكر تحريم الزنا أو القذف أو شرب الخمر، فضلًا عن الأمور الكفرية والخصال الشركية، فهو كافر مكذّب لكتاب الله وسنة نبيه متّبع غير سبيل المؤمنين (٩).\n_________\n(١) «جامع العلوم والحكم» (١/ ٣١٨).\n(٢) «غاية المنتهى» (٣/ ٣٣٥).\n(٣) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٤) «كشاف القناع» (٦/ ١٣٩ - ١٤٠) باختصار. وانظر: «المقنع» لابن قدامة (٣/ ٥١٦).\n(٥) «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٨٦، ٣٨٧).\n(٦) انظر: «شرح جوهرة التوحيد» (ص١٩٩).\n(٧) «شرح جوهرة التوحيد» (ص ١٩٩).\n(٨) «الدواء العاجل في دفع العدو الصائل» (ضمن الرسائل السلفية) (ص٣٤).\n(٩) «الإرشاد إلى معرفة الأحكام» (ص٢٠٦ - ٢٠٧).","vol":"7","page":22},{"text":"ويقول محمد بن إبراهيم آل الشيخ: إن من الأصول المتقررة المتفق عليها بين أهل العلم أن من جحد أصلًا من أصول الدين، أو فرعًا مجمعًا عليه، أو أنكر حرفًا مما جاء به الرسول ﷺ قطعيًا، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة (١).\nويقول محمد سلطان المعصومي: إن تحريم الحلال وتحليل الحرام القطعي كفر، وكذا الحكم في الحل والحرمة والمنع والجواز جزافًا بلا دليل، فمن حرم ما حلله الشرع أو عكسه فقد كفر، لقول الله تعالى في سورة النحل:- وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل:١١٦]\nوأخرج الطبراني في (الكبير) والسيوطي في (الصغير) عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: «أطيعوني ما كنت بين أظهركم، وعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله، وحرموا حرامه» (٢) (٣). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبداللطيف -بتصرف - ص٢٤٢\n_________\n(١) «تحكيم القوانين» (ص١٤). وانظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (١/ ٥٠)، (٢/ ١٧).\n(٢) رواه الطبراني (١٨/ ٣٨)، والسيوطي (١٠٣٤). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٧٠): رواه الطبراني في «الكبير»، ورجاله موثقون. وقال الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (١٠٣٤): صحيح. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (١٤٧٢).\n(٣) «حبل الشرع المتين» (ص١٠٨) باختصار.","vol":"7","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1916>أولًا: تعريف النفاق</span>\nأ- معنى النفاق لغةً واصطلاحًا:\nاختلف علماء اللغة في أصل النفاق، فقيل: إن ذلك نسبةً إلى النفق وهو السرب في الأرض، لأن المنافق يستر كفره ويغيبه، فتشبه بالذي يدخل النفق يستتر فيه.\nوقيل: سمي به من نافقاء اليربوع، فإن اليربوع له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء، فإذا طلب من القاصعاء قصع فخرج من النافقاء، كذا المنافق يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي يدخل فيه، وقيل: نسبة إلى نافقاء اليربوع أيضًا، لكن من وجه آخر وهو إظهاره غير ما يضمر، وذلك: أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض ترك قشرة رقيقة حتى لا يعرف مكان هذا المخرج، فإذا رابه ريب دفع ذلك برأسه، فخرج، فظاهر جحره تراب كالأرض، وباطنه حفر، فكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر (١).\nولعل النسبة إلى نافقاء اليربوع أرجح من النسبة إلى النفق (لأن النفق ليس فيه إظهار شيء، وإبطال شيء آخر، كما هو الحال في النفاق، وكونه مأخوذًا من النافقاء باعتبار أن المنافق يظهر خلاف ما يبطن، أقرب من كونه مأخوذًا منه باعتبار أنه يخرج من غير الوجه الذي دخل فيه، لأن الذي يتحقق فيه الشك الكامل بين النافقاء والنفاق هو إظهار شيء وإخفاء شيء آخر، إضافة إلى أن المنافق لم يدخل في الإسلام دخولًا حقيقيًا حتى يخرج منه) (٢).\n_________\n(١) انظر معاجم اللغة؛ مادة (نفق): «لسان العرب» (١٠/ ٣٥٨)، و«تاج العروس» (١٣/ ٤٦٣)، و«معجم مقاييس اللغة» (٥/ ٤٥٤)، و«مفردات القرآن» (ص٨١٩). وانظر معنى النفاق في: «شرح السنة النبوية» للبغوي (١/ ٧١، ٧٢)، و«تفسير القرطبي» (١/ ١٩٥)، و«حاشية مختصر سنن أبي داود» (٧/ ٥٢ - ٥٣)، و«المنافقون في القرآن الكريم» د. عبدالعزيز الحميدي (١٣).\n(٢) «المنافقون في القرآن» (ص١٣).","vol":"7","page":24},{"text":"أما النفاق في الاصطلاح الشرعي فهو: القول باللسان أو الفعل بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد (١)، أو هو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وإن كان أصله في اللغة معروفًا (٢) كما سبق. والمنافق لابد وأن تختلف سريرته وعلانيته وظاهره وباطنه، ولهذا يصفهم الله في كتابه بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق، قال تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:١٠]، وقال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:١]، وأمثال هذا كثير (٣)، إذا أخص وأهم ما يميز المنافقين الاختلاف بين الظاهر والباطن، وبين الدعوى والحقيقة كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:٨]، قال الإمام الطبري ﵀: أجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق، وأن هذه الصفة صفتهم (٤)، وقد يطلق بعض الفقهاء لفظ الزنديق على المنافق، قال شيخ الإسلام - ﵀-: ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ (الزنديق) وشاعت في لسان الفقهاء وتكلم الناس في الزنديق: هل تقبل توبته؟ ... والمقصود هنا: أن (الزنديق) في عرف هؤلاء الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي ﷺ، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن دينًا من الأديان: كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلًا جاحدًا للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة ...) (٥)، وقال الإمام ابن القيم - ﵀ - في بيان مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم: الطبقة الخامسة عشر: طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، وهؤلاء المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار (٦). نواقض الإيمان الاعتقادية لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي - ص٣٠٨\nوقال الله - ﵎ - عن المنافقين في كتابه العزيز:\nوَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:٨].\nوقال تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٧ - ٢٠]\nوقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:٣].\n_________\n(١) انظر: «عارضة الأحوذي» (١٠/ ٩٧).\n(٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٥/ ٩٨)، و«لسان العرب» (١٠/ ٣٥٩)، و«الإيمان» لابن تيمية (ص٢٨٤).\n(٣) «الإيمان الأوسط» (ص: ١٦٢). وانظر: «صفة النفاق» للإمام الفريابي (ص٢٩).\n(٤) «تفسير الطبري» (١/ ٢٦٨).\n(٥) «الإيمان الأوسط» (ص١٣).\n(٦) «طريق الهجرتين» (ص٣٧٤).","vol":"7","page":25},{"text":"وقال تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [النور:٦٤ - ٦٦]\nوقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [التوبة:٧٣ - ٧٤]\nولهذا جعل الله ﵎ المنافقين شرًا من الكافرين.\nقال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:١٤٥].\nولهذا جعل الله ﵎ المنافقين شرًا من الكافرين.\nقال تعالى: إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:١٤٠]. الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن عبد الحميد الأثري - بتصرف - ص٢٥٣","vol":"7","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1917>ثانيًا: أنواع النفاق</span>\nالنفاق كالكفر والشرك والفسق، درجات ومراتب؛ منها ما هو مخرج من الإسلام، ومنها غير مخرج منه:\nأولًا: النفاق الأكبر؛ المخرج من الملة، والموجب للخلود في الدرك الأسفل من النار:\nهو إبطان الكفر في القلب، وإظهار الإيمان على اللسان والجوارح، ويترتب على هذا النوع ما يترتب على الكفر الأكبر؛ من حيث انتفاء الإيمان عن صاحبه، وخلوده في جهنم؛ لكن المنافق أشد عذابًا من الكافر؛ لأنه في الدرك الأسفل من النار إذا مات عليه.\nوالمنافق: إذا لم يظهر ما في باطنه من مخالفة الدين، وأظهر الأعمال الظاهرة من الإسلام؛ فهو في الظاهر مسلم، وتجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة في الدنيا، ويعامل معاملة المسلمين؛ لأننا لم نؤمر بالشق عن ما في القلوب، وهذا في الأصل خارج عن نطاق وقدرة ابن آدم.\nلأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان الباطن الذي يكون صاحبه من المؤمنين حقًا.\nوالنفاق: إذا أطلق ذكره في القرآن؛ فإن المراد به النفاق الأكبر المنافي للإيمان؛ بخلاف الكفر فإنه يأتي - أحيانًا - بمعنى الكفر الأصغر، وكذلك الظلم والفسق والشرك، أما في السنة فقد ورد النفاق الأصغر.\nوالمنافقون شر وأسوأ أنواع الكفار؛ لأنهم زادوا على كفرهم الكذب والمراوغة والخداع للمؤمنين، ولذلك أخبرنا الله تعالى عن صفاتهم في القرآن بالتفصيل، ووصفهم بصفات الشر كلها؛ لكي لا يقع المؤمنون في حبائلهم وخداعهم، ومن صفاتهم:\nالكفر وعدم الإيمان.\nالتولي والإعراض عن حكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ.\nالاستهزاء بالدين وأهله والسخرية منهم.\nالميل بالكلية إلى أعداء الدين، ومظاهرتهم ومناصرتهم على المؤمنين والمسلمين.\nومن أنواع النفاق الكثيرة: من أظهر الإسلام وهو مكذّب بما جاء به الله، أو بعض ما جاء به الله، أو كذّب الرسول ﷺ، أو بعض ما جاء به الرسول، وكمثل من لم يعتقد وجوب طاعته ﷺ، أو أبغض الرسول ﷺ، أو آذى الرسول ﷺ، أو كره الانتصار لدين الرسول ﷺ أو سُرّ بكسر راية الدين، أو الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين؛ لأجل إيمانهم وطاعتهم لله تعالى ولرسوله ﷺ، أو التولي والإعراض عن الشرع ... إلى غير ذلك من الاعتقادات الكفرية المخرجة من الملة.\nوهذا الصنف من المنافقين موجودون في كل زمان ومكان.\nثانيًا: النفاق الأصغر؛ غير المخرج من الملة:\nهو النفاق العملي، واختلاف السر والعلانية في الواجبات، وذلك بعمل شيء من أعمال المنافقين؛ مع بقاء أصل الإيمان في القلب وصاحبه لا يخرج من الملة، ولا يُنفى عنه مطلق الإيمان، ولا مسمى الإسلام، وهو معرّض للعذاب كسائر المعاصي، دون الخلود في النار، وصاحبه ممن تناله شفاعة الشافعين بإذن الله.\nوهذا النوع من النفاق مقدمة وطريق للنفاق الأكبر؛ لمن سلكه وكان ديدنه.\nوأمثلة ذلك: الكذب في الحديث، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في الخصومة، والغدر بالعهود، وكالرياء الذي لا يكون في أصل العمل، وإظهار المودة للغير والقيام له بالخدمة مع إضمار عكسه في النفس.\nقال النبي ﵌: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨). من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.","vol":"7","page":27},{"text":"وقال النبي ﵌: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) (١).\nوقال النبي ﵌: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (٢).\nوقال النبي ﵌: «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه؛ مات على شعبة من نفاق» (٣). الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن عبد الحميد الأثري - ص١٥٢\nوتختلف عبارات الأئمة في إيضاح هذين النوعين:\nفبعض الأئمة كالإمام الترمذي، والإمام ابن العربي المالكي، والحافظ ابن كثير، وابن حجر يقسمون النفاق إلى نفاق اعتقادي، وهو المخرج من الملة وإلى نفاق عملي، قال الإمام الترمذي ﵀ في تعليقه على حديث: (أربع من كن فيه كان منافقًا ...) (٤) (وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما نفاق التكذيب على عهد رسول الله ﷺ هكذا روي عن الحسن البصري شيئًا من هذا أنه قال: النفاق نفاقان، نفاق عمل ونفاق التكذيب (٥).\nوقال الإمام ابن العربي: النفاق هو إظهار القول باللسان أو الفعل بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد. (أصوله) وهي قسمان:\nأحدهما: أن يكون الخبر أو الفعل في توحيد الله وتصديقه أو يكون في الأعمال، فإن كان في التوحيد كان صريحًا، وإن كان في الأعمال كانت معصية، وكان نفاقًا دون نفاق كما تقدم القول في كفر دون كفر ... (٦).\nوقال الحافظ ابن كثير ﵀: النفاق هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي، وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي وهو من أكبر الذنوب ... (٧)\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: والنفاق لغةً: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في الترك اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك، وتتفاوت مراتبه (٨).\nوبعض الأئمة كالإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم والحافظ ابن رجب يعبرون عن ذلك بتقسيم النفاق إلى الأكبر المخرج من الملة وإلى نفاق أصغر غير مخرج من الملة، يقول شيخ الإسلام ﵀: فمن النفاق ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبدالله بن أُبي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول ... فهذا ضرب النفاق الأصغر: فهو النفاق في الأعمال ونحوها ... (٩)، ويقول أيضًا: والنفاق كالكفر نفاق دون نفاق، ولهذا كثيرًا ما يقال: كفر ينقل عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر، كما يقال: الشرك شركان أصغر، وأكبر ... (١٠).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀ في بيان أقسام النفاق: وهو نوعان: أكبر، وأصغر؛ فالأكبر: يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذّب به ... (١١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤). من حديث أنس ﵁.\n(٣) رواه مسلم (١٩١٠). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨)، والترمذي (٢٦٣٢). من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٥) «عارضة الأحوذي» (١٠/ ١٠٠)، والمقصود بنفاق التكذيب أن يظهر الإيمان بلسانه أو فعله وهو مكذّب بقلبه كالمنافقين على عهد رسول الله ﷺ.\n(٦) «عارضة الأحوذي» (١٠/ ١٠٠).\n(٧) «تفسير ابن كثير» (١/ ٤٧).\n(٨) «فتح الباري» (١/ ٨٩).\n(٩) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٤٣٤ - ٤٣٥)\n(١٠) «الإيمان الأوسط» (ص: ٦٦).\n(١١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٧٦)، وانظر في هذا التقسيم: «الرياض النضرة» للشيخ عبدالرحمن بن سعدي، ﵀ (ص٢٤٠)، و«جامع العلوم والحكم» (ص٤٠٣).","vol":"7","page":28},{"text":"وبين القولين تقارب فمن حصر النفاق المخرج من الملة بالنفاق الاعتقادي، فلعله قصد بذلك نفاق التكذيب، وهو أن يظهر الإيمان وهو مكذب بقلبه، أما إن كان المرء في الأصل مؤمنًا بالله غير مكذب وطرأ النفاق على بعض الأعمال المتعلقة بفروع الإيمان، فهذا نفاق العمل، وهناك احتمال آخر وهو أن يقصد بحصر ذلك بالنفاق الاعتقادي اقتران المكفرات العملية الصادرة من المنافقين بالجانب الاعتقادي.\nفي الغالب، والأقرب للصواب والله أعلم تقسيم النفاق إلى أكبر وأصغر لسببين:\nالأول: لأن النفاق الأكبر لا يختص بالجانب الاعتقادي فقط، ولذلك حين ذكر القرآن صفات المنافقين ذكر منها تنقيصهم للرسول ﷺ، وسخريتهم بالمؤمنين، ومناصرتهم للكفار ونحو ذلك. وهذه الأمور وإن اقترنت غالبًا بفساد اعتقادي إلا أن ذلك ليس بلازم.\nالثاني: ليس كل نفاق اعتقادي يخرج من الملة، فقد يكون ذلك من جنس يسير الرياء ونحوه، وإليك إيضاحًا لنوعي النفاق:\nجـ - النفاق الأصغر:\nوالأصل في ذلك ما ثبت في (الصحيحين) من حديث عبدالله بن عمرو وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة ﵄، في ذكر آية المنافق، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (١).\nوعن عبدالله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (٢).\nقال الإمام النووي ﵀ في شرح هذا الحديث: هذا الحديث مما عدّه جماعة من العلماء مشكلًا من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقًا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار فإن إخوة يوسف ﷺ جمعوا هذه الخصال وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار: أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم يرد النبي ﷺ، وقوله بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار، قال ﷺ: «كان منافقًا خالصًا» معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال، قال بعض العلماء هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من يندر ذلك منه فليس داخلًا فيه، فهذا هو المختار في معني الحديث ... (٣).\nوقال الإمام الخطابي ﵀: هذا القول إنما خرج على سبيل الإنذار للمرء المسلم، والتحذير له أن يعتاد هذه الخصال، فتفضي به إلى النفاق، لا أنّ من بدرت منه هذه الخصال، أو فعل شيئًا من ذلك من غير اعتياد أنه منافق (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨). من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٤٦ - ٤٧).\n(٤) «شرح السنة» (١/ ٧٦)، و«جامع العلوم والحكم» (ص٤٠٧).","vol":"7","page":29},{"text":"وقال - أي: الخطابي -: ويدل عليه التعبير بإذا، فإنها تدل على تكرار الفعل (١)، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: والأولى ما قاله الكرماني: إنّ حذف المفعول من (حدّث) يدل على العموم، أي: إذا حدّث في كل شيء كذب فيه، أو يصير قاصرًا، أي: إذا وجد ماهية الحديث كذب، وقيل: محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا (٢)، وقال الحافظ ابن رجب ﵀ بعدما شرح هذه الخصال: وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن ... (٣).\nومن هذا الباب الإعراض عن الجهاد فإنه من خصال المنافقين (٤)، قال النبي ﷺ: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق» (٥)، ومن ذلك ما رواه البخاري في (باب ما يكره من ثناء السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك): قال أناس لعبدالله بن عمر: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنا نعدها نفاقًا (٦).\n_________\n(١) «فتح الباري» (١/ ٩٠).\n(٢) «فتح الباري» (١/ ٩١). وانظر أقوالًا أخرى حول الحديث في نفس الموضوع في «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٤٦ - ٤٧)، و«حاشية مختصر المنذري» (٧/ ٥٣)، و«شرح السنة» (١/ ٧٦)، و«جامع العلوم والحكم» (ص٤٠٦»، و«عارضة الأحوذي» (١٠/ ٩٨، ٩٩).\n(٣) «جامع العلوم والحكم» (ص٤٠٦).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٤٣٦)، و«شرح صحيح مسلم» للنووي (١٣/ ٥٦).\n(٥) رواه مسلم (١٩١٠). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) رواه البخاري (٧١٧٨).","vol":"7","page":30},{"text":"وهذا هو النفاق الذي خافه الصحابة على أنفسهم، يقول ابن رجب (١): ولما تقرر عند الصحابة ﵃ أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر، برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقًا، كما في (صحيح مسلم) عن حنظلة الأسدي: أنه مر بأبي بكر وهو يبكي، فقال: ما لك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر، نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا رجعنا، عافسنا الأزواج والضيعة فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فالله إنا لكذلك، فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ، فقال: «مالك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله ﷺ: لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي، لصافحتكم الملائكة على مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» (٢)، ومما ورد في هذا المعنى أي: خوف الصحابة من النفاق ما قاله ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل (٣)، يقول الحافظ ابن حجر في تعليقه على هذا الأثر: والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة من أجلّهم عائشة وأختها أسماء وأم سلمة والعبادلة الأربعة وأبو هريرة وعقبة بن الحارث والمسور بن مخرمة، فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجلّ من هؤلاء كعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك فكأنه إجماع، وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشعر به مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى ﵃ (٤).\nوخلاصة القول في النفاق الأصغر: أنه نوع من الاختلاف بين السريرة والعلانية مما هو دون الكفر، وذلك كالرياء الذي لا يكون في أصل العمل، وكإظهار مودة الغير والقيام بخدمته مع إضمار بعضه والإساءة إليه وكالخصال الواردة في حديث شعب النفاق ونحو ذلك، فعلى المسلم الحذر من الوقوع في شيء من ذلك.\nد- النفاق الأكبر:\n_________\n(١) «جامع العلوم والحكم» (ص٤٠٨).\n(٢) رواه مسلم (٢٧٥٠).\n(٣) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث رقم (٤٨)، ورواه موصولًا الخلال في «السنة» (٣/ ٦٠٧ - ٦٠٨)، ومحمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٦٣٤). وانظر «تغليق التعليق» (٢/ ٥٢ - ٥٣).\n(٤) «فتح الباري» (١/ ١١١)، وانظر: «الإيمان» لابن تيمية (ص٤٠٩)، و«جامع العلوم والحكم» (ص٤٠٧).","vol":"7","page":31},{"text":"سبقت الإشارة إلى تعريفه عند الكلام عن أنواع النفاق، ويمكن اختصار تعريفه، بتعريف ذكره الحافظ ابن رجب حيث قال ﵀: النفاق الأكبر وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار (١)، ومن الآيات في تكفيرهم، ومصيرهم في الآخرة، قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:٨]، وقوله ﷿: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:١٣٨]، وقوله سبحانه: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:١٤٥]، وقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا [التوبة:٦٨]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا [التوبة:٧٣ - ٧٤]، وقوله عن طائفة من المنافقين من أسوأ أنواع الكفار، ومصيرهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، لأنهم زادوا على كفرهم، الكذب والمراوغة والخداع للمؤمنين، ولذلك فصّل القرآن الحديث حولهم وحول صفاتهم لكي لا يقع المؤمنون في حبائلهم وخداعهم.\nصور النفاق الأكبر:\nذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعض هذه الصور فقال: فمن النفاق ما هو أكبر، ويكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبدالله بن أُبي وغيره، بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرّة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك: مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا لله ورسوله، وهذا القدر كان موجودًا في زمن رسول الله ﷺ، ومازال بعده، بل هو أكثر منه على عهده ... (٢).\nوقال في موضع آخر: (فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، فإنه لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ فيما أخبر به، ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر- علمًا وعملًا- وأنه يجوز تصديقه وطاعته لكنه يقول: إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدًا، ويرى أنه تحصيل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته، إما بطريق الفلسفة والصبو، أو بطريق التهود والتنصر ...) (٣).\nونقل هذه الأنواع الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀ فقال: ... فأما النفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع، تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بغض الرسول أبو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار (٤) فيتحصل مما ذكره هذان الإمامان - بعد دمج الأنواع المتشابهة أو المتقاربة - خمس صفات أو أنواع وهي:\n١ - تكذيب الرسول ﷺ، أو تكذيب بعض ما جاء به.\n٢ - بغض الرسول ﷺ، أو بغض ما جاء به.\n٣ - المسرّة بانخفاض دين الرسول ﷺ، أو الكراهية بانتصار دين الرسول ﷺ.\n٤ - عدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر.\n٥ - عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر.\nوبالنظر إلى الآيات التي ذكرت أحوال المنافقين، وكلام المفسرين حولها، يمكن أن يضاف إلى هذه الصفات صفات أخرى وهي:\n٦ - أذى الرسول ﷺ أو عيبه ولمزه.\n٧ - مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين.\n٨ - الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله.\n٩ - التولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله ﷺ.\nفالوقوع في أي صفة من هذه الصفات يخرج من الملة، وهذه الصفات أكثرها متعلق بحق الرسول ﷺ، يقول شيخ الإسلام ﵀: ... فالنفاق يقع كثيرًا في حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته ... (٥). نواقض الإيمان الاعتقادية لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي – ص: ٢٥٣\n_________\n(١) «جامع العلوم والحكم» (ص٤٠٣).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٤٣٤).\n(٣) «الإيمان الأوسط» (ص١٨٠).\n(٤) «مجموعة التوحيد» (ص٧).\n(٥) «الإيمان الأوسط» (ص١٨١)، وانظر: «الإيمان» (ص٢٨٥).","vol":"7","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1918>المطلب الثاني: مظاهرة المشركين على المسلمين</span>\nوالمقصود بمظاهرة المشركين على المسلمين أن يكون أولئك أنصارًا وظهورًا وأعوانًا للكفار ضد المسلمين، فينضمون إليهم، ويذبّون عنهم بالمال والسنان والبيان، فهذا كفر يناقض الإيمان (١).\nوهذا ما يسميه بعض العلماء بـ (التولي) ويجعلونه أخص من عموم الموالاة، كما هو عند بعض أئمة الدعوة السلفية في نجد (٢) مع أن جمهورًا من المفسرين يفسرون التولي بالموالاة، فعلى سبيل المثال نذكر ما يلي:\nيقول ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة: ٢٣]: أي: والاهم واتبعهم في أغراضهم (٣).\nويقول ابن كثير عند تفسيره لقوله ﷿: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .. [الممتحنة:١٣]: ينهى ﵎ عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة، كما نهى عنها في أولها فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا .. فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء؟ (٤).\nويقول البيضاوي عند تفسيره لقوله سبحانه: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:٥١]: أي: من والاهم منكم، فإنه في جملتهم، وهذا للتشديد في وجوب مجانبتهم (٥).\nوما يؤكد أن التولي يكون بمعنى الموالاة، ما جاء في لغة العرب، فإن التولي والموالاة من مادة واحدة وهي: ولي بمعنى قرب، والولي: الناصر ضد العدو (٦).\nولذا فإن شيخ المفسرين ابن جرير رحمه الله تعالى - في عدة مواضع من تفسيره - يفسر معنى اتخاذ الكفار أولياء بمعنى جعلهم أنصارًا (٧)، وهو بمعنى توليهم.\nوإذا كان التولي بمعنى الموالاة، فكما أن موالاة الكفار ذات شعب متفاوتة، منها ما يخرج من الملة كالموالاة المطلقة لهم، ومنها ما دون ذلك ... فإنّ تولي الكفار مثل موالاتهم، فهناك التولي المطلق التام الذي يناقض الإيمان بالكلية، وهناك مراتب دون ذلك (٨).\nولذا يقول الشيخ عبدالرحمن السعدي عند (تفسيره) لقوله تعالى: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة:٩]: وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا تامًا، كان ذلك كفرًا مخرجًا عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب، ما هو غليظ وما هو دونه (٩).\nويقول عند تفسيره لقوله تعالى: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:٥١]: إن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يكون العبد منهم (١٠).\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» (٣/ ١٤٠)، و«مجموعة التوحيد» (ص٣٨)، و«الدرر السنية» (٧/ ٢٠١)، و«فتاوى ابن باز» (١/ ٢٧٢).\n(٢) انظر: «الدرر السنية» (٧/ ٢٠١)، و«عقود الجواهر المنضدة» لابن سحمان (ص١٤٦).\n(٣) «تفسير ابن عطية» (٨/ ١٥٢).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٥٦).\n(٥) «تفسير البيضاوي» (١/ ٢٧٩)، وانظر: (٢/ ٤٦٢)، و«تفسير الألوسي» (٢٨/ ٣٢)، و«تفسير الشوكاني» (٥/ ١٩٢)، «وتفسير القاسمي» (٦/ ٣٣١).\n(٦) انظر: «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس (٦/ ١٤١)، و«ترتيب القاموس المحيط» (٤/ ٦٥٨)، و«المصباح المنير» (ص٨٤١)، و«مفردات الراغب» (ص٨٣٧)، و«مختار الصحاح» للرازي (ص٧٣٦)، و«نزهة الأعين النواظر» لابن الجوزي (٢/ ٢٠٨).\n(٧) انظر: «تفسير الطبري» (٥/ ١٩٥)، (٦/ ١٥٩، ١٦٦، ١٨٢)، (٢٨/ ٣٤).\n(٨) انظر: «بدائع الفوائد» لابن القيم (٤/ ١٩)، و«مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٣/ ٧).\n(٩) «تفسير السعدي» (٧/ ٣٥٧).\n(١٠) «تفسير السعدي» (٢/ ٣٠٤).","vol":"7","page":33},{"text":"وعلى كلٍّ، فلا مشاحة في الاصطلاح، فالمهم أن مظاهرة الكفار، ونصرتهم والذّبّ عنهم، يناقض الإيمان سواء سُمي ذلك توليًا أم موالاة.\nإن مظاهرة الكفار ضد المسلمين خيانة لله تعالى، ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، قال تعالى: تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:٨٠، ٨١].\nفتولي الكفار موجب لسخط الله تعالى، والخلود في عذابه، ولو كان متوليهم مؤمنًا ما فعل ذلك.\nيقول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ [آل عمران:٢٨].\nومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهورًا وأنصارًا، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني: فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر (١).\nوتضمنت رسالة (الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك) للشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب رحمهم الله تعالى أكثر من عشرين دليلًا في النهي عن موالاة الكفار، فكان مما قاله الشيخ سليمان:\nقوله تعالى: أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر:١١]\nفإذا كان وعد المشركين في السر - بالدخول معهم ونصرتهم والخروج معهم إن أجلوا - نفاقًا وكفرًا وإن كان كذبًا، فكيف بمن أظهر لهم ذلك صادقًا، وقدم عليهم، ودخل في طاعتهم، ودعا إليها، ونصرهم وانقاد لهم، وصار من جملتهم وأعانهم بالمال والرأي؟ هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك إلا خوفًا من الدوائر كما قال تعالى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ [المائدة:٥٢] (٢).\nويقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ - عن هذه المسألة -: وأما قوله وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:٥١]، وقوله: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:٢٢]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [المائدة:٥٧] فقد فسرته السنة وقيدته وخصته بالموالاة المطلقة العامة ... (٣).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٣/ ١٤٠).\n(٢) «الدلائل في حكم مولاة أهل الإشراك» (ص٥٢).\n(٣) «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٣/ ٥٧).","vol":"7","page":34},{"text":"وقد يخلط البعض بين مسألة تولي الكفار ومظاهرتهم، وبين مسألة الاستعانة بهم في قتال الكفار ... فالمسألة الأولى خروج عن الملة، ومحاربة لله تعالى ورسوله ﷺ، ومفارقة لسبيل المؤمنين، يقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ عن ذلك: وأكبر ذنب وأضله وأعظمه منافاة لأصل الإسلام؛ نصرة أعداء الله ومعاونتهم، والسعي فيما يظهر به دينهم، وما هم عليه من التعطيل والشرك والموبقات العظام (١).\nوأما مسألة الاستعانة بهم في قتال كفار آخرين ... فهي مسألة خلافية بين أهل العلم، فهناك من منعها، وهناك من أجازها بشروط كأن يحتاج إليهم، وتؤمن خيانتهم، وأن لا يكونوا أصحاب صولة وشوكة ... إلخ (٢)، وأما الاستعانة بالكفار على بغاة المسلمين فهذه ممنوعة عند جماهير علماء الإسلام (٣).\nونورد كلامًا لابن حزم في هذه القضية حيث يقول: قد علمنا أن من خرج عن دار الإسلام إلى دار الحرب، فقد أبق عن الله تعالى، وعن إمام المسلمين وجماعتهم، ويبين هذا حديثه ﷺ أنه برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين (٤)، وهو ﵇ لا يبرأ إلا من كافر (٥)، قال تعالى: - وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:٧١].\nفصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها، من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه وغير ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ لم يبرأ من مسلم. وأما من فرّ إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعانهم عليه ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره (٦). - إلى أن قال - وأما من حملته الحمية من أهل الثغر من المسلمين فاستعان بالمشركين الحربيين، وأطلق أيديهم على قتل من خالفه من المسلمين، أو على أخذ أموالهم أو سبيهم، فإن كانت يده هي الغالبة وكان الكفار له كأتباع فهو هالك في غاية الفسوق، ولا يكون بذلك كافرًا؛ لأنه لم يأت شيئًا أوجب به عليه كفرًا: قرآن أو إجماع، وإن كان حكم الكفار جاريًا عليه فهو بذلك كافر، فإن كانا متساويين لا يجري حكم أحدهما على الآخر فما نراه بذلك كافرًا والله أعلم (٧).\n٤ - والآن نورد جملة من الاعتبارات التي تجعل مظاهرة الكفار على المسلمين ناقضًا من نواقض الإيمان:\nأ- يقول الله تعالى: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:٥١].\n_________\n(١) «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٣/ ٥٧).\n(٢) انظر: «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٣/ ٦٦، ٦٧)، وكتاب: «الاستعانة بغير المسلمين» لعبدالله الطريقي (ص٢٦٢ - ٢٧١).\n(٣) انظر: كتاب: «الاستعانة بغير المسلمين» لعبدالله الطريقي (ص٢٧٢ - ٢٧٤).\n(٤) الحديث: رواه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤). من حديث جرير بن عبد الله ﵁. قال البخاري في «البدر المنير» (٩/ ١٦٣): الصحيح أنه مرسل. وقال ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٣٦٩): صحيح. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٩٨): إسناده صحيح. وقال ابن دقيق العيد في «الإلمام» (٢/ ٤٥٤): صحيح على طريقة بعض أهل الحديث - كما اشترط على نفسه في المقدمة -. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٣/ ٤٠٨) –كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٥) مراد ابن حزم - هاهنا -: أن يلحق المسلم بدار الحرب مختارًا محاربًا. انظر للمزيد من التوضيح: «المحلى» (١٣/ ١٤٠).\n(٦) «المحلى» (١٣/ ١٣٨، ١٣٩).\n(٧) «المحلى» (١٣/ ١٤٠، ١٤١).","vol":"7","page":35},{"text":"فبين الله تعالى أن من فعل ذلك فهو منهم أي: من أهل دينهم وملتهم، فله حكمهم.\nيقول الطبري في تفسير هذه الآية: من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍّ أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه، فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه (١).\nويقول الطبري في تفسيرها: قوله تعالى: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فإنه أي يعضدهم على المسلمين فَإِنَّهُ مِنْهُمْ بيّن أن حكمه حكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاهم ابن أُبي، ثم هذا الحكم باقٍ إلى يوم القيامة في قطع الموالاة (٢).\nويقول ابن حزم: صحّ أن قوله تعالى وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:٥١]، إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حقّ لا يختلف فيه اثنان من المسلمين (٣).\nويقول القاسمي في تفسيره: فَإِنَّهُ مِنْهُمْ: أي جملتهم، وحكمه حكمهم، وإن زعم أنه مخالف لهم في الدين، فهو بدلالة الحال منهم لدلالتها على كمال الموافقة (٤).\nإضافة إلى ذلك فإن الله تعالى ذكر بعد هذه الآية، قوله سبحانه: إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:٥١].\nوفي آية أخرى يقول ﷿: وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:٢٣]، والظلم إذا أطلق يراد به الشرك الأكبر (٥)، فدلّ هذا على أن مظاهرة الكفار على المسلمين خروج عن الملة.\nب- ولا ريب أن مظاهرة الكفار على المسلمين تناقض الإيمان، وتنافيه بالكلية، فمثل هذه الموالاة تتضمن بغضًا لدين الله تعالى، وحربًا لعباد الله الصالحين، ونصرة للكفار ... ولا شك أن الإيمان لا يمكن أن يجتمع مع هذه الموالاة كما قال تعالى: تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:٨٠ - ٨١]\nفبيّن ﷾ أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان؛ لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم، كما سجل على من تولى الكافرين بالمذمّة وحلول السخط عليهم والخلود في العذاب (٦).\nيقول ابن تيمية عن هذه الآيات: فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودلّ ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله وما أنزل إليه.\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٦/ ١٦٠).\n(٢) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٦/ ٢١٧). وانظر: «تفسير البيضاوي» (١/ ٢٧٩)، و«تفسير الشوكاني» (٢/ ٥٠).\n(٣) «المحلى» (١٣/ ٣٥).\n(٤) «تفسير القاسمي» (٦/ ٢٤٠).\n(٥) انظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (٢/ ٧٨).\n(٦) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٤٩٠)، و«الدرر السنية» (٧/ ٨٤).","vol":"7","page":36},{"text":"ومثله قوله تعالى: لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:٥١]، فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون مؤمنًا، وأخبر هنا أن متوليهم هم منهم، والقرآن يصدق بعضه بعضًا (١).\nويقول الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب في ذلك: قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:٢٢].\nأخبر تعالى أنك لا تجد من يؤمن بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب، وأن هذا منافٍ للإيمان مضاد له، لا يجتمع هو والإيمان إلا كما يجتمع الماء والنار (٢).\nجـ- جاء النص القرآني مقررًا براءة الله تعالى ممن ظاهر الكفار، فقال تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران:٢٨].\nويقول البيضاوي عند هذه الآية: وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ (أي اتخاذهم أولياء) فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ أي من ولايته في شيءٍ يصح أن يُسمى ولاية، فإن موالاة المتعادييْن لا يجتمعان (٣).\nويقول الشوكاني في تفسير هذه الآية: قوله: لاَّ يَتَّخِذِ فيه النهي عن موالاة الكفار لسبب من الأسباب ... وقوله: مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ في محل الحال: أي متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين استقلالًا أو اشتراكًا ... ومعنى قوله: فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ أي: من ولايته في شيءٍ من الأشياء، بل هو منسلخ عنه بكل حال (٤).\nد- إن مظاهرة أعداء الله تعالى كفر نفاق، وقد حكم الله تعالى بذلك في قوله ﷿: - فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ [النساء:٨٨ - ٨٩].\nوذلك أن قومًا كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد ﵇ فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله أو كما قالوا تقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا، ويتركوا ديارهم، تستحل دماؤهم وأموالهم لذلك، فكانوا كذلك فئتين ... فنزلت الآية تقرر نفاقهم وكفرهم وأن الله تعالى أركسهم أي ردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم وسبي ذراريهم (٥).\n_________\n(١) «الإيمان» (ص: ١٣، ١٤)، وانظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ١٧، ٥٤٢).\n(٢) «تفسير البيضاوي» (١/ ١٥٥)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٥٧).\n(٣) «الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك» (ص٥٦)، وانظر: (ص٣٩).\n(٤) «فتح القدير» (١/ ٣٣١). وانظر: «رسالة أوثق عرى الإيمان» (ص٢٨)، و«الدلائل» (ص٣٢) كلاهما للشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب.\n(٥) انظر: تفصيل ذلك: في «تفسير الطبري» (٥/ ١١٣).","vol":"7","page":37},{"text":"إن مظاهرة الكفار على المسلمين خصلة من خصال المنافقين، وشعبة من شعب النفاق، كما جاء بيان ذلك في كثير من نصوص القرآن الكريم.\nقال تعالى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا [النساء:١٣٨ - ١٣٩].\nوقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [المجادلة:١٤ - ١٥].\nوقال ﷿: أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر:١١].\nوقال سبحانه: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ [المائدة:٥٢].\nيقول ابن جرير في تفسير الآية الأخيرة: هذا خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهود والنصارى، ويغشون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان، أو غيرهم على أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء المنافقين فيكون بنا إليهم حاجة، وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبدالله بن أُبي، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين (١).\nوسُئل الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب عمن أظهر علامات النفاق ممن يدعي الإسلام، هل يقال عنه أنه منافق أم لا؟\nفأجاب ﵀: من ظهرت منه علامات النفاق الدّالة عليه كارتداده عند التحزيب على المؤمنين وخذلانهم عند اجتماع العدو، كالذين قالوا: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم. وكونه إذا غلب المشركون التجأ إليهم، ومدحه للمشركين بعض الأحيان، وموالاتهم من دون المؤمنين، وأشباه هذه العلامات التي ذكر الله أنها علامات للنفاق، وصفات للمنافقين، فإنه يجوز إطلاق النفاق عليه وتسميته منافقًا ... (٢) ...\nيقول ابن تيمية: فمن قفز منهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير من التتار، فإن التتار فيهم المكره وغير المكره، وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة (٣).\nيقول ابن القيم: إنه سبحانه قد حكم، ولا أحسن من حكمه أنّ من تولّى اليهود والنصارى فهو منهم وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:٥١]؛ فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم (٤).\nوذكر الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀ مظاهرة الكفار ضد المسلمين ضمن نواقض الإسلام، فقال:\nالناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:٥١] (٥).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٦/ ١٦١).\n(٢) «الدرر السنية» (٧/ ٧٩، ٨٠).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٣٤)، وانظر: (٢٨/ ٥٣٠، ٥٣١)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (ص٥٠٧، ٥٠٨)، و«مجموعة الرسائل والمسائل» (١/ ٤١ - ٤٣).\n(٤) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٦٧).\n(٥) «مجموعة التوحيد» (ص٣٨).","vol":"7","page":38},{"text":"ويقول الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ: التولي كفر يخرج من الملة، وهو كالذّب عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي (١).\nويقول الشيخ عبدالعزيز بن باز: وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوعٍ من المساعدة فهو كافر مثلهم، كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:٥١] (٢). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبداللطيف - بتصرف - ص٣٨٢\nومن أخص صفات المنافقين مظاهرة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين ... فهم في الظاهر مع المؤمنين، لكنهم في الحقيقة مع الكفار عيونًا وأعوانًا لهم، يكشفون لهم عورات المسلمين وأسرارهم ويتربصون بالمؤمنين الدوائر.\nقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:٥١ - ٥٢].\nقال الإمام الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية بعدما ذكر الخلاف في المعنى بهذه الآية: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره، نهى المؤمنين جميعًا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان (٣).\nوقال في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ: ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، يقول: فإنّ من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍّ أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه، فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمُه حكمَه ... (٤)، وقال في تفسير قوله سبحانه: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... الآية. بعدما ذكر الخلاف فيمن عني بهذه الآية: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن ذلك من الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهود والنصارى ويغشون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر - إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان، أو غيرهم - على أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلةً، فيكون بنا إليهم حاجة، وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبدالله بن أُبي، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين (٥). ومن الآيات صريحة الدلالة في اتصاف المنافقين بهذه الصفة قوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:١٣٨ - ١٣٩].\n_________\n(١) «الدرر السنية» (٧/ ٢٠١).\n(٢) «فتاوي ابن باز» (١/ ٢٧٤).\n(٣) «تفسير الطبري» (١٠/ ٣٩٨).\n(٤) «تفسير الطبري» (١٠/ ٤٠٠).\n(٥) «تفسير الطبري» (١٠/ ٤٠٤)، وانظر: «تفسير القرطبي» (٦/ ٢١٦ - ٢١٨)، «تفسير ابن كثير» (٢/ ٦٨،٦٩).","vol":"7","page":39},{"text":"قال الإمام الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: ... أما قوله جل ثناؤه: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)، فمن صفة المنافقين، يقول الله لنبيه: يا محمد، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي، والإلحاد في ديني أولياء – يعني: أنصارًا وأخلاء - من دون المؤمنين – يعني: من غير المؤمنين - أيبتغون عندهم العزة، أيطلبون عندهم المنعة والقوة باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي؟، فإن العزة لله جميعًا، يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم، هم الأذلاء الأقلاء ... (١).\nومعلوم أن موالاة الكفار مراتب (٢)، منها ما يصل إلى درجة الكفر الأكبر، ومنها دون ذلك، وما نشير إليه هنا هو الموالاة المخرجة من الملة التي يختص بها المنافقون وهي اتخاذهم أنصارًا وأعوانًا على المؤمنين، أو الموالاة التامة لهم بالرضى عن دينهم أو تصحيح مذهبهم ونحو ذلك، يقول الإمام الطبري ﵀ مبينًا ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران:٢٨]. قال ﵀: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ... (٣). وذكر الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀ ضمن نواقض الإسلام: الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين؛ والدليل قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٤).\nويقول الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ﵀ في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ: وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا تامًا، كان ذلك كفرًا مخرجًا من دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب، ما هو غليظ، وما هو دونه (٥).\nوهذه الموالاة تدل على فساد في اعتقاد صاحبها، خاصة من جهة منافاتها لعمل القلب من الحب والبغض، فالحب والبغض - كما هو معلوم - أصل الولاء والبراء، فمحبة المؤمنين تقتضي موالاتهم ونصرتهم، وبغض الكافرين يقتضي البراءة منهم ومن مذاهبهم وعداوتهم ومحاربتهم، فإذا عادى المرء المؤمنين وأبغضهم، ووالى الكافرين وناصرهم على المؤمنين فقد نقض أصل إيمانه. نواقض الإيمان الاعتقادية لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي –بتصرف - ص: ٣٢٠\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٩/ ٣١٩).\n(٢) انظر: «الولاء والبراء» د. محمد القحطاني (٢٣١ - ٢٤٧).\n(٣) «تفسير الطبري» (٦/ ٣١٣).\n(٤) «الرسائل الشخصية» (ص: ٢١٣).\n(٥) «تفسير كلام المنان» (٧/ ٣٥٧)، وانظر: (٢/ ٣٠٤).","vol":"7","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1921>المطلب الأول: سب الصحابة ﵃</span>\nسب الصحابة ليس على مرتبة واحدة، بل له مراتب متفاوتة، فإن سب الصحابة أنواع ودركات، فمنها سب يطعن في عدالتهم، ومنها سب لا يوجب الطعن في عدالتهم، وقد يكون السب لجميعهم، وأكثرهم وقد يكون لبعضهم، وهناك سب لمن تواترت النصوص بفضله، ومنهم دون ذلك.\nوسنورد جملة من أنواع سب الصحابة ﵃ مما يعد ناقضًا من نواقض الإيمان على النحو التالي:-\nأ - إن كان مستحلًا لسب الصحابة ﵃ فهو كافر (١)، فمن المعلوم أن جميع الصحابة ﵃ عدول، وقد أجمع العلماء على عدالتهم، لما جاء في الكتاب والسنة من الثناء الحسن عليهم، المدح لهم ونقل هذا الإجماع جمع كثير من العلماء، منهم النووي حيث يقول:-\n(وكلهم عدول ﵃، ومتأولون في حروبهم وغيرها، ولم يخرج شيء من ذلك أحدًا منهم عن العدالة\n-إلى أن قال - ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم، وكمال عدالتهم ﵃ أجمعين) (٢).\nويقول ابن الصلاح في مقدمته: (للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه، لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة.\n- إلى أن قال - ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك، بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحسانًا للظن بهم، نظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله سبحانه أتاح الإجماع على ذلك، لكونهم نقلة الشريعة والله أعلم) (٣).\nويقول ابن كثير: (والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل) (٤).\nوقد تقرر أن سب أصحاب رسول الله ﷺ حرام بالكتاب والسنة، قال تعالى:- وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا [الحجرات: ١٢].\nقال ابن تيمية: (وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتابًا) (٥).\nوقال ﷿: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران: ١١٩].\nقال ابن تيمية: (ومحبة الشيء كراهته لضده، فيكون الله يكره السب لهم الذي هو ضد الاستغفار، والبغض لهم الذي هو ضد الطهارة) (٦).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين») (٧).\nفسب الصحابة كبيرة من كبائر الذنوب، لما ترتب عليه من الوعيد باللعنة (٨)، واستحلال سبهم إنكار لما علم تحريمه من الدين بالضرورة، ومن ثم فهو خروج عن الملة).\nولذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب:-\n_________\n(١) [١٠٥٤٤]» انظر «الصارم المسلول» لابن تيمية (ص ٥٦٩ - ٥٧١).\n(٢) [١٠٥٤٥]» «صحيح مسلم بشرح النووي» (١٥/ ١٤٩).\n(٣) [١٠٥٤٦]» «مقدمة ابن الصلاح» (ص ٤٢٧، ٤٢٨).\n(٤) [١٠٥٤٧]» «الباعث الحثيث» (ص ٢٠٥).\n(٥) [١٠٥٤٨]» «الصارم المسلول» (ص ٥٧١).\n(٦) [١٠٥٤٩]» «الصارم المسلول» (ص ٥٧٤).\n(٧) [١٠٥٥٠]» رواه الطبراني (١٢/ ١٤٢)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٤): فيه عبد الله بن خراش وهو ضعيف، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٢٨٥).\n(٨) [١٠٥٥١]» انظر تعريف الكبيرة في «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٥٢٦)، و«مجموع فتاوى ابن تيمية» (١١/ ٦٥٠).","vol":"7","page":41},{"text":"(فإذا عرفت أن آيات القرآن تكاثرت في فضلهم والأحاديث المتواترة بمجموعها ناصة على كمالهم فإن اعتقد حلية سبهم أو إباحته فقد كفر، لتكذيبه ما ثبت قطعًا عن رسول الله ﷺ، ومكذبه كافر) (١).\n(ب) ومما يناقض الإيمان: أن يسب جميع الصحابة، أو جمهورهم سبًا يقدح في دينهم وعدالتهم، كأن يرميهم بالكفر، أو الفسق، أو الضلال، وبيان ذلك من خلال النقول الآتية:-\nيقول القاضي عياض: (وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة، كقول الكميلية (٢) من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي ﷺ ... لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن، إذ ناقلوه كفرة على زعمهم، وإلى هذا – والله أعلم – أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة) (٣).\nويقول ابن تيمية: (وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﵊ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وأن هذه الآية التي هي كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠]، وخيرها هو القرن الأول، كان عامتهم كفارًا أو فساقًا، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام) (٤).\nويقول السبكي: (إن سب الجميع لا شك أنه كفر ... وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول الطحاوي: وبغضهم كفر، فإن بغض الصحابة بجملتهم لا شك أنه كفر) (٥).\nويقول ابن كثير: (ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك - أي كتمان الوصية لعلي بالخلافة - فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور والتواطؤ على معاندة رسول الله ﷺ ومضادته في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام، وكفر بإجماع الأئمة الأعلام، وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام ...) (٦).\nويقول ابن حجر الهيتمي: (إن تكفير جميع الصحابة كفر؛ لأنه صريح في إنكار جميع فروع الشريعة الضرورية فضلًا عن غيرها ...) (٧).\nويذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن القول بارتداد الصحابة عدا خمسة أو ستة نفر هو: (هدم لأساس الدين؛ لأن أساسه القرآن والحديث، فإذا فرض ارتداد من أخذ من النبي ﷺ إلا النفر الذين لا يبلغ خبرهم التواتر، وقع الشك في القرآن والأحاديث) (٨).\nويقول أيضًا: (ومن نسب جمهور أصحابه ﷺ إلى الفسق والظلم، وجعل اجتماعهم على الباطل فقد أزدرى بالنبي ﷺ، وازدراؤه كفر) (٩).\n_________\n(١) [١٠٥٥٢]» «الرد على الرافضة» (ص: ١٨ - ١٩).\n(٢) [١٠٥٥٣]» الكميلية: ولعلها الكاملية، وهم أصحاب أبي كامل، وهم فرقة من غلاة الشيعة، أكفروا جميع الصحابة، وقالوا بالتناسخ والحلول. انظر: «الملل والنحل» (١/ ١٧٤)، و«اعتقادات فرق المسلمين» (ص ٦٠).\n(٣) [١٠٥٥٤]» «الشفا» (٢/ ١٠٧٢) باختصار\n(٤) [١٠٥٥٥]» «الصارم المسلول» (ص ٥٨٦ - ٥٨٧).\n(٥) [١٠٥٥٦]» «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٧٥).\n(٦) [١٠٥٥٧]» «البداية والنهاية» (٥/ ٢٥٢)\n(٧) [١٠٥٥٨]» «الأعلام» (ص ٣٨٠).\n(٨) [١٠٥٥٩]» «الرد على الرافضة» (ص ١٣).\n(٩) [١٠٥٦٠]» «الرد على الرافضة» (ص ٨) وانظر (ص ١٧).","vol":"7","page":42},{"text":"ويقول محمد العربي بن التباني المغربي (١):-\n(كيف يؤمن بنصوص القرآن من يكذب بوعده تعالى لهم بالحسنى، وبإعداده لهم المنازل الرفيعة في الجنة، وبرضاه عنهم بزعمه أنهم قد كفروا وارتدوا عن الإسلام، فعقيدة هذه الطائفة (يعني الرافضة) في جل سادات هذه الأمة لا تخرج عن أمرين: - إما نسبة الجهل إليه تعالى، أو العبث في هذه النصوص التي أثنى بها على الصحابة رضوان الله عليهم، تقدس ربنا وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا ... ولا خلاف بين كل من يؤمن بالقرآن وله عقل سليم أن نسبة الجهل أو العبث إليه تعالى كفر بواح) (٢).\nويمكن أن نلحق بهذا النوع من السب - وإن كان أشنع مما سبق - فيما لو سب الصحابة ﵃ من أجل صحبتهم ونصرتهم لدين الله تعالى، ولو كان واحدًا ..، وإليك ما يبين ذلك من كلام أهل العلم.\nيقول ابن حزم: (ومن أبغض الأنصار لأجل نصرتهم للنبي ﷺ فهو كافر؛ لأنه وجد الحرج في نفسه مما قضى الله تعالى ورسوله ﷺ من إظهار الإيمان بأيديهم، ومن عادى عليًا لمثل ذلك فهو أيضًا كافر) (٣).\nويقول السبكي: (إن سب الجميع بلا شك أنه كفر، وهكذا إذا سب واحدًا من الصحابة حيث هو صحابي؛ لأن ذلك استخفاف بحق الصحبة، ففيه تعرض إلى النبي ﷺ، فلا شك في كفر الساب.\n-إلى أن قال - ولا شك أنه لو أبغض واحدًا منهما (أي الشيخين أبي بكر وعمر) لأجل صحبته فهو كفر، بل من دونهما في الصحبة، إذا أبغضه لصحبته كان كافرًا قطعًا) (٤).\nومما أورده الحافظ ابن حجر عند شرحه لحديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: - «آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار» (٥) حيث قال ﵀: (فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة - وهي كونهم نصروا رسول الله ﷺ - أثر ذلك في تصديقه، فيصح أنه منافق، ويقرب هذا زيادة أبي نعيم في المستخرج في حديث البراء بن عازب (٦): - «من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم») (٧)، وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد رفعه: - «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» (٨).\n_________\n(١) [١٠٥٦١]» أبو عبد الله محمد العربي التباني الجزائري ثم المكي، عالم معاصر، أصولي، مفسر، محدث، مؤرخ، درس في الحرم المكي، وكذا في مدرسة الفلاح بمكة، له مؤلفات جمة، كان حيًا عام ١٣٧٤ هـ. انظر: مقدمة كتابه «تحذير العبقري من محاضرات الخضري» (١/ ٩)\n(٢) [١٠٥٦٢]» «إتحاف ذوي النجابة» (ص ٧٥).\n(٣) [١٠٥٦٣]» «الفصل» (٣/ ٣٠٠)\n(٤) [١٠٥٦٤]» «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٧٥)\n(٥) [١٠٥٦٥]» رواه البخاري (١٧).\n(٦) [١٠٥٦٦]» الحديث رواه معاوية بن أبي سفيان، وأبو هريرة ﵃، وليس البراء بن عازب، كما ذكر المصنف، أما حديث البراء بن عازب لفظه: «من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله» رواه ابن ماجه (١٦٣) وابن منده في «الإيمان» (٢/ ٦٠٨)، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».\n(٧) [١٠٥٦٧]» رواه الطبراني (١٩/ ٣٤١)، من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁، وصححه العراقي في «محجة القرب» (٢٥٥)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤٢): رجاله رجال الصحيح غير النعمان بن مرة وهو ثقة، ورواه في «الأوسط» (١/ ٢٩٨) من حديث أبي هريرة ﵁، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤٢): رجاله رجال الصحيح غير أحمد بن حاتم وهو ثقة،\n(٨) [١٠٥٦٨]» رواه مسلم (٧٧).","vol":"7","page":43},{"text":"ويوضح العيني هذا المعنى فيقول: (المقصود من الحديث الحث على حب الأنصار وبيان فضلهم لما كان منهم من إعزاز الدين، وبذل الأموال والأنفس والإيثار على أنفسهم والإيواء والنصرة، وغير ذلك، وهذا جار في أعيان الصحابة كالخلفاء وبقية العشرة، والمهاجرين، بل في كل الصحابة، إذ كل منهم له سابقة وسالفة وغناء في الدين وأثر حسن فيه، فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان، وبغضهم محض النفاق) (١).\nويقول الصاوي: (وأما من كفَّر جميع الصحابة فإنه يكفر باتفاق، كما في الشامل؛ لأنه أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، وكذب الله ورسوله) (٢).\n(ج) من أنواع سب الصحابة الذي يناقض الإيمان: أن يسب صحابيًا تواترت النصوص بفضله، فيطعن في دينه وعدالته، وذلك لما فيه من تكذيب لهذه النصوص المتواترة، والإنكار والمخالفة لحكم معلوم من الدين بالضرورة.\nوإليك جملة من كلام أهل العلم في تقرير ذلك: -\nقال مالك ﵀: (من شتم أحدًا من أصحاب محمد ﷺ أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص، فإن قال كانوا على ضلال وكفر قتل) (٣).\n(وسئل الإمام أحمد عمن يشتم أبا بكر وعمر وعائشة، فقال: ما أراه على الإسلام، وسئل عمن يشتم عثمان، فقال ﵀: هذه زندقة) (٤).\n(وقال محمد بن يوسف الفريابي وسئل عمن شتم أبا بكر، فقال: كافر، قيل: فيصلى عليه؟ قال: لا، وسأله: كيف يصنع به وهو يقول لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته) (٥).\nوجاء في (الفتاوى البزازية): (ومن أنكر خلافة أبي بكر فهو كافر في الصحيح، ومنكر خلافة عمر ﵁ فهو كافر في الأصح، ويجب إكفار الخوارج بإكفار عثمان وعلي وطلحة والزبير وعائشة ﵃.\nوفي الخلاصة: الرافضي إذا كان يسب الشيخين ويلعنهما فهو كافر) (٦).\nوقال الخرشي: (إن رمى عائشة بما برأها الله منه بأن قال زنت، أو أنكر صحبة أبي بكر أو إسلام العشرة أو إسلام جميع الصحابة، أو كفر الأربعة، أو واحدًا منهم كفر) (٧).\n_________\n(١) [١٠٥٦٩]» «عمدة القارئ» (١/ ١٧٣) وانظر «الصارم المسلول» لابن تيمية (ص ٥٨١).\n(٢) [١٠٥٧٠]» «الشرح الصغير للدردير بحاشية الصاوي» (٦/ ١٦٠)، وانظر «الرد على الرافضة» لمحمد بن عبد الوهاب (ص ١٩)\n(٣) [١٠٥٧١]» «الشفا» (٢/ ١١٠٧)\n(٤) [١٠٥٧٢]» «المسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة» للأحمدي (٢/ ٣٥٨ - ٣٦٣)، وانظر «السنة» للخلال (٣/ ٤٩٣)\n(٥) [١٠٥٧٣]» «السنة» للخلال (٣/ ٤٩٩)\n(٦) [١٠٥٧٤]» «الفتاوى البزازية بهامش الفتاوى الهندية» (٦/ ٣١٨) وانظر «البحر الرائق» لابن نجيم (٥/ ١٣١).\n(٧) [١٠٥٧٥]» «الخرشي على مختصر خليل» (٧/ ٧٤)، وعلل العدوي ذلك في «حاشيته» على الخرشي (٧/ ٧٤): \"لأن إسلام الصحابة صار معلومًا من دين الله بالضرورة. \"","vol":"7","page":44},{"text":"ويقول السبكي: (احتج المكفرون للشيعة والخوارج بتكفيرهم لأعلام الصحابة ﵃، وتكذيب النبي ﷺ في قطعه لهم بالجنة، وهذا عندي احتجاج صحيح فيمن ثبت عليه تكفير أولئك، وأجاب الآمدي بأنه إنما يلزم أن لو كان المكفر يعلم بتزكية من كفره قطعًا على الإطلاق إلى مماته بقوله ﷺ: - «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة» (١) إلى آخرهم، وإن كان هذا الخبر ليس متواترًا لكنه مشهور مستفيض، وعضده إجماع الأمة على إمامتهم وعلو قدرهم وتواتر مناقبهم أعظم التواتر الذي يفيد تزكيتهم فبذلك نقطع بتزكيتهم على الإطلاق إلى مماتهم لا يختلجنا شك في ذلك) (٢).\nويقول أيضًا: (وأما الرافضي فإنه يبغض أبا بكر وعمر ﵄ لما استقر في ذهنه بجهله وما نشأ عليه من الفساد عن اعتقاد ظلمهما لعلي، وليس كذلك ولا علي يعتقد ذلك، فاعتقاد الرافضي ذلك يعود على الدين بنقض؛ لأن أبا بكر وعمر هما أصل بعد النبي ﷺ، فهذا مأخذ التكفير ببغض الرافضة لهما، وسبهم لهما) (٣).\nويقول في موضع ثالث: (وتحريم سب الصديق رضي عنه معلوم من الدين بالضرورة بالنقل المتواتر على حسن إسلامه، وأفعاله الدالة على إيمانه وأنه دام على ذلك إلى أن قبضه الله تعالى هذا لا شك فيه) (٤).\nوهذه المسألة فيها خلاف، فهناك من لا يعد هذا السب كفرًا، بل يجعله فسقًا، يوجب التأديب والتعزير.\nولا شك أن هذا السب فسق بالاتفاق، بل إن القائلين بعدم تكفير من سب الصحابة مجمعون على ذلك، كما قال السبكي:-\n(وأجمع القائلون بعدم تكفير من سب الصحابة أنهم فساق) (٥).\nويذكر ابن تيمية أن أقل ما يفعل بشاتم الصحابة: التعزير ويعلل ذلك بقوله: (لأنه - أي التعزير- مشروع في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة، وقال ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» (٦). وهذا مما لا يعلم فيه خلافًا بين أهل الفقه والعلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان، وسائر أهل السنة والجماعة، فإنهم مجمعون على أن الواجب الثناء عليهم، والاستغفار لهم، والترحم عليهم والترضي عنهم، واعتقاد محبتهم، وموالاتهم، وعقوبة من أساء فيهم القول) (٧).\nوإليك طرفًا من أقوال العلماء القائلين بعدم التكفير في هذا السب.\nسئل الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عمن شتم رجلًا من أصحاب النبي ﷺ، فقال: (أرى أن يضرب ... . وقال: (ما أراه إلا على الإسلام) (٨).\nويقول القاضي عياض: (قد اختلف العلماء في هذا، فمشهور مذهب مالك في ذلك الاجتهاد والأدب الموجع، قال مالك ﵀: - من شتم النبي ﷺ قتل، ومن شتم أصحابه أدب).\n_________\n(١) [١٠٥٧٦]» رواه أبو داود (٤٦٤٩)، وابن ماجه (١٣٣)، وأحمد (١/ ١٨٨) (١٦٣١)، والطبراني في «الأوسط» (٩/ ١٨٥)، والنسائي في «السنن الكبرى»، من حديث سعيد بن زيد، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ١٠٨): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».وروي أيضا من حديث عبد الرحمن بن عوف.\n(٢) [١٠٥٧٧]» «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٦٩).\n(٣) [١٠٥٧٨]» «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٧٦).\n(٤) [١٠٥٧٩]» «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٨٧)، وانظر (٢/ ٥٨٩) وانظر «الإعلام» للهيتمي (ص: ٣٥٢، ٣٦٣، ٣٨٠)\n(٥) [١٠٥٨٠]» «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٨٠).\n(٦) [١٠٥٨١]» رواه البخاري (٢٤٤٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٧) [١٠٥٨٢]» «الصارم المسلول» (ص ٥٧٨).\n(٨) [١٠٥٨٣]» انظر: «المسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة»، للأحمدي (٢/ ٣٦٣)، وانظر «الإنصاف» للمرداوي (١٠/ ٣٢٣، ٣٢٤).","vol":"7","page":45},{"text":"وقال ابن حبيب: (من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أُدِّبَ أدبًا شديدًا، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه، ويطال سجنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي ﷺ.\nوقال سحنون: - من كفر أحدًا من أصحاب النبي ﷺ: عليًا أو عثمان أو غيرهما، يوجع ضربًا) (١).\nوقال السبكي: (وأما أصحابنا (الشافعية) فقد قال القاضي حسين في تعليقه في باب اختلاف نية الإمام والمأموم: - من سب النبي ﷺ يكفر بذلك، ومن سب صحابيًا فسق، وأما من سب الشيخين أو الختنين (٢) ففيه وجهان، أحدهما يكفر؛ لأن الأمة اجتمعت على إمامتهم، والثاني يفسق ولا يكفر) (٣).\nويقول الرملي: (ولا يكفر بسب الشيخين أو الحسن والحسين إلا في وجه حكاه القاضي حسين) (٤).\nويقول ابن عابدين: (نقل في البزازية عن الخلاصة أن الرافضي إذا كان يسب الشيخين ويلعنهما فهو كافر، وإن كان يفضل عليًا عليهما فهو مبتدع. أهـ\nعلى أن الحكم عليه بالكفر مشكل، لما في الاختيار: اتفق الأئمة على تضليل أهل البدع أجمع وتخطئتهم، وسب أحد من الصحابة وبغضه لا يكون كفرًا، ولكن يضلل ... الخ.\nوذكر في (فتح القدير) أن الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويكفرون الصحابة حكمهم عند جمهور الفقهاء وأهل الحديث حكم البغاة.\n-إلى أن قال – فعلم أن ما ذكره في الخلاصة من أنه كافر قول ضعيف مخالف للمتون والشروح ...) (٥).\nومما يستدل به القائلون بعدم كفر ساب الصحابة ﵃ بأن مطلق السب لغير الأنبياء لا يستلزم الكفر؛ لأن بعض من كان على عهد النبي ﷺ كان ربما سب بعضهم بعضًا، ولم يكفر أحد بذلك (٦)\nوالجواب عن استدلالهم أن يقال: إن سب الصحابة نوعان، أحدهما سب يقدح في دين الصحابة وعدالتهم، كأن يرمي صحابيًا بالكفر مثلًا ممن تواترت النصوص بفضله، فهذا من الكفر، لما يتضمنه من تكذيب للآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة الدالة على تزكيتهم وفضلهم، ولأن هذا السب إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة، ومن ظن أن مثل هذا السب لا يعد كفرًا، فقد خالف الكتاب والسنة والإجماع. والآخر أن يسب صحابيًا – وإن كان ممن تواترت النصوص بفضله – سبًا لا يقدح في إسلامه ودينه، مثل وصفه بالبخل، أو الجبن، أو قلة معرفة بالسياسة ونحو ذلك، فهذا لا يعتبر كفرًا، ولكن يستحق فاعله التأديب والتعزير (٧).\nوكذا لو سب صحابيًا لم يتواتر النقل بفضله سبًا يطعن في دينه، فلا يكفر بهذا السب، لعدم إنكاره معلومًا من الدين بالضرورة (٨).\n_________\n(١) [١٠٥٨٤]» «الشفا» (٢/ ١١٠٨)، وانظر «الشرح الصغير» للدردير (٦/ ١٦٠)، و«الخرشي على مختصر خليل» (٧/ ٧٤)، و«فتح العلي المالك» لعليش (٢/ ٢٨٦)، و«بلغة السالك لأقرب المسالك» (٢/ ٤٢٠).\n(٢) [١٠٥٨٥]» يعني عثمان وعليًا ﵄، وفي الأصل المطبوع: الحسين، والتصحيح من كتاب «الإعلام» لابن حجر (ص ٣٥٢).\n(٣) [١٠٥٨٦]» «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٧٧)، وانظر «فتح الباري» (٧/ ٣٦).\n(٤) [١٠٥٨٧]» «نهاية المحتاج» (٧/ ٤٢٦)، وانظر «قليوبي وعميرة» (٤/ ١٧٥).\n(٥) [١٠٥٨٨]» «حاشية بن عابدين» (٤/ ٢٣٧)، وانظر «مجموعة رسائل ابن عابدين» (١/ ٣٤٢ – ٣٤٥).\n(٦) [١٠٥٨٩]» انظر: «الصارم المسلول» (ص ٥٧٩).\n(٧) [١٠٥٩٠]» انظر: «الصارم المسلول» (ص ٥٧١، ٥٨٩).\n(٨) [١٠٥٩١]» انظر: رسالة «الرد على الرافضة» لمحمد بن عبد الوهاب (ص ١٨، ١٩).","vol":"7","page":46},{"text":"ولا شك أن ما قد وقع بين بعض الصحابة من سب ليس من النوع الأول، ويشهد لذلك أن حديث أبي سعيد الخدري ﵁ حيث قال: - كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (١).\nفقد جاءت رواية توضح وتبين حقيقة هذا السب، فقد روى الإمام أحمد بسنده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: - كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي ﷺ فقال: «دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده ...» الحديث (٢).\nوبهذا التفصيل والتفريق بين نوعي السب يمكن اجتماع القولين، كما يحصل التوفيق بين الأقوال المختلفة، فمثلًا الرواية السابقة عن الإمام أحمد: ما أراه إلا على الإسلام يمكن أن نضمها إلى الرواية الأخرى عن الإمام أحمد حيث قال: (ما أراه على الإسلام) (٣).\nوقد قال القاضي أبو يعلى في الجمع بين تلك الروايتين المتعارضتين عن الإمام أحمد (يحتمل أن قوله (ما أراه على الإسلام) إذا استحل سبهم بأنه يكفر بلا خلاف، ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك، بل فعله مع اعتقاده لتحريمه كمن يأتي المعاصي، قال: ويحتمل قوله (ما أراه على الإسلام) على سب يطعن في عدالتهم نحو قوله: ظلموا، وفسقوا بعد النبي ﷺ، وأخذوا الأمر بغير حق، ويحمل قوله في إسقاط القتل على سبٍ لا يطعن في دينهم، نحو قوله (كان فيهم قلة علم، وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة ...) (٤).\nويقول ابن تيمية – في هذا الصدد -: (وأما من سبهم سبًا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك، فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم) (٥).\nوكذا يمكن التوفيق بين الروايات المختلفة عن الإمام مالك، فالرواية السابقة عن مالك: من شتم الصحابة أدب، لا تعارض مع ما جاء في الرواية الأخرى عنه حيث قال: (من شتم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص، فإن قال: كانوا على ضلال وكفر قتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالًا شديدًا) (٦).\nفهذه الرواية تبين ما أجمل في الرواية الأولى، فمن شتم الصحابة – ممن تواترت النصوص بفضلهم – شتمًا يقدح في دينهم فهو كافر يجب قتله، ومن شتمهم بغير هذا فليس بكافر، ويتعين تعزيره وتأديبه.\nوأيضًا فرواية مالك: (من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: - من رماها فقد خالف القرآن) (٧).\nفمراده – والله أعلم – أن يسب الصديق ﵁ سبًا لا يقدح في دينه، وذلك لما ورد عنه ﵀ من القول بالقتل فيمن شتم من هو دون الصديق.\n_________\n(١) [١٠٥٩٢]» رواه مسلم (٢٥٤١).\n(٢) [١٠٥٩٣]» رواه أحمد (٣/ ٢٦٦) (١٣٨٣٩)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٩): رجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في «السلسة الصحيحة» (٤/ ٥٥٦): إسناده صحيح على شرط البخاري.\n(٣) [١٠٥٩٤]» انظر «المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد»، للأحمدي (٢/ ٣٦٣، ٣٦٤).\n(٤) [١٠٥٩٥]» «الصارم المسلول» (ص: ٥٧١).\n(٥) [١٠٥٩٦]» «الصارم المسلول» (ص: ٥٨٦).\n(٦) [١٠٥٩٧]» «الشفا» (٢/ ١١٠٨)\n(٧) [١٠٥٩٨]» «الشفا» (٢/ ١١٠٩)","vol":"7","page":47},{"text":"يوضح ذلك ما قاله السبكي: (فيتلخص أن سب أبي بكر ﵁ على مذهب أبي حنيفة وأحد الوجهين عند الشافعية كفر، وأما مالك فالمشهور أنه أوجب الجلد، فيقتضي أنه ليس كفرًا، ولم أر عنده خلاف ذلك، إلا في الخوارج فتخرج عنه أنه كفر، فتكون المسألة عنده على حالتين: إن اقتصر على السب من غير تكفير لم يكفر، وإن كفر كفر) (١).\nويقول أيضًا: (القائل بأن الساب لا يكفر لم نتحقق منه أن يطرده فيمن يكفر أعلام الصحابة رضوان الله عليهم، فأحد الوجهين عندنا إنما اقتصرنا على مجرد السب دون التكفير، وكذلك أحمد إنما جبن عن قتل من لم يصدر منه إلا السب) (٢).\nوإذا تقرر نوعا السب والطعن في حق الصحابة ﵃، فإن من أنواع السب ما لا يمكن القطع بإلحاقه في أحد النوعين السابقين، بل يكون محل تردد، وهذا النوع هو ما قال عنه ابن تيمية:-\n(وأما من لعن وقبح مطلقًا، فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد) (٣).\nمن قذف إحدى أمهات المؤمنين، فإن كانت عائشة ﵂ فهو كافر بالإجماع ومن قذف غيرها من أمهات المؤمنين فهو أيضًا كافر على أصح الأقوال.\nوبيان ذلك أن قذف عائشة ﵂ تكذيب ومعاندة للقرآن، فإن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله، فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله تعالى.\nقال تعالى: - يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [النور: ١٧].\nكما قال الإمام مالك: (من سب عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن) (٤).\nقال ابن حزم معلقًا على مقالة مالك: (قول مالك هاهنا صحيح، وهي ردة تامة، وتكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها) (٥).\nوذكر ابن بطة عائشة ﵂، وأنها: (مبرأة طاهرة خيرة فاضلة وصاحبته في الجنة، وهي أم المؤمنين في الدنيا والآخرة، فمن شك في ذلك، أو طعن فيه، أو توقف عنه، فقد كذب بكتاب الله، وشك فيما جاء به رسول الله ﷺ، وزعم أنه من عند غير الله ﷿، قال الله تعالى: - يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [النور: ١٧]، فمن أنكر هذا فقد برئ من الإيمان) (٦).\nإضافة إلى ذلك، فإن قذف عائشة ﵂ يعد تنقصًا للرسول ﷺ وإيذاء له، ولذا قال السبكي: (وأما الوقيعة في عائشة ﵂ والعياذ بالله فموجبة للقتل لأمرين:-\nأحدهما: أن القرآن الكريم يشهد ببراءتها، فتكذيبه كفر، والوقيعة فيها تكذيب له.\nالثاني: أنها فراش النبي ﷺ، والوقيعة فيها تنقيص له، وتنقيصه كفر) (٧).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (من قذف عائشة بالفاحشة ... فقد جاء بكذب ظاهر واكتسب الإثم، واستحق العذاب، وظن بالمؤمنين سوءًا وهو كاذب، وأتى بأمر ظنه هينًا وهو عند الله عظيم، واتهم أهل بيت النبوة بالسوء، ومن هذا الاتهام يلزم نقص النبي ﷺ) (٨).\nإضافة إلى ذلك، فقد أجمع العلماء على أن من قذفها بما برأها الله تعالى منه فهو كافر.\n_________\n(١) [١٠٥٩٩]» «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٩٠).\n(٢) [١٠٦٠٠]» «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٩٠).\n(٣) [١٠٦٠١]» «الصارم المسلول» (ص ٥٨٦)، وانظر «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٧٩).\n(٤) [١٠٦٠٢]» انظر «الشفا» (٢/ ١١٠٩).\n(٥) [١٠٦٠٣]» «المحلى» (١٣/ ٥٠٤).\n(٦) [١٠٦٠٤]» «الإبانة الصغرى» (ص: ٢٧٠).\n(٧) [١٠٦٠٥]» «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٩٢).\n(٨) [١٠٦٠٦]» «الرد على الرافضة» (ص: ٢٤) بتصرف يسير","vol":"7","page":48},{"text":"يقول ابن تيمية ﵀: (ذكر غير واحد من العلماء اتفاق الناس على أن من قذفها بما برأها الله تعالى منه فقد كفر؛ لأنه مكذب للقرآن) (١).\nويقول ابن كثير ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: - إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور: ٢٣]: -\n(وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن) (٢).\nوأما من قذف سائر أمهات المؤمنين، فهل يكفر من قذفهن أم لا؟ على قولين أصحهما أنه يكفر.\nوالقول الآخر أنه لا يكفر، وقالوا: إن القرآن قد شهد ببراءة عائشة ﵂، فمن خالف ذلك وأنكره، فهو مكذب للقرآن، ومن ثم فهو كافر بالله تعالى، ولم يرد مثل هذا في بقية أمهات المؤمنين.\nوالجواب عن ذلك أن يقال: (المقذوفة زوج رسول الله ﷺ، والله تعالى إنما غضب لها؛ لأنها زوج رسول الله ﷺ، فهي وغيرها منهن سواء) (٣).\nكما أن جميع أمهات المؤمنين فراش للنبي ﷺ، والوقيعة في أعراضهن تنقص ومسبة للنبي ﷺ، ومن المعلوم أن سب المصطفى ﷺ كفر وخروج عن الملة بالإجماع (٤).\nوقد اختار القول الأول جمع من المحققين، كابن حزم (٥)، والقاضي عياض (٦)، وابن تيمية (٧)، والسبكي (٨) وغيرهم.\nويقول ابن تيمية: (والأصح أن من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة ﵂؛ لأن هذا منه عار وغضاضة على رسول الله ﷺ، وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن) (٩).\nويدل على هذا قوله تعالى: - إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور: ٢٣].\nفهذه الآية الكريمة في أزواج النبي ﷺ وخاصة، في قول كثير من أهل العلم كما جاء عن ابن عباس ﵄ أن هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين.\nوكذا روي عن أبي الجوزاء، والضحاك، والكلبي وغيرهم) (١٠).\nيقول ابن تيمية عن هذه الآية: (لما كان رمي أمهات المؤمنين أذى للنبي ﷺ، فلعن صاحبه في الدنيا والآخرة، ولهذا قال ابن عباس: - ليس له توبة؛ لأن مؤذي النبي ﷺ لا تقبل توبته إذا تاب من القذف حتى يسلم إسلامًا جديدًا، وعلى هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبي ﷺ، أو أذاهن بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة) (١١).\nومما قاله أبو السعود في تفسير هذه الآية:\n_________\n(١) [١٠٦٠٧]» «الرد على البكري» (ص: ٣٤٠).\n(٢) [١٠٦٠٨]» «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٦٧)، وقد حكى ابن كثير هذا الإجماع أيضًا في «البداية» (٨/ ٩٢)، وانظر «مجموعة رسائل ابن عابدين» (١/ ٣٤٥).\n(٣) [١٠٦٠٩]» انظر «البداية» لابن كثير (٨/ ٩٢)\n(٤) [١٠٦١٠]» انظر «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٩٢)، و«طرح التثريب» للعراقي (٨/ ٦٩).\n(٥) [١٠٦١١]» انظر «المحلى» (١٣/ ٥٠٤).\n(٦) [١٠٦١٢]» انظر «الشفا» (٢/ ١١١٣).\n(٧) [١٠٦١٣]» انظر «الصارم المسلول» (ص ٥٦٧).\n(٨) [١٠٦١٤]» انظر «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٩٢).\n(٩) [١٠٦١٥]» «الصارم المسلول» (ص ٥٦٧)\n(١٠) [١٠٦١٦]» انظر «تفسير الطبري» (١٨/ ٧٤)، و«تفسيرابن كثير» (٣/ ٢٦٨)، و«الدر المنثور» للسيوطي (٦/ ١٦٤).\n(١١) [١٠٦١٧]» «الصارم المسلول» (ص٤٧)","vol":"7","page":49},{"text":"(والمراد بها عائشة الصديقة ﵂، والجمع باعتبار أن رميها رمي لسائر أمهات المؤمنين، لاشتراك الكل في العصمة والنزاهة والانتساب إلى رسول الله ﷺ، كما في قوله تعالى: - كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥]، ونظائره، وقيل أمهات المؤمنين فيدخل فيهن الصديقة دخولًا أوليًا.\nوأما ما قيل من أن المراد هي الصديقة، والجمع باعتبار استتباعها للمتصفات بالصفات المذكورة من نساء الأمة، فيأباه، أن العقوبات المترتبة على رمي هؤلاء عقوبات مختصة بالكفار والمنافقين، ولا ريب في أن رمي غير أمهات المؤمنين ليس بكفر، فيجب أن يكون المراد إياهن على أحد الوجهين، فإنهن قد خصصن من بين سائر المؤمنات، فجعل رميهن كفرًا إبرازًا لكرامتهن على الله ﷿، وحماية في صاحب الرسالة من أن يحوم حوله أحد بسوء) (١).\n٣ - ومن خلال عرض أنواع سب الصحابة التي تخرج عن الملة، فإنه يمكن أن نسوق جملة من الأوجه في كون هذا السب ناقضًا من نواقض الإيمان، على النحو التالي:-\nأ- أن في سب الصحابة ﵃ تكذيبًا للقرآن الكريم، وإنكارًا لما تضمنته الآيات القرآنية من تزكيتهم والثناء الحسن عليهم.\nولذا يقول ابن تيمية: (إن الله سبحانه رضي عنهم رضًا مطلقًا بقوله تعالى:- وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [التوبة: ١٠٠] فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، وقال تعالى: - لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: ١٨]، والرضى من الله صفة قديمة (٢)، فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن ﵁ لم يسخط عليه أبدًا\nإلى أن قال: (فكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح، فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له، فلو علم أن يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك) (٣).\nويقول ابن حجر الهيتمي: (ومنها قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: ١٨]، فصرح تعالى برضاه عن أولئك وهم ألف ونحو أربعمائة، ومن رضي عنه تعالى لا يمكن موته على الكفر، لأن العبرة بالوفاة على الإسلام، فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام، وأما من علم موته على الكفر، فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه رضي عنه، فعلم أن كلا من هذه الآية وما قبلها صريح في رد ما زعمه وافتراه أولئك الملحدون الجاحدون حتى للقرآن العزيز، إذ يلزم من الإيمان به الإيمان بما فيه، وقد علمت أن الذي فيه أنهم خير الأمم، وأنهم عدول خيار، وأن الله لا يخزيهم وأنه رضي عنهم، فمن لم يصدق بذلك منهم فهو مكذب لما في القرآن، ومن كذب بما فيه مما لا يحتمل التأويل كان كافرًا جاحدًا ملحدًا مارقًا) (٤).\n_________\n(١) [١٠٦١٨]» «تفسير أبي السعود» (٤/ ١٠٤ – ١٠٥).\n(٢) [١٠٦١٩]» الرضى من صفات الله تعالى الفعلية التي تتعلق بمشيئة اختياره\n(٣) [١٠٦٢٠]» «الصارم المسلول» (ص ٥٧٢، ٥٧٣)، وانظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٥/ ١١٧)\n(٤) [١٠٦٢١]» «الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة» (ص ٣١٦).","vol":"7","page":50},{"text":"وقد استنبط بعض الأئمة من نصوص قرآنية كفر من سب الصحابة ﵃ أجمعين. فقال الإمام مالك بن أنس: (من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ، أو كان في قلبه غل، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا قوله تعالى: مَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ حتى أتى قوله: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ الآية [الحشر:٧ - ١٠]، فمن تنقصهم أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له في الفيء حق) (١).\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: (لا حظ للرافضي في الفيء والغنيمة لقول الله حين ذكر آية الفيء في سورة الحشر، فقال وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ .. الآية) (٢).\n(وقال أبو عروة – رجل من ولد الزبير: - كنا عند مالك، فذكروا رجلًا ينتقص أصحاب رسول الله عليه وسلم، فقرأ مالك هذه الآية: - مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء حتى بلغ: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ [الفتح:٢٩] فقال مالك: من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته الآية) (٣).\nقال القرطبي – معلقًا على قول مالك -: -\n(لقد أحسن مالك في مقالته، وأصاب في تأويله، فمن تنقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته، فقد رد على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين) (٤).\nولما ذكر أبو المعالي الألوسي هذه الآية مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ قال: (قال العلماء هذه الآية ناصة على أن الرافضة كفرة؛ لأنهم يكرهونهم، بل يكفرونهم والعياذ بالله تعالى) (٥).\nوننبه هاهنا إلى أن قول مالك ﵀: من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته الآية، إنما يحمل على غيظ سببه ما كان عليه الصحابة من الإيمان والقوة والكثرة، قال تعالى: - مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:٢٩].\nفكثرهم الله تعالى وقواهم ليكونوا غيظًا للكافرين، فمن غاظه حال الصحابة ﵃ لإيمانهم فهو كافر، كمن سبهم طعنًا في دينهم وعدالتهم، وأما إن وقع الغيظ من غير هذه الجهة، فليس بكفر، فقد جرت حروب بين الصحابة، ووقع من بعضهم غيظ وبغض لبعض، ومع ذلك لم يحكم بعضهم على بعض بكفر أو نفاق.\n_________\n(١) [١٠٦٢٢]» «الحلية» لأبي نعيم (٦/ ٣٢٧)، وانظر «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي (٧/ ١٢٦٨)\n(٢) [١٠٦٢٣]» «السنة» للخلال (٣/ ٤٩٨).\n(٣) [١٠٦٢٤]» «الحلية» لأبي نعيم (٦/ ٣٢٧)\n(٤) [١٠٦٢٥]» «تفسير القرطبي» (١٦/ ٩٦ – ٢٩٧)\n(٥) [١٠٦٢٦]» السيوف المشرقة (مخطوط)، (ق ٢٣٨).","vol":"7","page":51},{"text":"وتوضيحًا لذلك نورد ما قاله العيني، ونقله عن القرطبي (١) صاحب (المفهم) .. عند شرحه لحديث: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (٢) حيث يقول العيني: (المقصود من الحديث الحث على حب الأنصار، وبيان فضلهم لما كان منهم من إعزاز الدين وبذل الأموال والأنفس والإيثار على أنفسهم والإيواء والنصر وغير ذلك فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان وبغضهم محض النفاق.\nوقال القرطبي: - وأما من أبغض والعياذ بالله أحدًا منهم من غير تلك الجهة لأمر طارئ من حدث وقع لمخالفة غرض، أو لضرر ونحوه، لم يصر بذلك منافقًا ولا كافرًا، فقد وقع بينهم حروب ومخالفات، ومع ذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام) (٣).\nوبهذا ندرك خطأ ما قاله ابن حزم عند خطأ من حمل الآية: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ .. على ما استنبطه الإمام مالك (٤)، فابن حزم لم يفرق بين الغيظ الذي يوجب خروجًا عن الملة، وبين الغيظ فيما دون ذلك.\nويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (فمن سبهم فقد خالف ما أمر الله من إكرامهم، ومن اعتقد السوء فيهم كلهم أو جمهورهم فقد كذب الله تعالى فيما أخبر من كمالهم وفضلهم ومكذبه كافر) (٥).\nوإذا تقرر أن سب الصحابة ﵃ تكذيب للقرآن الكريم، فإن القول بكفر جمهور الصحابة ﵃، أو فسقهم يؤول إلى الشك في القرآن الكريم، والطعن في ثبوته وحفظه؛ لأن الطعن في النقلة طعن في المنقول، ولذا فإن الرافضة لما كفروا جمهور الصحابة، اتبعوا ذلك بدعوى تحريف القرآن الكريم وتبديله.\n(ب) أن سب الصحابة ﵃ يستلزم نسبة الجهل إلى الله تعالى، أو العبث في تلك النصوص الكثيرة التي تقرر الثناء الحسن على الصحابة، وتزكيهم.\nويبين ذلك الشيخ محمد العربي بن التباني المغربي حيث يقول:-\n(كيف يؤمن بنصوص القرآن من يكذب بوعده تعالى لهم بالحسنى، وبإعداده لهم المنازل الرفيعة في الجنة، وبرضاه عنهم، ورضاهم عنه بزعمه أنهم قد كفروا وارتدوا عن الإسلام، فعقيدة هذه الطائفة (أي الرافضة) في جل سادات هذه الأمة لا تخرج عن أمرين: - إما نسبة الجهل إليه تعالى، أو العبث في هذه النصوص التي أثنى بها على الصحابة رضوان الله عليهم وتقدس ربنا وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، وكلاهما مصيبة كبرى، وذلك لأنه تعالى إن كان عالمًا بأنهم سيكفرون فيكون وعده لهم بالحسنى ورضاه عنهم عبثًا، والعبث في حقه تعالى محال، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ [الدخان:٣٨]، وإن كان تعالى غير عالم بأنهم سيكفرون ومع ذلك أثنى عليهم ووعدهم بالحسنى فهو جهل، والجهل عليه تعالى محال، ولا خلاف بين كل من يؤمن بالقرآن وله عقل سليم أن نسبة الجهل أو العبث إليه تعالى كفر بواح) (٦).\n_________\n(١) [١٠٦٢٧]» أبو العباس أحمد بن عمرو بن إبراهيم القرطبي المالكي، محدث، فقيه، رحل إلى المشرق، له مؤلفات، توفي بالإسكندرية سنة ٦٥٦ هـ. انظر: «الديباج المذهب» (١/ ٢٤٠)، و«شذرات الذهب» (٥/ ٢٧٣).\n(٢) رواه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤). من حديث أنس ﵁.\n(٣) [١٠٦٢٩]» «عمدة القارئ» (١/ ١٧٣) باختصار، وانظر «فتح الباري» (١/ ٦٣)\n(٤) [١٠٦٣٠]» انظر «الفصل» (٣/ ٢٩٤).\n(٥) [١٠٦٣١]» «الرد على الرافضة» (ص١٧)\n(٦) [١٠٦٣٢]» «إتحاف ذوي النجابة» بما في القرآن والسنة من فضائل الصحابة (ص ٧٥) باختصار","vol":"7","page":52},{"text":"(ج) من سب الصحابة ﵃، ورماهم بالكفر أو الفسق، فقد تنقص الرسول ﷺ وآذاه؛ لأنهم أصحابه الذين رباهم وزكاهم، ومن المعلوم أن تنقص الرسول ﷺ كفر وخروج عن الملة (١).\nأخرج الخطيب البغدادي – بسنده – عن أبي زرعة قال: - (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة) (٢).\nومن أشنع أنواع السب: أن يقذف إحدى أمهات المؤمنين، لما في الوقيعة في أعراضهن من التنقص والمسبة لرسول الله ﷺ.\nساق اللالكائي بسنده (أن الحسن بن زيد لما ذكر رجل بحضرته عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فأمر بضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله هذا رجل طعن على النبي ﷺ، قال الله ﷿: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:٢٦].\nفإن كانت عائشة خبيثة فالنبي ﷺ خبيث، فهو كافر فاضربوا عنقه. فضربوا عنقه) (٣).\nوأخرج اللالكائي – بسنده – عن محمد بن زيد أنه قدم عليه من العراق رجل ينوح بين يديه فذكر عائشة بسوء، فقام إليه بعمود، وضرب به دماغه فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا وممن يتولانا، فقال: هذا سمى جدي قرنان (٤) استحق عليه القتل فقتلته (٥)\nإضافة إلى ذلك فإن هذا السب يستلزم اتهام النبي ﷺ بأنه لم ينجح في دعوته، ولم يحقق البلاغ المبين، وقد زعم من لا خلاق له من الدين والعلم، أن جمهور الصحابة ﵃ قد ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ، ولم يثبت على الإيمان إلا القليل، وقد يؤول هذا الأمر إلى اليأس من إصلاح البشر، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن المعلوم قطعًا أنه ﷺ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.\n(د) أن سب الصحابة ﵃، والطعن في دينهم، هو طعن في الدين، وإبطال للشريعة، وهدم لأصله، لعدم توافر النقل المأمون له.\nوإليك هذه القصة التي تبين ذلك: -\n_________\n(١) [١٠٦٣٣]» انظر «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي (حاشية المحقق) (٧/ ١٢٣٨)، «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٧٥)، و«الرد على الرافضة» لمحمد بن عبد الوهاب (ص ٨)، و«صحابة الرسول» للكبيسي (ص ٣٣٧)\n(٢) [١٠٦٣٤]» «الكفاية في علم الرواية» (ص ٦٣ - ٦٤)\n(٣) [١٠٦٣٥]» انظر: «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي (٧/ ١٢٦٩)\n(٤) [١٠٦٣٦]» في الأصل: قرتان، وقال المحقق: لم يتبين لي معناها «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي (٧/ ١٢٧٠) والصحيح ما أثبته كما نقله ابن تيمية في «الصارم المسلول» (ص ٦٧) ومعنى قرنان: - (هو الذي يشارك في امرأته كأن يقرن به غيره، وهو نعت سوء في الرجل الذي لا غيرة له) «لسان العرب» (١٣/ ٣٣٨).\n(٥) [١٠٦٣٧]» انظر «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي (٧/ ١٢٧٠).","vol":"7","page":53},{"text":"قال عمر بن حبيب: (حضرت مجلس هارون الرشيد، فجرت مسألة تنازعها الحضور، وعلت أصواتهم، فاحتج أحدهم بحديث رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ، فدفع بعضهم الحديث، وزادت المدافعة والخصومة، حين قال قائلون منهم: - لا يقبل هذا الحديث على رسول الله ﷺ؛ لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه، وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، ونصر قولهم، فقلت أنا: هذا الحديث صحيح عن رسول الله ﷺ، وأبو هريرة صحيح النقل، صدوق فيما يرويه عن النبي ﷺ وغيره، فنظر إلي الرشيد نظر مغضب، وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل صاحب البريد بالباب، فدخل فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه فسلمني منه، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب، حاسر عن ذراعيه بيده والسيف، وبين يديه النطع، فلما بصر بي قال لي: يا عمر بن حبيب، ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله ﷺ، وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابه كذابين، فالشريعة باطلة والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله، وأمر لي بعشرة آلاف درهم) (١).\nوقال ابن عقيل الحنبلي في هذا المقال: (الظاهر أن من وضع مذهب الرافضة قصد الطعن في أصل الدين والنبوة، وذلك أن الذي جاء به رسول الله ﷺ أمر غائب عنا، وإنما نثق في ذلك بنقل السلف، وجودة نظر الناظرين إلى ذلك منهم ... فإذا قال قائل: - إنهم أول ما بدؤوا بعد موته بظلم أهل بيته في الخلافة، وابنته في إرثها، وما هذا إلا لسوء اعتقاد في المتوفي.\nفإن الاعتقادات الصحيحة سيما في الأنبياء توجب حفظ قوانينهم بعدهم لا سيما في أهليهم وذريتهم.\nفإذا قالت الرافضة: إن القوم استحلوا هذا بعده، خابت آمالنا في الشرع؛ لأنه ليس بيننا وبينه إلا النقل عنهم والثقة بهم. فإذا كان هذا محصول ما حصل لهم بعد موته خبنا في المنقول، وزالت ثقتنا فيما عولنا عليه من اتباع ذوي العقول، ولم نأمن أن يكون القوم لم يروا ما يوجب اتباعه، فراعوه مدة الحياة، وانقلبوا عن شريعته بعد الوفاة، ولم يبقى على دينه إلا الأقل من أهله، فطاحت الاعتقادات، وضعفت النفوس عن قبول الروايات في الأصل، فهذا من أعظم المحن على الشريعة) (٢).\nوقال الذهبي: (فمن طعن فيهم أو سبهم، فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين؛ لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وما لرسول الله ﷺ من ثنائه عليهم وبيان فضائلهم ومناقبهم وحبهم ...\nإلى أن قال – والطعن في الوسائط طعن الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، هذا ظاهر لمن تدبره، وسلم من النفاق، ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته ...) (٣).\n_________\n(١) [١٠٦٣٨]» «تهذيب الكمال» (٢/ ١٠٠٤، ١٠٠٥).\n(٢) [١٠٦٣٩]» «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (ص ١٠٧، ١٠٨)\n(٣) [١٠٦٤٠]» «الكبائر» (ص ٢٨٥)","vol":"7","page":54},{"text":"وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن القول بارتداد الصحابة عدا خمسة أو ستة نفر: - (هدم لأساس الدين؛ لأن أساسه القرآن والحديث، فإذا فرض ارتداد من أخذ من النبي ﷺ إلا النفر الذين لا يبلغ خبرهم التواتر، وقع الشك في القرآن والأحاديث ... فهؤلاء أشد ضررًا على الدين من اليهود والنصارى، وفي هذه الهفوة الفساد من وجوه، فإنها توجب إبطال الدين والشك فيه، وتجوز كتمان ما عورض به القرآن، وتجوز تغيير القرآن ...) (١).\nويقول محمد صديق حسن خان: (والعجب كل العجب من علماء الإسلام وسلاطين هذا الدين كيف تركوهم (أي الرافضة) على هذا المنكر البالغ في القبح إلى غايته ونهايته، فإن هؤلاء المخذولين لما أرادوا رد هذه الشريعة المطهرة ومخالفتها، طعنوا في أعراض الحاملين لها، الذين لا طريق لنا إليها إلا من طريقهم، واستذلوا أهل العقول الضعيفة والإدراكات الركيكة بهذه الذريعة الملعونة والوسيلة الشيطانية، فهم يظهرون السب واللعن لخير الخليقة، ويضمرون العناد للشريعة ورفع أحكامها عن العباد) (٢).\n(هـ) إن سب الصحابة ﵃ يستلزم تضليل الأمة المحمدية، ويتضمن أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام (٣).\nكما أن سبهم إنكار لما قام الإجماع عليه، قبل ظهور المخالف من فضلهم وشرفهم ومصادمة للنصوص المتواترة من الكتاب والسنة في بيان علو مقامهم وعظيم شأنهم (٤) نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف- ص: ٤١٠\n_________\n(١) [١٠٦٤١]» «الرد على الرافضة» (ص ١٣) باختصار\n(٢) [١٠٦٤٢]» «الدين الخالص» (٣/ ٤٠٤).\n(٣) [١٠٦٤٣]» انظر «الصارم المسلول» (ص ٥٨٧)، و(الأعلام) لابن حجر الهيتمي (ص ٣٨٠).\n(٤) [١٠٦٤٤]» انظر «صحابة الرسول» للكبيسي (ص٣٣٧).","vol":"7","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1922>المطلب الثاني: الاستهزاء بالعلماء والصالحين</span>\nإن الواجب تجاه العلماء والصالحين هو محبتهم ومودتهم، وتوقيرهم وإجلالهم، كما جاءت به الشريعة، دون غلو وإفراط.\n٢ - ولا شك أن الاستهزاء بالعلماء أو الصالحين يضاد محبتهم وإجلالهم، فالاستهزاء بهم يعني السخرية بهم والاستخفاف بهم (١).\nقال الألوسي: (الاستهزاء: الاستخفاف والسخرية، وذكر الغزالي أن الاستهزاء الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وبالإشارة والإيماء ... وأصل هذه المادة الخفة، يقال: ناقة تهزأ به أي: تسرع وتخف) (٢).\nإن الاستهزاء بأهل العلم والصلاح صفة من صفات الكافرين، وخصلة من خصال المنافقين، كما قرر ذلك القرآن في آيات كثيرة.\nيقول الله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ [البقرة:٢١٢].\nوقال سبحانه: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:١٠٣، ١١١].\nوقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:٢٩ - ٣٣].\nوقال تعالى في شأن المنافقين: وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:١٤ - ١٥].\nوقال تعالى الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:٧٩].\nولقد حرص أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وأذنابهم من منافقي هذا الزمان على تشويه سمعة العلماء، وزعزعة مكانتهم في نفوس الأمة المسلمة.\nفمما جاء في البروتوكول السابع عشر من بروتوكولات اليهود:\n_________\n(١) [١٠٦٤٥]» انظر «لسان العرب» (١/ ١٨٣)، و«المصباح المنير» (ص ٧٨٧).\n(٢) [١٠٦٤٦]» «روح المعاني» (١/ ١٥٨) باختصار","vol":"7","page":56},{"text":"(وقد عنينا عناية عظيمة بالحط من كرامة رجال الدين من الأمميين (غير اليهود) في أعين الناس، وبذلك نجحنا في الإضرار برسالتهم التي كان يمكن أن تكون عقبة كؤودًا في طريقنا، وإن نفوذ رجال الدين على الناس ليتضاءل يومًا فيومًا) (١).\nوسعى هؤلاء في سبيل ذلك سعيًا حثيثًا، فشنوا الحملات المسعورة، وأعدوا المخططات الرهيبة من أجل الكيد لهذا الدين والصد عنه، عن طريق الطعن في حملة الإسلام ودعاته وعلمائه، وقد آتت هذه المؤامرات ثمارها النكدة كما هو مشاهد في واقع الأمة، وتولت وسائل الإعلام في بلاد المسلمين وغيرها كبر هذه الهجمة الشرسة على علماء الأمة (٢)، فظهر الاستهزاء بالعلماء والصالحين على وسائل الإعلام المختلفة، وتطاول الأقزام من أهل الشبهات والشهوات على مقامات أهل العلم والصلاح باسم حرية الرأي والفكر!، واستهزئ بأهل الصلاح والديانة تحت مظلة محاربة التطرف والتشدد!\nوساعد على استفحال هذا المنكر أسباب كثيرة، فبالإضافة إلى ما سبق ذكره، نذكر أيضًا من تلك الأسباب:-\nغلبة الجهل بدين الله تعالى بين المسلمين، سواء كان الجهل بحرمة المسلم وعظيم حقه ومنزلته، أو الجهل بحكم الاستهزاء بأهل العلم والصلاح. وسبب آخر وهو تنحية شرع الله تعالى في بلاد المسلمين ... فلو أن حد الردة– مثلًا– أقيم على من يستحقه ... فلن يتطاول سفيه على فتاوى أهل العلم، كما هو واقعنا الآن، ولن يسخر مريض قلب من استقامة أهل الديانة وطهرهم، والله حسبنا ونعم الوكيل.\nإن الاستهزاء بالعلماء والصالحين على ضربين:-\nأحدهما:- الاستهزاء بأشخاصهم، كمن يستهزئ بأوصافهم الخَلْقِّية أو الخُلُقِّية، وهذا محرم لقوله تعالى: - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:١١].\nقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ، أنه قال «الكبر بطر الحق وغمص الناس» (٣) ويروى وغمط الناس.\nوالمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرًا عند الله تعالى، وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له ...) (٤).\nوالضرب الآخر: الاستهزاء بالعلماء لكونهم علماء، ومن أجل ما هم عليه من العلم الشرعي، فهذا كفر؛ لأنه استهزاء بدين الله تعالى، وكذا الاستهزاء بأهل الصلاح من أجل استقامتهم على الديانة، واتباعهم للسنة، فالاستهزاء – هاهنا – متوجه إلى الدين والسنة.\n_________\n(١) [١٠٦٤٧]» «بروتوكولات حكماء صهيون» ترجمة محمد خليفة التونسي (ص ١٨٧).\n(٢) [١٠٦٤٨]» انظر «المشايخ والاستعمار» لحسني عثمان، و«القول المبين في حكم الاستهزاء بالمؤمنين» لعبد السلام آل عبد الكريم، و«الاستهزاء بالدين وأهله» لمحمد القحطاني\n(٣) [١٠٦٤٩]» رواه مسلم (٩١) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ بلفظ: (... وغمط الناس).\n(٤) [١٠٦٥٠]» «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢١٣)","vol":"7","page":57},{"text":"ومن المناسب هاهنا أن نورد تعقيبًا لابن حجر الهيتمي على ما قاله أحد علماء الأحناف عند ذكره لنواقض الإيمان: (فقال هذا الحنفي (١): أو قال: إيش مجلس الوعظ، أو العلم لا يثرد (٢)، أو وعظ على سبيل الاستهزاء، أو ضحك على وعظ العلم، أو قال: إيش هذا القبيح الذي خففت شاربك، أو قال: بئسما أخرجت السنة) (٣) اهـ كلامه.\nفعقب ابن حجر قائلًا: (ما ذكره في إيش مجلس الوعظ .. الخ، إنما يتجه إن أراد الاستهزاء، وكذا إن أطلق على احتمال قوي فيه لظهور هذا اللفظ في الاستخفاف بمجلس الوعظ والعلم.\nوما ذكره في الوعظ استهزاء إنما يتجه إن أراد الاستهزاء بالواعظ وكذا بالوعظ من حيث هو وعظ، أما لو أراد الاستهزاء بالواعظ، أو بكلماته، لا من حيث كونه واعظًا فلا يتجه الكفر حينئذ، وكذا يقال في الضحك على الوعظ) (٤).\nولما كان الاستهزاء بالعلماء والصالحين محتملًا للضربين المذكورين آنفًا، صار محلًا للخلاف (٥)، وبهذا التفريق بينهما يزول الإشكال، ويرتفع الخلاف.\n٣ - وأما وجه كون هذا الاستهزاء يناقض الإيمان، فلما يلي:-\n(أ) أن الله ﷿ جعل الاستهزاء بالمؤمنين استهزاء بالله تعالى وآياته ورسوله ﷺ (٦)، فقال ﵎:-\nقُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم [التوبة:٦٥، ٦٦].\nفقد جاء في سبب نزول هذه الآيات عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا (٧)، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحقب (٨) ناقة رسول الله ﷺ، تنكبه الحجارة، وهو يقول: - يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: - قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم (٩»).\nونورد جملة من كلام أهل العلم في بيان ذلك: -\nيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - ﵏ - في هذا الشأن (وفيه بيان أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها، أو بعمل يعمل به ... ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله وعدم احترامهم لأجله) (١٠).\n_________\n(١) [١٠٦٥١]» لم يذكر ابن حجر الهيتمي اسم هذا العالم\n(٢) [١٠٦٥٢]» لا يثرد من قولهم \" ثرد الخبز: أي فته ثم بله بمرق، انظر «اللسان» (٣/ ١٠٢)، وظاهر العبادة السابقة: العلم لا يثرد ... الاستهزاء بالعلم واحتقاره\n(٣) [١٠٦٥٣]» «الإعلام» لابن حجر (ص ٣٧٢ - ٣٧٣).\n(٤) [١٠٦٥٤]» «الإعلام» لابن حجر (ص ٣٧٢ - ٣٧٣)\n(٥) [١٠٦٥٥]» انظر «روضة الطالبين» للنووي (١٠/ ٦٨)، و«الإعلام» لابن حجر (ص ٣٦٢).\n(٦) [١٠٦٥٦]» انظر «فتاوى اللجنة الدائمة» (٢/ ١٤ - ١٥).\n(٧) [١٠٦٥٧]» أي: أوسع بطونًا، انظر «الفائق في غريب الحديث» للزمخشري (٢/ ٦٩).\n(٨) [١٠٦٥٨]» الحقب: حبل يشد به رحل البعير إلى بطنه. انظر «الفائق في غريب الحديث» للزمخشري (١/ ٣٠٠)\n(٩) [١٠٦٥٩]» رواه ابن جرير في «التفسير» (١٤/ ٣٣٣)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٧/ ٣١٣)، قال مقبل الوادعي في «أسباب النزول» (١٢٢): رجاله رجال الصحيح إلا هشام بن سعد فلم يخرج له مسلم إلا في الشواهد وله شاهد بسند حسن.\n(١٠) [١٠٦٦٠]» «قرة عيون الموحدين» (ص ٢١٧).","vol":"7","page":58},{"text":"وسئل الشيخ حمد بن عتيق﵀ - عن معنى قول الفقهاء: من قال يا فقيه بالتصغير يكفر .. فكان من جوابه: (اعلم أن العلماء قد أجمعوا على أن من استهزأ بالله، أو رسوله، أو كتابه فهو كافر، وكذا إذا أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء، واستدلوا بقوله تعالى: - وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:٦٥ - ٦٦].\nوسبب النزول مشهور، وأما قول القائل: فقيه، أو عويلم، أو مطيويع ونحو ذلك، فإذا كان قصد القائل الهزل، أو الاستهزاء بالفقه أو العلم أو الطاعة، فهذا كفر أيضًا ينقل عن الملة فيستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدًا) (١).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: (قوله تعالى: - أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ ... الآيات أي فليس لكم عذر؛ لأن هذا لا يدخله الخوض واللعب، وإنما تحترم هذه الأشياء وتعظم ويخشع عندها إيمانًا بالله ورسوله، وتعظيمًا لآياته، وتصديقًا وتوقيرًا، والخائض واللاعب منتقص لها، ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله، وعدم احترامهم، أو الوقيعة فيهم لأجله) (٢).\nوجاء في فتوى اللجنة الدائمة ما يلي:-\n(سب الدين والاستهزاء بشيء من القرآن والسنة، والاستهزاء بالمتمسك بها نظرًا لما تمسك به كإعفاء اللحية وتحجب المسلمة، هذا كفر إذا صدر من مكلف، وينبغي أن يبين له أن هذا كفر، فإن أصر بعد العلم فهو كافر، قال الله تعالى: - قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:٦٥ - ٦٦]) (٣).\n(ب) ذكر الله ﷿ أن الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين سبب في دخول نار جهنم، وعدم الخروج منها.\nفعندما ينادي أهل النار قائلين: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:١٠٧].\nيقول الله تعالى جوابًا عنهم: قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ [المؤمنون:١٠٨– ١١٠].\nوتوضيحًا لذلك نسوق أقوال بعض المفسرين لهذه الآيات\nفمما قاله أبو السعود ﵀: (وقوله تعالى: (إنه) تعليل لما قبله من الزجر عن الدعاء أي أن الشأن كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي وهم المؤمنون .. يقولون في الدنيا رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا أي اسكتوا عن الدعاء بقولكم ربنا الخ؛ لأنكم كنتم تستهزئون بالداعين بقولهم ربنا آمنا الخ، وتتشاغلون باستهزائهم حَتَّى أَنسَوْكُمْ أي الاستهزاء بهم ذِكْرِي من فرط اشتغالكم باستهزائهم وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ وذلك غاية الاستهزاء). (٤)\nويقول الألوسي: (قيل: التعليل على معنى إنما خسأناكم كالكلب ولم نحتفلكم إذ دعوتكم؛ لأنكم استهزأتم غاية الاستهزاء بأوليائي حين دعوا واستمر ذلك منكم حتى نسيتم ذكري بالكلية ولم تخافوا عقابي فهذا جزاؤكم.\n_________\n(١) [١٠٦٦١]» «الدرر السنية» (٨/ ٢٤٢) باختصار يسير\n(٢) [١٠٦٦٢]» «حاشية ابن قاسم على كتاب التوحيد»، (ص ٣٢٣)\n(٣) [١٠٦٦٣]» «فتاوى اللجنة الدائمة» (١/ ٢٥٦ – ٢٥٧)\n(٤) [١٠٦٦٤]» «تفسير أبي السعود» (٤/ ٨٧) باختصار يسير.","vol":"7","page":59},{"text":"وقيل: - خلاصة معنى الآية إنه كان فريق من عبادي يدعون، فتشاغلتم بهم ساخرين، واستمر تشاغلكم باستهزائهم إلى أن جركم إلى ترك ذكري في أوليائي فلم تخافوني في الاستهزاء بهم.\nوفيه تسخط عظيم لفعلهم ذلك ودلالة على اختصاص بالغ لأولئك العباد المسخور منهم، كما نبه عليه أولًا في قوله تعالى مِّنْ عِبَادِي وختمه بقوله تعالى إِنِّي جَزَيْتُهُمُ إلى قوله تعالى: - هُمُ الْفَائِزُونَ) (١).\nومما سطره الشنقيطي عند تفسيره لهذه الآيات: إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ .. إلى قوله تعالى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ حيث قال ﵀:-\n(قد تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، أن (إن) المكسورة المشددة من حروف التعليل كقولك: عاقبه إنه مسيء: أي لأجل إساءته، وقوله في هذه الآية إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي الآيتين. يدل فيه لفظ إن المكسورة المشددة على أن من الأسباب التي أدخلتهم النار هو استهزاؤهم، وسخريتهم من هذا الفريق المؤمن الذي يقول: - رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فالكفار يسخرون من ضعفاء المؤمنين في الدنيا حتى ينسيهم ذلك ذكر الله، والإيمان به فيدخلون بذلك النار.\nوحتى في قوله: حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي .. حروف غاية، لاتخاذهم إياهم سخريًا أي لم يزالوا كذلك، حتى أنساهم ذلك ذكر الله والإيمان به، فكان مأواهم النار والعياذ بالله) (٢).\n(ج) أن الاستهزاء بالعلماء والصالحين لأجل ما هم عليه من العلم الشرعي، واتباعهم للقرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، هو في حقيقته استهزاء بآيات الله تعالى، وسخرية بشرائع دين الله ﷿، ولا شك أن هذا الاستهزاء كفر يناقض الإيمان، يقول الله تعالى: - وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الجاثية:٩]، ولم يجئ إعداد العذاب المهين إلا في حق الكفار (٣).\nيقول ابن حزم: (صح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى، أو بملك من الملائكة، أو بنبي من الأنبياء ﵈، أو بآية من القرآن، أو بفريضة من فرائض الدين، فهي كلها آيات الله تعالى بعد بلوغ الحجة إليه فهو كافر) (٤).\n٤ - ونختم هذا المبحث بجملة من أقوال العلماء في تلك المسألة.\nيقول القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا .. الآية حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي أي اشتغلتم بالاستهزاء عند ذكري وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ استهزاء بهم، وأضاف الإنساء إلى المؤمنين؛ لأنهم كانوا سببًا لاشتغالهم عن ذكره، وتعدى شؤم استهزائهم بالمؤمنين إلى استيلاء الكفر على قلوبهم.\nويستفيد من هذا: التحذير من السخرية والاستهزاء بالضعفاء، والمساكين، والاحتقار لهم، والإزراء عليهم والاشتغال بهم فيما لا يعني، وأن ذلك مبعد من الله ﷿. \" (٥)\nوجاء في (الفتاوى البزازية): (والاستخفاف بالعلماء لكونهم علماء استخفاف بالعلم، والعلم صفة الله تعالى منحه فضلًا على خيار عباده ليدلوا خلقه على شريعته نيابة عن رسله، فاستخفافه بهذا يعلم أنه إلى من يعود) (٦).\n_________\n(١) [١٠٦٦٥]» «روح المعاني» (١٨/ ٦٩) باختصار يسير\n(٢) [١٠٦٦٦]» «أضواء البيان» (٥/ ٨٢٧ - ٨٢٨) باختصار\n(٣) [١٠٦٦٧]» انظر «الصارم المسلول» لابن تيمية (ص ٥٢).\n(٤) [١٠٦٦٨]» «الفصل» (٣/ ٢٩٩)، وانظر «المحلى» (١٣/ ٠٠ ٥ –٥٠٢)\n(٥) [١٠٦٦٩]» «تفسير القرطبي» (١٢/ ١٥٤) باختصار\n(٦) [١٠٦٧٠]» «الفتاوى البزازية بهامش الفتاوى العالمكيرية» (٦/ ٣٣٦).","vol":"7","page":60},{"text":"وجاء أيضًا: (رجل يجلس على مكان مرتفع أو لا يجلس عليه، لكن يسألونه عن مسائل بطريق الاستهزاء، ويضربونه بما شاؤا وهم يضحكون كفروا) (١).\nويقول ابن نجيم: (ويكفر بجلوسه على مكان مرتفع والتشبه بالمذكورين ومعه جماعة يسألون من المسائل ويضحكون منه، ثم يضربونه بالمخراق (٢)، وكذا يكفر الجميع لاستخفافهم بالشرع، وكذا لو لم يجلس على مكان مرتفع، ولكن يستهزئ بالمذكورين ويتمشى والقوم يضحكون، وبقوله لا تذهب وإن ذهبت تطلق امرأتك استهزاء بالعلم والعلماء جوابًا لمن قال إلى مجلس العلم، جوابًا أين تذهب) (٣).\nويقول أيضًا:- (ولو صغر الفقيه أو العلوي قاصدًا الاستخفاف بالدين كفر، لا إن لم يقصده) (٤).\nويقول – في كتاب آخر -: (الاستهزاء بالعلم والعلماء كفر) (٥).\nويقول ملا علي قاري: (وفي الظهيرية من قال لفقيه أخذ شاربه: ما أشد قبحًا قص الشارب ولف طرف العمامة تحت الذقن يكفر؛ لأنه استخفاف بالعلماء يعني وهو مستلزم لاستخفاف الأنبياء ﵈؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء ﵈، وقص الشارب من سنن الأنبياء ﵈ فتقبيحه كفر بلا اختلاف بين العلماء.\nوفي (الخلاصة): من قال: قصصت شاربك وألقيت العمامة على العاتق استخفافًا يعني بالعالم أو بعلمه فذلك كفر.\nونقل عن الأستاذ نجم الدين الكندي بسمرقند أن من تشبه بالمعلم على وجه السخرية، وأخذ الخشبة، وضرب الصبيان كفر، يعني لأن معلم القرآن من جملة علماء الشريعة فالاستهزاء به وبمعلمه يكون كفرًا.\nوفي (المحيط) ذكر أن فقيهًا وضع كتابه في دكان وذهب، ثم مر على ذلك الدكان، فقال صاحب الدكان: ههنا نسيت المنشار، فقال الفقيه عندك كتاب لا منشار، فقال صاحب الدكان: النجار بالمنشار يقطع الخشب، وأنتم تقطعون به حلق الناس، أو قال حق الناس، فشكى الفقيه إلى الإمام الفضلي يعني الشيخ محمد بن الفضل، فأمر بقتل ذلك الرجل؛ لأنه كفر باستخفاف كتب الفقه.\nوفي (التتمة): من أهان الشريعة أو المسائل التي لا بد منها كفر، ومن ضحك من المتيمم كفر) (٦).\nوسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن بعض الناس يسخرون بالملتزمين بدين الله ويستهزئون بهم فما حكم هؤلاء؟\nفأجاب: (هؤلاء الذين يسخرون بالملتزمين بدين الله المنفذين لأوامر الله فيهم نوع نفاق، فإن الله قال عن المنافقين: - الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:٧٩].\nثم إن كانوا يستهزئون بهم من أجل ما هم عليه من الشرع، فإن استهزاءهم بهم استهزاء بالشريعة، والاستهزاء بالشريعة كفر، أما إذا كانوا يستهزئون بهم يعنون أشخاصهم، وزيهم بقطع النظر عما هم عليه من اتباع السنة فإنهم لا يكفرون بذلك؛ لأن الإنسان قد يستهزئ بالشخص نفسه بقطع النظر عن عمله وفعله لكنهم على خطر عظيم) (٧). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف– ص٤٤١\n_________\n(١) [١٠٦٧١]» «الفتاوى البزازية بهامش الفتاوى العالمكيرية» (٦/ ٣٣٧)\n(٢) [١٠٦٧٢]» المخراق: - المنديل يلف ليضرب به، انظر: «مختار الصحاح» (ص ١٧٣)\n(٣) [١٠٦٧٣]» «البحر الرائق» (٥/ ١٣٢).\n(٤) [١٠٦٧٤]» «البحر الرائق» (٥/ ١٣٤).\n(٥) [١٠٦٧٥]» «الأشباه والنظائر» (ص ١٩١).\n(٦) [١٠٦٧٦]» «شرح الفقه الأكبر» (ص ٢٦٠ – ٢٦٢) باختصار، وانظر «تهذيب ألفاظ الكفر» لمحمد إسماعيل الرشيد (ص ٢٦)\n(٧) [١٠٦٧٧]» «المجموع الثمين» (١/ ٦٥)، وانظر «الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة» للدوسري (ص ٦٣)، و«المنافقون في القرآن» لعبدالعزيز الحميدي (ص ٣٨٤)","vol":"7","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1924>المطلب الأول: ترك الصلاة تهاونا وكسلا</span>\nمن تعمد ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا، هل هو كافر أو مسلم؟ فيه قولان، وهذه المسألة محل خلاف طويل بين أهل العلم، ........،\nالقول الأول:- قال بتكفير تارك الصلاة جمع من الصحابة ﵃، والتابعين وكثير من أئمة العلم وأهله.\nيقول محمد بن نصر المروزي عن هذا القول: وهذا مذهب جمهور أصحاب الحديث. (١).\nويقول ابن حزم: (فروينا عن عمر بن الخطاب – ﵁ – ومعاذ بن جبل وابن مسعود وجماعة من الصحابة – ﵃ – وعن ابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه رحمة الله عليهم، وعن تمام سبعة عشر رجلًا من الصحابة، والتابعين ﵃، أن من ترك صلاة فرض عامدًا ذاكرًا حتى يخرج وقتها، فإنه كافر ومرتد، وبهذا يقول عبد الله بن الماجشون صاحب مالك، وبه يقول عبد الملك بن حبيب الأندلسي وغيره) (٢).\nوقال ابن قدامة: - واختلفت الرواية هل يقتل لكفره أو حدًا؟ فروي أنه يقتل لكفره كالمرتد، فلا يغسل ولا يكفن ولا يدفن بين المسلمين، ولا يرثه أحد، ولا يرث أحدًا، اختارها أبو إسحاق بن شاقلا، وابن حامد، وهو مذهب الحسن، والنخعي، والشعبي، وأيوب السختياني، والأوزاعي، وابن المبارك، وحماد بن زيد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن ... (٣).\nوقال النووي: (من تركها بلا عذر تكاسلًا وتهاونًا فيأثم بلا شك، ويجب قتله إذا أصر، وهل يكفر؟ فيه وجهان، حكاهما المصنف الشيرازي وغيره، أحدهما يكفر، قال العبدري: وهو قول منصور الفقيه من أصحابنا وحكاه المصنف في كتابه في الخلاف عن أبي الطيب بن سلمة من أصحابنا) (٤).\nوقال ابن تيمية: (وإن كان التارك للصلاة واحدًا فقد قيل إنه يعاقب بالضرب والحبس حتى يصلي، وجمهور العلماء على أنه يجب قتله إذا امتنع من الصلاة بعد أن يستتاب، فإن تاب وصلى، وإلا قتل، وهل يقتل كافرًا أو مسلمًا فاسقًا؟ فيه قولان، وأكثر السلف على أنه يقتل كافرًا، وهذا كله مع الإقرار بوجوبها) (٥).\nوأما القائلون بعدم تكفير تارك الصلاة فكثير من الفقهاء.\nقال ابن قدامة: (والرواية الثانية: يقتل حدًا، مع الحكم بإسلامه، كالزاني المحصن، وهذا اختيار أبي عبد الله ابن بطة، وأنكر قول من قال إنه يكفر ... وهذا قول أكثر الفقهاء، وقول أبي حنيفة ومالك، والشافعي) (٦).\nوقال النووي – عن هذا القول: وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور. (٧). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف- بتصرف - ص٤٥٧\n(ينظر التفصيل في الباب الثالث، الفصل الأول، من الكتاب الثامن في هذه الموسوعة)\n_________\n(١) [١٠٦٧٨]» «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٦٣٦)\n(٢) [١٠٦٧٩]» «الفصل» (٣/ ٢٧٤)، وانظر: «المحلى» (٢/ ٣٢٦، ٣٢٧)، و«الشريعة» للآجري (ص١٣٣ - ١٣٥) و«الإبانة الكبرى» لابن بطة (٢/ ٦٦٩ - ٦٨٤)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٤/ ٢٢٥).\n(٣) [١٠٦٨٠]» «المغني» (٣/ ٣٥٤)، وانظر: «الإنصاف» للمرداوي (١/ ٤٠٤، ٤٠٥).\n(٤) [١٠٦٨١]» «المجموع» (٣/ ١٧).\n(٥) [١٠٦٨٢]» «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٠٨)، وانظر: (٢٨/ ٣٥٩، ٣٦٠)، وكتاب «الصلاة» لابن القيم (ص٣٣)، و«جامع العلوم والحكم» لابن رجب (١/ ١٤٧).\n(٦) [١٠٦٨٣]» «المغني» (٣/ ٣٥٥)، وانظر: «الإنصاف» للمرداوي (١/ ٤٠٤، ٤٠٥).\n(٧) [١٠٦٨٤]» «المجموع» (٣/ ١٧)، وانظر: «طرح التثريب شرح التقريب» للعراقي (٢/ ١٤٧)، و«مقدمات ابن رشد» (ص١٠١)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٤/ ٢٣٠).","vol":"7","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1926>تمهيد:</span>\nسنتحدث عن السحر وما يلحق به؛ لأنه يضاد الإيمان وينافيه، وهو محل خلاف بين أهل العلم هل يعد كفرًا أم لا؟\nومما يؤكد أهمية هذا الموضوع وجود ظاهرة السحر بأنواعه المختلفة في غالب الأمم، كما دل ذلك قوله تعالى: - كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات:٥٢].\nولذا يقول ابن تيمية: (اسم الساحر معروف في جميع الأمم ...) (١).\nفقد وجد السحر عند أهل فارس، وعند قدماء المصريين، وكذا في الهند، وبلاد اليونان، كما أن اليهود لما انحرفوا فأعرضوا عن كتاب الله تعالى ... أقبلوا على السحر، واتبعوا ما تتلو الشياطين كما قال سبحانه: -\nوَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ .... [البقرة:١٠١ - ١٠٢].\nيقول الشيخ السعدي – ﵀ -: (لما كان من العوائد القدسية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به ولم ينتفع، ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك عبادة الرحمن، ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان ومن ترك الذل لربه، ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل.\nكذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله اتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر ...) (٢).\nوبالفعل هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله تعالى، وانحرفوا عن عبادة الله وحده، عوقبوا بعبادة الشيطان عن طريق السحر، فتعرضوا للخذلان والحرمان، وأنواع الضنك والشقاء في الدنيا والآخرة، وقد أشار إلى ذلك ابن تيمية بقوله:-\n\" إن الكثيرين من أرباب السحر ممن يدخل في الباطل الخفي الدقيق، ويحتاج إلى أعمال عظيمة، وأفكار عميقة، وأنواع من العبادات والزهادات والرياضات، ومفارقة الشهوات والعادات، ثم آخر أمرهم الشك بالرحمن، وعبادة الطاغوت والشيطان، والفساد في الأرض، والقليل منهم من ينال غرضه، الذي لا يزيده من الله إلا بعدًا، وغالبهم محروم مأثوم، يتمنى الكفر والفسوق والعصيان، وهو لا يحصل إلا على نقل الأكاذيب وتمنى الطغيان، سماعون للكذب، أكالون للسحت، عليهم ذلة المفترين. (٣)\nوفي هذا العصر، عصر التقدم المادي ... تزداد ظاهرة السحر نفوذًا وانتشارًا، فأكثر شعوب العالم تقدمًا ماديًا تجري فيها طقوس السحر على نطاق واسع وبطرق متنوعة كأمريكا وفرنسا وألمانيا، بل إن السحر قد واكب هذا التطور المادي، فأقيمت الجمعيات والمعاهد لتعليم السحر سواء عن طريق الانتظام، أو الانتساب، كما نظمت المؤتمرات والندوات في هذا المجال.\nإضافة إلى ذلك فإن بلاد المسلمين – عمومًا – تنتشر فيها مظاهر السحر وأنواعه بسبب ضعف الإيمان بالله تعالى، وظهور الجهل بأحكام الشريعة، وسذاجة الكثير من المسلمين وجهلهم بحل هؤلاء السحرة المشعوذين، وتعطيل أحكام الله تعالى في هؤلاء السحرة (٤)\n٢ - السحر في لغة العرب هو كل ما لطف مأخذه ودق، وأصل السحر: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، وسحره بمعنى خدعه، وسحره بكلامه: استماله برقته، وحسن تركيبه (٥).\nوأما تعريفه اصطلاحًا فإن السحر ليس نوعًا واحدًا يمكن حده بحد يميزه عن غيره وقد أشار الشافعي ﵀ إلى ذلك بقوله: (والسحر اسم جامع لمعان مختلفة) (٦). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف- بتصرف – ص: ٤٩٩\n_________\n(١) [١٠٦٨٥]» «النبوات» (ص ٢٧٢)، وانظر «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص ٢١٠) محمد الأصفر.\n(٢) [١٠٦٨٦]» «تفسير السعدي» (١/ ١١٨).\n(٣) [١٠٦٨٧]» «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٦٢، ٦٣) باختصار يسير، وانظر «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\n(٤) [١٠٦٨٨]» انظر لمعرفة أحوال السحرة في هذا العصر «عالم السحر والشعوذة» لعمر الأشقر (ص ٥٥ –٦٨)، و«تكملة المجموع» لمحمد المطيعي (٢١/ ٩٠، ٩١) و«السحر والمجتمع» لسامية الساعاتي، و«العرافون الدجالون» لياسين العجرمي\n(٥) [١٠٦٨٩]» انظر «اللسان» (٤/ ٣٤٨)، و«المصباح المنير» (ص ٣١٧)، و«ترتيب القاموس المحيط» (٢/ ٥٢٨)، و«مختار الصحاح» (ص ٢٨٨).\n(٦) [١٠٦٩٠]» «الأم» (١/ ٣٩١).","vol":"7","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1927>أولًا: تعريف السحر لغةً وشرعًا</span>\nالسحر لغة: ما خفي ولطف سببه، ومنه سمي السَّحَر لآخر الليل، لأن الأفعال التي تقع فيه تكون خفية، وكذلك سمي السحور، لما يؤكل في آخر الليل، لأنه يكون خفيًا، فكل شيء خفي سببه يسمى سحرًا.\nوأما في الشرع، فإنه ينقسم إلى قسمين:\nالأول: عقد ورقي، أي: قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به ضرر المسحور، لكن قد قال الله تعالى: وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ [البقرة: ١٠٢].\nالثاني: أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله، فتجده ينصرف ويميل، وهو ما يسمى عندهم بالصرف والعطف.\nفيجعلون الإنسان ينعطف على زوجته أو امرأة أخرى، حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء، والصرف بالعكس من ذلك.\nفيؤثر في بدن المسحور بإضعافه شيئًا فشيئًا حتى يهلك.\nوفي تصوره بأن يتخيل الأشياء على خلاف ما هي عليه.\nوفي عقله، فربما يصل إلى الجنون والعياذ بالله. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين – بتصرف - ٢/ ٥","vol":"7","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1928>ثانيًا: حكم السحر</span>\nأولًا: السحر ينقسم إلى قسمين:\n- شرك، وهو الأول الذي يكون بواسطة الشياطين، يعبدهم ويتقرب إليهم ليسلطهم على المسحور.\n- عدوان، وفسق وهو الثاني الذي يكون بواسطة الأدوية والعقاقير ونحوها.\nثانيًا: بالتقسيم الذي ذكر نتوصل إلى مسألة مهمة، وهي: هل يكفر الساحر أو لا يكفر؟\nاختلف في هذا أهل العلم:\nفمنهم من قال: إنه يكفر.\nومنهم من قال: إنه لا يكفر.\nولكن التقسيم السابق الذي ذكرناه يتبين به حكم هذه المسألة، فمن كان سحره بواسطة الشيطان، فإنه يكفر لأنه لا يتأتى ذلك إلا بالشرك غالبًا، لقوله تعالى: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ ... إلى قوله: وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ [البقرة:١٠٢]، وأما قتل الساحر، فإن كان سحره بالأدوية والعقاقير ونحوهما، فلا يكفر، ولكن يعتبر عاصيًا معتديًا.\nوأما قتل الساحر، فإن كان سحره كفرًا، قُتِل قتل ردة، إلا أن يتوب على القول بقبول توبته، وهو الصحيح، وإن كان سحره دون الكفر، قُتِل قتل الصائل، أي: قتل لدفع أذاه وفساده في الأرض، وعلى هذا يرجع في قتله إلى اجتهاد الإمام وظاهر النصوص ... أنه يقتل بكل حال، فالمهم أن السحر يؤثر بلا شك، لكنه لا يؤثر بقلب الأعيان إلى أعيان أخرى، لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله ﷿، وإنما يخيل إلى المسحور أن هذا الشيء انقلب وهذا الشيء تحرك أو مشى وما أشبه ذلك، كما جرى لموسى ﵊ أمام سحرة آل فرعون، حيث كان يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ...\nقوله: (حد الساحر ضربة بالسيف). حده يعني: عقوبته المحددة شرعًا.\nوظاهره أنه لا يكفر، لأن الحدود تطهر المحدود من الإثم.\nوالكافر إذا قتل على ردته، فالقتل لا يطهره.\nوهذا محمول على ما سبق: أن من أقسام السحر ما لا يخرج الإنسان عن الإسلام، وهو ما كان بالأدوية والعقاقير التي توجب الصرف والعطف وما أشبه ذلك.\nقوله: (ضربة بالسيف). روي بالتاء بعد الباء، وروي بالهاء، وكلاهما صحيح، لكن الأولى أبلغ، لأن التنكير وصيغة الوحدة يدلان على أنها ضربة قوية قاضية.\nوفي (صحيح البخاري) عن بجالة بن عبدة، قال: «كتب عمر بن الخطاب ﵁: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة». قال: «فقتلنا ثلاث سواحر» (١).\nهذا كناية عن القتل، وليس معناه أن يضرب بالسيف مع ظهره مصفحًا ....\nوهذا القتل هل هو حد أم قتله لكفره؟\nيحتمل هذا وهذا بناء على التفصيل السابق في كفر الساحر، ولكن بناء على ما سبق من التفصيل نقول: من خرج به السحر إلى الكفر فقتله قتل ردة، ومن لم يخرج به السحر إلى الكفر فقتله من باب دفع الصائل يجب تنفيذه حيث رآه الإمام.\n_________\n(١) [١٠٦٩١]» رواه أبو داود (٣٠٤٣)، وأحمد (١/ ١٩٠) (١٦٥٧)، وأبو يعلى في «المسند» (٢/ ١٦٦)، والشافعي في «المسند» (١/ ٣٨٣)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٥٦٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٦)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الشافعي في «السنن الكبرى للبيهقي» (٩/ ١٨٩): متصل ثابت، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ١٢٣): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».","vol":"7","page":65},{"text":"والحاصل: أنه يجب أن تقتل السحرة، سواء قلنا بكفرهم أم لم نقل، لأنهم يمرضون ويقتلون، ويفرقون بين المرء وزوجه، وكذلك بالعكس، فقد يعطفون فيؤلفون بين الأعداء، ويتوصلون إلى أغراضهم، فإن بعضهم قد يسحر أحدًا ليعطفه إليه وينال مأربه منه، كما لو سحر امرأة ليبغي بها، ولأنهم كانوا يسعون في الأرض فسادًا، فكان واجبًا على ولي الأمر قتلهم بدون استتابة مادام أنه لدفع ضررهم وفظاعة أمرهم، فإن الحد لا يستتاب صاحبه، متى قبض عليه وجب أن ينفذ فيه الحد.\nوصح عن حفصة ﵂، (أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت) (١). وكذلك صح عن جندب (٢). قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ.\nقوله: (قال أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ).\nوهم: عمر، وحفصة، وجندب الخير، أي: صح قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ.\nوالقول بقتلهم موافق للقواعد الشرعية، لأنهم يسعون في الأرض فسادًا، وفسادهم من أعظم الفساد، فقتلهم واجب على الإمام، ولا يجوز للإمام أن يتخلف عن قتلهم، لأن مثل هؤلاء إذا تركوا وشأنهم انتشر فسادهم في أرضهم وفي أرض غيرهم، وإذا قتلوا سلم الناس من شرهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين – بتصرف - ٢/ ٥\nوقال ابن هبيرة: (اختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: - يكفر بذلك، إلا أن من أصحاب أبي حنيفة من فصل ذلك، فقال إن تعلمه ليتقه أو ليتجنبه فلا يكفر بذلك، وإن تعلمه معتقدًا لجوازه أو معتقدًا أنه ينفعه فإنه يكفر، ولم ير الإطلاق، وإن اعتقد أن الشياطين تفعل ما يشاء فهو كافر، وقال الشافعي: - إذا تعلم السحر قلنا له صف سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر بمثل ما اعتقد أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر) (٣).\nأما القائلون بتكفير الساحر، فنورد أمثلة من أقوالهم على النحو التالي:-\n...\n_________\n(١) [١٠٦٩٢]» رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٨٧١)، والشافعي في «المسند» (١/ ٣٨٣)، والطبراني (٢٣/ ١٨٧)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٤٥٣)، والحديث صححه ابن القيم في «زاد المعاد» (٥/ ٥٧)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٨٣): [هو] من رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين وهي ضعيفة وبقية رجاله ثقات.\n(٢) [١٠٦٩٣]» رواه الترمذي (١٤٦٠) والطبراني (٢/ ١٦١)، والحاكم (٤/ ٤٠١)، والدارقطني (٣/ ١٤١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٩)، قال الترمذي لا نعرفه إلا مرفوعا من هذا الوجه وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث والصحيح عن جندب موقوف، وقال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (١/ ٤٦٢): [فيه] إسماعيل بن مسلم أحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز والبصرة والكوفة إلا أنه ممن يكتب حديثه، وقال البيهقي في «السنن الكبرى»: [فيه] إسماعيل بن مسلم ضعيف، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٧/ ١٦٣): مرسل وليس بالقوي، انفرد به إسماعيل بن مسلم عن الحسن، وضعفه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٣/ ٤٢٧)، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٤٧): في إسناده ضعف، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٤٤٦).\n(٣) [١٠٦٩٤]» «الإفصاح عن معاني الصحاح» (٢/ ٢٢٦)، وانظر «المحلى» لابن حزم (١٣/ ٤٦٩)، و«تفسير القرطبي» (٢/ ٤٧ - ٤٨).","vol":"7","page":66},{"text":"يقول الدردير المالكي: (فقول الإمام ﵁: - إن تعلم السحر وتعليمه كفر، وإن لم يعمل به، ظاهر في الغاية إذ تعظيم الشياطين ونسبة الكائنات إليها لا يستطيع عاقل يؤمن بالله أن يقول فيه: إنه ليس بكفر) (١).\nوقال الخرشي: (والمشهور أن تعلم السحر كفر، وإن لم يعمل به) (٢).\nوقال ابن قدامة: (إن تعلم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم، قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته، وروي عن الإمام أحمد ما يدل على أنه لا يكفر (٣» (٤).\nوقال مرعي الكرمي: (فساحر يركب المكنسة فتسير به في الهواء، أو يدعي أن الكواكب تخاطبه كافر، كمعتقد حله، لا من يسحر بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر، ويعزر بليغًا) (٥).\nوجاء في الإنصاف: (الساحر الذي يركب المكنسة، فتسير به في الهواء ونحوه، كالذي يدعي أن الكواكب تخاطبه يكفر ويقتل، هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب ... وعنه: لا يكفر ..\nفأما الذي يسحر بالأدوية، والتدخين، وسقي شيء يضر، فلا يكفر ولا يقتل، ولكن يعزر. هذا المذهب ...) (٦).\nوأما الفريق الآخر، فهذا الإمام الشافعي – ﵀ – يقول: (والسحر اسم جامع لمعان مختلفة، فيقال للساحر صف السحر الذي تسحر به، فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه، فإن تاب وإلا قتل وأخذ ماله فيئًا، وإن كان ما يسحر به كلامًا لا يكون كفرًا، وكان غير معروف ولم يضر به أحد نهي عنه، فإن عاد عزر، وإن كان يعمل عملًا إذا عمله قُتِل المعمول به، وقال عمدت قتله، قتل به قودًا، إلا أن يشاء أولياؤه أن يأخذوا ديته ...) (٧).\nوإذا تأملنا القولين فلا اختلاف معنوي بينهما، فعند التفصيل يزول الإشكال وتجتمع الأدلة، وكما قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – ﵏ – (وعند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يكفر لظنه أنه يتأتى بدون الشرك وليس كذلك بل لا يأتي السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشيطان والكواكب، ولهذا سماه الله كفرًا في قوله: - إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ [البقرة:١٠٢]\nوأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر، وإن سمي سحرًا فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه يكون حرامًا لمضرته، ويعزر من يفعله تعزيرًا بليغًا) (٨).\n_________\n(١) [١٠٦٩٥]» «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٤/ ٣٠٢)، وانظر «الشرح الصغير» (٤/ ١٤٦)، و«بلغة السالك» (٦/ ١٤٦).\n(٢) [١٠٦٩٦]» «الخرشي على مختصر خليل» (٧/ ٦٣).\n(٣) [١٠٦٩٧]» غالب الروايات عن الإمام أحمد تنص على قتل الساحر، ومنها روايات تنص على كفره وروايات أخرى لا تكفره انظر: «المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة» (٢/ ٦٠، ٦٩، ١٠١ – ١٠٧)\n(٤) [١٠٦٩٨]» «المغني» (٨/ ١٥٠)\n(٥) [١٠٦٩٩]» «غاية المنتهى» (٣/ ٣٤٤) وانظر «المبدع» (٩/ ١٨٨)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٩٤).\n(٦) [١٠٧٠٠]» «الإنصاف» للمرداوي (١٠/ ٣٤٩، ٣٥٠) باختصار\n(٧) [١٠٧٠١]» «الأم» (١/ ٣٩١، ٣٩٢).\n(٨) [١٠٧٠٢]» «وتيسير العزيز الحميد» (ص: ٣٨٤) باختصار.","vol":"7","page":67},{"text":"وقال الشنقيطي: (التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل، فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة فإنه كفر بلا نزاع، كما دل عليه قوله تعالى: - وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة: ١٠٢]، وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها، فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر) (١).\nوللإمام النووي رحمه الله تعالى عبارة جامعة في حكم السحر حيث قال: -\n(قد يكون (السحر) كفرًا، وقد لا يكون كفرًا بل معصيته كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفر وإلا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر واستتيب ...) (٢).\nوإن السحر الذي يعد كفرًا، قد يقع قولًا باللسان، أو اعتقادًا بالقلب، أو عملًا بالجوارح، ونورد أمثلة على ذلك:\nفمنه السحر الذي لا يتأتى إلا عن طريق الشياطين، كأن يستغيث بهم، ويدعوهم فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وينطق بكلمة الكفر من أجل رضاهم والاستمتاع بهم، أو يعتقد نفعهم وضرهم بغير إذن الله تعالى، أو يذبح لتلك الشياطين ونحوهم ويتقرب إليهم، أو يهين ما أوجب الله تعظيمه من الكتاب العزيز وغيره، أو يدعي لنفسه أو لشياطينه علم الغيب ومشاركة الله في ذلك.\n٤ - وأما وجه كون هذا السحر كفرًا فذلك لعدة اعتبارات منها:-\n(أ) قوله تعالى: - وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة:١٠٢ - ١٠٣].\nفيستدل بهذه الآيات على كفر الساحر من وجوه:-\n١ - قوله تعالى: - وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ\nفظاهر هذا أنهم إنما كفروا بتعليمهم السحر؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته، فصرحت الآية بكفر الشياطين منوطًا بتعليم السحر للناس (٣).\n٢ - قوله تعالى: - وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ يعني من حظ ولا نصيب.\nيقول الشيخ حافظ الحكمي – في ذلك –: (وهذا الوعيد لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للإيمان معه، فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة، وكفى بدخول الجنة خلاقًا، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) (٤).\n_________\n(١) [١٠٧٠٣]» «أضواء البيان» (٤/ ٤٥٦).\n(٢) [١٠٧٠٤]» «صحيح مسلم بالنووي» (١٤/ ١٧٦)\n(٣) [١٠٧٠٥]» انظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٤٣)، «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٥)، و«الزواجر» لابن حجر الهيتمي (ص ١٠٤)، و«معارج القبول» للحكمي (١/ ٥١٤ – ٥١٦)، وكتاب «السحر» للحمد (ص ١٥٨)\n(٤) [١٠٧٠٦]» «معارج القبول» (١/ ٥١٧)، وانظر «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٤٤٢).","vol":"7","page":68},{"text":"٣ - قوله تعالى: - وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ ..\nيقول الجصاص – عن هذه الآية -: (فجعل ضد هذا الإيمان فعل السحر؛ لأنه جعل الإيمان في مقابلة فعل السحر، وهذا يدل على أن الساحر كافر، فإذا ثبت كفره، فإن كان مسلمًا قبل ذلك، فقد كفر بفعل السحر، فاستحق القتل) (١).\nيقول ابن كثير: (وقد استدل بقوله وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا .. من ذهب إلى تكفير الساحر) (٢).\nويقول الحكمي – عن هذا الدليل -: (وهذا من أصرح الأدلة على كفر الساحر، ونفي الإيمان عنه بالكلية، فإنه لا يقال للمؤمن المتقي: ولو أنه آمن واتقى، وإنما قال تعالى ذلك لمن كفر، وفجر، وعمل بالسحر، واتبعه، وخاصم به رسوله، ونبذ الكتاب وراء ظهره) (٣).\n(ب) قوله تعالى: - وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:٦٩]\nومما قاله الشنقيطي – ﵀ – في هذه الآية:-\n(إن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم ... فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى الآية يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد ذلك بالتعميم في الأمكنة بقوله حَيْثُ أَتَى وذلك دليل على كفره؛ لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفيًا عامًا إلا عمن لا خير فيه وهو الكافر.\nويدل على ذلك أنه عرف باستقراء القرآن أن الغالب فيه أن لفظة لا يفلح يراد بها الكافر كقوله تعالى في سورة يونس: - قَالُواْ اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [يونس:٦٨ – ٧٠].\nوقوله في الأنعام: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: ٢١]) (٤).\n(ج) أن النبي ﷺ قرن السحر بالشرك، وفي بعض الأحاديث سماه شركًا، وحكم ﷺ بالكفر على من أتى ساحرًا فصدقه، كما تبرأ ﷺ من الساحر والمسحور.\nفعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: - «اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر .. الحديث» (٥) \"\nوعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:- «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه» (٦).\n_________\n(١) [١٠٧٠٧]» «أحكام القرآن» (١/ ٥٣).\n(٢) [١٠٧٠٨]» «تفسير ابن كثير» (١/ ١٣٧).\n(٣) [١٠٧٠٩]» «معارج القبول» (١/ ٥١٨).\n(٤) [١٠٧١٠]» «أضواء البيان» (٤/ ٤٤١ – ٤٤٣) باختصار، وانظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٥/ ١٩٣).\n(٥) [١٠٧١١]» رواه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩).\n(٦) [١٠٧١٢]» رواه النسائي (٧/ ١١٢)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ١٢٧)، قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٥/ ٥٥١): [فيه] عباد المنقري هو ممن يكتب حديثه، وقال المزي في «تهذيب الكمال» (٩/ ٤٢٩): [فيه] عباد بن ميسرة قال يحيى بن معين ليس به بأس وقال أبو داود ليس بالقوي، وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ٣٧٨): لا يصح للين عباد بن ميسرة وانقطاعه، وقال الألباني في «ضعيف النسائي»: ضعيف لكن جملة التعليق ثبتت في الحديث.","vol":"7","page":69},{"text":"وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: - سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك». (١).\n(والتولة ضرب من السحر، قال الأصمعي: - وهو الذي يحبب المرأة إلى زوجها) (٢).\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: - «من أتى عرافًا، أو ساحرًا، أو كاهنًا فسأله فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ». (٣).\nوعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له ..» الحديث (٤)\n(د) أن الصحابة ﵃ أمروا بقتل أولئك السحرة، وقد تقرر شرعًا أن دماء المسلمين محظورة إلا ما استثناه الشرع لقوله ﷺ «لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». (٥).\nوليس الساحر زانيًا محصنًا، ولا قاتل نفس، فتعين أن يكون كافرًا مرتدًا.\nيقول ابن تيمية: (أكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وحفصة بنت عمر، وعبد الله بن عمر، وجندب بن عبدالله ...) (٦).\nفمن هذه الآثار ما جاء (عن بجالة بن عبدة (٧) أنه قال: (كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر). (٨».\n_________\n(١) [١٠٧١٣]» رواه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠)، وأحمد (١/ ٣٨١) (٣٦١٥)، والطبراني (١٠/ ٢١٣)، والحاكم (٤/ ٤٦٣)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢١٩): إسناده حسن، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٩٧٢): إسناده صحيح.\n(٢) [١٠٧١٤]» انظر «شرح السنة» للبغوي (١٢/ ١٥٨)\n(٣) [١٠٧١٥]» رواه أبو يعلى في «المسند» (٩/ ٢٨٠)، والطبراني في (١٠/ ٧٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٦)، قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٩٠): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١١٨): رجاله رجال الصحيح خلا هبيرة بن مريم وهو ثقة، وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣/ ٩٨): صحيح موقوف.\n(٤) [١٠٧١٦]» رواه البزار (٨/ ٤٢٦)، والطبراني (١٨/ ١٦٢)، وقال البزار: روي بعضه من غير وجه [وفيه] أبو حمزة العطار لا بأس به، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٨٨): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٠٣): فيه إسحاق بن الربيع العطار وثقه أبو حاتم وضعفه عمرو بن علي وبقية رجاله ثقات، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢١٩٥): صحيح بمجموع طرقه.\n(٥) [١٠٧١٧]» رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦)، واللفظ له.\n(٦) [١٠٧١٨]» «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٨٤)، وانظر «المنتقى» للباجي (٧/ ١١٧)، و«المغني» لابن قدامة (٨/ ١٥٣)\n(٧) [١٠٧١٩]» بجالة بن عبدة التميمي البصري، كان كاتبًا لجزء بن معاوية في خلافة عمر، وثقه جمع من العلماء وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلك ولم يره. انظر «تهذيب التهذيب» (١/ ٤١٧)، و«الإصابة» (١/ ٣٣٩).\n(٨) [١٠٧٢٠]» رواه أبو داود (٣٠٤٣)، وأحمد (١/ ١٩٠) (١٦٥٧)، والشافعي في «المسند» (١/ ٣٨٣)، وأبو يعلى في «المسند» (٢/ ١٦٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٥٦٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٦)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الشافعي في «السنن الكبرى للبيهقي» (٩/ ١٨٩): متصل ثابت، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ١٢٣): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».","vol":"7","page":70},{"text":"يقول ابن قدامة – معلقًا على هذا الأثر: (وهذا اشتهر فلم ينكر، فكان إجماعًا).\nوعن ابن عمر ﵄، قال إن أم المؤمنين حفصة ﵂ سحرتها جارية لها، فأقرت بالسحر، وأخرجته، فقتلتها، فبلغ ذلك عثمان ﵁ فغضب، فأتاه ابن عمر ﵁، فقال: جاريتها سحرتها أقرت بالسحر وأخرجته، قال: فكف عثمان ﵁، قال إنما كان غضبه لقتلها إياها بغير أمره (١).\nوعن جندب الخير ﵁ قال: (حد الساحر ضربة بالسيف) (٢).\nوقتل جندب بن عبد الله البجلي ﵁ ساحرًا كان عند الوليد بن عقبه (٣).\nوأما ما ورد عن أم المؤمنين عائشة ﵄ عندما باعت جارية مدبرة سحرتها، فيحمل على أن سحرها من قبيل الأدوية الضارة، والتدخينات المؤذية، كي تموت أم المؤمنين، فيتحقق عتقها، ولذا أمرت عائشة ﵂ بعقاب تلك الجارية بنقيض قصدها، كما هو ظاهر في الحديث التالي:-\nفعن عمرة قالت: - «اشتكت عائشة فطال شكواها، فقدم إنسان المدينة يتطبب فذهب بنو أخيها يسألونه عن وجعها، فقال: والله إنكم تنعتون نعت امرأة مطبوبة (٤)، قال هذه امرأة مسحورة سحرتها جارية لها، فقالت: نعم (٥) أردت أن تموتي فأعتق، قال وكانت مدبرة، قالت: فبيعوها في أشد العرب ملكة (٦)، واجعلوا ثمنها في مثلها» (٧).).\nوقد أجاب الإمام الشافعي عن هذا الأثر قائلًا:-\n_________\n(١) [١٠٧٢١]» رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٨٧١)، والطبراني (٢٣/ ١٨٧)، والشافعي في «المسند» (١/ ٣٨٣)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٤٥٣)، الحديث صححه ابن القيم في «زاد المعاد» (٥/ ٥٧)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٨٣): [هو] من رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين وهي ضعيفة وبقية رجاله ثقات.\n(٢) [١٠٧٢٢]» رواه الترمذي (١٤٦٠) والطبراني (٢/ ١٦١)، والحاكم (٤/ ٤٠١)، والدارقطني (٣/ ١٤١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٩)، قال الترمذي لا نعرفه إلا مرفوعا من هذا الوجه وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث والصحيح عن جندب موقوف، وقال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (١/ ٤٦٢): [فيه] إسماعيل بن مسلم أحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز والبصرة والكوفة إلا أنه ممن يكتب حديثه، وقال البيهقي في «السنن الكبرى»: [فيه] إسماعيل بن مسلم ضعيف، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٧/ ١٦٣): مرسل وليس بالقوي، انفرد به إسماعيل بن مسلم عن الحسن، وضعفه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٣/ ٤٢٧)، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٤٧): في إسناده ضعف، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٤٤٦).\n(٣) [١٠٧٢٣]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٦)، والدارقطني (٣/ ١١٤)، قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٣/ ١٦٣) روي من طرق.\n(٤) [١٠٧٢٤]» مطبوبة: أي مسحورة\n(٥) [١٠٧٢٥]» هذا جواب عن سؤال لم يذكر في الحديث، وكأن عائشة سألتها هل قول الطبيب صحيح؟ فقالت نعم أردت أن تموتي فأعتق.\n(٦) [١٠٧٢٦]» أي للأعراب الذين لا يحسنون إلى المماليك\n(٧) [١٠٧٢٧]» رواه أحمد (٦/ ٤٠) (٢٤١٧٢)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١٠/ ١٨٣)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٥٢): رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (١٧٥٧).","vol":"7","page":71},{"text":"(وأما بيع عائشة الجارية ولم تأمر بقتلها، فيشبه أن تكون لم تعرف ما السحر فباعتها؛ لأن لها بيعها عندنا، وإن لم تسحرها، ولو أقرت عند عائشة أن السحر شرك، ما تركت قتلها إن لم تتب، أو دفعتها إلى الإمام ليقتلها) (١).\n(هـ) أن السحر الذي يعد كفرًا يتضمن أنواعًا كثيرة من المكفرات الاعتقادية والقولية والعملية، كأن يعتقد نفع الشياطين وضررهم بغير إذن الله تعالى، أو يعتقد أن الكواكب مدبرةً لأمر العالم، أو ينطق بكلمة الكفر كسب الله تعالى، أو الاستهزاء برسوله ﷺ.\nكما يتضمن هذا السحر شركًا في توحيد العبادة، فمن ذلك أن يدعو غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو يستعيذ بالشياطين أو يذبح لهم، أو يتقرب إليهم بالنذور.\nوقد أورد القرافي أمثلة للكفر التي يتضمنها هذا السحر فقال: -\n(هذه الأنواع قد تقع بلفظ هو كفر، أو اعتقاد هو كفر، أو فعل هو كفر، فالأول كالسب المتعلق بمن سبه كفر، والثاني كاعتقاد انفراد الكواكب أو بعضها بالربوبية، والثالث كإهانة ما أوجب الله تعالى تعظيمه من الكتاب العزيز وغيره، فهذه الثلاثة متى وقع شيء منها في السحر، فذلك السحر كفر لا مرية فيه) (٢).\nويذكر ابن حجر الهيتمي أنواعًا من الكفر تندرج في هذا السحر فيقول:-\n(إن اشتمل (السحر) على عبادة مخلوق كشمس، أو قمر، أو كوكب أو غيرها، أو السجود له، أو تعظيمه كما يعظم الله تعالى، أو اعتقاد أن له تأثيرًا بذاته، أو تنقيص نبي، أو ملك ... كان كفرًا وردة) (٣).\nويبين الشيخ السعدي وجه إدخال السحر في الشرك قائلًا: -\n(السحر يدخل في الشرك من جهتين: - من جهة ما فيه من استخدام الشياطين ومن التعلق بهم، وربما تقرب إليهم بما يحبون ليقوموا بخدمته ومطلوبه، ومن جهة ما فيه من دعوى علم الغيب، ودعوى مشاركة الله في علمه وسلوك الطرق المفضية إلى ذلك، وذلك من شعب الشرك والكفر) (٤).\n٥ - واستكمالًا لهذا المبحث نورد جملة من كلام العلماء في معنى السحر وحكمه. يقول الخطابي: (والسحر من عمل الشيطان يفعله في الإنسان بنفثه ونفخه وهمزه ووسوسته، ويتلقاه الساحر بتعليمه إياه، ومعونته عليه، فإذا تلقاه عنه، استعمله في غيره بالقول والنفث في العقد) (٥).\nوقال شيخ الإسلام الصابوني: (ومن سحر منهم واستعمل السحر، واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله فقد كفر بالله ﷻ، وإذا وصف ما يكفر به استتيب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وإن وصف ما ليس بكفر، أو تكلم بما لا يفهم نهي عنه، فإن عاد عزر، وإن قال السحر ليس بحرام، وأنا أعتقد إباحته وجب قتله؛ لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه) (٦).\nويقول ابن العربي: (إن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأن السحر كفر؛ لأنه تعالى قال: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ من السحر، وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ بقول السحر، وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ به وبتعليمه، وهاروت وماروت يقولان \" إنما نحن فتنة فلا تكفر وهذا تأكيد للبيان) (٧).\n_________\n(١) [١٠٧٢٨]» «الأم) (١/ ٣٩٢)، وقد أورد البيهقي هذا الحديث تحت عنوان: (باب من لا يكون سحره كفرًا ولم يقتل به أحدًا لم يقتل)، انظر «سنن البيهقي» (٨/ ١٣٧).\n(٢) [١٠٧٢٩]» «الفروق» (٤/ ١٤٠).\n(٣) [١٠٧٣٠]» «الأعلام» (ص ٣٩١).\n(٤) [١٠٧٣١]» «القول السديد» (ص ٧٤، ٧٥)\n(٥) [١٠٧٣٢]» «شرح السنة» للبغوي (١٢/ ١٨٨).\n(٦) [١٠٧٣٣]» «عقيدة السلف أصحاب الحديث» (ص ٩٦)\n(٧) [١٠٧٣٤]» «أحكام القرآن» (١/ ٣١).","vol":"7","page":72},{"text":"وقال ابن الشاط: (فالذي يستقيم في هذه المسألة: ما حكاه الطرطوشي عن قدماء أصحابنا أنا لا نكفره حتى يثبت أنه من السحر الذي كفر الله تعالى به، أو يكون سحرًا مشتملًا على كفر كما قال الشافعي) (١).\nويقول القرطبي: (قوله تعالى: - وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ تبرئة من الله لسليمان، ولم يتقدم في الآية أن أحدًا نسبه إلى الكفر، ولكن اليهود نسبته إلى السحر، ولما كان السحر كفرًا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر، ثم قال وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ فأثبت كفرهم بتعليم السحر) (٢).\nوقال النووي: (والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدين صريح ... كالسحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها ...) (٣).\nويقول ابن تيمية: (إذا تقرب صاحب العزائم وكتب الروحانيات السحرية وأمثال ذلك إلى الشياطين بما يحبون من الكفر والشرك، صار ذلك كالرشوة لهم، فيقضون بعض أغراضه، كمن يعطي غيره مالًا ليقتل له من يريد قتله ... ولهذا كثير من هذه الأمور يكتبون فيها كلام الله بالنجاسة، وقد يقلبون حروف كلام الله ﷿، إما حروف الفاتحة، وإما حروف قل هو الله أحد وإما غيرهما .. فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين، أعانتهم على بعض أغراضهم ...) (٤).\nويقول السبكي: - وأما مذهب الشافعي فحاصله أن السحر له ثلاثة أحوال: حال يقتل كفرًا، وحال يقتل قصاصًا، وحال لا يقتل أصلًا بل يعزر، أما الحالة التي يقتل فيها كفرًا، فقال الشافعي ﵀: - أن يعمل بسحره، ما يبلغ الكفر، وشرح أصحابه ذلك بثلاثة أمثلة: - أحدهما أن يتكلم بكلام هو كفر ولا شك في أن ذلك موجب للقتل.\nالمثال الثاني: - أن يعتقد ما اعتقده من التقريب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل بأنفسها فيجب عليه أيضًا القتل.\nالمثال الثالث: - أن يعتقد أنه يقدر به على قلب العيان، فيجب عليه القتل كما قاله القاضي حسين والماوردي) (٥).\nويقول الذهبي: (إن الساحر لابد وأن يكفر، قال الله تعالى: - وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:١٠٢]، وما للشيطان الملعون غرض في تعليمه الإنسان السحر إلا ليشرك به.\nفترى خلقًا كثيرًا من الضلال يدخلون في السحر ويظنون أنه حرام فقط، وما يشعرون أنه الكفر، فيدخلون في تعلم السيمياء (٦) وعملها، وهي محض السحر، وفي عقد المرء عن زوجته وهو سحر، وفي محبة الزوج لامرأته وفي بغضها وبغضه، وأشباه ذلك بكلمات مجهولة أكثرها شرك وضلال. وحد الساحر القتل؛ لأنه كفر بالله أو ضارع الكفر ... فليتق العبد ربه ولا يدخل فيما يخسر به الدنيا والآخرة) (٧).\nويقول البيضاوي: (قوله تعالى وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ تكذيب لمن زعم ذلك، وعبر عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفر، وأن من كان نبيًا كان معصومًا عنه ..) (٨).\n_________\n(١) [١٠٧٣٥]» «تهذيب الفروق» (٤/ ١٥٧)\n(٢) [١٠٧٣٦]» «تفسير القرطبي» (٢/ ٤٣)\n(٣) [١٠٧٣٧]» «روضة الطالبين» (١٠/ ٦٤). وانظر «مغني المحتاج» للشربيني (٤/ ١٣٦)\n(٤) [١٠٧٣٨]» «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٣٤، ٣٥) بتصرف.\n(٥) [١٠٧٣٩]» «فتاوى السبكي» (٢/ ٣٢٤).\n(٦) [١٠٧٤٠]» السيمياء: - أحد علوم السحر، وهو عبارة عما تركب من خواص توجب بعض التخيلات انظر: «مقدمة ابن خلدون» (٣/ ١١٥٩)، و«الفروق» للقرافي (٤/ ١٣٧)، و«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٩/ ٣٨٩)، و«مفتاح السعادة» لطاش كبري (١/ ٣١٧)، «أبجد العلوم» لمحمد صديق حسن (٢/ ٣٣٢)، و«أضواء البيان» (٤/ ٤٥٢)\n(٧) [١٠٧٤١]» «الكبائر» للذهبي (ص: ٤١)\n(٨) [١٠٧٤٢]» «أنوار التنزيل» (١/ ٧٣)","vol":"7","page":73},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: (وقد استدل بهذه الآية: وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ على أن السحر كفر ومتعلمه كافر، وهو واضح في بعض أنواعه ... كالتعبد للشياطين، أو للكواكب، وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة فلا يكفر به من تعلمه أصلًا.\n- إلى أن قال – وفي إيراد المصنف (البخاري) هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر لقوله فيها: - وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر، وكذا قوله في الآية على لسان الملكين: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فإن فيه إشارة إلى أن تعلم السحر كفر، فيكون العمل به كفرًا، وهذا كله واضح على ما قررته من العمل ببعض أنواعه، وقد زعم بعضهم أن السحر لا يصح إلا بذلك، وعلى هذا فتسميته ما عدا ذلك سحرًا مجاز) (١).\nوقال الدردير: (وسحر فيكفر بتعلمه، وهو كلام يعظم به غير الله تعالى، وينسب إليه المقادير، ثم إن تجاهر به فيقتل إن لم يتب، وإن أسره فحكم الزنديق، يقتل بدون استتابة، وشهر بعضهم عدم الاستتابة مطلقًا) (٢).\nوذكر الشيخ محمد بن عبدالوهاب السحر من نواقض الإسلام فقال: -\n(السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر) (٣) نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف- بتصرف - ص ٤٩٩\nيقول الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في شرحه لمنظومة سلم الوصول:\nوَالسِّحْرُ حَقٌّ وَلَهُ تَأْثِيرُ ... لَكِنْ بِمَا قَدَّرَهُ الْقَدِيرُ\nأَعْنِي بِذَا التَّقْدِيرِ مَا قَدْ قَدَّرَهْ ... فِي الْكُوْنِ لاَ فِي الشِّرْعَةِ الْمُطَّهَرَة\n_________\n(١) [١٠٧٤٣]» «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٤، ٢٢٥) باختصار يسير.\n(٢) [١٠٧٤٤]» «الشرح الصغير» (٦/ ١٤٦) وانظر «بلغة السالك» (٢/ ٤١٦)، و«تبصرة الحكام» لابن فرحون (٢/ ٢٨٨)، و«الخرشي على خليل» (٧/ ٦٣).\n(٣) [١٠٧٤٥]» مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب «رسالة نواقض الإسلام» (١/ ٣٨٦) وانظر «فتاوى محمد بن إبراهيم» (١/ ١٦٣)، و«فتاوى اللجنة الدائمة» (١/ ٣٦٤)، و«فتاوى ابن باز» (٢/ ١١٩)، و«المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين» (٢/ ١٣٠)","vol":"7","page":74},{"text":"(والسحر حق) يعني متحقق وقوعه ووجوده، ولو لم يكن موجودًا حقيقة لم ترد النواهي عنه في الشرع والوعيد على فاعله والعقوبات الدينية والأخروية على متعاطيه والاستعاذة منه أمرًا وخبرًا. وقد أخبر الله تعالى أنه كان موجودًا في زمن فرعون وأنه أراد أن يعارض به معجزات نبي الله موسى ﵇ في العصا بعد أن رماه هو وقومه به بقولهم: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ - إلى قوله - وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ [الشعراء:٣٤ - ٣٧] وقال تعالى عن السحرة: فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:١١٦] وقال تعالى: فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:٦٦ - ٦٩] يقال إنهم كانوا سبعين ألفًا مع كل واحد منهم حبل وعصا فأخذوا بأبصار الناس بسحرهم وألقوا تلك الحبال والعصى فرآها الناس حيات عظامًا ضخامًا وذلك قوله تعالى: سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ وقوله: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى قال الله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ [طه:٦٧ - ٦٩] يعني العصا تَلْقَفْ تبتلع مَا صَنَعُوا أي السحرة أي ما اختلقوا وائتفكوا من الزور التخييل، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الأعراف:١١٧] وهون الله أمرهم على نبيه موسى ﵇ بقوله سبحانه: إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ مكره وخداعه وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ [الأعراف:١١٩] إلى آخر الآيات، وقد أخبر الله تعالى عن قوم صالح وكانوا قبل إبراهيم ﵇ أنهم قالوا لنبيهم ﵇: إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [الشعراء: ١٥٣] وكذا قام قوم شعيب له ﵇: إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وقالت قريش لنبينا محمد ﷺ كما ذكر الله تعالى ذلك عنهم في غير موضع بل ذكر الله ﷿ أن ذلك القول تداوله كل الكفار لرسلهم فقال تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ [الذاريات:٥٢] الآية، وقال سبحانه في ذم اليهود: وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي","vol":"7","page":75},{"text":"الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة:١٠١ - ١٠٢] وقال تعالى: وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق:٤] والنفاثات هن السواحر يعقدن وينفثن. والمقصود أنه قد ثبت بهذه النصوص وغيرها مما سنذكر ومما لا نذكر أن السحر حقيقة وجوده.","vol":"7","page":76},{"text":"(وله تأثير) فمنه ما يمرض ومنه ما يقتل ومنه ما يأخذ بالعقول ومنه ما يأخذ بالأبصار ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه، (لكن) تأثيره ذلك إنما هو (بما قدَّره القدير) ﷾، أي بما قضاه وقدره عندما يلقى الساحر ما ألقى، ولذا قلنا (أعني بذا التقدير) في قوله بما قدره القدير (ما قد قدره في الكون) وشاءه (لا) أنه أمر به (في الشرعة) التي أرسل الله بها رسله وأنزل بها كتبه (المطهرة)، من ذلك وغيره كما تقدم أن القضاء والأمر والحكم والإرادة كل منها ينقسم على كوني وشرعي، فالكوني يشمل ما يرضاه الله ويحبه شرعًا، وما لا يرضاه في الشرع ولا يحبه، والشرعي يختص بمرضاته ﷾ ومحابه، ولهذا قال تعالى في الشرعي: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:١٨٥] وقال ﷿: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:٧] فأخبر تعالى أنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر وأنه يرضى لهم الشكر ولا يرضى لهم الكفر، مع كون كل من العسر واليسر والشكر والكفر واقع بقضاء الله وقدره وخلقه وتكوينه ومشيئته، قال الله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:٦٢] وقال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:٤٩] والمقصود أن السحر ليس بمؤثر لذاته نفعًا ولا ضرًا وإنما يؤثر بقضاء الله تعالى وقدره، وخلقه وتكوينه، لأنه تعالى خالق الخير والشر، والسحر من الشر، ولهذا قال تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ [البقرة:١٠٢] وهو القضاء الكوني القدري، فإن الله تعالى لم يأذن بذلك شرعًا، وقد ثبت في (الصحيحين) من طرق عن عائشة ﵂ قالت: «سحر رسول الله ﷺ حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ﷿ ودعاه ثم قال: أشعرت يا عائشة، إن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق. قال: فبماذا؟ قال: مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر. قال: فأين؟ قال: في بئر ذي أروان. قال فذهب النبي ﷺ في أناس من أصحابه إلى البشر فنظر إليها وعليها نخل ثم رجع إلى عائشة فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين. قلت: يا رسول الله أفأخرجته: قال: لا، أما أنا فقد عافاني الله ﷿ وشفاني وخشيت أن أثور على الناس منه شرًا وأمر بها فدفنت» (١). وفي رواية قال: «ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقًا. قال وفيم؟ قال في مشط ومشاقة. قال: وأين؟ قال في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان – وذكره –» (٢) هذا لفظ البخاري المشاطة ما يخرج من الشعر، والمشط أسنان ما يمشط به، والمشاقة من مشاقة الكتان، وجف طلعة غشاؤها وهو الوعاء الذي يكون فيه الطلع، تحت راعوفة هو حجر يترك في البئر عند الحفر ثابت لا يستطاع قلعه يقوم عليه المستقى، وقيل حجر على رأس البئر يستقي عليه المستقي، وقيل حجر بارز من طيها يقف عليها المستقي والناظر فيها، وقيل في أسفل البئر يجلس عليه الذي ينظفها لا يمكن قلعه لصلابته. والله ﷾ أعلم.\n_________\n(١) [١٠٧٤٦]» رواه البخاري (٥٧٦٣)، ومسلم (٢١٨٩).\n(٢) [١٠٧٤٧]» رواه البخاري (٥٧٦٥).","vol":"7","page":77},{"text":"قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في (شرح مسلم): قال المازري رحمه الله تعالى: مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافًا لمن أنكر ذلك ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله تعالى في كتابه وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء وزوجه، وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له، وهذا الحديث أيضًا مصرح بإثباته وأنه أشياء دفنت وأخرجت، وهذا كله يبطل ما قالوه فإحالة كونه من الحقائق محال، ولا يستنكر في العقل أن الله ﷾ يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق أو تركيب أجسام أو المزج بين قوى على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر، وإذا شاهد الإنسان بعض الأجسام منها قاتلة كالسموم ومنها مسقمة كالأدوية الحادة ومنها مضرة كالأدوية المضادة للمرض لم يستبعد عقله أن ينفرد الساحر بعلم قوي قتاله أو كلام مهلك أو مؤد إلى التفرقة. قال: ومن أنكر من بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب آخر فزعم أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، وهذا الذي ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته، وعصمته ﷺ فيما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل. فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان مفضلًا من أجلها وهو مما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، وقد قيل إنه إنما كان يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ، وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام فلا يبعد تخيله في اليقظة ولا حقيقة له، وقيل إنه يخيل إليه أنه فعل وما فعله، ولكن لا يعتقد صحة ما يتخيله فتكون اعتقاداته على السداد. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد جاءت روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده. ويكون معنى قوله في الحديث حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهن، ويروى يخيل إليه أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن، فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من ذلك كما يعتري المسحور. وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه فعل شيء لم يفعله ونحوه فمحمول على التخيل بالبصر لا كالخلل تطرق إلى العقل وليس في ذلك ما يدخل لبسًا على الرسالة ولا طعنًا لأهل الضلالة والله أعلم ا. هـ. قلت: قول المازري خلافًا لمن أنكر ذلك، قال ابن هبيرة رحمه الله تعالى: أجمعوا على أن السحر له حقيقة، إلا أبا حنيفة فإنه قال: لا حقيقة له عنده. ثم ذكر الاختلاف في حكم الساحر، وقال القرطبي رحمه الله تعالى: وعندنا أن السحر حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء خلافًا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفراييني حيث قالوا إنه تمويه وتخييل اهـ.","vol":"7","page":78},{"text":"قلت: قد ثبت وتقرر من هذا وغيره تحقق السحر وتأثيره بإذن الله بظواهر الآيات والأحاديث وأقوال عامة الصحابة، وجماهير العلماء بعدهم رواية ودراية، فأما القتل به والأمراض والتفرقة بين المرء وزوجه وأخذه بالأبصار فحقيقة لا مكابرة فيها، وأما قلب الأعيان كقلب الجماد حيوانًا وقلب الحيوان من شكل إلى آخر فليس بمحال في قدرة الله ﷿ ولا غير ممكن، فإنه هو الفاعل في الحقيقة وهو الفعال لما يريد، فلا مانع من أن يحول الله ذلك عندما يلقى الساحر ما ألقى امتحانًا وابتلاء وفتنة لعباده، ولكن الذي أخبرنا الله تعالى به في الواقع من سحرة فرعون في قصتهم مع موسى إنما هو التخييل والأخذ بالأبصار حتى رأوا الحبال والعصي حيات، فنؤمن بالخبر ونصدقه ولا نتعداه ولا نبدل قولًا غير الذي قيل لنا ولا نقول على الله ما لا نعلم. وبالله التوفيق.\nوَاحْكُمْ عَلَى السَّاحِرِ بِالتَّكْفِيرِ ... وَحَدُّهُ الْقَتْلُ بِلاَ نَكِيرِ\nكَمَا أَتَى فِي السُّنَّةِ الْمُصَرَّحَةْ ... مِمَّا رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَصَحَّحَهْ\nعَنْ جُنْدُبٍ وَهَكَذَا فِي أَثَرْ ... أَمْرٌ بِقَتْلِهِمْ رُوِيَ عَنْ عُمَرْ\nوَصَحَّ عَنْ حَفْصَةَ عِنْدَ مَالَكِ ... مَا فِيهِ أَقوَى مُرْشِدٍ للسَّالِكِ\n- حكم الساحر:\n(واحكم على الساحر) تعلَّمه أو علَّمه عمل به أو لم يعمل (بالتكفير) أي بأنه كفر بهذا الذنب الذي هو السحر، وذلك واضح صريح في آية البقرة بأمور:\nمنها سبب عدول اليهود إليه وهو نبذهم الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم: وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [البقرة:١٠١] سواء أريد بالكتاب التوراة التي بأيديهم أو القرآن الذي جاء به محمد ﷺ، كل ذلك نبذه كفر، وقد علم أن السحر لا يعمل إلا مع من كفر بالله، وهذا معلوم من سبب نزول الآية كما قال الربيع بن أنس وغيره: إن اليهود سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمور التوراة لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله ﷾ ما سألوه عنه فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل إلينا منا، وأنهم سألوه عن السحر وخاصموه به فأنزل الله ﷿: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:١٠٢] الآيات.","vol":"7","page":79},{"text":"ومنها قوله: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ تتقوله وتزوره عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ أي في ملكه وعهده، ومعلوم أن استبدال ما تتلوه الشياطين وتتقوله والانقياد له والعمل به عوضًا عما أوحى الله تعالى إلى رسوله ﷺ هذا من أعظم الكفر، وهو من عبادة الطاغوت التي هي أصل الكفر، وقد سمى الله تعالى طاعة العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله، سمى ذلك عبادة وأنه اتخاذ لهم أربابًا من دون الله فقال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ [التوبة:٣١] الآية، قال عدي بن حاتم ﵁ حين سمع رسول الله ﷺ يتلوها: إنا لسنا نعبدهم، قال: «أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟» قال بلى. قال: «فتلك عبادتكم إياهم» (١)، ولهذا قال تعالى بعدها: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:٣١] فإذا كان هذا في طاعة الأحبار والرهبان فكيف في طاعة الشيطان فيما ينافي الوحي، فهل فوق هذا الشرك من كفر؟ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ وعبادة الشيطان هي اتباعه فيما أمر به من الكفر والضلال ودعا إليه، كما قال ﷿ فيه إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، وكما يقول للمجرمين يوم القيامة: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًاّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس:٦٠ - ٦٢].\n_________\n(١) [١٠٧٤٨]» رواه الترمذي (٣٠٩٥) والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١١٦) والطبراني (١٧/ ٩٢)، قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث، وحسنه ابن تيمية في «حقيقة الإسلام والإيمان» (ص: ١١١)، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٨٦١): علة الحديث هي جهالة غطيف ابن أعين، وحسنه في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"7","page":80},{"text":"ومنها قوله تعالى: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ، برَّأ الله ﷾ نبيه ﵇ من الكفر، وهذا الكفر الذي برأه الله تعالى منه هو علم الساحر وعمله، وإن كان بريئًا من الكفر كله كان معصومًا مما هو دونه، لكن سياق الآية في خصوص السحر وأنه بريء منه، ولو فرض وجود عمله به لكفر لأنه شرك والشرك أقبح الذنوب وأعظم المحبطات للأعمال كما قال تعالى في جميع رسله سليمان وغيره ﵈ بعد أن ذكرهم: ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام: ٨٨]، وهذا معلوم من أصل القصة فإن اليهود قاتلهم الله تلقوا السحر عن الشياطين ونسبوه إلى سليمان ﵇، فبرأه الله تعالى من إفكهم بهذه الآية، كما قال مجاهد رحمه الله تعالى في هذه الآية: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ قال: كانت الشياطين تستمع الوحي فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها، فأرسل سليمان ﵇ إلى ما كتبوا من ذلك، فلما توفي سليمان وجدته الشياطين وعلمته الناس وهو السحر. وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: كان سليمان ﵇ يتبع ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم فيدفنه تحت كرسيَّهِ في بيت خزانته فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدنت إلى الإنس فقالوا لهم: أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا نعم. قالوا فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه، فاستثار به الإنس واستخرجوه وعملوا به، فقال أهل الحجاز – يعني اليهود من أهل الحجاز – كان سليمان يعمل بهذا وهو سحر، فأنزل الله تعالى على نبيه محمد ﷺ براءة سليمان ﵇ فقال تعالى: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وقال محمد بن إسحاق بن يسار: (عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود ﵉ فكتبوا أصناف السحر، من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا وكذا، حتى إذا صنفوا السحر جعلوه في كتاب ثم ختموه بخاتم على نقش خاتم سليمان وكتبوا في عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم، ثم دفنوه تحت كرسيه واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا والله ما كان ملك سليمان إلا بهذا، فأفشوا السحر في الناس فتعلموه وعلموه، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله، فلما ذكر رسول الله ﷺ فيما نزل عليه من الله سليمان بن داود وعده فيمن عد من المرسلين قال من كان بالمدينة من اليهود: تعجبون من محمد يزعم أن ابن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا. وأنزل الله تعالى في ذلك: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ» [البقرة: ١٠٢]، الآية) (١). وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: «كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه. فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل به.\n_________\n(١) [١٠٧٤٩]» رواه ابن جرير في «التفسير» (٢/ ٤٠٧)، انظر «تفسير بن كثير» (١/ ٣٤٨).","vol":"7","page":81},{"text":"قال فأكفره جهال الناس وسبوه ووقف علماء الناس، فلم يزل جهال الناس يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﷺ: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ» (١) وتفاسير السلف وآثارهم في هذه الآية كثيرة جدًا، وما كان منه إسرائيليًا فهو من القسم المقبول لموافقته ظاهر الآية في أن اليهود تعلموا السحر من الشياطين ورموا به نبي الله سليمان وأكفروه به وسبوه، وخاصموا به محمدًا رسول الله ﷺ ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فبين الله تعالى ما لبسوه وهدم ما أسسوه وبرأ نبيه سليمان ﵇ مما ائتفكوه وأقام الحجة عليهم في بطلان ما انتحلوه فلله الحمد والمنة.\nومنها قوله تعالى: وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:١٠٢] أكذب الله تعالى اليهود فيما نسبوه إلى نبيه سليمان ﵇ بقوله: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وهم إنما نسبوا السحر إليه، ولازم ما نسبوه إليه هو الكفر لأن السحر كفر، ولهذا أثبت كفر الشياطين بتعليمهم الناس السحر فقال تعالى: وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وكذلك كل من تعلم السحر أو علمه أو عمل به يكفر ككفر الشياطين الذين علموه الناس، إذ لا فرق بينه وبينهم، بل هو تلميذ الشيطان وخريجه، عنه روى وبه تخرج وإياه اتبع، ولهذا قال تعالى في الملكين: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فبين تعالى أنه بمجرد تعلمه يكفر سواء عمل به وعلمه أو لا. وعن ابن عباس ﵄ قال: «فإذا أتاهما علما الخير والشر والكفر والإيمان فعرفا أن السحر من الكفر، قال فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا فإذا أتى عاين الشيطان فعلمه، فإذا تعلمه خرج منه النور فنظر إليه ساطعًا في السماء فيقول: يا حسرتاه يا ويله ماذا صنع» (٢). وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: «نعم أنزل الملكان بالسحر ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله تعالى أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر» (٣)، وقال قتادة كان أخذ عليهما أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ أي بلاء ابتلينا به فَلاَ تَكْفُرْ وقال السدي إذا أتاهما إنسان يريد السحر وعظاه وقالا له: لا تكفر إنما نحن فتنة، فإذا أبى قالا له ائت هذا الرماد فبل عليه فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء وذلك الإيمان، وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكل شيء وذلك غضب الله، فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر فذلك قول الله تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ الآية. وعن ابن جريج في هذه الآية: لا يجترئ على السحر إلا كافر، والفتنة هي المحنة والاختبار.\nومنها قوله تعالى: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة:١٠٢].\n_________\n(١) [١٠٧٥٠]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٨٨)، وقال أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ١٤٣): إسناده صحيح وهذا موقوف من كلام ابن عباس.\n(٢) [١٠٧٥١]» رواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (١/ ٢٧٩)،\n(٣) [١٠٧٥٢]» رواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (١/ ٢٧٧)،","vol":"7","page":82},{"text":"ومنها قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ يعني بمحمد ﷺ والقرآن واتَّقَوْا السحر وسائر الذنوب وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ [البقرة:١٠٣] وهذا من أصرح الأدلة على كفر الساحر ونفي الإيمان عنه بالكلية، فإنه لا يقال للمؤمن المتقي: ولو أنه آمن واتقى، وإنما قال تعالى ذلك لمن كفر وفجر وعمل بالسحر واتبعه وخاصم به رسوله ورمى به نبيه ونبذ الكتاب وراء ظهره، وهذا ظاهر لا غبار عليه والله أعلم. وقد صرح بذلك أئمة السلف من الصحابة والتابعين، وإنما اختلفوا في القدر الذي يصير به كافرًا، والصحيح أن السحر المتعلم من الشياطين كله كفر قليله وكثيره كما هو ظاهر القرآن.\n- عقوبة الساحر شرعًا ووعيدًا:","vol":"7","page":83},{"text":"(وحده) أي حدُّ الساحر (القتل) ضربة بالسيف (بلا نكير) بل هو ثابت بالكتاب من عموم النصوص في الكفار المرتدين وغيرهم (كما أتى) ثابتًا (في السنة المصرحة) الثابتة عن النبي ﷺ (مما رواه الترمذي) محمد بن عيسى بن سورة بمهملتين ابن موسى بن الضحاك السلمي أبو عيسى الترمذي الحافظ الضرير أحد الأعلام وصاحب الجامع والتفسير عن خلق مذكورين في تراجمهم من جامعه وغيره، وعنه محمد بن إسماعيل السمرقندي وحماد بن شكر وأبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي راوي الجامع والهيثم بن كليب وخلق من أهل سمرقند ونسف وتلك الديار، وقال ابن حبان كان ممن جمع وصنف، قال أبو العباس المستغفري مات سنة تسع وسبعين ومائتين، مرفوعًا (وصححه) موقوفًا (عن جندب) هو ابن عبد الله بن سفيان البجلي العلقمي أو العلقي له ثلاثة وأربعون حديثًا اتفقا على سبعة وانفرد مسلم بخمسة. روى عنه الحسن وابن سيرين وأبو مجلز، مات بعد الستين، قال رحمه الله تعالى: (باب ما جاء في حد الساحر حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: «حد الساحر ضربة بالسيف» (١)، هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث من قبل حفظه وإسماعيل بن مسلم العبدي البصري قال وكيع هو ثقة ويروي عن الحسن أيضًا والصحيح عن جندب موقوفًا والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم وهو قول مالك بن أنس، وقال الشافعي: إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل من سحره ما يبلغ الكفر فإذا عمل عملًا دون الكفر فلم ير عليه قتلًا. ويعني بقوله: ما يبلغ الكفر أي ما كان فيه اعتقاد التصرف لغير الله وصرف العبادة له كما يفعله عباد هياكل النجوم من أهل بابل وغيرهم والله أعلم.\n_________\n(١) [١٠٧٥٣]» رواه الترمذي (١٤٦٠) والحاكم (٤/ ٤٠١)، والدارقطني (٣/ ١٤١)، والطبراني (٢/ ١٦١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٩)، قال الترمذي لا نعرفه إلا مرفوعا من هذا الوجه وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث والصحيح عن جندب موقوف، وقال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (١/ ٤٦٢): [فيه] إسماعيل بن مسلم أحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز والبصرة والكوفة إلا أنه ممن يكتب حديثه، وقال البيهقي في «السنن الكبرى»: [فيه] إسماعيل بن مسلم ضعيف، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٧/ ١٦٣): مرسل وليس بالقوي، انفرد به إسماعيل بن مسلم عن الحسن، وضعفه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٣/ ٤٢٧)، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٤٧): في إسناده ضعف، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٤٤٦).","vol":"7","page":84},{"text":"(وهكذا في أثر أمر بقتلهم) يعني السحرة (روي عن عمر) ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي أبي حفص المدني أحد فقهاء الصحابة ثاني الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأول من سمي أمير المؤمنين، له خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثًا اتفقا على عشرة وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر، وعنه أبناؤه عبد الله وعاصم وعبيد الله وعلقمة بن أبي وقاص وغيرهم، شهد بدرًا والمشاهد والمواقف، وولي أمر الأمر بعد أبي بكر ﵄ وفتح في أيامه عدة أمصار، أسلم بعد أربعين رجلًا، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه» (١)، ولما دفن قال ابن مسعود ﵁: «ذهب اليوم بتسعة أعشار العلم» (٢). استشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين ودفن في أول سنة أربع وعشرين في الحجرة النبوية وهو ابن ثلاث وستين وصلى عليه صهيب، ومناقبه جمة قد أفردت في مجلدات. وهذا الأثر المشار إليه في الباب هو ما رواه الإمامان الجليلان أحمد بن حنبل الشيباني ومحمد بن إدريس الشافعي رحمهما الله تعالى قالا: أخبرنا سفيان هو ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة بن عبدة يقول كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال فقتلنا ثلاث سواحر (٣).\n_________\n(١) [١٠٧٥٤]» رواه الترمذي (٣٦٨٢)، وأحمد (٢/ ٥٣) (٥١٤٥)، وابن حبان (١٥/ ٣١٨)، والحاكم (٣/ ٩٣)، والطبراني في «الأوسط» (٣/ ٣٣٨)، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٧/ ١٣٣): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».والحديث روي عن أبي هريرة، ومعاوية ابن أبي سفيان، وأبو ذر الغفاري، وبلال، ﵃.\n(٢) [١٠٧٥٥]» رواه الطبراني (٩/ ١٦٢)، قال ابن تيمية في «منهاج السنة» (٦/ ٥٩): إسناده ثابت.\n(٣) [١٠٧٥٦]» رواه أحمد (١/ ١٩٠) (١٦٥٧)، والشافعي في «المسند» (١/ ٣٨٣)، والحديث رواه أبو داود (٣٠٤٣)، وأبو يعلى في «المسند» (٢/ ١٦٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٥٦٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٦)، وسكت عنه أبو داود، وقال الشافعي في «السنن الكبرى للبيهقي» (٩/ ١٨٩): متصل ثابت، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ١٢٣): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».","vol":"7","page":85},{"text":"(وصح) نقلًا (عن حفصة) بنت عمر بن الخطاب العدوية أم المؤمنين ﵂ (عند مالك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي أبي عبد الله المدني أحد الأعلام في الإسلام وإمام دار الهجرة، ولد سنة ثلاث وتسعين وحمل به ثلاث سنين، وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى ورضي عنه (ما) أي الذي (فيه أقوى) دليل (مرشد للسالك) وهو ما رواه في موطأه في باب ما جاء في الغيلة والسحر من كتاب العقول: عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه (أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها فأمرت بها فقتلت) (١)، قال مالك: (الساحر الذي يعمل السحر، ولم يعمل ذلك له غيره، هو مثل الذي قال الله تعالى في كتابه: وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ فأرى أن يقتل ذلك إذا عمل ذلك هو نفسه) اهـ. قال ابن كثير ﵀: (وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله، يحيي الموتى! ورآه رجل من صالح المهاجرين فلما كان الغد جاء مشتملًا على سيفه وذهب يلعب لعبه ذلك فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر وقال: إن كان صادقًا فليحي نفسه، وتلا قوله تعالى: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ [الأنبياء: ٣] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه والله أعلم). وقال الإمام أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي أخبرنا يحيى بن سعيد حدثني أبو إسحاق عن حارثة فقال: (كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملًا على سيفه فقتله، قال أراه كان ساحرًا). وحمل الشافعي رحمه الله تعالى قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركًا. والله أعلم. (٢) ...\nقال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد: نعم، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا، فأما إن قُتل بسحره إنسان فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك أو يقر بذلك في حق شخص معين، وإذا فإنه يقتل حدًا عندهم، إلا الشافعي فإنه قال يقتل والحالة هذه قصاصًا. قال وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنه: لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية: تقبل، وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة إنه يقتل كما يقتل الساحر إذا كان مسلمًا، وقال مالك وأحمد والشافعي: لا يقتل يعفى لقصة لبيد بن الأعصم. واختلفوا في المسلمة الساحرة فعند أبي حنيفة إنها لا تقتل ولكن تحبس، وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل والله أعلم). وقال أبو بكر الخلال أخبرنا أبو بكر المروزي قال قرأ علي أبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: عمر بن هارون أخبرنا يونس عن الزهري قال يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين لأن رسول الله ﷺ سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها. وقد نقل القرطبي عن مالك رحمه الله تعالى أنه قال في الذمي: يقتل إن قتل سحره. وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر أحدًا. الأولى أنه يستتاب فإن أسلم وإلا قتل. والثانية أنه يقتل وإن أسلم. وأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرًا كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم لقوله تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة: ١٠٢]، لكن قال مالك: إذا ظهر عليه لم تقبل توبته لأنه كالزنديق، فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاءنا تائبًا قبلناه، فإن قتل بسحره قتل، قال الشافعي: فإن قال لم أتعمد القتل فهو مخطئ عليه الدية. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – بتصرف – ص ٦٨١\n_________\n(١) [١٠٧٥٧]» رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٨٧١)، والطبراني (٢٣/ ١٨٧)، والشافعي في «المسند» (١/ ٣٨٣)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٤٥٣)، والحديث صححه ابن القيم في «زاد المعاد» (٥/ ٥٧)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٨٣): [هو] من رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين وهي ضعيفة وبقية رجاله ثقات.\n(٢) [١٠٧٥٨]» انظر «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٦٥).","vol":"7","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1929>ثالثًا: أسباب الخلاف في حكم السحر</span>\nوسبب ذلك الاختلاف: كثرة أنواع السحر، واختلاف صوره .. حتى جعله الفخر الرازي ثمانية أقسام (١)، وبعضهم جعله أكثر من ذلك (٢)\nإضافة إلى توسع بعض العلماء في إطلاق السحر على كثير من الأحوال استنادًا للمعنى اللغوي، فبعضهم يطلق السحر على النميمة، والكلام البليغ، وكذا الحركات القائمة على خفة اليد ومهارة الأداء.\nوأمر ثالث أوجب هذا الاختلاف، وهو تنوع السحر من ناحية حقيقته أو تخييله، ومن ثم فبعض العلماء يقول: إن السحر حقيقة، ومنهم من يقول إنه تخييل، والصحيح في ذلك: - أن منه ما هو حقيقة، فيفرق بين المرء وزوجه، ولذا أمر الله تعالى بالاستعاذة به سبحانه من السواحر، فدل ذلك على أن للسحر حقيقة، وبعض السحر تخييل لا حقيقة له. (٣)\nوقد نبه الإمام القرافي ﵀ إلى ضرورة تحديد معنى السحر وتمييزه عن غيره فقال: (أطلق المالكية وجماعة، الكفر على الساحر، وأن السحر كفر، ولا شك أن هذا قريب من حيث الجملة، غير أنه عند الفتيا في جزئيات الوقائع يقع فيهم الغلط العظيم المودي إلى هلاك المفتي، والسبب في ذلك أنه إذا قيل للفقيه ما هو السحر وما حقيقته حتى يقضي بوجوده على كفر فاعليه يعسر عليه ذلك جدًا، فإنك إذا قلت له السحر والرقى والخواص والسيميا والهيميا وقوى النفوس شيء واحد، وكلها سحر، أو بعض هذه الأمور سحر، وبعضها ليس بسحر، فإن قال: الكل سحر، يلزمه أن سورة الفاتحة سحر؛ لأنها رقية إجماعًا، وإن قال: لكل واحدة من هذه خاصية تختص بها، فيقال: بين لنا خصوص كل واحد منها، وما به تمتاز، وهذا لا يكاد يعرفه أحد من المتعرضين للفتيا. وأنا طول عمري ما رأيت من يفرق بين هذه الأمور، فكيف يفتي أحد بعد هذا بكفر شخص معين أو بمباشرة شيء معين بناء على أن ذلك سحر، وهو لا يعرف السحر ما هو) (٤).\nإلى أن قال: (إن الكتب الموضوعة في السحر، وضع فيها هذا الاسم (السحر) على ما هو كذلك كفر ومحرم، وعلى ما ليس كذلك، وكذلك السحرة يطلق لفظ السحر على القسمين، فلابد من التعرض لبيان ذلك) (٥).\nثم قال أيضًا: (وللسحر فصول كثيرة في كتبهم يقطع من قبل الشرع بأنها ليست معاصي ولا كفرًا، كما أن لهم ما يقطع بأنه كفر فيجب حينئذ التفصيل كما قال الشافعي ﵁، أما الإطلاق بأن كل ما يسمى سحرًا كفر فصعب جدًا) (٦).\nوصدق رحمه الله تعالى، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلابد للناظر في هذه المسألة أن يفصل ويميز ويفرق بين السحر الذي يعد كفرًا، وما ليس كذلك ... نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف- بتصرف - ص ٥٠٢\n_________\n(١) [١٠٧٥٩]» انظر «تفسير الرازي» (٣/ ٢٢٨ – ٢٣٦)، وانظر «المفردات» للراغب (ص ٣٣١)\n(٢) [١٠٧٦٠]» انظر «الفروق» للقرافي (٤/ ١٣٧ – ١٤٩)، و«مفتاح دار السعادة» لطائش كبري زاده (١/ ٣٤٠ – ٣٤٦)، و«أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٤٥٢ –٤٥٥)، وكتاب «السحر» للحمد (ص ١٨ - ٣٦).\n(٣) [١٠٧٦١]» انظر تفصيل هذه المسألة في كتاب «السحر» لأحمد الحمد (ص ٣٧ – ٨٨).\n(٤) [١٠٧٦٢]» «الفروق» للقرافي (٤/ ١٣٥).\n(٥) [١٠٧٦٣]» «الفروق» للقرافي (٤/ ١٣٧).\n(٦) [١٠٧٦٤]» «الفروق» للقرافي (٤/ ١٤١).","vol":"7","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1930>المطلب الثالث: ما يلحق بالسحر كالعيافة، والطرق، والطيرة</span>\nقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن حيان بن العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ قال: «إن العيافة، والطرق، والطيرة من الجبت» (١).\nقال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط بالأرض، والجبت: قال الحسن: رنة الشيطان.\nإسناده جيد. ولأبي داود والنسائي وابن حبان في (صحيحه) لهم المسند منه.\nقوله: (العيافة)، مصدر عاف يعيف عيافة، وهي: زجر الطير للتشاؤم أو التفاؤل، فعند العرب قواعد في هذا الأمر، لأن زجر الطير له أقسام:\nفتارة يزجرها للصيد، كما قال أهل العلم في باب الصيد: إن تعليم الطير بأن ينزجر إذا زجر، فهذا ليس من هذا الباب.\nوتارة يزجر الطير للتشاؤم أو التفاؤل، فإذا زجر الطائر وذهب شمالًا تشاءم، وإذا ذهب يمينًا تفاءل، وإن ذهب أمامًا، فلا أدري أيتوقفون أم يعيدون الزجر؟ فهذا من الجبت.\nقوله: (الطرق). فسره عوف: بأنه الخط يخط في الأرض، وكأنه من الطريق، من طرق الأرض يطرقها إذا سار عليها، وتخطيطها مثل المشي عليها يكون له أثر في الأرض كأثر السير عليها.\nومعنى الخط بالأرض معروف عندهم، يضربون به على الرمل على سبيل السحر والكهانة، ويفعله النساء غالبًا، ولا أدري كيف يتوصلون إلى مقصودهم وما يزعمونه من علم الغيب، وأنه سيحصل كذا على ما هو معروف عندهم؟! وهذا نوع من السحر.\nأما خط الأرض ليكون سترة في الصلاة، أو لبيان حدودها ونحو ذلك، فليس داخلًا في الحديث.\nفإن قيل: قد صح «عن الرسول ﷺ أنه سئل عن نبي من الأنبياء يخط، فقال: من وافق خطه، فذاك» (٢).\nقلنا: يجاب عنه بجوابين:\nالأول: أن الرسول ﷺ علقه بأمر لا يتحقق الوصول إليه، لأنه قال: فمن وافق خطه فذاك، وما يدرينا هل وافق خطه أم لا؟\nالثاني: أنه إذا كان الخط بالوحي من الله تعالى كما في حال هذا النبي، فلا بأس به، لأن الله يجعل له علامة ينزل الوحي بها بخطوط يعلمه إياها.\nأما هذه الخطوط السحرية، فهي من الوحي الشيطاني، فإن قيل: طريقة الرسول ﷺ أنه يسد الأبواب جميعًا خاصة في موضوع الشرك، فلماذا لم يقطع ويسد هذا الباب؟\nفالجواب: كأن هذا والله أعلم أمر معلوم، وهو أن فيه نبيًا من الأنبياء يخط، فلا بد أن يجيب عنه الرسول ﷺ.\nقوله: (من الجبت). سبق أن الجبت السحر، وعلى هذا، فتكون (من) للتبعيض على الصحيح، وليس للبيان، فالمعنى أن هذه الثلاثة: العيافة، والطرق، والطيرة من الجبت.\nوقوله: (الطيرة) أي: من الجبت، على وزن فعلة، وهم اسم مصدر تطير، والمصدر منه تطير، وهي التشاؤم بمرئي أو مسموع، وقيل: التشاؤم بمعلوم مرئيًا كان أو مسموعًا، زمانًا كان أو مكانًا، وهذا أشمل، فيشمل ما لا يرى ولا يسمع، كالتطير بالزمان.\nوأصل التطير: التشاؤم، لكن أضيفت إلى الطير، لأن غالب التشاؤم عند العرب بالطير، فعلقت به، وإلا، فإن تعريفها العام: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم.\nوكان العرب يتشاءمون بالطير وبالزمان وبالمكان وبالأشخاص، وهذا من الشرك كما قال النبي ﷺ.\n_________\n(١) [١٠٧٦٥]» رواه أبو داود (٣٩٠٧) وأحمد (٥/ ٦٠) (٢٠٦٢٢)، وابن حبان (١٣/ ٥٠٢)، والطبراني (١٨/ ٣٩٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٩)، والحديث سكت عنه أبو داود، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٩٠٠).\n(٢) [١٠٧٦٦]» رواه مسلم (٥٣٧).","vol":"7","page":88},{"text":"والإنسان إذا فتح على نفسه باب التشاؤم، ضاقت عليه الدنيا، وصار يتخيل كل شيء أنه شؤم، حتى إنه يوجد أناس إذا أصبح وخرج من بيته ثم قابله رجل ليس له إلا عين واحدة تشاءم، وقال: اليوم يوم سوء، وأغلق دكانه، ولم يبع ولم يشتر - والعياذ بالله ـ، وكان بعضهم يتشاءم بيوم الأربعاء، ويقول: أنه يوم نحس وشؤم، ومنهم من يتشاءم بشهر شوال، ولا سيما في النكاح، وقد نقضت عائشة ﵂ هذا التشاؤم، بأنه ﷺ عقد عليها في شوال، وبنى بها في شوال، فكانت تقول: «أيكن كان أحظى عنده مني؟» (١) والجواب: لا أحد.\nفالمهم أن التشاؤم ينبغي للإنسان أن لا يطرأ له على بال، لأنه ينكد عليه عيشه، فالواجب الاقتداء بالنبي ﷺ حيث كان يعجبه الفأل (٢)، فينبغي للإنسان أن يتفاءل بالخير ولا يتشاءم، وكذلك بعض الناس إذا حاول الأمر مرة بعد أخرى تشاءم بأنه لن ينجح فيه فيتركه، وهذا خطأ، فكل شيء ترى فيه المصلحة، فلا تتقاعس عنه في أول محاولة، وحاول مرة بعد أخرى حتى يفتح الله عليك.\nوأما قول الحسن: الجبت: رنة الشيطان، قال صاحب (تيسير العزيز الحميد) (٣): لم أجد فيه كلامًا.\nوالظاهر أن رنة الشيطان، أي: وحي الشيطان، فهذه من وحي الشيطان وإملائه، ولا شك أن الذي يتلقى أمره من وحي الشيطان أنه أتى نوعًا من الكفر، وقول الحسن جاء في (تفسير ابن كثير) باللفظ الذي ذكره المؤلف، وجاء في (المسند) بلفظ: «إنه الشيطان» (٤).\nووجه كون العيافة من السحر أن العيافة يستند فيها الإنسان إلى أمر لا حقيقة له: فماذا يعني كون الطائر يذهب يمينًا أو شمالًا أو أمامًا أو خلفًا؟ فهذا لا أصل له، وليس بسبب شرعي ولا حسي، فإذا اعتمد الإنسان على ذلك، فقد اعتمد على أمر خفي لا حقيقة له، وهذا سحر كما سبق تعريف السحر في اللغة.\nوكذلك الطرق من السحر، لأنهم يستعملونه في السحر، ويتوصلون به إليه.\nوالطيرة كذلك، لأنها مثل العيافة تمامًا تستند إلى أمر خفي لا يصح الاعتماد عليه، وسيأتي في باب الطيرة ما يستثنى منه.\nقوله: (إسناده جيد ...). قال الشيخ: إسناده جيد، وعندي أنه أقل من الجيد في الواقع، إلا أن يكون هناك متابعات، وكان بعض العلماء يذهب إلى أن الحديث إذا صح متنه، وكان موافقًا للأصول، فإنه يتساهل في سنده، والعكس بالعكس، إذا كان مخالفًا للأصول، فإنه لا يبالي بالسند، وهذا مسلك جيد بالنسبة لأخذ الحكم من الحديث، لكن بالنسبة للحكم على السند بأنه جيد بمجرد شهادة الأصول لهذا الحديث بالصحة، فهذا مشكل لأنه يلزم أنه لو جاءنا هذا السند في حديث آخر حكمنا بأنه جيد، فالأولى أن يقال: إن السند فيه ضعف، ولكن المتن، صحيح، فأنا أرى أن مثل هذا لا يحكم له بالجودة، إذ جيد أرقى من حسن، ثم الحكم بالحسن في مثل هذا السند في نفسي منه شيء، لأنه ينبغي لنا أن نتحرى في الحديث عن الرسول ﷺ، إلا أن الذي يخفف الأمر هو صحة المتن، وأيهما أهم: السند أم المتن؟\n_________\n(١) [١٠٧٦٧]» رواه مسلم (١٤٢٣).\n(٢) [١٠٧٦٨]» رواه البخاري (٥٧٧٦)، ومسلم (٢٢٢٤)، من حديث أنس ﵁.\n(٣) [١٠٧٦٩]» انظر: «وتيسير العزيز الحميد» (ص ٣٩٨).\n(٤) [١٠٧٧٠]» رواه أحمد (٥/ ٦٠) (٢٠٦٢٣).","vol":"7","page":89},{"text":"الجواب: كلاهما مهمان، لكن المتن إذا كان صحيحًا تشهد له الأصول قد تستغني عنه بما تشهد به الأصول، أما السند، فلا بد منه، يقول ابن المبارك: لولا السند، لقال كل من شاء ما شاء .... وللنسائي من حديث أبي هريرة: «من عقد عقدة، ثم نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر، فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا، وكل إليه» (١).\nقوله: (من عقد عقدة). (من) شرطية، والعقد معروف.\nقوله: (ثم نفث فيها). النفث: النفخ بريق خفيف، والمراد هنا النفث من أجل السحر.\nأما لو عقد عقدة، ثم نفث فيها من أجل أن تحتكم بالرطوبة، فليس بداخل في الحديث، والنفث من أجل السحر يفعلونه بعض الأحيان للصرف، فيصرفون به الرجل عن زوجته، ولا سيما عند عقد النكاح، فيبعد الرجل عن زوجته، فلا يقوى على جماعها، فمن عقد هذه العقدة، فقد وقع في السحر كما قال تعالى: وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق: ٤].\nقوله: (ومن سحر فقد أشرك). (من) هذه شرطية، وفعل الشرط: (سحر)، وجوابه: (فقد أشرك).\nوقوله: (فقد أشرك). هذا لا يتناول جميع السحر، إنما المراد من سحر بالطرق الشيطانية.\nأما من سحر بالأدوية والعقاقير وما أشبهها، فقد سبق أنه لا يكون مشركًا، لكن الذي يسحر بواسطة طاعة الشياطين واستخدامهم فيما يريد، فهذا لا شك أنه مشرك.\nقوله: (ومن تعلق شيئًا وكل إليه). (تعلق شيئًا)، أي: استمسك به، واعتمد عليه.\n(وكل إليه)، أي: جعل هذا الشيء الذي تعلق به عمادًا له، ووكله الله إليه، وتخلى عنه.\nومناسبة هذه الجملة للتي قبلها: أن النافخ في العقد يريد أن يتوصل بهذا الشيء إلى حاجته ومآربه، فيوكل إلى هذا الشيء المحرم.\nووجه آخر: وهو أن من الناس من إذا سحر عن طريق النفخ بالعقد ذهب إلى السحرة وتعلق بهم، ولا يذهب إلى القراء والأدوية المباحة والأدعية المشروعة، ومن توكل على الله كفاه، قال تعالى: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ [الطلاق: ٥]، وإذا كان الله حسبك، فلا بد أن تصل إلى ما تريد.\nلكن من تعلق شيئًا من المخلوقين وكل إليه، ومن وكل إلى شيء من المخلوقين وكل إلى ضعف وعجز وعورة، وقد يشمل الحديث من اعتمد على نفسه وصار معجبًا بما يقول ويفعل، فإنه يوكل إلى نفسه، ويوكل إلى ضعف وعجز وعورة، ولهذا ينبغي أن تكون دائمًا متعلقًا بالله في كل أفعالك وأحوالك حتى في أهون الأمور ... وأن هؤلاء الذين يتعلقون بالسحر، ويجعلونه صناعة يصلون بها إلى مآربهم يوكلون إلى ذلك، وآخر أمرهم الخسارة والندم.\n... والمؤلف كان حكيمًا في تعبيره بالترجمة، حيث قال: باب بيان شيء من أنواع السحر، ولم يحكم عليها بشيء، لأن منها ما هو شرك، ومنها ما هو من كبائر الذنوب، ومنها دون ذلك، ومنها ما هو جائز على حسب ما يقصد به وعلى حسب تأثيره وآثاره.\nفيه مسائل:\nالأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت. الثانية: تفسير العيافة والطرق. الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر. الرابعة: العقد مع النفث من ذلك. الخامسة: أن النميمة من ذلك. السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة.\nقال: (فيه مسائل)، أي: في هذا الباب وما تضمنه من الأحاديث والآثار مسائل:\n_________\n(١) [١٠٧٧١]» رواه النسائي (٧/ ١١٢)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ١٢٧)، قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٥/ ٥٥١): [فيه] عباد المنقري هو ممن يكتب حديثه، وقال المزي في «تهذيب الكمال» (٩/ ٤٢٩): [فيه] عباد بن ميسرة قال يحيى بن معين ليس به بأس وقال أبو داود ليس بالقوي، وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ٣٧٨): لا يصح للين عباد بن ميسرة وانقطاعه، وقال الألباني في «ضعيف النسائي»: ضعيف لكن جملة التعليق ثبتت في الحديث.","vol":"7","page":90},{"text":"المسألة الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت. وقد سبق تفسير هذه الثلاثة وتفسير الجبت.\nالثانية: تفسير العيافة والطرق. وقد بينت في الباب أيضًا وشرحت.\nالثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر. لقوله: «من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر» (١)، وسبق الكلام عليها أيضًا.\nالرابعة: العقد مع النفث من ذلك. لحديث أبي هريرة: «من عقد عقدة ثم نفث فيها، فقد سحر» (٢)، وقد تقدم الكلام على ذلك.\nالخامسة: أن النميمة من ذلك. لحديث ابن مسعود: «ألا هل أنبئكم ما العضة؟ هي النميمة» (٣)، وهي من السحر، لأنها تفعل ما يفعل الساحر من التفريق بين الناس والتحريش بينهم، وقد سبق بيان ذلك.\nالسادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة. أي: من السحر بعض الفصاحة، لقول النبي ﷺ: «إن من البيان لسحرًا» (٤)، والمؤلف ﵀ قال: بعض الفصاحة استدلالًا بقوله ﷺ: \"إن من البيان\"، لأن \"من\" هنا عند المؤلف للتبعيض، ووجه كون ذلك من السحر أن لسان البليغ ذي البيان قد يصرف الهمم وقد يلهب ما عنده من الفصاحة. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - بتصرف– ٢/ ٣٦\n_________\n(١) [١٠٧٧٢]» رواه أبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦)، وأحمد (١/ ٢٢٧) (٢٠٠٠) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٨)، والطبراني (١١/ ١٣٥)، كلهم رووه بلفظ: «من اقتبس علمًا من النجوم» بدلًا من «من اقتبس شعبةً من النجوم»، والحديث سكت عنه ابو داود، وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٩٣)، والنووي في «رياض الصالحين» (٥٣٦)، والعراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ١٤٤)، وأحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٣١٢): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».\n(٢) [١٠٧٧٣]» رواه النسائي (٧/ ١١٢)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ١٢٧)، قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٥/ ٥٥١): [فيه] عباد المنقري هو ممن يكتب حديثه، وقال المزي في «تهذيب الكمال» (٩/ ٤٢٩): [فيه] عباد بن ميسرة قال يحيى بن معين ليس به بأس وقال أبو داود ليس بالقوي، وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ٣٧٨): لا يصح للين عباد بن ميسرة وانقطاعه، وقال الألباني في «ضعيف النسائي»: ضعيف لكن جملة التعليق ثبتت في الحديث.\n(٣) [١٠٧٧٤]» رواه مسلم (٢٦٠٦).\n(٤) [١٠٧٧٥]» رواه البخاري (٥١٤٦) من حديث ابن عمر ﵁، ومسلم (٨٦٩) من حديث عمار ﵁.","vol":"7","page":91},{"text":"ومن أنواع السحر زجر الطير والخط بالأرض، قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى حدثنا عوف حدثنا حيان – قال غير مسدد: حيان بن العلاء – حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «العيافة والطيرة والطرق من الجبت» رواه أحمد في (مسنده) (١). و«الجبت هو السحر» قاله عمر ﵁ (٢) وكذلك قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وغيرهم (٣). وعن ابن عباس وغيره أيضًا «الجبت الشيطان» (٤)، ولا ينافي الأول لأن السحر من عمل الشيطان، وعنه أيضًا الجبت الشرك (٥)، وعنه الجبت الأصنام (٦)، وعنه الجبت حيي بن أخطب (٧)، وعن الشعبي الجبت كاهن (٨). وعن مجاهد الجبت كعب بن الأشرف (٩)، ولا منافاة أيضًا فإن السحر من الشرك الذي يشمله عبادة غير الله، وحيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ممن خاصم رسول الله ﷺ بالسحر، والكاهن عامل بالسحر، وقال في القاموس: الجبت بالكسر الصنم والكاهن والساحر والسحر والذي لا خير فيه وكل ما عبد من دون الله ﷿. ومن أنواعه العقد والنفث فيه قال الله تعالى: وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق:٤] وقد تقدم حديث عائشة في قصة لبيد بن الأعصم، وقد ثبت في حديث نزول المعوذتين ورقية جبريل النبي ﷺ بهما أنه كان كلما قرأ آية انحلت عقدة. وقال النسائي رحمه الله تعالى في كتاب تحريم الدم من (سننه): (الحكم في السحرة) أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عباد بن ميسرة المنقري عن الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه» (١٠)\n_________\n(١) [١٠٧٧٦]» رواه أبو داود (٣٩٠٧) وأحمد (٥/ ٦٠) (٢٠٦٢٢)، وابن حبان (١٣/ ٥٠٢)، والطبراني (١٨/ ٣٩٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٩)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٩٢)، والنووي في «المنثورات» (ص: ١٥٩): إسناده حسن، وقال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣١٣): جاءت الآثار بذلك مجيئا متواترا، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٩٠٠).\n(٢) [١٠٧٧٧]» رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم بعد حديث (٤٥٨٢)، في باب: قوله وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ، قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (٢/ ٢٥٢): جاء موصولًا.\n(٣) [١٠٧٧٨]» رواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٤/ ١٩٨)، وابن جرير في «التفسير» (٨/ ٤٦٢).\n(٤) [١٠٧٧٩]» روى ابن جرير في «التفسير» (٨/ ٤٦٢) هذا الأثر عن قتادة، والسدي.\n(٥) [١٠٧٨٠]» ذكره ابن كثير في «التفسير» (٢/ ٣٣٤).\n(٦) [١٠٧٨١]» رواه ابن جرير في «التفسير» (٨/ ٤٦١)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٤/ ١٩٨).\n(٧) [١٠٧٨٢]» رواه ابن جرير في «التفسير» (٨/ ٤٦٤)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٤/ ١٩٨).\n(٨) [١٠٧٨٣]» رواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٤/ ١٩٩).\n(٩) [١٠٧٨٤]» رواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٤/ ١٩٩)، وابن جرير في «التفسير» (٨/ ٤٦٥).\n(١٠) [١٠٧٨٥]» رواه النسائي (٧/ ١١٢)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ١٢٧)، قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٥/ ٥٥١): [فيه] عباد المنقري هو ممن يكتب حديثه، وقال المزي في «تهذيب الكمال» (٩/ ٤٢٩): [فيه] عباد بن ميسرة قال يحيى بن معين ليس به بأس وقال أبو داود ليس بالقوي، وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ٣٧٨): لا يصح للين عباد بن ميسرة وانقطاعه، وقال الألباني في «ضعيف النسائي»: ضعيف لكن جملة التعليق ثبتت في الحديث ..","vol":"7","page":92},{"text":"وقد أطلق السحر على ما فيه التخييل في قلب الأعيان وإن لم يكن السحر الحقيقي، كما في (الصحيحين) عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن من البيان لسحرًا» (١) يعني لتضمنه التخييل فيخيل الباطل في صورة الحق، وإنما عني به البيان في المفاخرة والخصومات بالباطل ونحوها كما يدل عليه أصل القصة في التميميين اللذين تفاخرا عنده بأحسابهما وطعن أحدهما في حسب الآخر ونسبه، وكذلك قال ﷺ: «إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحكم له على نحو ما أسمع، فمن حكمت له من حق أخيه بشيء فإنما هو قطعة من النار» (٢) أو كما قال: وهو في الصحيح، وأما البيان بالحق لنصرة الحق فهو فريضة على كل مسلم ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وهو من الجهاد في سبيل الله ﷿. وقد سمى ﷺ ما يعمل عمل السحر سحرًا وإن لم يكن سحرًا كقوله ﷺ: «ألا أنبئكم ما العضة، هي النميمة، القالة بين الناس» رواه مسلم عن ابن مسعود ﵁ (٣). والعضة في لغة قريش السحر، ويقولون للساحر عاضه، فسمى النميمة سحرًا لأنها تعمل عمل السحر في التفرقة بين المرء وزوجه وغيرها من المتحابين بل هي أعظم في الوشاية لأنها تثير العداوة بين الأخوين. وتسعر الحرب بين المتسالمين كما هو معروف مشاهد لا ينكر. وقد جاء الوعيد للقتات في الآيات والأحاديث كثيرة جدًا. ومع هذا فالخداع للكفار للفتك بهم وإظهار المسلمين عليهم وكسر شوكتهم وتفريق كلمتهم من أعظم الجهاد وأنفعه وأشده نكاية فيهم كما فعله نعيم بن مسعود الغطفاني ﵁ في تفريق كلمة الأحزاب بإذن رسول الله ﷺ حتى فرق بين قريش وبين يهود بني قريظة ونقض الله بذلك ما أبرموه ولله الحمد والمنة معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي– ص٧٠٥\n_________\n(١) [١٠٧٨٦]» رواه البخاري (٥١٤٦) من حديث ابن عمر ﵄، ومسلم (٨٦٩) من حديث عمار ﵁.\n(٢) [١٠٧٨٧]» رواه البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣).\n(٣) [١٠٧٨٨]» رواه مسلم (٢٦٠٦).","vol":"7","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1932>أولًا: التنجيم</span>\nعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد». رواه أبو داود، وإسناده صحيح (١).\nقوله: (من). شرطية، وفعل الشرط: (اقتبس)، وجوابه: (فقد اقتبس).\nقوله: (اقتبس). أي تعلم، لأن التعلم وهو أخذ الطالب من العالم شيئًا من علمه بمنزلة الرجل يقتبس من صاحب النار شعلة.\nقوله: (شعبة). أي: طائفة، ومنه قوله تعالى: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ [الحجرات: ١٣]، أي: طوائف وقبائل.\nقوله: (من النجوم). المراد: علم النجوم، وليس المراد النجوم أنفسها، لأن النجوم لا يمكن أن تقتبس وتتعلم، والمراد به هنا علم النجوم الذي يستدل به على الحوادث الأرضية، فيستدل مثلًا باقتران النجم الفلاني بالنجم الفلاني على أنه سيحدث كذا وكذا.\nويستدل بولادة إنسان في هذا النجم على أنه سيكون سعيدًا، وفي النجم الآخر على أنه سيكون شقيًا، فيستدلون باختلاف أحوال النجوم على اختلاف الحوادث الأرضية، والحوادث الأرضية من عند الله، قد تكون أسبابها معلومة لنا، وقد تكون مجهولة، لكن ليس للنجوم بها علاقة، ولهذا جاء في حديث زيد بن خالد الجهني في غزوة الحديبية، قال: صلى بنا رسول الله ذات ليلة على إثر سماء من الليل، فقال: «قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا - بنوء يعني: بنجم، والباء للسببية، يعني: هذا المطر من النجم ـ، فإنه كافر بي مؤمن بالكوكب، ومن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب» (٢).\nفالنجوم لا تأتي بالمطر ولا تأتي بالرياح أيضًا، ومنه نأخذ خطأ العوام الذين يقولون: إذا هبت الريح طلع النجم الفلاني، لأن النجوم لا تأثير لها بالرياح، صحيح أن بعض الأوقات والفصول يكون فيها ريح ومطر، فهي ظرف لهما، وليست سببًا للريح أو المطر.\nوعلم النجوم ينقسم إلى قسمين:\n_________\n(١) [١٠٧٨٩]» رواه أبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦)، وأحمد (١/ ٢٢٧) (٢٠٠٠) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٨)، والطبراني (١١/ ١٣٥)، كلهم رووه بلفظ: «من اقتبس علمًا من النجوم» بدلًا من «من اقتبس شعبةً من النجوم»، والحديث سكت عنه ابو داود، وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٩٣)، والنووي في «رياض الصالحين» (٥٣٦)، والعراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ١٤٤)، وأحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٣١٢): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».\n(٢) [١٠٧٩٠]» رواه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١).","vol":"7","page":94},{"text":"الأول: علم التأثير، وهو أن يستدل بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، فهذا محرم باطل لقول النبي ﷺ: «من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر» (١)، وقوله في حديث زيد بن خالد: «من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (٢)، ولقول النبي ﷺ في الشمس والقمر: «إنهما آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» (٣)، فالأحوال الفلكية لا علاقة بينها وبين الحوادث الأرضية.\nالثاني: علم التسيير، وهو ما يستدل به على الجهات والأوقات، فهذا جائز، وقد يكون واجبًا أحيانًا، كما قال الفقهاء: إذا دخل وقت الصلاة يجب على الإنسان أن يتعلم علامات القبلة من النجوم والشمس والقمر، قال تعالى: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [النحل: ١٥]، فلما ذكر الله العلامات الأرضية انتقل إلى العلامات السماوية، فقال تعالى: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦]، فالاستدلال بهذه النجوم على الأزمات لا بأس به، مثل أن يقال: إذا طلع النجم الفلاني دخل وقت السيل ودخل وقت الربيع، وكذلك على الأماكن، كالقبلة، والشمال، والجنوب.\nقوله: (فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد). المراد بالسحر هنا: ما هو أعم من السحر المعروف، لأن هذا من الاستدلال بالأمور الخفية التي لا حقيقة لها، كما أن السحر لا حقيقة له، فالسحر لا يقلب الأشياء، لكنه يموه، وهكذا اختلاف النجوم لا تتغير بها الأحوال.\nقوله: (زاد ما زاد). أي: كلما زاد شعبة من تعلم النجوم ازداد شعبة من السحر.\nووجه ذلك: أن الشيء إذا كان من الشيء، فإنه يزداد بزيادته.\nوجه مناسبة الحديث لترجمة المؤلف:\nأن من أنواع السحر: تعلم النجوم ليستدل بها على الحوادث الأرضية، وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند، لكن من حيث المعنى الصحيح تشهد له النصوص الأخرى ...\nالتنجيم: مصدر نجم بتشديد الجيم، أي: تعلم علم النجوم، أو اعتقد تأثير النجوم.\nوعلم النجوم ينقسم إلى قسمين:\n١ - علم التأثير. ٢ - علم التسيير.\nفالأول: علم التأثير. وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nأن يعتقد أن هذه النجوم مؤثرة فاعلة، بمعنى أنها هي التي تخلق الحوادث والشرور، فهذا شرك أكبر، لأن من ادعى أن مع الله خالقًا، فهو مشرك شركًا أكبر، فهذا جعل المخلوق المسخر خالقًا مسخرًا.\n_________\n(١) [١٠٧٩١]» رواه أبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦)، وأحمد (١/ ٢٢٧) (٢٠٠٠) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٨)، والطبراني (١١/ ١٣٥)، كلهم رووه بلفظ: «من اقتبس علمًا من النجوم» بدلًا من «من اقتبس شعبةً من النجوم»، والحديث سكت عنه ابو داود، وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٩٣)، والنووي في «رياض الصالحين» (٥٣٦)، والعراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ١٤٤)، وأحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٣١٢): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».\n(٢) [١٠٧٩٢]» رواه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١).\n(٣) [١٠٧٩٣]» رواه البخاري (١٠٦٠)، ومسلم (٩١٥)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.","vol":"7","page":95},{"text":"أن يجعلها سببًا يدعي به علم الغيب، فيستدل بحركاتها وتنقلاتها وتغيراتها على أنه سيكون كذا وكذا، لأن النجم الفلاني صار كذا وكذا، مثل أن يقول: هذا الإنسان ستكون حياته شقاء، لأنه ولد في النجم الفلاني، وهذا حياته ستكون سعيدة لأنه ولد في النجم الفلاني. فهذا اتخذ تعلم النجوم وسيلة لادعاء علم الغيب، ودعوى علم الغيب كفر مخرج عن الملة، لأن الله يقول: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥]، وهذا من أقوى أنواع الحصر، لأنه بالنفي والإثبات، فإذا ادعى أحد علم الغيب، فقد كذب القرآن.\nأن يعتقدها سببًا لحدوث الخير والشر، أي أنه إذا وقع شيء نسبه إلى النجوم، ولا ينسب إلى النجوم شيئًا إلا بعد وقوعه، فهذا شرك أصغر.\nفإن قيل: ينتقض هذا بما ثبت عن النبي ﷺ في قوله في الكسوف: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده» (١)، فمعنى ذلك أنهما علامة إنذار.\nوالجواب من وجهين:\nالأول: أنه لا يسلم أن للكسوف تأثيرًا في الحوادث والعقوبات من الجدب والقحط والحروب، ولذلك قال النبي ﷺ: «إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» (٢)، لا في ما مضى ولا في المستقبل، وإنما يخوف الله بهما العباد لعلهم يرجعون، وهذا أقرب.\nالثاني: أنه لو سلمنا أن لهما تأثيرًا، فإن النص قد دل على ذلك، وما دل عليه النص يجب القول به، لكن يكون خاصًا به.\nلكن الوجه الأول هو الأقرب: أننا لا نسلم أصلًا أن لهما تأثيرًا في هذا، لأن الحديث لا يقتضيه، فالحديث ينص على التخويف، والمخوف هو الله تعالى، والمخوف عقوبته، ولا أثر للكسوف في ذلك، وإنما هو علامة فقط.\nالثاني: علم التيسير. وهذا ينقسم إلى قسمين:\nالأول: أن يستدل بسيرها على المصالح الدينية، فهذا مطلوب، وإذا كان يعين على مصالح دينية واجبة كان تعلمها واجبًا، كما لو أراد أن يستدل بالنجوم على جهة القبلة، فالنجم الفلاني يكون ثلث الليل قبلة، والنجم الفلاني يكون ربع الليل قبلة، فهذا فيه فائدة عظيمة.\nالثاني: أن يستدل بسيرها على المصالح الدنيوية، فهذا لا بأس به، وهو نوعان:\nالنوع الأول: أن يستدل بها على الجهات، كمعرفة أن القطب يقع شمالًا، والجدي وهو قريب منه يدور حوله شمالًا، وهكذا، فهذا جائز، قال تعالى: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦].\nالنوع الثاني: أن يستدل بها على الفصول، وهو ما يعرف بتعلم منازل القمر، فهذا كرهه بعض السلف، وأباحه آخرون.\nوالذين كرهوه قالوا: يخشى إذا قيل: طلع النجم الفلاني، فهو وقت الشتاء أو الصيف: أن بعض العامة يعتقد أنه هو الذي يأتي بالبرد أو البحر أو بالرياح.\nوالصحيح عدم الكراهة.\nقوله في أثر قتادة: (خلق الله هذه النجوم لثلاث). اللام للتعليل، أي: لبيان العلة والحكمة.\nقوله: (لثلاث). ويجوز لثلاثة، لكن الثلاث أحسن، أي: لثلاث حكم، لهذا حذف تاء التأنيث من العدد.\nوالثلاث هي:\nالأولى: زينة للسماء، قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ [الملك: ٥]، لأن الإنسان إذا رأى السماء صافية في ليلة غير مقمرة وليس فيها كهرباء يجد لهذه النجوم من الجمال العظيم ما لا يعلمه إلا الله، فتكون كأنها غابة محلاة بأنواع من الفضة اللامعة، هذه نجمة مضيئة كبيرة تميل إلى الحمرة، وهذه تميل إلى الزرقة، وهذه خفيفة، وهذه متوسطة، وهذا شيء مشاهد.\n_________\n(١) [١٠٧٩٤]» رواه مسلم (٩١١)، من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.\n(٢) [١٠٧٩٥]» رواه البخاري (١٠٦٠)، ومسلم (٩١٥)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.","vol":"7","page":96},{"text":"وهل نقول: إن ظاهر الآية الكريمة أن النجوم مرصعة في السماء، أو نقول: لا يلزم ذلك؟\nالجواب: لا يلزم من ذلك أن تكون النجوم مرصعة في السماء، قال تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: ٣٣]، أي: يدورون، كل له فلك ...\nإذًا هي أفلاك متفاوتة في الارتفاع والنزول، ولا يلزم أن تكون مرصعة في السماء.\nفإن قيل: فما الجواب عن قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا.\nقلنا: إنها لا يلزم من تزيين الشيء بالشيء أن يكون ملاصقًا له، أرأيت لو أن رجلًا عمر قصرًا وجعل حوله ثريات من الكهرباء كبيرة وجميلة، وليست على جدرانه، فالناظر إلى القصر من بعد يرى أنها زينة له، وإن لم تكن ملاصقة له.\nالثانية: رجومًا للشياطين، أي: لشياطين الجن، وليسوا شياطين الإنس، لأن شياطين الإنس لم يصلوها، لكن شياطين الجن وصلوها، فهم أقدر من شياطين الإنس، ولهم قوة عظيمة نافذة، قال تعالى عن عملهم الدال على قدرتهم: وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٧]، أي: سخرنا لسليمان: وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [ص: ٣٨]، وقال تعالى: قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: ٣٩]، أي: من سبأ إلى الشام، وهو عرش عظيم لملكة سبأ، فهذا يدل على قوتهم وسرعتهم ونفوذهم.\nوقال تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩]. والرجم: الرمي.\nالثالثة: علامات يهتدى بها، تؤخذ من قوله تعالى: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦]، فذكر الله تعالى نوعين من العلامات التي يهتدى بها:\nالأول: أرضية، وتشمل كل ما جعل الله في الأرض من علامة، كالجبال، والأنهار، والطرق، والأودية، ونحوها.\nوالثاني: أفقية في قوله تعالى: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ\nوالنجم: اسم جنس يشمل كل ما يهتدى به، ولا يختص بنجم معين، لأن لكل قوم طريقة في الاستدلال بهذه النجوم على الجهات، سواء جهات القبلة أو المكان، برًا أو بحرًا.\nوهذا من نعمة الله أن جعل علامات علوية لا يحجب دونها شيء، وهي النجوم، لأنك في الليل لا تشاهد جبالًا ولا أودية، وهذا من تسخير الله، قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ [الجاثية: ١٣].\nوكره قتادة تعلم منازل القمر. ولم يرخص ابن عيينة فيه. ذكره حرب عنهما. ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق.\nقوله: (وكره قتادة تعلم منازل القمر). أي: كراهة تحريم بناءً على أن الكراهة في كلام السلف يراد بها التحريم غالبًا.\nوقوله: (تعلم منازل القمر) يحتمل أمرين:\nالأول: أن المراد به معرفة منزلة القمر، الليلة يكون في الشرطين، ويكون في الإكليل، فالمراد معرفة منازل القمر كل ليلة، لأن كل ليلة له منزلة حتى يتم ثمانيًا وعشرين وفي تسع وعشرين وثلاثين لا يظهر في الغالب.\nالثاني: أن المراد به تعلم منازل النجوم، أي: يخرج النجم الفلاني، في اليوم الفلاني وهذه النجوم جعلها الله أوقاتًا للفصول، لأنها (٢٨) نجمًا، منها (١٤) يمانية، و(١٤) شمالية، فإذا حلت الشمس في المنازل الشمالية صار الحر، وإذا حلت في الجنوبية صار البرد، ولذلك كان من علامة دنو البرد خروج سهيل، وهو من النجوم اليمانية.","vol":"7","page":97},{"text":"قوله: (ولم يرخص فيه ابن عيينة). هو سفيان بن عيينة المعروف، وهذا يوافق قول قتادة بالكراهة.\nقوله: (وذكره حرب). من أصحاب أحمد، روى عنه مسائل كثيرة.\nقوله: (إسحاق). هو إسحاق بن راهويه.\nوالصحيح أنه لا بأس بتعلم منازل القمر، لأنه لا شرك فيها، إلا أن تعلمها ليضيف إليها نزول المطر وحصول البرد، وأنها هي الجالبة لذلك، فهذا نوع من الشرك، أما مجرد معرفة الوقت بها: هل هو الربيع، أو الخريف، أو الشتاء، فهذا لا بأس به.\nوعن أبي موسى، قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر» رواه أحمد وابن حبان في \"صحيحه\" (١).\n... قوله: (ومصدق بالسحر). هذا هو شاهد الباب، ووجهه أن علم التنجيم نوع من السحر، فمن صدق به فقد صدق بنوع من السحر، ...: «أن من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر» (٢)، والمصدق به هو المصدق بما يخبر به المنجمون، فإذا قال المنجم: سيحدث كذا وكذا، وصدق به، فإنه لا يدخل الجنة، لأنه صدق بعلم الغيب لغير الله، قال تعالى: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥].\nفإن قيل: لماذا لا يجعل السحر هنا عامًا ليشمل التنجيم وغير التنجيم؟\nأجيب: إن المصدق بما يخبره به السحر من علم الغيب يشمله الوعيد هنا، وأما المصدق بأن للسحر تأثيرًا، فلا يلحقه هذا الوعيد، إذا لا شك أن للسحر تأثيرًا، لكن تأثيره تخييل، مثل ما وقع من سحرة فرعون حيث سحروا أعين الناس حتى رأوا الحبال والعصي كأنها حيات تسعى، وإن كان لا حقيقة لذلك، وقد يسحر الساحر شخصًا فيجعله يُحِب فلانًا ويبغض فلانًا، فهو مؤثر، قال تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة: ١٠٢]، فالتصديق بأثر السحر على هذا الوجه لا يدخله الوعيد لأنه تصديق بأمر واقع.\nأما من صدق بأن السحر يؤثر في قلب الأعيان بحيث يجعل الخشب ذهبًا أو نحو ذلك، فلا شك في دخوله في الوعيد، لأن هذا لا يقدر عليه إلا الله ﷿. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - بتصرف – ٢/ ٤٣\n_________\n(١) [١٠٧٩٦]» رواه أحمد (٤/ ٣٩٩) (١٩٥٨٧)، وابن حبان (١٣/ ٥٠٧)، وأبو يعلى (١٣/ ١٨١)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٧٤): رجال أحمد وأبي يعلى ثقات، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٤٦٣)، وقال شعيب الأرنؤوط في «مسند أحمد» (٤/ ٣٩٩) قوله منه: (ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر وقاطع رحم ومصدق بالسحر) حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي حريز.\n(٢) [١٠٧٩٧]» رواه أبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦)، وأحمد (١/ ٢٢٧) (٢٠٠٠) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٨)، والطبراني (١١/ ١٣٥)، كلهم رووه بلفظ: «من اقتبس علمًا من النجوم» بدلًا من «من اقتبس شعبةً من النجوم»، والحديث سكت عنه ابو داود، وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٩٣)، والنووي في «رياض الصالحين» (٥٣٦)، والعراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ١٤٤)، وأحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٣١٢) كلهم قالوا: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».","vol":"7","page":98},{"text":"ثم إن التنجيم، هو أحد أقسام الكهانة، ولذا يسمي بعضهم المنجم كاهنًا (١)، والكاهن (هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن) (٢).\nيقول القاضي عياض – ذاكرًا أنواع الكهانة –\n(كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب: - أحدها أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء، وهذا القسم باطل من حين بعث النبي ﷺ.\nالثاني: - أنه يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده.\nالثالث: - المنجمون، وهذا الضرب يخلق الله تعالى فيه لبعض الناس قوة ما لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفن العرافة وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها، وقد يعتضد بعض هذا الفن ببعض في ذلك بالزجر والطرق والنجوم، وأسباب معتادة، وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة وقد أكذبهم الشرع ونهى عن تصديقهم، وإتيانهم. والله أعلم) (٣) ...\nوهذا التنجيم إنما كان سحرًا لقوله ﷺ: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» (٤).\nيقول ابن تيمية: (فقد صرح رسول الله ﷺ بأن علم النجوم من السحر، وقد قال الله تعالى وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه: ٦٩] وهكذا الواقع فإن الاستقراء يدل على أن أهل النجوم لا يفلحون، لا في الدنيا ولا في الآخرة) (٥).\nوالتنجيم الذي يعد سحرًا له أنواع منها: -\n(أ) عبادة النجوم كما كان يفعل الصابئة، اعتقادًا منهم بأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير تلك النجوم، ولذا بنوا هياكل لتلك النجوم، وعبدوها وعظموها، زاعمين أن روحانية تلك النجوم تتنزل عليهم فتخاطبهم وتقضي حوائجهم. (٦) ولا شك أن هذا كفر بالإجماع. (٧)\n_________\n(١) انظر «شرح السنة» للبغوي (١٢/ ١٧٧)، و«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٥/ ١٧٢، ١٩٣).\n(٢) «معالم السنن» للخطابي (٤/ ٢٢٥)، وانظر «النهاية لابن الأثير» (٤/ ٢١٤)، و«شرح السنة» للبغوي (١٢/ ١٨٢)، وفتح الباري ١٠/ ٢١٦، و«مفردات الراغب» (ص ٦٦٥)، و«شرح الفقه الأكبر» لملا علي قاري (ص ٢٢١)، و«مفتاح السعادة» لطاش كبري (١/ ٣٤٠)، و«بلوغ الأرب» للآلوسي (٣/ ٢٦٩)، و«فتاوى اللجنة الدائمة» (١/ ٣٩٣).\n(٣) «صحيح مسلم بشرح النووي» (١٤/ ٢٢٣)، وانظر «معالم السنن» للخطابي (٤/ ٢٢٥)، و«مفتاح دار السعادة» لابن القيم (٢/ ٢١٧)، و«فتح الباري» (١٠/ ٢١٧)، و«فتاوى ابن باز» (٢/ ١٢٠)، و«المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين» (٢/ ١٣٨).\n(٤) [١٠٨٠١]» رواه أبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦)، وأحمد (١/ ٢٢٧) (٢٠٠٠) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٨)، والطبراني (١١/ ١٣٥)، كلهم رووه بلفظ: «من اقتبس علمًا من النجوم» بدلًا من «من اقتبس شعبةً من النجوم»، والحديث سكت عنه ابو داود، وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٩٣)، والنووي في «رياض الصالحين» (٥٣٦)، والعراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ١٤٤)، وأحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٣١٢) قالوا: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٩٣)\n(٦) انظر «الفتاوى» لابن تيمية (٣٥/ ١٧٧)، و«شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٧٧٥)، و«شرح الفقه الأكبر» لملا علي قاري (ص: ٢٢٣)، و«وتيسير العزيز الحميد» (ص: ٤٤١).\n(٧) انظر «الفتاوى» لابن تيمية (٣٥/ ١٧٧)، و«شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٧٧٥)، و«شرح الفقه الأكبر» لملا علي قاري (ص: ٢٢٣)، و«وتيسير العزيز الحميد» (ص: ٤٤١).","vol":"7","page":99},{"text":"(ب) أن يستدل بحركات النجوم وتنقلاتها على ما يحدث في المستقبل من الحوادث والوقائع، فيعتقد أنه لكل نجم منها تأثيرات في كل حركاته منفردًا أو مقترنًا بغيره (١).\nوفي هذا النوع دعوى لعلم الغيب، ودعوى علم الغيب كفر مخرج من الملة؛ لأنهم بهذا يزعمون مشاركة الله في صفة من صفاته الخاصة وهي علم الغيب، ولأنه تكذيب لقوله تعالى قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ [النحل: ٦٥] وهذا من أقوى أنواع الحصر؛ لأنه بالنفي والاستثناء.\nكما أنه تكذيب لقوله سبحانه: - وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام: ٥٩] (٢).\n٣ - ومن أنواع هذا التنجيم: (ما يفعله من يكتب حروف أبي جاد، ويجعل لكل حرف منها قدرًا من العدد معلومًا، ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والمكنة وغيرها، ويجمع جمعًا معروفًا عنده، ويطرح منه طرحًا خاصًا، ويثبت إثباتًا خاصًا، وينسبه إلى الأبراج الإثنى عشر المعروفة عند أهل الحساب، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان) (٣).\n(قال بن عباس ﵄ في قوم يكتبون أباجاد، وينظرون في النجوم: (ما أدري من فعل ذلك له عند الله خلاق). (٤».\nوهذا النوع أيضًا يتضمن دعوى مشاركة الله في علم الغيب الذي انفرد به سبحانه (٥).\nيقول السعدي في هذا المقام: (إن الله تعالى المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك بكهانة أو عرافة أو غيرها، أو صدق من ادعى ذلك، فقد جعل لله شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذب الله ورسوله ...) (٦).\nويقول الشنقيطي: (لما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله، كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين ...) (٧).\nإن هذه الأنواع من التنجيم وما شابهها كفر أكبر يناقض الإيمان .. فالنبي ﷺ سمى التنجيم سحرًا .. وقد سبق بيان وجه كون السحر كفرًا.\nإن هذا التنجيم يناقض الإيمان، لما فيه من اعتقاد أن تلك النجوم تنفع وتضر بغير إذن الله تعالى، ولما فيه من دعوى الغيب، ومنازعة الله تعالى فيما اختص به سبحانه من علم الغيب، كما قال سبحانه: - عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا [الجن: ٢٦]، كما أن هذا السحر يحوي شركًا في العبادة، ودعاء لتلك النجوم وتعظيمًا وتقربا لها.\n_________\n(١) انظر «معالم السنن» للخطابي (٤/ ٢٢٦)، و«الفتاوى» لابن تيمية (٣٥/ ١٧١)، و«وتيسير العزيز الحميد» (ص ٤٤٢)، و«معارج القبول» (١/ ٥٢٤)، و«المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين» (٢/ ١٤٣).\n(٢) انظر «وتيسير العزيز الحميد» (ص٤٤٢)، و«القول السديد» للسعدي (ص ٧٧، ٧٨، ٨٤)، و«أضواء البيان» للشنقيطي (٢/ ١٩٧)، و«فتاوى ابن باز» (٢/ ١٢٠)، و«المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين» (١/ ١٤٣).\n(٣) «معارج القبول» (١/ ٥٢٣)، وانظر تفصيل الحديث عن علم تلك الحروف في «مقدمة ابن خلدون» (٣/ ١١٥٩ – ١١٩٦)، و«أبجد العلوم» لمحمد صديق حسن (٢/ ٢٣٦).\n(٤) [١٠٨٠٨]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٣٩)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١١/ ٢٦)، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٠٩٢).\n(٥) ومما يحسن ذكره ها هنا أن ما يسمى بحساب الجمل، والذي يستفاد منه في تيسير حفظ أزمان الأحداث والوقائع ... فهذا ليس ممنوعًا؛ لأنه لا يتضمن شيئًا مما نهى عنه الشارع\n(٦) «القول السديد» (ص ٧٧، ٧٨)\n(٧) «أضواء البيان» (٢/ ١٩٧)، وانظر «الموافقات» للشاطبي (٤/ ٨٤).","vol":"7","page":100},{"text":"إضافة إلى ذلك فإن التنجيم إذا كان نوعًا من الكهانة، فإن النبي ﷺ قال: - «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ». (١).\nوفي رواية: - «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول .... فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ» (٢).\nفهذه الأحاديث دليل على كفر من سأل الكهان مصدقًا لهم، فإذا كان هذا حال السائل فكيف بالمسؤول؟\nيقول ابن تيمية – ذامًا هؤلاء المنجمين -: (فإن هؤلاء الملاعين يقولون الإثم ويأكلون السحت بإجماع المسلمين، وثبت عن النبي ﷺ برواية الصديق عنه أنه قال: - «إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» (٣)، وأي منكر أنكر من عمل هؤلاء الأخابث، سوس الملك، وأعداء الرسل، وأفراخ الصابئة عباد الكواكب؟!!\nفهل كانت بعثة الخليل صلاة الله وسلامه عليه إمام الحنفاء إلا إلى سلف هؤلاء – فإن نمرود بن كنعان كان ملك هؤلاء، وعلماء الصابئة هم المنجمون ونحوهم – وهل عبدت الأوثان في غالب الأمر إلا عن رأي هذا الصنف الخبيث، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله؟!!) (٤) نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز محمد العبد اللطيف – ص٥١٩\n_________\n(١) [١٠٨١٢]» رواه أبو داود (٣٩٠٤)، بلفظ (من أتى كاهنا) بدون (عرافا) وزاد (أو أتى امرأتا حائضا أو أتى امرأتا في دبرها فقد برئ) بدلا من (فقد كفر) والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣٢٣) (٩٠١٧) بلفظ «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها) بدون (عرافا)، ورواه الحاكم (١/ ٤٩)، قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما جميعا من حديث ابن سيرين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨): له متابعة، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٧): له شاهد [وروي] بإسنادين جيدين ولفظهما (من أتى كاهنا)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» و«صحيح ابن ماجه».\n(٢) [١٠٨١٣]» رواه أبو داود (٣٩٠٤) وأحمد (٢/ ٤٠٨) (٩٢٧٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨)، من حديث أبي هريرة ﵁، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ١٧): لا يتابع عليه (حكيم الأثرم) ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة، وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨): له متابعة، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».\n(٣) [١٠٨١٤]» رواه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، وأحمد (١/ ٢) (١)، قال أبو داود ورواه كما قال خالد أبو أسامة وجماعة قال شعبة فيه «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر ممن يعمله»، وقال الترمذي حسن صحيح، وصححه ابن العربي في «الناسخ والمنسوخ» (٢/ ٢٠٤)، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ١٩٣)، وأحمد شاكر في «مسند أحمد» (١/ ٣٦): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٩٥)، وانظر «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٧٦٣).","vol":"7","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1933>ثانيًا: ادعاء علم الغيب</span>\nيقول الإمام ابن العربي المالكي في ذلك: (مقامات الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله لا إمارة عليها، ولا علامة عليها، إلا ما أخبر به الصادق المجتبى ...، فكل من قال: إنه ينزل الغيث غدًا فهو كافر، أخبر عنه بأمارات ادعاها، أو بقول مطلق (١)، ومن قال: إنه يعلم ما في الرحم فهو كافر، فأما الأمارة على هذا فتختلف، فمنها كفر، ومنها تجربة (٢)، والتجربة منه أن يقول الطبيب: إذا كان الثدي الأيمن مسودًا الحلمة فهو ذكر، وإن كان ذلك في الثدي الأيسر فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فهو ذكر، وإن وجدت الجنب الأشأم أثقل فالولد أنثى، وادعى ذلك عادة لا واجبًا في الخلقة لم نكفره ولم نفسقه، وأما من ادعى علم الكسب في مستقبل العمر فهو كافر أو أخبر عن الكوائن الجميلة أو المفضلة فيما يكون قبل أن يكون فلا ريب في كفره أيضا ...) (٣).\nوقال صديق خان﵀-: (فمن اعتقد في نبي، أو ولي، أو جن، أو ملك، أو إمام، أو ولد إمام، أو شيخ، أو شهيد، أو منجم، أو رمال، أو جفار، أو فاتح فال، أو برهمن، أو راهب، أو جنية، أو خبيث أن له مثل هذا العلم، وهو يعلم الغيب بعلمه ذلك فهو مشرك بالله، وعقيدته هذه من أبطل الباطلات وأكذب المكذوبات، وهو منكر لهذه الآية القرآنية وجاحد لها) (٤) أي: قوله تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ... [الأنعام: ٥٩] الآية.\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀: (.. والمقصود من هذا: معرفة أن من يدعي معرفة علم الشيء من المغيبات فهو إما داخل في اسم الكاهن، وإما مشارك له في المعنى فيلحق به، وذلك أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف، ومنه ما هو من الشياطين، ويكون بالفأل والزجر والطيرة والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة، ونحو هذا من علوم الجاهلية .. فمن أتاهم (أي الكهنة والعرافين) فصدقهم بما يقولون لحقه الوعيد، وقد ورث هذه العلوم عنهم أقوام فادعوا بها علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وادعوا أنهم أولياء وأن ذلك كرامة، لا ريب أن من ادعى الولاية، استدل بإخباره ببعض المغيبات فهو من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن، ... إلى أن يقول﵀- بل مجرد دعواه علم الغيب كفر، فكيف يكون المدعي لذلك وليًا لله؟) (٥).\nومن مجموع هذه النقولات يتبين لنا تكفير العلماء لمن ادعى علم الغيب وذلك لمناقضته وتكذيبه للنصوص القطعية في اختصاصه ﷾ بذلك. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي- ٢/ ١٠٣\n_________\n(١) لعل المقصود والله أعلم من يقول ذلك على سبيل الجزم واليقين.\n(٢) مثل ذلك يقال في مسألة نزول الغيث إن كان عن تجربة وتأمل لسنن الله في الكون، ولم يجزم بوقوع ذلك بغلبة الظن فجائز والله أعلم\n(٣) «أحكام القرآن» (٢/ ٧٣٨).\n(٤) «الدين الخالص» (١/ ٤٢٥، ٤٢٦)،\n(٥) «فتح المجيد» (ص: ٣٠٤ –٣٠٦).","vol":"7","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1934>المطلب الخامس: الكهانة</span>\nالكهان: جمع كاهن، والكهنة أيضًا جمع كاهن، وهم قوم يكونون في أحياء العرب يتحاكم الناس إليهم، وتتصل بهم الشياطين، وتخبرهم عما كان في السماء، تسترق السمع من السماء، وتخبر الكاهن به، ثم الكاهن يضيف إلى هذا الخبر ما يضيف من الأخبار الكاذبة، ويخبر الناس، فإذا وقع مما أخبر به شيء، اعتقده الناس عالمًا بالغيب، فصاروا يتحاكمون إليهم، فهم مرجع للناس في الحكم، ولهذا يسمون الكهنة، إذ هم يخبرون عن الأمور في المستقبل، يقولون: سيقع كذا وسيقع كذا، وليس من الكهانة في شيء من يخبر عن أمور تدرك بالحساب، فإن الأمور التي تدرك بالحساب ليست من الكهانة في شيء، كما لو أخبر عن كسوف الشمس أو خسوف القمر، فهذا ليس من الكهانة، لأنه يدرك بالحساب، وكما لو أخبر أن الشمس تغرب في ٢٠ من برج الميزان مثلًا في الساعة كذا وكذا، فهذا ليس من علم الغيب، وكما يقولون: إنه سيخرج في أول العام أو العام الذي بعده مذنب (هالي)، وهو نجم له ذنب طويل، فهذا ليس من الكهانة في شيء، لأنه من الأمور التي تدرك بالحساب، فكل شيء يدرك بالحساب، فإن الإخبار عنه ولو كان مستقبلًا لا يعتبر من علم الغيب، ولا من الكهانة.\nوهل من الكهانة ما يخبر به الآن من أحوال الطقس في خلال أربع وعشرين ساعة أو ما أشبه ذلك؟\nالجواب: لا، لأنه أيضًا يستند إلى أمور حسية، وهي تكيف الجو، لأن الجو يتكيف على صفة معينة تعرف بالموازين الدقيقة عندهم، فيكون صالحًا لأن يمطر، أو لا يمطر، ونظير ذلك في العلم البدائي إذا رأينا تجمع الغيوم والرعد والبرق وثقل السحاب، نقول يوشك أن ينزل المطر.\nفالمهم أن ما استند إلى شيء محسوس، فليس من علم الغيب، وإن كان بعض العامة يظنون أن هذه الأمور من علم الغيب، ويقولون: إن التصديق بها تصديق بالكهانة.\nوالشيء الذي يدرك بالحس إنكاره قبيح، كما قال السفاريني:\nفكل معلوم بحس أو حجا ... فنكره جهل قبيح بالهجا\nفالذي يعلم بالحس لا يمكن إنكاره ولو أن أحدًا أنكره مستندًا بذلك إلى الشرع، لكان ذلك طعنًا بالشرع.\nروى مسلم في (صحيحه) عن بعض أزواج النبي ﷺ، عن النبي ﷺ، قال: «من أتى عرافًا، فسأله عن شيء فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا» (١).\nقوله: (من): شرطية، فهي للعموم.\nوالعراف: صيغة مبالغة من العارف، أو نسبة، أي: من ينتسب إلى العرافة.\nوالعراف قيل: هو الكاهن، وهو الذي يخبر عن المستقبل.\nوقيل: هو اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يستدل على معرفة الغيب بمقدمات يستعملها، وهذا المعنى أعم، ويدل عليه الاشتقاق، إذ هو مشتق من المعرفة، فيشمل كل من تعاطى هذه الأمور وادعى بها المعرفة.\nقوله: (فسأله، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا). ظاهر الحديث أن مجرد سؤاله يوجب عدم قبول صلاته أربعين يومًا، ولكنه ليس على إطلاقه، فسؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام:\n_________\n(١) [١٠٨٢١]» رواه مسلم (٢٢٣٠)، دون قوله «فصدقه بما يقول»، وهي عند أحمد (٥/ ٣٨٠) (٢٣٢٧٠)،","vol":"7","page":103},{"text":"القسم الأول: أن يسأله سؤالًا مجردًا، فهذا حرام لقول النبي ﷺ: «من أتى عرافًا .....» (١).، فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه، إذ لا عقوبة إلا على فعل محرم.\nالقسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قوله: فهذا كفر لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، حيث قال تعالى: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥].\nالقسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله، فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث.\nوقد سأل النبي ﷺ ابن صياد، فقال: «ماذا خبأت لك؟ قال: الدخ فقال: اخسأ، فلن تعدو قدرك» (٢)، فالنبي ﷺ سأله عن شيء أضمره، لأجل أن يختبره، فأخبره به.\nالقسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور يتبين بها كذبه وعجزه، وهذا مطلوب، وقد يكون واجبًا.\nوإبطال قول الكهنة لا شك أنه أمر مطلوب، وقد يكون واجبًا، فصار السؤال هنا ليس على إطلاقه، بل يفصل فيه هذا التفصيل على حسب ما دلت عليه الأدلة الشرعية الأخرى.\nوقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس في أمور، والكهان يستخدمون الجن ليأتوهم بخبر السماء، فيضيفون إليه من الكذب ما يضيفون، وخدمة الجن للإنس ليست محرمة على كل حال، بل هي على حسب الحال.\nفالجني يخدم الإنس في أمور لمصلحة الإنس، وقد يكون للجن فيها مصلحة، وقد لا يكون له فيها مصلحة، بل لأنه يحبه في الله ولله، ولا شك أن من الجن مؤمنين يحبون المؤمنين من الإنس، لأنه يجمعهم الإيمان بالله.\nوقد يخدمونهم لطاعة الإنس لهم فيما لا يرضي الله ﷿، إما في الذبح لهم، أو في عبادتهم، أو ما أشبه ذلك.\nوالأغرب من ذلك أنهم ربما يخدمون الإنس لأمر محرم من زنا أو لواط، لأن الجنية قد تستمتع بالإنسي بالعشق والتلذذ بالاتصال، أو بالعكس، وهذا أمر معلوم مشهود، حتى ربما كان الجني الذي في الإنسان ينطق بذلك، كما يعلم من الذين يقرؤون على المصابين بالجن.\nوالنبي ﷺ حضر إليه الجن وخاطبهم وأرشدهم، ووعدهم بعطاء لا نظير له، فقال لهم: «كل عظم ذكر اسم لله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة، فهي علف لدوابكم» (٣) ... قوله: (فصدقه). ليس في (صحيح مسلم)، بل الذي في (مسلم): (فسأله، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)، وزيادتها في نقل المؤلف، إما لأن النسخة التي نقل منها بهذا اللفظ (فصدقه)، أو أن المؤلف عزاه إلى (مسلم) باعتبار أصله، فأخذ من (مسلم): (فسأله)، وأخذ من أحمد: (فصدقه).\nقوله: (لم تقبل له صلاة أربعين ليلة). نفي القبول هنا هل يلزم منه نفي الصحة أولا؟\n_________\n(١) [١٠٨٢٢]» رواه أبو داود (٣٩٠٤)، بلفظ (من أتى كاهنا) بدون (عرافا) وزاد (أو أتى امرأتا حائضا أو أتى امرأتا في دبرها فقد برئ) بدلا من (فقد كفر) والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣٢٣) (٩٠١٧) بلفظ «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها) بدون (عرافا)، ورواه الحاكم (١/ ٤٩)، قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما جميعا من حديث ابن سيرين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨): له متابعة، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٧): له شاهد [وروي] بإسنادين جيدين ولفظهما (من أتى كاهنا)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» و«صحيح ابن ماجه».\n(٢) [١٠٨٢٣]» رواه البخاري (١٣٥٤)، ومسلم (٢٩٣٠)، من حديث عبد الله بن عمر.\n(٣) [١٠٨٢٤]» رواه مسلم (٤٥٠).","vol":"7","page":104},{"text":"نقول: نفي القبول إما أن يكون لفوات شرط، أو لوجود مانع، ففي هاتين الحالين يكون نفي القبول نفيًا للصحة، كما لو قلت: من صلى بغير وضوء لم يقبل الله صلاته، ومن صلى في مكان مغصوب لم يقبل الله صلاته عند من يرى ذلك.\nوإن كان نفي القبول لا يتعلق بفوات شرط ولا وجود مانع، فلا يلزم من نفي القبول نفي الصحة، وإنما يكون المراد بالقبول المنفي: إما نفي القبول التام، أي: لم تقبل على وجه التمام الذي يحصل به تمام الرضا وتمام المثوبة.\nوإما أن يراد به أن هذه السيئة التي فعلها تقابل تلك الحسنة في الميزان، فتسقطها، ويكون وزرها موازيًا لأجر تلك الحسنة، وإذا لم يكن له أجر صارت كأنها غير مقبولة، وإن كانت مجزئة ومبرئة للذمة، لكن الثواب الذي حصل بها قوبل بالسيئة فأسقطته.\nومثله قوله ﷺ: «من شرب الخمر، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا» (١).\nوقوله: (أربعين يومًا). تخصيص هذا العدد لا يمكننا أن نعلله، لأن الشيء المقدر بعدد لا يستطيع الإنسان غالبًا أن يعرف حكمته، فكون الصلاة خمس صلوات أو خمسين لا نعلم لماذا خصصت بذلك، فهذا من الأمور التي يقصد بها التعبد لله، والتعبد لله بما لا تعرف حكمته أبلغ من التعبد له بما تعرف حكمته، لأنه أبلغ في التذلل، صحيح أن الإنسان إذا عرف الحكمة اطمأنت نفسه أكثر، لكن كون الإنسان ينقاد لما لا يعرف حكمته دليل على كمال الانقياد والتعبد لله ﷿، فهو من حيث العبودية أبلغ وأكمل، أما ذاك، فهو من حيث الطمأنينة إلى الحكم يكون أبلغ، لأن النفس إذا علمت بالحكمة في شيء اطمأنت إليه بلا شك، وازدادت أخذًا له وقبولًا، فهناك أشياء مما عينه الشرع بعدد أو كيفية لا نعلم ما الحكمة فيه، ولكن سبيلنا أن نكون كما قال الله تعالى عن المؤمنين: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦].\nفعلينا التسليم والانقياد وتفويض الأمر إلى الله تعالى.\nويؤخذ من الحديث: تحريم إتيان العراف وسؤاله، إلا ما استثني، كالقسم الثالث والرابع، لما في إتيانهم وسؤالهم من المفاسد العظيمة، التي ترتب على تشجيعهم وإغراء الناس بهم، وهم في الغالب يأتون بأشياء كلها باطلة.\n_________\n(١) [١٠٨٢٥]» رواه ابن ماجه (٣٣٧٧)، وأحمد (٢/ ١٨٩) (٦٧٧٣)، والحاكم (٤/ ١٦٢)، وابن حبان (١٢/ ١٨٠)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، قال الحاكم حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البغوي في «شرح السنة» (٦/ ١١٨): حسن، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١١/ ٤٤): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».","vol":"7","page":105},{"text":"وعن أبي هريرة (﵁)، عن النبي ﷺ، قال: «من أتى كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» رواه أبو داود (١).\nقوله: (من أتى كاهنًا). تقدم معنى الكهان، وأنهم كانوا رجالًا في أحياء العرب تنزل عليهم الشياطين، وتخبرهم بما سمعت من أخبار السماء.\nقوله: (فصدقه). أي: نسبه إلى الصدق، وقال: إنه صادق، وتصديق الخبر يعني: تثبيته وتحقيقه، فقال: هذا حق وصحيح وثابت.\nقوله: (بما يقول). (ما) عامة في كل ما يقول: حتى ما يحتمل أنه صدق، فإنه لا يجوز أن يصدقه، لأن الأصل فيهم الكذب.\nقوله (فقد كفر بما أنزل على محمد)، أي: بالذي أنزل، والذي أنزل على محمد ﷺ القرآن أنزل إليه بواسطة جبريل، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٣]، وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ [النحل: ١٠٢]، وبهذا نعرف أن القول الراجح في الحديث القدسي أنه من كلام الله تعالى معنى، وأما لفظه، فمن الرسول ﷺ، لكنه حكاه عن الله، لأننا لو لم نقل بذلك لكان الحديث القدسي أرفع سندًا من القرآن ...\nولأنه لو كان من كلام الله لفظًا، لوجب أن تثبت له أحكام القرآن، لأن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، وقد علم أن أحكام القرآن لا تنطبق على الحديث القدسي ولا يتعبد بتلاوته ولا يقرأ في الصلاة، ولا يعجز لفظه، ولو كان من كلام الله، لكان معجزًا، لأن كلام الله لا يماثله كلام البشر، وأيضًا باتفاق أهل العلم فيما أعلم أنه لو جاء مشرك يستجير ليسمع كلام الله وأسمعناه الأحاديث القدسية، فلا يصح أن يقال: إنه سمع كلام الله\nفدل هذا على أنه ليس من كلام الله، وهذا هو الصحيح، وللعلماء في ذلك قولان: هذا أحدهما، والثاني: أنه من قول الله لفظًا.\nفإن قال قائل: كيف تصححون هذا والنبي ﷺ ينسب القول إلى الله، ويقول: قال الله تعالى: ومقول القول هو هذا الحديث المسوق.\nقلنا: هذا كما قال الله تعالى عن موسى وفرعون وإبراهيم: قال موسى، قال فرعون، قال إبراهيم مع أننا نعلم أن هذا اللفظ ليس من كلامهم ولا قولهم، لأن لغتهم ليست اللغة العربية، وإنما نقل نقلًا عنهم، ويدل هذا أن القصص في القرآن تختلف بالطول والقصر والألفاظ، مما يدل على أن الله سبحانه ينقلها بالمعنى، ومع ذلك ينسبها إليهم، كما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف: ٢٦،٢٧]، وقال عن موسى: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ [الأعراف: ١٢٨]، وقال عن فرعون: قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء: ٣٤].\n_________\n(١) [١٠٨٢٦]» رواه أبو داود (٣٩٠٤)، بلفظ (من أتى كاهنا) بدون (عرافا) وزاد (أو أتى امرأتا حائضا أو أتى امرأتا في دبرها فقد برئ) بدلا من (فقد كفر) والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣٢٣) (٩٠١٧) بلفظ «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها) بدون (عرافا)، ورواه الحاكم (١/ ٤٩)، قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما جميعا من حديث ابن سيرين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨): له متابعة، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٧): له شاهد [وروي] بإسنادين جيدين ولفظهما (من أتى كاهنا)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» و«صحيح ابن ماجه».","vol":"7","page":106},{"text":"قوله: (بما أنزل على محمد). ذكر أهل السنة أن كل كلمة وصف فيها القرآن بأنه منزل أو أنزل من الله، فهي دالة على علو الله ﷾ بذاته، وعلى أن القرآن كلام الله، لأن النزول يكون من أعلى، والكلام لا يكون إلا من متكلم به.\nقوله: (كفر بما أنزل على محمد). وجه ذلك: أن ما أنزل على محمد قال الله تعالى فيه: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥]، وهذا من أقوى طرق الحصر، لأن فيه النفي والإثبات، فالذي يصدق الكاهن في علم الغيب وهو يعلم أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فهو كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وإن كان جاهلًا ولا يعتقد أن القرآن فيه كذب، فكفره كفر دون كفر.\nوللأربعة، والحاكم - وقال: (صحيح على شرطهما) عن أبي هريرة: «من أتى عرافًا أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» (١).\nقوله: (وللأربعة والحاكم). الأربعة هم: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم ليس من أهل (السنن)، لكن له كتاب سمي (صحيح الحاكم).\nقوله: (صحيح على شرطهما)، أي: شرط البخاري ومسلم، لكن قول (على شرطهما) هذا على ما يعتقد، وإلا، فقد يكون الأمر على خلاف ذلك.\nومعنى قوله: (على شرطهما)، أي: أن رجاله رجال (الصحيحين)، وأن ما اشترطه البخاري ومسلم موجود فيه.\nونحن لا ننكر أن هناك أحاديث صحيحة لم يذكرها البخاري ومسلم، لأنهما لم يستوعبا الصحيح كله، وهذا أمر واقع، ولكن ينظر في قول من قال: إن هذا الحديث على شرطهما، فقد تكون فيه علة خفية خفيت على هذا القائل، ويكون البخاري ومسلم علماها وتركا الحديث من أجلها.\nقوله: (صحيح). يقولون الحاكم ممن يتساهل بالتصحيح، ولهذا قالوا: لا عبرة بتصحيح الحاكم، ولا بتوثيق ابن حبان، ولا بوضع ابن الجوزي، ولا بإجماع ابن المنذر.\nوهذا القول فيه مجازفة في الحقيقة، لأن كلمة (لا عبرة)، أي: لا يلتفت إليه، والصواب أنه لا يؤخذ مقبولًا في كل حال، مع أني تدبرت كلام ابن المنذر ﵀، ووجدت أنه دائمًا إذا نقل الإجماع يقول: إجماع من نحفظ قوله من أهل العلم، وهو بهذا قد احتفظ لنفسه، ولا يكلف الله نفسًا إلى وسعها.\nولكننا مع ذلك نقول: إذا كان الرجل ذا اطلاع واسع، فقد يكون هذا القول إجماعًا، أما إذا كان هذا الرجل لا يعرف إلى ما حوله، فإن قوله هذا لا يكون إجماعًا ولا يوثق به، ولا نحكم بأنه إجماع.\nمثاله: فلو قال رجل: لم يدرس إلا المذهب الحنبلي في مسألة، وقال هذا إجماع من نحفظ قوله من أهل العلم، فإن قوله هذا لا يعتبر، لأنه لم يحفظ إلا قولًا قليلًا من أقوال أهل العلم.\nقوله: (من أتى عرافًا أو كاهنًا). (أو) يحتمل أن تكون للشك، ويحتمل أن تكون للتنويع، فالحديث الأول بلف عراف، والثاني بلفظ كاهن، والثالث جمع بينهما، فتكون \"أو\" للتنويع.\n...\n_________\n(١) [١٠٨٢٧]» رواه أبو داود (٣٩٠٤)، بلفظ (من أتى كاهنا) بدون (عرافا) وزاد (أو أتى امرأتا حائضا أو أتى امرأتا في دبرها فقد برئ) بدلا من (فقد كفر) والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣٢٣) (٩٠١٧) بلفظ «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها) بدون (عرافا)، ورواه الحاكم (١/ ٤٩)، قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما جميعا من حديث ابن سيرين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨): له متابعة، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٧): له شاهد [وروي] بإسنادين جيدين ولفظهما (من أتى كاهنا)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» و«صحيح ابن ماجه».","vol":"7","page":107},{"text":"ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفًا (١).\nوعن عمران بن حصين مرفوعًا: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ». رواه البزار بإسناد جيد (٢).\n... أن حديث أبي هريرة: (من أتى عرافًا أو كاهنًا) أنه موقوف، لأنه قال عن أبي هريرة، لكنه لما قال في الذي بعده: (موقوفًا) ترجح عندنا أن الحديث الذي قبله مرفوع.\nقوله: (ليس منا). تقدم الكلام على هذه الكلمة، وأنها لا تدل على خروج الفاعل من الإسلام، بل على حسب الحال.\nقوله: (مرفوعًا) أي: إلى النبي ﷺ.\nقوله: (تطير) التطير: هو التشاؤم بالمرئي أو المسموع أو المعلوم أو غير ذلك، وأصله من الطير، لأن العرب كانوا يتشاءمون أو يتفاءلون بها.\nومنه ما يحصل لبعض الناس إذ شرع في عمل، ثم حصل له في أوله تعثر تركه وتشاءم، فهذا غير جائز، بل يعتمد على الله ويتوكل عليه، وما دمت أنك تعلم أن في هذا الأمر خيرًا، فغامر فيه، ولا تشاءم، لأنك لم توفق فيه لأول مرة، فكم من إنسان لم يوفق في العمل أول مرة، ثم وفق في ثاني مرة أو ثالث مرة؟!\nويقال: إن الكسائي - إمام النحو - طلب النحو عدة مرات، ولكنه لم يوفق، فرأى نملة تحمل نواة تمر، فتصعد بها إلى الجدار، فتسقط، حتى كررت ذلك عدة مرات، ثم صعدت بها إلى الجدار وتجاوزته، فقال: سبحان الله! هذه النملة تكابد هذه النواة حتى نجحت، إذًا أنا سأكابد علم النحو حتى أنجح. فكابد، فصار إمام أهل الكوفة في النحو.\nقوله: (أو تطير له). بالبناء للمفعول، أي: أمر من يتطير له، مثل أن يأتي شخص، ويقول: سأسافر إلى المكان الفلاني، وأنت صاحب طير، وأريد أن تزجر طيرك لأنظر: هل هذه الوجهة مباركة أم لا، فمن فعل ذلك، فقد تبرأ منه الرسول ﷺ.\nوقوله: (من تطير) يشمل من تطير لنفسه، أو تطير لغيره.\nوقوله: (أو تكهن أو تكهن له). سبق أن الكهانة ادعاء علم الغيب في المستقبل، يقول سيكون كذا وكذا، وربما يقع، فهذا متكهن، ومن الغريب أنه شاع الآن في أسلوب الناس قولهم: تكهن بأن فلانًا سيأتي، ويطلقون هذا اللفظ الدال على عمل محرم على أمر مباح، وهذا لا ينبغي، لأن العامي الذي لا يفرق بين الأمور يظن أن الكهانة كلها مباحة، بدليل إطلاق هذا اللفظ على شيء مباح معلوم إباحته.\nقوله: (أو تكهن له)، أي: طلب من الكاهن أن يتكهن له، كأن يقول للكاهن: ماذا يصيبني غدًا، أو في الشهر الفلاني، أو في السنة الفلانية، وهذا تبرأ منه الرسول ﷺ.\nقوله: (أو سحر أو سحر له). تقدم تعريف السحر، وتقدم بيان أقسامه.\n_________\n(١) [١٠٨٢٨]» (٩/ ٢٨٠)، ورواه الطبراني (١٠٠٠٥)، قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٩٠): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٢١): رجاله رجال الصحيح خلا هبيرة بن مريم وهو ثقة، وقال الألباني في «صحيح الترغيب» (٣٠٤٨): صحيح موقوف.\n(٢) [١٠٨٢٩]» رواه البزار في «المسند» (٥/ ١٤٦)، والطبراني (١٨/ ١٦٢)، قال البزار روي بعضه من غير وجه (وفيه) أبو حمزة العطار لا بأس به، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٨٨): إسناده جيد، وقال ابن الملقن في «خلاصة البدر المنير» (٢/ ٢٨٨): في إسناده أبو حمزة العطار ضعفه الفلاس وابن عدي ومع ذلك فسماع الحسن من عمران فيه اختلاف، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٠٦): فيه إسحاق بن الربيع العطار وثقه أبو حاتم وضعفه عمرو بن علي وبقية رجاله ثقات، قال الألباني في «غاية المرام» (٢٨٩): حسن لغيره.","vol":"7","page":108},{"text":"قوله: (أو سحر له)، أي: طلب من الساحر أن يسحر له، ومنه النشرة عن طريق السحر، فهي داخلة فيه، وكانوا يستعملونها على وجوه متنوعة، منها أنهم يأتون بطست فيه ماء، ويصبون فيه رصاصًا، فيتكون هذا الرصاص بوجه الساحر، أي: تكون صورة الساحر في هذا الرصاص، ويسمونها العامة عندنا (صب الرصاص)، وهذا من أنواع السحر المحرم، وقد تبرأ رسول الله من فاعله.\nالشاهد من هذا الحديث: قوله: (ومن أتى كاهنًا ....) إلخ، وقوله: (ورواه الطبراني في (الأوسط) بإسناد حسن من حديث ابن عباس ...) إلخ، فيكون هذا مقويًا للأول.\nقال البغوي: (العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك) (١).\nوقيل: هو الكاهن. والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.\nوقيل: الذي يخبر عما في الضمير.\n[قوله: (قال البغوي: العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات ...). العراف: صيغة مبالغة فإما أن يراد بها الصيغة، وإما أن يراد بها النسبة.]\nوهو الذي يدعي معرفة تتعلق بعلم الغيب، فيدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على مكان المسروق والضالة ونحوها.\nوظاهر كلام البغوي ﵀: أنه شامل لمن ادعى معرفة المستقبل والماضي، لأن مكان المسروق يعلم بعد السرقة، وكذلك الضالة قد حصل الضياع، ولكن المسألة ليست اتفاقية بين أهل العلم، ولهذا قال المؤلف ﵀: \"وقيل: هو\"، أي: العراف الكاهن.\nوالكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.\nقوله: (وقيل: هو الذي يخبر عما في الضمير)، أي: أن تضمر شيئًا فتقول: ما أضمرت؟ فيقول: أضمرت كذا وكذا.\nأو المغيبات في المستقبل، تقول: ماذا سيحدث في الشهر الفلاني في اليوم الفلاني؟ ماذا ستلد امرأتي؟ متى يقدم ولدي؟ وهو لا يدري.\nوالخلاصة: أن العلماء اختلفوا في تعريف العراف، فقيل: هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على مكان المسروق والضالة ونحوها، فيكون شاملًا لمن يخبر عن أمور وقعت.\nوقيل: الذي يخبر عما في الضمير.\nوقيل: هو الكاهن، والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.\nوقال أبو العباس ابن تيمية: (العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق) (٢).\nقوله: (وقال أبو العباس ابن تيمية). هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، يكنى بأبي العباس، ولم يتزوج، ولم يتركه من باب الرهبانية، ولكنه والله أعلم كان مشغولًا بالجهاد العلمي مع قلة الشهوة، وإلا لو كان قوي الشهوة لتزوج، وليس كما يدعي المزورون أن له ولدًا مدفونًا إلى جانبه في دمشق، فإنه غير صحيح قطعًا.\nوظاهر كلام الشيخ: أن شيخ الإسلام جزم بهذا، ولكن شيخ الإسلام قال: وقيل العراف، وذكره بقيل، ومعلوم أن ما ذكر بقيل ليس مما يجزم بأن الناقل يقول به، صحيح أنه إذا نقله ولم ينقضه، فهذا دليل على أنه ارتضاه.\nوعلى كل حال، فشيخ الإسلام ساق هذا القول وارتضاه، ثم قال: ولو قيل: إنه اسم خاص لبعض هؤلاء الرمال والمنجم ونحوهم، فإنهم يدخلون فيه بالعموم المعنوي، لأن عندنا عمومًا معنويًا، وهو ما ثبت عن طريق القياس، وعمومًا لفظيًا، وهو ما دل عليه اللفظ، بحيث يكون اللفظ شاملًا له.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن استخدام الإنس للجن له ثلاث حالات.\n_________\n(١) «شرح السنة» (١٢/ ١٨٢).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٣٧).","vol":"7","page":109},{"text":"الحال الأولى: أن يستخدم في طاعة الله، كأن يكون له نائبًا في تبليغ الشرع، فمثلًا: إذا كان له صاحب من الجن مؤمن يأخذ عنه العلم، ويتلقى منه، وهذا شيء ثبت أن الجن قد يتعلمون من الإنس، فيستخدمه في تبليغ الشرع لنظرائه من الجن، أو في المعونة على أمور مطلوبة شرعًا، فهذا لا بأس به، بل إنه قد يكون أمرًا محمودًا أو مطلوبًا، وهو من الدعوة إلى الله ﷿، والجن حضروا النبي ﷺ وقرأ عليهم القرآن، وولوا إلى قومهم منذرين، والجن فيهم الصلحاء والعباد والزهاد والعلماء، لأن المنذر لابد أن يكون عالمًا بما ينذر، عابدًا مطيعًا لله - سبحانه - في الإنذار.\nالحال الثانية: أن يستخدمهم في أمور مباحة، مثل أن يطلب منهم العون على أمر من الأمور المباحة، قال: فهذا جائز بشرط أن تكون الوسيلة مباحة، فإن كانت محرمة، صار حرامًا، كما لو كان الجني لا يساعده في أموره إلا إذا ذبح له أو سجد له أو ما أشبه ذلك ...\nالحالة الثالثة: أن يستخدمهم في أمور محرمة، كنهب أموال الناس وترويعهم، وما أشبه ذلك، فهذا محرم، ثم إن كان الوسيلة شركًا صار شركًا، وإن كان وسيلته غير شرك صار معصية، كما لو كان هذا الجني الفاسق يألف هذا الإنسي الفاسق ويتعاون معه على الإثم والعدوان، فهذا يكون إثمًا وعدوانًا، ولا يصل إلى حد الشرك.\nثم قال: إن من يسأل الجن، أو يسأل من الجن، ويصدقهم في كل ما يقولون، فهذا معصية وكفر، والطريق للحفظ من الجن هو قراءة آية الكرسي، فمن قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، كما ثبت ذلك عنه ﷺ (١)، وهي: اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥]\nفيه مسائل:\nالأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن. الثانية: التصريح بأنه كفر. الثالثة: ذكر من تكهن له. الرابعة: ذكر من تطير له. الخامسة: ذكر من سحر له. السادسة: ذكر من تعلم أباجاد.\nفيه مسائل:\nالأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن. يؤخذ من قوله: \"من أتى كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد\"، ووجهه: أنه كذب بالقرآن وهذا من أعظم الكفر.\nالثانية: التصريح بأنه كفر. تؤخذ من قوله: (فقد كفر بما أنزل على محمد).\nالثالثة: ذكر من تكهن له. تؤخذ من حديث عمران بن حصين، حيث قال: (ليس منا)، أي: إنه كالكاهن في براءة النبي ﷺ منه.\nالسابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف. وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم:\nالقول الأول: أن العراف هو الكاهن، فهما مترادفان، فلا فرق بينهما.\nالقول الثاني: أن العراف هو الذي يستدل على معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها، فهو أعم من الكاهن، لأنه يشمل الكاهن وغيره، فهما من باب العام والخاص.\nالقول الثالث: أن العراف يخبر عن أمور بمقدمات يستدل عليها، والكاهن هو الذي يخبر عما في الضمير، أو عن المغيبات في المستقبل.\n_________\n(١) [١٠٨٣٢]» رواه البخاري (٢٣١١).","vol":"7","page":110},{"text":"فالعراف أعم، أو أن العراف يختص بالماضي، والكاهن بالمستقبل، فهما متباينان، والظاهر أنهما متباينان، فالكاهن من يخبر عن المغيبات في المستقبل والعراف من يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين -بتصرف – ٢/ ٥٨\nقال حافط الحكمي في شرحه لمنظومة سلم الوصول:\nوَمَنْ يُصَدِّقْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرْ ... بِمَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ الْمُعْتَبَرْ\n(ومن يصدق كاهنًا) يعتقد بقلبه صدقه في ما ادعاه من علم المغيبات التي استأثر الله تعالى بعلمها (فقد كفر) أي بلغ دركة الكفر بتصديقه الكاهن (بما أتى به الرسول) محمد ﷺ عن الله ﷿ من الكتاب والسنة وبما أتى به غيره ﷺ من الرسل ﵈. ولنسق الكلام أولًا في تعريف الكاهن من هو ثم في بيان كذبه وكفره ثم في كفر من صدقه بما قال والله المستعان، فنقول:","vol":"7","page":111},{"text":"الكاهن في الأصل هو من يأتيه الرئي من الشياطين المسترقة السمع تتنزل عليهم كما قال الله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ [الشعراء: ٢٢١] وهذه الآيات متعلقة بما قبلها وهي قوله ﷿ لما قال المشركون في رسوله محمد ﷺ إنه كاهن وقالوا في القرآن كهانة وأنه مما يلقيه الشيطان، فنفى الله تعالى ذلك وبرأ رسوله وكتابه مما أفكوه وافتروه: وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] إلى أن قال تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢] فأثبت تعالى أن القرآن كلامه وتنزيله، وأن جبريل ﵇ رسول منه مبلغ كلامه إلى الرسول البشري محمد ﷺ، وهو مبلغ له إلى الناس، ثم نفى ما افتراه المشركون عليه فقال: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وقرر انتفاء ذلك بثلاثة أمور: الأول بعد الشياطين وأعمالهم عن القرآن، وبعده وبعد مقاصده منهم، فقال تعالى: وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ لأن الشياطين مقاصدها الفساد والكفر والمعاصي والبغي والعتو والتمرد وغير ذلك من القبائح، والقرآن آت بصلاح الدنيا والآخرة، آمر بأصول الإيمان وشرائعه مقرر لها مرغب فيها زاجر عن الكفر والمعاصي ذام لها متوعد عليها آمر بالمعروف ناه عن المنكر، ما من خير آجل ولا عاجل إلا وفيه الدلالة عليه والدعوة إليه والبيان له، وما من شر عاجل ولا آجل إلا وفيه النهي عنه والتحذير منه، فأين هذا من مقاصد الشياطين؟ الثاني عجزهم عنه فقال تعالى: وَمَا يَسْتَطِيعُونَ، أي لو انبغى لهم ما استطاعوه، لأنه كلام رب العالمين ليس يشبه كلام شيء من المخلوقين، وليس في وسعهم الإتيان به ولا بسورة من مثله: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].","vol":"7","page":112},{"text":"الثالث عزلهم عن السمع وطردهم عن مقاعده التي كانوا يقعدون من السماء قبل نزول القرآن فقال تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ فبين تعالى – مع كونه لا ينبغي لهم – أنه لو انبغى ما استطاعوا الإتيان به أو بمثله لا من عند أنفسهم ولا نقلًا عن غيرهم من الملائكة، نفى عنهم الأول بعدم الاستطاعة، والثاني بعزلهم عن السمع وطردهم منه، قال الله ﷿: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] إلى قوله: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ [الحجر: ١٦ - ١٨] وقال تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: ٦ - ١٠] وقال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ [الملك: ٥] وقال تعالى عن مؤمني الجن ﵃: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ٨ - ١٠] وعن ابن عباس ﵄ قال: «انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو ﷺ بنخل عامدًا إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن: ١ - ٢] فأنزل الله ﷿ على نبيه محمد ﷺ: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ [الجن: ١]» وهذا الحديث بطوله وطرقه في (الصحيحين) وغيرهما (١)، ثم قال تعالى في جواب الكفار مبينًا لهم أولياء الشياطين الذين تنزل عليهم فقال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ [الشعراء: ٢٢١] الآيات. وفي (صحيح البخاري) قالت عائشة ﵂: سأل ناس النبي ﷺ عن الكهان، فقال: «إنهم ليسوا بشيء» قالوا يا رسول الله إنهم يحدثون بالشيء يكون حقًا، فقال النبي ﷺ: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاج، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة» (٢).\n_________\n(١) [١٠٨٣٣]» رواه البخاري (٧٧٣)، ومسلم (٤٤٩).\n(٢) [١٠٨٣٤]» رواه البخاري (٧٥٦١).","vol":"7","page":113},{"text":"وله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا بعضه فوق بعض – وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه – فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أو ليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» (١) ولمسلم عن ابن عباس نحوه، وللبخاري عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الملائكة تحدّث في العنان – والعنان الغمام – بالأمر في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة» (٢). وقد بين الله تعالى كذب الكاهن بقوله: أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء: ٢٢٢] فسماه أفاكًا وذلك مبالغة في وصفه بالكذب. وسماه أثيمًا وذلك مبالغة في وصفه بالفجور. وقوله: وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ أي أكثر ما يقولونه الكذب فلا يفهم منه أن فيهم صادقًا، يفسره قول النبي ﷺ: «فيكذب معها مائة كذبة» فلا يكون صدقًا إلا الكلمة التي سمعت من السماء.\n_________\n(١) [١٠٨٣٥]» رواه البخاري (٤٧٠١).\n(٢) [١٠٨٣٦]» رواه البخاري (٣٢٨٨).","vol":"7","page":114},{"text":"وأما كفر الكاهن فمن وجوه: منها كونه وليًا للشيطان فلم يوح إليه الشيطان إلا بعد أن تولاه، قال الله تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ [الأنعام: ١٢١] والشيطان لا يتولى إلا الكفار ويتولونه، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة: ٢٥٧] وهذا وجه ثان. والثالث قوله تعالى: يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ أي نور الإيمان والهدى إِلَى الظُّلُمَاتِ أي ظلمات الكفر والضلالة. وقال تعالى: وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا [النساء: ١١٩] وهذا وجه رابع. والخامس تسميته طاغوتًا في قوله ﷿: يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء: ٦٠] نزلت في المتحاكمين إلى كاهن جهينة. وقوله وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ أي الطاغوت. وهذا وجه سادس. والسابع أن من هداه الله للإيمان من الكهان كسواد بن قارب ﵁ لم يأته رأيه بعد أن دخل في الإسلام، فدل أنه لم يتنزل عليه في الجاهلية إلا لكفره وتوليه إياه، حتى إنه ﵁ كان يغضب إذا سئل عنه حتى قال له عمر ﵁: (ما كنا فيه من عبادة الأوثان أعظم) الثامن وهو أعظمها تشبهه بالله ﷿ في صفاته ومنازعته له تعالى في ربوبيته، فإن علم الغيب من صفات الربوبية التي استأثر الله تعالى بها دون من سواه فلا سميَّ له ولا مضاهي ولا مشارك وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام:٥٩]- قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل: ٦٥]- عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن: ٢٦ - ٢٧]- أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ [الطور: ٤١]- أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى [النجم: ٣٥] ولسان حال الكاهن وقاله يقول نعم. التاسع أن دعواه تلك تتضمن التكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله. العاشر النصوص في كفر من سأله عن شيء فصدقه بما يقول فكيف به هو نفسه فيما ادعاه، فقد روى الأربعة والحاكم وقال صحيح على شرطهما عن أبي هريرة ﵁: «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» (١) وعن عمران بن حصين ﵁ «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له.\n_________\n(١) [١٠٨٣٧]» رواه أبو داود (٣٩٠٤)، بلفظ (من أتى كاهنا) بدون (عرافا) وزاد (أو أتى امرأتا حائضا أو أتى امرأتا في دبرها فقد برئ) بدلا من (فقد كفر) والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣٢٣) (٩٠١٧) بلفظ «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها) بدون (عرافا)، ورواه الحاكم (١/ ٤٩)، قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما جميعا من حديث ابن سيرين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨): له متابعة، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٧): له شاهد [وروي] بإسنادين جيدين ولفظهما (من أتى كاهنا)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» و«صحيح ابن ماجه».","vol":"7","page":115},{"text":"ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» (١). ولمسلم عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (٢). فهذا حكم من سأله مطلقًا، والأول حكم من سأله وصدقه بما قال.\nثم اعلم أن الكاهن وإن كان أصله ما ذكرنا فهو عام في كل من ادعى معرفة المغيبات ولو بغيره كالرمّال الذي يخط بالأرض أو غيرها، والمنجم الذي قدمنا ذكره أو الطارق بالحصى وغيرهم ممن يتكلم في معرفة الأمور الغائبة كالدلالة على المسروق ومكان الضالة ونحوها أو المستقبلة كمجيء المطر أو رجوع الغائب أو هبوب الرياح ونحو ذلك مما استأثر الله ﷿ بعلمه فلا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا من طريق الوحي كما قال تعالى: فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن: ٢٦] ملائكة يحفظونه من مسترقي السمع وغيرهم لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: ٢٨] فمن ذا الذي يدَّعي علم ما استأثر الله بعلمه عن رسله من الملائكة والبشر كما قال تعالى عن نوح ﵇: قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْب [الأنعام: ٥٠] الآية، وقال تعالى عن هود ﵇: قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ [الأحقاف: ٢٣]، وقال لنبيه محمد ﷺ: وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأحقاف: ٢٣] الآية، وقال تعالى: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:١٨٨] وقال تعالى: قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأحقاف: ٩] الآية، وقال تعالى عن الملائكة: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: ٣١ - ٣٢] الآيات ولم يعلم الرسول ﷺ مكان راحلته حتى أعلمه الله بذلك، وقال في سؤال الحبر إياه فأجابه ﷺ وصدقه الحبر ثم انصرف فذهب فقال رسول الله ﷺ: «لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله ﷿ به» وهي في مسلم (٣). وفيه قول عائشة ﵂ لمسروق رحمه الله تعالى: (ومن زعم أن رسول الله يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية)، والله تعالى يقول: قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ (٤). ولم يكن ﷺ يعلم شيئًا من الرسالة حتى أتاه الله ﷿ به كما قال تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًاّ فَهَدَى [الضحى: ٦]، وقال تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وقال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا [هود: ٤٩]، وقال تعالى: قُل لَّوْ شَاء اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يونس: ٢٦] وقال تعالى: وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: ١١٣]. نسأل الله العظيم من فضله العظيم. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي– ص ٧١٢\n_________\n(١) [١٠٨٣٨]» رواه البزار في «المسند» (٥/ ١٤٦)، والطبراني (١٨/ ١٦٢)، قال البزار روي بعضه من غير وجه (وفيه) أبو حمزة العطار لا بأس به، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٨٨): إسناده جيد، وقال ابن الملقن في «خلاصة البدر المنير» (٢/ ٢٨٨): في إسناده أبو حمزة العطار ضعفه الفلاس وابن عدي ومع ذلك فسماع الحسن من عمران فيه اختلاف، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٠٦): فيه إسحاق بن الربيع العطار وثقه أبو حاتم وضعفه عمرو بن علي وبقية رجاله ثقات، قال الألباني في «غاية المرام» (٢٨٩): حسن لغيره.\n(٢) [١٠٨٣٩]» رواه مسلم (٢٢٣٠).\n(٣) [١٠٨٤٠]» رواه مسلم (٣١٥).\n(٤) [١٠٨٤١]» رواه مسلم (١٧٧).","vol":"7","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1937>تمهيد:</span>\nلقد استدل أهل السنة على أن عمل الجوارح من الإيمان بعشرات الأدلة من الكتاب والسنة، ........ ولا أرى حاجة لذكرها هنا؛ إذ المخالف يسلّم بأن الإيمان قول وعمل، لكن ينازع في ركنية العمل الظاهر، وفي كفر تاركه بالكلية، ولهذا سيقتصر الحديث على ذكر الأدلة الخاصة بهذه الجزئية.","vol":"7","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1939>المطلب الأول: مفهوم التلازم</span>\nالمراد بالتلازم هنا: ارتباط الظاهر بالباطن وتأثير كل منهما في الآخر، بحيث يستحيل وجود إيمان صحيح في الباطن من غير أن يظهر موجَبه ومقتضاه على أعمال الجوارح قولا وعملا، بل حيث وُجد الإيمان في الباطن لزم أن ينفعل البدن بالممكن من أعمال الجوارح. فالعمل الظاهر لازم للإيمان الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، فيُستدل بانتفاء العمل الظاهر بالكلية على فساد الباطن.\nقال شيخ الإسلام في بيان هذا التلازم: (وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجَب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة. فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجَب ما في القلب ولازمُه ودليلُه ومعلولُه، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضا تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل، والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه) (١).\nوقال: (ثم إنه إذا تحقق القلب بالتصديق والمحبة التامة المتضمنة للإرادة لزم وجود الأفعال الظاهرة؛ فإن الإرادة الجازمة إذا اقترنت بها القدرة التامة، لزم وجود المراد قطعا، وإنما ينتفي وجود الفعل لعدم كمال القدرة، أو لعدم كمال الإرادة وإلا فمع كمالها يجب وجود الفعل الاختياري) (٢).\nوقال: (وقد بسطنا الكلام على هذه في مسألة الإيمان، وبيَّنا أن ما يقوم بالقلب من تصديق وحب لله ورسوله وتعظيم، لابد أن يظهر على الجوارح، وكذلك بالعكس، ولهذا يُستدل بانتفاء اللازم الظاهر على انتفاء الملزوم الباطن، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب» (٣)\nومن هذا الباب قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢]، وقوله: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ [المائدة: ٨١]، وقوله: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لاعَدُّوا لَهُ عُدَّةً [التوبة:٤٦] فإن الإرادة التي في القلب مع القدرة توجب فعل المراد، والسفر في غزوة بعيدة لا يكون إلا بعدة) (٤). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير- ١/ ٣١٩\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٤١).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٧٢).\n(٣) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير بلفظ: «... أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».\n(٤) «الجواب الصحيح» (٦/ ٤٨٧) وما بعدها.","vol":"7","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1940>المطلب الثاني: أدلة التلازم بين الظاهر والباطن</span>\nوقد دل على هذا التلازم أدلة كثيرة من الكتاب والسنة والأثر، منها:\n١ - قوله تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ [المائدة: ٨١]\nفالإيمان في الباطن يستلزم عداوة الكافرين وترك موالاتهم في الظاهر.\n٢ - قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَناتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:٢٢]\nقال شيخ الإسلام: (ولما كانت الأقوال والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطنة، كان يستدل بها عليها، كما في قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة:٢٢] فأخبر أن من كان مؤمنا بالله واليوم الآخر لا يوجدون موادين لأعداء الله ورسوله، بل نفس الإيمان ينافي مودتهم، فإذا حصلت الموادة دل ذلك على خلل الإيمان وكذلك قوله: تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ [المائدة:٨٠ - ٨١] (١).\nوقال: (والله سبحانه في غير موضع يبين أن تحقيق الإيمان وتصديقه بما هو من الأعمال الظاهرة والباطنة، كقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِما رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:٢ - ٤]، وقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصادِقُونَ [الحجرات:١٥]، وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [النور:٦٢]، وقال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِما قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:٦٥].\nفإذا قال القائل: هذا يدل على أن الإيمان ينتفي عند انتفاء هذه الأمور، لا يدل على أنها من الإيمان.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٤٢).","vol":"7","page":119},{"text":"قيل: هذا اعتراف بأنه ينتفي الإيمان الباطن مع عدم مثل هذه الأمور الظاهرة، فلا يجوز أن يدعي أنه يكون في القلب إيمان ينافي الكفر بدون أمور ظاهرة، لا قول ولا عمل وهو المطلوب. -وذلك تصديق- وذلك لأن القلب إذا تحقق ما فيه أثر في الظاهر ضرورة، لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر. فالإرادة الجازمة للفعل مع القدرة التامة توجب وقوع المقدور. فإذا كان في القلب حب الله ورسوله ثابتا استلزم موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:٢٢]، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ [المائدة:٨١] فهذا التلازم أمر ضروري. ومن جهة ظن انتفاء التلازم غلط غالطون، كما غلط آخرون في جواز وجود إرادة جازمة مع القدرة التامة بدون الفعل، حتى تنازعوا: هل يعاقب على الإرادة بلا عمل؟ وقد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع، وبينا أن الهمة التي لم يقترن بها فعل ما يقدر عليه الهامُّ ليست إرادة جازمة، وأن الإرادة الجازمة لا بد أن يوجد معها ما يقدر عليه العبد. والعفو وقع عمن همّ بسيئة ولما يفعلها، لا عمن أراد وفعل المقدور عليه وعجز عن حصول مراده، كالذي أراد قتل صاحبه فقاتله حتى قتل أحدهما؛ فإن هذا يعاقب؛ لأنه أراد وفعل المقدور من المراد.\nومن عرف الملازمات التي بين الأمور الباطنة والظاهرة زالت عنه شبهات كثيرة في مثل هذه المواضع التي كثر اختلاف الناس فيها) (١).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٤٥).","vol":"7","page":120},{"text":"وقال أيضا: (وإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة؛ لأنها لوازم ما في القلب، لأنه متى ثبت الإيمان في القلب والتصديق بما أخبر به الرسول، وجب حصول مقتضي ذلك ضرورة؛ فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه. فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه البتة. فلا تستقر معرفة تامة ومحبة صحيحة ولا يكون لها أثر في الظاهر. ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه؛ فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، كقوله تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ [المائدة:٨١]، وقوله: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:٢٢] الآية ونحوها، فالظاهر والباطن متلازمان، لا يكون الظاهر مستقيما إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب» (١). وفي الحديث: «لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلا يَسْتَقِيمُ لِسَانُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ» (٢).\nولهذا كان الظاهر لازما للباطن من وجه، وملزوما له من وجه، وهو دليل عليه من جهة كونه ملزوما لا من جهة كونه لازما؛ فإن الدليل ملزوم المدلول، يلزم من وجود الدليل وجود المدلول، ولا يلزم من وجود الشيء وجود ما يدل عليه. والدليل يطرد ولا ينعكس، بخلاف الحد فإنه يطرد وينعكس. (٣).\n٣ - قوله تعالى: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:٤٦].\nفإذا وجدت الإرادة الجازمة مع القدرة، لزم أن يوجد المراد، وتخلف المراد هنا، وهو إعداد العدة للسفر، يدل على انتفاء إرادة الخروج.\nقال القرطبي: قوله تعالى: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً [التوبة:٤٦] أي لو أرادوا الجهاد لتأهبوا أهبة السفر. فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف. (٤).\n٤ - قوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ [آل عمران:١٥٢].\nفلما اختلفت نياتهم الباطنة، تباينت أعمالهم الظاهرة.\nقال ابن كثير: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا [آل عمران:١٥٢] وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة) (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير بلفظ: «... أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».\n(٢) رواه أحمد (٣/ ١٩٨) (١٣٠٧١) من حديث أنس ﵁، بلفظ: (لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ) وكأنه انقلب على المؤلف. والحديث ضعفه العراقي في «المغني» (٣/ ١٠٩)، وشعيب الأرناؤوط في تحقيق (المسند)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٥٠): رواه أحمد وفي إسناده علي بن مسعدة وثقه جماعة وضعفه آخرون. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٨٤١): رجاله ثقات رجال مسلم غير الباهلي وهو حسن الحديث.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٢٧٢) وما بعدها.\n(٤) «تفسير القرطبي» (٨/ ١٤٢).\n(٥) «تفسير ابن كثير» (١/ ٥٤٥)","vol":"7","page":121},{"text":"وقال البغوي: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا: [آل عمران:١٥٢] يعني الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ [آل عمران:١٥٢]: يعني الذين ثبتوا مع عبدالله بن جبير حتى قتلوا. قال ابن مسعود: ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي ﷺ يريد الدنيا حتى كان يوم أحد، ونزلت هذه الآية. (١).\n٥ - قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُوني [آل عمران:٣١].\nفمتى قامت المحبة بالقلب مع التصديق، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، كما سبق تقريره نقلا عن شيخ الإسلام ﵀.\nوقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي: يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله ﷺ هي اتباعه ﷺ، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر؛ إذ لو كان محبا له لأطاعه، ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة، ومنه قول الشاعر:\nلو كان حبُّكَ صادقا لأطعته ... إنّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيع\nوقول ابن أبي ربيعة المخزومي:\nومن لو نهاني من حبه عن ... الماء عطشان لم أشرب\nوقال ابن كثير: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في (الصحيح) عن رسول الله ﷺ، أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢)، ولهذا قال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُوني يُحببكم الله [آل عمران:٣١] (٣).\nوقال ابن القيم: فأصل العبادة: محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله، فلا يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه. فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه، كمحبة من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحبه.\nوإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها، فهي إنما تتحقق باتباع أمره، واجتناب نهيه. فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة. ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله علما عليها، وشاهدا لمن ادعاها، فقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُوني يُحببكم الله [آل عمران:٣١] فجعل اتباع رسوله مشروطا بمحبتهم لله، وشرطا لمحبة الله لهم. ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه، وتحققه بتحققه. فعُلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة. فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم. فيستحيل إذًا ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله.\nودل على أن متابعة الرسول ﷺ: هي حب الله ورسوله، وطاعة أمره. (٤).\nفتأمل قوله: (فعُلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة ...) الخ، وقارن هذا بما يتخيله دعاة الإرجاء من وجود التصديق والانقياد والخوف والرجاء والمحبة في قلبِ من يعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يؤدي لله طاعة، مع قدرته وتمكنه من ذلك، ثم يقولون: نحن مع أهل السنة في إثبات التلازم بين الظاهر والباطن!!\n_________\n(١) «تفسير البغوي» (٢/ ١١٨)\n(٢) رواه مسلم (١٧١٨) من حديث عائشة ﵂.\n(٣) «تفسير ابن كثير» (١/ ٤٧٧).\n(٤) «مدارج السالكين» (١/ ٩٧).","vol":"7","page":122},{"text":"ولجهل المرجئة بهذا التلازم صاروا يفرضون مسائل يمتنع وقوعها، مثل قولهم: رجل يشهد أن لا إله إلا الله وفي قلبه التصديق والانقياد والمحبة، لكنه لا يعمل خيرا قط من أعمال الجوارح، مع العلم والتمكن والقدرة، ثم اجترؤوا فقالوا: هذا مسلم عند جمهور أهل السنة، وزاد بعضهم: ولا يكفره إلا الخوارج!! فيبقى المؤمنون العارفون ينكرون ذلك غاية الإنكار.\n٦ - ومن الأدلة الصريحة في إثبات التلازم بين الظاهر والباطن: ما رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ الناسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ» (١).\nقال شيخ الإسلام بعد ذكر الحديث: (... فمن صلح قلبه صلح جسده قطعا بخلاف العكس) (٢).\nوقال: فالظاهر والباطن متلازمان، لا يكون الظاهر مستقيما إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر، ولهذا قال النبي ﷺ: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب» (٣)، وقال عمر لمن رآه يعبث في صلاته: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. وفي الحديث: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه» (٤) (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٩) وهذه القطعية في التلازم تحدث عنها ابن القيم في «الصواعق المرسلة» (٤/ ١٥٣٥).\n(٣) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير بلفظ: (... أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ).\n(٤) رواه أحمد (٣/ ١٩٨) (١٣٠٧١) من حديث أنس ﵁، بلفظ: (لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ) وكأنه انقلب على المؤلف. والحديث ضعفه العراقي في «المغني» (٣/ ١٠٩)، وشعيب الأرناؤوط في تحقيق (المسند)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٥٠): رواه أحمد وفي إسناده علي بن مسعدة وثقه جماعة وضعفه آخرون. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٨٤١): رجاله ثقات رجال مسلم غير الباهلي وهو حسن الحديث.\n(٥) «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٢٧٢).","vol":"7","page":123},{"text":"وقال أيضا: ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب. ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب» (١). وقال أبو هريرة: «القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده» (٢). وقول أبي هريرة تقريب. وقول النبي ﷺ أحسن بيانا؛ فإن الملك وإن كان صالحا فالجند لهم اختيار قد يعصون به ملكهم وبالعكس، فيكون فيهم صلاح مع فساده أو فساد مع صلاحه، بخلاف القلب فإن الجسد تابع له لا يخرج عن إرادته قط، كما قال النبي ﷺ: «إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد» (٣).\nفإذا كان القلب صالحا بما فيه من الإيمان علما وعملا قلبيا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل: قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر. والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد، ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلي العابث: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) (٤).\nوقال: (وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ» (٥) فبين أن صلاح القلب مستلزِمٌ لصلاح الجسد، فإذا كان الجسد غير صالح دلّ على أن القلب غير صالح، والقلبُ المؤمن صالح، فعُلم أنّ من يتكلم بالإيمان ولا يعمل به، لا يكون قلبه مؤمنا، حتى إن المكره إذا كان في إظهار الإيمان فلابد أن يتكلم مع نفسه، وفي السر مع من يأمن إليه، ولابد أن يظهر على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، كما قال عثمان، وأما إذا لم يظهر أثر ذلك، لا بقوله ولا بفعله قط، فإنه يدل على أنه ليس في القلب إيمان، وذلك أن الجسد تابع للقلب، فلا يستقر شيء في القلب إلا ظهر موجَبه ومقتضاه على البدن، ولو بوجه من الوجوه) (٦).\nوقال ابن مفلح: قال الشيخ تقي الدين: فأخبر أن صلاح القلب مستلزم لصلاح سائر الجسد، وفساده مستلزم لفساد سائر الجسد. فإذا رُأي ظاهر الجسد فاسدا غير صالح، عُلم أن القلب ليس بصالح بل فاسد. ويمتنع فساد الظاهر مع صلاح الباطن، كما يمتنع صلاح الظاهر مع فساد الباطن؛ إذ كان صلاح الظاهر وفساده ملازما لصلاح الباطن وفساده.\nقال عثمان ﵁: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه. (٧).\nوقال الشيخ حافظ الحكمي: (ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب. قال النبي ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ» (٨). ومن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة، أنهم إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرا وباطنا بلا شك، لم يعنوا مجرد التصديق) (٩).\n٧ - وروى ابن أبي شيبة عن الحسن قال: إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، إنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل. (١٠).\nوجملة القول: أن التلازم بين الظاهر والباطن فرقان بين أهل السنة والمرجئة في باب الإيمان، وأن من عرف هذا التلازم زالت عنه شبهات كثيرة في مثل هذه المواضع التي كثر اختلاف الناس فيها (١١) الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير- ١/ ٣٢٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير بلفظ: «... أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».\n(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/ ٢٢١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ١٣٢).\n(٣) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير بلفظ: (... أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٨٧). وما ذكره من استلزام الإيمان المطلق، يأتي بيانه في الجواب عن الشبهة السادسة من شبهات المخالف العقلية.\n(٥) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٢١).\n(٧) «الآداب الشرعية» (١/ ١٦١).\n(٨) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩).\n(٩) «معارج القبول» (٢/ ٥٩٤).\n(١٠) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (ص: ٣٠٣٥١، ٣٥٢١١)، ورواه ابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٠٥)، وإسناده صحيح. انظر: «أقوال التابعين في مسائل التوحيد والإيمان» (٣/ ١١٢٤) (١٣٣٣).\n(١١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٤٥).","vol":"7","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1941>المطلب الثالث: المرجئة وإنكارهم للتلازم</span>\nالمرجئة الذين أخرجوا العمل من الإيمان، لا ينازع كثير منهم في أن العمل ثمرة للإيمان الباطن، ولكنهم ينازعون في كونه لازما له، ومن سلّم منهم بالتلازم كان النزاع معه لفظيا، كما سبق.\nوفي بيان إنكار المرجئة للتلازم بين الظاهر والباطن، يقول شيخ الإسلام: (فإن المرجئة لا تنازع في أن الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة، ويقتضي ذلك، والطاعة من ثمراته ونتائجه، لكنها تنازع هل يستلزم الطاعة؟ (١).\nوقال: وقول القائل: الطاعات ثمرات التصديق الباطن، يراد به شيئان:\nيراد به أنها لوازم له، فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت، وهذا مذهب السلف وأهل السنة.\nويراد به أن الإيمان الباطن قد يكون سببا، وقد يكون الإيمان الباطن تامًا كاملًا وهي لم توجد، وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم (٢).\nفتأمل هذا الكلام الواضح البين، من هذا الإمام العلَم، لعل الله أن ينير بصيرتك، وتميز بين كلام أهل السنة والمرجئة.\nوقال: الثالث (أي من أغلاط المرجئة): ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون شيء من الأعمال، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه، بمنزلة السبب مع المسبب، ولا يجعلونها لازمة له. والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة. ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر، ولهذا صاروا يقدرون مسائل يمتنع وقوعها لعدم تحقق الارتباط الذي بين البدن والقلب، مثل أن يقولوا: رجل في قلبه من الإيمان مثل ما في قلب أبي بكر وعمر، وهو لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ويزني بأمه وأخته، ويشرب الخمر نهار رمضان; يقولون: هذا مؤمن تام الإيمان. فيبقى سائر المؤمنين ينكرون ذلك غاية الإنكار. (٣).\nوقال: وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام، فإن الإيمان في القلب والإسلام ظاهر، كما في (المسند) عن النبي ﷺ أنه قال: «الْإِسْلامُ عَلانِيَةٌ وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٤).\nومتى حصل له هذا الإيمان، وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لأن إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الاستسلام لله والانقياد له، وإلا فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطنا، ولا يحصل ذلك في الظاهر مع القدرة عليه، كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد.\nوبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانا جازما امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام. وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان بدون الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة، فإن هذا ممتنع؛ إذ لا يحصل الإيمان التام في القلب إلا ويحصل في الظاهر موجَبه بحسب القدرة، فان من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حبا جازما وهو قادر على مواصلته ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ذلك (٥).\nوقال: والمرجئة المتكلمون منهم والفقهاء منهم يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانا مجازا؛ لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه، ولأنها دليل عليه. (٦).\nفهذا حال المرجئة قديما، ينفون التلازم، ويتصورون وجود إيمان القلب التام، بل الكامل مع انتفاء العمل الظاهر.\nوأما من قال بالإرجاء من المعاصرين أو دخلت عليه شبهته، فقد اضطربوا في هذه المسألة، فمنهم من يثبت التلازم بين الظاهر والباطن لفظا، وينفيه حقيقة، فيحكم بإسلام تارك العمل الظاهر كله، ويتصور وجود الإيمان المنجي في القلب مع انتفاء العمل.\nومنهم من يزعم أن التلازم إنما يقع مع الإيمان الكامل فحسب، فإذا كمل الإيمان في القلب استلزم العمل الظاهر، أما أصل الإيمان فيمكن أن يوجد في القلب (قولا وعملا) دون أن يظهر مقتضاه على أعمال الجوارح ...\nوالمقصود هنا التأكيد على أن القول بنفي التلازم مأخوذ عن المرجئة من الجهمية وغيرهم، وأن المرجئة لا تنازع في كون العمل الظاهر ثمرة ودليلا على ما في الباطن، لكنها تنازع في كونه لازما. الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير- ١/ ٣٢٢\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٠).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٦٣).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٠٤).\n(٤) رواه أحمد (٣/ ١٣٤) (١٢٤٠٤) من حديث أنس ﵁، وليس فيه: (والإيمان أن تؤمن بالله ...). والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الجامع الصغير» (٢٢٨٠)، وشعيب الأرناؤوط في تحقيق «المسند».\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٣).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٩٥).","vol":"7","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1942>المبحث الثاني: إجماع أهل السنة على أن العمل جزء لا يصح الإيمان إلا به</span>\nوقد حكى هذا الإجماع ونقله غير واحد من أهل السنة، بألفاظ متقاربة، يدل مجموعها على أن الإيمان لا يجزئ من دون عمل الجوارح.\nومن هؤلاء:\n١ - الإمام الشافعي، ت: ٢٠٤هـ، حيث قال: (وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) (١).\n_________\n(١) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» لللالكائي (٥/ ٩٥٦)، «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٠٩). ويرد على كلام الشافعي إشكالان، الأول: أن يقال: إن الشافعي لا يكفر تارك الصلاة، فكيف ينقل هذا الإجماع؟ ويجاب عنه بجوابين، الأول: أن الجزم بأن الشافعي لا يكفر تارك الصلاة، غير صحيح، فإن الطحاوي وهو ابن أخت المزني لم يحك عنه غير القول بالتكفير، وحكى عنه ابن كثير القولين، التكفير وعدمه، انظر تفسيره لقوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ *مريم: ٥٩*. والثاني: أنه لا تلازم بين المسألتين، فتكفير تارك العمل بالكلية، غير تكفير تارك الصلاة، فالقائل بالمسألة الأولى لا يلزم أن يقول بالثانية، فأهل السنة مجمعون على أنه لا يصح الإيمان مع ترك العمل الظاهر بالكلية، وإن اختلفوا في ترك آحاد العمل كالصلاة. والإشكال الثاني: أن يقال: إن العمل الوارد في قول الشافعي: (قول وعمل ونية) يشمل مجموع العملين، عمل القلب وعمل الجوارح. وعنه جوابان أيضا، الأول: أن عمل القلب عبر عنه الشافعي هنا بالنية، فدل على أن المراد بالعمل عمل الجوارح. والثاني: سلمنا أنه يريد العملين معا، فلا يصح الإيمان ولا يجزئ إلا بوجودهما معا، وهذا ما نقول به، فلا بد من اجتماع هذه الأجزاء: القول الظاهر والباطن، والعمل الظاهر والباطن. ثم رأيت من يشكك في صحة النقل عن الشافعي، ويزعم أن اللالكائي ساقه بلا زمام أو خطام! وفاته أن اللالكائي وشيخ الإسلام كليهما ينقل هذا عن الشافعي من كتابه الأم، فأي إسناد يحتاجان إليه؟! قال اللالكائي: (قال الشافعي في كتاب الأم في باب النية في الصلاة: نحتج بأن لا تجزئ صلاة إلا بنية لحديث عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنية» ثم قال: وكان الإجماع .... فأي توثيق بعد هذا؟! وأما شيخ الإسلام فقد ذكر هذا الإجماع واحتج به في مواضع، منها الموضع المشار إليه سابقا، وقال فيه: (وقال الشافعي في كتاب الأم في باب النية في الصلاة). وقال في (٧/ ٣٠٨): (وحكى غير واحد الإجماع على ذلك، وقد ذكرنا عن الشافعي ما ذكره من الإجماع على ذلك قوله في \"الأم\": وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ...). وانظر (٧/ ٥١١). وهذا النص المهم المقرر لمذهب السلف لا يوجد في «الأم» المطبوع، لكن هذا لا يضر، بعد ثبوته بقول إمامين كبيرين، رحمهما الله.","vol":"7","page":126},{"text":"٢ - الإمام الحميدي، ت: ٢١٩هـ، حيث قال: (وأخبرت أن قوما يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا، إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه، إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة. فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفعل المسلمين، قال الله ﷿: وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:٥] قال حنبل: قال أبو عبدالله أو سمعته يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به) (١).\n٣ - الإمام الآجري، ت: ٣٦٠هـ، حيث قال: (بل نقول– والحمد لله– قولا يوافق الكتاب والسنة وعلماء المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم، وقد تقدم ذكرنا لهم: إن الإيمان معرفة بالقلب تصديقا يقينا، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنا إلا بهذه الثلاثة، لا يجزئ بعضها عن بعض، والحمد لله على ذلك) (٢).\nوقال أيضا: (اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم: أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح.\nثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا. دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين) (٣).\nوقال أيضا: (اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين واجب على جميع الخلق: وهو تصديق القلب، وإقرار اللسان، وعمل الجوارح.\nثم إنه لا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون معه عمل بالجوارح. فإذا اكتملت فيه هذه الخصال الثلاثة كان مؤمنا، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين.\nولا ينفع القول إذا لم يكن القلب مصدقا بما ينطق به اللسان مع القلب. وإنما الإيمان بما فرض الله على الجوارح تصديقا لما أمر الله به القلب، ونطق به اللسان، لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:٧٧]، وقال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:٤٣]، وفي غير موضع من القرآن، ومثله فرض الحج وفرض الجهاد على البدن بجميع الجوارح.\nوالأعمال بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان.\n_________\n(١) رواه الخلال في «السنة» (٣/ ٥٨٦)، ورواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٥/ ٨٨٧)، وأورده شيخ الإسلام في «الإيمان الكبير» محتجًا به، كما في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٠٩). وقول الحميدي وأحمد رحمهما الله هذا، صريح في تكفير تارك الفرائض (المقر بها).\n(٢) «الشريعة» للآجري (٢/ ٦٨٦).\n(٣) «الشريعة» (٢/ ٦١١)، وقد ادعى بعضهم أن الإجزاء هنا بمعنى الكمال، فلا يجزئ: أي لا يكمل. وهذه مكابرة وتحكم، وصغار طلبة العلم لا يخفى عليهم الفرق بين المجزئ والكامل؛ إذ ما برح الفقهاء يفرقون بين الغسل الكامل والمجزئ!! على أن في عبارة الآجري ما يهدم هذا التأويل، وذلك قوله: (لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا)، فلو أُوّل الإجزاء بمعنى الكمال، للزم القول بصحة الإيمان مع ترك قول اللسان، وهذا لا قائل به من أهل السنة. ثم قوله بعد ذلك: (لا تنفعه) صريح أيضا في إثبات المطلوب، وانظر الجواب عن الشبهة الثانية من شبهات المخالف العقلية.","vol":"7","page":127},{"text":"فمن لم يصدق بجوارحه مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه هذه، ومن رضي لنفسه بالمعرفة دون القول والعمل لم يكن مؤمنا. ومن لم يعتقد المعرفة والقول (١) كان تركه للعمل تكذيبا منه لإيمانه، وكان العمل بما ذكرنا تصديقا منه لإيمانه، فاعلم ذلك. هذا مذهب علماء المسلمين قديما وحديثا، فمن قال غير هذا فهو مرجئ خبيث، فاحذره على دينك.\nوالدليل عليه قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:٥] (٢).\n٤ - أبو طالب المكي، ت: ٣٨٦هـ، حيث قال: وأيضا: فإن الأمة مجمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكرناه من عقود القلب في حديث جبريل ﵇ من وصف الإيمان، ولم يعمل بما ذكرناه من وصف الإسلام بأعمال الجوارح، لا يسمى مؤمنا، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان، أنه لا يكون مسلما. وقد أخبر ﷺ أن الأمة لا تجتمع على ضلالة) (٣).\nوقال كلاما نفيسا قبل هذا، يوضح مراده- وسيأتي نقل أكثره- ومن ذلك قوله: (ومن كان ظاهره أعمال الإسلام، (و) لا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة. ومن كان عقده الإيمان بالغيب، (و) لا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام، فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد) (٤).\n٥ - الإمام ابن بطة العكبري، ت: ٣٨٧هـ، حيث قال: (باب بيان الإيمان وفرضه وأنه: تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات، لا يكون العبد مؤمنا إلا بهذه الثلاث.\nقال الشيخ: اعلموا رحمكم الله أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فرض على القلب المعرفة به والتصديق له ولرسله ولكتبه وبكل ما جاءت به السنة، وعلى الألسن النطق بذلك والإقرار به قولا، وعلى الأبدان والجوارح العمل بكل ما أمر به وفرضه من الأعمال، لا تجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها.\nولا يكون العبد مؤمنا إلا بأن يجمعها كلها حتى يكون مؤمنا بقلبه، مقرا بلسانه، عاملا مجتهدا بجوارحه.\nثم لا يكون أيضا مع ذلك مؤمنا حتى يكون موافقا للسنة في كل ما يقوله ويعمله، متبعا للكتاب والعلم في جميع أقواله وأعماله.\n_________\n(١) لعل الصواب: ومن اعتقد المعرفة والقول كان تركه العمل تكذيبا منه لإيمانه ... الخ، كما يدل عليه السياق.\n(٢) «الأربعين حديثا» للآجري، مطبوع مع «الشريعة» (ص: ٤٢٢).\n(٣) «قوت القلوب» (٢/ ٢٥٣)، ونقله شيخ الإسلام في كتاب «الإيمان»، ضمن «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٣٦).\n(٤) «قوت القلوب» (٢/ ٢٥٠). ونقله شيخ الإسلام في كتاب «الإيمان» ضمن «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٣٣). وما بين المعكوفتين منه.","vol":"7","page":128},{"text":"وبكل ما شرحته لكم نزل به القرآن ومضت به السنة، وأجمع عليه علماء الأمة) (١).\nوتأمل قوله: (لا تجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها) فإنه موافق لما حكاه الشافعي: كما سبق.\n٦ - شيخ الإسلام ابن تيمية، ت: ٧٢٨هـ، حيث قال في معرض الاستدلال على تكفير تارك الصلاة، والمناقشة لأدلة المخالفين: (وأيضا فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، كما دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف، وعلى ما هو مقرر في موضعه، فالقول تصديق الرسول، والعمل تصديق القول، فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا.\nوالقول الذي يصير به مؤمنا قول مخصوص، وهو الشهادتان، فكذلك العمل هو الصلاة. وأيضا فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل، لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله دينا، ومن لا دين له فهو كافر) (٢).\n٧ - الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، ت: ١٢٠٦هـ، حيث قال: (لا خلاف بين الأمة أن التوحيد: لابد أن يكون بالقلب، الذي هو العلم؛ واللسان الذي هو القول، والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي، فإن أخل بشيء من هذا، لم يكن الرجل مسلما.\nفإن أقر بالتوحيد، ولم يعمل به، فهو كافر معاند، كفرعون وإبليس. وإن عمل بالتوحيد ظاهرًا، وهو لا يعتقده باطنًا، فهو منافق خالصًا، أشر من الكافر والله أعلم) (٣).\n_________\n(١) «الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية» (٢/ ٧٦٠) وما بعدها. وزعم المخالف أن قوله: (ثم لا يكون أيضا مع ذلك مؤمنا حتى يكون موافقا للسنة في كل ما يقوله ويعمله) يبين معنى (الإجزاء) في كلامه، وقال: (فلينظر كلامه آخرا في موافقة العمل للسنة وعد (إجزائه إلا بها) فهل المتخلف عن ذلك يصير كافرا؟! أم أن المراد حتما اللزوم والوجوب والتوكيد عليهما؟! فالسياق واضح في ذلك أولا وأخيرا). قلت: أولا: لم يذكر ابن بطة لفظ (الإجزاء) عند الكلام على موافقة السنة، كما زعم المخالف. وثانيا: أن شيخ الإسلام بين وجه ذكر اتباع السنة هنا، فقال (٧/ ٥٠٥): (فقول السلف يتضمن القول والعمل، الباطن والظاهر، لكن لما كان بعض الناس قد لا يفهم دخول النية في ذلك، قال بعضهم: ونية. ثم بين آخرون أن مطلق القول والعمل والنية لا يكون مقبولا إلا بموافقة السنة. وهذا حق أيضا فإن أولئك قالوا: قول وعمل؛ ليبينوا اشتماله على الجنس ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال). فما ذكره ابن بطة: من القول والتصديق وعمل الجوارح، لا يقبل منه شيء إلا بموافقة السنة، والمراد بذلك عبادة الله على ما شرعه نبيه ﷺ، وهذا أصل دين الإسلام، وهذا القيد هنا يخرج عبادات المشركين وأهل الكتاب، ممن أصل دينه على غير السنة، قال شيخ الإسلام: (ثم قالوا: لا يقبل قول وعمل إلا بنية، وهذا ظاهر؛ فإن القول والعمل إذا لم يكن خالصا لله، لم يقبله الله تعالى. ثم قالوا: لا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة، وهي الشريعة، وهي ما أمر الله به ورسوله ﷺ؛ لأن القول والعمل والنية الذي لا يكون مسنونا مشروعا قد أمر الله به، يكون بدعة، وكل بدعة ضلالة، وليس مما يحبه الله، فلا يقبله الله، ولا يصلح، مثل أعمال المشركين وأهل الكتاب) انتهى من «الاستقامة» (٢/ ٣١٠). فالمخالف لم يفقه المراد بموافقة السنة في هذا الباب، فقال ما قال، والله المستعان.\n(٢) «شرح العمدة» (٢/ ٨٦).\n(٣) «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (٢/ ١٢٤)، و«مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٤/ ٣٧).","vol":"7","page":129},{"text":"وقال أيضا: اعلم رحمك الله أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد وبالحب وبالبغض، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر، فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث كفر وارتد (١).\nوقال في آخر (كشف الشبهات): (ولنختم الكلام إن شاء الله بمسألة عظيمة مهمة جدا تفهم مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها، ولكثرة الغلط فيها، فنقول: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما. فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما. وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقولون: هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكننا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، كما قال تعالى: اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا [التوبة:٩]، وغير ذلك من الآيات، كقوله: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:١٤٦]، فإن عمل بالتوحيد عملًا ظاهرًا، وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه، فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ [النساء:١٤٥]. وهذه المسألة مسألة طويلة تبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل به، لخوف نقص دنياه أو جاهه أو مداراة، وترى من يعمل به ظاهرًا لا باطنًا، فإذا سألته عما يعتقده بقلبه فإذا هو لا يعرفه) (٢).\nقلت: وقد نقل عنه المخالف غير مرة أنه لا يكفر بترك المباني الأربعة، واعتمد على قول الشيخ: وقد سئل عما يقاتل عليه، وعما يكفر الرجل به: (أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعة إذا أقر بها، وتركها تهاونًا، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفّره بتركها؛ والعلماء: اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود؛ ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان) (٣).\nوجوابه من وجهين:\nالأول: أنه لم يتحرر لي مذهب الشيخ: في تكفير تارك الصلاة، فما ذكر هنا يعارضه قوله: (هل يشترط في الواجب (٤)، النطق بالشهادتين؟ أو يصير مسلمًا بالمعرفة؟ فذكر أنه لا يصير مسلمًا إلا ّ بالنطق للقادر عليه، والمخالف في ذلك جهم، ومن تبعه؛ وقد أفتى الإمام أحمد، وغيره من السلف، بكفر من قال: إنه يصير مسلمًا بالمعرفة، وتفرّع على هذه مسائل؛ منها: من دُعي إلى الصلاة فأبى، مع الإقرار بوجوبها، هل يقتل كفرًا؟ أو حدًا؟ ومن قال: يقتل حدًا، من رأى أن هذا أصل المسألة) (٥).\n_________\n(١) «الدرر السنية» (١٠/ ٨٧)، وكلامه من أصرح الكلام وأبينه، وفيه رد على من زعم أن العمل يتحقق بترك النواقض فقط، فبين أنه لابد من هذا ومن فعل الأركان أيضا، فرحمه الله وأسكنه فسيح جناته. ولأجل هذه المسألة العظيمة شنع عليه بعض مخالفيه بأنه يقول بقول الخوارج- كما سيأتي-، وهذا مشابه تماما لما يقوله من دخلت عليه شبهة الإرجاء اليوم، في من ينصر قول أهل السنة في هذه المسألة، والله المستعان.\n(٢) «كشف الشبهات» ضمن مجموع مؤلفات الشيخ (٦/ ١٣١)، وضمن «الجامع الفريد» (ص٢٧٧).\n(٣) «الدرر السنية» (١/ ١٠٢).\n(٤) أي في أول واجب على المكلف، والشيخ قال ذلك حين سئل عن معنى هذه الأبيات: أول واجب على الإنسان معرفة الإله باستيقان والنطق بالشهادتين اعتبرا لصحة الإيمان ممن قدرا إن صدق القلب وبالأعمال يكون ذا نقص وذا إكمال\n(٥) «الدرر السنية» (١/ ١١٠) وما بعدها.","vol":"7","page":130},{"text":"وظاهر هذا أنه يرى كفر تارك الصلاة إذا دعي إليها وأبى، كما هو المعروف من مذهب الحنابلة.\nوما ذكره: من أن الخلاف هنا متفرع على الخلاف في مسألة الإيمان، هو ما قرره شيخ الإسلام بقوله: (وعُلم أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب، وامتنع عن الفعل، لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه؛ فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان) (١).\nالوجه الثاني: أنه على فرض أن الشيخ: لا يكفر بترك الصلاة والزكاة والصوم والحج، فهذا من أبلغ الرد على المخالف في زعمه أن مسألة ترك العمل راجعة إلى مسألة ترك الصلاة، خلافا ومأخذا، والحق أن الأُولى مجمع عليها بين أهل السنة، بخلاف الثانية، والشيخ هنا: مع عدم تكفيره لتارك المباني الأربعة، يجزم بكفر تارك عمل الجوارح بالكلية، ويحكي الإجماع على هذا، فلله الحمد والمنة.\n٨ - أحد أئمة الدعوة، حيث قال في (التوضيح عن توحيد الخلاق): (فأهل السنة مجمعون على أنه متى زال عمل القلب فقط، أو هو مع عمل الجوارح: زال الإيمان بكليته. وإن وُجد مجرد التصديق، فلا ينفع مجردا عن عمل القلب والجوارح معا، أو أحدهما (٢)، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول ﷺ سرا وجهرا) (٣).\n٩ - الشيخ عبدالرحمن بن حسن، ت: ١٢٨٥هـ، حيث قال: (قوله: «مَنْ شَهِدَ أَن لا إِلَهَ إِلا الله» أي تكلم بها عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا (٤)، كما قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [محمد:١٩]، وقوله: إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] أما النطق بها من غير معرفة معناها، ولا يقين ولا عمل بمقتضاها، من نفي الشرك وإخلاص القول والعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فغير نافع بالإجماع) (٥).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١٦).\n(٢) فلا ينفع التصديق مع زوال العملين، أي عمل القلب وعمل الجوارح، ولا ينفع أيضا مع زوال أحدهما، بل لابد من اجتماع الثلاثة، فلا يجزئ أحدها عن الآخر.\n(٣) «التوضيح عن توحيد الخلاق» (ص: ١٣٩) والكتاب طبع منسوبا للشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب، وحقق الشيخ الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف نسبته إلى ثلاثة من أئمة الدعوة اشتركوا فيه، وهم: الشيخ محمد بن علي بن غريب (ت: ١٢٠٩ هـ)، والشيخ حمد بن معمر (ت: ١٢٢٥ هـ)، والشيخ عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب (ت: ١٢٤٢ هـ). انظر: «دعاوى المناوئين» (ص: ٥٩)، وانظر: ترجمة الشيخ عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب، في «الدرر السنية» (١٦/ ٣٧٦٦) وجاء فيها: (وله مشاركة في كتاب «التوضيح».\n(٤) في إحدى النسخ بعد قوله: (وظاهرًا): (فلابد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولهما).\n(٥) «فتح المجيد» (١/ ١١٩) ت: د. الوليد بن عبدالرحمن آل فريان.","vol":"7","page":131},{"text":"وقال: وفي الآية (١) رد على المرجئة والكرامية، ووجهه أنه لم ينفع هؤلاء قولهم: آمنا بالله، مع عدم صبرهم على أذى من عاداهم في الله، فلا ينفع القول والتصديق بدون العمل. فلا يصدق الإيمان الشرعي على الإنسان إلا باجتماع الثلاثة: التصديق بالقلب وعمله، والقول باللسان، والعمل بالأركان، وهذا قول أهل السنة والجماعة، سلفا وخلفا، والله سبحانه أعلم) (٢).\n١٠ - الشيخ عبد اللطيف بن عبدالرحمن بن حسن، ت: ١٢٩٢هـ، حيث قال في رده على من شنع على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لأجل كلامه السابق، ونسبه إلى الخوارج: (قد تقدم مرارا أن المعترض له حظ وافر من صناعة التبديل والتحريف، كما وصف الله اليهود بذلك في غير آية (٣) والذبح والنذر لغير الله، وإخلاص الدين في ذلك كله لله. هذا ما دل عليه كلام شيخنا في (كشف الشبهات) وهذا مجمع عليه بين أهل العلم. فإذا اختل أحد هذه الثلاثة اختل الإسلام وبطل، كما دل عليه حديث جبريل لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، فبدأ بتعريف الإسلام بالشهادتين، ولا شك أن العلم والقول والعمل مشترط في صحة الإتيان بهما، وهذا لا يخفى على أحد شم رائحة العلم، وإنما خالف الخوارج فيما دون ذلك من ظلم العبد لنفسه، وظلمه لغيره من الناس) (٤).\n١١ - الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ت: ١٣٧٧هـ، حيث قال: (بل إجماع بين أهل العلم (أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل)، فلا بد من الثلاثة، لابد أن يكون هو المعتقَد في قلبه، ولابد أن يكون هو الذي ينطق به لسانه، ولابد أن يكون هو الذي تعمل به جوارحه، (فإن اختل شيء من هذا): لو وحّد بلسانه دون قلبه ما نفعه توحيده، ولو وحد بقلبه وأركانه دون لسانه ما نفعه ذلك، ولو وحَّد بأركانه دون الباقي (لم يكن الرجل مسلمًا)، هذا إجماع أن الإنسان لابد أن يكون موحدًا باعتقاده ولسانه وعمله) (٥).\n... ومن عرف التوحيد الذي دعت إليه الرسل، زال عنه الإشكال في هذه المسألة، فإن التوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة، و(لا إله إلا الله) تعني أنه لا معبود بحق إلا الله، فالتوحيد يقوم على عبادة الله وحده بالقلب واللسان والجوارح، بل حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، ..... ولا يتم هذا إلا بالعمل، فكيف يتصور بقاء التوحيد في قلب من عاش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يؤدي له فرضا ولا نفلا.\nوقد بان من خلال النقولات السابقة أن أهل السنة مجمعون على أن الإيمان قول وعمل، أو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، وأن هذه الثلاثة لا يجزئ بعضها عن بعض، ولا ينفع بعضها دون بعض، وأن العمل تصديق للقول، فمن لم يصدق القول بعمله كان مكذبا. الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير – بتصرف - ١/ ٣٥٣\n_________\n(١) أي قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ *العنكبوت:١٠*\n(٢) «فتح المجيد» (٢/ ٥٧٩).\n(٣) الظاهر أن هنا سقطا، كما يتضح من السياق.\n(٤) «مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام» (ص٣٨٧).\n(٥) «شرح كشف الشبهات» جمع محمد بن عبدالرحمن بن قاسم (ص١٢٦).","vol":"7","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1943>المبحث الثالث: إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة</span>\nووجه الاستدلال بهذا الإجماع في مسألتنا: أن تارك أعمال الجوارح بالكلية تارك للصلاة ضمنا، فإذا ثبت إجماعهم على كفر تارك الصلاة وحدها، كان كفر تارك العمل الظاهر كله أحق وأولى بالإجماع.\nوقد حكى هذا الإجماع جماعة من الصحابة والأئمة الذين لم يُعرفوا بالتساهل في نقل الإجماع، ومنهم:\n١ - جابر بن عبدالله ﵁: وقد سأله مجاهد بن جبر: ما كان يفرق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال على عهد رسول الله ﷺ؟ قال: الصلاة (١).\n٢ - أبو هريرة ﵁: عن عبدالله بن شقيق عن أبي هريرة قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفرا غير الصلاة (٢).\n٣ - الحسن البصري: قال: بلغني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر (٣).\n٤ - عبدالله بن شقيق: قال: لم يكن أصحاب النبي ﷺ يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (٤).\n٥ - أيوب السختياني: قال: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه (٥).\n٦ - إسحاق بن راهويه: قال الإمام محمد بن نصر: سمعت إسحاق يقول: قد صح عن رسول الله ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. (٦).\nوقال ابن رجب: (وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعا منهم حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة، وكذلك قال سفيان بن عيينة ...) (٧).\n_________\n(١) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٦٧٢)، ومحمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٨٧٧)، واللالكائي (٤/ ٩١٠)، وحسن الشيخ الألباني إسناده في «صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ٢٢٧).\n(٢) رواه الحاكم (١/ ٤٨) وقال: إنه على شرط الشيخين، فإنه ذكر حديث بريدة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» ثم قال: ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعا ثم ساقه. وكأن الذهبي لم ينتبه لكلام الحاكم المتقدم فقال: (لم يتكلم عليه، وإسناده صالح).\n(٣) رواه ابن بطة (٢/ ٦٧٣)، واللالكائي (٤/ ٩١٠).\n(٤) رواه الترمذي (٢٦٢٢) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ١٧٢)، ومحمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٠٤). قال النووي في «المجموع» (٣/ ١٦)، والعراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٦)، والسخاوي في «الأجوبة المرضية» (٢/ ٨١٩): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٥) رواه محمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٢٥). وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ٢٣٠).\n(٦) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٢٩).\n(٧) «فتح الباري» لابن رجب (١/ ٢٢).","vol":"7","page":133},{"text":"٧ - محمد بن نصر المروزي: قال: (قد ذكرنا في كتابنا هذا ما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ من تعظيم قدر الصلاة وإيجاب الوعد بالثواب لمن قام بها، والتغليظ بالوعيد على من ضيعها، والفرق بينها وبين سائر الأعمال في الفضل، وعظم القدر. ثم ذكرنا الأخبار المروية عن النبي ﷺ في إكفار تاركها، وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتال من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عن الصحابة مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك) (١).\n٨ - ابن تيمية: قال في بيان أدلة تكفير تارك الصلاة، بعد ذكر أدلة من الكتاب والسنة، وبيان أنه القول المنقول عن جمهور السلف: (ولأنّ هذا إجماع الصحابة. قال عمر لما قيل له وقد خرج إلى الصلاة: نعم ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة وقصته في الصحيح، وفي رواية عنه قال: لا إسلام لمن لم يصل رواه النجاد، وهذا قاله بمحضر من الصحابة) (٢).\n_________\n(١) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٢٥). وزعم المخالف أن إجماع الصحابة إنما هو على الرواية، أي رواية الأحاديث في إكفار تارك الصلاة فقط، وأن كلام المروزي يدل على ذلك. وهذا خطأ بين من وجهين: الأول: أن المروزي / قال بعد كلامه السابق: (ثم اختلف أهل العلم بعد ذلك في تأويل ما روي عن النبي ﷺ، ثم عن الصحابة أي في إكفار تاركها) فالمروي عن النبي ﷺ هو الأحاديث المعروفة، والمروي عن الصحابة هو أقوالهم في كفر تارك الصلاة، وهي أقوال مشهورة صحت عن عدد منهم، وانظر هذه الآثار في كتاب: «الخلاف في حكم تارك الصلاة» لشيخنا الدكتور عبدالله بن إبراهيم الزاحم (ص٦١ - ٦٦). والوجه الثاني: أنه لو دخل الاحتمال في عبارة المروزي، فإن عبارة غيره، كعبد الله بن شقيق وإسحاق وشيخ الإسلام، صريحة في أن الصحابة مجمعون على تكفير تارك الصلاة، لا على مجرد رواية أحاديث التكفير.\n(٢) «شرح العمدة» لابن تيمية (٢/ ٧٥). وهذا هو الإجماع الذي يتصور نقله عن الصحابة ﵃، إذ لا يمكن النقل عن جميعهم فردًا فردًا، ولهذا قال ابن قدامة في مسألة تحريم شراء الأرض الخراجية: (وهذا قول عمر في المهاجرين والأنصار بمحضر سادة الصحابة وأئمتهم فلم ينكر فكان إجماعا، ولا سبيل إلى وجود إجماع أقوى من هذا وشبهه؛ إذ لا سبيل إلى نقل قول جميع الصحابة في مسألة ولا إلى نقل قول العشرة ولا يوجد الإجماع إلا القول المنتشر) انتهى من «المغني» (٢/ ٣١٠) مع أن تكفير تارك الصلاة منقول عن ستة عشر صحابيا، كما قال ابن حزم.","vol":"7","page":134},{"text":"٩ - ابن القيم: وقد ذكر أن من كفر تارك الصلاة استدل بالكتاب والسنة وبإجماع الصحابة، ثم قال: (وأما إجماع الصحابة، فقال ابن زنجويه: حدثنا عمر بن الربيع حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبدالله بن عتبة أن عبدالله بن عباس أخبره أنه جاء عمر بن الخطاب حين طعن في المسجد، قال: فاحتملته أنا ورهط كانوا معي في المسجد حتى أدخلناه بيته. قال: فأمر عبدالرحمن بن عوف أن يصلي بالناس. قال: فلما دخلنا على عمر بيته غشي عليه من الموت، فلم يزل في غشيته حتى أسفر، ثم أفاق فقال: هل صلى الناس؟ قال: فقلنا: نعم، فقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة، وفي سياق آخر: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى، وذكر القصة. فقال هذا بمحضر من الصحابة ولم ينكروه عليه. وقد تقدم مثل ذلك عن معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، ولا يعلم عن صحابي خلافهم) (١).\nثم قال ابن القيم في خاتمة الفصل الذي جعله في الحكم بين الفريقين: (ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه، ويُشد للقتل، وعصبت عيناه، وقيل له: تصلي وإلا قتلناك، فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبدا. ومن لا يكفر تارك الصلاة يقول: هذا مؤمن مسلم، يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين (٢) وبعضهم يقول: إنه مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمانه جبريل وميكائيل! فلا يستحي من هذا قوله، من إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة. والله الموفق) (٣).\n١٠ - الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، قال: (فهذه الأحاديث كما ترى، صريحة في كفر تارك الصلاة، مع ما تقدم من إجماع الصحابة، كما حكاه إسحاق بن راهويه، وابن حزم، وعبد الله بن شقيق، وهو مذهب جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم) (٤).\n١١ - الشيخ محمد بن إبراهيم، قال: (فقد وصلني كتابك الذي تستفتي به عن الرجل الذي وعظ في أَحد المساجد وقال: من ترك الصلاة تهاونًا وكسلا يقتل. وتسأَل عن كلام العلماء في ذلك؟\n_________\n(١) «الصلاة وحكم تاركها» (ص٤٢) وما بعدها. وقول عمر ﵁: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة رواه مالك (٥١)، وابن أبي شيبة في «الإيمان» (١٠٣)، ومحمد بن نصر المروزي (٢/ ٨٩٣) واللالكائي (٤/ ٩٠٦) وصححه الشيخ الألباني في تحقيق «الإيمان» لابن أبي شيبة (ص٤٠)، وروى محمد بن نصر المروزي (٩٣٠) عن أبي المليح قال: سمعت عمر ﵁ يقول: لا إسلام لمن لم يصل. قيل لشريك: على المنبر؟ قال: نعم.\n(٢) وهذا مذهب المالكية والشافعية، ورغم شناعة هذا القول كما ترى، فلا يزال البعض يستكثر به، ويقول: هذا مذهب جمهور الفقهاء!\n(٣) «الصلاة وحكم تاركها» (ص٥٣).\n(٤) «الدرر السنية» (١٠/ ٣٠٧).","vol":"7","page":135},{"text":"فالجواب: الحمد لله. ذهب إِمامنا أَحمد بن حنبل والشافعي في أَحد قوليه وإِسحاق بن راهويه، وعبدالله بن المبارك والنخعي والحكم وأَيوب السختياني وأَبو داود الطيالسي وغيرهم من كبار الأَئمة والتابعين إِلى أَن تاركها كافر. وحكاه إِسحق بن راهويه إِجماعًا، ذكره عنه الشيخ أَحمد بن حجر الهيثمي في شرح الأَربعين، وذكره في كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) عن جمهور الصحابة. وقال الإِمام أَبو محمد بن حزم: سائر الصحابة ومن بعدهم من التابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقًا، ويحكمون عليه بالارتداد منهم أَبو بكر وعمر وابنه عبدالله وعبدالله بن مسعود وابن عباس ومعاذ وجابر وعبد الرحمن بن عوف وأَبو الدرداء وأَبو هريرة وغيرهم من الصحابة ولا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة، واحتجوا على كفر تاركها بما رواه مسلم في (صحيحه) عن جابر بن عبدالله، قال قال رسول الله ﷺ: «بَيْن الرَّجل وَبَيْن الشِّرْكِ وَالكُفر ترْكُ الصَّلاةِ» (١)، وعن بريدة بن الحصيب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الْعَهدُ الَّذِيْ بَيْننا وَبَيْنهُمْ الصَّلاةُ فمَن ترَكها فقدْ كفرَ» رواه الإِمام أَحمد وأَهل السنن. (٢) ... وعن معاذ مرفوعًا «مَن تَرَكَ صَلاَةً مَكتُوْبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرئَت مِنهُ ذِمَّةُ اللهِ» (٣)، وعن عبدالله بن شقيق العقيلي قال: كان أَصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأَعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي. فهذه الأَحاديث كما ترى صريحة في كفر تارك الصلاة مع ما تقدم من إِجماع الصحابة، كما حكاه إِسحق بن راهويه وابن حزم وعبدالله بن شقيق، وهو مذهب جمهور العلماء والتابعين ومن بعدهم) (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم (٨٢).\n(٢) رواه الترمذي (٢٦٢١) والنسائي (٤٦٣) وابن ماجه (١٠٧٩) وأحمد (٥/ ٣٤٦) (٢٢٩٨٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٤٩٢) كما أشار لذلك في مقدمته. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) رواه أحمد (٥/ ٢٣٨) (٢٢١٢٨) والطبراني في «الأوسط»، وقال المنذري: لا بأس بإسناده في المتابعات، وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٦٩): حسن لغيره.\n(٤) «فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم» (٢/ ١٠٧ - ١٠٩).","vol":"7","page":136},{"text":"١٢ - الشيخ عبدالعزيز بن باز، قال: (... ولهذا ذكر عبدالله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل، عن أصحاب النبي ﷺ: أنهم كانوا لا يرون شيئا تركه كفر غير الصلاة، فهذا يدل على أن تركها كفر أكبر بإجماع الصحابة؛ لأن هناك أشياء يعرفون عنها أنها كفر، لكنه كفر دون كفر، مثل البراءة من النسب، ومثل القتال بين المؤمنين؛ لقوله ﷺ: «سِبَابُ المُسْلِمُ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (١) فهذا كفر دون كفر إذا لم يستحله، ويقول ﷺ: «إِنَّ كُفْرًا بِكُمْ التَّبَرُّؤُ مِنْ آبَائِكُمْ» (٢)، وقوله ﵊: «اثْنَتَانِ فِي الناسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ النِّيَاحَةُ وَالطَّعْنُ فِي النَّسَبِ» (٣) فهذا كله كفر دون كفر عند أهل العلم؛ لأنه جاء منكرا غير معرف بـ (أل)، ودلت الأدلة الأخرى دالة على أن المراد به غير الكفر الأكبر، بخلاف الصلاة فإن أمرها عظيم، وهي أعظم شيء بعد الشهادتين، وعمود الإسلام) (٤).\nوبعد: (فهذا الإجماع أقوى دليل في هذه المسألة، وأصرح دليل فيها؛ إذ لا يعتريه احتمال ولا تأويل. وهو ما يؤكد ما دلت عليه ظواهر النصوص بأن المراد بالكفر فيها الكفر المخرج من الملة. وهو يردُّ على كل من أراد صرف تلك النصوص عن ظواهرها، بأن المراد كفر دون كفر. بل هذا الإجماع يوجب على كل منصف الرجوع عن كل قول مخالف له، فإن الأئمة الأربعة وعامة العلماء على أن الإجماع حجة قطعية، لا يجوز العدول عنها. فمن قال من العلماء بخلاف ما دل عليه هذا الإجماع، لعل له عذره أو اجتهاده الذي يؤجر عليه، لكن هذا العذر قد زال عمن اطلع على هذا الإجماع ووقف عليه) (٥).\nتنبيهان:\nالأول: ما ذهب إليه بعض أهل العلم من حمل أحاديث كفر تارك الصلاة على الكفر الأصغر، قد ردّه شيخ الإسلام من تسعة أوجه، قال في (شرح العمدة): وأما حمله على كفر دون كفر، فهذا حمل صحيح ومحمل مستقيم في الجملة في مثل هذا الكلام، ولهذا جاء عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين في كثير من المواضع مفسرًا، لكن الكفر الوارد في الصلاة هو الكفر الأعظم لوجوه:\nأحدها: أن الكفر المطلق هو الكفر الأعظم المخرج عن الملة فينصرف الإطلاق إليه، وإنما صرف في تلك المواضع إلى غير ذلك لقرائن انضمت إلى الكلام، ومن تأمل سياق كل حديث وجده معه، وليس هنا شيء يوجب صرفه عن ظاهره، بل هنا ما تقرره على الظاهر.\nالثاني: أن ذلك الكفر منكر مبهم مثل قوله: «وقتاله كفر»، «هما بهم كفر» وقوله: «كفر بالله» وشبه ذلك، وهنا عرف باللام بقوله: «ليس بين العبد وبين الكفر أو قال الشرك» والكفر المعرف ينصرف إلى الكفر المعروف وهو المخرج عن الملة.\nالثالث: أن في بعض الأحاديث: «فقد خرج من الملة» وفي بعضها: «بينه وبين الإيمان» وفي بعضها: «بينه وبين الكفر» وهذا كله يقتضي أن الصلاة حدٌّ تُدخله إلى الإيمان إن فعله، وتخرجه عنه إن تركه.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤). من حديث عبدالله بن مسعود ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٦٨٣٠) بلفظ: «إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم»، وهي من القرآن الذي نسخ لفظه.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٣٧٧) (٨٨٩٢). من حديث أبي هريرة ﵁. قال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي بكر فمن رجال البخاري.\n(٤) «مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز» (١٠/ ٢٤٠) وما بعدها.\n(٥) «الخلاف في حكم تارك الصلاة» (ص٥٨) لشيخنا الدكتور عبدالله بن إبراهيم الزاحم حفظه الله.","vol":"7","page":137},{"text":"الرابع: أن قوله: (ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة)، وقوله: (كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) لا يجوز أن يراد به إلا الكفر الأعظم؛ لأن بينه وبين غير ذلك مما يسمى كفرا أشياء كثيرة، ولا يقال: فقد يخرج من الملة بأشياء غير الصلاة، لأنا نقول: هذا ذكر في سياق ما كان من الأعمال المفروضة، وعلى العموم يوجب تركه الكفر، وما سوى ذلك من الاعتقادات فإنه ليس من الأعمال الظاهرة.\nالخامس: أنه خرج هذا الكلام مخرج تخصيص الصلاة وبيان مرتبتها على غيرها في الجملة، ولو كان ذلك الكفر فسقًا لشاركها في ذلك عامة الفرائض.\nالسادس: أنه بين أنها آخر الدين، فإذا ذهب آخره ذهب كله.\nالسابع: أنه بين أن الصلاة هي العهد الذي بيننا وبين الكفار، وهم خارجون عن الملة ليسوا داخلين فيها، واقتضى ذلك أن من ترك هذا العهد فقد كفر، كما أن من أتى به فقد دخل في الدين، ولا يكون هذا إلا في الكفر المخرج من الملة.\nالثامن: أن قول عمر: (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) أصرح شيء في خروجه عن الملة، وكذلك قول ابن مسعود وغيره، مع أنه بيّن أن إخراجها عن الوقت ليس هو الكفر وإنما هو الترك بالكلية، وهذا لا يكون إلا فيما يخرج من الملة.\nالتاسع: ما تقدم من حديث معاذ (١)؛ فإن فسطاطا على غير عمود لا يقوم، كذلك الدين لا يقوم إلا بالصلاة.\nوفي هذه الوجوه يبطل قول من حملها على من تركها جاحدا.\nوأيضا قوله: (كانوا لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر\" وقوله: ليس بين العبد وبين الكفر وغير ذلك مما يوجب اختصاص الصلاة بذلك، وترك الجحود لا فرق فيه بين الصلاة وغيرها؛ ولأن الجحود نفسه هو الكفر من غير ترك حتى لو فعلها مع ذلك لم ينفعه، فكيف يعلق الحكم على ما لم يذكر؟!\nولأن المذكور هو الترك، وهو عام في من تركها جحودا أو تكاسلا، ولأن هذا عدول عن حقيقة الكلام من غير موجب فلا يلتفت إليه) (٢).\nالتنبيه الثاني: ما يردده بعض المخالفين من قولهم: كيف خفي هذا الإجماع على الأئمة الذين ذهبوا إلى عدم تكفير تارك الصلاة؟\nجوابه أن يقال: إذا ثبت إجماع الصحابة، فهو حجة على من بعدهم، وأقوال العلماء يحتج لها، ولا يحتج بها، وباب العذر واسع، فالمخالف ربما لم يبلغه الإجماع، أو تأوله بنوع تأويل، والمسألة لها نظائر، فمن ذلك:\n١ - أنه قد نقل غير واحد إجماع الصحابة على منع بيع أمهات الأولاد، وخالف في ذلك من خالف (٣).\nقال ابن قدامة: (ولأنه إجماع الصحابة ﵃ بدليل قول علي كرم الله وجهه: كان رأيي ورأي عمر أن لا تباع أمهات الأولاد، وقوله: فقضى به عمر حياته وعثمان حياته، وقول عبيدة: رأي علي ... وعمر في الجماعة أحب إلينا من رأيه وحده. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال عمر ﵃: ما من رجلٍ كان يقر بأنه يطأ جاريته ثم يموت إلا أعتقها ولدها إذا ولدت وإن كان سقطا.\n_________\n(١) وهو قوله ﷺ: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد». رواه الترمذي (٢٦٢٦)، وابن ماجه (٣٩٦٣)، وأحمد (٥/ ٢٣١) (٢٢٠٦٩). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) «شرح العمدة» (٢/ ٨١).\n(٣) قال الصنعاني في «سبل السلام» (٢/ ١٤): (وادعى الإجماع على المنع من بيعها جماعة من المتأخرين، وأفاد الحافظ ابن كثير الكلام على هذه المسألة في جزء مفرد، قال: وتلخص لي عن الشافعي فيها أربعة أقوال، وفي المسألة من حيث هي ثمانية أقوال. وقد ذهب الناصر والإمامية وداود إلى جواز بيعها).","vol":"7","page":138},{"text":"فإن قيل: فكيف تصح دعوى الإجماع مع مخالفة علي وابن عباس وابن الزبير ﵃؟ قلنا: قد روي عنهم الرجوع عن المخالفة، فقد روى عبيدة قال: بعث إليَّ علي ... وإلى شريح أن اقضوا كما كنتم تقضون فإني أبغض الاختلاف. وابن عباس قال: ولد أم ولد بمنزلتها، وهو الراوي لحديث عتقهن عن النبي ﷺ وعن عمر، فيدل على موافقته لهم، ثم قد ثبت الإجماع باتفاقهم قبل المخالفة، واتفاقهم معصوم عن الخطأ؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يجوز أن يخلو زمن عن قائم لله بحجته، ولو جاز ذلك في بعض العصر لجاز في جميعه، ورأي الموافق في زمن الاتفاق خير من رأيه في الخلاف بعده، فيكون الاتفاق حجة على المخالف له منهم كما هو حجة على غيره.\nفإن قيل: فلو كان الاتفاق في بعض العصر إجماعا حرمت مخالفته، فكيف خالفه هؤلاء الأئمة الذين لا تجوز نسبتهم إلى ارتكاب الحرام؟ قلنا: الإجماع ينقسم إلى مقطوع به ومظنون، وهذا من المظنون، فيمكن وقوع المخالفة منهم له مع كونه حجة، كما وقع منهم مخالفة النصوص الظنية، ولا تخرج بمخالفتهم عن كونها حجة، كذا ههنا) (١).\nويقال هنا أيضا: لا يجوز أن يخلو زمن عن قائم لله بحجته، فأين النقل عن صحابي واحد بما يخالف هذا الإجماع؟!\n٢ - ومن ذلك أيضا: إجماع الصحابة على انتقاض عهد الذمي بسب النبي ﷺ، ثم مخالفة بعض الفقهاء في ذلك (٢)، قال شيخ الإسلام: (والدلالة على انتقاض عهد الذمي بسب الله أو كتابه أو دينه أو رسوله ووجوب قتله وقتل المسلم إذا أتى ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والاعتبار) (٣).\nإلى أن قال: (وأما إجماع الصحابة فلأن ذلك نُقل عنهم في قضايا متعددة ينتشر مثلها ويستفيض، ولم ينكرها أحد منهم، فصارت إجماعا. واعلم أنه لا يمكن ادعاء إجماع الصحابة على مسألة فرعية بأبلغ من هذا الطريق) (٤).\n٣ - ومن ذلك: مسألة اشتراط المرأة على الرجل ألا يتزوج عليها ولا يتسرى، ولا يخرجها من دارها أو بلدها، فقد حكى فيها ابن القيم إجماع الصحابة على أن الشرط لازم، مع مخالفة من خالف من الأئمة.\nقال ﵀: (إذا تزوجها على أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج عليها، ولا يتسرى عليها فالنكاح صحيح، والشرط لازم. هذا إجماع الصحابة، فإنه صح عن عمر، وسعد، ومعاوية، ولا مخالف لهم من الصحابة، وإليه ذهب عامة التابعين، وقال به أحمد. وخالف في ذلك الثلاثة، فأبطلوا الشرط، ولم يوجبوا الوفاء به) (٥).\n٤ - ومن ذلك: الإجماع القديم على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه، وقد خالف فيه أبو حنيفة والشافعي (٦). قال شيخ الإسلام: (وكذلك مذهب مالك وأهل المدينة في أعيان النجاسات الظاهرة في العبادات أشبه شيء بالأحاديث الصحيحة، وسيرة الصحابة، ثم إنهم لا يقولون بنجاسة البول والروث مما يؤكل لحمه، وعلى ذلك بضع عشرة حجة، من النص، والإجماع القديم، والاعتبار، ذكرناها في غير هذا الموضع، وليس مع المنجّس إلا لفظ يظن عمومه، وليس بعام، أو قياس يظن مساواة الفرع فيه للأصل، وليس كذلك) (٧).\n_________\n(١) «المغني» (١٠/ ٤١٤).\n(٢) كالحنفية ووجه عند الشافعية، وينظر: «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٨١)، «مغني المحتاج» (٦/ ٨٣)، «المغني» (٩/ ٢٨٣)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٧/ ١٣٨).\n(٣) «الصارم المسلول» (٢/ ٣٢).\n(٤) «الصارم المسلول» (٢/ ٣٧٨).\n(٥) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٥)، وهذه الأمثلة الثلاث مستفادة من بحث مصوّر بعنوان: «حكم تارك الصلاة عند شيخ الإسلام ابن تيمية»، لأحد الفضلاء، لم أقف على اسمه.\n(٦) انظر: «المبسوط» (١/ ٥٤)، «المجموع» (٢/ ٥٦٧).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٣٩).","vol":"7","page":139},{"text":"وقال: (وبول ما أُكل لحمه وروثه طاهر، لم يذهب أحدٌ من الصحابة إلى تنجسه، بل القول بنجاسته قول محدثٌ لا سلف له من الصحابة) (١).\n٥، ٦، ٧ - ومن ذلك: الإجماع القديم على حل ذبائح أهل الكتاب، وحل نسائهم، وجواز أخذ الجزية منهم، سواء كانوا أو أحد آبائهم ممن دخلوا في الدين قبل نزول القرآن، أو بعده، وخالف في ذلك الشافعي (٢).\nقال الإمام محمد بن الحسين التميمي الجوهري (ت: ٣٥٠هـ): (وأجمعوا أن ذبيحة الكتابي حلال للمسلم، وسواء دان بدينه ذلك واحد من آبائه قبل نزول القرآن، أو بعده، إلا الشافعي، فإنه لم يجز من ذبائحهم إلا ذبائح من دان منهم أو أحد من آبائهم قبل نزول القرآن، وأما من دان منهم أو أحد من آبائهم بعد نزول القرآن، فإنه لا يبيح للمسلم ذبيحته) (٣).\nوقال: (وأجمعوا أن الجزية على كل كتابي، وإن كان إنما دان بدينه بعد نزول الفرقان، إلا الشافعي فإنه قال: لا جزية إلا أن يكون قد دان، أو واحدة من آبائه بذلك الدين قبل نزول الفرقان) (٤).\nوقال أبو بكر الجصاص: (وقد روي عن جماعة من السلف القول في أهل الكتاب من العرب، لم يفرق أحدٌ منهم فيه بين من دان بذلك قبل نزول القرآن أو بعده، ولا نعلم أحدا من السلف والخلف اعتبر فيهم ما اعتبره الشافعي في ذلك، فهو منفرد بهذه المقالة خارج بها عن أقاويل أهل العلم) (٥).\n_________\n(١) «الفتاوى الكبرى» (٥/ ٣١٣).\n(٢) قرر الشافعي هذه المسألة في مواضع من كتابه «الأم»، فمن ذلك قوله: (وذكر الله ﷿ نعمته على بني إسرائيل في غير موضعٍ من كتابه وما آتاهم دون غيرهم من أهل دهرهم، كان من دان دين بني إسرائيل قبل الإسلام من غير بني إسرائيل في غير معنى من بني إسرائيل أن ينكح؛ لأنه لا يقع عليهم أهل الكتاب، بأن آباءهم كانوا غير أهل الكتاب، ومن غير نسب بني إسرائيل، فلم يكونوا أهل كتاب إلا بمعنى، لا أهل كتابٍ مطلق، فلم يجز والله تعالى أعلم أن ينكح نساء أحد من العرب والعجم غير بني إسرائيل دان دين اليهود والنصارى بحال ... فمن كان من بني إسرائيل يدين دين اليهود والنصارى نكح نساؤه وأكلت ذبيحته، ومن نكح نساؤه فسبي منهم أحد وطئ بالملك. ومن دان دين بني إسرائيل من غيرهم لم تنكح نساؤه، ولم تؤكل ذبيحته، ولم توطأ أمته) انتهى من «الأم» (٤/ ١٩٣). وقال: (فكل من دان ودان آباؤه أو دان بنفسه وإن لم يدن آباؤه دينَ أهل الكتاب، أي كتابٍ كان قبل نزول الفرقان، وخالف دين أهل الأوثان قبل نزول الفرقان، فهو خارج من أهل الأوثان، وعلى الإمام إذا أعطاه الجزية وهو صاغر أن يقبلها منه عربيا كان أو عجميا. وكل من دخل عليه الإسلام، ولا يدين دين أهل الكتاب ممن كان عربيا أو عجميا فأراد أن تؤخذ منه الجزية ويقر على دينه، أو يحدث أن يدين دين أهل الكتاب، فليس للإمام أن يأخذ منه الجزية، وعليه أن يقاتله حتى يسلم كما يقاتل أهل الأوثان حتى يسلموا). «الأم» (٤/ ١٨٤). وقال: (أصل ما أبني عليه أن الجزية لا تقبل من أحد دان دين كتابي إلا أن يكون آباؤه دانوا به قبل نزول الفرقان) نقله عنه المزني، انظر: «الأم» (٨/ ٣٨٧) وانظر: «المجموع» (٩/ ٨٤)، «فتاوى الرملي» (٤/ ٦٣).\n(٣) «نوادر الفقهاء» (ص: ٧٥).\n(٤) «نوادر الفقهاء» (ص: ١٧٩).\n(٥) «أحكام القرآن» (٢/ ٤٥٧).","vol":"7","page":140},{"text":"وقال شيخ الإسلام: (وهذا مبني على أصل، وهو أن قوله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:٥] هل المراد به من هو بعد نزول القرآن متدين بدين أهل الكتاب؟ أو المراد به من كان آباؤه قد دخلوا في دين أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل؟ على قولين للعلماء. فالقول الأول هو قول جمهور المسلمين من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحد القولين في مذهب أحمد، بل هو المنصوص عنه صريحا. والثاني: قول الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد).\nإلى أن قال: (وأحمد إنما اختلف اجتهاده في بني تغلب، وهم الذين تنازع فيهم الصحابة. فأما سائر اليهود والنصارى من العرب مثل: تنوخ وبهراء وغيرهما من اليهود، فلا أعرف عن أحمد في حل ذبائحهم نزاعا، ولا عن الصحابة ولا عن التابعين وغيرهم من السلف، وإنما كان النزاع بينهم في بني تغلب خاصة).\nثم قال: (بل الصواب المقطوع به أن كون الرجل كتابيا أو غير كتابي هو حكم مستقل بنفسه، لا بنسبه. وكل من تدين بدين أهل الكتاب فهو منهم، سواء كان أبوه أو جده دخل في دينهم، أو لم يدخل، وسواء كان دخوله قبل النسخ والتبديل، أو بعد ذلك. وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك والمنصوص الصريح عن أحمد، وإن كان بين أصحابه في ذلك نزاع معروف. وهذا القول هو الثابت عن الصحابة، ولا أعلم بين الصحابة في ذلك نزاعا، وقد ذكر الطحاوي أن هذا إجماع قديم) (١).\n٨ - ومن ذلك: إجماع الصحابة على أن سجود التلاوة غير واجب، مع مخالفة الحنفية فيه. قال ابن قدامة: (وجملة ذلك أن سجود التلاوة سنة مؤكدة وليس بواجب عند إمامنا ومالك والأوزاعي والليث والشافعي وهو مذهب عمر وابنه عبد الله، وأوجبه أبو حنيفة وأصحابه؛ لقول الله ﷿: فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق:٢٠ - ٢١]، ولا يذم إلا على ترك واجب، ولأنه سجود يفعل في الصلاة فكان واجبا كسجود الصلاة.\nولنا ما روى زيد بن ثابت قال: «قرأت على النبي ﷺ النجم فلم يسجد منا أحد». متفق عليه (٢). ولأنه إجماع الصحابة، وروى البخاري والأثرم عن عمر أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر. وفي لفظ: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. وفي رواية الأثرم: فقال: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. فقرأها ولم يسجد ومنعهم أن يسجدوا، وهذا بحضرة الجمع الكثير، فلم ينكره أحد ولا نُقل خلافه. فأما الآية فإنه ذمهم لترك السجود غير معتقدين فضله ولا مشروعيته. وقياسهم ينتقض بسجود السهو فإنه عندهم غير واجب) (٣).\n٩ - ومن ذلك: الإجماع على منع الرجوع في الوقف، مع مخالفة أبي حنيفة. قال ابن قدامة: (وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده وللواقف الرجوع فيه إلا أن يوصي به بعد موته فيلزم أو يحكم بلزومه حاكم. وحكاه بعضهم عن علي وابن مسعود وابن عباس. وخالفه صاحباه فقالا كقول سائر أهل العلم. وهذا القول يخالف السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة ﵃؛ فإن النبي ﷺ قال لعمر في وقفه: «لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث» (٤) قال الترمذي: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافا) (٥).\nونظائر هذا كثيرة، تركت ذكرها خشية الإطالة. الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير- ١/ ٣٦٩\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢١٩ - ٢٢٤) وقد ساق ﵀ تسعة أوجه في تأييد مذهب الجمهور.\n(٢) رواه البخاري (١٠٧٣)، ومسلم (٥٧٧).\n(٣) «المغني» (١/ ٣٦١).\n(٤) رواه البخاري (٢٧٣٧)، ومسلم (١٦٣٣).\n(٥) «المغني» (٥/ ٣٤٨).","vol":"7","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1944>الفصل الثاني: نقول عن أهل العلم في بيان منزلة عمل الجوارح وحكم تاركه</span>\nليس الغرض هنا نقل كلام السلف والأئمة في أن العمل من الإيمان، فهذا أمر معلوم بيّن، لكن المراد حكاية أقوالهم في ارتباط القول بالعمل، وأنه لا يصح القول ولا ينفع ولا يستقيم ولا يقبل إلا بالعمل، وحكاية أقوالهم في ارتباط عمل القلب بعمل الجوارح، وأنه لا يتصور وجود الإيمان الباطن مع تخلف العمل الظاهر، وحكاية ما هو أصرح من ذلك، من تكفير تارك العمل بالكلية، والجزم بردته، وخلو قلبه من الإيمان الصحيح.\nوالمراد أيضا: إظهار أن القول بعدم صحة الإيمان عند تخلف عمل الجوارح بالكلية، أمرٌ مستقر عند أهل السنة، بيّنه الأئمة سلفا وخلفا، لم يكن بينهم نزاع في ذلك، حتى جاء من دخلت عليه شبهة المرجئة، فزعم أن العمل كمالي في الإيمان، وأن تاركه بالكلية مسلم تحت المشيئة، وهذا ما تلقفوه عن أهل الكلام المذموم من الأشعرية وغيرهم، ثم نسبوه إلى السلف وأهل السنة جهلا وافتراء، وغلا بعضهم حتى زعم أن القول بكفر تارك العمل- كلِّه- هو قول الخوارج والمعتزلة، لا قول أهل السنة، ولهذا رأيت من اللازم نقل كلام الأئمة، من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، إلى زمننا هذا، نصحا للأمة، ودرءا للفتنة عن ناشئة أهل السنة، تبصيرًا للجاهل، وتثبيتًا للعالم، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.\n١ - علي بن أبي طالب ﵁:\nقال ﵁: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بقول، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا نية إلا بموافقة السنة (١).\n٢ - عبدالله بن مسعود ﵁\nوقد قال بنفس ما قاله علي ﵁ (٢).\n٣ - سعيد بن جبير، ت: ٩٥هـ\nقال: (لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بنية موافقة للسنة) (٣).\n٤ - الحسن البصري، ت: ١١٠هـ\nقال: (الإيمان قول، ولا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بسنة) (٤).\n٥ - الأوزاعي، ت: ١٥٧هـ\nقال: (أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة، ولا يفرقون بين الإيمان والعمل، ولا يعدون الذنوب كفرا ولا شركا.\nوقال: الإيمان والعمل كهاتين، وقال بإصبعيه، لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان) (٥).\nوقال: (لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة. وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه وكان في الآخرة من الخاسرين) (٦).\nوقال الوليد بن مسلم: (سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز ينكرون قول من يقول: إن الإيمان قول بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان) (٧).\n٦ - سفيان الثوري، ت: ١٦١هـ\n_________\n(١) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٠٣).\n(٢) «الإبانة» (٢/ ٨٠٣).\n(٣) رواه اللالكائي (١/ ٦٤).\n(٤) رواه ابن بطة (٢/ ٨٠٣)، واللالكائي (١/ ٦٤).\n(٥) رواه حرب الكرماني في «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية» (ص٣٦٨).\n(٦) رواه ابن بطة (٢/ ٨٠٧)، ونقله شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٩٦) وعلق عليه بقوله: (وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف أنهم يجعلون العمل مصدقا للقول).\n(٧) رواه اللالكائي (٤/ ٩٣١) رقم (١٥٨٦)","vol":"7","page":142},{"text":"قال ﵀: (أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل مخافة أن يزكوا أنفسهم، لا يجوز عمل إلا بإيمان، ولا إيمان إلا بعمل، فإن قال من إمامك في هذا؟ فقل: سفيان الثوري) (١).\nوقال أيضا: (كان الفقهاء يقولون: لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة) (٢).\nوقال أيضا: (لا يصلح قول إلا بعمل) (٣).\n٧ - الفضيل بن عياض، ت: ١٨٧هـ\nقال: (لا يصلح قول إلا بعمل) (٤).\n٨ - سفيان بن عيينة، ت: ١٩٨هـ\nقال:: (الإيمان قول وعمل). (وأخذناه ممن قبلنا، وأنه لا يكون قول إلا بعمل. قيل له: يزيد وينقص؟ قال: فإيش إذا؟!) (٥).\nوقال وقد سئل عن الإرجاء: (يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل.\nوالمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليسوا سواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية. وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر.\nوبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه وإبليس وعلماء اليهود.\nأما آدم فنهاه الله عن أكل الشجرة وحرمها عليه فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين فسمي عاصيا من غير كفر.\nوأما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا.\nوأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي ﷺ وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شريعته، فسماهم الله ﷿ كفارا.\nفركوب المحارم مثل ذنب آدم وغيره من الأنبياء. وأما ترك الفرائض جحودا فهو كفر، مثل كفر إبليس لعنه الله. وتركها على معرفة من غير جحود فهو كفر، مثل كفر علماء اليهود. والله أعلم) (٦).\n٩ - إسحاق بن راهويه، ت: ٢٣٨هـ\nقال: (غلت المرجئة حتى صار من قولهم: إن قوما يقولون: من ترك المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وعامة الفرائض من غير جحود بها أنا لا نكفّره، يرجى أمره إلى الله بعد؛ إذ هو مقر. فهؤلاء المرجئة الذين لاشك فيهم) (٧).\nوكلامه يؤخذ منه أمران:\nالأول: تكفير من ترك عامة الفرائض، وهذا مطابق لما سبق نقله عن سفيان بن عيينة، وهو عين ما يقرره شيخ الإسلام، كما سيأتي، لكنه يعبّر بلفظ: الواجبات، ولا فرق.\nالثاني: الحكم على المخالف في هذه المسألة بأنه من المرجئة.\n١٠ - أبو ثور: إبراهيم بن خالد الكلبي الفقيه، ت: ٢٤٠هـ\nقال: (فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان؛ فيقال لهم: ما أراد الله من العباد إذ قال لهم: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الراكِعِينَ [البقرة:٤٣]، الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل؛ فقد كفرت عند أهل العلم، من قال إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة!\nفإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل!\n_________\n(١) رواه اللالكائي (٥/ ٩٨٠).\n(٢) رواه ابن بطة في «الإبانة» (١/ ٣٣٣)، وفي (٢/ ٨٠٧).\n(٣) رواه عبدالله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٣٧).\n(٤) رواه عبدالله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٣٧).\n(٥) رواه الآجري في «الشريعة» (ص: ٢٣٩)، وابن بطة في «الإبانة» (٢/ ٨٥٥)، وإسناد صحيح، كما في: «أقوال التابعين في مسائل التوحيد والإيمان» (٣/ ١١٢٣)، وأشار المؤلف إلى أن قوله هذا يشعر بحكاية الإجماع عن التابعين أن الإيمان قول وعمل، وهو الحق الذي لا مرية فيه.\n(٦) رواه عبدالله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٤٧)، وأورده ابن رجب في شرحه على البخاري (١/ ٢٥)، وفي «جامع العلوم والحكم» (ص٤٤).\n(٧) «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه» لحرب الكرماني، (ص٣٧٧). ونقله ابن رجب، كما في «فتح الباري» (١/ ٢٥).","vol":"7","page":143},{"text":"قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعا لم زعمتم أنه يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعا؟!\nأرأيتم لو أن رجلا قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: لا!\nقيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئا أيكون مؤمنا؟\nفإن قالوا: نعم!\nقيل لهم: ما الفرق وقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعا فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ولم يقر مؤمنا، لا فرق بين ذلك!\nفإن احتج فقال: لو أن رجلا أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي أيكون مؤمنا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟ قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنا، ولو قال: أقر ولا أعمل؛ لم نطلق له اسم الإيمان. وفيما بينا من هذا ما يكتفى به ونسأل الله التوفيق) (١).\n١١ - أحمد بن حنبل، ت:٢٤١هـ\nقال في رواية محمد بن موسى البغدادي: (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وإذا عملت الحسن زاد، وإذا ضيعت نقص، والإيمان لا يكون إلا بعمل) (٢).\n١٢ - أبو بكر الآجري المتوفى سنة ٣٦٠هـ\nقال: (فالأعمال – رحمكم الله تعالى – بالجوارح تصديق للإيمان بالقلب واللسان.\nفمن لم يصدق الإيمان بجوارحه: مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه لهذه، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول: لم يكن مؤمنا، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه العمل تكذيبا منه لإيمانه، وكان العمل بما ذكرنا تصديقا منه لإيمانه، وبالله تعالى التوفيق) (٣).\nوقال: (هذا بيان لمن عقل، يعلم أنه لا يصحّ الدين إلا بالتصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وما أشبه ذلك) (٤).\nوقال: وقال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:١٠] فأخبر تعالى بأن الكلم الطيب حقيقته أن يُرفع إلى الله ﷿ بالعمل الصالح، فإن لم يكن عملٌ، بطل الكلام من قائله، ورد عليه. ولا كلام أطيب وأجل من التوحيد، ولا عمل من عمل الصالحات أجل من أداء الفرائض ... ثم جعل على كل قول دليلا، من عملٍ يصدقه، ومن عملٍ يكذبه، فإذا قال قولا حسنا، وعمل عملا حسنا، رفع الله قوله بعمله، وإذا قال قولا حسنا، وعمل عملا سيئا، رد الله القول على العمل، وذلك في كتاب الله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:١٠] (٥).\n١٣ - ابن بطة العكبري، ت: ٣٨٧ هـ\nقال: (فقد تلوت عليكم من كتاب الله ما يدل العقلاء من المؤمنين أن الإيمان قول وعمل، وأن من صدق بالقول وترك العمل كان مكذبا وخارجا من الإيمان، وأن الله لا يقبل قولا إلا بعمل، ولا عملا إلا بقول) (٦).\n_________\n(١) رواه اللالكائي (٤/ ٩٣١ - ٩٣٣)، ونقله شيخ الإسلام في كتاب «الإيمان» كما في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٨٧).\n(٢) «الإيمان» لأبي يعلى (ص: ١٥٣).\n(٣) «الشريعة» (٢/ ٦١٤).\n(٤) «الشريعة» (٢/ ٥٦٣).\n(٥) «الشريعة» (٢/ ٦٣٢) وما بعدها، وانظر كلامًا قريبًا منه لابن بطة، في «الإبانة» (٢/ ٩٧١).\n(٦) «الإبانة» (٢/ ٧٩٥).","vol":"7","page":144},{"text":"وقال: (فمن زعم أنّه يقر بالفرائض ولا يؤديها، ويعلمها، وبتحريم الفواحش والمنكرات ولا ينزجر عنها ولا يتركها، وأنه مع ذلك مؤمن، فقد كذّب بالكتاب وبما جاء به رسوله، ومثَله كمثل المنافقين الذين قالوا: قَالُواْ آمَنا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ [المائدة:٤١] فأكذبهم الله وردّ عليهم قولهم، وسماهم منافقين مأواهم الدرك الأسفل من النار، على أن المنافقين أحسن حالا من المرجئة؛ لأن المنافقين جحدوا العمل، وعملوه، والمرجئة أقروا بالعمل بقولهم، وجحدوه بترك العمل به. فمن جحد شيئا وأقر به بلسانه وعمله ببدنه، أحسن حالا ممن أقر بلسانه وأبى أن يعمله ببدنه. فالمرجئة جاحدون لما هم به مقرون، ومكذبون لما هم به مصدقون، فهم أسوأ حالا من المنافقين) (١).\n١٤ - شيخ الإسلام ابن تيمية، ت: ٧٢٨هـ\nوقد قرر هذه المسألة من وجوهٍ عدة:\n(١) تصريحه بأن من لم يأت بالعمل فهو كافر:\nقال: (وأيضا فان الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل كما دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف، وعلى ما هو مقرر في موضعه، فالقول تصديق الرسول، والعمل تصديق القول، فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا.\nوالقول الذي يصير به مؤمنا قول مخصوص وهو الشهادتان، فكذلك العمل هو الصلاة.\nوأيضًا فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله دينا، ومن لا دين له فهو كافر) (٢).\n(٢) تصريحه بأن انتفاء أعمال الجوارح مع القدرة والعلم بها لا يكون إلا مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح:\nقال: (وهذه المسألة لها طرفان: أحدهما: في إثبات الكفر الظاهر. والثاني: في إثبات الكفر الباطن.\nفأما الطرف الثاني فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولا وعملا كما تقدم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانا ثابتا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح) (٣).\n(٣) تصريحه بأن الرجل لا يكون مؤمنا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي اختص بإيجابها محمد ﷺ:\n_________\n(١) «الإبانة» (٢/ ٧٨٩) وما بعدها. وكلامه صريح في تكفير تارك العمل، وأنه أسوأ حالا من المنافقين، ولا يفهم منه تكفير المرجئة بإطلاق، بل كلامه عن المرجئة التاركين للعمل- مع الإقرار به-. وما ذكره من إطلاق الجحود على الترك، موافق لما نقله المروزي عن طائفة من أهل الحديث، قولهم: (... ولو أقر ثم لم يؤد، كان كمن جحده في المعنى، إذا استويا في الترك للأداء) انظر النص بتمامه في: «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٥١٧).\n(٢) «شرح العمدة» (٢/ ٨٦).\n(٣) «الإيمان الأوسط» ضمن «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١٦). وزعم أحد المخالفين أن كلام شيخ الإسلام متعلق بإثبات الكفر في الباطن، وكلامنا متعلق بالحكم بالكفر في الظاهر، وأن تتمة كلام شيخ الإسلام متعلقة بالصلاة، فرجعنا إلى أصل مسألة الصلاة، وأن شيخ الإسلام قرر في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٠٥) أن تقدير الأمور الممتنعة لا يكون إلا في الذهن. فهذه ثلاثة أمور زعم المخالف أنها نقاط مهمة لم يدركها من استشهد بهذا الكلام.","vol":"7","page":145},{"text":"قال ﵀: (وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا، لا صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا غير ذلك من الواجبات، ولو قدّر أن يؤدي الواجبات لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة ويصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر؛ فإن المشركين، وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد ﷺ. ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له أو جزءا منه- فهذا نزاع لفظي- كان مخطئا خطئا بينا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف. والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها) (١).\n(٤) تصريحه بأنه إذا انتفت أعمال الجوارح لم يبق في القلب إيمان:\nقال: (وللجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن في كتاب (الموجز)، وهو أن القرآن نفى الإيمان عن غير هؤلاء كقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:٢]، ولم يقل: إن هذه الأعمال من الإيمان. قالوا: فنحن نقول: من لم يعمل هذه الأعمال لم يكن مؤمنا لأن انتفاءها دليل على انتفاء العلم من قلبه.\nوالجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب فإذا انتفت لم يبق في القلب إيمان وهذا هو المطلوب، وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءا نزاع لفظي) (٢).\nفتأمل قوله: (أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب فإذا انتفت لم يبق في القلب إيمان وهذا هو المطلوب) لتعلم أن هذا هو مقتضى التلازم عند شيخ الإسلام.\n(٥) تصريحه بأن انتفاء اللازم الظاهر دليل على انتفاء الملزوم الباطن:\nقال: (والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان؛ فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضا وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين. ومن قصد إخراج العمل الظاهر قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن. فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن، أو لازم لمسمى الإيمان) (٣).\nوقال: (وقيل لمن قال: دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز: نزاعك لفظي؛ فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن. فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيا. وإن قلت ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه من أنه يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر وترك جميع الواجبات الظاهرة. قيل لك: فهذا يناقض قولك إن الظاهر لازم له وموجب له. بل قيل: حقيقة قولك أن الظاهر يقارن الباطن تارة ويفارقه أخرى، فليس بلازم له ولا موجب ومعلول له، ولكنه دليل إذا وجد دل على وجود الباطن، وإذا عدم لم يدل عدمه على العدم وهذا حقيقة قولك) (٤).\n_________\n(١) «الإيمان الأوسط» ضمن «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٢١)، وما بين المعكوفتين من تحقيق «الإيمان الأوسط» للدكتور علي بن بخيت الزهراني (ص٥٧٧).\n(٢) «الإيمان» ضمن «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٠٢).\n(٣) «الإيمان الأوسط» ضمن «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٤).\n(٤) «الإيمان الأوسط» ضمن «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٧٩).","vol":"7","page":146},{"text":"وقال أيضا: (وقوله: ليس الإيمان بالتمني يعني: الكلام. وقوله: بالتحلي يعني: أن يصير حلية ظاهرة له، فيظهره من غير حقيقة من قلبه. ومعناه: ليس هو ما يظهر من القول، ولا من الحلية الظاهرة، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال. فالعمل يصدق أن في القلب إيمانا، وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيمانا؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم) (١).\nوقال: (والعمل الظاهر هو موجب إيمان القلب ومقتضاه، فإذا حصل إيمان القلب حصل إيمان الجوارح ضرورة. وإيمان القلب لابد فيه من تصديق القلب وانقياده، وإلا فلو صدق قلبه بأن محمدا رسول الله ﷺ وهو يبغضه ويحسده ويستكبر عن متابعته لم يكن قد آمن قلبه) (٢).\n(٦) تصريحه بأن قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن ممتنع:\nقال: (وأيضا فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضا، وهذا باطل قطعا؛ فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه، فهو كافر قطعا بالضرورة.\nوإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضا؛ لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن وليس المقصود هنا ذكر عمل معين، بل من كان مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه هل يتصور إذا رأى الرسول وأعداءه يقاتلونه وهو قادر على أن ينظر إليهم ويحض على نصر الرسول بما لا يضره، هل يمكن مثل هذا في العادة إلا أن يكون منه حركة ما إلى نصر الرسول، فمن المعلوم أن هذا ممتنع) (٣).\n(٧) تصريحه بأن مذهب السلف وأهل السنة، أنه متى وجد الإيمان الباطن، وجدت الطاعات:\nقال: (وقول القائل: (الطاعات ثمرات التصديق الباطن) يراد به شيئان:\nيراد به أنها لوازم له، فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت. وهذا مذهب السلف وأهل السنة) (٤).\n(٨) تصريحه بأن وجود إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع:\nقال: (فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل. ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان.\nوقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزءًا من الإيمان،) (٥).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٩٤).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٦٩)، «مختصر الفتاوى المصرية» (ص١٣٢).\n(٣) «الإيمان الأوسط» ضمن «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٦).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٦٣).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٦٣).","vol":"7","page":147},{"text":"تنبيه: قوله: (إيمان القلب التام) المراد به الصحيح المجزئ، لا الكامل، كما فهم البعض، ويدل على ذلك ما سبق من جزمه ﵀ بأنه إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، وأنه لا يبق في القلب إيمان، وأن انتفاء الأعمال الظاهرة إنما يكون مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح، وغير ذلك مما هو صريح لا يحتمل التأويل، بل يدل على ذلك سياق كلامه في هذا الموضع، فإنه في معرض التقرير لكفر تارك الصلاة، والرد على من لا يكفره ولو أصرّ على الترك حتى يقتل. وذكر قبلها مثالين: الأول: من أخذ يلقي المصحف في الحش، ويقول: أشهدا أن ما فيه كلام الله. والثاني: من جعل يقتل نبيا من الأنبياء، ويقول: أشهد أنه رسول الله، (ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال، كان كاذبا فيما أظهره من القول. فهذا الموضع ينبغي تدبره، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن ...) الخ.\nفالكلام ليس في نقص الإيمان، بل في زواله، فتنبه.\nوقد استعمل شيخ الإسلام مصطلح (إيمان القلب التام) بمعنى (الإيمان الصحيح أو المجزئ الذي يقابله الكفر) في مواضع، منها:\n١ - قوله: (وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام فإن الإيمان في القلب والإسلام ظاهر، كما في (المسند) عن النبي أنه قال: «الإسلام علانية والإيمان في القلب والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١). ومتى حصل له هذا الإيمان وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لأن إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الاستسلام لله والانقياد له، وإلا فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطنا، ولا يحصل ذلك في الظاهر مع القدرة عليه، كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد. وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانا جازما امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة. فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام. وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان بدون الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة، فإن هذا ممتنع؛ إذ لا يحصل الإيمان التام في القلب إلا ويحصل في الظاهر موجبه بحسب القدرة، فان من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حبا جازما وهو قادر على مواصلته ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ذلك) (٢).\nفانظر قوله: (فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام) وتأمل هل يصح أن يحمل ذلك على الإيمان الكامل؟!\nإن ذلك يعني صحة إيمان من ترك الشهادتين مع القدرة! وقد مضى أن أهل السنة مجمعون على كفر من ترك الشهادتين مع القدرة.\n٢ - وقريب من هذا قوله: (ثم إنه إذا تحقق القلب بالتصديق والمحبة التامة المتضمنة للإرادة، لزم وجود الأفعال الظاهرة؛ فإن الإرادة الجازمة إذا اقترنت بها القدرة التامة لزم وجود المراد قطعا، وإنما ينتفي وجود الفعل لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة، وإلا فمع كمالها يجب وجود الفعل الاختياري.\nفإذا أقر القلب إقرارا تاما بأن محمدا رسول الله ﷺ، وأحبه محبة تامة، امتنع مع ذلك أن لا يتكلم بالشهادتين مع قدرته على ذلك، لكن إن كان عاجزا لخرس ونحوه، أو الخوف ونحوه، لم يكن قادرا على النطق بهما) (٣).\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٣٤) (١٢٤٠٤) من حديث أنس ﵁، وليس فيه: (والإيمان أن تؤمن بالله ...). والحديث ضعفه شعيب الأرناؤوط في تحقيق «المسند»، والألباني في «ضعيف الجامع الصغير» (٢٢٨٠).\n(٢) «الإيمان الأوسط» ضمن «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٥٣).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٧٢).","vol":"7","page":148},{"text":"قلت: التام هنا بمعنى الصحيح قطعا، ولا يجوز حمله على (الكامل) وإلا للزم صحة إقرار القلب، وصحة المحبة، مع عدم التكلم بالشهادتين مع القدرة.\n٣ - وقال ﵀ في بيان أوجه تفاضل الإيمان: (أحدها: الأعمال الظاهرة فإن الناس يتفاضلون فيها وتزيد وتنقص، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان، فالنفاة يقولون هو من ثمرات الإيمان ومقتضاه، فأُدخل فيه مجازا بهذا الاعتبار، وهذا معنى زيادة الإيمان عندهم ونقصه، أي زيادة ثمراته ونقصانها، فيقال: قد تقدم أن هذا من لوازم الإيمان وموجباته، فإنه يمتنع أن يكون إيمان تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر، وأما كونه لازما أو جزءا منه فهذا يختلف بحسب حال استعمال لفظ الإيمان مفردا أو مقرونا بلفظ الإسلام والعمل) (١).\nو(الإيمان التام) هنا هو الصحيح ولا شك، ولو فسر بالكامل للزم أن يصح الإيمان مع تخلف القول، ولا قائل به من أهل السنة.\n٤ - وقال أيضا: (وأما إبليس وفرعون واليهود ونحوهم، فما قام بأنفسهم من الكفر وإرادة العلو والحسد، منع من حب الله وعبادة القلب له الذي لا يتم الإيمان إلا به، وصار فى القلب من كراهية رضوان الله واتباع ما أسخطه ما كان كفرا لا ينفع معه العلم) (٢). والتمام هنا بمعنى الصحة من غير شك.\n٥ - وقال: (وهو مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصا يستحق صاحبه العقوبة ...)\nفالتمام هنا بمعنى الصحة، دون شك، وقد أكثر المخالف من الاستشهاد بهذا النص دون أن ينتبه لهذا المعنى!\nوهذا-وغيره- يؤكد أن استعمال التام بمعنى الصحيح أو المجزئ أو أصل الإيمان، هو الغالب في كلام شيخ الإسلام، وقد قال: (فإنه يجب أن يُفسّر كلام المتكلم بعضُه ببعض، ويؤخذ كلامُه هاهنا وهاهنا، وتُعرف ما عادته (وما) يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتُعرف المعاني التي عُرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عُرف عُرْفه وعادتُه في معانيه وألفاظه، كان هذا مما يُستعان به على معرفة مراده. وأما إذا استُعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه، وتُرك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحُمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عُرف أنه يريده بذلك اللفظ، بجعلِ كلامه متناقضا، وتركِ حمله على ما يناسب سائر كلامه، كان ذلك تحريفا لكلامه عن موضعه، وتبديلا لمقاصده، وكذبا عليه) (٣).\n(٩) تصريحه بأنه لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح:\nقال: (وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولا للملزوم واللازم وإن كان أصله ما في القلب) (٤).\nقلت: فإذا عدمت أعمال الجوارح بالكلية، لم يتصور وجود الإيمان الواجب في القلب.\nوعلى فرض أن شيخ الإسلام يريد بالإيمان الواجب هنا ما زاد على أصل الإيمان الصحيح المجزئ، فإنه يسقط الاستشهاد به، لكنه لا ينافي عباراته الماضية التي يصرح فيها بأنه لم يبق في القلب إيمان، بل الكفر والزندقة، لأنا نقول: ترك العمل الظاهر بالكلية دليل على عدم وجود الإيمان القلبي الصحيح، وعلى عدم وجود ما زاد على الصحيح من باب أولى.\n(١٠) تصريحه بأن ترك الواجبات الظاهرة دليل على انتفاء الإيمان الواجب من القلب:\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٦٢).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٦٢).\n(٣) «الجواب الصحيح» (٤/ ٤٤).\n(٤) «الإيمان» ضمن «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٩٨).","vol":"7","page":149},{"text":"قال: (فالسلف يقولون: ترك الواجبات الظاهرة، دليل على انتفاء الإيمان الواجب من القلب، لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب، الذي هو حب الله ورسوله، وخشية الله، ونحو ذلك، لا يستلزم ألا يكون في القلب من التصديق شيء.\nوعند هؤلاء (١) كل من نفى الشرع إيمانه دلّ على أنه ليس في قلبه شيء من التصديق أصلا، وهذا سفسطة عند جماهير العقلاء) (٢).\nقلت: الإيمان الواجب هنا، هو الإيمان الصحيح المجزئ، بدليل قوله: (لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب ... لا يستلزم ألا يكون في القلب من التصديق شيء).\nوسياق الكلام يفيد بأن شيخ الإسلام يسلم للمخالف بأن إيمان القلب يذهب وينتفي، لكن ليس لذهاب التصديق فقط، بل قد يكون بذهاب عمل القلب، وهذا يدل على أن المراد بانتفاء الإيمان الواجب من القلب: انتفاء الإيمان الصحيح المجزئ، المترتب على (زوال عمل القلب).\n(١١) تصريحه بأنه لابد في الإسلام من الإتيان بأصل الطاعة في الظاهر:\nقال: (فإذا قال أحد هؤلاء العالمين الجاحدين الذين ليسوا بمؤمنين: محمد رسول الله، كقول أولئك اليهود وغيرهم، فهذا خبر محض مطابق لعلمهم الذي قال الله فيه: الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:١٤٦]، لكن كما لا ينفعهم مجرد العلم، لا ينفعهم مجرد الخبر، بل لابد أن يقترن بالعلم في الباطن مقتضاه من العمل الذي هو المحبة والتعظيم والانقياد ونحو ذلك، كما أنه لابد أن يقترن بالخبر الظاهر مقتضاه من الاستسلام والانقياد وأصل الطاعة) (٣).\nوهذا كما ترى صريح في اشتراط أربعة أمور، هي أركان الحقيقة المركبة، قول القلب وعمله، وقول اللسان وأصل عمل الجوارح، وسماه هنا: أصل الطاعة، وبين أنه لا ينفع الكافر وجود التصديق مع قول اللسان، ما لم يقترن التصديق بالعمل الباطن، ويقترن قول اللسان بالعمل الظاهر، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أن التلازم بين الظاهر والباطن إنما هو في الإيمان المطلق أو الكامل لا في أصل الإيمان.\n١٥ - الإمام ابن القيم ﵀، ت:٧٥١هـ\n(١) تصريحه بأن تخلف العمل الظاهر دليل على فساد الباطن.\nقال: (الإيمان له ظاهر وباطن، وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته، فلا ينفع ظاهر لا باطن له وإن حقن به الدماء وعصم به المال والذرية.\nولا يجزئ باطن لا ظاهر له إلا إذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك، فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل على فساد الباطن وخلوه من الإيمان.\nونقصه دليل نقصه.\nوقوته دليل قوته. فالإيمان قلب الإسلام ولبه، واليقين قلب الإيمان ولبه. وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان واليقين قوةً فمدخول، وكل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول) (٤).\nوقال: (فكل إسلام ظاهر لا ينفذ صاحبه منه إلى حقيقة الإيمان الباطنة، فليس بنافع، حتى يكون معه شيء من الإيمان الباطن.\nوكل حقيقة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الإسلام الظاهرة، لا تنفع ولو كانت ما كانت، فلو تمزق القلب بالمحبة والخوف، ولم يتعبد بالأمر وظاهر الشرع، لم ينجه ذلك من النار، كما أنه لو قام بظواهر الإسلام وليس في باطنه حقيقة الإيمان لم ينجه من النار) (٥).\n(٢) تصريحه بأن من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية:\n_________\n(١) أي: الأشعري – قبل رجوعه لمذهب أهل السنة والجماعة- والباقلاني ومن قبلهم ممن نصر قول جهم في الإيمان.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٤٨).\n(٣) «التسعينية» (٢/ ٦٧٣).\n(٤) «الفوائد» (ص٨٥).\n(٥) «الفوائد» (ص١٤٢).","vol":"7","page":150},{"text":"قال: (على أنا نقول: لا يصر على ترك الصلاة إصرارا مستمرا من يصدّق بأن الله أمر بها أصلا، فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقا تصديقا جازما أن الله فرض عليه كل يوم وليلة خمس صلوات، وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب، وهو مع ذلك مصر على تركها، هذا من المستحيل قطعا، فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبدا، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان، ولا تصغ إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها. وتأمل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد، والجنة والنار، وأن الله فرض عليه الصلاة، وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها، وهو محافظ على الترك، في صحته وعافيته، وعدم الموانع المانعة له من الفعل، وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق، وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم، وهذا من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية ...) (١).\n(٣) تصريحه بأن التصديق لا يصح إلا بالعمل:\nقال: (فالتصديق إنما يتم بأمرين: أحدهما اعتقاد الصدق، والثاني محبة القلب وانقياده، ولهذا قال تعالى لإبراهيم: يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، وإبراهيم كان معتقدًا لصدق رؤياه من حين رآها، فإن رؤيا الأنبياء وحي، وإنما جعله مصدقًا لها بعد أن فعل ما أمر به، وكذلك قوله: «وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» (٢)، فجعل التصديق عمل الفرج ما يتمنى القلب، والتكذيب تركه لذلك، وهذا صريح في أن التصديق لا يصح إلا بالعمل. وقال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.\nوقد روي هذا مرفوعًا، والمقصود أنه يمتنع مع التصديق الجازم بوجوب الصلاة، (و) الوعد على فعلها والوعيد على تركها. وبالله التوفيق) (٣).\nوقال ﵀: (وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب، فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزومًا لعدم محبة القلب وانقياده، الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم، كما تقدم تقريره؛ فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح؛ إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان. فإن الإيمان ليس مجرد التصديق ..... وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهُدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى، فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن اعتقاد التصديق وإن سمي تصديقًا فليس هو التصديق المستلزم للإيمان. فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته) (٤).\n١٦ - الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، ت: ١٢٠٦هـ\nقال: (اعلم رحمك الله أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد، وبالحب وبالبغض، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر، فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث كفر وارتد) (٥).\n١٧ - الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي، ت: ١٣٧٦هـ\n_________\n(١) «الصلاة وحكم تاركها» (ص٣٥).\n(٢) رواه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «الصلاة وحكم تاركها» (ص٣٧)، وما بين المعكوفتين زيادة يقتضيها السياق.\n(٤) «الصلاة وحكم تاركها» (ص٤٦).\n(٥) «الدرر السنية» (١٠/ ٨٧).","vol":"7","page":151},{"text":"قال: فائدة (الإيمان يشمل عقائد الدين وأعمال القلوب والجوارح) توضيح أن الإيمان يشمل عقائد الدين، وأعمال القلوب، وأعمال الجوارح، كما دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه السلف الصالح، وبيان ارتباط بعضها ببعض: وذلك أن العبد إذا سمع النصوص من الكتاب والسنة، الدالة على صفات الله إثباتا ونفيا، وعلى تصديق رسوله، وعلى الإخبار بكل الغيوب، وعلى الأمر بالخير والنهي عن الشر، فإنه يفهمها أولا، فإذا فهمها وعرفها، اعترف القلب بها، وصدقها تصديقا لا ريب فيه، تصديقا لله ولرسوله، وذلك يقتضي محبتها، والتقرب إلى الله باعتقاد ما دلت عليه، والجزم بأنه الحق النافع، فإذا عرف الله ورسوله وأحبه، أحب كل ما يقرب إلى الله، وكره كل ما يبغضه ويمقته، وحينئذ ينقاد القلب انقيادا جازما لطاعة الله وطاعة رسوله، فيقصد ويريد فعل ما يقدر عليه من محبوبات الله، من واجب ومستحب قصدا جازما، يترتب عليه وجود ما قصده وأراده، ويقصد اجتناب ما نهى الله عنه ونهى عنه رسوله قصدا جازما، يقترن به الترك، وهذا هو معنى قوله: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنا [آل عمران:١٩٣]، وقول المؤمنين: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة:٢٨٥]، ومنّة الله عليهم بقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات:٧] الآية، فتبين أن هذه الأمور: التصديق، والاعتراف، والحب، والانقياد، ووجود مُقتضَى هذا الانقياد، متلازمة، مرتبط بعضها ببعض، إذا تم واحد منها وكمل، عُلم أن جميعها قد كملت، وإذا انتفى واحد منها بالكلية: عُلم أن جميعها انتفت، وإذا نقص واحد منها فلنقصٍ في بقيتها، فافهم هذا الإيضاح في بيان الإيمان، ولهذا مثل الله الإيمان بالشجرة في وجودها، وكمالها، ونقصها، على هذا الوصف الذي ذكرنا، والله أعلم) (١).\nوهذا صريح في إثبات التلازم والارتباط بين أجزاء الإيمان، وأنه إذا انتفى عمل الجوارح بالكلية عُلم انتفاء بقية الأجزاء، وكذا لو انتفى التصديق، أو انتفى عمل القلب.\nوقال في تفسير قوله تعالى: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الشورى:٣٦] (أي جمعوا بين الإيمان الصحيح، المستلزم لأعمال الإيمان الظاهرة والباطنة، وبين التوكل، الذي هو الآلة لكل عمل، فكل عمل لا يصحبه التوكل، فغير تام) (٢).\nوقال: (وقد يعطف الله على الإيمان الأعمال الصالحة، أو التقوى، أو الصبر، للحاجة إلى ذكر المعطوف؛ لئلا يظن الظان أن الإيمان يكتفى فيه بما في القلب. فكم في القرآن من قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ ثم يذكر خبرا عنهم. والأعمال الصالحات من الإيمان، ومن لوازم الإيمان، وهي التي يتحقق بها الإيمان. فمن ادعى أنه مؤمن، وهو لم يعمل بما أمر الله به ورسوله من الواجبات، ومن ترك المحرمات، فليس بصادق في إيمانه) (٣).\n١٨ - الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، ت:١٣٧٧هـ\n_________\n(١) «مجموع الفوائد واقتناص الأوابد» (ص٤٩) وما بعدها.\n(٢) «تيسير الكريم الرحمن» (ص٧٠٥).\n(٣) «التوضيح والبيان لشجرة الإيمان» (ص٩٣) وما بعدها.","vol":"7","page":152},{"text":"قال: (ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب، قال النبي ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ» (١). ومن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة؛ أنهم إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرًا وباطنًا، لم يعنوا مجرد التصديق) (٢).\n١٩ - الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ت:١٣٨٩هـ\nقال: (فدل على أن مجرد قول لا إله إلا الله لا يمنع من التكفير، بل يقولها ناس كثير ويكونون كفارا: إما لعدم العلمِ بها، أو العملِ بها، أو وجود ما ينافيها، فلابد مع النطق بها من أشياء أخر، أكبرها معرفة معناها والعمل به) (٣).\n٢٠ - الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، ت: ١٤٢٠هـ\nوقد زعم البعض أنه يرى مسألة ترك عمل الجوارح بالكلية، مسألةً خلافية بين أهل السنة، وهذا زعم باطل، فالشيخ: يجزم بأن العمل ركن في الإيمان، وأن القول بأنه شرط كمال قول المرجئة، لا قول أهل السنة، ويرى أنه لا يتصور وجود الإيمان مع ترك جميع العمل، وتولى التحذير من القول المخالف الذي يحكم بإسلام تارك العمل بالكلية، وقرظ وأقرّ ما فيه التصريح بأن ترك جميع العمل كفر. وإليك البيان من ثمانية أوجه:\nالأول: أن الشيخ صرح في حوار أجرته معه مجلة المشكاة بأن مقولة: \"العمل شرط كمال\" هي مقولة المرجئة، وهذا نص الحوار:\n(المشكاة: ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح عندما تكلم على مسألة الإيمان والعمل، وهل هو داخل في المسمى، ذكر أنه شرط كمال، قال الحافظ (السلف قالوا ....).\nالشيخ ابن باز: لا، هو جزء، ما هو بشرط، هو جزء من الإيمان، الإيمان قول وعلم وعقيدة أي تصديق، والإيمان يتكون من القول والعمل والتصديق عند أهل السنة والجماعة.\nالمشكاة: هناك من يقول بأنه داخل في الإيمان لكنه شرط كمال؟\nالشيخ: لا، لا، ما هو بشرط كمال، جزء، جزء من الإيمان. هذا قول المرجئة، المرجئة يرون الإيمان قول وتصديق فقط، والآخرون يقولون: المعرفة. وبعضهم يقول: التصديق. وكل هذا غلط.\nالصواب عند أهل السنة أن الإيمان قول وعمل وعقيدة، كما في الواسطية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\nالمشكاة: المقصود بالعمل جنس العمل؟\nالشيخ: من صلاة وصوم وغيره. عمل القلب من خوف ورجاء.\nالمشكاة: يذكرون أنكم لم تعلقوا على هذا في أول الفتح؟\nالشيخ: ما أدري، تعليقنا قبل أربعين سنة، قبل أن نذهب إلى المدينة، ونحن ذهبنا للمدينة في سنة ١٣٨١ هـ، وسجلنا تصحيحات الفتح أظن في ١٣٧٧هـ أو ٨٧ (لعلها ٧٨) أي تقريبا قبل أربعين سنة. ما أذكر يمكن مرّ ولم نفطن له) (٤).\nالثاني: أن الشيخ حذر من كتاب (ضبط الضوابط في الإيمان ونواقضه)، واعتبر كتابه داعيا لمذهب الإرجاء المذموم وأنه لا يعتبر الأعمال الظاهرة في حقيقة الإيمان.\nوالكتاب المحذَّر منه يرى أن عمل الجوارح شرط كمال في الإيمان، وأن تاركه بالكلية مسلم عاص معرض للوعيد. ولو كان الشيخ يراها مسألة خلافية لما حذر من كتابه ولما وصفه بالإرجاء.\nالثالث: أن الشيخ أقر ما تعقب به الشيخ علي بن عبد العزيز الشبل كلام الحافظ ابن حجر، وذلك في كتابه: (التنبيه على المخالفات العقدية في الفتح) (ص٢٨)\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩).\n(٢) «معارج القبول» (٢/ ٥٩٤).\n(٣) «شرح كشف الشبهات» جمع محمد بن عبدالرحمن بن قاسم، ص (١١١).\n(٤) «مجلة المشكاة» المجلد الثاني، الجزء الثاني (ص: ٢٧٩، ٢٨٠).","vol":"7","page":153},{"text":"قال المؤلف: (الصواب أن الأعمال عند السلف الصالح قد تكون شرطا في صحة الإيمان، أي أنها من حقيقة الإيمان، قد ينتفي الإيمان بانتفائها كالصلاة. وقد تكون شرطا في كماله الواجب فينقص الإيمان بانتفائها كبقية الأعمال التي تركها فسق ومعصية وليس كفرا، فهذا التفصيل لابد منه لفهم قول السلف الصالح وعدم خلطه بقول الوعيدية. مع أن العمل عند أهل السنة والجماعة ركن من أركان الإيمان الثلاثة: قول وعمل واعتقاد، والإيمان عندهم يزيد وينقص خلافا للخوارج والمعتزلة، والله ولي التوفيق) (١).\nالرابع: أن الشيخ قد أقر ما هو أبلغ من ذلك وأظهر في نقد كلام ابن حجر وبيان معتقد أهل السنة، وذلك بإقراره ما كتبه الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف في كتابه: (التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد)، حيث علق المؤلف في الهامش بقوله: (وكلامه هذا عليه مآخذ أهمها نسبته القول بأن الأعمال شرط في كمال الإيمان للسلف، وهو على إطلاقه غير صحيح، بل في ذلك تفصيل:\nفالأعمال المكفرة سواء كانت تركا، كترك جنس العمل أو الشهادتين أو الصلاة، أو كانت فعلا كالسجود لصنم أو الذبح لغير الله، فهي شرط في صحة الإيمان، وما كان ذنبا دون الكفر فشرط كمال. وإنما أوردت كلامه هنا لحُكمه بالكفر على من فعل فعلا يدل على كفره كالسجود لصنم دون أن يقيده بالاعتقاد. على أن هذه العبارة فيها نظر أيضا، فالسجود لصنم كفر بمجرده وليس فعلا يدل على الكفر) (٢).\nوقد أثنى الشيخ على الكتاب وقال: (فألفيتها رسالة قيمة مفيدة يحسن طبعها ونشرها ليستفيد منها المسلمون).\nالخامس: أن الشيخ قرظ كتاب (درء الفتنة عن أهل السنة) للشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد حفظه الله، وقد جاء في الكتاب: (وإياك ثم إياك- أيها المسلم- أن تغتر بما فاه به بعض الناس من التهوين بواحد من هذه الأسس الخمسة لحقيقة الإيمان، لا سيما ما تلقفوه عن الجهمية وغلاة المرجئة من أن العمل كمالي في حقيقة الإيمان ليس ركنا فيه، وهذا إعراض عن المحكم من كتاب الله تعالى في نحو ستين موضعا، مثل قول الله تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:٤٣]، ونحوها في السنة كثير، وخرق لإجماع الصحابة ومن تبعهم بإحسان) (٣).\nوالأسس الخمسة المشار إليها هي أن الإيمان: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.\nقال الشيخ ابن باز في تقريظه: (أما بعد: فقد اطلعت على هذه الرسالة الموسومة بـ (درء الفتنة عن أهل السنة) من مؤلفات أخينا العلامة الدكتور بكر بن عبدالله أبو زيد، فألفيتها رسالة قيمة مفيدة جديرة بالنشر والتوزيع. جزى الله مؤلفها خيرا وضاعف مثوبته ونصر به الحق، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه) (٤).\nالسادس: أن الشيخ يرى كفر من ترك عمل الجوارح بالكلية، وهذا يعلم من: تصريحه بكفر تارك الصلاة، فتارك الصلاة وما معها من أعمال الجوارح لا شك في كفره عند الشيخ، من باب أولى.\nوليست المسألة راجعة إلى قضية الصلاة، حتى يدعى الخلاف فيها، بناء على الخلاف المشهور في حكم تارك الصلاة، بل جميع أهل السنة يرون ركنية العمل وضرورة وجوده ليصح الإيمان، سواء قالوا بكفر تارك الصلاة أو نازعوا في ذلك. يوضحه الوجه:\n_________\n(١) «التنبيهات على المخالفات العقدية في فتح الباري» (ص٢٨).\n(٢) «التوسط والاقتصاد» (ص: ٧١).\n(٣) «درء الفتنة عن أهل السنة» (ص: ٣٤).\n(٤) «درء الفتنة عن أهل السنة» (ص: ١١).","vol":"7","page":154},{"text":"السابع: أن الشيخ أجاب أحد طلابه بجوابٍ فصلٍ في هذه المسألة، مبينًا الفرق بين ترك آحاد الأعمال، وتركِ العمل جملة، وأن أهل السنة متفقون على أن جنس العمل لابد منه لصحة الإيمان.\nقال الأخ عبد العزيز بن فيصل الراجحي حفظه الله: (وقد سألت شيخنا الإمام ابن باز عام (١٤١٥هـ) وكنا في أحد دروسه عن الأعمال: أهي شرط صحة للإيمان، أم شرط كمال؟\nفقال: من الأعمال شرط صحة للإيمان لا يصح الإيمان إلا بها كالصلاة، فمن تركها فقد كفر. ومنها ما هو شرط كمال يصح الإيمان بدونها، مع عصيان تاركها وإثمه (١).\nفقلت له: من لم يكفر تارك الصلاة من السلف، أيكون العمل عنده شرط كمال؟ أم شرط صحة؟\nفقال: لا، بل العمل عند الجميع شرط صحة، إلا أنهم اختلفوا فيما يصح الإيمان به منه؛ فقالت جماعة: إنه الصلاة، وعليه إجماع الصحابة كما حكاه عبدالله بن شقيق. وقال آخرون بغيرها. إلا أن جنس العمل لابد منه لصحة الإيمان عند السلف جميعًا. لهذا الإيمان عندهم: قول وعمل واعتقاد، لا يصح إلا بها مجتمعة) (٢).\nالثامن: أن الشيخ ابن باز سئل ما نصه: من شهد أن لا إله إلا الله واعتقد بقلبه ولكن ترك جميع الأعمال، هل يكون مسلمًا؟\nفأجاب: (لا، ما يكون مسلمًا حتى يوحد الله بعمله، يوحد الله بخوفه ورجاءه، ومحبته، والصلاة، ويؤمن أن الله أوجب كذا وحرم كذا. ولا يتصور، ما يتصوّر أن الإنسان المسلم يؤمن بالله يترك جميع الأعمال، هذا التقدير لا أساس له. لا يمكن يتصور أن يقع من أحد. نعم؛ لأن الإيمان يحفزه إلى العمل. الإيمان الصادق) (٣).\nتعليق: مع وضوح كلام الشيخ وكثرته في بيان هذه المسألة، إلا أن المخالف أعرض عنه، وتمسك بكلامه في حكاية خلاف أهل السنة في حكم تارك الصلاة، أو تارك المباني الأربعة، وهذا خارج عن محل النزاع، فكلامنا في ترك العمل الظاهر بالكلية، لا في ترك بعض الأعمال.\nومن ذلك استشهادهم بحوار أجرته مجلة الفرقان مع الشيخ، جاء فيه: (س: العلماء الذين قالوا بعدم كفر من ترك أعمال الجوارح مع تلفظه بالشهادتين ووجود أصل الإيمان القلبي هل هم من المرجئة؟\nفقال الشيخ: هذا من أهل السنة والجماعة، فمن ترك الصيام أو الزكاة أو الحج لا شك أن ذلك كبيرة عند العلماء، ولكن على الصواب لا يكفر كفرًا أكبر، أما تارك الصلاة، فالأرجح أنه كافر كفرًا أكبر إذا تعمد تركها، وأما تارك الزكاة والصيام والحج فإنه كفر دون كفر.\nالسائل: أعمال الجوارح هل هي شرط كمال أم شرط صحة الإيمان؟\nالشيخ: إن أعمال الجوارح كالصوم هي من كمال الإيمان والصدقة والزكاة من كمال الإيمان وتركها ضعف في الإيمان، أما الصلاة فالصواب أن تركها كفر، فالإنسان عندما يأتي بالأعمال الصالحة فإن ذلك من كمال الإيمان) انتهى.\nقلت: هذا أعلى ما استشهدوا به من كلام الشيخ ﵀ في هذه المسألة، ولا معارضة بينه وبين ما نقلته عنه، فكلامه هنا عن ترك آحاد العمل، كالصيام أو الزكاة أو الحج، أو الصلاة، والخلاف فيها معتبر بين أهل السنة، ولم يتحدث الشيخ عن ترك جميع العمل، وإن كان السائل أراد هذا، لكن لا يخفى أن عبارة: (ترك أعمال الجوارح) تحتمل الترك الكلي، وتحتمل ترك البعض، والشيخ على كل تقدير، أجاب عن ترك البعض.\n_________\n(١) علق الشيخ صالح الفوزان حفظه الله على هذا الموضع قائلًا: (لكن جنس العمل هو من حقيقة الإيمان، وليس شرطًا فقط) انظر هامش: «أقوال ذوي العرفان» (ص١٤٦).\n(٢) نقلًا عن جريدة الرياض، عدد (١٢٥٠٦) بتاريخ ١٣/ ٧/١٤٢٣هـ، وسيأتي الجواب عن الشبهة وهي قولهم: إن المسألة راجعة إلى الخلاف في تكفير تارك الصلاة.\n(٣) أشرطة «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد»، إصدار تسجيلات البردين الشريط رقم (٢) الوجه الثاني.","vol":"7","page":155},{"text":"وأما ما نقلته عنه فهو صريح في الترك الكلي، وفي الحكم على القول المخالف بأنه قول المرجئة، فلا يَترك هذا، ويتمسك بما هو خارج عن محل النزاع، من يريد الحق وينشده، والموفق من وفقه الله.\n٢١ - الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ت: ١٤٢٠هـ\nقال: (إن الإيمان بدون عمل لا يفيد؛ فالله حينما يذكر الإيمان يذكره مقرونًا بالعمل الصالح؛ لأننا لا نتصور إيمانًا بدون عمل صالح، إلا أن نتخيله خيالا؛ آمن من هنا، قال: أشهد ألا إله إلا الله ومحمد رسول الله، ومات من هنا. هذا نستطيع أن نتصوره، لكن إنسان يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ ويعيش دهره مما شاء الله ولا يعمل صالحًا؛ فعدم عمله الصالح هو دليل أنه يقولها بلسانه، ولم يدخل الإيمان إلى قلبه؛ فذكر الأعمال الصالحة بعد الإيمان ليدل على أن الإيمان النافع هو الذي يكون مقرونًا بالعمل الصالح) (١).\n٢٢ - الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، ت: ١٤٢١هـ\nوكلامه في هذه المسألة مستفيض، ومذهبه واضح بيّن، لا يشتبه على من قرأ كلامه، وقد سقت منه اثني عشر موضعا:\n(١) قال في شرح (كشف الشبهات): (ختم المؤلف هذه الشبهات بمسألة عظيمة هي: أنها لابد أن يكون الإنسان موحدا بقلبه، وقوله، وعمله، فإن كان موحدا بقلبه، ولكنه لم يوحد بقوله أو بعمله (٢) فإنه غير صادق في دعواه؛ لأن توحيد القلب يتبعه توحيد القول والعمل؛ لقول النبي ﷺ: «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ» (٣)، فإذا وحد الله كما زعم بقلبه ولكنه لم يوحده بقوله أو فعله؛ فإنه من جنس فرعون الذي كان مستيقنًا بالحق عالمًا، لكنه أصر وعاند وبقي على ما كان عليه من دعوى الربوبية) (٤).\nوسئل: عفا الله عنك يا شيخ، ورد عن بعض السلف في حديث أنه من شهد بالتوحيد دخل الجنة أنه منسوخ بأحاديث الفرائض، فهل هذا قول صحيح؟\nفأجاب: (الصحيح أنه لا نسخ بهذا، ولكن ليكن معلوما أن من شهد بالتوحيد مخلصا، فلا يمكن أن يدع الفرائض؛ لأن إخلاصه يحمله على أن يفعل. كيف تشهد ألا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، وكيف تقول: أنا أريد بذلك وجه الله، ثم لا تعمل العمل الذي يوصلك إلى الله؟! فهذا لا يمكن، ولهذا كان من حافظ على ترك الصلاة ولم يصل أبدا كافر، فلو قال: أشهد ألا إله إلا الله وأومن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولكن لا أصلي، نقول: أنت كافر، لا فرق بينك وبين الذي يسجد للصنم؛ ولهذا جاء في رواية مسلم من حديث جابر: «بَيْن الرَّجل وَبَيْن الكُفر وَالشِّرْكِ ترْكُ الصَّلاةِ») (٥).\n_________\n(١) من «شرح الأدب المفرد» الشريط السادس، الوجه الأول. وما ورد عن الشيخ من أن العمل شرط كمال، يمكن حمله على آحاد الأعمال، كما هو أحد الأوجه في الجواب على ما نسبه الحافظ ابن حجر إلى السلف.\n(٢) انظر كيف سوّى الشيخ ﵀ بين القول والعمل، فجعل من وحد بقلبه ولم يوحد بعمله، كمن وحد بقلبه ولم يوحد بقوله، ثم جعل القول والعمل تابعين لتوحيد القلب، مصدّقين له.\n(٣) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩).\n(٤) «شرح كشف الشبهات»، ضمن «مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين» (٧/ ١٠٠).\n(٥) لقاءات الباب المفتوح (٢/ ٤٧٠)، سؤال رقم (١١٢٤).","vol":"7","page":156},{"text":"(٣) وقال في شرح حديث عتبان بن مالك ﵁: «فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» (١): (قوله: «مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ» أي بشرط الإخلاص، بدليل قوله: «يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» أي: يطلب وجه الله، ومن طلب وجها، فلابد أن يعمل كل ما في وسعه للوصول إليه؛ لأن مبتغي الشيء يسعى في الوصول إليه، وعليه فلا نحتاج إلى قول الزهري بعد أن ساق الحديث، كما في (صحيح مسلم) حيث قال: ثم وجبت بعد ذلك أمور، وحرمت أمور؛ فلا يغتر مغتر بهذا. فالحديث واضح الدلالة على شرطية العمل لمن قال لا إله إلا الله، حيث قال: «يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ»، ولهذا قال بعض السلف عند قول النبي ﷺ: «مفتاح الجنة لا إله إلا الله» (٢): لكن من أتى بمفتاح لا أسنان له لا يفتح له) (٣).\n(٤) وقال: (وترك الصلاة كفر مخرج عن الملة إذا تركها الإنسان ولم يصل، لأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وقد حكى بعض أهل العلم إجماع الصحابة على ذلك، ولا شك أن الذي لا يصلي ليس في قلبه إيمان؛ لأن الإيمان مقتضٍ لفعل الطاعة، وأعظم الطاعات البدنية الصلاة، فإذا تركها فهو دليل أنه ليس في قلبه إيمان، وإن ادعى أنه مؤمن، فإن من كان مؤمنًا فإنه بمقتضى هذا الإيمان يكون قائمًا بهذه الصلاة العظيمة) (٤).\n(٥) وسئل ﵀: عن قول النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: شَفَعَتْ الْمَلائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلا أَرْحَمُ الراحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ» رواه مسلم (٥)، ما معنى قوله: «لم يعملوا خيرا قط»؟\nفأجاب: (معنى قوله: «لم يعملوا خيرا قط» أنهم ما عملوا أعمالا صالحة، لكن الإيمان قد وقر في قلوبهم، فإما أن يكون هؤلاء قد ماتوا قبل التمكن من العمل، آمنوا ثم ماتوا قبل أن يتمكنوا من العمل، وحينئذ يصدق عليهم أنهم لم يعملوا خيرا قط.\nوإما أن يكون هذا الحديث مقيدًا بمثل الأحاديث الدالة على أن بعض الأعمال الصالحة تركها كفر كالصلاة مثلا، فإن من لم يصل فهو كافر ولو زعم أنه مؤمن بالله ورسوله، والكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة وهو خالد مخلد في النار أبد الآبدين والعياذ بالله. فالمهم أن هذا الحديث إما أن يكون في قوم آمنوا ولم يتمكنوا من العمل فماتوا فور إيمانهم، فما عملوا خيرا قط.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣).\n(٢) عزاه الحافظ في «الفتح» (٣/ ١٠٩) إلى ابن اسحاق في «السيرة» أن النبي ﷺ لما أرسل العلاء بن الحضرمي قال له: «إذا سئلت عن مفتاح الجنة فقل مفتاحها لا إله إلا الله\". قال الحافظ: وروي عن معاذ بن جبل مرفوعا نحوه، رواه البيهقي في «الشعب»، وزاد: \"ولكن مفتاح بلا أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك». وقال البخاري في (صحيحه): (باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك). قال الحافظ: وأما أثر وهب فوصله المصنف في «التاريخ» وأبو نعيم في «الحلية».\n(٣) «القول المفيد شرح كتاب التوحيد» (١/ ٧٤).\n(٤) «مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين» (١٢/ ٣٩).\n(٥) رواه مسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"7","page":157},{"text":"وإما أن يكون هذا عاما ولكنه يستثنى منه ما دلت النصوص الشرعية على أنه لا بد أن يعمل كالصلاة، فمن لم يصل فهو كافر لا تنفعه الشفاعة ولا يخرج من النار) (١).\n(٦) وسئل: كيف التوفيق بين قوله ﷺ في أقوام يدخلون الجنة ولم يسجدوا لله سجدة، والأحاديث التي جاءت بكفر تارك الصلاة؟\nفأجاب: (يحمل قوله ﷺ: إنهم يدخلون الجنة ولم يسجدوا لله سجدة على أناس يجهلون وجوب الصلاة، كما لو كانوا في بلاد بعيدة عن الإسلام، أو في بادية لا تسمع عن الصلاة شيئا. ويحمل أيضا على من ماتوا فور إسلامهم دون أن يسجدوا لله سجدة.\nوإنما قلنا ذلك لأن هذا الحديث الذي ذكرت من الأحاديث المتشابهة، وأحاديث كفر تارك الصلاة من الأحاديث المحكمة البينة، والواجب على المؤمن في الاستدلال بالقرآن أو السنة أن يحمل المتشابه على المحكم. واتباع المتشابه واطّراح المحكم طريقة من في قلوبهم زيغ والعياذ بالله، كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَما الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٧]) (٢).\n(٧) وسئل: استدل بعض العلماء على عدم كفر تارك الصلاة بحديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه البخاري ومسلم ... فما قولكم حفظكم الله تعالى؟\nفأجاب بقوله: (حديث الشفاعة الذي استدل به من لا يرى كفر تارك الصلاة عام مخصوص بلا ريب، فإنه مخصوص بمن قال لا إله إلا الله وأتى مكفرًا، مثل أن يقول: لا إله إلا الله وهو ينكر تحريم الربا، أو فرضية الصلاة ونحو ذلك، لم يخرج من النار بشفاعة ولا غيرها، فكذلك من قال: لا إله إلا الله، وترك الصلاة، فإنه لا يخرج من النار بشفاعة ولا غيرها، لأنه كافر، فأي فرق بين من كفر بجحد فرضية الصلاة مع نطقه بالشهادة، ومن كفر بترك الصلاة مع نطقه بالشهادة؟!! فكما أن الأول لا يدخل في الحديث فكذلك الثاني.\nوأيضًا فإن قوله: «لم يعمل خيرًا قط» عام يدخل فيه من لم يصل؛ لأن الصلاة من الخير، ولكن هذا العموم خُصَّ بالأدلة الدالة على كفر تارك الصلاة، فيخرج تارك الصلاة من عمومه، كما هو الشأن في العمومات المخصوصة) (٣).\n(٨) وسئل ﵀: يوجد قِبَلنا من يقول: الإيمان اعتقاد بالقلب، وتلفظ باللسان، وأصل عمل القلوب (٤)\nفقال - وهو غاضب-: (أعوذ بالله، هذا قول المرجئة، وهو مذهب قديم معروف) (٥).\n(٩) وسئل: نرجو توضيح كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، فالعمل يصدِّق أن في القلب إيمانا، وإذا لم يكن عمل كذّب أن في القلب إيمانا؛ لان ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم.\n_________\n(١) «مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين» (٢/ ٢).\n(٢) لقاءات الباب المفتوح (٣/ ١٦٩) سؤال رقم (١٢٥٨)\n(٣) «مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين» (١٢/ ٧١) وما بعدها.\n(٤) مما يؤسف له أن هذه المقالة الفاسدة راجت على بعض طلبة العلم، حتى ظنوا أن قول السلف: الإيمان قول وعمل، يعنون به الإيمان الكامل، وأما أصل الإيمان المخرج من الكفر فلا يشترط فيه شيء من عمل الجوارح، وهذا لا شك في بطلانه من وجوه، منها: أنه مخالف لإجماع السلف الذين قرروا أنه لا يجزئ التصديق والقول من دون عمل الجوراح. ومنها: أن هذا نفي للتلازم بين الظاهر والباطن، وتصورٌ لوجود عمل القلب مع تصديقه، دون أن يظهر موجب ذلك ولازمه على الجوارح.\n(٥) «تنبيه الإخوان إلى حقيقة الإيمان» للأخ علي بن عبد العزيز موسى (ص٦٩).","vol":"7","page":158},{"text":"فأجاب: (كلام الشيخ ظاهر، وهو مروي عن الحسن البصري (أن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال)، وهذا معلوم من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْب» (١)، فمعلوم أن القلب إذا كان فيه إيمان، فلا بد أن تظهر مقتضياته على الجوارح) (٢).\n(١٠) وسئل: شخص قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه مصدقًا بقلبه مستسلمًا منقادًا لكنه لم يعمل بجوارحه خيرًا قط مع إمكان العمل هل هو داخل في المشيئة أم كافر؟\nفأجاب: أقول والحمد لله رب العالمين: (إذا كان لا يصلي فهو كافر، ولو قال لا إله إلا الله. لو كان صادقًا بقول لا إله إلا الله مخلصًا بها والله لن يترك الصلاة، لأن الصلاة صلة بين الإنسان وبين الله فقد جاء في الأدلة من القرآن والسنة والنظر الصحيح وإجماع الصحابة كما حكاه غير واحد على أن تارك الصلاة كافر مخلد في نار جهنم وليس داخلًا تحت المشيئة.\nونحن إذا قلنا بذلك لم نقله عن فراغ ونحن إذا قلنا بذلك فإنما قلناه لأنه من مدلولات كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأقوال الصحابة التي حُكي إجماعهم عليها. قال عبدالله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. ونقل إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة الحافظ ابن راهويه وهو إمام مشهور.\nأما سائر الأعمال إذا تركها الإنسان كان تحت المشيئة يعني لو لم يزك مثلًا فهذا تحت المشيئة؛ لأن النبي ﷺ لما ذكر عقوبة مانع الزكاة قال: «ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِما إِلَى الْجَنَّةِ وَإِما إِلَى النارِ» (٣) ومعلوم أنه لو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة. والصيام والحج كذلك من تركها لم يكفر، وهو تحت المشيئة ولكنه يكون أفسق عباد الله) (٤).\nقلت: تأمل قوله: (لو كان صادقًا بقول لا إله إلا الله مخلصًا بها والله لن يترك الصلاة) ففيه تقرير للتلازم بين الظاهر والباطن، ورد على من توهم حصول الإيمان في القلب مع تخلف العمل الظاهر جملة. ولهذا لما استقر هذا الوهم صاروا يفترضون مسائل لا يمكن وقوعها، كقولهم هنا: شخص قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه مصدقًا بقلبه مستسلمًا منقادًا لكنه لم يعمل بجوارحه خيرًا قط مع إمكان العمل! ومعلوم أن القلب لو استسلم وانقاد، لانقادت الجوارح ولابد، فمن جهة عدم إدراك التلازم بين الظاهر والباطن، غلط غالطون، كما قال شيخ الإسلام.\n(١١) وسئل: كيف نفهم حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم وفيه: «فَيُخْرِجُ اللَّهُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ» (٥)؟\nفأجاب: (نفهم هذا أنه عام وأن أدلة كفر تارك الصلاة خاصة، ومعلوم عند العلماء أن العام لا يخصص (٦) بخاص، لأن هذا الحديث لم يقل: لم يصل، حتى نقول: إنه معارض للنصوص الدالة على كفر تارك الصلاة، بل قال: «لم يعمل خيرا قط» فلم ينص على الصلاة بل عمم، ونصوص كفر تارك الصلاة خاصة فتخص بما خصصت به) (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩).\n(٢) الأسئلة القطرية، لقاء هاتفي، نظمته إدارة الدعوة بوزارة الأوقاف القطرية.\n(٣) رواه مسلم (٩٨٧).\n(٤) الأسئلة القطرية.\n(٥) رواه مسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٦) لعله: لا يعارَض، أو أن (لا) زائدة.\n(٧) الأسئلة القطرية.","vol":"7","page":159},{"text":"(١٢) وسئل: يقول البعض: إذا ترك عمل الجوارح بالكلية خرج من الإيمان ولكن لا يقتضي عدم انتفاعه بأصل الإيمان والشهادتين، بل ينتفع بهما، كمن أراد الحج ولم يشهد عرفة وهو ركن فإنه ينتفع بالأركان الأخرى، (١) فما قول فضيلتكم في ذلك؟\nفأجاب: (نقول هذا ليس بصواب، إنه لن ينتفع بإيمانه مع ترك الصلاة التي دلت النصوص على كفر تاركها، وكذلك لو ترك الوقوف بعرفة، ما صح حجه كما دل على ذلك سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما من أدرك عرفة قبل الفجر يوم النحر فقد أدرك، ومن لا فلا، حتى لو جاء بعد ذلك بالرمي والمبيت في منى والطواف والسعي لم يكن حج) (٢).\nتعليق:\nالمتأمل في كلام الشيخ يرى أنه يسير على منوال واحد، هو تقرير أن عمل الجوارح من الإيمان، وأن تاركه بالكلية كافر، وأنه لو وجد إيمان القلب فلابد أن يظهر مقتضاه على الجوارح، وأن حديث: «لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ» - وهو أقوى دليل للقائلين بإسلام تارك العمل الظاهر- حديث عام، مخصص بأدلة تكفير تارك الصلاة، أو محمول على حالة من لم يتمكن من العمل.\nوبهذا يتضح جليا أنه لا خلاف بين الشيخ وبين أهل العلم الذين حذروا من الكتب الداعية للإرجاء في هذا العصر. غاية الأمر أن الشيخ أعرض عن تعبير: (جنس العمل) وقال حين سئل: (تارك جنس العمل كافر. تارك آحاد العمل ليس بكافر، ما رأيكم في ذلك؟) قال: (من قال هذه القاعدة؟! من قائلها؟! هل قالها محمد رسول الله؟! كلام لا معنى له. نقول: من كفره الله ورسوله فهو كافر، ومن لم يكفره الله ورسوله فليس بكافر هذا الصواب. أما جنس العمل أو نوع العمل أو آحاد العمل فهذا كله طنطنة لا فائدة منها) (٣).\nوهذا إعراض عن المصطلح، مع الموافقة على المضمون كما سبق، وهو اجتهاد من الشيخ لفض النزاع وتقليل الخلاف، فإنه قد دعي في هذا اللقاء ليحسم هذه المسألة، وأُخبر أن الخلاف دائر حولها، فرأى المصلحة في صرف المتنازعين عن الألفاظ المجملة، والاعتماد على المناطات الواضحة التي يمكن الركون إليها، فتارك العمل بالكلية، يحكم بكفره لأنه تارك للصلاة، وهذا مجمع عليه بين الصحابة كما أكد الشيخ، فلا مجال للخروج عن إجماعهم، مع تقرير أنه لا يمكن أن يوجد الإيمان في القلب مع ترك عمل الجوارح.\nوأيضا: فإن السؤال الذي عُرض على الشيخ، ينم عن جهل، وفتنة بالمصطلح، فقول السائل: (تارك جنس العمل كافر)، يقال فيه: عمل ماذا؟! عمل القلب أم عمل الجوارح أم كلاهما؟! وقوله: (تارك آحاد العمل ليس بكافر)، يقال فيه: أي عمل تريد؟ الصلاة؟ أم الزكاة؟ أم بر الوالدين؟ أم عمل القلب كالخوف والمحبة؟\nفلا شك أن هذا السؤال طنطنة، بل عيّ وجهل.\nولله دره، فقد حدث بعده أن اختلف المختلفون في المراد بجنس العمل، فمنهم من قال: المراد به ترك العمل الظاهر كله، ومنهم من قال: بل المراد ترك جنس كل عمل، أي ترك جنس الصلاة، وجنس الزكاة، وجنس بر الوالدين! ولا أحسب سنيا يقول هذا، لكنه من تشنيع المخالف على المخالف.\nعلى أنه قد ورد التعبير بـ (جنس العمل) و(جنس التصديق) في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، لكنه محفوف بسياق وسباق يزيل عنه اللبس، وقد قدمت في أول هذه المسألة أني أعرضت عن استعمال هذا المصطلح، وآثرت التعبير بما لا لبس فيه، من نحو قولنا: تارك عمل الجوارح كلِّه، أو بالكلية.\n٢٣ - الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد، ﵀:\nقال في كتابه: (درء الفتنة عن أهل السنة): (وإياك ثم إياك- أيها المسلم- أن تغتر بما فاه به بعض الناس من التهوين بواحد من هذه الأسس الخمسة لحقيقة الإيمان، لا سيما ما تلقفوه عن الجهمية وغلاة المرجئة من أن العمل كمالي في حقيقة الإيمان ليس ركنا فيه، وهذا إعراض عن المحكم من كتاب الله تعالى في نحو ستين موضعا، مثل قول الله تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف: ٤٣]، ونحوها في السنة كثير، وخرق لإجماع الصحابة ومن تبعهم بإحسان) (٤).\nوالأسس الخمسة المشار إليها هي أن الإيمان: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.\nوشارك الشيخ حفظه الله مع اللجنة الدائمة في التحذير من الكتب الداعية إلى الإرجاء، والزاعمة بأن العمل شرط كمال، وأن تاركه بالكلية مسلم. الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - بتصرف - ٢/ ١\n_________\n(١) هذه الشبهة أو التأصيل الباطل، مما أورده صاحب كتاب: «حقيقة الإيمان بين غلو الخوارج وتفريط المرجئة»، وقد حذرت منه اللجنة الدائمة، انظر نص بيان اللجنة في الملحق رقم (٣).\n(٢) الأسئلة القطرية.\n(٣) الأسئلة القطرية.\n(٤) «درء الفتنة عن أهل السنة» (ص٣٤).","vol":"7","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1949>المطلب الأول: التعريف اللغوي</span>\nالصاد والحاء والباء أصل واحد يدل على مقارنة شيء ومقاربته، ومن ذلك الصاحب، والجمع: الصحب؛ ومن الباب: أصحب فلان: إذا انقاد، وكل شيء لائم شيئًا فقد استصحبه (١).\nويقال صحبه يصحبه صحبة بالضم، وصحابة بالفتح، وصاحبه:\nعاشره، والصاحب: المعاشر، والجمع: أصحاب، والصحابة بالفتح: الأصحاب (٢)؛ ويقال: استصحبه: أي دعاه إلى الصحبة ولازمه (٣)؛ وأصحب البعير والدابة: أي: انقادا، وأصحبت الناقة: أي: انقادت واسترسلت وتبعت صاحبها (٤).\n(ولا خلاف بين أهل اللغة في أن القول (صحابي) مشتق من الصحبة، وأنه ليس مشتقًا من قدر منها مخصوص، بل هو جار على من صحب غيره قليلًا أو كثيرًا، كما أن القول: مكلم، ومخاطب، وضارب مشتق من المكالمة، والمخاطبة، والضرب، وجار على كل من وقع منه ذلك قليلًا أو كثيرًا؛ وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال، وكذلك يقال: صحبت فلانًا حولًا ودهرًا وسنةً وشهرًا ويومًا وساعةً، فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيره، وذلك يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي ﷺ ولو ساعة من نهار، هذا هو الأصل في اشتقاق الاسم) (٥).\nوهذا يعني أن الصحبة في اللغة لا يشترط في إطلاقها أن تكون الملازمة بين الشيئين طويلة، بل يصح إطلاقها على كل من صحب غيره مهما كان مقدار الصحبة، لذلك قال السخاوي: (الصحابي لغة: يقع على من صحب أقل ما يطلق عليه اسم صحبة فضلًا عمن طالت صحبته وكثرت مجالسته) (٦). عدالة الصحابة ﵃ عند المسلمين لمحمد محمود لطيف الفهداوي – ص: ٢٣\n_________\n(١) ينظر: «مقاييس اللغة» لابن فارس، (مادة صحب) (٣/ ٣٣٥)، «مختار الصحاح» للرازي (مادة صحب) (ص: ٣٥٦).\n(٢) ينظر: «لسان العرب» لابن منظور (مادة صحب) (١/ ٥١٩).\n(٣) ترتيب «القاموس المحيط» للطاهر الزاوي (٢/ ٧٩٨).\n(٤) ينظر: «لسان العرب» (مادة صحب) (١/ ٥٢١)، «النهاية» لابن الأثير (٣/ ١١).\n(٥) «الكفاية» للخطيب (ص: ١٠٠)، وينظر: «فتح المغيث» للسخاوي (٣/ ٧٩ - ٨٠).\n(٦) «فتح المغيث» للسخاوي (٣/ ٧٩).","vol":"7","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1950>المطلب الثاني: التعريف الاصطلاحي</span>\nقال ابن حجر: وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام؛ فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى.\nويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافرًا ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى. وقولنا: (به) يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة. وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث أو لا يدخل؟ محل احتمال. ومن هؤلاء بحيرا الراهب ونظراؤه.\nويدخل في قولنا: (مؤمنًا به) كل مكلف من الجن والإنس؛ فحينئذ يتعين ذكر من حفظ ذكره من الجن الذين آمنوا به بالشرط المذكور، وأما إنكار ابن الأثير على أبي موسى تخريجه لبعض الجن الذين عرفوا في كتاب الصحابة (١) فليس بمنكر لما ذكرته. وقد قال ابن حزم في كتاب الأقضية من (المحلى): من ادعى الإجماع فقد كذب على الأمة؛ فإن الله تعالى قد أعلمنا أن نفرا من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبي ﷺ؛ فهم صحابة فضلاء؛ فمن أين للمدعي إجماع أولئك؟ (٢) وهذا الذي ذكره في مسألة الإجماع لا نوافقه عليه؛ وإنما أردت نقل كلامه في كونهم صحابة. وهل تدخل الملائكة؟ محل نظر؛ قد قال بعضهم: إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثا إليهم أو لا؟ وقد نقل الإمام فخر الدين في\n(أسرار التنزيل) الإجماع على أنه ﷺ لم يكن مرسلا إلى الملائكة. ونوزع في هذا النقل؛ بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلًا إليهم. واحتج بأشياء يطول شرحها. وفي صحة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى.\n_________\n(١) [١١٠٤٢]» انظر: «أسد الغابة» (٢/ ٣١٧ - ٣١٨).\n(٢) [١١٠٤٣]» انظر: «المحلى» (٩/ ٣٦٥).","vol":"7","page":162},{"text":"وخرج بقولنا: (ومات على الإسلام) من لقيه مؤمنا به ثم ارتد، ومات على ردته والعياذ بالله. وقد وجد من ذلك عدد يسير؛ كعبيد الله بن جحش الذي كان زوج أم حبيبة؛ فإنه أسلم معها، وهاجر إلى الحبشة، فتنصر هو ومات على نصرانيته (١). وكعبد الله بن خطل الذي قتل وهو متعلق بأستار الكعبة (٢)، وكربيعة بن أمية بن خلف (٣) على ما سأشرح خبره في ترجمته في القسم الرابع من حرف الراء. ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به ﷺ مرة أخرى أم لا؛ وهذا هو الصحيح المعتمد. والشق الأول لا خلاف في دخوله وأبدى بعضهم في الشق الثاني احتمالا؛ وهو مردود لإطباق أهل الحديث على عد الأشعث بن قيس في الصحابة، وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد؛ وهو ممن ارتد ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر (٤). وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين؛ كالبخاري، وشيخه أحمد بن حنبل، ومن تبعهما؛ ووراء ذلك أقوال أخرى شاذة: كقول من قال: لا يعد صحابيا إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة: من طالت مجالسته، أو حفظت روايته، أو ضبط أنه غزا معه، أو استشهد بين يديه؛ وكذا من اشترط في صحة الصحبة بلوغ الحلم، أو المجالسة ولو قصرت. وأطلق جماعة أن من رأى النبي ﷺ فهو صحابي. وهو محمول على من بلغ سن التمييز؛ إذ من لم يميز لا تصح نسبة الرؤية إليه. نعم يصدق إن النبي ﷺ رآه فيكون صحابيا من هذه الحيثية، ومن حيث الرواية يكون تابعيا؛ وهل يدخل من رآه ميتا قبل أن يدفن كما وقع ذلك لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر؟ (٥) إن صح محل نظر. والراجح عدم الدخول. الإصابة في معرفة الصحابة ١/ ٧\n_________\n(١) [١١٠٤٤]» الحديث رواه أبو داود (٢١٠٧)، وأحمد (٦/ ٤٢٧) (٢٧٤٤٨)، والحاكم (٢/ ١٩٨). بلفظ: (عن عروة عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشى النبى -ﷺ- وأمهرها عنه أربعة آلاف وبعث بها إلى رسول الله -ﷺ- مع شرحبيل ابن حسنة). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، واحتج به ابن حزم في «المحلى» (٨/ ٢٤٤)، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٦١٦) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٢) [١١٠٤٥]» الحديث رواه البخاري (١٨٤٦)، ومسلم (١٣٥٧). بلفظ: (أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه) من حديث أنس ﵁.\n(٣) [١١٠٤٦]» انظر: «تعجيل المنفعة» (ص: ٣٠٩)، «أسد الغابة» (٢٠/ ٢٠٩)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ١٧٨)، «طبقات ابن سعد» (٣/ ٢٨٢)، (٨/ ٢٦٦)، (٩/ ٦٧)، «البداية والنهاية» (٥/ ١٧١).\n(٤) [١١٠٤٧]» رواه ابن زنجويه في «الأموال» (ص: ٣٦٣)، وابن سلام الهروي في «ص: الأموال» (٢٧٣). بلفظ: ارتد الأشعث بن قيس في أناس من كندة، فحوصر، فأخذ الأمان لسبعين منهم، ولم يأخذ لنفسه، فأتى به أبو بكر، فقال (إنا قاتلوك، لا أمان لك، فقال: تمن علي وأسلم؟ قال: ففعل، فزوجه أخته). من حديث إبراهيم النخعي.\n(٥) [١١٠٤٨]» انظر: «أسد الغابة» (٦/ ١٠٩)، و«الاستيعاب» (٤/ ١٦٤٨).","vol":"7","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1951>المبحث الثاني: طرق إثبات الصحبة</span>\n• النوع الأول: القرآن الكريم.\n• النوع الثاني: الخبر المتواتر.\n• النوع الثالث: الخبر المشهور.\n• النوع الرابع: الخبر الآحاد: ويدخل تحته أربع طرق.","vol":"7","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1953>النوع الأول: القرآن الكريم</span>\nوذلك مثل قوله تعالى: إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ... [التوبة: ٤٠] الآية.\nفهذا النص يثبت صحبة سيدنا أبي بكر الصديق - ﵁ - حيث استقر الإجماع على أن المعني بالصاحب في هذه الآية هو أبو بكر، كما ذكر ذلك الإمام الرازي في تفسيره (١)، ولذلك قال العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر، لإنكاره كلام الله تعالى، وليس ذلك لسائر الصحابة، ذكر ذلك أبو حيان في (البحر المحيط) (٢)، والطوفي في (الإكسير) (٣).\n_________\n(١) «التفسير الكبير» (ص: ١٢٧٤).\n(٢) «البحر المحيط» (٥/ ٣٤).\n(٣) «الإكسير في علم التفسير» (ل ٩٩ أ).","vol":"7","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1954>النوع الثاني: الخبر المتواتر</span>\nوذلك كما في صحبة العشرة المبشرين بالجنة، فقد تواترت الأخبار بثبوت صحبتهم لرسول الله ﷺ.\nوهم الذين ورد ذكرهم في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص، في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة» (١). ومثلهم في ثبوت صحبتهم، كبار أصحاب رسول الله ﷺ من أمثال عبادة بن الصامت، الذي حضر بيعة العقبة الأولى والثانية ﵁.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٤٧)، وأحمد (١/ ١٩٣) (١٦٧٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٥٦) (٨١٩٤)، وابن حبان (١٥/ ٤٦٣) (٧٠٠٢). والحديث حسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٤٣٦) كما أشار لذلك في المقدمة، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ١٣٦)، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"7","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1955>النوع الثالث: الخبر المشهور</span>\nكما في صحبة عكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، فهؤلاء ومن على شاكلتهم، لا يكاد يرتاب مسلم في ثبوت صحبتهم للرسول الكريم ﷺ وتمتعهم بالإيمان به، والأخذ عنه، والاستضاءة بنوره (١).\n_________\n(١) انظر: «دراسات تاريخية» (ص: ٣٩).","vol":"7","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1956>النوع الرابع: الخبر الآحاد: ويدخل تحته أربع طرق</span>\nأ- رواية أحد عن النبي ﷺ بطريق الرؤية أو السماع، مع معاصرته للنبي ﷺ، كأن يقول أحد التابعين: أخبرني فلان أنه سمع النبي ﷺ يقول، أو رأيت النبي ﷺ يفعل كذا، كقول الزهري فيما رواه البخاري في فتح مكة من صحيحه:\nأخبرني سنين أبو جميلة، ونحن مع ابن المسيب قال: (وزعم أبو جميلة أنه أدرك النبي ﷺ وخرج معه عام الفتح) (١).\nفإن ذلك طريق من طرق إثبات صحبة ذلك الراوي، كما يدل على ذلك كلام ابن كثير في كتابه (الباعث الحثيث) حيث قال وهو يبين طرق إثبات الصحبة:\nوتارة بروايته عن النبي ﷺ سماعًا، أو مشاهدة مع المعاصرة (٢)، وكلام السخاوي كما في (فتح المغيث) (٣).\nب- إخبار الصحابي عن نفسه أنه صحابي:\nوقد افترق العلماء إزاء هذا الطريق إلى أربعة مذاهب:\nالمذهب الأول:\nأنه يقبل قوله: إني صحابي مطلقًا من غير شرط، وجرى على ذلك ابن عبد البر فيما نقله عنه السخاوي في (فتح المغيث) حيث قال: (إن ابن عبد البر قد جزم بالقبول من غير شرط، بناء على أن الظاهر سلامته من الجرح، وقوي ذلك بتصرف أئمة الحديث في تخريجهم أحاديث هذا الضرب في مسانيدهم) (٤).\nالمذهب الثاني:\nأنه يقبل قوله بشرطين:\nالأول: أن يكون ذلك بعد ثبوت عدالته.\nالثاني: أن يكون بعد ثبوت معاصرته للنبي ﷺ.\nوممن ذهب إلى ذلك وجزم بقبول قوله: جمهور علماء الأصول والحديث.\nومنهم: ابن النجار حيث قال في (شرح الكوكب المنير):\n(فلو قال معاصر عدل: أنا صحابي، قبل عند أصحابنا والجمهور) (٥).\nوابن اللحام حيث قال في (المختصر):\n(فلو قال معاصر عدل: أنا صحابي، قبل عند الأكثر) (٦).\nوأبو الحسين البصري المعتزلي، كما في كتابه (المعتمد) (٧).\nوالإمام السبكي كما في (جمع الجوامع) (٨).\nوالإمام العراقي كما في (ألفيته) (٩)، والحافظ ابن حجر كما في (الإصابة) (١٠)، والإمام السخاوي كما في (فتح المغيث) (١١)، والإمام ابن الصلاح كما في (مقدمته) (١٢)، والنووي كما في (تقريبه) (١٣)، وزكريا الأنصاري كما في (فتح الباقي) (١٤)، وممن ذهب إلى ذلك الإمام الباقلاني كما نقل ذلك عنه السبكي والشوكاني (١٥)، غير أنه اشترط صحة ثبوت صحبته بقوله إني صحابي أن لا يروى عن غيره ما يعارض صحبته – كما نقل ذلك عنه الشوكاني في (إرشاد الفحول) (١٦).\nوالعلة في صحة قبول إخباره عن نفسه أنه صحابي، لأنه لو أخبر عن النبي ﷺ قبلنا روايته عنه، فلأن نقبل خبره عن نفسه بأنه صحابي من باب أولى.\nوقد أشار إلى هذا التعليل ابن النجار حيث قال:\n(إنه قول ثقة مقبول القول، فقبل في ذلك كروايته) (١٧).\nوالمعاصرة التي اشترطوها في إثبات الصحبة هي:\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٠١).\n(٢) «الباعث الحثيث» (ص: ١٩٠).\n(٣) انظر: «فتح المغيث» (٣/ ١٠٦).\n(٤) انظر: «فتح المغيث» (٣/ ١٠٧).\n(٥) «شرح الكوكب المنير» (٢/ ٤٧٩).\n(٦) «المختصر» (ص: ٨٩).\n(٧) انظر: «المعتمد» (٢/ ٦٦٧).\n(٨) انظر: «جمع الجوامع» (٢/ ١٦٧).\n(٩) انظر: «شرح الألفية» للعراقي (٣/ ١١).\n(١٠) انظر: «الإصابة» (١/ ٨).\n(١١) انظر: «فتح المغيث» (٣/ ١٠٥).\n(١٢) انظر: «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ١٤٦).\n(١٣) انظر: «التقريب» (٢/ ٢١٣).\n(١٤) انظر: «فتح الباقي» (٣/ ١٢).\n(١٥) انظر: «جمع الجوامع» (٢/ ١٦٧)، «إرشاد الفحول» (ص: ٧١).\n(١٦) انظر: «إرشاد الفحول» (ص: ٧١).\n(١٧) «شرح الكوكب المنير» (٢/ ٤٧٩).","vol":"7","page":168},{"text":"المعاصرة الممكنة شرعًا، وإنما تكون المعاصرة للنبي ﷺ ممكنة شرعًا، إذا ادعى الصحبة في حدود مائة وعشر سنين من هجرة النبي ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة - كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في كتابه (الإصابة) (١) -، وذلك لما صح عن النبي ﷺ أنه قال في آخر حياته لأصحابه:\n«أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» (٢).\nوفي حديث جابر ﵁ عند مسلم: أن ذلك كان قبل موته ﷺ بشهر. ولفظه: سمعت النبي ﷺ يقول -قبل أن يموت بشهر-: «تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة» (٣).\nزاد في رواية: «وهي حية يومئذ» (٤).\nومن هنا يتبين:\nأن من ادعى الصحبة، وكانت المعاصرة غير ممكنة، فإنه لا يقبل قوله، ويعتبر في ذلك من الكاذبين.\nوذلك مثل:\nجعفر بن نسطور الرومي، الذي ادعى الصحبة بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة، وسرباتك الهندي، الذي ادعى الصحبة بعد خمسمائة وتسع، ورتن الهندي الذي ادعى الصحبة بعد ستمائة واثنتين وثلاثين سنة من الهجرة، وجبير بن الحارث، الذي ادعى الصحبة بعد سبعمائة وثلاث وخمسين سنة من الهجرة، وغيرهم من الدجالين أمثالهم (٥).\nالمذهب الثالث:\nعدم قبول قوله إني صحابي، وجرى على هذا القول ابن القطان فقد نقل الشوكاني أنه يروى عنه ما يدل على الجزم بعدم القبول فقال:\n(ومن يدع الصحبة لا يقبل منه حتى نعلم صحبته، وإذا علمناها فما رواه فهو على السماع حتى نعلم غيره) (٦).\nوبه قال أبو عبد الله الصيمري من الحنفية – كما ذكره ابن النجار في (شرح الكوكب المنير) (٧).\nوالإمام البلقيني حيث قال في (محاسن الاصطلاح):\n(ولو جاء إنسان إلى تابعي وقال له: رأيت رسول الله ﷺ يفعل كذا، لم يسغ لذلك التابعي أن يروي ذلك الحديث على أنه صحابي بمجرد قوله، ولا أن يقول: حدثني بعض أصحاب رسول الله ﷺ، حتى يظهر أمره في الدين، ومن ادعى تسويغ ذلك فليس بصحيح، ولكن يسوغ أن يقول: قال فلان: رأيت .. إلخ، ولم يظهر لي صحبته) (٨).\nوإلى هذا المذهب مال الطوفي، كما في (البلبل) (٩) و(شرح مختصر الروضة) (١٠).\nوعللوا ذلك:\nأنه متهم بأنه يدعي رتبة عالية يثبتها لنفسه، وهي:\nمنصب الصحابة، والإنسان مجبول على طلبها قصدًا للشرف، وإلى هذا التعليل ذهب الطوفي وابن عبد الشكور وابن نظام الدين وابن الهمام وأمير بادشاه البخاري وابن الحاجب والآمدي (١١).\nوما قاله أصحاب المذهب الثاني من أن قبول قوله في إثبات الصحبة لنفسه يتوقف على ثبوت عدالته، قد رده المانعون بأنه يلزم عليه الدور (١٢).\nوبيان ذلك:\n_________\n(١) انظر: «الإصابة» (١/ ٥٥٠).\n(٢) رواه البخاري (٦٠١)، ومسلم (٢٥٣٧). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) رواه مسلم (٢٥٣٨). من حديث جابر ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٢٥٣٨). من حديث جابر ﵁.\n(٥) انظر: «الإصابة» (١/ ٥٥١)، (٣/ ٢٧٩)، «محاضرات في علوم الحديث» (١/ ١٣٨ - ١٣٩)، «دراسات تاريخية» (ص: ٤٦).\n(٦) «إرشاد الفحول» (ص: ٧١)، وانظر: «فتح المغيث» (٣/ ٩٨).\n(٧) انظر: «شرح الكوكب المنير» (٢/ ٤٧٩).\n(٨) «محاسن الاصطلاح» (ص: ٤٢٧).\n(٩) انظر: «البلبل» (ص: ٦٢).\n(١٠) انظر: «شرح مختصر الروضة» (٢/ ١٣ - ١٤).\n(١١) انظر: «البلبل» (ص: ٦٢)، «شرح مختصر الروضة» (٢/ ١٣)، «مسلم الثبوت ومعه فواتح الرحموت» (٢/ ١٦١)، «تيسير التحرير» (٣/ ٦٧)، «مختصر ابن الحاجب» (٢/ ٦٧ - ٦٨)، «الإحكام» (١/ ٢٧٦).\n(١٢) انظر: «محاضرات في علوم الحديث» (١/ ١٣٨).","vol":"7","page":169},{"text":"أن دعوى الصحبة يتوقف ثبوتها على ثبوت عدالة مدعيها، حيث لا تقبل دعوى الصحبة إلا من عدل، وثبوت عدالة مدعيها تتوقف على ثبوت صحبته، وذلك: أن دعوى الصحبة تشتمل ضمنًا على دعوى العدالة، لما هو معلوم من أن الصحابة كلهم عدول، ولا شك أن توقف ثبوت الصحبة على ثبوت العدالة، وتوقف ثبوت العدالة على ثبوت الصحبة يلزمه الدور (١).\nوعن مسألة الدور هذه، لأصحاب المذهب الثاني أن يجيبوا:\nبأن دعوى الصحبة وإن توقفت على ثبوت عدالة مدعيها، فإن عدالة مدعيها لا تتوقف على ثبوت الصحبة، فقد تثبت عدالة الرجل وإن لم تثبت صحبته، فانفك الدور.\nكما يجاب – أيضًا – عن قولهم: إنه متهم بدعواه رتبة يثبتها لنفسه ... إلخ.\nبما قاله الفراء في (العدة) من أنه لما قبل خبر غيره عنه بأنه صحابي، كذلك يجوز قبول خبره عن نفسه بذلك.\nيبين صحة هذا وتساويهما: أن العدالة معتبرة فيما يخبر غيره عنه، وفيما يخبر هو عن نفسه.\nفإن قيل:\nلا يمتنع أن يقبل قول غيره له، ولا يقبل قوله لنفسه، كما تقبل شهادة غيره له، ولا يقبل إقراره لنفسه، لأنه يجر إلى نفسه منفعة، وهذا موجود ها هنا.\nقيل: هذا لا يمنع خبره لنفسه، ألا ترى أن من روى خبرًا عن النبي ﷺ قبل منه وإن كان نفعه يعود بالمخبر. كذلك قوله: أنا صحابي لا يمنع وإن عاد نفعه إليه، ويفارق هذا الشهادة والدعوة، لأن حصول النفع يمنع قبول ذلك.\nوأيضًا: فإن العقل لا يمنع من قبول خبره بذلك، والسمع لم يرد بالمنع فجاز قوله (٢).\nالمذهب الرابع:\nالتفصيل في ذلك:\nفمن ادعى الصحبة القصيرة قبل منه، لأنها مما يتعذر إثباتها بالنقل، إذ ربما لا يحضره حالة اجتماعه بالنبي ﷺ، أو رؤيته له أحد.\nومن ادعى الصحبة الطويلة، وكثرة التردد في السفر والحضر فلا يقبل منه ذلك، لأن مثل ذلك يشاهد وينقل ويشتهر، فلا تثبت صحبته بقوله كما ذكر ذلك السخاوي في (فتح المغيث) (٣).\nج- قول أحد الصحابة بصحبة آخر:\nوهو إما أن يكون بطريق التصريح، كأن يقول الصحابي: إن فلانًا صحابي، أو من الأصحاب، أو ممن صحب النبي ﷺ.\nوإما أن يكون بطريق اللزوم، كأن يقول: كنت أنا وفلان عند النبي، أو سمع معي هذا الحديث فلان من النبي، أو دخلت أنا وفلان على النبي ﷺ.\nغير أن هذا الطريق الأخير، إنما تثبت فيه الصحبة، إذا عرف إسلام المذكور في تلك الحالة، كما ذكر ذلك السخاوي في (فتح المغيث) (٤).\nوقد مثلوا لثبوت صحبة الصحابي بقول صحابي آخر، بحممة بن أبي حممة الدوسي، الذي مات بأصبهان مبطونًا، فشهد له أبو موسى الأشعري - وهو من الصحابة المشهورين – أنه سمع النبي ﷺ حكم له بالشهادة ذكر ذلك أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) (٥).\nوقد استدرك العراقي على ما ذكره أبو نعيم بقوله:\n(على أنه يجوز أن يكون أبو موسى إنما أراد بذلك شهادة النبي ﷺ لمن قتله بطنه، وفي عمومهم حممة، لا أنه سماه باسمه والله أعلم) (٦).\nوبناء على ما استدركه العراقي لا يصح التمثيل بحممة، إذ ليس في ذكر أبي موسى ما يفيد التصريح بإثبات صحبته للنبي ﷺ فالحديث ليس نصًا، وإنما هو محتمل، وما تطرقه الاحتمال يسقط به الاستدلال.\n_________\n(١) انظر: «محاضرات في علوم الحديث» (١/ ١٣٨).\n(٢) «العدة» (٣/ ٩٩١).\n(٣) انظر: «فتح المغيث» (٣/ ٩٨ - ٩٩).\n(٤) انظر: «فتح المغيث» (٣/ ٩٨ - ٩٩).\n(٥) «ذكر أخبار أصبهان» (١/ ٧١)، وانظر «الإصابة» (١/ ٣٥٥)، «أسد الغابة» (٢/ ٥٨ - ٥٩).\n(٦) «شرح ألفية العراقي» (٣/ ١٢).","vol":"7","page":170},{"text":"إلا أن ما استدركه العراقي من الاحتمال المذكور – كما يقول الدكتور التازي – ﵀ – بعيد، لأن الضمير في له إنما هو لحممة، وليس في لفظ الحديث ما يمكن أن يعود عليه الضمير غيره، وإخبار أبي موسى بأن النبي ﷺ حكم له يستلزم معرفته به، وصحبته له.\nويعلل لقبول قول الصحابي في آخر صحابي: بأن الصحابي عدل، فإذ صح لنا أن نقبل قوله حين يخبر عن رسول الله ﷺ فلأن نقبل قوله حين يخبر أن فلانًا صحابي من باب أولى.\nد- أخبار أحد التابعين الموثقين عند أهل الحديث بأن فلانًا صحابي:\nفهل يقبل قوله وتثبت به صحبة من أخبر عنه، أو لا يقبل قوله، ولا تثبت به صحبة من أخبر عنه؟ اختلف العلماء من المحدثين والأصوليين في ذلك.\nفذهب جماعة منهم إلى قبول قوله، ومنهم الإمام السخاوي حيث قال في (فتح المغيث) وهو يبين طرق إثبات الصحبة:\n(وكذا تعرف بقول آحاد ثقات التابعين على الراجح) (١). والحافظ ابن حجر فقد قال في (الإصابة): (وكذا عن آحاد التابعين). أي: بأن يروي عن آحاد التابعين أن فلانًا صحابي.\nوالإمام زكريا الأنصاري حيث قال في (فتح الباقي): (وكذا تعرف بقول آحاد ثقات التابعين) (٢).\nوالشيخ محمد نجيب المطيعي حيث قال في (حاشيته على الإسنوي): (أو بإخبار آحاد التابعين بأنه صحابي) (٣). وغيرهم من العلماء (٤).\nوذهب جماعة آخرون إلى أنه لا يقبل قوله، ولا تثبت به صحبة من أخبر عنه.\nوممن ذهب إلى ذلك: بعض شراح (اللمع) على ما ذكره الإمام السخاوي في (فتح المغيث) (٥).\nوقد سكت بعض العلماء عن ذكر هذا الطريق كالإمام ابن كثير وابن الصلاح والنووي والعراقي وغيرهم، حيث لم يذكروا وهم يبينون طرق إثبات الصحبة قول التابعي: إن فلانًا صحابي كطريق لمعرفة الصحابة ﵃ (٦).\nوالاختلاف بين القائلين بثبوت الصحبة بإخبار أحد ثقات التابعين وبين النافين لذلك مبني في الحقيقة على خلاف آخر وهو: هل تقبل التزكية إذا صدرت من مزكٍّ واحد، أو لابد فيها من التعدد؟\nفمن ذهب إلى عدم إثبات الصحبة بقول التابعي: إن فلانًا صحابي، جرى على أن التزكية غير مقبولة إذا صدرت من مزك واحد، بل لابد فيها من اثنين.\nووجهتهم فيما ذهبوا إليه من اشتراط التعدد.\n١ - أن التزكية تتنزل منزلة الحكم، فلا يشترط فيها العدد، بخلاف الشهادة فإنها تكون عند الحاكم فلابد فيها من العدد، فلا يصح إلحاق التزكية بالشهادة (٧).\n٢ - إن التزكية إن كانت صادرة عن اجتهاد المزكي فهي بمنزلة الحكم، وحينئذ لا يشترط التعدد في المزكي، لأنه بمنزلة الحاكم. وإن لم تكن صادرة عن نفسه واجتهاده، بل منقولة عن غيره، فأيضًا لا يشترط التعدد حينئذ، لأن أصل النقل لا يشترط فيه العدد، فكذا ما يتفرع عنه، فلا يقال: إن التزكية تأخذ حكم الشهادة (٨).\nوما ذكر من أن الاستقراء أن لا يزيد شرط على مشروطه، ولا ينقص شرط عن مشروطه منتف – كما في (التحرير) وشرحه – بشاهد هلال رمضان إذا كان بالسماء علة، فإنه يكتفى فيه بواحد، ويفتقر تعديله إلى اثنين، فقد زاد الشرط في هذا على مشروطه.\n_________\n(١) «الإصابة» (١/ ٨)، وانظر: «نزهة النظر» (ص: ١٠١).\n(٢) «فتح الباري» (٣/ ١٢).\n(٣) «سلم الوصول» (٣/ ٧٩).\n(٤) انظر: «المختصر في علم رجال الأثر» (ص: ٢٦)، «محاضرات في علوم الحديث» (١/ ٣٦)، «دراسات تاريخية» (ص: ٤٠)، «توضيح الأفكار تعليق محيي الدين عبد الحميد» (٢/ ٤٢٨).\n(٥) انظر: «فتح المغيث» (٣/ ٩٩).\n(٦) انظر: «الباعث الحثيث» (ص: ١٩٠)، «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ١٤٦)، «تقريب النووي» (٢/ ٢١٣).\n(٧) انظر: «نزهة النظر» (ص: ١٣٤).\n(٨) انظر: «نزهة النظر» (ص: ١٣٤).","vol":"7","page":171},{"text":"وكون الشرط لا ينقص عن مشروطه مردود بشهادة الزنا، فإنه يلزم كونهم أربعة ويكفي في تعديلهم اثنان (١).\nقال في (التحرير) وشرحه:\nوما قيل: لا نقض بهذين بل زيادة في الأصل في شهادة الزنا ونقصانه في الهلال، إنما يثبت بالنص للاحتياط في الدرء للعقوبات، والإيجاب للعبادة كما هو مذكور في (حاشية التفتازاني)، لا يخرجه أي: هذا الجواب لا يخرج ما ذكر من مادتي النقض عنهما أي ثبوت الزيادة وثبوت النقص المنافيين لما ادعى الضابطين بالاستقراء (٢).\n٣ - أن المزكي يكتفي فيه بواحد، لأنه بمثابة الخبر، وكما يصح قبول خبر الواحد – كما هو القول الراجح – فكذلك يقبل قول المزكي، لأنه بمنزلته (٣).\n٤ - أن اعتبار الواحد في الجرح والتعديل أصل متفق عليه، واعتبار ضم قول غيره إليه يستدعي دليلًا، والأصل عدمه، ولا يخفى أن ما يلزم منه موافقة النفي الأصلي أولى مما يلزم منه مخالفته (٤).\n٥ - ينبغي القول بعدم اشتراط التعدد في المزكي، لأن اشتراط التعدد قد يؤدي إلى تضييع بعض الأحكام، فكان عدم التعدد أولى وأحوط (٥). صحابة رسول الله ﷺ في الكتاب والسنة لعيادة أيوب الكبيسي – ص٧٩\n_________\n(١) انظر: «تيسير التحرير» (٣/ ٥٨).\n(٢) انظر: «تيسير التحرير» (٣/ ٥٨).\n(٣) انظر: «شرح ألفية العراقي» (١/ ٢٩٥).\n(٤) «الإحكام» للآمدي (١/ ٢٧١)\n(٥) انظر: «تيسير التحرير» (٣/ ٥٨).","vol":"7","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1957>المطلب الثاني: إثبات الصحبة عن طريق أحد العلامات</span>\nونذكر منها ما يأتي:\nالعلامة الأولى:\nأن يكون من يدَّعى صحبته قد تولى في عهد النبي ﷺ غزوة من غزواته، ذلك لأنه ﵊ لم يؤمر على غزوة من غزواته إلا من كان من أصحابه (١).\nوذلك مثل: عبيدة بن الحارث، الذي عقد له النبي ﷺ اللواء إلى رابغ. وعبد الله بن جحش، الذي أمره النبي ﷺ على سرية إلى نخلة (٢).\nالعلامة الثانية:\nأن يكون المدعى صحبته ممن أمره أحد الخلفاء الراشدين على أحد المغازي في حروب الردة والفتوح (٣). وذلك مثل: شرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة بن مسعود.\nالعلامة الثالثة:\nأن يكون المدعى صحبته قد ثبت أن له ابنًا حنكه النبي ﷺ، أو مسح على رأسه، أو دعا له، فإنه «كان لا يولد لأحد مولود إلا أتي به النبي ﷺ فدعا له» كما أخرجه الحاكم عن عبد الرحمن بن عوف (٤) على ما ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (٥).\nوذلك مثل: ثابت بن قيس بن شماس، وطلحة بن عبيد الله ﵄.\nالعلامة الرابعة:\nأن يكون من يدعى صحبته ممن كان بمكة أو الطائف سنة عشر من الهجرة، إذ من المعلوم عند المحدثين أن كل من كان بمكة أو الطائف سنة عشر قد أسلم وحج مع النبي ﷺ حجة الوداع، فيكون من الصحابة (٦).\nوذلك مثل: عامر بن أبي أمية ﵁.\nالعلامة الخامسة:\nأن يكون من يدعى صحبته من الأوس أو الخزرج الذين كانوا بالمدينة المنورة على عهد رسول الله ﷺ، فقد ثبت أنهم دخلوا في الإسلام جميعًا، ولم يثبت عن أحد منهم أنه ارتد عن الإسلام (٧). صحابة رسول الله ﷺ في الكتاب والسنة – عيادة أيوب الكبيسي – ص: ٧٩\n_________\n(١) انظر: «محاضرات في علوم الحديث» (١/ ١٤٠)، «المختصر في علم رجال الأثر» (ص: ٢٧).\n(٢) انظر: «المغازي» (١/ ١٠، ١٣).\n(٣) انظر: «الإصابة» (١/ ٩).\n(٤) رواه الحاكم (٤/ ٥٢٦). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(٥) انظر: «الإصابة» (١/ ٩).\n(٦) انظر: «محاضرات في علوم الحديث» (١/ ١٣٩)، «المختصر في علم رجال الأثر» (ص: ٢٧).\n(٧) انظر: «محاضرات في علوم الحديث» (١/ ١٣٩)، «المختصر في علم رجال الأثر» (ص: ٢٧).","vol":"7","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1961>أولا: الأدلة على فضل الصحابة من القرآن</span>\nقال الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في شرحه لمنظومة سلم الوصول:\nفكلهم في محكم القرآن ... أثنى عليهم خالق الأكوان\nفي مواضع من كتابه (كالفتح) أي سورة (الفتح) من أولها إلى آخرها (و) سورة (الحديد) كقوله تعالى فيها: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ – إلى قوله – وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:١٠] الآيات.\n(و) سورة (القتال) كقوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ [محمد:٣] الآيات.\n(و) سورة (الحشر) إلى آخرها، وقد رتب تعالى فيها الصحابة على منازلهم وتفاضلهم ثم أَرْدَفهم بذكر التابعين فقال تعالى لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:٨ – ١٠] أخرج الله بهذه الآية وغيرها شاتم الصحابة من جميع الفرق الذين في قلوبهم غل لهم إلى يوم القيامة، ولهذا منعهم كثير من الأئمة الفيء وحرموه عليهم.\n(و) في سورة (التوبة) وسورة (الأنفال) بكمالها تارة في الثناء عليهم وتارة في تحذيرهم من عدوهم ووصف المشركين والمنافقين بأنواعهم وسماهم ليحذروهم، وتارة في حثهم على الطاعة والجماعة والجهاد في سبيل الله والإثخان في الكفار والثبات لهم عند لقائهم إياهم وعدم فرارهم منهم، ووعْدِه تعالى إياهم بالنَّصر على عدوِّهم، وتارة بتذكيرهم بنعم الله عليهم وامتنانه عليهم أَنْ هداهم للإسلام وجنَّبهم السُّبُل المضلة. وأَلَّف بين قلوبهم وآواهم وأيدهم بنصره بعد إذ كانوا مستضعفين أذلة.\nوتارة يخبرهم ويهيجهم ويشوقهم بما أعد لهم في الدار الآخرة على قيامهم بطاعته تعالى وطاعة رسوله، وجهادهم بأموالهم في سبيله وله الحمد والمنة، وغير ذلك من سور القرآن وآياته (كذلك في التوراة) الكتاب المنزل على موسى ﵇ (و) في (الإنجيل) الكتاب المنزل على عيسى ﵇ (صفاتهم) التي جعلهم الله عليها (معلومة التفصيل) كما أخبر الله تعالى بقوله ﷿: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ [الفتح:٢٩] هنا تم الكلام ثم قال تعالى: وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:٢٩]. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ الحكمي – ٣/ ١٣٩٤","vol":"7","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1962>ثانيا: الأدلة على فضل الصحابة من السنة</span>\n- عن أبي بردة عن أبيه ﵁ قال: صَلّيْتُ المغرب مع رسولِ الله ﷺ ثم قلنا لو جلسنا حتى نصلّي معه العشاء قال فجلسنا فخرج علينا فقال: «ما زلتم ههنا، قلنا: يا رسولَ الله صلَّينا معك المغرب ثم قلنا نجلسُ حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم أو أصبتم، قال: فرفع رأسهُ إلى السماء وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء فقال: النجوم أَمَنَةُ السماءِ، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأُمَّتي فإذا ذهب أصحابي أتى أُمَّتي ما يوعدون» (١).\n- وفيه عن أبي سعيد ﵁ عن النَّبيّ ﷺ قال «يأتي على الناس زمانٌ يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم مَنْ رأى رسولَ اللهِ ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئامٌ مِنَ الناس فيقال لهم: فيكم مَنْ رأى مَنْ صحِب رسولَ اللهِ ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم مَنْ رأى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رسول الله ﷺ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم» (٢).\n- وعن ابن مسعود ﵁ قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ أي النَّاسِ خير؟ قال «أقراني ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيءُ قومٌ تبدر شهادةَ أحدهم يمينه وتبدر يمينه شهادته» (٣).\n- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ «خَيْر أُمَّتي القرن الذي بُعثتُ فيه، ثم الذين يلونهم»، والله أعلم أذكر الثالث أم لا «ثم يخلُفُ قومٌ يحبُّون السمانة، يشهدون قبل أَنْ يُستشهدوا» (٤).\n- وعن عمران بن حصين ﵄ أَنَّ رسول اللهِ ﷺ قال «إِنَّ خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال عمران فلا أدري أَقال رسولُ اللهِ ﷺ بعد قرنه مرَّتين أو ثلاثًا «ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يُستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون ويَنذرون ولا يُوفون ويظهر فيهم السِّمن» (٥). زاد في رواية «ويحلفون ولا يُستحلفون» (٦).\n- وعن عائشة ﵂ قالت: سأَل رجلٌ النَّبيّ ﷺ أي الناس خيرٌ قال «القرنُ الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث» (٧).\n- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ «لا تَسُبُّوا أَصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أَنَّ أَحدكم أَنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه» (٨).\n- وعن أبي سعيد ﵁ قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيءٌ فسبَّه خالدٌ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ «لا تسُبُّوا أَحدًا من أصحابي، فإنَّ أحدكم لو أَنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه» (٩).\n_________\n(١) [١١١٠٩]» رواه مسلم (٢٥٣١).\n(٢) [١١١١٠]» رواه مسلم (٢٥٣٢).\n(٣) [١١١١١]» رواه مسلم (٢٥٣٣) (٢١١).\n(٤) [١١١١٢]» رواه مسلم (٢٥٣٤).\n(٥) [١١١١٣]» رواه مسلم (٢٥٣٤).\n(٦) [١١١١٤]» رواه مسلم (٢٥٣٥).\n(٧) [١١١١٥]» رواه مسلم (٢٥٣٦).\n(٨) [١١١١٦]» رواه مسلم (٢٥٤٠).\n(٩) [١١١١٧]» رواه مسلم (٢٥٤١).","vol":"7","page":175},{"text":"وفي (الصحيحين) من حديث علي ﵁ في قصة كتاب حاطب مع الظعينة – وفيه – فقال عمر: إِنَّه قد خانَ اللهَ ورسوله فدعني فلأَضْرِبْ عنقه، فقال «أَلَيْس مِنْ أهل بدر» فقال ﷺ «لعلَّ الله اطَّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة» أو «فقد غفرت لكم» فدمعتْ عينا عمر ﵁ وقال: الله ورسولُهُ أعلم (١).\n- وعن البراء بن عازب ﵁ قال: حدَّثني أصحابُ محمدٍ ﷺ ممَّن شهد بدرًا أَنَّهم كانوا عدَّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر: بضعة عشر وثلاثمائة، قال البراء: لا والله ما جاوز معه النهر إلاّ مؤمن. (٢).\n- وعن أنس بن مالك ﵁ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:١] قال الحديبية، قال أصحابه هنيئًا مريئًا فما لنا. فأنزل الله تعالى لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [الفتح:٥] (٦٥٥) وكل هذا في (الصحيح) (٣).\nوروى الترمذي عن جابر ﵁ قال: قالَ رسول الله ﷺ «لا يدخل النار أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة». وقال الترمذي حسن صحيح (٤).\nوقد وردت أحاديث في فضائل الصحابة والتابعين ﵃ منها عام ومنها خاص بالمهاجرين ومنها خاص بالأنصار ومنها خاص بالآحاد فردًا فردًا، ومنها القطع لأحدهم بالجنَّة مطلقًا، ومنها القطعُ لبعضهم بمجاورة رسولِ اللهِ ﷺ في الجنة ليس هذا موضع بسطها. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- ٣/ ١٣٩٦\n_________\n(١) [١١١١٨]» رواه البخاري (٣٩٨٣).\n(٢) [١١١١٩]» رواه البخاري (٣٩٥٧).\n(٣) [١١١٢٠]» رواه البخاري (٤١٧٢).\n(٤) [١١١٢١]» رواه أبو داود (٤٦٥٣)، والترمذي (٣٨٦٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٦٤)، وابن حبان (١١/ ١٢٧)، وأحمد (٣/ ٣٥٠) (١٤٨٢٠)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».","vol":"7","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1963>ثالثا: أقوال العلماء في فضل الصحابة</span>\nأولًا: ما ورد من أقوال الصحابة بعضهم في بعض:\nفمن ذلك:\n١ - قول .. عبد الله بن مسعود ﵁ (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ) (١).\n٢ - وقول ... عبد الله بن عمر ﵄: (من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ، كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم، والله رب الكعبة) (٢).\n٣ - وما رواه البخاري عن المسور بن مخرمة قال: «لما طعن عمر جعل يألم فقال ابن عباس – وكأنه يجزعه -: يا أمير المؤمنين ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحابته فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون، قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه فإنما ذاك منّ من الله تعالى منّ به علي، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك منّ من الله جل ذكره منّ به علي، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله ﷿ قبل أن أراه» (٣).\n٤ - وما رواه البخاري عن مروان بن الحكم قال: «أصاب عثمان بن عفان ﵁ رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش قال: استخلف، قال: وقالوه؟ قال: نعم، قال: ومن؟ فسكت، فدخل عليه رجل آخر –أحسبه الحارث- فقال: استخلف، فقال عثمان: وقالوا؟ قال: نعم، قال: ومن هو؟ فسكت، قال: فلعلهم قالوا: إنه الزبير، قال: نعم. قال: أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله ﷺ» (٤).\n٥ - وما رواه الحاكم عن أبي البختري عن سيدنا علي ﵁ قال: «قيل: أخبرنا عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: عن أيهم؟ قال: أخبرنا عن عبد الله بن مسعود قال: علم الكتاب والسنة ثم انتهى وكفى به» (٥). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n٦ - وما رواه الحاكم عن شقيق قال: سمعت حذيفة ﵁ يقول: «إن أشبه الناس هديًا وسمتًا ودلًا بمحمد ﷺ عبد الله بن مسعود من حين يخرج إلى حين يرجع فما أدري ما في بيته، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد من أقربهم وسيلة عند الله يوم القيامة» (٦). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٧٩) (٣٦٠٠)، والبزار في «البحر الزخار» (٥/ ٢١٢)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٣٧٥). قال ابن القيم في «الفروسية» (٢٩٩): ثابت عن ابن مسعود، وحسنه ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (٦٥)، ومحمد الغزي في «إتقان ما يحسن» (٢/ ٥٠٠)، والعجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٢٤٥).\n(٢) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦).\n(٣) رواه البخاري (٣٦٩٢).\n(٤) رواه البخاري (٣٧١٧).\n(٥) رواه الحاكم (٣/ ٣٦٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقها الذهبي.\n(٦) رواه الحاكم (٣/ ٣٥٦). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"7","page":177},{"text":"٧ - وما رواه الطبراني عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (ثلاثة من قريش أصبح قريش وجوهًا، وأحسنها أخلاقًا، وأثبتها جنانًا، إن حدثوك لم يكذبوك، وإن حدثتهم لم يكذبوك، أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن عفان) (١).\n٨ - وما رواه الطبراني عن ربعي بن خراش قال: (استأذن عبد الله بن عباس على معاوية وقد علقت عنده بطون قريش وسعيد بن العاص جالس عن يمينه، فلما رآه معاوية مقبلًا قال: يا سعيد والله لألقين على ابن عباس مسائل يعيا بجوابها، فقال له سعيد: ليس مثل ابن عباس يعيا بمسائلك، فلما جلس قال له معاوية: ما تقول في أبي بكر؟ قال: رحم الله أبا بكر كان والله للقرآن تاليًا، وعن الميل نائيًا، وعن الفحشاء ساهيًا، وعن المنكر ناهيًا، وبدينه عارفًا ومن الله خائفًا، وبالليل قائمًا، وبالنهار صائمًا، ومن دنياه سالمًا، وعلى عدل البرية عازمًا، وبالمعروف آمرًا، وإليه صائرًا، وفي الأحوال شاكرًا، ولله في الغدو والرواح ذاكرًا، ولنفسه بالمصالح قاهرًا، فاق أصحابه ورعًا وكفافًا، وزهدًا وعفافًا، وبرًا وحياطة، وزهادة وكفاءة، فأعقب الله من ثلبه اللعائن إلى يوم القيامة.\nقال معاوية: فما تقول في عمر بن الخطاب؟ قال: رحم الله أبا حفص، كان والله حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومحل الإيمان، وملاذ الضعفاء، ومعقل الحنفاء، للخلق حصنًا، وللبأس عونًا، قام بحق الله صابرًا محتسبًا، حتى أظهر الله الدين، وفتح الديار، وذكر الله في الأقطار والمناهل، وعلى التلال وفي الضواحي والبقاع، وعند الخنا وقورًا، وفي الشدة والرضاء شكورًا، ولله في كل وقت وأوان ذكورًا، فأعقب الله من يبغضه اللعنة إلى يوم الحسرة.\nقال معاوية: فما تقول في عثمان بن عفان؟ قال: رحم الله أبا عمرو، كان والله أكرم الحفدة، وأوصل البررة، وأصبر الغزاة، هجادًا بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر الله، دائم الفكر فيما يعنيه الليل والنهار، ناهضًا إلى كل مكرمة، يسعى إلى كل منجية فرارًا من كل موبقة، وصاحب الجيش والبئر، وختن المصطفى على ابنتيه، فأعقب الله من سبه الندامة إلى يوم القيامة.\nقال معاوية: فما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: رحم الله أبا الحسن، كان والله علم الهدى، وكهف التقى، ومحل الحجا، وطود البها، ونور السرى في ظلم الدجى، داعيًا إلى المحجة العظمى، عالمًا بما في الصحف الأولى، وقائمًا بالتأويل والذكرى، متعلقًا بأسباب الهدى، وتاركًا للفجور والأذى، وحائدًا عن طرقات الردى، وخير من آمن واتقى، وسيد من تقمص وارتدى، وأفضل من حج وسعى، وأسمح من عدل وسوى، وأخطب أهل الدنيا إلا الأنبياء والنبي المصطفى، وصاحب القبلتين، فهل يوازيه موحد؟ وزوج خير النساء، وأبو السبطين، لم تر عيني مثله، ولا ترى إلى يوم القيامة واللقاء، من لعنه فعليه لعنة الله والعباد إلى يوم القيامة.\nقال: فما تقول في طلحة والزبير؟ قال: رحمة الله عليهما، كانا والله عفيفين، برين، مسلمين، طاهرين، متطهرين، شهيدين، عالمين، زلازلة والله غافر لهما – إن شاء الله – بالنصرة القديمة، والصحبة القديمة، والأفعال الجميلة.\nقال معاوية: فما تقول في العباس؟ قال: رحم الله أبا الفضل، كان والله صنو أبي رسول الله ﷺ، وقرة عين صفي الله، كهف الأقوام، وسيد الأعمام، قد علا بصرًا بالأمور، ونظرًا بالعواقب، قد زانه علم، قد تلاشت الأحساب عند ذكر فضيلته، وتباعدت الأنساب عند فخر عشيرته، ولم لا يكون كذلك؟ وقد ساسه أكرم من دب وهب عبد المطلب. أفخر من مشى من قريش وركب ... الحديث.\n_________\n(١) رواه الطبراني (١/ ٥٦) (١٦). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٦٠): رواه الطبراني وإسناده حسن.","vol":"7","page":178},{"text":"وقال معاوية في آخره: صدقت يا ابن عباس، أشهد أنك لسان أهل بيتك، فلما خرج ابن عباس من عنده قال: ما كلمته إلا وجدته مستعدًا) (١).\n٩ - وما رواه الحاكم عن أبي سعيد المقبري قال: (لما طعن أبو عبيدة ﵁ قال: يا معاذ صل بالناس، فصلى معاذ بالناس، ثم مات أبو عبيدة بن الجراح، قام معاذ في الناس فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله توبة نصوحًا، فإن عبد الله لا يلقى الله تائبًا من ذنبه إلا كان حقًا على الله أن يغفر له، ثم قال: إنكم أيها الناس قد فجعتم برجل والله ما أزعم أني رأيت من عباد الله عبدًا قط أقل عمرًا، ولا أبر صدرًا، ولا أبعد غائلة، ولا أشد حبًا للعاقبة، ولا أنصح للعامة منه، فرتحموا عليه وأصحروا للصلاة عليه. فوالله لا يلي عليكم مثله أبدًا.\nفاجتمع الناس، وأخرج أبو عبيدة ﵁ فتقدم معاذ ﵁ فصلى عليه، حتى إذا أتى به قبره، دخل قبره معاذ بن جبل وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس، فلما وضعوه في لحده وخرجوا، فشنوا عليه التراب فقال معاذ بن جبل: يا أبا عبيدة لأثنين عليك ولا أقول باطلًا أخاف أن يلحقني بها من الله مقت: كنت والله ما علمت من الذاكرين الله كثيرًا، ومن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا، ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قومًا، وكنت والله من المخبتين المتواضعين الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويبغضون الخائنين المتكبرين) (٢).\nثانيًا: ما ورد من أقوال التابعين في أصحاب رسول الله ﷺ:\nفمن ذلك:\n١ - ما أخرجه أبو نعيم في (الحلية) عن الحسن البصري ﵀ (أن بعض القوم قال له: أخبرنا صفة أصحاب رسول الله ﷺ قال: فبكى وقال: ظهرت منهم علامات الخير في السيما والسمت والهدى والصدق، وخشونة ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم تعالى، واستقادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم، ظمئت هواجرهم، ونحلت أجسامهم، واستخفوا بسخط المخلوقين رضى الخالق، لم يفرطوا في غضب، ولم يحيفوا في جور، ولم يجاوزوا حكم الله تعالى في القرآن، شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا دمائهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم، ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين، حسنت أخلاقهم، وهانت مؤنتهم، وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم) (٣).\n٢ - وما رواه الإمام أحمد عن قتادة بن دعامة ﵀ أنه قال:\n(أحق من صدقتم أصحاب رسول الله ﷺ الذين اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه) (٤).\n٣ - وما رواه ابن سعد في (الطبقات) عن مسروق قال:\n(لقد جالست أصحاب محمد ﷺ فوجدتهم كالإخاذ.\nفالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، فوجدت عبد الله بن مسعود من ذلك الإخاذ) (٥).\n_________\n(١) رواه الطبراني كما ذكر الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٦١) وقال: فيه من لا أعرفهم.\n(٢) رواه الحاكم (٣/ ٢٩٥).\n(٣) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ١٥٠).\n(٤) رواه أحمد (٣/ ١٣٤) (١٢٣٩٨). قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٥) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، وأبي خيثمة في «العلم» (٥٩) وقال الألباني: إسناده صحيح.","vol":"7","page":179},{"text":"٥ - وما رواه الطبراني عن مسروق قال: (شاممت أصحاب رسول الله ﷺ أبا الدرداء وزيد بن ثابت، ثم شاممت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبد الله بن مسعود) (١).\n٥ - وما رواه ابن سعد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: (كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، وسيب ونائل، وما رأيت أحدًا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله ﷺ منه، ولا أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا بتفسير القرآن ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أعلم بما مضى ولا أثقف رأيًا فيما احتيج إليه منه.\nولقد كان يجلس يومًا ما يذكر فيه إلا الفقه، ويومًا التأويل، ويومًا المغازي، ويومًا الشعر، ويومًا أيام العرب، وما رأيت عالمًا قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلًا قط سأله إلا وجد عنده علمًا) (٢).\n٦ - وما رواه ابن عبد البر في (الاستيعاب) قال: (وسئل الحسن بن أبي الحسن البصري عن علي بن أبي طالب ﵁ فقال: كان علي والله سهمًا صائبًا من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها، وذا سابقتها، وذا قرابتها من رسول الله ﷺ لم يكن بالنومة عن أمر الله ولا باللومة في دين الله ولا بالسروقة لمال الله، أعطى القرآن عزائمه، ففاز منه برياض مونقة، ذلك علي بن أبي طالب ﵁ يا لكع) (٣).\n٧ - وما رواه أبو نعيم في (الحلية) عن أبي صالح قال: (دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية فقال له: صف لي عليًا فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال: أما إذا لابد فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا ويحكم عدلًا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب. كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أخرى الليل سدوله، وغارت نجومه، يميل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا – يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا: إلي تغرتت؟ إلي تشوفت؟ هيهات هيهات، غري غيري، قد بتتك ثلاثًا، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك كبير، آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.\nفوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء فقال:\nكذا كان أبو الحسن ﵀، كيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال: وجد من ذبح واحدها في حجرها، لا ترقأ دمعتها، ولا يسكن حزنها، ثم قام فخرج) (٤).\n_________\n(١) رواه الطبراني (٧/ ٤٩٠) (٨٤٣٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٦٣): رجاله رجال الصحيح غير القاسم بن معين وهو ثقة.\n(٢) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٢/ ٣٦٨).\n(٣) رواه ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٣/ ١١١٠).\n(٤) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٨٤ - ٨٥).","vol":"7","page":180},{"text":"٨ - وروي عن حميد بن زياد أنه قال: (قلت يومًا لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب الرسول ﵇ فيما كان بينهم؟ وأردت الفتن. فقال لي: إن الله تعالى قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم، قلت له: وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟ قال: سبحان الله! ألا تقرأ قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ [التوبة: ١٠٠] إلى آخر الآية! فأوجب أن لجميع أصحاب النبي ﵇ الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطًا شرطه عليهم، قلت: وما ذاك الشرط؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان في العمل وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدوا بهم في غير ذلك، أو يقال: المراد أن يتبعوهم بإحسان في القول، وهو أن لا يقولوا فيهم سوءًا، وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه، قال حميد بن زياد: فكأني ما قرأت هذه الآية قط) (١).\nثالثًا: ما ورد من أقوال أتباع التابعين فمن بعدهم في أصحاب رسول الله ﷺ:\nفمن ذلك:\n١ - ما رواه البيهقي عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال: (وقد أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهناهم بما آتاهم من ذلك، ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، هم أدوا إلينا سنن رسول الله ﷺ، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ، عامًا وخاصًا وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا لأنفسنا –والله أعلم) (٢).\n٢ - وما قاله الإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في مقدمة كتابه (الجرح والتعديل): (فأما أصحاب رسول الله ﷺ فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله ﷿ لصحبة نبيه ﷺ ونصرته، وإقامة دينه، وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلامًا وقدوة، فحفظوا عنه ﷺ ما بلغهم عن الله ﷿ وما سن وشرع، وحكم وقضى، وندب وأمر، ونهى وحظر وأدب، ووعوه فأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده، بمعاينة رسول الله ﷺ ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله، وتلقفهم منه، واستنباطهم عنه، فشرفهم الله ﷿ بما منّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز، وسماهم عدول الأمة، فقال عز ذكره في محكم كتابه: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣]، ففسر النبي ﷺ عن الله عز ذكره قوله: وسطًا، قال: عدلًا، فكانوا عدول الأمة، وأئمة الهدى، ونقلة الكتاب والسنة.\nوندب الله ﷿ إلى التمسك بهديهم، والجري على مناهجهم، والسلوك لسبيلهم، والاقتداء بهم، فقال: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [النساء: ١١٥].\nووجدنا النبي ﷺ قد حض على التبليغ عنه في أخبار كثيرة، ووجدناه يخاطب أصحابه فيها، منها أن دعا لهم فقال:\n«نضر الله إمرءًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره».\n_________\n(١) انظر: «مفاتيح الغيب» (١٦/ ١٣٦).\n(٢) «مناقب الشافعي» (١/ ٤٤٢).","vol":"7","page":181},{"text":"وقال ﷺ في خطبته: «فليبلغ الشاهد منكم الغائب» (١) وقال: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني ولا حرج» (٢).\nثم تفرقت الصحابة ﵃ في النواحي والأمصار والثغور، وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام، فبث كل واحد منهم في ناحيته وبالبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله ﷺ وحكموا بحكم الله ﷿، وأمضوا الأمور على ما سن رسول الله ﷺ عن نظائرها من المسائل، وجردوا أنفسهم مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقدس اسمه، لتعليم الناس الفرائض والأحكام، والسنن والحلال والحرام، حتى قبضهم الله ﷿ – رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين -) (٣).\n٣ - وما قاله الأستاذ الشيخ عبد الحميد بخيت في كتابه (دراسات تاريخية في رجال الحديث): (إن الصحابة – كما يتضح من سلوكهم في أنفسهم وفي المجتمع – يعتبرون من ذلك الضرب الرفيع، الذي لا يكاد يوجد إلا في فترات قليلة جدًا من تاريخ البشرية الطويل المديد، لا لأنهم مجرد أصحاب النبي، أو حملة مبادئ عليا، أو عاشوا في عصر معين من الزمان، ولكن لأن مقومات شخصياتهم، ومواهبهم، وفدائيتهم الفريدة للإيمان والعمل وشعائر الحق والعدل والحرية كانت من أبرز مميزاتهم ومظاهر سلوكهم) (٤). – ﵃ وأرضاهم أجمعين -. صحابة رسول الله ﷺ في الكتاب والسنة لعيادة أيوب الكبيسي – ص: ١٧٦\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠٥). من حديث أبي بكرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٣٤٦١). بلفظ: «وحدثوا عن بني إسرائيل» بدلًا من «وحدثوا عني». من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(٣) «مقدمة الجرح والتعديل» (١/ ٧ - ٨).\n(٤) «دراسات تاريخية في رجال الحديث» (ص: ٣٢).","vol":"7","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1964>الفرع الثاني: تفضيل الصحابة على سائر الأمة</span>\nالصحابة رضوان الله عليهم هم أفضل أمة محمد ﷺ، وما ذكر من الأدلة ... دليل على ذلك فليس أفضل ممن زكاهم الله وعدلهم وأثنى عليهم ورضي عنهم، وقد أخبر ﷺ أنهم أمان لأمته ما بقي منهم فيها أحد فإن هم ذهبوا أتى الأمة ما توعد، وأقسم ﷺ أن أحدًا من الأمة إن أنفق مثل أحد ذهبًا لا يبلغ بذلك مد أحدهم ولا نصيفه (١)، ولقد صرح ﷺ بأنهم رضوان الله عليهم خير أمته فقال: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم» (٢). وقال ﷺ: «خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم» (٣).\nقال الإمام أحمد ﵀: (فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ﷺ ولو لقوا الله بجميع الأعمال، كان هؤلاء الذين صحبوا النبي ﷺ ورأوه، وسمعوا منه، ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة أفضل بصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير) (٤). وقال ذلك علي بن المديني أيضًا (٥). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد الشظيفي – ص ٢٢٩\n_________\n(١) الحديث رواه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٢٥٣٤). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه أبو داود (٤٦٥٧)، الترمذي (٢٢٢٢)، وأحمد (٤/ ٤٢٦) (١٩٨٣٦)، والبزار (٩/ ٧٤)، والطبراني (١٨/ ٢١٣) (١٥٢٣٩). من حديث عمران بن حصين ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال البزار: روي من وجوه بألفاظ مختلفة، وهذا الإسناد أحسن إسناد يروى لهذا الكلام.\n(٤) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٢/ ١٦٠) و«طبقات الحنابلة» (١/ ٢٤٣)\n(٥) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٢/ ١٦٧).","vol":"7","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1965>الفرع الثالث: تفضيل الصحابة على سائر البشر بعد الأنبياء</span>\nالصحابة أفضل أتباع الأنبياء على الإطلاق دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠]. وقال سبحانه: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣].\nوفسر لفظ الأمة في الآيتين بأن المراد به الصحابة فهو عام مخصوص وقيل: بل هو وارد في الصحابة دون غيرهم (١). أي أنه لا عموم في اللفظ، وعليه فاللفظ ظاهر الدلالة على أن الصحابة أفضل الناس بعد الأنبياء.\nوفسر اللفظ بأن المراد به أمة محمد ﷺ عامة (٢). وهو دال على ما ذكر أيضًا لأن أصل الخطاب لأصحاب النبي ﷺ وإن كان عامًا في أمته فهم المخاطبون أصلًا به، وهم يدخلون في عموم اللفظ دخولًا أوليًا، وقد ثبت كونهم أفضل الأمة فهم أفضل الأمة التي هي خير الأمم، فهم أفضل الأمم على الإطلاق.\nوقال ﷺ: «خير الناس قرني» (٣).\nوسأله رجل: أي الناس خير؟ قال ﷺ: «القرن الذي أنا فيه» (٤)\nففي الحديثين تعميم تفضيل قرنه ﷺ على الناس، أي جميع الناس، جميع بني آدم، ويؤكد هذا المعنى. قوله ﷺ: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا حتى كنت من القرن الذي كنت منه» (٥).\nفهذا دال على أن أصحاب النبي ﷺ أفضل أصحاب الأنبياء، أفضل بني آدم بعد الأنبياء، ﵃ وأرضاهم.\nوقال ﷺ في قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ: «إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله» (٦). وهذا ظاهر الدلالة على ما ذكرنا.\nقال ابن تيمية ﵀: (ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله) (٧). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد الشظيفي – ص ٢٣٠\n_________\n(١) «الكفاية» (٩٣) و«زاد المسير» (١/ ٤٣٨).\n(٢) «زاد المسير» (١/ ٤٣٨).\n(٣) رواه البخاري (٣٦٥٠) بلفظ: «خير أمتي قرني ..»، ومسلم (٢٥٣٥) بلفظ: «إن خيركم قرني ..».\n(٤) [١١١٥٢]» رواه مسلم (٢٥٣٦).\n(٥) رواه البخاري (٣٥٥٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) رواه الترمذي (٣٠٠١)، وابن ماجه (٣٤٨٠)، وأحمد (٤/ ٤٤٧) (٢٠٠٢٩)، والحاكم (٤/ ٩٤). من حديث معاوية بن حيدة ﵁. قال الترمذي: حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٦/ ١١٢).\n(٧) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ١٥٦).","vol":"7","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1967>الفرع الأول: الأدلة على وقوع التفاضل بين الصحابة</span>\nلقد دلت أدلة الشرع من نصوص الكتاب والسنة على وقوع التفاضل بين الصحابة رضوان الله عليهم.\nفمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: وَمَا لَكُمْ أَلا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: ١٠]. ففي الآية تفضيل طائفة من الصحابة وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا على طائفة من الصحابة وهم الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا مع إثبات الفضل للجميع والتنبيه على أن تفضيل بعضهم على بعض لا يفضي إلى تنقيص المفضول إذ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى.\nوقال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [التوبة: ١٠٠]. ففي الآية الثناء على الصحابة أجمعين مع تخصيص السابقين الأولين بالذكر، وهذا التخصيص ثم التعميم دليل على تفضيل المخصصين بالذكر على العموم.\nوقال ﷾: يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب: ٣٢].\nقال ابن عباس: (يريد: ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم) (١). ففي الآية دلالة على تفضيل نساء النبي ﷺ من الصحابيات على سائرهن.\nومن السنة: ما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ – قال: قال النبي ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٢).\nوجاء في رواية لمسلم بيان سبب ورود الحديث: أنه كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد، فقال النبي ﷺ ذلك. وفيه دليل على تفضيل بعض الصحابة على بعض إذ فيه تفضيل عبد الرحمن وطبقته ممن أسلم قبل الفتح وقاتل على خالد وطبقته ممن أسلم بعد الحديبية وقاتل ...\nوقال ابن عمر ﵄: (كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان) (٣).\nوفي رواية: (كنا نقول ورسول الله حي: أفضل أمة النبي ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان) (٤). زاد في رواية: (فيسمع رسول الله ﷺ ذلك فلا ينكره) (٥).\n_________\n(١) «زاد المسير» (٦/ ٣٧٨) و«تفسير البغوي» (٣/ ٥٢٧).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١).\n(٣) رواه البخاري (٣٦٥٥).\n(٤) رواه أبو داود (٤٦٢٨)، والترمذي (٣٧٠٧). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه يستغرب من حديث عبيد الله بن عمر وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن ابن عمر.\n(٥) رواه الطبراني (١٢/ ٢٨٥) (١٣١٦٥). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٤٩): رجاله وثقوا وفيهم خلاف.","vol":"7","page":185},{"text":"فهذا إقرار رسول الله ﷺ التفاضل بين الصحابة، وفيه تفضيل آحاد بأعيانهم على من سواهم، وتفضيل واحد بعينه على صاحبه وهو تفضيل أبي بكر على عمر وعمر على عثمان، وقد قال ابن عبد البر: (فضل رسول الله ﷺ جماعة من أصحابه بفضائل خص كل واحد منهم بفضيلة وسمه بها وذكره فيها) قال: (ولم يأت عنه ﵊ أنه فضل منهم واحدًا على صاحبه بعينه من وجه يصح) قلت: لعله يريد أنه لم يصح ذلك عنه ﷺ من قوله لا من إقراره وإلا فحديث ابن عمر صحيح، ثم قال ابن عبد البر: (ولكنه ذكر من فضائلهم ما يستدل به على مواضعهم ومنازلهم من الفضل والدين والعلم، وكان ﷺ أحلم وأكرم معاشرة، وأعلم بمحاسن الأخلاق من أن يواجه فاضلًا منهم بأن غيره أفضل منه فيجد من ذلك في نفسه، بل فضل السابقين منهم وأهل الاختصاص به على من لم ينل منازلهم فقال لهم: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»، وهو من معنى قول الله تعالى: وَمَا لَكُمْ أَلا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، ومحال أن يستوي من قاتله ﷺ مع من قاتل عنه، وقال رسول الله ﷺ لبعض من لم يشهد بدر وقد رآه يمشي بين يدي أبي بكر: «تمشي بين يدي من هو خير منك» (١). وهذا لأنه كان أعلمنا ذلك في الجملة لمن شهد بدرًا والحديبية، ولكل طبقة منهم منزلة معروفة وحال موصوفة) (٢).\nقلت: ثبوت تفضيل طائفة موصوفة من الصحابة على طائفة بالكتاب والسنة دليل قوي للقطع بتفضيل واحد بعينه من الطائفة الفاضلة على واحد بعينه من الطائفة المفضولة، وحديث أبي سعيد دليل لصحة هذا المأخذ، فإن سبب وروده نزاع بين واحد بعينه من طائفة فاضلة وهو عبد الرحمن بن عوف ممن أسلم قبل الفتح وقاتل، وآخر بعينه من طائفة مفضولة وهو خالد بن الوليد ممن أسلم متأخرًا وقاتل، فقال ﷺ ما قال مما يدل على تفضيله عبد الرحمن على خالد، والله أعلم. وهذا الحديث وإن لم يذكر فيه النبي ﷺ الصحابيين باسميهما إلا أنه كالتنصيص منه ﷺ بتفضيل واحد بعينه على صاحبه، لدلالة سبب الورود على ذلك ولكنه ﷺ – كما قال ابن عبد البر – أكرم وأحلم وأتم خلقًا وأحسن معاشرة من أن يسمي الفاضل والمفضول تسمية صريحة في مثل هذه الحال، والله أعلم.\nوهنا مسألة: وهي: التفاضل ثابت بين الصحابة رضوان الله عليهم فهل نفاضل بينهم؟\nروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: «كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم» (٣). ففي هذا اللفظ حصر المفاضلة في الثلاثة دون غيرهم، ولكن قد ثبت بالكتاب والسنة تفضيل بعض الصحابة على بعض ... ولابد من تفضيل من فضله الله واعتقاد ذلك، ولذا قال ابن حجر: (قد اتفق العلماء على تأويل كلام ابن عمر هذا لما تقرر عند أهل السنة قاطبة من تقديم علي بعد عثمان، ومن تقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم، ومن تقديم أهل بدر على من لم يشهدها وغير ذلك فالظاهر أن ابن عمر إنما أراد بهذا النفي أنهم كانوا يجتهدون في التفضيل فيظهر لهم فضائل الثلاثة ظهورًا بينًا فيجزمون به ولم يكونوا حينئذ اطلعوا على التنصيص) (٤).\nفمذهب أهل السنة والجماعة تفضيل الصحابة بعضهم على بعض بمقتضى دلالات النصوص، إجمالًا فيما أجملته، وتفصيلًا فيما فصلته. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد الشظيفي- بتصرف – ص٢٣٩\n_________\n(١) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (١/ ١٥٢)، وابن أبي عاصم (٢/ ٥٧٦) (١٢٢٤)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٣٢٥)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (١٢/ ٤٣٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٢٠٨).\n(٢) «الاستيعاب – بهامش الإصابة -» (١/ ٩).\n(٣) «البخاري مع الفتح» (٧/ ٥٤).\n(٤) «فتح الباري» (٧/ ٥٨).","vol":"7","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1968>الفرع الثاني: أوجه التفاضل بين الصحابة</span>\nلقد دل الكتاب والسنة على أوجه حكما بها في المفاضلة بين الصحابة، وجماع هذه الأوجه هو ما سلف من كل واحد منهم من أعمال البر والطاعات التي تتفاضل منزلتها عند الله.\nفمن أوجه التفاضل بينهم: السبق إلى الإسلام فالسابق إلى الإسلام أفضل من المسبوق، أفاده قوله سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [التوبة: ١٠٠].\nومن أوجه التفاضل بينهم: الإنفاق والجهاد قبل الفتح فمن أنفق من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، أفادته آية (سورة الحديد).\nومن أوجه التفاضل بينهم: شهود بدر كما أفاده قول النبي ﷺ: «لعل الله أن يكون اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (١).\nومن أوجه التفاضل بينهم: شهادة رسول الله ﷺ بالجنة فمن شهد له بها أفضل.\nومن أوجه التفاضل شهود بيعة الرضوان فمن شهدها أفضل.\nومن أوجه التفاضل بينهم تخصيص الرسول ﷺ أحدهم بمنقبة.\nوغير ذلك من وجوه التفاضل بينهم رضوان الله عليهم، و... كون المفضول قد يختص بفضيلة لا توجد في الفاضل إلا أن ذلك لا يقتضي تفضيله بها مطلقًا، فعثمان بن عفان ﵁ لم يحضر بدرا (٢). ولكنه أفضل بعد أبي بكر وعمر من جميع الصحابة من حضر بدرًا ومن لم يحضر .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد الشظيفي -٢٣٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٢) «المغازي» (١/ ١٥٤) و«السيرة النبوية» (٢/ ٧٢٠).","vol":"7","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1970>أولا: المفاضلة بين الخلفاء الراشدين</span>\nقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب شتى:\nالمذهب الأول:\nيرى أن أفضل أفراد الصحابة، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵁.\nوهو مذهب أهل السنة، كما ذكر ذلك الإمام النووي حيث قال:\n(واتفق أهل السنة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر، وقال جمهورهم: ثم عثمان، ثم علي) (١).\nوالإمام القسطلاني، حيث قال في (المواهب):\n(إن أفضلهم على الإطلاق عند أهل السنة إجماعًا أبو بكر ثم عمر ﵄، إلى أن قال: ثم اختلفوا فيمن بعدهما، فالجمهور على تقديم عثمان) (٢).\nوابن كثير، حيث قال في (الباعث الحثيث):\n(وأفضل الصحابة، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء – ﵈ -: أبو بكر الصديق ثم من بعده عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب) (٣).\nوابن الصلاح حيث قال في (مقدمته):\n(أفضلهم على الإطلاق: أبو بكر ثم عمر، ثم إن جمهور السلف على تقديم عثمان على علي – ﵃ أجمعين) (٤).\nوغيرهم من العلماء (٥).\nوهو مذهب الإمام الشافعي – ﵁ -، فقد ذكر البيهقي عن الربيع عن الشافعي أنه قال: (أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم) (٦).\nومذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁ حيث قال:\n(كنا نقول أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت، حتى صح لنا حديث ابن عمر بالتفضيل) (٧).\nقال ابن بدران الدمشقي في (المدخل): (وأما الحديث الذي أشار إليه الإمام، فإني كشفت عليه في المسند فلم أجده، ولست أدري هل هو فيه فزاغ عنه البصر، أم هو مفقود منه؟ وكذلك فتشت عليه في الكتب الستة فلم أجده، لكنني وجدت أن الحافظ أبا القاسم ابن عساكر الدمشقي رواه في ترجمة أبي بكر الصديق ﵁ من تاريخه الكبير عن ابن عمر قال: كنا نقول ورسول الله حي: أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فيبلغ ذلك رسول الله ﷺ ولا ينكره، وفي لفظ: ثم ندع أصحاب رسول الله ﷺفلا نفاضل بينهم-).\nقال ابن بدران:\n(وحيث إن الإمام أشار إلى صحة هذا الحديث تركنا الكلام عليه، اكتفاء بتوثيق إمام المحدثين) (٨).\nوقال الإمام ابن تيمية – ﵀ – في (منهاج السنة):\n(وأما جمهور الناس ففضلوا عثمان، وعليه استقر أمر أهل السنة، وهو مذهب أهل الحديث ومشايخ الزهد والتصوف وأئمة الفقهاء كالشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه وإحدى الروايتين عن مالك وأصحابه، وذكر أن هذا هو مذهب جماهير أهل الكلام، ونقل عن أبي أيوب السختياني قوله: من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار قال: وهكذا قال أحمد والدارقطني وغيرهما) (٩).\nوهو مذهب المتقدمين من المعتزلة: كأبي عثمان عمرو بن عبيد، وأبي إسحاق النظام: إبراهيم بن يسار، وأبي عثمان الجاحظ، وغيرهم، كما ذكر ذلك القاضي عبد الجبار في (شرح الأصول الخمسة) حيث قال:\n_________\n(١) «النووي على مسلم» (١٥/ ١٤٨).\n(٢) «المواهب اللدنية» (٧/ ٣٦، ٣٩).\n(٣) «الباعث الحثيث» (ص: ١٨٣).\n(٤) «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ١٤٩).\n(٥) انظر: «المنتقى» (ص: ٥٣١)، «المختصر في علم رجال الأثر» (ص: ٣٢)، «مختصر لوامع الأنوار» (ص: ٥٢١)، «تقريب النواوي ومعه تدريب الراوي» (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣).\n(٦) «مناقب الشافعي» (١/ ٤٣٣).\n(٧) «المدخل» (ص: ١٧).\n(٨) «المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل» (ص: ١٨).\n(٩) انظر: «منهاج السنة» (٤/ ٢٠٢).","vol":"7","page":188},{"text":"(إن المتقدمين من المعتزلة ذهبوا إلى أن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي) (١).\nوأيدوا ما ذهبوا إليه:\nبأن إجماع الصحابة من المهاجرين والأنصار على الترتيب بينهم في الإمامة، دليل على الترتيب بينهم في الفضل، ومن خرج على ذلك يعتبر - كما يقول أبو أيوب السختياني – ممن أزرى بالمهاجرين والأنصار، قال القسطلاني في (المواهب): (إن هؤلاء الأربعة اختارهم الله لخلافة نبيه، وإقامة دينه، فمنزلتهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة) (٢).\nوقال ابن كثير: (هذا – أي الترتيب بين الأربعة في الفضل كالترتيب بينهم في الخلافة – رأي المهاجرين والأنصار، حين جعل عمر الأمر من بعده شورى بين ستة، فانحصر في عثمان، وعلي، واجتهد فيهما عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها حتى سأل النساء في خدورهن على علي، وولاه الأمر قبله، قال: ولهذا قال الدارقطني: من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وصدق ﵁ وأكرم مثواه، وجعل جنة الفردوس مأواه) (٣).\nويشير إلى هذا قول الشافعي:\n(أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي – كما ذكر ذلك ابن حجر في (فتح الباري) (٤).\nثم إن أهل السنة لم يتعرضوا بعد ذلك إلى بيان التفاضل بين بقية أصحاب رسول الله ﷺ فهم عندهم كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.\nقال الشيخ عبد السلام اللقاني في (إتحاف المريد) بعد أن ذكر الستة من العشرة المبشرة: (ولم يرد نص بتفاوت بعضهم على بعض في الأفضلية، فلا قائل به لعدم التوقيف) (٥). صحابة رسول الله ﷺ في الكتاب والسنة – عيادة أيوب الكبيسي – ص: ١٧٦\nوقد اتفق أهل السنة والجماعة على تفضيل أبي بكر وعمر على عثمان وعلي ﵃ أجمعين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، والليث بن سعد وأهل مصر، والأوزاعي وأهل الشام، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة وأمثالهم من أهل العراق، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد وغير هؤلاء من الأئمة) (٦) (٧).\nوحكى مالك إجماع أهل المدينة على ذلك فقال: (ما أدركت أحدًا ممن يقتدى به يشك في تقديم أبي بكر وعمر) (٨).\nونقل البيهقي في (الاعتقاد) بسنده إلى أبي ثور عن الشافعي أنه قال: (أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي) (٩).\nوالأدلة على ما ذهبوا إليه مستفيضة منها على سبيل المثال:\n_________\n(١) «شرح الأحول الخمسة» (ص: ٧٦٦ - ٧٦٧)، وانظر «المختصر في علم رجال الأثر» (ص: ٣٢).\n(٢) «المواهب اللدنية» (٧/ ٣٩).\n(٣) «الباعث الحثيث» (ص: ١٨٣)، وانظر «محاسن الاصطلاح» (ص: ٤٣٣).\n(٤) «فتح الباري» (٧/ ١٧)، «الزرقاني على المواهب» (٧/ ٣٩).\n(٥) «إتحاف المريد» (ص: ٢٠٠).\n(٦) [١١١٨١]» انظر: «الاعتقاد» للبيهقي (ص: ٣٦٩)، «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لللالكائي (٨/ ١٣٦٩)، «الفرق بين الفرق» (ص: ٢٣٨)، «الصواعق المحرقة» (١/ ١٧٢)، «لوامع الأنوار» للسفاريني (٢/ ٣٥٦).\n(٧) [١١١٨٢]» «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٤٢١).\n(٨) [١١١٨٣]» انظر: «الاستذكار» (١٤/ ٢٤٤)، «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٤٢١).\n(٩) [١١١٨٤]» «الاعتقاد» للبيهقي (ص: ٣٦٩).","vol":"7","page":189},{"text":"- ما رواه البخاري وغيره عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كنا نخير بين الناس في زمن النبي - ﷺ - فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ﵃) (١).\n- وفي رواية قال سالم بن عبد الله: إن عبد الله بن عمر قال: (كنا نقول ورسول الله - ﷺ - حي: أفضل أمة النبي - ﷺ - بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ﵃) (٢).\nوكلا الحديثين نص في المسألة.\n- وقد روي آثار مستفيضة عن علي رضي الله تعالى عنه نفسه ففي صحيح البخاري عن محمد بن الحنفية أنه قال: (قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله - ﷺ -؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين) (٣). قال ابن تيمية: (وروي هذا عن علي بن أبي طالب من نحو ثمانين وجهًا، وأنه كان يقول على منبر الكوفة، بل قال: «لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري» (٤)، فمن فضله على أبي بكر وعمر جلد بمقتضى قوله ﵁ - ثمانين سوطًا) (٥).\nقلت: وفي هذا أكبر حجة على بطلان قول الرافضة بأنه لم يبايع إلا تقية وكان مكرهًا وإلا فهو أفضل منهما، ولو كان الأمر كذلك لما أعلنه على رؤوس الأشهاد على المنبر، ولما جلد من يقول ذلك حد الافتراء.\nومنها ما رواه البخاري أيضًا وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (إني لواقف في قوم ندعو الله لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره، إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله إن كنتُ لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله - ﷺ - يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما، فالتفتُّ فإذا هو علي بن أبي طالب) (٦).\n- وروي عن سفيان الثوري أنه قال: (من زعم أن عليًا كان أحق بالولاية منهما فقد خطَّأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار رضي الله عن جميعهم وما أراه يرتفع له مع هذا عمل إلى السماء) (٧) وفي رواية (... فقد أزرى على اثني عشر ألفًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وما أراه ... إلخ الحديث) (٨) هذا بالإضافة إلى ما روي عن النبي - ﷺ - في كل منهم من الفضائل. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص ٣١١\n_________\n(١) [١١١٨٥]» رواه البخاري (٣٦٥٥).\n(٢) [١١١٨٦]» رواه أبو داود (٤٦٢٨). وسكت عنه، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٣) [١١١٨٧]» رواه البخاري (٣٦٧١).\n(٤) [١١١٨٨]» رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (٢/ ٣٥٥) بلفظ: (لا يفضلني عن أبي بكر وعمر أو لا أجد أحدا يفضلني على أبي بكر وعمر إلا وجلدته جلد حد المفتري) قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٤٧٤): [روي] بأسانيد جيدة.\n(٥) [١١١٨٩]» «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٤٢٢).\n(٦) [١١١٩٠]» رواه البخاري (٣٦٧٧).\n(٧) [١١١٩١]» رواه أبو داود (٤٦٣٠). وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح الإسناد مقطوع.\n(٨) [١١١٩٢]» رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (١/ ٢٥٤) (٨٣٢). من حديث عمار بن ياسر ﵁ بلفظ: (من فضل على أبي بكر وعمر أحدا من أصحاب رسول الله فقد أزرى على المهاجرين والأنصار واثني عشر ألفًا من أصحاب محمد). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي سنان إلا حازم بن جبلة ولا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٥٦): رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه حازم بن جبلة ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.","vol":"7","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1971>ثانيا: المفاضلة بين عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما</span>\nأما المفاضلة بين عثمان وعلي فهذه دون تلك، وقد حصل فيها نزاع بين السلف قال ابن تيمية: (فإن سفيان الثوري وطائفة من أهل الكوفة رجحوا عليًا على عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره، وبعض أهل المدينة توقَّف في عثمان وعلي وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على علي كما هو مذهب سائر الأئمة كالشافعي وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام) (١).\nأما أبو حنيفة ﵀ فقد روي عنه (تقديم علي على عثمان) (٢) وجاء في (السير الكبير) لمحمد بن الحسن الشيباني: (روى نوح بن أبي مريم عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: سألته عن مذهب أهل السنة فقال: أن تفضل أبا بكر وعمر، وتحب عليًّا وعثمان، وترى المسح على الخفين (٣)، ولا تكفر أحدًا من أهل القبلة، وتؤمن بالقدر، ولا تنطق في الله بشيء ...) ثم قال الشارح: (ومن الناس من يقول: قبل الخلافة كان عليًّا مُقَدَّمًا على عثمان، وبعد الخلافة عثمان أفضل من علي) (٤) ثم اعتذر الشارح عن كلام الإمام السابق بقوله: (ولم يُرِدْ أبو حنيفة ﵁ بما ذكر تقديم علي على عثمان، ولكن مراده أن محبتهما من مذهب أهل السنة فالواو عنده لا توجب الترتيب) (٥).\nقلت: بل قد صرَّح في الفقه الأكبر بتقديم عثمان على علي فقال: (وأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أبو بكر، ثم عمر بن الخطاب الفاروق، ثم عثمان بن عفان ذو النورين، ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضي الله تعالى عنهم أجمعين) (٦). وهو ظاهر المذهب قال السرخسي: (فأما المذهب عندنا أن عثمان أفضل من علي رضوان الله عليهما قبل الخلافة وبعدها) (٧).\nأدلة تفضيل عثمان على علي ﵁:\n... أن الغالبية العظمى من أهل السنة والجماعة على تقديم عثمان على علي، ولم يخالف إلا القليل، ويدل على صحة ما ذهبوا إليه ما يلي:\n- ما تقدّم من قول عبد الله بن عمر ﵄: كنا نقول ورسول الله - ﷺ - حيّ: (أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ﵃) (٨).\n_________\n(١) [١١١٩٣]» «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٢٦).\n(٢) [١١١٩٤]» «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٨٦).\n(٣) [١١١٩٥]» مخالفة للرافضة، لأنهم لا يرون المسح على الخفين ولا الصلاة فيها، ولذلك درج علماء السلف على ذكر هذه المسألة الفرعية في عقائدهم للدلالة على مخالفتهم للرافضة.\n(٤) [١١١٩٦]» «شرح السير الكبير» (١/ ١١١).\n(٥) [١١١٩٧]» «شرح السير الكبير» (١/ ١١١).\n(٦) [١١١٩٨]» انظر: «الفقه الأكبر» لأبي حنيفة (ص: ٤١).\n(٧) [١١١٩٩]» «شرح السير الكبير» (١/ ١١١)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص: ٤٨٦).\n(٨) [١١٢٠٠]» رواه أبو داود (٤٦٢٨). وسكت عنه، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».","vol":"7","page":191},{"text":"- وكذلك في قصة بيعة عثمان الثابتة في الصحيح (١) - كما مر - أنه لما لم يبق في الشورى إلا عثمان، وعلي، والحكم عبد الرحمن بن عوف، وبقي عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها يشاور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمهات المؤمنين، ويشاور أمراء الأمصار - فإنهم كانوا بالمدينة حجوا مع عمر وشهدوا موته - حتى قال عبد الرحمن: (إن لي ثلاثًا ما اغتمضت بنوم) بعد هذا كله وبعد أخذ المواثيق منهما على أن يبايع من بايعه، أعلن النتيجة بعد هذا الاستفتاء وهي قوله: (إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان) فبايعه علي وعبد الرحمن وسائر المسلمين بيعة رضى واختيار فدلّ ذلك على تقديمه في الأفضلية عليه، قال ابن تيمية: (وهذا إجماع منهم على تقديم عثمان على علي) (٢) ولما سأل رجل عبد الله بن المبارك أيهما أفضل علي أو عثمان قال: (قد كفانا ذاك عبد الرحمن بن عوف) (٣)، وقال عبد الله بن مسعود ﵁ حينما ولي عثمان الخلافة (أمَّرنا خير من بقي ولم نَأْل) (٤).\nولهذا قال أيوب وأحمد بن حنبل والدارقطني: (من قَدَّم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) (٥) ويفسِّر ابن تيمية ذلك بأنه: (لو لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقد قدموه كانوا إما جاهلين بفضله، وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني، ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم) (٦).\nوالسلف وإن كان بعضهم يرى التوقف بعد ذكر عثمان، لا يقدِّمون على علي أحدًا بعد الثلاثة، كما قال الإمام أحمد: (من لم يربِّع بعلي فهو أضل من حمار أهله) (٧) وإنما من قال بالتوقف في التفضيل عند عثمان يريد الاقتداء بحديث ابن عمر السابق، فيذكرون الثلاثة ثم يجملون بقية أصحاب الشورى كما هي رواية عن الإمام أحمد نفسه فقد ذكر عنه اللالكائي قوله: (وخير الأمة بعد نبيها - ﷺ - أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان. نقدِّم هؤلاء الثلاثة كما قدَّمهم أصحاب رسول الله - ﷺ - لم يختلفوا في ذلك، ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد كلهم يصلح للخلافة وكلهم إمام، ونذهب إلى حديث ابن عمر (كنا نعدّ ورسول الله - ﷺ - حيّ وأصحابه متوافرون أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان) (٨).\nوبنحوه تمامًا عن علي بن المديني (٩).\nوإن كان ورد عنه نفسه ﵀ روايات ينص فيها على التربيع بعلي منها الرواية السابقة: (من لم يربِّع بعلي فهو أضل من حمار أهله). ومنها رواية الإصطخري حيث قال فيها: (وخير الأمة بعد نبيها - ﷺ -: أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان) (١٠).\n_________\n(١) [١١٢٠١]» الحديث مطولًا رواه البخاري (٣٧٠٠). من حديث عمرو بن ميمون ﵁.\n(٢) [١١٢٠٢]» «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٢٨).\n(٣) [١١٢٠٣]» «السنة» للخلال (٢/ ٣٨٩).\n(٤) [١١٢٠٤]» رواه الطبراني (٩/ ١٧٠) (٨٨٦١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٩١): رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح، وقال الشوكاني في «در السحابة» (ص: ١٢٠): [ورد] بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح.\n(٥) [١١٢٠٥]» «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٢٨). وانظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ٤٨٦).\n(٦) [١١٢٠٦]» «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٢٨).\n(٧) [١١٢٠٧]» «منهاج السنة» (٢/ ٢٠٨).\n(٨) [١١٢٠٨]» «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ١٥٩).\n(٩) [١١٢٠٩]» «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ١٦٧).\n(١٠) [١١٢١٠]» «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (١/ ٣٠).","vol":"7","page":192},{"text":"ولذلك كانت خلاصة رأي الإمام أحمد ﵀ في التفضيل - على ما يراه الخلال - هي من قوله: (من قال: أبو بكر وعمر وعثمان فقد أصاب. وهو الذي العمل عليه، ومن قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فصحيح أيضًا جيد لا بأس به وبالله التوفيق) (١).\nقلت: لكنه ورد عنه ﵀ تكذيبه لمن نسبه إلى التوقف عند عثمان فقال في رواية محمد بن عوف الحمصي: (وخير الناس بعد رسول الله - ﷺ -: أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، فقلت له يا أبا عبد الله، فإنهم يقولون: إنك وقفت على عثمان؟ فقال: كذبوا والله علي، إنما حدثتهم بحديث ابن عمر - وذكر الحديث - ولم يقل النبي - ﷺ -: لا تخايروا بعد هؤلاء بين أحد، ليس لأحد في ذلك حجة، فمن وقف على عثمان ولم يربع بعلي فهو على غير السنة يا أبا جعفر) (٢).\nفالحاصل أن من نص على التربيع على علي، ومن توقف عن التنصيص عند عثمان، كلهم لا يقدمون على علي بعد الثلاثة أحدًا، ولا يلزم من عدم التنصيص عليه بعد عثمان أنهم يقدمون عليه أحدًا، قال ابن تيمية: (فليس في أهل السنة من يقدم عليه - أي علي - أحدًا غير الثلاثة، بل يفضلونه على جمهور أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وعلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وما في أهل السنة من يقول: إن طلحة والزبير وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف أفضل منه، بل غاية ما يقولون السكوت عن التفضيل بين أهل الشورى) (٣) وقد حكى الحافظ ابن حجر الإجماع على أن ترتيب الخلفاء في الأفضلية كترتيبهم في الخلافة (٤).\nلكن من قدم عليًا على عثمان هل هو مبتدع أم لا؟ وعلى هذا السؤال يجيب الخلال، فقد قال بعد ذكره لعدة روايات مسنده عن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل فيمن قدم عليًا على عثمان قال: (فاستقر القول من أبي عبد الله أنه يكره هذا القول ولم يجزم في تبديعه، وإن قال قائل: هو مبتدع لم ينكر عليه وبالله التوفيق) (٥). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٣١٧\nهذا وبعض أهل السنة قد خمَّس بالخلفاء الراشدين، ولكن اختلفوا في الخامس، فمنهم من جعله عمر بن عبد العزيز، وُروي ذلك عن سفيان الثوري (٦) وروي عن الشافعي (٧) أيضًا. ومنهم من جعله الحسن بن علي لخلافته التي مدتها ستة أشهر قبل الصلح، واستدلوا على ذلك بحديث سفينة السابق «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ...» (٨) الحديث. وقد عدّوا هذه الأشهر الستة تمام الثلاثين سنة (٩).\n_________\n(١) [١١٢١١]» «السنة» للخلال (٢/ ٤١٠).\n(٢) [١١٢١٢]» «طبقات الحنابلة» (١/ ٣١٣).\n(٣) [١١٢١٣]» «منهاج السنة» (٢/ ٢٠٦).\n(٤) [١١٢١٤]» «فتح الباري» (٧/ ٣٤).\n(٥) [١١٢١٥]» «السنة» للخلال (٢/ ٣٨٢).\n(٦) [١١٢١٦]» رواه أبو داود (٤٦٣١)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٣٢). قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: ضعيف الإسناد مقطوع.\n(٧) [١١٢١٧]» رواه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه) (١/ ١٤٥)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٤٨).\n(٨) رواه أبو داود (٤٦٤٦)، والحاكم (٣/ ١٥٦)، والطبراني (٧/ ٨٤) (٦٤٥٩) بلفظ: «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء». ورواه الترمذي (٢٢٢٦)، وأحمد (٥/ ٢٢١) (٢١٩٧٨)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٤٧) (٨١٥٥). بلفظ: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك». والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي، وابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١٤١): حسن، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» و«صحيح سنن الترمذي».\n(٩) [١١٢١٩]» انظر: «تاريخ الخلفاء» للسيوطي (ص: ٩).","vol":"7","page":193},{"text":"وهذا القول أقوى من سابقه، لأن معاوية ﵁ أفضل من عمر بن عبد العزيز ولم يُعَّد منهم، ويكفيه فضلًا صحبة رسول الله - ﷺ - وكتابته الوحي بين يديه وغيرهما (١) وإنما اشتهر فضل عمر بن عبد العزيز لأنه أتى بعد سنوات من الظلم والعَسْفِ، فرفع المظالم ورد الأمانات إلى أهلها. أما معاوية ﵁ فقد جاء بعد أفضل الأمة بعد الأنبياء، وهم الخلفاء الأربعة الراشدون رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ومع ذلك فقد كان له من الفضل والأمانة وحسن سياسة الرعية ومحبتهم له الشيء الكثير، روى الأثرم بسنده إلى أبي هريرة المكتَّب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله فقال الأعمش: (فكيف لو أدركتم معاوية؟) قالوا في حلمه؟ قال: (لا والله بل في عدله) (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة) (٣). وقد روي عن النبي - ﷺ - أحاديث في فضله ﵁، هذا من ناحية الخلفاء، أما أفضل الصحابة عمومًا بعد الأربعة فهم بقية أهل الشورى.\nمن السنة المفاضلة بين الخلفاء الراشدين قد يعترض معترض فيقول: الأولى أن نحبّ أصحاب النبي - ﷺ - جميعًا ولا نفاضل بينهم، ولهذا المعترض نقول: السنة المفاضلة بينهم على ما جاءت به الأحاديث الصحيحة، وسار عليه السلف الصالح من تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين على سائر الصحابة، وقد سئل الإمام أحمد عن رجل يحب أصحاب رسول الله - ﷺ - ولا يفضل بعضهم على بعض وهو يحبهم قال: (السنة أن يفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعلي من الخلفاء) (٤).\nوإنما الذي ذموا التحدث فيه والتعرض له هو ما شجر بين الصحابة من قتال وفتن بعد مقتل الشهيد عثمان ﵁، ثم النزاع الذي حصل بين علي ومعاوية ﵄ ومن معهما من الصحابة. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي - ص: ٣٢٧\n_________\n(١) [١١٢٢٠]» انظر: «العواصم من القواصم وحاشيته» (ص: ١٥١).\n(٢) [١١٢٢١]» رواه الخلال في «السنة» (٢/ ٤٣٧).\n(٣) [١١٢٢٢]» «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٧٨).\n(٤) [١١٢٢٣]» رواه الخلال في «السنة» (٢/ ٣٧٢).","vol":"7","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1972>الفرع الرابع: المفاضلة بين جماعات الصحابة</span>\nلقد دل كتاب الله على تفاضل جماعات الصحابة، فالله ﷿ فضل الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا على الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، والمقصود بالفتح صلح الحديبية (١). قال سبحانه: لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: ١٠]. وفضل الله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على من دونهم، فقال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [التوبة: ١٠٠]. وهذا نص على تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كما يقول القرطبي (٢). وقد اختلف في تعيين السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على أقوال (٣):\nأحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين.\nالثاني: أنهم أهل بيعة الرضوان.\nالثالث: أنهم أهل بدر.\nالرابع: أنهم جميع الصحابة بلا استثناء وأن الذين اتبعوهم بإحسان هم تابعوهم من غير الصحابة.\nهذه الأقوال المنقولة عن السلف من الصحابة والتابعين، وزاد المتأخرون قولين:\nأحدهما: أنهم السابقون بالموت والشهادة، قال ابن الجوزي: (ذكره الماوردي) (٤).\nالثاني: أنهم الذين أسلموا قبل الهجرة، قال ابن الجوزي: (ذكره القاضي أبو يعلى) (٥).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢٣/ ١٧٥)، و«تفسير ابن كثير» (٨/ ١٢).\n(٢) «تفسير القرطبي» (٨/ ٢٣٦).\n(٣) «تفسير الطبري» (١١/ ٦) و«الاستيعاب – بهامش الإصابة -» (١/ ٢) و«زاد المسير» (٣/ ٤٩٠) و«تفسير القرطبي» (٨/ ٢٣٦) و«الدر المنثور» (٣/ ٢٦٩).\n(٤) «زاد المسير» (٣/ ٤٩٠).\n(٥) «زاد المسير» (٣/ ٤٩١).","vol":"7","page":195},{"text":"قال القرطبي: (واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير خلاف بينهم) (١). والذي أرى في اللفظ دلالة عليه أن المراد بالسابقين الأولين الذين سبقوا إلى الإسلام والهجرة والنصرة، وابتدروا ذلك قبل تمكن الإسلام وتتابع الناس عليه، ولا شك أن أول من يدخل في هؤلاء أوائل من أسلم من المهاجرين كالخلفاء الأربعة ومن الأنصار الذين أسلموا ليلتي العقبة. ولعل جميع من أسلم حتى غزوة الحديبية من السابقين الأولين (٢). ذلك أن صلح الحديبية كان فتحًا للمسلمين، فقد نزل قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا [الفتح: ١]. في منصرفه ﷺ من الحديبية (٣). ولم يكن الصحابة يعدون الفتح إلا الحديبية كما قال البراء ﵁: (تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية) (٤). وفي (مغازي الواقدي) عن أبي بكر وعمر أن كلًا منهما قال: (ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية) (٥). فكان يوم الحديبية فتحًا للإسلام والمسلمين تتابع الناس بعده على الإسلام لما ترتب على الصلح من وقوع الأمن ورفع الحرب وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك كما وقع لخالد وعمرو وغيرهما، ولعله مما يقوي هذا الرأي تفسير جمع من أهل العلم الفتح بالحديبية في قوله: لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا فيستأنس بهذا التفضيل في الآية على أنه للسابقين الأولين، وتفسير العلماء للفتح بالحديبية على أن السابقين هم من أسلم قبل الحديبية. والله أعلم.\nودل كتاب الله على تفضيل المهاجرين على الأنصار فقد قدم الله ذكرهم على ذكر الأنصار في كتابه، قال سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٧٤]. فقدم ذكر الذين هاجروا على الذين آووا ونصروا.\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (٨/ ٢٣٦).\n(٢) «سير أعلام النبلاء» (١/ ١٤٤).\n(٣) «أسباب النزول» للواحدي (ص: ٢٥٦).\n(٤) رواه البخاري (٤١٥٠).\n(٥) «المغازي» (٢/ ٦٠٩).","vol":"7","page":196},{"text":"وقال سبحانه: لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ [التوبة: ١١٧]. فبدأ بذكر المهاجرين بعد النبي ﷺ ثم بذكر الأنصار، وقال سبحانه: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٨ - ٩]. فبدأ بذكر المهاجرين ثم الأنصار، وأفرد سبحانه ذكر المهاجرين في مواضع من كتابه كقوله: فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ [آل عمران: ١٩٥]. وقال سبحانه: الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [التوبة: ٢٠].\nوقال سبحانه: وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل: ٤١ - ٤٢].\nقال ابن تيمية ﵀ في بيان أصول أهل السنة: (ويفضلون من أنفق من قبل الفتح – وهو صلح الحديبية – وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار) (١).\nوفي عقيدة الإمام أحمد أنه كان يقول: (أفضل الصحابة أهل بيعة الرضوان وخيرهم وأفضلهم أهل بدر، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وأعيانهم الأربعون أهل الدار، وخيرهم عشرة شهد لهم النبي ﷺ بالجنة وهو عنهم راض، وأعيانهم أهل الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب ﵁ للمسلمين، وأفضلهم الخلفاء الأربعة) (٢).\nوقد صنف العلماء الصحابة في طبقات اختلفوا في عددها، قال السيوطي في (شرح التقريب) (واختلف في عدد طبقاتهم – (يعني الصحابة) – باعتبار السبق إلى الإسلام، أو الهجرة، أو شهود المشاهد الفاضلة، فجعلهم ابن سعد خمس طبقات، وجعلهم الحاكم اثنتي عشرة طبقة) (٣).\nقال أحمد شاكر ﵀: (وزاد بعضهم أكثر من ذلك، والمشهور ما ذهب إليه الحاكم) (٤).\nوالمراتب التي جعلها الحاكم للصحابة هي:\nقوم أسلموا بمكة.\nأصحاب دار الندوة.\nالمهاجرة إلى الحبشة.\nأصحاب بيعة العقبة الأولى.\nأصحاب بيعة العقبة الثانية.\nأول المهاجرين الذين وصلوا والنبي في قباء قبل أن يدخلوا المدينة ويبنى المسجد.\nأهل بدر.\nالمهاجرة الذين هاجروا بين بدر والحديبية.\nأهل بيعة الرضوان.\nالمهاجرة بين الحديبية والفتح.\nالذين أسلموا يوم الفتح.\nصبيان وأطفال رأوا النبي ﷺ يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرها وعدادهم في الصحابة (٥).\nولعل المراتب السبع الأولى هي مراتب السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والله أعلم.\n_________\n(١) «العقيدة الواسطية – ضمن المجموعة العلمية» (ص: ٨٥).\n(٢) «طبقات الحنابلة» (٢/ ٢٧٢).\n(٣) «تدريب الراوي» (٢/ ٢٢١).\n(٤) «الباعث الحثيث» (ص: ١٥٦).\n(٥) «معرفة علوم الحديث» (ص: ٢٣).","vol":"7","page":197},{"text":"أما الطبقات الخمس التي جعلها ابن سعد في كتابه للصحابة فالأمر فيها ما قاله أحمد شاكر: (لو كان المطبوع كاملا لاستخرجناها منه وذكرناها) (١). وأظن أن الطبقات التي جعلها ابن سعد هي الطبقات التي صنف عليها ابن الجوزي في كتابه (صفة الصفوة) من ترجم له من الصحابة، فإنه قال: (بدأت بذكر العشرة ثم ذكرت من بعدهم على ترتيب طبقاتهم) (٢) والطبقات التي ذكرها خمس هي:\nالطبقة الأولى على السابقة في الإسلام ممن شهد بدرًا من المهاجرين والأنصار، وحلفائهم ومواليهم (٣).\nمن لم يشهد بدرًا من المهاجرين والأنصار وله إسلام قديم (٤).\nمن شهد الخندق وما بعده (٥).\nمن أسلم عند الفتح وفيما بعد ذلك (٦).\nالذين توفي رسول الله ﷺ وهم أحداث الأسنان (٧).\nوفي المطبوع من (طبقات ابن سعد) ذكر الطبقتين الأوليين على نفس الوصف الذي ذكره ابن الجوزي تمامًا (٨). والعلماء وإن أرادوا بهذا التقسيم معرفة الصحابة لا ذكر التفاضل إلا أنهم قد اعتبروا وجوه الفضل والتفاضل في التقسيم، والله أعلم. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد الشظيفي –ص: ٢٦٧\nالقسم الثاني: في ترتيب التفاضل بين جماعات الصحابة – ﵃:\nوقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: مذهب أهل السنة:\nويرى أن أفضل جماعات الصحابة ﵃: الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقون بعدهم إلى تمام العشرة المبشرين بالجنة.\nثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية.\nوممن ذكر ذلك أبو منصور البغدادي حيث قال في (أصول الدين):\n(أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم: الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون بعدهم إلى تمام العشرة وهم: طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح ﵃.\nثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية) (٩).\nكما ذكر ذلك ابن كثير وغيره (١٠). صحابة رسول الله ﷺ في الكتاب والسنة – عيادة أيوب الكبيسي – ص: ٢٥١\nجاء في عقيدة الإمام أحمد وعلي بن المديني اللتين رواهما اللالكائي بسنده عنهما أنه يلي الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان في الفضل بقية أصحاب الشورى الخمسة: علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص (١١) وهما لا يقدمان على علي أحدًا بعد الثلاثة بل قالا هذا موافقة لحديث ابن عمر كما تقدم بيانه.\n_________\n(١) «الباعث الحثيث» (ص: ١٥٦).\n(٢) «صفة الصفوة» (١/ ٢٣٤).\n(٣) «صفة الصفوة» (١/ ٣٧٠).\n(٤) «صفة الصفوة» (١/ ٥٠٦).\n(٥) «صفة الصفوة» (١/ ٦٥٠).\n(٦) «صفة الصفوة» (١/ ٧٢٥).\n(٧) «صفة الصفوة» (١/ ٧٤٦).\n(٨) «طبقات ابن سعد» (٣/ ٦ و٤/ ٥).\n(٩) «أصول الدين» (ص: ٣٠٤).\n(١٠) انظر: «الباعث الحثيث» (ص: ١٨٣)، «المختصر في علم رجال الأثر» (ص: ٣٢ - ٣٣)\n(١١) «شرح أصول الاعتقاد» (١/ ١٥٩ و١٦٧) و«طبقات الحنابلة» (١/ ٢٤٣).","vol":"7","page":198},{"text":"قال ابن تيمية ﵀: (ما في أهل السنة من يقول: إن طلحة والزبير وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف أفضل منه (يعني من علي) – بل غاية ما يقولون السكوت عن التفضيل بين أهل الشورى وهؤلاء أهل الشورى عندهم أفضل السابقين الأولين والسابقون الأولون أفضل من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا) (١) والحاصل أن بقية أصحاب الشورى الذين جعل عمر ﵁ فيهم الأمر من بعده يختارون أحدهم أفضل الصحابة بعد علي ﵁ عند أهل السنة والجماعة، وقال الإمام أحمد: (ثم من بعد أصحاب الشورى: أهل بدر من المهاجرين ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ على قدر الهجرة والسابقة أولًا فأول) (٢). وقد نقل جماعة من أهل العلم أن أفضل الصحابة بعد الأربعة بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم أصحاب الشورى المذكورون، وسعيد بن زيد، بن عمرو بن نفيل، وأبو عبيدة بن الجراح (٣). ثم من بعد العشرة أهل بدر الذين قال فيهم ﷺ: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٤). وفي لفظ: «فقد وجبت لكم الجنة» (٥). وجاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: «ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين – أو كلمة نحوها – قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة» (٦). ثم أهل أحد ثم أهل بيعة الرضوان الذين قال الله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ١٠]. وقال فيهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ١٨]. وقال فيهم ﷺ: «لا يدخل النار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها» (٧).\nوقد كانوا أكثر من ألف وأربعمائة صحابي كما في الصحيح (٨).\nذكر هذا الترتيب في الفضل بعد العشرة النووي (٩). وابن الصلاح (١٠)، وابن كثير (١١). وذكر السفاريني تقديم أهل بيعة الرضوان على أهل أحد بعد أهل بدر وقال: (هو الأصح)، وقال: (لأن الله تعالى قال في أهل بيعة الرضوان: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ١٨]. وقال في أهل غزوة أحد: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [آل عمران: ١٥٥]. وفي الآية الأخرى: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ [آل عمران: ١٥٢]. فوصفهم في الموضعين بالعفو، ووصف أهل البيعة بالرضى، وهو أعلى وأسنى وأفضل من العفو) قال: (وهذا ظاهر والله تعالى أعلم) (١٢). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد الشظيفي – ص ٢٦٥\nقال بعض العلماء: أن أهل أحد مقدمون على أهل بيعة الرضوان، ومن المعلوم أن من الصحابة من كان من أهل بدر ومن العشرة ومن أهل بيعة الرضوان ومن أهل أحد يعني بعض الصحابة اجتمعت لهم الأوصاف الأربعة وبعضهم لا، إذا قلنا: إن أهل أحد مقدمون على أهل بيعة الرضوان، أيهم أكثر؟\nأهل بيعة الرضوان لأن أهل بيعة الرضوان ألف وأربعمائة وأهل أحد نحو سبعمائة نفر لكن أصابهم من البلاء والتمحيص والقتل ما لم يكن في بيعة الرضوان، لهذا رجَّح بعض العلماء أهل أحد على أهل بيعة الرضوان، ولكن الذي يظهر القول الأول: أن أهل بيعة الرضوان أفضل شرح العقيدة السفارينية لابن عثيمين - ص:٦٢١\n_________\n(١) «منهاج السنة» (٤/ ٣٩٧).\n(٢) «شرح أصول الاعتقاد» (١/ ١٥٩).\n(٣) «عقيدة الحافظ المقدسي، ضمن المجموعة العلمية السعودية» (ص: ٥٢) و«الجامع من المقدمات» (١٧٥) و«مقدمة ابن الصلاح» (ص: ١٤٩) و«الباعث الحثيث» (ص: ١٥٦) و«تقريب النواوي وشرحه التدريب» (٢/ ٢٢٣) و«لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٣٥٧) و«معارج القبول» (٢/ ٥٨٤).\n(٤) رواه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٣٩٨٣).\n(٦) رواه البخاري (٣٩٩٢). من حديث رفاعة بن رافع ﵁.\n(٧) رواه مسلم (٢٤٩٦). من حديث أم مبشر ﵂.\n(٨) «صحيح البخاري مع الفتح» (٧/ ٤٤١).\n(٩) «التقريب مع التدريب» (٢/ ٢٢٣).\n(١٠) «المقدمة» (ص: ١٤٩).\n(١١) «اختصار علوم الحديث- مع الباعث الحثيث -» (ص: ١٥٦).\n(١٢) «اللوامع» (٢/ ٣٧٢).","vol":"7","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1973>الفرع الخامس: المفاضلة بين الصحابيات</span>\nلا ريب أن التفاضل كما أنه واقع بين الصحابة واقع بين الصحابيات أيضًا، ولقد ثبت في الكتاب والسنة تفضيل نساء النبي ﷺ عامة، وخديجة وعائشة خاصة وابنته فاطمة ﵅ على جميع الصحابيات.\nقال تعالى: يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب: ٣٢]. فهذا في تفضيل نساء النبي ﷺ عامة، وأنه لا يلحقهن في فضلهن إن اتقين الله أحد من النساء فهن أكرم على الله من غيرهن.\nوقال ﷺ: «خير نسائها مريم ابنة عمران، وخير نسائها خديجة» (١). فهذا في تفضيل خديجة ﵂.\nوقال ﷺ: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام» (٢).\nوقال ﷺ: «يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة» (٣).\nوفي لفظ: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة» (٤).\nوقد اشتهر الخلاف في خديجة وعائشة وفاطمة أيهن أفضل (٥) ﵅، قال ابن تيمية: (أفضل نساء هذه الأمة خديجة وعائشة وفاطمة، وفي تفضيل بعضهن على بعض نزاع وتفصيل) (٦).\nوإذا نظرنا في النصوص الواردة في تفضيل كل واحدة منهم – ﵅ – وجدنا أن اللفظ الوارد في تفضيل خديجة وهو قوله ﷺ: «خير نسائها خديجة» إنما يتضح تمام معناه بمعرفة الضمير على أي شيء يعود، وقد ورد ما يفسر ذلك صريحًا فقد قال ﷺ: «لقد فضلت خديجة على نساء أمتي» (٧). وقال ﷺ: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية» (٨). قال ابن حجر: (وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل) (٩). وقال ﷺ: «حسبك من نساء العالمين: مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون» (١٠).\nفهذا النص في خديجة ﵂ أنها أفضل نساء الأمة.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤٣٢). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٦٢٨٥)، ومسلم (٢٤٥٠). من حديث عائشة ﵂.\n(٤) «البخاري مع الفتح» (٦/ ٦٢٨).\n(٥) «أصول الدين» (٣٠٦) و«الروض الأنف» (٢/ ٢٦٨) و«الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة» (٥٦) و«فتح الباري» (٧/ ١٣٩) و«بدائع الفوائد» (٣/ ١٦٣) و«جلاء الأفهام» (١٢٢).\n(٦) «الفتاوى» (٤/ ٣٩٤).\n(٧) رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٩/ ٢٢٦)، والبزار (٤/ ٢٥٥). من حديث عمار بن ياسر ﵄. قال الهيثمي: رواه الطبراني، والبزار، وفيه أبو يزيد الحميري، ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا.\n(٨) رواه أحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٨)، وابن حبان (١٥/ ٤٧٠) (٧٠١٠)، وأبو يعلى (٥/ ١١٠) (٢٧٢٢)، والطبراني (١١/ ٣٣٦) (١١٩٥٥)، والحاكم (٢/ ٥٣٩). هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الذهبي، وحسن إسناده النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (٢/ ٣٤١)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد) (٩/ ٢٢٦): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم رجال الصحيح.\n(٩) «فتح الباري» (٧/ ١٣٥).\n(١٠) رواه الترمذي (٣٨٧٨)، وأحمد (٣/ ١٣٥) (١٢٤١٤)، وابن حبان (١٥/ ٤٦٤) (٧٠٠٣)، والطبراني (٢٢/ ٤٠٢) (١٨٨٥٥)، والحاكم (٣/ ١٧٢). قال الترمذي: صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٥٤٣).","vol":"7","page":200},{"text":"ثم إن اللفظ الوارد في تفضيل فاطمة ﵂ وهو قوله ﷺ: «يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة» وفي لفظ: «سيدة نساء أهل الجنة» فهو صريح لا لبس فيه ولا يحتمل التأويل، وهو نص في أنها أفضل نساء الأمة، وسيدة نساء أهل الجنة، وقد شاركت أمها في هذا التفضيل، فهي وأمها أفضل نساء أهل الجنة، وهي وأمها أفضل نساء الأمة، بهذا وردت النصوص.\nوأما اللفظ الوارد في تفضيل عائشة ﵂ وهو قوله ﷺ: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام» فهو لفظ لا يستلزم الأفضلية المطلقة كما يقول ابن حجر (١) وقال ﵀: (وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة ﵂ على غيرها، لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير المؤنة وسهولة الإساغة، وكان أجل أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة فقد يكون مفضولًا بالنسبة لغيره من جهات أخرى) (٢) ومحصل القول في الحديث أنه دال على أفضلية عائشة إلا أنه لا يستلزم الأفضلية المطلقة، إذ هو مقيد بما ورد في خديجة وفاطمة ﵄، فهو دال على تفضيل عائشة على النساء إلا خديجة وفاطمة.\nوأما حديث عمرو بن العاص لما سأل النبي ﷺ: أي الناس أحب إليك؟ فقال ﷺ: «عائشة» (٣) فإن ابن حبان ﵀ دلل على تقييده في نسائه ﷺ فقد عقد عنوانًا في (صحيحه) فقال: (ذكر خبر وهم في تأويله من لم يحكم صناعة الحديث) وأخرج تحته حديث عمرو بلفظ: «قلت: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: إني لست أعني النساء إنما أعني الرجال، فقال: أبو بكر أو قال أبوها» ثم قال ابن حبان: (ذكر الخبر الدال على أن مخرج هذا السؤال معا كان عن أهله دون سائر النساء في فاطمة وغيرها) وأخرج بسنده عن أنس قال: «سئل رسول الله ﷺ: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قيل له: ليس عن أهلك نسأل، قال: فأبوها» (٤). ثم هو محمول على إرادة الأحياء من زوجاته الموجودات حين السؤال، ثم هو وإن دل على عموم تفضيلها ﵂ إلا أنه مقيد بالنص في خديجة وفاطمة والله أعلم.\nفالنصوص دالة دلالة بينة لا تحتاج إلى تأويل على أن عائشة تلي خديجة وفاطمة في الفضل ﵅، وعلى المخالف أن يأتي بالدليل على استثناء عائشة ﵂، من قوله ﷺ في كل من خديجة وفاطمة أنها أفضل أهل الجنة وأنها سيدة نساء هذه الأمة.\nعلى أن لعائشة ﵂ من الفضائل كالعلم مثلًا ما تختص به خديجة وفاطمة ﵅، وفضائلها ﵂ لا تحصر، إلا أن هذا على نحو ما تقرر من أنه لا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق.\nهذا، والنص لم يرد بتفضيل خديجة أو فاطمة على عائشة لفظًا كما ورد بتفضيل أبي بكر على عمر مثلًا، ولولا ما حدث من الكلام في هذا الأمر واشتهار الخلاف فيه حتى أنه قد أُلف (٥) فيه لكان الواجب الأخذ بالأصل وهو أن يسعنا ما ورد في الشرع من إقرار ما جاء من الفضل لخديجة، وما جاء منه لفاطمة، وما جاء منه لعائشة على نحو ما ورد في النصوص من غير تعرض للمفاضلة بينهن، فإن دعت حاجة شرعية لذكر المفاضلة بينهن ذكرت، والله أعلم.\n_________\n(١) «الفتح» (٧/ ١٠٧).\n(٢) «الفتح» (٦/ ٤٤٧).\n(٣) رواه البخاري (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤).\n(٤) «الإحسان» (٩/ ١١٩).\n(٥) «أصول الدين للبغدادي» (٣٠٦).","vol":"7","page":201},{"text":"وقد قامت بعض الأدلة غير التي ذكرت على تفضيل خديجة على عائشة منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: «أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام وطعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» (١)\nوفي حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ يومًا: «يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام، فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى، تريد رسول الله ﷺ» (٢). فالسلام لخديجة ﵂ كان من الرب سبحانه ومن جبريل، ولعائشة ﵂ من جبريل فقط (٣). وفي المتفق عليه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت في خديجة للنبي ﷺ: «ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، فقد أبدلك الله خيرًا منها» (٤). وورد في هذه القصة في غير الصحيحين بأسانيد حسان زيادة أن النبي ﷺ غضب حتى أقسمت عائشة ألا تذكر خديجة بعد ذلك إلا بخير (٥)، وفي رواية زيادة قوله ﷺ: «ما أبدلني الله خيرًا منها» وذكره ﷺ جملة من فضائلها (٦). ولقد قالت عائشة ﵁: «ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صداق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد» (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (٢٤٣٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٣٧٦٨).\n(٣) «فتح الباري» (٧/ ١٠٧، ١٣٩) و«جلاء الأفهام» (١٢٣).\n(٤) «البخاري مع الفتح» (٧/ ١٣٤) و«مسلم» (٤/ ١٨٨٩).\n(٥) الحديث رواه الطبراني (٢٣/ ١٤) (١٨٩٧٨). قال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١/ ٤٢٦): إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين لكنه منقطع.\n(٦) رواه أحمد (٦/ ١١٧) (٢٤٩٠٨). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣/ ١٢٦)، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٢٧)، والشوكاني في «در السحابة» (٢٤٩): إسناده حسن.\n(٧) رواه البخاري (٣٨١٨).","vol":"7","page":202},{"text":"وقد قال ابن العربي في خديجة ﵂: (وهي أفضل نساء الأمة من غير خلاف) (١). قال ابن حجر: (رد بأن الخلاف ثابت قديمًا وإن كان الراجح أفضلية خديجة) (٢). وعائشة ﵂ أفضل زوجات النبي ﷺ بعد خديجة، لأنه لم يقيد من عموم تفضيلها على النساء إلا خديجة وفاطمة بالنص، ولقد ورد فيما لا يحصى من النصوص ما يدل على تفضيلها ﵂ على بقية زوجاته ﷺ، منها حديث: «كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس: أن يهدوا إليه حيث كان، أو حيث دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها» (٣) وفي رواية: «أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله» (٤). وحديث: «أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: أين أنا غدًا؟ حرصًا على بيت عائشة، قالت عائشة: فلما كان يومي سكن» (٥).\nوروى أن زيادًا بعث إلى أزواج النبي ﷺ بمال وفضل عائشة فجعل مبعوثه يعتذر إلى أم سلمة فقالت: «يعتذر إلينا زياد فقد كان يفضلها من كان أعظم علينا تفضيلًا من زياد رسول الله ﷺ» (٦).\nثم زوجات النبي ﷺ أفضل نساء الأمة لقوله تعالى: يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ وإنما خصت فاطمة ﵂ من عموم الآية بقوله ﷺ فيها أنها سيدة نساء الأمة (٧). وقد قيل إن الإجماع انعقد على أفضلية فاطمة (٨).\nوالحاصل أن فاطمة سيدة نساء هذه الأمة، ونساء النبي ﷺ أفضل المؤمنات على الإطلاق وأفضلهن خديجة وقد شاركتها ابنتها فاطمة في كونهما أفضل نساء الأمة، ثم بعد خديجة عائشة ثم بقية أزواجه ﷺ بعد عائشة، هذا وفي حديث عائشة ﵂ الطويل الذي فيه ما وقع لزينب بنت رسول الله ﷺ من الإيذاء والمتاعب لما خرجت من مكة بعد قدوم أبيها ﷺ المدينة قال ﷺ في زينب: «هي أفضل بناتي، أصيبت في» (٩).\nوهذا يشكل ما ورد في فاطمة ﵂ من التفضيل لأنه يدل على أن زينب أفضل من فاطمة ﵄.\nوقد أجاب الطحاوي عن هذا الإشكال بأن ذلك كان متقدمًا ثم وهب الله فاطمة من الفضائل والأحوال الشريفة ما لم يشاركها فيه أحد من نساء الأمة، قال: (وكانت – (يعني فاطمة) – قبل ذلك الوقت الذي استحقت زينب ما استحقت من الفضيلة صغيرة غير بالغة مما لا يجري لها ثواب بطاعتها، ولا عقاب بخلافها) (١٠).\nوذكر ابن حجر وجها آخر من الجواب وهو احتمال تقدير (من) فيكون المراد من أفضل بناتي (١١) .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد الشظيفي –ص: ٢٧٤\n_________\n(١) «عارضة الأحوذي» (١٣/ ٢٥٣).\n(٢) «فتح الباري» (٧/ ١٣٩).\n(٣) رواه البخاري (٣٧٧٥). من حديث عروة بن الزبير ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٢٥٧٤)، ومسلم (٢٤٤١). من حديث عائشة ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٣٧٧٤). من حديث عروة بن الزبير ﵁.\n(٦) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/ ١١٤) (٢٦٥١). من حديث عمرو بن الحارث بن المصطلق ﵁. وحسن إسناده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٤٥).\n(٧) الحديث رواه البخاري (٦٢٨٥)، ومسلم (٢٤٥٠). من حديث عائشة ﵂.\n(٨) «فتح الباري» (٧/ ١٠٩).\n(٩) رواه الحاكم (٢/ ٢١٩). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وجود إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (٧/ ١٣٦).\n(١٠) «مشكل الآثار» (١/ ٤٦).\n(١١) «الفتح» (٧/ ١٠٩).","vol":"7","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1975>الفرع الأول: فضل أبي بكر الصديق</span>\nهو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن مرة التيمي، أول الرجال إسلامًا، وأفضل الأمة على الإطلاق ﵁ ....... وأما فضله فقال ﵎ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:٤٠]، وقال الله ﵎ وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:٣٣]، وقال وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:١٧ – ٢١] حكى جماعة من المفسرين على أنها نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه (١).\nوفي (الصحيحين) من حديث الهجرة الطويل: «فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: هذا الطلب، قد لحقنا يا رسول الله، فقال: لا تحزن إن الله معنا» (٢).\nوفيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ عن أبي بكر ﵁ قال: «قلت للنّبيّ ﷺ وأنا في الغار: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» (٣).\nوفيه عن ابن عمر ﵄ قال: «كنّا نخير بين الناس في زمن النّبيّ ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ﵃» (٤).\nوفي لفظ قال: «كنّا في زمن النّبيّ ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النّبيّ ﷺ لا نفاضل بينهم» (٥).\nوفيهما واللفظ لمسلم عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنّهما سمعا أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما رجلٌ يسوق بقرةً له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت: إنّي لم أخلق لهذا ولكنّي إنّما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله تعجبًا وفزعًا أبقرة تكلم؟ فقال رسول الله ﷺ: فإنّي أؤمن به وأبو بكر وعمر» وقال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «بينما راعٍ في غنمه عدا عليها الذئب فأخذ منه شاة فطلبه الراعي حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري. فقال الناس: سبحان الله. فقال رسول الله ﷺ: فإنّي أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر» (٦).، وفي رواية لهما: «ومن ثم أبو بكر وعمر» (٧). ولمسلم «وما هما ثم» (٨).\nوفي (صحيح البخاري) عن همام قال: سمعت عمارًا يقول: «رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلاّ خمسة أعبُدٍ وامرأتان وأبو بكر» (٩).\n_________\n(١) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (١/ ٦٤)، والآجري في «الشريعة» (٣/ ٤١٧).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٥٢)، ومسلم (٢٠٠٩)، من حديث البراء بن عازب ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٣٦٥٣)، ومسلم (٢٣٨١).\n(٤) رواه البخاري (٣٦٥٥).\n(٥) رواه البخاري (٣٦٩٧).\n(٦) رواه البخاري (٣٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨٨).\n(٧) رواه البخاري (٣٦٩٠).\n(٨) رواه مسلم (٢٣٨٨) (م٢).\n(٩) رواه البخاري (٣٦٦٠).","vol":"7","page":204},{"text":"وفيه عن أبي الدرداء ﵁ قال: «كنت جالسًا عند النّبيّ ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النّبيّ ﷺ: أمّا صاحبكم فقد غامر، فسلّم وقال: يا رسول الله إنّه كان بيني وبين ابن الخطاب شيءٌ فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر (ثلاثًا)، ثم إنّ عمر ﵁ ندم فأتى منزل أبا بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النّبيّ ﷺ فسلّم عليه فجعل وجه النّبيّ ﷺ يتمعّر حتى أشفق أبو بكر ﵁ فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله والله أنا كنت أظلم. مرتين. فقال ﷺ: إنّ الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين. فما أوذي بعدها – وفي رواية – فقال رسول الله ﷺ: هل أنتم تاركو لي صاحبي، هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إنّي قلت يا أيّها الناس إنّي رسول الله إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت» (١). قال أبو عبد الله - هو البخاري -: سبق بالخير.\nولهما عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أنفق زوجين من شيءٍ من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنّة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصّدقة دعي من باب الصّدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان. فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة. وقال: هل يدعى منها كلها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر» (٢).\nوفيه عن عمرو بن العاص ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: «أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب، فعدّ رجالًا» (٣).\nوفيه عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أيّ الناس خيرٌ بعد رسول الله ﷺ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان فقلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلاّ رجلٌ من المسلمين (٤).\nوفيه عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ، قال: بينا رسول الله ﷺ يصلّي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله ﷺ وقال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبيّنات من ربّكم (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٦١).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٦٦)، ومسلم (١٠٢٧).\n(٣) رواه البخاري (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤).\n(٤) رواه البخاري (٣٦٧١).\n(٥) رواه البخاري (٤٨١٥).","vol":"7","page":205},{"text":"وفيهما عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني أبو موسى الأشعري ﵁ أنّه توضّأ في بيته ثم خرج فقلت: لألزمنّ رسول الله ﷺ ولأكوننّ معه يومي هذا، قال فجاء المسجد فسأل عن النّبيّ ﷺ فقالوا: خرج ووجّه ههنا، فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس فجلست عند الباب وبابها من جريد – حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته فتوضّأ، فقمت إليه فإذا هو جالسٌ على بئر أريس وتوسّط قفّها وكشف عن ساقيه ودلاّهما في البئر فسلّمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت لأكوننّ بوّاب رسول الله ﷺ اليوم، فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشّره بالجنة، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله ﷺ يبشّرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القف ودلّى رجليه في البئر كما صنع النّبيّ ﷺ وكفّ عن ساقيه، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلانٍ خيرًا – يريد أخاه – يأت به، فإذا إنسانٌ يحرّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت رسول الله ﷺ فسلّمت عليه فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: ائذن له وبشّره بالجنّة، فجئت فقلت له: ادخل وبشّرك رسول الله ﷺ بالجنّة، فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القفّ عن يساره ودلى رجليه في البئر، ثم رجعت فجلست فقلت: إن يرد الله بفلانٍ خيرًا يأت به، فجاء إنسانٌ يحرّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: ائذن له وبشّره بالجنّة على بلوى تصيبه، فقلت له: ادخل وبشرك رسول الله ﷺ بالجنّة على بلوى تصيبك، فدخل فوجد القفّ قد ملئ فجلس وجاهه من الشّقّ الآخر. قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم (١).\nوفيهما عن أنس ﵁ أنّ النّبي ﷺ صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: «اثبت، فإنما عليك نبيٌّ وصدّيقٌ وشهيدان» (٢).\nوله عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، ووافق ذلك عندي مالًا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا. قال فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله. وأتى أبو بكر ﵁ بكلّ ما عنده فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا» هذا حديث حسن صحيح (٣).\nولمسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ: ما اجتمعن في امرئٍ إلاّ دخل الجنّة» (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٧٤)، ومسلم (٢٤٠٣).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٧٥).\n(٣) رواه أبو داود (١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥)، والحاكم (١/ ٥٧٤). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وصححه النووي في «المجموع» (٦/ ٢٣٦)، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٣٤٧): تفرد به هشام بن سعد [وهو] صدوق فيه مقال من جهة حفظه، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) رواه مسلم (١٠٢٨).","vol":"7","page":206},{"text":"والأحاديث في الصديق كثيرة جدًا، قد أفردت بالتصنيف، وفيما ذكر كفاية في التنبيه على ما وراءه، وما أحسن ما قال حسان بن ثابت ﵁:\nإذا تذكّرت شجوًا من أخٍ ثقةٍ ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا\nخير البريّة أوفاها وأعدلها ... بعد النّبيّ وأولاها بما حملا\nوالتالي الثاني المحمود مشهده ... وأوّل النّاس منهم صدّق الرّسلا\nعاش حميدًا لأمر الله متّبعًا ... بأمر صاحبه الماضي وما انتقلا\nمواقفه العظيمة\nوأما ما منحه الله تعالى من المواقف العظيمة مع النّبيّ ﷺ من حين بعثته إلى أن توفاه الله ﷿ من نصرته والذب عنه والشفقة عليه والدعوة إلى ما دعا إليه وملازمته إياه ومواساته بنفسه وماله، وتقدمه معه في كل خير، فأمرٌ لا تدرك غايته، ثم لما توفى الله ﷿ نبيه ﷺ كان من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن ولاه أمرهم بعد نبيه، وجمعهم عليه بلطفه، فجمع الله به شمل العرب بعد شتاته، وقمع به كل عدوّ للدين ودمّر عليه وألف له الأمة وردّهم إليه، بعد أن ارتدّ أكثرهم عن دينه وانقلب الغالب منهم على أعقابهم كافرين. حتى قيل: لم يبق يصلى إلاّ في ثلاثة مساجد الحرمين الشريفين، ومسجد العلاء الحضرمي بالبحرين، فردّهم الله تعالى إلى الحق طوعًا وكرهًا وأطفأ به كل فتنة في أقل من ستة أشهر ولله الحمد والمنة.\nقال الله ﵎ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ [المائدة:٥٤] الآيات. قال عليّ بن أبي طالب ﵁ والحسن البصري وقتادة: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة (١).\nوذلك أنّ النّبيّ ﷺ لما قبض ارتد عامة العرب، إلا أهل مكة والمدينة والبحرين من عبد القيس، ومنع بعضهم الزكاة. وهمّ أبو بكر ﵁ بقتالهم فكره ذلك أصحاب النّبيّ ﷺ وقال عمر ﵁: «كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم منّي ماله ونفسه إلا بحقه وحسابهم على الله ﷿، فقال أبو بكر ﵁: فوالله لأقتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدّونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها» (٢).\nقال أنس بن مالك ﵁: كرهت الصحابة ﵃ قتال مانعي الزكاة وقالوا أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدًا من الخروج في أثره (٣). قال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر ﵁، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردّة (٤).\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤١١، ٤١٢، ٤١٩).\n(٢) رواه البخاري (١٣٩٩، ١٤٠٠)، ومسلم (٢٠).\n(٣) أورده البغوي في «تفسيره» (٣/ ٦٩).\n(٤) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٨٣)، وأورده البغوي في «تفسيره» (٣/ ٧٠).","vol":"7","page":207},{"text":"وكان قد ارتد في حياة النبي ﷺ ثلاث فرق: منهم بنو مذحجٍ ورئيسهم الخمار عبهلة بن كعب العنسي ويلقب بالأسود، وكان كاهنًا مشعبذًا فتنبأ باليمن واستولى على بلاده، فكتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم وعلى النّهوض لحرب الأسود فقتله فيروز الديلمي على فراشه قال ﵁: «فأتى الخبر النّبيّ ﷺ من السّماء في الليلة التي قتل فيها، فقال ﷺ: قتل الأسود البارحة قتله رجلٌ مبارك، قيل: ومن هو؟ قال: فيروز، فاز فيروز» (١). فبشّر النّبيّ ﷺ أصحابه بهلاك الأسود وقبض النّبيّ ﷺ من الغد وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعد ما خرج أسامة وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر ﵁ (٢).\nوالفرقة الثانية بنو حنيفة ورئيسهم مسيلمة الكذاب، وكان قد تنبّأ في حياة رسول الله ﷺ في آخر سنة عشر وزعم أنّه اشترك مع محمد ﷺ في النبوة، وكتب إلى رسول الله ﷺ: من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله: أما بعد فإنّ الأرض نصفها لي ونصفها لك وبعث إليه رجلين من أصحابه فقال لهما رسول الله ﷺ: «لولا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما». ثم أجاب: «من محمّدٍ رسول الله ﷺ، إلى مسيلمة الكذاب: أمّا بعد فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين» (٣)\nومرض رسول الله ﷺ وتوفي، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذّاب في جيشٍ كثير حتى أهلكه الله على يد وحشي غلام مطعم بن عديّ الذي قتل حمزة بن عبد المطلب بعد حرب شديدة، وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشرّ الناس في الإسلام (٤).\nوالفرقة الثالثة بنو أسد ورأسهم طليحة بن خويلد، وكان طليحة آخر من ارتدّ وادعى النبوّة في حياة النّبيّ ﷺ وأوّل من قوتل بعد وفاة رسول الله ﷺ من أهل الردّة، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد فهزمهم خالد بعد قتال شديد، وأفلت طليحة فمرّ على وجهه هاربًا نحو الشام، ثم إنّه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.\n_________\n(١) رواه الطبري في (تاريخه) (٢/ ٤٧٠)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (٦/ ٣٤٢).\n(٢) انظر: «تفسير البغوي» (٣/ ٧٠)، «البداية والنهاية» لابن كثير (٦/ ٣٤٢).\n(٣) رواه أبو داود (٢٧٦١)، وأحمد (٣/ ٤٨٧) (١٦٠٣٢)، والطبراني كما في «مجمع الزوائد» (٥/ ٣١٨) واللفظ له، والحاكم (٢/ ١٥٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٥٧٦) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٤/ ٢٤٨): [فيه] ابن اسحاق مختلف فيه، قال الهيثمي: رواه أبو داود باختصار، رواه الطبرانى من طريق ابن اسحاق قال حدثنى شيخ من أشجع ولم يسمه، وسماه أبو داود [في السنن] سعد بن طارق، وبقية رجاله ثقات. وحسنه ابن حجر كما في «هداية الرواة» (٤/ ٧٢) - كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٨/ ١٨٢): صالح للاحتجاج، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».\n(٤) رواه الطبراني (٣/ ١٤٦)، والبيهقي (٩/ ٩٨)، والطيالسي (١/ ١٨٦). والقصة بطولها رواها البخاري (٤٠٧٢). من حديث وحشي بن حرب ﵁.","vol":"7","page":208},{"text":"وارتدّ بعد وفاة النّبيّ ﷺ في خلافة أبي بكر ﵁ خلق كثير حتى كفى الله المسلمين أمرهم، ونصر دينه على يدي أبي بكر ﵁، قالت عائشة ﵂: توفي رسول الله وارتدت العرب واشرأبّ النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال لهاضها (١) ...\nوروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤] قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه (٢).\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في (سننه) وابن عساكر عن قتادة: قال الله تعالى هذه الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ [المائدة:٥٤] وقد علم أنّه سيرتد مرتدّون من الناس، فلما قبض الله نبيّه ﷺ ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الجواثي من عبد القيس. وقال الذين ارتدوا: نصلي الصلاة ولا نزكي، والله لا تغصب أموالنا. فكلم أبو بكر في ذلك ليتجاوز عنهم، وقيل له: إنّهم لو قد فقهوا أدوا الزكاة. فقال: والله لا أفرّق بين شيء جمعه الله ﷿، ولو منعوني عقالًا مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه، فبعث الله عصائب مع أبي بكر فقاتلوا حتى أقروا بالماعون وهو الزكاة (٣). قال قتادة: فكنّا نتحدّث أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤] إلى آخر الآية (٤).\nولا ينافي هذا ما ورد من أنّها نزلت في أهل اليمن كما أخرج ابن جرير عن شريح بن عبيد قال: لما أنزل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ [المائدة:٥٤]. الآية، قال عمر ﵁: أنا وقومي يا رسول الله؟ قال: «لا بل هذا وقومه» يعني أبا موسى الأشعري (٥).\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٧/ ٤٣٤)، والطبراني في «الأوسط» (٥/ ١٤٨)، وفي «الصغير» (٢/ ٢١٤)، والبيهقي (٨/ ٢٠٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٥٣): رواه الطبراني في «الصغير» و«الأوسط» من طرق ورجال أحدها ثقات.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٥/ ١٢).\n(٣) رواه الطبري في «تفسيره» (٢١/ ٤٣٠)، والبيهقي (٨/ ١٧٨). وقال الذهبي في «المهذب» (٦/ ٣٢٩٠): من مراسيل قتادة. والقصة رواها البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤١٢).\n(٥) رواه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤١٦). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ١١٠٦): أخرجه ابن جرير وإسناده مرسل صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ فهو شاهد قوي في الجملة.","vol":"7","page":209},{"text":"وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة في (مسنده) وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في (الدلائل) عن عياض الأشعري قال: «لما نزلت فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤] قال رسول الله: هم قوم هذا وأشار إلى أبي موسى الأشعري ﵁» (١).\nوأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم في (جمعه لحديث شعبة) والبيهقي وابن عساكر عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «تليت على النّبيّ ﷺ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤] الآية فقال النّبيّ ﷺ: قومك يا أبا موسى الأشعري، أهل اليمن» (٢).\nوأخرج ابن أبي حاتم في (الكنى) والطبراني في (الأوسط) وأبو الشيخ وابن مردويه بسندٍ حسن عن جابر بن عبد الله قال: «سئل رسول الله ﷺ عن قوله فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤] الآية فقال: هؤلاء قوم من أهل اليمن ثم كندة ثم السكون ثم تجيب» (٣).\nوأخرج ابن أبي شيبة عنه قال: هم أهل القادسية (٤).\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤١٥)، الطبراني (١٧/ ٣٧١)، وابن أبي شيبة في «مسنده» (٦٦٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٥/ ١٢)، والحاكم (٢/ ٣٤٢)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٤٤٦)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٤/ ١٠٧). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٢/ ٣٨): [فيه] محمد بن إسماعيل الصايغ قال عبد الرحمن بن أبي حاتم صدوق، وقال البوصيري في «إتحاف المهرة» (٦/ ٦٦): هذا إسناد رواته ثقات. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٩): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) رواه البيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٤٤٦)، والطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤١٥). والحديث صححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٦٩٩). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٣٦٨): وقد جاء موصولًا فقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى ... سمعت عياضًا يحدث عن أبي موسى: أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية ... الحديث. وهذا إسناد صحيح متصل، ثم قال: وأخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: ثنا أبو معمر حدثنا عبد الله بن إدريس به. وهذا إسنادٌ صحيح على شرط مسلم غير عبد الله بن أحمد وهو ثقة، وكذلك من دونه.\n(٣) رواه الطبراني في «الأوسط» (٢/ ١٠٣)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٥/ ١٢). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن قيس الأسدي إلا أبو زياد ولا عن أبي زياد إلا معاوية تفرد به أبو حميد. وقال ابن أبي حاتم في «علل الحديث» (١٧٧٩): سمعت أبي يقول هذا حديث باطل. وقال ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ١٣٥ - ١٣٦): وهذا حديث غريب جدا. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٩)، والشوكاني في «فتح القدير» (٢/ ٧٧): إسناده حسن. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ١١٠٤ - ١١٠٥): إسناده جيد؛ رجاله كلهم ثقات.\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ٥٥٤).","vol":"7","page":210},{"text":"قلت: وكان غالب أهل القادسية من أهل اليمن، بل كانت بجيلة ربع الناس فضلًا عن غيره، وكان بأس الناس الذي هم فيه، كما رواه ابن إسحاق عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: وكان يمر عمرو بن معد يكرب الزبيدي فيقول: يا معشر المهاجرين كونوا أسودًا، فإنما الفارسي تيس (١). وقد قتل ﵁ أسوارًا فارس الفرس وأبلى بلاء حسنًا، وكانت له اليد البيضاء يومئذ.\nوأخرج البخاري رحمه الله تعالى في (تاريخه) عن القاسم بن ينخسرة قال: أتيت ابن عمير فرحب بي ثم تلا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤] الآية ثم ضرب على منكبي وقال: أحلف بالله أنّه لمنكم أهل اليمن – ثلاثًا (٢).\nوكلّ هذا لا ينافي ما قدمناه من نزولها في أبي بكر أولًا، فإن أهل اليمن لم يرتد جميع قبائلهم يومئذٍ، وإنّما ارتدّ كثيرٌ منهم مع الأسود وثبت كثيرٌ منهم على الإيمان مع معاذ بن جبل وأبي موسى وفيروز الديلمي وغيرهم من عمّال النبي ﷺ ونشب بين مؤمنيهم وكافريهم قتال عظيم حتى قتل الله الأسود على يد فيروز وأيد الله الذين آمنوا منهم على عدوهم فأصبحوا ظاهرين، ولكن لم يرجع أمرهم على ما كانوا عليه قبل العنسي إلاّ في خلافة أبي بكر ﵁، فإنّه لم يزل يتابع الكتائب مددًا لمؤمنهم على كافرهم حتى راجعوا الإسلام وكانوا من أعظم أنصاره حتى صار رؤساء ردتهم كعمرو بن معد يكرب وقيس بن مكشوح وغيرهم من أعظم الناس وأشدهم بلاءً في أيام الردة والفتوح، فحينئذٍ عاد المعنى إلى أبي بكر وأصحابه وهم من أصحابه، وكل هذا في شأن السبب لنزول الآية، وإلا فهي عامة لكل مؤمن يحبّ الله ويحبه ويوالي فيه ويعادي فيه ولا يخاف في الله لومة لائم.\nوكان أبو بكر وأصحابه أسعد النّاس بذلك وأقدمهم فيه وأسبقهم إليه وأول من تناولته الآية، ﵁ وأرضاه وعن أنصار الإسلام وحزبه أجمعين.\nوفي (الصحيحين) وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: «لمّا توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منّي ماله ونفسه إلا بحقّه وحسابه على الله ﷿ فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدّونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله ﷿ قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنّه الحق» (٣).\nوتفاصيل مواقفه العظام ﵁ مشهورة مبسوطة في كتب السيرة وغيرها وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر، وكانت وفاته ﵁ في يوم الإثنين عشية، وقيل: بعد المغرب ودفن من ليلته وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يومًا، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يصلي بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان وقرئ على المسلمين فأقرّوا به وسمعوا له وأطاعوا. وكان عُمْر الصديق ﵁ يوم توفي ثلاثًا وستين سنة السن الذي توفي فيه رسول الله ﷺ، وقد جمع الله بينهما في التربة كما جمع بينهما في الحياة، فرضي الله عنه وأرضاه، ومن جميع أبواب الجنة دعاه، وقد فعل ولله الحمد والمنة. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ الحكمي - بتصرف – ٣/ ١٣١٣ - ١٣٣٩\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ٤١٠)، والطبري في «تاريخه» (٣/ ٧٨)، والطبراني (١٧/ ٤٥). قال ابن حجر في «الإصابة» (٣/ ١٩): إسناده صحيح.\n(٢) رواه البخاري في «التاريخ الكبير» (٧/ ١٦١).\n(٣) رواه البخاري (٧٢٨٥)، ومسلم (٢٠).","vol":"7","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1976>الفرع الثاني فضل: عمر بن الخطاب</span>\nعمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب العدوي ثاني الخلفاء وإمام الحنفاء بعد أبي بكر ﵄ وأوّل من تسمى أمير المؤمنين .... تقدمت إشارات النصوص النبوية وكثير من فضائله ... التي شارك فيها أبا بكر. وفي (الصحيحين) عن جابر ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خشخشة فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصرًا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقال: لعمر، فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك، فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار؟» (١).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: «بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ قال: بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأةٌ تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر، فذكرت غيرته فولّيت مدبرًا. فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟» (٢).\nوعن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا نائم إذ رأيت قدحًا أتيت به فيه لبن فشربت منه حتى إنّي لأرى الريّ يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب. قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم» (٣).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينا أنا نائمٌ رأيت الناس عرضوا عليّ وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثّدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك. وعرض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميصٌ يجتره. قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: الدين» (٤).\nوعن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: «استأذن عمر بن الخطاب ﵁ على رسول الله ﷺ، وعنده نسوةٌ من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهنّ على صوته ﷺ، فلمّا استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ، فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنّك يا رسول الله، فقال النّبيّ ﷺ: عجبت من هؤلاء اللاتي كنّ عندي، فلمّا سمعن صوتك ابتدرن الحجاب. فقال عمر: فأنت أحقّ أن يهبن يا رسول الله. فقال عمر: يا عدوّات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ؟ فقلن: نعم أنت أفظّ وأغلظ من رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: إيهًا يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجّا قط إلا سلك فجًّا غير فجك» (٥).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ: «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجالٌ يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمّتي منهم أحدٌ فعمر» (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٧٩)، وروى مسلم شطره الأول (٢٤٥٧).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٤٢)، ومسلم (٢٣٩٥).\n(٣) رواه البخاري (٧٠٠٦)، ومسلم (٢٣٩١).\n(٤) رواه البخاري (٣٦٩١)، ومسلم (٢٣٩٠).\n(٥) رواه البخاري (٣٦٨٣)، ومسلم (٢٣٩٦).\n(٦) رواه البخاري (٣٦٨٩ م).","vol":"7","page":212},{"text":"وعن ابن عمر ﵄ أنّه قال: لما توفي عبد الله بن أبيّ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فأعطاه قميصه وأمره أن يكفنه فيه، ثم قام يصلّي عليه، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال: تصلّي عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ قال: إنّما خيرني الله – أو أخبرني الله – فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر الله لهم [التوبة:٨٠] فقال: سأزيده على سبعين. قال فصلى عليه رسول الله ﷺ وصلينا معه ثم أنزل الله عليه وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:٨٤] (١).\nوفي (البخاري) عن ابن عباس ﵄ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّه قال: «لما مات عبد الله بن أبيّ ابن سلول دعي له رسول الله ﷺ ليصلّ عليه، فلمّا قام رسول الله ﷺ وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا كذا وكذا، قال: اعدد عليه قوله. فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: أخّر عنّي يا عمر، فلما أكثرت عليه قال: إنّي خيّرت فاخترت، لو أعلم أنّي إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها. قال فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:٨٤]. قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم» (٢).\nوفي (صحيح مسلم) من حديث ابن عباس ﵁ في قصة أسارى بدر بطوله قال ابن عباس: «فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: هم يا نبيّ الله بنو العمّ والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكنّي أرى أن تضرب أعناقهم فتمكّن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان – نسيبًا لعمر – فأضرب عنقه، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلمّا كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أيّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ: أبكي للذي عرض عليّ في أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة – شجرة قريبة من نبيّ الله ﷺ - وأنزل الله ﷿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ – إلى قوله – فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا [الأنفال:٦٧ – ٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم» (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٦٧٢)، ومسلم (٢٤٠٠).\n(٢) رواه البخاري (١٣٦٦).\n(٣) رواه مسلم (١٧٦٣).","vol":"7","page":213},{"text":"وفي (صحيح البخاري) عن أنس ﵁ قال: قال عمر ﵁: «وافقت الله في ثلاث - أو وافقني الله في ثلاث - قلت: يا رسول الله لو اتّخذت من مقام إبراهيم مصلّى فأنزل الله تعالى وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:١٢٥]، وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، قال وبلغني معاتبة النّبيّ ﷺ بعض نسائه فدخلت عليهم قلت: إن انتهيتنّ أو ليبدلن الله رسوله ﷺ خيرًا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه قالت: يا عمر ما في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله تعالى عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ [التحريم:٥]» (١).\nوعنه ﵁: «أنّ رجلًا سأل النّبيّ ﷺ عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء، إلاّ أنّي أحبّ الله ورسوله ﷺ. فقال: أنت مع من أحببت قال أنس: فما فرحنا بشيءٍ كما فرحنا بقول النّبيّ ﷺ: أنت مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحبّ النّبيّ ﷺ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبّي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم» (٢).\nوعن ابن عمر ﵁ قال: «ما رأيت أحدًا قط بعد رسول الله ﷺ من حين قبض كان أجدّ وأجود حتى انتهى من عمر بن الخطاب ﵁» (٣).\nوعن المسور بن مخرمة قال: لمّا طعن عمر ﵁ جعل يألم، فقال ابن عباس ﵄ وكأنه يجزعه: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذلك لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ. ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ. ثم صحبت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنّهم وهم عنك راضون. قال: أمّا ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه فإنّما ذاك من الله تعالى منّ به تعالى عليّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذلك من الله ﷿ ذكره منّ به عليّ. وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أنّ لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله ﷿ قبل أن أراه (٤).\nوفيهما عن ابن عبّاس ﵄ قال: وضع عمر على سريره فتكنّفه الناس يدعون ويصلّون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلاّ رجل آخذ منكبي فإذا عليٌّ ﵁ فترحّم على عمر وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلى أن ألقى الله بمثل عمله منك. وأيم الله إن كنت لأظنّ أن يجعلك الله تعالى مع صاحبيك، وحسبك إنّي كنت أسمع النّبيّ ﷺ يقول كثيرًا: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر. زاد مسلم في آخره أيضًا. فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله تعالى معهما (٥).\nوالأحاديث في فضله كثيرة جدًا قد أفردت بالتصنيف، وفيما ذكرنا كفاية.\nقصة استشهاد الفاروق ﵁:\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٨٣).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩).\n(٣) رواه البخاري (٣٦٨٧).\n(٤) رواه البخاري (٣٦٩٢).\n(٥) رواه البخاري (٣٦٨٥)، ومسلم (٢٣٨٩).","vol":"7","page":214},{"text":"وكان قصة استشهاده ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل حدّثنا أبو عوانة عن حصين عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف وقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حمّلتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق. قالا: لا. فقال عمر: لئن سلّمني الله تعالى لأدعنّ أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدًا. قال فما أتت عليه رابعة حتى أصيب ﵁. قال إني لقائم ما بيني وبينه إلاّ عبد الله بن عباس غداة أصيب وكان إذا مرّ بين الصّفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللًا تقدم فكبّر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع النّاس، فما هو إلا أن كبّر حتى سمعته يقول: قتلني – أو أكلني – الكلب حين طعنه، فطار العلج بسكّين ذات طرفين لا يمر على أحدٍ يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم سبعة، فلمّا رأى ذلك رجلٌ من المسلمين طرح عليه برنسًا فلما ظنّ العلج أنّه مأخوذٌ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى وأما نواحي المسجد فلا يدرون غير أنّهم فقدوا صوت عمر ﵁ وهم يقولون سبحان الله سبحان الله، فصلّى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاةً خفيفة، فلمّا انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني. فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة، فقال: الصّنع؟ قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجلٌ يدّعي الإسلام، فقد كنت أنت وأبوك تحبّان أن تكثر العلوج بالمدينة. وكان العباس أكثرهم رقيقًا. فقال: إن شئت فعلت، أي إن شئت قتلنا. قال: كذبت، بعدما تكلّموا بلسانكم، وصلّوا إلى قبلتكم، وحجّوا حجّكم؟ فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه وكأنّ الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذٍ فشربه فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنّه ميّتٌ، فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجلٌ شابٌّ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله ﷺ وقدمٍ في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. قال: وددت أنّ ذلك كفاف، لا عليّ ولا لي. فلمّا أدبر إذا إزاره يمسّ الأرض، قال: ردوا عليّ الغلام، قال: ابن أخي ارفع ثوبك، إنّه أبقى لثوبك، وأتقى لربّك. يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدّين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلا فسل بني عديّ بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدّ عنّي هذا المال، وانطلق إلى عائشة فقل: يقرأ عليك عمر السلام – ولا تقل أمير المؤمنين فإنّي لست اليوم للمؤمنين أميرًا – وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فسلّم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدةٌ تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرنّ به اليوم على نفسي. فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحبّ يا أمير المؤمنين، أذنت. قال: الحمد لله. ما كان من شيءٍ أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلّم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردّتني ردّوني إلى مقابر المسلمين.","vol":"7","page":215},{"text":"وجاءت أم المؤمنين حفصة ﵂ والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال فولجت داخلًا لهم فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف. قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر – أو الرهط – الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمّى عليًّا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن، وقال: ليشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيءٌ – كهيئة التعزية له – فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلاّ فليستعن به أيّكم ما أمّر، فإنّي لم أعزله عن عجزٍ ولا خيانة. وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأوّلين أن يعرف لهم حقّهم، ويحفظ لهم حرمتهم؛ وأوصيه بالأنصار خيرًا الذين تبوّأوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم. وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا فإنّهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم. وأوصيه بالأعراب خيرًا فإنّهم أصل العرب ومادّة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم وتردّ على فقرائهم. وأوصيه بذمّة الله وذمة رسول الله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم. فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي. فسلّم عبد الله بن عمر قال: يستأذن عمر بن الخطاب. قال: أدخلوه. فأدخل: فوضع هنالك مع صاحبيه. فلمّا فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثةٍ منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى عليٍّ، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان. وقال سعدٌ: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف. فقال عبد الرحمن: أيكما تبرّأ من هذا الأمر فلنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ والله على أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك من قرابة رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمّرتك لتعدلنّ، ولئن أمّرت عثمان لتسمعنّ ولتطيعنّ؟ ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك. فلمّا أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه وبايع له عليٌّ ﵁، وولج أهل الدار فبايعوه، ﵃ أجمعين (١).\nوكانت مدة خلافة الفاروق ﵁ عشر سنين وستة أشهر، وكانت وفاته على المشهور لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وله من العمر ثلاث وستون سنة على الأشهر، وهي السن التي توفي لها رسول الله ﷺ ثم أبو بكر الصديق ﵁، وبويع لعثمان في ثلاث من المحرم دخول سنة أربع وعشرين، وأوّل من بايعه عبد الرحمن بن عوف ثم علي بن أبي طالب ثم بقية أصحاب الشّورى ثم بقيّة أهل الدار ثم بقيّة المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ الحكمي - بتصرف – ٣/ ١١٣٤٠ - ١٣٤٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٧٠٠).","vol":"7","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1977>الفرع الثالث: فضل عثمان بن عفان</span>\nعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، من السّابقين الأوّلين إلى الإسلام بدعوة الصّدّيق إياه، وزوّجه رسول الله ﷺ رقية ابنته ﵂، وهاجر الهجرتين وهي معه، وتخلّف عن بدر لمرضها، وضرب له النّبيّ ﷺ بسهمه وأجره، وبعد وفاتها زوّجه النّبيّ ﷺ أم كلثوم بمثل صداق رقية على مثل صحبتها وبذلك تسمى (ذو النورين) لأنّه تزوج ابنتي نبيٍّ واحدة بعد واحدة ولم يتفق ذلك لغيره ﵁.\n(ذو الحلم) التام الذي لم يدركه غيره (والحياء) الإيماني الذي يقول فيه النّبيّ ﷺ: «الحياء شعبةٌ من الإيمان» (١). وقال: «وأصدقهم حياء عثمان» (٢)، (بحر العلوم) الفهم التام في كتاب الله تعالى حتى إن كان ليقوم به في ركعة واحدة فلا يركع إلاّ في خاتمتها إلاّ ما كان من سجود القرآن.\n(جامع القرآن) لما خشي الاختلاف في القرآن والخصام فيه في أثناء خلافته ﵁ فجمع الناس على قراءةٍ واحدةٍ وكتب المصحف على القراءة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله ﷺ آخر سني حياته.\nوكان سبب ذلك أنّ حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات، وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود وأبي الدرداء، وجماعة من أهل العراق ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بجواز القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره وربما خطّأه الآخر أو كفّره، فأدّى ذلك إلى خلاف شديد وانتشار الكلام السيّئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمّة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة فعند ذلك جمع الصحابة وشاورهم في ذلك ورأى أن يكتب المصحف على حرفٍ واحدٍ وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه لما رأى في ذلك من مصلحة كفّ المنازعة ودفع الاختلاف فاستدعى بالصحف التي كان أمر زيد بن ثابت بجمعها فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين. فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيءٍ أن يكتبوه بلغة قريش، فكتب لأهل الشام مصحفًا، ولأهل مصر آخر، وبعث إلى البصرة مصحفًا، وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكّة مصحفًا، وإلى اليمن مثله، وأقر بالمدينة مصحفًا، ويقال لهذه المصاحف (الأئمة)، ثم عمد إلى بقية المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فحرقه لئلا يقع بسببه اختلاف.\n_________\n(١) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه الترمذي (٣٧٩٠)، وابن ماجه (١٥٤)، وأحمد (٣/ ١٨٤) (١٢٩٢٧)، والحاكم (٣/ ٤٧٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث قتادة إلا من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة وإنما اتفقا بإسناده هذا على ذكر أبي عبيدة فقط. ووافقه الذهبي. وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢١٠): موصول. وقال ابن العربي في «العواصم من القواصم» (٢٥٢): ثابت. وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٧/ ٩٣): إسناده صحيح إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري. وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"7","page":217},{"text":"وروى أبو داود الطيالسي وأبو بكر بن أبي داود السجستاني عن سويد بن غفلة قال: قال لي عليٌّ ﵁ حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته (١).\nوروى البيهقي عنه ﵁ قال: قال عليّ ﵁: أيّها النّاس إيّاكم والغلو في عثمان تقولون حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ولو وليت مثل ما ولي لفعلت مثل الذي فعل (٢).\n(منه استحت ملائك الرّحمن) كما في (الصحيح) عن عطاءٍ وسليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنّ عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدّث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدّث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوّى ثيابه. قال محمد - يعني ابن أبي حرملة الراوي عنهم -: ولا أقول ذلك في يومٍ واحدٍ فدخل فتحدّث، فلمّا خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتشّ له ودخل عمر ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسوّيت ثيابك. فقال: ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة» (٣).\nوعن سعيد بن العاص أنّ عائشة ﵂ وعثمان ﵁ حدثاه: «أنّ أبا بكر ﵁ استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى حاجته ثم انصرف، قال عثمان ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت. فقالت عائشة: يا رسول الله مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر ﵄ كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله ﷺ: إنّ عثمان رجلٌ حيي وإنّي خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إليّ في حاجته» (٤).\n_________\n(١) رواه ابن أبي داود في «المصاحف» (١/ ٤٤)، قال ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٩/ ٢٤٤): [فيه] علقمة لم يسمعه من سويد بينهما رجل.\n(٢) لم أجده في المطبوع من كتب البيهقي. والأثر رواه ابن أبي داود في «المصاحف» (١/ ٧٧)، وأورده القرطبي في «تفسيره» (١/ ٥٤) وقال: وذكر أبو بكر الأنباري في كتاب «الرد» عن سويد بن غفلة قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ وذكره.\n(٣) رواه مسلم (٢٤٠١).\n(٤) رواه مسلم (٢٤٠٢).","vol":"7","page":218},{"text":"(بايع عنه) حين ذهب لمكة في حاجة الرسول ﷺ والمسلمين (سيد الأكوان) محمد رسول الله ﷺ (بكفه) ضرب بها على الأخرى وقال: هذه لعثمان (في بيعة الرضوان) لما غاب عنها فيما ذكرنا، وكان انحباسه بمكة هو سبب البيعة كما قال محمد بن إسحاق بن يسار في (السيرة)، «ثم دعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ ليبعثه إلى مكّة ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله إنّي أخاف قريشًا على نفسي، وليس بمكّة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها وغلظي عليها، ولكني أدلّك على رجلٍ أعزّ بها مني، عثمان بن عفان ﵁، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب، وأنّه إنّما جاء زائرًا لهذا البيت ومعظمًا لحرمته. فخرج عثمان ﵁ إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلّغ رسالة رسول الله ﷺ، فانطلق عثمان ﵁ حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به فقال لعثمان ﵁ حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ. واحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أنّ عثمان ﵁ قد قتل، قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال حين بلغه أنّ عثمان ﵁ قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم (١). ودعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر بن عبد الله ﵄ يقول: إنّ رسول الله لم يبايعهم على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر (٢). فبايع النّاس ولم يتخلّف أحدٌ من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة فكان جابر ﵁ يقول: والله لكأنّي أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته قد مال إليها يستتر بها من الناس، ثم أتى رسول الله ﷺ أنّ الذي كان من أمر عثمان باطل» (٣).\nوفي (الصحيح) عن عثمان بن موهب قال: «جاء رجلٌ من أهل مصر حجّ البيت فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر، إنّي سائلك عن شيءٍ فحدّثني عنه، هل تعلم أنّ عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: هل تعلم أنّه تغيّب عن بدر ولم يشهدها؟ قال: نعم. قال: هل تعلم أنّه تغيّب عن بيعة الرضوان، فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبيّن لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أنّ الله عفا عنه وغفر له. وأمّا تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله ﷺ: إنّ لك أجر رجلٍ ممن شهد بدرًا وسهمه. وأمّا تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحدٌ أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان. فقال له ابن عمر ﵁: اذهب بها الآن معك» (٤).\n_________\n(١) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٢/ ٢٢٥)، وضعَّفه الألباني في «فقه السيرة» (٣٢٩).\n(٢) رواه مسلم (١٨٥٦).\n(٣) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٢/ ٢٢٥).\n(٤) رواه البخاري (٣٦٩٨).","vol":"7","page":219},{"text":"وفي (الصحيح) عن عروة أنّ عبد الله بن عدي بن الخيار أخبره أنّ المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: «ما منعك أن تكلم عثمان لأخيك الوليد فقد أكثر الناس فيه، فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة، قلت: إنّ لي إليك حاجة وهي نصيحةٌ لك. قال: يا أيّها المرء أعوذ بالله منك، فانصرفت فرجعت إليهم إذ جاء رسول عثمان، فأتيته فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: إنّ الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممّن استجاب لله تعالى ولرسوله ﷺ، فهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هديه. وقد أكثر الناس في شأن الوليد. قال: أدركت رسول الله ﷺ؟ قلت: لا، ولكن خلص إليّ من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها. قال: أمّا بعد فإنّ الله بعث محمدًا ﷺ بالحقّ فكنت ممّن استجاب لله ولرسوله ﷺ وآمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين – كما قلت – وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته، فوالله ما عصيته، ولا غششته، حتى توفّاه الله ﷿ ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى. قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسآخذ فيه بالحقّ إن شاء الله. ثم دعا عليًّا فأمره أن يجلده، فجلده ثمانين» (١).\nوفي (المسند) و(السنن) عن عمرو بن جاوان قال: قال الأحنف: «انطلقنا حجاجًا فمررنا بالمدينة، فبينا نحن في منزلنا إذ جاءنا آتٍ فقال: الناس في المسجد. فانطلقت أنا وصاحبي، فإذا الناس مجتمعون على نفرٍ في المسجد، قال فتخللتهم حتى قمت عليهم، فإذا عليٌّ بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، قال فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي. فقال: ههنا علي؟ قالوا: نعم، قال: ههنا الزبير؟ قالوا: نعم. قال: ههنا طلحة؟ قالوا: نعم. قال: ههنا سعد بن أبي وقاص؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: «من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له» فابتعته، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني قد ابتعته، فقال: «اجعله في مسجدنا وأجره لك»؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: «من يبتاع بئر رومة» فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إنّي قد ابتعتها – يعني بئر رومة – قال: «اجعلها سقايةً للمسلمين، ولك أجرها»؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أنّ رسول الله ﷺ نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: «من يجهّز هؤلاء غفر الله له» فجهزتهم حتى ما يفقدون خطامًا ولا عقالًا؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثم انصرف ﵁» (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٩٦).\n(٢) رواه النسائي (٦/ ٤٦)، وأحمد (١/ ٧٠) (٥١١). قال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١/ ٢٤٨): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».","vol":"7","page":220},{"text":"وروى أحمد والترمذي والنسائي عن ثمامة بن حزن القشيري قال: «شهدت الدار يوم أصيب عثمان، فاطلع عليه اطلاعة، فقال: ادعوا لي صاحبيكم اللذين ألّباكم عليّ، فدعيا له، فقال: أنشدكما الله، تعلمان أّنّ رسول الله ﷺ لما قدم المدينة ضاق المسجد بأهله فقال: من يشتري هذه البقعة من خالص ماله فيكون كالمسلمين وله خيرٌ منها في الجنة فاشتريتها من خالص مالي فجعلتها بين المسلمين، وأنتم تمنعوني أن أصلّي فيها ركعتين. ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله ﷺ لما قدم المدينة لم يكن فيها غير بئر يستعذب منه إلا بئر رومة فقال رسول الله ﷺ: من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين وله خير منها في الجنّة فاشتريتها من خالص مالي، وأنتم تمنعوني أن أشرب منها. ثم قال: هل تعلمون أنّي صاحب جيش العسرة؟ قالوا: اللهم نعم». وقال الترمذي حسن (١).\nوله عن عبد الرحمن بن سمرة قال: «جاء عثمان إلى رسول الله ﷺ بألف دينار في كمّه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، فقال عبد الرحمن: فرأيت النّبيّ ﷺ يقلبها في حجره ويقول: ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم – مرّتين-» حسّنه الترمذي (٢).\nوروى الإمام أحمد وأصحاب (السنن) عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قصة توعدهم إيّاه بالقتل، قال: «ولم يقتلونني؟ فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجلٌ كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس. فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت بدلًا بديني منذ هداني الله له، ولا قتلت نفسًا. فبم يقتلونني» (٣).\nوروى الإمام أحمد وغيره عن النعمان بن بشير عن عائشة ﵂ قالت: «أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن عفان فأقبل عليه رسول الله ﷺ، فلما رأينا إقبال رسول الله ﷺ على عثمان أقبلت إحدانا على الأخرى، فكان من آخر كلمةٍ أن ضرب على منكبه وقال: يا عثمان، إنّ الله تعالى عسى أن يلبسك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني - ثلاثًا-» (٤).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٠٣)، والنسائي (٦/ ٢٣٥)، وأحمد (١/ ٧٤) (٥٥٥). قال الترمذي: هذا حديث حسن وقد روي من غير وجه عن عثمان. وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي». وقال شعيب الأرناؤوط محقق «مسند أحمد»: إسناده حسن.\n(٢) رواه الترمذي (٣٧٠١)، والحاكم (٣/ ١١٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) رواه أبو داود (٤٥٠٢)، والنسائي (٧/ ٩١)، وأحمد (١/ ٦١) (٤٣٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الذهبي في «المهذب» (٦/ ٣١٠٣): تابعه حماد بن سلمة وخالفهما يحيى القطان وغيره فروياه موقوفًا. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١/ ٢٣١): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٤) رواه أحمد (٦/ ٨٦) (٢٤٦١٠). والحديث رواه الترمذي (٣٧٠٥)، وابن ماجه (١١٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٧٩٤٧). وقال الوادعي في «الصحيح المسند» (١٦٤٧): صحيح على شرط مسلم.","vol":"7","page":221},{"text":"وروى أحمد والتّرمذي وقال: حسن غريب عن ابن عمر ﵄ قال: «ذكر رسول الله ﷺ فتنةً فقال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذٍ مظلومًا فنظرنا فإذا هو عثمان بن عفان» (١).\nوروى أحمد بإسنادٍ جيد عن أبي هريرة ﵁ قال: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّكم تلقون بعدي فتنةً واختلافًا أو قال اختلافًا وفتنة - فقال قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالأمين وأصحابه، وهو يشير إلى عثمان بذلك» (٢).\nوله عن مرة البهزي قال: «بينما نحن مع رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة قال: كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنّها صياصي البقر قالوا: نصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: عليكم هذا وأصحابه، أو اتبعوا هذا وأصحابه قال: فأسرعت حتى عييت، فأدركت الرجل فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: هذا، فإذا هو عثمان بن عفان، فقال هذا وأصحابه يذكره» (٣).\nوروى الترمذي في (جامعه) عنه ﵁ قال لولا حديث سمعته من رسول الله ﷺ ما تكلّمت «وذكر الفتن فقربها، فمرّ رجلٌ متقنع في ثوب فقال: هذا يومئذٍ على الهدى فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان. فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال: نعم» ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٤) ...\nوروى أحمد وابن ماجه وغيرهما عن كعب بن عجرة ﵁ قال: «ذكر رسول الله ﷺ فتنةً فقرّبها وعظّمها، قال: ثم مرّ رجلٌ مقنع في ملحفة فقال: هذا يومئذ على الحقّ. قال فانطلقت مسرعًا – أو محضرًا – وأخذت بضبعيه فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: هذا» (٥).\nوروى أبو داود الطيالسي بإسنادٍ رجاله ثقات عن عبد الله بن حوالة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تهجمون على رجلٍ معتجر ببردة من أهل الجنّة يبايع الناس، قال: فهجمنا على عثمان بن عفان معتجرًا يبايع الناس» (٦).\nوقد تقدم من الأحاديث التي تشير إلى خلافته وأشياء من فضائله مع ذكر صاحبيه ﵄، وفي فضائله منفردًا ومع غيره من السابقين أحاديث كثيرة، وفيما أشرنا إليه كفاية.\nوكان الاعتداء على حياته ﵁ يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على الصحيح المشهور، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يومًا، لأنه بويع له في مستهل المحرم سنة أربع وعشرين. وأما عمره ﵁ فإنه قد جاوز ثنتين وثمانين سنة. والله أعلم. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ الحكمي - ٣/ ١٣٤٨ - ١٣٦٠\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٠٨)، وأحمد (٢/ ١١٥) (٥٩٥٣)، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٨/ ١٧١): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن الإسناد.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٤٤) (٨٥٢٢)، والحاكم (٤/ ٤٨٠). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٢٢٠): تفرد به أحمد وإسناده جيد حسن ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٦/ ٢٢٤): إسناده صحيح، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣١٨٨): رجاله ثقات رجال الصحيح؛ غير أبي حبيبة [التابعي] ... فهو ثقة إن شاء الله تعالى.\n(٣) رواه أحمد (٥/ ٣٥) (٢٠٣٨٨). قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٥/ ٢٧٩): [فيه] عبد الله بن شقيق ما بأحاديثه إن شاء الله بأس. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٣١٥): إسناده جيد.\n(٤) رواه الترمذي (٣٧٠٤)، والحاكم (٢/ ١٠٩)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٥) رواه ابن ماجه (١١١)، وأحمد (٤/ ٢٤٢) (١٨١٤٣). وقال الشافعي في «حلية الأولياء» (٩/ ١١٤): ما صح في الفتنة حديث عن النبي ﵊ إلا حديث عثمان بن عفان أنه مر بالنبي ﷺ فقال: «هذا يومئذٍ على الحق». وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (١/ ١٨): هذا إسناد منقطع؛ قال أبو حاتم محمد بن سيرين لم يسمع من كعب بن عجرة، ورجال الإسناد ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٦) رواه الطيالسي (١/ ١٧٦)، والحاكم (٣/ ١٠٥). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٤/ ٤٤٥): [فيه] سعيد الجريري مستقيم الحديث وحديثه حجة من سمع منه قبل الاختلاط. قال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٨/ ٢): رواه أبوداود الطيالسي بسند صحيح. وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ١٢٧): [فيه] سعيد بن إياس تغير قليلًا، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣١١٨): صحيح الإسناد.","vol":"7","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1978>الفرع الرابع: فضل علي بن أبي طالب</span>\n(والرابع) في الخلافة والفضل (ابن عم) محمد ﷺ (خير الرسل) أكرمهم على الله ﷿ (أعني) بذلك (الإمام الحق) بالإجماع بلا مدافعة ولا ممانعة ... وهو أمير المؤمنين وأبو السبطين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ﵁ وأرضاه.\n«كان أبو طالب عم النّبيّ ﷺ أخًا شقيقًا لأبيه عبد الله وأمه فاطمة بنت عمرو، كفل أبو طالب رسول الله ﷺ بعد موت جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين، ولما بعث آواه الله تعالى به وحماه، وهو مع ذلك على دين قومه، ولله في ذلك حكمة، وقد حرص النّبيّ ﷺ على هداية عمّه كل الحرص، ولم يكن ذلك حتى خرجت روحه وهو يقول: على ملّة عبد المطلب، وأنزل الله تعالى في ذلك تعزية لنبيه ﷺ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء [القصص:٥٦] وقال النّبيّ ﷺ: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» فنهاه الله تعالى عن الاستغفار له بقوله ﷿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:١١٣]» (١). الآيات.\nوفي (صحيح مسلم): «عن العباس بن عبد المطلب أنّه قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيءٍ فإنّه كان يحوطك ويغضب لك، قال: نعم، هو في ضحضاح من نارٍ، ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النّار» (٢)، وفي لفظ: «وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاحٍ» (٣).\nوفيه عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: «لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاحٍ من نارٍ يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه» (٤).\nوفيه عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ قال: «أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعلٌ بنعلين يغلي منهما دماغه» (٥).\nوكفل النّبيّ ﷺ عليا ﵁ وهو صغير، فلما بعث آمن به وهو ابن ثمان سنين، وهو أول من آمن من الصبيان، كما أنّ أبا بكر أول من آمن به من الرجال، وخديجة ﵂ أول من آمن به من النساء، وورقة بن نوفل ﵁ أول من آمن به من الشيوخ، وزيدٌ بن حارثة ﵁ أول من آمن به من الموالي، وبلال ﵁ أوّل من آمن به من الأرقاء ﷺ ورضي عنهم أجمعين.\nوكان عليٌّ صاحب دعوة قريش حين نزلت على الرسول ﷺ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:٢١٤] فأمر عليًّا أن يدعوهم له فيجتمعون للنذارة. وهو الذي فاداه بنفسه فنام على فراشه ليلة مكر المشركين ... وهو الذي أدى الأمانات عنه بعدها. وهو الذي برز مع حمزة وعبيدة لخصمائهم يوم بدر وكان يقول: أنا أوّل من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن يوم القيامة (٦).\nوشهد مع الرّسول ﷺ المشاهد كلها إلا تبوك ...\nوهو صاحب عمرو بن ود وخيله يوم الخندق، وفتح الله على يديه يوم خيبر بعد قتله فارسهم مرحب. وكان مع حماة النبي ﷺ يوم أحد.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤)، من حديث المسيب ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٦٢٠٨)، ومسلم (٢٠٩) (٣٥٧).\n(٣) رواه مسلم (٢٠٩) (٣٥٨).\n(٤) رواه البخاري (٣٨٨٥)، ومسلم (٢١٠).\n(٥) رواه مسلم (٢١٢).\n(٦) رواه البخاري (٣٩٦٥). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.","vol":"7","page":223},{"text":"وكان صاحب النداء بسورة براءة تبليغًا عن الرّسول ﷺ في الموسم، وشريكه في هديه في حجة الوداع، وخليفته في أهله في غزوة تبوك، وصاحب تجهيزه حين توفي مع جماعة من أهل البيت ﵃.\nوقد ثبت له في الأحاديث الصحاح والحسان من الفضائل الجمة ما فيه كفاية وغنية عن تلفيق الرافضة وخرطهم وكذبهم عليه وعلى رسول الله ﷺ وقولهم عليه ما لم يقل قبّحهم الله.\n(مبيد) أي مدمر (كل خارجي) نسبة إلى الخروج من الطاعة، ولكن صار هذا الاسم علمًا على الحرورية الذين كفروا أهل القبلة والمعاصي وحكموا بتخليدهم في النار بذلك، واستحلّوا دماءهم وأموالهم، حتى الصحابة من السابقين الأولين من أهل بدر وغيرهم، حتى علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وخباب وأقرانهم ﵃، ثم صار هذا الاسم عامًا لكل من اتبع مذهبهم الفاسد وسلك طريقتهم الخائبة.\nوكل ذنب يكفرون به المؤمنين فهو تكفير لأنفسهم من وجوه عديدة وهم لا يشعرون:\nفمنها: أن تكفير المؤمن إن لم يكن كذلك كفر فاعله كما في الحديث: «أيّما امرئٍ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه» (١).\nومنها: أنّ من أكبر الكبائر التي يكفرون بها المؤمنين قتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وهم أسرع الناس في ذلك يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان.\nومنها: أنّ المؤمن وإن عمل المعاصي فهو لا يستحلها وإنّما يقع فيها لغلبة نفسه إياه وتسويل شيطانه له وهو مقر بتحريمها وبما يترتب عليه من الحدود الشرعية فيما ارتكبه، وهم يقتلون النفس التي حرّم الله قتلها إلاّ بالحق، ويأخذون الأموال التي حرّم الله أخذها إلا بالحق، ويفعلون الأفاعيل القبيحة مستحلّين لها، والذي يعمل الكبيرة مستحلًاّ لها أولى بالكفر ممن يعملها مقرًا بتحريمها بل لا مخالف في ذلك إذ هو تكذيب بالكتاب وبما أرسل الله تعالى به رسله ﵈، وإنّما توقّف الصحابة عن تكفير أهل النهروان لأنّهم كانوا يتأوّلون فحكموا أنّهم بغاة ...\nفي (الصحيح) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «أتى رجلٌ رسول الله ﷺ بالجعرانة منصرفة من حنين، وفي ثوب بلال فضّة، ورسول الله ﷺ يقبض منها ويعطي الناس، فقال: يا محمد اعدل، قال: ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدّث الناس أنّي أقتل أصحابي، إنّ هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية» (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠) واللفظ له.\n(٢) رواه مسلم (١٠٦٣).","vol":"7","page":224},{"text":"وفيه: عن أبي سعيد في قصة الذُّهَيْبَة: «فجاء رجلٌ كثّ اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرّأس فقال: اتّق الله يا محمد، قال فقال: رسول الله ﷺ: فمن يطع الله إن عصيته؟ أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ قال ثم أدبر الرجل فاستأذن رجلٌ من القوم في قتله - يرون أنّه خالد بن الوليد - فقال رسول الله ﷺ: إنّ من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرميّة، لئن أدركتهم لأقتلهم قتل عاد» (١). وفي لفظٍ «ثمود» (٢). وفي لفظ «فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه، قال رسول الله ﷺ: دعه فإنّ له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيءٌ، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيّه فلا يوجد فيه شيء وهو القدح، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيءٌ، سبق الفرث والدم، آيتهم رجلٌ أسودٌ إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقةٍ من الناس. قال أبو سعيد: فأشهد أنّي سمعت هذا من رسول الله ﷺ، وأشهد أنّ عليّ بن أبي طالب ﵁ قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد، فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت» (٣).\nوفيه: عنه ﵁ أنّ النّبي ﷺ ذكر قومًا يكونون في أمّته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحالق قال: «هم شرّ الخلق، أو من أشر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق قال فضرب النّبيّ ﷺ لهم مثلًا – أو قال قولًا – الرجل يرمي الرمية أو قال الفوق فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في النضيّ فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة. قال قال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق» (٤).\nوفيه عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تمرق مارقةٌ عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطّائفتين بالحق» (٥).\nوفي رواية: «يكون في أمتي فرقتان فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحقّ» (٦).\nوفي لفظٍ قال: قال ﷺ: «تمرق مارقةٌ في فرقة من الناس، فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق» (٧).\nوفي رواية: «يخرجون على فرقة مختلفة، يقتلهم أقرب الطّائفتين من الحق» (٨).\nوفيه: عن سويد بن غفلة قال: قال عليٌّ ﵁: «إذا حدّثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخرّ من السماء أحبّ إليّ من أن أقول عليه ما لم يقل، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإنّ الحرب خدعة سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرميّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة» (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٣٢)، ومسلم (١٠٦٤).\n(٢) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٤).\n(٣) رواه البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٨).\n(٤) رواه مسلم (١٠٦٤) (١٤٩).\n(٥) رواه مسلم (١٠٦٤) (١٥٠).\n(٦) رواه مسلم (١٠٦٤) (١٥١).\n(٧) رواه مسلم (١٠٦٤) (١٥٢).\n(٨) رواه مسلم (١٠٦٤) (١٥٣).\n(٩) رواه البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦).","vol":"7","page":225},{"text":"وفيه: عن عبيدة عنه ﵁ قال: «ذكر الخوارج فقال: فيهم رجلٌ مخدّج اليد - أو مودن اليد، أو مودون اليد - لولا أن تطروا لحدّثتكم بما وعد الله تعالى الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ. قال قلت: أنت سمعت من محمد ﷺ؟ قال: إي وربّ الكعبة، إي وربّ الكعبة، إي وربّ الكعبة» (١).\nوفيه: عن زيد بن وهب الجهني أنّه كان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵁ الذين ساروا إلى الخوارج، فقال عليٌّ ﵁: أيّها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قومٌ من أمّتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيءٍ، ولا صلاتكم إلا صلاتهم بشيءٍ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيءٍ، يقرأون القرآن يحسبونه أنّه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيّهم ﷺ لاتكلوا عن العمل، وآية ذلك أنّ فيهم رجلًا له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهلّ الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟ والله إنّي لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنّهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله، قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيدٌ بن وهب منزلًا حتى مررنا على قنطرة فلمّا التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم: ألقوا الرّماح وسلّوا سيوفكم من جفونها فإنّي أخاف أن يناشدونكم كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوحّشوا برماحهم وسلّوا السّيوف وشجرهم النّاس برماحهم، قال وقتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذٍ إلا رجلان. قال عليٌّ ﵁: التمسوا فيهم المخدج فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي ﵁ نفسه حتى أتى ناسًا قد قتل بعضهم على بعض قال أخّروهم، فوجدوه مما يلي الأرض فكبّر ثم قال: صدق الله وبلّغ رسوله، قال فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين، الله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو. حتى استحلفه ثلاثًا وهو يحلف له» (٢).\nوفيه: عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ «أنّ الحرورية لما خرجت وهو مع عليّ بن أبي طالب ﵁ قالوا: لا حكم إلا لله، قال علي: كلمة حقٍّ أريد بها باطلٌ. إنّ رسول الله ﷺ وصف لنا وإنّي لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون بألسنتهم ولا يجوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - من أبغض خلق الله إليه، منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي. فلما قتلهم عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئًا، فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذّبت – مرتين أو ثلاثًا – ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي ﵁ فيهم» (٣).\nوفيه: عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ بعدي من أمّتي قومًا يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدّين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه، هم شرّ الخلق والخليقة» (٤). ومثله عن رافع بن عمر الغفاري ﵁.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠٦٦) (١٥٥).\n(٢) رواه مسلم (١٠٦٦) (١٥٦).\n(٣) رواه مسلم (١٠٦٦) (١٥٧).\n(٤) رواه مسلم (١٠٦٦) (١٥٨).","vol":"7","page":226},{"text":"وفي (سنن أبي داود) عن أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: «سيكون في أمّتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدّين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد على فوقه، هم شرّ الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيءٍ، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التحليق» (١).\nوله عن أنس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «سيماهم التحليق والتسبيد، فإذا رأيتموهم فأنيموهم» (٢). قال أبو داود: التسبيد استئصال الشعر.\nوالأحاديث في ذم الخوارج والأمر بقتالهم والثناء على مقاتليهم كثيرة جدًا وفيما ذكرنا كفاية.\n(و) مبيد (كل خبٍّ رافضي فاسق) الخب الخدّاع الخائن، والرافضيّ نسبة إلى الرّفض وهو التّرك بازدراءٍ واستهانة، سمّوا بذلك لرفضهم الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وزعموا أنّهما ظلموا عليًّا واغتصبوه الخلافة ومنعوا فاطمة ﵂ فدك، وبذلك يحطون عليهما ثم على عائشة ثم على غيرها من الصحابة.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٦٥)، وأحمد (٣/ ٢٢٤) (١٣٣٦٢)، والحاكم (٢/ ١٦١). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: لم يسمع هذا الحديث قتادة من أبي سعيد الخدري إنما سمعه من أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٣/ ٤٠٦) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) رواه أبو داود (٤٧٦٦)، وابن ماجه (١٧٥)، وأحمد (٣/ ١٩٧) (١٣٠٥٩). وسكت عنه، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود»، وقال الوادعي في «الصحيح من دلائل النبوة» (ص: ٦٠٤)، وشعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: سنده صحيح.","vol":"7","page":227},{"text":"وهم أقسام كثيرة لا كثّرهم الله تعالى، أعظمهم غلوًّا وأسوأهم قولًا وأخبثهم اعتقادًا بل وأخبث من اليهود والنصارى هم السّبئية أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي قبّحه الله، كانوا يعتقدون في عليٍّ ﵁ الإلهية كما يعتقد النّصارى في عيسى ﵇، وهم الذين أحرقهم علي ﵁ بالنّار، وأنكر ذلك عليه ابن عباس كما في (صحيح البخاري) و(المسند) و(أبي داود) و(الترمذي) و(النّسائي) عن عكرمة ﵁ قال: أتي عليٌّ ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ: «لا تعذّبوا بعذاب الله» ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ: «من بدّل دينه فاقتلوه» (١). حكي عن أبي المظفر الإسفراييني في (الملل والنحل): أنّ الذين أحرقهم علي ﵁ طائفةً من الروافض ادّعوا فيه الإلهية وهم السبئية وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديًّا ثم أظهر الإسلام وابتدع هذه المقالة. وتفصيل ذلك ما ذكره في (الفتح) من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: قيل لعليٍّ ﵁ إنّ هنا قومًا على باب المسجد يزعمون أنّك ربّهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربّنا وخالقنا ورازقنا، قال: ويلكم إنّما أنا عبدٌ مثلكم آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتّقوا الله وارجعوا، فأبوا. فلمّا كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال أدخلهم فقالوا كذلك، فلمّا كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنّكم بأخبث قتلة فأبوا إلا ذلك، فأمر عليٌّ ﵁ أن يخدّ لهم أخدود بين المسجد والقصر، وأمر بالحطب أن يطرح في الأخدود ويضرم بالنّار ثم قال لهم: إنّي طارحكم فيها أو ترجعوا. فأبو أن يرجعوا، فقذف بهم حتى إذا احترقوا قال:\nإنّي إذا رأيت أمرًا منكرًا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا\nقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح (٢) ....... من صار (للرسول) ﷺ في منزلة (هارون من موسى) ﵉ في الاستخلاف، فموسى استخلف هارون في مدة الميعاد، ومحمد ﷺ استخلف عليًّا في غزوة تبوك، ففي (الصّحيحين) عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي ﵁ «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى» (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٠١٧)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي (٧/ ١٠٤)، وأحمد (١/ ٢١٧) (١٨٧١).\n(٢) رواه الآجري في «الشريعة» (٥/ ٢٢٧)، وأبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (٢/ ٢١٧). وذكره ابن حجر في «فتح الباري» (١٢/ ٢٧٠)، وقال: هذا سند حسن. وأشار الذهبي في «ميزان الاعتدال» (١/ ٦٢٦): إلى أن [فيه خارجة بن مصعب ذكر من جرحه].\n(٣) رواه البخاري (٣٧٠٦)، ومسلم (٢٤٠٤) (٣٢).","vol":"7","page":228},{"text":"وفيها من رواية مصعب بن سعد عن أبيه «أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا ﵁، فقال: أتخلفني في الصّبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي» (١). هذا الاستثناء يزيل الإشكال من الرواية الأولى ويخصص عموم المنزلة بخصوص الأخوّة والاستخلاف في أهله فقط لا في النبوة كمشاركة هارون لموسى فيها إذ يقول الله تعالى لموسى اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:٣١ - ٣٢]، وقال لهما: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:١٦] ..... وفي (الصّحيحين) في تفسير قول الله تعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:١٩] عن قيس بن عدي عن أبي ذر ﵁ إنّه كان يقسم فيها أنّ هذه الآية نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه، برزوا في يوم بدر (٢).\nوفيهما عنه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرّحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:١٩] قال: هم الذين بارزوا يوم بدرٍ علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة (٣).\nوفيهما عن سهل بن سعد ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطينّ هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلّهم يرجو أن يعطاها فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه. فأتى به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأنّ لم يكن به وجعٌ، فأعطاه الرّاية فقال عليٌّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال ﵊: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن تكون لك حمر النّعم» (٤).\nوعن سلمة بن الأكوع نحوه مختصرًا، ونحوه عند مسلم أيضًا. وفيهما عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: «أنّ رجلًا جاء إلى سهل بن سعد فقال: هذا فلان لأمير المدينة يدعو عليًا عند المنبر. قال: ماذا يقول له؟ قال: يقول أبو تراب؟ فضحك وقال: والله ما سمّاه إلاّ النّبيّ ﷺ وما كان له اسم أحب إليه منه، فاستطعمت الحديث سهلًا وقلت: يا أبا العباس كيف؟ قال: دخل عليٌّ ﵁ على فاطمة، ثم خرج فاضطجع في المسجد، فقال النّبيّ ﷺ: أين ابن عمك؟ قالت: في المسجد فخرج فوجد رداءه قد سقط عن ظهره، وخلص إلى ظهره، فجعل يمسح التّراب عن ظهره، فيقول: اجلس يا أبا تراب مرتين» (٥).\nوفي رواية مسلم عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال استعمل على المدينة رجلٌ من آل مروان، قال فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليًّا فأبى سهل فقال له أمّا إذا أبيت فقل لعن الله أبا تراب، فقال سهل: ما كان لعليٍّ اسم أحب إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح إذا دعي به. فقال له أخبرنا عن قصّته أسمى أبا تراب فذكره (٦).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٤٠٤) (٣١).\n(٢) رواه البخاري (٤٧٤٣)، ومسلم (٣٠٣٣).\n(٣) رواه البخاري (٣٩٦٥).\n(٤) رواه البخاري (٤٢١٠)، ومسلم (٢٤٠٦).\n(٥) رواه البخاري (٣٧٠٣).\n(٦) رواه مسلم (٢٤٠٩).","vol":"7","page":229},{"text":"وفي (صحيح البخاري) عن سعيد بن عبيدة قال جاء رجلٌ إلى ابن عمر ﵄ فسأله عن عثمان، فذكر من محاسن عمله وقال لعل ذلك يسوؤك؟ قال: نعم. قال فأرغم الله بأنفك. ثم سأله عن عليٍّ فذكر محاسن عمله وقال هو ذاك بيته أوسط بيوت النّبيّ ﷺ، ثم قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك. انطلق وأجهد على جهدك (١). وفيهما عن ابن أبي ليلى قال: حدثنا عليّ ﵁: «أنّ فاطمة ﵍ شكت ما تلقى من أثر الرحى، فأتى النبي ﷺ سبيٌ، فانطلقت فلم تجده فوجدت عائشة فأخبرتها، فلمّا جاء النّبيّ ﷺ إلينا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت لأقوم، فقال: على مكانكما. فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري وقال: ألا أعلّمكما خيرًا مما سألتماني؟ إذا أخذتما مضاجعكما؟ تكبّران أربعًا وثلاثين وتسبّحان ثلاثًا وثلاثين وتحمدان ثلاثًا وثلاثين فهو خيرٌ لكما من خادم» (٢).\nوفي (البخاري) عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي ﵁ قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإنّي أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي. فكان ابن سيرين يرى أنّ عامة ما يروى عن عليٍّ ﵁ الكذب (٣).\nقلت: وأكثر ما يكذب على عليّ ﵁ الرّافضة الذين يدعون مشايعته ونشر فضائله ومثالب غيره من الصحابة، فيسندون ذلك إليه ﵁ وهو بريء منهم، وهم أعدى عدوٍّ له.\nوفي (الصحيحين) من طرق عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكذبوا عليّ فإنه من كذب عليّ فليلج النار» (٤).\nوفي فضائله ﵁ من الأحاديث الصحاح والحسان ما يغني عن أكاذيب الرافضة، وهم يجهلون غالب ما له من الفضائل فيها.\nوفي (صحيح مسلم) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁ قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت فثلاث قالهنّ رسول الله ﷺ لأن تكون لي واحدة منهمّ أحب إليّ من حمر النّعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول له وقد خلّفه في مغازيه فقال له عليٌّ ﵁: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله ﷺ: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبوة بعدي؟ وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطينّ الراية رجلًا يحبّ الله ورسوله، قال فتطاولنا لها قال ادعوا لي عليًّا، فأتي به أرمد فبصق في عينيه ودفع إليه الراية ليلة فتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ [آل عمران:٦١] دعا رسول الله ﷺ عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: اللهمّ هؤلاء أهلي» (٥).\nوفي (صحيح مسلم) عن زر قال: قال عليٌّ ﵁: «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النّبيّ ﷺ إليّ أن لا يحبني إلاّ مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق» (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٧٠٤).\n(٢) رواه البخاري (٣٧٠٥)، ومسلم (٢٧٢٧).\n(٣) رواه البخاري (٣٧٠٧).\n(٤) رواه البخاري (١٠٦)، ومسلم (١)، من حديث علي ﵁.\n(٥) رواه مسلم (٢٤٠٤).\n(٦) رواه مسلم (٧٨).","vol":"7","page":230},{"text":"والأحاديث في فضله كثيرة جدًا ... والحديث في الإشارة إلى خلافته ﵁ في رؤيا الرجل الصالح الدلو التي شرب منها أبو بكر وعمر وعثمان. ثم جاء علي وأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شيء (١)، وكان تأويل ذلك ما أصابه ﵁ من اختلاف الناس عليه والفتن الهائلة والدماء المهرقة والأمور الصعاب والأسلحة المسلولة بين المسلمين بسبب السّبئية ومن وافقهم من أهل الأمصار على قتل عثمان، وكان غالبهم منافقين، وقليلٌ منهم من أبناء الصحابة مغرورون، فحصل من ذلك في يوم الجمل وصفين وغيرهما وقائع يطول ذكرها.\n... وكان ﵁ أيام خلافته على طريق الحق والاستقامة والتمسك بكتاب الله وهدي محمد ﷺ مجتهدًا في جمع شمل الأمّة وإطفاء الفتن والتذفيف على أهل البدع حتى اعتدى على حياته ﵁ الشَّقي ابن ملجم الخارجيّ قبّحه الله وقد فعل، وذلك يوم الجمعة في وقت الفجر وهو يقول: الصّلاة الصّلاة، فمكث يوم الجمعة ليلة السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة ٥٩٧هـ، فكانت مدة خلافته أربع سنين وتسعة أشهر إلا ليال، وهو يومئذ أفضل من على وجه الأرض بالإجماع. وذلك مصداق ما روى الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما عن سفينة أبي عبد الرحمن مولى رسول الله ﷺ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول الخلافة ثلاثون سنةً، ثم تكون بعد ذلك ملكًا» قال سفينة: فخذ سنتي أبي بكر وعشر عمر واثنتي عشرة عثمان وست علي ﵃ أجمعين (٢).\nقلت: سفينة ﵁ حذف الزائد والناقص على السنين من الأشهر على ما جرت به عادات العرب في حذف الكسور في الحساب، وعلى ما قدّمنا ضبطه فأيام كلٍّ منهم لا تكمل ثلاثين إّلا بخلافة الحسن بن علي ﵁، وهي ستّة أشهر، ثم أصلح الله به الفئتين من المسلمين كما أخبر النّبيّ ﷺ، وولّي معاوية بذلك واجتمع الناس عليه وكان ذلك العام يسمى (عام الجماعة) وكان معاوية ﵁ أوّل ملوك الإسلام وخيرهم، وروى الإمام أحمد عن عليّ ﵁ قال: سبق رسول الله ﷺ وصلّى أبو بكر، وثلّث عمر، ثم خبطتنا بعده فتنة فهو ما شاء الله (٣). وفي رواية: يقضي الله فيها ما شاء (٤).\nوله عنه ﵁ قال: ليحبني قوم حتّى يدخلوا النار في حبّي، وليبغضني قومٌ حتى يدخلوا النّار في بغضي (٥) ...\nوكان أحمد بن حنبل ﵀ يقول: لا أعلم أحدًا يحفظ من الفضائل في الأحاديث الصحاح ما يُحفظ لعليٍّ ﵁ وعن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ الحكمي- بتصرف– ٣/ ١٣٦١ - ١٣٨١\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٣٧)، وأحمد (٥/ ٢١) (٢٠٢٥٥). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٨٣): رواه أحمد ورجاله ثقات. وقال الألباني في «ضعيف سنن أبي داود»: ضعيف. وقال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده حسن من أجل الأشعث بن عبد الرحمن الجرمي.\n(٢) رواه أبو داود (٤٦٤٦)، والترمذي (٢٢٢٦)، وأحمد (٥/ ٢٢٠) (٢١٩٦٩). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: وهذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جهمان ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جهمان. وحسنه ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١٤١). وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣/ ٤٠٦): ثابت. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.\n(٣) رواه أحمد (١/ ١٣٢) (١١٠٧)، والحاكم (٣/ ٧١). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٥٧): رجال أحمد ثقات. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٢/ ٢٥١): إسناده صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط في «مسند أحمد»: إسناده حسن.\n(٤) رواه أحمد (١/ ١٢٥) (١٠٣٢)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٥/ ٤٦)، قال الحكمي في «معارج القبول» (٣/ ١١٨١): مشهور عنه من طرق لا تحصى، وقال أحمد شاكر وشعيب الأرناؤوط محققا «مسند أحمد»: إسناده صحيح.\n(٥) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (٢/ ٥٧١)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٢/ ٤٧٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ٣٧٤). قال الألباني في «ظلال الجنة» (٩٨٣): إسناده صحيح على شرط الشيخين.","vol":"7","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1979>الفرع الخامس: فضائل باقي العشرة المبشرين بالجنة</span>\n• أولا: فضل طلحة بن عبيد الله ﵁.\n• ثانيا: فضل الزبير بن العوام ﵁.\n• ثالثا: فضل عبد الرحمن بن عوف ﵁.\n• رابعا: فضل سعد بن أبي وقاص ﵁.\n• خامسا: فضل أبو عبيدة بن الجراح ﵁.\n• سادسا: فضل سعيد بن زيد ﵁.","vol":"7","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1980>أولا: فضل طلحة بن عبيد الله ﵁</span>\nهو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي (١) (يجتمع مع النبي ﷺ في مرة بن كعب ومع أبي بكر الصديق في تيم بن مرة وعدد ما بينهم من الآباء سواء) (٢) وأمه -﵁- الصعبة بنت الحضرمي امرأة من أهل اليمن وهي أخت العلاء بن الحضرمي (٣) أسلمت ولها صحبة وظفرت بشرف الهجرة (٤) وطلحة -﵁- أحد العشرة الذين بشروا بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق ﵁، وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان -﵁- عند وقعة بدر قد وجهه رسول الله ﷺ وسعيد بن زيد يتجسسان خبر العير قبل خروجه ﵊ إلى بدر فلم يرجعا إلا وقد فرغ من موقعة بدر وضرب لهما رسول الله ﷺ بسهمهما وأجرهما (٥).\nوقال الواقدي: بعث رسول الله ﷺ قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتحسسان الأخبار ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر (٦) فخروجهما لجس الأخبار يعتبر في صالح المعركة وهو نوع من المشاركة فيها.\nوشهد طلحة -﵁- أحدًا وما بعدها من المشاهد وقد أبلى في غزوة أحد بلاء حسنًا فقد وقى النبي ﷺ بنفسه واتقى النبل عنه بيده حتى شلت أصبعه (٧).\nوفضائله -﵁- كثيرة مشهورة ومنها:\n- ما رواه البخاري بإسناده إلى قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد (٨).\nهذا الحديث اشتمل على منقبة عظيمة خص بها طلحة بن عبيد الله -﵁- وهي أنه وقى رسول الله ﷺ بيده يوم أحد لما أراد بعض المشركين أن يضربه فاتقى طلحة الضربة بيده حتى أصابها شلل والشلل بطلان في اليد أو في الرجل من آفة تعتريها فالحديث فيه بيان فضيلة عظيمة لطلحة -﵁- وأرضاه.\n- وروى أيضًا بإسناده إلى أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غير طلحة وسعد عن حديثهما (٩).\nوهذا الحديث أيضًا تضمن منقبة ظاهرة لأبي محمد طلحة بن عبيد الله من حيث إنه بقي مع رسول الله ﷺ عندما تفرق الناس عنه يوم أحد والمراد بقوله في الحديث: «في بعض تلك الأيام» يوم أحد.\n_________\n(١) «الإصابة» (٢/ ٢٢٠)، وانظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر على «حاشية الإصابة» (٢/ ٢١٠).\n(٢) «فتح الباري» (٧/ ٨٢).\n(٣) «الإصابة» (٢/ ٢٢٠).\n(٤) «الإصابة» (٤/ ٣٣٧)، وانظر: «فتح الباري» (٧/ ٨٢).\n(٥) انظر: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ٢١٦ - ٢١٧، ٣٨٢ - ٣٨٢)، «المستدرك» للحاكم (٣/ ٤١٦)، «تاريخ دمشق» لابن عساكر (٢١/ ٦٩ - ٧٠)، وانظر: «الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري» (٤/ ٢٥٦).\n(٦) «مغازي الواقدي» (١/ ١٩)، «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ٢١٦ - ٢١٧، ٣٨٢ - ٣٨٢)، «المستدرك» للحاكم (٣/ ٤١٦).\n(٧) انظر: «الاستيعاب على حاشية الإصابة» (٢/ ٢١٠ - ٢١٦)، «تاريخ دمشق» (٢٥/ ٦٠)، «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر (٢/ ٢٢٠)، وانظر: «الرياض النضرة في مناقب العشرة» (٤/ ٢٤٥) وما بعدها، وانظر: «المستدرك للحاكم» (٣/ ٤١٦).\n(٨) رواه البخاري (٤٠٦٣).\n(٩) رواه البخاري (٣٧٢٢). والحديث رواه مسلم (٢٤١٤).","vol":"7","page":233},{"text":"- وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى الزبير -﵁- قال: كان على رسول الله ﷺ يوم أحد درعان فنهض إلى الصخرة فلم يستطع فأقعد تحته طلحة، فصعد النبي ﷺ حتى استوى على الصخرة قال: فسمعت النبي ﷺ يقول: «أوجب طلحة» (١).\nومعنى قوله ﷺ «أوجب طلحة» أي: وجبت له الجنة بسبب عمله هذا أو بما فعل في ذلك اليوم فإنه خاطر بنفسه يوم أحد وفدى بها رسول الله ﷺ وجعلها وقاية له حتى طعن ببدنه وجرح جميع جسده حتى شلت يده (٢).\n- وروى أبو نعيم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك كله يوم طلحة (٣).\nوهذا مدح وثناء عظيم من صديق هذه الأمة وشهادة صادقة لأبي محمد طلحة بن عبيد الله بثباته مع النبي ﷺ في وقعة أحد التي أبلى فيها بلاء حسنًا وكان موقفه عظيمًا في غزوة أحد يذكر به في الآخرين -﵁- وأرضاه.\n- ومن مناقبه -﵁- أن النبي ﷺ أخبر أن طلحة ممن قضى نحبه ووفى لله بما نذره على نفسه من القتال في سبيله ونصرة دينه.\nفقد روى الترمذي بإسناده إلى موسى بن طلحة قال: دخلت على معاوية فقال: ألا أبشرك؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «طلحة ممن قضى نحبه» (٤).\nوروى أيضًا: بإسناده إلى موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما طلحة (أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يتجرؤون هم على مسألته يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر فلما رآني رسول الله ﷺ قال: «أين السائل عمن قضى نحبه» قال الأعرابي: أنا يا رسول الله قال: «هذا ممن قضى نحبه» (٥).\nهذان الحديثان فيهما بيان فضل طلحة بن عبيد الله حيث أخبر النبي ﷺ أن طلحة ممن قضى نحبه وكان طلحة ضمن جماعة كعثمان بن عفان ومصعب وسعيد وغيرهم نذروا إذا لقوا حربًا ثبتوا حتى يستشهدوا وقد ثبت طلحة يوم أحد وبذل جهده حتى شلت يده ووقى بها النبي ﷺرضي الله عنه- وأرضاه.\nقال أبو بكر بن العربي أثناء ذكره لمسائل اشتمل عليها الحديث قال رحمه الله تعالى:\nالرابعة: إلا أن قومًا تحققت عاقبتهم وأخبر الله تعالى عن حسن مآلهم وإن كانوا لم يوافوا بعد، فلهم شرف الحالة بذلك وعلو المنزلة وطلحة منهم.\nالخامسة: وكان ذلك له -والله أعلم- بوقايته بنفسه للنبي ﷺ يوم أحد حتى شلت يمينه فقدمته يداه إلى الجنة وتقدمه إليها وتعلق بسبب عظيم لا ينقطع منها) (٦) ...\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٦٩٢). وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١٥٢): صحيح، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (ص: ٥٠٨) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وقال ابن حجر في «الإمتاع» (١/ ٩٢): صحيح.\n(٢) انظر: «تحفة الأحوذي» (٥/ ٣٤١).\n(٣) «حلية الأولياء» (١/ ٨٧).\n(٤) رواه الترمذي (٣٢٠٢). وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٦/ ٢٨٨): حسن صحيح، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) رواه الترمذي (٣٢٠٣). وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.\n(٦) «عارضة الأحوذي بشرح الترمذي» (١٢/ ٨٢ - ٨٣).","vol":"7","page":234},{"text":"- ومن مناقبه -﵁- أن النبي ﷺ أخبر أنه يموت شهيدًا. فقد روى مسلم في (صحيحه) بسنده إلى أبي هريرة -﵁- أن رسول الله ﷺ كان على جبل حراء فقال رسول الله ﷺ «اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» وعليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص ﵃ (١).\nقال النووي رحمه الله تعالى: (وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله ﷺ منها إخباره أن هؤلاء شهداء وماتوا كلهم غير النبي ﷺ وأبي بكر شهداء؛ فإن عمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير ﵃ قتلوا ظلمًا شهداء، فقتل الثلاثة مشهور وقتل الزبير بوادي السباع بقرب البصرة منصرفًا تاركًا للقتال وكذلك طلحة اعتزل الناس تاركًا للقتال فأصابه سهم فقتله وقد ثبت أن من قتل ظلمًا فهو شهيد والمراد شهداء في أحكام الآخرة وعظم ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم وفيه بيان فضيلة هؤلاء) (٢).\n- ومن مناقبه الرفيعة أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنه راض. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: (باب ذكر مناقب طلحة بن عبيد الله، وقال عمر: توفي النبي ﷺ وهو عنه راض) (٣).\n- ومما يدل على عظم مكانته وعلو منزلته أن النبي ﷺ شهد له بالجنة ضمن جماعة من فضلاء الصحابة. فقد روى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ «أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد في الجنة وسعيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة» (٤) ثم قال: وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ نحو هذا (٥).\nففي هذا الحديث منقبة واضحة لطلحة -﵁- حيث شهد له النبي ﷺ أنه من أهل الجنة وأكرم بها من شهادة فإنها تضمنت الإخبار بسعادته في الدنيا والآخرة، ذلك هو الصحابي طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وتلك طائفة من الأحاديث التي دلت على عظيم قدره وعلو منزلته -﵁- وأرضاه. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ لناصر بن علي عائض -بتصرف- ٢٨٧/ ١\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٤١٧).\n(٢) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٥/ ١٩٠).\n(٣) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث رقم (٣٧٢٢)، ورواه موصولًا (١٣٩٢) بلفظ: «توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ ...». من حديث عمرو بن ميمون ﵁.\n(٤) رواه الترمذي (٣٧٤٧)، وأحمد (١/ ١٩٣) (١٦٧٥). وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٤٣٦) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ١٣٦): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) «سنن الترمذي» (٥/ ٦٤٧).","vol":"7","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1981>ثانيا: فضل الزبير بن العوام ﵁</span>\nهو أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي (١) يجتمع مع النبي ﷺ في قصي وعدد ما بينهما من الآباء سواء (٢) وهو حواري رسول الله ﷺ وابن عمته، أمه صفية بنت عبد المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى (٣).\nقال عروة بن الزبير: أسلم الزبير بن العوام وهو ابن ثمان سنين هاجر وهو ابن ثمان عشرة سنة وكان عم الزبير يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول: ارجع إلى الكفر فيقول الزبير: لا أكفر أبدًا.\nوقال أيضًا: (أسلم الزبير وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين معًا ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ) (٤).\nفهو -﵁- من السابقين الأولين إلى الإسلام، وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ وفضائله -﵁- كثيرة مشهورة ومنها:\n١ - ما رواه البخاري بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ «إن لكل نبي حواريًا، وإن حواري الزبير بن العوام» (٥). وعند مسلم بلفظ: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي ﷺ «لكل نبي حواري وحواري الزبير» (٦).\nومعنى قوله ﷺ: «وحواري الزبير» أي: خاصتي من أصحابي وناصري ومنه الحواريون أصحاب عيسى ﵊ أي: خلصائه وأنصاره، وأصله من التحوير: التبييض قيل: إنهم كانوا قصّارين يحورون الثياب أي: يبيضونها ... قال الأزهري: الحواريون خلصان الأنبياء وتأويله الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب (٧).\nفالحواري: هو الناصر المخلص، فالحديث اشتمل على هذه المنقبة العظيمة التي تميز بها الزبير -﵁- ولذلك سمع عبد الله بن عمر -﵁- رجلا يقول: أنا ابن الحواري فقال: إن كنت من ولد الزبير وإلا فلا (٨). وقال عبد الله بن عباس: هو حواري النبي ﷺ وسمي الحواريون لبياض ثيابهم (٩).\nوجاء في «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» للعيني: (فإن قلت: الصحابة كلهم أنصار رسول الله ﵊ خلصاء فما وجه التخصيص به، قلنا: هذا قاله حين قال يوم الأحزاب: من يأتيني بخبر القوم قال الزبير: أنا، ثم قال: من يأتيني بخبر القوم فقال: أنا وهكذا مرة ثالثة، ولا شك أنه في ذلك الوقت نصر نصرة زائدة على غيره) (١٠).\n_________\n(١) «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ١٠٠)، «الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة» (١/ ٥٦٠)، «الإصابة» (١/ ٥٢٦).\n(٢) «فتح الباري» (٧/ ٨٠).\n(٣) انظر: «الاستيعاب على حاشية الإصابة» (١/ ٥٦٠ - ٥٦٥)، «الإصابة» (١/ ٥٢٦ - ٥٢٨).\n(٤) «المستدرك للحاكم» (٣/ ٣٦٠)، وانظر «طبقات ابن سعد» (٣/ ١٠٢).\n(٥) رواه البخاري (٢٨٤٧).\n(٦) رواه مسلم (٢٤١٥). والحديث رواه بلفظه البخاري (٧٢٦١).\n(٧) «النهاية» لابن الأثير (١/ ٤٥٧ - ٤٥٨).\n(٨) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ١٠٦)، وذكره الحافظ في «الإصابة» (١/ ٥٢٧).\n(٩) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث رقم (٣٥١٢). ووصله ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٥٩) (٣٥٦٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٨/ ٥٩)، بلفظ: إنما سمي الحواريون قال: كانوا صيادين لبياض ثيابهم. وانظر: «تغليق التعليق» (٤/ ٧٠).\n(١٠) «عمدة القاري» (١٦/ ٢٢٣)، وانظر «تحفة الأحوذي بشرح الترمذي» (١٠/ ٥٤٧).","vol":"7","page":236},{"text":"٢ - من مناقبه -﵁- أن النبي ﷺ فداه بأبويه. روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن الزبير قال: «كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثًا فلما رجعت قلت: يا أبت رأيتك تختلف قال: وهل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم قال: كان رسول الله ﷺ قال: من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال: فداك أبي وأمي» (١).\nوهذا الحديث فيه منقبة ظاهرة للزبير -﵁- حيث فداه رسول الله ﷺ بأبويه (وفي هذه التفدية تعظيم لقدره واعتداد بعمله واعتبار بأمره وذلك لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيبذل نفسه أو أعز أهله له) (٢).\n٣ - ومن مناقبه -﵁- أنه كان ممن استجاب لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح يوم أحد. فقد روى الشيخان في (صحيحيهما) عن عائشة ﵂ الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٧٢] قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبوك منهم: الزبير وأبو بكر لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: «من يذهب في إثرهم؟» فانتدب منهم سبعون رجلا قال: كان فيهم أبو بكر والزبير (٣).\nفلقد أثنى الله على الذين استجابوا لله والرسول وأخبر أن جزاء المحسنين المتقين منهم أجر عظيم، وكان الزبير بن العوام واحدًا من هؤلاء ﵃.\n٤ - وروى ابن سعد بإسناد صحيح عن هشام عن أبيه قال كانت على الزبير عمامة صفراء معتجرًا بها يوم بدر فقال النبي ﷺ: «إن الملائكة نزلت على سيماء الزبير» (٤).\nوفي هذا الحديث منقبة ظاهرة للزبير -﵁- دلت على عظيم قدره وعلو منزلته فكون الملائكة الذين أنزلهم الله لنصر المسلمين في موقعة بدر كانوا على صورته فإن ذلك دليل على أنه جليل القدر رفيع المنزلة ﵁ وأرضاه.\n٥ - وروى البخاري بإسناده إلى مروان بن الحكم قال: (أصاب عثمان بن عفان رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج وأوصى فدخل عليه رجل من قريش قال: استخلف قال: وقالوه؟ قال: نعم قال: ومن؟ فسكت فدخل عليه رجل آخر أحسبه الحارث فقال: استخلف فقال عثمان: وقالوا؟ فقال: نعم قال: ومن هو؟ فسكت فلعلهم قالوا: إنه الزبير؟ قال: نعم قال: والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله ﷺ) (٥) وفي رواية أخرى قال: (أما والله إنكم لتعلمون أنه خيركم ثلاثا) (٦).\nففي هاتين الروايتين منقبة عظيمة لحواري رسول الله ﷺ حيث شهد له ثالث الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين عثمان بن عفان -﵁- بالخيرية وأنه كان من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٧٢٠).\n(٢) من «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» لملا علي القاري (٥/ ٥٧٨)، «تحفة الأحوذي» (١٠/ ٢٤٦).\n(٣) رواه البخاري (٤٠٧٧) واللفظ له، ومسلم (٢٤١٨).\n(٤) «الطبقات الكبرى» (٣/ ١٠٣). قال ابن حجر في «الإصابة» (١/ ٥٤٥): إسناده صحيح، وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٦٤٧٧): هذا إسناد صحيح - كما قال الحافظ في «الإصابة» - ولكنه مرسل؛ لأن عروة -وهو: ابن الزبير- لم يدرك القصة.\n(٥) رواه البخاري (٣٧١٧).\n(٦) رواها البخاري (٣٧١٨).","vol":"7","page":237},{"text":"قال الداودي: يحتمل أن يكون المراد من الخيرية في شيء مخصوص كحسن الخلق وإن حمل على ظاهره ففيه ما يبين أن قول ابن عمر: (ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ لا نفاضل بينهم) (١) لم يرد به جميع الصحابة فإن بعضهم قد وقع منه تفضيل بعضهم على بعض وهو عثمان في حق الزبير وقد تعقب الحافظ ﵀ هذا الاحتمال الذي قاله الداودي بقوله: (قلت: قول ابن عمر قيده بحياة النبي ﷺ فلا يعارض ما وقع منهم بعد ذلك) (٢).\n٦ - ومن مناقبه -﵁- أنه كان شجاعًا مقدامًا في ساحة القتال. فقد روى البخاري بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه: (أن أصحاب النبي ﷺ قالوا للزبير يوم وقعة اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فحمل عليهم فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير) (٣).\nوفي هذا بيان فضيلة للزبير -﵁- تضمنها قول الصحابة له يوم اليرموك (ألا تشد فنشد معك ... إلخ) فإنه كان شجاعًا مقدامًا موفقًا في تسديد الضربات لجيوش الشرك. ولقد أبلى -﵁- في يوم اليرموك وفي جميع الغزوات التي غزاها بلاء حسنًا.\nفقد روى الترمذي بإسناده إلى هشام بن عروة قال: (أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحة الجمل فقال: ما مني عضو إلا وقد جرح مع رسول الله ﷺ حتى انتهى ذَاكَ إلى فرجه) (٤).\n٧ - ومن أعظم مناقبه وأعلاها شهادة النبي ﷺ له بالجنة. فقد روى الترمذي وغيره من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ «أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة ...» الحديث (٥).\n٨ - ومن مناقبه -﵁- أن النبي ﷺ شهد له بأنه يموت شهيدًا فقد روى الإمام مسلم في (صحيحه) بإسناده إلى أبي هريرة -﵁- أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله ﷺ «اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» (٦).\nفلقد شهد له الرسول ﷺ بالشهادة وحصلت له كما أخبر بها المصطفى ﵊، فإنه لما كان يوم الجمل ذكره علي بما ذكره به فرجع عن القتال وكر راجعًا إلى المدينة فمر بقوم الأحنف بن قيس وكانوا قد انعزلوا عن الفريقين فقال قائل يقال له الأحنف: ما بال هذا جمع بين الناس حتى إذا التقوا كر راجعًا إلى بيته من رجل يكشف لنا خبره؟ فاتبعه عمرو بن جرموز في طائفة من غواة بني تميم ... فأدركه عمرو بواد يقال له وادي السباع – قريب من البصرة – وهو نائم في القائلة فهجم عليه فقتله ... ولما قتله اجتز رأسه وذهب بها إلى علي ورأى أن ذلك يحصل له به حظوة عنده فاستأذن فقال علي: لا تأذنوا له وبشروه بالنار وفي رواية: أن عليًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بشر قاتل ابن صفية بالنار» ودخل ابن جرموز ومعه سيف الزبير فقال علي: إن هذا السيف طال من فرج الكرب عن وجه رسول الله ﷺ فيقال: إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه وقيل: بل عاش إلى أن تأمر مصعب بن الزبير على العراق فاختفى منه فقيل لمصعب: إن عمرو بن جرموز هاهنا وهو مختف فهل لك فيه؟ فقال: مروه فليظهر فهو آمن والله ما كنت لأقيد للزبير منه فهو أحقر من أن أجعله عدلا للزبير (٧) (وكان قتله -﵁- يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين) (٨) ذلك هو حواري رسول الله ﷺ وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على عظيم قدره وعلو شأنه -﵁- وأرضاه. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ لناصر بن علي عائض – ٣٠٠/ ١\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٩٧).\n(٢) «فتح الباري» (٧/ ٨١).\n(٣) رواه البخاري (٣٧٢١).\n(٤) رواه الترمذي (٣٧٤٦). وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث حماد بن زيد، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: إسناده صحيح.\n(٥) رواه الترمذي (٣٧٤٧)، وأحمد (١/ ١٩٣) (١٦٧٥). وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٤٣٦) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ١٣٦): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٦) رواه مسلم (٢٤١٧).\n(٧) «البداية والنهاية» (٧/ ٢٧٢ - ٢٧٣).\n(٨) انظر «الطبقات» لابن سعد (٣/ ١١٠ - ١١٣)، «الاستيعاب لابن عبد البر على الإصابة» (١/ ٥٦٤)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٧٣)، «الإصابة» (١/ ٥٢٧).","vol":"7","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1982>ثالثا: فضل عبد الرحمن بن عوف ﵁</span>\nهو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري كان اسمه في الجاهلية –عبد عمرو- وقيل عبد الكعبة فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن أمه الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة (١).\n(شهد -﵁- بدرًا والمشاهد كلها وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا بالإسلام) (٢) (وأحد الستة أصحاب الشورى الذين أخبر عمر عن رسول الله ﷺ أنه توفي وهو عنهم راض وأسند رفقته أمرهم إليه حتى بايع عثمان) (٣) (أسلم قديمًا قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها) (٤).\n(وأمره رسول الله ﷺ حين بعثه إلى بني كلب، وأرخى له عذبة بين كتفيه لتكون أمارة عليه للإمارة) (٥) ومناقبه -﵁- كثيرة وقد وردت طائفة من الأحاديث الصحيحة بذكر مناقبه -﵁- ومنها:\n- روى الإمام مسلم بإسناده إلى عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره أن المغيرة بن شعبة أخبره أنه غزا مع رسول الله ﷺ تبوك قال المغيرة: «فتبرز رسول الله ﷺ قبل الغائط فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر فلما رجع رسول الله ﷺ إلي أخذت أهريق على يديه من الإداوة وغسل يديه ثلاث مرات ثم ذهب يخرج جبته عن ذراعيه فضاق كما جبته فأدخل يديه في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ على خفيه، ثم أقبل. قال المغيرة: فأقبلت معه حتى وجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى لهم فأدرك رسول الله ﷺ إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الآخرة فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله ﷺ يتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح فلما قضى النبي ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال: أحسنتم أو قال: أصبتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها» (٦).\nفصلاة الرسول ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية من صلاة الفجر دلت على منقبة عظيمة له لا تبارى، ﵁ وأرضاه.\n- ومن مناقبه -﵁- أنه تقاول هو وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (٧).\nفقوله ﷺ «لا تسبوا أحدًا من أصحابي» يعني عبد الرحمن ونحوه الذين هم السابقون الأولون وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا وهم أهل بيعة الرضوان فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان وهم الذين أسلموا بعد الحديبية وبعد مصالحة النبي ﷺ أهل مكة ومنهم خالد بن الوليد (٨) فالحديث تضمن منقبة رفيعة لعبد الرحمن بن عوف حيث كان ممن شرف بالسبق إلى الإسلام.\n_________\n(١) انظر: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ١٢٤)، «المستدرك» (٣/ ٣٠٦)، «الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة» (٢/ ٣٨٥)، «البداية والنهاية» (٧/ ١٧٨)، «الإصابة» (٢/ ٤٠٨).\n(٢) «الرياض النضرة في مناقب العشرة» (٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، وانظر: «البداية والنهاية» (٧/ ١٧٨).\n(٣) «الإصابة» (٢/ ٤٠٨).\n(٤) «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ١٢٤)، «المستدرك» للحاكم (٣/ ٣٠٩).\n(٥) «البداية والنهاية» (٧/ ١٧٨).\n(٦) رواه مسلم (٢٧٤).\n(٧) رواه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٨) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٥٢٩).","vol":"7","page":239},{"text":"- ومن مناقبه -﵁- أن النبي ﷺ غيّر اسمه من عبد عمرو إلى عبد الرحمن.\nروى الحاكم بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: (كان اسمي في الجاهلية عبد عمرو فسماني رسول الله ﷺ عبد الرحمن) (١)\n- ومن مناقبه -﵁- أن النبي ﷺ دعا الله له أن يسقيه من سلسبيل الجنة.\nفقد روى الحاكم أيضًا بإسناده إلى أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأزواجه: «إن الذي يحنو عليكم بعدي هو الصادق البار اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة» (٢).\nوروى أيضًا: بإسناده إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن حدثه قال: دخلت على عائشة -﵂- فقالت لي: «كان رسول الله ﷺ يقول لي: أمركن مما يهمني بعدي ولن يصبر عليكن إلا الصابرون، ثم قالت: فسقى الله أباك من سلسبيل الجنة، وكان عبد الرحمن بن عوف قد وصلهن بمال فبيع بأربعين ألفًا» (٣).\nففي هذين الحديثين فضيلة لعبد الرحمن بن عوف -﵁-.\n- ومن أجلّ مناقبه وأعلاها شهادة النبي ﷺ له بالجنة. فقد روى الترمذي ﵀ بسنده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: «أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة ...» الحديث (٤).\nفقد بين النبي ﷺ أن عبد الرحمن أحد أهل الجنة، جعلنا الله منهم بفضله ومنه آمين.\n- ومن مناقبه العظيمة إخبار النبي ﷺ بأنه شهيد. روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال: أشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم قيل: وكيف ذاك قال: كنا مع رسول الله ﷺ بحراء فقال: «اثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» قيل: ومن هم قال: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف قيل فمن العاشر قال أنا (٥).\nفالحديث تضمن منقبة عالية لعبد الرحمن وهي أنه سيموت شهيدًا ولا يعارض هذا وفاته -﵁- على فراشه فلابد من التسليم والإيمان بما أخبر به الرسول ﷺ ولابد هناك من سبب ثبتت له به الشهادة ليكون تصديقًا للنبي ﷺ لم نعلمه نحن.\nذلك هو عبد الرحمن بن عوف الذي قضى حياته كلها في طاعة ربه حتى في اللحظة الأخيرة التي كان فيها في مرض موته فقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقي من أهل بدر بأربعمائة دينار وكانوا مائة فأخذوها حتى عثمان وعلي وقال علي: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت زيفها (٦). وأوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير حتى كانت عائشة تقول: سقاه الله من السلسبيل وأعتق خلقًا من مماليكه، ولما مات صلى عليه عثمان بن عفان، وحمل في جنازته سعد بن أبي وقاص ودفن بالبقيع (٧) سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنتين وهو الأشهر) (٨). عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ لناصر بن علي عائض – ٣٠٠/ ١\n_________\n(١) رواه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٣٤٦)، (٤/ ٣٠٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) رواه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٣٥١). وقال: صحّ الحديث عن عائشة وأم سلمة ﵄، ووافقه الذهبي، وقال الشوكاني في «در السحابة» (ص: ١٩٠): إسناده رجاله ثقات. وانظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (١٥٩٤).\n(٣) رواه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٣٥٢). والحديث رواه الترمذي (٣٧٤٩). وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) رواه الترمذي (٣٧٤٧)، وأحمد (١/ ١٩٣) (١٦٧٥). وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٤٣٦) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ١٣٦): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) رواه أبو داود (٤٦٤٨)، والترمذي (٣٧٥٧)، وابن ماجه (١٣٤)، وأحمد (١/ ١٨٩) (١٦٤٤). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠٤) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وأحمد شاكر في تحقيقه لمسند أحمد (١/ ٢٠٨)، وقال ابن حجر في «الإمتاع» (١/ ١٠٤)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٦) انظر: «المستدرك» للحاكم (٣/ ٣٠٨).\n(٧) «البداية والنهاية» (٧/ ١٨٠).\n(٨) «الاستيعاب على حاشية الإصابة» (٢/ ٣٩٠)، «الإصابة» (٢/ ٤٠٩ - ٤١٠).","vol":"7","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1983>رابعا: فضل سعد بن أبي وقاص ﵁</span>\nهو أبو إسحاق سعد بن مالك بن أهيب ويقال له: ابن وهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب القرشي الزهري (١) (يجتمع مع النبي ﷺ في كلاب بن مرة وعدد ما بينهما من الآباء متقارب وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس لم تسلم) (٢) وهو -﵁- أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، أسلم قديمًا وكان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة وهاجر إلى المدينة وشهد بدرًا، وما بعدها من المشاهد وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان فارسًا شجاعًا من أمراء رسول الله ﷺ، وكان في أيام الصديق معظمًا جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر وقد استنابه على الكوفة وهو الذي بناها، وهو الذي فتح المدائن (٣)، وكانت بين يديه وقعة جلولاء (٤) وكان سيدًا مطاعًا، وعزله عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة ولكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك، ثم ولاه عثمان بعده، ثم عزله عنها وكان -﵁- مجاب الدعوة مشهورًا بذلك (٥)، ومناقبه -﵁- كثيرة مشهورة وردت بها الأحاديث الصحيحة ومنها:\n- روى البخاري بإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: سمعت سعدًا يقول: جمع لي النبي ﷺ أبويه يوم أحد (٦).\n- وروى مسلم بإسناده إلى عامر بن سعد عن أبيه أن النبي ﷺ جمع له أبويه يوم أحد قال: «كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين قال له النبي ﷺ: ارم فداك أبي وأمي قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط فانكشفت عورته فضحك رسول الله ﷺ حتى نظرت إلى نواجذه» (٧).\n- وروى أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن شداد قال: سمعت عليًا يقول: ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد غير سعد بن مالك فإنه جعل يقول له يوم أحد: «ارم فداك أبي وأمي» (٨).\nهذه الأحاديث تضمنت منقبة عظيمة لسعد -﵁- وهي أن النبي ﷺ فداه بأبويه وهذه التفدية فيها دلالة على أنه عظيم المنزلة جليل القدر عند النبي ﷺ إذ الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيضحي بنفسه أو أعز أهله له.\nوقول علي -﵁-: (ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد غير سعد بن مالك) يفيد الحصر ولكن هذا الحصر فيه نظر لأنه تقدم معنا قريبًا أن ﵊ جمع أبويه يوم الخندق للزبير بن العوام -﵁- ويجمع بين الحديثين (بأن عليًا -﵁- لم يطلع على ذلك أو مراده بذلك تقييده بيوم أحد والله أعلم) (٩).\n_________\n(١) «البداية والنهاية» (٨/ ٧٨)، «الإصابة» (٢/ ٣٠).\n(٢) «فتح الباري» (٧/ ٨٤).\n(٣) انظر: «تاريخ الطبري» (٤/ ٨ - ١٦)، «الكامل» لابن الأثير (٢/ ٥١١)، «البداية والنهاية» (٧/ ٧١ - ٧٦).\n(٤) انظر: «تاريخ الطبري» (٤/ ٢٤ - ٣٥)، «الكامل» لابن الأثير (٢/ ٥١٩)، «البداية والنهاية» (٧/ ٧٧ - ٧٩).\n(٥) انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ١٣٧ - ١٤٩)، «الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة» (٢/ ١٨ - ٢٥)، «البداية والنهاية» (٨/ ٧٨ - ٨٤)، «الإصابة» (٢/ ٣٠ - ٣٢).\n(٦) رواه البخاري (٣٧٢٥)، ومسلم (٢٤١٢).\n(٧) رواه مسلم (٢٤١٢).\n(٨) رواه مسلم (٢٤١١).\n(٩) «فتح الباري» (٧/ ٨٤)، «عمدة القاري» (١٦/ ٢٢٨).","vol":"7","page":241},{"text":"- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال: ليت رجلا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة، قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال: من هذا قال: سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله ﷺ: ما جاء بك؟ قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام» (١).\nهذا الحديث تضمن منقبة لسعد -﵁- وأنه من الصالحين وأكرم بها من منقبة إذ الصالحون يتولاهم رب العالمين كما قال تعالى: إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف: ١٩٦] ولقد حظي -﵁- بمفخرة عظيمة وهي حراسته للنبي ﷺ ودعاؤه له ﵊ وكان هذا الحديث قبل نزول قوله تعالى: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] لأنه ﷺ ترك الاحتراس حين نزلت هذه الآية وأمر أصحابه بالانصراف عن حراسته وهذا الحديث مصرح بأن هذه الحراسة كانت أول قدومه المدينة ومعلوم أن الآية نزلت بعد ذلك بأزمان (٢).\n- ومن مناقبه -﵁- أن الله تعالى أنزل فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى سعد -﵁- أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: «حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا قال: مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله – ﷿ – في القرآن هذه الآية وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وفيها وَصَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان: ١٥] قال وأصاب رسول الله ﷺ غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف فأخذته فأتيت به الرسول ﷺ فقلت: نفلني هذا السيف فأنا من قد علمت حاله، فقال: رده من حيث أخذته؛ فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه، قال فشد لي صوته: رده من حيث أخذته، قال: فأنزل الله – ﷿ - يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ [الأنفال: ١] قال: ومرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ فأتاني فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت قال: فأبى قلت: فالنصف قال: فأبى قلت: فالثلث قال: فسكت فكان بعد الثلث جائزًا قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرًا وذلك قبل أن تحرم الخمر قال: فأتيتهم في حش والحش البستان فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر قال: فأكلت وشربت معهم قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح بأنفي فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فأنزل الله – ﷿ – في يعني نفسه شأن الخمر يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة: ٩٠]» (٣).\nفهذا الحديث تضمن بيان فضيلة سعد حيث نزلت في شأنه تلك الآيات القرآنية المشار إليها في هذا الحديث.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٤١٠).\n(٢) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٥/ ١٨٣).\n(٣) رواه مسلم (١٧٤٨).","vol":"7","page":242},{"text":"- ومن مناقبه رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى أثنى عليه وأخبر أنه من الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. فقد جاء في (صحيح مسلم) عنه -﵁- قال: «كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله – ﷿ - وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: ٥٢]» (١).\n- ومن مناقبه -﵁- أنه أسلم قديمًا. فقد روى البخاري بإسناده إلى سعد قال: (لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام) (٢).\nوروى أيضًا بإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: (ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام) (٣).\nفقوله -﵁- لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام فيه منقبة عظيمة له وأراد بذلك أنه ثالث من أسلم أولا وأراد بالاثنين أبا بكر وخديجة أو النبي ﷺ وأبا بكر والظاهر أنه أراد الرجال الأحرار (فقد ذكر أبو عمر بن عبد البر في (الاستيعاب) (٤) أنه سابع سبعة في الإسلام) (٥) وقد قدمنا في فضل الصديق من حديث عمار بن ياسر رأيت النبي ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وأبو بكر فهؤلاء ستة ويكون هو السابع بهذا الاعتبار أو قال ذلك بحسب اطلاعه والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه فبهذا الاعتبار قال: وأنا ثلث الإسلام ... وقوله -﵁-: (ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه) ظاهره أنه لم يسلم أحد قبله وهذا فيه إشكال لأنه قد أسلم قبله جماعة ولكن يحمل هذا على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ، وقد روى ابن منده في (المعرفة) من طريق أبي بدر عن هاشم بلفظ: (ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه) وهذا لا إشكال فيه لأنه لا مانع أن يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم ولا ينافي هذا إسلام جماعة قبل يوم إسلامه وقوله: (ولقد مكثت ... إلخ) هذا أيضًا على مقتضى اطلاعه) (٦).\n- ومن مناقبه -﵁- أنه أول من رمى بسهمه في سبيل الله لمجاهدة أعداء الله وإعلاء كلمة الله. فقد روى البخاري بإسناده إلى سعد -﵁- قال: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله وكنا نغزو مع النبي ﷺ وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ما له خلط ...) الحديث (٧).\nفي هذا بيان فضيلة سعد -﵁- حيث إنه كان أول رام بسهمه في سبيل الله (وكان ذلك في سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكان القتال فيها أول حرب وقعت بين المشركين والمسلمين وهي أول سرية بعثها رسول الله ﷺ في السنة الأولى من الهجرة بعث ناسًا من المسلمين إلى رابغ ليلقوا عيرًا لقريش فتراموا بالسهام ولم يكن بينهم مسايفة فكان سعد أول من رمى) (٨).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٤١٣).\n(٢) رواه البخاري (٣٧٢٦).\n(٣) رواه البخاري (٣٧٢٧).\n(٤) «الاستيعاب على حاشية الإصابة» (٢/ ١٨).\n(٥) رواه البخاري (٣٧٢٧).\n(٦) انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٥/ ١٨٤ - ١٨٥)، «فتح الباري» (٧/ ٨٤)، «المرقاة شرح المشكاة» (٥/ ٥٧٩).\n(٧) رواه البخاري (٣٧٢٨)\n(٨) انظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (١/ ٥٩١)، «الإصابة» (٢/ ٣٠)، «فتح الباري» (٧/ ٨٤).","vol":"7","page":243},{"text":"- ومن مناقبه -﵁- أنه كان مجاب الدعوة مشهورًا بذلك وسبب ذلك أن النبي ﷺ دعا الله له بأن يكون مجاب الدعوة فحقق الله دعوة نبيه ﵊ فكانت دعوته مستجابة -﵁- جاء في (مجمع الزوائد) عن عامر – يعني الشعبي – قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: متى أجبت الدعوة؟ قال: يوم بدر كنت أرمي بين يدي النبي ﷺ فأضع السهم في كبد القوس ثم أقول: اللهم زلزل أقدامهم وأرعب قلوبهم وافعل بهم وافعل فيقول النبي ﷺ: «اللهم استجب لسعد» رواه الطبراني وإسناده حسن (١).\nوفيه أيضًا: عن سعد قال: سمعني النبي ﷺ وأنا أدعو فقال: «اللهم استجب له إذا دعاك». رواه البزار ورجاله رجال الصحيح (٢).\n- ومن مناقبه العالية شهادة النبي ﷺ له بالجنة فقد روى الترمذي وغيره من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة ...» الحديث (٣).\n- ومن مناقبه -﵁- شهادة النبي ﷺ له بأنه من الشهداء فقد روى مسلم بإسناده إلى أبي هريرة -﵁- أن رسول الله ﷺ كان على جبل حراء فتحرك فقال رسول الله ﷺ: «اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» وعليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص ﵃ (٤).\nفقد شهد له النبي ﷺ بأنه شهيد مع أنه لم يمت في معركة وإنما توفي بقصره بالعقيق سنة إحدى وخمسين وقيل ست وقيل ثمان والثاني أشهر (٥).\nقال النووي: وأما ذكر سعد بن أبي وقاص في الشهداء فقال القاضي: إنما سمي شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة (٦) قال علي بن المديني: وهو آخر العشرة وفاة، وقال غيره: كان آخر المهاجرين وفاة، ﵁ وعنهم أجمعين ذلك هو سعد بن أبي وقاص وتلك طائفة من فضائله العظيمة ﵁. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ لناصر بن علي عائض – ٣٠٤/ ١\n_________\n(١) رواه الطبراني (١/ ١٤٣) (٣١٨). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٥٦): إسناده حسن.\n(٢) رواه البزار (١/ ٢١٥) (١٢١٨). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٥٦): رجاله رجال الصحيح.\n(٣) رواه الترمذي (٣٧٤٧)، وأحمد (١/ ١٩٣) (١٦٧٥). وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٤٣٦) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ١٣٦): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) رواه مسلم (٢٤١٧).\n(٥) «الإصابة» (٢/ ٣١).\n(٦) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٥/ ١٩٠).","vol":"7","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1984>خامسا: فضل أبو عبيدة بن الجراح ﵁</span>\nهو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب ويقال: وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي الفهري أبو عبيدة بن الجراح مشهور بكنيته وبالنسبة إلى جده، وأمه أميمة بنت غنم بن جابر بن عبد العزى بن عامر بن عميرة (١). وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام (وكان إسلامه هو وعثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث بن المطلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد في ساعة واحدة قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم) (٢).\nوهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعدها وهو الذي انتزع حلقتي المغفر من وجه رسول الله ﷺ فسقطت ثنيتاه بسبب ذلك وثبت يوم أحد مع رسول الله ﷺ حين انهزم الناس (٣) ومناقبه -﵁- تضمنتها أحاديث صحيحة مشهورة منها:\n- ما رواه الشيخان من حديث أنس بن مالك -﵁- أن رسول الله ﷺ قال: «إن لكل أمة أمينًا وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح» (٤).\nهذا الحديث تضمن منقبة عظيمة لأبي عبيدة -﵁- (والأمين هو الثقة المرضي وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره لكن السياق يشعر بأن له مزيدًا في ذلك لكن خص النبي ﷺ كل واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها فأشعر بقدر زائد فيها على غيره كالحياء لعثمان والقضاء لعلي ونحو ذلك) (٥).\nوروى البخاري بإسناده إلى حذيفة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ لأهل نجران: «لأبعثن عليكم – يعني – أمينا حق أمين» فأشرف أصحابه فبعث أبا عبيدة ﵁ (٦).\nوروى مسلم بإسناده إلى أنس «أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: هذا أمين هذه الأمة» (٧).\nوروى أيضًا: بإسناده إلى حذيفة قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلا أمينًا فقال: «لأبعثن إليكم رجلا أمينًا حق أمين» قال: فاستشرف لها الناس (٨).\nإنها لمنقبة عظيمة خص بها أبو عبيدة -﵁- حق لأصحاب رسول الله ﷺ أن يتطلعوا لها (وكان تطلعهم ﵃ إلى الولاية ورغبتهم فيها حرصًا منهم على أن يكون أحدهم هو الأمين الموعود في الحديث لا حرصًا على الولاية من حيث هي) (٩).\n_________\n(١) «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ٤٠٩)، «المستدرك» للحاكم (٣/ ٢٦٢)، «الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة» (٣/ ٢)، «الرياض النضرة في مناقب العشرة» (٤/ ٣٠١)، «الإصابة» (٢/ ٢٤٣).\n(٢) «المستدرك» (٣/ ٢٦٦)، «الإصابة» (٢/ ٢٤٣).\n(٣) «المستدرك» (٣/ ٢٦٦)، «الإصابة» (٢/ ٢٤٣).\n(٤) رواه البخاري (٣٧٤٤)، ومسلم (٢٤١٩).\n(٥) انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٥/ ١٩١ - ١٩٢)، «فتح الباري» (٧/ ٩٣)، «عمدة القاري» (١٦/ ٢٣٨)، «تحفة الأحوذي» (١٠/ ٢٦٠).\n(٦) رواه البخاري (٣٧٤٥).\n(٧) رواه مسلم (٢٤١٩).\n(٨) رواه مسلم (٢٤٢٠).\n(٩) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٥/ ١٩٢)، «فتح الباري» (٧/ ٩٤)، «عمدة القاري» (١٦/ ٢٣٩).","vol":"7","page":245},{"text":"قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله لأهل نجران هم أهل بلد قريب من اليمن وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد ومن معهما، ذكر ابن سعد أنهم وفدوا على النبي ﷺ في سنة تسع وسماهم (١) ... ووقع في حديث أنس عند مسلم: (أن أهل اليمن قدموا على النبي ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام فأخذ بيد أبي عبيدة وقال: «هذا أمين هذه الأمة» (٢) فإن كان الراوي تجوز عن أهل نجران بقوله: (أهل اليمن) لقرب نجران من اليمن وإلا فهما واقعتان والأول أرجح) ا. هـ (٣).\n- ومن مناقبه العالية -﵁- أنه كان أحد من يصلح للخلافة، وأحد الناس الذين كانوا أحب إلى النبي ﷺ روى الإمام مسلم بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا (٤).\nوهذا الأثر عن أم المؤمنين عائشة ﵂ تضمن منقبة عظيمة لأبي عبيدة وهي اعتقادها ﵂ أنه صالح للخلافة وأنه أهل لها ﵁ وأرضاه.\nوروى الترمذي وابن ماجة بإسناديهما إلى عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أي أصحاب النبي ﷺ كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر قلت: ثم من؟ قالت: ثم عمر، قلت: ثم من؟ قالت ثم أبو عبيدة بن الجراح قلت: ثم من؟ فسكتت (٥).\nوفي هذا بيان فضيلة لأبي عبيدة وهي أنه كان أحد الذين هم أحب الناس إلى رسول الله ﷺ.\n- ومن مناقبه -﵁- أن الفاروق -﵁- كان يكره مخالفته فيما يراه وأنه كان جليل القدر عنده. فقد روى الشيخان في (صحيحيهما) عن ابن عباس ﵄ (أن عمر لما خرج إلى الشام وأخبر أن الوباء قد وقع به فجمع أصحاب رسول الله ﷺ واستشارهم فاختلفوا فرأى عمر رأي من رأى الرجوع فرجع فقال له أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة وكان عمر يكره خلافه، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله .. إلخ) الحديث (٦).\nقال الحافظ رحمه الله تعالى: (وذلك دال على جلالة أبي عبيدة عند عمر) (٧).\n- ومن مناقبه -﵁- أنه ﵊ قرنه في المدح بالشيخين.\nروى الترمذي بسنده إلى أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح» (٨) ثم قال: هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث سهيل.\n_________\n(١) انظر: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ٤١٢).\n(٢) رواه مسلم (٢٤١٩).\n(٣) «فتح الباري» (٧/ ٩٣ - ٩٤).\n(٤) رواه مسلم (٢٣٨٥).\n(٥) رواه الترمذي (٣٦٥٧)، وابن ماجه (١٠٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»، وقال الوادعي في «الصحيح المسند» (١٦٤٣): صحيح على شرط مسلم.\n(٦) رواه البخاري (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩).\n(٧) «الإصابة» (٢/ ٢٤٤).\n(٨) رواه الترمذي (٣٧٩٥). وقال: هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث سهيل، وقال ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٥/ ٤٦٩): محفوظ، وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (٢/ ٩٩): إسناده صحيح، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ٢٩٦): إسناده على شرط مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٤٨٢) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٥/ ٣٤٠): رجاله رجال الصحيحين إلا سهيل بن أبي صالح فإن البخاري روى له مقرونًا.","vol":"7","page":246},{"text":"في هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأبي عبيدة حيث قرنه ﵊ في المدح والثناء عليه مع أبي بكر الصديق وعمر الفاروق ﵃ جميعًا.\n- ومن مناقبه العالية الرفيعة شهادة المصطفى ﵊ له بالجنة ضمن جماعة من الصحابة كما تقدم في حديث العشرة المبشرين بالجنة، وهو ما رواه الترمذي وغيره بسنده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة» (١).\n- ومن مناقبه -﵁- أن وفاته كانت شهادة في سبيل الله فقد مات في الطاعون الذي حصل بأرض الشام زمن الفاروق -﵁- وقد أخبر ﵊ أن من كانت وفاته بسبب هذا الداء فإنه شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد وقد جمع الله لأبي عبيدة بين هذين الوصفين. فقد روى الإمام مسلم في (صحيحه) بإسناده إلى أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذًا لقليل، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد» قال ابن مقسم: (أشهد على أبيك في هذا الحديث أنه قال: والغريق شهيد) (٢) (وهذه الموتات إنما كانت شهادة بتفضل الله تعالى بسبب شدتها وكثرة ألمها) (٣).\nقال النووي رحمه الله تعالى: (قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم ... والشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة وهو المقتول في حرب الكفار وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا وهم هؤلاء المذكورون هنا وشهيد في الدنيا دون الآخرة وهو من غل في الغنيمة أو قتل مدبرًا) (٤).\n(وقد اتفق العلماء على أن أبا عبيدة مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثماني عشرة) (٥).\nولما دفن -﵁- خطب الناس معاذ بن جبل خطبة بين فيها الكثير من فضائل أبي عبيدة. وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد المقبري قال: لما طعن أبو عبيدة قال: يا معاذ صل فصلى معاذ بالناس ثم مات أبو عبيدة بن الجراح فقام معاذ في الناس فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحًا فإن عبدًا لله يلقى الله تائبًا من ذنبه إلا كان حقًا على الله أن يغفر له ثم قال: إنكم أيها الناس قد فجعتم برجل والله ما أزعم أني رأيت من عباد الله عبدًا قط أقل غمزًا ولا أبر صدرًا ولا أبعد غائلة ولا أشد حبًا للعاقبة ولا أنصح للعامة منه فترحموا عليه ﵀ ثم أصحروا للصلاة عليه فوالله لا يلي عليكم مثله أبدًا فاجتمع الناس وأخرج أبو عبيدة وتقدم معاذ فصلى عليه حتى إذا أتي به قبره دخل قبره معاذ بن جبل وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس فلما وضعوه في لحده وخرجوا فشنوا عليه التراب فقال معاذ بن جبل: يا أبا عبيدة لأثنين عليك ولا أقول باطلا أخاف أن يلحقني بها من الله مقت كنت والله ما علمت من الذاكرين الله كثيرًا ومن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا وكنت والله من المخبتين المتواضعين الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويبغضون الخائنين المتكبرين (٦).\nفهذا الثناء من معاذ -﵁- كله تضمن بيان فضائل لأبي عبيدة بن الجراح ذلك هو أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على أنه جليل القدر رفيع المنزلة ﵁ وأرضاه. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ لناصر بن علي عائض – ١/ ٣١١\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٤٧)، وأحمد (١/ ١٩٣) (١٦٧٥). وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٤٣٦) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ١٣٦): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه مسلم (١٩١٥).\n(٣) انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٣/ ٦٣).\n(٤) انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٣/ ٦٣).\n(٥) «الاستيعاب على حاشية الإصابة» (٣/ ٣)، «الإصابة» (٢/ ٢٤٥).\n(٦) «المستدرك» (٣/ ٢٩٥).","vol":"7","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1985>سادسا: فضل سعيد بن زيد ﵁</span>\nهو أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح ابن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي كان أبوه زيد بن عمرو بن نفيل أحد الحنفاء الذين طلبوا دين الحنيفية دين إبراهيم ﵇ قبل أن يبعث النبي ﵊، وكان لا يذبح للأصنام ولا يأكل الميتة والدم وكان يقول لقومه: يا معشر قريش والله لا آكل ما ذبح لغير الله، والله ما أحد على دين إبراهيم غيري (١).\nوأم سعيد بن زيد فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية كانت من السابقين إلى الإسلام وهو ابن عم عمر بن الخطاب وصهره كانت تحته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب وكانت أخته عاتكة بنت زيد بن عمرو تحت عمر بن الخطاب وكان سعيد بن زيد من السابقين الأولين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قبل عمر بن الخطاب هو وزوجته فاطمة، وهاجرا، وكان من سادات الصحابة. قال عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد: لم يشهد بدرًا لأنه قد كان بعثه رسول الله ﷺ هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتجسسان أخبار قريش، فلم يرجعا حتى فرغ من بدر فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهميهما وأجرهما، ولم يذكره عمر في أهل الشورى لئلا يحابى بسبب قرابته من عمر فيولى فتركه لذلك ولم يتول بعده ولاية وما زال كذلك حتى مات (٢).\nوقد وردت بعض الأحاديث المتعددة المصرحة بفضله -﵁- ومنها:\n- ما رواه البخاري بإسناده إلى قيس بن أبي حازم قال: سمعت سعيد بن زيد يقول للقوم في مسجد الكوفة يقول: (والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر ولو أن أحدًا أرفض للذي صنعتم بعثمان لكان محقوقًا أن يرفض) (٣).\nففي هذا بيان فضيلة ظاهرة لسعيد -﵁- وهي أنه كان ممن حظي بشرف السبق إلى الإسلام وأن إسلامه كان قبل إسلام الفاروق -﵁- إذ أنه بين أن صنع عمر هذا به كان قبل أن يسلم.\nقال أبو عبد الله الحاكم: (أسلم سعيد بن زيد بن عمرو قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها الناس إلى الإسلام) (٤).\n- ومن مناقبه العالية شهادة النبي ﷺ له بالجنة مع جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.\nروى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن حميد أن سعيد بن زيد حدثه في نفر أن رسول الله ﷺ قال: «عشرة في الجنة أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة وعلي وعثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص» قال: فعد هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر قال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله أبو الأعور في الجنة (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في «الاستيعاب»، وانظر: «الإصابة» (٢/ ٤) حاشية.\n(٢) انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ٣٧٩)، «الاستيعاب على حاشية الإصابة» (٢/ ٢ - ٨)، «البداية والنهاية» (٨/ ٦٢)، «الرياض النضرة في مناقب العشرة» (٤/ ٣٣٧)، «الإصابة» (٢/ ٤٤).\n(٣) رواه البخاري (٣٨٦٢).\n(٤) «المستدرك» (٣/ ٤٩٦).\n(٥) رواه الترمذي (٣٧٤٨). قال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٩/ ٢٥٥): له طرق، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"7","page":248},{"text":"- ومن مناقبه -﵁- أن النبي ﷺ أخبر بأنه من الشهداء. فقد روى الترمذي بإسناده إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال: «أشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنا مع رسول الله ﷺ بحراء قال: اثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، قيل: ومن هم؟ قال: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف قيل: فمن العاشر قال: أنا» (١) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ (٢)\nففي هذا فضيلة عظيمة لسعيد بن زيد -﵁- حيث شهد له النبي ﷺ بالشهادة وإن مات على فراشه فهو شهيد لخبر الصادق المصدوق ﵊ بذلك.\nوكانت وفاته -﵁- سنة (إحدى وخمسين وقيل سنة اثنتين وخمسين وقد غسله سعد وحمل من العقيق على رقاب الرجال إلى المدينة) (٣).\nقال الشوكاني رحمه الله تعالى مبينًا فضل سعيد بن زيد -﵁- (ويكفي سعيد بن زيد أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة وأنه شهد أحدًا وما بعده من المشاهد كلها وصار من جملة أهل بدر بما ضربه له رسول الله ﷺ من السهم والأجر) اهـ (٤).\nذلك هو سعيد بن زيد وتلك طائفة من مناقبه وبه -﵁- نختم فضل العشرة المبشرين بالجنة الذين قدمنا فضائلهم التي دلت على مكانتهم وعلو منزلتهم، فيجب على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أنهم من أهل الجنة بأعيانهم كما أخبر بذلك الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٤] وكلهم ﵃ من قريش الذين سبقوا إلى الإسلام وهاجروا إلى الله ورسوله وتركوا ديارهم وأموالهم بغية نصرة دين الإسلام ورفع رايته. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ لناصر بن علي عائض – ١/ ٣١٧\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٥٧). وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (ص: ٩٠٤) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٢) «سنن الترمذي» (٥/ ٦٥١).\n(٣) «البداية والنهاية» (٨/ ٦٢) وانظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\n(٤) «در السحابة في مناقب القرابة والصحابة» (ص: ٢٥٧).","vol":"7","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1987>المطلب الأول: وجوب محبتهم</span>\nمن عقائد أهل السنة والجماعة وجوب محبة أصحاب رسول الله ﷺ وتعظيمهم وتوقيرهم وتكريمهم والاحتجاج بإجماعهم والاقتداء بهم، والأخذ بآثارهم، وحرمة بغض أحد منهم لما شرفهم الله به من صحبة رسوله ﷺ والجهاد معه لنصرة دين الإسلام، وصبرهم على أذى المشركين والمنافقين، والهجرة عن أوطانهم وأموالهم وتقديم حب الله ورسوله ﷺ على ذلك كله، وقد دلت النصوص الكثيرة على وجوب حب الصحابة ﵃ جميعًا، وقد فهم أهل السنة والجماعة ما دلت عليه النصوص في هذا واعتقدوا ما تضمنته مما يجب لهم من المحبة على وجه العموم ﵃ وأرضاهم، ومن تلك النصوص:\n(١) قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠].\n(هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة لأنه جعل لمن بعدهم حظًا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم أو واحدًا منهم أو اعتقد فيه شرًا أنه لا حق له في الفيء، روي ذلك عن مالك وغيره، قال مالك: (من كان يبغض أحدًا من أصحاب محمد ﷺ أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ الآية) (١).\n(٢) روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله ﷺ: «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» (٢).\nهذا الحديث تضمن الحث لكل إنسان يأتي بعد الصحابة في أن يحفظ حقهم، والمعنى: لا تنقصوا من حقهم ولا تسبوهم، بل عظموهم ووقروهم، ولا تتخذوهم هدفًا ترمونهم بقبيح الكلام، كما يرمى الهدف بالسهم، وبين ﵊ أن حبهم ما استقر في قلب إنسان إلا بسبب حبه للنبي ﷺ، أو بسبب حب النبي ﷺ إياهم وما وجد بغضهم في قلب إنسان إلا بسبب ما فيه من البغض للنبي ﷺ، ومعنى قوله ﷺ: «يوشك أن يأخذه»، أي: يعاقبه في الدنيا أو في الآخرة (٣). فالحديث دل على وجوب حب الصحابة ﵃ وخطورة بغضهم.\n_________\n(١) انظر قول مالك في «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ١٧٧٨)، «زاد المسير في علم التفسير» (٨/ ٢١٦)، «تفسير البغوي» (٧/ ٥٤)، «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١٨/ ٣٢)، وانظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٦/ ٦٠٩).\n(٢) رواه الترمذي (٣٨٦٢). وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي».\n(٣) انظر: «تحفة الأحوذي» (١٠/ ٣٦٥)، «الفتح الرباني للساعاتي» (٢٢/ ١٦٩).","vol":"7","page":250},{"text":"قال المناوي في قوله ﷺ: «الله الله في أصحابي» (أي: اتقوا الله فيهم ولا تلمزوهم بسوء أو اذكروا الله فيهم، وفي تعظيمهم وتوقيرهم، وكرره إيذانًا بمزيد الحث على الكف عن التعرض لهم بمنقص «فمن أحبهم فبحبي أحبهم» أي: فبسبب حبهم إياي، أو حبي إياهم، أي: إنما أحبهم لحبهم إياي، أو لحبي إياهم. «ومن أبغضهم فببغضي». أي: فبسبب بغضه إياي، «أبغضهم» يعني: إنما أبغضهم لبغضه إياي ... وخص الوعيد بها لما اطلع عليه مما سيكون بعده من ظهور البدع وإيذاء بعضهم زعمًا منهم الحب لبعض آخر، وهذا من باهر معجزاته، وقد كان في حياته حريصًا على حفظهم والشفقة عليهم. أخرج البيهقي عن ابن مسعود: خرج علينا رسول الله ﷺ، فقال: «لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئًا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» (١)، وإن تعرض إليهم ملحد وكفر نعمة قد أنعم الله بها عليهم، فجهل منه وحرمان، وسوء فهم، وقلة إيمان، إذ لو لحقهم نقص لم يبق في الدين ساق قائمة لأنهم النقلة إلينا، فإذا جرح النقلة دخل من الآيات والأحاديث التي بها ذهاب الأنام، وخراب الإسلام إذ لا وحي بعد المصطفى ﷺ وعدالة المبلغ شرط لصحة التبليغ) (٢).\n(٣) وروى الإمام البخاري في (صحيحه) من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ، قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (٣).\nومعنى قوله ﷺ هذا: (أن علامات كمال إيمان الإنسان، أو نفس إيمانه حب مؤمني الأوس والخزرج لحسن وفائهم بما عاهدوا الله عليه من إيواء نبيه ﷺ ونصره على أعدائه زمن الضعف والعسرة وحسن جواره ورسوخ صداقتهم وخلوص مودتهم ولا يلزم منه ترجيحهم على المهاجرين الذين فارقوا أوطانهم وأهليهم وحرموا أموالهم حبًا له ورومًا لرضاه ... (وآية النفاق) بالمعنى الخاص (بغض الأنصار)، صرح به مع فهمه مما قبله لاقتضاء المقام التأكيد، ولم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده، لأن الكلام فيمن ظاهره الإيمان، وباطنه الكفر فميزه عن ذوي الإيمان الحقيقي، فلم يقل آية الكفر لكونه غير كافر ظاهرًا، وخص الأنصار بهذه المنقبة العظمى، لما امتازوا به من الفضائل، فكان اختصاصهم بها مظنة الحسد الموجب للبغض، فوجب التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، وأبرز ذلك في هذين التركيبين المفيدين للحصر لأن المبتدأ والخبر فيهما معرفتان، فجعل ذلك آية الإيمان والنفاق على منهج القصر الادعائي، حتى كأنه: لا علامة للإيمان إلا حبهم، وليس حبهم إلا علامته، ولا علامة للنفاق إلا بغضهم، وليس بغضهم إلا علامته، تنويهًا بعظيم فضلهم، وتنبيهًا على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم في المعنى مشاركًا لهم في الفضل كل بقسطه) (٤).\n(٤) وروى مسلم بإسناده إلى عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء يحدث عن النبي ﷺ أنه قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله».\nقال شعبة: (قلت لعدي: سمعته من البراء؟ قال: إياي حدث) (٥).\n(٥) وروى أيضًا: بإسناده إلى أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» (٦).\n_________\n(١) رواه البيهقي (٨/ ١٦٦) (١٦٤٥٢). وقال الذهبي في «المهذب» (٦/ ٣٢٧٣): انفرد الكديمي بقوله فأتاه مال إلى آخر الحديث، والكديمي لا شيء.\n(٢) «فيض القدير» للمناوي (٢/ ٩٨).\n(٣) رواه البخاري (١٧). من حديث أنس ﵁.\n(٤) «فيض القدير» للمناوي (١/ ٦٢).\n(٥) رواه مسلم (٧٥).\n(٦) رواه مسلم (٧٦).","vol":"7","page":251},{"text":"(٦) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله» (١).\n(٧) وروى الحافظ الطبراني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم» (٢).\n(٨) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحب الأنصار إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (٣).\n(٩) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى سعد بن عبادة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن هذا الحي من الأنصار محنة حبهم إيمان وبغضهم نفاق» (٤).\n(١٠) وروى أيضًا: بإسناده إلى الحارث بن زياد الساعدي «أنه أتى رسول الله ﷺ يوم الخندق وهو يبايع الناس على الهجرة فقال: يا رسول الله بايع هذا، قال: ومن هذا، قال: ابن عمي حوط بن يزيد أو يزيد بن حوط، قال: فقال رسول الله ﷺ: لا أبايعك إن الناس يهاجرون إليكم ولا تهاجرون إليهم، والذي نفس محمد ﷺ بيده لا يحب رجل الأنصار حتى يلقى الله ﵎ إلا لقي الله – ﵎ – وهو يحبه، ولا يبغض رجل الأنصار حتى يلقى الله – ﵎ – إلا لقي الله – ﵎ – وهو يبغضه» (٥).\n(١١) وروى الإمام مسلم بإسناده إلى علي ﵁ أنه قال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق» (٦).\nفهذه الأحاديث كلها دلت على وجوب حب أصحاب رسول الله ﷺ جميعًا مهاجرين وأنصار، ولا يقال إن ظاهر لفظها في الأنصار فلا يدخل فيها المهاجرون، بل الصحيح أنه يدخل فيها كل فرد من أفراد الصحابة لتحقق مشترك الإكرام، لما لهم من حسن الغناء في الدين ﵃ أجمعين.\nكما اشتملت على ذكر الجزاء الذي ينتظر من يكن لهم المحبة في قلبه ومن يكن لهم البغض، فمن أحبهم فاز بحب الله له، ومن أبغضهم أبغضه الله، وشتان بين الجزائين، كما دلت على أن القلب الذي امتلأ ببغضهم إنما هو قلب ينضح بالنفاق، خذل صاحبه بعدم الإيمان والعياذ بالله.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٥٠١) (١٠٥١٥). قال العراقي في «محجة القرب» (٢٥٤): حسن صحيح، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٩٩١): إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) رواه الطبراني (١٩/ ٣٤١) (١٦٤٥٩). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤٢): رجاله رجال الصحيح غير أحمد بن حاتم وهو ثقة.\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٢٨٣) (١٨٥٢٣). قال الألباني في «صحيح الجامع» (٧٦٢٩): صحيح، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٤) رواه أحمد (٥/ ٢٨٥) (٢٢٥١٥). قال العراقي في «محجة القرب» (ص: ٢٤٦): رجاله ثقات، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣١): في رجال أحمد راو لم يسم ورجال الطبراني والبزار وبقية رجال أحمد ثقات، وقال الشوكاني في «در السحابة» (ص: ٤٠): إسناده رجاله رجال الصحيح.\n(٥) رواه أحمد (٣/ ٤٢٩) (١٥٥٧٩). قال العراقي في «محجة القرب» (ص: ٢٥١): صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤١): رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح غير محمد بن عمرو وهو حسن الحديث.\n(٦) رواه مسلم (٧٨).","vol":"7","page":252},{"text":"قال الإمام النووي رحمه الله تعالى مبينًا المراد في قوله ﷺ: «آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار» (١)، وفي الرواية الأخرى: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (٢)، وفي الأخرى: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» (٣)، وفي حديث علي ﵁: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي ﷺ إلي أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق) (٤).\n(الآية: هي العلامة، ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي ﷺ، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارًا للإسلام، وعرف من علي بن أبي طالب ﵁ قربه من رسول الله ﷺ وحب النبي ﷺ له، وما كان منه في نصرة الإسلام، وسوابقه فيه، ثم أحب الأنصار وعليًا لهذا كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الإسلام والقيام بما يرضي الله – ﷾ – ورسوله ﷺ، ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستدل به على نفاقه وفساد سريرته والله أعلم) (٥).\nوقال الذهبي رحمه الله تعالى مبينًا العلة من جعله ﷺ حب الأنصار علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق حيث قال: (وما ذاك إلا لسابقتهم ومجاهدتهم أعداء الله بين يدي رسول الله ﷺ، وكذلك حب علي ﵁ من الإيمان وبغضه من النفاق، وإنما يعرف فضائل الصحابة ﵃ من تدبر أحوالهم وسيرهم وآثارهم في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته من المسابقة إلى الإيمان، والمجاهدة للكفار ونشر الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلاء كلمة الله ورسوله وتعليم فرائضه وسننه ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع ولا علمنا من الفرائض والسنن سنة ولا فرضًا، ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئًا) (٦).\nوقال العيني رحمه الله تعالى شارحًا لقوله ﷺ: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (٧): (المقصود من الحديث الحث على حب الأنصار وبيان فضلهم، لما كان منهم من إعزاز الدين وبذل الأموال والأنفس والإيثار على أنفسهم والإيواء والنصر وغير ذلك، قالوا: وهذا جار في أعيان الصحابة كالخلفاء وبقية العشرة والمهاجرين بل في كل الصحابة إذ كل واحد منهم له سابقة وسالفة وغناء في الدين وأثر حسن فيه، فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان وبغضهم محض النفاق ويدل عليه ما روي مرفوعًا في فضل أصحابه كلهم: «من أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم» (٨).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤). من حديث أنس ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٧٥). من حديث البراء ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٧٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٧٨).\n(٥) «شرح النووي على صحيح مسلم» (٢/ ٦٣ - ٦٤).\n(٦) كتاب «الكبائر»، (ص: ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(٧) رواه البخاري (١٧). من حديث أنس ﵁.\n(٨) رواه الترمذي (٣٨٦٢)، وأحمد (٤/ ٨٧) (١٦٨٤٩)، وابن حبان (١٦/ ٢٤٤) (٧٢٥٦). قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي».","vol":"7","page":253},{"text":"وقال القرطبي: (وأما من أبغض والعياذ بالله أحدًا منهم من غير تلك الجهة لأمر طارئ من حدث وقع لمخالفة غرض أو لضرر ونحوه لم يصر بذلك منافقًا ولا كافرًا، فقد وقع بينهم حروب ومخالفات، ومع ذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام، فإما أن يقال كلهم مصيب، أو المصيب واحد والمخطئ معذور، مع أنه مخاطب بما يراه ويظنه، فمن وقع له في أحد منهم والعياذ بالله لشيء من ذلك، فهو عاص يجب عليه التوبة، ومجاهدة نفسه بذكر سوابقهم، وفضائلهم، وما لهم على كل من بعدهم من الحقوق إذا لم يصل أحد من بعدهم لشيء من الدين والدنيا إلا بهم وبسببهم قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ الآية اهـ) (١).\nوقد وفق الله الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة لاعتقاد ما دلت عليه النصوص المتقدم ذكرها من أن حب الصحابة واجب على كل مسلم، (فقد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى: حب أبي بكر وعمر ﵄ سنة؟ قال: لا، فريضة) (٢).\nوقال الطحاوي رحمه الله تعالى مبينًا ما يجب على المسلم اعتقاده في محبة أصحاب رسول الله ﷺ: (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) (٣).\nوقال أبو عبد الله بن بطة في صدد عرضه لعقيدة أهل السنة: (ونحب جميع أصحاب رسول الله ﷺ على مراتبهم ومنازلهم أولًا فأولًا: من أهل بدر والحديبية وبيعة الرضوان وأحد فهؤلاء أهل الفضائل الشريفة والمنازل المنيفة الذين سبقت لهم السوابق ﵏ أجمعين) (٤).\nفعلى المسلم أن يسلك في حب الصحابة مسلك أهل الحق من أهل السنة والجماعة بحيث يحبهم جميعًا، ولا يفرط في حب أحد منهم وأن يتبرأ من طريقة الشيعة الرافضة الذين يتدينون ببغضهم وسبهم، ومن طريقة النواصب والخوارج الذين ابتلوا بإيذاء أهل بيت رسول الله ﷺ، وليعلم كل مسلم أن أهل السنة والجماعة يتبرؤون من طريقة هذه الفرق فيهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ويتبرؤون من طريقة الروافض والشيعة الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب والخوارج الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل) (٥).\n(فمن أراد السلامة لدينه وأن يسلم له إيمانه فليحبهم جميعًا، وأن يحتم ذلك على نفسه، وعلى كل أبناء جنسه لأن ذلك واجب على جميع الأمة واتفق على ذلك الأئمة، فلا يزوغ عن حبهم إلا هالك، ولا يزوغ عن وجوب ذلك إلا آفك) (٦). عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٧٥٧\n_________\n(١) انظر: «عمدة القاري» (١/ ٤٠٦).\n(٢) رواه خيثمة بن سليمان في كتاب «الرقائق والحكايات» (ص: ١٧١).\n(٣) «شرح الطحاوية» (ص: ٤٦٧).\n(٤) «الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة» (ص: ٢٧١).\n(٥) «العقيدة الواسطية مع شرحها»، لمحمد خليل هراس، (ص: ١٧٣)، وانظر: «قطف الثمر في عقيدة أهل الأثر» (ص: ١٠٣).\n(٦) انظر: «لوامع الأنوار البهية»، للسفاريني (٢/ ٣٥٤).","vol":"7","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1990>أولًا: معنى العدالة في اللغة</span>\nجاء في (الصحاح) للجوهري: (العدل خلاف الجور، يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله ومعدِلته ومعدَلَتَه، وفلان من أهل المعدلة، أي: من أهل العدل، ورجل عدل، أي: رضا ومقنع في الشهادة، وهو في الأصل مصدر، وقوم عدل وعدول أيضًا: وهو جمع عدل وقد عدل الرجل بالضم عدالة ... إلى أن قال: وتعديل الشيء: تقويمه، يقال: عدلته فاعتدل، أي: قومته فاستقام) (١).\nوجاء في (لسان العرب): (رجل عدل بين العدل والعدالة: وصف بالمصدر معناه ذو عدل، قال في موضعين: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ [الطلاق: ٢]، ويقال: رجل عدل ورجلان عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ونسوة عدل، كل ذلك على معنى رجال ذوو عدل، ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإن رأيته مجموعًا، أو مثنى أو مؤنثًا، فعلى أنه قد أجري مجرى الوصف الذي ليس بمصدر) (٢) اهـ.\nوجاء في (المصباح المنير): (وعدلت الشاهد نسبته إلى العدالة ووصفته بها و(عدل) هو بالضم، (عدالة) و(عدولة) فهو (عدل) أي: مرضي يقنع به ويطلق (العدل) على الواحد وغيره بلفظ واحد، وجاز أن يطابق في التثنية والجمع فيجمع على عدول، قال ابن الأنباري: وأنشدنا أبو العباس:\nوتعاقد العقد الوثيق وأشهدا ... من كل قوم مسلمين عدولًا\nوربما طابق في التأنيث، وقيل: امرأة عدلة) (٣).\nوجاء في (القاموس): (العدل ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم كالعدالة والعَدُولة والمعدِلة والمعدَلة) (٤) اهـ.\nفمن هذه التعاريف اللغوية تبين أن معنى العدالة في اللغة: الاستقامة، وأن العدل هو الذي لم تظهر منه ريبة (٥)، وهو الذي يرضى الناس عنه، ويقبلون شهادته ويقنعون بها (٦).\n_________\n(١) (٥/ ١٧٦٠ - ١٧٦١)، «مختار الصحاح» (ص: ٤١٥ - ٤١٦).\n(٢) «لسان العرب» (١١/ ٤٣٠).\n(٣) «المصباح المنير» (٢/ ٣٩٧).\n(٤) «القاموس المحيط» (٤/ ١٣).\n(٥) انظر: «لسان العرب» (١١/ ٤٣١)، «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» (١١/ ٢٨٢).\n(٦) انظر: «المصباح» (٢/ ٣٩٧).","vol":"7","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1991>ثانيًا: تعريف العدالة في الاصطلاح</span>\nأما تعريف العدالة في الاصطلاح فقد تنوعت فيها عبارات العلماء من محدثين وأصوليين وفقهاء:\n(١) روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى القاضي أبي بكر محمد بن الطيب أنه قال: (العدالة المطلوبة في صفة الشاهد والمخبر هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامة مذهبه، وسلامته من الفسق، وما يجري مجراه مما اتفق على أنه مبطل العدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهي عنها) (١).\n(٢) وعرفها الخطيب البغدادي بقوله: (العدل هو من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهي عنه، وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته والتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقًا حتى يكون مع ذلك متوقيًا لما يقول كثير من الناس أنه لا يعلم أنه كبير) (٢).\n(٣) وعرفها الغزالي بقوله: (والعدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفًا وازعًا عن الكذب، ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي ولا يكفي أيضًا: اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف في حبة قصدًا، وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجرئ على الكذب بالأغراض الدنيوية كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو الأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل وإفراط المزح وضابط ذلك فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم فما دل عنده على جرأته على الكذب رد الشهادة به وما لا، فلا) (٣).\n(٤) وعرفها ابن الحاجب: بقوله: (العدالة: هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة، وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر وبعض المباح كاللعب بالحمام والاجتماع مع الأراذل والحرف الدنية مما لا يليق به ولا ضرورة) (٤).\n(٥) وعرفها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: (المراد بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة) (٥).\n(٦) وعرفها أيضًا بتعريف آخر فقال: (والعدل والرضا عند الجمهور من يكون مسلمًا مكلفًا حرًا غير مرتكب كبيرة ولا مصر على صغيرة. زاد الشافعي: وأن يكون ذا مروءة) (٦).\nواشتراط الحرية فيه نظر.\n(٧) وذكر علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي عدة تعريفات للعدالة في كتابه (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف) حيث قال: (العدالة: هي استواء أحواله في دينه واعتدال أقواله وأفعاله، وقيل: العدل من لم تظهر منه ريبة) (٧).\nوذكر أبو محمد الجوزي في العدالة: (اجتناب الريبة وانتفاء التهمة). زاد في (الرعاية): (وفعل ما يستحب وترك ما يكره) (٨) اهـ.\n_________\n(١) «الكفاية» (ص: ١٠٢).\n(٢) «الكفاية» (ص: ١٠٣).\n(٣) «المستصفي» للغزال (١/ ١٥٧).\n(٤) «مختصر منتهى الأصول مع شرح القاضي عضد الملة والدين» (٢/ ٦٣).\n(٥) «نزهة النظر شرح نخبة الفكر» (ص: ٢٩)، وانظر: «شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول» للقرافي (ص: ٣٦١).\n(٦) «فتح الباري» (٥/ ٢٥١ - ٢٥٢)، وانظر: «تيسير التحرير» (٣/ ٤٤).\n(٧) «الإنصاف» (١٢/ ٤٣).\n(٨) انظر: «الفروع» (١١/ ٣٥٤)، «الإنصاف» (١٢/ ٢٣).","vol":"7","page":256},{"text":"(٨) وقال السيوطي في تعريف العدالة: (حدها الأصحاب: بأنها ملكة أي: هيئة راسخة في النفس تمنع من اقتراف كبيرة أو صغيرة دالة على الخسة أو مباح يخل بالمروءة وهذه أحسن عبارة في حدها وأضعفها قول من قال: اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر لأن مجرد الاجتناب من غير أن تكون عنده ملكة وقوة تردعه عن الوقوع فيما يهواه غير كاف في صدق العدالة، ولأن التعبير بالكبائر بلفظ الجمع يوهم أن ارتكاب الكبيرة الواحدة لا يضر وليس كذلك، ولأن الإصرار على الصغائر من جملة الكبائر فذكره في الحد تكرار) (١).\nهذه تعريفات أهل العلم للعدالة في الاصطلاح، وهي وإن تنوعت عباراتها إلا أنها ترجع إلى معنى واحد وهو أن العدالة ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ولا تتحقق للإنسان إلا بفعل المأمور وترك المنهي وأن يبعد عما يخل بالمروءة، وأيضًا: لا تتحقق إلا بالإسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق.\nوالمراد بالفسق: ارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب والإصرار على صغيرة من الصغائر لأن الإصرار على فعل الصغائر يصيرها من الكبائر.\nوالمروءة التي يعبر عنها أهل العلم: هي الآداب النفسية التي تحمل صاحبها على الوقوف عند مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات وما يخل بالمروءة يعود إلى سببين:\nالأول: ارتكاب الصغائر من الذنوب التي تدل على الخسة كسرقة شيء حقير كبصلة أو تطفيف في حبة قصدًا.\nالثاني: فعل بعض الأشياء المباحة التي ينتج عنها ذهاب كرامة الإنسان أو هيبته وتورث الاحتقار، وذلك مثل كثرة المزاح المذموم.\nولم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله ﷺ، فجميعهم ﵃ عدول تحققت فيهم صفة العدالة ومن صدر منه ما يدل على خلاف ذلك كالوقوع في معصية فسرعان ما يحصل منه التوجه إلى الله تعالى بالتوبة النصوح الماحية التي تحقق رجوعه وتغسل حوبته فرضي الله عنهم أجمعين. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٧٩٥\n_________\n(١) «الأشباه والنظائر» (ص: ٣٨٤ - ٣٨٥).","vol":"7","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1993>تمهيد</span>\nيعتقد أهل السنة والجماعة أن للصحبة شرفًا عظيمًا، يمنح صاحبها ميزة خاصة، بل يرون أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، لمشاهدة رسول الله ﷺ، هذا لمن رآه، أما من اتفق له الذب عنه، والسبق إليه بالهجرة، أو النصرة، أو ضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده، لأنه ما من خصلة إلا والذي سبق بها له مثل أجر من عمل بها من بعده، فظهر بذلك فضلهم (١).\nقال ابن عمر ﵁ وهو يتحدث عن فضائل الصحابة: (فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم أربعين سنة) (٢).\nوعن الإمام أحمد أنه قال: (فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال) (٣).\nوقال الإمام النووي: (وفضيلة الصحبة، ولو لحظة، لا يوازيها عمل، ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بالقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (٤).\nفمذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى حين: أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الصف: ٩] اختار لصحبته وتلقي الشريعة عنه قومًا هم أفضل هذه الأمة التي هي خير الأمم، فشرفهم بصحبة نبيه ﷺ، وخصهم في الحياة الدنيا بشرف رؤيته والنظر إليه، وسماع حديثه، وقد بلغوا عن رسول الله ﷺ ما بعثه الله به من النور والهدى على أكمل الوجوه وأتمها، فكان لهم الأجر العظيم لصحبتهم رسول الله ﷺ، والجهاد معه في سبيل الله، وأعمالهم الجليلة في نشر الإسلام، ولهم مثل أجور من بعدهم لأنهم الواسطة بينهم وبين رسول الله ﷺ، ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.\nومعتقدهم في الصحابة (وسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وسط بين المفرطين الغالين الذين يرفعون من يعظمون منهم إلى ما لا يليق إلا بالله أو برسله، وبين المفرطين الجافين الذين ينتقصونهم ويسبونهم، فهم وسط بين الغلاة والجفاة، يحبونهم جميعًا وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف، فلا يرفعونهم إلى ما لا يستحقون ولا يقصرون بهم عما يليق بهم، فألسنتهم رطبة بذكرهم الجميل اللائق بهم وقلوبهم عامرة بحبهم، وما صح فيما جرى بينهم من خلاف فهم فيه مجتهدون، إما مصيبون ولهم أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطؤهم مغفور، وليسوا بمعصومين، بل هم بشر يصيبون ويخطئون، ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم، وما أقل خطأهم، إذا نسب إلى خطأ غيرهم، ولهم من الله المغفرة والرضوان) (٥).\nولأهمية هذه المسألة فإن أهل السنة والجماعة يذكرون معتقدهم في الصحابة في كتب العقيدة، وكأنهم يجعلون منها علامة فارقة بينهم وبين غيرهم.\n_________\n(١) ينظر: «فتح الباري» لابن حجر (٨/ ٧).\n(٢) رواه ابن ماجه (١٣٣)، وأحمد بن حنبل في «فضائل الصحابة» (١/ ٥٧)، وابن أبي شيبة (١٢/ ١٧٨)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٣/ ٢٣) (٨٣٩) كلهم بلفظ: «خير من عمل أحدكم عمره». قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٢٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. والحديث حسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (١/ ١٦٠).\n(٤) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٦/ ٩٣).\n(٥) «عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة» – محاضرة للشيخ عبد المحسن العباد نشرت في مجلة الجامعة الإسلامية (ص: ٣٢ - ٣٣)، شوال ١٣٩١هـ العدد الثاني.","vol":"7","page":258},{"text":"أما كتب مصطلح الحديث والأصول، فقد تكفلت بذكر عدالتهم وأدلة العلماء عليها، في حين ذكرت كتب السنة جملة كبيرة من الأحاديث التي ثبتت في فضلهم والثناء عليهم، ونوهت كتب التفسير بفضلهم عند تفسير الآيات التي تخص الصحابة.\nلذلك فإن أهل السنة والجماعة يرون أن شرف الصحبة يضيف على صاحبه إطلاق مفهوم العدالة عليه، وهذا قول كل من يعتد به منهم، فإنهم يقولون بتعديل جميع أصحاب النبي ﷺ من أسلم منهم قبل الفتح، ومن أسلم بعده، ومن لابس الفتن أو لم يلابس.\nقال ابن الصلاح: (الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ولا يعتد بخلاف من خالفهم) (١).\nوقال الشيخ تقي الدين: (الذي عليه سلف الأمة وجمهور الخلف أن الصحابة ﵃ أجمعين عدول بتعديل الله تعالى لهم) (٢).\nوحكى ابن عبد البر في (الاستيعاب) إجماع أهل السنة والجماعة على تعديل الصحابة (٣)، وحكاه إمام الحرمين أيضا على ما ذكره الشوكاني في (إرشاد الفحول) (٤).\nوقال شارح مسلم الثبوت: (إن عدالة الصحابة مقطوعة ولا سيما أصحاب بدر، وبيعة الرضوان، كيف لا وقد أثنى عليهم الله تعالى في مواضع عديد من كتابه، وبين رسول الله ﷺ فضائلهم غير مرة) (٥).\nوقال الحافظ الذهبي: (فأما الصحابة ﵃ فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى – إلى أن قال – إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل وبه ندين الله تعالى) (٦).\nوذكر ابن كثير أن (الصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة) (٧).\nوبناء على ذلك، يرى أهل السنة والجماعة أن جهالة الصحابي لا تضر، فإذا قال التابعي عن رجل ممن صحب النبي ﷺ لم يؤثر ذلك في المروي، لأن الجهالة في الصحابة لا تضر.\nقال الخطيب: (كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم، سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن الكريم) (٨).\nويعتقد أهل السنة والجماعة أن الصحابة ﵃ اكتسبوا هذا التعديل بتعديل الله تعالى لهم وثنائه عليهم، وثناء رسوله ﷺ وأن الحال التي كانوا عليها شاهدة على ذلك. عدالة الصحابة ﵃ عند المسلمين لمحمد محمود لطيف الفهداوي – ص: ٥٤\n_________\n(١) «المقدمة» (ص: ١٤٦ - ١٤٧).\n(٢) «المسودة» آل تيمية (ص: ٢٩٢).\n(٣) «الإستيعاب» لابن عبد البر (١/ ٩).\n(٤) «إرشاد الفحول» للشوكاني (ص: ٦٩).\n(٥) «شرح مسلم الثبوت» (٢/ ٤٠١).\n(٦) «الرواة الثقاة المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم» للذهبي (ص: ٤).\n(٧) «إختصار علوم الحديث» لابن كثير (ص: ٢٢٠).\n(٨) «الكفاية» للخطيب (ص: ٩٣)، وينظر: «قواعد التحديث» للقاسمي (ص: ١٩٩)، «تيسير مصطلح الحديث» للدكتور الطحان (ص: ٧٤).","vol":"7","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1994>أولا: أدلة أهل السنة والجماعة على عدالة الصحابة من القرآن الكريم</span>\nمن المسلم به لدى المسلمين أن الله ﷾ أرسل رسوله ونبيه محمدًا ﷺ وجعله خاتم الأنبياء، ومن ثم فقد أنزل عليه القرآن الكريم الذي يعد أساسًا لدينه، ومصدرًا لتعاليمه ودعوته، ووسيلة دائمة لربط الخلق بخالقهم وتوثيق علاقته بهم، وسببًا قويًا لتحقيق الربانية الصادقة في أتباعه.\nوقد تكفل الله ﷾ بحفظ هذا الكتاب: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، وصانه من كل تحريف أو تغيير؛ بل تولى الله ﵎ نشره وإذاعته في العالم، وجعله ميسرًا جديرًا بالفهم: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ [القمر: ١٧]، وهيأ الله ﷾ الجو المناسب والفرص المواتية لقراءته وكثرة تلاوته وحفظه واستظهاره واستحضاره وبذلك كان بعيدًا كل البعد عن كل تصرف بشري من حذف، أو زيادة، أو تحريف، أو تبديل.\nوإذا كانت هذه المسألة من المسلمات عندنا فإنه ثمة مسلمة أخرى لا تقبل الجدل وهي: أن القرآن الكريم الذي أنزل على سيدنا محمد ﷺ إنما نزل ليخاطب بداءة تلك الأمة التي عاصرت الرسول الكريم في أمره ونهيه ومدحه وقدحه وغير ذلك. وإن كانت هذه الخطابات تتعدى إلى الناس أجمعين، حيث إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقول الأصوليون. إلا أن المخاطب الأول هم القوم الذين عاشوا مع رسول الله ﷺ ونزل الوحي بين ظهرانيهم مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم، وهذا ما فهمه الصحابة الكرام ﵃ حينما كانوا يقرؤون القرآن ويتدبرون آياته ويتفهمون معانيه.\nومن خلال هاتين المسلمتين: حفظ القرآن، وصيانته، وأن خطابه موجه ابتداء إلى الأمة المعاصرة للرسول ﷺ فإننا نستطيع أن نحمل بل نجزم أن كل مدح وثناء، وعد لصفات الخير، وذكر لمحاسن الرجال، إنما عني به ربنا ﵎ أولئك الرجال الذين آمنوا برسوله وعزروه ونصروه وهم الصحب الكرام الذين يمثلون الجيل الأول الذي تربى في كنف القرآن وهدي السنة المطهرة.\nومقابل ذلك فإن كل قدح وذم وعد للمساوئ وذكر لصفات السوء إنما أراد به ﵎ أولئك القوم الذين وقفوا بوجه دعوة الرسول ﷺ وحاربوه وآذوه، أو أولئك المنافقين الذين أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان ففضح الله سرائرهم وكشف نواياهم.\nوعليه إن عدالة الصحابة في الكتاب لا تمثلها آيات محددة مخصوصة، إنما القرآن كله شاهد على عدالتهم واستقامتهم من حيث إنهم الأمة التي حملته ورفعت لواءه وجاهدت من أجله؛ فكل الآيات التي أثنت بالخير أو بينت طبيعة المجتمع المسلم وسبل بنائه وتكوينه أو أظهرت صفات المجاهدين وما أعد الله لهم أو بينت سمات المتقين ومآلهم، أو أبرزت محاسن المفلحين الفائزين، يمكننا أن نعدها بجملته أدلة قرآنية على تعديل الصحابة الكرام ﵃.\nومع ذلك فإنني سأورد بعض هذه الآيات التي صرحت تصريحًا يفهمه الجميع دون شك أو ريب؛ أثنى الله فيها وعدل أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم مع بيان المعنى المراد منها ليتسنى من خلاله فهم وجه الدلالة وبيانه.\nفإن قيل هذه الآيات دلت على فضلهم دون التصريح بعدالتهم؟ فالجواب أن يقال: أن من أثنى الله ﷾ عليه بهذا الثناء كيف لا يكون عدلًا؟\nفإذا كان التعديل يثبت بقول اثنين من الناس، فكيف لا تثبت العدالة بهذا الثناء العظيم من الله ﷾، ومن رسوله ﷺ (١)؟\n_________\n(١) ينظر: «شرح الكوكب المنير» لابن النجار (٢/ ٤٧٥).","vol":"7","page":260},{"text":"١ - قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣].\nفي الآية بيان أفضلية هذه الأمة، وأن الله جعلها أمة وسطًا، والوسط هو العدل (١)؛ وفي التنزيل قَالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم: ٢٨] أي أعدلهم وخيرهم (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا قال: (عدلًا) (٣). وقال زهير (٤):\nهم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم\nووجه الاستدلال بالآية: أنه أخبر أنه جعلهم أمة خيارًا عدولًا فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم، وأعمالهم، وإرادتهم، ونياتهم؛ وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم، فهو شهداؤه، ولهذا نوه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم، لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء فإنه أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، والشاهد المقبول عند الله الذي يشهد بعلم وصدق فيخبر بالحق مستندًا إلى علمه به.\n٢ - قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة: ٢١٨].\nتفيد هذه الآية: إن الذين صدقوا بالله وبرسوله وبما جاء به هجروا مساكنة المشركين في أمصارهم ومجاورتهم في ديارهم فاستجابوا لنداء الهجرة وتحولوا عنهم وعن جوارهم فارين بدينهم وإيمانهم كراهة منهم النزول بين أظهر المشركين وفي سلطانهم ومن ثم حاربوهم في دين الله ليدخلوهم فيه وفيما يرضي الله، وقد بذلوا الغالي والنفيس، والأرواح والمهج؛ من أجل ذلك، أولئك يرجون رحمة الله ويطمعون في فضله.\nوهذا الوصف بلا شك (ينطبق انطباقًا كاملًا على المهاجرين المجاهدين من صحابة رسول الله ﷺ لأنهم آمنوا بالله ورسوله إيمانًا راسخًا، وتحملوا الأذى العظيم في سبيل ذلك الإيمان من مشركي مكة ثم أنهم استجابوا لنداء نبيهم بالهجرة من مكة إلى يثرب وتركوا أهليهم وأموالهم ومصالح دنياهم، مع كل ذلك فإخلاصهم العميق لربهم ونبيهم ودينهم لم يدفعهم إلى الاتكال على ما صنعوا، وإنما كانوا يرجون رحمة ربهم أذلاء خاشعين، يحاولون بكل الطرق نصرة دينهم، وتقديم أموالهم ودمائهم في سبيل الله، علهم ينالوا الفوز بالجنة التي وعدهم الله تعالى إياها) (٥).\nقال قتادة: (أثنى الله على أصحاب نبيه أحسن الثناء فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة: ٢١٨] هؤلاء خيار هذه الأمة ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وأنه من رجا طلب، ومن خاف هرب) (٦).\n_________\n(١) «تفسير الزمخشري» (١/ ٣١٧)، «تفسير البيضاوي» (١/ ٩١).\n(٢) «تفسير القرطبي» (٢/ ١٠٤)، «تفسير ابن كثير» (٤/ ٤٠٧).\n(٣) رواه البخاري (٧٣٤٩).\n(٤) «تفسير الطبري» (٢/ ٦)، «تفسير الرازي» (٤/ ١٠٧).\n(٥) «صحابة رسول الله في القرآن»، الدكتور حسن عبد الحميد (٧). وينظر: في تفسير الآية، «تفسير الطبري» (٢/ ٣٥٦)، «تفسير الرازي» (٦/ ٤١)، «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٤)، «تفسير البيضاوي» (١/ ١١٨)، «تفسير الألوسي» (٢/ ١١٠).\n(٦) «تفسير الطبري» (٢/ ٣٥٦).","vol":"7","page":261},{"text":"والناظر في سبب نزول هذه الآية الكريمة لا يمكن له البتة أن يصرف المراد منها إلا إلى المهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ فقد ثبت عند المفسرين وأهل السير أن رسول الله ﷺ، أرسل سرية عدتها ثمانية رجال كلهم من المهاجرين يرأسها عبد الله بن جحش وأعطاها كتابًا مختومًا لا يفضه إلا بعد أن يسير يومين ثم ينظر فيه، فسار عبد الله يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه: (إذا نظرت كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة فترصد بها قريشًا وتعلم لنا من أخبارهم)، فسار القوم حتى وصلوا إلى نخلة فمرت بهم عير قرشية تريد مكة فيها عمرو بن الحضرمي وآخرون فأجمع المسلمون أمرهم على أن يحملوا عليهم ويأخذوا ما معهم، فحملوا عليهم في آخر يوم من رجب فقتلوا عمرو بن الحضرمي وأسروا رجلين واستاقوا العير ورجعوا به إلى المدينة، فلما قدموها قال رسول الله ﷺ: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا؛ فلما قال ذلك رسول الله ﷺ، سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش: قد استعمل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: ٢١٧]. فلما نزل القرآن بهذا وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الخوف وتجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه طمعوا في الأجر – وقد كان المسلمون يقولون لهم إن لم يكن عليكم في ذلك وزر، فليس لكم فيه أجر – فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله ﷻ فيهم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ الآية (١).\nمما تقدم يتبين لنا وجه الدلالة من الآية: وهو أن الله ﷿ شهد للمهاجرين والمجاهدين من صحابة رسول الله ﷺ بصدق نياتهم، وطهارة بواطنهم، وأنهم كانوا يرجون رحمة الله لأفعالهم وهذا دليل إخلاصهم، ومن شهد له الله ﷾ بذلك، وأثنى عليه قلنا بعدالته.\n٣ - قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: ١١٠].\nتثبت الآية الكريمة صفة الأفضلية والخيرية للأمة المحمدية على العموم، وأصحاب رسول الله ﷺ على الخصوص، وإنما قلنا بشمول الآية أصحاب النبي ﷺبل أنهم أول من عني بها- لما يأتي:\n١ - إن الصحابة هم الذين شهدوا نزول الوحي، لذلك فإن الخطاب يقع لهم مشافهة (٢).\n٢ - أن الآية تتحدث عن خير الأمم، والرسول ﷺ قد قال: «خير القرون قرني» (٣)؛ وقرن رسول الله ﷺ إنما هم أصحابه.\n_________\n(١) ينظر: في سبب الآية إضافة إلى مصادر التفسير السابقة: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢)، «الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد» (٢١/ ٢٥ - ٢٦)، «المصنف» لابن أبي شيبة (١٤/ ٣٥١ - ٣٥٢)، «السنن الكبرى» للبيهقي (٩/ ١١ - ١٢).\n(٢) «اليمانيات المسلولة» لزين العابدين الكردي (ص: ٦١).\n(٣) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. بلفظ: «خير الناس قرني ...».","vol":"7","page":262},{"text":"٣ - إذا عنت الآية أمة محمد ﷺ على العموم، فإن الصحابة داخلون في ذلك العموم حيث إنهم جزء من كل.\n٤ - أنهم أولى بالدخول من غيرهم إذ الأوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال إلا هم، فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح.\nلذلك قال ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بدرًا والحديبية (١). وقال الضحاك: هي في أصحاب رسول الله خاصة (٢). وقال الزجاج: هذا الخطاب أصله أنه خوطب به أصحاب النبي ﷺ وهو يعم سائر أمة محمد ﷺ (٣).\nمن ذلك يتبين وجه الدلالة من الآية: وهو أن الله ﷾ أثبت الخيرية للصحابة الكرام ﵃، ومن كان خير الناس وأفضلهم لابد أن يكون أعدلهم وأوثقهم.\n٤ - قال تعالى: الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٤].\nتأتي هذه الآيات لتصف أصحاب رسول الله ﷺ في قمة صبرهم وجلدهم حيث إن النبي ﷺ دعاهم من اليوم التالي لأحد لمواجهة أبي سفيان وأصحابه الذين هموا بالعودة لقتال المسلمين.\nوقد كان نداء الرسول ﷺ مخصصًا لمن كان قد اشترك معه في القتال قبل يوم إشعارًا لقريش بأنها لم تنل من المسلمين منالًا، وأنه بقي له منهم من يتعقبها ويكر عليها.\nولم يتخلف من المسلمين أحد وما منهم إلا من أصابه القرح أو نزل به الضر أو أثخنته الجراح (٤).\nقال الزمخشري: (ومن في قوله تعالى – للذين أحسنوا منهم - للتبيين مثلها في قوله تعالى -: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً [الفتح: ٢٩]- لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم) (٥).\nووجه الدلالة من الآية: هو أن الله ﷾ منح المستجيبين للرسول ﷺ بعد غزوة أحد أجرًا عظيمًا ووصفهم بأنهم يتبعون رضوان الله، وهذا دليل صدقهم وإخلاصهم، ومن كان هذا حاله وجب تعديله.\n٥ - قال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧].\nالمعنى: أي الذين صدقوا بالنبي الأمي، وأقروا بنبوته وعزروه وعظموه وحموه، وأعانوه على أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الحرب لهم واتبعوا النور الذي أنزل معه وهو القرآن والوحي أولئك هم المفلحون في الدنيا والآخرة، المدركون ما طلبوا (٦).\nووجه الاستدلال: إن الله تعالى أثنى على الصحابة الكرام بنصرتهم لنبيه وتوقيرهم له ولاتباعهم القرآن والوحي فكانوا بذلك من المفلحين.\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (٤/ ١٠٩).\n(٢) «تفسير الألوسي» (٤/ ٢٧).\n(٣) «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج (١/ ٤٥٦).\n(٤) ينظر: من كتب السير والتاريخ، «سيرة ابن هشام» (٣/ ١٤٨)، «تاريخ الطبري» (٢/ ٥٢٧)، «مغازي الواقدي» (١/ ٣٣٩)؛ وينظر: أيضًا: «تفسير الطبري» (٣/ ١٧٦)، «تفسير الرازي» (٩/ ١٠٠).\n(٥) «تفسير الزمخشري» (١/ ٤٨٠).\n(٦) «تفسير الطبري» (٩/ ٨٥)، «تفسير القرطبي» (٧/ ١٩٢).","vol":"7","page":263},{"text":"٦ - قال تعالى: وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣].\nالمعنى: فإن حسبك الله، أي: كافيك الله الذي يتولى رعايتك وحياطتك، فهو المتكفل بإظهار دينك على الأديان، ومتضمن أن يجعل كلمته العليا، وكلمة أعدائه السفلى (١).\nوالتأييد من الله ﷾ على قسمين:\nأحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة.\nوالثاني: ما يحصل بواسطة أسباب معلومة معتادة.\nفالأول: هو المراد من قوله: أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ؛ والثاني: هو المراد من قوله: وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٢)؛ فالله ﵎ هو الذي أيدك بنصره أول مرة، وأيدك بالمؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وجعل منهم قوة موحدة، بعد أن كانت قلوبهم شتى، وعداواتهم جاهزة وبأسهم بينهم شديد، سواء كان المقصود هم الأوس والخزرج – وهم الأنصار – فقد كان بينهم في الجاهلية من الثارات والدماء والمنازعات ما يستحيل معه الالتئام فضلًا عن هذا الإخاء الذي لم تعرف له الأرض نظيرًا ولا شبيهًا .. أم كان المقصود المهاجرين، وهم كانوا كالأنصار في الجاهلية .. أو كان الجميع مقصودين، فقد كانت هذه هي حالة عرب الجزيرة جميعًا.\nيقول محمد جواد مغنية: (ليس من شك أن الله سبحانه هو الذي ألف بين قلوب الصحابة بعد أن كانت عصية على التأليف بخاصة بين الأوس والخزرج الذين امتدت الحروب بينهم ١٢٠ سنة .. وأيضًا ليس من شك أن الله سبحانه يجري الأمور على سننها، والمسببات على أسبابها؛ وسبب التأليف بين قلوب أصحاب محمد ﷺ هو الإسلام وإيمانهم به نظريًا وعمليًا، والإسلام من عند الله، فصحت النسبة إليه تعالى) (٣).\nووجه الاستدلال من الآية: إن الله تعالى جعل أحد أسباب تأييد الرسول ﷺ الصحابة الكرام وقد ألف بين قلوبهم وجمع كلمتهم ووحد صفهم ومن كانت هذه صفته فلابد أن يكون عدلًا خيارًا.\n٧ - قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال: ٧٤ - ٧٥].\nالمعنى: قسم الله تعالى المؤمنين في هاتين الآيتين إلى قسمين:\nالقسم الأول: المهاجرون الأولون، وقد أثبت لهم تعالى أربع صفات تدل على علو شأنهم ورفعة مكانتهم (٤).\nأولها: أنهم آمنوا بالله وملائكة وكتبه ورسله واليوم الآخر وقبلوا جميع التكاليف التي بلغها النبي ﷺ إليهم.\nوثانيها: أنهم فارقوا الأوطان، وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله.\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٠/ ٣٥)، «تفسير القرطبي» (٨/ ٢٨).\n(٢) «تفسير الرازي» (١٥/ ١٩٥).\n(٣) «التفسير الكاشف» لمحمد جواد مغنية (٣/ ٥٠٣).\n(٤) «تفسير الرازي» (١٥/ ٢١٥).","vol":"7","page":264},{"text":"وثالثها: أنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، فأما جهادهم بالمال فلأنهم لما فارقوا الأوطان ضاعت دورهم ومساكنهم وضياعهم، كما أنهم احتاجوا إلى الإنفاق على تلك الغزوات، وأما المجاهدة بالنفس، فلما أقدموا عليه من مباشرة القتال واقتحام المعارك، والخوض في المهالك، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أنفسهم في سبيل الله.\nورابع هذه الصفات: أنهم كانوا أول الناس إقدامًا على هذه الأفعال والتزامًا لهذه الأحوال؛ ولهذه المسابقة أثر عظيم في تقوية الدين. وإنما كان السبق موجبًا للفضيلة، لأن إقدامهم على هذه الأفعال يوجب اقتداء غيرهم بهم، فيصير ذلك سببًا للقوة أو الكمال.\nالقسم الثاني: الأنصار، ونعتهم سبحانه بأنهم آووا النبي ﷺ ومن هاجر معه في مساكنهم، وآثروهم على أنفسهم وأولادهم، وبأنهم سالموا من سالمهم، وعادوا من عاداهم، ولهذا شرفهم الله بهذا الوصف، حتى أصبح اسم الأنصار علمًا عليهم مدى الدهر (١).\nثم إن الله ﷾ بين أن هذين القسمين (هم المؤمنون حقًا) وقال هم (وهو ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر، يفيد قصر المبتدأ على الخبر، أي كأنهم هم وحدهم المؤمنون لا غيرهم، وهذا هو من باب المدح العظيم، أولئك جميعًا لهم مغفرة من الله ورزق كريم في الدنيا والآخرة؛ وقدم الجار والمجرور لمزيد اختصاصهم بهذه المنزلة العظيمة، أي كأن المغفرة والرحمة وجدت لهم، فهم يستحقونها على الوجه الأكمل) (٢).\nثم ألحق ﵎ بهذين القسمين قسمًا ثالثًا وهم المؤمنون المهاجرون المجاهدون الذين جاؤوا من بعدهم وساروا على نهجهم، وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ [الأنفال: ٧٥].\nمما تقدم يتبين لنا وجه الاستدلال من الآية: وهو أن الله ﷾ أثنى على المهاجرين والأنصار، وصدق عليهم وصف الإيمان، ثم مدح بقية الصحابة ممن هاجر وجاهد، فيكون هذا الثناء العاطر والمدح الجزيل والشهادة الإلهية شاملة لجميع أصحاب رسول الله ﷺ ولا ينال هذا الثناء والمدح إلا من كان عدلًا.\n٨ - قال تعالى: لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التوبة: ٨٨ - ٨٩ [.]\nووجه الاستدلال: هو أن الله ﷾ يثني على الصحابة بمعاونتهم لرسوله ﷺ ونصرتهم لدينه ببذل الأموال والأنفس، وأخبر عن نيلهم الخيرات وحسن العاقبة والفوز الجليل الأبدي (٣). وهذا يستلزم عدالتهم ﵃.\n٩ - قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠].\n_________\n(١) «التفسير الكاشف» لمحمد جواد مغنية (٣/ ٥١٢).\n(٢) «صحابة رسول الله في القرآن» للدكتور محسن عبد الحميد (ص: ٩).\n(٣) ينظر: «تفسير النسفي» (٢/ ١٤٠)، «تفسير تنوير الأذهان» (٢/ ٩٤).","vol":"7","page":265},{"text":"في الآية ثناء عظيم ومدح كامل للمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛ واختلف المفسرون في الهجرة والنصرة وعلى هذا فالمدح لا يتناول إلا قدماء الصحابة، لأن كلمة (من) تفيد التبعيض، ومنهم من قال: بل يتناول جميع الصحابة، لأن جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أولين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة (من) في قوله: (المهاجرين والأنصار) ليست للتبعيض بل للتبيين، أي: والسابقون الأولون الموصوفون بوصف كونهم مهاجرين وأنصار كما في قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠].\nروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يومًا لمحمد بن كعب القرظي ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله فيما كان بينهم –وأردت الفتن– فقال لي: إن الله قد غفر لجميعهم وأوجب لهم الجنة في كتابه، محسنهم ومسيئهم؛ قلت له: وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟ قال: سبحان الله! ألا تقرأ قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ إلى آخر الآية؟ فأوجب الله لجميع الصحابة الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطًا. قلت: وما ذلك الشرط؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان في العمل، وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدوا بهم في غير ذلك، أو يقال: المراد أن يتبعوهم بإحسان في القول، وهو أن لا يقولوا فيهم سوء، وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه. قال حميد بن زياد: فكأني ما قرأت هذه الآية قط (١).\nووجه الاستدلال: هو أن الله ﷿ بين أنه رضي عن المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان وكان جزاء ذلك الرضى الجنة والفوز العظيم في الآخرة وهذا مستلزم لعدالتهم ﵃.\n١٠ - قال تعالى: لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ١١٧].\nوفي هذه الآية الكريمة مدح لأصحاب النبي ﷺ الذين غزوا معه غزوة تبوك واتبعوه بلا تردد في ساعة العسرة، وكان عددهم يزيد على الثلاثين ألفًا (٢).\nولهذه الغزوة خصائص تميزها عن سائر الغزوات، منها ذلك الجهد المبذول والعسرة العظيمة التي مر بها أفراد الجيش الإسلامي والتي تكمن في ما يأتي:\nأولًا: بعد المسافة بين المدينة وتبوك وهي تقدر بـ (٧٧٨) كم حسب الطريق المعبدة في الوقت الحاضر (٣).\nثانيًا: شدة الحر: قال عمر: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد. وقال قتادة: خرجوا في لهبان الحر (٤).\nثالثًا: عسرة الظهر: فكان العشرة من جيش المسلمين يتعقبون بعيرًا واحدًا، يركب الرجل ساعة ثم ينزل، فيركب صاحبه (٥).\nرابعًا: عسرة الماء: فقد أصابهم العطش الشديد فكانوا ينحرون البعير على قلة الراحلة، ويعتصرون الفرث الذي في كرشه ويبلون به ألسنتهم (٦).\nخامسًا: عسرة الزاد: فكان زادهم الشعير المسوس، والتمر المدود، وكان الواحد منهم يلوك التمر، حتى إذا وجد طعمها أعطاها صاحبه (٧).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١١/ ٨ - ٩)، «تفسير الرازي» (١٦/ ١٧٥).\n(٢) «مغازي الواقدي» (٣/ ٩٩٦)، «السيرة النبوية الصحيحة» للعمري (٢/ ٥٣١).\n(٣) «السيرة النبوية الصحيحة» للعمري (٢/ ٥٢٤).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٧٨)، «تفسير الطبري» (١١/ ٥٥).\n(٥) «تفسير الرازي» (١٦/ ٢٢٠)، «التفسير الكاشف» لمحمد جواد مغنية (٤/ ١١٣).\n(٦) «تفسير القرطبي» (٨/ ١٧٧)، «التفسير الكاشف» لمحمد جواد مغنية (٤/ ١١٣).\n(٧) «تفسير الرازي» (١٩/ ٢٢٠)، «تفسير الكاشف» لمحمد جواد مغنية (٤/ ١١٣).","vol":"7","page":266},{"text":"سادسًا: أنهم أمروا بالنفير حين جني التمر وطيب الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم فشق عليهم المخرج (١).\nووجه دلالة الآية على عدالة الصحابة ﵃ وبيان فضلهم فيما يأتي:\nأولًا: أنه تعالى ابتدأ بذكر التوبة (لقد تاب) وبعد أن بين حالة الصحابة أردف مرة أخرى ذكر التوبة والمقصود من ذلك تعظيم شأنهم والمبالغة في تأكيد ذلك (٢).\nثانيًا: أن الآية فيها إخبار بصحة بواطنهم وطهارتهم، لأنه تعالى لا يخبر بأنه قد تاب عليهم إلا وقد رضي عنهم، ورضي أفعالهم؛ وهذا نص في رد قول الطاعنين عليهم والناسبين بهم إلى غير ما نسبهم الله إليه من الطهارة ووصفهم به من صحة الضمائر وصلاح السرائر (٣).\nثالثًا: قد يراد من توبة الله على الإنسان رحمته تعالى ورضوانه مع القرينة الدالة على ذلك، وهذا المعنى هو المراد بتوبته تعالى على النبي ﷺ وصحابته ﵃ فهي طبيعة الحال، ونعني بها عصمة النبي ﷺ عن الذنوب، وطاعة من تابعه في ساعة العسرة (٤).\n١١ - قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ١٨].\nوالمؤمنون المقصودون هنا، الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة في الحديبية من المهاجرين والأنصار؛ فقد أرسل رسول الله ﷺ عثمان بن عفان ﵁ مبعوثًا من عنده إلى قريش ليتفاوض معهم بشأن عمرة النبي ﷺ وصحبه، فاحتبس عثمان في مكة وطال حبسه حتى شاع بين المسلمين أن عثمان قتل (٥)؛ فقال ﵊: لا نبرح حتى نناجز القوم ثم دعا أصحابه إلى البيعة تحت شجرة سمرة فبايعوه جميعًا سوى الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعيره (٦)؛ وكان عددهم بين الألف وأربعمائة والألف وخمسمائة.\nقال جابر: (كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده الشجرة) (٧). وفي رواية (كنا ألفًا وخمسمائة) (٨) وكانت البيعة على مناجزة قريش الحرب وأن لا يفروا (٩) أو يموتوا دون ذلك.\nوالآية قد دلت على عدالة الصحابة من وجوه.\nالأول: قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ومن المعلوم بداهة أن من ﵁ لا يمكن موته على الكفر، لأن العبرة في حصول الرضى إنما هو بالموت على الإسلام، ولا يمكن أن يقع الرضى منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام؛ وأما من علم موته على الكفر والردة فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه قد رضي عنه، فبرئوا بذلك عن وصمة الردة (١٠).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٤/ ٢٨٤)، «في ظلال القرآن» لسيد قطب (٣/ ١٧٢٣) بتصرف.\n(٢) «تفسير الرازي» (١٦/ ٢٢١).\n(٣) «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ٣٧١).\n(٤) «التفسير الكاشف» لمحمد جواد مغنية (٤/ ١١٣ - ١١٤).\n(٥) ينظر: «مسند أحمد» (٤/ ٣٢٤)، «سيرة ابن هشام» (٧/ ٤٣٧).\n(٦) رواه مسلم (١٨٥٦) من حديث أبي الزبير محمد بن مسلم المكي.\n(٧) رواه مسلم (١٨٥٦). من حديث جابر بن عبد الله ﵁.\n(٨) رواه مسلم (١٨٥٦). من حديث سالم بن أبي الجعد.\n(٩) ينظر: «تفسير الطبري» (٢٢/ ٢٢٣).\n(١٠) ينظر: «الصواعق المحرقة» لابن حجر الهيتمي (ص: ٢٠٩)، و«النكت الشنيعة» لإبراهيم الحيدري (ص: ٣٠).","vol":"7","page":267},{"text":"ولأن قوله تعالى: رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ يتناول جميع الأحوال والأوقات ولا يمكن أن يقال أنه خاص بوقت دون آخر أو بحال دون غيره؛ وقد تبين أن الله تعالى وصفهم بكونهم سابقين في الهجرة والنصرة ثم لما وصفهم بهذا الوصف أتى لهم بما يوجب التعظيم وهو قوله: رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ معلل بكونهم سابقين في الهجرة والنصرة، والعلة ما دامت موجودة، وجب ترتيب المعلول عليها، وكونهم سابقين في الهجرة والنصرة وصف دائم في جميع مدة وجودهم، فوجب أن يكون ذلك الرضوان حاصلًا في جميع مدة وجودهم.\nولأنه تعالى قال: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ، وذلك يقتضي أنه تعالى قد أعد تلك الجنات وعينها لهم، وذلك يقتضي بقاءهم على تلك الصفة التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك الجنات، وليس لأحد أن يقول: المراد أنه تعالى أعدها لهم لو بقوا على صفة الإيمان، لأنا نقول: هذا زيادة إضمار وهو خلاف الظاهر، وأيضًا فعلى ذلك التقدير: لا يبقى بين هؤلاء المذكورين في هذا المدح، وبين سائر الفرق فرق، لأنه تعالى قال: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ ولفرعون وهامان وأبي جهل لو صاروا مؤمنين، ومعلوم أنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح العظيم والثناء الكامل، وحمله على ما ذكروه يوجب بطلان هذا المدح والثناء، فسقط هذا السؤال وظهر أن هذه الآية دالة على فضل الصحابة الكرام (١).\nالثاني: أنه تعالى قد أخبر عن صدق بواطن الصحابة وسلامة ضمائرهم بقوله: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، أي من الصدق والوفاء والإخلاص والسمع والطاعة فبرئوا بذلك من وصمة النفاق.\nالثالث: أنه تعالى كافأهم على صدقهم جائزة هي إنزال السكينة عليهم ومن ثم أثابهم فتحًا قريبًا جزاء من عنده عطاء حسابًا.\n١٢ - قال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ٢٩].\nوفي هذه الآية يأتي الثناء على أصحاب رسول الله ﷺ بعد الثناء على سيدنا محمد ﷺ وإثبات رسالته؛ وقد رسم لهم القرآن الكريم بأسلوبه المعجز صورة رائعة (مؤلفة من عدة لقطات لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة، حالاتها الظاهرة والمضمرة، فلقطة تصور حالتهم مع الكفار ومع أنفسهم: أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ، ولقطة تصور هيأتهم في عبادتهم: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا، ولقطة تصور قلوبهم وما يشغلهم ويجيش بها: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، ولقطة تصور أثر العبادة والتوجه إلى الله في سمتهم وسماتهم: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ... ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وهذه صفتهم فيها، ولقطات متتابعة تصور كمالهم في الإنجيل: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) (٢).\n_________\n(١) «تفسير الرازي» (١٦/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(٢) «في ظلال القرآن» لسيد قطب (٦/ ٣٣٣١).","vol":"7","page":268},{"text":"هكذا يصف القرآن الصحابة ذلك الجيل المثالي الذي حقق مستوى ساميًا في الارتقاء الروحي والخلقي، فصقلته العبادة وكساه الركوع والسجود نورًا وبهاء، وحددت العقيدة مفاهيمه وقيمه وولاءه وبراءه، يوالون بعضهم ويحادون من سواهم، فكان أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار رحيمًا برًا بالأخيار، شديدًا في وجه الأعداء، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن.\nومن تصفح سير الصحابة وتراحمهم وجد على ذلك الوصف دليلًا صادقًا فلم يثبت عنهم مفارقة الأهل والأوطان فحسب، بل ثبت أن بعضهم قتل ابنه أو أباه من أجل دينه وعقيدته على ما كان عليه من الألفة والمودة والمحبة لإخوانه المسلمين؛ ذلك الجيل الذي خلدته كتب السماء فوصفته التوراة والإنجيل والقرآن بهذا الوصف الرائع، ممثلة امتداد قيمه وانتشار عقيدته وكثرة أنصاره وقوة وجوده واستمساك أمره بالزرع الذي أخرج شطأه وتفرعت أغصانه فقوى الزرع ذلك الشطأ وشده فصار غليظًا بعد ما كان دقيقًا واستوى على ساقه وشب وطال حتى أعجب الزراع وسرهم بقوته وكثافته وغلظه وحسن منظره وطول قامته، فسر أهله الذين غرسوه أغاظ الأعداء.\nومن أهم ما يجب أن يلتفت إليه في هذه الآية هو أنه تعالى أخبر بصدق الصحابة وصحة أعمالهم وإخلاص قلوبهم ونقائها وطهارة بواطنهم وصفائها وهم إنما يعملون الطاعات ويؤدون العبادات رجاء نيل رضاه وفضله فقال: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، وذلك لتميز ركوعهم وسجودهم عن ركوع الكفار وسجودهم، وركوع المرائي وسجوده فإنه لا يبتغي به ذلك.\nومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمه الله تعالى في رواية عنه تكفير من أبغض الصحابة واغتاظ منهم، فقد ذكر في مجلسه أن رجلًا ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ فقرأ مالك: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ الآية حتى بلغ: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، فقال: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية (١).\nومن الجدير بالذكر أن (من) في قوله تعالى: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ليست مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم (ولكنها عامة مجنسة، مثل قوله تعالى: الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠]. لا يقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس، أي فاجتنبوا الرجس من الأوثان، إذ كان الرجس يقع من أجناس شتى، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب فادخل (من) يفيد بها الجنس وكذلك منهم، أي من هذا الجنس، يعني جنس الصحابة؛ ويقال: أنفق نفقتك من الدراهم، أي اجعل نفقتك هذا الجنس) (٢).\nقال النحاس في (إعراب القرآن): (تكون – منهم – لبيان الجنس أولى لأنها إذا جعلت للتبعيض كان معنى آمنوا: ثبتوا، وذلك مجاز ولا يحمل الشيء على المجاز ومعناه صحيح على الحقيقة) (٣)؛ وقال العكبري: (منهم – لبيان الجنس تفضيلًا لهم بتخصيصهم بالذكر) (٤).\nومن بيان معنى الآية الكريمة يظهر لنا وجه الاستدلال بها على عدالة الصحابة ﵃ وهو أن الله ﷻ مدح الصحابة بأنهم رحماء بينهم، أشداء على أعدائهم، وقد أخبر عن صدق بواطنهم وإخلاصهم، وهذا كله يستلزم عدالتهم ﵃.\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (١٦/ ١٩٥).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٦/ ١٩٥)، وينظر: «تفسير الزمخشري» (١/ ٤٨٠)، «تفسير الرازي» (٢٨/ ١٠٩)\n(٣) «إعراب القرآن» للنحاس (٣/ ١٩٧).\n(٤) «التبيان في إعراب القرآن» للعكبري (٢/ ٢٣٩).","vol":"7","page":269},{"text":"١٣ - قال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: ١٠].\nفي هذه الآية بيان لتفاوت درجات المنفقين والمجاهدين حسب تفاوت أحوالهم في الإنفاق والقتال والسبق بعد بيان أن لهم أجرًا كبيرًا على الإطلاق حثًا لهم على تحري الأفضل، فمن قاتل من الصحابة أو أنفق قبل فتح مكة أعلى درجة وأعظم شأنًا من الذي قاتل وأنفق بعد الفتح ومع هذا فإن كلا من الفريقين قد وعدهم الله الحسنى والدرجات العليا في الجنة.\nوقد قال تعالى في القرآن في آية أخرى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] أي عن النار، فوجب أن يقال إن الله كتب لأصحاب محمد ﷺ الذين قاتلوا معه ونصروه والذين أيدوه وعزروه وأعانوه بالمال والأنفس الجنة إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: ٩].\nووجه الاستدلال: هو أنه من كتب الله له الجنة وأبعده عن النار لابد أن يكون عدلًا مستقيمًا.\n١٤ - قال تعالى: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٨ - ٩].\nإن أهم ما شهد الله ﷾ به لأولئك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ابتغاء فضل الله ورضوانه، ونصر الله ورسوله، الصدق؛ فقال: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي مستمرون على الصدق وهذا دليل قاطع أن المهاجرين جميعًا كانوا صادقين، وماتوا صادقين بشهادة ربهم، وأنهم عدول في كل ما ينقلونه عن نبيهم ﵊ قرآنًا وسنة؛ وأما الأنصار فقد مدحهم مدحًا عظيمًا، ووصفهم بأنهم يحبون من هاجر إليهم، لأنهم ساكنوهم وأشركوهم في أموالهم، وأسبغوا عليهم من حبهم، ولم يجدوا في أنفسهم من الحسد على ما خصهم النبي ﷺ من فيء وكانوا يقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل ما يتعلق بالدنيا من الحظوظ، مع فقرهم وحاجتهم، ولكونهم كذلك كانوا من الفائزين الناجحين، واستحقوا رضوان الله ﷾ (١).\nثم يبين الله ﵎ واجب من يأتي بعد الصحابة تجاههم فيقول: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠].\nفواجب من جاء من بعدهم هو الدعاء لهم وتصفية القلوب من بغض أحد منهم؛ وقد قالت عائشة ﵂: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم ثم قرأت هذه الآية (٢).\n_________\n(١) ينظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، «أضواء البيان» (٨/ ٦٩ - ٧٤).\n(٢) «الدر المنثور» للسيوطي (٨/ ١١٣).","vol":"7","page":270},{"text":"وعن ابن عمر ﵄ أنه سمع رجلًا وهو يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرين فمنهم أنت؟ قال: لا؛ ثم قرأ عليه: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار أفأنت منهم. قال: لا. ثم قرأ عليه: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو. قال: لا ليس من هؤلاء، من يسب هؤلاء. وفي رواية: لا والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم (١).\nوقال سعد بن أبي وقاص ﵁ الناس على ثلاث مراتب قد مضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه التي بقيت، ثم قرأ: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [الحشر: ٨]؛ ثم قال: هؤلاء المهاجرين وهذه منزلة وقد مضت؛ ثم قرأ: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ، ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة وقد مضت؛ ثم قرأ: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ فقد مضت هاتان المنزلتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة (٢) (٣).\nووجه الاستدلال من الآية الكريمة: هو أن الله ﷿ وصف المهاجرين بالصدق والأنصار بالفلاح، وأمر من يأتي بعدهم باتباعهم بإحسان، والدعاء لهم، وهذا دليل على عدالتهم ﵃.\nأعتقد أن في ذكر هذا القدر من الآيات كفاية للتدليل على تعديل الله تعالى لأصحاب نبيه ﷺ. عدالة الصحابة ﵃ عند المسلمين لمحمد محمود لطيف الفهداوي – ص: ٥٨\n_________\n(١) «الدر المنثور» للسيوطي (٨/ ١١٣).\n(٢) رواه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٥٢٦). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٣) «الدر المنثور» للسيوطي (٨/ ١١٣).","vol":"7","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1995>ثانيا: أدلة أهل السنة على عدالة الصحابة من السنة النبوية</span>\nاشتملت السنة النبوية على أحاديث كثيرة تنوه بفضل الصحابة رضوان الله عليهم، وتنص على توقيرهم واحترامهم، وتشييد بمكانتهم ومنزلتهم.\nهذه الأحاديث بمجموعها يمكن أن تكون دليلًا عظيمًا على عدالة أصحاب رسول الله ﷺ، ونزاهتهم.\nوما قلناه في المبحث السابق حول آيات القرآن الكريم، يمكن أن يقال هنا أيضًا، فمن أثنى عليه رسول الله ﷺ، وامتدحه وأوجب على الأمة محبته واحترامه وتوقيره، فإنه لا ريب أن يكون ذلك المديح والثناء تعديلًا له.\nوإذا كانت أحاديث رسول الله ﷺ في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ على قسمين:\nالقسم الأول: ما تناول ذكر آحاد الصحابة بالتخصيص.\nوالقسم الثاني: ما ذكر مجموعهم بالفضل والثناء دون تخصيص واحد منهم.\nفإني في هذا المبحث سأسوق الأحاديث التي دلت على فضل مجموع الصحابة، والثناء عليهم وتعديلهم:\n١ - عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه: قرنين أو ثلاثة؟ ...» (١).\nأثبت حديث عمران هذا الخيرية للصحابة ﵃ حيث إنهم يمثلون قرن النبي ﷺ وأنهم أفضل من بقية القرون التي ستأتي بعدهم وقد فصلت القول في الخيرية في المبحث الثالث من هذا الفصل في أدلة أهل السنة من القرآن عند قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠].\nومن ثبتت له الخيرية ثبتت عدالته.\n٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدًا أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ أحدهم ولا نصيفه» (٢).\nفي هذا الحديث نهي صريح عن سب أصحاب الرسول ﷺ وفي هذا الفضل والثناء لهم والتكريم والتبجيل تنويه لمكانتهم وتشريف لمنزلتهم ثم إن السب تجريح ومن نهي عن تجريحه قلنا بتعديله.\n٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يأتي على الناس زمان، يغزو فيه فئام من الناس، فيقولون: هل فيكم من صاحب رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان، فيغزوا فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم» (٣).\nوفي رواية: «هل فيكم من رأى رسول الله ﷺ» (٤) وفي الثانية: من رأى من صحب من صحب رسول الله ﷺ؟\nفي هذا الحديث: (إثبات الفضيلة للصحابة ﵃، حيث إن البلاد تفتح أمام الجماعة الغازية التي فيها بعض أصحاب رسول الله ﷺ، كرامة لهم، وبيانًا لفضلهم، وذلك لما لهم من حسن قصد، وسلامة نية، وصدق في نشر الدعوة الإسلامية) (٥)، مما يدل على عدالتهم ﵃ وإنما نالوا ذلك الفضل لصحبتهم رسول الله ورؤيته ثم نال من بعدهم الفضل أيضًا لرؤيتهم أصحاب الرسول ﷺ.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٥٠) بلفظ: «خير أمتي قرني ..»، ومسلم (٢٥٣٥) بلفظ: «إن خيركم قرني ..».\n(٢) رواه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١).\n(٣) رواه البخاري (٣٦٤٩).\n(٤) رواه مسلم (٢٥٣٢).\n(٥) «صحابة رسول الله في الكتاب والسنة» لعيادة أيوب الكبيسي (ص: ١٦٢).","vol":"7","page":272},{"text":"٤ - عن أبي بردة عن أبيه ﵁ قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء. قال: فجلسنا فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ما زلتم هاهنا؟ قلنا يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء قال: أحسنتم أو أصبتم. قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء فقال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» (١).\nقال الإمام النووي: (ومعنى الحديث أن النجوم ما دامت باقية فالسماء باقية فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة وهنت السماء، فانفطرت وانشقت، وذهبت. وقوله ﷺ وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، أي من الفتن والحروب وارتداد من الأعراب واختلاف القلوب نحو ذلك مما أنذر به صريحًا وقوله ﷺ وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون. معناه من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه وطلوع قرن الشيطان وظهور الروم وغيرهم وانتهاك مكة والمدينة وغير ذلك) (٢).\nفإذا كان وجود الصحابة أمانًا لهذه الأمة كما أن رسول الله ﷺ أمان لهم، كان هذا دليلًا على عدالتهم ﵃.\n٥ - عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في خطبة الوداع «ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب ...» (٣).\nوجه الاستدلال: من هذا الحديث على عدالة الصحابة ﵃ (إن النبي ﷺ قال ذلك في حجة الوداع وقد اجتمع فيها أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أو جلهم: وفي قوله ﵊ هذا لهم أعظم دليل – كما يقول ابن حبان في صحيحه (٤) – على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف، إذ لو كان فيهم مجروح أو ضعيف أو كان فيهم أحد غير عدل لاستثنى في قوله ﷺ وقال: ألا ليبلغ فلان وفلان منكم الغائب، فلما جمعهم في الذكر بالأمر بتبليغ من بعدهم دل ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفًا) (٥).\n٦ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» (٦).\nفي الحديث بيان فضل أهل بيعة الرضوان وأنه لا يدخل النار منهم أحد قطعًا (٧).\nومن لا يدخل النار يقع عليه حتمًا وصف العدالة وقد فصلت القول في ذلك عند قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ [الفتح: ١٨] الآية في المبحث السابق.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٣١).\n(٢) «شرح صحيح مسلم» (١٦/ ٨٣).\n(٣) رواه البخاري (١٠٥).\n(٤) «صحيح ابن حبان» (١/ ٩٠).\n(٥) «صحابة رسول الله في الكتاب والسنة» لعيادة الكبيسي (ص: ٢٨١).\n(٦) رواه أبو داود (٤٦٥٣)، والترمذي (٣٨٦٠)، وأحمد (٣/ ٣٥٠) (١٤٨٢٠). والحديث سكت عنه أبي داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حجر في «الرحمة الغيثية» (١١٧)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي». والحديث رواه مسلم (٢٤٩٦) من حديث جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبى -ﷺ- يقول عند حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها».\n(٧) ينظر: «شرح النووي على مسلم» (١٦/ ٥٨).","vol":"7","page":273},{"text":"٧ - ما قاله النبي ﷺ بشأن حاطب بن أبي بلتعة وإرساله كتابًا إلى المشركين في مكة وقول عمر ﵁: «يا رسول الله: قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه. فقال ﵊: أليس من أهل بدر؟ لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة – أو قد غفرت لكم – فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم» (١).\nحديث حاطب هذا يدل على فضل أصحاب بدر وأن الله ﷾ غفر لهم ذنوبهم.\nقال صاحب بذل المجهود: (كأنه تعالى علم منهم أنه لا يجيء منهم ما ينافي المغفرة، فقال لهم: اعملوا ما شئتم، إظهارًا لكمال الرضا عنهم وأنه لا يتوقع منهم من الأعمال بحسب الأعم الأغلب إلا الخير، فهذا كناية عن كمال الرضا وصلاح الحال وتوفيقهم غالبًا للخير) (٢)، وهذا كله مستلزم لعدالتهم ﵃.\n٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شعبًا لسلكت في وادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار» فقال أبو هريرة: ما ظلم – بأبي وأمي – آووه ونصروه أو كلمة أخرى (٣).\nفي الحديث بيان فضل الأنصار بل وعدالتهم إذ كيف يسلك الرسول ﷺ مسلك الأنصار لو لم يكونوا عدولًا ولذلك عد الرسول ﷺ في حديث آخر حبهم إيمانًا وبغضهم نفاقًا فقال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله» (٤).\nوإن في حديث أبي هريرة بيان فضل الهجرة والمهاجرين إذ جعلها الرسول ﷺ مانعًا عن دخوله في شعب الأنصار وما ذلك إلا لما فيها من الفضل وما لها من المكانة.\nهذه الأحاديث تدل على عدالة الصحابة دون شك أو ريب إذ فيها الثناء الجميل على أصحاب محمد ﷺ والفضل الكبير لهم الدال على عدالتهم، ونزاهتهم ولذلك قال ابن عبد البر: (ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله ﷿، وثناء رسوله ﷺ، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل منه) (٥). عدالة الصحابة ﵃ عند المسلمين لمحمد محمود لطيف الفهداوي – ص: ٨١\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٩٨٣). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٢) «بذل المجهود» للسهارنفوري (١٨/ ١٧٨).\n(٣) رواه البخاري (٣٧٧٩).\n(٤) رواه البخاري (٣٧٨٣)، ومسلم (٧٥). من حديث البراء ﵃.\n(٥) «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (١/ ٢).","vol":"7","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1996>ثالثا: الأدلة العقلية على عدالة الصحابة</span>\nبعد أن ذكرت أدلة عدالة الصحابة من الكتاب والسنة، أذكر هنا الدليل العقلي على عدالة الصحابة، وهذا ما سأوضحه فيما يأتي:\nأولًا: يتفق المسلمون على حقيقة قاطعة، هي أن الله ﵎، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وكان هذا الدين خاتم الأديان، وكان رسوله خاتم الأنبياء.\nوأنه ﵊ أدى الأمانة على أحسن وجه وأتمه، وبلغ الرسالة فما قصر، ونصح الأمة دون أن يبخل بنصح أو إرشاد، فبين لها الشريعة وأوضح لها الحجة، فنال بذلك رضي الله ﵎.\nومما لا شك فيه، ولا ريب أن مهمة الرسول ﷺ إبلاغ الرسالة، ونشر الدين وتعاليمه، وتعبيد الناس لربهم، وتحكيم القرآن الكريم، وإرشادهم إلى العمل بالإسلام كله دون تجزئته، أو تغليب جانب على آخر، بل لابد من الإحاطة به من جميع جوانبه.\nوأن من مهام الرسول ﷺ التي بعث من أجلها هي ما حكاه الله ﷿ في القرآن الكريم في قوله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [الجمعة: ٢]، وقال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [آل عمران: ١٦٤].\nفقوله تعالى: وَيُزَكِّيهِمْ حدد جزءًا من مهام النبي العظيم وهو التزكية وأحد مدلولات هذه اللفظة هو التربية والتطهير، أعني تربية من بعث فيهم على الفضيلة ومحاسن الأخلاق وتوجيههم إلى سلوك أحسن السبل وأقومها، وإرشادهم إلى الصالحات وتطهيرهم من الذنوب والرذائل وتنقيتهم من الأرجاس والأدناس ومما يشين عند الناس.\nوقوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ جعل من الرسول ﷺ معلمًا لقومه كتاب الله تعالى وسنته ﵊ وإرساء دعائمهما، وتوضيح سبيلهما، وبيان منهجهما، وشرح عقيدتهما.\nومن البديهي أنه لا فائدة أن يسمع الرجل الآية من القرآن الكريم فيهتز طربًا لبلاغتها، وتعجبه فصاحتها، فيأخذ سحر كلماتها، وينتهي الأمر عند هذا الحد، بل المراد هو أن يجني السماع ثمرة القرآن فيعمل بأحكامه ويقيم حدوده، ويأخذ تعاليمه.\nفإذا وجد مثل هؤلاء القوم المدعوين فهذا يعني أن الداعي قد نجح في مهمته، وفاز في سعيه، وهذا ما يقول به القائلون بعدالة الصحابة ﵃ فأنهم بقولهم بالعدالة يصرحون بنجاح دعوة الرسول ﷺ، وأن تربيته أثمرت فقد ظهرت معجزة التأثير والهداية في حياته ﵊ من خلال بروز نماذج إنسانية عملية تتحلى بالأخلاق وتتزين بالفضائل، وتبتعد ما أمكنها عن الرذائل وتتخلى عن المفاسد وتتصف بالمحاسن، على استقامة في دينهم، وإخلاص في عقيدتهم، يبلغون رسالات ربهم ولا يخافون لومة لائم، باذلين ما بوسعهم من أجل الإسلام.\nأما الطاعنون بعدالة الصحابة القائلون بارتدادهم بعد وفاته إلا قليلًا، أو أنهم في حياته كانوا يظهرون ما لا يضمرون، فهذا يعني بلا شك فشل تلك الجهود العظيمة التي بذلها الرسول ﷺ في وظائفه التربوية والتعليمية والتبليغية والدعوية.","vol":"7","page":275},{"text":"وهذا ما يدعونا إلى التساؤل: (هل يعقل في حكم المنطق النظري القديم والحديث، والعقل الفطري المحسوس المركوز في بني الإنسان، ألا يستطيع الرسول -ﷺ – وهو بهذا المقام الكريم، من العبودية الخالصة لخالقه الحكيم، وخلقه العظيم المتمثل لأوامر الله تعالى، ونواهيه في عالم الإمكان، أن يربي أقرب أصحابه الذين آمنوا به ونصروه، وأعزوا دينه، على الإخلاص لدين الله، ويركز فيهم خوف الله ﷾ وحبه، لكي يبلغوا دينه إلى الأجيال الآتية من بعدهم، بأمانة وعدالة وصدق وإخلاص؟) (١).\nفالعقل والمنطق، والبصيرة كل ذلك يقضي أن يتحقق هذا النجاح في التربية والدعوة في حياة الرسول ﷺ وعلى أثر وفاته، (حيث إن الدين الذي لا يستطيع أن يقدم أمام العالم عددًا وجيهًا من نماذج عملية ناجحة بناءة، ومجتمعًا مثاليًا في أيام الداعي وحامل رسالته الأول، لا يعتبر ناجحًا، كما أن الشجرة التي لم تؤت ثمارها اليانعة الحلوة، ولم تفتح أزهارها العطرة الجميلة، أيام شبابها وفي موسم ربيعها (وهو عهد النبوة) لا تعتبر شجرة مثمرة سليمة، وكيف يسوغ لدعاة هذه الدعوة والدين وممثليها الذين ظهروا بعد أن مضى على عهد النبوة زمن طويل، أن يوجهوا إلى الجيل المعاصر والعامل الحاضر، دعوة إلى الإيمان والعمل والدخول في السلم كافة والتغيير الكامل في الحياة، وهم عاجزون عن تقديم نتائج حية باهرة للألباب، مسلمة عند المؤرخين، للمجهودات التي بذلت في العهد الأول وفي فجر تاريخه، في سبيل إبراز أمة جديدة، وإنشاء جيل مثالي، يمثل التعاليم النبوية أصدق تمثيل ويبرهن على تأثيرها ونجاحها) (٢).\nثانيًا: من المسلمات عندنا أن اليهود حرفوا توراتهم من بعد موسى ﵇ فكانت بعثة الرسل بعد موسى تصحيحًا لمسيرة اليهود الدينية والدنيوية، ولما بعث عيسى ﵇ إلى بني إسرائيل وأنزل عليه الإنجيل سرعان ما حرفه الأحبار والرهبان وغيروه وبدلوه أيضًا فحتم هذا بعثة نبي جديد لأن المنهج الرباني حرف وبدل ولابد للبشرية من منهج رباني تسير على ضوئه وتعمل بشريعته وتهتدي بهديه فكانت بعثة النبي محمد ﷺ وكان القرآن الكريم هو الكتاب المنزل عليه وقد اقتضت حكمة الله أن يكون النبي هو الخاتم وكتابه هو آخر الكتب وهذا يعني أن المنهج الرباني والدستور الإلهي سيبقى من بعثة النبي محمد ﷺ إلى نهاية البشرية متمثلًا بما جاء به النبي محمد ﷺ إذ لا نبي بعده. فاقتضى هذا أن يبقى الكتاب من غير تحريف ولا تشويه ولا تبديل كي يتسنى لآخر هذه الأمة الإطلاع عليه والإيمان به والعمل بأحكامه كما أطلع عليه أول هذه الأمة.\nوالسؤال الذي يفرض نفسه هنا من الذي سيحفظ القرآن من الضياع والتحريف. ومن الذي سيقوم بنقله؟\nالجواب على التساؤل الأول: إن الله هو الذي حفظ القرآن فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]. وهذا أمر مقطوع به.\nأما التساؤل الثاني فجوابه أن الأمة التي أحاطت بالرسول ﷺ هي التي قامت بهذه المهمة العظيمة وهي نقل الكتاب إلى من بعدهم بكل أمانة ونزاهة كما أنزله الله تعالى وهذا ما يقتضيه العقل والمنطق إذ ليس من الحكمة أن يرسل الله تعالى آخر الأنبياء، وينزل معه آخر الكتب، ويتعهد له بأنه سيتولى بنفسه حفظ كتابه، بقطعية حاسمة، وتأكيدات متتابعة ثم لا يهيء أمة مؤمنة صادقة عادلة حريصة ذات مروءة شاملة، كي تحافظ على كتابه الكريم، ودستوره الخالد العظيم.\n_________\n(١) «صحابة رسول الله في القرآن» للدكتور محسن عبد الحميد (ص: ٣ - ٤).\n(٢) «صورتان متضادتان» للندوي (ص: ١٣).","vol":"7","page":276},{"text":"إذ لا يعقل أن يكون حفظ الله للكتاب الكريم بأن ينزل ملائكة من السماء واجبها حراسة الكتاب العزيز من التحريف، أو أن يودع سبحانه في القرآن قوة بين أسطره تنبعث من كلماته تفتك بمن يريد تغييره وتحريفه.\nإن مثل هذا الكلام يعد في منطق العقل تخريفًا مقبول فلم يبلق لدينا إلا القول بأن الله هيأ أمة كريمة أحاطت بنبيه هم الصحابة الأنجاب كانوا سبب حفظ الكتاب وهذا ما يستلزم القول بعدالتهم ﵃ أجمعين.\nثالثًا: إن القول بعدم عدالة الصحابة يدعو عقلًا إلى الشك بكون الإسلام دينًا واقعيًا صالحًا لكل زمان ومكان.\nفإذا كان الدين قد فشل في أن يطبق في عصره الأول، ولم يزل غضًا طريًا، فما أن سمع الصحابة نبأ وفاته ﷺعلى زعم القائلين بردة الصحابة- حتى خلعوا ثوب الإسلام، وتهافتوا على الدنيا، وتغالبوا على السلطة وتسابقوا إلى الرئاسة، وتقاتلوا عليها وخالفوا الكتاب، فتحول زهدهم إلى طمع، وسخاؤهم إلى جشع، وعزوفهم عن الدنيا إلى صراع على ملذاتها، وتفانيهم من أجل الدين إلى تفان من أجل السلطة. فكيف يمكن تطبيقه فيما بعد ذلك.\nأليس هذا يستدعي عقلًا تصديق الفرية القائلة أن الإسلام دين مثالي لا يتلاءم مع الواقع فهو خيالي في أفكاره ومبادئه؟\nبل ألا يؤدي ذلك إلى التنفير عن النبي ﷺ ذاته لأنه إذا كان ذلك حال من يختص به الاختصاص الشديد ويلازمه الملازمة الطويلة، كان ذلك حتمًا منفرًا عن الرسول ﷺ (١).\nرابعًا: العقل يصدق بالتواتر ويحكم بوجوده فلا يجوز للعقلاء تكذيب ما تواتر نقله، أو تواتر إثباته وإلا لما كانوا عقلاء.\nفلا يمكن تكذيب التواتر التاريخي القاطع والحاصل بأن أمة الإسلام الأولى من الصحابة الكرام كانوا خير العباد لله تعالى، وخير الأصحاب لمحمد ﷺ، وخير المبلغين الصادقين الحريصين على حفظ كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، ومن كانت هذه صفته فلابد أن يحكم العقل بعدالته.\nقال الخطيب البغدادي: (على أنه لو لم يرد من الله ﷿ ورسوله ﷺ فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج، والأموال، وقتل الآباء، والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين) (٢).\n(فإن من تتبع تاريخ الصحابة، وسوابقهم في الإسلام بعد اعتناقهم له، وعرف سيرهم من حين إسلامهم إلى وقت وفاتهم، وأنهم لا يرتكبون من الإثم والفواحش والكبائر، ولا يصرون على اللمم والصغائر، ولا يفعلون ما يخرم مروءتهم، أو يسيء إلى سمعتهم، وأن من وقع في ذلك منهم، سارع إلى التوبة، وبادر إلى الأوبة، لا يسعه إلا الجزم بعدالتهم، ذلك أن المقدمات ترشد دائمًا إلى النتائج، فإذا كانت المقدمات واقعية محققة، وصحيحة مسلمة، لا تحوم حولها الشكوك، ولا تنزل بساحتها الريب، فإنها لابد أن تسوقك إلى النتائج المسلمة عقلًا، والصحيحة منطقًا وفكرًا، الواقعية تعتريه الظنون والشبه، وإنما تؤخذ مسلمة عند كل عاقل، بمقتضى ما تقوله قواعد المنطق، وما تقره قوانين الفكر والنظر) (٣).\nبعد كل هذا لا يسع المنصف العاقل إلا أن يقول: إن القرآن الكريم والسنة النبوية المروية، قولًا وعملًا، ومنطق الأمور، وحقائق الأشياء، والتاريخ المتواتر وقرائن الأحوال كل ذلك يتضافر على إثبات عدالة الصحب الكرام وإنكار ذلك الإسفاف القائل بعدمها. عدالة الصحابة ﵃ عند المسلمين لمحمد محمود لطيف الفهداوي – ص: ٨٨\n_________\n(١) ينظر: «المغني» للقاضي عبد الجبار (٢٠/ق٢/ ٤٢٣).\n(٢) «الكفاية» (ص: ٩٦).\n(٣) «محاضرات في علوم الحديث» للدكتور مصطفى التازي (١/ ١٤٤ - ١٤٧).","vol":"7","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1998>تمهيد</span>\nفمن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ، سلامة القلب من البغض والغل والحقد والكراهة، وسلامة ألسنتهم من كل قول لا يليق بهم.\nفقلوبهم سالمة من ذلك، مملوءة بالحب والتقدير والتعظيم لأصحاب رسول الله ﷺ على ما يليق بهم.\nفهم يحبون أصحاب النبي ﷺ، ويفضلونهم على جميع الخلق، لأن محبتهم من محبة رسول الله ﷺ، ومحبة رسول الله ﷺ، من محبة الله، وألسنتهم أيضًا سالمة من السب والشتم واللعن والتفسيق والتكفير وما أشبه ذلك مما يأتي به أهل البدع، فإذا سلمت من هذا، ملئت من الثناء عليهم والترضي عنهم والترحم والاستغفار وغير ذلك. شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين – ص ٢/ ٢٤٧","vol":"7","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2000>أولا: الأدلة على تحريم سبهم من القرآن</span>\nإن سب أصحاب رسول الله ﷺ محرم بنص الكتاب العزيز وهو ما تعتقده وتدين به الفرقة الناجية من هذه الأمة، وقد جاءت الإشارة إلى تحريم سبهم في غير ما آية من كتاب الله – جل وعلا – من ذلك:\n(١) قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [التوبة: ١٠٠] الآية.\nووجه دلالة الآية على تحريم سبهم أن الله تعالى رضي عنهم رضى مطلقًا، فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن ﵁ لم يسخط عليه أبدًا، وقد بين تعالى في آخر هذه الآية أن هؤلاء الذين ﵃ هم من أهل الثواب في الآخرة يموتون على الإيمان الذي به يستحقون ذلك حيث قال: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠] ولذا لما كان هؤلاء الأخيار بهذه المنزلة العظيمة والمكانة الرفيعة أمر الله من جاء بعدهم أن يستغفروا لهم ويدعوا الله ألا يجعل في قلوبهم غلًا لهم، ومن هنا علم أن الاستغفار وطهارة القلب من الغل لهم أمر يحبه الله ويرضاه، ويثني على فاعله كما أنه قد أمر بذلك رسوله ﷺ في قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: ١٩].\nوقال تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩]، ومحبة الشيء كراهية لضده، فيكون الله يكره السب لهم، الذي هو ضد الاستغفار، والبغض لهم الذي هو ضد الطهارة، وهذا معنى قول عائشة ﵂: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم) (١) (٢).\n(٢) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا [الأحزاب: ٥٧].\nهذه الآية تضمنت التهديد والوعيد بالطرد والإبعاد من رحمة الله والعذاب المهين لمن آذاه – جل وعلا – بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك (٣) وإيذاء رسوله (يشمل كل أذيّة قولية أو فعلية من سب وشتم أو تنقص له أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى) (٤). ومما يؤذيه ﷺ سب أصحابه وقد أخبر ﷺ أن إيذاءهم إيذاء له، ومن آذاه فقد آذى الله (٥) وأي أذية للصحابة أبلغ من سبهم فالآية فيها إشارة قوية ظاهرة إلى أنه يحرم سبهم ﵃.\n(٣) قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: ٥٨].\nوهذه الآية فيها التحذير من إيذاء المؤمنين والمؤمنات بما ينسب إليهم مما هم منه براء لم يعملوه، ولم يفعلوه، والبهتان الكبير أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم (٦).\n_________\n(١) رواه مسلم (٣٠٢٢).\n(٢) انظر: «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (ص: ٥٧٢ - ٥٧٥).\n(٣) «تفسير ابن كثير» (٥/ ٥١٤).\n(٤) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٦/ ١٢١).\n(٥) الحديث رواه الترمذي (٣٨٦٢). وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي».\n(٦) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٥/ ٥١٤ - ٥١٥).","vol":"7","page":279},{"text":"ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة ﵃ أنهم في صدارة المؤمنين فإنهم المواجهون بالخطاب في كل آية مفتتحة بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ [البقرة: ١٠٤]، ومثل قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الكهف: ١٠٧] في جميع القرآن فالآية دلت على تحريم سب الصحابة لأن لفظ المؤمنين أول ما ينطلق عليهم لأن الصدارة في المؤمنين لهم ﵃ وسبهم والنيل منهم من أعظم الأذى، وأن من نال منهم بذلك فقد آذى خيار المؤمنين بما لم يكتسبوا وأن من اتخذ شتمهم والنيل منهم دينًا له فإن الوعيد المذكور في الآية يصيبه.\nقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين ينتقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم، فإن الله – ﷿ – قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدًا فهم في الحقيقة منكسوا القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين) (١) اهـ.\nوكما هو معلوم (أن سب آحاد المؤمنين موجب للتعزير بحسب حالته وعلو مرتبته، فتعزير من سب الصحابة أبلغ وتعزير من سب العلماء وأهل الدين أعظم من غيرهم) (٢).\n(٤) قوله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ في الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح: ٢٩] الآية.\nووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة ﵃ أنه لا يسبهم شخص إلا لما وجد في قلبه من الغيظ عليهم، وقد بين تعالى في هذه الآية إنما يغاظ بهم الكفار، فدلت على تحريم سبهم، والتعرض لهم بما وقع بينهم على وجه العيب لهم.\nقال أبو عبد الله القرطبي: (روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلًا ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ، فقرأ مالك هذه الآية مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ حتى بلغ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية) – ثم قال -: (لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين، ثم ذكر طائفة من الآيات القرآنية التي تضمنت الثناء عليهم والشهادة لهم بالصدق والفلاح، ثم قال عقبها: \"وهذا كله مع علمه ﵎ بحالهم ومآل أمرهم) (٣) اهـ.\nفهذه الآية اشتملت على تحريم سب الصحابة، لأن سبهم إنما يصدر ممن امتلأ قلبه غيظًا عليهم، لا محل فيه للإيمان (٤) نعوذ بالله من الخذلان.\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (٥/ ٥١٥).\n(٢) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٦/ ١٢١).\n(٣) «الجامع لأحكام القرآن» (١٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، وانظر قول مالك في «شرح السنة» للبغوي (١/ ٢٢٩).\n(٤) انظر ما قاله الإمام مالك فيمن يسب الصحابة في «تفسير ابن كثير» (٥/ ٣٦٥).","vol":"7","page":280},{"text":"(٥) قوله تعالى: وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: ١٢].\nوهذه الآية الكريمة تضمنت النهي لجميع العباد عن أن يقول بعضهم في بعض بظهر الغيب ما يكره المقول فيه، ذلك أن يقال له في وجهه والغيبة قد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، قال: «قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال ﷺ: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال ﷺ: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» (١).\nوبتفسير الشارع للغيبة في هذا الحديث يتبين وجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة وذلك أن سبهم وازدراءهم والتنقص من مكانتهم الرفيعة التي أنزلهم الله فيها إنما هو من البهت لهم بما ليس فيهم، فكل من عابهم وطعن فيهم أو في أحد منهم كل ذلك من البهتان المبين ومن الوقوع في أعراضهم الذي يعد من أربى الربا عند الله – جل وعلا -، فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أي الربا أربى عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم، ثم قرأ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: ٥٨]» (٢).\nفإذا كان الكلام في عرض أي مسلم كان من أربى الربا عند الله ﷿ فما الشأن بالاستطالة والسب على أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم في مقدمة عباد الله المتقين وعباده الصالحين، ولا يشك مسلم في أن النيل منهم بقول الشيء من سب وغيره أنه انتهاك لحرمة أمر الله ﷿ باحترام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.\n(٦) قوله تعالى: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ [الهمزة: ١].\nووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة يتضح بما قاله السلف في تفسير هذه الآية، فقد قال عبد الله بن عباس ﵁ بعد أن سئل عن قوله: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ، قال: (طعان، لمزة، قال: مغتاب) (٣).\nوقال مجاهد: (الهمزة الطعان في الناس، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس) (٤).\nوقال قتادة: (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ قال: تهمزه في وجهه وتلمزه من خلفه ...) (٥)، فهذه التفاسير لهذه الآية عن هؤلاء الأئمة ن السلف تدل على تحريم اغتياب عموم المؤمنين وهي تنطبق على من أطلقوا ألسنتهم بالوقوع في الصحابة من الرافضة وغيرهم فهم الهمازون لهم بالقول بحيث يزدرونهم وينتقصونهم بالسب والشتم وينسبون إليهم ما لم يقولوه وما لم يفعلوه، ولا شك أن العذاب الذي توعد الله به في هذه الآية سيصيب كل من اتخذ الطعن فيهم ديدنه إن لم يتب ويقلع عن ذلك ويجعل لسانه رطبًا بذكرهم بالجميل والترضي عنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم كما جاء الأمر به لكل من جاء بعدهم من أهل الإيمان، والحاصل مما تقدم ذكره أن تحريم سب الصحابة جاءت الإشارة إليه في القرآن الكريم وأن الواجب على كل مسلم أن يعتقد أن الله تعالى حرم سبهم وازدراءهم وعيبهم بما جرى بينهم وأن يحذر طريقة الروافض الذين لم يراعوا لهم حرمة ولم يقدروهم حق قدرهم وأن من سلك طريقهم ألقى نفسه في المهالك التي لا نجاة منها إلا بالرجوع إلى طريقة أهل الحق من أهل السنة والجماعة والتوبة مما أسلفه من جناية في حق الصحابة الكرام ﵃ أجمعين. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٨٣١\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٨٩)، وأبو داود (٤٨٧٤)، والترمذي (١٩٣٤)، وأحمد (٢/ ٢٣٠) (٧١٤٦).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣١٥٣)، ورواه أبو يعلى (٨/ ١٤٥) (٤٦٨٩). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٩٥): رجاله رجال الصحيح، وقال الشوكاني في «الفتح الرباني» (١١/ ٥٤٣٠): رجال إسناده رجال الصحيح.\n(٣) «الدر المنثور» (٨/ ٦٢٤).\n(٤) «الدر المنثور» (٨/ ٦٢٤).\n(٥) «الدر المنثور» (٨/ ٦٢٤).","vol":"7","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2001>ثانيا: الأدلة من السنة على تحريم سب الصحابة</span>\nلقد دلت السنة النبوية المطهرة على تحريم سب الصحابة والتعرض لهم بما فيه نقص وحذر النبي ﷺ من الوقوع في ذلك لأن الله – تعالى – اختارهم لصحبة نبيه ونشر دينه وإعلاء كلمته، وبلغوا الذروة في محبة النبي ﷺ، فكانوا له وزراء وأنصارًا يذبون عنه وسعوا جاهدين منافحين لتمكين الدين في أرض الله حتى بلغ الأقطار المختلفة ووصل إلى الأجيال المتتابعة كاملًا غير منقوص، ولمقامهم الشريف ولما لهم من القيام التام بأنواع العبادات، وصنوف الطاعات والقربات جاءت النصوص النبوية القطعية بتحريم سبهم وتجريحهم أو الطعن فيهم والحط من قدرهم ومن تلك النصوص:\n(١) ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (١).\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أيضًا بلفظ: «كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله ﷺ: لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (٢).\n(٢) وعند الإمام أحمد من حديث أنس ﵁ قال: «كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن بن عوف تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغ النبي ﷺ ذلك، فقال: دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ذهبًا أو مثل الجبال ذهبًا لما بلغتم أعمالهم» (٣).\nهذان الحديثان اشتملا على النهي والتحذير من سب الصحابة ﵃، وفيهما التصريح بتحريم سبهم، وقد عد بعض أهل العلم سبهم (من المعاصي الكبائر) (٤).\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون) (٥).\nوالنهي في هذين الحديثين المتقدمين كان موجهًا من النبي ﷺ لمن كانت له صحبة متأخرة، أن يسب من كانت له صحبة متقدمة (لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة، فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة ﵃) (٦).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فإن قيل: فلم نهى خالدًا عن أن يسب أصحابه إذ كان من أصحابه أيضًا؟ وقال: «لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١).\n(٢) رواه مسلم (٢٥٤١).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٢٦٦) (١٣٨٣٩). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٩): رجاله رجال الصحيح، وقال الشوكاني في «در السحابة» (٣٨): إسناده رجاله رجال الصحيح. وصحح الألباني إسناده على شرط البخاري في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٩٢٣).\n(٤) انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٦/ ٩٣).\n(٥) انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٦/ ٩٣).\n(٦) «شرح الطحاوية» (ص: ٥٢٩ - ٥٣٠).\n(٧) رواه مسلم (٢٥٤١).","vol":"7","page":282},{"text":"قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه هم من السابقين الأولين الذين صحبوه في وقت كان خالد وأمثاله يعادونه فيه، وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى، فقد انفردوا من الصحبة بما لم يشركهم فيه خالد ونظراؤه ممن أسلم بعد الفتح الذي هو صلح الحديبية وقاتل، فنهى أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله، ومن لم يصحبه قط نسبته إلى من صحبه كنسبة خالد إلى السابقين وأبعد.\nوقوله: «لا تسبوا أصحابي» خطاب لكل أحد أن لا يسب من انفرد عنه بصحبته ﵊، وهذا كقوله ﵊ في حديث آخر: «أيها الناس إني أتيتكم، فقلت: إني رسول الله إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت. فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» (١) .. أو كما قال بأبي هو وأمي ﷺ، قال ذلك لما عاير بعض الصحابة أبا بكر، وذلك الرجل من فضلاء أصحابه ولكن امتاز أبو بكر عنه بصحبته وانفرد بها عنه) (٢) اهـ.\nفالنهي عن سبهم عام لكل من وجد على ظهر الأرض أيا كان عن أن يسب أي واحد من الصحابة.\nقال المناوي بعد قوله ﷺ في الحديث: «دعوا لي أصحابي»: (الإضافة للتشريف تؤذن باحترامهم وزجر سابهم ... «أنفقتم مثل أحد ذهبًا ما بلغتم أعمالهم» أي: ما بلغتم من إنفاقكم بعض أعمالهم لما قارنها من مزيد إخلاص وصدق نية وكمال يقين، وقوله: «أصحابي» مفرد مضاف فيعم كل صاحب له لكنه عموم مراد به الخصوص ... يدل على أن الخطاب لخالد وأمثاله ممن تأخر إسلامه وأن المراد هنا متقدموا الإسلام منهم الذي كانت له الآثار الجميلة والمناقب الجليلة في نصرة الدين من الإنفاق في سبيل الله واحتمال الأذى في سبيل الله ومجاهدة أعدائه، ويصح أن يكون من بعد الصحابة مخاطبًا بذلك حكمًا إما بالقياس أو بالتبعية) (٣).\n(٤) روى الحافظ الطبراني بإسناده إلى عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، لعن الله من سب أصحابي» (٤).\n(٥) وروى أيضًا بإسناده إلى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٥).\n(٦) وروى أيضًا: بإسناده إلى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لعن الله من سب أصحابي» (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٦١). من حديث أبي الدرداء ﵁.\n(٢) «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (ص: ٥٧٦ - ٥٧٧).\n(٣) «فيض القدير» للمناوي (٣/ ٥٣١).\n(٤) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٥/ ٩٤) (٤٧٧١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٤): رجاله رجال الصحيح غير علي بن سهل وهو ثقة، وقال الشوكاني في «در السحابة» (ص: ٣٠): رجاله رجال الصحيح غير علي بن سهل وهو ثقة.\n(٥) رواه الطبراني (١٢/ ١٤٢) (١٢٧٤٠). وحسنه محمد جار الله الصعدي في «النوافح العطرة» (٣٨٣)، والألباني بمجموع طرقه في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٣٤٠).\n(٦) رواه الطبراني (١٢/ ٤٣٤) (١٣٦٢٢). وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٥١١١).","vol":"7","page":283},{"text":"هذه الأحاديث الثلاثة مشتملة على لعن من سب الصحابة ودلت على أن سبهم من الكبائر، وقد جمع الإمام الذهبي الذنوب التي هي كبائر وعد سب الصحابة منها (١)، فعلى المسلم أن يحذر من بهم أو يتعرض لهم بما يشينهم ﵃ (وسبهم معناه: شتمهم ومعنى قوله ﷺ «فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» الطرد والإبعاد عن مواطن الأبرار، ومنازل الأخيار، والسب والدعاء من الخلق وتحريم سبهم يشمل من لابس الفتن ومن لم يلابسها، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون فسبهم كبيرة ونسبتهم إلى الضلال أو الكفر كفر) (٢).\n(٧) روى الإمام أحمد وغيره من حديث سعيد بن زيد عن النبي ﷺ، قال: «إن من أربى الربا الاستطالة على عرض المسلم بغير حق» (٣).\nفكل من أطلق لسانه بالسب لهم فهو مستطيل عليهم بغير حق وهو أفاك أثيم إذ لفظ المسلم في الحديث أول ما ينطلق عليهم إذ هم مقدمة المسلمين الذين انقادوا لله تعالى بالطاعة وأخلصوا العبادة له وحده لا شريك له (وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتابًا) (٤).\n(٨) روى الشيخان من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٥).\nفإذا كان هذا الوعيد يلحق من سب أي مسلم كان فما الشأن بمن يسب خيار المسلمين والأبرار من عباده المتقين وهم الصحابة الكرام ﵃.\nقال النووي رحمه الله تعالى: (السب في اللغة الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه والفسق في اللغة الخروج والمراد به في الشرع الخروج عن الطاعة، وأما معنى الحديث فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق كما أخبر به النبي ﷺ (٦)، وعلى هذا فالرافضة والخوارج ومن سلك طريقهم من أهل البدع الذين يشتمون الصحابة ويتكلمون فيهم بما يعيبهم بغير حق فهم أكثر من يدخل في وصف الفسق كما أخبر بذلك النبي ﷺ.\nقال المناوي مبينًا معنى قوله ﷺ: «سباب المسلم فسوق» (أي: مسقط للعدالة والمرتبة، وفيه تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بالفسق وأن الإيمان ينقص ويزيد لأن الساب إذا فسق نقص إيمانه وخرج عن الطاعة فضره ذنبه لا كما زعم المرجئة، أنه لا يضر مع التوحيد ذنب) (٧).\nفكل من سب الصحابة ﵃ أو واحدًا منهم أسقط نفسه من العدالة وفسق بذلك وأدى إلى نقصان إيمانه بخروجه عن الطاعة.\n(٩) روى أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «ساب الموتى كالمشرف على الهلكة» (٨).\n(أراد: الموتى المؤمنين وإيذاء المؤمن الميت أغلظ من الحي لأن الحي ممكن استحلاله، والميت لا يمكن استحلاله، فلذا توعد عليه بالوقوع في الهلاك) (٩).\n_________\n(١) انظر كتاب «الكبائر للذهبي» (ص: ٢٣٣ - ٢٣٧).\n(٢) «فيض القدير» للمناوي (٦/ ١٤٦ - ١٤٧).\n(٣) رواه أبو داود (٤٨٧٦)، وأحمد (١/ ١٩٠) (١٦٥١). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٣٠٨): رواة أحمد ثقات، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٥٣): رجال أحمد رجال الصحيح غير نوفل بن مساحق وهو ثقة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٥١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٤) «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (ص: ٥٧١).\n(٥) رواه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤).\n(٦) «شرح النووي» (٢/ ٥٣ - ٥٤).\n(٧) «فيض القدير» (٤/ ٨٤).\n(٨) رواه الطبراني كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (٨/ ٧٩) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.\n(٩) «فيض القدير» (٤/ ٧٩).","vol":"7","page":284},{"text":"(١٠) وروى أبو القاسم الطبراني أيضًا: عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «ساب المؤمن كالمشرف على الهلكة» (١).\nومعنى الحديث: (أي: يكاد أن يقع في الهلاك الأخروي، وأراد في ذلك المؤمن المعصوم والقصد به التحذير من السب) (٢).\nوهذا الحديث والذي قبله تضمنا العقوبة الشديدة التي تلحق ساب أي ميت من المسلمين وأي مؤمن كان فما الشأن بمن سب أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم خيار موتى المؤمنين وأفضل المؤمنين بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكل من سبهم يعد من أهلك الهالكين وأخسر الخاسرين بنص هذين الحديثين، فلا يجوز سب أحد من أصحاب رسول الله ﷺ بأي وجه، وقد كان ﷺ ينهى عن أي كلام يصدر من بعض الصحابة لآخرين منهم يتضمن الأذى وكان يحذر من ذلك أشد التحذير.\n(١١) فقد روى أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: «شكا عبد الرحمن بن عوف خالدًا إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا خالد لا تؤذ رجلًا من أهل بدر فلو أنفقت مثل أحد ذهبًا لم تدرك عمله، قال: يقعون في فأرد عليهم، فقال: لا تؤذوا خالدًا فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار» (٣).\nفإذا كان النبي ﷺ لم يقبل أي كلام يتضمن الأذى من بعض الصحابة لآخرين منهم، فما الشأن بحال من ليس من الصحابة ويطلق لسانه عليهم بالسب القبيح الذي يستحي المؤمن من حكايته عنهم، لا شك أن من كان هذا شأنه فإنه أنزل نفسه أقبح المنازل وتجرأ على خيار المؤمنين، وعصى سيد المرسلين في أمره بوجوب الإمساك عن الكلام في شأنهم إذا ذكروا.\n(١٢) فقد روى الحافظ الطبراني من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا» (٤).\nفمعنى قوله ﷺ: «إذا ذكر أصحابي» بما شجر بينهم من الحروب والمنازعات (فأمسكوا) وجوبًا عن الطعن فيهم والخوض في ذكرهم بما لا يليق فإنهم خير الأمة وخير القرون، ولما جرى بينهم محامل (٥)، فالذي يشغل نفسه بما حصل بينهم من الوقائع ويتخذ ذلك ذريعة لسبهم والطعن فيهم فقد عصى أبا القاسم ﷺ في أمره بالإمساك عن الكلام فيهم إذا ذكر ما شجر بينهم وعصاه أيضًا في أمره بالإحسان إليهم وأمره بحفظه فيهم.\n_________\n(١) رواه البزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (٨/ ٧٦) وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٥٨٦). ولم أقف على رواية الطبراني للحديث.\n(٢) «فيض القدير» للمناوي (٤/ ٧٩).\n(٣) رواه الطبراني في «المعجم الصغير» (١/ ٣٤٨) (٥٨٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٣٥٢): رجاله ثقات، وقال الشوكاني في «در السحابة» (١٩٠): إسناده رجاله ثقات.\n(٤) رواه الطبراني (١٠/ ١٩٨) (١٠٤٧٠). قال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٥٠): إسناده حسن، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٠٥): رواه الطبراني وفيه مسهر بن عبد الملك وثقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف وبقية رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٤٥).\n(٥) «فيض القدير» للمناوي (١/ ٣٤٧).","vol":"7","page":285},{"text":"(١٣) فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى جابر بن سمرة، قال: «خطب عمر الناس بالجابية، فقال: إن رسول الله ﷺ قام في مثل مقامي هذا فقال: أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١).\nفقد أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بالإحسان إلى جميع الصحابة والإحسان يكون بالقول كما يكون بالفعل، فيجب على جميع الناس بعدهم أن يحسنوا إليهم بكف ألسنتهم (عن غمطهم أو الوقيعة فيهم بلوم أو تعنيف لبذلهم نفوسهم وإطراحها بين يدي الله تعالى في الحروب وقتالهم القريب والبعيد في ذات الله، وبذلهم أموالهم وخروجهم من ديارهم وصبرهم على البلاء والجهد الذي لا يطيقه غيرهم، وليس ذلك إلا عن أمر عظيم ملك البواطن وصرفها على حكم محبة الله ومحبة رسوله ﷺ فاستوجبوا بذلك الرعاية وكمال العناية) (٢). فالذي يسبهم ويطعن فيهم لم يحسن إليهم ولم يمتثل أمر الرسول ﷺ بذلك، وإنما أتى بعكس ما أمر به الرسول ﷺ وهو أنه فعل ضد ما أمر به وهو الإساءة إليهم بالقول السيئ نعوذ بالله من ذلك.\nوالأحاديث التي اشتملت على تحريم سب الصحابة والنهي عنه كثيرة فالواجب على كل مسلم أن يحذر من الوقوع في ذلك ويعتقد حرمة ذلك وأنه من أعظم الذنوب التي لا يقع فيها إلا رافضي غال جعل للشيطان على نفسه سبيلًا يتبعه في كل شيء يأمره به مما فيه معصية لله – ﷿ -.\nوالحاصل مما تقدم أن السنة دلت على أن سب الصحابة من أكبر الكبائر، وأفجر الفجور، وأن من ابتلي بذلك فهو من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وقد وفق الله الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة لاحترامهم ومعرفة حقهم وذكرهم بالجميل اللائق بهم، وحفظوا رسول الله ﷺ فيهم حيث اعتقدوا ما دل عليه الكتاب والسنة من حرمة سبهم فهم العاملون بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ فيما يجب لهم من الحق على الخلق بعدهم حفظ الله أحياءهم ورحم موتاهم ... عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٨٣٧\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٦) (١٧٧). قال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٩٨): إسناده صحيح، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين، والحديث صححه الألباني بمجموع طرقه في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١١١٦).\n(٢) «فيض القدير» للمناوي (١/ ١٩٧).","vol":"7","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2002>ثالثا: الأدلة من كلام السلف على تحريم سب الصحابة</span>\nإن النصوص الواردة عن سلف الأمة وأئمتها من الصحابة ومن جاء بعدهم من التابعين لهم بإحسان التي تقضي بتحريم سب الصحابة والدفاع عنهم كثيرة جدًا ومتنوعة في ذم وعقوبة من أطلق لسانه على أولئك البررة الأخيار وأقوال السلف التي كانوا يواجهون بها الذين ابتلوا بالنيل من أصحاب رسول الله ﷺ، كانت في غاية الإنكار على من وقع في ذلك وبيان الخسارة الكبيرة التي يكسبها من أراد الله فتنته بالوقوع والنيل من خير القرون.\n(١) فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى يوسف بن سعد عن محمد بن حاطب قال: (ونزل في داري حيث ظهر علي ﵁ على أهل البصرة، فقال لي يومًا: لقد شهدت أمير المؤمنين عليًا ﵁ وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر ﵃، فذكروا عثمان ﵁ فنالوا منه، فكان علي ﵁ على السرير ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم فسألوه، فقال علي ﵁ كان عثمان ﵁ من الذين قال الله تعالى فيهم: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ في أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف: ١٦]، قال: والله عثمان وأصحاب عثمان ﵃ قالها ثلاثًا: قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب الله لسمعت هذا من علي ﵁، قال: آلله لسمعت هذا من علي ﵁) (١).\n(٢) وكان ﵁ يعاقب بالجلد الموجع على الكلام الذي فيه إيماء أو إشارة إلى النيل من أم المؤمنين عائشة ﵂، فقد ذكر ابن الأثير (أن رجلين وقفا على باب الدار الذي نزلت فيه أم المؤمنين بالبصرة، فقال أحدهما: جزيت عنا أمنا عقوقًا.\nوقال الآخر: يا أمي توبي فقد أخطأت – فبلغ ذلك عليًا – فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة وهما: عجلان، وسعد ابنا عبد الله فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما) (٢).\n(٣) روى أبو داود بإسناده إلى رباح بن الحارث قال: «كنت قاعدًا عند فلان في مسجد الكوفة، وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فرحب به وحياه وأقعده عند رجله على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة يقال له قيس بن علقمة، فاستقبله فسب وسب، فقال سعيد: من يسب هذا الرجل؟ قال: يسب عليًا، فقال: ألا أرى أصحاب رسول الله ﷺ يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير؟ أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول – وإني لغني أن أقول عنه ما لم يقل فيسألني عنه غدًا إذا لقيته –: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة، وسكت عن العاشر، قالوا: من هو العاشر؟ فقال: سعيد بن زيد –يعني نفسه-، ثم قال: والله لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم ولو عمر عمر نوح» (٣).\nزاد رزين: ثم قال: «لا جرم لما انقطعت أعمارهم، أراد الله أن لا يقطع الأجر عنهم إلى يوم القيامة، والشقي من أبغضهم، والسعيد من أحبهم» (٤).\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٩٥).\n(٢) «الكامل في التاريخ» (٣/ ٢٥٧).\n(٣) رواه أبو داود (٤٦٥٠) وسكت عنه، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٤) انظر: «جامع الأصول» (٩/ ٤١١).","vol":"7","page":287},{"text":"(٤) وذكر ابن الأثير عن رزين من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (قيل لعائشة: إن ناسًا يتناولون أصحاب النبي ﷺ حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا؟ انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر) (١).\n(٥) روى ابن بطة بإسناد صحيح إلى ابن عباس ﵁ قال: «لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ، فلمقام أحدهم ساعة – يعني مع النبي ﷺ – خير من عمل أحدكم أربعين سنة» (٢).\nوفي رواية وكيع: «خير من عبادة أحدكم عمره» (٣).\n(٦) وروى أبو نعيم بإسناده (أن مزيد بن هزاري أنه لقي سعيد بن جبير بأصبهان، فقال له: إن رأيت أن تفيدني مما عندك؟ فحبس دابته وقال: قال لي ابن عباس: احفظ عني ثلاثًا: إياك والنظر في النجوم فإنه يدعو إلى الكهانة، وإياك والنظر في القدر، فإنه يدعو إلى الزندقة، وإياك وشتم أصحاب رسول الله ﷺ، فيكبك الله في النار على وجهك يوم القيامة) (٤).\n(٧) وروى محمد بن عبد الواحد المقدسي إلى عريب بن حميد قال: (قام رجل فنال من عائشة ﵂، فقام عمار ﵁ يتخطى الناس فقال: اجلس مقبوحًا منبوحًا أنت تقع في حبيبة رسول الله ﷺ؟ فوالله إنها لزوجته في الدنيا والآخرة) (٥).\n(٨) وروى أبو يعلى والطبراني عن أم سلمة ﵂ أنها قالت لأبي عبد الله الجدلي: (يا أبا عبد الله أيسب رسول الله ﷺ فيكم، قلت: أنى يسب رسول ﷺ؟ قالت: أليس يسب علي ومن يحبه، وقد كان رسول الله ﷺ يحبه) (٦).\n(٩) وروى محمد بن عبد الواحد المقدسي ﵀ بإسناده إلى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي، قال: (قلت لأبي: ما تقول في رجل سب أبا بكر؟ قال: يقتل، قلت: سب عمر؟ قال: يقتل) (٧).\n_________\n(١) «جامع الأصول» (٩/ ٤٠٨ - ٤٠٩)، «مسند عائشة» للسيوطي (ص: ١٦٤).\n(٢) ذكره «شارح الطحاوية» (ص: ٥٣٠)، وانظر «الشرح والإبانة» لابن بطة (ص: ١١٩).\n(٣) ذكره أيضًا: «شارح الطحاوية» (ص: ٥٣١).\n(٤) «أخبار أصبهان» (١/ ٣٢٤).\n(٥) كتاب «النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب» (ص: ٢١ - ٢٢)، وأورده ابن الأثير في (النهاية» (٤/ ٣).\n(٦) رواه أبو يعلى (١٢/ ٤٤٤) (٧٠١٣)، والطبراني (٢٣/ ٣٢٢) (١٩٦٨٩). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٣٣): رجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي عبد الله وهو ثقة، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧/ ٩٩٦): إسناد جيد.\n(٧) كتاب «النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب» (ص: ٢٣).","vol":"7","page":288},{"text":"هذه تسعة نماذج عن أصحاب رسول الله ﷺ فيها توضيح للطريقة التي كانوا يواجهون بها من أزاغ الله قلبه عن معرفة ما يجب لأصحاب رسول الله ﷺ وفتن بسبهم والنيل منهم، فقد كان إنكارهم عظيمًا على من صدر منه ذلك، فلم يسكتوا عن المتقولين فيهم بل كانوا يردون عليهم إما بذكر فضائلهم وما لهم عند الله من المنزلة العظيمة التي لا يلحقهم فيها غيرهم مهما قدم من العمل، وإما أن يعاقبوا بجلدهم بالسياط، وقد حصل الأمران في موقف علي ﵁ ممن قلل من عثمان وعائشة ﵄، وبعض الصحابة كان يعتبر سب أصحاب رسول الله ﷺ سبًا للرسول ﷺ كما تقدم ذلك عن أم سلمة، وبعضهم كان يفتي بقتل من سب أبا بكر وعمر ﵄، وكل ذلك يدل على عظم الجرم الذي يقع فيه من امتلأ قلبه ببغضهم وخبث لسانه بالقول القبيح فيهم الذي لا يليق إلا بمن صدر منه وقد سلك التابعون بإحسان من أهل السنة والجماعة في مواجهة السابين لأصحاب رسول الله ﷺ طريقة الغلظة والشدة عليهم ولم يسكتوا عن أي تعريض بهم، بل اعتبروا الطعن في الصحابة والسب لهم مروقًا من الدين أعاذنا الله من ذلك.\n(١٠) فقد روى أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى محمد بن علي بن الحسين بن علي أنه قال لجابر الجعفي: (يا جابر بلغني أن قومًا بالعراق يزعمون أنهم يحبونا ويتناولون أبا بكر وعمر، ويزعمون أني آمرهم بذلك، فأبلغهم عني أني إلى الله منهم بريء والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم لا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما إن أعداء الله لغافلون عن فضلهما، فأبلغهم أني بريء منهم وممن تبرأ من أبي بكر وعمر ﵄) (١).\n(١١) وروى أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن الحسن بن علي أنه قال: (ما أرى رجلًا يسب أبا بكر وعمر تيسر له توبة أبدًا) (٢).\n(١٢) وقال عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي: (من شتم أبا بكر الصديق ﵁ فقد ارتد عن دينه وأباح دمه) (٣).\n(١٣) وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: (الذي يشتم أصحاب رسول الله ﷺ ليس له سهم أو قال نصيب في الإسلام) (٤).\n(١٤) روى محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى الحسن بن الربيع قال: (سمعت أبا الأحوص يقول: لو أن الروم أقبلت من موضعها يعني تقتل ما بين يديها وتقبل حتى تبلغ النخيلة ثم خرج رجل بسيفه فاستنقذ ما في أيديها وردها إلى موضعها ولقي الله وفي قلبه شيء على بعض أصحاب محمد ﷺ ما رأينا أن ذلك ينفعه) (٥).\n_________\n(١) كتاب «النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب» (ص: ١٢)، وأورده الحافظ ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» (٩/ ٣٤٩)، والسياق له.\n(٢) «النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب» (ص: ١٧).\n(٣) «الشرح والإبانة»، لابن بطة، (ص: ١٦٢).\n(٤) «الشرح والإبانة»، لابن بطة، (ص: ١٦٢).\n(٥) كتاب «النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب» (ص: ١٢).","vol":"7","page":289},{"text":"(١٥) وروى أيضًا: بإسناده إلى عبد الله بن مصعب قال: (قال لي أمير المؤمنين – المهدي – ما تقول في الذين يشتمون أصحاب رسول الله ﷺ، فقلت: زنادقة يا أمير المؤمنين، قال: ما علمت أحدًا قال هذا غيرك فكيف ذلك؟ قلت: إنما قوم أرادوا رسول الله ﷺ فلم يجدوا أحدًا من الأمة يتابعهم على ذلك فيه فشتموا أصحابه ﵃ يا أمير المؤمنين ما أقبح بالرجل أن يصحب صحابة السوء فكأنهم قالوا رسول الله ﷺ صحب صحابة السوء، فقال لي: ما أرى إلا كما قلت) (١).\n(١٦) روى أبو عبيد الله بن بطة إلى أبي بكر بن عياش أنه قال: (لا أصلي على رافضي ولا حروري لأن الرافضي يجعل عمر كافرًا، والحروري يجعل عليًا كافرًا) (٢).\n(١٧) روى محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى يعقوب بن حميد قال: (سمعت سفيان بن عيينة يقول: حج هارون الرشيد أمير المؤمنين فدعاني فقال: يا سفيان إن أبا معاوية الضرير حدثني عن أبي جناب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ، قال: سيكون بعدي قوم لهم نبز يسمون الرافضة وآية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر، فإذا وجدتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون، فقلت: يا أمير المؤمنين اقتلهم بكتاب الله، فقال: يا سفيان وأين موضع ذلك من كتاب الله؟ فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ إلى قوله لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح: ٢٩]، يا أمير المؤمنين، فمن غاظه أصحاب رسول الله ﷺ فهو كافر) (٣).\n(١٨) وقال أيضًا: (من نطق في أصحاب رسول الله ﷺ بكلمة فهو صاحب هوى) (٤).\n(١٩) ذكر القرطبي عن عمر بن حبيب قال: (حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فرفع بعضهم الحديث وزادت المرافعة والخصام، حتى قال قائلون منهم: لا يقبل هذا الحديث على رسول الله ﷺ، لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، ونصر قولهم، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي ﷺ وغيره فنظر إليّ الرشيد نظر مغضب وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب، فدخل فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه فسلمني منه، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي .. حاسر عن ذراعيه بيده السيف، وبين يديه النطع، فلما بصر بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لي بمثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله ﷺ وعلى ما جاء به إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله) (٥).\n_________\n(١) كتاب «النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب» (ص: ٢٢ - ٢٣)، وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (ص: ١٠/ ١٧٥).\n(٢) «الشرح والإبانة» لابن بطة، (ص: ١٦٠).\n(٣) كتاب «النهي عن سب الأصحاب» (ص: ٢٤ - ٢٥).\n(٤) ذكره عبد القادر الجيلاني في كتابه «الغنية لطالبي طريق الحق» (١/ ٧٩).\n(٥) «الجامع لأحكام القرآن» (١٦/ ٢٩٨ - ٢٩٩).","vol":"7","page":290},{"text":"(٢٠) روى أبو عبيد الله بن بطة بإسناده إلى هارون بن زياد، قال: (سمعت الفريابي ورجل يسأله عمن شتم أبا بكر، فقال: كافر، قال: فنصلي؟ قال: لا، فسألته: كيف نصنع به وهو يقول: لا إله إلا الله، قال: لا تمسوه بأيديكم، ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته) (١).\n(٢١) وقال بشر بن الحارث: (من شتم أصحاب رسول الله ﷺ فهو كافر وإن صام وصلى وزعم أنه من المسلمين) (٢).\n(٢٢) وقال أبو بكر المروزي: (سألت أبا عبد الله عمن شتم أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة ﵃، فقال: ما أراه على الإسلام) (٣).\n(٢٣) وقال محمد بن بشار: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: أحضر جنازة من سب أصحاب رسول الله ﷺ؟ (لو كان من عصبتي ما ورثته) (٤).\n(٢٤) وروى محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى إسماعيل بن القاسم، قال: (قال لي عبد الله بن سليمان: يا إسماعيل ما تقول فيمن يسب أبا بكر وعمر، قلت: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، قال لي القتال؟ قلت: نعم، قال: وأني لك هذا؟ قلت: بآية من كتاب الله تعالى، فقال: وآية من كتاب الله؟ قلت: نعم، قال: وأي هي من كتاب الله تعالى، قلت له: قال الله تعالى: إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ [المائدة: ٣]، ولا فساد في الأرض أعظم من سب أبي بكر وعمر ﵉، قال لي: أحسنت يا إسماعيل) (٥).\nوهذه الآثار عن هؤلاء الأئمة كلها دلت على تحريم سب الصحابة عمومًا وفيها بيان الخسارة الواضحة التي تلحق من أقحم نفسه في هذا الجرم الكبير وأن من ابتلي بداء المبغضين لخيار الأمة وحمله ذلك على سبهم وتجريحهم إنما رام الطعن في رسول الله ﷺ وإبطال الشريعة الإسلامية من أساسها لأن الصحابة إذا كانوا كذابين فجميع أحكام دين الإسلام باطلة، إذ الدين لم يصل إلينا إلا عن طريقهم فهم الذين تلقوه من الرسول ﷺ ومن جاء بعدهم لم يأخذه إلا عنهم، ومن طعن فيهم، أو جرحهم ماذا يبقى له من الدين وكما دلت تلك الآثار عن أولئك الأسلاف على تحريم سب الصحابة دلت كذلك على أن من تكلم فيهم بكلام لا ينبغي فإنه لا يضرهم وإنما يضر نفسه، فهم ﵃ قدموا على ما قدموا، وقد قدموا الخير الكثير من الأعمال الجليلة والمآثر الحميدة في نصرة دين الإسلام والكلام فيهم بغير حق إن كانت له حسنات فإنهم يأخذون من حسناته ويضاف ذلك إلى حسناتهم ويزدادون بذلك رفعة عند الله تعالى، وإن لم يكن للمتكلم فيهم حسنات فلا تأثير لكلامه فيهم ولا مضرة عليهم، إذ الذي مدحه الله وأثنى عليه لا يضيره ذم الخلق وتنقصهم. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – ناصر بن علي عائض – ٢/ ٨٤٦\n_________\n(١) «الشرح والإبانة» (ص: ١٦٠).\n(٢) «الشرح والإبانة» لابن بطة (ص: ١٦٢).\n(٣) «الشرح والإبانة» لابن بطة (ص: ١٦١).\n(٤) «الشرح والإبانة» (ص: ١٦٠).\n(٥) كتاب «النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب» (ص: ٢٥).","vol":"7","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2003>رابعا: حكم سب الصحابة</span>\n• ١ - من سب الصحابة بالكفر والردة أو الفسق جميعهم أو معظمهم.\n• ٢ - من سب بعضهم سبا يطعن في دينهم.\n• ٣ - من سب صحابيًا لم يتواتر النقل بفضله سبا يطعن في الدين.\n• ٤ - من سب بعضهم سبا لا يطعن في دينهم وعدالتهم.","vol":"7","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2004>١ - من سب الصحابة بالكفر والردة أو الفسق جميعهم أو معظمهم</span>\nفلا شك في كفر من قال بذلك لأمور من أهمها:\n- إن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وبذلك يقع الشك في القرآن والأحاديث؛ لأن الطعن في النقلة طعن في المنقول.\n- إن في هذا تكذيبًا لما نص عليه القرآن من الرضا عنهم والثناء عليهم (فالعلم الحاصل من نصوص القرآن والأحاديث الدالة على فضلهم قطعي) (١) ومن أنكر ما هو قطعي فقد كفر.\n- إن في ذلك إيذاء له ﷺ؛ لأنهم أصحابه وخاصته، فسب المرء وخاصته، والطعن فيهم، يؤذيه ولا شك. وأذى الرسول ﷺ كفر كما هو مقرر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية، مبينًا حكم هذا القسم: (وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع؛ من الرضا عنهم، والثناء عليهم. بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين .. - إلى أن قال- وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام) (٢).\nوقال الهيثمي ﵀: (ثم الكلام - أي الخلاف - إنما هو في سب بعضهم - أما سب جميعهم، فلا شك في أنه كفر) (٣).\nومع وضوح الأدلة الكلية السابقة، ذكر بعض العلماء أدلة أخرى تفصيلية، منها:\nأولًا: ما مر معنا من تفسير العلماء للآية الأخيرة من سورة الفتح: من قوله مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ إلى قوله: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح: ٢٩] استنبط الإمام مالك ﵀ من هذه الآية كفر من يبغضون الصحابة؛ لأن الصحابة يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه الشافعي وغيره (٤).\nثانيًا: ما سبق من حديث أنس عند الشيخين أن النبي ﷺ قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (٥). وفي رواية: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق» (٦).\nولمسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «لا يبغض الأنصار رجل آمن بالله واليوم الآخر» (٧). فمن سبهم فقد زاد على بغضهم، فيجب أن يكون منافقًا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر (٨).\nثالثًا: ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، أنه ضرب بالدرة من فضله على أبي بكر. ثم قال: (أبو بكر كان خير الناس بعد رسول الله ﷺ في كذا وكذا). ثم قال عمر: (من قال غير هذا أقمنا عليه ما نقيم على المفتري) (٩).\nوكذلك قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: (لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري) (١٠).\nفإذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي ﵄ يجلدان حد المفتري من يفضل عليًا على أبي بكر وعمر، أو من يفضل عمرًا على أبي بكر، مع أن مجرد التفضيل ليس فيه سب ولا عيب، علم أن عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير (١١).\n_________\n(١) «الرد على الرافضة» (ص: ١٩) ضمن جزء ملحق المصنفات للإمام المجدد طبعة الجامعة.\n(٢) «الصارم المسلول» (ص: ٥٨٦ - ٥٨٧).\n(٣) «الصواعق المحرقة» (ص: ٣٧٩).\n(٤) «الصواعق المحرقة» (ص: ٣١٧)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٠٤).\n(٥) رواه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤).\n(٦) رواه البخاري (٣٧٨٣)، ومسلم (٧٥). من حديث البراء ﵁.\n(٧) رواه مسلم (٧٦).\n(٨) «الصارم المسلول» (ص: ٥٨١).\n(٩) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (١/ ٣٠٠). وصحح إسناده ابن تيمية في «الصارم المسلول» (٣/ ١١٠٦).\n(١٠) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (١/ ٨٤)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٢/ ٥٧٥)، والبيهقي في «الاعتقاد» (ص: ٣٥٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٣٨٣). قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٤٧٤): [روي] بأسانيد جيدة.\n(١١) «الصارم المسلول» (ص: ٥٨٦).","vol":"7","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2005>٢ - من سب بعضهم سبا يطعن في دينهم</span>\nكأن يتهمهم بالكفر أو الفسق، وكان ممن تواترت النصوص بفضله كالخلفاء:\nفذلك كفر – على الصحيح – لأن في هذا تكذيبًا لأمر متواتر.\nروى أبو محمد بن أبي زيد عن سحنون، قال: (من قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي: إنهم كانوا على ضلال وكفر. قتل. ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل ذلك نكل النكال الشديد) (١).\nوقال هشام بن عمار: (سمعت مالكًا يقول: من سب أبا بكر وعمر قتل. ومن سب عائشة ﵂ قتل؛ لأن الله تعالى يقول فيها: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [النور: ١٧]. فمن رماها فقد خالف القرآن. ومن خالف القرآن قتل) (٢).\nأما قول مالك ﵀ في الرواية الأخرى: (من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل. قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن) (٣). فالظاهر والله أعلم أن مقصود مالك ﵀ هنا في سب أبي بكر ﵁ فيما دون الكفر، يوضحه بقية كلامه عن عائشة ﵂، حيث قال: (من رماها فقد خالف القرآن). فهذا سب مخصوص يكفر صاحبه – ولا يشمل كل سب – وذلك لأنه ورد عن مالك القول بالقتل فيمن كفر من هو دون أبي بكر (٤).\nقال الهيثمي، مشيرًا إلى ما يقارب ذلك عند كلامه عن حكم سب أبي بكر: (فيتلخص أن سب أبي بكر كفر عند الحنفية، وعلى أحد الوجهين عند الشافعية، ومشهور مذهب مالك أنه يجب به الجلد، فليس بكفر. نعم: قد يخرج عنه ما مر عنه في الخوارج أنه كفر. فتكون المسألة عنده على حالين: إن اقتصر على السب من غير تكفير لم يكفره وإلا كفر) (٥).\nوقال أيضًا: (وأما تكفير أبي بكر ونظرائه ممن شهد لهم النبي ﷺ بالجنة فلم يتكلم فيها أصحاب الشافعي. والذي أراه الكفر فيها قطعًا) (٦).\nوقال الخرشي: (من رمى عائشة بما برأها الله منه ...، أو أنكر صحبة أبي بكر، أو إسلام العشرة، أو إسلام جميع الصحابة، أو كفر الأربعة، أو واحدًا منهم، كفر) (٧).\nوقال البغدادي: (وقالوا بتكفير كل من كفر واحدا من العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، وقالوا بموالاة جميع أزواج رسول الله ﷺ وكفروا من كفرهن، أو كفر بعضهن) (٨).\nوالمسألة فيها خلاف مشهور، ولعل الراجح ما تقدم، وأما القائلون بعدم كفر من هذه حاله، فقد أجمعوا على أنه فاسق، لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب، يستحق التعزير والتأديب، على حسب منزلة الصحابي، ونوعية السب.\nوإليك بيان ذلك:\nقال الهيثمي: (أجمع القائلون بعدم تكفير من سب الصحابة على أنهم فساق) (٩).\nوقال ابن تيمية: (قال إبراهيم النخعي: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر). وكذلك قال أبو إسحاق السبيعي: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر التي قال الله تعالى فيها: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء: ٣١].\nوإذا كان شتمهم بهذه المثابة، فأقل ما فيه التعزير؛ لأنه مشروع في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة.\n_________\n(١) «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ١١٠٩).\n(٢) «الصواعق المحرقة» (ص: ٣٨٤).\n(٣) «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ١١٠٩)، «الصارم المسلول» (ص: ٥٧١).\n(٤) «الشفا» (٢/ ١١٠٩).\n(٥) «الصواعق» (ص: ٣٨٦).\n(٦) «الصواعق» (ص: ٣٨٥).\n(٧) «الخرشي على مختصر خليل» (٨/ ٧٤).\n(٨) «الفرق بين الفرق» (ص: ٣٦٠).\n(٩) «الصواعق المحرقة» (ص: ٣٨٣).","vol":"7","page":294},{"text":"وهذا مما لا نعلم فيه خلافًا بين أهل الفقه والعلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان، وسائر أهل السنة والجماعة؛ فإنهم مجمعون على أن الواجب الثناء عليهم والاستغفار لهم والترحم عليهم .. وعقوبة من أساء فيهم القول) (١).\nوقال القاضي عياض: (وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل) (٢).\nوقال عبد الملك بن حبيب: (من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبًا شديدًا. وإن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر، فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه، ويطال سجنه حتى يموت) (٣).\nفلا يقتصر في سب أبي بكر ﵁ على الجلد الذي يقتصر عليه في جلد غيره؛ لأن ذلك الجلد لمجرد حق الصحبة، فإذا انضاف إلى الصحبة غيرها مما يقتضي الاحترام؛ لنصرة الدين وجماعة المسلمين، وما حصل على يده من الفتوح وخلافة النبي ﷺ وغير ذلك، كان كل واحد من هذه الأمور يقتضي مزيد حق موجب لزيادة العقوبة عند الاجتراء عليه (٤).\nوعقوبة التعزير المشار إليها لا خيار للإمام فيها، بل يجب عليه فعل ذلك.\nقال الإمام أحمد ﵀: (لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص. فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب قبل منه، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلده الحبس حتى يموت أو يراجع) (٥).\nفانظر أخي المسلم إلى قول إمام أهل السنة فيمن يعيب أو يطعن بواحد منهم، ووجوب عقوبته وتأديبه. ولما كان سبهم المذكور من كبائر الذنوب – عند بعض العلماء – فحكم فاعله حكم أهل الكبائر من جهة كفر مستحلها.\nقال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ مبينًا حكم استحلال سب الصحابة: (ومن خص بعضهم بالسب، فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله؛ كالخلفاء، فإن اعتقد حقية سبه أو إباحته فقد كفر؛ لتكذيبه ما ثبت قطعًا عن رسول الله ﷺ ومكذبه كافر، وإن سبه من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته، فقد تفسق؛ لأن سباب المسلم فسوق. وقد حكم البعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقًا والله أعلم) (٦).\nوقال القاضي أبو يعلي – تعليقًا على قول الإمام أحمد ﵀ حين سئل عمن شتم الصحابة، فقال: ما أراه على الإسلام – قال أبو يعلى: (فيحتمل أن يحمل قوله: ما أراه على الإسلام. إذا استحل سبهم، فإنه يكفر بلا خلاف. ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك مع اعتقاده لتحريمه، كمن يأتي بالمعاصي. ثم ذكر بقية الاحتمالات) (٧).\nيتلخص مما سبق فيمن سب بعضهم سبًا يطعن في دينه وعدالته، وكان ممن تواترت النصوص بفضله، أنه يكفر – على الراجح – لتكذيبه أمرًا متواترًا. أما من لم يكفره العلماء، فأجمعوا على أنه من أهل الكبائر، ويستحق التعزير والتأديب، ولا يجوز للإمام أن يعفو عنه، ويزاد في العقوبة على حسب منزلة الصحابي. ولا يكفر – عندهم – إلا إذا استحل السب. أما من زاد على الاستحلال؛ كأن يتعبد الله ﷿ بالسب والشتم، فكفر مثل هذا مما لا خلاف فيه. ونصوص العلماء السابقة واضحة في مثل ذلك ...\n_________\n(١) «اللالكائي» (٨/ ١٢٦٢ - ١٢٦٦)، «الصارم المسلول» (١/ ٥٧٧).\n(٢) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٦/ ٩٣).\n(٣) «الشفا» (٢/ ١١٠٨)، وعنه «الصارم المسلول» (ص: ٥٦٩).\n(٤) «الصواعق المحرقة» (ص: ٣٨٧).\n(٥) «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٤)، و«الصارم المسلول» (ص: ٥٦٨).\n(٦) «فصل الخطاب في بيان عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب» لأحمد بن عبدالكريم نجيب (ص: ٢٨)، و«الرد على الرافضة» (ص: ١٩).\n(٧) «الصارم المسلول» (ص: ٥٧١) وما قبلها.","vol":"7","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2006>٣ - من سب صحابيًا لم يتواتر النقل بفضله سبا يطعن في الدين</span>\nفالراجح تكفير من سب صحابيًا تواترت النصوص بفضله من جهة دينه. أما من لم تتواتر النصوص بفضله، فقول جمهور العلماء بعدم كفر من سبه؛ وذلك لعدم إنكاره معلومًا من الدين بالضرورة، إلا أن يسبه من حيث الصحبة.\nقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: (وإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله وكماله، فالظاهر أن سابه فاسق، إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله ﷺ فإنه يكفر) (١).\n_________\n(١) «فصل الخطاب في بيان عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب» لأحمد بن عبدالكريم نجيب (ص: ٢٨)، «الرد على الرافضة» (ص: ١٩).","vol":"7","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2007>٤ - من سب بعضهم سبا لا يطعن في دينهم وعدالتهم</span>\nفلا شك أن فاعل ذلك يستحق التعزير والتأديب\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما إن سبهم سبًا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم؛ مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك، فهو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من العلماء) (١).\nوذكر أبو يعلى من الأمثلة على ذلك اتهامهم بقلة المعرفة بالسياسة (٢).\nومما يشبه ذلك اتهامهم بضعف الرأي، وضعف الشخصية، والغفلة، وحب الدنيا، ونحو ذلك.\nوهذا النوع من الطعن تطفح به كتب التاريخ، وكذلك الدراسات المعاصرة لبعض المنسوبين لأهل السنة، باسم الموضوعية والمنهج العلمي. وللمستشرقين أثر في غالب الدراسات التي في هذا النوع. اعتقاد أهل السنة في الصحابة لمحمد بن عبد الله الوهيبي- بتصرف – ص: ٣٧\n_________\n(١) «الصارم المسلول» (ص: ٥٨٦).\n(٢) «الصارم المسلول» (ص: ٥٧١).","vol":"7","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2008>خامسا: لوازم السب</span>\nتيقظ السلف الصالح رضوان الله عليهم لخطورة الطعن في الصحابة وسبهم، وحذروا من الطاعنين ومقاصدهم؛ وذلك لعلمهم بما قد يؤدي إليه ذلك السب من لوازم باطلة تناقض أصول الدين، فقال بعضهم كلمات قليلة، لكنها جامعة ...\nقال الإمام مالك ﵀ عن هؤلاء – الذين يسبون الصحابة: (إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي ﷺ، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه؛ حتى يقال رجل سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين) (١).\nوقال الإمام أحمد ﵀: (إذا رأيت رجلًا يذكر أحدًا من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام) (٢).\nوقال أبو زرعة الرازي ﵀: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله ﷺ وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة) (٣).\nوقال الإمام أبو نعيم ﵀: (فلا يتتبع هفوات أصحاب رسول الله ﷺ وزللهم ويحفظ عليهم ما يكون منهم في حال الغضب والموجدة إلا مفتون القلب في دينه) (٤).\nويقول أيضًا: (لا يبسط لسانه فيهم إلا من سوء طويته في النبي ﷺ وصحابته والإسلام والمسلمين) (٥).\nوتحذير العلماء هنا عام يشمل جميع الصحابة، وتأمل قول إمام أهل السنة: (يذكر أحدًا من الصحابة بسوء). وقول أبي زرعة: (ينتقص أحدًا) فحذروا ممن ينتقص مجرد انتقاص أو ذكر بسوء. وذلك دون الشتم أو التكفير. ثم في واحد منهم وليس جميعهم، فماذا يقال فيمن سب أغلبهم؟!\nوإليك أخي القارئ إيضاح لبعض لوازم السب:\nأولًا: يترتب على القول بكفر وارتداد معظم الصحابة أو فسقهم إلا نفرًا يسيرا الشك في القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وذلك لأن الطعن في النقلة طعن في المنقول، إذ كيف نثق بكتاب نقله إلينا الفسقة والمرتدون – والعياذ بالله – ولذلك صرح بعض أهل الضلال والبدع ممن يسب الصحابة بتحريف الصحابة للقرآن، والبعض أخفى ذلك. وكذلك الأمر بالنسبة للأحاديث النبوية. فإذا اتهم الصحابة رضوان الله عليهم في عدالتهم، صارت الأسانيد مرسلة مقطوعة لا حجة فيها، ومع ذلك يزعم بعض هؤلاء الإيمان بالقرآن. فنقول لهم: يلزم من الإيمان به الإيمان بما فيه، وقد علمت أن الذي فيه أنهم خير الأمم، وأن الله لا يخزيهم، وأنه رضي عنهم. إلخ، فمن لم يصدق ذلك فيهم، فهو مكذب لما في القرآن ناقض لدعواه.\nثانيًا: هذا القول يقتضي أن هذه الأمة – والعياذ بالله – شر أمة أخرجت للناس، وسابقي هذه الأمة شرارها، وخيرها القرن الأول كان عامتهم كفارًا أو فساقًا وإنهم شر القرون. كبرت كلمة تخرج من أفواههم.\n_________\n(١) «رسالة في سب الصحابة» (ص: ٤٦) عن «الصارم المسلول» (ص: ٥٨٠).\n(٢) «البداية والنهاية» (٨/ ١٤٢)، وانظر: «المسائل والرسائل المروية عن أحمد في العقيدة» للأحمدي (٢/ ٣٦٣، ٣٦٤).\n(٣) «الكفاية» للخطيب البغدادي (ص: ٩٧).\n(٤) «تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة» لأبي نعيم (ص: ٣٤٤).\n(٥) «تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة» لأبي نعيم (ص: ٣٧٦).","vol":"7","page":298},{"text":"ثالثًا: يلزم من هذا القول أحد أمرين: إما نسبة الجهل إلى الله تعالى عما يصفون، أو العبث في هذه النصوص التي أثنى فيها على الصحابة، فإن كان الله ﷿ – تعالى عن قولهم – غير عالم بأنهم سيكفرون ومع ذلك أثنى عليهم ووعدهم الحسنى فهو جهل، والجهل عليه تعالى محال. وإن كان الله ﷿ عالمًا بأنهم سيكفرون فيكون وعده لهم بالحسنى ورضاه عنهم عبث. والعبث في حقه تعالى محال (١).\nويتبع ذلك الطعن في حكمته ﷿، حيث اختارهم واصطفاهم لصحبة نبيه ﵊، فجاهدوا معه وآزروه ونصروه واتخذهم أصهارًا له، حيث زوج ابنته ذا النورين عثمان ﵁، وتزوج ابنتي أبي بكر وعمر ﵄، فكيف يختار لنبيه أنصارًا وأصهارًا مع علمه بأنهم سيكفرون؟!\nرابعًا: لقد بذل رسول الله ﷺ جهودًا خارقة في تربية الصحابة على مدى ثلاثة وعشرين عامًا، حتى تكون بفضل الله ﷿ المجتمع المثالي في خلقه وتضحياته وزهده وورعه، فكان ﷺ أعظم مرب في التاريخ.\nولكن على العكس من ذلك، فإن جماعة تدعي الانتماء إلى الإسلام ونبي الإسلام، تقدم لهذا المجتمع صورة معاكسة، تهدم المجهودات التي قام بها النبي ﷺ في مجال التربية والتوجيه، وتثبت له إخفاقًا لم يواجهه أي مصلح أو مرب، خبير مخلص لم يكن مأمورًا من الله، كما كان الشأن مع رسول الله ﷺ.\nإن الإمامية ترى أن المجهودات الجبارة التي بذلها محمد ﷺلم تنتج إلا ثلاثة أو أربعة- وفقًا لبعض الروايات – ظلوا متمسكين بالإسلام إلى ما بعد وفاته – ﷺ أما غيرهم فقد قطعوا صلتهم بالإسلام – والعياذ بالله – فور وفاته ﷺ وأثبتوا أن صحبة النبي ﷺ وتربيته أخفقت ولم يعد لها أي تأثير.\nوهذا الزعم يؤدي إلى اليأس من إصلاح البشرية، وعدم الثقة في المنهج الإسلامي وقدرته على التربية وتهذيب الأخلاق، وإلى الشك في نبوة محمد ﷺ، وذلك أن الدين الذي لم يستطع أن يقدم للعالم عددًا وجيهًا من نماذج عملية ناجحة بناءة، ومجتمعًا مثاليًا في أيام الداعي وحامل رسالته الأول، فكيف يستطيع أتباعه ذلك بعد مضي وقت طويل على عهد النبوة؟!\nوإذا كان المؤمنون بهذه الدعوة لم يستطيعوا البقاء على الجادة القومية، ولم يعودوا أوفياء لنبيهم ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فلم يبق على الصراط المستقيم الذي ترك عليه النبي ﷺ أتباعه إلا أربعة فقط، فكيف نسلم أن هذا الدين يصلح لتزكية النفوس وبناء الأخلاق؟ وأنه يستطيع أن ينقذ الإنسان من الهمجية والشقاء، ويرفعه إلى قمة الإنسانية؟ بل ربما يقال لو أن النبي ﷺ كان صادقًا في نبوته لكانت تعاليمه ذات تأثير، ووجد هناك من آمن به من صميم القلب، ووجد من بين العدد الهائل ممن آمنوا به بعض المئات الذين ثبتوا على الإيمان، فإن كان أصحابه – سوى بضعة رجال منهم منافقين ومرتدين – فيما زعموا – فمن دام بالإسلام؟ ومن انتفع بالرسول ﷺ؟ وكيف يكون رحمة للعالمين؟! (٢). اعتقاد أهل السنة في الصحابة لمحمد بن عبد الله الوهيبي- بتصرف – ص: ٦٦\n_________\n(١) انظر: «إتحاف ذوي الجنابة» لمحمد بن العربي التباني (ص: ٧٥).\n(٢) «صورتان متضادتان» للشيخ أبي الحسن الندوي (ص: ١٣، ٥٣، ٥٤، ٥٨، ٩٩) بتصرف.","vol":"7","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2010>تمهيد</span>\nأجمع أهل السنة والجماعة الذين هم أهل الحل والعقد الذين يعتدّ بإجماعهم على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة ﵃ بعد قتل عثمان ﵁ والاسترجاع على تلك المصائب التي أصيبت بها هذه الأمة والاستغفار للقتلى من الطّرفين والترحم عليهم وحفظ فضائل الصحابة والاعتراف لهم بسوابقهم ونشر مناقبهم، عملًا بقول الله ﷿: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:١٠] الآية، واعتقاد أنّ الكلّ منهم مجتهدٌ إن أصاب فله أجران، أجرٌ على اجتهاده وأجرٌ على إصابته، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد والخطأ مغفور، ولا تقول إنّهم معصومون بل مجتهدون إمّا مصيبون وإمّا مخطئون لم يتعمّدوا الخطأ في ذلك. وما روي من الأحاديث في مساويهم الكثير منه مكذوب، ومنه ما قد زيد فيه أو نقص منه وغيّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ الحكمي – ٣/ ١٣٩٨\nفالصحابة ﵃ وقعت بينهم بعد مقتل عمر بن الخطاب ﵁ نزاعات، واشتد الأمر بعد مقتل عثمان، فوقع بينهم ما وقع، مما أدى إلى القتال.\nوهذه القضايا مشهورة، وقد وقعت بلا شك عن تأويل واجتهاد كل منهم يظن أنه على حق، ولا يمكن أن نقول: إن عائشة والزبير بن العوام قاتلا عليًا ﵃ أجمعين وهم يعتقدون أنهم على باطل، وأن عليًا على حق.\nواعتقادهم أنهم على حق لا يستلزم أن يكونوا قد أصابوا الحق.\nولكن إذا كانوا مخطئين، ونحن نعلم أنهم لن يقدموا على هذا الأمر إلا عن اجتهاد، فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر» (١)، فنقول: هم مخطئون مجتهدون، فلهم أجر واحد.\nفهذا الذي حصل موقفنا نحن منه له جهتان: الجهة الأولى: الحكم على الفاعل. والجهة الثانية: موقفنا من الفاعل.\n- أما الحكم على الفاعل، فقد سبق، وأن ما ندين الله به أن ما جرى بينهم، فهو صادر عن اجتهاد، والاجتهاد إذا وقع فيه الخطأ، فصاحبه معذور مغفور له.\nوأما موقفنا من الفاعل، فالواجب علينا الإمساك عما شجر بينهم لماذا نتخذ من فعل هؤلاء مجالًا للسب والشتم والوقيعة فيهم والبغضاء بيننا، ونحن في فعلنا هذا إما آثمون وإما سالمون ولسنا غانمين أبدا.\nفالواجب علينا تجاه هذه الأمور أن نسكت عما جرى بين الصحابة وأن لا نطالع الأخبار أو التاريخ في هذه الأمور، إلا المراجعة للضرورة.\nويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم؛ منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص عن وجهه الصريح، والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.\nقسم المؤلف الآثار المروية في مساويهم ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: ما هو كذب محض لم يقع منهم، وهذا يوجد كثيرًا فيما يرويه النواصب في آل البيت وما يرويه الروافض في غير آل البيت.\nالقسم الثاني: شيء له أصل، لكن زيد فيه ونقص وغير عن وجهه.\nوهذان القسمان كلاهما يجب رده.\nالقسم الثالث: ما هو صحيح، فماذا نقول فيه؟ بينه المؤلف بقوله: والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.\nوالمجتهد إن أصاب، فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر واحد، لقول النبي ﵌: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر» (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦)، من حديث عمرو بن العاص ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦). من حديث عمرو بن العاص ﵁.","vol":"7","page":300},{"text":"فما جرى بين معاوية وعلى ﵄ صادر عن اجتهاد وتأويل.\nلكن لا شك أن عليا أقرب إلى الصواب فيه من معاوية، بل قد نكاد نجزم بصوابه، إلا أنّ معاوية كان مجتهدًا.\nويدل على أن عليا أقرب إلى الصواب أن النبي ﷺ قال: «ويح عمارًا تقتله الفئة الباغية» (١)، فكان الذي قتله أصحاب معاوية، وبهذا عرفنا أنها فئة باغية خارجة على الإمام، لكنهم متأوّلون، والصواب مع علي إما قطعًا وإما ظنًا.\nوهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره.\nوهناك قسم رابع: وهو ما وقع منهم من سيئات حصلت لا عن اجتهاد ولا عن تأويل: فبينه المؤلف بقوله:\nوهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره.\nلا يعتقدون ذلك، لقوله ﷺ: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (٢).\nولكن العصمة في إجماعهم؛ فلا يمكن أن يجمعوا على شيء من كبائر الذنوب وصغائرها فيستحلوها أو يفعلوها.\nولكن الواحد منهم قد يفعل شيئًا من الكبائر، كما حصل من مسطح بن أثاثه وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش في قصة الإفك، ولكن هذا الذي حصل تطهروا منه بإقامة الحد عليهم.\nبل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم إن صدر\nيعني: كغيرهم من البشر، لكن يمتازون عن غيرهم بما قال المؤلف ﵀: ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر.\nهذا من الأسباب التي يمحو الله بها عنهم ما فعلوه من الصغائر أو الكبائر، وهو ما لهم من السوابق والفضائل التي لم يلحقهم فيها أحد، فهم نصروا النبي ﵊، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وبذلوا رقابهم لإعلاء كلمة الله، فهذه توجب مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب، إذا لم يصل إلى الكفر.\nومن ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة: «حين أرسل إلى قريش يخبرهم عن مسير النبي ﷺ إليهم، حتى أطلع الله نبيه على ذلك، فلم يصلهم الخبر، فاستأذن عمر النبي ﷺ أن يضرب عنق حاطب، فقال النبي ﷺ: إنه شهد بدرًا، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (٣).\nحتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ: إنهم خير القرون وإنّ المدّ من أحدهم إذا تصدّق به كان أفضل من جبل أحدٍ ذهبًا من بعدهم، ثم إن كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتي بحسنات تمحوه. أو غفر له بفضل سابقته.\nوذلك في قوله ﷺ: «خير الناس قرني» (٤)، وفي قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٧). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) رواه الترمذي (٢٤٩٩)، وابن ماجه (٤٢٥١)، والحاكم (٤/ ٢٧٢). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٤٣٩): إسناده قوي. وحسّنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) رواه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤). من حديث علي ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٥) رواه مسلم (٢٥٤٠). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"7","page":301},{"text":"يعني: وإذا تاب منه، ارتفع عنه وباله ومعرته، لقوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، - إلى قوله: - إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، ومن تاب من الذنب كمن لا ذنب له، فلا يؤثر عليه.\nلقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:١١٤].\nلقوله تعالى: في الحديث القدسي في أهل بدر: «اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (١).\nأو بشفاعة محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته أو ابتلي ببلاءٍ في الدنيا كفر به عنه فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا، فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور. ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم.\nفإن البلاء في الدنيا يكفر الله به السيئات، كما أخبر بذلك النبي ﷺ في قوله: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها» (٢). والأحاديث في هذا مشهورة كثيرة.\nفهذه الأسباب التي ذكرها المؤلف ترفع القدح في الصحابة، وهي قسمان:\nالأول: خاص بهم، وهو مالهم من السوابق والفضائل.\nوالثاني: عام، وهي التوبة، والحسنات الماحية، وشفاعة النبي ﷺ، والبلاء.\nالقدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل جدًا نزر أقل القليل، ولهذا قال: مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم.\nولا شك أنه حصل من بعضهم سرقة وشرب خمر وقذف وزنى بإحصان وزنى بغير إحصان، لكن كل هذه الأشياء تكون مغمورة في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، وبعضها أقيم فيه الحدود، فيكون كفارة.\nومن نظر في سيرة القوم بعلمٍ وبصيرةٍ، وما مَنَّ الله عليهم به من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء.\nفكل هذه مناقب وفضائل معلومة مشهورة، تغمر كل ما جاء من مساوئ القوم المحققة، فكيف بالمساوئ غير المحققة أو التي كانوا فيها مجتهدين متأوّلين.\nهذا بالإضافة إلى ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قوله: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ (٣).\nوعلي هذا تثبت خيرتهم على غيرهم من أتباع الأنبياء بالنص والنظر في أحوالهم.\nفإذا نظرت بعلم وبصيرة وإنصاف في محاسن القوم وما أعطاهم الله من الفضائل، علمت يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، فهم خير من الحواريين أصحاب عيسي، خير من النقباء أصحاب موسى، وخير من الذين آمنوا من نوح ومع هود وغيرهم، لا يوجد أحد في أتباع الأنبياء أفضل من الصحابة ﵃، والأمر في هذا ظاهر معلوم، لقوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:١١٠]، وخيرنا الصحابة، ولأن النبي ﷺ خير الخلق، فأصحابه خير الأصحاب بلا شك.\nهذا عند أهل السنة والجماعة، أما عند الرافضة، فهم شر الخلق، إلا من استثنوا منهم.\nلا كان ولا يكون مثلهم وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى.\nوأما كون الصحابة صفوة قرون الأمة، فلقوله ﷺ: «خير الناس قرني» (٤). وفي لفظ: «خير أمتي قرني» (٥)، والمراد بقرنه: الصحابة، وبالذين يلونهم: التابعون، وبالذين يلونهم: تابعوا التابعين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والاعتبار بالقرون الثلاثة بجمهور أهل القرن، وهم وسطه، وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة، حتى إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل، وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك وجمهور تابعي التابعين في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية. اهـ.\nوكان آخر الصحابة موتًا أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي سنة مائة من الهجرة، وقيل: مائة وعشر.\nقال الحافظ ابن حجر في (الفتح): واتفقوا على أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين. شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٢/ ٢٨٤\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤). من حديث علي ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٥٦٦٧)، ومسلم (٢٥٧١)، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وليس من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٤) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٣٦٥٠) من حديث عمران بن حصين ﵁.","vol":"7","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2011>الفرع الأول: متى بدأ التشاجر بين أصحاب رسول الله ﷺ</span>\nإن قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ ظلمًا وعدوانًا من قبل الخارجين عليه من أهل مصر، وأهل الكوفة، وأهل البصرة سنة خمس وثلاثين للهجرة (١) كان مصدر بدء التشاجر بين الصحابة الكرام ﵃ والقارئ لكتب التواريخ والسير يخرج منها بأن بداية التشاجر بين خير القرون كان بعد قتل ثالث الخلفاء الراشدين وبداية خلافة أبي الحسن ﵄. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٧٠٠\n_________\n(١) انظر: «تاريخ الطبري» (٤/ ٣٦٥) وما بعدها، «الكامل لابن الأثير» (٣/ ١٧٨)، «البداية والنهاية» (٧/ ١٨٦).","vol":"7","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2012>الفرع الثاني دوافع التشاجر بين الصحابة</span>\nإن أعظم دافع لهم إلى ذلك ليس إلا مطالبة الخليفة الرابع بوجوب الإسراع بأخذ القود من أولئك الأشرار قتلة عثمان ﵁ وأرضاه ذلك أن طائفة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومعاوية ﵃ أجمعين كانوا يرون أنه لابد من المطالبة بدم عثمان ووجوب الإسراع بإقامة حد الله عليهم كما أمر الله (١).\nبينما كان يرى علي ﵁ إرجاء الأمر حتى يبايعه أهل الشام ويستتب له الأمر ليتسنى له بعد ذلك التمكن من القبض عليهم لأنهم كانوا كثيرين في جيش علي ومن قبائل مختلفة وكانوا لهم بعض التمكن حينذاك.\nقال الحافظ ابن كثير: (ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة – ﵃ – وطلبوا منه إقامة الحدود والأخذ بدم عثمان فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا) (٢) اهـ.\nومما يؤكد أن سبب البداية للتشاجر بين الصحابة هو قتل عثمان ﵁ (أن عليًا ﵁ بعد أن بويع له بالخلافة شرع في إرسال عماله إلى الأمصار فكان من أرسله إلى الشام بدل معاوية سهل بن حنيف فسار حتى بلغ تبوك فتلقته خيل معاوية فقالوا: من أنت؟ فقال: أمير قالوا: على أي شي؟ قال: على الشام فقالوا: إن كان عثمان بعثك فحيهلا بك وإن كان غيره فارجع فقال: أو ما سمعتم بالذي كان؟ قالوا بلى فرجع إلى علي، وأما قيس بن سعد بن عبادة – فاختلف عليه أهل مصر فبايع له الجمهور، وقالت طائفة: لا نبايع حتى نقتل قتلة عثمان، وكذلك أهل البصرة، وأما عمارة بن شهاب المبعوث أميرًا على الكوفة فصده طليحة بن خويلد – الأسدي – غضبًا لعثمان فرجع إلى علي فأخبره) (٣) (وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه، يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان، ممن قتله من أولئك الخوارج منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأبو أمامة، وعمرو بن عنبسة وغيرهم من الصحابة والتابعين: شريك بن حباشة وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن بن غنم ... وغيرهم من التابعين) (٤). (ولما كان رأي كل واحد من الفريقين مضادًا لرأي الآخر من هنا اختلفت الكلمة وتفاقم الأمر، وانتشرت الفتنة فما كان من علي ﵁ وهو الخليفة الحق الذي تجب طاعته إلا أن قام بإرسال الكتب المتتابعة إلى معاوية ﵁ يدعوه فيها إلى البيعة غير أن معاوية ﵁ لم يرد شيئا فكرر عليه علي ﵁ ذلك مرارًا إلى أن دخل الشهر الثالث من مقتل ذي النورين ﵁، ثم بعث بعد ذلك طومارًا من رجل فدخل به على علي فقال: ما وراءك؟ قال جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود كلهم موتور ... فقال علي: أمني يطلبون دم عثمان؟ ألست موتورًا كترة عثمان؟ اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان) (٥).\n_________\n(١) انظر: «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٤٦٢ - ٤٦٤، ٥/ ٦)، «الكامل في التاريخ» (٣/ ٢١٢ - ٢١٣)، (ص: ٢٨٦)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٥١ - ٢٥٣)، (ص: ٢٨١ - ٢٨٢).\n(٢) «البداية والنهاية» (٧/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، وانظر «تاريخ الأمم والملوك» للطبري (٤/ ٤٣٧)، «الكامل» لابن الأثير (٣/ ١٩٥ - ١٩٦).\n(٣) «تاريخ ابن جرير الطبري» (٤/ ٤٤٢)، كتاب «الكامل» لابن الأثير (٣/ ٢٠١)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٤٩ - ٢٥٠).\n(٤) «البداية والنهاية» (٧/ ٢٤٨).\n(٥) «تاريخ الطبري» (٤/ ٤٤٤).","vol":"7","page":304},{"text":"وقد وجه علي ﵁ جماعة إلى معاوية ﵁ وهو بصفين منهم بشير بن عمرو الأنصاري وقال لهم: (ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واسمعوا ما يقول لكم فلما دخلوا على معاوية \"قال له بشير بن عمرو: يا معاوية إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، والله محاسبك بعملك ومجازيك بما قدمت يداك إني أنشدك الله أن لا تفرق جماعة هذه الأمة وأن تسفك دماءها بينها – إلى أن قال له: - وإنه – أي علي – يدعوك إلى مبايعته فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في آخرتك فقال معاوية: ويبطل دم عثمان؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدًا) (١).\n(وقد دخل أبو الدرداء، وأبو أمامة ﵄ أيام صفين على معاوية ابن أبي سفيان ﵄ فقالا له: يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلامًا وأقرب منك إلى رسول الله ﷺ وأحق بهذا الأمر منك – فكان جوابه عليهم – أقاتله على دم عثمان وأنه آوى قتلته فاذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من يبايعه من أهل الشام) (٢) فهذه الرواية وما قبله تبين لنا أن معاوية ﵁ كان باذلًا للبيعة بالخلافة لعلي ﵁ لكن بشرط تعجيل القود من قتلة عثمان وكان رأي علي ﵁ أن يدخل معاوية في البيعة أولًا ثم بعد ذلك يتتبع القتلة ويقام عليهم الحد الشرعي بعد إقامة الدعوى والإجابة ثم صدور الحكم فيهم كما أمر الله به. ولكن لما رأى علي ومعاوية ﵄ رأيين متضادين لا يلتقيان أدى ذلك إلى المنازعة واختلاف الكلمة، ولما رأى علي ﵁ أن الكتب التي وجهها إلى معاوية لم تجد شيئًا بل إن الفتنة بدأت تشتد ولم تزدد الأمور إلا تعقيدًا حيث استأثر معاوية ﵁ ببلاد الشام ولم يسمح لأمر علي أن يمتد إليها وهو الخليفة الحق بعد ذي النورين، وأن من حقه على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا، وأخذ في إعداد الجيش لقتال أهل الشام، وحاول الحسن ابنه أن يثنيه عن ذلك وقال له: يا أبتي دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين (٣). فلم يسمع لقوله بل هيأ الجيش ودفع اللواء إلى ولده محمد بن علي – المعروف بابن الحنفية – غير أنه لم يتمكن مما قصده من تسيير الجيش إلى بلاد الشام فإنه جاءه ما شغله عن ذلك وهو توجه أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ﵃ إلى البصرة وعندما بلغ هذا الخبر عليًا – ﵁ – عدل عن وجهته إلى الشام وغير رأيه وتوجه إلى البصرة بدلًا من الشام وهكذا بدأ النزاع يتدرج بين الصحابة ﵃ من طور الكتابة والمحاورة إلى طور التعبئة وتجهيز الجيوش استعدادًا للقتال والمواجهة للضرب بالسيوف وقد تمثل ذلك في موقعتين:\nالأولى: موقعة الجمل.\nالثانية: موقعة صفين.\n_________\n(١) «تاريخ الطبري» (٤/ ٥٧٣)، «الكامل» لابن الأثير (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٨٠).\n(٢) ذكره ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٢٨٣).\n(٣) انظر: «البداية والنهاية» (٧/ ٢٥٧).","vol":"7","page":305},{"text":"أما موقعة الجمل فقد دارت رحا الحرب فيها بين علي ﵁ ومن معه وبين أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومن معهم ﵃ وذلك أنه: (لما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق سنة خمس وثلاثين للهجرة – كان أزواج النبي ﷺ – أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في هذا العام فرارًا من الفتنة فلما بلغ الناس أن عثمان قد قتل أقمن بمكة (١) وقد تجمع بمكة خلق كثير وجم غفير من سادات الصحابة منهم طلحة والزبير حيث استأذنا عليًا في الاعتمار فأذن لهما فخرجا إلى مكة وتبعهما كثير من الناس وكذا قدم إلى مكة ابن عمر ومن اليمن يعلى بن أمية عامل عثمان عليها وعبد الله بن عامر عامله على البصرة ولم يزل الناس حينذاك يفدون على مكة ولما كثروا فيها قامت فيهم أم المؤمنين عائشة ﵂ فحثتهم على القيام بطلب دم عثمان وذكرت ما افتات به أولئك من قتله في بلد حرام وشهر حرام ولم يراقبوا جوار رسول الله ﷺ وقد سفكوا الدماء وأخذوا الأموال، فاستجاب الناس لها وطاوعوها على ما تراه من الأمر بالمصلحة وقالوا لها: حيثما سرت سرنا معك وبعد أن تعددت آراؤهم في تحديد الجهة التي يسيرون إليها أجمعوا على الذهاب إلى البصرة فلما أتوا البصرة منعهم من دخولها عثمان بن حنيف عامل علي عليها حينذاك وجرت بينه وبينهم مراسلة ومحاورة حتى وصل الأمر بهم إلى المشاجرة ثم ما لبثوا أن اصطلحوا بعد ذلك إلى أن يقدم علي ﵁ لأنه بلغهم أنه متوجه إليهم – وكما تقدم قريبًا أنه عدل عن المسير إلى الشام بعد أن بلغه مسير أم المؤمنين عائشة إلى البصرة فأخذ في الاتجاه بعدهم في جمع كبير وهو يرجو أن يدركهم قبل وصولهم إلى البصرة فلما علم أنهم قد فاتوه، استمر في طريقه إليهم قاصدًا البصرة من أرض العراق) (٢).\n_________\n(١) «البداية والنهاية» (٧/ ٢٥٠).\n(٢) «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٤٥٥)، «الكامل» (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢)، «لبداية والنهاية» (٧/ ٢٥٥).","vol":"7","page":306},{"text":"لما انتهى إلى البصرة كاتب أبا موسى الأشعري ﵁ – عامله على الكوفة وطلب منه أنه يستنفر الناس ليلحقوا به غير أن أبا موسى ﵁ كان يرى عكس رأي علي فكان يدعو إلى القعود ويقول: (وإنما هي فتنة وجعل كلما جاء رسول من عند علي رده بمثل ذلك حتى أرسل علي ابنه الحسن وعمار بن ياسر فقال الحسن لأبي موسى: لم تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح ولا مثل أمير المؤمنين يخاف علي شيء فقال: صدقت بأبي وأمي ولكن المستشار مؤتمن سمعت النبي ﷺ يقول: «إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب» (١) وقد جعلنا الله إخوانًا وحرم علينا دماءنا وأموالنا فكان كلما قام رجل فحرض الناس على النفير يثبطهم أبو موسى من فوق المنبر – ولكن مع ذلك استجاب للنفير كثير من الناس فخرج مع الحسن جمع كبير من أهل الكوفة وقدموا على علي ﵁ فتلقاهم بذي قار إلى أثناء الطريق في جماعة منهم ابن عباس فرحب بهم وقال: يا أهل الكوفة أنتم لقيتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي نريده وإن أبوا داويناهم بالرفق حتى يبدءونا بالظلم، ولن ندع أمرًا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله تعالى) (٢) وفي هذا توضيح لمقصد أمير المؤمنين علي ﵁ وأن مقصده الأول والأخير هو طلب الإصلاح وأن القتال كان غير محبب إلى نفسه لاسيما مع إخوانه البررة أصحاب رسول الله ﷺ وهكذا كان مقصد أم المؤمنين عائشة ﵂ وطلحة والزبير من خروجهم من مكة إلى البصرة من أرض العراق هو التماس الإصلاح بين المسلمين بأمر يرتضيه طرفا النزاع ويحسم به الاختلاف وتجتمع به كلمة المسلمين ولم يخرجوا مقاتلين ولا داعين لأحد منهم ليولوه الخلافة هذا ما قرره العلماء من أهل السنة، قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى: (وأما أم المؤمنين والزبير وطلحة ﵃ ومن معهم فما أبطلوا قط إمامة علي ولا طعنوا فيها ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة ولا أحدثوا إمامة أخرى ولا حددوا بيعة لغيره هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه بل يقطع كل ذي علم على أن كل ذلك لم يكن فإذ لاشك في كل هذا فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافًا عليه ولا نقصًا لبيعته ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته هذا مما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ ظلمًا، وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم فبيتوا عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم حتى خالطوا عسكر علي فدفع أهله عن أنفسهم وكل طائفة تظن ولا شك أن الأخرى بدئ بها بالقتال واختلط الأمر اختلاطًا لم يقدر أحد على أكثر من الدفاع عن نفسه والفسقة من قتلة عثمان لا يفترون من شن الحرب وإضرامها فكلتا الطائفتين مصيبة في غرضها ومقصدها مدافعة عن نفسها) (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٠١)، ومسلم (٢٨٨٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) انظر: «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٤٧٧ - ٤٧٨)، «الكامل» (٣/ ٢٢٧ - ٢٣٢)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(٣) «الفصل في الممل والأهواء والنحل» (٤/ ١٥٨).","vol":"7","page":307},{"text":"وقال أبو بكر بن العربي في صدد ذكره للغرض الذي خرجت له عائشة ومن معها من مكة إلى البصرة: (ويمكن أنهم خرجوا في جمع طوائف المسلمين وضم نشرهم وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا وهذا هو الصحيح لا شيء سواه) (١).\nوقال أبو الوليد بن رشد المالكي: بعد ذكره قوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: ٩] الآية (فأرادت عائشة ﵂ بقولها والله أعلم: ما رأيت ما ترك الناس في هذه الآية نسبة التقصير إلى من أمسك من الصحابة عن الدخول في الحرب التي وقعت بينهم واعتزالهم وكف عنهم ولم يكن مع بعضهم على بعض ورأت أن الأحظ لهم والواجب عليهم إنما كان أن يرموا الإصلاح بينهم) (٢)، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في صدد ذكره لبعض الأدلة التي تدل على أن عائشة ﵂ ما خرجت إلا للإصلاح: (ويدل لذلك أن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة) (٣).\nفأهل السنة والجماعة مجمعون على أن أم المؤمنين عائشة ﵂ ما قصدت بخروجها إلى البصرة إلا الإصلاح بين بنيها ﵂ وبهذا وردت أخبار منها:\n(١) روى ابن جرير الطبري: (أن عثمان بن حنيف لما بلغه مجيء عائشة ﵂ إلى البصرة أرسل إليها عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي فقال لهما: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها، وعلم من معها فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس وهم بالحفير فاستأذنا فأذنت لهما فسلما وقالا: إن أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم ولا يغطي لبنيه الخبر إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ وأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر فاستحلوا الدم الحرام، فسفكوه وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام ومزقوا الأعراض والجلود وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا وقرأت لاَّ خَيْرَ في كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء: ١١٤]) (٤).\n_________\n(١) «العواصم من القواصم» (ص: ١٥١).\n(٢) «البيان والتحصيل» (١٦/ ٣٦٠).\n(٣) «فتح الباري» (١٣/ ٥٦).\n(٤) «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٤٦١ - ٤٦٢)، «الكامل في التاريخ» (٣/ ٢١١)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٥٢).","vol":"7","page":308},{"text":"(٢) وروى أيضًا: (أن عليًا ﵁ لما نزل بذي قار دعا القعقاع بن عمرو فأرسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين يا ابن الحنظلية فادعهما إلى الألفة والجماعة وعظم الفرقة .. فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة ﵂ فسلم عليها وقال: أي أمه ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت أي بني إصلاح بين الناس قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما فبعثت إليهما فجاءا فقال: إني سألت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفناه لنصلحن، ولئن أنكرناه لا نصلح قالا: قتلة عثمان ﵁ فإن هذا إن ترك كان تركًا للقرآن) (١).\n(٣) لما رجع القعقاع بن عمرو إلى علي ﵁ وأخبره أن أصحاب الجمل استجابوا إلى ما بعثه به إليهم أذعن علي لذلك وبعث إلى طلحة والزبير يقول: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر فأرسلا إليه: (إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس) (٢) ففي هذه الأخبار دليل واضح على أن أم المؤمنين عائشة ﵂ لم تكن تقصد بخروجها هي ومن معها تفريق الجماعة ولا شفاء حقد بينها وبين علي كما يزعمه ذلك مبغضوا الصحابة من الرافضة، وإنما الغرض الذي كانت تريده الإصلاح بين الناس ابتغاء مرضات الله راجية الثواب على ذلك من الله، كما أن الذين طلبوا منها الخروج وهم طلحة والزبير ومن معهما كانوا كذلك، وكانوا يعلقون آمالًا على خروجها في حسم الاختلاف وجمع الكلمة ولم يكن يخطر على بالهم قتل أحد لأنهم ما أرادوا إلا الإصلاح ما استطاعوا.\nقال أبو بكر بن العربي في صدد ذكره لبيان الغرض الذي خرجت من أجله أم المؤمنين عائشة ﵂ هي ومن معها قائلًا: (فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ﵃ رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم فيراعوا حرمة نبيهم واحتجوا عليها عندما حاولت الامتناع بقول الله تعالى: لاَّ خَيْرَ في كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء: ١١٤] ثم قالوا لها: إن النبي ﷺ قد خرج في الصلح وأرسل فيه فرجت المثوبة واغتنمت الفرصة وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها) (٣).\nوقال أيضًا: في معرض الرد على من قال: إن أهل البصرة لما عرفوا بمجيء عائشة وطلحة والزبير خرجوا ليقاتلوهم وعلى رأسهم حكيم بن جبلة قال في شأن حكيم هذا: (وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين ولا ولاة، وإنما جاءوا ساعين في الصلح راغبين في تأليف الكلمة، فمن خرج إليهم ودافعهم وقاتلهم دافعوا عن مقصدهم كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد) (٤).\n_________\n(١) «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٤٤٨)، «الكامل لابن الأثير» (٣/ ٢٣٣)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٥٩).\n(٢) ذكره ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦١).\n(٣) «العواصم من القواصم» (ص: ١٥٢).\n(٤) «العواصم من القواصم» (ص: ١٥٤).","vol":"7","page":309},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن بين بطلان الحديث الذي نصه أن النبي ﷺ قال لعائشة: «تقاتلين عليًا وأنت ظالمة» (١)، بيّن أن هذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة ولا له إسناده معروف وبين أنه إلى الموضوعات أشبه ثم قال بعد ذلك: (فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين ... لا قاتلت ولا أمرت بقتال هكذا ذكر غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار) (٢).\nوقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى مبينًا القصد الذي خرجت من أجله عائشة ﵂ هي ومن معها: (والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتلة عثمان ﵃ أجمعين وكان رأي علي الاجتماع على الطاعة وطلب أولياء المقتول القصاص ممن يثبت عليه القتل بشروطه) (٣).\nفلا مقصد إذن من خروج أم المؤمنين عائشة ﵂ هي ومن معها من الصحابة من مكة إلى البصرة إلا بغية الإصلاح بين المسلمين ولم تخرج لقتال ولا أمرت به ثم أيضًا: إن فكرة الصلح لم تكن عند أم المؤمنين عائشة ﵂ هي ومن معها فحسب بل كانت أيضًا: تجول في فكر علي ﵁ ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ وقد تقدم معنا قريبًا أن عليًا ﵁ بعث إلى طلحة والزبير يقول: (إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر فأرسلا إليه: إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس) (٤) ولما كان جوابهم على علي ﵁ بهذا (اطمأنت النفوس وسكنت واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم وبعثوا إليه محمد بن طلحة السجاد وعولوا جميعًا على الصلح وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية) (٥). فهكذا كانت فكرة الصلح مسيطرة على عقول الجميع من الطرفين كما كانت هدفهم الذي يهدفون إليه حتى في وقت استعدادهم للقتال وفي أثناء تنظيم الجيوش.\nقال ابن الأثير رحمه الله تعالى: (ولما خرج طلحة والزبير نزلت مضر جميعًا وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت ربيعة فوقهم وهم لا يشكون في الصلح ونزلت اليمن أسفل منهم ولا يشكون في الصلح ... ونزل علي بحيالهم، فنزلت مضر إلى مضر وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن فكان بعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون إلا الصلح وكان أصحاب علي عشرون ألفًا، وخرج علي وطلحة والزبير فتوافقوا فلم يروا أمرًا أمثل من الصلح ووضع الحرب فافترقوا على ذلك) (٦).\n_________\n(١) لا أصل له.\n(٢) «منهاج السنة» (٢/ ١٨٥).\n(٣) «فتح الباري» (٧/ ١٠٨).\n(٤) «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦١).\n(٥) انظر: «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٥٠٦)، «الكامل لابن الأثير» (٣/ ٢٤٢)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦١).\n(٦) «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٥٠٥)، «الكامل» لابن الأثير (٣/ ٢٤١ - ٢٤٢).","vol":"7","page":310},{"text":"ولما أرسلت أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى علي ﵁ تعلمه أنها إنما جاءت للصلح فرح هؤلاء وهؤلاء لاتفاقهم على رأي واحد وهو الصلح ولما رجع القعقاع بن عمرو من عند أم المؤمنين وطلحة والزبير بمثل رأيهم (جمع علي الناس ثم قام خطيبًا فيهم – فحمد الله – ﷿ وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ وذكر الجاهلية وشقاءها، والإسلام والسعادة وإنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ، ثم الذي يليه ثم حدث هذا الحدث الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاءها الله عليه على الفضيلة وأرادوا رد الأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره، ومصيب ما أراد ألا وإني راحل غدًا فارتحلوا، ألا ولا يرتحلن معي أحد أعان على قتل عثمان في شيء من أمور الناس) (١).\nففكرة الصلح كانت هي المقصد الذي يطلبه الفريقان واتفقوا عليه وكان المسلمون حينئذ مجمعين على وجوب إقامة الحد وتنفيذ القصاص في قتلة عثمان ولم يخطر القتال على بال أحد منهم، ولكن المفسدين في الأرض الذين قتلوا عثمان ﵁ أصابهم الغم وأدركهم الحزن من اتفاق الكلمة وجمع الشمل، وأيقنوا أن الصلح الذي حصل الاتفاق عليه بين علي وأم المؤمنين وطلحة والزبير ﵃ سيكشف أمرهم وسيسلم رؤوسهم إلى سيف الحق وقصاص الخليفة فباتوا يدبرون أمرهم بليل شديد الظلمة فلم يجدوا سبيلًا لنجاتهم إلا بأن يعملوا على إبطال الصلح وتفريق صفوف المسلمين وذلك بأن يقوموا بعمل يحير العقلاء ويجعل كل فريق يسيء الظن بالآخر. فقد أجمعوا على إنشاب الحرب في السر واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر وخاصة بعد أن تيقنوا أن رأي علي فيهم موافق لرأي طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ﵃ وقض مضجعهم قوله ﵁ في خطبته التي ذكرناها آنفًا: (ألا وإني راحل غدًا فارتحلوا ألا ولا يرتحلن معي أحد أعان على قتل عثمان في شيء من أمور الناس) (٢) (فلما قال هذا اجتمع من رؤوسهم جماعة كالأشتر النخعي، وشريح بن أوفى وعبدالله بن سبأ – المعروف بابن السوداء- وسالم بن ثعلبة وعلياء بن الهيثم وغيرهم في ألفين وخمسمائة وليس فيهم صحابي ولله الحمد فقالوا: ما هذا الرأي؟ وعلي والله أعلم بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك وقد قال ما سمعتم غدًا يجمع عليكم الناس، وإنما يريد القوم كلهم أنتم فكيف بكم وعددكم قليل في كثرتهم؟\nفقال الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا وأما رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم فإن كان اصطلح معهم فإنما اصطلحوا على دمائنا، فإن كان الأمر هكذا ألحقنا عليًا بعثمان فرضي القوم منا بالسكوت فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت لو قتلناه فإنا يا معشر قتلة عثمان – في ألفين وخمسمائة – وطلحة والزبير وأصحابهما في خمسة آلاف لا طاقة لكم بهم وهم إنما يريدونكم.\n_________\n(١) «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٤٩٣)، وانظر «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦٠).\n(٢) «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦٠).","vol":"7","page":311},{"text":"فقال علياء بن الهيثم: دعوهم وارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد فنمتنع بها فقال ابن السوداء: بئس ما قلت، إذًا والله كان يتخطفكم الناس، ثم قال ابن السوداء: قبحه الله يا قوم إن عزكم في خلطة الناس فإذا التقى الناس فأنشبوا الحرب والقتال بين الناس ولا تدعوهم يجتمعون، فمن أنتم معه لا يجد بدًا من أن يمتنع ويشغل الله طلحة والزبير ومن معهما عما يحبون ويأتيهم ما يكرهون فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه) (١) فاجتمعوا على هذا الرأي الذي تفوه به الخبيث عبد الله بن سبأ اليهودي (فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم فخرجوا متسللين وعليهم ظلمة فخرج مضريهم إلى مضريهم، وربيعهم إلى ربيعهم ويمانيهم إلى يمانيهم فوضعوا فيهم السلاح بغتة فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين أتوهم، وبلغ طلحة والزبير ما وقع من الاعتداء على أهل البصرة فقالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلًا وفي نفس الوقت حسب خطة أولئك المفسدين ذهبت منهم فرقة أخرى في ظلمة الليل ففاجأت معسكر علي بوضع السيف فيهم وقد وضعت السبئيه رجلًا قريبًا من علي يخبره بما يريدون فلما سمع علي الصوت عندما هجموا على معسكره قال: ما هذا؟ قال ذلك الرجل: ما شعرنا إلا وقوم من أهل البصرة قد بيتونا) (٢).\n_________\n(١) «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦٠).\n(٢) «تاريخ الأمم والملوك» للطبري (٤/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، «الكامل» لابن الأثير (٣/ ٢٤٢) «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦١ - ٢٦٢)، «فتح الباري» (١٣/ ٥٦).","vol":"7","page":312},{"text":"(فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللأمة وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر وكان أمر الله قدرًا مقدورًا وقامت الحرب على قدم وساق وتبارز الفرسان، وجالت الشجعان فنشبت الحرب وتوافق الفريقان وقد اجتمع مع علي عشرون ألفًا، والتف على عائشة ومن معها نحو من ثلاثين ألفًا فإنا لله وإنا إليه راجعون والسبئية أصحاب ابن السوداء – قبحه الله – لا يفترون عن القتل ومنادي علي ينادي ألا كفوا، ألا كفوا فلا يسمع أحد) (١) فاشتدت المعركة وحمي الوطيس وقد كان من سنتهم في هذا اليوم أنه لا يذفف على جريح ولا يتبع مدبر وقد قتل من هذا خلق كثير جدًا حتى حزن علي ﵁ أشد الحزن وجعل يقول لابنه الحسن: (يا بني ليت أباك مات منذ عشرين سنة فقال له: يا أبه قد كنت أنهاك عن هذا قال: يا بني إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا) (٢) ثم نزل بنفسه إلى ميدان المعركة لإنهاء القتال (وطلب طلحة والزبير ليكلمهما فاجتمعوا حتى التقت أعناق خيولهم فذكرهما بما ذكرهما به فانتهى الأمر برجوع الزبير يوم الجمل وفي أثناء رجوعه ﵁ نزل واديًا يقال له: وادي السباع فاتبعه رجل يقال له عمرو بن جرموز فجاءه وهو نائم فقتله غيلة) (٣) وأما طلحة ﵁ فإنه بعد (أن اجتمع به علي فوعظه تأخر فوقف في بعض الصفوف فجاءه سهم غرب فوقع في ركبته وقيل في رقبته والأول أشهر، وانتظم السهم مع ساقه خاصرة الفرس فجمح به حتى كان يلقيه وجعل يقول: إلي عباد الله فأدركه مولى له فركب وراءه وأدخله البصرة فمات بدار فيها ويقال: إنه مات بالمعركة) (٤) ولم تنته موقعة الجمل برجوع الزبير واستشهاد طلحة ﵄ بل اشتدت الحرب بين الفريقين (حتى أن أم المؤمنين عائشة ﵂ تقدمت وهي في هودجها وناولت كعب بن سور قاضي البصرة مصحفًا وقالت ادعهم إليه وذلك حين اشتد الحرب وحمي القتال فلما تقدم كعب بن سور بالمصحف يدعو إليه استقبله مقدمة جيش الكوفيين وكان عبد الله بن سبأ – وهو ابن السوداء – وأتباعه بين يدي الجيش يقتلون من قدروا عليه من أهل البصرة لا يتوقفون في أحد، فلما رأوا كعب بن سور رافعًا المصحف رشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد فقتلوه ووصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين عائشة ﵂ فجعلت تنادي الله الله يا بني اذكروا يوم الحساب ورفعت يديها تدعو على أولئك النفر من قتلة عثمان، فضج الناس معها بالدعاء حتى بلغت الضجة إلى علي فقال: ما هذا؟ فقالوا: أم المؤمنين تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم فقال: اللهم العن قتلة عثمان) (٥).\n_________\n(١) «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦٢).\n(٢) ذكره ابن كثير في «البداية» (٧/ ٢٦٢).\n(٣) انظر: «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٥٣٥)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦٤)، «الرياض النضرة» (٤/ ٢٨٨).\n(٤) «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦٤، ٢٧٠)، «الرياض النضرة في مناقب العشرة» (٤/ ٢٦٦).\n(٥) انظر: «تاريخ الأمم والملوك» للطبري (٤/ ٥١٣)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦٤).","vol":"7","page":313},{"text":"(ولما رأى علي ﵁ أن المعركة حميت حول الجمل أمر بعقره على ما يقال كي لا تصاب أم المؤمنين لأنها بقيت غرضًا للرماة ولينفصل هذا الموقف الذي تفانى فيه الناس ولما سقط البعير إلى الأرض انهزم من حوله من الناس وانتهت المعركة وحملت أم المؤمنين بأمر من علي وهي مكرمة معززة ودخلت البصرة ومعها أخوها محمد بن أبي بكر) (١). وأما علي ﵁، فإنه (أقام بظاهر البصرة ثلاثًا ثم صلى على القتلى من الفريقين ... ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر، وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة فمن عرف شيئًا هو لأهلهم فليأخذه إلا سلاحًا كان في الخزائن عليه سمة السلطان وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين – عشرة آلاف خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء ﵏ ورضي عن الصحابة منهم وقد سأل بعض أصحاب علي عليًا أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير فأبى عليهم) (٢).\n(ولما أرادت أم المؤمنين عائشة الخروج من البصرة بعث إليها علي ﵁ بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها – أن يرجع إلا أن يحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه، جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج فودعت الناس ودعت لهم وقالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها فقال علي: صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة وسار علي معها مودعًا ومشيعًا أميالًا، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم وكان يوم السبت مستهل رجب سنة ست وثلاثين، وقصدت في سيرها ذلك إلى مكة، فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك ثم رجعت إلى المدينة ﵂) (٣).\nومما تقدم ذكره بشأن موقعة الجمل تبين أن القتال وقع بين الصحابة فيما بينهم كان بدون قصد منهم ولا اختيار وأن حقيقة المؤامرة التي قام بها قتلة عثمان خفيت على كلا الفريقين حتى ظن كل منهما أن الفريق الآخر قصده بالقتال.\nوقد وضح حقيقة هذه المؤامرة العلامة ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله قال أبو محمد بن حزم: (وأما أهل الجمل فما قصدوا قط قتال علي رضوان الله عليه ولا قصد علي رضوان الله عليه قتالهم وإنما اجتمعوا بالبصرة للنظر في قتلة عثمان رضوان الله عليه وإقامة حق الله تعالى فيهم، فتسرع الخائفون على أنفسهم أخذ حد الله تعالى منهم وكانوا أعدادًا عظيمة يقربون من الألوف – فأثاروا القتال خفية حتى اضطر كل واحد من الفريقين إلى الدفاع عن أنفسهم إذ رأوا السيف قد خالطهم) (٤).\n_________\n(١) انظر: «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٥٣٣ – ٥٣٤)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦٦ - ٢٦٧).\n(٢) «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٥٣٨ - ٥٣٩)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦٧).\n(٣) «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦٨ - ٢٦٩).\n(٤) «الإحكام في أصول الأحكام» (٢/ ٨٥).","vol":"7","page":314},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في القتال ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم فإنه لما تراسل علي وطلحة والزبير وقصدوا الاتفاق على المصلحة وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة وكان علي غير راض بقتل عثمان ولا معينًا عليه كما كان يحلف فيقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله (١) وهو الصادق البار في يمينه فخشي القتلة أن يتفق علي معهم على إمساك القتلة فحملوا دفعًا عن أنفسهم فظن علي أنهم حملوا عليه فحمل دفعًا عن نفسه فوقعت الفتنة بغير اختيارهم) (٢).\nفهكذا أنشب الحرب بين علي وأخويه الزبير وطلحة قتلة عثمان الأشرار دون أن يفطن لذلك أولئك الأخيار من الصحابة ﵃ وأرضاهم.\nوأما موقعة صفين:\nفقد دارت رحا الحرب فيها بين أهل العراق من أصحاب علي ﵁ وبين أهل الشام من أصحاب معاوية بن أبي سفيان ﵄ ذلك أن عليًا ﵁ لما فرغ من موقعة الجمل ودخل البصرة وشيع أم المؤمنين عائشة ﵂ لما أرادت الرجوع إلى مكة ثم سار من البصرة إلى الكوفة فدخلها وكان في نيته أن يمضي ليرغم أهل الشام على الدخول في طاعته كما كان في نية معاوية ألا يبايع حتى يقام الحد على قتلة عثمان ﵁، أو يسلموا إليه ليقتلهم ولما دخل علي ﵁ الكوفة شرع في مراسلة معاوية بن أبي سفيان ﵄ فقد بعث إليه جرير بن عبد الله البجلي ومعه كتاب أعلمه فيه (باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ودعاه فيه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس فلما انتهى إليه جرير بن عبد الله أعطاه الكتاب فطلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان، أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان وإن لم يفعل لم يبايعوه حتى يقتل قتلة عثمان ﵁ فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا: وحينئذ خرج من الكوفة عازمًا على دخول الشام فعسكر بالنخيلة وبلغ معاوية أن عليًا قد خرج بنفسه فاستشار عمرو بن العاص فقال له: اخرج أنت أيضًا بنفسك فتهيأ أهل الشام وتأهبوا، وخرجوا أيضًا: إلى نحو الفرات من ناحية صفين حيث يكون مقدم علي بن أبي طالب رضي الله وسار علي ﵁ بمن معه من الجنود من النخيلة قاصدًا أرض الشام فالتقى الجمعان في صفين – أوائل ذي الحجة سنة ست وثلاثين) (٣).\n_________\n(١) انظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (١٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩)، «المصنف» لعبد الرزاق (١١/ ٤٥٠)، «المستدرك» (٣/ ٩٥).\n(٢) «منهاج السنة» (٢/ ١٨٥).\n(٣) «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٥٦٣ - ٥٦٥)، «الكامل» (٣/ ٢٧٦ - ٢٧٩)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٧٦ - ٢٧٧).","vol":"7","page":315},{"text":"ومكث علي يومين لا يكاتب معاوية، ولا يكاتبه معاوية، ثم دعا علي بشير بن عمرو الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي التميمي فقال لهم: (ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واسمعوا ما يقول لكم: فلما دخلوا على معاوية جرى بينه وبينهم حوار لم يوصلهم إلى نتيجة فما كان من معاوية إلا أن أخبرهم أنه مصمم على القيام بطلب دم عثمان الذي قتل مظلومًا) (١). ولما رجع أولئك النفر إلى علي ﵁ وأخبروه بجواب معاوية ﵁ لهم وأنه لن يبايع حتى يقتل القتلة أو يسلمهم (عند ذلك نشبت الحرب بين الفريقين واقتتلوا مدة شهر ذي الحجة كل يوم، وفي بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين ولما دخل شهر المحرم تحاجز القوم رجاء أن تقوم بينهم مهادنة وموادعة يؤول أمرها إلى الصلح والمراسلة بين الناس وحقن دمائهم) (٢) ثم في خلال هذا الشهر بدأت مساعي الصلح والمراسلة تتكرر بين الطرفين ولكن انسلخ شهر المحرم ولم يحصل لهم أي اتفاق، ولم يقع بينهم صلح.\n(ثم نشبت الحرب بين الطائفتين أيامًا ثمانية وكان أشدها وأعنفها ليلة التاسع من صفر سنة سبع وثلاثين حيث سميت هذه الليلة (ليلة الهرير) تشبيهًا لها بليلة القادسية اشتد القتال فيها حتى توجه النصر فيها لأهل العراق على أهل الشام) (٣) وتفرقت صفوفهم وكادوا ينهزمون فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح وقالوا: (هذا بيننا وبينكم قد فني الناس فمن لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق، فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت قالوا: نجيب إلى كتاب الله – ﷿ – وننيب إليه) (٤) (ولما رفعت المصاحف بالرماح توقفت الحرب ولما رفع أهل الشام المصاحف اختلف أصحاب علي ﵁ وانقسموا عليه فمنهم من رأى الموافقة على التحكيم، ومنهم من كان يرى الاستمرار في القتال حتى يحسم الأمر، وهذا كان رأي علي ﵁ في بادئ الأمر، ثم وافق أخيرًا على التحكيم) (٥).\n_________\n(١) انظر: «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٥٧٣)، «الكامل» لابن الأثير (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٨٠).\n(٢) انظر: «تاريخ الطبري» (٤/ ٥٧٤ - ٥٧٥، ٥/ ٥) «الكامل» (٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧، ص: ٢٨٩)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٨٠ - ٢٨١).\n(٣) انظر: «تاريخ الطبري» (٥/ ١٢ - ٤٨)، «الكامل» (٣/ ٢٩٤ - ٣١٥)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٨٤ - ٢٩٧).\n(٤) انظر: «تاريخ الطبري» (٥/ ١٢ - ٤٨)، «الكامل» (٣/ ٢٩٤ - ٣١٥)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٨٤ - ٢٩٧).\n(٥) انظر: «تاريخ الخلفاء» (ص: ١٨٢)، و«شذرات الذهب» (١/ ٤٦).","vol":"7","page":316},{"text":"فتم الاتفاق بين الفريقين على التحكيم بعد انتهاء موقعة صفين وهو أن يحكم كل واحد منهما رجلًا من جهته، ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين فوكل معاوية عمرو بن العاص ووكل علي أبا موسى الأشعري ﵃ جميعًا، ثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والأمة أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين - كليهما - عهد الله وميثاقه أنهما على ما في ذلك الكتاب وأجلا القضاء إلى رمضان (١) وإن أحبا أن يؤخرا ذلك فعلى تراض منهما وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، ومع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح ولما كان شهر رمضان جعل الاجتماع كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بصفين وذلك أن عليًا ﵁ لما كان مجيء رمضان بعث أربعمائة فارس مع شريح بن هانئ ومعهم أبو موسى، وعبد الله بن عباس، وإليه الصلاة، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام ومعهم عبد الله بن عمر، فتوافوا بدومة الجندل بأذرح وهي نصف المسافة بين الكوفة والشام بينها وبين كل من البلدين تسع مراحل – وشهد معهم جماعة من رؤوس الناس كعبد الله بن هشام المخزومي وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري، وأبو جهم بن حذيفة فلما اجتمع الحكمان وتراوضا على المصلحة للمسلمين ونظرا في تقدير الأمور (٢) ثم اتفقا على أن يكون الفصل في موضوع النزاع بين علي ومعاوية يكون لأعيان الصحابة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو راض عنهم هذا ما اتفق عليه الحكمان فيما بينهما لا شيء سواه.\nأما ما يذكره المؤرخون من أن الحكمين لما اجتمعا بأذرح من دومة الجندل وتفاوضا واتفقا على أن يخلعا الرجلين فقال عمرو بن العاص لأبي موسى: اسبق بالقول فتقدم فقال: إني نظرت فخلعت عليًا عن الأمر وينظر المسلمون لأنفسهم كما خلعت سيفي هذا من عنقي أو من عاتقي وأخرجه من عنقه فوضعه في الأرض، وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر: كما أثبت سيفي هذا في عاتقي وتقلده، فأنكر أبو موسى فقال عمرو: كذلك اتفقنا وتفرق الجمع على ذلك الاختلاف (٣).\nفهذه الحكاية وما يشبهها من اختلاف أهل الأهواء والبدع الذين لا يعرفون قدر أبي موسى وعمرو بن العاص ومنزلتهما الرفيعة في الإسلام. قال أبو بكر بن العربي مبينًا كذب ذلك: (هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع) (٤).\n_________\n(١) انظر: «تاريخ الطبري» (٥/ ٤٨ - ٤٩)، «الكامل» (٣/ ٣١٦ - ٣١٨)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٩٨ - ٢٩٩).\n(٢) «البداية والنهاية» (٧/ ٣٠٢ - ٣٠٣، ٣٠٨ - ٣٠٩)، وانظر: «تاريخ الأمم والملوك» (٥/ ٦٧)، «الكامل في التاريخ» (٣/ ٣٢٩).\n(٣) ذكره ابن العربي في «العواصم من القواصم» (ص: ١٧٤ - ١٧٦)، وانظر «تاريخ الأمم والملوك» (٥/ ٧١) «الكامل» لابن الأثير (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣)، «البداية والنهاية» (٧/ ٣٠٩ - ٣١٠)، و«مروج الذهب» (٢/ ٦٨٤ - ٦٨٥).\n(٤) «العواصم من القواصم» (ص: ١٧٧).","vol":"7","page":317},{"text":"ولم يكتف الواضعون من أهل التاريخ بهذا بل وسموا الحكمين بصفات يتخذون منها وسيلة للتفكه والتندر، وليتخذ منه أعداء الإسلام صورًا هزيلة لأعلام الإسلام في المواقف الحرجة، فقد وصفوا عمرو بن العاص ﵁ بأنه كان صاحب غدر وخداع (١) ووصفوا أبا موسى بأنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوع في القول كما وصفوه بأنه كان على جنب كبير من الغفلة (٢) ولذلك خدعه عمرو بن العاص في قضية التحكيم حيث اتفقا على خلع الرجلين فخلعهما أبو موسى واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية كل هذه الصفات الذميمة يحاول المغرضون إلصاقها بهذين الرجلين العظيمين اللذين اختارهما المسلمون ليفصلا في خلاف كبير أدى إلى قتل الآلاف من المسلمين وكل ذي لب يعلم أن المسلمين لا يسندون الفصل في هذا الأمر إلى أبي موسى وعمرو بن العاص ﵄ إلا لعلمهم بما هما عليه من الفضل، وأنهما من خيار الأمة المحمدية، ومن أكثرهم ثقة وورعًا وأمانة فكيف يصف الغافلون هذين الرجلين بما وصفوهما به من المكيدة والخداع وضعف الرأي والغفلة، ولكن تلك الأوصاف هي أليق بمن تفوه بها من أهل الأهواء، وقد تجاهل أولئك الواصفون لأبي موسى وعمرو بما تقدم ذكره أمورًا لو دققوا النظر فيها لاستحيوا من ذكر تلك الأوصاف وتلك الأمور هي:\nالأمر الأول:\nأنهم تجاهلوا أن معاوية لم يكن خليفة ولا هو ادعى الخلافة يومئذ حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه أو تثبيتها له.\nالأمر الثاني:\nأن سبب النزاع هو أخذ الثأر لعثمان ﵁ من قتلته فلما طلب علي البيعة من معاوية (اعتل بأن عثمان قتل مظلومًا وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك والتمس من علي أن يمكنه منهم ثم يبايع له بعد ذلك) (٣) ومعنى هذا أن معاوية كان مسلمًا لعلي بالخلافة لأنه طلب منه بوصفه الخليفة تسليم القتلة، أو إقامة الحد عليهم باعتباره أمير المؤمنين، وكان رأي علي أن يدخل معاوية ومن معه من أهل الشام فيما دخل فيه الناس من البيعة له، ثم يتقدم أولياء عثمان بالمحاكمة إليه (فإن ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه فاختلفوا بحسب ذلك) (٤).\n_________\n(١) انظر: «تاريخ الطبري» (٥/ ٧٠ - ٧١)، «الكامل» لابن الأثير (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣)، «مروج الذهب» (٢/ ٦٨٤ - ٦٨٥).\n(٢) انظر: «تاريخ الطبري» (٥/ ٧٠)، «الكامل» (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣)، «مروج الذهب» (٢/ ٦٨٤ - ٦٨٥).\n(٣) «فتح الباري» (١٢/ ٢٨٤).\n(٤) «فتح الباري» (١٣/ ٥٦).","vol":"7","page":318},{"text":"قال أبو محمد بن حزم مبينًا أن القتال الذي دار بين علي ومعاوية كان مغايرًا لقتال علي الخوارج حيث قال: (وأما أمر معاوية ﵁ فبخلاف ذلك ولم يقاتله علي ﵁ لامتناعه من بيعته لأنه كان يسعه في ذلك ما وسع ابن عمر وغيره لكن قاتله لامتناعه من إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام وهو الإمام الواجبة طاعته فعلي المصيب في هذا ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة لكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان ﵁ على البيعة ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان والكلام فيه من ولد عثمان وولد الحكم بن أبي العاص لسنه ولقوته على الطلب بذلك كما أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن سهل أخا عبد الله بن سهل المقتول بخيبر بالسكوت وهو أخو المقتول وقال له: كبر كبر فسكت عبد الرحمن وتكلم محيصة وحويصة ابنا مسعود وهما ابنا عم المقتول لأنهما كانا أسن من أخيه فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه وأصاب في ذلك الأثر الذي ذكرنا وإنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط فله أجر الاجتهاد في ذلك ولا إثم عليه فيما حرم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم في الذين أخبر رسول الله ﷺ أن لهم أجرًا واحدًا وللمصيب أجران – إلى أن قال – وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع من أدائه وقاتل دونه فإنه يجب على الإمام أن يقاتله وإن كان منا وليس بمؤثر في عدالته وفضله ولا بموجب له فسقًا بل هو مأجور لاجتهاده ونيته في طلب الخير فبهذا قطعنا على صواب علي ﵁ وصحة إمامته وأنه صاحب الحق وأن له أجرين أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة وقطعنا أن معاوية ﵁ ومن معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجرًا واحدًا) (١).\nفابن حزم رحمة الله عليه يقرر في هذا النص أن النزاع الذي كان بين علي ومعاوية إنما هو في شأن قتلة عثمان وليس اختلافًا على الخلافة إذ أن معاوية ﵁ لم ينكر فضل علي واستحقاقه للخلافة وإنما امتنع عن البيعة حتى يسلمه القتلة أو يقتلهم وكان علي ﵁ يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك فتحكيمهما إذن إنما هو في محل النزاع، وليس من أجل الخلافة.\nالأمر الثالث:\nأن موقف أبي موسى الأشعري في التحكيم لم يكن أقل من موقف عمرو بن العاص في شيء ولذلك عد المؤرخون المنصفون هذا الموقف من مفاخر أبي موسى بعد موته بأجيال وصار مصدر فخر لأحفاده من بعده حتى قال ذو الرمة الشاعر مخاطبا بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري بأبيات منها:\nأبوك تلافى الدين والناس بعدما ... تشاءوا وبيت الدين منقطع الكسر\nفشد أصار الدين أيام أذرح ... ورد حروبًا قد لقحن إلى عقر (٢)\nفلم يول ﵁ في الفصل في قضية التحكيم إلا لما علم فيه من الفطنة والعلم وقدرته على حل المعضلات فقد ولاه النبي ﷺ هو ومعاذ بن جبل قبل حجة الوداع على بلاد اليمن حيث بعث كل واحد منهما على مخلاف وأوصاهما ﵊ بأن ييسرا ولا يعسرا وأن يبشرا ولا ينفرا (٣) وما توليته ﵊ لأبي موسى إلا لعلمه بصلاحه للإمارة.\n_________\n(١) «الفصل في الممل والنحل» (٤/ ١٥٩ - ١٦١)، وانظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٤/ ٣٠٦).\n(٢) «ديوان ذي الرمة» (ص: ٣٦١ - ٣٦٢)، «معجم البلدان» (١/ ١٣٠).\n(٣) الحديث رواه البخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٣). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"7","page":319},{"text":"قال العلامة ابن حجر ﵀ عند شرحه لحديث بعث النبي ﷺ أبا موسى ومعاذًا إلى اليمن: (واستدل به على أن أبا موسى كان عالمًا فطنًا حاذقًا، ولولا ذلك لم يوله النبي ﷺ الإمارة، ولو كان فوض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمان، ثم علي وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة لما صدر منه في التحكيم بصفين) (١) فالتحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة، وأن عمرًا لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه ولم يقرر في التحكيم غير الذي قرره أبو موسى ولم يخرج عما اتفقا عليه من تفويض الحسم في موضع النزاع إلى النفر الذين بقوا على قيد الحياة ممن توفي عنهم رسول الله ﷺ وهو راض عنهم.\nقال ابن كثير: (والحكمان كانا من خيار الصحابة وهما: عمرو بن العاص السهمي – من جهة أهل الشام- والثاني: أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري – من جهة أهل العراق، وإنما نصبا ليصلحا بين الناس ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين وحقن لدمائهم وكذلك وقع) (٢). وإذا كان قرارهما الذي اتفقا عليه لم يتم فما في ذلك تقصير منهما فهما قد قاما بمهمتهما بحسب ما أدى إليه اجتهادهما واقتناعهما ولو لم تكلفهما الطائفتان معًا بأداء هذه المهمة لما تعرضا لها ولا أبديا رأيا فيها، وكل ما تقدم ذكره في هذا المبحث عن موقعتي الجمل وصفين وقضية التحكيم هو اللائق بمقام الصحابة فهو خال مما دسه الشيعة الرافضة وغيرهم على الصحابة في تلك المواطن من الحكايات المختلقة والأحاديث الموضوعة ومما يعجب له الإنسان أن أعداء الصحابة إذا دعوا إلى الحق أعرضوا وقالوا: لنا أخبارنا ولكم أخباركم ونحن حينئذ نقول لهم: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.\nموقف أهل السنة من تلك الحرب:\nإن موقف أهل السنة والجماعة من الحرب التي وقعت بين الصحابة الكرام ﵃ هو الإمساك عما شجر بينهم إلا فيما يليق بهم ﵃ لما يسببه الخوض في ذلك من توليد العداوة والحقد والبغض لأحد الطرفين وذلك من أعظم الذنوب وقالوا: إنه يجب على كل مسلم أن يحب الجميع ويترضى عنهم ويترحم عليهم ويحفظ لهم فضائلهم، ويعترف لهم بسوابقهم، وينشر مناقبهم وأن الذي حصل بينهم إنما كان عن اجتهاد والجميع مثابون في حالتي الصواب والخطأ غير أن ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ في اجتهاده وأن القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة، ولم يجوز أهل السنة والجماعة الخوض فيما شجر بينهم.\nوقبل أن أذكر طائفة من أقوال أهل السنة التي تبين موقفهم فيما شجر بين الصحابة أذكر بعض النصوص التي فيها الإشارة إلى ما وقع بين الصحابة من الاقتتال وبما وصفوا به فيها وتلك النصوص هي:\n(١) قال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩].\n_________\n(١) «فتح الباري» (٨/ ٦٢).\n(٢) «البداية والنهاية» (٦/ ٢٤٥).","vol":"7","page":320},{"text":"ففي هذه الآية أمر الله تعالى بالإصلاح بين المؤمنين إذا ما جرى بينهم قتال لأنهم إخوة وهذا الاقتتال لا يخرجهم عن وصف الإيمان حيث سماهم الله – ﷿ – مؤمنين وأمر بالإصلاح بينهم وإذا كان حصل اقتتال بين عموم المؤمنين ولم يخرجهم ذلك من الإيمان فأصحاب رسول الله ﷺ الذين اقتتلوا في موقعة الجمل وبعدها أول من يدخل في اسم الإيمان الذي ذكر في هذه الآية فهم لا يزالون عند ربهم مؤمنين إيمانًا ولم يؤثر ما حصل بينهم من شجار في إيمانهم بحال لأنه كان عن اجتهاد (١).\n(٢) روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان وتكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة» (٢).\nفالمراد بالفئتين جماعة علي وجماعة معاوية، والمراد بالدعوة الإسلام على الراجح وقيل المراد اعتقاد كل منهما الحق (٣).\n(٣) وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق» (٤) والفرقة المشار إليها في الحديث هي ما كان من الاختلاف بين علي ومعاوية ﵄ وقد وصف ﷺ الطائفتين معًا بأنهما مسلمتان وأنهما متعلقتان بالحق. والحديث علم من أعلام النبوة (إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به ﵊، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة والجهلة الطغام من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن عليًا هو المصيب وإن كان معاوية مجتهدًا وهو مأجور إن شاء الله ولكن علي هو الإمام فله أجران كما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (٥) (٦).\n(٤) وروى البخاري بإسناده إلى أبي بكرة قال: بينا النبي ﷺ يخطب جاء الحسن فقال النبي ﷺ: «ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (٧).\nففي هذا الحديث شهادة من النبي ﷺ بإسلام الطائفتين أهل العراق وأهل الشام والحديث فيه رد واضح على الخوارج الذين كفروا عليًا ومن معه ومعاوية ومن معه بما تضمنه الحديث من الشهادة للجميع بالإسلام ولذا كان يقول سفيان بن عيينة: (قوله: فئتين من المسلمين يعجبنا جدًا) (٨) قال البيهقي: (وإنما أعجبهم لأن النبي ﷺ سماهما جميعًا مسلمين وهذا خبر من رسول الله ﷺ بما كان من الحسن بن علي بعد وفاة علي في تسليمه الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان) (٩).\n_________\n(١) انظر: «العواصم من القواصم».\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣١٣) (٨١٢١)، والبخاري (٧١٢١)، ومسلم (١٥٧).\n(٣) «فتح الباري» (١٢/ ٣٠٣).\n(٤) رواه أحمد (٣/ ٣٢) (١١٢٩٣)، مسلم (١٠٦٤).\n(٥) رواه البخاري (٧٣٥٢).\n(٦) «البداية والنهاية» لابن كثير (٧/ ٣٠٥).\n(٧) رواه البخاري (٣٦٢٩).\n(٨) «السنن الكبرى» للبيهقي (٨/ ١٧٣)، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر (١٣/ ٢٣٣).\n(٩) «الاعتقاد للبيهقي» (ص: ١٩٨)، وانظر: «فتح الباري» (١٣/ ٦٦).","vol":"7","page":321},{"text":"فهذه الثلاثة الأحاديث المتقدم ذكرها كلها فيها الإشارة إلى أهل العراق الذين كانوا مع علي وإلى أهل الشام الذين كانوا مع معاوية بن أبي سفيان وقد وصفهم النبي ﷺ بأنهم من أمته (١). كما وصفهم بأنهم جميعًا متعلقون بالحق لم يخرجوا عنه كما شهد لهم ﷺ بأنهم مستمرون على الإيمان ولم يخرجوا عنه بسبب القتال الذي حصل بينهم وقد دخلوا تحت عموم قوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: ٩] وقد قدمنا أن مدلول الآية ينتظمهم ﵃ أجمعين فلم يكفروا ولم يفسقوا بقتالهم بل هم مجتهدون متأولون وقد بين الحكم في قتالهم ذلك علي ﵁ فقد شهد للفريقين بالحسنى فقد روى ابن جرير الطبري (أن عليًا لما وصل البصرة خطب الناس فقام إليه أبو سلامة الدالاني فقال: أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله – ﷿ – بذلك قال: نعم قال: فترى لك حجة بتأخيرك ذلك؟ قال: نعم إن الشيء إذا كان لا يدرك فالحكم فيه أحوطه وأعمه نفعًا قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدًا؟ قال: إني لأرجو ألا يقتل أحد نقى قلبه الله إلا أدخله الله الجنة) (٢).\nوروى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن علي – المعروف بابن الحنفية – قال: قال علي: (إني لأرجو أن أكون وطلحة والزبير من الذين قال الله – ﷿ -: وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر:٤٧]) (٣).\nكما شهد ﵁ بالحسنى للقتلى من الفريقين في موقعة صفين:\nفقد روى ابن أبي شيبة بإسناده إلى يزيد بن الأصم قال: (سئل علي عن قتلى يوم صفين فقال: قتلانا وقتلاهم في الجنة) (٤).\nوشهادة علي ﵁ للقتلى من الفريقين بالجنة شهادة حق وصدق لأن الباري – جل وعلا – أخبر بأنه وعد أصحاب رسول الله ﷺ بالجنة ووعده – سبحانه – حق وصدق لا خلف فيه.\n_________\n(١) روى مسلم في صحيحه (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «يكون في أمتي فرقتان؛ فيخرج من بينهما مارقة، يلي قتلهم أولاهم بالحق».\n(٢) «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٤٩٦)، «الكامل لابن الأثير» (٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦١).\n(٣) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ١١٣)، والبيهقي في «الاعتقاد» (ص: ١٩٥).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/ ٣٠٣)، وأورده الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء» (٣/ ١٤٤).","vol":"7","page":322},{"text":"قال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:١٠] فالخطاب في هذه الآية الكريمة موجه لأصحاب رسول الله ﷺ والوعد فيها بالجنة لجميعهم ﵃ فكل من صحب رسول الله ﷺ بنية صادقة ولو ساعة واستمر على الإيمان حتى مات فإنه من أهل الجنة لا يدخل النار لتعذيب إلا أن الذين أسلموا من بعد الفتح وقاتلوا لا يلحقون من أسلم وقاتل قبل الفتح في المرتبة وعلو الدرجة وكلًا وعد الله الجنة ورضي عنهم ومن كمال ورع علي ﵁ أنه لم ينسب أحدًا إلى الشرك أو إلى النفاق ممن قاتله من أهل القبلة بل كان يقول ﵁ (هم إخواننا بغوا علينا) (١) ذلك هو معتقد علي ﵁ في قتلى الصحابة ﵃ في موقعتي الجمل وصفين فقد شهد للقاتل والمقتول منهم بالجنة لأنهم لم يقصدوا بقتالهم إلا الحق والاجتهاد ولم يكونوا مقاتلين لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لدافع الحقد حاشاهم من كل ذلك وقد ثبت كذلك أن أم المؤمنين عائشة ﵂ ترحمت على من قاتلها يوم الجمل أو قتل معها من صحابة رسول الله ﷺ.\nفقد ذكر ابن الأثير: (أنها ﵂ لما كانت بالبصرة بعد وقعة الجمل سألت يومئذ عمن قتل من الناس معها ومنهم عليها والناس عندها فكلما نعي واحد من الجميع قالت: يرحمه الله فقيل لها: كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسول الله ﷺ: «فلان في الجنة، وفلان في الجنة» (٢).) (٣).\nوقولها ﵂: فلان في الجنة، وفلان في الجنة تعني بذلك من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وسماه مثل طلحة والزبير ﵄. ولقد تقدم معنا أن عليًا ﵁ تصرف فيما خلفه القتلى في يوم الجمل تصرفًا يدل على أن تلك الحرب لم تكن بين مسلمين وغير مسلمين وإنما هي حرب بين فريقين من المسلمين يرى كل فريق منهما أن الحق في جانبه حيث جمع كل مخلفات موقعة الجمل وبعث بها إلى مسجد البصرة وقال: (من عرف شيئًا فليأخذه إلا سلاحًا كان في الخزائن عليه سمة السلطان) (٤).\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/ ٣٣٢).\n(٢) ذكره سيف بن عمر الضبي في «الفتنة ووقعة الجمل» (ص: ١٧٧)، والطبري في «تاريخ الأمم والملوك» (٣/ ٥٧)، وابن الأثير في «الكامل» (٣/ ٢٥٨)، والنويري في «نهاية الأرب في فنون الأدب» (٢٠/ ٥٠). ولم أقف على لفظه مسندًا.\n(٣) «الكامل في التاريخ» (٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(٤) انظر: «تاريخ ابن جرير الطبري» (٤/ ٥٣٨)، «الكامل» لابن الأثير (٣/ ٥٥)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦٧).","vol":"7","page":323},{"text":"وصلى على جميع القتلى من الفريقين ودفن كثيرًا منهم في قبر كبير (١) كل عمله هذا دل على إيمانه أنهم جميعًا كانوا يقاتلون اجتهادًا لا عنادًا ولا شهوة، ولا شفاء خصومة كانت بينهم ﵃ أجمعين ومما ينبغي أن يعلم أن شهادة علي ﵁ بالجنة للقتلى من الفريقين كما تقدم لا يدخل فيها من مرق عن الحق في إثارة الفتنة الأولى على عثمان كما لا يعد من إحدى الطائفتين اللتين وصفتا بأنهما متعلقتان بالحق وإن قاتل معها والتحق بها لأن الذين تلوثت أيديهم ونياتهم وقلوبهم بالبغي الظالم على أمير المؤمنين عثمان – كائنًا من كانوا – استحقوا إقامة الحد الشرعي عليهم سواء استطاع ولي الأمر أن يقيم عليهم هذا الحد أو لم يستطع وفي حالة عدم استطاعته، فإن مواصلتهم تسعير نار الحرب بين صالحي المسلمين كلما أحسوا منهم بالعزم على الإصلاح والتآخي كما فعلوا في وقعة الجمل وبعدها يعد إصرارًا منهم على الاستمرار في الإجرام ما داموا على ذلك، فإذا قال أهل السنة والجماعة: إن الطائفتين كانتا على الحق فإنما يريدون أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا في الطائفتين ومن سار معهم على سنته ﷺ من التابعين.\nفالواجب على المسلم أن يسلك في اعتقاده فيما حصل بين الصحابة الكرام ﵃ مسلك الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وهو الإمساك عما حصل بينهم ﵃ ولا يخوض فيه إلا بما هو لائق بمقامهم.\nوكتب أهل السنة مملؤة ببيان عقيدتهم الصافية النقية في حق أولئك الصفوة المختارة وقد حددوا موقفهم من تلك الحرب التي وقعت بينهم في أقوالهم الحسنة التي منها.\n(١) سئل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عن القتال الذي بين الصحابة فقال: (تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني مثل أصحاب رسول الله ﷺ مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها) (٢).\nقال البيهقي معلقًا على قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: (هذا حسن جميل لأن سكوت الرجل عما لا يعنيه هو الصواب) (٣).\nوالمسلم مطلوب منه أن يتحرز من الوقوع في الخطأ، والحكم على بعض الصحابة بما لا يكون مصيبًا فيه.\n(٢) قال عامر بن شراحيل الشعبي رحمه الله تعالى في المقتتلين من الصحابة: (هم أهل الجنة لقي بعضهم بعضًا فلم يفر أحد من أحد) (٤).\n(٣) سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى عن قتال الصحابة فيما بينهم فقال: (قتال شهده أصحاب محمد ﷺ وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا) (٥).\nومعنى قول الحسن هذا: (أن الصحابة كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا وما علينا إلا أن نتبعهم فيما اجتمعوا عليه، ونقف عندما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأيًا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله – ﷿ – إذ كانوا غير متهمين في الدين) (٦).\n(٤) سئل جعفر بن محمد الصادق عما وقع بين الصحابة فأجاب بقوله: (أقول ما قال الله: عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي في كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى [طه: ٥٢]) (٧).\n_________\n(١) انظر: «تاريخ الطبري» (٤/ ٥٣٨).\n(٢) «مناقب الشافعي» للرازي (ص: ١٣٦)، و«الإنصاف» للباقلاني (ص: ٦٩) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١٦/ ١٢٢)، «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٥/ ٣٩٤).\n(٣) ذكره عنه الرازي في «مناقب الشافعي» (ص: ١٣٦).\n(٤) ذكره ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٣٠٣).\n(٥) ذكره القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (١٦/ ٣٣٢).\n(٦) ذكره القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (١٦/ ٣٣٢).\n(٧) ذكره الباقلاني في كتابه «الإنصاف» (ص: ٦٩).","vol":"7","page":324},{"text":"(٥) قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى بعد أن قيل له: ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية قال: (ما أقول فيهم إلا الحسنى) (١).\n(٦) وقال أبو بكر المروذي: سمعت أبا عبد الله وذكر له أصحاب رسول الله فقال: (﵏ أجمعين ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري والمغيرة كلهم وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح: ٢٩]) (٢).\n(٧) قال إبراهيم بن آزر الفقيه: (حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية؟ فأعرض عنه فقيل له: يا أبا عبد الله هو رجل من بني هاشم فأقبل عليه فقال: اقرأ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤١]) (٣).\n(٨) وقال أبو الحسن الأشعري: (فأما ما جرى بين علي والزبير وعائشة ﵃ فإنما كان على تأويل واجتهاد، وعلي الإمام وكلهم من أهل الاجتهاد وقد شهد لهم النبي ﷺ بالجنة والشهادة فدل على أنهم كلهم على حق في اجتهادهم وكذلك ما جرى بين علي ومعاوية ﵄ كان على تأويل واجتهاد، وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتبري ممن ينقص أحدًا منهم رضي الله عن جميعهم) (٤).\n(٩) وقال ابن أبي زيد القيرواني في صدد عرضه لما يجب أن يعتقده المسلم في أصحاب رسول الله ﷺ وما ينبغي أن يذكروا به فقال: (وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس – لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب) (٥).\n(١٠) وقال أبو نعيم الأصبهاني مبينًا حق الصحابة على المسلمين بعدهم وما يجب عليهم نحوهم: (فالواجب على المسلمين في أصحاب رسول الله ﷺ إظهار ما مدحهم الله تعالى به وشكرهم عليه من جميل أفعالهم وجميل سوابقهم وأن يغضوا عما كان منهم في حال الغضب والإغفال وفرط منهم عند استزلال الشيطان إياهم ونأخذ في ذكرهم بما أخبر الله تعالى به فقال تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ [الحشر: ١٠] الآية فإن الهفوة والزلل والغضب والحدة والإفراط لا يخلو منه أحد وهو لهم مغفور ولا يوجب ذلك البراءة منهم ولا العداوة لهم ولكن يحب على السابقة الحميدة ويتولى للمنقبة الشريفة) (٦).\n(١١) وقال أبو عبد الله بن بطة ﵀ أثناء عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة: (ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ فقد شهدوا المشاهد معه وسبقوا الناس بالفضل فقد غفر الله لهم وأمرك بالاستغفار لهم والتقرب إليه بمحبتهم وفرض ذلك على لسان نبيه وهو يعلم ما سيكون منهم وأنهم سيقتتلون وإنما فضلوا على سائر الخلق لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم وكل ما شجر بينهم مغفور لهم) (٧) اهـ.\n_________\n(١) «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي (ص: ١٦٤)، «تاريخ الإسلام» للذهبي (١٨/ ٨٩).\n(٢) «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي (ص: ١٢٦).\n(٣) رواه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٦/ ٤٤)، وابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» (١/ ٩٤)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٩/ ١٤١)، وابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد» (ص: ١٢٦).\n(٤) «الإبانة عن أصول الديانة» (ص: ٧٨).\n(٥) «الرسالة» (ص: ٩).\n(٦) «الإمامة والرد على الرافضة» (ص: ٣٤٣).\n(٧) «الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة» (ص: ٢٦٨).","vol":"7","page":325},{"text":"(١٢) قال أبو بكر بن الطيب الباقلاني: (ويجب أن يعلم: أن ما جرى بين أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم من المشاجرة نكف عنه ونترحم على الجميع ونثني عليهم ونسأل الله تعالى لهم الرضوان والأمان والفوز والجنان ونعتقد أن عليًا ﵇ أصاب فيما فعل وله أجران، وأن الصحابة ﵃ إن ما صدر منهم كان باجتهاد فلهم الأجر ولا يفسقون ولا يبدعون والدليل عليه قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ١٨] وقوله ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (١) فإذا كان الحاكم في وقتنا له أجران على اجتهاده فما ظنك باجتهاد من رضي الله عنهم ورضوا عنه، ويدل على صحة هذا القول: قوله ﷺ للحسن ﵇: «إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٢) فأثبت العظم لكل واحدة من الطائفتين وحكم لهم بصحة الإسلام وقد وعد الله هؤلاء القوم بنزع الغل من صدورهم بقوله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: ٤٧]) إلى أن قال: (ويجب الكف عن ذكر ما شجر بينهم والسكوت عنه) اهـ) (٣).\n(١٣) وقال أبو عثمان الصابوني في صدد ذكره لعرض عقيدة السلف وأصحاب الحديث: (ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا لهم ونقصًا فيهم ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم) (٤).\n(١٤) وقال أبو الوليد بن رشد المالكي: (كلهم محمود على ما فعله، القاتل منهم والمقتول في الجنة فهذا الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده فيما شجر بينهم لأن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه وعلى لسان رسوله فقال عز من قائل: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] وقال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: ١٤٣] أي: خيارًا عدولًا ... وقال رسول الله ﷺ: «عشرة من قريش في الجنة» (٥) فسمى فيهم عليًا وطلحة والزبير والذي يقول أئمة أهل السنة والحق: إن عليًا ﵁ ومن اتبعه كانوا على الصواب والحق، وإن طلحة والزبير كانا على الخطأ إلا أنهما رأيا ذلك باجتهادهما فكان فرضهما ما فعلاه إذ هما من أهل الاجتهاد ...) إلى أن قال: (والذي قلناه من أنهم اجتهدوا فأصاب علي وأخطأ طلحة والزبير هو الصحيح الذي يلزم اعتقاده فلعلي أجران لموافقته الحق باجتهاده ولطلحة والزبير أجر لاجتهادهما وبالله التوفيق) (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣٥٢).\n(٢) رواه البخاري (٢٧٠٤).\n(٣) «الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به» (ص: ٦٧ - ٦٩).\n(٤) «عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية» (١/ ١٢٩).\n(٥) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/ ٣٥١)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٤/ ٩٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٧/ ١١٨). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٢٤): رواه الطبراني في الثلاثة رجاله رجال الصحيح غير حامد بن يحيى البلخي وهو ثقة، ولهذا الحديث طرق في مناقب جماعة من الصحابة.\n(٦) «البيان والتحصيل» (١٦/ ٣٦٠ - ٣٦١).","vol":"7","page":326},{"text":"(١٥) وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى: (لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله – ﷿ – وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة ولنهي النبي ﷺ عن سبهم (١) وأن الله غفر لهم وأخبر بالرضا عنهم هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي ﷺ «أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض» (٢) فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانًا لم يكن بالقتل فيه شهيدًا وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيرًا في الواجب عليه لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة فوجب حمل أمرهم على ما بيناه ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار علي بأن قاتل الزبير في النار (٣)، وقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بشر قاتل ابن صفية بالنار» (٤) وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصيين ولا آثمين بالقتال لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبي ﷺ في طلحة (شهيد) ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار وكذلك من قعد غير مخطئ في التأويل بل صواب أراهم الله الاجتهاد وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم وإبطال فضائلهم وجهادهم وعظيم عنائهم في الدين ﵃) اهـ (٥).\n_________\n(١) حديث النهي رواه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) رواه الترمذي (٣٧٣٩)، والحاكم (٣/ ٤٢٤). من حديث جابر بن عبدالله ﵁. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الصلت وقد تكلم بعض أهل العلم في الصلت بن دينار وفي صالح بن موسى من قبل حفظهما، وقال الحاكم: تفرد به الصلت بن دينار وليس من شرط هذا الكتاب، وقال الذهبي في «التلخيص»: الصلت واه، والحديث صححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) رواه أحمد (١/ ٨٩) (٦٨١)، والحاكم (٣/ ٤١٤)، والطيالسي (ص: ٢٤)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١٣٨٨)، والطبراني (١/ ١٢٣) (٢٤٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٢٠٦). وقال: صحيح ثابت، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٢٦٤): رواه أحمد وغيره من طريق زر بن حبيش عن علي بإسناد صحيح.\n(٤) لم أقف عليه من قول رسول الله ﷺ، وإنما هو من قول علي بن أبي طالب ﵁. رواه أحمد (١/ ٨٩) (٦٨١)، والحاكم (٣/ ٤١٤)، والطيالسي (ص: ٢٤)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١٣٨٨)، والطبراني (١/ ١٢٣) (٢٤٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٢٠٦). وقال: صحيح ثابت، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٢٦٤): رواه أحمد وغيره من طريق زر بن حبيش عن علي بإسناد صحيح.\n(٥) «الجامع لأحكام القرآن» (١٦/ ٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"7","page":327},{"text":"(١٦) وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» (١) (واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ﵃ ليست بداخلة في هذا الوعيد ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله وكان بعضهم مصيبًا وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ لأنه لاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه وكان علي ﵁ هو المحق المصيب في تلك الحروب هذا مذهب أهل السنة وكانت القضايا مشتبهة حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته منهم) اهـ (٢).\nوقال في موضع آخر مبينًا سبب الحروب التي وقعت بين الصحابة: (واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:\nقسم: ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.\nوقسم: عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.\nوقسم ثالث: اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك) (٣) وهذا هو التفسير الصحيح لمواقف الصحابة ﵃ في تلك الحروب وهو اللائق بحالهم ﵃.\n(١٧) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في صدد عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة: (ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون) (٤) اهـ.\n(١٨) وقال الإمام الذهبي: (... تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم ﵃ أجمعين وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفوا القلوب، وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى حيث يقول: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر: ١٠] فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم وجهاد محاء وعبادة ممحصة) (٥).\n(١٩) وقال الحافظ ابن كثير: (أما ما شجر بينهم بعده ﵊ فمنه ما وقع عن غير قصد كيوم الجمل ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين والاجتهاد يخطئ ويصيب ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ ومأجور أيضًا: وأما المصيب فله أجران اثنان) (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨). من حديث أبي بكرة ﵁.\n(٢) «شرح النووي» (١٨/ ١١).\n(٣) «شرح النووي» (١٨/ ١١).\n(٤) «العقيدة الواسطية مع شرحها» لمحمد خليل هراس (ص: ١٧٣).\n(٥) «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٩٢).\n(٦) «الباعث الحثيث» (ص: ١٨٢).","vol":"7","page":328},{"text":"(٢٠) وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حاكيًا على وجوب المنع من الطعن على واحد من الصحابة بسبب ما حصل بينهم ولو عرف المحق منهم حيث قال: (واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجرًا واحدًا، وأن المصيب يؤجر أجرين) (١).\nفهذه طائفة من كلام أكابر علماء أهل السنة والجماعة تبين منها الموقف الواجب على المسلم أن يقف من الآثار المشتملة على نيل أحد من الصحابة ﵃ أجمعين بسبب ما وقع بينهم من شجار وخلاف ومقاتلة خاصة في حرب الجمل بين الخليفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن معه وبين أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومن معهم. وأيضًا في حرب صفين بين علي ومعاوية وهو صيانة القلم واللسان عن ذكر ما لا يليق بهم وإحسان الظن بهم والترضي عنهم أجمعين، ومعرفة حقهم ومنزلتهم والتماس أحسن المخارج لما ثبت صدوره من بعضهم واعتقاد أنهم مجتهدون والمجتهد مغفور له خطؤه إن أخطأ، وأن الأخبار المروية في ذلك منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه أو نقص منه حتى تحرف عن أصله وتشوه، كما تبين من هذه النقول المتقدم ذكرها أن عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فيما شجر بينهم هو الإمساك، ومعنى الإمساك عما شجر بينهم وهو عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب والخلافات على سبيل التوسع وتتبع التفصيلات ونشر ذلك بين العامة أو التعرض لهم بالتنقص لفئة والانتصار لأخرى وقد تقدم معنىً قريبًا من قول الذهبي رحمه الله تعالى بأن كثيرًا مما حدث بين الصحابة من شجار وخلاف ينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه وأن كتمان ذلك متعين على العامة بل آحاد العلماء لأنه لا مصلحة شرعية ولا علمية من وراء نشر ذلك، أما من ناحية النظر العلمي المستقيم المهتدي بنصوص الشريعة فإن البحث في هذا الموضوع لا يمتنع إذا قصد به تبين أحكام الشريعة وما كان ذكر العلماء المعتبرين للحروب والخلافات التي وقعت بين الصحابة ﵃ إلا على هذا السبيل، أو لبيان المواقف الصحيحة، وتصحيح الأغاليط التاريخية التي أثيرت حول مواقفهم في تلك الحروب ﵃ فعلى المسلم أن يعتقد فيما صح مما جرى بين الصحابة من خلاف أنهم فيه مجتهدون، إما مصيبون فلهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون فلهم أجر الاجتهاد، وخطؤهم مغفور وهم ليسوا معصومين بل هم بشر يصيبون ويخطئون ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم، وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطأ غيرهم، وقد وعدوا من الله بالمغفرة والرضوان، كما أنه يجب على كل مسلم أن يكون لسانه رطبًا بالذكر الحسن والثناء الجميل على أصحاب رسول الله ﷺ ويحاول جهده في ذكر محاسنهم العظيمة وسيرتهم الحميدة ويتجنب ذكر ما شجر بينهم، هذه طريقة الصدر الأول من هذه الأمة والتي اتخذها أهل السنة والجماعة منهاجًا في موقفهم نحو الصحابة ﵃ جميعًا.\nقال العوام بن حوشب: (أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة بعضهم يقول لبعض: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ لتأتلف عليها القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتحرشوا الناس عليهم) (٢).\nوبعبارة أخرى أنه قال: (أدركت صدر هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ حتى تألف عليهم القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم) (٣).\nفأهل السنة مجمعون على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة ﵃ بعد قتل عثمان ﵁ والترحم عليهم وحفظ فضائل الصحابة والاعتراف لهم بسوابقهم ونشر محاسنهم ﵃ وأرضاهم. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – ناصر بن علي عائض – ٢/ ٧٠٠\n_________\n(١) «فتح الباري» (١٣/ ٣٤).\n(٢) «الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة» لابن بطة (ص: ١٦٥).\n(٣) ذكره القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (١٨/ ٣٣).","vol":"7","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2013>المطلب الخامس: الدعاء والاستغفار لهم</span>\nمن حق الصحابة الكرام ﵃ على كل من جاء بعدهم من عباد الله المؤمنين أن يدعو لهم ويستغفر لهم، ويترحم عليهم، لما لهم من القدر العظيم، ولما حازوه من المناقب الحميدة، والسوابق القديمة، والمحاسن المشهورة، ولما لهم من الفضل الكبير على كل من أتى بعدهم، فهم الذين نقلوا إلى من بعدهم الدين الحنيف الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ففضلهم مستمر على كل مسلم جاء بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد ندب الله – جل وعلا – كل من جاء بعدهم من أهل الإيمان إلى أن يدعو لهم، ويترحم عليهم، وأثنى على من استجاب منهم لذلك بقوله – جل وعلا -: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠]\nفالآية مشتملة على بيان موقف أهل الإيمان ممن تقدمهم من الصحابة، فقد بين –تعالى- أن موقفهم من أولئك الصفوة أنهم يثنون عليهم، ويدعون لهم ابتهاجًا بما آتاهم الله من الفضل وغبطة لهم فيما وفقوا له من الأعمال المصحوبة بالإخلاص واليقين، وهذا الموقف المبارك ينطبق على أهل السنة والجماعة، فقد وفقهم الله للثناء الجميل والقول الحسن في أصحاب رسول الله ﷺ وهم الذين يترضون عنهم جميعًا ويستغفرون لهم، وحرم هذا الموقف العظيم الشيعة الرافضة الذين جعلوا رأس مالهم سبهم وبغضهم والحقد عليهم، وهذا خذلان أيما خذلان، أعاذنا الله منه.\nوقد فهم متقدموا أهل السنة والجماعة ومتأخروهم أن المراد من الآية السابقة الأمر بالدعاء والاستغفار من اللاحق للسابق، ومن الخلف للسلف، الذين هم أصحاب رسول الله ﷺ، وإليك طائفة من أقوالهم التي دلت على عمق معرفتهم بما دل عليه كتاب ربهم جل وعلا:\n(١) روى الإمام مسلم بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت لي عائشة: (يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم) (١).\n(٢) وعند ابن أبي شيبة بلفظ: (أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ فسبوهم) (٢).\n(٣) وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن عائشة ﵂، قالت: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم) (٣)، (قال القاضي: الظاهر أنها قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا: وأهل الشام في علي ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا: وأما الأمر بالاستغفار الذي أشارت إليه فهو قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ [الحشر: ١٠] وبهذا احتج مالك في أنه لا حق في الفيء لمن سب الصحابة ﵃ لأن الله –تعالى- إنما جعله لمن جاء بعدهم ممن يستغفر الله لهم والله أعلم) (٤).\n(٤) وقال ابن عباس ﵄: (لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن الله قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون) (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم (٣٠٢٢).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/ ١٧٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١٠٣٣)، قال الألباني في تخريجه: إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٣) رواه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٤٧) (١٨٨٥٧). وانظر: «الدر المنثور» (٨/ ١١٣).\n(٤) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٨/ ١٥٨ - ١٥٩).\n(٥) «الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة» لابن بطة (ص: ١١٩)، وأورده القرطبي في تفسيره (١٨/ ٣٣).","vol":"7","page":330},{"text":"(٥) ذكر الإمام البغوي رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ الآية. عن مالك بن مغول قال: قال عامر بن شراحيل الشعبي: (يا مالك تفاضلت اليهود والنصارى الرافضة بخصلة سئلت اليهود من خير أهل ملتكم، فقالت: أصحاب موسى ﵇، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم، فقالوا: حواري عيسى ﵇، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم، فقالوا: أصحاب محمد ﷺ. أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض حجتهم، أعاذنا الله وإياكم من الفتن المضلة) (١).\n(٦) وروى أبو نعيم بإسناده إلى عمر بن ذر، قال: (أقبلت أنا وأبي دار عامر، فقال له أبي: يا أبا عمر، قال: لبيك، قال: ما تقول فيما قال فيه الناس من هذين الرجلين، قال عامر: أي هذين الرجلين؟ قال: علي وعثمان، قال: إني والله لغني أن أجيء يوم القيامة خصيمًا لعلي وعثمان رضي الله تعالى عنهما وغفر لنا ولهما) (٢).\n(٧) أخرج عبد بن حميد عن الضحاك بن مزاحم رحمه الله تعالى، أنه قال في قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ الآية: (أمروا بالاستغفار لهم وقد علم ما أحدثوا) (٣).\n(٨) وأخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي أنه قال بعد قراءته لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ الآية: (إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم) (٤).\nفهذه جملة صالحة من أقوال السلف الصالح كلها دلت على أن كل من جاء بعد الرعيل الأول من الصحابة ﵃ مأمور بالدعاء والاستغفار لهم، والترحم عليهم، وأنه يجب على كل مسلم أن يطهر قلبه من الغل والحقد عليهم، وقد استنبط أهل العلم من الصحابة ومن جاء بعدهم من علماء أهل السنة والجماعة أن من لم يستغفر لهم وكان في قلبه غل عليهم أنه بعيد من أهل الإسلام، ولا حظ له في الفيء وما يغنمه المسلمون.\n(٩) أخرج ابن مردويه عن ابن عمر (أنه سمع رجلًا وهو يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الآية .. ثم قال: هؤلاء المهاجرون فمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال: لا، ثم قرأ عليه وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ الآية ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء) (٥).\n(١٠) وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عمر (أنه بلغه أن رجلًا نال من عثمان، فدعاه، فأقعده بين يديه، فقرأ عليه لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: لا، ثم قرأ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: أرجو أن أكون منهم، قال: لا والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم) (٦).\nولم يذكر الآية الواردة في الأنصار لكون الرجل تناول عثمان ﵁ وهو من المهاجرين.\n_________\n(١) «تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن» (٧/ ٥٤)، وذكره القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (١٨/ ٣٣)، وانظر: «منهاج السنة» (١/ ٦ - ٧)، «شرح الطحاوية» (ص: ٥٣١ - ٥٣٢).\n(٢) «حلية الأولياء» (٤/ ٣٢١)، ورواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/ ١٧٩).\n(٣) «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» (٨/ ١١٣).\n(٤) «جامع البيان» للطبري (٢٨/ ٤٤ - ٤٥).\n(٥) «الدر المنثور في التفسير المنثور» (٨/ ١١٣ - ١١٤).\n(٦) «الدر المنثور في التفسير المنثور» (٨/ ١١٣ - ١١٤).","vol":"7","page":331},{"text":"(١١) روى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر، قال: حدثنا عبد الله بن زيد عن طلحة بن مصرف عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: (الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذا المنزلة التي بقيت، ثم قرأ: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: ٩]، ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠]، فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم) (١).\nولا يتردد من له أدنى علم في أن الشيعة الرافضة خارجون من هذه المنزلة لأنهم لم يترحموا على الصحابة ولم يستغفروا لهم بل سبوهم وحملوا لهم الغل في قلوبهم، فحرموا من تلك المنزلة التي يجب على المسلم أن يكون فيها ولا يحيد عنها بحال حتى يلقى ربه -جل وعلا-.\n(١٢) وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (من يبغض أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [الحشر: ٧] حتى أتى على هذه الآية لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ [الحشر: ٨] وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ [الحشر: ٩] وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ إلى قوله رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠]) (٢).\n(١٣) وقال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يعني: التابعين إلى يوم القيامة.\nقال الزجاج: والمعنى: ما أفاء الله على رسوله فلله وللرسول ولهؤلاء المسلمين وللذين يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة ما أقاموا على محبة أصحاب رسول الله ﷺ، ودليل هذا قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ [الحشر: ١٠] أي: الذين جاءوا في حال قولهم رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا [الحشر: ١٠] فمن ترحم على أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يكن في قلبه غل لهم فله حظ من فيء المسلمين بنص الكتاب) (٣) اهـ.\n_________\n(١) لم أقف على هذا الأثر في «الإبانة الصغرى»، ولعله ذكره في «الإبانة الكبرى».\n(٢) انظر قول مالك في «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ١٧٧٨)، «زاد المسير في علم التفسير» (٨/ ٢١٦)، «تفسير البغوي» (٧/ ٥٤)، «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١٨/ ٣٢)، وانظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٦/ ٦٠٩).\n(٣) «زاد المسير في علم التفسير» (٨/ ٢١٦).","vol":"7","page":332},{"text":"(١٤) وقال البغوي رحمه الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ [الحشر: ١٠] يعني التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان والمغفرة ...) –إلى أن قال-: (فكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لأن الله –تعالى- رتب المؤمنين على ثلاثة منازل: المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجًا من أقسام المؤمنين.\nقال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرين، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد أن لا تكون خارجًا من هذه المنازل) (١).\n(١٥) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر آيات الحشر الثلاث من قوله تعالى: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ [الحشر: ٨] إلى قوله: رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠].\nقال ﵀: (وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلًا لهم وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء، ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسابقين وفي قلوبهم غل عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة وعلى أهل السنة الذين يتلونهم وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا ينقض مذهب الرافضة) (٢).\n(١٦) وقال الحافظ ابن كثير: (قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ [الحشر: ١٠] الآية .. هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان، كما قال في آية براءة: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [التوبة: ١٠٠]. فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة الداعون لهم في السر والعلانية ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ [الحشر: ١٠] أي: قائلين: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا أي: بغضًا وحسدًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠] وما أحسن ما استنبط الإمام مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قوله رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠]) (٣) اهـ.\n_________\n(١) «تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن» (٧/ ٥٤).\n(٢) «منهاج السنة» (١/ ١٥٣)، وانظر: «شرح الطحاوية» (ص: ٥٢٩).\n(٣) «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٦٠٩).","vol":"7","page":333},{"text":"(١٧) وقال الشوكاني رحمه الله تعالى بعد أن ذكر قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ [الحشر: ١٠] الآية: (أمرهم الله –سبحانه- بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله –سبحانه- أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولًا أوليًا لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية فإن وجد في قلبه غلًا لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه وخير أمة نبيه ﷺ وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجأ إلى الله – سبحانه – والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم، فقد انقاد للشيطان بزمام ووقع في غضب الله وسخطه، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب بهم الشيطان وزين لهم الأكاذيب المختلقة والأقاصيص المفتراة والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعن سنة رسول الله ﵌ المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور فاشتروا الضلالة بالهدى واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسوله وخير أمته وصالحي عباده وسائر المؤمنين وأهملوا فرائض الله وهجروا شعائر الدين وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر والله من ورائهم محيط) (١) اهـ.\nفهذه النصوص التي سقناها في هذا المبحث عن المتقدمين والمتأخرين من أهل السنة والجماعة كلها تبين أنهم هم الفائزون بسلامة الصدور من الغل والحقد لأصحاب رسول الله ﷺ وأنهم يعتقدون أن من حق الصحابة الكرام على من بعدهم الترحم عليهم والاستغفار لهم فأهل السنة والجماعة يترحمون على جميع أصحاب رسول الله ﷺ صغيرهم وكبيرهم أولهم وآخرهم، ويذكرون محاسنهم وينشرون فضائلهم ويقتدون بهديهم ويقتفون آثارهم، ويعتقدون أن الحق في كل ما قالوه والصواب فيما فعلوه (٢).\nفمن لم يترحم على الصحابة ويستغفر لهم فهو ليس من أهل السنة والجماعة وليس له حظ في شيء من فيء المسلمين. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٧٦٦\n_________\n(١) «فتح القدير» (٥/ ٢٠٢).\n(٢) انظر: «الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة» لابن بطة (ص: ٢٦٤ - ٢٦٥).","vol":"7","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2014>المطلب السادس: الشهادة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة منهم</span>\nمن عقائد أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون لمن شهد له المصطفى ﷺ بالجنة من الصحابة الكرام ﵃ فهناك أشخاص أخبر النبي ﷺ أنهم من أهل الجنة، وهناك آخرون أخبر ببعض النعيم المعد لهم في الجنة، وكل ذلك شهادة منه ﷺ لهم بالجنة، وسواء ذكر المصطفى ﷺ الشخص من أهل الجنة أو أخبر أن له كذا أو مكانته في الجنة كذا أو أخبر أنه رآه في الجنة الكل يشهد له أهل السنة والجماعة بالجنة تصديقًا منهم لخبر الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ، فلقد أخبر ﷺ عن عشرة من المهاجرين بأنهم في الجنة وسماهم بأعيانهم وبشرهم بها أولئك العشرة هم:\n(١) أبو بكر: عبد الله بن عثمان الصديق الأكبر.\n(٢) أبو حفص: عمر بن الخطاب.\n(٣) أبو عبد الله: عثمان بن عفان.\n(٤) أبو الحسن: علي بن أبي طالب.\n(٥) أبو محمد: طلحة بن عبيد الله.\n(٦) أبو عبد الله: الزبير بن العوام.\n(٧) أبو إسحاق: سعد بن أبي وقاص.\n(٨) أبو محمد: عبد الرحمن بن عوف.\n(٩) أبو عبيدة: عامر بن عبد الله بن الجراح.\n(١٠) أبو الأعور: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.\nوهؤلاء العشرة ﵃ انتظم تبشيرهم بالجنة حديث واحد.\nروى الإمام الترمذي وغيره عن سعيد بن زيد «أن رسول الله ﷺ قال: عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي وعثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص – قال: فعد هؤلاء التسعة، وسكت عن العاشر، فقال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله أبو الأعور في الجنة» (١).\nهؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة ﵃ وكلهم من المهاجرين وتبشير العشرة هؤلاء بالجنة لا ينافي تبشير غيرهم، فقد جاء تبشير غيرهم في غير ما خبر، ولأن العدد في الحديث لا ينفي الزائد وممن بشر بالجنة سوى هؤلاء العشرة كثير منهم:-\n(١١) بلال بن رباح:\nبلال بن رباح الحبشي المؤذن واسم أمه حمامة اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد، فأعتقه، فلزم النبي ﷺ، وأذن له، شهد بدرًا وأحدًا وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، وآخى بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، خرج ﵁ مجاهدًا بعد وفاة النبي ﷺ إلى أن مات بالشام زمن عمر بن الخطاب ﵁.\nوقد بشر ﵁ بالجنة في غير ما حديث، فقد روى البخاري ﵀ من حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال النبي ﷺ: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال» (٢).\nوعند مسلم بلفظ: «.... ثم سمعت خشخشة أمامي فإذا بلال» (٣).\nوروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁، قال: «قال رسول الله ﷺ لبلال عند صلاة الغداة: يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة، فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة، قال بلال: ما عملت عملًا في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي» (٤).\n(١٢) زيد بن حارثة:\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٤٨). قال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٩/ ٢٥٥): [له طرق]، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه البخاري (٣٦٧٩).\n(٣) رواه البخاري (٢٤٥٧).\n(٤) رواه مسلم (٢٤٥٨).","vol":"7","page":335},{"text":"هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي بن عبد العزى بن زيد بن امرئ القيس وزيد هذا هو والد أسامة بن زيد الحب ابن الحب لرسول الله ﷺ، وكان يدعى زيد بن محمد حتى نزلت ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ [الأحزاب: ٥]، استشهد في مؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة ﵁.\nومما جاء في بشارته بالجنة ما أخرجه ابن عساكر عن زيد بن الحباب: حدثني حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعًا، أن النبي ﷺ قال: «دخلت الجنة فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت؟ قالت: أنا لزيد بن حارثة» (١).\nفهذا الحديث اشتمل على منقبة ظاهرة لزيد بن حارثة حيث أخبر النبي ﷺ أنه أحد الذين رأى لهم بعض النعيم المعد لهم في الجنة.\n(١٣) حاطب بن أبي بلتعة:\nهو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي من ولد لخم بن عدي، يكنى أبا عبد الله، وقيل يكنى أبا محمد واسم أبي بلتعة عمرو بن راشد بن معاذ اللخمي، حليف قريش، ويقال: إنه من مذجح، وقيل: هو حليف للزبير بن العوام، وهو من أهل اليمن، والأكثر أنه حليف لبنى أسد بن عبد العزى، شهد بدرًا والحديبية، ومات سنة ثلاثين بالمدينة، وهو ابن خمس وستين سنة وصلى عليه ذو النورين عثمان.\nوقد جاء النص عليه في أنه من أصحاب الجنة، وممن يقطع له بدخولها فيما رواه مسلم بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ «أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: كذبت، لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية» (٢).\nفهذا الحديث تضمن فضيلة لأهل بدر والحديبية على وجه العموم ولحاطب على وجه الخصوص، حيث نص عليه باسمه أنه من أهل الجنة وأن النار لا تمسه ﵁ وأرضاه.\n(١٤) عكاشة بن محصن:\nهو عكاشة بن محصن بن حرثان بن مرة بن بكير بن غنم بن دودان بن أسيد بن خزيمة الأسدي حليف بني عبد شمس من السابقين الأولين البدريين أهل الجنة، قتل شهيدًا في قتال أهل الردة زمن أبي بكر الصديق قتله طليحة بن خويلد الأسدي الذي ادعى النبوة وقد هداه الله – ﷿ – فرجع إلى الإسلام. شهد له الرسول ﷺ بالجنة.\nفقد روى البخاري من حديث ابن عباس ﵄، قال: خرج علينا النبي ﷺ يومًا فقال: «عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد ورأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر. فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا هكذا، فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، فتفرق الناس، ولم يبين لهم فتذاكر أصحاب النبي ﷺ، فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي ﷺ فقال: هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن، فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم، فقام آخر، فقال: أمنهم أنا؟ فقال: سبقك بها عكاشة» (٣).\n_________\n(١) رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١/ ١٩٨) (٢٥٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٩/ ٣٧١). قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١/ ٢٣٠): إسناده حسن، وصحح إسناده على شرط مسلم الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٨٥٩).\n(٢) رواه مسلم (٢٤٩٥).\n(٣) رواه البخاري (٥٧٠٥).","vol":"7","page":336},{"text":"وعند الإمام مسلم من حديث عمران بن حصين، قال: قال نبي الله ﷺ: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم» (١).\nفهذان الحديثان فيهما منقبة ظاهرة لعكاشة بن محصن ﵁ وهي أن النبي ﷺ أخبر بأنه من المقطوع لهم بدخول الجنة.\n(١٥) سعد بن معاذ:\nهو أبو عمرو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهلي سيد الأوس، وأمه كبشة بنت رافع، لها صحبة، أسلم ﵁ بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن عمير، ثم كان سببًا في إسلام قومه كلهم، شهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، ورمي يوم الخندق بسهم فعاش بعد ذلك شهرًا حتى حكم في بني قريظة حكمه المشهور الذي وافق فيه حكم الله من فوق سبع سماوات، وبعد ذلك مات بسبب انتقاض جرحه وذلك سنة خمس.\nوقد أخبر ﷺ ببعض ما أعد الله له في الجنة من النعيم، قد روى الشيخان من حديث البراء ﵁، قال: «أهديت للنبي ﷺ حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها، فقال: تعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين» (٢).\nورويا أيضًا من حديث أنس ﵁، قال: «أهدي للنبي ﷺ جبة سندس وكان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها فقال: والذي نفس محمد بيده إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا» (٣). ففي هذين الحديثين: إشارة إلى عظيم منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها التي هي المناديل خير من تلك الجبة التي أثارت العجب في نفوس أصحاب رسول الله ﷺ، لأن المنديل أدنى الثياب، فغيره أفضل، وفيهما إثبات الجنة لسعد بن معاذ ﵁ (٤).\n(١٦) ثابت بن قيس بن شماس:\nهو: ثابت بن قيس بن شماس بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، وأمه امرأة من طيئ، يكنى أبا محمد بابنه محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، كان ﵁ خطيب الأنصار، ويقال له: خطيب رسول الله ﷺ، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، وقتل يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر الصديق ﵁.\nوقد وردت بشارته بالجنة فيما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسًا في بيته منكسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر. كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة» (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢١٨).\n(٢) رواه البخاري (٣٨٠٢)، ومسلم (٢٤٦٨).\n(٣) رواه البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٢٤٦٩).\n(٤) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٦/ ٢٣).\n(٥) رواه البخاري (٤٨٤٦).","vol":"7","page":337},{"text":"وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك، أنه قال: «لما نزلت هذه الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات: ٢] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمر، وما شأن ثابت؟ أشتكى؟ قال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكوى، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: بل هو من أهل الجنة» (١).\nوفي رواية أخرى له عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية. واقتص الحديث (٢) ولم يذكر سعد بن معاذ، وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة (٣).\nهذه الأحاديث تضمنت منقبة عظيمة لثابت بن قيس ﵁ وهي أن النبي ﷺ أخبر أنه من أهل الجنة ﵁ وأرضاه.\n(١٧) حارثة بن سراقة:\nهو حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري، أمه الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك، شهد بدرًا، وقتل يومئذ شهيدًا، قتله حبان بن العرقة بسهم وهو يشرب من الحوض، وكان خرج نظارًا يوم بدر ورماه فأصاب حنجرته فقتله، وهو أول قتيل قتل ببدر من الأنصار (٤).\nوقد شهد له النبي ﷺ بأنه من أهل الجنة، فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى أنس ﵁، قال: «أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع، فقال: ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي؟ إنها جنات كثيرة، وإنه في جنة الفردوس» (٥).\nوروى أيضًا: بإسناده إلى أنس بن مالك «أن أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة – وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب – فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» (٦).\nفي هذين الحديثين منقبة ظاهرة لحارثة بن سراقة وهي أن النبي ﷺ أخبر أمه بأنه في الجنة وأنه أصاب من الجنان أعلاها، وهي الفردوس.\n(١٨) حارثة بن النعمان:\nهو: حارثة بن النعمان بن نقع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري، يكنى أبا عبد الله، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان من فضلاء الصحابة، توفي ﵁ في خلافة معاوية بن أبي سفيان.\n_________\n(١) رواه مسلم (١١٩).\n(٢) رواه مسلم (١١٩).\n(٣) رواه مسلم (١١٩).\n(٤) انظر: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٢/ ١٧)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٣/ ٢٥٤)، و«الاستيعاب» لابن عبدالبر (ص: ٩١)، «تاريخ دمشق» (٣٨/ ٢٥٥).\n(٥) رواه البخاري (٦٥٥٠).\n(٦) رواه البخاري (٢٨٠٩).","vol":"7","page":338},{"text":"وحارثة هذا وردت بشارته بالجنة فيما صح من الخبر عن النبي ﷺ، فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، فقال لها رسول الله ﷺ: كذاك البر كذاك البر، وكان أبر الناس بأمه» (١).\nورواه أبو عبد الله الحاكم بلفظ: «دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، فقال رسول الله ﷺ: كذلكم البر كذلكم البر» (٢).\nقال الطيبي في قوله ﷺ: «كذلكم البر كذلكم البر»: (المشار إليه ما سبق والمخاطبون الصحابة، فإن المصطفى ﷺ رأى هذه الرؤيا وقصها على أصحابه، فلما بلغ إلى قوله النعمان نبههم على سبب نيل تلك الدرجة بقوله «كذلكم البر»، أي: حارثة، نال تلك الدرجة بسبب البر وموقع هذه الجملة التذييل كقوله تعالى: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤]، وفيه من المبالغة أنه جعل جزاء البر برًا، وعرف الخبر بلام الجنس تنبيهًا على أن هذه الدرجة القصوى لا تنال إلا ببر الوالدين والتكرار للاستيعاب) (٣). اهـ.\n(١٩) عبد الله بن سلام:\nهو: عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف من ذرية يوسف بن يعقوب ﷺ، كان حليفًا للأنصار، وهو أحد أحبار اليهود أسلم ﵁ حين قدم النبي ﷺ المدينة، وكان اسمه في الجاهلية الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عبد الله، توفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين.\nأخبر رسول الله ﷺ أنه من أهل الجنة.\nروى البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من حديث سعد بن أبي وقاص قال: «ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأحقاف: ١٠] الآية» (٤).\nورويا أيضًا – عن قيس بن عباد، قال: «كنت جالسًا في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج، وتبعته، فقلت إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة، قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك رأيت رؤيا على عهد النبي ﷺ فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة فقيل له: ارقه، قلت: لا أستطيع فأتاني منصف فرفع ثيابي من خلفي فرقيت حتى كنت في أعلاها فأخذت العروة فقيل له: استمسك فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي ﷺ، فقال: تلك الروضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت. وذاك الرجل عبد الله بن سلام» (٥).\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ١٥١) (٢٥٢٢٣). قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين، وصححه الوادعي في «الصحيح المسند» (١٥٥٥).\n(٢) رواه الحاكم (٣/ ٢٢٩). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في «الإصابة» (١/ ٢٩٨): إسناده صحيح، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٩١٣): إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٣) ذكره عنه المناوي في «فيض القدير» (٣/ ٥١٩).\n(٤) رواه البخاري (٣٨١٢)، ومسلم (٢٤٨٣).\n(٥) رواه البخاري (٣٨١٣)، ومسلم (٢٤٨٤).","vol":"7","page":339},{"text":"وفي (سنن الترمذي) من حديث طويل عن معاذ بن جبل، قال: «إني سمعت رسول الله ﷺ يقول – أي في ابن سلام – إنه عاشر عشرة في الجنة» (١).\nهذه الأحاديث تضمنت الشهادة بالجنة لعبد الله بن سلام وأنه من المقطوع لهم بها.\nقال ابن كثير في ترجمة عبد الله بن سلام: (وهو ممن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وهو ممن يقطع له بدخولها) (٢).\n(٢٠) أم سليم بنت ملحان:\nهي: أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. اختلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة، ويقال: الغميصاء، أو الرميصاء كانت تحت مالك بن النضر، أبي أنس بن مالك في الجاهلية، فولدت أنسًا في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، فغضب مالك وخرج إلى الشام، فمات، فتزوجت بعده أبا طلحة الأنصاري.\nأخبر النبي ﷺ أنه رآها وسمع صوت حركة مشيها في الجنة.\nفقد روى البخاري بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال النبي ﷺ: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة» (٣).\nوعند مسلم بلفظ: «أريت الجنة، فرأيت امرأة أبي طلحة» (٤).\nوروى مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي ﷺ، قال: «دخلت الجنة فسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك» (٥).\nفهذه الأحاديث تضمنت شهادة النبي ﷺ بالجنة لأم سليم ﵂.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٨٠٤). وقال: حسن صحيح غريب، وقال ابن عبدالبر في «الاستيعاب» (٣/ ٥٤): حسن الإسناد صحيح، وقال ابن حجر في «الإصابة» (٢/ ٣٢١): إسناده جيد، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) «البداية والنهاية» (٨/ ٣٠).\n(٣) رواه البخاري (٣٦٧٩).\n(٤) رواه مسلم (٢٤٥٧).\n(٥) رواه مسلم (٢٤٥٦).","vol":"7","page":340},{"text":"وهناك جماعة من أهل بيت النبوة غير علي بن أبي طالب ﵁ وردت نصوص عن النبي ﷺ فيها دلالة واضحة في أنهم ممن يقطع لهم بدخول الجنة، منهم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد، فقد بشرها النبي ﷺ ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب (١)، وابنته فاطمة ﵂ أخبر بأنها سيدة نساء أهل الجنة (٢) وولداها الحسن والحسين فقد بين ﵊ بأنهما سيدا شباب أهل الجنة (٣)، وحمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب ﵄، فقد أخبر ﵊ أنه دخل الجنة فنظر فيها فإذا جعفر يطير مع الملائكة (٤) وإذا حمزة متكئ على سرير (٥).\nفكل من تقدم ذكره شهد له الرسول ﷺ بالجنة على سبيل التنصيص عليه باسمه منفردًا، كما شهد ﷺ بالجنة لخلق كثير من الصحابة على سبيل الجمع كأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، فأهل بدر كان عددهم ﵃ بضعة عشر وثلاثمائة، فهؤلاء أخبر عنهم ﷺ أنهم من أهل الجنة فقد روى البخاري من حديث طويل عن علي ﵁، وفيه أنه قال: «لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم» (٦).\nوأما أهل بيعة الرضوان فقد كان عددهم ألفًا وأربعمائة (٧) وكلهم شهد لهم الرسول ﷺ بالجنة، وأنهم ممن يقطع لهم بدخولها، فقد قال ﷺ كما في حديث جابر عند مسلم ﵀ أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها» (٨).\nفقد قال أهل العلم: (معناه لا يدخلها أحد منهم قطعًا ... وإنما قال إن شاء الله للتبرك لا للشك) (٩).\nفأهل السنة والجماعة يشهدون بالجنة لكل من قدمنا ذكره في هذا المبحث (١٠)، بل يشهدون بالجنة لجميع الصحابة من مهاجرين وأنصار حيث إن الله تعالى وعدهم جميعًا بالحسنى كما قال: لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠]. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – ناصر بن علي عائض – ٢/ ٧٧٥\n_________\n(١) الحديث رواه البخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (٢٤٣٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) الحديث رواه البخاري (٣٦٢٣)، ومسلم (٢٤٥٠). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) رواه الترمذي (٣٧٦٨)، وأحمد (٣/ ٣) (١١٠١٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٥٠) (٨١٦٩)، وابن حبان (١٥/ ٤١١) (٦٩٥٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الدارقطني في «سؤالات السهمي» (٢١٦): صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٠٤): رجاله رجال الصحيح، وقال الشوكاني في «در السحابة» (٢١٥): [روي بإسنادين] رجالهما رجال الصحيح.\n(٤) رواه الترمذي (٣٧٦٣)، وابن حبان (١٥/ ٥٢١) (٧٠٤٧)، والحاكم (٣/ ٢٣١). من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: غريب [فيه] عبد الله بن جعفر ضعفه ابن معين وغيره، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: المديني واهٍ، والحديث صححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) رواه الطبراني (٢/ ١٠٧) (١٤٦٦)، وابن عدي (٣/ ٢٣٠)، والحاكم (٣/ ٢١٧). من حديث عبدالله بن عباس ﵄. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٣٦٣).\n(٦) رواه البخاري (٣٩٨٣).\n(٧) انظر: «الروض الأنف» (٤/ ٦٤)، و«أسد الغابة» (ص: ٥٨٣).\n(٨) رواه مسلم (٢٤٩٦).\n(٩) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٦/ ٥٨).\n(١٠) انظر كتاب «الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة» لابن بطة، (ص: ٢٦١ - ٢٦٤)، «عقيدة السلف وأصحاب الحديث» لأبي عثمان الصابوني ضمن «مجموعة الرسائل المنيرية» (١/ ١٢٨)، «لمعة الاعتقاد» لابن قدامة (ص: ٢٨)، «العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية مع شرحها» لمحمد خليل هراس (ص: ١٦٩)، «قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر» لصديق حسن خان (ص: ٩٨).","vol":"7","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2016>تمهيد</span>\nعقيدة أهل السنة والجماعة في ترتيب الخلفاء الأربعة في الإمامة كترتيبهم في الفضل فالإمام بعد النبي ﷺ أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين ثم أبو السبطين علي ﵃ أجمعين فأهل الحق يعتقدون اعتقادًا جازمًا لا مرية فيه ولا شك أن أولى الناس بالإمامة والأحق بها بعد النبي ﷺ هو أبو بكر الصديق ﵁، روى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى عباد السماك قال: (سمعت سفيان الثوري يقول: الأئمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز وما سوى ذلك فهم منتزون) (١).\nقال أبو عمر: (قد روي عن مالك وطائفة نحو قول سفيان هذا وتأبى جماعة من أهل العلم أن تفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية لمكان صحبته) (٢). وروى بإسناده إلى أبي نوبة قال: (سمعت أبا إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك وعيسى بن يونس ومخلد بن الحسين يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي) (٣) وروى أيضًا بإسناده إلى الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي محمد بن إدريس يقول: (أقول في الخلافة والتفضيل بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃) (٤)، وروى البيهقي بإسناده إلى الربيع بن سليمان أنه قال: قال الشافعي في مسألة (الحجة في تثبيت خبر الواحد): (ولم تزل كتب رسول الله ﷺ تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي ولم يكن لأحد من ولاته ترك إنفاذ أمره – إلى أن قال -: وهكذا كانت كتب خلفائه من بعده وعمالهم وما أجمع المسلمون من كون الخليفة واحدًا والقاضي واحدًا والأمير واحدًا والإمام واحدًا فاستخلفوا أبا بكر واستخلف أبو بكر عمر، ثم أمر عمر أهل الشورى ليختاروا واحدًا، فاختار عبد الرحمن عثمان بن عفان) (٥) وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى أبي علي الحسن بن أحمد بن الليث الرازي قال: (سألت أحمد بن حنبل – فقلت -: يا أبا عبد الله من تفضل؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء – فقلت -: يا أبا عبد الله إنما أسألك عن التفضيل من تفضل قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء المهديون الراشدون ورد الباب في وجهي قال أبو علي: ثم قدمت الري فقلت لأبي زرعة وسألت أحمد وذكرت له القصة فقال: لا نبالي من خالفنا، نقول: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في الخلافة والتفضيل جميعًا هذا ديني الذي أدين الله به وأرجو أن يقبضني الله عليه) (٦).\nوروى أيضًا: بإسناده إلى سلمة بن شبيب قال: قلت لأحمد بن حنبل: من تقدم؟ قال: (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في الخلافة) (٧).\nوروى أبو الفرج بن الجوزي إلى أبي بكر المروذي قال: (قال أحمد بن حنبل: لما مرض رسول الله ﷺ قدم أبا بكر ليصلي بالناس وقد كان في القوم من هو أقرأ منه وإنما أراد الخلافة) (٨).\n_________\n(١) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٣٥٤).\n(٢) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٣٥٤).\n(٣) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٣٥٥).\n(٤) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٣٥٥).\n(٥) «مناقب الشافعي للبيهقي» (١/ ٤٣٥) وانظر: «الرسالة» (ص: ٤١٩ - ٤٢٠).\n(٦) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٣٥٣).\n(٧) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤).\n(٨) «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي (ص: ١٦٠).","vol":"7","page":342},{"text":"وروى أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: (كنت بين يدي أبي جالسًا ذات يوم فجاءت طائفة من الكرخية فذكروا خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وذكروا خلافة علي بن أبي طالب فزادوا وأطالوا فرفع أبي رأسه إليهم فقال: يا هؤلاء، قد أكثرتم القول في علي والخلافة إن الخلافة لم تزين عليًا بل علي زينها قال السياري – أحد رجال السند -: فحدثت بهذا بعض الشيعة فقال لي: قد أخرجت نصف ما كان في قلبي على أحمد بن حنبل من البغض) (١) فهذه طائفة من أقوال بعض كبار أئمة أهل السنة وكلها تبين أنهم يثبتون إمامة الخلفاء الراشدين على حسب ترتيبهم في الفضل وأن أحق الناس بالإمامة بعد النبي ﷺ هو أبو بكر الصديق وعلى هذا الاعتقاد مشى من جاء بعدهم من أهل السنة ودونوا هذا الاعتقاد في كتبهم ودعوا الناس إلى اعتقاده فقد قال الإمام الطحاوي: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁ ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي ﵁) (٢) وقال أبو عبد الله بن بطة رحمه الله تعالى في ذكر سياقه لبيان عقيدة أهل السنة والجماعة: (ثم الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم .. وأحقهم بخلافة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ... ثم من بعده على هذا الترتيب والصفة أبو حفص عمر بن الخطاب ﵁ وهو الفاروق. ثم من بعدهما علي هذا الترتيب والنعت عثمان بن عفان ﵁ وهو أبو عبد الله وأبو عمرو ذو النورين ﵁ ثم على هذا النعت والصفة من بعدهم أبو الحسن علي بن أبي طالب ﵁ فبحبهم وبمعرفة فضلهم قام الدين وتمت السنة وعدلت الحجة) (٣).\nوقال أبو الحسن الأشعري في صدد ذكره للأدلة على أن الصديق هو الإمام بعد النبي ﷺ: (فوجب أن يكون إمامًا بعد النبي ﷺ بإجماع المسلمين) (٤).\nوقال ابن أبي زيد القيرواني: (وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين) (٥).\n_________\n(١) «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي (ص: ١٦٢ - ١٦٣).\n(٢) «العقيدة الطحاوية مع شرحها» لابن أبي العز الحنفي (ص: ٥٣٣ - ٥٤٥).\n(٣) «الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة» (ص: ٢٥٧ – ٢٦١).\n(٤) «الإبانة عن أصول الديانة» (ص: ٦٧).\n(٥) «الرسالة مع شرحها الثمر الداني في تقريب المعاني» (ص: ٢٣).","vol":"7","page":343},{"text":"وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: (ويجب أن يعلم: أن إمام المسلمين وأمير المؤمنين ومقدم خلق الله أجمعين من الأنصار والمهاجرين بعد الأنبياء والمرسلين: أبو بكر الصديق ﵁ ...، ثم من بعده على هذا أمير المؤمنين عمر ﵁ لاستخلافه إياه ... وبعده أمير المؤمنين عثمان ﵁ وبعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه) (١). وقال أبو عثمان الصابوني مبينًا عقيدة أهل الأثر في ترتيب الخلافة: (ويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ باختيار الصحابة واتفاقهم عليه ... ثم خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه باستخلاف أبي بكر ﵁ إياه واتفاق الصحابة عليه بعده وإنجاز الله –سبحانه- بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه وعده ثم خلافة عثمان ﵁ بإجماع أهل الشورى وإجماع الأصحاب كافة ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه، ثم خلافة علي ﵁ ببيعة الصحابة إياه عرفه ورآه كل منهم ﵁ أحق الخلق وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدون الذين نصر الله بهم الدين وقهر وقسر بمكانهم الملحدين وقوى بمكانهم الإسلام ورفع في أيامهم للحق الأعلام ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام) (٢).\nوقال أبو عمر بن عبد البر: (الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر، وعمر، وعثمان وعلي وهم أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ) (٣).\n_________\n(١) «الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به» (ص: ٦٤ - ٦٦).\n(٢) «عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموع الرسائل المنيرية» (١/ ١٢٨).\n(٣) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٣٥١).","vol":"7","page":344},{"text":"وقال الإمام موفق الدين بن قدامة رحمه الله تعالى مبينًا أن الصديق ﵁ أحق الناس بخلافة النبي ﷺ: (وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة، ثم من بعده عمر ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان رضي الله عه لتقديم أهل الشورى له ثم علي ﵁ لفضله وإجماع أهل عصره عليه. وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» (١) (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الخلاف في مسألة تقديم عثمان على علي في الأفضلية، ثم بين أن أمر أهل السنة استقر في هذه المسألة على تقديم عثمان على علي ﵄ فقال: (وإن كانت هذه المسألة مسألة عثمان وعلي ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، وعمر، ثم عثمان، ثم علي ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله) (٣). وقال في موضع آخر: (اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي) (٤). وقال صديق حسن خان: (وأحقهم بالخلافة بعد النبي ﷺ أبو بكر لفضله وسابقته وتقديم النبي ﷺ له في الصلوات على جميع أصحابه وإجماع الصحابة على تقديمه ومتابعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة) (٥).\nوقال عمر بن علي بن سمرة الجعدي في صدد ذكره لترجمة الصديق ﵁: (ثم استخلف أفضل الصحابة وأولاهم بالخلافة معدن الوقار وشيخ الافتخار صاحب المصطفى بالغار سيد المهاجرين والأنصار الصديق أبو بكر التيمي ... قدمه رسول الله ﷺ وأمره أن يصلي بالناس أيام مرضه وبذلك احتج عمر ﵁ على الأنصار يوم السقيفة فقال: (رضيه رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا) (٦)، (وأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله ﷺ فانقادوا له وبايعوه) (٧).) (٨). فهذه طائفة من أقوال أئمة أعلام من أهل السنة والجماعة سقناها في هذا المبحث كلها توضح وتبين أن أهل السنة والجماعة يؤمنون ويعتقدون بأن أحق الناس بالخلافة بعد وفاة المصطفى ﵊ هو أبو بكر الصديق ﵁ ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين وهذا ما يجب على المسلم أن يعتقده ويؤمن به ويموت عليه. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – ناصر بن علي عائض – ٢/ ٥١٤\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٠)، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤)، والدارمي (١/ ٥٧) (٩٥)، والحاكم (١/ ١٧٤). من حديث العرباض بن سارية ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة، ووافقه الذهبي، وقال ابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٤): ثابت صحيح، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨١)، وابن القيم في «أعلام الموقعين» (٤/ ١١٩) وقال: إسناده لا بأس به، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٨٢)، والعراقي في «الباعث على الخلاص» (١)، وابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١٣٦) وقال: رجاله ثقات، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٢) «لمعة الاعتقاد» (ص: ٣٥).\n(٣) «العقيدة الواسطية مع شرحها» لمحمد خليل هراس (ص: ١٤٦).\n(٤) «الوصية الكبرى» (ص: ٣٣).\n(٥) «قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر» (ص: ٩٩).\n(٦) انظر: «مسند الشافعي بترتيب السندي» (ص: ٣٦٢)، و«الإحكام» لابن حزم (٧/ ٤٢٣).\n(٧) «التمهيد» لابن عبدالبر (٢٢/ ١٢٧).\n(٨) «طبقات فقهاء اليمن» (ص: ٣٤ - ٣٥).","vol":"7","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2018>أولا: طريقة مبايعة أبي بكر</span>\nوأما الكيفية أو الطريقة التي تمت بها مبايعة الصديق ﵁ فإنه لما قبض الرب – جلا وعلا – نبيه ﷺ ونقله إلى جنته ودار كرامته اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة بمدينة الرسول ﷺ وأرادوا عقد الإمامة لسعد بن عبادة وبلغ ذلك أبا بكر وعمر ﵄ فقصدوا نحو مجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين ولما انتهوا إليهم حصل بينهم حوار في أمر الخلافة حيث اضطرب أمر الأنصار فجعلوا يطلبون الأمر لأنفسهم، أو الشركة فيه مع المهاجرين فأعلمهم أبو بكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش واحتج بقول النبي ﷺ: «الأئمة من قريش» (١) فأذعنوا لذلك منقادين ورجعوا إلى الحق طائعين، وبايعوا أبا بكر رضوان الله عليه واجتمعوا على إمامته واتفقوا على خلافته وانقادوا لطاعته وانقطع الحوار في مسألة الخلافة باجتماعهم على أبي بكر ﵁ وقد بين عمر ﵁ كيفية بيعة أبي بكر ﵁ في حديث طويل رواه البخاري وفيه أنه قال: «قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرين إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت من هذا فقالوا: هذا سعد بن عبادة فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم –معشر المهاجرين- رهط وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم – وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر – وكنت أداري منه بعض الحد فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبًا ودارًا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم –فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا- فلم أكره مما قال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكم وعذيقها المرجب.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٢٩) (١٢٣٢٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٣/ ٤٦٧) (٥٩٤٢)، والطيالسي (ص: ٢٨٤) (٢١٣٣)، وأبو يعلى (٧/ ٩٤) (٤٠٣٢)، والطبراني (١/ ٢٥٢) (٧٢٥)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٥/ ٨)، والبيهقي (٨/ ١٤٤) (١٦٩٨٥). من حديث أنس ﵁. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ١٨٦): إسناده جيد، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٤٨٣) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٩٧): رواه الطبراني في «الأوسط» و«الكبير»، وفيه عبد الله بن فروخ وثقه ابن حبان، وقال: ربما خالف وفيه كلام، وبقية رجال الكبير ثقات، وقال العراقي في «محجة القرب» (١٨٩): صحيح، وقال الهيتمي المكي في «الزواجر» (٢/ ١١٤)، والشوكاني في «الفتح الرباني» (١١/ ٥٤٢٣): إسناده جيد، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٧٥٨).","vol":"7","page":346},{"text":"منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة فقلت: قتل الله سعد بن عبادة قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر قوي من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا فإما بايعناهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فسادًا فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه ثغرة أن يقتلا» (١).\nولقد اعترف سعد بن عبادة ﵁ بصحة ما قاله الصديق ﵁ يوم السقيفة من أن قريشًا هم ولاة هذا الأمر وسلم طائعًا منقادًا لما قاله المصطفى ﷺ بعد تذكير الصديق إياه بذلك.\nفقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن قال: «توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ في طائفة من المدينة قال: فجاء فكشف عن وجهه فقبله وقال: فداك أبي وأمي ما أطيبك حيًا وميتًا مات محمد ورب الكعبة – وفيه – فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتوهم فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئًا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله ﷺ من شأنهم إلا ذكره وقال: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: لو سلك الناس واديًا، وسلكت الأنصار واديًا سلكت وادي الأنصار ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال – وأنت قاعد-: قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم، فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنت الأمراء» (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد إيراده لهذا الحديث: (فهذا مرسل حسن ولعل حميدًا أخذه عن بعض الصحابة الذي شهدوا ذلك وفيه فائدة جليلة جدًا وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجمعين) (٣). والبيعة التي حصلت للصديق ﵁ في سقيفة بني ساعدة تعتبر بيعة أولى من كبار وفضلاء الصحابة من مهاجرين وأنصار وقد بويع ﵁ بيعة عامة من الغد في مسجد رسول الله ﷺ فتمت البيعة من المهاجرين والأنصار قاطبة صبيحة يوم الثلاثاء وهو اليوم الثاني من متوفى رسول الله ﷺ وقبل تجهيزه ﵊ (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٨٣٠). من حديث ابن عباس ﵁.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٥) (١٨). قال ابن تيمية في «منهاج السنة» (١/ ٥٣٦): مرسل حسن، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٩٤)، والألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣/ ١٤٦): رجاله ثقات إلا أن حميد بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر، وزاد الألباني: وللحديث شاهد.\n(٣) «منهاج السنة» (١/ ١٤٣).\n(٤) «البداية والنهاية» (٥/ ٢٦٨).","vol":"7","page":347},{"text":"روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي النبي ﷺ فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم قال: (كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا يريد بذلك أن يكون آخرهم – فإن يك محمد قد مات فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به بما هدى الله محمدًا ﷺ وأن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ ثاني اثنين فإنه أولى بأموركم، فقوموا فبايعوه وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر قال الزهري عن أنس بن مالك: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة) (١).\nوروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «قبض رسول الله ﷺ واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين، ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم أما لو قلتم غير هذا لم نبايعكم وأخذ بيد أبي بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار قال: فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير قال: فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليًا فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء فقال: قلت ابن عم رسول الله ﷺ وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ فبايعاه» (٢).\nقال ابن كثير: (فيه فائدة جليلة وهي: مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم، أو في اليوم الثاني من الوفاة وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه ... وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرًا سيفه يريد قتال أهل الردة) (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٢١٩).\n(٢) رواه البيهقي (٨/ ١٤٣) (١٦٣١٥). قال الذهبي في «المهذب» (٦/ ٣٢٣٩): مع جودة سنده فيه أشياء تنكر فتدبره، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ٢١٨): هذا حديث يسوى بدنة بل يسوى بدرة و[روي من طريق آخر] بإسناد صحيح.\n(٣) «البداية والنهاية» (٥/ ٢٨١).","vol":"7","page":348},{"text":"وأما ما جاء في (الصحيحين) من حديث عائشة ﵂ «من أن فاطمة بنت النبي ﷺ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله ﷺ ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله ﷺ فأبي أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئًا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد .. فقال عمر لأبي بكر: والله لا تدخل عليهم وحدك فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي إني والله لآتينهم فدخل عليهم أبو بكر فتشهد علي بن أبي طالب ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك ولكنك استبددت علينا بالأمر وكنا نحن نرى لنا حقًا لقرابتنا من رسول الله ﷺ فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلى أن أصل من قرابتي وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الحق ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارًا للذي فضله الله به ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيبًا فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا فسر بذلك المسلمون وقالوا أصبت فكان المسلمون إلى علي قريبًا حين راجع الأمر المعروف» (١).\nفتأخر علي ﵁ المدة المذكورة في الحديث عن بيعة الصديق ﵁ أجاب عنه بعض أهل العلم بما يقنع الذين يسمعون، ويشفي من سلمت قلوبهم من الأحقاد والأضغان لأصحاب رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٤٠)، ومسلم (١٧٥٩).","vol":"7","page":349},{"text":"فقد قال الإمام النووي: (أما تأخر علي ﵁ عن البيعة فقد ذكره علي في هذا الحديث واعتذر إلى أبي بكر ﵁، ومع هذا فتأخره ليس بقادح في البيعة ولا فيه أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس ولا كل أهل الحل والعقد وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له وأن لا يظهر خلافًا ولا يشق العصا وهكذا كان شأن علي ﵁ في تلك المدة التي قبل بيعته فإنه لم يظهر على أبي بكر خلافًا ولا شق العصا ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفًا على حضوره فلم يجب عليه الحضور لذلك ولا لغيره فلما لم يجب لم يحضر وما نقل عنه قدح في البيعة ولا مخالفة ولكن بقي في نفسه عتب فتأخر حضوره إلى أن زال العتب وكان سبب العتب أنه مع وجاهته وفضيلته في نفسه في كل شيء وقربه من النبي ﷺ وغير ذلك رأى أنه لا يستبد بأمر إلا بمشورته وحضوره وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحًا لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة ولهذا أخروا دفن النبي ﷺ حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهم الأمور كيلا يقع نزاع في مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصلاة عليه أو غير ذلك وليس لهم من يفصل الأمور فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء والله أعلم) (١).\nوقال الحافظ ابن كثير معللا عدم استجابة الصديق ﵁ لما طلبته فاطمة ﵂ من الميراث حيث ظنت أن ما خلفه النبي ﷺ يقسم بين الورثة قال: (فلم يجبها إلى ذلك لأنه رأى أن حقًا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله ﷺ وهو الصادق البار الراشد التابع للحق ﵁ فحصل لها – وهي امرأة من البشر ليست براجية العصمة – عتب وتغضب ولم تكلم الصديق حتى ماتت واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها ﷺ رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر ﵁ مع ما تقدم من البيعة قبل دفن رسول الله ﷺ ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم: حدثني أبي (أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: ما كنت حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلة ولا سألتها في سر ولا علانية فقبل المهاجرون مقالته وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره ولقد أمره رسول الله ﷺ أن يصلي بالناس وهو حي) (٢) إسناده جيد، ولله الحمد والمنة ومن تأمل ما ذكرناه ظهر له إجماع الصحابة – المهاجرين منهم والأنصار – على تقديم أبي بكر وظهر له برهان قوله ﵊: «ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٣).) (٤).\n_________\n(١) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/ ٧٧ - ٧٨).\n(٢) رواه الحاكم (٣/ ٧٠)، والبيهقي (٨/ ١٥٢) (١٦٣٦٤). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ٢٨١): إسناده جيد.\n(٣) رواه مسلم (٢٣٨٧). من حديث عائشة ﵁.\n(٤) «البداية والنهاية» (٥/ ٢٨١).","vol":"7","page":350},{"text":"فبيعة علي ﵁ للصديق بعد وفاة فاطمة ﵂ محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله ﷺ في قوله: «لا نورث ما تركناه فهو صدقة» (١) كما تقدم، ومن هذا يعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا حصل لهم بعض العتب على بعضهم فإنهم كانوا سريعي الرجوع عند مراجعة الحق وظهوره ولم يجعلوا للغل في قلوبهم سكنًا بل كانت قلوبهم على قلب رجل واحد وحتى أم الحسنين ﵂ رجعت عن عتبها على الصديق وعدلت عن مطالبته فيما أفاء الله على رسول الله ﷺ من مال فدك بعد أن أبان لها الحكم فيه كما سمعه من رسول الله ﷺ وقالت له: (أنت وما سمعت من رسول الله ﷺ) (٢) وهذا هو الصواب والمظنون بها واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها ﵂ (٣) ولم تطب نفس الإمام الأكبر والصديق الأعظم أبو بكر ﵁ أن تبقى سيدة نساء العالمين عاتبة عليه بل ترضاها وتلاينها قبل موتها فرضيت – ﵂ – على رغم أنف كل رافضي على وجه الأرض.\nفقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: (لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم! فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضات الله ومرضات رسوله ومرضاتكم أهل البيت ثم ترضاها حتى رضيت) (٤).\nففي هذا الأثر صفعة قوية للرافضة الذين فتحوا على أنفسهم شرًا عريضًا وجهلا طويلا وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم بسبب ما ذكر من هجران فاطمة ﵂ لأبي بكر ولو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله، وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل أحد قبوله، ولكنهم طائفة مخذولة وفرقة مرذولة يتمسكون بالمتشابه ويتركون الأمور المحكمة المقدرة عند أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الأعصار والأمصار ﵃ وأرضاهم أجمعين (٥).\n_________\n(١) جزء من حديث رواه البخاري (٤٢٤٠)، ومسلم (١٧٥٩).\n(٢) رواه أبو داود (٢٩٧٣)، وأحمد (١/ ٤) (١٤) واللفظ له، وأبو يعلى (١/ ٤٠) (٣٧)، والبيهقي (٦/ ٣٠٣) (١٢٥٢٦). من حديث أبي الطفيل ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٤٩٧) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وأحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٢٨)، وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ٧٦): إسناده حسن رجاله ثقات.\n(٣) «البداية والنهاية» (٥/ ٣٢٥).\n(٤) رواه البيهقي (٦/ ٣٠١) (١٢٥١٥). وقال: هذا مرسل حسن بإسناد صحيح، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ٢٥٢): إسناده جيد قوي، والظاهر أن الشعبي سمعه من علي أو ممن سمعه من علي، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٢٠٢): وهو وإن كان مرسلًا فإسناده إلى الشعبي صحيح.\n(٥) انظر: «البداية والنهاية» (٥/ ٣٢٢).","vol":"7","page":351},{"text":"ثم إن الصديق ﵁ لم يقبل الإمامة حرصًا عليها ولا رغبة فيها وإنما قبلها تخوفًا من وقوع فتنة أكبر من تركه قبولها ﵁ وأرضاه (١)، ولما بويع ﵁ البيعة الثانية التي هي بيعة عامة الناس في مسجد رسول الله ﷺ خطب الناس خطبة عامة حيث قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله: (أما بعد: أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله) (٢).\nوقوله ﵁: (قد وليت عليكم ولست بخيركم) من باب الهضم والتواضع إذ أنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم ﵃ (٣).\nففي هذه الروايات المتقدمة بيان كيفية مبايعة أبي بكر الصديق ﵁ بالخلافة بعد وفاة النبي ﷺ فقد انعقدت له الخلافة بعقد خيار هذه الأمة المحمدية وهم صحابة رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار الذين هم بطانة رسول الله ﷺ والذين بهم صار للإسلام قوة وعزة وبهم قهر المشركون وبهم فتحت جزيرة العرب. فجمهور الذين بايعوا رسول الله ﷺ هم الذين بايعوا أبا بكر وأما كون عمر أو غيره سبق إلى البيعة ففي كل بيعة لابد من سابق (٤). عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – ناصر بن علي عائض – ٢/ ٥٢١\n_________\n(١) انظر: «البداية والنهاية» (٥/ ٣٢٢).\n(٢) رواه معمر في «الجامع» (١٣١١)، وابن إسحق في «السيرة لابن هشام» (٢/ ٦٦١)، والطبري في «تاريخ الرسل والملوك» (٢/ ٢٣٨). من حديث أنس ﵁. قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ٢١٨): وهذا إسناد صحيح.\n(٣) انظر: «البداية والنهاية» (٥/ ٢٨٠).\n(٤) «منهاج السنة» (١/ ١٤٢).","vol":"7","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2019>ثانيا: النصوص المشيرة إلى خلافته</span>\n١ - الآيات القرآنية:\nلقد وردت آيات في الكتاب العزيز فيها الإشارة إلى أن أبا بكر الصديق ﵁ أحق الناس من هذه الأمة بخلافة سيد الأولين والآخرين وتلك الآيات هي:\n(١) قوله تعالى: اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٦ - ٧] ووجه الدلالة أن أبا بكر ﵁ داخل فيمن أمر الله – جل وعلا – عباده أن يسألوه أن يهديهم طريقهم وأن يسلك بهم سبيلهم وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر منهم الصديقين في قوله: وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: ٦٩] وقد أخبر المصطفى ﷺ أن أبا بكر ﵁ من الصديقين (١) فدل ذلك على أنه واحد منهم بل هو المقدم فيهم ولما كان أبو بكر ﵁ ممن طريقهم هو الصراط المستقيم فلا يبقى أي شك لدى العاقل في أنه أحق خلق الله من هذه الأمة بخلافة المصطفى ﷺ.\nقال محمد بن عمر الرازي: (قوله: اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ [الفاتحة: ٦ - ٧] يدل على إمامة أبي بكر ﵁ لأنا ذكرنا أن تقدير الآية: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله عليهم من هم؟ فقال: فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء: ٦٩] الآية ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر الصديق ﵁ فكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقين ولو كان أبو بكر ظالمًا لما جاز الاقتداء به فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر ﵁) (٢).\nوقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: (يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق ﵁ لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم – أعني الفاتحة – بأن نسأله أن يهدينا صراطهم فدل على أن صراطهم هو الصراط المستقيم وذلك في قوله: اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ [الفاتحة: ٦ - ٧] وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين وقد بين ﷺ أن أبا بكر ﵁ من الصديقين فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق ﵁ على الصراط المستقيم وأن إمامته حق) (٣).\n(٢) وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: ٥٤].\n_________\n(١) انظر: «صحيح البخاري» (٢/ ٢٩٣).\n(٢) «التفسير الكبير» (١/ ٢٦٠).\n(٣) «أضواء البيان» (١/ ٣٦).","vol":"7","page":353},{"text":"هذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة أول من تنطبق عليه أبو بكر الصديق ﵁ وجيوشه من الصحابة الذين قاتلوا المرتدين فقد مدحهم الله بأكمل الصفات وأعلى المبرات ووجه دلالة الآية على خلافة الصديق أنه (كان في علم الله ﷾ ما يكون بعد وفاة رسول الله ﷺ من ارتداد قوم فوعد سبحانه – ووعده صدق – أنه يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، فلما وجد ما كان في علمه في ارتداد من ارتد بعد وفاة رسول الله ﷺ وجد تصديق وعده بقيام أبي بكر الصديق ﵁ بقتالهم فجاهد بمن أطاعه من الصحابة من عصاه من الأعراب ولم يخف في الله لومة لائم حتى ظهر الحق وزهق الباطل وصار تصديق وعده بعد وفاة رسوله ﷺ آية للعالمين ودلالة على صحة خلافة الصديق ﵁) (١) روى ابن جرير الطبري بإسناده إلى علي ﵁ أنه قال في قوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] قال: (فسوف يأتي الله المرتدة في دورهم بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه) (٢) وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى الحسن البصري ﵀ أنه قال في قوله: مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] قال: (هم الذين قاتلوا مع أبي بكر أهل الردة من العرب حتى رجعوا إلى الإسلام بعد رسول الله ﷺ) ثم قال: وكذلك قال عكرمة وقتادة والضحاك، وروينا عن عبد الله بن الأهتم أنه قال لعمر بن عبد العزيز: (إن أبا بكر الصديق قام بعد رسول الله ﷺ فدعا إلى سنته ومضى على سبيله فارتدت العرب، أو من ارتد منهم فعرضوا أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة فأبى أن يقبل منهم إلا ما كان رسول الله ﷺ قابلًا في حياته فانتزع السيوف من أغمادها وأوقد النيران في شعلها وركب بأهل حق الله أكتاف أهل الباطل حتى قررهم بالذي نفروا منه وأدخلهم من الباب الذي خرجوا منه حتى قبضه الله) (٣).\nفدلت الآية السابقة على خلافة الصديق حيث حصل في خلافته ما نطقت به الآية من ارتداد الكثير من العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ وجاهدهم أبو بكر ﵁ هو والصحابة الكرام ﵃ حتى رجعوا إلى الإسلام كما أخبر الله تعالى في الآية وهذا من الكائنات التي أخبر بها الرب – جل وعلا – قبل وقوعها.\n_________\n(١) «الاعتقاد» للبيهقي (ص: ٣٤٤).\n(٢) «تفسير الطبري» (٦/ ٢٨٥).\n(٣) «الاعتقاد» (ص: ١٧٤).","vol":"7","page":354},{"text":"(٣) قال تعالى: إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠] ففي هذه الآية الكريمة جعل الله أبا بكر في مقابلة الصحابة أجمع حيث خاطبهم بأنهم إن لم يعينوا رسوله ﷺ بالنفير معه للمقاتلة في سبيل الله فقد نصره بصاحبه أبي بكر ﵁ وأيده بجنود من الملائكة ثم بين –تعالى- أنه ثاني اثنين – ثالثهما رب العالمين وهذه الميزة الشريفة والمنزلة العظيمة اعتبرها أصحاب رسول الله ﷺ من صفاته العالية التي جعلته أحق الناس بالإمامة بعد النبي ﷺ لأنه لا أفضل في الأمة المحمدية من أبي بكر الذي هو ثاني اثنين قال ﵊ في شأنهما: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (١).\nقال أبو عبد الله القرطبي: (قال بعض العلماء في قوله تعالى: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ ما يدل على أن الخليفة بعد النبي ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ لأن الخليفة لا يكون أبدًا إلا ثانيًا وسمعت شيخنا أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق الصديق أن يقال له ثاني اثنين لقيامه بعد النبي ﷺ بالأمر كقيام النبي ﷺ به أولا، وذلك أن النبي ﷺ لما مات ارتدت العرب كلها ولم يبق الإسلام إلا بالمدينة وجواثا فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي ﷺ فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين) (٢).\n(٤) قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [التوبة: ١٠٠] الآية (ووجه دلالة الآية على أحقية الصديق بالإمامة بعد النبي ﷺ أن الهجرة فعل شاق على النفس ومخالف للطبع فمن أقدم عليه أولا صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقويًا لقلب الرسول ﵊ وسببًا لزوال الوحشة عن خاطره وكذلك السبق في النصرة فإن الرسول ﵊ لما قدم المدينة فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة فازوا بمنصب عظيم وإذا ثبت هذا فإن أسبق الناس إلى الهجرة أبو بكر الصديق فإنه كان في خدمة المصطفى ﵊ وكان مصاحبًا له في كل مسكن وموضع فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره وإذا ثبت هذا صار محكومًا عليه بأنه ﵁ ورضي هو عن الله وذلك في أعلى الدرجات من الفضل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إمامًا حقًا بعد رسول الله ﷺ فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر ﵄ وعلى صحة إمامتهما) (٣).\n(٥) قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: ٥٥].\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨١). من حديث أبي بكر الصديق ﵁.\n(٢) «الجامع لأحكام القرآن» (٨/ ١٤٧ - ١٤٨).\n(٣) انظر: «التفسير الكبير» للفخر الرازي (١٦/ ١٦٨ - ١٦٩).","vol":"7","page":355},{"text":"(هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق ﵁ وعلى خلافة الثلاثة بعده فلما وجدت هذه الصفة من الاستخلاف والتمكين في أمر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي دل ذلك على أن خلافتهم حق) (١).\nقال الحافظ ابن كثير: (وقال بعض السلف خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حق في كتاب الله ثم تلا هذه الآية) (٢).\n(٦) قال تعالى: قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح: ١٦].\nقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وقد دل الله على إمامة أبي بكر في (سورة براءة) فقال للقاعدين عن نصرة نبيه ﵇ والمتخلفين عن الخروج معه فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا [التوبة: ٨٣] وقال في سورة أخرى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ [الفتح: ١٥] يعني قوله: لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا ثم قال: كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا [الفتح: ١٥]-يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم- كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح: ١٦] والداعي لهم إلى ذلك غير النبي ﷺ الذي قال الله –﷿- له فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا وقال في سورة الفتح: يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ فمنعهم عن الخروج مع نبيه ﵇ وجعل خروجهم معه تبديلا لكلامه فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه ﷺ) (٣). (وقد قال مجاهد في قوله: أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ: هم فارس والروم وبه قال الحسن البصري. وقال عطاء: هم فارس، وهو أحد قولي ابن عباس ﵁، وفي رواية أخرى عنه أنهم بنو حنيفة يوم اليمامة فإن كانوا أهل اليمامة فقد قوتلوا في أيام أبي بكر، وهو الداعي إلى قتال مسيلمة وبني حنيفة من أهل اليمامة، وإن كانوا أهل فارس والروم) (٤) فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر كما وجبت إمامة عمر لأنه العاقد له الإمامة فقد دل القرآن على إمامة الصديق والفاروق ﵄، وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعد رسول الله ﷺ وجب أنه أفضل المسلمين ﵁) (٥).\n(٧) قال تعالى: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: ٨].\n_________\n(١) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٥/ ١٢١).\n(٢) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٥/ ١٢١).\n(٣) «الإبانة عن أصول الديانة» (ص: ٦٧)، وانظر: «مقالات الإسلاميين» (٢/ ١٤٤)، «الاعتقاد للبيهقي» (ص: ١٧٢ - ١٧٣).\n(٤) انظر تلك الروايات في «تفسير الطبري» (٢٦/ ٨٢ - ٨٤)، «الاعتقاد» للبيهقي (ص: ١٧٣)، «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٦/ ٣٤٠).\n(٥) «الإبانة عن أصول الديانة» (ص: ٦٧).","vol":"7","page":356},{"text":"وجه دلالة هذه الآية على خلافته ﵁ أن الله –جل وعلا- سماهم (صادقين) ومن شهد له الرب –جل وعلا- بالصدق فإنه لا يقع في الكذب ولا يتخذه خلقًا بحال وقد أطبق هؤلاء الموصوفون بالصدق على تسمية الصديق ﵁ (خليفة رسول الله) (١) ﷺ ومن هنا كانت الآية دالة على ثبوت خلافته ﵁. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٥٣٢\n٢ - الأحاديث النبوية\nوأما الأحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلافة أبي بكر ﵁ فكثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدلالة إما على وجه التصريح، أو الإشارة ولاشتهارها وتواترها صارت معلومة من الدين بالضرورة بحيث لا يسع أهل البدعة إنكارها ومن تلك الأحاديث:-\n(١) ما رواه الشيخان في (صحيحيهما) عن جبير بن مطعم قال: «أتت امرأة النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك –كأنها تقول الموت- قال ﷺ: إن لم تجديني فأتي أبا بكر» (٢).\nاشتمل هذا الحديث على إشارة واضحة في أن الذي يخلفه على الأمة هو أبو بكر الصديق ﵁.\nقال أبو محمد بن حزم: (وهذا نص جلي على استخلاف أبي بكر) (٣).\nوقال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث أن مواعيد النبي ﷺ كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس) (٤).\n(٢) وروى مسلم ﵀ بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: (سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر. فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا) (٥).\nقال النووي: (هذا دليل لأهل السنة في تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة وفيه دلالة لأهل السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من النبي ﷺ على خلافته صريحًا بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أولا ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا إليه لكن تنازعوا أولا ولم يكن هناك نص ثم اتفقوا على أبي بكر واستقر الأمر وأما ما تدعيه الشيعة من النص على علي والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين والاتفاق على بطلان دعواهم من زمن علي وأول من كذبهم علي ﵁ بقوله: (ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة) (٦) الحديث، ولو كان عنده نص لذكره ولم ينقل أنه ذكره في يوم من الأيام ولا أن أحدًا ذكره له والله أعلم وأما قوله ﷺ .. «للمرأة حين قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك قال: فإن لم تجديني فأتي أبا بكر» (٧) فليس فيه نص على خلافته وأمر بها بل هو إخبار بالغيب الذي أعلمه الله تعالى به والله أعلم) (٨).\n_________\n(١) انظر: «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ١٠٧)، «منهاج السنة» (١/ ١٣٥).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٥٩)، ومسلم (٢٣٨٦).\n(٣) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ١٠٨).\n(٤) «فتح الباري» (٧/ ٢٤).\n(٥) رواه مسلم (٢٣٨٥).\n(٦) رواه البخاري (٣١٧٢)، ومسلم (١٣٧٠). من حديث علي ﵁.\n(٧) رواه البخاري (٣٦٥٩)، ومسلم (٢٣٨٦). من حديث جبير بن مطعم ﵁.\n(٨) «شرح النووي على مسلم» (١٥/ ١٥٤ - ١٥٥).","vol":"7","page":357},{"text":"(٣) وروى الإمام أحمد وغيره عن حذيفة قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسًا فقال: «إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر وتمسكوا بعهد عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه» (١).\nفقوله ﷺ: «اقتدوا باللذين من بعدي» أي: (بالخليفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبو بكر وعمر. وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة) (٢).\n(٤) وروى الشيخان في (صحيحيهما) من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني فنزع دلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر له فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر» (٣).\nهذا الحديث فيه إشارة ظاهرة إلى خلافة أبي بكر وعمر وصحة ولايتهما وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها.\nقال الشافعي رحمه الله تعالى: (رؤيا الأنبياء وحي وقوله: «وفي نزعه ضعف» قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته) (٤).\n(٥) وروى الشيخان في (صحيحيهما) من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: «ادعي لي أبا بكر، وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٥).\n(٦) وعند الإمام أحمد عنها ﵂ قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: «ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر» (٦).\nدل هذا الحديث دلالة ظاهرة على فضل الصديق ﵁ حيث أخبر النبي ﷺ بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره ﵁ وفي الحديث إشارة أنه سيحصل نزاع ووقع كل ذلك كما أخبر ﵊ ثم اجتمعوا على أبي بكر ﵁ قال أبو محمد بن حزم بعد أن ذكر هذا الحديث: (فهذا نص جلي على استخلافه ﵊ أبا بكر على ولاية الأمة بعده) (٧).\n(٧) وروى البخاري من حديث طويل عن أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: «إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر» (٨).\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٨٥) (٢٣٣٢٤)، ورواه الترمذي (٣٧٩٩)، وابن ماجه (٩٧)، وابن حبان (١٥/ ٣٢٧) (٦٩٠٢). قال الترمذي، وابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٥)، وابن الملقن في «شرح صحيح البخاري» (٩/ ٥٧٨): حسن، وقال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١٤٣): مثله حسن، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٢) انظر: «تحفة الأحوذي» (١٠/ ١٠٢).\n(٣) رواه البخاري (٧٠٢٢)، ومسلم (٢٣٩٢).\n(٤) «الأم» (١/ ١٦٣).\n(٥) رواه البخاري (٥٦٦٦)، ومسلم (٢٣٨٧).\n(٦) رواه أحمد (٦/ ٤٧) (٢٤٢٤٥). قال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٦٩٠): [فيه] ابن أبي مليكة ضعيف لكنه لم يتفرد به وله شواهد، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: إسناده ضعيف.\n(٧) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ١٠٨).\n(٨) رواه البخاري (٣٦٥٤).","vol":"7","page":358},{"text":"وفي لفظ آخر للشيخين: «لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر» (١) فأمره ﷺ بسد الأبواب جميعها إلا باب أبي بكر فيه إشارة قوية إلى أنه أول من يلي أمر الأمة بعد وفاته ﵊. قال الحافظ ابن حجر: (قوله إلا باب أبي بكر) هو استثناء مفرغ والمعنى لا تبقوا بابًا غير مسدود إلا باب أبي بكر فاتركوه بغير سد قال الخطابي وابن بطال وغيرهما: (في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة ولاسيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي ﷺ في الوقت الذي أمرهم فيه لا يؤمهم إلا أبو بكر وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة والأمر بالسد كناية عن طلبها كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر فإنه لا حرج عليه في طلبها وإلى هذا جنح ابن حبان فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا الحديث دليل على أنه الخليفة بعد النبي ﷺ لأنه حسم بقوله سدوا عنى كل خوخة في المسجد أطماع الناس كلهم على أن يكونوا خلفاء بعده) (٢).\n(٨) وروى الشيخان في (صحيحيهما) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «مرض النبي ﷺ فاشتد مرضه فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة: إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فعادت فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي ﷺ» (٣).\n(٩) وفي رواية أخرى عن عائشة ﵂ أنها قالت: «إن رسول الله ﷺ قال في مرضه: مروا أبا بكر يصلي بالناس قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس فقالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس ففعلت حفصة فقال رسول الله ﷺ: مه إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا» (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٢).\n(٢) «فتح الباري» (٧/ ١٤).\n(٣) رواه البخاري (٦٧٨)، ومسلم (٤٢٠).\n(٤) رواه البخاري (٦٧٩)، ومسلم (٤١٨).","vol":"7","page":359},{"text":"(١٠) وروى مسلم في (صحيحه) بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله قال: «دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ قالت: بلى ثقل النبي ﷺ فقال: أصلى الناس قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله فقال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس فقلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس فقال أبو بكر، وكان رجلا رقيقًا: يا عمر صل بالناس قال: فقال: عمر أنت أحق بذلك قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن لا يتأخر وقال لهما: أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله ﷺ قال: هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئًا غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت: لا قال: هو علي» (١).\nهذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة منها: (فضيلة أبي بكر الصديق ﵁ وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله ﷺ من غيره ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر ﵁ لأن أبا بكر ﵁ لم يعدل إلى غيره) (٢).\n(١١) وروى الشيخان من حديث أنس ﵁ «أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله ﷺ ضاحكًا قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من الفرح بخروج رسول الله ﷺ ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله ﷺ خارج للصلاة فأشار إليهم رسول الله ﷺ فأرخى الستر قال: فتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك» (٣).\n_________\n(١) رواه مسلم (٤١٨). والحديث رواه البخاري (٦٨٧).\n(٢) «شرح النووي على مسلم» (٤/ ١٣٧).\n(٣) رواه مسلم (٤١٩).","vol":"7","page":360},{"text":"(١٢) وروى البخاري بإسناده إلى أنس ﵁ قال: «لم يخرج النبي ﷺ ثلاثًا فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فقال نبي الله ﷺ بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي ﷺ ما نظرنا منظرًا كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا فأومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى النبي ﷺ الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات» (١) فهذه الأحاديث التي فيها تقديم الصديق ﵁ في الصلاة على اختلاف رواياتها واضحة الدلالة على أن أبا بكر ﵁ أفضل الصحابة على الإطلاق وأحقهم بالخلافة وأولاهم بالإمامة وقد فهم هذه الدلالة أصحاب رسول الله ﷺ.\n(١٣) فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لما قبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير قال: فأتاهم عمر ﵁ فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ﵁ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر» (٢).\n(١٤) وروى ابن سعد بإسناده إلى الحسن قال: قال علي: «لما قبض النبي ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا فقدمنا أبا بكر» (٣).\nوكما فهم أصحاب رسول الله ﷺ من تقديم الصديق في الصلاة أن ذلك إشارة إلى أنه أحق بالإمامة بعد وفاته ﷺ كذلك فهم هذا الفهم من جاء بعدهم من أهل العلم، فقد قال أبو بكر المروذي: (قيل لأبي عبدالله – أحمد بن حنبل – قول النبي ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم فلما مرض قال: قدموا أبا بكر يصلي بالناس» (٤)، وقد كان في القوم من هو أقرؤ من أبي بكر فقال أبو عبدالله: إنما أراد الخلافة) (٥). وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء: أن رسول الله ﷺ قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنًا، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلامًا» (٦) – قال ابن كثير – وهذا من كلام الأشعري ﵀ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ﵁ وأرضاه) (٧).\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي بعد أن ساق الأحاديث التي فيها تقديم أبي بكر الصديق في الصلاة: (فهذه الأخبار وما في معناها تدل على أن النبي ﷺ رأى أن يكون الخليفة من بعده أبو بكر الصديق فنبه أمته بما ذكر من فضيلته وسابقته وحسن أثره، ثم بما أمرهم به من الصلاة خلفه، ثم الاقتداء به وبعمر بن الخطاب ﵄ على ذلك وإنما لم ينص عليه نصًا لا يحتمل غيره والله أعلم لأنه علم بإعلام الله إياه أن المسلمين يجتمعون عليه وأن خلافته تنعقد بإجماعهم على بيعته) اهـ (٨). عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – ناصر بن علي عائض – ٢/ ٥٣٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٨١)، ومسلم (٤١٩).\n(٢) رواه الحاكم (٣/ ٧٠). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١٥١)، والألباني في «تخريج السنة» (١١٥٩).\n(٣) رواه ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ١٨٣).\n(٤) رواه البخاري (٦٧٩)، ومسلم (٤١٨).\n(٥) «المسند من مسائل الإمام أحمد» للخلال ورقة (٤٣) وهو مخطوط يوجد في مكتبة مخطوطات الجامعة الإسلامية. وانظر: «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي (ص: ١٦٠).\n(٦) رواه مسلم (٦٧٣). من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁.\n(٧) «البداية والنهاية» (٥/ ٢٦٥).\n(٨) «الاعتقاد» (ص: ١٧٢).","vol":"7","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2020>ثالثا: هل خلافة أبي بكر ثبتت بالنص أم بالإشارة</span>\nإن أهل السنة لهم قولان في إمامة أبي بكر الصديق ﵁ من حيث الإشارة بالنص الخفي أو الجلي.\nالقول الأول:\nمنهم من قال: إن إمامة أبي بكر الصديق ﵁ ثابتة بالنص الخفي والإشارة وهذا القول ينسب إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل الحديث (١) وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل (٢) رحمة الله عليه واستدل أصحاب هذا القول بتقديم النبي ﷺ له في الصلاة وبأمره ﷺ بسد الأبواب إلا باب أبي بكر وقد تقدمت هذه الأحاديث قريبًا.\nالقول الثاني:\nومنهم من قال: إن خلافة أبي بكر ﵁ ثابتة بالنص الجلي وهذا قول طائفة من أهل الحديث (٣) وبه قال أبو محمد بن حزم الظاهري (٤) واستدل هذا الفريق بحديث المرأة التي قال لها: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» (٥) وبقوله لعائشة ﵂: «ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٦) وحديث رؤياه ﷺ أنه على حوض يسقي الناس فجاء أبو بكر فنزع الدلو من يده ليروحه (٧) ...\nوالقول الذي يطمئن إليه القلب وترتاح له النفس في خلافة أبي بكر ﵁ أن يقال: إن المصطفى ﷺ لم يأمر المسلمين بأن يكون الخليفة عليهم من بعده أبا بكر ﵁ وإنما دلهم عليها لإعلام الله – سبحانه – له بأن المسلمين سيختارونه لما له من الفضائل العالية التي ورد بها القرآن والسنة وفاق بها غيره من جميع الأمة المحمدية ﵁ وأرضاه.\n_________\n(١) انظر: «الفصل في الملل والأهواء والنحل» لابن حزم (٤/ ١٠٧)، «منهاج السنة» لابن تيمية (١/ ١٣٤ - ١٣٥)، «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (١/ ١٢٥)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي (ص: ٥٣٣).\n(٢) انظر: «المعتمد في أصول الدين» لأبي يعلى الفراء (ص: ٢٢٦)، «منهاج السنة» (١/ ١٣٤).\n(٣) انظر: «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ١٠٧)، «منهاج السنة» (١/ ١٣٤ - ١٣٥)، «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (١/ ١٢٥)، «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٥٣٣).\n(٤) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ١٠٧).\n(٥) رواه البخاري (٣٦٥٩)، ومسلم (٢٣٨٦).\n(٦) رواه البخاري (٥٦٦٦)، ومسلم (٢٣٨٧).\n(٧) حديث الرؤيا رواه البخاري (٧٠٢٢)، ومسلم (٢٣٩٢).","vol":"7","page":362},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد ذكره للخلاف الوارد في خلافة الصديق هل ثبتت بالنص الجلي، أو الخفي: (والتحقيق أن النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك ... فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله ﷺ بيانًا قاطعًا للعذر ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: (وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر) رواه البخاري ومسلم (١) ...) إلى أن قال – (فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله ﷺ له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعًا لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد، وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلا على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة فإن ذلك لا يحتاج فيه إلى عهد خاص) (٢).\nفهذا هو الرأي الراجح في هذه المسألة لأن النصوص متفقة على إثبات فضله الذي لا يلحقه فيه أحد، وإرشاد الأمة إلى أنه أحق الناس بنيابة الرسول ﷺ بعد وفاته فقد أخبر النبي ﷺ أن المسلمين سيجتمعون على خلافة أبي بكر لسابقته إلى الإسلام وفضله العظيم الذي لا يشاركه فيه أحد فخلافته ﵁ ورد في القرآن والسنة التنبيه والإشارة إليها والله أعلم. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – ناصر بن علي عائض – ٢/ ٥٤٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) «منهاج السنة» (١/ ١٣٩ - ١٤١)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٤٧ - ٤٩).","vol":"7","page":363},{"text":"والقول بأنها قد ثبتت بالنص قد يصعب الاستدلال عليه، لأن أقواله - ﷺ - وأفعاله التي يستدل بها على أن خلافة أبي بكر ثابتة بالنص لا تفيد هذا إفادة صريحة، فتقديم الرسول - ﷺ - أبا بكر للصلاة بالناس (١) ليس نصًا على خلافته لا جليًا ولا خفيًا وإنما هو إرشاد للأمة إلى أن أبا بكر أولى بأن ينوب عن الرسول - ﷺ -، وكذلك أحاديث سد الأبواب (٢) والخوخ (٣) إلا باب أبي بكر ففيه إشارة إلى فضله وتميزه عن غيره لا أكثر.\nأما الأحاديث الدالة على أنه أراد أن يكتب عهدًا ثم تركه (٤) فقد ترك ذلك لعلمه بأن المؤمنين سيختارونه من دون عهد منه - ﷺ - فدل على أنه ليس هناك عهد.\nوكذلك حديث المرأة السائلة، ومبعوث بني المصطلق. ففيه: إخبار بأن الذي سيكون واليًا هو أبو بكر، فلتأته المرأة وتسأله، وليدفع بنوا المصطلق إليه زكاتهم. وكذلك حديث الأمر بالإقتداء ليس نصًا في الخلافة.\nفهذه الأحاديث التي يظن بعض الناس أنها تفيد النص على إمامة أبي بكر رضي الله تعالى عنه إنما تدل على علم رسول الله - ﷺ - عن طريق الوحي بأن المسلمين سيجتمعون على خلافة أبي بكر لمزاياه التي لا يضارعه فيها أحد كما تدل إلى رضا الله ورسوله بذلك دون غيره، وهذا هو الذي فهمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم منها، يدل على ذلك ما يلي:\n١ - اجتماع السقيفة: حيث لما توفي رسول الله - ﷺ - اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للمسلمين (٥) فلو كان هناك نص ما اجتمعوا لذلك ولبايعوا المعهود إليه مباشرة وهم أحرص الناس على اتباع رسول الله - ﷺ.\n٢ - كما يدل على ذلك أيضًا أخذ أبي بكر رضي الله تعالى عنه بيدي عمر وأبي عبيدة بن الجراح وقوله: (قد اخترت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم) (٦) فلو كان هناك عهد له لم يجز له أن يختار، ولا يعقل أن لا يعلم هو بذلك وهو المعهود له.\n_________\n(١) الحديث رواه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨). بلفظ: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، مروا أبا بكر فليصل بالناس» من حديث عائشة ﵂.\n(٢) رواه البخاري (٤٦٦)، ومسلم (٢٣٨٢). «... إنّ من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر ﵁، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتّخذت أبا بكرٍ خليلًا، ولكن أخوّة الإسلام ومودته. لا يبقين في المسجد بابٌ إلا سدّ إلا باب أبا بكر ﵁». من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) [١٢٠٥٣]» الحديث رواه البخاري (٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٢). بلفظ: «... إن من أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لتخذت أبا بكر، إلا خلة الإسلام، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر». من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٤) الحديث رواه مسلم (٢٣٨٧). بلفظ: قال رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر». من حديث عائشة ﵂.\n(٥) الحديث رواه البخاري (٣٦٦٩). من حديث عائشة ﵂.\n(٦) [١٢٠٥٦]» رواه البخاري (٦٨٣٠). من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"7","page":364},{"text":"٣ - ومنها قول عمر رضي الله تعالى عنه حينما طلب منه أن يختار خليفة للمسلمين بعده فقال: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وأن أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني الرسول - ﷺ -) (١). وهذا نص في المسألة بأن النبي - ﷺ - لم يستخلف أحدًا بعده.\n٤ - ومما يدل على ذلك أيضًا قول عائشة رضي الله تعالى عنها حينما سئلت من كان رسول الله - ﷺ - مستخلفًا لو استخلف؟ فقالت: أبو بكر، قيل ثم من؟ قالت: عمر، قيل ثم من؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح (٢). فقول السائل: (لو استخلف) دال على أنه لم يستخلف، والسؤال عما لو كان مستخلفًا فمن سيستخلف؟\n٥ - ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده إلى ابن عباس ﵄ قال: (مات رسول الله - ﷺ - ولم يوص) (٣). فهذا دليل صريح في المسألة على أن النبي - ﷺ - لم يوص بالخلافة لا لأبي بكر، ولا لعلي ﵂، ولا لغيرهما.\n٦ - ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده إلى علي ﵁ قال: قيل يا رسول الله من تؤمر بعدك؟ قال: «إن تؤمروا أبا بكر تجده أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًا أميًنا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليًا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديًا مهديًا يأخذ بكم الطريق المستقيم» (٤).\nفقول النبي - ﷺ -: «إن تؤمروا» دليل على أنه لم يؤمر أحدًا، وإنما وكل ذلك إلى المسلمين ثم استعرض - ﷺ - بعض أفاضل الصحابة مبتدئًا بأبي بكر وبين ما في كل واحد منهم من الخصال الحميدة المميزة له. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن عمر الدميجي ص: ١٣٣\n_________\n(١) [١٢٠٥٧]» رواه البخاري (٧٢١٨)، ومسلم (١٨٢٣). من حديث عبد الله بن عمر ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٢٣٨٥).\n(٣) [١٢٠٥٩]» رواه أحمد (١/ ٣٤٣) (٣١٨٩). قال ابن حجر في «فتح الباري» (٥/ ٤٢٦)، والشوكاني في «نيل الأوطار» (٦/ ١٤٤): إسناده قوي، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيق «المسند» (٥/ ٦٩).\n(٤) [١٢٠٦٠]» رواه أحمد (١/ ١٠٨) (٨٥٩)، والحاكم (٣/ ٧٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٦٤). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٧٩): رواه أحمد والبزار والطبراني في «الأوسط» ورجال البزار ثقات.","vol":"7","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2021>رابعًا: انعقاد الإجماع على خلافته ﵁</span>\nلقد أجمع أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ لفضله وسابقته ولتقديم النبي ﷺ إياه في الصلوات على جميع الصحابة وقد فهم أصحاب النبي ﷺ مراد المصطفى ﵊ من تقديمه في الصلاة فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد ولم يكن – الرب جلا وعلا – ليجمعهم على ضلالة فبايعوه طائعين وكانوا لأوامره ممتثلين ولم يعارض منهم أحد في تقديمه وما يزعمه الشيعة من أن عليًا تخلف عن بيعته هو والزبير قد قدمنا قريبًا ما يدل على بطلان هذا الزعم من ثبوت بيعتهما في البيعة العامة التي كانت في مسجد رسول الله ﷺ في اليوم الثاني من بيعة السقيفة ومن زعم أن عليًا والزبير ﵄ بايعا ظاهرًا وخالفا باطنًا فقد قال فيهما أقبح القول فهما ﵄ أجل قدرًا وأكبر محلا من هذا، وقد نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر الصديق ﵁ أولى بخلافة من كل أحد جماعة من أهل العلم المعتبرين.\nفقد روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى أبي محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ أنه قال: (أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: يا خليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة، وقيل: إنه قبض النبي ﷺ عن ثلاثين ألف مسلم كل قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله ورضوا به من بعده ﵃) (١).\nوقال أبو الحسن الأشعري: (أثنى الله – ﷿ – على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال ﷿: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ الآية [الفتح: ١٨] قد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق ﵁ وسموه خليفة رسول الله ﷺ وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة وغير ذلك) (٢).\n_________\n(١) «تاريخ بغداد» (١٠/ ١٣٠).\n(٢) «الإبانة عن أصول الديانة» (ص: ٦٦).","vol":"7","page":366},{"text":"وقال أيضًا: (بعد أن ذكر آيات القرآن الكريم استدل بها على خلافة أبي بكر: \"ومما يدل على إمامة الصديق ﵁ أن المسلمين جميعًا تابعوه وانقادوا لإمامته ... ثم رأينا عليًا والعباس قد بايعاه وأجمعا على إمامته فوجب أن يكون إمامًا بعد النبي ﷺ بإجماع المسلمين، ولا يجوز لقائل أن يقول كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع المسلمين وهذا يسقط حجية الإجماع لأن الله – ﷿ – لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس وإنما تعبدنا بظاهرها وإذا كان ذلك كذلك فقد حصل الإجماع والاتفاق على إمامة أبي بكر الصديق) (١). وقال أبو بكر الباقلاني في معرض ذكره للإجماع على خلافة الصديق ﵁: (وكان ﵁ مفروض الطاعة لإجماع المسلمين على طاعته وإمامته وانقيادهم له حتى قال أمير المؤمنين علي ﵇ مجيبًا لقوله ﵁ لما قال: أقيلوني فلست بخيركم، فقال: لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله ﷺ لديننا ألا نرضاك لدنيانا يعني بذلك حين قدمه للإمامة في الصلاة مع حضوره واستنابته في إمارة الحج فأمرك علينا وكان ﵁ أفضل الأمة وأرجحهم إيمانًا وأكملهم فهمًا وأوفرهم علمًا) (٢).\nوقال أبو عثمان الصابوني: (ويثبت أهل الحديث خلافة أبو بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله ﷺ لديننا فرضيناه لدنيانا، وقولهم: قدمك رسول الله ﷺ فمن يؤخرك وأرادوا أنه ﷺ قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه فصلينا وراءك بأمره فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك وكان رسول الله ﷺ يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته بما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا فانتفعوا بمكانه والله وارتفعوا به وارتقوا) (٣).\n_________\n(١) «الإبانة عن أصول الديانة» (ص: ٦٦).\n(٢) «الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به» (ص: ٦٥).\n(٣) «عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية» (١/ ١٢٨).","vol":"7","page":367},{"text":"وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بعد ذكره روايات عدة في مبايعة الصحابة جميعًا بالخلافة لأبي بكر ﵁ (وقد صح بما ذكرنا اجتماعهم على مبايعته مع علي بن أبي طالب فلا يجوز لقائل أن يقول: كان باطن علي أو غيره بخلاف ظاهره فكان علي أكبر محلا وأجل قدرًا من أن يقدم على هذا الأمر العظيم بغير حق أو يظهر للناس خلاف ما في ضميره ولو جاز هذا في اجتماعهم على خلافة أبي بكر لم يصح إجماع قط والإجماع أحد حجج الشريعة ولا يجوز تعطيله بالتوهم والذي روى أن عليًا لم يبايع أبا بكر ستة أشهر ليس من قول عائشة إنما هو من قول الزهري فأدرجه بعض الرواة في الحديث عن عائشة في قصة فاطمة ﵃ وحفظه معمر بن راشد فرواه مفصلا وجعله من قول الزهري منقطعًا من الحديث وقد روينا في الحديث الموصول عن أبي سعيد الخدري ومن تابعه من المغازي أن عليًا بايعه في بيعة العامة بعد البيعة التي جرت في السقيفة ويحتمل أن عليًا بايعه بيعة العامة كما روينا في حديث أبي سعيد الخدري وغيره، ثم شجر بين فاطمة وأبي بكر كلام بسبب الميراث إذ لم تسمع من رسول الله ﷺ في باب الميراث ما سمعه أبو بكر وغيره فكانت معذورة فيما طلبته وكان أبو بكر معذورًا فيما منع فتخلف علي عن حضور أبي بكر حتى توفيت، ثم كان منه تجديد البيعة والقيام بواجباتها كما قال الزهري ولا يجوز أن يكون قعود علي في بيته على وجه الكراهية لإمارته ففي رواية الزهري أنه بايعه بعد وعظم حقه ولو كان الأمر على غير ما قلنا لكانت بيعته آخرًا خطأ، ومن زعم أن عليًا بايعه ظاهرًا وخالفه باطنًا فقد أساء الثناء على علي، وقال فيه أقبح القول وقد قال علي في إمارته وهو على المنبر: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ قالوا: بلى قال: أبو بكر ثم عمر ونحن نزعم أن عليًا كان لا يفعل إلا ما هو حق ولا يقول إلا ما هو صدق وقد فعل في مبايعة أبي بكر ومؤازرة عمر ما يليق بفضله وعلمه وسابقته وحسن عقيدته وجميل نيته في أداء النصح للراعي والرعية ... فلا معنى لقول من قال بخلاف ما قال وفعل وقد دخل أبو بكر الصديق على فاطمة في مرض موتها وترضاها حتى رضيت عنه فلا طائل لسخط غيرهما ممن يدعي موالاة أهل البيت ثم يطعن على أصحاب رسول الله ﷺ ويهجن من يواليه ويرميه بالعجز والضعف واختلاف السر والعلانية في القول والفعل وبالله العصمة والتوفيق) (١).\nوقال عبد الملك الجويني: (أما إمامة أبي بكر ﵁ فقد ثبتت بإجماع الصحابة فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والانقياد لحكمه ... وما تخرص به الروافض من إبداء علي شراسًا وشماسًا في عقد البيعة له كذب صريح، نعم لم يكن –﵁- في السقيفة وكان مستخليًا بنفسه قد استفزه الحزن على رسول الله ﷺ ثم دخل فيما دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد) (٢).\nوقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وهو –أي أبو بكر- أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة رضوان الله عليهم، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومتابعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة) (٣).\n_________\n(١) «الاعتقاد» (ص: ١٧٩ - ١٨٠).\n(٢) «كتاب الإرشاد» (ص: ٣٦١).\n(٣) «لمعة الاعتقاد» (ص: ٢٧).","vol":"7","page":368},{"text":"وقال أبو عبد الله القرطبي: (وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش) (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في سياق رده على الرافضي: (فلما اتفقوا على بيعته ولم يقل قط أحد: إني أحق بهذا الأمر منه لا قرشي ولا أنصاري فإن من نازع أولًا من الأنصار لم تكن منازعته للصديق بل طلبوا أن يكون منهم أمير ومن قريش أمير وهذه منازعة عامة لقريش، فلما تبين لهم أن هذا الأمر في قريش قطعوا المنازعة وقال لهم الصديق: (رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح قال عمر: فكنت والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر) (٢)، وقال له بمحضر الباقين: (أنت خيرنا وأفضلنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ) (٣) وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، ثم بايعوا أبا بكر من غير طلب منه، ولا رغبة بذلت لهم ولا رهبة، فبايعه الذين بايعوا الرسول تحت الشجرة والذين بايعوه ليلة العقبة، والذين بايعوه لما كانوا يهاجرون إليه والذين بايعوه لما كانوا يسلمون من غير هجرة كالطلقاء وغيرهم، ولم يقل أحد قط: إني أحق بهذا من أبي بكر ولا قاله أحد في أحد بعينه أن فلانًا أحق بهذا الأمر من أبي بكر وإنما قال من فيه أثر جاهلية عربية أو فارسية: إن بيت الرسول أحق بالولاية لأن العرب – في جاهليتها – كانت تقدم أهل الرؤساء وكذلك الفرس يقدمون أهل بيت الملك فنقل عمن نقل عنه كلام يشير به إلى هذا وصاحب هذا الرأي لم يكن له غرض في علي بل كان العباس عنده بحكم رأيه أولى من علي، فأما الذين لا يحكمون إلا بحكم الإسلام المحض وهو التقديم بالإيمان والتقوى فلم يختلف منهم اثنان في أبي بكر ولا خالف أحد من هؤلاء ولا هؤلاء وفي أنه ليس في القوم أعظم إيمانًا وتقوى من أبي بكر فقدموه مختارين له مطيعين فدل على كمال إيمانهم وتقواهم واتباعهم لما بعث الله به نبيهم من تقديم الأتقى فالأتقى وكان ما اختاره الله لنبيه ﷺ ولهم أفضل لهم والحمد لله على أن هدى هذه الأمة وعلى أن جعلنا من أتباعهم) (٤).\nوقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (قد اتفق الصحابة ﵃ على بيعة الصديق حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄) (٥).\nوقال يحيى بن أبي بكر العامري رحمه الله تعالى: (وقد كانت بيعته إجماعًا حجة قطعية من غيرهم فما ظنك بهم) (٦) فهذه النقول للإجماع عمن تقدم ذكره من الأئمة كلها وضحت أن أهل السنة والجماعة أجمعوا على أن أبا بكر الصديق ﵁ هو الأحق بالخلافة بعد النبي ﷺ لإجماع الصحابة على إمامته وانقيادهم له جميعًا وإطباقهم على مخاطبتهم له بالخلافة فقالوا بأجمعهم: يا خليفة رسول الله، وما حصل عليه الإجماع لا يكون إلا حقًا فهذا سبيل المؤمنين أهل السنة والجماعة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتبع سبيلا غيره. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – ناصر بن علي عائض – ٢/ ٥٥٠\n_________\n(١) «الجامع لأحكام القرآن» (١/ ٢٦٤).\n(٢) رواه البخاري (٦٨٣٠) من حديث ابن عباس ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٣٦٦٧) من حديث عائشة ﵂.\n(٤) «منهاج السنة» (٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠).\n(٥) «البداية والنهاية» (٦/ ٣٤٠).\n(٦) «الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة» (ص: ١٤٢ - ١٤٣).","vol":"7","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2023>أولا: طريقة تولي عمر الخلافة</span>\nإن طريقة تولية الفاروق ﵁ الخلافة بعد الصديق الأعظم ﵁ كانت باستخلاف أبي بكر إياه، وذلك أن أبا بكر ﵁ مرض قبل وفاته خمسة عشر يومًا ولما أحس بدنو أجله ﵁ عهد في أثناء هذا المرض بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان ﵁ وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا، ولم يعهد الصديق ﵁ بالخلافة لعمر ﵁ إلا بعد أن استشار نفرًا من فضلاء الصحابة فيه مع أن عمر ﵁ هو المعروف بصلابته في الدين، وأمانته وشدته على المنافقين إلى غير ذلك من الصفات الحميدة التي اتصف بها في ذات الله – ولكن الصديق ﵁ فعل هذا مبالغة في النصح للأمة المحمدية وقد ذكر أهل السير والتواريخ صيغة عهد الصديق بالخلافة للفاروق ﵁ فقد روى ابن سعد وغيره: (أن أبا بكر الصديق لما استعز به دعا عبدالرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال عبدالرحمن: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني فقال أبو بكر: وإن فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان فقال: أخبرني عن عمر فقال: أنت أخبرنا به فقال: على ذلك يا أبا عبد الله فقال: عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله والله لو تركته ما عدوتك وشاور معهما سعيد بن زيد أبا الأعور وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك يرضى للرضى ويسخط للسخط الذي يسر خير من الذي يعلن، ولم يل هذا الأمر أحد أقوى عليه منه، وسمع بعض أصحاب النبي ﷺ بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر وخلوتهما به فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذ سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني فقال: أبالله تخوفوني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت لك من وراءك، ثم اضطجع ودعا عثمان بن عفان فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلًا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب من الإثم والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام عليكم ورحمة الله، ثم أمر بالكتاب فختمه، ثم قال بعضهم لما أملى أبو بكر صدر هذا الكتاب: بقي ذكر عمر فذهب به قبل أن يسمي أحدًا فكتب عثمان: إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي ما كتبت فقرأ عليه ذكر عمر فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت إن أقبلت نفسي في غشيتي تلك يختلف الناس فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيرًا، والله إن كنت لها لأهلًا، ثم أمره فخرج بالكتاب مختومًا ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن سعيد القرظي فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد علمنا به، قال ابن سعد: علي القائل وهو عمر، فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به وبايعوا، ثم دعا أبو بكر عمر خاليًا فأوصاه بما أوصاه به ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه مدًا فقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأيي فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حضرني من أمرك ما حضر","vol":"7","page":370},{"text":"فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح لهم وإليهم واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدي نبي الرحمة، وهدي الصالحين بعده وأصلح له رعيته) (١) وذكر أبو الفرج بن الجوزي عن الحسن بن أبي الحسن قال: (لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميت لما بي وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي فقاموا في ذلك وخلوا عليه فلم تستقم لهم، فرجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله ﷺ رأيك قال: فلعلكم تختلفون قالوا: لا قال: فعليكم عهد الله على الرضى قالوا: نعم. قال فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده أرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان فقال: اكتب فكتب حتى انتهى إلى الاسم فغشي عليه ثم أفاق: فقال: اكتب عمر) (٢) ومن هذا السياق تبين واتضح أن تولية الفاروق ﵁ الخلافة كانت بعهد من الصديق ﵁ ولقد صدقت فراسة أبي بكر في عمر حين اجتهد في العهد بالخلافة من بعده له ﵁ فلقد قام بالخلافة أتم القيام حيث كان إمامًا ناصحًا لله ولرسوله ولدين الإسلام حيث كثرت في خلافته الفتوح واتسعت رقعة الدولة الإسلامية ونعمت الأمة الإسلامية بعدله ﵁ ولحسن اختيار الصديق ﵁ في أن يكون الفاروق هو الخليفة من بعده اعتبر من أشد الناس فراسة بسبب ذلك فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (إن أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه، والمرأة التي رأت موسى ﵇ فقالت لأبيها: يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر ﵄) (٣) قال الحاكم: فرضي الله عن ابن مسعود لقد أحسن في الجمع بينهم (بهذا الإسناد صحيح). عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٦٢٩\n_________\n(١) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ١٩٩ - ٢٠٠)، والطبري في «تاريخ الأمم والملوك» (٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٤١١ - ٤١٣).\n(٢) «تاريخ عمر» لابن الجوزي (ص: ٦٦ - ٦٧).\n(٣) رواه الحاكم (٣/ ٩٦). وقال: فرضي الله عن ابن مسعود لقد أحسن في الجمع بينهم، بهذا الإسناد صحيح.","vol":"7","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2024>ثانيا أحقية عمر بالخلافه</span>\nإن حقية خلافة الفاروق ﵁ مما لا يشك فيها مسلم لما هو معلوم عند كل ذي عقل وفهم أنه يلزم من حقية خلافة أبي بكر حقية خلافة عمر وقد قدمنا في الفصل الثاني من هذا الباب أن نصوص الكتاب والسنة والإجماع كلها دلت على حقية خلافة أبي بكر، وما دل على حقية خلافة الصديق ﵁ دل على حقية خلافة الفاروق ﵁ لأن الفرع يثبت له من حيث كونه فرعًا ما ثبت للأصل فحينئذ لا مطمع لأحد من الشيعة الرافضة في النزاع في حقية خلافة عمر لما قدمناه من الأدلة الواضحة القطعية على حقية خلافة مستخلفه، ولما سنذكره هنا من بعض النصوص التي فيها الإشارة إلى حقية خلافة الفاروق ﵁، وإذا ثبت حقية خلافة الصديق ﵁ قطعًا صار النزاع في حقية خلافة الفاروق عنادًا وجهلًا وغباوة وإنكارًا لما هو معلوم في الدين بالضرورة ومن اعتقد عدم حقية خلافة الفاروق ﵁ كالشيعة الرافضة إنما يعد من الجهلة الحمقى حقيق أن يعرض عنه وعن أكاذيبه وأباطيله، ولا يلتفت إليه ولا يعول في شيء من الأمور عليه، فخلافة الفاروق ﵁ حق بعد أبي بكر الصديق ﵁ وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وقد وردت الإشارة إلى حقية خلافته في طائفة من النصوص القطعية الصحيحة منها:-\n(١) في نص القرآن دليل على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وعلى وجوب الطاعة لهم وهو أن الله –تعالى- قال مخاطبًا لنبيه ﷺ في الأعراب فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا [التوبة: ٨٣] وكان نزول براءة التي فيها هذا الحكم بعد غزوة تبوك بلا شك (١) التي تخلف فيها الثلاثة المعذرون الذين تاب الله عليهم في (سورة براءة) ولم يغز﵊ – بعد غزوة تبوك إلى أن مات ﷺ وقال تعالى أيضًا: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ [الفتح: ١٥] فبين أن العرب لا يغزون مع رسول الله ﷺ بعد تبوك لهذا، ثم عطف – ﷾ – عليهم أثر منعه إياهم من الغزو مع رسول الله ﷺ فقال تعالى: قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح: ١٦] فأخبر –تعالى- أنهم سيدعوهم غير النبي ﷺ إلى قوم يقاتلونهم أو يسلمون ووعدهم على طاعة من دعاهم إلى ذلك بجزيل الأجر العظيم وتوعدهم على عصيان الداعي لهم إلى ذلك العذاب الأليم.\n_________\n(١) انظر: «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» (٤/ ١١٩، ١٢٢).","vol":"7","page":372},{"text":"قال أبو محمد بن حزم: (وما دعا أولئك الأعراب أحد بعد رسول الله ﷺ إلى قوم يقاتلونهم أو يسلمون إلا أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ فإن أبا بكر ﵁ دعاهم إلى قتال مرتدي العرب بني حنيفة وأصحاب الأسود وسجاح وطليحة والروم والفرس وغيرهم، ودعاهم عمر إلى قتال الروم والفرس وعثمان دعاهم إلى قتال الروم والفرس والترك (١) فوجب طاعة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ بنص القرآن الذي لا يحتمل تأويلًا وإذ قد وجبت طاعتهم فقد صحت إمامتهم وخلافتهم ﵃) (٢).\n(٢) ما رواه الشيخان في (صحيحيهما) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة علي قليب فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين نزعًا ضعيفًا والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربلًا فلم أر عبقريًا يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن» (٣).\nهذا الحديث تضمن الإشارة إلى خلافة الشيخين ﵄، كما تضمن الإشارة إلى حقية خلافة الفاروق ﵁، وإلى كثرة الفتوح وظهور الإسلام في زمنه فهذا المنام النبوي مثال واضح لما حصل لأبي بكر وعمر ﵄ في خلافتهما وحسن سيرتهما وظهور آثارهما وانتفاع الناس بهما وكل ذلك مأخوذ عن المصطفى ﷺ وآثار صحبته فقد كان ﵊ هو صاحب الأمر فقام به أكمل قيام حيث قرر قواعد الدين ومهد أموره وأوضح أصوله وفروعه ودخل الناس في دين الله أفواجًا وأنزل الله تعالى عليه قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣].\nولما التحق ﷺ بالرفيق الأعلى خلفه أبو بكر ﵁ على الأمة سنتين وأشهرًا وهو المراد بقوله ﷺ: «ذنوبًا أو ذنوبين» - وهذا شك من الراوي والمراد ذنوبان كما جاء التصريح بذلك في رواية أخرى (٤) وقد حصل في خلافته ﵁ قتال المرتدين وقطع دابرهم واتساع رقعة الإسلام ولما توفي الصديق ﵁ خلفه عمر ﵁ فانتشر الإسلام في زمنه أكثر وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله لطول ولايته واتساع بلاد الإسلام وكثرة الأموال من الغنائم وغيرها فالحديث اشتمل على حقية خلافة عمر ﵁ وصحتها وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها.\n(٣) روى الإمام أحمد وغيره بإسناده إلى حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسًا فقال: «إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر وتمسكوا بعهد عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه» (٥).\n_________\n(١) انظر: «الاعتقاد للبيهقي» (ص: ١٧٣).\n(٢) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ١٠٩ - ١١٠).\n(٣) رواه البخاري (٣٦٨٢)، ومسلم (٢٣٩٣).\n(٤) انظر: «صحيح مسلم» (٤/ ١٨٦١).\n(٥) رواه أحمد (٥/ ٣٨٥) (٢٣٣٢٤)، ورواه الترمذي (٣٧٩٩)، وابن ماجه (٩٧)، وابن حبان (١٥/ ٣٢٧) (٦٩٠٢). قال الترمذي، وابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٥)، وابن الملقن في «شرح صحيح البخاري» (٩/ ٥٧٨): حسن، وقال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١٤٣): مثله حسن، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"7","page":373},{"text":"دل هذا الحديث دلالة صريحة على حقية خلافة عمر ﵁ فقوله ﷺ: «اقتدوا باللذين» بفتح الذال – أي الخليفتين اللذين يقومان من بعدي أبو بكر وعمر، فأمره ﷺ بطاعتهما يتضمن الثناء عليهما لكونهما أهلًا لأن يطاعا فيما يأمران به وينهيان عنه المؤذن بحسن سيرتهما وصدق سريرتهما وإيماء لكونهما الخليفتين بعده وسبب الحث على الاقتداء بالسابقين الأولين ما فطروا عليه من الأخلاق المرضية والطبيعة القابلة للخير ولذلك كانوا أفضل الناس بعد الأنبياء وصار أفضل الخلق بعدهم من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين (١).\n(٤) روى الشيخان في (صحيحيهما) بإسناديهما إلى النبي ﷺ أنه قال: «بينا أنا نائم إذ رأيت قدحًا أتيت به فيه لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله قال: العلم» (٢).\nففي هذا الحديث إشارة إلى حقية خلافة عمر ﵁ (والمراد بالعلم هنا العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر – وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف ومع ذلك فساس عمر فيها – مع طول مدته – الناس بحيث لم يخالفه أحد ثم ازدادت اتساعًا في خلافة عثمان فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له فنشأت من ثم الفتن إلى أن أفضى الأمر إلى قتله – واستخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافًا، والفتن إلا انتشارًا) (٣) فالحديث فيه إشارة واضحة إلى حقية خلافة الفاروق ﵁.\n(٤) روى أبو داود وغيره من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قال ذات يوم: «من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ» (٤).\nفي هذا الحديث إشارة إلى ترتيب الثلاثة في الفضل فأفضلهم أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان ﵃ جميعًا كما أن الحديث تضمن الإشارة إلى حقية خلافة عمر ﵁ وأنه يلي الخلافة بعد الصديق ﵁ وقوله له في الحديث: «فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ» وذلك لما علم ﷺ من أن تأويل رفع الميزان انحطاط رتبة الأمور وظهور الفتن بعد خلافة عمر (٥).\n_________\n(١) انظر: «فيض القدير» للمناوي (٢/ ٥٦).\n(٢) رواه البخاري (٨٢)، ومسلم (٢٣٩١). من حديث عبدالله بن عمر ﵄.\n(٣) «فتح الباري» (٧/ ٤٦).\n(٤) رواه أبو داود (٤٦٣٤)، والترمذي (٢٢٨٧)، وأحمد (٥/ ٤٤) (٢٠٤٦٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٤٣) (٨١٣٦)، والحاكم (٣/ ٧٤). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ١١٥): ثابت، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٣٠٦) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) انظر: «عون المعبود شرح سنن أبي داود» (١٣/ ٣٨٧).","vol":"7","page":374},{"text":"(٦) وروى الشيخان في (صحيحيهما) من حديث ابن عباس ﵄ كان يحدث «أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها: فالمستكثر والمستقل وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل. فقال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي ﷺ: اعبرها قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله ثم يأخذ به رجل فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به ثم يأخذ به رجل فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله – بأبي أنت – أصبت أم أخطأت؟ قال النبي ﷺ: أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت. قال: لا تقسم» (١).\nتضمن هذا الحديث الإشارة إلى حقية خلافة عمر ﵁ وأرضاه. ووجه ذلك أن قوله في الحديث: «ثم أخذ به رجل آخر فعلا به» هو أبو بكر ﵁ وقوله ثانيًا: «ثم أخذ به رجل آخر فانقطع» إشارة إلى خلافة الفاروق ﵁.\n(٧) روى أبو داود بإسناد إلى جابر بن عبد الله ﵁ أنه كان يحدث أن – رسول الله ﷺ قال: «أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ، وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه ﷺ» (٢).\nدل هذا الحديث بالإشارة الواضحة إلى ترتيب الثلاثة في الخلافة وإلى حقية خلافتهم ﵃ وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله ﷺ من هذه الرؤيا ولذلك عبروا تنوط بعضهم ببعض بولاية الأمر بعده ﵊.\n(٨) روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: «بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سل لنا رسول الله ﷺ إلى من ندفع صدقاتنا بعدك قال: فأتيته فسألته فقال: إلى أبي بكر فأتيتهم فأخبرتهم فقالوا: ارجع إليه فسله فإن حدث بأبي بكر حدث فإلى من؟ فأتيته فسألته فقال: إلى عمر فأتيتهم فأخبرتهم ...» (٣) الحديث.\nاشتمل هذا الحديث على الإشارة إلى حقية خلافة عمر ﵁ وأنه يلي أمر المسلمين بعد وفاة الصديق ﵁.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٠٤٦)، ومسلم (٢٢٦٩).\n(٢) رواه أبو داود (٤٦٣٦)، وأحمد (٣/ ٣٥٥) (١٤٨٦٣)، وابن حبان (١٥/ ٣٤٣) (٦٩١٣)، والحاكم (٣/ ٧٥). وقال: ولعاقبة هذا الحديث إسناد صحيح عن أبي هريرة ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود».\n(٣) رواه الحاكم (٣/ ٨٢). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (١٣/ ٤١٦): ورجاله ثقات، غير نصر بن منصور المروزي ... فهو مقبول الحديث إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":375},{"text":"(٩) روى البزار والطبراني كما في «مجمع الزوائد» عن ابن عمر ﵁ قال: (كنا نقول على عهد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان يعني في الخلافة) (١) وهذا أيضا: من الآثار التي إشارتها واضحة إلى حقية خلافة الفاروق ﵁.\n(١٠) وروى مسلم في (صحيحه) بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: وسمعت عائشة وسئلت: «من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلفه قالت: أبو بكر فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا» (٢) يعني وقفت على أبي عبيدة وهذا الحديث من أدلة أهل السنة والجماعة على تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة (٣).\n(١١) وروى الشيخان في (صحيحيهما) عن ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس يقول: «وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما» (٤).\n(١٢) ومما دل على حقية خلافته ﵁ اجتماع الصحابة على أنهم لا يقدمون إلا أفضلهم وأخيرهم مع قول أبي بكر وعلي ﵄ فيه.\nفأما قول أبي بكر ﵁ فيه فهو قوله: (اللهم أمرت عليهم خير أهلك) (٥) وأما قول علي ﵁ فيه فهو ما رواه البخاري عن محمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب قال: (قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟ قال أبو بكر قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر وخشيت أن يقول: عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين) (٦). فهذه الأحاديث التي أوردناها في هذا المبحث كلها فيها الدلالة الواضحة على حقية خلافة عمر ﵁ وأرضاه.\nقال السفاريني رحمه الله تعالى: (اعلم أن خلافة سيدنا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ﵁ مرتبة ولازمة لحقية خلافة الصديق الأعظم أبي بكر ﵁ وقد قام الإجماع وإشارات الكتاب والسنة على حقية خلافته فما ثبت للأصل الذي هو الصديق من حقية الخلافة يثبت لفرعه الذي هو عمر بن الخطاب فيها فلا مطمع لأحد من فروق الضلال في الطعن والنزاع في حقية الخلافة وقد علم أهل العلم علمًا باتًا ضروريًا أن الصحابة الكرام أجمعوا على تولية الصديق الخلافة ومن شذ لا يقدح في ذلك من غير مرية) (٧). عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٦٣٣\n_________\n(١) رواه البزار في «المسند» (٢/ ٢٦٠) (٦٠٨٣)، والطبراني (١٢/ ٣٠٢) (١٣٢١٥). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٢١٦): إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٣٢٣): رواه البزار والطبراني، ورجال البزار رجال الصحيح. وقال الألباني في «تخريج كتاب السنة» (١١٤٠): إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) رواه مسلم (٢٣٨٥).\n(٣) انظر: «شرح النووي على مسلم» (١٥/ ١٥٤).\n(٤) رواه البخاري (٣٦٨٥)، ومسلم (٢٣٨٩).\n(٥) رواه ابن أبي شيبة (١٢/ ٣٥)، وهناد في «الزهد» (١/ ٢٨٤) (٤٩٦)، وأبي نعيم في «الإمامة والرد على الرافضة» (ص: ٢٧٦). من حديث زبيد اليامي. ورواه عبدالرزاق (٥/ ٤٤٩) (٩٧٦٤). من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂. قال ابن حجر في «المطالب العالية» (٤/ ٢٢٩): رجاله ثقات.\n(٦) رواه البخاري (٣٦٧١).\n(٧) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٣٢٦).","vol":"7","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2025>ثالثا: انعقاد الإجماع على خلافته ﵁</span>\nإن خلافة الفاروق ﵁ لم يختلف فيها اثنان فإنه لما عهد الصديق ﵁ بالخلافة من بعده لعمر ﵁ أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على قبول ذلك العهد ولم يعارض في ذلك منهم أحد بل أقروا بذلك وسمعوا له وأطاعوا وكذلك التابعون لهم بإحسان من أهل السنة والجماعة أجمعوا على صحة خلافة الفاروق ﵁ واعتقدوا اعتقادًا جازمًا أنه ﵁ أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر ﵁.\nوقد نقل إجماع الصحابة ﵃ ومن بعدهم على خلافة عمر طائفة من أهل العلم الذين يعتمد عليهم في النقل.\nفقد تقدم معنا قريبًا ما رواه ابن سعد وغيره في صيغة عهد الصديق بالخلافة لعمر ﵁ وفيه: (أن الصديق ﵁ أمر عثمان أن يخرج بالكتاب مختومًا ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن سعيد القرظي فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد علمنا قال ابن سعد: علي القائل: وهو عمر فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به وبايعوا) (١).\nوروى ابن الأثير بإسناده إلى يسار المدني قال: (لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس من كوة فقال: يا أيها الناس إني قد عهدت عهدًا أفترضون به؟ فقال الناس: قد رضينا يا خليفة رسول الله ﷺ فقال علي: لا نرضى إلا أن يكون عمر بن الخطاب) (٢).\nفكان ما توقعوه لأنهم كانوا ﵃ يعلمون أنه لا أحد أفضل من عمر ﵁ بعد أبي بكر ولذلك أقروا جميعًا بعهد الصديق ورضوا به، ثم بايعوه. وروى ابن جرير بإسناده إلى أبي السفر سعيد بن محمد قال: (أشرف أبو بكر على الناس من كنيفة وأسماء بنت عميس ممسكته وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا فقالوا: سمعنا وأطعنا) (٣).\nوروى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ قال: (دخلت على عمر حين طعن. فقلت: أبشر بالجنة يا أمير المؤمنين أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله ﷺ حين خذله الناس، وقبض رسول الله ﷺ وهو عنك راض ولم يختلف في خلافتك اثنان، وقتلت شهيدًا فقال: أعد علي فأعدت عليه فقال: والله الذي لا إله غيره لو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع) (٤).\n_________\n(١) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ١٩٩ - ٢٠٠)، والطبري في «تاريخ الأمم والملوك» (٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٤١١ - ٤١٣).\n(٢) رواه ابن الأثير في «أسد الغابة» (٤/ ١٦٩)، وانظر «تاريخ الأمم والملوك» (٣/ ٤٢٨).\n(٣) رواه الطبري في «تاريخ الأمم والملوك» (٣/ ٤٢٨).\n(٤) رواه البيهقي في «الاعتقاد» (ص: ١٨٨). والحديث رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٨٠)، والحاكم (٣/ ٩٨)، وابن حبان (١٥/ ٣١٤) (٦٨٩١). قال الألباني في «صحيح الموارد» (١٨٣٧): صحيح لغيره دون قوله: (المغرور من غررتموه).","vol":"7","page":377},{"text":"وقال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى مبينًا الإجماع على خلافة الفاروق ﵁: (لما علم الصديق ﵁ من فضل عمر ﵁ ونصيحته وقوته على ما يقلده وما كان يعينه عليه في أيامه من المعونة التامة لم يكن يسعه في ذات الله ونصيحته لعباد الله –تعالى- أن يعدل هذا الأمر عنه إلى غيره، ولما كان يعلم من أمر شأن الصحابة ﵃ أنهم يعرفون منه ما عرفه ولا يشكل عليهم شيء من أمره فوض إليه ذلك فرضي المسلمون له ذلك وسلموه، ولو خالطهم في أمره ارتياب أو شبهة لأنكروه ولم يتابعوه كاتباعهم أبا بكر ﵁ فيما فرض الله عليه الإجماع وأن إمامته وخلافته ثبتت على الوجه الذي ثبت للصديق، وإنما كان كالدليل لهم على الأفضل والأكمل فتبعوه على ذلك مستسلمين له راضين به) (١).\nوقال أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى بعد ذكره خلافة الصديق باختيار الصحابة وإجماعهم عليه قال: (ثم خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه باستخلاف أبي بكر ﵁ إياه واتفاق الصحابة عليه بعده وإنجاز الله –سبحانه- بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه بعده) (٢).\nوقال النووي في معرض ذكره لإجماع الصحابة على تنفيذ عهد الصديق بالخلافة لعمر حيث قال: (أجمعوا على اختيار أبي بكر وعلى تنفيذ عهده إلى عمر) (٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وأما عمر فإن أبا بكر عهد إليه وبايعه المسلمون بعد موت أبي بكر فصار إمامًا لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم) (٤).\nوقال شارح الطحاوية: (ونثبت الخلافة بعد أبي بكر ﵁ لعمر ﵁ وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه) (٥).\nوقال أبو حامد محمد المقدسي بعد ذكره لطائفة من الأدلة على ثبوت خلافة أبي بكر: (وإذ قد صحت إمامة أبي بكر ﵁ فطاعته فرض في استخلاف عمر ﵁ بما ذكرناه، وبإجماع المسلمين عليها) (٦).\nوقال الملا على القاري ذاكرًا للإجماع على فضل عمر وحقية خلافته فقال: (وقد أجمعوا على فضيلته وحقية خلافته) (٧) اهـ.\nومن هذه النقول التي تقدم ذكرها تبين أن خلافة عمر ﵁ تمت بإجماع أصحاب رسول الله ﷺ حيث تلقوا عهد أبي بكر ﵁ بالخلافة لعمر بالقبول والتسليم ولم يعارض في ذلك أحد وكذا أجمعت الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة على ما أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ ولم يخالفهم إلا من لا يعتد بخلافه ممن ابتلي ببغض أصحاب رسول الله ﷺ كالشيعة الرافضة ومن جرى في ركابهم ممن فتن بهم فإن اعترض معترض على إجماع الصحابة المتقدم ذكره بما رواه ابن سعد وغيره (من أن بعض الصحابة سمعوا بدخول عبد الرحمن بن عوف وعثمان على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلاف عمر علينا؟ وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني أبالله تخوفني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت لك من وراءك) (٨) والجواب عن هذا أن هذا الإنكار الصادر إن صح من هذا القائل ليس عن جهالة لتفضيل عمر بعد أبي بكر واستحقاقه للخلافة، وإنما كان خوفًا من خشونته وغلظته لا اتهامًا له في قوته وأمانته (٩).\nفالذي يجب على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا لا مرية فيه أن أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد أبي بكر ﵁ هو عمر بن الخطاب ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه وإجماع المسلمين كافة على صحة خلافته وحقيتها. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٦٤٢\n_________\n(١) «الإمامة والرد على الرافضة» (ص: ٢٧٤).\n(٢) «عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية» (١/ ١٢٩).\n(٣) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/ ٢٠٦).\n(٤) «منهاج السنة» (١/ ١٤٢).\n(٥) «شرح الطحاوية» (ص: ٥٣٩).\n(٦) «الرد على الرافضة» (ص: ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(٧) «شرح الفقه الأكبر» (ص: ٩٨).\n(٨) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ١٩٩ - ٢٠٠)، والطبري في «تاريخ الأمم والملوك» (٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٤١١ - ٤١٣).\n(٩) انظر «الإمامة والرد على الرافضة» لأبي نعيم (ص: ٢٧٦).","vol":"7","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2027>أولا: كيفية توليه الخلافة ﵁</span>\nلما طعن عمر ﵁ لم يستخلف أحدًا بعينه ليكون الخليفة على المسلمين من بعده بل أوصى أن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وتحرج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التعيين وقال: (لا أتحمل أمرهم حيًا وميتًا) (١)، وإن يرد الله بكم خيرًا يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم ﷺ. ومن تمام ورعه لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل لأنه ابن عمه، خشي أن يراعى فيولى لكونه ابن عمه فلذلك تركه وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ولما مات الفاروق ﵁ ودفنه أصحاب رسول الله ﷺ بجوار رسول الله ﷺ وصاحبه أبي بكر ﵁ اجتمع النفر الذين جعل عمر الأمر فيهم شورى للتشاور فيمن يلي الخلافة بعد عمر ﵁ ففوض ثلاثة منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة حيث فوض الزبير ما يستحقه من الإمارة إلى علي وفوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف وترك طلحة حقه إلى عثمان بن عفان ﵁ فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان: أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض الأمر إليه؟\nوالله عليه والإسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين فسكت علي وعثمان ﵄، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك، والله علي والإسلام أن أجتهد فأولي أولاكما بالحق فقالا: نعم ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن فقال كل منهما: نعم ثم تفرقوا (٢).\n_________\n(١) روى مسلم في صحيحه (١٨٢٣) من حديث ابن عمر ﵄ (أن الصحابة قالوا له: استخلف فقال: أتحمل أمركم حيًا وميتًا لوددت أن حظي منها الكفاف لا علي ولا لي فإن أستخلف فقد أستخلف من هو خير مني (يعني أبا بكر) وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني رسول الله ﷺ) قال عبد الله: (فعرفت أنه حين ذكر رسول الله ﷺ غير مستخلف).\n(٢) انظر: «البداية والنهاية» لابن كثير (٧/ ١٥٨ - ١٥٩).","vol":"7","page":379},{"text":"وقد روى البخاري في (صحيحه) من حديث طويل عن عمرو بن ميمون فيه تفاصيل حادثة استشهاد عمر ﵁ وعدد الذين طعنوا معه، ووصية عمر لابنه عبدالله أن يحسب ما عليه من الدين وكيف يقضيه، وطلبه ﵁ الاستئذان من أم المؤمنين عائشة ﵂ في أن يدفن مع رسول الله ﷺ وصاحبه فأذنت في ذلك ﵂ بطيب نفس كما اشتمل هذا الحديث على الكيفية التي بويع بها لعثمان والاتفاق عليه ومما جاء فيه بشأن خلافة عثمان ﵁ أنهم «قالوا: أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض فسمى عليًا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذلك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة –إلى أن قال- لما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن بن عوف: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه» (١).\nوروى أيضًا: بإسناده إلى الزهري أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن المسور بن مخرمة أخبره «أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا قال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحدًا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائمًا فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم انطلق فادع الزبير وسعدًا فدعوتهما له فشاورهما ثم دعاني فقال: ادع لي عليًا فدعوته فناجاه حتى ابهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئًا، ثم قال: ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون» (٢). ففي هذين الحديثين بيان أن عمر ﵁ لم يعهد بالخلافة من بعده إلى واحد بعينه وإنما جعلها شورى في الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وقد التمس بعض أهل العلم وجه الحكمة من جعل عمر الأمر شورى بين الستة دون أن يعين واحدًا.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٧٠٠).\n(٢) رواه البخاري (٧٢٠٧).","vol":"7","page":380},{"text":"فقد قال ابن بطال: (إن عمر سلك في هذا الأمر مسلكًا متوسطًا خشية الفتنة فرأى أن الاستخلاف أضبط لأمر المسلمين فجعل الأمر معقودًا على الستة لئلا يترك الاقتداء بالنبي ﷺ وأبي بكر، فأخذ من فعل النبي ﷺ طرفًا وهو ترك التعيين، ومن فعل أبي بكر طرفًا وهو العقد لأحد الستة وإن لم ينص عليه) اهـ (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وأما عمر ﵁ فرأى الأمر في الستة متقاربًا فإنهم وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض فلذلك المفضول مزية أخرى ليست للآخر ورأى أنه إن عين واحدًا فقد يحصل بولايته نوع من الخلل فيكون منسوبًا إليه فترك التعيين خوفًا من الله –تعالى- وعلم أنه ليس واحد أحق بهذا الأمر منهم لما تخوفه من التقصير، والله تعالى قد أوجب على العبد أن يفعل المصلحة بحسب الإمكان فكان ما فعله غاية ما يمكن من المصلحة، وإذا كان من الأمور أمور لا يمكن دفعها فتلك لا تدخل في التكليف وكان كما رآه فعلم أنه إن ولي واحدًا من الستة فلابد أن يحصل نوع من التأخر عن سيرة أبي بكر وعمر ﵄ وأن يحصل بسبب ذلك مشاجرة كما جبل الله ذلك طباع بني آدم، وإن كانوا من أولياء الله المتقين، وذكر في كل واحد من الستة الأمر الذي منعه من تعيينه وتقديمه على غيره ثم إن الصحابة اجتمعوا على عثمان ﵁ لأن ولايته كانت أعظم مصلحة وأقل مفسدة من ولاية غيره والواجب أن يقدم أكثر الأمرين مصلحة، وأقلهما مفسدة، وعمر ﵁ خاف أن يتقلد أمرًا يكون فيه ما ذكر، ورأى أنهم إذا بايعوا واحدًا منهم باختيارهم حصلت المصلحة بحسب الإمكان وكان الفرق بين حال المحيا وحال الممات أنه في الحياة يتولى أمر المسلمين فيجب عليه أن يولي عليهم أصلح من يمكنه، وأما بعد الموت فلا يجب عليه أن يستخلف معينًا إذا كانوا يجتمعون على أمثلهم، كما أن النبي ﷺ لم علم أنهم يجتمعون على أبي بكر استغنى بذلك عن كتابة العهد الذي كان قد عزم على أن يكتبه لأبي بكر أيضًا: فلا دليل على أنه يجب على الخليفة أن يستخلف بعده فلم يترك عمر واجبًا ولهذا روجع في استخلاف المعين وقيل له أرأيت لو أنك استرعيت فقال: إن الله تعالى لم يكن يضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه ﷺ فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض) (٢) اهـ.\nومما تقدم تبين لنا الكيفية التي تولى بها ذو النورين عثمان ﵁ الخلافة وأنها تمت باختيار أصحاب رسول الله ﷺ له قاطبة فهو أحق الناس على الإطلاق بالخلافة بعد عمر ﵁. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٦٥١\n_________\n(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢٨٣)، وانظر: «فتح الباري» (١٣/ ٢٠٧).\n(٢) «منهاج السنة» (٣/ ١٦٤).","vol":"7","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2028>ثانيا: أحقية عثمان بالخلافه</span>\nلا يشك مؤمن في حقية خلافة عثمان ﵁ وصحتها وأنه لا مطعن فيها لأحد إلا ممن أصيب في قلبه بزيغ فنقم على أصحاب رسول الله ﷺ بسبب ما حل في قلبه من الغيظ منهم وهذا لم يحصل إلا من الشيعة الرافضة الذين جعلوا رأس مالهم في هذه الحياة الدنيا هو سب الصحابة ﵃ وبغضهم ولا قيمة لما يوجهونه من المطاعن على خلافة الثلاثة ﵃ لظهور بطلانه وأنها افتراءات لا تصح، وقد جاء في جملة من النصوص القطعية الصحيحة والآثار الشهيرة التنبيه والإيماء إلى حقية خلافة عثمان ﵁ ومن ذلك:-\n(١) قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ [النور: ٥٥] الآية وجه الاستدلال بهذه الآية على حقية خلافة عثمان ﵁ أنه من الذين استخلفهم الله في الأرض ومكن لهم فيها وسار في الناس أيام خلافته سيرة حسنة حيث حكم فيهم بالعدل وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهذه الآية تضمنت الإشارة إلى حقية خلافته ﵁.\n(٢) قوله تعالى: قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: ١٦].\nووجه الاستدلال بهذه الآية على حقية خلافة عثمان ﵁ هو أن الداعي لهؤلاء الأعراب داع يدعوهم بعد نبيه ﷺ وهو أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ فأبو بكر دعاهم إلى قتال مرتدي العرب بني حنيفة وأصحاب الأسود، وسجاح وطليحة والروم والفرس وغيرهم ودعاهم عمر إلى قتال الروم والفرس وعثمان دعاهم إلى قتال الروم والفرس والترك فوجبت طاعة هؤلاء الثلاثة ﵃ بنص القرآن، وإذا وجبت طاعتهم صحت خلافتهم (١) ﵃ وأرضاهم.\n(٣) روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «إن النبي ﷺ دخل حائطًا وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فإذا عمر ثم جاء آخر يستأذن فسكت هنيهة ثم قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فإذا هو عثمان بن عفان» (٢) هذا الحديث فيه إشارة إلى ترتيب الثلاثة في الخلافة وإخبار عن بلوى تصيب عثمان وهذه البلوى حصلت له ﵁ وهي حصاره يوم الدار حتى قتل آنذاك مظلومًا فالحديث علم من أعلام النبوة وفيه الإشارة إلى كونه شهيدًا ﵁ وأرضاه.\n(٤) وروى أبو داود بإسناده إلى أبي بكرة «أن النبي ﷺ قال ذات يوم: من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانًا أنزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ» (٣).\n_________\n(١) انظر: «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ١٠٩ - ١١٠).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٧٤)، ومسلم (٢٤٠٣).\n(٣) رواه أبو داود (٤٦٣٤)، والترمذي (٢٢٨٧)، وأحمد (٥/ ٤٤) (٢٠٤٦٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٤٣) (٨١٣٦)، والحاكم (٣/ ٧٤). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ١١٥): ثابت.","vol":"7","page":382},{"text":"تضمن هذا الحديث الإشارة إلى ترتيب الخلفاء الثلاثة في الفضل كما تضمن الإشارة إلى أن ترتيبهم في الخلافة يكون على حسب ترتيبهم في الفضل وإلى حقية خلافتهم جميعًا ﵃ وأرضاهم.\n(٥) وروى أبو داود ﵀ بإسناده إلى جابر بن عبد الله أنه كان يحدث «أن رسول الله ﷺ قال: أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ وقلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ، وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه ﷺ» (١).\nهذا الحديث علم من أعلام النبوة الدالة على صدق المصطفى ﷺ حيث حصل في شأن ترتيب الخلافة الراشدة طبقًا لهذه الرؤيا كما اشتمل على التنبيه على حقية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ (وفيه إشارة واضحة إلى ترتيب الخلافة الراشدة بعده ﷺ وقد فهم هذا راوي الحديث وكان كما قال) (٢).\n(٦) وروى الشيخان في (صحيحيهما) من حديث ابن عباس ﵄ كان يحدث «أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها: فالمستكثر والمستقل وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل، فقال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها فقال النبي ﷺ له: اعبرها قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله – بأبي أنت – أصبت أم أخطأت؟ قال النبي ﷺ: أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت قال: لا تقسم» (٣) تضمن هذا الحديث الإشارة إلى حقية خلافة عثمان ﵁، فقوله في الحديث: «ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع ثم يوصل له فيعلو به» هو عثمان ﵁ لكن قوله: «ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع ثم يوصل له فيعلو به» فيه إشكال من حيث كونه يوصل له بعد انقطاعه مع العلم أن خلافة عثمان ﵁ لم يحصل فيها انقطاع ولم تنقطع إلا بموته ﵁ وأرضاه. وقد ذكر العلامة ابن القيم وجه الإشكال في شرحه الحديث على سنن أبي داود مع بيان إزالته حيث قال رحمه الله تعالى: (وهذا يشكل عليه شيئان:\nأحدهما: أن في نفس الرؤيا «ثم وصل له، فعلا به» فتفسير الصديق لذلك مطابق لنفس الرؤيا.\nوالثاني: أن قتل عثمان ﵁ لا يمنع أن يوصل له، بدليل أن عمر قد قتل ومع هذا فأخذ به وعلا به، ولم يكن قتله مانعًا من علوه به.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٣٦)، وأحمد (٣/ ٣٥٥) (١٤٨٦٣)، وابن حبان (١٥/ ٣٤٣) (٦٩١٣)، والحاكم (٣/ ٧٥). وقال: ولعاقبة هذا الحديث إسناد صحيح عن أبي هريرة ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود».\n(٢) «الدين الخالص» (٣/ ٤٤٥).\n(٣) رواه البخاري (٧٠٤٦)، ومسلم (٢٢٦٩).","vol":"7","page":383},{"text":"أما الأول: فلفظه: «ثم وصل له» لم يذكر هذا البخاري، ولفظ حديثه «ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل» فقط وهذا لا يقتضي أن يوصل له بعد انقطاعه به وقال الصديق في تفسيره في نفس حديث البخاري: «فينقطع به ثم يوصل له» فهذا موضع الغلط، وهذا مما يبين فضل صدق معرفة البخاري، وغور علمه في إعراضه عن لفظة «له» وإنما انفرد بها مسلم، وأما الثاني: فيجاب عنه: بأن عمر ﵁ لم ينقطع به السبب من حيث علا به، وإنما انقطع به بالأجل المحتوم، كما ينقطع الأجل بالسم وغيره، وأما عثمان فانقطع به من حيث وصل له من الجهة التي علا بها وهي الخلافة، فإنه إنما أريد منه أن يخلع نفسه، وإنما قتلوه لعدم إجابتهم إلى خلع نفسه، فخلعوه هم بالقتل ظلمًا وعدوانًا، فانقطع به من الجهة التي أخذ به منها ثم وصل لغيره ﵁ وهذا سر سكوت النبي ﷺ عن تعيين موضع خطأ الصديق فإن قيل: لم تكلفتم أنتم بيانه، وقد منع النبي ﷺ الصديق من تعرفه، والسؤال عنه؟ قيل: منعه من هذا: ما ذكرناه من تعلق ذلك بأمر الخلافة، وما يحصل للرابع من المحنة، وانقطاع السبب به فأما وقد حدث ذلك ووقع فالكلام فيه الكلام في غيره من الوقائع التي يحذر الكلام فيها قبل وقوعها سدًا للذريعة، ودرءًا للمفسدة فإذا وقعت زال المعنى الذي سكت عنها لأجله) (١) اهـ. فالحديث فيه إشارة إلى حقية خلافة عثمان ﵁ وأرضاه.\n(٧) وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون فتنة واختلاف أو اختلاف وفتنه قال قلنا يا رسول الله: فما تأمرنا قال: عليكم بالأمير وأصحابه وأشار إلى عثمان» (٢).\nوهذا الحديث أيضًا: فيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ الدالة على صدق نبوته حيث أخبر بالفتنة التي حصلت أيام خلافة عثمان وكانت كما أخبر كما تضمن الحديث التنبيه على حقية خلافة عثمان إذ أنه ﷺ أرشد الناس إلى أن يلزموه وأخبر بأنه حين وقوع الفتنة والاختلاف أمير المؤمنين ومقدمهم وأمرهم بالالتفاف حوله وملازمته لكونه على الحق، والخارجون عليه على الباطل أهل زيغ والهوى، وقد شهد له الرسول ﷺ بأنه سيكون مستمرًا على الهدى لا ينفك عنه.\n(٨) فقد روى الترمذي بإسناده إلى أبي الأشعث الصنعاني أن خطباء قامت بالشام وفيهم رجال من أصحاب النبي ﷺ فقام آخرهم رجل يقال له: مرة بن كعب فقال: (لولا حديث سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت وذكر الفتن فقربها فمر رجل مقنع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال: نعم) (٣).\n_________\n(١) «شرح ابن القيم على سنن أبي داود على حاشية عون المعبود» (١٣/ ٣٨٣ - ٣٨٦).\n(٢) رواه الحاكم (٣/ ٩٩) ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(٣) رواه الترمذي (٣٧٠٤)، والحاكم (٣/ ١٠٩). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"7","page":384},{"text":"(٩) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى جبير بن نفير قال: «كنا معسكرين مع معاوية بعد قتل عثمان رضي الله تعالى عنه فقام كعب بن مرة البهزي فقال: لولا شيء سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت هذا المقام فلما سمع بذكر رسول الله ﷺ أجلس الناس فقال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ مر عثمان عليه مرجلًا قال فقال رسول الله ﷺ: لتخرجن فتنة من تحت قدمي أو من بين رجلي هذا، هذا يومئذ ومن اتبعه على الهدى قال: فقام ابن حوالة الأزدي من عند المنبر فقال: إنك لصاحب هذا قال: نعم قال: والله إني لحاضر ذلك المجلس ولو علمت أن لي في الجيش مصدقًا كنت أول من تكلم به» (١).\n(١٠) وروى أيضًا بإسناده إلى كعب بن عجرة قال: «كنت عند رسول الله ﷺ فذكر فتنة فقربها فمر رجل متقنع فقال هذا يومئذ على الهدى قال فاتبعته حتى أخذت بضبعيه فحولت وجهه إليه وكشفت عن رأسه وقلت: هذا يا رسول الله قال: نعم فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه» (٢). فهذه الثلاثة الأحاديث كلها تضمنت الإشارة إلى حقية خلافة عثمان ﵁ وأنه سيبتلى بالفتنة المذكورة في الحديث والتي كان من آثارها قتله ﵁ ظلمًا وعدوانًا بغير حق لما علم الله تعالى له أن سيكون في عداد الشهداء كما وضحت هذه الأحاديث أنه هو ومن اتبعه على الهدى عند وقوع تلك الفتن من قبيل قوله تعالى: أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ [البقرة: ٥] فعثمان ﵁ كان على الحق، والفتنة التي وقعت في زمنه أهلها على الباطل ففي ذلك فضيلة عظيمة لعثمان ﵁.\nولقد أعلم النبي ﷺ أن عثمان ﵁ سيكون أحد الخلفاء الراشدين من بعده، الذين يتولون أمر الأمة، فقد أوصاه في غير ما حديث أنه إن خرج عليه الخارجون وأرادوا منه أن يخلع نفسه فلا يستجيب لهم ولا كرامة وأنه يتمسك بحقه فيه ولا يطع أحدًا في تركه.\n(١١) فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «يا عثمان إنه لعل الله يقمصك قميصًا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم» (٣).\nففي هذا الحديث (الإشارة إلى الخلافة واستعارة القميص لها وذكر الخلع ترشيح أي: سيجعلك الله خليفة، فإن قصد الناس عزلك، فلا تعزل نفسك عنها لأجلهم لكونك على الحق، وكونهم على الباطل) (٤).\n(١٢) وروى الترمذي بإسناده إلى أبي سهلة قال: «قال لي عثمان يوم الدار: إن رسول الله ﷺ قد عهد إلى عهدًا فأنا صابر عليه» (٥).\nفقوله: «قد عهد إلى عهدًا» أي: أوصاني أن لا أخلع بقوله: «وإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم» «فأنا صابر عليه» (أي: على ذلك العهد) (٦).\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٢٣٦) (١٨٠٩٢). قال ابن حجر في «إتحاف المهرة» (١٣/ ٥٦): له طريق آخر، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣١١٩): إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٢٤٣) (١٨١٥٤). قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: صحيح لغيره.\n(٣) رواه الترمذي (٣٧٠٥). وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) «الدين الخالص» (٣/ ٤٤٦).\n(٥) رواه الترمذي (٣٧١١). وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن أبي خالد. وقال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٩/ ٢٢٣): في سنده سفيان بن وكيع وهو متكلم فيه [ولكن له متابعة]، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٦) «تحفة الأحوذي» (١٠/ ٢٠٩).","vol":"7","page":385},{"text":"(١٣) وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سهلة مولى عثمان عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «ادعوا لي أو ليت عندي رجلًا من أصحابي قالت: ليت أبو بكر؟ قال: لا قلت: عمر قال: لا قلت: فعثمان قال: نعم قالت: فجاء عثمان فقال: قومي قال: فجعل النبي ﷺ يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير قال: فلما كان يوم الدار قلنا: ألا تقاتل قال: لا إن رسول الله ﷺ عهد إلى أمرًا فأنا صابر نفسي عليه» (١).\nفهذا الحديث والذي قبله فيهما دلالة على صحة خلافته، فمن أنكر خلافته ولم يره من أهل الجنة والشهداء وأساء الأدب فيه باللسان، أو الجنان فهو خارج عن دائرة الإيمان وحيز الإسلام (٢).\nولقد عمل ﵁ وأرضاه بوصية رسول الله ﷺ طبقًا لما أوصاه به ولذلك ما عزل نفسه حين حاصروه يوم الدار.\n(١٤) وروى ابن سعد بإسناده إلى عبد الله بن عمر قال: «قال لي عثمان وهو محصور في الدار: ما ترى فيما أشار به علي المغيرة بن الأخنس؟ قال قلت: ما أشار به عليك؟ قال: إن هؤلاء القوم يريدون خلعي فإن خلعت تركوني وإن لم أخلع قتلوني قال قلت: أرأيت إن خلعت تترك مخلدًا في الدنيا؟ قال: لا، قال: فهل يملكون الجنة والنار؟ قال: لا قال: فقلت: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا قلت: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصًا قَمَّصَكَهُ الله» (٣).\n(١٥) ومما دل على صحة خلافته وإمامته ما رواه البخاري بإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: «كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم تترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم» (٤).\nوفي هذا إشارة إلى أن الله –تعالى- ألهمهم وألقى في روعهم ما كان صانعه بعد نبيه ﷺ من أمر ترتيب الخلافة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فهذا إخبار عما كان عليه الصحابة على عهد النبي ﷺ من تفضيل أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان وقد روي أن ذلك كان يبلغ النبي ﷺ فلا ينكره، وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتًا بالنص وإلا فيكون ثابتًا بما ظهر بين المهاجرين والأنصار على عهد النبي ﷺ من غير نكير، وبما ظهر لما توفي عمر فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان من غير رغبة ولا رهبة ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم) (٥).\nوكل ما تقدم ذكره من النصوص في هذا المبحث أدلة قوية كلها فيها الإشارة والتنبيه إلى حقية خلافة عثمان ﵁ وأرضاه وأنه لا مرية في ذلك ولا نزاع عند المتمسكين بالكتاب والسنة والذين هم أسعد الناس بالعمل بهما وهم أهل السنة والجماعة فيجب على كل مسلم أن يعتقد حقية خلافة عثمان ﵁ وأن يسلم تسليمًا كاملًا للنصوص المشيرة إلى ذلك. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٦٥٦\n_________\n(١) رواه الحاكم (٣/ ١٠٦). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والحديث رواه ابن ماجه (٩١)، وأحمد (٦/ ٥١) (٢٤٢٥٨). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ١٩): هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٢) «الدين الخالص» (٣/ ٤٤٦).\n(٣) رواه ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٦٦). ورواه أحمد في «فضائل الصحابة» (١/ ٤٧٣)، وابن أبي شيبة (١٥/ ٢٠٢)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٩/ ٣٥٦ - ٣٥٧).\n(٤) رواه البخاري (٣٦٩٧).\n(٥) «منهاج السنة» (٣/ ١٦٥).","vol":"7","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2029>ثالثا: انعقاد الإجماع على خلافته ﵁</span>\nلقد أجمع أصحاب رسول الله ﷺ وكذا من جاء بعدهم ممن سلك سبيلهم من أهل السنة والجماعة على أن عثمان بن عفان ﵁ أحق الناس بخلافة النبوة بعد عمر بن الخطاب ﵁ ولم يخالف أو يعارض في هذا أحد بل الجميع سلم له ذلك لكونه أفضل خلق الله على الإطلاق بعد الشيخين أبي بكر وعمر ﵄.\nوقد نقل الإجماع على أحقية عثمان ﵁ بالخلافة بعد عمر ﵁ طائفة من أهل العلم بالحديث وغيرهم ومن تلك النقول:\nما رواه ابن أبي شيبة بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال: (حججت في إمارة عمر فلم يكونوا يشكون أن الخلافة من بعده لعثمان) (١).\nوروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى حذيفة –﵁ قال: (إني لواقف مع عمر تمس ركبتي ركبته فقال: من ترى قومك يؤمرون قال: إن الناس قد أسندوا أمرهم إلى ابن عفان) (٢).\nونقل الحافظ الذهبي عن شريك بن عبد الله القاضي أنه قال: (قبض النبي ﷺ فاستخلف المسلمون أبا بكر فلو علموا أن فيهم أحدًا أفضل منه كانوا قد غشوا، ثم استخلف أبو بكر عمر فقام بما قام به من الحق والعدل، فلما احتضر جعل الأمر شورى بين ستة، فاجتمعوا على عثمان، فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا) (٣). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وأخرج يعقوب بن شيبة في (مسنده) من طريق صحيح إلى حذيفة قال: (قال لي عمر من ترى قومك يؤمرون بعدي؟ قال: قلت: قد نظر الناس إلى عثمان وأشهروه لها) (٤). وقال أيضًا: وأخرج البغوي في (معجمه) وخيثمة في (فضائل الصحابة) بسند صحيح عن حارثة بن مضرب قال: (حججت مع عمر فكان الحادي يحدو أن الأمير بعده عثمان بن عفان) (٥).\nوروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال: (حججت مع عمر أول خلافة عمر فلم يشك أن الخليفة بعده عثمان بن عفان ﵁) (٦). فهذه النقول فيها بيان واضح في أن أصحاب النبي ﷺ قد اشتهر بينهم أولوية عثمان بالخلافة وما زال عمر بن الخطاب ﵁ حيًا لما سبق من علمهم ببعض النصوص المشيرة إلى أن ترتيبه سيكون في خلافة النبوة بعد الفاروق ﵁ ولعلمهم أنه أفضل الناس على الإطلاق بعد أبي بكر وعمر ﵃ جميعًا.\nفقد روى ابن سعد بإسناده إلى النزال بن سبرة ﵁ قال: (قال عبد الله بن مسعود حين استخلف عثمان: استخلفنا خير من بقي ولم نأله) وفي رواية أخرى قال: (أمرنا خير من بقي ولم نأل) (٧) ولما استشهد الفاروق ﵁ بايع المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون عثمان ﵁ ليكون الخليفة للمسلمين بعد عمر رض الله عنه ولم يتأخر منهم أحد عن بيعته.\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٤/ ٥٨٨).\n(٢) رواه أبو نعيم في «الإمامة والرد على الرافضة» (ص: ٣٠٦).\n(٣) «ميزان الاعتدال» (٢/ ٢٧٣).\n(٤) «فتح الباري» (١٣/ ١٩٨).\n(٥) «فتح الباري» (١٣/ ١٩٨).\n(٦) رواه أبو نعيم في «الإمامة والرد على الرافضة» (ص: ٣٠٦).\n(٧) «الطبقات الكبرى» (٣/ ٦٣). رواه أحمد في «فضائل الصحابة» ()، والطبراني (٩/ ١٧٠) (٨٨٦١)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٢٤٤). وقال: مشهور من حديث مسعر، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٩١): [روي] بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح.","vol":"7","page":387},{"text":"فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى المسور بن مخرمة في قصة بيعة عثمان ﵁ من حديث طويل وفيه: «أن عبد الرحمن أرسل على من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد – وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر – فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده: فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون» (١) وقال الحسن بن محمد الزعفراني سمعت الشافعي يقول: (أجمع الناس على خلافة أبي بكر واستخلف أبو بكر عمر، ثم جعل عمر الشورى إلى ستة على أن يولوها واحدًا فولوها عثمان ﵃ أجمعين) (٢).\nوقد نقل أبو حامد محمد المقدسي كلامًا عزاه للإمام الشافعي أنه قال: (واعملوا أن الإمام الحق بعد عمر ﵁ عثمان رضي الله تعالى عنه بجعل أهل الشورى اختيار الإمامة إلى عبد الرحمن بن عوف واختياره لعثمان ﵁ وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وصوبوا رأيه فيما فعله وأقام الناس على محجة الحق وبسط العدل إلى أن استشهد ﵁) (٣).\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: (لم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان) (٤).\nوقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وثبتت إمامة عثمان ﵁ بعد عمر بعقد من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى الذين نص عليهم عمر فاختاروه ورضوا بإمامته وأجمعوا على فضله وعدله) (٥).\nوقال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى في صدد ذكره للإجماع على خلافة عثمان: (فاجتمع أهل الشورى ونظروا فيما أمرهم الله به من التوفيق وأبدوا أحسن النظر والحياطة والنصيحة للمسلمين وهم البقية من العشرة المشهود لهم بالجنة واختاروا بعد التشاور والاجتهاد في نصيحة الأمة والحياطة لهم عثمان بن عفان ﵁ لما خصه الله به من كمال الخصال الحميدة والسوابق الكريمة وما عرفوا من علمه الغزير وحلمه لم يختلف على ما اختاروه وتشاوروا فيه أحد، ولا طعن فيما اتفقوا عليه طاعن فأسرعوا إلى بيعته، ولم يتخلف عن بيعته من تخلف عن أبي بكر ولا تسخطها متسخط بل اجتمعوا عليه راضين به مجيبين له) (٦).\nوقال أبو عثمان الصابوني مبينًا عقيدة السلف وأصحاب الحديث في ترتيب الخلافة بعد أن ذكر أنهم يقولون أولًا بخلافة الصديق ثم عمر قال: (ثم خلافة عثمان ﵁ بإجماع أهل الشورى وإجماع الأصحاب كافة ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه) (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٢٠٧).\n(٢) «مناقب الشافعي» للبيهقي (١/ ٤٣٤ - ٤٣٥).\n(٣) «الرد على الرافضة» (ص: ٣١٩ - ٣٢٠).\n(٤) «منهاج السنة» (٣/ ١٦٦).\n(٥) «الإبانة عن أصول الديانة» (ص: ٦٨).\n(٦) «الإمامة والرد على الرافضة» (ص: ٢٩٩ - ٣٠٠).\n(٧) «عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية» (١/ ١٢٩).","vol":"7","page":388},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد ... فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إمامًا وإلا لو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إمامًا ولكن عمر لما جعله شورى في ستة عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، ثم إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولي أحد الرجلين وأقام عبد الرحمن ثلاثًا حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم يشاور السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان يشاور أمراء الأجناد، وكانوا قد حجوا مع عمر ذلك العام، فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان وذكر أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن رهبة أخافهم بها، ولهذا قال غير واحد من السلف والأئمة كأيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني وغيرهم من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وهذا من الأدلة الدالة على أن عثمان أفضل لأنهم قدموه باختيارهم واشتوارهم) (١).\n_________\n(١) «منهاج السنة» (١/ ١٤٣).","vol":"7","page":389},{"text":"وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى حاكيًا لإجماع الصحابة على خلافة عثمان ﵁: (ويروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى، وغيرهم فلا يشير إلا بعثمان، وقال لعثمان: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به؟ قال: بعلي بن أبي طالب والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل، والله عليه والإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه، ثم نهض عبد الرحمن بن عوف ﵁ يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعًا وأشتاتًا، مثنى وفرادى، ومجتمعين سرًا وجهرًا حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفان في تقديم عثمان بن عفان فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاء واستخارة وسؤالًا من ذوي الرأي عنهم، فلم يجد أحدًا يعدل بعثمان بن عفان ﵁ فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب، جاء إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة وأمره أن ينادي له عليًا وعثمان ﵄ فناداهما فحضرا إلى عبد الرحمن فأخبرهما أنه سأل الناس فلم يجدا أحدًا يعدل بهما أحدًا ثم أخذ العهد على كل منهما أيضًا لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطعن، ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه بها رسول الله ﷺ وتقلد سيفًا، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة فامتلأ المسجد بالناس حتى غص بالناس، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس فيه إلا في أخريات الناس – وكان رجلًا حييًا ﵁ – ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله ﷺ فوقف وقوفًا طويلًا ودعا دعاء طويلًا لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس إني سألتكم سرًا وجهرًا عن إمامكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي، وإما عثمان فقم إلي يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي قال: فأرسل يده وقال: قم إلي يا عثمان، فأخذ بيده وقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان وقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر قال: فقعد عبد الرحمن مقعد النبي ﷺ وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه علي بن أبي طالب أولًا، ويقال ثانيًا) (١).\n_________\n(١) «البداية والنهاية» (٧/ ١٥٩ - ١٦١).","vol":"7","page":390},{"text":"فهذه النقول المتقدم ذكرها للإجماع عن هؤلاء الأئمة كلها تفيد إفادة قطعية أن البيعة بالخلافة تمت لعثمان ﵁ بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يخالف أو يعارض في ذلك أحد، وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون (١) (أن عليًا تلكأ فقال: عبد الرحمن: فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ١٠] فرجع علي يشق الناس حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيما خدعة) (٢).\nفهذا باطل من وجوه:\nالوجه الأول: أن هذه القصة مخالفة لما ثبت في الحديث الصحيح وذلك أنه ثبت في (صحيح البخاري) في قصة البيعة والاتفاق على عثمان (أن عليًا ﵁ بايع عثمان بعد عبدالرحمن بن عوف مباشرة ثم بايع الناس بعده) (٣) وما جاء مخالفًا لهذا فهو مردود على قائله وناقليه.\nالوجه الثاني: أخرج ابن سعد بإسناده إلى مولى عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده قال: (أنا رأيت عليًا بايع عثمان أول الناس، ثم تتابع الناس فبايعوا) (٤).\nالوجه الثالث: أن المظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ومستقيمها وسقيمها وميادها وقويمها (٥).\nفكل ما يذكر من أن عليًا ﵁ تلكأ عن بيعة عثمان أو تأخر عنها فهو مبني على خبر غير صحيح رجاله لا يعرفون قد يكون في الغالب من وضع الرافضة الذين أوبقوا أنفسهم ببغض الصحابة ﵃. فبيعة عثمان تمت بإجماع المسلمين كافة ولا مطعن فيها لأحد من أهل الزيغ. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – ناصر بن علي عائض – ٢/ ٦٦٥\n_________\n(١) انظر: «البداية والنهاية» (٧/ ١٦١).\n(٢) «تاريخ الأمم والملوك» (٢/ ٥٨٦).\n(٣) الحديث رواه البخاري (٣٧٠٠).\n(٤) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ٦٢).\n(٥) «البداية والنهاية» (٧/ ١٦١).","vol":"7","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2031>أولا: طريقة توليه الخلافة</span>\nلقد تمت بيعة علي ﵁ بالخلافة بطريقة الاختيار وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ على أيدي الخارجين المارقين الشذاذ الذين جاءوا من الآفاق ومن أمصار مختلفة، وقبائل متباينة لا سابقة لهم، ولا أثر خير في الدين فبعد أن قتلوه ﵁ ظلمًا وعدوانًا (يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين) (١). قام كل من بقي بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ بمبايعة علي ﵁ بالخلافة وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق بعد عثمان ﵁، ولذلك لم يدع الإمامة لنفسه أحد بعد عثمان ﵁ ولم يكن أبو السبطين ﵁ حريصًا عليها، ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد ممن بقي من الصحابة بالمدينة وخوفًا من ازدياد الفتن وانتشارها ومع ذلك لم يسلم من معرة تلك الفتن كموقعة الجمل وصفين التي أوقد نارها وأنشبها الحاقدون على الإسلام كابن سبأ وأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه لفسقهم ولزيغ قلوبهم عن الحق والهدى، وقد روى الكيفية التي تم بها اختيار علي ﵁ للخلافة بعض أهل العلم.\nفقد روى أبو بكر الخلال بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: (كنت مع علي ﵀ وعثمان محصور قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة قال: فقام علي ﵀: قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفًا عليه فقال: خل لا أم لك قال: فأتى علي الدار وقد قتل الرجل ﵀ فأتى داره فدخلها فأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا قد قتل، ولابد للناس من خليفة ولا نعلم أحدًا أحق بها منك فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: لا والله لا نعلم أحدًا أحق بها منك قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرًا، ولكن أخرج إلى المسجد فبايعه الناس) (٢).\nوفي رواية أخرى عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن الحنفية: (فأتاه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من إمام ولا نجد أحدًا أحق بهذا منك أقدم مشاهد، ولا أقرب من رسول الله ﷺ فقال علي: لا تفعلوا فإني وزير خير مني أمير، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك قال: ففي المسجد فإنه لا ينبغي بيعتي أن تكون خفيًا ولا تكون إلا عن رضا من المسلمين قال: فقال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد الله بن عباس فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يشغب عليه وأبى هو إلا المسجد فلما دخل المسجد جاء المهاجرون والأنصار فبايعوا وبايع الناس) (٣).\n_________\n(١) «الطبقات» لابن سعد (٣/ ٣١).\n(٢) رواه الخلال في «السنة» (٢/ ٤١٥).\n(٣) رواه الخلال في «السنة» (٢/ ٤١٦).","vol":"7","page":392},{"text":"وقال ابن جرير: وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف بن أبي حارثة وأبي عثمان – يزيد بن أسيد الغساني – قال: (لما كان يوم الخميس على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان ﵁ جمعوا أهل المدينة فوجدوا سعدًا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له ... فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة وأمركم عابر على الأمة فانظروا رجلًا تنصبونه ونحن لكم تبع فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون). وفي رواية أخرى: أن جمهور الصحابة لما عرضوا على علي ﵁ الخلافة قال لهم: (دعوني والتمسوا غيري ... فقالوا: ننشدك الله ألا ترى الفتنة ألا تخاف الله؟ فقال: إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ثم على ذلك واتّعدوا الغد ... فلما أصبحوا يوم الجمعة حضر الناس المسجد وجاء علي حتى صعد المنبر فقال: يا أيها الناس – عن ملأ وإذن – إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد فقالوا نحن على ما فارقناك بالأمس) (١).\nومما تقدم تبين أن خلافة علي ﵁ تمت بطريق الاختيار من جميع من كان موجودًا من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة بعد استشهاد ذي النورين ﵁، وهذه الطريقة التي تم بها اختيار علي ﵁ كالطريق التي ثبت بها خلافة الصديق أبي بكر ﵁ حيث إن عثمان ﵁ لم يعين أحدًا يقوم بالخلافة بعده فقد روى الإمام أحمد والبخاري والحاكم عن مروان بن الحكم: (أن عثمان ﵁ أصابه رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج وأوصى وطلب منه أن يستخلف فلم يستخلف ﵁ وأرضاه) (٢) كما تبين أيضًا: مما تقدم (أن بيعة علي ﵁ كانت كبيعة إخوانه من قبل جاءت على قدر وفي إبانها وأنها مستمدة من رضا الأمة في حينها لا من وصية سابقة مزعومة، أو رموز خيالية موهومة) (٣).\nقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (وأما ما يغتر به كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء من أنه أوصى إلى علي بالخلافة فكذب وبهت وافتراء عظيم يلزم منه خطأ كبير من تخوين الصحابة، وممالأتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه، وصرفهم إياها إلى غيره لا لمعنى ولا لسبب وكل مؤمن بالله ورسوله يتحقق أن دين الإسلام هو الحق يعلم بطلان هذا الافتراء لأن الصحابة كانوا خير الخلق بعد الأنبياء وهم خير قرون هذه الأمة التي هي أشرف الأمم بنص القرآن، وإجماع السلف والخلف في الدنيا والآخرة ولله الحمد) (٤). عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٦٧٧\n_________\n(١) «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٤٣٣ - ٤٣٥)، «الكامل» (٣/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(٢) رواه البخاري (٣٧١٧)، وأحمد (١/ ٦٤) (٤٥٥)، والحاكم (٣/ ٤٠٩).\n(٣) من كلام محب الدين الخطيب في تعليقه على «العواصم من القواصم» (ص: ١٤٣).\n(٤) «البداية والنهاية» (٧/ ٢٤٥).","vol":"7","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2032>ثانيا: أحقية علي بالخلافه</span>\nإن أحق الناس بالخلافة بعد الثلاثة المتقدمين أعني أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ هو علي بن أبي طالب ﵁ وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بل ومعتقد أصحاب رسول الله ﷺ قاطبة وهذا هو ما يجب على المسلم اعتقاده والديانة لله به في شأن ترتيب الخلافة الراشدة، وقد ورد الإيماء إلى حقية خلافة علي ﵁ في كثير من النصوص الشرعية منها:\n(١) قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: ٥٥] الآية ووجه الاستدلال بها على حقية خلافة علي ﵁ أنه أحد المستخلفين في الأرض الذين مكن الله لهم دينهم (١).\n(٢) قوله ﵊: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» (٢).\nووجه الدلالة في هذا الحديث على حقية خلافة علي ﵁ أنه أحد الخلفاء الراشدين المهديين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وحافظوا على حدود الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وساروا بسيرة رسول الله ﷺ في العدل وإقامة الحق.\n(٣) روى أبو عبد الله الحاكم وغيره بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كنا مع رسول الله ﷺ فانقطعت نعله فتخلف علي يخصفها فمشي قليلًا ثم قال: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر ﵄ قال أبو بكر: أنا هو قال: لا. قال عمر أنا هو قال: لا. لكن خاصف النعل –يعني عليا فأتيناه فبشرناه فلم يرفع به رأسه كأنه قد سمعه من رسول الله ﷺ» (٣).\nهذا الحديث فيه إيماء إلى ولايته حيث إنه ﵁ قاتل في خلافته أهل التأويل الذين خرجوا عليه بالتأويل، ومنه أخذت أحكام قتال البغاة في أنه لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يغنم لهم مال ولا يسبى لهم ذرية وغير ذلك من أحكامهم وقاتل أيضًا الحرورية الذين تأولوا القرآن على غير تأويله وكفروا أهل الحق ومرقوا من الدين مروق السهم من الرمية.\n(٤) روى مسلم في (صحيحه) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق» (٤).\n_________\n(١) انظر: «منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين» لابن قدامة (ص: ٧٤) (مخطوط) برقم (٢٥٣) في مكتبة عارف حكمة بالمدينة.\n(٢) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٠)، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤)، والدارمي (١/ ٥٧) (٩٥)، والحاكم (١/ ١٧٤). من حديث العرباض بن سارية ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة، ووافقه الذهبي، وقال ابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٤): ثابت صحيح.\n(٣) رواه الحاكم (٣/ ١٣٢)، ورواه أحمد (٣/ ٨٢) (١١٧٩٠). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٣٦): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة، وقال الشوكاني في «در السحابة» (١٦٧): إسناده رجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٥/ ٦٣٩): على شرط مسلم.\n(٤) رواه مسلم (١٠٦٤).","vol":"7","page":394},{"text":"وفيه أيضًا: أنه قال: «تكون في أمتي فرقتان فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق» (١).\nوفي لفظ: قال: «تمرق مارقة في فرقة من الناس فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق» (٢).\nوجاء أيضًا بلفظ «يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق» (٣).\nفقوله ﷺ على حين فرقة –بضم الفاء- أي: في وقت افتراق الناس أي: افتراق يقع بين المسلمين وهو الافتراق الذي كان بين علي ومعاوية ﵄ (٤).\nوالمراد بالفرقة المارقة هم (أهل النهروان كانوا في عسكر علي ﵁ في حرب صفين فلما اتفق علي ومعاوية على تحكيم الحكمين خرجوا وقالوا: إن عليًا ومعاوية استبقا إلى الكفر كفرسي رهان فكفر معاوية بقتال علي ثم كفر علي بتحكيم الحكمين وكفروا طلحة والزبير فقتلتهم الطائفة الذين كانوا مع علي وقد شهد النبي ﷺ أن الطائفة التي تقتلهم أقرب إلى الحق وهذه شهادة من النبي ﷺ لعلي وأصحابه بالحق وهذا من معجزات النبي ﷺ لكونه أخبر بما يكون فكان على ما قال وفيه دلالة على صحة خلافة علي ﵁ وخطأ من خالفه) (٥).\n(٥) وروى البخاري بإسناده إلى خالد الحذاء عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: «كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين فرآه النبي ﷺ فينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن» (٦).\n(٦) عند مسلم عن أبي سعيد أيضًا: قال أخبرني من هو خير مني أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يسمح رأسه ويقول: «بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية» (٧).\nهذان الحديثان دلا على حقية خلافة علي ﵁ وأنه الإمام الحق بعد عثمان ﵁ وأن الذين قاتلوه مجتهدون مخطئون لا إثم عليهم ولا لوم فيما وقع بينهم من القتال.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: بعد ذكره لقوله ﷺ: «تقتل عمارًا الفئة الباغية» (٨) (وهذا أيضًا يدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار وإن كان متأولًا وهو دليل على أنه لم يمكن يجوز قتال علي وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولًا، أو باغ بلا تأويل وهو أصح القولين لأصحابنا وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليًا وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين وكذلك أنكر يحيى بن معين على الشافعي استدلاله بسيرة علي في قتال البغاة المتأولين قال: أيجعل طلحة والزبير معًا بغاة؟ رد عليه الإمام أحمد فقال: ويحك وأي شيء يسعه أن يضع في هذا المقام يعني: إن لم يقتد بسيرة علي في ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة – إلى أن قال – ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه) (٩).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠٦٤).\n(٢) رواه مسلم (١٠٦٤).\n(٣) رواه مسلم (١٠٦٤).\n(٤) «شرح النووي على صحيح مسلم» (٧/ ١٦٦).\n(٥) «منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين» لابن قدامة (ص: ٧٥ - ٧٦) مخطوط وانظر «شرح النووي» (٧/ ١٦٦).\n(٦) رواه البخاري (٤٤٧).\n(٧) رواه مسلم (٢٩١٥).\n(٨) رواه مسلم (٢٩١٦).\n(٩) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٣٧ - ٤٣٨).","vol":"7","page":395},{"text":"فلو قال قائل: إن قتل عمار كان بصفين (وهو مع علي والذين قتلوه مع معاوية وكان معه جماعة من الصحابة فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار، فالجواب أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها وهو طاعة الإمام وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة علي وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم) (١).\nقال الإمام النووي بعد قوله ﷺ: «بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية» (٢) (قال العلماء: هذا الحديث حجة ظاهرة في أن عليًا ﵁ كان محقًا مصيبًا والطائفة الأخرى بغاة لكنهم مجتهدون فلا إثم عليهم لذلك .. وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ من أوجه: منها: أن عمارًا يموت قتيلًا وأنه يقتله مسلمون وأنهم بغاة، وأن الصحابة يقاتلون وأنهم يكونون فرقتين باغية وغيرها وكل هذا وقع مثل فلق الصبح صلى الله وسلم على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (٣).\nوقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد ذكره لقوله ﷺ: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق» (٤).\n(وفي هذا وفي قوله ﷺ: «تقتل عمارًا الفئة الباغية» (٥) دلالة واضحة أن عليًا ومن معه كانوا على الحق وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم) (٦).\n(١٠) وروى أبو داود بإسناده إلى سفينة قال: قال رسول الله ﷺ: «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء» (٧).\nوعند الترمذي بلفظ: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك» (٨) وفي هذا الحديث إشارة إلى حقية خلافة علي ﵁ حيث إن خلافته كانت آخر الثلاثين من مدة النبوة التي حددها النبي ﷺ في هذا الحديث وبموجب هذا قال أهل العلم.\nقال أبو عمر: (قال أحمد بن حنبل: حديث سفينة في الخلافة صحيح وإليه أذهب في الخلفاء) (٩).\nوقد وصف الإمام أحمد رحمه الله تعالى قول من يقول بأن عليًا ﵁ ليس من الخلفاء بأنه سيء ورديء.\nقال عبد الله بن أحمد رحمه الله تعالى: (قلت لأبي إن قومًا يقولون إنه ليس بخليفة قال: هذا قول سوء رديء فقال: أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون له يا أمير المؤمنين أفنكذبهم وقد حج وقطع ورجم فيكون هذا إلا خليفة) (١٠).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالة له في حديث سفينة: (وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد والعوام بن حوشب عن سعيد بن جهمان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ رواه أهل السنن كأبي داود. وغيره واعتمد عليه الإمام أحمد وغيره في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة وثبته أحمد واستدل به على من توقف في خلافة علي من أجل افتراق الناس عليه حتى قال أحمد: من لم يربع بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله ونهى عن مناكحته) (١١).\nوقال شارح الطحاوية: (ونثبت الخلافة بعد عثمان لعلي ﵄ لما قتل عثمان وبايع الناس عليًا صار إمامًا حقًا واجب الطاعة وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة كما دل عليه حديث سفينة أنه قال: قال رسول الله ﷺ «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء» (١٢).\nفهذه النصوص المتقدم ذكرها كلها دالة على حقية خلافة علي ﵁ وأنه ﵁ أحق بالأمر وأولى بالحق من كل أحد بعد الثلاثة ﵃ جميعًا فيجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن عليًا ﵁ رابع الخلفاء الراشدين وأحد الأئمة المهديين. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٦٨١\n_________\n(١) «فتح الباري» (١/ ٥٤٢).\n(٢) رواه مسلم (٢٩١٥).\n(٣) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٨/ ٤٠ - ٤١).\n(٤) رواه مسلم (١٠٦٤).\n(٥) رواه مسلم (٢٩١٦).\n(٦) «فتح الباري» (٦/ ٦١٩).\n(٧) رواه أبو داود (٤٦٤٦)، والحاكم (٣/ ١٥٦)، والطبراني (٧/ ٨٤) (٦٤٥٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.\n(٨) رواه الترمذي (٢٢٢٦)، وأحمد (٥/ ٢٢١) (٢١٩٧٨)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٤٧) (٨١٥٥). قال الترمذي، وابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١٤١): حسن، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٩) «جامع بيان العلم» (٢/ ٣٥٢)، وانظر: «السنة» لعبد الله بن أحمد (ص: ٢٣٥).\n(١٠) «السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد (ص: ٢٣٥).\n(١١) قال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١/ ٢٠٠): (هذه الرسالة بالمكتبة الظاهرية بخطه في مسودته في (٨١/ ٢ - ٨٤/ ٢).اهـ.\n(١٢) رواه أبو داود (٤٦٤٦)، والحاكم (٣/ ١٥٦)، والطبراني (٧/ ٨٤) (٦٤٥٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.","vol":"7","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2033>ثالثا: انعقاد الإجماع على خلافته ﵁</span>\nلقد انعقد إجماع الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة على أن عليًا ﵁ كان متعينًا للخلافة بعد عثمان ﵁ لفضله على من بقي من الصحابة، وأنه أقدمهم إسلامًا، وأوفرهم علمًا، وأقربهم بالنبي ﷺ نسبًا، وأشجعهم نفسًا، وأحبهم إلى الله ورسوله وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق وأرفعهم درجة وأشرفهم منزلة، وأشبهم برسول الله ﷺ هديًا وسمتًا فكان ﵁ متعينًا للخلافة دون غيره، وقد قام من بقي من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة بعقد البيعة له بالخلافة بالإجماع فكان حينئذ إمامًا حقًا وجب على سائر الناس طاعته وحرم الخروج عليه ومخالفته وقد نقل الإجماع على خلافته كثير من أهل العلم: فقد نقل محمد بن سعد إجماع من له قدم صدق وسابقة في الدين ممن بقي من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة على بيعة علي ﵁ حيث قال: (وبويع لعلي بن أبي طالب ﵀ بالمدينة الغد من يوم قتل عثمان بالخلافة بايعه طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم) (١).\nكما نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على بيعة علي ﵁ الإمام أحمد بن حنبل، وأبو الحسن الأشعري وأبو نعيم الأصبهاني وغيرهم من أهل العلم.\nفقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: (كنت مع علي وعثمان محصور قال فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول، ثم جاء آخر فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة قال: فقام علي قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفًا عليه فقال: خل لا أم لك قال فأتى علي الدار وقد قتل الرجل فأتى داره فدخلها وأغلق عليه بابه فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من خليفة ولا نعلم أحدًا أحق بها منك فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: لا والله ما نعلم أحدًا أحق بها منك قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرًا ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني بايعني قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس) (٢).\nوذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى روى بإسناده عن عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن عوف قال: (كنت عند الحسن فكأن رجلًا انتقص أبا موسى باتباعه عليًا فغضب الحسن ثم قال: سبحان الله قتل أمير المؤمنين عثمان فاجتمع الناس على خيرهم فبايعوه أفيلام أبو موسى باتباعه) (٣).\nفقد نقل الإمام أحمد ﵀ في هاتين الروايتين أن الصحابة ﵃ أجمعوا على بيعة علي ﵁ وأن إجماعهم ﵃ كان على خيرهم وأفضلهم على الإطلاق وأحقهم بالخلافة بعد عثمان ﵁.\n_________\n(١) «الطبقات الكبرى» (٣/ ٣١).\n(٢) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٥٧٣).\n(٣) «منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين» (ص: ٧٧ - ٧٨). وانظر «فضائل الصحابة» للإمام أحمد (٢/ ٥٧٧).","vol":"7","page":397},{"text":"وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (ونثبت إمامة علي بعد عثمان ﵁ بعقد من عقد له من الصحابة من أهل الحل والعقد ولأنه لم يدع أحد من أهل الشورى غيره في وقته وقد اجتمع على فضله وعدله، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقًا لعلمه أن ذلك ليس بوقت قيامه فلما كان لنفسه في غير وقت الخلفاء قبله كان حقًا لعلمه أن ذلك وقت قيامه، ثم لما صار الأمر إليه أظهر وأعلن ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد، كما مضى من قبله من الخلفاء وأئمة العدل على السداد والرشاد متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم هؤلاء الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم ﵃) (١).\nوقال أبو نعيم الأصبهاني مبينًا كيف تدارك أصحاب النبي ﷺ الموقف بعد استشهاد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، ومبينًا المزايا العالية التي تميز بها علي ﵁ على باقي الصحابة وجعلته أهلًا لأن يختاروه خليفة للمسلمين فقال: (فلما اختلفت الصحابة كان على الذين سبقوا إلى الهجرة والسابقة والنصرة والغيرة في الإسلام الذين اتفقت الأمة على تقديمهم لفضلهم في أمر دينهم ودنياهم لا يتنازعون فيهم ولا يختلفون فيمن أولى بالأمر من الجماعة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة في العشرة ممن توفي وهو عنهم راض فسلم من بقي من العشرة الأمر لعلي ﵁ ولم ينكر أنه من أكمل الأمة ذكرًا وأرفعهم قدرًا لقديم سابقته وتقدمه في الفضل والعلم، وشهوده المشاهد الكريمة يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله ويحبه المؤمنون ويبغضه المنافقون لم يضع منه تقديم من تقدمه من أصحاب رسول الله ﷺ بل ازداد به ارتفاعًا لمعرفته بفضل من قدمه على نفسه إذ كان ذلك موجودًا في الأنبياء والرسل ﵈ قال الله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلى قوله مَا يُرِيدُ [البقرة: ٢٥٣] فلم يكن تفضيل بعضهم على بعض بالذي يضع ممن هو دونه فكل الرسل صفوة الله – ﷿ – وخيرته من خلقه، فتولى أمر المسلمين عادلًا زاهدًا آخذًا في سيرته بمنهاج الرسول ﵊ وأصحابه ﵃ حتى قبضه الله – ﷿ – شهيدًا هاديًا مهديًا سلك بهم السبيل المستبين والصراط المستقيم) (٢).\nوقال أبو منصور البغدادي: (أجمع أهل الحق والعدل على صحة إمامة علي ﵁ وقت انتصابه لها بعد قتل عثمان ﵁) (٣).\nوقال الزهري رحمه الله تعالى بعد ذكره لما قام به أبو الحسن من الوفاء بالعهد لإخوانه الثلاثة الخلفاء السابقين قبله قال: (وكان قد وفى بعهد عثمان حتى قتل وكان أفضل من بقي من الصحابة فلم يكن أحد أحق بالخلافة منه، ثم لم يستبد بها مع كونه أحق الناس بها حتى جرت له بيعة وبايعه مع سائر الناس من بقي من أصحاب الشورى) (٤).\n_________\n(١) «الإبانة عن أصول الديانة» (ص: ٧٨)، وانظر «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» (١/ ٣٤٦).\n(٢) «الإمامة والرد على الرافضة» (ص: ٣٦٠ - ٣٦١).\n(٣) «أصول الدين» (ص: ٢٨٦ - ٢٨٧).\n(٤) «الاعتقاد» (ص: ١٩٣).","vol":"7","page":398},{"text":"وقال عبد الملك الجويني في صدد ذكره للطريق التي تمت بها خلافة عمر وعثمان وعلي وأنه لا يعبأ بقول من يقول: إن إمامة علي لم يحصل عليها إجماع فقال: (وأما عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم فسبيل إثبات إمامتهم واستجماعهم لشرائط الإمامة كسبيل إثبات إمامة أبي بكر، ومرجع كل قاطع في الإمامة إلى الخبر المتواتر والإجماع ... ولا اكتراث بقول من يقول: لم يحصل إجماع على إمامة علي ﵁ فإن الإمامة لم تجحد له وإنما هاجت الفتن لأمور أخرى) (١).\nوقال أبو عبد الله بن بطة رحمه الله تعالى حاكيًا لثبوت الإجماع على خلافة أبي الحسن ﵁ حيث قال: (كانت بيعة علي ﵀ بيعة اجتماع ورحمة لم يدع إلى نفسه ولم يجبرهم على بيعته بسيفه ولم يغلبهم بعشيرته ولقد شرف الخلافة بنفسه وزانها بشرفه وكساها حلة البهاء بعدله ورفعها بعلو قدره ولقد أباها فأجبروه وتقاعس عنها فأكرهوه) (٢).\nفقد بين رحمه الله تعالى أن بيعة علي ﵁ كانت بالإجماع وأن حصول الإجماع عليها من قبل أهل الحل والعقد كان رحمة من الله بالأمة المحمدية، وبين ﵀ أن عليًا ﵁ زين الخلافة ولم تزينه، ورفعها ولم ترفعه وهكذا كان من تقدمه من الخلفاء ﵃ زينوا الخلافة وجملوا الأمة المحمدية، وأتموا الدين وأظهروه، وأسسوا الإسلام وأشهروه ﵃ أجمعين.\nوقال الغزالي: (وقد أجمعوا على تقديم أبي بكر، ثم نص أبو بكر على عمر، ثم أجمعوا بعده على عثمان، ثم على علي ﵃، وليس يظن منهم الخيانة في دين الله – تعالى- لغرض من الأغراض وكان إجماعهم على ذلك من أحسن ما يستدل به على مراتبهم في الفضل، ومن هذا اعتقد أهل السنة هذا الترتيب في الفضل، ثم بحثوا عن الأخبار فوجدوا فيها ما عرف مستند الصحابة وأهل الإجماع في هذا الترتيب) (٣).\nوقال أبو بكر بن العربي في معرض سياقه لحادثة قتل عثمان ظلمًا وعدوانًا على أيدي الخارجين عليه الظلمة المعتدين قال: (فلما قضى الله من أمره ما قضى ومضى في قدره ما مضى علم أن الحق لا يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه ولم يكن بعد الثلاثة كالرابع قدرًا وعلمًا وتقى ودينًا فانعقدت له البيعة ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار ورأى ذلك فرضًا عليه فانقاد إليه) (٤).\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا على بيعة عثمان بعد عمر ﵃ جميعًا كما بين كذلك أن أهل السنة والجماعة أجمعوا عامة على تقديم الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃.\n_________\n(١) «الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد» (ص: ٣٦٢ - ٣٦٣).\n(٢) ذكره عنه العلامة ابن قدامة في كتابه «منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين» (ص: ٧٧)، وانظر: «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ٣٤٦).\n(٣) «الاقتصاد في الاعتقاد» (ص: ١٥٤).\n(٤) «العواصم من القواصم» (ص: ١٤٢).","vol":"7","page":399},{"text":"فقد قال ﵀: (واتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة عثمان بعد عمر وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (١) فكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ آخر الخلفاء الراشدين المهديين، وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي) (٢).\nوقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وكانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر وكتب بيعته إلى الآفاق فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام فكان بينهم بعد ما كان) (٣).\nوالذي نستفيده من هذه النقول المتقدمة للإجماع أن خلافة علي ﵁ محل إجماع على حقيتها وصحتها في وقت زمنها وذلك بعد قتل عثمان ﵁ حيث لم يبق على الأرض أحق بها منه ﵁ فقد جاءته ﵁ على قدر في وقتها ومحلها، وقد جاء في بعض هذه النقول للإجماع النص على مبايعة طلحة والزبير ﵄ لعلي ﵁ وهذا فيه رد لبعض الروايات التي ذكرها بعض المؤرخين من أنهما بايعا مكرهين فقد جاء في بعض تلك الروايات أن طلحة ﵁ قال: (بايعت واللج على قفي) (٤).\nوقد رد العلامة ابن العربي على هذا بقوله: (اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في (القفا) لغة (قفي) كما يجعل في (الهوى): (هوي) وتلك لغة هذيل لا قريش فكانت كذبه لم تدبر) (٥).\nبل قد جاء في بعض الروايات أن طلحة ﵁ كان أول من بايع عليًا حتى قال حبيب بن ذؤيب: (بايع عليًا يد شلاء لا يتم هذا الأمر) (٦) (وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر) (٧).\nوقد رد القاضي أبو بكر ابن العربي على قول القائل في طلحة (يد شلاء) بقوله: (أما قولهم: (يد شلاء) لو صح فلا متعلق لهم فيه فإن يدًا شلت في وقاية رسول الله ﷺ يتم لها كل أمر ويتوقى بها من كل مكروه وقد تم الأمر على وجهه ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه) (٨).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٠)، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤)، والدارمي (١/ ٥٧) (٩٥)، والحاكم (١/ ١٧٤). من حديث العرباض بن سارية ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة، ووافقه الذهبي، وقال ابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٤): ثابت صحيح، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨١)، وابن القيم في «أعلام الموقعين» (٤/ ١١٩) وقال: إسناده لا بأس به، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٨٢)، والعراقي في «الباعث على الخلاص» (١)، وابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١٣٦) وقال: رجاله ثقات، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٢) «الوصية الكبرى» (ص: ٣٣).\n(٣) «فتح الباري» (٧/ ٧٢).\n(٤) «العواصم من القواصم» لابن العربي (ص: ١٤٤)، وانظر: «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٤٣١، ٤٣٥) و«الكامل في التاريخ» لابن الأثير (٣/ ١٩٣)، و«البداية والنهاية» (٧/ ٢٤٧).\n(٥) «العواصم من القواصم» (ص: ١٤٤).\n(٦) «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٤٢٨)، «الكامل» لابن الأثير (٣/ ١٩١).\n(٧) «تاريخ الأمم والملوك» (٤/ ٤٣٣)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٤٧).\n(٨) «العواصم من القواصم» (ص: ١٤٤ - ١٤٥).","vol":"7","page":400},{"text":"وهذا الرد من ابن العربي على ما قيل في يد طلحة ﵁ يستحق أن يكتب بماء الذهب لأنه لو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أكثر بركة ونفعًا لأنها يد ذب عن رسول الله ﷺ المشركين يوم أحد، أما يد الأشتر اللئيم فإنها كانت لا تزال رطبة من دم الإمام الشهيد المبشر بالجنة عثمان ﵁، فدعوى أن طلحة والزبير بايعا مكرهين دعوى غير صحيحة بل الثابت أنه لما قتل عثمان ﵁ طلب جمهور الصحابة ﵃ من علي أن يتولى أمر المسلمين فكان يفر منهم في حيطان المدينة (١) وأيضًا: لما توفي عمر ﵁ جعل الأمر شورى في ستة منهم طلحة والزبير واتفقوا على أن الأمر دائر بين عثمان وعلي فاتفقوا على تقديم عثمان وبعد استشهاده ﵁ كان صاحب الحق هو علي ﵁.\nوقد اعترض بعض الناس على الإجماع على خلافة علي ﵁ وجوه:\n(١) تخلف عنه من الصحابة جماعة منهم سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وابن عمر وأسامة بن زيد وسواهم من نظرائهم (٢).\n(٢) إنما بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان (٣).\n(٣) أن أهل الشام معاوية ومن معه لم يبايعوه بل قاتلوه.\nوهذه الاعتراضات لا تأثير لها على الإجماع المذكور، ولا توجب معارضته وذلك أنها مردودة من وجوه:\nالوجه الأول: (أن دعوى أن جماعة من الصحابة تخلفوا عن بيعته دعوى غير صحيحة إذ أن بيعته لم يتخلف عنها وأما نصرته فتخلف عنها قوم منهم من ذكر لأنها كانت مسألة اجتهادية فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره) (٤).\nالوجه الثاني: (أن عقد الخلافة ونصب إمام واجب لابد منه، ووقف ذلك على حضور جميع الأمة واتفاقهم مستحيل أو متعذر فلا يجوز اشتراطه لإفضاء ذلك إلى انتفاء الواجب ووقوع الفساد اللازم من انتفائه) (٥).\nالوجه الثالث: أن الإجماع حصل على بيعة أبي بكر بمبايعة الفاروق وأبي عبيدة ومن حضرهم من الأنصار مع غيبة علي وعثمان وغيرهما من الصحابة وكذلك حصل الإجماع على خلافة علي بمبايعة عمار ومن حضر من البدريين وغيرهم من الصحابة ولا يضر هذا الإجماع من غاب عن البيعة أو لم يبايعه من غيرهم ﵃ جميعًا.\nقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: (والله ما كانت بيعة علي إلا كبيعة أبي بكر وعمر ﵃) (٦).\nالوجه الرابع: دعوى أنه إنما بويع على أن يقتل قتلة عثمان (هذا لا يصح في شرط البيعة. وإنما يبايعونه على الحكم بالحق وهو أن يحضر الطالب للدم، ويحضر المطلوب وتقع الدعوى ويكون الجواب وتقوم البينة ويقع الحكم) (٧) بعد ذلك.\nالوجه الخامس: أن معاوية ﵁ لم يقاتل عليًا على الخلافة ولم ينكر إمامته وإنما كان يقاتل من أجل إقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان مع ظنه أنه مصيب في اجتهاده ولكنه كان مخطئًا في اجتهاده ذلك فله أجر الاجتهاد فقط.\nقال عبد الملك الجويني: (ومعاوية وإن قاتل عليًا فإنه لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه وإنما كان يطلب قتله عثمان ﵁ ظانًا أنه مصيب ولكنه كان مخطئًا) (٨).\n_________\n(١) انظر: «تاريخ الأمم والملوك للطبري» (٤/ ٤٣٢)، «البداية والنهاية» (٧/ ٢٤٦).\n(٢) «العواصم من القواصم» (ص: ١٤٦ - ١٤٧).\n(٣) «العواصم من القواصم» (ص: ١٤٥).\n(٤) «العواصم من القواصم» (ص: ١٤٧)، وانظر كتاب «التمهيد» للباقلاني (ص: ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(٥) «منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين» (ص: ٧٦ - ٧٧).\n(٦) «منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين» (ص: ٧٧).\n(٧) «العواصم من القواصم» (ص: ١٤٥ - ١٤٦).\n(٨) «لمع الأدلة في عقيدة أهل السنة» (ص: ١١٥) مخطوط نقلًا عن كتاب «أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ» (ص: ١١٥).","vol":"7","page":401},{"text":"فخلافة علي ﵁ ثابتة بالنص والإجماع ولا تأثير لأي اعتراض يورد على الإجماع فيجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن عليًا ﵁ رابع الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين أمرنا بالتمسك بسنتهم والاقتداء بهم وترتيبهم في الإمامة كترتيبهم في الفضل أولًا أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين وهذا معتقد الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة فقد روى البيهقي بإسناده إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: (في الخلافة والتفضيل نبدأ بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃) (١) وروى أيضًا بإسناده إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قيل له: (كأنك تذهب إلى حديث سفينة قال: أذهب إلى حديث سفينة وإلى شيء آخر رأيت عليًا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان لم يتسم بأمير المؤمنين ولم يقم الجمع والحدود ثم رأيته بعد قتل عثمان قد فعل ذلك فعلمت أنه قد وجب له في ذلك الوقت ما لم يكن له قبل ذلك) (٢).\nوقال محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى: (خير الناس بعد رسول الله ﷺ وأولاهم بالخلافة أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين ثم علي بن أبي طالب رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين) (٣).\nوقال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁ وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون) (٤).\nوقال أبو بكر الباقلاني رحمه الله تعالى موضحًا الدليل على ترتيب الخلافة الراشدة: (والدليل على إثبات الإمامة للخلفاء الأربعة ﵃ على الترتيب الذي بيناه: أن الصحابة ﵃ كانوا أعلام الدين ومصابيح أهل اليقين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، وشهد لهم النبي ﷺ بأنهم خير القرون فقال: «خير القرون قرني» (٥). فلما قدموا هؤلاء الأربعة على غيرهم ورتبوهم على الترتيب المذكور علمنا أنهم ﵃ لم يقدموا أحدًا تشهيًا منهم، وإنما قدموا من قدموه لاعتقادهم كونه أفضل وأصلح للإمامة من غيره في وقت توليه. قال الشريف الأجل الإمام جمال الإسلام: ووقع لي أنا دليل من نص الكتاب في ترتيبهم على هذه الرتبة أنه لا يجوز أن يكون غير ذلك هو قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: ٥٥]. ووعده حق. وخبره صدق لا يقع بخلاف مخبره فلابد من أن يتم ما وعدهم به، وأخبر أن يكون لهم، ولا يصح إلا على هذا الترتيب لأنه لو قدم علي ﵇ لم تصر الخلافة فيها إلى أحد من الثلاثة لأن عليًا ﵇ مات بعد الثلاثة وكذلك لو قدم عثمان ﵁ لم تصر الخلافة إلى أبي بكر وعمر لأن عثمان مات بعد موتهما، ولو قدم عمر لم تصر الخلافة إلى أبي بكر لأن عمر مات بعده والله تعالى أخبر ووعد أنها تصير إليهم فلم يصح أن تقع إلا على الوجه الذي وقعت ولله الحمد على الهداية والتوفيق) (٦).\nفهذه الأقوال عن هؤلاء الأئمة كلها فيها البيان الشافي لعقيدة الفرقة الناجية في ترتيب الخلافة الراشدة كما علم مما تقدم في هذا المبحث من نقول للإجماع أن عليًا ﵁ رابع الخلفاء الراشدين باتفاق أهل الحل والعقد وأنه قد اتفق على بيعته عامة من حضر المدينة من البدريين والأنصار كاجتماع أهل السقيفة على بيعة أبي بكر ﵁ وبناء على ما تقدم فإن الذي لا يسعه في عقيدة ترتيب الخلافة ما وسع الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فإنه رافضي مقيت. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٦٨٨\n_________\n(١) «الاعتقاد» (ص: ١٦٨ - ١٦٩).\n(٢) «الاعتقاد» (ص: ١٦٨ - ١٦٩).\n(٣) «الاعتقاد» (ص: ٣٧٥).\n(٤) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (ص: ٣١٠ - ٣٢٢)\n(٥) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣). من حديث عبدالله بن مسعود ﵁.\n(٦) «الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به» (ص: ٦٦ - ٦٧).","vol":"7","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2034>الفرع الخامس: خلافة الحسن بن علي ﵁</span>\nلما استشهد الخليفة الرابع: علي ﵁ بقتل أحد الخوارج له وهو عبدالرحمن بن عمرو المرادي في شهر رمضان لسبع عشرة ليلة خلت منه سنة أربعين للهجرة النبوية (١) بويع بالخلافة بعده ابنه الحسن ﵁ واستمر خليفة على الحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك نحو سبعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل ستة أشهر وكانت خلافته هذه المدة خلافة راشدة حقه لأن تلك المدة كانت مكملة لمدة الخلافة الراشدة التي أخبر النبي ﷺ أن مدتها ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا.\nفقد روى الترمذي بإسناده إلى سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك» (٢).\nوعند الإمام أحمد من حديث سفينة أيضًا بلفظ: «الخلافة ثلاثون عامًا ثم يكون بعد ذلك الملك» (٣).\nوعند أبي داود بلفظ: «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء أو ملكه من يشاء» (٤).\nولم يكن في الثلاثين بعده ﷺ إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن وقد قرر جمع من أهل العلم عند شرحهم لقوله ﷺ: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة» أن الأشهر التي تولى فيها الحسن بن علي بعد موت أبيه كانت داخلة في خلافة النبوة ومكملة لها.\nفقد قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: (فنفذ الوعد الصادق في قولهﷺ- ...: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم تعود ملكًا» فكانت لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وللحسن منها ثمانية أشهر لا تزيد ولا تنقص يومًا فسبحان المحيط لا رب غيره) (٥).\nوقال القاضي عياض: (لم يكن في ثلاثين سنة إلا الخلفاء الراشدون الأربعة والأشهر التي بويع فيها الحسن بن علي ... والمراد من حديث «الخلافة ثلاثون سنة» خلافة النبوة وقد جاء مفسرًا في بعض الروايات «خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا» (٦).\nوقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في (دلائل النبوة) من طريق سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا» وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي) (٧).\nوقال شارح الطحاوية: (وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصفًا، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ستة أشهر) (٨).\n_________\n(١) «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ٣٧)، «تاريخ الطبري» (٥/ ١٤٣)، «الكامل» لابن الأثير (٣/ ٣٨٧)، «البداية والنهاية» (٧/ ٣٨٧)، وانظر «تاريخ خليفة بن خياط» (ص: ١٩٩)، «الطبقات» له (ص: ٥).\n(٢) رواه الترمذي (٢٢٢٦). وقال الترمذي وابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١٤١): حسن، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) رواه أحمد (٥/ ٢٢٠) (٢١٩٦٩). وقال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده حسن رجاله ثقات رجال الصحيح غير سعيد بن جمهان.\n(٤) رواه أبو داود (٤٦٤٦)، وسكت عنه، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.\n(٥) «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ١٧٢٠).\n(٦) انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/ ٢٠١).\n(٧) «البداية والنهاية» (٨/ ١٧).\n(٨) «شرح الطحاوية» (ص: ٥٤٥).","vol":"7","page":403},{"text":"وقال المناوي بعد ذكره لقوله ﷺ: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١) قال: (وكان ذلك فلما بويع له بعد أبيه وصار هو الإمام الحق مدة ستة أشهر تكملة للثلاثين سنة التي أخبر المصطفى ﷺ إنها مدة الخلافة وبعدها يكون ملكًا عضوضًا) (٢).\nولما كان ﵁ هو المبايع بالخلافة بعد أبيه وأنه الإمام الحق تلك المدة التي كانت مكملة لخلافة النبوة رأى أنه لابد من أن يكون أمره نافذًا على بلاد الشام التي كان الأمر فيها حينئذ لمعاوية ﵁ فتوجه نحو بلاد الشام بكتائب كأمثال الجبال وبايعه منهم أربعون ألفًا على الموت فلما ترائى الجمعان علم أنه لا يغلب أحدهما حتى يقتل بعضها بعضًا واشترط على معاوية ﵁ شروطًا التزمها، ووفى بها وعلى وفقها جرى الصلح بينهما وقد روى قصة الصلح بينهما الإمام البخاري رحمه الله تعالى في (صحيحه).\nفقد روى بإسناده إلى الحسن البصري حيث قال: (استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية – وكان والله خير الرجلين -: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس – عبد الرحمن ابن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز – فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك قال: فمن لي بهذا؟ قالا نحن لك به فما سألهما شيئًا إلا قالا: نحن لك به فصالحه فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٣).\nوبقبوله الصلح مع معاوية حصل مصداق قوله ﷺ فيه: (فكان كما قال: أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة) (٤).\nوهذا الإصلاح الذي حصل بين فريقي الحسن بن علي ومعاوية ﵄ مما يحبه الرب -جل وعلا – ورسوله ﷺ وهو من أكبر مناقب الحسن ﵁، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وهذا الحديث يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان ممدوحًا يحبه الله ورسوله، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي ﷺ ولو كان القتال واجبًا أو مستحبًا لم يثن النبي ﷺ بترك واجب أو مستحب) (٥).\nوقد ذكر ابن العربي أسبابًا هيأت الحسن لقبول الصلح مع معاوية ﵁ حيث قال: (وعمل الحسن بمقتضى حاله فإنه صالح حين استشرى الأمر عليه وكان ذلك بأسباب سماوية ومقادير أزلية ومواعيد من الصادق صادقة منها: ما رأى من تشتت آراء من معه.\nومنها: أنه طعن حين خرج إلى معاوية فسقط عن فرسه وداوى جرحه حتى برأ فعلم من ينافق عليه ولا يأمنه على نفسه.\nومنها: أنه رأى الخوارج أحاطوا بأطرافه، وعلم أنه إن اشتغل بحرب معاوية استولى الخوارج على البلاد، وإن اشتغل بالخوارج استولى عليه معاوية.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٠٤).\n(٢) «فيض القدير» (٢/ ٤٠٩).\n(٣) رواه البخاري (٢٧٠٤).\n(٤) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٦/ ٣٧٦).\n(٥) «منهاج السنة» (٢/ ٢٠٢).","vol":"7","page":404},{"text":"ومنها: أنه تذكر وعد جده الصادق عند كل أحد ﷺ في قوله: «إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١) وإنه لما سار الحسن إلى معاوية بالكتائب في أربعين ألفًا وقدم قيس بن سعد بعشرة آلاف قال عمرو بن العاص لمعاوية: إني أرى كتيبة لا تولي أولاها حتى تدبر أخراها فقال معاوية لعمرو: من لي بذراري المسلمين فقال أنا: فقال عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة: تلقاه فتقول له: الصلح فصالحه فنفذ الوعد الصادق في قوله: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٢).).\nوكان ذلك الصلح المبارك الذي أشار إليه النبي ﷺ أنه سيكون علي يد سبطه الحسن بن علي عام واحد وأربعين هجرية (فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله ﷺ فإنه توفى في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة وهذا من دلائل – نبوته – صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليمًا، وقد مدحه رسول الله ﷺ على صنيعه هذا وهو تركه الدنيا الفانية ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الأمة فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد) (٣) وتسليم الحسن الأمر لمعاوية يعتبر عقد بيعة منه له بالخلافة وكان ذلك في موضع يقال له: (مسكن) ولما نزل الحسن عن الخلافة لمعاوية بايعه (الأمراء من الجيشين واستقل بأعباء الأمة فسمي ذلك العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد) (٤) ولاجتماع المسلمين بعد الفرقة وتفرغهم للحروب الخارجية والفتوح، ونشر دعوة الإسلام بعد أن عطل قتلة عثمان سيوف المسلمين عن هذه المهمة نحو خمس سنوات. (ولما تسلم معاوية البلاد ودخل الكوفة وخطب بها واجتمعت عليه الكلمة في سائر الأقاليم والآفاق وحصل على بيعته عامئذ الإجماع والاتفاق – رحل الحسن بن علي ومعه أخوه الحسين وبقية إخوتهم، وابن عمهم عبد الله بن جعفر من أرض العراق إلى أرض المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وجعل كلما مر بحي من شيعتهم يبكتونه على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية وهو في ذلك – هو البار الراشد الممدوح، وليس يجد في صدره حرجًا ولا تلومًا ولا ندمًا، بل هو راض بذلك مستبشر به وإن كان قد ساء هذا خلقًا من ذويه وأهله وشيعتهم ولاسيما بعد ذلك بمدد، وهلم جرًا والحق في ذلك اتباع السنة ومدحه فيما حقن به دماء الأمة، كما مدحه على ذلك رسول الله ﷺ كما تقدم في الحديث الصحيح ولله الحمد والمنة) (٥).\nوالحاصل مما تقدم أن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن خلافة الحسن بن علي كانت خلافة حقة وأنها جزء مكمل لخلافة النبوة التي أخبر النبي ﷺ أن مدتها ستكون ثلاثين سنة وكذلك كانت كما أخبر ﵊. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – ناصر بن علي عائض – ٢/ ٧٤٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٠٤).\n(٢) «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ١٧١٩ - ١٧٢٠).\n(٣) «البداية والنهاية» (٨/ ١٨).\n(٤) «البداية والنهاية» (٦/ ٢٥٠).\n(٥) «البداية والنهاية» (٨/ ٢١).","vol":"7","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2037>المطلب الأول: التعريف بآل البيت لغة:</span>\nإن كلمة آل من الكلمات التي وقع فيها الاختلاف عند علماء اللغة من حيث الاشتقاق، ومن حيث المعنى، أما من حيث الاشتقاق، فقيل إن أصلها أول، وقيل إن أصلها أهل.\nفذهب الخليل بن أحمد إلى أن كلمة (آل) مشتقة من الأول، قال: (آل يؤول إليه، إذا رجع إليه) (١).\nووافقه ابن فارس قال: (آل يؤول أي رجع ... يقال: أول الحكم إلى أهله، أي أرجعه ورده إليهم) (٢).\nوابن الجوزي حيث قال: (والأصل في ذلك قولنا: آل، وهو بمعنى: رجع) (٣).\nواختار هذا القول ابن تيمية (٤).\nوذهب فريق آخر إلى أن أصل كلمة (آل): أهل.\nفي (المفردات) (٥): (الآل مقلوب من الأهل).\nوفي (لسان العرب) (٦): (أصلها أهل ثم أبدلت الهاء همزة فصارت في التقدير أأل فلما توالت الهمزتان أبدل الثانية ألفا كما قالوا آدم وآخر).\nوبمثل هذا قال الفيروزآبادي (٧).\nوفي (المصباح) (٨) ذكر القولين ولم يرجح.\nوضعف ابن القيم القول الثاني لأمور:\nأحدهما: عدم الدليل عليه.\nالثاني: أنه يلزم منه القلب الشاذ من غير موجب، مع مخالفة الأصل.\nالثالث: أن الأهل تضاف إلى العاقل وغيره بخلاف الآل.\nالرابع: أن الأهل تضاف إلى العلم والنكرة، والآل لا يضاف إلا إلى معظم من شأنه أن يؤول غيره إليه.\nالخامس: أن الأهل تضاف إلى الظاهر والمضمر، أما الآل فإضافتها إلى المضمر قليلة شاذة (٩).\nوأما من حيث المعنى فقد نص غير واحد على أن آل الرجل هم أهل بيته وقرابته (١٠)، وأضافت طائفة أخرى الأتباع (١١)، واقتصر بعضهم على الأتباع (١٢).\nوقد وفق ابن الجوزي بين القولين فقال: (الآل: اسم لكل من رجع إلى معتمد فيما رجع فيه إليه، فتارة يكون النسب، وتارة بالسبب) (١٣).\nفقوله: (بالنسب) إشارة إلى الأهل والقرابة، وقوله: (بالسبب) إشارة إلى الأتباع، ومن الثاني قوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦].\nهذا وقد اختلف علماء اللغة في دخول الشخص من آل نفسه، فذهب بعض المحققين إلى التفصيل في ذلك، وهو إن ذكر الشخص مع آله فلا يدخل فيهم، وإن لم يذكر معهم كأن يقال آل زيد فعند ذلك يدخل فيهم (١٤).\nوأما الأهل فقد اتفق علماء اللغة على إطلاق أهل الرجل على زوجه.\nقال الخليل: (أهل الرجل: زوجه) (١٥).\nونقله ابن فارس مقرًا له (١٦).\nوقال الراغب: (وعبر بأهل الرجل عن امرأته) (١٧).\nوفي (لسان العرب): (أهل الرجل: زوجته) (١٨).\nوفي (المصباح المنير): (ويطلق الأهل على الزوجة) (١٩).\nولهذا الاتفاق ذهب بعضهم إلى أن الأهل تطلق على الزوجة خاصة؛ لأنها المرادة في عرف اللسان (٢٠).\n_________\n(١) «كتاب العين» (٨/ ٣٩٥).\n(٢) «معجم مقاييس اللغة» (١/ ١٥٩).\n(٣) «نزهة الأعين» (ص: ١٢١).\n(٤) «حاشية الروض المربع» (١/ ٤٠)، «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٦٣).\n(٥) «مفردات ألفاظ القرآن» (ص: ٩٨).\n(٦) «لسان العرب» (١/ ١٨٦).\n(٧) «القاموس المحيط» (ص: ١٢٤٥).\n(٨) «المصباح المنير» (ص: ١٢).\n(٩) «جلاء الأفهام» (ص: ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(١٠) كتاب «العين» (٨/ ٣٩٥)، «الصحاح» (٤/ ١٦٢٧)، «معجم مقاييس اللغة» (١/ ١٦٠).\n(١١) «الصحاح» (٤/ ١٦٢٧)، «المصباح المنير» (ص: ١٢)، «القاموس المحيط» (ص: ١٢٤٥).\n(١٢) «الكليات» (ص: ١٦٤).\n(١٣) «نزهة الأعين» (ص: ١٢١ - ١٢٢).\n(١٤) «جلاء الأفهام» (ص: ٢٠٤)، «القول البديع» (ص: ١٢١).\n(١٥) كتاب «العين» (٤/ ٨٩).\n(١٦) «معجم مقاييس اللغة» (١/ ١٥٠).\n(١٧) «مفردات ألفاظ القرآن» (ص: ٩٦).\n(١٨) (١/ ١٨٦).\n(١٩) (ص: ١١).\n(٢٠) «الكليات» (ص: ٢١٠).","vol":"7","page":406},{"text":"ومما يدل على الاتفاق في هذا المعنى اتفاقهم على أن التأهل: (التزوج) (١).\nوقد أضاف أكثرهم إلى معنى الزوجة العشيرة والقرابة (٢)، إلا أن الراغب عد ذلك من المجاز (٣).\nومن خلال هذه النقول يتبين أن لفظة الآل والأهل تشتركان في معان كثيرة بل تقتربان من الترادف.\nوأما البيت لغة، فيلحظ الناظر أن المتقدمين من علماء اللغة كالجوهري وابن فارس كانوا يقصرون معنى البيت على عيال الرجل كزوجه، وعلى المأوى والسكن.\nيقول ابن فارس: (الباء والياء والتاء أصل واحد، وهو المأوى، والمآب، ومجمع الشمل. والبيت: عيال الرجل والذين يبيت عندهم) (٤).\nأما المتأخرون كصاحب (القاموس) فأضافوا معان قد لا تخرج عن المعنيين السابقين كالشرف، والتزويج، والقبر، وفرش البيت (٥).\nأما إطلاق أهل البيت مركبة تركيبًا إضافيًا، فهي عند علماء اللغة بمعنى من يسكن فيه.\nقال الخليل: (أهل البيت سكانه) (٦).\nوتبعه على ذلك من أتى بعده كابن فارس، وابن منظور (٧)، والفيروزآبادي (٨)، بدون نكير منهم.\nإلا أن هذا التركيب صار عرفًا على آل النبي ﷺ.\nقال الراغب: (وصار أهل البيت متعارفًا في آل النبي ﷺ) (٩). آيات آل البيت في القرآن الكريم لمنصور بن حمد العيدي – ص: ١٧\n_________\n(١) كتاب «العين» (٤/ ٨٩)، «معجم مقاييس اللغة» (١/ ١٥٠)، «مفردات ألفاظ القرآن» (ص: ٧٩)، «النهاية في غريب الحديث» (١/ ٨٤)، «لسان العرب» (١/ ١٨٦).\n(٢) «نزهة الأعين» (ص: ١٦٣)، «المصباح المنير» (ص: ١١)، «لسان العرب» (١/ ١٨٥).\n(٣) «مفردات ألفاظ القرآن» (ص: ٩٦).\n(٤) «معجم مقاييس اللغة» (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥).\n(٥) «القاموس المحيط» (ص: ١٩٠).\n(٦) كتاب «العين» (٤/ ٨٩).\n(٧) «لسان العرب» (١/ ١٨٦).\n(٨) «القاموس المحيط» (ص: ١٢٤٥).\n(٩) «مفردات ألفاظ القرآن» (ص: ١٥١).","vol":"7","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2038>المطلب الثاني: تعريف آل البيت شرعا</span>\nواختلف في آل النبي ﷺ على أربعة أقوال:\nفقيل: هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء:\nأحدها: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعي (١) وأحمد في رواية عنه (٢).\nوالثاني: أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبي حنيفة (٣)، والرواية عن أحمد (٤) واختيار ابن القاسم صاحب مالك (٥).\nوالثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو مطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل، ومن فوقهم إلى بني غالب، وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك، حكاه صاحب (الجواهر) عنه، وحكاه اللخمي في (التبصرة) عن أصبغ، ولم يحكه عن أشهب.\nوهذا القول في الآل أعني أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة هو منصوص الشافعي (٦) وأحمد (٧) والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي (٨).\nوالقول الثاني: أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبد البر في (التمهيد) (٩) قال في باب عبد الله بن أبي بكر، في شرح حديث أبي حميد الساعدي: استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذريته خاصة، لقوله في حديث مالك عن نعيم المجمر، وفي غير ما حديث: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» (١٠) وفي هذا الحديث يعني حديث أبي حميد: «اللهم صل على محمد وعلى وأزواجه وذريته» (١١)، قالوا: فهذا تفسير ذلك الحديث، ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته، قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد ﷺ ومن ذريته صلى الله عليك، إذا واجهه، وصلى الله عليه إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم.\nقالوا: والآل والأهل سواء، وآل الرجل وأهله سواء، وهم الأزواج والذرية بدليل هذا الحديث.\nوالقول الثالث: أن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبد الله، ذكره البيهقي عنه (١٢)، ورواه عن سفيان الثوري وغيره، واختاره بعض أصحاب الشافعي (١٣)، حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقه، ورجحه الشيخ محيي الدين النواوي في (شرح مسلم) (١٤) واختاره الأزهري.\nوالقول الرابع: أن آله ﷺ هم الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة.\nفصل\nفي ذكر حجج هذه الأقوال، وتبين ما فيها من الصحيح والضعيف\n_________\n(١) [١٢٢٧١]» «الأم» للشافعي (٢/ ٨٨)، «الحاوي» للماوردي (٧/ ٥١٦).\n(٢) [١٢٢٧٢]» «المغني» لابن قدامة (٢/ ٥١٧ - ٥١٨)، «الفروع» لابن مفلح (٢/ ٤٨١).\n(٣) [١٢٢٧٣]» «المبسوط» للسرخسي (١٠/ ١٢)، و«بدائع الصنائع» للكاساني (٢/ ٤٩).\n(٤) [١٢٢٧٤]» «المغني» لابن قدامة (٢/ ٥١٧ - ٥١٨)، «الفروع» لابن مفلح (٢/ ٤٨١).\n(٥) [١٢٢٧٥]» «الذخيرة» للقرافي (٣/ ١٤٢)، «مواهب الجليل» للحطاب (٥/ ٩).\n(٦) [١٢٢٧٦]» «الأم» للشافعي (٢/ ٨٨)، «الحاوي» للماوردي (٧/ ٥١٦).\n(٧) [١٢٢٧٧]» «المغني» لابن قدامة (٢/ ٥١٧ - ٥١٨)، «الفروع» لابن مفلح (٢/ ٤٨١).\n(٨) [١٢٢٧٨]» «الأم» للشافعي (٢/ ٨٨)، «الحاوي» للماوردي (٧/ ٥١٦)، «المغني» لابن قدامة (٢/ ٥١٧ - ٥١٨)، «الفروع» لابن مفلح (٢/ ٤٨١).\n(٩) [١٢٢٧٩]» «التمهيد» (١٦/ ١٨٣، ١٩٦).\n(١٠) [١٢٢٨٠]» رواه البخاري (٣٣٧٠) ومسلم (٤٠٦). من حديث كعب بن عجرة ﵁.\n(١١) [١٢٢٨١]» رواه البخاري (٣٣٦٩).\n(١٢) [١٢٢٨٢]» رواه البيهقي (٢/ ٨٢) (٢٩٨٦). قال ابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ» (١/ ١٩١): [فيه] الحسن بن صالح ضعيف.\n(١٣) [١٢٢٨٣]» انظر: «الحاوي» (٧/ ٥١٧).\n(١٤) [١٢٢٨٤]» «شرح صحيح مسلم» (٧/ ١٨٥).","vol":"7","page":408},{"text":"فأما القول الأول: وهو أن الآل من تحرم عليهم الصدقة على ما فيهم من الاختلاف، فحجته من وجوه:\nأحدها: ما رواه البخاري في صحيحه: من حديث أبي هريرة، ﵁، قال: «كان رسول الله ﷺ يؤتى بالنخل عند صرامه، فيجيء هذا بتمرة وهذا بتمرة حتى يصير عنده كوم من تمر، فجعل الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول الله ﷺ فأخرجها من فيه، فقال: أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة» (١)، ورواه مسلم وقال: «إنا لا تحل لنا الصدقة» (٢).\nالثاني: ما رواه مسلم في صحيحه: عن زيد بن أرقم، قال: «قام رسول الله ﷺ يوما خطيبًا فينا بماء يدعى خمًا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي ﷿، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله ﷿ فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، وقال: وأهل بيتي: أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.\nفقال له حصين بن سبرة: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: أكل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال:\" إن الصدقة لا تحل لآل محمد» (٣).\nالدليل الثالث: ما في الصحيحين: من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ «أن فاطمة ﵂ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي ﷺ مما أفاء الله على رسوله ﷺ فقال أبو بكر ﵁: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل» (٤).\nفآله ﷺ لهم خواص: منها حرمان الصدقة، ومنها أنهم لا يرثونه، ومنها استحقاقهم خمس الخمس، ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم.\nوقد ثبت أن تحريم الصدقة واستحقاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض أقاربه ﷺ فكذلك الصلاة على آله.\nالدليل الرابع: ما رواه مسلم: من حديث ابن شهاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، أن عبد المطلب بن ربيعة أخبره، أن أباه ربيعة بن الحارث، قال لعبد المطلب بن ربيعة، وللفضل بن العباس ﵄: «ائتيا رسول الله ﷺ فقولا له استعملنا يا رسول الله على الصدقات فذكر الحديث وفيه: فقال لنا: إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» (٥).\nالدليل الخامس: ما رواه مسلم في صحيحه: من حديث عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، فذكر الحديث وقال فيه: فأخذ النبي ﷺ الكبش، فأضجعه، ثم ذبحه ثم قال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد، ومن آل محمد، ومن أمة محمد. ثم ضحى به» (٦).\nهكذا رواه مسلم بتمامه، وحقيقة العطف المغايرة، وأمته ﷺ أعم من آله.\nقال أصحاب هذا القول: (وتفسير الآل بكلام النبي ﷺ أولى من تفسيره بكلام غيره).\nفصل\n_________\n(١) [١٢٢٨٥]» رواه البخاري (١٤٨٥).\n(٢) [١٢٢٨٦]» رواه مسلم (١٠٦٩).\n(٣) [١٢٢٨٧]» رواه مسلم (٢٤٠٨).\n(٤) [١٢٢٨٨]» رواه البخاري (٣٧١١)، ومسلم (١٧٥٩).\n(٥) [١٢٢٨٩]» رواه مسلم (١٠٧٢).\n(٦) [١٢٢٩٠]» رواه مسلم (١٩٦٧).","vol":"7","page":409},{"text":"وأما القول الثاني: أنهم ذريته وأزواجه خاصة، فقد تقدم احتجاج ابن عبد البر له، بأن في حديث أبي حميد «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته» (١) وفي غيره من الأحاديث اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وهذا غايته أن يكون الأول منهما قد فسره اللفظ الآخر.\nواحتجوا أيضًا بما في الصحيحين: من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا» (٢) ومعلوم أن هذه الدعوة المستجابة لم تنل كل بني هاشم ولا بني المطلب، لأنه كان فيهم الأغنياء وأصحاب الجدة وإلى الآن. وأما أزواجه وذريته ﷺ فكان رزقهم قوتًا، وما كان يحصل لأزواجه بعد من الأموال كن يتصدقن به ويجعلن رزقهن قوتًا. (وقد جاء عائشة ﵂ مال عظيم فقسمته كله في قعدة واحدة، فقالت لها الجارية: لو خبيت لنا منه درهمًا نشتري به لحمًا؟ فقالت لها: لو ذكرتني فعلت) (٣).\nواحتجوا أيضًا بما في الصحيحين: عن عائشة ﵂، قالت: (ما شبع آل محمد ﷺ من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله ﷿) (٤). قالوا: ومعلوم أن العباس وأولاده وبني المطلب لم يدخلوا في لفظ عائشة ولا مرادها.\nقال هؤلاء: وإنما دخل الأزواج في الآل، وخصوصًا أزواج النبي ﷺ تشبيهًا لذلك بالسبب، لأن اتصالهن بالنبي ﷺ غير مرتفع، وهن محرمات على غيره في حياته وبعد مماته، وهن زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهن بالنبي ﷺ قائم مقام النسب.\nوقد نص النبي ﷺ على الصلاة عليهن، ولهذا كان القول الصحيح، وهو منصوص الإمام أحمد ﵀: (أن الصدقة تحرم عليهن، لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم) (٥) ويا لله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله ﷺ: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا» (٦)، وقوله في الأضحية: «اللهم هذا عن محمد وآل محمد» (٧)، وفي قول عائشة ﵂: «ما شبع آل رسول الله ﷺ من خبز بر» (٨) وفي قول المصلي: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» (٩)، ولا يدخلن في قوله: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد مع كونها من أوساخ الناس» (١٠)، فأزواج رسول الله ﷺ أولى بالصيانة عنها والبعد منها.\n_________\n(١) [١٢٢٩١]» رواه البخاري (٣٣٦٩).\n(٢) [١٢٢٩٢]» رواه البخاري (٤٤٦٠)، ومسلم (١٠٥٥).\n(٣) [١٢٢٩٣]» رواه الحاكم (٤/ ١٥). بلفظ: (أن معاوية بن أبي سفيان بعث إلى عائشة ﵂ بمائة ألف فقسمتها حتى لم تترك منها شيئا فقالت بريرة: أنت صائمة فهلا اتبعت لنا بدرهم لحما فقالت عائشة: لو أني ذكرت لفعلت).\n(٤) [١٢٢٩٤]» رواه البخاري (٥٤٢٣)، ومسلم (٢٩٧٠).\n(٥) [١٢٢٩٥]» «المغني» (٧/ ٣٣١).\n(٦) [١٢٢٩٦]» رواه البخاري (٤٤٦٠)، ومسلم (١٠٥٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) [١٢٢٩٧]» رواه الطبراني (١/ ٣١١)، والحاكم (٢/ ٤٢٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٥٩)، من حديث أبي رافع ﵁، قال ابن حبان في «المجروحين» (١/ ٤٩٥): (فيه) عبد الله بن محمد بن عقيل كان رديء الحفظ كان يحدث على التوهم، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٤): إسناده حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(٨) [١٢٢٩٨]» رواه البخاري (٦٦٨٧) ومسلم (٢٩٧٠).\n(٩) [١٢٢٩٩]» رواه البخاري (٣٣٧٠) ومسلم (٤٠٦). من حديث كعب بن عجرة ﵁.\n(١٠) [١٢٣٠٠]» رواه مسلم (١٠٧٢) ولفظه: «.... إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس إنها لاتحل لمحمد ولا لآل محمد ...».","vol":"7","page":410},{"text":"فإن قيل: لو كانت الصدقة حرامًا عليهن لحرمت على مواليهن، كما أنها لما حرمت على بني هاشم على مواليهم، وقد ثبت في الصحيح أن بريرة تصدق عليها بلحم فأكلته، ولم يحرمه النبي ﷺ، وهي مولاة لعائشة ﵂.\nقيل: هذا هو شبهة من أباحها لأزواج النبي ﷺ.\nوجواب هذه الشبهة: أن تحريم الصدقة على أزواج النبي ﷺ ليس بطريق الأصالة، وإنما هو تبع لتحريمها عليه ﷺ وإلا فالصدقة حلال لهن قبل اتصالهن به، فهن فرع في هذا التحريم على المولى فرع التحريم على سيده، فلما كان التحريم على بني هاشم أصلًا استتبع ذلك مواليهم ولما كان التحريم على أزواج النبي ﷺ تبعًا، لم يقو ذلك على استتباع مواليهن، لأنه فرع عن فرع.\nقالوا: وقد قال الله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب: ٣٠ - ٣٣]\nفدخلن في أهل البيت لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن، فلا يجوز إخراجهن من شيء، والله أعلم.\nفصل\nوأما القول الثالث: وهو أن آل النبي ﷺ أمته وأتباعه إلى يوم القيامة. فقد احتج له بأن آل المعظم المتبوع هم أتباعه على دينه وأمره، قريبهم وبعيدهم.\nقالوا: واشتقاق هذه اللفظة تدل عليه، فإنه من آل يؤول إذا رجع، ومرجع الأتباع إلى متبوعهم لأنه إمامهم وموئلهم.\nقالوا: ولهذا كان قوله تعالى: إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر [القمر: ٣٤] المراد به أتباعه وشيعته المؤمنون به من أقاربه وغيرهم.\nوقوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦]، المراد به أتباعه.\nواحتجوا أيضًا بأن واثلة بن الأسقع روى: «أن النبي ﷺ دعا حسنًا وحسينًا، فأجلس كل واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة ﵂ من حجره وزوجها، ثم لف عليهم ثوبه، ثم قال: اللهم هؤلاء أهلي، قال واثلة: فقلت يا رسول الله، وأنا من أهلك؟ فقال: وأنت من أهلي» رواه البيهقي بإسناد جيد (١).\nقالوا: ومعلوم أن واثلة بن الأسقع من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، وإنما هو من أتباع النبي ﷺ.\nفصل\nوأما أصحاب القول الرابع: أن آله الأتقياء من أمته.\n_________\n(١) [١٢٣٠١]» رواه البيهقي (٢/ ٨٠) (٢٩٨٤). وقال البيهقي: إسناده صحيح، وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٣/ ٣٨٥): حسن غريب، وقال ابن القيم في «جلاء الأفهام» (٣٣٤): إسناده جيد، وصححه الألباني في «صحيح الموارد» (١٨٩٠).","vol":"7","page":411},{"text":"فاحتجوا بما رواه الطبراني في (معجمه): عن جعفر بن إلياس بن صدقة، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك، قال: «سئل رسول الله ﷺ: من آل محمد؟ فقال: كل تقي، وتلا النبي ﷺ: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ [الأنفال: ٣٤]» قال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا نوح، تفرد به نعيم. وقد رواه البيهقي: من حديث عبد الله بن أحمد بن يونس، حدثنا نافع أبو هرمز، عن أنس، فذكره (١).\nونوح هذا ونافع أبو هرمز لا يحتج بهما أحد من أهل العلم، وقد رميا بالكذب واحتج لهذا القول أيضًا بأن الله ﷿ قال لنوح عن ابنه: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود: ٤٦]، فأخرجه بشركه أن يكون من أهله، فعلم أن آل الرسول ﷺ هم أتباعه.\nوأجاب عنه الشافعي ﵀ بجواب جيد، وهو أن المراد أنه ليس من أهلك الذين أمرناك بحملهم، ووعدناك بنجاتهم، لأن الله سبحانه قال له قبل ذلك: احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ [هود: ٤٠]، فليس ابنه من أهله الذين ضمن نجاتهم.\nوتخصيصًا له بالذكر من بين النوع، لأنه من أحق أفراد النوع بالدخول فيه، وهنا للناس طريقان:\nأحدهما: أن ذكر الخاص قبل العام أو بعده قرينة تدل على أن المراد بالعام ما عداه.\nوالطريق الثاني: أن الخاص ذكر مرتين مرة بخصوصه ومرة بشمول الاسم العام له تنبيهًا على مزيد شرفه، وهو كقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: ٧]، وقوله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٨].\nوأيضًا فإن الصلاة على النبي ﷺ حق له ولآله دون سائر الأمة، ولهذا تجب عليه وعلى آله عند الشافعي ﵀ وغيره ... وإن كان عندهم في الآل اختلاف، ومن لم يوجبها فلا ريب أنه يستحبها عليه وعلى آله، ويكرهها أو لا يستحبها لسائر المؤمنين، أو لا يجوزها على غير النبي ﷺ وآله، فمن قال: إن آله في الصلاة هم كالأمة، فقد أبعد غاية الإبعاد.\nوأيضًا فإن النبي ﷺ شرع في التشهد السلام والصلاة، فشرع في السلام تسليم المصلي على الرسول ﷺ أولًا وعلى نفسه ثانيًا، وعلى سائر عباد الله الصالحين ثالثًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «فإذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض» (٢)، وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه وعلى آله فقط، فدل على أن آله هم أهله وأقاربه.\nوأيضًا فإن الله سبحانه أمرنا بالصلاة عليه بعد ذكر حقوقه وما خصه به دون أمته من حل نكاحه لمن تهب نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة بعده، ومن سائر ما ذكر مع ذلك من حقوقه وتعظيمه وتوقيره وتبجيله.\n_________\n(١) [١٢٣٠٢]» رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/ ٣٣٨) (٣٣٣٢)، والبيهقي (٢/ ٨٣) (٢٩٨٧). قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٨/ ٢٩٣): [فيه] نوح بن أبي مريم مع ضعفه يكتب حديثه، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ١٦٥): إسناده واهٍ جدًا، [وروي] نحوه ضعيف.\n(٢) [١٢٣٠٣]» رواه أحمد (١/ ٤١٣) (٣٩١٩). قال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١٠/ ٦): إسناده صحيح، وقال شعيب الأرناؤوط محقق المسند: إسناده صحيح على شرط البخاري رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي سعيد فمن رجال البخاري.","vol":"7","page":412},{"text":"ثم قال تعالى: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب: ٥٣]، ثم ذكر رفع الجناح عن أزواجه في تكليمهن آباءهن وأبناءهن ودخولهم عليهن، وخلوتهم بهن، ثم عقب ذلك بما هو حق من حقوقه الأكيدة على أمته، وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامه، مستفتحًا ذلك الأمر بإخباره بأنه هو وملائكته يصلون عليه، فسأل الصحابة رسول الله ﷺ: على أي صفة يؤذن هذا الحق؟ فقال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» (١)، فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها، لأن ذلك مما تقر به عينه، ويزيده الله به شرفًا وعلوًا. صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.\nوأما من قال إنهم الأتقياء من أمته فهؤلاء هم أولياؤه، فمن كان منهم من أقربائه فهو من أوليائه، ومن لم يكن منهم من أقربائه، فهم من أوليائه، لا من آله. فقد يكون الرجل من آله وأوليائه، كأهل بيته والمؤمنين به من أقاربه، ولا يكون من آله ولا من أوليائه، وقد يكون من أوليائه وإن لم يكن من آله، كخلفائه في أمته الداعين إلى سنته، الذابين عنه، الناصرين لدينه، وإن لم يكن من أقاربه. وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إن أوليائي المتقون أين كانوا ومن كانوا» (٢) ...\nوأما من زعم أن الآل هم الأتباع، فيقال: لا ريب أن الأتباع يطلق عليهم لفظ الآل في بعض المواضع بقرينة، ولا يلزم من ذلك أنه حيث وقع لفظ الآل يراد به الأتباع، لما ذكرنا من النصوص، والله أعلم. جلاء الأفهام لابن القيم - بتصرف ١/ ٢١٠\n_________\n(١) [١٢٣٠٤]» رواه البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦). من حديث كعب بن عجرة ﵁.\n(٢) [١٢٣٠٥]» رواه البخاري (٥٩٩٠)، ومسلم (٢١٥) بلفظ: «ألا إن آل أبي (يعني فلانا) ليسوا لي بأولياء إنما ولي الله وصالح المؤمنين». من حديث عمرو بن العاص ﵁.","vol":"7","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2039>المطلب الثالث دخول أزواج النبي في آل البيت</span>\nدخول الأزواج ﵅ في مصطلح الآل:\nلما كان دخول الأزواج ﵅ في الآل والأهل، وتحريم الصدقة عليهم مما قد يخفى (١)، نذكر هنا نصوصًا إضافية تدل على ذلك.\n١ - عن عائشة ﵂ قالت: «قال النبي ﷺ: من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا ولقد ذكروا رجلًا ... ما كان يدخل على أهلي إلا معي» (٢).\nفهنا سمى النبي ﷺ زوجته ﵂ في هذا الحديث (حديث الإفك) سماها أهله بل أهل بيته.\n٢ - عن أنس أن نساء النبي ﷺ قلن للنبي ﷺ بعد بنائه بزينب: (كيف وجدت أهلك؟) (٣).\n٣ - عن عائشة ﵂ قالت: (ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتالين حتى قبض رسول الله ﷺ) (٤).\n٤ - عن ابن عباس ﵁: (كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة هو وأهله لا يجدون شيئًا) (٥).\n٥ - سئلت عائشة ﵂ ما كان يصنع النبي ﷺ في البيت فقالت: (كان يكون في مهنة أهله) (٦).\nوواضح أن السؤال عن بيته ﷺ الذي فيه زوجته.\n٦ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أهديت له قلادة من جزع فقال: «لأدفعنها إلى أحب أهلي إلي، فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة ...» الحديث – يعني عائشة – ﵂، وفي رواية، «لأدفعنها إلى أحب أهل البيت إلي» (٧).\n٧ - في حديث الإفك قال أسامة بن زيد ﵁ للنبي ﷺ: (أهلك وما نعلم إلا خيرًا) (٨).\nوهذان الحديثان يدلان على شيوع إطلاق أهل النبي ﷺ على زوجاته ﵅.\n٨ - عن عبد الله بن هشام ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله) (٩).\nومعلوم أن النبي ﷺ إنما كان يضحي عن الزوجات فحسب.\n٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «جئنا باب رسول الله ﷺ فاستأذنا فأذن لنا، فوضعت بين أيدينا صحفة فيها قدر مد من الشعير، فقال النبي ﷺ: والذي نفسي بيده ما أمسى في آل محمد غير شيء ترونه» (١٠).\n_________\n(١) خفي على الهيتمي كما في «الصواعق المحرقة» (ص: ١٤٤).\n(٢) رواه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(٣) رواه البخاري (٤٧٩٣)، ومسلم (١٤٢٨).\n(٤) رواه البخاري (٦٤٥٤)، ومسلم (٢٩٧٠) واللفظ له.\n(٥) رواه الترمذي (٢٣٦٠)، وابن ماجه (٢٧١٩)، وأحمد (١/ ٢٥٥) (٢٣٠٣) بلفظ: «لا يجدون عشاء» بدلًا من «لا يجدون شيئًا». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال ابن القيم في «عدة الصابرين» (١/ ٢٩٩): صحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٥/ ١٨٢)، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٦) رواه البخاري (٦٧٦).\n(٧) رواه أحمد (٦/ ١٠١) (٢٤٧٤٨)، وأبو يعلى في «المسند» (٧/ ٤٤٥) (٤٤٧١)، والطبراني (٢٢/ ٤٤٢) (١٨٩٣٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٤١١): وإسناد أحمد وأبي يعلى حسن.\n(٨) رواه البخاري (٤٧٥٠).\n(٩) رواه البخاري (٧٢١٠).\n(١٠) رواه الطبراني في «الأوسط» (٣/ ١٩٥) (٢٩٠٧)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (١/ ٢٥٥)، وابن أبي شيبة (١١/ ٤٩٦)، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» (١/ ٦٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٣١١): رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله ثقات.","vol":"7","page":414},{"text":"١٠ - حديث بلال ﵁ لما جاءت إبل الصدقة قال ﷺ: «ما أنا بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منها»، فلما أراحه بلال ﵁ منها قال: (ثم اتبعته حتى جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته) (١).\n١١ - لما دون عمر ﵁ الدواوين قال: (أبدأ بآل رسول الله ﷺ فبدأ بالأزواج ثم بعلي ﵁) (٢).\nقال ابن قدامة تعليقًا على حديث عائشة ﵂: (إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة) (٣)، قال: (وهذا يدل على تحريمها على أزواج النبي ﷺ) (٤).\nقال ابن القيم: (ولهذا كان القول الصحيح وهو منصوص الإمام أحمد أن الصدقة تحرم عليهم؛ لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم، ويالله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا» (٥)، وقوله في الأضحية: «اللهم تقبل من محمد وآل محمد» (٦)، وفي قول عائشة: «ما شبع آل رسول الله من خبز بر» (٧)، وفي قول المصلي: اللهم صل على محمد وآل محمد، ولا يدخلن في قوله: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» (٨)، مع كونها من أوساخ الناس، فأزواج رسول الله ﷺ أولى بالصيانة عنها والبعد منها) (٩).\nفهذه نصوص صريحة الدلالة في إطلاق آل وأهل النبي ﷺ على زوجاته الطاهرات ﵅، وهناك نصوص أخرى أطلقت عليهم مصطلح (أهل البيت) غير ما تقدم. آيات آل البيت في القرآن الكريم لمنصور بن حمد العيدي – ص: ٣٠\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٠٥٥)، وابن حبان (١٤/ ٢٦١) (٦٣٥١)، والطبراني (١/ ٣٦٣) (١١٢٣)، والبيهقي (٦/ ٨٠) (١١٧٦٧). والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في «الأموال» (ص: ٢٣٦ - ٢٣٧)، والبلاذري في «فتوح البلدان» (٣/ ٥٤٨) (١٠١٧).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٢١٤) موقوفًا. وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٤١٦): إسناده إلى عائشة حسن.\n(٤) «المغني» (٤/ ١١٢).\n(٥) رواه البخاري (٦٤٦٠)، ومسلم (١٠٥٥) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁\n(٦) رواه مسلم (١٩٦٧) من حديث عائشة ﵂.\n(٧) رواه البخاري (٥٤٢٣)، ومسلم (٢٩٧٠)\n(٨) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٨). من حديث معاوية بن حيدة. وصححه ابن حزم في «المحلى» (٦/ ٢٩)، وقال البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٢٢٤): ثابت. والحديث روي من طرق أخرى بلفظ: «... الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته».\n(٩) «جلاء الأفهام» (ص: ٢١٧ - ٢١٨).","vol":"7","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2041>المطلب الأول: فضائل أهل البيت في الكتاب</span>\nأما الآيات التي تشير إلى فضائل ومناقب أهل البيت والتي تدل على رفعة منزلتهم وعلو درجتهم لما لهم من صلة بالنسب الشريف صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين هي:\n١ - قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: ٣٣].\nففي هذه الآية منقبة عظيمة شرف الله بها آل البيت حيث طهرهم من الرجس تطهيرًا وهي شاملة لجميع أهل بيته ﷺ من الصحابة ﵃ أجمعين ومن سلك مسلكهم وسار على نهجهم فالله أراد لهم التطهير.\nقال ابن حجر الهيتمي: هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدأت بـ (إنما) المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس الذي هو الإثم أو الشك فيما يجب الإيمان به عنهم، وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة (١).\nوقد اختلف المفسرون في معنى الرجس على أربعة أقوال:\nفقيل الإثم: وقيل الشرك، وقيل الشيطان، وقيل الأفعال الخبيثة والأخلاق الذميمة، فالأفعال الخبيثة كالفواحش ما ظهر منها وما بطن، والأخلاق الذميمة كالشح، والبخل والحسد وقطع الرحم (٢).\n٢ - قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦].\nوفي ذلك منقبة عظيمة ودرجة عالية شريفة حيث أمر بالصلاة عليهم تبعًا له ﷺ يوضح ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن كعب بن عجرة قال: «لما نزلت هذه الآية قلنا يا رسول الله: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ...» (٣).\n٣ - قوله تعالى: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران: ٦١].\nفي هذه الآية فضيلة عالية ومنقبة جليلة لأصحاب الكساء وهم فاطمة وعلي والحسن والحسين ﵃. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص قال: «لما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ دعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: اللهم هؤلاء أهلي» (٤).\nقال ابن حجر الهيتمي: فعلم أنهم المراد من الآية وأن أولاد فاطمة وذريتهم يسمون أبناءه وينسبون إليه نسبة صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة (٥).\nوكما هو معلوم أنه قد ورد الثناء في الكتاب والسنة على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في غير ما آية وحديث على سبيل العموم مثل:\nقوله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح: ٢٩].\nقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠].\nوقوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... [الفتح: ١٨].\nوغير ذلك من الآيات، ويدخل في هذا الثناء صحابته من أهل بيته ﵃ دخولًا أوليًا فهم أولى وألصق بالنبي ﷺ من غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم بن رجاء –ص: ٦٠\n_________\n(١) «الصواعق المحرقة» (ص: ٢٢٣).\n(٢) انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٥٧١)، و«زاد المسير» لابن الجوزي (٦/ ٣٨١).\n(٣) رواه البخاري (٦٣٥٧).\n(٤) رواه مسلم (٢٤٠٤).\n(٥) «الصواعق المحرقة» (ص: ٢٤٠).","vol":"7","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2042>المطلب الثاني فضائل أهل البيت في السنة</span>\nلقد وردت أحاديث كثيرة تبين فضائل ومناقب أهل البيت عمومًا منها:\n١ - ما روى الترمذي بسنده أن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: «يا رسول الله إن قريشًا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة من الأرض؛ فقال النبي ﷺ: إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا» (١).\nفهذا الحديث يدل على فضل جنس العرب ثم جنس قريش ثم جنس بني هاشم فكان النبي ﷺ خير الناس نفسًا ونسبًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والمعنى أن النخلة طيبة في نفسها، وإن كان أصلها ليس بذاك فأخبر ﷺ: أنه خير الناس نفسًا ونسبًا) (٢).\n٢ - وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي عمار شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» (٣).\nفهذا الحديث نص في التفضيل (والذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم وسريانيهم وروميهم وفرسيهم وغيرهم، وأن قريشًا أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش وأن رسول الله ﷺ أفضل بني هاشم فهو أفضل الخلق وأفضلهم نسبًا) (٤).\n٣ - وجاء في صحيح مسلم بإسناده إلى يزيد بن حيان قال: «انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا يزد خيرًا كثيرًا رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: يا بن أخي! والله! لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ فما حدثتكم فامثلوا، وما لا، فلا تكلفونيه، ثم قال قام رسول الله ﷺ فينا خطيبًا بماء يدعى خمًا، بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ...» (٥) الحديث.\nففي هذا الحديث منقبة واضحة وفضيلة عالية لأهل بيته ﵌ حيث قرن الوصية بهم مع الوصية بالالتزام والتمسك بكتاب الله الذي فيه الهدى والنور، فجعلهم ﷺ ثقلًا دليل واضح على عظم حقهم وارتفاع شأنهم وعلو منزلتهم.\nفالتمسك بالكتاب امتثال ما أمر الله به فيه واجتناب ما نهى عنه قولًا وعملًا. والتمسك بأهل بيته محبتهم والمحافظة على حرمتهم والعمل بروايتهم الصحيحة والاهتداء بهديهم وسيرتهم إذا لم يكن في ذلك مخالفة في الدين ...\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٦٠٧)، وأحمد (١/ ٢١٠) (١٧٨٨)، والبزار (١/ ٢٢٩). قال الترمذي: حسن، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٨١٩): إسناده صحيح، وحسنه لغيره شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند.\n(٢) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٣٧٤).\n(٣) رواه مسلم (٢٢٧٦).\n(٤) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٧٠).\n(٥) رواه مسلم (٢٤٠٨).","vol":"7","page":417},{"text":"٤ - وروى مسلم في صحيحه عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:٣٣]» (١).\nفهذه فضيلة ظاهرة لهؤلاء الخمسة وقد طهرهم الله من الرجس وجل نسل آل البيت منهم ﵃ أجمعين.\n٥ - روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثًا أن يثبت قائمكم وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم وسألت الله فيكم أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء فلو أن رجلًا صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار» (٢).\nفهذا الحديث تضمن ثلاث مناقب لأهل بيت النبي ﷺ وهي واضحة لا تحتاج إلى زيادة بيان كما بينها النبي ﷺ إضافة إلى ما تضمنه من وجوب محبتهم والبعد عن بغضهم لأن من فعل ذلك فهو من أهل النار والعياذ بالله. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم بن رجاء -بتصرف – ص: ٦٢\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٤٢٤).\n(٢) رواه الحاكم (٣/ ١٦١)، وروا هـ الطبراني (١١/ ١٧٦) (١١٤١٢). قال الحاكم: هذا حديث حسن صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٧٤): [فيه] محمد بن زكريا الغلابي وهو ضعيف، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: يعتبر حديثه إذا روى عن الثقات فإن في روايته عن المجاهيل بعض المناكير، وروى هذا عن سفيان الثوري، وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"7","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2044>الفرع الأول: فضائل أزواج النبي إجمالا</span>\nالفضيلة الأولى: الحديث عنهن بوصف الزوجية\nذكر الله تعالى نساء النبي ﷺ بلفظ الزوجية في غير ما موضع من القرآن الكريم، ومن ذلك أول آية من آيات التخيير: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ [الأحزاب: ٢٨]، إن ذكر أمهات المؤمنين بلفظ الزوجية هنا لم يكن عبثًا من القول –وحاشا القرآن أن يكون كذلك- بل له دلالة على الفضل، ووجه ذلك: أن لفظ الأزواج مشعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران كما هو المفهوم من لفظه؛ فإن الزوجين هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان والمتساويان، ومنه قوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢]، قال أهل التفسير: أشباههم وأمثالهم (١).\nففي الآية دليل ظاهر على التزكية العلية لأزواج النبي ﷺ؛ حيث جعلن في مقام المشابه المناسب له ﷺ مما يدل على صفات الصلاح والتقوى والطهر.\nوتأمل كيف كان القرآن يتحدث عن الزوجات الكافرات للأنبياء بلفظ المرأة، قال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ [التحريم: ١٠] أما أزواج النبي ﷺ فكان الخطاب لهن بلفظ الزوجة غالبًا حتى في مقام العتاب كما في سورة التحريم، ولم يخاطبهن بلفظ المرأة.\nوغير خافٍ لطافة بداية الخطاب القرآني لهن بلفظ الزوجية في آية التخيير، وكأن الله يذكرهن بمقام المشابهة والمناسبة للنبي ﷺ والذي لا ينبغي أن يغفلن عنه، بل يلحظنه دائما، وقد فعلن ﵅.\nالفضيلة الثانية: اختيارهن جميعًا الله ورسوله ﷺ والدار الآخرة:\nوهذا أمر مقطوع به دل عليه حديث ابن عباس ﵁ المتقدم وحديث عائشة ﵂، وفيه: (فجعل يخيرهن ويقرأ عليهن القرآن، ويخبرهن بما صنعت عائشة ﵂ فتتابعن على ذلك) (٢).\nوعلى هذا قول جمهور المفسرين (٣) أنهن جميعًا تتابعن على ما قالت عائشة ﵂ إلا ما روي عن ابن زيد (٤) أن بدوية اختارت نفسها، لكنه رأي مرجوح.\nقال ابن حجر: (واستدل به بعضهم على ضعف ما جاء أن من الأزواج حينئذ من اختارت الدنيا لعموم قولها: (ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثلما فعلت) (٥).\nقال ابن تيمية: (وقد ثبت بالنقل الصحيح أن هذه الآيات لما نزلت قرأ النبي ﷺ على أزواجه، وخيرهن كما أمره الله، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك أقرهن ولم يطلقهن، حتى مات عنهن) (٦).\nقال ابن كثير: (فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة) (٧).\nوإذا كان هذا الاختيار دالًا على المرتبة العالية في التقوى وصدق الإيمان لأمهات المؤمنين عمومًا فإن فيه فضائل خاصة لعائشة ﵂ من عدة جهات:\nالأولى: البدء بها في التخيير المشعر بتقدمها على باقي الأمهات ﵅.\nالثانية: بيان كمال عقلها، وصحة رأيها مع صغر سنها (٨)، حيث أسرعت بالاستجابة ولم تشاور أبويها، ورأت أن هذا لا استشارة فيه البتة.\n_________\n(١) «تفسير القرآن العظيم» (٧/ ٨ - ٩).\n(٢) «تفسير الطبري» (٢١/ ٩٩)، والحديث رواه مسلم مطولًا (١٤٧٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.\n(٣) «تفسير الطبري» (٢١/ ١٠٠)، «المحرر الوجيز» (١٢/ ٥١).\n(٤) «تفسير الطبري» (٢١/ ٩٩ - ١٠٠).\n(٥) «فتح الباري» (٨/ ٣٨٣).\n(٦) «رسالة في فضل أهل البيت» (ص: ٢٢).\n(٧) «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٤٠١).\n(٨) «فتح الباري» (٨/ ٣٨٢).","vol":"7","page":419},{"text":"الثالثة: أنها بإخبار النبي ﷺ قد سنت سنة حسنة، فيكون لها أجر باقي الأمهات لا سيما والنبي ﷺ يخبرهن جميعًا بما قالت عائشة ﵂.\nعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا» (١).\nالرابعة: استبشار النبي ﷺ باستجابتها حتى رئي الفرح في وجهه ﷺ.\nوكان من تبعات اختيار أمهات المؤمنين ﵅ الله ورسوله والدار الآخرة – وهو من الفضائل- إنزال بقية الآيات تكريمًا لهن.\nقال الشوكاني: (لما اختار نساء رسول الله رسول الله؛ أنزل فيهن هذه الآيات تكريمًا لهن وتعظيمًا لحقهن) (٢).\nالفضيلة الثالثة: العناية بنصحهن وخطابهن بأحسن الألقاب:\nوهذا أمر تميزن به عن بقية الصحابة، بل عن بقية آل البيت ﵃ أجمعين، يقول الألوسي: (قال تعالى: يَا نِسَاء النَّبِيِّ [الأحزاب: ٣٠] تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن.\nونداؤهن هاهنا وفيما بعد بالإضافة إليه ﷺ؛ لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجًا كما لا يخفى على المتأمل) (٣).\nالفضيلة الرابعة: استحقاقهن الأجر العظيم:\nقال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٢٩]، هذه الآية الكريمة تدل على أنهن سينلن أجرًا عظيمًا، وهذا الأجر العظيم مجمل بينته الآيات الأخر، وإذا تأملنا وجدنا أن هذا الأجر العظيم في الدنيا والآخرة؛ أما في الآخرة فكونهن مع النبي ﷺ في الجنة، وهذا أمر لا غاية فوقه ولا مزية بعده، وفي ذلك من زيادة النعيم والثواب على غيرهن ما هو معلوم؛ فإن الثواب والنعيم على قدر المنزلة.\nأما في الدنيا فمن ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: جعلن أمهات المؤمنين تعظيمًا لحقهن، وتأكيدًا لحرمتهن، وتشريفًا لمنزلتهن.\nالوجه الثاني: حظر طلاقهن، وتحريم التزوج عليهن على أحد القولين عند المفسرين في قوله تعالى: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ [الأحزاب: ٥٢]؛ لأنهن لم يخترن غير النبي ﷺ فأمر بإمساكهن (٤).\nالوجه الثالث: قتل قاذفهن، أما غيرهن فالجلد فقط.\nويلاحظ في الآية الكريمة إيقاع الظاهر موقع المضمر؛ فإنه تعالى قال: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٢٩]، ولم يقل فإن الله أعد لكن أجرًا عظيمًا.\nوالحكمة من ذلك كما قال بعض المفسرين: (تنبيهًا على الوصف الذي ترتب لهن به الأجر العظيم وهو الإحسان؛ كأنه قال: أعد لكن؛ لأن من أراد الله ورسوله والدار الآخرة كان محسنًا) (٥)، وهذا التعليل يتماشى مع الفائدة العامة للإظهار في موضع الإضمار عند المفسرين (٦)، وهو بيان علة الحكم.\nوقال بعض المفسرين: الفائدة من ذكر الإحسان؛ ليعلم أن هذا الأجر حاصل لهن على مقدار إحسانهن؛ لأن الإحسان متفاوت، فعلى مقدار إحسان كل واحدة يكون أجرها العظيم (٧).\nولا مانع من صواب هذا الرأي أيضًا؛ إذ أنه لا يخلو مثال للإظهار في موضوع الإضمار من فائدة خاصة به (٨).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠١٧).\n(٢) «فتح القدير» (٤/ ٢٧٦).\n(٣) «روح المعاني» (٢١/ ١٨٤).\n(٤) «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٥٦٥ - ٥٦٦).\n(٥) «البحر المحيط» (٧/ ٢٢٠).\n(٦) «تفسير القرآن» لابن عثيمين (١/ ٦٧).\n(٧) «التحرير والتنوير» (٢١/ ٣١٦).\n(٨) «قواعد التفسير» (١/ ٣٤٠).","vol":"7","page":420},{"text":"وكما تحدث المفسرون عن الإظهار في موضع الإضمار تحدثوا عن حرف (من) في الآية، وهل هو لبيان الجنس أو للتبعيض.\nفقال بعض المفسرين: إنها لبيان الجنس؛ لأن الجميع اخترن الله ورسوله والجميع محسنات (١)، وقال بعضهم بجواز: أن تكون للتبعيض؛ لأن اختيار الجميع لله ولرسوله لم يعلم وقت النزول.\nوالظاهر أن (من) هنا للتبيين لا للتبعيض؛ لأن علامة (من) التبعيضية صحة مجيء (٢) (بعض) مكانها، وهنا لا يستقيم وضع (بعض) مكانها، بينما التي لبيان الجنس تقدر بتخصيص الشيء دون غيره (٣)، وهو ما يناسب هنا، فكأن الآية: فإن الله أعد للمحسنات أخص أمهات المؤمنين أجرًا عظيمًا، كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠]، والمعنى: فاجتنبوا الرجس أخص الأوثان.\nوغير خاف أنه على القولين لا إشكال في كون كل أمهات المؤمنين محسنات، وفي ذكر الإعداد إفادة العناية بهذا الأجر والتنويه به زيادة على وصفه بالتعظيم (٤).\nالفضيلة الخامسة: إبراز شرفهن وعلو منزلتهن:\nوهذا الأمر وإن كانت الآيات تدل عليه صراحة أو ضمنًا إلا أننا هنا سنبرزه في قوله تعالى: يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: ٣٠].\nوقد يكون مستغربًا لأول وهلة كيف تدل هذه الآيات على شرف أمهات المؤمنين – ﵅ -؟\nوالجواب هو بالنظر إلى الحكمة من وراء مضاعفة العذاب.\nفقد ذكر أهل التفسير حكمًا من وراء ذلك تدل على ما نحن بصدده، فمن هذه الحكم قولهم: (إن مضاعفة العذاب لشرف المنزلة وفضل الدرجة وتقدمهن على سائر النساء، فهن وإن كن كالنساء جبلة؛ فإنهن لسن كغيرهن شرفًا، وشرف المنزلة لا يحتمل العثرات (٥)، وزيادة قباحة المعصية تتبع زيادة الفضل) (٦)، وهذا التعليل لأكثر المفسرين (٧).\nبل إن الرازي تأكيدًا لهذا الأمر جعل نسبة أزواج النبي ﷺ إلى الحرائر المسلمات، كنسبة الحرة إلى الأمة، فالحرة يضاعف عذابها على الأمة، وأزواج النبي ﷺ يضاعف عذابها على الحرة (٨).\nوقيل الحكمة من مضاعفة العقوبة لكون أزواج النبي ﷺ في مهبط الوحي قوي الأمر عليهن بسبب مكانتهن (٩)، وغير خاف أن هذا يعود للأول.\nوقيل: لما فيه من كفران نعمة القرب، وهذا يعود للأول (١٠).\nوقيل: لعظم الضرر في جرائمهن بإيذاء الرسول ﷺ (١١).\nوقيل: لأنه قد يقتدى بهن (١٢).\nولا مانع من صحة كل هذه الحكم.\nوقد يستشكل مضاعفة العقوبة لما قد علم أن من كثرة حسناته يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره.\n_________\n(١) «الكشاف» (٣/ ٢٥٩)، «روح المعاني» (٢١/ ١٨٢).\n(٢) «مغني اللبيب» (١/ ٣٤٩).\n(٣) «رصف المباني» (ص: ٣٨٩).\n(٤) «التحرير والتنوير» (٢١/ ٣١٧).\n(٥) «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٥٦٧ - ٥٦٨).\n(٦) «حسن الأسوة» (ص: ٨٥).\n(٧) «مفاتيح الغيب» (٢٥/ ١٧٩)، «الجامع لأحكام القرآن» (١٤/ ١١٣)، «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٤٠٨)، «أضواء البيان» (٣/ ٥٦٤).\n(٨) «مفاتيح الغيب» (٢٥/ ١٧٩).\n(٩) «الجامع لأحكام القرآن» (١٤/ ١١٣).\n(١٠) «الجامع لأحكام القرآن» (١٤/ ١١٤).\n(١١) «جواهر العقدين» (١/ ١٥٨).\n(١٢) «جواهر العقدين» (١/ ١٥٨).","vol":"7","page":421},{"text":"أجاب ابن القيم فقال: (من كملت عليه نعمة الله واختصه منها بما لم يختص به غيره في إعطائه منها ما حرمه غيره، فحبي بالإنعام، وخص بالإكرام، وخص بمزيد التقريب، وجعل في منزلة الولي الحبيب، اقتضت حاله من حفظ مرتبة الولاية والقرب والاختصاص بأن يراعي مرتبته من أدنى مشوش وقاطع؛ فلشدة الاعتناء به، ومزيد تقريبه، واتخاذه لنفسه، واصطفائه على غيره؛ تكون حقوق وليه وسيده عليه أتم، ونعمه عليه أكمل، والمطلوب منه فوق المطلوب من غيره؛ فهو إذا غفل وأخل بمقتضى مرتبته نبه بما لم ينبه عليه البعيد البراني مع كونه يسامح بما لم يسامح به ذلك أيضًا، فيجتمع في حقه الأمران) (١).\nالفضيلة السادسة: مضاعفة الأجر:\nوهذا منطوق قوله تعالى: نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ [الأحزاب: ٣١].\nقال الطبري: (يعطي الله الواحدة منهن مثلي ما يعطي غيرهن من سائر النساء) (٢).\nقال الألوسي: (ويستدعي هذا أنه إذا أثيب نساء المسلمين على الحسنة بعشر أمثالها؛ أثبن على الحسنة بعشرين مثلًا لها، وإذا زيد للنساء على العشر شيء؛ زيد لهن ضعفه) (٣).\nوقد ورد في ذلك حديث: «أربعة يؤتون أجرهن مرتين: أزواج النبي ﷺ، ومن أسلم من أهل الكتاب، ورجل كانت عنده أمة فأعجبته، فأعتقها، ثم تزوجها، وعبد مملوك أدى حق الله، وحق سادته» (٤). ولكنه لا يصح، والآية تغني عنه.\nقال أهل التفسير: مضاعفة الأجر لعظيم قدرهن (٥)، وقيل: أجر على الطاعة والتقوى وأجر على طلبهن رضا رسول الله ﷺ (٦).\nوليس الفضل هنا بمجرد الوعد بمضاعفة الأجر – وهو فضل ولا شك – ولكن بتنفيذ الأمر.\nيقول ابن تيمية: (وهن ولله الحمد قنتن لله ورسوله وعملن صالحًا؛ فاستحققن الأجر مرتين، فصرن أفضل لطاعة الأمر، لا لمجرد الأمر) (٧).\nولم أقف على خلاف هذا لأي مفسر من أهل السنة بكافة طوائفهم.\nالفضيلة السابعة: البشارة بالجنة:\nالله تعالى وعد نساء النبي ﷺ بالجنة، وهذا فضل لهن من جهتين:\nالجهة الأولى: اختصاصهن عن بقية النساء بل والرجال بهذا الوعد.\nالجهة الثانية: أنهن من أهل الجنة لكونهن بالاتفاق قنتن لله ورسوله ﷺ وعملن صالحًا، ويزيد الأمر قطعية قول عمار ﵁ عن عائشة ﵂: (إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة) (٨).\nوقد أخذت هذه البشارة من قوله تعالى: وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [الأحزاب: ٣١]، فقد ذهب أهل التفسير إلى أن الرزق الكريم: الجنة (٩).\nقال ابن كثير: (فإنهن في منازل رسول الله في أعلى عليين فوق منازل جميع الخلائق في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش) (١٠).\n_________\n(١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٣).\n(٢) «تفسير الطبري» (٢٢/ ٢).\n(٣) «روح المعاني» (٢٢/ ٢).\n(٤) رواه الطبراني (٨/ ٢١٢) (٧٨٧٢). من حديث أبي أمامة ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٦٣): فيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف وقد وثق، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٧٠٠٥): منكر.\n(٥) «التحرير والتنوير» (٢٢/ ٥ - ٦).\n(٦) «محاسن التأويل» (١٣/ ٤٨٤٨).\n(٧) «منهاج السنة» (٤/ ٦٤).\n(٨) رواه البخاري (٣٧٧٢).\n(٩) «تفسير الطبري» (٢٢/ ٢)، «المحرر الوجيز» (١٢/ ٥٦)، «مفاتيح الغيب» (٢٥/ ١٨٠)، «الجامع لأحكام القرآن» (١٤/ ١١٥)، «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٤٠٨)، «فتح القدير» (٤/ ٧٧)، «التحرير والتنوير» (٢٢/ ٦)، «التفسير الصحيح» (٤/ ١٢٤).\n(١٠) «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٤٠٨).","vol":"7","page":422},{"text":"واستشف بعض المفسرين تحقق الوقوع من التعبير بالماضي في (أعتدنا) دون المضارعة، يقول الطاهر بن عاشور: (والعدول عن المضارع إلى فعل الماضي في قوله: وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [الأحزاب: ٣١] لإفادة تحقيق وقوعه) (١).\nوقد لحظ الرازي معنى لطيفًا في وصف الرزق بالكرم، يقول: (فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه، وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، أما في الآخرة فلا يكون له ممسك ومرسل في الظاهر؛ فهو الذي يأتي بنفسه؛ فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرزق، وفي الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق) (٢).\nوابن عطية مع أنه يرى – كبقية المفسرين – أن الرزق الكريم هو الجنة؛ إلا أنه يجوز أن يكون في ذلك وعد دنيوي، وهو أن أرزاقهن في الدنيا على الله، وهو كريم من حيث هو حلال وقصد وبرضا من الله من نيله (٣).\nولكن يضعف قوله أن لفظة الرزق الكريم وردت في القرآن الكريم خمس مرات لم يرد بها سوى الجنة، بل إن ابن عطية نفسه فسر الرزق الكريم في سورة النور (٤) بالجنة، وهذه الآية في (سورة النور) وثيقة الصلاة بآية الأحزاب من حيث إرادة أمهات المؤمنين ﵅.\nومن لطائف هذه الوعود في الآية الكريمة أننا نلحظ إسناد فعل إيتاء أجرهن إلى ضمير الجلالة بوجه صريح تشريفًا لإيتائهن الأجر؛ لأنه المأمول بهن، وكذلك فعل أعتدنا.\nكما أن في إضافة الأجر إلى ضمير (ها) إشارة إلى تعظيم ذلك الأجر بأنه يناسب مقامها وإلى تشريفها بأنها مستحقة ذلك الأجر (٥).\nوهذه الأمور تميزت بها هذه الآية عن التي قبلها مما يظهر للقارئ تغليب جانب الرحمة على جانب الغضب (٦).\nالفضيلة الثامنة: تفضيلهن على عموم النساء:\nوهو منطوق قوله تعالى: يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء [الأحزاب: ٣٢].\nقال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية: (ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات؛ أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم) (٧).\nولا إشكال عند المفسرين من حيث الجملة على دلالة هذه الآية، وإنما حصل الخلاف هل هذا التفضيل باعتبار الجملة أم باعتبار كل واحدة منهن على قولين:\nالقول الأول: أن هذا التفضيل باعتبار الجملة، فلو تقصينا النساء جماعة جماعة لم نجد جماعة تساوي جماعة أمهات المؤمنين (٨).\nونوقش هذا بأنه خلاف الأصل؛ فالأصل أن (أحدًا) لشخص واحد فنبقيه على موضوعه ولا نتأوله بجماعة واحدة (٩).\nوكأن الزمخشري – الذي رأى هذا القول – أراد المطابقة بين المتفاضلين، لكنه كان مستغنيًا عن ذلك بحمل الكلام على واحدة ويكون المعنى أبلغ، والتقدير: ليست واحدة منكن كأحد من النساء؛ أي كواحدة من النساء (١٠).\nالقول الثاني: أن هذا التفضيل باعتبار كل واحدة منهن وهذا قول أكثر المفسرين (١١).\nوأورد على هذا القول أنه يلزم عليه أن يكون كل واحدة من نساء النبي ﷺ أفضل من فاطمة الزهراء ولا قائل به.\n_________\n(١) «التحرير والتنوير» (٢٢/ ٦).\n(٢) «مفاتيح الغيب» (٢٥/ ١٨٠).\n(٣) «المحرر الوجيز» (١٢/ ٥٦).\n(٤) (آية: ٢٦).\n(٥) «التحرير والتنوير» (٢٢/ ٥).\n(٦) «روح المعاني» (٢٢/ ٢).\n(٧) «زاد المسير» (٦/ ٣٧٨).\n(٨) «الكشاف» (٣/ ٢٥٩)، «روح المعاني» (٢٢/ ٥)، «فتح القدير» (٤/ ٧٧).\n(٩) «البحر المحيط» (٧/ ٢٢١).\n(١٠) «الكشاف» (٣/ ٢٥٩).\n(١١) «تفسير الطبري» (٢٢/ ٣)، «المحرر الوجيز» (١٢/ ٥٦)، «زاد المسير» (٦/ ٣٧٨)، «مفاتيح الغيب» (٢٥/ ١٨٠)، «البحر المحيط» (٧/ ٢٢١)، «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٤٠٨ - ٤٠٩)، «محاسن التأويل» (١٢/ ٤٤٩٥)، «التحرير والتنوير» (٢٢/ ٦).","vol":"7","page":423},{"text":"وأجيب: بأن أمهات المؤمنين أفضل من حيثية الزوجية لا من سائر الحيثيات (١).\nوهذا الجواب ضعيف؛ إذ أنه يحصر أفضلية الأمهات في حيثية الزوجية، والأحسن أن يقال: إن الآية عامة في فضل أمهات المؤمنين على سائر النساء، لكن تخرج فاطمة من ذلك العموم بالأدلة التي تدل على فضلها وسيادتها لنساء هذه الأمة.\nقال ﷺ لفاطمة ﵂: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة» (٢).\nوبناء على هذا يكون أولى القولين بالصواب القول الثاني، على أن الألوسي حاول التوفيق بين القولين فأجاد حيث قال: (لأن فضل الجماعة على الجماعة يكون غالبًا لفضل كل منها) (٣).\nوقد اجتهد المفسرون في استنباط العلة التي من أجلها فضلت نساء النبي ﷺ على بقية النساء، فمن ذلك ما قاله الرازي: (كما أن محمدًا ليس كأحد من الرجال ... كذلك قرابته اللاتي يشرفن به، وبين الزوجين نوع من الكفاءة) (٤).\nويشهد لكلام الرازي تصدير آيات التخيير بلفظ الزوجية.\nأما الطاهر ابن عاشور فله رأي آخر: (وسبب ذلك أنهن اتصلن بالنبي ﷺ اتصالًا أقرب من كل اتصال، وصرن أنيساته، ملازمات شؤونه فيختصصن باطلاع ما لم يطلع عليه غيرهن من أحواله وخلقه ... ويتخلقن بخلقه أكثر مما يقتبس منه غيرهن؛ ولأن إقباله عليهن إقبال خاص، ألا ترى إلى قوله: «حبب إلي من دنياكم ...») (٥).\nولا مانع من صحة التعليلين، بل ويمكن أن يضاف إليها ما اتصفن به من صفات التقوى والإيمان وما تميزن به من تلقي تربية النبي ﷺ أكثر من بقية النساء.\nالفضيلة التاسعة: الوعد بقبول العمل:\nقال تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: ٣٣].\nيقول الألوسي: (والآية متضمنة الوعد منه تعالى لأهل بيت نبيه بأنهم إن ينتهوا عما ينهى عنه، ويأتمروا بما يأمرهم به؛ يذهب عنهم لا محالة مبادئ ما يستهجن، ويحليهم أجل تحلية بما يستحسن، وفيه إيماء إلى قبول أعمالهم وترتب الآثار الجميلة عليها قطعًا، ويكون هذا خصوصية لهم ومزية على من عداهم، من حيث إن أولئك الأغيار إذا انتهوا وائتمروا لا يقطع لهم بحصول ذلك) (٦).\nويشهد لقوله ﵀ التعبير القرآني حيث أكد التطهير بالمصدر؛ ليعلم أنه في أعلى مراتب التطهير، بل وذكره في سياق الامتنان؛ لإفادة العموم ليشمل جل مراتب التطهير (٧).\nالفضيلة العاشرة: الاصطفاء الإلهي:\nقال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب: ٣٤].\nلقد فطن المفسرون للحكمة من ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين، إذ أن من المعلوم عند أهل العلم بالتفسير وثاقة الصلة بين الآية وما تختم به من أسماء كريمة (٨).\nإن ختم الآية بذكر الخبير لها دلالتها الواضحة على أن الله تعالى اختار لنبيه أزواجًا هن خير الأزواج، حيث اصطفى له سبحانه خير نساء العالمين.\nوكفى بذلك شرفًا وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ [القصص: ٦٨]، وقد لحظ هذا المعنى أهل التفسير.\nقال الزمخشري تعليقًا على قوله تعالى: خَبِيرًا: (أي علم من يصلح لنبوته ومن يصلح لأن يكونوا أهل بيته) (٩).\n_________\n(١) «روح المعاني» (٢٢/ ٤).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٢٣). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) «روح المعاني» (٢٢/ ٥).\n(٤) «مفاتيح الغيب» (٢٥/ ١٨٠).\n(٥) «التحرير والتنوير» (٢٢/ ٧).\n(٦) «روح المعاني» (٢٢/ ١٩).\n(٧) «جواهر العقدين» (١/ ٢٣ - ٢٤).\n(٨) «القواعد الحسان» (ص: ٥١).\n(٩) «الكشاف» (٣/ ٢٦١).","vol":"7","page":424},{"text":"وقال ابن كثير: (بخبرته بكن وأنكن أهل لذلك أعطاكن ذلك وخصكن به ... واختاركن لرسوله أزواجًا) (١).\nفليس الأمر إعطاء، بل تخصيص واختيار ولا ريب أن هذه تزكية إلهية ما بعدها تزكية، تدل على كمال صلاح وإيمان أمهات المؤمنين وتؤكد حقيقة اصطفاء أمهات المؤمنين على سائر النساء.\nوفي ختام هذا المطلب نقول: إن هذه الآيات الكريمات أظهرت لكل مسلم رفعة درجة أمهات المؤمنين، وعلو همتهن، وصحة مقصدهن باختيار الله ورسوله ﷺ، كما أظهرت اصطفاءهن على نساء العالمين، وأن الله ﷿ اختارهن لكمالهن زوجات لنبيه فلا يناسبه وهو الأكمل ﷺ إلا أكمل النساء.\nوهذا يستوجب على كل مسلم ومسلمة: تولي زوجات النبي ﷺ، ومعرفة فضلهن وإحسان القول فيهن وسلامة اللسان تجاههن، والذب عنهن، والرد على منتقصهن، أو من يقلل من مكانتهن، بل وإظهار فضائلهن، ودراسة سيرتهن، ومعرفة أخبارهن وآدابهن وعبادتهن؛ فإنهن أعظم النساء تعلمًا في مدرسة النبوة بل إن هناك أمورًا عديدة من هديه ﷺ لا يمكن العلم بها إلا من طريقهن ﵅. آيات آل البيت في القرآن الكريم لمنصور بن حمد العيدي – ص: ١٤٥\n_________\n(١) «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٤١٦) «التفسير الميسر» (ص: ٤٢٢).","vol":"7","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2046>أولًا: فضل خديجة ﵂</span>\nهي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يلتقي نسبها بنسب النبي ﷺ في الجد الخامس قصي بن كلاب، وهي أقرب أمهات المؤمنين إلى النبي ﷺ في النسب، ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها إلا أم حبيبة، وكانت أوسط نساء قريش نسبًا، وأعظمهن شرفًا، وأكثرهن مالًا، تزوجها ﷺ وهو ابن خمس وعشرين سنة كانت قبله عند أبي هالة بن النباش بن زرارة التميمي حليف بني عبد الدار، وبقيت مع النبي ﷺ إلى أن أكرمه الله برسالته، فآمنت به ونصرته، فكانت له وزير صدق، فهي ممن كمل من النساء فقد كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة من أهل الجنة، وكان ﷺ يثني عليها ويفضلها على سائر نسائه ﵅ ويبالغ في تعظيمها، فلم يتزوج امرأة قبلها، وكل أولاده منها إلا إبراهيم ﵁ فإنه من سريته مارية ﵂ كما لم يتزوج ﷺ عليها امرأة قط، ولا تسرى إلى أن قضت نحبها ﵂ فكانت وفاتها قبل الهجرة بثلاث سنين (١).\nولقد وردت الأحاديث الصحيحة في مناقبها ﵂ ومن ذلك:\n١ - ما رواه الحاكم بإسناده إلى عفيف بن عمرو قال «كنت امرءًا تاجرًا، وكنت صديقًا للعباس بن عبد المطلب في الجاهلية فقدمت لتجارة فنزلت على العباس بن عبد المطلب بمنى فجاء رجل فنظر إلى الشمس حين مالت فقام يصلي ثم جاءت امرأة فقامت تصلي ثم جاء غلام حين راهق الحلم فقام يصلي فقلت للعباس من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي يزعم أنه نبي ولم يتابعه على أمره غير هذه المرأة وهذا الغلام، وهذا المرأة خديجة بنت خويلد امرأته وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب. قال عفيف الكندي: وأسلم وحسن إسلامه لوددت أني كنت أسلمت يومئذ فيكون لي ربع الإسلام» (٢).\nفي هذا الحديث منقبة عظيمة لأم المؤمنين خديجة ﵂ حيث كانت في السابقين الأولين إلى الإسلام فهي أول من آمن به ﷺ من النساء.\nقال الحافظ ابن حجر: (ومما اختصت به سبقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنت ذلك لكل من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهن، لما ثبت «أنه من سن سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيء» (٣) وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق بالنسبة إلى الرجال، ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله ﷿) (٤).\n٢ - ومن مناقبها التي انفردت بها دون سائر أمهات المؤمنين ﵅ أن النبي ﷺ لم يتزوج عليها حتى فارقت الحياة الدنيا.\nفقد روى مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «لم يتزوج النبي ﷺ على خديجة حتى ماتت» (٥).\n_________\n(١) انظر: «المنتخب من كتاب أزواج النبي ﷺ» للزبير بن بكار (ص: ٢٣ - ٣٤) «طبقات ابن سعد» (ص: ١٣١)، «السيرة النبوية»، لابن هشام (١/ ١٩٨)، «البداية والنهاية» (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، «تاريخ الإسلام» (١/ ٤١)، «الإصابة» لابن حجر (٤/ ٢٧٣ - ٢٧٦)، «فتح الباري» (٧/ ١٣٤).\n(٢) رواه الحاكم (٣/ ٢٠١). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٣) رواه مسلم (١٠١٧).\n(٤) «فتح الباري» (٧/ ١٣٧).\n(٥) رواه مسلم (٢٤٣٦).","vol":"7","page":426},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: (وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها لأنها أغنته عن غيرها واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين، لأنه ﷺ عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عامًا، انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عامًا وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طول المدة فصان قلبها فيها من الغيرة ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك. وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها) (١).\n٣ - ومن مناقبها ﵂ التي تدل على شرفها وجلالة قدرها عند رسول الله ﷺ أنه كان يكثر من ذكرها بعد موتها بالثناء عليها والمدح لها وما يسرها في حياتها حيث يصل من يودها.\nفقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: «ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد» (٢).\nوروى مسلم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: «ما غرت للنبي ﷺ على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكره إياها» (٣).\nوروى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء قالت: فغرت يومًا فقلت ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله ﷿ بها خيرًا منها قال: ما أبدلني الله ﷿ خيرًا منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله ﷿ ولدها إذ حرمني أولاد النساء» (٤).\nفي هذه الأحاديث المتقدمة (ثبوت الغيرة وأنه غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلًا عمن دونهن، وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي ﷺ لكن كانت تغار من خديجة أكثر، وقد بينت ذلك وأنه لكثرة ذكر النبي ﷺ إياها ... وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة) (٥).\nقال القرطبي: (كان حبه ﷺ لها لما تقدم ذكره من الأسباب، وهي كثيرة كل منها سبب في إيجاد المحبة) (٦).\nوقال ابن العربي عند ذكر فضائلها: (كان النبي ﷺ قد انتفع بخديجة برأيها ومالها ونصرها فرعاها حية وميتة برها موجودة ومعدومة وأتى بعد موتها ما يعلم أن يسرها لو كان في حياتها. ومن هذا المعنى ما روي من أن «من البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه» (٧).) (٨).\n٤ - ومن مناقبها ما أخبر به النبي ﷺ بأن حبه لها كان رزقًا من الله رزقه إياه.\nفقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «ما غرت على نساء النبي ﷺ إلا على خديجة وإني لم أدركها قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة قالت: فأغضبته يومًا فقلت: خديجة فقال رسول الله ﷺ: إني قد رزقت حبها» (٩).\nففي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لخديجة ﵂.\n_________\n(١) «فتح الباري» (٧/ ١٣٧).\n(٢) رواه البخاري (٣٨١٨).\n(٣) رواه مسلم (٢٤٣٥).\n(٤) رواه أحمد (٦/ ١١٧) (٢٤٩٠٨). قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: حديث صحيح.\n(٥) «فتح الباري» (٧/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(٦) فيما نقله عنه ابن حجر في «فتح الباري» (٧/ ١٣٧).\n(٧) رواه مسلم (٢٥٥٢).\n(٨) «عارضة الأحوذي بشرح الترمذي» (١٣/ ٢٥٢).\n(٩) رواه مسلم (٢٤٣٥).","vol":"7","page":427},{"text":"قال الإمام النووي عند قوله ﷺ: «رزقت حبها»: (فيه إشارة إلى أن حبها فضيلة حصلت) (١).\n٥ - ومما يدل على فضلها وجلالة قدرها أن الله ﷾ أرسل إليها السلام مع جبريل وأمر نبيه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.\nفقد روى الشيخان بإسنادهما إلى أبي هريرة ﵁ قال: «أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب ولا نصب» (٢).\nورويا أيضا بإسنادهما إلى إسماعيل بن أبي خالد قال: (قلت لعبد الله بن أبي أوفى ﵄ بشر النبي ﷺ خديجة؟ قال: نعم، ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب) (٣).\nوفي ذلك منقبتان عظيمتان لأم المؤمنين خديجة ﵂:\nالأولى: إرسال الرب جل وعلا سلامه عليها مع جبريل وإبلاغ النبي ﷺ لذلك، وهذه خاصة لا تعرف لامرأة سواها (٤).\nالثانية: البشرى لها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.\nقال السهيلي: (لذكر البيت معنى لطيف لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث ثم صارت ربة بيت في الإسلام منفردة به فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي ﷺ بيت إسلام إلا بيتها وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها، قال: وجزاء الفعل يذكر غالبًا بلفظه وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت دون لفظ القصر) (٥).\nوقال الحافظ ابن حجر: (وفي البيت معنى آخر لأن مرجع أهل بيت النبي ﷺ إليها لما ثبت في تفسير قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب: ٣٣] قالت أم سلمة: لما نزلت دعا النبي ﷺ فاطمة وعليًا والحسن والحسين فجللهم بكساء فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي» الحديث أخرجه الترمذي وغيره (٦). ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير ثم تزوج بنتها بعدها فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها) (٧).\nوقوله ﷺ: «من قصب» قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف، قال الحافظ وعند الطبراني في (الأوسط) من حديث فاطمة قالت قلت: «يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب. قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت» (٨).\n_________\n(١) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٥/ ٢١٠).\n(٢) رواه البخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (٢٤٣٢).\n(٣) رواه البخاري (٣٨١٩)، ومسلم (٢٤٣٣).\n(٤) «زاد المعاد» لابن القيم (١/ ١٠٥).\n(٥) «الروض الأنف» (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، وانظر: «فتح الباري» (٧/ ١٣٨).\n(٦) رواه الترمذي (٣٨٧١)، وأحمد (٦/ ٣٠٤) (٢٦٦٣٩)، وأبو يعلى (١٢/ ٤٥١) (٧٠٢١)، والحاكم (٢/ ٤٥١). قال الترمذي: حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وقال الذهبي: على شرط مسلم، وقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (٢/ ٢٩٧): له طرق.\n(٧) «فتح الباري» (٧/ ١٣٨).\n(٨) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (١/ ١٣٩) (٤٤٠). قال ابن كثير في «نهاية البداية والنهاية» (٢/ ٢٣٦): غريب وله شاهد في الصحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٢٦): رواه الطبراني في «الأوسط» من طريق مهاجر بن ميمون عنها، ولم أعرفه ولا أظنه سمع منها والله أعلم، وبقية رجاله ثقات، وقال الشوكاني في «در السحابة» (٢٤٧): إسناده رجاله ثقات غير مهاجر بن ميمون فإنه لا يعرف.","vol":"7","page":428},{"text":"قال السهيلي: (النكتة في قوله: «من قصب» ولم يقل من لؤلؤ أن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ الحديث) (١).\nوقال الحافظ ابن حجر: (وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها إذ كانت حرية على رضاه بكل ممكن ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها) (٢).\nومعنى قوله ﷺ: «لا صخب فيه ولا نصب» الصخب: الصياح والمنازعة برفع الصوت، والنصب: التعب (٣). فنفى عنه ما في بيوت الدنيا من آفة جلبة الأصوات وتعب تهيئتها وإصلاحها.\nوقد أبدى السهيلي لنفي هاتين الصفتين حكمة لطيفة فقال: (لأنه ﷺ لما دعا إلى الإيمان أجابت خديجة ﵂ طوعًا فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب، بل أزالت عنه كل تعب وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل عسير فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها) (٤).\n٦ - ومن مناقبها ما حظيت به ﵂ من أن النبي ﷺ كان يرتاح لسماع صوت من يشبه صوتها لما وضع الله لها في قلبه من المحبة ﵂ فقد روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «استأذنت هالة بنت خويلد – أخت خديجة - على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك فقال: اللهم هالة قالت: فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدل الله خيرًا منها» (٥).\nففي هذا الحديث (دلالة حسن العهد وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حيًا وميتًا، وإكرام معارف ذلك الصاحب) (٦).\n٧ - ومن مناقبها ما أخبر به النبي ﷺ من أنها ﵂ خير نساء هذه الأمة: فقد روى البخاري بإسناده إلى علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة» (٧).\nوعند مسلم بلفظ: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض (٨). قال النووي عند شرحه الحديث: (أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في نسائها وأن المراد به جميع نساء الأرض أي: كل من بين السماء والأرض من النساء والأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه) (٩).\nقال القرطبي: (الضمير عائد على غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة يعني: به الدنيا) (١٠).\nوقال الحافظ ابن حجر بعد أن حكى أقوال العلماء في مرجع الضمير في قوله ﷺ: «خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة» والذي يظهر لي أن قوله: «خير نسائها» خبر مقدم والضمير لمريم فكأنه قال مريم خير نساء زمانها، وكذا في خديجة، وقد جزم كثير من الشراح أن المراد نساء زمانها لما تقدم في أحاديث الأنبياء في قصة موسى وذكر آسية من حديث أبي موسى رفعه: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية» (١١) فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لآسية كما أثبت لمريم، فامتنع حمل الخيرية في حديث الباب على الإطلاق وجاء ما يفسر المراد صريحًا، فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن ياسر رفعه «لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين» (١٢) وهو حديث حسن الإسناد واستدل بهذا الحديث على أن خديجة أفضل من عائشة (١٣)، وسيأتي مزيد تفصيل عند ذكر فضائل عائشة ﵅ فإنه أدعى لذلك والله أعلم. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم السحيمي-ص: ٧٦\n_________\n(١) «الروض الأنف» (١/ ٢٧٩) وانظر: «فتح الباري» (٧/ ١٣٨).\n(٢) «فتح الباري» (٧/ ١٣٨).\n(٣) «النهاية» لابن الأثير (٣/ ١٤، ٥/ ٦٢) وانظر: «فتح الباري» (٧/ ١٣٨).\n(٤) «الروض الأنف» (١/ ٢٧٩) وانظر: «فتح الباري» (٧/ ١٣٨).\n(٥) رواه البخاري (٣٨٢١)، ومسلم (٢٤٣٧).\n(٦) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٥/ ٣١١).\n(٧) رواه البخاري (٣٨١٥).\n(٨) رواه مسلم (٢٤٣٠).\n(٩) «شرح صحيح مسلم» (١٥/ ٢٠٧).\n(١٠) «فتح الباري» (٧/ ١٣٥).\n(١١) رواه البخاري (٣٤٣٣)، ومسلم (٢٤٣١).\n(١٢) رواه البزار في «البحر الزخار» (٤/ ٢٥٥)، والطبراني كما ذكر الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٢٦): وقال: رواه الطبراني والبزار وفيه أبو يزيد الحميري ولم أعرفه وبقية رجاله وثقوا، وحسن إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (٧/ ١٦٨)، وقال الشوكاني في «در السحابة» (ص: ٢٤٩): إسناده رجاله ثقات غير أبي يزيد الحميري فلم يعرف.\n(١٣) «فتح الباري» (٧/ ١٦٨).","vol":"7","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2047>ثانيًا: فضل سودة ﵂</span>\nهي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدون بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر، وأمها الشموس بنت قيس بن عمرو بن زيد الأنصارية، كانت عند السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو فتوفي عنها، وتزوجها النبي ﷺ بمكة وهي أول امرأة تزوجها بعد خديجة ﵅ وانفردت به ﷺ نحوًا من ثلاث سنين أو أكثر حتى دخل بعائشة وكانت سيدة جليلة نبيلة، وهي التي وهبت يومها لعائشة رعاية لقلب رسول الله ﷺ.\nوتوفي النبي ﷺ وهي مع سائر من توفي عنهن من أزواجه ﵅ وأرضاهن وكانت وفاتها ﵂ في آخر زمن عمر بن الخطاب، وقيل سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية ﵃ أجمعين (١).\nوقد وردت لأم المؤمنين سودة ﵂ فضائل ومناقب تدل على جلالة قدرها وعظيم شأنها ﵂ ومن تلك المناقب:\n١ - حرصها على البقاء في عصمة النبي ﷺ وإيثارها يومها في القسم لعائشة ﵅ إيثارًا منها لرضاه ﵊ وحبًا في البقاء معه لتكون من أزواجه في الدنيا والآخرة.\nفقد روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ قال: «خشيت سودة أن يطلقها النبي ﷺ فقالت: لا تطلقني وأمسكني وأجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: ١٢٨]. فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز» (٢).\nوروى البخاري بإسناده إلى عائشة: (أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة) (٣).\nوعن عائشة ﵂ أيضًا قالت: «كان رسول الله، إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ» (٤).\nقلت: ففي طلب سودة ﵂ من النبي ﷺ إمساكها مع إيثار لضرتها بقسمها ما يدل على رجاحة عقلها ونبل مقصدها.\nوقد تضمنت موافقة رسول ﷺ على إمساكها فضيلة ظاهرة لسودة ﵂ حيث بقيت في عصمته ﵊ وتوفي وهي في عداد زوجاته الطاهرات.\nقال ابن القيم ﵀: (فلما توفاها الله –يقصد خديجة- تزوج بعدها سودة بنت زمعة .. وكبرت عنده وأراد طلاقها، فوهبت يومها لعائشة ﵂ فأمسكها وهذا من خواصها أنها آثرت بيومها حب النبي ﷺ تقربًا إلى رسول الله ﷺ وحبًا له، وإيثارا لمقامها معه، فكان يقسم لنسائه ولا يقسم لها وهي راضية بذلك مؤثرة لرضى رسول الله ﷺ ﵂) (٥).\n٢ - ومن مناقبها ﵂ أن أم المؤمنين عائشة ﵂ تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها:\nفقد روى مسلم بإسناده عن عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة قالت فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة قالت: يا رسول الله قد جلعت يومي منك لعائشة فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين ويوم سودة» (٦).\nقال ابن الأثير: (كأنها تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها) (٧).\nوقال النووي: (وقولها من امرأة، قال القاضي: من هنا للبيان واستفتاح الكلام، ولم ترد عائشة عيب سودة بذلك بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة وهي الحد بكسر الحاء) (٨) فرضي الله عنها وأرضاها. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم السحيمي ص ٨٥\n_________\n(١) انظر: «الاستيعاب» (٤/ ٣٢٣)، و«الطبقات الكبرى» (٧/ ٥٧).\n(٢) رواه الترمذي (٣٠٤٠). وقال: حسن غريب، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ١١٥): له شاهد في الصحيحين بدون ذكر نزول الآية، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) رواه البخاري (٥٢١٢).\n(٤) رواه البخاري (٢٥٩٣)، وروى مسلم أوله (٢٤٤٥).\n(٥) «جلاء الأفهام» (ص: ١٢٣).\n(٦) رواه مسلم (١٤٦٣).\n(٧) «النهاية» لابن الأثير (٢/ ٣٨٩).\n(٨) «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٣٠٢).","vol":"7","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2048>ثالثًا: فضل عائشة ﵂</span>\nهي الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان وأمها أم رومان بنت عويمر الكنانية، ولدت بعد المبعث بأربع سنوات أو خمس. تزوجها النبي ﷺ وهي بنت ست ودخل بها وهي بنت تسع سنين وكان دخولها بها في شوال في السنة الأولى، وقيل في السنة الثانية من الهجرة.\nوهي المبرأة من فوق سبع سموات، وكانت أحب أزواج النبي ﷺ إليه، ولم يتزوج بكرًا غيرها، وكانت أفقه نساء الأمة على الإطلاق، فكان الأكابر من الصحابة ﵃ أجمعين إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها، وقد توفي عنها النبي ﷺ وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وكانت وفاتها ﵂ في سنة ثمان وخمسين ليلة السابع عشر من رمضان وصلى عليها أبو هريرة ﵃ أجمعين ودفنت في البقيع ﵂ وأرضاها (١). العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان السحيمي ص٨٨\n١ - فضل عائشة ﵂ في القرآن الكريم\nأوجه دلالات آيات الإفك على فضلها ﵂\nالفضيلة الأولى: إرادة الله تعالى الخير بها\nهذا التعبير مستفاد من قوله تعالى: لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ [النور: ١١].\nوقد تحدث المفسرون كل على طريقته في طبيعة هذا الخير فذكروا من ذلك:\nأولًا: اكتساب الثواب العظيم والأجر الجزيل (٢).\nيقول الرازي (صبروا على ذلك الغم طلبًا لمرضاة الله فاستوجبوا به الثواب، وهذه طريقة المؤمنين عند وقوع الظلم بهم) (٣).\nوحصول الأجر هو غاية منى الصالحين، والذي هو من علم الغيب، لا يقطع به؛ ولأجل هذا كان من دعاء النبي ﷺ: «وثبت الأجر إن شاء الله» (٤).\nفعلق على المشيئة؛ لأنه أمر غيبي.\nهذا الأمر الغيبي صار بالنسبة لعائشة ﵂ في أمر الإفك أصبح من علم الشهادة المقطوع به، قال تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧].\nثانيًا: إنزال ثماني عشرة آية من القرآن في شأنها (٥).\nوهذه الآيات كل واحدة منها ناطقة بتعظيم شأن رسول الله ﷺ، وهي تنزيه وتبريء لأم المؤمنين وذم ولعن للقاذفين، وهذا ترفيع من الله ولا شك (٦).\nقال ابن كثير: (ومن خصائصها أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك، وأنزل في عذرها وبراءتها وحيًا يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة) (٧).\nوهذا أحد الأمور التي ذكرها ابن عباس لعائشة يبشرها وهي في فراش الموت (٨).\nثالثًا: حصول البراءة القطعية (٩).\n_________\n(١) «الاستيعاب» (٤/ ٣٥٧)، و«الطبقات الكبرى» (٧/ ٥٩).\n(٢) «الكشاف» (٣/ ٥٤)، «المحرر الوجيز» (١٠/ ٤٥٣)، «زاد المسير» (٦/ ١٨)، «روح المعاني» (١٨/ ١١٥)، «محاسن التأويل» (١٢/ ٤٤٦٠).\n(٣) «مفاتيح الغيب» (٢٣/ ١٥١).\n(٤) جزء من حديث رواه أبو داود (٢٣٥٧)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٥٥) (٣٣٢٩)، والدارقطني في «السنن» (٢/ ١٨٥)، والحاكم (١/ ٥٨٤)، والبيهقي (٤/ ٢٣٩) (٨٣٩١). من حديث عبدالله بن عمر ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود، وحسن إسناده الدارقطني، وابن قدامة في «المغني» (٤/ ٤٣٨)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٣٢٣) كما أشار لذلك في المقدمة، والألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٥) «الكشاف» (٣/ ٥٣).\n(٦) «المحرر الوجيز» (١٠/ ٤٥٣)، «مفاتيح الغيب» (٢٣/ ١٥١).\n(٧) «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٤٠٥).\n(٨) الحديث رواه البخاري (٤٧٥٣).\n(٩) «المحرر الوجيز» (١٠/ ٤٥٣).","vol":"7","page":431},{"text":"وإنما كانت هذه البراءة قطعية؛ لأن الله تعالى حكم ببراءتها واقعًا، أما غير عائشة فإنه إن لم يشهد عليه أربعة شهود بارتكاب الزنا، حكم ببراءته ظاهرًا مع أنه قد يكون زانيًا في نفس الأمر.\nوإذا علم ببراءة عائشة ﵂ قطعًا، فيكفر قاذفها لتكذيبه القرآن الكريم.\nقال ابن العربي: (إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة، فبرأها الله، فكل من رماها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر) (١).\nويترتب على هذه الفضيلة، فضيلة أخرى وهو أن الإيمان والكفر أصبح متعلقًا بمدحها وقدحها.\nيقول الرازي: (صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها؛ فإن الله تعالى نص على كون تلك الواقعة إفكًا وبالغ في شرحه، فكل من يشك فيه كان كافرًا قطعًا وهذه درجة عالية) (٢).\nرابعًا: وعظ المؤمنين إلى يوم الدين، ونقمة من المفترين في الدنيا والآخرة (٣).\nفإن هذه الآيات فيها من المواعظ والترغيب والترهيب والوعد والوعيد والتهديد والدروس والفوائد الشيء الكثير، وهذا كله إنما نشأ بسببها ﵂ فكانت كما قال عمران بن حصين: (والله ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر) (٤).\nوفي رواية: (جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرًا) (٥).\nقال الرازي: (لولا إظهارهم للإفك؛ كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض، وعند الإظهار انكشف كذب القوم على مر الدهر ... وشهد الله بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم اللعن والذم) (٦).\nالفضيلة الثانية: الشهادة الإلهية لها بالدرجة العالية من الإيمان والعفاف.\nقال تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ [النور: ١٢].\nيقول ابن عطية: (كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم فإذا كان ذلك يبعد فيهم، فكانوا يقضون بأنه في عائشة أبعد، وقد روي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب وامرأته وذلك أنه دخل عليها فقالت يا أبا أيوب: أسمعت ما قيل؟ قال: نعم وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب تفعلينه؟ فقالت: لا والله، قال: فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب: نعم) (٧) (٨).\nوهذا القياس يدل على أنه استقر في نفوس الأكابر كأبي أيوب ﵁، المكانة العالية الرفيعة لعائشة ﵂.\nففي الآية دليل على صدق إيمانها، ودرجة عفافها، وإلا لم يكن الخطاب في هذه الآية بهذه القوة.\nويستتبع هذه الفضيلة فضيلة أخرى وهي: الأمر الإلهي القاضي بوجوب ظن الخير في خصوص عائشة أما غيرها فمن جهة العموم؛ لأنها سبب النزول ودخول سبب النزول في الآية قطعي، وما كان هذا الواجب ليحصل لولا عظيم مرتبتها في الإيمان، فلها الأولوية ﵂ في الظن الحسن وأحقية الدفاع.\nقال الألوسي: (وجوب ظن الخير بعائشة خصوصًا للقطع في دخولها بالعموم، أو على القول بأنها مرادة خصوصًا) (٩).\nالفضيلة الثالثة: عتاب أهل الإيمان لأجلها.\n_________\n(١) «أحكام القرآن» (٣/ ٣٦٦).\n(٢) «مفاتيح الغيب» (٢٣/ ١٥١).\n(٣) «المحرر الوجيز» (١٠/ ٤٥٣).\n(٤) رواه البخاري (٣٣٤) من حديث عائشة ﵂. والقول لأسيد بن الحضير وليس لعمران بن الحصين.\n(٥) رواه البخاري (٣٣٦) من حديث عائشة ﵂. والقول لأسيد بن الحضير وليس لعمران بن الحصين.\n(٦) «مفاتيح الغيب» (٢٣/ ١٥١).\n(٧) رواه إسحاق بن راهويه في «المسند» (٣/ ٩٧٨)، والطبري في تفسيره (١٩/ ١٢٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/ ٤٨).\n(٨) «المحرر الوجيز» (١٠/ ٤٥٣).\n(٩) «روح المعاني» (١٨/ ١٢٣).","vol":"7","page":432},{"text":"إن مما يلحظ في آيات الإفك أن الله تعالى عاتب أهل الإيمان عتابًا شديدًا وبعبارات متنوعة لأجل التقصير في حق عائشة ﵂، الأمر الذي نص عليه عدد من المفسرين.\nقال تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ [النور: ١٢].\nقال الطبري: (هذا عتاب من الله تعالى ذكره أهل الإيمان به فيما وقع في أنفسهم من إرجاف من أرجف في أمر عائشة) (١).\nكما لاحظ المفسرون أمر الالتفات في الآية من الخطاب إلى الغيبة.\nقال الزمخشري: (عدل عن الغيبة إلى الخطاب وعن الضمير إلى الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات) (٢).\nالآية تشير على أن من كان مؤمنًا فشأنه الثناء على عائشة والدفاع عنها، وأن القدح فيها دلالة على خلل في الإيمان (٣).\nوقال تعالى: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور: ١٣]\nقال الزمخشري: (وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره، واحتجاجهم عليه بما هو ظاهر مكشوف في الشرع من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة، إذا قذف امرأة من عرض نساء المسلمين فكيف بالصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله؟!) (٤).\nفإذا كان كل هذا التوبيخ لمن قصر في دفعه، فكيف بمن أشاعه؟ فكيف بمن اعتقده بعد نزول هذه الآيات؟\nوقال تعالى: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا [النور: ١٦].\nوهذه الآية أيضًا من جملة آيات العتاب.\nقال ابن عطية والقرطبي والشوكاني: (هذا عتاب لجميع المؤمنين) (٥).\nقال ابن عطية: (أي كان ينبغي أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل، وأن تنزهوا الله أن يقع هذا من زوجة نبيه، وأن تحكموا عليه بالبهتان) (٦).\nفالله تعالى يعاتب عموم المؤمنين لأجلها –﵂-.\nومن لطائف التفسير أننا لا نجد لومًا للمؤمنين لأجل أحد، إلا لأبي بكر الصديق وبنته عائشة ﵄.\nأما أبو بكر ففي قوله تعالى: إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ [التوبة: ٤٠].\nفعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (إن الله تعالى ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر) (٧).\nوهكذا يعاتب الله المؤمنين في مواضع متعددة على التقصير في جنب عائشة وليس الأمر عتابًا فقط بل تحذير أيضًا من معاودة مثل هذا.\nقال تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [النور: ١٧].\nقال الطاهر بن عاشور: (بعد أن بين الله بادئ ذي بدء أنه ليس شرًا، وأن الذين جاؤوا به ما اكتسبوا إلا الإثم، ونعى على المؤمنين تهاونهم وغفلتهم وأنهم اقتحموا بذلك ما يكون سببًا للحاق العذاب بهم ... أعقب ذلك كله بتحذير المؤمنين من العود إلى مثله) (٨).\nوبين القرطبي أن مثل هذا العود كفر حيث قال: (لما في ذلك من أذية رسول الله ﷺ في عرضه وأهله وذلك كفر من فاعله) (٩).\nالفضيلة الرابعة: التهديد بالعقوبة لأجل عائشة ﵂:\nلعظم الأمر وشناعته، لم يقتصر الرب ﷿ على لوم المؤمنين وعتابهم في شأن عائشة ﵂، بل نجد أمرًا وراء ذلك وهو التهديد بالعقوبة.\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٨/ ٧٧).\n(٢) «الكشاف» (٣/ ٥٣).\n(٣) «روح المعاني» (١٨/ ١١٨).\n(٤) «الكشاف» (٣/ ٥٤).\n(٥) «المحرر الوجيز» (١٠/ ٤٦٣)، «الجامع لأحكام القرآن» (١٢/ ١٣٦)، «فتح القدير» (٤/ ١٤).\n(٦) «المحرر الوجيز» (١٠/ ٤٦٣).\n(٧) «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٢٩١).\n(٨) «التحرير والتنوير» (١٨/ ١٨٢).\n(٩) «الجامع لأحكام القرآن» (١٢/ ١٣٧).","vol":"7","page":433},{"text":"قال تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [النور: ٢٠].\nقال الطبري: (لولا أن الله تفضل عليكم ... لهلكتم فيما أفضتم وعاجلتكم من الله العقوبة) (١).\nوقال ابن عطية: (لفضحكم بذنوبكم، ولعذبكم فيما أفضتم فيه من قول الباطل والبهتان) (٢).\nويلاحظ أنهما فهما من الآية تكرارًا في العقوبة.\nوقال ابن الجوزي: (جوابه محذوف، تقديره: لعاقبكم فيما قلتم لعائشة) (٣).\nوقد تتابع المفسرون على تقرير هذا المعنى (٤)، وأجاد الرازي في تتبع الزواجر المأخوذة من الآية (٥).\nوهذا التنصيص على أن المتكلم في عائشة مستحق للعقوبة، أمر لم يحصل لغيرها سواء من الصحابة أو أهل البيت، بل إن الله تعالى امتن عليهم بعدم العقوبة بل وكرر منته بذلك.\nقال الشوكاني: (تكرير لما تقدم وتذكيرًا للمنة منه سبحانه على عباده بترك المعاجلة لهم) (٦).\nوقال الألوسي: (وهذا تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للتنبيه على كمال عظم الجريرة) (٧).\nولم نر هذا الأسلوب من التكرار والامتنان في القرآن الكريم إلا في حق عائشة، حتى إن الوعيد بالعقوبة في مسألة أخذ الغنائم لم يكن فيه مثل هذا التكرار ولا مثل إبراز المنة بهذه الأساليب المتعددة، وهذا كله يدل على أنه عظيم عند الله الاعتداء على زوج نبيه وما ذاك إلا لمكانتها العالية ﵂ وهذا مصداق قوله تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا [النور: ١٥].\nيقول ابن كثير: (فعظيم عند الله أن يقال في زوجة رسوله ما قيل، الله يغار لهذا، وهو سبحانه لا يقدر على زوجة نبي من أنبيائه ذلك حاشا وكلا ... فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة؟! ولهذا قال: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور: ١٥]) (٨).\nالفضيلة الخامسة: أن القدح في عائشة ﵂ قدح في الله تعالى.\nوذلك أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن ينزهوه عند سماع خبر القدح في زوجة نبيه (٩)، فالله تعالى ينزه أن يحصل لقرابة نبيه تدنيس (١٠).\nوعند التأمل في هذا الأمر نجد أن القدح في عائشة قدح في الله إذ جعل تحت نبيه من ليست أهلًا له، وأيضًا فإن الله تعالى ينزه أن لا يعاقب هؤلاء المفترين لما فيه من القدح في الحكمة، وأيضًا فإن الله تعالى منزه أن يرضى بظلم هؤلاء المفترين (١١).\nومن بديع التناظرات القرآنية ما ذكره القاسمي بقوله: (ولأجل هذا قال العلماء: قذف عائشة كفر، لأن الله تعالى سبح نفسه عند ذكره كما سبح نفسه عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد) (١٢).\nفالقدح في عائشة ﵂، تكاد تبلغ شناعته نسبة الولد أو الزوج لله تعالى بل إن ظاهر قوله تعالى: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور: ٢٥]، يدل على أن القدح في عائشة مناف لكونه تعالى حقًا.\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٨/ ٨٠).\n(٢) «المحرر الوجيز» (١٠/ ٤٦٦).\n(٣) «زاد المسير» (٦/ ٢٣).\n(٤) «الجامع لأحكام القرآن» (١٢/ ١٣٥)، «روح المعاني» (١٨/ ١٢٣).\n(٥) «مفاتيح الغيب» (٢٣/ ١٥٤ - ١٥٥ - ١٥٦).\n(٦) «فتح القدير» (٤/ ١٤).\n(٧) «روح المعاني» (١٨/ ١٢٣).\n(٨) «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٢٨).\n(٩) «المحرر الوجيز» (١٠/ ٤٦٣)، «الجامع لأحكام القرآن» (١٢/ ١٣٦)، «روح المعاني» (١٨/ ١٢٠).\n(١٠) «فتح الباري» (٨/ ٣٣٨).\n(١١) «مفاتيح الغيب» (٢٣/ ١٥٧).\n(١٢) «محاسن التأويل» (١٢/ ٤٤٧٣).","vol":"7","page":434},{"text":"وهذا ما فهمه الألوسي حيث قال: (ولعل فائدة هذا العلم يأسهم من إنقاذ أحد إياهم ... أو تبين خطأهم في رميهم حرم رسول الله ﷺ بالباطل لما أن حقيته تأبى كونه ﷿ حقا أي موجدًا للأشياء بحسب ما تقتضيه الحكمة، وكذا تأبى كونه ﷿ حقًا أي واجبًا لذاته بناء على أن الوجوب الذاتي يستتبع الاتصاف بالحكمة بل لجميع الصفات الكاملة) (١).\nولئن عذر من رماها قبل التنزيل لغفلة أو جهل فلا مجال لإعذار من قدح فيها ﵂ بعد التنزيل؛ إذ أن الحجة القرآنية قد قامت عليه من كل وجه.\nالفضيلة السادسة: الشهادة لها بالإحصان والإيمان:\nقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [النور: ٢٣].\nيرى بعض أهل التفسير أن هذه الآية خاصة في أم المؤمنين عائشة، ويرى بعضهم أنها تعمها وأمهات المؤمنات، ويرى بعضهم أنها في عموم المؤمنات.\nوعلى كافة هذه الأقوال فدخول عائشة ﵂ فيها قطعي؛ إذ أنها سبب نزول الآية (٢).\nففي حديث قصة الإفك، بشر النبي ﷺ عائشة وتلا عليها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ ... الآية (٣)، وهذا نص في كون هذه الآية من آيات الإفك وسبب النزول قطعي الدخول في الآية ولا يخرج بالتخصيص بحال، كما نص على ذلك أهل العلم في كتب علوم القرآن (٤).\nوعليه فيكون من فضائل عائشة ﵂ أنها مؤمنة، محصنة بنص القرآن الكريم.\nوقد أورد الزمخشري إشكالًا وأجاب عليه، وهو أنه إذا أريد وحدها فلماذا الجمع؟\nوأجاب عن ذلك: بأنه إما إرادة لها ولبنات جنسها؛ لكونها أم المؤمنين، أو دخل معهن أزواج النبي ﷺ وعائشة كبراهن وأقربهن منزلة (٥).\nالفضيلة السابعة: الشهادة لها بالطيب:\nاختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور: ٢٦].\nفقال بعضهم: المراد بالخبيثات أي النساء الخبيثات والخبيثون الرجال الخبيثون، والطيبات أي النساء الطيبات والطيبون أي الرجال منهم (٦).\nواختار هذا القول الرازي (٧)، وابن المنير (٨)، وابن تيمية (٩)، وأبو حيان (١٠)، وأبو السعود (١١) (١٢).\nقال الألوسي: (ورواه الإمامية عن أبي عبد الله وأبي جعفر) (١٣).\nوتفرع على هذا القول الحكم بطيب عائشة ﵂؛ ولأجل هذا قال ابن عباس يخاطب عائشة ﵂: وطيبك فقال: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ [النور: ٢٦].\nوجاء عنها ﵂ أنها قالت: (لقد نزل عذري من السماء، وقد خلفت طيبة عند طيب) (١٤).\n_________\n(١) «روح المعاني» (١٨/ ١٣٠).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٨/ ٨٢ - ٨٣).\n(٣) حديث قصة الإفك رواه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠). من حديث عائشة ﵁.\n(٤) «حاشية مقدمة التفسير» (ص: ٥٦).\n(٥) «الكشاف» (٣/ ٥٧).\n(٦) «تفسير الطبري» (١٨/ ٨٤ - ٨٥)، «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٣٥).\n(٧) «مفاتيح الغيب» (٢٣/ ١٧٠).\n(٨) «الكشاف» (٣/ ٥٨).\n(٩) «محاسن التأويل» (١٢/ ٤٤٧٤).\n(١٠) «البحر المحيط» (٦/ ٤٠٥).\n(١١) «محاسن التأويل» (١٢/ ٤٤٩٧ - ٤٤٦٨).\n(١٢) «روح المعاني» (١٨/ ١٣١).\n(١٣) «روح المعاني» (١٨/ ١٣١).\n(١٤) رواه أبو يعلى (٨/ ٩٠) (٤٦٢٦) بلفظ: «خلقت» بدلًا من «خلفت»، وذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٢/ ١٤١) بلفظه، وقال: إسناده جيد. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٤٤): في إسناده من لم أعرفهم.","vol":"7","page":435},{"text":"وقد ضبطت كلمة (خلفت) بالفاء: خلفت، أي: تركت عند رسول الله ﷺ بعد وفاته طيبة (١).\nوحيث إن رسول الله ﷺ أطيب الطيبين فتكون عائشة من أطيب الطيبات بدلالة الآية، وقد نص على ذلك من اختار القول الثاني.\nقال الرازي: (ولا أحد أطيب ولا أطهر من رسول الله ﷺ فأزواجه إذن لا يكن إلا طيبات) (٢)، وجمع ﵀ بين قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ [آل عمران: ١٢١]، حيث غدا يوم أحد من بيت عائشة وبين هذه الآية فقال: (فدل هذا النص على أنها مطهرة مبرأة من كل قبيح) (٣).\nقال ابن تيمية: (أخبر تعالى أن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين فلا تكون خبيثة لطيب؛ فإنه خلاف الحصر، وأخبر أن الطيبين للطيبات فلا يكون طيب لخبيثة؛ فإنه خلاف الحصر، إذ قد ذكر أن جميع الخبيثات للخبيثين فلا يبقى خبيثة لطيب ولا طيب لخبيثة) (٤).\nوقال ابن القيم: (وعرف أهل المعرفة بالله ورسوله، أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها كما قال تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) (٥).\nوالقول الآخر في هذه الآية: أن المراد بالطيب والخبيث الكلمات، فالكلمات الخبيثات أولى بأهل الخبث والقبح، والكلام الطيب أولى بأهل الطيب (٦).\nوالفضيلة ثابتة لعائشة حتى على هذا القول.\nقال ابن كثير: (فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة هم أولى به وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم) (٧).\nورأى ﵀ أن القولين متلازمان قال: (وهذا –القول الأول- يرجع إلى ما قاله أولئك – القول الثاني – باللازم) (٨).\nوذلك؛ لأنها طيبة فلا يصلح لها، إلا الكلام الطيب، ومن تكلم فيها كان أحق بالكلام الخبيث.\nوتفرع على هذه الفضيلة فضيلة أخرى وهي: أن الله تعالى مدح مادح عائشة وذم ذامها.\nيقول الشوكاني في هذه الآية: (هذا ذم للذين قذفوا عائشة بالخبث ومدح للذين برؤها) (٩)، وتبعه صديق حسن وهذا شرف أي شرف، أن يفيض الثناء على المحسن حتى يصل لمن أثنى عليه وهذا فضل من الله عظيم يؤتيه من يشاء، واختيار منه سبحانه مبني على الحكمة قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء [آل عمران: ٧٣]، وقال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ [القصص: ٦٨].\nالفضيلة الثامنة: الشهادة لها بالبراءة والنزاهة من الأدناس:\nقال تعالى: أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور: ٢٦].\nاتفق المفسرون على أن الضمير في قوله تعالى: أُوْلَئِكَ عائد إلى الطيبات والطيبين بمراعاة الخلاف في معنى الطيبات والطيبين، فقيل إن الضمير عائد إلى كل طيب وطيبة.\nقال ابن جرير: (الطيبون من الناس مبرؤون من خبيثات القول) (١٠).\nوقيل عائد إلى عائشة وصفوان، فهم منزهون من أقوال أهل الافتراء (١١)، وقيل إنها في كافة الأزواج.\n_________\n(١) لم أقف على من ذكر هذا القول.\n(٢) «مفاتيح الغيب» (٢٣/ ١٧٠).\n(٣) «مفاتيح الغيب» (٨/ ١٨٠).\n(٤) «محاسن التأويل» (١٢/ ٤٤٧٤).\n(٥) «زاد المعاد» (٣/ ٦٢).\n(٦) «تفسير الطبري» (١٨/ ٨٤، ٨٥)، «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٣٤).\n(٧) «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٣٤).\n(٨) «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٣٥).\n(٩) «فتح القدير» (٤/ ١٨).\n(١٠) «تفسير الطبري» (١٨/ ٨٦).\n(١١) «زاد المسير» (٦/ ٢٧).","vol":"7","page":436},{"text":"قال ابن عطية: (وبهذه الآية قيل لأزواج النبي ﷺ: الطيبات المبرآت) (١)، وعلى كافة الأقوال فالآية شاهدة لعائشة بالبراءة والنزاهة من الأدناس، أما على القول الثاني والثالث فظاهر، وأما على القول الأول؛ فلأنها كانت سبب النزول فتكون أولى من دخل في مصداق الآية، وقد ثبت في السنة المطهرة ذلك ففي حديث الإفك عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: «يا عائشة أما الله فقد برأك» (٢).\nوالذي يظهر أن البراءة في هذا الموضع تختلف عن البراءة في صدر الآيات، فالبراءة في صدر الآيات من التهمة الشنيعة والبراءة في آخر الآيات من عموم الأدناس والتهم وهذا أحسن من القول بالتأكيد؛ لأن التأسيس مقدم على التأكيد على ما قرره علماء التفسير (٣).\nوإذا تقرر هذا، علمنا أن من فضائل عائشة ﵂ أن الله ذكر أمر تطهيرها في القرآن الكريم في موضعين:\nالأول: حين الحديث عن آيات أمهات المؤمنين في (سورة الأحزاب).\nوالثاني: في هذا الموضع من (سورة النور).\nوعليه فيكون هذا الأمر مما تميزت به عائشة من أهل البيت وبقية الصحابة.\nالفضيلة التاسعة: الشهادة لها بالجنة:\nمن فضائل عائشة ﵂ أنها بشرت بالجنة في قوله تعالى: أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور: ٢٦].\nفقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الرزق الكريم في الآية الجنة (٤).\nقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ: (أي عند الله في جنات النعيم وفيه وعد بأن تكون زوجة النبي ﷺ في الجنة) (٥).\nوقد سلم بهذا بعض مفسري الشيعة (٦).\nويشهد لهذا التفسير قوله تعالى: وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [الأحزاب: ٣١].\nفإن المراد به الجنة بقرينة أعتدنا، والقرآن يفسر بعضه بعضًا (٧).\nويلاحظ أن هذه الآية الكريمة التي تبشر أم المؤمنين بالجنة، لم تقيد ذلك بقيد مما يقطع بأن عائشة ﵂ في الجنة بدلالة القرآن الكريم، ومثلها في ذلك بقية أمهات المؤمنين (٨).\nوهذه الدلالة نبه عليها ابن عباس في عبارته لأم المؤمنين في مرض وفاتها حيث سمعها تقول: أعوذ بالله من النار فقال ابن عباس: (ما لك وللنار يا أم المؤمنين أعاذك الله منها) (٩).\nولعله لأجل هذه الفضائل القرآنية وغيرها، كانت لها المكانة العظيمة عند رسول الله ﷺ.\nعن أم سلمة ﵂ قالت: (والله ما كان على الأرض نسمة أحب إلى رسول الله منك (أي عائشة)، ثم استدركت فقالت: أستغفر الله بعد أبيها) (١٠).\nورغم هذه الفضائل المتعددة كتابًا وسنة كانت تقول في مرض موتها بعد ثناء ابن عباس عليها: (دعني منك يا ابن عباس، فوالذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسيًا منسيًا) (١١)، فرضي الله عنها وأرضاها. آيات آل البيت في القرآن الكريم لمنصور بن حمد العيدي – ص: ٢٠٦\n٢ - فضل عائشة في السنة\n_________\n(١) «المحرر الوجيز» (١٠/ ٤٧٥).\n(٢) حديث قصة الإفك رواه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠). من حديث عائشة ﵁.\n(٣) «قواعد التفسير» (٢/ ٧٠٢).\n(٤) «تفسير الطبري» (١٨/ ٨٦)، «مفاتيح الغيب» (٢٣/ ١٧٠)، «روح المعاني» (١٨/ ١٣١ - ١٣٢)، «الحجج الباهرة» (ص: ٣٧٣).\n(٥) «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٣٥).\n(٦) «تفسير شبر» (ص: ٣٥٢).\n(٧) «روح المعاني» (١٨/ ١٣١ - ١٣٢).\n(٨) «مفاتيح الغيب» (٢٣/ ١٧٠).\n(٩) «مفاتيح الغيب» (٢٣/ ١٦٧)، والحديث رواه البخاري (٤٧٥٣).\n(١٠) رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (٣/ ٢٣٧).\n(١١) الحديث رواه البخاري (٤٧٥٣).","vol":"7","page":437},{"text":"مناقبها ﵂ كثيرة مشهورة فقد وردت أحاديث صحيحة بخصائص انفردت بها عن سواها من أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن ومنها:\n١ - مجيء الملك بصورتها إلى النبي ﷺ في سرقة من حرير قبل زواجها به ﷺ فقد روى الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: «قال رسول الله ﷺ أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه» (١).\n٢ - ومن مناقبها ﵂ أنها كانت أحب أزواج النبي ﷺ وقد صرح بمحبتها لما سئل عن أحب الناس إليها. فقد روى البخاري بإسناده إلى عمرو بن العاص ﵁ «أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: فمن الرجال؟ قال: أبوها ...» (٢) الحديث.\nقال الحافظ الذهبي ﵀: (وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، وما كان ﵊ ليحب إلا طيبًا وقد قال: «لو كنت متخذًا خليلًا من هذه الأمة لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخوة الإسلام أفضل» (٣)، فأحب أفضل رجل من أمته، وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله ﷺ فهو حري أن يكون بغيضًا إلى الله ورسوله. وحبه ﵇ لعائشة كان أمرًا مستفيضًا) (٤).\n٣ - ومن مناقبها ﵂ نزول الوحي على النبي ﷺ وهو في لحافها دون غيرها من نسائه ﵊، فقد روى البخاري بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: «كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن يا أم سلمة والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أو حيث ما دار قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ قالت: فأعرض عني فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها» (٥).\nقال الذهبي: (وهذا الجواب منه دال على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها، وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها) (٦).\n٤ - ومن مناقبها ﵂ أن جبريل ﵇ أرسل إليها سلامه مع النبي ﷺ فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: «قال رسول الله ﷺ يومًا: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ترى ما لا أرى تريد رسول الله ﷺ» (٧).\nقال النووي: (وفيه فضيلة ظاهرة لعائشة ﵂) (٨).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٨٩٥)، ومسلم (٢٤٣٨) واللفظ له.\n(٢) رواه البخاري (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤).\n(٣) رواه البخاري (٣٦٥٧).\n(٤) «سير أعلام النبلاء» (٢/ ١٤٢).\n(٥) رواه البخاري (٣٧٧٥).\n(٦) «سير أعلام النبلاء» (٢/ ١٤٣).\n(٧) رواه البخاري (٣٧٦٨).\n(٨) «شرح صحيح مسلم» (١٥/ ٢٢١).","vol":"7","page":438},{"text":"٥ - ومن مناقبها ﵂ أن النبي ﷺ بدأ بتخييرها عند نزول آية التخيير وقرن ذلك بإرشادها إلى استشارة أبويها في ذلك الشأن لعلمه أن أبويها لا يأمرانها بفراقه فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه ﷺ. فقد روى الشيخان بإسنادهما إلى عائشة ﵂ قالت: «لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمرًا لا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: إن الله جل ثناؤه قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة قالت: ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثلما فعلت» (١).\n٦ - ومن مناقبها ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يحرص على أن يمرض في بيتها فكانت وفاته ﷺ بين سحرها ونحرها في يومها وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، وأول ساعة من الآخرة، ودفن في بيتها (٢).\nفقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: أين أنا غدًا؟ حرصًا على بيت عائشة، قالت: فلما كان يومي سكن» (٣).\nوعند مسلم عنها أيضًا قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: «أين أنا اليوم أين أنا غدًا؟ استبطاء ليوم عائشة قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري» (٤).\nوروى البخاري أيضا بإسناده عنها: «أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيها يقول: أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة حتى مات عندها. قالت عائشة: فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري، وخالط ريقه ريقي، ثم قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به. فنظر إليه رسول الله ﷺ، فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن. فأعطانيه فقضمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ فاستن به وهو مستند إلى صدري» (٥).\nوفي رواية أخرى بزيادة «فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة» (٦)\n٧ - ومنها إخباره ﷺ بأنها من أصحاب الجنة.\nفقد روى الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت «قلت: يا رسول الله من من أزواجك في الجنة؟ قال: أما إنك منهن؟ قالت: فخيل إلي آن ذاك أنه لم يتزوج بكرًا غيري» (٧).\nوروى البخاري بإسناده إلى القاسم بن محمد: «أن عائشة اشتكت، فجاء ابن عباس فقال: يا أم المؤمنين، تقدمين على فرط صدق، على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر» (٨).\nوفي هذا فضيلة عظيمة لعائشة ﵂ حيث قطع لها بدخول الجنة إذ لا يقول ذلك إلا بتوقيف (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٧٨٦)، ومسلم (١٤٧٥).\n(٢) «سير أعلام النبلاء» (٢/ ١٨٩) و«البداية والنهاية» (٨/ ٩٥).\n(٣) رواه البخاري (٣٧٧٤).\n(٤) رواه مسلم (٢٤٤٣).\n(٥) رواه البخاري (٤٤٥٠).\n(٦) رواه البخاري (٤٤٥١).\n(٧) رواه الحاكم (٤/ ١٤). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣/ ١٣٣): على شرط مسلم.\n(٨) رواه البخاري (٣٧٧١).\n(٩) «فتح الباري» (٧/ ١٠٨).","vol":"7","page":439},{"text":"٨ - ومن مناقبها ﵂ ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى عبد الله بن عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (١).\nفي هذا الحديث يبين النبي ﷺ أن فضل عائشة زائد على النساء كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة.\nقال النووي: (قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه، والمراد بالفضيلة: نفعه والتشبع منه وسهولة مساغه والالتذاذ به وتيسر تناوله وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة وغير ذلك فهو أفضل من المرق كله ومن سائر الأطعمة، وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة. وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة) (٢).\nوبهذا يتبين فضلها ومنزلتها ﵂ وأرضاها.\nوقد اختلف العلماء في التفضيل بين خديجة وفاطمة وعائشة ﵅ حتى اشتهر ذلك (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أفضل نساء هذه الأمة خديجة وعائشة وفاطمة وفي تفضيل بعضهن على بعض نزاع وتفصيل) (٤).\nوعند التحقيق والنظر في النصوص الواردة في تفضيل كل واحدة منهن ﵅ نجد أنها تدل على أفضلية خديجة وفاطمة ثم عائشة ﵅، وذلك أن الضمير الوارد في قوله ﷺ: «خير نسائها خديجة» (٥) قد فسر صريحا بقوله ﷺ: «لقد فضلت خديجة على نساء أمتي» (٦).\nوقد قال ﷺ: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية» (٧).\nقال ابن حجر: (وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل) (٨).\nوقال ﷺ: «حسبك من نساء العالمين: مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون» (٩).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٧٧٠)، ومسلم (٢٤٤٦).\n(٢) «شرح صحيح مسلم» (١٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(٣) انظر: «أصول الدين» للبغدادي (ص: ٣٠٦)، و«الروض الأنف» (٢/ ٢٩٨)، و«الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة» للزركشي (ص: ٥٦ - ٥٩)، و«بدائع الفوائد» (٣/ ١٦٣)، و«جلاء الأفهام» (ص: ١٢٢)، و«فتح الباري» (٧/ ١٣٩)، و«البداية والنهاية» (٣/ ١٢٧).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٩٤).\n(٥) رواه البخاري (٣٨١٥).\n(٦) رواه البزار في «البحر الزخار» (٤/ ٢٥٥)، والطبراني كما ذكر الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٢٦): وقال: رواه الطبراني والبزار وفيه أبو يزيد الحميري ولم أعرفه وبقية رجاله وثقوا، وحسن إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (٧/ ١٦٨)، وقال الشوكاني في «در السحابة» (٢٤٩): إسناده رجاله ثقات غير أبي يزيد الحميري فلم يعرف.\n(٧) رواه أحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٨)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٩٣) (٨٣٥٥)، وابن حبان (١٥/ ٤٧٠) (٧٠١٠)، والحاكم (٢/ ٥٣٩). من حديث ابن عباس ﵄. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الذهبي، وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (٢/ ٣٤١): إسناده حسن، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٢٦): رجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٥٤٣).\n(٨) «فتح الباري» (٧/ ١٣٥).\n(٩) رواه الترمذي (٣٨٧٨)، وأحمد (٣/ ١٣٥) (١٢٤١٤)، وابن حبان (١٥/ ٤٦٤) (٧٠٠٣)، والحاكم (٣/ ١٧٢). من حديث أنس ﵁. قال الترمذي: صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٥٤٣).","vol":"7","page":440},{"text":"وهذا نص في أن خديجة ﵂ أفضل نساء الأمة.\nثم إن اللفظ الوارد في تفضيل فاطمة ﵂ وهو قوله ﷺ: «يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة» (١). وفي لفظ «سيدة نساء أهل الجنة» (٢) (فهو صريح لا لبس فيه ولا يحتمل التأويل، وهو نص في أنها أفضل نساء الأمة وسيدة نساء أهل الجنة، وقد شاركت أمها في هذا التفضيل فهي وأمها أفضل نساء أهل الجنة، وهي وأمها أفضل نساء الأمة بهذا وردت النصوص) (٣).\nأما ما ورد في تفضيل عائشة ﵂ من قوله ﷺ: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (٤) فهو لفظ لا يستلزم الأفضلية المطلقة كما قال ابن حجر: (وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة ﵂ على غيرها، لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير المؤونة وسهولة الإساغة، وكان أجل أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة فقد يكون مفضولًا بالنسبة لغيره من جهات أخرى) (٥).\nفالحديث إذًا دال على أفضلية عائشة ﵂ على سائر نساء هذه الأمة ما عدا خديجة وفاطمة ﵅ لورود الدليل على ذلك مما قيد تلك الأفضلية لعائشة ﵂.\nوأما ما ورد من حديث عمرو بن العاص لما سأل النبي ﷺ: «أي النساء أحب إليك؟ فقال ﷺ: عائشة» (٦) فقد أشار ابن حبان ﵀ على أنه مقيد في نسائه ﷺ إذ عقد عنوانًا في صحيحه فقال: (ذكر خبر وهم في تأويله من لم يحكم صناعة الحديث) وساق تحته حديث عمرو بلفظ: «قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: إني لست أعني النساء إنما أعني الرجال، فقال: أبو بكر أو قال أبوها» (٧).\nثم قال ابن حبان: (ذكر الخبر الدال على أن مخرج هذا السؤال كان عن أهله دون سائر النساء من فاطمة وغيرها) وأخرج بسنده عن أنس قال: «سئل رسول الله ﷺ: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة قيل له: ليس عن أهلك نسألك قال: فأبوها» (٨).\nوبهذا يتبين أن عائشة تلي خديجة وفاطمة في الفضل ﵂ إذ كل ما ورد من دليل على عموم تفضيلها ﵂ مقيد بالنص الوارد في خديجة وفاطمة ﵅.\nولا ينكر أن لعائشة ﵂ من الفضائل كالعلم مثلًا ما تختص به عن خديجة وفاطمة ﵅ إلا أنه (لا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق) (٩). العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان السحيمي –ص: ٨٩ بتصرف\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٢٨٥)، ومسلم (٢٤٥٠). من حديث عائشة ﵂.\n(٢) رواه البخاري (٣٦٢٣). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) «مباحث المفاضلة في العقيدة» (ص: ٣٦٨) رسالة دكتوراه للشيخ محمد أبو سيف بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ١٤١١هـ.\n(٤) رواه البخاري (٣٧٧٠)، ومسلم (٢٤٤٦).\n(٥) «فتح الباري» (٦/ ٤٤٧).\n(٦) رواه البخاري (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤) بلفظ: «أي الناس» بدلًا من «أي النساء».\n(٧) رواه ابن حبان (١٦/ ٤٠) (٧١٠٦).\n(٨) رواه ابن حبان (١٦/ ٤٠) (٧١٠٧).\n(٩) «فتح الباري» (٧/ ١٠٨).","vol":"7","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2049>رابعًا: فضل حفصة ﵂</span>\nوهي حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄، وهي أخت عبدالله لأبيه وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة، أخت عثمان بن مظعون.\nوقد تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث من الهجرة، وكانت قبله عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد وكان بدريًا شهد بدرًا مع النبي ﷺ ومات بالمدينة، وكانت ﵂ صوامة قوامة، ولدت قبل المبعث بخمس سنين وكانت وفاتها في شعبان سنة خمس وأربعين ﵂ وأرضاها (١).\nوقد وردت في مناقبها أحاديث منها:\n١ - أنها كانت ممن حظي بشرف الهجرة فقد روى ابن سعد بإسناده إلى أبي الحويرث قال: (تزوج خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم حفصة بنت عمر فكانت عنده وهاجرت معه إلى المدينة) (٢).\n٢ - روى البخاري بإسناده إلى سالم بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ يحدث «أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فتوفي بالمدينة فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري فلبث ليالي، ثم لقيني فقال: بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئًا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي. ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال عمر: قلت نعم. قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفش سر رسول الله ﷺ، ولو تركها رسول الله ﷺ قبلتها» (٣).\n٣ - روى الطبراني بإسناده إلى قيس بن يزيد «أن رسول الله ﷺ طلق حفصة تطليقة ... فجاء النبي ﷺ فدخل فتجلببت فقال النبي ﷺ: آتاني جبريل ﵇ فقال: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وأنها زوجتك في الجنة» (٤).\nفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة ومنقبة عالية لأم المؤمنين حفصة ﵂ حيث الثناء عليها بكثرة الصيام والقيام والإخبار بأنها زوجة المصطفى ﷺ في الجنة.\nقال ابن القيم ﵀: (ومن خواصها: ما ذكره الحافظ المقدسي في (مختصر السيرة): «أن النبي ﷺ طلقها فأتاه جبريل فقال: «إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة وأنها زوجتك في الجنة» (٥). العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم السحيمي- ص: ٩٨\n_________\n(١) «معرفة الصحابة» لأبي نعيم (٦/ ٣٢١٣)، «عيون الأثر» لابن سيد الناس (٢/ ٣٨٤).\n(٢) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ٨١).\n(٣) رواه البخاري (٥١٢٢).\n(٤) رواه الطبراني (١٨/ ٣٦٥) (٩٣٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٤٨): رجاله رجال الصحيح.\n(٥) «جلاء الأفهام» (ص: ١٢٧).","vol":"7","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2050>خامسًا: فضل أم سلمة ﵂</span>\nوهي هند بنت أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أم المؤمنين أم سلمة مشهورة بكنيتها معروفة باسمها وكان أبوها يلقب زاد الركب لأنه كان أحد الأجواد فكان إذا سافر لم يحمل أحد معه من رفقته زادًا بل هو كان يكفيهم. وأما عاتكة بنت عامر كنانية من بني فراس وكانت تحت أبي سلمة بن عبد الأسد وهو ابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة ثم هاجرت إلى المدينة فيقال: أنها أول ظعينة دخلت إلى المدينة مهاجرة ولما مات زوجها خطبها النبي ﷺ ودخل به سنة أربع من الهجرة وكانت من أجمل النساء وأشرفهن نسبًا، وكانت وفاتها ﵂ سنة إحدى وستين (١).\nوقد وردت أحاديث في مناقبها منها:\n١ - ما رواه مسلم بإسناده إلى أم سلمة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد مسلم تصيبه مصيبة فيقول: ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ. قالت: أرسل إلى رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب الغيرة» (٢).\n٢ - ومن مناقبها ما شرفت به ﵂ من رؤية جبريل ﵇ في صورة دحية بن خليفة الكلبي: فقد روى الشيخان بإسنادهما عن معتمر بن سليمان التيمي قال: سمعت أبي عن أبي عثمان قال: «أنبئت أن جبريل أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة فجعل يتحدث فقال النبي ﷺ لأم سلمة: من هذا؟ أو كما قال. قالت: هذا دحية فلما قام قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي ﷺ يخبر خبر جبريل. أو كما قال. قال أبي: قلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد» (٣).\nقال النووي: (قوله إن أم سلمة رأت جبريل في صورة دحية: هو – بفتح الدال وكسرها – وفيه منقبة لأم سلمة ﵂. وفيه جواز رؤية البشر الملائكة ووقوع ذلك ويرونهم على صورة الآدميين لأنهم لا يقدرون على رؤيتهم على صورهم، وكان النبي ﷺ يرى جبريل على صورة دحية غالبًا، ورآه مرتين على صورته الأصلية) (٤).\nوقال ابن القيم: (ومن خصائصها أن جبريل دخل على النبي ﷺ وهي عنده فرأته صورة دحية الكلبي) (٥). فرضي الله عنها وأرضاها. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان السحيمي –ص: ١٠٢\n_________\n(١) «الطبقات» لابن سعد (٨/ ٨٦ - ٩٦)، و«سير أعلام النبلاء» (٢/ ٢٠١ - ٢١٠)، و«البداية والنهاية» (٤/ ٢١٧)، و«مجمع الزوائد» (٩/ ٢٤٥)، و«الإصابة» (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨).\n(٢) رواه مسلم (٩١٨).\n(٣) رواه البخاري (٤٩٨٠)، ومسلم (٢٤٥١).\n(٤) «شرح صحيح مسلم» (١٦/ ٢٤٠ - ٢٤١).\n(٥) «جلاء الأفهام» (ص: ١٣٦).","vol":"7","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2051>سادسًا: فضل زينب بنت جحش ﵂</span>\nوهي زينب بنت جحش بن رباب بن يعمر الأسدي حليف بني عبد شمس وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي ﷺ وكانت من المهاجرات الأول، تزوجها ﷺ سنة ثلاث، وقيل سنة خمس، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة وفيها نزلت فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب: ٢٧] وكان زيد يدعي ابن محمد فلما نزلت ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥]، وتزوج النبي ﷺ امرأته انتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من أن الذي يتبنى غيره يصير ابنه بحيث يتوارثان إلى غير ذلك، وكانت زينب ﵂ من سادات النساء دينًا وورعًا وجودًا ومعروفًا وهي أول نساء النبي ﷺ لحوقا به حيث كانت وفاتها سنة عشرين فرضي الله عنها وأرضاها (١). العقيدة في أهل اليت بين الإفراط والتفريط لسليمان السحيمي –ص: ١٠٤\n١ - فضل زينب بنت جحش ﵂ في القرآن الكريم\nأوجه دلالات قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة .. على فضل زينب ﵂\nهذه الآيات الكريمات دلت على عدد من فضائل زينب ﵂ وهي كالتالي:\nالفضيلة الأولى: دلالة الآية على إيمانها:\nبحسب ما ذكره جمهور المفسرين في سبب نزول الآية الأولى فإنها تدل بكل وضوح على عمق إيمانها ﵂ فرغم أنها من بيت شريف نسيب، والشأن عند العرب أنه لا ينكحها إلا مثلها إلا أنها استجابت لأمر رسول الله ﷺ فرضيت بزيد زوجًا فكان عاقبة هذا الرضى والتسليم لأمر الله ورسوله ﷺ أن صار زوجها بعد ذلك هو سيد ولد آدم ﷺ.\nالفضيلة الثانية: أن الله ﵎ هو الذي تولى تزويجها:\nوهذا ثابت في قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب: ٣٧]، فهذه الآية الكريمة تدل على أن الذي زوج النبي ﷺ بزينب هو الله تعالى.\nوترتب على هذا الفضيلة الثالثة: أنه لم يحصل في زواج زينب شيء مما هو معتبر في النكاح من ولي وصداق وشهود.\nقال ابن القيم: (ومن خصائص زينب أن الله سبحانه كان هو وليها الذي زوجها لرسوله ﷺ من فوق سماواته) (٢).\nقال الشوكاني: (دخل النبي ﷺ على زينب بغير إذن ولا عقد ولا تقدير صداق ولا شيء مما هو معتبر في حق النكاح في حق أمته) (٣). وعلى دلالة الآية على هذا ذهب غير واحد من المفسرين (٤)، وقد تأيد هذا المعنى بروايات في السنة المطهرة، فعن أنس ﵁: (أن زيدًا لما خطب زينب للنبي ﷺ قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن وجاء رسول الله ودخل عليها بغير إذن) (٥) ...\nولهذه الفضيلة كانت ﵂ تفتخر على نساء النبي ﷺ وتقول: (زوجكن أهليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات) (٦).\nوفي رواية: (إن الله أنكحني في السماء) (٧).\n_________\n(١) «الطبقات» لابن سعد (٨/ ١٠١ - ١٠٥)، و«حلية الأولياء» لأبي نعيم (٢/ ٥١ - ٤٥)، و«سير أعلام النبلاء» (٢/ ٢١١ - ٢١٨)، و«البداية والنهاية» (٧/ ١٠٦ - ١٠٧)، و«مجمع الزوائد» (٩/ ٢٤٦ - ٢٤٨)، و«الإصابة» (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(٢) «زاد المعاد» (١/ ١٠٨).\n(٣) «فتح القدير» (٤/ ٩٥).\n(٤) «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ٤٢٥)، «حسن الأسوة» (ص: ١٩٥)، «التحرير والتنوير» (٢٢/ ٣٩).\n(٥) رواه مسلم (١٤٢٨).\n(٦) رواه البخاري (٧٤٢٠). من حديث أنس ﵁.\n(٧) رواها البخاري (٧٤٢١). من حديث أنس ﵁.","vol":"7","page":444},{"text":"وكانت ﵂ تقول للنبي ﷺ: (إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: أن جدي وجدك واحد، وأني أنكحنيك الله من السماء، وأن السفير جبريل ﵇) (١)، ولعل لأجل هذه الفضيلة أولم عليها ﵂ النبي ﷺ ما لم يولم على امرأة من نسائه (٢).\nالفضيلة الرابعة: نزول الحجاب في زواجها:\nحيث ثبت أن آية الحجاب وهي قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ [الأحزاب: ٥٣]، نزلت في قصة زواجها، وقد ثبت ذلك من حديث أنس ﵁ (٣) وقد عد ذلك أهل العلم من فضائلها (٤)، ولعل مرد ذلك ما يوحي به نزول الآية في وقت زواجها من مزيد العناية بها ﵂، ولعل هذا من توابع تزويج الله لها فكأنه ﷾ زوجها، وجعل من تبعات ذلك ضرب الحجاب عليها وعلى نساء النبي ﷺ والأمة. آيات آل البيت في القرآن الكريم لمنصور بن حمد العيدي – ص: ٢٦٢\n٢ - فضل زينب في السنة\n- ثناء النبي ﷺ عليها بين أزواجه بذكر إحدى مآثرها بصيغة يتحقق تأويلها مستقبلًا وهي الصدقة والإنفاق في سبيل الله. فقد روى مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «قال رسول الله ﷺ: أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا قالت فكن يتطاولن أيتهن أطول يدًا قالت: فكانت أطولنا يدًا زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق» (٥).\nوروى الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: «قال رسول الله ﷺ لأزواجه: أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا، قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة قالت: وكانت زينب امرأة صناعة اليد فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله ﷿» (٦).\nقال النووي: (معنى الحديث أنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية وهي الجارحة فكن يذرعن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة وكانت زينب أطولهن يدًا في الصدقة وفعل الخير فماتت زينب أولهن فعلمن أن المراد طول اليد في الصدقة والجود ... وفيه معجزة باهرة لرسوله ﷺ ومنقبة ظاهرة لزينب.\nووقع الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ: متعقد يوهم أن أسرعهن لحاقًا سودة وهذا الوهم باطل بالإجماع) (٧).\n٤ - ومن مناقبها ثناء عائشة ﵂ ووصفها بصفات مكارم الأخلاق والتي اشتملت على البر والتقوى والورع.\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ٢٧٦)، والثعلبي في «الكشف والبيان» (٨/ ٤٩). قال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٤١٢): أخرجه الطبري وأبو القاسم الطحاوي في كتاب \"الحجة والتبيان\" من مرسل الشعبي.\n(٢) حديث الوليمة رواه البخاري (٥١٦٨)، ومسلم (١٤٢٨). من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٧٤٢١)، وأحمد (٣/ ٢٢٦) (١٣٣٨٥)، والنسائي (٦/ ٧٩)، وفي «السنن الكبرى» (٦/ ٤٣٦) (١١٤٢١).\n(٤) «العقيدة في أهل البيت» (ص: ١٠٦).\n(٥) رواه مسلم (٢٤٥٢).\n(٦) رواه الحاكم (٤/ ٢٦). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٧) «شرح صحيح مسلم» (١٦/ ٢٤١).","vol":"7","page":445},{"text":"فقد روى مسلم بإسناده إلى عائشة ﵂ من حديث طويل وفيه «فأرسلت أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ولم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى» (١).\nوفي حديث الإفك قالت عائشة ﵂: «وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال: يا زينب ماذا عملت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرًا. قالت وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله ﷺ فعصمها الله بالورع» (٢).\nففي ما تقدم من كلام عائشة ﵂ فضيلة ظاهرة ومنقبة عالية لأم المؤمنين زينب ﵂ وأرضاها.\nوفي ذلك يقول الإمام الذهبي: ويروى عن عائشة أنها قالت: يرحم الله زينب لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوجها، ونطق به القرآن، وإن رسول الله قال لنا: «أسرعكن بي لحوقًا أطولكن باعًا» فبشرها بسرعة لحوقها به، وهي زوجته في الجنة (٣).\nومناقبها التي وردت بها الأحاديث والآثار كثيرة وحسبنا هنا ما تقدم. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان السحيمي –ص: ١٠٧\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٤٤٢).\n(٢) رواه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(٣) «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٢١٥).","vol":"7","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2052>سابعًا: فضل جويرية بنت الحارث ﵂</span>\nهي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جذيمة وهو المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن عمرو الخزاعية المصطلقية، كانت إحدى سبايا غزوة بني المصطلق (المريسيع) سنة خمس أو ست من الهجرة فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها فقضى رسول الله ﷺ كتابتها وتزوجها وكانت قبله تحت مسافع بن صفوان المصطلقي والذي قتل في تلك المعركة، وهي التي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من الرقيق، وقالوا أصهار رسول الله ﷺ وكان ذلك من بركتها على قومها (١).\nوقد وردت في مناقبها ﵂ أحاديث دلت على فضلها وعظم شأنها منها:\n١ - ما رواه الإمام أحمد في (مسنده) من حديث عائشة ﵂ قالت: «لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها رسول الله ﷺ ما رأيت فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ، وأرسلوا ما بأيديهم قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها» (٢).\nففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لأم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ حيث كان زواجها بالنبي ﷺ خيرًا لها ولقومها فما أن علم الصحابة ﵃ أجمعين بذلك حتى أطلقوا الأسارى الذين كانوا في أيديهم من قومها إجلالًا وتعظيمًا لسيد الخلق المصطفى ﷺ لأنهم صاروا أصهاره فكان خيرها شاملًا لقومها.\n٢ - ومن مناقبها أنها كانت من المكثرات للعبادة الذاكرات الله ذكرًا كثيرًا ﵂ فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ عن جويرية «أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: مازلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم قال النبي ﷺ: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» (٣).\n٣ - تسمية النبي ﷺ لها بهذا الاسم فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عباس قال: «كانت جويرية اسمها برة، فحول رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة» (٤).\nوقد كانت وفاتها ﵂ سنة خمسين للهجرة وقيل سنة ست وخمسين (٥). العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم السحيمي –ص: ١٠٩\n_________\n(١) «الاستيعاب» (ص: ٥٨٢)، و«أسد الغابة» (ص: ١٣٢٧)، و«الإصابة» (٧/ ٥٦٥).\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٢٧٧) (٢٦٤٠٨)، ورواه الحاكم (٤/ ٢٧)، والبيهقي (٩/ ٧٤) (١٨٥٣٥). وقال: صحيح ثابت، وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٧٩): هذه الأحاديث ونحوها مشهورة، بل متواترة أن النبي ﷺ كان يسبي العرب، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٨/ ١٥٠): أصله في الصحيحين.\n(٣) رواه مسلم (٢٧٢٦).\n(٤) رواه مسلم (٢١٤٠).\n(٥) انظر: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٨/ ١٢٠)، و«البداية والنهاية» (٨/ ٥١)، و«الإصابة» (٤/ ٢٥٨).","vol":"7","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2053>ثامنًا: فضل أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂</span>\nوهي رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموية زوج النبي ﷺ تكنى أم حبيبة وهي بها أشهر من اسمها وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية ولدت ﵂ قبل البعثة بسبعة عشر عامًا وكانت قبل النبي ﷺ عند عبيد الله بن جحش بن رباب بن يعمر الأسدي من بني أسد بن خزيمة، فأسلما ثم هاجرا إلى الحبشة فولدت حبيبة وبها كانت تكنى، وقد ارتد زوجها عبيد الله بن جحش عن الإسلام ودخل في النصرانية فهلك وهو على تلك الحالة وتمسكت هي بدينها وذلك من فضل الله عليها ليتم لها الإسلام والهجرة فأبدلها الله ﷿ به خير البشر وأفضلهم سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ، وهي أقرب أزواجه نسبًا إليه وأكثرهن صداقًا ﵂ وأرضاها (١).\nقال الذهبي عنها: (وهي من بنات عم الرسول الله ﷺ وليس في أزواجه من هي أكرم نسبًا إليه منها ولا في نسائه من هي أكثر صداقًا منها ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، عقد له ﷺ عليها بالحبشة وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربعمائة دينار، وجهزها بأشياء) (٢).\nوقد ورد لها بعض المناقب التي تدل على علو مكانتها وعظيم شأنها ﵂ وأرضاها ومن تلك المناقب:\n١ - أنها كانت ممن هاجر في الله الهجرة الثانية إلى الحبشة فارة بدينها ﵂: فقد روى الحاكم بإسناده إلى إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: «قالت أم حبيبة رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوء صورة وأشوهها ففزعت فقلت تغيرت والله حاله فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر دينًا خيرًا من النصرانية وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات فأري في النوم كأن آتيا يقول لي: يا أم المؤمنين ففزعت وأولتها أن رسول الله ﷺ يتزوجني قالت: فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول الله النجاشي على بابي يستأذن فإذا جارية له يقال لها: أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لك إن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجكه فقالت: بشرك الله بخير قالت: يقول لك الملك وكلي من يزوجك فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته ...» (٣) الحديث.\nففي هذا الحديث فضيلة ظاهرة ومنقبة عالية لأم المؤمنين أم حبيبة ﵂ وهي أنها كانت ممن شرف بالهجرة إلى أرض الحبشة وثبتت على إسلامها وهجرتها ﵂ وأرضاها.\nوفي ذلك يقول ابن سعد: (وكان عبيد الله بن جحش هاجر بأم حبيبة معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية فتنصر وارتد عن الإسلام وتوفي بأرض الحبشة، وثبتت أم حبيبة على دينها الإسلام وهجرتها) (٤).\nوقال ابن كثير: (أسلمت قديمًا وهاجرت هي وزوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة فتنصر هناك زوجها وثبتت على دينها ﵂) (٥).\n_________\n(١) «الاستيعاب» (ص: ٥٩٥)، و«أسد الغابة» (ص: ١٣٥٣)، و«الإصابة» (٧/ ٦٥١).\n(٢) «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٢١٩).\n(٣) رواه الحاكم (٤/ ٢٢)، ورواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ٩٧). قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٢٢١): هي منكرة.\n(٤) «الطبقات الكبرى» (٨/ ٩٦).\n(٥) «البداية والنهاية» (٨/ ٣٠).","vol":"7","page":448},{"text":"٣ - ومن مناقبها أنها أكرمت فراش رسول الله ﷺ من أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة لعقد الهدنة بين الرسول ﷺ وبين قريش ومنعته من الجلوس عليه لأنه كان يومئذ على الشرك ولم يكن قد أسلم.\nفقد روى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن مسلم الزهري قال: (لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلي رسول الله ﷺ وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه رسول الله ﷺ، فقام فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي ﷺ طوته دونه فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه، فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك فقال: يا بنية أصابك بعدي شر) (١).\nقال ابن القيم ﵀: (وهي التي أكرمت فراش رسول الله ﷺ أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة وقالت: (إنك مشرك) ومنعته من الجلوس عليه) (٢).\n٣ - ومن مناقبها ما رواه ابن سعد والحاكم عن عوف بن الحارث قال: (سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة زوج النبي ﷺ عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك فقلت: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحللك من ذلك فقالت: سررتيني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك، وتوفيت سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵄) (٣) ورضي الله عنها وأرضاها. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم السحيمي –ص: ١١١\n_________\n(١) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ٩٩ - ١٠٠)، وأورده الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٢٢٣) وضعفه الألباني في «فقه السيرة» (٣٧٣).\n(٢) «جلاء الأفهام» (ص: ١٣٤).\n(٣) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ١٠٠)، والحاكم (٤/ ٢٤).","vol":"7","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2054>تاسعًا: فضل صفية بنت حيي ﵂</span>\nوهي صفية بنت حيي بن أخطب بن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن أبي خبيب من بني النضير وهو من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى ﵉، كانت قبل إسلامها تحت سلام بن مشكم، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، فقتل يوم خيبر فصارت صفية مع السبي فأخذها دحية الكلبي، ثم استعادها النبي ﷺ فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها.\nكانت من سيدات النساء عبادة وورعًا وزهادة وبرًا وصدقة كما كانت شريفة عاقلة، ذات حسب، وجمال، ودين ﵂ وأرضاها (١).\nوقد ورد في مناقبها ﵂ أحاديث منها:\n١ - ما روى الشيخان من حديث طويل عن أنس ﵁ في غزوة خيبر وفيه «فقتل النبي ﷺ المقاتلة وسبى الذرية، وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبي ﷺ، فجعل عتقها صداقها» (٢).\nوفي رواية: فقال ثابت لأنس: «ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها فأعتقها» (٣).\nقال ابن القيم: (ومن خصائصها أن رسول الله ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها ... وصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة يجوز للرجل أن يجعل عتق جاريته صداقها وتصير زوجته) (٤).\n٢ - ومنها ما رواه البخاري في صحيحه بإسناده إلى أنس ﵁ قال: «قدمنا خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروسًا فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه فخرج حتى بلغنا سد الصهباء حلت فبنى بها رسول الله ﷺ ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال لي آذن من حولك، فكانت تلك وليمته على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب» (٥).\nوقال الحافظ ابن حجر: (ووقع في مغازي أبي الأسود عن عروة فوضع رسول الله ﷺ لها فخذه لتركب فأجلت رسول الله ﷺ أن تضع رجلها على فخذه فوضعت ركبتها على فخذه وركبت) (٦).\nففي ذلك دليل على عظم شأنها وجلالة قدرها حيث كانت تجل المصطفى ﷺ وتكرمه من أن تضع رجلها على فخذه وإنما كانت تضع ركبتها على فخذه حتى تركب فرضي الله عنها.\n٣ - ومن مناقبها ما ورد عن النبي ﷺ من التنويه بشرف نسبها فقد روى الترمذي بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: «بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال: فما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة أني ابنة يهودي فقال النبي ﷺ: وإنك لابنة نبي، وأن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟ ثم قال: اتقي الله يا حفصة» (٧). وقد تضمن بيانًا لمكانتها وجبرًا لخاطرها.\nقال ابن القيم: (وهذا من خصائصها ﵂) (٨).\n٤ - مدح النبي ﷺ لها ووصفه لها بالصدق، قد أخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم «أن نبي الله ﷺ في الوجع الذي توفي فيه اجتمعت إليه نساؤه فقالت صفية بنت حيي: أما والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي فغمزنها أزواج النبي ﷺ وأبصرهن رسول الله ﷺ فقال: مضمضن. فقلن: من أي شيء يا نبي الله؟ قال: من تغامزكن بصاحبتكن والله إنها لصادقة» (٩). فكانت ﵂ عاقلة حليمة فاضلة وكانت وفاتها سنة اثنين وخمسين في خلافة معاوية ﵃ أجمعين. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم السحيمي –ص: ١١٤\n_________\n(١) «الاستيعاب» (ص: ٦٠٥)، «أسد الغابة» (ص: ١٣٧٥)، «الإصابة» (٧/ ٧٣٨ - ٧٤١).\n(٢) رواه البخاري (٤٢٠٠).\n(٣) رواه البخاري (٤٢٠١).\n(٤) «جلاء الأفهام» (ص: ١٣٧)، و«زاد المعاد» (١/ ١١٢).\n(٥) رواه البخاري (٤٢١١).\n(٦) «فتح الباري» (٧/ ٤٨٠).\n(٧) رواه الترمذي (٣٨٩٤). وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٥/ ٣٢٣): سنده لا شك في صحته، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي).\n(٨) «جلاء الأفهام» (ص: ١٣٧).\n(٩) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ١٢٩)، ورواه الحاكم (٤/ ٢٩).","vol":"7","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2055>عاشرًا: فضل ميمونة بنت الحارث ﵂</span>\nهي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن قماطة من حمير. كانت تزوجت مسعود بن عمرو الثقفي ثم فارقها فخلف عليها أبو رهم بن عبد العزى فمات عنها فتزوجها النبي ﷺ زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وكان يلي أمرها. وهي خالة بني العباس بن عبد المطلب بن عبد الله وإخوته، وبنى بها رسول الله ﷺ بسرف على عشرة أميال من مكة وكانت آخر امرأة تزوجها النبي ﷺ وذلك سنة سبع من عمرة القضية (١).\nوقد وردت لها مناقب ﵂ في أحاديث منها:\n١ - ما رواه الحاكم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «الأخوات مؤمنات ميمونة زوج النبي ﷺ وأختها أم الفضل بنت الحارث، وأختها سلمة بنت الحارث امرأة حمزة، وأسماء بنت عميس أختهن لأمهن» (٢).\nففي هذا الحديث منقبة عظيمة وفضيلة ظاهرة لأم المؤمنين ميمونة ﵂ حيث شهد لها المصطفى ﷺ بحقيقة الإيمان واستقراره في قلبها هي وأخواتها اللاتي ذكرن معها ﵅ وأرضاهن.\n٢ - إن تسميتها باسم (ميمونة) إنما سماها بهذا الاسم النبي ﷺ روى الحاكم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: «كان اسم خالتي ميمونة برة فسماها رسول الله ﷺ ميمونة» (٣).\n٣ - ومن مناقبها ﵂ ما رواه الحاكم عن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة قال: «تلقيت عائشة وهي مقبلة من مكة أنا وابن لطلحة بن عبيد الله وهو ابن أختها وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة فأصبنا منه فبلغها ذلك فأقبلت على ابن أختها تلومه وتعذله، ثم أقبلت علي فوعظتني موعظة بليغة ثم قالت: أما علمت أن الله ﵎ ساقك حتى جعلك في أهل بيت نبيه؟ ذهبت والله ميمونة ورمى برسنك على غاربك، أما أنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم» (٤).\nففي هذا الحديث شهادة لأم المؤمنين ميمونة ﵂ بأنها صاحبة تقوى وممن يصل الرحم الذي حث الله على صلتها وتوعد بالعقوبة من قطعها. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط – سليمان بن سالم السحيمي – ص١١٧\n_________\n(١) «الاستيعاب» (ص: ٦٢٠)، و«الإصابة» (٨/ ١٢٦).\n(٢) رواه الحاكم (٤/ ٣٥). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٣) رواه الحاكم (٤/ ٣٢). وقال: صحيح، ووافقه الذهبي.\n(٤) رواه الحاكم (٤/ ٣٤). قال الذهبي في «التلخيص»: على شرط مسلم.","vol":"7","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2056>حادي عشر: فضل زينب بنت خزيمة</span>\nتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت تحت عبد الله بن جحش تزوجها سنة ثلاث من الهجرة وكانت تسمى أم المساكين لكثرة إطعامها المساكين ولم تلبث عند رسول الله ﷺ إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة وتوفيت ﵂ جلاء الأفهام لابن القيم – ص: ٣٧٥","vol":"7","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2058>١ - فضل زينب ﵂</span>\nوهي زينب بنت سيد ولد آدم محمد بن عبد الله ﷺ القرشية الهاشمية، وأمها خديجة بنت خويلد، وكانت أكبر بناته ﷺ وأول من تزوج منهن ﵅، وقد ولدت قبل البعثة بمدة قيل إنها عشر سنين وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمي، وأمه هاله بنت خويلد خالة زينب بنت رسول الله ﷺ، وولدت زينب لأبي العاص عليًا وأمامة فتوفي علي وهو صغير، وبقيت أمامة فتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وكانت زينب ﵂ من المهاجرات السيدات (١).\nوقد وردت جملة من الأحاديث في مناقبها ﵂:\n١ - فقد روى ابن سعد والحاكم بإسناديهما إلى عائشة ﵂: «أن أبا العاص بن الربيع كان فيمن شهد بدرًا مع المشركين فأسره عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري. فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم قدم في فداء أبي العاص أخوه عمر بن الربيع وبعثت معه زينب بنت رسول الله، وهي يومئذ بمكة، بقلادة لها كانت لخديجة بنت خويلد من جزع ظفار، وظفار جبل باليمن وكانت خديجة بنت خويلد أدخلتها بتلك القلادة على أبي العاص بن الربيع حين بنى بها، فبعثت بها في فداء زوجها أبي العاص، فلما رأى رسول الله ﷺ، القلادة عرفها ورق لها وذكر خديجة وترحم عليها وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا إليها متاعها فعلتم. قالوا: نعم يا رسول الله فأطلقوا أبا العاص بن الربيع وردوا على زينب قلادتها وأخذ النبي ﷺ على أبي العاص أن يخلي سبيلها إليه فوعده ذلك ففعل» (٢).\n٢ - وروى الحاكم بإسناده عن عائشة زوج النبي ﷺ: (أن رسول الله لما قدم المدينة خرجت ابنته زينب من مكة مع كنانة أو ابن كنانة فخرجوا في إثرها فأدركها هبار بن الأسود فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها وأهرقت دمًا فحملت فاشتجر فيها بنو هاشم وبنو أميه فقال: بنو أمية نحن أحق بها وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص، فصارت عند هند بنت عتبة بن ربيعة وكانت تقول لها هند: هذا بسبب أبيك فقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتجيئني بزينب قال: بلى يا رسول الله قال: فخذ خاتمي فأعطها إياه فانطلق زيد وترك بعيره فلم يزل يتلطف حتى لقي راعيًا فقال: لمن ترعى قال: لأبي العاص قال: فلمن هذه الغنم قال: لزينب بنت محمد فسار معه شيئًا ثم قال له: هل لك أن أعطيك شيئًا تعطيها إياه ولا تذكره لأحد قال: نعم فأعطاه الخاتم فانطلق الراعي فأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال رجل قالت: وأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا قال: فسكتت حتى إذا جاء الليل خرجت إليه فلما جاءته قال لها: اركبي قالت: لا ولكن اركب أنت بين يدي فركب وركبت وراءه حتى أتت فكان رسول الله ﷺ يقول: هي أفضل بناتي أصيبت في) (٣)\n_________\n(١) انظر: «الإصابة» (٧/ ٦٦٥).\n(٢) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ٣١)، والحاكم (٣/ ٣٦٦). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٣) رواه الحاكم (٢/ ٢١٩). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"7","page":453},{"text":"٣ - وروى البزار بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث رسول الله ﷺ سرية وكنت فيهم، فقال: إن لقيتم هبار بن الأسود، ونافع بن عبد عمرو فأحرقوهما، وكانا نخسا بزينب بنت رسول الله ﷺ حين خرجت، فلم تزل ضبنة حتى ماتت، ثم قال: إن لقيتموهما، فاقتلوهما، فإنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله» (١).\nوجاء عند البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وأن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما» (٢).\nوالمعني بفلان وفلان هبار بن الأسود ورفيقه كما تقدم في الحديث السابق، قال ابن حجر ﵀: (والقصة مشهورة عند ابن إسحاق وغيره ..) (٣) (وقد أسلم هبار هذا، ففي رواية أبي نجيح فلم تصبه السرية وأصابه الإسلام فهاجر) (٤).\n٤ - وروى الحاكم بإسناده إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ «أن زينب بنت رسول الله ﷺ أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أن خذي لي أمانًا من أبيك، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي ﷺ في الصبح يصلي بالناس فقالت: أيها الناس: إني زينب بنت رسول الله ﷺ وإني أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي ﷺ من الصلاة قال: أيها الناس إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يجير المسلمين أدناهم» (٥).\n(ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لزينب ﵂ حيث قبل جوارها لزوجها وصار ذلك سنة للمسلمين إلى يوم القيامة، وهو أنه يجير على المسلمين أدناهم ولو كان امرأة) (٦).\n٥ - وروى مسلم بإسناده إلى أم عطية قالت: «لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ قال لنا رسول الله ﷺ: إغسلنها وترًا ثلاثًا أو خمسًا واجعلن في الخامسة كافورًا أو شيئًا من كافور فإذا غَسَلْتُنَّهَا فأعلمنني قالت: فأعلمناها فأعطانا حقوه وقال .... أشعرنها إياه» (٧).\nففي هذه الأحاديث بيان لمناقب وفضائل زينب بنت رسول الله ﷺ وما لها من منزلة عند رسول الله ﷺ، إذ كانت ممن تقدم إسلامهم، وممن حظيت بالهجرة حتى أوذيت في الله وصبرت وتحملت من الأذى ما كان سببًا في وفاتها، وقد انتقلت إلى الرفيق الأعلى في أول السنة الثامنة من الهجرة (٨) ﵂.\n_________\n(١) لم أقف على رواية أبي هريرة ولكن رواه البزار (٣/ ٢٤٢) من حديث عائشة ﵂. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢١٥): رجاله رجال الصحيح، وقال الشوكاني في «در السحابة» (ص: ٢١٨): إسناده رجاله رجال الصحيح.\n(٢) رواه البخاري (٣٠١٦).\n(٣) انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٥٤)، و«المستدرك» (٤/ ٤٢ - ٤٣).\n(٤) «فتح الباري» (٦/ ١٥٠).\n(٥) رواه الحاكم (٤/ ٤٩)، ورواه الطبراني (٢٢/ ٤٢٥) (١٨٨٩٩). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٣٣٣): رواه الطبراني في «الأوسط» و«الكبير» باختصار، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات، وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٦/ ٧٧٠).\n(٦) «عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃» لناصر بن علي عايض حسن آل شيخ (ص: ٤٢٢ - ٤٢٣).\n(٧) رواه مسلم (٩٣٩).\n(٨) «الطبقات» لابن سعد (٨/ ٣٢) و«السير» للذهبي (٢/ ٢٥٠) و«الإصابة» (٤/ ٣٠٦).","vol":"7","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2059>٢ - فضل رقية ﵂</span>\nهي رقية بنت خير الخلق وسيد البشر ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمية وأمها خديجة بنت خويلد كانت ولادتها سنة ثلاث وثلاثين من مولد أبيها ﷺ (١).\nقال ابن عبد البر: (لا أعلم خلافًا أن زينب أكبر بناته ﷺ واختلف فيمن بعدها منهن ذكر أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال: سمعت عبد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر بن سليمان الهاشمي قال: ولدت زينب بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ ابن ثلاثين سنة، وولدت رقية بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ ابن ثلاث وثلاثين سنة) (٢).\nوكانت ﵂ قبل الهجرة تحت عتبة بن أبي لهب، وكانت أختها أم كلثوم تحت عتيبة بن أبي لهب فلما نزلت تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: ١] قال لهما أبوهما أبو لهب وأمهما حمالة الحطب: (فارقا ابنتي محمد) وقال أبو لهب: (رأسي من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد ففارقاهما) (٣).\nوقد أبدلها الله ﷿ بزوج من السابقين الأولين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة ذو النورين عثمان بن عفان ﵁ فقد جاء عن قتادة ﵁ أنه قال: (كانت رقية عند عتبة بن أبي لهب فلما أنزل الله ﵎ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] سأل النبي ﷺ عتبة طلاق رقية وسألته رقية ذلك فطلقها، فتزوج عثمان بن عفان ﵁ رقية وتوفيت عنده) (٤).\nوقد تزوجها عثمان بن عفان ﵁ بمكة وهاجرا إلى أرض الحبشة، وولدت له هناك ابنا سماه عبد الله فكان يكنى به ومات وهو صغير، وقيل مات في جمادى الأولى سنة أربع وهو ابن ست سنين نقره ديك في عينه فتورم وجهه ومرض ومات (٥).\nوقد وردت في فضائلها طائفة من الأحاديث والآثار منها:\n١ - ما رواه الحاكم بإسناده إلى عروة في تسمية الذين خرجوا في المرة الأولى إلى الحبشة قبل خروج جعفر وأصحابه عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ (٦). ففي هذا منقبة ظاهرة لرقية وزوجها عثمان ﵄ إذ شرفوا بفضل الهجرة الأولى.\n٢ - ومن فضائلها أنها لما مرضت ﵂ أمر النبي ﷺ زوجها عثمان بن عفان أن يتخلف عن غزوة بدر لتمريضها.\nفقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر قال: وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال رسول الله ﷺ: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه» (٧).\nوفي ذلك منقبة عظيمة ومنزلة رفيعة لرقية ﵂ عند رسول الله ﷺ إذ أنه أذن لعثمان في أن يتأخر عن غزوة بدر التي هي أول معركة فاصلة بين جيش الإيمان وجيش الكفر، لتمريضها ﵂ وضرب له بسهمه في الغنيمة وأجره عند الله كمن حضر الغزوة، إكرامًا لها وتعظيمًا لشأنها ﵂.\nوقد كانت وفاتها يوم بدر في السنة الثانية من الهجرة قال ابن عبد البر: (وأما وفاة رقية فالصحيح في ذلك أن عثمان تخلف عليها بأمر رسول الله، وهي مريضة في حين خرج رسول الله ﷺ إلى بدر وتوفيت يوم وقعة بدر ودفنت يوم جاء بن حارثة بشيرًا بما فتح الله عليهم ببدر) (٨).\nوقال ابن كثير عند ذكره لبنات النبي ﷺ: (وماتت رقية ورسول الله ﷺ ببدر، ولما قدم زيد بن حارثة بالبشارة وجدهم قد ساووا التراب عليها، وكان عثمان قد أقام عندها يمرضها فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره) (٩).\nفرضي الله عنها وأرضاها وبما تقدم يتبين فضلها ومنزلتها عند رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) «الاستيعاب» (ص: ٥٩٤).\n(٢) «الاستيعاب» (٤/ ٢٩٢).\n(٣) «الطبقات» لابن سعد (٨/ ٣٦) و«السير» للذهبي (٢/ ٢٥١) و«مجمع الزوائد» للهيثمي (٩/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(٤) رواه الطبراني (٢٢/ ٤٣٤) (١٨٩٠٨). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢١٩): إسناده حسن.\n(٥) انظر «الطبقات» لابن سعد (٨/ ٣٦ - ٣٧) و«المستدرك» للحاكم (٤/ ٤٦ - ٤٧) و«السير» للذهبي (٢/ ٢٥٠ - ٢٥١) و«الإصابة» (٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(٦) «المستدرك» (٤/ ٤٦).\n(٧) رواه البخاري (٣١٣٠).\n(٨) «الاستيعاب» (٤/ ٢٩٤).\n(٩) «البداية والنهاية» (٥/ ٢٥٦) وانظر: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٨/ ٣٦).","vol":"7","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2060>٣ - فضل أم كلثوم ﵂</span>\nهي أم كلثوم بنت المصطفى سيد ولد آدم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﷺ، وأمها خديجة بنت خويلد، تزوجها عتيبة بن أبي لهب قبل البعثة، فلما بعث رسول الله ﷺ، وأنزل الله تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] قال له أبوه أبو لهب: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته، ففارقها ولم يكن دخل بها، فلم تزل بمكة مع أبيها ﷺ وأسلمت حين أسلمت أمها وبايعت رسول الله مع أخواتها حين بايعه النساء وهاجرت إلى المدينة، فلم تزل بها، ولما توفيت رقية بنت رسول الله ﷺ، زوجها الرسول ﷺ عثمان بن عفان، وكان ذلك شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة، وأدخلت عليه في هذه السنة في جمادى الآخرة، فلم تزل عنده إلى أن ماتت ولم تلد له شيئًا. فرضي الله عنها وأرضاها (١).\nوقد وردت لها مناقب تدل على فضلها ومنزلتها ﵂:\n١ - ما ذكره ابن عبد البر من قوله: (وكان عثمان ﵁ إذ توفيت رقية قد عرض عليه عمر بن الخطاب حفصة ابنته ليتزوجها فسكت عثمان عنه لأنه قد سمع رسول الله ﷺ يذكرها فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: «ألا أدل عثمان على من هو خير له منها وأدلها على من هو خير لها من عثمان» فتزوج رسول الله ﷺ حفصة وزوج عثمان أم كلثوم) (٢).\n٢ - وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: شهدنا بنتًا لرسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان، قال فقال: «هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل، قال: فنزل في قبرها» (٣).\nقال الحافظ ابن حجر عند شرحه الحديث: (قوله: شهدنا بنتًا للنبي ﷺ هي أم كلثوم زوج عثمان رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد، وأخرجه ابن سعد في (الطبقات) في ترجمة أم كلثوم (٤)، وكذا الدولابي في (الذرية الطاهرة) (٥) .. ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية، أخرجه البخاري في (التاريخ الأوسط) والحاكم في (المستدرك) (٦)، قال البخاري: (ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي ﷺ ببدر لم يشهدها، قلت: وهم حماد في تسميتها فقط) (٧).\n٣ - ومن مناقبها أن النبي ﷺ صلى على جنازتها ﵂ فقد روى ابن سعد في ترجمتها بإسناده: (أن النبي ﷺ صلى عليها وجلس على حفرتها، ونزل في حفرتها علي بن أبي طالب والفضل بن عباس وأسامة بن زيد) (٨).\nوبهذا يتبين فضلها ومنزلتها إذ أبدلها الله ﷿ بعد مفارقة ابن أبي لهب برجل حيي كريم تستحي منه الملائكة من أفضل صحابة رسول الله ﷺ، فكان نعم الزوج لها ونعمة الزوجة له، كما أنها حظيت ﵂ بأن يكون المصطفى ﷺ إمام المصلين على جنازتها وكفى بذلك منقبة وفضيلة لما في دعائه لها من البركة والرحمة والمغفرة.\nوقد كانت وفاتها سنة تسع من الهجرة (٩) فرضي الله عنها وأرضاها. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط سليمان بن سالم بن رجاء السحيمي– ص: ١٢١\n_________\n(١) «الاستيعاب» (٤/ ٢٩٤).\n(٢) «الاستيعاب» (٤/ ٤٦٤).\n(٣) رواه البخاري (١٢٨٥).\n(٤) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ٣٨).\n(٥) رواه الدولابي في «الذرية الطاهرة» (ص: ٦٠).\n(٦) رواه البخاري في «التاريخ الأوسط» (١/ ٤٤)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٥١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، واحتج به ابن حزم في «المحلى» (٥/ ١٤٥).\n(٧) «فتح الباري» (٣/ ١٥٨).\n(٨) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ٣٩).\n(٩) انظر: «الطبقات الكبرى» (٨/ ٣٨)، و«العبر» للذهبي (١/ ٩)، و«الإصابة» (٤/ ٤٦٦).","vol":"7","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2061>٤ - فضل فاطمة ﵂</span>\nهي فاطمة بنت إمام المتقين سيد ولد آدم رسول الله ﷺ وأمها خديجة بنت خويلد كانت تكنى بأم أبيها ولدت ﵂ قبل البعثة سنة خمس وثلاثين من مولد النبي ﷺ، زوجها النبي ﷺ علي بن أبي طالب سنة اثنتين للهجرة بعد وقعة بدر وولدت له الحسن والحسين ومحسنا وأم كلثوم وكانت وفاتها بعد وفاة النبي ﷺ بستة أشهر فرضي الله عنها وأرضاها ولقد وردت في مناقبها وفضائلها أحاديث كثيرة منها العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن رجاء السحيمي- ص١٣١\nعن عائشة ﵂ قالت: «أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: مرحبًا يا ابنتي ثم أجلسها عن يمينه – أو عن شماله – ثم أسر إليها حديثًا فبكت فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثًا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ، حتى قبض النبي ﷺ فسألتها فقالت: أسر إلي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقًا بي. فبكيت. فقال أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة – أو نساء المؤمنين – فضحكت لذلك» (١).\nعن حذيفة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ: «نزل ملك من السماء فاستأذن الله أن يسلم علي لم ينزل قبلها فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» (٢).\nعن عائشة ﵂ قالت: «دعا النبي ﷺ فاطمة ﵍ في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشيء فبكت ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت فسألنا عن ذلك فقالت: سارني النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت» (٣).\nعن المسور بن مخرمة قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها» (٤).\nعن عبد الله بن الزبير: «أن عليًا ذكر ابنة أبي جهل فبلغ النبي ﷺ فقال: إنها فاطمة بضعة منى يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها» (٥).\nعن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: «ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا وهديًا ودلًا، وقال الحسن: حديثًا وكلامًا – ولم يذكر الحسن السمت والهدى والدل – برسول الله ﷺ من فاطمة كرم الله وجهها: كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها» (٦).\nعن سالم عن أبيه أنه كان يسمعه يحدث عن رسول الله ﷺ حين أمر أسامة بن زيد فبلغه أن الناس عابوا أسامة وطعنوا في إمارته فقام رسول الله ﷺ في الناس فقال كما حدثني سالم: «ألا إنكم تعيبون أسامة وتطعنون في إمارته وقد فعلتم ذلك بأبيه من قبل، وإن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لأحب الناس كلهم إلي، وإن ابنه هذا من بعده لأحب الناس إلي فاستوصوا به خيرًا فإنه من خياركم. قال سالم ما سمعت عبد الله يحدث هذا الحديث قط إلا قال ما حاشا فاطمة» (٧). الصحيح المسند من فضائل الصحابة – مصطفى بن العدوي – ص: ٢٥٢\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٢٣).\n(٢) رواه الحاكم (٣/ ١٦٤). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٩).\n(٣) رواه البخاري (٤٤٣٣).\n(٤) رواه البخاري (٥٢٣٠).\n(٥) رواه الترمذي (٣٨٦٩)، وأحمد (٤/ ٥) (١٦١٦٨)، والحاكم (٣/ ١٧٣). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(٦) رواه البخاري (٣٧٦٢).\n(٧) رواه أحمد (٢/ ١٠٦) (٥٨٤٨). قال أحمد شاكر محقق «المسند» (٨/ ١٢٩): إسناده صحيح، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وصححه الألباني على شرط مسلم في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧٤٥).","vol":"7","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2064>أولا: حمزة سيد الشهداء</span>\nعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» (١).\n_________\n(١) رواه الحاكم (٣/ ٢١٥). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣٧٤).","vol":"7","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2065>ثانيا: شهادة عبد الرحمن بن عوف – أحد العشرة – لحمزة بأنه خير منه</span>\nعن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أتي بطعام – وكان صائمًا – فقال: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة – وهو خير مني – ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط – أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا – وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٧٥).","vol":"7","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2066>ثالثا: حمزة أسد الله</span>\nعن سعد بن أبي وقاص قال: (كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله ﷺ ويقول: أنا أسد الله) (١).\n_________\n(١) رواه الحاكم (٣/ ٢١٤). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"7","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2067>رابعا: حمزة المبارز يوم بدر</span>\nعن قيس بن عباد عن أبي ذر ﵁ (أنه كان يقسم فيها قسمًا إن هذه الآية: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩] نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في يوم بدر) (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٧٤٣).","vol":"7","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2068>خامسا: قصة قتل حمزة ووجد الرسول ﷺ</span>\nعن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: «خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله بن عدي: هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم، وكان وحشي يسكن حمص فسألنا عنه فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره كأنه حميت قال: فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير فسلمنا فرد السلام قال: وعبيد الله معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه فقال عبيد الله: يا وحشي أتعرفني؟ قال: فنظر إليه ثم قال: لا والله، إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلاما بمكة فكنت أسترضع له، فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه، فلكأني نظرت إلى قدميك. قال: فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر قال: فلما أن خرج الناس عام عينين – وعينين جبل بحيال أحد بينه وبينه واد – خرجت مع الناس إلى القتال فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ قال فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور أتحاد الله ورسوله ﷺ؟ قال: ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب. قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا منى رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه قال: فكان ذاك العهد به فلما رجع الناس رجعت معهم فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ رسلًا فقيل لي: إنه لا يهيج الرسل، قال: فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله ﷺ فلما رآني قال: أنت وحشي قلت: نعم. قال: أنت قتلت حمزة؟ قلت: قد كان من الأمر ما بلغك. قال: فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟ قال: فخرجت فلما قبض رسول الله ﷺ فخرج مسيلمة الكذاب قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة قال: فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان، قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال: فرميته حربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال: ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته» (١).\nعن ابن عباس قال: (لما قتل حمزة يوم أحد أقبلت صفية تطلبه لا تدري ما صنع قال: فلقيت عليًا والزبير فقال علي للزبير: اذكر لأمك، قال الزبير: لا بل اذكر أنت لعمتك قالت: ما فعل حمزة؟ قال فأرياها أنهما لا يدريان قال: فجاء النبي ﷺ فقال: إني أخاف على عقلها قال: فوضع يده على صدرها ودعا لها فاسترجعت وبكت، ثم جاء وقام عليه وقد مثل به فقال: لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع. قال: ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم فيضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبعًا ثم يرفعون ويترك حمزة ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم حتى فرغ منهم) (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٠٧٢).\n(٢) رواه الحاكم (٣/ ٢١٨)، والبيهقي (٤/ ١٢) (٦٥٩٦)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٤٠٤). وقال البيهقي: لا أحفظه إلا في حديث أبي بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد، وكانا غير حافظين.","vol":"7","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2069>سادسا: بعد حمزة من النار</span>\nعن ابن مسعود قال: «قال أبو سفيان يوم أحد: قد كانت في القوم مثلة، وإن كانت لعن غير ملاء مني، ما أمرت ولا نهيت ولا أحببت ولا كرهت، ساءني ولا سرني قال: ونظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع هند أن تأكلها فقال رسول الله ﵌ أكلت منها شيئًا؟ قالوا: لا. قال: ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة النار» (١). الصحيح المسند من فضائل الصحابة – مصطفى بن العدوي – ص: ١٨٤\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٤٦٣) (٤٤١٤)، وابن أبي شيبة (٨/ ٤٩٢). قال أحمد شاكر في تحقيق «المسند» (٦/ ١٩١): إسناده صحيح، وقال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: حسن لغيره.","vol":"7","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2071>أولا: جعفر الطيار ذو الجناحين</span>\nعن الشعبي أن ابن عمر ﵄ كان إذا سلم على ابن جعفر قال: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين) (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٧٠٩).","vol":"7","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2072>ثانيا: شهادة أبي هريرة لجعفر</span>\nعن أبي هريرة قال: (ما احتذى النعال ولا انتعل ولا ركب المطايا ولا ركب الكور بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب) (١).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٦٤)، وأحمد (٢/ ٤١٣) (٩٣٤٢). قال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤/ ٢٥٦): إسناده جيد، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: إسناده صحيح موقوف.","vol":"7","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2073>ثالثا: حزن الرسول ﷺ على جعفر وبشارته له</span>\nعن أنس بن مالك ﵁ قال: «قال النبي ﷺ: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب – وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان – ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له» (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٤٦).","vol":"7","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2074>رابعا: شجاعة جعفر ﵁</span>\nعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أمر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول الله ﷺ: «إن قتل زيد فجعفر وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية» (١).\nعن ابن أبي هلال قال وأخبرني نافع أن ابن عمر أخبره: (أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره، يعني في ظهره) (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٦١).\n(٢) رواه البخاري (٤٢٦٠).","vol":"7","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2075>خامسا: جعفر أبو المساكين</span>\nعن أبي هريرة ﵁: أن الناس كانوا يقولون: (أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني وكان أخير الناس للمساكن جعفر بن أبي طالب: كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فيشقها فنلعق ما فيها) (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٧٠٨).","vol":"7","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2076>سادسا: خلق جعفر وخلقه</span>\nمن حديث البراء ﵁ قال: (... لما اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة .. الحديث وفيه أن النبي ﷺ قال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي) (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦٩٩).","vol":"7","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2077>سابعا: هجرة جعفر للحبشة وموقفه القوي مع النجاشي وشجاعته في الحق ﵁</span>\nعن أبي موسى ﵁: «بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم: أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم – إما قال: في بضع وإما قال: في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلًا من قومي – فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا – يعني لأهل السفينة – سبقناكم بالهجرة. ودخلت أسماء بنت عميس – وهي ممن قدم معنا – على حفصة زوج النبي ﵌ زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة – وأسماء عندها – فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم، فغضبت وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار – أو في أرض – البعداء البغضاء بالحبشة وذلك في الله وفي رسوله ﷺ، وأيم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ، ونحن كنا نؤذى ونخاف وسأذكر ذلك للنبي ﷺ وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه» (١).\nعن أبي موسى قال النبي ﷺ: «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن وبالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار ومنهم حكيم إذا ألقى الخيل – أو قال العدو – قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم» (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٣٠)، ومسلم (٢٥٠٢).\n(٢) رواه البخاري (٤٢٣٢)، ومسلم (٢٤٩٩).","vol":"7","page":470},{"text":"عن أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي ﷺ قالت: «لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروها أمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا للنجاشي هداياه ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وخير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم إنه قد صبأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم؛ فإن قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا: نعم. ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليردانهم إلى بلادهم وقومهم. قالت: فغضب النجاشي ثم قال: لا هيم الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قومًا جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن.","vol":"7","page":471},{"text":"فلما جاؤوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله ليسألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسبي الجوار يأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمر بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدم، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمر بالصلاة والزكاة والصيام قال: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا ففتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، ولما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء. قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه علي. فقرأ عليه صدرًا من كهيعص. قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أكاد. قالت أم سلمة ﵂: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدًا أعيبهم عنده ثم أستأصل به خضراءهم. قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة – وكان أتقى الرجلين فينا – لا تفعل فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم ﵉ عبد. قالت: ثم غدا عليه الغد فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. قالت أم سلمة: فأرسل إليهم يسألهم عنه قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه قالوا: نقول والله فيه ما قال الله ﷾ وما جاء به نبينا ﷺ كائنًا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب ﵁: نقول فيه الذي جاء به نبينا ﷺ، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول قالت: فضرب النجاشي يده على الأرض فأخذ منها عودًا ثم قال ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فنخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال: وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي – والسيوم الآمنون – من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ثم من سبكم غرم، فما أحب أن لي دير ذهب وأني آذيت رجلًا منكم، والدير بلسان الحبشة الجبل، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد على ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع في الناس فأطيعهم فيه قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار قالت: فوالله إنا على ذلك إذ نزل به يعني من ينازعه في ملكه قالت: فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه قالت: وسار النجاشي وبينهما عرض النيل قالت: فقال أصحاب رسول الله ﷺ من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر قالت: فقال الزبير بن العوام ﵁: أنا قالت: وكان من أحدث القوم سنا قالت: فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم قالت: ودعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوثق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة» (١). الصحيح المسند من فضائل الصحابة – مصطفى بن العدوي – ص٢٠٦\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٠١) (١٧٤٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٧): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق وقد صرح بالسماع، وقال أحمد شاكر محقق «المسند» (٣/ ١٨٠): إسناده صحيح، وجود إسناده الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧/ ٥٧٨).","vol":"7","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2078>الفرع الثالث: فضل إبراهيم ابن رسول الله ﷺ</span>\nعن عدي بن ثابت قال سمعت البراء قال: لما مات إبراهيم ﵇ قال رسول الله ﷺ: «إن له مرضعا في الجنة» (١).\nعن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: «دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين – وكان ظئرًا لإبراهيم ﵇ – فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه. ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف إنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺ: إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (٢). الصحيح المسند من فضائل الصحابة – مصطفى بن العدوي – ص: ٢٥٦\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١٩٥).\n(٢) رواه البخاري (١٣٠٣).","vol":"7","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2079>الفرع الرابع: فضل الحسن والحسين ﵄</span>\nعن أبي سعيد الخدري قال قال: رسول الله ﷺ: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» (١).\nعن زر بن حبيش عن حذيفة قال: «سألتني أمي منذ متى عهدك بالنبي ﷺ؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا قال: فنالت مني وسبتني. قال فقلت لها: دعيني فإني آتي النبي ﷺ فأصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك قال: فأتيت النبي ﷺ فصليت معه المغرب، فصلى النبي ﷺ العشاء ثم انفتل فتبعته فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فاتبعته فسمع صوتي فقال: من هذا؟ فقلت حذيفة قال: مالك؟ فحدثته بالأمر فقال: غفر الله لك ولأمك، ثم قال: أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟ قال: قلت بلى قال: فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قبل هذه الليلة فاستأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ﵂» (٢).\nعن ابن أبي نعم قال كنت شاهدًا لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض فقال: «ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي ﷺ، وسمعت النبي ﷺ يقول: هما ريحانتاي من الدنيا» (٣).\nعن أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان يأخذه والحسن ويقول: «اللهم إني أحبهما فأحبهما أو كما قال» (٤).\nقال سمعت البراء ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ والحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهم إني أحبه فأحبه» (٥).\nعن أبي هريرة الدوسي ﵁ قال: «خرج النبي ﷺ في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه حتى أتى سوق بني قينقاع فجلس بفناء بيت فاطمة فقال أثم لكع، أثم لكع؟ فحبسته شيئًا فظننت أنها تلبسه سخابًا أو تغسله فجاء يشتد حتى عانقه وقبله وقال: اللهم أحبه وأحب من يحبه» (٦).\nعن عبد الله قال: «كان رسول الله ﷺ إذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهما أن دعوهما فإذا قضى الصلاة وضعهما في حجره وقال: من أحبني فليحب هذين» (٧).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٦٨)، وأحمد (٣/ ٣) (١١٠١٢)، وابن حبان (١٥/ ٤١١) (٦٩٥٩)، والحاكم (٣/ ١٨٢). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الدارقطني في «سؤالات السهمي» (٢١٦): صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث قد صح من أوجه كثيرة وأنا أتعجب أنهما لم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٠٤): رجاله رجال الصحيح.\n(٢) رواه الترمذي (٣٧٨١)، وأحمد (٥/ ٣٩١) (٢٣٣٧٧)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٨٠) (٨٢٩٨). قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) رواه البخاري (٥٩٩٤).\n(٤) رواه البخاري (٣٧٤٧).\n(٥) رواه البخاري (٣٧٤٩)، ومسلم (٢٤٢٢).\n(٦) رواه البخاري (٢١٢٢)، ومسلم (٢٤٢١).\n(٧) رواه أبو يعلى (٨/ ٤٣٤) (٥٠١٧)، وابن حبان (١٥/ ٤٢٦) (٦٩٧٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٥٠) (٨١٧٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٨٢): رجال أبي يعلى ثقات وفي بعضهم خلاف، وقال ابن حجر في «الإصابة» (١/ ٣٣٠): له شاهد نحوه بسند صحيح، وحسن إسناده الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٤٠٠٢).","vol":"7","page":474},{"text":"عن زهير بن الأقمر قال: بينما الحسن بن علي يخطب بعد ما قتل علي ﵁ إذ قام رجل من الأزد آدم طوال فقال: «لقد رأيت رسول الله ﷺ واضعه في حبوته يقول من أحبني فليحبه. فليبلغ الشاهد الغائب، ولولا عزمة رسول الله ﷺ ما حدثتكم» (١).\nعن الحسن سمع أبا بكرة: «سمعت النبي ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه، ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (٢).\nعن خالد بن معدان قال: «وفد المقدام بن معدي كرب وعمرو بن الأسود إلى معاوية فقال معاوية للمقدام: أعلمت أن الحسن بن علي توفي؟ فرجع المقدام. فقال له معاوية: أتراها مصيبة؟ فقال: ولم لا أراها مصيبة وقد وضعه رسول الله ﷺ في حجره وقال: هذا مني وحسين من علي رضي الله تعالى عنهما» (٣).\nعن عقبة بن الحارث قال: (رأيت أبا بكر ﵁ وحمل الحسن وهو يقول: بأبي شبيه بالنبي، ليس شبيه بعلي، وعلي يضحك) (٤).\nعن أنس بن مالك ﵁: (أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين بن علي فجعل في طست فجعل ينكت وقال في حسنه شيئًا فقال أنس: كان أشببهم برسول الله ﷺ، وكان مخضوبًا بالوشمة) (٥).\nعن الزهري أخبرني أنس قال: (لم يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ من الحسن بن علي) (٦).\nحدثنا إياس عن أبيه قال: (لقد قدت بنبي الله ﷺ والحسن والحسين بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبي ﷺ هذا قدامه وهذا خلفه) (٧).\nحدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «كان رسول الله ﷺ يخطبنا فأقبل حسن وحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ويقومان، فنزل رسول الله ﷺ فأخذهما فوضعهما بين يديه ثم قال: صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ رأيت هذين فلم أصبر ثم أخذ في خطبته» (٨). الصحيح المسند من فضائل الصحابة – مصطفى بن العدوي – ص٢٥٧\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٦٦) (٢٣١٥٥)، والحاكم (٣/ ١٩٠)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٩٩). قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح، وقال الوادعي في «الصحيح المسند» (١٥٠٢): صحيح.\n(٢) رواه البخاري (٣٧٤٦).\n(٣) رواه أبو داود (٤١٣١)، وأحمد (٤/ ١٣٢) (١٧٢٢٨)، والطبراني (٣/ ٤٣) (٢٦٢٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٣/ ١٥٨): إسناده قوي، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٤) رواه البخاري (٣٧٥٠).\n(٥) رواه البخاري (٣٧٤٨).\n(٦) رواه البخاري (٣٧٥٢).\n(٧) رواه مسلم (٢٤٢٣).\n(٨) رواه أبو داود (١١٠٩)، والترمذي (٣٧٧٤)، وابن ماجه (٢٩١٦)، والنسائي (٣/ ١٠٨)، وأحمد (٥/ ٣٥٤) (٢٣٠٤٥)، وابن حبان (١٣/ ٤٠٣) (٦٠٣٩)، والحاكم (١/ ٤٢٤). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٣١٩) كما أشار لذلك في المقدمة.","vol":"7","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2081>أولا: دعاء النبي ﷺ لعبد الله بن عباس بالعلم والحكمة والفقه في الدين</span>\nعن ابن عباس قال: ضمني النبي ﷺ إلى صدره وقال: «اللهم علمه الحكمة» (١).\nعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان في بيت ميمونة فوضعت له وضوءًا من الليل قال فقالت ميمونة: يا رسول الله وضع لك هذا عبد الله بن عباس فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٢).\nعن ابن عباس قال: (دعا لي رسول الله ﷺ أن يؤتيني الحكمة مرتين) (٣).\nعن عمرو بن دينار أن كريبًا أخبره أن ابن عباس قال: «أتيت رسول الله ﷺ من آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجرني فجعلني حذاءه، فلما أقبل رسول الله ﷺ على صلاته خنست، فصلى رسول الله ﷺ فلما انصرف قال لي: ما شأني أجعلك حذائي فتخنس فقلت: يا رسول الله أو ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله؟ قال: فأعجبته فدعا الله لي أن يزيدني علمًا وفهمًا قال: ثم رأيت رسول الله ﷺ نام حتى سمعته ينفخ ثم أتاه بلال فقال: يا رسول الله الصلاة فقام فصلى ما أعاد وضوءا» (٤).\nعن ابن عباس «أن النبي ﷺ دخل الخلاء فوضعت له وضوءًا. قال: من وضع هذا؟ فأخبر، فقال: اللهم فقهه في الدين» (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٧٥٦).\n(٢) رواه البخاري (١٤٣) دون لفظ: «وعلمه التأويل»، وأحمد (١/ ٢٦٦) (٢٣٩٧)، وابن حبان (١٥/ ٥٣١) (٧٠٥٥)، والحاكم (٣/ ٦١٥). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٨/ ٣٠٠): منهم من أرسله والمتصل هو الصحيح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٩): متفق عليه دون قوله: «وعلمه التأويل»، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٧٩): لأحمد طريقان رجالهما رجال الصحيح.\n(٣) رواه الترمذي (٣٨٢٣). وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عطاء، وقد رواه عكرمة عن ابن عباس، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) رواه أحمد (١/ ٣٣٠) (٣٠٦١)، وابن أبي شيبة (١٢/ ١١١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٧٨): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وقال أحمد شاكر في محقق «المسند» (٥/ ٢٥): إسناده صحيح، وصححه الألباني على شرط الشيخين في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٦/ ١٧٤).\n(٥) رواه البخاري (١٤٣).","vol":"7","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2082>ثانيا: حرص ابن عباس على طلب العلم</span>\nعن ابن عباس قال لما توفي رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: «يا فلان هلم فلنسأل أصحاب النبي ﷺ فإنهم اليوم كثير فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي ﷺ من ترى؟ فتركت ذلك وأقبلت على المسألة فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه فتسفي الريح على وجهي التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك؟! فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث قال: فبقى الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي فقال: كان هذا الفتى أعقل مني» (١).\n_________\n(١) رواه الدارمي (١/ ١٥٠) (٥٧٠)، والطبراني (١٠/ ٢٤٤) (١٠٦١٤)، والحاكم (١/ ١٨٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٨٠): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.","vol":"7","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2083>ثالثا: تقديم عمر لعبد الله بن عباس ﵃</span>\nعن ابن عباس قال: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم. فدعا ذات ليلة فأدخله معهم فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم قال: ما تقولون في قول الله تعالى: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: إذا جاء نصر الله والفتح – وذلك علامة أجلك – فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول) (١).\nعن ابن عباس (أن عمر سأل أصحاب رسول الله ﷺ عن شيء قال: فسألني فأخبرته فقال: أعبتموني أن تأتوا بمثل ما أتى به هذا الغلام الذي لم يجتمع سواد رأسه) (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٧٠).\n(٢) رواه أحمد (١/ ١٤) (٨٥)، وابن أبي شيبة (٦/ ٣٨٣)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١/ ٣١٢) (٣٨٦)، والحاكم مطولًا (١/ ٦٠٤). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.","vol":"7","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2084>رابعا: ثناء ابن مسعود على ابن عباس ﵃</span>\nعن مسروق: قال عبد الله: (نعم ترجمان القرآن ابن عباس) (١).\nعن مسروق قال: قال عبد الله: (لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل) (٢).\nعن عكرمة بن عمار ثنا أبو زميل الحنفي ثنا عبد الله بن عباس قال: «لما اعتزلت حروراء وكانوا في دار على حدتهم قلت: لعلي يا أمير المؤمنين أبرد عن الصلاة لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم. قال: فإني أتخوفهم عليك قال: قلت: كلا إن شاء الله قال: فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية، ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة، فدخلت على قوم لم أر قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل، ووجوههم معلبة من آثار السجود قال: فدخلت فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس، ما جاء بك؟ قال: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله ﷺ، نزل الوحي وهم أعلم بتأويله، فقال بعضهم: لا تحدثوه، وقال بعضهم لنحدثنه. قال: قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله ﷺ وختنه وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله ﷺ معه؟ قالوا ننقم عليه ثلاثًا قلت: ما هن؟ قالوا: أولهن أنه حكم الرجال في دين الله، وقد قال الله إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ قال: قلت: وماذا؟ قالوا: وقاتل ولم يسب ولم يغنم، لئن كانوا كفارا لقد حلت له أموالهم، ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم قال: قلت: وماذا؟ قالوا ومحا نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين قال: قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم وحدثتكم من سنة نبيكم ﷺ ما لا تنكرون أترجعون؟ قالوا: نعم. قال: قلت: أما قولكم إنه حكم الرجال في دين الله فإنه يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إلى قوله: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ وقال في المرأة وزوجها: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا أنشدكم الله أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ قالوا: اللهم في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم. قال: خرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. وأما قولكم إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم أتسبون أمكم أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام إن الله ﷿ يقول: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ فأنتم تترددون بين ضلالتين فاختاروا أيهما شئتم؟ أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم قال: وأما قولكم إنه محى نفسه من أمير المؤمنين فإن رسول الله ﷺ دعا قريشًا يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتابًا فقال: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب يا علي محمد بن عبد الله فرسول الله ﷺ كان أفضل من علي، أخرجت من هذه؟ قالوا اللهم نعم فرجع منهم عشرون ألفًا وبقى منهم أربعة آلاف فقتلوا» (٣).\n_________\n(١) رواه أبو خيثمة في «العلم» (٤٨)، وأحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٨٤٧)، والحاكم (٣/ ٦١٨)، والبيهقي في «المدخل إلى السنن الكبرى» (١/ ٩٧) (٩٦). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٧/ ١٢٦): إسناده صحيح، وقال الألباني في «العلم لأبي خيثمة» (٤٨): إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) رواه أبو خيثمة في «العلم» (٤٨)، وابن أبي شيبة (١٢/ ١١٠)، وأحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٨٤٧)، والحاكم (٣/ ٦١٨)، والبيهقي في «المدخل إلى السنن الكبرى» (١/ ٩٧) (٩٦). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٧/ ١٢٦): إسناده صحيح، وقال الألباني في «العلم لأبي خيثمة» (٤٨): إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٣) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ١٦٥) (٨٥٧٥)، والطبراني (١٠/ ٢٥٧) (١٠٦٢٠)، والحاكم (٢/ ١٦٢)، والبيهقي (٨/ ١٧٩) (١٦٥١٧). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن تيمية في «منهاج السنة» (٨/ ٥٣٠): إسناده صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٤٢): رواه الطبراني وأحمد ببعضه ورجالهما رجال الصحيح.","vol":"7","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2085>خامسا: بعض من ثناء التابعين على ابن عباس ﵄</span>\nعن مجاهد قال: (كان ابن عباس إذا فسر الشيء رأيت عليه نورا) (١).\nعن يزيد بن الأصم قال: (خرج معاوية حاجًا وخرج معه ابن عباس فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب ممن يسأل عن الفقه) (٢).\nعن شقيق قال: (كان ابن عباس على الموسم فخطب فافتتح سورة النور فجعل يقرأ ثم يفسر فقال شيخ من الحي: سبحان الله ما رأيت كلامًا يخرج من رأس رجل لو سمعته الترك لأسلمت) (٣).\nعن ابن بريدة الأسلمي قال: (شتم رجل ابن عباس فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وفي ثلاث خصال، إني لآتي على الآية من كتاب الله ﷿ فلوددت أن جميع الناس يعلمون ما أعلم منها، وإني لأسمع بالحكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلي لا أقاضي إليه أبدًا، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح وما لي به من سائمة) (٤). الصحيح المسند من فضائل الصحابة – مصطفى بن العدوي – ص: ٤٢٢\n_________\n(١) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٩٨٠).\n(٢) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٩٨٣).\n(٣) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٩٨٠)، والطبري في تفسيره (١/ ٨١)، والحاكم (٣/ ٦١٨)، وابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ٢٢٦). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٤) رواه الطبراني (١٠/ ٢٦٦) (١٠٦٤٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٣٢٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٨٧): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.","vol":"7","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2086>الفرع السادس: فضل العباس بن عبد المطلب</span>\nعن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون) (١).\nعن أبي هريرة قال: «بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها ثم قال يا عمر! أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه» (٢).\nقال أخبرني كثير بن عباس بن عبد المطلب عن أبيه العباس قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلقد رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فلزمنا رسول الله ﷺ فلم نفارقه وهو على بغلة شهباء – وربما قال معمر بيضاء – قال العباس: فأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ وأكفها وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين» (٣).\nعن عبد المطلب بن ربيعة قال: دخل العباس على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا لنخرج فنرى قريشًا تحدث فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله ﷺ، ودر عرق بين عينيه ثم قال: «والله لا يدخل قلب امرئ إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي» (٤). الصحيح المسند من فضائل الصحابة – مصطفى بن العدوي – ص: ٤٤٣\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠١٠).\n(٢) رواه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣).\n(٣) رواه مسلم (١٧٧٥).\n(٤) رواه أحمد (١/ ٢٠٧) (١٧٧٧)، والبزار في «البحر الزخار» (٦/ ١٣١)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٦/ ٣٠٢). قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٤٢٨): له شواهد، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ٢١٠): إسناده صحيح.","vol":"7","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2087>المطلب السادس: هل القول بتفضيل بني هاشم يعد تفضيلًا مطلقًا لهم على جميع الأشخاص وفي كل الأحوال</span>؟\nلا يعني القول بتفضيل آل البيت – عند أهل السنة والجماعة – تفضيلهم مطلقًا في كل الأحوال وعلى جميع الأشخاص، بل قد يوجد في آحاد الناس من هو أفضل من آحاد بني هاشم، لزيادة التقوى والإيمان والعمل عنده، وهو الذي على أساسه يثاب الإنسان أو يعاقب، أما نفس القرابة ولو كانت من النبي ﷺ؛ فإن الله ﵎ لم يعلق بها ثوابًا ولا عقابًا، ولا مدح أحدًا بمجرد كونه من ذوي القربى وأهل البيت، ولا ذكر سبحانه استحقاقه الفضيلة عند الله بذلك (١)!\nفإن القرابة والنسب لا يؤثران في ترتيب الثواب والعقاب، ولا في مدح الله ﷿ للشخص المعين، ولا في كرامته عند الله، وإنما الذي يؤثر فيه الإيمان والعمل الصالح، وهو التقوى كما سبق (٢). قال سبحانه: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣].\nوعلى ضوء هذه الآية الكريمة، وحديث: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (٣)، ولزيادة التوضيح أقول (٤):\nالأرض إذا كان فيها معدن ذهب ومعدن فضة، كان معدن الذهب خيرًا؛ لأنه مظنة وجود أفضل الأمرين فيه، فإن قدر أنه تعطل ولم يخرج ذهبًا، كان ما يخرج الفضة أفضل منه. فالعرب في الأجناس، وقريش فيها، ثم هاشم في قريش مظنة أن يكون فيهم من الخير أعظم مما يوجد في غيرهم. ولهذا كان في بني هاشم النبي ﷺ الذي لا يماثله أحد في قريش، فضلًا عن وجوده في سائر العرب وغير العرب، وكان في قريش الخلفاء الراشدون وسائر العشرة وغيرهم ممن لا يوجد له نظير في العرب وغير العرب، وكان في العرب من السابقين الأولين من لا يوجد له نظير في سائر الأجناس.\nفلابد أن يوجد في الصنف الأفضل ما لا يوجد مثله في المفضول، وقد يوجد في المفضول ما يكون أفضل من كثير مما يوجد في الفاضل. كما أن الأنبياء الذين ليسوا من العرب أفضل من العرب الذين ليسوا بأنبياء، والمؤمنون المتقون من غير قريش أفضل من القرشيين الذين ليسوا مثلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك المؤمنون المتقون من قريش وغيرهم أفضل ممن ليس مثلهم في الإيمان والتقوى من بني هاشم.\nفهذا هو الأصل المعتبر في هذا الباب دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقًا، ودون من ظن أن الله تعالى يفضل الإنسان بنسبه على من هو مثله في الإيمان والتقوى، فضلًا عمن هو أعظم إيمانًا وتقوى؛ فكلا القولين خطأ، وهما متقابلان.\nبل الفضيلة بالنسب فضيلة جملة، وفضيلة لأجل المظنة والسبب، والفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية؛ فالأول يفضل به لأنه سبب وعلامة، ولأن الجملة أفضل من جملة تساويها في العدد. والثاني يفضل به لأنه الحقيقة والغاية، ولأن كل من كان أتقى لله كان أكرم عند الله، والثواب من الله يقع على هذا؛ لأن الحقيقة قد وجدت، فلم يعلق الحكم بالمظنة، ولأن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلا يستدل بالأسباب والعلامات.\n_________\n(١) انظر: «منهاج السنة النبوية» (٤/ ٦٠٢)، و(٨/ ٢٢٠).\n(٢) انظر: «منهاج السنة النبوية» (٤/ ٦٠٠).\n(٣) رواه البخاري (٣٣٨٣)، ومسلم (٢٦٣٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) انظر: «منهاج السنة النبوية» (٤/ ٦٠٦ - ٦٠٨).","vol":"7","page":482},{"text":"ولهذا كان رضا الله عن السابقين الأولين أفضل من الصلاة على آل محمد، لأن ذلك إخبار برضا الله عنه أنه يصلي عليه هو وملائكته بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦]، فلم تكن فضيلته بمجرد كون الأمة يصلون عليه، بل بأنه تعالى وملائكته يصلون عليه بخصوصه، وإن كان الله وملائكته يصلون على المؤمنين عمومًا، كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الأحزاب: ٤٣]، ويصلون على معلمي الناس الخير، كما في الحديث: «إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير» (١). فمحمد ﷺ لما كان أكمل الناس فيما يستحق به الصلاة من الإيمان وتعليم الخير وغير ذلك، كان له من الصلاة عليه خبرًا وأمرًا خاصية لا يوجد مثلها لغيره ﷺ.\nفبنو هاشم لهم حق وعليهم حق، والله تعالى إذا أمر الإنسان بما لم يأمر به غيره، لم يكن أفضل من غيره بمجرد ذلك، بل إن امتثل ما أمر الله به كان أفضل من غيره بالطاعة، كولاة الأمور وغيرهم ممن أمر بما لم يؤمر به غيره، من أطاع منهم كان أفضل؛ لأن طاعته أكمل، ومن لم يطع منهم كان من هو أفضل منه في التقوى أفضل منه (٢).\nفالصلاة على آل محمد حق لهم عند المسلمين، وذلك سبب لرحمة الله تعالى لهم بهذا النسب، لأن ذلك يوجب أن يكون كل واحد من بني هاشم لأجل الأمر بالصلاة عليه تبعًا للنبي ﷺ أفضل ممن لم يصل عليه. ألا ترى أن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ [التوبة: ١٠٣].\nوفي (الصحيحين) عن ابن أبي أوفى أن النبي ﷺ كان إذا أتاه قوم بصدقتهم صلى عليهم، وإن أبي أتاه بصدقته فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» (٣). فهذا فيه إثبات فضيلة لمن صلى عليه النبي ﷺ ممن كان يأتيه بالصدقة، ولا يلزم من هذا أن يكون كل من لم يأته بصدقة لفقره دون من أتاه بصدقة وصلى عليه؛ بل قد يكون من فقراء المهاجرين الذين ليس لهم صدقة يأتونه بها من هو أفضل من كثير ممن أتاه بالصدقة وصلى عليه، وقد يكون بعض من يأخذ الصدقة أفضل من بعض من يعطيها، وقد يكون فيمن يعطيها أفضل من بعض من يأخذها، وإن كانت اليد العليا خيرًا من اليد السفلي.\nفالفضيلة بنوع لا يستلزم أن يكون صاحبها أفضل مطلقًا، ولهذا في الأغنياء من هو أفضل من جمهور الفقراء، وفي الفقراء من هو أفضل من جمهور الأغنياء؛ فإبراهيم وداود وسليمان ويوسف وأمثالهم أفضل من أكثر الفقراء، ويحيى وعيسى ونحوهما أفضل من أكثر الأغنياء.\nفالاعتبار العام هو التقوى، كما قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣]، فكل من كان أتقى أفضل مطلقًا. وبهذا تزول شبه كثيرة تعرض في مثل هذه الأمور.\nوقد أورد شيخ الإسلام في معرض رده على الرافضي جماعة من قرابة النبي ﷺ كالعباس، وحمزة، وجعفر، وعقيل، وعبد الله، وعبيد الله، والفضل، وغيرهم من بني العباس، وربيعة، وأبي سفيان بن الحارث؛ وبين أن هؤلاء ليس أفضل من أهل بدر، ولا من أهل بيعة الرضوان، ولا من السابقين الأولين، إلا من تقدم بسابقته، كحمزة وجعفر؛ فإنهما ﵄ من السابقين الأولين. وكذلك عبيدة بن الحارث الذي استشهد يوم بدر (٤).\nوذكر شيخ الإسلام ﵀ أيضًا أن كثيرًا من بني هاشم في زمنه لا يحفظ القرآن، ولا يعرف من حديث النبي ﷺ إلا ما شاء، ولا يعرف معاني القرآن، فضلًا عن علوم القرآن والفقه والحديث (٥).\nوالخلاصة: أنه لا يقال بتفضيل بني هاشم مطلقًا، وإنما مع وجود الإيمان والتقوى والعمل الصالح، فصاحب الإيمان والتقوى من غير بني هاشم أقرب إلى الله وإلى رسول الله وأحب إليهما من الهاشمي الذي لا يتصف بذلك الوصف. دراسات في أهل البيت النبوي – خالد بن أحمد الصمي – ص: ٦٦\n_________\n(١) رواه المنذري في «الترغيب والترهيب» (٨١)، وحسنه لغيره الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب».\n(٢) «منهاج السنة النبوية» (٤/ ٦٠٢ - ٦٠٥).\n(٣) رواه البخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨).\n(٤) انظر: «منهاج السنة النبوية» (٨/ ٢٤٤ - ٢٤٥).\n(٥) انظر: «آل رسول الله ﷺ وأولياؤه» (ص: ٢٠٠).","vol":"7","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2088>المبحث الثالث: مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في آل البيت</span>\n١ - أهل السنة يوجبون محبة أهل بيت النبي ﷺ، ويجعلون ذلك من محبة النبي ﵊، ويتولونهم جميعًا، لا كالرافضة الذين يتولون البعض، ويفسقون البعض الآخر (١).\n٢ - أهل السنة يعرفون ما يجب لهم من الحقوق؛ فإن الله جعل لهم حقًا في الخمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم تبعًا للصلاة على النبي ﷺ.\n٣ - أهل السنة يتبرؤون من طريقة النواصب الجافين لأهل البيت والروافض الغالين فيهم.\n٤ - أهل السنة يتولون أزواج النبي ﷺ ويترضون عنهن، ويعرفون لهن حقوقهن، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة (٢).\n٥ - أهل السنة لا يخرجون في وصف آل البيت عن المشروع، فلا يغالون في أوصافهم، ولا يعتقدون عصمتهم، بل يعتقدون أنهم بشر تقع منهم الذنوب كما تقع من غيرهم.\n٦ - أهل السنة يعتقدون أن أهل البيت ليس فيهم مغفور الذنب، بل فيهم البر والفاجر، والصالح والطالح.\n٧ - أهل السنة يعتقدون أن القول بفضيلة أهل البيت لا يعني تفضيلهم في جميع الأحوال، وعلى كل الأشخاص، بل قد يوجد من غيرهم من هو أفضل منهم لاعتبارات أخرى.\nأقوال أئمة السلف وأهل العلم والإيمان من بعدهم.\nتواتر النقل عن أئمة السلف وأهل العلم جيلًا بعد جيل، على اختلاف أزمانهم وبلدانهم بوجوب محبة أهل بيت رسول الله ﷺ وإكرامهم والعناية بهم، وحفظ وصية النبي ﷺ فيهم، ونصوا على ذلك في أصولهم المعتمدة. ولعل كثرة المصنفات التي ألفها أهل السنة في فضائلهم ومناقبهم أكبر دليل على ذلك.\nوإليك طائفة من أقوالهم في ذلك:\nقول خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق ﵁ (ت ١٣هـ):\nروى الشيخان في صحيحيهما عنه ﵁ أنه قال: (والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي) (٣).\nقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (ت ٢٣هـ):\nروى ابن سعد في (الطبقات) عن عمر بن الخطاب أنه قال لعباس ﵄:\n(والله! لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب – يعني والده – لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب) (٤).\nقول زيد بن ثابت ﵁ (ت ٤٢هـ):\nعن الشعبي قال: (صلى زيد بن ثابت ﵁ على جنازة، ثم قربت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس ﵄ فأخذ بركابه. فقال زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله ﷺ. فقال: هكذا نفعل بالعلماء، فقبل زيد يد ابن عباس وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا) (٥).\nقول معاوية بن أبي سفيان ﵄ (ت ٦٠ هـ):\n_________\n(١) انظر: «نونية القحطاني» (ص: ٢٤)، «لمعة الاعتقاد» (ص: ١٧٨).\n(٢) انظر: «نونية القحطاني» (ص: ٢٤)، «الشريعة» للآجري (٥/ ٢٢٧٦)، «لمعة الاعتقاد» (ص: ١٧٨).\n(٣) رواه البخاري (٣٧١١)، ومسلم (١٧٥٩). من حديث عائشة ﵂.\n(٤) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٤/ ٢٢ - ٢٣). والحديث رواه الطبراني (٨/ ٩) (٧٢٨٠). من حديث عبدالله بن عباس ﵄. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٤٢): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وصححه ابن حجر في «المطالب العالية» (٤/ ٤١٨)، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣٣٤١): صحيح بمجموع طرقه.\n(٥) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٩/ ٣٢٦).","vol":"7","page":484},{"text":"أورد الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية): أن الحسن بن علي دخل عليه في مجلسه، فقال له معاوية: (مرحباَ وأهلًا بابن رسول الله ﷺ)؛ وأمر له بثلاثمائة ألف (١).\nوأورد -أيضًا- أن الحسن والحسين ﵄ وفدا على معاوية ﵁ فأجازهما بمائتي ألف، وقال لهما: (ما أجاز بهما أحد قبلي. فقال الحسين: ولم تعط أحدًا أفضل منا) (٢).\nقول ابن عباس ﵄ (ت ٦٨ هـ):\nقال رزين بن عبيد: كنت عند ابن عباس ﵄ فأتى زين العابدين علي بن الحسين، فقال له ابن عباس: (مرحبًا بالحبيب ابن الحبيب) (٣).\nقول أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (ت ٣٢١ هـ):\nقال ﵀ في (عقيدته الشهيرة): (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير) (٤).\nوقال أيضا: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق) (٥).\nقول الإمام الحسن بن علي البربهاري (ت ٣٢٩ هـ):\nقال في (شرح السنة): (واعرف لبني هاشم فضلهم، لقرابتهم من رسول الله ﷺ، وتعرف فضل قريش والعرب، وجميع الأفخاذ، فاعرف قدرهم وحقوقهم في الإسلام، ومولى القوم منهم، وتعرف لسائر الناس حقهم في الإسلام، واعرف فضل الأنصار ووصية رسول الله ﷺ فيهم، وآل الرسول فلا تنساهم، واعرف فضلهم وكراماتهم) (٦).\nقول أبي بكر محمد بن الحسين الآجري (ت ٣٦٠ هـ):\nقال في (كتاب الشريعة): (واجب على كل مؤمن ومؤمنة محبة أهل بيت رسول الله ﷺ، بنو هاشم: علي بن أبي طالب وولده وذريته، وفاطمة وولدها وذريتها، والحسن والحسين وأولادهما وذريتهما، وجعفر الطيار وولده وذريته، وحمزة وولده، والعباس وولده وذريته ﵃: هؤلاء أهل بيت رسول الله ﷺ، واجب على المسلمين محبتهم، وإكرامهم، واحتمالهم، وحسن مداراتهم، والصبر عليهم، والدعاء لهم) (٧).\nقول الإمام عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني (ت ٣٨٧ هـ):\nقال رحمه الله تعالى في (النونية) (٨):\nواحفظ أهل البيت واجب حقهم ... واعرف عليا أيما عرفان\nلا تنتقصه ولا تزد في قدره ... فعليه تصلى النار طائفتان\nإحداهما لا ترتضيه خليفة ... وتنصه الأخرى إلها ثاني\nقول الموفق ابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ):\nقال في (لمعة الاعتقاد): (ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرءات من كل سوء، أفضلهم خديجة بنت خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه، زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فهو كافر بالله العظيم) (٩).\nأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ):\n_________\n(١) «البداية والنهاية» (٨/ ١٤٦).\n(٢) «البداية والنهاية» (٨/ ١٤٦).\n(٣) «البداية والنهاية» (٩/ ١٢٤).\n(٤) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (ص: ٤٦٧ - ٤٧١).\n(٥) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (ص: ٤٩٠ - ٤٩١).\n(٦) «شرح السنة» (ص: ٩٦ - ٩٧).\n(٧) «الشريعة» (٥/ ٢٢٧٦).\n(٨) «نونية القحطاني» (ص: ٢٤).\n(٩) «لمعة الاعتقاد» (ص: ١٧٨).","vol":"7","page":485},{"text":"قال في «العقيدة الواسطية»: (ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي» (١). وقال للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي» (٢). وقال: «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٣». (٤).\nوقال – رحمه الله تعالى- في بيان عقيدة السلف في أزواج النبي ﷺ:\n(ويتولون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة خصوصًا خديجة ﵂ أم أولاده وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية. والصديقة بنت الصديق ﵂، التي قال فيها النبي ﷺ: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (٥).\nويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة يسبونهم، ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل) (٦).\nوقال -﵀-: (ولا ريب أن لآل محمد ﷺ حقًا على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش، كما أن قريشًا يستحقون من المحبة والموالاة ما لا يستحقه غير قريش من القبائل، كما أن جنس العرب يستحق من المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر أجناس بني آدم.\nوهذا على مذهب الجمهور الذين يرون فضل العرب على غيرهم، وفضل قريش على سائر العرب، وفضل بني هاشم على سائر قريش، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره) (٧).\nوقال أيضًا: (والحب لعلي وترك قتاله خير بإجماع أهل السنة من بغضه وقتاله. وهم متفقون على وجوب موالاته ومحبته، وهم أشد الناس ذبا عنه، وردا على من يطعن عليه من الخوارج وغيرهم من النواصب) (٨).\nقول الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ):\nقال في (التفسير): (ولا ننكر الوصاية بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم؛ فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم، كالعباس وبنيه، وعلي وأهل ذريته ﵃ أجمعين) (٩).\nقول محمد بن إبراهيم الوزير اليماني (ت ٨٤٠ هـ):\nقال –رحمه الله تعالى-: (وقد دلت النصوص الجمة المتواترة على وجوب محبتهم وموالاتهم (يعني أهل البيت)، وأن يكون معهم، ففي (الصحيح): «المرء مع من أحب» (١٠). ومما يخص أهل بيت رسول الله ﷺ وآله وسلم قول الله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: ٣٣]).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٤٠٨).\n(٢) رواه بنحوه أحمد (١/ ٢٠٧) (١٧٧٧). من حديث عبدالمطلب بن ربيعة ﵁. قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٤٢٨): له شواهد، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ٢١٠): إسناده صحيح.\n(٣) رواه مسلم (٢٢٧٦). من حديث واثلة بن الأسقع ﵁.\n(٤) «شرح العقيدة الواسطية» للفوزان (ص: ١٩٥).\n(٥) رواه البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(٦) «شرح العقيدة الواسطية» للفوزان (ص: ١٩٨، ٢٠١).\n(٧) «منهاج السنة النبوية» (٤/ ٥٩٩).\n(٨) «منهاج السنة النبوية» (٤/ ٣٩٥).\n(٩) «تفسير القرآن العظيم» (٦/ ١٩٩).\n(١٠) رواه البخاري (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠). من حديث عبدالله بن مسعود ﵁.","vol":"7","page":486},{"text":"فيجب لذلك حبهم وتعظيمهم وتوقيرهم واحترامهم والاعتراف بمناقبهم فإنهم أهل آيات المباهلة والمودة والتطهير، وأهل المناقب الجمة والفضل الشهير) (١).\nأقوال العلامة صديق حسن خان (ت ١٣٠٧ هـ):\nقال في (الدين الخالص): (... وأما أهل السنة فهم مقرون بفضائلهم (يعني أهل البيت) كلهم أجمعين أكتعين أبصعين، لا ينكرون على أهل البيت من الأزواج والأولاد، ولا يقصرون في معرفة حق الصحابة الأمجاد. قائمون بالعدل والإنصاف، حائدون عن الجور والاعتساف، فهم الأمة الوسط بين هذه الفرق الباطلة الكاذبة الخاطئة) (٢).\nوقال في موضوع يبين عقيدة أهل السنة في الأزواج والعترة:\n(... وأهل السنة يحرمون الكل، ويعظمونهن حق العظمة، وهو الحق البحت، وكذلك يعترفون بعظمة أولاده ﵌ من فاطمة الزهراء ﵂، ويذكرونهم جميعًا بالخير والدعاء والثناء، فمن لم يراع هذه الحرمة لأزواجه المطهرات، وعترته الطاهرات فقد خالف ظاهر الكتاب وصريح النص منه) (٣).\nقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦ هـ):\nقال في (التنبيهات اللطيفة):\n(... فمحبة أهل بيت النبي ﷺ واجبة من وجوه، منها:\nأولًا: لإسلامهم وفضلهم وسوابقهم.\nومنها: لما يتميزوا به من قرب النبي ﷺ واتصالهم بنسبه.\nومنها: لما حث عليه ورغب فيه) (٤).\nقول العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت ١٤٢١ هـ):\nقال في (شرح العقيدة الواسطية): (ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون آل بيت رسول الله ﷺ؛ يحبونهم للإيمان، وللقرابة من رسول الله ﷺ ولا يكرهونهم أبدًا) (٥). دراسات في أهل البيت النبوي لخالد بن أحمد الصمي – ص: ٥٢\nوعقيدةُ أهل السُّنَّة والجماعة وسَطٌ بين الإفراطِ والتَّفريط، والغلُوِّ والجَفاء في جميعِ مسائل الاعتقاد، ومِن ذلك عقيدتهم في آل بيت الرَّسول ﷺ، فإنَّهم يَتوَلَّونَ كلَّ مسلمٍ ومسلمةٍ من نَسْل عبدالمطلِّب، وكذلك زوجات النَّبِيِّ ﷺ جميعًا، فيُحبُّون الجميعَ، ويُثنون عليهم، ويُنْزلونَهم منازلَهم التي يَستحقُّونَها بالعدلِ والإنصافِ، لا بالهوى والتعسُّف، ويَعرِفون الفضلَ لِمَن جَمع اللهُ له بين شرِف الإيمانِ وشرَف النَّسَب، فمَن كان من أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ، فإنَّهم يُحبُّونَه لإيمانِه وتقواه، ولصُحبَتِه إيَّاه، ولقرابَتِه منه ﷺ.\nومَن لَم يكن منهم صحابيًّا، فإنَّهم يُحبُّونَه لإيمانِه وتقواه، ولقربه من رسول الله ﷺ، ويَرَون أنَّ شرَفَ النَّسَب تابعٌ لشرَف الإيمان، ومَن جمع اللهُ له بينهما فقد جمع له بين الحُسْنَيَيْن، ومَن لَم يُوَفَّق للإيمان، فإنَّ شرَفَ النَّسَب لا يُفيدُه شيئًا، وقد قال الله ﷿: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣]، وقال ﷺ في آخر حديث طويلٍ رواه مسلم في (صحيحه) عن أبي هريرة ﵁: «ومَن بطَّأ به عملُه لَم يُسرع به نسبُه» (٦).\n_________\n(١) انظر: «إيثار الحق على الخلق» (ص: ٤٦٠، ٤٦١) بتصرف.\n(٢) «الدين الخالص» (٣/ ٢٧٠).\n(٣) «الدين الخالص» (٣/ ٢٦٨). وانظر: «قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر» (ص: ١٠١ - ١٠٣).\n(٤) «التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة» (ص: ٩٤).\n(٥) «شرح العقيدة الواسطية» (٢/ ٢٨٣).\n(٦) رواه مسلم (٢٦٩٩).","vol":"7","page":487},{"text":"وقد قال الحافظ ابن رجب ﵀ في شرح هذا الحديث في كتابه (جامع العلوم والحكم) (ص:٣٠٨): (معناه أنَّ العملَ هو الذي يَبلُغُ بالعبدِ درجات الآخرة، كما قال تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام:١٣٢]، فمَن أبطأ به عملُه أن يبلُغَ به المنازلَ العاليةَ عند الله تعالى لَم يُسرِع به نسبُه، فيبلغه تلك الدَّرجات؛ فإنَّ اللهَ رتَّب الجزاءَ على الأعمال لا على الأنساب، كما قال تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون: ١٠١]، وقد أمر الله تعالى بالمسارعةِ إلى مغفرتِه ورحمتِه بالأعمال، كما قال: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤] الآيتين، وقال: إِنَّ الَّذِينَ هُم مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]).\nثمَّ ذَكَرَ نصوصًا في الحثِّ على الأعمالِ الصالِحَة، وأنَّ ولايةَ الرَّسول ﷺ إنَّما تُنالُ بالتقوى والعمل الصَّالِح، ثمَّ ختَمها بحديث عمرو بن العاص ﵁ في (صحيح البخاري) و(صحيح مسلم)، فقال: (ويشهد لهذا كلِّه ما في (الصحيحين) عن عمرو بن العاص أنَّه سمع النَّبِيَّ ﷺ يقول: «إنَّ آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، وإنَّما وليِّيَ اللهُ وصالِحُ المؤمنين» (١)، يشير إلى أنَّ ولايتَه لا تُنال بالنَّسَب وإن قَرُب، وإنَّما تُنال بالإيمان والعمل الصالح، فمن كان أكملَ إيمانًا وعملًا فهو أعظم ولايةً له، سواء كان له منه نسبٌ قريبٌ أو لم يكن، وفي هذا المعنى يقول بعضُهم:\nلعمرُك ما الإنسان إلاَّ بدينه ... فلا تترك التقوى اتكالا على النسب\nلقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ ... وقد وضع الشركُ النَّسِيبَ أبا لهب).\n@ فضل أهل البيت وعلو مكانتهم عند أهل السنة والجماعة لعبدالمحسن بن حمد العباد البدر- ص١٣\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٩٠) ومسلم (٢١٥).","vol":"7","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2090>المطلب الأول: الدفاع عنهم</span>\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة في آل البيت تحريم إيذائهم أو الإساءة إليهم بقول أو فعل، فقد روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلي: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق» (١).\nوعن العباس بن عبد المطلب ﵁: «أنه اشتكى إلى النبي ﷺ أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال له رسول الله ﷺ: والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي» (٢).\nومنها: حق تبرئة ساحتهم مما ينسب إليهم كذبًا وزورًا، وهذا من المطالب العالية.\nفإن الدفاع عنهم لا يعني مجرد الرد على من يسبهم وتعزيره وتأديبه، بل يشمل ذلك، ويشمل الرد على من غلا فيهم، وأنزلهم فوق منزلتهم؛ فإن ذلك يؤذيهم، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابه الكبير (منهاج السنة) في الرد على من غلا فيهم.\nومما يؤكد أن الغلو فيهم يؤذيهم ما جاء في رجال الكشي عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين ﵉ حيث قال: (إن اليهود أحبوا عزيرًا حتى قالوا فيه ما قالوا، فلا عزير منهم ولا هم من عزير، وإن النصارى أحبوا عيسى حتى قالوا فيه ما قالوا، فلا عيسى منهم ولا هم من عيسى، وإنا على سنة من ذلك، إن قومًا من شيعتنا سيحبونا حتى يقولوا فينا ما قالت اليهود في عزير، وما قالت النصارى في عيسى ابن مريم، فلا هم منا ولا نحن منهم) (٣).\nوقد أنكر جمع من علماء الشيعة على الغلاة منهم، وذكروا أشياء كثيرة من الغلو، لكن مع مضي القرون أصبح هذا الغلو من ضروريات مذهب الشيعة وعقائدهم، حتى قال أحد كبار علمائهم – عبد الله المامقاني أكبر شيوخهم في علم الرجال في هذا العصر-: (إن القدماء –يعني من الشيعة- كانوا يعدون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب الشيعة غلوا وارتفاعًا، وكانوا يرمون بذلك أوثق الرجال كما لا يخفى على من أحاط خبرًا بكلماتهم) (٤). آل البيت ﵇ وحقوقهم الشرعية – صالح بن عبد الله الدرويش – ص٣٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٨).\n(٢) رواه بنحوه أحمد (١/ ٢٠٧) (١٧٧٧). من حديث عبدالمطلب بن ربيعة ﵁. قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٤٢٨): له شواهد، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ٢١٠): إسناده صحيح.\n(٣) «رجال الكشي» (ص: ١١١).\n(٤) «تنقيح المقال» (٣/ ٢٣).","vol":"7","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2091>المطلب الثاني: الصلاة عليهم</span>\nومنها: مشروعية الصلاة عليهم، وذلك عقب الأذان، وفي التشهد آخر الصلاة، وعند الصلاة على النبي ﷺ ... فقد جاء فيها عدة نصوص؛ كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦] وكما جاء في الحديث لما سئل النبي ﷺ عن كيفية الصلاة عليه في الصلاة؛ قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم» (١) فالصلاة على آله من تمام الصلاة عليه وتوابعها؛ لأن ذلك مما تقر به عينه، ويزيده الله به شرفًا وعلوًا.\nوقد ألف ابن القيم ﵀ كتابًا مستقلًا في فضل الصلاة على النبي ﷺ سماه: (جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام)، وقد بين فيه أن الصلاة على آل البيت حق لهم دون سائر الأمة، بغير خلاف بين الأئمة (٢).\nلكن قد يورد البعض مسألتين:\nالأولى: أن أهل السنة كثيرًا ما يصلون على النبي ﷺ بدون ذكر (الآل) فيقولون: ﷺ.\nوالثانية: أن أهل السنة إذا صلوا على النبي ﷺ في بداية الكلام يضيفون مع الآل الأصحاب، فيقولون: صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nوالجواب عن المسألة الأولى أن يقال:\nالأمر في ذلك واسع؛ فقد أمر الله في القرآن بالصلاة على النبي ﷺ ولم يذكر الآل؛ كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦] فإن ذكر الآل فأمر حسن، وإن لم يذكروا فالأمر فيه سعة.\nوأما الجواب عن المسألة الثانية: فإن الله أمر نبيه بالصلاة على أصحابه في قوله: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ [التوبة: ١٠٣] ونحن مأمورون بالاقتداء به ﷺ، فذكرهم في الصلاة مع النبي ﷺ فيه سعة، وهو من الاقتداء بالنبي ﷺ. آل البيت ﵇ وحقوقهم الشرعية – صالح بن عبد الله الدرويش – ص: ٣٠\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٠٥). من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁.\n(٢) «جلاء الأفهام» (١/ ٢٢٤).","vol":"7","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2092>المطلب الثالث: حقهم في الخمس</span>\nومن حقوق آل البيت ﵈ عند أهل السنة، حقهم من الخمس؛ لقوله تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال: ٤١] وقوله تعالى: مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الحشر: ٧] وثبت في السنة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (سمعت عليًا يقول: ولاني رسول الله ﷺ خمس الخمس، فوضعته مواضعه حياة رسول الله ﷺ، وحياة أبي بكر، وحياة عمر، فأتي بمال فدعاني، فقال: خذه، فقلت: لا أريده، قال: خذه؛ فأنتم أحق به، قلت: قد استغنينا عنه. فجعله في بيت المال) رواه أبو داود (١).\nففي الخمس سهم خاص بذي القربى، وهو ثابت لهم بعد وفاة رسول الله ﷺ، وهو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فآل بيت النبي ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها؛ فإن الله جعل لهم حقًا في الخمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ) (٣).\nلكن أهل السنة –بخلاف الشيعة- يقولون: إنهم يعطون من خمس الغنائم، وليس من خمس الأموال، فليس في الإرث خمس، وكذا في المسكن والسيارة وغيرها؛ لأن الله يقول: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ [الأنفال: ١] فقال: أَنَّمَا غَنِمْتُم ولم يقل: من أموالكم.\nوقد اضطربت الشيعة بعد غيبة الإمام الثاني عشر اضطرابًا كبيرًا بسبب الخمس، حيث ظهرت مشكلة: إلى من يسلم الخمس، وماذا يصنع به؟\nيبين هذا الاضطراب الشيخ المفيد حيث يقول: (قد اختلفت قوم من أصحابنا في ذلك – أي: الخمس – عند الغيبة، وذهب كل فريق إلى مقال:\nفمنهم من يسقط إخراجه لغيبة الإمام، وما تقدم من الرخص فيه من الأخبار.\nوبعضهم يوجب كنزه – أي: دفنه – ويتأول خبرًا ورد: إن الأرض تظهر كنوزها عند ظهور الإمام، وأنه ﵇ إذا قام دله الله على الكنوز فيأخذها من كل مكان.\nوبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على طريق الاستصحاب.\nوبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر، فإن خشي إدراك الموت قبل ظهوره وصى به إلى من يثق به في عقله وديانته حتى يسلم إلى الإمام إن أدرك قيامه، وإلا وصى به إلى من يقوم مقامه في الثقة والديانة.\nثم قال بعد ذلك: وإنما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما يلجأ إليه من صريح الألفاظ ...) (٤).\nفالقول الوحيد المستند إلى الأخبار الواردة عن الأئمة من بين كل الأقوال التي استعرضها الشيخ المفيد هو القول الأول الذي يسقط إخراج الخمس.\nومنها: اليقين الجازم بأن نسب رسول الله ﷺ وذريته هو أشرف أنساب العرب قاطبة؛ فإن النبي ﷺ يقول: «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٥). آل البيت ﵇ وحقوقهم الشرعية – صالح بن عبد الله الدرويش – ص: ٣٤\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٩٨٣)، والحاكم (٢/ ١٤٠)، وابن أبى شيبة (٦/ ٥١٦)، والضياء (٢/ ٢٦٥) (٦٤٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٣٢٩)، وقال عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٥٨٣): صحيح الإسناد، كما أشار لذلك في المقدمة.\n(٢) انظر: «المغني» (٩/ ٢٨٨).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٤٠٧).\n(٤) «المقنعة» للشيخ المفيد (ص: ٤٦).\n(٥) رواه مسلم (٢٢٧٦). من حديث واثلة بن الأسقع ﵁.","vol":"7","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2093>المطلب الرابع: تحريم الصدقة عليهم</span>\nومن هذه الحقوق: تحريم الزكاة والصدقة عليهم؛ وذلك لكرامتهم وتنزيههم عن الأوساخ؛ فقد قال رسول الله ﷺ: «إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما تحريم الصدقة فحرمها عليه وعلى أهل بيته تكميلًا لتطهيرهم، ودفعًا للتهمة عنه؛ كما لم يورث، فلا يأخذ ورثته درهمًا ولا دينارًا) (٢).\nهذه هي أهم الحقوق التي أوجبها الله ورسوله ﷺ لآل بيت النبي ﵈، اقتصرنا فيها على ما اشتهر نصه وذاع أمره؛ خشية الإطالة وحرصًا على الاختصار؛ فالواجب على كل مسلم مراعاتها ومعرفتها، واتباع ما أمر به النبي ﷺ تجاهها، فضلًا عن محبتهم وتوقيرهم. آل البيت ﵇ وحقوقهم الشرعية – صالح بن عبد الله الدرويش – ص: ٣٨\nالمطلب الخامس: شروط استحقاق آل البيت حقوقهم\nيظهر من خلال معتقد أهل السنة والجماعة أنهم يشترطون لموالاة قرابة النبي ﷺ شرطين، لابد من تحققهما لتكون الموالاة لهم، وإلا فإنهم لا يجدون ذلك الاحترام وتلك المكانة؛ فإن فيهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والسني والرافضي وغير ذلك.\nالشرط الأول: أن يكونوا مؤمنين مستقيمين على الملة.\nفإن كانوا كفارًا فلا حق لهم في الحب والتعظيم والإكرام والولاية، ولو كانوا من أقرب الناس إلى النبي ﷺ كعمه أبي لهب.\nيقول الشيخ العلامة العثيمين –رحمه الله تعالى- في تقرير هذا الشرط: (فنحن نحبهم لقرابتهم من رسول الله ﵊، ولإيمانهم بالله، فإن كفروا فإننا لا نحبهم ولو كانوا أقارب الرسول ﵊؛ فأبوا لهب عم الرسول ﵊ لا يجوز أن نحبه بأي حال من الأحوال، بل يجب أن نكرهه لكفره، ولإيذائه النبي ﷺ. وكذلك أبو طالب؛ فيجب علينا أن نكرهه لكفره ولكن نحب أفعاله التي أسداها إلى الرسول ﵊ من الحماية والذب عنه) (٣).\nالشرط الثاني: أن يكونوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة.\nفإن فارقوا السنة، وتركوا الجادة، وخالفوا هدي النبي ﷺ، وتلبسوا بالبدع والمحدثات؛ فإنه ليس لهم حق في الحب والتعظيم والإكرام والولاية، حتى يرجعوا إلى السنة، ويتمسكوا بها. والواجب في هذه الحالة دعوتهم إلى العودة إلى الكتاب والسنة، ونبذ ما سواهما من الأهواء والبدع، وأن يكونوا على ما كان عليه سلفهم، كعلي ﵁ وسائر بنيه، والعباس ﵁ وأولاده.\nيقول العلامة صديق حسن خان في تقرير هذا الشرط في معرض التعليق على حديث: «تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي» (٤).\n(المراد بهم من هو على طريقة الرسول ﵌ وسمته ودله وهديه، ولا يستقيم المقارنة بكتاب الله إلا إذا كانوا موافقين له عاملين به. فمعيار الأخذ بالعترة اتفاقهم بالقرآن في كل نقير وقطمير ...).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠٧٢). من حديث عبدالمطلب بن ربيعة ﵁.\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٣٠).\n(٣) «شرح العقيدة الواسطية» (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\n(٤) رواه الترمذي (٣٧٨٦)، والطبراني (٣/ ٦٦) (٢٦٨٠). من حديث جابر بن عبدالله ﵁. قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٧/ ١٥٩)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"7","page":492},{"text":"إلى أن قال: (وأما من عاد منهم مبتدعًا في الدين فالحديث لا يشمله؛ لعدم المقارنة، هذا أوضح من كل واضح، لا يخفى إلا على الأعمى. وكم من رجال ينسبونهم إليه ﷺ في اتحاد الطين قد خرجوا من نسبة الدين، ودخلوا في عدد المنتحلين والغالين والجاهلين، وسلكوا سبيل المبتدعين المشركين، كالسادة الرافضة، والخارجة، والمبتدعة، ونحوهم. فليس هؤلاء مصداق هذا الحديث أصلًا وإن صحت نسبتهم الطينية إليه ﷺ فقد فارقوه في النسبة الدينية.\nفالحاصل أن نفس هذا الحديث يخرج الخارجين عن الطريقة المثلى المأثورة التي جعلها رسول الله ﷺ أمارة للفرقة الناجية في حديث الافتراق، قال: «هم ما أنا عليه وأصحابي» (١). فمن كان من أهل البيت على هذه الشيمة الشريفة فهو المستحق لما في الحديث، ومن لم يكن كذلك فليس أهلًا بما هنالك) (٢).\nويقول الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله تعالى – في تقرير شرطي تولي أهل السنة لقرابة النبي ﷺ.\n(... وذلك إذا كانوا متبعين للسنة، مستقيمين على الملة كما كان عليه سلفهم، كالعباس وبنيه، وعلي وبنيه، أما من خالف السنة ولم يستقم على الدين فإنه لا تجوز محبته، ولو كان من أهل البيت) (٣) اهـ.\nقلت: وبهذا تعلم أن قول المقريزي ﵀: (فليست بدعة المبتدع منهم، أو تفريط المفرط منهم في شيء من العبادات، أو ارتكابه محرمًا من المحرمات مخرج له من نبوة النبي ﷺ بل الولد ولد على كل حال عق أو فجر) (٤)؛ لا يستقيم على ما قرره أهل السنة، وأنه مبالغ فيه، فالكلام ليس في كونه من ولد النبي ﷺ أم لا، وإنما في موالاته ومحبته حال بدعته. وبالله تعالى التوفيق. دراسات في أهل البيت النبوي – خالد بن أحمد الصمي – ص: ٦٢\nفالواجب واللائق في من ينتسب إلى أهل البيت المطهر أن يكونوا أولى الناس حظًا في تقوى الله وخشيته واتباع طريقة مشرفهم وسنته ﷺ قولًا وعملًا باطنًا وظاهرًا، ناظرين إلى أن التفضيل الحقيقي هو بتقوى الله ﷿ واتباع نبيه ﷺ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عند تفسير سورة تبت: (وليس في القرآن ذم من كفر به ﷺ باسمه إلا هذا وامرأته –يعني أبا لهب- ففيه أن الأنساب لا عبرة لها، بل صاحب الشرف يكون ذمه على تخلفه عن الواجب أعظم، وكما قال تعالى: يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ [الأحزاب: ٣٠]) (٥).\nوجاء عن الحسن بن علي ﵁ أنه قال لرجل يغلو فيه: (أحبونا لله فإن أطعنا الله فأحبونا وإن عصينا الله فابغضونا، فقال له الرجل: إنكم ذوو قرابة رسول الله ﷺ وأهل بيته، فقال: ويحكم، لو كان الله نافعنا بقرابة رسول الله ﷺ من غير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا، والله إني أخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين) (٦).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٦٤١). من حديث عبدالله بن عمرو ﵄. وقال: غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه، وقال البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨٥)، وابن العربي في «أحكام القرآن» (٣/ ٤٣٢): ثابت، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٨٤): أسانيدها جياد.\n(٢) «الدين الخالص» (٣/ ٣٤٨).\n(٣) «شرح العقيدة الواسطية» (ص: ١٩٦).\n(٤) انظر: «السلوك في معرفة الملوك» (٧/ ١٩٩).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٦٠٢).\n(٦) «الصواعق المحرقة» للهيتمي (ص: ٣٤٦)، وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» (٩/ ١٧٨) نحو هذا الكلام عن الحسن بن الحسن بن علي ﵃.","vol":"7","page":493},{"text":"قلت: وذلك لأن صاحب الشرف مظنة الاتباع والقدوة لغيره. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم بن رجاء السحيمي– ص: ١٩٧\nالشرط الثالث: ثبوت النسب:\nأشرفُ الأنساب نسَبُ نبيِّنا محمد ﷺ، وأشرف انتسابٍ ما كان إليه ﷺ وإلى أهل بيتِه إذا كان الانتسابُ صحيحًا، وقد كثُرَ في العرب والعجم الانتماءُ إلى هذا النَّسب، فمَن كان من أهل هذا البيت وهو مؤمنٌ، فقد جمَع الله له بين شرف الإيمان وشرف النَّسب، ومَن ادَّعى هذا النَّسبَ الشريف وهو ليس من أهله فقد ارتكب أمرًا محرَّمًا، وهو متشبِّعٌ بِما لَم يُعط، وقد قال النَّبِيُّ ﷺ: «المتشبِّعُ بِما لَم يُعْطَ كلابس ثوبَي زور»، رواه مسلمٌ في (صحيحه) (١) من حديث عائشة ﵂.\nوقد جاء في الأحاديث الصحيحة تحريمُ انتساب المرء إلى غير نسبِه، ومِمَّا ورد في ذلك حديثُ أبي ذر ﵁ أنَّه سَمع النَّبِيَّ ﷺ يقول: «ليس مِن رجلٍ ادَّعى لغير أبيه وهو يَعلَمه إلاَّ كفر بالله، ومَن ادَّعى قومًا ليس له فيهم نسبٌ فليتبوَّأ مقعَدَه من النار»، رواه البخاريُّ، ومسلم، واللفظ للبخاري (٢).\nوفي (صحيح البخاري) من حديث واثلة بن الأَسْقع ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ مِن أعظَمِ الفري أن يَدَّعيَ الرَّجلُ إلى غير أبيه، أو يُري عينَه ما لَم تَرَ، أو يقولَ على رسول الله ﷺ ما لَم يقل» (٣)، ومعنى الفري: الكذب، وقوله: «أو يُري عينَه ما لَم تَرَ»، أي: في المنام.\nوفي (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) ﵀ (٣١/ ٩٣) أنَّ الوقفَ على أهل البيت أو الأشراف لا يستحقُّ الأخذَ منه إلاَّ مَن ثبت نسبُه إلى أهل البيت، فقد سُئل عن الوقف الذي أُوقِف على الأشراف، ويقول: (إنَّهم أقارب)، هل الأقاربُ شرفاء أم غير شرفاء؟ وهل يجوز أن يتناولوا شيئًا من الوقف أم لا؟\nفأجاب: (الحمد لله، إن كان الوقفُ على أهل بيتِ النَّبِيِّ ﷺ أو على بعض أهل البيت، كالعلويِّين والفاطميِّين أو الطالبيِّين، الذين يدخل فيهم بنو جعفر وبنو عَقيل، أو على العبَّاسيِّين ونحوِ ذلك، فإنَّه لا يستحقُّ مِن ذلك إلاَّ مَن كان نسبُه صحيحًا ثابتًا، فأمَّا مَن ادَّعى أنَّه منهم أو عُلِم أنَّه ليس منهم، فلا يستحقُّ مِن هذا الوقفِ، وإن ادَّعى أنَّه منهم، كبَنِي عبدالله بن ميمون القدَّاح؛ فإنَّ أهلَ العلمِ بالأنسَاب وغيرَهم يعلمون أنَّه ليس لهم نسبٌ صحيحٌ، وقد شهد بذلك طوائفُ أهل العلم من أهل الفقه والحديث والكلام والأنساب، وثبت في ذلك محاضرُ شرعيَّة، وهذا مذكورٌ في كتب عظيمة مِن كتب المسلمين، بل ذلك مِمَّا تواتر عند أهل العلم.\nوكذلك مَن وقف على الأشراف، فإنَّ هذا اللفظ في العُرف لا يدخل فيه إلاَّ مَن كان صحيح النَّسَب من أهل بيت النَّبِيِّ ﷺ.\nوأمَّا إن وقف واقفٌ على بني فلانٍ أو أقارب فلانٍ ونحو ذلك، ولم يكن في الوقف ما يقتضي أنَّه لأهل البيت النبويِّ، وكان الموقوف مُلكًا للواقف يصح وقفُه على ذريّة المعيَّن، لم يدخل بنو هاشم في هذا الوقف). فضل أهل البيت وعلو مكانتهم عند أهل السنة والجماعة لعبدالمحسن بن حمد العباد البدر-ص: ٨٢\nفمتى ثبت الانتساب إلى آل البيت مع الإسلام استحق ما لهم من حقوق.\nويتعين على هذا ترك الانتساب إليه ﷺ إلا بحق وقد جاء الوعيد الشديد في من انتسب إلى غير أبيه أو ادعى قومًا ليس له فيهم نسب.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢١٩) ومسلم (٢١٢٩).\n(٢) رواه البخاري (٣٥٠٨) ومسلم (٦١).\n(٣) رواه البخاري (٣٥٠٩).","vol":"7","page":494},{"text":"فقد جاء في الحديث الصحيح عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أعظم الفرى أن يدعى الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينه ما لم تر، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل» (١).\nوجاء عن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار» (٢).\nوعن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام» (٣).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر» (٤).\nففي هذه الأحاديث الوعيد الشديد لمن انتسب إلى غير أبيه أو قومًا غير قومه، وتحريم الانتفاء من النسب المعروف والادعاء إلى غيره، وقيد لك بالعلم ولابد منه في الحالتين إثباتًا أو نفيًا لأن الإثم يترتب على العالم بالشيء المتعمد له (٥).\nومما يدل على عظم جرم صاحب ذلك الفعل أنه عطفه على الكذب على النبي ﷺ والكذب على النبي ﷺ كذب على الله وقد قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [الأنعام: ٢١].\nوقد ذكر القاضي عياض أنه روي عن مالك فيمن انتسب إلى بيت النبي ﷺ أنه يضرب ضربًا وجيعًا، ويشهر، ويحبس طويلًا حتى تظهر توبته لأنه استخفاف بحق رسول الله ﷺ (٦).\nومع هذا فقد كثر في العصور المتأخرة الانتساب إلى آل البيت إما لمطامع دنيوية وطلب رفعة ومنزلة مكذوبة أو من أجل الكيد للإسلام وأهله.\nفالناظر في كتب التصوف يجد أن كثيرًا من أرباب الطرق ينتسبون إلى آل البيت ليخدعوا الناس بتلك الدعوى، كما أن كتب الرافضة مليئة بذلك حيث اتخذوا آل البيت ستارًا لبث أفكارهم ومعتقداتهم.\nوكما تقدم من أن الانتساب إلى آل البيت لا يكفي لوحده ولو ثبت ذلك فإن الصوفية القائلة بوحدة الوجود أو أن الشريعة لها ظاهر وباطن أو جواز الطواف على القبور والعكوف عندها، والرافضة القائلة بأن القرآن محرف ومزيد فيه ومنقوص منه (٧)، وأن الصحابة جلهم قد ارتد عن الإسلام (٨) وأن الأئمة معصومون (٩)، وغير ذلك من المعتقدات التي تنافي الإسلام كالقول بالرجعة ونسبة البداء لله ﷾ فهؤلاء وأمثالهم لا حظ لهم في الحقوق ولو صح انتسابهم إلى آل البيت لعدم توافر الشرط اللازم لذلك، والله أعلم. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان بن سالم بن رجاء السحيمي- ص: ١٩٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٥٠٩).\n(٢) رواه البخاري (٣٥٠٨)، ومسلم (٦١).\n(٣) رواه البخاري (٤٣٢٦)، ومسلم (٦٣).\n(٤) رواه البخاري (٦٧٦٨)، ومسلم (٦٢).\n(٥) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٤٠٩ - ٤١٠)، و«فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٥٤١).\n(٦) «الشفا» (٢/ ١١١٣).\n(٧) انظر: «الكافي» للكليني (٢/ ٣٦١)، و«تفسير العياشي» (١/ ٩)، و«الاحتجاج» للطبرسي (ص: ٢٤٩).\n(٨) انظر ذلك في «روضة الكافي» للكليني (٨/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، و«الاختصاص» للمفيد (ص: ٦)، و«الغدير» للأميني (٣/ ٢٦١ - ٢٦٢)، و«بصائر الدرجات» (ص: ٢٨٩)، و«بحار الأنوار» للمجلسي (٢٧/ ٢٩) وما بعدها.\n(٩) انظر: «أصول الكافي» للكليني (١/ ٢٦١)، «بصائر الدرجات» للصفار (ص: ١٤٩)، «عقائد الإمامية» للزنجاني (٢/ ١٥٧)، «الحكومة الإسلامية» للخميني (ص: ٩١).","vol":"7","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2094>الفصل الثالث: موقف أهل السنة من العلماء</span>\n• ١ - أنه لصبرهم وتقواهم كانت لهم الإمامة في الدين:.\n• ٢ - أن طاعتهم من طاعة الله ورسوله ﷺ:.\n• ٣ - أن الرد إليهم عند نزول النوازل لما خصهم الله به من القدرة على الاستنباط.\n• ٤ - ومن فضلهم: أنه قرنت شهادتهم بشهادة الله تعالى والملائكة.\n• ٥ - ومن فضلهم: أن اتباعهم يهدي إلى الصراط السوي.\n• ٦ - ومن فضلهم: أنهم ورثة الأنبياء.\n• ٧ - أنهم ممن أراد الله ﷿ بهم الخير.\n• ٨ - أن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين يصلون على معلم الناس الخير.\n• ٩ - أن العالم لا ينقطع عمله ما بقي علمه ينتفع به الناس.\n• ١٠ - العلماء هم الدعاة إلى الله ﷿.","vol":"7","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2096>١ - أنه لصبرهم وتقواهم كانت لهم الإمامة في الدين:</span>\nقال الله -﵎-: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٤٧].\nفبين لهم نبيهم - ﵊ - أن الله اصطفاه عليهم، ونوه إلى اتصافه بالبسط في العلم والجسم، ففي هذا إشارة إلى أن ذلك من أوصاف من يكون قائدًا: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: ٢٤].\n(فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين، فلما قام بذلك؛ قرنت باسمه من الإمامة في السنة ما شهر به، وصار متبوعًا لمن بعده، كما كان تابعًا لمن قبله، وإلا فالسنة هي ما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ، وتلقاه عنهم التابعون، ثم تابعوهم إلى يوما القيامة، وإن كان بعض الأئمة بها أعلم، وعليها أصبر، والله ﷾ أعلم وأحكم، والله أعلم) (١) اهـ.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٥٨).","vol":"7","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2097>٢ - أن طاعتهم من طاعة الله ورسوله ﷺ:</span>\nقال الله –﵎-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩].\nوأولو الأمر هم: الأمراء، والعلماء.\nفطاعة العلماء تبع لطاعة الله ورسوله ﷺ.\nوطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء.\nفإن باب الخروج على الأمراء والحكام هو العلماء، فإن أضيع حق العلماء؛ ضاع حق الأمراء، وإذا ضاع حق العلماء والأمراء؛ خرج الناس عليهم؛ فحياة العالم وصلاحه حياة العالم وصلاحه!\nفإذا ضاعت حقوق العلماء؛ ضاعت حقوق الأمراء، وإذا ضاعت حقوق العلماء والأمراء؛ فسد العالم!!","vol":"7","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2098>٣ - أن الرد إليهم عند نزول النوازل لما خصهم الله به من القدرة على الاستنباط</span>\nقال الله – ﵎ -: وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء: ٨٣].\nففي الآية الرجوع إليهم عند نزول النوازل وطلب حكمها، وترك الافتئات عليهم، والتقدم عليهم فيها.\nوفي الآية أن الرجوع إلى أهل الرأي رد لما أمر الله ﷿ به من الرد إلى العلماء الذين يستنبطونه؛ لأن أهل الرأي ليسوا من أهل الاستنباط.","vol":"7","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2099>٤ - ومن فضلهم: أنه قرنت شهادتهم بشهادة الله تعالى والملائكة</span>\nقال الله - ﵎ -: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨].","vol":"7","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2100>٥ - ومن فضلهم: أن اتباعهم يهدي إلى الصراط السوي</span>\nقال الله - ﵎ -: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [مريم: ٤٣].\nوقال -﵎-: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣].\nعن عبد الله بن مسعود قال: «خط لنا رسول الله ﷺ خطا، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل متفرقة، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]» (١).\nفمن اتبع العلماء؛ اتبع الصراط المستقيم، ومن خالف العلماء، وأضاع حقهم؛ فقد خرج إلى سبيل الشيطان، ففارق الصراط المستقيم الذي عليه الرسول ﷺ وأتباعه.\nقال محمد بن الحسين الآجري – ﵀ -: (فما ظنكم –رحمكم الله- بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا؛ فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية.\nثم جاءت طبقات من الناس لابد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح، فبقوا في الظلمة؛ فما ظنكم بهم؟!\nهكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، ولا كيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبده به خلقه؛ إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العالم تحير الناس، ودرس العلم بموتهم، وظهر الجهل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، مصيبة ما أعظمها مصيبة) (٢) اهـ.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٤٥٤)، وابن ماجه (٣٤٢٨)، أحمد (١/ ٣٨٥) (٣٦٥٢)، والدارمي (١/ ٢٣٢)، وابن حبان (١/ ١٨٠) (٦). قال الترمذي: هذا حديث صحيح، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٦/ ١٩): [هو] الصواب، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١٤١): رجاله ثقات، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١٣١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٢) (أخلاق العلماء» للآجري (ص: ٢٨ - ٢٩).","vol":"7","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2101>٦ - ومن فضلهم: أنهم ورثة الأنبياء</span>\nعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقا يطلب فيه علما؛ سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، والملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السموات، ومن في الأرض، والحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما، وأورثوا العلم، فمن أخذه؛ أخذ بحظ وافر» (١).\nقال أبو حاتم بن حبان ﵁: (في هذا الحديث بيان واضح أن العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرناهم الذين يعلمون علم النبي ﷺ دون غيره من سائر العلوم، ألا تراه يقول: «العلماء ورثة الأنبياء». والأنبياء لم يورثوا إلا العلم، وعلم نبينا ﷺ، سنته، فمن تعرى عن معرفتها؛ لم يكن من ورثة الأنبياء) (٢) اهـ.\nقال ابن القيم –﵀-: (قوله: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما، وأورثوا العلم». هذا من كمال الأنبياء، وعظم نصحهم للأمم، وتمام نعمة الله عليهم وعلى أممهم أن أزاح جميع العلل، وحسم جميع المواد التي توهم بعض النفوس أن الأنبياء من جنس الملوك الذين يريدون الدنيا وملكها، فحماهم الله ﷾ من ذلك أتم الحماية.\nثم لما كان الغالب على الناس أن أحدهم يريد الدنيا لولده من بعده، ويسعى ويتعب ويحرم نفسه لولده؛ سد هذه الذريعة عن أنبيائه ورسله، وقطع هذا الوهم الذي عساه أن يخالط كثيرًا من النفوس التي تقول: فلعله إن لم يطلب الدنيا لنفسه؛ فهو يحصلها لولده، فقال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا هو صدقة» (٣). فلم تورث الأنبياء دينارًا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم.\nوأما قوله تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ [النمل: ١٦]. فهو ميراث العلم والنبوة لا غير، وهذا باتفاق أهل العلم من المفسرين وغيرهم؛ وهذا لأن داود ﵇ كان له أولاد كثيرة سوى سليمان، فلو كان الموروث هو المال؛ لم يكن سليمان مختصًا به.\nوأيضًا؛ فإن كلام الله يصان عن الإخبار بمثل هذا؛ فإنه بمنزلة أن يقال: مات فلان، وورثه ابنه، ومن المعلوم أن كل أحد يرثه ابنه، وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة.\nوأيضًا؛ فإن ما قبل الآية وما بعدها يبين أن المراد بهذه الوراثة وراثة العلم والنبوة، لا وراثة المال.\nقال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ [النمل: ١٥ - ١٦].\nوإنما سيق هذا لبيان فضل سليمان، وما خصه الله به من كرامته وميراثه ما كان لأبيه من أعلى المواهب، وهو العلم والنبوة: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل: ١٦].\nوكذلك قول زكريا –﵊-: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم: ٥ - ٦].\nفهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة إلى الله، وإلا فلا يظن بنبي كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوا ماله، فيسأل العظيم ولدًا يمنعهم ميراثه، ويكون أحق به منهم.\nوقد نزه الله أنبياءه ورسوله عن هذا وأمثاله، فبعدًا لمن حرف كتاب الله ورد على رسوله كلامه، ونسب الأنبياء إلى ما هم برآء منزهون عنه، والحمد لله على توفيقه وهدايته) (٤) اهـ.\nفالعلماء ورثوا العلم، فبه يسوسون العباد والبلاد والممالك، فموتهم فساد لنظام العالم.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، وأحمد (٥/ ١٩٦) (٢١٧٦٣)، وابن حبان (١/ ٢٨٩) (٨٨). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة وليس هو عندى بمتصل. ثم أورد له إسنادًا وقال: هذا أصح، وقال ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٥/ ٢٤٧): له طرق كثيرة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١٥١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) «صحيح ابن حبان» (١/ ٢٨٩).\n(٣) رواه البخاري (٤٢٤٠)، ومسلم (١٧٥٩) بدون: «نحن معاشر الأنبياء». من حديث عائشة ﵂.\n(٤) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٦٦ - ٦٧).","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2102>٧ - أنهم ممن أراد الله ﷿ بهم الخير</span>\nعن معاوية ﵁، قال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيرًا؛ يفقهه في الدين» (١). فالعالم ممن أراد الله به خيرًا.\nوالعلماء ثلاثة:\n- عالم بالله وبأمره.\n- عالم بالله غير عالم بأمره.\n- عالم بأمره غير عالم به.\nوقال علي بن خشرم: (سمعت ابن عيينة يقول: قال بعض الفقهاء: كان يقال العلماء ثلاثة: عالم بالله، عالم بأمر الله، وعالم بالله وبأمر الله.\nوأما العالم بأمر الله: فهو الذي يعلم السنة ولا يخاف الله.\nوأما العالم بالله: فهو الذي يخاف الله، ولا يعلم السنة.\nوأما العالم بالله وبأمر الله: فهو الذي يعلم السنة، ويخاف الله؛ فذاك يدعى عظيمًا في ملكوت السموات) (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧). من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄.\n(٢) «حلية الأولياء» (٧/ ٢٨٠)، «شعب الإيمان» (٤/ ٤٧٧) (١٧٧٤).","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2103>٨ - أن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين يصلون على معلم الناس الخير</span>\nعن أبي أمامة الباهلي قال: «ذكر لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ثم قال رسول الله ﷺ: إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» (١).\nقال الفضيل بن عياض: (عالم عامل معلم يدعى كبيرًا في ملكوت السموات) (٢).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٦٨٥)، والطبراني (٨/ ٢٣٣) (٧٩١١). قال الترمذي: غريب، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣٣٣): رواه الطبراني في «الكبير» وفيه القاسم أبو عبد الرحمن وثقه البخاري وضعفه أحمد، والحديث صححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه الترمذي بعد حديث رقم (٢٦٨٥).","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2104>٩ - أن العالم لا ينقطع عمله ما بقي علمه ينتفع به الناس</span>\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١).\nوالحديث يدل على أن عمل العالم والثواب عليه لا ينقطع بمجرد موته، ما دام الناس ينتفعون بعلمه، وهذا يشمل ما خلفه من تعليم علمه للناس، وما خلفه من تصانيف ينتفع بها الناس، ويشمل في زماننا ما في حكم التصانيف من دروس وفتاوى مسجلة. معاملة العلماء – محمد بن عمر بن سالم بازمول ص: ٢٩\n_________\n(١) رواه مسلم (١٦٣١).","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2105>١٠ - العلماء هم الدعاة إلى الله ﷿</span>\nالعلماء المقصود بهم: العالمون بشرع الله، والمتفقهون في الدين، والعاملون بعلمهم على هدى وبصيرة، على سنة رسول الله ﷺ، وسلف الأمة، الداعون إلى الله بالحكمة التي وهبهم الله إياها: وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: ٢٦٩]. والحكمة: العلم والفقه. فعلى هذا فالعلماء بهذا التعريف: هم الدعاة بداهة، والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء هم الدعاة، فأجدر من يتصدر الدعوة بعد الأنبياء – وقد انقضت النبوة وانتهت – هم العلماء وذلك:\nأولا: لأنهم ورثتهم. والأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارًا، إنما ورثوا هذا العلم. والدعوة إنما تكون بالعلم، فأهل العمل هم الدعاة.\nثانيًا: العلماء هم حجة الله في أرضه على الخلق، والحجة لا تقوم إلا على لسان داعية بفقهه وبعلمه وبقدوته، فعلى هذا، فالعلماء هم أجدر الناس بالدعوة.\nثالثًا: العلماء هم أهل الحل والعقد في الأمة، وهم أولو الأمر الذين تجب طاعتهم، كما قال غير واحد من السلف في تفسير قوله تعالى: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]. قال مجاهد: هم أولو العلم والفقه، وإذا كانوا هم أولوا الأمر فولايتهم للدعوة من باب أولى.\nرابعًا: العلماء هم المؤتمنون على مصالح الأمة العظمى؛ على دينها، وعلى دنياها وأمنها ومن باب أولى أن يكونوا هم المؤتمنون على الدعوة وشؤونها.\nخامسًا: العلماء هم أهل الشورى الذين ترجع إليهم الأمة في جميع شؤونها ومصالحها. وإذا كانوا يستشارون في جميع مصالح الأمة – في دينها ودنياها – فمن باب أولى أن يكونوا هم أهل الشورى في الدعوة وقيادتها.\nسادسًا: العلماء هم أئمة الدين، والإمامة في الدين فضل عظيم، وشرف ومنزلة رفيعة، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: ٢٤]. والإمامة في الدين تقتضي بالضرورة الإمامة في الدعوة. وما الدين إلا بالدعوة، وما الدعوة إلا بالدين.\nسابعا: العلماء هم أهل الذكر، والذكر بالعلم والدعوة، كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]. فعلى هذا هم أهل الدعوة إلى الله تعالى.\nثامنا: العلماء أفضل الناس كما قال تعالى: يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١]، وأفضل الناس هو الداعي إلى الله.\nتاسعًا: العلماء هم أزكى الناس، وأخشاهم لله، كما قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]. وإذا كانوا هم كذلك، فهم الأجدر أن يكونوا هم الدعاة على هذه الصفات، وهم الأجدر أن يكونوا هم القادة والرواد في الدعوة.\nعاشرًا: العلماء هم الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر بالعلم والحكمة، إذا فالعلماء هم الدعاة.\nحادي عشر: العلماء هم شهداء الله الذين أشهدهم الله على توحيده، وقرن شهادته بشهادته – سبحانه – وبشهادة ملائكته؛ وفي هذا تزكيتهم وتعديلهم، فقال تعالى: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ ومن كانوا كذلك فهم المؤتمنون على الدعوة، وهم الأولى بقيادتها وريادتها.\nهذا على وجه العموم، فالعلماء هم أهل هذه الخصال. ولا يلزم أن تتوفر كل هذه الخصال في كل عالم، فالكمال لا يكون إلا لله – سبحانه – لكنهم في الجملة – أي العلماء – لا شك أنهم المتميزون بهذه الصفات الجديرون بها. العلماء هم الدعاة لناصر بن عبد الكريم العقل – ص: ٥","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2107>تمهيد</span>\nمما لا شك فيه أن العلماء كغيرهم من الناس بل هم عرضة للخطأ والغفلة والسهو فقد تقع منهم الأخطاء ولذلك نسب النبي ﷺ الخطأ إلى أبي بكر الصديق. فقال له: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا» (١) وذلك لما طلب منه رسول الله ﷺ أن يسمح له بتعبير رؤيا.\nوعن أنس بن مالك ﵁: قال رسول الله ﷺ: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» (٢).\nقال شيخ الإسلام ﵀ كما في (مجموع الفتاوى): (.... فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين وهذا في الذنوب المحققة وأما ما اجتهدوا فيه فتارة يصيبون وتارة يخطئون فإذا اجتهدوا وأصابوا فلهم أجران وإذا اجتهدوا وأخطئوا فلهم أجر على اجتهادهم وخطؤهم مغفور لهم) (٣)، ويقول الإمام الشاطبي كما في (الاعتصام): (... فعلى كل تقدير لا يتبع أحد من العلماء إلا من حيث هو متوجه نحو الشريعة قائم بحجتها حاكم بأحكامها جملة وتفصيلًا وأنه متى وجد متوجهًا غير تلك الوجهة في جزئية من الجزئيات أو فرع من الفروع لم يكن حاكمًا ولا استقام أن يكون مقتدى به فيما حاد فيه عن صوب الشريعة البتة) (٤).\nوقال في (الموافقات): (إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليدًا له وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ولذلك عدت زلة وإلا فلو كانت معتدًا بها لم يجعل لها الرتبة ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها) (٥). تحذير الفضلاء من اتباع زلات العلماء – عقيل بن محمد بن زيد المقطري - ص: ١٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٠٤٦). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) رواه الترمذى (٢٤٩٩)، وابن ماجه (٤٢٥١)، وأحمد (٣/ ١٩٨) (١٣٠٧٢)، والدارمى (٢/ ٣٩٢) (٢٧٢٧)، والحاكم (٤/ ٢٧٢). قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٥/ ٤١٤): صحيح، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٤٤٨): كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٦٩).\n(٤) «الاعتصام» (٢/ ٨٦٢).\n(٥) «الموافقات» (٤/ ١٧٠ - ١٧١).","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2108>المطلب الأول: التحذير من زلة العالم</span>\nشبه العلماء زلة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير (١).\nوقيل: زلة العالم مضروب بها الطبل.\nوقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن (٢)، وأئمة مضلون) (٣).\nوقال سلمان الفارسي ﵁: «كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم، فأما زلة العالم، فإن اهتدى؛ فلا تقلدوه دينكم، تقولون نصنع مثل ما يصنع فلان، وننتهي عما ينتهي عنه فلان، وأن أخطأ؛ فلا تقطعوا إياسكم منه، فتعينوا عليه الشيطان» الحديث (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: (ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئًا برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله ﷺ منه؛ فيترك قوله ذلك، ثم يمضي الأتباع) (٥).\nوكان معاذ بن جبل ﵁ يقول في خطبته كثيرًا: (وإياكم وزيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وقد يقول المنافق الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به؛ فإن على الحق نورًا، قالوا: وكيف زيغة الحكيم؟، قال: هي كلمة تروعكم وتنكرونها، وتقولون: ما هذه؟ فاحذروا زيغته، ولا تصدنكم عنه؛ فإنه يوشك أن يفيء، وأن يراجع الحق) (٦).\nوقال الحسين بن فضل: (لكل عالم هفوة) (٧).\nوقال علي بن الحسين ﵀ ورضي عن أبيه: (ليس ما لا يعرف من العلم، إنما العلم ما عرف، وتواطأت عليه الألسن) (٨).\nوقال إبراهيم بن أبي عبلة ﵀: (من حمل شاذ العلم حمل شرًا كثيرًا) (٩).\nقال مالك: (شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس) (١٠).\nوعن عبد الرحمن بن مهدي قال: (لا يكون إمامًا في الحديث من تتبع شواذ الحديث، أو حدث بكل ما يسمع، أو حدث عن كل أحد) (١١). حرمة أهل العلم لمحمد إسماعيل المقدم – ص: ٣٦٦\n_________\n(١) «جامع بيان العلم» (٢/ ٢٢٥).\n(٢) «الموافقات» (٤/ ٩٠).\n(٣) رواه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٢٢٣).\n(٤) «جامع بيان العلم» (١٨٧٣).\n(٥) رواه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/ ٢٢٦).\n(٦) رواه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/ ٢٢٤).\n(٧) «أسباب النزول للواحدي» (١٨).\n(٨) «سير أعلام النبلاء» (٣/ ٣٩١).\n(٩) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٣٢٤).\n(١٠) «ترتيب المدارك» (١/ ١٨٤).\n(١١) «جامع بيان العلم» (٢/ ١٠٤).","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2109>المطلب الثاني: أصناف الناس تجاه زلة العالم</span>\nالناس تجاه زلة العالم ثلاثة أصناف:\n١ - صنف لا يرى أن عند هذا العالم أي خطأ، فهو يعظمه ويجله ويصوبه لدرجة أن يجعل سيئاته حسنات.\n٢ - وصنف يسقط ذلك العالم لمجرد تلك الزلة أو الزلات فلا يرى له حسنة إطلاقًا.\n٣ - وصنف وفقه الله وسدده فاتبع الحق وهو العدل، فتراه يعظم من يستحق التعظيم من أهل العلم والدعاة والصالحين مع إقرارهم بأنه وإن عظم شأن الرجل فإنه تكون له الحسنات والسيئات فيمدح ويوالى ويذم ويعادى بحسب ما فيه من الحسنات والسيئات.\nقال شيخ الإسلام ﵀: (ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة .. أهل البيت وغيرهم قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونًا بالظن ونوع من الهوى الخفي فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه وإن كان من أولياء الله المتقين.\nومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين:\nطائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه ...\nوطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحًا في ولايته وتقواه. بل في بره وكونه من أهل الجنة بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان وكلا هذين الطرفين فاسد.\nوالخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا.\nومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه. فيعظم الحق ويرحم الخلق ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب ويحب من وجه، ويبغض من وجه. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم) (١).\nقلت: ومن قرأ في التاريخ عرف ما حصل من الفتن بسبب القدح في العلماء والطعن فيهم أو تعظيمهم وإنزالهم منزلة المعصومين.\nفالروافض مثلًا غلوا في قدحهم في أبي بكر رضوان الله عليه وأعلام الصحابة، كما غلوا في مدحهم عليًا ﵁.\nوالنواصب غلوا في قدحهم عليًا ومدحهم لبقية الصحابة رضوان الله على الجميع.\nفهذا الغلو من الطرفين جر الأمة إلى مصائب فادحة في جوانب شتى.\nقال شيخ الإسلام: (والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل لا بجهل وظلم كحال أهل البدع. فإن الرافضة تعمد إلى أقوام متقاربين في الفضيلة تريد أن تجعل أحدهم معصومًا من الذنوب والخطايا. والآخر مأثومًا فاسقًا أو كافرًا فيظهر جهلهم وتناقضهم كاليهودي والنصراني إذا أراد أن يثبت نبوة موسى أو عيسى مع قدحه في نبوة محمد ﵊ فإنه يظهر عجزه وجهله وتناقضه) (٢). تحذير الفضلاء من اتباع زلات العلماء – عقيل بن محمد بن زيد المقطري - ص: ١٣\nالموقف المذموم من زلة العالم\nوله صورتان:\nالأولى: موقف من يتتبعون عثرات العلماء، ويتصيدون زلاتهم، ويفرحون بها، ويستثمرونها في تأثيمهم، والتشهير بهم، والتشنيع عليهم، لإهدار قدرهم، وإسقاط منزلتهم، وإحباط محاسنهم، وجحود فضائلهم، بداع من التعصب الأعمى، أو التحزب الجاهلي، أو التآمر لتحطيم قمم الإسلام، ورموز نهضته.\nوالمؤمن الصادق ينصح لوجه الله، لإحقاق الحق، وهداية الناس، لا للتجريح والتشهير والعدوان، وإذكاء نار الفتن التي تأكل الأوقات، وتستنفد الطاقات.\nوقد شكا العلماء قديمًا وحديثًا من هذا الصنف المتربص الجاحد الظالم:\nقال داود بن يزيد: سمعت الشعبي يقول: (والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرة، وأخطأت مرة؛ لأعدوا علي تلك الواحدة) (٣).\nوفي هؤلاء قال الشاعر:\nإن يسمعوا سبة طاروا بها فرحًا ... مني وما يسمعوا من صالح دفنوا\nآخر:\nإن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرا أذاعوا، وإن لم يسمعوا أفكوا\n_________\n(١) «(منهاج السنة» (٤/ ٥٤٣ - ٥٤٤).\n(٢) «منهاج السنة» (٤/ ٣٣٧).\n(٣) «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٣٠٨).","vol":"8","page":8},{"text":"وقال محمد بن سيرين: (ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم، وتكتم خيره) (١).\nالصورة الثانية: موقف من يغالون في أئمتهم وعلمائهم ومشائخهم غلوًا يقطعهم عن رؤية زلتهم، فضلًا عن الحذر منها، وكأنهم اقتبسوا شعلة من نور العصمة التي لا تنبغي إلا لنبي، وقد قيل: (حبك الشيء يعمي ويصم)، وقال ابن مسعود ﵁: (ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا، إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر) (٢).\nوقال الإمام أحمد ﵀: (لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا).\nوهاك صورًا من الغلو في العلماء:\nفمن ذلك قول بعضهم: (نظرة عندنا من أحمد - أي: ابن حنبل – تعدل عبادة سنة).\nوقول آخر: (عندنا بخراسان يظنون أن أحمد بن حنبل لا يشبه البشر، يظنون أنه من الملائكة).\nوقال شيخ السلمي له: (من قال لأستاذه: لم؟ لم يفلح أبدًا) (٣).\nوحكى الشيخ سليمان بن يوسف بن مفلح أحد أعلام الشافعية ﵀ عن نفسه، فقال: (كنت إذا سمعت شخصًا يقول: أخطأ النووي، أعتقد أنه كفر) (٤).\nفأين هؤلاء من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: (لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله).\nقال الإمام ابن القيم: (اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول من سواه، بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت نصوص قوله، فهذا والله هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة) اهـ (٥).\nوقال ابن المبارك ﵀ لمناظرين في الكوفة في النبيذ المختلف فيه لما احتجوا بأسماء بعض أهل العلم: (فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال؛ فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن يكون منه زلة، أفلأحد أن يحتج بها؟) (٦). حرمة أهل العلم لمحمد إسماعيل المقدم – ص ٣٦٨\n_________\n(١) «البداية والنهاية» (٩/ ٢٧٥).\n(٢) «جامع بيان العلم» (٢/ ٢٢٩).\n(٣) أورده السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» (٤/ ١٤٦، ١٤٧)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٢٥١).\n(٤) «الدرر الكامنة» (٢/ ٢٦١).\n(٥) «إعلام الموقعين» (٢/ ١٩١، ٢١٤، ٢٢١).\n(٦) «السنن الكبرى للبيهقي» (١/ ٢٩٨).","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2111>أولًا: اعتقاد عدم عصمة العالم وأن الخطأ لا يستلزم الإثم</span>\nالخطأ من مقتضى الطبيعة البشرية لا يسلم منه إلا المعصوم ﷺ، وإن الخطأ لا يستلزم الإثم؛ بل المجتهد المخطئ مأجور.\nوقال أبو هلال العسكري ﵀: (ولا يضع من العالم الذي برع في علمه زلة، إن كانت على سبيل السهو والإغفال؛ فإن لم يعر من الخطإ إلا من عصم الله جل ذكره، وقد قالت الحكماء: (الفاضل من عدت سقطاته)، وليتنا أدركنا بعض صوابهم، أو كنا ممن يميز خطأهم) (١) اهـ.\nتريد مهذبًا لا عيب فيه ... وهل عود يفوح بلا دخان\nآخر:\nفإن يكن الفعل الذي ساء واحدًا ... فأفعاله اللائي سررن ألوف\nوقال الإمام ابن الأثير – ﵀ -: (وإنما السيد من عدت سقطاته، وأخذت غلطاته، فهي الدنيا لا يكمل بها شيء، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «حق على الله ألا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه» (٢» (٣).\nمن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحضة، وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون، فإذا اجتهدوا وأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين، فتارة يغلون فيهم ويقولون: إنهم معصومون، وتارة يجفون عنهم ويقولون: إنهم باغون بالخطأ. وأهل العلم والإيمان: لا يعصمون، ولا يؤثمون) (٤).\nوقال أيضًا ﵀: (وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء، كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل، فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطأوا، كما قال تعالى: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]. قال الله: «قد فعلت» (٥).\nوأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا نتبع من دونه أولياء، وأمرنا أن لا نطيع مخلوقًا في معصية الخالق، ونستغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فنقول: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر: ١٠].\nوهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه هذا من الأمور، ونعظم أمره تعالى بالطاعة لله ورسوله، ونرعى حقوق المسلمين، لاسيما أهل العلم منهم، كما أمر الله ورسوله، ومن عدل عن هذه الطريق فقد عدل عن اتباع الحجة إلى اتباع الهوى في التقليد، وآذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فهو من الظالمين، ومن عظم حرمات الله، وأحسن إلى عباد الله، كان من أولياء الله المتقين، والله سبحانه أعلم) (٦). حرمة أهل العلم لمحمد إسماعيل المقدم – ص: ٣٧١\nلا يُشْتَرَطُ في العالم أنْ لا يُخْطِئ، فعلماء الحديث والأثر وأهل الفقه والنظر ربما حصل منهم أغلاط لأنَّهُم غير معصومين، وهذه الأغلاط التي قد تحصل منهم، حُصُولها من نِعَمِ الله - ﷿ -.\nولمَّا سُئِلَ بعض الأئمة عن غلط العالم؛ كيف يغلط العالم، كيف يخالف السنة، كيف يكون في سلوكه مُقَصِّرْ، كيف يغيب عن ذهنه في مسألة التدقيق ويتساهل؟\n_________\n(١) «شرح ما يقع فيه التصحيف» (ص: ٦).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٠١). من حديث أنس ﵁.\n(٣) «اللباب في تهذيب الأنساب» (١/ ٩).\n(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣٥/ ٦٩).\n(٥) رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس ﵁.\n(٦) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣٢/ ٢٣٩، ٤/ ١٩٥) و«اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٥٨٠).","vol":"8","page":10},{"text":"فقال (لئلا يُشَابِهْ العلماء الأنبياء)، لأنَّ النبي هو الذي لا ينطق عن الهوى، هو الذي يصيب في كل شيء وهو الذي يُتَّبَعْ في كل شيء، فإذا كان العالم على صوابٍ كثير وربما وقع في اجتهاد هو عليه مأجور ولكنه أخطأ في ذلك، لم يكن عند الناس رَفْعْ لعالم في منزلة النبي فَيُتَّبَعْ على كل شيء، فيحصل في النفوس التوحيد والبحث عن الحق من الكتاب والسنة والنظر فيما يُبَرِّئْ الذمة في ذلك.\nوهذه عبوديات في القلب يسلكها الناس مع وجود هذا الخلاف بين أهل العلم.\nولهذا إذا نظرت في هؤلاء الذين عَنَاهُمْ الطحاوي (أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل) هو عَنَى بهم أوَّلِيًّا الأئمة الأربعة:\n- أبو حنيفة: وهو من أهل الفقه والنظر ليس هو من أهل الحديث والأثر.\n- والإمام مالك والشافعي وأحمد: وهؤلاء هم أئمة أهل الحديث كما أنهم أئمة أهل الفقه في المذاهب المتبوعة المعروفة.\nهؤلاء بينهم خلاف في مذاهبهم، أبو حنيفة يذهب إلى قول، مالك يذهب إلى قول، الشافعي يذهب إلى قول، الإمام أحمد يذهب إلى قول.\nهؤلاء منهم من يكون قوله هو الصواب، ومنهم من يكون قوله خلاف الأولى، أو يكون قوله مرجوحًا وهكذا.\nفالعالم يُدَقِّقْ ويَتَحَرَّى من الأقوال ولا يُقَلِّدُ عالمًا في كل ما قال؛ لأنَّ المسائل كثيرة جدًا وهو بشر فقد يتهيأ له في المسألة أَنْ يُدَقِّقْ وفي مسألة أخرى لا يدقق وهكذا.\nلهذا وجب على أهل الإيمان أنْ يَتَوَلَّوا جميع العلماء وأن يذكروهم بخير وأن لا يذكروا أحدًا منهم بسوء شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2112>ثانيا: أن نثبت له الأجر ولا نقلده على خطئه</span>\nلقوله ﵊: «الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر» (١). تحذير الفضلاء من اتباع زلات العلماء – عقيل بن محمد بن زيد المقطري - ص: ١٣\nهذا الحديث يدل على أن العالم – إذا كان مستوفيًا لشروط الاجتهاد – إذا اجتهد في مسألة ما واستفرغ جهده للوصول إلى الحق أجر على ذلك أجران إن أصاب الحق، أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الحق.\nوإذا لم يصب الحق أجر أجرًا واحدًا وذلك على اجتهاده ورفع عنه الإثم والحرج على عدم إصابته للحق لقوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] لكن الأمر الذي يجب أن يتنبه له هو أن هذا الخطأ الذي أخطأ فيه العالم لا يجوز متابعته عليه بل يجب أن يحذر العامة كي لا يغتروا به، إلا أن المتتبعين للرخص يحتجون بتقليد العالم في هذه الزلة فيقال لهم: طالما وأنتم مقلدون فما هو الحامل لكم على تقليد هذا العالم ومخالفة الكثيرين من العلماء من أفتى بخلافه.\nثم يقال لهم أيضًا إن كنت حسب ما تقولون إنكم مقلدون لهذا العالم في هذه الزلة (والتي تسمونها رخصة)، فلم لا تقلدونه في الأمور الأخرى مما لم يرخص فيه؟\nبل نراكم تبحثون عن عالم آخر تأخذون عنه زلاته التي خالف فيها العالم الأول وهكذا دواليك. والحقيقة أنهم اتخذوا التقليد ستارًا لتحقيق رغبات أنفسهم.\nهذا ولقد حذر سلفنا الصالح من زلات العلماء وذلك لأن العالم إذا زل تابعه على ذلك كثير من الناس ولذلك قيل: (زلة العالِم – بكسر اللام – زلة العالَم – بفتح اللام-).\nوقال عمر بن الخطاب ﵁ كما روى ذلك عنه الدارمي في (السنن)، وابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) بإسناد صحيح قال: (ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون) (٢).\nوقال ابن عباس كما في (المدخل) للبيهقي والخطيب في (الفقيه والمتفقه) وابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) بإسناد حسن: قال: ويل للأتباع من زلة العالم، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه فيلقى من هو أعلم برسول الله ﵌ منه فيخبره ويرجع ويقضي الأتباع بما حكم (٣).\nوقال الإمام الشاطبي كما في كتابه (الموافقات): (وقد روي عن ابن المبارك أنه قال: كنا في الكوفة فناظروني في ذلك –يعني في النبيذ المختلف فيه- فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب النبي ﷺ بالرخصة. فإن لم نبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحت عنه. فاحتجوا، فما جاؤوا عن واحد برخصة إلا جئناهم بشدة فما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس احتجاجهم عنه في رخصة النبيذ بشيء يصح عنه. قال ابن المبارك: فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق: عدَّ أن ابن مسعود لو كان ههنا جالسًا فقال هو لك حلال وما وصفنا عن النبي ﷺ وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر أو تحير أو تخشى فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن: فالنخعي والشعبي وسمى عدة معهما كانوا يشربون الحرام؟\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦). من حديث عمرو بن العاص ﵁.\n(٢) رواه الدارمي (١/ ١٦٦) (٦٤٩)، وابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٢٢٣).\n(٣) رواه للبيهقي في «المدخل» (٨٣٥، ٨٣٦) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٤) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٢٢٦).","vol":"8","page":12},{"text":"فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال، فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن يكون منه زلة أفلأحد أن يحتج بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاووس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟ قالوا: كانوا خيارًا. قال فقلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدًا بيد؟ فقالوا: حرام. فقال ابن المبارك: إن هؤلاء رأوه حلالًا فماتوا وهم يأكلون الحرام، فبقوا وانقطعت حجتهم هذا ما حكى) (١) اهـ المراد.\nوقال الغزالي في (المستصفى): فمن اعتقد أن الشافعي ﵀ أعلم والصواب على مذهبه أغلب فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي وليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده) (٢) اهـ المراد.\nوقال الفتوحي في (شرح الكوكب المنير):\n(... ويحرم عليه -أي على العامي- تتبع الرخص وهو أنه كلما وجد رخصة في مذهب عمل بها ولا يعمل بغيرها في ذلك المذهب.\nويفسق به -أي تتبع الرخص- لأنه لا يقول بإباحة جميع الرخص أحد من علماء المسلمين، فإن القائل بالرخصة في هذا المذهب لا يقول بالرخصة الأخرى التي في غيره.\nقال ابن عبد البر: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا.\nومما يحكى أن بعض الناس تتبع رخص المذاهب من أقوال العلماء وجمعها في كتاب وذهب به إلى بعض الخلفاء فعرضه على بعض العلماء الأعيان فلما رآها قال: (يا أمير المؤمنين هذه زندقة في الدين ولا يقول بمجموع ذلك أحد من المسلمين) (٣).\nقلت: هذه الحكاية نقلها الإمام الشوكاني في كتابه (إرشاد الفحول ص: ٢٧٢) فقال: (وحكى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد فرفع إلي كتابًا لأنظر فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم. فقلت: مصنف هذا زنديق. فقال: لم تصح هذه الأحاديث على ما رويت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر.\nوما من عالم إلا وله زلة ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه.\nفأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب).\nوقال الإمام الشوكاني ﵀: (أما لو اختار المقلد من كل مذهب ما هو الأهون عليه والأخف له فقال أبو إسحاق المروزي: يفسق، وقال ابن أبي هريرة: لا يفسق. قال الإمام أحمد بن حنبل: لو أن رجلًا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة بالسماع وأهل مكة في المتعة كان فاسقًا) (٤).\nقلت: وانظر (روضة الطالبين) للنووي (٥). تحذير الفضلاء من اتباع زلات العلماء – عقيل بن محمد بن زيد المقطري - ص: ٤١\n_________\n(١) «الموافقات» (٤/ ١٧١ - ١٧٢).\n(٢) «المستصفى» (٢/ ٣٩١).\n(٣) «شرح الكوكب المنير» (٤/ ٥٧٧).\n(٤) «إرشاد الفحول» (ص: ٢٧٢).\n(٥) (١١/ ١٠٨).","vol":"8","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2113>ثالثا: عدم الاعتماد عليها وترك العمل بها</span>\nأن يعلم أن زلة العالم ليست من الشرع في شيء، فلا تنسب إليه، ولا هي من الخلاف السائغ، ولا يجوز اقتداء به فيها، بل يتعين تبرئة الشريعة منها.\nقال الإمام الشاطبي في (الموافقات):\n(إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليدًا له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عدت زلة، وإلا فلو كانت معتدًا بها؛ لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها.\nكما أنه لا ينبغي أن يشنع عليه بها، ولا ينتقص من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتًا؛ فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين) اهـ (١).\nوقال الإمام الشاطبي أيضًا: (إنه لا يصح اعتمادها – أي زلة العالم – خلافًا في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد؛ فهو لم يصادف فيها محلًا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد، وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا؛ فلذلك قيل: (إنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة، ومحاشي النساء، وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها) اهـ (٢).\nوقال الحافظ ابن رجب ﵀: (ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله – وهو مما يختص به العلماء رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها) اهـ (٣).\nومع أهمية التنبيه إلى زلة العالم، فإن هذا لا يستلزم هجره وإطراح ما عدا ذلك من علومه النافعة، كما يفعل الغلاة من المنتسبين إلى طلب العلم، وفي هذا يقول العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى:\n(فهذه الآراء المغلوطة لم تكن سببًا في الحرمان من علوم هؤلاء الأجلة، بل مازالت منارات يهتدي بها في أيدي أهل الإسلام، وما زال العلماء على هذا المشرع ينبهون على خطإ الأئمة مع الاستفادة من علمهم وفضلهم، ولو سلكوا مسلك الهجر لهدمت أصول وأركان، ولتقلص ظل العلم في الإسلام، وأصبح الاختلال واضحًا للعيان، والله المستعان) (٤) اهـ. حرمة أهل العلم لمحمد إسماعيل المقدم – ص: ٣٧٣\n_________\n(١) «الموافقات» (٥/ ١٣٦).\n(٢) «الموافقات» (٥/ ١٣٩).\n(٣) «جامع العلوم والحكم» (١/ ٢٢٣) ط. مؤسسة الرسالة.\n(٤) «تصنيف الناس بين الظن واليقين» (ص: ٩١).","vol":"8","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2114>رابعا: أن يلتمس العذر للعالم، ويحسن الظن به، ويقيله عثرته</span>\nقال الإمام السبكي – ﵀ -: (فإذا كان الرجل ثقة مشهودًا له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أن يحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعود منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله) (١).\nوقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:\n(والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما: أعظم الباطل، ويريد بها الآخر: محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه، ويناظر عنه) (٢).\nوأسند البخاري في كتاب الشروط من (صحيحه) قصة الحديبية ومسير النبي ﷺ إليها، وفيها:\n«وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء. فقال النبي ﷺ: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل» إلخ الحديث.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فقه الحديث: (جواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها، لا ينسب إليها، ويرد على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله؛ لأن خلأ القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحًا، ولم يعاتبهم النبي ﷺ على ذلك لعذرهم في ظنهم) (٣) اهـ.\nقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: (فقد أعذر النبي ﷺ غير المكلف من الدواب باستصحاب الأصل، ومن قياس الأولى إذا رأينا عالمًا عاملًا، ثم وقعت منه هنة أو هفوة، فهو أولى بالإعذار، وعدم نسبته إليها والتشنيع عليه بها – استصحابًا للأصل – وغمر ما بدر منه في بحر علمه وفضله، وإلا كان المعنف قاطعًا للطريق ردءًا للنفس اللوامة، وسببًا في حرمان العالم من علمه، وقد نهينا أن يكون أحدنا عونا للشيطان على أخيه) (٤) اهـ.\nثم نقل قول الصنعاني رحمه الله تعالى: (وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب) اهـ.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال ﷺ: «من أقال مسلما أقال الله عثرته» (٥).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» (٦).\nقال الإمام الشافعي – ﵀ – (ذوو الهيئات الذين يقالون عثراتهم الذين ليسوا يعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة) (٧).\n_________\n(١) «قاعدة في الجرح والتعديل» (ص: ٩٣).\n(٢) «مدارج السالكين» (٣/ ٥٢١).\n(٣) «فتح الباري» (٥/ ٣٣٥).\n(٤) «تصنيف الناس» (ص: ٨٠).\n(٥) رواه أبو داود (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٠٠)، وابن حبان (١١/ ٤٠٤) (٥٠٢٩)، والحاكم (٢/ ٥٢). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (ص: ٦٨٧)، وقال ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (ص: ٩٩): صحيح.\n(٦) رواه أبو داود (٤٣٧٥)، وأحمد (٦/ ١٨١) (٢٥٥١٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣١٠) (٧٢٩٤)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٤٦٥)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٩/ ٤٣)، والبيهقي (٨/ ١٦١) (١٦٤٢٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال العقيلي في «التلخيص الحبير لابن حجر» (٤/ ١٤٠٣): له طرق، وليس فيها شيء يثبت، وجوده ابن حزم في «المحلى» (١١/ ٤٠٥).\n(٧) رواه البيهقي (٨/ ٣٣٤) (١٨٠٨٤).","vol":"8","page":15},{"text":"وقال الإمام العز بن عبد السلام – ﵀: (لو رفعت صغائر الأولياء إلى الأئمة والحكام لم يجز تعزيرهم عليها، بل يقيل عثرتهم، ويستر زلتهم، فهم أولى من أقيلت عثرته، وسترت زلته) (١).\nوقال الإمام المحقق ابن القيم ﵀: (الظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان مستورًا مشهورًا بالخير حتى كبا به جواده، ونبا عضب صبره، وأديل عليه شيطانه، فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقال عثرته مالم يكن حدًا من حدود الله فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف كما يتعين أخذه من الوضيع) (٢) اهـ. حرمة أهل العلم - لمحمد إسماعيل المقدم – ص ٣٧٤\nيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصا الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يهدى بهم في ظلمات البر والبحر. وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقا يقينا على وجوب اتباع الرسول ﷺ. ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه - فلا بد له في تركه من عذر.\nوجماع الأعذار ثلاثة أصناف:\nأحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله.\nوالثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول.\nوالثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ، فلهم الفضل علينا والمنة بالسبق، وتبليغ ما أرسل به الرسول ﷺ إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز – ٢/ ٧٤٠\n_________\n(١) «قواعد الأحكام» (١/ ١٥٠).\n(٢) «بدائع الفوائد» (٣/ ١٣٩).","vol":"8","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2115>خامسا: أن يحفظ للعالم قدره، ولا يجحد محاسنه</span>\nقال الذهبي في ترجمة القفال الشاشي: (قال أبو الحسن الصفار: سمعت أبا سهل الصعلوكي، وسئل عن تفسير أبي بكر القفال، فقال: (قدسه من وجه، ودنسه من وجه)، أي دنسه من جهة نصر الاعتزال، قلت: قد مر موته، والكمال عزيز – وإنما يمدح العالم بكثرة ماله من الفضائل، فلا تدفن المحاسن لورطة، ولعله رجع عنها، وقد يغفر له في استفراغه الوسع في طلب الحق، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (١).\nواستدرك الإمام المحقق ابن القيم ﵀ بعض ألفاظ الشيخ أبي إسماعيل الهروي، وقال: (في هذا اللفظ قلق وسوء تعبير، يجبره حسن حال صاحبه وصدقه، وتعظيمه لله ورسوله، ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلا له) (٢).\nوقال أيضًا: (شيخ الإسلام حبيبنا، ولكن الحق أحب إلينا منه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: (عمله خير من علمه)، وصدق ﵀، فسيرته بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد أهل البدع، لا يشق له فيها غبار، وله المقامات المشهورة في نصرة الله ورسوله، وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ، وقد أخطأ في هذا الباب لفظًا ومعنى ..) (٣) .. حرمة أهل العلم لمحمد إسماعيل المقدم – ص: ٣٧٧\nبحيث لا نسقط مكانته من نفوس الناس ولا نشنع عليه من أجلها ونلغي ما عنده من العلم وموافقة الحق مع التحذير من الزلة التي وقعت منه وتحذير الأمة من الاغترار بها ومتابعتها.\nأقوال أهل العلم في ذلك:\nقال الإمام الشاطبي ﵀:\n(لا ينبغي أن ينسب صاحبها – أي الزلة – إلى التقصير ولا أن يشنع عليه بها ولا ينتقص من أجلها أو يعتقد فيه المخالفة بحتًا فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين) (٤) اهـ\nوقال العلامة ابن القيم ﵀:\n(من له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد يكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته ومنزلته في قلوب المسلمين) (٥) اهـ\nثم اعلم أن الزلات تتفاوت فمنها ما يكون ذا أثر على الناس فيجب في هذه الحالة تحذيرهم من الاغترار بها وليكن هذا التحذير بأسلوب حسن بحيث لا يشعر الناس بالتنقص من هذا العالم ولا يطعن في العالم ولا في رتبته.\nوأما إن كانت غير مؤثرة على الناس فيجب سترها وإقالة عثرة هذا العالم.\nكما جاء في حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» (٦)، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ قال: «من أقال مسلمًا أقال الله عثرته» (٧).\nفالعلماء ولا شك من ذوي الهيئات الذين تقال عثراتهم. تحذير الفضلاء من اتباع زلات العلماء – عقيل بن محمد بن زيد المقطري - ص: ٢٠\n_________\n(١) «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٢٨٥).\n(٢) «مدارج السالكين» (٣/ ١٥٠).\n(٣) «مدارج السالكين» (٣/ ٥٢١)، (١/ ٢٢٧، ٢٦٣)، (٢/ ٣٧)، (٢/ ٥٢).\n(٤) «الموافقات» (٤/ ١٧٠ - ١٧١).\n(٥) «أعلام الموقعين» (٣/ ٢٩٥).\n(٦) رواه أبو داود في سننه (برقم ٤٣٧٥) وأحمد (٦/ ١٨١) (٢٥٥١٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٣٨٣): في إسناده اختلاف يسير لا يضره، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٤٢٠) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٧) رواه ابن حبان (١١/ ٤٠٥) (٥٠٣٠)، والبيهقي (٦/ ٢٧) (١٠٩١٣). والحديث حسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ١٧١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٤٦٥)، والعجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٢٩٨).","vol":"8","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2116>سادسا: إسداء النصح له</span>\nإن العالم كغيره من الناس له حق النصح إذا أخطأ وهو مندرج تحت قوله ﵊ كما في حديث تميم بن أوس الداري: قال رسول الله ﷺ: «الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مسلم (١). وأبو داود (٢). والترمذي (٣)، وعنده أنه قال الدين النصيحة ثلاث مرات، فالعلماء يعتبرون من أئمة المسلمين.\nولكن من الذي ينصحهم؟ أهم أصحاب الألسن الحادة والكلمات الجارحة من المتحمسين والمتشنجين ...؟\nأم ذلك الذي لا يرى الحق إلا ما كان على مثل ما هو عليه؟\nأقول: إن الذين ينصحون هم أولئك الذين عرفوا الحق ورحموا الخلق، فكلماتهم بلسم على الجراح، يأتون بالعبارة التي يفوح منها الحنان والشفقة بالمنصوح لا يشعرونه بأنهم مترفعون عليه ولا شامتين به، إنهم العلماء الربانيون الذين لا يشهرون بالمنصوح بحجة النصح ولا يحرجونه بحجة التقويم ويضعون نصب أعينهم ما يلي:\nالإخلاص لله تعالى في هذه النصيحة فإنها من جملة العبادات التي كلفنا بها ولا تقبل إلا إذا كانت خالصة لوجه الله تعالى قال ﷿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء [البينة:٥].\nأن يكون القصد منها الإصلاح إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:٨٨].\nأن يكون القصد إظهار الحق حتى قال الإمام الشافعي (قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب) وقوله (ما ناظرت أحدا إلا سألت الله أن يظهر الحق على لساني أو على لسانه).\nأن يكون مبتعدا عن كل ما يجعل المنصوح معاندا متماديا على الباطل متأسيا بذلك بسيد ولد آدم ﵊ حيث كان إذا أراد النصح قال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا) (ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله) (٤).\nأن يكون التركيز على الرأي أو المسألة لا على قائلها لقوله ﵊: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ..» الحديث، (٥). مع معرفته ﵊ بالذين اشترطوا تلك الشروط في قضية عتق بريرة، وفي الثلاثة النفر الذين سألوا عن أعماله فكأنهم تقالّوها، والسنة مليئة بمثل هذا. تحذير الفضلاء من اتباع زلات العلماء – عقيل بن محمد بن زيد المقطري – ص ٢٨\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا قبل حديث (٥٧)، ورواه مسلم موصولًا (٥٥). من حديث تميم الداري ﵁.\n(٢) «سنن أبي داود» (٤٩٤٤).\n(٣) «سنن الترمذي (١٩٢٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤) من حديث عائشة ﵂.\n(٥) رواه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤) من حديث عائشة ﵂.","vol":"8","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2117>المبحث الثالث: خطر الطعن على العلماء، وشؤم الحط من أقدارهم</span>\nالجناية على العلماء خرق في الدين، فمن ثم قال الطحاوي في (عقيدته): (وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين – أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر – لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء، فهو على غير السبيل) (١).\nقال ابن المبارك: (من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته) (٢).\nوقال أبو سنان الأسدي: (إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس؛ متى يفلح؟!) (٣).\nوقال الإمام أحمد بن الأذرعي: (الوقيعة في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب) (٤).\nوعن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول:\n(كفى بالمرء شرًا أن لا يكون صالحًا، وهو يقع في الصالحين) (٥).\nوالطاعنون في العلماء لا يضرون إلا أنفسهم، وهم يستجلبون لها بفعلتهم الشنيعة أخبث الأوصاف: بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ١١]. وهم من شرار عباد الله؛ بشهادة رسول الله ﷺ فعن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي ﷺ قال: «خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت» (٦).\nوهم مفسدون في الأرض، وقد قال تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٨١].\nوهم عرضة لحرب الله تعالى، القائل في الحديث القدسي: «من عادى لي وليًا، فقد آذنته بالحرب» (٧).\nوهم متعرضون لاستجابة دعوة العالم المظلوم عليهم، فدعوة المظلوم – ولو كان فاسقًا – ليس بينها وبين الله حجاب، فكيف بدعوة ولي الله الذي قال فيه: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» (٨).\nقال الإمام الحافظ أبو العباس الحسن بن سفيان لمن أثقل عليه: (ما هذا؟! قد احتملتك وأنا ابن تسعين سنة، فاتق الله في المشايخ، فربما استجيبت فيك دعوة) (٩).\nولما أنكر السلطان على الوزير نظام الملك صرف الأموال الكثيرة في جهة طلبة العلم، أجابه:\n(أقمت لك بها جندًا لا ترد سهامهم بالأسحار)، فاستصوب فعله، وساعده عليه (١٠).\nوقيل: إن أولاد يحيى – أي ابن خالد البرمكي – قالوا له وهم في القيود مسجونين: (يا أبة صرنا بعد العز إلى هذا؟!) قال: (يا بني دعوة مظلوم غفلنا عنها، لم يغفل الله عنها) (١١).\n_________\n(١) «شرح العقيدة الطحاوية» تحقيق الأرناؤوط (٢/ ٧٤٠).\n(٢) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٤٠٨).\n(٣) «ترتيب المدارك» (٢/ ١٤).\n(٤) «الرد الوافر» (ص: ١٩٧).\n(٥) «شعب الإيمان للبيهقي» (٥/ ٣١٦).\n(٦) رواه أحمد (٤/ ٢٢٧) (١٨٠٢٧)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٣٢٥). وقال: رواه أحمد عن شهر عنه وبقية إسناده محتج بهم في الصحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٩٦): رواه أحمد وفيه شهر بن حوشب وبقية رجاله رجال الصحيح، وحسنه لغيره الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب».\n(٧) [١٢٨٤٦]» رواه البخاري (٦٥٠٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٨) رواه البخاري (٦٥٠٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٩) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ١٥٩).\n(١٠) «تحفة الطالبين» (١١٥/) و«المنهاج السوي» (٧٤).\n(١١) «سير أعلام النبلاء» (٩/ ٩٠).","vol":"8","page":19},{"text":"وعن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة: مثل البغي، وقطيعة الرحم» (١).\nيا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فاعدل فخير فعال المرء أعدله\nفلو بغى جبل يوما على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله (٢)\nوبما أن الجزاء من جنس العمل؛ فليبشر الطاعن في العلماء المستهزئ بهم؛ بعاقبة من جنس فعله:\nفعن إبراهيم ﵀ قال: (إني أجد نفسي تحدثني بالشيء، فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أبتلى به).\nوقال عمرو بن شرحبيل: (لو رأيت رجلًا يرضع عنزًا فضحكت منه؛ لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع).\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبًا).\nوقد حكي أن رجلًا كان يجرئ تلامذته على الطعن في العلماء وإهانتهم، وذات يوم تكلم بكلام لم يرق أحد تلامذته، فقام إليه فصفعه على رؤوس الأشهاد: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [آل عمران: ١٨٢]، قال خالد بن زهير الهذلي:\nفلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها\nوليعلم أنه يخشى على من تلذذ بغيبة العلماء والقدح فيهم أن يبتلى بسوء الخاتمة عياذًا بالله منها، فهذا القاضي الفقيه الشافعي محمد بن عبد الله الزبيدي (ولد سنة عشر وسبعمائة) (شرح التنبيه في أربعة وعشرين مجلدًا، درس وأفتى، وكثرت طلابه ببلاد اليمن، واشتهر ذكره، وبعد صيته، قال الجمال المصري: إنه شاهده عند وفاته وقد اندلع لسانه واسود، فكانوا يرون أن ذلك بسبب كثرة وقيعته في الشيخ محيي الدين النووي ﵏ جميعًا (٣).\nإن السعيد له في غيره عظة ... وفي التجارب تحكيم ومعتبر\nثم الخائض في أعراض العلماء ظلمًا وعدوًا إن حمل عنه ذلك، واقتدى به فيه، فقد سن سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والدال على الشر كفاعله، والسعيد من إذا مات ماتت معه سيئاته، قال تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس: ١٢].\nوما من كاتب إلا سيلقى ... غداة الحشر ما كتبت يداه\nفلا تكتب بكفك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراه\nوروي عن الإمام أحمد أنه قال: (لحوم العلماء مسمومة، من شمها مرض، ومن أكلها مات) (٤).\nوعن مخلد قال: حدثنا بعض أصحابنا قال: ذكرت يومًا عند الحسن بن ذكوان رجلًا بشيء، فقال: (مه لا تذكر العلماء بشيء، فيميت الله قلبك).\nلحوم أهل العلم مسمومة ... ومن يعاديهم سريع الهلاك\nفكن لأهل العلم عونا، وإن ... عاديتهم يوما فخذ ما أتاك\nقال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى:\n(واعلم يا أخي – وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته – أن لحوم العلماء – رحمة الله عليهم – مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لِنَعش العلم خلق ذميم) (٥).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤/ ٤٩٠٢)، والترمذي (٢٥١١)، وابن ماجه (٤٢١١)، وأحمد (٥/ ٣٦) (٢٠٣٩٠)، وابن حبان (٢/ ٢٠٠) (٤٥٥)، والحاكم (٢/ ٣٨٨). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) «فيض القدير» (٥/ ٣١٤).\n(٣) «الدرر الكامنة» (٤/ ١٠٦).\n(٤) «المعيد في أدب المفيد والمستفيد» (ص: ٧١).\n(٥) «تبيين كذب المفتري» (ص: ٢٨).","vol":"8","page":20},{"text":"وقال أيضًا ﵀: (.. ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب؛ ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣]) (١).\nومن مخاطر الطعن في العلماء:\nالتسبب إلى تعطيل الانتفاع بعلمهم:\nوقد نهى رسول الله ﷺ عن سب الديك؛ لأنه يدعو إلى الصلاة (٢) فكيف يستبيح قوم إطلاق ألسنتهم في ورثة الأنبياء الداعين إلى الله ﷿؟!\nوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣٣].\nقال أبو الدرداء ﵁: (ما نحن لولا كلمات الفقهاء؟!).\nوكان الحسن البصري ﵀ يقول: (الدنيا كلها ظلمة، إلا مجالس العلماء) (٣).\nوقال الإمام السخاوي ﵀: (إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ فمع من العيش؟!) (٤).\nومن شؤم الطعن في العلماء:\nأن القدح بالحامل يفضي إلى القدم بما يحمله من الشرع والدين، ولهذا أطبق العلماء على أن من أسباب الإلحاد: (القدح في العلماء).\nلما استهزأ رجل من المنافقين بالصحابة ﵃، قائلًا: (ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء) أنزل الله ﷿: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] (٥).\nويقول العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى:\n(بادرة ملعونة .. وهي تكفير الأئمة: النووي، وابن دقيق العيد، وابن حجر العسقلاني، أو الحط من أقدارهم، أو أنهم مبتدعة ضلال، كل هذا من عمل الشيطان، وباب ضلالة وإضلال، وفساد وإفساد، وإذا جرح شهود الشرع جرح المشهود به، لكن الأغرار لا يفقهون ولا يتثبتون) (٦).\nومن شؤم تلويث الجو الدعوي بالطعن في العلماء، وتجريح الأخيار:\nالتسبب في انزواء بعض هؤلاء الأخيار، وابتعادهم عن ساحة التربية والتعليم والدعوة، صيانة لأعراضهم، وحفظًا لحياة قلوبهم؛ لأن القلوب الحرة يؤذيها التعكير:\n(إن الحساسية تبلغ مداها لدى الداعية السوي، ونفسه تعاف كل جو خانق غير نقي، إن روحه لا تطيق الأجواء المغبرة وانعدام الأوكسجين، ومؤلمة هي لفحات التراب .. أسلوب في القتل هو الخنق، ونمط في الإرهاب الطائش هو العصف) (٧).\n(.. وإذا لم نتقيد بالضوابط في الممارسات الدعوية، فإن الأذواق ستفسد، ويكثر الصخب الذي يرهق الثقة المؤهل للتقدم، فينزوي حفاظًا على عرضه وسمعته، ولئلا يقسو قلبه عبر قيل وقال) (٨).\n_________\n(١) «قال الحافظ ابن كثير – ﵀ - في تفسير هذه الآية: (أي: فليحذر وليخض ... من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: في الدنيا: بقتل أو حد أو حبس، أو نحو ذلك».\n(٢) رواه أحمد (٥/ ١٩٢) (٢١٧٢٣)، وابن حبان (١٣/ ٣٧) (٥٧٣١). من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁. والحديث صححه الوادعي في «الصحيح المسند» (٣٦٣)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: رجاله ثقات رجال الشيخين وقد اختلف في وصله وإرساله.\n(٣) «جامع بيان العلم» (١/ ١١٤).\n(٤) «فتح المغيث» (٢/ ٣٢٠).\n(٥) «تفسير الطبري» (١٤/ ٣٣٣).\n(٦) «تصنيف الناس بين الظن واليقين» (ص: ٩٤).\n(٧) «فضائح الفتن» (ص: ١٠).\n(٨) «فضائح الفتن» (ص: ١٨).","vol":"8","page":21},{"text":"فأقبح به من تعويق، وتثبيط، وتزهيد حذرنا منه العلامة الشيخ طاهر الجزائري (ت ١٣٣٨هـ) وهو على فراش الموت بكلمات حقها أن تكتب بماء العيون لا بماء الذهب؛ إذ قال ﵀:\n(عدوا رجالكم، واغفروا لهم بعض زلاتهم، وعضوا عليهم بالنواجذ لتستفيد الأمة منهم، ولا تنفروهم لئلا يزهدوا في خدمتكم) (١).\nفإذا خلت الساحة من أهل العلم والتقى، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، يفتونهم بغير علم، وإذا أفتوهم بغير علم فلا تسأل عن الحرمات التي تستباح، والدم المعصوم الذي يهراق، والعرض الذي ينتهك، والمال الذي يهدر، ونظرة واحدة إلى الواقع الأليم في بعض بلاد المسلمين وما يقع فيها من مجازر ومذابح بأيدي الأدعياء الذين استبدوا برأيهم، وتأولوا بأهوائهم، وركبوا رؤوسهم، ولم يصغوا إلى نصائح العلماء؛ تنبئك عن مخاطر تغييب العلماء، وقطع الصلة بينهم وبين الشباب.\nإن العلماء هم (عقول الأمة) والأمة التي لا تحترم عقولها غير جديرة بالبقاء .. حرمة أهل العلم لمحمد إسماعيل المقدم –ص: ٣١٩\nقال الطحاوي: وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.\nهذه الجملة من هذه العقيدة المباركة قَرَّرَ فيها الطحاوي منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع أهل العلم من أهل الأثر وأهل الفقه.\nفإنهم كما قال (لَا يُذْكَرُونَ إِلَّا بِالْجَمِيلِ) لأنَّهُم نَقَلَةْ الشريعة ولأنهم المُفتون في مسائل الشريعة، ولأنهم المُبَيِّنُون للناس معنى كلام الله ﷿ في كتابه ومعنى حديث النبي ﷺ، وهم الذين يدفعون عن الدين ويذبُّونَ عنه بتثبيت العقيدة الصحيحة وتثبيت سنة النبي ﷺ ورد الموضوعات والأحاديث المنكرة والباطلة التي أضيفت للنبي ﷺ.\nفهم إذًا حُمَاةُ الشريعة الحماية العلمية، ولهذا كان العلماء ورَثَةَ الأنبياء؛ لأنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثُوا دينارا ولا درهما وإنما وَرَّثُوا العلم، والذين حَمَى العلم هم الصحابة رضوان الله عليهم، وهم التابعون من علماء السلف وعلماء تابعي التابعين من أهل الحديث ومن أهل الفقه.\nفهؤلاء منهج أهل السنة والجماعة أن يُذْكَرَ الجميع بالجميل، وأن لا نقع في عالمٍ من العلماء لا من أهل الحديث ولا من أهل الفقه، بل يُذْكَرُونَ بالجميل ولا يُذْكَرُونَ بسوء، وإنما يُرْجَى لهم فيما أخطؤوا فيه أنهم إنِّمَا اجتهدوا ورَجَوا الأجر والثواب والخطأ لا يُتَابَعُ عليه صاحبه.\nوهذا الأصل ذكره الطحاوي في هذا المقام لأجل أنَّ طائفةً من غلاة أهل الحديث في ذاك الزمن كانوا يقعون في أهل الفقه، وطائفة من غلاة أهل الفقه كانوا يقعون في أهل الحديث ويصفونهم بالجمود.\nوأهل السنة الذين تحققوا بالكتاب وبسنة النبي ﷺ وبهدي الصحابة يعلمون أنَّ الجميع مُحْسِنْ، وأنَّ هؤلاء وهؤلاء ما أرادوا إلا نصرة الشريعة والحفاظ على العلم والفقه.\nنعم هم درجات في مقامهم وفي علمهم، لكنَّهُم لا يُذْكَرُونَ إلا بالجميل، والله - ﷿ - سَخَّرَ هؤلاء لشيء وسَخَّرْ هؤلاء لشيء، والوسط هو سِمَةُ أهل الاعتدال وسِمَةُ أهل السنة والجماعة كما كان عليه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماعات أهل العلم فإنهم كانوا على هذا السبيل.\nونذكر هاهنا مسائل:\nالمسألة الأولى:\nأنَّ ذِكر العلماء بالجميل وعدم ذكرهم بأي سوءٍ أو قدح هذا امتثال لأمرين:\n_________\n(١) «التعالم» (ص: ٩١).","vol":"8","page":22},{"text":"١ - الأمر الأول: امتثال لقول الله ﷿: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:٧١]، ولقوله: يَرْفَع اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:١١]، ولقوله ﷿: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:٨٣]، فَبَيَّنَ الله - ﷿ - منزلة أهل العلم وبَيَّنَ فضل العلم وفضل أهله وأنهم مرفُوعون عن سائر المؤمنين درجات لِمَا عندهم من العلم بالله ﷿.\nوبَيَّنَ أنَّ المؤمن للمؤمن مُوالي، أنَّ المؤمن يُوالي المؤمن، ومعنى هذه الموالاة في قوله وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:٧١]، هي من الوَلَاية وهي المحبة والنُّصْرَة.\nوهذه المحبة والنُّصْرَة عند أهل السنة والجماعة تتفاضل بتفاضل تحقق وصف الإيمان.\nفالمؤمن يحب ويوالي المؤمن الآخر إذا كان كامل الإيمان أكثر من نُصْرَتِهِ ومحبته لمن كان دونه.\nومعلومٌ أنَّ العلماء هم الذين أثنى الله - ﷿ - عليهم وأثنى عليهم رسوله ﷺ، فواجبٌ إذًا بنص الآية أن يُوَالَوا وأن يُذْكَرُوا بالجميل وأن يُحَبُّوا وأن يُنْصَرُوا وأن لا يُذْكَرُوا بغير الحَسَنِ والجميل.\n٢ - الأمر الثاني: أنَّ القدح في أهل العلم فيما أخطؤوا فيه ... يرجع في الحقيقة عند العامة إلى قَدْحٍ في حَمَلَةِ الشريعة ونَقَلَةِ الشريعة وبالتالي فيضعف في النفوس محبة الشّرع؛ لأنَّ أهل العلم حينئذٍ في النفوس ليسوا على مقامٍ رفيع وليسوا على منزلةٍ رفيعة في النفوس.\nفحينئذ يُشَكْ فيما ينقلونه من الدين وفيما يحفظون به الشريعة، فتؤول الأمور حينئذ إلى الأهواء والآراء فلا يكون ثَمَّ مرجعية إلى أهل العلم فيما أشكل على الناس فَتَتَفَصَّمْ عرى الإيمان ....\nلهذا كان ذِكْرُ العلماء بسوء هو من جنس ذكر الصحابة بسوء، ولهذا أتْبَعَ الطحاوي ذكر الصحابة بذكر العلماء، يعني لمَّا فَرَغَ من ذِكْرِ الصحابة ذَكَرَ العلماء؛ لأنَّ القدح في الصحابة والقدح في العلماء منشؤه واحد ونهايته واحدة، فإنَّ القدح في الصحابة طعنٌ في الدين، والقدح في العلماء المستقيمين، العلماء الربانيين فيما أخطؤوا فيه أو فيما اجتهدوا فيه هذا أيضًا يرجع إلى القدح في الدين، فالباب بابٌ واحد. شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ","vol":"8","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2119>تمهيد</span>\nالإمامة هل هي من مواضيع العقيدة أم من مواضيع الفقه؟\nالحق أن لها جوانب عقدية، ولها جوانب فقهية، كما أن لها جوانب تاريخية، ولذلك فعلماء السلف ﵏ عند ذكرهم لعقائدهم يذكرون ذلك، فلا نكاد نجد أحدًا ذكر عقيدته إلا وينص على التربيع بالخلفاء الأربعة وأن ترتيبهم في الخلافة على ترتيبهم في الفضل، كما ينصون على أن الإمامة في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله في النار، وينصون على الصلاة خلف كل إمام بر أو فاجر والجهاد والحج معه، وعلى تحريم الخروج على الأئمة، وعلى السمع والطاعة لهم في غير معصية، وهذه كلها من مباحث الإمامة، ولذلك نجد المتكلمين ينصون على باب الإمامة في أواخر كتبهم في العقيدة.\nكما أنهم يوردون ذلك في مسائل العقيدة للرد على الانحرافات والبدع التي نشأت حول هذا الموضوع، كبدعة الروافض، واعتقاداتهم الفاسدة في الإمامة، وأنها من أركان الدين، واعتقاد العصمة، والرجعة، وعلم الغيب ونحو ذلك في أئمتهم، فيذكرها علماء السلف للرد عليهم، ولتبيين مخالفتهم في ذلك، ومع بدعة الروافض بدعة الخوارج في وجوب الخروج على الأئمة الفسقة ونحو ذلك.\nوكذلك مما يجعلها من المسائل المتعلقة بالعقيدة في العصر الحاضر هو إنكار بعض المنتسبين للدين أنها من الدين، وهذه من أخطر المسائل الفكرية المعاصرة. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ١٩","vol":"8","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2121>المبحث الأول: تعريف الإمامة لغةً</span>\nالإمامة في اللغة مصدر من الفعل (أمَّ) تقول: (أمَّهم وأمَّ بهم: تقدمهم، وهي الإمامة، والإمام: كل ما ائتم به من رئيس أو غيره) (١).\nويقول ابن منظور: (الإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين .. والجمع: أئمة، وإمام كل شيء قيَّمه والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، وسيدنا محمد رسول الله - ﷺ - إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، وأممت القوم في الصلاة إمامة، وائتُم به: اقتدي به.\nوالإمام: المثال، وإمام الغلام في المكتب ما يتعلمه كل يوم، وإمام المثال ما امتثل عليه، والإمام: الخيط الذي يُمَدُّ على البناء فيبنى عليه ويسوى عليه ساف البناء ..) اهـ (٢).\nوقال صاحب (تاج العروس): (والإمام: الطريق الواسع، وبه فُسِّر قوله تعالى: وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ [سورة الحجر: ٧٩] أي: بطريق يُؤم، أي: يقصد فيتميز) قال: (والخليفة إمام الرعية، قال أبو بكر: يقال فلان إمام القوم معناه: هو المتقدم عليهم، ويكون الإمام رئيسًا كقولك: إمام المسلمين)، قال: (والدليل: إمام السفر، والحادي: إمام الإبل، وإن كان وراءها لأنه الهادي لها ..) اهـ (٣).\nوقال الجوهري في (الصحاح): (الأمُّ بالفتح القصد، يقال: أَمّه وأممه وتأممه إذا قصده) (٤). إلى غير ذلك من المعاني المقاربة.\nومن جميع ما سبق نلاحظ تقارب مدلول هذه الألفاظ عند أصحاب اللغة. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٢٧\n_________\n(١) «القاموس المحيط» للفيروز آبادي (٤/ ٧٨)\n(٢) «لسان العرب» لابن منظور (١٢/ ٢٤) مادة (أمم).\n(٣) «تاج العروس» (٣١/ ٢٤٤، ٢٤٥) مادة (أمم).\n(٤) [١٢٨٦٨]» «الصحاح» (٥/ ١٤٣).","vol":"8","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2122>المبحث الثاني: تعريف الإمامة اصطلاحًا</span>\nأما من حيث الاصطلاح: فقد عرفها العلماء بعدة تعريفات، وهي وإن اختلفت في الألفاظ فهي متقاربة في المعاني، ومن هذه التعريفات ما يلي:\n(١) ما ذكره الماوردي حيث قال: (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) اهـ (١).\n(٢) ويقول إمام الحرمين الجويني: (الإمامة رياسة تامة، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا) اهـ (٢).\n(٣) وعرفها النسفي في عقائده بقوله: (نيابة عن الرسول ﵇ في إقامة الدين بحيث يجب على كافة الأمم الاتباع) (٣).\n(٤) ويقول صاحب (المواقف): (هي خلافة الرسول - ﷺ - في إقامة الدين بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة) (٤).\n٥) أما العلامة ابن خلدون فيعرفها بقوله: (هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) أهـ (٥).\n(٦) ويقول الأستاذ محمد نجيب المطيعي: (المراد بها - أي الإمامة- الرئاسة العامة في شؤون الدنيا والدين) (٦).\nإلى غير ذلك من التعريفات التي تدور حول هذه المعاني. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٢٨\n_________\n(١) [١٢٨٦٩]» «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ٥).\n(٢) [١٢٨٧٠]» «غياث الأمم في التياث الظلم» لأبي المعالي الجويني (ص: ١٥).\n(٣) [١٢٨٧١]» «العقائد النسفية» (ص: ١٧٩).\n(٤) [١٢٨٧٢]» «المواقف» للإيجي (ص: ٣٩٥).\n(٥) [١٢٨٧٣]» «مقدمة ابن خلدون» (ص: ١٩٠).\n(٦) [١٢٨٧٤]» «تكملة المجموع» لمحمد نجيب المطيعي (١٩/ ١٩١).","vol":"8","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2123>المبحث الثالث: لفظ (الإمام) في الكتاب والسنة</span>\nهذا وقد ورد لفظ (الإمام) في القرآن الكريم بصيغة الإفراد في عدة مواضع منها قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤]. والمعنى: (أني مُصَيِّرُك للناس إمامًا يؤتم به، ويقتدى به) (١).\nكما ورد في قوله تعالى حكاية عن دعاء المؤمنين: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: ٧٤] أي: (أئمة يقتدي بنا من بعدنا) (٢) وقال البخاري: (أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا) (٣).\nوورد اللفظ بصيغة الجمع في قوله تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [الأنبياء: ٧٣]. أي: (أئمة يؤتم بهم في الخير في طاعة الله في اتباع أمره ونهيه، ويقتدى بهم، ويتبعون عليه) (٤).\nوفي قوله تعالى: وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص: ٥] أي: ولاة وملوكًا (٥).\nكما ورد اللفظ بمعنى: من يؤتم بهم في الشر. فقال تعالى: فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ [التوبة: ١٢] أي: (رؤساء الكفر بالله) (٦) وقوله: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ [القصص: ٤١] أي: (جعلنا فرعون وقومه أئمة يأتم بهم أهل العتو على الله والكفر به) (٧). لكن إذا أطلق لفظ (الإمام) فإنه لا ينصرف إلى أئمة الباطل، لأنه ورد ذكرهم في القرآن بهذه الكلمة مقيدة. كما في هذه الآيات.\nوورد اللفظ أيضًا في مواطن كثيرة من الحديث النبوي الشريف منها قوله - ﷺ -: «الإمام الأعظم الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته ..» الحديث (٨). وقوله - ﷺ -: «الأئمة من قريش» (٩). والمراد: الحاكم أو الخليفة.\nإلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.\nوهكذا أخذت الإمامة معنًا اصطلاحيًا إسلاميًا، فقصد بالإمام: خليفة المسلمين وحاكمهم، وتوصف الإمامة أحيانًا بالإمامة العظمى أو الكبرى تمييزًا لها عن الإمامة في الصلاة، على أن الإمامة إذا أطلقت فإنها توجه إلى الإمامة الكبرى أو العامة، كما أوضح ذلك ابن حزم ﵀ (١٠). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٣٠\n_________\n(١) [١٢٨٧٥]» «تفسير الطبري» (٢/ ١٨).\n(٢) [١٢٨٧٦]» «تفسير الطبري» (١٩/ ٣١٩)\n(٣) [١٢٨٧٧]» «صحيح البخاري» قبل حديث (٧٢٧٥).\n(٤) [١٢٨٧٨]» «تفسير الطبري» (١٨/ ٤٧٢)\n(٥) [١٢٨٧٩]» «تفسير الطبري» (١٩/ ٥١٧).\n(٦) [١٢٨٨٠]» «تفسير الطبري» (١٤/ ١٥٤).\n(٧) [١٢٨٨١]» «تفسير الطبري» (١٩/ ٥٨٣).\n(٨) رواه البخاري (٧١٣٨)، ومسلم (١٨٢٩). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٩) رواه أحمد (٤/ ٤٢١) (١٩٧٩٢)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٢/ ٢٩٤)، من حديث أبي برزة الأسلمي، قال ابن كثير في «تحفة الطالب» (ص: ٢١١): يقوى لأن له سندين جيدين، وصححه الألباني في «ظلال الجنة» (ص: ١١٢٥). وروي عن أبي هريرة وعلي وأنس ﵃.\n(١٠) [١٢٨٨٤]» «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ٩٠).","vol":"8","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2124>المبحث الرابع: الترادف بين ألفاظ: الإمام والخليفة وأمير المؤمنين</span>\nوالذي يبدو من استعراض الأحاديث الواردة في باب الخلافة والإمامة أن الرسول - ﷺ - والصحابة والتابعين الذين رووها لم يفرقوا بين لفظ خليفة وإمام، ومن بعد تولية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أضافوا إليها لفظ: أمير المؤمنين - وإلى ذلك ذهب العلماء فجعلوها من الكلمات المترادفة المؤدية إلى معنى واحد فيقول النووي: (يجوز أن يقال للإمام: الخليفة، والإمام، وأمير المؤمنين) (١).\nويقول ابن خلدون: (وإذ قد بيَّنَّا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا به تسمى خلافة وإمامة والقائم به خليفة وإمام) اهـ. (٢)، ويعرف ابن منظور الخلافة بأنها الإمارة (٣).\nوإلى ذلك ذهب الأستاذ محمد نجيب المطيعي في تكملته (للمجموع) للنووي حيث قال: (الإمامة والخلافة وإمرة المؤمنين مترادفة) (٤) وكذلك الأستاذ محمد رشيد رضا (٥)، ويفسر الشيخ أبو زهرة الترادف بين لفظي الخلافة والإمامة بقوله: (المذاهب السياسية كلها تدور حول الخلافة وهي الإمامة الكبرى، وسميت خلافة لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين يخلف النبي (٦) -ﷺ - في إدارة شؤونهم، وتسمى إمامة: لأن الخليفة كان يسمى إمامًا، ولأن طاعته واجبة، ولأن الناس كانوا يسيرون وراءه كما يصلون وراء من يؤمهم الصلاة) (٧) أي يأتمون به، وقد كان الخلفاء هم الذين يتولون إمامة الصلاة خاصة الجمع والأعياد لكن لما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وضعفت الناحية العلمية عند الخلفاء، أخذوا ينيبون عنهم من يقومون مقامهم في إمامة الصلاة، وخطب الجمع والأعياد.\n_________\n(١) [١٢٨٨٥]» «روضة الطالبين» (١٠/ ٤٩).\n(٢) [١٢٨٨٦]» «مقدمة ابن خلدون» (ص: ١٩٠)\n(٣) [١٢٨٨٧]» «لسان العرب» (٩/ ٨٣).\n(٤) [١٢٨٨٨]» «المجموع» (١٩/ ١٩١).\n(٥) [١٢٨٨٩]» «الخلافة أو الإمامة العظمى» لمحمد رشيد رضا (ص: ١٠١).\n(٦) [١٢٨٩٠]» أجاز الفقهاء تسمية الإمام خليفة بإطلاق، وخليفة رسول الله - ﷺ -، واختلفوا في تسميته خليفة الله، فأجازه بعضهم اقتباسًا من الخلافة العامة التي للآدميين في قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ... *البقرة: ٣٠*. قال الطبري في تفسيره (١/ ٤٥٢).: (أي: مني. يخلفني في الحكم بين خلقي. وذلك الخليفة هو آدم، ومن قام مقامه في طاعة الله، والحكم بالعدل بين خلقه ونسب هذا القول إلى ابن مسعود وابن عباس ﵄). ومنع الجمهور ذلك لأن معنى الآية ليس عليه. قال ابن كثير: (أي قوم يخلف بعضهم بعضا قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل). «تفسير ابن كثير» (١/ ٢١٦). قال ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» (١/ ١٣٨): (فالمقصود أن الله تعالى لا يخلفه غيره، فإن الخلافة إنما تكون عن غائب، وهو سبحانه شهيد مدبر لخلقه لا يحتاج في تدبيرهم إلى غيره). وذهب الراغب الأصفهاني في «المفردات» (ص: ١٥٦) إلى أن: (الخلافة: النيابة عن الغير، إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته، وإما لعجزه، وإما لتشريف المستخلف). وقال: (وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض ...). ثم ذكر الآيات الدالة على ذلك.\n(٧) [١٢٨٩١]» «تاريخ المذاهب الإسلامية» لأبي زهرة (١/ ٢١).","vol":"8","page":28},{"text":"كما يفسر الأستاذ محمد المبارك ﵀ سبب اختيار هذه الألفاظ (الإمام، والخليفة، وأمير المؤمنين) بأنه: ابتعاد بالمفهوم الإسلامي للدولة ورياستها عن النظام الملكي بمفهومه القديم عند الأمم الأخرى من الفرس والرومان المختلف اختلافًا أساسيًا عن المفهوم الإسلامي الجديد) (١).\nهذا وقد كان الخلفاء الأُوَّل يلقبون بالخلفاء كما يلقبون بالأئمة، ومنذ خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه استعمل المسلمون لقب (أمير المؤمنين) فيذكر ابن سعد في طبقاته: أنه لما مات أبو بكر رضي الله تعالى عنه وكان يُدْعَى خليفة رسول الله - ﷺ - قيل لعمر: خليفة خليفة رسول الله - ﷺ -، فقال المسلمون: من جاء بعد عمر قيل له: خليفة خليفة خليفة رسول الله - ﷺ - فيطول هذا، ولكن اجتمعوا على اسم تدعون به الخليفة، يدعى به من بعده من الخلفاء، قال بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -: نحن المؤمنون وعمر أميرنا، فدعي عمر (أمير المؤمنين) فهو أول من سمي بذلك (٢).\nوروي أن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم ﵄ لما قدما من المدينة، قالا لعمرو بن العاص: استأذن لنا يا عمرو أمير المؤمنين، فقال: أنتما والله أصبتما اسمه، فهو الأمير ونحن المؤمنون، فدخل عمرو على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما هذا؟ فقال: أنت الأمير، ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب من يومئذ (٣). وقيل في سببها غير ذلك (٤)\nأما لفظ الأمير بإطلاق فقد كان مستعملًا في عهد النبي - ﷺ -، لكن لم يكن مقصورًا على الخليفة، وإنما يسمى به أمراء الجيوش والأقاليم والمدن ونحو ذلك، وقد ورد في الحديث: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (٥). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٣٢\n_________\n(١) [١٢٨٩٢]» «نظام الإسلام الحكم والدولة» (ص: ٦١).\n(٢) [١٢٨٩٣]» «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ٢٨١).\n(٣) [١٢٨٩٤]» رواه الطبراني (١/ ٦٤)، والحاكم (٣/ ٨٧)، والبخاري في «الأدب المفرد) (ص: ٧٨٠). قال الذهبي في «التلخيص»: صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٦٤): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده الألباني في «الأدب المفرد».\n(٤) [١٢٨٩٥]» انظر: «مناقب عمر بن الخطاب» لابن الجوزي (ص: ٥٩).\n(٥) رواه البخاري (٧١٣٧)، ومسلم (١٨٣٥). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"8","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2125>المبحث الخامس: استعمالات لفظي الخلافة والإمامة</span>\nومن الملاحظ أن لفظ (الإمامة) يغلب استعماله عادة عند أهل السنة في مباحثهم العقدية والفقهية، بينما الغالب استعمالهم لفظ (الخلافة) في كتاباتهم التاريخية، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن هذه المباحث - خاصة العقدية - قد كتبت للرد على المبتدعة في هذا الباب كالشيعة والخوارج.\nفالشيعة يستخدمون لفظ الإمامة دون الخلافة، ويعتبرونها إحدى أركان الإيمان عندهم، ويفرقون بين الإمامة والخلافة، فهم يعتبرون الإمامة رئاسة دين، والخلافة رئاسة دولة (١)، ويريدون من ذلك إثبات أن عليًا رضي الله تعالى عنه كان إمامًا زمن خلافة الثلاثة الذين سبقوه. وفي ذلك فصل للدين عن الدولة. وهذا لا يقره الإسلام.\nوممن ذهب إلى التفريق بينهما أيضًا الرافضة الباطنية (٢)، وبعض المعتزلة (٣).\nوأرجع بعض الكتاب المعاصرين سبب استعمال لفظ (الإمامة) عند أهل السنة إلى تأثر أهل السنة بالشيعة (٤).\nويرى بعضهم أن هذه التسمية من اختراعات الشيعة (٥) وهذا غير صحيح لاستعمال المسلمين هذا اللفظ قبل انشقاق الشيعة عن الجماعة، ولوروده في بعض الآيات والأحاديث كما سبق، ولاستعمال الصحابة رضوان الله عليهم له. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٣٦\n_________\n(١) [١٢٨٩٧]» انظر: «الإمامة» لمحمد حسين آل ياسين (ص: ١٩)، و«نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية» د. أحمد محمود صبحي (ص: ٢٤).\n(٢) [١٢٨٩٨]» انظر: «الإمامة وقائم القيامة» د. مصطفى غالب (ص: ١٩).\n(٣) [١٢٨٩٩]» «المغني في أبواب التوحيد والعدل» (٢/ ١٢٩).\n(٤) [١٢٩٠٠]» «نظرة الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية» (ص: ٢٣) د. أحمد محمود صبحي.\n(٥) [١٢٩٠١]» «المجتمع الإسلامي وأصول الحكم» د. محمد الصادق عفيفي (ص: ١٢٣).","vol":"8","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2127>تمهيد</span>\nيقول الإمام ابن حزم: (اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله - ﷺ - حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم). اهـ (١).\nوقال القرطبي: (ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم. وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه) (٢).\nوالموجبون لها منهم من يرى وجوبها عن طريق الشرع، وهم أهل السنة والجماعة وأكثر المعتزلة (٣)، ومنهم من يوجبها عقلًا، والموجبون لها عقلًا منهم من يوجبها على الله تعالى - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا - وهم الشيعة، ومنهم من يوجبها على الناس. وهم المعتزلة البغداديون (٤)، والجاحظ من معتزلة البصرة (٥). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص ٤٦\n_________\n(١) [١٢٩٠٢]» «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ٧٢).\n(٢) [١٢٩٠٣]» «تفسير القرطبي» (١/ ٢٦٤).\n(٣) [١٢٩٠٤]» «المغني في أبواب التوحيد والعدل» (٢٠/ ١٤١)، وانظر: «العثمانية» للجاحظ (ص: ٢٦١).\n(٤) [١٢٩٠٥]» «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد (٢/ ٣٠٨).\n(٥) [١٢٩٠٦]» «العثمانية» للجاحظ (ص: ٢٦١).","vol":"8","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2128>مبحث: الأدلة على وجوب الإمامة</span>\n• المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم.\n• المطلب الثاني: الأدلة من السنة.\n• المطلب الثالث: الإجماع.\n• المطلب الرابع: القاعدة الشرعية (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).\n• المطلب الخامس: دفع أضرار الفوضى.\n• المطلب السادس: الإمامة من الأمور التي تقتضيها الفطرة وعادات الناس.","vol":"8","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2129>المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم</span>\n١ - قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [النساء: ٥٩]، أورد الطبري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن أولي الأمر هم الأمراء) (١) ثم قال الطبري: (أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة) (٢) وقال ابن كثير: (الظاهر - والله أعلم أن الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء) (٣) وهذا هو الراجح.\nووجه الاستدلال من هذه الآية: أن الله سبحانه أوجب على المسلمين طاعة أولي الأمر منهم وهم الأئمة، والأمر بالطاعة دليل على وجوب نصب ولي الأمر، لأن الله تعالى لا يأمر بطاعة من لا وجود له، ولا يفرض طاعة من وجوده مندوب، فالأمر بطاعته يقتضي الأمر بإيجاده، فدل على أن إيجاد إمام للمسلمين واجب عليهم.\n٢ - ومن الأدلة أيضًا قول الله تعالى مخاطبًا الرسول - ﷺ -: فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ ... [المائدة: ٨٣]، وقوله تعالى: وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ [المائدة: ٤٩].\nفهذا الأمر من الله تعالى لرسوله - ﷺ - بأن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله - أي بشرعه -، وخطاب الرسول - ﷺ - خطاب لأمته ما لم يرد دليل يخصصه به، وهنا لم يرد دليل على التخصيص، فيكون خطابًا للمسلمين جميعًا بإقامة الحكم بما أنزل الله إلى يوم القيامة، ولا يعني إقامة الحكم والسلطان إلا إقامة الإمامة، لأن ذلك من وظائفها ولا يمكن القيام به على الوجه الأكمل إلا عن طريقها، فتكون جميع الآيات الآمرة بالحكم بما أنزل الله دليلًا على وجوب نصب إمام يتولى ذلك .. والله أعلم.\n٣ - ومن الأدلة أيضًا قول الله ﵎: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد: ٢٥].\nفمهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام ومن أتى بعدهم من أتباعهم أن يقيموا العدل بين الناس على وفق ما في الكتاب المنزل، وأن ينصروا ذلك بالقوة، وهذا لا يأتي لأتباع الرسل إلا بتنصيب إمام يقيم فيهم العدل، وينظم جيوشهم المناصرة، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فالدين الحق لا بد فيه من الكتاب الهادي والسيف الناصر .. فالكتاب يبين ما أمر الله به وما نهى عنه، والسيف ينصر ذلك ويؤيده) اهـ (٤).\n٤ - ومن الأدلة القرآنية أيضًا جميع آيات الحدود والقصاص ونحوها من الأحكام التي يلزم القيام بها وجود الإمام.\nوآيات وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها من الآيات، فالواقع أن جميع الآيات القرآنية التي نزلت بتشريع حكم من الأحكام التي تتعلق بموضوع الإمامة وشؤونها جاءت على أساس أن قيام الإمامة الشرعية والقيادة العامة في المجتمع الشرعي شيء مفروغ من إثباته ولا نقاش في لزومه، ذلك لأن الأحكام المشار إليها من الأمور التي يتوقف امتثالها وتنفيذها على وجود الإمام لأنها من مسؤولياته ووظائفه، فتشريع مثل هذه الأحكام يلزمه مسبقًا المفروغية من تشريع حكم لزوم الإمامة وقيام الدولة الإسلامية في المجتمع المسلم، وهذا ينهينا إلى أن لزوم الإمامة وإقامة الدولة في المجتمع الإسلامي من بدهيات وضروريات الشريعة الإسلامية.\n_________\n(١) [١٢٩٠٧]» رواه الطبري في تفسيره (٨/ ٤٩٧) قال ابن حجر في «فتح الباري» (١٢/ ٤٦٤): أخرجه الطبري بإسناد صحيح، وقال أحمد شاكر: هذا موقوف على أبي هريرة وإسناده صحيح، ومعناه صحيح.\n(٢) [١٢٩٠٨]» «تفسير الطبري» (٨/ ٥٠٢).\n(٣) [١٢٩٠٩]» «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٤٥).\n(٤) [١٢٩١٠]» «منهاج السنة» لابن تيمية (١/ ١٤٢).","vol":"8","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2130>المطلب الثاني: الأدلة من السنة</span>\nأ- الأدلة من السنة القولية:\nروي عن النبي - ﷺ - أحاديث كثيرة فيها دلالة على وجوب نصب الإمام، ومن هذه الأدلة ما يلي:\n١ - ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (١) أي: بيعة الإمام، وهذا واضح الدلالة على وجوب نصب الإمام لأنه إذا كانت البيعة واجبة في عنق المسلم، والبيعة لا تكون إلا لإمام، فنصب الإمام واجب.\n٢ - ومنها ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» (٢). ومثله عن أبي هريرة، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم أن النبي - ﷺ - قال: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمّروا أحدهم» (٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإذا كان قد أوجب في أقلِّ الجماعات وأقصر الاجتماعات، أن يولى أحدهم، كان هذا تشبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك) اهـ (٤).\n٣ - ومنها الحديث الذي رواه أبو أمامة الباهلي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لينقضن عرى الإسلام عروة، عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصلاة» (٥). قال الأستاذ عبد الكريم زيدان (والمقصود بالحكم: الحكم على النهج الإسلامي، ويدخل فيه بالضرورة وجود الخليفة الذي يقوم بهذا الحكم، ونقضه يعني التخلي عنه وعدم الالتزام به، وقد قرن بنقض الصلاة وهي واجبة، فدلّ على وجوبه) (٦).\n٤ - ومنها أيضًا الحديث المشهور في السنن عن العرباض بن سارية عن النبي - ﷺ - أنه قال - من حديث طويل – «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (٧).\n_________\n(١) [١٢٩١١]» رواه مسلم (١٨٥١).\n(٢) [١٢٩١٢]» رواه أبو داود (٢٦٠٨)، وأبو يعلى (٢/ ٣١٩) (١٠٥٤)، والبيهقي (٥/ ٢٥٧) (١٠٦٥١). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسن إسناده النووي في «رياض الصالحين» (٣٥١)، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٤٥٢): إسناده جيد.\n(٣) [١٢٩١٣]» رواه أحمد (٢/ ١٧٦) (٦٦٤٧)، والطبراني كما في «مجمع الزوائد» (٤/ ٨٤). من حديث عبدالله بن عمرو ﵄. قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، وقال ابن حجر في «فتح الباري) (١١/ ٨٧): في سنده ابن لهيعة، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١٠/ ١٣٤).\n(٤) [١٢٩١٤]» «الحسبة» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: ١١).\n(٥) [١٢٩١٥]» رواه الطبراني (٨/ ٩٨) (٧٥٠٢)، وابن حبان (١٥/ ١١١) (٦٧١٥)، والحاكم (٤/ ١٠٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٣٢٦): وقال: إسناده صحيح ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٧/ ٢٨٤): رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٠٧٥).\n(٦) [١٢٩١٦]» «أصول الدعوة» لعبد الكريم زيدان (ص: ١٩٥).\n(٧) رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤)، والحاكم (١/ ١٧٦). من حديث العرباض بن سارية. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي. وقال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٤): ثابت صحيح، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"8","page":34},{"text":"وقد تواتر عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم بايعوا أبا بكر ﵁ بالخلافة بعد لحاق النبي - ﷺ - بالرفيق الأعلى، ثم استخلف أبو بكر عمر رضي الله تعالى عنهما، ثم استخلف عمر أحد الستة الذين اختاروا عثمان ﵁، ثم بعد استشهاده بايعوا عليًا بالخلافة، فهذه سنتهم ﵃ في الخلافة، وعدم التهاون في منصبها، فوجب الاقتداء بهم في ذلك بأمر النبي - ﷺ -.\nإلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على وجوب طاعة الحكام فيما لا معصية فيه، وأحاديث البيعة، والأمر بالوفاء بها للأول فالأول، وحرمة الخروج على أئمة المسلمين، والحث على ضرب عنق من جاء ينازع الإمام الحق، ... كل هذه الأحاديث تقتضي وجود الإمام المسلم، فدلّ ذلك على وجوب نصبه. والله أعلم.\nب - من السنة الفعلية:\nإن الرسول - ﷺ - أقام أول حكومة إسلامية في المدينة، وصار رسول الله - ﷺ - أول إمام لتلك الحكومة، فبعد أن هيأ الله لهذا الدين من ينصره ورسوله بدأ - ﷺ - في تشييد أركانها، فأصلح ما بين الأوس والخزرج من مشاكل وحروب طاحنة قديمة، ثم آخى بين الأنصار والمهاجرين، ونظم الجيوش المجاهدة لنشر هذا الدين والذود عن حماه، وقد أرسل الرسل والدعوات إلى ملوك الدول المجاورة يدعوهم إلى الإسلام، وعقد الاتفاقات والمعاهدات مع اليهود وغيرهم، وأبان أحكام الأسرى وما يتعلق بهم، وأحكام الحرب وأهل الذمة، وقام بتدبير بيت مال المسلمين وتوزيعه كما أمر الله ﷿، وعيَّن الأمراء والقضاة لتدبير شؤون المسلمين، وأقام الحدود الشرعية والعقوبات .. إلى غير ذلك من مظاهر الدولة ووظائف الإمامة. يقول الإمام الشاطبي ﵀: (ثبت أن النبي - ﷺ - لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة) (١).\nومن المعلوم أن قيام هذه الدولة وزعامته - ﷺ - لها لم يكن هدفًا له في حد ذاته، وإنما هو من مستلزمات هذا الدين الذي لا يتم إلا به، كيف وقد عرضت عليه قريش من أول وهلة الملك عليها من دون تعب ولا جهاد، وإنما بترك سبِّ آلهتهم، فرفض ذلك رفضًا باتًا (٢).\nوإنما كان هدفه الوحيد - ﷺ - القيام بتبليغ هذه الرسالة وحملها إلى الناس، واتخاذ كافة الوسائل المؤدية إلى ذلك، ومن هذه الوسائل قيام الدولة الإسلامية، فهي واجبة لهذا الغرض، ولأنها من مستلزمات هذا الدين ...\nفالمقصود أن فعل النبي - ﷺ - في تولية زعامة الدولة الإسلامية الأولى دليل على وجوب الإمامة، حيث إن النبي - ﷺ - كان مبينًا للأحكام الشرعية بقوله وفعله وإقراره، وفعله - ﷺ - يقتضي الوجوب (٣) إذا لم يكن مختصًا به - ﷺ - ولا جبلِّيا ولا مترددًا بين الجبلي وغيره، ولا بيانًا لمجمل كقطع يد السارق ونحوه لقوله تعالى: فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨.]، ولقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ... [الحشر: ٧] ولقوله عز من قائل كريمًا فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ... [الأحزاب: ٦٣] قال ابن النجار: (فلولا الوجوب لما رفع تزويجه الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم) (٤).\n_________\n(١) [١٢٩١٨]» «الاعتصام» (١/ ٤٩).\n(٢) [١٢٩١٩]» «سيرة ابن هشام» (١/ ٢٩٣).\n(٣) [١٢٩٢٠]» على خلاف بين علماء الأصول، لكن هذا هو الراجح لقوة الدليل. انظر: «تفصيل المسألة في شرح الكوكب المنير» لابن النجار الحنبلي (٢/ ١٨٩).\n(٤) [١٢٩٢١]» «شرح الكوكب المنير» (٢/ ١٩٠).","vol":"8","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2131>المطلب الثالث: الإجماع</span>\nومن أهم الأدلة الدالة على وجوب الإمامة الإجماع على ذلك من قبل الأمة، وأول ذلك إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على تعيين خليفة للنبي - ﷺ - بعد وفاته، بل حتى قبل دفنه وتجهيزه (١).\nوقد ورد في ذلك عدة روايات منها ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها (أن رسول الله - ﷺ - مات، وأبو بكر بالسنح (٢) قال إسماعيل - يعني بالعالية - فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله - ﷺ -، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنَّه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله - ﷺ - فقبَّله فقال: بأبي أنت وأمي طبت حيًّا وميّتًا، والذي نفسي بيده، لا يذيقنك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيُّها الحالف على رسلك. فلمَّا تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا - ﷺ - فإن محمدًا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله حيُّ لا يموت وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر: ٣٠]، وقال: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] قال: فشنج الناس يبكون، قال: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حُباب بن المنذر: والله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارًا وأعربهم أنسابًا، فبايعوا عمر وأبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحب إلى رسول الله - ﷺ - فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس) (٣). وبهذا يتبين أنه قد ثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بمجرد أن بلغهم نبأ وفاة النبي - ﷺ - بادروا إلى عقد اجتماع السقيفة الذي ضم كبار المهاجرين والأنصار، وتركوا أهم الأمور لديهم ذلك الوقت وهو تجهيز الرسول - ﷺ - وتشييعه، ويقول الهيتمي: (اعلم أيضًا أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله - ﷺ -) (٤).\nوقد نقل هذا الإجماع طائفة من العلماء، منهم الماوردي حيث قال:\n(وعقدها - أي الإمامة - لمن يقوم بها واجب بالإجماع، وإن شّذ عنهم الأصم) (٥). ويقول النووي: (وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ..) (٦) ويقول ابن خلدون: (نصب الإمام واجب، وقد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين، لأن أصحاب رسول الله - ﷺ - عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر ﵁، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعًا دالًا على وجوب نصب الإمام) اهـ (٧) ...\n_________\n(١) [١٢٩٢٢]» كانت وفاته ﵊ يوم الإثنين بعد أن زاغت الشمس لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول وكان دفنه - كما يقول ابن هشام - من وسط الليل ليلة الأربعاء. انظر: «سيرة ابن هشام» (٤/ ٦٦٤)، وانظر: «سبل السلام» (٢/ ١١١).\n(٢) [١٢٩٢٣]» السنح: قيل بتسكين النون وقيل بضمها: منازل بني الحارث من الخزرج بالعوالي بينه وبين المسجد النبوي ميل. «فتح الباري» (٧/ ٢٩).\n(٣) [١٢٩٢٤]» رواه البخاري (٣٦٦٧، ٣٦٦٨).\n(٤) [١٢٩٢٥]» «الصواعق المحرقة» (ص: ٧).\n(٥) [١٢٩٢٦]» «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ٥).\n(٦) [١٢٩٢٧]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٠٥).\n(٧) [١٢٩٢٨]» «مقدمة ابن خلدون» (ص: ١٩١).","vol":"8","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2132>المطلب الرابع: القاعدة الشرعية (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)</span>\nومن الأدلة على وجوب الإمامة القاعدة الشرعية القائلة بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد علم أن الله ﷾ أمر بأمور ليس في مقدور آحاد الناس القيام بها، ومن هذه الأمور إقامة الحدود وتجهيز الجيوش المجاهدة لنشر الإسلام، وإعلاء كلمة الله، وجباية الزكاة وصرفها في مصارفها المحددة، وسد الثغور وحفظ حوزة المسلمين، ونشر العدل ودفع الظلم، وقطع المنازعات الواقعة بين العباد .. إلى غير ذلك من الواجبات التي لا يستطيع أفراد الناس القيام بها، وإنما لا بد من إيجاد السلطة وقوةٌ لها حق الطاعة على الأفراد، تقوم بتنفيذ هذه الواجبات، وهذه السلطة هي الإمامة.\nفبناء على ذلك يجب تعيين إمام يخضع له ويطاع، ويكون له حق التصرف في تدبير الأمور حتى يتأتى له القيام بهذه الواجبات، وفي هذا يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: (لا بد للناس من إمارة بَرَّة كانت أو فاجرة) قالوا: يا أمير المؤمنين هذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ قال: (يقام بها الحدود، وتأمن بها السبل ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء) (١).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض) (٢) ويقول معللًا ذلك: (لأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة) (٣).\nويقول ابن حزم: (وقد علمنا بضرورة العقل وبديهته أن قيام الناس بما أوجبه الله من الأحكام عليهم في الأموال، والجنايات، والدماء، والنكاح، والطلاق، وسائر الأحكام كلها، ومنع الظالم، وإنصاف المظلوم، وأخذ القصاص على تباعد أقطارهم وشواغلهم، واختلاف آرائهم، وامتناع من تحرى في كل ذلك ممتنع غير ممكن ..) إلى أن قال: (... وهذا الذي لا بد منه ضرورة، وهذا مشاهد في البلاد التي لا رئيس لها، فإنه لا يقام هناك حكم حق، ولا حدّ حتى قد ذهب الدين في أكثرها، فلا تصح إقامة الدين إلا بالإسناد إلى واحد أو أكثر ...) (٤).\n_________\n(١) [١٢٩٢٩]» «منهاج السنة» (١/ ١٤٦)، و«السياسة الشرعية».\n(٢) [١٢٩٣٠]» «السياسة الشرعية» لابن تيمية (ص: ١٦١).\n(٣) [١٢٩٣١]» «السياسة الشرعية» (ص: ١٦٢).\n(٤) [١٢٩٣٢]» «الفصل في الملل والنحل» (٤/ ٧٢).","vol":"8","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2133>المطلب الخامس: دفع أضرار الفوضى</span>\nكما أن من الأدلة على وجوب الإمامة دفع أضرار الفوضى، لأن في عدم اتخاذ إمام معين من الأضرار والفوضى ما لا يعلمه إلا الله، ودفع الضرر وحماية الضروريات الخمس - الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل - واجب شرعًا، ومن مقاصد الشريعة حفظها. وهذا لا يتم إلا بإقامة إمام للمسلمين، فدل على وجوبه، قال الإمام أحمد ﵀ في رواية محمد بن عوف بن سفيان الحمصي: (الفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس) (١).\nويقول ابن المبارك ﵀:\nإن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... بعروته الوثقى لمن دانا\nكم يدفع الله بالسلطان مظلمة ... في ديننا رحمة منه ودنيانا\nلولا الخليفة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا (٢)\n... وخير دليل على ذلك: الواقع المرير الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم، ففيه دلالة قاطعة على أنه لن تقوم للإسلام قائمة إلا بالرجوع إلى الله، ثم السعي إلى إقامة الخلافة الإسلامية التي ما فتئ أعداء الإسلام ينخرون في جنباتها حتى قوضوها، وصار لهم ما أرادوا فبعد أن أُبعدت الخلافة الإسلامية، ونُحي الإسلام عن قيادة الأمة، عُطلت الحدود، وانتهكت الأعراض والحرمات، وعطلت راية الجهاد، وقسمت بلاد المسلمين إلى دويلات متناحرة يضرب بعضها رقاب بعض. وسلبت خيرات المسلمين من أراضيهم، وتكالبت عليهم الأمم الكافرة من كل حدب وصوب (وما الذل الذي يخيم على المسلمين فيجعلهم يعيشون على هامش العالم، وفي ذيل الأمم ومؤخرة التاريخ، إلا قعود المسلمين عن العمل لإقامة الخلافة وعدم مبادرتهم إلى نصب خليفة لهم التزامًا بالحكم الشرعي الذي أصبح معلومًا من الدين بالضرورة كالصلاة والصوم والحج، فالقعود عن العمل لاستئناف الحياة الإسلامية معصية من أكبر المعاصي، لذلك كان نصب خليفة لهذه الأمة فرضًا لازمًا لتطبيق الأحكام على المسلمين، وحمل الدعوة الإسلامية إلى جميع أنحاء العالم) (٣). لذلك فلا خلاص لهذه الأمة مما هي فيه اليوم من الذل والهوان إلا بالإنابة إلى الله، ثم إقامة حكم الله على هذه الأرض وفق ما ارتضى لها ربها ﷿.\n_________\n(١) [١٢٩٣٣]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ١٩) و«السنة» (١/ ٨١)، و«طبقات الحنابلة» (١/ ٣١١) بلفظ (بأمر المسلمين).\n(٢) [١٢٩٣٤]» انظر: «الحلية» لأبي نعيم (٨/ ١٦٤).\n(٣) [١٢٩٣٥]» «قواعد نظام الحكم في الإسلام» د. محمود عبد المجيد الخالدي (ص: ٢٤٨).","vol":"8","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2134>المطلب السادس: الإمامة من الأمور التي تقتضيها الفطرة وعادات الناس</span>\nومن الأدلة أيضًا أن النزوع إلى تنصيب رئيس للجماعة أمر فطري، جبل الله الخلق عليه، حيث إن الإنسان مدني بالطبع - كما يقال - فهو لا يستطيع أن يعيش بمفرده وحيدًا مستقلًا عن أخيه الإنسان الآخر، بل لا بد أن يعيش مع الناس حتى تستقيم أمور حياته، وتتحقق مصالحه، ونتيجة لمخالطة الناس الآخرين قد تتعارض مصالحهم مع مصالحه، ويحدث الاحتكاك بينه وبينهم ويحصل التنازع، فلا بد من أمير يختصم إليه الناس، ويرتضونه ليحكم في منازعتهم وخصوماتهم، ومن هنا كان تنصيب الإمام أمرًا ضروريًا للمحافظة على حقوق الناس، وضمان استقرار الحياة، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (كل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتناصر، فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع، فإذا جمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد، وللناهي عن تلك المفاسد، فجميع بني آدم لا بد لهم من طاعة آمر وناه، فمن لم يكن من أهل الكتب الإلهية ولا من أهل دين، فإنهم يطيعون ملوكهم فيما يرون أنه يعود بمصالح دنياهم. مصيبين تارة ومخطئين أخرى) اهـ. (١)\nوالسلطة المسيرة للمجتمع هذه هي إحدى الأركان المكونة لأي مجتمع كان (٢)، فلا يمكن أن يقوم أي مجتمع ما لم تكتمل أركانه.\nوقديمًا قال الشاعر صلاءة بن عمر بن مالك الأفوه الأودي (٣):\nلا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا\nوقال قبل هذا البيت:\nوالبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد\nفإن تجمع أوتاد وأعمدة ... يومًا، فقد بلغوا الأمر الذي كادوا\nوالنزوع إلى اتباع قائد معين ليس مما فطر الله عليه بني الإنسان فحسب، بل يشاركهم في ذلك بعض الحيوانات وحتى الحشرات، فأنت ترى الإبل تكون عادة تابعة لقائدها (الجمل الفحل) تتبعه حيث سار، ولذلك لا يهتم راعي الإبل إلا بتوجيه هذا القائد، ومن ثم تتبعه البقية، أما الحشرات فلا أدل من بروز تلك الفطرة منها عند النحل الذي يتخذ له (ملكًا) (٤) من سلالة معينة يقوم بحمايته وتوفير ما يحتاجه، ويتبعه حيث كان. فما بالك بالإنسان الذي منحه الله العقل، وجعله يدرك الخطأ من الصواب، ويعرف ما ينفعه مما يضره. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي - بتصرف – ص ٤٥\n_________\n(١) [١٢٩٣٦]» «الحسبة» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: ٨)\n(٢) [١٢٩٣٧]» فالمجتمع مكون من أفراد وصلات اجتماعية يحددها العرف وقوانين مرسومة وأنظمة متبعة وسلطة تسير أمور المجتمع، وفوق هذا كله وأهم من هذا كله شعور بالانتماء إلى هيئة واحدة وجماعة واحدة وعقيدة يشترك جميع الأفراد في احترامها والحفاظ عليها. «المجتمع الإسلامي» لمحمد أمين المصري (ص: ٧).\n(٣) [١٢٩٣٨]» انظر: «ديوان الأفوه الأودي ضمن مجموعة: الطرائف الأدبية» (ص: ١٠).\n(٤) [١٢٩٣٩]» انظر: «شفاء العليل» لابن القيم (ص: ١٤٥).","vol":"8","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2136>المبحث الأول: الإسلام</span>\nوهذا شرط واجب في كل ولاية إسلامية صغيرة كانت أو كبيرة ومن باب أولى اشتراطها في الولاية العظمى، والأدلة على هذا الشرط كثيرة منها:\nأ- قول الله ﷿: وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١] أي: بأن يسلطوا عليهم في الدنيا (١)، ومعلوم أن الولاية العظمى هي أعظم سبيل وأقوى تسليط على المحكوم.\nب- ومنها الآيات الدالة على النهي عن تولي الكفار كقول الله ﷿: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: ٥١]. وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا [النساء: ١٤٤] ومنها قوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ... [آل عمران: ٢٨] إلى غير ذلك من الآيات الناهية عن تولي الكفار (٢) وتوليتهم نوع من التولي المنهي عنه، لذا لا يجوز توليتهم على شيء من أمور المسلمين، ...\nجـ- ومن أدلة اشتراط الإسلام في الإمام قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ... [النساء: ٥٩] فقوله تعالى مِنكُمْ نصٌّ على اشتراط أن يكون ولي الأمر من المسلمين، ... ومعلوم أن الكافر لا تجب طاعته في شيء أبدًا، بل تجب محاربته ومقاتلته بنص القرآن (٣) حتى يسلم أو يعطي الجزية عن يد وهو صاغر إن كان من أهلها.\nد- ومن الأدلة على ذلك أيضًا ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنا لا نستعين بمشرك» (٤) وفي رواية: «ارجع فلن أستعين بمشرك» (٥) للذي تبعه يوم بدر وأراد أن يغزو معه وهو على شركه فإذا ورد النهي عن الاستعانة بالكافر في بعض الأمور فكيف يستعان به على تدبير أمور المسلمين ويولى أمرهم!\n_________\n(١) [١٢٩٤٠]» «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٨٨).\n(٢) [١٢٩٤١]» جمع هذه الآيات العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٣٨) فليراجعها من شاء.\n(٣) [١٢٩٤٢]» إشارة إلى قوله تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ *التوبة: ٢٩*. وقوله: وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ... *التوبة: ٣٦*.\n(٤) [١٢٩٤٣]» رواه أبو داود (٢٧٣٢)، وابن ماجه (٢٣٠١)، وأحمد (٦/ ٦٧) (٢٤٤٣١)، وابن حبان (١١/ ٢٨) (٤٧٢٦) وسكت عنه أبو داود، واحتج به ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٣٣٥)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٢٩٣).\n(٥) [١٢٩٤٤]» رواه مسلم (١٨١٧). من حديث عائشة ﵂.","vol":"8","page":40},{"text":"ولقد امتثل لهذا الأمر خلفاء المسلمين، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يعاتب أبا موسى الأشعري على اتخاذ كاتب نصراني فقد قال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبي ... عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قلت لعمر ﵁: إن لي كاتبًا نصرانيًا قال: مالك؟ قاتلك الله. أما سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ... [المائدة: ٥١] ألا اتخذت حنيفيًا، قال: قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه. قال: (لا أُكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أُدنيهم إذ أقصاهم الله). وقال عمر ﵁ أيضًا: (لا تؤمِّنوهم وقد خوَّنهم الله، ولا تُقرِّبوهم وقد أبعدهم الله، ولا تُعزُّوهم وقد أذلهم الله) (١)، ودرج على ذلك الخلفاء الذين لهم ثناء حسن في الأمة كعمر بن عبد العزيز والمنصور والرشيد والمهدي والمتوكل والمقتدر وغيرهم (٢).\nجـ- الإجماع على ذلك:\nأجمع المسلمون على عدم جواز تولية الكفار تدبير أمور المسلمين، وأنه لا ولاية لكافر على مسلم، وقد حكى هذا الإجماع كثير من أهل العلم منهم: ابن المنذر حيث قال: (أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا ولاية له على مسلم بحال) (٣) وقال القاضي عياض: (أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل. قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها) (٤).\nوبناء على هذا فلا يجوز أن تعقد الإمامة لكافر أصلي أو مرتد، لأن معنى إقامة دولة إسلامية هو أن تلتزم بالمنهج الإسلامي تطبقه وتعيش حياتها على وفق تعاليمه، وهذا المنهج الإسلامي لا يتصور تطبيقه إلا من أناس يدينون بالولاء والخضوع التام لمشِّرع هذا المنهج، الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي - بتصرف – ص: ٢٣٤\n_________\n(١) [١٢٩٤٥]» رواه البيهقي (١٠/ ١٢٧) (٢٠٩١٠). قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٨٤)، والألباني في «إرواء الغليل» (٨/ ٢٥٥): إسناده صحيح.\n(٢) [١٢٩٤٦]» انظر تفصيل ذلك في: «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢١٢).\n(٣) [١٢٩٤٧]» انظر: «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٤١٤).\n(٤) [١٢٩٤٨]» «إكمال المعلم» (٦/ ١٢٨).","vol":"8","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2137>المبحث الثاني: البلوغ</span>\nوهذا من الشروط البديهية واللازمة في كل ولاية إسلامية صغيرة كانت أو كبيرة، فلا تنعقد إمامة الصبي لأنه مولى عليه في أموره وموكل به غيره، فكيف يجوز أن يكون ناظرًا في أمور الأمة، قال تعالى: وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا [النساء:٥] والمراد بالسفهاء هنا: (الصغار والنساء) (١) فإذا نهينا عن إعطائهم أموالهم لأنهم لا يحسنون التصرف فمن باب أولى أن لا يقلَّدوا تدبير أمور المسلمين، ولأن الصغير غير مكلف لما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «إن القلم رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ» (٢) فمن رُفع عنه القلم لا يصح تصرفه في الأمور لأنه غير مكلف شرعًا فما دام لا يملك التصرف في خاصة نفسه فلا يجوز شرعًا أن يكون مالكًا للتصرف في جميع شؤون المسلمين، ومن لا يلي أمر نفسه لا يلي أمر المسلمين من باب أولى.\n١) ما كان عارضًا مرجوًا زواله كالإغماء فهذا قال عنه أبو يعلى: (لا يمنع عقدها ولا استدامتها لأنه مرض قليل اللبث، ولأن النبي - ﷺ - أغمي عليه في مرضه) (٣).\n(٢) ما كان لازمًا لا يرجى زواله كالجنون والخبل، وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nأ- ما كان مطبقًا لا يتخلله إفاقة فهذا يمنع الابتداء والاستدامة، وإذا طرأ عليه أبطلها لأنه يمنع مقصود الولاية.\nب- ما كان أكثر زمانه الخبل فهذا كما كان مطبقًا.\nجـ - ما كان أكثر زمانه الإفاقة فهذا يمنع من عقد الإمامة (٤) واختلف في منعه من استدامتها.\nهذا ولا يكتفى في رئيس الدولة أن يكون عاقلًا فقط، بل لا بد أن يكون على درجة عالية من الذكاء والفطنة تمكّنه من التفكير في قضايا الأمة وإيجاد الحلول المناسبة لها. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٢٣٧\n_________\n(١) [١٢٩٤٩]» «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٣١٨) هذا على سبيل الغالب وإلا ففيه رجال سفهاء، كما أن هناك نساء عاقلات.\n(٢) [١٢٩٥٠]» رواه أبو داود (٤٤٠٢)، وأحمد (١/ ١٥٤) (١٣٢٧)، والحاكم (٤/ ٤٣٠). بلفظ: «رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم». والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: وقد روي هذا الحديث بإسناد صحيح عن علي ﵁ عن النبي ﷺ مسندا، وقال الذهبي في «التلخيص»: صحيح فيه إرسال، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٣) [١٢٩٥١]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢١).\n(٤) [١٢٩٥٢]» «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ١٨)، و«الأحكام السلطانية» لأبي يعلى: (ص: ٢١).","vol":"8","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2138>المبحث الثالث: الحرية</span>\nوهذا الشرط أيضًا من الشروط الضرورية في الإمامة لأن المملوك لا يحق له التصرف في شيء إلا بإذن سيده، فلا ولاية له على نفسه، فكيف تكون له الولاية على غيره، ويعلل الغزالي هذا الشرط بقوله: (فلا تنعقد الإمامة لرقيق، فإن منصب الإمامة يستدعي استغراق الأوقات في مهمات الخلق فكيف ينتدب لها من هو كالمفقود في حق نفسه الموجود لمالك يتصرف تحت تدبيره وتسخيره، كيف وفي اشتراط نسب قريش ما يتضمن هذا الشرط، إذ ليس يتصور الرق في نسب قريش بحال من الأحوال) (١).\nهذا وقد نقل ابن بطال عن المهلب الإجماع على ذلك فقال: (وأجمعت الأمة على أنها - أي الإمامة - لا تكون في العبيد) (٢). وقال الشنقيطي: (لا خلاف في هذا بين العلماء) (٣).\nولم يشذ عن هذا الإجماع إلا الخوارج، فإنهم جوزوا أن يكون الإمام عبدًا (٤) وشذوذ الخوارج لا يعده العلماء قادحًا في صحة الإجماع.\nفإن قيل: ورد في الصحيح ما يدل على إمامة العبد فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» (٥). ونحوه عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه في الحديث الطويل: قال: «وعظنا رسول الله - ﷺ - يومًا بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقام رجل فقال: إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله ... والسمع والطاعة وإن عبد حبشي ...» الحديث (٦). وما في معناهما.\nفالجواب على ذلك من أوجه:\n(١) أنه قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود عادة، فإطلاق العبد الحبشي لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يتصور شرعًا أن يلي ذلك، ذكر ابن حجر هذا الجواب عن الخطابي (٧)، ويشبه هذا الوجه قوله تعالى: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] على أحد التفسيرات (٨).\n(٢) أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مأمورًا من وجهه الإمام الأعظم على بعض البلاد، قال الشنقيطي ﵀: (وهو أظهرها) (٩) فليس هو الإمام الأعظم.\n(٣) أن يكون أطلق عليه اسم العبد نظرًا لاتصافه بذلك سابقًا مع أنه وقت التولية حر، ونظيره إطلاق لفظ اليتيم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقًا في قوله: وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ... [النساء: ٢].\n(٤) أو أن المراد بذلك المتغلِّب لا المختار، ففي هذه الحالة تجب طاعته وإن كان عبدًا حبشيًا، ولا يجوز الخروج عليه لمجرد عبوديته، ويؤيد هذا الرأي لفظ: «إن تأمر عليكم ...» فلفظ «تأمر» يدل على أنه تسلط على الإمارة بنفسه ولم يؤمر من قبل أهل الحل والعقد.\n_________\n(١) [١٢٩٥٣]» «فضائح الباطنية» (ص: ١٨٠).\n(٢) [١٢٩٥٤]» «فتح الباري» (١٣/ ١٢٢).\n(٣) [١٢٩٥٥]» «أضواء البيان» (١/ ٥٥).\n(٤) [١٢٩٥٦]» «الملل والنحل للشهرستاني» (١/ ١١٦).\n(٥) رواه البخاري (٧١٤٢).\n(٦) رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤)، والحاكم (١/ ١٧٦). من حديث العرباض بن سارية. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي. وقال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله»: ثابت صحيح، (٢/ ١١٦٤) وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٧) [١٢٩٥٩]» «فتح الباري» (١٣/ ١٢٢).\n(٨) [١٢٩٦٠]» «أضواء البيان» (١/ ٥٦).\n(٩) [١٢٩٦١]» «أضواء البيان» (١/ ٥٦).","vol":"8","page":43},{"text":"والراجح من هذه الإجابات في نظري هو الجواب الثاني، وهو الذي رجحه الشنقيطي ﵀، وسبب الترجيح هو ورود بعض الأحاديث الدالة على ذلك، منها ما أخرجه الحاكم من حديث علي ﵁\nعن النبي - ﷺ - قال: «الأئمة من قريش، أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها، ولكل حق، فآتوا كل ذي حق حقه، وإن أمرت قريش فيكم عبدًا حبشيًا مجدعًا فاسمعوا له وأطيعوا» (١). ويعضد هذا الرأي أيضًا ألفاظ الحديث: «وإن استعمل»، «وإن أُمِّر» ونحوها ... والله أعلم.\nومما يدل على اشتراط الحرية، وأن تصرف العبد باطل وإن كان حاكمًا حكم العز بن عبد السلام ﵀ ببيع أمراء الدولة الأيوبية في مصر - المماليك - لأنه لا يصح شرعًا تصرفهم إلا إذا عتقوا فحكم ببيعهم وإدخال أثمانهم إلى بيت مال المسلمين، فلما حكم بذلك غضبوا وغضب نجم الدين أيوب - حاكم مصر في ذلك الوقت - وقال: هذا ليس من اختصاصه فقرر العز الرحيل عن مصر فجهز أمتعته وسار، ثم لحقه جميع الناس وقالوا: إن خرج خرجنا، فلحق به نجم الدين في الطريق وترضاه وطلب منه أن يعود وينفذ ما حكم به، فعاد ونفذ ما أراد (٢). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٢٣٧\n_________\n(١) رواه الطبراني (٤/ ٢٦)، والحاكم (٤/ ٨٥). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٩٥): [فيه] حفص بن عمر بن الصباح الرقي قال الحاكم حدث بغير حديث لم يتابع عليه، وحسنه ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٤٧٢)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٧٥٧).\n(٢) [١٢٩٦٣]» انظر: «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي (٨/ ٢١٦، ٢١٧).","vol":"8","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2139>المبحث الرابع: أن يكون ذكرًا</span>\nمن شروط الإمام أن يكون ذكرًا (ولا خلاف في ذلك بين العلماء) (١).\nويدل عليه ما ثبت في (صحيح البخاري) وغيره من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه أن النبي - ﷺ - لما بلغه أن فارسًا ملَّكوا ابنة كسرى قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (٢). وقد ورد في القرآن الكريم كثير من الآيات الدالة على تقديم الرجال على النساء من ذلك قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ... [النساء: ٣٤] وأخبر النبي - ﷺ - بأن «النساء ناقصات عقل ودين» (٣).\nوالإمامة تحتاج إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، لذلك لا تقبل شهادتها إلا إذا كان معها رجل، وقد نبَّه الله على ضلالهن ونسيانهن بقوله تعالى: أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة: ٢٨٢] ...\nكما أن إمامة المسلمين تقتضي الدخول في المحافل ومخالطة الرجال وقيادة الجيوش ونحو ذلك، وهذا محظور على النساء شرعًا بقوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: ٣٣] وغيرها.\nيقول الغزالي: (الرابع الذكورية، فلا تنعقد الإمامة لامرأة، وإن اتصفت بجميع خلال الكمال وصفات الاستقلال، وكيف تترشح امرأة لمنصب الإمامة وليس لها منصب القضاء ولا منصب الشهادة في أكثر الحكومات) (٤). وقال البغوي: (اتفقوا على أن المرأة لا تصلح أن تكون إمامًا ولا قاضيًا، لأن الإمام يحتاج إلى الخروج لإقامة أمر الجهاد والقيام بأمور المسلمين، والقاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات، والمرأة عورة لا تصلح للبروز وتعجز لضعفها عن القيام بأكثر الأمور، ولأن المرأة ناقصة والإمامة والقضاء من كمال الولايات فلا يصلح لها إلا الكامل من الرجال) (٥).\nوالواقع يشهد لذلك فالناس بتجاربهم يعرفون أنه لا يصلح للإمامة إلا الرجال وإن صار منهن في منصب رئاسة الدولة فإنما كان نادرًا ولظروف استثنائية. وكذلك طبيعة المرأة النفسية والجسمية لا تتلاءم أبدًا مع هذا المنصب، فكما هو معروف أن طبيعة المرأة يلاحظ عليها إرهاف العاطفة وسرعة الانفعال وشدة الحنان (وقد خلقت هذه الصفات في المرأة لتستطيع بها أن تؤدي وظيفتها الأولى وهي الأمومة والحضانة) (٦) وإذا كانت هذه الصفات لازمة في مضمار الأمومة والحضانة فقد تكون ضارة في مضمار القيادة والرئاسة، أما الرجل فلا يندفع في الغالب - مع عواطفه ووجدانه - كما تندفع المرأة، بل يغلب عليه الإدراك والفكر والروي وهما قوام المسؤولية والقيادة.\nلذلك فإن الله ﷾ شرع للرجل ما يلائم بنيته الجسمية والنفسية كالجهاد والقيادة ونحو ذلك، وشرع للمرأة ما يلائم تكوينها أيضًا من تربية وحضانة وأعمال أخرى تلائمها.\nهذا وقد حكى الإجماع على عدم جواز تولية المرأة الإمامة ابن حزم الظاهري حيث قال: (وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة المرأة) (٧) وكذلك القرطبي (٨). وخالف في ذلك الخوارج، فهناك فرقة منهم تقول بجواز ذلك وهي: الشبيبية (أتباع شبيب بن يزيد الشيباني) قال البغداي عنهم: (إنه من أتباعه أجازوا إمامة المرأة منهم إذا قامت بأمورهم وخرجت على مخالفيهم وزعموا أن غزالة أم شبيب كانت الإمام بعد قتل شبيب إلى أن قتلت) (٩).\nهذا عن الإمامة أما القضاء فلبعض العلماء فيه رأي، ولكن جمهورهم يمنع ذلك قال ابن التين فيما حكاه عنه ابن حجر: (احتج بحديث أبي بكرة - الآنف الذكر - من قال لا يجوز أن تولى المرأة القضاء. وهو قول الجمهور وخالف ابن جرير الطبري فقال: يجوز أن تقضي فيما تقبل شهادتها فيه، وأطلق بعض المالكية الجواز) (١٠) وروي ذلك عن أبي حنيفة: (أنها تلي الحكم فيما تجوز فيه شهادة النساء) (١١). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٢٤٣\n_________\n(١) [١٢٩٦٤]» «أضواء البيان» (١/ ٥٥)، وعدّه ابن حزم من المسائل المجمع عليها. انظر: «مراتب الإجماع له» (ص: ١٢٥).\n(٢) [١٢٩٦٥]» رواه البخاري (٤٤٢٥).\n(٣) رواه البخاري (٣٠٤) واللفظ له، ومسلم (٧٩، ٨٠). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٤) [١٢٩٦٧]» «فضائح الباطنية» (ص: ١٨٠).\n(٥) [١٢٩٦٨]» «شرح السنة» للبغوي (١٠/ ٧٧).\n(٦) [١٢٩٦٩]» «الإسلام» لأحمد شلبي (ص: ٢٢٦).\n(٧) [١٢٩٧٠]» «الفصل» (٤/ ١١٠).\n(٨) [١٢٩٧١]» أحكام القرآن (١/ ٢٧١).\n(٩) [١٢٩٧٢]» «الفرق بين الفرق» (ص: ١١٠). وعند الذهبي: (أنها امرأته استخلفها بعده، فدخلت الكوفة، وقامت خطيبة وصلَّت الصبح بهم في الجامع فقرأت في الركعة الأول بالبقرة وفي الثانية بآل عمران ...). راجع: «تاريخ الإسلام» (٣/ ١٦٠)، و«الخطط» (٢/ ٣٥٥)، و«المعارف» لابن قتيبة (ص: ١٨٠).\n(١٠) [١٢٩٧٣]» «فتح الباري» (١٣/ ٥٦).\n(١١) [١٢٩٧٤]» «فتح الباري» (٨/ ١٢٨).","vol":"8","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2140>المبحث الخامس: العلم</span>\nقالوا: يشترط أن يكون بلغ مرتبة الاجتهاد وهم الجمهور، فقد قال الشاطبي ﵀: (إن العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع) (١)، وقال إمام الحرمين الجويني: (فالشرط أن يكون الإمام مجتهدًا بالغًا مبلغ المجتهدين مستجمعًا صفات المفتين، ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف) (٢)، وقال الرملي في سياق عده لشروط الإمام: (... مجتهدًا كالقاضي وأولى، بل حكى فيه الإجماع ...) قال: (وكون أكثر من ولي أمر الأمة بعد الخلفاء الراشدين غير مجتهد إنما هو لتغلبهم فلا يَرِدْ) (٣).\nوإلى هذا القول ذهب الإمام الشافعي (٤)، والماوردي (٥)، والقاضي أبو يعلى (٦)، وعبد القاهر البغدادي (٧)، والقرطبي (٨)، وابن خلدون (٩)، والقلقشندي (١٠) وغيرهم واستدلوا على ما ذهبوا إليه بالأدلة التالية:\n١ - إن الصحابة رضوان الله عليهم قدَّموا للإمامة من قدمه الرسول - ﷺ - للصلاة - ... - وقد قال - ﷺ -: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ...» إلخ الحديث (١١).\n٢ - واستدلوا أيضًا بالقياس حيث قاسوا منصب الإمامة العظمى على منصب القضاء، قال الباقلاني: (لأن القاضي الذي يكون من قِبَلِه يفتقر إلى ذلك فالإمام أولى) ...\n٣ - واستدلوا أيضًا بطبيعة العمل الموكل إلى الإمام الأعظم قال إمام الحرمين الجويني: (والدليل عليه أن أمور معظم الدين تتعلق بالأئمة فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر فلا شك في ارتباطه بالإمام، وأما ما عداه من أحكام فقد يتعلق به من جهة انتدابه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو لم يكن الإمام مستقلًا بعلم الشريعة لاحتاج إلى مراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع التي ترفع إلى الإمام، وذلك يشتت رأيه ويخرجه عن دائرة الاستقلال) (١٢).\nويقول القلقشندي: (لأنه محتاج لأن يصرف الأمور على النهج القويم ويجريها على الصراط المستقيم، ولأن يعلم الحدود ويستوفي الحقوق ويفصل الخصومات بين الناس، وإذا لم يكن عالمًا مجتهدًا لم يقدر على ذلك) (١٣).\n٤ - أما ابن خلدون فقد استدل على اشتراط الاجتهاد بقوله: (لأن التقليد نقص، والإمامة تستدعي الكمال في الأوصاف والأحوال). وقال: (لأنه إنما يكون منفذًا لأحكام الله تعالى إذا كان عالمًا بها، وما لم يعلمها لا يصح تقديمه لها) (١٤).\nوهذه المسألة من المسائل الاجتهادية لأنه لم يرد نص صريح فيها، وإنما مرجع ذلك إلى الضرورة والحاجة والمصلحة، فإذا وُجِد مجتهد تتوفر فيه بقية الشروط الضرورية والمنصوص عليها فهو المطلوب، وإن تعذر وجوده فلا تترك مصالح المسلمين تتعطل ويدب فيهم الفساد بسبب عدم وجود المجتهد الذي تتوفر فيه شروط الإمام والله أعلم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٢٤٧\n_________\n(١) [١٢٩٧٥]» «الاعتصام» (٢/ ١٢٦).\n(٢) [١٢٩٧٦]» «غياث الأمم» (ص: ٦٦).\n(٣) [١٢٩٧٧]» «نهاية المحتاج» (٧/ ٤٠٩).\n(٤) [١٢٩٧٨]» «الأم» (١/ ١٦١).\n(٥) [١٢٩٧٩]» «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ٦).\n(٦) [١٢٩٨٠]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢٠).\n(٧) [١٢٩٨١]» «أصول الدين» (ص: ٢٧٧).\n(٨) [١٢٩٨٢]» «أحكام القرآن» (١/ ٢٧١).\n(٩) [١٢٩٨٣]» «مقدمة ابن خلدون» (ص: ١٣٩).\n(١٠) [١٢٩٨٤]» «مآثر الإنافة» (١/ ٣٧).\n(١١) [١٢٩٨٥]» رواه مسلم (٦٧٣). من حديث أبو مسعود ﵁.\n(١٢) [١٢٩٨٦]» «غياث الأمم» (ص: ٦٦).\n(١٣) [١٢٩٨٧]» «مآثر الإنافة» (١/ ٣٧).\n(١٤) [١٢٩٨٨]» «مقدمة ابن خلدون» (ص: ١٩٣).","vol":"8","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2141>المبحث السادس: العدالة</span>\nالعدالة صفة كامنة في النفس توجب على الإنسان اجتناب الكبائر والصغائر والتعفف عن بعض المباحات الخارمة للمروءة، وهي مجموعة صفات أخلاقية من التقوى والورع والصدق والأمانة والعدل ورعاية الآداب الاجتماعية ومراعاة كل ما أوجبت الشريعة الالتزام به.\nوبناء على هذا الشرط فلا يجوز تولية الفاسق ولا من فيه نقص يمنع الشهادة. قال القاضي عياض: (ولا تنعقد لفاسق ابتداء) (١) وذكر مثله الحافظ في الفتح (٢) وقال القرطبي: (ولا خلاف بين الأمة في أنه لا يجوز أن تعقد الخلافة لفاسق) (٣).\nومن الأدلة على اشتراط هذا الشرط ما يلي:\n١ - ما ورد في قصة إبراهيم ﵇ حينما قال له ربه: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤] عن مجاهد: (أنه أراد أن الظالم لا يكون إمامًا ...) (٤)، وقال الفخر الرازي: (احتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ووجه الاستدلال بها على وجهين:\nالأول: ما بيَّنَّا أن قوله لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ جواب لقوله: وَمِن ذُرِّيَّتِي طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة ليكون الجواب مطابقًا للسؤال فتصير الآية كأنه تعالى قال: لا ينال الإمامة الظالمون، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه، فكانت الآية دالة على ما قلناه) (٥). وبنحوه ذهب الشوكاني فقال: (وقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالمًا، ويمكن أن ينظر إلى ما يصدق عليه اسم العهد وما تفيده الإضافة من العموم فيشمل جميع ذلك اعتبارًا بعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا السياق ...) إلى أن قال: (فالأولى أن يقال: إن هذا الخبر في معنى الأمر لأن أخباره تعالى لا يجوز أن تتخلف، وقد علمنا أنه قد عهده من الإمامة وغيرها كثير من الظالمين) (٦). قال الفقيه الحنفي أبو بكر الجصاص: (فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق وأنه لا يكون خليفة) (٧) وقال الزمخشري عند تفسير هذه الآية: (وقالوا: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة). قال: (وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم إمامًا قط، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما هو لكفِّ الظلمة، فإذا نصب من كان ظالمًا في نفسه فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم) (٨).\n_________\n(١) [١٢٩٨٩]» «إكمال المعلم» (٦/ ١٢٨).\n(٢) [١٢٩٩٠]» «فتح الباري» (١٣/ ٨).\n(٣) [١٢٩٩١]» «تفسير القرطبي» (١/ ٢٧٠)، وانظر: «السياسة الشرعية» لابن تيمية (ص: ٢١).\n(٤) [١٢٩٩٢]» «أحكام القرآن» للجصاص (١/ ٦٩).\n(٥) [١٢٩٩٣]» «التفسير الكبير» للفخر الرازي (٤/ ٤٦).\n(٦) [١٢٩٩٤]» «فتح القدير» للشوكاني (١/ ١٣٨).\n(٧) [١٢٩٩٥]» «أحكام القرآن» للجصاص (١/ ٧٠).\n(٨) [١٢٩٩٦]» «الكشاف» (١/ ٣٠٩).","vol":"8","page":47},{"text":"وقال ابن خلدون: (وأما العدالة فلأنه منصب ديني ينظر في سائر المناصب التي هي شرط فيها، فكان أولى باشتراطها فيه) (١) وقال البغدادي: (وأقل ما يجب له من هذه الخصلة أن يكون ممن يجوز قبول شهادته تحملًا وأداءً) (٢) والحقيقة أنه إذا كان الله تعالى قد جعل العدالة شرطًا في أصغر ما يتصور من الولايات والأحكام مثل حضانة الصغير والحكم في جزاء الصيد، وأن الفاسق لا يصلح أن يكون واليًا على صغير أو يتيم، ولا حكمًا في مسألة قياسية فكيف يصلح واليًا على الأمة جمعاء، وحكمًا في قضايا في غاية الخطورة.\n- كما يدل على ذلك أن الفسق مدعاة للتساهل في تطبيق أحكام الشريعة وإقامة الدين، فلو كان فسقه بشرب خمر مثلًا فالمتصور عقلًا أنه لا بد أن يقع منه التساهل في شأن الخمر وشاربها، وهكذا في سائر الأحكام كما أن الأخيار العدول في الأمة كثير والحمد لله فما الداعي لتولية الفاسق؟\nهذا وقد قسم الماوردي الفسق الذي تزول به العدالة إلى قسمين:\nالأول: ما تابع فيه الشهوة.\nالثاني: ما تعلق فيه بشبهة.\nفأما الأول منها فمتعلق بأفعال الجوارح وهو ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيمًا للشهوة وانقيادًا للهوى، فهذا - كما يرى الماوردي - يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ....\nوأما الثاني: فمتعلق بالاعتقاد والتأول بشبهة تعترض فيتأول لها خلاف الحق، فقد اختلف العلماء فيها، فذهب فريق من العلماء إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ... وقال كثير من علماء البصرة: (إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج به منها كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة) (٣).\n٢ - ومنها ما رواه البخاري وغيره عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال لنا رسول الله - ﷺ -: «إنكم سترون بعدي أثرة (٤) وأمورًا تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم» (٥).\nإلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة في هذا الموضوع ولذلك كان مذهب السلف رضوان الله عليهم الصلاة والجهاد مع كل إمام برًا كان أو فاجرًا، لأن هذا من طاعة الله، فهم يطاعون في طاعة الله ويعصون في معصيته. وهذا ما أدى بأبي يعلى أن يقول: (وقد روي عن الإمام أحمد ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل فقال في رواية عبدوس بن مالك: (ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه برًا كان أو فاجرًا فهو أمير المؤمنين) وقال أيضًا في رواية المروزي: (فإن كان أميرًا يعرف بشرب المسكر والغلول يغزو معه إنما ذلك له في نفسه) (٦).\n_________\n(١) [١٢٩٩٧]» «مقدمة ابن خلدون» (ص: ١٩٣).\n(٢) [١٢٩٩٨]» «أصول الدين» (ص: ٢٧٧).\n(٣) [١٢٩٩٩]» «الأحكام السلطانية» (ص: ١٧).\n(٤) [١٣٠٠٠]» الأثرة: بفتح الهمزة والثاء: الاسم من آثر يؤثر إيثارًا إذا أعطى، أراد أن يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء. والاستئثار: الانفراد بالشيء. انظر: «لسان العرب» (٤/ ٨) مادة (أثر).\n(٥) رواه البخاري (٧٠٥٢). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٦) [١٣٠٠٢]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢٠).","vol":"8","page":48},{"text":"فمقصود الإمام أحمد الوالي المتغلب كما هو نص الرواية الأولى - لا في حالة الاختيار من قبل أهل الحل والعقد، ويدلّ على ذلك - بالإضافة إلى ما سبق - قوله أيضًا: (وإن الإمامة لا تجوز إلا بشروطها: النسب، والإسلام، والحماية، والبيت ... وحفظ الشريعة، وعلم الأحكام، وصحة التنفيذ والتقوى، وإتيان الطاعة، وضبط أموال المسلمين، فإن شهد له بذلك أهل الحل والعقد من علماء المسلمين وثقاتهم أو أخذ هو ذلك على نفسه ثم رضيه المسلمون جاز له ذلك) (١) فهذا يدلّ على أن الإمام أحمد يشترط كغيره العدالة والعلم في حالة الاختيار أما في حالة التغلب فلا يشترط ...\nوهذا ما حدا بالأحناف ألا يعدوا العدالة من الشروط الواجبة وأجازوا أن يلي الفاسق أمر الأمة، لكنهم يكرهون ذلك (٢)، لأنه قد ثبت أن الصحابة صلّوا خلف أئمة الجور من بني أمية ورضوا بتقلدهم رئاسة الدولة.\nوالرد عليهم أن ذلك في حال التغلب لا في حال الاختيار كما مر. وهناك من يجعل الفسق موجبًا للعزل، وبناء عليه فلا تلزم إمامة المتغلب الفاسق بل العدل فقط، ...\nوبهذا يتبين أن هذا الشرط واجب توفره في الإمام عند الاختيار دون التغلب لتضافر الأدلة على ذلك.\nكما أنه مما ينبغي التنبيه له أنه ليس المقصود بالعدالة أن يكون المرشح للإمامة معصومًا في أقواله وأفعاله وتصرفاته، خاليًا من كل نقص، مبرَّءًا من كل عيب - كما تدَّعي الرافضة -، فهذه الصفات لا يدركها إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام الذين أكرمهم الله بالعصمة من الكبائر والذنوب وعدم إقرارهم على الصغائر إن وقعت منهم.\nأما المسلم العادي فقد يقع في بعض الذنوب والآثام ولكنه سرعان ما يسترجع ويستغفر الله مما بدر منه ويعزم أن لا يعود، فهذه لا تخرم مروءته ولا تبطل عدالته.\nوقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» (٣).\nكما أن العدالة معتبرة في كل زمان بأهله وإن اختلفوا في وجه الاتصاف بها، فنحن نقطع بأن عدالة الصحابة لا تساويها عدالة التابعين، وعدالة التابعين لا تساويها عدالة من بعدهم، وكذلك كل زمان مع ما بعده إلى زماننا هذا، فلو قيس عدول زماننا بعدول الصحابة والتابعين لم يعدوا عدولًا لتباين ما بينهما من الاتصاف بالتقوى والمروءة، ولكن لا بد من اعتبار كل عدول زمان بحسبه، وإلا لم يمكن إقامة ولاية يشترط فيها العدالة التامة ... والله أعلم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٢٥١\n_________\n(١) [١٣٠٠٣]» «طبقات الحنابلة» (٢/ ٣٠٥).\n(٢) [١٣٠٠٤]» انظر: «المسامرة في شرح المسايرة» (ص: ١٦٦، ١٦٧)، وانظر: «حاشية رد المحتار على الدر المختار» (١/ ٥٤٨).\n(٣) رواه الترمذي (٢٤٩٩)، وابن ماجه (٤٢٥١)، والحاكم (٤/ ٢٧٢). من حديث أنس ﵁. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٤٣٩): إسناده قوي. وحسّنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"8","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2142>المبحث السابع: الكفاءة النفسية</span>\nومما ينبغي توفره في الخليفة أيضًا أن يكون شجاعًا جريئًا على إقامة الحدود واقتحام الحروب بصيرًا بها كفيلًا بحمل الناس عليها، عارفًا بالدهاء قويًا على معاناة السياسة وحسن التدبير ليصبح له بذلك ما جعل له من حماية الدين وجهاد العدو وإقامة الأحكام وتدبير المصالح.\nودليل اشتراط هذا الشرط هو طبيعة هذا المنصب الذي يحتاج إلى كل هذه الصفات حتى يكون قادرًا على سياسة الرعية وتدبير مصالحهم الدينية والدنيوية، ولأن الحوادث التي تحدث في الدولة ترفع إليه ولا يتسنى له البتّ فيها كما لا تتبين له المصلحة إلا إذا كان على قدر من الحكمة والرأي والتدبير، ولذلك فلا يولى إلا من كان عنده القدرة على ذلك، يدل عليه قول النبي - ﷺ - لأبي ذر ﵁ حينما قال له: «يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» (١). وفي رواية قال له: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين ولا تولين مال يتيم» (٢) فإذا كان كان هذا في الولاية الصغرى وفي الأموال فمن باب أولى في الإمامة العظمى الشاملة للقيام بأعباء الولايات الصغرى والكبرى والأموال وغيرها.\nوإلى اشتراط هذا الشرط ذهب إمام الحرمين الجويني (٣) وسبقه أبو يعلى حيث يقول: (الثالث: أن يكون قَيِّما بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود لا تلحقه رأفة في ذلك والذب عن الأمة) (٤) وبه قال الماوردي: (الرابع: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، الخامس: الشجاعة، والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو) (٥) وبه قال البغدادي (٦)، وابن خلدون (٧)، والإيجي في المواقف (٨) والغزالي في فضائح الباطنية (٩) وغيرهم كثير.\nفهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهناك من العلماء من لا يشترطون هذا الشرط مجوزين الاكتفاء بأن يستشير الإمام أصحاب الآراء الصائبة في كل ما يحتاج إلى البتّ فيه من الأمور المهمة معللين ذلك بأنه يندر أن يتوفر هذا الشرط مع الشروط المطلوبة في الإمامة من الاجتهاد وغيره.\nوالواقع أنه ليس هناك حدّ معين لهذا الشرط، وإنما لكل زمان بحسبه، فالمهم أن لا يكون هناك قصور يخلّ بالمقاصد التي من أجلها نصب الإمام ... والله أعلم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٢٥٩\n_________\n(١) [١٣٠٠٦]» رواه مسلم (١٨٢٥).\n(٢) [١٣٠٠٧]» رواه مسلم (١٨٢٦).\n(٣) [١٣٠٠٨]» «غياث الأمم» (ص: ٦٨).\n(٤) [١٣٠٠٩]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلي الماوردي (ص: ٢٠).\n(٥) [١٣٠١٠]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلي الماوردي (ص: ٦).\n(٦) [١٣٠١١]» «أصول الدين» (ص: ٢٧٧).\n(٧) [١٣٠١٢]» «مقدمة ابن خلدون» (ص: ١٩٣)\n(٨) [١٣٠١٣]» «المواقف» (ص: ٣٩٨).\n(٩) [١٣٠١٤]» «فضائح الباطنية» (ص: ١٨٥).","vol":"8","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2143>المبحث الثامن: الكفاءة الجسمية</span>\nوالمقصود بها سلامة الحواس والأعضاء التي يؤثر فقدانها على الرأي والعمل. كذهاب البصر والنطق والسمع فهذه تؤثر في الرأي، وفقدان اليدين والرجلين يؤثر في النهوض وسرعة الحركة، وتشوه المنظر وتضعف من هيبة الإمام في نفوس الرعية، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الشرط في قصة طالوت كما مر وذلك في قوله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة: ٢٤٧].\nمن أجل هذا قسَّم الفقهاء أوجه النقص الجسدية إلى أربعة أقسام:\nالأول: ما لا يمنع من عقد الإمامة وهو: النقص الذي لا يؤثر فقده في رأي ولا عمل ولا يشين في المنظر فهذا نقص لا يحول دون قيام الخليفة بوظائفه لأنه لا يؤثر في كفاءته وقدرته على سياسة الأمور في الدولة الإسلامية.\nالثاني: النقص الذي يمنع من اختيار الشخص لمنصب الخلافة كفقد اليدين أو عجز الرجلين الذي يمنعه من النهوض ويؤثر في حركته، فهذا وذاك نقص يؤثر في الكفاءة اللازم توفرها في المرشح للخلافة، ويعوقه عن مباشرة سلطاته واختصاصاته فيما لو ولي أمر الأمة، وهو ما يضر بحقوقها ومصالحها العامة، لذلك فإن هذا النقص يحول دون صلاحية الشخص لرئاسة الدولة، كما أنه يؤدي في حالة طروء هذا النقص عليه بعد توليته الخلافة إلى منع استدامتها.\nالثالث: وهو النقص المؤدي إلى العجز الجزئي ويؤثر في أداء بعض الأعمال كقطع إحدى اليدين أو الرجلين، وهذا من شأنه أن يحول دون اختياره للخلافة لعجزه عن كمال التصرف، ولم يختلف الفقهاء في ذلك وإنما اختلفوا في استدامتها ...\nالرابع: وهو النقص الذي يمنع الخليفة من مباشرة الأعباء المقررة على المنصب ولا يحول دون قيامه بسائر اختصاصاته وسلطاته كالنقص المؤثر في المظهر كجدع الأنف وسمل إحدى العينين، فهذا لا يخرجه من الإمامة بعد عقدها اتفاقًا، لعدم تأثيره في شيء من حقوقها، أما في الاختيار فالعلماء فيه على رأيين منهم من أجاز، ومنهم من منع ليسلم الولاة من شين يعاب ونقص يزدرى فتقلّ هيبتهم، وفي قلَّتها نفور عن الطاعة، وما أدى إلى هذا فهو نقص في حقوق الأمة. أما عن شرط سلامة الحواس. فالسمع والنطق يشترطه كثير من الفقهاء، لأن الوقوف على مصالح المسلمين والرأي والتدبير يتوقف عليهما ومنهم من لم يشترطهما لإمكان الفهم عن طريق الكتابة (١) ونحوها. لكن الراجح اشتراط توفرهما في الخليفة للحاجة إليهما، وكذلك البصر فهو من الشروط التي يجب توافره ضرورة، لأن الأعمى لا يستطيع أن يدبر أمر نفسه وهو ما لا يسمح له أن يدبر أمر المسلمين، أما في الولاية الصغرى فجائز لأن النبي - ﷺ - ولى ابن أم مكتوم وهو رجل أعمى على المدينة عدة مرات (٢) وقد خالف في اشتراط هذا الشرط ابن حزم رحمه الله تعالى فقال: (لا يضر الإمام أن يكون في خلقه عيب، كالأعمى والأصم والأجدع والأجذم والأحدب، والذي لا يدان له ولا رجلان، ومن بلغ الهرم ما دام يعقل ولو أنه ابن مائة عام ... فكل هؤلاء إمامتهم جائزة، إذ لم يمنع منها نص القرآن ولا سنة ولا إجماع ولا نظر ولا دليل أصلا) (٣).\nونحن لا نقول بأنه نص عليه قرآن ولا سنة ولا إجماع، وإنما مقصود الإمامة لا يتم إلا بمن كانت فيه هذه الشروط، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والله أعلم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي - بتصرف– ص: ٢٦١\n_________\n(١) [١٣٠١٥]» انظر: «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ١٩)، «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢١، ٢٢)، «مآثر الإنافة» (١/ ٣٤)، «مقدمة ابن خلدون» (ص: ١٩٣) «طرق اختيار الخليفة» د. فؤاد محمد النادي (ص: ٦٤)، «رئاسة الدولة في الفقه الإسلامي» (ص: ١٦٨).\n(٢) [١٣٠١٦]» حديث استخلاف ابن أم مكتوم على المدينة رواه أبو داود (٢٩٣١)، وأحمد (٣/ ١٣٢) (١٢٣٦٦)، وأبو يعلى (٥/ ٤٢٢) (٣١١٠). من حديث أنس ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٤٩٦)، وحسن سناده ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (١/ ١٧٤)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٢) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٣) [١٣٠١٧]» «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ١٦٧).","vol":"8","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2144>المبحث التاسع: عدم الحرص عليها</span>\nوقد نص النبي - ﷺ - على هذا الشرط، وجعل الحرص عليها بغير مصلحة شرعية تهمة يعاقب عليها بمنعه منها. والأدلة على هذا الشرط كثيرة منها:\n١ - عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» (١).\n٢ - وعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النبي - ﷺ - أنا ورجلان من قومي فقال أحد الرجلين: أَمِّرنا يا رسول الله، وقال الآخر مثله، فقال: «إنا لا نُوَلِّي هذا من سأله ولا من حرص عليه» (٢).\nولذلك قال سفيان الثوري ﵀: (إذا رأيت الرجل يحرص على أن يؤَمَّر فأخِّرْه) (٣) أما إذا كان في تقديم الإنسان نفسه مصلحة شرعية كأن يكون أهلًا لهذا المنصب فيموت الوالي ولا يوجد غيره، وخشي من التأخر الفتنة والضياع، فله أن يقدم نفسه بنية المصلحة الشرعية لا بنية الحرص عليها، قال الحافظ ابن حجر: (وهذا لا يخالف ما فرض في الحديث الذي قبله من الحصول بالطلب أو بغير طلب، بل في التعبير. بـ (حرص) إشارة إلى أن من قام بالأمر عند خشية الضياع يكون كمن أُعْطى بغير سؤال، لفقد الحرص غالبًا عمن هذا شأنه، وقد يغتفر الحرص في حق من تعين عليه لكونه يصير واجبًا عليه) (٤). ...\nهذا وقد سأل الولاية بعض الأنبياء المصطفين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام حينما رأوا أنهم أكفأ من يقوم بها، ولخطورة ما يترتب عليها لو وضعت في يد غير أمينة، فهذا يوسف ﵇ يقول للملك: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥] وهذا سليمان ﵇ يسأل الله ﷿ الولاية فيقول: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي ... [ص: ٣٥] الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي - بتصرف– ص ٢٦٤\n_________\n(١) [١٣٠١٨]» رواه البخاري (٦٦٢٢)، ومسلم (١٦٥٢).\n(٢) [١٣٠١٩]» رواه البخاري (٣١٩٤).\n(٣) [١٣٠٢٠]» رواه ابن الجعد في مسنده (ص: ٢٦٩).\n(٤) [١٣٠٢١]» «فتح الباري» (١٣/ ١٢٦).","vol":"8","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2145>المبحث العاشر: القرشية</span>\nهذا الشرط من الشروط التي وردت النصوص عليه صريحة وانعقد إجماع الصحابة والتابعين عليه، وأطبق عليه جماهير علماء المسلمين، ولم يخالف في ذلك إلا النزر اليسير من أهل البدع كالخوارج وبعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، ...\nمن هم قريش؟\nقبيلة قريش هم أولاد قريش، واختلف النَّسَّابون في قريش هذا من هو؟ على عدة أقوال:\nالأول: قيل هو: النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. قال ابن هشام: (النضر قريش، فمن كان من ولده فهو: قرشي. ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي) (١). وإلى هذا القول ذهب بعض الشافعية (٢)، ويدل على ذلك ما ذكره ابن إسحاق وغيره في قصة وفد كنده: «أن الأشعث بن قيس قال: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار (٣) فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال: ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث ... ثم قال لهم: لا. بل نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا (٤) ولا ننتفي من أبينا، فقال الأشعث بن قيس: هل فرغتم يا معشر كندة؟ والله لا أسمع رجلًا يقولها إلا ضربته ثمانين» (٥). قال البغدادي: (وهذا اختيار أبي عبيدة معمر بن المثنى، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وبه قال الشافعي ﵁ وأصحابه) (٦) وهو قول ابن حزم (٧) وابن منظور (٨).\nوقول الحافظ ابن حجر (٩) وابن قيم الجوزية (١٠) رحمهم الله تعالى.\nالثاني: أن قريشًا هو فهر بن مالك، قال الزبيري: (قالوا: اسم فهر بن مالك، قريش، ومن لم يلد فهر فليس من قريش) (١١). وقال الزبيدي: (والصحيح عند أئمة النسب أن قريشًا هو: فهر بن مالك بن النضر، وهو: جماع قريش وهو: الجد الحادي عشر (١٢) لرسول الله - ﷺ -، فكل من لم يلده فليس بقرشي (١٣) قيل: اسمه فهر. ولقبه: قريش. وقيل: العكس، وقد روي عن نسابي العرب أنهم قالوا: من جاوز فهرًا فليس من قريش (١٤)، قال الزهري: (وهو الذي أدركت عليه من أدركت من نسابي العرب أن من جاوز فهرًا فليس من قريش) (١٥).\n_________\n(١) [١٣٠٢٢]» «سيرة ابن هشام» (١/ ٩٣).\n(٢) [١٣٠٢٣]» انظر: «حاشية الجمل» (٧/ ٧٨٤).\n(٣) [١٣٠٢٤]» المرار شجر من شجر البوادي، وآكل المرار هو: الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن كندة، وللنبي - ﷺ - جدة من كندة مذكورة وهي أم كلاب بن مرة وإياها أراد الأشعث. عن «زاد المعاد» (٣/ ٤٠).\n(٤) [١٣٠٢٥]» قفى أمه: أي رماها بالفجور، وانتفى من أبيه أي انتسب إلى غير أبيه.\n(٥) [١٣٠٢٦]» رواه ابن ماجه (٢١٣٢)، وأحمد (٥/ ٢١١) (٢١٨٨٨)، والطيالسي (٢/ ٢٢٢) (١١٤٥)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (١/ ٢٣)، قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٢/ ١٨٦): إسناده جيد قوي، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٦) [١٣٠٢٧]» «أصول الدين» (ص: ٢٧٦)، «الحاوي» للماوردي (٨/ ٤٦٦)، «روضة الطالبين» للنووي (٥/ ٣٢١).\n(٧) [١٣٠٢٨]» «جمهرة أنساب العرب» (ص: ١٢).\n(٨) [١٣٠٢٩]» انظر: مادة (قرش) من لسان العرب لابن منظور (٦/ ٣٣٤).\n(٩) [١٣٠٣٠]» «فتح الباري» (٦/ ٥٣٤).\n(١٠) [١٣٠٣١]» «زاد المعاد» (٣/ ٤٠).\n(١١) [١٣٠٣٢]» «نسب قريش» لابن المصعب الزبيري (ص: ١٢).\n(١٢) [١٣٠٣٣]» لأن نسبه - ﷺ - كالتالي: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر ... إلخ. انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ١).\n(١٣) [١٣٠٣٤]» «إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين» (٢/ ٣٠).\n(١٤) [١٣٠٣٥]» «شرح المواهب اللدنية» للزرقاني (١/ ٧٥).\n(١٥) [١٣٠٣٦]» «زاد المعاد» لابن القيم (٣/ ٤٠).","vol":"8","page":53},{"text":"قال الشنقيطي: (فالفهري قرشي بلا نزاع، ومن كان من أولاد مالك بن النضر، أو أولاد النضر بن كنانة ففيه خلاف، ومن كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع) (١) ويدل على ذلك ما رواه واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بين هاشم» (٢).\nوهناك أقوال أخرى ضعيفة .... وسميت قريش قريشًا من التقرش، والتقرش التجارة والاكتساب، وقال ابن إسحاق: يقال سميت قريش قريشًا لتجمعها من بعد تفرقها (٣)، قال الزبيدي: (وقد حكى بعضهم في تسمية فهر بقريش عشرين قولًا أوردتها في شرحي على (القاموس» (٤) وقيل غير ذلك (٥).\nأدلة أهل السنة والجماعة على اشتراط القرشية\nقلنا: إن جماهير علماء المسلمين قاطبة ذهبوا إلى اشتراط هذا الشرط وحكى الإجماع عليه من قبل الصحابة والتابعين، وبه قال الأئمة الأربعة، فقال الإمام أحمد في رواية الإصطخري: (الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم، ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة) (٦) (وقد نص الشافعي ﵁ على هذا في بعض كتبه (٧)، وكذلك رواه زرقان عن أبي حنيفة) (٨) وقال الإمام مالك: (ولا يكون - أي الإمام - إلا قرشيًا. وغيره لا حكم له إلا أن يدعوا إلى الإمام القرشي) (٩) ولم يخالف في ذلك إلا النزر اليسير من الخوارج وبعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، واستدل المثبتون بعدة أدلة صريحة صحيحة من السنة والإجماع فمن السنة ما يلي:\n١ - ما رواه البخاري في صحيحه عن معاوية رضي الله تعالى عنه حيث قال البخاري: (باب الأمراء من قريش، حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية - وهم عنده في وفد من قريش - أن عبد الله بن عمرو يحدث «أنه سيكون ملك من قحطان فغضب فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالًا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله - ﷺ - وأولئك جهالكم فإياكم والأماني التي تضل أهلها، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين» (١٠).\n٢ - ومنها الحديث المتفق على صحته عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان» (١١) قال الحافظ ابن حجر: (وليس المراد حقيقة العدد، وإنما المراد به انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش) (١٢).\n_________\n(١) [١٣٠٣٧]» «أضواء البيان» (١/ ٥٢).\n(٢) رواه مسلم (٢٢٧٦).\n(٣) [١٣٠٣٩]» «سيرة ابن هشام» (١/ ٩٣، ٩٤). وانظر: «لسان العرب» (٦/ ٣٣٤) مادة (قرش).\n(٤) [١٣٠٤٠]» انظر: «تاج العروس» (٤/ ٣٣٧).\n(٥) [١٣٠٤١]» من شاء الاستزادة فليراجع «نسب قريش» لابن المصعب الزبيري (ص: ١٢)، و«لسان العرب» مادة (قرش) (٦/ ٣٣٥)، و«فتح الباري» (٦/ ٥٣٤).\n(٦) [١٣٠٤٢]» «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلي (١/ ٢٦).\n(٧) [١٣٠٤٣]» «الأم» (١/ ١٤٣).\n(٨) [١٣٠٤٤]» «أصول الدين» (ص: ٢٧٥).\n(٩) [١٣٠٤٥]» «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ١٧٢١).\n(١٠) [١٣٠٤٦]» رواه البخاري (٣٥٠٠).\n(١١) [١٣٠٤٧]» رواه البخاري (٣٥٠١).\n(١٢) [١٣٠٤٨]» فتح الباري (١٣/ ١١٧).","vol":"8","page":54},{"text":"٣ - ومنها ما رواه البخاري ومسلم في (صحيحيهما) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم» (١).\n٤ - وفي مسند الإمام أحمد: «أن أبا بكر وعمر لما ذهبا إلى سقيفة بني ساعدة حين اجتمع الأنصار لاختيار خليفة رسول الله - ﷺ -، تكلَّم أبو بكر ولم يترك شيئًا أنزل في الأنصار وذكره رسول الله - ﷺ - من شأنهم إلا ذكره، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله - ﷺ - قال: لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا سلكت وادي الأنصار. ولقد علمت يا سعد أن رسول الله - ﷺ - قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر فَبَرُّ الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم، فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء» (٢).\nوقد مرَّ معنا في الرواية الواردة في الصحيح ... في مبايعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه عند ذكره لهذا الحديث بمعناه لا بلفظه حيث قال: (ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش) (٣).\n(٥) ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك: «أن رسول الله - ﷺ - قام على باب البيت ونحن فيه فقال: الأئمة من قريش، إن لهم عليكم حقًا ولكم عليهم حقًا مثل ذلك، ما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٤). وقال ابن حزم: (وهذه رواية الأئمة من قريش. جاءت مجيء التواتر رواها أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومعاوية وروى جابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وعبادة بن الصامت معناها) (٥).\n... وأكثر من هذا ما ذكره الحافظ ابن حجر حيث قال: (قد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابيًا لما بلغني أن بعض فضلاء العصر ذكر أنه لم يرد إلا عن أبي بكر الصديق) (٦). إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة في هذا الباب.\nثانيًا الإجماع:\nأما الإجماع: فقد حكاه غير واحد من العلماء منهم: النووي حيث قال في شرحه لحديث: «الناس تبع لقريش ...» إلخ. الحديث: (هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة) (٧).\n_________\n(١) [١٣٠٤٩]» رواه البخاري (٣٤٩٥)، ومسلم (١٨١٨).\n(٢) [١٣٠٥٠]» رواه أحمد (١/ ٥) (١٨). قال ابن تيمية في «منهاج السنة» (١/ ٥٣٦): مرسل حسن، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٩٤): رواه أحمد - وفي الصحيح طرف من أوله - ورجاله ثقات إلا أن حميد بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة»: رجاله ثقات إلا أن حميد بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر وللحديث شاهد.\n(٣) [١٣٠٥١]» جزء من حديث طويل رواه البخاري (٦٨٣٠). من حديث بن عباس ﵄.\n(٤) [١٣٠٥٢]» رواه أحمد (٣/ ١٢٩) (١٢٣٢٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٣/ ٤٦٧) (٥٩٤٢)، والطيالسي (ص: ٢٨٤)، والطبراني (١/ ٢٥٢) (٧٢٥)، والبيهقي (٨/ ١٣٤) (١٦٣١٨)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ١٨٦). وقال: إسناده جيد، والحديث صحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٤٨٣) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٩٥): رجال أحمد ثقات، وصححه العراقي في «محجة القرب» (١٨٩).\n(٥) [١٣٠٥٣]» «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ٨٩).\n(٦) [١٣٠٥٤]» «فتح الباري» (٧/ ٣٢).\n(٧) [١٣٠٥٥]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٠٠).","vol":"8","page":55},{"text":"ومنهم القاضي عياض. فقد نقل عنه النووي قوله: (اشتراط كونه – أي الإمام - قرشيًا هو: مذهب العلماء كافة. قال: وقد احتج به أبو بكر وعمر ﵄ على الأنصار يوم السقيفة فلم ينكره أحد، قال القاضي: وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا، وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار قال: ولا اعتداد بقول النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه: يجوز كونه من غير قريش، ولا سخافة ضرار بن عمرو في قوله: إن غير القرشي من النبط وغيرهم يقدم على القرشي لهوان خلعه إن عرض منه أمر وهذا الذي قاله من باطل القول وزخرفه مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين والله أعلم) (١).\nوممن حكى هذا الإجماع أيضًا الماوردي (٢)، والإيجي في (المواقف) (٣)، وابن خلدون في (المقدمة) (٤)، والغزالي في (فضائح الباطنية) (٥) وغيرهم.\nومن المحدثين الشيخ محمد رشيد رضا حيث قال: (أما الإجماع على اشتراط القرشية فقد ثبت بالنقل والفعل، رواه ثقات المحدثين، واستدل به المتكلمون وفقهاء مذاهب السنة كلهم، وجرى عليه العمل بتسليم الأنصار وإذعانهم لبني قريش، ثم إذعان السواد الأعظم من الأمة عدة قرون ...) (٦).\nولكن الحافظ ابن حجر يعترض على هذا الإجماع بقوله: (قلت: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: (إن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل ... الحديث). ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش فيحتمل أن يقال: لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًا، أو تغير اجتهاد عمر في ذلك والله أعلم) (٧).\nالقائلون بعدم اشتراط القرشية وأدلتهم\nأول من قال بعدم اشتراط القرشية الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁ (إذ جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش، وكل من نصبوه برأيهم وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور كان إمامًا) (٨).\nوزعم ضرار بن عمرو - من شيوخ المعتزلة - أيضًا أن الإمامة تصلح في غير قريش (حتى إذا اجتمع قرشي ونبطي قدمنا النبطي إذ هو أقل عددًا وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة) (٩) قال الشهرستاني: (والمعتزلة - أي جمهورهم - وإن جوزوا الإمامة في غير قرشي، إلا أنهم لا يجيزون تقديم النبطي على القرشي (١٠) وزعم الكعبي أن القرشي أولى بها من الذي يصلح لها من غير قريش، فإن خافوا الفتنة جاز عقدها لغيره) (١١).\n_________\n(١) [١٣٠٥٦]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٠٠).\n(٢) [١٣٠٥٧]» «الأحكام السلطانية» (ص: ٦).\n(٣) [١٣٠٥٨]» «المواقف» (ص: ٣٩٨).\n(٤) [١٣٠٥٩]» «مقدمة ابن خلدون» (ص: ١٩٤).\n(٥) [١٣٠٦٠]» «فضائح الباطنية» (ص: ١٨٠).\n(٦) [١٣٠٦١]» «الخلافة أو الإمامة العظمي» لرشيد رضا (ص: ١٩).\n(٧) [١٣٠٦٢]» «فتح الباري» (١٣/ ١١٩). والواقع أنه لا يرجع إلى التأويل إلا إذا صح الخبر في مخالفة عمر للإجماع، ولكن هذا الأثر ضعيف لانقطاعه.\n(٨) [١٣٠٦٣]» «الملل والنحل» (١/ ١١٦).\n(٩) [١٣٠٦٤]» «الملل والنحل» للشهرستاني (١/ ٩١).\n(١٠) [١٣٠٦٥]» «الملل والنحل» (١/ ٩١).\n(١١) [١٣٠٦٦]» «أصول الدين» (ص: ٢٧٥).","vol":"8","page":56},{"text":"ومن الأشاعرة إمام الحرمين الجويني حيث مال إلى عدم اشتراطه، وزعم أنه من أخبار الآحاد وهو على مذهبه الباطل لا يحتج به في مثل هذه المسائل حيث قال: (وهذا مسلك لا أوثره، فإن نقلة هذا الحديث معدودون لا يبلغون مبلغ عدد التواتر والذي يوضح الحق في ذلك: أنا لا نجد في أنفسنا ثلج الصدور واليقين المثبوت بصدد هذا من فلق (١). في رسول الله - ﷺ -، كما لا نجد ذلك في سائر أخبار الآحاد، فإذًا لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في الإمامة) (٢) وقال في كتابه (الإرشاد): (وهذا مما يخالف فيه بعض الناس، وللاحتمال فيه عندي مجال، والله أعلم بالصواب) (٣).\nوقد اختلف قول أبي بكر الباقلاني، فاشترط القرشية في كتابه (الإنصاف) فقال: (ويجب أن يعلم أن الإمامة لا تصلح إلا لمن تجتمع فيه شرائط منها: أن يكون قرشيًا لقوله - ﷺ -: «الأئمة من قريش» (٤) ولم يشترطها في كتابه (التمهيد) حيث قال: (إن ظاهر الخبر لا يقضي بكونه قرشيًا، ولا العقل يوجبه) (٥).\nوإلى نفي اشتراط القرشية ذهب أكثر الكتاب المحدثين منهم: الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية) وذهب إلى أن الأحاديث الواردة مجرد أخبار لا تفيد حكمًا (٦)، ومنهم العقاد (٧)، ومنهم د. علي حسني الخربوطلي في كتابه (الإسلام والخلافة) (٨) وتجرأ على رمي الأحاديث المذكورة بالوضع، ومنهم د. صلاح الدين دبوس في كتابه (الخليفة توليته وعزله) وذهب إلى أن هذه الأحاديث مجرد أخبار (٩)، ومنهم الأستاذ محمد المبارك ﵀ وعفا عنه واعتبرها من باب السياسة الشرعية المتغيرة بتغير العوامل (١٠).\nواستدل من ذهب إلى نفي اشتراط القرشية بما يلي:\n١ - بقول الأنصار يوم السقيفة (منا أمير ومنكم أمير) (١١) قالوا: فلو لم يكن الأنصار يعرفون أنه يجوز أن يتولى الإمامة غير قرشي لما قالوا ذلك.\n٢ - ومن أدلتهم أيضًا ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسوا الله - ﷺ -: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» (١٢) فالحديث أوجب الطاعة لكل إمام وإن كان عبدًا، فدل على عدم اشتراط القرشية.\n_________\n(١) [١٣٠٦٧]» الفلق: بيان الحق بعد إشكاله.\n(٢) [١٣٠٦٨]» «غياث الأمم» للجويني (ص: ١٦٣).\n(٣) [١٣٠٦٩]» «الإرشاد إلى قواعد الأدلة في أصول الاعتقاد» لأبي المعالي الجويني (ص: ٤٢٧).\n(٤) [١٣٠٧٠]» «الإنصاف» للباقلاني (ص: ٦٩).\n(٥) [١٣٠٧١]» نقلًا عن الأستاذ عبد الوهاب عبد اللطيف في تعليقه على «الصواعق المحرقة» للهيتمي (ص: ٩) ولم أقف على هذا الكلام في كتاب «التمهيد» لأن النسخة الموجودة المتداولة الآن من تحقيق جماعة من المستشرقين، وقد حذفوا كتاب «الإمامة» كاملًا، وقد نسب هذا الكلام إلى الباقلاني ابن خلدون أيضًا. انظر: «المقدمة» (ص: ١٩٤).\n(٦) [١٣٠٧٢]» «تاريخ المذاهب الإسلامية» (١/ ٩٠).\n(٧) [١٣٠٧٣]» «الديمقراطية في الإسلام» (ص: ٦٩).\n(٨) [١٣٠٧٤]» «الإسلام والخلافة» (ص: ٤٢).\n(٩) [١٣٠٧٥]» «الخليفة توليته وعزله» (ص: ٢٧٠).\n(١٠) [١٣٠٧٦]» «نظام الإسلام في الحكم والدولة» (ص: ٧١).\n(١١) رواه البخاري (٣٦٦٧، و٣٦٦٨). من حديث عائشة ﵂.\n(١٢) رواه البخاري (٧١٤٢).","vol":"8","page":57},{"text":"٣ - واستدلوا أيضًا بقول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حيّ استخلفته ... فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل) (١) والمعروف أن معاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش (٢) فدل على الجواز. كما روي عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: (لو أدركني أحد رجلين، ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح) (٣).\n٤ - كما استنتجوا من قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه: (إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ...) (٤) أن هذا تعليل لطاعة العرب لهم فإذا تغير الحال تغير موضع الاختيار.\n٥ - ومنهم من قال: إن هذه الأحاديث التي يستدل بها أهل السنة إنما هي على سبيل الإخبار، وليس فيها أمر يجب امتثاله، ذهب إلى ذلك بعض الكتاب المحدثين كالشيخ محمد أبي زهرة (٥) ود. صلاح الدين دبوس (٦). وغيرهم.\n٦ - واستدلوا على ذلك أيضًا بقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣] فجعل الأفضلية والإكرام بالتقوى لا بالمعايير الأخرى كالنسب ونحوه، بل وردت أحاديث تحذر من التفاخر بالأنساب والأحساب، وتنهى عن العصبية الجاهلية منها:\nأ- قوله - ﷺ -: «أربع من أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم» (٧).\nب- ومنها قوله ﷺ: «إن الله أذهب عنكم عُبِّيَّة (٨) الجاهلية وفخرها بالآباء. الناس رجلان: مؤمن تقي، وفاجر شقي. أنتم بنو آدم، وآدم من تراب. ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن» (٩).\nمناقشة هذه الأدلة\n_________\n(١) [١٣٠٧٩]» رواه أحمد (١/ ١٨) (١٠٨). قال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ١٢٧): رجاله ثقات.\n(٢) [١٣٠٨٠]» انظر: الإصابة لابن حجر (٩/ ٢١٩).\n(٣) [١٣٠٨١]» رواه أحمد (١/ ٢٠) (١٢٩). من حديث أبي رافع ﵁. قال ابن كثير في «مسند الفاروق» (١/ ٣٨٠): إسناده على شرط السنن وعلي بن زيد بن جدعان له غرائب وإفرادات ولكن له شاهد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٢٣): رواه أحمد وفيه علي بن زيد وحديثه حسن وفيه ضعف، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٨٠).\n(٤) [١٣٠٨٢]» رواه البخاري (٦٨٣٠) بلفظ: «ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش». من حديث عائشة ﵂.\n(٥) [١٣٠٨٣]» «تاريخ المذاهب الإسلامية» (١/ ٩٠).\n(٦) [١٣٠٨٤]» «الخليفة توليته وعزله» (ص: ٢٧٠).\n(٧) [١٣٠٨٥]» رواه مسلم (٩٣٤). من حديث أبو مالك الأشعري ﵁.\n(٨) [١٣٠٨٦]» عُبِّيَّة الجاهلية: بضم العين المهملة وكسر الموحدة المشددة وفتح المثناة التحتية المشددة: أي: فخرها وتكبرها. قال الخطابي: العبية الكبر والنخوة، يريد بهذا القول ما كان عليه أهل الجاهلية من التفاخر بالأنساب والتباهي بها، وأصله مهموز من العبء وهو: الثقل وفيه لغة أخرى وهي: العبية بالكسر. انظر: «غريب الحديث» للخطابي (١/ ١٩٠).\n(٩) [١٣٠٨٧]» رواه أبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٥)، وأحمد (٢/ ٥٢٣) (١٠٧٩١)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٦٢). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن غريب، وحسن إسناده المنذري، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٤٧): صحيح.","vol":"8","page":58},{"text":"١ - أما استدلالهم بقول الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير) (١) فواضح البطلان، وذلك لرجوعهم ﵃ عن هذا القول في تلك اللحظة بعد أن سمعوا النص الوارد عن النبي - ﷺ - الذي رواه أبو بكر رضي الله تعالى عنه في قوله: «ولقد علمت يا سعد أن رسول الله - ﷺ - قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم. فقال له سعد: صدقت. نحن الوزراء وأنتم الأمراء» (٢). فيحتمل أنهم قالوا هذا القول قبل أن يعرفوا النص الذي يثبت الخلافة في قريش ولهذا رجعوا إلى رشدهم لما عرفوا الحقيقة.\n٢ - أما استدلالهم بأحاديث الأمر بالطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا، فقد سبق الجواب عليها مفصلًا وأن المراد إما إمامة المتغلب أو الإمارة الصغرى على بعض الولايات، أو لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة وضرَبَهُ مثلًا.\n٣ - أما استدلالهم بقول عمر في إرادته استخلاف معاذ بن جبل الأنصاري رضي الله تعالى عنه فهذا لم يتم، وإنما رشح عمر ستة قرشيين اختارهم وقال: (ليختاروا أحدهم)، وأيضًا لو ثبت ذلك فإن النص مقدَّم على قول الصحابي وإن بلغ من الفضل ما بلغ، ولعله اجتهاد من عمر رضي الله تعالى عنه ثم تراجع عنه إلى النص، وقد أجاب الحافظ في (الفتح) (٣) على هذا الاعتراض باحتمالين هما:\nأ- إما أن يكون الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًا.\nب- وإما أن يكون قد تغير اجتهاد عمر في ذلك.\n... وإما أن يريد من قوله ذلك الولاية الصغرى، أي: على أحد الأقاليم، وهذا لا يشترط فيه النسب اتفاقًا. هذا على افتراض صحة الحديث، وإلا فالحديث ضعيف لانقطاع سنده فلا يصلح للاحتجاج به.\nأما الحديث الثاني والذي فيه ذكر سالم مولى أبي حذيفة وأبي عبيدة فيحتمل إرادة التولية الصغرى أيضًا، أو أنه يعتبر قرشيًا، لأن أبا حذيفة القرشي (٤) قد تبناه وهو مولى له، ومولى القوم منهم، وقد أرضعته زوجه - وهو كبير - بعد تحريم التبني فأصبح ابنًا له، وقصة إرضاعه مشهورة وهي في صحيح مسلم وغيره، قال ابن عبد البر: (وهو يعد في قريش لما ذكرنا) (٥) ويقصد قوله: (لأنه لما أعتقته مولاته زوج أبي حذيفة تولى أبا حذيفة وتبناه أبو حذيفة، ولذلك عُدَّ في المهاجرين) (٦) أما أبو عبيدة فقرشي باتفاق (٧).\n٤ - أما استدلالهم بقول أبي بكر: (إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ...) وقولهم بأن هذا تعليل لطاعة العرب لهم، فإذا تغير الحال تغير موضع الاختيار، هكذا عللوه، وهو تعليل بعيد، لأنه ظاهر في أحقية قريش بالخلافة فهو بحق دليل على اشتراط القرشية لا على نفيها، والنصوص التي ذكرت استدلال أبي بكر مبينة لهذا الظاهر، وهذا ما فهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بدليل تسليمهم بالطاعة لأبي بكر ﵁ حينما بين لهم هذا الدليل ... والله أعلم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٦٧، و٣٦٦٨). من حديث عائشة ﵂.\n(٢) [١٣٠٨٩]» رواه أحمد (١/ ٥) (١٨). قال ابن تيمية في «منهاج السنة» (١/ ٥٣٦): مرسل حسن، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٩٤): رواه أحمد - وفي الصحيح طرف من أوله - ورجاله ثقات إلا أن حميد بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة»: رجاله ثقات إلا أن حميد بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر وللحديث شاهد.\n(٣) [١٣٠٩٠]» «فتح الباري» (١٣/ ١١٩).\n(٤) [١٣٠٩١]» «الإصابة» (١١/ ٨١).\n(٥) [١٣٠٩٢]» «الاستيعاب» (٢/ ٥٦٧).\n(٦) [١٣٠٩٣]» «الاستيعاب» (٢/ ٥٦٧).\n(٧) [١٣٠٩٤]» «الإصابة» (٥/ ٢٨٥).","vol":"8","page":59},{"text":"٥ - وأما من قال بأنها على سبيل الإخبار وليس فيها أمر فمردود، لأنها أمر في صيغة الخبر، وقد وردت بعض الأحاديث بالأمر الصريح كقوله - ﷺ -: «قدموا قريشًا ولا تقدموها» (١) فهذا أمر منه - ﷺ - بذلك.\nكما أنه لو كان إخبار من النبي - ﷺ - لتحقق الخبر، وهو: أنه لن يتولى الخلافة إلا قرشي، لأن خبر الصادق لابد أن يتحقق، لكن الواقع غير ذلك، فقد تولى الخلافة غير القرشيين، منهم من يدعي كذبًا أنه قرشي كالعبيديين الذي تسموا بالفاطميين (٢)، ومنهم: من لم يدع ذلك كسلاطين الدولة العثمانية، قال ابن حزم: (هذان الخبران - يقصد حديث ابن عمر، ومعاوية السابق ذكرهما - وإن كانا بلفظ الخبر فهما أمر صحيح مؤكد إذ لو جاز أن يوجد الأمر في غير قريش لكان تكذيبًا لخبر النبي - ﷺ - وهذا كفر ممن أجازه) (٣).\n٦ - وأما ما قالوه من أن الإسلام نهى عن العصبية، وأن تسود طائفة معينة على سائر المسلمين وأنه جاء بالمساواة بين المسلمين جميعًا لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى ... إلخ.\nإن الإسلام باشتراطه أن يكون الإمام قرشيًا لم يكن بذلك داعيًا إلى العصبية القبلية التي نهى عنها في أكثر من موضع، فإن الإمام في نظر الإسلام ليس له أي مزية على سائر أفراد الأمة ولا لأسرته أدنى حق زائد على غيرهم، فالإمام وغيره من أفراد المسلمين سواء في نظر الإسلام، بل هو متحمل من التبعات والمسؤوليات ما يجعله من أشدَّ الناس حملًا وأثقلهم حسابًا يوم القيامة.\nوهذا وليس معنى أن الإسلام نهى عن العصبية أن الناس لا تفاضل بينهم، بل التفاضل بين الخلق في الدنيا من صميم الفطرة ووردت أدلة شرعية على ذلك. فجمهور العلماء (٤) على أن جنس العرب خير من غيرهم، كما أن جنس قريش خير من غيرهم، قد ثبت في الصحيح عنه - ﷺ – «أنه سئل أي الناس أكرم؟ فقال: أتقاهم. فقالوا: ليس عن هذا نسألك، فقال: فيوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: أفعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (٥). وفي رواية: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (٦). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ذهبت طائفة إلى عدم التفضيل بين الأجناس، وهذا قول طائفة من أهل الكلام: كالقاضي أبي بكر بن الطيب وغيره ... وهذا القول يقال له مذهب الشعوبية وهو: قول ضعيف من أقوال أهل البدع) (٧). وقال: (لكن تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد فإن في غير العرب خلق كثير خير من أكثر العرب، وفي غير قريش من المهاجرين والأنصار خير من أكثر قريش ...).\n_________\n(١) رواه البزار (٢/ ١١٩)، والطبراني كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (١٠/ ٢٨). من حديث علي ﵁. وقال: روي من غير وجه وابن الفضل ليس بالحافظ، وأبو بكر بن أبي جهمة، وأبوه لا نعلمهما يحدثان إلا بهذا الحديث، وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه أبو معشر وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٣٨٤).\n(٢) [١٣٠٩٦]» انظر لكشف كذبهم وتبين أصلهم: «تاريخ السيوطي» (ص: ٤).\n(٣) [١٣٠٩٧]» «المحلى» لابن حزم (١٠/ ٥٠٣).\n(٤) [١٣٠٩٨]» مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٩/ ٢٩).\n(٥) [١٣٠٩٩]» رواه البخاري (٣٣٥٣)، ومسلم (٢٣٧٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) [١٣١٠٠]» رواه مسلم (٢٦٣٨). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) [١٣١٠١]» «منهاج السنة» (٢/ ٢٦٠).","vol":"8","page":60},{"text":"قال: (والمقصود أنه أرسل - ﷺ - إلى جميع الثقلين الإنس والجن فلم يخص العرب دون غيرهم من الأمم بأحكام شرعية، ولكن خص قريشًا بأن الإمامة فيهم، وخص بني هاشم بتحريم الزكاة عليهم، وذلك لأن جنس قريش لما كانوا أفضل، وجب أن تكون الإمامة في أفضل الأجناس مع الإمكان، وليست الإمامة أمرًا شاملًا وإنما يتولاها واحد من الناس) (١). وقال شيخ الإسلام: (وإذا فرضنا اثنين أحدهما: أبوه نبي. والآخر: أبوه كافر. وتساويا في التقوى والطاعة من كل وجه كانت درجتهما في الجنة سواء، ولكن أحكام الدنيا بخلاف ذلك في: الإمامة، والزوجية، والشرف، وتحريم الصدقة ونحو ذلك ...) قال: والخير في الأشراف أكثر منه في الأطراف (٢).\nأما نفس ترتيب الثواب والعقاب على القرابة ومدح الله ﷿ للشخص المعين وكرامته عند الله وفضله فهذا لا يؤثر فيه النسب، وإنما المؤثر الوحيد هو التقوى والعمل الصالح، كما قال ﷿: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣]\nوقد ورد عن النبي - ﷺ - أحاديث كثيرة في فضل قريش على سائر القبائل (٣) منها قوله - ﷺ -: «إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم» (٤). فالحاصل أن هناك من ألغى فضيلة الأنساب مطلقًا، وهناك من يفضل الإنسان بنسبه على من هو أعظم منه في الإيمان والتقوى فضلًا عمن هو مثله. قال ابن تيمية: (فكلا القولين خطأ، وهما متقابلان، بل الفضيلة بالنسب فضيلة جملة، وفضيلة لأجل المظنة والسبب، والفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية، فالأول يفضل به لأنه سبب وعلامة، ولأن الجملة أفضل من جملة تساويها في العدد، والثاني يفضل به لأنه الحقيقة والغاية، ولأن كل من كان أتقى كان أكرم عند الله، والثواب من الله يقع على هذا، لأن الحقيقة قد وجدت فلم يعلق الحكم بالمظنة) (٥).\nفالمقصود أن اشتراط القرشية في الإمام ليس له علاقة بالعصبية القبلية التي نهى الإسلام عنها ألبتة. كما أن النسب في حد ذاته في أصل الشريعة لا قيمة له ذاتية وإنما هو صفة كمال.\nهذا وأهل السنة لم يقصروها على نوع بعينه من قريش، وإنما كان من انتسب إلى قريش جازت له الإمامة إذا توفرت شروطها الأخرى، وهناك من المبتدعة من قصرها على فرع معين، فقصرها بعضهم على بني هاشم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي- بتصرف – ص: ٢٦٥\n_________\n(١) [١٣١٠٢]» «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٣٠).\n(٢) [١٣١٠٣]» «المنتقي من منهاج الاعتدال» للذهبي (ص: ٥٣٠).\n(٣) [١٣١٠٤]» انظر: كتاب «السنة» لابن أبي عاصم (٢/ ٦٣٢).\n(٤) رواه مسلم (٢٢٧٦) بلفظ: «ولد» بدلًا من «بني». من حديث واثلة بن الأسقع ﵁.\n(٥) [١٣١٠٦]» «منهاج السنة» (٢/ ٢٦١).","vol":"8","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2147>تمهيد</span>\nحِمْلُ الإمامة ثقيل، وواجباتها كبيرة لا يستطيع القيام بها على وجهها الأكمل إلا أولو العزم من الرجال، لذلك كانت من أعظم القربات عند الله لمن احتسب القيام بها، وقصد التقرُّب إليه تعالى، ولذلك قال - ﷺ -: «سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله ...» وذكر منهم: «إمام عادل ...» (١).\nومما يدل على ثقل هذا الحمل ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال له في الإمارة: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيِّده وهو مسؤول عنه، ألا كلّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٣). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٢٣٤\n_________\n(١) [١٣١٠٧]» رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) [١٣١٠٨]» رواه مسلم (١٨٢٥).\n(٣) رواه البخاري (٥٢٠٠)، ومسلم (١٨٢٩). من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"8","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2148>المبحث الأول: الواجبات الأساسية</span>\n• المقصد الأول: إقامة الدين.\n• المقصد الثاني: سياسة الدنيا بهذا الدين.","vol":"8","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2149>المقصد الأول: إقامة الدين</span>\nوتتمثل في:\nأولًا: حفظه وذلك بما يلي:\n١ - نشره والدعوة إليه بالقلم واللسان والسنان.\n٢ - دفع الشبه والأباطيل ومحاربتها.\n٣ - حماية البيضة وتحصين الثغور حتى يكون المسلمون في أمن على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم.\nثانيًا: تنفيذه وذلك بما يلي:\n١ - إقامة شرائعه وحدوده وتنفيذ أحكامه: وذلك يشمل جباية الزكاة، وتقسيم الفيء، وتنظيم الجيوش المجاهدة لأجل رفع راية الإسلام، وإقامة قضاة الشرع للحكم بين الناس بما أنزل الله، وتنفيذ هذه الأحكام والحدود التي شرعها الله لعباده ... إلخ.\n٢ - حمل الناس عليه بالترغيب والترهيب.","vol":"8","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2150>المقصد الثاني: سياسة الدنيا بهذا الدين</span>\nوهو: الحكم بما أنزل الله في جميع شؤون هذه الحياة، وينتج عن هذا المقصد بعض المقاصد الفرعية منها:\n١ - العدل ورفع الظلم.\n٢ - جمع الكلمة وعدم الفرقة.\n٣ - القيام بعمارة الأرض واستغلال خيراتها فيما هو صالح للإسلام والمسلمين. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – بتصرف – ص ٢٣٧","vol":"8","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2151>المبحث الثاني: واجبات فرعية</span>\nبالإضافة إلى هذه الواجبات الرئيسة هناك بعض الواجبات اللازمة على الإِمام وإن لم يكن بعضها من الأهداف الرئيسة للإِمامة، وإنما هي وسائل إلى تحقيق هذه الأهداف، وبناء على القاعدة الأصولية (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فهي واجبة على الإمام إذًا ... ومن هذه الواجبات ما يلي:\nأولًا: استيفاء الحقوق المالية لبيت المال وصرفها في مصارفها الشرعية:\nمن واجبات الإمام ومسؤولياته الجسام استيفاء الحقوق المالية أو الموارد أو كما يقول أبو يعلى: (جباية الفيء، والصدقات على ما أوجبه الشرع نصًا واجتهادًا من غير عسف) (١) وكذلك المصروفات والنفقات والعطاءات، وعلى حدِّ قول القاضي أبي يعلى: (تقدير العطاء وما يستحق من بيت المال من غير سرف ولا تقصير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير) (٢).\nموارد بيت المال:\n١ - الزكاة:\nوهي: الركن الثاني من أركان الإسلام، ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، تجب على كل مسلم ومسلمة مَلَكَ نصابًا وحال عليه الحول فيما يشترط فيه ذلك. وقد حدّدت الشريعة الإسلامية نصاب كل صنف من أصناف الأموال المزكَّاة.\nوقد اتفق الصحابة على قتال مانعيها، وعلى هذا فمن أنكر وجوبها كفر، ومن منعها معتقدًا وجوبها وقدر الإمام على أخذها منه أخذها منه جبرًا وعزَّره على امتناعه، وإن كان خارجًا عن قبضة الإمام قاتله، كما فعل أبو بكر الصِّدِّيق ﵁، وقال قولته المشهورة: (والله لو منعوني عقالًا - وفي رواية عناقًا - كانوا يُؤدونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم عليه) (٣).\nوهي ليست حقًا موكولًا للأفراد يؤديه منهم من شاء ويدعه من أراد، وإنما هي حق عام يتولاه الإمام وولاته فيقومون بجبايته ممن تجب عليه، ويصرفونه إلى من تجب له.\nوالأدلة على ذلك كثيرة منها:\n١ - قول الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٦٠].\nفالشاهد من الآية قوله: وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا قال الفخر الرازي في تفسيره: (دلت هذه الآية على أن هذه الزكاة يتولى أخذها وتفرقتها الإمام ومن يلي من قِبَله، والدليل عليه أن الله جعل للعاملين سهمًا فيها، وهذا يدل على أنه لا بد في أداء هذه الزكوات من عامل، والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات فدلّ هذا النص على أن الإمام هو الذي يأخذ الزكوات) (٤).\nكما يدلّ ذلك أيضًا أن بعض المصارف المذكورة لا يمكن أن يصرفها إلا الإمام، مثل مصرف المؤلَّفة قلوبهم، فهذا لا يقوم به إلا الإمام، فدلّ على استحقاق دفعها إليه. ومثل إعداد العدَّة والعُدَدِ للجهاد في سبيل الله فلا يمكن تنظيم ذلك إلا بتصرف الإمام.\n٢ - قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ [التوبة: ١٠٣].\nفالخطاب في قوله خُذْ للنبي - ﷺ - ولكل من يلي أمر المسلمين من بعده كما فهم الصحابة رضوان الله عليهم بذلك (٥).\n_________\n(١) [١٣١١٠]» «الأحكام السلطانية» (ص: ٢٨).\n(٢) [١٣١١١]» «الأحكام السلطانية» (ص: ٢٨).\n(٣) [١٣١١٢]» رواه البخاري (٧٢٨٤)، ومسلم (٢٠). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) [١٣١١٣]» «التفسير الكبير» للرازي (١٦/ ١١٤).\n(٥) [١٣١١٤]» انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٤٥).","vol":"8","page":66},{"text":"٣ - ومنها ما رواه ابن عباس في الصحيحين وغيرهما أن النبي - ﷺ - حين بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «... أعْلِمْهُم أن الله افترض عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم ...» الحديث (١).\nوالشاهد من الحديث قوله: «تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم» فبين الحديث أن الشأن فيها أن يأخذها ويردها رادٌّ، لا أن تترك لاختيار من وجبت عليه (٢).\nقال الحافظ ابن حجر: (استدل به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها، إما بنفسه وإما بنائبه فمن امتنع منهم أخذت منه قهرًا) (٣).\nومعروف في السيرة النبوية والتاريخ سعاة النبي - ﷺ - الذين بعثهم إلى الأمصار، وكذلك سار على نهجه خلفاؤه من بعد. وللصحابة فتاوى كثيرة في هذا الموضوع (٤)، ولهذا قال العلماء: (يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة لأن النبي - ﷺ - والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة، ولأن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه فيه، ومنهم من يبخل فوجب أن يبعث من يأخذ ...) (٥).\nالحكمة في دفعها للإمام:\nولقيام الإمام بجمعها ثم توزيعها دون قيام المالك بتوزيعها بنفسه على مستحقيها حكم كثيرة منها:\n١ - أن كثيرًا من الأفراد قد تموت ضمائرهم أو يصيبها السقم والهزال فلا ضمان للفقير إذا ترك حقه لمثل هؤلاء.\n٢ - في أخذ الفقير حقه من الحكومة لا من الغني نفسه حفظ لكرامته، وصيانة لماء وجهه أن يراق بالسؤال، ورعاية لمشاعره أن يجرحها المنُّ والأذى.\n٣ - أن ترك الأمر للأفراد يجعل التوزيع فوضى فقد ينتبه أكثر من غني لإعطاء فقير واحد، على حين يغفل عن آخر لا يفطن له أحد، وربما كان أشدُّ فقرًا (٦).\nكل ما سبق يدل على أن على الإمام أن يطلب الزكاة ويجبيها من أصحابها، ثم يقوم بتوزيعها على مستحقيها الذين ذكرتهم الآية السابقة. وعلى الأمة أن تدفعها إليه أو إلى عماله الذين يرسلهم لجبايتها.\nدفعها إلى أئمة الجور:\nالواقع أننا عند استعراض الأدلة والفتاوى والنصوص الواردة في المسألة نجد منها ما يوجب الدفع ومنها ما يمنع ذلك، فلنستعرضها ونرى الراجح منها:\nالأدلة الموجبة لدفع الزكاة لأئمة الجور:\n١ - عن جرير بن عبد الله قال: «جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: إن أناسًا من المصدقين (جباة الصدقة) يأتوننا فيظلموننا، فقال رسول الله - ﷺ -: أرضوا مصدقيكم» (٧).\n٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ «أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ -: إذا أدَّيت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ قال: نعم. إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها إلى الله ورسوله، ولك أجرها وإثمها على من بدَّلها» (٨).\n٣ - كما يدلّ على ذلك فتاوى الصحابة والتابعين، وكلام الفقهاء من ذلك:\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩) (٢٩).\n(٢) [١٣١١٦]» «فقه الزكاة» للقرضاوي (٢/ ٧٤٩).\n(٣) [١٣١١٧]» «فتح الباري» (٣/ ٣٦٠).\n(٤) [١٣١١٨]» انظر: «فقه الزكاة» للقرضاوي (٢/ ٧٥٤).\n(٥) [١٣١١٩]» «المجموع» (٦/ ١٦٧) و«روضة الطالبين» النووي (٢/ ٢١٠).\n(٦) [١٣١٢٠]» انظر: «فقه الزكاة» للقرضاوي (٢/ ٧٥٦).\n(٧) [١٣١٢١]» رواه مسلم (٩٨٩).\n(٨) [١٣١٢٢]» رواه أحمد (٣/ ١٣٦) (١٢٤١٧)، والطبراني في «الأوسط» (٨/ ٣٣٨) (٨٨٠٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٦٦): رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، وقال الوادعي في «أحاديث معلة» (٤١): رجاله رجال الصحيح، ولكن في «تهذيب التهذيب» أن رواية سعيد بن أبي هلال عن أنس مرسلة.","vol":"8","page":67},{"text":"أ- ما روي عن سهل بن أبي صالح عن أبيه قال: (اجتمع عندي نفقة فيها صدقة - يعني بلغت نصاب الزكاة - فسألت سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري أن أقسمها أو أدفعها إلى السلطان؟ فأمروني جميعًا أن أدفعها إلى السلطان، ما اختلف علي منهم أحد). وفي رواية فقلت لهم: (هذا السلطان يفعل ما ترون - كان هذا في عهد بني أمية - فأدفع إليهم زكاتي؟ فقالوا كلهم: نعم فادفعها) (١).\nب- وعن ابن عمر ﵄ قال: (ادفعوا صدقاتكم إلى من ولاه الله أمركم، فمن بر فلنفسه ومن أثم فعليها) (٢). وفي رواية عن قزعة مولى زياد بن أبيه أن ابن عمر قال: (ادفعوا إليهم وإن شربوا بها الخمر) (٣).\nجـ- وعن المغيرة بن شعبة أنه قال لمولى له - وهو على أمواله بالطائف - (كيف تصنع في صدقة مالي؟ قال: منها ما أتصدق به، ومنها ما أدفع إلى السلطان، قال: وفيم أنت من ذلك؟ - أنكر عليه أن يفرقها بنفسه - فقال: إنهم يشترون بها الأرض ويتزوجون بها النساء. فقال: ادفعها إليهم، فإن رسول الله - ﷺ - أمرنا أن ندفعها إليهم) (٤). قال ابن قدامة: (روي عن الإمام أحمد أنه قال: قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمور، قال: ادفعها إليهم، قال: وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى من جاءه من سعاة ابن الزبير أو نجدة الحروري) (٥) من الخوارج.\nد- أما أقوال الفقهاء: فللشافعية في دفع الأموال الظاهرة إلى الإمام الجائر وجهان. أحدهما: يجوز، ولا يجب. قال النووي: (وأصحها يجب الصرف إليه لنفاذ حكمه وعدم انعزاله) (٦).\nأما الحنابلة فقد قال ابن قدامة في المغني: (لا يختلف المذهب أن دفعها إلى الإمام جائز سواء كان عادلًا أو غير عادل، وسواء كانت في الأموال الظاهرة أو الباطنة ويبرأ بدفعها إليه) (٧).\nالقائلون بعدم جواز دفعها إلى أئمة الجور:\nوفي المقابل نجد من الصحابة والتابعين والفقهاء من أفتى بعدم جواز دفعها إلى أئمة الجور إذا علم أنهم لا يضعونها في مواضعها فمنهم:\n١ - يروى رجوع ابن عمر عن فتاواه السابقة وإفتاؤه بعدم دفعها إليهم يدل على ذلك:\nأ- ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن أبيه إلى خيثمة قال: سألت ابن عمر عن الزكاة؟ فقال: (ادفعها إليهم)، وسألته مرة أخرى فقال: (لا تدفعها إليهم، فقد أضاعوا الصلاة) (٨).\nب- وروى أبو عبيدة بسنده عن ميمون قال: إن صديقًا لابن عمر أخبرني أنه قال لابن عمر: ما ترى في الزكاة فإن هؤلاء لا يضعونها مواضعها؟ فقال: ادفعها إليهم قال: فقلت: أرأيت لو أخَّروا الصلاة عن وقتها أكنت تصلي معهم؟ قال: لا، قال فقلت: هل الصلاة إلا مثل الزكاة؟ فقال: (لبَّسوا علينا لبَّس الله عليهم) (٩).\n_________\n(١) [١٣١٢٣]» رواه البيهقي (٤/ ١١٥) (٧٦٣٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ٤٦). قال البيهقي: وروينا فى هذا أيضًا عن أبى هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس ﵃، وصححه الألباني في «مشكلة الفقر» (٧٢).\n(٢) [١٣١٢٤]» رواه البيهقي (٤/ ١١٥) (٧٦٣١)، وابن أبي شيبة (٣/ ٤٧). قال النووي في «المجموع» (٤/ ١٤٦): إسناده صحيح أو حسن، وصححه الألباني في «مشكلة الفقر» (٧٣).\n(٣) [١٣١٢٥]» رواه البيهقي (٤/ ١١٥) (٧٦٣٣). قال النووي في «المجموع» (٤/ ١٦٤): إسناده صحيح أو حسن.\n(٤) [١٣١٢٦]» رواه البيهقي (٤/ ١١٥) (٧٦٣٠). قال النووي في «المجموع» (٢/ ١٦٢): إسناده فيه ضعف، وضعفه الألباني في «مشكلة الفقر» (٧٤).\n(٥) [١٣١٢٧]» «المغني» (٢/ ٥٠٥).\n(٦) [١٣١٢٨]» «المجموع» (٦/ ١٠٧).\n(٧) [١٣١٢٩]» «المغني» (٢/ ٥٠٥).\n(٨) [١٣١٣٠]» «مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله» (ص: ١٥٢).\n(٩) [١٣١٣١]» «الأموال» لأبي عبيد (ص: ٥٠٨).","vol":"8","page":68},{"text":"جـ- وروى أبو عبيد بسنده إلى حبان بن أبي جبلة عن ابن عمر أنه رجع عن قوله في دفع الزكاة إلى السلطان وقال: (ضعوها في مواضعها) (١).\n٢ - وقال الثوري: (احْلِفْ لهم واكْذبهم ولا تُعْطِهم شيئًا إذا لم يضعوها مواضعها) وقال: (لا تعطهم) (٢).\n٣ - وقال عطاء: (اعطهم إذا وضعوها مواضعها) فمفهومه كما قال ابن قدامة: (أنه لا يعطيهم إذا لم يكونوا كذلك) (٣).\n٤ - وقال الشعبي وأبو جعفر: (إذا رأيت الولاة لا يعدلون فضعها في أهل الحاجة).\n٥ - وقال إبراهيم: (ضعوها في مواضعها فإن أخذها السلطان أجزأك) (٤). وروي عنه قوله: (لا تؤدوا الزكاة لمن يجور فيها) (٥).\n٦ - ومن أقوال الفقهاء ما ذهب إليه البهوتي بقوله: (وإن لم يكن يضعها أي الإمام - مواضعها (حَرُم) دفعها (ويجوز) وعبارة الأحكام السلطانية وكثير من النسخ ويجب (كتمها إذن) وهذا قول القاضي في الأحكام السلطانية) (٦).\nالقول الراجح:\nوعند النظر في هذه الأدلة يتضح رجحان قول القائلين بجواز دفع الزكاة إلى سلاطين الجور وإجزائها إذا طلبوها وخيفت الفتنة عملًا بالأحاديث المذكورة وبعموم الأحاديث الموجبة لطاعتهم وإن جاروا، وأنَّ عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حملتم، وأدّوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم. ونحوها ...\nوقد روي عن بشير بن الخصاصية قال: «قلنا: يا رسول الله إن قومًا من أصحاب الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: لا» (٧). أمَّا إذا لم يُلِحُّوا في طلبها وأُمِنَتْ الفتنة، أو أمكن إخفاؤها، فعلى صاحبها تحرِّي الأحق بها من أهلها ودفعها إليه ... والله أعلم.\n(٢) الجزية:\nالمورد الثاني من موارد بيت مال المسلمين هو الجزية. وهي: المال المقدر المأخوذ من الذمي، يلتزم إذا ما دخل في ذمة المسلمين بأدائها إلى الدولة الإسلامية إذا أحبَّ البقاء على دينه. قال تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩]\nوتسقط الجزية بعد وجوبها إذا أسلم الذمي، أو عجزت الدولة عن حمايتهم، ولهذا ردّ أبو عبيدة بن الجراح ﵁ الجزية إلى الذميين في بعض مدن الشام عند عجز الجيش الإسلامي عن حمايتهم.\nولا تجب الجزية في السنة إلا مرة واحدة (٨).\n(٣) الخراج:\n_________\n(١) [١٣١٣٢]» «المغني» لابن قدامة (٢/ ٥٠٥).\n(٢) [١٣١٣٣]» «المغني» لابن قدامة (٢/ ٥٠٥).\n(٣) [١٣١٣٤]» «المغني» (٢/ ٥٠٥). وانظر: «موسوعة إبراهيم النخعي الفقهية». د. محمد رواس قلعجي الكتاب الثاني (ص: ٣١٨).\n(٤) [١٣١٣٥]» «المغني» لابن قدامة (٢/ ٥٠٥).\n(٥) [١٣١٣٦]» مصنف عبد الرزاق (٤/ ٤٨).\n(٦) [١٣١٣٧]» «كشاف القناع» للبهوتي (٢/ ٣٠٢).\n(٧) [١٣١٣٨]» رواه أبو داود (١٥٨٦) وسكت عنه، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٢٥١) كما قال هذا في المقدمة.\n(٨) [١٣١٣٩]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ١٦٥).","vol":"8","page":69},{"text":"وهو ما ضُرب على أراضي الكفار المغنومة عنوة التي تركت بيد أصحابها، وأول من فعل ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، إذ فرض على أرض العراق الخراج وتركها بيد أصحابها بعد مشاورة منه للصحابة ﵃ وموافقتهم له على رأيه، وأما قدر الخراج المضروب فيعتبر بما تحتمله الأرض (١) نصَّ عليه أحمد في رواية محمد بن داود وقد سئل عن حديث عمر: (وضع على جَرِيب (٢) الكَرْمِ كذا وعلى جريب كذا كذا) هو شيء موصوف على الناس لا يزاد عليه أو عن رأى الإمام غير هذا زاد ونقص؟ قال بل هو على رأي الإمام إن شاء زاد وإن شاء نقص. وقال هو بَيِّن في حديث عمر: (إن زدت عليهم كذا ألا يجهدهم؟) إنما نظر عمر إلى ما تطيق الأرض) (٣).\n(٤) العشور:\nوهي ضريبة تؤخذ من الذميين والمستأمنين على أموالهم المعدَّة للتجارة إذا دخلوا بلاد المسلمين، ومقدارها نصف العشر على الذمي، والعشر على الحربي، لأنهم يأخذون على تجّار المسلمين مثله إذا قدموا بلادهم (٤) أما الذميون فلأنهم صولحوا على ذلك، قاله أبو عبيد ومالك بن أنس (٥) وقد روى أبو عبيد بإسناده إلى الشعبي قال: (أول من وضع العشر في الإسلام عمر) (٦).\nويشترط فيه النصاب كما ذهب إلى ذلك الحنابلة (٧) والحنفية (٨)، أما مالك فلم يشترط ذلك (٩).\n(٥) الغنائم:\nالغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بالقتال. وقد سمّاها الله تعالى أنفالًا لأنها زيادة في أموال المسلمين (١٠) وهي: أربعة أصناف: أسرى، وسبي، وأرضون، وأموال منقولة، وهذه هي الغنائم المألوفة.\n(٦) الفيء:\nوهو كل ما أخذه المسلمون من الكفار بغير قتال، قال الله تعالى: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحشر: ٦].\nوسُمِّي فيئًا لأن الله تعالى أفاءه على المسلمين، أي ردّه عليهم من الكفار لـ (أن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته، لأنه إنما خلق الخلق لعبادته، فالكافرون به أباح أنفسهم التي لم يعبدوه بها وأموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته، لعباده المؤمنين الذين يعبدونه) (١١).\n(٧) الموارد الأخرى:\n_________\n(١) [١٣١٤٠]» «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ١٤٥).\n(٢) [١٣١٤١]» «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ١٤٨).\n(٣) [١٣١٤٢]» الجريب لغة: الوادي، واستعير ليكون اسمًا لمساحة مربعة من الأرض، فهو وحدة قياس مربعة أو مكَسَّرة، وهو أيضًا وحدة كيل كبيرة ومساحة الجريب العُمَرية تعادل (١٣٦٦.٠٤١٦ م ٢). انظر: «الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان» لابن الرفعة الأنصاري (ص: ٨٠ - ٨١)، أما جريب الكيل فيعادل (١٠٤٤٨) غرامًا من القمح. انظر: «الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان» (ص: ٨٧) والمراد هنا وحدة المساحة.\n(٤) [١٣١٤٣]» «الأموال» لأبي عبيد (ص: ٤٧٣)\n(٥) [١٣١٤٤]» «الأموال» لأبي عبيد (ص: ٤٦٧).\n(٦) [١٣١٤٥]» «الأموال» لأبي عبيد (ص: ٤٦٧).\n(٧) [١٣١٤٦]» «المغني» (١٠/ ٥٨٩).\n(٨) [١٣١٤٧]» «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٦).\n(٩) [١٣١٤٨]» «الأموال» (ص: ٤٧٨).\n(١٠) [١٣١٤٩]» «السياسة الشرعية» لابن تيمية (ص: ٣٢).\n(١١) [١٣١٥٠]» «السياسة الشرعية» لابن تيمية (ص: ٤٠).","vol":"8","page":70},{"text":"ومن موارد بيت المال الأموال التي ليس لها مالك مُعًيَّن مثل من مات من المسلمين وليس له وارث معيَّن، وكالغصوب، والعواري، والودائع. التي تعذَّر معرفة أصحابها، والأراضي التي تستغلُّها الدولة أو تؤجرها، والمعادن التي تستخرجها الدولة من باطن الأرض، وخمس الركاز. وهي: المعادن المستخرجة من باطن الأرض، كالذهب والفضة والنحاس والملح ونحوها ... أما إذا استخرجتها الدولة فهي لبيت مال المسلمين. ومنها ما يفرضه الإمام على الأغنياء عند الضرورة وعجز بيت المال لصرفه على شؤون الدولة والرعية الضرورية مثل نفقات الجند والسلاح وسد حاجات المحتاجين ونحو ذلك.\nمصارف بيت المال:\n١ - الزكاة:\nوتصرف لمن سمّاهم الله في كتابه في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٦٠].\nولا يجوز صرفها لغير هؤلاء الثمانية، ولا إلى بني هاشم ولا لمواليهم لقوله - ﷺ -: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» (١).\nأما بنو المطلب ففيهم روايتان عن الإمام أحمد بالمنع وبالجواز (٢)، وإلى الجواز ذهب أبو حنيفة (٣)، واستدل المانعون بحديث جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنا وبنوا المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شيءٌ واحد» (٤). قال ابن حزم: (فصحَّ أنه لا يجوز أن يُفَرَّق بين حكمهم في شيءٍ أصلًا، لأنَّهم شيءُ واحد بنصِّ كلامه ﵊، فصحّ أنهم آل محمد، وإذا هم آل محمد فالصدقة عليهم حرام) (٥).\n٢ - الجزية والخراج والعشور ونحوها:\nفهذه تُدخَل إلى بيت مال المسلمين، وتصرف في العطاءات والنفقات المستحقة ومصروفات بيت المال الأخرى على حسب ما يراه الإمام. ونحوها موارد بيت المال الخاصة بالدولة كالأراضي المؤجرة والأموال التي لا صاحب لها ونحو ذلك.\n٣ - الغنائم:\nوهذه تصرف كما قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ ... [الأنفال: ١]. وقوله: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... الآية [الأنفال: ٤١]. فالواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخُمس إلى من ذكره الله تعالى، وقسمة الباقي بين الغانمين، قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (الغنيمة لمن شهد الوقعة، وهم الذين شهدوها للقتال سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا) (٦).\n_________\n(١) [١٣١٥١]» رواه مسلم (١٠٧٢) ولفظه: «.... إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس إنها لاتحل لمحمد ولا لآل محمد ...».\n(٢) [١٣١٥٢]» «المغني» لابن قدامة (٢/ ٥١٧ - ٥١٨)، «الفروع» لابن مفلح (٢/ ٤٨١).\n(٣) [١٣١٥٣]» «المبسوط» للسرخسي (١٠/ ١٢)، و«بدائع الصنائع» للكاساني (٢/ ٤٩).\n(٤) [١٣١٥٤]» رواه أبو داود (٢٩٨٠)، وسكت عنه، وقال ابن حزم في «المحلى» (٣/ ٣٢٧): إسناده في غاية الصحة، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٥٨٢) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٨٩) كم قال ذلك في المقدمة.\n(٥) [١٣١٥٥]» «المحلى» لابن حزم (٦/ ٢١٠).\n(٦) [١٣١٥٦]» «السياسة الشرعية» لابن تيمية (ص: ٣٣).","vol":"8","page":71},{"text":"ويجب قسمها بالعدل، فلا يحابى أحد لا لرياسة، ولا لجاه، ولا لفضل، كما فعل النبي - ﷺ - وخلفاؤه من بعده. ففي (صحيح البخاري) أن سعد بن أبي وقاص ﵁ رأى له فضلًا على من دونه، فقال النبي - ﷺ -:\n«هل تُنْصَرون وترزقون إلا بضعفائكم» (١) والعدل في القسمة أن يقُسم للرجل سهم وللفرس سهمان، كما فعل النبي - ﷺ - عام خيبر (٢).\nأما إن رأى الإمام أن في تفضيل بعض المجاهدين على بعض مصلحة دينية يعلمها هو، لا لهوى النفس، فله ذلك كما فعل النبي - ﷺ - غير مرة (٣).\n٤ - الفيء:\nوهذا يقسم على من ذكرهم الله في سورة الحشر قال تعالى: مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ] الحشر: ٧ - ١٠ [.]\nوعن عمر بن الخطاب رضي الله قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه من خيل ولا ركاب، فكانت للنبي - ﷺ - فكان ينفق على أهله نفقة سنته). وفي لفظ: (يحبس لأهله قوت سنتهم ويجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله) (٤).\nوعلى هذا فيصرف الفيء بعد وفاة النبي - ﷺ - في جميع مصالح المسلمين، ومنها الإنفاق على ذوي الحاجات ودفع الأرزاق للجند والعلماء والقضاة وسائر موظفي الدولة، كما يعطى منه إلى عموم المسلمين، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم في سيرتهم وهديهم، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد، والله ما من المسلمين أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبدًا مملوكًا، ولكنا على منازلنا من كتاب الله تعالى وقسمنا من رسول الله - ﷺ - فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته) (٥).\n_________\n(١) [١٣١٥٧]» رواه البخاري (٢٨٩٦).\n(٢) [١٣١٥٨]» الحديث رواه ابن ماجه (٢٣٢١)، وابن حبان (١١/ ١٣٩) (٤٨١٠). من حديث ابن عمر ﵄. وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) [١٣١٥٩]» «السياسة الشرعية» (ص: ٣٥).\n(٤) [١٣١٦٠]» رواه البخاري (٢٩٠٤).\n(٥) [١٣١٦١]» رواه أبو داود (٢٩٥٠)، وأحمد (١/ ٤٢) (٢٩٢). من حديث مالك بن أوس. والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ١٠٦) كما قال ذلك في المقدمة، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ١٤٩).","vol":"8","page":72},{"text":"وقد روي عنه أيضًا: (والله لئن بقيت لهم إلى قابل ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظَّه من هذا المال وهو يرعى مكانه) (١).\nويفهم من هذا كله أن عموم المسلمين لهم نصيب من مال الفيء، فيعطون منه بعد سد النفقات الضرورية للدولة.\n٥ - ويلحق بالفيء ويكون مصرفه مصرف الفيء الأموال التي ليس لها مالك معين، مثل من مات من المسلمين وليس له وارث، وكالغصوب، والعواري، والودائع وغير ذلك من أموال المسلمين التي تعذر معرفة أصحابها (٢)، أو التي لا صاحب لها.\nوجوه صرف الأموال:\nالواجب على الإمام عند صرف الأموال أن يبتدئ في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين، كعطاء من يحصل للمسلمين منهم منفعة عامة أو المحتاجين فمن هؤلاء:\n١ - المقاتلة: وهم أهل النصرة والجهاد، وهم أحق الناس بالفيء، فإنه لا يحصل إلا بهم، حتى اختلف الفقهاء في مال الفيء هل هو مختص بهم أو مشترك في جميع المصالح؟ (٣) وكذلك إذا قتل أو مات من المقاتلة فإنه ترزق امرأته وأولاده الصغار حتى يكبروا (٤).\n٢ - ذوو الولايات كالولاة والقضاة والعلماء والسعاة على المال جمعًا وحفظًا وقسمةً، وجميع القائمين على مصالح المسلمين.\n٣ - كذلك يصرف في الأثمان والأجور لما يعم نفعه من سداد الثغور بالكراع والسلاح، وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من طرقات الناس كالجسور والقناطر وطرقات المياه والأنهار ونحو ذلك.\n٤ - ومن المستحقين ذوو الحاجات: فإن الفقهاء قد اختلفوا هل يقدَّمون في غير الصدقات من الفيء ونحوه - على غيرهم؟ على قولين في مذهب الإمام أحمد وغيره منهم من قال يقدَّمون، ومنهم من قال: المال استحق بالإسلام، فيشتركون فيه كما يشترك الورثة في الميراث، قال ابن تيمية: (والصحيح أنهم يقدَّمون، فإن النبي - ﷺ - كان يقدِّم ذوي الحاجات كما قدَّمهم في مال بني النضير، وقال عمر ﵁: ليس أحد أحق بهذا المال من أحد ...) (٥). وذكر كلام عمر الآنف الذكر.\n٥ - كما يجوز - بل يجب - الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه، وإن كان لا يحل له أخذ ذلك، كما خصَّص الله في القرآن نصيبًا للمؤلفة قلوبهم من الصدقات، وكما كان يعطيهم - ﷺ - من الفيء ونحوه فقد أعطى الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن الفزاري، وعلقمة العامري، وزيد الخير الطائي وقال: «إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم» (٦).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا النوع من العطاء وإن كان ظاهره إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء كما يفعل الملوك فالأعمال بالنيات، فإذا كان القصد بذلك مصلحة الدين وأهله، كان من جنس عطاء النبي - ﷺ - وخلفائه، وإن كان المقصود العلو في الأرض والفساد كان من جنس عطاء فرعون ..) (٧)\n_________\n(١) [١٣١٦٢]» رواه أحمد (١/ ٤٢) (٢٩٢). من حديث مالك بن أوس. وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ١٤٩).\n(٢) [١٣١٦٣]» «السياسة الشرعية» (ص: ٦٢).\n(٣) [١٣١٦٤]» «السياسة الشرعية» (ص: ٧٤).\n(٤) [١٣١٦٥]» «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٨٦).\n(٥) [١٣١٦٦]» «السياسة الشرعية» (ص: ٥١).\n(٦) [١٣١٦٧]» رواه مسلم (١٠٦٤). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٧) [١٣١٦٨]» «السياسة الشرعية» (ص: ٥٥).","vol":"8","page":73},{"text":"أما عن حقوق العاملين في الدولة فعلى الدولة تأمين الزواج للموظف والمسكن والخادم والمركب، كما في الحديث الذي رواه أبو داود بإسناده إلى جبير بن نفير عن المستورد بن شداد قال سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا، قال: قال أبو بكر: أخبرتُ أن النبي - ﷺ - قال: من اتخذ غير ذلك فهو غالّ أو سارق» (١).\nوكذلك من مات وعليه دين، وليس له مال يفي بدينه، أو له أولاد قُصَّر فإن الإمام يؤدي ما عليه من دين من بيت مال المسلمين، كما في الحديث الذي رواه أبو هريرة قال - ﷺ -: «من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك كلًاّ فعلينا» (٢) وفي رواية عن جابر بن عبد الله: «أنا أولى بكُلِّ مؤمن من نفسه فأيّما رجل مات وترك دينًا فإليّ، ومن ترك مالًا فلورثته» (٣).\nومن واجبات الإمام بالإضافة إلى ما سبق:\nثانيًا: اختيار الأكفاء للمناصب القيادية:\nنظرًا لثقل الأعباء المنوطة بالإمام فإنه لا يستطيع وحده القيام بتدبيرها جميعًا، ولذلك كان لابد له من ولاة ومعاونين يقومون وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ – «إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه» (٤).\nوعنه - ﷺ - قال: «إن الله لم يبعث نبيًا إلا وله بطانتان. بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالًا، ومن يوق بطانة السوء فقد وقي» (٥).\nويدخل في الحكم الوزراء والبطانة جميع الولاة الذين يقوم بتوليتهم، كالقضاة، وولاة الحرب، والحسبة، والمال. وغيرهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل) (٦).\n_________\n(١) [١٣١٦٩]» رواه أبو داود (٢٩٤٥)، والطبراني (٢٠/ ٣٠٥) (١٧٤٨٣)، والحاكم (١/ ٥٦٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٤٩٧) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٤٨٤) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٢) [١٣١٧٠]» رواه البخاري (٢٣٩٨) بلفظ: «فإلينا» بدلًا من «فعلينا».\n(٣) [١٣١٧١]» رواه مسلم (٨٦٧) بلفظ: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله. ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي».\n(٤) [١٣١٧٢]» رواه أبو داود (٢٩٣٢)، وأحمد (٦/ ٧٠) (٢٤٤٥٩)، وأبو يعلى (٧/ ٤١٦) (٤٤٣٩)، وابن حبان (١٠/ ٣٤٥) (٤٤٩٤)، والبيهقي (١٠/ ١١١) (٢٠٨١٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٤٨٧) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال النووي في «رياض الصالحين» (ص: ٢٧٨): إسناده جيد على شرط مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٤٦٩) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٥) [١٣١٧٣]» رواه الترمذي (٢٣٦٩)، وأحمد (٢/ ٢٨٩) (٧٨٧٤)، والحاكم (٤/ ١٤٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ١٤٤). قال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٤٨٧) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٦) [١٣١٧٤]» «السياسة الشرعية» (ص: ٦).","vol":"8","page":74},{"text":"كما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلًا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله» (١). وفي رواية: «من قلد رجلًا عملًا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين» (٢). وقال عمر بن الخطاب ﵁: (من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلًا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين) (٣) فليس على الإمام إلا أن يستعمل أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو صالح لتلك الولاية فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام وأخذه الولاية بحقها، فقد أدى الأمانة وقام بالواجب في هذا وصار في هذا الموضع من أئمة العدل المقسطين عند الله.\nهذا وابن تيمية - ﵀ - لم يقصر واجب ولي الأمر على تولية الأصلح فقط، بل تعدَّى ذلك إلى وجوب الإعداد والتأهيل ليتوفر لأعمال الدولة من يتولاها من القادرين على القيام بها، حيث يقول: (ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما لا بد لهم من أمور الولايات والإمارات ونحوها، كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه، وإن كان في الحال لا يُطلب منه إلا ما يقدر عليه ..) (٤) فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما أو صداقة أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس كالعربية والفارسية والتركية والرومية ونحو ذلك، أو لرشوة يأخذها من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهى الله عنه في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: ٢٧] لذلك تعتبر تولية الولاة والاستعانة بالأعوان مسؤولية جسيمة يجب أن لا تسلَّم إلا لأربابها الذين يقْدِرون عليها، وإنها من أعظم الأمانات، ومن أخطر الأمور توسيدها لغير أهلها، بل ذلك من علامات الساعة، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «إذا ضُيِّعَت الأمانة، انتظر الساعة. قيل: يا رسول الله وما إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (٥).\n_________\n(١) [١٣١٧٥]» رواه الطبراني (١١/ ١١٤) (١١٢٣٨)، والبيهقي (١٠/ ١١٨) (٢٠٨٦١) ولفظ الطبراني: «ومن تولى من أمر المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله فقد خان الله ورسوله». من حديث ابن عباس ﵄. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢١٤): رواه الطبراني وفيه أبو محمد الجزري حمزة ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(٢) [١٣١٧٦]» رواه الحاكم (٤/ ١٠٤) بلفظ: «من استعمل رجلا من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين» من حديث ابن عباس ﵄. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(٣) [١٣١٧٧]» «السياسة الشرعية» (ص: ٧).\n(٤) [١٣١٧٨]» «السياسة الشرعية» (ص: ٢١).\n(٥) [١٣١٧٩]» رواه البخاري (٥٩).","vol":"8","page":75},{"text":"وقال - ﷺ -: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ...» الحديث (١). وروي عن عمران بن سُليم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «من استعمل فاجرًا وهو يعلم أنه فاجر فهو مثله» (٢).\nمحاسبتهم:\nهذا مع أن من واجب الإمام حسن اختيار ولاته والتدقيق والتحري في ذلك، فإن عليه أيضًا تتبُّع أخبارهم، ومحاسبتهم على كلِّ صغيرة وكبيرة، فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه عن أبي حميد الساعدي «أن النبي - ﷺ - استعمل ابن اللتبية - وفي رواية الأتبية - على صدقات بني سُليم، فلما جاء رسول الله - ﷺ - وحاسبه قال: هذا لكم وهذه هدية أهديت لي، فقال رسول الله - ﷺ -: فهلا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا؟ ثم قام رسول الله - ﷺ - فخطب في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإني أستعمل رجالًا منكم على أمور مما ولاني الله، فيأتي أحدكم فيقول: هذا لكم وهذه هدية أهديت لي. فهلاّ جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا؟ فوالله لا يأخذ أحدكم منها شيئًا - قال هشام: بغير حقه - إلا جاء الله يحمله يوم القيامة. ألا فَلأَعْرِفَنَّ ما جاء الله رجلٌ ببعير له رغاء، أو ببقرة لها خوار، أو شاة تَيْعَر (٣) - ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه - ألا هل بلغت؟» (٤).\nوعن الأحنف بن قيس - وكان أحد ولاة عمر ﵁ - قال: (قدمت على عمر بن الخطاب رضوان الله عليه فاحتبسني عنده حولًا، فقال: يا أحنف قد بلوتك وخبرتك، فرأيت أن علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك، وإنَّا كنا لنُحَدَّث: إنما يهلك هذه الأمة كلُّ منافق عليم) (٥).\nثالثًا: الإشراف بنفسه على تدبير الأمور وتفقُّد أحوال الرعية:\nأن الإمام هو المسؤول الأول عن كل صغيرة وكبيرة في الدولة، ومع أنه يُشْرَع له اتخاذ الوزراء والأعوان على تدبير الأمور، إلا أنه يجب عليه أن يشرف بنفسه على هؤلاء الوزراء والأعوان، وأن لا يتَّكل عليهم، فعليه أيضًا أن يقوم بالإشراف على أحوال الرعية ويتفقد أحوالهم، وأن لا يحتجب عنهم حتى يعرف أوضاعهم، فيعين محتاجهم، وينصر مظلومهم، ويقمع ظالمهم، قال أبو يعلى في تعداده لواجبات الإمام: (العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال، ليهتمَّ بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلًا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغشُّ الناصح، وقد قال تعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى [ص: ٢٦] فلم يقتصر سبحانه على التفويض دون المباشرة، وقد قال ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٦).) (٧).\n_________\n(١) [١٣١٨٠]» رواه البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩)، من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٢) [١٣١٨١]» «مناقب عمر» لابن الجوزي (ص: ٧٨). وقد عزاه السيوطي في «جامع الأحاديث» (٣١٤٧٥) إلى «المداراة» وقال: ولا يحضرني اسم مخرج إلا أنه قديم يكثر الرواية فيه عن أبي خيثمة. انظر: «كنز العمال» (٥/ ٧٦١) (١٤٣٠٦).\n(٣) [١٣١٨٢]» شاة تيعر: أي: تصيح. واليعار صوت الغنم. وقيل: صوت المعزى، وقيل هو: الشديد من أصوات الشاء. «لسان العرب» (٥/ ٣٠١) مادة (يَعَرَ).\n(٤) [١٣١٨٣]» رواه البخاري (٧١٩٧).\n(٥) [١٣١٨٤]» رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٧/ ٩٤)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٤/ ٣١٠).\n(٦) رواه البخاري (٥٢٠٠)، ومسلم (١٨٢٩). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٧) [١٣١٨٦]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢٨)","vol":"8","page":76},{"text":"والذي يدلّ على ما سبق ذكره من وجوب مباشرة الإمام بنفسه وعدم الاحتجاب عن رعيته والنصح لهم ما رواه أبو داود بإسناد إلى أبي مريم الأزدي قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من ولاَّه الله ﷿ شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخُلَّتِهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره» (١). واختلف في مشروعية الحاجب للحكام ... (٢)\nرابعًا: الرفق بالرعية والنصح لهم وعدم تتبع عوراتهم:\nكما أن من واجبه أيضًا الرفق بهذه الرعية التي استرعاه الله أمرها، والنصح لهم، وعدم تتبع سوءاتهم وعوراتهم، وقد ورد في هذا الواجب أحاديث وآثار كثيرة منها:\nما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في بيتي هذا: «اللهم من وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (٣).\nقال النووي: (هذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحثِّ على الرفق بهم، وقد تظاهرت الأحاديث بهذا المعنى) (٤).\nومنها ما رواه البخاري بسنده إلى الحسن قال: إن عبيد الله بن زياد زار مَعْقِل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل: إني محدثك حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ - سمعت النبي - ﷺ - يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعية من المسلمين فيموت وهو غاشّ لهم إلا حرَّم الله عليه الجنة» (٥). وعند مسلم قال - ﷺ -: «ما من عبد يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل الجنة معهم» (٦).\nوعن الحسن أن عائذ بن عمرو كان من أصحاب رسول الله - ﷺ - دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن شرَّ الرّعاء الحُطَمَةَ (٧)، فإياك أن تكون منهم، فقال له: اجلس إنما أنت من نخالة أصحاب محمد - ﷺ -، فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم» (٨).\nومنها ما رواه أبو داود بسنده عن أبي أمامة قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا ابتغى الأمير الرِّيبة في الناس أفسدهم» (٩).\n_________\n(١) [١٣١٨٧]» رواه أبو داود (٢٠٤٨)، والبيهقي (١٠/ ١٠١) (٢٠٠٤٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٤٨٧) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٦٧): رجال إسناده كلهم ثقات.\n(٢) [١٣١٨٨]» فمنهم من أجازه ومنهم من معه. انظر: «تكملة المجموع» لمحمد نجيب المطيعي (٢٠/ ١٣٢)، و«المغني» لابن قدامة (١١/ ٣٨٧).\n(٣) [١٣١٨٩]» رواه مسلم (١٨٢٨).\n(٤) [١٣١٩٠]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ٢١٣).\n(٥) [١٣١٩١]» رواه البخاري (٧١٥٠)، ورواه مسلم (١٤٢) واللفظ له.\n(٦) [١٣١٩٢]» رواه مسلم (١٤٢) بلفظ: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة».\n(٧) [١٣١٩٣]» الحُطمة: العنيف المتعسف قليل الرحمة. انظر: «لسان العرب» (١٢/ ١٣٩) مادة (حطم).\n(٨) [١٣١٩٤]» رواه مسلم (١٨٣٠).\n(٩) [١٣١٩٥]» رواه أبو داود (٤٨٨٩)، وأحمد (٦/ ٤) (٢٣٨٦٦)، والحاكم (٤/ ٤١٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٤٦٩) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه لغيره الألباني في «صحيح سنن أبي داود».","vol":"8","page":77},{"text":"وعن معاوية ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت تفسدهم» (١).\nخامسًا: أن يكون قدوة حسنة لرعيته:\nمن طبيعة النفس البشرية أنها دائمًا مولعة بتقليد الأقوى سواء كان في الخير أو الشرّ، وحيث إن الإمام هو الذي في يده زمام السلطة والتدبير، فإن نفوس الرعية تكون مولعة فيما يذهب إليه، لذلك وجب عليه أن يكون قدوة حسنة لأتباعه حتى يسيروا على نهجه، ويقلِّدوه في سنَّته الحسنة، لأنَّ عيونهم معقودة به وأبصارهم شاخصة إليه، فإن أي صغيرة تبدو منه تتجسم لدى العامّة، ويتخذون منها ثغرة ينفذون منها إلى الانحراف، وقلَّ أن يردَّهم بعد ذلك نصح أو تخويف.\n(ولذلك لما دخل قائد جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص ﵁ قصر كسرى وهو يتلوا قوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ [الدخان: ٢٥ - ٢٨] أرسل سعد كل ما في قصر كسرى إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأخذ عمر ﵁ يقلِّب هذه النفائس ويقول: إن قومًا أدُّوا هذا لأمناء. فقال علي بن أبي طالب ﵁: (لقد عففت فعفَّت رعيتك، ولو رتعت لرتعت) ثم قسم عمر ذلك في المسلمين (٢).\nوقد روى البخاري ﵀ عن أبي بكر ﵁ في حديثه للأحمسية لما سألته: ما بقاء هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: (ما استقامت بكم أئمتكم) (٣).\nوقال عمر بن الخطاب ﵁: (إن الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم) (٤)، وقال: (الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإن رتع الإمام رتعوا) (٥). لذلك كان من سيرته ﵁ - كما ذكر ذلك سالم بن عبد الله عن أبيه قال: (كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدَّم لأهله فقال: لا أعلمن أحدًا وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفت له العقوبة) (٦).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وينبغي أن يُعْرف أن أولي الأمر كالسوق ما نفق فيه جُلب إليه، هكذا قال عمر بن عبد العزيز، فإن نفق فيه الصدق والبرّ والعدل والأمانة جُلب إليه ذلك، وإن نفق فيه الكذب والجور والخيانة جُلب إليه ذلك) (٧) الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٣٣٦ - ٣٧٣\n_________\n(١) [١٣١٩٦]» رواه أبو داود (٤٨٨٨)، والطبراني (١٩/ ٣٦٥) (١٦٥٢٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده العراقي في «تخريج الإحياء» (٢/ ٢٥٠)، وابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٣٠٠): إسناده صحيح، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٤٦٩) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٢) [١٣١٩٧]» «الكامل في التاريخ» (٢/ ٣٦٢)، و«البداية والنهاية» (٧/ ٧٨).\n(٣) [١٣١٩٨]» رواه البخاري (٣٨٣٤).\n(٤) [١٣١٩٩]» رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ٢٩٢)، والبيهقي (٨/ ١٦٢) (١٦٤٢٨).\n(٥) [١٣٢٠٠]» رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ٢٩٢)، وابن أبي شيبة (٧/ ٩٤).\n(٦) [١٣٢٠١]» رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ٢٨٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٤/ ٢٦٨).\n(٧) [١٣٢٠٢]» «السياسة الشرعية» (ص: ٣٢).","vol":"8","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2153>المبحث الأول: حق الطاعة</span>\nالطاعة دعامة من دعائم الحكم في الإسلام وقاعدة من قواعد نظامه السياسي، وهي من الأمور الضرورية لتمكين الإمام من القيام بواجبه الملقى على عاتقه، وضرورية أيضًا لتمكين الدولة من تنفيذ أهدافها وتحقيق أغراضها، ورضي الله عن عمر بن الخطاب حيث يقول: (لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا أمير، ولا أمير بلا طاعة).\nوإن من أهم ما يميز نظام الإسلام عن غيره من النظم الأرضية التي وضعها البشر هو ذلك الوازع الديني في ضمير المؤمن، فهو يستشعر - عند قيام الإمام بواجبه - أن الله ﷾ قد أوجب عليه الطاعة لهذا الإمام، فيؤنبه ضميره ويردعه وازعه الديني عن الإخلال بنظام الدولة أو التمرد والعصيان على أي أمر من أمور الدولة التي وضعتها لصالح الأمة، وإن غابت عنه عين الرقيب والحارس لهذا النظام، لأنه يشعر بأن الرقيب حيّ قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو مطلع عليه عالم بأحواله في كل لحظة وأوان. وهذا ما لا وجود له في النظم الأرضية، فكل منهم يراقب عين الرقيب وحارس النظام، وهو بشر مثلهم، ومن طبيعة البشر الضعف والغفلة والتقصير، فإن غاب عنه فلا رقيب ولا حارس ولا وازع ديني أو خلقي يردعه من التمرد على هذا النظام المراد حفظه.\nكذلك المؤمن إذا اتخذ هذه الطاعة قربة لله ﷾ وعبادة، فله عليها الأجر الجزيل، لأنه يطيعهم امتثالًا لأمر الله ورسوله بذلك لا لأشخاصهم. فيرجو من الله الثواب على ذلك. أما النظم الأخرى فلا رجاء ولا أجر إلا ما يصيبه في هذه الحياة الدنيا من حطامها، ومن النتائج المترتبة على حفظ هذه النظم، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ [الرعد: ٢٦].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم فما له في الآخرة من خلاق) (١).\nوقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلًا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو غير ذلك، ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه لم يفِ» (٢).\nلذلك فالسمع والطاعة لخلفاء المسلمين وأئمتهم من أجل الطاعات والقربات عند الله تعالى، ومن الواجبات الملقاة على عاتق كل مسلم ..\nقال ابن كثير: (وقال الصياح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ... الآية [الحج: ٤١]. ثم قال: (ألا إنها ليست على الوالي وحده ولكنها على الوالي والموالى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلك؛ وبما للوالي عليكم منه؟ إنَّ لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يهديكم إلى التي هي أقوم ما استطاع، وإنَّ عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة ولا المستكرهة ولا المخالف سرها علانيتها) (٣).\nأدلة وجوبها:\nالسمع والطاعة للإمام من أهم حقوقه الواجبة له، ومن أعظم الواجبات على الرعية له، وقد دَلَّ على ذلك الكتاب والسنة:\nفمن الكتاب:\n_________\n(١) [١٣٢٠٣]» «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٦، ١٧).\n(٢) [١٣٢٠٤]» رواه البخاري (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨).\n(٣) [١٣٢٠٥]» «تفسير ابن كثير» (٥/ ٤٣٤).","vol":"8","page":79},{"text":"قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩].\nفلما أمر الله تعالى الرعاة والولاة بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل في الآية السابقة لها: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ أمر الرعية من الجيوش وغيرهم بطاعة أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (١). وأولو الأمر في هذه الآية هم كما قال الشوكاني: (الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية، والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه ما لم تكن معصية) (٢).\nوقال ابن حجر: (قال ابن عيينة: سألت زيد بن أسلم عنها - أي عن أولي الأمر في هذه الآية - ولم يكن بالمدينة أحد يفسر القرآن بعد محمد بن كعب مثله - فقال: اقرأ ما قبلها تعرف، فقرأت: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمواْ بِالْعَدْل الآية. فقال: هذه في الولاة) (٣).\nوتشمل أيضًا العلماء كما رواه الطبري بإسناده عن ابن عباس وابن أبي نجيح والحسن ومجاهد وعطاء وغيرهم (٤).\nفالصواب إذًا شمولها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأولو الأمر أصحابه وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء، والأمراء. فإذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس) (٥).\nثانيًا: من السنة:\nأما من السنة فالأحاديث كثيرة في وجوب السمع والطاعة للأئمة في غير معصية نأخذ منها ما يلي:\n١ - ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني» (٦).\n٢ - ومنها ما رواه البخاري بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله» (٧). وفي رواية إن رسول الله - ﷺ - قال لأبي ذر: «اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة» (٨).\n٣ - ومنها ما رواه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله! كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم» (٩).\n_________\n(١) [١٣٢٠٦]» «محاسن التأويل» للقاسمي (٥/ ٣٥٣).\n(٢) [١٣٢٠٧]» «فتح القدير» للشوكاني (١/ ٤٨١).\n(٣) [١٣٢٠٨]» «فتح الباري» (١٣/ ١١١).\n(٤) [١٣٢٠٩]» «تفسير الطبري» (٧/ ٥٠٠).\n(٥) [١٣٢١٠]» «الحسبة» لابن تيمية (ص: ١١٨).\n(٦) رواه البخاري (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٣٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) رواه البخاري (٧١٤٢)، من حديث أنس ﵁.\n(٨) رواه البخاري (٦٩٦).\n(٩) [١٣٢١٤]» رواه البخاري (٣٦٠٣)، ومسلم (١٨٤٣)، والترمذي (٢١٩٠).","vol":"8","page":80},{"text":"٤ - ومنها ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) (١) .. وفي رواية لمسلم: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» (٢).\nإلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الموجبة لطاعة الأئمة في غير معصية وإن جاروا، روى أبو عبيد القاسم بن سلام بسنده إلى مصعب بن سعد قال: قال علي بن أبي طالب ﵁ كلمات أصاب فيهن الحق، قال: (يحق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا ويجيبوه إذا دعا) (٣).\nطاعة الإمام ليست مطلقة:\nحينما أوجب الله ﷿ على الرعية أن تطيع ولاة الأمور المسلمين لم يجعل هذه الطاعة مطلقة من كل قيد، وذلك لأن الحاكم والمحكوم كلهم عبيد لله ﷿، واجب عليهم طاعته وامتثال أوامره، لأنه هو الحاكم وحده، فإذا قصرت الرعية في حق من حقوق الله تعالى فعلى الحاكم تقويمها بالترغيب والترهيب حتى تستقيم على الطريق، وكذلك الحاكم إذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة له، وإنما على الأمة نصحه وإرشاده، والسعي بكل وسيلة إلى إرجاعه إلى الحق شريطة ألا يكون هناك مفسدة أعظم من مصلحة تقويمه، وإلا فعلى الرعية الصبر حتى يقضي الله فيه بأمره ويريحهم منه ...\nأدلة تقييد سلطة الحاكم:\nوالأدلة على تقييد سلطة الحاكم وأنه لا طاعة له في معصية كثيرة جدًا نأخذ منها بعض النماذج:\nأولًا: من كتاب الله:\n١ - يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩].\nقال الحافظ ابن حجر: قال الطيبي: (أعاد الفعل في قوله: وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته، ثم بين ذلك في قوله: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ كأنه قيل: فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله) (٤).\nوعن أبي حازم سلمة بن دينار أن مسلمة بن عبد الملك قال: (ألَسْتُم أمرتم بطاعتنا في قوله: وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ؟ قال: أليست قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: فردوه إلى الله والرسول ... [النساء: ٥٩]).\nفالشاهد من الآية أن الإمام المطاع يجب أن يكون من المسلمين ... وأنه إذا وقع خلاف بينه وبين رعيته فالحكم في ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله لا هواه وبطشه، فدل ذلك على تقييد سلطته بإتباع الكتاب والسنة.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧١٩٩)، ومسلم (١٨٤٠).\n(٢) [١٣٢١٦]» رواه مسلم (١٨٤٠)، ورواه البخاري (٧٠٥٥).\n(٣) [١٣٢١٧]» رواه أبو عبيد في «الأموال» (ص: ١٢)، ورواه الطبراني في تفسيره (٨/ ٤٩٠)، والخلال في «السنة» (١/ ١٠٩).\n(٤) [١٣٢١٨]» «فتح الباري» (١٣/ ١١٢).","vol":"8","page":81},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إنهم - أي أهل السنة والجماعة - لا يجوزون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يجوزون طاعته في معصية الله وإن كان إمامًا عادلًا، فإذا أمرهم بطاعة الله أطاعوه، مثل أن يأمرهم بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصدق، والعدل، والحج، والجهاد في سبيل الله. فهم في الحقيقة إنما أطاعوا الله، والكافر والفاسق إذا أمر بما هو طاعة لله لم تحرم طاعة الله، ولا يسقط وجوبها لأمر ذلك الفاسق بها، كما أنه إذا تكلم بحق لم يجز تكذيبه ولا يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله فاسق) (١).\nقال: (فأهل السنة: لا يطيعون ولاة الأمور مطلقًا إنهم يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول - ﷺ - كما قال تعالى: أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ... الآية [النساء: ٥٩]) (٢).\n٢ - ومنها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الممتحنة: ١٢]\nوالشاهد من الآية قوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ روى ابن جرير بسنده عن ابن زيد في قوله: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال: إن رسول الله - ﷺ - نبيّه وخيرته من خلقه، ثم لم يستحلّ له أمر إلا بشرط، لم يقل لا يَعْصِينَكَ ويترك. حتى قال: فِي مَعْرُوفٍ فكيف ينبغي لأحد أن يطاع في غير معروف وقد اشترط الله هذا على نبيه) (٣).\nوقال الزمخشري مفسرًا سبب تقييد طاعة الرسول - ﷺ - بالمعروف مع أنه لا يأمر إلا بالمعروف: (نبه بذلك على أن طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بالتوقي والاجتناب) (٤).\nوقال الكيا الهراسي: (يؤخذ من قوله: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ أنه لا طاعة لأحد في غير معروف) قال: (وأمر النبي - ﷺ - لم يكن إلا بمعروف وإنما شرطه في الطاعة لئلا يترخص أحد في طاعة السلاطين) (٥).\n_________\n(١) [١٣٢١٩]» «منهاج السنة» (٢/ ٧٦).\n(٢) [١٣٢٢٠]» «منهاج السنة» (٢/ ٧٦).\n(٣) [١٣٢٢١]» «تفسير الطبري» (٢٨/ ٨٠). ونحوه في «تفسير ابن كثير» (٨/ ١٢٧).\n(٤) [١٣٢٢٢]» «الكشاف» (٤/ ٩٥). ونحوه في «فتح القدير» للشوكاني (٥/ ٢١٦).\n(٥) [١٣٢٢٣]» نقلًا عن: «محاسن التأويل» للقاسمي (١٦/ ١٣٧).","vol":"8","page":82},{"text":"فيؤخذ من هذا أن طاعة المخلوقين جميعهم: حاكمهم ومحكوميهم مقيدة بأن تكون بالمعروف، والمعروف هو ما عرف من الشارع والعقل السليم حسنه أمرًا كان أو نهيًا، والحكم في ذلك هم العلماء الذين يستنبطون الحكم من الكتاب والسنة كما قال تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣]. إذا لم يكن الإمام عالمًا - مع أنه من شروطه - وكما شملت الآية السابقة أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ العلماء أيضًا، ولأننا أمرنا عند التنازع بالتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وهذا ما يحمله علماء الشرع ويتعلمونه ويعلمونه. لذلك كله تكون طاعة الحكام تبعًا لطاعة العلماء وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: (والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء، ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء، وكان الناس كلهم تبعًا لهم، كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين، وفساده بفسادهما كما قال عبد الله بن المبارك وغيره من السلف: (صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، قيل من هم؟ قال: الملوك والعلماء) (١) وكما قال عبد الله بن المبارك:\nرأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذُّلَّ إدمانُها\nوترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها\nوهل بَدَّل الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها\nوباعوا النفوس فلم يربحوا ... ولم تغل في البيع أثمانها\nلقد رتع القوم في جيفة ... يبين لذي العقل إنتانها (٢)\nثانيًا: من السنة:\nأما الأدلة على تقييد سلطة الإمام من السنة فكثيرة جدًا نأخذ منها ما يلي:\n١ - ما رواه الخمسة وأحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «على المرء السمع والطاعة فيما أحب أو كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٣).\nقال ابن القيم ﵀ تعليقًا على هذا الحديث: (وفي هذا الحديث دليل على أن من أطاع ولاة الأمر في معصية الله كان عاصيًا، وأن ذلك لا يمهد له عذرًا عند الله، بل إثم المعصية لا حق به، وإن كان لولا الأمر لم يرتكبها، وعلى هذا يدل هذا الحديث وهذا وجهه وبالله التوفيق) (٤).\n٢ - ومنها ما رواه البخاري - واللفظ له - ومسلم وغيرهما عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «بعث النبي - ﷺ - سريّة، وأمَّر عليها رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي - ﷺ - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: عزمت عليكم لما جمعتم حطبًا وأوقدتم نارًا ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطبًا وأوقدوا نارًا، فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي - ﷺ - فرارًا من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار، وسكن غضبه، فذُكِرَ للنبي - ﷺ - فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف» (٥).\n_________\n(١) [١٣٢٢٤]» «إعلام الموقعين» (١/ ١٠).\n(٢) [١٣٢٢٥]» «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨).\n(٣) [١٣٢٢٦]» رواه البخاري (٢٩٥٥)، ومسلم (١٨٣٩)، وأبو داود (٢٦٢٦)، والترمذي (١٧٠٧)، والنسائي (٧/ ١٦٠)، وأحمد (٢/ ١٧) (٤٦٦٨).\n(٤) [١٣٢٢٧]» انظر: «تهذيب سنن أبي داود» (٧/ ٢٠٨).\n(٥) [١٣٢٢٨]» رواه البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠).","vol":"8","page":83},{"text":"ورويت هذه القصة أيضًا وجاء فيها أن أميرها كان عبد الله بن حذافة السهمي وكان امرءًا فيه دعابة، ولم يكن من الأنصار بل كان مهاجريًا.\nفهذا قد أمرهم بدخول نار الدنيا، وقد أوجب الرسول - ﷺ - عصيانه، فما بالك بالذين يأمرون بدخول نار الآخرة بارتكاب المعاصي! فكيف تكون طاعتهم؟.\n٣ - ومنها ما رواه البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله» (١).\nفهذا الحديث قيد الطاعة للإمام الذي يقود بكتاب الله وبناء على ذلك فلا تجوز طاعة حاكم يحكم بغير ما أنزل الله في حكمه هذا، سواء كان هذا الحكم مخرجًا له من الملة أو لا ... لأنه في كلتا الحالتين عاص لا يأمر بالمعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\n٤ - ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنه سيلي أمركم من بعدي رجال يطفئون السنة ويحدثون البدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، قال ابن مسعود: كيف بي إذا أدركتهم؟ قال: ليس - يا ابن أم عبد - طاعة لمن عصى الله قالها ثلاث مرات» (٢).\nونحو ما رواه عبادة بن الصامت ﵁ قال: «سيليكم أمراء بعدي، يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله» (٣).\n(٥) بل إن الطاعة المطلقة من كل قيد تجرُّ إلى الشرك بالله وعبادة الرجال بعضهم لبعض كما قال ﷿: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١].\nوفي حديث عدي بن حاتم ﵁، وكان قد «قدم على النبي - ﷺ - وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم قال: أليس يحرمون ما أحلَّ الله فتحرمونه، ويُحلُّون ما حرَّم الله فتحِلُّونه؟ قال: فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم» (٤). قال ابن تيمية: وكذلك قال أبو البختري: (أَمَا إنهم يُصَلُّوا، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية) (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٩٦).\n(٢) [١٣٢٣٠]» رواه أحمد (١/ ٣٩٩) (٣٧٩٠). وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٥/ ٣٠٢)، وصححه الوادعي في «صحيح دلائل النبوة» (ص: ٥٦٢).\n(٣) [١٣٢٣١]» رواه الحاكم (٣/ ٤٠١). هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٥٩٠): قوي بالطرق.\n(٤) [١٣٢٣٢]» رواه الترمذي (٣٠٩٥)، والبيهقي (١٠/ ١١٦) (٢٠٨٤٧). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث، وحسنه ابن تيمية في «حقيقة الإسلام والإيمان» (١١١)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) [١٣٢٣٣]» «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٦٤).","vol":"8","page":84},{"text":"وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: (كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء، فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم، فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فقد بيَّن النبي - ﷺ - أن عبادتهم إنما كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال، لا أنهم صَلُّوا لهم وصاموا لهم ودعوهم من دون الله، فهذه عبادة للرجال وتلك عبادة للأموال) (١) يقصد حديث: «تعس عبد الدينار» (٢). وروى الطبري بسنده إلى ابن جريج عند قوله تعالى: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ... الآية [عمران: ٦٤]، قال: (لا يطع بعضنا بعضًا في معصية الله) (٣).\nلذلك فمن أطاع العلماء والأمراء فيما فيه معصية لله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله ﷿، وهذا شرك وعبادة لهم من دون الله، وأي ذنب أكبر من أن يتخذ الإنسان الآخر ربًّا مُشَرِّعًا يطيعه في معصية الله، ويحرم عليه ما أحلّ الله له.\nوالطاعة في المعصية طاعة للطاغوت، وقد أُمِرنا بالكفر به، قال ابن تيمية: (والمطاع في معصية الله والمطاع في اتباع غير الهدى ودين الحق سواء كان مقبولًا خبره المخالف لكتاب الله أو مطاعًا أمره المخالف لأمر الله هو طاغوت) (٤).\nمن كل ما سبق يتبين أن طاعة الأئمة مقيدة بما ليس فيه معصية لله ورسوله، أما ما كان كذلك فلا طاعة لهم فيه كما نصت الأدلة. ويتبين لنا كذلك أن الطاعة للأئمة التي أمرنا الله بها وأوجبها على الرعية إنما هي طاعة مبصرة لا طاعة عمياء كما تنص عليها المصطلحات العسكرية في النظم الوضعية، وكما تنص عليها بعض الطرق الصوفية من إيجاب الطاعة العمياء على الشخص أمام مريده، أما الإسلام فلا «إنما الطاعة في المعروف» (٥) كما مرّ معنا في قصة أصحاب السرية وأميرهم وتوجيه النبي - ﷺ - لهم.\nولو أجيزت الطاعة في المعصية لكان هناك تناقض في الإسلام، إذ لا يعقل أن يحرَّم الشارع شيئًا ثم يوجبه (٦).\nويعلق الأستاذ أحمد شاكر على حديث: «السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره ... إلخ» بقوله: (... ثم قَيَّد هذا الواجب - واجب الطاعة - بقيد صحيح دقيق، يجعل للمكلف الحق في تقديره ما كلف به، فإن أمره من له الأمر عليه بمعصية فلا سمع ولا طاعة، لا يجوز له أن يعصي الله بطاعة المخلوق، فإن فعل كان عليه من الإثم ما كان على من أمره، لا يعذر عند الله بأنه أتى هذه المعصية بأمر غيره، فإنه مكلَّف مسئول عن عمله، شأنه شأن آمره سواء.\nومن المفهوم بداهة أن المعصية التي يجب على المأمور ألا يطيع فيها الآمر هي المعصية الصريحة التي يدلّ الكتاب والسنة على تحريمها، لا المعصية التي يتأوّل فيها المأمور ويتحايل حتى يوهم نفسه أنه إنما امتنع لأنه أمر بمعصية مغالطة لنفسه ولغيره) (٧).\nفهذا ردٌّ على الذين يرتكبون المعاصي بحجة أنهم قد أُمروا بها، فيقولون الإثم على من أمرنا لا علينا، والحق أن الإِثم على الآمر وعلى الفاعل، وكل ما سبق من أحاديث وأقوال للعلماء ردٌّ على زعمهم ومخادعتهم أنفسهم.\n_________\n(١) [١٣٢٣٤]» «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٦٤).\n(٢) رواه البخاري (٢٨٨٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) [١٣٢٣٦]» «تفسير الطبري» (٣/ ٣٠٤).\n(٤) [١٣٢٣٧]» «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٠١).\n(٥) رواه البخاري (٧٢٥٧)، ومسلم (١٨٤٠)، من حديث علي ﵁.\n(٦) [١٣٢٣٩]» «النظام السياسي في الإسلام» د. عبد القادر أبو فارس (ص: ٧٣).\n(٧) [١٣٢٤٠]» انظر: حاشية المسند (٦/ ٣٠١) لأحمد شاكر.","vol":"8","page":85},{"text":"هذا وقد خرجت طائفة من أهل الشام زمن الأمويين يرون الطاعة المطلقة للإمام، وأن الله يتقبل حسناته، ويتجاوز عن سيئاته، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الطائفة: (... وأما غالية الشام أتباع بني أمية فكانوا يقولون: إن الله إذا استخلف خليفة تقبَّل منه الحسنات، وتجاوز له عن السيئات، وربما قالوا: إنه لا يحاسبه، ولهذا سأل الوليد بن عبد الملك عن ذلك العلماء فقالوا: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أم داود؟ وقد قال له: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: ٢٦]، وكذلك سؤال سليمان بن عبد الملك عن ذلك لأبي حازم المدني في موعظته المشهورة فذكر له هذه الآية) (١) ثم بيَّن رحمه الله تعالى غلطهم فقال: (لكن غلط من غلط منهم من جهتين. من جهة: أنهم كانوا يطيعون الولاة طاعة مطلقة، ويقولون: إن الله أمر بطاعتهم. الثانية: قول من قال منهم: إن الله إذا استخلف خليفة تقبَّل منه الحسنات وتجاوز له عن السيئات) (٢).\nطاعة الإمام الجائر:\nهذه الطاعة ليست مشروطة بكون الإِمام عادلًا، بل حتى ولو كان فيه شيء من الجور والفسق على نفسه، كأن يكون فيه تقصير في حق الله تعالى، أو بعض حقوق الآدميين، لأن العادل الخائف والمراقب لله ﷿ قَلَّ أن يأمر بمعصية وهو يعلم أنها معصية، أما الذي قد يأمر بمعصية لله تعالى فهو الجائر والفاسق، فهذا يطاع في طاعة الله ويعصى في معصية الله، ما لم يصل به جوره وفسقه إلى الحد الذي يوجب عزله - وسيأتي بيان ذلك وأقوال العلماء وأدلتهم ... - والذي يدل على ذلك ما يلي:\n١ - ما رواه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: تؤدُّون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم» (٣).\n٢ - وعن سعيد بن حضير «أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، استعملت فلانًا ولم تستعملني، قال: إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (٤).\n٣ - ومنها حديث سلمة بن يزيد أنه قال: «يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه ... إلى أن قال: اسمعوا وأطيعوا فإنَّ عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم» (٥).\n٤ - ومنها ما رواه مسلم عن حذيفة ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله: إنا كنا بِشَرّ فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل وراء هذا الشر خير؟ قال: نعم، قلت: فهل وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهدي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيكم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضُربَ ظهرك وأُخِذَ مالك فاسمع وأطع» (٦).\n_________\n(١) [١٣٢٤١]» «منهاج السنة» (١/ ٢٣٢).\n(٢) [١٣٢٤٢]» «منهاج السنة» (١/ ٢٣٣).\n(٣) [١٣٢٤٣]» رواه البخاري (٣٦٠٣)، ومسلم (١٨٤٣)، والترمذي (٢١٩٠).\n(٤) [١٣٢٤٤]» رواه البخاري (٣٧٩٢)، ومسلم (١٨٤٥).\n(٥) [١٣٢٤٥]» رواه مسلم (١٨٤٦).\n(٦) [١٣٢٤٦]» رواه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧).","vol":"8","page":86},{"text":"فهذه الأحاديث وما في معناها تَدُلّ في جملتها على أن الطاعة في المعروف واجبة على المسلم للإمام، وإن منع بعض الحقوق واستأثر ببعض الأموال، بل ولو تعدى ذلك إلى الضرر بالجسم كالضرب، أو إلى أخذ المال ونحوه من الأمور الشخصية (١)، فعلى المؤمن القيام بما أوجبه الله عليه من الطاعة في المعروف، وأن يحتسب حقه عند الله ﷿، فعند الله تجتمع الخصوم، وذلك سدًّا لفتح باب الفتن والاختلاف المذموم.\nكما تدل على أن المؤمن ينبغي ألا يغضب ولا ينتقم إلا لله ﷿، لا لنفسه أسوة بالرسول - ﷺ - كما في الصحيح: «أن رسول الله - ﷺ - ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله» (٢) فإذا قصر الإمام في حقٍ من حقوق الدنيا لأحد الرعية فعليه أن يطيعه في طاعة الله، ولا يعصيه بسبب منعه هذا الحق، وإن كان يرتكب شيئًا من المعاصي في نفسه، وعنده تقصير في أداء بعض الواجبات، ففي هذه الحال على المؤمن نصحه وطاعته في طاعة الله، أما إن تطرَّق الأمر إلى ما يمس الدين كأن يأمره بمعصية لله ﷿ فهنا لا سمع ولا طاعة، بل يجب عليه العصيان وإن تَرتَّب على ذلك ما ترتَّب، ورضي الله عن الصديق حيث يقول في خطبته المشهورة: (أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم) (٣)، وكما في حديث عبادة بن الصامت الآنف الذكر وفيه: (وأن نقول كلمة الحق، ولا نخاف في الله لومة لائم) في نفس مبايعتهم على السمع والطاعة في العسر واليسر ... إلخ. ولا شك أن من قام بالحق ودعا إليه فإن أمراء الجور سيتصدُّون له، فعليه حينئذٍ أن يصبر ويثبت ويستمر ويحتسب ذلك عند الله تعالى، قال تعالى: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: ١٧]، ولما سئل النبي - ﷺ - أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة حق عند سلطان جائر» (٤).\nوروى الحاكم عن عبد الرحمن بن بشير الأنصاري قال: (أتى رجل فنادى ابن مسعود فأكبَّ عليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن متى أضلُّ وأنا أعلم؟ قال: إذا كانت عليك أمراء إذا أطعتهم أدخلوك النار، وإذا عصيتهم قتلوك) (٥) فمثل هؤلاء مخالفتهم إذا أمروا بمعصية واجبة وإن حصل للإنسان أذى منهم.\nومع تقرير هذا يجب أن نُنَبِّه إلى أنه ليس متفقًا على وجوب الصبر على الأذى الشخصي عند السلف، فقد خالف في ذلك ناس منذ عصر الصحابة ﵃، عملًا بأدلة أخرى مثل:\n١ - قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ [الشورى: ٣٩].\n٢ - حديث «من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد» (٦) وما شابهها دون تفريق بين وقوع الظلم والبغي من حاكم أو غيره، من ذلك ما روي «أن معاوية أرسل إلى عامل له أن يأخذ الوهط - وهي أرض لعبد الله بن عمرو بالطائف، فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته، وقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من قتل دون ماله مظلومًا فهو شهيد» (٧).\nلكن هذه الأدلة عامة وتلك أخص فتخصص العموم، قال ابن المنذر: (الذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع مما ذُكِر إذا أريد ظلمًا بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه) (٨). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي- بتصرف – ص: ٣٧٥\n_________\n(١) [١٣٢٤٧]» انظر: «الشريعة» للآجري (ص: ٤٠).\n(٢) [١٣٢٤٨]» رواه البخاري (٦٧٨٦) بلفظ: «ما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تنتهك حرمات الله، فينتقم لله» من حديث عائشة ﵂.\n(٣) [١٣٢٤٩]» «سيرة ابن هشام» (٤/ ٦٦١).\n(٤) رواه أبو داود (٤٣٤٤)، والترمذي (٢١٧٤)، وابن ماجه (٣٢٥٦)، وأحمد (٣/ ١٩) (١١١٥٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وحسن إسناده ابن الملقن في «شرح صحيح البخاري» (١٩/ ١٨٠)، والعيني في «عمدة القاري» (١٥/ ٢٢٨)، وقال ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (ص: ١٦٩): حسن، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٥) [١٣٢٥١]» رواه الحاكم (٤/ ٥٠٨) وقال: وهذا موقوف صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٦) [١٣٢٥٢]» رواه البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١).\n(٧) [١٣٢٥٣]» رواه عبد الرزاق (١٠/ ١١٥)، والبيهقي (٨/ ٣٣٥) (١٨٠٩١).\n(٨) [١٣٢٥٤]» «فتح الباري» (٥/ ١٣٤).","vol":"8","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2154>المبحث الثاني: النصرة والتقدير</span>\nاتضح لنا عند ذكر واجبات الإمام عظم المسئولية الملقاة على عاتقه، ومنها محاربته للفساد والمفسدين، وهذه تجعله في خطر منهم، لذلك فعلى الأمة أن تقوم بجانبه وتساعده على نوائب الحق، ولا تُسْلِمُه لأعدائه المفسدين سواء كانوا داخل الدولة الإسلامية أو خارجها، يدل على ذلك ما يلي:\n١ - قول الله ﷿: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ... [المائدة: ٢] ولا شك أن معاضدة الإمام الحق ومناصرته من البر الذي يترتب عليه نصرة الإسلام والمسلمين.\n٢ - يدل على ذلك أيضًا ما رواه عمرو بن العاص ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر ...» الحديث (١).\nقال أبو يعلى: (وإذا قام الإمام بحقوق الأمة وجب له عليهم حقان الطاعة والنصرة ما لم يوجد من جهته ما يخرج به عن الإمامة) (٢) ...\nولذلك شرع قتال أهل البغي إذا بدؤوا بقتال الإمام العادل بدون تأويل سائغ، كما شرع حد الحرابة في قوله تعالى: إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ... [المائدة: ٣٣].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إذا طلبهم - أي المحاربين - السلطان أو نوابه لإقامة الحد بلا عدوان فامتنعوا عليه، فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى يقدر عليهم كلهم) (٣).\nوللموضوع تفصيلات كثيرة مذكورة في كتب الفقه ليس هذا مقام تفصيلها ... كما أن على المسلمين احترام الإمام العادل وتقديره والدعاء له وعدم إهانته حتى يكون له مهابة عند ضعاف النفوس، فيرتدعون عما تمليه عليهم عواطفهم وشهواتهم يدل على ذلك ما يلي:\n١ - ما روي عن زياد بن كسيب العدوي قال: «كنت مع أبي بكرة - ﵁ - تحت منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق، فقال أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق، فقال أبو بكرة: اسكت سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله» (٤).\n٢ - وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» (٥).\nوقال حذيفة بن اليمان ﵁: (ما مشى قوم إلى سلطان الله في الأرض ليذلوه إلا أذلهم الله قبل أن يموتوا) (٦).\n_________\n(١) [١٣٢٥٥]» رواه مسلم (١٨٤٤).\n(٢) [١٣٢٥٦]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢٨).\n(٣) [١٣٢٥٧]» «السياسة الشرعية» (ص: ٨٥).\n(٤) [١٣٢٥٨]» رواه الترمذي (٢٢٢٤)، وأحمد (٥/ ٤٢) (٢٠٤٥٠)، والبيهقي (٨/ ١٦٣) (١٧١٠٢). قال الترمذي: حسن غريب، وقال البغوي في «شرح السنة» (٥/ ٣٠٦): مرفوع بإسناد غريب، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢١٨): رجال أحمد ثقات.\n(٥) [١٣٢٥٩]» رواه أبو داود (٤٨٤٣)، والبيهقي (٨/ ١٦٣) (١٦٤٣٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٤٩٧) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال النووي في «الترخيص بالقيام» (٥٦): إسناده كلهم عدول معروفون إلا أبا كنانة وهو مشهور، ولا نعلم أحدًا تكلم فيه، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٢٦) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٦) [١٣٢٦٠]» «شرح السنة» للبغوي (١٠/ ٥٤).","vol":"8","page":88},{"text":"وقال الفضيل بن عياض: (لو أن لي دعوة مستجابة لجعلتها للإمام لأن به صلاح الرعية، فإذا صلح أمنت العباد والبلاد) (١).\nوقال سهل بن عبد الله ﵀: (لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا بهذين أفسدوا دنياهم وأخراهم) (٢).\nهذا بشرط أن يكون الإمام من أئمة العدل، أما أئمة الجور والفسق فلا يعانون على فسقهم وظلمهم، وقد قال مالك ﵀ فيما رواه عنه ابن القاسم أنه قال: (إن كان الإمام مثل عمر بن عبد العزيز وجب على الناس الذب عنه والقتال معه، وأما غيره فلا، دعه وما يراد منه ينتقم الله من الظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما) (٣).\nبل إذا رأى المسلم أنه لا فائدة من الدخول عليهم ومناصحتهم أو خاف على نفسه فتنتهم فعليه اعتزالهم، وترك الدخول عليهم، والحذر من موافقتهم على باطل، يدل على ذلك ما يلي:\n١ - حديث كعب بن عجرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني، ولست منه، وليس بوارد عليَّ الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم، فهو مني وأنا منه، وهو وارد عليَّ الحوض» (٤).\nقال أبو سليمان الخطابي ﵀: (ليت شعري من الذي يدخل إليهم اليوم فلا يصدقهم على كذبهم، ومن الذي يتكلم بالعدل إذا شهد مجالسهم، ومن الذي ينصح ومن الذي ينتصح منهم؟ إن أسلم لك يا أخي في هذا الزمان وأحوط لدينك أن تقل من مخالطتهم وغشيان أبوابهم ونسأل الله الغنى عنهم والتوفيق لهم) (٥).\n... وهذا في القرن الرابع الهجري فما بالك بالخامس عشر!!!\n٢ - ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد عبد من السلطان قربًا إلا ازداد من الله بعدًا» (٦).\n٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «... وإن أبغض القراء إلى الله الذي يزورون الأمراء» (٧).\n٤ - وروي عن حذيفة ﵁ قال: (إياكم ومواطن الفتن، قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأمراء يدخل أحدكم على الأمير، فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه) (٨).\nوقال خالد بن زيد: سمعت محمد بن علي - الباقر - يقول: قال عمر بن الخطاب ﵁: (إذا رأيتم القارئ يحب الأغنياء فهو صاحب دنيا وإذا رأيتموه يلزم السلطان فهو لص) (٩).\n_________\n(١) [١٣٢٦١]» «البداية والنهاية» (١٠/ ١٩٩).\n(٢) [١٣٢٦٢]» «تفسير القرطبي» (٥/ ٢٦٠).\n(٣) [١٣٢٦٣]» «شرح الخرشي على مختصر خليل» (٨/ ٦٠)، وانظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ١٧٢١).\n(٤) [١٣٢٦٤]» رواه الترمذي (٢٢٥٩)، والنسائي (٧/ ١٦٠)، وابن حبان (١/ ٥١٢) (٢٧٩)، والحاكم (١/ ١٥١). قال الترمذي: صحيح غريب، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٤٩٥) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) [١٣٢٦٥]» «العزلة للخطابي» (ص: ٩٢).\n(٦) [١٣٢٦٦]» رواه أحمد (٢/ ٣٧١) (٨٨٢٣)، والبيهقي (١٠/ ١٠١) (٢٠٧٥٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٤٩): أحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح خلا الحسن بن الحكم النخعي وهو ثقة، وصح إسناده العجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٣٠٩).\n(٧) [١٣٢٦٧]» رواه الترمذي (٢٣٨٣)، وابن ماجه (٥٠)، الطبراني في «الأوسط» (٣/ ٢٦١) (٣٠٩٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٣٣٩). قال الترمذي: حسن غريب.\n(٨) [١٣٢٦٨]» رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٢٧٧).\n(٩) [١٣٢٦٩]» «البداية والنهاية» (٩/ ٣١٠).","vol":"8","page":89},{"text":"وقال أبو ذر لسلمة: (يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين، فإنك لا تصيب من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من دينك أفضل منه) (١).\nوقال سعيد بن المسيب: (لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار بقلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة) (٢).\nوروى الإمام أحمد عن معمر بن سليمان الرقي عن فرات بن سليمان عن ميمون بن مهران قال: (ثلاث لا تبلون نفسك بهن، لا تدخل على سلطان وإن قلت آمره بطاعة الله، ولا تدخل على امرأة وإن قلت أعلمها كتاب الله، ولا تصغين بسمعك إلى ذي هوى فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك من هواه) (٣).\nوالمراد من كل ما سبق هم سلاطين الجور والظلم، والنهي عن مخالطتهم وإتيانهم بقصد التقرب إليهم وحصول شيء من دنياهم.\nوإعانتهم على ظلمهم قد تكون بمجالستهم ومؤازرتهم، وقد تكون بتبرير أخطائهم، بل قد تكون بالسكوت عنهم وعدم إنكار المنكر عليهم، وتكون بالدعاء لهم كما قيل: (من دعا لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يعصى الله في أرضه) (٤).\nقال ابن تيمية: (وقد قال غير واحد من السلف: أعوان الظلمة من أعانهم ولو أنه لاق لهم دواة أو برى لهم قلمًا. ومنهم من كان يقول: بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم، وأعوانهم هم أزواجهم المذكورون في الآية) (٥).\nيقصد قوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ... [الصافات: ٢٢].\nأما الدخول عليهم على سبيل النصح لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فهذا باب آخر ... كما أن خلفاء المسلمين العدول تجب مناصحتهم ومؤازرتهم ومشاركتهم في الرأي، وقد كان القراء هم أصحاب مجلس عمر ﵁ ومشاورته (٦).\nوقد عقد الغزالي في (إحياء علوم الدين) بابًا فيما يحل من مخالطة السلاطين الظلمة وما يحرم، وحكم غشيان مجالسهم والدخول عليهم والإكرام لهم. فقال: (اعلم أن لك مع الأمراء والعمال الظلمة ثلاثة أحوال (الحالة الأولى) وهي: شرها أن تدخل عليهم. (والثانية) وهي: دونها أن يدخلوا عليك. (والثالثة) وهي: الأسلم أن تعتزل عنهم فلا تراهم ولا يرونك ...) (٧).\nقال: (ولا يجوز الدخول إلا بعذرين:\nأحدهما: أن يكون من جهتهم أمر إلزام لا أمر إكرام، وعلم أنه لو امتنع أُوذِي أو (فسد) (٨). عليهم طاعة الرعية واضطرب عليهم أمر السياسة، فيجب عليه الإجابة لا طاعة لهم بل مراعاة لمصلحة الخلق حتى لا تضطرب الولاية.\nوالثاني: أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن مسلم سواه أو عن نفسه، إما بطريق الحسبة، أو بطريق التظلم فذلك رخصة بشرط ألا يكذب ولا يثني ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولًا، فهذا حكم الدخول) (٩).\n... ويضاف إلى ما سبق أمر آخر وهو:\nالثالث: الدخول عليهم بقصد مناصحتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، كما دل عليه الحديث: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (١٠) ...\n_________\n(١) [١٣٢٧٠]» «إحياء علوم الدين» (٢/ ١٤٢).\n(٢) [١٣٢٧١]» رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٥٧).\n(٣) [١٣٢٧٢]» رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٨٥).\n(٤) [١٣٢٧٣]» رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٤٦) عن الثوري.\n(٥) [١٣٢٧٤]» «الإيمان» لابن تيمية (ص: ٦١).\n(٦) [١٣٢٧٥]» رواه البخاري (٧٢٨٦).\n(٧) [١٣٢٧٦]» «إحياء علوم الدين» (٢/ ١٤٢).\n(٨) [١٣٢٧٧]» كذا ولعلها (فسدت).\n(٩) [١٣٢٧٨]» «إحياء علوم الدين» (٢/ ١٤٥).\n(١٠) رواه أبو داود (٤٣٤٤)، والترمذي (٢١٧٤)، وابن ماجه (٣٢٥٦)، وأحمد (٣/ ١٩) (١١١٥٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وحسن إسناده ابن الملقن في «شرح صحيح البخاري» (١٩/ ١٨٠)، والعيني في «عمدة القاري» (١٥/ ٢٢٨)، وقال ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (١٦٩): حسن، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"8","page":90},{"text":"وقد كان من شدة ورع بعض السلف رضوان الله عليهم أن نهوا عن الدخول عليهم ولو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀: (وقد كان كثير من السلف ينهون عن الدخول على الملوك لمن أراد أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر أيضًا. وممن نهى عن ذلك عمر بن عبد العزيز، وابن المبارك، والثوري وغيرهم من الأئمة. وقال ابن المبارك: ليس الآمر الناهي من اعتزلهم، وسبب هذا ما يخشى من فتنة الدخول عليهم فإن النفس قد تخيل للإنسان إذا كان بعيدًا عنهم أنه يأمرهم وينهاهم ويغلظ عليهم، فإذا شاهدهم قريبًا مالت النفس إليهم، لأن محبة الشرف كامنة في النفس له ولذلك يداهنهم ويلاطفهم وربما مال إليهم وأحبهم ولا سيما إن لاطفوه وأكرموه وقبل ذلك منهم) (١).\nقال: (وقد جرى ذلك لعبد الله بن طاوس مع بعض الأمراء بحضرة أبيه طاوس فوبَّخَهُ على فعله ذلك، وكتب سفيان الثوري إلى عبَّاد بن عبَّاد وكان في كتابه: (إياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك أن تخدع ويقال لك: لتشفع وتدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة، فإن ذلك خديعة إبليس، وإنما اتخذها فجار القراء سلمًا، وما كفيت عن المسألة والفتيا فاغتنم ذلك ولا تنافسهم، وإياك أن تكون ممن يحب أن يعمل بقوله، أو ينشر قوله أو يسمع قوله، فإذا ترك ذلك منه عرف فيه، وإياك وحب الرياسة، فإن الرجل يكون حب الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو: باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة فتفقد بقلب واعمل بنية، واعلم أنه قد دنا من الناس أمر يشتهي الرجل أن يموت والسلام) (٢). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي - بتصرف – ص: ٣٩٧\n_________\n(١) [١٣٢٨٠]» من رسالة شرح حديث: ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم ... إلخ لابن رجب (ص: ١٣) ضمن مجموعة الرسائل المنيرية المجلد الثاني: الجزء الثالث. الرسالة الأولى.\n(٢) [١٣٢٨١]» رسالة شرح حديث: ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم ... إلخ لابن رجب (ص: ١٣) ضمن مجموعة الرسائل المنيرية المجلد الثاني: الجزء الثالث. الرسالة الأولى.","vol":"8","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2155>المبحث الثالث: المناصحة</span>\nإن الإمام بَشَرٌ، يعتريه ما يعتري البشر من الضعف والخطأ والنسيان، ولذلك شرعت النصيحة له لتذكيره وتبيين ما قد يخفى عليه من الأمور، وهذه من حقوقه على الرعية، فعلى الرعية القيام بأدائها إليه سواء طلبها أم لا، والأدلة على هذا كثيرة منها:\n١ - ما رواه مسلم في صحيحه عن تميم الداري أن النبي - ﷺ - قال: «الدين النصيحة». وفي رواية - قالها ثلاثًا - قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١).\nوهذا من الأحاديث العظيمة ومن جوامع كلمه - ﷺ -، قال النووي: (وأما ما قاله جماعة من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام، أي: أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام فليس كما قالوا بل المدار على هذا وحده) (٢).\nومعنى النصيحة لله كما نقله النووي عن الخطابي وغيره من العلماء: (أن معناها منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال، والجلال كلها، وتنزيهه ﷾ عن جميع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه والبغض فيه ...\nوأما النصيحة لكتابه ﷾: فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخشوع عندها.\nوأما النصيحة لرسوله - ﷺ - فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيًا وميتًا، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء سنته وبث دعوته ونشر شريعته ...\nوأما النصيحة لأئمة المسلمين: فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وأمرهم به وتذكريهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم.\nوأما النصيحة لعامة المسلمين وهم من عدا ولاة الأمر: فبإرشادهم إلى مصالحهم في آخرتهم ودنياهم ... وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر) (٣).\nوالنصيحة كما قال الخطابي: (كلمة جامعة معناها: حيازة الحظ للمنصوح له، قال: ويقال هو: من وجيز الأسماء، ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفي بها العبارة عن هذه الكلمة) (٤).\nوقال أبو عمرو بن الصلاح: (النصيحة: كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلًا) (٥).\n٢ - ومنها ما رواه جبير بن مطعم ﵁ قال: قام رسول الله - ﷺ - بالخيف من منى فقال: «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فبلغها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لولاة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» (٦).\n_________\n(١) [١٣٢٨٢]» رواه مسلم (٥٥).\n(٢) [١٣٢٨٣]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ٣٧).\n(٣) [١٣٢٨٤]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ٣٨، ٣٩) مختصرًا.\n(٤) [١٣٢٨٥]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ٣٧).\n(٥) [١٣٢٨٦]» «جامع العلوم والحكم» (ص٧٦).\n(٦) [١٣٢٨٧]» رواه ابن ماجه (١٨٩)، وأحمد (٤/ ٨٠) (١٦٧٨٤)، والدارمي (١/ ٨٦) (٢٢٨)، وأبو يعلى (١٣/ ٤٠٨) (٧٤١٣)، والطبراني (٢/ ١٢٦) (١٥٤٢)، والحاكم (١/ ١٦٢). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين قاعدة من قواعد أصحاب الروايات ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٤٤): رواه الطبراني في «الكبير» وأحمد وفي إسناده ابن إسحاق عن الزهري وهو مدلس وله طريق عن صالح بن كيسان عن الزهري ورجالها موثقون، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"8","page":92},{"text":"مما سبق نستنتج أن النصيحة أصل عظيم من أصول الإسلام ولذلك عدها ابن بطة من أصول السنة عند السلف رضوان الله عليهم (١).\nوقد كان النبي - ﷺ - عندما يبايع أحدًا، يشترط عليه النصح لكل مسلم. قال جرير بن عبد الله ﵁: (بايعت النبي - ﷺ - على النصح لكل مسلم) (٢).\nوقد دأب الصحابة رضوان الله عليهم على أداء هذا الحق لأئمتهم، فقد روى الإمام أحمد بسنده إلى محمد بن عبد الله (أن عبد الله بن عمر لقي ناسًا خرجوا من عند مروان فقال: من أين جاء هؤلاء؟ قالوا: خرجنا من عند الأمير مروان، قال: وكل حق رأيتموه تكلًّمتم به وأعنتم عليه، وكل منكر رأيتموه أنكرتموه عليه؟ قالوا: لا والله، بل يقول ما ينكر فنقول قد أصبت أصلحك الله، فإذا خرجنا من عنده قلنا: قاتله الله ما أظلمه وأفجره. قال عبد الله: كنا بعهد رسول الله - ﷺ - نعدُّ هذا نفاقًا لمن كان هكذا) (٣).\nوقد رغب النبي - ﷺ - في أن يؤدي المؤمن هذه النصيحة إلى أئمة الجور وإن خاف منهم الهلاك وعد ذلك من أفضل الجهاد يدل عليه الأحاديث التالية:\n١ - عن أبي أمامة ﵁ «أن رجلًا قال: يا رسول الله! أي الجهاد أفضل؟ ورسول الله يرمي الجمرة الأولى فأعرض عنه، ثم قال له عند الجمرة الوسطى فأعرض عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز قال: أين السائل؟ قال: أنا ذا يا رسول الله. قال: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (٤).\nقال الخطابي: (إنما كان هذا أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان على أمل الظفر بعدوه ولا يتيقن العجز عنه، لأنه لا يعلم يقينًا أنه مغلوب، وهذا يعلم أن يد سلطانه أقوى من يده، فصارت المثوبة فيه على قدر عظيم المئونة) (٥).\n٢ - وعن جابر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى رجل فأمره ونهاه في ذات الله فقتله على ذلك» (٦).\n_________\n(١) [١٣٢٨٨]» انظر: «الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة» (ص: ١٧٩) رسالة ماجستير مقدمة من الطالب رضا معطي نعسان بجامعة أم القرى.\n(٢) [١٣٢٨٩]» رواه مسلم (٥٦).\n(٣) [١٣٢٩٠]» رواه أحمد (٢/ ٦٩) (٥٣٧٣). قال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٧/ ١٩٨): إسناده صحيح، وقال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير عمر بن عبدالله.\n(٤) [١٣٢٩١]» رواه ابن ماجه (٣٢٥٧)، وأحمد (٥/ ٢٥٦) (٢٢٢٦١)، والطبراني (٨/ ٢٨٢) (٨٠٩٧)، والبيهقي (١٠/ ٩١) (٢٠٦٨٠). قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٣/ ٣٩٧): [فيه] أبو غالب أرجو أنه لا بأس به، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (٥/ ٣١٤)، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٥) [١٣٢٩٢]» «العزلة» (ص: ٩٢).\n(٦) [١٣٢٩٣]» رواه الحاكم (٣/ ٢١٥) بلفظ: «سيد» بدلًا من «خير»، والديلمي (٢/ ٣٢٤) (٣٤٧٢)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/ ٥٣). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣٧٤).","vol":"8","page":93},{"text":"٣ - وروى أحمد بسنده إلى عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له إنك أنت ظالم فقد تُوُدِّع منها» (١).\nوقد كان الخلفاء الراشدون ﵃ يَحُثُّون أقوامهم على نصحهم وتقويمهم إذا أخطئوا، فهذا أبو بكر ﵁ يقول في خطبته المشهورة: (أيها الناس إنما أنا متبع، ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوِّموني) (٢).\nوقال ﵁: (إني قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوِّموني) (٣).\nوهذا عمر ﵁ يقول فيما رواه سفيان بن عيينة عنه: (وأحب الناس إليَّ من رفع إليَّ عيوبي) (٤) وكذلك بقية الخلفاء.\nكما أنه ينبغي للناصح للسلطان أن يراعي مكانته بحيث لا يخرق هيبته. يدل على ذلك حديث عياض بن غنم الأشعري ﵁ قال: قال - ﷺ -: «من كان عنده نصيحة لذي سلطان فلا يكلمه بها علانية، وليأخذ بيده فلْيخل به، فإن قَبِلَهَا، قَبِلَهَا، وإلا كان قد أدى الذي عليه والذي له» (٥).\nكما أنه يجب على الناصح أن يحذر التأنيب والتعيير (٦) والغيبة والسعاية حتى تكون خالصة لله تعالى.\nوقد كان علماء السلف رضوان الله عليهم يصدعون بقول الحق والنصح لأئمة الجور في وجوههم، وإن توقعوا أو تيقنوا الإيذاء بسبب ذلك، لا يخشون في الله لومة لائم، لأنهم يعلمون أن من قتل بسبب ذلك فهو شهيد، والشهادة أغلى أماني المؤمن المصدق بوعد الله، لذلك قدموا على ذلك موطنين أنفسهم على الهلاك ومحتملين ألوان العذاب، وصابرين عليه في ذات الله تعالى، ومحتسبين لما يبذلونه من مهجهم عند الله.\nوالأمثلة على ذلك كثيرة نأخذ منها على سبيل المثال:\n_________\n(١) [١٣٢٩٤]» رواه أحمد (٢/ ١٩٠) (٦٧٨٤)، والبزار (٦/ ٣٦٣) (٢٣٧٥)، وابن عدي (٦/ ١٢٣)، والحاكم (٤/ ١٠٨). وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي (٧/ ٢٦٥): رواه أحمد، والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد. وقال في (٧/ ٢٧٣): رواه أحمد، والبزار، والطبراني، وأحد أسانيد البزار رجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١٠/ ٣٠).\n(٢) [١٣٢٩٥]» رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ١٨٣).\n(٣) [١٣٢٩٦]» رواه ابن هشام في «السيرة النبوية» (٦/ ٨٢)، والطبري في «التاريخ» (٢/ ٢٣٧). من حديث أنس ﵁. قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ٢٤٨): رواه ابن إسحاق بإسناد صحيح.\n(٤) [١٣٢٩٧]» رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ٢٩٣).\n(٥) [١٣٢٩٨]» رواه أحمد (٣/ ٤٠٣) (١٥٣٦٩)، والحاكم (٣/ ٣٢٩)، والبيهقي (٨/ ١٦٤) (١٧١٠٣)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١٠٩٦). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٣٢): رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أني لم أجد لشريح من عياض وهشام سماعًا وإن كان تابعيا، وصححه الألباني في «تخريج كتاب السنة».\n(٦) [١٣٢٩٩]» ألّف ابن رجب الحنبلي رسالة قيمة في «الفرق بين النصيحة والتعيير» حققها نجم عبد الرحمن خلف ونشرتها المكتبة القيمة.","vol":"8","page":94},{"text":"أ- قدم هشام بن عبد الملك حاجًا إلى مكة فلما دخلها قال: ائتوني برجل من الصحابة، فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، فقال: من التابعين. فأتي بطاوس اليماني، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين، ولكن قال: السلام عليك يا هشام، ولم يكنه، وجلس بإزائه. وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبًا شديدًا حتى هم بقتله. فقيل له: أنت في حرم الله وحرم رسوله، ولا يمكن ذلك. فقال: يا طاوس ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضبًا وغيظًا. قال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تقبل يدي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني، وجلست بإزائي بغير إذني، وقلت: كيف أنت يا هشام؟ قال: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات، ولا يعاتبني ولا يغضب عليَّ، وأما قولك لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يقول: (لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة، أو ولده من رحمة). وأما قولك لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك فكرهت أن أكذب، وأما قولك لم تكنني فإن الله تعالى سمى أنبياءه وأولياءه فقال: يا يحيى يا عيسى، وكنى أعداءه فقال: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: ١] وأما قولك: جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين عليًا ﵁ يقول: (إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام) (١). فانظر إلى عزة المؤمن كيف تفعل أمام السلاطين.\nب- وروى أبو سليمان الخطابي بسنده إلى عبد الله بن بكر السهمي قال: (سمعت بعض أصحابنا قالوا: أرسل عمر بن هبيرة - وهو على العراق - إلى فقهاء من فقهاء البصرة وفقهاء من فقهاء الكوفة، وكان ممن أتاه من فقهاء البصرة الحسن، ومن أهل الكوفة الشعبي، فدخلوا عليه، فقال لهم: إن أمير المؤمنين يزيد يكتب إلي في أمور أعمل بها فما تريان؟ قال: فقال الشعبي: أصلح الله الأمير أنت مأمور والتبعة على من أمرك، فأقبل على الحسن فقال: ما تقول؟ قد قال هذا، قل أنت، قال: اتق الله يا عمر فكأنك بملك قد أتاك فاستزلك عن سريرك هذا، وأخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، إن الله تعالى ينجيك من يزيد، وإن يزيد لا ينجيك من الله سبحانه، فإياك أن تعرض لله تعالى بالمعاصي، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ثم قام فتبعه الآذن فقال: أيها الشيخ ما حملك على ما استقبلت به الأمير؟ قال: حملني عليه ما أخذ الله تعالى على العلماء في علمهم ثم تلا: وَإِذ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ ... [آل عمران: ١٨٧]) (٢).\nإلى غير ذلك من الأمثلة التي لا حصر لها. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٤٠٥\n_________\n(١) [١٣٣٠٠]» «إحياء علوم الدين» للغزالي (٢/ ١٤٦).\n(٢) [١٣٣٠١]» «العزلة» للخطابي (ص: ٩٦).","vol":"8","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2156>المبحث الرابع: حق المال</span>\nواجبات الإمام كثيرة كما سبق تستدعي التفرغ التام لتدبير شؤون الرعية، وهو كغيره من الناس في حاجة إلى المال لمأكله ومشربه وخدمه وعياله ونحو ذلك، لذلك فقد جعل الإسلام له حقًا في مال المسلمين يأخذ منه ما يكفيه ومن يعول، وقد أخذ أبو بكر وعمر ﵄ ما يكفيهما من بيت المال. فقد روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن عطاء بن السائب قال: (لما استخلف أبو بكر ﵁ أصبح غاديًا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح فقال له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق. قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالا له: انطلق حتى نفرض لك شيئًا فانطلق معهما، ففرضوا له كل يوم شطر شاة وكسوة في الرأس والبطن) (١).\nوروى البخاري وابن سعد بسنديهما عن عائشة ﵂ قالت: (لما استخلف أبو بكر الصديق قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، واحترف للمسلمين فيه) (٢).\nولما وُلي عمر بن الخطاب أمر المسلمين بعد أبي بكر مكث زمانًا لا يأكل من المال حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، وأرسل إلى أصحاب رسول الله - ﷺ - فاستشارهم في ذلك فقال: (قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي فيه؟ فقال عثمان بن عفان: كل وأطعم، قال: وقال ذلك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. وقال عمر لعلي: ما تقول أنت في ذلك؟ قال: غداء وعشاء، فأخذ عمر بذلك) (٣).\nوروى أحمد بسنده إلى عبد الله بن زرير عن علي بن أبي طالب قال: يا ابن زرير إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان، قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يضعها بين الناس» (٤).\nوروى أيضًا ابن سعد وابن أبي شيبة عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: (إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف) (٥). قلت: أشار بذلك إلى قوله تعالى: وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: ٦]. وتساءل بعض المسلمين عما يحلُّ لأمير المؤمنين من المال فقال عمر: (أنا أخبركم بما أستحل منه، يحل لي حلتان: حلة في الشتاء، وحلة في القيظ. وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بَعْدُ رجل من المسلمين يصيبني ما يصيبهم) (٦).\nمما سبق يتَّضح أن للإمام أن يأخذ من مال المسلمين راتبًا معيَّنا يَسُدُّ به حاجته ومن يعول من غير إسراف ولا تقتير، وقد أثبت النبي - ﷺ - هذا الحق لمن ولي ولاية من إمارة أو غيرها وإن كان موسرًا، فقد روى البخاري بسنده إلى حويطب بن عبد العزى أخبره «أن عبد الله بن السعدي أخبره أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أحدَّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقلت: بلى فقال عمر: ما تريد ذلك؟ قلت: إني لي أفراسًا وأعبدًا وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت فكان رسول الله - ﷺ - يعطيني العطاء فأقول أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالًا فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي - ﷺ -: خذه فتموّله وتصدق به فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك» (٧). قال الحافظ ابن حجر: قال الطبري: (في حديث عمر الدليل الواضح على أن من شُغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك) (٨). لكن عليه أن يتقي الله فيه، فإنه أمانة في يده فعليه أن يأخذ ما يكفيه بلا إسراف ولا تقتير، ولا يعبث بأموال المسلمين التي ائتمنه الله عليها. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٤١٦\n_________\n(١) [١٣٣٠٢]» رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ١٨٤)، وابن الجوزي في «صفوة الصفوة» (١/ ٢٥٧).\n(٢) [١٣٣٠٣]» رواه البخاري (٢٠٧٠)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ١٨٤).\n(٣) [١٣٣٠٤]» رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ٣٠٧).\n(٤) [١٣٣٠٥]» رواه أحمد (١/ ٧٨) (٥٧٨). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٣٤): فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٢/ ٢٦)، والألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣٦٢).\n(٥) [١٣٣٠٦]» رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٧/ ٦٢٤)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٧٦).\n(٦) [١٣٣٠٧]» رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ٢٧٥ - ٢٧٦).\n(٧) [١٣٣٠٨]» رواه البخاري (٧١٦٣).\n(٨) [١٣٣٠٩]» «فتح الباري» (١٣/ ١٥٤).","vol":"8","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2157>المبحث الخامس: مدة صلاحية الحاكم للإمامة</span>\nومن حقوق الإمام أن يبقى حاكمًا ما دام صالحًا للإمامة وليس له وقت محدد ينتهي إليه، حتى ينتهي أجله، أو تنتهي قدرته وطاقته في القيام بها، يقول الدكتور محمد الصادق عفيفي: (وللخليفة الحق في أن يحكم مدى الحياة، حتى يأمن الملق والنفاق، وحتى لا يستكين لأحد طمعًا في تجديد انتخابه مرة ثانية، والحاكم عندما ينظر يجب أن تكون نظرته شاملة، أي: ينظر إلى الشعب في مجموعه دون تفرقة بين طائفة وأخرى، وأن يعمل على أساس أنه باق مدى الحياة طال الزمن أو قصر، حتى يكون عمله خالصًا من الشبهات) (١).\nوهذا مما يخالف فيه الإسلام النظم الديمقراطية التي تحدد فترة معينة للرئيس، ثم بعدها ينتخب انتخابًا ثانيًا، وفي هذه الحالة يكون هَمُّه جمع أكبر عدد من الأصوات المرشِّحة له، فيخصّ أعضاء حزبه ومرشحيه بالمصلحة دون غيرهم من الناس لكسب رضاهم ... والله أعلم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: ٤١٩\n_________\n(١) [١٣٣١٠]» «المجتمع الإسلامي وأصول الحكم» (ص: ١٩٥).","vol":"8","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2159>المطلب الأول: أداء الصلاة خلف كل بر وفاجر</span>\nأولا: الصلاة خلف البر والفاجر\nولما كان السلطان أو الخليفة قد يصلي بالناس الجمع والأعياد وغيرها من الصلوات، لزم بيان حكم أداء هذا الركن الإسلامي، ألا وهو الصلاة خلفه إذا كان مبتدعا، سواء كان داعية أو مستترًا ببدعته لا يظهرها.\nوتفصيل الحكم في هذه المسألة يختلف باختلاف حال الحاكم المبتدع من كونه داعية أو غير داعية، ويختلف أيضًا باختلاف حال المأموم من الرعية، من كونه يجد من يصلي خلفه تلك الصلاة غير السلطان، أو غير واجد إلا الصلاة خلف الحاكم المتلبس ببدعة.\nولإيضاح ذلك أقول: إن كان الحاكم المبتدع داعيًا إلى بدعته، ولم يمكن إقامة الجمع والأعياد والجماعات إلا خلفه، وهذا يكون غالبًا إذا كان الخليفة هو المتولي لأمر الصلاة كما في العهد السابق، فإن الصلاة خلفه في هذه الحال صحيحة مجزئة عند عامة أهل السنة من السلف والخلف، بل قد عد عدد من أهل العلم تاركها في هذه الحال مبتدعًا، وذلك لأن هذه الصلاة من شعائر الإسلام الظاهرة، وتليها الأئمة دون غيرهم فتركها خلفهم يفضي إلى تركها بالكلية.\nومما يدل على ذلك ما جاء عن صحابة رسول الله ﷺ، والتابعين لهم، ومن جاء بعدهم من سلف هذه الأمة، ومن ذلك:\nما جاء عن عبيد الله بن عدي ﵁ أنه دخل على عثمان بن عفان ﵁ وهو محصور، فقال: إنك إمام عامة ونزل بك ما نرى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرج، فقال: (الصلاة أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم) (١).\nوقد بوب الإمام البخاري ﵀ على هذا الأثر بقوله: (باب إمامة المفتون والمبتدع) (٢).\nفأمر عثمان ﵁ بالصلاة مع إمام الفتنة، والمقصود به هنا كنانة بن بشر وهو أحد رؤوس الخوارج الذين حاصروا عثمان ﵁ كما رجح ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ (٣).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: (وفي هذا الأثر الحض على شهود الجماعة، ولاسيما في زمن الفتنة؛ لئلا يزداد تفرق الكلمة، وفيه أن الصلاة خلف من تكره الصلاة خلفه أولى من تعطيل الصلاة) (٤).\nوعن سوار بن شبيب أنه قال: حج نجدة الحروري في أصحابه فوادع ابن الزبير، فصلى هذا بالناس يومًا وليلة، وهذا بالناس يومًا وليلة، فصلى ابن عمر خلفهما فاعترضه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن أتصلي خلف نجدة الحروري؟ فقال ابن عمر: (إذا نادوا حي على خير العمل أجبنا، وإذا نادوا إلى قتل نفس قلنا: لا، ورفع بها صوته) (٥).\nوجاء عن ابن عمر ﵄ (أنه قيل له زمن ابن الزبير والخوارج والخشبية: أتصلي مع هؤلاء ومع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضًا؟ فقال: من قال: حي على الصلاة. أجبته، ومن قال: حي على الفلاح. أجبته، ومن قال: حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله. قلت: لا) (٦).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن يوسف، وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد وكان متهمًا بالإلحاد وداعيًا إلى الضلال) (٧).\nوسار التابعون ومن تبعهم بإحسان من أئمة السلف على هذا، فقرروه قولًا وفعلًا، فمن ذلك:\n_________\n(١) [١٣٣١١]» رواه البخاري (٦٩٥). من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار ﵁.\n(٢) «صحيح البخاري» (٢/ ١٨٨، مع الفتح).\n(٣) انظر: «فتح الباري» (٢/ ١٨٩).\n(٤) «فتح الباري» (٢/ ١٩٠).\n(٥) رواه ابن أبي زمنين في «أصول السنة» (ص: ٢٨٤) برقم (٢٠٩).\n(٦) رواه البيهقي في «السنن) (٣/ ١٢٢) (٥٠٨٨).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٢٨١).","vol":"8","page":98},{"text":"ما جاء عن الأعمش ﵀ أنه قال: (كان كبار أصحاب عبد الله –يعني ابن مسعود- يصلون الجمعة مع المختار ويحتسبون بها) (١).\nوقد كان أبو وائل ﵀ يصلي الجمعة مع المختار بن أبي عبيد (٢).\nوعن الحسن ﵀ أنه سئل عن الصلاة خلف صاحب البدعة، فقال الحسن: (صل خلفه، وعليه بدعته).\nوعن الحكم بن عطية ﵀ أنه قال: سألت الحسن وقلت: رجل من الخوارج يؤمنا، أنصلي خلفه؟ قال: (نعم، قد أم الناس من هو شر منه) (٣).\nوعن ابن وضاح ﵀: قال: سألت الحارث بن مسكين: هل ندع الصلاة خلف أهل البدع؟ فقال: (أما الجمعة خاصة فلا، وأما غيرها من الصلاة فنعم) (٤).\nوقال ابن وضاح أيضًا: سألت يوسف بن عدي عن تفسير حديث النبي ﷺ: «صلوا خلف كل بر وفاجر»، قال: (الجمعة خاصة)، قلت: وإن كان الإمام صاحب بدعة، قال: (نعم، وإن كان صاحب بدعة لأن الجمعة في مكان واحد ليس توجد في غيره) (٥).\nوقال سفيان الثوري ﵀ في وصيته لشعيب بن حرب: (يا شعيب، لا ينفعك ما كتبت، حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر). قال شعيب لسفيان: يا أبا عبد الله الصلاة كلها؟ قال: (لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير، لا تصل إلا خلف من تثق به، وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة ...) (٦).\nوهكذا سار أهل العلم على تقرير ذلك، وأن الصلاة خلف أهل البدع من الولاة جائزة وصحيحة، لا يجوز إعادتها؛ إن لم يكن هناك من أهل العدل من يمكن الصلاة خلفه، لهذا خص بعض من تقدم ذلك بصلاة الجمعة؛ وذلك لأن صلاة الجمعة لا يمكن إقامتها إلا خلف الولاة، أما بقية الصلوات فإنها يمكن أن تصلى خلف سني عادل، أو من يوثق به.\nأما أقوال محققي أهل العلم في ذلك، فقد قال ابن قدامة ﵀ (فأما الجمع والأعياد فإنها تصلى خلف كل بر وفاجر، وقد كان أحمد يشهدها مع المعتزلة، وكذلك العلماء الذين في عصره، ... ولأن هذه الصلاة من شعائر الإسلام الظاهرة، وتليها الأئمة دون غيرهم، فتركها خلفهم يفضي إلى تركها بالكلية) (٧).\nوقال النووي ﵀: (وكذا تكره –أي الصلاة- وراء المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، وتصح، فإن كفر ببدعته فقد قدمنا أنه لا تصح الصلاة وراءه كسائر الكفار، ونص الشافعي في المختصر على كراهة الصلاة خلف الفاسق والمبتدع، فإن فعلها صحت) (٨).\nوهذه الكراهة إما هي إن أمكن الصلاة خلف غيره من أهل العدل كما هو مقرر عند الشافعية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى، فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة أهل السنة، بلا خلاف عندهم) (٩).\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٤٧٥) برقم (٥٤٩٧)، وابن أبي زمنين في «أصول السنة» (ص: ٢٨٤) برقم (٢١٠).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٤٧٥) برقم (٥٤٩٧)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٢/ ٣٨٦) برقم (٣٧٩٨).\n(٣) روه ابن أبي زمنين في «أصول السنة» (ص: ٢٨٤) برقم (٢١١).\n(٤) روه ابن أبي زمنين في «أصول السنة» (ص: ٢٨٤) برقم (٢١٢).\n(٥) روه ابن أبي زمنين في «أصول السنة» (ص: ٢٨٤) برقم (٢١٢).\n(٦) رواه اللالكائي في «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ١٥٤).\n(٧) «المغني» (٣/ ٢٢).\n(٨) «المجموع» (٤/ ١٥٠).\n(٩) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٢٨٠).","vol":"8","page":99},{"text":"وقال أيضًا: (وأما الصلاة خلف المبتدع فهذه المسألة فيها نزاع وتفصيل، فإذا لم تجد إمامًا غيره كالجمعة التي لا تقام إلا بمكان واحد، وكالعيدين وكصلوات الحج خلف إمام الموسم، فهذه كلها تفعل خلف كل بر وفاجر باتفاق أهل السنة والجماعة) (١).\nفظهر من ذلك أن الأئمة لا يختلفون في جواز الصلاة خلف أئمة البدع الدعاة إلى بدعهم، إن لم يكن إقامتها خلف غيرهم من أهل السنة.\nوأما إن أمكنه أن يصلي خلف إمام من أهل العدل، ومع ذلك صلى خلف الحاكم المبتدع، فهنا حصل النزاع بين العلماء في صحة صلاته، مع اتفاقهم على كراهية ذلك.\nولهم في ذلك قولان:\nالقول الأول: أن الصلاة صحيحة ولكنها مكروهة، وهذا مذهب أبي حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وهو أحد القولين في مذهب مالك (٤) وأحمد (٥)، وعليه عامة أهل العلم وجمهور أصحاب الأئمة الأربعة (٦).\nوالقول الثاني: أن الصلاة لا تصح ويجب على المصلي خلف الولاة المبتدعة أن يعيد صلاته، وهو الرواية الأخرى عن مالك (٧) وأحمد (٨) – رحم الله الجميع – وهذه الرواية هي المذهب عند الحنابلة (٩).\nوالقول الأول (هو الصحيح – إن شاء الله – فبالإضافة إلى أنه قول عامة السلف فهو الذي تقتضيه أصول الشريعة وقواعد الدين. فإن الحكم ببطلان عمل ما مما شرعه الله لعباده لا يكون إلا بانخرام أحد شروط الصحة المقررة لقبوله في الشرع) (١٠).\nأما إن كان الحاكم يخفي بدعته ويسر بها، فإن لم يمكن أداء الصلاة إلا خلفه كالجمع والجماعات، فمن باب أولى أن الصلاة خلفه صحيحة، وأن معيدها بعد أن صلاها خلفه معدود من أهل البدع، وذلك لأن المستتر أخف من المعلن ببدعته فلما صحت هناك كان من الأولى أن تصح هنا.\nأما إن أمكن أن تصلى خلف غيره من أهل العدل، فإن الصلاة خلف أهل العدل أولى من الصلاة خلف الحاكم المبتدع المسر ببدعته، مع صحتها خلف الحاكم المبتدع المسر ببدعته، فالحكم بصحة الصلاة هنا أولى من الحكم بصحة الصلاة خلف المعلن ببدعته.\nقال ابن قدامة ﵀: (فإن كان ممن يخفي بدعته وفسوقه صحت الصلاة خلفه) (١١).\nلكن ينبغي التنبيه على أن الصلاة لا تترك خلف المبتدع المسر ببدعته غير المعلن لها إنكارًا عليه، لأن الإنكار يكون على من أظهر البدعة، أما المسر بها الساكت عنها، لا ينكر عليه في الظاهر بل يناصح سرًا.\nوفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور، ففيه نزاع مشهور وتفصيل ليس هذا موضع بسطه.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٥).\n(٢) انظر: «فتح القدير» لابن الهمام (١/ ٣٠٤)، و«الكفاية» للمرغيناني (١/ ٣٠٥)، و«مجمع الأنهر» لداماد أفندي (١/ ١٠٨).\n(٣) انظر: «المجموع» للنووي (١/ ١٥٠ - ١٥١)، و«الحاوي» للماوردي (٢/ ٣٢٨).\n(٤) انظر: «الفواكه الدواني» للنفراوي (١/ ٢٣٩)، و«المعيار المعرب» للونشريسي (٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩).\n(٥) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ٢٢)، و«الإنصاف» للمرداوي (٢/ ٢٥٣).\n(٦) انظر: «المعيار المعرب» للونشريسي (٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩)، و«مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (٣/ ٢٨٠).\n(٧) انظر: تفسير القرطبي (١/ ٣٥٦)، و«الجامع» لابن أبي زيد القيرواني (ص: ١٤٨)، و«المعيار المعرب» للونشريسي (٢/ ٣٣٨).\n(٨) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ٢٢)، و«الإنصاف» للمرداوي (٢/ ٢٥٣).\n(٩) كما حكاه المرداوي في «الإنصاف» (٢/ ٢٥٢).\n(١٠) «موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع» للشيخ الدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي (١/ ٣٦٤).\n(١١) «المغني» (٣/ ٢٣).","vol":"8","page":100},{"text":"ولكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة، لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهرًا للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته، ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية، فإن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا ينكر عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلن فلم تنكر ضرت العامة، ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم، وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى بخلاف من أظهر الكفر) (١).\nوبما سبق تقريره ونقله من آثار وأقوال الصحابة والتابعين ومن تبعهم من الأئمة المحققين، يظهر لنا الموقف الصحيح للرعية تجاه حكامهم إذا ما اقترفوا شيئًا من البدع مع بيان حكم الصلاة خلفهم. ضوابط معاملة الحاكم عند أهل السنة والجماعة وأثرها على الأمة لخالد ضحوي الظفيري ٢/ ٤٤٣\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى -:\nفإذا كان داعية -أي إلى البدع- منع من ولايته وإمامته وشهادته وروايته لما في ذلك من النهي عن المنكر لا لأجل فساد الصلاة أو اتهامه في شهادته وروايته فإذا أمكن لإنسان ألا يقدم مظهرا للمنكر في الإمامة وجب ذلك. لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشر أعظم ضررا من ضرر ما أظهره من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعا ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعا. فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته لم يجز ذلك بل يصلى خلفه ما لا يمكنه فعلها إلا خلفه كالجمع والأعياد والجماعة. إذا لم يكن هناك إمام غيره ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج (٢) والمختار بن أبي عبيد الثقفي (٣) وغيرهما الجمعة والجماعة فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فسادا من الاقتداء فيهما بإمام فاجر لا سيما إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. ولهذا كان التاركون للجمعة والجماعات خلف أئمة الجور مطلقا معدودين عند السلف والأئمة من أهل البدع (٤). وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهو أولى من فعلها خلف الفاجر. وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد للعلماء. منهم من قال: أنه يعيد لأنه فعل ما لا يشرع بحيث ترك ما يجب عليه من الإنكار بصلاته خلف هذا فكانت صلاته خلفه منهيا عنها فيعيدها. ومنهم من قال: لا يعيد. قال: لأن الصلاة في نفسها صحيحة وما ذكر من ترك الإنكار هو أمر منفصل عن الصلاة وهو يشبه البيع بعد نداء الجمعة. وأما إذا لم يمكنه الصلاة إلا خلفه كالجمعة فهنا لا تعاد الصلاة وإعادتها من فعل أهل البدع وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه إذا قيل: إن الصلاة خلف الفاسق لا تصح أعيدت الجمعة خلفه وإلا لم تعد وليس كذلك. بل النزاع في الإعادة حيث ينهى الرجل عن الصلاة. فأما إذا أمر بالصلاة خلفه فالصحيح هنا أنه لا إعادة عليه لما تقدم من أن العبد لم يؤمر بالصلاة مرتين.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٤٢).\n(٢) [١٣٣٣٩]» رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٤٠). وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (٥٢٥).\n(٣) [١٣٣٤٠]» رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٥).\n(٤) [١٣٣٤١]» «المجموع» (٤/ ٢٥١)، «المغني» (٢/ ١٤٩).","vol":"8","page":101},{"text":"وأما الصلاة خلف من يكفر ببدعته من أهل الأهواء فهناك قد تنازعوا في نفس صلاة الجمعة خلفه. ومن قال إنه يكفر أمر بالإعادة لأنها صلاة خلف كافر (١). مجموع الفتاوى لابن تيمية - ٢٣/ ٣٤٣ - ٣٤٥\n_________\n(١) [١٣٣٤٢]» «المحيط البرهاني» لبرهان الدين مازه (٢/ ١٠٢)، «شرح فتح القدير» للكمال بن الهمام (١/ ٣٥٠)، «البحر الرائق» لابن نجيم (١/ ٣٧٠)، «المغني» (٢/ ١٤٩)، «الإنصاف» للمرداوي (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٦)،","vol":"8","page":102},{"text":"ولو علم المأموم أن الإمام مبتدع يدعو إلى بدعته أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك. فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم (١). ولهذا قالوا في العقائد: إنه يصلي الجمعة والعيد خلف كل إمام برا كان أو فاجرا وكذلك إذا لم يكن في القرية إلا إمام واحد فإنها تصلى خلفه الجماعات فإن الصلاة في جماعة خير من صلاة الرجل وحده وإن كان الإمام فاسقا. هذا مذهب جماهير العلماء: أحمد بن حنبل والشافعي (٢) وغيرهما بل الجماعة واجبة على الأعيان في ظاهر مذهب أحمد (٣). ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند الإمام أحمد (٤). وغيره من أئمة السنة. كما ذكره في رسالة عبدوس وابن مالك والعطار. والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها فإن الصحابة كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون كما كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج (٥) وابن مسعود وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة (٦) وكان يشرب الخمر حتى أنه صلى بهم مرة الصبح أربعا ثم قال: أزيدكم؟ فقال ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة ولهذا رفعوه إلى عثمان (٧). وفي صحيح البخاري (أن عثمان ﵁ لما حصر صلى بالناس شخص فسأل سائل عثمان. فقال: إنك إمام عامة وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة. فقال: يا ابن أخي إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم) (٨). ومثل هذا كثير. والفاسق والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ومن ذلك أن من أظهر بدعة أو فجورا لا يرتب إماما للمسلمين فإنه يستحق التعزير حتى يتوب فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه. فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان فيه مصلحة ولم يفت المأموم جمعة ولا جماعة. وأما إذا كان ترك الصلاة يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفهم إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃. وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ولم يكن في ترك الصلاة خلفه مصلحة فهنا ليس عليه ترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلف الإمام الأفضل أفضل وهذا كله يكون فيمن ظهر منه فسق أو بدعة تظهر مخالفتها للكتاب والسنة كبدعة الرافضة والجهمية ونحوهم.\n_________\n(١) [١٣٣٤٣]» «المحيط البرهاني» لبرهان الدين مازه (٢/ ١٠٢)، «شرح فتح القدير» للكمال بن الهمام (١/ ٣٥٠)، «البحر الرائق» لابن نجيم (١/ ٣٧٠)، «المجموع» (٤/ ٢٥١)، «المغني» (٢/ ١٤٩)، «الإنصاف» للمرداوي (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٦)،\n(٢) [١٣٣٤٤]» «المجموع» (٤/ ٢٥١)، «المغني» (٢/ ١٤٩).\n(٣) [١٣٣٤٥]» «المغني» (٢/ ١٤٩)، «الإنصاف» (٢/ ٢٥٦).\n(٤) [١٣٣٤٦]» «المغني» (٢/ ١٤٩)، «الإنصاف» (٢/ ٢٥٦).\n(٥) [١٣٣٤٧]» رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٤٠). وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (٥٢٥).\n(٦) [١٣٣٤٨]» الحديث رواه أحمد (١/ ٤٥٠) (٤٢٩٨)، والطبراني (٩/ ٢٩٩) (٩٥٢٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣٢٩): رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٦/ ١٤٦).\n(٧) [١٣٣٤٩]» رواه بنحوه أحمد (١/ ١٤٤) (١٢٢٩)، والبيهقي (٨/ ٣١٨) (١٧٩٨٥). قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٨) [١٣٣٥٠]» رواه البخاري (٦٩٥). من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار ﵁.","vol":"8","page":103},{"text":"مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٣/ ٣٥٢ - ٣٥٥\nثانيا: الصلاة خلف المستور\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات لا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم فإن كان الإمام مستورا لم يظهر منه بدعة ولا فجور صلى خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين (١) ولم يقل أحد من الأئمة إنه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره بل ما زال المسلمون من بعد نبيهم يصلون خلف المسلم المستور ولكن إذا ظهر من المصلي بدعة أو فجور وأمكن الصلاة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره فأكثر أهل العلم يصححون صلاة المأموم وهذا مذهب الشافعي (٢) وأبي حنيفة (٣) وهو أحد القولين في مذهب مالك (٤) وأحمد (٥). وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة أهل السنة بلا خلاف عندهم (٦). وكان بعض الناس إذا كثرت الأهواء يحب أن لا يصلي إلا خلف من يعرفه على سبيل الاستحباب كما نقل ذلك عن أحمد أنه ذكر ذلك لمن سأله. ولم يقل أحمد إنه لا تصح إلا خلف من أعرف حاله.\nولما قدم أبو عمرو عثمان بن مرزوق إلى ديار مصر وكان ملوكها في ذلك الزمان مظهرين للتشيع وكانوا باطنية ملاحدة وكان بسبب ذلك قد كثرت البدع وظهرت بالديار المصرية - أمر أصحابه أن لا يصلوا إلا خلف من يعرفونه لأجل ذلك ثم بعد موته فتحها ملوك السنة مثل صلاح الدين وظهرت فيها كلمة السنة المخالفة للرافضة ثم صار العلم والسنة يكثر بها ويظهر. فالصلاة خلف المستور جائزة باتفاق علماء المسلمين ومن قال إن الصلاة محرمة أو باطلة خلف من لا يعرف حاله فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة (٧)، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره كما صلى عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط (٨) وكان قد يشرب الخمر وصلى مرة الصبح أربعًا وجلده عثمان بن عفان على ذلك (٩). وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن يوسف (١٠). وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد (١١) وكان متهمًا بالإلحاد وداعيا إلى الضلال. مجموع الفتاوى لابن تيمية - ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١\nوقال: ويجوز للرجل أن يصلي الصلوات الخمس والجمعة وغير ذلك خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين. وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ولا أن يمتحنه فيقول: ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف مستور الحال. مجموع الفتاوى لابن تيمية - ٢٣/ ٣٥١\n_________\n(١) [١٣٣٥١]» «المجموع» (٤/ ٢٥١)، «المغني» (٢/ ١٤٩).\n(٢) [١٣٣٥٢]» «روضة الطالبين» للنووي (١/ ٤٥٩)، «المجموع» للنووي (٤/ ٢٥١ - ٢٥٤)، «أسنى المطالب» لأبي يحيى زكريا الأنصاري (١/ ٢١٩)، «مغني المحتاج» للشربيني الخطيب (١/ ٢٤٢).\n(٣) [١٣٣٥٣]» «بدائع الصنائع» للكاساني (١/ ١٥٧)، «شرح فتح القدير» للكمال بن الهمام (١/ ٣٥٠)، «البحر الرائق» لابن نجيم (١/ ٣٧٠).\n(٤) [١٣٣٥٤]» «الذخيرة» للقرافي (٢/ ٢٤٠)، «التاج والإكليل» للمواق (٢/ ١٢٩)، «الفواكه الدواني» للنفراوي (١/ ٥١٥).\n(٥) [١٣٣٥٥]» «المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٢)، «الفروع» لابن مفلح (٢/ ١٣)، «الإنصاف» للمرداوي (٢/ ٢٥٣)، «كشاف القناع» للبهوتي (١/ ٢٩٦).\n(٦) [١٣٣٥٦]» «المحيط البرهاني» لبرهان الدين مازه (٢/ ١٠٢)، «شرح فتح القدير» للكمال بن الهمام (١/ ٣٥٠)، «البحر الرائق» لابن نجيم (١/ ٣٧٠)، «المجموع» (٤/ ٢٥١)، «المغني» (٢/ ١٤٩)، «الإنصاف» للمرداوي (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٦)،\n(٧) [١٣٣٥٧]» «المجموع» (٤/ ٢٥١)، «المغني» (٢/ ١٤٩).\n(٨) [١٣٣٥٨]» الحديث رواه أحمد (١/ ٤٥٠) (٤٢٩٨)، والطبراني (٩/ ٢٩٩) (٩٥٢٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣٢٩): رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٦/ ١٤٦).\n(٩) [١٣٣٥٩]» رواه أحمد (١/ ١٤٤) (١٢٢٩)، والبيهقي (٨/ ٣١٨) (١٧٩٨٥). قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(١٠) [١٣٣٦٠]» رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٤٠). وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (٥٢٥).\n(١١) [١٣٣٦١]» رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٥).","vol":"8","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2160>المطلب الثاني: الجهاد معه</span>\nأما عن حكم الجهاد معهم وتحت لوائهم ورايتهم، فقد نص أهل العلم على أن الجهاد يكون مع كل بر وفاجر، وسيأتي نقل أقوالهم في ذلك تحت الحديث عن حكم الجهاد مع الحاكم الفاسق، والبدع من أنواع الفسق والفجور التي لا تمنع الرعية من إقامة الجهاد خلف حكامهم إن كانوا متلبسين بذلك.\nومن آثار السلف في ذلك ما جاء عن الإمام أحمد ﵀ أنه كان يحث على الجهاد أيام المأمون والمعتصم في قتال بابك الخرمي.\nومن ذلك كتاب الإمام أحمد إلى علي بن المديني، ونصه: (إلى أبي الحسن علي بن عبد الله من أحمد بن محمد:\nسلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد:\nأحسن الله إليك في الأمور كلها، وسلمك وإيانا من كل سوء برحمته، كتبت إليك وأنا ومن أعنى به في نعم من الله متظاهرة، أسأله العون على أداء شكر ذلك فإنه ولي كل نعمة، كتبت إليك –رحمك الله- في أمر لعله أن يكون قد بلغك من أمر هذا الخرمي، الذي قد ركب الإسلام بما قد ركبه به، من قتل الذرية وغير ذلك وانتهاك المحارم وسبي النساء وكلمني في الكتاب إليك بعض إخوانك، رجاء منفعة ذلك عند من يحضرك ممن له نية في النهوض إلى أهل أردبيل، والذب عنهم وعن حريمهم ممن ترى أنه يقبل منك، فإن رأيت –رحمك الله- لمن حضرك ممن ترى أنه يقبل منك ذلك، فإنهم على شفا هلكة وضيعة وخوف من هذا العدو المظل، كفاك الله وإيانا كل مهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» (١).\nوعن حسين الصائغ قال: لما كان من أمر بابك جعل أبو عبد الله يحرض على الخروج إليه وكتب معي كتابًا إلى أبي الوليد والي البصرة يحرضهم على الخروج إلى بابك (٢).\nفظهر أن ارتكاب الحاكم للبدعة لا يكون سببًا للتخاذل عنه وعدم نصرته والجهاد معه، لأن في ذلك خذلانًا للمسلمين وقد يكون سببًا لنصر أعداء الله عليهم خاصة إن كانوا في مواجهة الكفار.\nلكن ينبه هنا على أن الجهاد أو القتال الذي لا يترك مع الخليفة المبتدع هو الجهاد الشرعي الذي نص أهل العلم على أنه جهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، ويدخل في ذلك قتال الخوارج والبغاة مع الإمام، أما القتال في الفتنة فإن هذا مما يحرم متابعة الإمام فيه، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ضوابط معاملة الحاكم عند أهل السنة والجماعة وأثرها على الأمة لخالد ضحوي الظفيري ٢/ ٤٥٢\n_________\n(١) رواه الخلال في «السنة» (١/ ١٤٧ - ١٤٨) برم (١١٥).\n(٢) رواه الخلال في «السنة» (١/ ١٤٨) برم (١١٧).","vol":"8","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2161>المطلب الثالث: الحج معه</span>\nكان السلف الصالح – ﵏- لا يتوقفون عن الحج، مهما كان اعتقاد الخليفة ما دام مسلمًا، ولم يرد عن أحد من السلف أنه توقف عن الحج بسبب ابتداع الخليفة أو فسقه.\nقال زهير بن عباد –﵀-: (كان من أدركت من المشايخ، مالك، وسفيان، والفضيل بن عياض، وابن المبارك، ووكيع، وغيرهم، كانوا يحجون مع كل خليفة) (١).\nوقال الإمام ابن بطة ﵀: (وقد أجمعت العلماء من أهل الفقه والعلم والنساك والعباد والزهاد من أول هذه الأمة إلى وقتنا هذا: أن صلاة الجمعة والعيدين ومنى وعرفات والغزو والجهاد والهدي مع كل أمير بر أو فاجر، وإعطاءهم الخراج والصدقات والأعشار جائز، والصلاة في المساجد التي بنوها والمشي على القناطر والجسور التي عقدوها والبيع والشراء، وسائر التجارة والزراعة والصنائع كلها في كل عصر ومع كل أمير جائر على حكم الكتاب والسنة» (٢).\nوقال ابن أبي زمنين: (ومن قول أهل السنة: أن الحج، والجهاد مع كل بر وفاجر، من السنة والحق) (٣).\nوقال ابن بطال – ﵀-: (وإن كان غير عدل؛ فالواجب عند العلماء من أهل السنة ترك الخروج عليه وأن يقيموا معه الحدود: الصلوات، والحج، وتؤدى إليه الزكوات) (٤).\nوكذلك أداء الزكاة فهو –أيضا- من حقوق الولاة، وإن كانوا مبتدعة. ضوابط معاملة الحاكم عند أهل السنة والجماعة وأثرها على الأمة لخالد ضحوي الظفيري ٢/ ٤٥٤\n_________\n(١) رواه ابن أبي زمنين في «أصول السنة» (ص: ٢٨٨).\n(٢) «الشرح والإبانة» (ص: ٢٧٦ - ٢٨٠).\n(٣) «أصول السنة» (ص: ٢٨٨).\n(٤) «شرح صحيح البخاري» (٥/ ١٢٨).","vol":"8","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2163>المبحث الأول: مسببات العزل</span>\nمن المتفق عليه بين العلماء أن الإمام ما دام قائما بواجباته الملقاة على عاتقه، مالكا القدرة على الاستمرار في تدبير شؤون رعيته، عادلًا بينهم فإنه لا يجوز عزله ولا الخروج عليه، بل ذلك مما حذر منه الإسلام وتوعد الغادر بعذاب أليم يوم القيامة، كما أن الأخطاء اليسيرة، لا تجوِّز عزل الإمام، لأن الكمال لله وحده والمعصوم من عصمه الله، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، لكن هناك أمور عظيمة لها تأثير على حيات المسلمين الدينية والدنيوية، منها ما يؤدي إلى ضرورة عزل الإمام المرتكب لها، وهذه الأمور منها: ما هو متفق عليه بين العلماء. ومنها: ما هو مختلف فيه. والآن نستعرض هذه الأسباب لنرى آراء العلماء فيها:\nالأول: الكفر والردَّة بعد الإسلام:\nأول الأمور وأعظم الأسباب الموجبة لعزل الوالي وخلعه عن تدبير أوامر المسلمين هو الردة والكفر بعد الإيمان، فإذا ما ارتكب الإمام جرمًا عظيمًا يؤدي إلى الكفر والارتداد عن الدين فإنه ينعزل بذلك عن تدبير أمر المسلمين، ولا يكون له ولاية على مسلم بحال، قال تعالى: وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١] وأي سبيل أعظم من سبيل الإمامة؟ وفي الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: «بايعنا – أي: رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» (١).\nقال الخطابي: (معنى بواحًا يريد ظاهرًا باديًا من قولهم باح بالشيء يبوح بوحًا وبواحًا إذا أذاعه وأظهره) (٢) «وعندكم من الله فيه برهان» قال الحافظ ابن حجر: (أي: نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل) (٣). وقال النووي: (المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولاياتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام) (٤).\nومن مفهوم هذا الحديث أنه لا يشترط أن يعلن هذا الحاكم الردة عن الإسلام أو الكفر، بل يكفي إظهاره لبعض المظاهر الموجبة للكفر قال الكشميري: (ودل - أي هذا الحديث - أيضًا على هذا أن أهل القبلة يجوز تكفيرهم وإن لم يخرجوا عن القبلة، وأنه قد يلزم الكفر بلا التزام وبدون أن يريد تبديل الملة، وإلا لم يحتج الرائي إلى برهان) (٥).\nفظاهر الحديث أن من طرأ عليه الكفر فإنه يجب عزله، وهذا أهون ما يجب على الأمة نحوه، إذ الواجب أن يقاتل ويباح دمه بسبب ردته امتثالًا لقوله - ﷺ - في الحديث الذي رواه ابن عباس: «من بدل دينه فاقتلوه» (٦).\n... وأن الكافر لا ولاية له على المسلم بحال وهذا السبب في عزل الإمام محل اتفاق بين العلماء، ومجمع عليه عندهم، قال أبو يعلى: (إن حدث منه ما يقدح في دينه، نظرت فإن كفر بعد إيمانه فقد خرج عن الإمامة، وهذا لا إشكال فيه لأنه قد خرج عن الملة ووجب قتله) (٧).\n_________\n(١) [١٣٣٦٨]» رواه البخاري (٧٠٥٥)، ومسلم (١٨٤٠).\n(٢) [١٣٣٦٩]» «فتح الباري» (١٣/ ٨).\n(٣) [١٣٣٧٠]» «فتح الباري» (١٣/ ٥).\n(٤) [١٣٣٧١]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٢٩).\n(٥) [١٣٣٧٢]» «إكفار الملحدين» للكشميري (ص: ٢٢).\n(٦) [١٣٣٧٣]» رواه البخاري (٣٠١٧).\n(٧) [١٣٣٧٤]» «المعتمد في أصول الدين» (ص: ٢٤٣).","vol":"8","page":107},{"text":"وقال القاضي عياض: (أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر) (١). وقال الحافظ ابن حجر: (أنه - أي الإمام - ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض) (٢).\nوقال السفاقسي: (أجمعوا على أن الخليفة إذا دعا إلى كفر أو بدعة يثار عليه) (٣).\nالثاني: ترك الصلاة والدعوة إليها:\nكما أن من الأسباب الموجبة لعزل الإمام ترك الصلاة والدعوة إليها، إما جحودًا فهذا كفر ويدخل في السبب الآنف الذكر، وإما تهاونًا وكسلًا فعلى رأي بعض العلماء أنه معصية وكبيرة من الكبائر، وعلى الرأي الآخر أنه كفر ... فعلى أي الحالين يجب عزل الإمام الذي يترك الصلاة عملًا بالأحاديث الواردة في ذلك والتي نهت عن منابذة أئمة الجور ونقض بيعتهم وعن مقاتلتهم بشرط إقامتهم الصلاة ومن الأحاديث:\n١ - ما رواه مسلم عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قال: قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة ...» الحديث (٤). ومن مفهوم الحديث أنه متى تركوا إقامة الصلاة فإنهم ينابذون، والمنابذة هي المدافعة والمخاصمة والمقاتلة.\n٢ - كما يدل على ذلك أيضًا الحديث الذي رواه مسلم وغيره عن أم سلمة ﵂ قالت: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا» (٥).\nوهذا الحديث فيه التصريح بمقاتلة الأمراء الذين لا يصلون، ومعلوم أن المقاتلة هي آخر وسيلة من وسائل العزل ...\nالثالث: ترك الحكم بما أنزل الله:\nوهذا السبب أيضًا كالذي قبله تستوي فيه الصور من الحكم بغير ما أنزل الله المخرجة لفاعلها من الإسلام، وكذلك الصور التي لا تخرجه من الملة ...\nوالذي يدل على أن هذا السبب موجب لعزل الإمام بجميع صوره المكفرة والمفسقة هو ورودها مطلقة في الأحاديث النبوية الصحيحة الآتية:\n١ - عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله» (٦).\n_________\n(١) [١٣٣٧٥]» «شرح صحيح مسلم) للنووي (١٢/ ٢٢٩).\n(٢) [١٣٣٧٦]» «فتح الباري» (١٣/ ١٢٣).\n(٣) [١٣٣٧٧]» «إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري» (١٠/ ٢١٧).\n(٤) [١٣٣٧٨]» رواه مسلم (١٨٥٥).\n(٥) [١٣٣٧٩]» رواه مسلم (١٨٥٤).\n(٦) رواه البخاري (٧١٤٢).","vol":"8","page":108},{"text":"٢ - وعن أم الحصين الأحمسية رضي الله تعالى عنها قالت: «حججت مع رسول الله - ﷺ - حجة الوداع ... إلى أن قالت: ثم سمعته يقول: إن أمر عليكم عبد مجدع - حسبتها قالت: أسود - يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا» (١). وفي رواية: الترمذي والنسائي سمعته يقول: «يا أيها الناس اتقوا الله وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله» (٢).\nفهذه الأحاديث واضحة الدلالة على أنه يشترط للسمع والطاعة أن يقود الإمام رعيته بكتاب الله. أما إذا لم يحكم فيهم شرع الله فهذا لا سمع له ولا طاعة وهذا يقتضي عزله، وهذا في صور الحكم بغير ما أنزل الله المفسقة، أما المكفرة فهي توجب عزله ولو بالمقاتلة ...\nالرابع: الفسق والظلم والبدعة:\nمن المتفق عليه بين العلماء أن الإمامة لا تعقد لفاسق ابتداء. قال القرطبي: (لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق (٣) ... لكن لو انعقدت الإمامة لعادل ثم طرأ عليه الفسق فما الحكم؟ هنا حصل الخلاف بين العلماء فمنهم من قال يستحق العزل وتنتقض بيعته، ومنهم من قال باستدامة العقد ما لم يصل به الفسق إلى ترك الصلاة أو الكفر، وفصَّل آخرون القول في ذلك على ما سيأتي:\n١ - القائلون بالعزل مطلقًا:\nوهؤلاء يرون أن طروء الفسق كأصالته في إبطال العقد وذلك لانتفاء الغرض المقصود أصلًا من الإمامة، ونسب القرطبي هذا القول للجمهور فقال: (قال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته، ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم، لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق، وحفظ أموال الأيتام والمجانين، والنظر في أمورهم، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها ...).\nقال: (فلو جوزنا أن يكون فاسق أدى إلى إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله) (٤).\nونسب الزبيدي هذا القول إلى الشافعي في القديم (٥)، وإليه ذهب بعض أصحابه) (٦) وهو المشهور عن أبي حنيفة.\nوهو مذهب المعتزلة والخوارج، أما المعتزلة فقد قال عنهم القاضي عبد الجبار: (فأما الأحداث التي يخرج بها من كونه إمامًا فظهور الفسق سواء بلغ حد الكفر أو لم يبلغ لأن ذلك يقدح في عدالته) قال: (... لا فرق بين الفسق بالتأويل، وبين الفسق بأفعال الجوارح في هذا الباب عند مشايخنا ... وهذا مما لا خلاف فيه، لأنهم أجمعوا أنه يهتك بالفجور وغيره (وكذا) أنه لا يبقى على إمامته) (٧).\nوأما الخوارج فإنهم لما كانوا يقولون بأن الفسق يخرج مرتكبه من الإيمان قالوا بانعزال الإمام إذا فسق لأنه حينئذ ليس مؤمنًا - على مذهبهم - وغير المؤمن لا يصلح أن يكون إمامًا، ومما أجمعت عليه الخوارج هو (الخروج على الأئمة) (٨).\n٢ - القائلون بعدم العزل بالفسق مطلقًا:\nوهم جمهور أهل السنة، قال القاضي عياض: (وقال جمهور أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك بل يجب وعظه وتخويفه) (٩).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢٩٨).\n(٢) [١٣٣٨٢]» رواه الترمذي (١٧٠٦)، والنسائي (٧/ ١٥٤)، وابن ماجه (٢٣٢٨)، وأحمد (٦/ ٤٠٢) (٢٧٣٠١)، والحاكم (٤/ ٢٠٦) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٣) [١٣٣٨٣]» «الجامع لأحكام القرآن» (١/ ٢٧٠).\n(٤) [١٣٣٨٤]» «الجامع لأحكام القرآن» (١/ ٢٧١).\n(٥) [١٣٣٨٥]» «إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين» (٢/ ٢٣٣).\n(٦) [١٣٣٨٦]» «مآثر الإنافة» (١/ ٧٢).\n(٧) [١٣٣٨٧]» «المغني في أبواب التوحيد والعدل» (٢٠/ ١٧٠) ق ٢.\n(٨) [١٣٣٨٨]» «الفرق بين الفرق» (ص: ٧٣).\n(٩) [١٣٣٨٩]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٢٩).","vol":"8","page":109},{"text":"وقال النووي: (إن الإمام لا ينعزل بالفسق على الصحيح) (١) وقال أبو يعلى في المعتمد: (ذكر شيخنا أبو عبد الله في كتابه عن أصحابنا أنه لا ينخلع بذلك، أي بفسق الأفعال كأخذ الأموال وضرب الأبشار، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته في شيء مما يدعو إليه من معاصي الله تعالى) (٢).\nوذهب في كتابه (الأحكام السلطانية) إلى أن الفسق (لا يمنع من استدامة الإمامة سواء كان متعلقًا بأفعال الجوارح وهو ارتكاب المحظورات وإقدامه على المنكرات إتباعًا لشهوة، أو كان متعلقًا بالاعتقاد وهو: المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحق) (٣).\nثم استدل على ما ذهب إليه بكلام الإمام أحمد في المنع من الخروج على الأئمة لما في ذلك من إحياء الفتنة، وبالأحاديث الآمرة بالصبر على جور الأئمة ...\nلكن مما ينبغي التنبيه إليه في هذا المقام هو أن المراد هنا هل الفسق يجعله مستحقًا للعزل أم لا؟ ... علمًا بأن هناك طرقًا للعزل غير السيف، ... وليس كل من استحق العزل يعزل، وإنما ينظر إلى ما سيترتب على هذا العزل، فإن ترتب عليه فتنة أكبر لم يجز العزل والخروج عليه. كما لا يجوز إنكار المنكر بمنكر أعظم منه، أما إذا أمنت الفتنة وقدر على عزله بوسيلة لا تؤدي إلى فتنة ففي هذه الحال يقوم أهل الحل والعقد بعزله لأنهم الذين أبرموا معه عقد الإمامة، فهم الذين يملكون نقضه.\n(٣) ومنهم من فصل في ذلك:\nوهذا التفصيل من جهتين: من جهة ماهية الفسق، ومن جهة زمان العزل.\nأ- فأما ما يتعلق بماهية الفسق: فقد ذكر الماوردي الشافعي أن الفسق المانع لعقد الإمامة واستدامتها على ضربين:\nأحدهما: ما تابع فيه الشهوة. وهو: فسق الجوارح، وهو: ارتكابه المحظورات، وإقدامه على المنكرات، تحكيمًا للشهوة وانقيادًا للهوى. قال: (فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها) (٤).\nالثاني منهما: متعلق بالاعتقاد والمتأول لشبهة تعترض فيتأول لها خلاف الحق، فقد اختلف العلماء فيها (فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ويخرج بحدوثه منها ... وقال كثير من علماء البصرة: إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج به منها، كما لا يمنع ولاية القضاء وجواز الشهادة) (٥).\nب- أما ما يتعلق بزمان العزل ففيها ثلاثة أوجه وهي كالتالي:\nأحدها: ينخلع بنفس الفسق ... كما لو مات.\nوالثاني: لا ينخلع حتى يحكم بخلعه، كما إذا فك عنه الحجر ثم صار مبذرًا، فإنه لا يصح أن يصير محجورًا عليه إلا بالحكم.\nوالثالث: إن أمكن استتابته وتقويم اعوجاجه لم يخلع وإن لم يمكن ذلك خلع (٦).\nوهذا الوجه هو الذي رجحه الجويني (٧) وذهب إليه ابن حزم الظاهري فقال: (والواجب إن وقع شيء من الجور وإن قل أن يكلم الإمام في ذلك ويمنع منه، فإن امتنع وراجع الحق وأذعن للقود من البشرة أو الأعضاء ولإقامة حد الزنا والقذف والخمر عليه فلا سبيل إلى خلعه. وهو: إمام كما كان لا يحل خلعه، فإن امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه ولم يراجع وجب خلعه وإقامة غيره ممن يقوم بالحق) (٨).\n_________\n(١) [١٣٣٩٠]» «روضة الطالبين» (١٠/ ٤٨).\n(٢) [١٣٣٩١]» «المعتمد في أصول الدين» (ص: ٢٤٣).\n(٣) [١٣٣٩٢]» «الأحكام السلطانية» (ص: ٢٠).\n(٤) [١٣٣٩٣]» «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ١٧).\n(٥) [١٣٣٩٤]» «الأحكام السلطانية» (ص: ١٧).\n(٦) [١٣٣٩٥]» انظر: «تكملة المجموع» للمطيعي (١٧/ ٥٢٠).\n(٧) [١٣٣٩٦]» «غياث الأمم» (ص: ٩٢)، وانظر: (ص: ٧٦) و(ص: ٨٨).\n(٨) [١٣٣٩٧]» «الفصل» (٤/ ١٧٦).","vol":"8","page":110},{"text":"وقد استدل القائلون بالعزل بالأدلة الدالة على اشتراطه في عقد الإمامة ابتداء ... قالوا: فكذلك هنا، ولأن الغرض من المنصب هو حماية جناب الدين ورفع الظلم وتحقيق العدل، فإذا انتفت هذه الخصال انتفى مقصود الإمامة والإمامة واجبة شرعًا كما مر فدل على أنه لا بد أن يكون الإمام عادلًا.\nواستدل المانعون بالأحاديث الصحيحة الكثيرة في الأمر بالصبر على جور الأئمة وعدم نزع اليد من الطاعة، وبما يترتب على العزل من فتن وإراقة الدماء وقد يجلب دفع هذا المنكر منكرًا أكبر منه وهذا لا يجوز ...\nالخامس: نقص التصرف:\nومن مسببات العزل أيضًا نقص التصرف، وذلك بأن يطرأ على الإمام ما يقيد تصرفاته أو يبطلها، وقد قسمه العلماء إلى حجر وقهر:\nأ- فالحجر: (هو: أن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا مجاهرة بمشاقه) (١).\nفهذا لا يقتضي عزله وخروجه من أحكام الإمامة، وإنما ينظر إلى أفعال من استولى على أموره وهي: لا تخرج عن صورتين.\n١ - إما أن تكون جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل، وفي هذه الحالة يجوز (إقراره عليها تنفيذًا لها وإمضاء لأحكامها، لئلا يقف من الأمور الدينية ما يعود بفساد على الأمة) (٢).\n٢ - وإما أن تكون أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل ففي هذه الحال (لم يجز إقراره عليها، ولزمه أن يستنصر من يقبض يده ويزيل تغلبه) (٣).\nب- أما القهر فله صورتان:\nالأولى: الأسر:\nوهو: أن يصير مأسورًا في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه، سواء كان هذا العدو مشركًا أو مسلمًا باغيًا ...\n١ - أن يكون مرجو الخلاص من هذا الأسر فهو في هذه الحال باق على إمامته، قال الماوردي: (وهو على إمامته ما كان مرجو الخلاص مأمول الفكاك إما بقتال أو بفداء) (٤) وعلى كافة الأمة استنقاذه لما أوجبته الإمامة من نصرته.\n٢ - أن يكون ميئوسًا من خلاصه، وفي هذه الحال ينظر إلى الآسر:\nأ- فإن كانوا المشركين: فعلى أهل الحل والعقد استئناف بيعة غيره على الإمامة.\nب- وإن كانوا بغاة: فلن يخلو حالهم من أمرين:\n١ - إما أن يكونوا قد نصبوا لأنفسهم إمامًا دخلوا في بيعته، وانقادوا لطاعته ففي هذه الحال يكون (الإمام المأسور في أيديهم خارجًا من الإمامة بالإياس من خلاصه، لأنهم قد انحازوا بدار تفرد حكمها عن الجماعة وخرجوا بها عن الطاعة، فلم يبق لأهل العدل بهم نصرة وللمأسور معهم قدرة، وعلى أهل الاختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوا لها فإن خلص المأسور لم يعد إلى الإمامة لخروجه منها) (٥).\n٢ - وإما أن يكونوا لم ينصبوا لهم إمامًا، بل كانوا فوضى لا إمام لهم ففي هذه الحالة يكون (الإمام المأسور في أيديهم على إمامته، لأن بيعتهم له لازمة وطاعته عليهم واجبة، فصار معهم كمصيره مع أهل العدل إذا صار تحت الحجر، وعلى أهل الاختيار أن يستنيبوا عنه ناظرًا يخلفه إن لم يقدر على الاستنابة، فإن قدر عليها كان أحق باختيار من يستنيبه منهم) (٦).\nالصورة الثانية: أن يخرج عليه من يستولي على الإمامة بالقوة:\n_________\n(١) [١٣٣٩٨]» «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ١٩)، و«الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢٢).\n(٢) [١٣٣٩٩]» «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ٢٠)، و«الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢٣).\n(٣) [١٣٤٠٠]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢٣)، و«الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ٢٠).\n(٤) [١٣٤٠١]» «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ٢٠).\n(٥) [١٣٤٠٢]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلي (ص٢٣)، و«الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ٢٠).\n(٦) [١٣٤٠٣]» «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ٢٠)، و«الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢٣).","vol":"8","page":111},{"text":"وهذا أحد طرق انعقاد الإمامة ... وهو ما يسمى بالقهر والغلبة، وفي هذه الحال إذا تمكن هذا القاهر وغلب على الإمام الأول، واستولى على تدبير الأمور، فإن الإمام السابق في هذا الحال يكون معزولًا، وتنعقد الإمامة لهذا المستولي الجديد للضرورة، وحتى لا يقع الناس في الفوضى والفتنة، ويعمّ الفساد، وقد صلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بأهل المدينة يوم الحرَّة (١) وقال: (نحن مع من غلب) (٢). وقال: (لا أقاتل في الفتنة، وأصلي وراء من غلب) (٣).\nوذهب الإمام أحمد ﵀ إلى بطلان إمامة السابق كما في رواية أبي الحارث: (في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك، فيفتتن الناس فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم، مع من تكون الجمعة؟ قال: (مع من غلب) (٤).\nوقد سبق الحديث عن هذه الطريقة، وأدلة ثبوتها، وأقوال العلماء فيها وأنها ليست من الطرق المشروعة وإنما للضرورة، ولأن مصلحة المسلمين تقتضي ذلك. والله أعلم.\nالسادس: نقص الكفاءة:\nوذلك بعجز عقلي أو جسدي له تأثير على الرأي أو العمل: وهذه منها ما يمنع عقد الإمامة ابتداء ويمنع استدامتها، ومنها ما يمنع عقدها ابتداء فقط ...\n- ومنها ما لا يمنع العقد لا ابتداء ولا يمنع من استدامتها، ونحن في هذا المقام سنقتصر على ما يمنع من عقد الإمامة ابتداء ومن استدامتها، لأن ذلك هو الموجب للعزل فقط.\nأ- زوال العقل: بجنون ونحوه، وهذا مما لا خلاف فيه (٥) إذا كان دائمًا لا ينفك، لأن الجنون يمتد عادة (فلو لم ينصبوا إمامًا آخر لأدى ذلك إلى اختلال الأمور، ولأن المجنون يجب ثبوت الولاية عليه، فكيف يكون وليًا لكافة الأمة)؟ (٦) وأيضًا لأن ذلك (يمنع المقصود الذي هو إقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحماية المسلمين) (٧).\nهذا إذا كان مطبقا لا يتخلله إفاقة، أما إذا كان يتخلله إفاقة يعود فيها إلى حال السلامة ففي هذه الناحية يحتاج الأمر إلى تفصيل (فإن كان أكثر زمانه الخبل فهو كما لو كان مطبقًا - أي يمنع ابتداء العقد واستدامته - وإن كان أكثر زمانه الإفاقة فقد قيل: يمنع من عقدها، وهل يمنع من استدامتها؟ فقيل: يمنع من استدامتها كما يمنع من ابتدائها، لأن في ذلك إخلالًا بالنظر المستحق فيه، وقد قيل: لا يمنع من استدامتها وإن منع من عقدها، لأنه يراعى في ابتداء عقدها سلامة كاملة وفي الخروج منها نقص كامل) (٨) أما إن كان عارضًا يرجى زواله كالإغماء ونحوه فهذا لا يمنع العقد ابتداء، ومن ثم لا يمنع استدامتها من باب أولى.\nب- فقد بعض الحواس المؤثرة في الرأي أو العمل مثل:\n_________\n(١) [١٣٤٠٤]» الحرة موضع قريب من المدينة، ووقعة الحرة هذه هي الوقعة التي حصلت بين يزيد بن معاوية وبين أهل المدينة لما خلعوه لما أخذوا عليه من فسق، فبعث إليهم من يردهم إلى الطاعة، وأنظرهم ثلاثة أيام، فلما رجعوا قاتلهم واستباح المدينة ثلاثة أيام ... انظر: «البداية والنهاية» (٨/ ٢٣٢).\n(٢) [١٣٤٠٥]» «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٤/ ١١٠).\n(٣) [١٣٤٠٦]» «الطبقات الكبرى» (٤/ ١٤٩). وإسناده صحيح إلى سيف المازني، أما هو فأورده ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. انظر: إرواء الغليل (٢/ ٣٠٤).\n(٤) [١٣٤٠٧]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢٣).\n(٥) [١٣٤٠٨]» حكى الجويني الإجماع على ذلك. انظر: «غياث الأمم» (ص: ٩٣).\n(٦) [١٣٤٠٩]» «مآثر الإنافة» (١/ ٦٧).\n(٧) [١٣٤١٠]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢١).\n(٨) [١٣٤١١]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢١)، و«الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ١٨).","vol":"8","page":112},{"text":"١ - العمى: فهذا يمنع من عقدها ومن استدامتها، لأنه يُبْطِل القضاء ويمنع من جواز الشهادة - على رأي الجمهور - فأولى أن يمنع من صحة الإمامة (١). أما عشى العين وضعف البصر فلا يمنع من الاستدامة.\n٢ - الصمم والخرس: ففي انعزاله بطروئهما عليه ثلاثة مذاهب حكاها الماوردي وهي:\nالأول: ينعزل بذلك كما ينعزل بالعمى لتأثيرهما في التدبير والعمل، ورجّح هذا القول (٢)، وعليه اقتصر الرافعي والنووي (٣).\nالثاني: لا ينعزل لقيام الإشارة مقام السمع، والخروج من الإمامة لا يكون إلا بنقص كامل.\nالثالث: إن كان يحسن الكتابة لم يعزل، وإن كان لا يحسنها انعزل، لأن الكتابة مفهومة والإشارة موهومة (٤).\nأما ما لا يؤثر ذهابه في الرأي والعمل كالخَشَم في الأنف الذي يمنع إدراك الروائح، وفقد الذوق الذي يعرف به الطعوم فإنهما لا يوجبان العزل بلا خلاف، وكذلك لا ينعزل بتمتمة\nاللسان ونحوها لأن نبي الله موسى ﵇ لم تمنعه عقدة لسانه من النبوة فأولى ألا يمنع الإمامة (٥).\nهذا وقد سبقت الإشارة إلى أن من الفقهاء من لا يشترط هذه الأمور في الإمامة عند ابتداء العقد، ومن باب أولى بعد العقد كابن حزم وغيره لكنه رأي مرجوح ...\nجـ- فقد بعض الأعضاء المخل فقدها بالعمل أو النهوض:\nوذلك كذهاب اليدين أو الرجلين. فإذا طرأ على الإمام شيء من ذلك انعزل لعجزه عن كمال القيام بحقوق الأمة. أما ما يؤثر في بعض العمل دون بعض كذهاب إحدى اليدين أو إحدى الرجلين ففيه وجهان:\nالأول: أنه لا يؤثر وإن كان ذلك يمنع عقد الإمامة ابتداء، لأن المعتبر في عقدها كمال السلامة، فيعتبر في الخروج منها كمال النقص، وهذا هو الراجح.\nوالثاني: يؤثر لنقص الحركة، فلو كان ذلك لا يؤثر فقده في عمل ولا نهوض كقطع الذكر أو الأنثيين، فهذا لا يمنع من الإمامة ولا من استدامتها، لأن ذلك مؤثر في التناسل فقط ... وقد استدلوا على ذلك بوصف الله ليحيى بن زكريا ﵉ وثنائه عليه فقال تعالى: وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: ٣٩] وقد رُوي عن ابن عباس ﵄ (أنه لم يكن له ذكر يغشى به النساء ...) (٦) قالوا: (فلما لم يمنع ذلك من النبوة، فأولى أن لا يمنع من الإمامة) (٧).\nونحو ذلك سمل إحدى العينين وجدع الأنف والأذن لأن ذلك لا تأثير له على الحقوق والله أعلم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي - ص ٤٦٨\n_________\n(١) [١٣٤١٢]» الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص: ٢١)، و«الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ١٨).\n(٢) [١٣٤١٣]» «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص: ١٨).\n(٣) [١٣٤١٤]» «مآثر الإنافة» (١/ ٦٨).\n(٤) [١٣٤١٥]» «الأحكام السلطانية» (ص: ١٨).\n(٥) [١٣٤١٦]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢١)، وانظر: «مآثر الإنافة» (١/ ٦٩).\n(٦) [١٣٤١٧]» رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٤٣) بلفظ: (الحصور: الذي لا يأتي النساء).\n(٧) [١٣٤١٨]» «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (ص: ٢١).","vol":"8","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2164>المبحث الثاني: حكم الخروج على الأئمة</span>\nالأئمة أحوالهم متباينة من شخص لآخر، وواحدهم لا يخرج عن أحد ثلاثة: إما أن يكون عادلًا مقسطًا، وإما أن يكون كافرًا مجرمًا، وإما أن يكون حاله مترددًا بين هذين وهو الفاسق أو الظالم، وهذا قد يكون فسقه وظلمه على نفسه وفي أعماله الخاصة، وقد يتعدى ذلك إلى الرعية إما في أموالهم وأنفسهم أو في دينهم وأعراضهم. ولكل واحد من هؤلاء حكم خاص.\n١ - الإمام العادل المقسط:\nفهذا يحرم الخروج عليه مطلقًا وباتفاق العلماء، يدل على ذلك الآية والأحاديث الآمرة بالطاعة لأولي الأمر من المسلمين ... ويدل على ذلك أيضًا الآيات والأحاديث الواردة في وجوب الوفاء بالبيعة، وما ورد من النهي والتحذير من نكثها في ذلك ... حتى ولو وجد بعد إبرام العقد والمبايعة لمن هو أفضل وأكمل شروطًا ... بل تجب مناصرته ومقاتلة من ناوأه وبغى عليه إذا لم يفئ إلى أمر الله.\nهذا وقد سبق أن بيَّنَّا أن العدالة المطلوبة التي باتصاف الإِمام بها يحرم الخروج عليه كائنًا من كان هذا الخارج لا تقتضي أن يكون معصومًا في أقواله وأفعاله، بل كل بشر عرضة للوقوع في الخطأ وفي بعض الذنوب، لكن إذا كان حريصًا على التحرز من ذلك ويرجع عن خطئه إذا تبين له ذلك ويستغفر ويتوب إلى الله عما بدر منه، ويرجع حقوق الآدميين إلى أصحابها إذا ظهر له الخطأ في تصرفه فيها إذا أمكن ذلك. فهو بهذه الصفات من أئمة العدل الواجب طاعتهم والمحرم الخروج عليهم بكل صور الخروج المختلفة. ولهؤلاء الأئمة نرجو من الله المغفرة لهم فيما يقعون فيه من خطأ ولهم ثواب الاجتهاد الذي بذلوه في سبيل الوصول إلى الحق سواء أصابوه أم خالفوه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.\n٢ - الخروج على الحاكم الكافر المرتد:\nوهذا - أيضًا - متفق على وجوب الخروج عليه ومنابذته بالسيف إذا قُدر على ذلك، أما إذا لم يكن لهم قدرة عليه فعليهم السعي إلى سلوك أقرب طريق للإطاحة به، وتخليص المسلمين من تسلطه عليهم مهما كلَّف ذلك من جهد، يدل على ذلك حديث عُبادة الآنف الذكر «... وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» (١).\nقال الحافظ ابن حجر: (وإذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث ... يعني حديث عبادة الآنف الذكر) (٢).\nوقال في موضع آخر: (إنه - أي الحاكم - ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض) (٣).\n٣ - الخروج على الأئمة الظلمة\nذهب غالب أهل السنة والجماعة إلى أنه لا يجوز الخروج على أئمة الظلم والجور بالسيف ما لم يصل بهم ظلمهم وجورهم إلى الكفر البواح، أو ترك الصلاة والدعوة إليها أو قيادة الأمة بغير كتاب الله تعالى كما نصت عليها الأحاديث السابقة في أسباب العزل.\n_________\n(١) [١٣٤١٩]» رواه البخاري (٧٠٥٥)، ومسلم (١٨٤٠). من حديث عبادة بن الصامت ﵁.\n(٢) [١٣٤٢٠]» «فتح الباري» (١٣/ ٧).\n(٣) [١٣٤٢١]» «فتح الباري» (١٣/ ١٢٣).","vol":"8","page":114},{"text":"وهذا المذهب منسوب إلى الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية ﵄. وهم: سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة (١)، وأبو بكرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وهو: مذهب الحسن البصري (٢) والمشهور عن الإمام أحمد بن حنبل وعامة أهل الحديث. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (... ولهذا كان مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر، أو يستراح من فاجر ...) (٣).\nهذا وقد ادعى الإجماع على ذلك بعض العلماء كالنووي في شرحه لصحيح مسلم (٤) وكابن مجاهد البصري الطائي فيما حكاه عنه ابن حزم (٥) ولكن دعوى الإجماع فيها نظر، لأن هناك من أهل السنة من خالف في ذلك (٦).\nالأدلة:\nاستدلوا على مذهبهم وهو ترك الخروج على أئمة الظلم بالسيف بالأدلة التالية:\nأولًا: الأحاديث الواردة في الأمر بالطاعة وعدم نكث البيعة والأمر بالصبر على جورهم وإن رأى الإنسان ما يكره. وهي أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر المعنوي كما ذكر ذلك الشوكاني (٧) ﵀ أهمها:\n١ - حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: (بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) (٨). وفي رواية: (وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) (٩). قال ابن تيمية بعد ذكره لهذا الحديث: (فهذا أمر الطاعة مع استئثار ولي الأمر، وذلك ظلم منه، ونهي عن منازعة الأمر أهله وذلك نهي عن الخروج عليه) (١٠).\n٢ - حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: «إن رسول الله - ﷺ - قال: إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلوا» (١١).\n٣ - حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي - ﷺ - قال: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات ... مات ميتة جاهلية» (١٢).\n٤ - حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: «سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قال: قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة» (١٣).\n٥ - حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (١٤).\n_________\n(١) [١٣٤٢٢]» «الفصل في الملل والأهواء والنحل» لابن حزم (٤/ ١٧١).\n(٢) [١٣٤٢٣]» «البداية والنهاية» لابن كثير (٩/ ١٣٥).\n(٣) [١٣٤٢٤]» «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٤٤).\n(٤) [١٣٤٢٥]» «شرح صحيح مسلم» (١٢/ ٢٢٩).\n(٥) [١٣٤٢٦]» «مراتب الإجماع» لابن حزم (ص: ١٩٩).\n(٦) [١٣٤٢٧]» «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٦/ ١٢٨).\n(٧) [١٣٤٢٨]» «نيل الأوطار» (٧/ ١٩٩).\n(٨) [١٣٤٢٩]» رواه البخاري (٧٠٥٥)، ومسلم (١٨٤٠).\n(٩) رواه البخاري (٧١٩٩)، ومسلم (١٨٤٠).\n(١٠) [١٣٤٣١]» «منهاج السنة» (٢/ ٨٨).\n(١١) [١٣٤٣٢]» رواه مسلم (١٨٥٤).\n(١٢) [١٣٤٣٣]» رواه البخاري (٧٠٥٤)، ومسلم (١٨٤٩).\n(١٣) [١٣٤٣٤]» رواه مسلم (١٨٥٥).\n(١٤) [١٣٤٣٥]» رواه مسلم (١٨٥١).","vol":"8","page":115},{"text":"٦ - حديث حذيفة قال: «قال رسول الله - ﷺ -: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع. وفي رواية: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قال فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١).\nإلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة في هذا المعنى، وهي جميعها صريحة في النهي عن الخروج على الأئمة، وإن رأى الإنسان ما يكره، وصريحة كذلك في الأمر بالصبر على جورهم وعدم نزع اليد من الطاعة.\nثانيا: الأحاديث الدالة على تحريم اقتتال المسلمين فيما بينهم، وعلى النهي عن القتال في الفتنة:\nومن الأدلة على عدم جواز الخروج على الأئمة الفساق الأحاديث الدالة على تحريم الاقتتال بين المسلمين، وهذا يقع عادة عندما تخرج طائفة عن طاعة إمامها، لأنه يستنجد بجنده من المسلمين فيحصل الاقتتال بينهم، وهناك ما يدل على غلظ تحريم قتل المسلم أخاه المسلم، وعلى النهي عن الاقتتال بين المسلمين، ومن هذه الأدلة:\n١ - ما رواه البخاري بسنده إلى طريف أبي تميمة قال: «شهدت صفوان وجندبًا وأصحابه وهو يوصيهم فقالوا: هل سمعت من رسول الله - ﷺ - شيئًا؟ قال سمعته يقول: من سمع سمع الله به يوم القيامة. قال: ومن شاق شقق الله عليه يوم القيامة. فقالوا: أوصنا. فقال إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيبًا فليفعل ومن استطاع أن لا يحال بينه وبين الجنة بملء كف من دم أهراقه فليفعل» (٢).\nقال الحافظ ابن حجر: (وهذا وإن لم يرد مصرحًا برفعه لكان في حكم المرفوع، لأنه لا يقال بالرأي) (٣).\n٢ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٤).\n٣ - وعن الأحنف بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: «ذهبت لأنصر هذا الرجل - يعني على بن أبي طالب ﵁ - فلقيني أبو بكرة فقال أين تريد؟ فقلت: أنصر هذا الرجل، فقال: ارجع فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. فقلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (٥).\n٤ - وعن جرير «أن النبي - ﷺ - قال له في حجة الوداع: استنصت الناس فقال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٦).\nفهذه الأحاديث وما في معناها تدل على تحريم اقتتال المسلمين فيما بينهم، وهذا لا شك يكون عند الخروج على الأئمة بالسيف، فدل على تحريم ذلك الخروج.\nأحاديث النهي عن القتال في الفتنة:\nكما أن مما يدل على ذلك الأحاديث الواردة في النهي عن القتال في الفتنة، وهي أحاديث كثيرة منها:\n_________\n(١) [١٣٤٣٦]» رواه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧).\n(٢) [١٣٤٣٧]» رواه البخاري (٧١٥٢).\n(٣) [١٣٤٣٨]» «فتح الباري» (١٣/ ١٣٠).\n(٤) [١٣٤٣٩]» رواه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤).\n(٥) [١٣٤٤٠]» رواه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨).\n(٦) [١٣٤٤١]» رواه البخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥).","vol":"8","page":116},{"text":"١ - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به» (١). أي: من وجد عاصمًا وموضعًا يلتجئ إليه ويعتزل فيه فليعتزل (٢).\n٢ - وعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (٣).\nوهذا يدل على فضل اعتزال الفتن عند وقوعها، وأنها مفسدة للدين الذي هو أول ما يجب على المسلم صيانته وحفظه.\n٣ - وعن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه. قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء. اللهم هل بلغت - ثلاثًا -. قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه أو يجئ سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار» (٤).\n٤ - وعن عديسة بنت إهبان بن صيفي الغفاري قالت: «جاء علي بن أبي طالب إلى أبي فدعاه للخروج معه، فقال له أبي: إن خليلي وابن عمك عهد إلي إذا اختلف الناس أن اتخذ سيفًا من خشب فقد اتخذته فإن شئت خرجت به معك ... قالت: فتركه» (٥).\n٥ - وعن أبي موسى أن النبي - ﷺ - قال في الفتن: «كسروا فيها سيوفكم وقطعوا أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم» (٦).\nفهذه النصوص جميعها تدل على النهي عن القتال في الفتنة ولا شك أن الخروج على الأئمة مما يؤدي إلى الفتنة، فدل ذلك على النهي عن الخروج على الأئمة الظلمة. قال الحافظ ابن حجر: (والمراد بالفتنة في هذا الباب: هو ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل) (٧).\nثالثا: الأحاديث الدالة على أن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر:\n_________\n(١) [١٣٤٤٢]» رواه البخاري (٧٠٨٢).\n(٢) [١٣٤٤٣]» انظر: «فتح الباري» (١٣/ ٣٠) بتصرف يسير.\n(٣) [١٣٤٤٤]» رواه البخاري (١٩).\n(٤) [١٣٤٤٥]» رواه مسلم (٢٨٨٧).\n(٥) [١٣٤٤٦]» رواه الترمذي (٢٢٠١)، وابن ماجه (٣٢١٤)، وأحمد (٦/ ٣٩٣) (٢٧٢٤٤). قال الترمذي: حسن غريب، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٦) [١٣٤٤٧]» رواه أبو داود (٤٢٥٩)، وابن ماجه (٣٩٦١)، وأحمد (٤/ ٤١٦) (١٩٧٤٥)، والحاكم (٤/ ٤٨٧). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠٩) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه ابن دقيق في «الاقتراح» (١٠١).\n(٧) [١٣٤٤٨]» «فتح الباري» (١٣/ ٣١).","vol":"8","page":117},{"text":"فقد قال - ﷺ -: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (١). وفي رواية «... بأقوام لا خلاق لهم» (٢).\nفإذا كان الدين قد يؤيد وينصر بسبب رجل فاجر، ولا يضر الدين فجوره فلا يجوز الخروج على الأئمة الفجرة لمجرد فجورهم، لأن فجور الفاجر منهم لا يضر هذا الدين وإنما ضرره على نفسه، وقد يجر هذا الخروج إلى فتن وويلات لا تحمد عقباها.\nرابعًا: ومن الأدلة على عدم الخروج أيضًا موقف الصحابة الذين توقفوا عن القتال في الفتنة، وموقف علماء السلف أيام حكم بني أمية وبني العباس وكان في بعضهم فسوق وظلم، ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كفره بعضهم، وكان الحسن البصري يقول: (إن الحجاج عذاب الله فلا تدافعوا عذاب الله بأيديكم ولكن عليكم الإستكانة والتضرع فإن الله تعالى يقول: وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنون: ٧٦]) (٣).\nوقيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث (٤): أين كنت يا عامر؟ قال: (كنت حيث يقول الشاعر:\nعوى الذئب فاستأنت بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير (٥)\nأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء) (٦).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولهذا استقر رأي أهل السنة على ترك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - ﷺ - وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم (٧).\n_________\n(١) [١٣٤٤٩]» رواه البخاري (٣٠٦٢)، ومسلم (١١١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) [١٣٤٥٠]» رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٧٩) (٨٨٨٥)، وابن حبان (١٠/ ٣٧٦) (٤٥١٧)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ٢٦٨) (١٩٤٨) والضياء (٥/ ٢٣١) (١٨٦٣). من حديث أنس ﵁. قال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٧٣): إسناده صحيح، وقال محمد الغزي في «إتقان ما يحسن» (١/ ٣٩٦): إسناده جيد، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٨٦٦).\n(٣) [١٣٤٥١]» «منهاج السنة» (١/ ٢٤١).\n(٤) [١٣٤٥٢]» كانت سنة إحدى وثمانين حينما بعث الحجاج ابن الأشعث قائدًا على الجيش لمحاربة رتبيل ملك الترك، وكان كل منهما يكره الآخر، فمضى ابن الأشعث، وفتح كثيرًا من البلاد، ورأى التوقف في فصل الشتاء حتى يذهب البرد، ويتقوى المسلمون، فعاتبه الحجاج، وكتب إليه بكلام بذيء، فلم يحتمله ابن الأشعث فشاور أصحابه في خلعه، فوافقوه، وجعل الناس يلتفون حوله، فسير إليه الخليفة عبد الملك بن مروان جيشًا بقيادة الحجاج، فهزمهم ابن الأشعث ودخل البصرة، ثم رأى أن يخلع الخليفة أيضًا، فوافقه جميع من في البصرة من الفقهاء والقراء والشيوخ والشباب، ثم أخذت تدور بينهم المعارك، منها معركة (دير الجماجم) المشهورة، وراح ضحية لهذه الفتنة خلق كثير من الصالحين. انظر: «البداية والنهاية» (٩/ ٣٥) وما بعدها.\n(٥) [١٣٤٥٣]» هذا البيت في «غريب الحديث» للحربي (ص: ٧٣٢) تحقيق سليمان العايد رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى ١٤٠٢ هـ. ورواه ابن قتيبة في «الشعر والشعراء» (٧٨٧)، وعزاه للأحيمر السعدي، وانظر كتاب: «العزلة» للخطابي (ص: ٥٦) فقد رواه بسنده إلى الشافعي وعزاه إلى تأبط شرًا.\n(٦) [١٣٤٥٤]» «منهاج السنة» (٢/ ٢٤١).\n(٧) [١٣٤٥٥]» «منهاج السنة» (٢/ ٢٤١).","vol":"8","page":118},{"text":"قلت: ولا يكاد أحد من علماء السلف يذكر عقيدته إلا وينص على هذه المسألة ذاتها، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الإمام أحمد في عقيدته في أكثر من رواية حيث قال: (ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق (١) ... وبنحو كلام الإمام أحمد هذا. نص على ذلك أبو زرعة، وابن أبي حاتم الرازيان (٢)، وعلي بن المديني (٣)، وغيرهم كثير: كالطحاوي (٤)، وأبي عثمان الصابوني (٥) وغيرهم.\nخامسًا: ومن الأدلة على النهي عن الخروج على الأئمة صلاة الصحابة رضوان الله عليهم خلف أئمة الجور والمبتدعة، وهذا يقتضي الإقرار بإمامتهم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إذا ظهر من المصلي بدعة أو فجور وأمكن الصلاة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره، فأكثر أهل العلم يصححون صلاة المأموم، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وهو: أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة السنة بلا خلاف عندهم) (٦).\nوالذي يدل على ذلك الجواز فعل الصحابة رضوان الله عليهم حيث كانوا يصلون خلف من يعرفون فجوره، كما صلى عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقد كان يشرب الخمر، وصلى مرة الصبح أربعًا، وجلده عثمان ﵁ على ذلك، وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن يوسف (٧)، وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد وكان متهمًا بالإلحاد (٨)، وأخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم: (أن ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أميرًا إلا صلى خلفه وأدى إليه زكاة ماله) (٩).\nسادسًا: ومن الأدلة على عدم جواز الخروج على الأئمة الفسقة مراعاة مقاصد الشريعة إذ أن من أهداف الشريعة الإسلامية تحقيق أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما. ولا شك أن الضرر في الصبر على جور الحكام أقل منه في الخروج عليهم لما يؤدي إليه من الهرج والمرج، فقد يرتكب في فوضى ساعة من المظالم ما لا يرتكب في جور سنين. قال ابن تيمية: (وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر، أعظم مما تولد من الخير) (١٠).\nولذلك (فلا يهدم أصل المصلحة شغفًا بمزاياها، كالذي يبني قصرًا ويهدم مصرًا) (١١).\n_________\n(١) [١٣٤٥٦]» «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي» (١/ ١٦١).\n(٢) [١٣٤٥٧]» «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (ص: ١٦٧) و(ص: ١٧٩).\n(٣) [١٣٤٥٨]» «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (ص: ١٦٤).\n(٤) [١٣٤٥٩]» «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٣٦٦).\n(٥) [١٣٤٦٠]» «رسالة عقيدة السلف وأصحاب الحديث» لأبي عثمان ضمن مجموعة «الرسائل المنيرية» (١/ ١٢٩).\n(٦) [١٣٤٦١]» «مجموعة الرسائل والمسائل الرسالة الأخيرة» (٥/ ١٩٨) تعليق محمد رشيد رضا.\n(٧) [١٣٤٦٢]» حديث كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج ذكره ابن أبي شيبة في المصنف. وقال عنه الألباني: سنده صحيح على شرط الستة. انظر: «إرواء الغليل» (٢/ ٣٠٣).\n(٨) [١٣٤٦٣]» انظر: «مجموعة الرسائل والمسائل» (٥/ ١٩٩).\n(٩) [١٣٤٦٤]» قال الألباني: سنده صحيح. انظر: «إرواء الغليل» (٢/ ٢٠٤).\n(١٠) [١٣٤٦٥]» «منهاج السنة) (٢/ ٢٤١).\n(١١) [١٣٤٦٦]» «إحياء علوم الدين» على هامشه «إتحاف السادة المتقين» للزبيدي (٢/ ٢٣٣).","vol":"8","page":119},{"text":"وذكر ابن الأزرق في معرض استدلاله أن جور الإمام لا يسقط وجوب الطاعة قال: (الثاني: دلالة وجوب درء أعظم المفاسد عليه، إذا لا خفاء أن مفسدة عصيانه تربو على مفسدة إعانته بالطاعة له كما قالوا في الجهاد معه، ومن ثَمَّ قيل: عصيان الأئمة هدم أركان الملة) (١) كما أن في الصبر على جورهم واحتساب ذلك عند الله تكفير السيئات ومضاعفة الأجور (فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل) (٢). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحكمة التي راعاها الشارع في النهي عن الخروج على الأمراء وندب إلى ترك القتال في الفتنة لما في المقاتلة من قتل للنفوس بلا حصول للمصلحة المطلوبة. قال: (وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصودهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالذين خرجوا بالحرة وبدير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما ...) (٣) قال: (لكن إذا لم يزل المنكر إلا بما هو أنكر منه صارت إزالته على هذا الوجه منكرًا، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر، مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف، كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكرًا، وبهذا الوجه صارت الخوارج يستحلون السيف على أهل القبلة حتى قاتلت عليًا - رضي الله تعالى عنه - وغيره من المسلمين، وكذلك من وافقهم في الخروج على الأئمة بالسيف في الجملة من المعتزلة والزيدية والفقهاء وغيرهم) (٤).\nويقرر تلميذه ابن القيم رحمهما الله هذه المسألة فيقول: (إن النبي - ﷺ - شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله - ﷺ - في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: «لا، ما أقاموا الصلاة»، وقال: «ومن رأى من أميره ما يكرهه، فليصبر ولا ينزعن يدًا من طاعة». ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكره، فطلب إزالته فتولَّد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله - ﷺ - يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت وردِّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه - خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه ...) (٥) إلى أن قال: (فإنكار المنكر أربع درجات:\nالأولى: أن يزول، ويخلفه ضده.\nالثانية: أن يقلّ وإن لم يُزل بجملته.\nالثالثة: أن يتساويا.\nالرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه).\n_________\n(١) [١٣٤٦٧]» «بدائع السلك» (١/ ٧٨).\n(٢) [١٣٤٦٨]» «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٣٦٨).\n(٣) [١٣٤٦٩]» «منهاج السنة» (٢/ ٢٤٣).\n(٤) [١٣٤٧٠]» «منهاج السنة» (٢/ ٢٤٣).\n(٥) [١٣٤٧١]» «إعلام الموقعين» (٣/ ٤).","vol":"8","page":120},{"text":"قال: (فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة) (١) ثم ضرب الأمثلة على كل درجة، ومنها قوله في التمثيل على الرابعة: (سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله سره ونوّر ضريحه يقول: (مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرَّم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذراري وأخذ الأموال فدعهم) (٢).\nسابعًا: ومن الأدلة على عدم جواز الخروج على الأئمة أننا عند استعراضنا للفتن التي قامت في التاريخ الإسلامي الأول نجد أنها لم تؤت الثمار المرجوة من قيامها، بل بالعكس قد أدت إلى فتن وفرقة بين المسلمين لا يعلم عظم فسادها إلا الله، يقول المعلمي: (وقد جرَّب المسلمون الخروج فلم يروا منه إلا الشر:\n١ - خرج الناس على عثمان يرون أنهم يريدون الحق.\n٢ - ثم خرج أهل الجمل يرى رؤساؤهم ومعظمهم أنهم إنما يطلبون الحق، فكانت ثمرة ذلك بعد اللقيا، والتي أن انقطعت خلافة النبوة وتأسست دولة بني أمية.\n٣ - ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه فكانت تلك المأساة.\n٤ - ثم خرج أهل المدينة فكانت وقعة الحرَّة.\n٥ - ثم خرج القرَّاء مع ابن الأشعث فماذا كان؟\n٦ - ثم كانت قضية زيد بن علي، وعرض عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فخذلوه، فكان ما كان) (٣).\nقلت: وقد عدَّ أبو الحسن الأشعري خمسة وعشرين خارجًا كلهم من آل البيت (٤) ولم يكتب لأحد منهم نصيب في الخروج، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقلَّ من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر، أعظم مما تولَّد من الخير ...) (٥).\nفإذا كان هذا مآل الخارج، وإن كان قصده حسنًا، ولا يريد إلا الخير وإصلاح الأوضاع، فكيف يجوز الخروج؟ الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص ٤٩٩\nوالذي يترجح ... ما ذهب إليه المحدثون وجمهور الفقهاء من أن الفسق أو الظلم ليس من مسوغات الخروج على الحاكم وأن مجمل الموقف منه يتلخص في:\n- وجوب طاعته في غير معصية الله\n- مشروعية الصبر على أذاه\n- وجوب نصحه والإنكار عليه\n- عدم الخروج عليه بالسيف\n- وأما عزله من غير فتنة فمحل نظر\nومن الأدلة على هذا الموقف:\nأولا: أما وجوب طاعته في غير معصية فلعموم قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا [النساء: ٥٩] ولحديث «إنما الطاعة في المعروف» (٦).\nثانيا: أما الصبر على أذاه فلقوله ﷺ «من كره من أميره شيئا فليصبر عليه» (٧). وقوله لما قيل له أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا فأعرض عنه ثم قال «اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» (٨)\n_________\n(١) [١٣٤٧٢]» «إعلام الموقعين» (٣/ ٤).\n(٢) [١٣٤٧٣]» «إعلام الموقعين» (٣/ ٥).\n(٣) [١٣٤٧٤]» «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي (١/ ٩٤).\n(٤) [١٣٤٧٥]» انظر: «مقالات الإسلاميين» (١/ ١٥١ - ١٦٦).\n(٥) [١٣٤٧٦]» «منهاج السنة» (٢/ ٢٤١).\n(٦) [١٣٤٧٧]» رواه البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٧) رواه البخاري (٧٠٥٣)، ومسلم (١٨٤٩). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٨) [١٣٤٧٩]» رواه مسلم (١٨٤٦). من حديث سلمة بن يزيد ﵁.","vol":"8","page":121},{"text":"ثالثا: وأما وجوب نصحه والإنكار عليه فلقوله ﷺ: «الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١) وقوله: «إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة» (٢) وقال جرير بن عبد الله البجلي ﵁ «أتيت النبي ﷺ قلت: أبايعك على الإسلام فشرط علي والنصح لكل مسلم فبايعته على هذا» (٣). قال أبو عمر بن عبد البر: (وأما مناصحة ولاة الأمر فلم يختلف العلماء في وجوبها) (٤).\nوالنصيحة أعم من الوعظ والأمر والإنكار فهي .. كلمة جامعة تعني إرادة الخير كله للمنصوح له قال محمد بن نصر المروزي: (النصيحة لأئمة المسلمين تعني حب صلاحهم ورشدهم وعدلهم وحب اجتماع الأمة عليهم وكراهة افتراق الأمة عليهم والتدين بطاعتهم في طاعة الله والبغض لمن رأى الخروج عليهم وحب إعزازهم في طاعةالله) (٥)\nرابعا: وأما عدم الخروج عليه بالسيف فللأحاديث المتقدمة وغيرها وهي كثيرة جدا قال عنها الشوكاني إنها متواترة ولقوله ﷺ: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (٦) قال النووي: (وأما الخروج عليهم (يعني الأئمة) وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين) (٧).\nوأما عزله من غير فتنة فله أدلة شرعية كثيرة:\nأن ذلك من باب تغيير المنكر الذي هو فرض بلا خلاف\nولأن هذا التغيير ينسجم مع قواعد الشريعة العامة مثل الضرر يزال والضرر الأشد يزال بالضر الأخف.\nولأن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها (٨).\nولا شك أن إزالة المفسدة بمصلحة أكبر منها لا غبار عليه فتجلب المصلحة الكبرى وتدرأ المفسدة الصغرى بقدر الإمكان.\nثم إن النصوص الشرعية الواردة في المنع من الخروج على الفسقة جاءت في سياقين.\nالسؤال عن المنازعة والمنابذة والمقاتلة.\nالنهي عن مفارقة الجماعة أو شق عصاها.\nأما ما نحن بصدده فلا أظن في النصوص ما يمنعه.\nوهذا هو الذي قرره كثير من أهل العلم يقول الداودي (الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب وإلا فالواجب الصبر) (٩).\nعلى أنه ينبغي أن يعلم أن العزل هنا ينبغي تقييده بأمرين:\nأن يفحش فسق الحاكم وظلمه بحيث لا يمكن إصلاحه وتقويمه.\nأن يتولى أمر العزل أهل الحل والعقد فكما أنهم تولوا العقد فكذلك الحل والعزل ولا يترك الأمر للدهماء من العامة فيكثر الهرج وتنتشر الفتنة. مفهوم الطاعة والعصيان لعبد الله الطريقي ص: ٧٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٥). من حديث تميم الداري ﵁.\n(٢) [١٣٤٨١]» رواه مسلم (١٨٥٥). من حديث عوف بن مالك ﵁.\n(٣) [١٣٤٨٢]» رواه البخاري (٥٨).\n(٤) [١٣٤٨٣]» «الاستذكار» (٢٧/ ٣٦١).\n(٥) [١٣٤٨٤]» «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٦٩٣ - ٦٩٤).\n(٦) [١٣٤٨٥]» رواه البخاري (٦٨٧٤)، ومسلم (٩٨). من حديث ابن عمر ﵄.\n(٧) [١٣٤٨٦]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٢٩).\n(٨) [١٣٤٨٧]» انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٣/ ٣).\n(٩) [١٣٤٨٨]» انظر: «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٨).","vol":"8","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2166>تمهيد</span>\nهل يوجب الإسلام على الأمة الإسلامية أن تكون دولة واحدة بإمام واحد؟ أو يجيز للأمة الإسلامية أن تكون دويلات عديدة، كل واحدة مستقلة عن الأخرى، لها إمامها ولها سياستها المستقلة التي قد تتعارض مع أختها المجاورة، كما كان قائما في فترة من الفترات الماضية، وكما هو حاصل الآن في الحاضر من انقسام الأمة الإسلامية إلى دويلات طائفية صغيرة تتناحر وتتنافر فيما بينها؟.\nالواقع أن الإسلام قد جاء بالدواء الشافي لهذا الداء العضال، ولذلك فمن الواجب علينا الكشف عن هذا الدواء، وإظهاره للمسلمين لعلهم يرعوون إلى الحق، ويرجعون إلى رشدهم بجمع كلمتهم، وتوحيد صفهم، ووقوفهم أمام أعدائهم صفًا واحدًا، بدلًا من هذه الفرقة والضعف والهوان، وهو ما أراده لهم أعداؤهم.","vol":"8","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2167>مبحث: حكم تعدد الأئمة</span>\nمذهب جماهير المسلمين من أهل السنة والجماعة وغيرهم قديمًا وحديثًا وهو أنه: لا يجوز تعدد الأئمة في زمن واحد وفي مكان واحد، قال الماوردي: (إذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما، لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد، وإن شذ قوم فجوزوه) (١).\nوقال النووي: (اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد ...) (٢).\nوهؤلاء القائلون بالمنع على مذهبين:\nأ- قوم قالوا بالمنع مطلقًا سواء اتسعت رقعة الدولة الإسلامية أم لا، وإلى هذا القول ذهب أكثر أهل السنة والجماعة، وبعض المعتزلة حتى زعم النووي اتفاق العلماء عليه (٣).\nب- وهناك من قال بالمنع إلا أن يكون هناك سبب مانع من الإتحاد على إمام واحد، ويقتضي هذا السبب التعدد، ففي هذه الحالة يجوز التعدد. وذكر إمام الحرمين الجويني أهم هذه الأسباب في قوله: (منها اتساع الخطة، وانسحاب الإسلام على أقطار متباينة، وجزائر في الحج متقاذفة، وقد يقع قوم من الناس نبذة من الدنيا لا ينتهي إليهم نظر الإمام، وقد يتولج خط من ديار الكفر بين خطة الإسلام، وينقطع بسبب ذلك نظر الإمام عن الذين وراءه من المسلمين ...) قال: (فإذا اتفق ما ذكرناه فقد صار صائرون عند ذلك إلى تجويز نصب إمام في القطر الذي لا يبلغه أثر نظر الإمام) (٤).\nوعزا الجويني هذا القول إلى شيخه أبي الحسن الأشعري، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي (٥)، ورجحه أبو منصور البغدادي (٦)، وإلى ذلك ذهب القرطبي في تفسيره فقال: (لكن إذا تباعدت الأقطار، وتباينت كالأندلس وخراسان، جاز ذلك) (٧).\nلكن يلاحظ من أقوال المجيزين عند اتساع الرقعة، إنما ذلك بسبب الضرورة، وإلا فإن وحدة الإمامة هي الأصل، وإن التعدد إنما أبيح على سيبل الاستثناء المحض، ولضرورات تجيزه، والضرورة تقدر بقدرها وإذا زالت الضرورة زال حكمها وبقي الأصل.\nاستدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول:\n١ - من الكتاب:\nفقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تدعو المسلمين وتأمرهم بالإجماع والتآلف، وتنهى عن التفرق والاختلاف المؤديين إلى التنازع والفشل، فمن هذه الآيات قوله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ... [آل عمران: ١٠٣].\nومنها قوله تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥].\nومنها قوله عز من قائل: وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٤٦]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى.\n_________\n(١) [١٣٤٨٩]» «الأحكام السلطانية» (ص: ٩).\n(٢) [١٣٤٩٠]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٣٣).\n(٣) [١٣٤٩١]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٣٣).\n(٤) [١٣٤٩٢]» «غياث الأمم» (ص: ٢٨).\n(٥) [١٣٤٩٣]» «مآثر الإنافة» (١/ ٤٦).\n(٦) [١٣٤٩٤]» «أصول الدين» (ص: ٢٧٤).\n(٧) [١٣٤٩٥]» «الجامع لأحكام القرآن» (١/ ٢٧٣).","vol":"8","page":124},{"text":"ووجه الدلالة من هذه الآيات أنها جميعًا جاءت متفقة على الأمر بالوحدة والتضامن، والنهي عن التشتت والافتراق والاختلاف، لما ينجم عن ذلك عادة من التنازع والفشل الممقوت، وكلها تدل على وجوب وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها، وذلك لا يتأتى إلا إذا كان إمامها واحدًا لا ينازعه أحد، إذ إن وجود إمامين فأكثر يؤدي إلى غيرة أحدهما من الآخر، ومنافسته له، ومحاولة التعالي عليه، ومن ثم إلى الشقاق والتناحر لا محالة، وهذا مما نهى الإسلام عنه، فدل على وجوب أن يكون إمام المسلمين واحدًا، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\n٢ - من السنة:\nأما من السنة فقد ورد عن النبي - ﷺ - أحاديث صحيحة صريحة في هذه تدل على وجوب منع تعدد الأئمة في الزمن الواحد ومن هذه الأحاديث:\nأ- ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي - ﷺ - قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (١). فالأمر بقتل الآخر يدل على تحريم نصب إمامين في آن واحد، لأن القتل لا يكون إلا عن كبيرة يتفاقم خطرها. لذلك فلا يجوز عقد البيعة لخليفتين في زمن واحد.\nوأول بعض العلماء القتل هنا بالخلع والاعتراض عليه لا بالقتل الحقيقي (٢).\nولكن هذا التأويل لا محل له ومردود بالحديث التالي:\nب- ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر ...» الحديث (٣).\nجـ- ما رواه أبو حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي - ﷺ - قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: وفوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» (٤).\nد- ومنها ما رواه عرفجة بن شريح قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» (٥).\n٣ - الإجماع:\nفإن الصحابة ﵃ قد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يلي إمامة الأمة أكثر من واحد، ودليل ذلك أن المهاجرين لم يوافقوا الأنصار في طلبهم أن يكون منهم أمير، ومن المهاجرين أمير حينما طلبوا ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكان مما روي في ذلك الموقف قول أبي بكر ﵁: (هيهات أن يجتمع سيفان في غمد) (٦) عندئذٍ رضي الأنصار بذلك، فصار ذلك منهم إجماعًا على عدم جواز تعدد الأئمة، بل روى البيهقي في الخطبة نفسها عبارة أكثر تصريحًا من السابقة وهي قوله: (أنه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران، فإنه مهما يكن ذلك يختلف أمرهم وأحكامهم، وتتفرق جماعتهم ويتنازعون فيما بينهم، هنالك تترك السنة، وتظهر البدعة، وتعظم الفتنة، وليس لأحد على ذلك صلاح) (٧).\n_________\n(١) [١٣٤٩٦]» رواه مسلم (١٨٥٣).\n(٢) [١٣٤٩٧]» انظر: «فتح الباري» (١٢/ ١٥٦).\n(٣) [١٣٤٩٨]» انظر: «فتح الباري» (١٢/ ١٥٦).\n(٤) [١٣٤٩٩]» رواه البخاري (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢).\n(٥) [١٣٥٠٠]» رواه مسلم (١٨٥٢).\n(٦) [١٣٥٠١]» انظر: «فتح الباري» (١٢/ ١٥٣). وقيل: إنه من قول عمر. وهو عند البزار وغيره.\n(٧) [١٣٥٠٢]» «السنن الكبرى» للبيهقي (٨/ ١٤٥) عن ابن إسحاق.","vol":"8","page":125},{"text":"أما من بعدهم فقد نقل الإجماع على ذلك النووي (١)، وإمام الحرمين الجويني (٢)، والقرطبي (٣)، والقاضي عبد الجبار (٤) (من المعتزلة) وابن حزم حيث قال: (واتفقوا أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان، لا متفقان ولا مفترقان، ولا في مكانين ولا في مكان واحد) (٥). وخالفه في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال:\n(النزاع في ذلك معروف بين المتكلمين في هذه المسألة كأهل الكلام والنظر، فمذهب الكرامية وغيرهم جواز ذلك، وأن عليًا كان إمامًا ومعاوية كان إمامًا، وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم أن كلًا منهم ينفذ حكمه في أهل ولايته كما ينفذ حكم الإمام الواحد، وأما جواز العقد لهما فهذا لا يفعل مع اتفاق الأمة ...) (٦) لكن نفاذ حكم الثاني كنفاذ حكم الإمام المتغلب على حد سواء، فلا ينافي هذا الحكم المجمع عليه، وليس الكلام إلا حكم الشرع، أما الأمور الطارئة فلها مجال آخر، وتأخذ أحكام الضرورة.\nوالمراد بالإجماع المذكور هنا هو: إجماع الصحابة وسلف هذه الأمة، وإلا فقد سبق أن ذكرنا من خالف في هذه المسألة من الكرامية وغيرهم من أهل الأهواء، ولكن مخالفتهم لا تؤثر في إجماع أهل السنة والجماعة على ذلك، لأن الإجماع المقصود: إجماعهم لا إجماع جميع الناس ... والله أعلم.\n٤ - المعقول: أما الدليل بالمعقول فإن تعدد الأئمة للأمة الإسلامية الواحدة يؤدي إلى الاختلاف والشقاق والخصومات وحصول الفتن والاضطرابات والقلاقل، واختلاف أمر الدين والدنيا، وهذا لا يجوز. وبناء على ذلك فلا تجوز الإمامة لأكثر من واحد في زمن واحد.\nوكذلك لو جاز في العالم إمامان لجاز أن يكون ثلاثة وأربعة وأكثر، فإن منع من ذلك مانع كان متحكمًا بلا برهان، ومدعيًا بلا دليل، وهذا الباطل الذي لا يعجز عنه أحد، وإن جاز ذلك الأمر حتى يكون في كل عام إمام، أوفي كل مدينة إمام، أو في كل قرية إمام، أو يكون كل واحد إمامًا وخليفة في منزله، وهذا الفساد المحض وهلاك الدين والدنيا (٧). الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي بتصرف ص٥٥١\nقال الشوكاني: إذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد، والأمور راجعة إليه مربوطة به كما كان في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم فحكم الشرع في الثاني الذي جاء بعد ثبوت ولاية الأول أن يقتل إذا لم يتب عن المنازعة. وأما إذا بايع كل واحد منهما جماعة في وقت واحد فليس أحدهما أولى من الآخر، بل يجب على أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما حتى يجعل الأمر في أحدهما، فإن استمرا على الخلاف كان على أهل الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح للمسلمين، ولا تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك.\nوأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدرى من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذه تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد، فإن أهل الصين والهند لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب، فضلا عن أن يتمكنوا من طاعته وهكذا العكس، وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمن وهكذا العكس، فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها. السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار٤/ ٥١٢\n_________\n(١) [١٣٥٠٣]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٣٢).\n(٢) [١٣٥٠٤]» «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٣٢) علمًا بأنه من القائلين بجواز التعدد عند وجود السبب المؤدي إلى ذلك.\n(٣) [١٣٥٠٥]» «الجامع لأحكام القرآن» (١/ ٢٧٣).\n(٤) [١٣٥٠٦]» «المغني في أبواب التوحيد والعدل» (٢٠/ ٢٤٣) ق ١.\n(٥) [١٣٥٠٧]» «مراتب الإجماع» لابن حزم (ص: ١٤٤).\n(٦) [١٣٥٠٨]» «نقد مراتب الإجماع» لابن تيمية (ص: ٢١٦) بذيل كتاب «مراتب الإجماع» لابن حزم.\n(٧) [١٣٥٠٩]» انظر: «الفصل» (٤/ ٨٨)، و«الملل والنحل» (١/ ١١٣)، و«أصول الدين» (ص: ٢٧٥).","vol":"8","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2170>المبحث الأول: معنى المعروف والمنكر لغة</span>\nالمعروف في اللغة، يدور معناه غالبا على ما تعارف عليه الناس وعلموه ولم ينكروه والمنكر في اللغة، يدور معناه غالبا على ما جهله الناس واستنكروه وجحدوه.\nقال في القاموس: عرفه يعرفه معرفة وعرفانا وعرفة بالكسر، وعِرِفّانا بكسرتين مشددة الفاء، علمه، والمعروف ضد المنكر.\nوالنكر بالضم وبضمتين، المنكر كالنكراء، والأمر الشديد، والنكرة خلاف المعرفة، وتناكر تجاهل والقوم تعادوا، ونكر فلان الأمر كفرح نكرا محركة، ونكرا ونكورا بضمها ونكيرا، وأنكره واستنكره وتناكره جهله، والمنكر ضد المعروف.\nوقال في لسان العرب: عرف العرفان العلم .... والمعروف ضد المنكر، والعرف ضد النكر، يقال: أولاه عرفا أي معروفا، والمعروف والعارفة خلاف النكر، والمعرف كالعرف، وقوله تعالى: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:١٥]، والإنكار الجحود، وقوله تعالى: إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:١٩]، أي أقبح الأصوات: والنُكْر، والنكُرُ الأمر الشديد، والمنكر من الأمر خلاف المعروف، وقد تكرر في الحديث الإنكار والمنكر وهو ضد المعروف، وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر، والنكْر والنكراء، ممدود، المنكر، وفي التنزيل العزيز، لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا [الكهف:٧٤]، ونكر الأمر نكيرا، وأنكر إنكارا ونُكرا، جهله عن كراع، وفي التنزيل العزيز: نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود:٧٠].\nوقال في المعجم الوسيط: العرف المعروف وهو خلاف النكر وما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم.\nنكر فلان نكرا ونُكرا ونكاره، فطن وجاد رأيه،،، والشيء جهله، وفي التنزيل العزيز: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ [هود:٧٠]، ونكر الأمر نكاره صعب واشتد وصار منكرا، وأنكر الشيء جهله، وفي التنزيل العزيز: وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [يوسف:٥٨]، وحقه جحده، وفي التنزيل العزيز: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا [النحل:٨٣] القول البين الأظهر لعبدالعزيز بن عبدالله الراجحي - ص:٨","vol":"8","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2171>المبحث الثاني: معنى المعروف والمنكر شرعًا</span>\nالمعروف في الشرع: كل ما يعرفه الشرع ويأمر به ويمدحه ويثني على أهله، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وفي مقدمتها توحيد الله ﷿ والإيمان به.\nوالمنكر في الشرع: كل ما ينكره الشرع وينهي عنه ويذمه ويذم أهله، ويدخل في ذلك جميع المعاصي والبدع، وفي مقدمتها الشرك بالله ﷿ وإنكار وحدانيته أو ربوبيته أو أسمائه أو صفاته.\nوعبارات المفسرين في تفسير المعروف والمنكر، لا تتجاوز ذلك.\nفقيل: المعروف: كل قول حسن وفعل جميل وخلق كامل للقريب والبعيد.\nوقيل: المعروف: الخير كله، والمنكر جميع الشر.\nوقيل: المعروف: ما عرف حسنه شرعا وعقلا، والمنكر: ما عرف قبحه شرعا وعقلا.\nوقيل: المعروف: الإحسان والطاعة، وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه (١)\nوقيل: المعروف طاعة الله وما يعرفه الشرع وأعمال البر كلها.\nوقيل: المعروف: الإيمان، والمنكر الشرك، وقيل المعروف السنة، والمنكر البدعة (٢)\nوقيل: المعروف: خلع الأنداد ومكارم الأخلاق وصلة الأرحام.\nوالمنكر. عبادة الأصنام وقطع الأرحام وقيل: المعروف: الطاعات والفضائل أجمع.\nوقيل: العرف، صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام وغض الأبصار والاستعداد لدار القرار.\nوقيل: المعروف: عبادة وتوحيده وكل ما أتبع ذلك، والمنكر، عبادة الأوثان وكل ما أتبع ذلك (٣)، وهذا الأقوال كلها حق ولا تنافي بينها.\nوقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث:\n(عرف) قد تكرر ذكر المعروف في الحديث، وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه، من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة، أي أمر معروف بني الناس، إذا رأوه لا ينكرونه، والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس، والمنكر ضد ذلك جميعه.\nوقال: وقد تكرر ذكر الإنكار والمنكر في الحديث، وهو ضد المعروف وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر يقال: أنكر الشيء ينكره إنكارا فهو منكر، ونكره ينكره نكرا فهو منكور، واستنكره فهو مستنكر والنكير الإنكار، والإنكار الجحود. القول البين الأظهر لعبد العزيز بن عبد الله الراجحي - ص:١٠\n_________\n(١) انظر «تفسر ابن سعدي» (١/ ١٩٤ - ١٩٦) (٢/ ٧٧) (٣/ ٦٥ - ٦٦)\n(٢) انظر «تفسير البغوي» (٤/ ٢٤٩)\n(٣) انظر «تفسير القرطبي» (ج/ ٢٠٣)","vol":"8","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2172>المبحث الثالث: المراد بالمعروف والمنكر عند اجتماعهما، وانفراد أحدهما</span>\nإذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر فإنه يدخل فيه النهي عن المنكر وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف ولأنه لا يتم فعل الخير إلا بترك الشر، ومثال ذلك قول الله تعالى لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:١١٤]، فإن الأمر بالمعروف يتضمن النهي عن المنكر.\nوكذلك إذا أطلق النهي عن المنكر، من غير أن يقرن بالأمر بالمعروف فإنه يدخل فيه الأمر بالمعروف وذلك لأن ترك المعروف من المنكر، ولأنه لا يتم ترك الشر إلا بفعل الخير.\nومثال ذلك قول الله تعالى فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ [الأعراف:١٦٥]، فإن نهيهم عن السوء يتضمن أمرهم بالخير.\nوأما عند اقتران أحدهما بالآخر فيفسر المعروف بفعل الأوامر ويفسر المنكر بترك النواهي، وأمثلة ذلك كثيرة في كتاب الله تعالى. كقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:٧١] القول البين الأظهر لعبدالعزيز بن عبدالله الراجحي - ص:٨","vol":"8","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2174>المبحث الأول: فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nهناك حكم عظيمة تتحقق عند القيام بهذا الجانب العظيم من الدين .. وإذا تأملت هذه الحكم تجدها إما راجعة ومتعلقة بالآمر الناهي، وإما عائدة إلى المأمور المنهي، وإما عامة للجميع ..\nويمكننا تلخيص هذه الجوانب الثلاثة فيما يلي:\n(١) الفوائد والمصالح العائدة للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر:\nأ- خروجه من عهدة التكليف (١)، ولذا قال الذين حذروا المعتدين في السبت من بني إسرائيل لما قيل لهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [الأعراف: ١٦٤] قالوا: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ فالساكت عن الحق مؤاخذ ومتوعد بالعقوبة، كما أنه شيطان أخرس.\nقال علي بن الحسين: (التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره إلا أن يتقي منهم تقاه. قالوا وما تقاه؟ قال: يخاف جبارًا عنيدًا أن يسطو عليه وأن يطغى) (٢).\nب- إقامة حجة الله على خلقه (٣). قال الله تعالى: رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦].\nج- الشهادة على الخلق .. قال الإمام مالك –﵀-: (وينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله، فإن عصوا كانوا شهودًا على من عصاه) (٤) أ. هـ.\nد- أداء بعض حق الله تعالى عليه من شكر النعم التي أسداها له من صحة البدن وسلامة الأعضاء .. يقول النبي ﷺ «يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة ..» (٥).\nهـ- تحصيل الثواب، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، سواء كانت الأدلة خاصة كالحديث السابق أم كانت عامة كقوله: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: ٧] ومثل ذا كثير في الأصلين.\nوتكفير السيئات .. قال تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]. وقال –ﷺ-: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» (٦). وجاء في حديث حذيفة لما سأله عمر –﵁ عن الفتنة: «فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف» قال سليمان: قد كان يقول: «الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..» (٧).\nز- النجاة من العذاب الدنيوي والأخروي الذي توعد الله به من قعد عن هذا الواجب وأهمله.\n_________\n(١) انظر: «أضواء البيان» (١/ ١٧٦).\n(٢) «البداية والنهاية» (٩/ ١١٥).\n(٣) «أضواء البيان للشنقيطي» (١/ ١٧٦).\n(٤) «الجامع» لابن أبي زيد القيرواني (ص: ١٥٦).\n(٥) رواه مسلم (٧٢٠). من حديث أبي ذر الغفاري ﵁.\n(٦) رواه الترمذي (١٩٨٧)، وأحمد (٥/ ١٥٣) (٢١٣٩٢)، والدارمي (٢/ ٤١٥) (٢٧٩١)، والحاكم (١/ ١٢١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٢٤٥) (٨٠٢٦). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ٣٤٩): صحيح، وحسنه ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (١٣١)، وقال السفاريني الحنبلي في «شرح كتاب الشهاب» (٤١١): إسناده صحيح.\n(٧) رواه البخاري (١٤٣٥).","vol":"8","page":130},{"text":"وحينما يحل العذاب بقوم ظالمين فإن الله ينجي الذين ينهون عن السوء، كما قال تعالى: فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: ١١٦ – ١١٧] وقال: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ [الأعراف: ١٦٥].\nح- التشبه بالرسل والقيام بدعوتهم والسير في طريقهم.\nط- إلقاء هيبته في قلوب الخلق.\n(٢) الفوائد والمصالح العائدة على المأمور والمنهي:\nأ- رجاء الانتفاع والاستقامة، كما قال لنا الناصحون من بني إسرائيل لمن قال لهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ... مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وقال تعالى: فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] وقال: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: ٥٥].\nب- تهيئة الأسباب لتحقيق النجاة الدنيوية والأخروية. قال أبو هريرة –﵁ في قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠]: «خير الناس للناس يجاء بهم وفي أعناقهم السلاسل حتى يدخلهم في الإسلام» (١) فإن المأمور والمنهي إذا انتفع واهتدى كان ذلك سببًا في تحصيله السعادة الدنيوية والأخروية، فينجو من عقاب الله ويحصل له الثواب.\n(٣) الفوائد والمصالح العامة والتي لا تختص بطرف دون الآخر:\nأ- إقامة الملة والشريعة وحفظ العقيدة والدين لتكون كلمة الله هي العليا، قال تعالى: وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ [البقرة: ٢٥١] وقال: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج: ٤٠] وقال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ [البقرة: ١٩٣] وقال: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه [الأنفال: ٣٩].\nهذا واعلم أن الإنسان لابد له من أمر ونهي ودعوة، فمن لم يأمر بالخير ويدعو إليه أمر بالشر .. بل لو أراد الإنسان أن لا يأمر ولا ينهى لا بخير ولا بشر، فإنه لابد له وأن يؤمر وينهى كما تقدم، .. فلمن لم يزحف بمبادئه زحف عليه بكل مبدأ وفكرة، والنفس تتلقى وتتشرب من المبادئ الأخرى والأخلاق، والطبع سراق، شعرت أم لم تشعر.\nولذلك أمر الإسلام بمجالسة الصالحين وأهل البر والمعروف والخير، ونهى عن مجالسة غيرهم، لأن النفس والطبع سراقان لما يريانه، وصاحبهما لا يشعر في كثير من الأحيان.\nفإذا قام الناس بذلك المطلب العظيم تحققت حماية المجتمع المسلم من كل دخيل عليه، وإن ذلك يكون بمثابة قوة المناعة التي أودعها الله تعالى في البدن لتقاوم الأمراض والأسقام .. بالإضافة إلى أن الأمر بالمعروف يغذي الأمة أفرادًا وجماعات بالمثل والقيم والأخلاق والعقائد السليمة .. فلا يحتاج أحد منهم إلى استيراد مبدأ أو خلق أجنبي على هذا الدين.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٥٥٧).","vol":"8","page":131},{"text":"فإذا أهملنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شعر الناس بالخواء الفكري والروحي، وبدؤوا يبحثون عما يسد جوعتهم، ويملأ نفوسهم وقلوبهم، واتجهوا إلى المبادئ الأرضية والأفكار المتعفنة، وهجمت عليهم الانحرافات بأنواعها وألوانها التي لا تحصى، ومن ثم يتلقفهم شياطين الجن والإنس على مختلف رتبهم وتخصصاتهم من مشككين ومشرعين .. إلخ.\nوبالتالي تظهر الفترة، وتستحكم الغربة، ويصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا.\nومن المعلوم أن الإنسان لديه دافع داخلي يدفعه إلى حب الفضيلة والخير وفعلهما، وهو أمر مغروس في فطرته، فإذا وجد من يفعل المعروف فإن ذلك يحركه للقيام به، فإذا كان ذلك الفاعل له من نظرائه كان الدافع لفعله أكبر، فكيف إذا أمره بفعله آمر وحرضه عليه؟! لا ريب أن هذا يكون أدعى إلى القيام به، ثم لو ليم على ترك ذلك المعروف، أو نيل منه بكلام أو ضرب أو حبس، كان ذلك دافعًا خامسًا لتحقيقه.\nوذلك لأن النفوس مجبولة على تشبه بعضها ببعض .. وقد شبهها شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀- بأسراب القطا .. فإذا كثر الفاعلون للخير تداعى الناس لفعله، ولذا جاء في الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ..» (١).\nوسبب ورود هذا الحديث، هو ذلك الرجل الذي جاء بتلك الصرة من المال فوضعها بين يدي رسول الله ﷺ فتداعى الناس إلى التصدق.\nب- رفع العقوبات العامة .. قال الله تعالى: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠] وقال أيضًا في الجواب عن سبب مصابهم يوم أحد: قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ١٦٥] فالكفر والمعاصي بأنواعها سبب للمصائب والمهالك، قال تعالى: فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ .... [هود: ١١٦] وقال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: ١١٧] (وهذه الإشارة تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم، فإن الأمة التي يقع فيها الظلم والفساد فيجدان من ينهض لدفعهما هي أمم ناجية لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير، فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر ذلك، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد فهي أمم مهددة بالدمار والهلاك كما هي سنة الله تعالى في خلقه، وبهذا تعلم أن دعاة الإصلاح المناهضون للطغيان والظلم والفساد هم صمام الأمان للأمم والشعوب، وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين للخير والصلاح الواقفين للظلم والفساد، إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله واستحقاق النكال والضياع) (٢).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله ﵁.\n(٢) ما بين القوسين من كلام سيد ﵀ في «الظلال» (١٢/ ٧٩) بتصرف.","vol":"8","page":132},{"text":"ج- استنزال الرحمة من الله تعالى، لأن الطاعة والمعروف سبب للنعمة قال الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧] وقال: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٤٦ – ١٤٨]\nوقال: وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل: ٤١ - ٤٢]. ومثل ذا كثير في الكتاب والسنة كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ [الأعراف: ٩٦] وقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ... [المائدة: ٦٦].\nوقال ﵊: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصًا وتروح بطانًا» (١).\nد- شد ظهر المؤمن وتقويته ورفع عزيمته، وإرغام أنف المنافق .. فإن المؤمن يقوى ويعتز حينما ينتشر الخير والصلاح ويوحد الله لا يشرك به، وتضمحل المنكرات على إثر ذلك، بينما يخنس المنافق بذلك، ويكون ذلك سببًا لغمه وضيق صدره وحسرته، لأنه لا يحب ظهور هذا الأمر ولا ذيوعه بين الخلق. كيف لو طولب هو بالتطبيق والعمل ومجانبة المنكر .. وألزم بما أظهر من الانتساب إلى الدين؟! لا شك أنه يتألم لذلك أشد الألم ويحزن بسببه أشد الحزن.\nقال الثوري –﵀-: (إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق) (٢).\nهـ- بقيام المسلمين بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحصل لهم الطموح والترفع عن الدنايا، كما يحصل لهم الشعور بأنهم ربانيون يصلحون الناس، وحينئذ يكونون قدوة حسنة بصلاح أنفسهم وحسن استقامتهم، مما يجعلهم يحاسبون أنفسهم على أصغر زلة، وهذه بحد ذاتها فائدة عظيمة جدًا اقتضتها حكمة الله في تهيئة هذه الأمة لقيادة غيرها من الأمم (٣).\nوابتلاء الخلق بعضهم ببعض .. لأن هذا العمل بجميع مراتبه وأنواعه جهاد، وما قتال الكفار بالسيف والسنان إلا نوع من أنواعه.\nقال تعالى: وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ [محمد: ٤]. وبمثل هذه الابتلاءات يظهر إيمان المؤمن، وصبره على مكاره النفس في سبيل رضى ربه، ولأجل نشر دينه وشريعته.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٣٤٤)، وأحمد (١/ ٣٠) (٢٠٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٦٦) (١١٨٢). من حديث عمر ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال ابن حبان في «المقاصد الحسنة» (٤٠٢): صحيح، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٢٨)، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٦٦) كما أشار لذلك في مقدمته. وقال محمد جار الله في «النوافح العطرة» (٢٧٥): صحيح.\n(٢) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للخلال (ص: ٦٧).\n(٣) انظر: «صفوة الآثار والمفاهيم» (٤/ ٢٧٤).","vol":"8","page":133},{"text":"ز- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنصر على الأعداء، فإن الأمة لا تنتصر بعدد ولا عدة، وإنما تنتصر بهذا الدين، ولذا كانت مخالفة أمر رسول الله ﷺ وإرادة الدنيا من البعض سبب لوقوع الهزيمة في أحد، أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ١٦٥] وقال: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠] وقال: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ [التوبة: ٢٥] وقال: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤٠ – ٤١].\nح- تحقيق وصف الخيرية في هذه الأمة قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: ١١٠] وقد تقدم إيراد كلام بعض أهل العلم في هذه الآية، كعمر بن الخطاب –﵁-، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير وغيرهم.\nط- التجافي عن صفات المنافقين، وظهور الفرقان بين صفاتهم وصفات المؤمنين .. ذلك أن من أخص صفات المؤمنين القيام بهذا العمل الطيب قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... [التوبة: ٧١].\nكما أن ترك القيام بهذا العمل يعد من صفات المنافقين البارزة، كما أخبر الله ﷿ عن ذلك بقوله: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة: ٦٧]. وسيأتي في آخر هذا المبحث – عند ذكر الآثار المترتبة على تركه – كلام الإمام أحمد – ﵀ – (يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه بينهم مثل الجيفة ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع – إلى أن قال – المؤمن إذا رأى أمرًا بالمعروف أو نهيًا عن المنكر لم يصبر حتى يأمر وينهى .. والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه ..).\nي- استقامة الموازين، واتزان المفاهيم، فيجلو أمر المنكر أمام الناس، ويعلمون أنه منكر، كما يعلمون أن هذا الأمر المعين من المعروف، وبالتالي يقبلون على هذا ويعرضون عن ذاك، بخلاف ما إذا عطل جانب الأمر والنهي، فقد يتوهم كثير من الناس في كثير من المنكرات أنها من المعروف، كما يتوهم كثير منهم كذلك في كثير من أمور المعروف وخصاله أنها من المنكر، فيشنعون على فاعلها، ويقفون في طريقه، كما هو حاصل في هذه الأيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: ٦٨","vol":"8","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2175>المبحث الثاني: فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\n• المطلب الأول: الأدلة على فضله من القرآن الكريم.\n• المطلب الثاني: الأدلة من السنة على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.","vol":"8","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2176>المطلب الأول: الأدلة على فضله من القرآن الكريم</span>\n١ - قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران: ١١٠].\nسبب نزولها: قال عكرمة ومقاتل: نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة -﵃- وذلك أن مالك بن الضيف ووهب بن يهوذا قالا: نحن أفضل منكم وديننا خير مما تدعونا إليه. فأنزل الله هذه الآية (١).\nمن المخاطب بهذه الآية؟ قال ابن عباس -﵄- هم الذين هاجروا مع النبي ﷺ إلى المدينة. وقال الضحاك: هم أصحاب محمد ﷺ خاصة الرواة والدعاة الذين أمر الله بطاعتهم (٢).\nوقال الحسن البصري ومجاهد وجماعة: الخطاب لجميع الأمة (٣).\nوهذا القول هو الراجح -والله أعلم- فالخطاب يشمل جميع أمة محمد ﷺ وذلك للمرجحات التالية:\nأ- أن الآية عامة وليس فيها تخصيص صريح يقيدها بالصحابة أو بطائفة منهم.\nب- النصوص الواردة في الكتاب والسنة والتي تبين فضل أمة محمد ﷺ على سائر الأمم، منها:\n١ - قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣].\nقال القرطبي - ﵀ - وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطًا، أي دون الأنبياء وفوق الأمم، والوسط العدل (٤).\nوقد فسر النبي ﷺ الوسطية بالعدل فقد.\n٢ - ورد عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن النبي ﷺ في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: ١٤٣].\nقال (عدلًا) (٥).\n٣ - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، ويشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدًا فذلك قوله جل ذكره وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (٦).\n٤ - وقوله ﷺ «نحن الآخرون السابقون» (٧).\n٥ - وعن أنس بن مالك -﵁- عن النبي ﷺ أنه قال حين مرت جنازة فأثني عليها خيرًا فقال: «وجبت وجبت وجبت» ثم مر عليه بأخرى فأثني عليها شرًا فقال: «وجبت وجبت وجبت» فقال عمر: فدى لك أبي وأمي: مر عليك بجنازة فأثني عليها خيرًا فقلت: «وجبت وجبت وجبت» ومر بجنازة فأثني عليها شرًا. فقلت: «وجبت وجبت وجبت» فقال رسول الله ﷺ «... من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض» (٨).\nفهذه النصوص تفيد بمضمونها عموم الأمة، وأن الخطاب ليس مقصورًا على الصحابة ولا على جزء منهم.\n_________\n(١) «أسباب النزول» الواحدي (ص: ٧٨).\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (٧/ ١٠٢).\n(٣) «تفسير البحر المحيط» (٣/ ٢٨).\n(٤) «الجامع لأحكام القرآن» القرطبي (٢/ ١٥٣)\n(٥) رواه البخاري (٧٣٤٩).\n(٦) رواه البخاري (٤٤٨٧).\n(٧) رواه البخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٨) رواه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩). من حديث أنس ﵁.","vol":"8","page":136},{"text":"وقال القرطبي: قال علماؤنا أنبأنا ربنا - ﵎- في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه، فجعلنا أولًا مكانًا وإن كنا آخرًا زمانًا كما قال ﵇ «نحن الآخرون الأولون».\nوهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول ولا ينفذ قول غير العدول على غيرهم إلا أن يكونوا عدولًا (١).\nوهذا القول يزيد ترجيحنا قوة.\nوقد اختلف في لفظة كان فقيل هي بمعنى الحدوث والوقوع، والمعنى وجدتم خير أمة وعلى هذا فكان فعل تام، وقيل كان ناقصة وهي عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض ولا تدل على انقطاع طارئ بدليل قوله: إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [سورة النساء: ٢٣]. فعلى هذا التقدير يكون المعنى كنتم خير أمة، وقيل معناه كنتم مذكورين في الأمم الماضية فأنتم خير أمة، وقيل معناه كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة (٢).\nوقال الرازي في تفسيره: المعنى أنكم (كنتم) في اللوح المحفوظ خير الأمم وأفضلها، فاللائق بهذا ألا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة وأن لا تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة وأن تكونوا منقادين مطيعين في كل ما يتوجه عليكم من التكاليف (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال في قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] قال: «خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا الإسلام» (٤).\nوقال قتادة: (هم أمة محمدﷺ- لم يؤمر نبي قبله بالقتال فهم يقاتلون الكفار فيدخلونهم في الإسلام فهم خير أمة أخرجت للناس) (٥).\nوعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال «إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله» (٦).\nفالله ﷾ يخبر في هذه الآية الكريمة بأن أمة محمد ﷺ خير الأمم التي خلقت من قبل وذلك بسبب فضائل كثيرة منها أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وحري بكل مسلم يتلو هذه الآية أو يسمعها أن يطبق ما تدعو إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل عليه أن يطبقه على نفسه أولًا ثم على إخوانه المسلمين وغيرهم ثانيًا، فيفعل الخير ويأمر به ويتجنب الشر ويحذر منه وليعلم أنه متى ترك هذا الجانب المهم (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فإنه يفقد الفضيلة التي وصف الله بها المؤمنين.\nلذا ينبغي لكل مسلم ولا سيما الدعاة أن يجعلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزءًا من حياتهم.\n٢ - ويقول تعالى: لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١١٤].\n_________\n(١) «الجامع لأحكام القرآن» القرطبي (٢/ ١٥٦، ١٥٧).\n(٢) «روح المعاني» الألوسي (٥/ ٢٧٠هـ)\n(٣) «التفسير الكبير ومفاتيح الغيب» الفخر الرازي (٤/ ١٧٣هـ)\n(٤) رواه البخاري (٤٥٥٧).\n(٥) «تفسير العلامة أبي السعود» (١/ ٥٣٣)\n(٦) رواه الترمذي (٣٠٠١)، وابن ماجه (٣٤٨٠)، وأحمد (٥/ ٣) (٢٠٠٤١)، والحاكم (٤/ ٩٤)، والبيهقي (٩/ ٥) (١٨١٧٢). قال الترمذي: حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٦/ ١١٢)، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ٧٣): حسن صحيح، وله شاهد مرسل رجاله ثقات.","vol":"8","page":137},{"text":"النجوى السر بين الاثنين أو الجماعة، تقول ناجيت فلانًا ونجا، وهم يتناجون، ونجوت فلانًا أنجوه نجوى أي أناجيه، فنجوت مشتقة من نجوت الشيء أنجوه: أي أخلصته وأفردته، والنجوة من الأرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله. فالنجوى المسارة (١).\nوقال جماعة من المفسرين: إن النجوى كلام الجماعة المنفردة أو الاثنين سواء كان ذلك سرًا أو جهرًا (٢).\nوقيل النجوى: الإسرار في التدبير (٣).\nمعنى الآية: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا فيما كان من أعمال الخير (٤).\nوقال القشيري: أفضل الأعمال ما كانت بركاته تتعدى صاحبه إلى غيره، ففضيلة الصدقة يتعدى نفعها إلى من تصل إليه، والفتوة أن يكون سعيك لغيرك، وأما المعروف فكل حسن في الشرع معروف، ومن ذلك إنجاد المسلمين وإسعادهم فيما لهم فيه قربة إلى الله وزلفى عنده، وإعلاء التواصي بالطاعة، ومن تصدق بنفسه على طاعة ربه وتصدق بقلبه على الرضى بحكمه ولم يخرج بالانتقام لنفسه، وحث الناس على ما فيه نجاتهم بالهداية إلى ربهم وأصلح بين الناس بصدقه في حاله، فإن لسان فعله أبلغ في الوعظ من لسان نطقه (٥).\nفالله ﷾ بين أنه لا خير فيما يتناجى فيه الناس إلا ما كان فيه الحث على الصدقة وفعل المعروف والإصلاح بين الناس.\n٣ - قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمعروف وينهون عن المنكر وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٧١].\nقال أبو السعود في قوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض: بيان لحسن حال المؤمنين والمؤمنات حالًا ومالًا إثر بيان قبح حال أضدادهم عاجلًا وآجلًا (٦).\nوقيل: قلوبهم متحدة في التواد والتحاب والتعاطف (٧).\nوأما قوله: يَأْمُرُونَ بالمعروف وينهون عن المنكر [التوبة: ٧١] أي يأمرون بعبادة الله تعالى وتوحيده وكل ما أتبع ذلك، وينهون عن عبادة الأوثان وكل ما أتبع ذلك (٨).\nفالآية تفيد أن المؤمنين جميعًا من رجال ونساء ينطلقون من قاعدة واحدة، وهي أنهم يأمرون بالأمور الحسنة والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة وينهون عن كل ما خالف الشرع من العقائد الفاسدة والأعمال السيئة والأخلاق الرديئة، ومن هذا شأنه أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ [التوبة: ٧١] يدخلهم الله في رحمته ويشملهم بإحسانه (٩).\nوقال الزمخشري في تفسيره: السين مفيدة وجوب الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد والوعيد (١٠).\nإذًا فمن هذه صفته يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإن الله ﷾ يدخله في رحمته، وذلك فضل منه وتكرم وإحسان وليس من باب الوجوب فالله - ﷾- لا يجب عليه شيء ولو عامل عباده بعدله لم ينج منهم أحد.\n_________\n(١) انظر: «الصحاح» الجوهري (٦/ ٢٥٠١، ٢٥٠٣).\n(٢) «فتح القدير» الشوكاني (٢/ ٥١٤، ٥١٥)\n(٣) «تفسير البغوي» (١/ ٤٧٩).\n(٤) «روح المعاني» الألوسي (٥/ ٤٠٣).\n(٥) «لطائف الإشارات» القشيري (١/ ٣٦٣، ٣٦٤).\n(٦) «تفسير أبي السعود» (٤/ ٨٢).\n(٧) «الجامع لأحكام القرآن» القرطبي م٣، ٤ (٤/ ٢٠٣).\n(٨) «الجامع لأحكام القرآن» القرطبي م٣، ٤ (٤/ ٢٠٣).\n(٩) «تيسير الكريم الرحمن» عبد الرحمن السعدي (٣/ ٢٦٤)\n(١٠) «تفسير الكشاف» م١، ٢ (٢/ ٢٠٣).","vol":"8","page":138},{"text":"٤ - وقوله تعالى: لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وينهون عن المنكر وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤]\nسبب نزولها:\nقال الواحدي: قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سَعْيَة وأسيد بن سَعْيَة وأسعد بن عبيد ومن أسلم من اليهود قالت أحبار اليهود: ما آمن لمحمد إلا شرارنا ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد خنتم واستبدلتم بدينكم دينًا غيره فأنزل الله هذه الآية (١).\nمعنى الآية:\nليسوا سواء تفرقة بين هاتين الفرقتين من أهل الكتاب اليهود والنصارى وأنهم ليسوا سواء على وضع واحد في موقفهم من الإسلام والمسلمين، وإذا كانت الآية الكريمة قد فرقت بين الفرقتين فإنها لم تحدد أي الفريقين من أهل الكتاب هو المتجه إليه الحكم في قوله من أهل الكتاب.\nأمة قائمة في إطلاق الحكم هكذا بحيث يدخل فيه الفريقان معًا حكم عظيمة تبين أنه في كلا الفريقين من أهل الكتاب اليهود والنصارى جماعات قائمة على الحق مؤمنة بالله واليوم الآخر تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر (٢).\nفمعنى الآية ليس أهل الكتاب على حد سواء، بل منهم المجرم ومنهم المسلم القائم على الحق المستقيم على الهدى التالي لآيات الله والساجد له والمؤمن بالبعث بعد الموت الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. ومن كانت هذه حاله فهو من (الصالحين) أي من جملة من صلحت أحوالهم عند الله ﷿ واستحقوا رضاه وثناءه (٣).\nفالله ﷾ أثنى عليهم لاتصافهم بالصفات المذكورة ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n٥ - وقوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١١٢].\nأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس -﵄- قال من مات على هذه التسع فهو في سبيل الله التائبون العابدون (٤) الآية.\nالتائبون الراجعون إلى طاعة الله تعالى عن الحالة المخالفة للطاعة.\nوهل المراد التوبة من الشرك أو من كل معصية أو الأظهر أنه من كل معصية؟\nقال في فتح البيان (.. ثم قيل المراد بالتوبة عن الشرك والبراءة من النفاق وقيل من كل معصية) (٥).\n(العابدون) المؤدون لما أوجب الله عليهم من الطاعات القولية والفعلية (٦).\n(السائحون) الصائمون (٧).\n(الراكعون الساجدون) المكثرون من الركوع والسجود في صلاة الفرض والنفل (٨).\n(الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر).\nأي الآمرون بجميع ما أمر الله ورسوله بفعله والناهون عن جميع ما أمر الله ورسوله ﷺ بتركه.\nقال المراغي: أي الداعون إلى الإيمان وما تبعه من أعمال البر والخير والناهون عن الشرك وما بسبيله من المعاصي والسيئات (٩).\n_________\n(١) «أسباب النزول» الواحدي (ص: ٨٧).\n(٢) «التفسير القرآني للقرآن» عبد الكريم الخطيب (١/ ٥٦١).\n(٣) انظر إلى: «زاد المسير» ابن الجوزي (١/ ٤٤٢).\n(٤) «الدر المنثور في التفسير المأثور» السيوطي (٣/ ٢٨١).\n(٥) «فتح البيان في مقاصد القرآن» صديق خان (٤/ ٢٠٥).\n(٦) انظر «تفسير التحرير والتنوير» محمد عاشور (١١/ ٩١).\n(٧) «زاد المسير» ابن الجوزي (٣/ ٥٠٦).\n(٨) «زاد المسير» ابن الجوزي (٣/ ٥٠٦).\n(٩) «تفسير المراغي» (٤/ ٣٤).","vol":"8","page":139},{"text":"(والحافظون لحدود الله) أي الحافظون لشرائعه وأحكامه التي بين فيها ما يجب على المؤمنين اتباعه وما يحظر عليهم فعله منها، وكذا ما يجب على أئمة المسلمين وأولي الأمور منهم إقامته وتنفيذه بالعمل في أفراد المسلمين وجماعتهم إذا أخلوا بما يجب عليهم حفظه منها (١).\n(وبشر المؤمنين) أي وبشر المؤمنين المتصفين بالصفات المذكورة في الآية الكريمة.\nففي هذه الآية دليل على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله أثنى عليهم وبشرهم.\nوفي الآية إظهار في مقام الإضمار اعتناء بهم وتشريفًا لقدرهم وحذف المبشر به إشارة إلى أنه لا يدخل تحت الحصر بل لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (٢).\n٦ - وقوله تعالى: فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ [هود: ١١٦].\nفهذا دليل على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث إنه كان سببًا لنجاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وهلاك الآخرين.\nيقول الشيخ: عبد الرحمن السعدي:\n(وهذا حث لهذه الأمة أن يكون فيهم بقايا مصلحون لما أفسد الناس قائمون بدين الله يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ويبصرونهم من العمى، وفي هذه الحالة أعلى حالة يرغب فيها الراغبون وصاحبها يكون إمامًا في الدين إذا جعل عمله خالصًا لرب العالمين) (٣).\n٧ - وقوله تعالى: واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٥].\nفالله ﷾ يخبر عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق، فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم، وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا أي لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم قالت لهم المنكرة: مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ أي نفعل ذلك مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ أي فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ولعلهم بهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ويرجعون إلى الله فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أي فلما أبى الفاعلون قبول النصيحة أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ ارتكبوا المعصية بِعَذَابٍ بَئِيسٍ فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين وسكت عن الساكتين لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحًا فيمدحون ولا ارتكبوا عظيمًا فيذمون (٤).\n_________\n(١) «تفسير المراغي» (٤/ ٣٤).\n(٢) «الصاوي على الجلالين» (٢/ ١٤٦).\n(٣) «تيسير الكريم الرحمن» (٣/ ٤٦٨، ٤٦٩).\n(٤) انظر «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٥٧).","vol":"8","page":140},{"text":"وقد اختلف المفسرون في الفرقة الساكتة هل نجت أم هلكت؟\nفقال القرطبي - ﵀ -:\nإن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع العاصية عقوبة على ترك النهي قاله ابن عباس وقال أيضًا: ما أدري ما فعل الله بهم. وهو الظاهر من الآية. قال عكرمة: قلت لابن عباس لم قلت ما أدري ما فعل الله بهم؟! ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا فكساني حلة (١).\nورجح أيضًا أبو السعود أن الفرقة الساكتة نجت يقول في قوله تعالى: أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وهم الفريقان (٢).\nوالآية الكريمة لم تذكر صراحة إلا الفريقين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والمهلكين.\nوالأولى - عندي -:\nترك الخوض في أمرهم ونكل علم ذلك إلى الله تعالى. وإن كنا نجزم أن درجتهم أقل من درجة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. ويكفي في نزول درجتهم سكوت الله تعالى عنهم والله تعالى أعلى وأعلم.\nوالمهم أن نعرف أن الله ﷾ بين لنا في هذه الآية الكريمة أنه أنجى الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر من العذاب الذي أصاب القوم. وهذا دليل على فضله وعظمته حيث كان سببًا في نجاة أهله ..\n٨ - قول الله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]\nوقد اختلف المفسرون في معنى العدل والإحسان في الآية.\nفقال ابن عباس -﵄- العدل: لا إله إلا الله. والإحسان أداء الفرائض.\nوقيل العدل: الفرض، والإحسان: النافلة.\nوقال سفيان بن عيينة: العدل ههنا استواء السريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية. وقال علي بن أبي طالب -﵁- العدل الإنصاف والإحسان التفضل (٣).\nوقيل: العدل هو القيام على طريق الحق في كل أمر، فمن أقام وجوده على العدل استقام على طريق مستقيم فلم ينحرف عنه أبدًا ولم تتفرق به السبل. والإحسان إحسان مطلق يتناول كل قول يقوله الإنسان وكل عمل يعمله، بل الإحسان هو الإيمان بالله على أتم صورة وأكملها بحيث لا يبلغ درجة الإحسان إلا من عبد الله على هذا الوجه الذي بينه الرسول ﷺ «أن تعبد الله كأنك تراه» (٤).\nقلت: والعدل والإحسان يشمل كل ما ذكره المفسرون بل أوسع مما ذكروه بكثير والله أعلم.\nوإيتاء ذي القربى يعني ويأمر بصلة الرحم وهم القرابة الأدنون والأبعدون منك فيستحب أن تصلهم من فضل ما رزقك الله فإن لم يكن لك فضل فدعاء حسن (٥).\n(وينهى عن الفحشاء والمنكر) الفحشاء ما قبح من القول والفعل فيدخل فيه الزنا وغيره من جميع الأقوال والأفعال، (والمنكر) ما لا يعرف في شريعة ولا سنة (والبغي) الكبر والظلم والتطاول على الغير (٦).\nيعظكم لعلكم تذكرون أي يعظكم بما يأمر وينهى طلبًا لأن تتعظوا بذلك (٧).\nفبين ﷾ في هذه الآية أنه ينهى عن الفحشاء والمنكر. فيكفي شرفًا للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أنهم ينهون عما ينهى عنه الله ﷾ فهم في حقيقة الأمر منفذون لأمر الله تعالى داعين إلى تنفيذه.\n_________\n(١) «الجامع لأحكام القرآن» القرطبي (٧/ ٣٠٧).\n(٢) «تفسير أبي السعود» (٢/ ٤٢٣).\n(٣) ذكر ذلك كله القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» م٥ (١٠/ ١٦٥).\n(٤) جزء من حديث رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) «تفسير الخازن» (٣/ ١٣١).\n(٦) «تفسير الخازن» (٣/ ١٣١).\n(٧) «تفسير أبي السعود» (٣/ ٣٩٥).","vol":"8","page":141},{"text":"٩ - وقوله تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤٠ - ٤١].\nيقول الفخر الرازي: ولولا دفاع الله أهل الشرك بالمؤمنين من حيث يأذن لهم في جهادهم وينصرهم على أعدائهم لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وعطلوا ما يبغونه من مواضع العبادة ولكنه دفع هؤلاء بأن أمر بقتال أعداء الدين ليتفرغ أهل العبادة وبناء البيوت لها. لهذا المعنى ذكر الصوامع والبيع والصلوات وإن كانت لغير أهل الإسلام (١).\nوقيل لولا هذا الدفع لهدمت في زمن موسى الكنائس وفي زمن عيسى الصوامع والبيع وفي زمن محمد ﷺ المساجد (٢).\nوقيل لولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة، وقيل لولا دفع الله العذاب بدعاء الأخيار (٣).\nوالصوامع: قيل إنها صوامع الرهبان. قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد، وقيل إنها صوامع الصابئين. قاله قتادة.\nوأما البيع فقيل: هي بيع النصارى. وأما الصلوات فقيل: إنها كنائس اليهود وقيل مساجد الصابئين.\nوأما المساجد: فقيل مساجد المسلمين قاله ابن عباس (٤).\nوروي عن الحسن أنها بأسرها أسماء المساجد، أما الصوامع فلأن المسلمين قد يتخذون الصوامع، وأما البيع فأطلق هذا على المساجد على سبيل التشبيه، وأما الصلوات فالمعنى أنه لولا ذلك الدفع لانقطعت الصلوات ولخربت المساجد (٥) ولا يخفى علي أوالقول من بعد. والذي حمله على ذلك هو أنه لا يمكن أن يدافع عن هذه الأماكن والعبادة فيها باطلة ولكن المعنى: أن هذه الأماكن مع أنها مخصصة للعبادة لا يشفع لها في نظر الباطل أن اسم الله يذكر فيها ... (٦).\nوقوله وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ أي ينصر دينه وأولياءه فهو قوي على نصر أوليائه والانتقام من أعدائه.\nوقوله: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ هذا إخبار عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إن مكنهم الله في الأرض وبسط لهم الدنيا كيف يقومون بأمر الدين. وفيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين لأن الله تعالى أعطاهم التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ أي مرجعها إلى تقديره وفيه تأكيد لما وعد من إظهار أوليائه وإعلاء كلمته (٧).\nوقال سيد قطب -﵀-:\n_________\n(١) «تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب) م١٢ (٢٣/ ٤٠، ٤١)\n(٢) «فتح القدير» الشوكاني (٣/ ٤٥٧).\n(٣) «فتح القدير» الشوكاني (٣/ ٤٥٧).\n(٤) ذكر هذه الأقوال ابن الجوزي «زاد المسير» (٥/ ٤٣٦، ٤٣٧).\n(٥) «تفسير الفخر الرازي» م١١ (٢٣/ ٤١).\n(٦) انظر إلى «الظلال» سيد قطب (٤/ ٢٤٢٥).\n(٧) «تفسير القرآن الجليل». المسمى «بمدارك التنزيل وحقائق التأويل» النسفي (٣/ ٢٧٩هـ).","vol":"8","page":142},{"text":"الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ فحققنا لهم النصر وثبتنا لهم الأمر أَقَامُوا الصَّلَاةَ فعبدوا الله ووثقوا صلتهم به واتجهوا إليه طائعين خاضعين مستسلمين وآتوا الزكاة فأدوا حق المال وانتصروا على شح النفس، وتطهروا من الحرص، وغلبوا وسوسة الشيطان، وسدوا خلة الجماعة، وكفلوا الضعاف فيها والمحاويج، وحققوا لها صفة الجسم الحي، وأمروا بالمعروف فدعوا إلى الخير والصلاح ودفعوا إليه الناس، ونهوا عن المنكر فقاوموا الشر والفساد، وحققوا بهذا وذاك الأمة المسلمة التي لا تبقي على منكر وهي قادرة على تغييره، ولا تقعد عن معروف وهي قادرة على تحقيقه. هؤلاء هم الذين ينصرون الله إذ ينصرون نهجه الذي أراده للناس في الحياة معتزين بالله وحده دون سواه وهؤلاء هم الذين يعدهم الله بالنصر على وجه التحقيق واليقين (١).\nفالله ﷾ في آخر هذه الآيات وضع الأسس والقواعد للطائفة الحاكمة، وبين أن القيام بهذه القواعد سبب للتثبيت والنصر وأن الإخلال بها أو ببعضها سبب للهزيمة والإبعاد وربما يصحب ذلك عذاب. وهذه القواعد:\n١ - أن تقيم الصلاة في نفسها وفي مجتمعها وأن تؤدى كما يؤديها المصطفى ﷺ كاملة الشروط والأركان والواجبات ...\n٢ - وأن تؤدي الزكاة من نفسها أولًا ثم هي تأخذها من الأغنياء وتردها على الفقراء والمحتاجين ثانيًا.\n٣ - وأن تأتمر بالمعروف وتنتهي عن المنكر أولًا ثم هي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتناصر أهله وتحميهم وتعينهم على ذلك ثانيًا.\nفإذا حققت هذه الأسس كتب الله لها البقاء والنصر وإذا خالفت فلترتقب زوالها وخذلانها في أية ساعة من ليل أو نهار.\nوهذا دليل واضح في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث إنه كان سببًا أساسيًا في النصر إن أقيم أو الهزيمة إن ترك.\n١٠ - قول الله تعالى: لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة: ٦٣].\nقال في البحر المحيط: لولا تخصيص يتضمن توبيخ العلماء والعباد على سكوتهم عن النهي عن معاصي الله تعالى والأمر بالمعروف (٢).\nوقال الطبري -﵀-: هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان وأكل الربا في الحكم من اليهود من بني إسرائيل ربانيوهم وهم أئمتهم المؤمنون وساستهم العلماء، وأحبارهم وهم علماؤهم وقوادهم عن قولهم الإثم يعني قول الكذب والزور وذلك أنهم كانوا يحكمون فيهم بغير ما أنزل الله. ثم يقولون هذا حكم الله وأكلهم السحت يعني الرشوة (٣).\nوقال أيضا -﵀-: ما في القرآن أشد توبيخًا للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها (٤).\nفالآية فيها تخصيص يتضمن توبيخًا من جهة، ومن جهة أخرى فإذا كان الله تعالى ذم كبار القوم لعدم قيامهم بالأمر بالمعروف فإنه بالمقابل يحب الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.\nوإذا كان الله ﷾ رغب في الأمر بالمعروف وبين فضله من خلال النصوص السابقة فإنه رهب الذين يتركونه ولعنهم فقال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٨، ٧٩].\n_________\n(١) «في ظلال القرآن» سيد قطب (٤/ ٢٤٢٧، ٢٤٢٨).\n(٢) «البحر المحيط» أبو حيان (٣/ ٥٢٢).\n(٣) «تفسير الطبري» (٦/ ١٩٢، ١٩٣).\n(٤) «تفسير الطبري» (٦/ ١٩٢، ١٩٣).","vol":"8","page":143},{"text":"أي لعنهم الله جل وعلا في الإنجيل والزبور على لسان هذين النبيين -﵉- بأن أنزل الله ﷾: ملعون من يكفر من بني إسرائيل بالله أو بأحد من رسله ﵈ (١).\nوقيل: لعن الأسلاف والأخلاف ممن كفر بمحمد ﷺ على لسان داود وعيسى بن مريم لأنهما أعلما أن محمدًا ﷺ نبي مبعوث فلعنا من يكفر به (٢).\nذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ أي لم يكن اللعن الشنيع الذي كان سبب المسخ إلا لأجل المعصية والاعتداء لا شيء آخر، ثم فسر المعصية بقوله: كانوا لا يتناهون لا ينهى بعضهم بعضًا عن منكر فعلوه للتعجب من سوء فعلهم مؤكدًا لذلك بالقسم.\nفيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير وقلة عبئهم به كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب (٣).\nوقيل لا ينهى بعضهم بعضًا عن معاودة منكر فعلوه أو عن مثل منكر فعلوه أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤوا له ولا ينهون عنه (٤).\nفالله ﷾ لعن بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام بسبب أمور منها: أنهم لا يتناهون عن المنكرات الموجودة لديهم. وفي ذلك تحذير لأمة محمد ﷺ حتى لا يتهاونوا في هذا الباب.\nوقد جاءت السنة النبوية المطهرة موضحة هذا الجانب ومحذرة من مشابهة بني إسرائيل في تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوروي عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إلى قوله فاسقون ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم أو لتأطرنه على الحق أطرًا أو لتقصرنه على الحق قصرًا» (٥) وفي رواية «أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم» (٦).\nفهذا الحديث يدل على الحث على القيام بالمعروف والنهي عن المنكر والحذر من تركهما. فقد يصيب الأمة ما أصاب بني إسرائيل من اللعن بسبب تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود - بتصرف - ص ١٠٩\n_________\n(١) «روح المعاني» الألوسي (٦/ ٢١١) بتصرف.\n(٢) «الجامع لأحكام القرآن» القرطبي (٦/ ٢٥٢).\n(٣) «تفسير الكشاف» الزمخشري (٢/ ٤٢).\n(٤) «تفسير البيضاوي» (ص: ١٥٩).\n(٥) رواه أبو داود (٤٣٣٦)، ورواه الترمذي (٣٠٤٧)، وابن ماجه (٧٩٩)، وأحمد (١/ ٣٩١) (٣٧٣١). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن غريب، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ١٩٤): إسناده ثقات، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه عندهم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٨٩)، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٥/ ٢٦٨): إسناده ضعيف، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبو داود».\n(٦) رواها أبو داود (٤٣٣٧)، والبيهقي (١٠/ ٩٣) (١٩٩٨٣)، وأبو يعلى (٩/ ٢٧) (٥٠٩٤). من حديث ابن مسعود ﵁. قال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ١٩٤): إسناده ثقات، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه عندهم، قال الذهبي في «تلخيص العلل المتناهية» (٢٨١): فيه خالد بن عمرو كذاب، وضعف هذه الرواية الألباني في «ضعيف الجامع الصغير» (١٨٢٢).","vol":"8","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2177>المطلب الثاني: الأدلة من السنة على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nإن الأحاديث الواردة في فضله كثيرة جدًا ولكننا سوف نقتصر على طرف منها:\n١ - ورد في الصحيحين ومسند أحمد وسنن النسائي والدارمي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن أبي موسى الأشعري -﵁- أن النبي ﷺ قال: «على كل مسلم صدقة. قال أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق. قال أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير. قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال يمسك عن الشر فإنه له صدقة» (١).\nفالرسول ﷺ في هذا الحديث ندب الأمة إلى نفع الخلق بالتصدق عليهم، صدقة حسية أو معنوية. فمن وجد الحسية فهو خير وإلا تصدق بالمعنوية ففيها خير، وإن أمكنه فعل ذلك كله فهو أفضل.\nقال ابن حجر -﵀-: فمن أمكنه أن يعمل بيده فيتصدق وأن يغيث الملهوف وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويمسك عن الشر فليفعل الجميع (٢).\nويؤخذ من هذا الحديث أيضًا أن الرسول ﷺ ندب إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوقد يرد سؤال هنا ألا وهو. كيف جعل الأمر بالمعروف من الصدقات. وهو من فروض الكفاية؟\nنقول يتعين هذا الأمر إذا حصل من غيره القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإلا لا يكون من باب الصدقات وقد أشار ابن حجر –﵀- إلى هذه المسألة (٣).\n٢ - وعن أبي ذر -﵁- عن النبي ﷺ أنه قال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة. يجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» (٤).\n٣ - وفي رواية أخرى عن عائشة –﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرًا عن طريق الناس أو شوكة أو عظمًا عن طريق الناس، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين وثلاثمائة مفصل فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار» (٥).\n٤ - عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة» (٦).\nففي هذه الأحاديث الشريفة ترغيب من المصطفى ﷺ بفعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنهما سبب في نجاة العبد من النار.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٠٢٢)، ومسلم (١٠٠٨)، والنسائي (٥/ ٦٤)، والدارمي (٢/ ٣٩٩) (٢٧٤٧)، وأحمد (٤/ ٣٩٥) (١٩٥٤٩).\n(٢) «فتح الباري» ابن حجر العسقلاني (٣/ ٣٠٨هـ).\n(٣) انظر: «فتح الباري شرح صحيح البخاري» (٣/ ٣٠٩هـ).\n(٤) رواه مسلم (٧٢٠).\n(٥) رواه مسلم (١٠٠٧).\n(٦) رواه الترمذي (١٩٥٦)، وابن حبان (٢/ ٢٨٦) (٥٢٩). قال الترمذي: حسن غريب، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٢٩٣)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"8","page":145},{"text":"٥ - وعن حذيفة بن اليمان -﵁- قال: «كنا عند عمر بن الخطاب -﵁- فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ فقلت: أنا أحفظه كما هو. قال: هات إنك عليه –أو عليها- لجريء. قلت: فتنة الرجل أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس هذا أريد ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال ليس عليكم منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر قال: إذن لا يغلق أبدًا. قلنا أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم كما أن دون الغد الليلة. إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروقًا فسأله، فقال: عمر» (١).\nفهذا الحديث الشريف الصحيح دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب في تكفير الذنوب التي تحصل بسبب الفتنة في الأهل والمال والولد والجار. وقد قرنه ﷺ بالصلاة والصوم والصدقة، وهما من أركان الإسلام، فهذا دليل على فضله وعظمته.\n٦ - وعن أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري -﵁- أنا ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: «أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون. إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (٢).\nففي هذا الحديث دليل على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه يقوم مقام الصدقات المادية أو الحسية.\n٧ - وعن درة بنت أبي لهب –﵂- قالت قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر. فقال يا رسول الله أي الناس خير؟ فقال: «خير الناس أقرؤهم وأتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم» (٣).\nفالرسول ﷺ يبين في هذا الحديث أن من أفضل الناس من اتصف بالصفات المذكورة في هذا الحديث ومنها أن يكون آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٣٥)، ومسلم (١٤٤).\n(٢) رواه مسلم (١٠٠٦).\n(٣) رواه أحمد (٦/ ٤٣٢) (٢٧٤٧٤)، والطبراني (٢٤/ ٢٥٧) (٢٠٦٧٨). قال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٥٢٥): إسناده حسن، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٦٦): رواه أحمد وهذا لفظه والطبراني ... ورجالهما ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر.","vol":"8","page":146},{"text":"٨ - وروى الأصبهاني من حديث أبي الدرداء عويمر قال: «قلت يا نبي الله إن مع الإيمان عملًا؟ قال يرضخ مما رزقه الله. قال: قلت يا نبي الله: أرأيت إن كان فقيرًا لا يجد ما يرضخ به؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. قال: قلت يا رسول الله إن كان عييًا لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال يعين صانعًا أو يصنع لأخرق. قال: قلت يا نبي الله إن كان أخرق ولا يستطيع شيئًا؟ قال يعين مغلوبًا. قال قلت يا نبي الله أرأيت إن كان ضعيفًا لا يستطيع أن يعين مغلوبًا؟ قال ما تريد أن تترك في صاحبك من خير. قال: يمسك أذاه عن الناس. قلت: يا نبي الله إذا فعل ذلك يدخل الجنة؟ قال: ما من مسلم أو مؤمن يفعل خصلة من هؤلاء إلا أخذت بيده حتى يدخل الجنة» (١).\nفبين ﷺ في هذا الحديث أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الخصال التي تدخل صاحبها الجنة.\nومن المتفق عليه بين الأمة أن العمل الواحد لا ينجي صاحبه من النار ولا يدخله الجنة. ولكن –إذا صح هذا الحديث- فإننا نقول أن يقوم الإنسان بالمفروضات والواجبات ويركز على بعض الخصال المندوبة فحينئذ يرجى له دخول الجنة.\nوالله أعلم.\n٩ - وعن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده إن المعروف والمنكر خليقتان ينصبان للناس يوم القيامة. فأما المعروف فيبشر أصحابه ويعدهم الخير وأما المنكر فيقول إليكم إليكم وما يستطيعون له إلا لزومًا» (٢).\n١٠ - وعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ «ما من رجل ينعش لسانه حقًا يعمل به بعده إلا أجرى الله عليه أجره إلى يوم القيامة ثم وفاه الله ﷿ ثوابه يوم القيامة» (٣).\nفهذان الحديثان يبينان عظمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضلهما حيث إن المعروف يبشر صاحبه والنهي عن المنكر يدافع عنه. وأن أجره يجري إلى يوم القيامة طالما أن ذلك العمل ناتج بسبب أمره ونهيه.\nفهنيئًا للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لما ينالهم من الثواب الكبير والأجر العظيم. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – بتصرف - ص١٤٠\n_________\n(١) لم أقف عليه من حديث أبي الدرداء. ولكن الحديث رواه ابن حبان (٢/ ٩٦) (٣٧٣)، والطبراني (٢/ ١٥٦) (١٦٥١)، والحاكم (١/ ١٣٢)، والبيهقي (٣/ ٢٠٣). من حديث أبي ذر ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٢٣٣): رواته ثقات، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٣٨): رجاله ثقات.\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٣٩١) (١٩٥٠٥)، والطيالسي (٥٣٥)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨/ ٣٧٦) (٨٩٢٥). قال البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (٧/ ٣٦٣): رواه أبو داود الطيالسي، ورواته ثقات، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٦٥): رواه أحمد والبزار ورجالهما رجال الصحيح، وقال الألباني في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥٠٨٢): رجاله ثقات رجال الشيخين، لكن قتادة والحسن البصري مدلسان وقد عنعناه.\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٢٦٦) (١٣٨٢٩)، والخطيب البغدادي في «موضح أوهام الجمع والتفريق» (٢/ ٤٦٧)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٩٥)، وقال: إسناده فيه نظر لكن الأصول تعضده. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٧٢): فيه عبيد الله بن عبد الله بن موهب، قال أحمد: لا يعرف، قلت: وشيخ ابن موهب مالك بن محمد بن حارثة الأنصاري لم أر من ترجمه، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٩٢).","vol":"8","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2178>المبحث الثالث: الآثار المترتبة على تركه</span>\n١ - وقوع الهلاك: وذلك من جهتين:\nالأولى: أن المعاصي التي تظهر ولا تنكر سبب للعقوبات والمصائب (١).\nالثانية: أن السكوت ذاته يعد معصية يستحق صاحبه العقوبة (٢)، كما أنه يدل على التهاون في دين الله ﷿.\nهذا إذا كان الساكت عنه فردًا من أفراد المجتمع .. أما حين يسكت المجتمع بأكمله .. فإن العقوبة تعم في هذه الحال. قال الله تعالى: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً [الأنفال: ٢٥]. وقال البخاري –﵀-: باب ما جاء في قوله تعالى: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ... ثم ذكر بعض الأحاديث تحت هذا الباب. قال الحافظ: (وعند الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب) (٣). ولهذا الأثر شاهد من حديث عدي بن عميرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﷿ لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة» (٤). ا. هـ (٥).\nوقد ورد في هذا المعنى أحاديث وآثار متنوعة، منها حديث أبي بكر الصديق –﵁ عند بيانه لما أشكل على البعض من قوله تعالى: عليكم أنفسكم وفيه: وإنما سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب ...» (٦).\nوثبت عنه أيضًا. «وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيروا ولا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب» (٧).\nقال ابن العربي في شرحه: (وهذا الفقه عظيم، وهو أن الذنوب منها ما يعجل الله عقوبته، ومنها ما يمهل بها إلى الآخرة، والسكوت عن المنكر تتعجل عقوبته في الدنيا بنقص الأموال والأنفس والثمرات، وركوب الذل من الظلمة للخلق ...) ا. هـ (٨).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١٣٨ – ١٤٢، ٢١٥).\n(٢) «تفسير السعدي» (٢/ ١٥٥).\n(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٧٤) (٧٠٨١). قال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٦): ولهذا الأثر شاهد.\n(٤) رواه أحمد (٤/ ١٩٢) (١٧٧٥٦، ١٧٧٥٧)، وابن أبي شيبة في «المسند» (٢/ ١٦٨)، وابن المبارك في «الزهد» (١٣٥٢)، والطبراني (١٧/ ١٣٩) (١٤٠٣٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٧٠): رواه أحمد من طريقين إحداها هذه والأخرى عن عدي بن عدي حدثني مولى لنا وهو الصواب وكذلك رواه الطبراني وفيه رجل لم يسم وبقية رجال أحد الإسنادين ثقات، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٦): إسناده حسن وله شاهد.\n(٥) انظر: الفتح (١٣/ ٣ - ٤)\n(٦) رواه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، وأحمد (١/ ٧) (٢٩، ٣٠)، وابن حبان (١/ ٥٣٩) (٣٠٤). قال الترمذي، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٣/ ٢٠٨): صحيح، وصحح إسناده النووي في «الأذكار» (٤١٢)، وابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ١٩٣)، وأحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٣٦)، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٧) رواه أبو داود (٤٣٣٨). قال الألباني في «صحيح الترغيب» (٢٣١٧): صحيح، وقال الوادعي في «الصحيح المسند» (٧١٣): صحيح على شرط الشيخين.\n(٨) «عارضة الأحوذي» (٩/ ١٥).","vol":"8","page":148},{"text":"وقد جاء من حديث جرير –﵁ مرفوعًا: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب» (١).\nوعن حذيفة –﵁ مرفوعًا: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» (٢).\nولما قالت أم المؤمنين زينب –﵂-: «أنهلك وفينا الصالحون؟» قال النبي ﷺ: «نعم إذا كثر الخبث» (٣).\nوقال بلال بن سعد –﵀-: (إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم تغير ضرت العامة) (٤).\nوقال عمر بن عبد العزيز –﵀-: (كان يقال: إن الله تعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارًا استحقوا كلهم العقوبة) (٥).\nهذا وإن العقوبات تتنوع وتقع بصور مختلفة، فمنها ما يكون بالتدمير بالزلازل أو الفيضانات أو نقص الأنفس من جراء الحروب أو الأوبئة أو نقص الثمرات، ومنها ما يكون بالريح، أو بإدالة الأعداء، أو بتولي أهل الشر وتسلطهم على رقاب المسلمين (ولا تكون القيادة لأهل الشر إلا إذا تخلى عنها أهل الخير ورضوا من إيمانهم بإيمان صوري، أو إيمان ناقص لا يلحقهم بهذه الخيرية، وإنما يعاقبهم بتسليط أهل الشر عليهم فيحكمونهم بالحكم الدنيوي المرخص لأعراضهم والمهدر لكرامتهم والمصادر لأموالهم ..) (٦).\nوبهذا تعلم أن العاصي لا يضر نفسه فحسب، وإنما يضر مجتمعه بأكمله، وقد شبه الرسول –ﷺ- حاله مع حالهم بقوله: «مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها. فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها من أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعًا، وإن تركوهم غرقوا جميعًا» (٧).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣٣٩) بلفظ: «ما من رجل يكون في قوم ..»، وابن ماجه (٣٢٥٤)، وأحمد (٤/ ٣٦٤) (١٩٢٥٠)، وابن حبان (١/ ٥٣٦) (٣٠٠)، والبيهقي (١٠/ ٩١) (١٩٩٧٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الذهبي في «المهذب» (٨/ ٤٠٧٣): له متابعة، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: إسناده حسن، عبيد الله بن جرير روى عنه جمع وذكره ابن حبان في «الثقات»، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين.\n(٢) رواه الترمذي (٢١٦٩)، وأحمد (٥/ ٣٩١) (٢٣٣٧٥). قال الترمذي: حسن، وقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٥٧): حسن إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمر، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٨٤) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٤/ ٣٥٨): إسناده جيد.\n(٣) رواه البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠).\n(٤) «الزهد» لابن المبارك رقم (١٣٥٠)، «الحلية» (٥/ ٢٢٢)، «الشعب» (٦/ ٩٩) (٧٦٠١).\n(٥) «الموطأ» رقم (١٨٢٠)، «الزهد» لابن المبارك رقم (١٣٥١)، «مسند الحميدي» (١/ ١٣١)، وابن الجوزي في مناقب عمر بن عبد العزيز (ص: ٢٥٠)، و«الشعب» (٦/ ٩٩) (٧٦٠٢).\n(٦) ما بين الأقواس نقلته من «صفوة الآثار» (٤/ ٢٨٣).\n(٧) رواه الترمذي (٢١٧٣)، والبزار (١/ ٤٩١) (٣٢٩٨). من حديث النعمان بن بشير ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٦٨٧) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"8","page":149},{"text":"٢ - انتفاء وصف الخيرية عن هذه الأمة: وذلك أن الحكم المقرون بالوصف المناسب له يدل على أنه معلل بذلك الوصف، فيدور الحكم مع الوصف وجودًا وعدمًا، كما قال في المراقي:\nدلالة الإيماء والتنبيه ... في الفن تقصد لدى ذويه\nأن يقرن الوصف بحكم إن يكن ... لغير علة يعبه من فطن (١)\n٣ - أنه يجرئ العصاة والفساق على أهل الحق والخير: فينالون منهم ويتطاولون عليهم (٢) وهذا مشاهد ملموس في هذه الأيام – والله المستعان -.\n٤ - أنه سبب لظهور الجهل واندراس العلم (٣): وذلك أنه إذا ظهر المنكر ولم يوجد من ينكره نشأ عليه الصغير وألفه وظن أنه من الحق، كما هي الحال في كثير من المنكرات اليوم.\n٥ - أن في هذا الأمر تزيينًا للمعاصي عند الناس وفي نفوسهم (٤)؛ لأن صاحب المنكر كالبعير الأجرب يختلط بالإبل فتجرب جميعًا بإذن الله .. !!\nوالناس كأسراب القطا قد جبل بعضهم على التشبه ببعض .. !!\nفإذا أضفت إلى ذلك ما يوجد داخل النفس من الأمر بالسوء، وحب الشهوة، فإذا وجد المنكر عند الناس في الخارج قوي الباعث الذي في النفس!!\nفإذا كان الفاعل له في الخارج من نظراء هذا ازداد طلبه له، ويشتد الدافع له إذا وجد من يأمره به ويرغبه بارتكابه .. ويعظم الدافع إلى ارتكابه إذا أوذي بسبب تركه ونيل منه بسبب مجانبته .. !!\nهذا وإن أهل الفساد لا يرضون إلا بموافقته لهم ويكرهون من تنزه عن ذلك. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀- إلى أن المرأة الزانية تود أن النساء كلهن يزنين .. ونقله عن بعض السلف.\nعلمًا أنه لو وقع فيه معهم لانتقصوه وصغر في أعينهم .. واتخذوا من فعله هذا حجة عليه يطعنون بها متى شاؤوا!! (٥).\n٦ - عدم إجابة الدعاء: جاء هذا في حديث عائشة –﵂- مرفوعًا: «مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم» (٦) وقد تقدم حديث حذيفة قريبًا وفيه: «ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» (٧).\n٧ - سبب ظهور غربة الدين: واختفاء معالمه، وتفشي المنكرات والكفر والظلم .. وهذا هو الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء» (٨) فكلما انتشر الفساد والظلم كلما ازدادت الغربة .. حتى يصبح المتمسك بدينه غريبًا بينهم .. وحتى تصبح السنن والهدى من الأمور المرفوضة والمستهجنة عند هذا الجنس السيئ من الخلق .. قال الخلال: (أخبرني عمر بن صالح بطرسوس، قال: قال لي أبو عبد الله: يا أبا حفص: يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه بينهم مثل الجيفة، ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع.\n_________\n(١) انظر: «نشر البنود» (١/ ٩٣ – ٩٤) و«صفوة الآثار» (٤/ ٢٨٣).\n(٢) «تفسير السعدي» (٢/ ١٥٥).\n(٣) «تفسير السعدي» (٢/ ١٥٥).\n(٤) «تفسير السعدي» (٢/ ١٥٥).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢١٥)، «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص: ٣٧، ٤٤ – ٤٧).\n(٦) رواه ابن ماجه (٣٢٥١) واللفظ له، وابن حبان (١/ ٥٢٦) (٢٩٠)، والبيهقي (١٠/ ٩٣) (٢٠٦٩٥)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٦/ ٣٧٧) (٦٦٦٥). وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٧) رواه الترمذي (٢١٦٩)، وأحمد (٥/ ٣٩١) (٢٣٣٧٥). قال الترمذي: حسن، وقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٥٧): حسن إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمر، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٨٤) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٤/ ٣٥٨): إسناده جيد.\n(٨) رواه مسلم (١٤٥). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"8","page":150},{"text":"فقلت: يا أبا عبد الله، وكيف يشار إلى المنافق بالأصابع؟! فقال: يا أبا حفص صيروا أمر الله فضولًا. وقال: المؤمن إذا رأى أمرًا بالمعروف أو نهيًا عن المنكر لم يصبر حتى يأمر وينهى، يعني قالوا: هذا فضول. قال: والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه. فقالوا: نعم الرجل، وليس بينه وبين الفضول عمل!) (١).\nوقال جامع بن شداد: كنت عند عبد الرحمن بن يزيد بفارس، فأتاه نعي الأسود بن يزيد، فأتيناه نعزيه. فقال: مات أخي الأسود. ثم قال: قال عبد الله: يذهب الصالحون أسلافًا ويبقى أصحاب الريب.\nقالوا: يا أبا عبد الرحمن، وما أصحاب الريب؟!\nقال: (قوم لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر) (٢).\n٨ - إلف المسلم لهذه المنكرات: المتفشية لكثرة مشاهدته لها، والأمر كما قيل: (كثرة المساس تبلد الإحساس)، فما تعود للقلب تلك الشفافية والحساسية عند رؤية المنكر.\nوقد حكي عن بعضهم: أنه مر يومًا في السوق فرأى بدعة فبال الدم من شدة إنكاره لها بقلبه، وتغير مزاجه لرؤيتها، فلما كان في اليوم الثاني مر فرآها فبال دمًا صافيًا، فلما كان في اليوم الثالث مر فرآها فبال بوله المعتاد لأنه قد ألف رؤيتها (٣). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص٦٨\n_________\n(١) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للخلال رقم (٦٥).\n(٢) البيهقي في «الشعب» رقم (٧٥٨٤) (٦/ ٩٤).\n(٣) انظر: «تنبيه الغافلين» (ص: ٩٣ – ٩٤).","vol":"8","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2180>المطلب الأول: الحكم العام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nيعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات، وأجلها وأفضلها.\nولقد دل على وجوبه الكتاب والسنة (١)، كما نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم كابن عطية (٢) والنووي وأبي المعالي الجويني (٣).\nوإذا تأملت نصوص الكتاب والسنة في طلب هذا الأمر العظيم ألفيت ذلك قد ورد باستفاضة كبيرة جدًا مع تنوع في الأساليب التي يمكن أن نوجز لك بعضها ثم نمثل عليها بعد ذلك:\n١ - الأمر به.\n٢ - جعله من الصفات اللازمة للمؤمنين.\n٣ - اعتبار فعل ما يضاده من الصفات اللازمة للمنافقين.\n٤ - جعله سببًا للخيرية في هذه الأمة.\n٥ - بيان أن تركه سبب لوقوع اللعن والإبعاد.\n٦ - بيان أن فعله سبب للنجاة.\n٧ - بيان أن تركه سبب للهلاك.\n٨ - اعتباره سببًا للنصر.\n٩ - اعتبار تركه سببًا للذم والتوبيخ.\n١٠ - وصف من تركه وقعد عنه بالظلم.\n١١ - نفي الإيمان عمن قعد عنه حتى بالقلب.\n١٢ - الشهادة بالإيمان لفاعله، وتارة يجعله من أفضل أعمال المؤمنين.\n١٣ - تارة يقرنه بعدد من الحقوق والواجبات، ويجعلها معه في سياق واحد.\nوبعد هذا العرض الموجز إليك ذكر بعض النماذج من الكتاب أو السنة على ما سبق فنقول:\nمن الأول: قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... [آل عمران: ١٠٤] وقوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: ١٢٥] ومن ذلك أيضًا ما رواه أبو سعيد الخدري –﵁ مرفوعًا: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ...» (٤)، ومنه حديث ابن مسعود –﵁- مرفوعًا: «إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح عليكم، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٥).\nومن الثاني: قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة: ٧١].\nومن الثالث: قوله تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [التوبة: ٦٧] قال البيهقي –﵀-: (ثم إن الله تعالى جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرق ما بين المؤمنين والمؤمنات لأنه قال: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ وقال وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ فثبت بذلك أن أخص أوصاف المؤمنين وأقواها دلالة على صحة عقدهم وسلامة سريرتهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.) (٦) ا. هـ\n_________\n(١) انظر: «الإحياء» (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٨)، «الفتاوى العراقية» (١/ ٩٩)، «الآداب الشرعية» (١/ ١٧١ - ١٧٣) «مختصر الفتاوى المصرية» (ص: ٥٧٩)، «جامع العلوم والحكم» (ص: ٢٨١)، «تنبيه الغافلين» (ص: ٥ - ١٨)، «فتح المبين» (ص: ٢٤٥)، «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٤٢٧)، «أصول الدعوة» (ص: ١٦٥).\n(٢) «تفسير ابن عطية» (٥/ ١٦٦).\n(٣) «النووي شرح مسلم» (١/ ٢/٢٢).\n(٤) رواه مسلم (٤٩).\n(٥) رواه الترمذي (٢٢٥٧)، وأحمد (١/ ٤٣٦) (٤١٥٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٥١١) (٩٨٢٨)، وابن حبان (١١/ ١٢٩) (٤٨٠٤)، والبيهقي (٣/ ١٨٠) (٥٨٢٧). قال الترمذي: حسن صحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٦/ ٩٦)، وقال الألباني: صحيح.\n(٦) انظر: «المنهاج في شعب الإيمان» (٣/ ٢١٦)، و«الشعب» (٦/ ٨٤) (٧٥٥٨).","vol":"8","page":152},{"text":"ومن الرابع: قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... [آل عمران: ١١٠] وقد تقدم قول عمر –﵁ (من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله في هذه الآية) (١).\nومن الخامس: قوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].\nومن السادس: قوله تعالى: فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ... [هود: ١١٦].\nومن السابع: حديث أبي بكر -﵁- في تقويم مفهوم أخطأ فيه البعض: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» (٢)، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيروا ولا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب» (٣) (٤).\nومن الثامن: قوله تعالى: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ... [الحج: ٤٠ - ٤١].\nومن التاسع: قوله تعالى: لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة: ٦٣] قال ابن جرير –﵀-: (وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخًا للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها). ا. هـ.\nوأخرج في تفسيره بإسناد صحيح عن الضحاك أنه قال في هذه الآية: (ما في القرآن آية أخوف عندي منها: أنا لا ننهى) (٥).\nومن العاشر: قوله تعالى: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ [هود: ١١٦].\nومن الأقوال للمفسرين في هذه الآية قول بعضهم: (أراد بالذين ظلموا تاركي النهي عن المنكرات، أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتبعوا طلب الشهوات واللذات، واشتغلوا بتحصيل الرياسات) (٦) ا. هـ.\nومن الحادي عشر: حديث ابن مسعود مرفوعًا: «ما من نبي يبعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (٧).\nومنه حديث أبي سعيد المتقدم وفيه: «وذلك أضعف الإيمان» (٨).\nومن الثاني عشر: قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ... [فصلت: ٣٣].\nومن الثالث عشر: قوله –ﷺ- في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁ «إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ...» (٩) فقد اعتبره من جملة الأمور التي بها يباح الجلوس في الطرقات .. وإلا فيحرم، وهذا يدل على أنه حق واجب له؛ ثم إنه عده في جملة أمور واجبة، وهي غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وهذه كلها من الواجبات كما هو معلوم. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ٩٠\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (٧/ ١٠٢) (٧٦١٢).\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، وأحمد (١/ ٧) (٢٩، ٣٠)، وابن حبان (١/ ٥٣٩) (٣٠٤). قال الترمذي، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٣/ ٢٠٨): صحيح، وصحح إسناده النووي في «الأذكار» (٤١٢)، وابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ١٩٣)، وأحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٣٦)، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٣) رواه أبو داود (٤٣٣٨). قال الألباني في «صحيح الترغيب» (٢٣١٧): صحيح، وقال الوادعي في «الصحيح المسند» (٧١٣): صحيح على شرط الشيخين.\n(٤) انظر بعض ما ورد في التحذير من تركه من كتاب: «تنبيه الغافلين» لابن النحاس (ص: ٧٢ - ٧٩).\n(٥) «تفسير الطبري» تحقيق أحمد شاكر (١٠/ ٤٤٩).\n(٦) انظر: «تفسير الرازي» (١٨/ ٧٥)، «وفتح القدير» (٢/ ٥٣٤)، «وتفسير القاسمي» (٩/ ١٨٠).\n(٧) رواه مسلم (٥٠).\n(٨) رواه مسلم (٤٩).\n(٩) رواه البخاري (٢٤٦٥).","vol":"8","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2182>الفرع الأول: حالة كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا</span>\nتبين ... أن أصل هذا العمل واجب قطعًا .. لكن هذا الوجوب لا يكون لازمًا في كل مطلوب شرعًا ولا على كل فرد كل حال (فيما زاد على القلب).\nإذا عرفت هذا وتبينته فاعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون محرمًا، وقد يكون مكروهًا ..\nأما حال كونه واجبًا: فهذا يحصل إذا كان العمل المأمور به من الواجبات، أو الفعل المرتكب –الذي يراد النهي عنه- معدودًا من المحرمات (١) .. فهنا يجب الأمر أو النهي ما لم يكن هناك عذر في تركه.\nمتى يسقط الوجوب (٢): لا شك أن الإنكار بالقلب لا يسقط بحال من الأحوال، لكن الإنكار باليد واللسان قد يسقط وجوبه وذلك في واحد من ثلاثة أحوال:\nالحالة الأولى: إذا تكاثرت الفتن والمنكرات (٣):\nوهذا يكون على نوعين:\nالنوع الأول: ما يكون في آخر الزمان؛ وهذا النوع هو الذي تحمل عليه كثير من الأحاديث الواردة في العزلة والتي منها حديث أبي سعيد –﵁- مرفوعًا «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (٤).\nومن ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص –﵄-: «شبك النبي ﷺ أصابعه وقال: كيف أنت يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة قد مرجت عهودهم وأمانتهم واختلفوا فصاروا هكذا، قال: فكيف أصنع يا رسول الله؟! قال: تأخذ ما تعرف وتدع ما تنكر وتقبل على خاصتك وتدعهم وعوامهم» (٥).\nوفي لفظ آخر: «بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ ذكرت الفتنة فقال: إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم وخفت أمانتهم وكانوا هكذا –وشبك بين أصابعه- قال ابن عمرو: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، وأملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة» (٦).\n_________\n(١) انظر: «الآداب الشرعية» (١/ ١٧٤).\n(٢) انظر: «المحلى» (٩/ ٣٩١)، «الإحياء» (٢/ ٣١٥)، «أحكام القرآن» (٢/ ٧٢٠)، «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٤٧٩)، «الآداب الشرعية» (١/ ١٥٥ - ١٥٦)، «جامع العلوم والحكم» (ص: ٢٨٣)، «فتح المبين» (ص: ٢٤٥ - ٢٤٦) «غذاء الألباب» (١/ ٢١٢ - ٢١٤)، «التشريع الجنائي» (١/ ٤٩٧ - ٤٩٨)، «المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة» (٢/ ٣١٥ - ٣٢٤).\n(٣) انظر ما جاء في ذلك من الآثار في كتاب «الإبانة الكبرى» من رقم (٧٢٥ - ٧٧٤).\n(٤) رواه البخاري (١٩).\n(٥) رواه البخاري (٤٨٠) من حديث واقد عن أبيه عن ابن عمر أو ابن عمرو: شبك النبي ﷺ أصابعه. وقال عاصم بن علي حدثنا عاصم بن محمد سمعت هذا الحديث من أبي فلم أحفظه فقومه لي واقد عن أبيه قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: (يا عبد الله بن عمر كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس). بهذا. وانظر: «الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم» للحميدي (٢/ ٢٠٦) (١٤٣٥)، و«جامع الأصول» لابن الأثير (١٠/ ٥) (٧٤٥٦).\n(٦) رواه أبو داود (٤٣٤٣)، وابن ماجه (٣٩٥٧)، وأحمد (٢/ ٢١٢) (٦٩٨٧)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٥٩) (١٠٠٣٣)، والحاكم (٤/ ٣١٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠٩) كما أشار لذلك في مقدمته. وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٢/ ٢٩١): إسناده حسن، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٩٥) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.","vol":"8","page":154},{"text":"ومن ذلك أيضًا حديث حذيفة –﵁- المشهور: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت وما دخنه؟ قال قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: نعم، من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. فقلت: يا رسول الله فما ترى –وفي رواية- فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة لا تحصى (٢).\nهذا وقد حمل جماعة من السلف والخلف قوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ... [المائدة: ١٠٥] على هذا المعنى، ومن ذلك ما ورد عن أبي مازن أنه قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة فإذا قوم من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم (٣). وفي لفظ عند ابن جرير: كنت في خلافة عثمان بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النبي ﷺ، فإذا فيهم شيخ يسندون إليه، فقرأ رجل عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ فقال الشيخ إنما تأويلها آخر الزمان (٤).\nالنوع الثاني: ما يقع من الفتن في بعض الأوقات دون التي تقع آخر الزمان:\nوهذا كالفتن التي وقعت بعد مقتل عثمان ﵁ بين أصحاب النبي ﷺ.\nوقد اعتزل جماعة من أصحاب النبي ﷺ حينما وقعت الفتن، ومن هؤلاء سعد بن أبي وقاص (٥)، ومحمد بن مسلمة، وسلمة بن الأكوع، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وعروة بن الزبير من التابعين (٦).\nعن عامر بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص ﵁ في إبله فجاءه ابن عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فجاء فنزل فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون في الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره وقال: اسكت. سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي» (٧).\nوقال البخاري: (باب التعرب في الفتنة) وذكر حديثين: الأول: وفيه تعرب سلمة بن الأكوع بعد مقتل عثمان .. (٨) والثاني: حديث أبي سعيد مرفوعًا «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم ...» (٩) وقد تقدم ذكره قال الحافظ: والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، وقد اختلف السلف في أصل العزلة (١٠) فقال الجمهور: الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك، وقال قوم: العزلة أولى لتحقق السلامة، بشرط معرفة ما يتعين .. وقال النووي: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧).\n(٢) راجع الأرقام الآتية من كتاب: «جامع الأصول» (ص: ٧٤٥٧، ٧٤٦٠، ٧٤٧٠، ٧٤٧٣).\n(٣) «تفسير الطبري» (١١/ ١٤٠).\n(٤) «تفسير الطبري» (١١/ ١٤١ - ١٤٢).\n(٥) انظر: «الإبانة الكبرى» رقم (٧٣٤).\n(٦) انظر: «العزلة» للخطابي (ص: ٢١).\n(٧) رواه مسلم (٢٩٦٥).\n(٨) الحديث رواه البخاري (٧٠٨٧).\n(٩) رواه البخاري (٧٠٨٨).\n(١٠) انظر كلام ابن النحاس في «العزلة والهجرة من بلد المعاصي» (ص: ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"8","page":155},{"text":"وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه، إما عينًا وإما كفاية بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح: من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي: من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة، لما ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها، كما قال تعالى: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ... [الأنفال: ٢٥].\nويؤيد التفصيل المذكور حديث أبي سعيد أيضًا: «خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله ورجل في شعب من الشعاب ...» (١) وقد تقدم في باب العزلة من كتاب الرقاق حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه آنفا فإن أوله عند مسلم: «خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله» الحديث (٢) وفيه: «ورجل في غنيمة» .. فإن أخذ على عمومه دل على فضيلة العزلة لمن لا يتأتى له الجهاد في سبيل الله إلا أن يكون قيد بزمان وقوع الفتن والله أعلم (٣) ا. هـ.\nقال البخاري ﵀: (باب العزلة راحة من خلاط السوء) وذكر حديثين:\nالأول: حديث أبي سعيد «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: أي الناس خير؟ قال: رجل ..» (٤) وذكر نحو الحديث السابق. والثاني حديث أبي سعيد مرفوعًا: «يأتي على الناس زمان خير مال المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (٥) قال الحافظ: (ووقع في رواية مالك: «يوشك أن يكون خير مال المسلم ..» (٦) ولفظه هنا صريح في أن المراد بخيرية العزلة أن تقع في آخر الزمان ..) (٧). ا. هـ.\nوالذي يظهر من استقراء النصوص أن الفتن من حيث التعلق بالزمان على قسمين:\n١ - قسم مضى. ٢ - قسم سيأتي.\nوأما من حيث التعلق بإمكانية ظهور الحق ومعرفته لكثير من الناس فهي أيضًا على قسمين وهما:\n١ - قسم يمكن معرفة الحق فيه وتمييزه، وإن أشكل على البعض.\n٢ - قسم يوقع الناس في الحيرة .. فلا يكاد يعرف فيه الحق من الباطل لاختلاط المعروف بالمنكر والمحق بالمبطل.\nفالفتن التي يمكن معرفة الحق فيها، وإن أشكلت على بعض الناس، فيقال فيها: إن من أشكلت عليه الأمور تعينت عليه العزلة، وعليه يحمل اعتزال من ذكر من الصحابة. والله أعلم.\nأما من أمكنه معرفة الحق، ولم يتمكن من العمل به، أو أدت مخالطته للناس إلى تكثير سواد أهل الفتنة، أو حملهم له على المشاركة، فيلزمه أن يعتزل أيضًا.\nومن عرف الحق ولم يخش تفويت العمل به ولا حملهم إياه في فتنتهم .. ولا إعانتهم عليها، ولم يكثر لهم سوادًا .. لكنه لو أمر ونهى لم يكن ذلك مؤثرًا في حالهم ولا مغيرًا لها .. فالأفضل في حقه العزلة وقد يكون هذا الحال أيضًا من أسباب اعتزال بعض الصحابة فمن بعدهم (٨).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٩٤).\n(٢) رواه مسلم (١٨٨٩).\n(٣) «الفتح» (١٣/ ٤٢ - ٤٣).\n(٤) رواه البخاري (٦٤٩٤).\n(٥) رواه البخاري (٦٤٩٥).\n(٦) رواه البخاري (٧٠٨٨).\n(٧) «الفتح» (١١/ ٣٣٠ - ٣٣٣).\n(٨) انظر أمثلة ذلك بوفرة في كتاب: «العزلة للخطابي».","vol":"8","page":156},{"text":"قال الإمام البخاري في صحيحه: (باب قول النبي ﷺ هلاك أمتي على أيدي أُغيلمة سفهاء) وذكر حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش» (١) قال الحافظ: وأما قوله: «لو أن الناس اعتزلوهم» محذوف الجواب وتقديره لكان أولى بهم .. ويؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية، فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك.\nقال ابن وهب عن مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا. وقد صنع ذلك جماعة من السلف. ا. هـ (٢).\nأما إن كان لا يخشى من المخالطة وقوع محذور مما سبق، وبقاؤه ينفع الناس، فهذا قد يتعين عليه البقاء وترك العزلة، وقد دل على ذلك قوله ﷺ: «إن المسلم إن كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (٣).\nوهذا يشبه زماننا هذا والله المستعان.\nوأما القسم الثاني من الفتن، وهي التي لا يعرف الحق فيها من الباطل، حيث تلتبس فيها الأمور، وهذا الالتباس ناتج عن طبيعة الفتنة وتلونها .. أو ناتج عن عدم قدرة المعاصر لها من تمييز الحق فيها من الباطل .. وأكثر ما يكون هذا في آخر الزمان .. وعلى ذلك تنزل كثير من الأحاديث السابقة في أول الكلام .. كحديث حذيفة، وحديث أبي سعيد، وحديث ابن عمرو بن العاص، وغيرها .. والله أعلم بالصواب.\nالحال الثانية: من الأحوال التي يسقط فيها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي:\nالعجز الحسي وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان، فإن من عجز عن القيام بعمل (طولب به) عجزًا حسيًا لم يكلف به، كمن عجز عن الجهاد لمرضه أو عرجه أو لذهاب بصره أو غير ذلك، وهذا معروف لا يحتاج إلى تعريف.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٠٥٨).\n(٢) «الفتح» (١٣/ ١٠).\n(٣) رواه الترمذي (٢٥٠٧)، وابن ماجه (٣٢٧٣)، وأحمد (٢/ ٤٣) (٥٠٢٢)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٣٨٨). من حديث ابن عمر ﵁. ولم يسم الترمذي الصحابي وقال: شيخ من أصحاب النبي. وقال بعد روايته للحديث: قال ابن أبي عدي كان شعبة يرى أنه ابن عمر. قال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٥٤٣): الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر، ولم يسم الترمذي الصحابي قال: شيخ من أصحاب النبي، والطريق واحد. وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٤٤٩): [رواته] كلهم ثقات، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٥٢٨): إسناده حسن، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٧/ ٩٤). وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.","vol":"8","page":157},{"text":"الحال الثالثة: ما كان في معنى العجز الحسي، وذلك إذا كان يلحقه من جرائه مكروه معتبر في إسقاط الوجوب عنه (١). دل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري –﵁- مرفوعًا: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟! فإن لقن الله عبدًا حجته قال: يا رب! رجوتك وفرقت من الناس» (٢) فقد اعتبر النبي ﷺ ذلك حجته. ومما يدل على هذا المعنى أيضًا حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيقه» (٣).\nحد المكروه المعتبر شرعًا (٤)\nمن المعلوم أن الإنسان قد يكره كلمة، كما يكره الضرب، أو طول اللسان، أو الغيبة (٥)، وما من شخص يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا ويتوقع منه نوع من الأذى.\nلذلك كان لابد من معرفة حد المكروه الذي يسقط بسببه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nاعلم أن مطالب الناس في هذه الدار ترجع إلى أربعة أمور (يطلبها الإنسان لنفسه ومن أحب كالقرابة ونحوهم) وهي:\nالأول: مطلوب في النفس وهو العلم.\nالثاني: مطلوب في البدن وهو الصحة.\nالثالث: مطلوب في المال وهو الثروة.\nالرابع: مطلوب في قلوب الناس وهو الجاه.\nوالمكروه في هذه الأمور الأربعة أمران:\nالأول: زوال الموجود منها.\nالثاني: امتناع المرتقب.\nوكل واحد من هذين الأمرين يحصل بفواته الضرر.\nولكي تجلى لك صورة الأمر نمثل لك على تعرض كل واحد من تلك المطالب الأربعة للزوال باعتبار ما هو حاصل وموجود منها، لا ما كان مرتقبًا.\nفأما العلم: فلا يمكن لأحد رفعه من قلب صاحبه، وهذا من مزايا العلم وشرفه على غيره كما هو معلوم .. فانتفى المحذور من هذا الوجه.\nوأما البدن: فقد يقصد بالعطب الكامل وذلك بالقتل .. فهذا يسقط الوجوب ولا ريب، وقد يقصد بأذى دونه كالضرب أو قطع شيء من الأعضاء ونحو ذلك، وهذا على قسمين وهما:\n١ - القسم الأول: ما كان الأذى فيه غير معتبر .. كالضربة الخفيفة ونحوها. فهي غير مؤثرة ولا معتبرة في إسقاط الوجوب.\n٢ - القسم الثاني: ما كان الأذى فيه معتبرًا كالضرب المؤثر، وقطع شيء من الأعضاء وما جرى مجرى ذلك .. فإن هذا يسقط الوجوب.\nوأما المال .. فهذا على قسمين أيضًا وهما:\nالأول: ما كان زواله غير مؤثر ولا منظور .. كنقص حبيبات من بر، أو درهم من ممتلكات المحتسب .. وهذا على سبيل التغليب، وإلا فلا شك أن ذلك يختلف باختلاف الناس.\n_________\n(١) انظر: «تنبيه الغافلين» (ص: ١٩) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٤٢٨)، «مفتاح السعادة» (٣/ ٣٠٧ - ٣٠٩).\n(٢) رواه ابن ماجه (٣٢٦٠)، وأحمد (٣/ ٢٩) (١١٢٦٣)، وابن حبان (١٦/ ٣٦٨) (٧٣٦٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٩٠) (٧٥٧٤). وقال: له متابعة، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٥٤٤): إسناده جيد، وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٥٥): إسناده لا بأس به، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) رواه الترمذي (٢٢٥٤)، وابن ماجه (٣٢٥٩)، وأحمد (٥/ ٤٠٥) (٢٣٤٩١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٤١٨) (١٠٨٢٤). قال الترمذي: حسن غريب، وقال البيهقي: تابعه سعيد بن سليمان النسيطي وعمر بن موسى الشامي عن حماد بن سلمة، وقال البغوي في «شرح السنة» (٦/ ٥٤٦): حسن غريب، وحسنه ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (١٦٦). وقال أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٧١٦): إسناده صحيح، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٤) انظر: «الإحياء» (٢/ ٣١٧ - ٣١٩) وانظر: «مفتاح السعادة» (٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(٥) انظر: الآداب الشرعية (١/ ١٥٥ - ١٥٦) و«تنبيه الغافلين» لابن النحاس (ص: ١٠٣ - ١٠٦) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٤٣٤).","vol":"8","page":158},{"text":"الثاني: ما كان زواله مؤثرًا على صاحبه، كإتلاف المال، أو جزء له قيمة معتبرة منه، وهذا مسقط للوجوب (١).\nوأما الجاه فهو على قسمين أيضًا وهما:\nالأول: ما كان غير معتبر (٢)، وهو ما كان بنحو غيبة تقال فيه، أو لمز أمام أحد من الخلق، أو تجهيل .. أو نحو ذلك كأن يخرج من داره حاسر الرأس مثلا – وإن كان هذا يتفاوت ويختلف باختلاف الأعراف وتفاوتها – أو كأن يمنع من ركوب المراكب الفاخرة التي اعتاد ركوبها .. ونحو ذلك .. فهذا كله غير معتبر. وهذا هو الذي يعبر عنه بالجاه المحض.\nالثاني: ما كان معتبرًا، كأن يسود وجهه ويطاف به على حمار في السوق .. أو نحو ذا، فإن هذا يسقط الوجوب عنه .. وهو ما يعبر عنه بخوارم المروءة وليس كلها مسقطًا للوجوب (٣).\nوأما التمثيل لما يخاف امتناع ما هو منتظر منها فكما يلي:\nففي جانب العلم: كأن يخشى الإنكار على معلمه أو من لو أنكر عليه لحال بينه وبين التعلم .. فيقال في هذا إن له ثلاثة أحوال.\nالأولى: أن يجد غيره .. فهذا لا يسقط عنه الأمر والنهي .. فينكر عليه أو يأمره فإن امتنع من تعليمه ذهب وتعلم من غيره.\nالثاني: أن لا يجد غيره لكن العلم الذي يتلقاه منه فرضًا في حقه فإن هذا أيضًا لا يسقط الوجوب عنه.\nالثالثة: أن لا يجد غيره .. والعلم الذي يتعلمه منه فرض في حقه، كتعلم الوضوء والصلاة ونحو ذلك، فإن القول بسقوط الإنكار عنه متجه والله أعلم.\nوأما في البدن: فكأن يترك الإنكار على الطبيب خوفًا من أن لا يداويه إذا اعتل .. أو خاف أن يتأخر عنه فتمتنع بسببه صحته المرتقبة ..\nوأما في المال: فكتركه الحسبة على السلطان وأصحابه، وعلى من يواسيه من ماله خوفًا من أن يقطع إدراره في المستقبل ويترك مواساته.\nوأما الجاه: فكتركه الحسبة على من يتوقع منه نصرة .. أو جاهًا في المستقبل .. فيخشى أن لا يحصل له ذلك الجاه .. أو كأن يخاف أن يقبح حاله عند السلطان الذي يتوقع منه ولاية. فإن هذا واللذين قبله لا يسقطان شيئًا من وجوب الحسبة لأن هذه زيادات امتنعت.\nوالذي يمكن أن يستثنى من ذلك هو ما تدعو إليه الحاجة ويكون في فواته محذور يزيد على محذور السكوت على المنكر. كما إذا كان محتاجًا إلى الطبيب لمرض ناجز والصحة منتظرة من معالجة الطبيب .. ويعلم أن في تأخره عنه شدة الضنا به وطول المرض .. وقد يفضي إلى الهلاك .. فإذا انتهى إلى هذا الحد لم يبعد أن يرخص له في ترك الحسبة.\nمسألة: هل للإنسان أن يسكت عن الإنكار بيده أو بلسانه خوفًا على منصبه؟!\nالجواب: أن صاحب هذا المنصب إن كان بقاؤه فيه لا يقدم نفعًا للمسلمين ولا لدعوتهم إما لطبيعته وإما لحال صاحبه أو غير ذلك، فإن هذا لا يجوز له أن يسكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل بقاء هذا المنصب.\nأما إن كان بقاؤه فيه ينتج منه مصالح للأمة .. وخدمات للدعوة إلى الله تعالى كالخطيب في منبره أو المعلم أو نحو ذلك .. فقد يسوغ له أن يسكت عن بعض الأمور إذا غلب على ظنه أن إنكاره لها يكون سببًا في إبعاده عن هذا المنصب.\nأما إن كان يؤدي إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلية فهذا لا يظهر وجهه والله أعلم.\nوبالجملة فإن الأمور تقدر بقدرها ولكل حالة حكم والله المستعان.\nلكن ينبغي الحذر من مداخل الهوى في هذا الباب، فقد يصور المرء لنفسه أن منصبه مهم لخدمة الدعوة ومصلحتها وإنما الذي يحركه في ذلك هواه.\n_________\n(١) انظر: «تنبيه الغافلين» (ص: ٩٧).\n(٢) انظر: «تنبيه الغافلين» (ص: ٩٧).\n(٣) انظر: «تنبيه الغافلين» (ص: ٩٧).","vol":"8","page":159},{"text":"فائدة: قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ... [الأنفال: ٦٥] ثم نزل قوله: الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ... [الأنفال: ٦٦] قال ابن عباس: (فكتب أن لا يفر مائة من مائتين ..)، قال سفيان: وقال ابن شبرمة: (وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا) (١) ا. هـ.\nمسألة (٢): هل يشترط في الخوف من لحوق المكروه غلبة الظن، أو يكفي في ذلك تجويز الوقوع؟ وما ضابط ذلك:\nقال الغزالي –﵀-: (فإن قيل: فالمكروه الذي تتوقع إصابته إن لم يكن متيقنًا ولا معلومًا بغالب الظن ولكن كان مشكوكًا فيه، أو كان غالب ظنه أنه لا يصاب بمكروه (٣)، ولكن احتمل أن يصاب بمكروه، فهذا الاحتمال هل يسقط الوجوب حتى لا يجب إلا عند اليقين بأنه لا يصيبه مكروه، أم يجب في كل حال، إلا إذا غلب على ظنه أنه يصاب بمكروه؟!\nقلنا: إن غلب على الظن أنه يصاب بمكروه لم يجب، وإن غلب على الظن أنه لا يصاب وجب.\nومجرد التجويز لا يسقط الوجوب فإن ذلك ممكن في كل حسبة. وإن شك فيه من غير رجحان فهذا محل النظر، فيحتمل أن يقال: الأصل الوجوب بحكم العمومات، وإنما يسقط بمكروه، والمكروه هو الذي يظن أو يعلم حتى يكون متوقعًا. وهذا هو الأظهر. ويحتمل أن يقال: إنه إنما يجب عليه إذا علم أنه لا ضرر فيه عليه، أو ظن أنه لا ضرر عليه. والأول أصح، نظرًا إلى قضية العمومات الموجبة للأمر بالمعروف. فإن قيل: فالتوقع للمكروه يختلف بالجبن والجراءة فالجبان الضعيف القلب يرى البعيد قريبًا حتى كأنه يشاهده ويرتاع منه. والمتهور الشجاع يبعد وقوع المكروه به بحكم ما جبل عليه من حسن الأمل حتى إنه لا يصدق به إلا بعد وقوعه، فعلى ماذا التعويل؟!\nقلنا: التعويل على اعتدال الطبع وسلامة العقل ..) (٤) ا. هـ.\nوإنما تؤتى الدعوات من أحد هذين الصنفين الذين ذكرهما .. فالمتهور يوقع نفسه ومن معه في مهالك تجهز عليهم وعلى دعوتهم .. وتفتح الباب على مصراعيه لعدوهم المتربص لضربهم ونسف جهودهم في الدعوة .. وهذا النوع يفسد في الغالب أكثر مما يصلح، ولا حيلة معه إلا بأن يروض نفسه ولو تكلفًا، كما ينبغي له أن يستشير من هو أعقل وأعلم منه، وعليه أن يقبل المشورة.\nأما ضعيف القلب والذي يخاف ظله .. ويتوهمه عدوًا يطارده .. فعليه أن يعود نفسه على الإقدام .. حتى في حال خوفه لعل هذا الخوف أن يزول عنه .. وهذا النوع من الخلق لا يقل خطرًا على الدعوات من الأول، ولذا فلا ينبغي أن يولى هذان على رجلين أبدًا. فهذا الضعيف كم من جهاد عطل بسببه، وكم من عمل بر أو حلقة علم جمدت نتيجة لأوهامه، وبالجملة فإن مجالسة هذا الصنف –أعني الأخير- تفسد قوى النفس وتجلب الوهن والوهم والخوف من النسمات .. ومثل هذا والذي قبله لا يصلح أن يحمل دعوة ولا أن يوجه أمة .. فمن أراد السلامة فعليه اجتنابهما «فر من المجذوم فرارك من الأسد» (٥) بل إن مجالسة المجاذيم أهون من مجالسة صاحب الوهن إن كان وهنه متعديًا كما سبق، لأن الجذام إذا أصيب به الإنسان –بإذن الله- تآكلت أطرافه وتعطلت قواها.\nأما هذا الواهن الموهن فإن مجالسته سبب لتآكل قوى القلب وتلاشيها .. حتى يصير صاحبها لا يقدر على تحريك ساكن.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٦٥٢).\n(٢) انظر: «تنبيه الغافلين» (ص: ١٠١ – ١٠٢).\n(٣) انظر: «الآداب الشرعية» (١/ ١٥٩).\n(٤) «الإحياء» (٢/ ٣١٦ - ٣١٧).\n(٥) رواه البخاري (٥٧٠٧). من حديث أبي هريرة ﵁. بلفظ: «وفر من المجذوم كما تفر من الأسد».","vol":"8","page":160},{"text":"وغالبًا ما يكون الأول –أعني المتهور- أكثر صدقًا من الثاني، لكنه لقلة علمه أو عقله وتجربته يتسرع فيوقع نفسه فيما هو في غنى عن الوقوع فيه.\nأما الثاني فغالبًا ما يكون سبب ضعفه إنما هو خوفه على نفسه أو منصبه، وهذا قد يوقعه في المداهنة كثيرًا. والله المستعان.\nومما يدل على أن مجرد هيبة الناس لا تكفي في إسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث أبي سعيد الخدري –﵁- أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا فكان فيما قال: «ألا لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه. قال: فبكى أبو سعيد وقال: قد والله رأينا فهبنا» (١).\nقال أبو المنذر إسماعيل بن عمر: سمعت أبا عبد الرحمن العمري الزاهد يقول: إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله، بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه، ولا تأمر ولا تنهى خوفًا من المخلوق. من ترك الأمر بالمعروف خوف المخلوقين نزعت منه الهيبة، فلو أمر ولده لاستخف به (٢).\nوالحاصل أن هذه الأمور التي بها يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن المكلف باليد واللسان.\nلكن إذا سقط عنه الوجوب فليس معنى ذلك أن ينتفي في حقه ويمنع منه بل قد يكون مستحبًا .. كما أنه يكون محرمًا أو مكروهًا في بعض الأحيان. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص٩٦\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٩١)، وابن ماجه (٣٢٥٣)، وأحمد (٣/ ٧١) (١١٦٩٦)، والحاكم (٤/ ٥٥١). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٢٨٧)، وابن حجر في «الأمالي المطلقة» (١٦٩): حسن، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٧١٦) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٢) «نزهة الفضلاء» (٢/ ٦٥٣).","vol":"8","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2183>الفرع الثاني: حالة كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستحبا</span>\nوأما حال كونه مستحبًا فإن هذا يكون في أحد حالين وهما:\nالحالة الأولى: أن يكون المأمور به مستحبًا ولم يتواطأ أهل بلد على تركه، أو يكون الفعل المرتكب مكروهًا (١) فيكون النهي عنه مستحبًا.\nالحالة الثانية: وهي كون المأمور به أمرًا واجبًا أو الفعل المرتكب أمرًا محرمًا .. لكنه يخشى إذا أنكر أن يلحقه الضرر (٢) أو الهلاك، فيسقط عنه الوجوب (٣) ويبقى مستحبًا في حقه (٤) إن كان يرجو النفع من جراء أمره ونهيه – على قول- ولذا قال الإمام أحمد –﵀-: (إن عرضت على السيف لا أجيب. -وقال- إذا أجاب العالم تقية والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟!) (٥).\nوإن مما يدل على استحبابه في هذه الحالة: ما قصه الله تعالى عن الأنبياء وأتباعهم مع أقوامهم وما لاقوه من صنوف الأذى منهم .. وقد قال النبي ﷺ لخباب حينما شكى إليه ما يجد وأصحابه من المشركين، والنبي ﷺ متوسد بردة له في ظل الكعبة: «كان الرجل فيمن قبلكم، يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه ..» (٦).\nقال القرطبي عند قوله تعالى في وصية لقمان: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان: ١٧] (يقتضي حضًا على تغيير المنكر وإن نالك ضرر فهو إشعار بأن المغير يؤذى أحيانًا وهذا القدر على جهة الندب والقوة في ذات الله. أما على اللزوم فلا) ا. هـ (٧).\nوقال الجصاص في كلامه على قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ... [آل عمران: ٢١] (وفي هذه الآية جواز إنكار المنكر مع خوف القتل، وأنه منزلة شريفة يستحق بها الثواب الجزيل لأن الله مدح هؤلاء الذين قتلوا حين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ..) (٨) هذا واعلم أن الذي يأمر وينهى في مثل هذه الحال أفضل وأكمل حالًا من غيره. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» (٩).\nقال ابن طاهر: سمعته – يعني شيخ الإسلام الهروي – يقول: عرضت على السيف خمس مرات لا يقال لي: ارجع عن مذهبك. لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك فأقول: لا أسكت (١٠).\n_________\n(١) انظر: «الآداب الشرعية» (١/ ١٧٤)، «الفروق» للقرافي (٤/ ٢٥٧).\n(٢) وهذا لا يعني أنه يسقط عنه الإنكار بالقلب فإنه واجب في هذه الحال. انظر: «تفسير ابن عطية» (٥/ ١٦٦)، «أصول الدعوة» (ص: ١٨٩).\n(٣) انظر: «تفسير ابن عيطة» (٥/ ١٦٦» «الفروق» للقرافي (٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، «الفتح» (١٣/ ٥٣).\n(٤) انظر: «تنبيه الغافلين» (ص: ٤٧ - ٦٢، ٩٧ - ٩٩) «أصول الدعوة» (ص: ١٩١).\n(٥) «الآداب الشرعية» (١/ ١٥٩).\n(٦) رواه البخاري (٣٦١٢).\n(٧) انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٢٦٦) و«تفسير القرطبي» (١٤/ ٦٨).\n(٨) «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧).\n(٩) رواه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٢١٥)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد) (٦/ ٣٧٦). من حديث جابر ﵁. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الشوكاني في «در السحابة» (٢٦٣): في إسناده حكيم بن زيد قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله ثقات، والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٧٤).\n(١٠) «نزهة الفضلاء» (٣/ ١٣١٤).","vol":"8","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2184>الفرع الثالث: حالة كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محرما</span>\nوأما الحال التي يكون فيها محرمًا (١): فإن ذلك يحصل إذا ترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زوال مصلحة أعظم من المأمور بها .. أو ترتب مفسدة أعظم من المنهي عنها.\nوذلك كأن ينهى من يشرب الخمر عن شربها، ويعلم أنه لو أفاق لقتل رجلًا من المسلمين، فهذا يترك في سكره.\nوكمن يأمر إنسانًا بالطمأنينة في الصلاة .. وهو يعلم أن ذلك يؤدي إلى تركه الصلاة بالكلية.\nوكأن يأتي إنسان إلى بعض المنكرات الظاهرة في الأسواق ونحوها مما ليس له عليه ولاية ولا سلطة .. فيفسدها بنفسه .. وليس هو واليًا للحسبة، ولا منصوبًا لذلك ويكون تغييره هذا جالبًا لفتنة تقع بين الناس .. فيغير بالرغم من ذلك كله .. !\nوكمن يحدث الناس ويأمرهم ببعض المعروف الذي لم تتهيأ نفوسهم لقبوله .. فيحدث ذلك من الفتن ما الله به عليم.\nولذا فقد ورد في الأثر عن علي ﵁ «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (٢).\nقال الحافظ: وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي. (٣) ا. هـ.\nوأخرج مسلم عن ابن مسعود: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (٤) ولذا قال النبي –صلوات الله وسلامه عليه- لعائشة –﵂- «لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض» (٥) وفي لفظ: «مخافة أن تنفر قلوبهم» (٦).\nقال الحافظ: (ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا) (٧) ا. هـ.\nومن المعلوم أن النبي ﷺ لم يثبت عنه أنه كسر شيئًا من الأصنام بمكة قبل الهجرة .. مع أنها أعظم المنكرات، وهو يمر بها وهي معلقة على جدار الكعبة.\nفكان يدعو الناس إلى توحيد الله تعالى ونبذ الشرك قدر طاقته .. هذا هو الأصل ما لم توجد القدرة عند الإنسان على إزالة المنكر بحيث لا يفوت ذلك مصلحة أعظم، أو يوقع بمفسدة أشد وأطم. ولذا نهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين فقال: وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ... [الأنعام: ١٠٨].\nومما يلحق بهذا القسم – أعني المحرم – ما ترتب عليه لحوق الضرر المعتبر بغيره، كتعريض قرابته أو غيرهم للقتل أو الحبس أو مصادرة الممتلكات أو الضرب أو نحو ذلك مما يسقط الوجوب عنه إن لحق به، ويبقى الأمر والنهي مستحبًا في حقه .. أما إن لحق بغيره فلا.\nفلو كان الإنكار على أحد من الولاة يؤدي إلى منع صلاة الجماعة في المساجد، أو منع التعليم الشرعي، أو قتل المصلين المستقيمين على دينهم .. فإن الإنكار في هذه الحال يكون منكرًا وقد يأثم صاحبه.\n_________\n(١) انظر تفصيلًا في هذا الموضوع في «الفروق» للقرافي (٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨). «تنبيه الغافلين» لابن النحاس (٩٩ - ١٠١)، «أصول الدعوة» (ص: ١٩١).\n(٢) رواه البخاري (١٢٧). عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني عن علي ﵁.\n(٣) «الفتح» (١/ ٢٢٥).\n(٤) رواه مسلم في مقدمة كتابه «الصحيح» (٥).\n(٥) رواه البخاري (١٥٨٤).\n(٦) رواه مسلم (١٣٣٣).\n(٧) «الفتح» (١/ ٢٢٥).","vol":"8","page":163},{"text":"ومما يلحق بذلك أيضًا أن يتعرض المرء للإنكار الذي يفتن بسببه وهو لا يطيق الفتنة. وقد تكون سببًا في انحرافه فهو رجل ضعيف! ولمثله يقال: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] وقد ألحق بعض أهل العلم في الأحوال التي يكون فيها محرمًا ما كان يلحقه الضرر من جرائه مع علمه أنه لا يفيد (١)، لما ثبت عن النبي ﷺ من حديث حذيفة –﵁ «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه: قالوا: وكيف يذل نفسه؟! قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيقه» (٢). وذهب آخرون منهم ابن العربي (٣) إلى أنه يقدم حتى في هذه الحال. وقد رد عليه القرطبي (٤) ذلك ومنعه.\nوأقبح من هذا كله أن يأتي من يفسد بعض المنكرات – والتي يترتب على تغييرها مفاسد أعظم- بكسر أو طلاء على الصور التي في أسواق الناس وسبلهم .. ثم يختفي بحيث لا يعرف من قام بهذا العمل .. فينقم الناس على كل المتمسكين بدينهم حتى من تناءت دياره عن ديارهم آلاف الأميال .. بل إن ذلك قد يؤدي بكثير منهم إلى كراهية الدين والنفرة منه .. وهذا مشاهد. فما قيمة زوال صورة من الصور إزاء هذه المفاسد العظيمة –إن كانت تقع- المترتبة عليه!!\nولا ينبغي الاحتجاج –والحال هذه- بتحطيم إبراهيم –ﷺ- الأصنام فإن الجواب عن ذلك من وجوه متعددة وهي:\nالأول: أنه نبي يوحى إليه فيؤمن عليه الزلل في مثل هذا ..\nالثاني: أنه كان معروفًا بينهم يشار إليه بالبنان .. بأنه داعية التوحيد والمنفر من عبادة الأوثان ولذلك أحضروه لما رأوا ما حصل بأصنامهم حيث قال بعضهم: سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء: ٦٠].\nالثالث: أنه دعاهم بشتى الطرق والوسائل مع اختلاف الأحوال .. فلم يستجيبوا لدعوته فكان آخر الدواء الكي.\nالرابع: أن هذا الفعل من إبراهيم –ﷺ- هو عين الحكمة والصواب حيث زعزع يقينهم في تلك الآلهة المزعومة.\nالخامس: لم يكن يترتب على فعل إبراهيم هذا ضرر على غيره من الموحدين – إن وجدوا معه في ذلك الوقت- والله أعلم.\nهذا ويمكن أن نلخص الحالات التي يكون فيها محرمًا فنجعلها أربعًا:\nالأولى: أن يؤدي إنكار المنكر إلى فوات معروف أكبر منه .. كمن ينهي إنسانًا عن التدخين ويفوت صلاة الجماعة، أو يؤدي ذلك إلى خروج الوقت وهو لم يصل.\nالثانية: أن يؤدي إنكار المنكر إلى حصول منكر أكبر منه كما سيأتي في خبر شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀- مع التتار الذين رآهم يشربون الخمر.\nالثالثة: أن يكون الأمر بالمعروف يؤدي إلى فوات معروف أكبر منه. كمن يحث أخًا له على الصدقة على بعض الفقراء من غير الأقارب وهو يعلم أن هذا التصدق على حساب نفقته الواجبة على أهله وعياله! وكمن يكون في بلد خربتها الحروب – ولا زال العدو جاثمًا على أرضها- فينادي بالتعمير مثلًا وهو يعلم أن هذا الأمر سيكون على حساب الجهاد ومواصلته.\nالرابعة: أن يكون الأمر بالمعروف مؤديًا إلى حصول منكر أكبر منه. كمن يأمر غيره بالتبكير في الحضور إلى المسجد ويؤدي ذلك إلى امتناعه عن الصلاة بالكلية. وكمن يأمر حديث العهد بالإسلام بالختان ويغلب على ظنه ارتداده عن الإسلام.\nهذا ومن الجدير بالذكر أن الذي يميز هذه الأمور ويفاضل بينها إنما هو من كان على قدر لا بأس به من العلم والفقه والبصيرة .. والناس يتفاوتون في هذا تفاوتًا كبيرًا .. كما أن المسائل في هذا تتفاوت من حيث الوضوح للمحتسب وعدمه كما هو معلوم. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ١١٥\n_________\n(١) انظر: «تفسير القرطبي» (٤/ ٤٨).\n(٢) رواه الترمذي (٢٢٥٤)، وابن ماجه (٣٢٥٩)، وأحمد (٥/ ٤٠٥) (٢٣٤٩١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٤١٨) (١٠٨٢٤). قال الترمذي: حسن غريب، وقال البيهقي: تابعه سعيد بن سليمان النسيطي وعمر بن موسى الشامي عن حماد بن سلمة، وقال البغوي في «شرح السنة» (٦/ ٥٤٦): حسن غريب، وحسنه ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (١٦٦). وقال أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٧١٦): إسناده صحيح، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) «أحكام القرآن» (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧).\n(٤) «تفسير القرطبي» (٤/ ٤٨).","vol":"8","page":164},{"text":"المطلب الثالث: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنظر إلى المطالب به (١)\nيعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية (٢) (٣) إذا قام به البعض سقط الحرج والإثم عن الباقين. وإن لم يقم به أحد أثم القادرون جميعًا .. وفي المنكر المعين يأثم كل من علم به وكانت لديه القدرة على إنكاره فلم ينكر ولم يكن له عذر في سكوته (٤).\nويبغي هنا التفطن إلى أمرين هما:\nالأول: أن الإنكار بالقلب لا ينفك عن أحد أبدًا (٥) كما تقدم، وكما سيأتي أيضًا عند الكلام على مراتب الإنكار.\nالثاني: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يتحول إلى فرض عين .. وذلك إذا كان المنكر المراد رفعه أو المعروف المراد إيجاده وفعله لا يتمكن من القيام به -أي الأمر والنهي- إلا فلان بعينه، فإنه يتعين عليه .. كذلك يقال إذا لم يعلم به غيره. وهذا يكثر وقوعه في البيوت، فإن الناس غالبًا لا يطلعون على ما يدور فيها .. فـ «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٦) (٧).\nهذا وقد دار خلاف طويل حول قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران: ١٠٤] ومحور الخلاف هو قوله مِّنكُمْ هل (من) هنا بيانية أو تبعيضية؟!\nفذهب جماعة منهم الزجاج والرازي (٨) والبغوي إلى أنها بيانية، ورجحه من المعاصرين صاحب صفوة الآثار والمفاهيم (٩).\nقال الزجاج: ومعنى (ولتكن منكم أمة) –والله أعلم- ولتكونوا كلكم أمة تدعون إلى الخير وتأمرون بالمعروف، ولكن (من) تدخل ههنا لتخص المخاطبين من سائر الأجناس وهي مؤكدة أن الأمر للمخاطبين، ومثل هذا من كتاب الله فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠] ليس يأمرهم باجتناب بعض الأوثان، ولكن المعنى: اجتنبوا الأوثان فإنها رجس. ومثله من الشعر قول الشاعر:\nأخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منه النوفل الزفر\nأي: هو النوفل الزفر. لأنه قد وصفه بإعطاء الرغائب والنوفل: الكثير الإعطاء للنوافل والزفر: الذي يحمل الأثقال.\nوالدليل على أنهم أمروا كلهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله جل وعلا: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: ١١٠] (١٠) ا. هـ.\n_________\n(١) انظر: «تنبيه الغافلين» (ص: ١٥)، «العين والأثر» (ص: ٤٨)، «التشريع الجنائي» (١/ ٤٩٣ - ٤٩٥).\n(٢) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٣١٥)، و«أحكام القرآن» لابن عربي (١/ ٢٩٢)، «الجامع لأحكام القرآن» (٦/ ٢٣٧) «النووي على مسلم» (١/ ٢/٢٢ - ٢٣)، «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية (ص: ١٥)، «الطرق الحكيمة» (ص: ٣١٥)، «الآداب الشرعية» (١/ ١٦١)، «تفسير أبي السعود» (٢/ ٦٧)، «أصول الدعوة» (ص: ١٦٦)، «مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص: ٦٥).\n(٣) في موضوع المفاضلة بين فرض الكفاية والعين من حيث الثواب المتحقق للقائم به. انظر: «تنبيه الغافلين» لابن النحاس (ص: ١٧)، «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٤٢٧).\n(٤) «شرح مسلم» (١/جز٢/ ٢٢ - ٢٣).\n(٥) انظر: «تنبيه الغافلين» (ص: ١٦).\n(٦) جزء من حديث رواه البخاري (٥٢٠٠)، ومسلم (١٨٢٩). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٧) راجع في هذا الموضوع «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٢٩٢)، «تنبيه الغافلين» لابن النحاس (ص: ١٥)، «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٤٢٨).\n(٨) «تفسير الرازي» (٨/ ١٦٧).\n(٩) (٤/ ٢٧٠)\n(١٠) «معاني القرآن للزجاج» (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣) وراجع في هذا الموضوع أيضًا «تفسير ابن عطية» (٣/ ١٨٧) و«القاسمي» (٢/ ١٧٧)، و«أصول الدعوة» (ص: ٣٠١ - ٣٠٤).","vol":"8","page":165},{"text":"وقال الرازي بعد نقله حجة أصحاب القول الأول –وهو هذا- (إذا ثبت هذا فنقول معنى هذه الآية: كونوا أمة دعاة إلى الخير، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وأما كلمة (من) فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠] ويقال: لفلان من أولاده جند .. يريد بذلك جميع أولاده .. لا بعضهم ..) (١) ا. هـ.\nوقال أبو السعود: وقيل (من) بيانية كما في قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم ... [الفتح: ٢٩] الآية، والأمر من كان الناقصة والمعنى (كونوا أمة تدعون ...) كقوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ... [آل عمران: ١١٠] ولا يقتضي ذلك كون الدعوة فرض عين، فإن الجهاد من فروض الكفاية مع ثبوته بالخطابات العامة (٢) ا. هـ.\nويمكننا تلخيص ما يمكن أن يستدل به أصحاب هذا القول فيما يلي (٣):\n١ - إيجاب الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ ... .\n٢ - أنه ليس أحد من المكلفين إلا وجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد أو اللسان أو القلب.\nومما ينبغي التنبه له أن أصحاب هذا القول يقولون: إنه وإن كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبًا على الكل إلا أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين، ونظيره قوله تعالى: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة: ٤١] وقوله: إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ... [التوبة: ٣٩] فالأمر عام وكذا الوعيد، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين (٤).\nوذهب آخرون كمقاتل بن حيان (٥) وابن جرير (٦) وابن كثير (٧) وابن العربي (٨) والقرطبي (٩) والشوكاني (١٠) إلى أنها تبعيضية.\nأخرج ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن مقاتل بن حيان في قوله: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ ... [آل عمران: ١٠٤] يقول: (ليكن منكم قوم يعني: واحد أو اثنين أو ثلاثة نفر فما فوق ذلك) (١١).\nوقد جوز الزجاج هذا المعنى مع ميله إلى الأول كما هو ظاهر كلامه حيث قال: (ويجوز أن تكون أمرت منهم فرقة لأن قوله وَلْتَكُن مِّنكُمْ .. ذكر الدعاة إلى الإيمان، والدعاة ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون إليه، وليس الخلق كلهم علماء، والعلم ينوب فيه بعض الناس عن بعض، وكذلك الجهاد) (١٢) ا. هـ.\nوقال أبو السعود: (ومن تبعيضية متعلقة بالأمر، أو بمحذوف وقع حالًا من الفاعل وهو أمة أو يدعون صفتها أي: لتوجد منكم أمة داعية إلى الخير، والأمة هي الجماعة التي يؤمها فرق الناس، أي يقصدونها ويقتدون بها، أو من الناقصة وأمة اسمها. ويدعون خبرها، أي: ولتكن منكم أمة داعين إلى الخير. وأيًا كان فتوجيه الخطاب إلى الكل مع إسناد الدعوة إلى البعض لتحقيق معنى فرضيتها على الكفاية وأنها واجبة على الكل بحيث إن أقامها البعض سقطت عن الباقين، ولو أخل بها الكل أثموا جميعًا) (١٣) ا. هـ.\n_________\n(١) «تفسير الرازي» (٨/ ١٦٧).\n(٢) «تفسير أبي السعود» (٢٠/ ٦٧).\n(٣) انظر: «تفسير الرازي» (٨/ ١٦٧)، و«تفسير النيسابوري» (٤/ ٢٨).\n(٤) انظر: «الرازي» (٨/ ١٦٧)، «صفوة الآثار» (٤/ ٢٧٠).\n(٥) انظر: «تفسير ابن أبي حاتم» رقم (١١٢٥).\n(٦) «تفسير الطبري» (٧/ ٩٠).\n(٧) «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٩٠).\n(٨) «أحكام القرآن» (٧/ ٢٩٢).\n(٩) «تفسير القرطبي» (٤/ ١٦٥).\n(١٠) «فتح القدير» (٢/ ٥٢٧).\n(١١) «تفسير ابن أبي حاتم» رقم (١١٢٥).\n(١٢) «معاني القرآن» (١/ ٤٢٥ - ٤٥٣)، وانظر: «النيسابوري»، و«فتح القدير» للشوكاني (١/ ٣٦٩).\n(١٣) «أبو السعود» (٢/ ٢٦٧).","vol":"8","page":166},{"text":"وقال الحافظ ابن كثير: يقول الله تعالى: ولتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأولئك هم المفلحون .. والمقصود من هذه الآية: أن تكون فرقة من هذه الأمة منصوبة لهذا الشأن وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من رأى منكم منكرًا ..» الحديث (١) (٢) ا. هـ.\nثم إن أصحاب هذا القول اختلفوا في التبعيض في الآية على قولين هما: الأول: أن فائدة كلمة من هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل النساء والمرضى والعاجزين.\nالثاني: أن هذا التكليف مختص بالعلماء ويدل عليه وجهان:\n١) أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء:\nالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.\nومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر، فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل، وأمر بالمنكر، ونهى عن المعروف، فثبت بهذا أن التكليف متوجه إلى العلماء، ولا شك أنهم بعض الأمة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ ... [التوبة: ١٢٢].\n٢ - أنا أجمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية، بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا كان كذلك كان المعنى: ليقم بذلك بعضكم، فكان في الحقيقة إيجابًا على البعض لا على الكل والله أعلم (٣).\nإشكال ودفعه (٤):\nقد يتوهم البعض من قوله تعالى عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: ١٠٥] أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يلزمه .. وهذا غير صحيح بل هو لازم له، والآية حجة عليه لا له!! (٥).\nذلك أن الهداية لا تتحقق إلا بفعل المأمور وترك المحظور، ومن المعلوم أن أعظم المأمورات القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الذي يدع العمل بذلك لا يكون مهتديًا!!\nبل كيف يكون مهتديًا والرسول –ﷺ- جعل الإنكار بالقلب أضعف الإيمان، وقال عن الإنكار والمجاهدة للخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (٦).\nوإن مما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير مهتد: إقسام الله تعالى أن الإنسان لفي خسر ولم يستثن سوى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ٣] (٧).\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٩).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٩٠).\n(٣) مستفاد من كلام الرازي في «تفسيره» (٨/ ١٦٧).\n(٤) انظر: «تفسير ابن جرير» (١١/ ١٨٣ - ١٥٣) تحقيق أحمد شاكر، «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ٥٤). «تفسير ابن عطية» (٥/ ٢١٤)، و«الرازي» (١٢/ ١١٢ - ١١٣)، و«القرطبي» (٦/ ٣٤٢ - ٣٤٥). «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٧٩)، و«ابن كثير» (٢/ ١٠٩)، «تنبيه الغافلين» لابن النحاس (٨١ - ٨٢). «تفسير أبي السعود» (٣/ ٨٨)، «فتح المبين بشرح الأربعين» (٢١١ - ٢٤٧)، وراجع أيضًا «الظلال» (٧/ ٥٩ - ٦١) «أصول الدعوة» (٣٠٤ - ٣٠٥).\n(٥) انظر: جملة من الآثار عن بعض السلف في معنى هذه الآية في كتاب «الناسخ والمنسوخ» لأبي عبيد (ص: ٢٨٦ - ٢٩٤) (الآثار رقم ٥٢٤ - ٥٣٦).\n(٦) رواه مسلم (٥٠). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٧) انظر: «أضواء البيان» (١/ ١٦٩ - ١٧١).","vol":"8","page":167},{"text":"وقد قال بنحو ما سبق جماعة من المفسرين منهم ابن جرير حيث قال حينما ذكر الأقوال في الآية السابقة: وأولى هذه الأقوال وأصح التأويلات، ما روي عن أبي بكر –﵁ فيها وهو يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ [المائدة: ١٠٥] الزموا العمل بطاعة الله وبما أمركم به وانتهوا عما نهاكم الله عنه لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ يقول: فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله، وأديتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم الله به فيه، من فرض الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي يركبه، أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام ظلمًا لمسلم أو معاهد، ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيه وضلاله إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى ذكره فيه، وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات في ذلك بالصواب لأن الله تعالى ذكره، أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى، ومن القيام بالقسط الأخذ على يدي الظالم.\nومن التعاون على البر والتقوى الأمر بالمعروف، وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان للناس ترك ذلك لم يكن للأمر به معنى إلا في الحال التي رخص فيه رسول الله ﷺ ترك ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة، فيكون مرخصًا له تركه إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه، وإذا كان ما وصفنا من التأويل بالآية أولى، فبين أنه قد دخل في معنى قوله: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب من أن ذلك (إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ...) (١).\nوقال الزجاج: (وليس يوجب لفظ هذه الآية ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعلم أنه لا يضر المؤمن كفر الكافر، فإذا ترك المؤمن الأمر بالمعروف وهو مستطيع ذلك فهو ضال، وليس بمهتد) (٢) ا. هـ.\nوقال النووي: (المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: إنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم مثل قوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: ١٨] وإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب، فلا ضرر على الآمر الناهي لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول والله أعلم) (٣) ا. هـ.\nولقد وقع الخطأ في فهمها عند بعض أهل العصر الأول .. فقام أبو بكر –﵁ وبين المراد وأزال الشبهة.\nروى ذلك قيس بن حازم حيث قال: قال أبو بكر الصديق بعد أن حمد الله وأثنى عليه يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ وإنما سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» (٤). وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ولا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب». وقال شعبة فيه «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي وهم أكثر ممن يعمل بها ..» (٥). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص٩٠\n_________\n(١) «الطبري» (١١/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(٢) «معاني القرآن» (٢/ ٢١٤).\n(٣) «شرح مسلم للنووي» (٢/ ٢٢ - ٢٣) (بتصرف).\n(٤) رواه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، وأحمد (١/ ٧) (٢٩، ٣٠)، وابن حبان (١/ ٥٣٩) (٣٠٤). قال الترمذي، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٣/ ٢٠٨): صحيح، وصحح إسناده النووي في «الأذكار» (٤١٢)، وابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ١٩٣)، وأحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٣٦)، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.\n(٥) رواه أبو داود (٤٣٣٨). قال الألباني في «صحيح الترغيب» (٢٣١٧): صحيح، وقال الوادعي في «الصحيح المسند» (٧١٣): صحيح على شرط الشيخين.","vol":"8","page":168},{"text":"المطلب الأول: الشروط المعتبرة التي لابد من توافرها (١)\nالأول: التكليف (٢):\nوهذا الشرط يخرج غير المكلف كالمجنون والصبي .. والمكلف في اصطلاح الفقهاء: هو البالغ العاقل.\nوهذا الشرط يعد من شروط الوجوب، لكن لا يعني هذا الاشتراط للتكليف أن غير البالغ لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر بل يكون ذلك مندوبًا في حقه.\nكما هو الحال في الصلاة والصوم والحج ونحوها مما هو معلوم (٣).\nالثاني: الإسلام (٤):\nالحسبة فيها نوع ولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم؛ ثم إن الكافر لو قام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه لا يقبل منه مع انتفاء شرط الإسلام، بقطع النظر عن كونه مخاطبًا بفروع الشريعة أم لا.\nولأن الحسبة نصرة للدين ورفع له فلا يرجى أن يكون ناصره من هو جاحد لأصله (٥). لكن لو قام الكافر بالإنكار للمنكر .. فهل يبقى على المسلم إنكار له؟!\nوالجواب عن هذا أن يقال: إن زال المنكر فليس على المسلم إنكار بعده، لأنه لا وجود للمنكر .. لكن إن كان المسلم عالمًا بالمنكر قبل إنكار الكافر له كان إنكاره متعينًا على المسلم فيلام على الترك.\nأما في حال بقاء المنكر بعد إنكار الكافر له فلا شك أن هذا لا يعفى المسلم من إنكاره أبدًا.\nالثالث: الإخلاص وإحضار النية (٦):\nلابد للمحتسب من أن يطلب بعمله وجه الله تعالى ورضاه .. دون أن يقصد بعمله وحسبته رياء ولا سمعة .. ولا منزلة في قلوب الخلق أو شيئا من دنياهم.\nوهذا الأمر –أعني الإخلاص- شرط في قبول سائر الأعمال الصالحة كما تقدم قال الله تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠].\nويتأكد الإخلاص في حال كون العمل بارزًا ظاهرًا يراه الناس ويشاهدونه. وننبه في هذا الموضع إلى مدخل شيطاني يوسوس به إبليس في نفوس بعض الغيورين فيشككهم في إخلاصهم وبالتالي يقعدهم عن القيام بمثل هذا العمل العظيم .. أو يقعدهم عنه ابتداء تحاشيًا للشهرة أو الانزلاق بالعجب أو الرياء والسمعة .. كما نسمع من بعض القاعدين عنه!! فلا ينبغي الالتفات إلى شيء من هذه الوساوس ولا الركون إلى تلك الهواجس .. !! وسيأتي المزيد من بيان هذا عند الكلام على أحوال الناس بالنسبة إلى القيام به وعدمه.\nوقد يكون للرجل جهاد وعمل ضخم في مجالات الدعوة والإصلاح والتوجيه وليس له عند الله تعالى نصيب، لأنه إنما دعا إلى تجميع الناس حول نفسه .. فدعوته وجهاده لرفع تلك النفس.\nالرابع: المتابعة:\nإن الغرض من الاحتساب هو إيجاد المعروف وإزالة المنكر والمعروف هو ما جاء به محمد –ﷺ- .. فعلى المحتسب أن يجعل هذا نصب عينيه، وعليه أن يعلم جيدًا أن المتابعة شرط في قبول عمله لقوله تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا [الكهف: ١١٠] والعمل الصالح هو العمل الصائب الموافق لهديه –صلوات الله وسلامه عليه-.\n_________\n(١) انظر: «الإحياء» (ص: ٣٠٨) فما بعدها، «تنبيه الغافلين» لابن النحاس (ص: ١٨ - ١٩) «مفتاح السعادة» (٣/ ٣٠٦)، «التشريع الجنائي» (١/ ٤٩٦).\n(٢) «معالم القربة» (ص: ٧ - ٨).\n(٣) انظر: «غذاء الألباب» (١/ ٢١٥ - ١٢٩) «مفتاح السعادة» (٣/ ٣٠٦) «أصول الدعوة» (ص: ١٧١).\n(٤) انظر: «الإحياء» (٢/ ٣٠٨) فما بعدها، «تنبيه الغافلين» (ص: ١٨)، «التشريع» (١/ ٤٩٦ - ٤٩٧)، «مفتاح السعادة» (٣/ ٣٠٦).\n(٥) انظر: «غذاء الألباب» (١/ ٢١٥ - ٢١٩)، «أصول الدعوة» (ص: ١٧١).\n(٦) انظر: «النووي على مسلم» (١/ ٢/٢٤)، «تنبيه الغافلين» (ص: ١٨ - ١٩، ٦٢ - ٦٦)، «معالم القربة» (ص: ١٢).","vol":"8","page":169},{"text":"وقد أخبر النبي ﷺ في حديث حذيفة المتقدم – عن مداخلة الدخن للخير الذي يكون بعد الشر لما ذكر الفتن .. وفسره بقوله «قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي».\nفيجب أن يكون منهجنا في التغيير للانحرافات الواقعة في الأمة .. وإيجاد الفضيلة والخير في المجتمع سائرًا على المنهج الذي سار عليه رسول الله ﷺ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رسول الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١] قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: ٣١].\nولقد بدأ –صلوات الله وسلامه عليه- كغيره من الأنبياء قبله –بإصلاح عقائد الناس أولًا وجمعهم على عقيدة التوحيد؛ كما ربى أصحابه –رضوان الله عليهم أجمعين- على وحدة مصدر التلقي .. وعلى أن كل قول غير قول الله وقوله رسوله –ﷺ- فإنه هو قول قابل للخطأ والصواب فلا ينظر إليه باعتبار قائله (اعرف الحق تعرف أهله، فإنما الحق لا يعرف بالرجال).\nفإذا بدأ المحتسب أو (الداعي) بعكس ما بدأ به رسول الله ﷺ كما لو بدأ بالجهاد أو إقامة الدولة مثلًا فإنه لا يفلح في دعوته، وهذا ولا شك من ذلك الدخن الذي أخبرنا عنه –ﷺ- قال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀-: (ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي على الصراط المستقيم، والصراط المستقيم أقرب الطرق. وهو الموصل إلى حصول القصد) (١) ا. هـ.\nفكل دعوة إلى الإصلاح وكل أمر بمعروف أو نهي عن منكر لا ينتهجان ذلك المنهج السوي فلهما من المفارقة لمنهج رسول الله ﷺ والذي هو منهج أهل السنة والجماعة بقدر المخالفة له.\nفإن منهج أهل السنة وطريقهم لا يقتصر على مسائل الصفات فقط، أو قضايا العلم والاعتقاد، بل ذلك يكون في تلك القضايا وغيرها من الأمور العملية وإنما كثر التدوين في مسائل الصفات خاصة ومسائل الاعتقاد عامة لكثرة المخالفين فيها أولًا ثم لخطورة الخلاف في تلك المسائل ثانيًا.\nونحن ندعو كل مسلم إلى التمسك بذلك المنهج فهو طريق الخلاص من هذا الواقع المرير.\nالخامس: العلم (٢):\nتبين لك فيما سبق أنه لابد من بلوغ المطالبة بالتكليف إلى المكلف في العمل المعين .. وإلا فإنه لا يؤاخذ على تركه. وهذا ظاهر وهو الذي مر معك عند الكلام في شرطية العلم بالتكليف وأنه من شروط الوجوب، لكن العلم الذي نريد الحديث عنه هو العلم بما يأمر والعلم بما ينهى.\nفلابد للآمر أن يعلم أن ما يأمر به هو من المعروف، كما لابد للناهي أن يعلم أن ما نهى عنه يعد من المنكر .. فلابد إذًا أن يكون فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه. فحاله كحال الطبيب لا يمكنه العلاج حتى يفهم المرض والدواء معًا.\n_________\n(١) انظر: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية (ص: ٢٢ - ٢٨).\n(٢) «الأحكام السلطانية للماوردي» (ص: ٣٠٠)، «وللفراء» (ص: ٢٨٥)، «نهاية الرتبة في طلب الحسبة» (ص: ٦ - ١٠)، «الفروق» (ص: ٤، ٢٥٥)، «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية (ص: ٢٩ - ٣١)، «نصاب الاحتساب» (ص: ٣٣١ - ٣٤٠)، «أضواء البيان» (١/ ١٧٤)، «أصول الدعوة» (ص: ٤٦٥)، «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لعبد المعز (ص: ٢٢)، «الدرر السنية» (٧/ ٢٦).","vol":"8","page":170},{"text":"قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف: ١٠٨] فدلت الآية على لزوم البصيرة وهي الدليل الواضح (١). قال ابن القيم –﵀-: (وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه بل لابد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد أقصى ما يصل إليه السعي.\nويكفي هذا في شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء) ا. هـ (٢).\nوإن مما يدخل في هذا العلم المطلوب: علم المحتسب بمواقع الحسبة وحدودها (٣). قال عمر بن عبد العزيز -﵀-: (من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح) (٤).\nقال النووي –﵀-: (إنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء) (٥) ا. هـ. بل لا يكون عمل المحتسب أو الداعي صالحًا ما لم يكن بعلم وفقه كما قال عمر بن عبد العزيز –﵀- .. لأن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلًا وضلالًا واتباعًا للهوى .. وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام.\nفلابد إذًا من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، كما لابد من العلم بحال المأمور وحال المنهي (٦).\nولا تفهم مما سبق أن المطلوب منك عند قيامك بمهمة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تكون عالمًا فقيهًا!! بل يكفي في ذلك أن تعلم أن هذا من المنكر فتنكره أو من المعروف فتأمر به وتدعو الناس إليه.\nأما إذا اقتحم الجهال الدعوة، وترأسوا فيها، وأخذوا بالأمر والنهي بلا علم في ذلك كله، فإنهم يفسدون في هذه الحال أكثر مما يصلحون كما تقدم؛ فقد يأمر أحدهم بالمنكر وينهى عن المعروف جهلًا منه (٧) .. قال تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ... [النحل: ١١٦].\nوإن من أمارات الساعة ومن أسباب تعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رفع العلم كما قال –ﷺ-: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٨).\n_________\n(١) لمعرفة كلام المفسرين في هذه الآية انظر: «الطبري» (١٦/ ٢٩١) تحقيق أحمد شاكر، «البغوي» (٢/ ٤٥٣)، «ابن الجوزي» (٤/ ٢٩٥)، «الفخر الرازي» (١٨/ ٢٢٥)، «القرطبي» (٩/ ٢٧٤)، «ابن كثير» (٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦)، «أبا السعودي» (٤/ ٣١٠)، «الشوكاني» (٣/ ٥٩)، «القاسمي» (٩/ ٢٩٤ - ٢٩٦)، «السعدي» (٤/ ٦٣)، «الشنقيطي» (١/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(٢) «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٥٤).\n(٣) «أصول الدعوة» (ص: ١٧٤).\n(٤) «الزهد» لأحمد (ص: ٣٦٦)، «زاد المسير» (ص: ٢٥٠).\n(٥) «شرح مسلم» (١/ ٢/٢٣).\n(٦) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية (ص: ٢٨).\n(٧) انظر: «أضواء البيان» (١/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(٨) رواه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.","vol":"8","page":171},{"text":"قال الإمام البخاري في صحيحه: (باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه) ثم أورد حديث الزبير بن عدي قال: «أتينا أنس ابن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج. فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه. حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم –ﷺ-» (١).\nوقد ذكر الحافظ في شرحه أقوالًا متعددة ثم قال: ثم وجدت عند عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد وهو أولى بالاتباع. فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال: (سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه، ولا مالًا يفيده، لكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علمًا من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون). ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود إلى قوله (شر منه).\nقال: فأصابتنا سنة خصب. فقال: ليس ذلك أعني، إنما أعني ذهاب العلماء). ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال: (لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان قبله، أما إني لا أعني أميرًا خيرًا من أمير ولا عامًا خيرًا من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجد منهم خلفًا، ويجيء قوم يفتون برأيهم) (٢) وفي لفظ عنه من هذا الوجه: (ما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها، ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه) (٣) (٤). والله المستعان.\nهذا وقد يحمل الإقدام على الإنكار بغير علم ذوي النفوذ على الوقوف في وجه الحسبة وتعطيلها قال عبد الصمد بن المهتدي: لما دخل المأمون بغداد، نادى بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك لأن الشيوخ بقوا يضربون ويحبسون، فنهاهم المأمون وقال: قد اجتمع الناس على إمام، فمر أبو نعيم، فرأى جنديًا وقد أدخل يديه بين فخذي امرأة، فنهاه بعنف، فحمله إلى الوالي، فحمله الوالي إلى المأمون. قال: فأدخلت عليه بكرة وهو يسبح، فقال توضأ. فتوضأت ثلاثًا ثلاثًا على ما رواه عبد خير، عن علي، فصليت ركعتين، فقال: ما تقول في رجل مات عن أبوين؟ فقلت: للأم الثالث، وما بقى للأب، قال فإن خلف أبويه وأخاه؟ قلت: المسألة بحالها، وسقط الأخ، قال: فإن خلف أبوين وأخوين؟ قلت: للأم السدس وما بقى للأب. قال: في قول الناس كلهم؟ قلت: لا، إن جدك ابن عباس يا أمير المؤمنين ما حجب الأم عن الثلث إلا بثلاثة إخوة. فقال: يا هذا، من نهى مثلك عن الأمر بالمعروف؟! إنما نهينا أقوامًا يجعلون المعروف منكرًا. ثم خرجت (٥).\nالسادس القدرة (٦):\nيقول الله ﷿: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] فمن كان بوسعه القيام بالأمر والنهي لزمه ذلك ومن لا فلا.\nهذا واعلم أن الناس يتفاوتون في القدرة تفاوتًا كبيرًا .. فالسلطان أقدر من غيره على القيام بذلك .. كم أن المتطوع أقل اقتدارًا في الغالب من المنصوب للاحتساب .. وهكذا.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٠٦٨).\n(٢) رواه الدارمي (١/ ٧٦) (١٨٨). والحديث موضوع ذكره السخاوي في «المقاصد الحسنة» (١/ ٥١٦)، والفتني في «تذكرة الموضوعات» (ص: ٢١)، والعجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ١٢٣).\n(٣) انظر: «المقاصد الحسنة» للسخاوي (١/ ٥١٧)، و«كشف الخفاء» للعجلوني (٢/ ١٢٣).\n(٤) «الفتح» (١٣/ ٢١).\n(٥) «نزهة الفضلاء» (٢/ ٧٤٨).\n(٦) انظر: «الإحياء» (٢/ ٣٠٨) فما بعدها، «أحكام القرآن» لابن العربي: (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧). «تفسير ابن عطية» (٥/ ١٦٦)، «تنبيه الغافلين» (١٨ - ١٩) «مفتاح السعادة» (٣/ ٣٠٧)، «التشريع الجنائي» (١/ ٤٩٧).","vol":"8","page":172},{"text":"وكلما كان الإنسان أقدر كلما كان تعين ذلك عليه آكد (١).\nفإذا كان يعجز عن القيام به بيده تعين اللسان، فإن عجز عنه تعين القلب، وقد بينا أن الإنكار بالقلب لا يسقط عنه بحال من الأحوال، كما بينا أن العجز يكون حسيًا ويكون ملحقًا به كخوف لحوق الأذى (٢).\nلكن لو تمكن المرء من الإنكار على الضعفاء دون الأقوياء فهل يلزمه الإنكار على من قدر عليهم؟!\nالجواب: نعم يلزمه ذلك. لقول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] وهذا عمل بما يستطيع .. والله تعالى لا يكلفه ما لا يطيق لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة: ٢٨٦].\nوفي القاعدة الثامنة من قواعد ابن رجب –﵀-: (من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا) (٣)؟\nوهذا فيه تفصيل يهمنا منه لزوم بعض العبادات التي تقبل ذلك كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلو رأى منكرين أحدهما كبير والآخر صغير وقدر على إنكار الصغير منهما دون الكبير فإن إنكار الصغيرة لا يسقط عنه.\nقال الخلاب: (باب الرجل يرى المنكر الغليظ فلا يقدر أن ينهى عنه ويرى منكرًا صغيرًا يقدر أن ينهي عنه كيف العمل فيهما)؟ أخبرنا سليمان بن الأشعث قال: سئل أبو عبد الله عن رجل له جار يعمل بالمنكر لا يقوى على أن ينكر عليه، وضعيف يعمل بالمنكر أيضًا، ويقوى على هذا الضعيف أينكر عليه؟ قال: نعم ينكر على هذا الذي يقوى أن ينكر عليه (٤).\n_________\n(١) انظر: «أصول الدعوة» (ص: ٤٦٥).\n(٢) انظر: «أصول الدعوة» (ص: ١٧٥).\n(٣) «قواعد ابن رجب» (ص: ١٠ - ١١) وانظر القسم الرابع من الأقسام الداخلة تحت هذه القاعدة.\n(٤) «مسائل أبي داود» (ص: ٢٧٨)، «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للخلال أثر رقم (٦٣) «الآداب الشرعية» (١/ ١٦١).","vol":"8","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2189>المطلب الثاني: ذكر الشروط غير المعتبرة</span>\n١) العدالة:\nذهب قوم إلى اشتراط العدالة مستدلين بما يأتي:\n١ - قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: ١٠٤] قالوا: فالفاسق ليس من المفلحين، فيجب أن يكون الآمر الناهي غير فاسق.\n٢ - قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤] فأنكر عليهم أمرهم بالشيء وواقعهم يخالفه. ولذا قال بعض الأنبياء لأقوامهم: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ .. [هود: ٨٨] وقال تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: ٣ - ٤].\nواستدلوا بقوله –ﷺ-: «يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه ..» (١) إلخ قالوا: فهذا كان معاقب لكونه يأمر وينهى ولا يأتمر وينتهي بنفسه.\nالجواب عما استدلوا به: يمكن أن يجاب عن الآية الأولى بأن الفلاح المذكور حاصل حتى للفاسق فإنه لا يكون مخلدًا في النار.\nأو يقال: بأن هذا ورد على سبيل التغليب، لأن الغالب أن لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من أصلح أحوال نفسه. فالعاقل يقدم ما يصلحها على ما يصلح غيره في الآجل.\nوأما الجواب عن النصوص التي تضمنت الإنكار والوعيد لمن يأمر ولا يمتثل فيقال: قد اجتمع في هذا الموضع على المكلف واجبان:\nالأول: الامتثال لأمر الله تعالى.\nالثاني: حث الناس على ذلك وأمرهم به وتحذيرهم ونهيهم عما خالفه.\nفإذا قصر في أحد هذين فإن ذلك لا يعني سقوط الآخر عنه .. فإن ترك الأمر والنهي بقي عليه الامتثال .. وإن ترك الامتثال بنفسه بقي عليه الأمر والنهي (٢).\nهذا وقد وقع الذم في تلك النصوص والوعيد على ارتكاب ما نهى عنه الناهي عن المنكر، ولم يقع الذم على نفس النهي عن المنكر، بل هذا يحمد ولا يذم فهو طاعة لله ﷿ وقربة، ولا شك أن وقوع المنكر ممن ينهى عنه أقبح من وقوعه ممن لا يعلم أنه منكر أو علم ولم يدع إلى تركه. وهذا لا يعني إعفاءه من الأمر والنهي كما تقدم (٣).\nوبهذا تعلم أن التوبيخ إنما وقع على نسيانهم لأنفسهم من المعروف الذي أمروا به، وليس التوبيخ على أمرهم ونهيهم (٤).\nقال ابن العربي: (وليس من شرطه أن يكون عدلًا عند أهل السنة (٥)، وقالت المبتدعة: لا يغير المنكر إلا عدل. وهذا ساقط، فإن العدالة محصورة في قليل من الخلق، والنهي عن المنكر عام في جميع الناس) (٦) ا. هـ.\nومن المعلوم لديك أن شروط الطاعات لا تثبت إلا بالأدلة (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩).\n(٢) انظر: «تفسير الفخر» (٣/ ٤٧)، (٨/ ١٦٨)، «الفتح» (١٣/ ٥).\n(٣) انظر: «القرطبي» (٤/ ٤٧ - ٤٨)، (٦/ ٣٤٥).\n(٤) انظر: «المنهاج للحليمي» (٢/ ٢١٨)، «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٢٦٦)، «ابن عطية» (٥/ ١٦٦)، «النووي على مسلم» (١/ ٢/٣٢)، و«ابن كثير» (١/ ٨٦)، «المرقاة» (٩/ ٣٢٩)، «الألوسي» (١/ ٢٤٨) (٤/ ٢٣)، «السعدي» (١/ ٣٨) «صفوة الآثار» (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، «أصول الدعوة» (١٧٢ - ١٧٤).\n(٥) «غذاء الألباب» (١/ ٢١٥ - ٢١٩).\n(٦) «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٢٦٦)، وانظر: «القرطبي» (٤/ ٤٧ - ٤٨) وراجع: (٦/ ٣٤٥).\n(٧) «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٢٩٢).","vol":"8","page":174},{"text":"قال الجصاص: لما ثبت وجوب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبينا أنه فرض على الكفاية .. وجب أن يختلف في لزوم فرضه البر والفاجر لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضًا غيرها .. ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات، فكذلك من لم يفعل سائر المعروف، ولم ينته عن سائر المناكير، فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه (١) ا. هـ.\nوإن مما يبرهن على صحة ما ذكرنا أن العصمة من المعاصي ليست من شروط الاحتساب بالإجماع، فلو اشترط ذلك لتعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الأعصار، وسواء في ذلك عصر الصحابة أو من بعدهم، إذ لا أحد معصوم من المعاصي منهم .. بل حتى الأنبياء تقع منهم الصغائر على القول الراجح لكنهم لا يصرون عليها.\nومن أجل ذا قال الإمام مالك وسعيد بن جبير –رحمهما الله-: (لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر).\nقال مالك: (ومن هذا الذي ليس فيه شيء؟) (٢).\nقال عمر بن عبد العزيز –﵀-: (لو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، ويكمل الذي خلق له من عبادة ربه، إذًا لتواكل الناس الخير! وإذًا لرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض) (٣).\nوقال أبو الدرداء –﵁-: (إني لآمركم بالأمر وما أفعله، ولكن لعل الله يأجرني فيه) (٤).\nوقد نقل عن الحسن أنه قال لمطرف بن عبد الله: عظ أصحابك. فقال إني أخاف أن أقول ما لا أفعل. قال: يرحمك الله! وأينا يفعل ما يقول! ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر (٥).\nولو قال قائل إن ذلك مختص بالكبائر! قيل له: هل للزاني أو شارب الخمر مثلًا أن يغزو الكفار؟!\nفإن قالوا: لا. فقد خرقوا الإجماع .. فلا زال جنود المسلمين منذ عهد الصحابة مشتملة على بعض من يقترف الكبائر، وقصة أبي محجن ﵁ يوم القادسية مشهورة معلومة، ولم يمنعهم أحد لا النبي ﷺ ولا أحد من بعده عن الغزو (٦).\nوقال ابن كثير –﵀- بعد أن قرر عدم اشتراط العدالة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ولكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية لعلمه بها ومخالفته على بصيرة، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم، ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك) ا. هـ ثم ذكر جملة من الآثار الدالة على ذلك (٧).\nويمكن أن توصف حال مثل هذا بما نقل عن أبي عثمان الحيري أنه قال:\nوغير تقى يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي والطبيب مريض\nهذا واعلم أن القسمة رباعية فالناس أحد أربعة أشخاص تجاه المنكر:\nفالأول: من لا يأتيه وينهى عنه وهذا أعلى الأقسام.\nوالثاني: من لا يأتيه ولا ينهى عنه.\nوالثالث: من يأتيه وينهى عنه.\nوالرابع: من يأتيه ولا ينهى عنه.\n٢ - الإذن من ولي الأمر (٨):\n_________\n(١) «أحكام القرآن» للجصاص: (٢/ ٣٢٠).\n(٢) «الجامع لابن أبي زيد» (ص: ١٥٨).\n(٣) «سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز» (ص: ٢٤٨).\n(٤) «نزهة الفضلاء» (١/ ١٥٩).\n(٥) «تفسير القرطبي» (١/ ٣٦٨).\n(٦) انظر: «الإحياء» (٢/ ٣٠٨ - ٣١١).\n(٧) «تفسير ابن كثير» (١/ ٨٦).\n(٨) «تفسير ابن كثير» (١/ ٨٦).","vol":"8","page":175},{"text":"يذهب البعض إلى شرطية إذن السلطان أو نائبه للقائم بالاحتساب! وهذا باطل لا دليل عليه من كتاب ولا سنة! بل الدليل يرده ويرفضه!! فكل مسلم يلزمه تغيير المنكر إذا رآه أو علم به وقدر على إزالته أو تغييره .. فلا يختص الأمر ولا النهي بأصحاب الولايات وحدهم دون من سواهم! وقد جرى عمل السلف على ما بينت .. ونقل عليه إمام الحرمين الإجماع وقال: (فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية والله أعلم (١). ا. هـ.\nومن المعلوم بداهة أن الحسبة كما تكون على عامة الناس فإنها تكون على الولاة أيضًا .. فهل يقال بشرطية إذنهم من أجل القيام بالاحتساب عليهم؟!\nوالحاصل أن الاحتساب لا يشترط فيه إذن الإمام كما لا يشترط فيه إيجاده وإقراره .. فقد أمر به رب العالمين ودعا إليه رسول الله –ﷺ-، فهو من مهمات الدين ومن ميراث سيد المرسلين –ﷺ-.\nنعم لو نصب السلطان رجالًا يقومون على الحسبة وتعاون معهم غيرهم كان ذلك أقوى وأمضى في سبيل إزالة كثير من المنكرات وأجدى في طريق الإصلاح .. لكنه ليس بشرط!! لكن أحسن أحوال الحسبة وأقواها هي الحسبة التي يلتقي فيها قوة السلطان وهيبته ودعمه مع جهود المخلصين الغيورين من رعيته .. فإن الله تعالى أنزل القرآن هدى وشفاء، وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس .. والله ﵎ يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. والحاصل أن خير صنوف الحسبة ما اجتمع فيه معونة السلاطين والأمراء الأخيار الصادقين وجهود أهل الغيرة من رعاياهم (٢).\nوهذا التفضيل الذي ذكرت إنما هو من جهة القوة والتأثير لكن إذا فقد هذا المستوى الرفيع فليس ذلك يعني تخلي المسلمين عن القيام بهذا الواجب.\nفلو فرض أن الولاة عطلوها وكادوا لها وحاربوها وتربصوا بها الدوائر وبأهلها وضيقوا عليهم سبيل معاشهم ومجالات تركهم .. فإنه يجب على الرعية أن يقوموا بها حسب استطاعتهم كل بحسبه، وإن غضب السلطان لذلك، فإن وجودها ليس مفتقرًا إلى إذنه أو رضاه ومباركته!\nنعم .. لو قيل باشتراط إذن الولاة في بعض صور الاحتساب، التي لو كانت فردية بحتة لخشي من ظهور فتنة، فقد يكون لهذا الاشتراط وجه من الصحة، ولكل حالة لبوسها، وإنما نريد التقريب (٣). وسيأتي المزيد من إيضاح هذه الجزئية عند الكلام على مراتب الاحتساب.\n٣ - الذكورة (٤):\nاعتبر بعض أهل العلم الذكورة من جملة شروط الحسبة المعتبرة (٥) كما حاول أصحاب هذا القول رد ما يدل على خلاف قولهم هذا الذي اختاروه مذهبًا لهم.\nوالحقيقة التي يعرفها من اطلع على كلام أصحاب هذا المذهب هي أن اشتراطهم الذكورة هنا متعلق بتولي ولاية الحسبة والانتصاب لذلك، فيؤديها المنتصب لها على وفق مفهومها الواسع.\n_________\n(١) انظر: «شرح النووي على مسلم» (١/ ٢/٢٣).\n(٢) انظر: «صفوة الآثار» (٤/ ٢٧٠ - ٢٧١).\n(٣) انظر: «أصول الدعوة» (١٧١ - ١٧٢).\n(٤) انظر: «الإحياء» (٢/ ٣٠٨) فما بعدها.\n(٥) انظر: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للخلال أثر رقم (١٠٦) (ص: ٧٥)، و«الاستيعاب» (٤/ ٣٣٥، ٣٤١) وراجع كلام ابن العربي في «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٥٨)، و«القرطبي في تفسيره» (١٣/ ١٨٣) عند قوله تعالى: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ *النمل: ٢٣* «الإصابة» (٤/ ٣٤١)، «التراتيب الإدارية» (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦).","vol":"8","page":176},{"text":"وكلامنا هنا ليس في ذلك خاصة وإنما حديثنا عن الحسبة هنا نريد به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقًا. والنساء شقائق الرجال من حيث التكليف والمطالبة والعبادة إلا ما علم اختصاصه بالرجال دونهن.\nثم إن الآيات والأحاديث الواردة في الحث على القيام بهذا العمل أو التحذير من تركه .. لا تختص بالرجال دون النساء .. بل على المرأة أن تأمر نساءها كما تأمر إخوانها وأخواتها وأولادها وكذلك زوجها (بالمعروف) كما تأمر وتنهى النساء مثلها .. لكن تجتنب كل ما يؤدي إلى تقليل حشمتها أو التأثير عليها في جانب الديانة أو الشرف والعفة.\nومما ينص على دخولها مع الرجل في ذلك قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... [التوبة: ٧١] قال ابن النحاس: (وفي ذكره تعالى المؤمنات هنا دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على النساء كوجوبه على الرجال حيث وجدت الاستطاعة) (١) ا. هـ.\nوحينما نقول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على النساء، ليس معنى ذلك أن تترك المرأة بيتها وأبناءها وزوجها لتقوم بتلك المهمة كما نشاهد في هذا العصر الذي كثر فيه خروج النساء جدًا .. حتى أشبهن الرجال من جهة عدم الاستقرار في البيوت للاشتغال بالدعوة أو غيرها!!\nوقد رأينا في هذا العصر من يحرض النساء على الخروج للدعوة، والتغلغل في كل إدارة أو وظيفة يتمكن من الدخول فيها؛ بل ويطالب أن يوجد في صفوف النساء داعيات يشار إليهن بالبنان كما هو حاصل بين الرجال.\nوهذا أمر غريب فيما أحسب على هذا الدين، وعلى طبيعة المرأة وفطرتها. والحاصل أن اشتغال المرأة بذلك المطلب إنما هو بضوابط وحدود شرعية، لا أن تكون المرأة مستوية مع الرجال في خوض مجالات الدعوة، وإنما أثر ذلك الواقع ما ألفنه من كثرة الخروج وإدمانه سواء للدراسة أو (الوظيفة) أو التسوق أو الخروج إلى أماكن النزهة .. كل ذلك أفرز في مجتمعنا هجران كثير من النساء والفتيات دورهن في أوقات كثيرة من اليوم.\nوالمتأمل في حال المجتمعات الغربية وما تعيشه المرأة هناك .. وكذلك حال النساء في المجتمعات المنتسبة للإسلام يدرك أن إدمان هذا الخروج أمر يصفق له أعداء الإسلام ويفرحون به .. لأنهم بذلك يستطيعون الوصول إلى فريستهم بأقرب طريق وأيسر سبيل!\nفعلى المرأة أن تهتم بتربية أولادها وتقوم بحق زوجها. وإن كانت غير متزوجة فعليها أن تتعلم من الأمومة والقيام على شؤون المنزل ما يكفيها بعد الزواج .. لا كما نشاهد من كثرة النساء والفتيات اللاتي لا يعرفن شيئًا من ذلك، وكذلك عليها أن تتعلم ما تدعو الحاجة إليه من أمور الطهارة والصلاة والصوم والحج .. إلخ كما عليها أن تعي جيدًا تربية الأولاد وأساليبها الصحيحة الشرعية .. حتى تخرج الأجيال الصالحة .. فإن كان عندها فضل من جهد ووقت بعد القيام بذلك كله على الوجه المطلوب وكان لديها علم ينفع المسلمين فيحبذ أن تعلم النساء والبنات هذا العلم الذي عرفته لأن الحاجة تدعو إلى ذلك (على أن يتم ذلك حسب الضوابط الشرعية).\nوإنما جاء هذا الاستطراد لكثرة ما أسمع وأرى من وقوع الخلل في تلك الجوانب.\n٤ - الحرية (٢):\n_________\n(١) «تنبيه الغافلين» (ص: ٦، ١٩).\n(٢) انظر: «الإحياء» (٢/ ٣٠٨) فما بعدها، و«تنبيه الغافلين» لابن النحاس (ص: ١٩).","vol":"8","page":177},{"text":"إن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل وبرهان على غيرة المسلم على دينه وعقيدته، وحبه وإخلاصه لهما .. وإنه لا يتصور انتفاء المراتب الثلاث (اليد واللسان والقلب) مجتمعة، من رجل في قلبه إيمان حي –كما تقدم- وهذا أمر يشترك فيه الحر والعبد .. فالعبد مكلف بأعمال القلوب كلها كالحر تمامًا سواء بسواء، لا فرق بينهما في ذلك البتة .. كالحب والبغض والإنكار بالقلب ونحو ذلك من الأمور القلبية .. كما أنه مكلف أيضًا بأعمال البدن كالحر أيضًا إلا ما دل الدليل على إخراج الرقيق من المطالبة به.\nهذا مع كونه لم يرد دليل على تقييد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأحرار دون الأرقاء. بل واقع الأمر على خلاف ذلك .. فإن ظاهر الآيات والأحاديث يدل على دخول الأرقاء في ذلك كقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة: ٧١] وهذا يشمل الجميع كما هو ظاهر.\nلكن إن أريد بالحسبة تلك الولاية المعروفة فإن اشتراط الحرية في محله وليس كلامنا في ذلك.\nوإنما ذكرت هذا الشرط والذي قبله هنا لأن الكثير من أهل العلم الذين تكلموا عن الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتحدثون عنها –أي الحسبة- على أنها تلك الولاية العامة الشاملة لكثير من الجهات الحيوية في حياة الناس وأمور معاشهم فأردت التوضيح هنا لئلا يلتبس على من قرأ شيئًا من ذلك لمن ذكر مثل هذه الشروط. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: ١٥٣","vol":"8","page":178},{"text":"المطلب الأول: الرفق (١)\nلابد أن يكون المحتسب رفيقًا في احتسابه ما أمكنه ذلك، لأن هذه الصفة الطيبة –أعني الرفق- هي من الصفات المحببة إلى الخلق كما يحبها الخالق جل وعلا، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» (٢) كما قال ﷺ «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (٣) وعن جرير ﵁ مرفوعًا: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله» (٤).\nثم إن هذه الصفة محببة إلى الخلق، لأن الإنسان بطبعه وفطرته يحب الإحسان ويكره الإساءة .. وهو يقبل من طريق الرفق ما لا يقبل من طريق العنف والشدة، بل إن الإنسان –غالبًا- إذا أمر بعنف فإنه تأخذه العزة بالإثم فيأنف ويصر على خطئه عنادًا .. وهو بطبعه نفور من أهل الفظاظة والغلظة .. ومصداق ذلك قوله تعالى: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩] ولذا أرشده إلى المدخل إلى نفوسهم وقلوبهم وهو ضد ذلك الوصف الرديء .. فقال فَاعْفُ عَنْهُمْ وهذا لا شك إذا كان المقام يحتمل ذلك .. ثم أعقب ذلك بقوله: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩] فاتصاف الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بالشفقة والرحمة والخوف على مصلحة المأمور أمر ضروري لقبول دعوته.\nوهكذا كان حال النبي ﷺ، قال تعالى ممتنًا ببعثته: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] بل كان –صلوات الله وسلامه عليه- يشتد عليه إعراض قومه، ويتألم لذلك، ولهذا قال تعالى له مهونًا عليه: وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ [النحل: ١٢٧].\nوقال: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف: ٦] وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللهَ شَيْئًا [آل عمران: ١٧٦] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة: ٤١].\nقَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام: ٣٣] وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ [يونس: ٦٥] وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ [لقمان: ٢٣].\nهذا وإن الاحتساب المثمر هو الذي يجعل المحتسب عليه ينقاد لما يطلب منه من فعل أو ترك .. فإن رافق ذلك وصاحبه الاقتناع بما طلب منه كان ذلك أكمل وأفضل حتى يكون له وازع من نفسه وقلبه بضرورة فعل هذا الأمر أو تركه (٥).\n_________\n(١) انظر: «المنهاج للحليمي» (٢/ ٢١٨)، و«الحدائق» لابن الجوزي (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩). و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية (٢٩ - ٣١)، و«جامع العلوم والحكم» (ص: ٢٨٥) «معالم القربة» (ص: ١٤) «الدرر السنية» (٧/ ٢٥، ٣٢)، و«أضواء البيان» (١/ ١٧٤)، و«أصول الدعوة» (ص: ٤٦٥).\n(٢) رواه مسلم (٢٥٩٣). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) رواه مسلم (٢٥٩٤). من حديث عائشة ﵂.\n(٤) رواه مسلم (٢٥٩٢)، وأبو داود (٤٨٠٩) واللفظ له، وابن ماجه (٢٩٨٨)، وأحمد (٤/ ٣٦٦) (١٩٢٧٢). من حديث جرير ﵁.\n(٥) انظر: «أصول الدعوة» (ص: ١٧٦، ١٨٨).","vol":"8","page":179},{"text":"قيل للإمام مالك ﵀: الرجل يعمل أعمالًا سيئة، يأمره الرجل بالمعروف وهو يظن أنه لا يطيعه، وهو ممن لا يخافه كالجار والأخ؟! فقال: ما بذلك بأس. ومن الناس من يرفق به فيطيع؛ قال الله ﷿: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: ٤٤] ا. هـ (١) وقال الثوري: (أؤمر بالمعروف في رفق، فإن قبل منك حمدت الله ﷿ وإلا أقبلت على نفسك) ا. هـ (٢).\nوقال الإمام أحمد: (والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة، إلا رجلًا مباينًا معلنًا بالفسق فيجب عليك نهيه وإعلانه لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة، فهذا لا حرمة له) (٣) وقال أيضًا: كان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون: مهلًا رحمكم الله (٤).\nوقال أيضًا: ما أغضبت رجلًا فقبل منك (٥) كما سئل –﵀- عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كيف ينبغي أن يأمر؟ قال: يأمر بالرفق والخضوع. ثم قال: إن أسمعوه ما يكره لا يغضب فيكون يريد ينتصر لنفسه (٦).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر .. (٧) ولا يجوز أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطيش وتخرق .. (٨) وقد أنكر الثوري –﵀- على من جانب هذا الوصف فلم يكتف بالدخول على أهل المنكر من أبوابهم –مع إمكان ذلك- وإنما عمد إلى تسلق الأسوار!! نقل ذلك الخلال في رسالته «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» من طريق أبي عبد الله بن الربيع الصوفي قال: دخلت على سفيان بالبصرة فقلت: يا أبا عبد الله! إني أكون مع هؤلاء المحتسبة فندخل على هؤلاء الخبيثين ونتسلق الحيطان. قال: أليس لهم أبواب؟ قلت: بلى ولكن ندخل عليهم لكيلا يفروا. فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا وعاب فعالنا فقال رجل: من أدخل ذا؟ قلت: إنما دخلت إلى الطبيب لأخبره بدائي.\nفانتفض سفيان وقال: إنما أهلكنا أنا نحن سقمى ونسمى أطباء! ثم قال: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: (رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر عالم بما ينهى) (٩) وإن من الرفق أيضًا ترك التشهير بالمنصوح إلا إن اقتضى الحال والمصلحة ذلك والله المستعان. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ١٧٥\n_________\n(١) «الجامع» للقيرواني (ص: ١٥٦).\n(٢) «الجرح والتعديل» (١/ ١٢٤).\n(٣) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للخلال أثر رقم (٢٣).\n(٤) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للخلال أثر رقم (٣٤)، وانظر أثر رقم (٣٥).\n(٥) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للخلال أثر رقم (٣٨) و(٤٣).\n(٦) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للخلال أثر رقم (٤٦).\n(٧) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية (ص: ١٧).\n(٨) انظر: «تفسير ابن عطية» (٣ - ١٨٧).\n(٩) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للخلال أثر رقم (٣٢) (ص: ٤٦).","vol":"8","page":180},{"text":"المطلب الثاني: البدء بالنفس (١)\nقدمنا لك فيما سبق أن العدالة ليست بشرط للقيام بهذا العمل .. وإلا حكمنا بإبطال مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد قيل:\nإذا لم يعظ الناس من هو مذنب ... فمن يعظ الناس بعد محمد\nوليس معنى عدم اشتراط العدالة من أجل القيام بتلك المهمة أن لا يلام من فرط فيها فارتكب محارم الله!!\nبل القبح للذنب في حقه أعظم وأشد من غيره. ولذا كانت عقوبته في الآخرة من نوع خاص في جهنم! .. إنه يدور في أمعائه كما يدور الحمار في الرحى .. كما جاء ذلك صريحًا في حديث أسامة بن زيد –﵁- مرفوعًا: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان: ما شأنك؟ أليس كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآيته» (٢).\nومن لطيف المناسبة هنا أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وهو غير ممتثل لما يأمر به ولا تارك لما ينهى عنه قد وقع تشبيهه في هذا الحديث بالحمار! كما أن الله ﷿ شبه حال المعرضين عن الأمر والنهي والموعظة والتذكير بالحمار أيضًا فقال: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ [المدثر: ٥٠ - ٥١] فما أسوأ الحالين وما أحرى المسلم بالابتعاد عنهما!!\nقال السفاريني –﵀-:\nومن نهى عما له قد ارتكب ... فقد أتى مما به يقضي العجب\nفلو بدا بنفسه فذادها ... عن غيها لكان قد أفادها\nوقال أيضًا: (إنما يصح التأديب بالسوط من صحيح البدن، ثابت القلب، قوي الذراعين، فيؤلم ضربه فيردع، فأما من هو سقيم البدن لا قوة له، فماذا ينفع تأديبه بالضرب؟ والنفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا ينتفع به) (٣) ا. هـ.\nوإنما كان التشنيع على هذا الصنف من الناس .. لكونهم عالمين بوجوب ما تركوا، أو بتحريم ما اقترفوا .. ولا أدل على علمهم بذلك من أمرهم به أو نهيهم عنه!!\nوقد سبق أن قدمنا لك بعض النصوص الدالة على ذم هؤلاء كقوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤].\nوقوله: كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: ٣] بعد أن وبخهم بقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: ٢]؟\nفمن أجل ذلك كله قال شعيب –﵇- لقومه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: ٨٨].\n_________\n(١) «الإحياء» (٢/ ٣٢٨)، «القرطبي» (١/ ٣٦٨)، «تنبيه الغافلين» (ص: ١١٠ - ١١٨)، «الفتح المبين» (ص: ٢٤٥)، وانظر «حاشية المدابغي» (ص: ٢٤٥)، وانظر «غذاء الألباب» (١/ ٢١٥ - ٢١٩)، «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٤٣٠ - ٤٣٣)، «أضواء البيان» (١/ ١٧٢).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩).\n(٣) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٤٣).","vol":"8","page":181},{"text":"فإذا امتثل الآمر ما يأمر به، وانتهى عما ينهى عنه، قبل الناس دعوته وانشرحت صدورهم بسماع كلامه .. أما إن اختل ذلك فإنه يكون داعيًا لهم بلسانه، رادًا ومنفرًا لهم بحاله، وقد تنبه لهذا المعنى عمر بن عبد العزيز ﵀ .. فحينما ولي الخلافة وأراد أن يرد المظالم إلى أصحابها .. بدأ بنفسه وأهل بيته أولًا .. فوقف على المنبر وقال: أما بعد: فإن هؤلاء أعطونا عطايا ما كان ينبغي لنا أن نأخذها وما كان لهم أن يعطوناها، وإني قد رأيت ذلك ليس علي فيه دون الله محاسب، وإني قد بدأت بنفسي وأهل بيتي، اقرأ يا مزاحم. فجعل يقرأ كتابًا كتابًا ثم يأخذه عمر وبيده الجلم فيقطعه حتى نودي بالظهر (١).\nوإن من خبر الناس وعرف حالهم علم أنهم ينظرون لمن يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر نظرة فاحصة تختلف عن نظرهم لغيره من سائر الناس .. فيرقبون حاله ومقاله وجميع تصرفاته .. كما يحصون عليه الكبير والقطمير .. بل وتضخم أخطاؤه في كثير من الأوقات.\nوإذا عثروا على خطأ له فالويل له ولمن كان على شاكلته!!\nفتقصيره –عندهم- لا يقف عليه وحده بل يتعداه إلى كل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر! ثم يصير ذلك التقصير الذي شاهدوه عصًا في أيديهم يقومون بإشهارها متى ما يحلو لهم ذلك!!\nفالحاصل أن المحتسب يلزمه أن يكون في موضع الأسوة والقدوة الحسنة لا أن يدعو الناس باللسان ويصرفهم بالعمل والسلوك!\nوما أحسن ما قيل:\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم\nوقول الآخر:\nوغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو سقيم\nوقال ثالث:\nفإنك إذا ما تأت ما أنت آمر ... به تُلف من إياه تأمر آتيًا\nوقال منصور الفقيه:\nإن قومًا يأمرونا ... بالذي لا يفعلونا\nلمجانين وإن هم ... لم يكونوا يصرعونا\nوقال أبو العتاهية:\nوصفت التقى حتى كأنك ذو تقى ... وريح الخطايا من ثيابك تسطع\n@ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ٢٠٠\n_________\n(١) «سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز» لابن الجوزي (ص: ١٢٧).","vol":"8","page":182},{"text":"المطلب الثالث: المساواة بين القرابة وغيرهم (١)\nكما يجب على المرء أن يقوم نفسه ويزكيها .. فإن عليه أيضًا أن يعنى عناية كبرى بقرابته ومن هم تحت ولايته .. وقد أرشد الله تعالى رسوله ﷺ لذلك فقال: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤].\nوهذا التوجه إنما هو نابع من إدراك المحتسب لحقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنه عملية إنقاذ وتخليص للأفراد والمجتمعات من الهلاك والعذاب الأخروي.\nلكن حينما يخطئ المحتسب فهم هذه الحقيقة فإنه يجور في احتسابه ويحيد .. !! فيهمل قرابته، ويدع الاحتساب عليهم، لوجود دافع من الدوافع في النفس لذلك كالشفقة العمياء أو العاطفة الهوجاء!!\nمع أنه لو تبصر لأبصر أن عين الشفقة إنما تكون في الاحتساب عليهم لتخليصهم من العقوبة المتوعدة.\nوالحق أن هذا السلوك المعوج ينبئ عن كون نية المحتسب مشوبة .. !! إذ الصدق مع الله تعالى ومع الناس يمنع من سلوك هذا المسلك الرديء المردى.\nقال الخلال: (باب ما ينبغي للرجل أن يفعل ويعدل في أمره ونهيه في القريب والبعيد) أخبرنا أبو عبد الله المروزي قال: (قلت لأبي عبد الله: فإن كان للرجل قرابة فيرى عندهم المنكر فيكره أن يغيره أو يقول لهم فيخرج إلى ما يغتم به من أهل بيته وهو لا يرى بدًا، أو يرى المنكر في غيره فيكره أن يغير للذي في قرابته. قال: إن صحت نيتك لم تبال) (٢).\nومن آفات هذا المسلك اعتراض الناس على المحتسب بحال قرابته وأهل بيته كما يعترضون عليه بحاله إن كان غير ممتثل كما تقدم .. وكم يصرف مثل هذا المحتسب من القلوب عن قبول الحق والعمل به!.\nقال النووي – ﵀-: (ولا يتاركه أيضًا لصداقته ومودته ومداهنته .. فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًا، ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها، وصديق الإنسان ومحبه هو من سعى في عمارة آخرته وإن أدى إلى نقص في دنياه، وعدوه من يسعى في ذهاب أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه، وإنما كان إبليس عدوًا لنا لهذا، وكانت الأنبياء –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- أولياء للمؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم وهدايتهم إليها) (٣) ا. هـ.\nهذا وقد يعرض الرجل عن كثير من الاحتساب على قرابته وأهل بيته غفلة عن ذلك واشتغالًا بغيرهم .. وهذا هو الذائع الغالب!\nفتجد للمحتسب أو الداعي مع الناس مجاهدات وصبرًا ومتابعة .. وبذلًا للمال والوقت والجهد في سبيل إرشادهم إلى الحق والخير، وأهله وقرابته أحوج ما يكونون إلى التوجيه والتعليم والنصح!!\nوهذه غفلة يقع فيها الكثير مع إخلاصهم ونصحهم ..\n_________\n(١) انظر: «المنهاج» (٢/ ٢١٨).\n(٢) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للخلال (ص: ٦٤).\n(٣) «النووي على مسلم» (١/ ٢/٢٤).","vol":"8","page":183},{"text":"المطلب الرابع: البدء بالأهم وتقديمه على غيره (١)\nوأهمية التدرج في ذلك حسب ما تقتضيه المصلحة.\nقال بعضهم:\nإن اللبيب إذا بدا من جسمه ... مرضان مختلفان داوى الأخطر\nإن معرفة الأولويات ومنازل الأعمال وما يترتب عليها فعلًا أو تركًا أمر ضروري للمحتسب في أزمنة الفترات، وتفشي وظهور المنكرات، واضمحلال الديانة في قلوب الناس وواقعهم .. مثل هذا الزمان الذي نعيشه اليوم.\nولقد دل على ثبوت هذا المبدأ وشرعيته الكتاب والسنة، وعليه جرى عمل سلف الأمة.\nوقد قص الله تعالى علينا قصص الأنبياء وأخبارهم مع أقوامهم فكان كل واحد منهم يخاطب قومه من حين بعثته إليهم بقوله: اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩].\nومن المعلوم أنهم معصومون في أمور البلاغ والتشريع .. فطرائقهم وهديهم ومنهجهم كل ذلك معصوم ومحفوظ من وقوع الخلل في حال تبيينه للناس وتبليغه لهم عن طريق هؤلاء الرسل –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-.\nومن المعروف أنهم لم يكونوا يبدؤون دعوتهم لأقوامهم بالحديث عن تحريم السكر أو الزنا أو نحو ذلك من الأمور .. وإنما كانوا يقررون لهم التوحيد أولًا ويجعلونه منطلقًا لدعوتهم .. ثم ينتقلون معه إلى معالجة كبرى المشكلات التي يعايشها ذلك المجتمع الذي يبعثون فيه .. وبعد ذلك ينتقلون إلى ما دونها وهكذا.\nفهذا هو سبيلهم من أولهم إلى خاتمهم –ﷺ- الذي أنزل عليه قوله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ... [يوسف: ١٠٨] وأنزل عليه قول تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠].\nفقد كان هذا المنهج هو المنهج الذي سار عليه –صلوات الله وسلامه عليه- في دعوته .. روي البخاري بسنده عن عائشة –﵂- قالت: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر. لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا. ولو نزل: لا تزنوا. لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا.\nلقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [القمر: ٤٦] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده.» (٢).\nوأخرج ابن بطة بسند جيد عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: ٤]: إن الله بعث نبيه –ﷺ- بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم فقال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... [المائدة: ٣].\nقال ابن عباس: وكان المشركون والمسلمون يحجون جميعًا فلما نزلت (براءة) نفي المشركون عن البيت وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، وكان ذلك في تمام النعمة، وكمال الدين فأنزل الله تعالى الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ [المائدة: ٣] إلى قوله الإِسْلاَمَ دِينًا (٣).\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٨ - ٦١).\n(٢) رواه البخاري (٤٩٩٣). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) «الإبانة الكبرى» (ص: ٨١٥).","vol":"8","page":184},{"text":"وبهذا التدرج كان يوصي ﷺ رسله ويأمرهم إذا بعثهم للقيام بالدعوة .. كما أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس –﵄- أنه قال: «قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» (١) الحديث.\nهذا وقد تمثل هذا المنهج في دعوة الأئمة من بعده ﷺ .. نقل ابن الجوزي وغيره أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه وهو في قائلته فأيقظه وقال: ما يؤمنك أن تؤتى في منامك، وقد رفعت إليك مظالم لم تقض حق الله فيها. قال: يا بني إن نفسي مطيتي، إن لم أرفق بها لم تبلغني؛ إني لو أتعبت نفسي وأعواني لم يك ذلك إلا قليلًا حتى أسقط ويسقطوا؛ وإني لأحتسب في نومتي من الأجر مثل الذي أحتسب في يقظتي. إن الله جل ثناؤه لو أراد أن ينزل القرآن جملة لأنزله، ولكنه أنزله الآية والآيتين، حتى استكن الإيمان في قلوبهم. ثم قال: يا بني أما مما أنا فيه أمر هو أهم إلى من أهل بيتك، هم أهل العدة والعدد، وقبلهم ما قبلهم، فلئن جمعت ذلك في يوم واحد خشيت انتشاره علي، ولكني انصف من الرجل والاثنين فيبلغ ذلك من وراءه فيكون أنجع له، فإن يرد الله تمام هذا الأمر أتمه (٢).\nفهذه حكمة بالغة لا يدركها حق إدراكها ويعمل بها كما يطلب إلا مجدد أو محتذ حذوه.\nإن الفساد الذي ينخر في المجتمعات الإسلامية اليوم إنما هو حصيلة قرون متطاولة .. وقد عمل على تقريره وإذاعته وتعميق جذوره جبابرة ودهاقنة للفساد متتابعون! تباعدت أقطارهم واتحدت أهدافهم .. ومثل ذا لا يمكن أن يغير بيوم ولا سنة! وإنما يحتاج إلى مدة كافية تمامًا يروض فيها الناس على التوحيد والإيمان والصدق بعد أن سفت السوافي على هذه الأمور العظام، وكادت أن تأفل من عالم الواقع ..\nإن حالًا كتلك لا يمكن أن تغير بجرة قلم كم يظن البعض .. فتجده يعمل جاهدًا ومسخرًا دعوته للوصول إلى ذلك القلم بأقرب طريق!\nإن هذا المسلك مغاير لمنهج الرسل –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- في دعوتهم.\nأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمر –﵄- أنه قال: (لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد –ﷺ- فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآن؛ ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل) (٣).\nوأخرج ابن بطة بسنده أيضًا عن جندب –﵁- قال: (كنا مع رسول الله ﷺ غلمانًا حزاورة فنتعلم الإيمان قبل أن نتعلم القرآن فازددنا إيمانًا) (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٩٦).\n(٢) «مناقب عمر بن عبد العزيز» لابن الجوزي (ص: ١٢٧).\n(٣) رواه البيهقي (٣/ ١٢٠) (٥٠٧٣). والحديث رواه الطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ٨٥)، وابن منده في «الإيمان» (١٠٦)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٩١). قال ابن منده: إسناده صحيح على رسم مسلم والجماعة إلا البخاري، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٧٦): أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين والبيهقي.\n(٤) «الإبانة الكبرى» رقم (١١٣٦).","vol":"8","page":185},{"text":"فينبغي أن يبدأ بترسيخ الإيمان في النفوس أولًا .. وتعليم الناس توحيد الله ﷿، وتصفية نفوسهم وواقعهم من الشرك ومظاهره .. ثم ينطلق الدعاة والمحتسبون إلى ما دونه من الأمور والتي تليه أهمية .. وهكذا.\nوهذا لا يعني أن تقتصر الدعوة في أول أمرها على التوحيد فحسب، بل يكون هو المنطلق والأساس والقاعدة التي يبني عليها الأمر بالتخلي عن سائر الانحرافات الأخرى.\nوهذا جلي فيما حكاه القرآن من دعوة الرسل، إذ كانوا يدعون إلى عبادة الله وحده مع كونهم ينكرون جرائم أخرى قد تفشت في أقوامهم كاللواط، ونقص المكيال والميزان، وقطع الطريق، وما إلى ذلك من الانحرافات المتنوعة.\nوإنما آفة هذه الحكمة التعجل الذي غالبًا ما يكون ناتجًا عن ضعف العلم والبصيرة، ولذا جاء في الحديث: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» (١).\nوكما في الحديث الآخر: «التؤدة والاقتصاد والسمت الحسن جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة» (٢).\nثم إن هذا المنهج كما يطبق في تغيير واقع المجتمعات فهو كذلك يطبق في دعوة الأفراد على حد سواء.\nولشيخ الإسلام –﵀- كلام نفيس جدًا في هذا المقام حيث يقول: (.. فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما، لم يكن الآخر في هذه الحال واجبًا، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجبًا في الحقيقة، وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرمًا في الحقيقة، وإن سمى ذلك ترك واجب وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا: ترك الواجب لعذر، وفعل المحرم للمصلحة الراجحة، أو للضرورة، أو لدفع ما هو أحرم، وهذا كما يقال لمن نام عن صلاة أو نسيها إنه صلاها في غير الوقت المطلق قضاء.\nوهذا باب التعارض –باب واسع جدًا لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة، وخلافة النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة.\nفأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن إما لجهله وإما لظلمه، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه، فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت، كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء حتى علا الإسلام وظهر. فالعالم في البيان والبلاغ كذلك قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله ﷺ تسليمًا إلى بيانها.\nيبين حقيقة الحال هذه أن الله يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥].\n_________\n(١) رواه البيهقي (١٠/ ١٠٤) (٢٠٧٦٧)، وأبو يعلى في «المسند» (٧/ ٢٤٧) (٤٢٥٦). من حديث أنس بن مالك ﵁. قال ابن القيم في «أعلام الموقعين» (٢/ ١٢٠): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٢): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٧٩٥): إسناده حسن رجاله ثقات.\n(٢) رواه الترمذي (٢٠١٠)، وعبد بن حميد في «المسند» (٥١٢)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (١/ ٣٠٣) (١٠١٧)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٣/ ٦٦). من حديث عبد الله بن سرجس ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٤٤٦): إسناده جيد، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٤/ ٣٣٤): رجاله موثقون، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"8","page":186},{"text":"والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلًا. وهذه أوقات الفترات، فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئًا فشيئًا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئًا فشيئًا، ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بالمستطاع.\nكذلك المجدد لدينه، والمحيي لسنته، لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها؛ وكذلك التائب من الذنوب، والمتعلم، والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجبًا عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبًا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان كما عفى الرسول عما عفى عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط، فتدبر هذا الأصل فإنه نافع.\nومن هنا يتبين سقوط كثير من الأشياء وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي، وإن كان واجبًا في الأصل) (١) ا. هـ.\nفإذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين منكر كبير ومنكرات دونه أنكرنا أولًا المنكر الأكبر كأمور الاعتقاد، لأنها تقدم على ما دونها من الانحرافات .. لكن إن أمكن إنكار المنكر الأقل دون الأكبر لعذر صحيح يتعلق بالمحتسب، أو كانت المصلحة في ذلك عائدة على الحسبة نفسها أو المحتسب عليه .. فإنه ينكر الأدون في هذه الحالة؛ كالسلطان الذي يحكم القوانين ويلبس الذهب والحرير، أو يأكل الربا، أو يقامر، ولم يمكن للمحتسب أن ينكر عليه تحكيم القوانين خوفًا على نفسه أو خوفًا على دعوته فإنه إن أمكنه إنكار ما دون ذلك فعل؛ وكمن يسافر إلى بلد الكفار ويزني بالكافرات ويشرب الخمر هناك مع كونه قد حلق رأسه قزعًا .. فلم يمكن إنكار السفر وفعل الفاحشة عليه لمصلحة تتعلق بالمسلمين، كإظهاره الشراب بين أظهرهم، وزناه في ديارهم ونسائهم!! فينكر حينئذ الأدون إن أمكن، وهكذا.\nوقد يقدم المحتسب إنكار المنكر الأقل لمصلحة تقتضي ذلك في بعض الأحيان، كمن رأيته يريد الزنا أو شرب الخمر وأنت تعلم أن الرجل لا يزكي ماله، أو يتصف بمنكر هو أعظم من الزنا والشرب للمسكر دون الشرك بالله .. ففي هذه الحال يقدم إنكار الزنا أو الشرب لإبعاده عنه قبل الوقوع فيه فالدفع أسهل من الرفع.\nثم إن الطاعة أو المعصية تتعاظم باعتبارات عدة:\nالأول: باعتبار الفاعل. فإذا كان الذي يقدم على المعصية ممن يقتدى به فإن هذا أخطر من إقدام الأغمار عليها. ولهذا كانت زلة العالم زلة العالم.\nالثاني: باعتبار الزمان. فليس الذي يشرب المسكر في نهار رمضان كالذي يشربه في غيره وهكذا.\nالثالث: باعتبار المكان. إذ المعصية أو الطاعة في الحرم أعظم منها خارجه.\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧ - ٦١).","vol":"8","page":187},{"text":"الرابع: باعتبار ما يترتب على العمل من الآثار (١). ولهذا كانت البدع أشد ضررًا وخطرًا من المعاصي الأخرى الواردة من باب الشهوات. وكذلك المعصية المتعدية أعظم من القاصرة على الفاعل.\nومن المعلوم أن المنكرات أقسام: فمنها ما يكون ظلمًا للناس، كالوقوع في أعراضهم، أو سفك دمائهم، أو نهب أموالهم .. ومنها ما يكون ظلمًا للنفس، كالشرب للخمر أو المخدر وغيرهما من المعاصي التي لا يتعدى ضررها على غير فاعلها. والقسم الثالث وهو ما كان يجمع بين هذا وذاك كمن يغتصب النساء، ويزني بهن، أو يأكل الربا .. وهذا النوع الأخير هو شر تلك الأنواع وأخطرها، ويليه الأول، وأقلها الثاني .. وأنت إذا تأملت النوع الأول منها رأيت أن فيه ظلمًا للنفس في حقيقة الأمر وباطنه؛ فإذا رأينا من يجمع بين بعض هذه الأنواع فينبغي أن نقدم الإنكار للأعظم.\nهذا واعلم أن جنس فعل الواجبات أعظم وأعلى من جنس ترك المحرمات، فيكون الإنسان مستحقًا للذم والإثم حال كونه تاركًا واجبًا من الواجبات أكثر من استحقاقه ذلك عندما يكون مرتكبًا لشيء من المنهيات؛ ولهذا كانت عقوبة إبليس لما امتنع من الامتثال للأمر الطرد والإبعاد من رحمة الله .. بينما كانت عقوبة آدم –﵇- لما كان ذنبه من قبل ارتكاب المحظورات الإخراج من الجنة وإهباطه إلى الأرض.\nوبهذا تعلم أنه إذا اجتمع في شخص ترك واجب وفعل محرم قدم الإنكار على ترك الواجب أولًا .. هذا من حيث الجملة، وإن كان الحكم قد يختلف في بعض الصور والحالات، كما إذا كان ترك الواجب العين أقل جرمًا وإثمًا من ارتكاب المحرم المعين، كمن ترك الصلاة مع الجماعة وفي نفس الوقت هو مقدم على القتل أو ضرب أحد والديه .. فيقدم في هذه الحال إنكار ارتكاب المحرم لشناعته وعظمه.\nومما ينبغي معرفته أيضًا أن المنكرات الظاهرة تقدم في الإنكار على المنكرات المستترة، لأن العقوبة في الظاهر تعم .. ثم إنها تجرئ أصحاب المنكر وتغري غيرهم به .. بل تنقلهم إلى أعظم منه .. ثم إن هذا يكون سببًا لظهور المنكر المستتر!!\nوهذا مشاهد في واقعنا .. فنحن نشاهد أن السفور يبدأ من ظهور العري في التلفاز والمجلات .. من ناحية .. ومن العبث بالحجاب، تارة برفع العباءة أو تقصيرها، أو ظهور ما يسمى بالنقاب الذي تخرج المرأة فيه عينيها ثم يتدرج الأمر حتى يصل إلى إظهار الوجه، ثم الساقين والذراعين وهكذا .. فحينما نسكت عن إنكار الانحراف الأول فإنه يزداد ويتعاظم وينتشر .. ومن أمثلة ذلك أن التدخين كان أمرًا مستهجنًا يعزر فاعله بالجلد أربعين سوطًا في بعض الجهات .. وقد يهجر .. ثم تدرج الأمر حتى سكت الكثير عنه .. فصار أمرًا مألوفًا ثم وصل الأمر بالبعض إلى شرب الخمر .. ثم جاءت المخدرات فأنست الناس ذلك كله!! الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ٢٠٦\n_________\n(١) انظر كلامًا مفيدًا حول هذه القضية في «الموافقات» (٢/ ٢٩٨).","vol":"8","page":188},{"text":"المطلب الخامس: الصبر واحتمال الأذى (١)\nإن النصوص القرآنية والحديثية الواردة في موضوع الصبر لا يكاد يحصيها العاد كثرة .. وقد أخبرنا القرآن عن لقمان بأنه أوصى ابنه بقوله: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: ١٧] فأتبع حثه له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصبر؛ وما ذلك إلا لأن القيام بهذه المهمة يتطلب الكثير من المجاهدة ولحوق الأذى بالمحتسب، وهذا لا يثبت معه إلا من كان متحليًا بالصبر.\nفعلى المحتسب أن يصبر على ما أصابه، فإن الأذى هو الأصل في حقه! فليروض نفسه على تحمل ذلك في سبيل تبليغ الحق إلى قلوب الناس وإزالة المنكر من واقعهم.\nفإذا لم يروض المحتسب نفسه على ذلك منذ البداية فإنه ينقطع في أول الطريق أو وسطه! (ولهذا نجد أن الله تعالى أمر رسله –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – به، بل أمر به خاتمهم – ﷺ – في أول سورة أرسل فيها فقال: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ – إلى قوله – وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر: ١ - ٧] فافتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالإنذار، واختتمها بالأمر بالصبر؛ ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فعلم أنه يجب بعده الصبر.) (٢).\nهذا ومن المقررات الأساسية، والمبادئ الأولية، أن أول ما يجب على المكلف العلم ثم العمل، ثم الدعوة إليه، ثم الصبر وتحمل الأذى في سبيل ذلك؛ ثم إن هذا القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما يقوم بمهمة من مهام الأنبياء والرسل – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -. وقد صح عن النبي ﷺ من حديث سعد بن أبي وقاص –﵁ قال: «قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة» (٣).\nفكم من الأذى لاقاه الأنبياء وأتباعهم فصبروا .. قال تعالى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٦] وقال أيضًا وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام: ٣٤].\nوقال موجهًا لنبيه ﷺ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ [النحل: ١٢٧]\n_________\n(١) انظر: «أدب الدنيا والدين» (ص: ٢٤٨).\n(٢) ما بين الأقواس () من كلام ابن تيمية بتصرف، انظر «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية (٢٩ - ٣١).\n(٣) رواه الترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٣٢٦٥)، وأحمد (١/ ١٧٣) (١٤٩٤)، والدارمي (٢/ ٤١٢) (٢٧٨٣)، وابن حبان (٧/ ١٦١) (٢٩٠١)، والحاكم (١/ ١٠٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٣٢) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وقال ابن القيم في «طريق الهجرتين» (٢٢٦): ثابت، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ١٦٧) كما أشار إلى ذلك في مقدمته.","vol":"8","page":189},{"text":"وكلما ازداد البلاء ازداد المؤمن يقينًا وثباتًا، بخلاف المنافق، لأن المؤمن قد هيأ نفسه للابتلاء .. منذ أول خطوة في الطريق .. ثم إنه موقن بحسن العاقبة مع الصبر .. ولذا لما اجتمع الأحزاب حول المدينة، ونجم نفاق المنافقين، وظهرت خيانة اليهود من الداخل بنقض العهد .. لما كان ذلك قال المؤمنين: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب: ٢٢] قالوا هذه المقالة مع كون ظواهر الأمور في غير صالحهم، سواء من جهة كثرة العدو .. أو شدة العيش والبرد في ذلك الوقت الذي وقعت فيه تلك الواقعة. وإنما كانوا يعنون بذلك أن الله ﵎ قد وعدهم بالابتلاء وأخبرهم بوقوعه بقوله: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦] وبقوله أيضا: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤] وبقوله أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٢].\nوغير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى .. فكانت النتيجة رسوخ إيمان المؤمنين وثبات نفوسهم .. ولذا عقب تلك الآية بقوله في وصف حالهم: زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢].\nوهذا بخلاف حال المنافقين الذين قالوا لما رأوا ذلك: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب: ١٢] وقال بعضهم يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هي بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [الأحزاب: ١٣ - ١٤].\nوهذه سنة جارية لا تتبدل ولا تتغير على مر الزمان .. قال مالك –﵀- (ضرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر) (١) وأنكر الإمام عماد الدين الجماعيلي المقدسي –﵀- على فساق وكسر ما معهم، فضربوه حتى غشي عليه (٢).\nوقد كان أهل العلم يوصون به غيرهم .. فكان من وصية عمير بن حبيب –﵀- لبنيه: (إذا أراد أحدكم أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فليوطن نفسه على الأذى، وليوقن بالثواب من الله، فإنه من يثق بالثواب من الله لا يجد مس الأذى) (٣).\nوسئل الإمام أحمد –﵀-: (مثل زماننا ترجو أن لا يلزم الرجل القيام بالأمر والنهي؟ قال: إذا خاف أن ينال منه. قلت –السائل- فالصلاة تراهم لا يحسنون؟. قال: مثل هذا تأمرهم. قلت –السائل- يشتم. قال: يتحمل؛ من يريد أن يأمر وينهى لا يريد أن ينتصر بعد ذلك) (٤).\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم –﵀-: (ويكون مع أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصيرة وثبات على الحق، ويعلم أنه سيصيبه شيء، وإذا لم يعلم ذلك زاد البلاء فيما بعد، فإن المنكرات ما تفشت إلا بسبب أن أول شيء يوجد يتساهل به، فيكون الأول قد نسى وصار كعادة وصعب إزالته وتأتي الأمور الأخرى وهكذا ..) (٥). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ٢١٧\n_________\n(١) «الجامع للقيرواني» (ص: ١٥٥).\n(٢) «نزهة الفضلاء» (٣/ ١٥٣٣).\n(٣) «الزهد» لأحمد (ص: ٣٢).\n(٤) «مسائل أبي داود» (ص: ٢٧٨).\n(٥) «فتاوى محمد بن إبراهيم» (٦/ ١٩١).","vol":"8","page":190},{"text":"المطلب السادس: الحلم (١)\nالحلم والصبر وصفان متلازمان .. وحد الحلم: (ضبط النفس عند هيجان الغضب) (٢).\nوقد أثنى الله على خليله إبراهيم –﵇- بهذا الوصف فقال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: ١١٤] كما أثنى النبي ﷺ على بعض أصحابه بذلك فقال لأشج عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ﷿ الحلم والأناة» (٣).\nوالمحتسب هو أحوج ما يكون إلى التحلي بهذه الخصلة الكريمة، لأنه سيواجه من الناس ما يثيره كثيرًا .. فإن كان غضوبًا لا يحلم فإن البلاء سيكون أعظم في حقه!! والغالب أن لا يقبل الناس أمره ونهيه؛ بل قد يحركه الشيطان لينتقم لنفسه وينتصر لها! كما أنه يحرك صاحب المنكر أيضًا لذلك! فينبغي للمحتسب أن ينزه نفسه عن ذلك كله.\nثبت عن ابن مسعود –﵁ أنه قال: «كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٤).\nفأنت أيها المحتسب كيف يكون جوابك وتصرفك ومقالك إذا أمرت أحدًا بشيء أو نهيته عن شيء فأجابك بما يفيد امتناعه عن إجابتك لما طلبته منه؟! ولم يزد على ذلك! كيف لو شتمك؟! بل كيف لو ضربك؟!\nإن الكثير من الناس لا يحتملون هذه الأحوال كلها .. فقد يقع بينهم وبين المحتسب عليه مشاتمة أو نحوها، ويكون ذلك أحيانًا انتصارًا للنفس!!.\nوالحاصل أنه يجب على المحتسب في مثل هذه المواقف أن يحلم فيكرر النصح والتذكير .. وإن رأى أن شكايته أو غير ذلك مما يدخل تحت قدرته وتصرفه أنفع فعليه فعله، لكن لا يكون شيء من ذلك انتصارًا لنفسه.\nهذا وقد يحمله الغضب على إنكار المنكر بمنكر أعظم كقتل المحتسب عليه –وهو لا يستحق ذلك- أو مهاجرته والمصلحة لا تقتضي الهجر أو غير ذلك مما قد يقع له بسبب الغضب.\nعن يحيى بن مندة قال: سمعت عمي عبد الرحمن، سمعت محمد بن عبيد الله الطبراني يقول: قمت يومًا في مجلس والدك –﵀- فقلت: أيها الشيخ، فينا جماعة ممن يدخل على هذا المشؤوم- أعني أبا نعيم الأشعري – فقال: أخرجوهم. فأخرجنا من المجلس فلانًا وفلانًا ثم قال: على الداخل عليهم حرج أن يدخل مجلسنا، أو يسمع منا، أو يروي عنا، فإن فعل فليس هو منا في حل.\nقلت: ربما آل الأمر بالمعروف بصاحبه إلى الغضب والحدة، فيقع في الهجران المحرم، وربما أفضى إلى التكفير والسعي في الدم (٥). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ٢٢٢\n_________\n(١) انظر: «أدب الدنيا والدين» (ص: ٢١٥) وذكر له عشرة أسباب، وانظر: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية (ص: ٢٩ - ٣١)، «أصول الدعوة» (ص: ١٧٦).\n(٢) «أدب الدنيا والدين» (ص: ٢١٥).\n(٣) رواه مسلم (١٧). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٤) رواه البخاري (٣٤٧٧)، ومسلم (١٧٩٢).\n(٥) «طبقات الحنابلة» (٢/ ٢٨٠)، «تفسير الرازي» (٨/ ١٦٨)، «معالم القربة» (ص: ٢٢)، «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٤٢٨)، «صفوة الآثار» (٤/ ٢٧٢)، «التشريع الجنائي» (١/ ٥٠٥).","vol":"8","page":191},{"text":"المطلب السابع: البدء بالأرفق (١)\nاعلم أن هذا المطلب مغاير للرفق الذي مضى، وهو مغاير أيضًا لما تحدثنا عنه من البدء بالأهم وتقديمه على المهم في عملية الاحتساب .. وكذلك فإنه لا يراد به ما سنتحدث عنه إن شاء الله في درجات الإنكار ومراتبه.\nوإنما نعني بذلك أنه إذا كان أمام المحتسب لإزالة المنكر أو الأمر بالمعروف طريقان أحدهما يحتاج إلى جهود وبلاء وعناء .. والآخر يحتاج إلى شيء أقل من ذلك فعليه أن يسلك الطريق الآخر إن كان يتحقق المطلوب به ولم يكن مشتملًا على مخالفة للشرع؛ ويمكن توضيح هذا الأمر بذكر بعض الأمثلة التي تبينه فنقول: قال الله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩] فجعل الله ﷿ الإصلاح مقدمًا في ذلك، ثم شرع استعمال القوة إن لم يثمر الإصلاح المطلوب؛ وبهذا يكون قد ترقى من الأرفق إلى الأغلظ في إزالة المنكر.\nومثل ما سبق ما جاء في قوله تعالى: فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء: ٣٤] فأتي بالأمر على مراحل، وأحوال الناس تختلف في هذا .. فمنهم من يكفيه النظرة الدالة على الإنكار عليه .. ومنهم من يكفيه الإشاحة بالوجه .. ومنهم من تكفيه الموعظة .. ومنهم من يحتاج إلى الزجر والتعنيف .. ومنهم من لا يمتنع عن المنكر إلا بالحبس أو الضرب .. فمن كان يكفيه الإشاحة فلا حاجة لتعنيفه ولا لضربه وهكذا.\n(ثم عليك أن تعلم أن الدعوة إلى الله تكون بطريقين: طريق لين، وطريق قسوة؛ أما طريق اللين فهي الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه، فإن نجحت هذه الطريقة فبها ونعمت، وهو المطلوب، وإن لم تنجح تعين طريق القسوة بالسيف حتى يعبد الله وحده وتقام حدوده، وتمتثل أوامره وتجتنب نواهيه، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥].\nففيه الإشارة إلى إعمال السيف بعد إقامة الحجة، فإن لم تنفع الكتب تعينت الكتائب، والله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) (٢) وهذا إنما يكون لأهله وهم الولاة كما هو معلوم وليس ذلك لآحاد الناس لما سنبين لك إن شاء الله تعالى.\nقال ابن القيم ﵀ عند قوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هي أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]: (جعل الله ﷾ مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن) ا. هـ (٣).\nوهذا يتطلب من المحتسبين معرفة أحوال المحتسب عليهم ولا شك، وسيأتي بيان شيء من ذلك في الكلام على المحتسب عليه.\nهذا واعلم أن الدفع بالأرفق والبدء به ليس على إطلاقه، قال الشيخ محمد بن إبراهيم –﵀-: إذا صار الصائل على الحريم بفعل الفاحشة، ووجده على الفراش على المرأة، فإنه لو تكلم عليه ربما يهرب .. فوجده على هذه الحال هل يتكلم عليه حتى يهرب أو يقتله؟\nالمفهوم من السنة أن له قتله، ولا يصيح به ليهرب، بل يضربه في تلك الحالة، مع أن من فيه غيرة لا يمكن أن يصبر عن قتله .. وقصة سعد فيمن وجد رجلًا مع امرأته .. وفيه سرور النبي ﷺ بسعد وغيرته وبين أنه أغير من سعد وأن الله أغير من النبي ﷺ.\nولكن قد علم وتقرر ما في القصة التي وقعت للرجل لما وجد رجلًا بين فخذي امرأته فضربه فقتله فقال: (إنما ضربت بالسيف بين فخذيها ففتشوا فوجدوا فكان عذرًا له؛ فيظهر من حديث هذا وحديث سعد أنها متى قامت البينة على هذه الحالة فليس بمضمون) ا. هـ (٤). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ٢٢٤\n_________\n(١) «طبقات الحنابلة» (٢/ ٢٨٠)، «تفسير الرازي» (٨/ ١٦٨)، «معالم القربة» (ص: ٢٢)، «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٤٢٨)، «صفوة الآثار» (٤/ ٢٧٢)، «التشريع الجنائي» (١/ ٥٠٥).\n(٢) ما بين الأقواس من كتاب «أضواء البيان» (٢/ ١٧٤ - ١٧٥) بتصرف.\n(٣) «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٥٣)، وانظره في «التفسير القيم» (ص: ٣٤٤).\n(٤) فتاوى الشيخ «محمد بن إبراهيم» (١٢/ ١٦٦) بتصرف.","vol":"8","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2199>تمهيد</span>\nوهذا أصل عظيم جليل طلبه الشارع واعتبره قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤] وقال: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] وقال: يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨].\nوقال ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (١).\nوقال ﷺ «لا ضرر ولا ضرار» (٢).\nومن مقررات الشريعة المتفق عليها: لزوم الدية في القتل على العامد والمخطئ، والعالم والجاهل، والصغير والكبير؛ وكذا غرام المتلفات على جميع هؤلاء تحقيقًا لمصالح العباد.\nوبعد تقدير المصالح وتمييزها والقدرة على الموازنة بينها وبين المفاسد من أدق المسائل المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكما كان المحتسب أقدر على معرفة ذلك وتمييزه كلما كان احتسابه أقوى وأثبت.\nويكفي في بيان أهمية هذا الجانب أن مدار بعثة الرسل وإنزال الكتب والشرائع قائم عليه، فلم تبعث الرسل وتنزل الشرائع إلا لجلب المصالح وتحصيلها من عبادة الله وحده لا شريك له وظهور شرعه ودينه .. ودفع المفاسد وتعطيلها.\nوهذه هي حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nهذا وأعلم أن أصل المصلحة: المنفعة، وهي في اصطلاح الشرع (جلب المنفعة ودفع المفسدة في نظر الشارع) فهي إما أن تكون نفعًا يجلب أو ضررًا يدفع.\nوالمراد بالمنافع: اللذات والأفراح وأسبابها، وضدها المفاسد التي هي الآلام والغموم وأسبابها. وقد يعبر عنهما بالخير والشر والنفع والضر.\nوطريق تحديد المصلحة إنما هو الشرع، لا القانون أو العرف أو العقل أو الذوق .. فكل ما أمر به الشرع فهو مصلحة، وكل ما نهى عنه فهو مفسدة.\nثم اعلم أن المصالح الشرعية دائمة أبدية تشمل الدنيا والآخرة، كما أنها شاملة، فلا تختص بالبعض دون غيرهم، أو فئة دون الأخرى، بل تخدم الأمة عامة وتعود على الناس بحفظ ضروراتهم وحاجياتهم وما كان لهم به نفع. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ٢٢٨\n_________\n(١) رواه مسلم (٣٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه ابن ماجه (١٩٠٩)، وأحمد (٥/ ٣٢٦) (٢٢٨٣٠)، والبيهقي (٦/ ١٥٦) (١٢٢٢٤). من حديث عبادة بن الصامت. قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٣/ ٤٨): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع. والحديث صححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه». والحديث مشهور روي من طرق عن عبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وعائشة بنت أبي بكر الصديق، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وأبي لبابة ﵃ جميعًا.","vol":"8","page":193},{"text":"الفرع الأول: أقسام المصلحة من حيث اعتبار الشارع وعدمه (١)\nتنقسم المصلحة من هذه الحيثية إلى ثلاثة أقسام وهي:\n١ - ما نص الشارع على اعتبارها فهي الشرعية، كمصلحة حفظ الدين والتي تقوم بنشر العلم الشرعي النافع والدعوة إلى الدين علمًا وعملًا بالقلم واللسان والسيف والسنان؛ وكذلك تحريم كل ما يضعفه أو يضاده من العلوم الرديئة والأعمال المنحرفة .. والمظاهر المخالفة .. ولذا جاء تحريم التصوير ولعن المصورين، كما حرم رفع القبور وتجصيصها والبناء عليها والكتابة فكل مأمورات الشرع داخلة في هذا وكذا نواهيه.\n٢ - ما قام الشارع بإلغائه وعدم اعتباره، كمصلحة المرأة في مساواتها بالرجل في الميراث .. ويدخل في هذا القسم كل ما علم أن الشارع ألغى اعتباره، وإن رأى الإنسان بعقله القاصر أنه مصلحة؛ فهو ليس كذلك لمصادمته الشرع أو إخلاله بمقصد من مقاصده، أو لكونه معارضًا لمصلحة أعظم.\n٣ - ما سكت عنه الشارع فلم يرد طلبه ولا إلغاؤه .. وهذا النوع هو ما يسمى بالمصالح المرسلة .. ولها شروط وضوابط وتفاصيل ليس هذا موضعها.\nثم إن المصلحة الشرعية الدنيوية (وهي الواقعة في الحياة الدنيا) من عبادات ومعاملات .. لابد وأن يشوبها شيء من المفسدة .. للحوق المشقة بها سواء كانت على وجه التقدم عليها أو المقارنة أو التأخر عنها.\nفالمصلحة في هذه الدار راجحة غالبة لا خالصة، بخلاف الأخروية –وهي نعيم أهل الجنة- فإنها خالصة لا كدر فيها.\nوقد تعارض المصلحة الشرعية بمصلحة مرجوحة فتكون غالبة، وقد لا يعارضها غيرها فتكون راجحة كما سيأتي.\nومقصود الشارع إنما هو المصلحة الراجحة – الواقعة في الدنيا – وكذلك الخالصة وهي الواقعة في الآخرة كما تقدم.\nثم إن المصالح الشرعية تتفاوت قوة وضعفًا بحسب متعلقها ... فهي لا تخلو من أن تكون ضرورية أو حاجية أو تحسينية ..\nفالضرورية هي التي لابد من توفرها لقيام حياة الناس على الوجه المستقيم دون اضطراب كالمحافظة على الدين –وهو أعلاها- بتثبيت دعائمه ورفع ما يضاده .. وكالمحافظة على العقل وسلامته ومقاومة ما يفسده من مسكر ومخدر حسي أو معنوي؛ وكالمحافظة على الأعراض والأنساب ودفع كل ما يعترضها من فساد بأي صورة كان، سواء عن طريق مقارفة الفواحش، أو ما يجر إليها كالسفور والتبرج واللحن بالقول والخضوع فيه .. وكنشر الصور والمجلات الرديئة أو الأفلام والأغاني الماجنة؛ وكذا حفظ النفوس والمحافظة على سلامتها، ولذا حرم كل ما يضر البدن كالدخان والميتة وأنواع السموم ونحوها من الأمور الضارة.\nوكذا حفظ المال وبقائه بأن شرع أنواع العقود المباحة، وبين طرق أخذ المال وإنفاقه .. وحرم الربا وغيره من المحرمات المتعلقة بالمعاملات المالية .. كما تقدم.\nوالمصالح الحاجية هي التي يفتقر إليها الناس لرفع الحرج والضيق عنهم؛ أما التحسينية فكالأخذ بمحاسن الأمور والجري على مكارم الأخلاق، ومن فروع ذلك خصال الفطرة كإعفاء اللحية وقص الشارب وكتحريم المستقذرات.\nفالأكل منه ما لابد منه في قيام حياة الإنسان فهو ضروري، ومنه ما لو ترك لوقع الإنسان في ضرر وحرج لكنه لا يلحق به العطب فهو حاجي، وما زاد فهو تحسيني.\nوعمل المحتسب يتعلق بجميع مراتب المصلحة وصورها الشرعية.\nهذا وقد تكون المصالح عامة لأغلب الناس أو جميعهم، وقد تكون خاصة وقاصرة على بعض الأفراد أو الجهات.\nوهي باعتبار التغير والثبات على قسمين:\nالأولى: ثابتة، كالواجبات الشرعية وتحريم المحرمات.\nالثانية: متغيرة حسب الأحوال زمانًا ومكانًا، فتكون خاضعة للاجتهاد، كمقادير التعزيرات وكاتخاذ الدواوين .. ومن ذلك أيضًا اختلاف بعض أساليب الدعوة والتي لا يشوبها مخالفة للشرع كاتخاذ الكتب والمجلات والأشرطة والرحلات وغير ذلك من الأساليب المباحة بشرط عدم المخالفة.\nأما باعتبار الوقوع فهي قسمان:\nالأولى: قطعية الوقوع أو ما يقارب ذلك.\nالثانية: ظنية الوقوع وهي ما يكون وقوعها جائزًا أو كثيرًا لكن لا يصل إلى درجة اليقين أو ما يقاربه. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: ٢٣٠\n_________\n(١) انظر: «مذكرة أصول الفقه» (ص: ١٦٨ - ١٧٠).","vol":"8","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2201>الفرع الثاني: ذكر ضوابط المصلحة الشرعية</span>\nحتى تكون المصلحة معتبرة شرعًا لابد من توفر شرطين:\nالأول: ورود النص أو القياس بطلبها.\nالثاني: أن لا تكون معارضة بمصلحة أرجح منها أو مساوية، وطريق الترجيح بين المصالح لمعرفة مراتبها يكون كالآتي:\n١ - تقدم الضرورية على الحاجية، كما تقدم الحاجية على التحسينية. ومن هنا يعلم أن قاعدة (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) ليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بأن تكون المصلحة والمفسدة في رتبة واحدة وحد مستو، أما إن لم يوجد التساوي فيرجح الأعلى.\n٢ - تقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة إن كانتا في رتبة واحدة. ومن هنا يعلم أن قاعدة المصلحة العامة على الخاصة ليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بأن تكون المصلحتان في رتبة واحدة ومستوى متماثل.\n٣ - إن كانتا ضروريتين وعامتين قدمت المصلحة المتعلقة بالدين على المتعلقة بالنفس ثم العقل ثم النسل ثم المال؛ فالمصلحة المتعلقة بالدين تقدم على غيرها من الضروريات الأخرى. قال تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: ١٩١] وكذلك ما كان ذو مرتبة أعلى فإنه يقدم على ما دونه.\nتوضيح ما سبق بالمثال:\nمن مقررات أهل السنة وجوب الجهاد مع كل أمير برا كان أو فاجرا.\nفالجهاد به حفظ الدين وهو ضروري لارتفاع كلمة التوحيد .. أما كونه عادلًا فهو حاجي، فيقدم الجهاد مع البر والفاجر لكونه ضروريًا على ما كان مع العادل فقط لكون هذا الوصف في الإمام حاجي.\nثم إن الجهاد به حفظ للدين بإزهاق النفس فقدمت مصلحة حفظ الأديان على حفظ النفوس والأبدان.\nويمكن التمثيل على تقديم المصلحة العامة على الخاصة بالمنع من تلقي الركبان، فمصلحة أهل السوق عامة، وقدمت على مصلحة المتلقي الخاصة؛ وكالنهي عن الاغتسال بالماء الراكد مع كون المغتسل منتفعًا من ذلك لكنه يضر بالمصلحة العامة فيمنع منه لذلك. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: ٢٣٣","vol":"8","page":195},{"text":"الفرع الثالث: بيان نظر الشارع للنتائج واعتباره لها (١)\nتقدم عند الكلام على الحكم والفوائد من مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذكر إقامة الدين وظهور الشريعة .. وزوال الباطل أو التقليل منه .. وهذا ولا شك مطلب شرعي أصيل .. لابد للمحتسب من أن يضعه نصب عينيه وهو يؤدي هذه المهمة.\nأما إن كان الناتج عن الأمر والنهي في بعض الحالات زيادة في المنكر الذي أردنا إزالته، أو زوال للمعروف الذي أردنا تكثيره .. فإن الآمر أو الناهي في هذه الحال يكون سببًا في ازدياد الباطل وتقليل المعروف علم أو لم يعلم (٢).\nذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما شرع لتحقيق ما يحبه الله ورسوله، فإذا ترتب على ذلك ما هو أنكر منه وأبغض إلى الشارع فإنه لا يسوغ إنكاره؛ وإن ترك الإنكار لا يعني إقرار المنكر.\nومثاله: الإنكار على الولاة المسلمين بالخروج عليهم .. فإن ما يترتب عليه من المفاسد أكبر مما يجلب من المصالح .. وقد استأذن الصحابة رسول الله ﷺ في قتال الأمراء الذين قال في وصفهم: «تعرفون وتنكرون» فقال: «لا ما صلوا، لا ما صلوا» (٣).\nومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه.\nوقد كان النبي ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات –كالأصنام- ولا يستطيع تغييرها .. ولما فتح مكة عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك –مع قدرته عليه- خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام. ولهذا لم يأذن بالإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه من المفاسد.\nوالحاصل أن ما يترتب على إنكار المنكر لا يخلو من أربع حالات:\nالأولى: أن يزول ويخلفه ضده من المعروف، كما إذا نصحت رجلًا يبيع الأغاني وينشرها، فقبل النصح، فاستبدل ذلك بالأشرطة الإسلامية.\nالثانية: أن يقل المنكر وإن لم يزل بجملته .. كما إذا نبهت بعض أصحاب المناهج المشتملة على بعض المخالفات أو البدع .. على مخالفته أو بدعته، فقبل منك، فترك بعض ما هو فيه من المنكر .. وكما إذا نصحت من يسب الله ﷿ أو رسوله ﷺ أو الدين، فانتهى إلى سب آحاد المؤمنين.\nالثالثة: أن يزول ويخلفه ما هو مثله .. كما إذا نصحت رجلًا عن سماع الأغاني الغربية، فانتقل منها إلى الأغاني العربية!!\nوكما إذا بينت لنصراني فساد عقيدة التثليث، فعرف فسادها، فانتقل إلى اليهودية مثلًا .. !\nوكما إذا حاورت بعض المنتسبين إلى الدعوة إلى الإسلام، وهو ذو منهج تشوبه بعض البدع أو المخالفات، فانتقل إلى منهج في الدعوة يماثله في حجم الانحراف وقدره.\nالرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه .. كما يقع في بعض الأحيان في صفوف النشء المقبل على الإسلام –أكثر من غيرهم- إذا واجه النقد المتبادل بين أوساط العاملين للإسلام .. فيتخلى عن الجميع وينحرف تمامًا.\nوكما إذا نصحت بعض أصحاب المهن بأن يتزين في لباسه إذا أراد المجيء إلى المسجد فيدع الصلاة فيه.\nفالأولان مشروعان، والثالث موضع اجتهاد (٤) ونظر، والرابع محرم (٥).\nقال ابن القيم –﵀-: فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الشارع كسباق الخيل .. وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المجون فإذا نقلته عنها إلى كتب أهل البدع والضلال والسحر فدعه.\nوسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة .. وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم.\nولذلك نهى النبي ﷺ عن قطع الأيدي في الغزو .. مع كون القطع حد من حدود الله تعالى .. فنهى عنه خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين.\nوقد نص أحمد وإسحاق والأوزاعي وغيرهم على أن الحدود لا تقام في أرض العدو (٦). ا. هـ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (.. فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به وإن كان قد ترك واجب وفعل محرم، إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم) (٧) ا. هـ. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: ٢٣٤\n_________\n(١) «التشريع الجنائي» (١/ ٤٩٧ - ٤٩٨).\n(٢) انظر: «أصول الدعوة» (١٨٧ - ١٨٨).\n(٣) رواه مسلم (١٨٥٤). من حديث أم سلمة ﵂.\n(٤) انظر: «الكلام على تزاحم المفاسد» (ص: ٢٤٢)، وكذا «الكلام على تساوي درجة المصلحة والمفسدة في حال التعارض» (ص: ٢٤٠).\n(٥) انظر: «إعلام الموقعين» (٣/ ٤ - ٧).\n(٦) انظر: «إعلام الموقعين» (٣/ ٤/٧) بتصرف.\n(٧) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية (١٧/ ١٨).","vol":"8","page":196},{"text":"الفرع الرابع: العمل عند تعارض المصالح والمفاسد (١)\nيجب أن يكون الاحتساب بفقه ونظر فيما يصلح من هذا العمل وما لا يصلح فإذا تعارضت المصالح والمفاسد فيما يأمر به أو ينهى عنه نظر: فإن كانت المصلحة راجحة والمفسدة مرجوحة، فإنه لا يعتبر المفسدة حينئذ، وعليه الاحتساب في هذه الحال.\nوهذا يكون مع مراعاة ما سبق من شرطية كون المتعارضين في مرتبة واحدة ونوعية واحدة كما تقدم بيانه، وإلا فإنه يرجح ما كان متعلقًا بالضروري على غيره، كما يرجح الحاجي على التحسيني.\nوهذا كمن يريد شرب الخمر ليزيل به عطشًا يشق عليه تحمله لكنه لا يؤدي به إلى الهلاك، فإنه يحرم عليه، لتعلق المفسدة بالضروري وهو حفظ العقل، وتعلق المصلحة بالحاجي وهو إزالة ذلك العطش .. بخلاف ما إذا كان العطش يؤدي به إلى الهلاك .. فإنه يشرب في هذه الحالة لتعلق ذلك بالضروري وهو حفظ النفس، ولتعلق شرب الخمر بالعقل وهو ضروري لكنه دونه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀- ما ملخصه: (الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذاك كانت مفسدته أكثر، فإذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعًا، أو يتركوهما جميعًا، لم يجز أن يؤمروا بمعروف، ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أمر به وإن استلزم ما دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، وإن كان المنكر أغلب نهى عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف) اهـ (٢).\nأما في حال كون المفسدة أرجح من المصلحة: كتعطيل الدعوة ونحو ذلك فحينئذ تفوت المصلحة وتدفع المفسدة .. بالشرط المتقدم.\nومن صور هذه القاعدة: ترك النبي ﷺ لعبد الله بن أبي وعدم قتله لئلا تأخذ الحمية قومه .. ولئلا يقول الناس: محمد يقتل أصحابه (٣). ومن الأمثلة على ذلك إعراض المسلمات عن الدخول في مجالات الطب في جو المستشفيات المختلطة .. مع وجود مصلحة في ذلك إلا أن المفسدة فيه أكبر .. وكثيرًا ما نسمع إيراد هذا الاعتراض على من رأى ما سبق (أترضى أن يطبب محارمك الرجال)؟.\nيورد هذا الاعتراض وكأنه هو الخيار الوحيد!! فلماذا لا يقال بالعمل على إيجاد مستشفيات إسلامية!! ولماذا لا يطالب الناس بذلك!!؟\nولو فرض عدم الإمكان لكان هناك أمر ثالث. وهو أن يطبب نساءنا هؤلاء اللاتي ضحين بحشمتهن وقرارهن في البيوت!! لا أن نزج بفتياتنا حيث يذهب ماء وجوههن لكثرة المخالطة مع الرجال والتحدث معهم .. !\nومن أمثلة هذا النوع القول بمنع ابتعاث الصغار وسائر من لا ينطبق عليه الشروط المعروفة للسفر إلى بلاد الكفار .. من اعتزاز بالدين ونحوه .. على ما في ذلك من المصلحة وهي تحصيل بعض العلم.\nومن أمثلة ذلك منع التلقي من أصحاب البدع –المخالفين لعقيدة أهل السنة والجماعة- في حال وجود غيرهم ممن يؤخذ عنه هذا العلم ولا يقع فيما وقعوا فيه.\nومن الأمثلة أيضًا على ذلك منع دخول البرلمانات ونحوها في البلاد التي تحكم القوانين .. مع أنه قد يوجد شيء من مصلحة في ذلك ولكن المفسدة أعظم من وجوه كثيرة لا مجال لذكرها هنا.\nوقد حرمت الخمر لرجحان مفاسدها على منافعها ..\nأما إذا تساوت مقادير المصالح والمفاسد: في حال التعارض فإنه ينظر في مراتبهما من ضروري وحاجي –كما تقدم- فإن اتحدت عمل بقاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وإلا فيقدم الأقوى منهما.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀-: (وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المنكر والمعروف متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة.\nوأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقًا، وينهى عن المنكر مطلقًا، وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة: يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات معروف أكبر منه أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه.\nوإذا اشتبه الأمر استثبت المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية ..) ا. هـ (٤). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: ٢٣٨\n_________\n(١) انظر: «الإحياء» (٢/ ٣١٦)، «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٢)، «الموافقات» (٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣) «أصول الدعوة» (ص: ٤٦٢، ٤٦٣، ٤٦٥).\n(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١٢٦، ١٢٩ - ١٣٤).\n(٣) «الاستقامة» (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠)، «أضواء البيان» (١/ ١٧٥) «أصول الدعوة» (ص: ٤٦٥).\n(٤) «الاستقامة» (٢/ ٢١٨ - ٢١٩).","vol":"8","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2204>الفرع الخامس: العمل عند تزاحم المصالح</span>\nإذا تزاحمت المصالح بحيث لا يمكن القيام إلا ببعضها وتفويت ما سواها .. ففي هذه الحالة ينظر فيما كانت مصلحته أرجح فيقدم .. سواء كان التفاضل والرجحان في المرتبة، كتقديم الضروري على الحاجي والحاجي على التحسيني .. وكتقديم ما يتعلق بحفظ الدين من الضروري على غيره، وتقديم ما يتعلق بالنفس من الضروري على ما تعلق بحفظ ما دونه؛ أو كان التفاضل واقعًا في صورة الحكم كالواجب مع المستحب.\nوهذه المسألة دقيقة جدًا وكبيرة الأهمية، ذلك لسعة هذه الشريعة وشمولها، حتى أن شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀- شبهها بالشرائع المتنوعة .. فالواجبات أكبر من الأوقات وأوسع .. فينبغي تقديم ما هو أهم وآكد في مثل هذه الحال وأبلغ في التأثير والنفع في مجالات الدعوة المختلفة.\nومن صور هذه المسألة .. ازدحام بعض مجالات الدعوة عند بعض المشتغلين بها، كمن لم يتمكن إلا من القيام بشيء محدود من ذلك .. فأيهما يقدم .. العناية بتربية النشء على الإسلام أو خوض المجالات العامة؟ ويجاب عن هذا بأن الجمع بين الأمرين هو الأصل وهو المطلوب، لكن من لم يتمكن إلا من واحد منهما فإنه ينظر في حاله وحال زمانه من حيث حال الدعوة وسيرها في هذين السبيلين وحاجتها إلى الأعوان في كل منهما .. فيرجح على هذا الأساس.\nومن صور هذه المسألة تزاحم الأوقات بين الاشتغال بطلب العلم أو بنوافل العبادات وبين القيام بالدعوة .. فالمطلوب التوفيق بين هذه الأمور ومصلحة الدعوة من أهم المصالح فلا ينبغي إهمالها بل يوليها بعض اهتمامه ووقته حسب قدرته. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: ٢٤١","vol":"8","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2205>الفرع السادس: العمل عند تزاحم المفاسد</span>\nإذا ازدحمت المفسدتان ارتكب أيسرهما لدفع أشرهما .. هذا في حال التفاوت والذي يبنى على ما تقدم.\nقال في المراقي: (وارتكب الأخف من ضرين (١) ......\nومن صور هذه القاعدة: وجود هذه المراكز الإسلامية الصيفية للنساء فهو لا يخلو من مفاسد كتعود المرأة على الخروج من المنزل، وفتح الباب لأهل الشر لفتح مراكز شيطانية ونحو ذا من الأمور المحذورة!!\nولكن في هذا العصر الذي دخل فيه الشر كل بيت –إلا من رحم الله- وتفنن فيه دعاة الفساد بشتى الأساليب .. وبقيت كثير من بنات المسلمين تحت تأثيرهم وما ينشرون من منكر وفساد .. فانشغال هؤلاء النساء بأمور خيرة خير من بقائهن فريسة لهؤلاء، فالأمر لم يعد كالسابق، إذ المرأة اليوم تشاهد التلفاز، وتقرأ الصحف والمجلات، وتخرج إلى العمل أو المدرسة .. فلابد وأن تعرف الشر وتشاهده.\nوحينما نقر أمثال تلك المراكز إنما ذلك بشروط وضوابط تلائم الحال والواقع .. كأن يكون الوقت معقولًا لا طول فيه .. وأن لا يكون في جميع الأيام بل في يومين أو ثلاثة من الأسبوع .. وأن تعلم فيه النساء القرآن وما يناسب حالهن من معرفة أمور الطهارة والحيض والصلاة والصوم والزكاة والحج.\nويعلمن تربية الأولاد على وفق تعاليم الشرع ونحو ذلك من الأمور الهامة لهن .. وأن يكون الإشراف على هذه الأماكن من قبل ذوي الكفاءة والديانة.\nهذا لمن دعت الحاجة لمشاركتها في ذلك إما للحاجة إلى تعليمها وإرشادها، وإما لحاجتها هي بحيث لم يتوفر لها من يربيها على الإسلام ويعلمها ما تحتاج إليه، فتستغني عن مثل هذا الخروج.\nأما عدا هذين الصنفين من النساء فيبقين في بيوتهن.\nوهذا كله مخرج على قاعدة ارتكاب أخف الضررين، وإنما يكون ذلك إذا كان لابد من الوقوع في أحدهما لا محالة، أما إذا أمكن تلافيهما فالأمر يجري على قاعدتين هما:\nالأولى: (الضرر يزال).\nوالثانية: (الضرر لا يزال بالضرر).\nفاقتحام النساء المسلمات مجالات الطب بحجة ارتكاب أخف الضررين غلط ظاهر، لأن هناك وسيلة ثالثة غير ما يظن البعض! ومثل هذا يقال في تعليم أهل الصلاح لهن وجهًا لوجه، بحجة ارتكاب أخف الضررين، لئلا يدرسهن رجل فاسق! فهذا غير صحيح، بل يفصل الجميع عنهن ويعلمن بأسلوب آخر دون رؤيته لهن.\nومن صور ذلك إشغال من تعلق بالأغاني وسماعها بالقصائد التي تحمل المعاني الطيبة، حتى تنصرف نفسه عن ذلك الغناء، إن كان لا يتركه إلا بمثل هذا؛ مع أنه قد يشتغل بهذه القصائد عن قراءة القرآن أو الذكر.\nومن صور ذلك دفع أشرطة (الفيديو) التي تحمل مواد طيبة لمن تعلق بالتلفاز تعلقًا ميؤوسًا من مفارقته .. فيعطى أمثال تلك الأشرطة وإن كان المعطي يرى أن تلك الصور التي تظهر فيه من قبيل المحظور.\nولا يحتج على هذا بقاعدة (الضرر لا يزال بالضرر) لأن القاعدة ليس هذا محلها فالضرر الأصل فيه قاعدة (الضرر يزال) وأنه (لا يزال بالضرر) هذا فيما إذا كانت إزالته بغيره ممكنة .. أما في مثل تلك الصور والتي لابد فيها من الوقوع في أحد المفسدتين فإن القاعدة التي يجب إعمالها هي (ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما). كما مر بك في الأمثلة السابقة.\nومن صور هذه القاعدة: القول بالتحالف مع بعض أصحاب البدع أو المناهج الدعوية التي تحمل بعض المخالفات في سبيل مواجهة العدو الجاثم في البلاد أو المهاجم لها، مع استمرار النصح والتعليم، شريطة أن لا يصل أمر هؤلاء –أعني الذين نحالفهم- إلى الكفر كالإسماعيلية ومن كان على شاكلتهم من الروافض والعلمانيين.\n_________\n(١) انظر: «مراقي السعود إلى مراقي السعود» (ص: ١١٧).","vol":"8","page":199},{"text":"ومن صور هذه القاعدة الترخيص لمن عرض على السيف أن يتكلم بما يشعر السامع بالكفر .. بأن يتكلم بذلك شريطة أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان.\nومن صورها ما فعله عبد الله بن حذافة السهمي –﵁- حينما خير بين القتل وبين تقبيل رأس عظيم الروم .. فقبل ذلك عبد الله –أعني تقبيله- على أن يفك أسارى المسلمين.\nأما إذا تساوت المفاسد في القدر فإنه يخير بينها .. كما قال في المراقي:\nوارتكب الأخف من ضرين ... وخيرن لدى استوى هذين\nذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀- حول هاتين القاعدتين:\nقال ابن تيمية –﵀-: فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما لم يكن الآخر في هذه الحال واجبًا، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة.\nوكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما، لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرمًا في الحقيقة، وإن سمى ذلك ترك واجب وسمى هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا: ترك الواجب لعذر، وفعل المحرم للمصلحة الراجحة، أو للضرورة، أو لدفع ما هو أحرم، وهذا كما يقال لمن نام عن صلاة أو نسيها إنه صلاها في غير الوقت المطلق قضاء ... وهذا –باب التعارض- باب واسع جدًا لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم، فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة، أو يتبين لهم فلا يجدون من يغنيهم العمل بالحسنات وترك السيئات، لكون الأهواء قارنت الآراء.\nفينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل، وقد يكون الواجب في بعضها .. العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء، لا التحليل والإسقاط؛ مثل أن يكون في أمره بطاعة فعلًا لمعصية أكبر منها، فيترك الأمر بها دفعًا لوقوع تلك المعصية، مثل أن ترفع مذنبا إلى ذي سلطان ظالم فيعتدي عليه في العقوبة ما يكون أعظم ضررًا من ذنبه، ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركًا لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات، فيسكت عن النهي خوفًا أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر.\nفالعالم تارة يأمر وتارة ينهى وتارة يبيح وتارة يسكت عن الأمر والنهي أو (الإباحة) .. فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن: إما لجهله وإما لظلمه ولا يمكن إزالة جهله وظلمه فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه (١). ا. هـ.\nوقد نقلنا باقي كلامه فما تقدم فراجعه إن شئت. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: ٢٤٢\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧ - ٦١).","vol":"8","page":200},{"text":"الفرع السابع: العمل في حال اختلاط المعروف بالمنكر والمصلحة بالمفسدة (١)\nتفشت المنكرات في هذا العصر بشكل مخيف جدًا .. حتى لم يسلم منها بيت من بيوت المسلمين .. ومن لم يقارف شيئًا منها فإنه يمر به صباح مساء .. بل إن كثيرًا من المعروف قد اختلط به شيء من المنكر .. حتى المساجد لم تسلم من ذلك!!\nوقد آثرت في هذه المسألة أن أورد بعض كلام ابن تيمية –﵀- حول هذه المشكلة فهو يقول: واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضًا شر من بدع وغيرها، فيكون ذلك العمل خيرًا بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من أنواع المشروع، وشرًا بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين، وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة، فعليك هنا بأدبين: أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنًا وظاهرًا في خاصتك وخاصة من يطيعك. وأعرف المعروف وأنكر المنكر.\nوالثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدع إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه؛ ولكن إذا كان في البدعة من الخير فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرًا إلا إلى مثله أو إلى خير منه، فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع معيبون قد أتوا مكروها، والتاركون أيضًا لسنن مذمومون، فإن منها ما يكون واجبًا على الإطلاق، ومنها ما يكون واجبًا على التقييد كما أن الصلاة النافلة لا تجب ولكن من أراد أن يصليها يجب عليه أن يأتي بأركانها، وكما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات والقضاء والتوبة والحسنات الماحية.\nوكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك أو الأمر به، ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة، بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله سبحانه وينهي عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خلقت لتعمل لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح وإلا لم يترك العمل السيء أو الناقص .. –إلى أن قال- إنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد، ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء: إنه أنفق على مصحف ألف دينار. أو نحو ذلك. فقال: دعهم، فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب، أو كما قال. مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة .. فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا وإلا اعتاضوا بفساد لا صلاح فيه، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور؛ من كتب الأسمار أو الأشعار أو حكم فارس والروم.\nفتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد بحيث تعرف ما مراتب المعروف، ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند الازدحام، فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر، أو جنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيرًا.\nفأما مراتب المعروف والمنكر، ومراتب الدليل، بحيث يقدم عند التزاحم أعرف المعروفين، وينكر أنكر المنكرين، ويرجح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين.\nفالمراتب ثلاثة:\nأحدهما: العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه.\nالثاني: العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها، إما لحسن القصد، أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع.\n_________\n(١) انظر: «أصول الدعوة» (ص: ٤٦٣).","vol":"8","page":201},{"text":"والثالث: ما ليس فيه صلاح أصلًا؛ إما لكونه تركًا للعمل الصالح مطلقًا، أو لكونه عملًا فاسدًا محضًا.\nفأما الأول: فهو سنة رسول الله ﷺ باطنها وظاهرها، قولها وعملها، في الأمور العلمية والعملية مطلقًا، فهذا هو الذي يجب تعلمه وتعليمه والأمر به، وفعله على حسب مقتضى الشريعة من إيجاب واستحباب، والغالب على هذا الضرب هو أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.\nوأما المرتبة الثانية: فهي كثيرة جدًا في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة ومن العامة أيضًا، وهؤلاء خير ممن لا يعمل عملًا صالحًا مشروعًا ولا غير مشروع، أو من يكون عمله من جنس المحرم، كالكفر والكذب والخيانة والجهل، ويندرج في هذا أنواع كثيرة.\nفمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة كالوصال في الصيام وترك جنس الشهوات ونحو ذلك، أو قصد إحياء ليالي لا خصوص لها كأول ليلة من رجب ونحو ذلك، قد يكون حاله خيرًا من حال البطال الذي ليس فيه حرص على عبادة الله وطاعته؛ بل كثير من هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء زاهدون في جنس عبادة الله من العلم النافع والعمل الصالح، أو في أحدهما – لا يحبونها ولا يرغبون فيها، لكن لا يمكنهم ذلك في المشروع فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء، فهم بأحوالهم منكرون للمشروع وغير المشروع، وبأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار غير المشروع، ومع هذا: فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر ... (١) ا. هـ. كلام الشيخ –﵀-.\nوقال في موضوع آخر: .. وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد فإن الأمر والنهي –وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة- فينظر في المعارض له: فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورًا به بل يكون محرمًا، إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته.\nلكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام.\nوعلى هذا إذا كان الشخص والطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما؛ بل إما أن يفعلوهما جميعًا أو يتركوهما جميعًا لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر، فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسول الله ﷺ وزوال فعل الحسنات.\nوإن كان المنكر أغلب نهي عنه. وإن استلزم فوات ما دونه من المعروف ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرًا بمنكر، وسيعًا في معصية الله ورسوله، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين وذلك في الأمور المعينة الواقعة.\nوأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقًا وينهى عن المنكر مطلقًا.\n_________\n(١) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٦١٦ - ٦٢١).","vol":"8","page":202},{"text":"وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها ويحمد محمودها ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات معروف أكبر منه، أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه، وإذا اشتبه استبان المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية .. (١) ا. هـ.\nوقال في موضع آخر: ... فأما المؤمنون فالصحو خير لهم، فإن السكر يصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع بينهم العداوة والبغضاء، وكذلك العقل خير لهم لأنه يزيدهم إيمانًا.\nوأما الكفار فزوال عقل الكافر خير له وللمسلمين؛ أما له فلأنه لا يصده عن ذكر الله وعن الصلاة، بل يصده عن الكفر والفسوق؛ وأما للمسلمين فلأن السكر يوقع بينهم العداوة والبغضاء فيكون ذلك خيرًا للمؤمنين، وليس هذا إباحة للخمر والسكر ولكنه دفع لشر الشرين بأدناهما.\nولهذا كنت آمر أصحابنا أن لا يمنعوا الخمر عن أعداء المسلمين من التتار والكرج ونحوهم، وأقول: إذا شربوا لم يصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة، بل عن الكفر والفساد في الأرض، ثم إنه يوقع بينهم العداوة والبغضاء، وذلك مصلحة للمسلمين، فصحوهم شر من سكرهم، فلا خير في إعانتهم على الصحو بل يستحب – أو يجب – دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره.\nفهذا في حق الكفار، وفي الفساق والظلمة من إذا صحا كان في صحوه من ترك الواجبات وإعطاء الناس حقوقهم، ومن فعل المحرمات والاعتداء في النفوس والأموال ما هو أعظم من سكره، فإنه إذا كان يترك ذكر الله والصلاة في حال سكره ويفعل ما ذكرته في حال صحوه، لم يكن سكره شرًا من صحوه، وإذا كان في حال صحوه يفعل حروبًا وفتنًا لم يكن في شربه ما هو أكثر من ذلك، ثم إذا كان في سكره يمتنع عن ظلم الخلق في النفوس والأموال والحريم، ويسمح ببذل أموال – تؤخذ على وجه فيه نوع من التحريم – ينتفع بها الناس كان ذلك أقل عذابًا ممن يصحو فيعتدي على الناس في النفوس والأموال والحريم، ويمنع الناس الحقوق التي يجب أداؤها .. فعليك بالموازنة في هذه الأحوال والأعمال الباطنة والظاهرة حتى يظهر لك التماثل والتفاضل، وتناسب أحوال أهل الأحوال الباطنة لذوي الأعمال الظاهرة، لا سيما في هذه الأزمنة المتأخرة التي غلب فيها خلط الأعمال الصالحة بالسيئة في جميع الأصناف لنرجح عند الازدحام والتمانع خير الخيرين وندفع عند الاجتماع شر الشرين، ونقدم عند تلازم – تلازم الحسنات والسيئات – ما ترجح منها، فإن غالب رؤوس المتأخرين وغالب الأمة من الملوك والأمراء والمتكلمين والعلماء والعباد وأهل الأموال يقع غالبًا فيهم ذلك .. (٢) ا. هـ.\nهذا وقد أطلت في شرح هذا الأصل – أعني مراعاة المصالح ودفع المفاسد – لكون الحاجة ماسة إلى ذلك .. كما أنه من أدق وأجل مسائل هذا الباب. والله أعلم.\nومن الجدير بالذكر أنه ليس كل من اشتغل بالحسبة يكون قادرًا على التمييز بين المصالح والمفاسد والموازنة بينها .. وإنما ذلك يحتاج إلى فقه وعلم وعقل وحكمة. وعلى من قصر فهمه وذهنه عن الترجيح بينها أن يسأل غيره ويستشيره. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ١٧٥\n_________\n(١) «رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية (ص: ٢٠ - ٢٢).\n(٢) «الاستقامة» (٢/ ١٦٥ - ١٦٨).","vol":"8","page":203},{"text":"المطلب الأول: العمل على إيجاد البديل عن المنكر (١)\nإن الباطل يشغل حيزًا كبيرًا في نفوس أصحابه .. لاسيما إذا صاحب ذلك إلف المنكر واعتياده .. فإنه من الصعوبة بمكان على صاحبه أن يفارقه ويتخلص منه .. بل إنه يشعر في بعض الأحيان أنه قد أصبح يمثل جزءًا من كيانه لا يتصور الاستغناء عنه بحال من الأحوال .. وهذا مشاهد وملموس في واقع الكثير من الناس.\nإذا عرفت هذا تبين لك جليًا مدى حاجة الناس إلى إيجاد بدائل تحل محل تلك المنكرات.\nوأنت إذا تأملت سير التشريع الرباني رأيت أنه لم يهمل هذا الجانب بل اهتم به. فحينما حرم الله ﷿ أعياد الجاهلية .. أبدل المسلمين عنها بعيدين عظيمين كريمين. كما أباح لهم أضربًا من اللهو المباح فيهما.\nومن هذا الباب في القرآن قول الله ﷿: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا ... [البقرة: ١٠٤] ومما يدخل تحته أيضًا قول الله ﵎ مخبرًا عن قول لوط –﵊- لقومه: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦].\nومن السنة ما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة –﵄- أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ «أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا» (٢).\nوقد أدرك أهل العلم أهمية هذا الجانب فظهر في بعض مقالاتهم وفتاواهم .. ومن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه أن رجلًا سأل ابن عباس فقال: يا ابن عباس، إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ، سمعته يقول: (من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدًا، فربا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه. فقال: ويحك إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح) (٣).\nوقال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز –رحمهما الله- لأبيه: (يا أبت ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك.\nقال: يا بني! إني إنما أروض الناس رياضة الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعًا من طمع الدنيا، فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه) (٤).\nوقال –﵀- أيضًا: (ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق حتى بسطت لهم من الدنيا شيئًا) (٥).\nوقال ابن كثير –﵀- في حوادث سنة اثنتين وثلاثين وستمائة: (فيها خرب الملك الأشرف بن العادل خان الزنجاري الذي كان بالعقبية فيه خواطئ وخمور ومنكرات متعددة، فهدمه وأمر بعمارة جامع مكانه سمي جامع التوبة) (٦) ا. هـ.\n_________\n(١) «إعلام الموقعين» (٢/ ١٤٦ - ١٤٨)، «إغاثة اللهفان» (٢/ ٦٩ - ٧١)، «زاد المعاد» (٤/ ١٣٤ - ١٣٥)، «أصول الدعوة» (ص: ٤٤٦).\n(٢) رواه البخاري (٢٢٠١)، ومسلم (١٥٩٣).\n(٣) رواه البخاري (٢٢٢٥).\n(٤) «الزهد» لأحمد (ص: ٣٦٤)، «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للخلال رقم (٤٠) «سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز» (ص: ٨٨).\n(٥) «سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز» لابن الجوزي (ص: ٨٨).\n(٦) «البداية والنهاية» (١٣/ ١٤٣).","vol":"8","page":204},{"text":"ونقل الحافظ في الفتح عن المبرد أن موضع ذي الخلصة (وهو صنم دوس في الجاهلية) صار مسجدًا جامعًا لبلدة يقال لها العبلات من أرض خثعم (١) ا. هـ.\nوفي إنباء العمر (في حوادث سنة ثمانين وسبعمائة) قال: الحافظ –﵀-: (وفيها توجه شخص من أهل الصلاح يقال له: عبد الله الزيلعي إلى الجيزة، فبات بقرب أبو النمرس، فسمع حس الناقوس، فسأل عنه، فقيل له: إن بها كنيسة يعمل فيها ذلك كل ليلة؛ حتى ليلة الجمعة، وفي يومها والخطيب يخطب على المنبر فسعى عند جمال الدين المحتسب في هدمها فقام في ذلك قيامًا تامًا إلى أن هدمها وصيرها مسجدًا) (٢) ا. هـ.\nومما يحسن ذكره من الوقائع في هذا الجانب أن دارًا تقع على النيل في مصر يجري فيها ألوان المنكرات حتى عرفت بدار الفاسقين، فاشتراها الأمير عز الدين ايدمر الخطيري وهدمها وبني مكانها جامعًا في سنة ٧٣٧هـ وسماه جامع التوبة (٣).\nوقد نقلت لك فيما سبق شيئًا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ المتعلق بهذه المسألة فلأهميته أورد بعضه هنا فيقول: (.. إذا كان في البدعة من الخير فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرًا إلا إلى مثله أو إلى خير منه ..\nوكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك، أو الأمر به .. بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغنى عنه كما يؤمر بعبادة الله ﷾، وينهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله والنفوس خلقت لتعمل لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح وإلا لم يترك العمل السيء أو الناقص ..) (٤) ا. هـ. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: ٢٥٤\n_________\n(١) «الفتح» (٨/ ٧١).\n(٢) «إنباء الغمر» (١/ ٢٧١).\n(٣) «الخطط» للمقريزي (٢/ ٣١٢)، «إنباء الغمر» (هامش) (٤/ ٤٥).\n(٤) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٦١٦ - ٦١٧).","vol":"8","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2209>المطلب الثاني: تقليل العلائق مع الناس إن كانت المصلحة في ذلك</span>\nوإنما طلب ذلك لئلا يكثر خوفه من انقطاعها .. ولكي يقطع طمعه من الخلائق البتة فلا يقع في المداهنة والمصانعة .. ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه .. فإن الدخول مع الناس ومخالطتهم والتعرف على أحوالهم سبب قوي جدًا في إصلاحهم والاحتساب عليهم .. وإنما يطلب ذلك من بعض القائمين بالاحتساب –وقد نصبوا لذلك- إن كانت الروابط والعلائق مع الناس تؤدي بهم إلى السكوت عن هؤلاء المعارف مداهنة وما شاكلها .. كخوفهم من مقاطعتهم لهم.\nنقل عن بعض الشيوخ أنه كان له سنور، وكان يأخذ له كل يوم من قصاب شيئًا لغذائه، فرأى على القصاب منكرًا، فدخل الدار وأخرج السنور ثم جاء واحتسب على القصاب فقال القصاب: لا أعطيك بعد اليوم للسنور شيئًا. فقال الشيخ: ما احتسبت عليك إلا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك (١). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: ٢٥٨\n_________\n(١) «معالم القربة» (ص: ١٤).","vol":"8","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2210>المطلب الثالث: الإسرار بالنصح</span>\nإن من طبيعة الإنسان كراهيته أن يعاب وأن يخطئ أمام الآخرين، فإذا احتسبت عليه أمامهم فقد يكون ذلك سببًا لتمسكه بما هو عليه من الخطأ والمخالفة.\nويتأكد هذا الأدب خاصة إذا كان المحتسب عليه أكبر سنًا من المحتسب، أو أعلى مكانة في العلم أو الجاه ونحو ذلك من الأمور .. كحال الطالب مع شيخه والابن مع أبيه.\nوقد أحسن الإمام الشافعي ﵀ حينما قال:\nتعمدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة\nفإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه\nوإن خالفتني وعصيت قولي ... فلا تجزع إذا لم تعط طاعة (١)\nقال النووي –﵀-: (فمن ترك التشهير والإعلان بالإنكار على المعين أمام الناس إن كان الأمر لا يتطلب ذلك، فينبغي أن يسر النصيحة إليه .. ليتحقق القبول. قال الشافعي: من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه) ا. هـ (٢). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ٢٥٩\n_________\n(١) «ديوان الشافعي» (ص: ٥٦).\n(٢) «شرح مسلم» للنووي (١/ ٢/٢٤).","vol":"8","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2211>المطلب الرابع: قصد النصح لجميع الأمة</span>\nويستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر قصد نصح جميع الأمة\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، قصده نصح جميع الخلق، بأن يريد لغيره من الخير ما يريد لنفسه.\nقال الله تعالى حكاية عن عبده ورسوله نوح: وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٦٢]، وعن نبيه هود – ﵉ -: ... وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ [الأعراف: ٦٨] أي عرفت فيما بينكم بالنصح، فما حقي أن أتهم وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم (١). الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٣٩٣\nوفي الصحيحين (٢)، ومسند الإمام أحمد (٣)، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي من حديث زياد بن علاقة. «قال: سمعت جرير بن عبد الله ﵁ يقول يوم مات المغيرة بن شعبة. قام فحمد الله وأثنى عليه. وقال: عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، والوقار والسكينة حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن. ثم قال: استعفوا لأميركم فإنه كان يحب العفو. ثم قال: أما بعد فإني أتيت رسول الله ﷺ فقلت: أبايعك على الإسلام فشرط علي: والنصح لكل مسلم، فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني لكم لناصح، ثم استغفر ونزل» (٤). هذه رواية البخاري.\nوأخرج مسلم (٥) المسند منه.\nوفي رواية لهما. «قال جرير: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم» (٦).\nوفي أخرى لهما: قال: «بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، فلقنني: فيما استطعت والنصح لكل مسلم» (٧). الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٣٩٤\nوفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والنسائي من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري –﵁- أن رسول الله ﷺ قال: «الدين النصيحة» قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٨). هذه رواية مسلم وأحمد.\nوفي رواية أبي داود: إن الدين النصيحة: قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله –﷿- ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٩). وعند النسائي بلفظ «إنما الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١٠). الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٣٩٦\n_________\n(١) الآلوسي في «روح المعاني»، الأعراف آية ٦٨، (٨/ ١٣٣).\n(٢) رواه البخاري (٥٨)، ومسلم (٥٦)\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٣٥٧) (١٩١٧٥). وهو في الصحيحين.\n(٤) رواه البخاري (٥٨).\n(٥) رواه مسلم (٥٦).\n(٦) رواه البخاري (٥٧)، ومسلم (٥٦).\n(٧) رواه البخاري (٧٢٠٤)، ومسلم (٥٦).\n(٨) رواه مسلم (٥٥)، وأحمد (٤/ ١٠٢) (١٦٩٨٢)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائي (٧/ ١٥٦).\n(٩) رواه أبو داود (٤٩٤٤). وسكت عنه.\n(١٠) رواه النسائي (٧/ ١٥٦).","vol":"8","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2212>المطلب الخامس: قصد رحمة الخلق والشفقة عليهم</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف أن يكون قصده رحمة الخلق والشفقة عليهم\nومما يستحب للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر القائم في حدود الله –أعانه الله تعالى- أن يكون قصده رحمة الخلق كلهم، والشفقة عليهم، بكف الناس عن المنكرات التي تسبب الدمار في الدنيا، والعقوبات في الآخرة.\nقال الله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] غلاظ كالأسد على فريسته. قيل: المراد بـ وَالَّذِينَ مَعَهُ جميع المؤمنين، رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ أي يرحم بعضهم بعضًا.\nوقيل: (متعاطفون متوادون) (١).\nوفي الصحيحين من حديث – أسامة بن زيد – ﵄ – عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» (٢) في (الرحماء) يجوز الرفع والنصب. والله أعلم. الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٤٠٥\nوليس من مقتضى رحمة أهل المعاصي ترك الإنكار عليهم واستيفاء الحدود منهم وغير ذلك، بل من كمال الرحمة بهم الإنكار عليهم وردهم إلى المنهج القويم والصراط المستقيم.\nوإذا انحرفت النفس من خلق الرحمة انحرفت إلى قسوة قلب، وإما إلى ضعف قلب وجبن، كمن لا يقدم على ذبح شاة ولا إقامة حد ولا تأديب ولد، ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك. وقد ذبح أرحم الخلق بيده ﷺ في موقف واحد وثلاثمائة وستين بدنة وقطع الأيدي من الرجال والنساء، وضرب الأعناق، وأقام الحدود ورجم بالحجارة حتى مات المرجوم. وكان أرحم الناس أجمعين على الإطلاق وأرأفهم.\nفالعبد المطيع لله إذا سمع بأسير من أسراء المسلمين في أرض العدو رحمه وبذل نفسه وماله في تخليصه، فمن باب الأولى أنه إذا رأى أخاه مأسورًا في نفسه وشيطانه وهما أعداء عدوه أن يجتهد في خلاصه. واستنقاذه منها، فإن أعراض عنه وتركوه وأسره كان ذلك من جهله بالله – تعالى – وبأموره. الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٤١٠\n_________\n(١) «القرطبي تفسير الفتح، آية ٢٩» (١٦/ ٢٩٣).\n(٢) رواه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣).","vol":"8","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2213>المطلب السادس: ستر العورات والعيوب</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ستر العورات والعيوب\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ستر عورات المسلمين لأن سرت العيوب والتجاهل والتغافل عنها سمة أهل الدين. ويكفي تنبيهًا على كمال الرتبة في ستر القبيح وإظهار الجميل قول الله تعالى: قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ ... [البقرة: ٢٦٣]. الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٤١٠\nوفي الصحيحين، وجامع الترمذي من حديث عبد الله بن عمر ﵄ – أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة» (١).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر.\nوفي (صحيح مسلم) و(مسند أحمد)، و(سنن أبي داود) و(الترمذي) و(النسائي)، و(ابن ماجه)، و(صحيحي الحاكم وابن حبان) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (٢) مختصر.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة» (٣).\nوفي رواية: «لا يستر الله على عبد في الدنيا، إلا ستره يوم القيامة» (٤).\nوروى الإمام أحمد، والنسائي نحوه من حديث عروة، عن عائشة مرفوعًا – في حديث طويل – «لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله في الآخرة» (٥).\nومعنى ستره الله في الآخرة: أن يستر معاصيه وعيوبه عن إذاعتها في أهل الموقف – كما تقدم قريبًا – من حديث عمر.\nوفي (مسند أحمد) من حديث مسلمة بن مخلد الأنصاري مرفوعًا: «من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله – ﷿ – في الدنيا الآخرة، ومن نجى مكروبًا فك الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» (٦).\nورواه الطبراني ولفظه: «من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة» (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٦٤)، والترمذي (١٤٢٦).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٩٩)، وأبو داود (٤٩٤٦)، والترمذي (١٩٣٠)، وابن ماجه (١٨٥)، وأحمد (٢/ ٢٥٢) (٧٤٢١)، والحاكم (٤/ ٤٢٥)، وابن حبان (٢/ ٢٩٢) (٥٣٤).\n(٣) رواه مسلم (٢٥٩٠).\n(٤) رواه مسلم (٢٥٩٠).\n(٥) رواه أحمد (٦/ ١٤٥) (٢٥١٦٤). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٤): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٤٢): رواه أحمد ورجاله ثقات ورواه أبو يعلى أيضا.\n(٦) رواه أحمد (٤/ ١٠٤) (١٧٠٠٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٤٩): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(٧) رواه الطبراني (١٧/ ٣٤٩) (١٤٦٤٩). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٣٨): رجاله رجال الصحيح.","vol":"8","page":210},{"text":"وفي (مسند الإمام أحمد) وغيره من حديث عن مسيب عن عمه. قال: بلغ رجلًا من أصحاب النبي ﷺ عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: «من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة» (١). فرحل إليه وهو بمصر فسأله عن الحديث. قال: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة. فقال: وأنا قد سمعته من رسول الله ﷺ.\nوفي (سنن ابن ماجه) وغيرها من حديث ابن عباس – ﵄ – عن النبي ﷺ قال: «من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه الله بها في بيته» (٢). الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٤١٢\nقال أبو زكريا النووي – ﵀ – في شرح صحيح مسلم – عند قوله ﷺ: «ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» (٣)، وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفًا بالأذى والفساد. وأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر، إن لم يخف من ذلك مفسدة، لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء، والفساد، وانتهاك المحرمات، وجسارة غيره على مثل فعله. وهذا كله في ستر معصية وقعت وانتقضت.\nأما مسألة معصية يراه عليها وهو متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارها عليه، ومنعه منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيرها. فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر، إذا لم تترتب على ذلك مفسدة – كما تقدم. ثم قال: وأما الرواة، والشهود، والأمناء على الصدقات، والأوقاف، والأيتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم. وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة. وهذا مجمع عليه. الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٤١٨\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٧٥) (٢٣٢٣٣). قال محمد الغزي في «إتقان ما يحسن» (٢/ ٥٩١): له شواهد، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٣٤١): رجال إسناده موثوقون ثم ذكر له شواهد كثيرة.\n(٢) رواه ابن ماجه (٢٠٧٩). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٦٤): إسناده فيه مقال .. وله شاهد، وقال الهيتمي في «الزواجر» (٢/ ١٢٦): إسناده حسن، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) رواه البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠).","vol":"8","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2214>المطلب السابع: الاغتمام بمعصية المسلم والتأسف لتعرضه لغضب الله</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون مغتمًا بمعصية أخيه المسلم وأن يكون آسفًا لتعرضه لعقاب الله\nومما يستحب (للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر) أن يكون مغتمًا مما ظهر من معصية أخيه المسلم وتعرضه لعقاب الله –تعالى- حتى يشغله الهم عن فرحه بأجر الأمر والنهي بحيث إنه لو خير بين أجره في أمره ونهيه وبين أن أخاه لم يصب ذلك الذنب لاختار أن لا يكون أصاب الذنب، وهو النصح لله في خلقه، وهو أعظم من أجر الآمر في أمره مع إثمه. فإذا اغتم بمعصيته وشره وأحب أن يكون الله –تعالى – عصمه – جمع الله أجره على عظته إياه، وأجره على اغتمامه بمعصيته وأجره على محبته عصمته. الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٤١٩","vol":"8","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2215>المطلب الثامن: الغيرة على المسلمين</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بل لكل مسلم أن يكون غيورًا على إخوانه المسلمين. قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف: ٣٣].\nوفي (الصحيحين)، و(مسند أحمد) و(جامع الترمذي) من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﷿ يغار وإن المؤمن يغار، وإن من غيرة الله تعالى أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه» (١).\nولمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن يغار والله أشد غيرًا» (٢). الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٤٢١\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢٢٣)، ومسلم (٢٧٦١)، والترمذي (١١٦٨)، وأحمد (٢/ ٥٣٩) (١٠٩٦٣).\n(٢) رواه مسلم (٢٧٦١).","vol":"8","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2216>المطلب التاسع: تواضع الآمر الناهي في أمره ونهيه</span>\nومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون متواضعًا في أمره ونهيه من غير افتخار ولا تعاظم، بل من حقوق المسلمين التواضع لهم.\nوسمي التواضع متواضعًا لأنه وضع شيئا من قدره الذي يستحقه – وذلك ملح العبادة – وغاية شرف الزاهدين، وسيما الناسكين.\nقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: ٥٤].\n(أي متواضعين لهم بذل لين وانقياد، لا بذل هوان فيعاشروا المؤمنين برحمة وعطف وشفقة وإخبات وتواضع).\nوقوله: أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ.\nهو من عزة القوة والمنعة والغلبة.\nوقال (عطاء) (للمؤمنين كالوالد لولده. وعلى الكافرين كالسبع على فريسته) (١) كما في الآية الأخرى: أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ.\nفالنفس إذا انحرفت عن خلق العزة التي وهبها الله للمؤمنين انحرفت إما إلى كبر وإما إلى ذل والعزة المحمودة بينهما، والله أعلم.\nوقال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣] يعني سكينة ووقارًا متواضعين، غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين لأن الهون –بالفتح- الرفق واللين، وبالضم –الهوان.\nفالأول صفة أهل الإيمان، والثاني صفة أهل الكفران وجزاؤهم من الله النيران (٢).\nقال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣]. الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٤٦٠\nوفي (صحيح مسلم)، و(سنن أبي داود)، و(ابن ماجه) من حديث عياض بن حمار المجاشعي – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفتخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» (٣).\nقال أهل اللغة: (البغي التعدي والاستطالة).\nقال أبو العباس بن تيمية – في (اقتضاء الصراط المستقيم) – جمع النبي ﷺ بين نوعي الاستطالة. لأن المستطيل إن استطال بحق فهو المفتخر. وإن استطال بغير حق فهو الباغي فلا يحل لا هذا ولا هذا (٤). الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٤٦٢\nقال أبو حامد: فإن قلت كيف التواضع للفاسق والمبتدع وقد أمرت ببغضهما، والجمع بينهما متناقض (٥)؟\nفاعلم أن هذا أمر مشتبه يلتبس على أكثر الخلق، إذ يمتزج غضبك لله في إنكار البدعة والفسق بكبر النفس، والإذلال بالعلم والورع، فكم من عابد جاهل، وعالم مغرور إذا رأى فاسقًا جلس إلى جانبه أزعجه ذلك.\nوتنزه منه لكبر باطن في نفسه وهو ظان أنه غاضب لله، وذلك لأن الكبر على المطيع ظاهر كونه شرًا والحذر منه ممكن، والكبر على الفاسق والمبتدع يشبه الغضب لله وهو خير، فإن الغضبان – أيضًا – يتكبر على من غضب عليه والمتكبر يغضب، وأحدهما يثمر الآخر ويوجبه، وهما ممتزجان ملتبسان لا يميز بينهما إلا الموفقون.\nوالذي يخلصك من هنا أن يكون الحاضر على قلبك عند مشاهدة المبتدع، أو الفاسق، أو عند أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر ثلاثة أمور:\nأحدهما: التفاتك إلى ما سبق من ذنوبك وخطاياك، ليصغر عند ذلك قدرك في عينك.\nوالثاني: أن تكون ملاحظتك لما أنت متميز به من العلم، واعتقاد الحق، والعمل الصالح من حيث إنها نعمة من الله – تعالى – وله المنة لا لك فترى ذلك منه حتى لا تعجب نفسك، وإذا لم تعجب لم تتكبر.\nوالثالث: ملاحظة إيهام عاقبتك وعاقبته أنه ربما يختم لك بالسوء ويختم له بالحسنى حتى يشغلك الخوف عن التكبر عليه. الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود– ص: ٤٦٧\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» تفسير المائدة آية ٥٤.\n(٢) «مدارج السالكين» لابن القيم (٢/ ٢٤٣).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٦٥)، وأبو داود (٤٨٩٥)، وابن ماجه (٣٣٨٧).\n(٤) «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية، فصل الفرق بين التشبيه بالكفار والشياطين والتشبه بالأعاجم، (ص: ١٤٨) ط دار الحديث.\n(٥) «الإحياء»، كتاب ذم الكبر والعجب، فضيلة التواضع (٣/ ٣٤٠).","vol":"8","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2218>المطلب الأول: كونه منكرًا</span>\nالمنكر كل أمر نهى عنه الشارع الحكيم سواء أكان هذا الأمر محرما أم مكروهًا وكل ما كان محذورًا في الشرع.\nوكلمة منكر أعم من قولنا معصية فتطلق على كل فعل فيه مفسدة أو نهت عنه الشريعة. وإن كان لا يعتبر معصية في حق فاعله، إما لصغره، أو جنونه ولهذا إذا زنا المجنون أو هم بفعل الزنا أو شرب الصبي الخمر كان ما فعلاه منكرًا يستحق الإنكار وإن لم يعتبر معصية في حقهما لفوات شرط التكليف وهو البلوغ في الأول والعقل في الثاني (١) بل إن الفعل الذي يخالف ما تعارف عليه المسلمون ولم يكن فيه نص صريح من حيث الكراهة والقبح يكون فيه الاحتساب؛ لأن عرف المسلمين يتفق –في الغالب- مع قواعد الشريعة فلو أن إنسانًا جاء إلى المسجد للصلاة وقد لبس إزارًا من السرة إلى الركبة ووضع على عاتقه شيئًا يسيرًا فقط فإن هذا ينكر عليه فعله ولو لم يكن محرمًا؛ لأن فعله مخالف لعرف المسلمين؛ ولأن الطباع السليمة المسلمة تنفر من ذلك؛ ولأنه بفعله عرض نفسه لحديث الناس والوقوع في عرضه.\nوكذلك الحال لمن لبس من الرجال الثياب الضيقة أو الخفيفة التي تحدد العورة وتصف البشرة، أو إطالة الشعر لا لقصد السنة وإنما اقتداء بالغرب والمنحرفين فإن مثل ذلك يعتبر منكرًا، لأن فيه نوعًا من التشبه بالفساق وأعداء الله.\nويندرج في المنكر جميع المنكرات سواء أكانت من صغائر الذنوب أم من كبائرها، وسواء أكانت تتعلق بحق الله تعالى أم بحق الآدميين.\nولكن يجب أن نعرف بأن الذي يملك الحكم عليه بأنه منكر أو غير منكر (الشرع). لأن هذا الوصف حكم شرعي. والحاكم حقيقة هو الله سبحانه إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ [يوسف: ٦٧] فليس هناك مجال للعواطف والأهواء والأغراض. ودور العلماء في ذلك هو استنباط الحكم الشرعي من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والقواعد المستوحاة منهما. ومن ثم الحكم على هذا الأمر بأنه منكر أو غير منكر (٢). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٢١١\n_________\n(١) انظر «إحياء علوم الدين» م٣ (٧/ ٣٥، ٣٦). وانظر «أصول الدعوة» عبد الكريم زيدان (ص: ١٧٩).\n(٢) انظر: «أصول الدعوة» عبد الكريم زيدان (ص: ١٠٢).","vol":"8","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2219>المطلب الثاني: أن يكون موجودًا في الحال</span>\nوهذا الشرط له ثلاث أحوال:\nالحالة الأولى: أن يكون قد هم بفعل المنكر.\nالحالة الثانية: أن يكون متلبسًا بالمنكر.\nالحالة الثالثة: أن يكون قد انتهى من فعل المنكر.\nتفصيل هذه الأحوال:\nالحالة الأولى: أن يكون قد هم بفعل المنكر: وذلك بأن توجد مقدمات وعلامات ومؤشرات تدل على وقوع المنكر مثل: أن يرى رجلًا يتردد مرارًا في أسواق النساء ويصوب النظر إلى واحدة بعينها أو رأى شابًا يقف كل يوم عند باب مدرسة بنات ويصوب النظر إليهن. وليس له من حاجة غير ذلك. أو سمع رجلًا يتحدث بالهاتف –هاتف الشارع- بصوت مرتفع مع امرأة ويحاول أن يرتبط معها بموعد، أو رأى رجلًا يسأل بكثرة عن كيفية تصنيع الخمر، وطريقة تركيبه كل هذه الأمور تعتبر من المقدمات لفعل المنكر. فعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في هذه الحالات الوعظ، والنصح، والإرشاد، والتخويف بالله ﷾، وبعقوبته والخوف من عذابه وبطشه. ويذكر له بعض النصوص القرآنية التي تبين أن الله ﷾ مطلع عليه يسمع كلامه ويرى مكانه. مثل قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: ٧].\nومثل قوله تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: ١٩].\nوليكن ذلك بأسلوب فيه لين وعطف وإشفاق وليس فيه تجريح أو رفع صوت أو تشهير فهذه الأمور ربما دفعته إلى حالة تأخذه فيها العزة بالإثم. وليس هناك أحسن من هذا الأسلوب في هذه الحالة. والعلم عند الله.\nالحالة الثانية: أن يكون متلبسًا بالمنكر:\nومعنى ذلك أن تكون المعصية وصاحبها مباشر لها وقت النهي والتغيير. كمن هو جالس وأمامه كأس الخمر يشرب منه أو كمن هو أدخل امرأة أجنبية إلى داره وأغلق الباب عليهما ونحو ذلك. ففي هذه الحال يجب على الآمر بالمعروف والناهي المنكر الإنكار عليه ومنعه من ذلك طالما أنه قادر على إزالة المنكر ولم يخف على نفسه ضررًا أو أذى.\nيقول القاضي عياض –﵀- حق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولًا كان أو فعلًا، فيكسر آلات الباطل ويريق المسكر بنفسه وينزع المغصوب ويرده إلى أصحابه (١).\nوالإنكار عليه يكون بحسب فعل المنكر ومرتبة حكمه في الشرع.\nالحالة الثالثة: أن يكون فاعل المنكر قد فعله وانتهى منه ولم يبق إلا آثاره، كمن شرب الخمر وبقيت آثاره عليه أو من عرف أنه ساكن أعزب وخرجت من عنده امرأة أجنبية ونحو ذلك. ففي هذه الحال ليس هناك وقت للنهي أو التغيير وإنما هناك محل للعقاب والجزاء على فعل هذه المعصية، وهذا الأمر –في الغالب- ليس من شأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر –المتطوع- وإنما هو شأن ولي الأمر أو نائبه فيرفع أمره للحاكم ليصدر فيه الحكم الموافق للشرع.\nيقول العلامة ابن نجيم ... وأما بعد الفراغ منها –المعصية- فليس ذلك لغير الحاكم (٢).\nوللآمر بالمعروف أن يخوفه بالله ويحذره من الوقوع في مثل ذلك مستقبلًا، ويذكره بآثار المعاصي السيئة في الدنيا والآخرة. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٢١٣\n_________\n(١) انظر: «شرح صحيح مسلم للنووي» (١/ ٥١).\n(٢) انظر: «البحر الرائق شرح كنز الدقائق» (٥/ ٤٢).","vol":"8","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2220>المطلب الثالث: أن يكون المنكر ظاهرًا من غير تجسس</span>\nلقد شمل الإسلام جميع جوانب الحياة للمسلم وأعطى كل جانب منها حقه وضمن للإنسان أن يعيش في المجتمع آمنًا مطمئنًا محترمًا وموقرًا طالما أنه سالك الطريق المستقيم، وأما إذا حاد عن الطريق فإن الإسلام جعل لكل أمر معوج ما يناسبه من التقويم.\nومن الأمور التي شرعها الإسلام لاحترام الإنسان وأمنه النهي عن التجسس عليه.\nفلا يجوز لأحد أن يدخل عليه بيته إلا بإذنه يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور: ٢٧] حتى تسلموا وتستأذنوا وذلك أن يقول أحدهم السلام عليكم أأدخل؟ وهو من المقدم الذي معناه التأخير إنما هو حتى تسلموا وتستأذنوا (١).\nففي الآية نص من الله تعالى بتحريم الدخول إلى البيوت بغير إذن، بل إن الإسلام حرم أقل من ذلك وهو النظر إلى داخل البيت من أحد ثقوبه أو فتحاته. فأسقط الشارع الحكم حد القصاص والدية عمن فعل ذلك.\nحيث ورد عن أبي هريرة -﵁- قال: قال أبو القاسم ﷺ «لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح» (٢).\nوما رخصت عين الجاني إلا لعظمة حرمة المسلم داخل بيته.\nوإذا كان الإسلام حرم الدخول إلى البيت والنظر إلى داخله بغير إذن.\nفإن الإسلام أيضًا حرم التجسس. يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا [الحجرات: ١٢] الآية.\nقال مجاهد –﵀- خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله (٣).\nوقال القرطبي –﵀-: ومعنى الآية خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره الله (٤).\nوعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا» (٥).\nوفي رواية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا» (٦).\nومعنى التحسس والتجسس قال بعض العلماء: الحسس بالحاء الاستماع لحديث القوم وبالجيم: البحث عن العورات، وقيل بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشر. والجاسوس صاحب سر الشر، والناموس صاحب سر الخير، وقيل بالجيم أن تطلبه لغيرك وبالحاء أن تطلبه لنفسك قاله ثعلب. وقيل هما بمعنى وهو طلب معرفة الأخبار الغائبة والأحوال (٧).\nوعلى كل فإنه إن كان وقع اختلاف في معنى التحسس والتجسس فإن العلماء متفقون على تحريم التجسس بنص الآية الكريمة ولا تجسسوا وبنص حديث رسول الله ﷺ «ولا تجسسوا» وقد سبقت الإشارة إلى موضعها.\n_________\n(١) «جامع البيان في تفسير القرآن» ابن جرير الطبري م٩ (١٨/ ٨٨، ٨٩).\n(٢) رواه البخاري (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨).\n(٣) «تفسير مجاهد» (٢/ ٦٠٨).\n(٤) «الجامع لأحكام القرآن» القرطبي م١٨ (١٦/ ٣٣٣).\n(٥) رواه البخاري (٦٠٦٤)، ومسلم (٢٥٦٣).\n(٦) رواه البخاري (٦٠٦٦)، ومسلم (٢٥٦٣).\n(٧) انظر «صحيح مسلم بشرح النووي) م١٦ (٦/ ١١٩).","vol":"8","page":217},{"text":"وعن معاوية -﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنك اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» (١).\nفهذا نص صريح من الرسول ﷺ بأن التجسس وتتبع عورات المسلمين من وسائل إفساد المجتمع وقد ورد في ذلك بعض الآثار التي تبين وقوف الصحابة ﵃ عند هذا الحد، فلم يقدموا عليه بل إذا ما وقع من أحدهم ذلك لاجتهاد ظنه أنكر عليه ذلك.\nمن ذلك ما ورد عن عبد الرحمن بن عوف قال: حرست ليلة مع عمر بن الخطاب بالمدينة إذ تبين لنا سراج في بيت بابه مجافى على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط. فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب فما ترى، قلت: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه ولا تجسسوا وقد تجسسنا، فانصرف عمر وتركهم (٢).\nوقال أبو قلابة:\nحدث عمر أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته فانطلق عمر حتى دخل عليه فإذا ليس عنده إلا رجل فقال أبو محجن: إن هذا لا يحل لك. قد نهاك الله عن التجسس فخرج عمر وتركه (٣) (٤).\nفالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر منهي عن التجسس إلا في حالات نادرة سنتحدث عنها في الفقرة التي تلي هذه، لأن من يفعل ذلك ينتهك عدة حقوق أساسية ثابتة شرعًا لمن تجسس عليه، منها: حقه في حرمته في مسكنه، وحقه في حرية شخصه باطلاعه على سره، هذا من جهة ومن جهة أخرى يكون المتجسس قد استباح وسيلة محرمة للوصول إلى غاية. وسواء أكانت هذه الغاية محرمة أم مباحة، فإن ذلك محظور؛ لأنها إن كانت محرمة فالوسيلة إليها محرمة، وأما إذا كانت الغاية مشروعة فلا يصح أن يسعى إليها بوسيلة محرمة؛ لأن الغاية تأخذ حكم الوسيلة (٥).\nوجوب التستر:\nإن المسلم مأمور بأن يتستر ولا يظهر معصيته أيًا كانت هذه المعصية سواء أكانت مرئية كأن يخرج عند بابه ويضع الفيديو إلى جواره وفيه أفلام خليعة، أو المسموعة كأن يضع بآلة التسجيل شريطًا به غناء غرامي وموسيقى خليعة ماجنة ونحو ذلك، أو المشمومة كأن يظهر رائحة الخمر والمسكر بحيث يشمها من هو خارج المنزل أو قريبًا منه ويتكلم معه؛ لأنه إذا فعل ذلك يكون قد أضاع الحق الذي أعطاه الإسلام له، ويكون بذلك عرض نفسه للإهانة والردع.\nورد عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ حيث يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين. وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويكشف ستر الله عنه» (٦).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٨٨٨)، وابن حبان (١٣/ ٧٢) (٥٧٦٠)، والطبراني (١٩/ ٣٧٩) (١٦٥٦٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ١٢٦)، والبيهقي (٨/ ٣٣٣) (١٨٠٧٨). بلفظ: «عورات الناس» بدلًا من «عورات المسلمين». والحديث سكت عنه أبو داود، وقال النووي في «رياض الصالحين» (٥٠٨): صحيح، وصحح إسناده ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٣٠٠)، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(٢) رواه الطبراني في «مسند الشاميين» (٣/ ٦١) (١٨٠٦)، والحاكم (٤/ ٤١٩)، والبيهقي (٨/ ٣٣٣) (١٨٠٨٠). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي،\n(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/ ٢٣٢).\n(٤) «الجامع لأحكام القرآن» القرطبي م١٨ (١٦/ ٣٣٣).\n(٥) انظر: «حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في النظام الإسلامي والنظم المعاصرة» د. عبد الوهاب الشيشاني (ص: ٣٩٤، ٣٩٥).\n(٦) رواه البخاري (٦٠٦٩).","vol":"8","page":218},{"text":"ومعنى (المجاهرين) المعلنون لفسقهم ومعاصيهم. قال القسطلاني: والمجاهرون بكسر الهاء المعلنون بالفسق؛ لاستخفافهم بحق الله تعالى ورسوله ﷺ وصالحي المؤمنين وفيه ضرب من العناد (١).\nوقال ابن بطال:\nفي الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله ﷺ وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم. وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف، لأن المعاصي تذل فاعلها من إقامة الحد عليه إن كان فيها حد، ومن التعزير إن لم توجب حدًا، وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة.\nوالذي يجاهر يفوته جميع ذلك. وفي المجاهرة بالمعصية تحريك لرغبة الشر فيمن سمعه أو شهده (٢).\nقلت:\nومصداق كلام ابن بطال ما ورد عن صفوان بن محرز أن رجلًا سأل ابن عمر كيف رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: «يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول: عملت كذا وكذا. فيقول: نعم. فيقول: عملت كذا وكذا. فيقول: نعم. فيقرره ثم يقول إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم» (٣).\nفالإسلام لا يقر المجاهرة بالمعصية أيًا كانت صغيرة أم كبيرة. لما لها من الآثار السيئة الكبيرة ليس على فاعلها فقط وإنما على المجتمع. إذ في المجاهرة بالمعصية تشجيع الناس عليها، وإبعاد الحياء عنهم بفعلها وتسهيل ارتكابهم لها، فكأن المجاهر رسم طريقًا لمن أراد أن يفعل كفعله.\nموقف الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا ظهرت علامات المنكر:\nعرفنا حكم الإسلام في التجسس وعرفنا أيضًا أنه لا يجوز للمسلم أن يجاهر بالمعصية.\nولكن ما هو موقف الناهي عن المنكر. إذا ظهرت أمارات المنكر وهو داخل البيت. كأن تفوح رائحة الخمر، أو تسمع آلات الموسيقى والطرب أو تسمع أصوات المغنيات والمطربات ونحو ذلك؟\nفذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجب الإنكار في هذه الحال.\nقال في غذاء الألباب: وأما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر فقد أنكره الأئمة مثل: سفيان الثوري وغيره وهو داخل في التجسس المنهي عنه (٤).\nوأما الماوردي فيقسم المنكر في هذه الحال إلى قسمين:\nالحالة الأولى: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها ففي هذه الحال يجوز للناهي أن يتجسس.\nالحالة الثانية: ما خرج عن هذا الحد وقصر عن هذه الرتبة فلا يجوز التجسس عليه وكشف الأستار عنه (٥).\nوقد استدل القائلون بعدم التجسس على أولئك بالأمر الوارد عن ابن مسعود -﵁- (أنه أتي إليه برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا. فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يُظهر لنا شيء نأخذ به) (٦) وأيضًا عموم الآيات والأحاديث الواردة عن النهي عن ذلك وذهب بعض العلماء إلى أنه في هذه الحالة يجوز التجسس عليهم واقتحام البيت إذا تحققت تلك الأمارات.\nقال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون أن مثنى الأنباري حدثهم. قال: سمع أحمد بن حنبل حس طبل في جواره فقام إليهم ونهاهم.\n_________\n(١) انظر: «إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري» القسطلاني (٩/ ٤٩).\n(٢) انظر: «حاشية رياض الصالحين» (ص: ١٢٥). تحقيق عبد العزيز رباح وأحمد الدقاوي.\n(٣) رواه البخاري (٦٠٧٠)، ومسلم (٢٧٦٨).\n(٤) «غذاء الألباب» السفاريني (١/ ٢٦٤).\n(٥) «الأحكام السلطانية» (ص: ٢٥٢).\n(٦) رواه أبو داود (٤٨٩٠)، والبيهقي (٨/ ٣٣٤) (١٨٠٨١)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١٠/ ٢٣٢)، وابن أبي شيبة (٩/ ٨٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال النووي في «رياض الصالحين» (٥٠٨): إسناده على شرط الشيخين، وصحح إسناده الألباني في «صحيح سنن أبي داود».","vol":"8","page":219},{"text":"وقال أيضًا: أخبرني محمد بن علي الوراق أن محمدًا بن أبي حرب حدثهم قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه قال: يأمره. قلت: فإن لم يقبل؟ قال يجمع عليه الجيران ويهول عليه.\nوقال أيضًا: أخبرني منصور بن الوليد أن جعفر بن محمد النسائي حدثهم قال: سمعت أبا عبد الله سئل عن الرجل يمر بالقوم يغنون. قال: هذا قد ظهر عليه أن ينهاهم (١).\nوقال الغزالي: إلا أن يظهر –المنكر- ظهورًا يعرفه من هو خارج الدار كأصوات المزامير والأوتار إذا ارتفعت بحيث جاوز ذلك حيطان الدار فمن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر الملاهي، وكذا إذا ارتفعت أصوات السكارى بالكلمات بالمألوفة بينهم بحيث يسمعها أهل الشوارع فهذا إظهار موجب للحسبة (٢).\nوقال ابن الجوزي: من تستر بالمعصية في داره وأغلق بابه لم يجز أن يتجسس عليه، إلا أن يظهر ما يعرفه كأصوات المزامير والعيدان فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي، وإن فاحت رائحة الخمر فالأظهر جواز الإنكار (٣).\nوالقول الثاني أرجح وهو جواز التجسس ووجوب الإنكار على من جاهر بالمعصية؛ لأن النصوص الواردة في النهي عن التجسس خاصة بمن لم يجاهر بمعصيته، وأما من جاهر بمعصيته فإنه لا يشمله هذا التكريم؛ لأن فعل المجاهر ينتج عنه أمور تخالف قواعد الشرع ونوضح المسألة بما يأتي:\nأولًا: إن الرسول ﷺ أمر بالتستر وقال: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين» (٤) فبفعله خالف أمر الرسول ﷺ وخرج من العافية.\nثانيًا: إنه بفعله هذا يكون قد نزع الحياء الذي شرعه الإسلام للمسلمين «الحياء لا يأتي إلا بخير» (٥) «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» (٦).\nثالثًا: إن هذا المجاهر قد ينتج عن فعله هذا ترويج الفاحشة وفعل المنكرات في المجتمع المسلم، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، بل المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.\nرابعًا: وأما استدلالهم بخبر ابن مسعود -﵁- (وأنه أتي برجل تقطر لحيته خمرًا فقال: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به) (٧).\nفهذا الخبر مردود عليهم من وجهين:\nالوجه الأول: إن هذا الخبر يخالف صريح وصحيح قول الرسول ﷺ حيث حدث مثل هذه الصورة وأمر الرسول ﷺ بإقامة الحد عليه.\nفقد ورد عن أبي هريرة -﵁- قال: أتي النبي ﷺ برجل قد شرب الخمر قال: (اضربوه) قال أبو هريرة: فمنا الضارب بنعله والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاه الله. قال: «لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان» (٨).\nفإذا كان هذا في حق من قد شرب الخمر فما هو شأن من تقطر لحيته خمرًا؟\nالوجه الثاني: إن هذا الخبر لا ينفي أن ابن مسعود -﵁- أقام الحد عليه أو أمر بإقامته.\nفكان ابن مسعود يقول إننا لم نبحث عنه ولم نؤمر بالبحث عنه فلما أن ظهر لنا فعله فسوف نأخذ به. حيث قال ابن مسعود (ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به) (٩) وما أشد ظهور المنكر في هذه الصورة.\nفمن هنا نقول في مشروعية الاحتساب على من جاهر بالمعصية. والله أعلم. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٢١٦\n_________\n(١) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الخلال (ص: ٦١) تحقيق عبد القادر أحمد عطا.\n(٢) «إحياء علوم الدين» (٣ – ٧/ ٣٧).\n(٣) «غذاء الألباب» السفاريني (١/ ٢٦٢).\n(٤) جزء من حديث رواه البخاري (٦٠٦٩).\n(٥) رواه البخاري (٦١١٧)، ومسلم (٣٧). من حديث عمران بن حصين ﵁.\n(٦) رواه البخاري (٣٤٨٤). من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁.\n(٧) رواه أبو داود (٤٨٩٠)، والبيهقي (٨/ ٣٣٤) (١٨٠٨١)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١٠/ ٢٣٢)، وابن أبي شيبة (٩/ ٨٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال النووي في «رياض الصالحين» (٥٠٨): إسناده على شرط الشيخين، وصحح إسناده الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٨) رواه البخاري (٦٧٧٧).\n(٩) رواه أبو داود (٤٨٩٠)، والبيهقي (٨/ ٣٣٤) (١٨٠٨١)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١٠/ ٢٣٢)، وابن أبي شيبة (٩/ ٨٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال النووي في «رياض الصالحين» (٥٠٨): إسناده على شرط الشيخين، وصحح إسناده الألباني في «صحيح سنن أبي داود».","vol":"8","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2221>المطلب الرابع: ألا يكون المنكر من المسائل المختلف فيها</span>\nيجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ألا ينكر على الناس في المسائل المختلف فيها كأن تكون هذه المسألة جائزة عند بعض الأئمة وممنوعة عند بعضهم والفاعل لها مقلدًا لإمامه المجيز لهذه المسألة مثلًا:\nيقول الغزالي:\nفكل ما هو محل اجتهاد فلا حسبة فيه فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع ومتروك التسمية، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار إلى غير ذلك من مجاري الاجتهاد. نعم لو رأى الشافعي شافعيًا يشرب النبيذ فهذا في محل نظر والأظهر أن له الحسبة والإنكار إذ لم يذهب أحد من المحصلين إلى أن المجتهد يجوز أن يعمل بموجب اجتهاد غيره ولا أن الذي أدى اجتهاده في التقليد إلى شخص رآه أفضل العلماء أن له أن يأخذ بمذهب غيره فينتقي من المذاهب أحبها عنده بل على كل مقلد اتباع مقلده في كل تفصيل (١).\nوقال أبو الحسن الماوردي: واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي هل يجوز له –المحتسب- أن يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا؟ على وجهين: أحدهما وهو قول أبي سعيد الاصطخري أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده، فعلى هذا يجب على المحتسب أن يكون عالمًا من أهل الاجتهاد في أحكام الدين ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه.\nوالوجه الثاني: ليس له أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده، ولا يقودهم إلى مذهبه لتسويغ الاجتهاد للكافة، وفيما اختلف فيه، فعلى هذا يجوز أن يكون المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفًا بالمنكرات المتفق عليها (٢).\nوقال عبد الكريم زيدان: الواقع أن الخلاف إما أن يكون سائغًا وإما أن يكون غير سائغ ولكل حكمه:\n١ - الخلاف السائغ يمنع من الاحتساب على رأي بعض الفقهاء وقال آخرون: يجوز للمحتسب أن ينكر على فاعل المنكر المختلف فيه بشرط أن يكون المحتسب مجتهدًا.\n٢ - الخلاف غير السائغ وهو الخلاف الشاذ أو الباطل الذي لا يعتد به لعدم قيامه على أي دليل مقبول كالذي يخالف صريح القرآن والسنة الصحيحة المتواترة المشهورة أو إجماع الأمة أو ما علم من الدين بالضرورة فمثل هذا الخلاف لا قيمة له ولا يمنع المحتسب من الإنكار والاحتساب (٣).\nولعل الأرجح –والله أعلم- أنه ليس للمحتسب أن يحمل الناس على مذهبه إلا أن يكون مجتهدًا وإذا كان مجتهدًا فله ذلك. ولكن الأحرى أن لا ينتسب المجتهد إلى مذهب معين بل إنه يعمل بما ترجح لديه من الدليل. وإن كان يعمل بمعظم وبكثير من مسائل أحد المذاهب فعمله هذا على حسب ظهور الدليل له في هذه المسائل مثلًا.\nوأيضًا لا يشترط أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من أهل الاجتهاد. لأننا لو شرطنا ذلك لتعطل الأمر والنهي ولعمت المنكرات لافتقار المجتهدين.\nوالنصوص الشرعية خاطبت الأمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم تخاطب المجتهدين منهم فقط يقول تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران: ١١٠].\nويقول ﷺ «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٤).\n_________\n(١) «إحياء علوم الدين» م٣ (٧/ ٣٧، ٣٨). وانظر (ص: ٣٨، ٣٩) من المرجع نفسه.\n(٢) «الأحكام السلطانية» الماوردي (ص: ٢٤١).\n(٣) «أصول الدعوة» عبد الكريم زيدان (ص: ١٨٣).\n(٤) رواه مسلم (٤٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"8","page":221},{"text":"ولم يثبت أن الرسول ﷺ نهى أحدًا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعدم اجتهاده ولا عن الصحابة أنهم نهى بعضهم بعضًا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعدم اجتهاده.\nفتخصيص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمجتهد يحتاج إلى مخصص.\nفتبين من ذلك أن للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يمارس ذلك ولو لم يكن من أهل الاجتهاد. والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد في رواية المروذي: (لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم) (١) وله رواية أخرى خلاف ذلك.\nقال في رواية الميموني في الرجل يمر بالقوم يلعبون بالشطرنج ينهاهم ويعظهم. وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن رجل مر بقوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا فرمى به فقال: قد أحسن (٢).\nفالإمام أحمد أقره على فعله بل أيده عليه مع الخلاف المذكور في الشطرنج.\nولأحمد رواية ثالثة: لا ينكر على المجتهد بل على المقلد، روى إسحاق ابن إبراهيم عن الإمام أحمد أنه سئل عن الصلاة في جلود الثعالب، قال: إذا كان متأولًا أرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان جاهلًا ينهى ويقال له: إن النبي ﷺ نهى عن ذلك (٣).\nوقال الخلال: أخبرنا عصمة بن عصام حدثنا حنبل قال: قلت لأبي عبد الله: ترى الرجل إذا رأى الرجل لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا يقيم أمر صلاته ترى أن تأمره بالإعادة؟ قال: يحسن صلاته أو نمسك عنه. ثم قال: إن كان يظن أنه يقبل منه أمره، وقال له ووعظه حتى يحسن الصلاة فإن الصلاة من تمام الدين (٤).\nوقال أيضًا: أخبرني الحسن بن عبد الوهاب، أن إسماعيل بن يوسف حدثهم. قال: حدثنا يعقوب حدثنا عبد الرحمن حدثنا محمد بن النضر قال: سأل رجل الأوزاعي قال: من آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر؟ قال: من ترى أنه يقبل منك (٥).\nوفي الغالب من على خلاف مذهبك لا يقبل منك.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصواب ما عليه جماهير المسلمين أن كل مسكر خمر يجلد شاربه ولو شرب قطرة واحدة لتداو أو غير تداو.\nوقال في كتاب بطلان التحليل: قولهم ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل.\nأما الأول فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا.\nوإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد، وهم عامة السلف والفقهاء، وأما العمل إذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضًا بحسب درجات الإنكار. كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض العلماء.\nوأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا اجتماع والاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا.\nوإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد. كما اعتقد ذلك طوائف من الناس والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ إذا عدم ذلك الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة أو لخفاء الأدلة فيها وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها مثل كون الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بوضع الحمل. وأن الجماع المجرد عن إنزال يوجب الغسل.\nوقال أيضًا: من أصر على ترك الجماعة ينكر عليه ويقاتل عليه أيضًا في أحد الوجهين عن استحبابها، وأما من أوجبها فإنه عنده يقاتل ويفسق إذا قام الدليل عنده المبيح للمقاتلة والتفسيق كالبغاة بعد زوال الشبهة ... (٦).\nوقال النووي –﵀-: إن المختلف فيه لا إنكار فيه لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق (٧). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٢٢٧\n_________\n(١) «الآداب الشرعية» ابن مفلح (١/ ١٨٧).\n(٢) «الآداب الشرعية» ابن مفلح (١/ ١٨٧).\n(٣) «الآداب الشرعية» ابن مفلح (١/ ١٨٨).\n(٤) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الخلال (ص: ١٠٦، ١٠٧) دار الاعتصام.\n(٥) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الخلال (ص: ١٠٧).\n(٦) انظر كتاب «الآداب الشرعية» ابن مفلح (٧/ ٨٩، ١٩٠).\n(٧) انظر كتاب «الآداب الشرعية» ابن مفلح (٧/ ١٩٠).","vol":"8","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2224>المطلب الأول: القدرة والاستطاعة</span>\nإن من فضل الله تعالى على خلقه أن جعل دين الإسلام دين الواقعية، فهو لا يطالب المسلمين بأمور فوق طاقتهم لا يستطيعون فعلها أيًا كان هذا المأمور به، فإما أن يسقط كلية أو يخفف إلى درجة تتناسب مع قدرات هذا الشخص.\nولقد جاءت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة موضحة ذلك أوضح بيان. يقول تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦].\nويقول تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].\nويقول تعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥].\nويقول ﷺ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١).\nفهذه النصوص الشرعية تبين بوضوح أن الإنسان لا يكلف فوق طاقته في أي أمر من أمور الشرع، وما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا جزء من أوامر الشرع.\nومدار هذا البحث على حديث رسول الله ﷺ والذي يقول فيه:\n«من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٢).\nفهذا نص صريح من المصطفى ﷺ بأن المغير للمنكر لا يلزمه إزالته بطريقة واحدة، بل عليه أن يغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أقل الأحوال.\nيقول الجصاص حول قوله ﷺ «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» (٣) الحديث: أخبر النبي ﷺ أن إنكار المنكر على هذه الوجوه الثلاثة على حسب الإمكان، ودل على أنه إن لم يستطع تغييره بيده فعليه تغييره بلسانه، ثم إن لم يكن ذلك فليس عليه أكثر من إنكاره بقلبه (٤).\nوقال النووي –﵀-: وأما صفة النهي ومراتبه فقد قال ﷺ في هذا الحديث الصحيح: «فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» (٥) فقوله ﷺ فبقلبه معناه فليكرهه بقلبه وليس ذلك بإزالة وتغيير منه للمنكر ولكنه هو الذي وسعه.\nوقال عبد القادر عودة: ويشترط في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون قادرًا على الأمر والنهي وتغيير المنكر، فإن كان عاجزًا فلا وجوب عليه إلا بقلبه أي يكره المعاصي وينكرها ويقاطع فاعليها (٦).\nويدخل في عدم القدرة ما يلي:\n١ - العجز الحسي.\n٢ - العجز المعنوي.\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يماثل الجهاد والدعوة إلى الله أو هما معًا، لذا فإنه كلما تتوفر القدرة العلمية والجسمية فإن عطاءه ونفعه يكون أكثر، وكلما نقص لديه جانب من الجوانب ذات الصلة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن نفعه يكون أقل.\nلذا اشترط العلماء لإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القدرة الحسية والمعنوية.\nأولًا: العجز الحسي: فيشترط في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر سلامة جسمه وقوته وكمال حواسه فلا يلزم الأخرس والأصم والأعمى بما لا يعلمون أنه منكر، أو لا يستطيعون إنكاره لفقد تلك الحواس أو بعضها.\nكذلك ضعيف الجسم وهزيله الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو لا يتحمل الأذى.\nوكذلك لا يلزم من يخشى على ماله وعرضه من النهب أو الانتهاك إذا أمر أو نهى أو نحو ذلك.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٢٨٨).\n(٢) رواه مسلم (٤٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) جزء من حديث رواه مسلم (٤٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٤) «أحكام القرآن» الجصاص (٢/ ٣٦).\n(٥) رواه مسلم (٤٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٦) «التشريع الجنائي» عبد القادر عودة (١/ ٤٩٧).","vol":"8","page":223},{"text":"وقد أفاض الغزالي القول في ذلك ونقتطف مما قال: الشرط الخامس: كونه قادرًا، ولا يخفى أن العاجز ليس عليه حسبة إلا بقلبه، إذ كل من أحب الله يكره معاصيه وينكرها. ثم قسم الاستطاعة إلى أحوال منها قوله:\nأحدها: أن يعلم أنه لا ينفع كلامه، وأنه يضرب إن تكلم، فلا تجب عليه الحسبة، بل ربما تحرم في بعض المواضع، نعم يلزمه أن لا يحضر مواضع المنكر ويعتزل في بيته حتى لا يشاهد ولا يخرج إلا لحاجة مهمة أو واجب ..\nالحالة الثانية: أن يعلم أن المنكر يزول بقوله وفعله ولا يقدر له على مكروه فيجب عليه الإنكار وهذه هي القدرة المطلقة.\nالحالة الثالثة: أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره ولكنه لا يخاف مكروها فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها. ولكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام، وتذكير الناس بأمر الدين.\nالحالة الرابعة: أن يعلم أنه يصاب بمكروه ولكن يبطل المنكر بفعله كما يقدر على أن يرمي زجاجة الفاسق، بحجر فيكسرها ويريق الخمر .. ولكن يعلم أنه يرجع إليه فيضرب رأسه. فهذا ليس بواجب وليس بحرام بل هو مستحب (١).\nثانيًا: الجانب المعنوي:\nفيشترط في المحتسب أن يكون عالمًا عارفًا بأحكام الشرع وعالمًا بالمنكرات، فيعلم مواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها. حيث إن الحسبة أمر بمعروف ونهي عن منكر، فلابد أن يعرف حدود المعروف وحدود المنكر فإذا كان عالمًا فإنه يعرف مراتب كل منهما.\nيقول الشيرازي: لما أن كانت الحسبة أمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر وإصلاحًا بين الناس وجب أن يكون المحتسب فقيهًا عارفًا بأحكام الشريعة؛ ليعلم ما يأمر به وينهى عنه. فإن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، ولا مدخل للعقول في معرفة المعروف والمنكر إلا بكتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ ورب جاهل يستحسن بعقله ما قبحه الشرع، ويرتكب المحظور وهو غير عالم به .. (٢).\nوقال الإمام النووي –﵀-: إنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها. وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء (٣).\nإذًا فليس على العامي إنكار فيما يحتاج إلى علم أو اجتهاد بل يسقط عنه الأمر والنهي في هذه الحالة. ولكن يلزمه أن ينكر الأمور التي لا يعذر أحد بجهلها كترك الصلاة وفعل الزنا وشرب الخمر ونحو ذلك.\nيقول الغزالي: العامي ينبغي له أن لا يحتسب إلا في الجليات المعلومة، كشرب الخمر، والزنا، وترك الصلاة، فأما ما يعلم كونه معصية بالإضافة إلى ما يطيف به من الأفعال ويفتقر فيه إلى الاجتهاد فالعامي إن خاض فيه كان ما يفسده أكثر مما يصلحه (٤). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – بتصرف - ص ٤٩٩\n_________\n(١) «إحياء علوم الدين» الغزالي م٣ (٧/ ٢٦) باختصار.\n(٢) «نهاية الرتبة في طلب الحسبة» عبد الرحمن الشيرزي (ص: ٦) تحقيق السيد الباز العريني – دار الثقافة بيروت ١٣٦٥هـ.\n(٣) «شرح صحيح مسلم» النووي (١/ ٥١).\n(٤) «إحياء علوم الدين» الغزالي م٣ (٧/ ٢٨).","vol":"8","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2225>المطلب الثاني: ضابط الاستطاعة</span>\nلا شك أن ضابط الاستطاعة ليس له ميزان دقيق، فالأشخاص يختلفون، فهذا يقدر على أمور لا يستطيعها شخص آخر، وهذا قد أعطاه الله قوة في العلم والجسم وآخر قد فقدها أو أحدهما. فالضابط الحقيقي متروك لضمير الشخص نفسه. ولكن مع ذلك ينبغي أن يكون هناك حد أدنى يقف عنده الناس حتى لا يكون مبدأ عدم القدرة وسيلة لترك الأمر والنهي فهناك أمور يجب أن لا تصد الناس عن الأمر والنهي. فمثلًا الخوف من اللوم أو السب والشتم ونحو ذلك. فلا يعذر أحد من الناس بسبب ذلك لأنه بسيط وهو في ذات الله تعالى. ولقد أثنى الله ﷾ على الذين يجاهدون في سبيله ولا يخافون فيه لومة لائم.\nيقول تعالى: يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ [المائدة: ٥٤].\nيقول ابن كثير –﵀-: أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله تعالى وإقامة الحدود وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل (١).\nوعن عبادة بن الصامت -﵁- قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على أن نقول الحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم» (٢).\nوقال القرطبي: (أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى، فإن ذلك لا ينبغي أن يمنعه من تغييره) (٣).\nويقول الغزالي: ولو تركت الحسبة بلوم لائم أو باغتياب فاسق أو شتمه أو تعنيفه أو سقوط المنزلة عن قلب أمثاله لم يكن للحسبة وجوب أصلًا إذ لا تنفك الحسبة عنه (٤).\nفينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن لا يلتفت لهذه الأمور الصغيرة فإنها تعد قشورًا بسيطة تصيبه في ذات الله وهو مع ذلك لا يعتبر قدم شيئًا يذكر، وكان الأولى له والأفضل أن يقدم نفسه رخيصة في سبيل الله.\nويجب أن يعرف المسلم أن عذر الشارع في عدم النهي عن المنكر إذا خاف الإنسان على نفسه رخصة. وأما طريقة العزيمة والفضل فهو أن يقدم الإنسان نفسه وما يملك من أجل إعلاء كلمة الله تعالى، دون أن يتراجع عن كلمة الحق مهما كلفته؛ لأن الشارع رغب في ذلك.\nوروي عن عمر بن الخطاب -﵁- قال قال رسول الله ﷺ «إنه تصيب أمتي في آخر الزمان من سلطانهم شدائد لا ينجو منه إلا رجل عرف دين الله فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه فذلك الذي سبقت له السوابق، ورجل عرف دين الله فصدق به، ورجل عرف دين الله فسكت عليه، فإن رأى من يعمل الخير أحبه عليه وإن رأى من يعمل بباطل أبغضه عليه فذلك ينجو على إبطانه كله» (٥).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» أو «أمير جائر» (٦).\n_________\n(١) «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ٧٠) دار الفكر.\n(٢) رواه البخاري (٧١٩٩)، ومسلم (١٨٤٠).\n(٣) «الجامع لأحكام القرآن» م٢ (٤/ ٤٨).\n(٤) «إحياء علوم الدين» م٣ (٧/ ٣٣) باختصار. دار الفكر.\n(٥) رواه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (١/ ٨١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٩٥). قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٤٤): غريب وإسناده منقطع، وضعفه الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٦٧٢٥).\n(٦) رواه أبو داود (٤٣٤٤)، والترمذي (٢١٧٤)، وابن ماجه (٣٢٥٦)، وأحمد (٣/ ١٩) (١١١٥٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسن إسناده ابن الملقن في «شرح صحيح البخاري» (١٩/ ١٨٠)، والعيني في «عمدة القاري» (١٥/ ٢٢٨)، وقال ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (ص: ١٦٩): حسن، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».","vol":"8","page":225},{"text":"وفي المسند عن أبي سعيد الخدري -﵁- في حديثه الطويل عن النبي ﷺ وفيه: «ألا لا يمنعن رجلًا مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه، ألا إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (١).\nفهذه الأحاديث وغيرها تفيد أن الإنسان مأجور عندما يصدع بكلمة الحق ويأمر وينهى، ولو أدى ذلك إلى هلاكه وتعذيبه؛ لأن نتيجة الكلمة الصادقة عند السلطان الجائر معروفة.\nيقول العمري: لا شك أن التضحية بالنفس والنفيس في سبيل الجهر بكلمة الحق ليست بأمر سهل ترغب فيه النفوس فهي تطلب حبًا قويًا وإخلاصًا عميقًا، وعزيمة صادقة وهمة بعيدة. ولكن مما لا شك فيه أيضًا أن أصحاب العزيمة وأهل الإخلاص هم أرفعهم عند الله درجة وأعلاهم مكانة.\nثم يقول: هذه الأمة التي ألقى الله على كواهلها مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي عليها أن تصلح أمرها بنفسها لها تاريخ مشرق مجيد في الصدق والجرأة والشهامة والصدع بالحق، ولئن وجدت فيه من سكت عن المنكر وما قوي على إظهار المعروف لضعف إيمانه، فلا تستقل عدد أولي العزم وأصحاب الهمم الذين تصدوا للباطل وشهدوا بالحق في ظلال السيوف وذلك هو الذي ما زال يضمن للأمة، حياتها وبقاءها وإن فقدت كافة الأمة يومًا هذه الروح -روح التضحية والفداء والتفاني- كان أشأم يوم في تاريخها وانقطعت عنها رحمة الله ولم يحل بينها وبين هلاكها شيء وسقطت في الدرك الأسفل إلى هاوية الانحطاط (٢).\nوجوب الأمر والنهي ولو خاف على نفسه:\nقد يكون الأمر والنهي واجبًا ولو خاف على نفسه الهلاك، وذلك إذا كان يترتب على ذلك هداية طائفة من الناس إذا قال كلمة الحق، أو ضلالهم إذا سكت. فهنا يجب عليه أن يقول كلمة الحق ولو أدى ذلك إلى قتله.\nوالدليل على ذلك قصة الغلام مع الملك التي رواها صهيب عن النبي ﷺ في حديثه الطويل وقد ذكرها أهل التفاسير عند تفسير سورة الحج (٣).\nورواها الترمذي في سننه وفيها: «... فقال الغلام للملك: إنك لا تقتلني حتى تصلبني وترميني وتقول إذا رميتني بسم الله رب هذا الغلام. قال فأمر به فصلب ثم رماه فقال بسم الله رب هذا الغلام. قال فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي ثم مات. فقال أناس لقد علم هذا الغلام علمًا ما علمه أحد فإنا نؤمن برب هذا الغلام ...» (٤).\nفهذا الغلام ضحى بنفسه لعلمه أنه سيهتدي بعده آلاف الناس وقصة الإمام أحمد بن حنبل –﵀- مشهورة. حيث ثبت على قوله الحق في أن القرآن منزل غير مخلوق لعلمه أن الناس سيقتدون به، ولو قال إنه مخلوق تورية لضل بذلك خلق كثير. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٥٠٧\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٩) (١١١٥٩)، والحاكم (٤/ ٥٥١). وقال: هذا حديث تفرد بهذه السياقة علي بن زيد بن جدعان القرشي عن أبي نضرة، والشيخان ﵄ لم يحتجا بعلي بن زيد. وقال الذهبي: ابن جدعان صالح الحديث، والحديث حسنه ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (ص: ١٦٩).\n(٢) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» جلال الدين العربي (ص: ٢٦٢، ٢٦٣).\n(٣) انظر: «تفسير الطبري» (٢٤/ ٣٣٩)، و«تفسير البغوي» (٨/ ٣٨٣)، و«تفسير ابن كثير» (٨/ ٣٦٦ - ٣٦٧).\n(٤) رواه الترمذي (٣٣٤٠)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٥/ ٤٢٠). وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"8","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2227>المطلب الأول: تغيير المنكر باليد وأدلته</span>\nونقصد بذلك تغيير المنكر باليد ككسر الملاهي وإراقة الخمر وإتلاف آنيته إذا لم يمكن ذلك وخلع الحرير، وتكسير الأصنام وتمزيق الصور أو طمسها وإتلاف الكتب والمجلات المضللة ونحو ذلك.\nالأصل في تغيير المنكر باليد الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على ذلك.\nيقول تعالى حكاية عن إبراهيم –﵇-: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [الأنبياء: ٥٧ - ٥٨] فإبراهيم –﵇- كسر الأصنام بيده.\nوقال تعالى حكاية عن موسى –﵇- وَانظُرْ إلى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا [طه: ٩٧].\nفأخبر –﷾- عن كليمه موسى –﵇- أنه أحرق العجل الذي عبد من دون الله ونسفه في اليم.\nويقول تعالى آمرًا نبيه أن يقول: وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء: ٨١].\nوذلك حينما دخل مكة عام الفتح فأخذ يطعن الأصنام بعود بيده وهو يتلو هذه الآية.\nورد عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «دخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده. ويقول وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء: ٨١]» (١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» (٢) الحديث.\nفهذا نص صريح من الرسول ﷺ بتغيير المنكر باليد.\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» (٣).\nوعن أنس بن مالك -﵁- قال: «كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي ابن كعب من فضيخ زهو تمر فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس فاهرقها فأهرقتها» (٤).\nوفي رواية لمسلم: «فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرة فاكسرها فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت» (٥).\nوعن عبد الله بن عمر –﵄-: قال: «خرج رسول الله ﷺ إلى المربد فخرجت معه فكنت عن يمينه، وأقبل أبو بكر فتأخرت له فكان عن يمينه وكنت عن يساره فأتى رسول الله ﷺ المربد، فإذا بزقاق على المربد فيها خمر. قال ابن عمر: فدعاني رسول الله ﷺ بالمدية، وما عرفت المدية إلا يومئذ، فأمر بالزقاق فشقت ثم قال لعنت الخمر وشاربها» (٦) الحديث.\nوفي رواية لابن عمر –أيضًا- قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن آتيه بمدية وهي الشفرة فأرهفت فأتيته بها فأرسل بها فأرهفت ثم أعطانيها وقال: اغد علي بها ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق خمر قد جلبت من الشام فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ثم أعطانيها، وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق إلا شققته ففعلت فلم أترك في أسواقها زقًا إلا شققته» (٧).\nفهذه الأحاديث دليل واضح بالقول والفعل من الرسول ﷺ وصحابته على تغيير المنكر باليد. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٥١١\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٧٨).\n(٢) رواه مسلم (٤٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وليس من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٢٢٢٢).\n(٤) رواه البخاري (٥٥٨٢)، ومسلم (١٩٨٠).\n(٥) رواه مسلم (١٩٨٠).\n(٦) رواه أحمد (٢/ ٧١) (٥٣٩٠)، والطبراني (١٠/ ٩٢) (١٠٠٧٦)، والبيهقي (٨/ ٢٨٧) (١٧٧٩٨). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٥٦): رواه كله أحمد بإسنادين في أحدهما أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، وفي الآخر أبو طعمة وقد وثقه محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وضعفه مكحول، وبقية رجاله ثقات، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٧/ ٢٠٦): إسناده صحيح.\n(٧) رواه أحمد (٢/ ١٣٢) (٦١٦٥). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٥٦): رواه كله أحمد بإسنادين في أحدهما أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، وفي الآخر أبو طعمة وقد وثقه محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وضعفه مكحول، وبقية رجاله ثقات، وضعف إسناده الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ٣٦٥).","vol":"8","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2229>الفرع الأول: المنكرات التي يجوز إتلافها باليد</span>\nللناهي عن المنكر أن يتلف الأشياء العينية المحرمة مثل الأصنام المعبودة من دون الله بشتى أنواعها وأيًا كانت مادتها من خشب أو ذهب أو نحاس. فله تكسيرها وإتلافها وكذلك آلات اللهو بشتى أنواعها من عود وآلات موسيقية ونحو ذلك أو الأشرطة التي سجل فيها أغاني خليعة وموسيقى ماجنة ونحو ذلك. أو الصور الخليعة المحرمة فله طمسها أو تمزيقها وإتلافها.\nكل ذلك يجوز له تغييره باليد وإتلافه لكن عليه أن ينظر إلى قواعد الشرع قبل الإقدام على ذلك ومراعاة المصلحة فلا يخلف ذلك منكرًا أكبر منه ...\nقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن رجل كسر عودًا كان مع أمه لإنسان فهل يغرمه. أو يصلحه؟ قال:\nلا أرى عليه بأسًا أن يكسره ولا يغرمه ولا يصلحه. قيل فطاعتها؟ قال: ليس لها طاعة في هذا.\nوقال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن قوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا، فأخذ الشطرنج فرمى بها. قال: قد أحسن. قيل: فليس عليه شيء. قال: لا، قيل له: وكذلك إن كسر عودًا أو طنبوراَ؟ قال: نعم. وقال عبد الله: سمعت أبي – في رجل يرى مثل الطنبور أو العود أو الطبل أو ما أشبه هذا ما يصنع به؟ قال: إذا كان مكشوفًا فاكسره.\nوقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور الصغير يكون مع الصبي؟ قال يكسره أيضًا. قلت: أمر في السوق فأرى الطنبور تباع أأكسره؟ قال: ما أراك تقوى، إن قويت –أي فافعل- قلت أدعى لغسل الميت فأسمع صوت الطبل؟ قال إن قدرت على كسره وإلا فاخرج (١).\nوهذه الروايات عن الإمام أحمد –﵀- تفيد إنكار المنكر باليد، وكسر مثل هذه المنكرات وإزالتها. وهذه مبنية على أصل الشرع.\nفعن أبي الهياج الأسدي -﵁- قال: قال لي علي بن أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (٢).\nوعن ابن عباس –﵄- قال: «دخل النبي ﷺ البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال ﷺ أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة» (٣) الحديث.\nوفي رواية لابن عباس –أيضًا- «أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت» (٤) الحديث.\nفهذه الأحاديث وغيرها من النصوص تبين مشروعية إزالة المنكرات باليد، على أية صورة كانت الإزالة مما يناسب ذلك المنكر إما تغييرًا كليًا أو جزئيًا. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٥١٤\n_________\n(١) ذكر ذلك كله ابن القيم ﵀ «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» (ص: ٢٧٨، ٢٧٩).\n(٢) رواه مسلم (٩٦٩).\n(٣) رواه البخاري (٣٣٥١).\n(٤) رواه البخاري (٣٣٥٢).","vol":"8","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2230>الفرع الثاني: هل يضمن المنكر ما أتلفه</span>؟\nالمسألة خلافية بين العلماء فبعضهم يقول لا يضمن ما أتلفه؛ لأن ما أتلفه منكر ومحرم فثمنه حرام فلا ضمان عليه. وبعضهم يقول ما يزول به المنكر لا ضمان فيه وأما الباقي فيضمنه.\nذكر الخلال في كتابه بسنده عن أبي الحصين أن شريحًا أتي في طنبور فلم يقض فيه بشيء (١).\nوقال الخلال أخبرني محمد بن أبي هارون، أن يحيى بن يزدان أبا السفر حدثهم، أنه سأل أبا عبد الله عن رجل رأى في يد رجل عودًا، أو طنبورًا فكسره أصاب أو أخطأ وما عليه في كسره شيء؟ فقال قد أحسن وليس عليه في كسره شيء (٢).\nوقال ابن قدامة: وإن كسر صليبًا أو مزمارًا أو طنبورًا أو صنمًا لم يضمنه.\nوقال الشافعي: إن كان ذلك إذا فصل يصلح لنفع مباح، وإذا كسر لم يصلح لنفع مباح لزمه ما بين قيمته منفصلًا ومكسورًا. لأنه أتلف بالكسر ما له قيمة، وإن كان لا يصلح لمنفعة مباحة لم يلزمه ضمانه.\nوقال أبو حنيفة: يضمن. ولنا أنه لا يحل بيعه فلم يضمنه كالميتة. والدليل على أنه لا يحل بيعه قول النبي ﷺ: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» متفق عليه (٣) ..........\nوقال ابن عبد القوي في منظومته:\nولا غرم في دف الصنوج كسرته ... ولا صور أيضًا ولا آلة الدد\nوآلة تنجيم وسحر ونحوه ... وكتب حوت هذا وأشباهه أقدد\nوبيض وجوز للقمار بقدر ما ... يزيل عن المنكور مقصد مفسد\nولا شق زق الخمر أو كسر دنه ... إذا عجز الإنكار دون التقدد\nوإن يتأتى دونه دفع منكر ... ضمنت الذي ينقي بتغسيليه قد (٤)\nورأي ابن عبد القوي في هذه المسألة التفصيل.\n... والذي يظهر ... أن الاختلاف يتعلق بالمنكر نفسه فأحيانًا يكون كله منكرًا، وأحيانًا يجمع بين المنكر والمعروف. فإذا كان كله منكرًا كالعود –آلة الغناء- فهذا يكسر ولا ضمان فيه؛ لأنه مخصص لهذا الغرض فقط ولا يمكن الاستفادة منه بشيء آخر. وإن كان فيه من هذا وذاك فالأولى إزالة المنكر وترك ما عداه. فمثلًا: إذا كان فيه كتاب فيه فصول جيدة ولكن فيه فصل خبيث. فتمزق أوراق هذا الفصل ويترك الباقي. وكذلك الحال لو كان فيه مجلة فيها مقالات طيبة ولكن فيها صورة خليعة فتمزق هذه الصورة ويترك الباقي. ولكن ينبغي أن يعلم إذا كانت المصلحة تقتضي إتلاف الذي جمع بين المنكر والمعروف فإنه يتلف ولا ضمان.\nفعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يزن هذه الأمور بميزان الشرع ثم يمضي لتنفيذ أمر الله تعالى. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – بتصرف – ص ٥١٦\n_________\n(١) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الخلال (ص: ١٢٩).\n(٢) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الخلال (ص: ١٢٩).\n(٣) رواه البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١).\n(٤) «غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب» (١/ ٢٤٣ – ٢٥٥).","vol":"8","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2231>المطلب الثالث: شروط تغيير المنكر باليد وضوابطه</span>\n١ - أن يكون تغييره للمنكر خالصًا لوجه الله تعالى وليس هدفه من ذلك هو ردود فعل أو الانتقام أو التشفي أو نحو ذلك من حظوظ النفس.\n٢ - أن يتحقق من هذا المنكر وأنه يستحق التغيير أو الإتلاف.\n٣ - أن لا يتجاوز الحد المشروع إن كان من المنكرات التي يمكن إتلاف بعضها وترك البعض الآخر.\n٤ - أن يباشر ذلك بنفسه إن تيسر ذلك أو يستعين بمن هو أهل لذلك. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٥١٨\n٥ - القدرة وعدم ترتب مفسدة أكبر من جرائه، وفي مسألة التغيير للمنكر باليد خاصة إذا جعلنا ذلك لكل أحد وفي كل منكر فإن ذلك يجر من المفاسد الشيء الكثير جدا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه، مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق ويجلد الشارب، ويقيم الحدود، لأنه لو فعل ذلك لأفضى إلى الهرج والفساد، لأن كل واحد يضرب غيره ويدعي أنه استحق ذلك، فهذا ينبغي أن يقتصر فيه على ولي الأمر) هذا وقد نص غير واحد من أهل العلم على أنه إذا تطلب الأمر شهر سلاح فإن ذلك لا بد فيه من إذن السلطان لئلا يؤدي إلى فتنة فمسألة التغيير باليد مع وجود القدرة مشروطة بعدم ترتب مفسدة أكبر من جراء الاحتساب. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصوله وضوابطه وآدابه لخالد بن عثمان السبت ص ٣٣٢","vol":"8","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2233>تمهيد</span>\nمن أهم وسائل تغيير المنكر تغييره باللسان وذلك بتعريف الناس بالحكم الشرعي بأن هذا محرم ومنهي عنه. فقد يرتكب المنكر لجهله به. فيمكن تغيير المنكر عن طريق الوعظ والإرشاد والنصح والتخويف وتغليظ القول والتقريع والتعنيف ونحو ذلك، فلعله يقلع عن المنكر بسبب ذلك.\nولتغيير المنكر باللسان مراتب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يسلكها أولًا بأول؛ لأن الهدف الأساسي هو إصلاح الناس وليس إيذاؤهم. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٥١٩","vol":"8","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2234>المطلب الأول: التعريف</span>\nوذلك بأن يعرف مرتكب المنكر –إما بالمباشرة أو التعريض حسب الموقف- بأن هذا لا ينبغي أو حرام وأنت لست ممن يفعل ذلك بالقصد، فأنت أرفع من ذلك. ويبين له ذلك بالحكمة والرفق واللين حتى يقبل ولا ينفر.\nوقد ضرب الغزالي مثلًا لذلك قال فيه: (فإن المنكر قد يقدم عليه المقدم بجهله، وإذا عرف أنه منكر تركه كالسوادي يصلي ولا يحسن الركوع والسجود، فيجب تعريفه باللطف من غير عنف؛ وذلك لأن في ضمن التعريف نسبة إلى الجهل والحمق والتجهيل إيذاء، وقلما يرضى الإنسان بأن ينسب إلى الجهل بالأمور ولاسيما بالشرع. ولذلك ترى الذي يغلب عليه الغضب كيف أن تنكشف عورة جهله والطباع أحرص على ستر عورة الجهل. فنقول له إن الإنسان لا يولد عالمًا ولقد كنا أيضًا جاهلين بأمور الصلاة فعلمنا العلماء، ولعل قريتك خالية عن أهل العلم، أو عالمها مقصر في شرح الصلاة. وهكذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء، فإيذاء المسلم محذور كما أن تقريره على المنكر محذور. وليس من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول، ومن اجتنب محذور السكوت على المنكر واستبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه، فقد غسل الدم بالبول على التحقيق ...) (١).\n... ويختلف الأسلوب من شخص لآخر ومن وقت إلى وقت، فعلى الناهي عن المنكر أن يلبس لكل حالة لبوسها. ولابد في كل الحالات من عامل مشترك ألا وهو التعريف بالرفق واللين واللطف ولا سيما إذا كانت حال الواقع في المنكر مجهولة.\nولقد كان الرسول ﷺ إذا علم شخصًا ما قد وقع في محظور فإنه يخطب ويعمم ولا يخصص. كل ذلك من أجل أن لا يجرح شعور ذلك الشخص.\nفقد ورد عن عائشة –﵂- قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا كره من إنسان شيئًا قال: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا» (٢).\nوفي رواية «إذا بلغه عن الرجل شيء» الحديث (٣).\nوروى الخلال بسنده قال أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل أنه سمع أبا عبد الله يقول: والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجلًا مباينًا معلنًا بالفسق والردى فيجب عليك نهيه وإعلانه؛ لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة، فهذا لا حرمة له (٤).\nوقال أيضًا: أخبرني محمد بن علي الوراق قال: حدثني مهنا قال: قال أحمد بن حنبل، كان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون. يقولون مهلًا رحمكم الله (٥).\nفهذه الآثار تبين طريقة السلف ﵃ في النهي عن المنكر. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٥١٩\n_________\n(١) «إحياء علوم الدين». الغزالي م٣ (٧/ ٤٥) باختصار.\n(٢) لم أقف على لفظه من رواية عائشة ﵂، ولكن ذكره الغزالي في «إحياء علوم الدين» (٣/ ١٤٥)، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ١٧٩): أبو داود من حديث عائشة دون قوله: «وكان لا يعيره» ورجاله رجال الصحيح.\n(٣) رواه أبو داود (٤٧٨٨). وسكت عنه، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود»، وقال الوادعي في «الصحيح المسند» (١٦١٢): صحيح على شرط الشيخين.\n(٤) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الخلال (ص: ٨٠).\n(٥) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الخلال (ص: ٨٠).","vol":"8","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2235>المطلب الثاني: النهي بالوعظ والنصح والتخويف من الله تعالى</span>\nوهذه الدرجة تتعلق غالبًا في مرتكب المنكر العارف بحكمه في الشرع بخلاف الدرجة الأولى فهي في الغالب تستعمل للجاهل في الحكم.\nفهذا يستعمل معه أسلوب الوعظ والنصح والتخويف من الله تعالى ويذكر له آيات الترهيب والوعيد، ولكن بأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة يقول تعالى: ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: ١٢٥].\nويقول تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [عمران: ١٥٩].\nوحتى لو كان عارفًا لهذه النصوص فلها تأثيرها وهذا يعتبر ذكرى. والله يقول وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: ٥٥].\nويبين له ما أعد الله للطائعين، ويذكره بالموت وأنه ليس له وقت معين، بل يأتي بغتة، وربما جاء الإنسان وهو واقع في المعصية، فتكون خاتمته سيئة.\nويبين له أن هدفه من نصحه وإرشاده حبه له وخوفه عليه من عذاب يوم القيامة وأنه ما فعل ذلك إلا إشفاقًا عليه، حتى يطمئن له وتنفتح نفسه لسماع الموعظة وربما أعقب ذلك الإقلاع عما هو واقع به.\nوينبغي أن يتدرج مع المنهي في الأحوال التالية:\n١ - أن يذكر بعض النصوص من القرآن والسنة المخوفة للعاصين والمذنبين، وأقوال السلف في ذلك. ويختار من ذلك القصير شديد الوقع في النفس.\n٢ - تذكيره بالأمم والطوائف والأشخاص الذين وقعوا في المعصية وحل عليهم غضب الله وعذابه. والشواهد في الكتاب والسنة كثيرة جدًا.\n٣ - أن يذكره أن للذنوب سلبيات كثيرة، وأن ما يصيب الإنسان في نفسه وأهله وماله بسبب الذنوب.\nورد عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ «لا يزيد العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» (١).\nوقوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠].\nوغير ذلك من النصوص والآثار التي تبين عقوبة المعاصي في الدنيا والآخرة.\n٤ - محاولة ذكر الأدلة والشواهد الخصوصية إن كان يعرف ذنبه بشكل خاص. فإذا كان معروفًا بشرب الخمر ركز على عقوبة شارب الخمر والآثار الواردة في ذلك والعقوبات المترتبة عليه في الدنيا والآخرة. ثم ينتقل إلى الوعظ بشكل عام.\nوليحرص كل الحرص أن تكون الموعظة سرًا بينه وبينه حتى لا تأخذه العزة بالإثم فيرفض قبولها، وحتى يعلم بحق أنه ليس للناهي هدف سوى النصيحة والإشفاق عليه فقط.\nذكر ابن عبد البر في كتابه بهجة المجالس: عن مسعر بن كدام قال: (رحم الله من أهدى إلي عيوبي في ستر بيني وبينه فإن النصيحة في الملأ تقريع) (٢).\nوروى الحافظ أبو نعيم في الحلية –بسنده- عن مرة بن شرحبيل قال: سئل سلمان بن ربيعة عن فريضة فخالفه عمرو بن شرحبيل. فغضب سلمان بن ربيعة ورفع صوته فقال عمرو بن شرحبيل: والله لكذلك أنزلها الله تعالى فأتيا أبا موسى الأشعري فقال: القول ما قاله أبو ميسرة. وقال لسلمان ينبغي لك أن لا تغضب إن أرشدك رجل. وقال لعمرو: قد كان ينبغي لك أن تساوره يعني تساوره ولا ترد عليه والناس يسمعون (٣).\nفينبغي للناهي عن المنكر أن يستخدم السبل التي تعين صاحب المنكر على أن يقلع عن معصيته. والله أعلم. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٥٢١\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٣٢٦٤)، وأحمد (٥/ ٢٧٧) (٢٢٤٤٠)، والحاكم (١/ ٦٧٠). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسن إسناده البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٤/ ١٨٧)، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٢٨٩): إسناده صحيح، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٤٠٩): [رواته] كلهم ثقات، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» دون قوله: «وإن الرجل».\n(٢) «بهجة المجالس» ابن عبد البر (١/ ٤٧).\n(٣) «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» م٢ (٤/ ١٤٢، ١٤٣).","vol":"8","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2236>المطلب الثالث: الغلظة بالقول</span>\nوهذه المرتبة يلجأ إليها بعد استخدامه الأسلوب السهل اللين القريب. وبعد معرفته أن أسلوب اللين لم يجد عند ذلك يغلظ له القول ويشدد عليه ويزجره مع مراعاة قواعد الشرع في ذلك.\nفإذا أمن شره فإنه يقوم بذلك ولكن لا يقول إلا حقًا.\nوهذا الأسلوب قد استعمله أبو الأنبياء عليه وعليهم السلام. يقول الله تعالى حكاية عنه أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ٦٧].\nفيقول اتق الله أما تخاف الله أما تستحيي ألا تعرف أن فعلك هذا فعل الفساق والفجار، وهكذا، فلعله ينزجر.\nوينبغي للناهي أن لا يطلق لسانه في كل ما يرد عليه، بل يحاسب نفسه على كلمة ستخرج منه، وفي الوقت نفسه عليه أن لا يتعدى، فإذا علم أن صاحبه استجاب أو أقلع وقف. وشكره على استجابته كأن يقول: جزاك الله خيرًا وبارك فيك.\nيقول الغزالي ولهذه الدرجة أدبان:\nأحدهما: أن لا يقدم عليها إلا عند الضرورة والعجز عن اللطف.\nالثاني: أن لا ينطق إلا بالصدق ولا يسترسل فيه. فيطلق لسانه الطويل بما لا يحتاج إليه بل على قدر الحاجة .. (١). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٥٢٤\n_________\n(١) «إحياء علوم الدين» الغزالي م٣ (٧/ ٤٧).","vol":"8","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2237>المطلب الرابع: التهديد والتخويف</span>\nوهذه المرتبة هي آخر المحاولات لنهيه باللسان ويعقبها بعد ذلك إيقاع الفعل.\nفيقال له: ... لأخبرن بك السلطات لتسجنك وتعاقبك على فعلك.\nوهكذا يورد عليه بعض أساليب التخويف والتهديد ولكن ينبغي أن يكون هذا التهديد والتخويف في حدود المعقول عقلًا وشرعًا حتى يعرف أنك صادق في تهديدك؛ لأنك لو هددته بأمور غير جائزة شرعًا عرف أنك غير جاد؛ لأن الآمر يجب أن يكون أقرب الناس استجابة لشرع الله تعالى.\nفلا يقول له: إن لم تنته سوف أحرق بيتك بمن فيه وأسلب مالك وأفعل وأفعل. من أمور لا تجوز شرعًا.\nيقول الغزالي: ولا يهدد بوعيد لا يجوز له تحقيقه كقوله لأنهبن دارك أو لأضربن ولدك أو لأسبين زوجتك وما يجري مجراه بل إن ذلك إن قاله عن عزم فهو حرام وإن قاله من غير عزم فهو كذب ... (١).\nهذه هي مراتب الإنكار باللسان فعلى الناهي أن يسلك هذه المراتب عند نهيه مرتبة مرتبة، ولا ينتقل من مرتبة قبل أختها؛ لأن المقصود إصلاح هذا المسلم الذي وقع في منكر، وليس المقصود الانتقام منه أو الانتصار عليه. فإن انتهى عند المرتبة الأولى فهو المطلوب وإلا انتقل للتي تليها وهكذا. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٥٢٤\n_________\n(١) «إحياء علوم الدين» م٣ (٧/ ٥٠).","vol":"8","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2239>المطلب الأول: أهمية التغيير بالقلب</span>\nالمنكر لا تقره الشريعة بأي حال من الأحوال، فلابد من تغييره ولكن تغييره على مراتب.\nولما كان الناس يختلفون في قدراتهم الجسمية والعقلية وغير ذلك. فإن الشارع الحكيم رتب إنكار المنكر على حسب قدرة الشخص، ولكن لا يعذر أحد من المكلفين بترك الإنكار مهما يكن من أمر.\nفيجب عليه أن يغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أقل الأحوال؛ لأن كل إنسان يستطيع ذلك ومن هو الذي لا يقدر على الإنكار بالقلب إلا رجل قد مرض قلبه وانتكس فهذا أمره أشد من قضية الإنكار بالقلب.\nوالأصل في هذا الحكم. ما رواه الإمام مسلم بسنده عن النبي ﷺ قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (٢) الحديث.\nوقد ذكر الإمام النووي في شرح مسلم كلام القاضي عياض –﵀- فقال: هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولًا كان أو فعلًا، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر بنفسه. أو يأمر من يفعله، وينزع المغصوبات ويردها إلى أصحابها بنفسه أو بأمره إذا أمكنه، ويرفق جهده بالجاهل وبذي العزة الظالم المخوف شره. إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله. كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى، ويغلظ على المتمادي في غيه والمسرف في بطالته إذا أمن أن يؤثر إغلاظه منكرًا أشد مما غيره لكون جانبه محميًا عن سطوة الظالم فإن غلب على ظنه أن تغييره يسبب منكرًا أشد منه من قتله أو قتل غيره بسبب كف يده، واقتصر على القول باللسان والوعظ والتخويف. فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غير بقلبه وكان في سعة وهذا هو المراد بالحديث إن شاء الله تعالى. وإن وجد من يستعين به على ذلك استعان ما لم يؤد ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، وليرفع ذلك إلى من له الأمر إن كان المنكر من غيره، أو يقتصر على تغييره بقلبه هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين خلافًا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال، وإن قتل ونيل منه كل أذى، هذا آخر كلام القاضي –﵀- (٣).\nومن كان في قلبه حياة وليس في مقدوره أن يغير المنكر بيده ولا بلسانه فعليه أن يكره هذا المنكر ويعلم الله من قلبه الصدق والعزيمة على تمني زوال هذا المنكر ولولا المانع لأزاله.\nقيل لابن مسعود -﵁-: من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا (٤).\nفالذي لا يأمر بالمعروف ولا ينكر المنكر بأدنى درجاته فهو ميت القلب.\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٥٠).\n(٣) «صحيح مسلم بشرح النووي» م١ (٢/ ٢٥).\n(٤) «الأمر بالمعروف» لابن تيمية (ص: ١٨).","vol":"8","page":236},{"text":"وعندما تكلم يحيى بن معاذ الرازي يومًا في الجهاد وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالت له امرأة: هذا واجب وضع عنا فقال: هبي أنه وضع عنكن سلاح اليد واللسان فلم يوضع عنكن سلاح القلب فقالت له صدقت جزاك الله خيرًا (١). فإن سلاح اللسان لا يسقط عن المرأة فعليها أن تنكر على من تستطيع الإنكار عليه من أقاربها الرجال وأما النساء فعليها الإنكار عليهن بصفة عامة. ولهذا شواهد:\nورد عن عائشة أم المؤمنين –﵂- أنها رأت امرأة بين الصفا والمروة عليها خميصة من صلب –أي ثوب عليه خطوط متصالبة- فقالت عائشة: «انزعي هذا من ثوبك فإن رسول الله ﷺ إذا رآه في ثوب قضبه» (٢).\nوأما بالنسبة للإنكار على الرجال:\nفقد ورد أن عائشة –﵂- رأت أخاها عبد الرحمن يسرع في الوضوء ليدرك الصلاة على سعد بن أبي وقاص. فقالت: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للأعقاب من النار».\nولا شك أن إنكار المرأة بقلبها على الرجال هو الغالب وعلى النساء في بعض الحالات بخلاف الرجل فإن إنكاره في قلبه مقيد بظروف معينة، وهي عدم مقدرته على الإنكار باليد واللسان فيجب على المسلم أن يعلم أنه لا يعذر بحال بترك الإنكار بقلبه عند عجزه عن الإنكار باليد واللسان. وإذا كان قلبه لا يتحرك عند رؤيته للمنكر فعليه أن يعلم أن قلبه مريض ويحتاج إلى علاج. وأما إذا علم صدق نيته بقلبه في بغضه للمنكر وتمني زواله فإن الله ﷾ يعطيه مثل أجر القادر عليه وعلى أسوأ الأحوال فإنه لا يأثم بتركه ذلك.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀- فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهته فينبغي أن تكون كاملة جازمة لا توجب نقص ذلك إلا بنقص الإيمان. وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل .. (٣). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٥٠٧\n_________\n(١) «إعلام الموقعين» لابن القيم.\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٢٢٥) (٢٥٩٢٣). قال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.\n(٣) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ابن تيمية تحقيق صلاح الدين المنجد (ص: ٢٣).","vol":"8","page":237},{"text":"المطلب الثاني: حقيقة الإنكار بالقلب (١)\nيغلط البعض فيظن أنه ما دام كارهًا للمنكر فلا بأس عليه بمخالطة فاعله والجلوس معه حال مواقعته المنكر .. أو البقاء في مكان فيه منكر في الشرع وهذا مخالف لما دل عليه القرآن والسنة. قال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ [النساء: ١٤٠] وهذا نهي صريح عن مجالستهم حال مواقعتهم لهذا المنكر .. فما دام لا يقدر على الإنكار باليد أو اللسان فلا بد إذًا من مفارقته للمنكر .. هذا هو الصحيح (٢).\nقال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي –﵀- عند هذه الآية: (وكذلك يدخل فيه حضور مجالس المعاصي والفسوق التي يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه، وتقتحم حدوده التي حدها لعباده. ومنتهى هذا النهي عن القعود معهم حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي: غير الكفر بآيات الله ولا الاستهزاء بها.\nإِنَّكُمْ إِذًا أي إن قعدتم معهم في الحال المذكور (مثلهم) لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها، والحاصل أن من حضر مجلسًا يعصى الله به فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم مع القدرة، أو القيام مع عدمها) (٣). ا. هـ.\nوقال القرطبي –﵀- عند هذه الآية: (.. فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر، قال الله ﷿: إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية .. وإذا ثبت تجنب أهل المعاصي فتجنب أهل البدع والأهواء أولى ..) (٤) ا. هـ.\nوقال البخاري –﵀-: (باب: هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة؟).\nثم قال: ورأى ابن مسعود صورة في البيت فرجع (٥).\n_________\n(١) «الآداب الشرعية» (١/ ٣٠٨)، «تنبيه الغافلين» (ص: ١٠٦ - ١٠٩)، «التشريع الجنائي» (١/ ٤٩٧).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٠٤، ٢٢١، ٢٢٢، ٢٣٩).\n(٣) «تفسير السعدي» (٢/ ٩٣ - ٩٤).\n(٤) «القرطبي» (٥/ ٤١٨)، وانظر «القاسمي» (٥/ ٥٢٤ - ٥٢٧)، «الظلال» (٥/ ٢٦١ - ٢٦٢)، «الحلال والحرام» (ص: ٧٣).\n(٥) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث رقم (٥١٨١). قال ابن حجر في «فتح الباري» (٩/ ٢٤٩): كذا في رواية المستملي والأصيلي والقابسي وعبدوس، وفي رواية الباقين أبو مسعود والأول تصحيف فيما أظن فأنني لم أر الأثر المعلق إلا عن أبي مسعود عقبة بن عمرو وأخرجه البيهقي - (٧/ ٢٦٨) (١٤٩٥٩) - من طريق عدي بن ثابت عن خالد بن سعد عن أبي مسعود: (أن رجلا صنع طعامًا فدعاه فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم؛ فأبى أن يدخل حتى تكسر الصورة). وسنده صحيح. وخالد بن سعد هو مولى أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري ولا أعرف له عن عبد الله بن مسعود رواية ويحتمل أن يكون ذلك وقع لعبد الله بن مسعود أيضًا لكن لم أقف عليه. اهـ. وانظر: «تغليق التعليق» (٤/ ٤٢٣ - ٤٢٤).","vol":"8","page":238},{"text":"ودعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت سترًا على الجدار. فقال ابن عمر: غلبنا عليه النساء. فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعامًا. فرجع (١) (٢).\n«ثم ساق بسنده من حديث عائشة أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهة فقلت: يا رسول الله: أتوب إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنبت. فقال رسول الله ﷺ ما بال هذه النمرقة؟ قالت: فقلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها. فقال رسول الله ﷺ إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة .. ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» (٣).\nوقال ابن ماجه: (باب إذا رأى الضيف منكرًا رجع). وذكر حديث علي ﵁ قال: (صنعت طعامًا فدعوت رسول الله ﷺ فجاء فرأى في البيت تصاوير فرجع) (٤).\nوأورده أيضًا من حديث سفينة، أبي عبد الرحمن، قال: «إن رجلًا أضاف علي بن أبي طالب فصنع له طعامًا، فقالت فاطمة: لو دعونا النبي ﷺ فأكل معنا، فدعوه فجاء، فوضع يده على عضادتي الباب، فرأى قرامًا في ناحية البيت فرجع. فقالت فاطمة لعلي: الحق، فقل له ما رجعك يا رسول الله؟ قال: إنه ليس لي أن أدخل بيتًا مزوقًا» (٥).\nوقد ذهب الإمام أحمد –﵀- إلى أنه يخرج من الوليمة إذا وجد جدران البيت قد سترت، وكذا إذا استعمل صاحب الوليمة آنية الفضة أو الذهب، أو رأى في البيت شيئًا من ذلك المستعمل (٦).\nقال المروذي: (قلت لأبي عبد الله: فالرجل يدعى فيرى مكحلة رأسها مفضض؟ قال: هذا يستعمل، وكل ما استعمل فاخرج منه ..) (٧).\nوقال المروذي: (سألت أبا عبد الله عن الرجل يدعى فيرى فرش ديباج، ترى أن يقعد عليه أو يقعد في بيت آخر؟! قال: يخرج، قد خرج أبو أيوب وحذيفة) (٨).\nوجاء عن أبي مسلم الخولاني –﵀- أنه انصرف إلى منزله فإذا هو بالبيت قد ستر، فقال: إن بيتكم هذا ليجد القر فأدفئوه، وإلا فلا أبرح حتى تنزعوه، فنزعوا الستور ثم دخل (٩).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀-: (وروى أبو بكر الخلال بإسناده عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان أتى بيتًا فرأى فيه حارستان، فيه أباريق الصفر والرصاص فلم يدخله وقال: من تشبه بقوم فهو منهم –وفي لفظ آخر: فرأى شيئًا من زي العجم فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم).\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث رقم (٥١٨١). قال ابن حجر في «فتح الباري» (٩/ ٢٤٩): وصله أحمد في كتاب «الورع» ومسدد في مسنده ومن طريقه الطبراني .. ووقع لنا من وجه آخر من طريق الليث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سالم بمعناه. اهـ. وانظر: «تغليق التعليق» (٤/ ٤٢٤ - ٤٢٥).\n(٢) «نزهة الفضلاء» (١/ ١٧١).\n(٣) رواه البخاري (٢١٠٥)، ورواه مسلم (٢١٠٧).\n(٤) رواه ابن ماجه (٢٧٢٤). قال البزار في «البحر الزخار» (٢/ ١٥٧): من أحسن إسناد يروى عن علي، وإسناده صحيح، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٦/ ٣٣١): إسناد رجاله رجال الصحيح وله شواهد، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٥) رواه أبو داود (٣٧٥٥)، وابن ماجه (٢٧٢٥)، وأحمد (٥/ ٢٢١) (٢١٩٧٦). قال العراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ٢٩٣): إسناده جيد، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٢٨٨) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٦) «الورع» (باب: أي شيء يخرج من الوليمة) (ص: ١٣٧). وفي «كشاف القناع» (٥/ ١٧٠ - ١٧١).\n(٧) «الورع» (ص: ١٣٧).\n(٨) «الورع» (ص: ١٣٨).\n(٩) «الورع» (ص: ١٣٩).","vol":"8","page":239},{"text":"وقال علي بن أبي صالح السواق: (كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل، فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج، فلحقه صاحب الدار، فنفض يده في وجهه وقال: زي المجوس، زي المجوس) (١).\nوقال في رواية صالح: (إذا كان في الدعوة مسكر أو شيء من آنية المجوس: الذهب والفضة، أو ستر الجدران بالثياب، خرج ولم يطعم) ا. هـ (٢).\nوقال إبراهيم الحربي: (وكان –أي الإمام أحمد- إن رأى إناء فضة أو منكر خرج ..) (٣).\nوقال أبو محمد بن تميم الحنبلي –﵀- عند ذكره لعقيدة الإمام أحمد: .. وكان يتحرج أن يدخل إلى دار فيها صور، أو دعوة فيها لهو أو غناء أو جنازة يتبعها نوح أو مزمار، فإذا حضرها لم يرجع عنها. (أي الجنازة) (٤).\nوأخرج ابن جرير بإسناد صحيح عن هشام بن عروة قال: أخذ عمر بن عبد العزيز قومًا على شراب، فضربهم وفيهم صائم. فقالوا: إن هذا صائم فتلا: فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ [النساء: ١٤٠] (٥).\nوقال الحافظ عند شرحه لحديث عائشة –﵂- في الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف بهم: (قال المهلب: في هذا الحديث أن من كثر سواد قوم في المعصية مختارًا أن العقوبة تلزمه معهم. قال: واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر وإن لم يشرب) (٦). ا. هـ.\nوقال الإمام مالك –﵀-: (لا ينبغي المقام بأرض يعمل فيها بغير الحق والسب للسلف الصالح، وأرض الله واسعة، لقد أنعم الله على عبد أدرك حقًا فعمل به) (٧) (٨).\nسئل الشيخ محمد بن إبراهيم –﵀- عن وجوب الهجرة من بلاد المسلمين التي يحكم فيها بالقانون فأجاب: (البلد التي يحكم فيها بالقانون ليست بلد إسلام. تجب الهجرة منها، وكذلك إذا ظهرت الوثنية من غير نكير ولا غيرت فتجب الهجرة، فالكفر بفشو الكفر وظهوره هذه بلد كفر.\nأما إذا كان قد يحكم فيها بعض الأفراد أو وجود كفريات قليلة لا تظهر، فهي بلد الإسلام.\nما الذي سلط الأعداء على المسلمين؟\nإذا كان نفس الشيء الذي نقمه الرسول هو المقدم عندهم، واستغنوا باسم الإسلام وصلاة ونحو ذلك.\nإن في القرآن والسنة الشفاء والبيان.\nشيء واضح بينه القرآن ووضحه في عدة مواضع أن المشركين مقرين بالربوبية، ثم آيات أخر عينت الشيء الذي طلبوه، فهذا هو الذي أنكره القرآن عليهم من جهة العقيدة.\nولعلك أن تقول: لو قال من حكم القانون: أنا أعتقد أنه باطل.\nفهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان، وأعتقد أنها باطل.\nوإذا قدر على الهجرة من بلاد تقام فيها القوانين وجب ذلك) (٩).\nوسئل أيضًا عن بلد يحل أهلها البغاء فقال: (.. ينبغي الهجرة من بلد دون هذا، ويجب قتالهم حتى ينتهوا عن ذلك) (١٠).\nوله –﵀-: (من محمد بن إبراهيم إلى المكرم سلمه الله.\nالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد:-\nفقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن إنسان اضطرته ظروف الحياة إلى الاجتماع بأناس لا يصلون الصلوات الخمس، وكان يسكن معهم في محلهم، يأكلون جميعًا ويشربون، ويبيتون.\nوتسأل عن حكمهم، وحكم من يسكن معهم؟\n_________\n(١) هذه الرواية ذكرها شيخ الإسلام موجودة في «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٣٤).\n(٢) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٣١٨ - ٣١٩).\n(٣) «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٢٢٦).\n(٤) «طبقات الحنابلة» (٢/ ٢٧٨).\n(٥) «تفسير ابن جرير» رقم (١٠٧٠٩) (٩/ ٣٢١)، «الإبانة الكبرى» رقم (٥١٥).\n(٦) انظر: «الفتح» شرح الحديث رقم (٢١١٨) (٤/ ٢٤١).\n(٧) «الجامع» لابن أبي زيد (ص: ١٥٦).\n(٨) انظر: الكلام في الهجرة من أرض المعاصي في كتاب «الرفوع» (٦/ ١٩٦ - ١٩٨).\n(٩) «فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم» (٦/ ١٨٨).\n(١٠) «فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم» (٦/ ١٨٩).","vol":"8","page":240},{"text":"والجواب: لا حول ولا قوة إلا بالله. ما كنا نظن أن يوجد مثل هؤلاء بين ظهراني المسلمين .. والواجب عليهم الرجوع إلى الله والتوبة إليه، فإن التوبة تجب ما قبلها، وعلى جميع من يعلم بحالهم هذه أن ينصحهم ويكرر مناصحتهم، فإن لم يمتثلوا قام عليهم غيرة الله تعالى ورفع بأمرهم إلى ولاة الأمر، كما أن على ولاة الأمر القيام عليهم وإلزامهم بالصلاة وغيرها من شعائر الإسلام.\nوأما السكن معهم فلا يجوز للإنسان أن يسكن مع مثل هؤلاء، بل عليه أن يناصحهم فإن امتثلوا وإلا فيفارقهم ويلتمس رفقاء غيرهم ..) (١).\nمتى تجب مفارقة المنكر؟\nلا شك أن مفارقة المنكر أمر واجب على المستطيع لكن فرق بعض الفقهاء (فيما يتعلق بمفارقة مكان المنكر) بين كون المنكر في مكان لا يلحق من فارقه حرج وضرر ظاهر كناحية في السوق، أو دار صاحب الوليمة إذا وجد فيها شيء من المنكرات – وبين كون المنكر واقع من جار له في المنزل إذا كان يلحقه من الخروج ضرر ظاهر، ككون الدار ملكًا له. فيجوز له البقاء فيه مع متابعة النصح له –والله أعلم- (٢).\nأما من دعي إلى وليمة وهو يعلم أن فيها منكرًا لكنه لم يره ولم يسمعه فهل له الجلوس والأكل؟\nقال البهوتي –﵀- (له الجلوس والأكل نصًا، لأن المحرم رؤية المنكر أو سماعه ولم يوجد. وله الانصراف. فيخير لإسقاط الداعي حرمة نفسه بإيجاد المنكر) (٣).\nلكن قد يختلف الحكم إذا كان الرجل ممن يقتدى بمثله والمنكر في تلك الوليمة أو المناسبة مشتهر عند الناس ففي هذه الحالة قد لا يفهم الناس من جلوسه إلا الإقرار فعليه أن يفارق –والله أعلم-.\nهذا ولا يفهم من كون الإنكار بالقلب يقتضي مفارقة المنكر أن ندع بعض الأعمال المشروعة، أو قصد بعض ما يشرع قصده من الأماكن لوجود بعض المنكرات هناك .. فلا يهجر المسجد لكونه مزخرفًا مثلًا، أو كان أهله يسبلون ثيابهم.\nكما إذا اتبعت الجنازة، ثم جاء من يضرب بالدف، أو يظهر النياحة، فلا تدع ما أنت فيه لأجل هذا المنكر .. وقد كان الإمام أحمد –﵀- إذا حضر جنازة ثم ظهر هناك بعض المنكرات لم يرجع عنها ويقول كما قال الحسن لابن سيرين: لا ندع حقًا لباطل (٤). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: ٣٣٥\n_________\n(١) «فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم» (٦/ ١٨٩).\n(٢) «كشاف القناع» (٥/ ١٧٠).\n(٣) «كشاف القناع» (٥/ ١٧٠).\n(٤) «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٧٨).","vol":"8","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2241>المطلب الثالث: فوائد الإنكار بالقلب وثمراته</span>\n١ - أنه أقل درجات الإنكار المطلوبة وبه يسلم المرء من العقوبة.\n٢ - هذا الإنكار القلبي يدل على عدم الرضا بالمنكر وكراهيته والنفور منه، وقد جاء عن عرس بن عميرة الكندي –﵁ أن النبي ﷺ – قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها – وفي رواية – فأنكرها – كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» (١). وجاء في حديث أم سلمة –﵂- مرفوعًا: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع ...» (٢).\n٣ - حفظ حيوية القلب وصفائه، فإن القلب يتأثر بكثرة رؤية المنكرات، وقد يألفها إذا لم ينكرها، وتذهب حساسية القلب تجاهها فلا يصير يتألم لرؤيتها.\n٤ - أن هذا الإنكار القلبي يعني الرفض للمنكر والتربص به، فصاحبه –أي الإنكار بالقلب- عازم على تغييره بمجرد استطاعته. قال سيد – ﵀ -: وليس هذا موقفًا سلبيًا من المنكر – كما يلوح في بادئ الأمر – وتعبير الرسول – ﷺ بأنه تغيير دليل على أنه عمل إيجابي في طبيعته.\nفإنكار المنكر بالقلب معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر .. إنه ينكره ويكرهه ولا يستسلم له، ولا يعتبره الوضع الشرعي الذي يخضع له ويعترف به .. وإنكار القلوب لوضع من الأوضاع قوة إيجابية لهدم هذا الوضع المنكر، ولإقامة الوضع (المعروف) في أول فرصة تسنح، وللتربص بالمنكر حتى تواتي هذه الفرصة .. وهذا كله عمل إيجابي في التغيير .. وهو على كل حال أضعف الإيمان.\nفلا أقل من أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان، أما الاستسلام للمنكر لأنه واقع. ولأن له ضغطًا – قد يكون ساحقًا – فهو الخروج من آخر حلقة، والتخلي حتى عن أضعف الإيمان، هذا وإلا حقت على المجتمع اللعنة التي حقت على بني إسرائيل ا. هـ (٣). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ٣٤٣\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣٤٥)، والطبراني (١٧/ ١٣٩) (١٤٠٣٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٨٤) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصحح إسناده أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٧١٦)، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن.\n(٢) رواه مسلم (١٨٥٤).\n(٣) «الظلال» (٦/ ٢٥٩).","vol":"8","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2243>المطلب الأول: تعريف الهجر لغةً وشرعًا</span>\nقال الجوهري: الهجر: ضد الوصل. والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية.\nوالتهاجر: التقاطع. والهجرتان: هجرة إلى الحبشة وهجرة إلى المدينة (١).\nوالهجر الشرعي نوعان:\nالأول: بمعنى الترك للمنكرات. ومنه قوله تعالى وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ [النساء: ١٤٠].\nقال ابن كثير: أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ بها وأقررتموهم على ذلك فقد شاركتموهم في الذي هم فيه (٢).\nومنه قوله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٦٨].\nقال القرطبي -﵀-: والخطاب مجرد للنبي ﷺ وقيل إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه وهو الصحيح. فإن العلة سماع الخوض في آيات الله وذلك يشملهم وإياه ..\nودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرًا علم أنه لا يقبل منه فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه (٣).\nوورد في حديث جابر بن عبد الله -الطويل- وفيه «.. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر» (٤) الحديث.\nومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.\nومنه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم –﵇- فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت: ٢٦].\nقال القرطبي: وهو أول من هاجر من أرض الكفر (٥).\nوقال القرطبي أيضًا حول قوله تعالى: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً [الأنفال: ٢٥].\nقال علماؤنا: فالفتنة إذا عمت هلك الكل، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها. وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم .. وبهذا قال السلف ﵃ (٦).\nالثاني: الهجر على وجه التأديب والعقوبة، وهو هجر أهل المعاصي والمنكرات والمخالفات وهو بمنزلة التعزير، ويفعله إذا رآه أقوى في نفسية الفاعل من التغيير باليد واللسان أو إذا عجز عن التغيير باليد واللسان.\nفإذا أظهر الإنسان المكلف معصيته أو عرف بها وأصر عليها سواء أكانت هذه المعصية فعلية أم قولية أم اعتقادية فمن السنة هجره، فالهاجر يثاب عليه؛ لأنه من أجل الله تعالى.\n_________\n(١) «الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية» الجوهري (٢/ ٨٥١).\n(٢) «تفسير القرآن العظيم» (١/ ٥٦٦، ٥٦٧).\n(٣) «الجامع لأحكام القرآن» م٤ (٧/ ١٢).\n(٤) رواه الترمذي (٢٨٠١) بلفظ: «يدار عليهم الخمر» بدلًا من «يشرب عليها الخمر»، وأحمد (٣/ ٣٣٩) (١٤٦٩٢)، والدارمي (٢/ ١٥٣) (٢٠٩٢)، والحاكم (٤/ ٣٢٠)، وأبو يعلى في «المسند» (٣/ ٤٣٥) (١٩٢٥)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/ ٦٩) (٢٥١٠). قال الترمذي: حسن غريب [فيه] ليث بن أبي سليم كان يرفع أشياء لا يرفعها غيره فلذلك ضعفوه، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٥) «الجامع لأحكام القرآن» م٧ (١٣/ ٣٣٩).\n(٦) «الجامع لأحكام القرآن» القرطبي م٤ (٧/ ٣٩٢) باختصار.","vol":"8","page":243},{"text":"وقد هجر النبي ﷺ كعبًا وصاحبيه وأمر الصحابة بهجرهم خمسين يومًا. وهجر نساءه شهرًا. وهجرت عائشة –﵂- ابن أختها عبد الله بن الزبير –﵄- مدة.\nورد عن كعب بن مالك –وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم- «أنه لم يتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط غير غزوتين غزوة العسرة وغزوة بدر. قال: فأجمعت صدق رسول الله ﷺ ضحى، وكان قلما يقدم من سفر سافره إلا ضحى. وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين، ونهى النبي ﷺ عن كلامي وكلام صاحبي ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا. فاجتنب الناس كلامنا. فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر وما من شيء أهم إلى من أن أموت فلا يصلي علي النبي ﷺ أو يموت الرسول ﷺ فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلى علي فأنزل الله توبتنا على نبيه ﷺ حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله ﷺ عند أم سلمة ..» (١) الحديث.\nفهذا الحديث يثبت هجر رسول الله ﷺ لبعض الصحابة والصحابة لهم. ومن ناحية أخرى يثبت كيف كان لهذا الهجر الأثر الكبير في تركهم للمعروف وفعلهم للمنكر في ترك الرسول ﷺ وعدم الخروج معه.\nوورد أن عائشة –﵂- حدثت أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: «والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها. فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم. قالت: هو لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدًا فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة. فقالت: والله لا أشفع فيه أبدًا ولا أتحنث إلى نذري. فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث –وهما من بني زهرة- وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي. فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى اتسأذنا على عائشة فقالا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم –ولا تعلم أن معهم ابن الزبير- فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا كلمته وقبلت منه. ويقولان إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجرة فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد. فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة. وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها» (٢).\nوروي عن الإمام أحمد قال: إذا علم أنه مقيم على معصيته وهو يعلم بذلك لم يأثم إن هو جفاه حتى يرجع وإلا كيف يتبين للرجل ما هو عليه إذا لم ير منكرًا ولا جفوة من صديق (٣).\nوورد عن سفيان الثوري أنه قال لعلي بن الحسن السليمي:\nإياك وما يفسد عليك عملك وقلبك، فإنما يفسد عليك قلبك أهل الدنيا وأهل الحرص وإخوان الشياطين الذين ينفقون أموالهم في غير طاعة الله، وإياك وما يفسد عليك دينك فإنما يفسد عليك دينك مجالسة ذوي الألسن المكثرين للكلام، وإياك وما يفسد عليك معيشتك، فإنما يفسد عليك معيشتك أهل الحرص وأهل الشهوات، وإياك ومجالسة أهل الجفاء، ولا تصحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي، ولا تصحب الفاجر ولا تجالسه ولا تجالس من يجالسه، ولا تؤاكله ولا تؤاكل من يؤاكله ولا تحب من يحبه، ولا تفشي إليه سرك ولا تبتسم في وجهه ولا توسع له في مجلسك فإن فعلت شيئًا من ذلك فقد قطعت عرى الإسلام. وإياك وأبواب السلطان وأبواب من يأتي أبوابهم وأبواب من يهوى هواهم، فإن فتنتهم مثل فتنة الدجال ... (٤).\nفمن خلال النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والآثار يتبين لنا مشروعية الهجر، وأنه سنة يثاب عليها الإنسان إذا كان ذلك لله تعالى. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرهما في حفظ الأمة لعبد العزيز المسعود – ص ٥٣٠\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٦٧٧).\n(٢) رواه البخاري (٦٠٧٤).\n(٣) «الآداب الشرعية في المنح المرعية». ابن مفلح (١/ ٢٥٨).\n(٤) «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» م٤ (٧/ ٤٧).","vol":"8","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2244>المطلب الثاني: أنواع الهجر</span>\nالنوع الأول: الهجر كلية. ويكون ذلك للكفار فلا يجالسهم ولا يسلم عليهم ولا يؤاكلهم ولا يشاربهم فلا علاقة معهم مطلقًا.\nيقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١].\nويقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء [الممتحنة: ١].\nويقول تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة: ٢٢] الآية.\nوغير ذلك من النصوص التي تفيد وجوب هجر الكفار وتركهم وعدم محبتهم مهما كانوا، حتى ولو كانوا من الأقربين.\nالنوع الثاني: هجر كلي لمدة مؤقتة كشهر أو شهرين أو أقل أو أكثر حسب ما تقتضيه مصلحة صلاحه. كما فعل النبي ﷺ وصحابته مع الثلاثة الذين خلفوا.\nولما ورد في حديث عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم على بعض ثم قال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [المائدة: ٧٨ - ٨١] إلى قوله فاسقون» (١).\nفهؤلاء ذمهم الله تعالى رغم أنهم أمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ولكن لما أصروا على فعلهم لم يهجروهم بل آكلوهم وشاربوهم ولذلك عاتبهم الله.\nالنوع الثالث: هجر جزئي كأن يهجره في بعض جوانب التعامل فقط.\nمثل هجر الزوجة في المنام فقط لتأديبها.\nيقول تعالى: وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء: ٣٤].\nوالهجر: أن يوليها ظهره فلا ينام معها في فراش أو تحت لحاف واحد (٢).\nوفي المسند عن حكيم بن معاوية عن أبيه في حديثه الطويل قلت:\n«ما حق زوجة أحدنا عليه قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت» (٣). الحديث. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرهما في حفظ الأمة لعبد العزيز المسعود – ص ٥٣٥\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣٣٦)، ورواه الترمذي (٣٠٤٧)، وابن ماجه (٧٩٩)، وأحمد (١/ ٣٩١) (٣٧٣١). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن غريب، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ١٩٤): إسناده ثقات، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه عندهم، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٥/ ٢٦٨): إسناده ضعيف، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبو داود».\n(٢) انظر: «الكشاف» الزمخشري م١ (١/ ٢٤٤).\n(٣) رواه أبو داود (٢١٤٢)، وابن ماجه (١٨٥٠)، وأحمد (٤/ ٤٤٧) (٢٠٠٢٧)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣٧٣) (٩١٧١). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه النووي في «رياض الصالحين» (١٤٩) وابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٣٠١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصحح إسناده أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٢٧٧)، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.","vol":"8","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2245>المطلب الثالث: أقسام الناس بالنسبة للهجر</span>\nتختلف منزلة الناس من حيث المعصية فبعضهم كافر أو يصل إلى درجة الكفر، وبعضهم مبتدع وبعضهم عاص أو مخالف، إلى غير ذلك من هذه الأنواع، فالمسلم يجب أن يكون موقفه منهم بحسب معصيتهم، وسوف نورد أقسام الناس من حيث المعصية على النحو التالي:\nالقسم الأول: الكافر: فهذا يقاطع بالكلية وقد تحدثنا عن ذلك وذكرنا الأدلة عليه.\nالقسم الثاني: مبتدع: والمبتدع ينقسم إلى قسمين:\nأ- مبتدع يدعو إلى بدعته، فهذا يجب هجره ومقاطعته.\nقال الإمام أحمد –﵀-: ويجب هجر من كفر أو فسق ببدعة أو دعا إلى بدعة مضلة أو مفسقة على من عجز عن الرد عليه أو خاف الاغترار به دون غيره، وقيل: يجب هجره مطلقًا وهو ظاهر كلام الإمام أحمد -﵁- السابق. وقطع ابن عقيل به في معتقده قال: ليكون ذلك كسرًا له واستصلاحًا (١).\nوقال الخلال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق الثقفي النيسابوري أن أبا عبد الله سئل عن رجل له جار رافضي يسلم عليه؟ قال: لا وإن سلم لا يرد عليه (٢).\nوقد ورد عن النبي ﷺ أخبار تفيد ذلك منهما:\nما رواه جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله. إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم» (٣).\nوروى الإمام أحمد بسنده عن عمر بن الخطاب -﵁- عن النبي ﷺ قال: «لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم» (٤).\nوعن ابن عباس -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية» (٥).\nوعن حذيفة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم وهم شيعة الدجال ..» (٦) الحديث.\nوفي رواية لأبي داود أيضًا «وإن ماتوا فلا تشهدوهم» (٧).\nفهذه الأحاديث تفيد مقاطعة أهل البدع والضلالات والأهواء الذين يدعون إليها ويصرون عليها.\n_________\n(١) «الآداب الشرعية» ابن مفلح (١/ ٢٦٨).\n(٢) «الآداب الشرعية» ابن مفلح (١/ ٢٦٨).\n(٣) رواه ابن ماجه (٧٥)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٣٢٨)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٤/ ٣٦٨) (٤٤٥٥). صححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» دون جملة التسليم.\n(٤) رواه أحمد (١/ ٣٠) (٢٠٦)، والحديث رواه أبو داود (٤٧١٠)، وابن حبان (١/ ٢٨٠) (٧٩). والحديث سكت عنه أبي داود، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١٠٤) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ١١٢)، وصححه الحكمي في «معارج القبول» (٣/ ٩٥٧).\n(٥) رواه الترمذي (٢١٤٩)، وابن ماجه (١٠). قال الترمذي: وهذا حديث غريب حسن صحيح، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ١٣): إسناده ضعيف، وقال ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١٠٠): غريب، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه».\n(٦) رواه أبو داود (٤٦٩٢)، وأحمد (٥/ ٤٠٦) (٢٣٥٠٣)، والبيهقي (١٠/ ٢٠٣) (٢١٣٩٢). والحديث سكت عنه أبو داود، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع الصغير» (٤٧١٢).\n(٧) رواها أبو داود (٤٦٩١)، وأحمد (٢/ ٨٦) (٥٥٨٤)، والبيهقي (١٠/ ٢٠٣) (٢١٣٩١). من حديث ابن عمر ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٨/ ٢٢٤): والراجح عندي أنه صحيح، وحسنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».","vol":"8","page":246},{"text":"ب- المبتدع العامي: وهو الجاهل بالبدعة التي اعتنقها فمثل هذا لا يقاطع بل يتابع ويبين له الحق ويوضح له بالسبل المناسبة لتفكيره فربما كانت عودته سهلة؛ لأن ميول الجاهل في الغالب عاطفية. وإن أصر للمرة الأولى والثانية فتواصل معه المحاولة فلعله يرجع وإن أصر بعد ذلك فيتبع بهم الهجر.\nقال الغزالي: المبتدع العامي الذي لا يقدر على الدعوة ولا يخاف الاقتداء به فأمره أهون فالأولى أن لا يقابح بالتغليظ والإهانة، بل يتلطف به في النصح فإن قلوب العوام سريعة التقلب. فإن لم ينفع النصح وكان الإعراض عنه تقبيحًا لبدعته، تأكد الاستحباب في الإعراض (١).\n٣ - القسم الثالث: مرتكب الكبيرة: فهذا يهجر حتى يدع تلك الكبيرة، ويكون هجره كليًا من قبل الشخص أو الأشخاص الذين يعلمون بفعله.\n٤ - القسم الرابع: مرتكب الصغيرة ويكون هجره جزئيًا في بعض جوانب الحياة.\n٥ - القسم الخامس: هجر المجتهد المخطئ في اجتهاده كأن يفعل أمرًا يعلم أنه مخطئ فيه ولكن خوفه من السلطان جعله يتأول أو يعرض وينجو من السلطان وقد هجر الإمام أحمد -﵁- جماعة ممن أجابوا في المحنة مثل يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما مع فخامة شأنهم (٢). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرهما في حفظ الأمة لعبد العزيز المسعود – ص ٥٣٨\n_________\n(١) انظر: «إحياء علوم الدين» الغزالي، مراتب الذين يبغضون في الله وكيفية معاملتهم (٢/ ١٦٩، ١٧٠).\n(٢) انظر: «غذاء الألباب» السفاريني (١/ ٢٥٧، ٢٥٨).","vol":"8","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2246>المطلب الرابع: الهجر المحرم</span>\nالهجر من الأمور الكبيرة. لذلك لا يجوز لمسلم أن يهجر أخاه المسلم إلا إذا تبين بحق أنه يستحق الهجر. وأما إذا كان مسلمًا عدلًا في اعتقاده وأقواله وأفعاله، فإنه لا يجوز هجره بحال.\nوقد جاء النهي عن ذلك صريحًا في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ منها:\nما رواه أنس بن مالك -﵁- أن رسول الله ﷺ قال: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» (١).\nورواه مسلم بنفس اللفظ وزاد في رواية «فيصد هذا ويصد هذا» (٢) وفي رواية أخرى «ثلاثة أيام» (٣).\nوعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله ﷺ قال: «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا. أنظروا هذين حتى يصطلحا وفي رواية إلا المتهاجرين» (٤).\nفهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في تحريم الهجر إذا لم يكن له مبرر شرعي.\nفعلى المسلمين أن يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر فيما يحل ويحرم.\nفباب الهجر عظيم. فهو الذي يبين قوة الإيمان من ضعفه. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص: ٥٤١\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٨).\n(٢) رواه مسلم (٢٥٦٠). من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٢٥٦١). من حديث عبد الله بن عمر ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٢٥٦٥).","vol":"8","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2248>تمهيد</span>\nمما لا شك فيه أن في صلاح الراعي صلاحًا للرعية، حيث إن للراعي سلطة وقوة ونفوذًا ليست بيد أحد من أفراد الرعية.\nوإذا كان المسؤول عن معظم الطوائف والجماعات والفئات صالحًا انعكس صلاحه على من تحته فما بالك بالسلطان.\nلذا فإنه ينبغي أن لا يتولى أمور المسلمين إلا من هو أهل لذلك ممن يتصف بالتقوى والخوف من الله تعالى ومراقبته والقوة في الرأي والسداد والحكمة في المنطق، ولكن قد يتولى على المسلمين من ليس أهلًا لذلك فيذعن المسلمون له وللأمر الواقع نظرًا لما يترتب على ذلك من جلب المصالح ودفع المفاسد.\nولكن على أي الحالين فلابد أن يسعى العلماء والمصلحون إلى بذل جميع الأسباب إلى إصلاح الراعي وتذكيره ونصحه، والسعي لإصلاح من حوله. انطلاقًا من توجيهات الشرع. يقول ﷺ «الدين النصيحة –ثلاثًا- قلنا لمن يا رسول الله قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» (١). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٥٤٣\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٥). من حديث تميم الداري ﵁.","vol":"8","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2249>المطلب الأول: أدلة الإنكار على السلطان</span>\nورد عن عبادة بن الصامت -﵁- قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم» (١).\nوعن طارق بن شهاب أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ وقد وضع رجله في الغرز، أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة حق عند سلطان جائر» (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحقرن أحدكم نفسه، أن يرى أمر الله عليه فيه مقال ثم لا يقوله فيقول الله: ما منعك أن تقول فيه فيقول: رب خشيت الناس فيقول: وأنا أحق أن يخشى» (٣).\nفهذه النصوص وغيرها من الأحاديث تبين الوقوف أمام السلاطين، وقول كلمة الحق عندهم، وأنه إذا حصل لهم شيء يكرهونه بسبب هذا الأمر فهو في ذات الله وهم مأجورون عليه. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص: ٥٤٨\n_________\n(١) رواه البخاري (٧١٩٩)، ومسلم (١٨٤٠).\n(٢) رواه النسائي (٧/ ١٦١)، وأحمد (٤/ ٣١٥) (١٨٨٥٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٩٣) (٧٥٨٢). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٢٢٩)، والنووي في «رياض الصالحين» (١١٧)، والسفاريني الحنبلي في «شرح كتاب الشهاب» (٥٥٩)، والشوكاني في «الفتح الرباني» (١١/ ٥٤٤٦): إسناده صحيح.\n(٣) رواه ابن ماجه (٤٠٠٨)، وأحمد (٣/ ٣) (١١٢٧٣)، والبيهقي (١٠/ ٩٠) (١٩٩٧١). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٤/ ١٨٢): إسناده صحيح، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٢٣١): رواته ثقات، وحسنه ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (١٦٢)، وقال الشوكاني في «الفتح الرباني» (١١/ ٥٤٤٨): رجال إسناده ثقات.","vol":"8","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2250>المطلب الثاني: كيفية الإنكار على السلطان</span>\nإذا كان المحتسب عليه من الولاة الذين يحكمون بشرع الله فإن لأهل السنة منهجًا في التعامل معهم .. فلا يرون التشهير بهم على المنابر والمجامع العامة لما يوقع ذلك من الفتنة .. وقد قيل لأسامة بن زيد –﵁- (ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟! فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم!! والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرًا لا أحب أن أكون أول من فتحه) (١). وفي لفظ للبخاري: (إنكم لترون أني لا أكلمه! إلا أسمعكم؟! إني أكلمه في السر ...) (٢).\nوقال ابن أبي عاصم (باب كيف نصيحة الرعية للولاة) ثم أخرج بسنده عن شريح بن عبيد قال: قال عياض بن غنم لهشام بن حكيم: ألم تسمع بقول رسول الله ﷺ «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به فإن قبل منه وإلا كان قد أدى ما عليه» (٣).\nوأخرج أحمد بسنده عن سعيد بن جهمان قال: (أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمت عليه .. قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم. قال: فتناول يدي فغمزها بيده غمزة شديدة، ثم قال: ويحك يا ابن جهمان عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته فأخبره بما تعلم فإن قبل منك وإلا فدعه فإنك لست بأعلم منه) (٤) وقد كان الإمام أحمد –﵀- لا يحدث بالأحاديث التي توهم بجواز الخروج على الأئمة.\nوقال ابن القيم –﵀-: (ومن دقيق الفطنة: أنك لا ترد على المطاع خطأه بين الملأ، فتحمله رتبته على نصرة الخطأ، وذلك خطأ ثان، ولكن تلطف في إعلامه به حيث لا يشعر به غيره) ا. هـ (٥).\nوقال النووي عند كلامه على حديث أسامة: (يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ كما جرى لقتلة عثمان –﵁- وفيه الأدب مع الأمراء واللطف بهم ووعظهم سرًا وتبليغهم ما يقوله الناس فيهم لينكفوا عنه.\nوهذا كله إذا أمكن ذلك، فإن لم يكن الوعظ سرًا والإنكار، فليفعله علانية لئلا يضيع أصل الحق) (٦) ا. هـ.\nولا يفهم من هذا ترك إنكار المنكرات المتفشية .. رسمية كانت أو غير رسمية .. كما لا يعني هذا عدم فضح خطط الفساد والمفسدين .. وكشف أحابيلهم ومكائدهم.\nأما الولاة الذين لا يحكمون بالشرع ويحاربون الإسلام وأهله فإن لكل حالة لبوسا.\n... إليك بعض النماذج مما حفظه لنا التاريخ من إنكار أهل العلم ومن سلك سبيلهم على ذوي النفوذ من السلاطين وأعوانهم:\nالنموذج الأول: خبر أبي سعيد الخدري –﵁- مع مروان حينما أراد مروان أن يخطب يوم العيد قبل الصلاة. والقصة مشهورة.\nالنموذج الثاني: نقل ابن كثير –﵀- أن الحجاج خطب يومًا فقال: (إن ابن الزبير غير كتاب الله. فقال ابن عمر: ما سلطه الله على ذلك، ولا أنت معه، ولو شئت أقول: كذبت لفعلت) (٧).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٨٩).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٦٧).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٤٠٣) (١٥٣٦٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٣/ ١٠٢) (٩١٠)، والطبراني في «مسند الشاميين» (٢/ ٩٤) (٩٧٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٣٢): رواه أحمد ورجاله ثقات، إلا أني لم أجد لشريح من عياض وهشام سماعًا وإن كان تابعيًا، وصححه الألباني في «تخريج كتاب السنة».\n(٤) رواه أحمد (٤/ ٣٨٢) (١٩٤٣٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٣٥): رجال أحمد ثقات، وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند» (٥٤٢).\n(٥) «الطرق الحكمية» (ص: ٥٤).\n(٦) «النووي على مسلم» (٩/ ١٨/١١٨).\n(٧) «البداية والنهاية» (٩/ ١٢١)، «نزهة الفضلاء» (١/ ٢٦٠).","vol":"8","page":251},{"text":"النموذج الثالث: قام ابن عمر إلى الحجاج وهو يخطب فقال: يا عدو الله! استحل حرم الله، وخرب بيت الله، فقال: يا شيخًا قد خرف فلما صدر الناس أمر الحجاج بعض مسودته فأخذ حربة مسمومة وضرب بها رجل ابن عمر فمرض ومات منها ودخل عليه الحجاج عائدًا فسلم فلم يرد عليه وكلمه فلم يجبه (١).\nالنموذج الرابع: جاء في «البداية والنهاية»: أن الحجاج أطال الخطبة، فجعل ابن عمر يقول: الصلاة الصلاة، مرارًا. ثم قام فأقام الصلاة، فقام الناس، فصلى الحجاج بالناس، فلما انصرف قال لابن عمر: ما حملك على ذلك؟ فقال: إنما نجيء للصلاة، فصل الصلاة لوقتها ثم تفتق ما شئت بعد من تفتقه (٢).\nالنموذج الخامس: ما أخرجه البخاري في صحيحه عن يوسف بن ماهك قال: (كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي [الأحقاف: ١٧]. فقالت عائشة من وراء حجاب: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري) (٣).\nوقد جاءت مقالة عبد الرحمن مفسرة في بعض الروايات ففي بعضها: (ما هي إلا هرقلية) وفي رواية (سنة هرقل وقيصر) بعد أن قال مروان: (سنة أبي بكر وعمر) وفي رواية: (أجئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم؟) وفي رواية (هرقلية؟ إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا في أهل بيته ..) قال ذلك بعد أن قال مروان: (إن يستخلف فقد استخلف أبو بكر وعمر) (٤). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت - بتصرف– ص ٢٧٩\n_________\n(١) «نزهة الفضلاء» (١/ ٢٥٩).\n(٢) «البداية والنهاية» (٩/ ١٢١) «نزهة الفضلاء» (١/ ٢٦٠).\n(٣) رواه البخاري (٤٨٢٧).\n(٤) انظر هذه الروايات في «الفتح» (٨/ ٥٧٧).","vol":"8","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2251>المبحث السابع: تغيير الابن على والده</span>\nلقد جعل الله ﷾ للوالدين حقوقًا كثيرة وكبيرة فمهما عمل الولد تجاه والديه فإنه لا يعتبر موفيًا حقوقهما بل ولا جزءًا منها.\nوالدليل على ذلك أن الله –﷾- قرن طاعته بطاعتهم قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: ٢٣ - ٢٤].\nقال القرطبي –﵀- أمر الله –سبحانه- بعبادته وتوحيده وجعل بر الوالدين مقرونًا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره فقال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان: ١٤] وقال: والبر بهما والإحسان إليهما أن لا يتعرض لسبهما ولا يعقهما فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف (١).\nوقد ورد في صحيح البخاري أن عبد الله سأل النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله ﷿؟ فقال: «الصلاة على وقتها. قال ثم أي؟ قال: بر الوالدين» (٢) الحديث.\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك» (٣).\nوعن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ قال: «إن الله حرم عقوق الأمهات» (٤) الحديث.\nوعن أبي بكرة عن أبيه –﵄- قال: قال رسول الله ﷺ «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال الإشراك بالله، وعقوق الوالدين ..» (٥) الحديث.\nفهذه الأحاديث الصحيحة تدل على عظمة حقوق الوالدين، فقبل أن يقدم على أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر عليه أن يضع قاعدة طاعتهما وحقوقهما نصب عينيه.\nوكون لهما هذه الحقوق العظيمة فإن ذلك لا يعني ولا يمنع من أن يأمرهما بالمعروف وينهاهما عن المنكر، فهما من جملة من أمر الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، إلا أنه بناء على الحقوق التي جعلها الله لهما فإنه يجب أن يكون هناك أسلوب خاص عند أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص ٥٥٦\nفعلى المحتسب أن يراعي عند الاحتساب على الوالدين زيادة الرفق بهما والتلطف لهما .. وأن لا يتعدى ذلك إلى الشتم أو الضرب مثلًا (٦).\nسئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل له والدة تسيء الصلاة والوضوء؟\nقال: يأمرها ويعلمها، قال: تأبى أن يعلمها، تقول: أنا أكبر منك تعلمني! قال فترى له أن يهجرها أو يضربها على ذلك؟ قال: لا، ولكن يعلمها ويقول لها، وجعل يأمره أن يأمرها بالرفق (٧).\nهذا وإن على المحتسب على الوالدين ملاحظة أمرين:\nالأول: أن يفرق بين ما إذا كان المنكر متعلقًا بشخص أحد الوالدين فإنه ليس له ضربه ولا تقبيحه.\nالثاني: إن كان المنكر غير متعلق بشخصهما، وإنما كان تعلقه بالدار أو المال أو المركب، ففي هذه الحال عليه أن ينظر إلى نوع هذا المنكر وحجمه ومدى أثره وإثمه، بالإضافة إلى النظر إلى ما يترتب على إزالته له من سخط الوالد أو الوالدة .. فإن كان لا يترتب على إزالته مفسدة أعظم، أزاله وإلا فلا.\nومثل هذا يقال في احتساب الزوجة على زوجها، والعبد مع سيده، بخلاف التلميذ مع شيخه فإنه يعامله بموجب علمه لأنه لا حرمة لعالم لا يعمل بعلمه (٨).\nوهذا الإحسان والرفق مطلوب حتى مع الأبوين الكافرين كما قال تعالى: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان: ١٥]. مع مراعاة أصل الولاء والبراء. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ٢٧٤\n_________\n(١) «الجامع لأحكام القرآن» م٥ (١٠/ ٢٣٨).\n(٢) رواه البخاري (٥٢٧)، ورواه مسلم (٨٥).\n(٣) رواه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨).\n(٤) رواه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩٣).\n(٥) رواه البخاري (٥٩٧٦)، ومسلم (٨٧).\n(٦) انظر: «الآداب الشرعية» (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠)، «الفروق» للقرافي (٤/ ٢٥٦).\n(٧) «مسائل الإمام أحمد» لأبي داود (ص: ٢٧٩).\n(٨) انظر: «تنبيه الغافلين» لابن النحاس (ص: ٧٠ - ٧١).","vol":"8","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2253>المطلب الأول: إنكار الوالد على أولاده</span>\nأما إنكار الوالد على الولد فهو من الأمور التي نص عليها الشرع وأكد عليها.\nيقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: ٦].\nيقول الزمخشري: قوا أنفسكم بترك المعاصي وفعل الطاعات. بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم (١).\nويقول سيد قطب –﵀- حول هذه الآية: (إنها تبعة المؤمن في نفسه وفي أهله ثقيلة رهيبة. فالنار هناك وهو متعرض لها هو وأهله وعليه أن يحول دون نفسه وأهله ودون هذه النار التي تنتظر هناك ...) (٢).\nفهذا أمر من الله تعالى يتضمن معنى النصيحة بأن يبذل الإنسان جهده في إصلاحه نفسه وأهله حتى يحول صلاحه نفسه وأهله دون النار.\nوورد في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر –﵄- أن رسول الله ﷺ قال: «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٣).\nفهذا الحديث العظيم يبين مسؤولية الرجل تجاه أولاده بل تجاه أسرته.\nوورد عن جابر بن سمرة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ «لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع» (٤).\nوجاء عن الرسول ﷺ أنه قال: «ما نحل والد ولدًا أفضل من أدب حسن» (٥).\nوروى أبو داود في سننه بسنده عن النبي ﷺ: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» (٦).\nوفي رواية «مروا أولادكم بالصلاة ...» (٧).\nفهذه الأحاديث كلها تبين مسؤولية الوالد تجاه أبنائه فعليه أن يتقي الله ويحسن تربيتهم، فهي أمانة في عنقه وعليه أن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ومن أهم المعروف ربطهم بالمساجد وحلق الذكر وتعليم القرآن وربطهم بالشباب الصالح الأتقياء الذين يدلونهم على كل خير ويحذرونهم من كل شر.\nوعليه أن ينهاهم عن المنكر. ومن أعظم المنكرات اتصالهم بالشباب الفاسد المنحرف الذين يدلونهم على كل شر ويبعدونهم من كل خير. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرهما في حفظ الأمة لعبد العزيز المسعود – ص ٥٦٠\n_________\n(١) «تفسير الكشاف» م٣ (٦/ ١٣٠).\n(٢) «في ظلال القرآن» (٦/ ٣٦١٨).\n(٣) رواه البخاري (٧١٣٨)، ومسلم (١٨٢٩).\n(٤) رواه الترمذي (١٩٥١)، وأحمد (٥/ ٩٦) (٢٠٩٣٨). قال الترمذي: غريب [فيه] ناصح أبو العلاء ليس عند أهل الحديث بالقوي، وقال ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٢٧): فيه ناصح الكوفي ضعيف، وضعفه المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٥/ ٣٦٤)، والألباني في (ضعيف سنن الترمذي).\n(٥) رواه الترمذي (١٩٥٢)، والحاكم (٤/ ٢٩٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٣٩٨) (٨٦٥١). قال الترمذي: غريب مرسل، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وخالفه الذهبي وقال: بل مرسل ضعيف، وقال ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٢٨)، والمباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٥/ ٣٦٥): مرسل، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي».\n(٦) رواه أبو داود (٤٩٤). من حديث سبرة بن معبد الجهني ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن رجب في «فتح الباري» (٥/ ٢٩٢): رويت من وجوه متعددة، أجودها، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.\n(٧) رواها أبو داود (٤٩٥). عن جد عمرو بن شعيب ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال النووي في «المجموع» (٣/ ١٠): إسناده حسن، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٣/ ٢٣٨)، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.","vol":"8","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2254>المطلب الثاني: إنكار الأم على أولادها</span>\nولا ننسى أن للمرأة دورًا كبيرًا في تربية أولادها، وحتى مع وجود والدهم؛ لأن المرأة جالسة في البيت طيلة الوقت بخلاف الرجل فهي تعرف أمورًا لا يعرفها الرجل، فعليها أن تتقي الله وتحسن تربية أولادها وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وتنفذ خطاب الرسول ﷺ الذي خاطبها به بقوله: «والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم» (١).\nفهذا نص صريح من الرسول ﷺ بأن المرأة مسؤولة عن تربية أولادها وإصلاحهم.\nيقول أبو بكر الجصاص حول قول الله تعالى عن أم مريم –﵍-: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [آل عمران: ٣٥].\nيقول: يدل على أن للأم ضربًا من الولاية على الولد في تأديبه وتعليمه وإمساكه وتربيته، لو أنها لا تملك ذلك لما نذرت في ولدها (٢). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرهما في حفظ الأمة لعبد العزيز المسعود – ص ٥٦٢\n_________\n(١) جزء من حديث رواه البخاري (٧١٣٨)، ومسلم (١٨٢٩).\n(٢) «أحكام القرآن» (١/ ١٢).","vol":"8","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2255>المبحث التاسع: تغيير الزوجة على زوجها</span>\nتغيير الزوج على الزوجة واضح الدلالة في الكتاب والسنة. وهو مقبول شرعًا وعقلًا للقوامة التي جعلها الله للرجل على المرأة.\nيقول تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء [النساء: ٣٤].\nيقول الجصاص: (قيامهم عليهن بالتأديب والتدبير والحفظ والصيانة) (١).\nولكن الذي يحتاج إلى توضيح هو (تغيير الزوجة على الزوج) فنقول: كثيرًا من الزوجات تبلى بزوج غير صالح، فإما أن يكون من التاركين لصلاة الجماعة أو الصلاة كلية وقد يكون مبتلى بشرب المسكرات والمخدرات وغير ذلك.\nفما هو موقف الزوجة من ذلك؟\nلا شك أن الزوجات يختلفن –أيضًا- كالرجال صلاحًا وفسادًا قوة وضعفا، فبعض النساء تكون مستسلمة لزوجها العاصي وحتى لو كانت صالحة فهي ساكتة عنه تراه يفعل المنكرات صباح مساء ولا تنكر عليه، بل ربما كانت تهيئ له الجو لفعل ذلك.\nوبعضهن تنكر تارة وتسكت أخرى وتغضب تارة وترضى بعدها.\nوالواجب على كل زوجة أن تتقي الله تعالى وتعرف أنها مسؤولة عن إصلاح زوجها بقدر المستطاع. فتنظر إلى المنكرات التي يفعلها زوجها فإن كانت صغائر أو غير مكفرة تحاول معه وتكثر المحاولة وتستخدم الأساليب الجيدة التي تراها تناسب زوجها وينقاد معها فيها وكل امرأة أعرف بظروف زوجها، وأما إذا كانت المنكرات مكفرة كترك الصلاة كلية فعليها أن تبين أحكام الصلاة له وحكم تاركها وتبين أن العلاقات الزوجية لا تصلح معه دون الصلاة وتحاول مرة بعد مرة فإن أصر استعانت بأهلها وأهله، فإن أصر على ذلك فلها الحق أن تطلب الطلاق. والشرع يطلقها منه ولو لم يرض إذا ثبت فعلًا أنه لا يصلي البتة.\nوفي الغالب إذا كانت المرأة حكيمة وقوية في نفس الوقت وقد ملأت قلب الرجل حبًا في إخلاصها ووفائها وخوفها من ربها وطاعتها فإنه لا يعصي لها أمرًا. فعليها أن تقوم بما يجب حياله حتى تكون مسموعة الكلمة. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص: ٥٦٣\n_________\n(١) «أحكام القرآن» (٢/ ٢٢٩).","vol":"8","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2257>الشبهة الأولى: وجوب ترك الاحتساب بحجة تعارضه مع الحرية الشخصية</span>\nيقول بعض الناس:\nيجب علينا أن نترك الناس وشأنهم ولا نتدخل في شؤونهم الخاصة بأمرهم بالمعروف الذي لا يرغبون في فعله، ونهيهم عن المنكر الذي يرغبون فيه، لأن هذا يتعارض مع (الحرية الشخصية الثابتة في الإسلام).\nويستدل هؤلاء على صحة رأيهم بقوله ﷿: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٥٦].\nكشف النقاب عن حقيقة هذه الشبهة:\nسنبين بعون الله تعالى حقيقة هذه الشبهة ضمن العناوين التالية:\n١ - عدم وجود (الحرية الشخصية) المزعومة.\n٢ - المفهوم الإسلامي للحرية الشخصية.\n٣ - الخطأ في فهم الآية: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.\n٤ - ثبوت وجوب الحسبة بنصوص الكتاب والسنة.\n٥ - قيام الرسول ﷺ بالاحتساب.\n٦ - تشريع الحدود والتعزيزات ينقض الشبهة.\nأولًا: عدم وجود (الحرية الشخصية) المزعومة:\nلنا أن نسأل أصحاب هذا القول: أين تلك (الحرية الشخصية) المزعومة؟. أفي مشارق الأرض أم في مغاربها؟ هل وجدتموها في أنظمة شرقية أم في أنظمة غربية؟ كلا، لا عند هؤلاء، ولا عند أولئك. يطالب المرء بالخضوع والامتثال لقواعد وأنظمة على رغم أنفه حيثما حل وارتحل.\nهل يسمح لأحد في الشرق أو الغرب أن يعبر التقاطع والإشارة حمراء؟ هل يعطي في الغرب لأحد حق بناء بيت بماله الذي اكتسبه بكد جبينه على الأرض التي اشتراها بخالص ماله كيفما شاء من غير مراعاة الضوابط التي وضعتها أمانة تلك المدينة التي هو فيها؟ والأمر في الشرق أدهى وأمر، ليس له أن يملك بيتا.\nثانيا: المفهوم الإسلامي للحرية الشخصية:\nالحرية الشخصية التي منحها الإسلام للعباد هي أنه أخرج العباد من عبودية العباد، ولا يعني هذا إخراجهم من عبودية رب العباد. ما أحسن ما عبر القرآن الكريم عن هذا:\nضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزُّمر: ٢٩].\nفالمطلوب في الإسلام أن يتحرر العبد من كل من سوى الله ويصير عبدًا منقادًا مطيعًا مستسلما لله الواحد الخالق المالك المدبر. وهذا ما عبر عنه سيدنا ربعي بن عامر ﵁ مجيبًا على سؤال رستم بقوله:\n(الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله) (١).\nومن النصوص التي تدل على أن المؤمنين مطالبون بالاستسلام لله تعالى والعمل بجميع أوامره وترك جميع نواهيه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: ٢٠٨].\nيقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: (يقول الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك) (٢).\nوبين المولى ﷿ أنه لا يبقى لمؤمن ولا مؤمنة أدنى خيار بعد مجيء أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب: ٣٦].\n_________\n(١) انظر «تاريخ الطبري» (٣/ ٥٢٠)، و«البداية والنهاية» (٧/ ٣٩).\n(٢) «مختصر تفسير ابن كثير» (١/ ١٨٥).","vol":"8","page":257},{"text":"وصور لنا السميع البصير مبادرة المؤمنين إلى امتثال أوامره وأوامر رسوله ﷺ حيث يقول عز من قائل: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ [النور: ٥١].\nفأين أصحاب (الحرية الشخصية) المزعومة من أولئك؟\nثالثا: الخطأ في فهم الآية: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ:\nليس معنى الآية بأن للناس كلهم فعل ما يشاؤون وترك ما يشاؤون، وليس لأحد إلزامهم على فعل الخير الذي تركوه أو اجتناب الشر الذي فعلوه، بل المراد بالآية – والله أعلم بالصواب – كما يقول الحافظ ابن كثير: (أي لا تكرهوا أحد على الدخول في الإسلام) (١).\nوحتى هذا ليس لغير المسلمين كلهم بل رجح كثير من المفسرين بأن هذا الحكم خاص بأهل الكتاب ومن شابههم. وأما عبدة الأوثان من مشركي العرب ومن شابههم فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال معهم. وفي هذا يقول الإمام ابن جرير الطبري بعد نقله أقوالًا مختلفة في تفسير الآية: (وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس – وقال: عني بقوله تعالى ذكره: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ أهل الكتاب والمجوس وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه) (٢).\nثم يقول مبينا سبب ترجيح هذا القول: (وكان المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم ﷺ أنه أكره على الإسلام قومًا فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبد الأوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه، وإقراره، على دينه الباطل، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم) (٣).\nقد آن لنا أن نسأل أصحاب هذه الشبهة: أيهود أنتم أو نصارى، فيكتفى بقبول الجزية منكم، فلا يأمركم أحد بمعروف تتركونه ولا ينهاكم عن منكر تفعلونه؟\nرابعًا: ثبوت وجوب الحسبة بنصوص الكتاب والسنة:\nإن هؤلاء أخذوا آية واحدة وحاولوا تأويلها وفق أهوائهم، وتجاهلوا تلك النصوص الكثيرة الصريحة الواضحة التي لا تترك مجالًا للشك والتردد في فرضية الحسبة. أين هؤلاء من تلك النصوص التي وردت فيها صيغة أمر للقيام بالاحتساب، وصيغة نهي للمنع عن تركه؟ وذلك مثل قوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ [آل عمران: ١٠٤]، ومثل قوله ﷺ: «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم» (٤). ومثل قوله ﷺ: «لا يمنعن رجلًا منكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه وعلمه» (٥).\n_________\n(١) «مختصر تفسير ابن كثير» (١/ ٢٣١).\n(٢) «تفسير الطبري» (٥/ ٤١٤).\n(٣) «تفسير الطبري» (٥/ ٤١٤ - ٤١٥).\n(٤) رواه ابن ماجه (٣٢٥١) واللفظ له، وابن حبان (١/ ٥٢٦) (٢٩٠)، والبيهقي (١٠/ ٩٣) (٢٠٦٩٥)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٦/ ٣٧٧) (٦٦٦٥). وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٥) رواه أحمد (٣/ ٤٤) (١١٤٢١)، وأبو يعلى (٢/ ٤١٩) (١٢١٢)، وابن حبان (١/ ٥٠٩) (٢٧٥)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٩٩). والحديث صحح إسناده ابن حجر على شرط مسلم في «الأمالي المطلقة» (١٦٣).","vol":"8","page":258},{"text":"وكيف يؤول هؤلاء النصوص التي قرن الإيمان فيها بالاحتساب، فحكم فيها بقوة الإيمان وضعفه مع قوة الاحتساب وضعفه؟ وذلك مثل قوله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١).\nوبماذا يفسر هؤلاء تلك النصوص التي تجعل (التواصي بالحق) من شروط نيل الفوز والفلاح؟ وذلك مثل قوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ١ - ٣].\nوكيف يتجرأ هؤلاء على تحريف النصوص التي وعد الله تعالى ورسوله ﷺ فيهما بالعذاب على ترك الاحتساب؟ وذلك مثل قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ [الأنفال: ٢٥].\nألا يستحي هؤلاء من تكذيب ما أخبر به من هو أكبر شيء شهادة وأصدق قيلًا عن نزول اللعنة على ترك الاحتساب؟ وذلك في قوله عز من قائل: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].\nأليس في هذا وذاك ما يمنع هؤلاء من القول: (إن الاحتساب يتعارض مع الحرية الشخصية الثابتة في الإسلام؟) فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا؟\nخامسا: قيام الرسول الكريم ﷺ بالاحتساب:\nلنا أن نسأل أصحاب هذا القول: على من أنزلت الآية: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ؟ أعليكم أنزلت أم على سيد الأولين والآخرين، إمام الأنبياء وقائد المرسلين ﷺ؟ أأنتم أعلم بمرادها أم هو الذي أسند إليه أمر بيان المنزل؟ يقول تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤].\nوهل أمر ﵊ الناس بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، أم تركهم وشأنهم مراعيًا مبدأ الحرية الشخصية المخترعة؟ لقد قام ﷺ بالاحتساب في البيت والشارع، وفي المسجد والسوق، وفي الحضر والسفر، وفي الحرب والسلم. ويغنينا في هذا المقام عن ذكر أمثلة احتسابه وصف أصدق القائلين اللطيف الخبير له بقوله: يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ [الأعراف: ١٥٧].\nونستفسر أصحاب هذه الشبهة أيضًا: أمرنا باقتداء من؟ أأمرنا باقتداء من اتخذ إلهه هواه؟ أم أمرنا بالتأسي بمن كان آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر؟ تعالوا، فلنقرأ جميعًا قول الباري ﷾: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١].\nسادسًا: تشريع الحدود والتعزيرات ينقض هذه الشبهة:\nماذا سيكون موقف هؤلاء من الحدود والتعزيرات التي شرعت لمعاقبة مرتكبي بعض الجرائم؟ أيردون تلك النصوص الثابتة الصريحة التي جاء فيها بيانها؟\nومن تلك النصوص – على سبيل المثال – ما جاء فيها من عقوبة الزاني: «البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (٢).\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) رواه مسلم (١٦٩٠).","vol":"8","page":259},{"text":"وما جاء فيها عمن تزوج امرأة أبيه عن معاوية بن قرة عن أبيه ﵁ قال: «بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أضرب عنقه، وأصفي ماله» (١).\nوما جاء عمن عمل عمل قوم لوط ﵇: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (٢).\nوما بينه الناطق بالوحي الأمين الصادق المصدوق ﷺ عن حكم من ارتد عن الإسلام بقوله: «من بدل دينه فاقتلوه» (٣).\nولو كان لمبدأ الحرية الشخصية المختلفة أساس في الإسلام كما يدعي أولئك ما كان مرتكبو هذه الجرائم ليجلدوا ويغربوا، أو يجلدوا ويرجموا، أو يقتلوا، وكان لهم أن يحتجوا: (هذا ما يخصنا نحن، وليس لأحد حق التدخل في شؤوننا الخاصة).\nبهذا يتضح بعون الله تعالى بطلان رأي من قال بترك الاحتساب بحجة منافاته للحرية الشخصية. شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لفضل إلهي– ص: ٦\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٢١٢٩). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٧١): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(٢) رواه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٠٩١)، وأحمد (١/ ٣٠٠) (٢٧٣٢). من حديث ابن عباس ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن عبدالبر في «الاستذكار» (٦/ ٥٠٢): مسند مرفوع، وهو أحسن ما في الباب، وقال ابن القيم في «الجواب الكافي» (١٣٠): إسناده على شرط البخاري.\n(٣) رواه البخاري (٣٠١٧). من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"8","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2258>الشبهة الثانية: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث لا يضرنا ضلال الضالين</span>\nيقول بعض الناس: لا يجب علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث أمرنا الله تعالى بالاهتمام بأنفسنا وبين أنه لا يضرنا ضلال الآخرين واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: ١٠٥].\nتبيين حقيقة الشبهة من جانبين:\n١ - من الآية نفسها.\n٢ - بالنصوص الأخرى الواردة في الكتاب والسنة.\nأولًا: كشف النقاب عن حقيقة الشبهة من الآية نفسها:\nلو تدبر أصحاب هذه الشبهة في الآية نفسها لما نطقوا بها. اشترط الله تعالى لعدم إصابة الضرر بسبب ضلال الآخرين أن يكون الشخص مهتديا حيث قال تعالى: لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ولا يصير الشخص مهتديا إلا إذا أدى ما أوجبه الله عليه. ومما أوجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فالذي لا يقوم بهذا لا يكون مهتديا لأن فوات الشرط يستلزم فوات المشروط. وقد بين هذا بعض الصحابة والتابعين وكثير من المفسرين والعلماء القدامى والمتأخرين.\nفعلى سبيل المثال فقد نقل الإمام ابن جرير الطبري عن حذيفة ﵁ في تفسير هذه الآية أنه قال: (إذا أمرتم ونهيتم) (١).\nكما نقل الإمام الطبري عن سعيد بن المسيب في تفسير الآية أنه قال: (إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، لا يضرك من ضل إذا اهتديت) (٢).\nويقول الإمام أبو بكر الجصاص في تفسير الآية: (ومن الاهتداء اتباع أمر الله في أنفسنا وفي غيرنا، فلا دلالة فيها إذا على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).\nويقول الإمام النووي: وأما قول الله ﷿: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فمعناه: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم. وإذا كان كذلك، فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الفاعل لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول. والله أعلم (٣).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الصدد: (والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضلال) (٤).\nإضافة إلى ذلك بين بعض العلماء أن قوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضا ويرغبه في الخيرات وينزه عن القبائح والسيئات (٥).\nثانيا: تفنيد الشبهة بالنصوص الأخرى:\nوردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تبين أنه مما يجب على الصالحين تجاه أعمال الآخرين السيئة تذكيرهم ومنعهم عنها. وإن لم يفعلوا هذا يوشك أن ينزل عليهم غضب الله فيدعونه فلا يستجيب لهم.\nومن تلك النصوص قوله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام: ٦٨ - ٦٩].\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١١/ ١٤٨).\n(٢) «تفسير الطبري» (١١/ ١٤٨).\n(٣) «شرح النووي على صحيح مسلم» (٢/ ٢٢) بتصرف يسير واختصار.\n(٤) «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص: ١٧).\n(٥) نقلا عن «تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان» (٧/ ٤٥). وانظر أيضًا قول الإمام الحاكم في هذا الصدد في «تفسير القاسمي» (٦/ ٤٠٦).","vol":"8","page":261},{"text":"بين الله تعالى أنه لا يجب على المتقين بسبب خوض من يخوض في آيات الله إلا شيء واحد، وهو: تذكيرهم. يقول القاضي البيضاوي: (وما يلزم المتقين من قبائح أعمالهم وأقوالهم الذين يجالسونهم شيء مما يحاسبون عليه، ولكن عليهم أن يذكروهم ذكرى ويمنعوهم من الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها) (١).\nوإذا كان تذكير هؤلاء الأشرار يجب على المتقين فكيف يتصور مهتديا عند تركه هذا الواجب. ولذا يقول الشيخ ثناء الله الأمرتسري: (ومن جملة اهتدائكم تذكيرهم لقوله تعالى: وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢).\nومن تلك النصوص أيضا قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ [الأنفال: ٢٥].\nيقول الحافظ الكلبي الغرناطي في تفسير الآية: (أي لا تصيب الظالمين، بل تصيب معهم من لم يغير المنكر، ولم ينه عن الظلم، وإن كان لم يظلم) (٣).\nوسبيل الاتقاء من العذاب هو الإنكار على ظلم الظالمين كما قال عبد الله بن عباس ﵄ في تفسير الآية: (أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعقاب) (٤).\nهذا وقد بين أبو بكر الصديق ﵁ خطأ المستدلين بهذه الآية على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما كان قد سمع من أنزل عليه ﷺ هذه الآية، فقد روى الإمام أبو داود عن قيس قال: قال أبو بكر ﵁: بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ وإنا سمعنا النبي ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» (٥).\n_________\n(١) «تفسير البيضاوي» (١/ ٣٠٦). وانظر أيضا «تفسير أبي السعود» (٣/ ٤٧).\n(٢) «تفسير القرآن بكلام الرحمن» (ص: ١٠٣).\n(٣) «كتاب التسهيل» (٢/ ١١٦)، وانظر أيضًا «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٨٤٦)، و«التفسير الكبير» (١٥/ ١٤٩)، و«تفسير القرطبي» (٧/ ٢٩٣)، و«تفسير الجلالين» (ص: ٢٣٧)، و«تفسير روح المعاني» (٩/ ١٢٩)، و«أضواء البيان» (٢/ ١٧١).\n(٤) «تفسير الطبري» (١٣/ ٤٧٤)، (رقم الأثر ٥٩٠٩). ويقول الحافظ ابن كثير بعد ذكره: وهذا تفسير حسن جدًا. «مختصر تفسير ابن كثير» (٢/ ٩٦)، وانظر أيضًا «تفسير القرطبي» (٧/ ٣٩١)، و«الإكليل» للسيوطي (ص: ١٣٥)، و«تفسير الجلالين» (ص: ٢٣٧).\n(٥) رواه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، وأحمد (١/ ٧) (٢٩، ٣٠)، وابن حبان (١/ ٥٣٩) (٣٠٤). قال الترمذي، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٣/ ٢٠٨): صحيح، وصحح إسناده النووي في «الأذكار» (ص: ٤١٢)، وابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ١٩٣)، وأحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ٣٦)، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.","vol":"8","page":262},{"text":"ولا يقف الأمر عند نزول العذاب بسبب ترك الناس الآخرين فيما هم فيه من المنكرات والمعاصي، بل إن الله تعالى لا يستجيب دعاءهم إذا دعوه لكشف العذاب عنهم. فقد روى الإمام الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، فتدعونه فلا يستجيب لكم» (١).\nكل هذا يؤكد أن قول القائل: (علينا أن نهتم بأنفسنا لأنه لا يضرنا ضلال الآخرين) يخالف نصوص الكتاب والسنة.\nاحتجاج أصحاب الشبهة بحديث أبي ثعلبة الخشني ﵁:\nقد يحتج محتج فيقول: إن ما فسرت به الآية: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ لا يتفق مع ما جاء في تفسيرها في حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ من سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nفقد روى الإمام أبو داود عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة – ﵁ – فقلت: يا أبا ثعلبة! كيف تقول في هذه الآية: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ؟\nقال: أما والله! لقد سألت عنها خبيرًا. سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك – يعني بنفسك – ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر. للعامل فيهم أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله».\nوزادني غيره قال: يا رسول الله! أجر خمسين منهم؟\nقال: «أجر خمسين منكم» (٢).\nالرد على الاحتجاج:\nنرد بعون الله تعالى على احتجاج هؤلاء بحديث أبي ثعلبة ﵁ من وجهين:\nأولا: تحدث الرسول الكريم ﷺ في هذا الحديث الشريف عن الأحوال الاستثنائية التي يؤجر العامل فيها أجر خمسين رجلًا من الصحابة، وذلك لشدتها، ومن المعلوم أن للظروف والأحوال الطارئة أحكامها ورخصها، ولا تثبت بها معارضة ما ثبت لعامة الأحوال من الأحكام. وفي هذا الصدد يقول الإمام أبو بكر بن العربي بعد ذكر حديث أبي ثعلبة ﵁:\n(وذلك لعدم الاستطاعة على معارضة الخلق، والخوف على النفس أو المال من القيام بالحق. وتلك رخصة من الله ﷿ يسرها علينا، وفضله العميم آتانا) (٣).\nثانيًا: هذه الرخصة التي نجدها في الحديث الشريف لا تدل على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في الظروف الاستثنائية، وذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر درجات. فإذا تعذر للمسلم القيام به باليد واللسان فعليه أن يقوم به بالقلب، وهذا لا يسقط في حال من الأحوال. وفي هذا يقول الإمام أبو بكر الجصاص:\n(وهذا لا دلالة فيه على سقوط فرض الأمر بالمعروف إذا كانت الحال ما ذكر، لأن ذكر تلك الحال تنبئ عن تعذر تغيير المنكر باليد واللسان لشيوع الفساد وغلبته على العامة، وفرض النهي عن المنكر في مثل هذه الحال إنكاره بالقلب كما قال ﵇: «فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» (٤).\nفكذلك إذا صارت الحال إلى ما ذكر كان فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب للتقية ولتعذر تغييره. وقد يجوز إخفاء الإيمان وترك إظهاره تقية بعد أن يكون مطمئن القلب بالإيمان، قال تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل: ١٠٦] فهذه منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٥).\nفخلاصة الكلام أنه ليس في الآية: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ولا في حديث أبي ثعلبة ﵁ ما يدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يجب على كل مسلم أن يقوم به على قدر استطاعته. شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لفضل إلهي - بتصرف– ص: ١٣\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٦٩)، وأحمد (٥/ ٣٩١) (٢٣٣٧٥). قال الترمذي: حسن، وقال البغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٥٧): حسن إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمر، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٨٤) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٤/ ٣٥٨): إسناده جيد، وقال أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٧١٥): إسناده صحيح، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٨٠١). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وصححه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٣/ ٢١٢).\n(٣) «أحكام القرآن» (٢/ ٧١٠).\n(٤) رواه مسلم (٤٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٥) «أحكام القرآن» (٢/ ٤٨٧).","vol":"8","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2259>الشبهة الثالثة: (ترك الحسبة بسبب التقصير والنقص)</span>\nيقول بعض الناس: (حيث لا نقوم بكل ما أمرنا به ولا نجتنب كل ما نهينا عنه، لذا يجب علينا أن نهتم بأنفسنا بدل أمر الآخرين بالمعروف ونهيهم عن المنكر).\nواحتج أصحاب هذا القول بالمنقول والمعقول.\nأما المنقول فقالوا: ذم الله تعالى من أمر الناس بالمعروف ونسي نفسه، وذلك في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ.\nكما بين رسول الله ﷺ سوء عاقبة هؤلاء. فقد روى الإمام البخاري عن أسامة ﵁ قال: سمعت من رسول الله ﷺ يقول: «يجاء بالرجل فيطرح في النار فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان!، ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله» (١).\nوأما المعقول فقالوا: فاقد الشيء لا يعطيه. من يستجيب لمن يأمر بمعروف ولا يأتيه، وينهى عن منكر ويأتيه؟\nالرد على هذه الشبهة: ...\n١ - سبب الذم هو: ترك المعروف وليس الأمر بالمعروف.\n٢ - ترك أحد الواجبين ليس مبررًا لترك الواجب الثاني.\n٣ - الأخذ بهذا القول يؤدي إلى تعطيل الاحتساب.\n٤ - عدم جدوى احتساب غير الكامل ليس بأمر دائم.\nأولا: سبب الذم هو: ترك المعروف وليس الأمر بالمعروف:\nهناك واجبان:\n١ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n٢ - فعل المعروف وترك المنكر.\nوإن النصوص التي احتج بها أصحاب هذه الشبهة ليس فيها ذم بسبب القيام بالواجب الأول بل ذم بسبب ترك القيام بالواجب الثاني. لم ينكر فيها بسبب أمر الناس بالبر، ونهيهم عن المنكر، والتلفظ بالقول الطيب، بل إنما أنكر فيها بسبب نسيان الأنفس، وترك المعروف وارتكاب المنكر، وعدم الفعل وفق القول الطيب.\nفعلى سبيل المثال هناك طالب نجح في مادة (التفسير) ورسب في مادة (الحديث) هل يعقل توجيه اللوم بسبب النجاح في مادة التفسير؟ إنما يلام بسبب رسوبه في مادة الحديث.\nهذا، وقد صرح كثير من المفسرين رحمهم الله تعالى أن التوبيخ في تلك النصوص بسبب ترك المعروف وليس بسبب الأمر بالمعروف. فعلى سبيل المثال يقول الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ ... [البقرة: ٤٤] الآية: (اعلم وفقك الله أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر) (٢).\nويقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: (وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له) (٣).\nثانيا: ترك أحد الواجبين ليس مبررًا لترك الواجب الثاني:\nإن الواجبين اللذين ذكرناهما ليس أحدهما شرطا للثاني فيكون ترك أحدهما مبررًا لترك الثاني. وهذا أمر واضح ندركه في كثير من الأمور. هل نقول لمن يحافظ على الصلوات ولا يصوم أن تركه الصوم مبرر لتركه الصلوات؟ وقد بين كثير من العلماء هذا الأمر. فعلى سبيل المثال يقول الإمام أبو بكر الجصاص: (وجب أن لا يختلف في لزمه البر والفاجر، لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضًا غيره. ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات، فكذلك من لم يفعل سائر المعروف ولم ينته عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه) (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٦٧)، ورواه مسلم (٢٩٨٩).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١/ ٣٦٦).\n(٣) «مختصر تفسير ابن كثير» (١/ ٥٩)، وانظر أيضًا «تفسير البيضاوي» (١/ ٥٩)، و«تفسير أبي السعود» (١/ ٩٧)، و«تفسير فتح القدير» (١/ ٧٧).\n(٤) «أحكام القرآن» (٢/ ٣٣).","vol":"8","page":264},{"text":"وبينه الإمام النووي بأسلوب آخر فقال: (قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلًا ما يأمر به مجتنبًا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسا بما ينهى عنه فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخرة) (١).\nثالثا: الأخذ بهذا القول يؤدي إلى تعطيل الاحتساب:\nلو اشترطنا للأمر والناهي أن يكون فاعلًا لكل ما أمر به ومجتنبًا كل ما نهي عنه لن نجد من يقوم بالاحتساب، وبهذا يتعطل هذا الواجب العظيم. وقد نبه علماء الأمة –جزاهم الله تعالى خيرا- إلى هذا الأمر، فقد قال سعيد بن جبير: (لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف بمعروف ولا نهى عن منكر) (٢).\nوقال الإمام مالك تعليقًا على قوله: (وصدق، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟) (٣).\nوذكر القرطبي أن الحسن قال لمطرف بن عبد الله: (عظ أصحابك). فقال: (إني أخاف أن أقول ما لا أفعل)، قال: (يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول؟ يود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر) (٤).\nوبين هذا الإمام الطبري حيث يقول: (وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأولى فجيد، وإلا فيستلزم سد باب الأمر بالمعروف إذا لم يكن هناك غيره) (٥).\nرابعًا: عدم جدوى احتساب غير الكامل ليس بأمر دائم:\nلا شك أن دعوة الكامل أشد وقعًا في النفوس وأكثر استجابة من دعوة غير الملتزم لكن القول بأن دعوة غير الكامل أو احتسابه عديم الجدوى دائما غير صحيح.\nكم من أنبياء الله الكاملين الملتزمين لم تؤثر دعوتهم في أقرب أقاربهم. لم يستجب لنداء رسول الله نوح ﵇ ابنه، كما لم يستفد من دعوة خليل الله إبراهيم ﵇ أبوه، ولم تقبل قول نبي الله لوط ﵇ زوجته، كما لم يحول نصح أكمل خلق الله تعالى محمد ﷺ ووعظه عمه أبا طالب إلى الإسلام.\nوكم من أنبياء الله الكاملين دعوا أقوامهم فما آمن معهم إلا قليل، بل منهم من لم يؤمن به أحد.\nوعلى عكس هذا كم من أصحاب الدعوات الفاسدة – المخالفين لأقوالهم بأفعالهم – نرى لهم أتباعا كثيرين! وكم من دعاة حرمة الإنسان وحريته يجدون أنصارًا كثيرين مع أنهم من أشد الناس انتهاكًا لحرمته وحريته! وكم من حماة لحقوق العمال والشعوب – على حسب زعمهم – ولهم أتباع كثيرون رغم كونهم من أكثر الناس هضمًا لحقوقهم!\nفخلاصة القول ليس لأحد أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أن احتسابه لا يفيد بسبب تقصيره فلربما يفيد المقصر حيث لا يفيد فيه من هو أحسن منه حالًا.\nتنبيه:\nلا يفهم بما ذكر بأننا لا نرى بأسا من ترك المعروف وفعل المنكر للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، بل نؤكد أنه يجب عليه فعل المعروف وترك المنكر، وأنه يعرض نفسه لغضب الله تعالى عند التساهل في هذا. ونقرر أيضًا بأنه ينبغي أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه كما كان رسولنا محمد ﷺ.\nغاية ما في الأمر أن فعل المعروف وترك المنكر ليس شرطًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يقال لمن أمر بالمعروف ولم يفعله أو نهى عن المنكر وفعله: (لا تأمر بالمعروف ولا تنه عن المنكر)، بل نقول له: (استمر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتق الله تعالى في نفسك فمرها بالمعروف وانهها عن المنكر). والله تعالى أعلم بالصواب. شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لفضل إلهي- بتصرف– ص: ٢٠\n_________\n(١) «شرح النووي على صحيح مسلم» (٢/ ٢٣)، وانظر أيضًا «التفسير الكبير» (٣/ ٤٧)، و«تفسير البيضاوي» (١/ ١٥٠)، و«تفسير أبي السعود» (١/ ٩٧)، و«تفسير السراج المنير» (١/ ٥٥).\n(٢) نقلا عن «تفسير القرطبي» (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨).\n(٣) نقلا عن «تفسير القرطبي» (١/ ٣٦٨).\n(٤) نقلا عن «تفسير القرطبي» (١/ ٣٦٧).\n(٥) نقلا عن «فتح الباري» (١٣/ ٥٣).","vol":"8","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2260>الشبهة الرابعة: (ترك الاحتساب خشية الوقوع في الفتنة)</span>\nيقول بعض الناس: (لا نقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأننا نخشى الوقوع في الفتنة بسبب ذلك).\nكشف حقيقة هذه الشبهة: ...\n١ - ترك الاحتساب هو الذي يعرض العبد للفتنة.\n٢ - مشابهة هذا القول بتعليل المنافق الجد بن قيس للتخلف عن الغزوة.\n٣ - تعارض هذا القول مع وصية النبي ﷺ.\n٤ - منافاة هذا القول لسيرة الأنبياء والصالحين.\n٥ - تنبيه.\nأولا: ترك الاحتساب هو الذي يعرض العبد للفتنة:\nلنا أن نسأل أصحاب هذا القول: هل سلمتم من الفتنة بترككم الاحتساب أم أنكم وقعتم فيها؟\nتؤكد نصوص الكتاب والسنة أن ترك الاحتساب يعرض العبد للفتنة. ومن تلك النصوص قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ [الأنفال: ٢٥].\nيقول عبد الله بن عباس ﵄ في تفسير الآية: (أمر الله ﷿ المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم) (١).\nومنها ما رواه الإمام الطبراني عن العرس بن عميرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره، ولا تغيره، فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة» (٢).\nومنها ما روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك أنت ظالم، فقد تودع منهم» (٣).\nيقول القاضي عياض في شرح الحديث: (أصله من التوديع، وهو الترك، وحاصله أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمارة الخذلان وغضب الرب).\nولا يمكن الوقاية من هذه الفتنة إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول الشيخ جلال الدين المحلي في تفسير الآية: وَاتَّقُوا فِتْنَةً ... الآية. (واتقاؤها بإنكار موجبها من المنكر) (٤).\nثانيًا: مشابهة هذا القول بتعليل المنافق الجد بن قيس للتخلف عن الغزوة:\nمما يؤكد شناعة هذا التعليل لترك الاحتساب أنه عين التعليل الذي علل به الجد بن قيس عند تخلفه عن غزوة تبوك، فكشف العليم الخبير حقيقة تعليله وذمه في آيات تتلى إلى الأبد. فقد ذكر الإمام الطبري أن رسول الله ﷺ ذكر ذات يوم وهو في جهازه، للجد بن قيس أخي بني سلمة: «هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر؟\nفقال: يا رسول الله! أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله! لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبًا بالنساء مني. وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن.\nفأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: قد أذنت لك» (٥).\n_________\n(١) «تفسير البغوي» المطبوع على هامش تفسير الخازن (٣/ ٢٣)، وانظر أيضًا «تفسير الطبري» (١٣/ ٤٧٤).\n(٢) رواه الطبراني (١٧/ ١٣٨) (١٤٠٣١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٧١): رجاله ثقات.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ١٩٠) (٦٧٨٤)، والبزار (٦/ ٣٦٣) (٢٣٧٥)، والحاكم (٤/ ١٠٨) والبيهقي (٦/ ٩٥ رقم ١١٢٩٦). قال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبى، وقال الهيثمى (٧/ ٢٦٥): رواه أحمد، والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادى البزار رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١٠/ ٣٠).\n(٤) «تفسير الجلالين» (١/ ١٥١).\n(٥) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٨٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ١٨٠٩)، والطبراني في المعجم الأوسط (٥٦٠٤) والبيهقي في دلائل النبوة ٥/ ٢٢٥ وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٣): فيه يحيى الحماني وهو ضعيف. وقال الألباني: في «فقه السيرة» (ص٤٠٦): ضعيف.","vol":"8","page":266},{"text":"ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكَافِرِينَ [التوبة: ٤٩].\nثم يقول الإمام الطبري في تفسير الآية: (أي: إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله ﷺ والرغبة بنفسه عن نفسه، أعظم) (١).\nوهكذا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة طلب السلامة من فتنة لم تقع بعد، قد وقع في فتنة كبرى، ألا وهي ترك ما أوجبه الله تعالى عليه من الاحتساب.\nثالثًا: تعارض هذا القول مع وصية النبي الكريم ﷺ:\nيتنافى هذا القول مع ما أوصى به النبي الكريم ﷺ أصحابه من قول الحق، وأن لا يخافوا في الله لومة لائم، وأن لا يمنعهم خوف على النفس، أو الرزق من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن تلك الأحاديث – على سبيل المثال – ما روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يمنعن رجلًا منكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه وعلمه» (٢).\nوفي رواية أخرى: «فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم» (٣).\nفأين أصحاب هذه الشبهة من هذا الحديث الشريف ومن الأحاديث الأخرى مثلها؟\nرابعًا: منافاة هذا القول لسيرة الأنبياء والصالحين:\nأين أصحاب هذه الشبهة من سيرة الأنبياء والمرسلين والصالحين الذين عذبوا، وأخرجوا من ديارهم، وقوتلوا، وقتلوا بسبب قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أين هم من رجال هذه الأمة الذين تحققت فيهم – بفضل الله تعالى – بشرى رسول الله ﷺ: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب –﵁- ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله؟» (٤).\nتنبيه:\nلا يفهم مما كتبنا أنه لا ينظر إلى ما يترتب على القيام بالاحتساب ولا يعبأ به، بل إن هذا سيحسب له حسابه. فإن كانت المفسدة المترتبة عليه أعظم من المصلحة المتوقعة لا يقوم المرء بالاحتساب آنذاك، وإن كانت المصلحة المرجوة أعظم من المفسدة يجب عليه أن يقوم بالاحتساب إذًا. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات لابد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن مما أمر الله به، وإن كانت قد ترك واجب وفعل محرم) (٥).\nلكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد ليس بهوى الناس بل – كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – (هو بميزان الشريعة) (٦).\nولا يعني كلامنا أيضًا أن نفرط بأنفسنا في الاحتساب، وأن نلقي بأيدينا إلى التهلكة. إن الذي نقصده أن لا يكون الخوف على النفس أو الرزق مانعًا من الاحتساب، ولكن أخذ الحيطة والحذر أمر مطلوب مثل ما هو الحال في الجهاد بالسيف. وفي هذا يقول الشيخ محمد رشيد رضا: (ولا نترك الدعوة إلى الخير ولا الجهاد دونه خوفًا على أنفسنا حرصًا على الحياة الدنيا، ولا نفرط بأنفسنا في أثناء دعوتنا وجهادنا فيما لا تتوقف الدعوة ولا حمايتها عليه. وقد يكون أكثر ما يصيب الداعي إلى الخير من الأذى ناشئًا عن طريقة الدعوة وكيفية سوقها إلى المدعو، لاسيما إذا كان مسلمًا، وكانت الدعوة مؤيدة بالكتاب والسنة) (٧).\nوالله أعلم بالصواب. شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لفضل إلهي -بتصرف– ص: ٢٥\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٤/ ٢٨٧).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤٤) (١١٤٢١)، وأبو يعلى (٢/ ٤١٩) (١٢١٢)، وابن حبان (١/ ٥٠٩) (٢٧٥)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٩٩). والحديث صحح إسناده ابن حجر على شرط مسلم في «الأمالي المطلقة» (١٦٣).\n(٣) رواه أبو يعلى (٢/ ٥٣٦) (١٤١١)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/ ١٦٢) (٢٨٠٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٦٨): رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني، وقال في (٧/ ٢٧٥): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح، وقال ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (١٦٥): رجاله رجال مسلم لكن في سماع الحسن من أبي سعيد نظر.\n(٤) رواه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٢١٥)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد) (٦/ ٣٧٦). من حديث جابر ﵁. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الشوكاني في «در السحابة» (ص: ٢٦٣): في إسناده حكيم بن زيد قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله ثقات، والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (ص: ٣٧٤).\n(٥) كتاب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص: ١٧) باختصار.\n(٦) كتاب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص: ٢١).\n(٧) «تفسير المنار» (٤/ ٣٢ - ٣٣).","vol":"8","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2261>الشبهة الخامسة: (ترك الاحتساب بسبب عدم استجابة الناس)</span>\nيقول بعض الناس: (ينبغي أن لا نضيع جهودنا وأوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث إنهم لا يستجيبون).\nبيان حقيقة هذه الشبهة: ...\n١ - لا يشترط لوجوب الاحتساب قبول الناس.\n٢ - الحكم على الناس بعدم الاستجابة من الأمور الغيبية.\n٣ - وجوب التأسي بالرسول الكريم ﷺ في هذا الأمر.\nأولا: لا يشترط لوجوب الاحتساب قبول الناس:\nلم يشترط الله تعالى ولا رسوله ﷺ لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استجابة الناس، بل أوجب الله تعالى على نبيه الكريم ﷺ وعلى أمته تبليغ الناس أوامره ونواهيه سواء استجابوا أم لم يستجيبوا. وقد وردت نصوص كثيرة تبين هذا. منها على سبيل المثال قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَلَاغُ المُبِينُ [النور:٥٤].\nومنها قوله تعالى: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ [آل عمران: ٢٠].\nومنها قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلَاغُ المُبِينُ [المائدة: ٩٢].\nومنها قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ المُبِينُ [النحل: ٨٢].\nومنها قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلَاغُ المُبِينُ [التغابن: ١٢].\nومنها قوله تعالى: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا البَلَاغُ المُبِينُ [النحل: ٣٥].\nومنها قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ [هود: ٥٧].\nومنها قوله تعالى: وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ وَعَلَيْنَا الحِسَابُ [الرعد: ٤٠].\nومنها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧].\nومنها قوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢١ - ٢٢].\nفمهمة الرسول الكريم ﷺ وهكذا مهمة أمته أن يبلغوا الناس أوامر الله تعالى ونواهيه ويذكروهم سواء استجابوا أم لم يستجيبوا ولا عذر لهم عند الله لترك هذه المهمة الجليلة بسبب إعراض الناس عنهم. وفي هذا الصدد يقول الإمام النووي: (وقال العلماء ﵃: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين). وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول، وكما قال الله ﷿: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَلَاغُ (١).\nومما يؤكد هذا ما قصه الله تعالى عن أصحاب السبت حيث استمر الصالحون في نهي العصاة عن التحايل للصيد يوم السبت، ولم يتركوا الاحتساب بسبب عدم استجابة العصاة، بل صرحوا أنهم يقصدون من وراء احتسابهم أمرين:\nأ- أن يقبل عذرهم عند الله تعالى.\nب- لعل العصاة يستجيبون فيتركون التحايل ويتوبون إلى الله تعالى.\nيقول ﷾ عن قصتهم: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأعراف: ١٦٤].\n_________\n(١) «شرح النووي على صحيح مسلم» (٢/ ٢٢ - ٢٣).","vol":"8","page":268},{"text":"ويقول الإمام ابن العربي في تفسير الآية: (لما فعلوا هذا نهاهم كبراؤهم، ووعظهم أحبارهم فلم يقبلوا منهم فاستمروا في نهيهم لهم، ولم يمنع من التمادي على الوعظ والنهي عدم قبولهم لأنه فرض قبل أو لم يقبل، حتى قال لهم بعضهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ يعني في الدنيا أو مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قال لهم الناهون: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي نقوم بفرضنا ليثبت عذرنا عند ربنا) (١).\nثانيًا: الحكم على الناس بعدم الاستجابة من الأمور الغيبية:\nإن الحكم على الناس بأنهم لا يستفيدون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور الغيبية التي لا يعرفها إلا العليم الخبير. إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع رب العباد، يقلبها متى شاء وكيف ما شاء. وما أسهل على الله تقليبها. فقد روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه حيث شاء» (٢).\nوقد شبه رسول الله ﷺ سهولة تصريف قلوب العباد بتقليب ريشة بأرض فلاة. فقد روى الإمام ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل القلب مثل الريشة، تقلبها الرياح بفلاة» (٣).\nوكم من أشخاص يراهم الناس من أتقى الناس فيتحولون إلى أفسق الناس، وكم من أفسق الناس يأتيهم الموت وهم من أتقى الناس. هذه حقيقة نقرؤها في سير الناس، ونشاهدها في حياتنا اليومية، وبينها الصادق المصدوق الناطق بالوحي ﷺ بقوله: «إن العبد ليعمل – فيما يرى الناس – عمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار، ويعمل – فيما يرى الناس – عمل أهل النار، وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بخواتيهما» (٤).\nفإذا كان البشر يجهل خواتيم الآخرين فكيف يسوغ له أن يفترض أنهم لا يستجيبون، ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استنادًا إلى هذا الافتراض؟\nثالثًا: وجوب التأسي بالرسول الكريم ﷺ في هذا الأمر:\nجعل الله تعالى في رسوله الكريم ﷺ أسوة لنا حيث يقول عز من قائل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١]. قلنا أن نسأل أصحاب هذه الشبهة: هل ترك ﷺ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نظرًا لعدم استجابة الناس؟\nكلا، بل استمر صلوات الله وسلامه عليه في ذلك في أشد الأحوال وأصعبها راجيًا من الله هداية المخاطبين، بل هداية أجيالهم القادمة إن لم يستجب الجيل الموجود. وسيرته الطاهرة تدل على هذا. فقد روى الإمام مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟\n_________\n(١) «أحكام القرآن» (٢/ ٧٩٧)، وانظر «تفسير القاسمي» (٧/ ٧٩٧).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٥٤). من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(٣) رواه ابن ماجه (٧١). وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٤) رواه البخاري (٦٦٠٧) بلفظ: «الخواتيم» «بخواتيمها».","vol":"8","page":269},{"text":"فقال: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني. فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله ﷿ قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال له رسول الله ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا» (١).\nهل يتوقع بعد ذلك ممن ينتسب إلى هذا النبي الكريم ﷺ الحريص على هداية الناس أن يقول: (ينبغي أن لا نضيع جهودنا وأوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث إنهم لا يستجيبون؟).\nاحتجاج أصحاب الشبهة ببعض الآيات:\nيحتج أصحاب هذه الشبهة ببعض النصوص التي جاء فيها – على حسب زعمهم – الأمر بالتذكير مشروطًا بالنفع، أو مخصوصًا لمن خاف الوعيد، أو خشي الرحمن بالغيب، واتبع الذكر. ومن هذه النصوص:\nقوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩].\nوقوله تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ [فاطر: ١٨].\nوقوله تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ [يس: ١١].\nوقوله تعالى: فَذَكِّرْ بِالقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق: ٤٥].\nقالوا: نجد في هذه الآيات بأن الله تعالى اشترط لأمره بالتذكير نفع الذكرى، كما أرشد نبيه الكريم ﷺ أن يقتصر في إنذاره على (من يخاف الوعيد). (وخشي الرحمن بالغيب)، و(اتبع الذكرى).\nلذا لا داعي لبذل الجهود في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر وهم لا يستجيبون.\nكشف النقاب عن حقيقة الاحتجاج:\nسنبين بتوفيق الله تعالى حقيقة احتجاجهم بالآيات من وجهين:\n١ - النظر في سيرة من أنزل عليه ﷺ تلك الآيات.\n٢ - المراد بالآيات على ضوء تفسير المفسرين.\nأولًا: النظر في سيرة من أنزل عليه ﷺ تلك الآيات:\nأنزلت تلك الآيات على محمد ﷺ، وهو الذي كان يتلوها على المؤمنين، ويعلمهم إياها، وإليه أسندت مهمة بيانها، وكان ﷺ صورة حية لما نزلت عليه من الآيات لنا أن نسأل هؤلاء هل ترك ﷺ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب إعراض الناس؟، كلا، فقد استمر في التذكير والإنذار رغم عناد الكفرة وتمردهم، والفهم الصحيح للآيات هو فهمه ﷺ، وكل استنباط أو استدلال يعارض فهمه وعمله باطل ومردود على صاحبه.\nثانيًا: المراد بالآيات على ضوء تفسير المفسرين:\nبيَّن المفسرون المراد بتلك الآيات فأجادوا وأفادوا جزاهم الله تعالى عنا خير الجزاء، وسنذكر بعض ما ذكروا – بعون الله تعالى – في هذا المقام.\nأما قوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى فنترك مجال تفسيره للإمام الرازي حيث يقول مثيرًا بعض الأسئلة حوله:\nالسؤال الأول: أنه ﵇ كان مبعوثًا إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى؟\nالجواب: أن المعلق (بإن) على الشيء لا يلزم أن يكون عدمًا عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه الآيات، منها هذه الآية.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٧٩٥).","vol":"8","page":270},{"text":"ومنها قوله تعالى: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور: ٣٣].\nومنها قوله: وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة: ١٧٢].\nومنها قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ [النساء: ١٠١] فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف.\nومنها قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ [البقرة: ٢٨٣]. والرهن جائز مع الكتابة.\nومنها قوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ [البقرة: ٢٣٠]. والمراجعة جائزة بدون هذا الظن (١).\nويتابع الإمام الرازي كلامه ويقول: (إذا عرفت هذا ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد:\nإحداها: أن من باشر فعلًا لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض، كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي علم فيها عدم ذلك الإفضاء، فلذلك قال: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى.\nوثانيها: أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ونبه على الأخرى كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ [النحل: ٨١] والتقدير فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى أو لم تنفع.\nوثالثها: أن المراد به البعث على انتفاع بالذكرى كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق: وقد أوضحت لك إن كنت تعقل. فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع.\nورابعها: أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول ﷺ أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل: ادع فلانا إن أجابك ما أراه يجبيك.\nوخامسها: أنه ﵇ دعا إلى الله كثيرًا، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر، وكان ﵇ يحترق حسرة على ذلك، فقيل له: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق: ٤٥] إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط) (٢).\nوأما قوله تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ [فاطر: ١٨]. فبين المفسرون رحمهم الله تعالى بأن المنتفعين بالإنذار هم أولئك، وليس المعنى بأن غيرهم لا يذكر ولا ينذر. يقول أبو القاسم الغرناطي: (المعنى أن الإنذار لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم، وليس المعنى اختصاصهم بالإنذار) (٣).\nوأما قوله تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ [يس: ١١] فالمراد به – كما بين المفسرون – مثل المقصود بالآية السابقة. يقول أبو القاسم الغرناطي في تفسيره: (معناه كقوله: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وقد ذكرناه في فاطر) (٤).\nوأما قوله تعالى: فَذَكِّرْ بِالقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق: ٤٥] فهو – كما يقول أبو القاسم الغرناطي – كقوله: إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ لأنه لا ينفع التذكير إلا من يخاف (٥).\nفخلاصة القول أن الاستدلال بتلك الآيات على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب عدم استجابة الناس غير صحيح. شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لفضل إلهي- بتصرف– ص: ٣٠\n_________\n(١) «التفسير الكبير» (٣١/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(٢) «التفسير الكبير» (٣١/ ١٤٤).\n(٣) «كتاب التسهيل» (٣/ ٣٤٢).\n(٤) كتاب «التسهيل» (٣/ ٣٥٢). وانظر أيضًا: «زاد المسير» (٧/ ٨)، و«تفسير القاسمي» (١٤/ ٦٢).\n(٥) انظر كتاب «التسهيل» (٣/ ١١٩).","vol":"8","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2265>المطلب الأول: تعريف الولاية والولي لغة</span>\nالولي بفتح فسكون: القرب والدنو، وحصول ثان بعد أول من غير فصل يقال: تباعد بعد ولى، وكل مما يليك أي يقاربك. ويقال سقط الولي وهو المطر يلي الوسمي ويحصل بعده. والمطر الولي يقال أيضًا بوزن فعيل.\nوالولاء بالفتح: القرابة والنصرة يقال بينهما ولاء. وبالكسر الموالاة والمتابعة تقول أفعل هذه الأشياء على الولاء وتوالى عليه شهران. والموالاة بين شخصين تكون أيضًا مضادة للمعاداة.\nوالولاية بالكسر السلطان يقال وليت الأمر إليه فأنا وال. ونحن ولاة وبالفتح النصرة يقال هم على ولاية إذا اجتمعوا على النصرة. وتكون الولاية بالكسر على هذا المعنى عند الجمهور، وجعلها سيبويه اسمًا لما توليته وقمت به.\nوالمولى ابن العم، والعاصب، والحليف والناصر، والجار.\nوالولي وزان فعيل ضد العدو من وليه إذا قام به يكون بمعنى فاعل وبمعنى مفعول فمن الأول الله ولي الذين آمنوا، ومن الثاني المؤمن ولي الله للمطيع له. وكل من ولى أمر غيره فهو وليه. ويطلق على ابن العم والناصر والصديق والمحب. تقول توليته إذا جعلته وليًا. ومنه: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم). كل هذا من الصحاح والقاموس والأساس والمصباح. رسالة الشرك ومظاهره لمبارك بن محمد الميلي– ص: ١١٢","vol":"8","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2266>المطلب الثاني: تعريف الولاية والولي اصطلاحا</span>\nوأما تعريف الولي في الاصطلاح: فقد عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال:\n(وقد قيل إن الولي سمي وليًا من موالاته للطاعات أي متابعته لها ويقابل الولي العدو على أساس من القرب والبعد) (١).\nوقال الإمام الشوكاني في تفسيره:\n(والمراد بأولياء الله خلقه المؤمنين كأنهم قربوا من الله سبحانه بطاعته واجتناب معصيته وقد فسر سبحانه هؤلاء الأولياء بقوله: الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس: ٦٣] أي يؤمنون بما يجب الإيمان به ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من معاصي الله سبحانه) (٢).\nوقال الدكتور إبراهيم هلال:\n(وهذا المعنى الذي يدور بين الحب والقرب هو الذي أراده القرآن الكريم من كلمة ولي ومشتقاتها في كل موضع أتى بها فيه سواء في جانب أولياء الله أو في جانب أولياء أعداء الله وأعداء الشيطان) (٣).\nوقد بين الله ﷾ في كتابه وسنة رسوله ﷺ أن لله أولياء من الناس وللشيطان أولياء ففرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فقد قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس: ٦٢ - ٦٤].\nوقال تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٥٧].\nوقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١].\nوذكر أولياء الشيطان فقال تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].\nوقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: ٧٦].\nوقال تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٥].\nوعلى هذا فالتقسيم الصحيح للناس في هذه الحياة الدنيا هو أنهم ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما وهو أن أي أحد من الإنس أو الجن في هذه الحياة إما أن يكون وليا لله وإما أن يكون عدوًا لله وليست الولاية محصورة في أشخاص معينين كما يزعم الصوفية ذلك بل ما نعتقده هو أن أي مسلم يؤمن بالله وبرسوله وينفذ أوامر الله ويجتنب نواهيه فهو ولي من أولياء الله ﷾.\n_________\n(١) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص: ٦).\n(٢) «فتح القدير» (٢/ ٤٥٧).\n(٣) «ولاية الله والطريق إليها» لإبراهيم هلال (ص: ٧١).","vol":"8","page":273},{"text":"ثم إن من شرط ولاية الله ﷾ هو أن يؤمن الإنسان بالله وبرسوله وأن يتبع الرسول في الظاهر والباطن وكل من يدعي محبة الله وولايته بدون متابعة الرسول ﷺ فهو كاذب مفتر دجال وليس من أولياء الله بل هو من أولياء الشيطان قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ [آل عمران: ٣١]\nقال الحسن البصري ﵀:\n(ادعى قوم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنة لهم وقد بين الله فيها أن من اتبع الرسول يحبه ومن ادعى محبة الله ولم يتبع الرسول ﷺ فليس من أولياء الله وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو غيرهم أنهم من أولياء الله ولا يكونون من أولياء الله.\nفاليهود والنصارى يدعون أنهم أولياء الله وأنه لا يدخل الجنة إلا من كان معهم بل يدعون أنهم أبناؤه وأحباؤه.\nوكان مشركو العرب يدعون أنهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت وكانوا يستكبرون على غيرهم) (١).\nولكن الصوفية خصصوا لولاية الله ﷾ أعدادًا معينة في حدود الأربعين أو الثلاثمائة أو غيرها من الأعداد التي يذكرها المتصوفة لمن يطلقون عليهم أنهم أولياء الله وأصبحوا يصفونهم بأوصاف لا تليق إلا بالله ﷾ حيث ادعوا بأن الأولياء يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون تصرفًا مطلقًا ويدعون ويستغاث بهم من دون الله وهذه كلها معتقدات فاسدة دخيلة على الإسلام جلبها المتصوفة من الطوائف الوثنية الضالة التي تعبد البشر من دون الله. مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية وأثرها السيء على الأمة الإسلامية لإدريس محمود إدريس– ٢/ ٥٤٨\n(وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب وتبغض ما يبغض وتكره ما يكره وتسخط ما يسخط وتوالي من يوالي وتعادي من يعادي) (٢).\n(والمراد بولي الله العالم بالله المواظب على طاعته المخلص في عبادته) (٣).\nوقال ابن القيم ﵀: (فالولاية هي عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه) (٤).\nوقال أيضًا ﵀: (فولي الله هو القريب منه المختص به) (٥).\nوقال ابن تيمية ﵀: (والولاية هي الإيمان والتقوى المتضمنة للتقرب بالفرائض والنوافل) (٦).\nوقال أيضًا ﵀: (فولي الله من والاه بالموافقة له في محبوباته ومرضاته وتقرب إليه بما أمر به من طاعته) (٧).\nوقال السيوطي ﵀: (وهو العارف بالله حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات المجتنب للمعاصي المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات) (٨). التعريفات الاعتقادية لسعد بن محمد بن علي آل عبد اللطيف– ص: ٣٢٢\n_________\n(١) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص: ٩).\n(٢) «الاستقامة» (٢/ ١٢٨) لابن تيمية.\n(٣) «فتح الباري» (١٠/ ٣٥٠) لابن حجر.\n(٤) «الجواب الكافي» (ص: ١٣٧)، وانظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٧٠٥).\n(٥) «بدائع الفوائد» (٣/ ١٠٦).\n(٦) «مجمود الفوائد» (١٠/ ٤٤٠).\n(٧) «مجمود الفوائد» (١١/ ٦٢).\n(٨) «إتمام الدراية» (ص: ٧)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ٣٧٣)، (١١/ ١٦١)، و«تفسير الخازن» (٢/ ٤٥١).","vol":"8","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2267>المطلب الثالث: اجتماع الولاية والعداوة</span>\nوتجتمع في المؤمن ولاية من وجه، وعداوة من وجه، كما قد يكون فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان. وإن كان في هذا الأصل نزاع لفظي بين أهل السنة، ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع، كما تقدم في الإيمان. ولكن موافقة الشارع في اللفظ والمعنى - أولى من موافقته في المعنى وحده، قال تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦]. وقال تعالى: قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤]، الآية. وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وأنهم ليسوا منافقين على أصح القولين. وقال ﷺ: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» وفي رواية: «وإذا ائتمن خان»، بدل: «وإذا وعد أخلف». أخرجاه في الصحيحين (١). وحديث شعب الإيمان ... وقوله ﷺ: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» (٢).\nفعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار، وإن كان معه كثير من النفاق، فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك، ثم يخرج من النار.\nفالطاعات من شعب الإيمان، والمعاصي من شعب الكفر، وإن كان رأس شعب الكفر الجحود، ورأس شعب الإيمان التصديق.\nوأما ما يروى مرفوعا إلى النبي ﷺ أنه قال: «ما من جماعة اجتمعت إلا وفيهم ولي لله، لا هم يدرون به، ولا هو يدري بنفسه» -: فلا أصل له، وهو كلام باطل، فإن الجماعة قد يكونون كفارا، وقد يكونون فساقا يموتون على الفسق. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز- ٢/ ٥٠٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٤) (٢٤٥٩) ومسلم (٥٨/ ١٠٦) من حديث عبد الله بن عمرو.\n(٢) رواه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣). من حديث أنس ﵁.","vol":"8","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2268>المبحث الثاني: شروط الولي</span>\nلا يكون وليا لله إلا من آمن بالرسول وبما جاء به واتبعه باطنا وظاهرا ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله؛ بل من خالفه كان من أعداء الله وأولياء الشيطان قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:٣١] قال الحسن البصري ﵀ ادعى قوم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنة لهم وقد بين الله فيها أن من اتبع الرسول فإن الله يحبه ومن ادعى محبة الله ولم يتبع الرسول ﷺ فليس من أولياء الله وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء الله ولا يكونون من أولياء الله فاليهود والنصارى يدعون أنهم أولياء الله وأحباؤه. قال تعالى: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ الآية [المائدة: ١٨]. وقال تعالى: وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ إلى قوله وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ١١١، ١١٢]. وكان مشركو العرب يدعون أنهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت وكانوا يستكبرون به على غيرهم كما قال تعالى قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:٦٦، ٦٧] وقال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ إلى قوله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ [الأنفال:٣٠ - ٣٤] فبين سبحانه أن المشركين ليسوا أولياءه ولا أولياء بيته إنما أولياؤه المتقون. وثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاص ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول جهارا من غير سر: «إن آل فلان ليسوا لي بأولياء - يعني طائفة من أقاربه - إنما وليي الله وصالح المؤمنين» (١) وهذا موافق لقوله تعالى فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين الآية. وصالح المؤمنين هو من كان صالحا من المؤمنين وهم المؤمنون المتقون أولياء الله. ودخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائة وكلهم في الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» (٢) ومثل هذا الحديث الآخر: «إن أوليائي المتقون أيا كانوا وحيث كانوا» (٣).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢١٥/ ٣٦٦). من حديث عمرو بن العاص ﵁.\n(٢) [١٤١٥٨]» رواه أبو داود (٤٦٥٣)، والترمذي (٣٨٦٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٦٤)، وابن حبان (١١/ ١٢٧)، وأحمد (٣/ ٣٥٠) (١٤٨٢٠)، من حديث جابر ﵁، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».\n(٣) رواه الإمام أحمد (٥/ ٢٣٥) والطبراني كما في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٣٢) من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال الهيثمي (١٠/ ٢٣٤): إسناده جيد وقال الألباني في «فقه السيرة» (٤٥٣): صحيح.","vol":"8","page":276},{"text":"كما أن من الكفار من يدعي أنه ولي الله وليس وليا لله؛ بل عدو له فكذلك من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يقرون في الظاهر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه مرسل إلى جميع الإنس؛ بل إلى الثقلين الإنس والجن ويعتقدون في الباطن ما يناقض ذلك مثل ألا يقروا في الباطن بأنه رسول الله وإنما كان ملكا مطاعا ساس الناس برأيه من جنس غيره من الملوك أو يقولون إنه رسول الله إلى الأميين دون أهل الكتاب كما يقوله كثير من اليهود والنصارى أو أنه مرسل إلى عامة الخلق وأن لله أولياء خاصة لم يرسل إليهم ولا يحتاجون إليه؛ بل لهم طريق إلى الله من غير جهته كما كان الخضر مع موسى أو أنهم يأخذون عن الله كل ما يحتاجون إليه وينتفعون به من غير واسطة أو أنه مرسل بالشرائع الظاهرة وهم موافقون له فيها وأما الحقائق الباطنة فلم يرسل بها أو لم يكن يعرفها أو هم أعرف بها منه أو يعرفونها مثل ما يعرفها من غير طريقته ...\nوالمقصود هنا أن فيمن يقر برسالته العامة في الظاهر من يعتقد في الباطن ما يناقض ذلك فيكون منافقا وهو يدعي في نفسه وأمثاله أنهم أولياء الله مع كفرهم في الباطن بما جاء به الرسول ﷺ إما عنادا وإما جهلا كما أن كثيرا من النصارى واليهود يعتقدون أنهم أولياء الله وأن محمدا رسول الله؛ ولكن يقولون إنما أرسل إلى غير أهل الكتاب وأنه لا يجب علينا اتباعه لأنه أرسل إلينا رسلا قبله فهؤلاء كلهم كفار مع أنهم يعتقدون في طائفتهم أنهم أولياء الله وإنما أولياء الله الذين وصفهم الله تعالى بولايته بقوله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس: ٦٢، ٦٣].","vol":"8","page":277},{"text":"ولا بد في الإيمان من أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويؤمن بكل رسول أرسله الله وكل كتاب أنزله الله فلا بد في الإيمان من أن تؤمن أن محمدا ﷺ خاتم النبيين لا نبي بعده وأن الله أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإنس فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن؛ فضلا عن أن يكون من أولياء الله المتقين؛ ومن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ليس بمؤمن كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء:١٥٠ - ١٥٢] ومن الإيمان به الإيمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه. ووعده ووعيده وحلاله وحرامه؛ فالحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ﷺ فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقا إلى الله من غير متابعة محمد ﷺ فهو كافر من أولياء الشيطان ... وفي أصناف المشركين من مشركي العرب ومشركي الهند والترك واليونان وغيرهم من له اجتهاد في العلم والزهد والعبادة؛ ولكن ليس بمتبع للرسل ولا يؤمن بما جاءوا به ولا يصدقهم بما أخبروا به ولا يطيعهم فيما أمروا فهؤلاء ليسوا بمؤمنين ولا أولياء لله وهؤلاء تقترن بهم الشياطين وتنزل عليهم فيكاشفون الناس ببعض الأمور ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر وهم من جنس الكهان والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين. قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٣]. وهؤلاء جميعهم الذين ينتسبون إلى المكاشفات وخوارق العادات إذا لم يكونوا متبعين للرسل فلا بد أن يكذبوا وتكذبهم شياطينهم. ولا بد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور مثل نوع من الشرك أو الظلم أو الفواحش أو الغلو أو البدع في العبادة؛ ولهذا تنزلت عليهم الشياطين واقترنت بهم فصاروا من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن. قال الله تعالى: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين [الزخرف:٣٦] وذكر الرحمن هو الذكر الذي بعث به رسوله ﷺ مثل القرآن فمن لم يؤمن بالقرآن ويصدق خبره ويعتقد وجوب أمره فقد أعرض عنه فيقيض له الشيطان فيقترن به ... الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية – ص٥٧ بتصرف يسير","vol":"8","page":278},{"text":"وإذا كان العبد لا يكون وليا لله إلا إذا كان مؤمنا تقيا لقوله تعالى أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٢ - ٦٣] وفي صحيح البخاري الحديث المشهور - وقد تقدم - يقول الله ﵎ فيه: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» (١) ولا يكون مؤمنا تقيا حتى يتقرب إلى الله بالفرائض فيكون من الأبرار أهل اليمين ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين المقربين فمعلوم أن أحدا من الكفار والمنافقين لا يكون وليا لله. وكذلك من لا يصح إيمانه وعباداته وإن قدر أنه لا إثم عليه مثل أطفال الكفار ومن لم تبلغه الدعوة - وإن قيل إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسول - فلا يكونون من أولياء الله إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين؛ فمن لم يتقرب إلى الله لا بفعل الحسنات ولا بترك السيئات لم يكن من أولياء الله. وكذلك المجانين والأطفال؛ فإن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم. وعن النائم حتى يستيقظ». وهذا الحديث قد رواه أهل السنن من حديث علي وعائشة ﵄ (٢). واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول. لكن الصبي المميز تصح عباداته ويثاب عليها عند جمهور العلماء. وأما المجنون الذي رفع عنه القلم فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء. ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات؛ بل لا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة والصناعة. فلا يصلح أن يكون بزازا ولا عطارا ولا حدادا ولا نجارا ولا تصح عقوده باتفاق العلماء. فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته. ولا غير ذلك من أقواله بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي ولا ثواب ولا عقاب. بخلاف الصبي المميز فإن له أقوالا معتبرة في مواضع بالنص والإجماع وفي مواضع فيها نزاع. وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل وامتنع أن يكون وليا فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي لله؛ لا سيما أن تكون حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها منه أو نوع من تصرف مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صرع؛ فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين - من المشركين وأهل الكتاب - لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهان والسحرة وعباد المشركين وأهل الكتاب فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا لله وإن لم يعلم منه ما يناقض ولاية الله فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي ﷺ باطنا وظاهرا؛ بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة. أو يعتقد أن لأولياء الله طريقا إلى الله غير طريق الأنبياء ﵈. أو يقول: إن الأنبياء ضيقوا الطريق أو هم على قدوة العامة دون الخاصة ونحو ذلك مما يقوله بعض من يدعي الولاية فهؤلاء فيهم من الكفر ما يناقض الإيمان. فضلا عن ولاية الله ﷿. فمن احتج بما يصدر عن أحدهم من خرق عادة على ولايتهم كان أضل من اليهود والنصارى.\nوإن كان له في حال إفاقته فيه كفر أو نفاق أو كان كافرا أو منافقا ثم طرأ عليه الجنون فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه وجنونه لا يحبط عنه ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٠٢).\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٩٨) والنسائي (٣٤٣٢) وابن ماجه (٢٠٤١) من حديث عائشة، ورواه أبو داود (٤٤٠١، ٤٤٠٢، ٤٤٠٣) والترمذي (١٤٢٣) النسائي في الكبرى (٥٦٢٥) من حديث علي.","vol":"8","page":279},{"text":"وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحا كما قيل: كم من صديق في قباء وكم من زنديق في عباء؛ بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد ﷺ إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم ويوجدون في أهل الجهاد والسيف ويوجدون في التجار والصناع والزراع. وقد ذكر الله أصناف أمة محمد ﷺ في قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل:٢٠] .......\nوليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ؛ بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ومما نهى الله عنه ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان لبسها عليه لنقص درجته ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى؛ فإن الله ﷾ تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ......\nولهذا لما كان ولي الله يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولي لله لئلا يكون نبيا؛ بل ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقا للشرع وعلى ما يقع له مما يراه إلهاما ومحادثة وخطابا من الحق؛ بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد ﷺ فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف؟ توقف فيه. والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف طرفان ووسط؛ فمنهم من إذا اعتقد في شخص أنه ولي لله وافقه في كل ما يظن أنه حدث به قلبه عن ربه وسلم إليه جميع ما يفعله ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية وإن كان مجتهدا مخطئا وخيار الأمور أوساطها وهو أن لا يجعل معصوما ولا مأثوما إذا كان مجتهدا مخطئا فلا يتبع في كل ما يقوله ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده. والواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء ووافق قول آخرين لم يكن لأحد أن يلزمه بقول المخالف ويقول هذا خالف الشرع ........","vol":"8","page":280},{"text":"وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ. وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم فإن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه يجب لهم الإيمان بجميع ما يخبرون به عن الله ﷿ وتجب طاعتهم فيما يأمرون به؛ بخلاف الأولياء فإنهم لا تجب طاعتهم في كل ما يأمرون به ولا الإيمان بجميع ما يخبرون به؛ بل يعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنة فما وافق الكتاب والسنة وجب قبوله وما خالف الكتاب والسنة كان مردودا وإن كان صاحبه من أولياء الله وكان مجتهدا معذورا فيما قاله له أجر على اجتهاده. لكنه إذا خالف الكتاب والسنة كان مخطئا وكان من الخطإ المغفور إذا كان صاحبه قد اتقى الله ما استطاع؛ فإن الله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:١٦] ......... وهذا الذي ذكرته من أن أولياء الله يجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنة وأنه ليس فيهم معصوم يسوغ له أو لغيره اتباع ما يقع في قلبه من غير اعتبار بالكتاب والسنة هو مما اتفق عليه أولياء الله ﷿ من خالف في هذا فليس من أولياء الله سبحانه الذين أمر الله باتباعهم؛ بل إما أن يكون كافرا وإما أن يكون مفرطا في الجهل. وهذا كثير في كلام المشايخ كقول الشيخ أبي سليمان الداراني: إنه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب والسنة. وقال أبو القاسم الجنيد رحمة الله عليه: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا أو قال: لا يقتدى به. وقال أبو عثمان النيسابوري من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة؛ لأن الله تعالى يقول في كلامه القديم وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور:٥٤] وقال أبو عمرو بن نجيد: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل. وكثير من الناس يغلط في هذا الموضع فيظن في شخص أنه ولي لله ويظن أن ولي الله يقبل منه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يفعله وإن خالف الكتاب والسنة فيوافق ذلك الشخص له ويخالف ما بعث الله به رسوله الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر وجعله الفارق بين أوليائه وأعدائه وبين أهل الجنة وأهل النار وبين السعداء والأشقياء فمن اتبعه كان من أولياء الله المتقين وجنده المفلحين وعباده الصالحين؛ ومن لم يتبعه كان من أعداء الله الخاسرين المجرمين فتجره مخالفة الرسول وموافقة ذلك الشخص أولا إلى البدعة والضلال وآخرا إلى الكفر والنفاق الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية – ص: ١٢١","vol":"8","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2270>المطلب الأول: أقسام الأولياء</span>\nأولياء الله على طبقتين سابقون مقربون وأصحاب يمين مقتصدون. ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز في أول سورة الواقعة وآخرها وفي سورة الإنسان؛ والمطففين وفي سورة فاطر فإنه ﷾ ذكر في الواقعة القيامة الكبرى في أولها وذكر القيامة الصغرى في آخرها فقال في أولها إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ [الواقعة:١ - ١٤] فهذا تقسيم الناس إذا قامت القيامة الكبرى التي يجمع الله فيها الأولين والآخرين كما وصف الله سبحانه ذلك في كتابه في غير موضع. ثم قال تعالى في آخر السورة: فَلَوْلَا أي: فهلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:٨٣ - ٩٦] .......\nوأولياء الله تعالى على نوعين: مقربون وأصحاب يمين كما تقدم. وقد ذكر النبي ﷺ عمل القسمين في حديث الأولياء فقال «يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها» (١). فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إليه بالفرائض يفعلون ما أوجب الله عليهم ويتركون ما حرم الله عليهم ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات؛ ولا الكف عن فضول المباحات. وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض ففعلوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبهم الرب حبا تاما كما قال تعالى: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» يعني الحب المطلق كقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [الفاتحة:٦، ٧] أي أنعم عليهم الإنعام المطلق التام المذكور في قوله تعالى وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء: ٦٩] فهؤلاء المقربون صارت المباحات في حقهم طاعات يتقربون بها إلى الله ﷿ فكانت أعمالهم كلها عبادات لله فشربوا صرفا كما عملوا له صرفا والمقتصدون كان في أعمالهم ما فعلوه لنفوسهم فلا يعاقبون عليه ولا يثابون عليه فلم يشربوا صرفا؛ بل مزج لهم من شراب المقربين بحسب ما مزجوه في الدنيا ......\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٠٢).","vol":"8","page":282},{"text":"وقد ذكر الله تعالى أولياءه المقتصدين والسابقين في سورة فاطر في قوله تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر٣٢ - ٣٥] لكن هذه الأصناف الثلاثة في هذه الآية هم أمة محمد ﷺ خاصة كما قال تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:٣٢]. وأمة محمد ﷺ هم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمم المتقدمة وليس ذلك مختصا بحفاظ القرآن؛ بل كل من آمن بالقرآن فهو من هؤلاء وقسمهم إلى ظالم لنفسه ومقتصد وسابق؛ بخلاف الآيات التي في الواقعة والمطففين والانفطار فإنه دخل فيها جميع الأمم المتقدمة كافرهم ومؤمنهم الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية - ص٩٢","vol":"8","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2272>تمهيد</span>\nإذا كان أولياء الله هم المؤمنين المتقين فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى فمن كان أكمل إيمانا وتقوى كان أكمل ولاية لله. فالناس متفاضلون في ولاية الله ﷿ بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى وكذلك يتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق قال الله تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة ١٢٤،١٢٥] وقال تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:٣٧] وقال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:١٧] وقال تعالى في المنافقين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [البقرة:١٠]. فبين ﷾ أن الشخص الواحد قد يكون فيه قسط من ولاية الله بحسب إيمانه؛ وقد يكون فيه قسط من عداوة الله بحسب كفره ونفاقه. وقال تعالى: وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر:٣١] وقال تعالى لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:٤]. الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية – ص١١٣\nومن الناس من يؤمن بالرسل إيمانا مجملا وأما الإيمان المفصل فيكون قد بلغه كثير مما جاءت به الرسل ولم يبلغه بعض ذلك فيؤمن بما بلغه عن الرسل وما لم يبلغه لم يعرفه ولو بلغه لآمن به؛ ولكن آمن بما جاءت به الرسل إيمانا مجملا فهذا إذا عمل بما علم أن الله أمره به مع إيمانه وتقواه فهو من أولياء الله تعالى له من ولاية الله بحسب إيمانه وتقواه وما لم تقم عليه الحجة فإن الله تعالى لم يكلفه معرفته والإيمان المفصل به فلا يعذبه على تركه؛ لكن يفوته من كمال ولاية الله بحسب ما فاته من ذلك فمن علم بما جاء به الرسل وآمن به إيمانا مفصلا وعمل به فهو أكمل إيمانا وولاية لله ممن لم يعلم ذلك مفصلا ولم يعمل به؛ وكلاهما ولي لله تعالى. والجنة درجات متفاضلة تفاضلا عظيما وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم. الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية – ص ١١٦","vol":"8","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2273>مسألة: من أفضل الأولياء</span>؟\nوأفضل أولياء الله الأنبياء وأفضل الأنبياء المرسلون منهم وأفضل المرسلين أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ قال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:١٣] وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [الأحزاب:٧ - ٨]. وأفضل أولي العزم محمد ﷺ خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون وصاحب لواء الحمد وصاحب الحوض المورود وشفيع الخلائق يوم القيامة وصاحب الوسيلة والفضيلة الذي بعثه بأفضل كتبه وشرع له أفضل شرائع دينه وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم وهم آخر الأمم خلقا وأول الأمم بعثا ... وفضائله ﷺ وفضائل أمته كثيرة ومن حين بعثه الله جعله الله الفارق بين أوليائه وبين أعدائه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية- ص٥٥","vol":"8","page":285},{"text":"وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب فقال تعالى: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:٦٩] .... وأفضل الأمم أمة محمد ﷺ. قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:١١٠] وقال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:٣٢] وقال النبي ﷺ في الحديث الذي في المسند «أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله» (١) وأفضل أمة محمد ﷺ القرن الأول. وقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال «خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه (٢). وفي الصحيحين أيضا عنه ﷺ أنه قال: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٣). والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة قال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وقال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ والسابقون الأولون الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا والمراد بالفتح صلح الحديبية فإنه كان أول فتح مكة وفيه أنزل الله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فقالوا يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: «نعم» (٤). وأفضل السابقين الأولين الخلفاء الأربعة وأفضلهم أبو بكر ثم عمر وهذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الأمة وجماهيرها وبالجملة اتفقت طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها واحد من الخلفاء ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم واتباعا له كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به وعملا به فهو أفضل أولياء الله إذ كانت أمة محمد ﷺ أفضل الأمم وأفضلها أصحاب محمد ﷺ وأفضلهم أبو بكر ﵁.\nوقد ظن طائفة غالطة أن خاتم الأولياء أفضل الأولياء قياسا على خاتم الأنبياء ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن علي الحكيم الترمذي فإنه صنف مصنفا غلط فيه في مواضع ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء ومنهم من يدعي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته كما يزعم ذلك ابن عربي صاحب كتاب الفتوحات المكية وكتاب الفصوص فخالف الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن.\nذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة والأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام أفضل من الأولياء فكيف يكون الأنبياء كلهم؟ والأولياء إنما يستفيدون معرفة الله ممن يأتي بعدهم ويدعي أنه خاتم الأولياء وليس آخر الأولياء أفضلهم كما أن آخر الأنبياء أفضلهم؛ فإن فضل محمد ﷺ ثبت بالنصوص الدالة على ذلك الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية – ص١٨٦\n_________\n(١) [١٤١٦٣]» رواه أحمد ٥/ ٣ قال ابن تيمية: «الجواب الصحيح» (٢/ ٢٣٢): جيد. وقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٤٠٠): رجاله ثقات.\n(٢) [١٤١٦٤]» ينظر البخاري (٢٦٥١، ٢٦٥٢،) ومسلم (٢٥٣٣، ٢٥٣٥، ٢٥٣٤).\n(٣) [١٤١٦٥]» رواه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤٠).\n(٤) [١٤١٦٦]» رواه مسلم (١٧٨٥) من حديث سهل بن حنيف.","vol":"8","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2274>المبحث الرابع: الشهادة لمعين بالولاية</span>\nوأما الشهادة للشخص معين بالولاية ففيها ثلاثة أقوال كما بين ذلك ابن تيمية ﵀:\nالأول: قيل لا يشهد بذلك لغير النبي، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي وعلي بن المديني وغيرهم.\nالثاني: وقيل يشهد به لمن جاء به نص إن كان خبرا صحيحا كمن شهد له النبي ﷺ بالجنة فقط، وهذا قول كثير من أصحابنا وغيرهم.\nالثالث: وقيل يشهد به لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وغيرهما، وكان أبو ثور يشهد لأحمد بن حنبل بالجنة قال: وفي الحديث الذي في المسند: «يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار. قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال بالثناء الحسن والثناء السيئ» (١). وفي الصحيحين: «أن النبي مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت، وجبت، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال: وجبت، وجبت فقيل يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها الخير فقلت وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (٢). ثم قال: والتحقيق أن هذا قد يعلم بأسباب، وقد يعلم على الظن، ولا يجوز للرجل أن يقول بما لا يعلم.\n_________\n(١) [١٤١٦٧]» رواه ابن ماجه (٤٢٢١)، وأحمد (٦/ ٤٦٦) (٢٧٦٨٦)، والطبراني (٢٠/ ١٧٨) (٣٨٢)، والحاكم (١/ ٢٠٧)، والبيهقي (١٠/ ١٢٣) (٢٠١٧٧). من حديث أبي زهير الثقفي ﵁. قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٤/ ٢٤١): إسناده صحيح ورجاله ثقات، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال ابن حجر في «الإصابة» (٤/ ٧٧): إسناده حسن غريب، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ١٩٣) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٢) رواه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩). من حديث أنس ﵁.","vol":"8","page":287},{"text":"ولهذا لما قالت أم العلاء الأنصارية «لما قدم المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار على سكناهم فصار لنا عثمان بن مظعون في السكنى فمرض فمرضناه ثم توفي، فجاء رسول الله ﷺ فدخل فقلت رحمة الله عليك أبا السائب. فشهادتي أن قد أكرمك الله، فقال النبي ﷺ: وما يدريك أن الله قد أكرمه؟ قالت: لا والله لا أدري، فقال النبي: أما هو فقد أتاه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري- وأنا رسول الله- ما يفعل بي ولا بكم، قالت: فوالله لا أزكي بعده أحدا أبدا» (١) انتهى كلام ابن تيمية (٢) وإن من الناس من يظهر منه صلاح وورع وكانت حاله بينه وبين الله على العكس من ذلك. فإذا خلا بمحارم الله انتهكها كما في حديث ثوبان عن النبي أنه قال: «لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة. بيضا فيجعلها الله ﷿ هباء منثورا، قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا، قال: أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها» (٣). ولما أثنى رجل على آخر عند رسول الله انتهره قائلا «ويحك قطعت عنق صاحبك. ثم قال: إن كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانا ولا أزكي على الله أحدا، حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك» (٤).\nوقد أخبر ﷺ عمن كان يأمر بالمعروف ولا يأتيه وينهى عن المنكر ويأتيه أنه «يؤتى به يوم القيامة ويدور كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه» (٥).\nوكذلك رأى الصحابة رجلا من المسلمين يقاتل المشركين بقوة حتى أعمل فيهم القتل فأعجبوا لشجاعته وأثنوا عليه، فقال النبي ﷺ: «إن هذا من أهل النار فتعجب الصحابة حتى قالوا: أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فتبعه رجل من الصحابة فوجده قد جرح فاستعجل الموت ووضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه فجاء الرجل إلى النبي وقال: أشهد أنك رسول الله. قال ﷺ: وما ذاك؟ فأخبره بخبره فقال النبي ﷺ: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وإنه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» (٦).\nوكذلك قتل رجل في خيبر فقيل: «هنيئا له الجنة؛ فقال رسول الله: كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من المغانم- لم تصبها المقاسم- لتشتعل عليه نارا» (٧).\nفها قد خفيت حقيقة هؤلاء الرجال على أصحاب النبي ﷺ مع أنهم أعظم أولياء الله؛ بل هم أعظم ولاية عند الله من أولياء اليوم والغد. فلماذا لم ينكشف لهم ما يزعم أدعياء الولاية اليوم مكاشفته، أم أن الله فضل أولياء اليوم على سلفنا الصالح وكشف لهم ما أخفاه عن أولئك!\nولقد نهانا الله تعالى عن أن يزكي الواحد منا نفسه مع كون الواحد منا أعلم بنفسه من غيره فقال فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُم هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣٣]. فكيف نستطيع أن نحكم على غيرنا بولايته وتقواه، وبصدق ظاهره وباطنه سره وعلانيته مع الله!. أولياء الله بين المفهوم الصوفي والمنهج السني السلفي لعبد الرحمن دمشقية\n_________\n(١) [١٤١٦٩]» رواه البخاري (٧٠١٨).\n(٢) [١٤١٧٠]» «النبوات» (ص: ١٠ - ١١).\n(٣) [١٤١٧١]» رواه ابن ماجه (٤٢٤٥)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٥/ ٤٦) (٤٦٣٢)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٢٤٢). وقال: رواته ثقات، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٤/ ٢٤٦): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال الهيتمي في «الزواجر» (٢/ ١٢٨): رواته ثقات، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٤) [١٤١٧٢]» رواه البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠). من حديث أبي بكرة ﵁.\n(٥) [١٤١٧٣]» رواه مسلم (٢٩٨٩). من أنس ﵁.\n(٦) [١٤١٧٤]» رواه البخاري (٤٢٠٧). من سهل بن سعد الساعدي ﵁.\n(٧) [١٤١٧٥]» رواه البخاري (٦٧٠٧). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"8","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2277>المطلب الأول: تعريف الكرامة لغة</span>\nكرم الشيء بضم الراء كرمًا بفتحتين، وكرامة إذا نفس وعز فهو كريم، وله علي كرامة أي عزازة. وكل شيء شرف في بابه فإنه يوصف بالكرم، ولا يقال في الإنسان كريم حتى تظهر منه أخلاق وأفعال محمودة.\nوكرمته تكريمًا، وأكرمته إكراما. عظمته ونزهته، والمكرمة بضم الراء: اسم من الكرم، والتكريم. تقول: فعل الخير مكرمة، أي سبب للكرم، أو التكريم. وتكون الكرامة اسمًا أيضًا من الإكرام، والتكريم. تقول: نعم وحبًا وكرامة. وليس ذلك لهم ولا كرامة. والإكرام والتكريم، أن يوصل إلى الإنسان إكرام أي نفع لا يلحقه فيه غضاضة، أو أن يجعل ما يوصل إليه شيئًا كريمًا، أي شريفًا. هذا كله من الصحاح والقاموس والمصباح ومفردات الراغب. وقابل الشاعر الكرامة بالمساءة فقال:\nجزاني الزهدمان جزاء سوء ... وكنت المرء يجزى بالكرامة\n@ رسالة الشرك ومظاهره لمبارك بن محمد الميلى– ص: ١٢٧","vol":"8","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2278>المطلب الثاني: تعريف الكرامة اصطلاحا</span>\nأما الكرامات، فهي جمع كرامة، والكرامة: أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد ولي، تأييدا له، أو إعانة، أو تثبيتا، أو نصرا للدين. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٨/ ٦٢٦\nوعرفها بعضهم بأنها أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا هو مقدمة لها تظهر على يد عبد ظاهر الصلاح مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح.\nفقولنا: أمر خارق للعادة: أخرج ما كان على وفق العادة من أعمال.\nوغير مقرون بدعوى النبوة: أخرج معجزات الأنبياء.\nولا هو مقدمة لها: أخرج الإرهاص وهو كل خارق تقَدم النبوة.\nويظهر على يد عبد ظاهر الصلاح ..: أخرج ما يجري على أيدي السحرة والكهان فهو سحر وشعبذة. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة – لنخبة من العلماء ص: ٢٠٢","vol":"8","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2280>المطلب الأول: ما جاء في الكتاب والسنة</span>\nفأما الكتاب: فقوله تعالى في قصة مريم ﵍: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٧] فروي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: وجد عندها الفاكهة الغضة حين لا توجد الفاكهة عند أحد فكان زكريا يقول: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١).\nوروي عنه قال: عنبا في مكتل في غير حينه (٢).\nوعن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد وإبراهيم النخعي وقتادة والربيع بن أنس وعطية والسدي وسفيان الثوري: فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء (٣).\nوقال ﵎ في قصة سارة زوجة إبراهيم الخليل ﷺ: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود: ٧١ - ٧٣]\nوقال ﵎: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: ٤٠]\nعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا ثلاثة نفر فيمن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء والله لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم الله أنه قد صدق فيه. قال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان أجير لي عمل على فرق من أرز فذهب وتركه فزرعته فكان من أمره أني اشتريت من ذلك الفرق بقرا، ثم أتاني يطلب أجره فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها فقال إنما لي عندك فرق من أرز، فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسقها فإنها من ذلك فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك فافرج عنا فانساحت عنهم الصخرة.\nوقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهم كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عليهم ذات ليلة فرقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما من رقدتهما وكرهت أن أرجع فيستيقظا لشربتهما فلم أزل أنتظرهما حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. فانساحت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء.\nوقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي فإني راودتها عن نفسها فأبت علي إلا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت عليها فجئت بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فقمت عنها وتركت لها المائة دينار. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. ففرج الله تعالى عنهم فخرجوا» أخرجه البخاري ومسلم (٤).\n_________\n(١) [١٤١٧٦]» «تفسير ابن أبي حاتم» (٢/ ٦٤٠).\n(٢) [١٤١٧٧]» «تفسير الطبري» (٦/ ٣٥٤).\n(٣) [١٤١٧٨]» «تفسير الطبري» (٦/ ٣٥٣ - ٣٥٦).\n(٤) [١٤١٧٩]» رواه البخاري (٣٤٦٥)، ومسلم (٢٧٤٣).","vol":"8","page":291},{"text":"عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (بينما رجل بأرض فلاة فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان. فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فانتهى إلى الحرة فإذا هي أذناب شراج وإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت الماء. فتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته. فقال له: يا عبد الله ما اسمك قال فلان الاسم الذي سمع في السحابة فقال له يا عبد الله لم سألتني عن اسمي؟! إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان باسمك فما تصنع فيها؟ قال: إن قلت هذا فإني أنظر إلى ما خرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثه وأرد فيها ثلثه) لفظ يعقوب أخرجه مسلم (١).\nعن أبي هريرة قال: «كان جريج يتعبد في صومعته فأتته أمه فقالت يا جريج أنا أمك كلمني) قال أبو رافع قال أبو هريرة: فجعل رسول الله ﷺ يصف لنا صفتها فقالت هكذا وضعت يدها على وجهها أنا أمك كلمني فصادفته يصلي فقال اللهم أمي وصلاتي فاختار صلاته. ثم جاءته الثانية فقالت: يا جريج أنا أمك كلمني فصادفته يصلي. فقالت: اللهم هذا جريج وإنه ابني وإني قد كلمته فلم يكلمني اللهم لا تمته حتى تريه المومسات. قال ولو دعت عليه أن يفتن لافتتن. قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى دير فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها ممن هذا قالت: من صاحب الصومعة. قال: فأقبلوا إليه بفئوسهم ومساحيهم فصوتوا به فصادفوه يصلي فلم يكلمهم فأخذوا يهدمون ديره فلما رأى ذلك نزل إليهم فقالوا له سل هذه قال فتبسم ثم مسح رأس الصبي فقال: من أبوك؟ فقال: أبي راعي الضأن فلما سمعوا ذلك منه قالوا: نبني لك ما هدمنا بالذهب والفضة قال لا ولكن أعيدوه ترابا. ثم علاه» واللفظ لحديث أبي النضر أخرجه مسلم (٢).\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لم يكذب إبراهيم ﵇ قط إلا ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله ﷿ قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت من أحسن الناس فقال لها إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي وإنك أختي في الإسلام فإني لا أعلم اليوم مسلما غيري وغيرك فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال لقد دخل أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك فأرسل إليها فأتي بها وقام إبراهيم ﵇ إلى الصلاة\nفلما أن دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها وتقبضت يده قبضة شديدة فقال لها سلي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فانطلقت يده فعاد فقبضت يده أشد من القبضة الأولى فقال لها سلي الله أن يطلق يدي ولا أضرك فعاد فقبضت يده أشد من القبضتين الأوليين فقال سلي الله أن يطلق يدي ولك الله علي أن لا أضرك ففعلت فانطلقت يده فدعا الذي جاء بها فقال له إنك إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان فلما رآها إبراهيم قال لهم مهيم قالت خير كف الله يد الفاجر وأخدمني هاجر. قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بني ماء السماء) أخرجه البخاري ومسلم (٣)\n_________\n(١) [١٤١٨٠]» رواه مسلم (٢٩٨٤).\n(٢) [١٤١٨١]» رواه مسلم (٢٥٥٠).\n(٣) [١٤١٨٢]» رواه البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٧١).","vol":"8","page":292},{"text":"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج قال بينا رجل يسوق بقرة له فأعيا فركبها فالتفتت إليه فقالت: إني لم أخلق لهذا إنما خلقت لحراثة الأرض. فقال من حول رسول الله ﷺ: سبحان الله سبحان الله. فقال رسول الله ﷺ: فإني آمنت به وأبو بكر وعمر وليسا في المجلس. فقال من حول رسول الله ﷺ: فإنا آمنا بما آمن به رسول الله ﷺ. وقال: بينا رجل يسوق غنما له عدا الذئب على شاة منها فأخذها فاتبعه فطلبه فالتفت الذئب فقال: من لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري. فقال من حول رسول الله ﷺ: سبحان الله سبحان الله فقال رسول الله ﷺ فإني آمنت به وأبو بكر وعمر وليسا في المجلس. فقال القوم: فإنا آمنا بما آمن به رسول الله ﷺ)\nأخرجه البخاري ومسلم من حديث سعد بن إبراهيم وأبي الزناد عن أبي سلمة وليس في حديثهما في بني إسرائيل (١).\nعن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله تعالى أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال أي شيء أحب إليك قال لون حسن وجلد حسن قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا قال أي المال أحب إليك قال الإبل أو قال البقر شك ابن أبي طلحة إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر فأعطي ناقة عشراء قال فقال يبارك لك فيها فأتى الأقرع فقال أي شيء أحب إليك فقال شعر حسن ويذهب عني هذا قد قذرني الناس فمسحه فذهب عنه وأعطى شعرا حسنا قال فأي المال أحب إليك قال البقر قال فأعطي بقرة حاملا وقال يبارك لك فيها ثم أتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال أن يرد الله بصري فأبصر به الناس فمسحه فرد الله إليه بصره قال فأي المال أحب إليك قال الغنم قال فأعطي شاة والدا فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم ثم أتى الأبرص في صورته وهيئته وقال رجل مسكين قد تقطعت بي الحبال فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري قال إن الحقوق كثيرة قال كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فتبرأ فأعطاك الله تعالى قال لقد ورثت هذا المال كابرا عن كابر قال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ذلك فرد عليه مثل ما رد عليه هذا ثم أتى الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وابن سبيل تقطعت بي الحبال في سفري قال كنت أعمى فرد الله إلي بصري وفقيرا فأغناني فخذ ما شئت فوالله لا أمنعك اليوم شيئا أخذته لله ﷿ قال أمسك مالك إنما ابتليتم قد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك) أخرجه البخاري ومسلم (٢).\nعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: (أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال ائتني بشهداء أشهدهم فقال كفى بالله شهيدا فقال ائتني بكفيل. فقال كفى بالله كفيلا قال صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى. فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا يقدم عليه لأجله الذي أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها الدنانير وصحيفة منه إلى صاحبه ثم سد موضعها ثم أتى بها البحر فقال اللهم إنك تعلم أني تسلفت من فلان ألف دينار فسألني كفيلا فقلت كفى بالله كفيلا ورضي بك وسألني شهودا فرضي بك وإني قد جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أجد مركبا وإني أستودعكها فرمى بها في البحر حتى ولجت ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبا يخرج إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه رجاء أن يكون مركب قد جاء بماله فإذا تلك الخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فلما كسرها وجد المال والصحيفة ثم قدم الذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار ثم قال والله مازلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي جئت فيه فقال له هل كنت بعثت إلي بشيء قال إني أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه قال إن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة فانصرف بمالك راشدا) استشهد به البخاري قال الليث حدثني جعفر بن ربيعة (٣). كرامات الأولياء لللالكائي باختصار – ص: ٧٠\n_________\n(١) [١٤١٨٣]» رواه البخاري (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨).\n(٢) [١٤١٨٤]» رواه البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤).\n(٣) [١٤١٨٥]» رواه البخاري (٢٢٩١).","vol":"8","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2281>المطلب الثاني: ما جاء في كرامات الصحابة والتابعين</span>\nوكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدا: مثل ما كان (أسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج وهي الملائكة نزلت لقراءته) (١)، وكانت (الملائكة تسلم على عمران بن حصين) (٢)، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها، وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما. رواه البخاري وغيره (٣). وقصة الصديق في الصحيحين (لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته وجعل لا يأكل لقمة إلا ربى من أسفلها أكثر منها فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت فرفعها إلى رسول الله ﷺ وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا) (٤). وخبيب بن عدي كان أسيرا عند المشركين بمكة شرفها الله تعالى وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة (٥). وعامر بن فهيرة قتل شهيدا فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه وكان لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع وقال عروة: فيرون الملائكة رفعته (٦). وخرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حسا على رأسها فرفعته فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها (٧). وسفينة مولى رسول الله ﷺ أخبر الأسد بأنه رسول رسول الله ﷺ فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده (٨). (والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله تعالى أبر قسمه، وكان الحرب إذا اشتد على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء أقسم على ربك فيقول: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم فيهزم العدو فلما كان يوم القادسية قال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدا) (٩). وخالد بن الوليد حاصر حصنا منيعا، فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم فشربه فلم يضره (١٠).\n_________\n(١) [١٤١٨٦]» رواه البخاري (٥٠١٨) وذكر سورة البقرة بدلًا من الكهف، ومسلم (٧٩٦).\n(٢) [١٤١٨٧]» رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٤/ ٢٨٩).\n(٣) [١٤١٨٨]» رواه البخاري (٤٦٥). من حديث أنس ﵁.\n(٤) [١٤١٨٩]» رواه البخاري (٦٠٢)، ومسلم (٢٠٥٧). من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁.\n(٥) [١٤١٩٠]» رواه البخاري (٣٠٤٥). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) [١٤١٩١]» رواه البخاري (٤٠٩٣). من حديث عروة بن الزبير ﵁.\n(٧) [١٤١٩٢]» رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ٢٢٤)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٦/ ١٢٥).\n(٨) [١٤١٩٣]» رواه الحاكم (٢/ ٦٧٥)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٣٦٩). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٩) [١٤١٩٤]» رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٣٣١) بنحوه. من حديث أنس ﵁. وروى الترمذي أوله (٣٨٥٤) وقال: صحيح حسن من هذا الوجه.\n(١٠) [١٤١٩٥]» حديث شرب خالد بن الوليد ﵁ السم رواه أبو يعلى (١٣/ ١٠٩) (٧١٨٦)، والطبراني (٤/ ١٠٥) (٣٨٠٩) بلفظ: «نزل خالد بن الوليد الحيرة على أمر بني المرازبة فقالوا له: احذر السم لا يسقيكه الأعاجم فقال: ائتوني به فأتي به فأخذه بيده ثم اقتحمه وقال: بسم الله فلم يضره شيئًا» .. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٣٥٣): رواه أبو يعلى والطبراني بنحوه وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح وهو متصل ورجالهما ثقات إلا أن أبا السفر وأبا بردة بن أبي موسى لم يسمعا من خالد والله أعلم.","vol":"8","page":294},{"text":"وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة ما دعا قط إلا استجيب له (١) وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق. وعمر بن الخطاب لما أرسل جيشا أمر عليهم رجلا يسمى سارية فبينما عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر (يا سارية الجبل يا سارية الجبل فقدم رسول الجيش فسأل فقال يا أمير المؤمنين لقينا عدوا فهزمونا فإذا بصائح: يا سارية الجبل يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله) (٢). ولما عذبت الزبيرة على الإسلام في الله فأبت إلا الإسلام وذهب بصرها؛ قال المشركون: أصاب بصرها اللات والعزى. قالت: كلا والله فرد الله عليها بصرها. ودعا سعيد بن زيد على أروى بنت الحكم فأعمي بصرها لما كذبت عليه فقال: (اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها فعميت ووقعت في حفرة من أرضها فماتت) (٣). والعلاء بن الحضرمي كان عامل رسول الله ﷺ على البحرين وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم فيستجاب له ودعا الله بأن يسقوا ويتوضئوا لما عدموا الماء والإسقاء لما بعدهم فأجيب ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمروا كلهم على الماء ما ابتلت سروج خيولهم؛ ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات فلم يجدوه في اللحد (٤). وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار (فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي ترمى بالخشب من مدها ثم التفت إلى أصحابه فقال: تفقدون من متاعكم شيئا حتى أدعو الله ﷿ فيه فقال بعضهم: فقدت مخلاة فقال اتبعني فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها) (٥). (وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله. قال ما أسمع قال أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال نعم فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائما يصلي فيها وقد صارت عليه بردا وسلاما؛ وقدم المدينة بعد موت النبي ﷺ فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق ﵄ وقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله) (٦). ووضعت له جارية السم في طعامه فلم يضره. وخببت امرأة عليه زوجته فدعا عليها فعميت وجاءت وتابت فدعا لها فرد الله عليها بصرها. وكان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاءه ألفي درهم في كمه وما يلقاه سائل في طريقه إلا أعطاه بغير عدد ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير عددها ولا وزنها.\n_________\n(١) [١٤١٩٦]» حديث استجابة رب العالمين لسعد رواه الترمذي (٣٧٥١)، وابن حبان (١٥/ ٤٥٠) (٦٩٩٠)، والحاكم (٣/ ٥٧٠). بلفظ: «اللهم استجب لسعد إذا دعاك». قال الحاكم: صحيح الإسناد. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) [١٤١٩٧]» رواه اللالكائى في «شرح اعتقاد أهل السنة» (٧/ ١٣٣٠)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٦/ ٣٧٠)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٠/ ٢٤). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ١٣٥): إسناده جيد حسن، وقال ابن حجر في «الإصابة» (٢/ ٣): إسناده حسن.\n(٣) [١٤١٩٨]» رواه أبو يعلى (٢/ ٢٥٥) (٩٦٢)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٩٧).\n(٤) [١٤١٩٩]» رواه الطبراني (١٨/ ٩٥) (١٤٨٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٣٧٩): رواه الطبراني في الثلاثة وفيه إبراهيم بن معمر الهروي ولد إسماعيل ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.\n(٥) [١٤٢٠٠]» رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٥/ ١٢١).\n(٦) [١٤٢٠١]» رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ١٢٨)، واللالكائي في «كرامات الأولياء» (ص: ١٨٢)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٧/ ٢٠٠).","vol":"8","page":295},{"text":"ومر بقافلة قد حبسهم الأسد فجاء حتى مس بثيابه الأسد ثم وضع رجله على عنقه وقال: إنما أنت كلب من كلاب الرحمن وإني أستحي أن أخاف شيئا غيره ومرت القافلة. ودعا الله تعالى أن يهون عليه الطهور في الشتاء فكان يؤتى بالماء له بخار. ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة فلم يقدر عليه. وتغيب الحسن البصري عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله ﷿ فلم يروه. ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيه فخر ميتا. وصلة بن أشيم (مات فرسه وهو في الغزو فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة ودعا الله ﷿ فأحيا له فرسه، فلما وصل إلى بيته قال يا بني خذ سرج الفرس فإنه عارية فأخذ سرجه فمات الفرس). وجاع مرة بالأهواز فدعا الله ﷿ واستطعمه فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير فأكل التمر وبقي الثوب عند زوجته زمانا. وجاء الأسد وهو يصلي في غيضة بالليل فلما سلم قال له اطلب الرزق من غير هذا الموضع فولى الأسد وله زئير. وكان سعيد بن المسيب في أيام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله ﷺ أوقات الصلوات وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره. (ورجل من النخع كان له حمار فمات في الطريق فقال له أصحابه هلم نتوزع متاعك على رحالنا فقال لهم: أمهلوني هنيهة ثم توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فأحيا له حماره فحمل عليه متاعه) (١). ولما مات أويس القرني وجدوا في ثيابه أكفانا لم تكن معه قبل ووجدوا له قبرا محفورا فيه لحد في صخرة فدفنوه فيه وكفنوه في تلك الأثواب. وكان عمرو بن عقبة بن فرقد يصلي يومًا في شدة الحر فأظلته غمامة وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أنه يخدمهم. وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة فأضاء لهما طرف السوط. (ولما مات الأحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل في قبره فأهوى ليأخذها فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر) (٢). وكان إبراهيم التيمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئا وخرج يمتار لأهله طعاما فلم يقدر عليه فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله ففتحها فإذا هي حنطة حمراء فكان إذا زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا. (وكان عتبة الغلام سأل ربه ثلاث خصال صوتا حسنا ودمعا غزيرا وطعاما من غير تكلف. فكان إذا قرأ بكى وأبكى ودموعه جارية دهره وكان يأوي إلى منزله فيصيب فيه قوته ولا يدري من أين يأتيه) (٣). (وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج فسأل ربه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه ثم تعود بعده) (٤). مجموع الفتاوى لابن تيمية - ١١/ ٢٧٦ - ٢٨٢\n_________\n(١) [١٤٢٠٢]» رواه البيهقي في «دلائل النبوة» (٦/ ٤٩).\n(٢) [١٤٢٠٣]» رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٤/ ٣٥٦).\n(٣) [١٤٢٠٤]» رواه اللالكائي في «كرامات الأولياء» (ص: ٢٢٥).\n(٤) [١٤٢٠٥]» رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ١٥٥)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٧/ ٢٢٦).","vol":"8","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2283>المطلب الأول: أنواع الخوارق من ناحية القدرة والتأثير</span>\nوأما القدرة والتأثير فإما أن يكون في العالم العلوي أو ما دونه، وما دونه إما بسيط أو مركب، والبسيط إما الجو وإما الأرض، والمركب إما حيوان وإما نبات وإما معدن. والحيوان إما ناطق وإما بهيم، فالعلوي كانشقاق القمر ورد الشمس ليوشع بن نون، وكذلك ردها لما فاتت عليا الصلاة والنبي ﷺ نائم في حجره – إن صح الحديث – فمن الناس من صححه كالطحاوي والقاضي عياض. ومنهم من جعله موقوفًا كأبي الفرج بن الجوزي، وهذا أصح. وكذلك معراجه إلى السماوات. وأما الجو فاستسقاؤه واستصحاؤه غير مرة، كحديث الأعرابي الذي في الصحيحين وغيرهما، وكذلك كثرة الرمي بالنجوم عند ظهوره، وكذلك إسراؤه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.\nوأما الأرض والماء فكاهتزاز الجبل تحته وتكثير الماء في عين تبوك وعين الحديبية، ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة، ومزادة المرأة.\nوأما المركبات فتكثيره للطعام غير مرة في قصة الخندق من حديث جابر وحديث أبي طلحة، وفي أسفاره، وجراب أبي هريرة، ونخل جابر بن عبد الله، وحديث جابر وابن الزبير في انقلاع النخل له وعوده إلى مكانه، وسقياه لغير واحد من الأرض كعين أبي قتادة. وهذا باب واسع لم يكن الغرض هنا ذكر أنواع معجزاته بخصوصه وإنما الغرض التمثيل.\nوكذلك من باب القدرة عصا موسى ﷺ وفلق البحر والقمل والضفادع والدم، وناقة صالح، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى، كما أن من باب العلم إخبارهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. وفي الجملة لم يكن المقصود هنا ذكر المعجزات النبوية بخصوصها، وإنما الغرض التمثيل بها.\nوأما المعجزات التي لغير الأنبياء من باب الكشف والعلم فمثل قول عمر في قصة سارية، وإخبار أبي بكر بان ببطن زوجته أنثى، وإخبار عمر بمن يخرج من ولده فيكون عادلًا. وقصة صاحب موسى في علمه بحال الغلام، والقدرة مثل قصة الذي عنده علم من الكتاب. وقصة أهل الكهف، وقصة مريم، وقصة خالد بن الوليد وسفينة مولى رسول الله ﷺ وأبي مسلم الخولاني، وأشياء يطول شرحها. فإن تعداد هذا مثل المطر. وإنما الغرض التمثيل بالشيء الذي سمعه أكثر الناس. وأما القدرة التي لم تتعلق بفعله فمثل نصر الله لمن ينصره وإهلاكه لمن يشتمه. مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية – ٥/ ١٥٦","vol":"8","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2284>المطلب الثاني: أنواع الخوارق من ناحية كونها نعمة أو نقمة</span>\nالخارق يكون نعمة من الله، ويكون سببًا للعذاب:\nالخارق كشفًا كان أو تأثيرًا إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من الأعمال الصالحة المأمور بها دينًا وشرعًا، إما واجب وإما مستحب. وأن حصل به أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرًا، وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه كان سببًا للعذاب أو البغض، كقصة الذي أوتي الآيات فانسلخ منها: بلعام بن باعوراء، لكن قد يكون صاحبها معذورًا لاجتهاد أو تقليد أو نقص عقل أو علم أو غلبة حال أو عجز أو ضرورة فيكون من جنس برح العابد، والنهي قد يعود إلى سبب الخارق وقد يعود إلى مقصوده فالأول: مثل أن يدعو الله دعاء منهيا عنه اعتداء عليه. وقد قال تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥] ومثل الأعمال المنهي عنها إذا أورثت كشفًا أو تأثيرًا. (والثاني): أن يدعو على غيره بما لا يستحقه، أو يدعو للظالم بالإعانة ويعينه بهمته، كخفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال. فإن كان صاحبه من عقلاء المجانين والمغلوبين غلبة بحيث يعذرون والناقصين نقصًا لا يلامون عليه كانوا برحية. وقد بينت في غير هذا الموضع ما يعذرون فيه وما لا يعذرون فيه، وإن كانوا عالمين قادرين كانوا بلعامية، فإن من أتى بخارق على وجه منهي عنه أو المقصود منهي عنه فأما أن يكون معذورًا معفوًا عنه كبرح أو يكون متعمدًا للكذب كبلعام.","vol":"8","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2285>المطلب الثالث: أنواع الخوارق من ناحية المدح أو الذم أو الإباحة</span>\nفتخلص أن الخارق ثلاثة أقسام: محمود في الدين، ومذموم في الدين، ومباح لا محمود ولا مذموم في الدين. فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة وإن لم يكن فيه منفعة كان كسائر المباحات التي لا منفعة فيها كاللعب والعبث.\nاطلب الاستقامة لا الكرامة:\nقال أبو علي الجوزجاني: كن طالبًا للاستقامة لا طالبًا للكرامة، فإن نفسك منجبلة على طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة. مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية – ٥/ ١٥٧","vol":"8","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2286>المطلب الرابع: أنواع الخوارق من ناحية كونها كمالا أو نقصا</span>\nما يكون من الخوارق كمالًا وما يكون نقصًا:\nوأما القسم الأول هو المتعلق بالدين فقط فقد يكون منه ما لا يحتاج إلى الثاني ولا له فيه منفعة، كحال كثير من الصحابة والتابعين وصالحي المسلمين وعلمائهم وعبادهم، مع أنه لابد أن يكون لهم شخصًا أو نوعًا بشيء من الخوارق، وقد يكون منهم من لا يستعمل أسباب الكونيات ولا عمل بها، فانتفاء الخارق الكوني في حقه إما لانتفاء سببه وإما لانتفاء فائدته، وانتفاؤه لانتفاء فائدته لا يكون نقصًا، وأما انتفاؤه لانتفاء سببه فقد يكون نقصًا وقد لا يكون نقصًا، فإن كان لإخلاله بفعل واجب وترك محرم كان عدم الخارق نقصًا وهو سبب الضرر، وإن كان لإخلاله بالمستحبات فهو نقص عن رتبة المقربين السابقين وليس هو نقصًا عن رتبة أصحاب اليمين المقتصدين، وإن لم يكن كذلك بل لعدم اشتغاله بسبب بالكونيات التي لا يكون عدمها ناقصًا لثواب لم يكن ذلك نقصًا، مثل من يمرض ولده ويذهب ماله فلا يدعو ليعافى أو يجيء ماله، أو يظلمه ظالم فلا يتوجه عليه لينتصر عليه.\nوأما القسم الثاني وهو صاحب الكشف والتأثير الكوني فقد تقدم أنه تارة يكون زيادة في دينه، وتارة يكون نقصًا، وتارة لا له ولا عليه، وهذا غالب حال أهل الاستعانة، كما أن الأول غالب حال أهل العبادة، وهذا الثاني بمنزلة الملك والسلطان الذي قد يكون صاحبه خليفة نبيا، فيكون خير أهل الأرض، وقد يكون ظالمًا من شر الناس، وقد يكون ملكًا عادلًا فيكون من أوساط الناس فإن العلم بالكونيات والقدرة على التأثير فيها بالحال والقلب كالعلم بأحوالها والتأثير فيها بالملك وأسبابه، فسلطان الحال والقلب كسلطان الملك واليد، إلا أن أسباب هذا باطنه روحانية، وأسباب هذا ظاهرة جثمانية. وبهذا تبين لك أن القسم الأول إذا صح فهو أفضل من هذا القسم، وخير عند الله وعند رسوله وعباده الصالحين المؤمنين العقلاء وذلك من وجوه:\nالكشف والتأثير الروحاني قد يكونان مفاسد في الدين والدنيا:\n(أحدها) أن علم الدين طالبًا وخبرًا لا ينال إلا من جهة الرسول ﷺ، وأما العلم بالكونيات فأسبابه متعددة، وما اختص به الرسل وورثتهم أفضل مما شركهم فيه بقية الناس، فلا ينال علمه إلا هم وأتباعهم، ولا يعلمه إلا هم وأتباعهم.\n(الثاني) أن الدين لا يعمل به إلا المؤمنون الصالحون الذين هم أهل الجنة وأحباب الله وصفوته وأحباؤه وأولياؤه ولا يأمر به إلا هم.\nوأما التأثير الكوني فقد يقع من كافر ومنافق وفاجر، تأثيره في نفسه وفي غيره كالأحوال الفاسدة والعين والسحر، وكالملوك والجبابرة المسلطين والسلاطين الجبابرة، وما كان من العلم مختصًا بالصالحين أفضل مما يشترك فيه المصلحون والمفسدون.\n(الثالث) أن العلم بالدين والعمل به ينفع صاحبه في الآخرة ولا يضره. وأما الكشف والتأثير فقد لا ينفع في الآخرة قد يضره كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٠٣].","vol":"8","page":300},{"text":"(الرابع) أن الكشف والتأثير إما أن يكون فيه فائدة أو لا يكون، فإن لم يكن فيه فائدة كالإطلاع على سيئات العباد وركوب السباع لغير حاجة والاجتماع بالجن لغير فائدة والمشي على المائع مع إمكان العبور على الجسر فهذا لا منفعة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو بمنزلة العبث واللعب وإنما يستعظم هذا من لم ينله وهو تحت القدرة والسلطان في الكون مثل من يستعظم الملك أو طاعة الملوك لشخص وقيام الحالة عند الناس بلا فائدة، فهو يستعظمه من جهة سببه لا من جهة منفعته كالمال والرياسة، ودفع مضرة كالعدو والمرض، فهذه المنفعة تنال غالبًا بغير الخوارق أكثر مما تنال بالخوارق، ولا يحصل بالخوارق منها إلا القليل، ولا تدوم إلا بأسباب أخرى. وأما الآخر أيضًا فلا يحصل بالخوارق إلا مع الدين، والدين وحده موجب للآخرة بلا خارق، بل الخوارق الدينية الكونية أبلغ من تحصيل الآخرة، كحال نبينا محمد ﷺ وكذلك المال والرياسة التي تحصل لأهل الدين بالخوارق، إنما هو مع الدين وإلا فالخوارق وحدها لا تؤثر في الدنيا إلا أثرًا ضعيفًا.\nفإن قيل: مجرد الخوارق أن لم تحصل بنفسها منفعة لا في الدين ولا في الدنيا فهي علامة طاعة النفوس له، فهو موجب الرياسة والسلطان، ثم يتوسط ذلك فتجتلب المنافع الدينية والدنيوية، وتدفع المضار الدينية والدنيوية.\nالمنافع الدينية والدنيوية بأسبابهما أعم وأعظم منها بالخوارق:\nقلت: نحن لم نتكلم إلا في منفعة الدين أو الخارج في نفسه من غير فعل الناس. وأما إن تكلمنا فيما يحصل بسببها من فعل الناس فنقول، أولًا: الدين الصحيح أوجب لطاعة النفوس وحصول الرياسة من الخارق المجرد كما هو الواقع، فإنه لا نسبة لطاعة من أطيع لدينه إلى طاعة من أطيع لتأثيره، إذ طاعة الأول أعم وأكثر، والمطيع بها خيار بني آدم عقلا ودينا، وأما الثانية فلا تدوم ولا تكثر ولا يدخل فيها الاجهال الناس، كأصحاب مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي ونحوهم وأهل البوادي والجبال ونحوهم ممن لا عقل له ولا دين.\nثم نقول ثانيا: لو كان صاحب الخارق يناله من الرياسة والمال أكثر من صاحب الدين لكان غايته أن يكون ملكًا من الملوك، بل ملكه أن لم يقرنه بالدين فهو كفرعون وكمقدمي الإسماعيلية ونحوهم، وقد قدمنا أن رياسة الدنيا التي ينالها الملوك بسياستهم وشجاعتهم وإعطائهم أعظم من الرياسة بالخارق المجرد، فإن هذه أكثر ما يكون مدة قريبة.\nأسباب الكشف والتأثير الخارق للعادة ومضارهما:\n(الخامس) أن الدين ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة ويدفع عنه مضرة الدنيا والآخرة من غير أن يحتاج معه إلى كشف أو تأثير.","vol":"8","page":301},{"text":"وأما الكشف أو التأثير فإن لم يقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فلعدم الدين الذي هو أداء الواجبات وترك المحرمات، وأما في الدنيا فإن الخوارج هي من الأمور الخطرة التي لا تنالها النفوس إلا بمخاطرات في القلب والجسم والأهل والمال، فإنه إن سلك طريق الجوع والرياضة المفرطة خاطر بقلبه ومزاجه ودينه، وربما زال عقله ومرض جسمه وذهب دينه، وإن سلك طريق الوله والاختلاط بترك الشهوات ليتصل بالأرواح الجنية وتغيب النفوس عن أجسامها، كما يفعله مولهو الأحمدية – فقد أزال عقله وأذهب ماله ومعيشته، وأشقى نفسه شقاء لا مزيد عليه، وعرض نفسه لعذاب الله في الآخرة لما تركه من الواجبات وما فعله من المحرمات، وكذلك إن قصد تسخير الجن بالأسماء والكلمات من الأقسام والعزائم فقد عرض نفسه لعقوبتهم ومحاربتهم، بل لو لم يكن الخارق إلا دلالة صاحب المال المسروق والضال على ماله أو شفاء المريض أو دفع العدو من السلطان والمحاربين – فهذا القدر إذا فعله الإنسان مع الناس ولم يكن عمله دينًا يتقرب به إلى الله كان كأنه قهرمان للناس يحفظ أموالهم، أو طبيب أو صيدلي يعالج أمراضهم، أو أعوان سلطان يقاتلون عنه، إذ عمله من جنس عمل أولئك سواء.\nومعلوم أن من سلك هذا المسلك على غير الوجه الديني فإنه يحابي بذلك أقوامًا ولا يعدل بينهم، وربما أعان الظلمة بذلك كفعل بلعام وطوائف من هذه الأمة وغيرهم. وهذا يوجب له عداوة الناس التي هي من أكثر أسباب مضرة الدنيا، ولا يجوز أن يحتمل المرء ذلك إلا إذا أمر الله به ورسوله لأن ما أمر الله به ورسوله وإن كان فيه مضرة فمنفعته غالبة على مضرته والعاقبة للتقوى.\n(السادس) أن الدين علمًا وعملًا إذا صح فلابد أن يوجب خرق العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه. قال الله تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢ - ٣] وقال تعالى إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال: ٢٩] وقال تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَبِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا [النساء: ٦٦ - ٦٨].\nوقال تعالى أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس: ٦٢ - ٦٤]\nوقال رسول الله ﷺ «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله – ثم قرأ قوله تعالى – إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» رواه الترمذي وحسنه من رواية أبي سعيد.\nوقال الله تعالى فيما روى عنه رسول الله ﷺ «من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه» فهذا فيه محاربة الله لمن حارب وليه، وفيه أن محبوب هبه يعلم سمعا وبصرًا، وبه يعمل بطشًا وسعيًا، وفيه أن يجيبه إلى ما يطلبه منه من المنافع، ويصرف عنه ما يستعيذ به من المضار. وهذا باب واسع. مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية – ٥/ ١٦٢","vol":"8","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2287>المبحث الرابع: الفرق بين الكرامة والأحوال الشيطانية</span>\nوبين كرامات الأولياء وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة: منها أن كرامات الأولياء سببها الايمان والتقوى والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله.\nوقد قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون [الأعراف:٣٣] فالقول على الله بغير علم والشرك والظلم والفواحش قد حرمها الله تعالى ورسوله فلا تكون سببا لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن بل تحصل بما يحبه الشيطان وبالأمور التي فيها شرك كالاستغاثة بالمخلوقات أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش فهي من الأحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية.\nومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ويخرجه من تلك الدار فإذا حضر رجل من أولياء الله تعالى طرد شيطانه فيسقط كما جرى هذا لغير واحد ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت سواء كان ذلك المخلوق مسلما أو نصرانيا أو مشركا فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث فيظن أنه ذلك الشخص أو هو ملك تصور على صورته وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله كما كانت الشياطين تدخل في الأصنام وتكلم المشركين.\nومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر وربما أخبره ببعض الأمور وأعانه على بعض مطالبه كما قد جرى ذلك لغير واحد من المسلمين واليهود والنصارى وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب يموت لهم الميت فيأتي الشيطان بعد موته على صورته وهم يعتقدون أنه ذلك الميت ويقضي الديون ويرد الودائع ويفعل أشياء تتعلق بالميت ويدخل إلى زوجته ويذهب وربما يكونون قد أحرقوا ميتهم بالنار كما تصنع كفار الهند فيظنون أنه عاش بعد موته ومن هؤلاء شيخ كان بمصر أوصى خادمه فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدا يغسلني فأن أجيء وأغسل نفسي فلما مات رأى خادمه شخصا في صورته فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه فلما قضى ذلك الداخل غسله أي غسل الميت غاب وكان ذلك شيطانا وكان قد أضل الميت وقال: إنك بعد الموت تجيء فتغسل نفسك فلما مات جاء أيضا في صورته ليغوي الأحياء كما أغوى الميت قبل ذلك\nومنهم من يرى عرشا في الهواء وفوقه نور ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربك فإن كان من أهل المعرفة علم أنه شيطان فزجروه واستعاذ بالله منه فيزول\nومنهم من يرى أشخاصا في اليقظة يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين وقد جرى هذا لغير واحد (وهؤلاء منهم من يرى ذلك عند قبر الذي يزوره فيرى القبر قد انشق وخرج إليه صورة فيعتقدها الميت وإنما هو جني تصور بتلك الصورة ومنهم من يرى فارسا قد خرج من قبره أو دخل في قبره ويكون ذلك شيطانا وكل من قال: أنه رأى نبيا بعين رأسه فما رأى إلا خيالا)","vol":"8","page":303},{"text":"ومنهم من يرى في منامه أن بعض الأكابر إما الصديق ﵁ أوغيره قد قص شعره أوحلقه أو ألبسه طاقيته أو ثوبه فيصبح وعلى رأسه طاقية وشعره محلوق أو مقصر إنما الجن قد حلقوا شعره أو قصروه وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وعلى مذهبهم والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطىء فإن كان الإنسي كافرا أو فاسقا أو جاهلا دخلوا معه في الكفر والفسوق والضلال وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر مثل الإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه من الجن وغيرهم ومثل أن يكتب أسماء الله أو بعض كلامه بالنجاسة أويقلب فاتحة الكتاب أو سورة الإخلاص أو آية الكرسي أو غيرهن ويكتبهن بنجاسة فيغورون له الماء وينقلونه بسبب ما يرضيهم به من الكفر وقد يأتونه بمن يهواه من امرأة أو صبي إما في الهواء وإما مدفوعا ملجأ إليه إلى أمثال هذه الأمور التي يطول وصفها والإيمان بها إيمان بالجبت والطاغوت والجبت: السحر والطاغوت: الشياطين والأصنام وإن كان الرجل مطيعا لله ورسوله باطنا وظاهرا لم يمكنهم الدخول معه في ذلك أو مسالمته\nولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة في المساجد التي هي بيوت الله كان عمار المساجد أبعد عن الأحوال الشيطانية وكان أهل الشرك والبدع يعظمون القبور ومشاهد الموتى فيدعون الميت أو يدعون به أو يعتقدون أن الدعاء عنده مستجاب - أقرب إلى الأحوال الشيطانية الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية – ص٣٢٧\nمن ضوابط الحكم على خرق العادة النظر في سيرة واستقامة من خرقت له:\nوأما تمييز الولي الصادق الذي قد تجري على يديه الكرامات من الدعي الكاذب الذي يموه على الناس ويخدعهم، فإنما يكون ذلك بحسب صلاحه وتقواه، من قيامه بالفرائض والنوافل، واتقائه الكبائر، والصغائر، واتصافه بالصفات الكريمة، واستدامته عليها، فإن اتصف شخص بكل هذه الصفات الطيبة، وعرفت عنه، ثم حدث على يديه شيء من الخوارق فيما لا يخالف الشرع، فيجوز أن يطلق على ذلك الخارق اسم (كرامة).\nأما إن كان الرجل على خلاف ذلك، مشتهرا بالفسق والفساد والضلال، وغير ذلك، فإن كل ما يجري على يديه لا يعتد به بالغا ما بلغ، والله أعلم (١).\nمن شروط الكرامة:\nقال الإمام الشاطبي ﵀:\n(ومن الفوائد في هذا الأصل أن ينظر إلى كل خارقة صدرت على يدي أحد، فإن كان لها أصل في كرامات الرسول ﷺ ومعجزاته؛ فهي صحيحة، وإن لم يكن لها أصل؛ فغير صحيحة، وإن ظهر ببادئ الرأي أنها كرامة؛ إذ ليس كل ما يظهر على يدي الإنسان من الخوارق بكرامة، بل منها ما يكون كذلك، ومنها ما لا يكون كذلك.\n_________\n(١) انظر: «موقف ابن تيمية من التصوف والصوفية» (ص: ٢٣٦ - ٢٣٧)، «شبهات التصوف» (ص: ١٣٨).","vol":"8","page":304},{"text":"وبيان ذلك بالمثال أن أرباب التصريف بالهمم والتقربات بالصناعة الفلكية، والأحكام النجومية، قد تصدر عنهم أفاعيل خارقة، وهي كلها ظلمات بعضها فوق بعض، ليس لها في الصحة مدخل، ولا يوجد لها من كرامات النبي ﷺ منبع؛ لأنه إن كان ذلك بدعاء مخصوص، فدعاء النبي ﷺ لم يكن على تلك النسبة، ولا تجري فيه تلك الهيئة، ولا اعتمد على قران في الكواكب، ولا التمس سعودها أو نحوسها، بل تحرى مجرد الاعتماد على من إليه يرجع الأمر كله، والتجأ إليه، معرضًا عن الكواكب، وناهيًا عن الاستناد إليها؛ إذ قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» ... الحديث (١) وإن تحرى وقتًا، أو دعا إلى تحريه، فلسبب بريء من هذا كله؛ كحديث التنزل، وحديث اجتماع الملائكة طرفي النهار، وأشباه ذلك) إلى أن قال ﵀: (وهذا الموضع مزلة قدم للعوام، ولكثير من الخواص؛ فلتتنبه له) (٢).\nخرق العادة بمجرده لا يدل على الولاية:\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:\n(وكل من خالف شيئًا مما جاء به الرسول، مقلدًا في ذلك لمن يظن أنه ولي لله، فإنه بنى أمره على أنه ولي الله، وأن ولي الله لا يخالف في شيء، ولو كان هذا الرجل من أكبر أولياء الله؛ كأكابر الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، لم يقبل منه ما خالف الكتاب والسنة، فكيف إذا لم يكن كذلك؟!\nوتجد كثيرًا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفه في بعض الأمور، أو بعض التصرفات الخارقة للعادة؛ مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، أو يمشي على الماء أحيانًا، أو يملأ إبريقًا من الهواء، أو ينفق بعض الأوقات من الغيب، أو يختفي أحيانًا عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه، فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سرق لهم، أو بحال غائب لهم أو مريض، أو نحو ذلك من الأمور، وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي الله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء، أو مشى على الماء، لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله ﷺ، وموافقته لأمره ونهيه.\nوكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور، وهذه الأمور الخارقة للعادة -وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله- فقد يكون عدوا لله، فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار، والمشركين، وأهل الكتاب، والمنافقين، وتكون لأهل البدع، وتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ولي الله، بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم، وأفعالهم، وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة، ويعرفون بنور الإيمان والقرآن، وبحقائق الإيمان الباطنة، وشرائع الإسلام الظاهرة.\nمثال ذلك: أن الأمور المذكورة وأمثالها، قد توجد في أشخاص، ويكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون ملابسا للنجاسات، معاشرا للكلاب، يأوي إلى الحمامات، والقمامين، والمقابر، والمزابل، رائحته خبيثة، لا يتطهر الطهارة الشرعية، ولا يتنظف ...) (٣). اهـ.\nقال الإمام الشاطبي ﵀:\n_________\n(١) رواه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١).\n(٢) «الموافقات» (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٦).\n(٣) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص: ٦١ - ٦٢)، وانظر: «ولاية الله والطريق إليها» (ص: ٢٥٢ - ٢٥٤).","vol":"8","page":305},{"text":"(ومن هنا يعلم أن كل خارقة حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة، فلا يصح ردها ولا قبولها إلا بعد عرضها على أحكام الشريعة، فإن ساغت هناك فهي صحيحة مقبولة في موضعها، وإلا لم تقبل إلا الخوارق الصادرة على أيدي الأنبياء ﵈؛ فإنه لا نظر فيها لأحد؛ لأنها واقعة على الصحة قطعًا؛ فلا يمكن فيها غير ذلك، ولأجل هذا حكم إبراهيم ﵇ في ذبح ولده بمقتضى رؤياه، وقال له ابنه: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [الصافات: ١٠٢]، وإنما النظر فيما انخرق من العادات على يد غير المعصوم.\nوبيان عرضها أن تفرض الخارقة واردة من مجاري العادات، فإن ساغ العمل بها عادة وكسبا، ساغت في نفسها، وإلا فلا؛ كالرجل يكاشف بامرأة أو عورة، بحيث اطلع منها على ما لا يجوز له أن يطلع عليه، وإن لم يكن مقصودًا له، أو رأى أنه يدخل على فلان بيته وهو يجامع زوجته ويراه عليها، أو يكاشف بمولود في بطن امرأة أجنبية؛ بحيث يقع بصره على بشرتها، أو شيء من أعضائها التي لا يسوغ النظر إليها في الحس، أو يرى صورة مكيفة مقدرة تقول له: (أنا ربك)، أو يرى ويسمع من يقول له: (قد أحللت لك المحرمات)، وما أشبه ذلك من الأمور التي لا يقبلها الحكم الشرعي على حال، ويقاس على ذلك ما سواه، وبالله التوفيق) (١). اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀:\n(خرق العادة قد يقع للزنديق بطريق الإملاء والإغواء، كما يقع للصديق بطريق الكرامة والإكرام، وإنما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسنة) (٢).\nوقال العلامة الشوكاني ﵀:\n(ولا يجوز للولي أن يعتقد في كل ما يقع له من الواقعات والمكاشفات أن ذلك كرامة من الله سبحانه، فقد يكون من تلبيس الشيطان ومكره. بل الواجب عليه أن يعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة، فإن كانت موافقة لها، فهي حق، وصدق، وكرامة من الله سبحانه، وإن كانت مخالفة لشيء من ذلك؛ فليعلم أنه مخدوع ممكور به، قد طمع منه الشيطان؛ فلبس عليه) (٣). اهـ.\nوقال الدكتور تقي الدين الهلالي شيخ التوحيد والسنة في بلاد المغرب – بل في كثير من بلاد العالم الإسلامي – رحمه الله تعالى -: (.. ومن هذا تعلم أن ظهور الخوارق، وما في عالم الغيب – ليس دليلًا على صلاح من ظهرت له تلك الخوارق، ولا على ولايته لله البتة؛ فإن كل مرتاض رياضة روحية تظهر له الخوارق على أي دين كان، وقد سمعنا وقرأنا أن العباد الوثنيين من أهل الهند تقع لهم خوارق عظام) (٤). اهـ.\n(إذن، فيجب على كل مسلم التحقق من ذلك، ولا يجوز القطع بولاية كل من فعل خارقًا من خوارق العادات؛ لأن الغاية من خرق العادة عند المشعوذين: التلبيس على المسلمين في دينهم، كما كانت الشياطين تخدع المشركين، فتدخل في أجواف الأصنام وتصدر أصواتًا، يظنون أن أصنامهم تتحدث إليهم، أو تحركها الشياطين من مكانها، فيظنوا أنها تتحرك من تلقاء نفسها.\nولقد ذكر الشعراني أن الشيطان كان يدخل في أجواف الأصنام، والغربان، والعصافير، ويتكلم على ألسنتها بما شاء، حتى عبدت من دون الله) (٥).\nمن القادر على التمييز بين (الأحوال الرحمانية) و(الأحوال الشيطانية)؟\n_________\n(١) «الموافقات» (٢/ ٤٨١ - ٤٨٢) بتصرف، وانظر: «مدارج السالكين» (١/ ٤٨ - ٤٩).\n(٢) «فتح الباري» (١٢/ ٣٨٥).\n(٣) «ولاية الله والطريق إليها» (ص: ٢٤٩).\n(٤) نقله عنه في «الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة» (ص: ٤٦٦).\n(٥) «الرفاعية» (ص: ٩٤ - ٩٥).","vol":"8","page":306},{"text":"يتمكن إبليس من الإنسان على قدر حظه من العلم، فكلما قل علمه اشتد تمكن إبليس منه، وكلما كثر العلم قل تمكنه منه؛ ولذلك لا تشتبه (الكرامة الرحمانية) بالحال (الشيطانية) إلا عند الجهال، وأهل الأهواء، بخلاف أهل العلم والبصيرة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فإذا كان العبد من هؤلاء فرق بين حال أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، كما يفرق الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الزيف، وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الرديء، وكما يفرق من يعرف الفروسية بين الشجاع والجبان، وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق وبين المتنبي الكذاب، فيفرق بين محمد الصادق الأمين رسول الله رب العالمين، وموسى، والمسيح، وغيرهم، وبين مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وطلحة الأسدي، والحارث الدمشقي، وباباه الرومي، وغيرهم من الكذابين، وكذلك يفرق بين أولياء الله المتقين، وأولياء الشيطان الضالين) (١). اهـ.\nوقال ابن الجوزي ﵀:\n(ومن العباد من يرى ضوءًا أو نورًا في السماء، فإن كان في رمضان قال: رأيت ليلة القدر، وإن كان في غيره قال: فتحت لي أبواب السماء، وقد يتفق له الشيء الذي يطلبه، فيظن ذلك كرامة، وربما كان اختبارًا، وربما كان من خدع إبليس، والعاقل لا يساكن شيئًا من هذا، ولو كان كرامة) (٢).\nكان أبو ميسرة فقيه المغرب يختم كل ليلة في مسجده، فرأى ليلة نورا قد خرج من الحائط، وقال: تمل من وجهي؛ فأنا ربك، فبصق في وجهه، وقال: (اذهب يا ملعون) (٣)، فطفئ النور (٤).\n(وكم اغتر قوم بما يشبه الكرامات، فقد روينا بإسناد عن حسن عن أبي عمران قال: قال لي فرقد: (يا أبا عمران، قد أصبحت اليوم وأنا مهتم بضريبتي، وهي ستة دراهم، وقد أهل الهلال وليست عندي، فدعوت، فبينما أنا أمشي على شط الفرات إذا أنا بستة دراهم، فأخذتها فوزنتها، فإذا هي ستة لا تزيد ولا تنقص)، فقال: (لا تصدق بها، فإنها ليست لك)، قلت: -أبو عمران هو إبراهيم النخعي فقيه أهل الكوفة- فانظروا إلى كلام الفقهاء، وبعد الاغترار عنهم، وكيف أخبره أنها لقطة، ولم يلتفت إلى ما يشبه الكرامة، وإنما لم يأمره بتعريفها لأن مذهب الكوفيين أنه لا يجب التعريف لما دون الدينار، وكأنه إنما أمره بالتصدق بها لئلا يظن أنه قد أكرم بأخذها وإنفاقها.\nوبإسناد عن إبراهيم الخراساني أنه قال: احتجت يومًا إلى الوضوء، فإذا أنا بكوز من جوهر، وسواك من فضة، رأسه ألين من الخز، فاستكت بالسواك، وتوضأت بالماء، وتركتهما وانصرفت.\nقلت: في هذه الحكاية من لا يوثق بروايته، فإن صحت دلت على قلة علم هذا الرجل؛ إذ لو كان يفهم الفقه علم أن استعمال السواك الفضة لا يجوز، ولكن قل علمه فاستعمله، وإن ظن أنه كرامة، والله تعالى لا يكرم بما يمنع استعماله شرعًا، إلا إن أظهر له ذلك على سبيل الامتحان) (٥).\nقال القشيري: (قال إبراهيم الخواص: طلبت الحلال في كل شيء حتى طلبته في صيد السمك، فأخذت قصبة، وجعلت فيها شعرا، وجلست على الماء، فألقيت الشص، فخرجت سمكة، فطرحتها على الأرض، وألقيت ثانية، فخرجت لي سمكة. إذ من ورائي لطمة لا أدري من يد من هي، ولا رأيت أحدًا وسمعت قائلًا يقول: أنت لم تصب رزقًا في شيء إلا أن تعمد إلي من يذكرنا فتقتله. قال إبراهيم: فقطعت الشعر، وكسرت القصبة، وانصرفت) (٦).\n_________\n(١) «الفرقان» (ص: ٦٦).\n(٢) «تلبيس إبليس» (ص: ٥٢٩).\n(٣) لأن الله تعالى لا يرى في الدنيا، ونور الله تعالى لا يقوم له شيء، ولما ظهر للجبل منه أدنى شيء ساخ الجبل وتدكدك، انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٢٢٩).\n(٤) «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٣٩٦).\n(٥) «تلبيس إبليس» (ص: ٥٣٣).\n(٦) «الرسالة القشيرية» (ص: ٨٤).","vol":"8","page":307},{"text":"ولو أن هذا الصوفي تدبر قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [المائدة: ٩٦]، لجزم قاطعا بأن اللاطم لم يكن سوى إبليس؛ إذ الله لا يعاقب على صيد ما أباحه، ولا يحرم صيد الأسماك؛ لأنها تذكر الله ﷿؛ فإنه ما من شيء إلا يسبح بحمده ويذكره، ولو تركنا ذبح الأنعام –وهي تذكر الله- تعالى-أيضا، لم يكن لنا ما يقيم قوى الأبدان.\nوذكر محمد بن أبي الفضل الهمداني المؤرخ قال: حدثني أبي قال: كان السرمقاني المقرئ يقرأ على ابن العلاف، وكان يأوي إلى المسجد بدرب الزعفراني، واتفق أن ابن العلاف رآه ذات يوم في وقت مجاعة، وقد نزل إلى دجلة، وأخذ منه أوراق الخس مما يرمي به أصحابه، وجعل يأكله، فشق ذلك عليه، وأتى إلى رئيس الرؤساء، فأخبره بحاله، فتقدم إلى غلام بالقرب إلى المسجد الذي يأوي إليه السرمقاني أن يعمل لبابه مفتاحًا من غير أن يعلمه، ففعل وتقدم إليه أن يحمل كل يوم ثلاثة أرطال خبزًا سميدًا، ومعها دجاجة، وحلوى سكرا، ففعل الغلام ذلك، وكان يحمله على الدوام، فأتى السرمقاني في أول يوم فرأى ذلك مطروحًا في القبلة، ورأى الباب مغلقًا فتعجب، وقال في نفسه: هذا من الجنة، ويجب كتمانه، وأن لا أتحدث به، فإن من شروط الكرامة كتمانها، وأنشدني:\nمن أطلعوه على سر فباح به ... لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا\nفلما استوى حاله، وأخصب جسمه، سأله ابن العلاف عن سبب ذلك، وهو عارف به، وقصد المزاح معه، فأخذ يوري ولا يصرح، ويكني ولا يفصح، ولم يزل ابن العلاف يستخبره حتى أخبره أن الذي يجده في المسجد كرامة؛ إذ لا طريق لمخلوق عليه، فقال له ابن العلاف: (يجب أن تدعو لابن المسلمة، فإنه هو الذي فعل ذلك)، فنغص عيشه بإخباره، وبانت عليه شواهد الانكسار (١). اهـ.\nأمثلة من الأحوال الشيطانية:\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شأن أصحاب الأحوال الشيطانية: (وهؤلاء تقترن بهم الشياطين، وتنزل عليهم، فيكاشفون الناس ببعض الأمور، ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر، وهم من جنس الكهان والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين، قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣]، وهؤلاء جميعًا ينتسبون على المكاشفات، وخوارق العادات، إذا لم يكونوا متبعين للرسل، فلابد أن يكذبوا، وتكذبهم شياطينهم، ولابد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور؛ مثل نوع من الشرك، أو الظلم، أو الفواحش، أو الغلو، أو البدع في العبادة.\nولهذا تنزلت عليهم الشياطين، واقترنت بهم، فصاروا من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن؛ قال الله تعالى: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦]).\n_________\n(١) «تلبيس إبليس» (ص: ٥٣٣ - ٥٣٤).","vol":"8","page":308},{"text":"ومن الأحوال الشيطانية حال (عبد الله بن صياد)، الذي ظهر في زمن النبي ﷺ، وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال، وتوقف النبي ﷺ في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه كان من جنس الكهان، فقال له النبي ﷺ: «قد خبأت لك خبئا» قال: «الدخ الدخ»، وقد كان خبأ له سورة الدخان، فقال له النبي ﷺ: «اخسأ فلن تعدو قدرك» (١)، يعني إنما أنت من إخوان الكهان، والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب، كما هو في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: «إن الملائكة تنزل في العنان – وهو السحاب – فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع، فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مئة كذبة من عند أنفسهم» (٢).\nوهذا المسيح الدجال الذي هو أعظم فتنة تمر على البشرية في تاريخها، حتى حذر جميع الأنبياء منه أممهم، وحتى قال فيه النبي ﷺ: فيما رواه أبو داود عن عمران بن حصين ﵄: «من سمع الدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه؛ مما يبعث به من الشبهات» (٣)، وسوف يأتي بأعظم الخوارق:\nفمنها: ما رواه حذيفة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار» (٤).\nومنها: أنه يستعين بالشياطين؛ فقد روي عن أبي أمامة ﵁ قال: «وإن من فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني اتبعه؛ فإنه ربك» (٥).\nومن فتنته أنه يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، ويدعو البهائم فتتبعه، ويأمر الخرائب أن تخرج كنوزها المدفونة فتستجيب.\nومن فتنته أنه يقتل ذلك الشاب المؤمن فيما يظهر للناس، ثم يدعي أنه أحياه، فيقول ذلك الشاب: «والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم» (٦).\nيقول شيخ الإسلام في شأن أصحاب الأحوال الشيطانية:\n(وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم، وتتمثل لهم، وهي جن وشياطين، فيظنونها ملائكة؛ كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام.\nوكان من أول ما ظهر من هؤلاء في الإسلام: المختار بن أبي عبيد الذي أخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في (صحيحه) عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» (٧)، وكان الكذاب: المختار بن أبي عبيد. والمبير: الحجاج بن يوسف، فقيل لابن عمر وابن عباس: إن المختار يزعم أنه ينزل إليه، فقالا: صدق، قال الله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢].\n_________\n(١) [١٤٢٢٢]» رواه البخاري (١٣٥٤)، ومسلم (٢٩٣٠)، من حديث عبد الله بن عمر.\n(٢) رواه البخاري (٣٢١٠).\n(٣) رواه أبو داود (٤٣١٩) سكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح] وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٤٣١٩).\n(٤) رواه مسلم (٢٩٣٤).\n(٥) رواه ابن ماجه (٤٠٧٧) قال ابن كثير «تفسير القرآن» (٢/ ٤١١): غريب جدًا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٨١٤).\n(٦) رواه البخاري (٧١٣٢)، ومسلم (٢٩٣٨). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٧) رواه مسلم (٢٥٤٥) والترمذي (٢٢٢٠) والإمام أحمد ١/ ٢٢٠.","vol":"8","page":309},{"text":"وقال الآخر: وقيل له: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: قال الله تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام: ١٢١] (١).\n(والأسود العنسي الذي ادعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته، لما تبين لها كفره، فقتلوه.\nوكذلك مسيلمة الكذاب، كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات، ويعينه على بعض الأمور.\nوأمثال هؤلاء كثيرون؛ مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة، وكانت الشياطين تخرج رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن ينفذ فيه، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده، وكان يري الناس رجالًا وركبانًا على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جنا، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسم الله، فسمى الله، فطعنه فقتله (٢).\nوهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها؛ مثل آية الكرسي، فإنه قد ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁، لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر، فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة، وهو يمسكه فيتوب فيطلقه، فيقول له النبي ﷺ: «ما فعل أسيرك البارحة؟»، فيقول: زعم أنه لا يعود، فيقول: «كذبك وإنه سيعود»، فلما كان في المرة الثانية، قال: دعني حتى أعلمك ما ينفعك: إذا أويت إلى فراشك فاقرآ آية الكرسي: اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥] ... إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي ﷺ قال: «صدقك وهو كذوب» (٣)، وأخبره أنه شيطان.\nولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها؛ مثل من يدخل النار بحال شيطاني، أو يحضر سماع المكاء والتصدية، فتنزل عليه الشياطين، وتتكلم على لسانه كلامًا لا يعلم، وربما لا يفقه، وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه، وربما تكلم بألسنة مختلفة؛ كما يتكلم الجني على لسان المصروع، والإنسان الذي حصل له الحال لا يدري بذلك، بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس، ولبسه، وتكلم على لسانه، فإذا أفاق لم يشعر بشيء مما قال) (٤). اهـ. المهدي وفقه أشراط الساعة لمحمد أحمد إسماعيل المقدم– ص: ٢٣٧\nمن الخوارق ما لا يكون بتسبب شيطاني مباشر، وإنما يكون بطريق التعلم والحيلة، كما يفعله النصارى كثيرًا، وكما كان يفعل ابن تومرت (٥)، وكما روي عن الحلاج، من أنه (كان يدفن شيئًا من الخبز، والشواء، والحلوى في موضع من البرية، ويطلع بعض أصحابه على ذلك، فإذا أصبح قال لأصحابه: (إن رأيتم أن نخرج على وجه السياحة)، فيقوم، ويمشي الناس معه، فإذا جاءوا إلى ذلك المكان، قال له صاحبه الذي أطلعه على ذلك: (نشتهي الآن كذا وكذا)، فيتركهم الحلاج، وينزوي عنهم إلى ذلك المكان، فيصلي ركعتين، ويأتيهم بذلك، وكان يمد يده إلى الهواء، ويطرح الذهب في أيدي الناس ويمخرق، وقد قال له بعض الحاضرين يوما: (هذه الدراهم معروفة، ولكن أؤمن بك إذا أعطيتني درهما عليه اسمك واسم أبيك)، وما زال يمخرق إلى وقت صلبه) (٦).\nومن ذلك ما ذكره بعض أصحاب ابن الشباس قال: (حضرنا يومًا عنده، فأخرج جديًا مشويًا، فأمرنا بأكله، وأن نكسر عظمه ولا نهشمها، فلما فرغنا أمر بردها إلى التنور، وترك على التنور طبقا، ثم رفعه بعد ساعة، فوجدنا جديا حيا يرعى حشيشا، ولم نر للنار أثرا، ولا للرماد ولا للعظام خبرا، قال: فتلطفت حتى عرفت ذلك، وذلك أن التنور يفضي إلى سرداب، وبينهما طبق نحاس بلولب، فإذا أراد إزالة النار عنه فركه فينزل عليه فيسده وينفتح السرداب، وإذا أراد أن يظهر النار أعاد الطبق إلى فم السرداب فتراءى للناس).\nقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:\n(وقد رأينا في زماننا من يشير إلى الملائكة ويقول: هؤلاء ضيف مكرمون، يوهم أن الملائكة قد حضرت، ويقول لهم: تقدموا إلي. وأخذ رجل في زماننا إبريقا جديدًا فترك فيه عسلا، فتشرب في الخزف طعم العسل، واستصحب الإبريق في سفره، فكان إذا غرف به الماء من النهر، وسقى أصحابه وجدوا طعم العسل، وما في هؤلاء من يعرف الله، ولا يخاف في الله لومة لائم، نعوذ بالله من الخذلان) (٧). المهدي وفقه أشراط الساعة لمحمد أحمد إسماعيل المقدم– ص: ٢٥٦\n_________\n(١) «الفرقان» (ص: ٨٦).\n(٢) انظر تفصيل خبره في «تلبيس إبليس» (ص: ٥٢٩ - ٥٣٣).\n(٣) رواه البخاري (٢٣١١).\n(٤) «الفرقان» (ص: ١٣٤ - ١٣٥).\n(٥) انظر: «حيل ودجل ابن تومرت» (ص: ٣٩٤، ٤٠١).\n(٦) «تلبيس إبليس» (ص: ٥٣٩).\n(٧) «تلبيس إبليس» (ص: ٥٤١ - ٥٤٢)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٤٥، ٦١٠)، و«البداية والنهاية» (١٤/ ٣٦).","vol":"8","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2288>المبحث الخامس: الفرق بين المعجزة والكرامة</span>\nالفرق بين المعجزة والكرامة: أن المعجزة تكون مقرونة بدعوى النبوة. بخلاف الكرامة فإن صاحبها لا يدعي النبوة وإنما حصلت له الكرامة باتباع النبي والاستقامة على شرعه. فالمعجزة للنبي والكرامة للولي. وجماعهما الأمر الخارق للعادة.\nوذهب بعض الأئمة من العلماء: إلى أن كرامات الأولياء في الحقيقة تدخل في معجزات الأنبياء لأن الكرامات إنما حصلت للولي باتباع الرسول، فكل كرامة لولي هي من معجزات رسوله الذي يعبد الله بشرعه.\nومن هذا يتبين أن إطلاق المعجزة على خوارق الأنبياء والكرامة على خوارق الأولياء معنيان اصطلاحيان ليسا موجودين في الكتاب والسنة وإنما اصطلح عليهما العلماء فيما بعد وإن كانا في مدلولهما يرجعان إلى ما تقرر في النصوص من الحق. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء ص٢٠٣\nمما يتعلق بتمييز الكرامة عن غيرها من خوارق العادات؛ التمييز بين الولي الذي يجوز أن تحدث له الكرامة، وبين من هو أعلى منه منزلة؛ وهو النبي، أو من يدعي مثل منزلته كذبًا وبهتانًا، وهو المشعوذ والساحر وغيرهم.\nفأما الفرق بين النبي والولي من جهة الخارق الذي يجري على يد كل منهما، فقد علمنا أن النبي تجري على يده المعجزات، وهي نوعان، سماها ابن تيمية معجزات كبرى، وهي دليل صدقه، ونوع من التوابع والنوافل سماها معجزات صغرى.\nوالولي تحدث على يده الكرامات، وقد تشتبه بالمعجزات الصغرى، أو تماثلها، ولكن النبي يختص بالعصمة دون الولي، فالمعجزة للنبي دليل على عصمته من الخطإ فيما أرسل من أجله؛ وهو التشريع.\nأما الولي فكرامته إنما تدل على صدق النبي الذي آمن به هذا الولي، واتبعه في شريعته، ولا تدل بحال على عصمته هو من أن يخطئ في بعض أعماله أو عباداته أو توجيهاته لأنه لم يرسل ويصطف من الله –﷿- لهذا الغرض كالنبي، وإنما هو مجتهد فيه، أما النبي فقد اصطفاه الله من عباده لهذا الغرض (١).\nالكرامة تدل على الولاية، لكنها لا تدل على العصمة:\nومن هنا وجبت طاعة النبي مطلقا، بينما لا تجب طاعة الولي مطلقًا، إلا فيما عليه دليل شرعي واضح، وفارق آخر بين المعجزة والكرامة؛ هو أن الكرامة تحدث بحسب حاجة الولي، فإذا احتاج إليها لتقوية إيمانه؛ جاءه منها ما يكفيه لتقوية إيمانه، أو احتاج إليها لفك ضيق عليه، أو على من يدعو له؛ جاءه من ذلك ما يفرج كربته ويجيب دعاءه، بخلاف المعجزات؛ فإنها لا تكون إلا لحاجة الخلق وهدايتهم.\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه: (وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول، ولا تدل على أن الولي معصوم، ولا على أنه يجب طاعته في كل ما يقوله.\nومن هنا، ضل كثير من الناس من النصارى وغيرهم؛ فإن الحواريين –مثلًا- كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة فظنوا أن ذلك يستلزم عصمتهم، كما يستلزم عصمة الأنبياء فصاروا يوجبون موافقتهم في كل ما يقولون وهذا غلط).\nوالحقيقة أن كثيرًا من المسلمين –أيضا- قد وقع فيما وقع فيه النصارى من الخطإ الذي ذكره ابن تيمية، فبمجرد أن يشتهر شخص بشيء من الكرامات ترتفع درجة الثقة في أقواله، وتوجيهاته، وأوامره، ونواهيه، إلى حد أن أكثر الناس لا يقبل فيها جدلًا البتة (٢). المهدي وفقه أشراط الساعة لمحمد أحمد إسماعيل المقدم– ص: ٢٣٦\n_________\n(١) انظر: «شبهات التصوف» (ص: ١٣٦).\n(٢) انظر: «شبهات التصوف» (ص: ١٢٦ - ١٣٧).","vol":"8","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2290>الفصل الأول: المسح على الخفين</span>\nمن أقدم الأئمة الذين قرروا تلك المسألة: الإمام سفيان الثوري في عقيدته حيث قال مخاطبًا من سأله عن معتقده:\n(يا شعيب بن حرب، لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك) (١).\nبل قال سفيان الثوري: (من لم يمسح على الخفين فاتهموه على دينكم) (٢).\nوعد سهل بن عبد الله التستري المسح على الخفين من خصال أهل السنة (٣).\nكما قرر ذلك أبو حنيفة (٤) وأبو الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة) (٥)، والطحاوي في (عقيدته) (٦)، وابن بطة في (الإبانة الصغرى) (٧)، والبربهاري في (شرح السنة) (٨)، وابن خفيف في (عقيدته) (٩)، وأبو عمرو الداني في (الرسالة الوافية) (١٠).\nووجه إيراد مسألة المسح على الخفين ضمن كتب الاعتقاد: مخالفة الروافض والخوارج الذين لا يجيزون المسح على الخفين، وكما قال الإمام محمد بن نصر المروزي: (وقد أنكر طوائف من أهل الأهواء والبدع من الخوارج والروافض المسح على الخفين) (١١).\nوقال الإمام النووي: (أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها ... وإنما أنكرته الشيعة والخوارج ولا يعتد بخلافهم) (١٢).\nوجاء عن الإمام الشعبي أنه قال: (واليهود لا يرون المسح على الخفين، وكذلك الرافضة) (١٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: (وقد تواترت السنة عن النبي ﷺ بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، كما تخالف الخوارج نحو ذلك) (١٤).\nوقال في موضع آخر: (وكان سفيان الثوري يذكر من السنة المسح على الخفين؛ لأن هذا كان شعارًا للرافضة) (١٥). مسائل الفروع الواردة في مصنفات العقيدة جمعًا ودراسة لعبد العزيز بن محمد بن علي آل عبد اللطيف– ص: ٤\nيقول العلامة الطحاوي: (وَنَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ).\nيريد بذلك أَنَّ أهل السنة والجماعة المتبعين للآثار لا يُعَارِضُون الآثار الثابتة عن رسول الله ﷺ وعن صحابته الكرام بالأقْيِسَةْ أو بالدِّلالات العقلية، وإنما يجعلونها مُقَدَّمَةً على ما هو دونها من القياس والدلالة العقلية ونحو ذلك؛ لأنَّ منهج الاستدلال عندهم أنْ يُؤْخَذَ بما جاء في الكتاب والحديث عن النبي ﷺ وما جاء في القرآن حق وما جاءت به السنة حق، والحق يعضد الحق ولا يعارضه أو يناقضه؛ بل هذا يدل على هذا كما السنة تدل على القرآن وتُبَيِّنُهْ.\n_________\n(١) أخرجه اللالكائي في «أصول السنة» (١/ ١٥٤)، وأنظر: «منهاج السنة النبوية» لابن تيمية (٤/ ١٥١).\n(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٣٢).\n(٣) انظر: «السنة للالكائي» (١/ ٣٣).\n(٤) انظر: «الفقه الأكبر» (ص: ٤).\n(٥) انظر: «الإبانة» (ص: ٦١).\n(٦) «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٥٥٢).\n(٧) انظر: «الإبانة الصغرى» (ص: ٢٨٧).\n(٨) «شرح السنة» (ص: ٣٠).\n(٩) انظر: «الفتوى الحموية» لابن تيمية (ص: ٤٤٣).\n(١٠) انظر: «الرسالة الوافية» (ص: ١٤٥).\n(١١) «السنة» (ص: ١٠٤)، وانظر «المجموع» للنووي (١/ ٥٠٠)، و«المغني» لابن قدامة (١/ ٣٦٠)، و«مقالات الإسلاميين» للأشعري (٢/ ١٦١)، و«فقه الإمامية» للسالوس (ص: ١١٢).\n(١٢) «صحيح مسلم بالنووي» (٣/ ١٦٠).\n(١٣) «منهاج السنة النبوية» (١/ ٣٣).\n(١٤) «منهاج السنة النبوية» (٤/ ١٧٤).\n(١٥) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٢٣) = باختصار.","vol":"8","page":312},{"text":"وهذه المسألة كما هو ظاهر مسألة المسح على الخفين هي من مسائل الفقه لا من مسائل العقيدة؛ ولكن أُدْخِلَتْ في مسائل الاعتقاد لأجل أنَّ أهل السنة تميَّزُوا عن عدد من الفرق بأنَّهُمْ يرون المسح على الخفين، والمخالف في ذلك هم الخوارج -أعني طائفةً منهم- والرافضة وعدد من الناس مختلفون في أماكنهم لا يُنْسَبُونَ إلى فرقة من الفرق.\nفلأجل مخالفة تلك الفرق صارت المسألة من المسائل العقدية؛ لأنَّهَا تُمَيِّزْ أهل العقيدة الحقة من الفرق الباطلة، فصارت هذه المسألة وهي المسح على الخفين صارت عَلَمًَا يُفَرَّقُ به ما بين السني وما بين الرافضي والخارجي ونحوهما.\nولهذا فإنَّ مسائل الاعتقاد أعني المسائل التي تُذْكَرْ في العقيدة في مصنفات أهل السنة في الماضي وفي الحاضر على أقسام منها:\nالقسم الأول: ما هو في بيان الأركان الستة.\nالقسم الثاني: ما تميَّز به أهل السنة عن غيرهم في مسائل المعاملة؛ معاملة ولاة الأمر أو معاملة المبتدع أو معاملة العصاة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو التعامل مع صحابة رسول الله؟ وزوجاته؟ وهكذا.\nوأمَّا المسح على الجوارب فليس كذلك؛ لأنَّهُ نُقِلَ عن نحو سبعة أو ثمانية من الصحابة أو أكثر بقليل، ولهذا المسح على الجوربين فيه خلافٌ فقهي معروف عند أهل السنة.\nأما المسح على الخفين فهو أصل من الأصول العظيمة في العمل؛ لأنَّ النبي تواتَرَ عنه المسح وفَعَلَهُ صحابته وتواتر عنهم ونقلوه نقلًا قوليًا وعمليًا.\nوالآثار في مسحه على الخفين في أسفاره وفي الحضر أيضًا، كما قال «يمسح المقيم يوما وليلة، ويمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن» (١)، فهذا معنى قوله في السفر والحضر؛ لأنَّ السُّنَّةَ ماضية في هذا وهذا.\nالمسألة الثالثة:\nمما أُسْتُدِلَّ به على المسح على الخفين من القرآن قوله: في آية الوضوء يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:٦]، اسْتُدِلَّ به على أنَّ المسح هنا -مسح الأرجل- يُرَادُ به المسح على الخفين، والقراءة هكذا بالجر هي أحد القراءتين السبعيَّتَين، هاهنا قراءتان:\nالقراءة الأولى وَأَرْجُلَكُمْ بنصب الأرْجُل عطفًا على المغسولات.\nوالثانية وَأَرْجُلِكُمْ عَطْفًَا على الرأس عند أصحاب هذا القول؛ يعني فتكون مجرورة.\nوهذا الاستدلال فيه نظر، وإن كان محلُّهُ كتب الفقه؛ لكن من باب الاستطراد نذكره، فيه نظر لأنَّ المسح على الخفين لا يكون إلى الكعبين، وإنما يَمْسَحُ ظاهر الخف على ظاهر القدم، وليست السُّنَّة أن تُسْتَوعَبْ الرجل مسحًا إلى الكعبين، ولهذا صار القول الظاهر في الآية على قراءة الجر أنَّ لها توجيهين:\n(التوجيه الأول: أن يكون هذا الجر لأجل المجاورة، والجر بالمجاورة أسلوب عربي معروف كثير الاستعمال، ومنه قول الله إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود: ٢٦]، مع أنَّ الألم وصف للعذاب، وأما اليوم فهو ظرف ولا يُوصف اليوم بأنه مؤلم أو ليس بمؤلم، ولهذا صار الظاهر هنا في هذه الآية أنَّ معناها إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم، يعني عذابًا أليمًا في يوم، كما هو القول الأظهر من قولي العلماء هنا.\nوجُرَّ هنا لأجل المجاورة فهي أسهل في اللفظ ولأجل الختام قال عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ، وأما في لغة العرب فهو كثير معروف ومنه قول الشاعر:\nفظلّ طُهَاةُ اللحم ما بين مُنْضِجٍ خفيفًا شواءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ\n(ما بين منضج خفيفًا شواء)؛ لأنها مفعول لاسم الفاعل.\n_________\n(١) [١٤٢٥٣]» رواه مسلم (٢٧٦) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.","vol":"8","page":313},{"text":"(خفيف شواء) فجر شواء لأنها مضاف إليه.\nثم قال (أو قديرٍ) مع أنَّ حقها أن يقول أو قديرًا لأنها معطوفة على ما يُنْضَجْ لكنه جَرَّهَا بالمجاورة.\n(التوجيه الثاني: أنَّ قراءة الجر إذا كانت معطوفة على الرأس فإنه يكون المسح هنا بأنَّ العطف في مقام تسليط الفعل الأول على الجملة الثانية أو على الاسم الثاني.\nفكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين.\nوالمسح هنا لما جَعَلَ له غاية وهي أنه إلى الكعبين دلَّ على دخول الكعبين في المسح، وهذا يدل على أنَّ المسح المراد به هنا الغسل الخفيف؛ لأنَّ العرب تُطْلِقُ على الغسل مسحًا لأنَّهُ إمرارٌ خفيف وهو موجودٌ في اللغة، ومنه قوله تعالى: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص: ٣٣] يعني مَرَّ عليها قتلًا على خفة.\nفالمسح يكون بمرورٍ على خِفَّة، فالمسح الذي هو من الغَسْلْ هو غسل خفيف وهو مستعمل عندهم حيث يقولون مثلًا: تَمَسَّحْتُ للصلاة إذا أراد أن يكون وضوؤه خفيفًا.\nالمسألة الرابعة:\nقراءة الجر هذه بأبْعَدَ من أن تكون دليلًا على المسح على الخفين؛ قيل إنَّهَا دليلٌ على إبطال المسح على الخفين، وهذا هو الذي يتوجه إليه من يتكلم على الآية وذَكَرَهُ عندكم الشارح والرَّدُّ بَأَوْجَهْ أن يكون بالوجهين السالفين. شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ\nالحكم الجليل الذي به فرق بين أهل السنة وأهل البدع وهو المسح على الخفين لا ينكره إلا مخذول أو مبتدع خارج عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر لا خلاف بينهم في ذلك بالحجاز والعراق والشام وسائر البلدان إلا قوما ابتدعوا فأنكروا المسح على الخفين وقالوا إنه خلاف القرآن وعسى القرآن نسخه ومعاذ الله أن يخالف رسول الله ﷺ كتاب الله بل بين مراد الله منه كما أمره الله ﷿ في قوله: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. [النحل: ٤٤] وقال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية [النساء: ٦٥].\nوالقائلون بالمسح جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين قديما وحديثا وكيف يتوهم أن هؤلاء جاز عليهم جهل معنى القرآن أعاذنا الله من الخذلان.\nروى ابن عيينة والثوري وشعبة وأبو معاوية وغيرهم عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال: «رأيت جريرا يتوضأ من مطهرة ومسح على خفيه فقيل له أتفعل هذا فقال وما يمنعني أن أفعله وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله».\nقال إبراهيم: فكانوا يعني أصحاب عبد الله وغيرهم يعجبهم هذا الحديث ويستبشرون به لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.\nوعن ... جرير بن عبد الله قال: «وضأت رسول الله ﷺ فمسح على خفيه بعد ما أنزلت سورة المائدة» .....\nعن همام بن الحارث قال: «رأيت جرير بن عبد الله يتوضأ من مطهرة ومسح على خفيه فقالوا أتمسح على خفيك فقال إني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه» وكان هذا الحديث يعجب أصحاب عبد الله يقولون إنما كان إسلامه بعد نزول المائدة.\nعن إبراهيم عن همام قال: «بال جرير بن عبد الله ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل له أتفعل هذا وقد بلت فقال نعم رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه» قال إبراهيم: وكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة.\nوعن إبراهيم عن همام بن الحارث «عن جرير أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه وصلى فسئل عن ذلك فقال رأيت رسول الله ﷺ صنع مثل هذا».\nوكان يعجبهم هذا الحديث من أجل أن جريرا كان من آخر من أسلم.","vol":"8","page":314},{"text":"عن بكير بن عامر بن أبي زرعة بن عمرو بن جرير أن جريرا بال ثم توضأ ومسح على الخفين فقيل له في ذلك فقال ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح قالوا إنما كان ذلك قبل نزول المائدة قال ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة.\nوروى عن النبي ﷺ المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة واستفاض وتواتر وأتت به الفرق إلا أن بعضهم زعم أنه كان قبل نزول المائدة وهذه دعوى لا وجه لها ولا معنى.\nوقد روي عن الحسن البصري ﵀ قال أدركت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يمسح على خفيه.\nوعمل بالمسح على الخفين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أهل بدر والحديبية وغيرهم من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين أجمعين وفقهاء المسلمين في جميع الأمصار وجماعة أهل الفقه والأثر كلهم يجيز المسح على الخفين في الحضر والسفر للرجال والنساء .......\nممن روينا عنه أنه مسح على الخفين وأمر بالمسح عليهما في الحضر والسفر بالطرق الحسان من مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وأنس بن مالك والبراء بن عازب وحذيفة بن اليمان والمغيرة وسليمان وبلال وخزيمة بن ثابت وعمرو بن أبي أمية وعبد الله بن الحارث بن جرير الزبيري وأبو أيوب وجرير وأبو موسى وعمار وسهل بن سعد وأبو هريرة.\nولم يرو عن غيرهم منهم خلاف إلا شيء لا يثبت عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة. التمهيد لابن عبد البر - بتصرف -١١/ ١٣٤","vol":"8","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2291>الفصل الثاني: مسائل فقهية أخرى</span>\n١ - الطهارة:\n- إذا كان الإسلام وسطًا بين الملل، فإن أهل السنة وسط بين النحل؛ ففي الطهارة كان الإسلام وسطًا بين تشدد اليهود وتفريط النصارى، كما أن أهل السنة وسط بين الإفراد والتفريط في هذا الباب.\nيبين شيخ الإسلام وسطية الإسلام في باب الطهارة قائلًا: (فإن التشديد في النجاسات جنسًا وقدرًا هو دين اليهود، والتساهل هو دين النصارى، ودين الإسلام هو الوسط) (١).\nويقول في موضع آخر: (ومن تدبر حال اليهود والنصارى مع المسلمين، وجد اليهود والنصارى متقابلين: هؤلاء في طرف، وهؤلاء في طرف يقابله، والمسلمون هم الوسط ... إلى أن قال: فالنصارى حللوا الخنزير وغيره من الخبائث. كما أسقطوا الختان وغيره، وأنواع الطهارة من الغسل وإزالة النجاسة وغير ذلك. واليهود بالغوا في اجتناب النجاسات) (٢).\nوأما عن وسطية أهل السنة بين الإفراط والتفريط الواقع عند طوائف المبتدعة، فأهل السنة مجانبون للتشدد والإفراط، فيأمرون بالصلاة في النعال مخالفة لليهود (٣)، كما قال النبي ﷺ: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم» (٤).\nوقال ابن القيم: (ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين: الصلاة في النعال، وهي سنة رسول الله ﷺ وأصحابه فعلًا منه وأمرًا) (٥).\nويجيز أهل السنة الصلاة في السراويل خلافًا للخوارج.\nقال البربهاري: (ولا بأس بالصلاة في السراويل) (٦).\nوقال الملطي: (ومن شذوذ الحرورية في الفروع إذا تطهر منهم الرجل لا يبرح ولا يمشي حتى يصلي في مكانه؛ لأنه إذا مشى تحرك شرجه، ولا يصلون في السراويل) (٧).\nوجانب أهل السنة تعنت الرافضة الذين زعموا أن سؤر الكافر نجس، بل قالوا بتنجيس المائعات التي يباشرها أهل السنة، وكل ذلك تأثرًا باليهود السامرة التي تحرم وتنجس ما باشره غيرهم من المائعات (٨).\nومن تشدد الرافضة: إيجابهم الابتداء باليمين في اليدين والرجلين عند الوضوء (٩)، ولذا قال الإمام النووي: (وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، ولو خالفها فاته الفضل وصح الوضوء، وقال الشيعة هو واجب، ولا اعتداد بخلاف الشيعة) (١٠).\nكما جانب أهل السنة أيضًا التفريط في باب الطهارة؛ فالرافضة – مثلا- خالفوا الأدلة في اعتبار المذي من موجبات الوضوء، فحكم الرافضة بطهارة المذي وعدم انتقاض الوضوء بخروج المذي (١١).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٨، ١٩)، وانظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٨٨).\n(٢) «الجواب الصحيح» (٢/ ٥٢، ٥٣) = باختصار، وانظر: «منهاج السنة النبوية» (٥/ ١٧١).\n(٣) انظر: «اقتضاد الصراط المستقيم» (١/ ١٨١)، و«مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٦٦).\n(٤) [١٤٢٥٧]» رواه أبو داود (٦٥٢)، والحاكم (١/ ٣٩١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٤٣٢)، من حديث شداد بن أوس، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ١٣١): لا مطعن في إسناده، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٥) «إغاثة اللهفان» (١/ ٢٣٠، ٢٣١).\n(٦) «شرح السنة» (ص: ٢٧).\n(٧) «شرح صحيح مسلم للنووي» (٣/ ١٦٠).\n(٨) انظر تفصيل ذلك في «منهاج السنة النبوية» (١/ ٣٧، ٥/ ١٧٤)، و«فقه الشيعة الإمامية» لعلي السالوس (ص: ٧٧).\n(٩) انظر: «فقه الإمامة» لعلي السالوس (ص: ٩٤).\n(١٠) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٣/ ١٦٠).\n(١١) انظر: «مختصر التحفة الإثني عشرية» للآلوسي (ص: ٢١٢)، و«فقه الإمامية» للسالوس (ص: ٩٠).","vol":"8","page":316},{"text":"وأوجب الشيعة مسح الرجلين ببقية البلل إلا في حال التقية (١)، وقال بعض طوائف المعتزلة بالتخيير بين مسح الرجلين وبين غسلهما.\nقال النووي: (أجمع العلماء على وجوب غسل الوجه واليدين والرجلين، وانفردت الرافضة عن العلماء، فقالوا: الواجب في الرجلين المسح، وهذا خطأ منهم؛ فقد تظاهرت النصوص بإيجاب غسلهما) (٢).\nوقال شيخ الإسلام: (ومن مسح على الرجلين فهو مبتدع مخالف للسنة المتواترة وللقرآن، ولا يجوز لأحد أن يعمل بذلك مع إمكان الغسل) (٣).\nوقال في موطن آخر: (فالقدم كثيرًا ما يفرط المتوضئ بترك استيعابها، حتى قد اعتقد كثير من أهل الضلال أنها لا تغسل، بل فرضها مسح ظاهرها عند طائفة من الشيعة، والتخيير بينه وبين الغسل عند طائفة من المعتزلة) (٤).\n٢ - الصلاة:\nأ- ومن ذلك ترك الجهر بالبسملة – في الصلاة الجهرية – حيث قال الإمام سفيان الثوري في اعتقاده: (وإخفاء البسملة أفضل من الجهر) (٥).\nوقال ابن بطة: (من السنة ألا تجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) (٦).\nوذلك مخالفة للرافضة الذين يستحبون الجهر بالبسملة في مواضع الإخفات (٧)، وكان سفيان الثوري إمام أهل الكوفة، وقد ظهر فيهم الرفض، حتى قال عبد الله بن المبارك ﵀: (لا تأخذوا عن أهل الكوفة في الرفض شيئًا)، ولذا أظهر سفيان مخالفتهم بترك الجهر بالبسملة، لاسيما أن الرافضة قد وضعوا أحاديث في الجهر بالبسملة (٨) وهذه المسألة خلافية بين أهل السنة أنفسهم؛ فمنهم من استحب الجهر بالبسملة محتجًا بأدلة، ومنهم من استحب إخفاءها لأدلة (٩).\nوالمقصود من إيرادها بيان ما كان عليه أئمة السلف من مجانبة المبتدعة والحذر من موافقتهم؛ ففي هذه الحالة تكون مصلحة مخالفتهم والتمييز عنهم بترك الجهر بالبسملة آكد من مصلحة هذا المستحب – أي الجهر بالبسملة – كما حقق ذلك شيخ الإسلام تحقيقًا دقيقًا فقال: (الذي عليه أئمة الإسلام أن ما كان مشروعًا لم يترك لمجرد فعل أهل البدع (١٠)، لا الرافضة ولا غيرهم وأصول الأئمة كلهم توافق هذا.\nإلى أن قال: فالجهر بالبسملة هو مذهب الرافضة، وبعض الناس تكلم في الشافعي بسببها، ونسبه إلى قول الرافضة والقدرية؛ لأن المعروف في العراق أن الجهر كان من شعار الرافضة، حتى إن سفيان الثوري وغيره من الأئمة يذكرون في عقائدهم ترك الجهر بالبسملة؛ لأنه كان عندهم من شعار الرافضة .. ومع هذا فالشافعي لما رأى أن هذا هو السنة كان ذلك مذهبه وإن وافق قول الرافضة.\n_________\n(١) انظر: «فقه الإمامية» للسالوس (ص: ١٠١).\n(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٣/ ١٠٧)، وانظر: (٣/ ١٢٩، ١٣٣).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٣٤).\n(٤) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٣٦).\n(٥) أخرجه اللالكائي في «أصول السنة» (١/ ١٥٢).\n(٦) «الإبانة الصغرى» (ص: ٢٨٨)، وانظر: «الإبانة الكبرى» (ت الوابل) (٢/ ٢٨٧).\n(٧) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٢/ ٤٢٣)، و«فقه الأمامية» للسالوس (ص: ١٨١).\n(٨) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٢/ ٤٢٣).\n(٩) انظر: «المجموع» للنووي (٣/ ٢٩٨)، و«المغني» (٢/ ١٤٩).\n(١٠) وقدر قرر ذلك الإمام النووي. انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (٥/ ٢٦٤).","vol":"8","page":317},{"text":"ثم قال: إنه إذا كان في فعل مستحب مفسدة راجحة لم يصر مستحبًا، ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعارًا لهم، فإنه لم يترك واجبًا بذلك، لكن قال في إظهار ذلك مشابهة لهم، فلا يتميز السني من الرافضي، ومصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب، وهذا الذي ذهب إليه يحتاج إليه في بعض المواضع إذا كان في الاختلاط والاشتباه مفسدة راجحة على مصلحة فعل ذلك المستحب، لكن هذا أمر عارض لا يقتضي أن يجعل المشروع ليس بمشروع دائمًا) (١).\nومما يؤكد هذا التحقيق أن المروي عن الإمام أحمد بن حنبل – ﵀ – أن الجهر بالبسملة غير مسنون (٢)، ومع ذلك استحب الجهر بها لمصلحة راجحة، حتى إنه نص على أن من صلى بالمدينة يجهر بها؛ لأن أهل المدينة كانوا ينكرون على من يجهر بها (٣).\nب- ومن مسائل الصلاة: المبادرة بصلاة المغرب إذا دخل وقتها.\nقال ابن بطة: (ومن السنة المبادرة بصلاة المغرب إذا غاب حاجب الشمس قبل ظهور النجوم) (٤).\nوذلك مخالفة لليهود ومن تأثر بهم من الرافضة كما في مقالة الإمام الشعبي –﵀-: (واليهود لا يصلون المغرب حتى تشتبك النجوم .. وكذلك الرافضة) (٥).\nقال النووي: (قد ذكرنا إجماعهم على أن أول وقتها غروب الشمس، وحكى الماوردي وغيره عن الشيعة أنهم قالوا: لا يدخل وقتها حتى تشتبك النجوم، والشيعة لا يعتد بخلافهم) (٦).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀- عن الرافضة: (فلهذا تجد فيما انفردوا به عن الجماعة أقوالًا في غاية الفساد، مثل تأخيرهم صلاة المغرب حتى يطلع الكوكب مضاهاة لليهود، وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بتعجيل المغرب) (٧).\nوقال في موضع آخر: (وهكذا روى أبو داود من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال أمتي بخير –أو على الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم» ورواه ابن ماجة من حديث العباس (٨)، ورواه الإمام أحمد من حديث السائب بن يزيد (٩).\nوقد جاء مفسرًا تعليله: (لا يزالون بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى طلوع النجم، مضاهاة لليهود ...) قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الصلت بن بهرام، عن الحارث بن وهب، عن أبي عبد الرحمن الصنابحي قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال أمتي على مسكة ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم مضاهاة لليهودية» (١٠).\n_________\n(١) «منهاج السنة النبوية» (٤/ ١٤٩، ١٥٠، ١٥٤) = باختصار.\n(٢) انظر: «المغني» (٢/ ١٤٩).\n(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٢/ ٤٠٧).\n(٤) «الإبانة الصغرى» (ص: ٢٨٧).\n(٥) «منهاج السنة النبوية» (١/ ٣١).\n(٦) «المجموع» (٣/ ٣٨).\n(٧) «منهاج السنة النبوية» (٥/ ١٧٣).\n(٨) [١٤٢٨٢]» رواه الإمام أحمد ٣/ ٤٤٩. قال الخطيب البغدادي «تاريخ بغداد» (١٤/ ١٥): غريب وقال ابن عبد الهادي «تنقيح تحقيق التعليق» (١/ ٢٥٥) [فيه] عبد الله بن الأسود القرشي قال أبو حاتم شيخ.\n(٩) [١٤٢٨٣]» رواه ابن ماجه (٦٨٩)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ٢١٤) و«الصغير» (١/ ٥٦)، والحاكم (١/ ٣٠٤)، من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁، قال النووي في «المجموع شرح المهذب» (٣/ ٣٥): إسناده جيد، وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١١/ ١٤٢): [فيه] عمر وهو تالف، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(١٠) [١٤٢٨٤]» رواه أحمد (٤/ ٣٤٩) (١٩٠٩٠)، والطبراني (٨/ ٨٠)، قال ابن رجب في «فتح الباري لابن رجب» (٣/ ٢٤٠): مرسل، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣١٦): رجاله ثقات.","vol":"8","page":318},{"text":"ومما يحسن إلحاقه بهذه المسألة: ما قرره ابن تيمية من مشروعية الفصل بين الفرض والنفل في صلاة الجمعة، لما جاء في الحديث الصحيح أنه ﷺ «نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام» (١) ثم علل ابن تيمية ذلك بقوله: (فإن كثيرًا من أهل البدع لا ينوون الجمعة بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلموا، وما سلموا، فيصلون ظهرًا، ويظن الظان أنهم يصلون السنة، فإذا حصل التمييز بين الفرض والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة) (٢).\nد- يقرر أهل السنة مشروعية إقامة صلاة التراويح – كما هو مبسوط في موضعه– خلافًا للروافض القائلين بأنها بدعة حدثت في عهد عمر بن الخطاب ﵁ (٣).\nقال الإمام أبو حنيفة في كتابه الفقه الأكبر: (والتراويح في ليالي شهر رمضان سنة) (٤).\nوقال الملا علي قاري في شرحه للفقه الأكبر: (وفيه رد على الروافض) (٥).\nوقال أبو عبد الله محمد بن خفيف في (عقيدته): (والتراويح سنة) (٦).\nوقال قوام السنة الأصفهاني: (ومن السنة صلاة التراويح في شهر رمضان في الجماعة) (٧).\nولما سئل ابن تيمية عمن يصلي التراويح قبل العشاء الآخرة، كان من جوابه: (ولكن الرافضة تكره صلاة التراويح؛ فإذا صلوا قبل العشاء الآخرة لا تكون هي صلاة التراويح .. فمن صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة) (٨).\nوإذا تقرر – عند أهل السنة – استحباب صلاة التراويح خلافًا للرافضة، فإن أهل السنة وسط في هذا الباب بين غلاة المتعبدة الذين أوجبوا قيام الليل، وبين الروافض الجفاة، كما بين ذلك ابن تيمية بقوله: (وغلاة العباد يوجبون على أصحابهم صلاة الضحى والوتر وقيام الليل، فتصير الصلاة عندهم سبعًا، وهو دين النصارى، والرافضة لا تصلي جمعة ولا جماعة، لا خلف أصحابهم ولا غير أصحابهم، ولا يصلون إلا خلف المعصوم، ولا معصوم عندهم) (٩).\nهـ- ومسائل الصلاة التي قررها أهل السنة في كتب العقيدة كثيرة يتعسر حصرها، لكن أشير في خاتمة هذا المبحث إلى بعضها على سبيل الاختصار:\n- قرر أهل السنة مشروعية قصر الصلاة في السفر – كما جاءت به السنة – وكما قال الإمام المزني – في عقيدته: (وإقصار الصلاة في الأسفار) (١٠).\nكما قرر ذلك البربهاري (١١)، وقوام السنة الأصفهاني (١٢)، خلافًا لبعض الخوارج الذين لا يجيزون القصر إلا مع الخوف (١٣).\n- توسط أهل الحديث في مسألة القنوت بين من كره القنوت في الفجر مطلقًا عند النوازل وغيرها (١٤)، وبين من استحبها عند النوازل وغيرها، كما حكاه ابن القيم (١٥).\nقال ابن بطة: (ومن السنة ألا تجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا تقنت في الفجر إلا أن يدهم المسلمين أمر من عدوهم، فيقنت الإمام فيتبعه) (١٦).\n_________\n(١) رواه مسلم (٨٨٣).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٠٣).\n(٣) انظر: «بحار الأنوار» (٨/ ٢٨٤)، و«فقه الشيعة الإمامية» للسالوس (ص: ٢٢١).\n(٤) «شرح الفقه الأكبر» (ص: ١٠٦).\n(٥) «شرح الفقه الأكبر» (ص: ١٠٦).\n(٦) «الفتوى الحموية» (ص: ٤٤٤).\n(٧) «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٤٠٩).\n(٨) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١٢٠، ١٢١)، وانظر: «مختصر الفتاوى المصرية» (ص: ٨١).\n(٩) «منهاج السنة» (٥/ ١٧٥).\n(١٠) «شرح السنة» للمزني (ص: ٨٩).\n(١١) انظر: «شرح السنة» (ص: ٢٧).\n(١٢) انظر: «الحجة» (٢/ ٤٧٧).\n(١٣) انظر: «مجموع الفتاوى»؛ لابن تيمية (٢٤/ ٢٢)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (ص: ٧٢).\n(١٤) كالإباضية فهم لا يرون القنوت. انظر: «تهذيب الآثار» لابن جرير (٢/ ٢٨).\n(١٥) انظر: «زاد المعاد» (٤/ ٣٧٥).\n(١٦) «الإبانة الصغرى» (ص: ٤٨٨).","vol":"8","page":319},{"text":"- ومن المسائل التي يمكن إلحاقها ها هنا: أن لا يفرد بالصلاة على أحد إلا رسول الله ﷺ وعلى آله خلافًا للروافض.\nوقد قال ابن عباس – ﵄ -: (لا أعلم صلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على رسول الله ﷺ).\nوقد قاله لما ظهرت الشيعة وصارت تظهر الصلاة على علي بن أبي طالب – ﵁ – فهذا مكروه منهي عنه (١).\nولذا قال البربهاري: (ولا تفرد بالصلاة على أحد إلا على رسول الله ﷺ وعلى آهل فقط) (٢).\nومما سطره ابن القيم أثناء تحريره مسألة (الصلاة على غير النبي ﷺ وآله وأزواجه) ما يلي: (وإن كان شخصًا معينًا أو طائفة معينة كره أن يتخذ الصلاة عليه شعارًا لا يخل به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولاسيما إذا جعلها شعارًا له، ومنع منها نظيره أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضة بعلي ﵁؛ فإنه حيث ذكره قالوا: ﵊، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع لا سيما إذا اتخذ شعارًا لا يخل به، فتركه حينئذ متعين) (٣).\n٣ - الجنازة:\nأ- قرر أهل السنة مشروعية الصلاة على من مات من أهل القبلة.\nكما قال الإمام الطحاوي: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم) (٤).\nوقال البربهاري: (والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة) (٥).\nوقرر قوام السنة الأصفهاني هذه المسألة بقوله: (فمن مذهبهم الصلاة على من مات من أهل القبلة) (٦).\nوإذا تقرر مشروعية الصلاة على من مات من أهل القبلة، ففي ذلك رد على الخوارج – ومن تبعهم الذين يكفرون مرتكب الكبيرة فلا يصلون عليه، كما أن في هذا التقرير إجراء لأحكام الإسلام على أهل القبلة باعتبار ظواهرهم والله ﷿ يتولى سرائرهم.\nب- ومما قرره علماء أهل السنة في هذا المقام أن الأموات – من المسلمين- ينتفعون بدعاء الأحياء وصدقاتهم كما جاءت بذلك الأدلة الصحيحة.\nقال الأشعري: (ونرى الصدقة عن موتى المسلمين والدعاء لهم، ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك) (٧).\nوقال الطحاوي: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات) (٨).\nوفي هذا التقرير رد على المبتدعة الذين ينكرون ذلك، وكما قال النووي: (وأما ما حكاه الماوردي في كتابه الحاوي عن بعض أصحاب الكلام من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب فهو مذهب باطل قطعًا وخطأ بين مخالف لنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة فلا التفات إليه ولا تعريج عليه) (٩).\nوقال ابن أبي العز الحنفي: (وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شيء ألبتة لا الدعاء ولا غيره) (١٠).\nوصرح الشوكاني بأنهم المعتزلة (١١).\n٤ - الحج:\nقرر أئمة أهل السنة أن متعة الحج سنة ثابتة، فتوسطوا بين من أوجبها وحرم ما عداها – كالشيعة - وبين من حرم المتعة – كالناصبة.\nقال قوام السنة الأصفهاني: (ومتعة الحج سنة ثابتة) (١٢).\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٢/ ٧٣)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (ص: ٣٠٢).\n(٢) «شرح السنة» (ص: ٥٨).\n(٣) «جلاء الأفهام» (ص: ٢٩٠)، وانظر: «المجموع» للنووي (٦/ ١٤٦)، و«فتح الباري» (١١/ ١٧٠).\n(٤) «شرح الطحاوية» (٢/ ٥٢٩).\n(٥) «شرح السنة» (ص: ٣١)، وانظر: «الواضحة» لابن الحنبلي (ص: ١٠٨٥).\n(٦) «الحجة» (٢/ ٤٧٧).\n(٧) «الإبانة» (ص: ٦٢).\n(٨) «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٦٦٣).\n(٩) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ٩٠).\n(١٠) «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٦٦٣).\n(١١) انظر: «نيل الأوطار» (٥/ ١١٤).\n(١٢) «الحجة» (٢/ ٢٦٦).","vol":"8","page":320},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولكن بعض الخارجين عن الجماعة يوجب أو يمنع ذلك؛ فمن الشيعة من يوجب المتعة ويحرم ما عداها، ومن الناصبة من يحرم المتعة ولا يبيحها بحال) (١).\nوما ظهر للإمام أحمد بن حنبل –﵀- استحباب متعة الحج قرر ذلك وأظهره (حتى قال سلمة بن شبيب للإمام أحمد: يا أبا عبد الله! قويت قلوب الرافضة لما أفتيت أهل خراسان بالمتعة، فقال: يا سلمة! كان يبلغني عنك أنك أحمق، وكنت أدفع عنك، والآن، فقد ثبت عندي أنك أحمق، عندي أحد عشر حديثًا صحاحًا عن النبي ﷺ أتركها لقولك؟) (٢).\nفالأصل أن ما كان مشروعًا لم يترك لمجرد فعل أهل البدع، لكن إن كان في فعل المستحب مفسدة راجحة مثل مشابهة المبتدعة، فإن مصلحة التميز عنهم آكد من مصلحة هذا المستحب (٣)، كما سبق تقريره.\n٥ - النكاح:\nتوسط أهل السنة في هذا الباب بين من أحل ما حرم الله تعالى؛ كمن أباح نكاح المتعة، وأشنع من ذلك من أباح نكاح التحليل، وبين من حرم ما أحل الله تعالى؛ كمن حرم نكاح المحصنات من أهل الكتاب، فأحل أهل السنة ما أحل الله تعالى ورسوله وحرموا ما حرم الله تعالى ورسوله ﷺ.\nوقرر أهل السنة في عقائدهم حرمة نكاح التحليل والمتعة؛ حيث قال ابن بطة: (ومن السنة أن يعلم أن المتعة حرام إلى يوم القيامة) (٤).\nوقال البربهاري: (واعلم أن المتعة – متعة النساء- والاستحلال حرام إلى يوم القيامة) (٥).\nوقال قوام السنة الأصفهاني: (ومتعة النساء حرام إلى يوم القيامة) (٦).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه ﷺ حرم المتعة بعد إحلالها) (٧).\nوتحدث شيخ الإسلام عن شناعة نكاح التحليل، فكان مما قاله: (يوجد في نكاح التحليل من الفساد أعظم مما يوجد في نكاح المتعة (٨)؛ إذ المتمتع قاصد للنكاح إلى وقت، والمحلل لا غرض له في ذلك؛ فكل فساد نهى عنه المتمتع فهو في التحليل وزيادة؛ ولهذا تنكر قلوب الناس التحليل أعظم مما تنكر المتعة، والمتعة أبيحت أول الإسلام، وتنازع السلف في بقاء الحل، ونكاح التحليل لم يبح قط، ولا تنازع السلف في تحريمه.\nومن شنع على الشيعة بإباحة المتعة مع إباحته للتحليل فقد سلطهم على القدح في السنة، كما تسلطت النصارى على القدح في الإسلام بمثل إباحة التحليل، حتى قالوا: إن هؤلاء قال لهم نبيهم: إذا طلق أحدكم امرأته لم تحل له حتى تزني؛ وذلك أن نكاح التحليل سفاح كما سماه الصحابة بذلك) (٩).\nوبسط ابن القيم الحديث عن قبائح التحليل ومفاسده، فكان مما قاله: (وأما في هذه الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربها مفسدة التحليل، وقبح ما يرتكبه المحللون مما هو رمد بل عمى في عين الدين، وشجى في حلوق المؤمنين، من قبائح تشمت أعداء الدين به، وتمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدونها من أفضح الفضائح، وقد قلبت من الدين رسمه، وغيرت منه اسمه، وضمخ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل.\n_________\n(١) «مجموعة الفتاوى» (٢٢/ ٣٦٨).\n(٢) «منهاج السنة النبوية» (٤/ ١٥٢).\n(٣) انظر: «منهاج السنة النبوية» (٤/ ١٤٩، ١٥٤).\n(٤) «الإبانة الصغرى» (ص: ٢٩٥).\n(٥) «شرح السنة» (ص: ٤١).\n(٦) «الحجة» (٢/ ٤٣٨) = باختصار، وانظر (٢/ ٢٦٦).\n(٧) «منهاج السنة النبوية» (٤/ ١٩٠).\n(٨) ذكر شيخ الإسلام أن نكاح التحليل أعظم فسادًا من نكاح المتعة من عشرة أوجه. انظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٤١٧ - ٤٢١).\n(٩) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٢٢٣، ٢٢٤)، وانظر: (٣٢/ ١٥٦، ٣٣/ ٣٩).","vol":"8","page":321},{"text":"إلى أن قال: ثم سل من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حرة مصونة أنشب فيها المحلل مخالب إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان، وكان بعلها منفردًا بوطئها، فإذا هو والمحلل فيها ببركة التحليل شريكان، فلعمر الله كم أخرج التحليل مخدرة من سترها إلى البغاء، وألقاها بين براثن العشراء، ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها ...) (١).\nوجاء تقرير حرمة نكاح المتعة خلافًا للروافض الذين يزعمون أن (متعة النساء خير العبادات وأفضل القربات، ويوردون في فضائلها أخبارًا كثيرة موضوعة ومفتراة) (٢).\nوقد حكى الإجماع على تحريم نكاح المتعة غير واحد من الأئمة، كما بينه الحافظ ابن حجر بقوله: (قال ابن المنذر: لا أعلم اليوم أحدًا يجيزها إلا بعض الروافض، ولا معتمد لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله. وقال عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض. وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته؛ فقد صح عن علي أنها نسخت، ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة، فقال: هي الزنا بعينه. وقال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل وأنه حرم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض) (٣).\nوأباح جمهور السلف الصالح نكاح المحصنات من أهل الكتاب، كما جاء في قوله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:٥] وحرم الرافضة ما أحل الله فمنعوا نكاح الكتابيات (٤).\nقال ابن تيمية عن أولئك الروافض: (هؤلاء يحرمون نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم، وهذا ليس من أقوال أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالفتيا، ولا من أقوال أتباعهم، وهو خطأ مخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم) (٥).\n٦ - الأطعمة والأشربة:\nأ- عني أهل السنة بأكل الحلال تقريرًا وتحقيقًا، فأثبتوه في عقائدهم، حتى قال الفضيل بن عياض: (إن لله عبادًا يحيي بهم البلاد والعباد، وهم أصحاب سنة، من كان يعقل ما يدخل جوفه من حله كان في حزب الله تعالى) (٦).\nوقال سهل بن عبد الله التستري: (أصولنا ستة: التمسك بالقرآن، والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق) (٧).\nووصف شيخ الإسلام الصابوني أهل الحديث أنهم يتواصون بالتعفف في المآكل والمشارب والمنكح والملبس (٨).\nوقال قوام السنة الأصفهاني: (ومن مذهب أهل السنة التورع في المآكل والمشارب والمناكح) (٩).\n_________\n(١) «إعلام الموقعين» (٣/ ٤١، ٤٣).\n(٢) «مختصر التحفة الإثني عشرية» (ص: ٢٢٧).\n(٣) «فتح الباري» (٩/ ١٧٣).\n(٤) ومع أن الرافضة حرموا نكاح الكتابيات، إلا أنهم غلب عليهم الإباحية والفجور، فقارفوا عارية الفرج والزنا – باسم المتعة – وأباحوا وطء الناس النساء في أدبارهن كما هو مقرر في كتبهم. انظر: «أصول الشيعة» للقفاري (٣/ ١٢٣٤، ١٢٣٧).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢١٣)، وانظر: (٣٢/ ١٨١).\n(٦) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٨/ ١٠٤)، واللالكائي (١/ ٦٥).\n(٧) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١٩٠)، وانظر «الحلية» (٩/ ٣١٠).\n(٨) انظر: «عقيدة السلف» للصابوني (ص: ٢٩٧).\n(٩) «الحجة» (٢/ ٥٢٨).","vol":"8","page":322},{"text":"ب- ومع تحرز أهل السنة في الأطعمة والأشربة وحرصهم على أكل الحلال .. إلا أنهم لم يتشددوا في ذلك فلم يحرموا ما أحل الله تعالى؛ كما وقع فيه بعض أهل البدع، بل كانوا وسطًا بين أهل الفجور والشهوات، وبين أصحاب الرهبانية والتشدد الذين حرموا ما أحل الله من الطيبات، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلًا طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة: ٨٧ - ٨٨].\nقال شيخ الإسلام: (نهى سبحانه عن تحريم ما أحل من الطيبات، وعن الاعتداء في تناولها، وهو مجاوزة الحد، وقد فسر الاعتداء في الزهد والعبادة بأن يحرموا الحلال ويفعلوا من العبادة ما يضرهم، فيكونوا قد تجاوزوا الحد وأسرفوا، وقيل لا يحملنكم أكل الطيبات على الإسراف وتناول الحرام من أموال الناس، فإن آكل الطيبات والشهوات المعتدي فيها لابد أن يقع في الحرام لأجل الإسراف في ذلك) (١).\nج- رد أهل السنة على الذين حرموا ما أحل الله تعالى، فقرروا أن البيع والشراء حلال، وكذا سائر المباحات من أنواع المكاسب والمطاعم، كما ردوا على ما ادعاه بعضهم من إطباق الحرام وخلو الأرض من الحلال.\nولما غلب على طوائف من المتصوفة تحريم الحلال وترك المكاسب المباحة (٢)، قام بالرد عليهم المشتغلون بعقائد الصوفية الأوائل.\nومن ذلك ما قرره ابن خفيف بقوله: (ومما نعتقده أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم، وأن من قال بتحريم المكاسب فهو ضال مضل مبتدع .. وإنما حرم الله ورسوله الفساد لا الكسب والتجارة، فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة جائز إلى يوم القيامة.\nوأن مما نعتقده أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة، والمعتقد أن الأرض تخلو من الحلال، والناس يتقلبون في الحرام فهو مبتدع ضال، إلا أنه يقل في موضع ويكثر في موضع، لا أنه مفقود من الأرض) (٣).\nوقال الكلاباذي: (أجمعوا على إباحة المكاسب من الحرف والتجارات والحرث، وغير ذلك مما أباحته الشريعة عن تيقظ وتثبت وتحرز من الشبهات) (٤).\nوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل نقل عن بعض السلف من الفقهاء أنه قال: أكل الحلال متعذر لا يمكن وجوده في هذا الزمان.\nفكان من جوابه: (هذا القائل الذي قال: أكل الحلال متعذر، لا يمكن وجوده في هذا الزمان. غالط مخطئ في قوله باتفاق أئمة الإسلام، فإن مثل هذه المقالة كان يقولها بعض أهل البدع، وبعض أهل الفقه الفاسد، وبعض أهل النسك الفاسد، فأنكر الأئمة ذلك، حتى الإمام أحمد في ورعه المشهور كان ينكر مثل هذه المقالة (٥).\nإلى أن قال: ومثل هذا كان يقوله بعض المنتسبين إلى العلم من أهل العصر، وبناء على هذه الشبهة الفاسدة، وهو أن الحرام قد غلب على الأموال لكثرة الغصوب والعقود الفاسدة ولم يتميز الحلال من الحرام.\nووقعت مثل هذه الشبهة عند طائفة من مصنفي الفقهاء، فأفتوا بأن الإنسان لا يتناول إلا مقدار الضرورة، وطائفة لما رأت مثل هذا الحرج سدت باب الورع ...) (٦).\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٤٥٧، ٤٥٨).\n(٢) انظر تفصيل ذلك مع الرد عليهم في كتاب «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (الباب العاشر).\n(٣) «الفتوى الحموية» لابن تيمية (ص: ٤٥٨).\n(٤) «التعرف لمذهب أهل التصوف» (ص: ١٠٢، ١٠٣).\n(٥) انظر تفصيل ذلك في كتاب «الحث على التجارة» للخلال.\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣١١، ٣١٢) = باختصار، وانظر: (٢٩/ ٥٩٣).","vol":"8","page":323},{"text":"د- قرر أهل السنة – في عقائدهم – إباحة المكاسب والطيبات، خلافًا لليهود ومن سلك سبيلهم من الرافضة والمعتزلة.\nيقول البربهاري: (واعلم أن الشراء والبيع حلال، ما بيع في أسواق المسلمين حلال، ما بيع على حكم الكتاب والسنة من غير أن يدخله تغيير أو ظلم) (١).\nوقال ابن بطة: (ولا تحرم شيئًا مما أحله الله فإن فاعل ذلك مفتر على الله، راد لقوله معتد ظالم ... ثم إن الروافض تشبهت باليهود في تحريم ما أحل الله ... وحرموا الجري (ضرب من السمك لا يأكله اليهود) ولحم الجزور) (٢).\nوقال أبو عمرو الداني: (وأكل الحلال فريضة، لقوله تعالى: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ [المؤمنون: ٥١] وتجنب الشبهات واتقاؤها من كمال الورع، وفي ذلك السلامة من الحرام لقوله ﷺ: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» (٣)، والحلال موجود وغير معدوم، قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] وقال: وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ [البقرة: ١٨٨]، والتجارة رزق الله، وحلال من حلال الله تعالى، ولو كان الحلال معدومًا على ما يزعمه بعض المعتزلة لصار الحرام مباحًا للضرورة) (٤).\nوقال قوام السنة الأصفهاني: (والشراء والبيع حلال إلى يوم القيامة على حكم الكتاب والسنة) (٥).\nهـ- قرر جمهور أهل السنة أن كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام. سواء كان من العنب أو غيره، خلافًا لأهل الكوفة الذين فرقوا بين ماء العنب وغيره، فلم يحرموا من غيره إلا القدر المسكر خاصة، وأما القليل الذي لا يسكر فلا يحرم عندهم (٦).\n(وأظهر الإمام أحمد بن حنبل مذهب أهل الحديث ومخالفة الكوفيين فيما خالفوا فيه السنة، وصنف كتاب الأشربة، وكان يقرؤه على الناس، لكثرة من يشرب المسكر هناك، حتى كان يدخل الرجل بغداد – مع أنها كانت أعظم مدائن الإسلام – فيقول: هل فيها من يحرم النبيذ؟ - يعني المختلف فيه – يقولون: لا، إلا أحمد بن حنبل، كما ذكر ذلك الخلال) (٧).\nوعقد الإمام البخاري – في كتاب الأشربة – بابًا بعنوان: (باب الخمر من العنب وغيره) ومراده الرد على الكوفيين الذين فرقوا بين ماء العنب وغيره .. كما قاله ابن المنير (٨).\nوجاء هذا التحريم مقررًا في كتب الاعتقاد كما قال أبو عمرو الداني: (وكل شراب من عنب أو زبيب أو تمر أو تين أو عسل أو حنطة أسكر كثيره فقليله حرام، لقوله ﷺ حين سئل عن البتع –وهو شراب يصنع من العسل-: «كل شراب أسكر كثيره فهو حرام».) (٩).\nوقال شيخ الإسلام الصابوني: (ويحرم أصحاب الحديث المسكر من الأشربة: المتخذ من العنب أو الزبيب أو التمر أو العسل أو الذرة، أو غير ذلك مما يسكر، يحرمون قليله وكثيره) (١٠).\nوقال قوام السنة الأصفهاني: (وكل شراب يسكر كثيره فقليله حرام) (١١).\n٨ - الحدود:\n_________\n(١) «شرح السنة» (ص: ٩٦)، وانظر: (ص: ١١٢، ١١٣).\n(٢) «الإبانة الصغرى» (ص: ٢٩٢).\n(٣) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩).\n(٤) «الرسالة الوافية» (ص: ١٤٥، ١٤٦).\n(٥) «الحجة» (٢/ ٢٦٦).\n(٦) انظر: «المغني» لابن قدامة (١٢/ ٤٩٥)، و«مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٨٦).\n(٧) «نظرية العقد» لابن تيمية (ص: ٨٤، ٨٥) = بتصرف يسير.\n(٨) انظر: «فتح الباري» (١٠/ ٣٥).\n(٩) «الرسالة الوافية» (ص: ١٤٦) والحديث أخرجه أبو داود (٣٦٨٣) والترمذي (١٩٨٥) والنسائي (٥٦٢٥) وابن ماجه (٣٥١٨) سكت عنه أبو داود [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح] وقال الترمذي: حسن غريب. وصححه الألباني «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٨١)\n(١٠) «عقيدة السلف» (ص: ٢٩٧).\n(١١) «الحجة» (٢/ ٢٦٦).","vol":"8","page":324},{"text":"قرر أهل السنة حد الرجم – في حق الزاني المحصن – في عقائدهم كما جاءت بذلك الأدلة الثابتة، خلافًا للحرورية وبعض المعتزلة المنكرين للرجم.\nقال الإمام أحمد بن حنبل في اعتقاده: (والرجم حق على من زنا وقد أحصن إذا اعترف أو قامت عليه البينة) (١).\nوقال البربهاري: (والرجم حق) (٢).\nوقال ابن بطال: (أجمع الصحابة وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى عامدًا عالمًا مختارًا فعليه الرجم، ودفع ذلك الخوارج وبعض المعتزلة واعتلوا بأن الرجم لم يذكر في القرآن، وحكاه ابن العربي عن طائفة من أهل المغرب لقيهم وهم من بقايا الخوارج) (٣).\nوقال ابن قدامة: (وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الخوارج) (٤).\nنخلص من خلال استقراء هذه الفروع الواردة في كتب الاعتقاد إلى النتائج الآتية:\nأولًا: ساق أئمة السلف جملة من الفروع والعبادات في ثنايا مصنفاتهم في العقيدة باعتبار أن دين الله تعالى يشمل الأصول والفروع، والاعتقادات والأعمال، كما جاء في مثل قوله تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ ... الآية [البقرة: ١٧٧].\nوكما جاء في مثل حديث عمرو بن عبسة –﵁- حيث سأل رسول الله ﷺ فقال: بأي شيء أرسلك؟ فقال رسول الله: «أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأصنام، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء» (٥).\nوإذا كان اسم الدين يشمل العقائد والأعمال، فكذلك اسم الشريعة ينتظم كل ما شرعه الله من العقائد والأعمال – كما هو اصطلاح غالب أهل الحديث -، كما أن (السنة)، كذلك فتستوعب كل ما سن الرسول وما شرعه في العقائد والأعمال (٦).\nوإذا تقرر ذلك فلا إشكال في إيراد مسائل الفروع ضمن مصنفات لأهل السنة التي تسمى (السنة) أو (الشريعة) ونحوهما، وإن كانوا قد يطلقون (السنة) أو (الشريعة). على ما يتعلق بمسائل الاعتقاد فقط.\nثانيًا: يظهر من خلال الفروع الواردة وسطية أهل السنة في باب الفروع، كما كانوا وسطًا في باب الاعتقاد، فسلموا من الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء.\nيقول شيخ الإسلام – في هذا الصدد-: (وقد تأملت ما شاء الله من المسائل التي يتباين فيها النزاع نفيًا وإثباتًا حتى تصير مشابهة لمسائل الأهواء ... فوجدت كثيرًا منها يعود بالصواب فيه إلى الوسط .. وكذلك هو الأصل المعتمد في المسائل الخبرية العلمية التي تسمى أصول الدين) (٧).\nويقول –في موضع آخر-: (الانحراف عن الوسط كثير في أكثر الأمور في أغلب الناس) (٨).\n_________\n(١) أخرجه اللالكائي (١/ ١٦٢)، وانظر: «اعتقاد ابن المديني» كما جاء في اللالكائي (١/ ١٦٨).\n(٢) «شرح السنة» (ص: ٢٧).\n(٣) «فتح الباري» (١٢/ ١١٨)، وانظر: (١٢/ ١٤٨).\n(٤) «المغني» (١٢/ ٣٠٩)، وانظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١١/ ٣٣٩).\n(٥) رواه مسلم (٨٣٢).\n(٦) انظر تفصيل ذلك في: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ١٣٤، ٣٠٦)، و«الاستقامة» (٢/ ٣١٠، ٣١١)، و«النبوات» (١/ ٣٢٩)، و«كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة» لابن رجب (ص: ٢٠).\n(٧) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٤١) = باختصار.\n(٨) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٥٩)، وانظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٣٠٨)، و«الموافقات» (٢/ ١٦٧).","vol":"8","page":325},{"text":"ثالثًا: يتبين من خلال النظر في الفروع المذكورة أن الإفراط والتشديد يفضي إلى التفريط والتساهل، وأن تحريم الحلال يؤول إلى ارتكاب الحرام.\nكما وضحه ابن تيمية بقوله: (وهكذا من غلا في الزهد والورع حتى خرج عن الحد الشرعي، ينتهي أمره إلى الرغبة الفاسدة وانتهاك المحارم كما قد رئي ذلك وجرب) (١).\nفالرافضة – مثلًا – حرمت نكاح المحصنات من أهل الكتاب، فاستحلت الزنا والفواحش باسم المتعة، وقد أشار ابن بطة إلى ذلك بقوله: (ثم إن الروافض تشبهت باليهود في تحريم ما أحل الله، وردوا على الله قوله ... ولعل الأكثر منهم ممن يحرم هذا يزني ويشرب الخمر) (٢).\nكما آل أهل الورع الفاسد – الذين زعموا أن أكل الحلال متعذر – إلى الإباحية، فصار الحلال ما حل بأيديهم والحرام ما حرموا، وسبب ذلك كما بينه ابن تيمية بقوله عنهم: (لأنهم ظنوا مثل هذا الظن الفاسد وهو أن الحرام قد طبق الأرض، ورأوا أنه لابد للإنسان من الطعام والكسوة، فصاروا يتناولون ذلك من حيث أمكنهم، فلينظر العاقل عاقبة ذلك الورع الفاسد، كيف أورث الانحلال من دين الإسلام) (٣).\nرابعًا: نلحظ من خلال إيراد تلك الفروع ما كان عليه السلف الصالح من تعظيم السنة وتوقيرها، وذلك بإظهارها ونشرها لاسيما عند خفائها واندراسها.\nومن ذلك أن الإمام سفيان الثوري كان يقول: (إذا كنت بالشام فاذكر مناقب علي، وإذا كنت بالكوفة فاذكر مناقب أبي بكر وعمر) (٤).\nوكما مر آنفًا أن الإمام أحمد بن حنبل أظهر في بغداد تحريم النبيذ – من غير العنب مما يسكر كثيره – فألف كتاب الأشربة، حتى إن الرجل يدخل بغداد فيقول: هل فيها من يحرم النبيذ؟ فيقولون: لا، إلا أحمد بن حنبل.\nومما يحسن ذكره هاهنا ما سطره ابن تيمية قائلًا: (وأعظم ما نقمه الناس على بني أمية شيئان: أحدهما: تكلمهم في علي، والثاني: تأخير الصلاة عن وقتها.\nولهذا رئي عمر بن مرة الجملي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر له بمحافظتي على الصلوات في مواقيتها، وحبي علي بن أبي طالب، فهذا حافظ على هاتين السنتين حين ظهر خلافهما، فغفر الله له بذلك، وهكذا شأن من تمسك بالسنة إذا ظهرت البدعة، مثل من تمسك بحب الخلفاء الثلاثة حيث يظهر خلاف ذلك وما أشبهه) (٥).\nخامسًا: يتمثل من خلال الفروع المذكورة شذة حرص السلف الصالح على إظهار مخالفة الكفار والمبتدعة، وأن إظهار مجانبة سبيل الكافرين والمبتدعين أمر مقصود سواء كان في العقائد أو الفروع.\nومن ذلك أن مقالة ابن عباس ﵄: لا أعلم صلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على رسول الله ﷺ. إنما قالها لما ظهرت الشيعة وصارت تظهر الصلاة على علي دون غيره، كما سبق إيراده.\nوكان أئمة السلف يذكرون ما يتميزون به في عقائدهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من شأن المصنفين في العقائد المختصرة على مذهب أهل السنة والجماعة أن يذكروا ما يتميز به أهل السنة عن الكفار والمبتدعين) (٦).\nفإن كان هؤلاء الأئمة يذكرون تميزهم في الاعتقاد، فكذلك يذكرون تميزهم في الفروع عن المخالفين من المبتدعة والكافرين.\n_________\n(١) «منهاج السنة النبوية» (٣/ ٤٠٠).\n(٢) «الإبانة الصغرى» (ص: ٢٩٣) = باختصار، وكما قال عنهم الملطي: (اعلموا أن في الرافضة اللواط والأبنة والحمق والزنا ...) «التنبيه» (ص: ٤٤).\n(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣١٢).\n(٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٢٦٠)، وانظر: (٧/ ٢٦).\n(٥) «منهاج السنة النبوية» (٨/ ٢٣٩).\n(٦) «شرح الأصفهانية» (ص: ١٤)، وانظر: «الحجة لقوام السنة» الأصفهاني (٢/ ٤٧٣).","vol":"8","page":326},{"text":"لاسيما وأن الأدلة الشرعية تذم عموم الابتداع في الدين سواء كان في العقائد أو غيرها كما حرره الشاطبي (١).\nكما أن ظهور البدع سبب في خفاء السنة وانطماسها، كما في حديث غضيف بن الحارث– ﵁ – قال: بعث إلى عبد الملك بن مروان فقال: إنا قد جمعنا على رفع الأيدي على المنبر يوم الجمعة، وعلى القصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منهما؛ لأن النبي ﷺ قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها. فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة» (٢).\nقال الحافظ ابن حجر معلقًا على القصة: (وإذا كان هذا جواب هذا الصحابي في أمر له أصل في السنة، فما ظنك بما لا أصل له فيها. فكيف بما يشتمل على ما يخالفها؟) (٣).\nسادسًا: وكما حذر السلف من مخالفة الكفار والمبتدعين، حذروا أيضًا من أرباب الأقوال الإمام الأوزاعي: (من أخذ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في الصرف، وبقول أهل المدينة في الغناء، فقد جمع الشر كله) (٤).\nوكما قال عبد الله بن المبارك: (لا تأخذوا عن أهل مكة في الصرف شيئًا، ولا عن أهل المدينة في الغناء شيئًا) (٥).\nوذلك أن أهل الكوفة عرفوا بإباحة النبيذ – من غير العنب مما يسكر كثيره – كما أن أهل مكة أجازوا الصرف، حيث نسب إلى ابن عباس ﵄ أنه أجاز ربا الفضل (٦). كما عرف بعض أهل المدينة بالترخص في الغناء (٧).\nفهذه الرخصة – كما يقول ابن القيم – (تتبعها حرام، ويوهن الطلب، ويرجع بالمترخص إلى غثاثة الرخص) (٨).\nسابعًا: نلحظ من خلال النظر في تلك الفروع – المذكورة في كتب الاعتقاد – تفاوتها كما ونوعًا، وتنوعها حسب تباين هذه الكتب زمانًا ومكانًا وحالًا، فمن الفروع ما يكثر إيراده دون غيره، ومن الفروع ما يذكر في مصنف دون مصنف آخر، فهذا التفاوت والتباين حسب الأحوال والملابسات التي تصاحب تأليف هذه المصنفات.\nثامنًا: يبدو– من خلال تتبع الأمثلة المذكورة في الفروع – أن أعظم طوائف المبتدعة انحرافًا في الأصول والاعتقاد هم أعظم انحرافًا في الفروع؛ فالرافضة – مثلًا – أشد ضلالًا من الخوارج والمعتزلة في الاعتقاد، ومن ثم كانت مخالفتهم وشذوذهم في المسائل الفقهية سواء في العبادات أو المعاملات أكثر وأظهر.\nتاسعًا: يظهر من خلال بعض الفروع الواردة – ما كان عليه السلف الصالح من ذم الحيل المفضية إلى الحرام وما فيها من المخادعة والاستخفاف بشرع الله تعالى، والصد عن سبيل الله تعالى، وشماتة أعداء الإسلام وتسلطهم، كما هو ظاهر في نكاح التحليل، كما يظهر أيضًا عناية السلف الصالح بقاعدة سد الذرائع علمًا وتحقيقًا.\nقال الشاطبي: (سد الذرائع مطلوب مشروع، وهو أصل من الأصول القطعية في الشرع) (٩).\n_________\n(١) انظر: «الاعتصام» (٢/ ١٩٨).\n(٢) رواه أحمد ٤/ ١٠٥ قال الشوكاني «نيل الأوطار» (٣/ ٣٣٣): في إسناده ابن أبي مريم وهو ضعيف وبقية وهو مدلس. وقال الألباني «ضعيف الترغيب» (٣٧): ضعيف\n(٣) «فتح الباري» (١٣/ ٢٥٣، ٢٥٤).\n(٤) «الاستقامة» لابن تيمية (١/ ٢٧٤).\n(٥) «شرح السنة» للبربهاري (ص: ٥٢).\n(٦) قال ابن قدامة: (والمشهور أن ابن عباس رجع إلى قول الجماعة) «المغني» (٦/ ٥٢).\n(٧) ولما سئل الإمام مالك عن ذلك الترخص قال: إنما يفعله عندنا الفاسق. انظر: «الاستقامة» (١/ ٢٧٤).\n(٨) «مدارج السالكين» (٢/ ٥٨).\n(٩) «الموافقات» (٣/ ٦١).","vol":"8","page":327},{"text":"وقال ابن القيم: (وإذا تدبرت الشريع وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، وذلك عكس فتح باب الحيل الموصلة إليها، فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرمات، وسد الذرائع عكس ذلك، فبين البابين أعظم تناقض، والشارع حرم الذرائع، وإن لم يقصد بها المحرم، لإفضائها إليه، فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه؟) (١).\nوحذر ابن القيم من التوثب على محارم الله تعالى باسم الحيل فقال: (فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال والأفعال، وأن يعلم أن لله يومًا تنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السرائر، ويصير الباطن فيه ظاهرًا، ويحصل ويبدو ما في الصدور، كما يبعثر ويخرج ما في القبور، وتجري أحكام الرب تعالى هنالك على القصود والنيات، كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال والحركات، يوم تبيض وجوه بما في قلوب أصحابها من النصيحة لله ورسوله وكتابه، وما فيها من البر والصدق والإخلاص للكبير المتعال، وتسود وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والغش والكذب والمكر والاحتيال، هنالك يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يعلبون، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون) (٢). مسائل الفروع الواردة في مصنفات العقيدة جمعًا ودراسة لعبد العزيز بن محمد بن علي آل عبد اللطيف– ص: ٤\n_________\n(١) «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٣١).\n(٢) «إعلام الموقعين» (٣/ ١٦٣، ١٦٤) = باختصار يسير.","vol":"8","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2294>المبحث الأول: تعريف الجن في اللغة</span>\nالجن بالكسر: اسم جنس جمعي واحده جني، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التستر والاستخفاء. وقد سموا بذلك لاجتنانهم من الناس فلا يرون، والجمع جنان وهم الجنة (١).\nوعلى هذا فهم ضد الإنس، لأن الإنس سمي بذلك لظهوره، وإدراك البصر إياه، فيقال: آنست الشيء: إذا أبصرته.\nويقال: لا جنَّ بهذا الأمر: أي لا خفاء به ولا ستر.\nوالمجن بالكسر: هو الترس، لأن المقاتل يستتر به من الرامي والطاعن وغير ذلك. وكل شيء وقيت به نفسك واستترت به فهو جنة (٢). ومنه قول الرسول ﷺ: «.. والصيام جنة» (٣). أي وقاية، لأنه يقي صاحبه من المعاصي.\nوجن الرجل جنونًا وأجنه الله فهو مجنون: إذا خفي عقله واستتر، وجن الرجل كذلك: أعجب بنفسه حتى يصير كالمجنون من شدة إعجابه. وقال القتيبي: وأحسب قول الشنفري من هذا:\nفلو جن إنسان من الحسن جنت (٤) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٣\nأسماء الجن في لغة العرب:\nقال ابن عبد البر: (الجن عند أهل الكلام والعلم باللسان على مراتب:\n١ - فإذا ذكروا الجن خالصًا قالوا جني.\n٢ - فإذا أرادوا أنه مما يسكن مع الناس، قالوا: عامر والجمع عمار.\n٣ - فإن كان مما يعرض للصبيان قالوا: أرواح.\n٤ - فإن خبث وتعرض قالوا: شيطان.\n٥ - فإن زاد أمره على ذلك وقوي أمره قالوا: عفريت عالم الجن والشياطين لعم سليمان الأشقر – ص: ١٢\n_________\n(١) «لسان العرب» (١٣/ ٩٥) بتصرف. «كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية» (٢/ ١٧٢).\n(٢) «كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية» (٢/ ١٧٢).\n(٣) رواه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) «لسان العرب» (١٣/ ٩٧) باختصار.","vol":"8","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2295>المبحث الثاني: تعريف الجن اصطلاحا</span>\nورد لفظ الجن في القرآن الكريم في آيات كثيرة، وسميت باسمهم سورة هي سورة الجن، وورد في السنة المطهرة كذلك ذكر الجن في مواضع متعددة، وكل ذلك إنما يدل على أهمية هذا المخلوق، إذ أنه يشاطر الإنس في التكليف، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، وعلى هذا فما هو هذا المخلوق؟.\nيستخلص من التعريفات المتعددة للجن: بأنهم نوع من الأرواح العاقلة، المريدة، المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، مجردون عن المادة، مستترون عن الحواس، لا يرون على طبيعتهم، ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل، يأكلون، ويشربون، ويتناكحون، ولهم ذرية، محاسبون على أعمالهم في الآخرة.\nوهذا التعريف يعطي الصفات البارزة لهذا العالم الذي نجهل الكثير عن طبيعة حياته، لأنه غائب عن حواسنا، ...\nوبناء على ما تقدم فإن الجن خلق يغاير طبيعة البشر من حيث الشكل وأصل المادة التي خلقوا منها، إذ أنهم مخلوقون من النار، بعكس الإنسان الذي خلق من الطين قال تعالى: خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ [الرحمن: ١٤ - ١٥].\nوكذلك فإن هذا المخلوق له حياته الخاصة من حيث الطعام والشراب، يختلف فيها عن الإنسان، وغير ذلك مما يختص به من الصفات .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٨","vol":"8","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2297>المبحث الأول: الأدلة السمعية على وجود الجن</span>\nأفاض القرآن الكريم والسنة النبوية في الحديث عن الجن وأحوالهم في مواضع كثيرة، فقد ورد ذكرهم في القرآن في مواضع متعددة تقرب من أربعين موضعًا عدا عن الآيات التي تحدثت عن الشيطان وهي كثيرة، وانفردت سورة كاملة للحديث عن أحوال النفر الذين استمعوا للقرآن من الرسول ﵊ وهو بمكة هي سورة الجن، إذ ورد في مطلعها إخبار الله لنبيه باستماع هذا النفر للقرآن، قال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:١ - ٢].\nواعتبرهم القرآن نوعًا آخر يشترك مع الإنسان في التكليف وإن اختلف عنهم في الصفات، فجاءت كثير من خطابات التكليف شاملة للجن والإنس قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]. وقال: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا [الأنعام: ١٣٠]، ورتب القرآن الجزاء لهم حسب أعمالهم في الدنيا فقال: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣]، وقال في معرض الحديث عن نعيم الجنة: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٥٦]. وتحدى الله الجن والإنس أن يأتوا بمثل هذا القرآن فقال: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]، واستنكر القرآن المزاعم التي تقول بأن الجن يعلمون الغيب فقال في معرض الحديث عن موت سليمان ﵇: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ: ١٤]. وغير ذلك من الآيات التي تحدثت عن أحوال هذا المخلوق.\nومعلوم أن القرآن الكريم قد ثبتت صحته، لأنه منقول إلينا بالتواتر، فعلى هذا الأساس لا مجال لإنكار هذا النوع من المخلوقات متى كان الخبر صادقًا، وإنكارهم يكون تكذيبًا لخبر الله عنهم دون حجة أو برهان، وذلك لا يكون إلا من سمات الجاهلين أو الكافرين، ووجودهم بشكل قاطع لا يحتمل التأويل بأي شكل من الأشكال (١).\nوأما السنة النبوية فقد ورد ذكرهم في أحاديث كثيرة، وهذه الأحاديث بمجملها تبين أحوال هذا المخلوق، من حيث المادة التي خلقوا منها، ومن حيث طعامهم وشرابهم وتناسلهم ومطالبتهم بالتكاليف الشرعية، ومحاسبتهم في الآخرة، بالإضافة إلى الأحاديث التي تبين إمكانية رؤيتهم بمختلف الصور التي يتشكلون فيها، وغيرها من الأحاديث التي تشرح أحوالهم، قال الدميري: (واعلم أن الأحاديث في وجود الجن والشياطين لا تحصى، وكذلك أشعار العرب وأخبارها، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر) (٢).\n_________\n(١) «العقيدة الإسلامية وأسسها» (٢/ ٢٣).\n(٢) «حياة الحيوان الكبرى» (١/ ٢٠٦).","vol":"8","page":331},{"text":"فمن حيث بيان أصل المادة التي خلقوا منها، فقد أورد الإمام مسلم في صحيحه من حديث عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (١). وما ورد من الأحاديث في تكليم الرسول ﷺ الجن وقراءته القرآن عليهم ودعوتهم إلى الله في أكثر من مرة، وقد كان ابن مسعود رفيقًا للرسول ﵇ في كثير منها ...\nوهذه الأحاديث في كثير منها أحاديث صحيحة، رواها الثقات من الصحابة والتابعين عن الصادق المصدوق ﵊، فلا مجال لتكذيبها أو تأويلها تأويلًا فاسدًا يخرج عن المقصود منها.\nوقد فصلت هذه الأحاديث كثيرًا من أحوال الجن وصفاتهم، ومتى ثبتت صحتها، فإن المكذب بها يكون مكذبًا للقرآن، الذي نص على وجوب الإيمان بما أخبر به ﵊، قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [التغابن: ٨]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء: ١٣٦].\nتنبيه:\nعلى أن هذه الأدلة السمعية الواردة عن الرسول ﷺ في وجود الجن، لها في نفس الوقت دلالات حسية كذلك على وجودهم، إذ قد ثبت رؤيتهم له ﵇ ولنفر من أصحابة الذين رافقوه عند ذهابه لتكليم الجن وقراءة القرآن عليهم، ومثل هذا قد حصل لأبي هريرة عندما جاءه الشيطان في صورة رجل فقير فجعل يحثو من مال الصدقة ... وكما ورد عن ابن عباس «أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا به جنون، وأنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا فيخبث علينا، فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا، فثع ثعة، وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود يسعى» (٢).\nفهذه قصة سمعية من جهة، حسية من جهة أخرى، حيث دلت على رؤية الحاضرين للجني على شكل جرو أسود يسعى، وما حصل ذلك من أخذ الرسول ﵇ للشيطان وخنقه إياه عندما جاءه ليقطع صلاته، حتى وجد برد لعابه على يديه الشريفتين.\nوغير ذلك من الروايات التي تحمل دلالات حسية على رؤية الجن مما لا يجعل مجالًا للشك في وجودهم. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٧٩\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٩٦).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢٥٤) (٢٢٨٨)، والطبراني (١٢/ ٥٧) (١٢٤٩٠). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٦/ ١٦٧): (فيه) فرقد السنجي رجل صالح ولكنه سيء الحفظ وقد روى عن شعبة وغير واحد واحتمل حديثه، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٣٤٧).","vol":"8","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2298>المبحث الثاني: الأدلة العقلية</span>\nإن العقل لا يمنع من وجود عوالم غائبة عن حِسِّنا، لأنه قد ثبت وجود أشياء كثيرة في هذا الكون لا يراها الإنسان ولكنه يحس بوجودها، وعدم رؤية الإنسان لشيء من الأشياء لا يستلزم عدم وجوده، والقاعدة العلمية تقول: عدم العلم بوجود شيء لا يستلزم عدم وجوده. أي عدم رؤيتك للشيء الذي تبحث عنه لا يستلزم أن يكون بحد ذاته مفقودًا، إذ أن الموجودات أعظم من المشاهدات، أي ليس كل الموجودات خاضعة لحاسة الرؤية، أو لمطلق الحواس، وإلا لوجب على الإنسان أن يؤمن بوجود السيارة مثلًا ما دامت واقفة أمامه، فإذا ما سار بها قائدها وابتعدت حتى خرجت عن سلطان المشاهدة والحواس وجب إنكار وجودها، ... فإذا ظهر لك برهان علمي قاطع يجزم بأحد طرفي وجود ذلك الشيء أو عدمه، فإن من العبث أن تقارع ذلك البرهان القاطع بجهلك السابق (١).\nوقد ثبت عن طريق القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن طريق السنة الصحيحة وجود عالم يختلف عن الإنسان يسمى عالم الجن، وهذا القرآن ليس من تأليف الرسول ﵇، أو من تأليف أحد من البشر على الإطلاق، فعندئذ وجب التصديق بهذا الإخبار الصحيح عن الله ﷿ وعن رسوله ﷺ، ولا اعتبار بجهل الإنسان بهذا العالم ما دام المخبر صادقًا.\nولا يدعي إنسان عاقل على الإطلاق أنه رأى الميكروبات بالعين المجردة التي لا ترى إلا بالمجهر بعد تكبيرها آلاف المرات، لأن السبب في عدم رؤيتها أن حاسة البصر عند الإنسان غير مؤهلة لهذه الرؤية، ما دامت الرؤية لهذا البصر محدودة في مجال العالم المشهود للإنسان، قال محمد رشيد رضا: (ولو كان الاستدلال بعدم رؤية الشيء على عدم وجوده صحيحًا وأصلًا ينبغي للعقلاء الاعتماد عليه، لما بحث عاقل في الدنيا عما في الوجود من المواد والقوى المجهولة، ولما كشفت هذه الميكروبات التي ارتقت بها علوم الطب والجراحة إلى الدرجة التي وصلت إليها، ولا تزال قابلة للارتقاء بكشف أمثالها، ولما عرفت الكهرباء التي أحدث كشفها هذا التأثير العظيم في الحضارة، ولولم تكشف الميكروبات – وأخبر أمثالهم بها في القرون الخالية – لعدوه مجنونًا، وجزموا باستحالة وجود أحياء لا ترى، إذ يوجد في نقطة الماء ألوف الألوف منها، وأنها تدخل في الأبدان من خرطوم البعوضة أو البرغوث .. الخ، كما أن ما يجزم به علماء الكهرباء من تأثيرها في تكوين العوالم، وما تعرفه الشعوب الكثيرة الآن من تخاطب الناس بها من البلاد البعيدة بآلات التلغراف والتليفون اللاسكلية – كله مما لم يكن يتصوره عقل، وقد وقع بالفعل) (٢). ويقول أيضًا: (ويعجبني قول الدكتور (فانديك) في كلامه عن الحواس الخمس إذ يقول: لو كانت لنا حواس أخر فوق الخمس التي لنا، لربما توصلنا بها إلى معرفة أشياء كثيرة لا نقدر على إدراكها بالحواس الخمسة التي نملكها، ولو كانت حواسنا الموجودة أحدَّ مما عليه لربما أفادتنا أكثر مما تفيدنا وهي على حالتنا الحاضرة، ولو كان سمعنا أحدَّ لربما سمعنا أصواتًا تأتينا من عالم غير هذا الذي نحن فيه) (٣)، ولكن حكمة الله اقتضت أن تكون حواسنا كما هي عليه الآن.\nوقد أثبتت التجارب وجود أشياء كثيرة في هذا الكون مع أن الإنسان لا يراها، فالكهرب الذي يسري في السلك موجود ولكننا لا نراه، والموجات الصوتية التي تنتقل عبر الأثير نحس بها ونلمس آثارها، خاصة في هذا العصر الذي ارتقت فيه المعارف والعلوم ارتقاء عجيبًا ... وباسم المنهج التجريبي في البحث أنكر كثير من المنتسبين له وجود مخلوقات تسمى بالملائكة والجن، ولم يكن لهم حجة يلجأون إليها في إنكار ذلك إلا أنهم لم يشاهدوها ولم يضعوها تحت المجهر أو في أنابيب الاختبار، ليجروا عليها التجارب، في الوقت الذي يتحدثون فيه للبشرية عن وجود الجاذبية والمغناطيسية والكهرب، وغيرها من الأشياء التي تغيب عن حواسنا، ولقد أخطأت الحضارة الغربية وغيرها من الحضارات المادية عندما آمنت بالعقل وجحدت ما سواه، وعاشت تحت ظلال وثنية عقلية، هي أخطر ألوان الوثنيات وأشدها إذلالًا وإهدارا للقيم الإنسانية العليا، وهذا العقل الذي عبدته هذه الحضارة شيء عظيم حقًا في عالم الحس والمشاهدة، لأنهما يخضعان لهذا العقل في مجال التجربة والاختبار، أما ما وراء الحس والمشاهدة، فلا مجال للعقل أن يحكم على ذلك بالظنون والتخرصات، وفي الوقت الذي نجد فيه إبداع هذه الحضارة المادية في مجال الماديات، نجدها في الجانب الآخر قد تعثرت تعثرا مضحكًا في المعنويات والأخلاقيات والعبادات، وفي كافة ما يتصل بأمور الغيب كالروح والإلهام والوحي، لأنها أمور فوق الحس والمشاهدة (٤) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبيدات – ص: ٨٢\n_________\n(١) «كبرى اليقينيات الكونية» (ص: ٣٠٠).\n(٢) «تفسير المنار» (٨/ ٣٦٦).\n(٣) «فتاوى الإمام محمد رشيد رضا» (١/ ٢٥٢).\n(٤) «التصوف الإسلامي والإمام الشعراني» (ص: ١٥١).","vol":"8","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2299>المبحث الثالث: عقائد الناس في الجن</span>\nانقسم الناس قديمًا وحديثًا في أمر الجن إلى مذاهب شتى، فما بين مثبت لوجودهم، أو منكر، أو مؤول لهم بشتى التأويلات الفاسدة، أو مغالٍ في قدرتهم وسلطانهم في الأرض، إلى غير ذلك من المذاهب والتصريفات المختلفة في شأن هذا المخلوق.\nويمكن إجمال هذه المذاهب فيما يلي: ...\n١ - مذهب أهل السنة والجماعة:\nالذي عليه أهل السنة والجماعة من المسلمين وهو إثبات وجود مخلوقات غائبة عن حواسنا تسمى الجن، وأنها لا تظهر إلا أذا تشكلت في صور غير صورها في بعض الأحوال ولبعض الناس، وأنها مخلوقات عاقلة مكلفة بالتكاليف الشرعية على نحو ما عليه البشر، وأنهم يأكلون، ويشربون، ويتناكحون ولهم ذرية، قال ابن حزم: (لكن لما أخبرت الرسل الذين شهد الله ﷿ بصدقهم بما أبدى على أيديهم من المعجزات المحلية للطبائع بنص الله ﷿ وعلى وجود الجن في العالم، وجب ضرورة العلم بخلقهم ووجودهم، وقد جاء النص بذلك وبأنهم أمة عاقلة مميزة، متعبدة، موعودة متوعدة، متناسلة، يموتون. وأجمع المسلمون كلهم على ذلك) (١).\nويقول ابن تيمية: (لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن ولا في أن الله أرسل محمدًا ﷺ إليهم .. إلى أن يقول: وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواترًا معلومًا بالاضطرار، ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة، بل مأمورون منهيون، ليسوا صفات وأعراضًا قائمة بلإنسان أو غيره كما يزعم بعض الملاحدة) (٢). ويقول ابن حجر الهيتمي: (وأما الجان فأهل السنة والجماعة يؤمنون بوجودهم) (٣).\nوقد تقدم كثير من الأدلة التي يستند إليها أهل السنة والجماعة في إثبات وجود الجن، سواء كانت هذه الأدلة مأخوذة من القرآن أو السنة، بالإضافة إلى دلالة الإجماع على ذلك ...\n٢ - مذهب جمهور الكفار:\nكعامة أهل الكتاب والمجوس، وجمهور الكنعانيين، واليونانيين، والرومان، والهنود القدماء، وعامة مشركي العرب: الإقرار بوجود الجن، مع انحراف في تصورهم عن هذا المخلوق.\nهذه الطوائف المختلفة أقرت بوجود الجن، ولكن إقرارهم هذا صاحبه تصورات فاسدة ومنحرفة، فمنهم من اعتبر أن الجن شركاء لله في الخلق والتدبير، ومنهم من اعتبر أن للجن سلطانًا في الأرض، وأنهم يعلمون الغيب، ومنهم من أثبت أخوة بين الله وإبليس - تعالى الله عن ذلك- إلى غير ذلك من التصورات المنحرفة .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٩٠\n٣ - مذهب أكثر الفلاسفة والأطباء وجماعة من القدرية:\nوالمعتزلة والجهمية، وكافة الزنادقة قديمًا وحديثًا: إنكار الجن، بالإضافة إلى نفر قد أولوا النصوص الدالة على وجود الجن تأويلًا يدل على إنكارهم، كما سيأتي:\nقال الإمام القرطبي: (وقد أنكر جماع من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم، اجتراء على الله وافتراء، والقرآن والسنة ترد عليهم) (٤) وقال ابن تيمية: (وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن، أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم مقرون بهم كإقرار المسلمين، وإن وجد فيهم من ينكر ذلك، وكما يوجد في المسلمين من ينكر ذلك، كما يوجد في طوائف المسلمين كالجهمية والمعتزلة من ينكر ذلك، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرين بذلك) (٥).\nوالملاحدة والمتفلسفة يجعلون الملائكة قوى النفس الصالحة، والشياطين قوى النفس الخبيثة (٦) ...\n_________\n(١) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٥/ ١٢).\n(٢) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٩).\n(٣) «الفتاوى الحديثية» (ص: ١٢٣).\n(٤) «تفسير القرطبي» (١٩/ ٦).\n(٥) «مجموع الفتاوى» (١٩/ ١٠) و«ايضاح الدلالة في عموم الرسالة» (٤).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٤٦).","vol":"8","page":334},{"text":"وقد أنكرت جماهير القدرية وكافة الزنادقة الجن كما ذكر الجويني إمام الحرمين حيث يقول: (وكثير من الفلاسفة، وجماهير القدرية، وكافة الزنادقة أنكروا الجن والشياطين رأسًا، ولا يبعد لو أنكر ذلك من لا يتدبر ولا يتشبث بالشريعة، وإنما العجب من إنكار القدرية مع نصوص القرآن وتواتر الأخبار واستفاضة الآثار) (١).\nوالذي يظهر أن المتأخرين من القدرية هم الذين ينكرون وجود الجن مع اعتراف متقدميهم بذلك، قال أبو بكر الباقلاني: (وكثير من القدرية يثبتون وجود الجن قديمًا وينفون وجودهم الآن، ومنه من يزعم أنهم لا يرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع فيها، ومنهم من قال: إنما لا يرون لأنهم لا ألوان لهم) (٢).\nوأما المعتزلة فالمشهور عن أكثر العلماء أن الكثيرين منهم ينكرون وجود الجن، يقول الجويني: (وقد أنكرهم معظم المعتزلة، ودل إنكارهم إياهم على قلة مبالاتهم، وركاكة ديانتهم، فليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وقد نصت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم، وحق على اللبيب المعتصم بحبل الدين أن يثبت ما قضى العقل بجوازه، ونص الشرع على ثبوته) (٣).\nوقال ابن حجر الهيتمي: (وإنكار المعتزلة لوجودهم فيه مخالفة للكتاب والسنة والإجماع، بل ألزموا به كفرًا لأن فيه تكذيب النصوص القطعية بوجودهم) (٤).\nوقال الدميري: (فإذا قيل: ما تقول فيما حكى عن بعض المعتزلة أنه ينكر وجود الجن؟ قلنا: عجيب أن يثبت ذلك عمن يصدق بالقرآن وهو ناطق بوجودهم) (٥).\n... وقد ذكر محمد رشيد رضا أن الزمخشري وشيعته لم يكونوا من المنكرين لوجود الجن، وإنما الجن – كما يقولون – من عالم الغيب، لا نصدق من خبرهم إلا ما أثبته الشرع، أو ما هو في قوته من دليل الحس أو العقل، ولم يثبت شرعًا، ولا عقلًا، ولا اختبارًا، أن شياطين الجن تأكل الناس، ولا أنها تظهر لهم في الفيافي كما كانت تزعم العرب، وغير ذلك في طور الجهل والخرافات (٦) ...\nأما الزنادقة قديمًا وحديثًا كالدهرية والملحدين من الشيوعيين وغيرهم فإنهم ينكرون الغيبيات بشكل عام، ويعتبرون أن الكون وجد هكذا صدفة، وعلى هذا فهم يحاربون الأديان ويعتبرونها أفيون الشعوب، وذلك كما تفعل الشيوعية في الوقت الحاضر.\nوليس لهؤلاء حجة في إنكار الغيبيات – والجن من بينهم – إلا عدم الإيمان بما لا يقع عليه الحس، ولا يعرف بالتجربة والمشاهدة، وهي حجة ساقطة من أساسها، لا تقوى على الوقوف أمام الأدلة الكثيرة الناطقة بوجودهم ...\nشبه المنكرين لوجود الجن والرد عليها:\nوجملة الشبه التي يتمسك بها المنكرون للجن تتلخص فيما يلي:\n١ - أن الجن لو كانوا موجودين لوجب أن يكونوا أجسامًا كثيفة أو لطيفة، ولو كانوا أجسامًا كثيفة لرآهم كل إنسان سليم الحس، ولو كانوا أجسامًا لطيفة لتمزقوا عند هبوب الرياح والعواصف، وللزم أن لا يكون لهم قدرة على الأعمال الشاقة كما يقول مثبتو الجن على حد قولهم (٧).\nوالجواب على هذه الشبهة: أن الجن مجردون عن المادة والجسمية التي نشاهدها في الأمور المحسوسة أمامنا كالبشر، والدواب، والأشجار وغير ذلك، ولكن هذا لا يمنع أن يجعل الله فيهم خاصية القدرة على التشكل بالأشكال المختلفة: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، وقد وردت الأحاديث الصحيحة في تشكلهم بمختلف الصور، فمعارضة هذه النصوص بالظن إنما هو تحكم بالباطل.\n_________\n(١) «إيضاح الدلالة في عموم الرسالة» (٤) الهامش.\n(٢) «إيضاح الدلالة في عموم الرسالة» (٥) الهامش.\n(٣) «كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة» (٣٢٣).\n(٤) «الفتاوى الحديثية» (ص: ١٢٣).\n(٥) «حياة الحيوان الكبرى» (١/ ٢٠٦).\n(٦) «تفسير المنار» (٧/ ٥٢٨).\n(٧) «التفسير الكبير» (١/ ٧٦).","vol":"8","page":335},{"text":"أما قولهم: إنهم لو كانوا أجسامًا لطيفة لتمزقوا عند هبوب الرياح والعواصف فجوابه: لقد ثبت عند الفلاسفة أن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد وتخرج من الجانب الآخر، فلم لا يعقل مثله في هذه الصورة؟!، وعلى هذا التقدير فإن الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس وعلى التصرف فيها، وأنها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين والوقت المعلوم، فكل هذه الأحوال احتمالات ظاهرة، والدليل لم يقم على إبطالها، فلم يجز المصير إلى القول بإبطالها (١) وقد ثبت تسخيرهم للنبي سليمان ﵇ بصريح القرآن، وقد كان يراهم على صورهم الأصلية كما دل عليه ظاهر القرآن.\n٢ - أن هذه الأشخاص المسماة بالجن لو كانوا حاضرين في هذا العالم، مخالطين للبشر، فالظاهر الغالب أن يحصل لهم بسبب طول المخالطة والمصاحبة إما صداقة، وإما عداوة، فإن حصلت الصداقة وجب ظهور المنافع بسبب تلك الصداقة، وإن حصلت العداوة وجب ظهور المضاد بسبب تلك العداوة، إلا أننا لا نرى أثرًا لا من تلك الصداقة ولا من تلك العداوة (٢).\nوالجواب على هذه الشبهة: أنه لا يشترط أن يحصل للإنسان من مصاحبة أحد صداقة أو عداوة يترتب عليهما المنافع والمضار، ومع ذلك فإن الوقائع الصحيحة التي وردت في السنة تدل على أن بعض الجن قد حصل منهم إيذاء لبعض من يكرهونه من الأنس، وقد ثبت علاج الرسول ﷺ لبعض من صرعتهم الجن، وقد ثبت كذلك نفع الجن لبعض الإنس كما حصل مع أبي هريرة عندما جاءه الشيطان فجعل يحثو من الطعام وقد تكرر مجيئه ثلاث مرات، وكان يزعم أنه لا يعود، حتى همَّ أبو هريرة أن يرفع أمره للرسول ﷺ، فقال الشيطان عند ذلك: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، فعلمه آية الكرسي وقال له: اقرأها فإنه لا يقربك شيطان (٣)، وغير ذلك مما قد ثبت في نفع الجن لبعض الناس وإضرارهم لبعض منهم.\n٣ - إن الطريق إلى معرفة الجن إما الحس وإما المشاهدة وإما الدليل، ولم يثبت لنا بالحس وجودهم ورؤيتهم، والذين يقولون إنا أبصرناهم وسمعنا أصواتهم طائفة من المجانين يتخيلون ذلك، وليست في الحقيقة كذلك، وأما الخبر بواسطة الأنبياء ﵈ فباطل، لأن ذلك يؤدي إلى إبطال نبوتهم، ولجاز أن يقال إن كل ما أتى به الأنبياء من المعجزات إنما هو بإعانة الجن والشياطين، فإذا جوزنا نفوذ الجن في بواطن الإنسان فلم لا يجوز أن يقال: إن حنين الجذع إنما كان لأن الشيطان نفذ في ذلك الجذع ثم أظهر الحنين؟ ولم لا يجوز أن يقال: إن الناقة تكلمت مع الرسول ﷺ لأن الشيطان دخل في باطنها فتكلمت؟ وأما الدليل والنظر فهو متعذر، لأنا لا نعرف دليلًا عقليًا يدل على وجود الجن والشياطين (٤).\nوالجواب على هذه الشبهة: أن الدليل الحسي قد دل على وجود الجن، حيث رآهم الرسول ﵊ وهو نبي معصوم من الخطأ والكذب، ورآهم ابن مسعود عندما ذهب معه ليلة تكليم الجن، ورآهم أبو هريرة عندما جاءه الشيطان في صورة رجل فقير، فأخذ يحثو من مال الصدقة، وقد حدث مثل ذلك لنفر من الصحابة، وغير ذلك من الوقائع التي تدل على رؤية الجن من قبل هؤلاء، وهم صحابة أجلاء وليسوا من المجانين كما يزعم المنكرون لوجود الجن، بل هم من العقلاء الموثوق بهم.\n_________\n(١) «التفسير الكبير» (١/ ٨٠).\n(٢) «التفسير الكبير» (١/ ٧٧).\n(٣) رواه البخاري (٢٣١١).\n(٤) «التفسير الكبير» (١/ ٧٧).","vol":"8","page":336},{"text":"وأما الخبر فقد جاءت نصوص القرآن مخبرة عن أحوال الجن في مواضع متعددة من القرآن، وليس هناك من سبيل للطعن بكتاب الله – المنقول بالتواتر – بأي حال من الأحوال، ودل على وجودهم السنة المتواترة التي تقطع الشك وترفع العذر في إنكار وجودهم أو تأويلهم.\nوالقول أن في الاعتراف بهم إبطالًا لنبوة الأنبياء غير صحيح، لأنه قد ثبت لنا وجودهم عن طريق هؤلاء الأنبياء كذلك، فالشك في وجودهم يوجب الطعن في نبوتهم أيضًا.\nوأما أن الإقرار بوجودهم يوجب إنكار معجزات الأنبياء فغير مسلم، لأن المعجزة إنما هي تأييد من الله لأنبيائه حتى يظهر للناس صدق نبوتهم، والرسل معصومون من تلبيس الجن والشياطين، فلا يمكن أن يكون حنين الجذع وتكليم الناقة للرسول ﵇ من قبيل هذه التلبيسات.\nأما الذين ينكرون وجود الجن بحجة عدم رؤيتهم، أمثال الزنادقة والماديين، فهؤلاء ينكرون كل ما لا يقع عليه الحس، ... وأنه لم يدل دليل عقلي على نفي وجودهم، ولا يمنع العقل من وجودهم، في الوقت الذي دل فيه العقل على وجود أشياء كثيرة غائبة من الحس، وهو أمر لا تحيله الطباع ولا تنكره العقول، ثم إن العقل لم يدع أنه توصل إلى معرفة جميع الأشياء، وأن ما وصل إليه علم الإنسان غيض من فيض.\nفثبت بهذا بطلان شبهات منكري الجن.\nموقف المنكرين لوجود الجن من النصوص الدالة على إثبات وجودهم:\nوفي الوقت الذي يقرر الإسلام وجود الجن وأنهم مخلوقات عاقلة مكلفة خلقوا من النار، يأتي المنكرون للجن من الملاحدة والفلاسفة وغيرهم فيؤولون النصوص الدالة على وجود الجن والملائكة تأويلًا يبعد عن مقصد القرآن والسنة، وهو تأويل لا يعتمد على دليل يؤيده بل هو من تحريف الكلم عن مواضعه، تضليلًا للناس وصدا لهم عن سبيل الله، وهي تأويلات معلومة الفساد بالضرورة من دين الإسلام، وقد أدى تأويل هذا النفر من الناس إلى إنكار الجن بالكلية، وبهذا يتفقون مع المنكرين في الغاية والهدف.\nوقد تجلت هذه النظرة عند القدامى والمحدثين:\nأما عند القدامى فيقول ابن تيمية: (وقد زعم الملاحدة والمتفلسفة بأن الملائكة هم قوى النفس الصالحة، والشياطين هم قوى النفس الخبيثة، ويجعلون سجود الملائكة طاعة القوى للعقل، وامتناع الشياطين عصيان القوى الخبيثة للعقل، ونحو ذلك من المقالات التي يقولها أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم من القرامطة الباطنية، ومن سلك سبيلهم من ضلال المتكلمة والمتعبدة، وقد يوجد نحو هذه الأقوال في أقوال المفسرين التي لا إسناد لها يعتمد عليه) (١).\nويوضح هذه النظرة التي ذكرها ابن تيمية عن هذه الطوائف فخر الدين الرازي في تفسيره، حيث يبين موقف الطوائف المختلفة من الجن، وقد ذكر عن هؤلاء الفلاسفة قولهم: (النفوس الناطقة البشرية المفارقة للأبدان قد تكون خيرة وقد تكون شريرة، فإن كانت خيرة فهي الملائكة الأرضية، وإن كانت شريرة فهي الشياطين الأرضية، ثم إذا حدث بدن شديد المشابهة ببدن تلك النفس المفارقة ضرب تعلق بهذا البدن الحادث، وتصير تلك النفس المفارقة، معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن على الأعمال اللائقة بها، فإن كانت النفسان من النفوس الطاهرة المشرقة الخيرة، كانت تلك المعاونة والمعاضدة إلهامًا، وإن كانتا من النفوس الخبيثة الشريرة، كانت تلك المعاونة والمناصرة وسوسة) (٢).\nوقال ابن حزم: (وذهب القائلون بتناسخ الأرواح أمثال أحمد بن خابط، وأبو مسلم الخراساني، والرازي الطبيب المعروف وغيرهم أن الشياطين هي أرواح الشريرين من الناس، والملائكة هي أرواح الخيرين منهم) (٣)، وذكر نحو هذا البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق حيث يقول: (والباطنية يتأولون الملائكة على دعاتهم إلى بدعتهم، ويتأولون الشياطين والأبالسة على مخالفيهم) (٤).\nوما تقدم من تأويل الجن والملائكة هذا التأويل الفاسد إنما سببه الانحراف والزيغ عن منهج الحق، حيث ضلت هذه الفرق عن الإسلام، وتأولت آيات القرآن تأويلًا باطلا يوافق أهواءهم وما انتحلوه من إنكار هذه العوالم، فجمعوا بين إنكار الحق الثابت وتحريف النصوص.\nوتأويل بعض هؤلاء الجن، والملائكة، بالأرواح المفارقة للأبدان ... هو من القول بالتناسخ أو يشابهه، ولا شك أن مذهب التناسخ مذهب باطل كما هو مقرر في الإسلام، فإن الأرواح لا تنتقل إلى أبدان أخر بعد الموت، بل تبقى في مستقرها في دار البرزخ منعمة أو معذبة. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات- بتصرف - ص١٠٨\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٤٦).\n(٢) «التفسير الكبير» (١/ ٧٨) و«تفسير روح المعاني» (٢٩/ ٨٢).\n(٣) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (١/ ٩٠).\n(٤) «الفرق بين الفرق» (٢٧٩).","vol":"8","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2301>المبحث الأول: المادة التي خلق منها الجن</span>\nصرح القرآن الكريم والسنة النبوية بذكر المادة التي خلق منها الجن، فقد ورد في القرآن قوله تعالى: وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ [الحجر: ٢٧]. في مقابل الحديث عن خلق الإنسان من الطين، وفي قوله: خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ [الرحمن: ١٤ - ١٥]. وغير ذلك من الآيات التي تتحدث عن إباء إبليس من السجود لآدم ﵇ كقوله تعالى: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف: ١٢].\nأما في السنة النبوية فقد ورد في صحيح مسلم من حديث عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم» (١) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ١٣\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٩٦).","vol":"8","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2304>أولا: قدرتهم على التشكل</span>\nالذي تشير إليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية أن الجن يتشكلون بالصور المختلفة. قال ابن تيمية: (والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم، فيتصورون في صور الحيات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والبغال، والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم) (١).\nولا يمنع خلقهم من النار تشكلهم في الصور المختلفة، يقول الباقلاني: (لسنا ننكر مع كون أصلهم النار أن الله تعالى يكثف أجسامهم ويغلظها، ويخلق لهم أغراضًا تزيد على ما في النار، فيخرجون عن كونهم نارًا، ويخلق لهم صورًا وأشكالًا مختلفة) (٢).\nالأدلة على تشكل الجن ورؤيتهم:\nأما من القرآن فقوله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٤٨].\nقال الطبري في تفسير هذه الآية: (عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشيطان، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ [الأنفال: ٤٨]، فلما اصطف الناس أخذ رسول الله ﷺ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه – وكانت يده في يد رجل من المشركين – انتزع إبليس يده، فولى مدبرًا هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة: تزعم أنك جار لنا؟ قال: إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٤٨] وذلك حين رأى الملائكة) (٣).\n_________\n(١) «إيضاح الدلالة في عموم الرسالة» (ص: ٣٢).\n(٢) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٦٥).\n(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ١٧١٥).","vol":"8","page":339},{"text":"ومن الأدلة التاريخية التي تصلح في هذا المقام: ما ورد أن الشيطان تصور في صورة شيخ نجدي، عندما اجتمعت قريش بدار الندوة، لتمكر بالرسول ﷺ، وذلك قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠]. وذلك أن قريشًا اجتمعت بدار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ نجدي عليه بتٌّ، فلما رأوه واقفًا على الباب قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من نجد، سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم رأيًا ونصحًا، قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم، فأشار بعضهم فقال: نحبسه في الحديد، ونغلق عليه الباب حتى يموت، فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون، ليخرجن أمره من وراء الباب إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من بين أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا غيره، فأشار بعضهم بنفيه من البلاد، فقال الشيخ النجدي: ما هذا لكم برأي، ألم تروا إلى حسن حديثه وغلبته على قلوب الرجال؟ حيث يقدر على تأليف القلوب حوله، أديروا فيه رأيًا غير هذا. حتى أشار أبو جهل برأيه الذي استقر عليه الأمر بأخذ شاب من كل قبيلة، فيدخلوا على الرسول ﵊ فيقتلوه جميعًا، فيتفرق دمه على القبائل. فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي ولا رأي غيره، فتفرق القوم وهم مجتمعون على هذا (١).\nنلاحظ مما تقدم أن الشيطان قد جاء المشركين في صورة رجل، فرأوه وعاينوه.\nوقد يظهر الشيطان لبعض الناس في صورة بعض الأموات، وأكبر ما يقع ذلك من المشركين، يقول ابن تيمية: (وقد وقع هذا كثيرًا، حتى أنه يتصور لمن يعظم شخصًا في صورته، فإذا استغاث به فيظن ذلك الشخص أنه شيخه الميت) (٢).\nويقول في موطن آخر: (وكذلك يأتي كثيرًا من الناس في مواضع ويقول إنه الخضر، وإنما كان جنيًا من الجن) (٣).\nوغير هذا كثير مما يقع من أتباع الشيطان مع شياطينهم، حيث يتصورون لهم في صور عديدة، ليوهموهم ويستدرجوهم.\nالأدلة من السنة:\nورد في السنة المطهرة أحاديث عديدة تدل على تشكل الجن ورؤيتهم، نجتزئ بعضها للاستدلال على ذلك:\n١ - ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن عفريتا من الجن جعل يفتك عليَّ البارحة، ليقطع عليَّ الصلاة، وأن الله أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد، حتى تنظرون إليه أجمعون -أوكلكم -. ثم ذكرت قول أخي سليمان: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي [ص: ٣٥] فرده الله خاسئًا» (٤).\nوقد جاء في روايات أخرى أن الشيطان جاء بشعلة من نار ليحرق بها وجه الرسول ﷺ، فأخذه حتى وجد برد لسانه على يده الشريفة.\n_________\n(١) «سيرة ابن هشام» (٢/ ٩٥) باختصار.\n(٢) «النبوات» (ص: ٢٩٠).\n(٣) «النبوات» (ص: ٢٩٠).\n(٤) رواه البخاري (٤٦١)، ومسلم (٥٤١).","vol":"8","page":340},{"text":"فعن أبي سعيد الخدري «أن رسول الله ﷺ قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ، فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين: الإبهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد؛ فليفعل» (١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء قال: «قام رسول الله ﷺ، فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك، ثم قال: ألعنك بلعنة الله. ثلاثًا، وبسط يده كأنه يتناول شيئًا. فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا، لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك؟ قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي. فقلت: أعوذ بالله منك. ثلاث مرات. ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه. والله! لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة» (٢).\nفهذه الروايات تدل على أن الرسول ﷺ رأى الشيطان، ومعه شعلة من نار ليحرق بها وجهه، فأخذه، ولولا دعوة النبي سليمان ﵇ لربطه في أحد سواري المسجد لينظر إليه الناس.\n٢ - عن أبي عبد الله الجدلي عن ابن مسعود قال: «استتبعني رسول الله ﷺ ليلة الجن، فانطلقت معه حتى بلغنا أعلى مكة، فخط لي خطًا وقال: لا تبرح، ثم انصاع في أجبال الجن، فرأيت الرجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال حتى حالوا بيني وبينه، فاخترطت السيف وقلت: لأضربن حتى استعد رسول الله ﷺ، ثم ذكرت قوله: لا تبرح حتى آتيك، فلم أزل كذلك حتى أضاء الفجر ..». الحديث (٣)\nفقوله في الحديث: (فرأيت الرجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال) فيه دليل على أنهم ظهروا لابن مسعود في صورة الرجال، حتى خاف على الرسول ﷺ منهم، فهم بسيفه ليقاتلهم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٨٢) (١١٧٩٧). قال ابن رجب في «فتح الباري» (٦/ ٣٩٧): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٩٠): رجاله ثقات، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣٢٥١): إسناده جيد رجاله ثقات.\n(٢) رواه مسلم (٥٤٢).\n(٣) رواه الطبراني (١٠/ ٦٧) (٩٩٨٩). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٣١٧): رواه الطبراني وفيه يحيى بن يعلى الأسلمي وهو ضعيف.","vol":"8","page":341},{"text":"٣ - ما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: «وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي ﷺ: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالًا فرحمته فخليت سبيله، فقال: أما إنه قد كذبك، وسيعود. فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ: إنه سيعود. فرصدته، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني فإني محتاج، وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا، فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه كذبك، وسيعود. فرصدته الثالثة، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي ﷺ: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة. قال: لا، قال: ذاك شيطان» (١).\nوقد جاء هذا الحديث من عدة روايات، كما ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني، فقد قال: (قوله: فأخذته زاد في رواية أبي المتوكل «أن أبا هريرة شكى ذلك إلى النبي ﷺ أولًا، فقال له: إن أردت أن تأخذه فقل: سبحان من سخرك لمحمد، قال: فقلتها، فإذا أنا به قائم بين يدي فأخذته».) وقال ابن حجر: (وفي رواية الروياني: «فأخذته فالتفت يدي على وسطه، فقلت: يا عدو الله: وثبت إلى تمر الصدقة فأخذته، وكانوا أحق به منك، لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فيفضحك» وفي رواية الروياني: «ما أدخلك بيتي تأكل التمر؟ قال: أنا شيخ كبير فقير ذو عيال، ما أتيتك إلا من نصيبين» (٢).\nوقد ورد في حديث معاذ بن جبل قوله: «ضم إليّ رسول الله ﷺ تمر الصدقة، فكنت أجد فيه كل يوم نقصانًا، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال لي: هو عمل الشيطان فارصده، فرصدته، فأقبل في صورة فيل، فلما انتهى إلى خلل الباب، دخل من خلل الباب في غير صورته، فدنا من التمر فجعل يلتقمه، فشددت عليّ ثيابي فتوسطته» (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٣١١).\n(٢) «فتح الباري» (٤/ ٤٨٨) ذكر هذه الرواية الهيثمي في «مجمع الزائد» (٦/ ٣٢١ - ٣٢٢).\n(٣) رواه الطبراني (٢٠/ ٥١) (١٦٨٤٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٣٢٤): رواه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان بن صالح وهو صدوق إن شاء الله كما قال الذهبي قال ابن أبي حاتم: وقد تكلموا فيه وبقية رجاله وثقوا، وقال السيوطي في «الخصائص الكبرى» (٢/ ٩٥): إسناده رجاله موثقون.","vol":"8","page":342},{"text":"وقد بين ابن حجر أن اختلاف هذه الروايات محمول على التعدد، فقد جاء الشيطان مرة في صورة رجل فقير يطلب الصدقة، ومرة أخرى في صورة فيل، وفي روايات أخرى ذكرها ابن حجر أنه جاء في صورة دابة تشبه الغلام المحتلم، فعن أبي بن كعب: «أن أباه أخبره أنه كان لهم جرن فيه تمر، وكان مما يتعاهده فيجده ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة كهيأة الغلام المحتلم، قال: فسلمت فرد السلام، فقلت: ما أنت: جن أم أنس؟ فقال: جن، فقلت: ناولني يدك، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن؟ فقال: لقد علمت الجن أنه ما فيهم من أحد هو أشد مني، فقلت: ما يحملك على ما صنعت؟ قال: بلغني إنك رجل تحب الصدقة، فأحببت أن أصيب من طعامك، قلت: فما الذي يحرزنا منكم؟ فقال: هذه الآية، آية الكرسي، قال: فتركته، وغدا أبي إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: صدق الخبيث» (١). إلى غير ذلك.\nوهذه الروايات بمجموعها تدل على تشكل الجن ورؤيتهم في صورهم التي تشكلوا بها.\n٤ - روى مسلم في صحيحه «أن أبا السائب دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجده يصلي، قال: فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته. فسمعت تحريكاٍ في عراجين في ناحية البيت. فالتفت فإذا حية. فوثبت لأقتلها. فأشار إليّ: أن أجلس. فجلست. فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار. فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس. قال فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق. فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله. فاستأذنه يومًا. فقال له رسول الله ﷺ: خذ عليك سلاحك. فإني أخشى عليك قريظة. فأخذ الرجل سلاحه. ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة. فأهوى إليها الرمح ليطعنها به. وأصابته غيرة. فقالت له: اكفف عليك رمحك، وأدخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني. فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش. فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به. ثم خرج فركزه في الدار. فاضطربت عليه. فما يدري أيهما كان أسرع موتًا. الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا له. وقلنا: ادع الله يحييه لنا. فقال: استغفروا لصاحبكم. ثم قال: إن بالمدينة جنًا قد أسلموا. فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام. فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه. فإنما هو شيطان» (٢).\nففي هذا الحديث دلالة على أن الجن يتشكلون في صورة الحيات، وقد كانت تلك الحية التي دخلت البيت عبارة عن جن في صورة حية، صرع الفتى بسببها، ولذا فإن الرسول ﵊ نهى عن قتل حيات البيوت قبل استئذانها ثلاثة أيام، لئلا تكون تلك الحية جنًا مسلمين.\nفعن عمر بن نافع قال: (كان عبد الله بن عمر ﵄ يومًا عند هدم، فرأى وبيص جان فقال: اتبعوا هذا الجان فاقتلوه، فقال أبو لبابة الأنصاري: إني سمعت النبي ﷺ نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر، وذا الطفيتين، فإنهما اللذان يخطفان البصر، ويتبعان ما في بطون النساء) (٣).\nوأخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «اقتلوا ذا الطفيتين، فإنه يطمس البصر، ويصيب الحبل» (٤).\n_________\n(١) رواه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٩٦٠)، وابن حبان (٣/ ٦٣) (٧٨٤)، وأبو نعيم في «دلائل النبوة» (ص:٥٢٥)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٧/ ١٠٨)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٣١٧). قال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧/ ٧٣٨): صحيح ثابت.\n(٢) رواه مسلم (٢٢٣٦).\n(٣) رواه مسلم (٢٢٣٣).\n(٤) رواه البخاري (٣٣٠٨).","vol":"8","page":343},{"text":"والنهي عن قتل حيات البيوت لكون الجان يتمثل بصورة الحيات، قال ابن حجر الهيتمي: (إن استثناء هذين – يقصد الأبتر وذا الطفيتين - يقتضي أن الجني لا يتصور بصورتهما، فيسن قتلهما مطلقًا، ثم رأيت الزركشي نقل ذلك عن الماوردي فقال: إنما أمر بقتلهما لأن الجن لا تتمثل بهما، وإنما نهى عن ذوات البيوت لأن الجني يتمثل بهما) (١).\nثم قال ابن حجر: (وما ورد عن ابن مسعود ﵁ مما يقتضي عدم قتله مطلقًا يحمل على ما إذا لم ينذر، وأن الإنذار يتأكد فيه، لأنه أقرب إلى صورة الجن من غيره، وكذلك يحمل على هذا حديث مسلم: أنه ﷺ نهى عن قتل الجان إلا الأبتر وذو الطفيتين) (٢).\nوأخرج أبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: «اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الأبيض، الذي كأنه قضيب فضة». وذلك لتمثل الجان في صورة الحيات البيضاء قال أبو داود: (فقال لي إنسان: الجان لا يعرج في مشيته، فإذا كان هذا صحيحًا كانت علامة فيه إن شاء الله) (٣)\nوفائدة الإنذار أن الجني الذي يظهر بصورة حية إذا كان مسلمًا يخرج بسماعه للإنذار، وإذا لم يخرج فهو جن كافر أو حية، وكل منهما يقتل شرعًا.\nوالجن يتصور بصورة الكلاب كذلك قال ابن تيمية: (والجن تتصور بصورة الكلب الأسود، وكذلك بصورة القط الأسود، لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وفيه قوة الحرارة).\nفعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها وقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان» (٤».\nوقد أخبر ﵊ أن مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة، فعن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل. فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان» (٥). فعلل بأنه شيطان، والجن تتشكل بالصور المختلفة للحيوانات سواء كانت كلابًا أو غيره.\nوهكذا يظهر لنا مما تقدم أن الجن يتشكلون في الصور المختلفة، وعندئذ يمكن رؤيتهم، وهذا هو الذي عليه جمهور الفقهاء من المسلمين، لما ورد من الآثار الكثيرة في تشكيلهم ورؤيتهم، وقد مر معنا قسم منها. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص ١٩\n_________\n(١) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٢٢).\n(٢) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٢٤).\n(٣) رواه أبو داود (٥٢٦١) وسكت عنه، وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٦/ ٣٠): غريب حسن، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ١٣٣).\n(٤) رواه مسلم (١٥٧٢).\n(٥) رواه مسلم (٥١٠).","vol":"8","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2305>ثانيا: مدى إمكانية رؤيتهم</span>\nويحسن بنا في هذا المقام أن نبين آراء الفقهاء في مسألة رؤية الجن وتشكلهم.\n١ - رأي الجمهور: أن الجن يرون إذا تشكلوا في غير صورهم الأصلية، في بعض الأوقات، ولبعض الناس.\n٢ - الفريق الثاني: يرى أن رؤية الجن مختصة بالأنبياء – ﵈ – فقط. وممن قال بذلك: الشافعي وابن حزم والنحاس والقشيري وبعض المحدثين.\n٣ - الفريق الثالث: ينكر رؤية البشر للجن، سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء، وهو قول لبعض المحدثين.\n٤ - الفريق الرابع: يتوسع في دائرة الرؤية، فيثبت رؤية الجن بصورهم الأصلية للأنبياء، ولمن اختصه الله بذلك من غير الأنبياء من البشر، وهو قول الألوسي، وابن العربي، على تفصيل سيأتي فيما بعد.\nوإليك تفصيل هذه الآراء مع أدلتها:\n١ - رأي الجمهور من الفقهاء:\nالذين قالوا بأن الجن يرون إذا تشكلوا في غير صورهم الأصلية، في بعض الأوقات ولبعض الناس.\nقال محمد رشيد رضا: (والجمهور على أن الجن تتشكل) (١)، وقال في موطن آخر: (واختلفت فرق المسلمين في تشكله في الصور. فالجمهور يثبتونه) (٢) وقال المجلسي: (لا خلاف بين المسلمين في أن الجن والشياطين أجسام لطيفة، يرون في بعض الأحيان، ولا يرون في بعضها .. وقد جعل الله لهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة وصور متنوعة، كما هو الأظهر من الأخبار والآثار) (٣).\nويقول محمد رشيد رضا مبينًا إمكانية رؤية الجن: (فإذا تمثل الملك أو الجان في صورة كثيفة كصورة البشر أو غيرهم، أمكن للبشر أن يروه، ولكنهم لا يرونه على صورته وخلقته الأصلية بحسب العادة، وسنة الله في خلق عالمه وعالمها) (٤).\nويقول الإمام القرطبي: (وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة، فمنها حديث أبي هريرة الذي وكله رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان – وذكر قصة طويلة – وفيها: أن الشيطان كان يأتيه على صورة رجل فقير، يحثو من الطعام، حتى رفع أمره إلى الرسول وأخبره أن الذي يأتيه إنما هو شيطان) (٥) (٦).\nوقد رأى ابن مسعود الجن على غير صورهم الأصلية، حين ذهب ﵊ لتكليم الجن.\nفقد روي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أتلو القرآن على الجن، فمن يذهب معي؟ فسكتوا، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، ثم قال عبد الله بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحجون، عند شعب أبي دب، فخط علي خطًا فقال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحجون، فانحدر عليه أمثال الحجل، يحدرون الحجارة بأقدامهم يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة دفوفها، حتى غشوه فلا أراه، فقمت: فأوحى إليّ بيده أن أجلس، فتلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما انفتل إليّ قال: أردت أن تأتيني؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما كان ذلك لك، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد، فزودتهم العظم والبعر، فلا يستطيبن أحدكم بعظم ولا بعر» (٧).\n_________\n(١) «تفسير المنار» (٧/ ٥٢٥).\n(٢) «تفسير المنار» (٧/ ٥٢٥).\n(٣) «المؤمنون في القرآن» (١/ ١٤٥).\n(٤) «تفسير المنار» (٧/ ٥٢٥).\n(٥) رواه البخاري (٢٣١١).\n(٦) «تفسير القرطبي» (٧/ ١٨٧).\n(٧) «تفسير الماوردي» (٦/ ١٠٨)، «تفسير القرطبي» (١٩/ ٤)، «تفسير الرازي» (٣٠/ ١٣٥).","vol":"8","page":345},{"text":"وقد جاء من طرق هذا الحديث: «ثم انطلق – أي ابن مسعود – حتى قام عليَّ أي رسول الله ﷺ فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي وتمشي في رفرفها، وسمعت لغطًا وغمغمة، حتى خفت على النبي ﷺ، وغشيته أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ النبي ﷺ مع الفجر فقال: أنمت؟ قلت: لا والله، ولقد هممت مرارًا أن أستغيث بالناس، حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: اجلسوا، فقال: لو خرجت لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم، ثم قال: هل رأيت شيئًا؟ قلت: نعم رأيت رجالًا سودًا مستثفري ثياب بيض، فقال: أولئك جن نصيبين، سألوني المتاع، والمتاع الزاد ..» الحديث (١).\nوفي إحدى الروايات عن ابن مسعود جاء فيها: (... فلما أصبحت قلت: لأعلمن علمًا حيث كان رسول الله ﷺ قال: فذهبت، فرأيت موضع مبرك ستين بعيرًا)، وذلك حين ذهب الرسول ليكلم نفرًا من الجن. وفي هذا دلالة على أن الجن الذين كلمهم ﵊ لهم أجسام، بحيث يمكن مشاهدتهم، فقد تركوا أثرا يدل على تشكلهم، وهي آثار مقاعدهم عندما كانوا مجتمعين حول الرسول ﵊.\nوعن الزبير بن العوام ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ فأسكت القوم فلم يتكلم منهم أحد، قال ذلك ثلاثًا فمر بي يمشي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى خنست عنا جبال المدينة كلها وأفضينا إلى أرض براز، فإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستثفري ثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاي من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله بإبهام رجله في الأرض خطًا فقال لي اقعد في وسطه فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة، ومضى النبي ﷺ بيني وبينهم فتلا قرآنًا رفيعًا حتى طلع الفجر ثم أقبل حين مر بي فقال لي: الحق، فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد فقال لي: التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد فقلت: يا رسول الله أرى سوادًا كثيرًا، فخفض رسول الله ﷺ رأسه إلى الأرض، فنظم عظمًا بروثة ثم رمى به إليهم، ثم قال: رشد أولئك من وفد قوم هم وفد نصيبين، سألوني الزاد فجعلت لهم كل عظم وروثة، قال الزبير: فلا يحل لأحد أن يستنجي بعظم ولا روثة أبدًا» (٢).\nوعندما قدم ابن مسعود الكوفة، رأى شيوخًا شمطًا من الزط فراعوه، قال: (من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء نفر من الأعاجم، قال: ما رأيت للذين قرأ عليهم النبي ﷺ الإسلام من الجن شبهًا أدنى من هؤلاء) (٣).\nفهذه الروايات تدعم قول القائلين بإمكانية رؤية الجن، فقد ظهروا لابن مسعود وغيره مرة في صورة النسور، ومرة في صورة الحجل، ومرة في صورة رجال سود، عليهم ثياب بيض. ورآهم ابن مسعود يجتمعون حول الرسول ﵊ وهو يقرعهم بعصاه، ثم يتلو عليهم القرآن، ويطلبون منه الزاد فيزودهم العظم لهم، والروث لدوابهم.\nوقد تكررت وفادات الجن على الرسول ﷺ وذكر الألوسي أنه كان للجن ست وفادات. وهذه الوفادات تدل على رؤية الجن من قبل ابن مسعود وغيره عند تكليم الرسول ﷺ للجن ودعوتهم إلى الله.\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٣٧)، وأورده البغوي في تفسيره (٧/ ٢٦٧).\n(٢) رواه الطبراني (١/ ١٢٥) (٢٥٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢١٤): إسناده حسن.\n(٣) «تفسير الطبري» (٢٢/ ١٣٦).","vol":"8","page":346},{"text":"أما حديث ابن عباس الذي يقول فيه: (ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم. انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء. وأرسلت عليهم الشهب. فرجعت الشياطين إلى قومهم. فقالوا: مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء. وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث. فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها. فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة -وهو بنخل، عامدين إلى سوق عكاظ. وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر- فلما سمعوا القرآن استمعوا له. وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا! إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به. ولن نشرك بربنا أحدًا. فأنزل الله ﷿ على نبيه محمد ﷺ: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ) (١).\nهذا الحديث الذي يبين فيه ابن عباس أن رسول الله ﷺ ما رأى الجن، يقول فيه ابن العربي: (وابن مسعود الذي يثبت رؤية الرسول للجن - في الحديث المتقدم – أعرف من ابن عباس لأنه شاهده، وابن عباس سمعه، وليس الخبر كالمعاينة) (٢)، ويقول السبكي: (ويقدم قول ابن مسعود لأنه إثبات وقول ابن عباس نفي، والإثبات مقدم على النفي، لاسيما وقصة الجن كانت بمكة، وكان ابن عباس إذ ذاك طفلًا، أولم يولد بالكلية، فهو إنما يرويها عن غيره، وابن مسعود يرويها مباشرة عن النبي ﷺ، فالأولى أن يجعل كلام ابن عباس غير معارض لكلام ابن مسعود، وأن يكونا مرتين: إحداهما التي ذكرها ابن عباس، وهي التي أشار إليها القرآن في سورة الأحقاف وفي سورة الجن، إذ لم يكن النبي ﷺ قصدهم، ولا شعر بهم، ولا رآهم، ولا قرأ عليهم قصدًا، بل سمعوا قراءته وآمنوا به كما نطق بذلك الكتاب العزيز، وثبوتها من حيث الجملة قطعي) (٣)، وهذه المرة كانت بنخلة، والثانية التي تثبت رؤية الرسول للجن وهي بمكة (٤).\nوأما قوله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧]. حكاية عن إبليس وقبيله من الشياطين، فقد قال الإمام الشوكاني: (وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشياطين غير ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها أنه – أي إبليس – يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبدًا، فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقًا) (٥).\nثم إن المقصود من الآية عدم رؤيتنا لهم على صورتهم الأصلية التي خلقهم الله عليها، وليس معناها انتفاء رؤيتنا لهم في حالة تشكلهم بمختلف الصور، التي ثبت تشكلهم بها، لورود الأحاديث الصحيحة في ذلك. قال الحافظ ابن حجر: (إن الشيطان قد يتصور ببعض الصور، فتمكن رؤيته، وأن قوله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ مخصوص بما إذا كان على صورته التي خلق عليها، .. وأنهم يظهرون للإنس بالشرط المذكور) (٦)، يقصد إذا تشكلوا بغير صورهم.\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٤٩).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٩/ ٢).\n(٣) «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٩٩).\n(٤) «تفسير القرطبي» (١٩/ ٣).\n(٥) «تفسير فتح القدير» (٢/ ١٩٧).\n(٦) «فتح الباري» (٤/ ٤٨٩).","vol":"8","page":347},{"text":"وكذلك يحمل قول الإمام الشافعي كما حملت هذه الآية على امتناع رؤيتهم بصورهم الأصلية. فقد روى البيهقي في مناقب الشافعي بإسناده عن الربيع: (سمعت الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته، إلا أن يكون نبيًا) (١).\nيقول الباقلاني: (لسنا ننكر مع كون أصلهم النار أن الله تعالى يكثف أجسامهم ويغلظها ويخلق لهم أعراضًا تزيد على ما في النار، فيخرجون عن كونهم نارًا، ويخلق لهم صورًا وأشكالًا مختلفة) (٢). ويقول في موضع آخر: (إنما رآهم من رآهم لأنهم أجساد مؤلفة وجثث) (٣).\nعلى أن القاضي أبي يعلى الحنبلي يعتبر أن قدرة الجن على التشكل بالصور المختلفة، ليست من خصائصهم التي أودعها الله فيهم، وإنما قدرتهم على التشكل إنما هي بتعليم الله للجن كلمات وضربًا من ضروب الأفعال، إذا قالها وفعلها، نقله الله من صورته إلى صورة الحيوان الذي تشكل به. يقول بهذا الصدد: (ولا قدرة للملائكة والشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، وإنما يجوز أن يعلمه الله تعالى كلمات وضربًا من ضروب الأفعال، إذا فعله وتكلم به، نقله الله تعالى من صورة إلى صورة، فيقال إنه قادر على التصور والتمثيل، على معنى أنه قادر على قول إذا قاله أو فعله نقله الله تعالى من صورته إلى صورة أخرى بجري العادة، فأما أن يصور نفسه فذلك محال، لأن انتقالها من صورة إلى صورة، إنما يكون بنقض البنية وتفريق الأجزاء، فإذا انتقضت بطلت الحياة، واستحال وقوع الفعل من الجملة، فكيف تنقل نفسها؟. والذي روي أن إبليس تصور في صورة سراقة بن مالك، وأن جبريل تمثل في صورة دحية الكلبي، وقوله تعالى: فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [مريم: ١٧] محمول على ما ذكرنا، وهو أنه أقدره على قول قاله، نقله الله تعالى عن صورته إلى صورة أخرى) (٤).\nوقول أبي يعلى دعوى تفتقر إلى دليل، ولا دليل عليها، بل خاصية التشكل للجن من الخصائص التي أودعها الله فيهم، وجعل لهم القدرة على ذلك فلا يكونون بذلك خارجين عن قدرة الله، بل تصرفوا في حدود ما منحهم الله إياه من القدرة على التشكل.\n٢ - الفريق الثاني:\nالذين يرون بأن رؤية الجن إنما هي مختصة بالأنبياء، كما ورد في تسخير الجن للنبي سليمان ﵇، وذلك قوله تعالى: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٦ - ٣٩] فالجن كانوا مرئيين وظاهرين لسليمان ﵇ بمعجزة. وكما نعلم أن المعجزة أمر خارق للعادة، وأمر تجري حوادثه خلافًا للأمور التي تجرى تبعًا للسنن الكونية (٥).\nوكما حدث للرسول محمد ﵊ من رؤيته للجن في مواضع كثيرة، ... ومجيء الشيطان إليه بشعلة من نار ليحرق بها وجهه، فقال له: ألعنك بلعنة الله ثلاثًا، ولولا دعوة أخيه سليمان عليه لأخذه وربطه في سارية من سواري المسجد، حتى يلعب به ولدان أهل المدينة. وغير ذلك من الأحاديث التي تثبت رؤية الرسول ﵊ للجن. ...\nفالبشر لا يرون الجن عند هذا الفريق إلا أن يكون ذلك نبيًا، فقد كان الإمام الشافعي ﵀ يرى أن رؤيتهم من الخوارق الخاصة بالأنبياء ...\nوقول الإمام الشافعي المتقدم محمول على رؤيتهم بصورتهم الأصلية كما مر معنا.\n_________\n(١) «تفسير المنار» (٧/ ٥٢٦).\n(٢) «الفتاوى الحديثية» (٦٥).\n(٣) «الفتاوى الحديثية» (٦٥).\n(٤) «كتاب المعتمد في أصول الدين» (ص: ١٧٤).\n(٥) «سألوني» (١/ ٢٥٠).","vol":"8","page":348},{"text":"وبمثل قول الشافعي قال النحاس. ففي تفسير قوله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧]. قال القرطبي: (قال النحاس: مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي، ليكون ذلك دلالة على نبوته، لأن الله جل وعز خلقهم خلقًا لا يرون فيه، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم، وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) (١).\nوقال القرطبي: (قال القشيري: أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم) (٢).\nومن قال بالمنع ابن حزم الظاهري، فقد قال: (وهم يروننا ولا نراهم، قال الله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧] .. وإذ أخبرنا الله ﷿ أنا لا نراهم، فمن ادعى أنه يراهم أو رآهم فهو كاذب، إلا أن يكون نبيًا من الأنبياء ﵈، فذلك معجزة لهم، كما نص النبي ﷺ: «أنه تفلت عليه الشيطان ليقطع عليه صلاته ..» (٣». ثم يقول: (ولا سبيل إلى وجود خبر يصح برؤية جني بعد موت رسول الله ﷺ، وإنما هي منقطعات أو عمن لا خير فيه) (٤).\nوقول ابن حزم إنما هو محمول على رؤيتهم بصورهم الأصلية، كما حمل قول الإمام الشافعي من قبل.\nوروي عن الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ أن رؤية الجن ليست حقيقة، وإنما هي من باب التخييل.\nفعن أسيد بن عمرو قال: (ذكرنا عند عمر الغيلان فقال: إنه لا يستطيع شيء أن يتحول عن خلق الله الذي خلقه، ولكن فيهم سحرة كسحرتكم، فإذا أحسستم من ذلك شيئًا فأذِّنوا) (٥).\nوعلى قول عمر فإن ظهور الجن بالصور المختلفة ليس حقيقة، وإنما هو من باب التخييل، كتخييل السحرة على الرائين. ولكن الأدلة الصحيحة تثبت رؤيتهم حقيقة وليس تخييلًا، كما حصل مع أبي هريرة في الحديث المتقدم الذي أخرجه البخاري، عندما جاءه الشيطان على صورة رجل فقير ذي عيال، وغير ذلك من الأحاديث التي تثبت رؤيتهم حقيقة.\n٣ - الفريق الثالث:\nالذي ينكر حتى رؤية النبي ﷺ للجن، فقد قال عبد الله النوري في جوابه على سؤال وجه إليه عن رؤية الرسول ﵇ للجن: (لم يثبت أن النبي ﷺ رأى الجن بعينيه، وإنما أوحي إليه أن نفرًا من الجن استمع إليه، قال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا [الجن: ١]).\nوهو لا يثبت الرؤية إلا للنبي سليمان ﵇، كما ورد في الآيات التي تبين تسخير الجن له.\nوعلى هذا فهو يخالف كل الآراء التي تجمع على رؤية النبي ﵇ للجن، وأما بالنسبة للآية التي ذكرها، فقد كانت إخبارًا من الله لنبيه بأن نفرًا من الجن استمعوا إليه، وهي تشعر بأن الرسول ﵊ لم يرهم في هذه المرة، ولكن وفادات الجن على الرسول ﵇ قد تكررت عدة مرات، رآهم فيها، ...\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (٧/ ١٨٦).\n(٢) «تفسير القرطبي» (٧/ ١٨٦).\n(٣) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٥/ ١٢).\n(٤) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٥/ ١٣).\n(٥) رواه عبدالرزاق (٥/ ١٦٢)، وابن أبي شيبة (٦/ ٩٤). قال ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٣٩٦): إسناده صحيح.","vol":"8","page":349},{"text":"وأما أن هذه خصوصية للنبي سليمان ﵇ ومعجزة دالة على رسالته - كما قال صاحب الدعوى عبد الله النوري - فهي دعوى لا تمنع من تسخيرهم ورؤيتهم بعده. يقول البهي الخولي: (وإذا كان ذلك التسخير خصوصية لا تنبغي لأحد بعد سليمان فإن سر تلك الخصوصية لم ينقطع بعده) (١) واختصاص سليمان ﵇ بذلك إنما هو على جهة تسخيرهم في الأعمال، وبناء القصور، والقلاع وغير ذلك، وهذا لم يقل به أحد من الناس، وأنه ممكن للبشر بعده، أما أن يختص سليمان برؤيتهم دون غيره فهذا ما ترده الشواهد الدالة على إمكانية رؤية الأنبياء وغيرهم للجن. بل إن تسخيرهم لنبينا ﵊ كان ممكنًا عندما قال: «فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم» (٢) الحديث، لكن الذي منعه هو تذكره لدعوة أخيه سليمان ﵇: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص: ٣٥]. وإلا فالتسخير كان ممكنًا لمحمد ﵇، فكيف لا تكون الرؤية للجن جائزة في حقه صلى الله عليه وسلام؟.\nوبمثل هذا القول قالت القدرية بانتفاء رؤيتهم مطلقًا للأنبياء وغيرهم، يقول الباقلاني: (ومن يقر بوجودهم من القدرية يزعم أنهم لا يرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع منها ...، ومن العلماء من قال: أنهم لا يرون، لأنهم لا ألوان لهم) (٣).\n٤ - الفريق الرابع:\nالذي يتوسع في دائرة الرؤية، فيثبت رؤية الجن بخلقتهم الأصلية للأنبياء، ولمن اختصه الله بذلك من غير الأنبياء. قال ابن العربي: (وليس يمتنع أن يراهم النبي ﷺ في صورهم كما يرى الملائكة) (٤). ويقول الألوسي: (وقد ترى - أي الجن - بصور غير صورها الأصلية، بل وبصورها الأصلية التي خلقت عليها كالملائكة ﵈، وهذا للأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، ومن شاء الله تعالى من خواص عباده ﷿) (٥).\nوأما رؤية الجن في صورتهم الأصلية لغير الأنبياء فقد روى البيهقي في الدلائل عن الحسن: أن عمار بن ياسر قال: (قاتلت مع رسول الله ﷺ الجن والإنس، فسئل عن قتال الجن فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى بئر أستقي منها، فرأيت الشيطان في صورته، فصارعني فصرعته، ثم جعلت أدمي أنفه بفهر كان معي أو حجر. فقال النبي ﷺ لأصحابه: «إن عمار لقي الشيطان عند البئر فقاتله»، فلما رجعت سألني فأخبرته الأمر، فكان أبي هريرة ﵁ يقول: إن عمار بن ياسر أجاره الله من الشيطان على لسان رسول الله ﷺ) (٦).\nومما تقدم لنا من الأقوال في مسألة رؤية الجن يتبين لنا أن الحق مع الفريق الذي قال بوقوع رؤيتهم للأنبياء مطلقًا ولغيرهم عند تمثلهم، وهو ما عليه الأكثرية من العلماء، وهو القول الذي تدعمه النصوص الثابتة من السنة النبوية، وهو الذي تشهد له التجربة مع كثير من الناس. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٢٩\n_________\n(١) «آدم ﵇» (٨٨).\n(٢) رواه البخاري (٣٤٢٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «الجن بين الحقائق والأساطير» (١/ ٤٩).\n(٤) «أحكام القرآن» (٤/ ١٨٦٤).\n(٥) «تفسير روح المعاني» (٢٩/ ٨٢).\n(٦) رواه البيهقي في «دلائل النبوة» (٧/ ١٢٤).","vol":"8","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2306>المطلب الثاني: الجن يتناكحون ويتناسلون</span>\nوالجن يتناكحون ويتناسلون ولهم ذرية، يقول ابن حجر الهيتمي: (واستدلوا لتناكح الجن فيما بينهم بقوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف: ٥٠]. فهذا يدل على أنهم يتناكحون لأجل الذرية). (١) ويقول الألوسي: (والظاهر أن المراد بالذرية: الأولاد، فتكون الآية دالة على أن له أولادًا، وبذلك قال جماعة، وقد روي عن ابن زيد أن الله تعالى قال لإبليس: إني لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها، فليس يولد لآدم ولد إلا ولد معه شيطان يقرن به. وعن قتادة: أنه ينكح وينسل كما ينكح وينسل بنو آدم) (٢) وبمثل قول قتادة قال الحسن البصري (٣). والذي يدل على ما رواه ابن زيد ما رواه ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» (٤).\nومن الأدلة على تناكحهم وتناسلهم قوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:٥٦].\nيقول ابن حجر الهيتمي: (وهذا يدل على أنه يتأتى منهم الطمث وهو الجماع والافتضاض) (٥)، ويقول الفخر الرازي في الآية المتقدمة: (ما الفائدة في ذكر الجان مع أن الجان لا يجامع؟ نقول: ليس كذلك، بل الجن لهم أولاد وذريات، وإنما الخلاف في أنهم هل يواقعون الأنس أم لا؟ والمشهور أنهم يواقعون) (٦).\nولو كان الجن لا يتوالدون لانقرضوا وما بقي منهم أحد، لأنه قد ثبت موتهم بكثير من الأدلة، كما هو الشأن عند البشر، فلو كان البشر لا يتوالدون لانقرضوا.\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (إن الله جزَّأ الإنس والجن عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، والإنس جزء واحد، فلا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة) (٧).\nوقال الشعبي: (سألني رجل: هل لإبليس زوجة؟ فقلت إن ذلك عرس لم أشهده، ثم ذكرت قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي [الكهف:٥٠]. فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم) (٨).\nومن الأدلة على أن الجن يتناكحون ولهم ذرية ما ورد في سورة الجن، من أن للجن رجالًا، قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: ٦]، ومتى كان فيهم رجال ففيهم إناث، وذلك يقتضي التناسل (٩).\nومن الأدلة ما جاء في تفسير الخبث والخبائث في حديث الرسول ﷺ فيما رواه عبد العزيز بن صهيب قال: () سمعت أنسًا يقول: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (١٠). قال ابن حجر العسقلاني: (والخبث جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، يريد: ذكران الشياطين وإناثهم، قاله الخطابي وابن حبان وغيرهما) (١١). فقد دل هذا التفسير للحديث على أنه يوجد في الجن ذكران وإناث، وهو يقتضي الجماع والتناسل.\nوفي قوله تعالى: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف: ٣١]- إخبارًا عن النفر الذين استمعوا إلى القرآن من الرسول ﷺ - ما يفيد تناكح الجن وتناسلهم، قال ابن منظور: (والقوم: الجماعة من الرجال والنساء جميعًا، وقيل هو للرجال خاصة دون النساء).\nوقال: (وقوم كل رجل شيعته وقرابته). وعلى هذا الأساس فإن في الجن رجالًا ونساء وذلك يقتضي التناسل.\nوقد ذكر نفر بأنهم لا يتوالدون، والمراد من الذرية قي قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي [الكهف: ٥٠]. \"بأنهم الأتباع من الشياطين، وعبر عنهم بذلك مجازًا تشبيهًا لهم بالأولاد (١٢).\nقال الألوسي: (وقيل - ولعله الحق - أن له أولادًا وأتباعًا ويجوز أن يراد من الذرية مجموعهما معا على التغليب، أو الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يراه، أو عموم المجاز) (١٣).\nوالصحيح أن الجن يتناكحون ويتوالدون ... ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله سبحانه. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات -بتصرف- ص ٤٢\n_________\n(١) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٦٨).\n(٢) «تفسير روح المعاني» (١٥/ ٢٩٤).\n(٣) «تفسير الطبري» (١/ ٢٢٦).\n(٤) رواه مسلم (٢٨١٤).\n(٥) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٦٨).\n(٦) «التفسير الكبير» (٢٩/ ١٣٠).\n(٧) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ٢٣٨٧).\n(٨) «أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن» (٤/ ١٢٢).\n(٩) «العقيدة الإسلامية وأسسها» (٢/ ٢٧).\n(١٠) رواه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥).\n(١١) «فتح الباري» (١/ ٢٤٣).\n(١٢) «تفسير روح المعاني» (١٥/ ٢٩٥).\n(١٣) «تفسير روح المعاني» (١٥/ ٢٩٥).","vol":"8","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2307>المطلب الثالث: الجن يأكلون ويشربون</span>\nاختلف العلماء في أن الجن هل يأكلون ويشربون أم لا؟ للعلماء في هذه المسالة ثلاثة أقوال:\nأولًا: أن جميع الجن يأكلون ويشربون.\nثانيًا: أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون.\nثالثًا: أن قسمًا منهم يأكل ويشرب، والقسم الآخر لا يأكل ولا يشرب.\nوقد اعتمد القائلون على أن قسمًا من الجن لا يأكلون ولا يشربون على بعض الأحاديث، فقد ورد أنه ﷺ قال: «خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب» (١). قال السهيلي: (ولعل الصنف الثاني هو الذي لا يأكل ولا يشرب، إن صح أن الجن لا تأكل ولا تشرب) (٢).\nويقول القاضي بدر الدين الشبلي: (عن عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول: وسئل عن الجن ما هم، وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون؟ فقال: هم أجناس، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون، منهم السعالي والقطرب وأشباه ذلك) (٣). ويقول ابن حجر الهيتمي: (قال الإمام فخر الدين الرازي: اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناكحون، وأما الجن فإنهم يأكلون، ويشربون، وينكحون، ويتوالدون) (٤).\nوالذي تدل عليه النصوص أن الجن يأكلون ويشربون، دون تخصيص بعضهم بذلك دون بعض، ففي حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله صلى الله عليه: فلا تستنجوا بها فإنها طعام إخوانكم» (٥).\nوأخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال: (قدم وفد الجن على النبي ﷺ فقالوا: يا محمد: إنْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم، أو روثة، أو حممة، فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقًا، فنهى النبي ﷺ عن ذلك) (٦).\nوقد ذكر عماد الدين العامري أن العظم الذي ذكر اسم الله عليه هو طعام المؤمنين من الجن، وأما الكافرون منهم فإنما طعامهم فيما لم يذكر اسم الله عليه (٧).\nوقد ورد في الحديث الصحيح أن الشيطان يأكل ويشرب، فعن ابن عمر ﵄ - أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله».\nوكذلك ما ورد من أن الشيطان يدخل هو وأتباعه على البيوت التي لا يذكر أصحابها اسم الله ﷿، فيأكلون ويبيتون معهم، فعن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء» (٨).\n_________\n(١) رواه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (١/ ٢٠٥)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٥/ ١٦٣٩) (١٠٨١١)، وابن أبي الدنيا في «الهواتف» (١٥٦). من حديث أبي الدرداء ﵁. قال ابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٤٥٨): (فيه) يزيد بن سنان يخطئ كثيرا حتى يروي عن الثقات مالا يشبه حديث الأثبات لا يعجبني الاحتجاج بخبره، وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٤/ ٤٢٨): (فيه يزيد بن سنان ذكر من جرحه).\n(٢) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٦٥).\n(٣) «آكام المرجان في أحكام الجان» (ص: ٢٩).\n(٤) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٦٥).\n(٥) رواه البخاري (٣٨٥٩)، ومسلم (٤٥٠).\n(٦) رواه أبو داود (٣٩).\n(٧) «بهجة المحافل وبغية الأماثل» (١/ ١٢٤).\n(٨) رواه مسلم (٢٠١٨).","vol":"8","page":352},{"text":"وقد ورد كذلك أن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، فعن حذيفة قال: «كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعامًا لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ، فيضع يده، وأنَّا حضرنا معه مرة طعامًا، فجاءت جارية كأنها تدفع. فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها. ثم جاء أعرابي كأنما يدفع. فأخذ بيده. فقال رسول الله ﷺ: إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه. وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها. فأخذت بيدها. فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به. فأخذت بيده. والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع يدها» (١).\nففي الحديث دلالة على أن الشيطان يستحل الطعام بالأكل منه إذا لم يذكر اسم الله عليه، وقد كان الشيطان وراء تلك الجارية والأعرابي، يدفعهما بسرعة إلى الطعام، بحيث لا يذكرون اسم الله عليه، فبذلك يأكل الشيطان معهما من الطعام، ولذلك نزع ﵊ أيديهما من الطعام، وذكر اسم الله، ثم أكل.\nوأما القول الثاني الذي يقول: إن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون، فهو قول لا دليل عليه، وهو مخالف للأحاديث الصريحة، الدالة على أكل الجن وشربهم، يقول القاضي بدر الدين الشبلي: (فالقائلون أن الجن لا تأكل ولا تشرب، إن أرادوا أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون، فهذا قول ساقط، لمصادمته الأحاديث الصحيحة، وإن أرادوا أن صنفًا منهم لا يأكلون ولا يشربون، فهو محتمل، غير أن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون) (٢).\nولكنه قد حصل خلاف بين العلماء في كيفية أكلهم وشربهم.\nفقال بعضهم: (إن أكلهم وشربهم تشمم واسترواح، لا مضغ وبلع).\nوقال آخرون: (إن أكلهم وشربهم مضع وبلع) (٣)، والذي تشهد له الأحاديث أن أكل الجن وشربهم مضغ وبلع، لا تشمم واسترواح كما قال بعضهم، فقد روى أبو داود عن أمية بن مخشي - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: «كان رسول الله ﷺ جالسًا ورجل يأكل، فلم يسم حتى إذا لم يبق من طعامه إلا لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره، فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم الله ﷿ استقاء ما في بطنه» (٤).\nوعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن وفدًا من نصيبين سألوني الزاد، فلا تستنجوا بعظم ولا روثة، فإنهما طعام إخوانك من الجن، فقالوا: وما يغني ذلك عنهم؟ قال: لا يمرون بعظم إلا وجدوا عليه عرقة، ولا يمرون بروثة إلا وجدوا عليها طُعمًا» (٥).\nولو كان أكلهم تشممًا واسترواحًا لما سألوه الزاد ولاكتفوا بالعظم وحده. إلى غير ذلك من الأحاديث التي تدل على أنهم يأكلون ويشربون حقيقة، والله أعلم. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص ٤٦\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٠١٧).\n(٢) «آكام المرجان في أحكام الجان» (ص: ٣٥).\n(٣) «آكام المرجان في أحكام الجان» (ص: ٢٨).\n(٤) رواه أبو داود (٣٧٦٨)، وأحمد (٤/ ٣٣٦) (١٨٩٨٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٤/ ١٧٤) (٦٧٥٨)، والطبراني (١/ ٢٩١) (٨٥٥)، والحاكم (٤/ ١٢١). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ١٥٢).\n(٥) الحديث من زيادات رزين. وينظر جامع الأصول٧/ ١٤٦. والحديث أخرجه مسلم (٤٥٠) من حديث ابن مسعود بنحوه.","vol":"8","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2308>المطلب الرابع: يتميزون بسرعة الحركة والقدرة على الأعمال الشاقة</span>\nخص الله الجن عن الإنس بأن جعل لهم قدرات ومهارات عظيمة، فقد سخر الله الجن للنبي سليمان ﵇، فكانوا يبنون له القصور والمحاريب، ويصنعون التماثيل، ويعملون الجفان الواسعة للطعام، وحياض الماء الكبيرة، قال تعالى في وصف ذلك: وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣].\nفقد وصف الله هذه القدور بأنها راسيات. أي ثابتات لا تنتقل لضخامتها، وفي وصف الجفان بهذه الضخامة والاتساع، ووصف القدور بهذه الأحجام العظيمة دليل على قدرتهم العظيمة.\nوفي حديث القرآن عن عفريت أحد الجان - الذي تعهد بإحضار عرش بلقيس ملكة سبأ قبل قيام سليمان ﵇ من مجلسه - دليل على حركتهم السريعة في التنقل، قال تعالى: قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: ٣٩].\nوما ورد من ارتيادهم للفضاء، كما ورد في القرآن الكريم، في معرض الحديث عن استراق الجن لأخبار السماء ورميهم بالشهب، قال تعالى حكاية عنهم: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩].\nففي كل من هذه الآيات دليل على قدرتهم على الأعمال الشاقة، وسرعة تنقلهم بين الأماكن البعيدة، ولا غرابة في ذلك، فهم مخلوقات عنصرهم النار، التي تتميز بالخفة، فسبحان من أبدع كل شيء صنعًا. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص ٥٠","vol":"8","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2309>المطلب الخامس: الجن يموتون ويبعثون بعد الموت</span>\nوالجن مخلوقات تموت كما يموت الإنس، فمن الأدلة القرآنية على موتهم قوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [الأحقاف: ١٨].\nقال الألوسي: (واستدل بقوله ﷿: فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ [الأحقاف: ١٨]. الآية على أن الجن يموتون قرنًا بعد قرن كالأنس) (١). وروي عن الحسن في بعض مجالسه: أن الجن لا يموتون، فاعترضه قتادة بهذه الآية فسكت (٢). ويقول ابن حجر الهيتمي معلقًا على قول الحسن هذا: (الآية دليل على أنهم يموتون، فإن أراد الحسن أنهم لا يموتون مثلنا، بل ينظرون مع إبليس، فإذا مات ماتوا معه، قلنا: إن أراد ذلك في بعضهم كشياطين إبليس وأعوانه فهو محتمل، وإن أراد ذلك نافاه ما ورد من الوقائع الكثيرة في موتهم) (٣). قال القاضي بدر الدين الشبلي: (ومعنى قول الحسن أن الجن لا يموتون أنهم منظرون مع إبليس، فإذا مات ماتوا معه، وظاهر القرآن يدل على أن إبليس غير مخصوص بالانظار إلى يوم القيامة، أما ولده وقبيله فلم يقم دليل على أنهم منظرون معه وظاهر قوله تعالى: قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ [الأعراف: ١٥]. يدل على أن ثمَّ منظرين غير إبليس، وليس في القرآن ما يدل على أن المنظرين هم الجن كلهم، فيحتمل أن يكون بعض الجن منظرين، أما كلهم فلا دليل عليه) (٤).\nوسئل ابن حجر عن موت الجن فقال: (كل الحيوانات يموتون، وكذلك سائر العالم، لقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦]. مع قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]).\nوأما الدليل من السنة على موتهم:\nفعن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول: «أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» (٥). وهو أصرح الأحاديث الدالة على موت الجن ...\nوأخرج عن ابن جرير عن ابن عباس قال: (وكل ملك الموت بقبض أرواح المؤمنين والملائكة، وملك بالجن، وملك بالشياطين، وملك بالطير والوحوش والسباع والحيات، فهم أربعة أملاك) (٦).\n... حديث الفتى الذي صرعه الجني، وفيه دليل على أن الجن يموتون، فقد ورد في الحديث: «فما يدرى أيهما أسرع موتًا الحية أم الفتى» (٧). وقد كانت تلك الحية من الجن الذين يسكنون المدينة، لقوله ﵊ في الحديث: «إن في المدينة جنًا قد أسلموا ..» (٨).\nوأما عن بعثهم بعد الموت فإن كثيرًا من الآيات القرآنية التي توعدت العصاة والكفرة، قد دلت على بعثهم بعد الموت ومحاسبتهم على أعمالهم، قال الله تعالى في سؤال الكفرة من الجنسين في الآخرة: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بلى [الأنعام: ١٣٠]. وقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩]. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات -بتصرف - ص ٥٢\n_________\n(١) «تفسير روح المعاني» (٢٦/ ٢١).\n(٢) «تفسير روح المعاني» (٢٦/ ٢١).\n(٣) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٧١).\n(٤) «آكام المرجان في أحكام الجان» (ص: ١٥٢).\n(٥) رواه البخاري (٧٣٨٣)، ومسلم (٢٧١٧).\n(٦) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٧١).\n(٧) رواه مسلم (٢٢٣٦). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٨) رواه مسلم (٢٢٣٦). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"8","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2310>المطلب السادس: ما تعجز عنه الجن</span>\nعجزهم عن الاتيان بالمعجزات:\nلا تستطيع الجن الاتيان بمثل المعجزات التي جاءت بها الرسل تدليلًا على صدق ما جاءت به.\nفعندما زعم بعض الكفرة أن القرآن من صنع الشياطين قال تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].\nوتحدى الله بالقرآن الإنس والجن: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].\nلا يتمثلون بالرسول ﷺ في الرؤيا:\nوالشياطين تعجز عن التمثل في صورة الرسول ﷺ في الرؤيا:\nففي الحديث الذي يرويه الترمذي في سننه بإسناد صحيح: «من رآني فإني أنا هو، فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي» (١).\nوهو في الصحيحين بلفظ: «من رآني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتزيا بي» (٢).\nوالظاهر من الأحاديث أن الشيطان لا يتزيا بصورة الرسول ﷺ الحقيقية، ولا يمنعه هذا من التمثل في غير صورة الرسول ﷺ والزعم بأنه رسول الله.\nولذلك فلا يجوز أن يحتج بهذا الحديث على أن كل من رأى الرسول ﷺ في المنام أنه رآه حقًا، إلا إذا كانت صفته هي الصفة التي روتها لنا كتب الحديث. وإلا فكثير من الناس يزعم أنه رآه على صورة مخالفة للصورة المروية في كتب الثقات.\nلا يستطيعون أن يتجاوزوا حدودًا معينة في أجواز الفضاء:\nقال تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٣ - ٣٥].\nفمع قدراتهم وسرعة حركتهم لهم مجالات لا يستطيعون أن يتعدوها، وإلا فإنهم هالكون.\nلا يستطيعون فتح باب أغلق وذكر اسم الله عليه:\nأخبر بذلك الرسول ﷺ حيث يقول: «أجيفوا الأبواب، واذكروا اسم الله عليها، فإن الشيطان لا يفتح بابًا أجيف عليه» رواه أبو داود، وأحمد، وابن حبان، والحاكم (٣).\nوفي الحديث المتفق عليه: «فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، وأوكوا قربكم، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئا، وأطفئوا مصابيحكم» (٤).\nوفي مسند أحمد: «أغلقوا أبوابكم، وخمروا آنيتكم، وأوكوا أسقيتكم، وأطفئوا سرجكم، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، ولا يكشف غطاء، ولا يحل وكاء» (٥) .. عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر - ص٣٧\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٢٨٠). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٢) رواه البخاري (٦٩٩٦)، ومسلم (٢٢٦٧). من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁.\n(٣) رواه أبو داود (٥١٠٣، ٥١٠٤)، وأحمد (٣/ ٣٠٦) (١٤٣٢٢)، وأبو يعلى (٤/ ٢١٠) (٢٣٢٧)، وابن حبان (١٢/ ٣٢٦) (٥٥١٧)، والحاكم (٤/ ٣١٦) (٧٧٦٢). وقال: صحيح على شرط مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ١٨٩) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٢٠).\n(٤) رواه البخاري (٥٦٢٣)، ومسلم (٢٠١٢). من حديث جابر ﵁.\n(٥) رواه أحمد (٣/ ٣٠١) (١٤٢٦٦). قال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح غير فطر - وهو ابن خليفة - فقد روى له البخاري مقرونا بغيره وأصحاب السنن وهو ثقة.","vol":"8","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2311>المبحث الثالث: الأماكن التي يسكنها الجن</span>\nوالجن يسكنون هذه الأرض كما يسكن عليها الإنسان، والدليل على ذلك قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة: ٣٦]. وذلك بعدما خالف آدم وزوجه ﵉ أمر ربهما بعدم الأكل من الشجرة التي نهاهم الله بالأكل منها.\nقال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: (والخطاب لآدم وحواء، والحية، والشيطان في قول ابن عباس. وقال الحسن: لآدم وحواء والوسوسة. وقال مجاهد والحسن أيضًا: بنو آدم، وبنو إبليس. والهبوط: النزول من فوق إلى أسفل) (١).\nوقال الإمام القرطبي في الآية: (وقد دل على هذا أن هبوط آدم وزوجته وعدوهما إبليس كان في وقت واحد، بجمع الله إياهم في الخبر عن إهباطهم بعد الذي كان من خطيئة آدم وزوجته، وتسبب إبليس ذلك لهما على ما وصفه ربنا جل ذكره عنهم) (٢).\nويقول القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن: ١٠]: (وعن ابن عباس قال: الأنام: الناس، وقال الحسن: الأنام: الجن والإنس، وعن الضحاك: الأنام: كل ما دب على وجه الأرض، وهذا عام) (٣). وقال ابن كثير: (قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الأنام: الخلق) (٤)، وهذا يشمل الجن والإنس وغيرهما.\nومما يرجح أن الخطاب في الآية السابقة للجن والإنس قوله تعالى بعد ذكر كل نعمة من نعمه: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، والمقصود به الجن والإنس.\nإلا أن وجود الجن أكثر ما يكون في الأماكن المهجورة كالمغارات، والكهوف، والحمامات، والمزابل، والمقابر، والجبال.\nفعن بلال بن الحارث قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فخرج لحاجته، وكان إذا خرج لحاجته يبعد، فأتيته بأداوة من ماء، فانطلق فسمعت عنده خصومة رجال ولغطًا لم أسمع مثلها، فجاء فقال: بلال؟ فقلت: بلال، قال: أمعك ماء؟ قلت: نعم، قال: أصبت. فأخذه مني فتوضأ قلت: يا رسول الله، سمعت عندك خصومة رجال ولغطًا ما سمعت أحدَّ من ألسنتهم، قال اختصم عندي الجن المسلمون والجن المشركون، فسألوني أن أسكنهم، فأسكنت المسلمين الجلس، وأسكنت المشركين الغور»، قال الراوي عبد الله بن كثير: (قلت لكثير: ما الجلس؟ وما الغور؟ قال: الجلس: القرى والجبال، والغور: ما بين الجبال والبحار، وهي يقال لها: الجنوب، قال كثير: ما رأينا أحدًا أصيب بالجلس إلا سلم، ولا أصيب أحد بالغور إلا لم يكد يسلم) (٥).\nوهناك نفر من الجن يعيشون في البيوت مع الناس، وهم ما يسمون بجنان البيوت، وهي الحيات التي يشكل الجن بصورتها، وقد تقدم حديث الفتى الذي صرعه الجني في بيته، ولذلك نهى الرسول ﵊ عن قتل حيات البيوت قبل إنذارها، لوجود الجن المؤمنين فيها.\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (١/ ٣١٩).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١/ ٣١٩).\n(٣) «تفسير القرطبي» (١٧/ ١٥٥).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٧٠).\n(٥) رواه الطبراني (١/ ٣٧١) (١١٤٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٠٨): فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وقد أجمعوا على ضعفه وقد حسن الترمذي حديثه.","vol":"8","page":357},{"text":"ومن الأماكن التي يسكنها الجن مواضع النجاسات فعن زيد بن أرقم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث» (١)، وذلك ليدفع شر الشياطين التي تكون في هذه الأماكن.\nبالإضافة إلى هذا فقد ورد النهي عن الرسول ﷺ عن الصلاة في أعطان الإبل، والحمامات، وعلَّلَ النهي أنها مأوى الشياطين.\nويكثر وجودهم في الأسواق لفتنة الناس، وهم إبليس وذريته، ولذلك نهى الرسول ﵊ عن المكث فيها، فقد قال موصيًا سلمان ﵁: «لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته» (٢). وذلك لأن الأسواق فيها من أنواع الباطل كالغش، والخداع، والأيمان الكاذبة، والعقود الفاسدة، والنظر المحرم إلى العورات، وغير ذلك مما هو من تحريض إبليس وأعوانه ...\nوهذه الصفات التي مرت – كما نلاحظ – صفات تشبه صفات الإنس من حيث الإجمال، ولكنها تختلف عن صفات الإنس في الأبعاد والكيفية، وذلك أنهم عالم مخلوق من النار، وللنار صفات تتميز بها عن الطين الذي خلق منه الإنسان.\nونلاحظ مما تقدم أن هذا العالم يشارك الإنسان في كثير من الصفات كالأكل، والشرب، والتناسل، بالإضافة إلى أنهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، التي يستحقون الثواب بسبب قيامهم بها، والعقاب إذا قصروا فيها، تمامًا كما هو الشأن في الإنسان .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - بتصرف –ص: ٥٤\n_________\n(١) رواه أبو داود (٦)، وابن ماجه (٢٤٤)، وأحمد (٤/ ٣٦٩) (١٩٣٠٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٣) (٩٩٠٣)، وأبو يعلى (١٣/ ١٨٠) (٧٢١٨)، وابن خزيمة (١/ ٣٨) (٦٩)، وابن حبان (٤/ ٢٥٢) (١٤٠٦)، والطبراني (٥/ ٢٠٥) (٥١٠٠)، والحاكم (١/ ٢٩٨). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: من شرط الصحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٥/ ٤٣٢): اختلف في إسناده، والذي أسنده ثقة.\n(٢) رواه مسلم (٢٤٥١).","vol":"8","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2313>تمهيد</span>\nالجن أصناف مختلفة، فهم أصناف من حيث خلقتهم العامة، يختلف فيها كل صنف عن الآخر، وهم قبائل متعددة، وفيهم الذكور والإناث. وهم بعد ذلك مختلفون في الاعتقاد، ففيهم المؤمن والكافر، والصالح والطالح، وهم فرق وشيع مختلفة، إلى غير ذلك مما يتعلق بأصنافهم. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات –ص: ٥٩","vol":"8","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2314>المطلب الأول: أصناف الجن من حيث أصل خلقتهم، وقوتهم</span>\nالجن مختلفون من حيث أصل خلقتهم التي خلقهم الله عليها، فصنف منهم يشبهون الحيات والكلاب وبقية الحيوانات، وصنف يطير في الهواء، وثالث يقيم ويرتحل، فقد روى جبير بن نفير عن أبي ثعلبة الخشني - واسمه جرثوم - أن رسول الله ﷺ: «الجن على ثلاثة: فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وثلث حيات وكلاب، وثلث يحلون ويظعنون» (١).\nوعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف كبني آدم، عليهم الحساب والعقاب» (٢).\nفالجن على هذا الأساس متباينون في أصل خلقتهم التي خلقوا عليها، فهم على صور شتى، ولكن هذه الأصناف جميعًا لا تخرج في الدائرة العامة عن كونها مخلوقة من النار، لإخبار القرآن بذلك، قال تعالى: وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ [الحجر: ٢٧].\nوقد ذكر أن هناك صنفًا من الجن يقال له الحِنُّ - بالحاء -، قال ابن منظور: (والجن بالكسر: حي من الجن يقال بأن منهم الكلاب السود البهم، وقيل بأن الحن ضرب من الجن وأنشد:\nيلعبن أحوالي من حن وجن\nوقيل بأنهم سفلة الجن وضعفاؤهم، وأشد مهاصر بن المحل:\nأبيت أهوى في شياطين ترن ... مختلف نجواهم جن وحن)\nوورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (الكلاب من الحن، وهي ضعفة الجن، فإذا غشيتكم عند طعامكم فألقوا لهن، فإن لهن أنفسًا) جمع نفس، أي أنها تصيب بأعينها.\nوقد قيل بأنهم سموا بالحِنِّ لأنهم كانوا يعيشون في الظلمة فحنوا إلى سطح الأرض.\nوأطلقت بعض الأوصاف على الجن لمناسبتها لبعض أصنافهم، وهي في مجملها أوصاف تدور حول المكر والدهاء، والقوة والتبدل من صورة إلى أخرى.\nفمن هذه الأوصاف:\nأ - العفريت:\n_________\n(١) رواه الطبراني (٢٢/ ٢١٤) (٥٧٣)، وابن حبان (١٤/ ٢٦) (٦١٥٦)، والحاكم (٢/ ٤٩٥). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٣٩): رواه الطبراني ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف، وقال ابن عبدالبر في «الاستذكار» (٧/ ٥٣٦): إسناده جيد رواته أئمة ثقات.\n(٢) رواه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (١/ ٢٠٥)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٥/ ١٦٣٩) (١٠٨١١)، وابن أبي الدنيا في «الهواتف» (١٥٦). من حديث أبي الدرداء ﵁. قال ابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٤٥٨): (فيه) يزيد بن سنان يخطئ كثيرا حتى يروي عن الثقات مالا يشبه حديث الأثبات لا يعجبني الاحتجاج بخبره، وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٤/ ٤٢٨): (فيه يزيد بن سنان ذكر من جرحه).","vol":"8","page":360},{"text":"قال تعالى إخبارًا عن جن سليمان ﵇: قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: ٣٩]. قال ابن منظور: (العفريت من الرجال: النافذ في الأمر، المبالغ فيه مع خبث ودهاء، والعفريت من الشيء: المبالغ، يقال فلان عفريت نفريت، وعفرية نفرية، وفي الحديث: «إن الله يبغض العفرية النفرية، الذي لا يرزأ في أهل ولا مال» (١). قيل هو الداهي الخبيث الشرير) (٢). ومن هذا ما رواه أبو عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله ﷺ: «أول دينكم نبوءة ورحمة ثم ملك أعفر» (٣)، أي ملك يساس بالدهاء والمكر.\nوعلى هذا فإن العفريت في الآية يراد به القوي الداهية، الذي يقدر على إحضار عرش بلقيس من اليمن إلى أرض فلسطين بقوته ودهائه.\nوقد تقدم حديث الرسول ﷺ: «إن عفريتًا من الجن تفلت عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي ..» (٤).\nوهذا الوصف إنما يطلق على بعض الجن، إذا أنهم ليسوا جميعًا في مرتبة واحدة، بل فيهم الضعيف كذلك، فعن ابن مسعود قال: (لقي رجل من أصحاب النبي ﷺ رجلًا من الجن، فصارعه فصرعه الإنس، فقال له الجني: عاودني، فعاوده، فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلًا شحيبًا، كأن ذريعتيك ذريعتا كلب. فكذلك أنتم معاشر الجن – أو أنت منهم كذلك -؟ قال: لا والله إني منهم لضليع، ولكن عاودني الثالثة، فإن صرعتني علمتك شيئًا ينفعك، فعاوده، فصرعه فقال: هات علمني، قال: هل تقرأ آية الكرسي؟ قال نعم، قال: إنك لن تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار، لا يدخله حتى يصبح، قال رجل من القوم: يا أبا عبد الرحمن من ذاك الرجل من أصحاب النبي ﷺ؟ قال فعبس عبد الله وأقبل عليه وقال: من يكون هو إلا عمر ﵁) (٥).\nب – الخبل:\nوهم الذين يخبلون الناس ويؤونهم، ويقال: رجل مخبل: إذا كان به مس من الجن (٦)، وسيأتي الحديث عن هذا عند الحديث عن صرع الجن للإنس.\nج- الغول:\n_________\n(١) أورده ابن منظور في «لسان العرب» (٤/ ٥٨٣).\n(٢) «لسان العرب» (٤/ ٥٨٣).\n(٣) رواه بنحوه الطيالسي (ص: ٣١)، وأبو يعلى (٢/ ١٧٧) (٨٧٣)، والطبراني كما في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٩٢)، والبيهقي (٨/ ١٥٩) (١٦٤٠٧). قال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٤/ ٤٤٣): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: فيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجاله ثقات، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٨٤).\n(٤) رواه البخاري (٤٦١)، ومسلم (٥٤١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه الطبراني (٩/ ١٦٦) (٨٨٢٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٧٣): رجاله رجال الصحيح إلا أن الشعبي لم يسمع من ابن مسعود ولكنه أدركه.\n(٦) «كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية» (٢/ ١٩٠).","vol":"8","page":361},{"text":"وقد قيل إنه ساحر الجن، قال ﵊: (إذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان) (١)، يعني: إذا ضلوا وشبهت عليهم الغول الطريق أذَّنوا فذهبت الغيلان، وتغولت: صارت غولًا، وذلك لأنها تتصور بصور كثيرة، فمرة تتصور في صورة امرأة جميلة، وأخرى في صورة امرأة قبيحة، ومرة قصيرة، وأخرى طويلة، ومرة كالإنس، وأخرى كالدواب، وهكذا لتفزع الناس، فهي متبدلة باستمرار، قال كعب بن زهير:\nفما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول\nويقال: غاله الدهر: أي غير حاله، كما يتغول الغول، فيتغير في كل صورة.\nفقد أخرج الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: «كان لي نخل في سهوة لي، فجعلت أراه ينقص منه، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: إنك ستجد فيه غدا هرة فقل: أجيبي رسول الله ﷺ، فلما كان الغد وجدت فيه هرة فقلت: أجيبي رسول الله ﷺ، فتحولت عجوزًا وقالت: أذكرك الله لما تركتني فإني غير عائدة فتركتها، فأتيت النبي ﷺ فقال: ما فعل الرجل وأسره؟ فأخبرته خبرها فقال: كذبت، هي عائدة، فقل لها، أجيبي رسول الله، فتحولت عجوزًا، فقالت: أذكرك الله يا أبا أيوب لما تركتني هذه المرة فإني غير عائدة، فتركتها ثم أتيت رسول الله ﷺ فقال لي كما قال لي، فقلت ذلك ثلاث مرات، فقال لي في الثالثة، أذكرك الله يا أبا أيوب لما تركتني حتى أعلمك شيئًا لا يسمعه شيطان فيدخل ذلك البيت، فقلت ما هو؟ فقالت: آية الكرسي، لا يسمعها شيطان إلا ذهب، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: صدقت وإن كانت كذوبًا» (٢).\nنلاحظ مما تقدم أن الجن أصناف مختلفة من حيث قوتهم، ومكرهم، وتنقلهم في الصور المختلفة، وتخبطهم للإنسان وإيذائهم له، وهي أوصاف تتناسب مع طبيعتهم النارية، مع ما أعطاهم الله من القدرة على التشكل والتبدل في الصور المختلفة. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات -ص: ٥٩\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٥٧٠) مختصرًا، وأحمد (٣/ ٣٠٥) (١٤٣١٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٣٦) (١٠٧٩١)، وأبو يعلى (٤/ ١٥٣) (٢٢١٩). من حديث جابر بن عبدالله ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢١٦): رجاله رجال الصحيح، وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٥/ ١٦١): رجاله ثقات إلا أن الحسن الراوي عن جابر من طريقه لم يسمع منه عند الأكثر.\n(٢) رواه الطبراني (٤/ ١٦٢) (٤٠١٢).","vol":"8","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2315>المطلب الثاني: أصناف الجن من حيث إنتسابهم إلى قبائل وأماكن</span>\nفي الجن قبائل وأقوام كما هو الأمر عند الإنس، فقد أخبر القرآن أن للجن أقوامًا، قال تعالى إخبارًا عن النفر الذين استمعوا للقرآن من الرسول ﵊ ثم ولوا إلى قومهم منذرين: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١]. قال ابن منظور: (والقوم الجماعة من الرجال والنساء جميعًا، وقيل: هو للرجال خاصة دون النساء، ويقوي ذلك قوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ [الحجرات: ١١] أي رجال من رجال، ولا نساء من نساء ...) وقال: (وقوم كل رجل: شيعته وعشيرته .. وفي الحديث: «إن نسَّاني الشيطان شيئًا من صلاتي فليسبح القوم، وليصفق النساء» (١). قال ابن الأثير: القوم في الأصل مصدر قام، ثم غلب على الرجال دون النساء، ولذلك قابلهن به، وسموا بذلك، لأنهم قوامون على النساء بالأمور التي ليس للنساء أن يقمن بها وقال الجوهري: القوم: الرجال دون النساء لا واحد له من لفظه، قال: وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع، لأن قوم كل نبي، رجال ونساء) (٢).\nوعلى هذا فإن قول النفر من الجن: (يا قومنا) يفيد أن لكل نفر من الجن قومًا ينتسبون إليه، فإن هؤلاء النفر من الجن انطلقوا إلى شيعتهم وعشيرتهم ينذرونهم، وأولى الناس بالإنذار الأهل والعشيرة، كما قال تعالى لنبيه ﵇: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤].\nوفي رواية عن ابن مسعود في خبر الجن الذين سألوا رسول الله ﷺ الزاد، أنه «قام إليه ﵇ رجلان من الجن، فسألاه المتاع، فقال: ألم آمر لكما ولقومكما بما يصلحكم؟ قالوا: بلى، ولكننا أحببنا أن يشهد بعضنا معك الصلاة، فقال: ممن أنتما؟ قالا: نحن من أهل نصيبين، قال: قد أفلح هذان وأفلح قومهما، فأمر لهما بالروث والعظام طعامًا ولحمًا» (٣).\nفقوله ﵊: «أفلح هذان وأفلح قومهما» فيه دليل على أن لكل منهما قومًا ينتسب إليه.\nوفي رواية عن ابن مسعود قال: «استتبعني رسول الله ﷺ فقال: الجن خمسة عشر، بني أخوة، وبني عم، يأتونني الليلة، فأقرأ عليهم القرآن، فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد، فخط لي خطًا وأجلسني فيه» الحديث. (٤)\nفقد دل الحديث على أن الذين أتوا الرسول ﷺ كانوا أقرباء لبعضهم بعضًا، تمامًا كما هو الأمر عند الإنس.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢١٧٤)، وأحمد (٢/ ٥٤٠) (١٠٩٩٠). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال شعيب الأرناؤوط محقق المسند: إسناده ضعيف لجهالة الطفاوي وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين ولبعض قطع هذا الحديث طرق وشواهد تقويه.\n(٢) «لسان العرب» (١٢/ ٤٩٦).\n(٣) رواه الطبراني (١٠/ ٦٣) (٩٩٦٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٣١٧): رواه الطبراني وفيه أبو زيد وقيس بن الربيع أيضا وقد ضعفه جماعة.\n(٤) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٩/ ١٧) (٨٩٩٥). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢١٥): فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"8","page":363},{"text":"وورد عن قصة النفر الذين قدموا على الرسول ﷺ لاستماع القرآن أن فيهم زوبعة، فعن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال: (هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا سبعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ – إلى - ضَلالٍ مُّبِينٍ [الأحقاف: ٢٩]) (١).، قال القرطبي: (قال الثمالي: بلغني أنهم من بني الشيصبان، وهم أكثر الجن عددًا وأقواهم شوكة، وهم عامة جنود إبليس) (٢)، وكلمة: بني، في اللغة، إنما تدل على قرابة الرجل من أبنائه، قال ابن منظور: (وإذا قيل: بنو فلان، رهط فلان، فهو قرابته الأدنون، ورهط الرجل: قومه وقبيلته) (٣).\nففيما تقدم دلالة على وجود القوم والعشيرة والقرابة عند الجن، تمامًا كما هو الشأن عند الإنس، ولا عجب في ذلك، إذ أنهم يتناكحون ويتناسلون، ولا شك أن هذا يستدعي أن يكون عندهم هذه الأصول والفروع.\nوكما أن الجن ينتسبون إلى أقوام، فإنهم ينتسبون إلى أماكن وأوطان كذلك، فقد ذكر أن النفر الذين قدموا على الرسول ﷺ إنما جاءوا إليه من نصيبين، ففي حديث أبي هريرة ﵁ أنه «كان يحمل مع النبي ﷺ إدواة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة، فقال: أبغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتيني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت معه فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين – ونعم الجن – فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعمًا» (٤).\nونصيبين هذه قيل: إنها مدينة بالشام، وجنها سادات الجن، وقيل: إنها قرية باليمن غير التي في العراق، وقيل: إنهم من نينوى، وأن جن نصيبين أتوه بعد ذلك بمكة (٥)، وذكر ابن حجر أن نصيبين منطقة بين الشام والعراق (٦)، وذكر القرطبي أن الجن الذين قدموا على الرسول وهو بمكة كانوا سبعة نفر: ثلاثة من أهل حران وأربعة من أهل نصيبين، والذين أتوه بنخلة جن نينوى (٧).\nوفي رواية عند مسلم عن الشعبي أن وفد الجن الذي قدم على الرسول وهو بمكة إنما كان من جن الجزيرة (٨).\nفقد دلت هذه الأحاديث على أن الجن ينتسبون إلى أوطان، فمنهم جن الجزيرة، ومنهم جن نينوى، ومنهم جن نصيبين، ومنهم جن حران إلى غير ذلك من الأوطان والأماكن التي يسكنها الجن وينتسبون إليها، كما ذكر القرطبي عن الضحاك (٩). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات –ص: ٦٤\n_________\n(١) رواه البزار (٥/ ٢٣٤) (١٨٤٦)، والحاكم (٢/ ٤٩٥). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٣٥) وقال: رجاله ثقات، وقال ابن حجر في «الإصابة» (١/ ٥٥٦): إسناده جيد، وحسنه الوادعي في «صحيح دلائل النبوة» (ص: ٤٩).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٩/ ٢).\n(٣) «لسان العرب» (٧/ ٣٠٥).\n(٤) رواه البخاري (٣٨٦٠).\n(٥) «بهجة المحافل وبغية الأماثل» (١/ ١٢٣).\n(٦) «فتح الباري» (٧/ ١٧٢).\n(٧) «تفسير القرطبي» (١٩/ ٢).\n(٨) «فتاوى السبكي» (٢/ ٦٠٠).\n(٩) «تفسير القرطبي» (١٩/ ٢).","vol":"8","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2316>المطلب الثالث: أصناف الجن من حيث الإيمان والكفر، والصلاح والفساد</span>\nكما أن الجن قبائل مختلفة، فهم كذلك أصحاب ملل ونحل متباينة، وفيهم المؤمن والكافر، والعادل والظالم، يقول سيد سابق: (والجن طوائف: فمنهم الكامل في الاستقامة وعمل الخير، ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم البله المغفلون، ومنهم الكفرة وهم الكثرة الكاثرة) (١)، قال تعالى: إخبارًا عنهم: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن: ١١]. يقول القرطبي: (هذا من قول الجن، أي قال بعضهم لبعض لما دعوا إلى الإيمان بمحمد ﷺ: وأنا كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون ومنا الكافرون، وقيل: ومنا دون ذلك، أي ومن دون الصالحين في الصلاح) (٢).\nوقوله تعالى: كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:١١] أي فرقًا شتى، قاله السدي، وقال الضحاك: أديانًا مختلفة، وقال قتادة: أهواء متباينة (٣)، ومنه قول الشاعر:\nالقابض الباسط الهادي بطاعته ... في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد\nوالمعنى: أي لم يكن كل الجن كفارًا، بل كانوا مختلفين، منهم كفار ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم مؤمنون غير صلحاء (٤). وقال مجاهد: يعنون مسلمين وكافرين، وقال الحسن والسدي: في الجن أمثالكم، فمنهم قدرية، ومرجئة، ورافضة، وخوارج وشيعة، وسنة، وقال سعيد بن جبير: ألوانًا شتى. وقال ابن كيسان: شيعًا وفرقًا، ومعنى الكلام أصنافًا مختلفة ومذاهب متفرقة (٥)، وقال سعيد بن المسيب: كنا مسلمين ويهود ونصارى ومجوس) (٦).\nوذكر بعض العلماء أن هذه المذاهب المختلفة في الجن إنما هي بعد مبعث الرسول ﵊ واستماعهم للقرآن منه، يقول الإمام القرطبي في قوله تعالى إخبارًا عن الجن: كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:١١] (وقال قوم: أي وأنا بعد استماع القرآن مختلفون، منا المؤمنون ومنا الكافرون، والأول أحسن – يقصد أنهم كانوا مؤمنين وكافرين قبل استماعهم للقرآن، بعد مبعث الرسول ﵊ – لأنه كان في الجن من آمن بموسى وعيسى. وقد أخبر عنهم أنهم قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠]، وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوارة، وكان هذا مبالغة منهم في دعاء من دعوهم إلى الإيمان (٧).) قال السبكي: (لا شك أنهم مكلفون في الأمم الماضية كهذه الملة، إما بسماعهم من الرسول، أو من صادق عنه، وكونه إنسيًا أو جنيًا لا قاطع به) (٨).\nوظاهر القرآن يشهد للقرطبي من أنهم كانوا فرقًا شتى قبل استماعهم للقرآن، مسلمين وكفارًا وغير ذلك، لأن النفر الذين انطلقوا إلى قومهم بعد سماع القرآن، قالوا مخبرين عن أنفسهم: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن: ١١]. فقد عبروا عن حالتهم السابقة قبل استماع القرآن بلفظ الماضي.\n_________\n(١) «العقائد الإسلامية» (ص: ١٣٤).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٩/ ١٥).\n(٣) «تفسير الطبري» (٢٣/ ٦٥٩)\n(٤) «تفسير القرطبي» (١٩/ ١٥).\n(٥) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (١/ ٤١٤) بتصرف.\n(٦) «تفسير القرطبي» (١٩/ ١٥).\n(٧) «تفسير القرطبي» (١٩/ ١٥).\n(٨) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٦٦).","vol":"8","page":365},{"text":"وفي إخبار القرآن عن النفر من الجن الذين استمعوا للرسول بمكة ما يدل على أنهم كانوا عالمين بموسى ﵇ ورسالته، قال تعالى: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠]، والنص يوحي أن هذا النفر كان من قوم عنده صلاح واستقامة، ومطالبة الجن بالإيمان غالبًا ما ينشأ عنه استجابة لذلك الرسول من قبل بعضهم، أو رفضًا لدعوته من قبل البعض الآخر، وفي النهاية يدل على أنهم فرق شتى.\nوأخبر القرآن عن أحوالهم أيضًا بقوله: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا [الجن: ١٤]، قال ابن القيم: (فالمسلمون الذين آمنوا بالله ورسوله منهم، والقاسطون الجائرون العادلون عن الحق. قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله أندادًا، يقال: أقسط الرجل: إذا عدل فهو مقسط، ومنه: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩]. وقسط: إذا جار فهو قاسط، قال تعالى: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٥]).\nيقول ابن القيم تعليقًا على هذه الآيات التي تبين أحوال الجن وأصنافهم، وأنهم كأحوال الإنس في الإيمان والكفر، والصلاح والفساد: (وقد تضمنت هذه الآيات انقسامهم إلى ثلاث طبقات: صالحين، ودون الصالحين، وكفار. وهذه الطبقات بإزاء طبقات بني آدم، فإنها ثلاثة: أبرار، ومقتصدون، وكفار، فالصالحون بإزاء الأبرار ومن دونهم بإزاء المقتصدين، والقاسطون بإزاء الكفار، وهذا كما قسم سبحانه بني إسرائيل إلى هذه الأقسام الثلاثة في قوله: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: ١٦٨]، فهؤلاء الناجون منهم، ثم ذكر الظالمين وهم خلف السوء الذين خلفوا بعدهم. ولما كان الإنس أكمل من الجن وأتم عقولًا، ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر، ليس شيء منها للجن وهم: الرسل، والأنبياء، والمقربون، فليس في الجن صنف من هؤلاء بل حليتهم الصلاح (١) ..). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات –ص: ٦٧\nهل يسلم الشيطان؟ يظهر من الحديث أن الشيطان يمكن أن يسلم بدليل أن شيطان الرسول ﷺ أسلم، إلا أن بعض العلماء يرفض ذلك ويقول: الشيطان لا يكون مؤمنًا، منهم شارح الطحاوية - ص٤٣٩ - ووجه قوله: «فأسلم» أي فانقاد واستسلم.\nوبعض العلماء يرى أن الرواية «فأسلم» برفع الميم، أي فأنا أسلم منه، ومع أن شارح الطحاوية يرى أن رواية الرفع تحريف للفظ، إلا أن النووي في شرحه على مسلم قال: (هما روايتان مشهورتان) وعزى إلى الخطابي أنه رجح رواية الضم (٢).\nوممن يرى أن الشيطان يمكن أن يسلم ابن حبان، قال معلقًا على الحديث: (في هذا الخبر دليل على أن شيطان المصطفى ﷺ أسلم حتى أنه لم يكن يأمره إلا بخير، إلا أنه كان يسلم منه وإن كان كافرًا) (٣).\nوما ذهب إليه شارح الطحاوية من أن الشيطان لا يكون إلا كافرًا فيه نظر، فإن كان يرى أن الشيطان لا يطلق إلا على كافر الجن فهذا صحيح، وإن كان يرى أن الشيطان لا يمكن أن يتحول إلى الإسلام فهو بعيد جدًا، والحديث حجة عليه (٤) .. عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر – ص: ٤٩\n_________\n(١) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (١/ ٤١٦).\n(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٧/ ١٥٧).\n(٣) «صحيح ابن حبان» (١٤/ ٣٢٧).\n(٤) الحديث رواه مسلم (٢٨١٤).","vol":"8","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2318>المطلب الأول: تعريف إبليس والشيطان لغة واصطلاحًا</span>\nأولا: تعريف إبليس والشيطان لغة:\nذكر بعض العلماء أن إبليس اسم عربي، على وزن إفعيل، مشتق من الإبلاس، وهو الإبعاد من الخير، أو اليأس من رحمة الله (١).\nوقال الأكثرون: إن إبليس اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية، وقد ذكر ابن الأنباري أن إبليس لو كان اسمًا عربيًالم يصرف كإكليل وإحليل (٢)، قال أبو إسحاق: أن إبليس أعجمي معرفة، وذكر الزبيدي أن إبليس لا يصح أن يشتق وإن وافق معنى إبليس لفظًا ومعنى، وقد غلط العلماء الذين قالوا باشتقاقه.\nوذكر الطبري بأنه: (لم يصرف استثقالًا، إذ كان اسمًا لا نظير له من أسماء العرب، فشبهته العرب إذ كان كذلك بأسماء العجم التي لا تجري كما في إسحاق حيث لم يجروه، وهو مشتق من أسحقه الله إسحاقًا، إذ وقع ابتداء اسمًا لغير العرب التي تسمت به العرب، فجري مجراه، وهو من أسماء العجم في الإعراب فلم يصرف، وكذلك أيوب إنما هو من آب يئوب) (٣).\nقال ابن حجر: (وقد تعقب بأنه لو كان اسمًا عربيًا مشتقًا من الإبلاس لكان قد سمي به بعد يأسه من رحمة الله بطرده ولعنه) (٤)، وظاهر القرآن أنه كان يسمى بذلك قبل ذلك، وكذا قيل، ولا دلالة فيه، لجواز أن يسمى بذلك باعتبار ما سيقع له، نعم روى الطبري عن ابن عباس قال: (كان اسم إبليس حيث كان مع الملائكة عزازيل ثم إبليس بعد (٥)، وهذا يؤيد القول. والله أعلم) (٦). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبيدات - ص٤٥٩\nتعريف الشيطان لغة:\nذكر جماعة من أهل اللغة أن الشيطان نونه أصلية على وزن فيعال مشتق من شطن: أي بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير، وشيطن وتشيطن، صار كالشيطان وفعل فعله، قال أمية بن أبي الصلت يصف سليمان بن داود ﵉:\nأيما شاطن عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأغلال\nفقال: أيما شاطن، ولم يقل: أيما شائط.\nوذكر جماعة أن الشيطان نونه زائدة على وزن فعلان فهو من شاط يشيط: إذا احترق غضبًا، وعلى هذا الأساس يكون ممنوعًا من الصرف (٧).\nوذكر ابن الأثير أن نون الشيطان إذا جعلت أصلية كان من الشطن وهو: البعد عن الخير، أو الحبل الطويل، كأنه طال في الشر، وإن جعلت زائدة كان من شاط يشيط: إذا هلك، أو من استشاط غضبًا، إذا احتد في غضبه والتهب، قال: والأول أصح (٨)، وذكر ابن كثير أن من العلماء من صحح المعنيين مع قولهم بأن الأول أصح (٩).\nوالشطن: البعد، ومنه شطنت داره، أي بعدت، ويقال: نوى شطون أي بعيدة، وبئر شطون: أي بعيدة القعر، ويقال للحبل شطن سمي بذلك لطوله، وجمعه أشطان، وفي الحديث: كل هوى شاطن في النار (١٠) قال ابن قتيبة: (الشاطن البعيد عن الحق) (١١).\nقال محمد بن إسحاق: (إنما سمي شيطانًا لأنه شطن عن أمر ربه، والشطون البعيد النازح) (١٢).\nوقال أبو عبيد: (الشيطان كل عات متمرد من إنس، أو جن) (١٣)، أو دابة قال جرير:\nأيام يدعونني الشيطان من غزلي ... وهن يهوينني إذ كنت شيطانا\n_________\n(١) انظر: «لسان العرب» (٦/ ٢٩)، «تفسير الطبري» (١/ ٥٠٩)، و«تفسير روح المعاني» (١/ ٢٢٩).\n(٢) انظر: «تفسير روح المعاني» (١/ ٢٢٩)، «فتح الباري» (٦/ ٣٣٩).\n(٣) «تفسير الطبري» (١/ ٢٢٧).\n(٤) «فتح الباري» (١/ ٣٣٩).\n(٥) «تفسير الطبري» (١/ ٢٢٤).\n(٦) «فتح الباري» (٦/ ٣٣٩).\n(٧) «لسان العرب» (١٣/ ٢٣٧)، و«القاموس المحيط» (ص: ٨٧١).\n(٨) «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٢/ ١١٦٠).\n(٩) «تفسير ابن كثير» (١/ ١٥).\n(١٠) «لسان العرب» (١٣/ ٢٣٧).\n(١١) «غريب الحديث» (٣/ ٧٥٩).\n(١٢) «الزينة في الكلمات الإسلامية العربية» (٢/ ١٧٩).\n(١٣) انظر: «بحر العلوم» للسمرقندي (١/ ٢٧٧).","vol":"8","page":367},{"text":"ويدل على ذلك قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام: ١١٢]. وكذا قوله: وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ [البقرة: ١٤]. أي أصحابهم من الجن والإنس، وقوله تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ [الأنعام: ١٢١]. وقوله: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [البقرة: ١٠٢]. قيل مردة الجن وقيل مردة الإنس (١). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٤٦٢\nثانيا: تعريف إبليس والشيطان في الاصطلاح:\nتردد لفظ إبليس والشيطان في مواضع متعددة من القرآن الكريم، فقد ورد لفظ إبليس في أحد عشر موضعًا، ولم يرد هذا اللفظ إلا مفردًا في هذه المواضع جميعًا.\nأما لفظ الشيطان فقد جاء مفردًا ومجموعًا، فقد ورد مفردًا في سبعين موضعًا، وأما بلفظ الجمع فقد ورد في ثمانية عشر موضعًا، عدا من المواضيع التي ورد فيها لفظ الجن والجِنَّة، التي يراد في كثير منها الشيطان مفردًا ومجموعًا.\nوعلى هذا الأساس فما المراد بإبليس والشيطان في هذه المواضع؟\nإبليس هو ذلك المخلوق من النار، والذي كان يجالس الملائكة ويتعبد معهم، وليس من جنسهم كما سيأتي، فلما أمر الله ملائكته بالسجود لآدم خالف أمر ربه بتكبره على آدم لادعائه أن النار التي خلق منها خير من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، فكان جزاء هذه المخالفة أن طرده الله عن باب رحمته، ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلامًا له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذمومًا مدحورًا إلى الأرض، فسأل الله النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى (٢)، وقال: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢ - ٨٣]. وكما قال ﷿ عنه: لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلًا [الإسراء: ٦٢]. وهؤلاء هم المستثنون في قوله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء: ٦٥].\nوإبليس واحد من الجن، وهو أبو الشياطين والمحرك لهم لفتنة الناس وإغوائهم، وقد ذكره الله في قصة امتناعه من السجود لآدم وذلك كقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤].\nوقد أطلق عليه القرآن اسم الشيطان في مواضع، منها قوله تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠]. وقوله: يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧]. الآية.\n_________\n(١) «مفردات غريب القرآن» للراغب الأصفهاني (ص: ٢٦١).\n(٢) «مختصر تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٠٩).","vol":"8","page":368},{"text":"فالشيطان في هذه الآيات مراد به إبليس، لأن القرآن يتحدث عن قصة إغوائه لآدم وحواء ﵉.\nوالذي يتأمل القرآن يرى أن إطلاق لفظ إبليس لم يرد إلا في معرض الحديث عن إباء إبليس من السجود لآدم، ولم يرد هذا الإطلاق خارج الحديث عن إبائه من السجود إلا في موضعين:\nالأول: في سورة الشعراء وهو قوله تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥]. وفي هذا الموضع يكون مرادًا به جمع إبليس وجنوده من الجن والإنس في نار جهنم، باعتبار الرئيس والأتباع.\nالثاني: في سورة سبأ في قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠]. وهذا هو الموضع الوحيد الذي ورد فيه لفظ إبليس في معرض الحديث عن ممارسة غوايته وإفساده للناس.\nوأما لفظ الشيطان فقد يراد به إبليس خاصة، كما في قصة آدم وإبليس كقوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا [البقرة: ٣٦]. وقوله: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠].\nوقد يراد بالشيطان كل شرير مفسد داع للغي والفساد من الجن والإنس، كما في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام: ١١٢].\nوعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس، قال: يا نبي الله، وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم: شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام: ١١٢].».\nوقد يطلق لفظ الشيطان كذلك على المتميز بالخبث والأذى من الحيوان، فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: (ركب عمر برذونًا، فجعل يتبختر به، فضربه فلم يزدد إلا تبخترًا، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، لقد أنكرت نفسي) (١).\nوعلى هذا فإن الشيطان إذا أريد به الجنس فله معنيان: معنى خاص، ومعنى عام.\nفأما الخاص فيراد به إبليس وذريته المخلوقون من النار، والذين لهم القدرة على التشكل، وهم يتناكحون، ويتناسلون، ويأكلون، ويشربون، وهم محاسبون على أعمالهم في الآخرة، مطبوعون بفطرتهم على الوسوسة والإغواء، وهم بهذا عاملون على التفريق والخراب، جاهدون لفصل ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يفصل، وإبرام ما يجب فصمه، وفصم ما يجب إبرامه، فهم والملائكة على طرفي نقيض (٢).\nوأما المعنى العام فيراد به كل مخلوق عات متمرد من الإنس، والجن، والدواب، فأما من جانب الجن والإنس فهو التمرد والعصيان لأمر الله، ومحاولة بذر الفساد في الأرض بشتى صوره وأشكاله قال تعالى: شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام: ١١٢].\nوأما من جانب الدواب فهو الخبث والأذى الذي تميزت به عن جنسها .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٦٥\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١/ ١١١)، «تفسير ابن كثير» (١/ ٣١) وقال: إسناده صحيح.\n(٢) انظر دائرة معارف القرن العشرين (٢/ ٣٣٢).","vol":"8","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2319>المطلب الثاني: أوصاف إبليس</span>\n• ١ - الرجيم:.\n• ٢ - المارد:.\n• ٣ - الوسواس الخناس:.","vol":"8","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2320>١ - الرجيم:</span>\nوقد ورد هذا الوصف في مواضع متعددة من القرآن، قال تعالى عن إبليس بعد رفض السجود لآدم: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الحجر: ٣٤]. وقال: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨]. وقال: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [التكوير: ٢٥].\nقال ابن منظور: (الرجم: الرمي بالحجارة)، وقال: (والرجم: اللعن، ومنه الشيطان الرجيم، أي المرجوم بالكواكب، وقيل رجيم: ملعون، مرجوم باللعنة، مبعد مطرود، وهو قول أهل التفسير، قال: ويكون الرجيم بمعنى المشؤم المسبوب من قوله تعالى: لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم: ٤٦].: أي لأسبنك.\nوقد ورد الرجم بمعنى الهجران، والطرد، والظن.\nوالرجوم: النجوم التي يرمى بها، قال تعالى في الشهب: وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ [الملك: ٥]. أي جعلناها مرامي لهم).\nوعلى هذا فإن إطلاق صفة الرجيم على الشيطان لأنه مطرود عن رحمة الله، مبعد عنها بسبب عصيانه وتمرده وإغوائه لآدم وذريته، ولأن الشياطين مرجومة بالشهب حيث يرمون بها عندما يحاول أحدهم استراق أخبار السماء.\nوقد ورد في القرآن اللعن الذي يفيد الطرد، وذلك في قوله تعالى حكاية عن إبليس: لَّعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا [النساء: ١١٨]. وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [الحجر: ٣٥].\nواللعن هو الطرد، وسمي إبليس ملعونًا لأن الله طرده وأبعده من رحمته، وأخرجه من جواره (١)، جزاء عصيانه أمر ربه عندما توجه إليه الخطاب مع الملائكة بالسجود لآدم.\n_________\n(١) «مختصر تفسير ابن كثير» (١/ ٤٣٨).","vol":"8","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2321>٢ - المارد:</span>\nوقد ورد هذا الوصف للشيطان في مواضع من القرآن وهي قوله تعالى: وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ [الصافات: ٧]. وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ [الحج: ٣]. وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا [النساء: ١١٧].\nوالمارد من الرجال: العاتي الشديد، وأصله من مردة الجن والشياطين، ومنه حديث رمضان: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن» (١)\nوقال ابن الأعرابي: (المرد التطاول بالكبر والمعاصي ومنه قوله: مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ [التوبة: ١٠١]- أي تطاولوا-)\nوالمريد: من شياطين الإنس والجن، وقد تمرد علينا أي عتا، ومرد على الشر وتمرد أي عتا وطغى، والمريد الخبيث الشريد.\nفالمارد إذن: هو العاتي الخارج عن الطاعة المنسلخ منها (٢). وسمي الشيطان بذلك لأنه تمرد على أمر ربه وخرج عن طاعته بمخالفته بعدم السجود لآدم ﵇، وأصبح هذا الوصف يطلق على جنس الشياطين لأنهم خارجون على طاعة الله وامتثال أمره.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٦٨٢)، والنسائي (٤/ ١٢٦)، وابن ماجه (١٦٤٢). قال الترمذي: غريب. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٣١٢) - كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\n(٢) «تفسير فتح القدير» (٤/ ٣٨٧) و«كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية» (٢/ ١٨٢).","vol":"8","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2322>٣ - الوسواس الخناس:</span>\nقال تعالى في وصف الشياطين: مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:٤ - ٦].\nوالوسواس الخناس صفة للشيطان الذي يوسوس بالشر للإنسان في كل حال، ويخنس عند ذكر العبد ربه، فعن ابن عباس قال: (ما من مولود إلا على قلبه الوسواس، فإذا تذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس). قال (فذلك قوله: الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) (١).\nوعن ابن ثور عن أبيه قال: (ذكر لي أن الشيطان – أو قال الوسواس – ينفث في قلب الإنسان عند الحزن وعند الفرح، وإذا ذكر الله خنس) (٢)، وذكر عن ابن عباس ﵁ أنه كان يقول في قوله: مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ (الذي يوسوس بالدعاء إلى طاعته في صدور الناس حتى يستجاب له إلى ما دعا إليه من طاعته، فإذا استجيب له إلى ذلك خنس (٣». قال الطبري: (والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله أمر نبيه محمدًا ﷺ أن يستعيذ به من شر شيطان يوسوس مرة ويخنس أخرى، ولم يخص وسوسته على نوع من أنواعها، ولا خنوسه على وجه بدون وجه، وقد يوسوس بالدعاء إلى معصية الله، فإذا أطيع فيها خنس، وقد يوسوس بالنهي عن طاعة الله، فإذا ذكر العبد أمر ربه فأطاعه فيه وعصى الشيطان خنس، فهو في كل حالتيه وسواس خناس، وهذه الصفة صفته) (٤).\nوالوسوسة هذه تحصل من شياطين الإنس والجن فإن قوله: مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ لبيان وجه الوسواس الخناس، وهو أنه إما أن يكون إنسانًا، أو شيطانًا، من عالم الإنس أو عالم الجن (٥) وقال ابن تيمية: (والوسواس الخناس يتناول وسوسة الجِنَّة ووسوسة الناس، وإلا أي معنى للاستعاذة من وسوسة الجِنَّة فقط، مع أن وسوسة نفسه وشياطين الإنس هي ما تضره، وقد تكون أضر عليه من وسوسة الجن) (٦).؟!. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٦٩\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٣٥٥).\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٧١٠).\n(٣) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٣٥٥).\n(٤) «تفسير الطبري» (٢٤/ ٧١٠).\n(٥) «التفسير القرآني للقرآن» (١٤/ ١٧٥٠).\n(٦) «مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٢٠٢).","vol":"8","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2323>المطلب الثالث: الجنس الذي منه إبليس</span>\nاختلف العلماء في جنس إبليس هل هو من الملائكة أم من الجن؟ وذلك لورود الآيات القرآنية باستثنائه من الملائكة في مواضع من القرآن عند التعرض لسجود الملائكة لآدم ﵇ قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤]. وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ [الأعراف: ١١]. وقال: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ [ص: ٧٣ - ٧٤]. وغير ذلك من الآيات، وهي تدل على استثنائه من الملائكة.\nوقد جاءت آية سورة الكهف مصرحة بأن إبليس من الجن، قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا [الكهف: ٥٠].\nوإزاء هذه الآيات فقد انقسم العلماء في هذه المسألة إلى فريقين:\nالفريق الأول: ويرى أن إبليس من الملائكة، والاستثناء الوارد في الآيات إنما هو استثناء متصل.\nقال القرطبي: (وهو قول جمهور العلماء كابن عباس، وابن مسعود، وابن جريج، وسعيد بن المسيب، وقتادة وغيرهم، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن الأشعري، والشيخ موفق الدين بن قدامة، وأئمة المالكية، ورجحه الطبري)، وقال البغوي: (هذا قول أكثر المفسرين (١) وهو ظاهر قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ [ص: ٧٤]).\n٢ - الفريق الثاني: ويرى أن إبليس لم يكن من الملائكة وإنما هو من الجن، والاستثناء في الآيات إنما هو استثناء منقطع.\nوالقائلون بهذا: ابن عباس في رواية، والحسن البصري، واختاره الزمخشري، وأبو البقاء العكبري، والكواشي في تفسيره، وذكره الفخر الرازي عن بعض المتكلمين كالمعتزلة، وغيرهم من العلماء، ورجحه الشيخ الشنقيطي وغيره.\nأدلة الفريقين:\nوقد انتصر كل من الفريقين لقوله بعدة أدلة، وإليك تفصيل أدلة كل فريق:\nأ- أدلة الفريق الأول:\nاعتمد هذا الفريق فيما ذهب إليه على أن الاستثناء في قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ [ص: ٧٤]. إنما هو استثناء متصل، وقد تكرر هذا الاستثناء في القرآن الكريم، فإخراج إبليس بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم، وذكر بعضهم أن الظاهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص، ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال لا الانقطاع (٢) قال الطبري: (ثم استثنى من جميع الملائكة إبليس، فدل باستثنائه إياه منهم على أنه منهم، وأنه ممن قد أمر بالسجود معهم، ثم استثناه جل ثناؤه مما أخبر عن الملائكة أنهم فعلوه من السجود لآدم، فأخرجه من الصفة التي وصفهم بها من الطاعة لأمره، ونفى عنه ما أثبته لملائكته من السجود لعبده آدم) (٣).\nوأما بالنسبة لقوله تعالى في سورة الكهف: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠]. فقد أجاب الجمهور عنه بما يلي:\n_________\n(١) «تفسير البغوي» (١/ ٨١).\n(٢) «أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن» (٤/ ١٢٠).\n(٣) «تفسير الطبري» (١/ ٢٢٤).","vol":"8","page":374},{"text":"١ - أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم، وخلقت الملائكة من نور، غير هذا الحي، وكان من خزان الجنة، وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا، وكان له سلطانها وسلطان الأرض، وكان اسمه قبل أن يركب المعصية عزازيل، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا وعلمًا، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فرأى لنفسه بذلك شرفًا عظيمًا، فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى، فمسخه الله شيطانًا رجيمًا.\nوبهذا قال ابن عباس وجماعة من الصحابة (١).\n٢ - أنه لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لم يكن عاصيًا، ولما استحق الخزي والنكال، كما ورد ذلك في القرآن، قال: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف: ١٢]. فقد دلت الآية على أنه أمر بالسجود، والأمر بالسجود لم يتوجه إلا إلى الملائكة، فدل هذا على أنه واحد منهم، وكان قتادة يقول: جن عن طاعة ربه (٢).\n٣ - أن الملائكة يطلق عليهم اسم الجن، كما في قوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٥٨]. حيث إن المراد بالجنة في الآية الملائكة، حيث زعمت قريش أن الملائكة بنات الله، وقد جعلوا بين الله وإبليس نسبًا – تعالى الله عما يقولون – وإطلاق لفظ الجن على الملائكة هو ما دلت عليه لغة العرب، حيث يقول أعشى بن قيس يذكر ما أعطاه الله للنبي سليمان بن داود ﵉:\nوسخر من جن الملائك تسعة ... قيامًا لديه يعملون بلا أجر\nفقد أطلق على الملائكة اسم الجن، وقال الطبري: (فأبت العرب في لغتها إلا أن الجن كل ما اجتن، وما سمى الله الجن إلا لأنهم اجتنوا فلم يروا، وما سمى بنو آدم الإنس إلا أنهم ظهروا فلم يجتنوا، فما ظهر فهو إنس، وما اجتن فلم ير فهو جن) (٣).\n٤ - وذكر الشيخ محمد عبده في تفسير المنار بأنه ليس هناك ثمة دليل يفرق بين الملائكة والجن تفريقًا جوهريًا، وإنما هو اختلاف أصناف عندما تختلف أوصاف كما ترشد إليه الآيات، فالظاهر أن الجن صنف من الملائكة (٤).\nب- أدلة الفريق الثاني:\nوقد استدل القائلون بأن إبليس من الجن وليس من الملائكة بأدلة هي:\n١ - أن قوله تعالى في سورة الكهف: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠]. صريح في أن إبليس من الجن وليس من الملائكة، والجن غير الملائكة، وغير جائز أن ينسب إلى غير ما نسبه الله إليه، وذكر الطبري عن قتادة قال: (كان الحسن يقول في قوله: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ إلجاء إلى نسبه، وما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس) (٥). وممن قال بأن إبليس أبو الجن أيضًا ابن زيد وقتادة كما ذكر ذلك القرطبي (٦).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١/ ٢٢٤) و«تفسير القرطبي» (١/ ٢٩٤).\n(٢) «تفسير الطبري» (١/ ٢٢٥).\n(٣) «تفسير الطبري» (١/ ٢٢٥) و«أضواء البيان» (٤/ ١٢٠).\n(٤) «تفسير المنار» (١/ ٢٦٥).\n(٥) «تفسير الطبري» (١/ ٢٢٦).\n(٦) «تفسير القرطبي» (١/ ٢٩٤).","vol":"8","page":375},{"text":"٢ - أن إبليس لو كان من الملائكة لما عصى الله عندما توجه إليه بالأمر بالسجود لآدم، لقوله تعالى عن الملائكة: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦]. قال الزمخشري في قوله: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ: كلام مستأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين، كأن قائلًا قال: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ والفاء للتسبيب، أيضًا جعل كونه من الجن سببًا في فسقه، لأنه لو كان ملكًا كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر ربه، لأن الملائكة معصومون البتة، لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس (١).\nوقال الشيخ الشنقيطي في قوله تعالى: كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (ظاهر في أن سبب فسقه عن أمر ربه كونه من الجن، وقد تقرر في الأصول في مسلك النص وفي مسلك الإيماء والتنبيه أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل كقولهم: سرق فقطعت يده، أي لأجل سرقته، وسها فسجد، أي لأجل سهوه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨]. أي لعلة سرقتهما، وكذلك قوله هنا: كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ أي لعلة كينونته من الجن لأن هذا الوصف فرق بينه وبين الملائكة، لأنهم امتثلوا الأمر وعصا هو) (٢).\n٣ - أن الله أخبر أنه خلق إبليس من النار، ولم يخبر أنه خلق الملائكة من شيء من ذلك، بل ورد في الحديث المروي عن عائشة قوله ﵊: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (٣). وفي هذا دليل على أن الملائكة مخلوقة من نور لا من نار.\nوقد ورد التصريح في القرآن على لسان إبليس بأن الذي دعاه إلى عدم السجود لآدم هو أنه مخلوق من النار وآدم مخلوق من الطين، قال تعالى: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف: ١٢]. فالذي دعا إبليس لعدم السجود هو ظنه الفاسد أن النار أشرف من الطين (٤)، وأن المخلوق منها أشرف من المخلوق من الطين.\n٤ - أن الله أخبر أن إبليس له نسل وذرية قال تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف: ٥٠]. فإبليس وذريته يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، كما قال الحسن (٥) ويأكلون، ويشربون، والملائكة لا يتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون، فدل هذا على أن إبليس من الجن وليس من الملائكة.\nوقد أجاب القائلون بأن إبليس من الجن عن قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤]. ونحوها من الآيات بما يلي:\n_________\n(١) «تفسير الكشاف» (١/ ٤٨٧).\n(٢) «أضواء البيان» (٤/ ١١٩).\n(٣) رواه مسلم (٢٩٩٦).\n(٤) «تفسير روح المعاني» (١/ ١٢٠) و«تفسير القاسمي» (٢/ ١١٣).\n(٥) «تفسير الطبري» (١/ ٥٢٦).","vol":"8","page":376},{"text":"أولًا: أن الاستثناء في هذه الآيات إنما هو استثناء منقطع، قال ابن حجر الهيتمي: (ومن الواضح أن دلالة كان من الجن لأن كونه منهم أظهر من دلالة الاستثناء على كونه من الملائكة، لأنه يأتي منقطعًا كثيرًا، قال تعالى: مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ [النساء: ١٥٧]) (١). وقوله تعالى: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٧٧]. فرب العالمين ليس من الأول، وكقولنا: جاء بنو فلان إلا أحمد، وليس منهم إنما هو عشيرهم.\nثانيًا: ... قال ابن كثير: (إن الله لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم، لأنه وإن لم يكن من عنصرهم، إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذم في مخالفته الأمر) (٢).\nوقال الزمخشري: (إنما تناوله الأمر وهو للملائكة خاصة لأن إبليس كان في صحبتهم، وكان يعبد الله تعالى عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له، كان الجِنِّي الذي معهم أجدر بأن يتواضع) (٣).\nثالثًا: وذكر بعضهم أنه يمكن أن يقال: إن الجن من جنس الملائكة من حيث لطافة الجسم، وعدم رؤية البشر له، فيكون الاستثناء متصلًا مع كون إبليس من عنصر الجن حقيقة، لدلالة قوله تعالى: خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف: ١٢].\nرابعًا: وذكر بعضهم أن الجن كانوا مأمورين بالسجود مع الملائكة، ولكنه استغنى بذكر الملائكة لمزيد شرفهم عن ذكر الجن (٤) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٧٥\nالقول الراجح\nوبعد هذا العرض لأدلة الفريقين وأجوبة كل فريق على أدلة الفريق الآخر يتبين لنا رجحان القول الثاني، بأن إبليس من الجن وليس من الملائكة، وذلك للأسباب التالية:\n١ - صراحة ما اعتمدوا عليه من آية سورة الكهف في أن إبليس كان من الجن في قوله تعالى: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، قال الشيخ الشنقيطي: (وأظهر الحجج في المسألة حجة من قال إنه غير ملك لقوله تعالى: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ الآية، وهو أظهر شيء في الموضوع من نصوص الوحي، والعلم عند الله تعالى) (٥).\n٢ - أن ما ورد في الكتاب والسنة من وصف إبليس بالعصيان، وأن له ذرية، وأنه مخلوق من النار، وأنه يأكل ويشرب، يدل دلالة ظاهرة على أنه من الجن، لأن هذه الصفات من صفات الجن دون الملائكة.\n٣ - أن الاستثناء المنقطع يأتي في القرآن وفي كلام العرب كثيرًا كما تقدم من الأمثلة.\n٤ - استقامة توجيههم استثناء إبليس من الملائكة من جهة المعنى في قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤]. وغير ذلك من الآيات التي اعتمد عليها الجمهور في قولهم بأن إبليس من الملائكة وليس من الجن، وذلك لأن الآيات التي استثنته من الملائكة توحي بأنه كان يتعبد الله معهم لاختلاف صفاته عن صفاتهم، فبمقتضى الأمر أن يتوجه إليه الخطاب بالسجود مع الملائكة، لأنه أصبح واحدًا يعيش معهم، ولكنه لم يخرج عن أصله بأنه من الجن.\n_________\n(١) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٩١).\n(٢) «مختصر تفسير ابن كثير» (١/ ٥٣).\n(٣) «الكشاف» (٣/ ٩١).\n(٤) «تفسير روح المعاني» (١/ ١٢٠).\n(٥) «أضواء البيان» (٤/ ١٢١).","vol":"8","page":377},{"text":"٥ - وأما صرف الجمهور لقوله تعالى: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ عن ظاهره بأنه كان من حي من أحياء الملائكة خلقوا من نار السموم، فلم يثبت لنا أن من الملائكة من خلق من النار، بل ورد ما يناقض ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عائشة ﵂ من أن الملائكة خلقت من نور، وخلق الجان من مارج من نار.\nوما ذكره البيضاوي في تفسيره من أن المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك – غير أن ضوءها مكدر مغمور بالدخان، محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق، فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة، ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها ويبقى الدخان الصرف – غير مسلم به، إذ الفرق بين النار والنور أشمل من ذلك، فليس شرطًا أن يكون كل جسم مضيء محرقًا كما أسلفنا.\nوما زعمه الشيخ محمد عبده من أنه ليس هناك ثمة دليل يفرق بين الملائكة والجن تفريقًا جوهريًا، وإنما هو اختلاف أصناف عندما تختلف أوصاف، فترده الأدلة من القرآن والسنة، فالفرق بينهما واضح في أصل المادة التي خلق كل واحد منهما منها، وفي صفات كل منهما كذلك كما تقدم.\nوعدم ورود آية في القرآن تدل على المادة التي خلقت منها الملائكة لا يعتبر مسوغًا لاعتبار إبليس واحدًا من الملائكة، اعتمادًا على الآيات التي تستثني إبليس منهم.\n٦ - وأما ما أجاب به القائلون بأن إبليس من الملائكة على قوله تعالى: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ بما ورد من روايات عن بعض السلف كابن عباس وغيره – بما تقدم – فيجيب على ذلك الشيخ الشنقيطي حيث يقول:\n(وما يذكره المفسرون عن جماعة من السلف كابن عباس وغيره – من أنه (أي إبليس) كان من أشراف الملائكة، ومن خزان الجنة، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا، وأن اسمه عزازيل – كله من الإسرائيليات التي لا معول عليها) (١).\nوذكر ابن كثير رواية عن ابن جرير الطبري بإسناده عن ابن عباس أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة خلقوا من نار السموم يسمون جِنًّا في أثر طويل، قال ابن كثير تعليقًا عليها: (وهذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها) (٢).\nوذكر الفخر الرازي أن تعليل الجمهور لقوله تعالى: كَانَ مِنَ الْجِنِّ بأنه – أي إبليس – كان خازنًا للجنة تعليل غير جائز، لأن قوله: كَانَ مِنَ الْجِنِّ يشعر بتعليل تركه للسجود لكونه جنيًا، ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازنًا للجنة (٣).\nومن ذكر أن معنى قوله: كَانَ مِنَ الْجِنِّ يحتمل أن يكون بمعنى صار، فقد قال الفخر الرازي أيضًا: (هذا خلاف الظاهر، ولا يصار إليه إلا عند الضرورة) (٤) وذكر ابن فورك أن هذا مما ترده الأصول (٥) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٨٦\n_________\n(١) «أضواء البيان» (٤/ ١٢١).\n(٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ٧٦).\n(٣) «التفسير الكبير» (٢/ ٢١٤).\n(٤) «التفسير الكبير» (٢/ ٢١٤).\n(٥) «تفسير روح المعاني» (١/ ٢١٢).","vol":"8","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2326>تمهيد</span>\nنصت كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن الجن مكلفون بالتكاليف الشرعية، وأنهم مأمورون بفعل الطاعات والقيام بالعبادات، وأنهم منهيون عن ارتكاب المعاصي والمحرمات، وأنهم مختارون لهذا الأمر والنهي، وهذا ما عليه جمهور أهل الإسلام. وهم بهذا كالبشر الذين كلفهم الله بالتكاليف الشرعية أمرًا ونهيًا (١).\nوذهب قوم إلى أن الجن مضطرون، أي أنهم غير قادرين على فعل الطاعات أو ارتكاب المنهيات، وعلى هذا الأساس فهم غير مكلفين، وهذا يقتضي عدم الجزاء بالثواب على فعل الطاعات، وعدم الجزاء بالعقاب على ارتكاب المنهيات (٢).\nوقد نقل القاضي عبد الجبار الهمداني هذا القول عن زرقان الذي حكاه عن بعض الحشوية على ما ذكره ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (٣).\nوالصواب الذي لا ريب فيه أن الجن مكلفون أمرًا ونهيًا، مختارون لهذا التكليف، قال ابن القيم: (الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام أنهم مأمورون منهيون، مكلفون بالشريعة الإسلامية، وأدلة القرآن والسنة على ذلك أكثر من أن تحصر، وإضافة القول إلى المعتزلة بتكليفهم، بمنزلة أن يقال: ذهب المعتزلة إلى القول بمعاد الأبدان، ونحو ذلك مما هو من أقوال سائر أهل الإسلام) (٤). وقال الإمام القرطبي: (إن سورة الرحمن، والأحقاف، وقل أوحي دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون، مأمورون منهيون، معاقبون كالإنس سواء بسواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك) (٥). وقال الفخر الرازي: (وأطبق المحققون على أن الجن مكلفون) (٦). ونقل مثل هذا القول ابن حجر العسقلاني عن القاضي عبد الجبار الهمداني (٧)، ورجح القاضي عبد الجبار قول الجماعة بعد أن ذكر عن بعض الحشوية قولهم: بأن الجن مضطرون إلى أفعالهم وليسوا مكلفين، ثم قال: (والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين والتحرز من شرهم، وما أعد لهم من العذاب، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر وارتكب النهي، مع تمكنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدالة على تكليفهم كثيرة جدًا) (٨). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ١٧٥\n_________\n(١) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤١٨) بتصرف، «تفسير القرطبي» (١٧/ ١٦٩).\n(٢) «آكام المرجان في أحكام الجان» (ص: ٣٤).\n(٣) «فتح الباري» (٦/ ٣٤٤).\n(٤) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤١٨) بتصرف، «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» (٢/ ١٢٧).\n(٥) «تفسير القرطبي» (١٧/ ١٦٩).\n(٦) «التفسير الكبير» (٢٨/ ٣١٣).\n(٧) «فتح الباري» (٦/ ٣٤٤).\n(٨) «فتح الباري» (٦/ ٣٤٤).","vol":"8","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2327>المطلب الأول: الأدلة من القرآن على تكليف الجن</span>\nوردت آيات كثيرة تدل على تكليف الجن، وهي على أنواع مختلفة هي:\n١ - ما جاء من التصريح في الحكمة من خلق الجن والإنس.\nوذلك في قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]. فالآية صريحة في أن الله قد خلق الجن والإنس للعبادة، وعلى هذا وردت أقوال العلماء:\nقال ابن عباس: (إِلا لِيَعْبُدُونِ أي: إلا ليقروا بعبادتي، طوعًا أو كرهًا)، وهذا اختيار ابن جرير الطبري (١).\nوورد عن علي بن أبي طالب، وابن جريج، والربيع بن أنس أن معنى قوله تعالى: إِلا لِيَعْبُدُونِ أي إلا لآمرهم بالعبادة، وهو اختيار الزجاج (٢).\nويدل على ما تقدم قوله تعالى: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة: ٣١] وهي عامة في الجن والإنس. قال ابن كثير: (ومعنى الآية: أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم) (٣).\n٢ - ما ورد عن صرف الجن إلى الرسول ﷺ، واستماعهم للقرآن منه.\nأ- قال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١].\nفقد أخبر القرآن الكريم أن الله قد صرف الجن إلى الرسول ﵊ لاستماع القرآن منه، وسواء كان حضورهم إلى مكة – حيث كان الرسول ﵇ يقرأ القرآن، بعد منعهم من استراق أخبار السماء – أو كان حضورهم بتوفيق من الله هداية لهم، على ما ذكره الإمام الماوردي (٤). فإن في ذلك دلالة على استماعهم للقرآن منه ﵇، وانصاتهم لسماعه. قال ابن القيم: وقوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: ٢٩]. الآية، تدل على تكليف الجن من عدة وجوه:\nأحدها: أن الله تعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به، ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه.\nالثاني: أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه، وأنه يهدي إلى الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، وأن القرآن مصدق له، وأنه هاد إلى صراط مستقيم، وهذا يدل على تمكنهم من العلم الذي تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه، والتكليف إنما يستلزم العلم والقدرة.\nالثالث: أنهم قالوا لقومهم: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ [الأحقاف: ٣٠]. والآية صريحة في أنهم مكلفون، مأمورون بإجابة الرسول، وهو تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر (٥) اهـ.\nوقال الألوسي في قوله تعالى: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ (وهذا ونحوه يدل على أن الجن مكلفون) (٦).\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢٧/ ٨) ط١ ١٣٢٨هـ.\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٧/ ٥٥) «تفسير فتح القدير» (٥/ ٩٢).\n(٣) «مختصر تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٨٧).\n(٤) «أعلام النبوة» (ص: ١٤٣).\n(٥) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢١).\n(٦) «تفسير روح المعاني» (٢٦/ ٣٢).","vol":"8","page":380},{"text":"وقال ابن كثير: (وفي هذا دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا ﷺ إلى الثقلين: الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين، وتكليفهم، ووعدهم، ووعيدهم، وهي سورة الرحمن، ولهذا قال: أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) (١).\nب- قوله تعالى في سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا – إلى قوله -: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١ - ١٥].\nوقد جاءت هذه الآيات إخبارًا للرسول ﵊ باستماع نفر من الجن إليه وهو يقرأ القرآن بأصحابه، وذلك بعد أن منع الجن من استراق أخبار السماء، فعرفوا أن هذا المنع ما حصل إلا لشيء قد حدث في الأرض، فجابوا الأرض، فكان النفر الذين أخذوا نحو تهامة في بلاد الحجاز قد مروا على الرسول ﵇ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم منذرين، فأنزل الله تعالى إلى نبيه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ [الجن: ١] (٢) الآية ولم يكن يعلم باستماعهم إليه على الراجح من الروايات في ذلك، وظاهر القرآن يدل عليه.\nوقد دلت هذه الآيات على إيمانهم بالقرآن وأخذهم عهدًا على أنفسهم أن لا يشركوا بالله، وذلك في قوله تعالى عنهم: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن: ١ - ٢]، وقوله عنهم: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ [الجن:١٢]. ففي إيمانهم بالقرآن، ووصفهم له بأنه يهدي إلى الرشد، وعدم إشراكهم بالله، دلالة على أنهم مكلفون، وكذلك مسارعتهم لاستماعه، وذلك في قوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:١٩]. أي: لما قام رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقرأ القرآن اجتمع الجن عليه متلبدين متراكمين، حرصًا على ما جاء به من الهدى (٣). فقد كانوا فرحين حريصين متأملين عند سماعهم للقرآن، وفي هذا دلالة على كمال عقولهم، وهو يقتضي التكليف، وقد وردت آيات كثيرة تخاطب العقل كقوله تعالى: أَفَلاَ تَعْقِلُونَ، وقوله: أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ، وقوله: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر: ٢]. وفي هذا دلالة على توجه الخطاب للعاقل، وقد تقدم أن الجن مخلوقات عاقلة مريدة مختارة، عندها القدرة على التمييز بين الحق والباطل.\n٣ - ما يتضمن التصريح بإرسال رسل إليهم:\nقال تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا [الأنعام: ١٣٠].\n_________\n(١) «مختصر تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٨٧).\n(٢) الحديث رواه البخاري (٧٧٣). من حديث ابن عباس ﵄.\n(٣) «تفسير كلام المنان» (٧/ ٤٩٤).","vol":"8","page":381},{"text":"ففي هذه الآية خطاب للجن والإنس يوم القيامة، وهذا الخطاب فيه تقرير من الله في أنه قد بعث رسلًا إلى الجن والإنس حيث يسألهم وهو أعلم: هل بلغتهم الرسل رسالاته؟ (١)، وبذلك يزول العذر وتنقطع الحجة لأي واحد من الجن والإنس، إذ بعث الله رسلًا يوضحون الطريق ويأمرون بعبادة الله، وينهون عن معصيته، ولا شك أن أمر الرسل ونهيهم للجن والإنس هو محض التكليف، قال ابن القيم: (وهذه الآية تدل على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد ﷺ، لكن دعوة أولئك الرسل كانت مقصورة على بعض الإنس والجن، أما رسالة نبينا ﵊ فهي عامة لجميع الجن والإنس) (٢).\n٤ - ما يتضمن خطاب الجن والإنس معًا:\nوذلك في سورة الرحمن في قوله تعالى بعد الحديث عن نعمه على عباده: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٣]، حيث ورد هذا الخطاب في واحد وثلاثين موضعًا من سورة الرحمن، وفيه خطاب للجن والإنس معًا، وفي هذه المواضع امتنان من الله على عباده بهذه النعم التي لا يجحدها إلا كافر.\nفعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ فقرأ سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودًا منكم، كلما أتيت على قوله: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» (٣) قال ابن القيم: (وهذا يدل على ذكائهم، وفطنتهم، ومعرفتهم بمؤنة الخطاب وعلمهم أنهم مقصودون به) (٤) ويقول: (وقد دلت سورة الرحمن على تكليفهم بالشرائع كما كلف الإنس، ولهذا يقول في إثر كل آية: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، فدل على أن السورة خطاب للثقلين معًا، ولهذا قرأها رسول الله ﷺ على الجن قراءة تبليغ، وأخبر أصحابه أنهم كانوا أحسن ردًا منهم، فإنهم جعلوا يقولون كلما قرأ عليهم فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: لا نكذب بشيء من آلائك ربنا فلك الحمد) (٥).\n٥ - ما يتضمن تحدي الثقلين بالإتيان بمثل القرآن:\nوذلك في قوله تعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].\nفهو تحد للإنس والجن معًا في أن يقدروا على الإتيان بمثل هذا القرآن، ولكنهم لن يستطيعوا ذلك وتوجه الخطاب بالتحدي للإنس والجن من دون الخلائق دليل على أنهم هم المعنيون بأمر هذا القرآن وما اشتمل عليه من أنواع الإعجاز المختلفة، وفي هذا دليل على تكليف الجن كالإنس.\n٦ - ما يتضمن بشارة المؤمنين من الجن بالثواب على أعمالهم، وتحذير الكافرين والعصاة منهم بالعقاب على كفرهم ومعصيتهم في الآخرة:\nوقد وردت البشارة بالتحذير في مواضع متعددة من القرآن منها:\n_________\n(١) «تفسير ابن كثير» (١/ ٦١٩).\n(٢) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢١) بتصرف.\n(٣) رواه الترمذي (٣٢٩١). وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد، وقال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٨/ ٢٧٦): في الحديث ضعف لكن له شاهد، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٨٢٤) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٤) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢٢).\n(٥) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢٢).","vol":"8","page":382},{"text":"أ- قوله تعالى في سورة الأحقاف: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأحقاف: ١٨ - ١٩].\nفقد أخبر الله في هذه الآيات أن في الجن من حق عليه القول، أي: وجب عليه العذاب مع أمم قد مضت من قبلهم من الجن والإنس، وفي هذا أبين دليل على تكليف الثقلين، وتعلق الأمر والنهي بهم، ثم قال بعد ذلك: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا أي في الخير والشر يوفونها ولا يظلمون شيئًا من أعمالهم، فدل ذلك لا محالة أنهم كانوا مأمورين بالشرائع، متعبدين بها في الدنيا، ولذلك استحقوا الدرجات بأعمالهم في الآخرة في الخير والشر (١).\nوقوله تعالى كذلك: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ [الأحقاف: ٢٩].\nوالإنذار هو الإعلام بالخوف بعد انعقاد أسبابه، فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول ﵊ (٢).\nثم ما جاء من أمر هذا النفر من الجن لقولهم بإجابة دعوة الرسول ﵇ المستجابة لمغفرة الله لذنوب الجن ونجاتهم من العذاب، وذلك في قوله تعالى عن هؤلاء النفر: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١]. والذنب هو مخالفة الأمر وارتكاب النهي، وقوله: وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وهذا يدل على أن من لا يستجب منهم لداعي الله لم يجره من العذاب الأليم، وفيه بشارة لمن آمن بالرسول واستجاب لدعوته، وإنذار لمن كذب وعصى، وهذا صريح في تعلق الشريعة الإسلامية بهم (٣).\nثم عقب تعالى على ذلك بقوله عنهم: وَمَن لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [الأحقاف: ٣٢].\nوهذا تهديد شديد لمن تخلف عن إجابة داعي الله منهم، قال الإمام الطبري: (يقول تعالى مخبرًا عن قيل هؤلاء النفر لقومهم: ومن لا يجب أيها القوم رسول الله محمدًا ﷺ وداعيه إلى ما بعثه بالدعاء إليه، وهو توحيده والعمل بطاعته، فليس بمعجز ربه بهربه إذا أراد عقوبته على تكذيبه داعيه إلى الإسلام وتركه تصديقه، وإن ذهب في الأرض هاربًا، لأنه حيث كان فهو في سلطانه وقبضته، وليس لمن لم يجب داعي الله من دون ربه نصراء ينصرونه من الله إذا عاقبه ربه على كفره به وتكذيبه داعيه) (٤).\n_________\n(١) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤١٩).\n(٢) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢١).\n(٣) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢١).\n(٤) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٣٤).","vol":"8","page":383},{"text":"ب- قوله تعالى في سورة الأنعام: وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ [الأنعام: ١٢٨]. ثم قوله بعد ذلك: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ [الأنعام: ١٣٠]\nفهذه الآيات تتحدث عن الجن والإنس وموقفهم من بعضهم بعضًا، واستذكارهم لاستمتاعهم ببعضهم في الدنيا سواء كان بطاعة الإنس للجن فيما يأمرون به من الشهوات، أو التجاء الإنس بالجن عند النزول في واد أو قفر موحش لا أنيس به، وتلذذ بهذه الطاعة من قبل الإنس، التي تشعر بسيادة الجن على الإنس (١) فكان من نتيجة هذا الاستمتاع البعد عن طاعة الله، الذي ترتب عليه الخلود في النار كما نصت عليه الآية الكريمة.\nوقوله: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ [الأنعام: ١٢٨] فيه خطاب للصنفين، وهو صريح في اشتراكهم في العذاب واشتراكهم في العذاب يدل على اشتراكهم في التكليف.\nوقوله في الآية الأخرى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا فيه إنذار لهم بالخوف من عذاب ربهم على لسان الرسل الذين بعثوا إليهم، إذ هم تنكبوا الطريق ولم يمتثلوا لهذا الإنذار.\nج - قوله تعالى في سورة سبأ إخبارًا عن سليمان ﵇: وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ: ١٢].\nففي هذه الآية تهديد للجن بالعذاب إذا هم خالفوا أمره تعالى في طاعة نبيه سليمان ﵇ فيما يسخرهم به من القيام بشتى الأعمال التي يأمرهم بها، وهو يدل على تكليفهم، وإلا لما استحقوا العذاب على هذه المخالفة.\nد – ما جاء في سورة الرحمن من التهديد للجن والإنس في قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣١ - ٤٠].\n_________\n(١) «التفسير الكبير» (١٣/ ١٩١).","vol":"8","page":384},{"text":"فقد جاءت هذه الآيات بعد الحديث عن خلق النوعين: الإنس والجن في قوله تعالى: خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٥]. ثم خاطب الله النوعين بالخطاب المتضمن لاستدعاء الإيمان منهم، وإنكار تكذيبهم بآياته، وترغيبهم في وعده، وتخويفهم من وعيده، وتهديده بقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ وتخويفهم من عواقب ذنوبهم وأنه لعلمه بها لا يحتاج أن يسألهم عنها سؤال استعلام، بل يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ [الرحمن: ٤١]. ثم ذكر عقاب الصنفين وثوابهم، وهذا كله صريح في أنهم هم المكلفون المنهيون المثابون المعاقبون (١).\nوقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ (وعيد للصنفين المكلفين بالشرائع، قال قتادة: معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها، ومجيء الآخرة والجزاء فيها، والله سبحانه لا يشغله شيء عن شيء، والفراغ في اللغة على وجهين: فراغ من الشغل، وفراغ بمعنى القصد، وهو في هذا الموضع بالمعنى الثاني، وقد قصد لمجازاتهم بأعمالهم يوم الجزاء (٢».\nأما قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣]. فعلى الراجح من أقوال المفسرين أن هذا خطاب للجن والإنس في الآخرة (٣) عندما يجتمعون في صعيد واحد للحساب، حيث تكون الملائكة قد أحاطت بأقطار الأرض، وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب الخلائق، فلا يجدون مهربًا ولا منفذًا، كما قال تعالى: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر: ٣٢ - ٣٣]. قال مجاهد: (فارين غير معجزين) (٤). وقال الضحاك: (إذا سمعوا زفير النار ندُّوا هربًا، فلا يأتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفًا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: ١٧])، وعلى هذا فيكون المعنى: يا معشر الجن والإنس إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم في الآخرة فافعلوا. وقوله تعالى بعد ذلك: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٣٩]. فيه دليل على إضافة الذنوب إلى الثقلين، وهذا دليل على أنهما سويًا في التكليف (٥).\nوكذلك ما ورد من الآيات في ذم الشياطين ولعنهم، والتحرز من غوائلهم وشرهم، وذكر ما أعد الله لهم من العذاب، وهذه الخصال لا يفعلها الله تعالى إلا لمن خالف الأمر والنهي، وارتكب الكبائر وهتك المحارم مع تمكنه أن لا يفعل ذلك، وقدرته على فعل خلافه، وهذا كله يدل على أنهم مكلفون (٦).\n_________\n(١) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢٢).\n(٢) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢٢).\n(٣) «مختصر تفسير ابن كثير» (٣/ ٤١٩) «تفسير القرطبي» (١٧/ ١٦٩).\n(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ٣٨٢).\n(٥) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢٣).\n(٦) «آكام المرجان في أحكام الجان» (ص: ٣٤).","vol":"8","page":385},{"text":"هـ - ما جاء في سورة الجن من إخبار الله لنبيه ﵊ من استماع نفر من الجن إليه بقوله عنهم: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن: ١٣ - ١٧]. ثم التعقيب في أواخر السورة بقوله: إِلا بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣].\nفهو الجزاء من الله للمؤمنين من الجن والإنس على أعمالهم، فإن الله لا يبخس أحدًا من عباده على عمل عمله في الدنيا، بالإضافة إلى أن الله لن يحمله في الدنيا أكثر مما يستطيع، أما في الآخرة فإن الله أعد للمسلمين نعيمًا مقيمًا، لأنهم تحروا الصواب واختاروه عن معرفة وقصد، بعد تبين ووضوح. وأما القاسطون وهم الجائرون الظالمون المجانبون للعدل والصلاح، فهم حطب جهنم جزاء أعمالهم، ولو استقام هؤلاء النفر من الجن والإنس على الإسلام لأسقيناهم ماء موفورًا نغدقه عليهم، فيفيض عليهم بالرزق والرخاء، لنفتنهم فيه ونبتليهم أيشكرون أم يكفرون (١).\nوقد دلت هذه الآيات على أن الجن يجزون بأعمالهم خيرًا أو شرًا، وأنهم لا يعذبون في النار، وهذا مترتب على تكليفهم في الدنيا بفعل الطاعات وترك المعاصي، وإلا لما كان هذا العذاب للعصاة منهم، والثواب للطائعين منهم كذلك.\nومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الجن مكلفون بنص القرآن، وأنهم هم والإنس في ذلك سواء، وأنهم سيحاسبون على هذا التكليف في الآخرة، فإن أحسنوا فلهم الجنة، وإن أساءوا فالنار مثواهم جزاء عادلًا من الله سبحانه. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ١٧٦\n_________\n(١) «في ظلال القرآن» (٢٩/ ٣٣٠).","vol":"8","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2328>المطلب الثاني: الأدلة من السنة</span>\nوردت كثير من الأحاديث التي تثبت تكليف الجن، وأن رسول الله ﷺ قد قرأ عليهم القرآن، وأنهم مكلفون بالإيمان برسالته، فمن هذه الأحاديث:\n١ - أخرج مسلم في صحيحه من حديث عامر قال: «سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه. فالتمسناه في الأودية والشعاب. فقلنا: استطير أواغتيل. قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه. فقرأت عليهم القرآن، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد. فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحمًا. وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله ﷺ: فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم» (١).\nفقد دل هذا الحديث أن رسول الله ﷺ قد أتاه داعي الجن في إحدى الليالي، فذهب معه، وقرأ عليهم القرآن. وقراءته – ﵇ – القرآن على الجن تدل على أنهم مكلفون بهذا الكتاب كما كلف به الإنس.\nعن ابن عباس ﵄ قال: (ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء. وأرسلت عليهم الشهب. فرجعت الشياطين إلى قومهم. فقالوا: مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء. وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث. فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها. فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ. وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له. وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن: ١ - ٢]. فأنزل الله ﷿ على نبيه محمد ﷺ: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ١]) (٢).\nفقد دل هذا الحديث على استماع الجن للقرآن وتعجبهم منه. ثم انطلاقهم إلى قومهم منذرين بهذا القرآن، ولا شك أن هذا يدل على تكليفهم، وإلا لما انطلقوا إلى أقوامهم محذرين من عدم الإيمان به، وهو ظاهر في تعلق الشريعة بهم.\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٥٠).\n(٢) رواه البخاري (٧٧٣)، ومسلم (٤٤٩).","vol":"8","page":387},{"text":"٣ - روي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أتلو القرآن على الجن، فمن يذهب معي؟ فسكتوا، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، ثم قال عبد الله بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحجون، عند شعب أبي دب، فخط عليَّ خطًا فقال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحجون، فانحدر عليه أمثال الحجل، يحدرون الحجارة بأقدامهم يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة دفوفها، حتى غشوه فلا أراه، فقمت: فأوحى إليّ بيده أن أجلس، فتلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما انفتل إليّ قال: أردت أن تأتيني؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما كان ذلك لك، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد، فزودتهم العظم والبعر، فلا يستطيبن أحدكم بعظم ولا بعر» (١)\nفقوله ﵊: «أمرت أن أتلو القرآن على الجن» فيه دليل على تكليف الجن، حيث أمره الله سبحانه بقراءته عليهم، ثم قوله في الحديث: «هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين» فيه دليل على تكليفهم كذلك، بعد استماعهم للقرآن انطلقوا منذرين محذرين من الأعراض عن كتاب الله، ولا يكون هذا إلا فيمن كلفهم الله بالإيمان به والتبليغ لدينه.\n٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم. ونصرت بالرعب. وأحلت لي الغنائم. وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا. وأرسلت إلى الخلق كافة. وختم بي النبيون» (٢).\nقال السبكي: (ومحل الاستدلال قوله: «وأرسلت إلى الخلق كافة» فإنه يشمل الجن والإنس، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل، فلا يجوز) (٣). ثم يقول: (حديث مسلم الذي استدللنا به أصرح الأحاديث الدالة على شمول الرسالة للجن والإنس) (٤).\nوجاء من طرق هذا الحديث ما ورد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «أرسلت إلى الجن والإنس، وإلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم دون الأنبياء، وجعلت لي الأرض كلها مسجدًا وطهورًا» (٥).\nقال السبكي: (وهذا الحديث أصرح من حديث مسلم، لكنه ليس في الصحة مثله) (٦).\nهذا وقد تكررت وفادات الجن على الرسول ﷺ، وقد ذكر الألوسي أنها ست وفادات كما تقدم. وفي إحدى المرات التي قرأ الرسول ﵇ القرآن عليهم تبعه رجلان منهم وهو يصلي بأصحابه، فصليا بصلاته، وهذا صريح في تكليفهم.\nوالأحاديث الواردة في قراءة الرسول ﵊ القرآن على الجن، تفيد أنهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، ومحاسبون على أفعالهم، واجتماع هذه الروايات مع بعضها آكد في دلالتها على تكليف الجن من دلالتها على تكليفهم في حال انفرادها .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبيدات – ص: ١٨٨\n_________\n(١) «تفسير الماوردي» (٦/ ١٠٨)، «تفسير القرطبي» (١٩/ ٤)، «تفسير الرازي» (٣٠/ ١٣٥).\n(٢) رواه مسلم (٥٢٣).\n(٣) «فتاوى السبكي» (٥/ ٦٧).\n(٤) «فتاوى السبكي» (٥/ ٦٩).\n(٥) رواه مسلم (٥٢١).\n(٦) «فتاوى السبكي» (٥/ ٦٩).","vol":"8","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2329>المبحث الثاني: جنس الرسل المبعوثة إلى الجن</span>\nهل بعث إلى الجن رسل منهم، أم أن الرسل المبعوثين إليهم من الإنس فقط؟.\nاختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن رسل الجن هم من البشر، ولم يبعث إلى الجن رسول منهم، وهو رأي الجمهور من العلماء (١).\nالثاني: أنه ليس في الجن رسل ولكن منهم نذر عن الرسل، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج وأبو عبيد (٢).\nالثالث: أنه قد بعث إلى الجن رسل منهم، وهو رأي مقاتل والضحاك (٣) وابن حزم الأندلسي (٤).\nوالذي ينبغي أن يعلم في هذا المقام أن الجمهور والضحاك ومن معه متفقون على أن محمدًا ﷺ مبعوث إلى الجن والإنس معًا، وإنما الاختلاف بينهم في أنه هل بعث إلى الجن رسل من جنسهم قبل مبعث نبينا محمد ﵊ أم لا؟\nفالضحاك ومن معه يقولون: بأنه قد بعث إلى الجن رسل منهم قبل نبينا ﵇، والجمهور على خلافه، قال السبكي: (ومن نقل عن الضحاك مطلقًا أن رسل الجن منهم فهو محمول على هذا التقييد -أي قبل نبينا ﵇- ولم ينقل أحد عنه أن ذلك في هذه المسألة، وإن توهم أحد ذلك عليه فقد أخطأ، ويجب عليه النزوع وعدم اعتقاده، وأن لا ينسب إلى رجل عالم ما يخالف الإجماع، فيكون قد جنى عليه جناية يطالبه بها بين يدي الله تعالى) (٥) وقال: (ولم يقل الضحاك ولا أحد غيره باستمرار ذلك في هذه الملة، وإنما محل الخلاف في ذلك في الملل المتقدمة خاصة، وأما في هذه الملة فمحمد ﷺ هو المرسل إليهم وإلى غيرهم، والاستدلال بالإجماع في ذلك صحيح) (٦).\nوإليك تفصيل هذه الأقوال مع ذكر أدلتها:\nالقول الأول: وهو قول الجمهور بأن رسل الجن هم من البشر وليسوا من الجن.\nقال السبكي: (كونه ﷺ مبعوثًا إلى الإنس والجن كافة، وأن رسالته شاملة للثقلين، فلا أعلم فيه خلافًا، ونقل جماعة الإجماع عليه) (٧). وقال ابن نجيم:\n_________\n(١) «فتاوى السبكي» (٢/ ٦١٨)، «الأشباه والنظائر» (٢/ ٣٣٠)، «التفسير الكبير» (١٣/ ١٩٥)، «الفتاوى الحديثية» (٦٩).\n(٢) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٣١)، «تفسير القرطبي» (٧/ ٨٦)، «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (١/ ٤١٦)، «فتاوى السبكي» (٢/ ٦١٨).\n(٣) «تفسير القرطبي» (٧/ ٨٦)، «تفسير روح المعاني» (٨/ ٢٨)، «التفسير الكبير» (١٣/ ١٩٥).\n(٤) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٣/ ٢٦٤).\n(٥) «فتاوى السبكي» (٢/ ٦١٩).\n(٦) «فتاوى السبكي» (٢/ ٦٠٩).\n(٧) «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٩٤).","vol":"8","page":389},{"text":"(الجمهور على أنه لم يكن من الجن نبي) (١)، وقال ابن حجر الهيتمي: (وجمهور الخلف والسلف أنه لم يكن فيهم رسول ولا نبي خلافًا للضحاك) (٢). وقال في موضع آخر: (ولم يبعث إليهم نبي قبل نبينا قطعًا على ما قاله ابن حزم) (٣). وإيمان الجن بالتوراة كما يدل عليه أواخر سورة الأحقاف كان تبرعًا كإيمان بعض العرب من قريش وغيرهم بالإنجيل، إذ لم يثبت أن موسى أرسل لغير بني إسرائيل والقبط، ولا أن عيسى أرسل لغير بني إسرائيل (٤). وقال القاضي بدر الدين الشبلي: (وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا على أنه لم يكن من الجن قط رسول، ولم تكن الرسل إلا من الإنس، ونقل معنى هذا عن ابن عباس، وابن جريج، ومجاهد، والكلبي، وأبي عبيد، والواحدي) (٥). وقال ابن مفلح الحنبلي: (وليس منهم رسول، ذكر القاضي، وابن عقيل وغيرهما) (٦) وقال ابن القيم: (ولما كان الإنس أكمل من الجن وأتم عقولًا ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر ليس شيء منها للجن وهم: الرسل، والأنبياء، والمقربون، فليس في الجن صنف من هؤلاء بل حليتهم الصلاح) (٧).\nأدلة الجمهور:\nاستدل الجمهور بالكتاب والسنة والإجماع:\nأولًا: الأدلة من الكتاب: ومنها:\n١ - قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بلى [الأنعام: ١٣٠].\nقال القرطبي في تفسير هذه الآية: (ولما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل قال: مِّنكُمْ وإن كانت الرسل من الإنس، وغلب الإنس في الخطاب كما يغلب المذكر على المؤنث، وفي التنزيل: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٢٢]، أي من أحدهما، وإنما يخرج من الملح دون العذاب، فكذلك الرسل من الإنس دون الجن، فمعنى: (منكم) أي: من أحدكم، وكان هذا جائزا، لأن ذكرها سبق. وقيل: إنما صير الرسل في مخرج اللفظ من الجميع لأن الثقلين قد ضمتهما عرصة القيامة، والحساب عليهم دون الخلق، فلما صاروا في تلك العرصة في حساب واحد، في شأن الثواب والعقاب – خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة، كأنهم جماعة واحدة، لأن بدء خلقهم للعبودية، والثواب والعقاب على العبودية، ولأن الجن أصلهم من مارج من نار وأصلنا من تراب، وخلقهم غير خلقنا، فمنهم مؤمن وكافر، وعدونا إبليس عدو لهم يعادي مؤمنهم ويوالي كافرهم، وففيهم أهواء: شيعة، وقدرية، ومرجئة، يتلون كتابنا) (٨). وقال الألوسي: (ومنكم أي من جملتكم، لكن لا على أن يأتي كل رسول كل واحدة من الأمم، ولا على أن أولئك الرسل ﵈ من جنس الفريقين معًا، بل على أن يأتي كل أمة رسول خاص بها، وعلى أن تكون من الإنس خاصة، إذ المشهور أنه ليس من الجن رسل وأنبياء، ونظيره في هذا قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٢٢]، فإنهما إنما يخرجان من الملح فقط. والفراء قدر مضافًا لذلك: أي من أحدكم) (٩).\nوهذا هو تأويل الآية عند فريق من الجمهور، وهو منقول عن الكلبي وطائفة من السلف (١٠).\n٢ - قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف: ١٠٩].\n_________\n(١) «الأشباه والنظائر» (٢/ ٣٣٠).\n(٢) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٦٦).\n(٣) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٣/ ٢٦٤).\n(٤) «الفتاوى الحديثية» (ص: ١٢٣).\n(٥) «آكام المرجان في أحكام الجان» (ص: ٣٤)، «فتاوى السبكي» (٢/ ٦١٨).\n(٦) «كتاب الفروع» (١/ ٦٠٣).\n(٧) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (١/ ٤١٦).\n(٨) «تفسير القرطبي» (٧/ ٨٦).\n(٩) «تفسير روح المعاني» (٨/ ٢٨).\n(١٠) «فتاوى السبكي» (٢/ ٦١٩).","vol":"8","page":390},{"text":"قال القرطبي: (وهذا رد على القائلين: وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: ٨]. أي: أرسلنا رجالًا ليس فيهم امرأة، ولا جني، ولا ملك .. قال الحسن: لم يبعث الله نبيًا من أهل البادية قط، ولا من النساء، ولا من الجن .. قال العلماء: من شرط الرسول أن يكون آدميا مدنيًا، وإنما قالوا آدميًا تحرزًا من قوله: يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: ٦]. والله أعلم) (١). وقال ابن القيم في الآية: (فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيًا، ولا امرأة، ولا بدويًا، وأما تسميته تعالى الجن رجالًا في قوله: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: ٦]. فلم يطلق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله: مِّنَ الْجِنِّ فهم رجال من الجن، ولا يستلزم دخولهم في الرجال عند الإطلاق، كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب ونحوه) (٢).\n٣ - قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [النساء: ١٦٣]. وقوله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: ٢٧]. وذلك إخبارًا عن إسماعيل ﵇.\nفهذه الآيات قد أخبرت أن الله قد جعل النبوة في الرجال من البشر، ولو كان في الجن رسل وأنبياء لأخبر القرآن بذلك، والآيات السالفة إخبار من الله عن إبراهيم ﵇ أن الله قد جعل النبوة في ذريته من بعده، قال القرطبي: (فلم يبعث الله نبيًا بعد إبراهيم إلا من صلبه) (٣).\n٤ - قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان: ٢٠].\nفقد أخبر الله نبيه ﵊ أن الرسل الذين بعثهم قبله كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، والمقصود بذلك أنهم بشر، وليس في الآية ما يدل على بعث الرسل من خلاف الإنس.\n٥ - قوله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٣٣].\nقال الفخر الرازي: (وأجمعوا على أن المراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء فقط) (٤)، فلا يدخل فيه الجن أو غيرهم من البشر.\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (٩/ ٢٧٤).\n(٢) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (١/ ٤١٦).\n(٣) «تفسير القرطبي» (١٣/ ٣٤٠).\n(٤) «التفسير الكبير» (١٣/ ١٩٥).","vol":"8","page":391},{"text":"٦ - مجموع الأدلة التي دلت على أن نبينا محمدًا ﷺ قد بعث إلى الجن، وهي كثيرة جدًا، وقد تقدمت، وهذه الأدلة تفيد أن الرسل المبعوثين إلى الجن هم من البشر، كما هو الشأن في رسالة نبينا إلى الثقلين، حيث كانت دعوته ﵇ شاملة للإنس والجن جميعًا، قال ابن تيمية: (يجب على الإنسان أن يعلم أن الله ﷿ أرسل محمدًا ﷺ إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، وأوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته .. وأن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد ﷺ من الإنس والجن فلم يؤمن به استحق عقاب الله تعالى، كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين بعث إليهم الرسول، وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين، وسائر طوائف المسلمين: أهل السنة والجماعة وغيرهم ﵃، لم يخالف أحد من طوائف المسلمون في وجود الجن ولا في أن الله أرسل محمدًا ﷺ إليهم) (١). وقال أيضًا: (والآيات التي أنزل الله على محمد ﷺ فيها خطاب لجميع الخلق من الإنس والجن، إذ كانت رسالته عامة للثقلين، وإن كان من أسباب نزول الآيات ما كان موجودًا في العرب، فليس شيء من الآيات مختصًا بالسبب المعين الذي نزل فيه باتفاق المسلمين) (٢) وقال ابن حجر الهيتمي: (وقد تساهل من قال: بأن رسالته ﷺ – إلى الجن – اشتهرت اشتهارًا قريبًا من الضروري بآيات القرآن، وشهرة عموم رسالته تدل على ذلك كمنكر الإجماع، وفي كفره خلاف مذكور في الأصول) (٣).\nوالأدلة على إرسال نبينا ﵊ إلى الجن إنما تفيد أن الرسل من البشر، ولو كان رسل الجن منهم لما كلف نبيه بقراءة القرآن عليهم وتبليغهم وإنذارهم، ولكانت هذه من مهمة رسول الجن إليهم.\n٧ - قوله تعالى: إخبارًا عن النفر من الجن الذين ولوا إلى قومهم منذرين بعد سماعهم القرآن من الرسول ﵇: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠].\nوالذي نفهمه من هذه الآية أن هذا النفر من الجن كان منهم من آمن بموسى ﵇، مما يدل على أنه مرسل إليهم، قال القرطبي: (عن ابن عباس: أن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى، فلذلك قالت: أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى .. قال مقاتل: ولم يبعث الله نبيًا إلى الجن والإنس قبل محمد ﷺ) (٤) وفي هذا دليل على أنه لم يبعث إلى الجن رسولًا منهم.\nثانيًا: الأدلة من السنة:\nأخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود ..» الحديث (٥).\nفإخباره ﵊ أن كل نبي من الأنبياء السابقين كان يبعث إلى قومه خاصة فيه دليل على أن الجن لم يبعث إليهم رسول منهم، وذلك أن القوم في اللغة: هم جماعة الرجل من الرجال والنساء، فتخصيص الحديث بعث الرسل السابقين إلى أقوامهم بقوله: «إلى قومه» فيه دليل على أنهم جماعة ذلك النبي من الناس دون الجن، إذ لم يعهد في اللغة إطلاق لفظ القوم على جماعة الرجل من الجن.\n_________\n(١) «إيضاح الدلالة في عموم الرسالة» (ص: ٣).\n(٢) «إيضاح الدلالة في عموم الرسالة» (ص: ٣).\n(٣) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٦٩).\n(٤) «تفسير القرطبي» (١٦/ ٢١٧).\n(٥) رواه مسلم (٥٢١).","vol":"8","page":392},{"text":"وقوله ﵊ بعد ذلك: «وبعثت إلى كل أحمر وأسود» فيه مزيد بيان لما قلناه، حيث إن رسالة من قبله من الأنبياء كانت لأقوامهم من البشر خاصة، وامتاز نبينا ﵊ على غيره من الأنبياء بأنه قد بعث إلى الجن والإنس جميعًا، كما نص على ذلك الحديث المتقدم، وفي هذا دلالة على أنه لم يكن في الجن رسل منهم.\nوأما من ذكر بأن الرسل السابقين قبل نبينا ﵊ كانوا يبعثون إلى الإنس والجن جميعًا – كما ذكر الكلبي – فإن ذلك معارض بالحديث المتقدم، حيث اختص الرسول ﵇ على غيره من الأنبياء بأنه بعث إلى الجن والإنس جميعًا، ولم يحصل هذا لغير نبينا ﵊.\nثالثًا: الإجماع:\nقال الألوسي: (وادعى بعض قيام الإجماع على أنه لم يرسل إلى الجن رسل منهم، وإنما أرسل إليهم من الإنس) (١). ولكن الفخر الرازي اعترض على هذا الإدعاء فقال: (وما رأيت في تقرير هذا القول حجة إلا ادعاء الإجماع وهو بعيد، لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف) (٢)؟\nالقول الثاني: بأن في الجن نذرًا، وليس منهم رسل، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهم من السلف ...\nقال القرطبي: (وقال ابن عباس: رسل الجن هم الذين بلغوا قومهم ما سمعوه من الوحي كما قال: وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ) ثم قال: (وقال مجاهد: الرسل من الإنس والنذر من الجن ثم قرأ: إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ) يقول القرطبي: (وهو – أي قول مجاهد – معنى قول ابن عباس، وهو الصحيح) (٣) وقال ابن القيم: (قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ففيهم النذر) (٤) وقال الإمام الطبري: (عن ابن عباس وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: ٢٩]، قال كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رسلًا إلى قومهم) (٥). وقال السبكي: (والذين خالفوا الضحاك في تمسكه بظاهر قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ [الأنعام: ١٣٠]. إنما يؤلون هذه الآية، فقد قال ابن عباس ومجاهد وابن جريج وأبو عبيد: معناه: أن رسل الإنس رسل من الله إليهم، ورسل الجن قوم من الجن ليسوا رسلًا عن الله، ولكن بثهم الله في الأرض، فسمعوا كلام رسل الله، الذين هم من بني آدم، وجاءوا إلى قومهم من الجن فأخبروهم، كما اتفق للذين صرفهم الله إلى النبي ﷺ واستمعوا القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، فهم رسل عن الرسل، لا رسل عن الله تعالى، ويسمون نذرًا، ويجوز تسميتهم رسلًا، لتسمية رسل عيسى رسلًا في قوله تعالى: إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ [يس: ١٤] وجاء قوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ على ذلك، فالرسل على الإطلاق من الإنس، وهم رسل الله، والنذر من الجن، وهم رسل الرسل ويجوز تسميتهم رسلًا) (٦).\nوهذا القول هو التوجيه الآخر لفريق من الجمهور لقوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ وعلى هذا الأساس فهو لا يخالف رأي الجمهور، بل يؤيده ويدعمه.\nوبناء على ما تقدم فإن القولين معناهما واحد، وهو أنه لم يبعث إلى الجن رسل منهم إلى الرسل من الإنس فقط، وأدلة الفريق الثاني هي نفس أدلة الفريق الأول.\n_________\n(١) «تفسير روح المعاني» (٨/ ٢٨).\n(٢) «التفسير الكبير» (١٣/ ١٩٥).\n(٣) «تفسير القرطبي» (٧/ ٨٦).\n(٤) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (١/ ٤١٦).\n(٥) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٣١).\n(٦) «فتاوى السبكي» (٢/ ٦١٨).","vol":"8","page":393},{"text":"القول الثالث: القائلون بأن في الجن رسلًا منهم، وهو قول الضحاك، وذكر القرطبي ذلك عن مقاتل ﵀ فقال: (وقال مقاتل والضحاك: أرسل الله رسلًا من الجن كما أرسل من الإنس) (١). وذكر الإمام الطبري أنه يوجد غير الضحاك من القائلين بهذا القول فقال: (وأما الذين قالوا بقول الضحاك فإنهم قالوا: إن الله أخبر أن من الجن رسلًا أرسلوا إليهم، كما أخبر أن من الإنس رسلًا أرسلوا إليهم) (٢). فلعل ابن جرير قصد مقاتلًا ﵀. ونقل الألوسي أن الذين ذكروا بأن من الجن أنبياء منهم قد صرحوا بأن رسولًا منهم يسمى يوسف (٣). وقال ابن حزم: (ولم يبعث إلى الجن نبي من الإنس البتة قبل محمد ﷺ، لأنه ليس الجن من قوم إنسي، وباليقين ندري أنهم قد أنذروا، فصح أنه جاءهم أنبياء منهم قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ) (٤).\nأدلة هذا الفريق:\nاستدل هذا الفريق على ما ذهب إليه بما يلي:\n١ - قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ.\nقال الشوكاني: (وظاهره أن الله بعث في الدنيا إلى الجن رسلًا منهم، كما بعث إلى الإنس رسلًا منهم) (٥). وقال ابن حجر الهيتمي: (وظاهر القرآن يشهد للضحاك، والأكثرون في خلافه) (٦). وقال الألوسي: (وظاهر الآية يقتضي إرسال الرسل إلى كل من المعشرين من جنسهم) (٧).\nووجه استدلال الضحاك بهذه الآية: أن الله خاطب الجن والإنس بأنه قد بعث إليهم رسلًا منهما، بدليل قوله تعالى: مِّنكُمْ وهو يقتضي بعث الرسل إلى الجن منهم وبعث الرسل إلى الإنس منهم كذلك.\n٢ - وذكر الفخر الرازي أن الضحاك احتج بقوله بإرسال الرسل إلى الجن منهم بقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]. ويقول: (ويمكن أن يحتج الضحاك بوجه آخر وهو قوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩]. قال المفسرون: السبب في استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك، فوجب في حكمة الله تعالى أن يجعل رسول الإنس من الإنس ليكمل هذا الاستئناس، إذا ثبت هذا المعنى فهذا السبب حاصل في الجن، فوجب أن يكون رسول الجن من الجن) (٨).\n٣ - قال ابن حجر الهيتمي: (وما يدل لما قاله الضحاك ما صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]. قال: سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى) (٩) (١٠).\n٤ - ذكر ابن نجيم أن الضحاك وابن حزم احتجا على أنه كان من الجن نبي بقوله ﵊: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة» (١١) الحديث. قال: (وليس الجن من قومه، ولا شك أنهم أنذروا، فصح أنه جاءهم أنبياء منهم) (١٢).\nالقول الراجح: يتبين لنا مما تقدم من أدلة الفريقين أن قول الجمهور هو القول الراجح، وذلك للأدلة التي اعتمدوا عليها .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٢٠٩\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (٧/ ٨٦).\n(٢) «تفسير الطبري» (٨/ ٣٦).\n(٣) «تفسير روح المعاني» (٨/ ٢٨).\n(٤) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (٣/ ٢٦٤).\n(٥) «تفسير فتح القدير» (٢/ ١٦٣).\n(٦) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٦٦).\n(٧) «تفسير روح المعاني» (٨/ ٢٨).\n(٨) «التفسير الكبير» (١٣/ ١٩٥).\n(٩) رواه الحاكم (٢/ ٥٣٥). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(١٠) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٦٦).\n(١١) رواه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).\n(١٢) «الأشباه والنظائر» (ص: ٣٣٠).","vol":"8","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2331>تمهيد</span>\nوإذا كان الجن مكلفين بالإيمان بالله وطاعته فلا شك أن مؤمنهم يستحق الثواب، وأن كافرهم يستحق العقاب، جزاء لكل منهم حسب عمله.\nوقد تحدثت آيات القرآن الكريم عن ثواب الجن وعقابهم في مواضع متعددة، جامعة بينهم وبين الإنس:\nقال تعالى مخاطبًا الجن والإنس: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٤٦]. وقال: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٥٦ - ٥٧]. وقال: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١]. وقال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩]. وقال: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ثواب الجن وعقابهم بحسب أعمالهم. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٢٣٥","vol":"8","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2332>المطلب الأول: جزاء كافرهم في الآخرة</span>\nقد اتفق الجمهور على أن كفارهم يعذبون في النار قال ابن القيم: (وقد اتفق المسلمون على أن كفار الجن في النار، وقد دل على ذلك القرآن في غير موضع كقوله تعالى: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣]، وقوله: لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٥]، فملؤها منه – أي إبليس به وبكفار ذريته. وقال تعالى: قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ [الأعراف: ٣٨]). إلى أن يقول: (وبالجملة فهذا أمر معلوم بالاضطرار في دين الإسلام) (١). وقال: (ولما كان أبوهم – أي إبليس – هو أول من دعا إلى معصية الله، وعلى يده حصل كل كفر وفسوق وعصيان فهو الداعي إلى النار، وكان أول من يكسى حلة من النار يوم القيامة، يسحبها وينادي: واثبوراه، فأتباعه من أولاده وغيرهم خلفه ينادون: واثبوراه، حتى قيل: إن كل عذاب يقسم على أهل النار يبدأ به فيه ثم يصير إليهم) (٢). وقال ابن حجر الهيتمي: (واعلم أن العلماء اتفقوا على أن كافرهم يعذب في الآخرة) (٣)، قال الألوسي في قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٥٨]. (أي: والله لقد علمت الشياطين – أي جنسهم – أن الله تعالى يحضرهم، ولابد من النار ويعذبهم بها، ولو كانوا مناسبين له تعالى أو شركاء في استحقاق العبادة أو التصرف لما عذبهم سبحانه) (٤).\nوقال الإمام الطبري في تفسيره لقوله تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت: ٢٥]. (عن السدي: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: وحق على هؤلاء الذين قيضنا لهم قرناء من الشياطين، فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم العذاب في أمم قد مضت قبلهم من ضربائهم، حق عليهم من عذابنا مثل الذي حق على هؤلاء: بعضهم من الجن، وبعضهم من الإنس إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ أن تلك الأمم الذين حق عليهم عذابنا من الجن والإنس كانوا مغبونين ببيعهم رضا الله ورحمته، بسخطه وعذابه) (٥). عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٢٣٥\n_________\n(١) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤١٧).\n(٢) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤١٧).\n(٣) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٧٠).\n(٤) «تفسير روح المعاني» (٢٣/ ١٥١).\n(٥) «تفسير الطبري» (٢٤/ ١١).","vol":"8","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2333>المطلب الثاني: جزاء مؤمنهم في الآخرة</span>\nوأما بالنسبة لثواب مؤمنيهم في الآخرة:\nفقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال:\nالقول الأول: أنه لا ثواب لهم إلا النجاة من النار ثم يقال لهم: كونوا ترابًا مثل البهائم. وهو قول أبي حنيفة، وحكاه سفيان الثوري عن الليث بن أبي سليم، وهو رواية عن مجاهد، وبه قال الحسن البصري.\nقال ابن القيم: (وحكى عن أبي حنيفة وغيره أن ثوابهم نجاتهم من النار) (١). وقال الماوردي: (وحكى سفيان عن ليث أنهم يثابون على الإيمان بأن يجازوا على النار خلاصًا منها، ثم يقال لهم: كونوا ترابًا كالبهائم) (٢).\nوقال القرطبي: (وقال أبو حنيفة: ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم كونوا ترابًا كالبهائم) (٣). وذكر الشوكاني عن أبي الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: (مسلمو الجن لا يدخلون الجنة ولا النار، وذلك أن أخرج أباهم من الجنة، فلا يعيده ولا يعيد ولده) (٤). وقال ابن نجيم: (واختلف العلماء في حكم مؤمن الجن: فقال قوم: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، وإليه ذهب أبو حنيفة ﵀) (٥). وعن الليث: (ثوابهم أن يجاروا من النار ثم يقال لهم: كونوا ترابًا كالبهائم، وعن أبي الزناد كذلك) (٦). وقال الحسن: (ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار) (٧) وذكر القرطبي في رواية عن مجاهد أن الجن لا يدخلون الجنة وإن صرفوا عن النار (٨).\nأدلة هذا الفريق:\nاستدل هذا الفريق بقوله تعالى إخبارًا عن النفر من الجن الذين استمعوا القرآن: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١].\nووجه استدلالهم بها: أن المغفرة للذنوب لا تستلزم الإثابة لأنه ستر، والإثابة بالوعد فضل (٩). وقال ابن القيم: (واحتج هؤلاء بهذه الآية فجعل غاية ثوابهم إجارتهم من العذاب الأليم) (١٠). والآية قد دلت على إجارتهم من النار ولم تذكر دخولهم الجنة، أو الثواب على أعمالهم.\nالقول الثاني: أنهم يثابون على الطاعة بدخول الجنة، على خلاف في حالهم فيها، نقله ابن حزم عن الجمهور، وممن قال به الضحاك وابن عباس، وهو قول الخليفة عمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم (١١). وابن أبي ليلى، والأوزاعي، ورجحه القرطبي، وهو قول أكثر المفسرين.\nالقول الثالث: التوقف في المسألة.\nقال الألوسي: (قال الكردي: وهو في أكثر الروايات. وفي فتاوى أبي إسحاق الصفار أن الإمام – أبا حنيفة – يقول: لا يكونون في الجنة ولكن في معلوم الله تعالى، لأنه لا استحقاق للعبد على الله تعالى، ولم يقل بطريق الوعد في حقهم إلا المغفرة والإجارة من العذاب، أما نعيم الجنة فموقوف على الدليل) (١٢). وقال القشيري: (والصحيح أن هذا – أي دخولهم الجنة – مما لم يقطع فيه بشيء والله أعلم) (١٣).\nلكن الجمهور من المسلمين القائلين بثواب المؤمنين من الجن في الآخرة اختلفوا في كيفية الثواب؟:\n١ - فقد ذهب الأكثرون منهم إلى أنهم في الجنة ويصيبون من نعيمها (١٤).\n_________\n(١) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤١٨).\n(٢) «أعلام النبوة» (ص: ١٤٥).\n(٣) «تفسير القرطبي» (١٦/ ٢١٧).\n(٤) «تفسير فتح القدير» (٢/ ١٦٤).\n(٥) «الأشباه والنظائر» (ص: ٣٣٠).\n(٦) «الأشباه والنظائر» (ص: ٣٣٠).\n(٧) «تفسير القرطبي» (١٦/ ٢١٧).\n(٨) «تفسير القرطبي» (١٩/ ٥).\n(٩) «الأشباه والنظائر» (ص: ٣٢٦).\n(١٠) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢٧).\n(١١) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٣٣).\n(١٢) «تفسير روح المعاني» (٢٧/ ١٢، ٢٦/ ٣٢).\n(١٣) «تفسير القرطبي» (١٦/ ٢١٧).\n(١٤) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤١٨).","vol":"8","page":397},{"text":"٢ - ونقل عن الخليفة عمر بن عبد العزيز أنهم يكونون في ربض الجنة، وذكره الألوسي عن الإمام مالك وطائفة من العلماء (١). وقال ابن تيمية: (وروي في حديث رواه الطبراني: أنهم يكونون في ربض الجنة، يراهم الإنس من حيث لا يرونهم) (٢). وذكر ابن القيم أن سهل بن عبد الله قال: بأنهم يكونون في ربض الجنة، يراهم المؤمنون من حيث لا يرونهم (٣).\n- وقال جماعة: أنهم على الأعراف بين الجنة والنار، ذكره الألوسي (٤) ومقتضى هذا القول أنهم يدخلون الجنة فيما بعد، إذ أن هذا هو نهاية أصحاب الأعراف.\n- وفي رواية ذكرها ابن نجيم عن الضحاك أنهم يلهمون التسبيح والذكر، فيصيبون من لذته ما يصيبه بنو آدم من نعيم الجنة (٥). ولكن ذكر النووي في شرحه لصحيح مسلم أن الضحاك قال بأن الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون (٦). وهو ما نقله الفخر الرازي عنه إذ يقول: (قال الضحاك: يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، والدليل على صحة هذا القول: أن كل دليل دل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن) (٧) وعقب الفخر الرازي على ذلك بقوله: (والفرق بين البابين بعيد) (٨) أي ثواب الإنس وثواب الجن. وقال القرطبي: (واختلفوا في دخول مؤمني الجن الجنة على حسب الاختلاف في أصلهم، فمن زعم أنهم من الجان لا من ذرية إبليس قال: يدخلون الجنة بإيمانهم، ومن قال: إنهم من ذرية إبليس فلهم فيه قولان: أحدهما: وهو قول الحسن: يدخلونها. الثاني: وهو رواية مجاهد: لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار، حكاه الماوردي) (٩).\nالقول الراجح مما تقدم:\nوالراجح – والله أعلم – أن الجن يثابون على أعمالهم، ويدخلون الجنة، ويصيبون من نعيمها، وذلك لأن ظواهر الآيات الواردة في جزاء الجن في الآخرة تقتضي ذلك. لأنها جاءت عامة في استحقاق المحسنين لجزاء أعمالهم، ولم يرد دليل يخصصها، فتبقى على عمومها، وهو مذهب أكثر الفقهاء.\n_________\n(١) «تفسير روح المعاني» (٢٧/ ١٢٠)، «الأشباه والنظائر» (٢/ ٣٣٠).\n(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٣٣). ولم أقف على حديث الطبراني هذا.\n(٣) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤١٨).\n(٤) «تفسير روح المعاني» (٢٧/ ١٢٠).\n(٥) «الأشباه والنظائر» (٢/ ٣٣٠).\n(٦) «صحيح مسلم بشرح النووي» (٤/ ١٦٩).\n(٧) «التفسير الكبير» (٢٨/ ٣٣).\n(٨) «التفسير الكبير» (٢٨/ ٣٣).\n(٩) «تفسير الماوردي» (٦/ ١٠٩).","vol":"8","page":398},{"text":"قال الفخر الرازي: (والصحيح أنهم في حكم بني آدم، فيستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهذا القول قول ابن أبي ليلى ومالك، وجرت بينه وبين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة) (١). وقال الألوسي: (وعموميات الآيات تدل على الثواب) (٢). وقال ابن حجر الهيتمي: (والصحيح الذي قاله ابن أبي ليل، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم ﵃، أنهم يثابون على طاعتهم) (٣). وقال الشوكاني: (وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: الخلق أربعة: فخلق في الجنة كلهم، وخلقان في الجنة والنار، فأما الذين في الجنة كلهم فالملائكة، وأما الذين في النار كلهم فالشياطين، وأما الذين في الجنة والنار فالإنس والجن، لهم الثواب، وعليهم العقاب) (٤). وقال النووي في شرح صحيح مسلم: (والصحيح أنهم يدخلونها ويتنعمون فيها بالأكل والشرب وغيرها، وهذا قول الحسن البصري، والضحاك، ومالك بن أنس، وابن أبي ليلى وغيرهم) (٥). وقال ابن القيم: (وأما الجمهور فقالوا: مؤمنهم في الجنة كما أن كافرهم في النار) (٦).\nوأيضا فقد تقدم القول بتكليفهم فيكون الواجب عليهم كالواجب علينا وهو ما فيه ثواب، ولا ثواب في الآخرة إلا الجنة.\nوأما القول: بأنه لا جزاء لهم إلا الجنة محتجًا بقوله تعالى: يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١]. فمن الواضح أنه لا يلزم من الاقتصار على ذكر المغفرة والنجاة من العذاب نفي ثوابهم، كيف وقد ثبت بالأدلة المتعددة ثوابهم وتنعمهم بالجنة كما سيأتي.\nوأما من قال بأنهم على الأعراف: بين الجنة والنار فهو قول لا دليل عليه، ثم إن وقوف أصحاب الأعراف عقاب من الله يعقبه دخول الجنة كما قال تعالى: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف: ٤٦]. ولذلك قال بعض السلف: ما أطمعهم إلا ليدخلهم، والحديث في مؤمني الجن الذين لا عقاب عليهم (٧).\nوأما من قال بالتوقف في كيفية ثوابهم فهو بعيد، إذ لا موجب له مع شهادة النصوص بدخولهم الجنة (٨).\nوأما من قال بأنهم في ربض الجنة، أو أنهم يلهمون التسبيح فيصيبون من لذته ما يصيبه بنو آدم من النعيم، فأنها أقوال لا دليل عليها.\nقال محمد رشيد رضا في هذه الأقوال: (وشذ من قال أن مسلمي الجن لا يدخلون الجنة، إذ ليس لهم ثواب، وأشد منه شذوذًا من زعم أنهم لا يدخلون الجنة ولا النار، نقل ذلك السيوطي عن ليث بن أبي سليم، وهو مخالف لنصوص القرآن، وليث هذا مضطرب الحديث وإن روى عنه مسلم، وقد اختلط عقله في آخر عمره، ولعله قال هذا القول وغيره مما أنكر عليه بعد اختلاطه) (٩).\nالأدلة على ذلك:\n١ - قوله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا.\n_________\n(١) «التفسير الكبير» (٢٨/ ٣٣).\n(٢) «تفسير روح المعاني» (٢٦/ ٣٢).\n(٣) «الفتاوى الحديثية» (ص: ٧٠).\n(٤) «تفسير فتح القدير» (٢/ ١٦٤).\n(٥) «صحيح مسلم بشرح النووي» (٤/ ١٦٩).\n(٦) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (٤١٨).\n(٧) «الفتاوى الحديثية» (ص: ١٢٣).\n(٨) «الفتاوى الحديثية» (ص: ١٢٣).\n(٩) «تفسير المنار» (٨/ ١١٢). وانظر ترجمة ليث بن أبي سليم في «المجروحين» لابن حبان (٢/ ٢٣١)، «ميزان الاعتدال» (٥/ ٥٠٩).","vol":"8","page":399},{"text":"قال ابن القيم: (أي ولكل درجات في الخير والشر يوفونها ولا يظلمون شيئًا من أعمالهم، وهو ظاهر جدًا في ثوابهم وعقابهم، وأن مسيئهم يستحق العذاب باساءته، ومحسنهم يستحق الدرجات بإحسانه) (١). وقال محمد رشيد رضا: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا (أي ولكل من معشري الجن والإنس الذين بلغتهم دعوة الرسل درجات ومنازل من جزاء أعمالهم، تتفاوت بتفاوتهم فيها) (٢). وقال بدر الدين الشبلي: (وقال ابن الصلاح في بعض تعاليقه: حكي عن ابن عبد الحكم أنه سئل عن الجن: هل لهم جزاء في الآخرة على أعمالهم؟ فقال: نعم، والقرآن يدل على ذلك، قال تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا (٣). الآية).\n٢ - قوله تعالى: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٥].\nقال سيد قطب: (ودل هذا على أن الجن يعذبون بالنار، ومفهومه أنهم كذلك ينعمون بالجنة، هكذا يوحي النص القرآني، وهو الذي نستمد منه تصورنا، فليس لقائل بعد هذا أن يقول شيئًا يستند فيه إلى تصور غير قرآني عن طبيعة الجن وطبيعة النار أو الجنة، فسيكون ما قاله الله حقًا بلا جدال) (٤).\n٣ - قوله تعالى: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١].\nقال الألوسي: (وهذا ونحوه يدل على أن الجن مكلفون، ولم ينص ههنا على ثوابهم إذا أطاعوا، وعموميات الآيات تدل على الثواب، وعن ابن عباس: لهم ثواب وعليهم عقاب، يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها، ولعل الاقتصار هنا على ما ذكر لما فيه من التذكير بالذنوب، والمقام مقام الإنذار، فلذا لم يذكر فيه شيء من الثواب) (٥). وقال ابن القيم: (وقد ثبت أنهم إذا أجابوا داعي الله غفر لهم وأجارهم من عذابه، وكل من غفر له دخل الجنة ولابد، وليس فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار) (٦). وقال القرطبي في الآية السالفة: (هذه الآي تدل على أن الجن كالإنس في الأمر والنهي والثواب والعقاب) (٧).\nوالله سبحانه وهو أعدل العادلين إذا كان يعذب عاصيهم فعدله يقتضي أن يكافئ طائعهم بالثواب على عمله، قال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه: ١١٢]. أي لا يخاف زيادة سيئاته ولا نقصان حسناته، وإذا كان المؤمنون ينادون يوم القيامة لاستلام جوائزهم فكيف لا ينادى مؤمنو الجن لاستلام هذه الجوائز؟!، وذلك جزاء عادلًا من الله على عملهم في الدنيا، ورحمة منه لعباده المؤمنين.\nوقد ذكر الإمام البخاري في (صحيحه) بابا سماه: باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم (٨) وفي هذا دلالة على ثوابهم بنعيم الجنة يوم القيامة.\n٤ - قوله تعالى: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا.\nقال ابن القيم: (وبهذه الحجة احتج البخاري، ووجه الاحتجاج بها: أن البخس المنفي هو نقصان الثواب، والرهق: الزيادة في العقوبة على ما عمل، فلا ينقص من ثواب حسناته، ولا يزداد في سيئاته) (٩).\n٥ - قوله تعالى في سورة الرحمن: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٥٦].\n_________\n(١) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ١٤٩).\n(٢) «تفسير المنار» (٨/ ١١١).\n(٣) «آكام المرجان في أحكام الجان» (ص: ٥٦).\n(٤) «في ظلال القرآن» (٢٩/ ١٥٦).\n(٥) «تفسير روح المعاني» (٢٦/ ٣٢).\n(٦) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢٧).\n(٧) «تفسير القرطبي» (١٦/ ٢١٧).\n(٨) «صحيح البخاري» (٤/ ١٧٦).\n(٩) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢٤).","vol":"8","page":400},{"text":"قال الشوكاني: (وفي هذه الآية – بل في كثير من آيات هذه السورة دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه وعملوا بفرائضه وانتهوا عن مناهيه) (١).\nوفي هذه الآية دليل على أن الجن ينالهم نصيبهم من الحور العين كالإنس، قال الإمام القرطبي: (في هذه الآية دليل على أن الجن تغشى كالإنس وتدخل الجنة، ويكون لهم فيها جنيات، قال ضمرة: للمؤمنين منهم أزواج من الحور العين، فالإنسيات للإنس والجنيات للجن) (٢). وقال النسفي: (وهذا دليل على أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس) (٣). وقال الألوسي: (ويجوز أن تكون الحور كلهن نوعًا واحدًا، ويعطي الجن منهن، لكنه في تلك النشأة غيره في هذه النشأة، ويقال: ما يعطاه الإنسي منهن، لم يطمثها إنسي قبله، وما يعطاه الجني لم يطمثها جني قبله، وبهذا فسر البلخي الآية. وقال الشعبي والكلبي: تلك القاصرات الطرف من نساء الدنيا لم يمسهن منذ أنشئن النشأة الآخرة خلق قبل، والذي يعطاه الإنسي زوجته المؤمنة التي كانت له في الدنيا، ويعطى غيرها من نسائها المؤمنات أيضًا، وكذا الجني يعطى زوجته المؤمنة التي كانت له في الدنيا من الجن، ويعطى غيرها من نساء الجن المؤمنات أيضًا، ويبعد أن يعطى الجني من نساء الدنيا الإنسانيات في الآخرة، والذي يغلب على الظن أن الإنسي يعطى من الإنسيات والحور، والجن يعطى من الجنيات والحور، ولا يعطى إنسي جنية، ولا جني إنسية، وما يعطاه المؤمن إنسيًا كان أو جنيًا من الحور شيء يليق به وتشتهيه نفسه، وحقيقة تلك النشأة وراء ما يخطر بالبال) (٤).\nثم قال الألوسي: (واستدل بالآية على أن الجن يدخلون الجنة ويجامعون فيها كالإنس، فهم باقون فيها منعمين، كبقاء المعذبين منهم في النار، وهو مقتضى ظاهر ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد وابن أبي ليلى والأوزاعي، وعليه الأكثر كما ذكره العيني في شرح البخاري من أنهم يثابون على الطاعة، ويعاقبون على المعصية، ويدخلون الجنة، فإن ظاهره أنهم كالإنس يوم القيامة) (٥).\nوقد استدل ابن القيم بقوله تعالى في سورة الرحمن: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ إلى قوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٤٦ - ٥٦].\nقال ابن القيم: وهذا يدل على أن ثواب محسنهم الجنة من عدة وجوه:\nأ- أن (من) من صيغ العموم، فتتناول كل خائف.\nب- أنه رتب الجزاء المذكور على خوف مقامه تعالى، فدل على استحقاقه به.\nج- قوله عقيب هذا الوعد: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٤٧].\nد- أنه ذكر في وصف نسائهم أنهن: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ وهذا والله أعلم معناه: أنه لم يطمث نساء الإنس إنس قبلهم ولا نساء الجن جن قبلهم (٦).\nوقال ابن كثير في قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦]. (وهذه الآية عامة في الإنس والجن، فهي من أدل دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا) (٧).\nإلى غير ذلك من آيات هذه السورة – أي سورة الرحمن – الدالة على ثواب الجن في الآخرة وتنعمهم بالجنة.\nقال ابن القيم: (وقد ثبت أن منهم المؤمنين فيدخلون في العموم، كما أن كافرهم يدخل في الكافرين المستحقين للوعيد، ودخول مؤمنهم في آيات الوعد أولى من دخول كافرهم في آيات الوعيد، فإن الوعد فضله، والوعيد عدله، وفضله من رحمته، وهي تغلب غضبه. وأيضا فإن دخول عاصيهم النار إنما كان لمخالفته أمر الله، فإذا أطاع الله أدخل الجنة، وأيضا فإنه لا دار للمكلفين سوى الجنة أو النار، وكل من لم يدخل النار من المكلفين فالجنة مثواه) (٨) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٢٣٧\n_________\n(١) «تفسير فتح القدير» (٥/ ١٤١).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٧/ ١٨١).\n(٣) «تفسير النسفي» (٥/ ١٣٣) المكتبة الأموية/بيروت/دمشق.\n(٤) «تفسير روح المعاني» (٢٧/ ١١٩) و«تفسير القرطبي» (١٧/ ١٨١).\n(٥) «تفسير روح المعاني» (٢٧/ ١١٩) و«عمدة القارى شرح صحيح البخاري للعيني» (١٥/ ١٨٤).\n(٦) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢٥).\n(٧) «مختصر تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٢١).\n(٨) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٤٢٦).","vol":"8","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2335>المبحث الأول: أهداف الشيطان</span>\nالهدف البعيد:\nهناك هدف وحيد يسعى الشيطان لتحقيقه في نهاية الأمر، هو أن يلقى الإنسان في الجحيم، ويحرمه الجنة، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:٦].\nالأهداف القريبة\nذلك هو هدف الشيطان البعيد، أما الأهداف فهي:\n١ - إيقاع العباد في الشرك والكفر:\nوذلك بدعوتهم إلى عبادة غير الله والكفر بالله وشريعته: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر: ١٦].\nوروى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار أن النبي ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته: «يا أيها الناس، إن الله تعالى أمرني أن أعلمكم ما جهلتم، مما علمني يومي هذا، إن كل ما منحته عبدي فهو له حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» (١).\n٢ - إذا لم يستطع تكفيرهم فيوقعهم في الذنوب:\nفإذا لم يستطع إيقاعهم في الشرك والكفر، فإنه لا ييئس، ويرضى بما دون ذلك من إيقاعهم في الذنوب والمعاصي، وغرس العداوة والبغضاء في صفوفهم، ففي سنن الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن: «ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدًا، ولكن ستكون له طاعة في بعض ما تحقرون من أعمالكم، فيرضى بها» (٢). وفي صحيح البخاري وغيره: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (٣). أي بإيقاع العداوة والبغضاء بينهم، وإغراء بعضهم ببعض، كما قال تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ [المائدة: ٩١].\nوهو يأمر بكل شر إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٦٩].\nوخلاصة الأمر فكل عبادة محبوبة لله فهي بغيضة إلى الشيطان، وكل معصية مكروهة للرحمن فهي محبوبة للشيطان.\n٣ - صده العباد عن طاعة الله:\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٦٥).\n(٢) رواه الترمذي (٣٠٨٧)، وابن ماجه (٢٤٩٧)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٢/ ٤٤٤) (٤١٠٠). من حديث عمرو بن الأحوص ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) رواه مسلم (٢٨١٢) من حديث جابر ﵁. ولم أجده في البخاري.","vol":"8","page":402},{"text":"وهو لا يكتفي بدعوة الناس إلى الكفر والذنوب والمعاصي بل يصدهم عن فعل الخير، فلا يترك سبيلًا من سبل الخير يسلكه عبد من عباد الله إلا قعد فيه، يصدهم ويميل بهم، ففي الحديث: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟! فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول (الطول: الحبل الطويل، يشد أحد طرفيه في وتد أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس ليدور فيه، ويرعى ولا يذهب لوجهه). فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟! قال: فعصاه فجاهد: فمن فعل ذلك كان حقًا على الله أن يدخل الجنة، ومن قتل كان حقًا على الله أن يدخل الجنة» (١).\nومصداق ذلك في كتاب الله ما حكاه الله عن الشيطان أنه قال لرب العزة: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٦ - ١٧].\nوقوله لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ: أي على صراطك، فهو منصوب بنزع الخافض أوهو منصوب بفعل مضمر، أي لألزمن صراطك، أو لأرصدنه، أو لأعوجنه.\nوعبارات السلف في تفسير الصراط متقاربة، فقد فسره ابن عباس بأنه الدين الواضح، وابن مسعود بأنه كتاب الله، وقال جابر: (هو الإسلام)، وقال مجاهد: (هو الحق) (٢).\nفالشيطان لا يدع سبيلًا من سبل الخير إلا قعد فيه يصد الناس عنه.\n٤ - إفساد الطاعات:\nإذا لم يستطع الشيطان أن يصدهم عن الطاعات، فإنه يجتهد في إفساد العبادة والطاعة، كي يحرمهم الأجر والثواب، فقد جاء أحد الصحابة إلى الرسول ﷺ يقول له: «إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يلبسها عليَّ.\nفقال رسول الله ﷺ: ذلك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه. واتفل على يسارك ثلاثًا. قال: ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني» (٣).\nفإذا دخل العبد في صلاته أجلب عليه الشيطان يوسوس له، ويشغله عن طاعة الله، ويذكره بأمور الدنيا، ففي صحيح مسلم أن الرسول ﷺ قال: «إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة، أحال له ضراط، حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس، فإذا سمع الإقامة، ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس» (٤).\nوفي رواية: «فإذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر من قبل حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى» (٥). عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر – ص: ٥٥\n٥ - الإيذاء البدني والنفسي:\nكما يهدف الشيطان إلى إضلال الإنسان بالكفر والذنوب، فإنه يهدف إلى إيذاء المسلم في بدنه ونفسه، ونحن نسوق بعض ما نعرفه من هذا الإيذاء.\nأ- مهاجمة الرسول ﷺ:\n_________\n(١) رواه النسائي (٦/ ٢١)، وأحمد (٣/ ٤٨٣) (١٦٠٠٠)، وابن حبان (١٠/ ٤٥٣) (٤٥٩٣)، والطبراني (٧/ ١١٧) (٦٥٥٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٢١) (٤٢٤٦). من حديث سبرة بن أبي فاكه ﵁. قال ابن حجر في «الإصابة» (٢/ ١٤): إسناده حسن إلا أن في إسناده اختلاف، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».\n(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٣٦).\n(٣) رواه مسلم (٢٢٠٣). من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٣٨٩). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٥) رواه البخاري (٦٠٨)، ومسلم (٣٨٩). من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"8","page":403},{"text":"وذلك كما في الحديث الذي يخبر فيه الرسول ﷺ بمهاجمة الشيطان له، ومجيء الشيطان بشهاب من نار ليرميه في وجه الرسول ﷺ.\nب – الحلم من الشيطان:\nللشيطان القدرة على أن يرى الإنسان في منامه أحلامًا تزعجه وتضايقه بهدف إحزانه وإيلامه.\nفقد أخبر الرسول ﷺ أن الرؤى التي يراها المرء في منامه ثلاثة: رؤيا من الرحمن، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا حديث نفس (١) وفي صحيح البخاري أن الرسول ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره» (٢).\nج- إحراق المنازل بالنار:\nوذلك بواسطة بعض الحيوانات التي يغريها بذلك، ففي سنن أبي داود وصحيح ابن حبان بإسناد صحيح أن الرسول ﷺ قال: «إذا نمتم فأطفئوا سرجكم، فإن الشيطان يدل مثل هذه الفأرة على هذا السراج فيحرقكم» (٣).\nد- تخبط الشيطان للإنسان عند الموت:\nوقد كان الرسول ﷺ يستعيذ من ذلك فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من التردي، والهدم، والغرق، والحرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا» (٤).\nهـ- إيذاؤه الوليد حين يولد:\nيقول الرسول ﷺ: «كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها» (٥). وفي صحيح البخاري: «كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب» (٦). وفي البخاري أيضًا: «ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان غير مريم وابنها» (٧). والسبب في حماية مريم وابنها من الشيطان استجابة الله دعاء أم مريم حين ولدتها: وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: ٣٦].\nفلما كانت صادقة في طلبها استجاب الله لها فأجار مريم وابنها من الشيطان الرجيم، وممن أجاره الله أيضًا عمار بن ياسر، ففي صحيح البخاري أن أبا الدرداء قال: (أفيكم الذي أجاره الشيطان على لسان نبيه، قال المغيرة: الذي أجاره الشيطان على لسان نبيه يعني عمارًا) (٨).\nومرض الطاعون من الجن:\n_________\n(١) الحديث رواه البخاري (٧٠١٧)، ومسلم (٢٢٦٣). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٧٠٤٥). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) رواه أبو داود (٥٢٤٧)، وابن حبان (١٢/ ٣٢٧) (٥٥١٩). من حديث ابن عباس ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (٣/ ٥٤٠): رجاله رجال مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ١٩١) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٤) رواه أبو داود (١٥٥٢)، والنسائي (٨/ ٢٨٣)، وأحمد (٣/ ٤٢٧) (١٥٥٦٢). من حديث أبي اليسر ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن حجر في «بذل الماعون» (ص: ١٩٩): ثابت، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٥) رواه البخاري (٤٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٦) رواه البخاري (٣٢٨٦). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٧) رواه البخاري (٣٤٣١). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٨) رواه البخاري (٣٢٨٧). من حديث أبي الدرداء ﵁.","vol":"8","page":404},{"text":"أخبر الرسول ﷺ أن فناء أمته «بالطعن والطاعون؛ وخز أعدائكم من الجن، وفي كل شهادة» (١).\nوفي مستدرك الحاكم: «الطاعون وخز أعدائكم من الجن، وهو له شهادة» (٢).\nولعل ما أصاب نبي الله أيوب كان بسبب الجن كما قال: وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: ٤١].\nز- بعض الأمراض الأخرى:\nقال ﷺ للمرأة المستحاضة: «إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان» (٣).\nح – مشاركته لبني آدم في طعامهم وشرابهم ومساكنهم:\nومن الأذى الذي يجلبه الشيطان للإنسان أنه يعتدي على طعامه وشرابه فيشركه فيهما، ويشركه في المبيت في منزله، يكون ذلك منه إذا خالف العبد هدى الرحمن، أو غفل عن ذكره، أما إذا كان ملتزمًا بالهدى الذي هدانا الله إليه، لا يغفل عن ذكر الله، فإن الشيطان لا يجد سبيلًا إلى أموالنا وبيوتنا. فالشيطان لا يستحل الطعام إلا إذا تناول منه أحد بدون أن يسمي، فإذا ذكر اسم الله عليه، فإنه يحرم على الشيطان، روى مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: «كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعامًا لم نضع أيدينا، حتى يبدأ رسول الله ﷺ، فيضع يده. وإنا حضرنا معه مرة طعامًا. فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها. ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده. فقال رسول الله ﷺ: إن الشيطان ليستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده. والذي نفسي بيده! إن يده في يدي مع يدها» (٤).\nوقد أمرنا الرسول ﷺ أن نحفظ أموالنا من الشيطان وذلك بإغلاق الأبواب، وتخمير الآنية، وذكر اسم الله، فإن ذلك حرز لها من الشيطان، يقول ﷺ: «أغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأوكوا قربكم، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم، ولو أن تعرضوا عليها شيئًا، وأطفئوا مصابيحكم» (٥).\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٣٩٥) (١٩٥٤٦) والبزار (٨/ ١٦)، وأبو يعلى (١٣/ ١٩٤) (٧٢٢٦)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/ ٣٦٧) (٣٤٢٢). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٢٩٣)، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٣١٤): رواه أحمد بأسانيد أحدها صحيح، وحسنه ابن حجر في «بذل الماعون» (٥٣).\n(٢) رواه الحاكم (١/ ١١٤). وقال: صحيح على شرط مسلم.\n(٣) رواه أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٧)، وأحمد (٦/ ٤٣٩) (٢٧٥١٤)، والحاكم (١/ ٢٧٩). من حديث حمنة بنت جحش ﵂. قال البخاري في «تنقيح تحقيق التعليق» (١/ ٢٣٧): حسن، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: (له) شواهد، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ٤٢٢).\n(٤) رواه مسلم (٢٠١٧).\n(٥) رواه البخاري (٥٦٢٣)، ومسلم (٢٠١٢). من حديث جابر بن عبدالله ﵁.","vol":"8","page":405},{"text":"ويأكل الشيطان ويشرب مع الإنسان إذا أكل أو شرب بشماله، وكذلك إذا شرب واقفًا، ففي مسند أحمد عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أكل بشماله أكل معه الشيطان، ومن شرب بشماله شرب معه الشيطان» (١).\nوفي المسند أيضًا عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ رأى رجلًا يشرب قائمًا فقال له: قه، قال: لم؟ قال: أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: فإنه قد شرب معك من هو شر منه، الشيطان» (٢).\nوكي تطرد الشياطين من المنزل لا تنس أن تذكر اسم الله عند دخول المنزل، وقد أرشدنا الرسول ﷺ لذلك، حيث يقول: «إذا دخل الرجل بيته، فذكر اسم الله حين يدخل وحين يطعم، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء ههنا، وإن دخل فلم يذكر اسم الله عند دخوله قال: أدركتم المبيت، وإن لم يذكر اسم الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء» (٣). عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر بتصرف – ص: ٥٩\nوالشيء الذي نخلص إليه أن الشيطان يأمر بكل شر، ويحث عليه، وينهي عن كل خير، ويخوف منه؛ كي يرتكب الأول، ويترك الثاني. كما قال تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦٨]. وتخويفه إيانا الفقر بأن يقول: إن أنفقتم أموالكم افتقرتم، والفحشاء التي يأمرنا بها: هي كل فعلة فاحشة خبيثة من البخل والزنا وغير ذلك. عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر – ص: ٥٨\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٧٧) (٢٤٥٢٣)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (١/ ٩٦) (٢٩٢). قال الهيثمي (٥/ ٢٨): رواه أحمد والطبراني في «الأوسط» وفي إسناد أحمد رشدين بن سعد وهو ضعيف وقد وثق وفي الآخر ابن لهيعة وحديثه حسن، وحسن إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (٩/ ٤٣٣)، والعيني في «عمدة القاري» (٢١/ ٤٤).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٠١) (٧٩٩٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ١٠٩) (٥٩٨١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٨٢): رجاله ثقات، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٨٥): صحيح بمجموع طرقه، وقال السخاوي في «الأجوبة المرضية» (١/ ٢٢٤): رجاله ثقات.\n(٣) رواه مسلم (٢٠١٨). من حديث جابر بن عبدالله ﵁.","vol":"8","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2336>المبحث الثاني: أساليب الشياطين في إغواء الناس</span>\nإذا نسي الإنسان ربه واستسلم للشيطان، فإن الشيطان يستدرجه بأساليبه المختلفة حتى يخرجه عن دائرة العقل والإنسانية، ويسيره في دروب الهلاك، قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الحج: ٤].\nفمن تلبيسات الشياطين وأساليبهم في تضليل عابديهم أنهم يتمثلون لهم بأشكال مختلفة حسب معتقدهم، فتارة يظهرون لهم بصورة شيخ كما يحصل عند جهلة الصوفية الذين يقدسون شيوخهم ويجعلونهم في مرتبة قريبة من مرتبة الإله، وتارة يخاطبونهم من داخل الهياكل والأصنام كما يقع للمشركين عباد الأوثان، كمن يستغيث بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم، فتخاطبهم الشياطين على سبيل المكاشفة، وقد تقضي بعض حوائجهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه، فيظن أحدهم أن الذي يعظمه هو الذي خاطبه وقضى حاجته (١).\nوقد تصعد الشياطين بأتباعها من البشر في الهواء، ويدخلون المدن والحصون بالليل والأبواب مغلقة، وقد تحملهم الشياطين إلى أماكن بعيدة كمكة، فيطوفون بهم ويقفون على جبل عرفات، ولكنهم في الحقيقة لم يحجوا الحج الذي أمر الله به، ونحن نسمع بين الحين والحين عن أناس يكونون في مكان ما ثم ما نلبث أن نسمع أن آخرين قد شاهدوهم في أماكن أخرى بعيدة، في فترة زمنية بسيطة جدًا، لا يمكن لهم كبشر التنقل خلالها، ولا عجب في ذلك لأن الشياطين التي أطاعوها وانقادوا لها هي التي تحملهم إلى هذه المسافات البعيدة، حتى توهم الناس أنه من أولياء الله، ولكنه في الواقع من أولياء الشيطان (٢).\nومنهم من كانت الشياطين تخرج رجليه من القيد وتمنع السلاح أن ينفذ به، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده كالحارث الدمشقي الذي خرج بالشام في زمن عبد الملك بن مروان، وكان يرى الناس رجالًا وركبانًا على خيل في الهواء ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جنًا، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسم الله، فسمى الله فطعنه فقتله (٣).\nومن هؤلاء شيخ كان بمصر أوصى خادمه فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدا يغسلني، فأنا أجيء وأغسل نفسي، فلما مات رأى خادمه شخصًا في صورته، فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه، فلما قضى ذلك الداخل غسله – أي غسل الميت - غاب، وكان ذلك شيطانًا، وكان قد أضل الميت وقال: إنك تجيء فتغسل نفسك، فلما مات جاء أيضًا في صورته ليغوي بعض الأحياء كما أغوى الميت قبل ذلك.\nومنهم من يرى عرشًا في الهواء وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربك، فإن كان من أهل المعرفة علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه فيزول (٤). إلى غير ذلك من تلاعب الشياطين بأتباعها.\n_________\n(١) «انظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» (ص: ١٤٩).\n(٢) «انظر النبوات لابن تيمية» (ص: ٢٨٣).\n(٣) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص: ٨٩).\n(٤) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص: ٩٢).","vol":"8","page":407},{"text":"وهكذا فإن الشياطين لا تقوم بهذه الأمور لهؤلاء من الناس إلا إذا خرجوا عن الكتاب والسنة، وتكون إعانة الشياطين لهم بحسب قربهم أو بعدهم من الإسلام، فإذا وافق هؤلاء الإنس الجن على ما تختاره الجن من الكفر – كالإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه من الجن وغيرهم، أو يكتبون القرآن بالنجاسات وما شابه ذلك – فإنهم يغورون له الماء وينقلونه إلى أماكن بعيدة، بسبب ما يرضيهم من الكفر، وقد يأتونه بما يهواه من امرأة أو صبي، أو يسرقون له بعض الأموال، وغير ذلك من أنواع الخدمة، وهذه لا تكون إلا بعد فساد عقائد هؤلاء، وكفرهم بالله، وطاعتهم للشياطين فيما يأمرونهم به (١).\nومن هؤلاء الناس من يستغيث بصالح أو بقبر فينزل عليه من الهواء طعام، أو نفقة، أو سلاح أو غير ذلك، فيظنه كرامة، وإنما ذلك كله من الشياطين.\nومن المشركين من كان يعبد الأصنام فيتخذها على صورة الأنبياء والصالحين، كما حصل مع قوم نوح من بعده، عندما أوحى إليهم الشيطان أن يصنعوا تماثيل لبعض الصالحين منهم – ممن توفاهم الله – ليتذكروهم، ثم مع مرور الأيام استدرجهم الشيطان فعبدوا هذه التماثيل (٢)، قال الله تعالى عنهم:\nوَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالا [نوح: ٢٣ - ٢٤].\nومنهم من جعل التماثيل لأجل الملائكة والجن، وفي واقع الأمر أنهم إنما يعبدون الشيطان، لأنه هو الذي زين لهم عبادتها، قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [سبأ: ٤٠ - ٤١] .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٣٨٧\nوالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق ففي صحيح البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم» (٣)، وفي الصحيحين عن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ قالت: «كان رسول الله ﷺ معتكفًا فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني - يردني-، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله!! يا رسول الله، قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا، أو قال: شيئًا.» (٤) عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر – ص: ٢٧\n_________\n(١) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص: ٩٢).\n(٢) «انظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» (ص: ١٥٠ - ١٥١).\n(٣) رواه مسلم (٢١٧٤). ولم أجده عن أنس في البخاري.\n(٤) رواه البخاري (٢٠٣٨)، ومسلم (٢١٧٥).","vol":"8","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2337>المبحث الثالث: مدى سلطان الشيطان على الإنسان</span>\nبعض الناس يتصورون أن للشيطان تلك القدرة التي يستطيع بها أن يجبر الإنسان على ترك الطاعات وفعل المعاصي، ومن ثم فلا ذنب على الإنسان إذا قصر في طاعة الله أو فعل معصية من المعاصي، وهذا التصور إنما سببه الجهل بالقرآن الذي بين حقيقة الشيطان وأنه ليس له سلطان بقهر الإنسان على فعل المعصية أو يثبطه عن القيام بالطاعة، لأنه في هذا التصور يكون مشاركًا لله في القدرة على قهر العباد وجبرهم على ما يشاء، وهذا هو عين الشرك في الربوبية، ولو كان للشيطان مثل هذه السلطة لكان في ذلك مناقضة لتكليف الله للبشر، وفي ذلك مناقضة صريحة لما في القرآن الكريم، لأن التكليف مبني على قدرة الإنسان في اختيار الخير أو الشر، وإذا انتفى الاختيار عند الإنسان - بسبب إجبار الشيطان له على فعل المعاصي وترك الواجبات – لكان في ذلك بطلان التكليف من قبل الله للإنسان، وهذا الكلام لا يقول به إلا كافر أو جاهل، لأن بعث الله للرسل على مدار التاريخ إنما جاء لاختبار هذه الإرادة عند الإنسان، فإما أن يستجيب هذا الإنسان لداعي الله، وإما أن يستجيب لداعي الشيطان الذي يوسوس للإنسان ويزين له المعاصي، وعلى أساس هذه الاستجابة أو عدمها يكون جزاء الإنسان بالجنة أو النار.\nولقد نفى القرآن أن يكون للشيطان سلطان على الكافرين فضلا عن المؤمنين يقهرهم أو بالحجة لما يدعوهم إليه، وبين القرآن حدود سلطان الشيطان على الكافرين، وأنه مجرد دعوة للكفر والمعاصي، واستجابة منهم له في ذلك. يقول الله ﷿ في هذا الشأن حاكيًا عن الشيطان:\nوَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم: ٢٢].\nفهذا هو الشيطان في الآخرة يعلن في صغار وانكسار تخليه عن أتباعه الذين أطاعوه فيما زين لهم من المعاصي، ويوضح لهم أنه لم يكن له سلطان يجبر هؤلاء على ما كان سببًا في دخولهم جهنم. قال الإمام الشوكاني في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ الآية.\n(أي وما كان لي تسلط عليكم بإظهار حجة على ما وعدتكم به وزينته لكم إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي: أي إلا مجرد دعائي لكم إلى الغواية والضلال بلا حجة ولا برهان ..، وقيل: المراد بالسلطان هنا: القهر، أي: ما كان لي عليكم من قهر يضطركم إلى إجابتي، وقيل: هذا الاستثناء هو من باب: تحية بينهم ضرب وجيع، مبالغة في نفيه للسلطان عن نفسه، كأنه قال: إنما يكون لي عليكم سلطان إذا كان مجرد الدعاء من السلطان، وليس منه قطع) (١).\nوهذه الأقوال بمجملها تدل على انتفاء السلطان من قبل الشيطان على أتباعه في الدنيا، وأن وظيفته كانت منحصرة في الدعوة إلى الغواية والضلال، وهذه الدعوة البراقة معراة عن الحجة والبرهان من جهة، وبعيدة عن القهر والسلطان من جهة أخرى، وإذا انتفى الأمران انتفت معهما دواعي الاستجابة لهذه الدعوة من قبل الشيطان، وبناء على ذلك فلا لوم ولا عتاب.\n_________\n(١) «تفسير فتح القدير» (٣/ ١٠٣).","vol":"8","page":409},{"text":"قال الشوكاني: (فَلاَ تَلُومُونِي بما وقعتم فيه بسبب وعدي لكم بالباطل وإخلافي لهذا الموعد. وَلُومُواْ أَنفُسَكُم باستجابتكم لي بمجرد الدعوة التي لا سلطان عليها ولا حجة، فإن من قبل المواعيد الباطلة والدعاوى الزائفة عن طريق الحق فعلى نفسه جنى ولمآربه قطع، ولا سيما ودعوتي هذه الباطلة وموعدي الفاسد وقعا معارضين لوعد الله لكم وعد الحق، ودعوته لكم إلى دار السلام، مع قيام الحجة التي لا تخفى على عاقل ولا تلتبس إلا على مخذول.\nمَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ .. ما أنا بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب، وما أنتم بمغيثي مما أنا فيه، وفيه إرشاد لهم إلى أن الشيطان في تلك الحالة مبتلى بما ابتلوا به من العذاب، محتاج إلى من يغيثه ويخلصه مما هو فيه، فكيف يطمعون في إغاثة من هو محتاج إلى من يغيثه؟\nإِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ لما كشف لهم القناع بأنه كافر بإشراكهم له مع الله من قبل هذا الوقت الذي قال لهم الشيطان فيه هذه المقالة، وهو ما كان منهم في الدنيا من جعله شريكًا، ولقد قام لهم الشيطان في هذا اليوم مقامًا يقصم ظهورهم ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم:\nأولًا: أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة، معارضة لوعد الحق من الله سبحانه، وأنه أخلفهم ما وعدهم من تلك المواعيد، ولم يف لهم بشيء منها.\nثانيًا: أنه أوضح لهم بأنهم قبلوا قوله بما لا يوجب القبول ولا يتفق على عقل عاقل لعدم الحجة التي لابد للعاقل منها في قبول قول غيره.\nثالثًا: أنه أوضح: بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان، الخالية عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء.\nرابعًا: أنه نعى عليهم ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له، وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم، لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذي لا يتلبس بطلانه على من له أدنى عقل.\nخامسًا: أنه أوضح لهم: بأنه لا نصرة عنده ولا إغاثة، ولا يستطيع لهم نفعًا ولا يدفع عنهم ضرًا، بل هو مثلهم في الوقوع في البلية والعجز عن الخلوص عن هذه المحنة.\nسادسًا: بأنه صرح لهم بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له، فتضاعفت عليهم الحسرات، وتوالت عليهم المصائب) (١).\nوبهذا يتبين أن الله لم يجعل للشيطان سلطانًا على بني آدم، لتكون إرادة الناس حرة في اختيارها طريق الخير أو الشر، ومن ثم فليس له سلطان على الإنس في عقائدهم وتوجيه إرادتهم للأعمال السيئة، فإن ذلك مما لا سبيل له إليه.\nوإذا كان الشيطان قد أعلن بأنه لا سلطان له في إجبار الناس على المعاصي، ولا حجة له عليهم فيما يدعوهم إليه – وإنما يتحدد سلطانه في دعوتهم إلى الباطل وتزيينه لهم، حبًا للفساد، وكيدًا للإنسان، لعمق عداوته له منذ استكبر عن السجود لآدم – فمع من تثمر هذه الدعوة إذن بقبولها، ومن هم الذين يرفضونها في مقابل ذلك؟\nلقد أجابنا القرآن الكريم على هذا السؤال في كثير من الآيات الكريمة قال تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: ٩٩ - ١٠٠].\nوقال: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [سبأ: ٢٠ - ٢١].\n_________\n(١) «تفسير فتح القدير» (٣/ ١٠٣).","vol":"8","page":410},{"text":"وقال تعالى عن إبليس عليه اللعنة: قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: ٣٩ - ٤٢].\nوقال: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء: ٦٥].\nإن هذه الآيات التي سقناها تبين لنا أن دعوة الشيطان للضلال والفساد إنما تثمر مع الذين يعرضون عن ذكر الله، ويتركون السلاح الذي أمر الله بالتسلح به ضد وساوس الشيطان ومراوغاته التي لا تهدأ لجر هذا الإنسان إلى الهاوية، أما المؤمنون فقد عرفوا السلاح الذي به يقاومون هذا التسلط، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١]. وقال: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ٢٠٠].\nوالطائف هو الوسوسة أو مبدؤها، وهو إذا مس المؤمنين تذكروا فإذا هم مبصرون، فلا يقعون في فخ طاعته، قال محمد رشيد رضا: (والنفس الزكية الفطرة، المستقيمة لله تعالى بهداية الكتاب والسنة لا يكاد الشيطان يصلها، وإذا طاف بها طائف من وسوسته في حال الغفلة كان هو المذكر لها، فإذا هي مبصرة قائمة بما يجب عليها، فمثلها في عدم تأثير الوسوسة فيها أو عدم إفسادها لها كمثل البدن القوي في عدم استعداده لفتك جراثيم الأمراض به، كما أن النفس الفاسدة الفطرة بالشرك أو النفاق والمعاصي وسوء الأخلاق تكون مستعدة لطاعة الشيطان، كاستعداد البدن الضعيف والمزاج الفاسد لتأثير ميكروبات الأمراض، ومن الأرواح والأبدان ما ليس في منتهى القوة ولا غاية الضعف، فكل منها يتأثر بقدر استعداده، وتكون عاقبة السلامة إن كان أقرب إلى الصحة والقوة، والهلاك إن كان بضد ذلك) (١).\nفكلما قوي الإيمان كلما ازداد الشيطان بعدًا، كما قال الرسول ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: «إيها يا ابن الخطاب: والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًا غير فجك» (٢) .. وقال أيضًا: «إن الشيطان ليفرق منك يا عمر» (٣) وقال: «إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس فروا من عمر» (٤).\n_________\n(١) «تفسير المنار» (٧/ ٥١٤).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٨٣). من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.\n(٣) رواه الترمذي (٣٦٩٠)، وأحمد (٥/ ٣٥٣) (٢٣٠٣٩)، وابن حبان (١٥/ ٣١٥) (٦٨٩٢)، والبيهقي (١٠/ ٧٧) (١٩٨٨٨). من حديث بريدة ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح غريب، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٤٥) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٥/ ٢٥٢).\n(٤) رواه الترمذي (٣٦٩١)، والنسائي (٥/ ٣٠٩). من حديث عائشة ﵂. قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٣/ ٤٩٣): (فيه) خارجة بن عبد الله بن سليمان وهو عندي لا بأس به وبرواياته، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».","vol":"8","page":411},{"text":"وليس ذلك خاصًا بعمر، فإن من قوي إيمانه يقهر شيطانه ويذله كما قال ﵊: «إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر» (١).\nثم إن بعض الذنوب التي يقع بها بعض المؤمنين لا تعتبر من قبيل تسلط الشيطان عليهم، لأنهم لا يستمرون على ذلك كما ذكرت الآيات القرآنية السالفة، قال الشوكاني في قوله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: ٤٢] (المراد: أنه لا تسلط له عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به ولا يتوبون منه، فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء ونحوهما، فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه، وقد استثنى سبحانه من عباده هؤلاء المتبعون لإبليس من الغاوين، الذي استسلموا لغواية الشيطان وإضلاله، وهو موافق لما قاله إبليس اللعين من قوله تعالى: وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر: ٤٢]). وقال القرطبي في الآية المتقدمة إِنَّ عِبَادِي: (قال العلماء: يعني على قلوبهم، وقال ابن عيينة: أي في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفوي ويضيقه عليهم، وهؤلاء الذين هداهم الله، واجتباهم، واختارهم، واصطفاهم. قلت: ولعل قائلًا يقول: قد أخبر الله عن صفة آدم وحواء ﵉ بقوله: فأزلهما الشيطان [البقرة: ٣٦]. وعن جملة من أصحاب نبيه بقوله: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ [آل عمران: ١٥٥].؟ فالجواب ما ذكر، وهو أنه ليس له سلطان على قلوبهم ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهم في ذنب يؤول إلى عدم القبول، بل تزيله التوبة وتمحوه الأوبة).\nثم إن قوله سبحانه: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ يحتمل أن يكون خاصًا فيمن حفظه الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات والأحوال، وقد يكون في تسلطه تفريج كربة وإزالة غمة، كما فعل ببلال، إذ أتاه يهدِّيه كما يهدَّي الصبي حتى نام، ونام ﷺ وأصحابه، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس وفزعوا وقالوا: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ فقال لهم النبي ﷺ: «ليس في النوم تفريط، ففرج عنهم» (٢).\nإِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ أي الضالين المشركين، أي سلطانه على هؤلاء دليله: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: ٩٩ - ١٠٠].\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٨٠) (٨٩٢٧)، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (١/ ١٣٢)، وابن أبي الدنيا في «مكايد الشيطان» (ص: ٢٠). من حديث أبي هريرة ﵁. قال الهيثمي (١/ ١٢١): فيه ابن لهيعة، وحسن إسناده الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣٥٨٦).\n(٢) رواه البخاري (٥٩٥)، ومسلم (٦٨١). من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁.","vol":"8","page":412},{"text":"ومما تقدم يظهر لنا أن الذنوب التي تحصل من المؤمنين لا تحدث بسبب أن للشيطان سلطانًا عليهم، لأنها ذنوب يتبعها التوبة والاستغفار، فيعودون أقوى مما كانوا عليه من الإيمان، وسلطان الشيطان على الكافرين إنما يكون بسب استمرارهم على فعل المعاصي، حيث قد جعلوا للشيطان سبيلًا إلى قلوبهم، فلا يقلعون من معصية إلا عادوا لها أو أشد قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم: ٨٣]. وقال: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة: ١٩]. وقال: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦]. وقال: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت: ٢٥]. وغير ذلك من الآيات.\nفهذه الآيات قد دلت على أن الشياطين إنما تتسلط على الكافرين بسبب متابعتهم لها فيما تزين لهم من المعاصي، لأنهم لم يلجأوا إلى الله في دفعها عنهم، فخلى الله بينهم وبينها، فأزعجتهم إزعاجًا من الطاعة إلى المعصية، وأغرتهم إغراء بالشر، فلا يفترون قائلين لهم: امضوا في هذه المعاصي، حتى توقعهم في النار، فهؤلاء هم القرناء من الشياطين الذين تحدثت عنهم الآيات القرآنية كقوله تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [فصلت: ٢٥].\nقال الطبري: (أي بعثنا لهم نظراء من الشياطين فجلعناهم قرناء قرناهم بهم يزينون لهم قبائح أعمالهم، فزينوا لهم ذلك) (١). وهؤلاء القرناء يصاحبون أصحاب المعاصي في الدنيا فيمنعونهم من فعل الطاعات، ويحضونهم على فعل المعاصي، ثم يصاحبونهم عندما يقومون من قبورهم في الآخرة، كما ذكر الإمام القرطبي (٢).\nفهؤلاء الكفرة هم الذين استحوذ عليهم الشيطان فغلبهم وقوى عليهم وأحاط بهم، فلا يستطيعون التفلت منه بعد أن سلموا أنفسهم له يتصرف بها كيفما يريد، فلا عذر لهم في متابعتهم له، لأنه ليس له عليهم أي سلطان يجبرهم على طاعته، إنما الخور في نفوسهم هو الذي جعلهم يقعون في شراك وسوسته، كما حصل مع الذي انسلخ من آيات الله في قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٢٤/ ١١١).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٦/ ٨٩).","vol":"8","page":413},{"text":"وقد ذكر بعض المفسرين أنه بلعم بن باعوراء رجل من بني إسرائيل كان قد أوتي النبوة، وكان مستجاب الدعوة، فلا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وذكر بعضهم أنه أمية بن أبي الصلت، كان قد قرأ كتب أهل الكتاب التي تبشر بمجيء الرسول ﵊، فكفر به عندما بعث، وغير ذلك من الأقوال في شأن هذا الرجل (١). قال الإمام الطبري: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله – تعالى ذكره – أمر نبيه ﷺ أن يتلو على قومه خبر رجل كان آتاه حججه وأدلته وهي الآيات .. وجائز أن يكون الذي أتاه الله ذلك بلعم، وجائز أن يكون أمية) (٢).\nلكن هذا الرجل خرج من الآيات التي آتاه إياها فلم يعد له صلة بها، فأتبعه الشيطان، أي: صيره تابعًا وقرينًا له ينتهي أمره في معصية الله، ويخالف أمر ربه في معصية الشيطان وطاعة الرحمن، فأصبح من المتمكنين في الغواية وهم الكفار، ولو شاء الله لرفعه بهذه الآيات التي أعطيها منزلة عظيمة، ولكن الله لم يشأ ذلك لأنه مال إلى الدنيا ورغب فيها وآثرها على الآخرة، واتبع ما يهواه وترك العمل بما يقتضيه العلم الذي علمه الله، فأصبح كالكلب يلهث في كل أحواله: في الصحة والمرض، والراحة والتعب، فهذا الرجل لا يرعوي عن المعصية في جميع أحواله سواء وعظه الواعظ، وذكره المذكر، وزجره الزاجر، أو لم يقع شيء من ذلك فهو مستديم على فعل المعصية بتركه لآيات الله واتباعه للشيطان (٣).\nفهذا المثل ضربه الله لكل من يتلو القرآن أن يعتبر بهذا الرجل الذي انسلخ من آيات الله، فصار أمره إلى ما صار من اتباع الشيطان له، فإن كل من يعرض عن آيات الله يؤول مصيره إلى مثل ما صار إليه ذلك الرجل، وفي ذلك دلالة على تخلي الله عن المكذبين بآياته وتركهم فريسة للشيطان يوجههم كيف شاء كما في قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ٧١].\nفالذين يعرضون عن الله تستهويهم الشياطين، فيسارعون إليها في معصيتهم لله، فيصبحون حيارى تائهين في الأرض (٤)، وهي صورة بليغة رسمها القرآن لكل معرض عن هدى الله ﷾.\nوهكذا يتبين لنا أنه لا سلطان للشيطان على الناس، وإنما استجاب له بعضهم بمجرد دعوته إياهم، جريًا وراء أهوائهم وأغراضهم وشهواتهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم بموافقته ومتابعته، فلما أعطوا ما بأيديهم واستأسروا له، سلط عليهم عقوبة لهم، وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه: وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١]، فالآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون يصدر منهم المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم، كما تسببوا إليه يوم أحد بمعصية الرسول ومخالفته، والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سبيلًا حتى جعل له العبد سبيلًا إليه بطاعته والشرك به، فحينئذ له عليهم تسليط وقهر، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فالتوحيد والتوكل والإخلاص يمنع سلطانه، والشرك وفروعه توجب سلطانه، والجميع بقضاء من الله ومردها إليه (٥).\nالأنبياء وعصمتهم من الشياطين:\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٣/ ٢٥٣).\n(٢) «تفسير الطبري» (١٣/ ٢٥٣).\n(٣) «تفسير الطبري» (١٣/ ٢٥٩) و«تفسير فتح القدير» (٢/ ٢٦٥).\n(٤) «تفسير الشوكاني» (٢/ ١٣٠).\n(٥) «مختصر إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان» (ص: ٩٧).","vol":"8","page":414},{"text":"وإذا لم يكن للشيطان سلطان على المؤمنين لأخذهم بالأسباب التي تدفع كيده ووسوته فمن باب أولى أن لا يكون له تسلط على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنهم أكمل الناس إيمانًا، وأبعدهم عن طاعة الشيطان، وهم الذين عصمهم الله من ذلك، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي: إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» (١).\nفقد أخبر ﵊ أن مع كل إنسان قرينًا من الملائكة وقرينًا من الجن، فالقرين من الملائكة يأمر بالخير، والقرين من الجن يأمر بالشر ولكن قرين الرسول ﵊ من الجن أسلم إسلامًا حقيقيًا كما عليه أكثر العلماء، فلا يأمره إلا بخير، وبقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من فتنة الشيطان وتسلطه، لأن تسليط الشيطان عليهم يناقض ما تقتضيه النبوة من كونهم قدوة للعالمين وأئمة للمهتدين.\nوأما ما ورد خطابًا لنبينا ﵊ في قوله تعالى: وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٦٨]. فإن هذا النسيان الذي حصل بسبب إنساء الشيطان له لا يعتبر من قبيل التسلط على الناس واستحواذه عليه بالإغواء والإضلال الذي نفاه الله عن أنبيائه وعن عباده المخلصين ..، وقد ينسي الإنسان خيرًا باشتغال فكره بخير آخر (٢).\nوقد قيل: إن هذا الخطاب وإن كان ظاهرًا للنبي ﷺ فالمراد التعريض لأمته، لتنزهه عن أن ينسيه الشيطان. وقيل: لا وجه لهذا، فالنسيان جائز عليه كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، قال ﵊: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني» (٣).\nوهذا النسيان كما تقدم ليس مما يكون به للشيطان سلطان.\nوكذلك ما ورد من إنساء الشيطان للنبي يوسف ﵇ وهو في السجن في قوله تعالى: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف: ٤٢]. فأنساه الشيطان ذكر ربه، إذ أمر الناجي من صاحبيه في السجن بذكره عند الملك ابتغاء الفرج من عنده على أحد القولين، فكان نتيجة ذلك أن لبث في السجن بضع سنين، فقد ورد عن ابن عباس ﵁ قوله عن يوسف: (ولولا الكلمة لما لبث في السجن طول ما لبث، حيث يبتغي الفرج من عند غير الله ﷿) (٤).\nفنسيان يوسف ﵇ ذكر ربه في السجن ليس من جنس تسلط الشيطان على أنبيائه، لأنهم معصومون من ذلك، وما يقع منهم من نسيان لا يستمرون عليه، بل يتذكرون ويستغفرون كما في قوله تعالى: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ [٢٤: ص].\nوفي قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [٣٤: ص].\nوأما وقوع النسيان من الأنبياء ﵈ بغير وسوسة من الشيطان فلا وجه للخلاف في جوازه، قال تعالى لخاتم رسله: وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف: ٢٤].\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨١٤).\n(٢) «تفسير المنار» (٧/ ٥٠٨).\n(٣) رواه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢). من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٤) رواه الطبراني (١١/ ٢٤٩) (١١٦٤٠). وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٩٨٤).","vol":"8","page":415},{"text":"وأما قوله ﵊ فيما رواه أبو هريرة: «ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها»، ثم يقول أبو هريرة: (واقرءوا إن شئتم: وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: ٣٦]) (١). فإنه لا يفيد تسلط الشيطان على الإنسان وإغواؤه له، قال ابن حجر العسقلاني: (والذي يقتضيه لفظ الحديث لا إشكال في معناه، ولا مخالفة لما ثبت من عصمة الأنبياء، بل ظاهر الخبر أن إبليس ممكن من مس كل مولود عند ولادته، ولكن من كان من عباد الله المخلصين لم يضره ذلك المس أصلًا، واستثنى من المخلصين مريم وابنها، فإنه ذهب يمس على عادته فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا يلزم منه تسلط على غيرهما من المخلصين (٢». ولو قدر الشيطان على المولود بأكثر من المس عند الولادة إلى الإفساد والغواية معه لفعل ذلك، ولكنه يعلم أن المولود لا يعرف الخير والشر أصلًا، فاكتفى بمسه عند الولادة.\nوقال القرطبي: (ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواءه، فإن ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله مما يرومه الشيطان كما قال تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر: ٤٢]. هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وكل به قرينه من الشياطين، كما قال رسول الله ﷺ، فمريم وابنها وإن عصما من نخسه فلم يعصما من ملازمته لهما ومقارنته والله أعلم) (٣).\nوبناء على ما تقدم يظهر لنا أن عمل الشيطان إنما ينحصر بالوسوسة والدعوة إلى الضلال، فالأنبياء والمؤمنون قد أخذوا بالأسباب التي ترد وسوسته كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١]. فإذا هم منتبهون حذرون من وسوسته وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠٢].\nوإما إخوان الشياطين وهم الفجار من ضلال الإنس، فإن الشياطين تمدهم في الغي وتكون مددًا لهم، وهي لا تقصر في مد الكفرة بهذا الغي والضلال، وفي التعبير بإخوانهم في الآية ما يشير إلى أن هؤلاء الكفرة والعصاة بمتابعتهم للشياطين فيما تزين لهم من المعاصي قد أصبحوا إخوانًا لها) (٤) فنسأل الله السلامة والعافية .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٣٩١\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦).\n(٢) «فتح الباري» (٨/ ٢١٢).\n(٣) «تفسير القرطبي» (٤/ ٦٨).\n(٤) «فتح الباري» (٨/ ٢١٢).","vol":"8","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2339>المبحث الأول: استراق الجن لأخبار السماء</span>\nكان الجن قبل مبعث الرسول ﷺ يسترقون أخباء السماء، وهو ما يوحيه الله لملائكته، وأصل ذلك قوله تعالى إخبارًا عنهم: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩].\nقال القرطبي: (كان الجن يقعدون مقاعد لاستماع أخبار السماء، وهم المردة من الجن، كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهنة، فحرسها الله بالشهب المحرقة، فقالت الجن حينئذ: فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) (١).\nويبين الرسول ﷺ هذا الأمر في حديثه الذي رواه البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «الملائكة تتحدث في العنان - والعنان الغمام - بالأمر يكون في الأرض، فتستمع الشياطين فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القاروة، فيزيدون معها مائة كذبة» (٢).\nومن ذلك أيضًا ما أخرجه البخاري قال: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بكفه فحرفها، وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا: يوم كذا، كذا وكذا! فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء» (٣).\nوفي رواية عند مسلم في صحيحه: «تلك الكلمة من الحق يحفظها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة» (٤).\nوهكذا فإن الجن كان يستمعون لأخبار السماء، ثم يلقون ذلك إلى الكهان من الإنس، فيزيدون على الكلمة مائة كذبة من عندهم، فيصدق الناس ذلك، قال الماوردي: (فأما استراقهم للسمع فقد كانوا في الجاهلية قبل بعث الرسول ﷺ يسترقونه، ولذلك كانت الكهانة في الإنس لإلقاء الجن إليهم ما استرقوه من السمع في مقاعد لهم، كانوا يقربون فيها من السماء كما قال تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩]) (٥).\nوقال ابن جزى الكلبي في تفسير قوله تعالى: إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: ١٠]. (والمعنى: لا تسمع الشياطين أخبار السماء، إلا الشيطان الذي خطف الخطفة) (٦).\nوقد اختلف العلماء في استراق الجن للسمع بعد مبعث الرسول ﷺ:\n١ - فقال قوم: إن استراق الجن لأخبار السماء قد زال بمبعث الرسول ﷺ، ولذلك زالت الكهانة.\n٢ - وقال آخرون: إن استراقهم باق بعد مبعثه ﵊ (٧).\nواختلفوا كذلك في أن الجن هل كانوا يرمون بالشهب قبل مبعث الرسول ﷺ أم لا؟\n_________\n(١) «تفسير القرطبي» (١٩/ ١٢).\n(٢) رواه البخاري (٣٢٨٨).\n(٣) رواه البخاري (٤٨٠٠).\n(٤) رواه البخاري (٦٢١٣)، ومسلم (٢٢٢٨). من حديث عائشة ﵂.\n(٥) «أعلام النبوة للماوردي» (ص: ١٤٥).\n(٦) «كتاب التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي» (٣/ ٣٦٨).\n(٧) «أعلام النبوة» (ص: ١٤٥).","vol":"8","page":417},{"text":"أ- فقال قوم: لم تكن ترمى الجن قبل مبعثه ﵊. وقد نسب النسفي هذا القول للجمهور فقال: (والجمهور على أن ذلك لم يكن قبل مبعث محمد ﷺ) (١).\nقال القرطبي: (وقال الكلبي وقوم: لم تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه خمسمائة عام، وإنما كان من أجل بعثة النبي ﷺ، فلما بعث منعوا من السموات كلها وحرست بالملائكة والشهب، ومنعت من الدنو من السماء، وبه قال عطية العوفي عن ابن عباس، وهذا قول عبد الله بن سابور. وقال نافع بن جبير: كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمى، فلما بعث رسول الله ﷺ رميت بالشهب) (٢).\nومما يؤيد هذا القول ما ورد عن ابن عباس قال: (كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكون حقًا، وأما ما زادوه فيكون باطلًا، فلما بعث رسول الله ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس – ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك – فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله ﷺ قائمًا يصلي بين جبلين – أراه قال: بمكة – فلقوه فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض) (٣).\nوذكر القرطبي وجها آخر عن ابن عباس قال: (وقد كانت الشياطين لا يحجبون عن السماء، فكانوا يدخلونها ويلقون أخبارها على الكهنة، فيزيدون عليها تسعًا، فيحدثون بها أهل الأرض، الكلمة حق والتسع باطل، فإذا أرادوا شيئًا مما قالوه صدقوهم مما جاءوا به، فلما ولد عيسى بن مريم ﵉ منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات كلها، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب) (٤).\nوفي هذا دليل على أن الشياطين لم تكن ترمى بالشهب قبل بعثته ﵊.\nوتمسك من قال بأن الشهب لم يكن يرمى بها أيضًا قبل بعثة الرسول ﵇ بظاهر قوله تعالى: فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩].\nإذ قد دل على أن الجن لم تكن ترمى قبل المبعث حيث رتب الرمي على الاستماع بعد المبعث.\nوقد أنكر الجاحظ الرمي قبل مبعث الرسول ﷺ، وأنكر كل شعر ورد في الرمي فقال: (كل شعر روي فيه فهو مصنوع) (٥).\nب- وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعث النبي ﷺ، ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه في شدة الحراسة، وكانوا يسترقون في بعض الأحوال، فلما بعث منعوا من ذلك أصلًا.\nفعلى هذا القول يكون حمل الجن على الضرب في الأرض وطلب السبب –أي السبب الذي من أجله منعوا من استراق السمع – إنما كان لكثرة الرجم، ومنعهم عن الاستراق بالكلية (٦).\nوقيل: إنما زاد الرمي إنذارًا بمبعث الرسول ﵊ (٧).\nقال القرطبي: (وقال أوس بن حجر – وهو جاهلي:\nفأنقض كالدري يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا (٨»\n_________\n(١) «تفسير النسفي» (٥/ ٢٧٢).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٩/ ١٢).\n(٣) رواه الترمذي (٣٣٢٤)، وأبو يعلى (٤/ ٣٨٢) (٢٥٠٢)، والطبراني (١٢/ ٤٦) (١٢٤٣١). قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١٠).\n(٥) «تفسير القرطبي» (١٩/ ١٣).\n(٦) «تفسير الخازن» (٤/ ٣١٧) «تفسير فتح القدير» (٥/ ٣٠٦).\n(٧) «تفسير القرطبي» (١٩/ ١٣).\n(٨) «تفسير القرطبي» (١٩/ ١٣).","vol":"8","page":418},{"text":"قال بدر الدين الشبلي: (وقال السهيلي: ولكن القذف في النجوم كان قديما، وذلك موجود في أشعار القدماء من الجاهلية .. وذكر عبد الرزاق عن ابن شهاب أنه سئل عن هذا الرمي بالنجوم أكان في الجاهلية؟ قال: نعم ولكنه لما جاء الإسلام غلظ وشدد (١».\nوقال ابن إسحاق: (حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث: \" أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم – حين رمي بها – هذا الحي من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية أحد بني علاج، قال: وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا، فقالوا له: يا عمرو: ألم تر إلى ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال: بلى، فانظروا: فإن كانت معالم النجوم – التي يهتدى به في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس معايشهم – هي التي يرمى بها فهو والله طي الدنيا وهلاك هذا الخلق الذي فيها، وإن كانت نجوما غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق فما هو؟) (٢).\nوما ذكره ابن إسحاق فيه دليل على أن النجوم لم يكن يرمى بها قبل مبعث الرسول ﷺ، حتى إن ثقيفًا استغربت الأمر، وخافت أن يكون قد اقتربت نهاية العالم، حتى ذهبوا إلى عمرو بن أمية يخبرهم الأمر.\nالقول الراجح:\nوالراجح أن الرمي كان قبل مبعث الرسول ﷺ، ولكنه لم يكن في الشدة مثلما كان بعد مبعثه تمسكًا بحديث ابن عباس الآتي في كلام القرطبي، وهو ما رجحه ابن كثير والقرطبي وغيرهم.\nقال ابن كثير: (وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك) (٣). وذكر أن ما ورد من استغراب الإنس والجن للرمي بعد المبعث فإنما كان لكثرة الشهب في السماء والرمي بها، حيث ظنوا أن ذلك لخراب العالم (٤).\nوقال القرطبي: (والقول بالرمي أصح لقوله تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا [الجن: ٨]. وهذا إخبار عن الجن أنه زيد في حرس السماء حتى امتلأت منا ومنهم. ولما روي عن ابن عباس قال: «أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمي بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله ﷺ: ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم. ومات رجل عظيم. فقال رسول الله ﷺ: فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته. ولكن ربنا ﵎ اسمه، إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش. ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا. ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال. قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا به. حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا. فما جاءوا به على وجهه فهو حق. ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون» (٥).\nوهذا يدل على أن الرجم قبل المبعث، واشتدت الحراسة بعد المبعث، فمنعوا من ذلك أصلًا) (٦).\nوقال بدر الدين الشبلي في قوله سبحانه: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا [الجن: ٨]: (ولم يقل: حرست، دليل على أنه - أي الرمي - قد كان منه شيء، فلما بعث النبي ﷺ ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا، وذلك لينحسم أمر الشياطين وتخليطهم، ولتكون الآية أبين، والحجة أقطع) (٧).\n_________\n(١) «آكام المرجان في أحكام الجان» (ص: ١٢٤).\n(٢) «سيرة ابن هشام» (١/ ٢٢٤).\n(٣) «مختصر تفسير ابن كثير» (٣/ ٥٥٧).\n(٤) «مختصر تفسير ابن كثير» (٣/ ٥٥٨).\n(٥) رواه مسلم (٢٢٢٩).\n(٦) «تفسير القرطبي» (١٩/ ١٣).\n(٧) «آكام المرجان في أحكام الجان» (ص: ١٢٤).","vol":"8","page":419},{"text":"وأما قوله تعالى: فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: ٩]. فإنما يحمل على التشديد في حراسة السماء، فكل من يحاول من الشياطين استراق السمع بعد المبعث، فإن له شهابًا رصدًا يرمى به، وذلك صيانة للوحي المنزل على محمد ﷺ أن يصل الشياطين إلى شيء منه.\nوعلى هذا يحمل قول ابن إسحاق المتقدم كذلك، فإن استغراب الحي من ثقيف وفزعهم للرمي إنما كان لكثرته وشدته.\nواختلف العلماء: هل كانت الشهب تأخذ الجن قبل استراق السمع أم بعد استراقهم؟\n١ - فذهب بعضهم إلى أن الشهب تأخذهم قبل استراق السمع حتى لا يصل إليهم لانقطاع الكهانة بهم، وتكون الشهب منعًا من استراقه (١).\n٢ - وذهب آخرون منهم إلى أن الشهب تأخذهم بعد استراقه، وتكون الشهب عقابًا على استراقه (٢).\nوبناء على ما تقدم: هل يقتل الشهاب الجني عند رميه به أم لا يقتله؟\nأ- فقال ابن عباس: (الشهاب يجرح، ويحرق، ويخبل، ولا يقتل، ولذلك عادوا لاستراق السمع بعد الإحراق، ولولا بقاؤهم لانقطع الاستراق بعد الاحتراق، ويكون ما يلقونه من السمع إلى الجن دون الإنس لانقطاع الكهانة عن الإنس) (٣).\nب- وقال الحسن وطائفة: (الشهاب يقتل بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن)، قال الشوكاني: (ذكره الماوردي ثم قال: والقول الأول أصح) (٤).\nوظاهر القرآن أن الرمي يكون بعد الاستراق لعطفه عليه بالفاء الدالة على التعقيب في قوله تعالى: إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ [الحجر: ١٨]. وقوله: إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: ١٠] .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٣٤٣\n_________\n(١) «أعلام النبوة» (ص: ١٤٥).\n(٢) «أعلام النبوة» (ص: ١٤٥).\n(٣) «تفسير فتح القدير» (٣/ ١٢٥) «أعلام النبوة» (ص: ١٤٥).\n(٤) «تفسير فتح القدير» (٣/ ١٢٥).","vol":"8","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2340>المبحث الثاني: ما تلقيه الجن إلى الإنس</span>\nإن العلوم والأخبار التي يلقيها الجن إلى الإنس يمكن تقسيمها إلى قسمين:\nالقسم الأول: ما يتعلق بالأمور الغيبية.\nالقسم الثاني: ما يتعلق بالعلوم والأخبار التي تتعلق بالأمور المشهودة، أو الإخبار عن الوقائع الماضية.\nأما بالنسبة للقسم الأول فيمكن تقسيمه إلى قسمين:\nأ- أن تكون من الغيبيات التي استأثر الله بعلمها.\nب- أن تكون من المغيبات التي قضى الله أمرها في السماء وأصبحت معلومة لذوي الاختصاص من الملائكة أو من البشر، مما يطلع الله عليه من شاء من رسله.\nأما بالنسبة للقسم الأول: ... أنه من اختصاص الله، ولا يمكن لأي مخلوق في هذا العالم أن يعرف عنه شيئًا، سواء كان في ذلك الملائكة أو الجن أو الإنس، لأن الآيات القرآنية قد أخبرت أن علم ذلك لله وحده دون سواه، ولا يكون التحدث عن شيء من هذا الغيب إلا من قبيل الافتراء على الله، وهو يناقض الإيمان، ومدعيه كافر، لمعارضته الآيات القرآنية الدالة على اختصاص الله بذلك قال تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام: ٥٩] وقال: قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل: ٦٥].\nأما بالنسبة للثاني: وهو المغيبات التي قضى الله أمرها في السماء، وأصبحت معلومة لذوي الاختصاصات من الملائكة أو من البشر ... إلخ.\nفقد تقدمت فيه الأحاديث من أن الله إذا قضى الأمر في السماء، بأن يتكلم بالأمر الذي يوحيه إلى جبريل بما أراده، فيلخص هذا القول ويمضي في الملائكة حتى يفزعوا منه، فيعلمون أن الله لا يقول إلا الحق، فيسمع مسترق السمع من الجن الكلمة، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقي الكلمة، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها الكاهن مائة كذبة (١).\nوفي الأحاديث الواردة بهذا الصدد دليل على أن الجن يسترقون السمع من الملائكة، وكانوا يقذفون بالشهب خصوصًا بعد مبعث النبي ﷺ.\nفما تسمعه الملائكة بعد إلقاء الأمر إلى جبريل قد خرج عن الغيب الذي اختص به الله، إذ علمت به الملائكة، فعندئذ تحاول الجن استماع ذلك، فربما يسمعون كلمة، وربما لا يسمعون، لأن الشهب لهم بالمرصاد.\nوأما قوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا [الجن: ٢٦]. فقد قال القرطبي:\n(اختص الله بعلم الغيب فهو له وحده، إلا ما شاء الله من اطلاع بعض الرسل، لأنهم مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن بعض الغائبات، وقال العلماء رحمهم الله تعالى: لما تمدح الله سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه، ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه) (٢).\nوالآية لا تناقض ما تقدم من الأحاديث الدالة على استراق للسمع بعد أن يلقي الله كلامه إلى جبريل، لأن الجن قد منعوا من استراق السمع أصلًا، وما يستمعونه عندئذ لا يعتبر غيبًا بالنسبة للملائكة ولمسترق السمع، كما حصل مع الرسول ﷺ في حديث ابن صياد المتقدم.\n_________\n(١) «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» (ص: ١٩٧).\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٩/ ٢٨).","vol":"8","page":421},{"text":"ومضمون الاستدلال في الحديث أن الرسول ﵊ أراد أن يبين كذب ابن صياد وأن ما يقوله هو من الكهانة، بدليل أن الرسول ﵊ قد خبأ له سورة الدخان (١) فأخبره شيطانه الذي يأتيه ببعض حروفها، لأنه لم يقدر أن يستطلع إلا ذلك، ولن يقدر على أكثر منه، لأن الله قد حفظ رسله من الشياطين بما أرصده لهم من الملائكة الذين يحرسونهم من الشياطين عن أن يتشبهوا بصور الملك، فإذا جاء أحدهم شيطان في صورة ملك قالوا: هذا شيطان فاحذره، وان جاء الملك قالوا: هذا رسول ربك (٢).\nدلالة موت النبي سليمان ﵇ على عدم معرفة الجن علم الغيب.\nقصه موت النبي سليمان ﵇ فيها دليل على أن الجن لا يعلمون الغيب، كما أخبر القرآن بذلك، قال تعالى:\nفَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ: ١٤].\nقال القرطبي في تفسير الآية: (أي: فلما حكمنا على سليمان بالموت حتى صار كالأمر المفروغ منه ووقع به الموت، وذلك أنه كان متكئًا على عصا فانكسرت به بسبب أكل الأرضة لها – وهي دابة صغيرة تأكل الخشب – فوقع ميتا – فعلم موته بذلك، فكانت الأرضة دالة على موته، وكان قد سأل الله تعالى أن لا تعلم الجن بموته حتى تمضي عليه سنة) (٣).\nوقد ذكر المفسرون أوجهًا لسبب طلب سليمان ﵇ من ربه أن يعمي موته على الجن:\nفقال جماعة منهم: إنه طلب ذلك حتى يري الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، بخلاف ما كانوا يظنونه من أن الجن تعلم ذلك، وقد كانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غد.\nوقال آخرون: إن طلبه ذلك إنما كان لأن داود ﵇ قد أسس بيت المقدس، فمات ولم يتمه، فأوصى سليمان بإتمام بنائه، فأمر سليمان الجن باتمام بنائه، فلما دنا أجله قال لأهله: لا تخبروهم بموتي حتى يتموا بناء المسجد، وكان قد بقي لاتمامه سنة، فلبس كفنه وتحنط ودخل المحراب وقام يصلي، واتكأ على عصاه فمات، ولم تعلم الجن إلى أن مضت سنة وتم بناء المسجد (٤).\nواستنكر بعض المفسرين أن يمكن سليمان ﵇ هذه المدة الطويلة – وهي سنة – دون أن يعلم به أحد من رعيته، وهو أمر لا يمكن أن يحدث مع إنسان عادي، فكيف يكون بنبي يكون له هذا الملك الواسع!.\n_________\n(١) الحديث رواه أحمد (٥/ ١٤٨) (٢١٣٥٧)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨/ ٢٤٢) (٨٥٢٠). من حديث أبي ذر ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٥): رواه أحمد والبزار والطبراني في «الأوسط»، ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وهو ثقة.\n(٢) «تفسير القرطبي» (١٩/ ٣٠).\n(٣) «تفسير القرطبي» (١٤/ ٢٧٨).\n(٤) «تفسير القرطبي» (١٤/ ٢٨١) و«تفسير فتح القدير» (٤/ ٣١٨).","vol":"8","page":422},{"text":"وبناء عليه فقد اعتبر هذا النفر أن معنى الآية: أن سليمان حين حان أجله وقضى الله عليه الموت – أي أوجب عليه الموت حين جاء وقته، كان سليمان حين مات قائمًا بين الجن وهم بين يديه يعملون له – لم يعلموا بموته، وظلوا يعملون فيما أمرهم به، لم يدلهم على أنه قد مات إلا دابة الأرض التي كانت تأكل منسأته – أي عصاه – التي كان يتكئ عليه. فلما عبثت دابة الأرض بالعصا، زايلت موضعها وسقطت على الأرض، وخر سليمان على الأرض كذلك، وهنا علم الجن أن سليمان قد مات، فأخلوا مكانهم ومضوا إلى حيث يشاءون، ولو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أن سليمان قد مات ولو كان بعيدًا عنهم، فكيف وهو تحت سلطانهم وبصرهم؟! (١).\nوربما كان السوس مسلطًا على العصا التي يحملها وهو لا يدري، فكان متكئًا عليها في مجلس من مجالسه، لم تتحمل طول اتكائه عليها، فانكسرت به حين مات، وثقل جسمه كما هو الشأن في كل ميت، وكانت الجن تمر عليه فتحسبه أنه في غفوة أو في سنة من النوم (٢).\nوبناء على هذا القول في تفسير الآية فإن سليمان ﵇ ما كان ليمكث هذه المدة الطويلة لا يعلم به أحد من رعيته، حتى تكون الأرضة هي التي كشفت ذلك بأكلها للعصا التي كان يتكئ عليها، وقد كان ميتًا قبل سقوطه بزمن طويل.\nوعلى الرغم من اختلاف الأقوال في المدة التي أمضاها سليمان ميتًا قبل علم الجن به، إلا أنها تتفق جميعًا على أن موته كان برهانًا على أن الجن مع ما لهم من القدرة على التنقل السريع بين أماكن نائية والانطلاق في آفاق فسيحة، فإنهم لا يعلمون الغيب، وذلك من خلال موت سليمان ﵇، بخلاف ما كانت تظن الجن ويظن الإنس كذلك، أنهم أقدر من الإنسان على النظر البعيد الذي يكشف ما سيأتي به الغد بالنسبة للإنسان، فعلم الغيب لله وحده.\nالقسم الثاني: وهو ما يتعلق بالعلوم والأخبار التي تتعلق بالأمور المشهودة، أو الإخبار عن الوقائع الماضية.\nبالنسبة لهذا القسم فإن الجن يمكن أن تخبر به الإنس، لأن الجن عندهم القدرة على الانطلاق في آفاق فسيحة، والتنقل بين الأماكن البعيدة، لما ميزهم الله بذلك عن الإنسان، فمثلًا: قد يسافر رجل من بلد إلى بد آخر، ويحمل بعض الأغراض معه، فإن الجن بحكم تنقلهم السريع يمكن أن يخبروا شخصًا آخر ممن يتصلون به عن الساعة التي تحرك فيها، وفي أي شيء يركب، وما هي الأغراض التي يحملها فيكون هذا بالنسبة للإنسان غيبًا من الغيوب لكونه لم يشاهده، ولم يبلغه بطريق من طرق العلم المعتادة، وأما بالنسبة للجن فهو واقع محسوس، وهو في واقع الأمر ليس من علم الغيب، وإنما هو مشاهدة، حيث كان عن واقع محسوس يراه الجن رأي العين، فهو حضور بالنسبة للجن، ولكنه غيب بالنسبة للإنسان البعيد عن موقع الحدث، حيث يرى الجن – ولا نرى نحن البشر – ما وراء الأبواب الموصدة أو الجدر القائمة ونحوها (٣).\nوقد يخبرون الإنس عن الوقائع الماضية بحكم أعمارهم الطويلة التي تزيد على أعمار الإنس، فقد يخبرون شخصًا يعيش اليوم عن حدث وقع قبل مائة عام أو أكثر، وقد يموت الميت ويبقى قرينه من الجن، فيخبرون عن أحوال الميت، وقد حصل من ذلك الكثير كما ذكر ابن تيمية (٤).\nوهذا الإخبار من قبل الجن للإنس عن الأحوال الماضية والأمور المغيبة عن الإنسان قد يكون الجني فيها صادقًا وقد يكون كاذبًا، إذ أن في الجن من يشبهون الإنس في الصدق والكذب، بل إن صفاتهم بشكل عام تفوق صفات الإنس سوءا.\n_________\n(١) «التفسير القرآني للقرآن للخطيب» (١١/ ٧٩٢).\n(٢) «التفسير القرآني للقرآن للخطيب» (١١/ ٧٩٤).\n(٣) «التفسير القرآني للقرآن للخطيب» (١١/ ٧٩٤).\n(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٧/ ٥٢٣).","vol":"8","page":423},{"text":"ومن جهة أخرى فإنه لا يصح الوثوق بشيء من أخبارهم لانعدام مقاييس تحديد الصادقين والكاذبين منهم بالنسبة إلينا، لكونه عالمًا مغيبًا عنا، ولفجور من تلقي إليهم الجن بهذه الأخبار، فيذيعونها بدورهم بين الناس، مع ما يصطنعونه من قبل أنفسهم من الكذب.\nوكثير من الناس في الجاهلية من كانت الجن تخبرهم ببعض الأمور التي تغيب عن الإنس.\nقال ابن تيمية: (والأسود العنسي الذي ادعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبين لها كفره فقتلوه، وكذلك مسيلمة الكذاب كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات، ويعينه على بعض الأمور. وأمثال هؤلاء كثيرون) (١).\nوقال في موضع آخر: (والشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته من فمن عبد الشمس والكواكب، كما يفعل أهل دعوة الكواكب، فإنه ينزل عليه الشيطان يخاطبه ويحدثه ببعض الأمور، ويسمون ذلك: روحانية الكواكب وهو شيطان.\nوالشيطان وإن أعان الإنسان على بعض مقاصده فإنه يضر أضعاف ما ينفعه، وعاقبة من أطاعه إلى شر، إلا أن يتوب الله عليه، وكذلك عباد الأصنام قد تخاطبهم الشياطين، وكذلك من استغاث بميت أو غائب) (٢).\nومن هذا القبيل ما يخبر به بعض من يتصلون بالجن في الوقت الحاضر، حيث تخبرهم الجن عن بعض الوقائع التي تجري في أماكن بعيدة لا يراها الإنس، أو قد يخبرون عن اسم الشخص وما يتعلق بأحواله مما لا يعلمه إلا هو أو بعض المقربين له، فيخبره بهذه الأمور الجني الذي يأتيه، ثم يقوم الشخص بدوره بإخبار ذلك إلى بعض من يدخلون عليه، فيدهش الإنسان لهذه الأمور، وإنما هي في الواقع غيب بالنسبة له، ولمن لا يعلم ذلك من بني جنسه من الإنس الذي لا يعلمون مثل ذلك، ولكنها أمور مشهودة بالنسبة للجن، ووظيفتهم في هذه الحالة نقل هذه الأمور إلى من يخدمونهم من الإنس مقابل طاعتهم لهم، ولذلك فإنك تجد أكثر الذين يتعاملون من الجن مع الإنس تاركين للصلاة والعبادات الأخرى، مهينين للقرآن الكريم، كأن يكتبوه بنجاسة، أو يقلبون بعض الآيات القرآنية، أو يقرأون ويكتبون بعض الطلاسم والأدعية غير مفهومة المعنى، مما يرضاه الجن الكفرة مقابل جلب سحر، أو منع شخص عن زوجته، وغير ذلك مما هو واقع ومشاهد في كل عصر.\nومن هؤلاء من يشترط على الداخل عليهم من الإنس أن لا يقرأ القرآن ولا يذكر اسم الله تعالى، وذلك لأن الشياطين التي يتعاملون معها تهرب عند قراءة القرآن أو سماع ذكر الله، قال ابن تيمية:\n(ولهذا من يكون إخباره عن شيطان فإنه لا يكاشف أهل الإيمان والتوحيد وأهل القلوب المنورة بنور الله، بل يهرب منهم، ويعترف أنه لا يكاشف هؤلاء وأمثالهم، وتعترف الجن والإنس – الذين خوارقهم بمعاونة الجن لهم – أنهم لا يمكنهم أن يظهروا هذه الخوارق بحضرة أهل الإيمان والقرآن، ويقولون: أحوالنا لا تظهر قدام الشرع والكتاب والسنة، وإنما تظهر عند الكفار والفجار، وهذا لأن أولئك أولياء الشيطان، ولهم شياطين يعاونون شياطين المخدومين، ويتفقون على ما يفعلونه من الخوارق الشيطانية) (٣).\nفليحذر المسلم الدخول على أمثال هؤلاء، وليعلم أن الذي يخبرون به ليس من علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وإنما هو من الأمور المشهودة للجن والغائبة عن الإنس.\n_________\n(١) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص: ٧٨).\n(٢) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص: ٨٢).\n(٣) «النبوات لابن تيمية» (ص: ٢٨١).","vol":"8","page":424},{"text":"وإذا كانت الشياطين تخبر الكهان – وأمثالهم ممن يتصلون بالجن ويتعاملون معهم – ببعض الأمور، وقد يكون ذلك صادقًا أو كاذبًا، فإنه لا يجوز تصديقهم أو إتيانهم ... وينبغي أن يعلم أن ما تخبر به الأنبياء من الأمور المشهود ليس مما تقدر عليه الشياطين، وإن قدر أنه من جنس ما تقدر الشياطين عليه، فالمميز في هذه الحال بين النبي والكاهن اختلاف حاليهما قولًا وعملًا.\nوكذلك بالنسبة للإخبار بالأمور المشهودة، قد تخبر الأنبياء به مالا تقدر الشياطين على الإخبار به كما قال تعالى عن عيسى ﵇: وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران: ٤٩].\nقال أبو السعود في تفسيره: (أي أخبركم بالمغيبات من أحوالكم التي لا تشكون فيها) (١).\nوقال ابن تيمية: (وبالنسبة للإخبار بالأمور المشهودة والوقائع الماضية فإن الأنبياء ﵈ يخبرون منه بما لا يمكن للشياطين أن تخبر به، كما في إخبار المسيح في قوله تعالى: وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: ٤٩]، فإن الجن قد يخبرون بما يأكله بعض الإنس وبما يدخرونه، لكن الشياطين إنما تتسلط على ما لم يذكر اسم الله عليه، كما إذا دخل الإنسان بيته فإنهم يدخلون معه، وإذا أكل ولم يسم فإنهم يأكلون معه، أو قد يدخر الإنسان شيئًا ولا يذكر اسم الله عليه، فإن الجن تعرفه، وقد تسرق الجن بعض الأموال أو المتاع مما لم يذكر اسم الله عليه.\nوأما من ذكر اسم الله على ما تقدم فإنه لا سلطان للجن على ذلك بسرقته أو معرفة مكانه، والمسيح ﵇ كان يخبر المؤمنين بما يأكلون ويدخرون مما ذكر اسم الله عليه والجن لا تعلم به) (٢) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات -بتصرف - ص٣٦٧\n_________\n(١) «تفسير أبي السعود» (٢/ ٣٩).\n(٢) «النبوات» (ص: ٢٨١).","vol":"8","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2342>تمهيد</span>\nطالما سمعنا في هذا القرن عن تحضير الأرواح، حيث ملأت هذه الفكرة الدنيا بضجيجها، وانتشرت انتشارًا سريعًا في الشرق والغرب، وعقدت لها المجالس والمحاضرات والندوات، وألفت فيها كثير من الكتب والمجلات، وأنشئت لها المدارس والجامعات، وآمن بها الكثير في الشرق والغرب من المسلمين وغيرهم، وخاض أنصارها معارك كلامية، ودافعوا فيها عن فكرتهم أمام المنكرين، ومازلنا نعيش آثارها في أيامنا هذه، ونقرأ الكثير عنها.\nفكرة مجملة عن تحضير الأرواح:\nكانت بداية نشأة هذه الفكرة في أمريكا، حيث حصل سنة ١٨٤٦م أن رجلًا اسمه فيكمان يسكن في قرية هيد سفيل من مقاطعة نيويورك قد سمع ذات ليلة طرقات متعددة على أرض بيته، فذهب ليكتشف الفاعل، فأعيته الحيلة، فصبر على مضض، ولكنه قام ذات ليلة منذعرًا من صراخ ابنة صغيرة له، فسألها عما نابها، فزعمت أنها أحست بيد مرت على جسمها وهي في سريرها، فلم ير الرجل بدًا من هجر منزله، فخلفه فيه رجل متنور يقال له جون فوكس، فحصل لعائلته ما حصل لسابقتها من الأصوات التي لا تجعل للنوم مساغًا من الجفون، فكانت زوجة جون فوكس تنادي جيرانها، وتستعين في البحث عن الفاعل، فلم يهتدوا إليه، فتجاسرت هذه المرأة ذات ليلة وقالت لذلك الطارق: أحدث عشر طرقات، ففعل، فقالت له: كم عمر ابنتي كاترينه؟ فطرق طرقات على قدر سني عمرها، ثم قالت له: إن كنت روحًا فأحدث طرقتين أيضًا، فأحدثهما، ولم تزل به المرأة حتى علمت بواسطة الطرق أنها روح رجل كان ساكنًا في ذلك البيت، فقتله جاره ليسرق ماله ودفنه فيه، فلم يسع زوجة فوكس، إلا استحضار الجيران واستجواب الروح أمامهم، فأجابت بما جعلهم مندهشين مقتنعين في آن واحد، فكان الحال كما أخبرت الروح.\nوقد ضبطت الحكومة الأمريكية هذه الواقعة، وأجرتها مجراها القانوني وكلفت لجنة بدراسة هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر التي كانت تحدث بين وقت وآخر، وبحثها القانوني الشهير أدمون، فاعتقد صحتها وألف فيها كتابًا ضخمًا سنة ١٨٦٥، وتبعه الأستاذ مايس أستاذ الكيمياء في المجمع العلمي الأمريكي، فنسب حصولها لأرواح الموتى.\nولكن الأمر الذي أحدث الدوي الكبير هو اعتقاد الأستاذ روبيرهار بهذا المذهب، وتأليفه فيه كتابًا سماه الأبحاث التجريبية على الظواهر الروحية، فانتشب الصراع من ذلك اليوم بين المصدقين والمكذبين، ولم يبق عالم ولا كاتب ولا كاهن، إلا وألقى بنفسه في تلك المعمعة، فانتقل هذا المذهب بعد ذلك إلى إنجلترا، ووجد له أنصارًا يدافعون عنه، وعلى رأس هؤلاء أحد رؤساء الجمعية الملكية الانجليزية كروركس، ثم أخذ المذهب بالانتشار إلى أقطار العالم، وأصبح له ملايين من الأتباع وأكثر من مائتي مجلة تدافع عنه وتنشره (١) .. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٢٥\n_________\n(١) «دائرة معارف القرن العشرين» (١/ ٢٤٨) باختصار وتصرف، وانظر كتاب «الإنسان روح لا جسد» (١/ ١٠٢).","vol":"8","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2343>المبحث الأول: علاقة الجن بتحضير الأرواح</span>\nلقد كانت الشياطين تنزل على الكهنة فتخبرهم بالكلمة من الحق فيكذبون معها مائة كذبة، وكانوا يتراءون لهم في صور مختلفة كما تقدم معنا، ومن صفات الجن التشكل في الصور المختلفة، وبإمكانهم أن يظهروا للإنسان في صورة أشخاص يكون للشخص معرفة مسبقة بهم قبل موتهم، ولقد تمثل الشيطان للمشركين يوم وقعة بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وحرضهم على قتال الرسول ﵇ ثم تولى عنهم بعد ذلك عندما عاين الملائكة، وتمثل الشيطان كذلك لأبي هريرة في صورة شيخ يريد السرقة، ولقد شاهدهم ابن مسعود في صور مختلفة، وفي إحدى الليالي التي كلم فيها ﵊ الجن، رأى ابن مسعود الجن يتقطعون مثل قطع السحاب، ومرة رآهم يتحدرون على الرسول كأمثال النسور والحجل، وغير ذلك مما هو من صفات الجن، ولقد ثبت وجودهم واتصالهم ببني آدم اتصالًا وثيقًا وأنهم يعيشون معهم على الأرض، وأحيانًا يدخلون في أجسامهم ويتسلطون عليهم بكيفية لا يعلمها إلا الله.\nوبناء على ذلك فإن الجن يمكن أن يتشبهوا بالرياح، والأنوار مختلفة الألوان، وبالسحاب، والدخان، والشخصيات العظيمة، كما يمكن للجن تقليد أي شخصية حية أو ميتة بعد موتها، فأعمارها تزيد على أعمار بني آدم كما في بعض الآثار، كما أن تكليم الجني للإنسان على لسان إنسان أخر أمر ثابت كما تقدم معنا، وتحريك الجني لقلم ليكتب، أوسلسلة ترسم بواسطة قلم أو أثاث حجرة أو غير ذلك مما نسمع عنه أمر ممكن وواقع (١).\nفلم لا يكون ما يزعمه دعاة استحضار الأرواح من عبث مردة الجن الذين همهم السخرية ببعض البشر الذين يوافقونهم في أعمالهم؟!. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات - ص٤٤٧\n_________\n(١) «مع رسل الله وكتبه واليوم الآخر» (ص: ١٥٥).","vol":"8","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2344>المبحث الثاني: حكم ما يسمى بعلم تحضير الأرواح</span>\nلقد شاع بين كثيرٍ من الناس من الكتّاب وغيرهم ما يسمى بعلم تحضير الأرواح، وزعموا أنهم يستحضرون أرواح الموتى بطريقة اخترعها المشتغلون بهذه الشعوذة، يسألونها عن أخبار الموتى من نعيم وعذاب، وغير ذلك من الشئون التي يظن أن عند الموتى علمًا بها في حياتهم. ولقد تأملت هذا الموضوع كثيرًا فاتضح لي أنه علم باطل، وأنه شعوذة شيطانية يراد منها إفساد العقائد والأخلاق والتلبيس على المسلمين، والتوصل إلى دعوى علم الغيب في أشياء كثيرة.\nولهذا رأيت أن أكتب في ذلك كلمة موجزة لإيضاح الحق والنصح للأمة وكشف التلبيس عن الناس، فأقول: لا ريب أن هذه المسألة مثل جميع المسائل يجب ردها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فما أثبتاه أو أحدهما أثبتناه، وما نفياه أو أحدهما نفيناه، كما قال الله ﷿: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:٥٩].\nومسألة (الروح) من الأمور الغيبية التي اختص الله ﷾ بعلمها ومعرفة كنهها، فلا يصح الخوض فيها إلا بدليل شرعي، قال الله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن: ٢٧]، وقال سبحانه في سورة النمل: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ الآية [النمل:٦٥].\nوقد اختلف العلماء ﵏ في المراد بالروح في قوله تعالى في سورة الإسراء: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]، فقال بعضهم: إنه الروح الذي في الأبدان وعلى هذا فالآية دليل على أن الروح أمر من أمر الله لا يعلم الناس عنه شيئًا إلا ما علمهم الله إياه؛ لأن ذلك أمر من الأمور التي اختص الله سبحانه بعلمها وحجب ذلك عن الخلق، وقد دل القران الكريم والأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ على أن أرواح الموتى تبقى بعد موت الأبدان، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى .. الآية [الزمر: ٤٢]\nوثبت: «أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نراه انطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا، قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ: والذي نفس محمدٍ بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا» (١).\n_________\n(١) [١٤٨٣٠]» رواه البخاري (٣٩٧٦) من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"8","page":428},{"text":"وثبت عنه ﷺ «إن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه» (١).\nقال العلامة ابن القيم ﵀: (والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به).\nونقل ابن القيم أن ابن عباس ﵄ قال في تفسير قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: ٤٢]. (بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها).\nثم قال ابن القيم ﵀: (وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره ويخبره الميت بما لا يعلم الحي فيصادف خبره كما أخبر). فهذا هو الذي عليه السلف من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله وتسمع، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام، كما أنه لا صحة لما يدعيه المشعوذون من قدرتهم على تحضير أرواح من يشاءون من الأموات ويكلمونها ويسألونها فهذه ادعاءات باطلة ليس لها ما يؤيدها من النقل ولا من العقل، بل إن الله ﷾ هو العالم بهذه الأرواح والمتصرف فيها وهو القادر على ردها إلى أجسامها متى شاء ذلك، فهو المتصرف وحده في ملكه وخلقه لا ينازعه منازع. أما من يدعي غير ذلك فهو يدعي ما ليس له به علم، ويكذب على الناس فيما يروجه من أخبار الأرواح؛ إما لكسب مال، أو لإثبات قدرته على ما لا يقدر عليه غيره، أو للتلبيس على الناس لإفساد الدين والعقيدة.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠).","vol":"8","page":429},{"text":"وما يدعيه هؤلاء الدجالون من تحضير الأرواح إنما هي أرواح شياطين يخدمها بعبادتها وتحقيق مطالبها، وتخدمه بما يطلب منها كذبًا وزورًا في انتحالها أسماء من يدعونه من الأموات، كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:١١٢ - ١١٣]، وقال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:١٢٨]، وذكر علماء التفسير أن استمتاع الجن بالإنس بعبادتهم إياهم بالذبائح والنذور والدعاء، وأن استمتاع الإنس بالجن قضاء حوائجهم التي يطلبونها منهم، وإخبارهم ببعض المغيبات التي يطلع عليها الجن في بعض الجهات النائية، أو يسترقونها من السمع، أو يكذبونه وهو الأكثر، ولو فرضنا أن هؤلاء الإنس لا يتقربون إلى الأرواح التي يستحضرونها بشيء من العبادة فإن ذلك لا يوجب حل ذلك وإباحته؛ لأن سؤال الشياطين والعرافين والكهنة والمنجمين ممنوع شرعًا، وتصديقهم فما يخبرون به أعظم تحريمًا وأكبر إثمًا بل هو من شعب الكفر؛ لقول النبي ﷺ: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (١)، وفي مسند أحمد والسنن عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» (٢).\n_________\n(١) [١٤٨٣٢]» رواه مسلم (٢٢٣٠).\n(٢) [١٤٨٣٣]» رواه أبو داود (٣٩٠٤)، وزاد (أو أتى امرأتا حائضا أو أتى امرأتا في دبرها فقد برئ) بدلا من (فقد كفر) والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣٢٣) (٩٠١٧) بلفظ «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها) بدون (عرافا)، ورواه الحاكم (١/ ٤٩)، قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما جميعا من حديث ابن سيرين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨): له متابعة، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٧): له شاهد [وروي] بإسنادين جيدين ولفظهما (من أتى كاهنا)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» و«صحيح ابن ماجه». وفي رواية: لأبي داود (٣٩٠٤) وأحمد (٢/ ٤٠٨) (٩٢٧٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨)، من حديث أبي هريرة ﵁، (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول .... فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ١٧): لا يتابع عليه (حكيم الأثرم) ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة، وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨): له متابعة، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».","vol":"8","page":430},{"text":"وقد جاء في هذا المعنى أحاديث وآثار كثيرة، ولا شك أن هذه الأرواح التي يستحضرونها بزعمهم داخلة فيما منع منه النبي ﷺ؛ لأنها من جنس الأرواح التي تقترن بالكهان والعرافين من أصناف الشياطين فيكون لها حكمها، فلا يجوز سؤالها ولا استحضارها ولا تصديقها، بل كل ذلك محرم ومنكر بل وباطل، لما سمعت من الأحاديث والآثار في ذلك، ولأن ما ينقلونه عن هذه الأرواح يعتبر من علم الغيب، وقد قال الله سبحانه: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ [النمل: ٦٥].\nوقد تكون هذه الأرواح هي الشياطين المقترنة بالأموات الذين طلبوا أرواحهم فتخبر بما تعلمه من حال الميت في حياته مدعية أنها روح الميت الذي كانت مقترنة به، فلا يجوز تصديقها ولا استحضارها ولا سؤالها كما تقدم الدليل على ذلك. وما يحضِّره ليس إلا الشياطين والجن يستخدمهم مقابل ما يتقرب به إليهم من العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله، فيصل بذلك إلى حد الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة - نعوذ بالله من ذلك -.\nولقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في دار الإفتاء السعودية فتوى عن التنويم المغناطيسي الذي هو أحد أنواع تحضير الأرواح هذا نصها: (التنويم المغناطيسي ضرب من ضروب الكهانة باستخدام جني يسلطه المنوِّم على المنوَّم، فيتكلم بلسانه ويكسبه قوةً على بعض الأعمال بسيطرته عليه إن صدق مع المنوم وكان طوعًا له، مقابل ما يتقرب به المنوِّم إليه، ويجعل ذلك الجني المنوَّم طوع إرادة المنوِّم يقوم بما يطلبه منه من الأعمال بمساعدة الجني له إن صدق ذلك الجني مع المنوم، وعلى ذلك يكون استغلال التنويم المغناطيسي واتخاذه طريقًا أو وسيلة للدلالة على مكان سرقة أو ضالة أو علاج مريض، أو القيام بأي عملٍ آخر بواسطة المنوِّم غير جائز بل هو شرك لما تقدم، ولأنه التجاء إلى غير الله فيما هو من وراء الأسباب العادية التي جعلها الله سبحانه إلى المخلوقات وأباحها لهم) انتهى كلام اللجنة.\nوممن كشف حقيقة هذه الدعوى الباطلة الدكتور محمد محمد حسين في كتابه (الروحية الحديثة حقيقتها وأهدافها) وكان ممن خدع بهذه الشعوذة زمنًا طويلًا، ثم هداه الله إلى الحق وكشف زيف تلك الدعوى بعد أن توغل فيها ولم يجد فيها سوى الخرافات والدجل، وقد ذكر أن المشتغلين بتحضير الأرواح يسلكون طرقًا مختلفة، منهم المبتدئون الذين يعتمدون على كوب صغير أو فنجان يتنقل بين حروف قد رسمت فوق منضدة، وتتكون إجابات الأرواح المستحضرة - حسب زعمهم - من مجموع الحروف بحسب ترتيب تنقله فيها، ومنهم من يعتمد على طريقة السلة يوضع في طرفها قلم يكتب الإجابات على أسئلة السائلين، ومنهم من يعتمد على وسيط كوسيط التنويم المغناطيسي.\nوذكر أنه يشك في مدعي تحضير الأرواح وأن وراءهم من يدفعهم بدليل الدعاية التي عملت لهم، فتسابقت إلى تتبع أخبارهم ونشر ادعاءاتهم صحف ومجلات لم تكن من قبل تنشط لشيء يمس الروح أو الحياة الآخرة، ولم تكن في يوم من الأيام داعية إلى الدين أو الإيمان بالله. وذكر أنهم يهتمون بإحياء الدعوة الفرعونية وغيرها من الدعوات الجاهلية، كما ذكر أن الذين روجوا لأصل هذه الفكرة هم أناس فقدوا عزيزًا عليهم فيعزون أنفسهم بالأوهام، وأن أشهر من روج لهذه البدعة السيد أوليفر لودج الذي فقد ابنه في الحرب العالمية الأولى، ومثله مؤسس الروحية في مصر أحمد فهمي أبو الخير الذي مات ابنه عام (١٩٣٧ م)، وكان رزق به بعد طول انتظار.","vol":"8","page":431},{"text":"وذكر الدكتور محمد محمد حسين أنه مارس هذه البدعة فبدأ بطريقة الفنجان والمنضدة فلم يجد فيها ما يبعث على الاقتناع، وانتهى إلى مرحلة الوسيط، وحاول مشاهدة ما يدعونه من تجسيد الروح أو الصوت المباشر ويرونه دليل دعواهم فلم ينجح هو ولا غيره؛ لأنه لا وجود لذلك في حقيقة الأمر، وإنما هي ألاعيب محكمة تقوم على حيل خفية بارعة ترمي إلى هدم الأديان. وأصبحت الصهيونية العالمية الهدامة ليست بعيدة عنها. ولما لم يقتنع بتلك الأفكار الفاسدة وكشف حقيقتها انسحب منها وعزم على توضيح الحقيقة للناس ويقول: (إن هؤلاء المنحرفين لا يزالون بالناس حتى يستلوا من صدورهم الإيمان وما استقر في نفوسهم من عقيدة ويسلمونهم إلى خليط مضطرب من الظنون والأوهام. ومدعو تحضير الأرواح لا يثبتون للرسل صلوات الله وسلامه عليهم إلا صفة الوساطة الروحية، كما قال زعيمهم أرثر فندلاي في كتابه (على حافة العالم الأثري) عن الأنبياء هم: وسطاء في درجة عالية من درجات الوساطة، والمعجزات التي جرت على أيديهم ليست إلا ظواهر روحية كالظواهر التي تحدث في حجرة تحضير الأرواح).\nويقول الدكتور حسين: (إنهم إذا فشلوا في تحضير الأرواح قالوا: الوسيط غير ناجح أو مجهد أو إن شهود الجلسة غير متوافقين، أو إن بينهم من حضر إلى الاجتماع شاكًا أو متحديًا). ومن بين مزاعمهم الباطلة أنهم زعموا أن جبريل ﵇ يحضر جلساتهم ويباركها - قبحهم الله - انتهى المقصود من كلام الدكتور محمد محمد حسين.\nومما ذكرناه في أول الجواب وما ذكرته اللجنة والدكتور محمد محمد حسين في التنويم المغناطيسي يتضح بطلان ما يدعيه محادثوا الأرواح من كونهم يحضرون أرواح الموتى ويسألونهم عما أرادوه، ويعلم أن هذه كلها أعمال شيطانية وشعوذة باطلة داخلة فيما حذر منه النبي ﷺ من سؤال الكهنة والعرافين وأصحاب التنجيم ونحوهم، والواجب على المسئولين في الدول الإسلامية منع هذا الباطل والقضاء عليه وعقوبة من يتعاطاه حتى يكف عنه، كما أن الواجب على رؤساء تحرير الصحف الإسلامية أن لا ينقلوا هذا الباطل وأن لا يدنسوا به صحفهم، وإذا كان لابد من نقل فليكن نقل الرد والتزييف والإبطال والتحذير من ألاعيب الشياطين من الإنس والجن ومكرهم وخداعهم وتلبيسهم على الناس، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو المسئول سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين، ويمنحهم الفقه في الدين، ويعيذهم من خداع المجرمين وتلبيس أولياء الشياطين إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز - ٣/ ٣٠٩ - ٣١٦","vol":"8","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2345>الفصل الثامن: دخول الجني في الإنسي</span>\nقد دل كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة على جواز دخول الجني بالإنسي وصرعه إياه .... وأنا أذكر لك أيها القارئ ما تيسر من كلام أهل العلم في ذلك إن شاء الله.\nبيان كلام المفسرين ﵏ في قوله تعالى:\nالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]، قال أبو جعفر بن جرير ﵀ في تفسير قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، ما نصه:\n(يعني بذلك يخبله الشيطان في الدنيا وهو الذي يخنقه فيصرعه من المس يعني: من الجنون)، وقال البغوي ﵀ في تفسير الآية المذكورة ما نصه: لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، (أي: الجنون. يقال: مُس الرجل فهو ممسوس إذا كان مجنونًا) اهـ.\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية المذكورة ما نصه: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، (أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا).\nوقال ابن عباس ﵁: (آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يخنق) رواه ابن أبي حاتم (١).\nقال: وروي عن عوف ابن مالك وسعيد بن جبير والسدي والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك. انتهى المقصود من كلامه ﵀. وقال القرطبي ﵀ في تفسيره على قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، (في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس). اهـ.\nوكلام المفسرين في هذا المعنى كثير من أراده وجده.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه (إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين) الموجود في مجموع الفتاوى (١٩/ ٩ - ٦٥) ما نصه بعد كلام سبق: (ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي وأبي بكر الرازي وغيرهما دخول الجن في بدن المصروع ولم ينكروا وجود الجن، إذ لم يكن ظهور هذا في المنقول عن الرسول كظهور هذا وإن كانوا مخطئين في ذلك. ولهذا ذكر الأشعري في مقالات أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: أن الجني يدخل في بدن المصروع، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: (قلت: لأبي إن قومًا يزعمون أن الجني لا يدخل في بدن الإنسي، فقال: يا بني يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه وهذا مبسوط في موضعه).\n_________\n(١) [١٤٨٣٤]» «تفسير ابن أبي حاتم» (٢/ ٣٤١). وصحح إسناده السيوطي في «البدور السافرة» (ص: ٦٤). وأحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٣٣٠).","vol":"8","page":433},{"text":"وقال أيضًا ﵀ في (٢٤/ من الفتاوى ص ٢٧٦ - ٢٧٧) ما نصه: (وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة وأئمتها، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (١).\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: (قلت لأبي إن أقوامًا يقولون: إن الجني لا يدخل بدن المصروع، فقال: يا بني يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه)، وهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربًا عظيمًا لو ضرب به جمل لأثر به أثرًا عظيمًا، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله، وقد يجر المصروع غير المصروع ويجر البساط الذي يجلس عليه ويحول الآلات وينقل من مكانٍ إلى مكان، ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علمًا ضروريا بأن الناطق على لسان الإنسي والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان، وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك). أهـ.\nوقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد) (٤/ ٦٦ - ٦٩) ما نصه:\n(الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة، والثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه.\nوأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها، وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه، فذكر بعض علاج الصرع وقال: (هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة، وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج.\nوأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها).\nإلى أن قال: (وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده، ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم.\nوعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع: يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإن هذا نوع محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًا فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل، فكيف إذا عدم الأمران جميعًا! ويكون القلب خرابًا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه، ولا سلاح له.\n_________\n(١) [١٤٨٣٥]» رواه البخاري (٢٠٣٩).","vol":"8","page":434},{"text":"والثاني من جهة المعالج: بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا، حتى أن من المعالجين من يكتفي بقوله: (اخرج منه) أو يقول: (بسم الله) أو يقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، والنبي ﷺ كان يقول: «اخرج عدو الله أنا رسول الله» (١).\nوشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه. ويقول قال لك الشيخ: اخرجي، فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع، وربما خاطبها بنفسه وربما كانت الروح ماردةً فيخرجها بالضرب. فيفيق المصروع ولا يحس بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا ...) إلى أن قال: (وبالجملة فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، وربما كان عريانًا فيؤثر فيه هذا ..). انتهى المقصود من كلامه ﵀.\nوبما ذكرناه من الأدلة الشرعية وإجماع أهل العلم من أهل السنة والجماعة على جواز دخول الجني بالإنسي، يتبين للقراء بطلان قول من أنكر ذلك، وخطأ فضيلة الشيخ علي الطنطاوي في إنكاره ذلك.\nوقد وعد في كلمته أنه يرجع إلى الحق متى أرشد إليه فلعله يرجع إلى الصواب بعد قراءته ما ذكرنا، نسأل الله لنا وله الهداية والتوفيق.\nومما ذكرنا أيضًا يعلم أن ما نقلته صحيفة (الندوة) في عددها الصادر في (١٤/ ١٠/ ١٤٠٧ هـ) (ص: ٨) عن الدكتور محمد عرفان من أن كلمة جنون اختفت من القاموس الطبي، وزعمه أن دخول الجني في الإنسي ونطقه على لسانه أنه مفهوم علمي خاطئ مائة في المائة. كل ذلك باطل نشأ عن قلة العلم بالأمور الشرعية وبما قرره أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وإذا خفي هذا الأمر على كثير من الأطباء لم يكن ذلك حجة على عدم وجوده، بل يدل ذلك على جهلهم العظيم بما علمه غيرهم من العلماء المعروفين بالصدق والأمانة والبصيرة بأمر الدين، بل هو إجماع من أهل السنة والجماعة، كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن جميع أهل العلم، ونقل عن أبي الحسن الأشعري أنه نقل ذلك عن أهل السنة والجماعة، ونقل ذلك أيضًا عن أبي الحسن الأشعري العلامة أبو عبد الله محمد بن عبد الله الشبلي الحنفي المتوفي سنة (٧٩٩ هـ) في كتابه (آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان) في الباب الحادي والخمسين من كتابه المذكور.\nوقد سبق في كلام ابن القيم ﵀ أن أئمة الأطباء وعقلاءهم يعترفون به ولا يدفعونه، وإنما أنكر ذلك جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم وزنادقتهم. فاعلم ذلك أيها القارئ وتمسك بما ذكرناه من الحق ولا تغتر بجهلة الأطباء وغيرهم، ولا بمن يتكلم في هذا الأمر بغير علم ولا بصيرة، بل بالتقليد لجهلة الأطباء وبعض أهل البدع من المعتزلة وغيرهم، والله المستعان .. مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز ٣/ ٣٠٢\n_________\n(١) [١٤٨٣٦]» رواه الإمام أحمد في «المسند» (١٧٥٨٤). قال البخاري في «دلائل النبوة» (٦/ ٢٢): أصح [يعني من رواية يعلى عن أبيه]. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٦/ ١٤٦): طريقه جيد. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٩): رجاله رجال الصحيح.","vol":"8","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2349>المطلب الأول: الأدلة من الكتاب على لزوم الجماعة</span>\nلقد وردت في كتاب الله الكريم، آيات تأمر المؤمنين وتحثهم على لزوم الجماعة، والائتلاف، وتبين لهم أن الأمة الإسلامية أمة واحدة، وهي حقيقة جاء تأكيدها في أكثر من موضع في القرآن الكريم.\nولكن لابد لهذا الأصل العظيم من شروط يجب تحقيقها، وضوابط يجب مراعاتها، ولا سبيل إلى تحقيق هذه الغاية الجليلة إلا باعتبار تلك الشروط والضوابط.\nلذلك جاءت آيات أخرى مبينة للشروط، وموضحة للضوابط، ومن أمثلة ذلك الأمر بإقامة الدين كله، بتوحيد الله ﵎، واجتناب الشرك بكافة أنواعه وفروعه.\nومن ذلك أيضًا الحث على الأخوة الإيمانية، والأمر بالتعاون على البر والتقوى. وقد استنبط العلماء –﵏- من هذه الآيات، المقومات الصحيحة لاجتماع المسلمين وتآلفهم.\nوفيما يلي ذكر أهم الأدلة من القرآن الكريم على وجوب لزوم الجماعة:\n(الدليل الأول) قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣].\nذكر ابن جرير –﵀- بأسانيده عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا. قال: الجماعة (١).\nوذكر بأسانيده أقوالًا أخرى عن السلف في تفسير معنى (حبل الله) منها: القرآن، والإخلاص لله وحده، والإسلام (٢).\nوهذه الأقوال مؤداها واحد، ونتيجتها واحدة، فإن الاعتصام بالقرآن، والإخلاص لله وحده، والتمسك بالإسلام الصحيح الذي جاء به رسول الله ﷺ، كلها مما ينتج عنه تآلف المسلمين واجتماعهم وترابطهم وترابطهم وتماسك مجتمعهم.\nوقال ابن جرير ﵀ في تفسير هذه الآية: (يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله) (٣).\nوقال ابن كثير ﵀: (وقوله وَلاَ تَفَرَّقُواْ أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة .. وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف).\nإلى أن قال: (وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا. وخيف عليهم الافتراق والاختلاف فقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه) (٤).\nوقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: عن عبد الله بن مسعود وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ. قال: الجماعة، روي عنه وعن غيره من وجوه، والمعنى كله متقارب متداخل فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة. ورحم الله ابن المبارك حيث قال:\nإن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا (٥)\n_________\n(١) «جامع البيان عن تأويل القرآن» (٤/ ٣٠ - ٣١)، ط الحلبي الثالثة (١٣٨٨هـ).\n(٢) «جامع البيان عن تأويل القرآن» (٤/ ٣٠ - ٣١)، ط الحلبي الثالثة (١٣٨٨هـ).\n(٣) «جامع البيان» (٤/ ٣٠).\n(٤) «تفسير القرآن العظيم» (١/ ٣٨٩) ط- الحلبي.\n(٥) «الجامع لأحكام القرآن» (٤/ ١٥٩)، ط دار الكاتب العربي – الثالثة ١٣٨٧هـ.","vol":"8","page":436},{"text":"وقال الشوكاني –﵀-: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا. الحبل لفظ مشترك، وأصله في اللغة السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وهو إما تمثيل أو استعارة. أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين) (١). وتبين لنا من كلام هؤلاء العلماء الأجلاء المنهج الصحيح الذي يؤدي إلى اجتماع كلمة المسلمين وتآلفهم. فإننا نلاحظ العبارة الدقيقة التي استعملها الطبري ﵀ حيث قال: (والاجتماع على كلمة الحق). فإنه بدون هذا الضابط لا يكون الاجتماع صحيحا.\nفلابد من أن يكون أساس الاجتماع هو الحق وكلمة الحق، وهذه الكلمة غالبًا ما تطلق على كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ولازمتها (محمد رسول الله) وذلك على فهم السلف الصالح لها بمراعاة شروطها، ولوازمها، وحقيقتها، ومعناها الصحيح مع معرفة نواقضها للاحتراز منها.\nثم نلاحظ أن ابن كثير ﵀ بعد ذكره للاختلاف والفرقة التي حصلت في هذه الأمة، جعل مناط النجاة والفوز أن يكون المسلم متمسكًا بما كان عليه النبي ﷺ، وصحابته رضوان الله عليهم فيكون بذلك من الفرقة الناجية وذلك لما ورد في حديث الافتراق الصحيح الذي سيأتي تخريجه في الفضل القادم.\nويقول الشوكاني ﵀: (أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن). إذن فهي العودة الصحيحة إلى الينابيع التي قام عليها هذا الدين وهي الكتاب والسنة وما كان عليه سلفنا الصالح.\nأما حقيقة الاعتصام بكتاب الله فيوجزها ابن القيم ﵀ (وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم وكشوفاتهم، ومواجيدهم. فمن لم يكن كذلك فهو منسل من هذا الاعتصام. فالدين كله في الاعتصام به وبحبله، علمًا وعملًا، وإخلاصًا واستعانة، ومتابعة، واستمرارًا على ذلك إلى يوم القيامة) (٢).\nوأما قوله تعالى في آخر الآية: وَلاَ تَفَرَّقُواْ ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله ﷺ، والانتهاء إلى أمره (٣).\nثم ذكر بسنده عن قتادة في قوله تعالى: وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ. أنه قال: (إن الله ﷿ قد كره لكم الفرقة وقدم إليكم فيها، وحذركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة، والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله) (٤).\nوقال القرطبي ﵀ في شأن ما يستنبط من الآية من الأحكام:\n(الثانية قوله تعالى: وَلاَ تَفَرَّقُواْ يعني في دينكم كما افترقت اليهود والنصارى في أديانهم.\n_________\n(١) «فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير» (١/ ٣٦٧) ط الحلبي – الثانية سنة ١٣٨٢هـ.\n(٢) «مدار السالكين» (٣/ ٣٢٣) ط دار الكتب العلمية – بيروت ١٣٩٢هـ.\n(٣) «جامع البيان» (٤/ ٣٢).\n(٤) «جامع البيان» (٤/ ٣٢).","vol":"8","page":437},{"text":"عن ابن مسعود وغيره: ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا في دين الله إخوانًا، فيكون ذلك منعًا لهم عن التقاطع والتدابر، ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا. وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع، فإن ذلك ليس اختلافًا إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع، ومازالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون) (١).\nوقال القرطبي ﵀: (وقال ابن عباس لسماك الحنفي: يا حنفي الجماعة الجماعة!! فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها، أما سمعت الله ﷿ يقول: واعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ). إلى أن قال: (فأوجب تعالى علينا التمس بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادًا وعملًا، وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين، والسلامة من الاختلاف، وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين) (٢).\nالذي يتأمل في كلام القرطبي ﵀ وخاصة قوله: (وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادًا وعملًا، وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات) يدرك تمامًا أن هذه هي الركيزة والقاعدة الأساسية في اجتماع كلمة المسلمين، وحصول تآلفهم، وأن هذا هو الحل الصحيح لمأساة الفرقة التي وقعت بين المسلمين، وأن أي حل تلفيقي آخر لن ينجح لحل مأساة فرقة المسلمين، مثل محاولة التقريب بين المذاهب العقدية التي طرحها بعض الناس في عصرنا.\nوهذه الآية الكريمة من سورة آل عمران هي الآية الجامعة في هذا الباب، وكفى بها آية عظيمة استطاع المفسرون وعلماء الإسلام أن يستنبطوا منها مقومات الألفة والترابط التي تكفل اجتماع المسلمين وائتلافهم، وتقضي على أسباب الفرقة والاختلاف.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الحجرات: ١٠].\nنصت هذه الآية الكريمة على مبدأ عظيم من مبادئ دين الإسلام ألا وهو التآخي في الله والتحابب فيه.\nوقد أولى الإسلام هذا الجانب عناية كبيرة، ويعتبر من الدعائم الرئيسية التي تقوم عليها وحدة المسلمين وائتلافهم واجتماعهم. لذلك نجد أن النبي ﷺ، كان من أول الأعمال العظيمة التي قام بها بعد هجرته إلى المدينة المنورة، هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.\nوقد كان لهذا التآخي عظيم الأثر في وحدة المجتمع المسلم وفي تماسكه وترابطه. يقول الشيخ محمد الصادق عرجون ﵀: \"وبهذه المؤاخاة الاجتماعية في الارتفاق والمناصرة، والتعاون والتساعد والتعاضد، والحب في الله ولله الذي جعله النبي ﷺ، أساسًا لهذه المؤاخاة بقوله لأصحابه من المهاجرين والأنصار: \"تآخوا في الله، أخوين، أخوين\" تم تصحيح تركيب المجتمع المسلم.\nوالتآخي في الله هو الثمرة الجنية العملية للحب في الله الذي اتخذته الوحدة الإيمانية عنوانًا على وجودها في واقع حياة المجتمع المسلم لقوله ﷺ، في حديث البخاري: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه» (٣).\n_________\n(١) «الجامع لأحكام القرآن» (٤/ ١٥٩).\n(٢) «الجامع لأحكام القرآن» (٤/ ١٦٤).\n(٣) رواه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥). من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"8","page":438},{"text":"وتصحيح تركيب المجتمع المسلم على أساس الحب في الله ولله جعل من هذا المجتمع يدًا واحدة، وكلمة واحدة، وعملًا واحدًا، وذمة واحدة، ودما واحدا، وفكرا واحدا، ونظامًا واحدًا في سياسته ووسائل حياته وتربيته وسلوكه وأخلاقياته، كما أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ، في الحديث الصحيح الثابت: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم» اهـ (١). (٢).\nولقد عد النبي ﷺ، الحب في الله من أوثق عرى الإيمان فقال في الحديث الصحيح الذي يرويه عنه ابن عباس ﵄: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» (٣).\nوقد عد النبي ﷺ، الحب في الله من الأسباب التي يجد بها المؤمن حلاوة الإيمان، فعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ، قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (٤).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وعد منهم: «رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» (٥).\nوعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في. المتحابون في على منابر من نور، يغبطهم بمكانهما النبيون والصديقون والشهداء». (٦)\nوهكذا نلاحظ أن الأخوة في الله كما أن فضلها عظيم فهي من ركائز الإيمان التي ينبغي لكل مسلم أن يعنى بها.\nوالناظر في حياة المسلمين اليوم يرى أن هذا المبدأ العظيم قد اعتراه الوهن والضعف وذلك لتفريط المسلمين في حقه وعدم اعتنائهم به أفرادًا وجماعات. فنجد على مستوى الأفراد عدم مراعاة حق الجوار حتى إن الجار قد لا يعرف جاره، وعلى مستوى الجماعات حصول القطيعة بين الجماعات التي تسلك طريق الدعوة إلى الله وتنادي بجمع كلمة المسلمين، وهم أولى بجمع كلمتهم وتآلفهم ليكونوا بذلك قدوة لمجتمعاتهم الإسلامية.\nالدليل الثالث: قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة: ٧١].\n_________\n(١) «محمد رسول الله ﷺ» (٣/ ١٥١) ط دار القلم – دمشق – الأولى سنة ١٤٠٥هـ.\n(٢) رواه أبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي (٤٧٣٤)، بلفظ: (المؤمنون .....). والحديث سكت عنه أبي داود. وقال البزار في «البحر الزخار» (٢/ ٢٩١): روي من غير وجه، وإسناده أحسن إسنادًا يروى في ذلك وأصحه. وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ١٥٩). كما اشار عبد الحق الأشبيلي في مقدمة «الأحكام الصغرى» (٥٩٧) إلى أنه صحيح الإسناد.\n(٣) رواه الطبراني (١١/ ٢١٥) (١١٥٣٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٧٠) (٩٥١٣) وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٤٠) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.\n(٤) رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).\n(٥) رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١).\n(٦) رواه أحمد في (٥/ ٢٣٦) (٢٢١١٧)، وابن أبي الدنيا في «الأخوان» (ص: ٩).","vol":"8","page":439},{"text":"تقرر هذه الآية الكريمة مبدأ (الولاء) بين المؤمنين والمؤمنات، وهو مبدأ أوسع من المبدأ السابق الذي هو (التآخي). وما التآخي إلا جزء من الولاء، قال الشيخ محمد بن سعيد القحطاني في تعريف الولاء: (الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهرًا وباطنًا) (١).\nوإن كان رابط التآخي قد وهن بين المسلمين فهذا الموضوع -وهو الولاء- قد وهن وضعف من باب أولى وذلك لأسباب أهمها:\nالأول: تفرق المسلمين إلى فرق وشيع وأحزاب حيث أصبح مبدأ الولاء مرتبطًا بالحزب والجماعة لا بالإسلام وهذا غبش في التصور.\nيقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد: (وإن الحزبية ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي لم يعهدها السلف من أعظم العوائق عن العلم، والتفريق عن الجماعة، فكم أوهنت حبل الاتحاد الإسلامي وغشيت المسلمين بسببها الغواشي) (٢).\nالثاني: تكالب المسلمين على الدنيا وتنافسهم عليها مما سبب بينهم الأحقاد والحسد فأصبحت علاقات الناس مبنية على أمور الدنيا ومصالحها الزائلة وهذا انقلاب في المفاهيم.\nولقد حذر النبي ﷺ، أمته من التنافس على الدنيا وعلل ذلك بأنه سبب للهلاك، وأخبر بأن هذا الأمر قد وقع في الأمم السابقة.\nففي الحديث الذي رواه عمرو بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ، قال: «أبشروا، وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم» (٣).\nوجاء عن ابن عباس ﵄: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا) (٤).\nوقد علق الشيخ محمد القحطاني على هذا الأثر –المنقول عن ابن عباس- بقوله: (وفي عصرنا الحاضر عصر المادة والدنيا قد أصبحت محبة الناس في الأغلب على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا.\nولن تقوم للأمة الإسلامية قائمة إلا بالرجوع إلى الله والاجتماع على الحب فيه والبغض فيه والولاء وله والبراء ممن أمرنا الله بالبراء منه، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) (٥).\nإذن فعلاج الوهن الذي أصاب هذا المبدأ الإسلامي العظيم إنما يكون بالرجوع إلى الجماعة وترك الفرقة، وبتحكيم الكتاب والسنة وتدبرهما وفهمهما وبالعودة إلى ما كان عليه رسول الله ﷺ، وصحابته رضوان الله عليهم.\nالدليل الرابع: قول تعالى: فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ [الأنفال: ١].\nوقال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: ٩].\nفقد حث ﷾ في هذه الآيات الكريمات على إصلاح ذات البين، وعلى الإصلاح بين المؤمنين إذا حصل بينهم ما يفرق جماعتهم، وما يكدر عليهم صفو ألفتهم، وما ذلك إلا ليبقى المجتمع المسلم مترابطًا متحابًا متآلفًا.\n_________\n(١) «الولاء والبراء في الإسلام» (ص: ٩٠) ط أولى. دار طيبة، الرياض.\n(٢) «حلية طالب العلم» (ص: ٦٢) ط أولى سنة ١٤٠٨هـ دار الراية، الرياض.\n(٣) رواه البخاري (٤٠١٥) ومسلم (٢٩٦١).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/ ١٩٦). بلفظ: (أحب في الله ووال في الله وعاد في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، لا يجد رجل طعم الايمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك).\n(٥) «الولاء والبراء» (ص: ٩٢).","vol":"8","page":440},{"text":"وإذا كان فساد ذات البين هي الحالقة التي تحلق الدين كما جاء ذلك في الحديث الصحيح، فإن إصلاح ذات البين هو من أعظم القربات إلى الله ﷿، لكن قد ينتبه المسلمون إلى إصلاح ذات البين في الأمور الدنيوية، من نكاح وبيوع وميراث وما إلى ذلك، ويغفلون عن إصلاح ذات البين فيما هو أعظم وأهم ألا وهو الاختلاف فيما لا يجوز الاختلاف فيه بحال وهو أمر الدين نفسه من عقائد وسلوك وعبادات والتي مبناها على النص والتوقيف.\nموقف السلف الصالح من إصلاح ذات البين في العقائد والسلوك والعبادة:\nإذا نظرنا إلى سيرة سلفنا الصالح في هذا الموضوع نجد نماذج كثيرة من العلماء الأعلام الذين كانت لهم جهود موفقة في رد أهل البدع والمخالفين لأهل السنة إلى الحق.\nفها هو ابن عباس ﵄ يذهب إلى الخوارج في عقر دارهم، ويناظرهم، ويزيل شبهاتهم، فيرجع منهم من شاء الله له الهداية والسلامة، ويبقى القليل فقط على بدعتهم لسيطرة أهوائهم عليهم.\nوها هو الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يثبت في الميدان وحده، ويعلن عقيدة السلف ويظهرها في أحلك الظروف وأصعبها، ويناظر خصومه بالكتاب والسنة دون أن يخشى في الله لومة لائم، حتى لو كان الرأي المخالف لأهل السنة يتبناه السلطان، ويفرض على المسلمين فرضا بالقوة (١).\nوها هو عبد العزيز الكناني ﵀ لا يصبر لحظة واحدة عندما يسمع بخبر ظهور بدعة بشر المريسي ومن معه في العراق فيسافر من مكة إلى هناك بعد أن استخار الله ولجأ إليه بالدعاء أن يوفقه إلى إظهار الحق وقمع البدعة، وإقامة الحجة على خلقه، وفور وصوله إلى العراق قام بمناظرة المبتدعة جميعًا وهو وحده، فأقام عليهم الحجة، وأظهره الله ﷿ عليهم، مع أنه كان معرضًا نفسه للقتل إذا لم يستطع إقناع الأمير وإفحام الخصوم.\nوها هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يناظر المبتدعة بكل طوائفهم وفرقهم جماعات وأفرادًا، كمناقشته لفرقة البطائحية (٢)، وكمناقشته للبكري، فأفحمهم، وأقام الحجة عليهم، وأظهره الله على خصومه، والتزم السنة خلق كثير، وظهرت السنة وسطع نورها فاستبانت لكل ذي بصيرة، وانتشرت بين الناس، ولازالت مناظراته، وعلمه، ونصرته للسنة يجني المسلمون ثمارها إلى يومنا هذا.\nوكم من الأمثلة الكثيرة في تاريخ سلفنا الصالح المضيء لهذه المسألة المهمة ألا وهي إقامة الحجة على الناس ونشر العلم النافع، ونصر السنة، وقمع البدعة، وإصلاح ذات البين إصلاحًا علميًا صحيحًا لا كما ينادي به بعض المصلحين في عصرنا من الإصلاحات التلفيقية العاطفية.\nلقد قام العلماء الأجلاء من سلفنا الصالح بواجبهم خير قيام، ونصروا دين الله ﷿ وأظهروا سنة نبيه ﷺ، وحاربوا البدع والضلالات. حتى وصل الأمر بهؤلاء العلماء الأفاضل أن جعلوا إظهار السنة ومحاربة البدعة أفضل من التنسك والنوافل من صيام وقيام وما إلى ذلك، وعللوا ذلك بأن التنسك والصيام والقيام يعود نفعه على الشخص نفسه فقط ولا يتعداه إلى غيره، أما نصرة دين الله وإظهار سنة نبيه ﷺ، وقمع البدع فيعود نفعها ويعم خيرها المسلمين جميعًا.\n_________\n(١) انظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١١/ ٢٣٢ - ٢٦٥) ط مؤسسة الرسالة – بيروت – الرابعة ١٤٠٦هـ.\n(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٤٥ - ٤٧٦).","vol":"8","page":441},{"text":"وما قام به علماء أهل السنة من نصرة لدين الله يعتبر علمًا من أعلام نبوة نبينا محمد ﷺ، فقد بشر رسول الله ﷺ، أمته بخبر يفرح له كل من كان متابعًا لسنته وسائرًا على هديه ﷺ، وهو قوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله» (١).\nولنا عبرة عظيمة وعظة بليغة في سيرة سلفنا الصالح ومنهجهم النبوي القويم في الدعوة إلى الله وإبلاغه إلى الناس، وفيما يلي بعض العبر والعظات:\nالأولى:\nيجب على من أنعم الله عليهم باقتفاء أثر السلف الصالح، والسير على منهج النبوة، ونور الله أفهامهم وبصائرهم، ورزقهم العلم النافع المستقى من مشكاة النبوة ومن النبع الصافي أن يسعوا في إصلاح ذات بين المسلمين الذين مزقتهم الفرق الضالة المبتدعة، ومزقت صفوفهم الحزبيات الضيقة والانتماءات الطائفية.\nالثانية:\nإن من أوجب الواجبات على العلماء وطلبة العلم في وقتنا هذا وفي كل وقت الدعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة وإظهار دين الله ﷿، وتبصير المسلمين بدينهم، وحثهم على العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وتحذيرهم من البدع والانحرافات والضلالات، وإزالة الشبهات التي زرعها أولئك المبتدعة الضالون بين أفراد المسلمين ومجتمعاتهم، وفي ذلك اقتفاء للأثر وائتساء بمن مضى من خير البشر.\nالثالثة:\nيجب على العلماء وطلبة العلم إخلاص دعوتهم لله ومن مقتضيات ذلك ولوازمه أن لا يحزبوا الناس حولهم، بل يكون ربطهم للناس بالكتاب والسنة والعقيدة الصحيحة والمنهج السليم، ويكون تعبيد الناس لله رب العالمين.\nولا ينبغي ولا يجوز بحال أن تكون الدعوة إلى حزب أو طائفة أو شيخ معين، فلا معبود بحق إلا الله، ولا متبوع إلا النبي ﷺ، ولا انتماء إلا إلى الإسلام، ولا سبيل إلا السنة، ولا منهج إلا منهج أهل السنة والجماعة.\nالرابعة:\nليثبت كل من كان على الطريق الصحيح والمنهج القويم على ما هو عليه متكلًا على الله، مخلصًا له الدين، مرتقيًا في درجات الكمال والتقى فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق لجمال أحمد بادي- ص: ١٩\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٣١١)، ومسلم (١٩٢١). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.","vol":"8","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2350>المطلب الثاني: الأدلة من السنة في الحث على الجماعة والأمر بلزومها</span>\nالحديث الأول:\nعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا، أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» (١).\nيقول النووي ﵀ في شرح هذا الحديث العظيم: (وأما الاعتصام بحبل الله فهو التمسك بعهده، وهو اتباع كتابه العزيز، وحدوده والتأدب بأدبه. والحبل يطلق على العهد، وعلى الأمان، وعلى الوصلة، وعلى السبب، وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم، ويوصلون بها المتفرق، فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور.\nوأما قوله ﷺ: «ولا تفرقوا» فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين، وتآلف بعضهم ببعض وهذه إحدى قواعد الإسلام) (٢).\nلقد اعتبر النووي ﵀ لزوم جماعة المسلمين وتآلف المسلمين فيما بينهم إحدى قواعد الإسلام، وهذه القاعدة التي يؤصلها النووي بناء على ما جاء في الحديث الصحيح، هي قول علماء السلف قاطبة، وسيأتي ذكر بعض النقولات عنهم مما يبين ذلك ويؤكده.\nالحديث الثاني:\nعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: «نضر الله عبدًا سمع مقالتي هذه فحملها، فرب حامل الفقه فيه غير فقيه، ورب حامل الفقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن صدر مسلم، إخلاص العمل لله ﷿، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» (٣).\nالحديث الثالث:\nخطب عمر ﵁ بالشام فقال: «قام فينا رسول الله ﷺ، مقامي فيكم. فقال: استوصوا بأصحابي خيرًا، ثم الذين يلونهم، ثم الذين لونهم، ثم يفشوا الكذب حتى يعجل الرجل بالشهادة قبل أن يسألها، وباليمين قبل أن يسألها، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد ومن الاثنين أبعد، فمن سرته حسنته، وساءته سيئته فهو مؤمن» (٤).\nففي هذين الحديثين الأمر الصريح بلزوم جماعة المسلمين، ولقد وقفت على كلام نفيس للإمام الشافعي ﵀ يبين فيه معنى أمر النبي ﷺ، بلزوم جماعة المسلمين. فبعد ذكر الإمام الشافعي ﵀ لحديث عمر السابق قال:\n(قال: فما معنى أمر النبي بلزوم جماعتهم؟\n- قلت: لا معنى له إلا واحد.\n- قال: فكيف لا يحتمل إلا واحدًا؟\n- قلت: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجَّار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى، لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئًا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٧١٥).\n(٢) «صحيح مسلم بشرح النووي» (١٢/ ١١).\n(٣) [١٤٨٦٥]» رواه ابن ماجه (١٩٤)، أحمد (٣/ ٢٢٥) (١٣٣٧٤)، والطبراني (٩/ ١٧٠) (٩٤٤٤). قال الجورقاني في «الأباطيل والمناكير» (١/ ٢٣٦): مشهور حسن، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٤) رواه الترمذي (٢١٦٥)، وأحمد (١/ ١٨) (١١٤)، والحاكم (١/ ١٩٨). قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٢٦): حسن صحيح، وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٤٠١): له طرق وهو حديث مشهور جدًا، وصحح إسناده ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٣٨٨).","vol":"8","page":443},{"text":"١٣٢٠ - ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها) (١).\nونستخلص من كلام الشافعي ﵀ أن المقصود بلزوم جماعة المسلمين أن يتحقق في الشخص أمران:\nالأول:\nأن يتبع ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم. وهذا خاص بأمر الأحكام والمعاملات.\nالثاني:\nأن يقول بما تقول به جماعتهم. وهذا خاص بأمر الاعتقاد. والله أعلم.\nوالمقصود هنا الكلام على المراد بمعنى لزوم جماعة المسلمين. أما من هي الجماعة المراد لزومها فسيأتي له مزيد بيان وتفصيل في الفصل القادم من هذا البحث إن شاء الله تعالى.\nالحديث الرابع:\nعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ، عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم.\nقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي – تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟\nقال: نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا.\nقال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟\nقال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (٢).\nقال النووي ﵀ في شرح هذا الحديث «دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها» (قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج، والقرامطة، وأصحاب المحنة، وفي حديث حذيفة هذا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ووجوب طاعته وإن فسق، وعمل المعاصي) (٣).\nونلاحظ أن النووي ﵀ قد أورد هذا الحديث تحت باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة (٤).\nوقال ابن حجر ﵀ في ثنايا شرحه لهذا الحديث: (قال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين، وترك الخروج على أئمة الجور) (٥).\nثم ذكر قول الطبري بأن الأمر هنا في الحديث للوجوب، وساق ما ذكره الطبري من أقوال في المراد بالجماعة، إلى أن قال: (قال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابًا فلا يتبع أحدًا في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر) (٦).\nويتبين لنا من كلام العلماء في شرحهم لحديث حذيفة بن اليمان ﵁ أمور:\nالأول: وجوب ملازمة جماعة المسلمين.\nالثاني: عدم الخروج على أئمة الجور.\nالثالث: اعتزال الفرق عندما لا يكون للمسلمين إمام ولا جماعة.\nالحديث الخامس:\n_________\n(١) «الرسالة» للإمام الشافعي بتحقيق أحمد شاكر (ص: ٤٧٤ - ٤٧٦).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧).\n(٣) «صحيح مسلم بشرح البخاري» (١٢/ ٢٣٧).\n(٤) «صحيح مسلم بشرح البخاري» (١٢/ ٢٣٧).\n(٥) «فتح الباري» (١٣/ ٣٧) ط دار الفكر.\n(٦) «فتح الباري» (١٣/ ٣٧) ط دار الفكر.","vol":"8","page":444},{"text":"عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ إلى النار» (١).\nالحديث السادس:\nعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة أبدًا – قال- يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذَّ شذَّ في النار» (٢).\nالحديث السابع:\nعن أسامة بن شريك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ، قال: «يد الله على الجماعة، فإذا شذَّ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الشاة ذئب الغنم» (٣).\nالحديث الثامن:\nعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم» (٤).\nالحديث التاسع:\nعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ، أنه قال: «اثنان خير من واحد، وثلاث خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة فإن الله ﷿ لن يجمع أمتي إلا على هدى» (٥).\nالحديث العاشر:\nعن كعب بن عاصم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «إن الله تعالى قد أجار لي على أمتي من ثلاث: لا يجوعوا، ولا يجتمعوا على ضلالة، ولا يستباح بيضة المسلمين» (٦).\nنلاحظ أن الأحاديث الستة السابقة متقاربة الألفاظ، وقد جعلت التعليق عليها جميعها بعد سردها لهذا السبب، وهي تدل على أمور منها:\nالأول:\nأنَّ أمة الإسلام لا تجتمع على ضلالة، والمراد هنا هو إجماع العلماء خاصة.\nيقول المباركفوري ﵀ عند شرحه لحديث ابن عمر ﵄ السابق: (الحديث يدل على أن اجتماع المسلمين حق، والمراد إجماع العلماء، ولا عبرة بإجماع العوام لأنه لا يكون عن علم).\nالثاني:\nحثَّ النبي ﷺ، أمته على الجماعة، وعلى اعتبار أن المراد باجتماع الأمة هو إجماع العلماء، فإن العوام تبع لهم في ذلك، وعليهم متابعة العلماء، وعدم الخروج عما أجمعوا عليه من أمور الدين.\nالثالث:\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٦٦) مختصرًا، والحاكم (١/ ٢٠٢)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٧٠٢). قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: لا أدعي صحته ولا أحكم بتوهينه بل يلزمني ذكره، وقال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١١٤): رجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن ميمون فإنهما لم يخرجا له، وقد وقع لي من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري لكن موقوفًا، وحسنه السفاريني في «شرح كتاب الشهاب» (٣١٥).\n(٢) [١٤٨٧٤]» رواه الترمذي (٢١٦٧)، والحاكم (١/ ٢٠٠). قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٢٧): وإن لم يكن لفظه صحيحًا فإن معناه صحيح.\n(٣) رواه الطبراني (١/ ١٨٦) (٤٩٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٢١): فيه عبد الأعلى بن أبي المساور وهو ضعيف.\n(٤) رواه ابن ماجه (٧٨٨). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٢٧٢)، وابن كثير في «تحفة الطالب» (ص: ١٢٢): إسناده ضعيف، وقال العراقي في «تخريج مختصر المنهاج» (ص: ٤٩): فيه نظر.\n(٥) رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على «المسند» (٥/ ١٤٥) (٢١٣٣١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٨٢): فيه البختري بن عبيد بن سلمان وهو ضعيف، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (١٧٩٧): موضوع.\n(٦) رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (ص: ٩٢) وحسنه الألباني.","vol":"8","page":445},{"text":"الوعيد الشديد لمن فارق الجماعة، ويفهم هذا من قول النبي ﷺ: «ومن شذَّ شذَّ في النار» (١).\nالرابع:\nقول النبي ﷺ: «فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم» (٢).\nالخامس:\nوفي الأحاديث بشرى لمن امتثل أمر رسول الله ﷺ، بأن لزم الجماعة، ويفهم هذا من وجهين:\nالوجه الأول:\nبصريح العبارة حيث قال ﷺ: «يد الله مع الجماعة» (٣)\nالوجه الثاني:\nبمفهوم المخالفة حيث قال ﷺ: «ومن شذَّ شذَّ في النار» (٤). فدل هذا على أن من لزم الجماعة فهو في الجنة، وقد جاء التصريح بهذه البشرى في حديث عمر ﵁ حيث جاء فيه: «من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» (٥).\nالحديث الحادي عشر:\nعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب» (٦).\nوهذا الأمر العظيم الذي قرره الرسول الكريم ﷺ، في هذا الحديث الشريف هو من الأصول الإعتقادية لأهل السنة والجماعة، حيث أدرجه الإمام الطحاوي ﵀ ضمن بيان عقيدة أهل السنة والجماعة بقوله: (ونرى الجماعة حقًا وصوابًا، والفرقة زيغًا وعذابًا) (٧).\nالحديث الثاني عشر:\nعن الحارث الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ...». فذكر الحديث بطوله، قال رسول الله ﷺ: «وأنا آمركم بخمس كلمات أمرني الله بهن: الجماعة، والسمع والطاعة، والهجرة والجهاد في سبيل الله، فمن خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع» (٨).\n_________\n(١) [١٤٨٧٩]» رواه الترمذي (٢١٦٧). وقال: غريب من هذا الوجه، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٢٧): وإن لم يكن لفظه صحيحًا فإن معناه صحيح.\n(٢) رواه ابن ماجه (٧٨٨). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٢٧٢)، وابن كثير في «تحفة الطالب» (ص: ١٢٢): إسناده ضعيف، وقال العراقي في «تخريج مختصر المنهاج» (ص: ٤٩): فيه نظر.\n(٣) [١٤٨٨١]» رواه الترمذي (٢١٦٧). وقال: غريب من هذا الوجه، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٢٧): وإن لم يكن لفظه صحيحًا فإن معناه صحيح.\n(٤) [١٤٨٨٢]» رواه الترمذي (٢١٦٧). وقال: غريب من هذا الوجه، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٢٧): وإن لم يكن لفظه صحيحًا فإن معناه صحيح.\n(٥) رواه الترمذي (٢١٦٥)، وأحمد (١/ ١٨) (١١٤)، والحاكم (١/ ١٩٨). قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٢٦): حسن صحيح، وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٤٠١): له طرق وهو حديث مشهور جدًا، وصحح إسناده ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ٣٨٨).\n(٦) رواه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند (٤/ ٣٧٥) (١٩٣٧٠)، والطبراني كما في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٢٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٥١٦)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ١٠٣). وقال: إسناده لا بأس به، وحسنه ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٣٣٢)، وقال الهيثمي: رواه عبد الله بن أحمد والبزار والطبراني ورجالهما ثقات.\n(٧) انظر «متن الطحاوية» (ص: ١٥) فقرة ١٠٢ ط المكتب الإسلامي، و«شرح الطحاوية» (ص: ٥١٢) ط ٨ المكتب الإسلامي.\n(٨) رواه الترمذي (٢٨٦٣)، وأحمد (٤/ ١٣٠) (١٧٢٠٩)، وابن حبان (١٤/ ١٢٤) (٦٢٣٣)، والحاكم (١/ ٥٨٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال البغوي في «شرح السنة» (٥/ ٣٠٤): حسن غريب، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٨/ ٦).","vol":"8","page":446},{"text":"فالأمر بالجماعة والائتلاف هو أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين، وأمر من رسول الله ﷺ، لأمته، والأمر للوجوب كما هو معلوم ومقرر في علم الأصول، وعلى قدر امتثال المؤمنين لهذا الأمر تكون سعادتهم في الدنيا، وحسن العاقبة في الآخرة.\nوتوجد أحاديث أخرى في الباب تعاضد الأحاديث السابقة وتدل إجمالًا على ما دلت عليه.\nفمنها حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (١).\nومنها حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٢).\nومن الأحاديث التي رويت مرفوعة بسند ضعيف وصحت موقوفة على ابن مسعود ﵁ ما رواه اللالكائي بسنده عن ثابت بن قطبة قال: (سمعت ابن مسعود وهو يخطب. وهو يقول: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما السبيل في الأصل إلى حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة) (٣). وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق لجمال بن أحمد بادي – ص: ٦٥\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨١)، ومسلم (٢٥٨٥).\n(٢) رواه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦).\n(٣) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ١٠٨)، ورواه الطبراني (٩/ ١٩٨) (٨٩٧١)، والحاكم (٤/ ٥٩٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٣١): رواه الطبراني بأسانيد وفيه مجالد وقد وثق وفيه خلاف وبقية رجال إحدى الطرق ثقات.","vol":"8","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2353>الفرع الأول الأدلة من الكتاب على ذم التفرق والتحذير منه</span>\nيلاحظ الباحث في آيات القرآن الكريم أن الآيات التي جاءت في ذم الفرقة أكثر عددًا من الآيات التي جاءت في الحث على الجماعة، ولا غرابة في ذلك لأن الجماعة هي الأصل وملازمتها هو الواجب والمطلوب، أما مفارقة الجماعة فأمر طارئ وحادث وهو مع ذلك أمر خطير وشنيع، فلذلك جاءت الآيات الكثيرة التي تحذر منه وتحمل في ثناياها الوعيد الشديد لمن ترك الجماعة وفارقها.\nوفيما يلي ذكر هذه الأدلة:\nالدليل الأول:\nقوله تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: ١٠٥ - ١٠٧].\nقال ابن جرير ﵀ يعني بذلك جل ثناؤه: (ولا تكونوا يا معشر الذين آمنوا كالذين تفرقوا من أهل الكتاب، واختلفوا في دين الله وأمره ونهيه، من بعد ما جاءهم البينات، من حجج الله، فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه، فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمر الله، ونقضوا عهده وميثاقه، جرأة على الله، وأولئك لهم يعني ولهؤلاء الذين تفرقوا، واختلفوا من أهل الكتاب، من بعد ما جاءهم عذاب من عند الله عظيم، يقول جل ثناؤه: \"فلا تفرقوا يا معشر المؤمنين في دينكم تفرق هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم) (١).\nثم ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵄: (قوله: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ [آل عمران: ١٠٥]: ونحو هذا في القرآن أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) (٢).\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآيات السابقة: (ينهى الله ﵎ هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم) (٣).\nثم ساق الإمام ابن كثير ﵀ حديث الافتراق الذي رواه الإمام أحمد ﵀ ثم قال: (وقد ورد هذا الحديث من طرق) وذلك إشارة إلى توثيقه وتقويته.\nوقال القرطبي ﵀: (فمن بدل أو غير أو ابتدع في دين الله ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض المبتعدين منه المسودي الوجوه، وأشدهم طردًا وإبعادًا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون ومبتدعون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع، كل يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بالآية، والخبر كما بينا، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. وقد قال ابن القاسم: وقد يكون من غير أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء. وكان يقول: تمام الإخلاص تجنب المعاصي) (٤).\n_________\n(١) «جامع البيان» (٤/ ٣٩).\n(٢) «جامع البيان» (٤/ ٣٩).\n(٣) «تفسير القرآن العظيم» (١/ ٣٩٠).\n(٤) «الجامع لأحكام القرآن» (٤/ ١٦٨).","vol":"8","page":448},{"text":"وقال الشوكاني ﵀ في تفسير الآية: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ: (هم اليهود والنصارى عند جمهور المفسرين، وقيل: هم المبتدعة من هذه الأمة، وقيل: الحرورية، والظاهر الأول، والبينات الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة لعدم الاختلاف) (١).\nأما قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ. فقد قال ابن كثير ﵀ في تفسيرها: (يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة – قاله ابن عباس ﵄) (٢).\nوالقول الذي ذكره ابن كثير ﵀ عن ابن عباس ﵄ منقول عن الإمام مالك ﵀ كما نص على ذلك الشاطبي بقوله: (وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: ما آية من كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ إلى قوله بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. قال مالك: فأي كلام أبين من هذا؟ فرأيته يتأولها لأهل الأهواء. ورواه ابن القاسم وزاد: قال مالك: إنما هذه الآية لأهل القبلة) (٣). وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق – جمال بن أحمد بادي – ص: ٢٩\nالدليل الثاني:\nقال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣].\nقال ابن جرير ﵀: (يقول تعالى ذكره: وهذا الذي وصاكم به ربكم أيها الناس في هاتين الآيتين من قوله: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام: ١٥١]. وأمركم بالوفاء به، هو صراطه، يعني طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده (مستقيمًا) يعني: قويمًا لا أعوجاج به عن الحق (فاتبعوه). يقول: فاعملوا به، واجعلوه لأنفسكم منهاجًا تسلكونه فاتبعوه (ولا تتبعوا السبل) يقول: ولا تسلكوا طريقًا سواه، ولا تركبوا منهاجًا غيره، ولا تبغوا دينًا خلافه من اليهودية والنصرانية والمجوسية، وعبادة الأوثان، وغير ذلك من الملل، فإنها بدع وضلالات (فتفرق بكم عن سبيله) يقول: فيشتت بكم إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل ولا طرق، ولا أديان أتباعكم إياها (عن سبيله)، يعني عن طريقه ودينه الذي شرعه لكم وارتضاه، وهو الإسلام الذي وصى به الأنبياء وأمر به الأمم قبلكم) (٤).\nثم ذكر ابن جرير ﵀ بسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: (خط لنا رسول الله ﷺ يومًا خطًا. فقال: هذا سبيل الله، ثم خط عن يمين ذلك الخط وعن شماله خطوطًا، فقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ هذه الآية: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. ثم ذكر بسنده أيضًا أن رجلًا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ، في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ... الآية) (٥).\n_________\n(١) «فتح القدير» (١/ ٣٧٠).\n(٢) «تفسير القرآن العظيم» (١/ ٣٩٠).\n(٣) «الاعتصام» (٢/ ٢٩٠).\n(٤) «جامع البيان» (٨/ ٨٧ - ٨٨).\n(٥) «جامع البيان» (٨/ ٨٨ - ٨٩).","vol":"8","page":449},{"text":"وقال ابن كثير ﵀: (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. وفي قوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣]. ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله ونحو هذا. قاله مجاهد وغير واحد) (١).\nثم ساق ابن كثير ﵀ حديث ابن مسعود وذكر تخريجه.\nوقال الشوكاني ﵀ في تفسير الآية: (قال ابن عطية: وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية، والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد) (٢).\nإلى أن قال ﵀: \"وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلا: قُلْ تَعَالَوْاْ إلى ثلاث آيات، ثم قال: فمن وفى بهن فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه» (٣). وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق – جمال بن أحمد بادي – ص: ٣٣\nالدليل الثالث:\nقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩].\nذكر ابن جرير ﵀ أن علي بن أبي طالب قرأ: (فارقوا دينهم) (٤).\nقال: \"وكأن عليا ذهب بقوله (فارقوا دينهم) خرجوا فارتدوا عنه من المفارقة، وأما الجمهور فقرأوا (فرقوا) (٥). ثم قال: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان، قد قرأت بكل واحدة منهما أئمة من القراء، وهما متفقتا المعنى غير مختلفتيه، وذلك أن كل ضال فلدينه مفارق) (٦).\nثم ذكر بعد ذلك الأقوال عن السلف في المقصودين بتلك الآية. فقال بعضهم: عنى بذلك اليهود والنصارى (٧). ثم ذكر بأسانيده من قال بذلك القول (٨) ثم قال: (وقال آخرون: عنى بذلك: أهل البدع من هذه الأمة الذين اتبعوا متشابه القرآن دون محكمه) (٩). ثم ذكر بأسانيده من قال بذلك القول (١٠).\n_________\n(١) «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ١٩٠).\n(٢) «فتح القدير» (٢/ ١٧٨).\n(٣) «فتح القدير» (٢/ ١٧٨).\n(٤) «جامع البيان» (٨/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(٥) «جامع البيان» (٨/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(٦) «جامع البيان» (٨/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(٧) «جامع البيان» (٨/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(٨) «جامع البيان» (٨/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(٩) «جامع البيان» (٨/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(١٠) «جامع البيان» (٨/ ١٠٤ - ١٠٥).","vol":"8","page":450},{"text":"ثم قال ابن جرير ﵀ في تفسير الآية: (فكان من فارق دينه الذي بعث به ﷺ، من مشرك ووثني ويهودي ونصراني ومتحنف مبتدع قد ابتدع في الدين ما ضل به عن الصراط المستقيم والدين القيم، ملة إبراهيم المسلم، فهو برئ من محمد ﷺ، ومحمد نه برئ، وهو داخل في عموم قوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (١). إلى أن قال: (وأما قوله: إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ فإنه يقول: أنا الذي إلي أمر هؤلاء المشركين الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعًا، والمبتدعة من أمتك الذين ضلوا عن سبيلك دونك، ودون كل أحد إما بالعقوبة إن أقاموا على ضلالتهم، وفرقتهم دينهم فأهلكهم بها، وإما بالعفو عنهم بالتوبة عليهم والتفضل مني عليهم) (٢).\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: (والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق فمن اختلف فيه (وكانوا شيعًا) أي فرقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله قد برأ رسول الله ﷺ، مما هم فيه وهذه الآية كقوله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى: ١٣] الآية. وفي الحديث: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد» فهذا هو الصراط المستقيم هو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له والتمسك بشريعة الرسول المتأخر وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء والرسل برءآء منها كما قال الله تعالى: لَّسْتَ مِنْهُمْ) (٣).\nوقال البغوي ﵀ في تفسير هذه الآية: (قوله ﷿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ. قرأ حمزة والكسائي: (فارقوا) بالألف هنا وفي سورة الروم، أي خرجوا من دينهم وتركوه وقرأ الآخرون: (فَرَّقُواْ) مشددًا، أي جعلوا دين الله وهو واحد، دين إبراهيم ﵇ الحنيفية، أديانًا مختلفة فتهود قوم وتنصر قوم يدل عليه قوله عم وجل: وَكَانُواْ شِيَعًا. أي: صاروا فرقًا مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي، وقيل: هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة) (٤). ثم استشهد بحديث العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله ﷺ، فوعظنا موعظة بليغة رفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، وقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا: فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا، فإن من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة».\nثم ذكر حديث الافتراق. ثم قال: \"قوله ﷿: لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ. قيل: لست من قتالهم في شيء نسختها آية القتال، وهذا على قول من يقول: المراد منه اليهود والنصارى، ومن قال أراد بالآية أهل الأهواء قال: المراد من قوله لست منهم في شيء أي أنت بريء منهم وهم منك براء، تقول العرب إن فعلت كذا فلست مني ولست منك أي: كل واحد منا بريء من صاحبه، إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ يعني: في الجزاء والمكافأت، ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ. إذا ردوا للقيامة\" (٥).\n_________\n(١) «جامع البيان» (٨/ ١٠٦).\n(٢) «جامع البيان» (٨/ ١٠٧).\n(٣) «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ١٩٦).\n(٤) «معالم التنزيل» (٢/ ١٤٥)، ط دار المعرفة -بيروت- الأولى سنة ١٤٠٦هـ.\n(٥) «معالم التنزيل للبغوي» (٢/ ١٤٥).","vol":"8","page":451},{"text":"وقال الشوكاني ﵀: (قرأ حمزة والكسائيس (فارقوا دينهم) وهي قراءة علي بن أبي طالب، أي تركوا دينهم خرجوا عنه، وقرأ الباقون فرقوا بالتشديد إلا النخعي فإنه قرأ بالتخفيف. والمعنى: أنهم جعلوا ينهم تفرقًا فأخذوا ببعضه وتركوا بعضه، قيل المراد بهم اليهود والنصارى، وقد ورد في معنى هذا، في اليهود قوله تعالى: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: ٤]. وقيل المراد بهم المشركون عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة، وقيل الآية عامة في جميع الكفار وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر به الله، وهذا هو الصواب لأن اللفظ يفيد العموم فيدخل فيه طوائف أهل الكتاب وطوائف المشركين وغيرهم ممن ابتدع من أهل الإسلام، ومعنى شيعًا فرقًا وأحزابًا، فتصدق على كل قوم كان أمرهم في الدين واحدًا مجتمعًا، ثم اتبع كل جماعة منهم رأي كبير من كبرائهم يخالف الصواب ويباين الحق) (١).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: (يتوعد تعالى، الذين فرقوا دينهم، أي شتتوه وتفرقوا فيه، وكل أخذ لنفسه نصيبًا من الأسماء، التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئًا، كاليهودية والنصرانية، والمجوسية، أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئًا، ويجعله دينه، ويدع مثله. أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة، من أهل البدع والضلال والمفرقين للأمة.\nودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أصل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية) (٢). وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق – جمال بن أحمد بادي – ص: ٣٩\nالدليل الرابع:\nقال تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨ - ١١٩].\nقال ابن جرير ﵀: يقول تعالى ذكره: \"ولو شاء ربك يا محمد لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة، ودين واحد\". كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً. يقول: لجعلهم مسلمين كلهم.\nوقوله: وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. يقول تعالى ذكره: (ولا يزال الناس مختلفين إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ. ثم اختلف أهل التأويل في الاختلاف الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به، فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان، فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء، ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى من بين يهودي ونصراني ومجوسي، ونحو ذلك. وقال قائلوا هذه المقالة: استثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان) (٣).\nثم ذكر بأسانيده من قال بذلك القول، فذكر عن عطاء والحسن أقوالهم في ذلك. ثم قال: (وعن مجاهد وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ قال: أهل الباطل. إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ. قال: أهل الحق) (٤).\nثم ذكر ابن جرير ﵀ بسنده عن قتادة: (قوله وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ. فأهل رحمة الله أهل جماعة وإن تفرقت دورهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت دورهم وأبدانهم) (٥).\n_________\n(١) «فتح القدير» (٢/ ١٨٣).\n(٢) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٢/ ٥١٠)، ط الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية.\n(٣) «جامع البيان» (١٢/ ١٤١).\n(٤) «جامع البيان» (١٢/ ١٤١).\n(٥) «جامع البيان» (١٢/ ١٤٢ - ١٤٣).","vol":"8","page":452},{"text":"ثم قال ابن جرير ﵀: (وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يزالون مختلفين في الرزق، فهذا فقير، وهذا غني) (١). ونسب هذا القول إلى الحسن البصري ﵀.\nثم قال ابن جرير: -أيضا- (وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم على أديان وملل وأهواء شتى إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ. فآمن بالله، وصدق رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله. وإنما قلت: ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك، لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩]. ففي ذلك دليل واضح أن الذي قبله من ذكر خبره عن اختلاف الناس، إنما هو خبر عن اختلاف مذموم يوجب لهم النار، ولو كان خبرًا عن اختلافهم في الرزق لم يعقب ذلك بالخبر عن عقابهم وعذابهم) (٢).\nوقال ابن جرير ﵀: (وأما قوله: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ. فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: وللاختلاف خلقهم) (٣) ثم ذكر بأسانيده من قال بهذا القول.\nوذكر بسنده عن الحسن البصري ﵀ قال: (خلق هؤلاء لجنته، وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه) (٤).\nوذكر عن الحسن أيضًا: (قال وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ، قال: أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافًا يضرهم) (٥). وذكر عن ابن عباس ﵄: (قوله: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ قال: خلقهم فريقين. فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم يختلف، وذلك قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود: ١٠٥]) (٦).\nوذكر عن عطاء ﵀ في قوله: وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. قال: يهود نصارى ومجوس إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ. قال: من جعله على الإسلام وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ قال: مؤمن وكافر (٧).\nوذكر عن أشهب أنه قال: سئل مالك عن قوله: وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ قال: خلقهم ليكونوا فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير (٨).\nثم قال ابن جرير ﵀: (وقال آخرون: بل معنى ذلك: وللرحمة خلقهم) (٩).\nثم ذكر بأسانيده من قال بذلك القول. ومنهم مجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة وابن عباس (١٠).\nثم قال ابن جرير: (وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، لأن الله جل ذكره، ذكر صنفين من خلقه: أحدهما أهل اختلاف وباطل. والآخر أهل حق ثم عقب ذلك بقوله وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ فعم بقوله وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ صفة الصنفين، فأخبر عن كل فريق منهما أنه ميسر لما خلق له) (١١).\n_________\n(١) «جامع البيان» (١٢/ ١٤٢ - ١٤٣).\n(٢) «جامع البيان» (١٢/ ١٤١ - ١٤٣).\n(٣) «جامع البيان» (١٢/ ١٤٣).\n(٤) «جامع البيان» (١٢/ ١٤٣).\n(٥) «جامع البيان» (١٢/ ١٤٣).\n(٦) «جامع البيان» (١٢/ ١٤٣).\n(٧) «جامع البيان» (١٢/ ١٤٣).\n(٨) «جامع البيان» (١٢/ ١٤٣).\n(٩) «جامع البيان» (١٢/ ١٤٣).\n(١٠) «جامع البيان» (١٢/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(١١) «جامع البيان» (١٢/ ١٤٤).","vol":"8","page":453},{"text":"ثم رد على شبهة الجبرية بقوله: (فإن قال قائل: فإن كل تأويل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون المختلفين غير ملومين على اختلافهم، إذ كان لذلك خلقهم ربهم، وأن يكون المتمتعون هم الملومين؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت. وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ. فهداه للحق، ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقي والسعيد خلقهم، فمعنى اللام في قوله وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ بمعنى (على) كقولك للرجل. أكرمتك على برك بي، وأكرمتك لبرك بي) (١).\nوقال ابن كثير ﵀: (وقوله: وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ أي ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم، قال عكرمة مختلفين في الهدى، قال الحسن البصري مختلفين في الرزق يسخر بعضهم بعضًا، والمشهور الصحيح الأول. وقوله: إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ. أي المرحومين من أتباع الرسل الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين، أخبرتهم به رسل الله إليهم ولم يزل ذلك دأبهم حتى كان النبي وخاتم الرسل والأنبياء فاتبعوه وصدقوه وآزروه ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة لأنهم الفرقة الناجية كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضًا) (٢).\nثم ساق حديث الافتراق، وسيأتي ذكر طرقه وتخريجه في الفصل الثالث من هذا البحث إن شاء الله تعالى.\nثم ذكر الأثر التالي عن طاوس: (عن ابن أبي نجيح عن طاوس أن رجلين اختصما إليه فأكثروا فقال طاوس: اختلفتما وأكثرتما فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا فقال طاووس: كذبت. فقال: أليس الله يقول: وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ؟ قال لم يخلقهم ليختلفوا ولكن خلقهم للجماعة والرحمة) (٣).\nوقال القرطبي ﵀: (وقيل: الإشارة بذلك للاختلاف والرحمة، وقد يشار بـ (ذلك) إلى شيئين متضادين، كقوله تعالى: لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ [البقرة: ٦٨]. ولم يقل بين ذينك ولا تينك، وقال: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: ٦٧]. وقال: وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء: ١١٠] وكذلك قوله: قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ [يونس: ٥٨].\nوهذا أحسن الأقوال إن شاء الله تعالى، لأنه يعم، أي ولما ذكر خلقهم) (٤).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: (يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء. ولكنه اقتضت حكمته أن لا يزالون مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم، متبعين للسبل الموصلة إلى النار، كل يرى الحق فيما قاله، والضلال في قول غيره.\nإِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ. فهداهم على العلم بالحق والعمل به، والاتفاق عليه، فهؤلاء سبقت لهم سابقة السعادة، وتداركتهم العناية الربانية، والتوفيق الإلهي. وأما من عداهم، فهم مخذولون موكولون إلى أنفسهم.\n_________\n(١) «جامع البيان» (١٢/ ١٤٤).\n(٢) «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ٤٦٥).\n(٣) «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ٤٦٥).\n(٤) «الجامع لأحكام القرآن» (٩/ ١١٤ - ١١٥).","vol":"8","page":454},{"text":"وقوله: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ أي: اقتضت حكمته، أنه خلقهم، ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون والمختلفون، والفريق الذي هدى الله، والفريق الذي حقت عليه الضلالة. ليتبين للعباد عدله، وحكمته، وليظهر ما كمن في الطباع البشرية من الخير والشر، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات، التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء) (١). وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق - جمال بن أحمد بادي - ص: ٤٥\nالدليل الخامس:\nقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: ٣٠ - ٣٢].\nيقول ابن جرير ﵀: (وقوله مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا. يقول: ولا تكونوا من المشركين الذين بدلوا دينهم، وخالفوه ففارقوه وَكَانُوا شِيَعًا يقول: وكانوا أحزابًا فرقًا كاليهود والنصارى) (٢).\nويقول ابن كثير ﵀: (فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومثل باطلة.\nوكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء وهذه الأمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة وهم أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل ﷺ، عن الفرقة الناجية منهم فقال: «من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي») (٣).\nوقال الشيخ السعدي ﵀: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ مع أن الدين واحد، وهو إخلاص العبادة لله وحده وهؤلاء المشركون، فرقوه. منهم من يعبد الأوثان والأصنام، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين، ومنهم يهود، ومنهم نصارى.\nولهذا قال: وَكَانُواْ شِيَعًا. أي: كل فرقة، تحزبت وتعصبت، على نصر ما معها من الباطل، ومنابذة غيرهم ومحاربتهم كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ. من العلوم المخالفة لعلوم الرسل فَرِحُونَ به، ويحكمون لأنفسهم بأنه الحق، وأن غيرهم على باطل.\nوفي هذا تحذير للمسلمين من تشتتهم وتفرقهم فرقًا، كل فريق يتعصب لما معه من حق وباطل، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين، في التفرق، بل الدين واحد، والرسول واحد، والإله واحد.\nوأكثر الأمور الدينية وقع فيها الإجماع بين العلماء والأئمة، والأخوة الإيمانية قد عقدها الله وربطها أتم ربط. فما بال ذلك كله يلغى ويبنى التفرق والشقاق بين المسلمين على مسائل خفية، أو فروع خلافية، يضلل بها بعضهم بعضًا، ويتميز بها بعضهم على بعض؟\nفهل هذا إلا من أكبر نزغات الشيطان، وأعظم مقاصده، التي كاد بها المسلمين؟\nوهل السعي في جمع كلمتهم، وإزالة ما بينهم من الشقاق، المبني على ذلك الأصل الباطل، إلا من أفضل الجهاد في سبيل الله، وأفضل الأعمال المقربة إلى الله؟) (٤). وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق - جمال بن أحمد بادي - ص: ٥٢\nالدليل السادس:\n_________\n(١) «تيسير الكريم الرحمن» (٣/ ٤٧٠).\n(٢) «جامع البيان» (٢١ - ٤٢).\n(٣) «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٤٣٣).\n(٤) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنام» (٦/ ١٢٨).","vol":"8","page":455},{"text":"قوله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣].\nقال ابن جرير ﵀: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ أن اعملوا به على ما شرع لكم وفرض) (١) إلى أن قال: (وقوله وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ يقول: ولا تختلفوا في الدين الذي أمرتم بالقيام به، كما اختلف الأحزاب من قبلكم) (٢). ثم ذكر بسنده عن قتادة (قوله وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ تعلموا أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة) (٣).\nوقال ابن كثير ﵀: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي: وصى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالأئتلاف والجماعة ونهاهم عن الإفتراق والاختلاف) (٤).\nوقال البغوي ﵀: (بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة) (٥).\nوقال الشوكاني ﵀: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ أي: توحيد الله والإيمان به وطاعة رسله وقبول شرائعه) (٦).\nإلى أن قال ﵀: (وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي: لا تختلفوا في التوحيد والإيمان بالله وطاعة رسله وقبول شرائعه، فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع وتوافقت فيها الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها وليس من هذا فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة، وتتعارض فيها الأمارات وتتباين فيها الأفهام، فإنها من مطارح الاجتهاد ومواطن الخلاف) (٧).\nوقال الشيخ السعدي ﵀: (قال: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ أي: أمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم وتجتهدون في إقامته على غيركم، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.\nوَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي: ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل، وتحزبكم أحزابًا وشيعًا، يعادي بعضكم بعضًا، مع اتفاقكم على أصل دينكم) (٨). وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق – جمال بن أحمد بادي – ص: ٥٥\n_________\n(١) «جامع البيان» (٢٥/ ١٥).\n(٢) «جامع البيان» (٢٥/ ١٥).\n(٣) «جامع البيان» (٢٥/ ١٥).\n(٤) «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٠٩).\n(٥) «معالم التنزيل» (٤/ ١٢٢).\n(٦) «فتح القدير» (٤/ ٥٣٠).\n(٧) «فتح القدير» (٤/ ٥٣٠).\n(٨) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٦/ ٥٩٩).","vol":"8","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2354>الفرع الثاني: الأدلة من السنة على ذم التفرق والتحذير منه</span>\nالحديث الأول:\nعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من فارق الجماعة شبرًا فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه».\nالحديث الثاني:\nوعن الحارث الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ، قال: «إن الله أمرني بالجماعة وأنه من خرج من الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه».\nالحديث الثالث:\nعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «من فارق الجماعة، فإنه يموت ميتة جاهلية».\nالمقصود بمفارقة الجماعة هنا، الجماعة التي لها إمام منتصب، فلا يجوز الخروج على هذا الإمام ولا نكث بيعته، ويؤيد هذا أن هذه الأحاديث الثلاثة قد وردت بألفاظ أخرى متقاربة وفيها: «من خرج من السلطان شبرًا» بدل «من خرج من الجماعة شبرًا». والحديث مروي عن ابن عباس نفسه ﵁ حيث قال: قال رسول الله ﷺ: «من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية».\nوفي رواية عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية».\nقال ابن حجر ﵀: (وقوله (شبرًا) بكسر المعجمة وسكون الموحدة وهي كناية عن معصيته السلطان ومحاربته، قال ابن أبي جمرة: المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق) (١).\nإلى أن قال: (والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرًا بل يموت عاصيًا) (٢).\nوقال أيضًا: (في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها) (٣).\nالحديث الرابع:\nعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، أنه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة – وفي رواية (ويغضب لعصبته ويقاتل لعصبته وينصر عصبته) فقتل فقتله جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه».\nوهذا الحديث مثل الأحاديث السابقة في الدلالة.\nقال النووي ﵀ في تفسير قوله ﷺ: «مات ميتة جاهلية»: (هي بكسر الميم أي على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم) (٤). وقال أيضًا: (قوله ﷺ: «ومن قاتل تحت راية عمية» هي بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان والميم مكسورة مشددة والياء مشددة أيضًا، قالوا هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور قال إسحاق بن راهويه هذا كتقاتل القوم للعصبية) (٥).\n_________\n(١) «فتح الباري» (١٣/ ٦ - ٧).\n(٢) «فتح الباري» (١٣/ ١٧).\n(٣) «فتح الباري» (١٣/ ١٧).\n(٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» (١٢/ ٢٣٨).\n(٥) «صحيح مسلم بشرح النووي» (١٢/ ٢٣٨).","vol":"8","page":457},{"text":"وفي معنى قوله ﷺ: «يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة». قال النووي ﵀: (ومعناه إنما يقاتل عصبية لقومه وهواه) (١).\nوحول معنى قوله ﷺ: «ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها». قال النووي: (ومعناه لا يكترث بما يفعله فيها ولا يخاف وباله) (٢).\nالحديث الخامس:\nعن عرفجة بن شريح الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ: يقول: «إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان». وفي رواية (فاقتلوه).\nوفي رواية للنسائي عن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما رجل خرج يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه».\nقال النووي ﵀ في شرح الحديث: (فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل وإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل كان هدرًا، فقوله ﷺ، فاضربوه بالسيف وفي الرواية الأخرى فاقتلوه معناه: إذا لم يندفع إلا بذلك) (٣).\nالحديث السادس:\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق من الدين التارك الجماعة».\nقال النووي ﵀: (وأما قوله ﷺ: «والتار لدينه المفارق للجماعة» فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام قال العلماء ويتناول أيضًا كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو غيرهما وكذا الخوارج والله أعلم) (٤).\nوقال ابن حجر ﵀: (والمراد بالجماعة جماعة المسلمين أي فارقهم أو تركهم بالارتداد، فهي صفة للتارك أو المفارق لا صفة مستقلة وإلا لكانت الخصال أربعًا) (٥).\nقلت: وهذا الذي ذكره العلماء وقع في تاريخ سلفنا الصالح ما يؤيده كقتال أبو بكر ﵁ للمرتدين ومانعي الزكاة، وكقتال علي ﵁ للخوارج، وللذين غالوا فيه والهوه وكقتل بعض الأئمة للمبتدعة: كقتل الجعد بن درهم بن صفوان.\nالحديث السابع:\nثبت عن النبي ﷺ، أنه قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وفي بعض الروايات: «هي الجماعة».\n_________\n(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» (١٢/ ٢٣٩)\n(٢) «صحيح مسلم بشرح النووي» (١٢/ ٢٣٩)\n(٣) «صحيح مسلم بشري النووي» (١٢/ ٢٤١ - ٢٤٢).\n(٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» (١١/ ١٦٥).\n(٥) «فتح الباري» (١٢/ ٢٠١ - ٢٠٢).","vol":"8","page":458},{"text":"قال المباركفوري ﵀ عند شرحه للحديث: (قال العلقمي: قال شيخنا: ألف الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي في شرح هذا الحديث كتابًا قال فيه: قد علم أصحاب المقالات أنه ﷺ، لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي تقدير الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى هذه الأبواب، لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم بعضًا، بخلاف النوع الأول فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه، فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف. وقد حدث في آخر أيام الصحابة خلاف القدرية من معبد الجهني وأتباعه، ثم حدث الخلاف بعد ذلك شيئًا فشيئًا إلى أن تكاملت الفرق الضالة اثنتين وسبعين فرقة والثالثة والسبعون هم: أهل السنة والجماعة وهي الفرقة الناجية. انتهى باختصار يسير) (١).\nوقال ابن أبي العز الحنفي في تعليقه على حديث الافتراق في (شرح الطحاوية): (فبين أن عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة والجماعة) (٢).\nوهذا ما عليه جمهور علماء السلف من أن المقصود بالفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة.\nوأما الفرقة المخالفة لأهل السنة والجماعة فحكمهم مبني على مسألة (تكفير أهل البدع)، ولعلماء أهل السنة تفصيل طويل في هذه المسألة (٣) وخلاصته:\n١ - أن البدع ليست على درجة واحدة، فمنها البدع المكفرة التي تخرج صاحبها من دائرة الإسلام، ومنها البدع التي هي أقل درجة، ولا تخرج صاحبها عن دائرة الإسلام.\n٢ - ونتيجة للتفريق السابق، فإن المحققين من أهل العلم لا يدخلون غلاة أهل البدع الذين بدعهم مكفرة ضمن الثنتين والسبعين فرقة، ويجعلون حكم الثنتين والسبعين فرقة – بناء على ذلك – حكم أهل الوعيد من أهل الكبائر والمعاصي من هذه الأمة الذين لهم حكم الإسلام في الدنيا، ويدخلون تحت مشيئة الله تعالى في الآخرة، فإن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم ثم مآلهم إلى الجنة. وهذا هو أمثل الأقوال في هذه المسألة، والله أعلم.\nوفي حديث الافتراق فوائد عظيمة أشير إلى بعض منها:\nالأولى:\nدل الحديث على أهمية أتباع الرسول ﷺ، والاقتداء به، والتمسك بسنته، والتزام طريقته، فالابتداع في الدين خطره عظيم، ومخالفة الرسول ﷺ، ضررها جسيم. ولذلك كان من أهم الضوابط التي وضعها الإسلام للزوم الجماعة: الحث على ملازمة السنة والتمسك بها، والنهي عن البدعة والتحذير منها.\nوقد بين الرسول الكريم ﷺ، في حديث الافتراق أمرين:\nأولهما:\nالبشرى بالجنة لمن اتبع سبيله، وكان على ما كان عليه هو ﷺ، وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.\nالثاني:\nالوعيد الشديد لمن خالف هديه وسنته.\nالثانية:\n_________\n(١) «تحفة الأحوذي) لمباركفوري (٧/ ٣٩٨). وانظر: «عون العبود للعظيم آبادي (١٢/ ٣٤٠، ٣٤١) ط – المكتبة السلفية.\n(٢) انظر: «شرح الطحاوية» (ص: ٣٨٣ - ٥١٢)، ط الثامنة، المكتب الإسلامي، وانظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٢٧).\n(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣/ ٣٤٨ - ٣٥٤)، (٧/ ٢١٧ - ٢١٨)، و«الاعتصام» للشاطبي (٢/ ١٩٢ - ٢٠٦، ٢٤٦ – ٢٤٩، ٢٥٦ - ٢٥٨).","vol":"8","page":459},{"text":"يستنبط من قوله ﷺ، (إلا واحدة) أن الحق واحد لا يتعدد. وهذه المسألة موضع خلاف بين العلماء، فمنهم من يرى بأن كل مجتهد مصيب، وهم الذين يطلق عليهم اسم (المصوبة)، ومنهم من يرى بأن الحق واحد لا يتعدد، وهم الذين يطلق عليهم اسم (المخطئة) ولاشك أن الأدلة مع الفريق الثاني، ويعتبر حديث الافتراق من الأدلة القوية التي تؤيد ما ذهبوا إليه.\nقال الشاطبي: (إن قوله ﵊: (إلا واحدة) قد أعطى بنصه أن الحق واحد لا يختلف، إذ لو كان للحق فرق أيضًا لم يقل (إلا واحدة) ولأن الاختلاف منفي عن الشريعة بإطلاق، لأنها الحاكمة بين المختلفين لقوله تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩]. إذ رد التنازع إلى الشريعة، فلو كانت الشريعة تقتضي الخلاف لم يكن في الرد إليها فائدة) (١).\nالحديث الثاني:\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال سمعت رجلًا قرأ آية سمعت النبي ﷺ، يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي ﷺ، فذكرت ذلك له، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: «كلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا».\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعليقًا على الحديث السابق: (نهى النبي ﷺ، عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين ما مع الآخر من الحق، لأن كلا القارئين كان حسنًا فيما قرأه، وعلل ذلك: بأن من كان قلنا اختلفوا فهلكوا) (٢).\nإلى أن قال: (واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة، الذي يورث الأهواء تجده من هذا الضرب، وهو: أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبًا فيما يثبته، أو في بعضه، مخطئًا في نفي ما عليه الآخر) (٣).\nوقد بين النبي ﷺ، أن الاختلاف في الكتاب سبب هلاك من كان قبلنا، فعن عبد الله بن عمرو قال: (هجرت إلى رسول الله ﷺ، يومًا، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ، يعرف في وجهه الغضب، فقال: «إنما أهلك من كان قبلكم من الأمم باختلافهم في الكتاب».\nوفي رواية أخرى عن عبد الله بن عمرو: أن نفرا كانوا جلوسًا بباب النبي ﷺ، فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله ﷺ، فخرج، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم. أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما ههنا في شيء. انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا عنه».\nوتوجد أحاديث أخرى كثيرة في ذم الفرقة والتحذير منها، وفيما يلي أسرد بعضًا منها إجمالًا:\nعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الشيطان ذئب ابن آدم كذئب الغنم يأتي إليها فيأخذ الشاذة والقاصية والناحية».\nوعن زكريا بن سلام يحدث عن أبيه عن رجل قال: انتهيت إلى النبي ﷺ، وهو يقول: «يا أيها الناس عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة ثلاث مرات». قالها إسحاق (أحد الرواة».\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من عمل لله في الجماعة فأصاب تقبل الله منه وإن أخطأ غفر الله له، ومن عمل لله في الفرقة فإن أصاب لم يقبل الله منه وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار».\n_________\n(١) «الاعتصام» (٢/ ٢٤٩).\n(٢) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٢٣)، ط المحققة.\n(٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٢٤).","vol":"8","page":460},{"text":"وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: دخلت مع ابن عمر ﵄ على عبد الله بن مطيع فقال: مرحبًا بأبي عبد الرحمن ضعوا له وسادة فقال: إنما جئتك لأحدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، يقول: «من نزع يدًا من طاعة الله فإنه يأتي يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية».\nوعن فضالة بن عبيد عن رسول الله ﷺ، أنه قال: «ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامة ومات عاصيًا، وأمة أو عبد فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده».\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، قال: «ترك السنة الخروج من الجماعة».\nوعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: «سألت ربي ﷿ ثلاثًا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة سألت أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل. وسألت أن لا يظهر عليهم عدوهم، ففعل. وسألت أن لا يلبسهم شيعًا فأبى علي».\nوعنه ﵁ قال: قال رسول الله: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله أخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث».\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: خط لنا رسول الله ﷺ، يومًا خطا ثم قال: «هذا سبيل الله». ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه». ثم تلا قول الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣].\nوعن مجاهد: «ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله» قال: (البدع والشبهات) (١).\nوعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران بينهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا. وفي رواية (ولا تتفرقوا)، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد إنسان فتح شيء من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والستور حدود الله ﷿، والأبواب محارم الله تعالى، والداعي على الصراط كتاب الله جل وعلا، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله ﵎ في قلب كل مسلم». وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق لجمال بن أحمد بادي – ص: ٧٤\n_________\n(١) رواه ابن بطة في «الإبانة» (ح: ١٣٤) (١/ ٢٩٨).","vol":"8","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2356>تمهيد:</span>\nحيث إن الكتاب والسنة هما المصدر الأساسي للحق، والنبع الصافي لدين الإسلام، وهما المنهج الكامل لحياة البشر، وهما الميزان الصحيح الذي توزن به الأقوال والأفعال، جاءت الأدلة في الحث على أتباعهما، والعمل بهما، والاعتصام بهما، والرد إليهما عند التنازع والاختلاف.\nولا يكون للمسلمين شأن، ولا عز ولا نصر، ولا فلاح في الدنيا، ولا نجاة في الآخرة، إلا بامتثال أوامر الله تعالى وطاعته، وطاعة رسوله، ﷺ، واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ.\nوالأدلة في هذا الموضوع كثيرة جدًا، وفيا يلي ذكر لبعضها.","vol":"8","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2357>المبحث الأول: الأدلة من القرآن الكريم</span>\nجاءت آيات كثيرة بالأمر بطاعة الله، ورسوله ﷺ، وذلك بأسلوب الترغيب تارة، نحو قوله تعالى: وَأَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران: ١٣٢].\nوَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: ٦٩].\nوبأسلوب الترهيب تارة أخرى، نحو قوله تعالى: قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ٣٢].\nوقوله تعالى: وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ [المائدة: ٩٢].\nكما جاءت آيات تمدح المؤمنين الذين يطيعون الله ورسوله ﷺ، مع البشرى العظيمة لهم بالفوز والفلاح، نحو قوله تعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور: ٥١].\nوأمر سبحانه عباده المؤمنين بالتحاكم إلى الكتاب والسنة عند التنازع، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩].\nيقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (قال مجاهد وغير واحد من السلف: أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة) (١).\nوقال القرطبي في المقصود بالرد إلى الله والرسول: (أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته ﷺ، هذا قول مجاهد والأعمش وقتادة، وهو الصحيح) (٢).\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (أمر برد كل ما تنازع الناس فيه، من أصول الدين وفروعه، على الله والرسول، أي إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما، أو عمومهما، أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى، يقاس عليه ما أشبهه. لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما فالرد إليهما شرط في الإيمان) (٣).\nبل نجد من الآيات التي تنفي الاختيار عن كل مؤمن ومؤمنة، إذا حكم الله ورسوله ﷺ في أمر ما من الأمور.\nيقول تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا [الأحزاب: ٣٦].\nوهذه الآية وإن كانت قد نزلت في زينب بنت جحش ﵂ حين خطبها رسول الله ﷺ على مولاه زيد بن حارثة ﵁ فامتنعت ثم أجابت، إلا أنها خطاب لكل مؤمن ومؤمنة، وعامة في كل الأمور.\nيقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد ههنا، ولا رأي ولا قول) (٤).\n_________\n(١) «تفسير القرآن العظيم» (١/ ٥١٨).\n(٢) «الجامع لأحكام القرآن» (٥/ ٢٦١).\n(٣) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٢/ ٨٩ - ٩٠).\n(٤) «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٤٩٠).","vol":"8","page":463},{"text":"واستدل القرطبي بهذه الآية على أن صيغة افعل للوجوب في أصل وضعها، قال: (لأن الله ﵎ نفى خيرة المكلف عند سماع أمره وأمر رسول الله ﷺ، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم علق على المعصية بذلك الضلال، فلزم حمل الأمر على الوجوب. والله أعلم) (١).\nوقال الشيخ السعدي: (أي: لا ينبغي ولا يليق، من اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة الله ورسوله، والهرب من سخط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما) (٢).\nونهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتقدموا بين يدي الله رسوله. فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: ١].\nوقد ذكر ابن كثير أقوالًا عن السلف الصالح في معنى قوله تعالى: لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. منها (٣): عن ابن عباس قال: (لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة) (٤). وعن الضحاك: (لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله من شرائع دينكم) (٥). وقال سفيان الثوري: (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. بقول ولا فعل) (٦).\nوقال الشيخ السعدي في بيان ما يستنبط من الآية الكريمة: (هذا متضمن للأدب مع الله تعالى، ومع رسول الله ﷺ والتعظيم والاحترام له، وإكرامه.\nفأمر الله عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان بالله ورسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله ﷺ في جميع أمورهم. وأن لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، فلا يقولوا حتى يقول، ولا يأمروا حتى يأمر.\nفإن هذا، حقيقة الأدب الواجب، مع الله ورسوله، وهو: عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي) (٧).\n_________\n(١) «الجامع لأحكام القرآن» (١٤/ ١٨٨).\n(٢) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٦/ ٢٢ - ٢٢٣).\n(٣) «تفسير القرآن العظيم» (٤/ ٢٠٥).\n(٤) رواه الطبري (٢٢/ ٢٧٢)، وابن أبي حاتم (ص: ٣٢٤٧).\n(٥) رواه بنحوه الطبري (٢٢/ ٢٧٦).\n(٦) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٢٦٤).\n(٧) «تيسير الكريم الرحمن» (٧/ ١٢٦).","vol":"8","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2358>المبحث الثاني: الأدلة من السنة النبوية</span>\nعن ابن عباس ﵄ قال: «خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: يا أيها الناس: إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتاب الله وسنتي» (١).\nوعن العرباض بن سارية ﵁ قال: «قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فوعظنا موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقيل: يا رسول الله ﷺ وعظتنا موعظة مودِّع، فاعهد إلينا بعهد. فقال: عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًا، وسترون بعدي اختلافًا شديدًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة» (٢).\nفقد أخبر النبي ﷺ في هذا الحديث بوقوع الاختلاف وحصوله في أمته، فأوصى أصحابه رضوان الله عليهم – ويدخل في الخطاب كافة الأمة- بالتمسك بسنته، وسنة الخلفاء الراشدين عند وقوع الاختلاف.\nفالتزام السنة هو الحل عند وقوع البدع، لذلك نرى من فقه الإمام مالك ﵀ أنه ذكر حديث الاعتصام بالكتاب والسنة في باب النهي عن القول بالقدر.\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٣).\nيقول ابن حجر في أثناء كلامه على هذا الحديث: (وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل، ولو كان مستكرهًا، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي دونوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف) (٤).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (٥).\n_________\n(١) رواه الحاكم (١/ ١٧١)، والبيهقي (١٠/ ١١٤) (٢٠١٢٣)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٦١). قال الحاكم: سائر رواته متفق عليهم وهذا الحديث لخطبة النبي ﷺ متفق على إخراجه في الصحيح ... وله شاهد، وقال ابن حزم في «أصول الأحكام» (٢/ ٢٥١)، والألباني في «صحيح الترغيب والترهيب»: صحيح.\n(٢) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٤): ثابت صحيح، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨١)، وصححه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٠٩)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٨٢)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٣) رواه مسلم (٨٦٧).\n(٤) «فتح الباري» (١٣/ ٢٥٣).\n(٥) رواه البخاري (٧٢٨٨).","vol":"8","page":465},{"text":"قال ابن حجر في شرح الحديث: (فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله، ثم يجتهد في تفهم ذلك والوقوف على المراد به، ثم يتشاغل بالعمل به، فإن كان من العلميات يتشاغل بتصديقه، واعتقاد حقيته، وإن كان من العمليات بذل وسعه في القيام به فعلًا وتركًا) (١).\nهذا هو الموقف الصحيح الذي يجب على كل مسلم أن يتخذه مع كتاب ربه ﷿، وسنة نبيه ﷺ، التعليم والفهم، ثم التصديق، والعمل، والامتثال.\nفبهذا المسلك والمنهج نال السابقون رضوان الله عنهم، وجزاهم ربهم ﵎ بذلك التوفيق والنصر، والعز في الدنيا، والجنة والنعيم المقيم في الآخرة.\nوعن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله» (٢).\nقال الخطابي ﵀ في شرح الحديث: (يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله ﷺ، مما ليس له في القرآن ذكر، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض، فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن، وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب، فتحيروا وضلوا) (٣).\nوقال ابن بطة ﵀ محذرًا المسلمين من شر هؤلاء المنكرين لسنة النبي ﷺ: (وليعلم المؤمنون من أهل العقل والعلم أن قومًا يريدون إبطال الشريعة، ودروس آثار العلم والسنة، فهم يموهون على من قل علمه، وضعف قلبه، بأنهم يدعون إلى كتاب الله، ويعملون به، وهم من كتاب الله يهربون، وعنه يدبرون، وله يخالفون، وذلك أنهم إذا سمعوا سنة رويت عن رسول الله ﷺ، رواها الأكابر عن الأكابر، ونقلها أهل العدالة والأمانة، ومن كان موضع القدوة والأمانة، وأجمع أئمة المسلمين على صحتها، أو حكم فقهاؤهم بها، عارضوا تلك السنة بالخلاف عليها، وتلقوها بالردِّ لها. وقالوا لمن رواها عندهم: تجد هذا في كتاب الله؟ وهل نزل هذا في القرآن؟ وائتوني بآية من كتاب الله حتى أصدق بهذا) (٤).\nفحكم عليهم بخبث النية وسوء الطويَّة، وأنهم يريدون هدم دين الإسلام، وإبطال الشريعة. قال تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف: ٨].\n_________\n(١) «فتح الباري» (١٣/ ٢٦٣).\n(٢) رواه أبو داود (٤٦٠٤) بلفظ: (الكتاب) بدلًا من: (القرآن)، والترمذي (٢٦٦٤)، وابن ماجه (١٢)، وأحمد (٤/ ١٣٠) (١٧٢١٣)، و(٤/ ١٣٢) (١٧٢٣٣). والحديث حسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١٢٩) - كما أشار لهذا في مقدمته -. وقال الألباني في «تحذير الساجد»: صحيح.\n(٣) «معالم السنن» (٧/ ٨) ط – دار المعرفة – بيروت.\n(٤) «الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية» (١/ ٢٢٣).","vol":"8","page":466},{"text":"قال الإمام الشافعي ﵀: (لم أسمع أحدًا نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم، يخالف في أن فرض الله ﷿ أتباع أمر رسول الله ﷺ والتسليم لحكمه بأن الله ﷿ لم يجعل لأحد بعده إلا أتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله ﷺ وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ، واحد لا يختلف في أن الفرض الواجب قبول الخبر عن الرسول إلا فرقة (١) سأصف قولها إن شاء الله).\nوفي الحديث السابق إثبات لحجية السنة، وأنها واجبة الأتباع على كل مسلم.\nوفيه ردٌّ صريح على الذين أنكروا حجية السنة قديمًا كالرافضة، والمعتزلة وغيرهم، وحديثًا كالقرآنيين، والمستشرقين، وتلاميذهم كأمثال: أبي رية، ورشاد خليفة، وغيرهما.\nالسنة من الوحي:\nتعتبر السنة النبوية جزء من الوحي، قال الله تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤].\nوقال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤].\nوعن حسان بن عطية: قال: (كان جبريل ﷺ ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل القرآن عليه يعلمه إياها كما يعلمه القرآن) (٢).\nوقال ابن حزم ﵀: (لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه، فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله ﷺ، ووجدناه ﷿ يقول واصفًا لرسوله: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤]. فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله ﷿ إلى رسوله ﷺ على قسمين:\nأحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفًا معجز النظام وهو القرآن.\nالثاني: وحي مروي منقول، غير مؤلف، ولا معجز النظام، ولا متلو، لكنه مقروء.\nوهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ وهو المبين عن الله ﷿ مراده منا) (٣).\nفالقرآن الكريم، والسنة النبوية من مشكاة واحدة، وهي داخلة في ذلك الوعد الصادق بالحفظ والضمان الأكيد، حيث قال سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].\nوكان من مظاهر ذلك الحفظ ما نراه ونلمسه من جهود جهابذة السنة الذين بذلوا جهودًا عظيمة لحفظها، والذب عنها، وغربلتها، وتمييز صحيحها من سقيمها، والتأليف في العلوم التي تخدمها.\nفكان من آثار هؤلاء الجهابذة ما تزخر به المكتبات الإسلامية – على مدى العصور – من مؤلفات قيمة في السنة وعلومها وشروحها (٤).\n_________\n(١) لم يبين الشافعي اسم الفرقة التي رد عليها، وقد استظهر الخضري أنه يعني بذلك المعتزلة. انظر: «تاريخ التشريع الإسلامي» للخضري (ص: ١٩٧). وانظر: كتاب «جماع العلم» للشافعي حاشية (ص: ١١).\n(٢) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ٨٣ - ٨٤)، وأبو داود في «المراسيل» (٥٣٨).\n(٣) «الإحكام في أصول الأحكام» (ص: ٨٧).\n(٤) انظر مقدمة محقق كتاب «النكت على كتاب ابن الصلاح» (ص: ٨، ٩) تحقيق الدكتور ربيع بن هادي المدخلي طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة ١٤٠٤هـ.","vol":"8","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2359>المبحث الثالث: الأدلة من أقوال السلف الصالح</span>\nعن محمد بن سيرين قال: (كانوا لا يختلفون عن ابن مسعود في خمس: أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير السنة سنة محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وأن أكيس الكيس التقى، وأن أحمق الحمق الفجور) (١).\nوعن عثمان بن حاضر الأزدي، قال: (قلت لابن عباس: أوصني، قال: عليك بالاستقامة، واتباع الأثر، وإياك والتبدع (٢».\nوعن مالك بن أنس قال: (كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننًا الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من اهتدى بها مهتدي، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا) (٣).\nوعن الزهري قال: (كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة) (٤).\nوهكذا نرى توافر الأدلة على هذا الأصل العظيم، فلا يستقيم دين امرئ مسلم إلا إذا تمسك بهذا الأصل، واتخذه منهاجًا يسير عليه، ويثبت عليه حتى الممات.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وشواهد هذا الأصل العظيم الجامع من الكتاب والسنة كثيرة، وترجم عليه أهل العلم في الكتب كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، كما ترجم عليه البخاري، والبغوي وغيرهما، فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين) (٥).\nوقد كان هذا الأصل من الأصول التي اتفق عليها سلف هذه الأمة، فكان ذلك من أعظم نعم الله عليهم، يقول شيخ الإسلام: (وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم، اعتصامهم بالكتاب، والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البيانات أن الرسول ﷺ جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم) (٦).\nوقد عبر اللالكائي عن هذه الحقيقة الناصعة في أول كتابه أصول السنة بقوله: (أما بعد: فإن أوجب ما على المرء معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله عباده من فهم توحيده وصفاته، وتصديق رسله بالدلائل واليقين، والتوصل إلى طرقها، والاستدلال عليها بالحجج والبراهين، وكان من أعظم مقول، وأوضح حجة ومعقول، كتاب الله الحق المبين. ثم قول رسول الله ﷺ وصحابته الأخيار والمتقين، ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون، ثم التمسك بمجموعها والمقام عليها إلى يوم الدين، ثم الاجتناب عن البدع والاستماع إليها مما أحدثها المضلون. فهذه الوصايا الموروثة المتبوعة، والآثار المحفوظة المنقولة، وطرائق الحق المسلوكة والدلائل اللائحة المشهورة، والحجج الباهرة المنصورة التي عملت عليها الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من خاصة الناس وعامتهم من المسلمين. واعتقدوها حجة فيما بينهم وبين الله رب العالمين. ثم من اقتدى بهم من الأئمة المهتدين، واقتفى آثارهم من المتبعين، واجتهد في سلوك سبيل المتقين، وكان من الذين اتقوا والذين هم محسنون. فمن أخذ في مثل هذه المحجة، وداوم بهذه الحجج على منهاج الشريعة أحسن في دينه التبعة، في العاجلة والآجلة. وتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها) (٧).\nفيجب على كل مسلم أن يحرص كل الحرص على الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والتمسك بما أجمع عليه السلف الصالح، وأن يجعل ذلك ميزانًا يزن به ما اختلف فيه الناس بعد القرون الفاضلة من الأقوال والأفعال والمعتقدات وغيرها. وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق لجمال بن أحمد بادي - ص ٢٩٩\n_________\n(١) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (ص: ٨٥٠)، وابن وضاح في «البدع والنهي عنها» (ص: ٢٤)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص: ٢٤١)، وابن بطة في «الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية» (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥ ح: ١٧٠).\n(٢) رواه ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (ص: ١٧٧).\n(٣) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٥٧)، والآجري في «الشريعة» (ص: ٤٦)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (١/ ٩٤).\n(٤) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (١/ ٥٦).\n(٥) «مجموع الفتاوى» «١١/ ٦٢٣).\n(٦) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٨). وانظر: (١٦/ ٤٧١ - ٤٧٢).\n(٧) «صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام» للسيوطي (ص: ١٠١ - ١٠٢) ط دار الكتب العلمية – بيروت.","vol":"8","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2362>المطلب الأول: البدعة لغة</span>\nوأصل مادة بَدَعَ للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى: بَدِيعُ السَّموَاتِ والأرْضِ [البقرة: ١١٧] أي مخترعهما من غير مثال سابق متقدم، وقوله تعالى: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِن الرُّسُل [الأحقاف: ٩]، أي ما كنت أوَّل من جاءَ بالرسالة من الله إلى العباد بل تقدمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. وهذا أمر بديع، يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنَّه لم يتقدمه ما هو مثله ولا ما يشبهه.\nومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هي البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة: فمن هذا المعنى سُمِّيَ العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة (١). مختصر كتاب الإعتصام للشاطبي لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص ٧\n_________\n(١) [١٤٩٩٤]» «لسان العرب» (٨/ ٦)، «تاج العروس» (٢٠/ ٣٠٧). مادة (بدع).","vol":"8","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2363>المطلب الثاني: البدعة اصطلاحًا</span>\nالبدعة .. عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه. وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنَّما يخصها بالعبادات، وأمَّا على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية ولا بد من بيان ألفاظ هذا الحد. فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه وإنَّما قُيِّدت بالدين لأنَّها فيه تخترع وإليه يضيفها صاحبها وأيضًا فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسم بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم.\nولما كانت الطرائق في الدين تنقسم، فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها، خُصَّ منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع، أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع، إذ البدعة إنَّما خاصَّتها أنَّها خارجة عما رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كلِّ ما ظهر لبادي الرأْي أنَّه مخترع مما هو متعلق بالدين، كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأُصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنَّها وإن لم توجد في الزمان الأوَّل فأُصولها موجودة في الشرع.\n(فإن قيل): فإنَّ تصنيفها على ذلك الوجه مخترع.\n(فالجواب): أنَّ له أصلًا في الشرع، ففي الحديث ما يدل عليه، ولو سُلِّم أنَّه ليس في ذلك دليل على الخصوص، فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة،\nفعلى القول بإثباتها أصلًا شرعيًا لا إشكال في أنَّ كلَّ علم خادم للشريعة داخلٌ تحت أدلته التي ليست بمأْخوذة من جزئي واحد؛ فليست ببدعة البتَّة.\nوعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة، لأنَّ كلَّ بدعة ضلالة من غير إشكال، كما يأتي بيانه إن شاء الله.\nويلزم من ذلك أن يكون كَتْبُ المصحف وجَمْعُ القرآن قبيحًا، وهو باطل بالإجماع فليس إذًا ببدعة.\nويلزم أن يكون دليل شرعي، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، وهو المأخوذ من جملة الشريعة.\nوإذا ثبت جزئيٌ في المصالح المرسلة، ثبت مطلق المصالح المرسلة.\nفعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة، بدعة أصلًا.\nوقوله في الحد تضاهي الشرعية يعني: أنَّها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة:\nمنها: وضع الحدود كالناذر للصيام قائمًا لا يقعد، ضاحيًا لا يستظل، والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة.\nومنها: التزام الكيفيات والهَيْئَات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيدًا، وما أشبه ذلك.\nومنها: التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته.\nوثَمَّ أوجهٌ تضاهي بها البدعةُ الأمورَ المشروعة، فلو كانت لا تضاهي الأمورَ المشروعة لم تكن بدعة، لأنَّها تصير من باب الأفعال العادية.\nوقوله: يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى هو تمام معنى البدعة إذ هو المقصود بتشريعها.\nوذلك أنَّ أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك. لأنَّ الله تعالى يقول: وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، فكأنَّ المبتدع رأى أنَّ المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أنَّ ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ.\nوقد تبين بهذا القيد أنَّ البدع لا تدخل في العادات. فكل ما اختُرِع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية.\nوأمَّا الحد على الطريقة الأُخرى (١) فقد تبين معناه إلا قوله: يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية.\nومعناه أنَّ الشريعة إنَّما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم لتأْتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته. لأنَّ البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات، فإن تعلَّقت بالعبادات فإنَّما أراد بها أن يأتي تعبُّده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتم المراتب في الآخرة في ظنه. وإن تعلقت بالعادات فكذلك، لأنَّه إنَّما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها.\nوقد ظهر معنى البدعة وما هي في الشرع والحمد لله (٢). مختصر كتاب الإعتصام للشاطبي لعلوي بن عبد القادر السقاف – ص: ٧\n_________\n(١) [١٤٩٩٥]» أي: طريقة من يُدخل العادات في معنى البدع.\n(٢) [١٤٩٩٦]» «الاعتصام» للشاطبي (١/ ٣٧ - ٤٢).","vol":"8","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2365>المطلب الأول: الأدلة من النظر على ذمِّ البدع</span>\nأمَّا النظر فمن وجوه:\n(أحدها) أنَّه قد عُلِمَ بالتجارب والخبرة، أنَّ العقول غير مستقلة بمصالحها، استجلابًا لها، أو مفاسدها، استدفاعًا لها. لأنَّها إما دنيوية أو أُخروية.\nفأمَّا الدنيوية فلا يستقل باستدراكها على التفصيل البتَّة لا في ابتداء وضعها أوَّلًا، ولا في استدراك ما عسى أن يعرض في طريقها، إما في السوابق، وإما في اللواحق، لأنَّ وضعها أوَّلًا لم يكن إلا بتعليم الله تعالى.\nفلولا أنْ منَّ الله على الخلق ببعثة الأنبياء لم تستقم لهم حياة، ولا جرت أحوالهم على كمال مصالحهم وهذا معلوم بالنظر في أخبار الأوَّلين والآخرين.\nوأمَّا المصالح الأُخرويَّة، فأبعد عن مصالح المعقول من جهة وضع أسبابها، وهي العبادات مثلًا. فإنَّ العقل لا يشعر بها على الجملة، فضلًا عن العلم بها على التفصيل.\nفعلى الجملة، العقول لا تستقل بإدراك مصالحها دون الوحي. فالابتداع مضادٌ لهذا الأصل، لأنَّه ليس (له) مستندٌ شرعيٌ بالفرض، فلا يبقى إلا ما ادَّعوه من العقل.\nفالمبتدع ليس على ثقة من بدعته أن ينال بسبب العمل بها، ما رام تحصيله من جهتها، فصارت كالعبث.\n(الثاني) أنَّ الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان، لأن الله تعالى قال فيها: الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لكَمُ الإسلامَ دِينًا [المائدة: ٣]. وفي حديث العِرباض بن سارية: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إنَّ هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ قال: تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» الحديث (١).\nفالمبتدع إنَّما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله:\nإنَّ الشريعة لم تتم، وأنَّه بقي منها أشياءُ يجب أو يستحب استدراكها، لأنَّه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كلِّ وجه، لم يبتدع ولا استدرك عليها. وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم.\nقال ابن الماجشون: سمعت مالكًا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنَّ محمدًا ﷺ خان الرسالة، لأنَّ الله يقول: اليوم أكملتُ لكم دينكم فما لم يكن يومئذٍ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا.\n(الثالث) أنَّ المبتدع معاندٌ للشرع ومشاقٌّ له، لأنَّ الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقَصَرَ الخَلْقَ عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد وأخبر أنَّ الخير فيها، وأنَّ الشر في تعدِّيها - إلى غير ذلك، لأنَّ الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنَّه إنَّما أرسل الرسول ﷺ رحمة للعالمين. فالمبتدع رادٌ لهذا كله، فإنَّه يزعم أنَّ ثمَّ طُرُقًا أُخر، ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عيَّنَه بمتعيّن، كأنَّ الشارع يعلم، ونحن أيضًا نعلم. بل ربما يُفهم من استدراكه الطرق على الشارع، أنَّه علم ما لم يعلمه الشارع.\nوهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفرٌ بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود، فهو ضلال مبين.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤٣) واللفظ له، وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٢). من حديث العرباض بن سارية ﵁، والحديث حسنه المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٦٨). وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٩٣٧): إسناده صحيح.","vol":"8","page":471},{"text":"(الرابع) أنَّ المبتدع قد نَزَّل نفسه منزلة المضاهي للشارع، لأنَّ الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سننها، وصار هو المنفرد بذلك، لأنَّه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون. وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم تنزل الشرائع، ولم يبق الخلاف بين الناس. ولا احتيج إلى بعث الرسل ﵈.\nهذا الذي ابتدع في دين الله قد صيَّر نفسه نظيرًا ومضاهيًا (لله) حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف بابًا؛ ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع.\n(الخامس) أنَّه اتباع للهوى لأنَّ العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة؛ وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنَّه ضلال مبين. ألا ترى قول الله تعالى: يا داودُ إنَّا جعلناكَ خليفةً في الأرضِ فاحكمْ بينَ النَّاسِ بالحقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عن سبيلِ الله، إنَّ الَّذينَ يَضِلُّونَ عن سبيلِ الله لهم عذابٌ شديدٌ بما نَسُوا يومَ الحِساب [ص: ٢٦]\nفَحَصَرَ الحكمَ في أمرين لا ثالث لهما عنده، وهو الحق والهوى، وعزل العقل مجردًا إذ لا يمكن في العادة إلا ذلك. وقال ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَوَاهُ [الكهف: ٢٨] فجعل الأمر محصورًا بين أمرين، اتباع الذكر، واتباع الهوى، وقال وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ الله [القصص: ٥٠]\nوهي مثل ما قبلها. وتأملوا هذه الآية فإنَّها صريحة في أنَّ من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه، فلا أحد أضل منه.\nوهذا شأْن المبتدع، فإنَّه اتبع هواه بغير هدى من الله. وهدى الله هو القرآن.\nوما بينته الشريعة وبينته الآية أنَّ اتباع الهوى على ضربين: أحدهما، أن يكون تابعًا للأمر والنهي فليس بمذموم ولا صاحبه بضال.\nوالآخرُ أن يكون هواه هو المقدم بالقصد الأوَّل، والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى الله فكان أضل الناس وهو يظن أنَّه على هدى.\nوهنا معنى يتأكد التنبيه عليه، وهو أنَّ الآية المذكورة عينت للاتباع في الأحكام الشرعية طريقين:\nأحدهما: الشريعة، ولا مِرْية في أنَّها علم وحق وهدى؛ والآخر الهوى، وهو المذموم، لأنَّه لم يذكر في القرآن إلا في سياق الذم، ولم يجعل ثمَّ طريقًا ثالثًا. ومن تتبع الآيات، ألفى ذلك كذلك (١). مختصر كتاب الإعتصام للشاطبي لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص ١٥\n_________\n(١) [١٤٩٩٨]» «الاعتصام» للشاطبي (١/ ٤٦ - ٥٢).","vol":"8","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2366>المطلب الثاني: الأدلة من النقل على ذم البدع</span>\nوأمَّا النقل فمن وجوه:\n(أحدها) ما جاء في القرآن الكريم مما يدل على ذم من ابتدع في دين الله في الجملة. فمن ذلك:\n١ - قول الله تعالى: وأنَّ هذا صِراطِي مُسْتقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولاَ تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣] فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السُّنَّة، والسبل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع. وليس المراد سبل المعاصي، لأنَّ المعاصي من حيث هي معاصٍ لم يضعها أحد طريقًا تُسْلك دائمًا على مضاهاة التشريع. وإنَّما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات.\nويدل على هذا ما روى إسماعيل عن سليمان بن حرب، قال: حدَّثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال: «خطَّ لنا رسول الله ﷺ يومًا خطًا طويلًا، وخطَّ لنا سليمان خطًا طويلًا، وخطَّ عن يمينه وعن يساره فقال: هذا سبيلُ الله. ثم خطَّ لنا خطوطًا عن يمينه ويساره وقال: هذه سُبُل، وعلى كلِّ سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم تلا هذه الآية: وأنَّ هذا صِراطِي مُستَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ -يعني الخطوط- فَتَفَرَّقَ بِكمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]» (١).\nقال بكر بن العلاء: أحسبُه أراد شيطانًا من الإنس وهي البدع والله أعلم.\nوعن مجاهد في قوله: ولاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، قال: (البدع والشبهات) (٢).\n٢ - قول الله تعالى: وعلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنْها جائِرٌ ولَوْ شَاءَ لهَداكُمْ أجْمَعِينَ [النحل: ٩] فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائرٌ عن الحق؛ أي عادلٌ عنه، وهي طرق البدع والضلالات، أعاذنا الله من سلوكها بفضله. وكفى بالجائر أن يحذَّر منه. فالمساق يدل على التحذير والنهي.\nعن التستري: قصد السبيل طريق السُّنَّة، ومنها جائرٌ يعني إلى النار، وذلك الملل والبدع.\nوعن مجاهد (قصد السبيل) أي: المقتصد منها بين الغلو والتقصير، وذلك يفيد أنَّ الجائر هو الغالي أو المقصِّر، وكلاهما من أوصاف البدع.\n٣ - إنَّ الَّذِين فَرَّقوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْىءٍ إنَّما أَمْرُهُمْ إلىَ الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩].\nقال ابن عطيَّة: (هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوءِ المعتقد) (٣)\nقال القاضي (إسماعيل): ظاهر القرآن يدل على أنَّ كلَّ من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم فهو داخل في هذه الآية؛ لأنَّهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعًا.\n(الثاني): ما جاء في الأحاديث المنقولة عن رسول الله ﷺ، وهي كثيرة تكاد تفوق الحصر، إلا أنَّا نذكر منها ما تيسر مما يدل على الباقي ونتحرى في ذلك - بحول الله- ما هو أقرب إلى الصحة. فمن ذلك:\n_________\n(١) [١٤٩٩٩]» رواه أحمد (١/ ٤٣٥) (٤١٤٢)، والدارمي (١/ ٢٣٢) (٢٠٨) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٤٣) (١١١٧٤)، وابن حبان (١/ ١٨٠) (٦)، والحاكم (٢/ ٣٤٨) بدون لفظة «وخط لنا سليمان خطًا طويلًا». وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٥): فيه عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه ضعف، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١٣١) كما قال ذلك في المقدمة.\n(٢) [١٥٠٠٠]» رواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٢٩).\n(٣) [١٥٠٠١]» «تفسير ابن عطية» (٢/ ٤٢٧).","vol":"8","page":473},{"text":"١ - ما في الصحيح من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ» (١) وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌ» (٢) وهذا الحديث عدَّه العلماءُ ثلث الإسلام، لأنَّه جمع وجوه المخالفة لأمره ﵇. ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية.\n٢ - وخرَّج مسلمٌ عن جابر بن عبدالله أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول في خطبته: «أمَّا بعد فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد، وشرَّ الأُمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة» (٣).\nوفي رواية قال كان رسول الله ﷺ يخطب الناس، يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: «من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلِ الله فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأُمور محدثاتها وكل محدثة بدعة» (٤).\n٣ - وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أُجور من يتبعه لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئًا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (٥).\n٤ - وروى الترمذي وأبو داود وغيرهما عن العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله؟ كأنَّ هذا موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أُوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمر وإن كان عبدًا حبشيًا. فإنَّه من يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأُمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٦)\n٥ - وفي الصحيح عن حذيفة ﵁ أنَّه قال: «يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي. قال فقلت: هل بعد ذلك الشر من شر؟ قال: نعم دعاة على نار جهنم من أجابهم قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، صِفْهم لنا. قال: نعم هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأْمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن إمام ولا جماعة؟ قال: فاعتزل تلك الفِرقَ كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦٩٥)، ومسلم (١٧١٨) (١٧). من حديث عائشة ﵂.\n(٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٧٣٥٠) كتاب: الاعتصام، باب: إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ. ومسلم (١٧١٨) (١٨). من حديث عائشة ﵂.\n(٣) [١٥٠٠٤]» رواه مسلم (٨٦٧).\n(٤) [١٥٠٠٥]» رواه مسلم (٨٦٧).\n(٥) رواه مسلم (٢٦٧٤).\n(٦) رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤)، والحاكم (١/ ١٧٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي. وقال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله»: ثابت صحيح، (٢/ ١١٦٤) وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(٧) [١٥٠٠٨]» رواه البخاري (٣٦٠٦، ٧٠٨٤) ومسلم (١٨٤٧) ولفظه أقرب إليه، وقد أسقط المؤلف أول الحديث.","vol":"8","page":474},{"text":"٦ - ومما جاء في هذا الباب أيضًا ما خرَّج ابنُ وضاح ونحوه لابن وهب عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «سيكون في أُمتي دجالون كذَّابون يأْتونكم بِبِدْعٍ من الحديث لم تسمعوه أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يفتنونكم» (١).\n(الثالث): ما جاء عن الصحابة ﵃ في ذمِّ البدع وأهلها وهو كثير.\n١ - عن عبدالله بن مسعود ﵁ أنَّه قال: (اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كُفِيتم) (٢).\n٢ - عن معاذ بن جبل ﵁ أنَّه قال يومًا: (إنَّ مِن ورائكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيه القرآن، حتى يأْخذه المؤمن والمنافق، والرجل، والمرأة، والصغير، والكبير، والعبد، والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأْت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، وإياكم وما ابتدع فإنَّ ما ابتدع ضلالة، وأُحذِّركم زَيْغَةَ الحكيم فإنَّ الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق.\nقال الراوي: قلت لمعاذ: وما يدريني يرحمك الله أنَّ الحكيم قد يقول كلمة ضلالة، وأنَّ المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى! اجتنب من كلام الحكيم غير المشتهرات التي يقال فيها: ما هذه؟ ولا يثنينَّك ذلك عنه، فإنَّه لعله أن يراجع وتلقَّ الحقَّ إذا سمعته فإنَّ على الحق نورًا) (٣).\nومما جاء عمن بعد الصحابة ﵃:\n١ - عن أبي إدريس الخولاني أنَّه قال: (لأن أرى في المسجد نارًا لا أستطيع إطفاءها، أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها) (٤).\n٢ - وعن الفضيل بن عياض: (اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإيَّاك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين).\n١ - وعن ابن المبارك قال: (اعلم أي أخي! إنَّ الموت كرامة لكل مسلم لقي الله على السُّنَّة، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، فإلى الله نشكو وَحْشَتَنَا وذهابَ الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع. وإلى الله نشكو عظيم ما حَلَّ بهذه الأُمة من ذهاب العلماء وأهل السُّنَّة، وظهور البدع) (٥). مختصر كتاب الإعتصام للشاطبي لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص ٢٠\n_________\n(١) [١٥٠٠٩]» رواه مسلم (٧) بلفظ «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم ولا يضلونكم ولا يفتنونكم».\n(٢) [١٥٠١٠]» رواه الطبرانى (٩/ ١٥٤) (٨٧٧٠)، والدارمي (١/ ٨٠) (٢٠٥)، والبيهقى في «شعب الإيمان» (٢/ ٤٠٧). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٨٦): رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله رجال الصحيح.\n(٣) [١٥٠١١]» رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (١/ ٨٨).\n(٤) [١٥٠١٢]» رواه المروزي في «السنة» (٩٩).\n(٥) [١٥٠١٣]» رواه ابن وضاح في «البدع والنهي عنها» (ص: ٢٣).","vol":"8","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2367>المبحث الثالث: خطورة البدعة وآثارها السيئة</span>\nالبدعة لا يُقْبَلُ معها عمل:\nكبدعة القدرية حيث قال فيها عبدالله بن عمر ﵁: (إذا لقيت أُولئك فأخبرهم أنِّي بريءٌ منهم، وأنَّهم بُرَءَاءُ مني، فوالذي يحلف به عبدالله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أُحُدٍ ذهبًا فأنفقه ما تَقَبَّله الله منه حتى يؤمن بالقدر) (١).\nومثله حديث الخوارج وقوله فيه: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية - بعد قوله - تَحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم» الحديث (٢).\nوإذا ثبت في بعضهم هذا لأجل بدعته فكل مبتدع يُخاف عليه مثل من ذُكِر، فإنَّ كون المبتدع لا يقبل منه عمل، إما أن يراد أنَّه لا يُقبل له بإطلاق على أي وجه وقع، من وِفاق سنة أو خلافِها، وإما أن (يراد) أنَّه لا يقبل منه ما ابتدع فيه خاصة دون ما لم يبتدع فيه.\nفأمَّا الأوَّل: فيمكن على أحد أوجهٍ ثلاثة:\n١ - أن يكون على ظاهره من أنَّ كلَّ مبتدع أي بدعة كانت؛ فأعماله لا تقبل معها - داخلتها تلك البدعة أم لا-.\n٢ - أن تكون بدعته أصلًا يتفرع عليه سائر الأعمال، كما إذا ذهب إلى إنكار العمل بخبر الواحد بإطلاق، فإنَّ عامة التكليف مبنيٌ عليه، لأنَّ الأمر إنَّما يَرِد على المُكلَّف من كتاب الله أو من سنة رسوله. وما تَفَرَّع منهما راجع إليهما.\n٣ - أنَّ صاحب البدعة في بعض الأُمور التعبدية أو غيرها قد يجره اعتقاد بدعته الخاصة إلى التأويل الذي يُصيِّر اعتقاده في الشريعة ضعيفًا، وذلك يبطل عليه جميع عمله. بيان ذلك أمثلة:\n- منها أن يُشْرِكَ العقلَ مع الشرع في التشريع، وإنَّما يأتي الشرع كاشفًا لما اقتضاه العقل، فيا ليت شعري هل حكَّم هؤلاء في التعبد لله شَرْعَه أم عقولَهم؟ بل صار الشرع في نِحْلَتِهم كالتابع المعين لا حاكمًا متبعًا، وهذا هو التشريع الذي لم يبق للشرع معه أصالة، فكلُ ما عمل هذا العامل مبنيًا على ما اقتضاه عقله، وإن شَرَّك الشرع فعلى حكم الشركة لا على إفراد الشرع.\n- ومنها أنَّ المستحسن للبدع يلزمه عادة أن يكون الشرع عنده لم يكمل بعدُ، فلا يكون لقوله تعالى: الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] معنى يعتبر به عندهم.\nوأمَّا الثاني: وهو أن يراد بعدم القبول لأعمالهم ما ابتدعوا فيه خاصة فيظهر أيضًا، وعليه يَدُلُّ الحديث المتقدِّم «كلُّ عملٍ ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» (٣) والجميع من قوله: «كل بدعة ضلالة» (٤). أي أنَّ صاحبها ليس على الصراط المستقيم، وهو معنى عدم القبول، وفاق قول الله: وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]، وصاحبُ البدعة لا يقتصر في الغالب على الصلاة دون الصيام، ولا على الصيام دون الزكاة، ولا على الزكاة دون الحج، ولا على الحج دون الجهاد، إلى غير ذلك من الأعمال، لأنَّ الباعث له على ذلك حاضر معه في الجميع، وهو الهوى والجهل بشريعة الله.\n_________\n(١) [١٥٠١٤]» رواه مسلم (٨).\n(٢) [١٥٠١٥]» رواه البخاري (٥٠٥٨)، ومسلم (١٠٦٤). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٧٣٥٠) كتاب: الاعتصام، باب: إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ. ومسلم (١٧١٨) (١٨). من حديث عائشة ﵂.\n(٤) [١٥٠١٧]» رواه مسلم (٨٦٧). من حديث جابر ﵁.","vol":"8","page":476},{"text":"صاحب البدعة تُنْزَع منه العصمة ويوكل إلى نفسه، فإنَّ الله تعالى بعث إلينا محمدًا ﷺ رحمة للعالمين حسبما أخبر في كتابه، وقد كنا قبل طلوع ذلك النور الأعظم لا نهتدي سبيلًا، ولا نعرف من مصالحنا الدنيوية إلا قليلًا، ولا من مصالحنا الأُخروية قليلًا ولا كثيرًا، حتى بعث الله نبيه ﷺ لزوال الريب والالتباس، وارتفاع الخلاف الواقع بين الناس، فإذا ترك المبتدع هذه الهبات العظيمة، والعطايا الجزيلة، وأخذ في استصلاح نفسه أو دنياه بنفسه بما لم يجعل الشرع عليه دليلًا، فكيف له بالعصمة والدخول تحت هذه الرحمة؟ وقد حل يده من حبل العصمة إلى تدبير نفسه، فهو حقيق بالبعد عن الرحمة. قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا [آل عمران: ١٠٣]، بعد قوله: اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] فأشعرَ أنَّ الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقًا، وأنَّ ما سوى ذلك تفرقة، لقوله: وَلاَ تَفَرَّقُوا والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة، لأنَّه خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام.\nالماشي إليه والموقِّر له مُعين على هدم الإسلام، لقوله ﵊: «من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» الحديث (١)\nفإنَّ الإيواء بجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر لأنَّ المشي إليه والتوقير له تعظيم له لأجل بدعته والشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا، كالضرب والقتل، فصار توقيره صدودًا عن العمل بشرع الإسلام، وإقبالًا على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به والعمل بما ينافيه.\nوأيضًا فإنَّ توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان على الإسلام بالهدم:\nإحداهما: التفات الجهال والعامة إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في المبتدع أنَّه أفضل الناس، وأنَّ ما هو عليه خير مما عليه غيره، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته دون اتباع أهل السُّنَّة على سنتهم.\nوالثانية: أنَّه إذا وُقِّرَ من أجل بدعته صار ذلك كالحادي المُحرِّض له على إنشاء الابتداع في كلِّ شيءٍ. فتحيا البدع وتموت السنن، وهو هدم الإسلام بعينه، وعلى ذلك دلَّ النقل عن السلف زيادة إلى صحة الاعتبار، لأنَّ الباطل إذا عُمِل به لزم ترك العمل بالحق كما في العكس، لأنَّ المحلَّ الواحد لا يشتغل إلا بأحد الضدين.\nصاحبها ملعون على لسان الشريعة؛ لقوله ﵊: «من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٢) وعد من الإحداث، الاستنان بسنة سوء لم تكن.\nيزداد من الله بعدًا. لما رُوِيَ عن الحسن أنَّه قال: صاحب البدعة ما يزداد لله اجتهادًا، صيامًا وصلاة، إلا ازداد من الله بعدًا.\nوعن أيوب السِّخْتِياني قال: (ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا) (٣).\nويصحح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح في قوله ﵊ في الخوارج «يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم - إلى أن قال - يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة» (٤) فبين أوَّلًا اجتهادهم ثم بيَّن آخرًا بُعْدهُمْ من الله تعالى.\nالبدع مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام. لأنَّها تقتضي التفرق شِيَعًا.\n_________\n(١) [١٥٠١٨]» رواه البخاري (١٨٧٠) ومسلم (١٣٧٠) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٢) [١٥٠١٩]» رواه البخاري (١٨٧٠) ومسلم (١٣٧٠) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٣) [١٥٠٢٠]» رواه ابن وضاح في «البدع والنهي عنها» (ص: ١٦).\n(٤) [١٥٠٢١]» رواه البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٤). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"8","page":477},{"text":"وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٠٣]، وقوله: إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٩]، وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى.\nوقد بيَّن ﵊ أنَّ فساد ذات البيْنِ هي الحالقة وأنَّها تحلق الدين، هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع.\nوأوَّل شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج إذ عادوا أهل الإسلام حتى صاروا يقتلونهم وَيَدَعُون الكفار. ثم يليهم كل من كان له صَوْلة منهم بقرب الملوك فإنَّهم تناولوا أهل السُّنَّةِ بكل نَكالٍ وعذاب وقتل.\nثم يليهم كل من ابتدع بدعة فإنَّ من شأْنهم أن يُثَبِّطوا الناس عن اتباع الشريعة ويذمونهم.\nوأيضًا فإنَّ أهل السُّنَّةِ مأْمورون بعداوة أهل البدع وقد حذَّر العلماءُ من مصاحبتهم ومجالستهم، وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء. لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة مما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين لا على التعادي مطلقًا. كيف ونحن مأْمورون بمعاداتهم وهم مأْمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة؟\nوأما أنها مانعة من شفاعة محمد ﷺ لما في الصحيح قال: «أوَّل من يُكسى يوم القيامة إبراهيم، وإنَّه سيؤتى برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال - إلى قوله - فيقال لم يزالوا مرتدين على أعقابهم» الحديث (١)، ففيه أنَّه لم يذكر لهم شفاعة رسول الله ﷺ، ويظهر من أوَّل الحديث أنَّ ذلك الارتداد لم يكن ارتداد كفرٍ لقوله: «وإنَّه سيؤتى برجال من أمتي» ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لما نُسبوا إلى أُمته، ولأنَّه ﵇ أتى بالآية وفيها: وَإنْ تَغْفِرْ لهُمْ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨]، ولو علم النبي ﷺ أنَّهم خارجون عن الإسلام جملة لما ذكرها، لأنَّ من مات على الكفر لا غفران له البتة، وإنَّما يرجى الغفران لمن لم يخرجه عملُه عن الإسلام لقول الله تعالى: إنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ١١٦].\nوأمَّا أنَّ على مبتدعها إثم من عمل بها إلى يوم القيامة؛ فلقوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل: ٢٥] ولما في الصحيح من قوله ﵊: «من سَنَّ سنةً سيئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل بها» الحديث (٢).\nوأمَّا أنَّ صاحبها ليس له من توبة فلما جاء من قوله ﵊: «إنَّ الله حَجَرَ التوبة على كلِّ صاحب بدعة» (٣)\n_________\n(١) [١٥٠٢٢]» رواه البخاري (٦٥٢٦) ومسلم (٢٨٦٠) من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) [١٥٠٢٣]» رواه مسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبدالله ﵁.\n(٣) [١٥٠٢٤]» رواه أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (٣/ ٦٠٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٣٧)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٤/ ٢٨١) (٤٢٠٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٥٩)، والضياء في «الأحاديث المختارة» (٦/ ٧٣) (٢٠٥٥). من حديث أنس ﵁. قال الهيثمي (١٠/ ١٩٢): رجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي، وهو ثقة، وحسن إسناده السفاريني في «لوائح الأنوار السنية» (١/ ٢٠٣)، وصححه الألباني في كتاب «السنة لابن أبي عاصم».","vol":"8","page":478},{"text":"ويدل على ذلك أيضًا حديث الفِرَق إذ قال فيه: «وإنَّه سيخرج في أُمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواءُ، كما يتجارى الكَلَبُ (١) بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» (٢) وهذا النفي يقتضي العموم بإطلاق، ولكنه قد يحمل على العموم العادي، إذ لا يبعد أن يتوب عما رأى ويرجع إلى الحق، كما نُقِل عن عبدالله بن الحسن العنبري، وما نقلوه في مناظرة ابن عباس الحرورية الخارجين على عليّ ﵁، وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز لبعضهم. ولكن الغالب في الواقع الإصرار.\nومن هنا قلنا: يبعد أن يتوب بعضهم لأنَّ الحديث يقتضي العموم بظاهره.\nوسبب بعده عن التوبة: أنَّ الدخول تحت تكاليف الشريعة صعبٌ على النفس لأنَّه أمرٌ مخالف للهوى، وصادٌ عن سبيل الشهوات، فيثقل عليها جدًا لأنَّ الحق ثقيل، والنفس إنَّما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه، وكل بدعة فللهوى فيها مدخل، لأنَّها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع، والمبتدع لا بد له من تعلُّقٍ بشبهةِ دليل ينسبها إلى الشارع، ويدَّعِي أنَّ ما ذكره هو مقصود الشارع، فصار هواه مقصودًا بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكنه الخروج عن ذلك وداعي الهوى مستمسك بحسن ما يتمسك به؟ وهو الدليل الشرعي في الجملة.\nالمبتدع يُلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله تعالى. لقوله تعالى: إنَّ الذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَينَالهُمْ غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ في الحياةِ الدُّنْيا وكذلِك نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [الأعراف: ١٥٢] قال الله تعالى: وَكذلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ فهو عموم فيهم وفيمن أشبههم، من حيث كانت البدع كلها افتراء على الله حسبما أخبر في كتابه في قوله تعالى: قَدْ خَسِر الَّذِينَ قتَلُوا أولاَدهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ الله افْتِراءً علَى الله [الأنعام: ١٤٠]\nفإذًا كلُّ من ابتدع في دين الله فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي في عِزِّهِ وجَبَرِيَّتِهِ فهم في أنفسهم أذلاء، وأيضًا فإنَّ الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال. ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟ حتى تلبسوا بالسلاطين ولاذوا بأهل الدنيا، ومن لم يقدر على ذلك استخفى ببدعته وهرب بها عن مخالطة الجمهور، وعمل بأعمالها على التَّقِيَّة.\nالبعد عن حوض رسول الله ﷺ: لحديث البخاري عن أسماء عن النبي ﷺ أنَّه قال: «أنا على حوضي أنتظر من يرد عليَّ، فيؤخذ بناسٍ من دوني، فأقول: أمتي، فيقال: إنَّك لا تدري، مشوا القهقرى» (٣).\n_________\n(١) [١٥٠٢٥]» الكَلَبُ: داءٌ معروف يعرض للكلْب، فمن عضَّه قتله. انظر: «لسان العرب» (١٤/ ١٣٩).\n(٢) رواه أبو داود (٤٥٩٧)، وأحمد (٤/ ١٠٢) (١٦٩٧٩)، والحاكم (١/ ٢١٨)، والطبراني «١٩/ ٣٧٦). من حديث معاوية ﵁. قال الحاكم: هذه أسانيد تقام به الحجة في تصحيح هذا الحديث، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٣٧): محفوظ من حديث صفوان بن عمرو، وقال الألباني في «كتاب السنة» (٢): صحيح لغيره.\n(٣) [١٥٠٢٧]» رواه البخاري (٧٠٤٨) ومسلم (٢٢٩٣).","vol":"8","page":479},{"text":"الخوف عليه من أن يكون كافرًا. لأنَّ العلماء من السلف الأوَّل وغيرهم اختلفوا في تكفير كثير من فرقهم مثل الخوارج والقدرية وغيرهم، ودل على ذلك ظاهر قوله تعالى: إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٩]، وقوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦]. وقد حكم العلماءُ بكفر جملة منهم كالباطنية وسواهم، والعلماءُ إذا اختلفوا في أمر: هل هو كفر أم لا؟ فكل عاقل يربأُ بنفسه أن يُنسب إلى خطة خسف كهذه بحيث يقال له: إنَّ العلماءَ اختلفوا: هل أنت كافر أم ضال غير كافر؟ أو يقال: إنَّ جماعة من أهل العلم قالوا بكفرِك وأنت حلال الدم.\nيُخافُ على صاحبها سوء الخاتمة والعياذ بالله. لأنَّ صاحبها مرتكبٌ إثمًا، وعاصٍ لله تعالى حتمًا، ومن مات مُصِرًَّا على المعصية فيخاف عليه.\nلأنَّ المبتدع مع كونه مُصِرًَّا على ما نُهِيَ عنه يزيد على المُصِرِّ بأنه معارضٌ للشريعة بعقله، غير مُسَلِّمٍ لها في تحصيل أمرِه، معتقدًا في المعصية أنها طاعة، حيث حسَّن ما قبَّحه الشارع، وفي الطاعة أنها لا تكون طاعة إلا بضميمة نظره، فهو قد قبَّح ما حسَّنه الشارع، ومن كان هكذا فحقيق بالقرب من سوء الخاتمة إلا ما شاء الله.\nاسوداد الوجه في الآخرة، لقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجوهٌ [آل عمران: ١٠٦].\nالبراءَةُ منه في قوله: إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٩]\nوقال ابن عمر ﵁ في أهل القدر: (إذا لقيت أُولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم بُرَآءُ مني) (١).\nوالآثار في ذلك كثيرة. ويعضدها ما رُوِيَ عنه ﵇ أنه قال: «المرءُ على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٢). ووجه ذلك ظاهر.\nيخشى عليه الفتنة لما حكى عياض عن سفيان بن عيينة أنه قال: سألت مالكًا عمن أحرم من المدينة وراءَ الميقات؟ فقال: هذا مخالف لله ورسوله، أخشى عليه الفتنة في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة. أما سمعت قوله تعالى: فلْيَحْذَرِ الَّذِين يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ [النور: ٦٣]، وقد أمر النبي ﷺ أن يُهلَّ من المواقيت. مختصر كتاب الإعتصام للشاطبي لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص ٢٩ بتصرف\n_________\n(١) [١٥٠٢٨]» رواه مسلم (٨).\n(٢) [١٥٠٢٩]» رواه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأحمد (٢/ ٣٣٤) (٨٣٩٨)، والحاكم (٤/ ١٨٨). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٤٧٠): حسن غريب، وصحح إسناده النووي في «رياض الصالحين» (ص: ١٧٧).","vol":"8","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2368>المبحث الرابع: أنواع البدع</span>\n• المطلب الأول: تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية.\n• المطلب الثاني: انقسام البدعة إلى فعلية وتركية.\n• المطلب الثالث: انقسام البدعة إلى اعتقادية وعملية.\n• المطلب الرابع: تقسيم البدعة إلى كلية وجزئية.\n• المطلب الخامس: تقسيم البدعة إلى بسيطة ومركبة.\n• المطلب السادس: تقسيم البدعة إلى صغيرة وكبيرة.\n• المطلب السابع: انقسام البدعة إلى عبادية وعادية.","vol":"8","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2369>المطلب الأول: تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية</span>\nقسم الشاطبي البدعة إلى قسمين: حقيقية، وإضافية. وعرف الحقيقية بأنها ما لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من إجماع، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل (١). وإن ادعى مبتدعها ومن تابعه أنها داخلة فيما استنبط من الأدلة، لأن ما استند إليه شبه واهية لا قيمة لها. فكأنها هي البدعة حقيقة وما عداها على المجاز (٢).\nومن أمثلتها:\nأولا: تحريم الحلال، أو تحليل الحرام استنادًا إلى شبه واهية، وبدون عذر شرعي، أو قصد صحيح، روى الترمذي بسنده عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله، إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي. فحرمت عليَّ اللحم فأنزل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلًا طَيِّبًا [المائدة: ٨٧ - ٨٨]) (٣».\nوأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله ﵁ قال: (كنا نغزو مع النبي ﷺ وليس معنا نساء فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثواب ثم قرأ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه: (فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ: مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه» (٥).\nوقد تبين من هذا الحديث أن النبي ﷺ قد لفت نظره هذا المنظر أثناء خطبته والناس قعود. رجل قائم في الشمس، فتعجب النبي ﷺ من هذا المسلك المنافي لرفق ويسر الشريعة السمحة، فأمر بتقويمه وقال: مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه.\nفالله غني عن مشقة هذا التي لا فائدة وراءها، وأقره على ما فيه فائدة ولا مشقة معه وهو الصوم.\nيقول ابن حجر في الحديث من الفوائد:\n(إن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلًا مما لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة، كالمشي حافيًا، والجلوس في الشمس ليس هو من طاعة الله. فلا ينعقد به النذر، فإنه ﷺ أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم دون غيره، وهو محمول على أنه لا يشق عليه، وأمره أن يقعد ويتكلم ويستظل) (٦).\nوروى البخاري بسنده: عن قيس بن أبي حازم قال: (دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم. فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، فقال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل. هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين) (٧). وفي ذلك ما يفيد أن تحريم الحلال مخالف للشرع، بل من عمل الجاهلية، فإحداثه على أنه مما يقرب إلى الله من البدع. وسواء في ذلك أكان التحريم مؤكدًا بيمين أم لا.\nومما تقدم من الأحاديث نستنتج الأمور الآتية:\n١ - إن البدع قد بدأت بوادرها في عهد النبوة كما تبين من تحريم أناس بعض ما أحل الله. فحذر النبي ﷺ من ذلك.\n_________\n(١) «الاعتصام» (١/ ٢٨٦).\n(٢) «الاعتصام» (١/ ٢٨٦).\n(٣) رواه الترمذي (٣٠٥٤)، والطبراني (١١/ ٣٥٠) (١٢٠٠٩). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».\n(٤) رواه البخاري (٤٦١٥)، ومسلم (١٤٠٤).\n(٥) رواه البخاري (٦٧٠٤).\n(٦) «فتح الباري» (١١/ ٥٩٠).\n(٧) رواه البخاري (٣٨٣٤).","vol":"8","page":482},{"text":"٢ - إن هذه البدع قد فعلها أصحابها بدافع التقرب إلى الله، فلم يقرهم النبي ﷺ لأنها بدعة محدثة.\n٣ - إن ذلك كان في مجال العبادة فعلوها للتزود من الخير، ولكن ليس كل مريد للخير يسلك الطريق الصحيح الموصل إليه.\n٤ - إن الرسول ﷺ قاوم هذا الاتجاه وقوم هذه المغالاة.\n(٥) إن ذلك الإحداث والغلو كان منحصرًا في أفراد لا جماعات، بخلاف ما وصل إليه حال المسلمين في هذا الزمان، فإن البدع أصبحت تشكل جماعات وأحزابًا مختلفة كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون: ٥٣].\nأما تحليل الحرام فيتمثل في تلك الآراء الفاسدة التي تحلل الربا بشبه واهية، أو تفتي بعدم جواز قتل المرتد، مع ورود الأحاديث الصحيحة في ذلك، استنادًا إلى ما لا يجوز الاستناد إليه كما فعل صاحب كتاب الحرية الدينية في الإسلام.\nثانيًا: ومن البدع الحقيقية اختراع عبادة ما أنزل الله بها من سلطان، كصلاة سادسة مثلًا بركوعين في كل ركعة أو بغير طهارة.\nثالثًا: ومنها إنكار الاحتجاج بالسنة، أو تقديم العقل على النقل، وجعله أصلًا والشرع تابع له.\nرابعًا: ومنها القول بارتفاع التكاليف عند الوصول إلى مرحلة معينة مع بقاء العقل وشروط التكليف، فلا تجب عند ذلك طاعات، ولا تحرم محرمات، بل يصير الأمر على حسب الهوى والرغبات.\nخامسًا: ومن هذه البدع تخصيص مكان كبئر، أو شجرة، أو نحوها بخصوصية معينة من اعتقاد جلب خير، أو دفع ضر، بلا استناد إلى خبر صحيح.\nأما البدعة الإضافية فقد عرفها الشاطبي بأنها ما لها شائبتان:\nإحداهما: لها من الأدلة متعلق، فلا تكون من تلك الجهة بدعة.\nوالأخرى: ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، أي أنها بالنسبة لأحدى الجهتين سنة لاستنادها إلى دليل، وبالنسبة للجهة الأخرى بدعة، لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل، أو لأنها غير مستندة إلى شيء.\nوسميت إضافية لأنها لم تخلص لأحد الطرفين، لا بالمخالفة الصريحة ولا بالموافقة الصريحة.\nوالفرق بين البدعة الحقيقية والإضافية من جهة المعنى أن الدليل على الإضافية من جهة الأصل قائم، ومن جهة الكيفيات، أو الأحوال، أو التفاصيل لم يقم عليها. مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة (١). ومن أمثلتها: ذكر الله ﵎ على هيئة الاجتماع بصوت واحد. فالذكر مشروع بل واجب، لكن أداؤه على هذه الكيفية غير مشروع، بل هو بدعة مخالفة للسنة، وعليه يحمل قول ابن مسعود للجماعة الذين كانوا يجتمعون في المسجد وفي أيديهم حصى، فيسبحون ويكبرون بأعداد معينة حيث قال لهم: (والله لقد جئتم ببدعة ظلمًا، أو فضلتم أصحاب نبيكم علمًا) (٢). ومن أمثلته أيضًا: تخصيص يوم النصف من شعبان بصيام، وليلته بقيام، وإفراد شهر رجب بالصوم أو عبادة أخرى.\nفالعبادات مشروعة، ومنها الصوم، لكن يأتي الابتداع من تخصيص الزمان أو المكان إذا لم يأت تخصيص ذلك في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ.\nوالبدعة الإضافية أشد خطورة من الحقيقية من حيث الشبه التي يستند إليها المبتدع في فعلها، فإنك إذا سألته عن دليل ذلك قال: إنه يذكر الله، ويصوم لله، فهل الذكر والصيام محرمان؟ ومن ثم يستمرئها، ويداوم عليها، وقد لا يتوب منها في الغالب، ذلك أن الشبهات أخطر الأمور على الدين، فهي أخطر من الشهوات وإن كان الجميع خطيرًا، لأن إبليس اللعين لما يئس من تضليل المسلمين بالمعاصي دخل عليهم من باب العبادة، فزين لهم البدع بحجة التقرب إلى الله. وهنا مكمن الخطر. فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nوهذه المداخل الشيطانية قد جلَّاها ووضحها ابن الجوزي ﵀ في كتابه تلبيس إبليس فليراجع. تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي - ص ٩٣\n_________\n(١) «الاعتصام» للشاطبي (١/ ٢٨٦ - ٢٨٧).\n(٢) رواه الطبراني (٩/ ١٢٥) (٨٦٤٩)، وعبد الرزاق (٣/ ٢٢١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٨٦): فيه عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط.","vol":"8","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2370>المطلب الثاني: انقسام البدعة إلى فعلية وتركية</span>\nالبدعة من حيث قيل فيها: إنَّها طريقة في الدين مخترعة - إلى آخره - يدخل في عموم لفظها البدعة التَّرْكِيَّةُ، كما يدخل فيه البدعة غير التَّرْكِيَّةِ فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريمًا للمتروك أو غير تحريم، فإنَّ الفعل - مثلًا - قد يكون حلالًا بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه أو يقصد تركه قصدًا.\nفبهذا التَّرْك إما أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعًا أو لا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، إذ معناه أنَّه ترك ما يجوز تركه أو ما يُطْلب تركُه، كالذي يُحَرِّم على نفسه الطعام الفلاني من جهة أنَّه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، فلا مانع هنا من الترك: بل إن قلنا بطلب التداوي للمريض فإنَّ الترك هنا مطلوب، وإن قلنا بإباحة التداوي، فالترك مباح.\nوكذلك إذا ترك ما لا بأس به، حذرًا مما به البأس فذلك من أوصاف المتقين، وكتارك المتشابه، حذرًا من الوقوع في الحرام، واستبراءً للدِّين والعِرض.\nوإن كان الترك لغير ذلك، فإما أن يكون تدينًا أو لا، فإن لم يكن تدينًا فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك. ولا يسمى هذا الترك بدعة إذ لا يدخل تحت لفظ الحد إلا على الطريقة الثانية القائلة: إنَّ البدعة تدخل في العادات. وأمَّا على الطريقة الأُولى فلا يدخل. لكن هذا التارك يصير عاصيًا بتركه أو باعتقاده التحريم فيما أحلَّ الله.\nوأمَّا إن كان الترك تدينًا فهو الابتداع في الدين على كلتا الطريقتين، إذ قد فرضنا الفعل جائزًا شرعًا فصار الترك المقصود معارضة للشارع.\nلأنَّ بعض الصحابة همَّ أن يُحرِّم على نفسه النوم بالليل، وآخر الأكل بالنهار، وآخر إتيان النساء، وبعضهم هَمَّ بالاختصاء، مبالغةً في ترك شأْن النساء. وفي أمثال ذلك قال النبي ﷺ: «من رغب عن سنتي فليس مني» (١).\nفإذًا كلُّ من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي فهو خارجٌ عن سُنَّةِ النبي ﷺ، والعامل بغير السُّنَّةِ تدينًا، هو المبتدع بعينه.\n(فإن قيل) فتارك المطلوبات الشرعية نَدْبًا أو وجوبًا، هل يسمى مبتدعًا أم لا؟\n(فالجواب) أنَّ التارك للمطلوبات على ضربين:\n(أحدهما) أن يتركها لغير التدين إما كسلًا أو تضييعًا أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية. فهذا الضرب راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في واجب فمعصية وإن كان في ندب فليس بمعصية، إذا كان الترك جزئيًا، وإن كان كليًا فمعصية حسبما تبين في الأُصول.\n(الثاني) أن يتركها تدينًا. فهذا الضرب من قبيل البدع حيث تدين بضد ما شرع الله.\nفإذًا قوله في الحد: طريقة مخترعة تضاهي الشرعية يشمل البدعة التركية، كما يشمل غيرها، لأنَّ الطريقة الشرعية أيضًا تنقسم إلى ترك وغيره.\nوسواءٌ علينا قلنا: إنَّ الترك فعل أم قلنا: إنَّه نفي الفعل.\nوكما يشمل الحدُّ الترك يشمل أيضًا ضد ذلك.\nوهو ثلاثة أقسام:\nقسم الاعتقاد، وقسم القول، وقسم الفعل، فالجميع أربعة أقسام.\nوبالجملة، فكل ما يتعلق به الخطاب الشرعي، يتعلق به الابتداع (٢). مختصر كتاب الإعتصام للشاطبي لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص ١١\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١). من حديث أنس ﵁.\n(٢) [١٥٠٤٠]» «الاعتصام» للشاطبي (١/ ٤٢ - ٤٥).","vol":"8","page":484},{"text":"فالبدعة تنقسم باعتبار فعلها إلى فعلية، وتركية، فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريمًا للمتروك أو غير تحريم. فإن الفعل مثلًا قد يكون حلالًا بالشرع، فيحرمه الإنسان على نفسه بالحلف أو يتركه قصدًا بغير حلف، فهذا الترك إما أن يكون لأم يعتبر مثله شرعًا أو لا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حجر فيه، كالذي يمنع نفسه من الطعام الفلاني من أجل أنه يضره في جسمه، أو عقله، أو دينه وما أشبه ذلك. وكالذي يمنع نفسه من تناول اللحم لكونه مصابًا بمرض الكلى فإنه يهيجه عليه. فلا مانع من الترك. بل إن قلنا يطلب التداوي للمريض كان الترك هنا مطلوبًا، فهذا راجع إلى العزم على الحمية من المضرات وأصله قوله ﵊: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠٦٥)، ومسلم (١٤٠٠). من حديث ابن مسعود ﵁.","vol":"8","page":485},{"text":"ذلك أن يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العنت، وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذرًا مما به البأس، كترك الاستمتاع بما فوق الإزار من الحائض خشية الإتيان. فذلك من أوصاف المتقين، وكترك المتشابه حذرًا من الوقوع في الحرام، واستبراء للدين والعرض، كما إذا وجد في بيته طعامًا لا يدري أهو له أو لغيره، وكمن أراد أن يتزوج امرأة فأخبرته امرأة أنها أرضعتها ولا يعلم صدقها من كذبها، فإن ترك أزال عن نفسه الشك، وإن تزوجها فإن نفسه لا تطمئن إلى حلِّها. وإن كان الترك لغير ذلك فإما أن يكون تدينًا أو لا، فإن لم يكن تدينًا، فالتارك عابث بتحريمه الفعل، أو بعزيمته على الترك، ولا يسمى هذا الترك بدعة إلا على الرأي القائل: إن البدع تدخل في العادات، أما على الآخر فلا. لكن التارك يصير عاصيًا بتركه، أو اعتقاده التحريم فيما أحل الله، وأما إن كان الترك تدينًا فهو الابتداع في الدين على كلا الرأيين، إذ قد فرضنا الفعل جائزًا شرعًا فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل. كترك كثير من العباد والمتصوفة تناول الطيبات تنسكًا وتعبدًا لله بتعذيب النفس وحرمانها. اتبعوا في هذا سنن من قبلهم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع كعباد بني إسرائيل، ورهبان النصارى، وهؤلاء أخذوها عن بعض الوثنيين من البراهمة الذين يحرمون جميع اللحوم، ويزعمون أن النفس لا تزكو ولا تكمل إلا بحرمان الجسد من اللذات، وقهر الإرادة بمشاق الرياضات، وكترك أهل الأستانة أكل لحم الحمام فهو يفرخ في مساجدهم وبيوتهم ولا يأكل أحد منه شيئًا، بل يتحرجون من أكله وينكرونه، فإن كان تركهم له تدينًا لاعتقادهم حرمته فهو بدعة تركية وإلا فلا، مع عصيانهم باعتقاد التحريم فيما أحل لهم، وفي نحوهم نزل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة: ٨٧]. فنهى أولًا عن تحريم الحلال، وأشعر ثانيًا بأن ذلك اعتداء، وأن من اعتدى لا يحبه الله. لأن بعض الصحابة أراد أن يحرم على نفسه النوم بالليل، وآخر الأكل بالنهار، وآخر أكل اللحم، وآخر إتيان النساء، وبعضهم همَّ بالاختصاء مبالغة في قطع الميل إلى النساء، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ما بال أقوام يقول أحدهم: كذا وكذا؟ لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» متفق عليه من حديث أنس (١). فإذا كل من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي فهو خارج عن سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه. والعامل بغير السنة تدينًا هو المبتدع بعينه، وكذلك ترك المطلوبات الشرعية وجوبًا أو ندبًا يسمى بدعة إن كان الترك تدينًا. لأنه تدين بضد ما شرع الله. أما تركها كسلًا أو تضييعًا أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية فهو راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في اجب فمعصية وإلا فلا.\nمثال الترك تدينًا أهل الإباحة القائلون بإسقاط التكليف إذا بلغ السالك عندهم المبلغ الذي حددوه، وذلك هو الضلال البعيد. فإن الله جلت حكمته كلف عباده كافة بما شاء، ولا يسقط التكليف إلا بزوال العقل، فلو بلغ المكلف من مراتب الكمال ما بلغ بقي التكليف عليه إلى الموت، ولم يبلغ أحد من الكمال مرتبة رسول الله ﷺ، ولا مرتبة أصحابه الأطهار الأخيار، ولم يسقط عنهم من التكليف مثقال ذرة، إلا ما لا طاقة له به، كالزَّمِنِ لا يطالب بالجهاد، والمقعد لا يطالب بالصلاة قائمًا، والحائض لا تطالب بالصلاة حال الحيض، وما إلى ذلك من الأعذار، فمن زعم أن التكليف قد يرفعه البلوغ إلى مرتبة ما من مراتب الكمال كما يزعمه أهل الإباحة كان اعتقاده هذا بدعة مخرجة من الدين نعوذ بالله من الضلال. وبعض الروافض الذين يدينون بشهادة الزور لموافقيهم في العقيدة إذا حلف على صدق دعواه (٢).\nأما عن البدعة الفعلية فهي كثيرة، ومنها اختراع أحاديث مكذوبة على رسول الله ﷺ، والزيادة في شرع الله ما ليس منه، كمن يزيد في الصلاة ركعة، أو يزيد في وقت الصيام المحدد من اليوم، أو يصلي في أوقات النهي عن الصلاة، أو يصوم في أوقات النهي عن الصيام، أو يدخل في الدين ما ليس منه من الآراء أو الأفعال (٣). تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي – ص ٩٧\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).\n(٢) «الإبداع في مضار الابتداع» لعلي محفوظ (٥١ - ٥٣).\n(٣) «البدعة» لعزت عطية (٣٥٧ - ٣٥٨).","vol":"8","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2371>المطلب الثالث: انقسام البدعة إلى اعتقادية وعملية</span>\nفالاعتقادية كمقالات الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم. ومثلها من الفرق التي ظهرت في هذا العصر القاديانية، والبهائية، وكذا جميع الفرق الباطنية المتقدمة كالإسماعيلية، والنصيرية، والدروز، وغلاة الرافضة، وغيرهم من فرق الكفر والبدع والضلال.\nأما العملية فتحتها أنواع:\nالنوع الأول: بدعة في أصل العبادة بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يحدث صلاة غير مشروعة، أو صيامًا غير مشروع، أو أعيادًا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها.\nالنوع الثاني: ما يكون في الزيادة على العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلًا.\nالنوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة، بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول ﷺ.\nالنوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع، كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، فإذا أصل الصيام والقيام مشروع ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل (١). تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي – ص ١٠٠\n_________\n(١) انظر: «مجلة الدعوة» العدد ١١٣٩ - ٩ رمضان ١٤٠٩هـ - مقال الدكتور صالح الفوزان في أنواع البدع.","vol":"8","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2372>المطلب الرابع: تقسيم البدعة إلى كلية وجزئية</span>\nتتفاوت البدع فيما بينها من ناحية آثارها، ومن ناحية الخلل الواقع بسببها في الشريعة.\nفإذا كانت البدعة لا يقتصر أثرها على المبتدع بل يتعداه إلى غيره كانت كلية لسريانها في كثير من الأمور، أو بين كثير من الأفراد. كبدعة التحسين والتقبيح بالعقل بدلًا من الشرع، وبدع إنكار حجية خبر الآحاد، أو إنكار وجوب العمل بما يقتضيه ونحو ذلك.\nأما إذا كانت قاصرة على المبتدع لا تتعداه إلى غيره فهي بدعة جزئية، كرجل التزم مخالفة للسنة على أنها من الأمور الحسنة في نظر الشرع، ولا يمتد أثر هذه المخالفة إلى غيره لكونه لا يؤبه له، وليس ممن يقتدى بهم فيما يرون من آراء أو يؤدون من أعمال (١). تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي – ص ١٠١\n_________\n(١) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٥٩). «البدعة» لعزت عطية (ص: ٣٥٩).","vol":"8","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2373>المطلب الخامس: تقسيم البدعة إلى بسيطة ومركبة</span>\nتكون البدعة بسيطة إذا كانت مجرد مخالفة يسيرة، لا تستتبع مخالفات أخر، كمن يتبع النفل الفرض بلا فاصل من تسبيح ونحوه أو يفعل ما يماثل ذلك.\nوتكون مركبة إذا اشتملت على عدة بدع تداخلت وصارت كأنها وحدة واحدة، كاعتقاد الشيعة عصمة الإمام وانتشار كثير من البدع بينهم على أساس هذا الاعتقاد، وما شابه ذلك من البدع (١). تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي – ص ١٠١\n_________\n(١) «البدعة» لعزت عطية (ص: ٣٥٩).","vol":"8","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2374>المطلب السادس: تقسيم البدعة إلى صغيرة وكبيرة</span>\nتنقسم البدعة إلى صغيرة وكبيرة اعتبارًا بتفاوت ودرجاتها. وهذا مبني على القول بأن المعاصي تنقسم إلى صغيرة وكبيرة وهو الصحيح إن شاء الله.\nوقد اختلف العلماء في تمييز الصغيرة من الكبيرة بالنسبة للمعاصي، ولا يتسع المقام لذكر هذا الخلاف، وأقرب وجه يلتمس لهذا ما تقرر عند أهل العلم من أن الكبائر منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة. وهي الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال، وكل ما نص عليه راجع إليها، وما لم ينص عليه جرت في الاعتبار والنظر مجراها، وهو الذي يجمع أشتات ما ذكره العلماء وما لم يذكروه مما هو في معناه. فلذلك نقول في كبائر البدع: ما أخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو كبيرة، وما لا فهي صغيرة.\nوإن كان قياس البدع على العبادات في انقسامها إلى صغيرة وكبيرة قد يرد عليه اعتراض خلاصته أنه قد يقال: إن جميع البدع راجعة إلى الإخلال بالدين إما أصلًا وإما فرعًا، لأنها إنما أحدثت لتلحق بالمشروع زيادة فيه، أو نقصانًا منه، أو تغييرًا لقول فيه، أو ما يرجع إلى ذلك، وليس ذلك مختصًا بالعبادات دون العادات، إن قلنا بدخولها في العادات بل تمنع الجميع. وإذا كانت بكليتها إخلالًا بالدين فهي إذًا إخلال بأول الضروريات وهو الدين، وقد أثبت الحديث الصحيح أن كل بدعة ضلالة، وقال في الفرق: «كلها في النار إلا واحدة» (١)، وهذا وعيد أيضًا للجميع على التفصيل. هذا وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين فليس ذلك بمخرج لها عن أن تكون كبائر، كما أن القواعد الخمس أركان الدين، وهي متفاوتة في الترتيب، فليس الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة، ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال بالزكاة، ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان، وكذلك سائرها مع الإخلال، فكل منها كبيرة، فقد آل النظر إلى أن كل بدعة كبيرة.\nويجاب عن هذا الاعتراض بأنه يمكن إثبات البدعة الصغيرة من أوجه أحدها: أن نقول: الإخلال بضرورة النفس كبيرة بلا إشكال، ولكنها على مراتب أدناها لا يسمى كبيرة، فالقتل كبيرة، وقطع الأعضاء من غير إجهاز كبيرة دونها، وقطع عضو واحد كبيرة دونها، وهلم جرًا إلى أن تنتهي إلى اللطمة. ثم إلى أقل خدش يتصور، فلا يصح أن يقال في مثله كبيرة كما قال العلماء في السرقة، إنها كبيرة لأنها إخلال بضرورة المال. فإن كانت السرقة في لقمة أو تطفيف بحبة فقد عدوه من الصغائر، وهذا في ضرورة الدين أيضًا.\nواستطرد الشاطبي ﵀ في بيان هذا الوجه إلى أن قال:\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٣٩٩٣) وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٩) والطبراني في «الأوسط» (٨/ ٢٢) وأبو يعلى (٧/ ٣٢) من حديث أنس بن مالك ﵁، قال العراقي في «الباعث على الخلاص» (ص: ١٦): إسناده صحيح، وقال ابن كثير في «نهاية البداية والنهاية» (١/ ٢٧): إسناده جيد قوي على شرط الصحيح، وقال السخاوي في «الأجوبة المرضية» (٢/ ٥٦٩): رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه». والحديث روي من طرق عن معاوية بن أبي سفيان ﵁.","vol":"8","page":490},{"text":"(قال ابن رشد: جائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة، قاله في المدونة، وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون الأخرى، لأن ذلك ليس من حدود الصلاة إذ لم يأت ذلك عن النبي ﷺ عن أحد من السلف، والصحابة المرضيين، وهو من محدثات الأمور ... انتهى). فمثل هذا إن كان يعده فاعله من محاسن الصلاة وإن لم يأت به أثر فيقال في مثله: إنه من كبار البدع. كما يقال ذلك في الركعة الخامسة في الظهر ونحوها، بل إنما يعد مثله من صغائر البدع إن سلمنا أن لفظ الكراهية فيه ما يراد به التنزيه، وإذا ثبت ذلك في بعض الأمثلة في قاعدة الدين، فمثله يتصور في سائر البدع المختلفة المراتب، فالصغائر في البدع ثابتة كما أنها في المعاصي ثابتة.\nوالثاني: أن البدع تنقسم إلى ما هي كلية في الشريعة، وإلى جزئية، ومعنى ذلك أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كليًا في الشريعة، كبدعة التحسين والتقبيح العقليين، وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص فرعًا من فروع الشريعة دون فرع، بل نجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية، أو يكون الخلل الواقع جزئيًا، وإنما يأتي في بعض الفروع دون بعض، كبدعة التثويب بالصلاة الذي قال فيه مالك: التثويب ضلال، وبدعة الأذان والإقامة في العيدين، وبدعة الاعتماد في الصلاة على إحدى الرجلين، وما أشبه ذلك. فهذا القسم لا تتعدى فيه البدعة محلها، ولا تنتظم تحتها غيرها حتى تكون أصلًا لها (١).\nفالقسم الأول: أعني البدعة الكلية، لاشك أنها من الكبائر، ويكون ما عدا ذلك - أي الجزئية - من قبيل اللمم أي الصغائر التي يرجى فيها العفو، وهذا كله مع عدم الإصرار.\nوالثالث: أن المعاصي قد ثبت انقسامها إلى الصغائر والكبائر، ولا شك أن البدع من جملة المعاصي – على مقتضى الأدلة المتقدمة – ونوع من أنواعها، فاقتضى إطلاق التقسيم أن البدع تنقسم أيضًا، ولا نخصص وجوهًا بتعميم الدخول في الكبائر، لأن ذلك تخصيص من غير مخصص، ولو كان ذلك معتبرًا لاستثنى من تقدم من العلماء القائلين بالتقسيم قسم البدع، فكانوا ينصون على أن المعاصي ما عدا البدع تنقسم إلى الصغائر والكبائر، إلا أنهم لم يلتفتوا إلى الاستثناء وأطلقوا القول بالانقسام، فظهر أنه شامل لجميع أنواعها.\nوإذا قلنا إن من البدع ما يكون صغيرة فذلك بشروط:\nأحدها: أن لا يداوم عليها، فإن الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه، لأن ذلك ناشئ عن الإصرار عليها، والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، ولذلك قالوا: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار. فكذلك البدعة من غير فرق، إلا أن المعاصي من شأنها في الواقع أنها قد يصر عليها، وقد لا يصر عليها، وعلى ذلك ينبني طرح الشهادة وسخطة الشاهد بها أو عدمه، بخلاف البدعة فإن شأنها المداومة والحرص على أن لا تزال من موضعها، وأن تقوم على تاركها القيامة، وتنطلق عليه ألسنة الملامة. ويرمى بالتسفيه والتجهيل، وينبز بالتبديع والتضليل، ضد ما كان عليه سلف هذه الأمة، والمقتدى بهم من الأئمة. والدليل على ذلك: الاعتبار والنقل، فإن أهل البدع كان من شأنهم القيام بالنكير على أهل السنة إن كان لهم عصبة، أو لصقوا بسلطان تجري أحكامه في الناس وتنفذ أوامره في الأقطار، ومن طالع سير المتقدمين وجد من ذلك ما لا يخفى.\n_________\n(١) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٦٠).","vol":"8","page":491},{"text":"وأما النقل فما ذكره السلف من أن البدعة، إذا أحدثت لا تزيد إلا مضيًا، وليست كذلك المعاصي. فقد يتوب صاحبها وينيب إلى الله، بل قد جاء ما يؤيد ذلك في حديث الفرق حيث جاء في بعض الروايات «تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه» (١) ومن هنا جزم السلف بأن المبتدع لا توبة له. وسيأتي لذلك مزيد بيان عند الكلام في خطورة البدع.\nوالشرط الثاني: أن لا يدعو إليها. فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة، ثم يدعو مبتدعها إلى القول والعمل على مقتضاها، فيكون إثم ذلك كله عليه، فإنه الذي أثارها، وسبب كثرة وقوعها والعمل بها، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن كل من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا.\nوالشرط الثالث: أن لا تفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس، أو المواضع التي تقام فيها السنن. وتظهر فيها أعلام الشريعة، فأما إظهارها في المجتمعات ممن يقتدى به، أو ممن يحسن به الظن، فذلك من أضر الأشياء على سنن الإسلام فإنها لا تعدو أمرين:\nإما أن يقتدى بصاحبها فيها، فإن العوام أتباع كل ناعق، لاسيما البدع التي وكل الشيطان بتحسينها للناس، والتي للنفوس في تحسينها هوى، وإذا اقتدى بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة إليه، لأن كل من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، فعلى حسب كثرة الأتباع يعظم الوزر.\nوأما اتخاذها في المواضع التي تقام فيها السنن فهو كالدعاء إليها بالتصريح. لأن إظهار البدع في أماكن إقامة الشعائر الإسلامية يوهم أن كل ما أظهر فيها فهو من الشعائر، فكأن المظهر لها يقول: هذه سنة فاتبعوها.\nوالشرط الرابع: أن لا يستصغرها، ولا يستحقرها، وإن فرضناها صغيرة فإن ذلك استهانة بها، والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب، فكان ذلك سببًا لعظم ما هو صغير.\nفإذا توافرت هذه الشروط فإن هذه البدع تكون صغيرتها صغيرة، فإن تخلف شرط منها أو أكثر صارت كبيرة، أو خيف أن تصير كبيرة كما أن المعاصي كذلك (٢). ا. هـ. تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي – ص: ١٠٢\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٥٩٧)، وأحمد (٤/ ١٠٢) (١٦٩٧٩)، والدارمي (٢/ ٣١٤)، والحاكم (١/ ٢١٨). من حديث معاوية ابن أبي سفيان ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذه أسانيد تقام به الحجة في تصحيح هذا الحديث. ووافقه الذهبي. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٦) – كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال ابن كثير في «النهاية» (١/ ٢٧): إسناده حسن. وحسنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».\n(٢) انظر: «الاعتصام» (٢/ ٥٧ - ٧١).","vol":"8","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2375>المطلب السابع: انقسام البدعة إلى عبادية وعادية</span>\nالعبادة هي التي يقصد بها فاعلها التقرب إلى الله ﷾، وقد عرفها السلف بأنها اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأفعال، الظاهرة والباطنة (١). وهي مبنية على أصلين:\nأحدهما: إخلاص العبادة لله وحده.\nثانيهما: تجريد المتابعة لرسول الله ﷺ.\nوأما العادية: فهي ما لا يقصد منه التقرب إلى الله تعالى، أي إنها بحسب أصلها الموضوعة له، لم يقصد بها ذلك وإن صح فيها التقرب باعتبار أمر غير لازم لها وهي الأمور الجارية بين الخلق في الاكتساب وسائر المعاملات الدنيوية التي هي طرق لنيل الحظوظ العاجلة، مثل العقود على اختلافها والتصاريف المالية على تنوعها. ولا خلاف بين العلماء في حدوث الابتداع في العبادات ووقوعه، سواء أكانت العبادات أعمالًا قلبية وأمورًا اعتقادية، أم كانت من أعمال الجوارح قولًا أو فعلًا. كمذهب القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة وكذلك مذهب الإباحية (٢).\nوإنما اختلف الناس في وقوع الابتداع في العاديات، والذي عليه التحقيق أن البدعة ترجع إلى اختراع عبادة لم تكن معروفة عن النبي ﷺ. ولم يرد بها نقل صحيح، ولا تدل عليها أدلة شرعية معتبرة، فهي أولًا خاصة بما يتعبد به. وإذن فلا ابتداع في العادات، ولا في الصناعات، ولا في وسائل الحياة العامة.\nوالقائلون بإمكان وقوع البدع في العاديات بنوا قولهم على أن الشريعة جاءت وافية ببيان القوانين التي بها صلاح الناس في أمور المعاش والمعاد، فالعادات كالعبادات كلاهما مشروع، فكما أنا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها فكذلك العادات. فإذا جاز إمكان الابتداع فيما هو عبادة جاز فيما هو عادي من الأمور التي يقصد بها صلاح الدنيا. وهذا القول مردود، فإنه لو جاز ذلك لجاز أن تعد كل العادات التي حدثت بعد الصدر الأول من المآكل والمشارب، والملابس والمسائل النازلة بدعًا والتالي باطل.\nأما الملازمة فلأن مناط الابتداع حينئذ على إحداث الطرائق الدينية عبادة كانت أو عادة، وهذه المذكورات كذلك. وأما بطلان التالي فلوجهين:\nالأول: أنه لو عدت هذه المذكورات من البدع لكان كل من تلبس بشيء منها مخالفًا لما كان عليه الصدر الأول وهو موجب للذم، وهذا من الشناعة بمكان. فإن العادات من الأمور التي تدور مع الأزمنة والأمكنة، فللناس في كل زمان وفي كل مكان عادات مختلفة، وهم مع كل هذه العادات – حيث حوفظ فيها على القوانين الشرعية الجارية على مقتضى الكتاب والسنة – على تمام الموافقة للصدر الفاضل.\nالثاني: إن عدّ هذه بدعًا يؤدي إلى نسبة الحرج والتضييق إلى الشريعة، فإن في التزام الزي الواحد، والحالة الواحدة، والعادة الواحدة تعبًا ومشقة قضت به الشريعة، وإنما كان الالتزام كذلك لاختلاف الأخلاق والأزمنة والبقاع والأحوال (٣).\n_________\n(١) «العبودية» لابن تيمية (ص: ٣٨).\n(٢) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٧٣) بتصرف.\n(٣) «الابداع في مضار الابتداع» لعلي محفوظ (ص: ٦٤).","vol":"8","page":493},{"text":"فإن قال قائل إنه قد جدت بدع في العاديات، نحو المكوس والمظالم المحدثة، وتقديم الجهال على العلماء في الولايات العلمية، وتولية المناصب الشريفة من ليس لها بأهل بطريق الوراثة، واتخاذ المناخل، وغسل الأيدي بالصابون، ولبس الطيالس، وتوسيع الأكمام وأشباه ذلك من الأمور التي لم تكن في الزمن الفاضل، ولم يفعلها السلف الصالح فإنها أمور جرت في الناس وكثر العمل بها وشاعت وذاعت، فلحقت بالبدع، وصارت كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة فقد رده أرباب الطريقة الأولى. قالوا لا نسلم أن هذه المذكورات مما وقع فيه الابتداع لأنها مخالفات للشرع، ومعاصي في الجملة، وليس كل معصية بدعة، سلمنا وقوع الابتداع فيها، لكن لا من حيث كونها عادية، بل من حيث كونها تعبدية. قال في الاعتصام ما محصله: ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادي من شائبة التعبد، لأن ما لا يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي، فالطهارات، والصلوات، والصيام والحج كلها تعبديات، والبيع، والنكاح، والشراء، والطلاق، والإجارات، والجنايات كلها عاديات لأن أحكامها معقولة المعنى، ولابد فيها من التعبد، إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها. فالقسمان مشتركان في معنى التعبد، والابتداع إنما يتصور دخوله في القسم الثاني من جهة التعبد فيه لا من جهة كونه عادة.\nفمثل المكوس إذا نظر إليها من جهة كونها عادة، أي أنها ظلم كسائر المظالم. مثل الغصب والسرقة، وقطع الطريق، فلا يدخلها الابتداع إذ هي من هذه الجهة مما يتناولها نهي الشارع عن أكل أموال الناس بالباطل، وليس فيها جهة تشريع، وإنما يتصور دخول الابتداع في المكوس إذا لوحظت من جهة أنها وضعت على الناس كالدين الموضوع، والأمر المحتوم عليهم دائمًا، أو في أوقات محدودة، على كيفيات مضروبة بحيث تضاهي المشروع الدائم الذي تحمل عليه العامة، ويؤخذون به، وتوجب على الممتنع منه العقوبة، كما في أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك. فإنها من هذه الجهة تكون شرعًا مستدركًا، إذ هي حينئذ تشريع زائد، وإلزام للمكلفين يضاهي إلزامهم الزكاة المفروضة، والديات المضروبة، والغرامات المحكوم بها في الأموال.\nففي المكوس على هذا الفرض جهتان: كونها محرمة كسائر أنواع الظلم، وجهة كونها اختراعًا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت، كما يؤخذون بسائر التكاليف، فاجتمع فيها نهيان: نهي عن المعصية، ونهي عن البدعة، وليس ذلك موجودًا في البدع العبادية. وإنما يوجد فيها النهي من جهة كونها تشريعًا موضوعًا على الناس، أمر وجوب أو ندب. إذ ليس فيها جهة أخرى تكون بها معصية، بل التشريع نفسه هو الممنوع نفسه، فالعاديات من حيث هي عاديات لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبد بها، أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة، وكذا تقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشريفة من لا يصلح لها بطريق التوارث هو من هذا القبيل. فإن جعل الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتيًا في الدين، أو حاكمًا في الدماء، والأبضاع، والأموال مثلًا محرم في الدين، وكون ذلك يتخذ ديدنًا حتى يصير الابن مستحقًا لرتبة الأب بطريق الوراثة وإن لم يبلغ رتبة الأب في ذلك المنصب بحيث يشيع ذلك العمل ويطرد ويعده الناس كالشرع الذي لا يخالف فهو بدعة بلا إشكال.","vol":"8","page":494},{"text":"وأما اتخاذ المناخل. فإن فرض كونه مباحًا كما قالوا فإنما إباحته بدليل شرعي فلا ابتداع، وإن فرض كونه مكروهًا كما أشار إليه محمد بن أسلم فوجه الكراهة عنده كونها عدت في الأثر الآتي من المحدثات. والظاهر أن الكراهة من ناحية السرف والتنعم الذي أشار إلى كراهته قوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ... [الأحقاف: ٢٠]. لا من جهة أنه بدعة محدثة، وكذا يقال في باقي الأمثلة.\nوجملة القول أن الابتداع إن دخل في الأمور العادية فهو لما فيها من معنى التعبد، فرجع الأمر إلى أن الابتداع المذموم لا يكون في العادي المحض، كالمخترعات في أمور الدنيا التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وترقى برقى الأمم والشعوب.\nولما كانت بذلك لا يمكن للناس حصر جزئياتها، ويعسر عليهم أن يتقيدوا بجزئيات مخصوصة منها ترك الشارع التصرف لكل أمة تدير شؤونها بما يوافق زمانها، وجاءهم بقواعد كلية تنطبق على كل أمة، وتصلح لكل زمان، فجعل العدل أساس الأعمال. واتقاء الشر مقدمًا في أي حال من الأحوال، فمتى كان ذلك قصد الناس في أمورهم الدنيوية فليخترعوا ما شاءوا من الطرق النافعة، وليبتدعوا ما أرادوا من الحيل والأساليب الصحيحة، فإنه لا حجر في ذلك. أما إذا جاوز المخترعون العدل باختراعهم. وانصرفوا إلى الشر والإفساد في ابتداعهم، فتلك سنة سيئة «ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها» (١).\nومما تقدم من الكلام على حكم الابتداع في نحو لبس الثياب، والأكل، والشرب، والمشي، والنوم، يتضح أن هذه أمور عادية، وقد دخلها التعبد، وقيدها الشارع بأمور لا خيرة فيها كنهي اللابس عن إطالة الثوب، وطلب التسمية عند الأكل والشرب، والنهي عن الإسراف فيهما، والنهي عن النوم عاريًا على سطح ليس ستر، إلى غير ذلك من القيود التي قيد بها الشارع، فالأمور المذكورة عادية، ومن هذه الجهة لا يدخلها الابتداع، وإنما من الجهة التي رسمها الشارع فيها. فإذا خولف بها الوجه المشروع، واعتبر ذلك دينًا يتقرب به إلى الله تعالى كانت بدعًا، بل هي معصية وابتداع باعتبارين كما سبق في وضع المكوس. فهي باعتبار مخالفتها الأمر والنهي عصيان، ومن حيث التقرب بها إلى الله تعالى من الجهة المضادة للطريق التي رسمها تكون مذمومة. تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي – ص ١٠٦\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله ﵁.","vol":"8","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2376>المبحث الخامس: حكم البدعة</span>\nمعلوم أن النهي عن البدع قد ورد على وجه واحد، في قول النبي ﷺ: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (١). وهذا عام في كل بدعة.\nوقد فصل الإمام الشاطبي ﵀ القول في أحكام البدعة تفصيلًا لا يبقى بعده مجال للشك بأن كل بدعة محرمة. وإذا سلمنا أن منها ما هو مكروه فهو كراهة تحريم وليس كراهة تنزيه ...\nقال الشاطبي: (ثبت في الأصول أن الأحكام الشرعية خمسة نخرج عنها الثلاثة، فيبقى حكم الكراهية، وحكم التحريم. فاقتضى النظر انقسام البدعة إلى قسمين: فمنها بدعة محرمة، ومنها بدعة مكروهة. وذلك أنها داخلة تحت جنس المنهيات، لا تعدو الكراهة والتحريم، فالبدع كذلك هذا وجه.\nووجه ثان: أن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت رتبها متفاوتة، فمنها ما هو كفر صراح، كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن كقوله تعالى: وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا [الأنعام: ١٣٦].\nوقال تعالى: مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ [المائدة: ١٠٣] (٢».\nقلت: ويلحق بالبحيرة والسائبة وما ذكر بعدهما ما يفعله المريدون في هذا الزمان من شيوخ الطرق الصوفية من النذور لمشايخهم، ووقف بعض أموالهم عليهم في الحياة وبعد الممات، حيث يعتنى بهذه الأموال كل العناية، فتترك بعض المواشي بحيث لا تحلب، ولا تركب، ولا تذبح، ولا يؤخذ صوفها ولا وبرها، ولا يتصرف فيها حتى تصل إلى مقام الشيخ أو تترك حتى تموت.\nوقد حدثني بعض من هداهم الله إلى الحق بعد أن كان مغرقًا في التصوف أنه كان يخصص جل أمواله لشيخ الطريقة ويكتفي منها بما يسد رمقه ورمق عياله. وقال لي بعضهم - وكنت في زيارة لبعض البلاد الإسلامية -: إنه يخصص ثلث ماله لشيخ الطريقة، وذكر لي غير واحد ممن أثق به أن شيوخ الطرق يرهبونهم، ويهددونهم بالانتقام، وحدوث المصائب العظام، إذا لم يهبوا بعض أموالهم للشيخ، وقد يدعي زورًا وبهتانًا أنه من ذوي الشرف والسيادة - أي من أهل بيت النبي ﷺ - بقصد ابتزاز أموال الناس وأكلها بالباطل. والله ﷾ يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا [النساء: ٢٩ - ٣٠].\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وابن ماجه (٤٢) وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤) وابن حبان (١/ ١٧٨) والطبراني (١٨/ ٢٤٥) والحاكم (١/ ١٧٦) من حديث العرباض بن سارية، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨١) وقال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله»: ثابت صحيح، (٢/ ١١٦٤) وصححه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٠٩) وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه». وروى مسلم في «الصحيح» (٨٦٧) من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: «... وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ...».\n(٢) انظر: «الاعتصام» (٢/ ٣٦ - ٣٧).","vol":"8","page":496},{"text":"إن صرف هذه النذور والأموال لأصحاب القبور هو الشرك الأكبر بعينه. والكفر البواح الذي من أجله أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، فإلى متى يسكت علماء المسلمين عن هذا الشرك وذلك الضلال المبين، فاستيقظوا يا حماة التوحيد، واصدعوا بالحق يا رجال العقيدة، فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤].\nثم نعود إلى الإمام الشاطبي ﵀ وهو يضرب أمثلة على البدع المكفرة والمخرجة عن الملة حيث يقول: (وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا شك فيه أنه كفر صراح) (١).\nقلت: ومن الفرق المارقة من الدين بإجماع المسلمين فرق الباطنية من إسماعيلية، وقرامطة، ودروز، ونصيرية، وغلاة الرافضة القائلين بارتداد الصحابة، ونقص القرآن الكريم، ودعوى العصمة لغير الأنبياء، ونحو ذلك من كفرياتهم. وكذا من ظهر في هذا العصر من الفرق المارقة الملحدة مثل القاديانية والبهائية ومن على شاكلتها.\nإذًا فالقسم الأول من البدع هي تلك البدع المكفرة بدون شك أو ريب كما أسلفنا. ثم بين الشاطبي القسم الثاني وهو ما دون الكفر، أو المشكوك في كفر صاحبه من عدمه. ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر، أو يختلف هل هي كفر أم لا؟ كبدعة الخوارج، والقدرية، والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة.\nومنها ما هو معصية اتفاقًا وليست بكفر، كبدعة التبتل، والصيام قائمًا في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع، ومنها ما هو مكروه، كقراءة القرآن بالإدارة، والاجتماع للدعاء عشية عرفة.\nفمعلوم أن هذه البدع ليست في رتبة واحدة، فلا يصح مع هذا أن يقال: إنها على حكم واحد، هو الكراهة فقط، أو التحريم فقط (٢).\nثم يذكر الشاطبي وجهًا ثالثًا لبيان أحكام البدع فيقول: (إن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر، ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات فهي أعظم الكبائر، وإن وقعت في التحسينيات فهي أدنى رتبة بلا إشكال، وإن وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين. ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل، ولا يمكن للمكمل أن يكون في رتبة المكمَّل، فإن المكمل مع المكمل في نسبة الوسيلة مع المقصد، ولا تبلغ الوسيلة رتبة المقصد، فقد ظهر تفاوت رتبة المعاصي والمخالفات. وأيضًا فإن الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه، فليست مرتبة النفس كمرتبة الدين، وليس تستصغر حرمة النفس جنب حرمة الدين، فيبيح الكفر الدم، والمحافظة على الدين مبيح لتعريض النفس للقتل والإتلاف في الأمر بمجاهدة الكفار والمارقين عن الدين.\nومرتبة العقل والمال ليست كمرتبة النفس، ألا ترى أن قتل النفس مبيح للقصاص؟ فالقتل بخلاف العقل والمال، وكذلك سائر ما بقي، وإذا نظرت في مرتبة النفس تباينت المراتب، فليس قطع العضو كالذبح، ولا الخدش كقطع العضو، وهذا كله محل بيانه الأصول.\nوإذا كان كذلك فالبدع من جملة المعاصي، وقد ثبت التفاوت في المعاصي، فكذلك يتصور مثلها في البدع، فمنها ما يقع في الضروريات - أي أنه إخلال بها -، ومنها ما يقع في رتبة الضروريات، ومنها ما يقع في الدين، أو النفس، أو النسل، أو العقل، أو المال) (٣).\nوإليك أخي القارئ تلخيصًا للأمثلة التي أوردها الإمام الشاطبي ﵀ لبيان تأثير البدع على الكليات الخمسة وغيرها من الأضرار مع زيادة نافعة إن شاء الله.\n_________\n(١) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٣٧).\n(٢) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٣٧).\n(٣) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"8","page":497},{"text":"١ - مثال الابتداع في الدين: تحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. والمقصود بذلك تحريم ما أحل الله بقصد التقرب به إلى الله تعالى مع كونه حلالًا. قلت ويلحق بهذا نحلة الطائفة التي يسمى أهلها بالنباتيين الذين يحرمون اللحوم وكل ما لم يكن نباتيًا، ويقال إن منهم أبا العلاء المعري ومن على شاكلته من الفلاسفة.\n٢ - ومثال وقوعه في النفس: نحل الهند في تعذيبهم أنفسهم بأنواع العذاب الشنيع، والتمثيل الفظيع، بأنواع القتل التي تفزع منها القلوب، وتقشعر منها الجلود، كالإحراق بالنار، كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العلا في زعمهم، والفوز الأكمل بعد الخروج من هذه الدار العاجلة.\nقلت: ويلحق بهؤلاء بعض غلاة الشيعة - الرافضة - الذين يجتمعون في اليوم العاشر من المحرم بمناسبة استشهاد الحسين بن علي ﵁ فيضربون أنفسهم بالحديد، والأخشاب، بدعوى الحزن كل ما تمر هذه المناسبة (١). وكذلك بعض المتصوفة الذين اختاروا لأنفسهم طريق التقشف، والعيش في الغابات والبراري وهم حفاة عراة، وكل ذلك قلدوا فيه طوائف الهندوك، والبوذيين ومن على شاكلتهم.\n٣ - ومثال ما يقع في النسل: ما ذكر من أنكحة الجاهلية التي كانت معهودة فيها، ومعمولًا بها، ومتخذة فيها كالدين المنتسب، والملة الجارية التي لا عهد بها في شريعة إبراهيم ﵇، ولا غيره، بل كانت من جملة ما اخترعوا وابتدعوا، وهو على أنواع، فقد روى البخاري عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:\n(الأول منها: نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته، أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.\nوالثاني: نكاح الاستبضاع. كالرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يبين حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا نكاح الاستبضاع.\nوالثالث: أن يجتمع الرهط ما دون العشرة، يدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع منهم رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، فتسمي من أحب باسمه فيلحق به ولدها فلا يستطيع أن يمتنع منه الرجل.\nالرابع: أن يجتمع الناس الكثيرون فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت أحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لها القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله نبيه ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم) (٢).\nقلت: ويلحق بهذا نكاح المتعة الذي حرمه الإسلام، كما دلت عليه السنة الصحيحة. ومع هذا فهو من أفضل الأنكحة عند الرافضة إلى اليوم.\n٤ - ومثال ما يقع في العقل: أن الشريعة بينت أن حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله، ولذلك قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥].\n_________\n(١) «مقتل الإمام الحسين وفتاوى العلماء الأعلام في تشجيع الشعائر» لمرتضى عياد (ص: ١٢ - ٤٠).\n(٢) الحديث رواه البخاري (٥١٢٧).","vol":"8","page":498},{"text":"وقال تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩]. وقال: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ [يوسف: ٤٠]، وأشباه ذلك من الآيات والأحاديث فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في الاستقلال بالتشريع، وأنه محسن ومقبح في دين الله، فابتدعوا في دين الله ما ليس منه. ومما لاشك فيه أن العقل يدرك الحسن والقبح في الجملة، لكنه لا يستقل بالحكم دون الشرع كما تقوله المعتزلة، ومن تحكيم العقل المجرد أن الخمر لما حرمت، ونزل من القرآن في شأن من مات قبل التحريم وهو يشربها. قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ [المائدة: ٩٣]. الآية. تأولها قوم - فيما ذكر - على أن الخمر حلال وأنها داخلة تحت قوله فِيمَا طَعِمُواْ فذكر إسماعيل بن إسحاق عن علي ﵁ قال: (شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، فقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا الآية: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ الآية. قال: فكتب فيهم إلى عمر، قال فكتب عمر إليه: أن ابعث بهم إليَّ قبل أن يفسدوا من قبلك، فلما قدموا إلى عمر استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين: نرى أنهم قد كذبوا على الله، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم، وعلي ﵁ ساكت، قال: فما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أن تستتيبهم فإن تابوا جلدتهم ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، فإنهم قد كذبوا على الله، وشرعوا في دين الله ما لم يأذن به. فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين) (١).\nفهؤلاء استحلوا بالتأويل ما حرم الله بنص الكتاب، وشهد فيهم علي ﵁ وغيره من الصحابة، بأنهم شرعوا في دين الله وهذه البدعة بعينها فهذا وجه.\nوأيضًا فإن بعض الفلاسفة الذين ظهروا بين المسلمين تأول فيها غير هذا وهو أنه إنما يشربها للنفع لا للهو، وعاهد الله على ذلك فكأنها عندهم من الأدوية النافعة، أو غذاء صالح يصلح لحفظ الصحة. ويحكى هذا العهد عن ابن سيناء (٢).\nقلت: وقد قلد ابن سيناء وغيره من الإباحيين كثير من الناس في هذا العصر بتعاطي المخدرات والمفترات والتي هي أخطر من الخمر في تأثيرها على الصحة، والعقل، والمال، والدين قبل كل شيء. يروجونها بدعوى أنها منشطة، ومنسية للهموم والأحزان، وهي لا تزيدهم إلا همًا وغمًا، كما قال فيها الشاعر: (وداوني بالتي كانت هي الداء) (٣). وإن كثيرًا من بلاد المسلمين تبيح قوانينها شرب الخمور، وتعاطيها دون حياء أو خجل أو خوف من الله ﷿. وقد صدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمرة، والمعازف» (٤).\nولو نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم لوجدنا أن هذه الأمور قد استحلت، بل يعطى أصحابها تراخيص رسمية بموجب القانون. ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nومما له تأثير على العقل أيضًا أن بعض المبتدعة تحولوا في ذكرهم لله إلى حالة من الرقص والغناء مصحوبة بآلات الطرب واللهو، فربما رقصوا بدعوى الذكر حتى تغيب عقولهم، ويصيبهم الزار، فيقعون على الأرض، ويزعمون أنهم سكروا في حب الله عندما تذهب عقولهم تحت تأثير هذا الرقص والغناء. فإنا لله وإنا إليه راجعون.\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة (٦/ ٥٠٣).\n(٢) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٣٩ - ٤٦).\n(٣) وهو عجز بيت لأبي نواس صدره: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ..\n(٤) رواه البخاري (٥٥٩٠). من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.","vol":"8","page":499},{"text":"٥ - ومثال ما يقع في المال أن الكفار قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥]. فإنهم لما استحلوا العمل به احتجوا بقياس فاسد، فقالوا: إذا فسخ العشرة التي اشترى بها إلى شهر في خمسة عشر إلى شهرين، فهو كما لو باع بخمسة عشر إلى شهرين فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم فقال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥]، ليس البيع مثل الربا. فهذه محدثة أخذوا بها مستندين إلى رأي فاسد، فكان من جملة المحدثات كسائر ما أحدثوه في البيوع الجارية بينهم المبنية على الخطر والغرر (١).\nقال علي محفوظ في كتابه الإبداع في مضار الابتداع ردًا على من قاس الربا على البيع في الحل بعد أن أورد كلام الشاطبي.\nوحاصله: (أن ما ذكرتم قياس فاسد الوضع، لوقوعه في مقابلة النص، على أن بينهما فارقًا، وهو أن من باع ثوبًا مثلًا قيمته عشرة في الحال بأحد عشر، فإنه أخذ الزائد بغير عوض، ولا يمكن جعل الإمهال عوضًا. لأنه ليس بمال حتى يكون في مقابلة الزائد. وهذا عين الربا لأنه زيادة لا يقابلها عوض في معاوضة مالية) (٢).\nقلت: وقد كثر الدعاة لإباحة الربا في هذا الزمان، ومما يؤسف له أن يكون بعض الناعقين بالدعوة إلى حله ممن يظن أنهم من أهل العلم، فقد صرحوا بإباحته على المنابر، وعبر وسائل الإعلام، متجاهلين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لعلل واهية، وتمحلات اخترعوها من بنيات أفكارهم، احتيالًا على تحليل ما حرم الله، وهذا شأن اليهود فإنهم عندما حرم الله عليهم لحوم الميتة أخذوا شحومها فجملوها - أي أذابوها - فباعوها فأكلوا ثمنها.\nفقد روى البخاري ومسلم عن جابر ﵁:\nأنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام. ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه» (٣).\nكما ظهر في هذا الزمان كثير من الحيل بقصد ابتزاز أموال الناس وأكلها بالباطل مثل ما يسمى باليانصيب وغيره، من ألوان القمار، وكثير مما يجري في البورصات، والأسواق العالمية من الحيل، والمؤامرات، ناهيك عن انتشار البنوك الربوية في شتى بلاد العالم الإسلامي في كل مدينة وقرية. فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nوخلاصة القول إن البدع كلها حرام، وتتفاوت رتبها في دائرة الحرام، فمنها ما هو كفر صراح، ومنها ما هو مشكوك في كفر صاحبه، ومنها ما هو معصية لا يكفر صاحبها بلا نزاع، ومنها ما هو مكروه، وقد فصلنا أمثلة ذلك في أول الفصل.\nهذا ويجدر بنا ... أن ننبه إلى أن ما يجري عليه حكم المكروه من البدع، لا يعني به كراهية التنزيه، وقد نبه على ذلك الإمام الشاطبي ﵀.\n_________\n(١) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٤٧ - ٤٨).\n(٢) «الإبداع في مضار الابتداع» لعلي محفوظ (ص: ١٥١).\n(٣) رواه البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١).","vol":"8","page":500},{"text":"فإن إطلاق المكروه على ما هو مكروه تنزيهًا اصطلاح للمتأخرين لم يعرف عن المتقدمين من السلف، فلم يقولوا فيما لا حرج فيه إنه مكروه، ولم يكن شأنهم أن يقولوا فيما لا نص فيه هذا حلال وهذا حرام، لئلا يكونوا ممن قال الله تعالى فيهم: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النحل: ١١٦ - ١١٧].\nوإنما كانوا يقولون فيه هذا مكروه، أو أكره هذا، أولا أستحب هذا (١). وما أشار إليه الشاطبي هنا: من استعمال السلف لفظ المكروه بمعنى الحرام هو ما وضحه ابن القيم حيث بين أن في استعمال القرآن والسنة ما يشير إلى هذا كقوله تعالى: وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى [الإسراء: ٣٢]. وقوله: وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ [الأنعام: ١٥٢]. وقول الرسول ﷺ: «إن الله كره لكم قيل وقال ...» (٢) إلخ.\nومما يدل على أن البدع إذا عبر عنها بالكراهة فإنه يقصد بها كراهة التحريم هو ورود النهي عن البدع على وجه واحد، ونسبتها إلى الضلال على كل حال، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإننا إذا تأملنا حقيقة البدعة - جلت أو خفيت - وجدناها مخالفة للمكروه من المنهيات مخالفة تامة. فمرتكب المكروه يفعله متكلًا على العفو اللازم فيه، ورفع الحرج الثابت في الشريعة له. كما أن اعتقاده غير متزحزح، فهو يعتقد المكروه مكروهًا والحرام حرامًا، ثم إنه يرى ترك المكروه أولى في حقه من الفعل، ويود لو لم يفعل، وعلى كل فطمعه في الإقلاع عن هذا المكروه، والتخلص من الوقوع فيه لا ينقطع.\nأما مرتكب أدنى البدع فإنه يعد ما دخل فيه حسنًا، بل يراه أولى مما حد له الشارع، ويزعم أن طريقه أهدى سبيلًا، ونحلته أولى بالأتباع، فهو يفعل ما يخالف، ولا يستشعر سوء ما يفعل، ويندر أن يتحرك قلبه نحو التوبة مما هو واقع فيه (٣).\nوعلى كل حال فالبدعة لها أمران:\nأحدهما: أنها مضادة للشارع ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفي بما حد له.\nوالثاني: أن كل بدعة - وإن قلت - تشريع زائد، أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقًا بما هو مشروع فيكون قادحًا في المشروع (٤). ولذلك فإن البدع مع كونها محرمة فهي في أعلى درجات المحرم، وتكاد كلها أن تكون كبائر، فإن التشريع الزائد، أو الناقص، أو تغيير الأصل لو لم يكن بناء على اجتهاد خاطئ، أو تأويل غير مقبول لكان كفرًا، وكل ما ذكر في شأن البدعة وما ورد فيها من الذم يرجح ذلك.\n\nتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي بتصرف - ص٢١٥\n_________\n(١) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٤٧).\n(٢) رواه البخاري (٢٤٠٨) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. ومسلم (١٧١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٤٨).\n(٤) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٥٢).","vol":"8","page":501}]}